Lafzullah

Tafsir Abi Al-Suaood — آل عمران 3:1 – آل عمران 3:163

المؤلف / المصدر: Tafsir Abi Al-Suaood

المحتويات
  1. آل عمران 3:1
  2. آل عمران 3:2
  3. آل عمران 3:3
  4. آل عمران 3:4
  5. آل عمران 3:5
  6. آل عمران 3:6
  7. آل عمران 3:7
  8. آل عمران 3:8
  9. آل عمران 3:9
  10. آل عمران 3:10
  11. آل عمران 3:11
  12. آل عمران 3:12
  13. آل عمران 3:13
  14. آل عمران 3:14
  15. آل عمران 3:15
  16. آل عمران 3:16
  17. آل عمران 3:17
  18. آل عمران 3:18
  19. آل عمران 3:19
  20. آل عمران 3:20
  21. آل عمران 3:21
  22. آل عمران 3:22
  23. آل عمران 3:23
  24. آل عمران 3:24
  25. آل عمران 3:25
  26. آل عمران 3:26
  27. آل عمران 3:27
  28. آل عمران 3:28
  29. آل عمران 3:29
  30. آل عمران 3:30
  31. آل عمران 3:31
  32. آل عمران 3:32
  33. آل عمران 3:33
  34. آل عمران 3:34
  35. آل عمران 3:35
  36. آل عمران 3:36
  37. آل عمران 3:37
  38. آل عمران 3:38
  39. آل عمران 3:39
  40. آل عمران 3:40
  41. آل عمران 3:41
  42. آل عمران 3:42
  43. آل عمران 3:43
  44. آل عمران 3:44
  45. آل عمران 3:45
  46. آل عمران 3:46
  47. آل عمران 3:47
  48. آل عمران 3:48
  49. آل عمران 3:49
  50. آل عمران 3:50
  51. آل عمران 3:51
  52. آل عمران 3:52
  53. آل عمران 3:53
  54. آل عمران 3:54
  55. آل عمران 3:55
  56. آل عمران 3:56
  57. آل عمران 3:57
  58. آل عمران 3:58
  59. آل عمران 3:59
  60. آل عمران 3:60
  61. آل عمران 3:61
  62. آل عمران 3:62
  63. آل عمران 3:63
  64. آل عمران 3:64
  65. آل عمران 3:65
  66. آل عمران 3:66
  67. آل عمران 3:67
  68. آل عمران 3:68
  69. آل عمران 3:69
  70. آل عمران 3:70
  71. آل عمران 3:71
  72. آل عمران 3:72
  73. آل عمران 3:73
  74. آل عمران 3:74
  75. آل عمران 3:75
  76. آل عمران 3:76
  77. آل عمران 3:77
  78. آل عمران 3:78
  79. آل عمران 3:79
  80. آل عمران 3:80
  81. آل عمران 3:81
  82. آل عمران 3:82
  83. آل عمران 3:83
  84. آل عمران 3:84
  85. آل عمران 3:85
  86. آل عمران 3:86
  87. آل عمران 3:87
  88. آل عمران 3:88
  89. آل عمران 3:89
  90. آل عمران 3:90
  91. آل عمران 3:91
  92. آل عمران 3:92
  93. آل عمران 3:93
  94. آل عمران 3:94
  95. آل عمران 3:95
  96. آل عمران 3:96
  97. آل عمران 3:97
  98. آل عمران 3:98
  99. آل عمران 3:99
  100. آل عمران 3:100
  101. آل عمران 3:101
  102. آل عمران 3:102
  103. آل عمران 3:103
  104. آل عمران 3:104
  105. آل عمران 3:105
  106. آل عمران 3:106
  107. آل عمران 3:107
  108. آل عمران 3:108
  109. آل عمران 3:109
  110. آل عمران 3:110
  111. آل عمران 3:111
  112. آل عمران 3:112
  113. آل عمران 3:113
  114. آل عمران 3:114
  115. آل عمران 3:115
  116. آل عمران 3:116
  117. آل عمران 3:117
  118. آل عمران 3:118
  119. آل عمران 3:119
  120. آل عمران 3:120
  121. آل عمران 3:121
  122. آل عمران 3:122
  123. آل عمران 3:123
  124. آل عمران 3:124
  125. آل عمران 3:125
  126. آل عمران 3:126
  127. آل عمران 3:127
  128. آل عمران 3:128
  129. آل عمران 3:129
  130. آل عمران 3:130
  131. آل عمران 3:131
  132. آل عمران 3:132
  133. آل عمران 3:133
  134. آل عمران 3:134
  135. آل عمران 3:135
  136. آل عمران 3:136
  137. آل عمران 3:137
  138. آل عمران 3:138
  139. آل عمران 3:139
  140. آل عمران 3:140
  141. آل عمران 3:141
  142. آل عمران 3:142
  143. آل عمران 3:143
  144. آل عمران 3:144
  145. آل عمران 3:145
  146. آل عمران 3:146
  147. آل عمران 3:147
  148. آل عمران 3:148
  149. آل عمران 3:149
  150. آل عمران 3:150
  151. آل عمران 3:151
  152. آل عمران 3:152
  153. آل عمران 3:153
  154. آل عمران 3:154
  155. آل عمران 3:155
  156. آل عمران 3:156
  157. آل عمران 3:157
  158. آل عمران 3:158
  159. آل عمران 3:159
  160. آل عمران 3:160
  161. آل عمران 3:161
  162. آل عمران 3:162
  163. آل عمران 3:163

آل عمران 3:1

(p-2)(سُورَةُ آلِ عِمْرانَ مَدَنِيَّةٌ وهي مِائَتا آيَةٍ) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ قَدْ سَلَفَ أنَّ ما لا تَكُونُ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدَةً كَصادَ، وقافَ، ونُونَ ولا مُوازِنَةً لِمُفْرَدٍ كَحامِيمَ، وطاسِينَ، وياسِينَ المُوازِنَةِ لِقابِيلَ، وهابِيلَ، وكَطاسِينَ مِيمٌ المُوازِنَةُ لِدارًا بِجِرْدَ حَسْبَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ، فَطَرِيقُ التَّلَفُّظِ بِها الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةَ الأعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءً جُعِلَتْ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ وإنْ لَزِمَها التِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ قَطْعًَا، فَحَقُّ هَذِهِ الفاتِحَةِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها ثُمَّ يُبْدَأ بِما بَعْدَها كَما فَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوايَةً عَنْ عاصِمٍ، وأمّا ما فِيها مِنَ الفَتْحِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَإنَّما هي حَرَكَةُ هَمْزَةِ الجَلالَةِ أُلْقِيَتْ عَلى المِيمِ لِتَدُلَّ عَلى ثُبُوتِها إذْ لَيْسَ إسْقاطُها لِلدَّرْجِ بَلْ لِلتَّخْفِيفِ فَهي بِبَقاءِ حَرَكَتِها في حُكْمِ الثّابِتِ المُبْتَدَإ بِهِ والمِيمُ بِكَوْنِ الحَرَكَةِ لِغَيْرِها في حُكْمِ الوَقْفِ عَلى السُّكُونِ دُونَ الحَرَكَةِ كَما تُوُهِّمَ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ في الكَلامِ. وقِيلَ: هي حَرَكَةٌ لِالتِقاءِ السَّواكِنِ الَّتِي هي الياءُ والمِيمُ ولامُ الجَلالَةِ بَعْدَ سُقُوطِ هَمْزَتِها. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ سُقُوطَها مَبْنِيٌّ عَلى وُقُوعِها في الدَّرْجِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ سُكُونَ المِيمِ وقْفِيٌّ مُوجِبٌ لِانْقِطاعِها عَمّا بَعْدَها مُسْتَدْعٍ لِثَباتِ الهَمْزَةِ عَلى حالِها، لا كَما في الحُرُوفِ والأسْماءِ المَبْنِيَّةِ عَلى السُّكُونِ فَإنَّ حَقَّها الِاتِّصالُ بِما بَعْدَها وضْعًَا واسْتِعْمالًَا فَتُسْقَطُ بِها هَمْزَةُ الوَصْلِ وتُحَرَّكُ أعْجازُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ثُمَّ إنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَسائِرِ الفَواتِحِ، وإنْ جُعِلَتِ اسْمًَا لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وإمّا النَّصْبُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَلِيقُ بِالمَقامِ ذَكِّرْ أوِ اقْرَأْ أوْ نَحْوِهِما، وأمّا الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ أوِ النَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ القَسَمِ أوِ الجَرِّ بِتَقْدِيرِ حَرْفِهِ، فَلا مَساغَ لِشَيْءٍ مِنها لِما أنَّ ما بَعْدَها غَيْرُ صالِحٍ لِلْخَبَرِيَّةِ ولا لِلْإقْسامِ عَلَيْهِ فَإنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْمَعْبُودِيَّةِ لا غَيْرَ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لَهُ أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الحَيُّ القَيُّومُ لا غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَإ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مِنَ الخَبَرِ الأوَّلِ أوْ هو الخَبَرُ وما قَبْلَهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَإ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ أوْ حالٌ مِنهُ وأيًَّا ما كانَ؛ فَهو كالدَّلِيلِ عَلى اخْتِصاصِ اسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِما مَرَّ مِن أنَّ مَعْنى الحىِّ: الباقِي الَّذِي لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَوْتِ والفَناءِ، ومَعْنى القَيُّومِ: الدّائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ، ومِن ضَرُورَةِ اخْتِصاصِ ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ بِهِ تَعالى اخْتِصاصُ اسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ تَعالى لِاسْتِحالَةِ (p-3)تَحَقُّقِهِ بِدُونِهِما، وقَدْ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في ثَلاثِ سُوَرٍ، في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وفي آلِ عِمْرانَ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وفي طَهَ ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ "» . ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ قالَ: الحىُّ، القَيُّومُ. ويُرْوى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا أرادَ إحْياءَ المَوْتى يَدْعُو: "يا حَيُّ يا قَيُّومُ". ويُقالُ: إنَّ آصَفَ بْنَ بَرْخِيا - حِينَ أتى بِعَرْشِ بِلْقِيسَ - دَعا بِذَلِكَ، وقُرِئَ الحَيُّ القَيّامُ، وهَذا رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَبًَّا فَإنَّهُ رُوِيَ «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانُوا سِتِّينَ راكِبًَا فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًَا مِن أشْرافِهِمْ، ثَلاثَةٌ مِنهم أكابِرُ إلَيْهِمْ يَئُولُ أمْرُهم أحَدُهم أمِيرُهم وصاحِبُ مَشُورَتِهِمُ العاقِبُ واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، وثانِيهِمْ وزِيرُهم ومُشِيرُهُمُ السَّيِّدُ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وثالِثُهم حَبْرُهم وأُسْقُفُهم وصاحِبُ مَدارِسِهِمْ أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وقَدْ كانَ مُلُوكُ الرُّومِ شَرَّفُوهُ ومَوَّلُوهُ وأكْرَمُوهُ لِما شاهَدُوا مِن عِلْمِهِ واجْتِهادِهِ في دِينِهِمْ وبَنَوْا لَهُ كَنائِسَ، فَلَمّا خَرَجُوا مِن نَجْرانَ رَكِبَ أبُو حارِثَةَ بَغْلَتَهُ وكانَ أخُوهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ إلى جَنْبِهِ، فَبَيْنا بَغْلَةُ أبِي حارِثَةَ تَسِيرُ إذْ عَثَرَتْ، فَقالَ كُرْزٌ: تَعْسًَا لِلْأبْعَدِ، يُرِيدُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ أبُو حارِثَةَ: بَلْ تَعِسَتْ أُمُّكَ، فَقالَ كُرْزٌ: ولِمَ يا أخِي، قالَ: إنَّهُ واللَّهِ النَّبِيُّ الَّذِي كُنّا نَنْتَظِرُهُ، فَقالَ لَهُ كُرْزٌ: فَما يَمْنَعُكَ عَنْهُ وأنْتَ تَعْلَمُ هَذا؟! قالَ: لِأنَّ هَؤُلاءِ المُلُوكَ أعْطَوْنا أمْوالًَا كَثِيرَةً وأكْرَمُونا، فَلَوْ آمَنّا بِهِ لَأخَذُوا مِنّا كُلَّها، فَوَقَعَ ذَلِكَ في قَلْبِ كُرْزٍ وأضْمَرَهُ إلى أنْ أسْلَمَ، فَكانَ يُحَدِّثُ بِذَلِكَ. فَأتَوُا المَدِينَةَ ثُمَّ دَخَلُوا مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ عَلَيْهِمْ ثِيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرْدِيَةٌ فاخِرَةٌ، يَقُولُ بَعْضُ مَن رَآهم مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ما رَأيْنا وفْدًَا مِثْلَهُمْ، وقَدْ حانَتْ صَلاتُهم فَقامُوا لِيُصَلُّوا في المَسْجِدِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: دَعُوهُمْ، فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: تارَةً عِيسى هو اللَّهُ لِأنَّهُ كانَ يُحْيِي المَوْتى، ويُبْرِئُ الأسْقامَ، ويُخْبِرُ بِالغُيُوبِ، ويَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَطِيرُ، وتارَةً أُخْرى: هو ابْنُ اللَّهِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ يُعْلَمُ، وتارَةً أُخْرى: إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: "فَعَلْنا وقُلْنا"، ولَوْ كانَ واحِدًَا لَقالَ: "فَعَلْتُ وقُلْتُ"، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أسْلِمُوا، قالُوا: أسْلَمْنا قَبْلَكَ، قالَ ﷺ: كَذَبْتُمْ، يَمْنَعُكم مِنَ الإسْلامِ دُعاؤُكم لِلَّهِ تَعالى ولَدًَا، قالُوا: إنْ لَمْ يَكُنْ ولَدًَا لِلَّهِ، فَمَن أبُوهُ؟ فَقالَ ﷺ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ ولَدٌ إلّا ويُشْبِهُ أباهُ؟ فَقالُوا: بَلى، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا حَيٌّ لا يَمُوتُ، وأنَّ عِيسى يَأْتِي عَلَيْهِ الفَناءُ؟ قالُوا: بَلى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا قَيُّومٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَحْفَظُهُ ويَرْزُقُهُ؟ قالُوا: بَلى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسى مِن ذَلِكَ شَيْئًَا؟ قالُوا: لا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ؟ قالُوا: بَلى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسى مِن ذَلِكَ إلّا ما عَلِمَ؟ قالُوا: بَلى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا صَوَّرَ عِيسى في الرَّحِمِ كَيْفَ شاءَ، وأنَّ رَبَّنا لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا يُحْدِثُ؟ قالُوا: بَلى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَما تَحْمِلُ المَرْأةُ، ووَضَعَتْهُ كَما تَضَعُ المَرْأةُ ولَدَها، ثُمَّ غُذِّيَ كَما يُغَذّى الصَّبِيُّ، ثُمَّ كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، ويَشْرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ قالُوا: بَلى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا كَما زَعَمْتُمْ؟! فَسَكَتُوا وأبَوْا إلّا جُحُودًَا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً، تَقْرِيرًَا لِما احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ وأجابَ (p-4)بِهِ عَنْ شُبَهِهِمْ، وتَحْقِيقًَا لِلْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ.»

آل عمران 3:2

(p-2)(سُورَةُ آلِ عِمْرانَ مَدَنِيَّةٌ وهي مِائَتا آيَةٍ) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ قَدْ سَلَفَ أنَّ ما لا تَكُونُ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدَةً كَصادَ، وقافَ، ونُونَ ولا مُوازِنَةً لِمُفْرَدٍ كَحامِيمَ، وطاسِينَ، وياسِينَ المُوازِنَةِ لِقابِيلَ، وهابِيلَ، وكَطاسِينَ مِيمٌ المُوازِنَةُ لِدارًا بِجِرْدَ حَسْبَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ، فَطَرِيقُ التَّلَفُّظِ بِها الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةَ الأعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءً جُعِلَتْ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ وإنْ لَزِمَها التِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ قَطْعًَا، فَحَقُّ هَذِهِ الفاتِحَةِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها ثُمَّ يُبْدَأ بِما بَعْدَها كَما فَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوايَةً عَنْ عاصِمٍ، وأمّا ما فِيها مِنَ الفَتْحِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَإنَّما هي حَرَكَةُ هَمْزَةِ الجَلالَةِ أُلْقِيَتْ عَلى المِيمِ لِتَدُلَّ عَلى ثُبُوتِها إذْ لَيْسَ إسْقاطُها لِلدَّرْجِ بَلْ لِلتَّخْفِيفِ فَهي بِبَقاءِ حَرَكَتِها في حُكْمِ الثّابِتِ المُبْتَدَإ بِهِ والمِيمُ بِكَوْنِ الحَرَكَةِ لِغَيْرِها في حُكْمِ الوَقْفِ عَلى السُّكُونِ دُونَ الحَرَكَةِ كَما تُوُهِّمَ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ في الكَلامِ. وقِيلَ: هي حَرَكَةٌ لِالتِقاءِ السَّواكِنِ الَّتِي هي الياءُ والمِيمُ ولامُ الجَلالَةِ بَعْدَ سُقُوطِ هَمْزَتِها. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ سُقُوطَها مَبْنِيٌّ عَلى وُقُوعِها في الدَّرْجِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ سُكُونَ المِيمِ وقْفِيٌّ مُوجِبٌ لِانْقِطاعِها عَمّا بَعْدَها مُسْتَدْعٍ لِثَباتِ الهَمْزَةِ عَلى حالِها، لا كَما في الحُرُوفِ والأسْماءِ المَبْنِيَّةِ عَلى السُّكُونِ فَإنَّ حَقَّها الِاتِّصالُ بِما بَعْدَها وضْعًَا واسْتِعْمالًَا فَتُسْقَطُ بِها هَمْزَةُ الوَصْلِ وتُحَرَّكُ أعْجازُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ثُمَّ إنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَسائِرِ الفَواتِحِ، وإنْ جُعِلَتِ اسْمًَا لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وإمّا النَّصْبُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَلِيقُ بِالمَقامِ ذَكِّرْ أوِ اقْرَأْ أوْ نَحْوِهِما، وأمّا الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ أوِ النَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ القَسَمِ أوِ الجَرِّ بِتَقْدِيرِ حَرْفِهِ، فَلا مَساغَ لِشَيْءٍ مِنها لِما أنَّ ما بَعْدَها غَيْرُ صالِحٍ لِلْخَبَرِيَّةِ ولا لِلْإقْسامِ عَلَيْهِ فَإنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْمَعْبُودِيَّةِ لا غَيْرَ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لَهُ أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الحَيُّ القَيُّومُ لا غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَإ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مِنَ الخَبَرِ الأوَّلِ أوْ هو الخَبَرُ وما قَبْلَهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَإ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ أوْ حالٌ مِنهُ وأيًَّا ما كانَ؛ فَهو كالدَّلِيلِ عَلى اخْتِصاصِ اسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِما مَرَّ مِن أنَّ مَعْنى الحىِّ: الباقِي الَّذِي لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَوْتِ والفَناءِ، ومَعْنى القَيُّومِ: الدّائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ، ومِن ضَرُورَةِ اخْتِصاصِ ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ بِهِ تَعالى اخْتِصاصُ اسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ تَعالى لِاسْتِحالَةِ (p-3)تَحَقُّقِهِ بِدُونِهِما، وقَدْ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في ثَلاثِ سُوَرٍ، في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وفي آلِ عِمْرانَ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وفي طَهَ ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ "» . ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ قالَ: الحىُّ، القَيُّومُ. ويُرْوى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا أرادَ إحْياءَ المَوْتى يَدْعُو: "يا حَيُّ يا قَيُّومُ". ويُقالُ: إنَّ آصَفَ بْنَ بَرْخِيا - حِينَ أتى بِعَرْشِ بِلْقِيسَ - دَعا بِذَلِكَ، وقُرِئَ الحَيُّ القَيّامُ، وهَذا رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَبًَّا فَإنَّهُ رُوِيَ «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانُوا سِتِّينَ راكِبًَا فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًَا مِن أشْرافِهِمْ، ثَلاثَةٌ مِنهم أكابِرُ إلَيْهِمْ يَئُولُ أمْرُهم أحَدُهم أمِيرُهم وصاحِبُ مَشُورَتِهِمُ العاقِبُ واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، وثانِيهِمْ وزِيرُهم ومُشِيرُهُمُ السَّيِّدُ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وثالِثُهم حَبْرُهم وأُسْقُفُهم وصاحِبُ مَدارِسِهِمْ أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وقَدْ كانَ مُلُوكُ الرُّومِ شَرَّفُوهُ ومَوَّلُوهُ وأكْرَمُوهُ لِما شاهَدُوا مِن عِلْمِهِ واجْتِهادِهِ في دِينِهِمْ وبَنَوْا لَهُ كَنائِسَ، فَلَمّا خَرَجُوا مِن نَجْرانَ رَكِبَ أبُو حارِثَةَ بَغْلَتَهُ وكانَ أخُوهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ إلى جَنْبِهِ، فَبَيْنا بَغْلَةُ أبِي حارِثَةَ تَسِيرُ إذْ عَثَرَتْ، فَقالَ كُرْزٌ: تَعْسًَا لِلْأبْعَدِ، يُرِيدُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ أبُو حارِثَةَ: بَلْ تَعِسَتْ أُمُّكَ، فَقالَ كُرْزٌ: ولِمَ يا أخِي، قالَ: إنَّهُ واللَّهِ النَّبِيُّ الَّذِي كُنّا نَنْتَظِرُهُ، فَقالَ لَهُ كُرْزٌ: فَما يَمْنَعُكَ عَنْهُ وأنْتَ تَعْلَمُ هَذا؟! قالَ: لِأنَّ هَؤُلاءِ المُلُوكَ أعْطَوْنا أمْوالًَا كَثِيرَةً وأكْرَمُونا، فَلَوْ آمَنّا بِهِ لَأخَذُوا مِنّا كُلَّها، فَوَقَعَ ذَلِكَ في قَلْبِ كُرْزٍ وأضْمَرَهُ إلى أنْ أسْلَمَ، فَكانَ يُحَدِّثُ بِذَلِكَ. فَأتَوُا المَدِينَةَ ثُمَّ دَخَلُوا مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ عَلَيْهِمْ ثِيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرْدِيَةٌ فاخِرَةٌ، يَقُولُ بَعْضُ مَن رَآهم مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ما رَأيْنا وفْدًَا مِثْلَهُمْ، وقَدْ حانَتْ صَلاتُهم فَقامُوا لِيُصَلُّوا في المَسْجِدِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: دَعُوهُمْ، فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: تارَةً عِيسى هو اللَّهُ لِأنَّهُ كانَ يُحْيِي المَوْتى، ويُبْرِئُ الأسْقامَ، ويُخْبِرُ بِالغُيُوبِ، ويَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَطِيرُ، وتارَةً أُخْرى: هو ابْنُ اللَّهِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ يُعْلَمُ، وتارَةً أُخْرى: إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: "فَعَلْنا وقُلْنا"، ولَوْ كانَ واحِدًَا لَقالَ: "فَعَلْتُ وقُلْتُ"، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أسْلِمُوا، قالُوا: أسْلَمْنا قَبْلَكَ، قالَ ﷺ: كَذَبْتُمْ، يَمْنَعُكم مِنَ الإسْلامِ دُعاؤُكم لِلَّهِ تَعالى ولَدًَا، قالُوا: إنْ لَمْ يَكُنْ ولَدًَا لِلَّهِ، فَمَن أبُوهُ؟ فَقالَ ﷺ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ ولَدٌ إلّا ويُشْبِهُ أباهُ؟ فَقالُوا: بَلى، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا حَيٌّ لا يَمُوتُ، وأنَّ عِيسى يَأْتِي عَلَيْهِ الفَناءُ؟ قالُوا: بَلى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا قَيُّومٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَحْفَظُهُ ويَرْزُقُهُ؟ قالُوا: بَلى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسى مِن ذَلِكَ شَيْئًَا؟ قالُوا: لا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ؟ قالُوا: بَلى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسى مِن ذَلِكَ إلّا ما عَلِمَ؟ قالُوا: بَلى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا صَوَّرَ عِيسى في الرَّحِمِ كَيْفَ شاءَ، وأنَّ رَبَّنا لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا يُحْدِثُ؟ قالُوا: بَلى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَما تَحْمِلُ المَرْأةُ، ووَضَعَتْهُ كَما تَضَعُ المَرْأةُ ولَدَها، ثُمَّ غُذِّيَ كَما يُغَذّى الصَّبِيُّ، ثُمَّ كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، ويَشْرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ قالُوا: بَلى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا كَما زَعَمْتُمْ؟! فَسَكَتُوا وأبَوْا إلّا جُحُودًَا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً، تَقْرِيرًَا لِما احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ وأجابَ (p-4)بِهِ عَنْ شُبَهِهِمْ، وتَحْقِيقًَا لِلْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ.»

آل عمران 3:3

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القرآن. عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الجِنْسِ إيذانًَا بِكَمالِ تَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في حِيازَةِ كَمالاتِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الكِتابِ دُونَ ما عَداهُ، كَما يَلُوحُ بِهِ التَّصْرِيحُ بِاسْمَيِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّنْجِيمِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المَفْعُولِ لِما مَرَّ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ عَنِ الاسْمِ الجَلِيلِ أوْ هي الخَبَرُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اعْتِراضٌ أوْ حالٌ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ كَما مَرَّ. وقُرِئَ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، ورَفْعِ الكِتابِ، فالظّاهِرُ حِينَئِذٍ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنِفَةً، وقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُها خَبَرًَا بِحَذْفِ العائِدِ، أيْ: نَزَلَ الكِتابُ مِن عِنْدِهِ. ﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، أيْ: نَزَّلَهُ مُحِقًَّا في تَنْزِيلِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ أوْ مُلْتَبِسًَا بِالعَدْلِ في أحْكامِهِ أوْ بِالصِّدْقِ في أخْبارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خَبَرُ التَّوْحِيدِ وما يَلِيهِ، وفي وعْدِهِ ووَعِيدِهِ أوْ بِما يُحَقِّقُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الحُجَجِ البَيِّنَةِ. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ بِالِاتِّفاقِ، عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ حالًَا مِن فاعِلِ نَزَّلَ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ حالِيَّتِهِ مِنَ الكِتابِ، فَهو عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الحالِ بِلا عَطْفٍ ولا بَدَلِيَّةٍ حالٌ مِنهُ بَعْدَ حالٍ، وأمّا عِنْدَ مَن يَمْنَعُهُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ حالٌ مِن مَحَلِّ الحالِ الأُولى عَلى البَدَلِيَّةِ. وقِيلَ: مِنَ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَمَّلُ ضَمِيرًَا لِقِيامِهِ مَقامَ عامِلِهِ المُتَحَمِّلِ لَهُ، فَيَكُونُ حالًَا مُتَداخِلَةً، وعَلى كُلِّ حالٍ فَهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ وفائِدَةُ تَقْيِيدِ التَّنْزِيلِ بِها حَثُّ أهْلِ الكِتابَيْنِ عَلى الإيمان بالمُنَزَّلِ وتَنْبِيهُهم عَلى وُجُوبِهِ، فَإنَّ الإيمان بالمُصَدَّقِ مُوجِبٌ لِلْإيمانِ بِما يُصَدِّقُهُ حَتْمًَا. ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مَفْعُولٌ لِمُصَدِّقًَا، واللّامُ دِعامَةٌ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ نَحْوُ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾، أيْ: مُصَدِّقًَا لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى حُضُورِها، وكَمالِ ظُهُورِ أمْرِها بَيْنَ النّاسِ، وتَصْدِيقِهِ إيّاها في الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، وتَنْزِيهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ، والأمْرِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وكَذا في أنْباءِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ الخالِيَةِ، وكَذا في نُزُولِهِ عَلى النَّعْتِ المَذْكُورِ فِيها، وكَذا في الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والأعْصارِ، ظاهِرٌ لا رَيْبَ فِيهِ، وأمّا في الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلافِهِما فَمِن حَيْثُ أنَّ أحْكامَ كُلِّ واحِدٍ مِنها وارِدَةٌ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى خُصُوصِيّاتِ الأُمَمِ المُكَلَّفَةِ بِها مُشْتَمِلَةً عَلى المَصالِحِ اللّائِقَةِ بِشَأْنِهِمْ. ﴿وَأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ تَعْيِينٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وتَبْيِينٌ لِرِفْعَةِ مَحَلِّهِ، تَأْكِيدًَا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًَا لِما بَعْدَهُ، إذْ بِذَلِكَ يَتَرَقّى شَأْنُ ما يُصَدِّقُهُ رِفْعَةً ونَباهَةً، ويَزْدادُ في القُلُوبِ قَبُولًَا ومَهابَةً، ويَتَفاحَشُ حالُ مَن كَفَرَ بِهِما في الشَّناعَةِ، واسْتِتْباعِ ما سَيُذْكَرُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ والِانْتِقامِ، أيْ: أنْزَلَهُما جُمْلَةً عَلى مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرا لِأنَّ الكَلامَ في الكِتابَيْنِ لا فِيمَن أُنْزِلا عَلَيْهِ، وهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، الأوَّلُ: عِبْرِيٌّ، والثّانِي: سُرْيانِيٌّ. ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ الإنْجِيلِ، فَإنَّ إفْعِيلَ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِ، والتَّصَدِّي لِاشْتِقاقِهِما مِنَ الوَرى والنَّجْلِ تَعَسُّفٌ.

آل عمران 3:4

﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلَ، (p-5)أيْ: أنْزَلَهُما مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الكِتابِ، والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في البَيانِ. ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِلْإنْزالِ، أيْ: أنْزَلَهُما لِهِدايَةِ النّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُما، أيْ: أنْزَلَهُما حالَ كَوْنِهِما هُدىً لَهم. والإفْرادُ لِما أنَّهُ مَصْدَرٌ جُعِلا نَفْسَ الهُدى مُبالَغَةً أوْ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ، أيْ: ذَوَيْ هُدىً، ثُمَّ إنْ أُرِيدَ هِدايَتُهُما بِجَمِيعِ ما فِيهِما مِن حَيْثُ هو جَمِيعٌ، فالمُرادُ بِالنّاسِ الأُمَمُ الماضِيَةُ مِن حِينِ نُزُولِهِما إلى زَمانِ نَسْخِهِما، وإنْ أُرِيدَ هِدايَتُهُما عَلى الإطْلاقِ - وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ - فالنّاسُ عَلى عُمُومِهِ لِما أنَّ هِدايَتَهُما بِما عَدَّ الشَّرائِعَ المَنسُوخَةَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُصَدِّقُهُما القرآن فِيها ومِن جُمْلَتِها البِشارَةُ بِنُزُولِهِ وبِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ تَعُمُّ النّاسَ قاطِبَةً. ﴿وَأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ "الفُرْقانُ" في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، أُطْلِقَ عَلى الفاعِلِ مُبالَغَةً، والمُرادُ بِهِ: هَهُنا: إمّا جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، عُبِّرَ عَنْها بِوَصْفٍ شامِلٍ لِما ذَكَرَ مِنها وما لَمْ يَذْكُرْ عَلى طَرِيقِ التَّتْمِيمِ بِالتَّعْمِيمِ إثْرَ تَخْصِيصِ بَعْضِ مَشاهِيرِها بِالذِّكْرِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفاكِهَةٍ﴾، وإمّا نَفْسُ الكُتُبِ المَذْكُورَةِ أُعِيدَ ذِكْرُها بِوَصْفٍ خاصٍّ لَمْ يُذْكَرْ فِيما سَبَقَ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ بِتَكْرِيرِ لَفْظِ الإنْزالِ، تَنْزِيلًَا لِلتَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ و إمّا الزَّبُورُ، فَإنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى المَواعِظِ الفارِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، الدّاعِيَةِ إلى الخَيْرِ والرَّشادِ، الزّاجِرَةِ عَنِ الشَّرِّ والفَسادِ، وتَقْدِيمُ الإنْجِيلِ عَلَيْهِ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنْهُ نُزُولًَا لِقُوَّةِ مُناسَبَتِهِ لِلتَّوْراةِ في الِاشْتِمالِ عَلى الأحْكامِ والشَّرائِعِ، وشُيُوعِ اقْتِرانِهِما في الذِّكْرِ، و إمّا القرآن نَفْسُهُ، ذُكِرَ بِنَعْتٍ مادِحٍ لَهُ بَعْدَ ما ذُكِرَ بِاسْمِ الجِنْسِ تَعْظِيمًَا لِشَأْنِهِ، ورَفْعًَا لِمَكانِهِ، وقَدْ بَيَّنَ أوَّلًَا تَنْزِيلَهُ التَّدْرِيجِيَّ إلى الأرْضِ، وثانِيًَا إنْزالَهُ الدُّفَعِيَّ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، أوْ أُرِيدَ بِإنْزالِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ العارِي عَنْ قَيْدِ التَّدْرِيجِ وعَدَمِهِ، و إمّا المُعْجِزاتُ المَقْرُونَةُ بِإنْزالِ الكُتُبِ المَذْكُورَةِ الفارِقَةِ بَيْنَ المُحَقِّ والمُبْطَلِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى ما فُصِّلَ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ أوْ مِنها، ومِنَ المُعْجِزاتِ وآياتٍ مُضافَةٍ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ تَعْيِينًَا لِحَيْثِيَّةِ كُفْرِهِمْ، وتَهْوِيلًَا لِأمْرِهِمْ، وتَأْكِيدًَا لِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الشَّدِيدَ، وإيذانًَا بِأنَّ ذَلِكَ الِاسْتِحْقاقَ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ الكُفْرُ بِالكُلِّ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ الكُفْرُ بِبَعْضٍ مِنها، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ: إمّا أهْلُ الكِتابَيْنِ وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المُحاجَّةِ مَعَهم أوْ جِنْسُ الكَفَرَةِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، أيْ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما ذُكِرَ مِن آياتِ اللَّهِ النّاطِقَةِ بِالحَقِّ، لاسِيَّما بِتَوْحِيدِهِ تَعالى وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ، كُلًَّا أوْبَعْضًَا مَعَ ما بِها مِنَ النُّعُوتِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِها بِأنْ كَذَّبُوا بِالقرآن أصالَةً وبِسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ تَبَعًَا، لِما أنَّ تَكْذِيبَ المُصَدِّقِ مُوجِبٌ لِتَكْذِيبِ ما يُصَدِّقُهُ حَتْمًَا وأصالَةً أيْضًَا بِأنْ كَذَّبُوا بِآياتِها النّاطِقَةِ بِالتَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ، وآياتِها المُبَشِّرَةِ بِنُزُولِ القرآن ومَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وغَيَّرُوها. ﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِها. ﴿عَذابٌ﴾ مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: أيُّ عَذابٍ. ﴿شَدِيدٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ وهو وعِيدٌ جِئَ بِهِ إثْرَ تَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ الذّاتِيِّ والوَصْفِيِّ والإشارَةِ إلى ما يَنْطِقُ بِذَلِكَ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ حَمْلًَا عَلى القَبُولِ والإذْعانِ وزَجْرًَا عَنِ الكُفْرِ والعِصْيانِ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ لا يُغالَبُ، يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ. ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ عَظِيمٍ، خارِجٍ عَنْ أفْرادِ جِنْسِهِ وهو افْتِعالٌ مِنَ النِّقْمَةِ وهي السَّطْوَةُ والتَّسَلُّطُ، يُقالُ: انْتَقَمَ مِنهُ: إذا عاقَبَهُ بِجِنايَتِهِ. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِلْوَعِيدِ (p-6)وَمُؤَكِّدٌ لَهُ.

آل عمران 3:5

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرض ولا في السَّماءِ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ سِيقَ لِبَيانِ سَعَةِ علمه تعالى، وإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ ما في العالَمِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الكُفْرِ والفُسُوقِ سِرًَّا وجَهْرًَا إثْرَ بَيانِ كَمالِ قدرته وعِزَّتِهِ، تَرْبِيَةً لِما قَبْلَهُ مِنَ الوَعِيدِ وتَنْبِيهًَا عَلى أنَّ الوُقُوفَ عَلى بَعْضِ المُغَيَّباتِ، كَما كانَ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَعْزِلٍ مِن بُلُوغِ رُتْبَةِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما ذُكِرَ بِعَدَمِ خَفائِهِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرض ولا في السَّماءِ﴾ إيذانًَا بِأنَّ علمه تعالى بِمَعْلُوماتِهِ - وإنْ كانَتْ في أقْصى الغاياتِ الخَفِيَّةِ - لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهٍ يُمْكِنُ أنْ يُقارِنَهُ شائِبَةُ خَفاءٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كَما في عُلُومِ المَخْلُوقِينَ، بَلْ هو في غايَةِ الوُضُوحِ والجَلاءِ. والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ خَبَرُ لِإنَّ، وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، وكَلِمَةُ في مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ مُؤَكِّدَةٌ لِعُمُومِهِ المُسْتَفادِ مِن وُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما، كائِنٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْرارِ فِيهِما أوِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يَخْفى" وإنَّما عَبَّرَ بِهِما عَنْ كُلِّ العالَمِ لِأنَّهُما قُطْراهُ، وتَقْدِيمُ الأرْضِ عَلى السَّماءِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ أحْوالِ أهْلِها، وتَوْسِيطُ حَرْفِ النَّفْيِ بَيْنَهُما لِلدِّلالَةِ عَلى التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى بِاعْتِبارِ القُرْبِ والبُعْدِ مِنّا المُسْتَدْعِيَيْنِ لِلتَّفاوُتِ بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُومِنا.

آل عمران 3:6

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ، ناطِقَةٌ بِبَعْضِ أحْكامِ قَيُّومِيَّتِهِ تَعالى، وجَرَيانِ أحْوالِ الخَلْقِ في أطْوارِ الوُجُودِ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ مُقَرِّرَةً لِكَمالِ عِلْمِهِ مَعَ زِيادَةِ بَيانٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالأشْياءِ قَبْلَ دُخُولِها تَحْتَ الوُجُودِ ضَرُورَةَ وُجُوبِ علمه تعالى بِالصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى التَّصْوِيرِ المُتَرَتِّبِ عَلى المَشِيئَةِ قَبْلَ تَحَقُّقِها بِمَراتِبَ، وكَلِمَةُ في مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يُصَوِّرُكُمْ" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، أيْ: يُصَوِّرُكم وأنْتُمْ في الأرْحامِ مُضَغٌ. و "كَيْفَ" مَعْمُولٌ لِ يَشاءُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، إمّا مِن فاعِلِ يُصَوِّرُكُمْ، أيْ: يُصَوِّرُكم كائِنًَا عَلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، أيْ: مُرِيدًَا أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: يُصَوِّرُكم كائِنِينَ عَلى مَشِيئَتِهِ تَعالى تابِعِينَ لَها في قَبُولِ الأحْوالِ المُتَغايِرَةِ مِن كَوْنِكم نُطَفًَا ثُمَّ عَلَقًَا ثُمَّ مُضَغًَا غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ ثُمَّ مُخَلَّقَةً، وفي الِاتِّصافِ بِالصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ مِنَ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ والحُسْنِ والقُبْحِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى بُطْلانِ زَعْمِ مَن زَعَمَ رُبُوبِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو مِن جُمْلَةِ أبْناءِ النَّواسِيتِ المُتَقَلِّبِينَ في هَذِهِ الأطْوارِ عَلى مَشِيئَةِ البارِي عَزَّ وجَلَّ، وكَمالِ رَكاكَةِ عُقُولِهِمْ ما لا يَخْفى. وقُرِئَ "تَصَوَّرَكُمْ" عَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: صَوَّرَكم لِنَفْسِهِ وعِبادَتِهِ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إذْ لا يَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ مِنَ الشُّؤُونِ العَظِيمَةِ الخاصَّةِ بِالأُلُوهِيَّةِ أحَدٌ لِيُتَوَهَّمَ أُلُوهِيَّتُهُ. ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ المُتَناهِي في القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، ولِذَلِكَ يَخْلُقُكم عَلى ما ذَكَرَ مِنَ النَّمَطِ البَدِيعِ.

آل عمران 3:7

(p-7)﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ شُرُوعٌ في إبْطالِ شُبَهِهِمُ النّاشِئَةِ عَمّا نَطَقَ بِهِ القرآن في نَعْتِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ الربوبية ومَناطِها بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى تارَةً بَعْدَ أُخْرى، وكَوْنِ كُلِّ مَن عَداهُ مَقْهُورًَا تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تابِعًَا لِمَشِيئَتِهِ. قِيلَ: «إنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ألَسْتَ تَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحٌ مِنهُ؟ قالَ ﷺ: بَلى، قالُوا: فَحَسْبُنا ذَلِكَ.» فَنَعى عَلَيْهِمْ زَيْغَهم وفِتْنَتَهُمْ، وبَيَّنَ أنَّ الكِتابَ مُؤَسَّسٌ عَلى أُصُولٍ رَصِينَةٍ وفُرُوعٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَيْها ناطِقَةٍ بِالحَقِّ قاضِيَةٍ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ. والمُرادُ بِـ"الإنْزالِ": القَدْرُ المُشْتَرَكُ المُجَرَّدُ عَنِ الدِّلالَةِ عَلى قَيْدِ التَّدْرِيجِ وعَدَمِهِ، ولامُ الكِتابِ لِلْعَهْدِ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَيْهِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما قَبْلُ مِنَ الاعْتِناءِ بِشَأْنِ بِشارَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَشْرِيفِ الإنْزالِ عَلَيْهِ، ومِنَ التَّشْوِيقِ إلى ما أُنْزِلَ. فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ -لا سِيَّما بَعْدَ الإشْعارِ بِرِفْعَةِ شَأْنِهِ أوْ بِمَنفَعَتِهِ - تَبْقى مُتَرَقِّبَةً لَهُ، فَيَتَمَكَّنُ لَدَيْها عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ ولِيَتَّصِلَ بِهِ تَقْسِيمُهُ إلى قِسْمَيْهِ. ﴿مِنهُ آياتٌ﴾ الظَّرْفُ خَبَرٌ، وآياتٌ مُبْتَدَأٌ أوْ بِالعَكْسِ، بِتَأْوِيلٍ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ الآيَةُ. والأوَّلُ أوْفَقُ بِقَواعِدِ الصِّناعَةِ. والثّانِي أدْخَلُ في جَزالَةِ المَعْنى، إذِ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ انْقِسامُ الكِتابِ إلى القِسْمَيْنِ المَعْهُودَيْنِ لا كَوْنَهُما مِنَ الكِتابِ فَتَذَكَّرْ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكِتابِ، أيْ: هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ كائِنًَا عَلى هَذِهِ الحالِ، أيْ: مُنْقَسِمًَا إلى مُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، أوِ الظَّرْفُ هو الحالُ وحْدَهُ، وآياتٌ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. ﴿مُحْكَماتٌ﴾ صِفَةُ آياتٌ، أيْ: قَطْعِيَّةُ الدِّلالَةِ عَلى المَعْنى، المُرادُ: مُحْكَمَةُ العِبارَةِ مَحْفُوظَةٌ مِنَ الاحْتِمالِ والِاشْتِباهِ. ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ أيْ: أصْلٌ فِيهِ وعُمْدَةٌ يُرَدُّ إلَيْها غَيْرُها، فالمُرادُ بِالكِتابِ: كُلُّهُ، والإضافَةُ بِمَعْنى فِي، كَما في واحِدِ العَشْرَةِ لا بِمَعْنى اللّامِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى كَوْنِ الكِتابِ عِبارَةً عَمّا عَدا المُحْكَماتِ، والجُمْلَةُ إمّا صِفَةٌ لِما قَبْلَها أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ، وإنَّما أفْرَدَ الأُمَّ مَعَ تَعَدُّدِ الآياتِ لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ أصْلِيَّةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، أوْ بَيانُ أنَّ الكُلَّ بِمَنزِلَةِ آيَةٍ واحِدَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وقِيلَ: اكْتُفِيَ بِالمُفْرَدِ عَنِ الجَمْعِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ بِها جِيَفُ الحَصْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ أيْ: وأمّا جُلُودُها. ﴿وَأُخَرُ﴾ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى آياتٌ، أيْ: وآياتٌ أُخَرُ، وهي جَمْعُ "أُخْرى"، وإنَّما لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ وصْفٌ مَعْدُولٌ عَنِ الآخَرِ أوْ عَنْ آخَرٍ. ** مِن ﴿مُتَشابِهاتٌ﴾ صِفَةٌ لِ أُخَرُ، وفي الحَقِيقَةِ صِفَةٌ لِلْمَحْذُوفِ، أيْ: مُحْتَمِلاتٌ لِمَعانٍ مُتَشابِهَةٍ لا يَمْتازُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ في اسْتِحْقاقِ الإرادَةِ بِها، ولا يَتَّضِحُ الأمْرُ إلّا بِالنَّظَرِ الدَّقِيقِ والتَّأمُّلِ الأنِيقِ، فالتَّشابُهُ في الحَقِيقَةِ وصْفٌ لِتِلْكَ المَعانِي وصَفَ بِهِ الآياتِ عَلى طَرِيقَةِ وصْفِ الدّالِّ بِوَصْفِ المَدْلُولِ، وقِيلَ: لَمّا كانَ مِن شَأْنِ الأُمُورِ المُتَشابِهَةِ أنْ يَعْجَزَ العَقْلُ عَنِ التَّمْيِيزِ بَيْنَها، سُمِّيَ كُلُّ ما لا يَهْتَدِي إلَيْهِ العَقْلُ مُتَشابِهًَا، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسَبَبِ التَّشابُهِ، (p-8)كَما أنَّ المُشْكِلَ في الأصْلِ ما دَخَلَ في أشْكالِهِ وأمْثالِهِ ولَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ غامِضٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ غُمُوضُهُ مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وإنَّما جُعِلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِيَظْهَرَ فَضْلُ العُلَماءِ، ويَزْدادَ حِرْصُهم عَلى الِاجْتِهادِ في تَدَبُّرِها، وتَحْصِيلِ العُلُومِ الَّتِي نِيطَ بِها اسْتِنْباطُ ما أُرِيدَ بِها مِنَ الأحْكامِ الحَقَّةِ فَيَنالُوا بِها وبِإتْعابِ القَرائِحِ في اسْتِخْراجِ مَقاصِدِها الرّائِفَةِ ومَعانِيها اللّائِقَةِ المَدارِجَ العالِيَةَ، ويُعَرِّجُوا بِالتَّوْفِيقِ بَيْنَها وبَيْنَ المُحْكَماتِ مِنَ اليَقِينِ، والِاطْمِئْنانِ إلى المَعارِجِ القاصِيَةِ. وأمّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ فَمَعْناهُ: أنَّها حُفِظَتْ مِنِ اعْتِراءِ الخَلَلِ أوْ مِنَ النَّسْخِ، أوْ أُيِّدَتْ بِالحُجَجِ القاطِعَةِ الدّالَّةِ عَلى حَقِّيَّتِها، أوْ جُعِلَتْ حَكِيمَةً لِانْطِوائِها عَلى جَلائِلِ الحِكَمِ البالِغَةِ ودَقائِقِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ مَعْناهُ: مُتَشابِهُ الأجْزاءِ، أيْ: يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضًَا في صِحَّةِ المَعْنى وجَزالَةِ النَّظْمِ وحَقِّيَّةِ المَدْلُولِ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أيْ: مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ إلى الأهْواءِ الباطِلَةِ. قالَ الرّاغِبُ: الزَّيْغُ المَيْلُ عَنِ الاسْتِقامَةِ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ. وفي جَعْلِ قُلُوبِهِمْ مَقَرًَّا لِلزَّيْغِ مُبالَغَةٌ في عُدُولِهِمْ عَنْ سُنَنِ الرَّشادِ، وإصْرارِهِمْ عَلى الشَّرِّ والفَسادِ. ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ مُعْرِضِينَ عَنِ المُحْكَماتِ، أيْ: يَتَعَلَّقُونَ بِظاهِرِ المُتَشابِهِ مِنَ الكِتابِ أوْ بِتَأْوِيلٍ باطِلٍ لا تَحَرِّيًَا لِلْحَقِّ بَعْدَ الإيمانِ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ أيْ: طَلَبَ أنْ يَفْتِنُوُا النّاسَ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّشْكِيكِ والتَّلْبِيسِ ومُناقَضَةِ المُحْكَمِ بِالمُتَشابِهِ كَما نُقِلَ عَنِ الوَفْدِ. ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: وطَلَبَ أنْ يُأوِّلُوهُ حَسْبَما يَشْتَهُونَهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ، والحالُ أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِن تِلْكَ الرُّتْبَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ فَإنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرٍ، فَيَتَّبِعُونَ بِاعْتِبارِ العِلَّةِ الأخِيرَةِ، أيْ: يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ لِابْتِغاءِ تَأْوِيلِهِ، والحالُ أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ تَعالى وبِمَن وفَّقَهُ لَهُ مِن عِبادِهِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ، أيِ: الَّذِينَ ثَبَتُوا وتَمَكَّنُوا فِيهِ ولَمْ يَتَزَلْزَلُوا في مَزالِّ الأقْدامِ في تَعْلِيلِ الِاتِّباعِ بِابْتِغاءِ تَأْوِيلِهِ دُونَ نَفْسِ تَأْوِيلِهِ وتَجْرِيدِ التَّأْوِيلِ عَنِ الوَصْفِ بِالصِّحَّةِ أوِ الحَقِّيَّةِ، إيذانًَا بِأنَّهم لَيْسُوا مِنَ التَّأْوِيلِ في شَيْءٍ، وأنَّ ما يَبْتَغُونَهُ لَيْسَ بِتَأْوِيلٍ أصْلًَا لا أنَّهُ تَأْوِيلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ قَدْ يُعْذَرُ صاحِبُهُ، ومَن وقَفَ عَلى ﴿إلا اللَّهُ﴾ فَسَّرَ المُتَشابِهَ بِما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ عَزَّ وعَلا بِعِلْمِهِ، كَمُدَّةِ بَقاءِ الدُّنْيا و وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ وخَواصِّ الأعْدادِ كَعَدَدِ الزَّبانِيَةِ أوْ بِما دَلَّ القاطِعُ عَلى عَدَمِ إرادَةِ ظاهِرِهِ، ولَمْ يَدُلَّ عَلى ما هو المُرادُ بِهِ ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ أيْ: بِالمُتَشابِهِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِإيمانِهِمْ بِالمُحْكَمِ لِظُهُورِهِ أوْ بِالكِتابِ، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ مُوَضِّحٌ لِحالِ الرّاسِخِينَ أوْ حالٌ مِنهُ، وعَلى الثّانِي خَبَرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والرّاسِخُونَ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ مِن تَمامِ المَقُولِ، مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ومُؤَكِّدٌ لَهُ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُ ومِنَ المُحْكَمِ، أوْ كُلُّ واحِدٍ مِن مُتَشابِهِهِ ومُحْكَمِهِ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِهِ تَعالى لا مُخالَفَةَ بَيْنَهُما، أوْ آمَنّا بِهِ وبِحَقِّيَّتِهِ عَلى مُرادِهِ تَعالى. ﴿وَما يَذَّكَّرُ﴾ حَقَّ التَّذَكُّرِ. ﴿إلا أُولُو الألباب﴾ أيِ: العُقُولِ الخالِصَةِ عَنِ الرُّكُونِ إلى الأهْواءِ الزّائِغَةِ، وهو تَذْيِيلٌ سِيقَ مِن جِهَتِهِ تَعالى مَدْحًَا لِلرّاسِخِينَ بِجَوْدَةِ الذِّهْنِ وحُسْنِ النَّظَرِ، وإشارَةً إلى ما بِهِ اسْتَعَدُّوا لِلِاهْتِداءِ إلى تَأْوِيلِهِ مِن تَجَرُّدِ العَقْلِ عَنْ غَواشِي الحِسِّ. وتَعَلُّقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّها جَوابٌ عَمّا تَشَبَّثَ بِهِ النَّصارى مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، وسَيَجِئُ الجَوابُ المُفَصَّلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .

آل عمران 3:8

(p-9)﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ مِن تَمامِ مَقالَةِ الرّاسِخِينَ، أيْ: لا تُزِغْ قُلُوبَنا عَنْ نَهْجِ الحَقِّ إلى اتِّباعِ المُتَشابِهِ بِتَأْوِيلٍ لا تَرْتَضِيهِ، قالَ ﷺ: « "قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ إنْ شاءَ أقامَهُ عَلى الحَقِّ وإنْ شاءَ أزاغَهُ عَنْهُ".» وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَبْلُنا بِبَلايا تَزِيغُ فِيها قُلُوبُنا. ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ أيْ: إلى الحَقِّ والتَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ، أوْ إلى الإيمان بالقِسْمَيْنِ. و"بَعْدَ" نُصِبَ بِ "لا تُزِغْ" عَلى الظَّرْفِ، و "إذْ" في مَحَلِّ الجَرِّ بِإضافَتِهِ إلَيْهِ خارِجًَا مِنَ الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: بَعْدَ وقْتِ هِدايَتِكَ إيّانا وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى أنْ. ﴿وَهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ﴾ كِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِـ "هَبْ"، وتَقْدِيمُ الأوَّلِ لِما مَرَّ مِرارًَا، ويَجُوزُ تَعَلُّقُ الثّانِي بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: كائِنَةٌ مِن لَدُنْكَ، و "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ المَجازِيَّةِ، و"لَدُنْ" في الأصْلِ ظَرْفٌ بِمَعْنى أوَّلِ غايَةِ زَمانٍ أوْ مَكانٍ أوْ غَيْرِهِما مِنَ الذَّواتِ، نَحْوِ: "مِن لَدُنْ زَيْدٍ"، ولَيْسَتْ مُرادِفَةً لِـ "عِنْدَ" إذْ قَدْ تَكُونُ فَضْلَةً وكَذا لَدى، وبَعْضُهم يَخُصُّها بِظَرْفِ المَكانِ، وتُضافُ إلى صَرِيحِ الزَّمانِ كَما في قَوْلِهِ: ؎ تَنْتَفِضُ الرَّعْدَةُ في ظُهَيْرِي ∗∗∗ مِن لَدُنِ الظُّهْرِ إلى العُصَيْرِ وَلا تُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ بِحالٍ، و أكْثَرُ ما تُضافُ إلى المُفْرَداتِ، وقَدْ تُضافُ إلى أنْ وصِلَتِها، كَما في قَوْلِهِ: ؎ ولَمْ تَقْطَعْ أصْلًَا مِن لَدُنْ أنْ ولِيتَنا ∗∗∗ قَرابَةَ ذِي رَحِمٍ ولا حَقَّ مُسْلِمِ أيْ: مِن لَدُنْ وِلايَتِكَ إيّانا، وقَدْ تُضافُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ: تَذَكَّرْ نُعْماهُ لَدُنْ أنْتَ يافِعُ وَإلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ أيْضًَا كَما في قَوْلِهِ: ؎ لَزِمْنا لَدُنْ سالَمْتُمُونا وفاتَكم ∗∗∗ فَلا يَكُ مِنكم لِلْخِلافِ جُنُوحُ وَقَلَّما تَخْلُو عَنْ "مِن" كَما في البَيْتَيْنِ الأخِيرَيْنِ. ﴿رَحْمَةً﴾ واسِعَةً، تُزْلِفُنا إلَيْكَ ونَفُوزُ بِها عِنْدَكَ أوْ تَوْفِيقًَا لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عَنِ الجارَّيْنِ لِما مَرَّ مِرارًَا مِنَ الاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لِوُرُودِهِ، لاسِيَّما عِنْدَ الإشْعارِ بِكَوْنِهِ مِنَ المَنافِعِ بِاللّامِ، فَإذا أوْرَدَهُ يَتَمَكَّنُ عِنْدَها فَضْلَ تَمَكُّنٍ. ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلسُّؤالِ أوْ لِإعْطاءِ المَسْؤُولِ، و "أنْتَ" إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ فَصْلٌ أوْ تَأْكِيدٌ لِاسْمِ إنَّ، و إطْلاقُ الوَهّابِ لِيَتَناوَلَ كُلَّ مَوْهُوبٍ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِن قِبَلِهِ تَعالى، وأنَّهُ مُتَفَضِّلٌ بِما يُنْعِمُ بِهِ عَلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

آل عمران 3:9

﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ أيِ: الحِسابِ يَوْمَ أوِ الجَزاءِ يَوْمَ، حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ مَقامَهُ المُضافُ إلَيْهِ تَهْوِيلًَا لَهُ وتَفْظِيعًَا لِما يَقَعُ فِيهِ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في وُقُوعِهِ ووُقُوعِ ما فِيهِ مِنَ الحَشْرِ والحِسابِ والجَزاءِ، ومَقْصُودُهم بِهَذا عَرْضُ كَمالِ افْتِقارِهِمْ إلى الرَّحْمَةِ، وأنَّها المَقْصِدُ الأسْنى عِنْدَهُمْ، و التَّأْكِيدُ لِإظْهارِ ما هم عَلَيْهِ مِن كَمالِ الطُّمَأْنِينَةِ وقُوَّةِ اليَقِينِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ، أوْ لِانْتِفاءِ الرَّيْبِ والتَّأْكِيدِ لِما مَرَّ، و إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ الِالتِفاتِ لِإبْرازِ كَمالِ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ النّاشِئِ مِن ذِكْرِ اليَوْمِ المَهِيبِ الهائِلِ، بِخِلافِ ما في آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ فَإنَّهُ مَقامُ طَلَبِ الإنْعامِ كَما سَيَأْتِي و لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْإخْلافِ وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَسُوقَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَقْرِيرِ قَوْلِ الرّاسِخِينَ. و "المِيعادُ" مَصْدَرٌ، كالمِيقاتِ واسْتَدَلَّ بِهِ الوَعِيدِيَّةُ، (p-10)وَأُجِيبُ بِأنَّ وعِيدَ الفُسّاقِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ بِدَلائِلَ مُفَصَّلَةٍ كَما هو مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ وِفاقًَا.

آل عمران 3:10

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إثْرَ ما بَيَّنَ الدِّينَ الحَقَّ والتَّوْحِيدَ، وذَكَرَ أحْوالَ الكُتُبِ النّاطِقَةِ بِهِ وشَرَحَ شَأْنَ القرآن العَظِيمِ وكَيْفِيَّةَ إيمانِ العُلَماءِ الرّاسِخِينَ بِهِ، شَرَعَ في بَيانِ حالِ مَن كَفَرَ بِهِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ جِنْسُ الكَفَرَةِ الشّامِلُ لِجَمِيعِ الأصْنافِ، وقِيلَ: وفْدُ نَجْرانَ أوِ اليَهُودُ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لَنْ تَنْفَعَهُمْ، وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ و بِسُكُونِ الياءِ جِدًَّا في اسْتِثْقالِ الحَرَكَةِ عَلى حُرُوفِ اللِّينِ. ﴿أمْوالُهُمْ﴾ الَّتِي يَبْذُلُونَها في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ. ﴿وَلا أوْلادُهُمْ﴾ الَّذِينَ بِهِمْ يَنْتَصِرُونَ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ وعَلَيْهِمْ يُعَوِّلُونَ في الخُطُوبِ المُلِمَّةِ، وتَأْخِيرُ الأوْلادِ عَنِ الأمْوالِ مَعَ تَوْسِيطِ حَرْفِ النَّفْيِ بَيْنَهُما إمّا لِعَراقَةِ الأوْلادِ في كَشْفِ الكُرُوبِ،أوْ لِأنَّ الأمْوالَ أوَّلُ عُدَّةٍ يُفْزَعُ إلَيْها عِنْدَ نُزُولِ الخُطُوبِ. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مِن عَذابِهِ تَعالى. ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًَا مِنَ الإغْنِياءِ، وقِيلَ: كَلِمَةُ "مِن" بِمَعْنى البَدَلِ، والمَعْنى: بَدَلَ رَحْمَةِ اللَّهِ أوْ بَدَلَ طاعَتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ أيْ: بَدَلَ الحَقِّ ومِنهُ قَوْلُهُ: "وَلا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ"، أيْ: لا يَنْفَعُهُ جَدُّهُ بَدَلَكَ، أيْ: بَدَلَ رَحْمَتِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ احْتِمالَ سَدِّ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ مَسَدَّ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ طاعَتِهِ مِمّا لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ حَتّى يُتَصَدّى لِنَفْيِهِ، والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِتَفْظِيعِ حالِ الكَفَرَةِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِمْ، والأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المُتَّصِفُونَ بِالكُفْرِ: حَطَبُ النّارِ وحَصَبُها الَّذِي تُسَعَّرُ بِهِ، فَإنْ أُرِيدَ بَيانُ حالِهِمْ عِنْدَ التَّسْعِيرِ فَإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدِّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الأمْرِ وتَقَرُّرِهِ، وإلّا فَهو لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقِيقَةَ حالِهِمْ ذَلِكَ وأنَّ أحْوالَهُمُ الظّاهِرَةَ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَهم حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا وقُودُ النّارِ بِأعْيانِهِمْ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ مُلابَسَتِهِمْ بِالنّارِ ما لا يَخْفى، و "هُمْ" يَحْتَمِلُ الِابْتِداءَ، وأنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الفَصْلِ، و الجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِعَدَمِ الإغْنِياءِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ إنَّ، و أيًَّا ما كانَ؛ فَفِيها تَعْيِينٌ لِلْعَذابِ الَّذِي بَيَّنَ أنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم لا تُغْنِي عَنْهم مِنهُ شَيْئًَا. وقُرِئَ "وُقُودُ النّارِ" بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، أيْ: أهْلُ وقُودِها.

آل عمران 3:11

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ "الدَّأْبُ": مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ إذا كَدَحَ فِيهِ وتَعِبَ، غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في مَعْنى الشَّأْنِ والحالِ والعادَةِ، ومَحَلُّ "الكافِ" الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَدْ جُوِّزَ النَّصْبُ بِـ ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ أوْ بِـ "الوَقُودِ"، أيْ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم كَما لَمْ تُغْنِ عَنْ أُولَئِكَ أوْ تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ كَما تُوقَدُ بِهِمْ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ المَذْكُورَ في تَفْسِيرِ الدَّأْبِ إنَّما هو التَّكْذِيبُ والأخْذُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَمِ الإغْناءِ، لاسِيَّما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "مِن" بِمَعْنى البَدَلِ كَما هو رَأْيُ المُجَوِّزِ، ولا لِإيقادِ النّارِ فَيُحْمَلُ عَلى التَّعْلِيلِ وهو خِلافُ (p-11)الظّاهِرِ عَلى أنَّهُ يَلْزَمُ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالأجْنَبِيِّ عَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ بِـ "لَنْ تُغْنِيَ" وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ إلّا أنْ يُجْعَلَ اسْتِئْنافًَا مَعْطُوفًَا عَلى خَبَرِ إنَّ، فالوَجْهُ هو الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، أيْ: دَأْبُ هَؤُلاءِ في الكُفْرِ وعَدَمِ النَّجاةِ مِن أخْذِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ. ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ، فالمَوْصُولُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَطْفًَا عَلى ما قَبْلَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلُوا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ المَبْنِيِّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ دَأْبُهُمْ؟ فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِآياتِنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فُعِلَ بِهِمْ، أيْ: فَأخَذَهُمُ اللَّهُ وعاقَبَهم ولَمْ يَجِدُوا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى مَحِيصًَا، فَدَأْبُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ أيْضًَا كَدَأْبِهِمْ، وقِيلَ: كَذَّبُوا إلَخْ: حالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ: دَأْبُ هَؤُلاءِ كَدَأْبِ أُولَئِكَ وقَدْ كَذَّبُوا إلَخْ، وأمّا كَوْنُهُ خَبَرًَا عَنِ المَوْصُولِ كَما قِيلَ: فَمِمّا يَذْهَبُ بِرَوْنَقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ أوَّلًَا لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، وإلى الغَيْبَةِ ثانِيًَا، بِإظْهارِ الجَلالَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ. ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ إنْ أُرِيدَ بِها تَكْذِيبُهم بِالآياتِ فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ جِيءَ بِها تَأْكِيدًَا لِما تُفِيدُهُ الفاءُ مِن سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، وإنْ أُرِيدَ بِها سائِرُ ذُنُوبِهِمْ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ جِيءَ بِها لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ لَهم ذُنُوبًَا أُخَرَ، أيْ: فَأخَذَهم مُلْتَبِسِينَ بِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ و "الذَّنْبُ" في الأصْلِ: التِّلْوُ والتّابِعُ، وسَمَّيَ الجَرِيمَةَ ذَنْبًَا لِأنَّها تَتْلُو، أيْ: تُتْبِعُ عِقابَها فاعِلَها. ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِنَ الأخْذِ وتَكْمِلَةٌ لَهُ.

آل عمران 3:12

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُرادُ بِهِمُ: اليَهُودُ، لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنْ يَهُودَ المَدِينَةِ لَمّا شاهَدُوا غَلَبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ قالُوا: واللَّهِ إنَّهُ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي بَشَّرَنا بِهِ مُوسى، وفي التَّوْراةِ نَعْتُهُ وهَمُّوا بِاتِّباعِهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَعْجَلُوا حَتّى نَنْظُرَ إلى واقِعَةٍ لَهُ أُخْرى، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ شَكُّوا، وقَدْ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ فَنَقَضُوهُ، وانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في سِتِّينَ راكِبًَا إلى أهْلِ مَكَّةَ فَأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ.» وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أصابَ قُرَيْشًَا بِبَدْرٍ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ، فَحَذَّرَهم أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِقُرَيْشٍ، فَقالُوا: لا يَغُرَّنَّكَ أنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًَا أغْمارًَا لا عِلْمَ لَهم بِالحَرْبِ فَأصَبْتَ مِنهم فُرْصَةً، لَئِنْ قاتَلْتَنا لَعَلِمْتَ أنّا نَحْنُ النّاسَ، فَنَزَلَتْ.» أيْ: قُلْ لَهم. ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ البَتَّةَ عَنْ قَرِيبٍ في الدُّنْيا، وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعْدَهُ بِقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ وفَتْحِ خَيْبَرَ وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى مَن عَداهُمْ، وهو مِن أوْضَحِ شَواهِدَ النُّبُوَّةِ. وأمّا ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ مِن أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ بَدْرٍ، وأنَّ المَوْصُولَ عِبارَةٌ عَنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ، ولِذَلِكَ قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: « "إنَّ اللَّهَ غالِبُكم وحاشِرُكم إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ"،» فَيُؤَدِّي إلى انْقِطاعِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَمّا بَعْدَها لِنُزُولِهِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ. ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ. ﴿إلى جَهَنَّمَ﴾ وقُرِئَ الفِعْلانِ بِالياءِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ بِأنْ يَحْكِيَ لَهم ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن وعِيدِهِمْ بِعِبارَتِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أدِّ إلَيْهِمْ هَذا القَوْلَ. ﴿وَبِئْسَ المِهادُ﴾ إمّا مِن تَمامِ ما يُقالُ لَهم أوِ اسْتِئْنافٌ لِتَهْوِيلِ جَهَنَّمَ وتَفْظِيعِ حالِ أهْلِها، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ (p-12)مَحْذُوفٌ، أيْ: وبِئْسَ المِهادُ جَهَنَّمُ أوْ ما مَهَدُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.

آل عمران 3:13

﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ وهو مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ وتَحْقِيقِهِ، والخِطابُ لِلْيَهُودِ أيْضًَا، والظَّرْفُ خَبَرُ كانَ عَلى أنَّها ناقِصَةٌ ولِتَوَسُّطِهِ بَيْنَها وبَيْنَ اسْمِها تُرِكَ التَّأْنِي، كَما في قَوْلِهِ: ؎ إنِ امْرَأً غَرَّهُ مِنكُنَّ واحِدَةٌ ∗∗∗ بَعْدِي وبَعْدَكَ في الدُّنْيا لَمَغْرُورُ عَلى أنَّ التَّأْنِيثَ هَهُنا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِكانَ عَلى أنَّها تامَّةٌ، وإنَّما قُدِّمَ عَلى فاعِلِها لِما مَرَّ مِرارًَا مِنَ الاعْتِناءِ بِما قُدِّمَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ، أيْ: واللَّهِ قَدْ كانَ لَكم أيُّها المُغْتَرُّونَ بِعَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ. ﴿آيَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ ما أقُولُ لَكم إنَّكم سَتُغْلَبُونَ. ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أيْ: فِرْقَتَيْنِ أوْ جَماعَتَيْنِ، فَإنَّ المَغْلُوبَةَ مِنهُما كانَتْ مُدِلَّةً بِكَثْرَتِها، مُعْجَبَةً بِعِزَّتِها، وقَدْ لَقِيَها ما لَقِيَها، فَسَيُصِيبُكم ما يُصِيبُكُمْ، ومَحَلُّ الظَّرْفِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَآيَةٍ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى خَبَرِيَّةِ "كانَ"، والظَّرْفُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن آيَةِ ﴿التَقَتا﴾ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِئَتَيْنِ، أيْ: تَلاقَتا بِالقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿فِئَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إحْداهُما فِئَةٌ، كَما في قَوْلِهِ: ؎ إذا مِتُّ كانَ النّاسُ حِزْبَيْنِ شامِتٌ ∗∗∗ وآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أصْنَعُ أيْ: أحَدُهُما شامِتٌ والآخَرُ مُثْنٍ. وقَوْلِهِ: ؎ حَتّى إذا ما اسْتَقَلَّ النَّجْمُ في غَلَسٍ ∗∗∗ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصُودُ والجُمْلَةُ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْها مُسْتَأْنِفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما في الفِئَتَيْنِ مِنَ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِئَةٍ كامِلَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فِئَةٌ مُؤْمِنَةٌ، ولَكِنْ ذُكِرَ مَكانَهُ مِن أحْكامِ الإيمانِ ما يَلِيقُ بِالمَقامِ مَدْحًَا لَهم واعْتِدادًَا بِقِتالِهِمْ وإيذانًَا بِأنَّهُ المَدارُ في تَحَقُّقِ الآيَةِ وهي رُؤْيَةُ القَلِيلِ كَثِيرًَا. وقُرِئَ "يُقاتِلُ" عَلى تَأوُّلِ الفِئَةِ بِالقَوْمِ أوِ الفَرِيقِ. ﴿وَأُخْرى﴾ نَعْتٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما حُذِفَ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، أيْ: وفِئَةٌ أُخْرى وإنَّما نُكِّرَتْ، والقِياسُ تَعْرِيفُها كَقَرِينَتِها لِوُضُوحِ أنَّ التَّفْرِيقَ لِنَفْسِ المُثَنّى المُقَدَّمِ ذِكْرُهُ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّعْرِيفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كافِرَةٌ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَإ المَحْذُوفِ، وإنَّما لَمْ تُوصَفْ هَذِهِ الفِئَةُ بِما يُقابِلُ صِفَةَ الفِئَةِ الأُولى إسْقاطًَا لِقِتالِهِمْ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ وإيذانًَا بِأنَّهم لَمْ يَتَصَدُّوا لِلْقِتالِ لِما اعْتَراهم مِنَ الرُّعْبِ والهَيْبَةِ، وقِيلَ: كُلٌّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "التَقَتا"، وما بَعْدَهُما صِفَةٌ فَلا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ عائِدٍ إلى المُبَدَلِ مِنهُ مُسَوِّغٍ لِوَصْفِ البَدَلِ بِالجُمْلَةِ العارِيَةِ عَنْ ضَمِيرِهِ، أيْ: فِئَةٌ مِنهُما تُقاتِلُ إلَخْ وفِئَةٌ أُخْرى كافِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُما خَبَرًَا، أيْ: فِئَةٌ مِنهُما تُقاتِلُ إلَخْ وفِئَةٌ أُخْرى كافِرَةٌ، وقِيلَ: كُلٌّ مِنهُما مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: مِنهُما فِئَةٌ تُقاتِلُ إلَخَّ. وقُرِئَ "فِئَةٍ" بِالجَرِّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن فِئَتَيْنِ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقَدْ مَرَّ أنَّهُ لا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى المُبْدَلِ مِنهُ ويُسَمّى بَدَلًَا تَفْصِيلِيًَّا، كَما في قَوْلِ كُثَيِّرِ عَزَّةَ: ؎ وكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورِجْلٍ رَمى فِيها الزَّمانُ فَشُلَّتِ وَقُرِئَ فِئَةً إلَخَّ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ أوِ الذَّمِّ أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ التَقَتا، كَأنَّهُ قِيلَ: التَقَتا مُؤْمِنَةً وكافِرَةً فَيَكُونُ فِئَةً وأُخْرى تَوْطِئَةً لِما هو الحالُ حَقِيقَةً، إذِ المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ: وصْفاهُما، كَما في قَوْلِكَ: "جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًَا صالِحًَا". ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ أيْ: يُرِي الفِئَةَ الأخِيرَةَ الفِئَةَ الأُولى وإيثارُ (p-13)صِيغَةِ الجَمْعِ لِلدِّلالَةِ عَلى شُمُولِ الرُّؤْيَةِ لِكُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِن آحادِ الفِئَةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلْفِئَةِ الأخِيرَةِ أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ الآيَةِ. ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِثْلَيْ عَدَدِ الرّائِينَ قَرِيبًَا مِن ألْفَيْنِ، إذْ كانُوا قَرِيبًَا مِن ألْفٍ كانُوا تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ مُقاتِلًَا، رَأسَهم عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وفِيهِمْ أبُو سُفْيانَ وأبُو جَهْلٍ، وكانَ فِيهِمْ مِنَ الخَيْلِ والإبِلِ مِائَةُ فَرَسٍ وسَبْعُمِائَةِ بَعِيرٍ، ومِن أصْنافِ الأسْلِحَةِ عَدَدٌ لا يُحْصى. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي الفُراتِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أوْسٍ أنَّهُ قالَ: أسَرَ المُشْرِكُونَ رَجُلًَا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَسَألُوهُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قالَ: ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، قالُوا: ما كُنّا نَراكم إلّا تُضَعِّفُونَ عَلَيْنا أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ المَرْئِيِّينَ، أيْ: سِتَّمِائَةٍ ونَيِّفًَا وعِشْرِينَ حَيْثُ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًَا سَبْعَةٌ وسَبْعُونَ رَجُلًَا مِنَ المُهاجِرِينَ، ومِائَتانِ وسِتَّةٌ وثَلاثُونَ مِنَ الأنْصارِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، وكانَ صاحِبَ رايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُهاجِرِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وصاحِبَ رايَةِ الأنْصارِ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ الخَزْرَجِيُّ، وكانَ في العَسْكَرِ تِسْعُونَ بَعِيرًَا وفَرَسانِ أحَدُهُما لِلْمِقْدادِ بْنِ عَمْرِوٍ، والآخَرُ لِمَرْثَدِ بْنِ أبِي مَرْثَدٍ، وسِتُّ أدْرُعٍ وثَمانِيَةُ سُيُوفٍ، و جَمِيعُ مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًَا سِتَّةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وثَمانِيَةٌ مِنَ الأنْصارِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، أراهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَذَلِكَ مَعَ قِلَّتِهِمْ لِيَهابُوهم ويَجْبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ مَدَدًَا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ، كَما أمَدَّهم بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ التِقاءِ الفِئَتَيْنِ بَعْدَ أنْ قَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ عِنْدَ تَرائِيهِما، لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ ولا يَهْرَبُوا مِن أوَّلِ الأمْرِ حِينَ يُنْجِيهِمُ الهَرَبُ. وقِيلَ: يُرِي الفِئَةَ الأُولى الفِئَةَ الأخِيرَةَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ لِيَثْبُتُوا ويَطْمَئِنُّوا بِالنَّصْرِ المَوْعُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ والأوَّلُ هو الأوْلى، لِأنَّ رُؤْيَةَ المِثْلَيْنِ غَيْرَ المُتَعَيِّنَةِ مِن جانِبِ المُؤْمِنِينَ، بَلْ قَدْ وقَعَتْ رُؤْيَةُ المِثْلِ، بَلْ أقَلُّ مِنهُ أيْضًَا، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَدْ نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يُضْعِفُونَ عَلَيْنا، ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ فَما رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًَا واحِدًَا، ثُمَّ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أيْضًَا في أعْيُنِهِمْ حَتّى رَأتْهم عَدَدًَا يَسِيرًَا أقَلَّ مِن أنْفُسِهِمْ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي تَراهم سَبْعِينَ؟ قالَ: أراهم مِائَةً، فَأسَرْنا مِنهم رَجُلًَا فَقُلْنا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قالَ: ألْفًَا، فَلَوْ أُرِيدَ رُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ المُشْرِكِينَ أقَلَّ مِن عَدَدِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ كَما في سُورَةِ الأنْفالِ لَكانَتْ رُؤْيَتُهم إيّاهم أقَلَّ مِن أنْفُسِهِمْ أحَقَّ بِالذِّكْرِ في كَوْنِها آيَةً مِن رُؤْيَتِهِمْ مِثْلَيْهِمْ، عَلى أنَّ إبانَةَ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ لِلْكَفَرَةِ بِإراءَتِهِمُ القَلِيلَ كَثِيرًَا والضَّعِيفَ قَوِيًَّا وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أدْخَلُ في كَوْنِها آيَةً لَهم وحُجَّةً عَلَيْهِمْ وأقْرَبُ إلى اعْتِرافِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُخالَطَتِهِمِ الكَفَرَةَ المُشاهِدِينَ لِلْحالِ، وكَذا تَعَلُّقُ الفِعْلِ بِالفاعِلِ أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالمَفْعُولِ، فَجَعْلُ أقْرَبِ المَذْكُورَيْنِ السّابِقَيْنِ فاعِلًَا وأبْعَدِهِما مَفْعُولًَا، سَواءً جَعْلُ الجُمْلَةِ صِفَةً أوْ مُسْتَأْنِفَةً أوْلى مِنَ العَكْسِ هَذا ما تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ولا يَنْبَغِي جَعْلُ الخِطابِ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ كَما قِيلَ، أمّا إنْ جُعِلَ الوَعِيدُ عِبارَةً عَنْ هَزِيمَةِ بَدْرٍ كَما صَرَّحُوا بِهِ، فَظاهِرٌ لا سِتْرَةَ بِهِ، وأمّا إنْ جُعِلَ عِبارَةً عَنْ هَزِيمَةٍ أُخْرى فَلِأنَّ الفِئَةَ الَّتِي شاهَدَتْ تِلْكَ الآيَةَ الهائِلَةَ هُمُ المُخاطَبُونَ حِينَئِذٍ، فالتَّعْبِيرُ عَنْهم بِفِئَةٍ مُبْهَمَةٍ تارَةً ومَوْصُوفَةٍ أُخْرى، ثُمَّ إسْنادُ المُشاهَدَةِ إلَيْها مَعَ كَوْنِ إسْنادِها إلى المُخاطَبِينَ أوْقَعُ في إلْزامِ الحُجَّةِ، وأدْخَلُ في التَّبْكِيتِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ حالُ جَعْلِ الخِطابِ الثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ، و أمّا قِراءَةُ "تَرَوْنَهُمْ" بِتاءِ (p-14)الخِطابِ فَظاهِرُها و إنِ اقْتَضى تَوْجِيهَ الخِطابِ الثّانِي إلى المُشْرِكِينَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ في ذَلِكَ، لِأنَّهُ و إنِ انْدَفَعَ بِهِ المَحْذُورُ الأخِيرُ فالأوَّلُ باقٍ بِحالِهِ، فَلَعَلَّ رُؤْيَةَ المُشْرِكِينَ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ رُؤْيَةِ اليَهُودِ لِما بَيْنَهم مِنَ الاتِّحادِ في الكُفْرِ والِاتِّفاقِ في الكَلِمَةِ، لاسِيَّما بَعْدَ ما وقَعَ بَيْنَهم بِواسِطَةِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ مِنَ العَهْدِ والمِيثاقِ، فَأُسْنِدَتِ الرُّؤْيَةُ إلَيْهِمْ مُبالَغَةً في البَيانِ وتَحْقِيقًَا لِعُرُوضِ مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ لَهم فَتَدَبَّرْ. وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ الكَفَرَةِ ولا رَيْبَ في صِحَّتِهِ وسَدادِهِ. وقُرِئَ "يُرَوْنَهُمْ" و "تُرَوْنَهُمْ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإرادَةِ، أيْ: يُرِيهِمْ أوْ يُرِيكُمُ اللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ. ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِيَرَوْنَهم إنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً، أوْ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ إنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً، أيْ: رُؤْيَةً ظاهِرَةً مَكْشُوفَةً جارِيَةً مَجْرى رُؤْيَةِ العَيْنِ. ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ أيْ: يُقَوِّي. ﴿بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُؤَيِّدَهُ مِن غَيْرِ تَوْسِيطِ الأسْبابِ العادِيَّةِ، كَما أيَّدَ الفِئَةَ المُقاتِلَةَ في سَبِيلِهِ بِما ذَكَرَ مِنَ النَّصْرِ وهو مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِن رُؤْيَةِ القَلِيلِ كَثِيرًَا المُسْتَتْبِعَةِ لِغَلَبَةِ القَلِيلِ العَدِيمِ العُدَّةِ عَلى الكَثِيرِ الشّاكِي السِّلاحِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الفَضْلِ. ﴿لَعِبْرَةً﴾ العِبْرَةُ فِعْلَةٌ مِنَ العُبُورِ، كالرِّكْبَةِ مِنَ الرُّكُوبِ والجِلْسَةِ مِنَ الجُلُوسِ، و المُرادُ بِها: الِاتِّعاظُ، فَإنَّهُ نَوْعٌ مِنَ العُبُورِ، أيْ: لَعِبْرَةً عَظِيمَةً كائِنَةً. ﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ لِذَوِي العُقُولِ والبَصائِرِ، و قِيلَ: لِمَن أُبْصِرُهُمْ، وهو إمّا مِن تَمامِ الكَلامِ الدّاخِلِ تَحْتَ القَوْلِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ، و إمّا وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَصْدِيقًَا لِمَقالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

آل عمران 3:14

﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِبَيانِ حَقارَةِ شَأْنِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِأصْنافِها وتَزْهِيدِ النّاسِ فِيها وتَوْجِيهِ رَغَباتِهِمْ إلى ما عِنْدَهُ تَعالى إثْرَ بَيانِ عَدَمِ نَفْعِها لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِها، والمُرادُ بِالنّاسِ: الجِنْسُ. ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ "الشَّهْوَةُ": نُزُوعُ النَّفْسِ إلى ما تُرِيدُهُ، و المُرادُ هَهُنا: المُشْتَهَياتُ، عَبَّرَ عَنْها بِالشَّهَواتِ مُبالَغَةً في كَوْنِها مُشْتَهاةً مَرْغُوبًَا فِيها، كَأنَّها نَفْسُ الشَّهَواتِ أوْ إيذانًَا بِانْهِماكِهِمْ في حُبِّها بِحَيْثُ أحَبُّوا شَهَواتِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ أوِ اسْتِرْذالًَا لَها، فَإنَّ الشَّهْوَةَ مُسْتَرْذَلَةٌ مَذْمُومَةٌ مِن صِفاتِ البَهائِمِ، و "المُزَيِّنُ": هو البارِي سُبْحانَهُ وتَعالى، إذْ هو الخالِقُ لِجَمِيعِ الأفْعالِ والدَّواعِي، و الحِكْمَةُ في ذَلِكَ ابْتِلاؤُهم. قالَ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرض زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ﴾ الآيَةُ، فَإنَّها ذَرِيعَةٌ لِنَيْلِ سَعادَةِ الدّارَيْنِ عِنْدَ كَوْنِ تَعاطِيها عَلى نَهْجِ الشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ وسِيلَةً إلى بَقاءِ النَّوْعِ، وإيثارُ صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقِيلَ: "المُزَيِّنُ" هو الشَّيْطانُ لِما أنَّ مَساقَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى ذَمِّها. وفَرَّقَ الجِبائِيُّ بَيْنَ المُباحاتِ، فَأسْنَدَ تَزْيِينَها إلَيْهِ تَعالى وبَيْنَ المُحَرَّماتِ، فَنَسَبَ تَزْيِينَها إلى الشَّيْطانِ. ﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الشَّهَواتِ، وهي مُفَسِّرَةٌ لَها في المَعْنى. وقِيلَ: "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، وتَقْدِيمُ النِّساءِ عَلى البَنِينَ لِعَراقَتِهِنَّ في مَعْنى الشَّهْوَةِ، فَإنَّهُنَّ حَبائِلُ الشَّيْطانِ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْبَناتِ لِعَدَمِ الِاطِّرادِ في حُبِّهِنَّ. ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ جَمْعُ قِنْطارٍ، وهو المالُ الكَثِيرُ، وقِيلَ: مِائَةُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ: مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ، وقِيلَ: (p-15)سَبْعُونَ ألْفًَا، وقِيلَ: أرْبَعُونَ ألْفَ مِثْقال، وقِيلَ: ثَمانُونَ ألْفًَا، وقِيلَ: مِائَةُ رَطْلٍ، و قِيلَ: ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ، وقِيلَ: ألْفا دِينارٍ، وقِيلَ: مِائَةُ مَنٍّ و مِائَةُ رِطْلٍ ومِائَةُ مِثْقالٍ ومِائَةُ دِرْهَمٍ، وقِيلَ: دِيَةُ النَّفْسِ. و اخْتُلِفَ في أنَّ وزْنَهُ فِعْلالٌ أوْ فِنْعالٌ، ولَفْظُ "المُقَنْطَرَةِ" مَأْخُوذٌ مِنهُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِمْ بَدْرَةٌ مُبْدَرَةٌ، وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المُحْكَمَةُ المُحَصَّنَةُ، وقِيلَ: الكَثِيرَةُ المُنَضَّدَةُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ أوِ المَدْفُونَةُ، وقِيلَ: المَضْرُوبَةُ المَنقُوشَةُ. ﴿مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾: بَيانٌ لِلْقَناطِيرِ، أوْ حالٌ. ﴿والخَيْلِ﴾ عَطْفٌ عَلى القَناطِيرِ، قِيلَ: هي جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كالقَوْمِ والرَّهْطِ، الواحِدُ فَرَسٌ، وقِيلَ: واحِدُهُ خائِلٌ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الخُيَلاءِ. ﴿المُسَوَّمَةِ﴾ أيِ: المُعَلَّمَةُ مِنَ السُّومَةِ، وهي العَلامَةُ أوِ المَرْعِيَّةُ مِن أسامَ الدّابَّةَ وسَوَّمَها إذا أرْسَلَها وسَيَّبَها لِلرَّعْيِ، أوِ المُطَهَّمَةُ التّامَّةُ الخَلْقِ. ﴿والأنْعامِ﴾ أيِ: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ. ﴿والحَرْثِ﴾ أيِ: الزَّرْعُ، مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الأشْياءِ المَعْهُودَةِ. ﴿مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا أيّامًَا قَلائِلَ فَتَفْنى سَرِيعًَا. ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ حُسْنُ المَرْجِعِ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنْ لَيْسَ فِيما عُدِّدَ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ بِجَعْلِ الجَلالَةِ مُبْتَدَأً، وإسْنادِ الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ إلَيْهِ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ وتَفْخِيمٍ، ومَزِيدُ اعْتِناءٍ بِالتَّرْغِيبِ فِيما عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، والتَّزْهِيدِ في مَلاذِّ الدُّنْيا وطَيِّباتِها الفانِيَةِ.

آل عمران 3:15

﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ إثْرَ ما بَيَّنَ شَأْنَ مُزَخْرِفاتِ الدُّنْيا، وذِكْرِ ما عِنْدَهُ تَعالى مِن حُسْنِ المَآبِ إجْمالًَا أمَرَ النَّبِيِّ ﷺ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ المُجْمَلِ لِلنّاسِ مُبالَغَةً في التَّرْغِيبِ والخِطابُ لِلْجَمِيعِ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: أأُخْبِرُكم بِما هو خَيْرٌ مِمّا فُصِّلَ مِن تِلْكَ المُسْتَلَذّاتِ المُزَيَّنَةِ لَكُمْ، وإبْهامُ "الخَيْرِ" لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ والتَّشْوِيقِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ المُبْهَمِ، عَلى أنَّ ﴿جَنّاتٌ﴾ مُبْتَدَأٌ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ، أوْ عَلى أنَّ ﴿جَنّاتٌ﴾ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ عِنْدَ مَن لا يَشْتَرِطُ في ذَلِكَ اعْتِمادَ الجارِّ عَلى ما فَصَلَ في مَحَلِّهِ، والمُرادُ بِالتَّقْوى: هو التَّبَتُّلُ إلى اللَّهِ تَعالى والإعْراضُ عَمّا سِواهُ، عَلى ما تُنْبِئُ عَنْهُ النُّعُوتُ الآتِيَةُ وتَعْلِيقُ حُصُولِ الجَنّاتِ وما بَعْدَها مِن فُنُونِ الخَيْراتِ بِهِ لِلتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِهِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، و "عِنْدَ" نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ مِن "جَنّاتٌ" أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ مُفِيدٌ لِكَمالِ عُلُوِّ رُتْبَةِ الجَنّاتِ وسُمُوِّ طَبَقَتِها، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَّقِينَ لِإظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ. وقِيلَ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "خَيْرٍ" وكَذا الظَّرْفُ و ﴿جَنّاتٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِـ "خَيْرٍ"، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ "جَنّاتٍ" بِالجَرِّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن "خَيْرٍ" ولا يَخْفى أنَّ تَعْلِيقَ الإخْبارِ و البَيانَ بِما هو خَيْرٌ لِطائِفَةٍ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ هُناكَ خَيْرًَا آخَرَ لِآخَرِينَ. ﴿تَجْرِي﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ والجَرِّ صِفَةً لِجَنّاتٍ عَلى حَسَبِ القِراءَتَيْنِ. ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تَجْرِي"، فَإنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ نَفْسُ الأشْجارِ كَما هو الظّاهِرُ فَجَرَيانُها مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها مَجْمُوعُ الأرْضِ والأشْجارِ فَهو بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ مِرارًَا. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "لِلَّذِينَ" والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. ﴿وَأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى "جَنّاتٍ"، أيْ: مُبَرَّأةٌ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ النِّساءِ مِنَ (p-16)الأحْوالِ البَدَنِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ. ﴿وَرِضْوانٌ﴾ التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ، أيْ: رِضْوانٌ، و أيُّ رِضْوانٍ يُقادِرُ قَدْرَهُ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ وبِأعْمالِهِمْ فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ حَسْبَما يَلِيقُ بِها، أوْ بَصِيرٌ بِأحْوالِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، و لِذَلِكَ أعَدَّ لَهم ما ذُكِرَ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُمُ المُسْتَحِقُّونَ لِلتَّسْمِيَةِ بِاسْمِ العَبْدِ.

آل عمران 3:16

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أُولَئِكَ المُتَّقُونَ الفائِزُونَ بِهَذِهِ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ، فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ إلَخْ أوِ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ أوِ الجَرِّ عَلى أنَّهُ تابِعٌ لِلْمُتَّقِينَ نَعْتًَا أوْ بَدَلًَا أوْ لِلْعِبادِ كَذَلِكَ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ حِينَئِذٍ مُعْتَرِضَةٌ وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِإظْهارِ أنَّ إيمانَهم ناشِئٌ مِن وُفُورِ الرَّغْبَةِ وكَمالِ النَّشاطِ، وفي تَرْتِيبِ الدُّعاءِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ دِلالَةٌ عَلى كِفايَتِهِ في اسْتِحْقاقِ المَغْفِرَةِ والوِقايَةِ مِنَ النّارِ.

آل عمران 3:17

﴿الصّابِرِينَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ مَنصُوبًَا عَلى المَدْحِ بِإضْمارِ أعْنِي، وأمّا تَقْدِيرُ: كَوْنِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الجَرِّ فَهو نَعْتٌ لَهُ، والمُرادُ بِالصَّبْرِ: هو الصَّبْرُ عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ وعَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ. ﴿والصّادِقِينَ﴾ في أقْوالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ وعَزائِمِهِمْ. ﴿والقانِتِينَ﴾ المُداوِمِينَ عَلى الطّاعاتِ المُواظِبِينَ عَلى العِباداتِ. ﴿والمُنْفِقِينَ﴾ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى. ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ قالَ مُجاهِدُ وقَتادَةُ والكَلْبِيُّ أيِ: المُصَلِّينَ بِالأسْحارِ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ في جَماعَةٍ، وقالَ الحَسَنُ: مَدُّوُا الصَّلاةَ إلى السحر ثُمَّ اسْتَغْفَرُوا. و قالَ نافِعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحْيِي اللَّيْلَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ أسَحَرْنا، فَأقُولُ: لا، فَيُعاوِدُ الصَّلاةَ. فَإذا قُلْتُ: نَعَمْ قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ويَدْعُو حَتّى يُصْبِحَ. وعَنِ الحَسَنِ: كانُوا يُصَلُّونَ في أوَّلِ اللَّيْلِ حَتّى إذا كانَ السحر أخَذُوا في الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ وتَخْصِيصُ الأسْحارِ بِالِاسْتِغْفارِ، لِأنَّ الدُّعاءَ فِيها أقْرَبُ إلى الإجابَةِ، إذِ العِبادَةُ حِينَئِذٍ أشُقُّ والنَّفْسُ أصْفى والرُّوحُ أجْمَعُ، لا سِيَّما لِلْمُجْتَهِدِينَ، وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ الصِّفاتِ المَعْدُودَةِ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها، وكَمالِهِمْ فِيها أوْ لِتَغايُرِ المَوْصُوفِينَ بِها.

آل عمران 3:18

﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: بِأنَّهُ أوْ عَلى أنَّهُ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: بَيَّنَ وحْدانِيَّتَهُ بِنَصْبِ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ وإنْزالِ الآياتِ التَّشْرِيعِيَّةِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالشَّهادَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ إيذانًَا بِقُوَّتِهِ في إثْباتِ المَطْلُوبِ و إشْعارًَا بِإنْكارِ المُنْكِرِ. وقُرِئَ "إنَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، إمّا بِإجْراءِ "شَهِدَ" مَجْرى "قالَ"، و إمّا بِجَعْلِ الجُمْلَةِ اعْتِراضًَا وإيقاعِ الفِعْلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّ الدِّينَ" إلَخْ عَلى قِراءَةِ "أنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ كَما سَيَأْتِي، وقُرِئَ "شُهَداءً لِلَّهِ" بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ (p-17)حالٌ مِنَ المَذْكُورِينَ أوْ عَلى المَدْحِ، وبِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ومَآلُهُ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ، أيْ: هم شُهَداءُ لِلَّهِ، وهو إمّا جَمْعُ شَهِيدٍ كَظُرَفاءَ في جَمْعِ ظَرِيفٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ كَشُعَراءَ في جَمْعِ شاعِرٍ. ﴿والمَلائِكَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ بِحَمْلِ الشَّهادَةِ عَلى مَعْنىً مَجازِيٍّ شامِلٍ لِلْإقْرارِ والإيمانِ بِطَرِيقِ عُمُومِ المَجازِ، أيْ: أقَرُّوا بِذَلِكَ. ﴿وَأُولُو العِلْمِ﴾ أيْ: آمَنُوا بِهِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِما ذَكَرَ مِنَ الأدِلَّةِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّشْرِيعِيَّةِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِمُ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، وقِيلَ: عُلَماءُ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، وقِيلَ: جَمِيعُ عُلَماءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَرَفُوا وحْدانِيَّتَهُ تَعالى بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ. و ارْتِفاعُهُما عَلى القِراءَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ: قِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في "شُهَداءَ" لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ يُؤَدِّي إلى تَقْيِيدِ حالِ المَذْكُورِينَ بِشَهادَةِ المَلائِكَةِ وأُوُلِي العِلْمِ، ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، فالوَجْهُ حِينَئِذٍ: كَوْنُ ارْتِفاعِهِما بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِ دِلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، أيْ: والمَلائِكَةُ و أُوُلُو العِلْمِ شُهَداءُ بِذَلِكَ، ولَكَ أنْ تَحْمِلَ القِراءَتَيْنِ عَلى المَدْحِ نَصْبًَا ورَفْعًَا، فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ العَطْفُ عَلى المُسْتَتِرِ عَلى كُلِّ حالٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ أيْ: مُقِيمًَا لِلْعَدْلِ في جَمِيعِ أُمُورِهِ بَيانٌ لِكَمالِهِ تَعالى في أفْعالِهِ إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ في ذاتِهِ، وانْتِصابِهِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ اللَّهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ وإنَّما جازَ إفْرادُهُ مَعَ عَدَمِ جَوازِ "جاءَ زَيْدٌ وعَمْرُوٌ راكِبًَا" لِعَدَمِ اللَّبْسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ ولَعَلَّ تَأْخِيرَهُ عَنِ المَعْطُوفَيْنِ لِلدِّلالَةِ عَلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِما وقُرْبِ مَنزِلَتِهِما والمُسارَعَةِ إلى إقامَةِ شُهُودِ التَّوْحِيدِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ ورَفْعًَا لِمَحَلِّهِ، والسِّرُّ في تَقْدِيمِهِ عَلى المَعْطُوفَيْنِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِأصالَتِهِ تَعالى في الشَّهادَةِ بِهِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أوْ مِن هو - وهو الأوْجَهُ- والعامِلُ فِيها مَعْنى الجُمْلَةِ، أيْ: تَفَرُّدًَا، وأحَقُّهُ لِأنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ أوْ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَنفِيِّ، أيْ: لا إلَهَ قائِمًَا إلَخْ، والفَصْلُ بَيْنَهُما مِن قَبِيلِ تَوَسُّعاتِهِمْ وهو مُنْدَرِجٌ في المَشْهُودِ بِهِ إذا جُعِلَ صِفَةً أوْ حالًَا مِنَ الضَّمِيرِ أوْ نَصْبًَا عَلى المَدْحِ مِنهُ. وقُرِئَ "القائِمُ بِالقِسْطِ" عَلى البَدَلِيَّةِ مِن هُوَ، فَيَلْزَمُ الفَصْلُ بَيْنَهُما كَما في الصِّفَةِ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقُرِئَ "قَيِّمًَا بِالقِسْطِ". ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، ومَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَعْرِفَةِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والحُكْمِ بِهِ بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ، ولِيَجْرِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَيُعْلَمَ أنَّهُ المَنعُوتُ بِهِما، ووَجْهُ التَّرْتِيبِ تَقَدُّمُ العِلْمِ بِقدرته عَلى العِلْمِ بِحكمته تعالى، ورَفْعُهُما عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ الوَصْفِيَّةِ لِفاعِلِ "شَهِدَ" أوِ الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ. وقَدْ رُوِيَ في فَضْلِها أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: « "يُجاءُ بِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إنَّ لِعَبْدِي هَذا عِنْدِي عَهْدًَا وأنا أحَقُّ مَن وفّى بِالعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِيَ الجَنَّةَ"،» وهو دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ و شَرَفِ أهْلِهِ. و رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ حَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًَا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ خَرَرْنَ سُجَّدًَا، وقِيلَ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ حَبْرانِ مِن أحْبارِ الشّامِ، فَلَمّا أبْصَرا المَدِينَةَ قالَ أحَدُهُما: ما أشْبَهَ هَذِهِ المَدِينَةَ بِصِفَةِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَلَمّا دَخَلا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَرَفاهُ بِالصِّفَةِ، فَقالا لَهُ: - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْتَ مُحَمَّدٌ، قالَ ﷺ: نَعَمْ، قالا: وأنْتَ أحْمَدُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنا مُحَمَّدٌ وأحْمَدُ، قالا: فَإنّا نَسْألُكَ عَنْ شَيْءٍ فَإنْ أخْبَرْتَنا بِهِ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: سَلا، فَقالا: أخْبِرْنا عَنْ أعْظَمِ شَهادَةٍ في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَأنْزَلَ (p-18)اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، فَأسْلَمَ الرَّجُلًَانِ.

آل عمران 3:19

﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولى، أيْ: لا دِينَ مُرْضِيًَا لِلَّهِ تَعالى سِوى الإسْلامِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والتَّدَرُّعُ بِالشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، والإقْرارُ بِما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. وقُرِئَ "إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ لَلْإسْلامُ". وقُرِئَ "إنَّ الدِّينَ" إلَخْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن أنَّهُ بَدَلُ الكُلِّ إنْ فُسِّرَ الإسْلامُ بِالإيمانِ أوْ بِما يَتَضَمَّنُهُ، وبَدَلُ الِاشْتِمالِ إنْ فُسِّرَ بِالشَّرِيعَةِ، أوْ عَلى أنَّ شَهِدَ واقِعٌ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ قِراءَةِ إنَّهُ بِالكَسْرِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ. ﴿وَما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى حِينَ تَرَكُوُا الإسْلامَ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وأنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ وجَعْلُ إيتاءِ الكِتابِ صِلَةً لَهُ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، فَإنَّ الِاخْتِلافَ مِمَّنْ أُوتِيَ ما يُزِيلُهُ ويَقْطَعُ شَأْفَتَهُ في غايَةِ القُبْحِ والسَّماحَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوْ أعَمِّ الأوْقاتِ، أيْ: وما اخْتَلَفُوا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا بَعْدَ أنْ عَلِمُوا بِأنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، أوْ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا حَقِيقَةَ الأمْرِ وتَمَكَّنُوا مِنَ العِلْمِ بِها بِالحُجَجِ النَّيِّرَةِ والآياتِ الباهِرَةِ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى تَرامِي حالِهِمْ في الضَّلالَةِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الِاخْتِلافَ بَعْدَ حُصُولِ تِلْكَ المَرْتَبَةِ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: حَسَدًَا كائِنًَا بَيْنَهم وطَلَبًَا لِلرِّياسَةِ لا لِشُبْهَةٍ وخَفاءٍ، في الأمْرِ تَشْنِيعٌ إثْرَ تَشْنِيعٍ. ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِآياتِهِ النّاطِقَةِ بِما ذُكِرَ مِن أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى هو الإسْلامُ، ولَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضاها أوْ بِأيَّةِ آيَةٍ كانَتْ من آياته تَعالى عَلى أنْ يَدْخُلَ فِيها ما نَحْنُ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا. ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قائِمٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ عِلَّةً لَهُ، أيْ: ومَن يَكْفُرُ بِآياتِهِ تَعالى يُجازِيهِ ويُعاقِبُهُ عَنْ قَرِيبٍ فَإنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ، أيْ: يَأْتِي حِسابُهُ عَنْ قَرِيبٍ أوْ يَتِمُّ ذَلِكَ بِسُرْعَةٍ، وإظْهارُ الجَلالَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وفي تَرْتِيبِ العِقابِ عَلى مُطْلَقِ الكُفْرِ بِآياتِهِ تَعالى -مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِخُصُوصِيَّةِ حالِهِمْ مِن كَوْنِ كُفْرِهِمْ بَعْدَ إيتاءِ الكِتابِ وحُصُولِ الِاطِّلاعِ عَلى ما فِيهِ وكَوْنِ ذَلِكَ لِلْبَغْيِ- دِلالَةٌ عَلى كَمالِ شِدَّةِ عِقابِهِمْ.

آل عمران 3:20

﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ أيْ: في كَوْنِ الدِّينِ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامَ، أوْ جادَلُوكَ فِيهِ بَعْدَ ما أقَمْتَ عَلَيْهِمِ الحُجَجَ. ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ: أخْلَصْتُ نَفْسِي وقَلْبِي وجُمْلَتِي، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِالوَجْهِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ ومَظْهَرُ القُوى والمَشاعِرِ ومَجْمَعُ مُعْظَمِ ما يَقَعُ بِهِ العِبادَةُ مِنَ السُّجُودِ والقِراءَةِ وبِهِ يَحْصُلُ التَّوَجُّهُ إلى كُلِّ شَيْءٍ. ﴿لِلَّهِ﴾ لا أُشْرِكُ بِهِ فِيها غَيْرَهُ، وهو الدِّينُ القَوِيمُ الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الحُجَجُ، ودَعَتْ إلَيْهِ الآياتُ والرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عَطْفٌ عَلى المُتَّصِلِ في أسْلَمْتُ وحَسُنَ ذَلِكَ لِمَكانِ الفَصْلِ الجارِي (p-19)مَجْرى التَّأْكِيدِ بِالمُنْفَصِلِ، أيْ: وأسْلَمَ مَنِ اتَّبَعَنِي أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِرِعايَةِ التَّقابُلِ بَيْنَ وصْفَيِ المُتَعاطِفَيْنِ. ﴿والأُمِّيِّينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ لا كِتابَ لَهم مِن مُشْرِكِي العَرَبِ. ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ مُتَّبِعِينَ لِي كَما فَعَلَ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّهُ قَدْ أتاكم مِنَ البَيِّناتِ ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ لا مَحالَةَ، فَهَلْ أسْلَمْتُمْ وعَمِلْتُمْ بِقَضِيَّتِها أوْ أنْتُمْ عَلى كُفْرِكم بَعْدُ، كَما يَقُولُ مَن لَخَّصَ لِصاحِبِهِ المَسْألَةَ ولَمْ يَدَعْ مِن طُرُقِ التَّوْضِيحِ والبَيانِ مَسْلَكًَا إلّا سَلَكَهُ فَهَلْ فَهِمْتَها عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ . إثْرَ تَفْصِيلِ الصَّوارِفِ عَنْ تَعاطِي الخَمْرِ والمَيْسِرِ وفِيهِ مِنِ اسْتِقْصارِهِمْ وتَعْيِيرِهِمْ بِالمُعانَدَةِ وقِلَّةِ الإنْصافِ وتَوْبِيخِهِمْ بِالبَلادَةِ وكِلَّةِ القَرِيحَةِ ما لا يَخْفى. ﴿فَإنْ أسْلَمُوا﴾ أيْ: كَما أسْلَمْتُمْ وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ حَسْمًَا لِبابِ إطْلاقِ اسْمِ الإسْلامِ عَلى شَيْءٍ آخَرَ بِالكُلِّيَّةِ. ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أيْ: فازُوا بِالحَظِّ الأوْفَرِ ونَجَوْا عَنْ مَهاوِي الضَّلالِ. ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الاتِّباعِ وقَبُولِ الإسْلامِ. ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ قائِمٌ مَقامَ الجَوابِ، أيْ: لَمْ يَضُرُّوكَ شَيْئًَا، إذْ ما عَلَيْكَ إلاَّ البَلاغُ وقَدْ فَعَلْتَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى أهْلِ الكِتابِ قالُوا: أسْلَمْنا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْيَهُودِ: أتَشْهَدُونَ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ وعَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَقالُوا: مَعاذَ اللَّهِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لِلنَّصارى: أتَشْهَدُونَ أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، فَقالُوا: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ عِيسى عَبْدًَا،» وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ وإنْ تَوَلَّوْا. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ عالِمٌ بِجَمِيعِ أحْوالِهِمْ، وهو تَذْيِيلٌ فِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

آل عمران 3:21

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيَّ آيَةٍ كانَتْ، فَيَدْخُلُ فِيهِمُ الكافِرُونَ بِالآياتِ النّاطِقَةِ بِحَقِّيَّةِ الإسْلامِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ تَفْصِيلُهُ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هم أهْلُ الكِتابِ، قَتَلَ أوَّلُوهُمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقَتَلُوا أتْباعَهم وهم راضُونَ بِما فَعَلُوا، وكانُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى حائِمِينَ حَوْلَ قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَوْلا أنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعالى ساحَتَهُ المَنِيعَةَ، وقَدْ أُشِيرُ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، والتَّقْيِيدُ "بِغَيْرِ حَقٍّ" لِلْإيذانِ بِأنَّهُ كانَ عِنْدَهم أيْضًَا بِغَيْرِ حَقٍّ. ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ الفِعْلِ لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ القَتْلَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ أوْ بِاخْتِلافِهِما في الوَقْتِ. «عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًَا يَوْمَ القِيامَةِ؟ قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًَّا أوْ رَجُلًَا أمَرَ بِمَعْرُوفٍ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، ثُمَّ قَرَأها ثُمَّ قالَ: يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًَّا مِن أوَّلِ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ رَجُلًَا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ فَأمَرُوا قَتَلَتَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًَا مِن آخِرِ النَّهارِ.» وقُرِئَ "وَيُقاتِلُونَ الَّذِينَ". ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ خَبَرُ إنَّ والفاءُ لِتَضَمُّنِ اسْمِها مَعْنى الشَّرْطِ، فَإنَّها بِالنَّسْخِ تُغَيِّرُ مَعْنى الِابْتِداءِ بَلْ تَزِيدُهُ تَأْكِيدًَا وكَذا الحالُ في النَّسْخِ بِأنَّ المَفْتُوحَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وكَذا النَّسْخُ بِـ "لَكِنَّ" كَما في قَوْلِهِ: فَوَ اللَّهِ ما فارَقْتُكم عَنْ مَلالَةٍ ... ولَكِنَّ ما يُقْضى فَسَوْفَ يَكُونُ وَإنَّما يَتَغَيَّرُ مَعْنى الِابْتِداءِ (p-20)فِي النَّسْخِ بِـ "لَيْتَ" و "لَعَلَّ"، وقَدْ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ إلى مَنعِ دُخُولِ الفاءِ عِنْدَ النَّسْخِ مُطْلَقًَا فالخَبَرُ عِنْدَهُما قَوْلُهُ تَعالى:(

آل عمران 3:22

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ كَما في قَوْلِكَ: الشَّيْطانُ فاحْذَرْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وعَلى الأوَّلِ: هو اسْتِئْنافٌ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدِّلالَةِ عَلى تَرامِي أمْرِهِمْ في الضَّلالِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في فَظاعَةِ الحالِ والمَوْصُولُ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ خَبَرُهُ، أيْ: أُولَئِكَ المُتَّصِفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ القَبِيحَةِ، أوِ المُبْتَلُونَ بِأسْوَإ الحالِ الَّذِينَ بَطُلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوها مِنَ البِرِّ والحَسَناتِ ولَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ في الدّارَيْنِ، بَلْ بَقِيَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ والخِزْيُ في الدُّنْيا وعَذابٌ ألِيمٌ في الآخِرَةِ. ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ وعَذابِهِ في إحْدى الدّارَيْنِ، وصِيغَةُ الجَمِيعِ لِرِعايَةِ "ما" وقَعَ في مُقابَلَتِهِ "لا" لِنَفْيِ تَعَدُّدِ الأنْصارِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .

آل عمران 3:23

﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِن حالِ أهْلِ الكِتابِ وسُوءِ صَنِيعِهِمْ، وتَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن أنَّ اخْتِلافَهم في الإسْلامِ إنَّما كانَ بَعْدَ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بِحَقِّيَّتِهِ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرُ. ﴿إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ أيِ: التَّوْراةِ، عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ، وحَمْلُهُ عَلى جِنْسِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ تَطْوِيلٌ لِلْمَسافَةِ إذْ تَمامُ التَّقْرِيبِ حِينَئِذٍ بِكَوْنِ التَّوْراةِ مِن جُمْلَتِها، لِأنَّ مَدارَ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ إنَّما هو إعْراضُهم عَنِ المُحاكَمَةِ إلى ما دُعُوا إلَيْهِ وهم لَمْ يُدْعُوا إلّا إلى التَّوْراةِ، والمُرادُ بِما أُوتُوهُ مِنها ما بُيِّنَ لَهم فِيها مِنَ العُلُومِ والأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عَلِمُوهُ مِن نُعُوتِ النَّبِيِّ ﷺ وحَقِّيَّةِ الإسْلامِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنَّصِيبِ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ اخْتِصاصِهِ بِهِمْ وكَوْنِهِ حَقًَّا مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والعَمَلُ بِمُوجِبِها، وما فِيهِ مِنَ التَّنْكِيرِ لِلتَّفْخِيمِ وحَمْلُهُ عَلى التَّحْقِيرِ لا يُساعِدُهُ مَقامُ المُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ. ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ الَّذِي أُوتُوا نَصِيبًَا مِنهُ وهو التَّوْراةُ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإيجابِ الإجابَةِ وإضافَتُهُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَشْرِيفِهِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ المُراجَعَةِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَحَلِّ التَّعْجِيبِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن صَدْرِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: "ماذا يَصْنَعُونَ حَتّى يَنْظُرَ إلَيْهِمْ"، فَقِيلَ: "يُدْعَوْنَ إلى كِتابَ اللَّهِ تَعالى"، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المَوْصُولِ. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَدارِسَهم فَدَعاهم إلى الإيمانِ، فَقالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرِوٍ والحَرْثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ؟ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، قالا: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًَّا، فَقالَ ﷺ لَهُما: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ التَّوْراةُ فَهَلُمُّوا إلَيْها، فَأبَيا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الرَّجْمِ وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وقِيلَ: كِتابُ اللَّهِ القرآن، فَإنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ. وقُرِئَ "لِيُحْكَمَ" عَلى بِناءِ المَجْهُولِ، فَيَكُونُ الِاخْتِلافُ بَيْنَهم بِأنْ أسْلَمَ بَعْضُهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ وعاداهُمُ الآخَرُونَ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ اسْتِبْعادٌ لِتَوَلِّيهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ. ﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ إمّا حالٌ مِن فَرِيقٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، أيْ: يَتَوَلَّوْنَ مِنَ المَجْلِسِ وهم مُعْرِضُونَ بِقُلُوبِهِمْ أوِ اعْتِراضٌ، أيْ: وهم قَوْمٌ دَيْدَنُهُمُ الإعْراضُ عَنِ الحَقِّ والإصْرارُ عَلى الباطِلِ.

آل عمران 3:24

(p-21)﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ، و هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: حاصِلٌ بِسَبَبِ أنَّهم. ﴿قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ بِاقْتِرافِ الذُّنُوبِ ورُكُوبِ المَعاصِي. ﴿إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وهي مِقْدارُ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، ورَسَخَ اعْتِقادُهم عَلى ذَلِكَ و هَوَّنُوا عَلَيْهِمُ الخُطُوبَ. ﴿وَغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ وما أشْبَهَهُ مِن قَوْلِهِمْ إنَّ آباءَنا الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَنا، أوْ إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يُعَذِّبَ أوْلادَهُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، ولِذَلِكَ ارْتَكَبُوا ما ارْتَكَبُوا مِنَ القَبائِحِ.

آل عمران 3:25

﴿فَكَيْفَ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ المَذْكُورِ و إبْطالٌ لِما غَرَّهم بِاسْتِعْظامِ ما سَيَدْهَمُهم وتَهْوِيلِ ما سَيَحِيقُ بِهِمْ مِنَ الأهْوالِ، أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم. ﴿إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ﴾ أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في وُقُوعِهِ و وُقُوعِ ما فِيهِ. رُوِيَ أنَّ أوَّلَ رايَةٍ تُرْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن راياتِ الكُفْرِ رايَةُ اليَهُودِ، فَيَفْضَحُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِمْ إلى النّارِ. ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أيْ: جَزاءَ ما كَسَبَتْ مِن غَيْرِ نَقْصٍ أصْلًَا كَما يَزْعُمُونَ، وإنَّما وُضِعَ المَكْسُوبُ مَوْضِعَ جَزائِهِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ الِاتِّصالِ و التَّلازُمِ بَيْنَهُما كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ العِبادَةَ لا تَحْبَطُ وأنَّ المُؤْمِنَ لا يُخَلَّدُ في النّارِ لِأنَّ تَوْفِيَةَ جَزاءِ إيمانِهِ وعَمَلِهِ لا تَكُونُ في النّارِ ولا قَبْلَ دُخُولِها، فَإذَنْ هي بَعْدَ الخَلاصِ مِنها. ﴿وَهُمْ﴾ أيْ: كُلُّ النّاسِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ. ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ بِزِيادَةِ عَذابٍ أوْ بِنَقْصِ ثَوابٍ بَلْ يُصِيبُ كُلًَّا مِنهم مِقْدارُ ما كَسَبَهُ.

آل عمران 3:26

﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ المِيمُ عِوَضٌ عَنْ حَرْفِ النِّداءِ ولِذَلِكَ لا يَجْتَمِعانِ وهَذا مِن خَصائِصَ الِاسْمِ الجَلِيلِ، كَدُخُولِهِ عَلَيْهِ مَعَ حَرْفِ التَّعْرِيفِ وقَطْعِ هَمْزَتِهِ ودُخُولِ تاءِ القَسَمِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: أصْلُهُ يا أللَّهُ أُمَّنا بِخَيْرٍ، أيِ: اقْصُدْنا بِهِ، فَخُفِّفَ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ ومُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وهَمْزَتِهِ. ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ أيْ: مالِكَ جِنْسِ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ مِلْكًَا حَقِيقِيًَّا، بِحَيْثُ تَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَما تَشاءُ إيجادًَا و إعْدامًَا، وإحْياءً وإماتَةً، وتَعْذِيبًَا و إثابَةً، مِن غَيْرِ مُشارِكٍ ولا مُمانِعٍ وهو نِداءٌ ثانٍ عِنْدِ سِيبَوَيْهِ، فَإنَّ المِيمَ عِنْدَهُ تَمْنَعُ الوَصْفِيَّةَ. ﴿تُؤْتِي المُلْكَ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ مالِكِيَّةُ المَلِكِ وتَحْقِيقٌ لِاخْتِصاصِها بِهِ تَعالى حَقِيقَةً وكَوْنِ مالِكِيَّةِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ المَجازِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ الإيتاءِ الَّذِي هو مُجَرَّدُ الإعْطاءِ عَلى التَّمْلِيكِ المُؤْذِنُ بِثُبُوتِ المالِكِيَّةِ حَقِيقَةً. ﴿مَن تَشاءُ﴾ أيْ: إيتاءَهُ إيّاهُ. ﴿وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ أيْ: نَزْعَهُ مِنهُ، فالمُلْكُ الأوَّلُ حَقِيقِيٌّ عامٌّ ومَمْلُوكِيَّتُهُ حَقِيقِيَّةٌ، والآخَرانِ مَجازِيّانِ خاصّانِ ونِسْبَتُهُما إلى صاحِبِهِما مَجازِيَّةٌ، وقِيلَ: المُلْكُ الأوَّلُ عامٌّ والآخَرانِ بَعْضانِ مِنهُ، فَتَأمَّلْ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمُلْكِ: النُّبُوَّةُ، و نَزْعُها: نَقْلُها مِن قَوْمٍ إلى آخَرِينَ. ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ أنْ تُعِزَّهُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما بِالنَّصْرِ والتَّوْفِيقِ. ﴿وَتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ أنْ تُذِلَّهُ في إحْداهُما أوْ فِيهِما مِن غَيْرِ مُمانَعَةٍ مِنَ الغَيْرِ ولا مُدافَعَةٍ. ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ تَعْرِيفُ الخَيْرِ لِلتَّعْمِيمِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلتَّخْصِيصِ، أيْ: بِقُدْرَتِكَ الخَيْرُ كُلُّهُ لا بِقُدْرَةِ أحَدٍ غَيْرِكَ، تَتَصَرَّفُ (p-22)فِيهِ قَبْضًَا وبَسْطًَا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُكَ، وتَخْصِيصُ الخَيْرِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّهُ مَقْضِيٌّ بِالذّاتِ، وأمّا الشَّرُّ فَمَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، إذْ ما مِن شَرٍّ جُزْئِيٍّ إلّا وهو مُتَضَمِّنٌ لِخَيْرٍ كُلِّيٍّ أوْ لِأنَّ في حُصُولِ الشَّرِّ دَخْلًَا لِصاحِبِهِ في الجُمْلَةِ، لِأنَّهُ مِن أجْزِيَةِ أعْمالِهِ، وأمّا الخَيْرُ فَفَضْلٌ مَحْضٌ أوْ لِرِعايَةِ الأدَبِ أوْ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِ. فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا خَطَّ الخَنْدَقَ عامَ الأحْزابِ وقَطَعَ لِكُلِّ عَشْرَةٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ أرْبَعِينَ ذِراعًَا وأخَذُوا يَحْفِرُونَهُ خَرَجَ مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ صَخْرَةٌ كالتَّلِّ لَمْ تَعْمَلْ فِيها المَعاوِلُ، فَوَجَّهُوا سَلْمانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ، فَجاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخَذَ مِنهُ المِعْوَلَ فَضَرَبَها ضَرْبَةً صَدَّعَتْها وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَتَيْها لَكَأنَّ مِصْباحًَا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ، وقالَ: أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ الحِيرَةِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ فَقالَ: أضاءَتْ لِي مِنها القُصُورُ الحُمْرُ مِن أرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ ضَرَبَ الثّالِثَةَ فَقالَ: أضاءَتْ لِي قُصُورُ صَنْعاءَ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلى كُلِّها، فَأبْشِرُوا، فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ يُمَنِّيكم ويَعِدُكُمُ الباطِلَ ويُخْبِرُكم أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى وأنَّها تُفْتَحُ لَكم وأنْتُمْ إنَّما تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ مِنَ الفَرَقِ لا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَبْرُزُوا، فَنَزَلَتْ. ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ وتَحْقِيقٌ لَهُ.

آل عمران 3:27

﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ أيْ: تُدْخِلُهُ فِيهِ بِتَعْقِيبِهِ إيّاهُ أوْ بِنَقْصِ الأوَّلِ وزِيادَةِ الثّانِي. ﴿وَتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ. ﴿وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أيْ: تُنْشِئُ الحَيَواناتِ مِن مَوادِّها أوْ مِنَ النُّطْفَةِ، وقِيلَ: تُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ. ﴿وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيْ: تُخْرِجُ النُّطْفَةَ مِنَ الحَيَوانِ، وقِيلَ: تُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ. ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قالَ أبُو العَبّاسِ المُقْرِيُّ: ورَدَ لَفْظُ الحِسابِ في القرآن عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، بِمَعْنى التَّعَبِ: قالَ تَعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ و بِمَعْنى العَدَدِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وبِمَعْنى المُطالَبَةِ: قالَ تَعالى: ﴿فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ و "الباءُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ "تَرْزُقُ" أوْ مِن مَفْعُولِهِ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى أمْثالِ هاتِيكَ الأفاعِيلِ العِظامِ المُحَيِّرَةِ لِلْعُقُولِ والأفْهامِ، فَقدرته عَلى أنْ يَنْزِعَ المُلْكَ مِنَ العَجَمِ ويُذِلَّهم ويُؤْتِيَهُ العَرَبَ ويُعِزَّهم أهْوَنُ مِن كُلِّ هَيِّنٍ. عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "إنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ وآيَةَ الكُرْسِيِّ وآيَتَيْنِ مِن آلِ عِمْرانَ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ و( ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مُعَلَّقاتٌ ما بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى حِجابٌ، قُلْنَ: يا رَبُّ تُهْبِطُنا إلى أرْضِكَ وإلى مَن يَعْصِيكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: إنِّي حَلَفْتُ أنَّهُ لا يَقْرَؤُكُنَّ أحَدٌ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ إلّا جَعَلْتُ الجَنَّةَ مَثْواهُ عَلى ما كانَ مِنهُ وأسْكَنْتُهُ في حَظِيرَةِ القُدُسِ ونَظَرْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وقَضَيْتُ لَهُ سَبْعِينَ حاجَةً أدْناها المَغْفِرَةُ وأعَذْتُهُ مِن كُلِّ عَدُوٍّ وحاسِدٍ ونَصَرْتُهُ عَلَيْهِمْ"،» وفي بَعْضِ الكُتُبِ: "أنا اللَّهُ مَلِكُ المُلُوكِ قُلُوبُ المُلُوكِ ونَواصِيهِمْ بِيَدِي فَإنِ العِبادُ أطاعُونِي جَعَلْتُهم لَهم رَحْمَةً وإنِ العِبادُ عَصَوْنِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً فَلا (p-23)تَشْتَغِلُوا بِسَبِّ المُلُوكِ ولَكِنْ تُوبُوا إلَيَّ أُعْطِفُهم عَلَيْكُمْ"، وهو مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكُمْ".»

آل عمران 3:28

﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ نُهُوا عَنْ مُوالاتِهِمْ لِقَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ جاهِلِيَّةٍ ونَحْوِهِما مِن أسْبابِ المُصادَقَةِ والمُعاشَرَةِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوُا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ حَتّى لا يَكُونَ حُبُّهم و لا بُغْضُهم إلّا لِلَّهِ تَعالى أوْ عَنِ الاسْتِعانَةِ بِهِمْ في الغَزْوِ وسائِرِ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُتَجاوِزِينَ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمِ اسْتِقْلالًَا أوِ اشْتِراكًَا، و فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِالمُوالاةِ وأنَّ في مُوالاتِهِمْ مَندُوحَةً عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ: اتِّخاذَهم أوْلِياءَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالفِعْلِ لِلِاخْتِصارِ أوْ لِإيهامِ الِاسْتِهْجانِ بِذِكْرِهِ. ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن وِلايَتِهِ تَعالى. ﴿فِي شَيْءٍ﴾ يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الوِلايَةِ فَإنَّ مُوالاةَ المُتَعادِيَيْنِ مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ، قالَ: ؎ تَوُدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي ∗∗∗ صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعازِبِ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا﴾ عَلى صِيغَةِ الخِطابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، والعامِلُ فِعْلُ النَّهْيِ مُعْتَبَرًَا فِيهِ الخِطابُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ ظاهِرًَا أوْ باطِنًَا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ اتِّقائِكم. ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن جِهَتِهِمْ. ﴿تُقاةً﴾ أيِ: اتِّقاءً أوْ شَيْئًَا يَجِبُ اتِّقاؤُهُ، عَلى أنَّ المَصْدَرَ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ إظْهارُ المُوالاةِ حِينَئِذٍ مَعَ اطْمِئْنانِ النَّفْسِ بِالعَداوَةِ والبَغْضاءِ وانْتِظارِ زَوالِ المانِعِ مِن قَشْرِ العَصا وإظْهارِ ما في الضَّمِيرِ، كَما قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: "كُنْ وسَطًَا و امْشِ جانِبًَا"، وأصْلُ "تُقاةً": وُقْيَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الواوُ تاءً كَتُخَمَةٍ وتُهْمَةٍ وقُلِبَتِ الياءُ ألِفًَا وقُرِئَ تُقْيَةً. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أيْ: ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ، فَإنَّ جَوازَ إطْلاقِ لَفْظِ النَّفْسِ مُرادًَا بِهِ الذّاتُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِلا مُشاكَلَةٍ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ مُحَقِّقِي المُتَأخِّرِينَ بِعَدَمِ الجَوازِ وإنْ أُرِيدَ بِهِ الذّاتُ إلّا مُشاكَلَةً وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى عِظَمُهُ، وذِكْرُ النَّفْسِ لِلْإيذانِ بِأنَّ لَهُ عِقابًَا هائِلًَا لا يُؤْبَهُ دُونَهُ بِما يُحْذَرُ مِنَ الكَفَرَةِ. ﴿وَإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومُحَقِّقٌ لِوُقُوعِهِ حَتْمًَا.

آل عمران 3:29

﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها وِلايَةُ الكَفَرَةِ. ﴿أوْ تُبْدُوهُ﴾ فِيما بَيْنَكم. ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ فَيُؤاخِذْكم بِذَلِكَ عِنْدَ مَصِيرِكم إلَيْهِ، وتَقْدِيمُ الإخْفاءِ عَلى الإبْداءِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ و قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ . ﴿وَيَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ وهو مِن بابِ إيرادِ العامِ بَعْدَ الخاصِّ تَأْكِيدًَا لَهُ وتَقْرِيرًَا. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى عُقُوبَتِكم بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَهْوِيلِ (p-24)الخَطْبِ، وهو تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ بِأنَّ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ المُتَمَيِّزَةَ عَنْ سائِرِ الذَّواتِ المُتَّصِفَةَ بِما لا يَتَّصِفُ بِهِ شَيْءٌ مِنها مِنَ العِلْمِ الذّاتِيِّ المُتَعَلِّقِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مُتَّصِفَةٌ بِالقُدْرَةِ الذّاتِيَّةِ الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ المَقْدُوراتِ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ قَطُّ.

آل عمران 3:30

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: مِنَ النُّفُوسِ المُكَلَّفَةِ. ﴿ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ عِنْدَها بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لَيْسَ في حاضِرًَا. ﴿وَما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ عَطْفٌ عَلى "ما عَمِلَتْ" والإحْضارُ مُعْتَبَرٌ فِيهِ أيْضًَا إلّا أنَّهُ خُصَّ بِالذِّكْرِ في الخَيْرِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ الخَيْرِ مُرادًَا بِالذّاتِ وكَوْنِ إحْضارِ الشَّرِّ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ. ﴿تَوَدُّ﴾ عامِلٌ في الظَّرْفِ، و المَعْنى: تَوَدُّ وتَتَمَنّى يَوْمَ تَجِدُ صَحائِفَ أعْمالِها مِنَ الخَيْرِ و الشَّرِّ أوْ أجْزِيَتَها مُحْضَرَةً. ﴿لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ﴾ أيْ: بَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ. ﴿أمَدًا بَعِيدًا﴾ لِغايَةِ هَوْلِهِ، وفي إسْنادِ الوِدادَةِ إلى كُلِّ نَفْسٍ سَواءً كانَ لَها عَمَلٌ سَيِّءٌ أوْ لا، بَلْ كانَتْ مُتَمَحِّضَةً في الخَيْرِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ فَظاعَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ وهَوْلِ مَطْلَعِهِ ما لا يَخْفى. - اللَّهُمَّ إنّا نَعُوذُ بِكَ مِن ذَلِكَ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ يَوْمَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِإضْمارِ اذْكُرُوا، و "تَوَدُّ" إمّا حالٌ مِن كُلِّ نَفْسٍ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، أيِ: اذْكُرُوا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ مُحْضَرًَا وادَّةً أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًَا بَعِيدًَا، أوْ كَأنَّ سائِلًَا قالَ حِينَ أُمِرُوا بِذِكْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ: فَماذا يَكُونُ إذْ ذاكَ؟ فَقِيلَ: تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها إلَخْ، أوْ تَجِدُهُ مَقْصُورًَا عَلى ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، و "تَوَدُّ" خَبَرُ "ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ" ولا تَكُونُ "ما" شَرْطِيَّةً لِارْتِفاعِ "تَوَدُّ". وقُرِئَ "وَدَّتْ" فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ كَوْنُها شَرْطِيَّةً، لَكِنَّ الحَمْلَ عَلى الخَبَرِ أوْقَعُ مَعْنىً لِأنَّها حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ وأوْفَقُ لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ وإعادَةٌ لَهُ لَكِنْ لا لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ بَلْ لِإفادَةِ ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ مِن أنَّ تَحْذِيرَهُ تَعالى مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ ورَحْمَتِهِ الواسِعَةِ أوْ أنَّ رَأْفَتَهُ بِهِمْ لا تَمْنَعُ تَحْقِيقَ ما حَذَّرَهُمُوهُ مِن عِقابِهِ وأنَّ تَحْذِيرَهُ لَيْسَ مَبْنِيًَّا عَلى تَناسِي صِفَةِ الرَّأْفَةِ بَلْ هو مُتَحَقِّقٌ مَعَ تَحَقُّقِها أيْضًَا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ فالجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ اعْتِراضٌ، وعَلى الثّانِي حالٌ، وتَكْرِيرُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

آل عمران 3:31

﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ المَحَبَّةُ مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ لِكَمالٍ أدْرَكَتْهُ فِيهِ بِحَيْثُ يَحْمِلُها عَلى ما يُقِرِّبُها إلَيْهِ، والعَبْدُ إذا عَلِمَ أنَّ الكَمالَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّ كُلَّ ما يَراهُ كَمالًَا مِن نَفْسِهِ أوْ مِن غَيْرِهِ فَهو مِنَ اللَّهِ وبِاللَّهِ وإلى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ حُبُّهُ إلّا لِلَّهِ وفي اللَّهِ، وذَلِكَ مُقْتَضى إرادَةِ طاعَتِهِ والرَّغْبَةِ فِيما يُقَرِّبُهُ إلَيْهِ؛ فَلِذَلِكَ فُسِّرَتِ المَحَبَّةُ بِإرادَةِ الطّاعَةِ وجُعِلَتْ مُسْتَلْزِمَةً لِاتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ في عِبادَتِهِ والحِرْصِ عَلى مُطاوَعَتِهِ. ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَرْضَ عَنْكم. ﴿وَيَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ: يَكْشِفِ الحُجُبَ عَنْ قُلُوبِكم بِالتَّجاوُزِ عَمّا فَرَطَ مِنكُمْ، فَيُقَرِّبُكم مِن جَنابِ عِزِّهِ ويُبَوِّئُكم في جِوارِ قُدْسِهِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالمَحَبَّةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لِمَن يَتَحَبَّبُ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ ويَتَقَرَّبُ إلَيْهِ (p-25)بِاتِّباعِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَهو تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مَعَ زِيادَةِ وعْدِ الرَّحْمَةِ ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِاسْتِتْباعِ وصْفِ الأُلُوهِيَّةِ لِلْمَغْفِرَةِ و الرَّحْمَةِ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ لَمّا قالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ لَمّا قالُوا: إنّا نَعْبُدُ المَسِيحَ حُبًَّا لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: في أقْوامٍ زَعَمُوا عَلى عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهم يُحِبُّونَ اللَّهَ تَعالى فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا لِقَوْلِهِمْ مِصْداقًَا مِنَ العَمَلِ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ النَّبِيِّ ﷺ وقَفَ عَلى قُرَيْشٍ وهم في المَسْجِدِ الحَرامِ يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ وقَدْ عَلَّقُوا عَلَيْها بَيْضَ النَّعامِ وجَعَلُوا في آذانِها الشُّنُوفَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ خالَفْتُمْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّما نَعْبُدُها حُبًَّا لِلَّهِ تَعالى لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ تَعالى وتَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِتُقَرِّبُكم إلَيْهِ ﴿فاتَّبِعُونِي﴾» أيِ: اتَّبِعُوا شَرِيعَتِي وسُنَّتِي يُحْبِبُكُمُ اللَّهُ، فَأنا رَسُولُهُ إلَيْكم وحُجَّتُهُ عَلَيْكم.

آل عمران 3:32

﴿قُلْ أطِيعُوُا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ أيْ: في جَمِيعِ الأوامِرِ والنَّواهِي، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الطّاعَةُ في اتِّباعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَعْيِينِ حَيْثِيَّةِ الإطاعَةِ والإشْعارِ بِعِلَّتِها فَإنَّ الإطاعَةَ المَأْمُورَ بِها إطاعَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَيْثُ إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لا مِن حَيْثُ ذاتُهُ، و لا رَيْبَ في أنَّ عُنْوانَ الرِّسالَةِ مِن مُوجِباتِ الإطاعَةِ ودَواعِيها. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ إمّا مِن تَمامِ مَقُولِ القَوْلِ فَهي صِيغَةُ المُضارِعِ المُخاطَبِ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ أيْ: تَتَوَلَّوْا، وإمّا كَلامٌ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى فَهي صِيغَةُ الماضِي الغائِبِ وفي تَرْكِ ذِكْرِ احْتِمالِ الإطاعَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أسْلَمُوا﴾ تَلْوِيحٌ إلى أنَّهُ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ مِنهم. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ نَفْيُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنْ بُغْضِهِ تَعالى لَهم وسُخْطِهِ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يَرْضى عَنْهم ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ لِتَعْمِيمِ الحُكْمِ لِكُلِّ الكَفَرَةِ والإشْعارِ بِعِلَّتِهِ، فَإنَّ سُخْطَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، والإيذانِ بِأنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الطّاعَةِ كُفْرٌ وبِأنَّ مَحَبَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ مَخْصُوصَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ.

آل عمران 3:33

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الدِّينَ المَرْضِيَّ عِنْدَهُ هو الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ وأنَّ اخْتِلافَ أهْلِ الكِتابَيْنِ فِيهِ إنَّما هو لِلْبَغْيِ والحَسَدِ وأنَّ الفَوْزَ بِرِضْوانِهِ و مَغْفِرَتِهِ و رَحْمَتِهِ مَنُوطٌ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ وطاعَتِهِ شَرَعَ في تَحْقِيقِ رِسالَتِهِ وكَوْنِهِ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ القَدِيمَةِ، فَبَدَأ بِبَيانِ جَلالَةِ أقْدارِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كافَّةً وأتْبَعُهُ ذِكْرَ مَبْدَإ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمِّهِ وكَيْفِيَّةِ دَعْوَتِهِ لِلنّاسِ إلى التَّوْحِيدِ والإسْلامِ تَحْقِيقًَا لِلْحَقِّ وإبْطالًَا لِما عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابَيْنِ في شَأْنِهِما مِنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ ثُمَّ بَيَّنَ بُطْلانَ مُحاجَّتِهِمْ في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و ادِّعائِهِمُ الِانْتِماءَ إلى مِلَّتِهِ ونَزَّهَ ساحَتَهُ العَلِيَّةَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، ثُمَّ نَصَّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُعاةٌ إلى عِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ وطاعَتِهِ مُنَزَّهُونَ عَنِ احْتِمالِ الدَّعْوَةِ إلى عِبادَةِ (p-26)أنْفُسِهِمْ أوْ غَيْرِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ وأنَّ أُمَمَهم قاطِبَةً مَأْمُورُونَ بِالإيمانِ بِمَن جاءَهم مِن رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لِما مَعَهم تَحْقِيقًَا لِوُجُوبِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكِتابِهِ المُصَدِّقِ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وتَحَتُّمِ الطّاعَةِ لَهُ حَسْبَما سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ، وتَخْصِيصُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ ومَنشَأُ النُّبُوَّةِ وكَذا حالُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ آدَمُ الثّانِي، وأمّا ذِكْرُ آلِ إبْراهِيمَ فَلِتَرْغِيبِ المُعْتَرِفِينَ بِاصْطِفائِهِمْ في الإيمانِ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ واسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ الِاعْتِرافِ بِاصْطِفائِهِ بِواسِطَةِ كَوْنِهِ مِن زُمْرَتِهِمْ مَعَ ما مَرَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَرِيقًَا في النُّبُوَّةِ مِن زُمْرَةِ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ، وأمّا ذِكْرُ آلِ عِمْرانَ مَعَ انْدِراجِهِمْ في آلِ إبْراهِيمَ فَلِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَمالِ رُسُوخِ الخِلافِ في شَأْنِهِ، فَإنَّ نِسْبَةَ الِاصْطِفاءِ إلى الأبِ الأقْرَبِ أدَلُّ عَلى تَحَقُّقِهِ في الآلِ وهو الدّاعِي إلى إضافَةِ الآلِ إلى إبْراهِيمَ دُونَ نُوحٍ وآدَمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و "الِاصْطِفاءُ": أخْذُ ما صَفا مِنَ الشَّيْءِ كالِاسْتِصْفاءِ مَثَّلَ بِهِ اخْتِيارَهُ تَعالى إيّاهُمُ النُّفُوسَ القُدْسِيَّةَ وما يَلِيقُ بِها مِنَ المَلَكاتِ الرُّوحانِيَّةِ والكَمالاتِ الجِسْمانِيَّةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلرِّسالَةِ في نَفْسِ المُصْطَفى كَما في كافَّةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ فِيمَن يُلابِسُهُ ويَنْشَأُ مِنهُ كَما في مَرْيَمَ. وقِيلَ: اصْطَفى آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ خَلَقَهُ بِيَدِهِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وبِتَعْلِيمِ الأسْماءِ وإسْجادِ المَلائِكَةِ إيّاهُ وإسْكانِ الجَنَّةِ، واصْطَفى نُوحًَا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِكَوْنِهِ أوَّلَ مَن نَسَخَ الشَّرائِعَ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ تَزْوِيجُ المَحارِمِ حَرامًَا وبِإطالَةِ عُمْرِهِ وجَعْلِ ذَرِّيَّتِهِ هُمُ الباقِينَ واسْتِجابَةِ دَعْوَتِهِ في حَقِّ الكَفَرَةِ والمُؤْمِنِينَ وحَمْلِهِ عَلى مَتْنِ الماءِ، و المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ: إسْماعِيلُ( وإسْحَقُ والأنْبِياءُ مِن أوْلادِهِما الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، وأمّا اصْطِفاءُ نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَمَفْهُومٌ مِنَ اصْطِفائِهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِلْإيذانِ بِالغِنى عَنْهُ لِكَمالِ شُهْرَةِ أمْرِهِ في الخِلَّةِ وكَوْنِهِ إمامَ الأنْبِياءِ قُدْوَةَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَوْنِ اصْطِفاءِ آلِهِ بِدَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ الآيَةُ. ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ،» و بِآلِ عِمْرانَ عِيسى وأُمُّهُ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ بْنِ ماثّانَ بْنِ عازارَ بْنِ أبِي بُورِ بْنِ رَبِّ بابِلَ بْنِ سالِيانَ بْنِ يُوحَنّا بْنِ يُوشِيا بْنِ أمُونَ بْنِ مَنَشّا بْنِ حِزْقِيا بْنِ أحَزَّ بْنِ يُوثَمَ بْنِ عِزْياهُو بْنِ يَهُورامَ بْنِ يَهُوشافاطَ بْنِ أُسا بْنِ رَحْبَعْمَ بْنِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنِ بِيشا بْنِ عُوفِيذَ بْنِ بُوعِزَ بْنِ سَلَمُونَ بْنِ نَحْشُوَنَ بْنِ عَمْيُوذَبَ بْنِ رَمَّ بْنِ حَصْرُونَ بْنِ بارِصَ بْنِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ: مُوسى وهَرُونَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنا عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوى بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفٌ وثَمانِمِائَةُ سَنَةٍ فَيَكُونُ اصْطِفاءُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ بِالِانْدِراجِ في آلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، و الأوَّلُ هو الأظْهَرُ بِدَلِيلِ تَعْقِيبِهِ بِقِصَّةِ مَرْيَمَ واصْطِفاءِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِانْتِظامِ في سِلْكِ آلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ انْتِظامًَا ظاهِرًَا، والمُرادُ بِـ "العالَمِينَ": أهْلُ زَمانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، أيِ: اصْطَفى كُلَّ واحِدٍ مِنهم عَلى عالَمِي زَمانِهِ.

آل عمران 3:34

﴿ذُرِّيَّةً﴾ نُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الآلَيْنِ أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِنهُما، وقَدْ مَرَّ بَيانُ اشْتِقاقِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ وقَوْلُهُ (p-27)تَعالى: ﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ "ذُرِّيَّةً"، أيِ: اصْطَفى الآلَيْنِ حالَ كَوْنِهِمْ ذُرِّيَّةً مُتَسَلْسِلَةً مُتَشَعِّبَةَ البَعْضِ مِنَ البَعْضِ في النَّسَبِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِكَوْنِهِ ذُرِّيَّةً. وقِيلَ: بَعْضُها مِن بَعْضٍ في الدِّينِ، فالِاسْتِمالَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: تَقْرِيبِيَّةٌ، وعَلى الثّانِي: بُرْهانِيَّةٌ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِأقْوالِ العِبادِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِأعْمالِهِمِ البادِيَةِ والخافِيَةِ فَيَصْطَفِي مِن بَيْنِهِمْ لِخِدْمَتِهِ مَن تَظْهَرُ اسْتِقامَتُهُ قَوْلًَا وفِعْلًَا عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ﴾( حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

آل عمران 3:35

﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ لِتَقْرِيرِ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، أيِ: اذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِها إلَخْ... ومَرَّ مِرارًَا وجْهُ تَوْجِيهِ التَّذْكِيرِ إلى الأوْقاتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيها مِنَ الحَوادِثِ. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِما قَبْلَهُ، أيْ: سَمِيعٌ لِقَوْلِها المَحْكِيِّ عَلِيمٌ بِضَمِيرِها المَنوِيِّ. وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِمَعْنى الِاصْطِفاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِ اصْطَفى المَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: "واصْطَفى آلَ عِمْرانَ إذْ قالَتْ" إلَخْ...، فَكانَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ عَلى الجُمَلِ دُونَ عَطْفِ المُفْرَداتِ عَلى المُفْرَداتِ لِيَلْزَمَ كَوْنُ اصْطِفاءِ الكُلِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ، و امْرَأةُ عِمْرانَ هي حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذا جَدَّةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَتْ لِعِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بِنْتٌ اسْمُها مَرْيَمُ أكْبَرُ مِن مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَظَنَّ أنَّ المُرادَ زَوْجَتُهُ ولَيْسَ بِذاكَ، فَإنَّ قَضِيَّةَ كَفالَةِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قاضِيَةٌ بِأنَّها زَوْجَةُ عِمْرانَ بْنِ ماثّانَ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُعاصِرًَا لَهُ وقَدْ تَزَوَّجَ إيشاعَ أُخْتَ حَنَّةَ أُمِّ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في شَأْنِ يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ: هُما ابْنا خالَةٍ. فَقِيلَ: تَأْوِيلُهُ أنَّ الأُخْتَ كَثِيرًَا ما تُطْلَقُ عَلى بِنْتِ الأُخْتِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ جَعَلَهُما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنَيْ خالَةٍ. وقِيلَ: كانَتْ إيشاعُ أُخْتَ حَنَّةَ مِنَ الأُمِّ وأُخْتَ مَرْيَمَ مِنَ الأبِ عَلى أنَّ عِمْرانَ نَكَحَ أوَّلًَا أُمَّ حَنَّةَ فَوَلَدَتْ لَهُ إيشاعَ ثُمَّ نَكَحَ حَنَّةَ - بِناءً عَلى حِلِّ نِكاحِ الرَّبائِبِ في شَرِيعَتِهِمْ - فَوَلَدَتْ مَرْيَمَ فَكانَتْ إيشاعُ أُخْتَ مَرْيَمَ مِنَ الأبِ وخالَتَها مِنَ الأُمِّ لِأنَّها أُخْتُ حَنَّةَ مِنَ الأُمِّ. رُوِيَ أنَّها كانَتْ عَجُوزًَا عاقِرًَا فَبَيْنَما هي ذاتَ يَوْمٍ في ظِلِّ شَجَرَةٍ إذْ رَأتْ طائِرًَا يُطْعِمُ فَرْخَةً فَحَنَّتْ إلى الوَلَدِ وتَمَنَّتْهُ، و قالَتِ: اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ رَزَقْتَنِي ولَدًَا أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَيَكُونَ مِن سَدَنَتِهِ، وكانَ هَذا النَّذْرُ مَشْرُوعًَا عِنْدَهم في الغِلْمانِ ثُمَّ هَلَكَ عِمْرانُ وهي حامِلٌ وحِينَئِذٍ فَقَوْلُها: ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ لا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى التَّكْرِيرِ لِتَأْكِيدِ نَذْرِها وإخْراجِهِ عَنْ صُورَةِ التَّعْلِيقِ إلى هَيْئَةِ التَّنْجِيزِ والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنْ إفاضَةِ ما فِيهِ صَلاحُ المَرْبُوبِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِها لِتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الإجابَةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إذا أرادَ العَبْدُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ دُعاؤُهُ فَلْيَدْعُ اللَّهَ بِما يُناسِبُهُ مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِإبْرازِ وُفُورِ الرَّغْبَةِ في مَضْمُونِها، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ، و إنَّما عُبِّرَ عَنِ الوَلَدِ بِما لِإبْهامِ أمْرِهِ وقُصُورِهِ عَنْ دَرَجَةِ العُقَلاءِ. ﴿مُحَرَّرًا﴾ أيْ: مُعْتَقًَا لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ آخَرُ أوْ مُخْلَصًَا لِلْعِبادَةِ، ونَصْبُهُ (p-28)عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المَوْصُولِ فِيهِ "نَذَرْتُ". وقِيلَ: مِن ضَمِيرِهِ في الصِّلَةِ والعامِلُ: مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، فَإنَّها في قُوَّةِ ما اسْتَقَرَّ في بَطْنِي، و لا يَخْفى أنَّ المُرادَ: تَقْيِيدُ فِعْلِها بِالتَّحْرِيرِ لِيَحْصُلَ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ تَعالى لا تَقْيِيدَ ما لا دَخْلَ لَها فِيهِ مِنَ الاسْتِقْرارِ في بَطْنِها. ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ أيْ: ما نَذَرْتُهُ والتَّقَبُّلُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الرِّضا وهَذا في الحَقِيقَةِ اسْتِدْعاءٌ لِلْوَلَدِ إذْ لا يُتَصَوَّرُ القَبُولُ بِدُونِ تَحَقُّقِ المَقْبُولِ بَلْ لِلْوَلَدِ الذَّكَرِ لِعَدَمِ قَبُولِ الأُنْثى. ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ﴾ لِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَضَرُّعِي ودُعائِي. ﴿العَلِيمُ﴾ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن زُمْرَتِها ما في ضَمِيرِي لا غَيْرَ، و هو تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعاءِ القَبُولِ لا مِن حَيْثُ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى سَمِيعًَا لِدُعائِها عَلِيمًَا بِما في ضَمِيرِها مُصَحِّحٌ لِلتَّقَبُّلِ في الجُمْلَةِ بَلْ مِن حَيْثُ أنَّ علمه تعالى بِصِحَّةِ نِيَّتِها وإخْلاصِها مُسْتَدْعٍ لِذَلِكَ تَفَضُّلًَا وإحْسانًَا وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِعَرْضِ قُوَّةِ يَقِينِها بِمَضْمُونِها، وقَصْرُ صِفَتَيِ السَّمْعِ والعِلْمِ عَلَيْهِ تَعالى لِعَرْضِ اخْتِصاصِ دُعائِها بِهِ تَعالى وانْقِطاعِ حَبْلِ رَجائِها عَمّا عَداهُ بِالكُلِّيَّةِ مُبالَغَةً في الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ.

آل عمران 3:36

﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ أيْ: ما في بَطْنِها، وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ لِما أنَّ المَقامَ يَسْتَدْعِي ظُهُورَ أُنُوثَتِهِ، واعْتِبارَهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ إذْ عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ جَوابٌ لِما أعْنِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ لا عَلى وضْعِ ولَدٍ ما، كَأنَّهُ قِيلَ: "فَلَمّا وضَعَتْ بِنْتًَا قالَتْ" إلَخْ... وقِيلَ: تَأْنِيثُهُ لِأنَّ ما في بَطْنِها كانَ أُنْثى في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ لِأنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِالحَبْلَةِ أوِ النَّفْسِ أوِ النَّسَمَةِ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ اعْتِبارَ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ لا يَكُونُ مَدارًَا لِتَرَتُّبِ الجَوابِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُنْثى﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وتَأْنِيثُهُ لِلْمُسارَعَةِ إلى عَرْضِ ما دَهَمَها مِن خَيْبَةِ الرَّجاءِ أوْ لِما مَرَّ مِنَ التَّأْوِيلِ بِالحَبْلَةِ أوِ النَّسَمَةِ، فالحالُ حِينَئِذٍ مُبَيِّنَةٌ وإنَّما قالَتْهُ تَحَزُّنًَا وتَحَسُّرًَا عَلى خَيْبَةِ رَجائِها وعَكْسِ تَقْدِيرِها لِما كانَتْ تَرْجُو أنْ تَلِدَ ذَكَرًَا، ولِذَلِكَ نَذَرَتْهُ مُحَرَّرًَا لِلسِّدانَةِ، و التَّأْكِيدُ لِلرَّدِّ عَلى اعْتِقادِها الباطِلِ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ تَعْظِيمٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِمَوْضُوعِها وتَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ وتَجْهِيلٌ لَها بِقَدْرِهِ، أيْ: واللَّهُ أعْلَمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي وضَعَتْهُ وما عَلِقَ بِهِ مِن عَظائِمَ الأُمُورِ وجَعْلِهِ وابْنِهِ آيَةً لِلْعالَمِينَ وهي غافِلَةٌ عَنْ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقُرِئَ "وَضَعَتْ" عَلى خِطابِ اللَّهِ تَعالى لَها، أيْ: إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذا المَوْهُوبِ وما أوْدَعَ اللَّهُ فِيهِ مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ وسُمُوِّ المِقْدارِ. وقُرِئَ "وَضَعْتُ" عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ إظْهارًَا لِغايَةِ الإجْلالِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنها اعْتِذارًَا إلى اللَّهِ تَعالى حَيْثُ أتَتْ بِمَوْلُودٍ لا يَصْلُحُ لِما نَذَرَتْهُ مِنَ السِّدانَةِ أوْ تَسْلِيَةً لِنَفْسِها عَلى مَعْنى لَعَلَّ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ سِرًَّا وحِكْمَةً ولَعَلَّ هَذِهِ الأُنْثى خَيْرٌ مِنَ الذَّكَرِ، فَوَجْهُ الِالتِفاتِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ اعْتِراضٌ آخَرٌ مُبَيِّنٌ لِما في الأوَّلِ مِن تَعْظِيمِ المَوْضُوعِ و رَفْعِ مَنزِلَتِهِ، واللّامُ في الذَّكَرِ والأُنْثى لِلْعَهْدِ، أيْ: لَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي كانَتْ تَطْلُبُهُ و تَتَخَيَّلُ فِيهِ كَمالًَا قُصاراهُ أنْ يَكُونَ كَواحِدٍ مِنَ السِّدانَةِ كالأُنْثى الَّتِي وُهِبَتْ لَها فَإنَّ، دائِرَةَ عِلْمِها وأُمْنِيَتِها لا تَكادُ تُحِيطُ بِما فِيهِ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ. هَذا عَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الأخِيرِ لِلْقِراءَةِ (p-29)الأخِيرَةِ فَمَعْناهُ: ولَيْسَ الذَّكَرُ كَهَذِهِ الأُنْثى في الفَضِيلَةِ بَلْ أدْنى مِنها، وأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لَها فَمَعْناهُ: تَأْكِيدُ الِاعْتِذارِ بِبَيانِ أنَّ الذَّكَرَ لَيْسَ كالأُنْثى في الفَضِيلَةِ والمَزِيَّةِ وصَلاحِيَةِ خِدْمَةِ المُتَعَبِّداتِ، فَإنَّهُنَّ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، فَـ "اللّامُ" لِلْجِنْسِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ وغَرَضُها مِن عَرْضِها عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ: التَّقَرُّبُ إلَيْهِ تَعالى واسْتِدْعاءُ العِصْمَةِ لَها، فَإنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمْ بِمَعْنى العابِدَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مَعْناهُ: خادِمُ الرَّبِّ، وإظْهارُ أنَّها غَيْرُ راجِعَةٍ عَنْ نِيَّتِها وإنْ كانَ ما وضَعَتْهُ أُنْثى وأنَّها و إنْ لَمْ تَكُنْ خَلِيقَةً بِسِدانَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَلْتَكُنْ مِنَ العابِداتِ فِيهِ. ﴿وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى "إنِّي سَمَّيْتُها" وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، أيْ: أُجِيرُها بِحِفْظِكَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ ياءِ المُتَكَلِّمِ في المَواضِعِ الَّتِي بَعْدَها هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ إلّا في مَوْضِعَيْنِ "بِعَهْدِي أُوفِ" "آتُونِي أُفْرِغْ". ﴿وَذُرِّيَّتَها﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِ. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ أيِ: المَطْرُودِ، وأصْلُ الرَّجْمِ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًَا مِن مَسِّهِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها﴾ ومَعْناهُ: أنَّ الشَّيْطانَ يَطْمَعُ في إغْواءِ كُلِّ مَوْلُودٍ بِحَيْثُ يَتَأثَّرُ مِنهُ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها، فَإنَّ اللَّهَ عَصَمَهُما بِبَرَكَةِ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ.

آل عمران 3:37

﴿فَتَقَبَّلَها﴾ أيْ: أخَذَ مَرْيَمَ ورَضِيَ بِها في النَّذْرِ مَكانَ الذَّكَرِ. ﴿رَبُّها﴾ مالِكُها ومُبَلِّغُها إلى كَمالِها اللّائِقِ وفِيهِ مِن تَشْرِيفِها ما لا يَخْفى. ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، والقَبُولُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ السّابِقِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أيْ: تَقَبَّلَها قَبُولًَا حَسَنًَا، وإنَّما عَدَلَ عَنِ الظّاهِرِ لِلْإيذانِ بِمُقارَنَةِ التَّقَبُّلِ لِكَمالِ الرِّضا ومُوافَقَتِهِ لِلْعِنايَةِ الذّاتِيَّةِ، فَإنَّ صِيغَةَ التَّفَعُّلِ مُشْعِرَةٌ بِحَسَبِ أصْلِ الوَضْعِ بِالتَّكَلُّفِ وكَوْنِ الفِعْلِ عَلى خِلافِ طَبْعِ الفاعِلِ وإنْ كانَ المُرادُ بِها في حَقِّهِ تَعالى ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن كَمالِ قُوَّةِ الفِعْلِ وكَثْرَتِهِ، وقِيلَ: القَبُولُ ما يُقْبَلُ بِهِ الشَّيْءُ كالسَّعُوطِ واللَّدُودِ لِما يُسْعَطُ بِهِ ويُلَدُّ وهو اخْتِصاصُهُ تَعالى إيّاها بِإقامَتِها مَقامَ الذَّكَرِ في النَّذْرِ ولَمْ تُقْبَلْ قَبْلَها أُنْثى أوْ بِأنْ تَسَلَّمَها مِن أُمِّها عَقِيبَ الوِلادَةِ قَبْلَ أنْ تَنْشَأ وتَصْلُحَ لِلسِّدانَةِ. رُوِيَ أنَّ حَنَّةَ حِينَ ولَدَتْها لَفَّتْها في خِرْقَةٍ وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ و وضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ أبْناءِ هارُونَ وهم في بَيْتِ المَقْدِسِ كالحَجَبَةِ في الكَعْبَةِ، و قالَتْ لَهُمْ: دُونَكم هَذِهِ النَّذِيرَةُ فَتَنافَسُوا فِيها لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ وصاحِبِ قُرْبانِهِمْ، فَإنَّ بَنِي ماثانَ كانَتْ رُءُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ ومُلُوكَهم. وقِيلَ: لِأنَّهم وجَدُوا أمْرَها و أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، فَقالَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أنا أحَقُّ بِها عِنْدِي خالَتُها، فَأبَوْا إلّا القُرْعَةَ وكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ، فانْطَلَقُوا إلى نَهْرٍ، فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهُمْ، فَطَفا قَلَمُ زَكَرِيّا ورَسَبَتْ أقْلامُهم فَتَكَفَّلَها. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ وفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: فَتَقَبَّلَها بِذِي قَبُولٍ، أيْ: بِأمْرٍ ذِي قَبُولٍ حَسَنٍ. وقِيلَ: "تَقَبَّلَ" بِمَعْنى: اسْتَقْبَلَ، كَتَقَصّى بِمَعْنى اسْتَقْصى، وتَعَجَّلَ بِمَعْنى اسْتَعْجَلَ، أيِ: اسْتَقْبَلَها في أوَّلِ أمْرِها حِينَ وُلِدَتْ بِقَبُولٍ حَسَنٍ. ﴿وَأنْبَتَها﴾ مَجازٌ عَنْ (p-30)تَرْبِيَتِها بِما يُصْلِحُها في جَمِيعِ أحْوالِها. ﴿نَباتًا حَسَنًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ. وقِيلَ: بَلْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مُوافِقٍ لَهُ تَقْدِيرُهُ: "فَنَبَتَتْ نَباتًَا حَسَنًَا". ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ أيْ: جَعَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كافِلًَا لَها وضامِنًَا لِمَصالِحِها قائِمًَا بِتَدْبِيرِ أُمُورِها لا عَلى طَرِيقَةِ الوَحْيِ بَلْ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ التَّفْصِيلِ، فَإنَّ رَغْبَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كَفالَتِها وطُفُوَّ قَلَمِهِ ورُسُوبَ أقْلامِهِمْ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الجارِيَةِ بَيْنَهم كُلُّها مِن آثارِ قدرته تعالى. وقُرِئَ "اكْفُلْها". وقُرِئَ "زَكَرِيّاءَ" بِالنَّصْبِ والمَدِّ. وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الفاءِ وكَسْرِها ورَفْعِ "زَكَرِيّاءُ" مَمْدُودًَا. وقُرِئَ "وَتَقَبَّلْها رَبَّها" و "أنْبِتْها" و "كَفِّلْها" عَلى صِيغَةِ الأمْرِ في الكُلِّ، ونَصْبُ "رَبَّها" عَلى الدُّعاءِ، أيْ: فاقْبَلْها يا رَبَّها ورَبِّها تَرْبِيَةً حَسَنَةً واجْعَلْ زَكَرِيّا كافِلًَا لَها، فَهو تَعْيِينٌ لِجِهَةِ التَّرْبِيَةِ. قِيلَ: بَنى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَها مِحْرابًَا في المَسْجِدِ، أيْ: غُرْفَةً يُصْعَدُ إلَيْها بِسُلَّمٍ. وقِيلَ: المِحْرابُ أشْرَفُ المَجالِسِ ومُقَدَّمُها كَأنَّها وُضِعَتْ في أشْرَفِ مَوْضِعٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. وقِيلَ: كانَتْ مَساجِدُهم تُسَمّى المَحارِيبَ. رُوِيَ أنَّهُ كانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها إلّا هو وحْدَهُ وإذا خَرَجَ غَلَّقَ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ. ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفاعِلِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِأمْرِها، و نَصْبُ المِحْرابِ عَلى التَّوَسُّعِ، وكَلِمَةُ "كُلَّما" ظَرْفٌ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، و الزَّمانُ مَحْذُوفٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مَعْناها الوَقْتُ، و العائِدُ مَحْذُوفٌ والعامِلُ فِيها جَوابُها، أيْ: كُلَّ زَمانِ دُخُولِهِ عَلَيْها أوْ كُلَّ وقْتٍ دَخَلَ عَلَيْها فِيهِ. ﴿وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ أيْ: نَوْعًَا مِنهُ غَيْرَ مُعْتادٍ إذْ كانَ يَنْزِلُ ذَلِكَ مِنَ الجَنَّةِ وكانَ يَجِدُ عِنْدَها في الصَّيْفِ فاكِهَةَ الشِّتاءِ، وفي الشِّتاءِ فاكِهَةَ الصَّيْفِ ولَمْ تَرْضَعْ ثَدْيًَا قَطُّ. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: قالَ: ﴿يا مَرْيَمُ أنَّي لَكِ هَذا﴾ أيْ: مِن أيْنَ يَجِيءُ لَكِ هَذا الَّذِي لا يُشْبِهُ أرْزاقَ الدُّنْيا والأبْوابُ مُغْلَقَةٌ دُونَكِ، وهو دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الكَرامَةِ لِلْأوْلِياءِ ومَن أنْكَرَها جَعَلَ هَذا إرْهاصًَا وتَأْسِيسًَا لِرِسالَةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و أمّا جَعْلُهُ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيَأْباهُ اشْتِباهُ الأمْرِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما خاطَبَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِها بِمَعْزِلٍ مِن رُتْبَةِ الخِطابِ لِما عَلِمَ بِما شاهَدَهُ أنَّها مُؤَيَّدَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ. ﴿قالَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعَتْ مَرْيَمُ وهي صَغِيرَةٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى فَهْمِ السُّؤالِ و رَدِّ الجَوابِ، فَقِيلَ: قالَتْ: ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَلا تَعْجَبْ ولا تَسْتَبْعِدْ. ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَرْزُقَهُ. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَتِهِ أوْ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ تَفَضُّلًَا مِنهُ تَعالى، و هو تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، إمّا مِن تَمامِ كَلامِهِما فَيَكُونُ في مَحَلِّ النَّصْبِ، و إمّا مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو مُسْتَأْنِفٌ. رُوِيَ «أنَّ فاطِمَةَ الزَّهْراءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أهْدَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَغِيفَيْنِ وبِضْعَةَ لَحْمٍ، فَرَجَعَ بِها إلَيْها، فَقالَ: هَلُمِّي يا بُنَيَّةُ فَكَشَفَتْ عَنِ الطَّبَقِ فَإذا هو مَمْلُوءٌ خُبْزًَا ولَحْمًَا، فَقالَ لَها: أنّى لَكِ هَذا، قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ شَبِيهَةً بِسَيِّدَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ جَمَعَ عَلِيًَّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ وجَمِيعَ أهْلِ بَيْتِهِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ فَأكَلُوا و شَبِعُوا وبَقِيَ الطَّعامُ كَما هو فَأوْسَعَتْ عَلى جِيرانِها.»

آل عمران 3:38

﴿هُنالِكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ وقِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ سِيقَتْ في تَضاعِيفِ (p-31)حِكايَةِ مَرْيَمَ لِما بَيْنَهُما مِن قُوَّةِ الِارْتِباطِ وشِدَّةِ الِاشْتِباكِ مَعَ ما في إيرادِها مِن تَقْرِيرِ ما سِيقَتْ لَهُ حِكايَتُها مِن بَيانِ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ، فَإنَّ فَضائِلَ بَعْضِ الأقْرِباءِ أدِلَّةٌ عَلى فَضائِلِ الآخَرِينَ، و "هُنا" ظَرْفُ مَكانٍ و "اللّامُ" لِلدِّلالَةِ عَلى البُعْدِ و "الكافُ" لِلْخِطابِ، أيْ: في ذَلِكَ المَكانِ حَيْثُ هو قاعِدٌ عِنْدَ مَرْيَمَ في المِحْرابِ أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ إذْ يُسْتَعارُ "هُنا" و "ثَمَّةَ" و "حَيْثُ" لِلزَّمانِ. ﴿دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ لَمّا رَأى كَرامَةَ مَرْيَمَ عَلى اللَّهِ ومَنزِلَتَها مِنهُ تَعالى رَغِبَ في أنْ يَكُونَ لَهُ مِن إيشاعَ ولَدٌ مِثْلُ ولَدِ حَنَّةَ في النَّجابَةِ والكَرامَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى و إنْ كانَتْ عاقِرًَا عَجُوزًَا فَقَدْ كانَتْ حَنَّةُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: لَمّا رَأى الفَواكِهَ في غَيْرِ إبّانِها تَنَبَّهَ لِجَوازِ وِلادَةِ العَجُوزِ العاقِرِ مِنَ الشَّيْخِ الفانِي، فَأقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفِعْلِ لا عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ كانَ هو المُوجِبَ لِلْإقْبالِ عَلى الدُّعاءِ فَقَطْ بَلْ كانَ جُزْءًَا أخِيرًَا مِنَ العِلَّةِ التّامَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كِبَرُ سِنِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و ضَعْفُ قُواهُ وخَوْفُ مَوالِيهِ حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿قالَ﴾ تَفْسِيرٌ لِلدُّعاءِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ، لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ﴾ كِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِهَبْ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، فَـ"اللّامُ" صِلَةٌ لَهُ و "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًَا، أيْ: أعْطِنِي مِن مَحْضِ قُدْرَتِكَ مِن غَيْرِ وسَطٍ مُعْتادٍ. ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كَما وهَبْتَها لِحَنَّةَ، و يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ "مِن" بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "ذُرِّيَّةً"، أيْ: كائِنَةً مِن لَدُنْكَ، و "الذُّرِّيَّةُ": النَّسْلُ، تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والذَّكَرِ والأُنْثى، و المُرادُ هَهُنا: ولَدٌ واحِدٌ فالتَّأْنِيثُ في الصِّفَةِ لِتَأْنِيثِ لَفْظِ المَوْصُوفِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ: أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ... وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ وَهَذا إذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ واحِدٌ مُعَيَّنٌ، أمّا إذا قُصِدَ بِهِ المُعَيَّنُ امْتَنَعَ اعْتِبارُ اللَّفْظِ نَحْوُ: طَلْحَةُ وحَمْزَةُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ جاءَتْ طَلْحَةُ وذَهَبَتْ حَمْزَةُ. ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ: مُجِيبُهُ، و هو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَحْرِيكٌ لِسِلْسِلَةِ الإجابَةِ.

آل عمران 3:39

﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ كانَ المُنادِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما تُفْصِحُ عَنْهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ، فَناداهُ جِبْرِيلُ و الجَمْعُ كَما في قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ الثِّيابَ ومالَهُ غَيْرُ فَرَسٍ وثَوْبٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أتاهُ النِّداءُ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِينَ هُمُ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: لَمّا كانَ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَئِيسَهم عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الجَماعَةِ تَعْظِيمًَا لَهُ. وقِيلَ: الرَّئِيسُ لا بُدَّ لَهُ مِن أتْباعٍ، فَأسْنَدَ النِّداءَ إلى الكُلِّ مَعَ كَوْنِهِ صادِرًَا عَنْهُ خاصَّةً. وقُرِئَ فَنادِاهُ بِالإمالَةِ. ﴿وَهُوَ قائِمٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ النِّداءِ مُقَرِّرٌ لِما أفادَهُ الفاءُ مِن حُصُولِ البِشارَةِ عَقِيبَ الدُّعاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلى﴾ إمّا صِفَةٌ لِ قائِمٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ عِنْدِ مَن يَرى تَعَدُّدَهُ عِنْدَ كَوْنِ الثّانِي جُمْلَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ أوْ حالٌ أُخْرى مِنهُ عَلى القَوْلِ بِتَعَدُّدِها بِلا عَطْفٍ و لا بَدَلِيَّةٍ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "قائِمٌ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي المِحْرابِ﴾ أيْ: في المَسْجِدِ أوْ في غُرْفَةِ مَرْيَمَ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يُصَلِّي﴾ أوْ بِـ ﴿قائِمٌ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿يُصَلِّي﴾ حالًَا مِن ضَمِيرِ ﴿قائِمٌ﴾ لِأنَّ العامِلَ فِيهِ، و في الحالِ حِينَئِذٍ شَيْءٌ واحِدٌ فَلا يَلْزَمُ الفَصْلُ بِالأجْنَبِيِّ كَما يَلْزَمُ عَلى التَّقادِيرِ الباقِيَةِ. ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ أيْ: بِأنَّ اللَّهَ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ النِّداءِ مَجْراهُ لِكَوْنِهِ (p-32)نَوْعًَا مِنهُ. وقُرِئَ "يُبْشِرُكَ" مِنَ الإبْشارِ، و "يَبْشُرُكَ" مِنَ الثُّلاثِيِّ، وأيًَّا ما كانَ؛ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ إلى آخِرِهِ مَحْكِيًَّا بِعِبارَتِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ﴾ الآيَةُ. كَما يَلُوحُ بِهِ مُراجَعَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الجَوابِ إلَيْهِ تَعالى بِالذّاتِ لا بِواسِطَةِ المَلِكِ، والعُدُولُ عَنْ إسْنادِ التَّبْشِيرِ إلى نُونِ العَظَمَةِ حَسْبَما وقَعَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ كَما في قَوْلِ الخُلَفاءِ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَرْسُمُ لَكَ بِكَذا، و لِلْإيذانِ بِأنَّ ما حُكِيَ هُناكَ مِنَ النِّداءِ و التَّبْشِيرِ و ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المُحاوَرَةِ كانَ كُلُّ ذَلِكَ بِتَوَسُّطِ المَلِكِ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ عَنْهُ سُبْحانَهُ لا بِالذّاتِ كَما هو المُتَبادِرُ، و بِهَذا يَتَّضِحُ اتِّحادُ المَعْنى في السُّورَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ، فَتَأمَّلْ. و "يَحْيى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وإنْ جُعِلَ عَرَبِيًَّا فَمَنعُ صَرْفِهِ لِلتَّعْرِيفِ و وزْنِ الفِعْلِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: "إنَّما سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ". و قالَ قَتادَةُ: لِأنَّهُ تَعالى أحْيا قَلْبَهُ بِالإيمانِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: كانَ اسْمُهُ في الكِتابِ الأوَّلِ حَيًَّا، و لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ يَعُودُ إلَيْهِ الحالُ، أيْ: بِوِلادَةِ يَحْيى فَإنَّ التَّبْشِيرَ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن يَحْيى. ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و إنَّما سُمِّيَ "كَلِمَةً" لِأنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَةِ كُنْ مِن غَيْرِ أبٍ، فَشابَهَ البَدِيعِيّاتِ الَّتِي هي عالَمُ الأمْرِ، و "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةٍ لِـ "كَلِمَةٍ"، أيْ: بِكَلِمَةٍ كائِنَةٍ مِنهُ تَعالى. قِيلَ: هو أوَّلُ مَن آمَنَ بِهِ وصَدَّقَ بِأنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ و رُوحٌ مِنهُ. و قالَ السُّدِّيُّ: لَقِيَتْ أُمُّ يَحْيى أُمَّ عِيسى فَقالَتْ: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ بِحَبَلِي، فَقالَتْ مَرْيَمُ: وأنا أيْضًَا حُبْلى، قالَتْ: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ﴾ إلَخْ... وقالَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ يَحْيى كانَ أكْبَرَ مِن عِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ. وقِيلَ: بِثَلاثِ سِنِينَ، و قُتِلَ قَبْلَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَكُونُ بَيْنَ وِلادَةِ يَحْيى وبَيْنَ البِشارَةِ بِها زَمانٌ مَدِيدٌ لِما أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ وهي بِنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ بِنْتُ عَشْرِ سِنِينَ. وقِيلَ: بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ، أيْ: بِكِتابِ اللَّهِ سُمِّيَ كَلِمَةً كَما قِيلَ: كَلِمَةُ الحُوَيْدِرَةِ لِقَصِيدَتِهِ. ﴿وَسَيِّدًا﴾ عَطْفٌ عَلى مُصَدِّقًَا، أيْ: رَئِيسًَا يَسُودُ قَوْمَهُ ويَفُوقُهم في الشَّرَفِ، وكانَ فائِقًَا لِلنّاسِ قاطِبَةً فَإنَّهُ لَمْ يُلِمَّ بِخَطِيئَةٍ ولَمْ يُهِمَّ بِمَعْصِيَةٍ فَيالَها مِن سِيادَةٍ ما أسْناها. ﴿وَحَصُورًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: مُبالِغًَا في حَصْرِ النَّفْسِ وحَبْسِها عَنِ الشَّهَواتِ مَعَ القُدْرَةِ. رُوِيَ أنَّهُ مَرَّ في صِباهُ بِصِبْيانٍ فَدَعَوْهُ إلى اللَّعِبِ، فَقالَ: ما لِلَّعِبِ خُلِقْتُ. ﴿وَنَبِيًّا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما عُدِّدَ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ناشِئًَا مِنهُمْ، لِأنَّهُ كانَ مِن أصْلًَابِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ كائِنًَا مِن جُمْلَةِ المَشْهُورِينَ بِالصَّلاحِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ والمُرادُ بِالصَّلاحِ: ما فَوْقَ الصَّلاحِ الَّذِي لابُدَّ مِنهُ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ البَتَّةَ مِن أقاصِي مَراتِبِهِ، وعَلَيْهِ مَبْنِيٌّ دُعاءُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ .

آل عمران 3:40

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿رَبِّ﴾ لَمْ يُخاطِبِ المَلِكُ المُنادِيَ لَهُ بِمُلابَسَةِ أنَّهُ المُباشِرُ لِلْخِطابِ وإنْ كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ عَنْهُ تَعالى، بَلْ جَرى عَلى نَهْجِ دُعائِهِ السّابِقِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ والمُناجاةِ وجِدًَّا في التَّبَتُّلِ إلَيْهِ تَعالى واحْتِرازًَا عَمّا عَسى يُوهِمُ (p-33)خِطابُ المَلِكِ مِن تَوَهُّمِ أنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِما يَصْدُرُ عَنْهُ يَتَوَقَّفُ عَلى تَوَسُّطِهِ كَما يَتَوَقَّفُ وُقُوفُ البَشَرِ عَلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ سُبْحانَهُ عَلى تَوَسُّطِهِ في عامَّةِ الأحْوالِ وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَيْهِ في بَعْضِها. ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ فِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ أُخْبِرَ بِكَوْنِهِ غُلامًَا عِنْدَ التَّبْشِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ و "أنّى" بِمَعْنى كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ، و "كانَ" تامَّةٌ، و "أنّى" و "اللّامُ" مُتَعَلِّقَتانِ بِها وتَقْدِيمُ الجارِّ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًَا مِنَ الاعْتِناءِ بِما قُدِّمَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ، أيْ: كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ يَحْدُثُ لِي غُلامٌ؟ ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "غُلامٌ" إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ أوْ ناقِصَةً واسْمُها ظاهِرٌ وخَبَرُها إمّا (أنّى واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما مَرَّ أوْ هو الخَبَرُ و "أنّى" مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ حالٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، أيْ: أدْرَكَنِي كِبَرُ السِّنِّ و أثَّرَ فِيَّ كَقَوْلِهِمْ: أدْرَكَتْهُ السِّنُّ و أخَذَتْهُ السِّنُّ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ كِبَرَ السِّنِّ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مِن طَلائِعِ المَوْتِ طالِبٌ لِلْإنْسانِ لا يَكادُ يَتْرُكُهُ. قِيلَ: كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً. وقِيلَ: اثْنَتانِ وتِسْعُونَ. وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ. وقِيلَ: سِتُّونَ. وقِيلَ: خَمْسٌ وسِتُّونَ. وقِيلَ: سَبْعُونَ. وقِيلَ: خَمْسٌ وسَبْعُونَ. وقِيلَ: خَمْسٌ وثَمانُونَ ولِامْرَأتِهِ ثَمانٍ وتِسْعُونَ. ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ أيْ: ذاتُ عُقْرٍ، و هو أيْضًَا حالٌ مِن ياءِ "لِي" عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الحالِ أوْ مِن ياءِ "بَلَغَنِي" أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لِي ذَلِكَ؟ والحالُ أنِّي و امْرَأتِي عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ كُلَّ المُنافاةِ، وإنَّما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ سَبْقِ دُعائِهِ بِذَلِكَ وقُوَّةِ يَقِينِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، لاسِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلشَّواهِدِ السّالِفَةِ اسْتِعْظامًَا لِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعْجِيبًَا مِنها واعْتِدادًَا بِنِعْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ في ذَلِكَ لا اسْتِبْعادًَا لَهُ. وقِيلَ: بَلْ كانَ ذَلِكَ لِلِاسْتِبْعادِ حَيْثُ كانَ بَيْنَ الدُّعاءِ والبِشارَةِ سِتُّونَ سَنَةً وكانَ قَدْ نَسِيَ دُعاءَهُ وهو بَعِيدٌ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ اسْتِفْهامًَا عَنْ كَيْفِيَّةِ حُدُوثِهِ. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ. ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ "يَفْعَلُ" في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: ما يَشاءُ أنْ يَفْعَلَهُ مِن تَعاجِيبِ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ، فَـ "اللَّهُ" مُبْتَدَأٌ و "يَفْعَلُ" خَبَرُهُ و "الكافُ" في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها في الأصْلِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ أنْ يَفْعَلَهُ فِعْلًَا مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ العَجِيبِ والصُّنْعِ البَدِيعِ الَّذِي هو خَلْقُ الوَلَدِ مِن شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ، فَقُدِّمَ عَلى العامِلِ لِإفادَةِ القَصْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو أدْنى مِنَ المُشارِ إلَيْهِ، و اعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ أوْ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ مَعْرِفَةً، أيْ: يَفْعَلُ الفِعْلَ كائِنًَا مِثْلَ ذَلِكَ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ و الجَلالَةُ مُبْتَدَأٌ، أيْ: عَلى نَحْوِ هَذا الشَّأْنِ البَدِيعِ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى، و ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانٌ لِذَلِكَ الشَّأْنِ المُبْهَمِ أوْ "كَذَلِكَ" خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانٌ لَهُ.

آل عمران 3:41

﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى تَحَقُّقِ المَسْؤُولِ و وُقُوعِ الحَبَلِ وإنَّما سَألَها لِأنَّ العُلُوقَ أمْرٌ خَفِيٌّ لا يُوقَفُ عَلَيْهِ، فَأرادَ أنْ يُطْلِعَهُ اللَّهُ تَعالى لِيَتَلَقّى تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَلِيلَةَ مِن حِينِ حُصُولِها بِالشُّكْرِ ولا (p-34)يُؤَخِّرَهُ إلى أنْ يَظْهَرَ ظُهُورًَا مُعْتادًَا، ولَعَلَّ هَذا السُّؤالَ وقَعَ بَعْدَ البِشارَةِ بِزَمانٍ مَدِيدٍ إذْ بِهِ يَظْهَرُ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِ التَّفاوُتِ بَيْنَ سِنَّيْ يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ أوْ بِثَلاثِ سِنِينَ، لِأنَّ ظُهُورَ العَلامَةِ كانَ عَقِيبَ تَعْيِينِها لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ. اللَّهُمَّ إلّا أنْ تَكُونَ المُجاوَبَةُ بَيْنَ زَكَرِيّا ومَرْيَمَ في حالَةِ كِبَرِها، وقَدْ عُدَّتْ مِن جُمْلَةِ مَن تَكَلَّمَ في الصِّغَرِ بِمُوجِبِ قَوْلِها المَحْكِيِّ، و الجَعْلُ إبْداعِيٌّ و اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ و التَّقْدِيمُ لِما مَرَّ مِرارًَا مِنَ الاعْتِناءِ بِما قُدِّمَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن ﴿ "آيَةً".﴾ وقِيلَ: هو بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المُسْتَدْعِي لِمَفْعُولَيْنِ، أوَّلُهُما: "آيَةً"، وثانِيهِما: "لِي"، و التَّقْدِيمُ لِأنَّهُ لا مُسَوِّغَ لِكَوْنِ "آيَةً" مُبْتَدَأً عِنْدَ انْحِلالِ الجُمْلَةِ إلى مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ سِوى تَقْدِيمِ الجارِّ فَلا يَتَغَيَّرُ حالُهُما بَعْدَ دُخُولِ النّاسِخِ. ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ: أنْ لا تَقْدِرَ عَلى تَكْلِيمِهِمْ. ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ: مُتَوالِيَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ و إنَّما جُعِلَتْ آيَتُهُ ذَلِكَ لِتَخْلِيصِ المُدَّةِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وشُكْرِهِ قَضاءً لِحَقِّ النِّعْمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: آيَةُ حُصُولِ المَطْلُوبِ و وُصُولِ النِّعْمَةِ أنْ تَحْبِسَ لِسانَكَ إلّا عَنْ شُكْرِها، وأحْسَنُ الجَوابِ ما اشْتُقَّ مِنَ السُّؤالِ. ﴿إلا رَمْزًا﴾ أيْ: إشارَةً بِيَدٍ أوْ رَأْسٍ أوْ نَحْوِهِما وأصْلُهُ التَّحَرُّكُ يُقالُ ارْتَمَزَ، أيْ: تَحَرَّكَ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ: "الرّامُوزُ"، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ الإشارَةَ لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ الكَلامِ أوْ مُتَّصِلٌ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَلامِ ما فُهِمَ مِنهُ المَرامُ، و لا رَيْبَ في كَوْنِ الرَّمْزِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ. وقُرِئَ "رَمَزًَا" بِفَتْحَتَيْنِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ رامِزٍ كَخَدَمٍ، وبِضَمَّتَيْنِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ رُمُوزٍ كَرُسُلٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُ ومِنَ النّاسِ مَعا بِمَعْنى مُتَرامِزَيْنِ كَقَوْلِهِ: ؎ مَتى ما تَلْقَنِي فَرْدَيْنِ تَرْجُفُ ∗∗∗ رَوانِفُ إلْيَتَيْكَ وتُسْتَطارا ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أيْ: في أيّامِ الحَبْسَةِ شُكْرًَا لِحُصُولِ التَّفَضُّلِ والإنْعامِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية. ﴿كَثِيرًا﴾ أيْ: ذِكْرًَا كَثِيرًَا أوْ زَمانًَا كَثِيرًَا. ﴿وَسَبِّحْ﴾ أيْ: سَبِّحْهُ تَعالى أوِ افْعَلِ التَّسْبِيحَ. ﴿بِالعَشِيِّ﴾ أيْ: مِنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، وقِيلَ: مِنَ العَصْرِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ. ﴿والإبْكارِ﴾ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى الضُّحى. قِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ: الصَّلاةُ، بِدَلِيلِ تَقْيِيدِهِ بِالوَقْتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ . وقِيلَ: الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ، كَما أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ: الذِّكْرُ القَلْبِيُّ. وقُرِئَ "الأبْكارِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ بِكَرٍ كَسَحَرٍ وأسْحارٍ.

آل عمران 3:42

﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ شُرُوعٌ في شَرْحِ بَقِيَّةِ أحْكامِ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ إثْرَ الإشارَةِ إلى نُبَذٍ مِن فَضائِلَ بَعْضِ أقارِبِهِمْ - أعْنِي زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ -لِاسْتِدْعاءِ المَقامِ إيّاهُما حَسْبَما أُشِيرُ إلَيْهِ. وقُرِئَ بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ و المُرادُ بِـ "المَلائِكَةُ": جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ، و "إذْ" مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى المُضْمَرِ السّابِقِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الظَّرْفِ السّابِقِ أعْنِي( قَوْلَهُ: إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ فَتَدَبَّرْ، أيْ: واذْكُرْ أيْضًَا مِن شَواهِدِ اصْطِفائِهِمْ وقْتَ قَوْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿يا مَرْيَمُ﴾ وتَكْرِيرُ التَّذْكِيرِ لِلْإشْعارِ بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِما يُحْكى مِن أحْكامِ الِاصْطِفاءِ والتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِها وانْفِرادِها عَنِ الأحْكامِ السّابِقَةِ، فَإنَّها مِن أحْكامِ التَّرْبِيَةِ الجِسْمانِيَّةِ اللّائِقَةِ بِحالِ صِغَرِ مَرْيَمَ، وهَذِهِ مِن بابِ التَّرْبِيَةِ (p-35)الرُّوحانِيَّةِ بِالتَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِحالِ كِبَرِها. قِيلَ: كَلَّمُوها شِفاهًَا كَرامَةً لَها أوْ إرْهاصًَا لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَكانِ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَسْتَنْبِئِ امْرَأةً، وقِيلَ: ألْهَمُوها. ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ أوَّلًَا حَيْثُ تَقَبَّلَكِ مِن أُمِّكِ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ولَمْ يَتَقَبَّلْ غَيْرَكِ أُنْثى و رَبّاكِ في حِجْرِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ورَزَقَكِ مِن رِزْقِ الجَنَّةِ وخَصَّكِ بِالكَراماتِ السَّنِيَّةِ. ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ أيْ: مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الأحْوالِ والأفْعالِ ومِمّا قَذَفَكِ بِهِ اليَهُودُ بِإنْطاقِ الطِّفْلِ. ﴿واصْطَفاكِ﴾ آخِرًَا. ﴿عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ بِأنْ وهَبَ لَكِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن غَيْرِ أبٍ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ النِّساءِ وجَعَلَكُما آيَةً لِلْعالَمِينَ، فَعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ حِكايَةِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى حِكايَةِ بِشارَتِها بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما مَرَّ مِرارًَا مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًَّا مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلِاسْتِقْلالِ بِالتَّذْكِيرِ، و لَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الخارِجِيُّ لَتَبادَرَ كَوْنُ الكُلِّ شَيْئًَا واحِدًَا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِاصْطِفاءَيْنِ واحِدٌ و التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ وتَبْيِينِ مَنِ اصْطَفاها عَلَيْهِنَّ، فَحِينَئِذٍ لا إشْكالَ في تَرْتِيبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ إذْ يُحْمَلُ حِينَئِذٍ الِاصْطِفاءُ عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًَا، و تُجْعَلُ هَذِهِ المُقاوَلَةُ قَبْلَ بِشارَتِها بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيذانًَا بِكَوْنِها قَبْلَ ذَلِكَ مُتَوَفِّرَةً عَلى الطّاعاتِ والعِباداتِ حَسْبَما أُمِرَتْ بِها مُجْتَهِدَةً فِيها مُقْبِلَةً عَلى اللَّهِ تَعالى مُتَبَتِّلَةً إلَيْهِ تَعالى مُنْسَلِخَةً عَنْ أحْكامِ البَشَرِيَّةِ مُسْتَعِدَّةً لِفَيَضانِ الرُّوحِ عَلَيْها.

آل عمران 3:43

﴿يا مَرْيَمُ﴾ تَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المَقْصُودَ بِالخِطابِ ما يَرِدُ بَعْدَهُ، و أنَّ ما قَبْلَهُ مِن تَذْكِيرِ النِّعَمِ كانَ تَمْهِيدًَا لِذِكْرِهِ وتَرْغِيبًَا في العَمَلِ بِمُوجِبِهِ. ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ: قُومِي في الصَّلاةِ أوْ أطِيلِي القِيامَ فِيها لَهُ تَعالى، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَها لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ. ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أُمِرَتْ بِالصَّلاةِ بِالجَماعَةِ بِذِكْرِ أرْكانِها مُبالَغَةً في إيجابِ رِعايَتِها و إيذانًَا بِفَضِيلَةِ كُلٍّ مِنها و أصالَتِهِ، و تَقْدِيمُ السُّجُودِ عَلى الرُّكُوعِ إمّا لِكَوْنِ التَّرْتِيبِ في شَرِيعَتِهِمْ كَذَلِكَ، و إمّا لِكَوْنِ السُّجُودِ أفْضَلَ أرْكانِ الصَّلاةِ وأقْصى مَراتِبِ الخُضُوعِ، ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَوْنَ التَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ كَذَلِكَ بَلِ اللّائِقُ بِهِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى و إمّا لِيَقْتَرِنَ ارْكَعِي بِالرّاكِعِينَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَن لا رُكُوعَ في صَلاتِهِمْ لَيْسُوا مُصَلِّينَ، و أمّا ما قِيلَ مِن أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ فَغايَتُهُ التَّصْحِيحُ لا التَّرْجِيحُ، و تَجْرِيدُ الأمْرِ بِالرُّكْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ عَمّا قُيِّدَ بِهِ الأوَّلُ لِما أنَّ المُرادَ تَقْيِيدُ الأمْرِ بِالصَّلاةِ بِذَلِكَ و قَدْ فَعَلَ، حَيْثُ قَيَّدَ بِهِ الرُّكْنَ الأوَّلَ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِالقُنُوتِ إدامَةُ الطّاعاتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ و بِالسُّجُودِ الصَّلاةُ لِما مَرَّ مِن أنَّهُ أفْضَلُ أرْكانِها، و بِالرُّكُوعِ الخُشُوعُ والإخْباتُ. قِيلَ: لَمّا أُمِرَتْ بِذَلِكَ قامَتْ في الصَّلاةِ حَتّى ورِمَتْ قَدَماها وسالَتْ دَمًَا وقَيْحًَا.

آل عمران 3:44

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأُمُورِ البَدِيعَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عُلُوِّ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ و بُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ: مِنَ الأنْباءِ المُتَعَلِّقَةِ بِالغَيْبِ، (p-36)والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى. و قِيلَ: الخَبَرُ هو الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ، و ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ "نُوحِيهِ" أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، أيْ: نُوحِي مِن أنْباءِ الغَيْبِ أوْ نُوحِيهِ حالَ كَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ أنْباءِ الغَيْبِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوَحْيَ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ. ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا وتَنازَعُوا في تَرْبِيَةِ مَرْيَمَ، و هو تَقْرِيرٌ و تَحْقِيقٌ لِكَوْنِهِ وحْيًَا عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ بِمُنْكِرِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ الآيَةُ. ﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ الآيَةُ. فَإنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ أمْثالِ هاتِيكَ الحَوادِثِ والواقِعاتِ إمّا المُشاهَدَةُ، وإمّا السَّماعُ، وعَدَمُهُ مُحَقَّقٌ عِنْدَهم فَبَقِيَ احْتِمالُ المُعايَنَةِ المُسْتَحِيلَةِ ضَرُورَةً فَنُفِيَتْ تَهَكُّمًَا بِهِمْ. ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرارِ العامِلِ في لَدَيْهِمْ وأقْلامُهم أقْداحُهُمُ الَّتِي اقْتَرَعُوا بِها. وقِيلَ: اقْتَرَعُوا بِأقْلامِهِمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ تَبَرُّكًَا. ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ "يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ" أيْ: يُلْقُونَها يَنْظُرُونَ أوْ لِيَعْلَمُوا أيَّهم يَكْفُلُها. ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: في شَأْنِها تَنافُسًَا في كَفالَتِها حَسْبَما ذَكَرَ فِيما سَبَقَ و تَكْرِيرُ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ المَقْصُودِ بِعَطْفِ "إذْ يَخْتَصِمُونَ" عَلى "إذْ يُلْقُونَ" كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن:عَدَمِ حُضُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ إلْقاءِ الأقْلامِ وعَدَمِ حُضُورِهِ عِنْدَ الِاخْتِصامِ مُسْتَقِلٌّ بِالشَّهادَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لا سِيَّما إذا أُرِيدَ بِاخْتِصامِهِمْ تَنازُعُهم قَبْلَ الِاقْتِراعِ، فَإنَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ مُؤَكِّدٌ لَهُ.

آل عمران 3:45

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو بَدَلٌ مِن "وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ" مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ، و ما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًَا لِما سَبَقَ و تَنْبِيهًَا عَلى اسْتِقْلالِهِ وكَوْنِهِ حَقِيقًَا بِأنْ يُعَدَّ عَلى حِيالِهِ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ، و تَرْكُ العَطْفِ بَيْنَهُما بِناءً عَلى اتِّحادِ المُخاطَبِ وإيذانًَا بِتَقارُنِ الخِطابَيْنِ أوْ تَقارُبِهِما في الزَّمانِ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ناصِبِهِ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن "إذْ يَخْتَصِمُونَ" كَأنَّهُ قِيلَ: وما كُنْتَ حاضِرًَا في ذَلِكَ الزَّمانِ المَدِيدِ الَّذِي وقَعَ في طَرَفٍ مِنهُ الِاخْتِصامُ و في طَرَفٍ آخَرَ هَذا الخِطابُ إشْعارًَا بِإحاطَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ مَرْيَمَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، و القائِلُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإيرادُ صِيغَةِ الجَمْعِ لِما مَرَّ. ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ "كَلِمَةٍ"، أيْ: بِكَلِمَةٍ كائِنَةٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ. ﴿اسْمُهُ﴾ ذَكَّرَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى الكَلِمَةِ لِكَوْنِها عِبارَةً عَنْ مُذَكَّرٍ، و هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿المَسِيحُ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِيسى﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقِيلَ: خَبَرٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أعْنِي مَدْحًَا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى. وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْمِ ما بِهِ يَتَمَيَّزُ المُسَمّى عَمَّنْ سِواهُ، فالخَبَرُ حِينَئِذٍ مَجْمُوعُ الثَّلاثَةِ إذْ هو المُمَيِّزُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمْيِيزًَا عَنْ جَمِيعِ مَن عَداهُ، و "المَسِيحُ" لَقَبُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو مِنَ الألْقابِ (p-37)المُشَرَّفَةِ كالصِّدِّيقِ و أصْلُهُ بِالعِبْرِيَّةِ مَشِيحًَا، ومَعْناهُ: المُبارَكُ. و "عِيسى" مُعَرَّبٌ مِن إيشُوعَ والتَّصَدِّي لِاشْتِقاقِهِما مِنَ المَسْحِ والعَيْسِ، وتَعْلِيلُهُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ أوْ بِما يُطَهِّرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ أوْ مَسَحَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ مَسَحَ الأرْضَ و لَمْ يُقِمْ في مَوْضِعٍ أوْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَمْسَحُ ذا العاهَةِ فَيَبْرَأُ وبِأنَّهُ كانَ في لَوْنِهِ عِيَسٌ أيْ: بَياضٌ يَعْلُوهُ حُمْرَةٌ مِن قَبِيلِ الرَّقْمِ عَلى الماءِ، وإنَّما قِيلَ: ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ لَها تَنْبِيهًَا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ فَلا يُنْسَبُ إلّا إلى أُمِّهِ، وبِذَلِكَ فُضِّلَتْ عَلى نِساءِ العالَمِينَ. ﴿وَجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ "الوَجِيهُ": ذُو الجاهِ و هو القُوَّةُ والمَنَعَةُ والشَّرَفُ، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن "كَلِمَةٍ"، فَإنَّها وإنْ كانَتْ نَكِرَةً لَكِنَّها صالِحَةٌ لِأنْ يَنْتَصِبَ بِها الحالُ و تَذْكِيرُها بِاعْتِبارِ المَعْنى، و الوَجاهَةُ في الدُّنْيا: النُّبُوَّةُ والتَّقَدُّمُ عَلى النّاسِ، وفي الآخِرَةِ: الشَّفاعَةُ وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ في الجَنَّةِ. ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى رَفْعِهِ إلى السَّماءِ وصُحْبَةِ المَلائِكَةِ، وهو عَطْفٌ عَلى الحالِ الأُولى وقَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:

آل عمران 3:46

﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ أيْ: يُكَلِّمُهم حالَ كَوْنِهِ طِفْلًَا وكَهْلًَا كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، و "المَهْدُ" مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُمْهَدُ لِلصَّبِيِّ، أيْ: يُسَوّى مِن مَضْجَعِهِ. وقِيلَ: إنَّهُ شابًَّا رُفِعَ، والمُرادُ: وكَهْلًَا بَعْدَ نُزُولِهِ، وفي ذِكْرِ أحْوالِهِ المُخْتَلِفَةِ المُتَنافِيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ. ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حالٌ أُخْرى مِن كَلِمَةٍ مَعْطُوفَةٍ عَلى الأحْوالِ السّالِفَةِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في "يُكَلِّمُ".

آل عمران 3:47

"قالَتْ" اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ مَرْيَمُ حِينَ قالَتْ لَها المَلائِكَةُ ما قالَتْ؟ فَقِيلَ: قالَتْ مُتَضَرِّعَةً إلى رَبِّها: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ﴾ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ أوْ مِن أيْنَ يَكُونُ؟! ﴿لِي ولَدٌ﴾ عَلى وجْهِ الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ والتَّعَجُّبِ واسْتِعْظامِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقِيلَ: عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ والِاسْتِفْسارِ بِأنَّهُ بِالتَّزَوُّجِ أوْ بِغَيْرِهِ و "يَكُونُ" إمّا تامَّةٌ و "أنّى" و "اللّامُ" مُتَعَلِّقَتانِ بِها، وتَأْخِيرُ الفاعِلِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ مِنَ الاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "وَلَدٌ" إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ، وإمّا ناقِصَةٌ واسْمُها "وَلَدٌ" وخَبَرُها إمّا "أنّى" و "اللّامُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًَا كَما مَرَّ، أوْ خَبَرٌ و "أنّى" نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِلِاسْتِبْعادِ، أيْ: و الحالُ أنِّي عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِلْوِلادَةِ. "قالَ" اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ، والقائِلُ هو اللَّهُ تَعالى أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ الكَلامُ في إعْرابِهِ كَما مَرَّ في قِصَّةِ زَكَرِيّا بِعَيْنِهِ، خَلا أنَّ إيرادَ "يَخْلُقُ" هَهُنا مَكانَ "يَفْعَلُ" هُناكَ لِما أنَّ وِلادَةَ العَذْراءِ مِن غَيْرِ أنْ يَمَسَّها بَشَرٌ أبْدَعُ وأغْرَبُ مِن وِلادَةِ عَجُوزٍ عاقِرٍ مِن شَيْخٍ فانٍ، فَكانَ الخَلْقُ المُنْبِئُ عَنِ الاخْتِراعِ أنْسَبَ بِهَذا المَقامِ مِن مُطْلَقِ الفِعْلِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ فَقِيلَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ، أيْ: أرادَ شَيْئًَا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا﴾ وأصْلُ القَضاءِ: الإحْكامُ، أُطْلِقَ عَلى الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ القَطْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ لِإيجابِها إيّاهُ (p-38)البَتَّةَ، وقِيلَ: الأمْرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: وقَضى رَبُّكَ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ لا غَيْرَ. ﴿فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ رَيْثٍ، وهو كَما تَرى تَمْثِيلٌ لِكَمالِ قدرته تعالى وسُهُولَةِ تَأتِّي المَقْدُوراتِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ وتَصْوِيرٌ لِسُرْعَةِ حُدُوثِها بِما هو عُلِمَ فِيها مِن طاعَةِ المَأْمُورِ المُطِيعِ لِلْآمِرِ القَوِيِّ المُطاعِ، وبَيانٌ لِأنَّهُ تَعالى كَما يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الأشْياءِ مُدْرِجًَا بِأسْبابٍ ومَوادَّ مُعْتادَةٍ يَقْدِرُ عَلى خَلْقِها دَفْعَةً مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى شَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ والمَوادِّ.

آل عمران 3:48

﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ أيِ: الكِتابَةَ أوْ جِنْسَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ: العُلُومَ وتَهْذِيبَ الأخْلاقِ. ﴿والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إفْرادُهُما بِالذِّكْرِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالكِتابِ جِنْسَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ لِزِيادَةِ فَضْلِهِما و إنافَتِهِما عَلى غَيْرِهِما، و الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ أوْ عَلى ﴿وَجِيهًا﴾ أوْ عَلى ﴿يَخْلُقُ﴾ أوْ هو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ تَطْيِيبًَا لِقَلْبِها و إزاحَةً لِما أهَمَّها مِن خَوْفِ اللّائِمَةِ لَمّا عَلِمَتْ أنَّها تَلِدُ مِن غَيْرِ زَوْجٍ. وقُرِئَ "وَنُعَلِّمُهُ" بِالنُّونِ.

آل عمران 3:49

﴿وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَعُودُ إلَيْهِ المَعْنى مَعْطُوفٌ عَلى "يُعَلِّمُهُ" أيْ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًَا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: كُلِّهِمْ. و قالَ بَعْضُ اليَهُودِ: إنَّهُ كانَ مَبْعُوثًَا إلى قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، ثُمَّ قِيلَ: كانَ رَسُولًَا حالَ الصِّبا، وقِيلَ: بَعْدَ البُلُوغِ وكانَ أوَّلَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وآخِرَهم عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ و السَّلامُ، و قِيلَ أوَّلُهم مُوسى وآخِرُهم عِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ و السَّلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِ "رَسُولًَا" لِما فِيهِ مِن مَعْنى النُّطْقِ، أيْ: رَسُولًَا ناطِقًَا بِأنِّي إلَخْ... وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْمُولٍ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى مَن يُعَلِّمُهُ، أيْ: ويَقُولُ أُرْسِلْتُ رَسُولًَا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم إلَخْ... وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ و لا يَقْدَحُ فِيهِ كَوْنُها في حُكْمِ الغَيْبَةِ مَعَ كَوْنِ هَذا في حُكْمِ التَّكَلُّمِ لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حالَ كَوْنِهِ وجِيهًَا و رَسُولًَا ناطِقًَا بِأنِّي إلَخْ... وقُرِئَ "وَرَسُولٍ" بِالجَرِّ عَطْفًَا عَلى "كَلِمَةٍ" و الباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِآيَةٍ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ الفِعْلِ عَلى أنَّها لِلْمُلابَسَةِ، و التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ دُونَ الوَحْدَةِ لِظُهُورِ تَعَدُّدِها وكَثْرَتِها. وقُرِئَ "بِآياتٍ" أوْ "بِجِئْتُكُمْ" عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ، و "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِآيَةٍ أيْ: قَدْ جِئْتُكم مُلْتَبِسًَا بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِن رَبِّكم أوْ أتَيْتُكم بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنهُ تَعالى، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ بِما سَيَأْتِي مِنَ الأوامِرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى نَزْعِ الجارِّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، والجَرُّ عَلى رَأْيِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ، أوْ بَدَلٌ مِن "آيَةٍ". وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: أعْنِي أنِّي إلَخْ... وقِيلَ: مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أيْ: هي أنِّي أخْلُقُ لَكم. وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ: أُقَدِّرُ لَكُمْ، أيْ: لِأجْلِ تَحْصِيلِ إيمانِكم ودَفْعِ تَكْذِيبِكم إيّاىَ مِنَ (p-39)الطِّينِ شَيْئًَا مِثْلَ صُورَةِ الطَّيْرِ. ﴿فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ لِلْكافِ، أيْ: في ذَلِكَ الشَّيْءِ المُماثِلِ لِهَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقُرِئَ "فَأنْفُخُ فِيها" عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْهَيْئَةِ المُقَدَّرَةِ، أيْ: أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ هَيْئَةً كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيها. ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ حَيًَّا طَيّارًَا كَسائِرِ الطُّيُورِ. ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ بِأمْرِهِ تَعالى، أشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ إلى أنَّ إحْياءَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنهُ. قِيلَ: لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا ادَّعى النُّبُوَّةَ وأظْهَرَ المُعْجِزاتِ طالَبُوهُ بِخَلْقِ الخُفّاشِ فَأخَذَ طِينًَا وصَوَّرَهُ ونَفَخَ فِيهِ فَإذا هو يَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، قالَ: وهْبٌ كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًَا لِيَتَمَيَّزَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، قِيلَ: إنَّما طَلَبُوا خَلْقَ الخُفّاشِ لِأنَّهُ أكْمَلُ الطَّيْرِ خَلْقًَا وأبْلَغُ دِلالَةً عَلى القُدْرَةِ لِأنَّ لَهُ ثُدِيًَّا وأسْنانًَا وهي تَحِيضُ وتَطْهُرُ وتَلِدُ كَسائِرِ الحَيَوانِ وتَضْحَكُ كَما يَضْحَكُ الإنْسانُ وتَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ ولا تُبْصِرُ في ضَوْءِ النَّهارِ ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وإنَّما تَرى في ساعَتَيْنِ ساعَةٍ بَعْدَ الغُرُوبِ وساعَةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ. وقِيلَ: خَلَقَ أنْواعًَا مِنَ الطَّيْرِ. ﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ أيِ: الَّذِي وُلِدَ أعْمى أوِ المَمْسُوحَ العَيْنِ. ﴿والأبْرَصَ﴾ المُبْتَلى بِالبَرَصِ، لَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَنْفِرُ مِن شَيْءٍ نِفَرَها مِنهُ. ويُقالُ لَهُ: الوَضَحُ أيْضًَا، و تَخْصِيصُ هَذَيْنِ الدّاءَيْنِ لِأنَّهُما مِمّا أعْيا الأطِبّاءَ وكانُوا في غايَةِ الحِذاقَةِ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأراهُمُ اللَّهُ تَعالى المُعْجِزَةَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رُبَّما كانَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أُلُوفٌ مِنَ المَرْضى مَن أطاقَ مِنهم أتاهُ ومَن لَمْ يُطِقْ أتاهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما يُداوِيهِ إلّا بِالدُّعاءِ. ﴿وَأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَهُ مُبالَغَةً في دَفْعِ وهْمِ مَن تَوَهَّمَ فِيهِ اللّاهُوتِيَّةَ. قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُحْيِي المَوْتى بِـيا حَيُّ يا قَيُّومُ. أحْيا عازَرَ وكانَ صَدِيقًَا لَهُ فَعاشَ و وُلِدَ لَهُ، ومَرَّ عَلى ابْنِ عَجُوزٍ مَيِّتٍ فَدَعا اللَّهَ تَعالى فَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ حَيًَّا و رَجَعَ إلى أهْلِهِ و بَقِيَ و وُلِدَ لَهُ وبِنْتُ العاشِرِ أحْياها و ولَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالُوا: إنَّكَ تُحْيِي مَن كانَ قَرِيبَ العَهْدِ مِنَ المَوْتِ فَلَعَلَّهم لَمْ يَمُوتُوا بَلْ أصابَتْهم سَكْتَةٌ فَأحْىِ لَنا سامَ بْنَ نُوحٍ، فَقالَ: دُلُّونِي عَلى قَبْرِهِ فَفَعَلُوا فَقامَ عَلى قَبْرِهِ فَدَعا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَقامَ مِن قَبْرِهِ وقَدْ شابَ رَأْسُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: كَيْفَ شِبْتَ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِكم شَيْبٌ؟ قالَ: يا رُوحَ اللَّهِ لَمّا دَعَوْتَنِي سَمِعْتُ صَوْتًَا يَقُولُ: أجِبْ رُوحَ اللَّهِ، فَظَنَنْتُ أنَّ السّاعَةَ قَدْ قامَتْ فَمِن هَوْلِ ذَلِكَ شِبْتُ، فَسَألَهُ عَنِ النَّزْعِ قالَ: يا رُوحَ اللَّهِ إنَّ مَرارَتَهُ لَمْ تَذْهَبْ مِن حَنْجَرَتِي، وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَوْتِهِ أكْثَرُ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ، وقالَ لِلْقَوْمِ: صَدِّقُوهُ فَإنَّهُ نَبِيُ اللَّهِ فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَذَّبَهُ آخَرُونَ فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ فَأرِنا آيَةً، فَقالَ يا فُلانٌ أكَلْتَ كَذا و يا فُلانٌ خُبِّئَ لَكَ كَذا وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: بِالمُغَيَّباتِ مِن أحْوالِكُمُ الَّتِي لا تَشُكُّونَ فِيها. وقُرِئَ "تَذْخَرُونَ" بِالذّالِ و التَّخْفِيفِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ. ﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً، وقُرِئَ "لَآياتٍ". ﴿لَكُمْ﴾ دالَّةً عَلى صِحَّةِ رِسالَتِي دِلالَةً واضِحَةً. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِانْصِبابِ المَعْنى إلَيْهِ أوْ دِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، أيِ: انْتَفَعْتُمْ بِها أوْ إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ دَلَّتْكم عَلى صِحَّةِ رِسالَتِي والإيمانِ بِها.

آل عمران 3:50

﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ (p-40)عَطْفٌ عَلى المُضْمَرِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: "بِآيَةٍ" أيْ: قَدْ جِئْتُكم مُلْتَبِسًَا بِآيَةٍ إلَخْ... ﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ﴾ إلَخْ... أوْ عَلى "رَسُولًَا" عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ، فَإنَّ "مُصَدِّقًَا" فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ كَما في "رَسُولًَا" أيْ: ويَجْعَلُهُ مُصَدِّقًَا ناطِقًَا بِأنِّي أُصَدِّقُ إلَخْ... أوْ و يَقُولُ أُرْسِلْتُ رَسُولًَا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم إلَخْ ومُصَدِّقًَا إلَخْ أوْ حالَ كَوْنِهِ مُصَدِّقًَا ناطِقًَا بِأنِّي أُصَدِّقُ إلَخْ أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أيْ: وجِئْتُكم مُصَدِّقًَا إلَخْ وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ التَّوْراةِ﴾ إمّا حالٌ مِنَ المَوْصُولِ والعامِلُ "مُصَدِّقًَا" وإمّا مِن ضَمِيرِهِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ صِلَةً و العامِلُ الِاسْتِقْرارُ المُضْمَرُ في الظَّرْفِ أوْ نَفْسُ الظَّرْفِ لِقِيامِهِ مَقامَ الفِعْلِ. ﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ: وجِئْتُكم لِأُحِلَّ إلَخْ وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى مَعْنى "مُصَدِّقًَا" كَقَوْلِهِمْ: جِئْتُهُ مُعْتَذِرًَا ولِأجْتَلِبَ رِضاهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جِئْتُكم لِأُصَدِّقَ ولِأُحِلَّ إلَخْ وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى "بِآيَةٍ" أيْ: قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم ولِأُحِلَّ لَكم. ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الشُّحُومِ والثُّرُوبِ والسَّمَكِ ولُحُومِ الإبِلِ والعَمَلِ في السَّبْتِ. قِيلَ: أحَلَّ لَهم مِنَ السَّمَكِ والطَّيْرِ ما لا صِئْصِئَةَ لَهُ، و اخْتُلِفَ في إحْلالِ السَّبْتِ. وقُرِئَ "حَرَّمَ" عَلى تَسْمِيَةِ الفاعِلِ وهو ما بَيْنَ يَدَيَّ أوِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقُرِئَ "حَرُمَ" بِوَزْنِ كَرُمَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ شَرْعَهُ كانَ ناسِخًَا لِبَعْضِ أحْكامِ التَّوْراةِ، ولا يُخِلُّ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًَا لَها لِما أنَّ النَّسْخَ في الحَقِيقَةِ بَيانٌ وتَخْصِيصٌ في الأزْمانِ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ مِرارًَا مِنَ المُبادَرَةِ إلى ذِكْرِ ما يَسُرُّ المُخاطَبِينَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ. ﴿وَجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ شاهِدَةٍ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِي. وقُرِئَ "بِآياتٍ". ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في عَدَمِ قَبُولِها ومُخالَفَةِ مَدْلُولِها. ﴿وَأطِيعُونِ﴾ فِيما آمُرُكم بِهِ وأنْهاكم عَنْهُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وتِلْكَ الآيَةُ هي قَوْلِي.

آل عمران 3:51

﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ فَإنَّهُ الحَقُّ الصَّرِيحُ الَّذِي أجْمَعَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ قاطِبَةً، فَيَكُونُ آيَةً بَيِّنَةً عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن جُمْلَتِهِمْ. وقُرِئَ "إنَّ اللَّهَ" بِالفَتْحِ بَدَلًَا مِن "آيَةٍ" أوْ "قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ" عَلى أنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم. وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ اعْتِراضٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ أيْ: قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ بَعْدَ آيَةٍ مِمّا ذَكَرْتُ لَكم مِن خَلْقِ الطَّيْرِ وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ والإحْياءِ والإنْباءِ بِالخَفِيّاتِ ومِن غَيْرِهِ مِن وِلادَتِي بِغَيْرِ أبٍ ومِن كَلامِي في المَهْدِ ومِن غَيْرِ ذَلِكَ، والأوَّلُ: لِتَمْهِيدِ الحُجَّةِ، والثّانِي: لِتَقْرِيبِها إلى الحُكْمِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ قَوْلُهُ: "فاتَّقُوُا اللَّهَ" أيْ: لَمّا جِئْتُكم بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ والآياتِ الظّاهِرَةِ فاتَّقُوُا اللَّهَ في المُخالَفَةِ وأطِيعُونِ فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ. ومَعْنى قِراءَةِ مَن فَتَحَ "وَلِأنَّ اللَّهَ رَبّى و رَبُّكم فاعْبُدُوهُ" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ إلَخْ ثُمَّ شَرَعَ في الدَّعْوَةِ وأشارَ إلَيْها بِالقَوْلِ المُجْمَلِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّ اسْتِكْمالَ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالِاعْتِقادِ الحَقِّ الَّذِي غايَتُهُ التَّوْحِيدُ، و قالَ: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ إشارَةً إلى اسْتِكْمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، فَإنَّهُ يُلازِمُ الطّاعَةَ الَّتِي هي الإتْيانُ بِالأوامِرِ والِانْتِهاءُ عَنِ المَناهِي، ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ هو الطَّرِيقُ المَشْهُودُ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ".»

آل عمران 3:52

﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَآلِ (p-41)أحْوالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إثْرَ ما أُشِيرَ إلى طَرَفٍ مِنها بِطَرِيقِ النَّقْلِ عَنِ المَلائِكَةِ، و "الفاءُ" فَصِيحَةٌ؛ تُفْصِحُ عَنْ تَحَقُّقِ جَمِيعِ ما قالَتْهُ المَلائِكَةُ وخُرُوجِهِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ حَسْبَما شَرَحْتُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَحَمَلَتْهُ فَوَلَدَتْهُ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ. و قالَ ذَيْتَ و ذَيْتَ وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ اكْتِفاءً بِحِكايَةِ المَلائِكَةِ و إيذانًَا بِعَدَمِ الخُلْفِ وثِقَةً بِما فُصِّلَ في المَواضِعِ الأُخَرِ، وأمّا عَدَمُ نَظْمِ بَقِيَّةِ أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في سِلْكِ النَّقْلِ فَإمّا لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِها أوْ لِعَدَمِ مُناسَبَتِها لِمَقامِ البِشارَةِ لِما فِيها مِن ذِكْرِ مُقاساتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلشَّدائِدِ ومُعاناتِهِ لِلْمَكايِدِ، والمُرادُ بِالإحْساسِ: الإدْراكُ القَوِيُّ الجارِي مَجْرى المُشاهَدَةِ و بِالكُفْرِ إصْرارُهم عَلَيْهِ وعُتُوُّهم ومُكابَرَتُهم فِيهِ مَعَ العَزِيمَةِ عَلى قَتْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإحْساسُ، فَإنَّهُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ عِنْدَ كَوْنِ مُتَعَلِّقِهِ أمْرًَا مَحْذُورًَا مَكْرُوهًَا، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ وكَلِمَةُ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أحَسَّ" والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، أيِ: ابْتَدَأ الإحْساسُ مِن جِهَتِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ. و قِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ الكُفْرِ. ﴿قالَ﴾ أيْ: لَخَّصَ لِأصْحابِهِ لا لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ﴾ الآيَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ لَيْسَ بِنَصٍّ في تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الكُلِّ بَلْ يَكْفِي فِيهِ بُلُوغُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِمْ. ﴿مَن أنْصارِي﴾ الأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ كَأشْرافٍ جَمْعُ شَرِيفٍ. ﴿إلى اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ الياءِ، أيْ: مَن أنْصارِي مُتَوَجِّهًَا إلى اللَّهِ مُلْتَجِئًَا إلَيْهِ، أوْ بِأنْصارِي مُتَضَمِّنًَا مَعْنى الإضافَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَنِ الَّذِينَ يُضِيفُونَ أنْفُسَهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَنْصُرُونَنِي كَما يَنْصُرُنِي؟ وقِيلَ: "إلى" بِمَعْنى فِي، أيْ: في سَبِيلِ اللَّهِ. وقِيلَ: بِمَعْنى اللّامِ. وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا في جَوابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ فَقِيلَ: قالَ. ﴿الحَوارِيُّونَ﴾ جَمْعُ حَوارِيٍّ يُقالُ فُلانٌ حَوارِيُّ فُلانٍ، أيْ: صَفْوَتُهُ وخالِصَتُهُ مِنَ الحَوَرِ و هو البَياضُ الخالِصُ، و مِنهُ الحَوارِيّاتُ لِلْحَضَرِيّاتِ لِخُلُوصِ ألْوانِهِنَّ ونَقائِهِنَّ، سُمِّيَ بِهِ أصْحابُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِخُلُوصِ نِيّاتِهِمْ ونَقاءِ سَرائِرِهِمْ. وقِيلَ: لِما عَلَيْهِمْ مِن آثارِ العِبادَةِ وأنْوارِها. وقِيلَ: كانُوا مُلُوكًَا يَلْبَسُونَ البِيضَ، وذَلِكَ أنَّ واحِدًَا مِنَ المُلُوكِ صَنَعَ طَعامًَا وجَمَعَ النّاسَ عَلَيْهِ وكانَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى قَصْعَةٍ لا يَزالُ يَأْكُلُ مِنها ولا تَنْقُصُ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلْمَلِكِ فاسْتَدْعاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ لَهُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ فَتَرَكَ مُلْكَهُ وتَبِعَهُ مَعَ أقارِبِهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الحَوارِيُّونَ. وقِيلَ: كانُوا صَيّادِينَ يَصْطادُونَ السَّمَكَ يَلْبَسُونَ الثِّيابَ البِيضَ فِيهِمْ شَمْعُونُ ويَعْقُوبُ ويُوحَنّا فَمَرَّ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ لَهُمْ: أنْتُمْ تَصِيدُونَ السَّمَكَ فَإنِ اتَّبَعْتُمُونِي صِرْتُمْ بِحَيْثُ تَصِيدُونَ النّاسَ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ، قالُوا: مَن أنْتَ؟ قالَ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ و رَسُولُهُ فَطَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ وكانَ شَمْعُونُ قَدْ رَمى شَبَكَتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَما اصْطادَ شَيْئًَا فَأمَرَهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإلْقائِها في الماءِ مَرَّةً أُخْرى فَفَعَلَ فاجْتَمَعَ في الشَّبَكَةِ مِنَ السَّمَكِ ما كادَتْ تَتَمَزَّقُ واسْتَعانُوا بِأهْلِ سَفِينَةٍ أُخْرى ومَلَئُوُا السَّفِينَتَيْنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ آمَنُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: كانُوُا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًَا آمَنُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واتَّبَعُوهُ وكانُوا إذا جاعُوا قالُوا: جُعْنا يا رُوحَ اللَّهِ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ الأرْضَ فَيَخْرُجُ مِنها لِكُلِّ واحِدٍ رَغِيفانِ، وإذا عَطِشُوا قالُوا: (p-42)عَطِشْنا فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ الأرْضَ فَيَخْرُجُ مِنها الماءُ فَيَشْرَبُونَ، فَقالُوا: مَن أفْضَلُ مِنّا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أفْضَلُ مِنكم مَن يَعْمَلُ بِيَدِهِ ويَأْكُلُ مِن كَسْبِهِ فَصارُوا يَغْسِلُونَ الثِّيابَ بِالأُجْرَةِ فَسُمُّوا حَوارِيِّينَ. وقِيلَ: إنَّ أُمَّهُ سَلَّمَتْهُ إلى صَبّاغٍ فَأرادَ الصَّبّاغُ يَوْمًَا أنْ يَشْتَغِلَ بِبَعْضِ مَهَمّاتِهِ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَهُنا ثِيابٌ مُخْتَلِفَةٌ قَدْ جَعَلْتُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلامَةً مُعَيَّنَةً فاصْبِغْها بِتِلْكَ الألْوانِ فَغابَ فَجَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُلَّها في جُبٍّ واحِدٍ و قالَ: كُونِي بِإذْنِ اللَّهِ كَما أُرِيدُ فَرَجَعَ الصَّبّاغُ فَسَألَهُ فَأخْبَرَهُ بِما صَنَعَ، فَقالَ: أفْسَدْتَ عَلَيَّ الثِّيابَ قالَ: قُمْ فانْظُرْ، فَجَعَلَ يُخْرِجُ ثَوْبًَا أحْمَرَ و ثَوْبًَا أخْضَرَ و ثَوْبًَا أصْفَرَ إلى أنْ أخْرَجَ الجَمِيعَ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ حَسْبَما كانَ يُرِيدُ فَتَعَجَّبَ مِنهُ الحاضِرُونَ وآمَنُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهُمُ الحَوارِيُّونَ. قالَ القَفّالُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ هَؤُلاءِ الحَوارِيِّينَ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ المُلُوكِ وبَعْضُهم مِن صَيّادِي السَّمَكِ و بَعْضُهم مِنَ القَصّارِينَ و بَعْضُهم مِنَ الصَّبّاغِينَ، والكُلُّ سُمُّوا بِالحَوارِيِّينَ لِأنَّهم كانُوا أنْصارَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و أعْوانَهُ و المُخْلِصِينَ في طاعَتِهِ ومَحَبَّتِهِ. ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيْ: أنْصارُ دِينِهِ و رَسُولِهِ. ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى العِلَّةِ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ الإيمانَ بِهِ تَعالى مُوجِبٌ لِنُصْرَةِ دِينِهِ والذَّبِّ عَنْ أوْلِيائِهِ والمُحارَبَةِ مَعَ أعْدائِهِ. ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ مُخْلِصُونَ في الإيمانِ مُنْقادُونَ لِما تُرِيدُ مِنّا مِن نُصْرَتِكَ، طَلَبُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الشَّهادَةَ بِذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمَ يَشْهَدُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأُمَمِهِمْ وعَلَيْهِمْ إيذانًَا بِأنَّ مَرْمى غَرَضِهِمُ السَّعادَةُ الأُخْرَوِيَّةُ.

آل عمران 3:53

﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ تَضَرُّعٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ و عَرْضٌ لِحالِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى بَعْدَ عَرْضِها عَلى الرَّسُولِ مُبالَغَةً في إظْهارِ أمْرِهِمْ. ﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ أيْ: في كُلِّ ما يَأْتِي و يَذَرُ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الِاتِّباعُ في النُّصْرَةِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا. ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ: مَعَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِوَحْدانِيَّتِكَ أوْ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأتْباعِهِمْ أوْ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهم شُهَداءُ عَلى النّاسِ قاطِبَةً، وهو حالٌ مِن مَفْعُولِ "اكْتُبْنا".

آل عمران 3:54

﴿وَمَكَرُوا﴾ أيِ: الَّذِينَ عَلِمَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُفْرَهم مِنَ اليَهُودِ بِأنْ وكَّلُوا بِهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً. ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ بِأنْ رَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و ألْقى شَبَهَهُ عَلى مَن قَصَدَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ، و المَكْرُ مِن حَيْثُ أنَّهُ في الأصْلِ حِيلَةٌ يَجْلِبُ بِها غَيْرَهُ إلى مَضَرَّةٍ لا يُمْكِنُ إسْنادُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إلّا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ مَلِكَ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا قَصَدَ قَتْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَدْخُلَ بَيْتًَا فِيهِ رَوْزَنَةٌ فَرَفَعَهُ جِبْرِيلُ مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ إلى السَّماءِ فَقالَ المَلِكُ لِرَجُلٍ خَبِيثٍ مِنهُمُ: ادْخُلْ عَلَيْهِ فاقْتُلْهُ فَدَخَلَ البَيْتَ فَألْقى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ شَبَهَهُ عَلَيْهِ فَخَرَجَ يُخْبِرُهم أنَّهُ لَيْسَ في البَيْتِ فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ. وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَمَعَ الحَوارِيِّينَ لَيْلَةً و أوْصاهُمْ، ثُمَّ قالَ: لَيَكْفُرَنَّ بِي أحَدُكم قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ و يَبِيعُنِي بِدَراهِمَ يَسِيرَةٍ فَخَرَجُوا وتَفَرَّقُوا و كانَتِ اليَهُودُ تَطْلُبُهُ فَنافَقَ أحَدُهم فَقالَ لَهُمْ: ما تَجْعَلُونَ لِي إنْ دَلَلْتُكم عَلى المَسِيحِ؟ فَجَعَلُوا (p-43)لَهُ ثَلاثِينَ دِرْهَمًَا فَأخَذَها و دَلَّهم عَلَيْهِ فَألْقى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ شَبَهَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، فَأخَذُوُا المُنافِقَ وهو يَقُولُ: أنا دَلِيلُكم فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِهِ وصَلَبُوهُ، ثُمَّ قالُوا: وجْهُهُ يُشْبِهُ وجْهَ عِيسى و بَدَنُهُ يُشْبِهُ بَدَنَ صاحِبِنا فَإنْ كانَ هَذا عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا؟ وإنْ كانَ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى؟ فَوَقَعَ بَيْنَهم قِتالٌ عَظِيمٌ. وقِيلَ: لَمّا صُلِبَ المَصْلُوبُ جاءَتْ مَرْيَمُ ومَعَها امْرَأةٌ أبْرَأها اللَّهُ تَعالى مِنَ الجُنُونِ بِدُعاءِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و جَعَلَتا تَبْكِيانِ عَلى المَصْلُوبِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجاءَهُما فَقالَ: عَلامَ تَبْكِيانِ؟ فَقالَتا: عَلَيْكَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَنِي و لَمْ يُصِبْنِي إلّا خَيْرٌ، وإنَّ هَذا شَيْءٌ شُبِّهَ لَهم. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَقَ: إنَّ اليَهُودَ عَذَّبُوُا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و لَقُوا مِنهُمُ الجَهْدَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَلِكَ الرُّومِ وكانَ مَلِكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ رَجُلًَا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِمَّنْ تَحْتَ أمْرِكَ كانَ يُخْبِرُهم أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ و أراهم إحْياءَ المَوْتى وإبْراءَ الأكْمَهِ والأبْرَصِ و فَعَلَ و فَعَلَ، فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ ذَلِكَ ما خَلَّيْتُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إلى الحَوارِيِّينَ فانْتَزَعَهم مِن أيْدِيهِمْ و سَألَهم عَنْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخْبَرُوهُ فَبايَعَهم عَلى دِينِهِمْ، وأنْزَلَ المَصْلُوبَ فَغَيَّبَهُ وأخَذَ الخَشَبَةَ فَأكْرَمَها ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلَ مِنهم خَلْقًَا عَظِيمًَا، ومِنهُ ظَهَرَ أصْلُ النَّصْرانِيَّةِ في الرُّومِ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ مَلِكٌ آخَرُ يُقالُ لَهُ: طَطْيُوسُ و غَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَحْوٍ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً فَقَتَلَ و سَبى و لَمْ يَتْرُكْ في مَدِينَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ حَجَرًَا عَلى حَجَرٍ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ و النَّضِيرُ إلى الحِجازِ قالَ أهْلُ التَّوارِيخِ: حَمَلَتْ مَرْيَمُ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهي بِنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً و ولَدَتْهُ بِبَيْتِ لَحْمَ مِن أرْضِ أُورْشَلِيمَ لِمُضِيِّ خَمْسٍ وسِتِّينَ سَنَةً مِن غَلَبَةِ الإسْكَنْدَرِ عَلى أرْضِ بابِلَ، و أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً و رَفَعَهُ إلَيْهِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ لَيْلَةَ القَدْرِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ و هو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وعاشَتْ أُمُّهُ بَعْدَ رَفْعِهِ سِتَ سِنِينَ. ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أقْواهم مَكْرًَا وأنْفَذُهم كَيْدًَا وأقْدَرُهم عَلى إيصالِ الضَّرَرِ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ، وإظْهارُ الجَلالَةِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

آل عمران 3:55

﴿إذْ قالَ اللَّهُ﴾ ظَرْفٌ لِمَكْرِ اللَّهِ أوْ لِمُضْمَرٍ نَحْوِ وقَعَ ذَلِكَ. ﴿يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أيْ: مُسْتَوْفِي أجَلِكَ و مُؤَخِّرُكَ إلى أجَلِكَ المُسَمّى عاصِمًَا لَكَ مِن قَتْلِهِمْ أوْ قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ مِن:تَوَفَّيْتُ مالِي أوْ مُتَوَفِّيكَ نائِمًَا؛ إذْ رُوِيَ أنَّهُ رُفِعَ وهو نائِمٌ. وقِيلَ: مُمِيتُكَ في وقْتِكَ بَعْدَ النُّزُولِ مِنَ السَّماءِ و رافِعُكَ الآنَ أوْ مُمِيتُكَ مِنَ الشَّهَواتِ العائِقَةِ عَنِ العُرُوجِ إلى عالَمِ المَلَكُوتِ. وقِيلَ: أماتَهُ اللَّهُ تَعالى سَبْعَ ساعاتٍ ثُمَّ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، وإلَيْهِ ذَهَبَتِ النَّصارى. قالَ القُرْطُبِيُّ: و الصَّحِيحُ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَهُ مِن غَيْرِ وفاةٍ ولا نَوْمٍ كَما قالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ وهو اخْتِيارُ الطَّبَرِيِّ - وهو الصَّحِيحُ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، و أصْلُ القِصَّةِ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا عَزَمُوا عَلى قَتْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَمَعَ الحَوارِيُّونَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًَا في غُرْفَةٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ المَسِيحُ مِن مِشْكاةِ الغُرْفَةِ فَأخْبَرَ بِهِمْ إبْلِيسُ جَمِيعَ اليَهُودِ فَرَكِبَ (p-44)مِنهم أرْبَعَةُ آلافِ رَجُلٍ فَأخَذُوا بابَ الغُرْفَةِ فَقالَ المَسِيحُ لِلْحَوارِيِّينَ: أيُّكم يَخْرُجُ ويُقْتَلُ ويَكُونُ مَعِي في الجَنَّةِ؟ فَقالَ واحِدٌ مِنهُمْ: أنا يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَألْقى عَلَيْهِ مِدْرَعَةً مِن صُوفٍ وعِمامَةً مِن صُوفٍ و ناوَلَهُ عُكّازَهُ و أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَخَرَجَ عَلى اليَهُودِ فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، و أمّا عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَساهُ اللَّهُ الرِّيشَ و النُّورَ و ألْبَسَهُ النُّورَ و قَطَعَ عَنْهُ شَهْوَةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فَطارَ مَعَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ إنَّ أصْحابَهُ حِينَ رَأوْا ذَلِكَ تَفَرَّقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ اللَّهُ فِينا ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: كانَ فِينا ابْنُ اللَّهِ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وهُمُ النُّسْطُورِيَّةُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى مِنهُمْ: كانَ فِينا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُسْلِمُونَ. فَتَظاهَرَتْ عَلَيْهِمُ الفِرْقَتانِ الكافِرَتانِ فَقَتَلُوهم فَلَمْ يَزَلِ الإسْلامُ مُنْطَمِسًَا إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًَا ﷺ. ﴿وَرافِعُكَ إلَيَّ﴾ أيْ: إلى مَحَلِّ كَرامَتِي ومَقَرِّ مَلائِكَتِي. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مِن سُوءِ جِوارِهِمْ وخُبْثِ صُحْبَتِهِمْ ودَنَسِ مُعاشَرَتِهِمْ. ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ قالَ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والشَّعْبِيُّ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هم أهْلُ الإسْلامِ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ و اتَّبَعُوا دِينَهُ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ دُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وكَذَبُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّصارى. ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ الَّذِينَ مَكَرُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و مَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِمْ مِنَ اليَهُودِ، فَإنَّ أهْلَ الإسْلامِ فَوْقَهم ظاهِرِينَ بِالعِزَّةِ والمَنَعَةِ والحُجَّةِ. وقِيلَ: هُمُ الحَوارِيُّونَ، فَيَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ فَوْقِيَّتُهم عَلى فَوْقِيَّةِ المُسْلِمِينَ بِحُكْمِ الِاتِّحادِ في الإسْلامِ و التَّوْحِيدِ. وقِيلَ: هُمُ الرُّومُ. وقِيلَ: هُمُ النَّصارى. فالمُرادُ بِالِاتِّباعِ مُجَرَّدُ الِادِّعاءِ والمَحَبَّةِ و إلّا فَأُولَئِكَ الكَفَرَةُ بِمَعْزِلٍ مِن أتْباعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِلْجَعْلِ أوْ لِلِاسْتِقْرارِ المُقَدَّرِ في الظَّرْفِ لا عَلى مَعْنى أنَّ الجَعْلَ أوِ الفَوْقِيَّةَ تَنْتَهِي حِينَئِذٍ ويَتَخَلَّصُ الكَفَرَةُ مِنَ الذِّلَّةِ بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ المُسْلِمِينَ يَعْلُونَهم إلى تِلْكَ الغايَةِ، فَأمّا بَعْدَها فَيَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ ما يُرِيدُ. ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: رُجُوعُكم بِالبَعْثِ، و ﴿ثُمَّ﴾ لِلتَّراخِي، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، والضَّمِيرُ لِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِ مِنَ المُتَّبِعِينَ لَهُ و الكافِرِينَ بِهِ عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِ عَلى الغائِبِ في ضِمْنِ الِالتِفاتِ، فَإنَّهُ أبْلَغُ في التَّبْشِيرِ والإنْذارِ. ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يَوْمَئِذٍ إثْرَ رُجُوعِكم إلَيَّ. ﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾ و تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.

آل عمران 3:56

﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ الواقِعِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ و تَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّتِهِ، والبِدايَةُ بِبَيانِ حالِ الكَفَرَةِ لِما أنَّ مَساقَ الكَلامِ لِتَهْدِيدِهِمْ وزَجْرِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "أُعَذِّبُهُمْ" لا بِمَعْنى إيقاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ التَّعْذِيبِ في الدُّنْيا و التَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ وإحْداثِهِما يَوْمَ القِيامَةِ، بَلْ بِمَعْنى إتْمامِ مَجْمُوعِهِما يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: إنَّ المَرْجِعَ أعَمُّ مِنَ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِلْفَوْقِيَّةِ لا لِلْجَعْلِ، و الرُّجُوعُ مُتَراخٍ عَنِ الجَعْلِ وهو غَيْرُ مَحْدُودٍ لا عَنِ الفَوْقِيَّةِ المَحْدُودَةِ عَلى نَهْجِ قَوْلِكَ: "سَأُعِيرُكَ سُكْنى هَذا البَيْتِ شَهْرًَا ثُمَّ أخْلَعُ عَلَيْكَ خِلْعَةً" فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ الخَلْعِ عَنِ الإعارَةِ لا عَنِ الشَّهْرِ. ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ يُخَلِّصُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى في الدّارَيْنِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ لِمُقابَلَةِ ضَمِيرِ الجَمْعِ، أيْ: (p-45)لَيْسَ لِواحِدٍ مِنهم ناصِرٌ واحِدٌ.

آل عمران 3:57

﴿وَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِما أُرْسِلْتُ بِهِ. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ كَما هو دَيْدَنُ المُؤْمِنِينَ. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أيْ: يُعْطِيهِمْ إيّاها كامِلَةً ولَعَلَّ الِالتِفاتَ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِما بَيْنَ مَصْدَرَيِ التَّعْذِيبِ والإثابَةِ مِنَ الاخْتِلافِ مِن حَيْثُ الجَلالُ والجَمالُ. وقُرِئَ "فَنُوَفِّيهِمْ" جَرْيًَا عَلى سُنَنِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: يَبْغَضُهُمْ، فَإنَّ هَذِهِ الكِنايَةَ فاشِيَةٌ في جَمِيعِ اللُّغاتِ، جارِيَةٌ مَجْرى الحَقِيقَةِ، و إيرادُ الظُّلْمِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم بِكُفْرِهِمْ مُتَعَدُّونَ مُتَجاوِزُونَ عَلى الحُدُودِ واضِعُونَ لِلْكُفْرِ مَكانَ الشُّكْرِ والإيمانِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ.

آل عمران 3:58

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن نَبَإ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدِّلالَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ و بُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ، و عَلى كَوْنِهِ في ظُهُورِ الأمْرِ ونَباهَةِ الشَّأْنِ بِمَنزِلَةِ المُشاهَدِ المُعايَنِ، و هو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَتْلُوهُ﴾ خَبَرُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "نَتْلُوهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الآياتِ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ هو الخَبَرُ وما بَيْنَهُما حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ ذَلِكَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، و "نَتْلُوهُ" حالٌ كَما مَرَّ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ إمّا لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ أوْ عَلى مَعْناها؛ إذِ التِّلاوَةُ لَمْ تَتِمَّ بَعْدُ. ﴿والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ أيِ: المُشْتَمِلِ عَلى الحِكَمِ أوِ المُحْكَمِ المَمْنُوعِ مِن تَطَرُّقِ الخَلَلِ إلَيْهِ، و المُرادُ بِهِ: القرآن، فَـ ﴿مِنَ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ بَعْضٌ مَخْصُوصٌ مِنهُ فَـ "مِن" بَيانِيَّةٌ. وقِيلَ: هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ فَـ ﴿مِنَ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ.

آل عمران 3:59

﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ أيْ: شَأْنَهُ البَدِيعَ المُنْتَظِمَ لِغَرابَتِهِ في سِلْكِ الأمْثالِ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في تَقْدِيرِهِ وحُكْمِهِ. ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ أيْ: كَحالِهِ العَجِيبَةِ الَّتِي لا يَرْتابُ فِيها مُرْتابٌ ولا يُنازِعُ فِيها مُنازِعٌ. ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ تَفْسِيرٌ لِما أُبْهِمَ في المَثَلِ وتَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ فِيهِ و تَوْضِيحٌ لِلتَّمْثِيلِ بِبَيانِ وجْهِ الشَّبَهِ بَيْنَهُما وحَسْمٌ لِمادَّةِ شُبَهِ الخُصُومِ، فَإنَّ إنْكارَ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلا أبٍ مِمَّنِ اعْتَرَفَ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغَيْرِ أبٍ وأُمٍّ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، والمَعْنى: خَلَقَ قالَبَهُ مِن تُرابٍ. ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ: أنْشَأهُ بَشَرًَا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أوْ قَدَّرَ تَكْوِينَهُ مِنَ التُّرابِ ثُمَّ كَوَّنَهُ، ويَجُوزُ كَوْنُ ثُمَّ لِتَراخِي الإخْبارِ لا لِتَراخِي المُخْبَرِ بِهِ. ﴿فَيَكُونُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. رُوِيَ «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما لَكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا؟ قالَ: وما أقُولُ، قالُوا: تَقُولُ إنَّهُ عَبْدٌ، قالَ: أجَلْ هو عَبْدُ اللَّهِ و رَسُولُهُ و كَلِمَتُهُ ألْقاها إلى العَذْراءِ البَتُولِ فَغَضِبُوا، وقالُوا: هَلْ رَأيْتَ إنْسانًَا مِن غَيْرِ أبٍ، فَحَيْثُ سَلَّمْتَ أنَّهُ لا أبَ لَهُ مِنَ البَشَرِ وجَبَ أنْ يَكُونَ أبُوهُ هو اللَّهَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ لَهُ أبٌ ولا أُمٌّ ولَمْ يَلْزَمْ مِن ذَلِكَ كَوْنُهُ ابْنًَا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَكَذا حالُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.»

آل عمران 3:60

﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الحَقُّ، أيْ: ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن نَبَإ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-46)وَ أُمِّهِ، و الظَّرْفُ إمّا حالٌ أيْ: كائِنًَا مِن رَبِّكَ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ أيْ: كائِنٌ مِنهُ تَعالى. وقِيلَ: هُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيِ: الحَقُّ المَذْكُورُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، و التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإيذانِ بِأنَّ تَنْزِيلَ هَذِهِ الآياتِ الحَقَّةِ النّاطِقَةِ بِكُنْهِ الأمْرِ تَرْبِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولُطْفٌ بِهِ. ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في ذَلِكَ، و الخِطابُ إمّا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ الإلْهابِ والتَّهْيِيجِ لِزِيادَةِ التَّثْبِيتِ و الإشْعارِ بِأنَّ الِامْتِراءَ في المَحْذُورِيَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يَكادُ يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْهُ فَكَيْفَ بِمَن هو بِصَدَدِ الِامْتِراءِ، و إمّا لِكُلِّ مَن لَهُ صَلاحِيَةُ الخِطابِ.

آل عمران 3:61

﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ أيْ: مِنَ النَّصارى إذْ هُمُ المُتَصَدُّونَ لِلْمُحاجَّةِ. ﴿فِيهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ و أُمِّهِ زَعْمًَا مِنهم أنَّهُ لَيْسَ عَلى الشَّأْنِ المَحْكِيِّ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ﴾ أيْ: ما يُوجِبُهُ إيجابًَا قَطْعِيًَّا مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ و سَمِعُوا ذَلِكَ مِنكَ فَلَمْ يَرْعَوُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلالِ. ﴿فَقُلْ﴾ لَهم. ﴿تَعالَوْا﴾ أيْ: هَلُمُّوا بِالرَّأْيِ والعَزِيمَةِ. ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ اكْتُفِيَ بِهِمْ عَنْ ذِكْرِ البَناتِ لِظُهُورِ كَوْنِهِمْ أعَزَّ مِنهُنَّ و أمّا النِّساءُ فَتَعَلُّقُهُنَّ مِن جِهَةٍ أُخْرى. ﴿وَنِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: لِيَدْعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم نَفْسَهُ و أعِزَّةَ أهْلِهِ و ألْصَقَهم بِقَلْبِهِ إلى المُباهَلَةِ و يَحْمِلْهم عَلَيْها، و تَقْدِيمُهم عَلى النَّفْسِ في أثْناءِ المُباهَلَةِ الَّتِي هي مِن بابِ المَهالِكِ ومَظانِّ التَّلَفِ مَعَ أنَّ الرَّجُلَ يُخاطِرُ لَهم بِنَفْسِهِ ويُحارِبُ دُونَهم لِلْإيذانِ بِكَمالِ أمْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَمامِ ثِقَتِهِ بِأمْرِهِ و قُوَّةِ يَقِينِهِ بِأنَّهُ لَنْ يُصِيبَهم في ذَلِكَ شائِبَةُ مَكْرُوهٍ أصْلًَا، و هو السِّرُّ في تَقْدِيمِ جانِبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى جانِبِ المُخاطَبِينَ في كُلٍّ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ مَعَ رِعايَةِ الأصْلِ في الصِّيغَةِ، فَإنَّ غَيْرَ المُتَكَلِّمِ تَبِعَ ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أيْ: نَتَباهَلْ بِأنْ نَلْعَنَ الكاذِبَ مِنّا، و "البُهْلَةُ" بِالضَّمِّ والفَتْحِ: اللَّعْنَةُ، و أصْلُها التَّرْكُ، لَهُ في الإسْنادِ مِن قَوْلِهِمْ: بَهَلْتُ النّاقَةَ، أيْ: تَرَكْتُها بِلا صِرارٍ. ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿نَبْتَهِلْ﴾ مُبَيِّنٌ لِمَعْناهُ. رُوِيَ أنَّهم لَمّا دُعُوا إلى المُباهَلَةِ قالُوا: حَتّى نَرْجِعَ ونَنْظُرَ، فَلَمّا تَخالَوْا قالُوا: لِلْعاقِبِ، وكانَ ذا رَأْيِهِمْ يا عَبْدَ المَسِيحِ ما تَرى؟ فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ يا مَعْشَرَ النَّصارى أنَّ مُحَمَّدًَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ و لَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ مِن أمْرِ صاحِبِكُمْ، واللَّهِ ما باهَلَ قَوْمٌ نَبِيًَّا قَطُّ فَعاشَ كَبِيرُهم ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، ولَئِنْ فَعَلْتُمْ لَتُهْلَكُنَّ، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم والإقامَةَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ فَوادِعُوُا الرَّجُلَ و انْصَرِفُوا إلى بِلادِكُمْ، «فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَدْ غَدا مُحْتَضِنًَا الحُسَيْنَ آخِذًَا بِيَدِ الحَسَنِ وفاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ وعَلِيٌّ خَلْفَها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ وهو يَقُولُ: "إذا أنا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا" فَقالَ أُسْقُفُ نَجْرانَ: يا مَعْشَرَ النَّصارى إنِّي لَأرى وُجُوهًَا لَوْ سَألُوُا اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ جَبَلًَا مِن مَكانِهِ لَأزالَهُ فَلا تُباهِلُوا فَتَهْلَكُوا ولا يَبْقى عَلى وجْهِ الأرْضِ نَصْرانِيٌّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ رَأيْنا أنْ لا نُباهِلَكَ وأنْ نُقِرَّكَ عَلى دِينِكَ ونَثْبُتَ عَلى دِينِنا، قالَ ﷺ: فَإذا أبَيْتُمُ المُباهَلَةَ فَأسْلِمُوا يَكُنْ لَكم ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْكم ما عَلى المُسْلِمِينَ فَأبَوْا، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَإنِّي أُناجِزُكُمْ، فَقالُوا: ما لَنا بِحَرْبِ العَرَبِ طاقَةٌ و لَكِنْ نُصالِحُكَ عَلى أنْ لا تَغْزُونا ولا تُخِيفَنا ولا تَرُدَّنا عَنْ دِينِنا عَلى أنْ نُؤَدِّيَ إلَيْكَ كُلَّ عامٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ (p-47)ألْفًَا في صَفَرَ، وألْفًَا في رَجَبَ، وثَلاثِينَ دِرْعًَا عادِيَّةً مِن حَدِيدٍ، فَصالَحَهم عَلى ذَلِكَ، و قالَ: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الهَلاكَ قَدْ تَدَلّى عَلى أهْلِ نَجْرانَ و لَوْ لاعَنُوا لَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ ولاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًَا ولاسْتَأْصَلَ اللَّهُ نَجْرانَ وأهْلَهُ حَتّى الطَّيْرَ عَلى رُءُوسِ الشَّجَرِ ولَما حالَ الحَوْلُ عَلى النَّصارى كُلِّهِمْ حَتّى يَهْلَكُوا".»

آل عمران 3:62

﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ: ما قُصَّ مِن نَبَإ عِيسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ دُونَ ما عَداهُ مِن أكاذِيبِ النَّصارى، فَهو ضَمِيرُ الفَصْلِ دَخَلَتْهُ اللّامُ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ إلى المُبْتَدَإ مِنَ الخَبَرِ، و أصْلُها أنْ تَدْخُلَ عَلى المُبْتَدَإ. وقُرِئَ "لَهْوَ" بِسُكُونِ الهاءِ و ﴿القَصَصُ﴾ خَبَرُ إنَّ و "الحَقُّ" صِفَتُهُ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ و ﴿القَصَصُ﴾ خَبَرُهُ و الجُمْلَةُ خَبَرٌ لَإنَّ. ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ﴾ صَرَّحَ فِيهِ بِـ "مِن" الِاسْتِغْراقِيَّةِ تَأْكِيدًَا لِلرَّدِّ عَلى النَّصارى في تَثْلِيثِهِمْ. ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ﴾ القادِرُ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ. ﴿الحَكِيمُ﴾ المُحِيطُ بِالمَعْلُوماتِ لا أحَدَ يُشارِكُهُ في القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِيُشارِكَهُ في الأُلُوهِيَّةِ.

آل عمران 3:63

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ و قَبُولِ الحَقِّ الَّذِي قُصَّ عَلَيْكَ بَعْدَ ما عايَنُوا تِلْكَ الحُجَجَ النَّيِّرَةَ والبَراهِينَ السّاطِعَةَ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ أيْ: بِهِمْ، وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعُهُ ما وُضِعَ لِلْإيذانِ بِأنَّ الإعْراضَ عَنِ التَّوْحِيدِ و الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ بَعْدَما قامَتْ بِهِ الحُجَجُ إفْسادٌ لِلْعالَمِ وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.

آل عمران 3:64

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ أمْرٌ بِخِطابِ أهْلِ الكِتابَيْنِ. وقِيلَ: بِخِطابِ وفْدِ نَجْرانَ. وقِيلَ: بِخِطابِ يَهُودِ المَدِينَةِ. ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ لا يَخْتَلِفُ فِيها الرُّسُلُ والكُتُبُ وهي ﴿ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ﴾ أيْ: نُوَحِّدُهُ بِالعِبادَةِ ونُخْلِصُ فِيها. ﴿وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ ولا نَجْعَلَ غَيْرَهُ شَرِيكًَا لَهُ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ ولا نَراهُ أهْلًَا لِأنْ يُعْبَدَ. ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِأنْ نَقُولَ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ولا نُطِيعَ الأحْبارَ فِيما أحْدَثُوا مِنَ التَّحْرِيمِ و التَّحْلِيلِ لِأنَّ كُلًَّا مِنهم بَعْضُنا بَشَرٌ مِثْلُنا، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: ما كُنّا نَعْبُدُهم يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَيْسَ كانُوا يُحِلُّونَ لَكم و يُحَرِّمُونَ فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هو ذاكَ.» ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَمّا دَعَوْتَهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وتَرْكِ الإشْراكِ. ﴿فَقُولُوا﴾ أيْ: قُلْ لَهم أنْتَ و المُؤْمِنُونَ. ﴿اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ فاعْتَرِفُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ دُونَكم أوِ اعْتَرِفُوا بِأنَّكم كافِرُونَ بِما نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ و تَطابَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمِ السَّلامُ. - تَنْبِيهٌ -: انْظُرْ إلى ما رُوعِيَ في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ المُبالَغَةِ في الإرْشادِ و حُسْنِ التَّدَرُّجِ في المُحاجَّةِ، حَيْثُ بَيَّنَ أوَّلًَا: أحْوالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ و ما تَوارَدَ عَلَيْهِ مِنَ الأطْوارِ المُنافِيَةِ لِلْإلَهِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ دَعْوَتِهِ لِلنّاسِ إلى التَّوْحِيدِ و الإسْلامِ، فَلَمّا ظَهَرَ عِنادُهم دُعُوا إلى المُباهَلَةِ بِنَوْعٍ مِنَ الإعْجازِ، ثُمَّ لَمّا أعْرَضُوا عَنْها وانْقادُوا بَعْضَ الِانْقِيادِ دُعُوا إلى ما اتَّفَقَ (p-48)عَلَيْهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ و الإنْجِيلُ وسائِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ والكُتُبُ، ثُمَّ لَمّا ظَهَرَ عَدَمُ إجْدائِهِ أيْضًَا أُمِرَ بِأنْ يُقالَ لَهُمُ اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ.

آل عمران 3:65

﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. ﴿لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ أيْ: في مِلَّتِهِ وشَرِيعَتِهِ. تَنازَعَتِ اليَهُودُ والنَّصارى في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ و زَعَمَ كُلٌّ مِنهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم و تَرافَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ. و المَعْنى: لِمَ تَدَّعُونَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنكم. ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ﴾ عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿والإنْجِيلُ﴾ عَلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿إلا مِن بَعْدِهِ﴾ حَيْثُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ ألْفُ سَنَةٍ، و بَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ألْفا سَنَةٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ عاقِلٌ؟!. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ألا تَتَفَكَّرُونَ، فَلا تَعْقِلُونَ بُطْلانَ مَذْهَبِكم أوْ أتَقُولُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ بُطْلانَهُ.

آل عمران 3:66

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ و خَبَرٍ، صُدِّرَتْ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ ثُمَّ بُيِّنَتْ بِجُمْلَةٍ مُسْتَأْنِفَةٍ إشْعارًَا بِكَمالِ غَفْلَتِهِمْ، أيْ: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الأشْخاصُ الحَمْقى حَيْثُ ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ في الجُمْلَةِ "حَيْثُ وجَدْتُمُوهُ" في التَّوْراةِ و الإنْجِيلِ. ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أصْلًَا إذْ لا ذِكْرَ لِدِينِ إبْراهِيمَ في أحَدِ الكِتابَيْنِ قَطْعًَا، وقِيلَ: "هَؤُلاءِ" بِمَعْنى الَّذِي، و ﴿حاجَجْتُمْ﴾ صِلَتُهُ. وقِيلَ: "هَأنْتُمْ" أصْلُهُ "أأنْتُمْ" عَلى الِاسْتِفْهامِ لِلتَّعَجُّبِ، قُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما حاجَجْتُمْ فِيهِ أوْ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا. ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مَحَلَّ النِّزاعِ أوْ شَيْئًَا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ.

آل عمران 3:67

﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ تَصْرِيحٌ بِما نَطَقَ بِهِ البُرْهانُ المُقَرَّرُ. ﴿وَلَكِنْ كانَ حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًَا عَنِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ كُلِّها. ﴿مُسْلِمًا﴾ أيْ: مُنْقادًَا لِلَّهِ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ كانَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ و إلّا لاشْتَرَكَ الإلْزامُ. ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ، بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. و رَدٌّ لِادِّعاءِ المُشْرِكِينَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

آل عمران 3:68

﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ أىْ: أقْرَبَهم إلَيْهِ وأخَصَّهم بِهِ. ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أيْ: في زَمانِهِ. ﴿وَهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِمُوافَقَتِهِمْ لَهُ في أكْثَرِ ما شُرِّعَ لَهم عَلى الأصالَةِ. وقُرِئَ "والنَّبِيَّ" بِالنَّصْبِ عَطْفًَا عَلى الضَّمِيرِ في "اتَّبَعُوهُ"، و بِالجَرِّ عَطْفًَا عَلى "إبْراهِيمَ". ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ يَنْصُرُهم ويُجازِيهِمُ الحُسْنى بِإيمانِهِمْ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ لِيَثْبُتَ الحُكْمُ في النَّبِيِّ ﷺ بِدِلالَةِ النَّصِّ.

آل عمران 3:69

﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (p-49)نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ دَعَوْا حُذَيْفَةَ وعَمّارًَا ومُعاذًَا إلى اليَهُودِيَّةِ، و "لَوْ" بِمَعْنى أنْ. ﴿وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ جِيءَ بِها لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ رُسُوخِ المُخاطَبِينَ وثَباتِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ القَوِيمِ، أيْ: وما يَتَخَطّاهُمُ الإضْلالُ و لا يَعُودُ وبالُهُ إلّا إلَيْهِمْ لِما أنَّهُ يُضاعَفُ بِهِ عَذابُهم. وقِيلَ: وما يُضِلُّونَ إلّا أمْثالَهم ويَأْباهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِاخْتِصاصِ وبالِهِ وضَرَرِهِ بِهِمْ.

آل عمران 3:70

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِما نَطَقَتْ بِهِ التَّوْراةُ و الإنْجِيلُ و دَلَّتْ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم تَشْهَدُونَ أنَّها آياتُ اللَّهِ أوْ بِالقرآن وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ نَعْتَهُ في الكِتابَيْنِ أوْ تَعْلَمُونَ بِالمُعْجِزاتِ أنَّهُ حَقٌّ.

آل عمران 3:71

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ بِتَحْرِيفِكم و إبْرازِ الباطِلِ في صُورَتِهِ أوْ بِالتَّقْصِيرِ في التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما. وقُرِئَ "تُلَبِّسُونَ" بِالتَّشْدِيدِ، و "تَلْبَسُونَ" بِفَتْحِ الباءِ، أيْ: تَلْبَسُونَ الحَقَّ مَعَ الباطِلِ كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: "كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ". ﴿وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيْ: نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ونَعْتَهُ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: حَقِّيَّتَهُ.

آل عمران 3:72

﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ وهم رُؤَساؤُهم ومُفْسِدُونَ لِأعْقابِهِمْ. ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا﴾ أيْ: أظْهِرُوُا الإيمان بالقرآن المُنْزَلِ عَلَيْهِمْ. ﴿وَجْهَ النَّهارِ﴾ أيْ: أوَّلَهُ. ﴿واكْفُرُوا﴾ أيْ: أظْهِرُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ. ﴿آخِرَهُ﴾ مُرائِينَ لَهم أنَّكم آمَنتُمْ بِهِ بادِئَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ ثُمَّ تَأمَّلْتُمْ فِيهِ فَوَقَفْتُمْ عَلى خَلَلِ رَأْيِكُمِ الأوَّلِ فَرَجَعْتُمْ عَنْهُ. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ. ﴿يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِهِ كَما رَجَعْتُمْ. والمُرادُ بِالطّائِفَةِ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، قالا لِأصْحابِهِما لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ: آمِنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ وصَلُّوا إلَيْها أوَّلَ النَّهارِ ثُمَّ صَلُّوا إلى الصَّخْرَةِ آخِرَهُ لَعَلَّهم يَقُولُونَ هم أعْلَمُ مِنّا و قَدْ رَجَعُوا فَيَرْجِعُونَ. وقِيلَ: هُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًَا مِن أحْبارِ خَيْبَرَ تَقاوَلُوا بِأنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ أوَّلَ النَّهارِ، ويَقُولُوا آخِرَهُ نَظَرْنا في كِتابِنا و شاوَرْنا عُلَماءَنا فَلَمْ نَجِدْ مُحَمَّدًَا بِالنَّعْتِ الَّذِي ورَدَ في التَّوْراةِ لَعَلَّ أصْحابَهُ يَشُكُّونَ فِيهِ.

آل عمران 3:73

﴿وَلا تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لا تُقِرُّوا بِتَصْدِيقٍ قَلْبِيٍّ. ﴿إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أيْ: لِأهْلِ دِينِكم أوْ لا تُظْهِرُوا إيمانَكم وجْهَ النَّهارِ إلّا لِمَن كانَ عَلى دِينِكم مِن قَبْلُ فَإنَّ رُجُوعَهم أرْجى و أهَمُّ. ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ إلى الإيمانِ ويُثَبِّتُهُ عَلَيْهِ. ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: (p-50)دَبَّرْتُمْ ذَلِكَ و قُلْتُمْ لَأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ بِلا تُؤْمِنُوا، أيْ: ولا تُظْهِرُوا إيمانَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِأشْياعِكم ولا تُفْشُوهُ إلى المُسْلِمِينَ لِئَلّا يَزِيدَ ثَباتُهُمْ، ولا إلى المُشْرِكِينَ لِئَلّا يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ اعْتِراضٌ مُفِيدٌ لِكَوْنِ كَيْدِهِمْ غَيْرَ مُجْدٍ لِطائِلٍ، أوْ خَبَرُ ﴿إنَّ﴾ عَلى إنَّ ﴿هُدى اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿ "الهُدى".﴾ وقُرِئَ "أأنْ يُؤْتى" عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعِيِّ، و هو مُؤَيِّدٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ، أيْ: ألِأنْ يُؤْتى أحَدٌ إلَخْ دَبَّرْتُمْ. وقُرِئَ "أنْ" عَلى أنَّها نافِيَةٌ فَيَكُونُ مِن كَلامِ الطّائِفَةِ، أيْ: ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم و قُولُوا لَهم ما يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ. ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "أنْ يُؤْتى" عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ، و عَلى الثّالِثِ مَعْناهُ: حَتّى يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم فَيَدْحَضُوا حُجَّتَكُمْ، و "الواوُ" ضَمِيرُ "أحَدٌ" لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ؛ إذِ المُرادُ بِهِ غَيْرُ أتْباعِهِمْ. ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ رَدٌّ لَهم و إبْطالٌ لِما زَعَمُوهُ بِالحُجَّةِ الباهِرَةِ.

آل عمران 3:74

﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ أيْ: يَجْعَلُ رَحْمَتَهُ مَقْصُورَةً عَلى ﴿مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ كِلاهُما تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ.

آل عمران 3:75

﴿وَمِن أهْلِ الكِتابِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ خِيانَتِهِمْ في المالِ بَعْدَ بَيانِ خِيانَتِهِمْ في الدِّينِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ حَسْبَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ إلَخْ... خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ عَلى أنَّ المَقْصُودَ: بَيانُ اتِّصافِهِمْ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ لا كَوْنُهم ذَواتَ المَذْكُورِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْضُ أهْلِ الكِتابِ بِحَيْثُ إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ، أيْ: بِمالٍ كَثِيرٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ اسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ ألْفًَا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ ذَهَبًَا فَأدّاهُ إلَيْهِ. ﴿وَمِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ كَفِنْحاصِ بْنِ عازُوراءَ اسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ آخَرُ دِينارًَا فَجَحَدَهُ. وقِيلَ: المَأْمُونُونَ عَلى الكَثِيرِ النَّصارى إذِ الغالِبُ فِيهِمِ الأمانَةُ، و الخائِنُونَ في القَلِيلِ اليَهُودُ إذِ الغالِبُ فِيهِمِ الخِيانَةُ. ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوِ الأوْقاتِ، أيْ: لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا في حالِ دَوامِ قِيامِكَ أوْ في وقْتِ دَوامِ قِيامِكَ عَلى رَأْسِهِ مُبالِغًَا في مُطالَبَتِهِ بِالتَّقاضِي وإقامَةِ البَيِّنَةِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى تَرْكِ الأداءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤَدِّهِ﴾ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ غُلُوِّهِمْ في الشَّرِّ والفَسادِ. ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم. ﴿قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ﴾ أيْ: في شَأْنِ مَن لَيْسَ مِن أهْلِ الكِتابِ. ﴿سَبِيلٌ﴾ أيْ: عِتابٌ ومُؤاخَذَةٌ. ﴿وَيَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِادِّعائِهِمْ ذَلِكَ. ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم كاذِبُونَ مُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى، و ذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَحَلُّوا ظُلْمَ مَن خالَفَهم و قالُوا: لَمْ يُجْعَلْ في التَّوْراةِ في حَقِّهِمْ حُرْمَةٌ. وقِيلَ: عامَلَ اليَهُودُ رِجالًَا مِن قُرَيْشٍ فَلَمّا أسْلَمُوا تَقاضَوْهم فَقالُوا: سَقَطَ حَقُّكم حَيْثُ تَرَكْتُمْ دِينَكُمْ، و زَعَمُوا أنَّهُ كَذَلِكَ في كِتابِهِمْ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: -عِنْدَ نُزُولِها- « "كَذَبَ أعْداءُ اللَّهِ (p-51)ما مِن شَيْءٍ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمَيَّ إلّا الأمانَةُ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ".»

آل عمران 3:76

﴿بَلى﴾ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ، أيْ: بَلى عَلَيْهِمْ فِيهِمْ سَبِيلٌ. و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي سَدَّ "بَلى" مَسَدَّها، و الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِـ ﴿مَن﴾ أوْ لِلَّهِ تَعالى، و عُمُومِ المُتَّقِينَ نائِبٌ مَنابَ الرّاجِعِ مِنَ الجَزاءِ إلى ﴿مَن﴾ و مُشْعِرٌ بِأنَّ التَّقْوى مِلاكُ الأمْرِ عامٌّ لِلْوَفاءِ وغَيْرِهِ مِن أداءِ الواجِباتِ والِاجْتِنابِ عَنِ المَناهِي.

آل عمران 3:77

﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ أيْ: يَسْتَبْدِلُونَ ويَأْخُذُونَ. ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: بَدَلَ ما عاهَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمان بالرَّسُولِ ﷺ و الوَفاءِ بِالأماناتِ. ﴿وَأيْمانِهِمْ﴾ وبِما حَلَفُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: واللَّهِ لِنُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَنَنْصُرَنَّهُ. ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ هو حُطامُ الدُّنْيا. ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ القَبِيحَةِ. ﴿لا خَلاقَ﴾ لا نَصِيبَ. ﴿لَهم في الآخِرَةِ﴾ مِن نَعِيمِها. ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما يَسُرُّهم أوْ بِشَيْءٍ أصْلًَا، وإنَّما يَقَعُ ما يَقَعُ مِنَ السُّؤالِ والتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ في أثْناءِ الحِسابِ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمِ السَّلامُ – أوْ لا يَنْتَفِعُونَ بِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ وسَخَطِهِ - نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ - لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَإنَّهُ مَجازٌ عَنِ الِاسْتِهانَةِ بِهِمْ والسُّخْطِ عَلَيْهِمْ مُتَفَرِّعٌ عَلى الكِنايَةِ في حَقِّ مَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ لِأنَّ مَنِ اعْتَدَّ بِالإنْسانِ التَفَتَ إلَيْهِ وأعارَهُ نَظَرَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ عِبارَةً عَنِ الاعْتِدادِ و الإحْسانِ و إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ نَظَرٌ، ثُمَّ جاءَ فِيمَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مُجَرَّدَ المَعْنى الإحْسانُ مَجازًَا عَمّا وقَعَ كِنايَةً عَنْهُ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ، و ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلَيْنِ وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْوَعِيدِ. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ أوْ لا يُطَهِّرُهم مِن أوْضارِ الأوْزارِ. ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عَلى ما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي، قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي رافِعٍ ولُبابَةَ بْنِ أبِي الحَقِيقِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، حَرَّفُوُا التَّوْراةَ و بَدَّلُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ و أخَذُوُا الرِّشْوَةَ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ حَيْثُ كانَ بَيْنَهُ و بَيْنَ رَجُلٍ نِزاعٌ في بِئْرٍ، فاخْتَصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: شاهِداكَ أوْ يَمِينُهُ، فَقالَ الأشْعَثُ: إذَنْ يَحْلِفُ ولا يُبالِي، فَقالَ ﷺ: « "مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِها مالًَا هو فِيها فاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانٌ".» وقِيلَ: في رَجُلٍ أقامَ سِلْعَةً في السُّوقِ فَحَلَفَ لَقَدِ اشْتَراها بِما لَمْ يَكُنِ اشْتَراها بِهِ.

آل عمران 3:78

﴿وَإنَّ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ المُحَرِّفِينَ. ﴿لَفَرِيقًا﴾ كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، و أضْرابِهِما. ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ أيْ: يَفْتِلُونَها بِقِراءَتِهِ فَيُمِيلُونَها عَنِ المُنَزَّلِ إلى المُحَرَّفِ أوْ يَعْطِفُونَها بِشِبْهِ الكِتابِ. وقُرِئَ "يُلَوُّونَ" بِالتَّشْدِيدِ و "يَلُونَ" بِقَلْبِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً ثُمَّ تَخْفِيفِها بِحَذْفِها و إلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى ما قَبْلَها (p-52)مِنَ السّاكِنِ. ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ أيِ: المُحَرَّفَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْوُونَ﴾ إلَخْ... وقُرِئَ بِالياءِ و الضَّمِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ. ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: مِن جُمْلَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو مِنَ الكِتابِ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أيْ: والحالُ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ في نَفْسِ الأمْرِ و في اعْتِقادِهِمْ أيْضًَا. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ مَعَ ما ذَكَرَ مِنَ اللَّيِّ والتَّحْرِيفِ عَلى طَرِيقَةِ التَّصْرِيحِ لا بِالتَّوْرِيَةِ والتَّعْرِيضِ. ﴿هُوَ﴾ أيِ: المُحَرَّفُ. ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ. ﴿وَما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَإ في الخَبَرِ، أيْ: والحالُ أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِهِ تَعالى في اعْتِقادِهِمْ أيْضًَا، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في تَشْنِيعِهِمْ و تَقْبِيحِ أمْرِهِمْ وكَمالِ جَراءَتِهِمْ ما لا يَخْفى وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ، والكِتابِ في مَحَلِّ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ. ﴿وَيَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم كاذِبُونَ و مُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى، و هو تَأْكِيدٌ و تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ و التَّعَمُّدِ فِيهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وغَيَّرُوُا التَّوْراةَ و كَتَبُوا كِتابًَا بَدَّلُوا فِيهِ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أخَذَتْ قُرَيْظَةُ ما كَتَبُوا فَخَلَطُوهُ بِالكِتابِ الَّذِي عِنْدَهم.

آل عمران 3:79

﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ بَيانٌ لِافْتِرائِهِمْ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ نَصارى نَجْرانَ: إنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَنا أنْ نَتَّخِذَهُ رَبًَّا - حاشاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ - وإبْطالٌ لَهُ إثْرَ بَيانِ افْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وإبْطالِهِ، أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِأحَدٍ، وإنَّما قِيلَ: "لِبَشَرٍ" إشْعارًَا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ البَشَرِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْأمْرِ الَّذِي أسْنَدَهُ الكَفَرَةُ إلَيْهِمْ. ﴿أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ النّاطِقَ بِالحَقِّ الآمِرَ بِالتَّوْحِيدِ النّاهِيَ عَنِ الإشْراكِ. ﴿والحُكْمَ﴾ الفَهْمَ و العِلْمَ أوِ الحِكْمَةَ وهي السُّنَّةُ و النُّبُوَّةُ. ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ ذَلِكَ البَشَرُ بَعْدَما شَرَّفَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِما ذَكَرَ مِنَ التَّشْرِيفاتِ و عَرَّفَهُ الحَقَّ و أطْلَعَهُ عَلى شُئُونِهِ العالِيَةِ. ﴿لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي﴾ الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةُ عِبادًَا، أيْ: عِبادًَا كائِنِينَ. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ "عِبادًَا" لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ أوْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَهُ، و يَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ لِتَخْصِيصِ النَّكِرَةِ بِالوَصْفِ، أيْ: مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى سَواءً كانَ ذَلِكَ اسْتِقْلالًَا أوِ اشْتِراكًَا، فَإنَّ التَّجاوُزَ مُتَحَقِّقٌ فِيهِما حَتْمًَا. قِيلَ: «إنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ والسَّيِّدَ النَّجْرانِيَّ قالا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ رَبًَّا!ا؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى و أنْ نَأْمُرَ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى، فَما بِذَلِكَ بَعَثَنِي ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي، فَنَزَلَتْ.» وقِيلَ: «قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ؟ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى و لَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم واعْرِفُوُا الحَقَّ لِأهْلِهِ.» ﴿وَلَكِنْ كُونُوا﴾ أيْ: ولَكِنْ يَقُولُ كُونُوا. ﴿رَبّانِيِّينَ﴾ الرَّبّانِيُّ: مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ بِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ كاللِّحْيانِيِّ والرِّقْبانِيِّ، وهو الكامِلُ في العِلْمِ و العَمَلِ الشَّدِيدُ التَّمَسُّكِ بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ودِينِهِ. ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مُثابَرَتِكم عَلى تَعْلِيمِ الكِتابِ ودِراسَتِهِ، أيْ: قِراءَتِهِ فَإنَّ جَعْلَ خَبَرِ كانَ مُضارِعًَا لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ و تَكْرِيرُ بِما كُنْتُمْ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ اسْتِمْرارِ التَّعْلِيمِ واسْتِمْرارِ (p-53)القِراءَةِ بِالفَضْلِ وتَحْصِيلِ الرَّبّانِيَّةِ، و تَقْدِيمُ التَّعْلِيمِ عَلى الدِّراسَةِ لِزِيادَةِ شَرَفِهِ عَلَيْها أوْ لِأنَّ الخِطابَ الأوَّلَ لِرُؤَسائِهِمْ، والثّانِي: لِمَن دُونَهم. وقُرِئَ "تَعْلَمُونَ" بِمَعْنى عالِمِينَ، و "تُدَرِّسُونَ" مِنَ التَّدْرِيسِ، و "تُدْرِسُونَ" مِنَ الإدْراسِ، بِمَعْنى التَّدْرِيسِ كَأكْرَمَ بِمَعْنى كَرُمَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ أيْضًَا بِهَذا المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ بِما تَدْرُسُونَهُ عَلى النّاسِ.

آل عمران 3:80

﴿وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوُا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًَا عَلى "ثُمَّ يَقُولَ" و "لا" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ أيْ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَسْتَنْبِئَهُ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِعِبادَةِ نَفْسِهِ و يَأْمُرَ بِاتِّخاذِ المَلائِكَةِ و النَّبِيِّينَ أرْبابًَا و تَوْسِيطُ الِاسْتِدْراكِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِلْمُسارَعَةِ إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ و يَحِقُّ صُدُورُهُ عَنْهُ إثْرَ تَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ و يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُ، و أمّا ما قِيلَ: مِن أنَّها غَيْرُ مَزِيدَةٍ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَأْمُرَ بِعِبادَتِهِ و لا يَأْمُرَ بِاتِّخاذِ أكْفائِهِ أرْبابًَا بَلْ يَنْهى عَنْهُ و هو أدْنى مِنَ العِبادَةِ فَيَقْضِي بِفَسادِهِ ما ذُكِرَ مِن تَوْسِيطِ الِاسْتِدْراكِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ ضَرُورَةَ أنَّهُما حِينَئِذٍ في حُكْمِ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ. و كَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بَيانُ انْتِفاءِ كِلا الأمْرَيْنِ قَصْدًَا لا بَيانُ انْتِفاءِ الأوَّلِ لِانْتِفاءِ الثّانِي، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ الرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ و تَجْوِيزُ الحالِيَّةِ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَإ، أيْ: وهو لا يَأْمُرُكم إلى آخِرِهِ، بَيِّنُ الفَسادِ لِما عَرَفْتَهُ آنِفًَا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ وهُمُ المُسْتَأْذِنُونَ لِلسُّجُودِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

آل عمران 3:81

﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أيِ: اذْكُرْ وقْتَ أخْذِهِ تَعالى مِيثاقَهم. ﴿لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ قِيلَ: هو عَلى ظاهِرِهِ و إذا كانَ هَذا حُكْمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ كانَ الأُمَمُ بِذَلِكَ أوْلى وأحْرى. وقِيلَ: مَعْناهُ: أخْذُ المِيثاقِ مِنَ النَّبِيِّينَ و أُمَمِهِمْ و اسْتُغْنِيَ بِذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ. وقِيلَ: إضافَةُ المِيثاقِ إلى النَّبِيِّينَ إضافَةٌ إلى الفاعِلِ، و المَعْنى: و إذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ الَّذِي وثَّقَهُ الأنْبِياءُ عَلى أُمَمِهِمْ. وقِيلَ: المُرادُ: أوْلادُ النَّبِيِّينَ عَلى حَذْفِ المُضافِ و هم بَنُو إسْرائِيلَ أوْ سَمّاهم نَبِيِّينَ تَهَكُّمًَا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنّا أهْلُ الكِتابِ و النَّبِيُّونَ كانُوا مِنّا، و اللّامُ في ﴿لَما﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ بِمَعْنى الِاسْتِحْلافِ، و "ما" تَحْتَمِلُ الشَّرْطِيَّةَ، و "لَتُؤْمِنُنَّ" سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ و تَحْتَمِلُ الخَبَرِيَّةَ. وقُرِئَ "لِما" بِالكَسْرِ عَلى أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: لِأجْلِ إيتائِي إيّاكم بَعْضَ الكِتابِ ثُمَّ لِمَجِيءِ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرَنَّهُ، أوْ مَوْصُولَةٌ والمَعْنى: أخْذُهُ الَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ وجاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَهُ. وقُرِئَ "لَمّا" بِمَعْنى حِينَ آتَيْتُكم أوْ لَمِن أجْلِ ما آتَيْتُكم عَلى أنَّ أصْلَهُ "لَمِن ما" بِالإدْغامِ فَحُذِفَ إحْدى المِيماتِ الثَّلاثِ اسْتِثْقالًَا. ﴿قالَ﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ما أخَذَ المِيثاقَ. ﴿أأقْرَرْتُمْ﴾ بِما ذُكِرَ. ﴿وَأخَذْتُمْ (p-54)عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ أيْ: عَهْدِي، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يُؤْصَرُ، أيْ: يُشَدُّ. وقُرِئَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ إمّا لُغَةً كَعِبَرٍ وعَبْرٍ أوْ جَمْعُ إصارٍ وهو ما يُشَدُّ بِهِ. ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿أقْرَرْنا﴾ . وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ أخْذَهُمُ الإصْرَ اكْتِفاءً بِذَلِكَ. ﴿قالَ﴾ تَعالى. ﴿فَأشْهِدُوا﴾ أيْ: فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِالإقْرارِ. وقِيلَ: الخِطابُ فِيهِ لِلْمَلائِكَةِ. ﴿وَأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ: وأنا أيْضًَا عَلى إقْرارِكم ذَلِكَ و تَشاهُدِكم شاهِدٌ، و إدْخالُ "مَعَ" عَلى المُخاطَبِينَ لِما أنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلشَّهادَةِ حَقِيقَةً و فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ و التَّحْذِيرِ ما لا يَخْفى.

آل عمران 3:82

﴿فَمَن تَوَلّى﴾ أيْ: أعْرَضَ عَمّا ذُكِرَ. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ المِيثاقِ و التَّوْكِيدِ بِالإقْرارِ و الشَّهادَةِ فَمَعْنى البُعْدِ في اسْمِ الإشارَةِ لِتَفْخِيمِ المِيثاقِ. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن" و الجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، كَما أنَّ الإفْرادَ في "تَوَلّى" بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدِّلالَةِ عَلى تَرامِي أمْرِهِمْ في السُّوءِ و بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ والفَسادِ، أيْ: فَأُولَئِكَ المُتَوَلُّونَ المُتَّصِفُونَ بِالصِّفاتِ القَبِيحَةِ. ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ المُتَمَرِّدُونَ الخارِجُونَ عَنِ الطّاعَةِ مِنَ الكَفَرَةِ، فَإنَّ الفاسِقَ مِن كُلِّ طائِفَةٍ مَن كانَ مُتَجاوِزًَا عَنِ الحَدِّ.

آل عمران 3:83

﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: أيَتَوَلَّوْنَ فَيَبْغُونَ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، و تَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ إنْكارُهُ أوْ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والهَمْزَةُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَهُما لِلْإنْكارِ. وقُرِئَ بِتاءِ الخِطابِ عَلى تَقْدِيرِ: وقُلْ لَهم ﴿وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِوَكادَةِ الإنْكارِ. ﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾ أيْ: طائِعِينَ بِالنَّظَرِ و اتِّباعِ الحُجَّةِ و كارِهِينَ بِالسَّيْفِ و مُعايَنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ كَنَتْقِ الجَبَلِ وإدْراكِ الغَرَقِ و الإشْرافِ عَلى المَوْتِ، أوْ مُخْتارِينَ كالمَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ ومُسَخَّرِينَ كالكَفَرَةِ فَإنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى الِامْتِناعِ عَمّا قُضِيَ عَلَيْهِمْ. ﴿وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: مَن فِيهِما، و الجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى. وقُرِئَ بِتاءِ الخِطابِ، والجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِيَّةِ، و إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.

آل عمران 3:84

﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ بِما ذُكِرَ، و جَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ وهو القرآن لِما أنَّهُ مُنْزَلٌ عَلَيْهِمْ أيْضًَا بِتَوَسُّطِ تَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ أوْ لِأنَّ المَنسُوبَ إلى واحِدٍ مِنَ الجَماعَةِ قَدْ يُنْسَبُ إلى الكُلِّ أوْ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ وهو الأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ، و الجَمْعُ لِإظْهارِ جَلالَةِ قَدْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ و رِفْعَةِ مَحَلِّهِ بِأمْرِهِ بِأنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ عَلى دَيْدَنِ المُلُوكِ، و يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ عامًَّا و الإفْرادُ لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ و الإيذانِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أصْلٌ في ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ . ﴿وَما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ مِنَ الصُّحُفِ والنُّزُولُ كَما يُعَدّى بِـ "إلى" لِانْتِهائِهِ إلى الرُّسُلِ يُعَدّى بِـ "عَلى" لِأنَّهُ مِن (p-55)فَوْقَ ومَن رامَ الفَرْقَ بِأنَّ "عَلى" لِكَوْنِ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، و "إلى" لِكَوْنِ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ تَعَسَّفَ ألا يَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ إلَخْ. وقَوْلِهِ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا﴾ إلَخْ وإنَّما قَدَّمَ المُنْزَلَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ عَلى ما أُنْزِلَ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ نُزُولًَا لِأنَّهُ المَعْرُوفُ لَهُ و العِيارُ عَلَيْهِ، و "الأسْباطُ" جَمْعُ سِبْطٍ وهو الحافِدُ، و المُرادُ بِهِمْ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ و أبْناؤُهُ الِاثْنا عَشَرَ وذَرارِيهِمْ، فَإنَّهم حَفَدَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى ﴾ مِنَ التَّوْراةِ و الإنْجِيلِ وسائِرِ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ بِأيْدِيهِما كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ الإيتاءِ عَلى الإنْزالِ الخاصِّ بِالكِتابِ وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى. ﴿والنَّبِيُّونَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، أيْ: وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرُهم. ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ مِنَ الكُتُبِ والمُعْجِزاتِ. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ كَدَأْبِ اليَهُودِ والنَّصارى آمَنُوا بِبَعْضٍ و كَفَرُوا بِبَعْضٍ بَلْ نُؤْمِنُ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ كُلٍّ مِنهم و بِحَقِّيَّةِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ في زَمانِهِمْ، و عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الكُتُبِ لِاسْتِلْزامِ المَذْكُورِ إيّاهُ وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ . وهَمْزَةُ "أحَدٍ" إمّا أصْلِيَّةٌ فَهو اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِمَن يَصْلُحُ أنْ يُخاطَبَ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ولِذَلِكَ صَحَّ دُخُولُ "بَيْنَ" عَلَيْهِ كَما في مِثْلِ: المالُ بَيْنَ النّاسِ، و إمّا مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ فَهو بِمَعْنىً واحِدٍ وعُمُومُهُ لِوُقُوعِهِ في حَيِّزِ النَّفْيِ، و صِحَّةُ دُخُولِ "بَيْنَ" عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْطُوفٍ قَدْ حُذِفَ لِظُهُورِهِ، أيْ: بَيْنَ أحَدٍ مِنهم وغَيْرِهِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ؎ فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ إذْ جاءَ سالِمًَا ∗∗∗ أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ ، أيْ: بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ أوْ مُخْلِصُونَ لَهُ تَعالى أنْفُسَنا لا نَجْعَلُ لَهُ شَرِيكًَا فِيها، و فِيهِ تَعْرِيضٌ بِإيمانِ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ.

آل عمران 3:85

﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ﴾ أيْ: غَيْرَ التَّوْحِيدِ و الِانْقِيادِ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى كَدَأْبِ المُشْرِكِينَ صَرِيحًَا و المُدَّعِينَ لِلتَّوْحِيدِ مَعَ إشْراكِهِمْ كَأهْلِ الكِتابَيْنِ. ﴿دِينًا﴾ يَنْتَحِلُ إلَيْهِ، و هو نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِـ "يَبْتَغِ" و "غَيْرَ الإسْلامِ" حالٌ مِنهُ لِما أنَّهُ كانَ صِفَةً لَهُ فَلَمّا قُدِّمَتْ عَلَيْهِ انْتَصَبَتْ حالًَا أوْ هو المَفْعُولُ و "دِينًَا" تَمْيِيزٌ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ أوْ بَدَلٌ مِن "غَيْرَ الإسْلامِ". ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ ذَلِكَ. ﴿مِنهُ﴾ أبَدًَا بَلْ يُرَدُّ أشَدَّ رَدٍّ و أقْبَحَهُ. و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ إمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ أوِ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، أيْ: مِنَ الواقِعِينَ في الخُسْرانِ: و المَعْنى: أنَّ المُعْرِضَ عَنِ الإسْلامَ والطّالِبَ لِغَيْرِهِ فاقِدٌ لِلنَّفْعِ واقِعٌ في الخُسْرانِ بِإبْطالِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها، وفي تَرْتِيبِ الرَّدِّ والخُسْرانِ عَلى مُجَرَّدِ الطَّلَبِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ حالَ مَن تَدَيَّنَ بِغَيْرِ الإسْلامِ واطْمَأنَّ بِذَلِكَ أفْظَعُ وأقْبَحُ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الإسْلامُ؛ إذْ لَوْ كانَ غَيْرَهُ لَمْ يُقْبَلْ، والجَوابُ أنَّهُ يَنْفِي قَبُولَ كُلِّ دِينٍ يُغايِرُهُ لا قَبُولَ كُلِّ ما يُغايِرُهُ.

آل عمران 3:86

﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ إلى الحَقِّ (p-56)﴿قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ قِيلَ: هم عَشْرَةُ رَهْطٍ ارْتَدُّوا بَعْدَ ما آمَنُوا و لَحِقُوا بِمَكَّةَ. وقِيلَ: هم يَهُودُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ و مَن دانَ بِدِينِهِمْ، كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ. ﴿وَشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ اسْتِبْعادٌ لِأنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّ الحائِدَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ ما وضَحَ لَهُ مُنْهَمِكٌ في الضَّلالِ بَعِيدٌ عَنِ الرَّشادِ. وقِيلَ: نَفْيٌ و إنْكارٌ لَهُ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا تُقْبَلَ تَوْبَةُ المُرْتَدِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشَهِدُوا﴾ عَطْفٌ عَلى إيمانِهِمْ بِاعْتِبارِ انْحِلالِهِ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوُا اللَّهَ﴾ إلَخْ... فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ بَعْدَ أنْ آمَنُوا أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ "كَفَرُوا" بِإضْمارِ "قَدْ" وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ خارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الإيمانِ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالإخْلالِ بِالنَّظَرِ و وضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الإيمانِ فَكَيْفَ مَن جاءَهُ الحَقُّ وعَرَفَهُ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ حالِيَّةٌ.

آل عمران 3:87

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما مَرَّ مِنَ الصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًَا وهو مُبْتَدَأٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ ثانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ خَبَرُهُ، و الجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ "أُولَئِكَ"، وهَذا يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِهِمْ و بِمَفْهُومِهِ يَنْفِي جَوازَ لَعْنِ غَيْرِهِمْ، و لَعَلَّ الفَرْقَ بَيْنَهم و بَيْنَ غَيْرِهِمْ أنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ مَمْنُوعُونَ عَنِ الهُدى آيِسُونَ مِنَ الرَّحْمَةِ رَأْسًَا بِخِلافِ غَيْرِهِمْ، و المُرادُ بِالنّاسِ المُؤْمِنُونَ أوِ الكُلُّ، فَإنَّ الكافِرَ أيْضًَا يَلْعَنُ مُنْكِرَ الحَقِّ والمُرْتَدَّ عَنْهُ ولَكِنْ لا يَعْرِفُ الحَقَّ بِعَيْنِهِ.

آل عمران 3:88

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ في اللَّعْنَةِ أوِ العُقُوبَةِ أوِ النّارِ و إنْ لَمْ تُذْكَرْ لِدِلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها. ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: يُمْهَلُونَ.

آل عمران 3:89

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ الِارْتِدادِ. ﴿وَأصْلَحُوا﴾ أيْ: ما أفْسَدُوا أوْ دَخَلُوا في الصَّلاحِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَقْبَلُ تَوْبَتَهم و يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ، وهو تَعْلِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ حِينَ نَدِمَ عَلى رِدَّتِهِ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنْ يَسْألُوا هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ فَأرْسَلَ إلَيْهِ أخُوهُ الحِلاسُ الآيَةَ فَرَجَعَ إلى المَدِينَةِ فَتابَ.

آل عمران 3:90

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ كاليَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ و الإنْجِيلِ بَعْدَ الإيمانِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ و التَّوْراةِ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًَا حَيْثُ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ و القرآن أوْ كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما آمَنُوا بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًَا بِالإصْرارِ عَلَيْهِ والطَّعْنِ فِيهِ و الصَّدِّ عَنِ الإيمانِ و نَقْضِ المِيثاقِ، أوْ كَقَوْمٍ ارْتَدُّوا و لَحِقُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًَا بِقَوْلِهِمْ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ أوْ نَرْجِعُ إلَيْهِ فَنُنافِقُهُ بِإظْهارِ الإيمانِ. ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدَ إشْرافِهِمْ عَلى الهَلاكِ، فَكَنّى عَنْ (p-57)عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ بِعَدَمِ قَبُولِها تَغْلِيظًَا في شَأْنِهِمْ و إبْرازًَا لِحالِهِمْ في صُورَةِ حالِ الآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ، أوْ لِأنَّ تَوْبَتَهم لا تَكُونُ إلّا نِفاقًَا لِارْتِدادِهِمْ و ازْدِيادِهِمْ كُفْرًَا ولِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ الفاءُ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ الثّابِتُونَ عَلى الضَّلالِ.

آل عمران 3:91

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرض ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ لَمّا كانَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ سَبَبًَا لِامْتِناعِ قَبُولِ الفِدْيَةِ، زِيدَتِ الفاءُ هَهُنا لِلْإشْعارِ بِهِ و مِلْءُ الشَّيْءِ ما يُمْلَأُ بِهِ، و "ذَهَبًَا" تَمْيِيزٌ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن مِلْءِ أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ،وَ"لَوِ افْتَدى" مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًَا، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًَا لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ في الدُّنْيا و لَوِ افْتَدى بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، أوِ المُرادُ ولَوِ افْتَدى بِمِثْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ والمِثْلُ يُحْذَفُ و يُرادُ كَثِيرًَا لِأنَّ المِثْلَيْنِ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ. "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِالصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ المَذْكُورَةِ. ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ، اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و الظَّرْفُ خَبَرُهُ، و لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ ارْتَفَعَ بِهِ عَذابٌ ألِيمٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ. ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ في دَفْعِ العَذابِ عَنْهم أوْ في تَخْفِيفِهِ، و "مِن" مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، و صِيغَةُ الجَمْعِ لِمُراعاةِ الضَّمِيرِ، أيْ: لَيْسَ لِواحِدٍ مِنهم ناصِرٌ واحِدٌ.

آل عمران 3:92

﴿لَنْ تَنالُوُا البِرَّ﴾ مِن نالَهُ نَيْلًَا إذا أصابَهُ، و الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ و هو كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِبَيانِ ما يَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ و يُقْبَلُ مِنهم إثْرَ بَيانِ ما لا يَنْفَعُ الكَفَرَةَ ولا يُقْبَلُ مِنهُمْ، أيْ: لَنْ تَبْلُغُوا حَقِيقَةَ البِرِّ الَّذِي يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ و لَنْ تُدْرِكُوا شَأْوَهُ ولَنْ تَلْحَقُوا بِزُمْرَةِ الأبْرارِ أوْ لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللَّهِ تَعالى و هو ثَوابُهُ و رَحْمَتُهُ و رِضاهُ و جَنَّتُهُ. ﴿حَتّى تُنْفِقُوا﴾ أيْ: في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ رَغْبَةً فِيما عِنْدَهُ و "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا تُحِبُّونَ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ، و يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ "بَعْضَ ما تُحِبُّونَ". وقِيلَ: بَيانِيَّةٌ و "ما" مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، أيْ: مِمّا تَهْوُونَ ويُعْجِبُكم مِن كَرائِمِ أمْوالِكم و أحَبِّها إلَيْكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ أوْ مِمّا يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الأعْمالِ و المُهْجَةِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالإنْفاقِ: مُطْلَقُ البَذْلِ، وفِيهِ مِنَ الإيذانِ بِعَزَّةِ مَنالِ البِرِّ ما لا يَخْفى، و كانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم إذا أحَبُّوا شَيْئًَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. و رُوِيَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ «جاءَ أبُو طَلْحَةَ فَقالَ، يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلىَّ بِيرَحاءُ فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: "بَخٍ بَخٍ ذاكَ مالٌ رايِحٌ أوْ رابِحٌ وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ" فَقَسَمَها في أقارِبِهِ.» «وَجاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ لَهُ كانَ يُحِبُّها فَقالَ هَذِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَحَمَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَأنَّ زَيْدًَا وجَدَ في نَفْسِهِ و قالَ: إنَّما أرَدْتُ أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَبِلَها مِنكَ".» قِيلَ: وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ إنْفاقَ أحَبِّ الأمْوالِ عَلى أقْرَبِ الأقارِبِ أفْضَلُ. وكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جارِيَةً مِن سَبْيِ جَلُولاءَ يَوْمَ فُتِحَتْ مَدائِنُ كِسْرى فَلَمّا جاءَتْ إلَيْهِ أعْجَبَتْهُ (p-58)فَقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنالُوُا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ فَأعْتَقَها. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كانَتْ لِزَوْجَتِهِ جارِيَةٌ بارِعَةُ الجَمالِ وكانَ عُمَرُ راغِبا فِيها و كانَ قَدْ طَلَبَها مِنها مِرارًَا فَلَمْ تُعْطِها إيّاهُ، ثُمَّ لَمّا ولِيَ الخِلافَةَ زَيَّنَتْها وأرْسَلَتْها إلَيْهِ فَقالَتْ: قَدْ وهَبْتُكَها يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَلْتَخْدُمْكَ، قالَ: مَن أيْنَ مَلَكْتِها؟ قالَتْ: جِئْتُ بِها مِن بَيْتِ أبِي عَبْدِ المَلِكِ فَفَتَّشَ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَمَلُّكِهِ إيّاها، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ عَلى فُلانٍ العامِلِ دُيُونٌ فَلَمّا تُوُفِّيَ أُخِذَتْ مِن تَرِكَتِهِ، فَفَتَّشَ عَنْ حالِ العامِلِ وأحْضَرَ ورَثَتَهُ وأرْضاهم جَمِيعًَا بِإعْطاءِ المالِ ثُمَّ تَوَجَّهَ إلى الجارِيَةِ وكانَ يَهْواها هَوىً شَدِيدًَا، فَقالَ: أنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَتْ: لِمَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ وقَدْ أزَحْتَ عَنْ أمْرِها كُلَّ شُبْهَةٍ، قالَ: لَسْتُ إذَنْ مِمَّنْ نَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾ "ما" شَرْطِيَّةٌ جازِمَةٌ لِـ "تُنْفِقُوا" مُنْتَصِبَةٌ بِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، و "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِاسْمِ الشَّرْطِ، أيْ: أيِّ شَيْءٍ تُنْفِقُوا كائِنًَا مِنَ الأشْياءِ، فَإنَّ المُفْرَدَ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ واقِعٌ مَوْقِعَ الجَمْعِ. وقِيلَ: مَحَلُّ الجارِّ و المَجْرُورِ النَّصْبُ عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ تُنْفِقُوا طَيِّبًَا تُحِبُّونَهُ أوْ خَبِيثًَا تَكْرَهُونَهُ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ واقِعٌ مَوْقِعَهُ، أيْ: فَمُجازِيكم بِحَسْبِهِ جَيِّدًَا كانَ أوْ رَدِيئًَا فَإنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ تُنْفِقُونَهُ عِلْمًَا كامِلًَا بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذاتِهِ و صِفاتِهِ، و تَقْدِيمُ الجارِّ و المَجْرُورِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، و فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في إنْفاقِ الجَيِّدِ و التَّحْذِيرِ عَنْ إنْفاقِ الرَّدِيءِ ما لا يَخْفى.

آل عمران 3:93

﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ أيْ: كُلُّ أفْرادِ المَطْعُومِ أوْ كُلُّ أنْواعِهِ. ﴿كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: حَلالًَا لَهم فَإنَّ الحِلَّ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ، و لِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ . ﴿إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِنِ اسْمِ كانَ، أيْ: كانَ كُلُّ المَطْعُوماتِ حَلالًَا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ، أيْ: يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَفْسِهِ و هو لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها. قِيلَ: كانَ بِهِ وجَعُ النَّسا فَنَذَرَ لَئِنْ شُفِيَ لا يَأْكُلُ أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ وكانَ ذَلِكَ أحَبَّهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِلتَّداوِي بِإشارَةِ الأطِبّاءِ و احْتَجَّ بِهِ مَن جَوَّزَ لِلنَّبِيِّ الِاجْتِهادَ، و لِلْمانِعِ أنْ يَقُولَ كانَ ذَلِكَ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى فِيهِ فَهو كَتَحْرِيمِهِ ابْتِداءً. ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانَ حِلا﴾ ولا ضَيْرَ في تَوْسِيطِ الِاسْتِثْناءِ بَيْنَهُما. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿حَرَّمَ﴾ وفِيهِ أنَّ تَقْيِيدَ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَبْلِيَّةِ تَنْزِيلِ التَّوْراةِ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ، أيْ: كانَ ما عَدا المُسْتَثْنى حَلالًَا لَهم قَبْلَ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ مُشْتَمِلَةً عَلى تَحْرِيمِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ و بَغْيِهِمْ عُقُوبَةً لَهم وتَشْدِيدًَا، وهو رَدٌّ عَلى اليَهُودِ في دَعْواهُمُ البَراءَةَ عَمّا نَعى عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَتَيْنِ. بِأنْ قالُوا: لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا فَحُرِّمَتْ عَلَيْنا كَما حُرِّمَتْ عَلى مَن قَبْلَنا، وتَبْكِيتٌ لَهم في مَنعِ النَّسْخِ والطَّعْنِ في دَعْوى الرَّسُولِ ﷺ مُوافَقَتَهُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَحْلِيلِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ (p-59)فاتْلُوها﴾ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يُحاجَّهم بِكِتابِهِمِ النّاطِقِ بِأنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمٌ حادِثٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ،كُلَّما ارْتَكَبُوا مَعْصِيَةً مِنَ المَعاصِي الَّتِي اقْتَرَفُوها حُرِّمَ عَلَيْهِمْ نَوْعٌ مِنَ الطَّيِّباتِ عُقُوبَةً لَهم ويُكَلِّفَهم إخْراجَهُ وتِلاوَتَهُ لِيُبَكِّتَهم ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ ويُظْهِرَ كَذِبَهُمْ، وإظْهارُ اسْمِ التَّوْراةِ لِكَوْنِ الجُمْلَةِ كَلامًَا مَعَ اليَهُودِ مُنْقَطِعًَا عَمّا قَبْلَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في دَعْواكم أنَّهُ تَحْرِيمٌ قَدِيمٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها فَإنَّ صِدْقَكم مِمّا يَدْعُوكم إلى ذَلِكَ البَتَّةَ. رُوِيَ أنَّهم لَمْ يَجْسُرُوا عَلى إخْراجِ التَّوْراةِ فَبُهِتُوا وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، وفي ذَلِكَ مِنَ الحُجَّةِ النَّيِّرَةِ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ وجَوازِ النَّسْخِ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ ما لا يَخْفى، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها.

آل عمران 3:94

﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيِ: اخْتَلَقَهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِزَعْمِهِ أنَّهُ حَرَّمَ ما ذُكِرَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ومَن تَقَدَّمَهم مِنَ الأُمَمِ. ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعْدِ ما ذُكِرَ مَن أمْرِهِمْ بِإحْضارِ التَّوْراةِ وتِلاوَتِها وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ والتَّقْيِيدِ بِهِ لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُبْحِ. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، و الجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ: كَما أنَّ الإفْرادَ في الصِّلَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ و ما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الضَّلالِ والطُّغْيانِ، أيْ: فَأُولَئِكَ المُصِرُّونَ عَلى الِافْتِراءِ بَعْدَ ما ظَهَرَتْ حَقِيقَةُ الحالِ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ حَلْبَةُ المُحاجَّةِ والجِدالِ. ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ المُفْرِطُونَ في الظُّلْمِ والعُدْوانِ المُبْعِدُونَ فِيهِما، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مَسُوقَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ كَمالِ عُتُوِّهِمْ. وقِيلَ: هي في مَحَلِّ النَّصْبِ داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ عَطْفًَا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ﴾ .

آل عمران 3:95

﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أيْ: ظَهَرَ وثَبَتَ صِدْقُهُ تَعالى فِيما أُنْزِلَ في شَأْنِ التَّحْرِيمِ وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ إلَخْ أوْ صَدَقَ في كُلِ شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ، وهو داخِلٌ في ذَلِكَ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمِ الصَّرِيحِ. ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: مِلَّةَ الإسْلامِ الَّتِي هي في الأصْلِ مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّكم ما كُنْتُمْ مُتَّبِعِينَ لِمِلَّتِهِ كَما تَزْعُمُونَ، أوْ فاتَّبِعُوا مِثْلَ مِلَّتِهِ حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِنَ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي اضْطَرَّتْكم إلى التَّحْرِيفِ والمُكابَرَةِ وتَلْفِيقِ الأكاذِيبِ لِتَسْوِيَةِ الأغْراضِ الدَّنِيئَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وألْزَمْتُكم تَحْرِيمَ طَيِّباتٍ مُحَلَّلَةٍ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن تَبِعَهُ، و"الفاءُ" لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ ظُهُورَ صِدْقِهِ تَعالى مُوجِبٌ لِلِاتِّباعِ وتَرْكِ ما كانُوا عَلَيْهِ. ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًَا عَنِ الأدْيانِ الزّائِغَةِ كُلِّها. ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِ أصْلًَا وفَرْعًَا، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِإشْراكِ اليَهُودِ وتَصْرِيحٌ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلاقَةٌ دِينِيَّةٌ قَطْعًَا، والغَرَضُ بَيانُ أنَّ النَّبِيِّ ﷺ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الأُصُولِ لِأنَّهُ لا يَدْعُو إلّا إلى التَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.

آل عمران 3:96

﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كُفْرِهِمْ بِبَعْضٍ آخَرَ (p-60)مِن شَعائِرِ مِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إثْرَ بَيانِ كُفْرِهِمْ بِكَوْنِ كُلِّ المَطْعُوماتِ حِلًَّا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ. رُوِيَ أنَّهم قالُوا: بَيْتُ المَقْدِسِ أعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ لِأنَّهُ مُهاجَرُ الأنْبِياءِ وفي الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وقالَ المُسْلِمُونَ بَلِ الكَعْبَةُ أعْظَمُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ. أيْ: إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبادَةِ وجُعِلَ مُتَعَبَّدًَا لَهم والواضِعُ هو اللَّهُ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ خَبَرٌ لِـ "إنَّ" وإنَّما أُخْبِرَ بِالمَعْرِفَةِ مَعَ كَوْنِ اسْمِها نَكِرَةً لِتَخَصُّصِها بِسَبَبَيْنِ: الإضافَةِ والوَصْفِ بِالجُمْلَةِ بَعْدَها، أيْ: لَلْبَيْتُ الَّذِي بِبَكَّةَ، أيْ: فِيها. وفي تَرْكِ المَوْصُوفِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، و "بَكَّةُ" لُغَةٌ في مَكَّةَ، فَإنَّ العَرَبَ تُعاقِبُ بَيْنَ الباءِ والمِيمِ كَما في قَوْلِهِمْ: ضَرْبَةُ لازِبٍ ولازِمٍ والنَّمِيطُ والنَّبِيطُ في اسْمِ مَوْضِعٍ بِالدَّهْناءِ، وقَوْلِهِمْ: أمْرٌ راتِبٌ وراتِمٌ وسَبَّدَ رَأْسَهُ وسَمَّدَها وأغْبَطَتِ الحُمّى وأغْمَطَتْ وهي عَلَمٌ لِلْبَلَدِ الحَرامِ مِن بَكَّهُ إذا زَحَمَهُ لِازْدِحامِ النّاسِ فِيهِ. وعَنْ قَتادَةَ: يَبُكُّ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًَا أوْ لِأنَّها تَبُكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ، أيْ: تَدُقُّها لَمْ يَقْصِدْها جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقِيلَ: "بَكَّةُ" اسْمٌ لِبَطْنِ مَكَّةَ. وقِيلَ: لِمَوْضِعِ البَيْتِ. وقِيلَ: لِلْمَسْجِدِ نَفْسِهِ، ومَكَّةُ اسْمٌ لِلْبَلَدِ كُلِّهِ. وأُيِّدَ هَذا بِأنَّ التَّباكَّ وهو الِازْدِحامُ إنَّما يَقَعُ عِنْدَ الطَّوافِ. وقِيلَ: "مَكَّةُ" اسْمٌ لِلْمَسْجِدِ والمَطافِ و "بَكَّةُ" اسْمٌ لِلْبَلَدِ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ . رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُئِلَ عَنْ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ فَقالَ: "المَسْجِدُ الحَرامُ ثُمَّ بَيْتُ المَقْدِسِ"، وسُئِلَ: كَمْ بَيْنَهُما؟ فَقالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً.» وقِيلَ: أوَّلُ مَن بَناهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدِ اسْتَوْفَيْنا ما فِيهِ مِنَ الأقاوِيلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقِيلَ: أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ بِالشَّرَفِ لا بِالزَّمانِ. ﴿مُبارَكًا﴾ كَثِيرَ الخَيْرِ والنَّفْعِ لِما يَحْصُلُ لِمَن حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ واعْتَكَفَ دُونَهُ وطافَ حَوْلَهُ مِنَ الثَّوابِ وتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ، وهو حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: "لَلَّذِي بِبَكَّةَ هُوَ" والعامِلُ فِيهِ ما قُدِّرَ في الظَّرْفِ مِن فِعْلِ الِاسْتِقْرارِ. ﴿وَهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ لِأنَّهُ قِبْلَتُهم ومُتَعَبَّدُهم ولِأنَّ فِيهِ آياتٍ عَجِيبَةً دالَّةً عَلى عَظِيمِ قدرته تعالى وبالِغِ حِكْمَتِهِ كَما قالَ.

آل عمران 3:97

﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضِحاتٌ كانْحِرافِ الطُّيُورِ عَنْ مُوازاةِ البَيْتِ عَلى مَدى الأعْصارِ ومُخالَطَةِ ضَوارِي السِّباعِ الصَّيُودَ في الحَرَمِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لَها وقَهْرِ اللَّهِ تَعالى لِكُلِّ جَبّارٍ قَصَدَهُ بِسُوءٍ كَأصْحابِ الفِيلِ، والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِلْهُدى أوْ حالٌ أُخْرى. ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: أثَرُ قَدَمَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الصَّخْرَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُومُ عَلَيْها وقْتَ رَفْعِ الحِجارَةِ لِبِناءِ الكَعْبَةِ عِنْدَ ارْتِفاعِهِ أوْ عِنْدَ غَسْلِ رَأْسِهِ، عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ زائِرًَا مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ فَقالَتْ لَهُ امْرَأةُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: انْزِلْ حَتّى أغْسِلَ رَأْسَكَ فَلَمْ يَنْزِلْ فَجاءَتْهُ بِهَذا الحَجَرِ فَوَضَعَتْهُ عَلى شِقِّهِ الأيْمَنِ فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ حَتّى غَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ ثُمَّ حَوَّلَتْهُ إلى شِقِّهِ الأيْسَرِ حَتّى غَسَلَتِ الشِّقَّ الآخَرَ فَبَقِيَ أثَرُ قَدَمَيْهِ عَلَيْهِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ، أيْ: مِنها مَقامُ إبْراهِيمَ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿آياتٌ﴾ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ إمّا وحْدَهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بِمَنزِلَةِ آياتٍ كَثِيرَةٍ لِظُهُورِ شَأْنِهِ وقُوَّةِ دِلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى نُبُوَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ (p-61)الصَّلاةُ والسَّلامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾، أوْ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى آياتٍ كَثِيرَةٍ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أثَرِ قَدَمَيْهِ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ وغَوْصِهِ فِيها إلى الكَعْبَيْنِ وإلانَةِ بَعْضِ الصُّخُورِ دُونَ بَعْضٍ وإبْقائِهِ دُونَ سائِرِ آياتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وحِفْظِهِ مَعَ كَثْرَةِ الأعْداءِ أُلُوفَ سَنَةٍ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ عَلى التَّوْحِيدِ وإمّا بِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ جُمْلَةً مُسْتَأْنِفَةً ابْتِدائِيَّةً أوْ شَرْطِيَّةً لَكِنَّها في قُوَّةِ أنْ يُقالَ "وَأمِّنْ مَن دَخَلَهُ" فَتَكُونُ بِحَسَبِ المَعْنى والمَآلِ مَعْطُوفَةً عَلى "مَقامُ إبْراهِيمَ"، ولا يَخْفى أنَّ الِاثْنَيْنِ نَوْعٌ مِنَ الجَمْعِ فَيُكْتَفى بِذَلِكَ أوْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ ذُكِرَ مِن تِلْكَ الآياتِ اثْنَتانِ، وطُوِيَ ذِكْرُ ما عَداهُما دِلالَةً عَلى كَثْرَتِها، ومَعْنى أمِّنْ داخِلَهُ: أمِّنْهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ وذَلِكَ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ وكانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُطْلَبْ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "لَوْ ظَفِرْتُ فِيهِ بِقاتِلِ الخَطّابِ ما مَسَسْتُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ"، ولِذَلِكَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: مَن لَزِمَهُ القَتْلُ في الحِلِّ بِقِصاصٍ أوْ رِدَّةٍ أوْ زِنىً فالتَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ إلّا أنَّهُ لا يُؤْوى ويُطْعَمُ ويُسْقى ولا يُبايَعُ حَتّى يُضْطَرَّ إلى الخُرُوجِ. وقِيلَ: أمْنُهُ مِنَ النّارِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن ماتَ في أحَدِ الحَرَمَيْنِ بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ آمِنًَا:.» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "الحَجُونُ والبَقِيعُ يُؤْخَذُ بِأطْرافِهِما ويُنْثَرانِ في الجَنَّةِ:» وهُما مَقْبَرَتا مَكَّةَ والمَدِينَةِ. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى ثَنِيَّةِ الحَجُونِ ولَيْسَ بِها يَوْمَئِذٍ مَقْبَرَةٌ، فَقالَ: "يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى مِن هَذِهِ البُقْعَةِ ومِن هَذا الحَرَمِ كُلِّهِ سَبْعِينَ ألْفًَا وُجُوهُهم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ يُشَفَّعُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في سَبْعِينَ ألْفًَا وُجُوهُهم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ".» وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن صَبَرَ عَلى حَرِّ مَكَّةَ ساعَةً مِن نَهارٍ تَباعَدَتْ عَنْهُ جَهَنَّمُ مَسِيرَةَ مِائَتَيْ عامٍ".» ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ هو حِجُّ وخَبَرٍ هو لِلَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى النّاسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الاسْتِقْرارِ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والعامِلُ فِيهِ ذَلِكَ الِاسْتِقْرارُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى النّاسِ﴾ هو الخَبَرُ و "لِلَّهِ" مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، ولا سَبِيلَ إلى أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى النّاسِ﴾ لِاسْتِلْزامِهِ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ، وذَلِكَ مِمّا لا مَساغَ لَهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقَدْ جَوَّزَهُ ابْنُ مالِكٍ إذا كانَتْ هي ظَرْفًَا أوْ حَرْفَ جَرٍّ وعامِلُها كَذَلِكَ بِخِلافِ الظَّرْفِ وحَرْفِ الجَرِّ فَإنَّهُما يَتَقَدَّمانِ عَلى عامِلِهِما المَعْنَوِيِّ، و اللّامُ في ﴿البَيْتِ﴾ لِلْعَهْدِ وحَجُّهُ قَصْدُهُ لِلزِّيارَةِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ المَعْهُودِ، وكَسْرُ الحاءِ لُغَةُ نَجْدٍ. وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ. وقُرِئَ بِفَتْحِها. ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِهِ، فالضَّمِيرُ العائِدُ إلى المُبْدَلِ مِنهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَنِ اسْتَطاعَ مِنهم. وقِيلَ: بَدَلُ الكُلِّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ هو البَعْضُ المُسْتَطِيعُ فَلا حاجَةَ إلى الضَّمِيرِ. وقِيلَ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هم مَنِ اسْتَطاعَ إلَخْ... وقِيلَ: في حَيِّزِ النَّصْبِ بِتَقْدِيرِ أعْنِي. وقِيلَ: كَلِمَةُ "مَن" شَرْطِيَّةٌ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ وكَذا العائِدُ إلى النّاسِ، أيْ: مَنِ اسْتَطاعَ مِنهم إلَيْهِ سَبِيلًَا فَلِلَّهِ عَلَيْهِ حِجُّ البَيْتِ، وقَدْ رُجِّحَ هَذا بِكَوْنِ "مَن" بَعْدَهُ شَرْطِيَّةً، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ في "إلَيْهِ" راجِعٌ إلى ﴿البَيْتِ﴾ أوْ إلى ﴿حِجُّ﴾ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "السَّبِيلِ" قُدِّمَ عَلَيْهِ اهْتِمامًَا بِشَأْنِهِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ و ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ لِما فِيهِ مِن مَعْنى (p-62)الإفْضاءِ والإيصالِ، كَيْفَ لا؟ وهو عِبارَةٌ عَنِ الوَسِيلَةِ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ قَدْ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "السَّبِيلُ الزّادُ والرّاحِلَةُ".» ورَوى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ رَجُلًَا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما السَّبِيلُ؟ قالَ: "الزّادُ والرّاحِلَةُ".» وهو المُرادُ بِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسَّرَ الِاسْتِطاعَةَ بِالزّادِ والرّاحِلَةِ. وهَكَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وعَلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ خَلا أنَّ الشّافِعِيَّ أخَذَ بِظاهِرِهِ فَأوْجَبَ الِاسْتِنابَةَ عَلى الزَّمِنِ القادِرِ عَلى أُجْرَةِ مَن يَنُوبُ عَنْهُ، والظّاهِرُ أنَّ عَدَمَ تَعَرُّضِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِصِحَّةِ البَدَنِ لِظُهُورِ الأمْرِ، كَيْفَ لا؟ والمُفَسَّرُ في الحَقِيقَةِ هو السَّبِيلُ المُوصِلُ لِنَفْسِ المُسْتَطِيعِ إلى البَيْتِ، وذا لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الصِّحَّةِ. وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ: عَلى قَدْرِ القُوَّةِ. ومَذْهَبُ مالِكَ أنَّ الرَّجُلَ إذا وثِقَ بِقُوَّتِهِ لَزِمَهُ وعَنْهُ ذَلِكَ عَلى قَدْرِ الطّاقَةِ، وقَدْ يَجِدُ الزّادَ والرّاحِلَةَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى السَّفَرِ، وقَدْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَن لا راحِلَةَ لَهُ ولا زادَ. وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ: إذا قَدِرَ أنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ فَهو مُسْتَطِيعٌ. ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ وضَعَ ﴿مَن كَفَرَ﴾ مَوْضِعَ "مَن لَمْ يَحُجَّ" تَأْكِيدًَا لِوُجُوبِهِ وتَشْدِيدًَا عَلى تارِكِهِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إنْ شاءَ يَهُودِيًَّا أوْ نَصْرانِيًَّا".» ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في خُطْبَتِهِ: « "أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ فَرَضَ الحَجَّ عَلى مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًَا ومَن لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَمُتْ عَلى أيِّ حالٍ شاءَ يَهُودِيًَّا أوْ نَصْرانِيًَّا أوْ مَجُوسِيًَّا".» ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ وعَنْ عِبادَتِهِمْ، وحَيْثُ كانَ مَن كَفَرَ مِن جُمْلَتِهِمْ داخِلًَا فِيها دُخُولًَا أوَّلِيًَّا اكْتَفى بِذَلِكَ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، ولَقَدْ حازَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن فُنُونِ الِاعْتِباراتِ المُعْرِبَةِ عَنْ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الحَجِّ والتَّشْدِيدِ عَلى تارِكِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ حَيْثُ أُوثِرَتْ صِيغَةُ الخَبَرِ الدّالَّةُ عَلى التَّحْقِيقِ أوْ بَرَزَتْ في صُورَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ في ذِمَمِ النّاسِ لا انْفِكاكَ لَهم عَنْ أدائِهِ والخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ وسَلَكَ بِهِمْ مَسْلَكَ التَّعْمِيمِ ثُمَّ التَّخْصِيصِ والإبْهامِ ثُمَّ التَّبْيِينِ والإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِما في ذَلِكَ مِن مَزِيدِ تَحْقِيقٍ وتَقْرِيرٍ، وعَبَّرَ عَنْ تَرْكِهِ بِالكُفْرِ الَّذِي لا قَبِيحَ وراءَهُ وجَعَلَ جَزاءَهُ اسْتِغْناءَهُ تَعالى المُؤْذِنَ بِشِدَّةِ المَقْتِ وعِظَمِ السُّخْطِ لا عَنْ تارِكِهِ فَقَطْ فَإنَّهُ قَدْ ضَرَبَ عَنْهُ صَفْحًَا إسْقاطًَا لَهُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ واسْتِهْجانًَا بِذِكْرِهِ بَلْ عَنْ جَمِيعِ العالَمِينَ مِمَّنْ فَعَلَ وتَرَكَ لِيَدُلَّ عَلى نِهايَةِ شِدَّةِ الغَضَبِ. هَذا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعَطاءٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أيْ: جَحَدَ فَرْضَ الحَجِّ وزَعَمَ أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَإنَّهم قالُوا: الحَجُّ إلى مَكَّةَ غَيْرُ واجِبٍ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ الأدْيانِ كُلَّهم فَخَطَبَهم فَقالَ: « "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا" فَآمَنَتْ بِهِ مِلَّةٌ واحِدَةٌ وهُمُ المُسْلِمُونَ وكَفَرَتْ بِهِ خَمْسُ مِلَلٍ قالُوا: لا نُؤْمِنُ بِهِ ولا نُصَلِّي إلَيْهِ ولا نَحُجُّهُ» فَنَزَلَ: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ . وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "حُجُّوا قَبْلَ أنْ لا تَحُجُّوا فَإنَّهُ قَدْ هُدِمَ البَيْتُ مَرَّتَيْنِ ويُرْفَعُ إلى السَّماءِ في الثّالِثَةِ".» ورُوِيَ « "حُجُّوا قَبْلَ أنْ يَمْنَعَ البَرُّ جانِبَهُ".» وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ "حُجُّوا هَذا البَيْتَ قَبْلَ أنْ يَنْبُتَ في البادِيَةِ شَجَرَةٌ لا تَأْكُلُ مِنها دابَّةٌ إلّا نَفَقَتْ" وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "لَوْ تَرَكَ النّاسُ الحَجَّ عامًَا واحِدًَا مانُوظِرُوا".

آل عمران 3:98

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، (p-63)وَإنَّما خُوطِبُوا بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ وبِما يُصَدِّقُهُ مِنَ القرآن العَظِيمِ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ في كُفْرِهِمْ بِها. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَوْبِيخٌ وإنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لِكُفْرِهِمْ بِها سَبَبٌ مِنَ الأسْبابِ وتَحْقِيقٌ لِما يُوجِبُ الِاجْتِنابَ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، والمُرادُ بِآياتِهِ تَعالى: ما يَعُمُّ الآياتِ القرآنيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تُلِيَ في شَأْنِ الحَجِّ وغَيْرِهِ وما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن شَواهِدِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿تَكْفُرُونَ﴾ مُفِيدَةٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ وتَأْكِيدِ الإنْكارِ، وإظْهارُ الجَلالَةِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَهْوِيلِ الخَطْبِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في "شَهِيدٌ" لِلتَّشْدِيدِ في الوَعِيدِ، وكَلِمَةُ "ما" إمّا عِبارَةٌ عَنْ كُفْرِهِمْ أوْ هي عَلى عُمُومِها، وهو داخِلٌ فِيها دُخُولًَا أوَّلِيًَّا والمَعْنى: لِأيِّ سَبَبٍ تَكْفُرُونَ بِآياتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والحالُ أنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في الِاطِّلاعِ عَلى جَمِيعِ أعْمالِكم وفي مُجازاتِكم عَلَيْها ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ يَسُدُّ جَمِيعَ أنْحاءِ ما تَأْتُونَهُ ويَقْطَعُ أسْبابَهُ بِالكُلِّيَّةِ.

آل عمران 3:99

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ أمْرٌ بِتَوْبِيخِهِمْ بِالإضْلالِ إثْرَ تَوْبِيخِهِمْ بِالضَّلالِ، والتَّكْرِيرُ لِلْمُبالَغَةِ في حَمْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ وتَرْكُ عَطْفِهِ عَلى الأمْرِ السّابِقِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِمْ كَما أنَّ قَطْعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن كُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ شَناعَةٌ عَلى حِيالِها مُسْتَقِلَّةٌ في اسْتِتْباعِ اللّائِمَةِ والتَّقْرِيعِ وتَكْرِيرُ الخِطابِ بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِقْلالِ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ، فَإنَّ ذَلِكَ العُنْوانَ كَما يَسْتَدْعِي الإيمانَ بِما هو مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم يَسْتَدْعِي تَرْغِيبَ النّاسِ فِيهِ، فَصَدُّهم عَنْهُ في أقْصى مَراتِبِ القَباحَةِ ولِكَوْنِ صَدِّهِمْ في بَعْضِ الصُّوَرِ بِتَحْرِيفِ الكِتابِ والكُفْرِ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقُرِئَ "تُصِدُّونَ" مِن أصَدَّهُ. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: دِينِهِ الحَقِّ المُوصِلِ إلى السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ وهو التَّوْحِيدُ ومِلَّةُ الإسْلامِ. ﴿مَن آمَنَ﴾ مَفْعُولٌ لِـ "تَصُدُّونَ" قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ ويَحْتالُونَ لِصَدِّهِمْ عَنْهُ ويَمْنَعُونَ مَن أرادَ الدُّخُولَ فِيهِ بِجُهْدِهِمْ ويَقُولُونَ إنَّ صِفَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ في كِتابِهِمْ ولا تَقَدَّمَتِ البِشارَةُ بِهِ عِنْدَهم. وقِيلَ: أتَتِ اليَهُودُ الأوْسَ والخَزْرَجَ فَذَكَّرُوهم ما كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَداواتِ والحُرُوبِ لِيَعُودُوا إلى ما كانُوا فِيهِ. ﴿تَبْغُونَها﴾ عَلى إسْقاطِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ كَما في قَوْلِهِ: ؎ فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى ∗∗∗ أظَلِيمًَا أصِيدُكم أمْ حِمارًَا بِمَعْنى أصِيدُ لَكُمْ، أيْ: تَطْلُبُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي هي أقْوَمُ السُّبُلِ. ﴿عِوَجًا﴾ اعْوِجاجًَا بِأنْ تُلَبِّسُوا عَلى النّاسِ وتُوهِمُوا أنَّ فِيهِ مَيْلًَا عَنِ الحَقِّ بِنَفْيِ النُّسَخِ وتَغْيِيرِ صِفَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ وجْهِها ونَحْوِ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ "تَصُدُّونَ".﴾ وقِيلَ: مِن "سَبِيلِ اللَّهِ". ﴿وَأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿تَصُدُّونَ﴾ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالحالِ الأُولى أوْ مِن فاعِلِ تَبْغُونَها، أيْ: والحالُ أنَّكم شُهَداءُ تَشْهَدُونَ بِأنَّها سَبِيلُ اللَّهِ لا يَحُومُ حَوْلَها شائِبَةُ اعْوِجاجٍ وأنَّ الصَّدَّ عَنْها إضْلالٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أىْ شُهَداءُ أنَّ في التَّوْراةِ إنَّ دِينَ اللَّهِ الَّذِي لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ هو الإسْلامُ أوْ وأنْتُمْ عُدُولٌ فِيما بَيْنَكم يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويَسْتَشْهِدُونَكم في القَضايا (p-64)وَعَظائِمِ الأُمُورِ. ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ فِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ. قِيلَ: لَمّا كانَ صَدُّهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ الخُفْيَةِ خُتِمَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِما يَحْسِمُ مادَّةَ حِيلَتِهِمْ مِن إحاطَةِ علمه تعالى بِأعْمالِهِمْ، كَما أنَّ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى لَمّا كانَ بِطَرِيقِ العَلانِيَةِ خُتِمَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ بِشَهادَتِهِ تَعالى عَلى ما يَعْمَلُونَ.

آل عمران 3:100

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى المُؤْمِنِينَ تَحْذِيرًَا لَهم عَنْ طاعَةِ أهْلِ الكِتابِ والِافْتِتانِ بِفِتْنَتِهِمْ إثْرَ تَوْبِيخِهِمْ بِالإغْواءِ والإضْلالِ رَدْعًَا لَهم عَنْ ذَلِكَ، وتَعْلِيقُ الرَّدِّ بِطاعَةِ فَرِيقٍ مِنهم لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ عَنْ طاعَتِهِمْ وإيجابِ الِاجْتِنابِ عَنْ مُصاحَبَتِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: لا تُطِيعُوا فَرِيقًَا إلَخْ... كَما أنَّ تَعْمِيمَ التَّوْبِيخِ فِيما قَبْلَهُ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ أوْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى سَبَبِ النُّزُولِ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ نَفَرًَا مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ كانُوا جُلُوسًَا يَتَحَدَّثُونَ فَمَرَّ بِهِمْ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ وكانَ عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الحَسَدِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَغاظَهُ ما رَأى مِنهم مِن تَآلُفِ القُلُوبِ واتِّحادِ الكَلِمَةِ واجْتِماعِ الرَّأْيِ بَعْدَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ والشَّنَآنِ، فَأمَرَ شابًَّا يَهُودِيًَّا كانَ مَعَهُ بِأنْ يَجْلِسَ إلَيْهِمْ ويُذَكِّرَهم يَوْمَ بُعاثَ -وَكانَ ذَلِكَ يَوْمًَا عَظِيمًَا اقْتَتَلَ فِيهِ الحَيّانِ وكانَ الظَّفَرُ فِيهِ لِلْأوْسِ- ويُنْشِدَهم ما قِيلَ فِيهِ مِنَ الأشْعارِ فَفَعَلَ فَتَفاخَرَ القَوْمُ وتَغاضَبُوا حَتّى تَواثَبُوا، وقالُوا: السِّلاحَ السِّلاحَ فاجْتَمَعَ مِنَ القَبِيلَتَيْنِ خَلْقٌ عَظِيمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ جاءَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ فَقالَ: أتَدْعُونَ الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ أنْ أكْرَمَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِالإسْلامِ وقَطَعَ بِهِ عَنْكم أمْرَ الجاهِلِيَّةِ وألَّفَ بَيْنَكُمْ؟ فَعَلِمُوا أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ وكَيْدٌ مِن عَدُوِّهِمْ فَألْقَوُا السِّلاحَ واسْتَغْفَرُوا وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًَا وانْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قالَ الإمامُ الواحِدِيُّ: اصْطَفُّوا لِلْقِتالِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى قامَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَقَرَأهُنَّ ورَفَعَ صَوْتَهُ فَلَمّا سَمِعُوا صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْصَتُوا لَهُ وجَعَلُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ فَلَمّا فَرَغَ ألْقَوُا السِّلاحَ وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًَا وجَعَلُوا يَبْكُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كافِرِينَ﴾ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ عَلى تَضْمِينِ الرَّدِّ مَعْنى التَّصْيِيرِ كَما في قَوْلِهِ: ؎ رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ ∗∗∗ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا ؎ فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًَا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودًَا أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ والأوَّلُ أدْخَلُ في تَنْزِيهِ المُؤْمِنِينَ عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلى الكُفْرِ لِما فِيهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِ الكُفْرِ المَفْرُوضِ بِطَرِيقِ القَسْرِ وإيرادُ الظَّرْفِ مَعَ عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ ضَرُورَةَ سَبْقِ الخِطابِ بِعُنْوانِ المُؤْمِنِينَ واسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ الرَّدِّ إلى الكُفْرِ بِدُونِ سَبْقِ الإيمانِ مَعَ تَوْسِيطِهِ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ الكُفْرِ وغايَةِ بُعْدِهِ مِنَ الوُقُوعِ إمّا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ الصّارِفِ العاقِلَ عَنْ مُباشَرَتِهِ أوْ لِمُمانَعَةِ الإيمانِ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إيمانِكُمُ الرّاسِخِ، وفِيهِ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى.

آل عمران 3:101

(p-65)﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ إلَخْ لا بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ إلَخْ وفي تَوْجِيهِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ إلى كَيْفِيَّةِ الكُفْرِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِهِ إلى نَفْسِهِ بِأنْ يُقالَ: أتَكْفُرُونَ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ؟! فَإذا أنْكَرَ ونَفى جَمِيعَ أحْوالِ وُجُودِهِ فَقَدِ انْتَفى وجُودُهُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ حالًَا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في "تَكْفُرُونَ" مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ بِما فِيها مِنَ الشُّؤُونِ الدّاعِيَةِ إلى الثَّباتِ عَلى الإيمانِ الوازِعَةِ عَنِ الكُفْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِيكم رَسُولُهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْها داخِلٌ في حُكْمِها، فَإنَّ تِلاوَةَ آياتِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وكَوْنَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ يُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ بِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإزاحَةِ الشُّبَهِ مِن أقْوى الزَّواجِرِ عَنِ الكُفْرِ وعَدَمُ إسْنادِ التِّلاوَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في البابِ. ﴿وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ أيْ: ومَن يَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ الحَقِّ الَّذِي بَيَّنَهُ بِآياتِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ المُعَبَّرُ عَنْهُ فِيما سَبَقَ بِسَبِيلِ اللَّهِ. ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، و "قَدْ" لِإفادَةِ مَعْنى التَّحْقِيقِ، كَأنَّ الهُدى قَدْ حَصَلَ؛ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ حاصِلًَا ومَعْنى التَّوَقُّعِ فِيهِ ظاهِرٌ فَإنَّ المُعْتَصِمَ بِهِ تَعالى مُتَوَقِّعٌ لِلْهُدى كَما أنَّ قاصِدَ الكَرِيمِ مُتَوَقِّعٌ لِلنَّدى. ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُوصِلٍ إلى المَطْلُوبِ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، والوَصْفُ بِالِاسْتِقامَةِ لِلتَّصْرِيحِ بِالرَّدِّ عَلى الَّذِينَ يَبْغُونَ لَهُ عِوَجًَا، وهَذا وإنْ كانَ هو دِينَهُ الحَقَّ في الحَقِيقَةِ والِاهْتِداءُ إلَيْهِ هو الِاعْتِصامَ بِهِ بِعَيْنِهِ لَكِنْ لَمّا اخْتَلَفَ الِاعْتِبارانِ وكانَ العُنْوانُ الأخِيرُ مِمّا يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ أُبْرِزَ في مَعْرِضِ الجَوابِ لِلْحَثِّ والتَّرْغِيبِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ .

آل عمران 3:102

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَكْرِيرُ الخِطابِ بِعُنْوانِ الإيمانِ تَشْرِيفٌ إثْرَ تَشْرِيفٍ. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ الِاتِّقاءُ افْتِعالٌ مِنَ الوِقايَةِ وهي فَرْطُ الصِّيانَةِ. ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ: حَقَّ تَقْواهُ وما يَجِبُ مِنها، وهو اسْتِفْراغُ الوُسْعِ في القِيامِ بِالمُوجَبِ والِاجْتِنابُ عَنِ المَحارِمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوُا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هو أنْ يُطاعَ ولا يُعْصى ويُذْكَرَ ولا يُنْسى ويُشْكَرَ ولا يُكْفَرَ. وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًَا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: هو أنْ لا تَأْخُذَهُ في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ ويَقُومَ بِالقِسْطِ ولَوْ عَلى نَفْسِهِ أوِ ابْنِهِ أوْ أبِيهِ. وقِيلَ: هو أنْ يُنَزِّهَ الطّاعَةَ عَنِ الالتِفاتِ إلَيْها وعَنْ تَوَقُّعِ المُجازاةِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ الحَقِّ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ و "التُّقاةُ" مِنِ اتَّقى كالتُّؤَدَةِ مِنِ اتَّأدَ وأصْلُها وُقْيَةٌ قُلِبَتْ واوُها المَضْمُومَةُ تاءً كَما في تُهْمَةٍ وتُخَمَةٍ وياؤُها المَفْتُوحَةُ ألِفًَا. ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُخْلِصُونَ نُفُوسَكم (p-66)لِلَّهِ تَعالى لا تَجْعَلُونَ فِيها شِرْكَةً لِما سِواهُ أصْلًَا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: تَمُوتُنَّ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ تَحَقُّقِ إسْلامِكم وثَباتِكم عَلَيْهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ. ولَوْ قِيلَ: إلّا مُسْلِمِينَ لَمْ يُفِدْ فائِدَتَها، والعامِلُ في الحالِ ما قَبْلَ إلّا بَعْدَ النَّقْضِ، وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وإنْ كانَ نَهْيًَا عَنِ المَوْتِ المُقَيَّدِ بِقَيْدٍ هو الكَوْنُ عَلى أيِّ حالٍ مِن غَيْرِ حالِ الإسْلامِ لَكِنَّ المَقْصُودَ هو النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ القَيْدِ عِنْدَ المَوْتِ المُسْتَلْزِمِ لِلْأمْرِ بِضِدِّهِ الَّذِي هو الكَوْنُ عَلى حالِ الإسْلامِ حِينَئِذٍ، وحَيْثُ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ كانَ المُرادُ إيجابَ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ إلى المَوْتِ، وتَوْجِيهُهُ النَّهْيَ إلى المَوْتِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ قَيْدِهِ المَذْكُورِ، فَإنَّ النَّهْىَ عَنِ المُقَيَّدِ في أمْثالِهِ نَهْيٌ عَنِ القَيْدِ ورَفْعٌ لَهُ مِن أصْلِهِ بِالكُلِّيَّةِ مُفِيدٌ لِما لا يُفِيدُهُ النَّهْيُ عَنْ نَفْسِ القَيْدِ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ: "لا تُصَلِّ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ" يُفِيدُ مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِ الخُشُوعِ في الصَّلاةِ ما لا يُفِيدُهُ قَوْلُكَ: "لا تَتْرُكِ الخُشُوعَ في الصَّلاةِ" لِما أنَّ هَذا نَهْيٌ عَنْ تَرْكِ الخُشُوعِ فَقَطْ وذاكَ نَهْيٌ عَنْهُ وعَمّا يُقارِنُهُ ومُفِيدٌ لِكَوْنِ الخُشُوعِ هو العُمْدَةَ في الصَّلاةِ وأنَّ الصَّلاةَ بِدُونِهِ حَقُّها أنْ لا تُفْعَلَ، وفِيهِ نَوْعُ تَحْذِيرٍ عَمّا وراءَ المَوْتِ.

آل عمران 3:103

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِدِينِ الإسْلامِ أوْ بِكِتابِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿القرآن حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ لا تَنْقَضِي عَجائِبُهُ ولا يَخْلَقُ مِن كَثْرَةِ الرَّدِّ مَن قالَ بِهِ صَدَقَ ومَن عَمِلَ بِهِ رَشَدَ ومَنِ اعْتَصَمَ بِهِ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إمّا تَمْثِيلٌ لِلْحالَةِ الحاصِلَةِ مِنَ اسْتِظْهارِهِمْ بِهِ ووُثُوقِهِمْ بِحِمايَتِهِ بِالحالَةِ الحاصِلَةِ مِن تَمَسُّكِ المُتَدَلِّي مِن مَكانٍ رَفِيعٍ بِحَبْلٍ وثِيقٍ مَأْمُونِ الِانْقِطاعِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مَجازٍ في المُفْرَداتِ، وإمّا اسْتِعارَةٌ لِلْحَبْلِ لِما ذُكِرَ مِنَ الدِّينِ أوِ الكِتابِ، والِاعْتِصامُ تَرْشِيحٌ لَها أوْ مُسْتَعارٌ لِلْوُثُوقِ بِهِ والِاعْتِمادِ عَلَيْهِ. ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "اعْتَصِمُوا" أيْ: مُجْتَمِعِينَ في الِاعْتِصامِ. ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ أيْ: لا تَتَفَرَّقُوا عَنِ الحَقِّ بِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ بَيْنَكم كَأهْلِ الكِتابِ أوْ كَما كُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ في الجاهِلِيَّةِ يُحارِبُ بَعْضُكم بَعْضًَا أوْ لا تُحْدِثُوا ما يُوجِبُ التَّفْرِيقَ ويُزِيلُ الأُلْفَةَ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها. ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ كُنْتُمْ﴾ ظَرْفٌ لَهُ أوْ لِلِاسْتِقْرارِ في "عَلَيْكُمْ" أيِ: اذْكُرُوا إنْعامَهُ عَلَيْكم أوِ اذْكُرُوا إنْعامَهُ مُسْتَقِرًَّا عَلَيْكم وقْتَ كَوْنِكم ﴿أعْداءً﴾ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَكُمُ الإحَنُ* والعَداواتُ والحُرُوبُ المُتَواصِلَةُ، وقِيلَ: هُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ كانا أخَوَيْنِ لِأبٍ وأُمٍّ فَوَقَعَتْ بَيْنَ أوْلادِهِما العَداوَةُ والبَغْضاءُ وتَطاوَلَتِ الحُرُوبُ فِيما بَيْنَهم مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً. ﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بِتَوْفِيقِكم لِلْإسْلامِ. ﴿فَأصْبَحْتُمْ﴾ أيْ: فَصِرْتُمْ. ﴿بِنِعْمَتِهِ﴾ الَّتِي هي ذَلِكَ التَّأْلِيفُ. ﴿إخْوانًا﴾ خَبَرُ "أصْبَحْتُمْ" أيْ: إخْوانًَا مُتَحابِّينَ مُجْتَمِعِينَ عَلى الأُخُوَّةِ في اللَّهِ مُتَراحِمِينَ مُتَناصِحِينَ مُتَّفِقِينَ عَلى كَلِمَةِ الحَقِّ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿فَأصْبَحْتُمْ﴾: فَدَخَلْتُمْ في الصَّباحِ، فالباءُ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ الفاعِلِ وكَذا "إخْوانًَا" أيْ: فَأصْبَحْتُمْ (p-67)مُلْتَبِسِينَ حالَ كَوْنِكم إخْوانًَا. ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾ شَفا الحُفْرَةِ وشَفَتُها حَرْفُها، أيْ: كُنْتُمْ مُشْرِفِينَ عَلى الوُقُوعِ في نارِ جَهَنَّمَ لِكُفْرِهِمْ إذْ لَوْ أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ لَوَقَعْتُمْ فِيها. ﴿فَأنْقَذَكُمْ﴾ بِأنْ هَداكم لِلْإسْلامِ. ﴿مِنها﴾ الضَّمِيرُ لِلْحُفْرَةِ أوْ لِلنّارِ أوْ لِلشَّفا والتَّأْنِيثُ لِلْمُضافِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ: كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ أوْ لِأنَّهُ بِمَعْنى الشَّفَةِ، فَإنَّ شَفا البِئْرِ وشَفَتَها جانِبُها كالجانِبِ و الجانِبَةِ وأصْلُهُ شَفَوٌ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًَا في المُذَكَّرِ وحُذِفَتْ في المُؤَنَّثِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ وكَمالِ تَمَيُّزِهِ بِهِ عَمّا عَداهُ وانْتِظامِهِ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، والكافُ مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّبْيِينِ الواضِحِ. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلائِلَهُ. ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ طَلَبًَا لِثَباتِكم عَلى الهُدى وازْدِيادِكم فِيهِ.

آل عمران 3:104

﴿وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَكْمِيلِ الغَيْرِ وإرْشادِهِ إثْرَ أمْرِهِمْ بِتَكْمِيلِ النَّفْسِ وتَهْذِيبِها بِما قَبْلَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي تَثْبِيتًَا لِلْكُلِّ عَلى مُراعاةِ ما فِيها مِنَ الأحْكامِ بِأنْ يَقُومَ بَعْضُهم بِمَواجِبِها ويُحافِظَ عَلى حُقُوقِها وحُدُودِها ويُذَكِّرَها النّاسَ كافَّةً ويَرْدَعَهم عَنِ الإخْلالِ بِها، والجُمْهُورُ عَلى إسْكانِ لامِ الأمْرِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى الأصْلِ وهو مِن كانَ التّامَّةِ، و "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالأمْرِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ الفاعِلِ وهو ﴿أُمَّةٌ﴾ و ﴿يَدْعُونَ﴾ صِفَتُها، أيْ: لِتُوجَدْ مِنكم أُمَّةٌ داعِيَةٌ إلى الخَيْرِ، والأُمَّةُ هي الجَماعَةُ الَّتِي يَؤُمُّها فِرَقُ النّاسِ، أيْ: يَقْصِدُونَها ويَقْتَدُونَ بِها أوْ مِنَ النّاقِصَةِ و ﴿أُمَّةٌ﴾ اسْمُها و"يَدْعُونَ" خَبَرُها، أيْ: لِتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ داعِينَ إلى الخَيْرِ وأيًَّا ما كانَ؛ فَتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى الكُلِّ مَعَ إسْنادِ الدَّعْوَةِ إلى البَعْضِ لِتَحْقِيقِ مَعْنى فَرْضِيَّتِها عَلى الكِفايَةِ وأنَّها واجِبَةٌ عَلى الكُلِّ لَكِنْ بِحَيْثُ إنْ أقامَها البَعْضُ سَقَطَتْ عَنِ الباقِينَ ولَوْ أخَلَّ بِها الكُلُّ أثِمُوا جِمِيعًَا لا بِحَيْثُ يَتَحَتَّمُ عَلى الكُلِّ إقامَتُها عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ الآيَةُ. ولِأنَّها مِن عَظائِمِ الأُمُورِ وعَزائِمِها الَّتِي لا يَتَوَلّاها إلّا العُلَماءُ بِأحْكامِهِ تَعالى ومَراتِبِ الِاحْتِسابِ وكَيْفِيَّةِ إقامَتِها فَإنَّ مَن يَعْلَمُها يُوشِكُ أنْ يَأْمُرَ بِمُنْكَرٍ ويَنْهى عَنْ مَعْرُوفٍ ويُغْلِظَ في مَقامِ اللِّينِ ويَلِينَ في مَقامِ الغِلْظَةِ ويُنْكِرَ عَلى مَن لا يَزِيدُهُ الإنْكارُ إلّا التَّمادِيَ والإصْرارَ، وقِيلَ: "مِن" بَيانِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوُا الصّالِحاتِ مِنهُمْ﴾ الآيَةُ. والأمْرُ مِن كانَ النّاقِصَةِ والمَعْنى: كُونُوا أُمَّةً يَدْعُونَ الآيَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ الآيَةُ. ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَوْنَ الدَّعْوَةِ فَرْضَ عَيْنٍ فَإنَّ الجِهادَ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ مَعَ ثُبُوتِهِ بِالخِطاباتِ العامَّةِ، والدُّعاءُ إلى الخَيْرِ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ إلى ما فِيهِ صَلاحٌ دِينِيٌّ أوْ دُنْيَوِيٌّ فَعَطْفُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ مَعَ انْدِراجِهِما فِيهِ مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِإظْهارِ فَضْلِهِما وإنافَتِهِما عَلى سائِرِ الخَيْراتِ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكالَ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ، وحَذْفُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ إمّا لِلْإيذانِ بِظُهُورِهِ، أيْ: يَدْعُونَ النّاسَ ويَأْمُرُونَهم ويَنْهَوْنَهُمْ، (p-68)وَإمّا لِلْقَصْدِ إلى إيجادِ نَفْسِ الفِعْلِ كَما في قَوْلِكَ: "فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ" أيْ: يَفْعَلُونَ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأُمَّةِ المَذْكُورَةِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ وكَمالِ تَمَيُّزِهِمْ بِذَلِكَ عَمَّنْ عَداهم وانْتِظامِهِمْ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، والإفْرادُ في كافِ الخِطابِ إمّا لِأنَّ المُخاطَبَ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ وإمّا لِأنَّ التَّعْيِينَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الكامِلَةِ. ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيْ: هُمُ الأخِصّاءُ بِكَمالِ الفَلاحِ، و "هُمْ" ضَمِيرُ فَصْلٍ يَفْصِلُ بَيْنَ الخَبَرِ والصِّفَةِ ويُؤَكِّدُ النِّسْبَةَ ويُفِيدُ اخْتِصاصَ المُسْنَدِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ "المُفْلِحُونَ" والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ "أُولَئِكَ" وتَعْرِيفُ ﴿المُفْلِحُونَ﴾ إمّا لِلْعَهْدِ أوْ لِلْإشارَةِ إلى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن حَقِيقَةِ المُفْلِحِينَ. رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ خَيْرِ النّاسِ فَقالَ: "آمَرُهم بِالمَعْرُوفِ وأنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ وأتْقاهم لِلَّهِ وأوْصَلُهم لِلرَّحِمِ".» وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ فَهو خَلِيفَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وخَلِيفَةُ رَسُولِهِ وخَلِيفَةُ كِتابِهِ".» وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًَا مِن عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ".» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أفْضَلُ الجِهادِ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ ومَن شَنَأ الفاسِقِينَ وغَضِبَ لِلَّهِ غَضِبَ اللَّهُ لَهُ"، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ في الوُجُوبِ والنَّدْبِ تابِعٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وأمّا النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فَواجِبٌ كُلُّهُ فَإنَّ جَمِيعَ ما أنْكَرَهُ الشَّرْعُ حَرامٌ، والعاصِي يَجِبُ عَلَيْهِ النَّهْيُ عَمّا ارْتَكَبَهُ إذْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ وإنْكارُهُ فَلا يَسْقُطُ بِتَرْكِ أحَدِهِما وُجُوبُ شَيْءٍ مِنهُما. والتَّوْبِيخُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ إنَّما هو عَلى نِسْيانِ أنْفُسِهِمْ لا عَلى أمْرِهِمْ بِالبِرِّ، وعَنِ السَّلَفِ: مُرُوا بِالخَيْرِ وإنْ لَمْ تَفْعَلُوا.

آل عمران 3:105

﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ هم أهْلُ الكِتابَيْنِ حَيْثُ تَفَرَّقَتِ اليَهُودُ فِرَقًَا والنَّصارى فِرَقًَا. ﴿واخْتَلَفُوا﴾ بِاسْتِخْراجِ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ وكَتْمِ الآياتِ النّاطِقَةِ وتَحْرِيفِها بِما أخْلَدُوا إلَيْهِ مِن حُطامِ الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الآياتُ الواضِحَةُ المُبَيِّنَةُ لِلْحَقِّ المُوجِبَةُ لِلِاتِّفاقِ عَلَيْهِ واتِّحادِ الكَلِمَةِ، فالنَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى المُتَصَدِّينَ لِلدَّعْوَةِ أصالَةً وإلى أعْقابِهِمْ تَبَعًَا، ويَجُوزُ تَعْمِيمُ المَوْصُولِ لِلْمُخْتَلِفِينَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ المُشارِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ وقِيلَ: هُمُ المُبْتَدِعَةُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وقِيلَ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالمَنهِيُّ عَنْهُ إنَّما هو الِاخْتِلافُ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ إلّا أنْ يَكُونَ مُخالِفًَا لِلنُّصُوصِ البَيِّنَةِ أوِ الإجْماعِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ".» وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "مَنِ اجْتَهَدَ فَأصابَ فَلَهُ أجْرانِ ومَن أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ"،» و "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وهو مُبْتَدَأٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمْ﴾ خَبَرُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ أوْ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ، وفِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في وعِيدِ المُتَفَرِّقِينَ والتَّشْدِيدِ في تَهْدِيدِ المُشَبَّهِينَ بِهِمْ ما لا يَخْفى.

آل عمران 3:106

(p-69)﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ أيْ: وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ وقُرِئَ "تَبْياضِ". ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ كَثِيرَةٌ. وقُرِئَ "تَسْوادِ". وعَنْ عَطاءٍ: "تَبْيَضُّ وُجُوهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وتَسْوَدُّ وُجُوهُ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ"، و ﴿يَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرارِ في لَهُمْ، أيْ: لِثُبُوتِ العَذابِ العَظِيمِ لَهم أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ تَحْذِيرًَا لَهم عَنْ عاقِبَةِ التَّفْرِيقِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ وتَرْغِيبًَا في الِاتِّفاقِ عَلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ، أيِ: اذْكُرُوا يَوْمَ تَبْيَضُّ إلَخْ... وبَياضُ الوَجْهِ وسَوادُهُ كِنايَتانِ عَنْ ظُهُورِ بَهْجَةِ السُّرُورِ وكَآبَةِ الخَوْفِ فِيهِ. وقِيلَ: يُوسَمُ أهْلُ الحَقِّ بِبَياضِ الوَجْهِ والصَّحِيفَةِ وإشْراقِ البَشْرَةِ وسَعْيِ النُّورِ بَيْنَ يَدَيْهِ وبِيَمِينِهِ وأهْلُ الباطِلِ بِأضْدادِ ذَلِكَ.﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ بَعْدَ الإشارَةِ إلَيْها إجْمالًَا، وتَقْدِيمُ بَيانِ هَؤُلاءِ لِما أنَّ المَقامَ مَقامُ التَّحْذِيرِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ والإفْضاءِ إلى خَتْمِ الكَلامِ بِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ كَما بُدِئَ بِذَلِكَ عِنْدَ الإجْمالِ. ﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: فَيُقالُ لَهم ذَلِكَ، والهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّهم أهْلُ الكِتابَيْنِ وكُفْرُهم بَعْدَ إيمانِهِمْ كُفْرُهم بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إيمانِ أسْلافِهِمْ أوْ إيمانِ أنْفُسِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ جَمِيعُ الكَفَرَةِ حَيْثُ كَفَرُوا بَعْدَ ما أقَرُّوا بِالتَّوْحِيدِ يَوْمَ المِيثاقِ أوْ بَعْدَ ما تَمَكَّنُوا مِنَ الإيمان بالنَّظَرِ الصَّحِيحِ والدَّلائِلِ الواضِحَةِ والآياتِ البَيِّنَةِ. وقِيلَ: المُرْتَدُّونَ. وقِيلَ: أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ. والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيِ: العَذابَ المَعْهُودَ المَوْصُوفَ بِالعِظَمِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ بِذَوْقِ العَذابِ عَلى طَرِيقِ الإهانَةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى كُفْرِهِمِ المَذْكُورِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ نَفْسَ الذَّوْقِ مُعَلَّلٌ بِذَلِكَ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ كُفْرِهِمْ أوْ عَلى مُضِيِّهِ في الدُّنْيا.

آل عمران 3:107

﴿وَأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أعْنِي الجَنَّةَ والنَّعِيمَ المُخَلَّدَ، عُبِّرَ عَنْها بِالرَّحْمَةِ تَنْبِيهًَا عَلى أنَّ المُؤْمِنَ وإنِ اسْتَغْرَقَ عُمْرَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى. وقُرِئَ "ابْياضَّتْ". كَما قُرِئَ "اسْوادَّتْ". ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًَا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ السِّياقِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها؟ فَقِيلَ: هم فِيها خالِدُونَ لا يَظْعَنُونَ عَنْها ولا يَمُوتُونَ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ.

آل عمران 3:108

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى تَنْعِيمِ الأبْرارِ وتَعْذِيبِ الكُفّارِ ومَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِها وسُمُوِّ مَكانِها في الشَّرَفِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتُ اللَّهِ﴾ خَبَرُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتْلُوها﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِنَ الآياتِ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ أوْ هي الخَبَرُ و "آياتُ اللَّهِ" بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ (p-70)بِنُونِ العَظَمَةِ مَعَ كَوْنِ التِّلاوَةِ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِالتِّلاوَةِ. وقُرِئَ "يَتْلُوها" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "نَتْلُوها". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن فاعِلِ "نَتْلُوها" أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: مُلْتَبِسِينَ أوْ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ والعَدْلِ لَيْسَ في حُكْمِها شائِبَةُ جَوْرٍ بِنَقْصِ ثَوابِ المُحْسِنِ أوْ بِزِيادَةِ عِقابِ المُسِيءِ أوْ بِالعِقابِ مِن غَيْرِ جُرْمٍ بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مُوَفّىً لَهم حَسَبَ اسْتِحْقاقِهِمْ بِأعْمالِهِمْ بِمُوجِبِ الوَعْدِ والوَعِيدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ فَإنَّ تَنْكِيرَ الظُّلْمِ وتَوْجِيهَ النَّفْيِ إلى إرادَتِهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ دُونَ نَفْسِهِ، وتَعْلِيقَ الحُكْمِ بِآحادِ الجَمْعِ المُعَرَّفِ والِالتِفاتَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ إشْعارًَا بِعِلَّةِ الحُكْمِ بَيانٌ لِكَمالِ نَزاهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الظُّلْمِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، أيْ: ما يُرِيدُ فَرْدًَا مِن أفْرادِ الظُّلْمِ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ العالَمِينَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ فَضْلًَا عَنْ أنْ يَظْلِمَهُمْ، فَإنَّ المُضارِعَ كَما يُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ في الإثْباتِ يُفِيدُهُ في النَّفْيِ بِحَسَبِ المَقامِ كَما أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ بِمَعُونَةِ المَقامِ عَلى دَوامِ الثُّبُوتِ وعِنْدَ دُخُولِ حَرْفِ النَّفْيِ تَدُلُّ عَلى دَوامِ الِانْتِفاءِ لا عَلى انْتِفاءِ الدَّوامِ، وفي سَبْكِ الجُمْلَةِ نَوْعُ إيماءٍ إلى التَّعْرِيضِ بِأنَّ الكَفَرَةَ هُمُ الظّالِمُونَ؛ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ .

آل عمران 3:109

﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ تَعالى وحْدَهُ مِن غَيْرِ شِرْكَةٍ أصْلًَا ما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ الفائِقَةِ لِلْحَصْرِ مِلْكًَا وخَلْقًَا إحْياءً وإماتَةً وإثابَةً وتَعْذِيبًَا، وإيرادُ كَلِمَةِ "ما" إمّا لِتَغْلِيبِ غَيْرِ العُقَلاءِ عَلى العُقَلاءِ، وإمّا لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ غَيْرِهِمْ إظْهارًَا لِحَقارَتِهِمْ في مَقامِ بَيانِ عَظَمَتِهِ تَعالى. ﴿وَإلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ لا إلى غَيْرِهِ شِرْكَةً أوِ اسْتِقْلالًَا. ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: أُمُورُهُمْ، فَيُجازِي كُلًَّا مِنهم بِما وعَدَ لَهُ وأوْعَدَهُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ في ذَلِكَ لِأحَدٍ قَطُّ، فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما ورَدَ في جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ. وقِيلَ: هي مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِهِ، فَإنَّ كَوْنَ العالَمِينَ عَبِيدَهُ تَعالى ومَخْلُوقَهُ ومَرْزُوقَهُ يَسْتَدْعِي إرادَةَ الخَيْرِ بِهِمْ.

آل عمران 3:110

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الاتِّفاقِ عَلى الحَقِّ والدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ، و "كُنْتُمْ" مِن كانَ النّاقِصَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ شَيْءٍ بِصِفَةٍ في الزَّمانِ الماضِي مِن غَيْرِ دِلالَةٍ عَلى عَدَمِ سابِقٍ أوْ لاحِقٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . وقِيلَ: كُنْتُمْ كَذَلِكَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ في اللَّوْحِ أوْ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: أنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ. ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ صِفَةٌ لِـ ﴿أُمَّةٍ﴾ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿أُخْرِجَتْ﴾ أيْ: أُظْهِرَتْ لَهم. وقِيلَ: بِخَيْرِ أُمَّةٍ، أيْ: كُنْتُمْ خَيْرَ النّاسِ لِلنّاسِ، فَهو صَرِيحٌ في أنَّ الخَيْرِيَّةَ بِمَعْنى النَّفْعِ لِلنّاسِ وإنْ فُهِمَ ذَلِكَ مِنَ الإخْراجِ لَهم أيْضًَا، أيْ: أُخْرِجَتْ لِأجْلِهِمْ ومَصْلَحَتِهِمْ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَعْناهُ: كُنْتُمْ خَيْرَ النّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ في السَّلاسِلِ فَتُدْخِلُونَهم في الإسْلامِ. و قالَ قَتادَةُ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ نَبِيٌّ (p-71)قَبْلَهُ بِالقِتالِ، فَهم يُقاتِلُونَ الكُفّارَ فَيُدْخِلُونَهم في الإسْلامِ فَهم خَيْرُ أُمَّةٍ لِلنّاسِ. ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِكم خَيْرَ أُمَّةٍ، كَما يُقالُ: "زَيْدٌ كَرِيمٌ يُطْعِمُ النّاسَ ويَكْسُوهم ويَقُومُ بِمَصالِحِهِمْ"، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِـ ﴿كُنْتُمْ﴾ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ وخِطابُ المُشافَهَةِ وإنْ كانَ خاصًَّا بِمَن شاهَدَ الوَحْيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكِنَّ حُكْمَهُ عامٌّ لِلْكُلِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ هَذا الخِطابِ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَعُمُّ سائِرَ أُمَّتِهِ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ «عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾: "أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ تَعالى"» وظاهِرٌ أنَّ المُرادَ بِكُلِّ أُمَّةٍ أوائِلُهم وأواخِرُهم لا أوائِلُهم فَقَطْ، فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ أعْقابُ هَذِهِ الأُمَّةِ أيْضًَا داخِلَةً في الحُكْمِ، وكَذا الحالُ فِيما رُوِيَ أنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ ووَهْبَ بْنَ يَهُوذا اليَهُودِيَّيْنِ مَرّا بِنَفَرٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وسالِمٌ مَوْلى حُذَيْفَةَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقالا لَهُمْ: نَحْنُ أفْضَلُ مِنكم ودِينُنا خَيْرٌ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾: الَّذِينَ هاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً الرُّواةُ والدُّعاةُ الَّذِينَ أمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِطاعَتِهِمْ. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: إيمانًَا مُتَعَلِّقًَا بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ مِن رَسُولٍ وكِتابٍ وحِسابٍ وجَزاءٍ وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَفْصِيلًَا لِظُهُورٍ أنَّهُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ المُؤْمِنُونَ ولِلْإيذانِ بِأنَّهُ هو الإيمان باللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً وأنَّ ما خَلا عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ كَإيمانِ أهْلِ الكِتابِ لَيْسَ مِنَ الإيمانِ بِهِ تَعالى في شَيْءٍ. قالَ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ وإنَّما أُخِّرَ ذَلِكَ عَنِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِما وُجُودًَا ورُتْبَةً لِأنَّ دِلالَتَهُما عَلى خَيْرِيَّتِهِمْ لِلنّاسِ أظْهَرُ مِن دِلالَتِهِ عَلَيْها، ولِيَقْتَرِنَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ: لَوْ آمَنُوا كَإيمانِكم لَكانَ ذَلِكَ خَيْرًَا لَهم مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الرِّياسَةِ واسْتِتْباعِ العَوامِّ ولازْدادَتْ رِياسَتُهم وتَمَتُّعُهم بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَعَ الفَوْزِ بِما وُعِدُوهُ عَلى الإيمانِ مِن إيتاءِ الأجْرِ مَرَّتَيْنِ. وقِيلَ: مِمّا هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، فالخَيْرِيَّةُ إنَّما هي بِاعْتِبارِ زَعْمِهِمْ وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمُؤْمَنِ بِهِ أصْلًَا لِلْإشْعارِ بِظُهُورِ أنَّهُ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الإيمانِ لا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى غَيْرِهِ ولَوْ فَصَّلَ المُؤْمَنَ بِهِ هَهُنا أوْ فِيما قَبْلُ لَرُبَّما فُهِمَ أنَّ لِأهْلِ الكِتابِ أيْضًَا إيمانًَا في الجُمْلَةِ لَكِنَّ إيمانَ المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِنهُ، وهَيْهاتَ ذَلِكَ. ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ جَوابًَا عَمّا نَشَأ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى انْتِفاءِ الخَيْرِيَّةِ لِانْتِفاءِ الإيمانِ عَنْهُمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ مِنهم مَن آمَنَ أوْ كُلُّهم عَلى الكُفْرِ، فَقِيلَ: مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ المَعْهُودُونَ الفائِزُونَ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. ﴿وَأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ المُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ الخارِجُونَ عَنِ الحُدُودِ.

آل عمران 3:111

﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَصْدَرِ العامِّ، أيْ: لَنْ يَضُرُّوكم أبَدًَا ضَرَرًَا ما إلّا ضَرَرَ أذىً لا يُبالى بِهِ مِن طَعْنٍ وتَهْدِيدٍ لا أثَرَ لَهُ. ﴿وَإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ أيْ: يَنْهَزِمُونَ مِن غَيْرِ أنْ يَنالُوا مِنكم شَيْئًَا مِن قَتْلٍ أوْ أسْرٍ. ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ عَطْفٌ (p-72)عَلى الشَّرْطِيَّةِ و "ثُمَّ" لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، أيْ: لا يُنْصَرُونَ مِن جِهَةِ أحَدٍ ولا يُمْنَعُونَ مِنكم قَتْلًَا وأخْذًَا، وفِيهِ تَثْبِيتٌ لِمَن آمَنَ مِنهم فَإنَّهم كانُوا يُؤْذُونَهم بِالتَّلَهِّي بِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ وتَضْلِيلِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ وبِشارَةٌ لَهم بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَتَجاوَزُوُا الأذى بِالقَوْلِ إلى ضَرَرٍ يُعْبَأُ بِهِ مَعَ أنَّهُ وعَدَهُمُ الغَلَبَةَ عَلَيْهِمْ والِانْتِقامَ مِنهم وأنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمُ الخِذْلانُ والذُّلُّ، وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ نَفْيُ مَنصُورِيَّتِهِمْ عَلى الجَزاءِ لِأنَّ المَقْصُودَ هو الوَعْدُ بِنَفْيِ النَّصْرِ مُطْلَقًَا ولَوْ عُطِفَ عَلَيْهِ لَكانَ مُقَيَّدًَا بِمُقاتَلَتِهِمْ كَتَوْلِيَةِ الأدْبارِ وكَمْ بَيْنَ الوَعْدَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ شَأْنُهُمُ الَّذِي أُخْبِرُكم عَنْهُ وأُبَشِّرُكم بِهِ أنَّهم مَخْذُولُونَ مُنْتَفٍ عَنْهُمُ النَّصْرُ والقُوَّةُ لا يَنْهَضُونَ بَعْدَ ذَلِكَ بِجَناحٍ ولا يَقُومُونَ عَلى ساقٍ ولا يَسْتَقِيمُ لَهم أمْرٌ، وكانَ كَذَلِكَ حَيْثُ لَقِيَ بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنُو قَيْنُقاعَ ويَهُودُ خَيْبَرَ ما لَقُوا.

آل عمران 3:112

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أيْ: هَدْرُ النَّفْسِ والمالِ والأهْلِ أوْ ذُلُّ التَّمَسُّكِ بِالباطِلِ. ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ أيْ: وُجِدُوا. ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمِ الذِّلَّةُ ضَرْبَ القُبَّةِ عَلى مَن هي عَلَيْهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُعْتَصِمِينَ بِذِمَّةِ اللَّهِ أوْ كِتابِهِ الَّذِي أتاهم وذِمَّةِ المُسْلِمِينَ أوْ بِذِمَّةِ الإسْلامِ واتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ. ﴿وَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا مُسْتَوْجِبِينَ لَهُ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ و "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "غَضَبٍ" مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ والهَوْلِ، أيْ: كائِنٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ﴾ فَهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ، واليَهُودُ كَذَلِكَ في غالِبِ الحالِ مَساكِينُ تَحْتَ أيْدِي المُسْلِمِينَ والنَّصارى. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ عَلَيْهِمْ والبَوْءِ بِالغَضَبِ العَظِيمِ. ﴿بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَ كائِنٌ بِسَبَبِ كُفْرِهِمِ المُسْتَمِرِّ بِآياتِ اللَّهِ النّاطِقَةِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَحْرِيفِهِمْ لَها وبِسائِرِ الآياتِ القرآنيَّةِ. ﴿وَيَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ: في اعْتِقادِهِمْ أيْضًَا وإسْنادُ القَتْلِ مَعَ أنَّهُ فِعْلُ أسْلافِهِمْ لِرِضاهم بِهِ كَما أنَّ التَّحْرِيفَ مَعَ كَوْنِهِ مِن أفْعالِ أحْبارِهِمْ يُنْسَبُ إلى كُلِّ مَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِمْ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الكُفْرِ والقَتْلِ. ﴿بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أيْ: كائِنٌ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى عَلى الِاسْتِمْرارِ، فَإنَّ الإصْرارَ عَلى الصَّغائِرِ يُفْضِي إلى مُباشَرَةِ الكَبائِرِ والِاسْتِمْرارَ عَلَيْها يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّ ضَرْبَ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ في الدُّنْيا واسْتِيجابَ الغَضَبِ في الآخِرَةِ كَما هو مُعَلَّلٌ بِكُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ مِن حَيْثُ أنَّهم مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ مِن حَيْثُ المُؤاخَذَةُ.

آل عمران 3:113

﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ تَمْهِيدًَا لِتَعْدادِ مَحاسِنِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ وتَذْكِيرًَا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ . والضَّمِيرُ في ﴿لَيْسُوا﴾ لِأهْلِ الكِتابِ جَمِيعًَا لا لِلْفاسِقِينَ مِنهم خاصَّةً، وهو اسْمُ لَيْسَ وخَبَرُهُ "سَواءً" وإنَّما أُفْرِدَ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، (p-73)والمُرادُ بِنَفْيِ المُساواةِ نَفْيُ المُشارَكَةِ في أصْلِ الِاتِّصافِ بِالقَبائِحِ المَذْكُورَةِ لا نَفْيُ المُساواةِ في مَراتِبِ الِاتِّصافِ بِها مَعَ تَحَقُّقِ المُشارَكَةِ في أصْلِ الِاتِّصافِ بِها، أيْ: لَيْسَ جَمِيعُ أهْلِ الكِتابِ مُتَشارِكِينَ في الِاتِّصافِ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ والِابْتِلاءِ بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ العُقُوباتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ تَساوِيهِمْ، ومُزِيلٌ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ كَما أنَّ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ الآيَةُ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ إلَخْ... ووَضْعُ "أهْلِ الكِتابِ" مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِمْ لِتَحْقِيقِ ما بِهِ الِاشْتِراكُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ والإيذانِ بِأنَّ تِلْكَ الأُمَّةَ مِمَّنْ أُوتِيَ نَصِيبًَا وافِرًَا مِنَ الكِتابِ لا مِن أرْذالِهِمْ، والقائِمَةُ: المُسْتَقِيمَةُ العادِلَةُ مِن أقَمْتُ العُودَ فَقامَ بِمَعْنى اسْتَقامَ، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعِيدٍ وأُسَيْدِ بْنِ عُبَيْدٍ وأضْرابِهِمْ. وقِيلَ: هم أرْبَعُونَ رَجُلًَا مِن أهْلِ نَجْرانَ واثْنانِ وثَلاثُونَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَلاثَةٌ مِنَ الرُّومِ كانُوا عَلى دِينِ عِيسى وصَدَّقُوا مُحَمَّدًَا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ مِنَ الأنْصارِ فِيهِمْ عِدَّةٌ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ والبَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وأبُو قَيْسٍ صِرْمَةُ بْنُ أنَسٍ كانُوا مُوَحِّدِينَ يَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ ويَقُومُونَ بِما يَعْرِفُونَ مِن شَرائِعِ الحَنِيفِيَّةِ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ فَصَدَّقُوهُ ونَصَرُوهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"أُمَّةٌ". وقِيلَ: في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنها لِتَخَصُّصِها بِالنَّعْتِ والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الجارُّ أوْ مِن ضَمِيرِها في ﴿قائِمَةٌ﴾ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ لِوُقُوعِهِ خَبَرًَا لِـ ﴿أُمَّةٌ﴾ والمُرادُ بِـ ﴿آياتِ اللَّهِ﴾: القرآن. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ ظَرْفٌ لِـ ﴿يَتْلُونَ﴾ أيْ: في ساعاتِهِ، جَمْعُ أنى بِزِنَةِ عَصا أوْ إنِّي بِزِنَةِ مِعىً أوْ أنْيٍ بِزِنَةِ ظَبْيٍ أوْ إنْيٍ بِزِنَةِ نِحْيٍ أوْ إنْوٍ بِزِنَةِ جِرْوٍ.﴿وَهم يَسْجُدُونَ﴾ أيْ: يُصَلُّونَ، إذْ لا تِلاوَةَ في السُّجُودِ. قالَ ﷺ: « "ألا إنِّي نُهِيتُ أنْ أقْرَأ راكِعًَا وساجِدًَا"،» وتَخْصِيصُ السُّجُودِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى كَمالِ الخُضُوعِ، والتَّصْرِيحُ بِتِلاوَتِهِمْ آياتِ اللَّهِ في الصَّلاةِ مَعَ أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْها قَطْعًَا لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ المُخالَفَةِ وتَوْضِيحِ عَدَمِ المُساواةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الَّذِينَ وُصِفُوا آنِفًَا بِالكُفْرِ بِها وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ هَذا النَّعْتِ عَلى نَعْتِ الإيمانِ، والمُرادُ بِصَلاتِهِمِ: التَّهَجُّدُ إذْ هو أدْخَلُ في مَدْحِهِمْ وفِيهِ يَتَسَنّى لَهُمُ التِّلاوَةُ فَإنَّها في المَكْتُوبَةِ وظِيفَةُ الإمامِ، واعْتِبارُ حالِهِمْ عِنْدَ الصَّلاةِ عَلى الِانْفِرادِ يَأْباهُ مَقامُ المَدْحِ وهو الأنْسَبُ بِالعُدُولِ عَنْ إيرادِها بِاسْمِ الجِنْسِ المُتَبادِرِ مِنهُ الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ وبِالتَّعْبِيرِ عَنْ وقْتِها بِالآناءِ المُبْهَمَةِ. وقِيلَ: صَلاةُ العِشاءِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لا يُصَلُّونَها لِما رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَّرَها لَيْلَةً ثُمَّ خَرَجَ فَإذا النّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ فَقالَ: أما إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ الأدْيانِ أحَدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ هَذِهِ السّاعَةَ غَيْرُكم وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وإيرادُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "يَتْلُونَ". وقِيلَ: هي مُسْتَأْنِفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهم يَقُومُونَ تارَةً ويَسْجُدُونَ أُخْرى يَبْتَغُونَ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ بِأنْواعِ ما يَكُونُ في الصَّلاةِ مِنَ الخُضُوعِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ هو الخُضُوعُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرض﴾ .

آل عمران 3:114

(p-74)﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ "أُمَّةٌ" مُبَيِّنَةٌ لِمُبايَنَتِهِمُ اليَهُودَ مِن جِهَةٍ أُخْرى، أيْ: يُؤْمِنُونَ بِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ، والإطْلاقُ لِلْإيذانِ بِالغِنى عَنِ التَّقْيِيدِ لِظُهُورِ أنَّهُ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ الإيمانُ بِهِما لا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى غَيْرِهِ ولِلتَّعْرِيضِ بِأنَّ إيمانَ اليَهُودِ بِهِما مَعَ قَوْلِهِمْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ ووَصْفِهِمِ اليَوْمَ الآخِرَ بِخِلافِ صِفَتِهِ لَيْسَ مِنَ الإيمانِ بِهِما في شَيْءٍ أصْلًَا ولَوْ قُيِّدَ بِما ذَكَرَ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ المُنْتَفِيَ عَنْهم هو القَيْدُ المَذْكُورُ مَعَ جَوازِ إطْلاقِ الإيمانِ عَلى إيمانِهِمْ بِالأصْلِ وهَيْهاتَ. ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ صِفَتانِ أُخْرَيانِ لِـ ﴿أُمَّةٌ﴾ أُجْرِيَتا عَلَيْهِمْ تَحْقِيقًَا لِمُخالَفَتِهِمِ اليَهُودَ في الفَضائِلِ المُتَعَلِّقَةِ بِتَكْمِيلِ الغَيْرِ إثْرَ بَيانِ مُبايَنَتِهِمْ لَهم في الخَصائِصِ المُتَعَلِّقَةِ بِتَكْمِيلِ النَّفْسِ وتَعْرِيضًَا بِمُداهَنَتِهِمْ في الِاحْتِسابِ بَلْ بِتَعْكِيسِهِمْ في الأمْرِ بِإضْلالِ النّاسِ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَإنَّهُ أمْرٌ بِالمُنْكَرِ ونَهْيٌ عَنِ المَعْرُوفِ. ﴿وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِ "أُمَّةٌ" جامِعَةٌ لِفُنُونِ المَحاسِنِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنَّفْسِ وبِالغَيْرِ. والمُسارَعَةُ في الخَيْرِ فَرْطُ الرَّغْبَةِ فِيهِ لِأنَّ مَن رَغِبَ في الأمْرِ سارَعَ في تَوْلِيَتِهِ والقِيامِ بِهِ وآثَرَ الفَوْرَ عَلى التَّراخِي، أيْ: يُبادِرُونَ مَعَ كَمالِ الرَّغْبَةِ في فِعْلِ أصْنافِ الخَيْراتِ اللّازِمَةِ والمُتَعَدِّيَةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَباطُؤِ اليَهُودِ فِيها بَلْ بِمُبادَرَتِهِمْ إلى الشُّرُورِ وإيثارُ كَلِمَةِ "فِي" عَلى ما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ إلَخْ... لِلْإيذانِ بِأنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في أصْلِ الخَيْرِ مُتَقَلِّبُونَ في فُنُونِهِ المُتَرَتِّبَةِ في طَبَقاتِ الفَضْلِ لا أنَّهم خارِجُونَ عَنْها مُنْتَهُونَ إلَيْها. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأُمَّةِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما فُصِّلَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وسُمُوِّ طَبَقَتِهِمْ في الفَضْلِ وإيثارُهُ عَلى الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ والمَدْحِ، أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِها. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: مِن جُمْلَةِ مَن صَلَحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واسْتَحَقُّوا رِضاهُ وثَناءَهُ.

آل عمران 3:115

﴿وَما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ كائِنًَا ما كانَ مِمّا ذُكِرَ أوْ لَمْ يُذْكَرْ. ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أيْ: لَنْ يَعْدِمُوا ثَوابَهُ البَتَّةَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ كَما عَبَّرَ عَنْ تَوْفِيَةِ الثَّوابِ بِالشُّكْرِ إظْهارًَا لِكَمالِ تَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ تَرْكِ إثابَتِهِمْ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى مِنَ القَبائِحِ وتَعْدِيَتُهُ إلى مَفْعُولَيْنِ بِتَضْمِينِ مَعْنى الحِرْمانِ، وإيثارُ صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ. وقُرِئَ الفِعْلانِ عَلى صِيغَةِ الخِطابِ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، فَإنَّ علمه تعالى بِأحْوالِهِمْ يَسْتَدْعِي تَوْفِيَةَ أُجُورِهِمْ لا مَحالَةَ، والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ: إمّا الأُمَّةُ المَعْهُودَةُ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِمْ مَدْحًَا لَهم وتَعْيِينًَا لِعُنْوانِ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِهِمْ وإشْعارًَا بِمَناطِ إثابَتِهِمْ وهو التَّقْوى المُنْطَوِي عَلى الخَصائِصِ السّالِفَةِ، وإمّا جِنْسُ المُتَّقِينَ عُمُومًَا وهم مُنْدَرِجُونَ تَحْتَ حُكْمِهِ انْدِراجًَا أوَّلِيًَّا.

آل عمران 3:116

(p-75)﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَإنَّ مُعانَدَتَهم كانَتْ لِأجْلِ المالِ. وقِيلَ: هم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، فَإنَّ أبا جَهْلٍ كانَ كَثِيرَ الِافْتِخارِ بِمالِهِ. وقِيلَ: أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ فَإنَّهُ أنْفَقَ مالًَا كَثِيرًَا عَلى الكُفّارِ يَوْمَ بَدْرٍ وأُحُدٍ. وقِيلَ: هُمُ الكُفّارُ كافَّةً، فَإنَّهم فاخَرُوا بِالأمْوالِ والأوْلادِ حَيْثُ قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًَا وأوْلادًَا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ وقالَ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لَنْ تَدْفَعَ عَنْهم. ﴿أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ تَعالى. ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًَا يَسِيرًَا مِنهُ أوْ شَيْئًَا مِنَ الإغْناءِ. ﴿وَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ: مُصاحِبُوها عَلى الدَّوامِ ومُلازِمُوها. ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ أبَدًَا.

آل عمران 3:117

﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ إغْناءِ أمْوالِهِمِ الَّتِي كانُوا يُعَوِّلُونَ عَلَيْها في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ ويُعَلِّقُونَ بِها أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ، و ﴿ما﴾ مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ حُذِفَ عائِدُها، أيْ: حالُ ما يُنْفِقُهُ الكَفَرَةُ قُرْبَةً أوْ مُفاخَرَةً وسُمْعَةً أوِ المُنافِقُونَ رِياءً وخَوْفًَا وقِصَّتُهُ العَجِيبَةُ الَّتِي مَجْرى المَثَلِ في الغَرابَةِ. ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ أيْ: بَرْدٌ شَدِيدٌ، فَإنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ وإنْ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى الرِّيحِ البارِدَةِ كالصَّرْصَرِ. وقِيلَ: كَلِمَةُ ﴿فِي﴾ تَجْرِيدِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ . ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي فَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأنَّ الإهْلاكَ عَنْ سَخَطٍ أشَدُّ وأفْظَعُ. ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾ عُقُوبَةً لَهم ولَمْ تَدَعْ مِنهُ أثَرًَا ولا عِثْيَرًَا، والمُرادُ: تَشْبِيهُ ما أنْفَقُوا في ضَياعِهِ وذَهابِهِ بِالكُلِّيَّةِ مِن غَيْرِ أنْ يَعُودَ إلَيْهِمْ نَفْعٌ ما بِحَرْثِ كُفّارٍ ضَرَبَتْهُ صِرٌّ فاسْتَأْصَلَتْهُ ولَمْ يَبْقَ لَهم فِيهِ مَنفَعَةٌ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وهو مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ الَّذِي مَرَّ تَفْصِيلُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ ولِذَلِكَ لَمْ يُبالِ بِإيلاءِ كَلِمَةِ التَّشْبِيهِ "الرِّيحِ" دُونَ الحَرْثِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: مَثَلُ إهْلاكِ ما يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ إهْلاكِ رِيحٍ أوْ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ مُهْلَكِ رِيحٍ وهو الحَرْثُ. وقُرِئَ "تُنْفِقُونَ". ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بِما بَيَّنَ مِن ضَياعِ ما أنْفَقُوا مِنَ الأمْوالِ. ﴿وَلَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ لِما أنَّهم أضاعُوها بِإنْفاقِها لا عَلى ما يَنْبَغِي وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ لا لِلتَّخْصِيصِ؛ إذِ الكَلامُ في الفِعْلِ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِالفاعِلِ لا بِالمَفْعُولِ، أيْ: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى وما ظَلَمَ اللَّهُ تَعالى أصْحابَ الحَرْثِ بِإهْلاكِهِ ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ ما اسْتَحَقُّوا بِهِ العُقُوبَةَ ويَأْباهُ أنَّهُ قَدْ مَرَّ التَّعَرُّضُ لَهُ تَصْرِيحًَا وإشْعارًَا. وقُرِئَ "وَلَكِنَّ" بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ اسْمُها و"يَظْلِمُونَ" خَبَرُها والعائِدُ مَحْذُوفٌ لِلْفاصِلَةِ، أيْ: ولَكِنَّ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَها، وأمّا تَقْدِيرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ لِاخْتِصاصِهِ بِالشِّعْرِ ضَرُورَةً كَما في قَوْلِهِ: وَلَكِنَّ مَن يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقُ

آل عمران 3:118

(p-76)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾ بِطانَةُ الرَّجُلِ ووَلِيجَتُهُ مَن يُعَرِّفُهُ أسْرارَهُ ثِقَةً بِهِ شُبِّهَ بِبِطانَةِ الثَّوْبِ كَما شُبِّهَ بِالشِّعارِ، قالَ ﷺ: « "الأنْصارُ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ".» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُواصِلُونَ اليَهُودَ لِما بَيْنَهم مِنَ القَرابَةِ والصَّداقَةِ والحِلْفِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ مُجاهِدُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُواصِلُونَ المُنافِقِينَ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ وهي صِفَةُ المُنافِقِ وأيًَّا ما كانَ؛ فالحُكْمُ عامٌّ لِلْكَفَرَةِ كافَّةً. ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ أيْ: مِن دُونِ المُسْلِمِينَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةٍ لِـ ﴿بِطانَةً﴾ أيْ: كائِنَةً مِن دُونِكم مُجاوِزَةً لَكم. ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحالِهِمْ داعِيَةٌ إلى الِاجْتِنابِ عَنْهم أوْ صِفَةُ "بِطانَةً"، يُقالُ: ألّا في الأمْرِ إذا قَصَّرَ فِيهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُعَدّىً إلى المَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: "لا آلُوكَ نُصْحًَا ولا آلُوكَ جُهْدًَا" عَلى تَضْمِينِ مَعْنى المَنعِ والنَّقْصِ والخَبالُ الفَسادُ، أيْ: لا يُقَصِّرُونَ لَكم في الفَسادِ. ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ أيْ: تَمَنَّوْا عَنَتَكُمْ، أيْ: مَشَقَّتَكم وشِدَّةَ ضَرَرِكُمْ، وهو أيْضًَا اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِلنَّهْيِ مُوجِبٌ لِزِيادَةِ الِاجْتِنابِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ. ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مُفِيدٌ لِمَزِيدِ الِاجْتِنابِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، أيْ: قَدْ ظَهَرَتِ البَغْضاءُ في كَلامِهِمْ لِما أنَّهم لا يَتَمالَكُونَ مَعَ مُبالَغَتِهِمْ في ضَبْطِ أنْفُسِهِمْ وتَحامُلِهِمْ عَلَيْها أنْ يَنْفَلِتَ مِن ألْسِنَتِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ بُغْضُهم لِلْمُسْلِمِينَ. وقُرِئَ "قَدْ بَدا البَغْضاءُ". و "الأفْواهُ" جَمْعُ فَمٍ وأصْلُهُ فُوهٌ فَلامُهُ هاءٌ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ جَمْعُهُ عَلى أفْواهٍ وتَصْغِيرُهُ عَلى فُوَيْهٍ والنِّسْبَةُ إلَيْهِ فُوهِيٌّ. ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ مِمّا بَدا، لِأنَّ بُدُوَّهُ لَيْسَ عَنْ رَوِيَّةٍ واخْتِيارٍ. ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ الدّالَّةَ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ في الدِّينِ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ ومُعاداةِ الكافِرِينَ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العَقْلِ أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ما بُيِّنَ لَكم مِنَ الآياتِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ.

آل عمران 3:119

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ صُدِّرَتْ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ إظْهارًَا لِكَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها، أيْ: أنْتُمْ أُولاءِ المُخْطِئُونَ في مُوالاتِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في ذَلِكَ، وهو خَبَرٌ ثانٍ لِـ ﴿أنْتُمْ﴾ أوْ خَبَرٌ لِـ ﴿أُولاءِ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ ﴿أنْتُمْ﴾ كَقَوْلِكَ: "أنْتَ زَيْدٌ تُحِبُّهُ" أوْ صِلَةٌ لَهُ أوْ حالٌ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ "أُولاءِ" بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ وتَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًَا. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ أيْ: بِجِنْسِ الكُتُبِ جَمِيعًَا، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في "لا يُحِبُّونَكُمْ" والمَعْنى: لا يُحِبُّونَكُمْ، والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِكِتابِكُمْ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ بِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكم. ﴿وَإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نِفاقًَا. ﴿وَإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ أيْ: مِن أجْلِهِ تَأسُّفًَا وتَحَسُّرًَا حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا إلى التَّشَفِّي سَبِيلًَا. ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِدَوامِ الغَيْظِ. (p-77)وَزِيادَتِهِ بِتَضاعُفِ قُوَّةِ الإسْلامِ وأهْلِهِ إلى أنْ يَهْلِكُوا بِهِ أوْ بِاشْتِدادِهِ إلى أنْ يُهْلِكَهم. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَيَعْلَمُ ما في صُدُورِكم مِنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ والحَنَقِ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَقُولِ أيْ: وقُلْ لَهم أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُخْفُونَهُ مِن عَضِّ الأنامِلِ غَيْظًَا، وأنْ يَكُونَ خارِجًَا عَنْهُ بِمَعْنى: لا تَتَعَجَّبْ مِن إطْلاعِي إيّاكَ عَلى أسْرارِهِمْ فَإنِّي عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. وقِيلَ: هو أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطِيبِ النَّفْسِ وقُوَّةِ الرَّجاءِ والِاسْتِبْشارِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَهْلِكُوا غَيْظًَا بِإعْزازِ الإسْلامِ وإذْلالِهِمْ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ثَمَّةَ قَوْلٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَدِّثْ نَفْسَكَ بِذَلِكَ.

آل عمران 3:120

﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ بَيانٌ لِتَناهِي عَداوَتِهِمْ إلى حَدِّ حَسَدُوا ما نالَهم مِن خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ وشَمِتُوا بِما أصابَهم مِن ضُرٍّ، وشِدَّةٍ وذِكْرُ المَسِّ مَعَ الحَسَنَةِ والإصابَةِ مَعَ السَّيِّئَةِ إمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ مَساءَتِهِمْ أدْنى مَراتِبِ إصابَةِ الحَسَنَةِ ومَناطَ فَرَحِهِمْ تَمامُ إصابَةِ السَّيِّئَةِ وإمّا لِأنَّ المَسَّ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الإصابَةِ. ﴿وَأنْ تَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى عِداتِهِمْ أوْ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم ونَهاكم عَنْهُ. ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهُمْ﴾ مَكْرُهم وحِيلَتُهُمُ الَّتِي دَبَّرُوها لِأجْلِكم. وقُرِئَ "لا يَضِرْكُمْ" بِكَسْرِ الضّادِ وجَزْمِ الرّاءِ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ مِن ضارَهُ يَضِيرُهُ بِمَعْنى: ضَرَّهُ يَضُرُّهُ، وضَمَّةُ الرّاءِ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ لِلِاتِّباعِ كَضَمَّةِ مَدٍّ. ﴿شَيْئًا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: يَضُرُّكم شَيْئًَا مِنَ الضَّرَرِ بِفَضْلِ اللَّهِ وحِفْظِهِ المَوْعُودِ لِلصّابِرِينَ والمُتَّقِينَ، ولِأنَّ المُجِدَّ في الأمْرِ المُتَدَرِّبَ بِالِاتِّقاءِ والصَّبْرِ يَكُونُ جَرِيئًَا عَلى الخَصْمِ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ﴾ في عَداوَتِكم مِنَ الكَيْدِ. ﴿مُحِيطٌ﴾ عِلْمًَا فَيُعاقِبُهم عَلى ذَلِكَ. وقُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ، أيْ: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى فَيُجازِيكم بِما أنْتُمْ أهْلُهُ.

آل عمران 3:121

﴿وَإذْ غَدَوْتَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِلِاسْتِشْهادِ بِما فِيهِ مِنِ اسْتِتْباعِ عَدَمِ الصَّبْرِ والتَّقْوى لِلضَّرَرِ عَلى أنَّ وُجُودَهُما مُسْتَتْبِعٌ لِما وُعِدَ مِنَ النَّجاةِ مِن مَضَرَّةِ كَيْدِ الأعْداءِ، و "إذْ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ خاصَّةً مَعَ عُمُومِ الخِطابِ فِيما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ لِاخْتِصاصِ مَضْمُونِ الكَلامِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ غُدُوِّكَ لِيَتَذَكَّرُوا ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ النّاشِئَةِ عَنْ عَدَمِ الصَّبْرِ فَيَعْلَمُوا أنَّهم إنْ لَزِمُوُا الصَّبْرَ والتَّقْوى لا يَضُرُّهم كَيْدُ الكَفَرَةِ، وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها واسْتِحْضارِ الحادِثَةِ بِتَفاصِيلِها كَما سَلَفَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ إلَخْ... والمُرادُ بِهِ: خُرُوجُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أُحُدٍ وكانَ ذَلِكَ مِن مَنزِلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أهْلِكَ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ أهْلِكَ. ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: تُنْزِلُهم أوْ تُهَيِّئُ وتُسَوِّي لَهم. ﴿مَقاعِدَ﴾ ويُؤَيِّدُ قِراءَةَ مَن قَرَأ تُبَوِّئُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "غَدَوْتَ" لَكِنْ لا عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ: ناوِيًَا وقاصِدًَا لِلتَّبْوِئَةِ كَما قِيلَ، (p-78)بَلْ عَلى أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ الزَّمانِ المُمْتَدِّ المُتَّسِعِ لِابْتِداءِ الخُرُوجِ والتَّبْوِئَةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إذْ هو المُذَكِّرُ لِلْقِصَّةِ وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالغُدُوِّ الَّذِي هو الخُرُوجُ غُدْوَةً مَعَ كَوْنِ خُرُوجِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ - كَما سَتَعْرِفُهُ - إذْ حِينَئِذٍ وقَعَتِ التَّبْوِئَةُ الَّتِي هي العُمْدَةُ في البابِ؛ إذِ المَقْصُودُ بِتَذْكِيرِ الوَقْتِ تَذْكِيرُ مُخالَفَتِهِمْ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وتَزايُلِهِمْ عَنْ أحْيازِهِمِ المُعَيَّنَةِ لَهم عِنْدَ التَّبْوِئَةِ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ خَلَلُ رَأْيِ مَنِ احْتَجَّ بِهِ عَلى جَوازِ أداءِ صَلاةِ الجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوالِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْقِتالِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿تُبَوِّئُ﴾ أيْ: لِأجْلِ القِتالِ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَقاعِدَ، أيْ: كائِنَةً ومَقاعِدُ القِتالِ أماكِنُهُ ومَواقِفُهُ، فَإنَّ اسْتِعْمالَ المَقْعَدِ والمَقامِ بِمَعْنى المَكانِ اتِّساعًَا شائِعٌ ذائِعٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ . رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ فاسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ ودَعا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ولَمْ يَكُنْ دَعاهُ قَبْلَ ذَلِكَ فاسْتَشارَهُ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ وأكْثَرُ الأنْصارِ: يا رَسُولَ اللَّهِ أقِمْ بِالمَدِينَةِ ولا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ فَوَ اللَّهِ ما خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ قَطُّ إلّا أصابَ مِنّا ولا دَخَلَها عَلَيْنا إلّا أصَبْنا مِنهُ فَكَيْفَ وأنْتَ فِينا فَدَعْهم فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبَسٍ وإنْ دَخَلُوا قاتَلَهُمُ الرِّجالُ في وُجُوهِهِمْ ورَماهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ بِالحِجارَةِ وإنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ اخْرُجْ بِنا إلى هَؤُلاءِ الأكْلُبِ لا يَرَوْنَ أنّا قَدْ جَبُنّا عَنْهُمْ، فَقالَ ﷺ: إنِّي قَدْ رَأيْتُ في مَنامِي بَقَرًَا مُذَبَّحَةً حَوْلِي فَأوَّلْتُها خَيْرًَا، ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثَلْمًَا فَأوَّلْتُهُ هَزِيمَةً، ورَأيْتُ كَأنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُها المَدِينَةَ، فَإنْ رَأيْتُمْ أنْ تُقِيمُوا بِالمَدِينَةِ فَتَدَعُوهُمْ، فَقالَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ - قَدْ فاتَتْهم بَدْرٌ وأكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالشَّهادَةِ يَوْمَئِذٍ-: اخْرُجْ بِنا إلى أعْدائِنا. وقالَ النُّعْمانُ بْنُ مالِكٍ الأنْصارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ تَحْرِمُنِي الجَنَّةَ فَوَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأدْخُلَنَّ الجَنَّةَ، ثُمَّ قالَ بِقَوْلِي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي لا أفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ، فَلَمْ يَزالُوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى دَخَلَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ فَلَمّا رَأوْهُ كَذَلِكَ نَدِمُوا وقالُوا: بِئْسَما صَنَعْنا نُشِيرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ والوَحْيُ يَأْتِيهِ، وقالُوا: اصْنَعْ يارَسُولَ اللَّهِ ما رَأيْتَ، فَقالَ ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ فَخَرَجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ وأصْبَحَ بِالشِّعْبِ مِنأُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ لِسَنَةِ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ فَمَشى عَلى رِجْلَيْهِ فَجَعَلَ يَصُفُّ أصْحابَهُ لِلْقِتالِ فَكَأنَّما يُقَوِّمُ بِهِمُ القِدْحَ إنْ رَأى صَدْرًَا خارِجًَا قالَ: تَأخَّرْ، وكانَ نُزُولُهُ في عُدْوَةِ الوادِي وجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ وأمَّرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ عَلى الرُّماةِ وقالَ لَهُمُ: انْضَحُوا عَنّا بِالنَّبْلِ لا يَأْتُونا مِن ورائِنا ولا تَبْرَحُوا مِن مَكانِكم فَلَنْ نَزالَ غالِبِينَ ما ثَبَتُّمْ مَكانَكم. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِأقْوالِكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِضَمائِرِكم. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ قَدْ صَدَرَ عَنْهم هُناكَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ما لا يَنْبَغِي صُدُورُهُ عَنْهم.

آل عمران 3:122

﴿إذْ هَمَّتْ﴾ بَدَلٌ مِن "إذْ غَدَوْتَ" مُبَيِّنٌ لِما هو المَقْصُودُ بِالتَّذْكِيرِ أوْ ظَرْفٌ لِـ ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى جامِعٌ بَيْنَ سَماعِ الأقْوالِ والعِلْمِ بِالضَّمائِرِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إذْ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِ كَوْنِهِ تَعالى سَمِيعًَا عَلِيمًَا بِذَلِكَ الوَقْتِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى قَوْلِكَ: "ضَرَبْتُ وأكْرَمْتُ زَيْدًَا" أنَّ زَيْدًَا مَنصُوبٌ بِهِما وأنَّهُما تَسَلَّطا عَلَيْهِ مَعًَا. ﴿طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "هَمَّتْ" والباءُ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: بِأنْ تَفْشَلا، أيْ: تَجْبُنا وتَضْعُفا، وهُما حَيّانِ مِنَ (p-79)الأنْصارِ بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ، وهُما الجَناحانِ مِن عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانُوا ألْفَ رَجُلٍ، وقِيلَ: تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ، وعَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا فَلَمّا قارَبُوا عَسْكَرَ الكَفَرَةِ وكانُوا ثَلاثَةَ آلافٍ انْخَذَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ النّاسِ فَقالَ: يا قَوْمُ عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا وأوْلادَنا؟، فَتَبِعَهم عَمْرُوُ بْنُ حَزْمٍ الأنْصارِيُّ فَقالَ: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ في نَبِيِّكم وأنْفُسِكُمْ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًَا لاتَّبَعْناكم فَهَمَّ الحَيّانِ بِاتِّباعِ عَبْدِ اللَّهِ فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَمَضَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أضْمَرُوا أنْ يَرْجِعُوا فَعَزَمَ اللَّهُ لَهم عَلى الرُّشْدِ فَثَبَتُوا، والظّاهِرُ أنَّها ما كانَتْ إلّا هِمَّةً وحَدِيثَ نَفْسٍ قَلَّما تَخْلُو النَّفْسُ عَنْهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ. ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ أيْ: عاصِمُهُما عَنِ اتِّباعِ تِلْكَ الخَطْرَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًَا مِن فاعِلِ ﴿هَمَّتْ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في "تَفْشَلا" مُفِيدَةٌ لِاسْتِبْعادِ فَشَلِهِما أوْ هَمِّهِما بِهِ مَعَ كَوْنِهِما في وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى. وقُرِئَ "واللَّهُ ولِيُّهُمْ" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ . ﴿وَعَلى اللَّهِ﴾ وحْدَهُ دُونَ ما عَداهُ مُطْلَقًَا اسْتِقْلالًَا أوِ اشْتِراكًَا. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ فَإنَّهُ حَسْبُهُمْ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلتَّبَرُّكِ والتَّعْلِيلِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن مُوجِباتِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى، واللّامُ في المُؤْمِنِينَ لِلْجِنْسِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الطّائِفَتانِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ وصْفَ الإيمانِ مِن دَواعِي التَّوَكُّلِ ومُوجِباتِهِ.

آل عمران 3:123

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِإيجابِ الصَّبْرِ والتَّقْوى بِتَذْكِيرِ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِما مِنَ النَّصْرِ إثْرَ تَذْكِيرِ ما تَرَتَّبَ عَلى عَدَمِهِما مِنَ الضَّرَرِ. وقِيلَ: لِإيجابِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِتَذْكِيرِ ما يُوجِبُهُ، و "بَدْرٌ" اسْمُ ماءٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ كانَ لِرَجُلٍ اسْمُهُ بَدْرُ بْنُ كِلْدَةَ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ. وقِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِصَفائِهِ كالبَدْرِ واسْتِدارَتِهِ. وقِيلَ: هو اسْمُ المَوْضِعِ أوِ الوادِي، وكانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ في السّابِعَ عَشَرَ مِن شَهْرِ رَمَضانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ. ﴿وَأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ "نَصَرَكُمْ"، و ﴿أذِلَّةٌ﴾ جَمْعُ ذَلِيلٍ وإنَّما جُمِعَ جَمْعَ قِلَّةٍ لِلْإيذانِ بِاتِّصافِهِمْ حِينَئِذٍ بِوَصْفَيِ القِلَّةِ، والذِّلَّةِ إذْ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ وكانَ ضَعْفُ حالِهِمْ في الغايَةِ خَرَجُوا عَلى النَّواضِحِ يَتَعَقَّبُ النَّفَرُ مِنهم عَلى البَعِيرِ الواحِدِ ولَمْ يَكُنْ في العَسْكَرِ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ. وقِيلَ: فَرَسانِ لِلْمِقْدادِ ومَرْثَدٍ وتِسْعُونَ بَعِيرًَا وسِتُّ أدْرُعٍ وثَمانِيَةُ سُيُوفٍ، وكانَ العَدُوُّ زُهاءَ ألْفٍ ومَعَهم مِائَةُ فَرَسٍ وشِكَّةٌ وشَوْكَةٌ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ اقْتَصَرَ عَلى الأمْرِ بِالتَّقْوى مَعَ كَوْنِهِ مَشْفُوعًَا بِالصَّبْرِ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ لِلْإشْعارِ بِأصالَتِهِ وكَوْنِ الصَّبْرِ مِن مَبادِيهِ اللّازِمَةِ لَهُ، ولِذَلِكَ قُدِّمَ عَلَيْهِ في الذِّكْرِ، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ بِالتَّقْوى عَلى الإخْبارِ بِالنَّصْرِ إيذانٌ بِأنَّ نَصْرَهُمُ المَذْكُورَ كانَ بِسَبَبِ تَقْواهُمْ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاتَّقُوُا اللَّهَ كَما اتَّقَيْتُمْ يَوْمَئِذٍ. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: راجِينَ أنْ تَشْكُرُوا ما يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْكم بِتَقْواكم مِنَ النُّصْرَةِ كَما شَكَرْتُمْ فِيما قَبْلُ أوْ لَعَلَّكم يُنْعِمُ اللَّهُ عَلَيْكم بِالنَّصْرِ كَما فَعَلَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ فَوُضِعَ الشُّكْرُ مَوْضِعَ سَبَبِهِ الَّذِي هو الإنْعامُ.

آل عمران 3:124

﴿إذْ تَقُولُ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ بِتَخْصِيصِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِتَشْرِيفِهِ والإيذانِ بِأنَّ وُقُوعَ النَّصْرِ كانَ بِبِشارَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، و ﴿إذْ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿نَصَرَكُمُ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ الأمْرُ (p-80)بِالتَّقْوى لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِ والمُرادُ بِهِ: الوَقْتُ المُمْتَدُّ الَّذِي وقَعَ فِيهِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ وما طُوِيَ ذِكْرُهُ تَعْوِيلًَا عَلى شَهادَةِ الحالِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُودُ النَّصْرِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، أيْ: نَصَرَكم وقْتَ قَوْلِكَ. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حِينَ أظْهَرُوُا العَجْزَ عَنِ المُقاتَلَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ: بَلَغَ المُؤْمِنِينَ أنَّ كُرْزَ بْنَ جابِرٍ الحَنَفِيَّ يُرِيدُ أنْ يُمِدَّ المُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَنَزَلَ حِينَئِذٍ ثُمَّ حُكِيَ هَهُنا. ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ﴾ الكِفايَةُ سَدُّ الخَلَّةِ والقِيامُ بِالأمْرِ والإمْدادُ في الأصْلِ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًَا بَعْدَ حالٍ. قالَ المِفْضَلُ: ما كانَ مِنهُ بِطَرِيقِ التَّقْوِيَةِ والإعانَةِ يُقالُ فِيهِ: أمَدَّهُ يُمِدُّهُ إمْدادًَا، وما كانَ بِطَرِيقِ الزِّيادَةِ يُقالُ فِيهِ: مَدَّهُ يَمُدُّهُ مَدًَّا ومِنهُ ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ . وقِيلَ: المَدُّ في الشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ والإمْدادُ في الخَيْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية هَهُنا وفِيما سَيَأْتِي مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ العِنايَةِ بِهِمْ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الإمْدادِ، والمَعْنى: إنْكارُ عَدَمِ كِفايَةِ الإمْدادِ بِذَلِكَ المِقْدارِ ونَفْيُهُ وكَلِمَةُ "لَنْ" لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ كالآيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ لِضَعْفِهِمْ وقِلَّتِهِمْ وقُوَّةِ العَدُوِّ وكَثْرَتِهِمْ. ﴿مِنَ المَلائِكَةِ﴾ بَيانٌ أوْ صِفَةٌ لِآلافٍ أوْ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ، أيْ: كائِنِينَ مِنَ المَلائِكَةِ. ﴿مُنْزَلِينَ﴾ صِفَةٌ لِثَلاثَةِ آلافٍ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وقُرِئَ "مُنَزَّلِينَ" بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّدْرِيجِ. قِيلَ: أمَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًَا بِألْفٍ ثُمَّ صارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ ثُمَّ خَمْسَةَ آلافٍ، وقُرِئَ مَبْنِيًَّا لِلْفاعِلِ مِنَ الصِّيغَتَيْنِ، أيْ: مُنْزِلِينَ النَّصْرَ.

آل عمران 3:125

﴿بَلى﴾ إيجابٌ لِما بَعْدَ "لَنْ" وتَحْقِيقٌ لَهُ، أيْ: بَلى؛ يَكْفِيكم ذَلِكَ ثُمَّ وعَدَ لَهُمُ الزِّيادَةَ بِشَرْطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى حَثًَّا لَهم عَلَيْهِما وتَقْوِيَةً لِقُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى لِقاءِ العَدُوِّ ومُناهَضَتِهِمْ. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ مَعْصِيَةَ اللَّهِ ومُخالَفَةَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ. ﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ: مِن ساعَتِهِمْ هَذِهِ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ فارَتِ القِدْرُ، أيِ: اشْتَدَّ غَلَيانُها ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ حالَةٍ لا رَيْثَ فِيها أصْلًَا، ووَصْفُهُ بِهَذا لِتَأْكِيدِ السُّرْعَةِ بِزِيادَةِ تَعْيِينِهِ وتَقْرِيبِهِ، ونَظْمُ إتْيانِهِمْ بِسُرْعَةٍ في سِلْكِ شَرْطَيِ الإمْدادِ المُسْتَتْبِعَيْنِ لَهُ وُجُودًَا وعَدَمًَا أعْنِي: الصَّبْرَ والتَّقْوى مَعَ تَحَقُّقِ الإمْدادِ لا مَحالَةَ سَواءً أسْرَعُوا أوْ أبْطَئُوا لِتَحْقِيقِ سُرْعَةِ الإمْدادِ لا لِتَحْقِيقِ أصْلِهِ أوْ لِبَيانِ تَحَقُّقِهِ عَلى أيِّ حالٍ فُرِضَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ بِتَعْلِيقِهِ بِأبْعَدِ التَّقادِيرِ لِيُعْلَمَ تَحَقُّقُهُ عَلى سائِرِها بِالطَّرِيقِ الأوْلى، فَإنَّ هُجُومَ الأعْداءِ وإتْيانَهم بِسُرْعَةٍ مِن مَظانِّ عَدَمِ لُحُوقِ المَدَدِ عادَةً فَعُلِّقَ بِهِ تَحَقُّقُ الإمْدادِ إيذانًَا بِأنَّهُ حَيْثُ تَحَقَّقَ مَعَ ما يُنافِيهِ عادَةً فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ بِدُونِهِ أوْلى وأحْرى، كَما إذا أرَدْتَ وصْفَ دِرْعٍ بِغايَةِ الحَصانَةِ تَقُولُ إنْ لَبِسْتَها وبارَزْتَ بِها الأعْداءَ فَضَرَبُوكَ بِأيْدٍ شِدادٍ وسُيُوفٍ حِدادٍ لَمْ تَتَأثَّرْ مِنها قَطْعًَا. ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ مِنَ التَّسْوِيمِ الَّذِي هو إظْهارُ سِيما الشَّيْءِ، أيْ: مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم أوْ خَيْلَهُمْ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا بِعَمائِمَ بِيضٍ إلّا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ بِعِمامَةٍ صَفْراءَ عَلى مِثالِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ. ورُوِيَ (p-81)أنَّهم كانُوا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: كانَتِ المَلائِكَةُ عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ عَلَيْهِمْ عَمائِمُ بِيضٌ قَدْ أرْسَلُوها بَيْنَ أكْتافِهِمْ. وقالَ هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ: عَمائِمُ صُفْرٌ. وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ: وكانُوا قَدْ أعْلَمُوا بِالعِهْنِ في نَواصِي الخَيْلِ وأذْنابِها. رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: « "تَسَوَّمُوا فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ".» وقُرِئَ "مُسَوَّمِينَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ: مُعَلَّمِينَ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مُرْسَلِينَ مِنَ التَّسْوِيمِ بِمَعْنى الإسامَةِ.

آل عمران 3:126

﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ القَوْلِ مَسُوقٌ مِن جَنابِهِ تَعالى لِبَيانِ أنَّ الأسْبابَ الظّاهِرَةَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ وأنَّ حَقِيقَةَ النَّصْرِ مُخْتَصٌّ بِهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَثِقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ ولا يَقْنَطُوا مِنهُ عِنْدَ فُقْدانِ أسْبابِهِ وأماراتِهِ، مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، فَإنَّ الإخْبارَ بِوُقُوعِ النَّصْرِ عَلى الإطْلاقِ وتَذْكِيرَ وقْتِهِ وحِكايَةَ الوَعْدِ بِوُقُوعِهِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وتَعْيِينَ وقْتِهِ فِيما مَضى يَقْضِي بِوُقُوعِهِ حِينَئِذٍ قَضاءً قَطْعِيًَّا لَكِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ تَعْوِيلًَا عَلى تَعاضُدِ الدَّلائِلِ وتَآخُذِ الأماراتِ والمَخايِلِ وإيذانًَا بِكَمالِ الغِنى عَنْهُ بَلِ احْتِرازًَا عَنْ شائِبَةِ التَّكْرِيرِ أوْ عَنْ إيهامِ احْتِمالِ الخُلْفِ في الوَعْدِ المَحْتُومِ، كَأنَّهُ قِيلَ عَقِيبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ فَأمَدَّكم بِهِمْ( ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ إلَخْ... والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ وهو الضَّمِيرُ العائِدُ إلى مَصْدَرِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وأمّا عَوْدُهُ إلى المَصْدَرِ المَذْكُورِ أعْنِي: قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ يُمِدَّكُمْ﴾ أوْ إلى المَصْدَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ كَما قِيلَ، فَغَيْرُ حَقِيقٍ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ لِأنَّ الهَيْئَةَ البَسِيطَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى المُرَكَّبَةِ، فَبَيانُ العِلَّةِ الغائِبَةِ لِوُجُودِ الإمْدادِ كَما هو المُرادُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ بَيانِ وجُودِهِ في نَفْسِهِ، ولا رَيْبَ في أنَّ المَصْدَرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ غَيْرُ مُعْتَبَرَيْنِ مِن حَيْثُ الوُجُودُ والوُقُوعُ كَمَصْدَرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ حَتّى يَتَصَدّى لِبَيانِ أحْكامِ وجُودِهِما بَلِ الأوَّلُ مُعْتَبَرٌ مِن حَيْثُ الكِفايَةُ، والثّانِي مِن حَيْثُ الوَعْدُ، عَلى أنَّ الأوَّلَ هو الإمْدادُ بِثَلاثَةِ آلافٍ والواقِعَ هو الإمْدادُ بِخَمْسَةِ آلافٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بُشْرى لَكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ وتَلْوِينُ الخِطابِ لِتَشْرِيفِ المُؤْمِنِينَ ولِلْإيذانِ بِأنَّهُمُ المُحْتاجُونَ إلى البِشارَةِ وتَسْكِينِ القُلُوبِ بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَنِيٌّ عَنْهُ بِمالَهُ مِنَ التَّأْيِيدِ الرُّوحانِيِّ، أيْ: وما جَعَلَ إمْدادَكم بِإنْزالِ المَلائِكَةِ عَيانًَا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِلْبُشْرى لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ أيْ: بِالإمْدادِ وتَسْكُنَ إلَيْهِ كَما كانَتِ السَّكِينَةُ لِبَنِي إسْرائِيلَ كَذَلِكَ، فَكِلاهُما عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِلْجَعْلِ، وقَدْ نُصِبَ الأوَّلُ لِاجْتِماعِ شَرائِطِهِ مِنِ اتِّحادِ الفاعِلِ والزَّمانِ وكَوْنِهِ مَصْدَرًَا مَسُوقًَا لِلتَّعْلِيلِ وبَقِيَ الثّانِي عَلى حالِهِ لِفُقْدانِها. وقِيلَ: لِلْإشارَةِ أيْضًَا إلى أصالَتِهِ في العِلِّيَّةِ وأهَمِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ وفي قَصْرِ الإمْدادِ عَلَيْهِما إشْعارٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمِ السَّلامُ لَمْ يُباشِرُوا يَوْمَئِذٍ القِتالَ وإنَّما كانَ إمْدادُهم بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُباشَرِينَ بِتَكْثِيرِ السَّوادِ ونَحْوِهِ كَما هو رَأْيُ بَعْضِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقِيلَ: الجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى (p-82)اثْنَيْنِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلا بُشْرى لَكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: وما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًَا مِنَ الأشْياءِ إلّا بِشارَةً لَكُمْ، فاللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ فَعَلَ ذَلِكَ. ﴿وَما النَّصْرُ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ النَّصْرِ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ في حُكْمِهِ النَّصْرُ المَعْهُودُ انْدِراجًَا أوَّلِيًَّا. ﴿إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: إلّا كائِنٌ مِن عِنْدِهِ تَعالى مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ شِرْكَةٌ مِن جِهَةِ الأسْبابِ والعَدَدِ وإنَّما هي مَظاهِرُ لَهُ بِطَرِيقِ جَرَيانِ سُنَّتِهِ تَعالى أوْ وما النَّصْرُ المَعْهُودُ إلّا مِن عِنْدِهِ تَعالى لا مِن عِنْدِ المَلائِكَةِ فَإنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ وإنَّما قُصارى أمْرِهِمْ ما ذُكِرَ مِنَ البِشارَةِ وتَقْوِيَةِ القُلُوبِ. ﴿العَزِيزِ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُغالَبُ في حُكْمِهِ وأقْضِيَتِهِ، وإجْراءُ هَذا الوَصْفِ عَلَيْهِ تَعالى لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ اخْتِصاصِ النَّصْرِ بِهِ تَعالى كَما أنَّ وصْفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَكِيمِ﴾ أيِ: الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ لِلْإيذانِ بِعِلَّةِ جَعْلِ النَّصْرِ بِإنْزالِ المَلائِكَةِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكَمِ البالِغَةِ.

آل عمران 3:127

﴿لِيَقْطَعَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ﴾ وما بَيْنَهُما تَحْقِيقٌ لِحَقِيقَتِهِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ، والمَقْصُورُ عَلى التَّعْلِيلِ بِما ذُكِرَ مِنَ البُشْرى والِاطْمِئْنانِ إنَّما هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ فَلا يَقْدَحُ ذَلِكَ في تَعْلِيلِ أصْلِ النَّصْرِ بِالقَطْعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ النَّصْرِ المَعْهُودِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى أنَّ المُعَلَّلَ بِالبِشارَةِ والِاطْمِئْنانِ إنَّما هو الإمْدادُ الصُّورِيُّ لا ما في ضِمْنِهِ مِنَ النَّصْرِ المَعْنَوِيِّ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِنَفْسِ النَّصْرِ كَما قِيلَ، فَمَعَ ما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ هو الخَبَرُ مُخِلٌّ بِسَدادِ المَعْنى، كَيْفَ لا؟ ومَعْناهُ: قَصْرُ النَّصْرِ المَخْصُوصِ المُعَلَّلِ بِعِلَلٍ مُعَيَّنَةٍ عَلى الحُصُولِ مِن جِهَتِهِ تَعالى ولَيْسَ المُرادُ إلّا قَصْرَ حَقِيقَةِ النَّصْرِ أوِ النَّصْرِ المَعْهُودِ عَلى ذَلِكَ، والمَعْنى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ أوْ وما النَّصْرُ الظّاهِرُ عِنْدَ إمْدادِ المَلائِكَةِ إلّا ثابِتٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَقْطَعَ، أيْ: يُهْلِكَ ويُنْقِصَ. ﴿طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: طائِفَةً مِنهم بِقَتْلٍ وأسْرٍ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ حَيْثُ قُتِلَ مِن رُؤَسائِهِمْ وصَنادِيدِهِمْ سَبْعُونَ وأُسِرَ سَبْعُونَ. ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أيْ: يُخْزِيَهم ويَغِيظَهم بِالهَزِيمَةِ، فَإنَّ الكَبْتَ شِدَّةُ غَيْظٍ أوْ وهْنٌ يَقَعُ في القَلْبِ مِن كَبَتَهُ بِمَعْنى كَبَدَهُ إذا ضَرَبَ كَبِدَهُ بِالغَيْظِ والحُرْقَةِ. وقِيلَ: الكَبْتُ: الإصابَةُ بِمَكْرُوهٍ. وقِيلَ: هو الصَّرْعُ لِلْوَجْهِ واليَدَيْنِ، فالتّاءُ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُبْدَلَةٍ و "أوْ" لِلتَّنْوِيعِ. ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ أيْ: فَيَنْهَزِمُوا مُنْقَطِعِي الآمالِ غَيْرَ فائِزِينَ مِن مُبْتَغاهم بِشَيْءٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ .

آل عمران 3:128

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ المُتَعَلِّقِ بِالعاجِلِ والمَعْطُوفِ المُتَعَلِّقِ بِالآجِلِ لِتَحْقِيقِ أنْ لا تَأْثِيرَ لِلْمَنصُورِينَ إثْرَ بَيانِ أنْ لا تَأْثِيرَ لِلنّاصِرِينَ وتَخْصِيصُ النَّفْيِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى طَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِانْتِفاءِ مِن غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وإنَّما خُصَّ الِاعْتِراضُ بِمَوْقِعِهِ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِنَ القَطْعِ والكَبْتِ مِن مَظانِّ أنْ يَكُونَ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِسائِرِ مُباشِرِي القِتالِ مَدْخَلٌ في الجُمْلَةِ. ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى يَكْبِتَهُمْ، (p-83)والمَعْنى: أنَّ مالِكَ أمْرِهِمْ عَلى الإطْلاقِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ نَصَرَكم عَلَيْهِمْ لِيُهْلِكَهم أوْ يَكْبِتَهم أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ أسْلَمُوا أوْ يُعَذِّبَهم إنْ أصَرُّوا، ولَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إنَّما أنْتَ عَبْدٌ مَأْمُورٌ بِإنْذارِهِمْ وجِهادِهِمْ، والمُرادُ بِتَعْذِيبِهِمُ: التَّعْذِيبُ الشَّدِيدُ الأُخْرَوِيُّ المَخْصُوصُ بِأشَدِّ الكَفَرَةِ كُفْرًَا، وإلّا فَمُطْلَقُ التَّعْذِيبِ الأُخْرَوِيِّ مُتَحَقِّقٌ في الفَرِيقَيْنِ الأوَّلَيْنِ أيْضًَا، ونَظْمُ التَّوْبَةِ والتَّعْذِيبِ المَذْكُورِ في سِلْكِ العِلَّةِ الغائِبَةِ لِلنَّصْرِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ في الوُجُودِ مِن حَيْثُ إنَّ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ فَرْعُ تَحَقُّقِها النّاشِئِ مِن عِلْمِهِمْ بِحَقِّيَّةِ الإسْلامِ بِسَبَبِ غَلَبَةِ أهْلِهِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى النَّصْرِ، وأنَّ تَعْذِيبَهم بِالعَذابِ المَذْكُورِ مُتَرَتِّبٌ عَلى إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الحَقِّ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ هَذا. وقِيلَ: «إنَّ عُتْبَةَ بْنَ أبِي وقّاصٍ شَجَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وكَسَرَ رَباعِيَتَهُ فَجَعَلَ ﷺ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ، وسالِمُ مَوْلى حُذَيْفَةَ يَغْسِلُ عَنْ وجْهِهِ الدَّمَ وهو يَقُولُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وهو يَدْعُوهم إلى رَبِّهِمْ،» فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الآيَةُ، كَأنَّهُ نَوْعُ مُعاتَبَةٍ عَلى إنْكارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِفَلاحِهِمْ. وقِيلَ: أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى لِعِلْمِهِ بِأنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ حِينَئِذٍ مَعْطُوفٌ عَلى الأمْرِ أوْ عَلى شَيْءٍ بِإضْمارِ "أنْ" أيْ: لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ أوْ مِنَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ مِن تَعْذِيبِهِمْ شَيْءٌ أوْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ أوِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ تَعْذِيبِهِمْ. ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ وابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ "أوْ" بِمَعْنى إلّا أنْ والمَعْنى: لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إلّا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتَفْرَحَ بِهِ أوْ يُعَذِّبَهم فَتَتَشَفّى مِنهُمْ، وأيًَّا ما كانَ؛ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِبَيانِ بَعْضِ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَزْوَةِ أُحُدٍ إثْرَ بَيانِ بَعْضِ ما يَتَعَلَّقُ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ الظّاهِرِ، لِأنَّ كُلًَّا مِنهُما مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِصاصِ الأمْرِ كُلِّهِ بِاللَّهِ تَعالى ومُنْبِئٌ عَنْ سَلْبِهِ عَمَّنْ سِواهُ، وأمّا تَعَلُّقُ كُلِّ القِصَّةِ بِغَزْوَةِ أُحُدٍ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ تَقُولُ﴾ بَدَلٌ ثانٍ مِن ﴿وَإذْ غَدَوْتَ﴾ وأنَّ ما حُكِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ، وأنَّ الإمْدادَ المَوْعُودَ كانَ مَشْرُوطًَا بِالصَّبْرِ والتَّقْوى فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا لَمْ يَتَحَقَّقِ المَوْعُودُ كَما قِيلَ، فَلا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ أمّا أوَّلًَا: فَلِأنَّ المَشْرُوطَ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى إنَّما هو الإمْدادُ بِخَمْسَةِ آلافٍ لا بِثَلاثَةِ آلافٍ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقَعِ الإمْدادُ يَوْمَئِذٍ ولا بِمَلَكٍ واحِدٍ، وأمّا ثانِيًَا: فَلِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي حِينَئِذٍ أنْ يَنْعى عَلَيْهِمْ جِناياتِهِمْ وحِرْمانَهم بِسَبَبِها تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَلِيلَةَ ودَعْوى ظُهُورِهِ مَعَ عَدَمِ دِلالَةِ السِّباقِ والسِّياقِ عَلَيْهِ بَلْ مَعَ دِلالَتِهِما عَلى خِلافِهِ مِمّا لا يَكادُ يُسْمَعُ، وأمّا ثالِثًَا: فَلِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى جَعْلِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ إلَخْ... عائِدًَا إلى الإمْدادِ المَوْعُودِ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ، فَكَيْفَ يُبَيِّنُ عِلَّتَهُ الغائِيَّةَ؟، ولا إلى الوَعْدِ بِهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى إنَّما جَعَلَ ذَلِكَ الوَعْدَ لِبِشارَتِكم واطْمِئْنانِ قُلُوبِكم فَلَمْ تَفْعَلُوا ما شَرَطَ عَلَيْكم مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى، فَلَمْ يَقَعْ إنْجازُ المَوْعُودِ لِما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ قَدْ وقَعَ الإمْدادُ المَوْعُودُ لَكِنَّ أثَرَهُ إنَّما هو مُجَرَّدُ البِشارَةِ والِاطْمِئْنانِ وقَدْ حَصَلا، وأمّا النَّصْرُ الحَقِيقِيُّ فَلَيْسَ ذَلِكَ إلّا مِن عِنْدِهِ تَعالى، وجَعْلُهُ اسْتِئْنافًَا مُقَرِّرًَا لِعَدَمِ وُقُوعِ الإمْدادِ عَلى مَعْنى: أنَّ النَّصْرَ المَوْعُودَ مَخْصُوصٌ بِهِ تَعالى، فَلا يَنْصُرُ مَن خالَفَ أمْرَهُ بِتَرْكِ الصَّبْرِ والتَّقْوى اعْتِسافٌ بَيِّنٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ الآيَةُ مُتَعَلِّقٌ حِينَئِذٍ بِما تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ مِنَ الثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ، وضَرُورَةُ أنَّ تَعَلُّقَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ الآيَةُ مَعَ كَوْنِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفْصِيلِ مُتَعَلِّقًَا بِوَقْعَةِ أُحُدٍ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ اعْتِبارِ وُجُودِ النَّصْرِ قَطْعًَا لِأنَّ تَفْصِيلَ الأحْكامِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى وُجُودِ شَيْءٍ (p-84)بِصَدَدِ بَيانِ انْتِفائِهِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ في كَلامِ النّاسِ فَضْلًَا عَنِ الكَلامِ المَجِيدِ، فالحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ تَقُولُ﴾ ظَرْفٌ لِـ "نَصَرَكُمْ"، وأنَّ ما حُكِيَ في أثْنائِهِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خائِبِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ قَطْعًَا، وما بَعْدَهُ مُحْتَمِلٌ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ عَلى كُلِّ حالٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ مِن جِهَتِهِمْ وجَزاءً لِظُلْمِهِمْ.

آل عمران 3:129

﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِبَيانِ اخْتِصاصِ مَلَكُوتِ كُلِّ الكائِناتِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ طَرَفٍ مِن ذَلِكَ بِهِ سُبْحانَهُ تَقْرِيرًَا لِما سَبَقَ وتَكْمِلَةً لَهُ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِلْقَصْرِ وكَلِمَةُ "ما" شامِلَةٌ لِلْعُقَلاءِ أيْضًَا تَغْلِيبًَا، أيْ: لَهُ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ خَلْقًَا ومِلْكًَا لا مَدْخَلَ فِيهِ لِأحَدٍ أصْلًَا فَلَهُ الأمْرُ كُلُّهُ. ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مَشِيئَةً مَبْنِيَّةً عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ. ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ بِعَمَلِهِ مَشِيئَةً كَذَلِكَ، وإيثارُ كَلِمَةِ "مَن" في المَوْضِعَيْنِ لِاخْتِصاصِ المَغْفِرَةِ والتَّعْذِيبِ بِالعُقَلاءِ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ لِلْإيذانِ بِسَبْقِ رَحْمَتِهِ تَعالى غَضَبَهُ وبِأنَّها مِن مُقْتَضَياتِ الذّاتِ دُونَهُ فَإنَّهُ مِن مُقْتَضَياتِ سَيِّئاتِ العُصاةِ، وهَذا صَرِيحٌ في نَفْيِ وُجُوبِ التَّعْذِيبِ والتَّقْيِيدُ بِالتَّوْبَةِ وعَدَمِها كالمُنافِي لَهُ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مَعَ زِيادَةٍ وفي تَخْصِيصِ التَّذْيِيلِ بِهِ دُونَ قَرِينَةٍ مِنَ الاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ما لا يَخْفى.

آل عمران 3:130

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوُا الرِّبا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ما هو مِلاكُ الأمْرِ في كُلِّ بابٍ لا سِيَّما في بابِ الجِهادِ مِنَ التَّقْوى والطّاعَةِ وما بَعْدَهُما مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ عَلى نَهْجِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ مُسارَعَةً إلى إرْشادِ المُخاطَبِينَ إلى ما فِيهِ وإيذانًَا بِكَمالِ وُجُوبِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ فِيما هم فِيهِ مِنَ الجِهادِ، فَإنَّ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ فِيهِ مَعَ كَوْنِها مَناطًَا لِلْفَوْزِ في الدّارَيْنِ عَلى الإطْلاقِ عُمْدَةٌ في أمْرِ الجِهادِ عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ النُّصْرَةِ والغَلَبَةِ، كَيْفَ لا؟! ولَوْ حافَظُوا عَلى الصَّبْرِ والتَّقْوى وطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ لَما لَقُوا ما لَقُوا، ولَعَلَّ إيرادَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا في أثْنائِها لِما أنَّ التَّرْغِيبَ في الإنْفاقِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ الَّذِي عُمْدَتُهُ الإنْفاقُ في سَبِيلِ الجِهادِ مُتَضَمِّنٌ لِلتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِ المالِ فَكانَ مَظِنَّةَ مُبادَرَةِ النّاسِ إلى طُرُقِ الِاكْتِسابِ ومِن جُمْلَتِها الرِّبا فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، والمُرادُ بِأكْلِهِ: أخْذُهُ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالأكْلِ لِما أنَّهُ مُعْظَمُ ما يُقْصَدُ بِالأخْذِ ولِشُيُوعِهِ في المَأْكُولاتِ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ تَشْنِيعٍ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ لَيْسَ لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ بِهِ بَلْ لِمُراعاةِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العادَةِ تَوْبِيخًَا لَهم بِذَلِكَ؛ إذْ كانَ الرَّجُلُ يُرْبِي إلى أجَلٍ فَإذا حَلَّ قالَ لِلْمَدِينِ: زِدْنِي في المالِ حَتّى أزِيدَكَ في الأجَلِ فَيَفْعَلُ، وهَكَذا عِنْدَ مَحَلِّ كُلِّ أجَلٍ فَيَسْتَغْرِقُ بِالشَّيْءِ الطَّفِيفِ مالَهُ بِالكُلِّيَّةِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الرِّبا، وقُرِئَ "مُضَعَّفَةً". ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الرِّبا. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ راجِينَ لِلْفَلاحِ.

آل عمران 3:131

﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ (p-85)لِلْكافِرِينَ﴾ بِالتَّحَرُّزِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ وتَعاطِي ما يَتَعاطَوْنَهُ، كانَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: هي أخْوَفُ آيَةٍ في القرآن حَيْثُ أوْعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ في اجْتِنابِ مَحارِمِهِ.

آل عمران 3:132

﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ. ﴿والرَّسُولَ﴾ الَّذِي يُبَلِّغُكم أوامِرَهُ ونَواهِيَهُ. ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ راجِينَ لِرَحْمَتِهِ. عَقَّبَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ تَرْهِيبًَا عَنِ المُخالَفَةِ وتَرْغِيبًَا في الطّاعَةِ، وإيرادُ "لَعَلَّ" في المَوْضِعَيْنِ لِلْإشْعارِ بِعِزَّةِ مَنالِ الفَلاحِ والرَّحْمَةِ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَقَ: هَذِهِ الآيَةُ مُعاتَبَةٌ لِلَّذِينَ عَصَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أمَرَهم بِما أمَرَهم يَوْمَ أُحُدٍ.

آل عمران 3:133

﴿وَسارِعُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "أطِيعُوا". وقُرِئَ بِغَيْرِ واوٍ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ، أيْ: بادِرُوا وأقْبِلُوا. وقُرِئَ "سابِقُوا". ﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ أيْ: إلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِما، وقِيلَ: إلى الإسْلامِ. وقِيلَ: إلى التَّوْبَةِ. وقِيلَ: إلى الإخْلاصِ. وقِيلَ: إلى الجِهادِ. وقِيلَ: إلى أداءِ جَمِيعِ الواجِباتِ وتَرْكِ جَمِيعِ المَنهِيّاتِ، فَيَدْخُلُ فِيها ما مَرَّ مِنَ الأُمُورِ المَأْمُورِ بِها والمَنهِيِّ عَنْها دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، و "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "مَغْفِرَةٍ" أيْ: كائِنَةٍ مِن رَبِّكُمْ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ أيْ: كَعَرْضِهِما صِفَةٌ لِـ"جَنَّةٍ" وتَخْصِيصُ العَرْضِ بِالذِّكْرِ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِها بِالسَّعَةِ والبَسْطَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، فَإنَّ العَرْضَ في العادَةِ أدْنى مِنَ الطُّولِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كَسَبْعِ سَمَواتٍ وسَبْعِ أرْضِينَ لَوْ وُصِلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ. ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِـ "جَنَّةٍ" أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنها لِتَخَصُّصِها بِالصِّفَةِ، أيْ: هُيِّئَتْ لَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ وأنَّها خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ.

آل عمران 3:134

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ "لِلْمُتَّقِينَ" مادِحٌ لَهم أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ أوْ في حَيِّزِ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ عَلى المَدْحِ، ومَفْعُولُ "يُنْفِقُونَ" مَحْذُوفٌ لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما يَصْلُحُ لِلْإنْفاقِ أوْ مَتْرُوكٌ بِالكُلِّيَّةِ كَما في قَوْلِكَ: "يُعْطِي ويَمْنَعُ". ﴿فِي السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ في حالَتَيِ الرَّخاءِ والشِّدَّةِ واليُسْرِ والعُسْرِ أوْ في الأحْوالِ كُلِّها؛ إذِ الإنْسانُ لا يَخْلُو عَنْ مَسَرَّةٍ أوْ مَضَرَّةٍ، أيْ: لا يَخْلُونَ في حالٍ ما بِإنْفاقِ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ. ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الفاعِلِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وأمّا الإنْفاقُ فَحَيْثُ كانَ أمْرًَا مُتَجَدِّدًَا عَبَّرَ عَنْهُ بِما يُفِيدُ الحُدُوثَ والتَّجَدُّدَ، و "الكَظْمُ": الحَبْسُ يُقالُ كَظَمَ غَيْظَهُ، أيْ: حَبَسَهُ. قالَ المُبَرِّدُ: تَأْوِيلُهُ أنَّهُ كَتَمَهُ عَلى امْتِلائِهِ مِنهُ، يُقالُ: كَظَمْتُ السِّقاءَ إذا مَلَأْتَهُ وشَدَدْتَ عَلَيْهِ، أيِ: المُمْسِكِينَ عَلَيْهِ الكافِّينَ عَنْ إمْضائِهِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن كَظَمَ غَيْظًَا وهو قادِرٌ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًَا وإيمانًَا".» ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ (p-86)، أيِ: التّارِكِينَ عُقُوبَةَ مَنِ اسْتَحَقَّ مُؤاخَذَتَهُ. رُوِيَ أنَّهُ يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ أُجُورُهم عَلى اللَّهِ تَعالى؟ فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: إنَّ هَؤُلاءِ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ وقَدْ كانُوا كَثِيرًَا في الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ، وفي هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إشْعارٌ بِكَمالِ حُسْنِ مَوْقِعِ عَفْوِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الرُّماةِ وتَرْكِ مُؤاخَذَتِهِمْ بِما فَعَلُوا مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَدْبٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى تَرْكِ ما عَزَمَ عَلَيْهِ مِن مُجازاةِ المُشْرِكِينَ بِما فَعَلُوا بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قالَ حِينَ رَآهُ: قَدْ مُثِّلَ بِهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مَكانَكَ. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ اللّامُ إمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، وإمّا لِلْعَهْدِ، عَبَّرَ عَنْهم بِالمُحْسِنِينَ إيذانًَا بِأنَّ النُّعُوتَ المَعْدُودَةَ مِن بابِ الإحْسانِ الَّذِي هو الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ﴾ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

آل عمران 3:135

﴿والَّذِينَ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وقِيلَ: مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن صِفاتِ المُتَّقِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما مُشِيرٌ إلى ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ، فَإنَّ دَرَجَةَ الأوَّلِينَ مِنَ التَّقْوى أعْلى مِن دَرَجَةِ هَؤُلاءِ وحَظَّهم أوْفى مِن حَظِّهِمْ أوْ عَلى نَفْسِ المُتَّقِينَ فَيَكُونُ التَّفاوُتُ أكْثَرَ وأظْهَرَ. ﴿إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ أيْ: فَعْلَةً بالِغَةً في القُبْحِ كالزِّنا. ﴿أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنْ أتَوْا ذَنْبًَا، أيَّ ذَنْبٍ كانَ. وقِيلَ: الفاحِشَةُ الكَبِيرَةُ وظُلْمُ النَّفْسِ الصَّغِيرَةُ أوِ الفاحِشَةُ: ما يَتَعَدّى إلى الغَيْرِ وظُلْمُ النَّفْسِ ما لَيْسَ كَذَلِكَ. قِيلَ: قالَ المُؤْمِنُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنّا؛ كانَ أحَدُهم إذا أذْنَبَ أصْبَحَتْ كَفّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً عَلى عَتَبَةِ دارِهِ افْعَلْ كَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وقِيلَ: إنَّ نَبْهانَ التَّمّارَ أتَتْهُ امْرَأةٌ حَسْناءُ تَطْلُبُ مِنهُ تَمْرًَا فَقالَ لَها: هَذا التَّمْرُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ وفي البَيْتِ أجْوَدُ مِنهُ فَذَهَبَ بِها إلى بَيْتِهِ فَضَمَّها إلى نَفْسِهِ و قَبَّلَها فَقالَتْ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فَتَرَكَها ونَدِمَ عَلى ذَلِكَ وأتى النَّبِيَّ ﷺ وذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: جَرى مِثْلُ هَذا بَيْنَ أنْصارِيٍّ وامْرَأةٍ ورَجُلٍ ثَقَفِيٍّ كانَ بَيْنَهُما مُؤاخاةٌ فَنَدِمَ الأنْصارِيُّ وحَثا عَلى رَأْسِهِ التُّرابَ وهامَ عَلى وجْهِهِ وجَعَلَ يَسِيحُ في الجِبالِ تائِبًَا مُسْتَغْفِرًَا ثُمَّ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ. وأيًَّا ما كانَ؛ فَإطْلاقُ اللَّفْظِ يَنْتَظِمُ ما فَعَلَهُ الزُّناةُ انْتِظامًَا أوَّلِيًَّا. ﴿ذَكَرُوُا اللَّهَ﴾ تَذَكَّرُوا حَقَّهُ العَظِيمَ وجَلالَهُ المُوجِبَ لِلْخَشْيَةِ والحَياءِ أوْ وعِيدَهُ أوْ حُكْمَهُ وعِقابَهُ. ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ والنَّدَمِ، والفاءُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ ذِكْرَهُ تَعالى مُسْتَتْبِعٌ لِلِاسْتِغْفارِ لا مَحالَةَ. ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، والمُرادُ بِالذُّنُوبِ: جِنْسُها، كَما في قَوْلِكَ: فُلانٌ يَلْبَسُ الثِّيابَ ويَرْكَبُ الخَيْلَ، لا كُلُّها حَتّى يُخِلَّ بِما هو المَقْصُودُ مِنِ اسْتِحالَةِ صُدُورِ مَغْفِرَةِ فَرْدٍ مِنها عَنْ غَيْرِهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا اللَّهُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في "يَغْفِرُ" أيْ: لا يَغْفِرُ جِنْسَ الذُّنُوبِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، خَلا أنَّ دِلالَةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى الِانْتِفاءِ أقْوى وأبْلَغُ لِإيذانِهِ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ يَعْرِفُ ذَلِكَ الِانْتِفاءَ فَيُسارِعُ إلى الجَوابِ بِهِ، والمُرادُ بِهِ: وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِغايَةِ سَعَةِ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ المَغْفِرَةِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ أوْ (p-87)بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها لِتَقْرِيرِ الِاسْتِغْفارِ والحَثِّ عَلَيْهِ والإشْعارِ بِالوَعْدِ بِالقَبُولِ. ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ عَطْفٌ عَلى "فاسْتَغْفَرُوا" وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ مَعَ تَقَدُّمِ عَدَمِ الإصْرارِ عَلى الِاسْتِغْفارِ رُتْبَةً لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الِاسْتِغْفارِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْمُسارَعَةِ إلَيْهِ عَقِيبَ ذِكْرِهِ تَعالى أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: ولَمْ يُقِيمُوا أوْ غَيْرَ مُقِيمِينَ. ﴿عَلى ما فَعَلُوا﴾ أيْ: ما فَعَلُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ فاحِشَةً كانَتْ أوْ ظُلْمًَا أوْ عَلى فِعْلِهِمْ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً وأنَّهُ لا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ ولا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ".» ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يُصِرُّوا" أيْ: لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم عالِمُونَ بِقُبْحِهِ، والنَّهْيُ عَنْهُ والوَعِيدُ عَلَيْهِ والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِما أنَّهُ قَدْ يُعْذَرُ مَن لا يَعْلَمُ ذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقْصِيرٍ في تَحْصِيلِ العِلْمِ بِهِ.

آل عمران 3:136

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ آخِرًَا بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما مَرَّ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ خَبَرٌ لَهُ أوْ "جَزاؤُهُمْ" مُبْتَدَأٌ ثانٍ و "مَغْفِرَةٌ" خَبَرٌ لَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ ﴿أُولَئِكَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا﴾ إلَخْ... عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ وهو الأظْهَرُ الأنْسَبُ بِنَظْمِ المَغْفِرَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ سابِقَةِ الذَّنْبِ في سِلْكِ الجَزاءِ، إذْ عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ إلَخْ جُمْلَةً مُسْتَأْنِفَةً مُبَيِّنَةً لِما قَبْلَها كاشِفَةً عَنْ حالِ كِلا الفَرِيقَيْنِ المُحْسِنَيْنِ والتّائِبَيْنِ، ولَمْ يُذْكَرْ مِن أوْصافِ الأوَّلَيْنِ ما فِيهِ شائِبَةُ الذَّنْبِ حَتّى يُذْكَرَ في مَطْلَعِ الجَزاءِ الشّامِلِ لَها المَغْفِرَةُ، وتَخْصِيصُ الإشارَةِ بِالآخَرَيْنِ مَعَ اشْتِراكِهِما في حُكْمِ إعْدادِ الجَنَّةِ لَهُما تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ. ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: كائِنَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ والتَّشْرِيفِ. ﴿وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ عَطْفٌ عَلى "مَغْفِرَةٌ" والتَّنَكُّرُ المُشْعِرُ بِكَوْنِها أدْنى مِنَ الجَنَّةِ السّابِقَةِ مِمّا يُؤَيِّدُ رُجْحانَ الوَجْهِ الأوَّلِ. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ في المَعْنى لِأنَّهُ في قُوَّةِ: يَجْزِيهِمُ اللَّهُ جَنّاتٍ خالِدِينَ فِيها، ولا مَساغَ لِأنْ يَكُونَ حالًَا مِن "جَنّاتٌ" في اللَّفْظِ وهي لِأصْحابِها في المَعْنى، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَبَرَزَ الضَّمِيرُ. ﴿وَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ذَلِكَ، أيْ: ما ذَكَرَ مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنّاتِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِالأجْرِ المُشْعِرِ بِأنَّهُما يُسْتَحَقّانِ بِمُقابَلَةِ العَمَلِ وإنْ كانَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ لِمَزِيدِ التَّرْغِيبِ في الطّاعاتِ والزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُخْتَصٌّ بِالتّائِبَيْنِ حَسَبَ اخْتِصاصِ التَّذْيِيلِ السّابِقِ بِالأوَّلَيْنِ، وناهِيكَ مَضْمُونُها دَلِيلًَا عَلى ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ النَّيِّرِ والتَّبايُنِ البَيِّنِ شَتّانَ بَيْنَ المُحْسِنِينَ الفائِزِينَ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبَيْنَ العامِلِينَ الحائِزِينَ لِأُجْرَتِهِمْ وعَمالَتِهِمْ.

آل عمران 3:137

﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ رُجُوعٌ إلى تَفْصِيلِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ بَعْدَ تَمْهِيدِ مَبادِئِ الرُّشْدِ والصَّلاحِ وتَرْتِيبِ مُقَدِّماتِ الفَوْزِ والفَلاحِ (p-88)والخُلُوُّ المُضِيُّ والسُّنَنُ الوَقائِعُ. وقِيلَ: الأُمَمُ، والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ"خَلَتْ" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "سُنَنٌ" أيْ: قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِ زَمانِكم أوْ كائِنَةً مِن قَبْلِكم وقائِعُ سَنَّها اللَّهُ تَعالى في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا﴾ إلَخْ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ لِلدِّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ خُلُوِّها لِلسَّيْرِ والنَّظَرِ أوْ لِلْأمْرِ بِهِما. وقِيلَ: المَعْنى عَلى الشَّرْطِ، أيْ: إنْ شَكَكْتُمْ فَسِيرُوا إلَخْ و "كَيْفَ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِكانَ مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ لِأنَّ الأصْلَ اسْتِعْمالُهُ بِالجارِّ.

آل عمران 3:138

﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ إلى آخِرِهِ. ﴿بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ أيْ: تَبْيِينٌ لَهم عَلى أنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَصْدَرِ أوْ كائِنٌ لَهم عَلى أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، وتَعْرِيفُ "النّاسِ" لِلْعَهْدِ وهُمُ المُكَذِّبُونَ، أيْ: هَذا إيضاحٌ لِسُوءِ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَإنَّ الأمْرَ بِالسَّيْرِ والنَّظَرِ وإنْ كانَ خاصًَّا بِالمُؤْمِنِينَ لَكِنَّ العَمَلَ بِمُوجِبِهِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِواحِدٍ دُونَ واحِدٍ فَفِيهِ حَمْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ أيْضًَا عَلى أنْ يَنْظُرُوا في عَواقِبِ مَن قَبْلَهم مِن أهْلِ التَّكْذِيبِ ويَعْتَبِرُوا بِما يُعايِنُونَ مِن آثارِ دَمارِهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنِ الكَلامُ مَسُوقًَا لَهم. ﴿وَهُدًى ومَوْعِظَةٌ﴾ أيْ: وزِيادَةُ بَصِيرَةٍ ومَوْعِظَةٍ لَكم وإنَّما قِيلَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ لِلْإيذانِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ مَدارَ كَوْنِهِ هُدىً ومَوْعِظَةً لَهم إنَّما هو تَقْواهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ "المُتَّقِينَ" الصّائِرِينَ إلى التَّقْوى، والهُدى والمَوْعِظَةُ عَلى ظاهِرِهِما، أيْ: هَذا بَيانٌ لِمَآلِ أمْرِ النّاسِ وسُوءِ مَغَبَّتِهِ وهِدايَةٌ لِمَنِ اتَّقى مِنهم وزَجْرٌ لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، وأنْ يُرادَ بِهِ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ المُتَّقِينَ بِالفِعْلِ، ويُرادَ بِالهُدى والمَوْعِظَةِ أيْضًَا ما يَعُمُّ ابْتِداءَهُما والزِّيادَةَ فِيهِما وإنَّما قُدِّمَ كَوْنُهُ بَيانًَا لِلْمُكَذِّبِينَ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَسُوقٍ لَهُ عَلى كَوْنِهِ هُدىً ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالسِّياقِ، لِأنَّ أوَّلَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مُشاهَدَةِ آثارِ هَلاكِ أسْلافِهِمْ ظُهُورُ حالِ أخْلافِهِمْ، وأمّا زِيادَةُ الهُدى أوْ أصْلِهِ فَأمْرٌ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ وتَخْصِيصُ البَيانِ لِلنّاسِ مَعَ شُمُولِهِ لِلْمُتَّقِينَ أيْضًَا لِما أنَّ المُرادَ بِهِ مُجَرَّدُ البَيانِ العارِي عَنِ الهُدى والعِظَةِ، والِاقْتِصارُ عَلَيْهِما في جانِبِ المُتَّقِينَ مَعَ تَرَتُّبِهِما عَلى البَيانِ لِما أنَّهُما المَقْصِدُ الأصْلِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفُ "النّاسِ" لِلْجِنْسِ، أيْ: هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ كافَّةً وهُدىً ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ مِنهم خاصَّةً. وقِيلَ: كَلِمَةُ "هَذا" إشارَةٌ إلى ما لُخِّصَ مِن أمْرِ المُتَّقِينَ والتّائِبِينَ والمُصِرِّينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ الآيَةُ اعْتِراضٌ لِلْبَعْثِ عَلى الإيمانِ وما يُسْتَحَقُّ بِهِ ما ذُكِرَ مِن أجْرِ العامِلِينَ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الِاعْتِراضَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُقَرِّرًَا لِمَضْمُونِ ما وقَعَ في خِلالِهِ، ومُعايَنَةُ آثارِ هَلاكِ المُكَذِّبِينَ مِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِحالِ أحَدِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وإنْ كانَ باعِثًَا عَلى الإيمانِ زاجِرًَا عَنِ التَّكْذِيبِ، وقِيلَ إشارَةٌ إلى القرآن ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

آل عمران 3:139

﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ تَشْجِيعٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِهِمْ وتَسْلِيَةٌ عَمّا أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ القَتْلِ والقَرْحِ وكانَ قَدْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ خَمْسَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ صاحِبُ رايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وعُثْمانُ بْنُ شَمّاسٍ وسَعْدُ مَوْلى عُتْبَةَ (p-89)رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، ومِنَ الأنْصارِ سَبْعُونَ رَجُلًَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أيْ: لا تَضْعُفُوا عَنِ الجِهادِ بِما نالَكم مِنَ الجِراحِ ولا تَحْزَنُوا عَلى مَن قُتِلَ مِنكم. ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ الفِعْلَيْنِ، أيْ: والحالُ أنَّكُمُ الأعْلَوْنَ الغالِبُونَ دُونَ عَدُوِّكم فَإنَّ مَصِيرَ أمْرِهِمْ إلى الدَّمارِ حَسْبَما شاهَدْتُمْ مِن أحْوالِ أسْلافِهِمْ، فَهو تَصْرِيحٌ بِالوَعْدِ بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ بَعْدَ الإشْعارِ بِهِ فِيما سَبَقَ، أوْ وأنْتُمُ المَعْهُودُونَ بِغايَةِ عُلُوِّ الشَّأْنِ لِما أنَّكم عَلى الحَقِّ وقِتالَكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقَتْلاكم في الجَنَّةِ وهم عَلى الباطِلِ وقِتالُهم لِلشَّيْطانِ وقَتْلاهم في النّارِ، وقِيلَ: وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ حالًَا مِنهم حَيْثُ أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ أكْثَرَ مِمّا أصابُوا مِنكُمُ اليَوْمَ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ أوْ بِـ ﴿الأعْلَوْنَ﴾ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما تَعَلَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا فَإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ قُوَّةَ القَلْبِ والثِّقَةَ بِصُنْعِ اللَّهِ تَعالى وعَدَمَ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي العُلُوَّ لا مَحالَةَ، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى فَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ وأيًَّا ما كانَ؛ فالمَقْصُودُ تَحْقِيقُ المُعَلَّقِ بِناءً عَلى تَحْقِيقِ المُعَلَّقِ بِهِ كَما في قَوْلِ الأجِيرِ: "إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَأعْطِنِي أجْرِي:، ولِذَلِكَ قِيلَ مَعْناهُ: إذْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنْ بَقِيتُمْ عَلى الإيمانِ.

آل عمران 3:140

﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ "القَرْحُ" بِالفَتْحِ والضَّمِّ لُغَتانِ كالضَّعْفِ والضُّعْفِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ الجِراحُ، وبِالضَّمِّ ألَمُها. وقُرِئَ بِفَتْحَيْنِ وقِيلَ: القَرْحُ والقَرَحُ كالطَّرْدِ والطَّرَدِ، والمَعْنى: إنْ نالُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ نِلْتُمْ مِنهم قَبْلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ لَمْ يُضْعِفْ ذَلِكَ قُلُوبَهم ولَمْ يُثَبِّطْهم عَنْ مُعاوَدَتِكم بِالقِتالِ فَأنْتُمْ أحَقُّ بِأنْ لا تَضْعُفُوا فَإنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ. وقِيلَ: كِلا المَسَّيْنِ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ فَإنَّ المُسْلِمِينَ نالُوا مِنهم قَبْلَ أنْ يُخالِفُوا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:قَتَلُوا مِنهم نَيِّفًَا وعِشْرِينَ رَجُلًَا مِنهم صاحِبُ لِوائِهِمْ وجَرَحُوا عَدَدًَا كَثِيرًَا وعَقَرُوا عامَّةَ خَيْلِهِمْ بِالنَّبْلِ. ﴿وَتِلْكَ الأيّامُ﴾ إشارَةٌ إلى الأيّامِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ كافَّةً لا إلى الأيّامِ المَعْهُودَةِ خاصَّةً مِن يَوْمِ بَدْرٍ ويَوْمِ أُحُدٍ بَلْ هي داخِلَةٌ فِيها دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، و المُرادُ بِها: أوْقاتُ الظَّفَرِ والغَلَبَةِ. ﴿نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ نُصَرِّفُها بَيْنَهم نُدِيلُ لِهَؤُلاءِ تارَةً ولِهَؤُلاءِ أُخْرى، كَقَوْلِ مَن قالَ: ؎ فَيَوْمًَا عَلَيْنا ويَوْمًَا لَنا ∗∗∗ ويَوْمًَا نُساءُ ويَوْمًَا نُسَرُّ والمُداوَلَةُ كالمُعاوَرَةِ، يُقالُ: داوَلْتُهُ بَيْنَهم فَتَداوَلُوهُ، أيْ: عاوَرْتُهُ فَتَعاوَرُوهُ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و "الأيّامُ" إمّا صِفَةٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ و"نُداوِلُها" خَبَرُهُ أوْ خَبَرٌ و "نُداوِلُها" حالٌ مِنَ "الأيّامُ" والعامِلُ مَعْنى اسْمِ الإشارَةِ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وصِيغَةُ المُضارِعِ الدّالَّةُ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ تِلْكَ المُداوَلَةَ سُنَّةٌ مَسْلُوكَةٌ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ قاطِبَةً سابِقَتِها ولاحِقَتِها وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّسْلِيَةِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إمّا مِن بابِ التَّمْثِيلِ، أيْ: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ المُخْلِصِينَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ، أوِ العِلْمُ فِيهِ مَجازٌ عَنِ التَّمْيِيزِ بِطَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، أيْ: لِيُمَيِّزَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ (p-90)الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ مُعْتَبَرٌ مِن حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِالمَعْلُومِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَوْجُودٌ بِالفِعْلِ، إذْ هو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ الجَزاءِ لا مِن حَيْثُ أنَّهُ مَوْجُودٌ بِالقُوَّةِ، وإطْلاقُ الإيمانِ مَعَ أنَّ المُرادَ هو الرُّسُوخُ والإخْلاصُ فِيهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اسْمَ الإيمانِ لا يَنْطَلِقُ عَلى غَيْرِهِ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ بِإسْنادِهِ إلى اسْمِ الذّاتِ المُسْتَجْمِعِ لِلصِّفاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإشْعارِ بِأنَّ صُدُورَ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ بِصَدَدِ التَّعْلِيلِ مِن أفْعالِهِ تَعالى بِاعْتِبارِ مَنشَأٍ مُعَيَّنٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى مُغايِرٍ لِمَنشَإ الآخَرِ، والجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِما هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ مُطْلَقِ المُداوَلَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ مِنَ المُداوَلَةِ المَعْهُودَةِ الجارِيَةِ بَيْنَ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ المُطْلَقُ مِنَ الفِعْلِ المُقَيَّدِ بِالوُقُوعِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ أوْ بِنَفْسِ الفِعْلِ المُطْلَقِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِهِ بَيْنَهُما، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى لَها مُعْتَبَرَةٍ إمّا عَلى الخُصُوصِ والتَّعْيِينِ مَحْذُوفَةٍ لِدِلالَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْها لِكَوْنِها مِن مَبادِيها، كَأنَّهُ قِيلَ: نُداوِلُها بَيْنَكم وبَيْنَ عَدُوِّكم لِيَظْهَرَ أمْرُكم ولِيُعْلَمَ إلَخْ... فَإنَّ ظُهُورَ أعْمالِهِمْ وخُرُوجَها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ مِن مَبادِي تَمْيِيزِهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ، ومَواجِبُ تَعَلُّقِ العِلْمِ الأزَلِيِّ بِها مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ وكَذا الحالُ في بابِ التَّمْثِيلِ فَتَأمَّلْ، وإمّا عَلى العُمُومِ والإبْهامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العِلَلَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيها عَدَدٌ مِنَ الأُمُورِ وأنَّ العَبْدَ يَسُوءُهُ ما يَجْرِي عَلَيْهِ مِنَ النَّوائِبِ ولا يَشْعُرُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الألْطافِ الخَفِيَّةِ ما لا يَخْطُرُ بِالبالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: نُداوِلُها بَيْنَكم لِيَكُونَ مِنَ المَصالِحِ كَيْتَ وكَيْتَ ولِيَعْلَمَ إلَخْ... وفِيهِ مِن تَأْكِيدِ التَّسْلِيَةِ ومَزِيدِ التَّبْصِرَةِ ما لا يَخْفى، وتَخْصِيصُ البَيانِ بِعِلَّةِ هَذا الفَرْدِ مِن مُطْلَقِ المُداوَلَةِ دُونَ سائِرِ أفْرادِها الجارِيَةِ فِيما بَيْنَ بَقِيَّةِ الأُمَمِ تَعْيِينًَا أوْ إبْهامًَا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ العِلْمِيِّ بِبَيانِها، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ المَحْذُوفَ المُبْهَمَ عِبارَةً عَنْ عِلَلِ سائِرِ أفْرادِها لِلْإشارَةِ إجْمالًَا إلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِها لَهُ عِلَّةٌ داعِيَةٌ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ كافَّةً لِيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ مِنَ الحِكَمِ الدّاعِيَةِ إلى تِلْكَ الأفْرادِ ولِيَعْلَمَ إلَخْ... فَـ "اللّامُ" الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُطْلَقِ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِتِلْكَ الأفْرادِ والثّانِيَةُ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالفَرْدِ المَعْهُودِ. وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ تَقْدِيرُهُ: ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا فَعَلَ ذَلِكَ. ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ جَمْعُ شَهِيدٍ، أيْ: ويُكْرِمَ ناسًَا مِنكم بِالشَّهادَةِ وهم شُهَداءُ أُحُدٍ، فَـ "مِن" ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يَتَّخِذَ" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن شُهَداءَ أوْ جَمْعُ شاهِدٍ أيْ: ويَتَّخِذَ مِنكم شُهُودًَا مُعْدِلِينَ بِما ظَهَرَ مِنهم مِنَ الثَّباتِ عَلى الحَقِّ والصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شَواهِدِ الصِّدْقِ لِيَشْهَدُوا عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَـ "مِن" بَيانِيَّةٌ لِأنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ وظِيفَةُ الكُلِّ دُونَ المُسْتَشْهَدِينَ فَقَطْ وأيًَّا ما كانَ؛ فَفي لَفْظِ الِاتِّخاذِ المُنْبِئِ عَنِ الاصْطِفاءِ والتَّقْرِيبِ مِن تَشْرِيفِهِمْ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِمْ ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ونَفْيُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ وفي إيقاعِهِ عَلى الظّالِمِينَ تَعْرِيضٌ بِمَحَبَّتِهِ تَعالى لِمُقابِلِيهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ إمّا غَيْرُ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ فالتَّقْرِيرُ مِن حَيْثُ إنَّ بُغْضَهُ تَعالى لَهم مِن دَواعِي إخْراجِ المُخْلِصِينَ المُصْطَفَيْنَ لِلشَّهادَةِ مِن بَيْنِهِمْ، وإمّا الكَفَرَةُ الَّذِينَ أُدِيلَ لَهُمْ، فالتَّقْرِيرُ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ النُّصْرَةِ لَهم فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِأوْلِيائِهِ تَعالى بَلْ لِما ذُكِرَ مِنَ الفَوائِدِ العائِدَةِ إلى المُؤْمِنِينَ.

آل عمران 3:141

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: لِيُصَفِّيَهم ويُطَهِّرَهم مِنَ (p-91)الذُّنُوبِ، عَطْفٌ عَلى "يَتَّخِذَ" وتَكْرِيرُ اللّامِ لِتَذْكِيرِ التَّعْلِيلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالِاعْتِراضِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ التَّمْحِيصِ، وهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ عِلَلٌ لِلْمُداوَلَةِ المَعْهُودَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى المُؤْمِنِينَ قُدِّمَتْ في الذِّكْرِ، لِأنَّها المُحْتاجَةُ إلى البَيانِ ولَعَلَّ تَأْخِيرَ العِلَّةِ الأخِيرَةِ عَنِ الاعْتِراضِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ انْدِراجُ المُذْنِبِينَ في الظّالِمِينَ أوْ لِيَقْتَرِنَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ التَّمْحِيصَ فِيهِ مَحْوُ الآثارِ وإزالَةُ الأوْضارِ كَما أنَّ المَحْقَ عِبارَةٌ عَنِ النَّقْصِ والإذْهابِ. قالَ المِفْضَلُ: وهو أنْ يَذْهَبَ الشَّيْءُ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يُرى مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ أيْ: يَسْتَأْصِلُهُ، وهَذِهِ عِلَّةٌ لِلْمُداوَلَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى الكافِرِينَ، والمُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ وقَدْ مَحَقَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ جَمِيعًَا.

آل عمران 3:142

﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِبَيانِ ما هي الغايَةُ القُصْوى مِنَ المُداوَلَةِ والنَّتِيجَةِ لِما ذُكِرَ مِن تَمْيِيزِ المُخْلِصِينَ وتَمْحِيصِهِمْ واتِّخاذِ الشُّهَداءِ وإظْهارِ عِزَّةِ مَنالِها والخِطابُ لِلَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ، و "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن كَلِمَةِ بَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ التَّسْلِيَةِ بِبَيانِ العِلَلِ فِيما لَقُوا مِنَ الشِّدَّةِ إلى تَحْقِيقِ أنَّها مِن مَبادِي الفَوْزِ بِالمَطْلَبِ الأسْنَيْ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، أيْ: بَلْ أحَسِبْتُمْ. ﴿أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ وتَفُوزُوا بِنَعِيمِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ "تَدْخُلُوا" مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ، فَإنَّ رَجاءَ الأجْرِ بِغَيْرِ عَمَلٍ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّهُ مَنُوطٌ بِهِ مُسْتَبْعَدٌ عِنْدَ العُقُولِ، وعَدَمُ العِلْمِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المَعْلُومِ لِما بَيْنَهُما مِنَ اللُّزُومِ المَبْنِيِّ عَلى لُزُومِ تَحَقُّقِ الأوَّلِ لِتَحَقُّقِ الثّانِي ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ شَيْءٍ بِدُونِ علمه تعالى بِهِ وإيثارُها عَلى التَّصْرِيحِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ المَعْنى المُرادِ، فَإنَّها إثْباتٌ لِعَدَمِ جِهادِهِمْ بِالبُرْهانِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ إنَّما هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِها كَأنَّهُ قِيلَ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم، وإنَّما وجَّهَ النَّفْيَ إلى المَوْصُوفِينَ مَعَ أنَّ المَنفِيَّ هو الوَصْفُ فَقَطْ، وكانَ يَكْفِي أنْ يُقالَ: ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ جِهادَكم كِنايَةً عَنْ مَعْنى "وَلَمّا تُجاهِدُوا" لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ انْتِفاءِ الوَصْفِ وعَدَمِ تَحَقُّقِهِ أصْلًَا، وفي كَلِمَةِ "لَمّا" إيذانٌ بِأنَّ الجِهادَ مُتَوَقَّعٌ مِنهم فِيما يُسْتَقْبَلُ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في تَأْكِيدِ الإنْكارِ. وقُرِئَ "يَعْلَمَ" بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّ أصْلَهُ "يَعْلَمَن" فَحُذِفَتِ النُّونُ أوْ عَلى طَرِيقَةِ إتْباعِ المِيمِ لِما قَبْلَها في الحَرَكَةِ لِإبْقاءِ تَفْخِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى و ﴿مِنكُمْ﴾ حالٌ مِنَ "الَّذِينَ". ﴿وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "أنْ" عَلى أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ كَما في قَوْلِكَ: "لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبِ اللَّبَنَ" أيْ: لا يَكُنْ مِنكَ أكْلُ السَّمَكِ وشُرْبُ اللَّبَنِ، والمَعْنى: أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوُا الجَنَّةَ والحالُ أنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنكُمُ الجِهادُ والصَّبْرُ، أيِ: الجَمْعُ بَيْنَهُما وإيثارُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى المَوْصُولِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ هو الِاسْتِمْرارُ عَلى الصَّبْرِ ولِلْمُحافَظَةِ عَلى الفَواصِلِ، وقِيلَ: مَجْزُومٌ مَعْطُوفٌ عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ قَدْ حُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ بِالفَتْحِ لِلْخِفَّةِ والِاتِّباعِ كَما مَرَّ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالكَسْرِ عَلى ما هو الأصْلُ في تَحْرِيكِ السّاكِنِ. وقُرِئَ "يَعْلَمُ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الواوَ لِلْحالِ وصاحِبُها المَوْصُولُ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ، أيْ: وهو يَعْلَمُ الصّابِرِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ.

آل عمران 3:143

(p-92)﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ أيْ: تَتَمَنَّوْنَ الحَرْبَ فَإنَّها مِن مَبادِئِ المَوْتِ أوِ المَوْتَ بِالشَّهادَةِ، والخِطابُ لِلَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًَا وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ أنْ يَشْهَدُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَشْهَدًَا لِيَنالُوا ما نالَهُ شُهَداءُ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ فَألَحُّوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الخُرُوجِ ثُمَّ ظَهَرَ مِنهم خِلافُ ذَلِكَ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿تَمَنَّوْنَ﴾ مُبَيِّنٌ لِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّمَنِّي مِن قَبْلِ أنْ تُشاهِدُوهُ وتَعْرِفُوا هَوْلَهُ وشِدَّتَهُ. وقُرِئَ "تُلاقُوهُ". ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾ أيْ: ما تَتَمَنَّوْنَهُ مِن أسْبابِ المَوْتِ أوِ المَوْتَ بِمُشاهَدَةِ أسْبابِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ وفي إيثارِ الرُّؤْيَةِ عَلى المُلاقاةِ وتَقْيِيدِها بِالنَّظَرِ مَزِيدُ مُبالَغَةٍ في مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، والفاءُ فَصِيحَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في تَمَنِّيكم ذَلِكَ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ مُعايِنِينَ لَهُ حِينَ قُتِلَ بَيْنَ أيْدِيكم مَن قُتِلَ مِن إخْوانِكم وأقارِبِكم وشارَفْتُمْ أنْ تُقْتَلُوا، فَلِمَ فَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ؟ وهو تَوْبِيخٌ لَهم عَلى تَمَنِّيهِمُ الحَرْبَ وتَسَبُّبِهِمْ لَها ثُمَّ جُبْنِهِمْ وانْهِزامِهِمْ لا عَلى تَمَنِّي الشَّهادَةِ بِناءً عَلى تَضَمُّنِها لِغَلَبَةِ الكُفّارِ لِما أنَّ مَطْلَبَ مَن يَتَمَنّاها نَيْلُ كَرامَةِ الشُّهَداءِ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ فَلا يَسْتَحِقُّ العِتابَ مِن تِلْكَ الجِهَةِ.

آل عمران 3:144

﴿وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ولا عَمَلَ لِ ما بِالِاتِّفاقِ لِانْتِقاضِ نَفْيِهِ بِـ "إلّا". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ صِفَةٌ لِ ﴿رَسُولٌ﴾ مُنْبِئَةٌ عَنْ كَوْنِهِ في شَرَفِ الخُلُوِّ، فَإنَّ خُلُوَّ مُشارِكِيهِ في مَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن شَواهِدِ خُلُوِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا مَحالَةَ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ أمْثالُهُ فَسَيَخْلُوكَما خَلَوْا والقَصْرُ قَلْبِيٌّ، فَإنَّهم لَمّا انْقَلَبُوا عَلى أعْقابِهِمْ فَكَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولٌ لا كَسائِرِ الرُّسُلِ في أنَّهُ يَخْلُو كَما خَلَوْا ويَجِبُ التَّمَسُّكُ بِدِينِهِ بَعْدَهُ كَما يَجِبُ التَّمَسُّكُ بِدِينِهِمْ بَعْدَهُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ إلّا رَسُولًَا كَسائِرِ الرُّسُلِ فَسَيَخْلُوكَما خَلَوْا ويَجِبُ التَّمَسُّكُ بِدِينِهِ كَما يَجِبُ التَّمَسُّكُ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: هو قَصْرُ إفْرادٍ فَإنَّهم لَمّا اسْتَعْظَمُوا عَدَمَ بَقائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم نُزِّلُوا مَنزِلَةَ المُسْتَبْعِدِينَ لِهَلاكِهِ كَأنَّهم يَعْتَقِدُونَ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وصْفَيْنِ: الرِّسالَةَ والبُعْدَ عَنِ الهَلاكِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ لا يَتَجاوَزُها إلى البُعْدِ عَنِ الهَلاكِ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن جَعْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ إلَخْ... كَلامًَا مُبْتَدَأً مَسُوقًَا لِتَقْرِيرِ عَدَمِ بَراءَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الهَلاكِ وبَيانِ كَوْنِهِ أُسْوَةً لِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ وأيًَّا ما كانَ؛ فالكَلامُ يَخْرُجُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ. ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ إنْكارٌ لِارْتِدادِهِمْ وانْقِلابِهِمْ عَنِ الدِّينِ بِخُلُوِّهِ بِمَوْتٍ أوْ قَتْلٍ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِخُلُوِّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ وبَقاءِ دِينِهِمْ مُتَمَسَّكًَا بِهِ. وقِيلَ: الفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ يَجْعَلُوا خُلُوَّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ سَبَبًَا لِانْقِلابِهِمْ بَعْدَ وفاتِهِ مَعَ كَوْنِهِ سَبَبًَا في الحَقِيقَةِ لِثَباتِهِمْ عَلى الدِّينِ وإيرادُ المَوْتِ بِكَلِمَةِ "إنْ" مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ البَتَّةَ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِينَ فِيهِ لِما ذُكِرَ مِنِ اسْتِعْظامِهِمْ إيّاهُ، وهَكَذا الحالُ في سائِرِ المَوارِدِ فَإنَّ كَلِمَةَ "إنْ" في كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا تَجْرِي عَلى ظاهِرِها قَطُّ ضَرُورَةَ علمه تعالى بِالوُقُوعِ (p-93)أوِ اللّاوُقُوعِ بَلْ تُحْمَلُ عَلى اعْتِبارِ حالِ السّامِعِ أوْ أمْرٍ آخَرَ يُناسِبُ المَقامَ، وتَقْدِيمُ تَقْدِيرِ المَوْتِ مَعَ أنَّ تَقْدِيرَ القَتْلِ هو الَّذِي ثارَ مِنهُ الفِتْنَةُ وعَظُمَ فِيهِ المِحْنَةُ لِما أنَّ المَوْتَ في شَرَفِ الوُقُوعِ، فَزَجْرُ النّاسِ عَنِ الانْقِلابِ عِنْدَهُ وحَمْلُهم عَلى التَّثْبِيتِ هُناكَ أهَمُّ، ولِأنَّ الوَصْفَ الجامِعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هو الخُلُوُّ بِالمَوْتِ دُونَ القَتْلِ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا التَقى الفِئَتانِ حَمَلَ أبُو دُجانَةَ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ فَقاتَلَ قِتالًَا شَدِيدًَا وقاتَلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قِتالًَا عَظِيمًَا حَتّى التَوى سَيْفُهُ، وكَذا سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصَ فَقَتَلُوا جَماعَةً مِنَ المُشْرِكِينَ وهَزَمُوهم فَلَمّا نَظَرَ الرُّماةُ إلَيْهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدِ انْهَزَمُوا أقْبَلُوا عَلى النَّهْبِ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى نَهْيِ أمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ فَلَمْ يَبْقَ مِنهم عِنْدَهُ إلّا ثَمانِيَةُ نَفَرٍ، فَلَمّا رَآهم خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ قَدِ اشْتَغَلُوا بِالغَنِيمَةِ حَمَلَ عَلَيْهِمْ في مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ فارِسًَا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن قِبَلِ الشِّعْبِ وقَتَلُوا مَن بَقِيَ مِنَ الرُّماةِ ودَخَلُوا خَلْفَ أقْفِيَةِ المُسْلِمِينَ فَفَرَّقُوهم وهَزَمُوهم وحَمَلُوا عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقاتَلُوهم حَتّى أُصِيبَ هُناكَ نَحْوُ ثَلاثِينَ رَجُلًَا كُلٌّ مِنهم يَجْثُوا بَيْنَ يَدَيْهِ ويَقُولُ: وجْهِي لِوَجْهِكَ وِقاءٌ ونَفْسِي لِنَفْسِكَ فِداءٌ وعَلَيْكَ سَلامُ اللَّهِ غَيْرَ مُوَدَّعٍ، ورَمى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِيئَةَ الحارِثِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ رَباعِيَتَهُ وشَجَّ وجْهَهُ الكَرِيمَ فَذَبَّ عَنْهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكانَ صاحِبَ الرّايَةِ حَتّى قَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ وهو يَزْعُمُ أنَّهُ قَتَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: قَتَلْتُ مُحَمَّدًَا، وصَرَخَ صارِخٌ قِيلَ: إنَّهُ إبْلِيسُ: ألا إنَّ مُحَمَّدًَا قَدْ قُتِلَ فانْكَفَأ النّاسُ وجَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ يَدْعُو: إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: كُنْتُ أوَّلَ مَن عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُسْلِمِينَ فَنادَيْتُ بِأعْلى صَوْتِي يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فانْحازَ إلَيْهِ ثَلاثُونَ مِن أصْحابِهِ وحَمَوْهُ حَتّى كَشَفُوا عَنْهُ المُشْرِكِينَ وتَفَرَّقَ الباقُونَ وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْتَ ابْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًَا مِن أبِي سُفْيانَ وقالَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ: لَوْ كانَ نَبِيًَّا لَما قُتِلَ ارْجِعُوا إلى إخْوانِكم وإلى دِينِكُمْ، فَقالَ أنَسُ بْنُ النَّضْرِ: - وهو عَمُّ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - يا قَوْمُ إنْ كانَ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ حَيٌّ لا يَمُوتُ وما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ ومُوتُوا كِرامًَا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا يَقُولُ هَؤُلاءِ وأبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ هَؤُلاءِ ثُمَّ شَدَّ بِسَيْفِهِ وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ وتَجْوِيزُهم لِقَتْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ لِما أنَّ كُلَّ آيَةٍ لَيْسَ يَسْمَعُها كُلُّ أحَدٍ ولا كُلُّ مَن يَسْمَعُها يَسْتَحْضِرُها في كُلِّ مَقامٍ لاسِيَّما في مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الهائِلِ، وقَدْ غَفَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عِنْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقامَ في النّاسِ فَقالَ: إنَّ رِجالًَا مِنَ المُنافِقِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ما ماتَ ولَكِنَّهُ ذَهَبَ إلى رَبِّهِ كَما ذَهَبَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ، فَغابَ عَنْ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ رَجَعَ واللَّهِ لَيَرْجِعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَأُقَطِّعَنَّ أيْدِي رِجالٍ وأرْجُلَهم يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ماتَ ولَمْ يَزَلْ يُكَرِّرُ ذَلِكَ إلى أنْ قامَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًَا فَإنَّ مُحَمَّدًَا قَدْ ماتَ ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ حىٌّ لا يَمُوتُ ثُمَّ تَلا ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآيَةَ قالَ الرّاوِي: واللَّهِ لَكَأنَّ النّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى تَلاها أبُو بَكْرٍ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: واللَّهِ ما هو إلّا أنْ سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَتْلُو فَعُقِرْتُ حَتّى ما تَحْمِلُنِي رِجْلايَ وعَرَفْتُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ماتَ. ﴿وَمَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ بِإدْبارِهِ عَمّا كانَ يُقْبِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أمْرِ الجِهادِ وغَيْرِهِ. (p-94)وَقِيلَ: بِارْتِدادِهِ عَنِ الإسْلامِ وما ارْتَدَّ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلّا ما كانَ مِنَ المُنافِقِينَ. ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ﴾ بِما فَعَلَ مِنَ الِانْقِلابِ. ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًَا مِنَ الضَّرَرِ وإنَّما يَضُرُّ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِها لِلسَّخَطِ والعَذابِ. ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ أيِ: الثّابِتِينَ عَلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو أجَلُّ نِعْمَةٍ وأعَزُّ مَعْرُوفٍ سُمُّوا بِذَلِكَ، لِأنَّ الثَّباتَ عَلَيْهِ شُكْرٌ لَهُ وعِرْفانٌ لِحَقِّهِ وفِيهِ إيماءٌ إلى كُفْرانِ المُنْقَلِبِينَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِهِمُ:الطّائِعُونَ لِلَّهِ تَعالى مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم،وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أبُو بَكْرٍ مِنَ الشّاكِرِينَ ومِن أحِبّاءِ اللَّهِ تَعالى وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ جَزائِهِمْ.

آل عمران 3:145

﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى خَطَئِهِمْ فِيما فَعَلُوا حَذَرًَا مِن قَتْلِهِمْ وبِناءً عَلى الإرْجافِ بِقَتْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِبَيانِ أنَّ مَوْتَ كُلِّ نَفْسٍ مَنُوطٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَكادُ يَقَعُ بِدُونِ تَعَلُّقِها بِهِ وإنْ خاضَتْ مَوارِدَ الخَوْفِ واقْتَحَمَتْ مَضايِقَ كُلِّ هَوْلٍ مُخَوِّفٍ وقَدْ أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى أنَّها لَمْ تَكُنْ مُتَعَلِّقَةً بِمَوْتِهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي حَذِرُوهُ فِيهِ ولِذَلِكَ لَمْ يُقْتَلُوا حِينَئِذٍ لا لِإحْجامِهِمْ عَنْ مُباشَرَةِ القِتالِ، وكَلِمَةُ "كانَ" ناقِصَةٌ اسْمُها "أنْ تَمُوتَ" وخَبَرُها الظَّرْفُ عَلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأسْبابِ، أيْ: وما كانَ المَوْتُ حاصِلًَا لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى عَلى أنَّ الإذْنَ مَجازٌ مِنها لِكَوْنِها مِن لَوازِمِهِ أوْ إلّا بِإذْنِهِ لِمَلَكِ المَوْتِ في قَبْضِ رُوحِها، وسَوْقُ الكَلامِ مَساقَ التَّمْثِيلِ بِتَصْوِيرِ المَوْتِ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّفُوسِ بِصُورَةِ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ الَّتِي لا يَتَسَنّى لِلْفاعِلِ إيقاعُها والإقْدامُ عَلَيْها بِدُونِ إذْنِهِ تَعالى أوْ بِتَنْزِيلِ إقْدامِها عَلى مَبادِيهِ أعْنِي القِتالَ مَنزِلَةَ الإقْدامِ عَلى نَفْسِهِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ المَرامِ، فَإنَّ مَوْتَها حَيْثُ اسْتَحالَ وُقُوعُهُ عِنْدَ إقْدامِها عَلَيْهِ أوْ عَلى مَبادِيهِ وسَعْيَها في إيقاعِهِ فَلَأنْ يَسْتَحِيلَ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ أوْلى وأظْهَرُ، وفِيهِ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ ما لا يَخْفى. ﴿كِتابًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ: كَتَبَهُ اللَّهُ كِتابًَا. ﴿مُؤَجَّلا﴾ مُوَقَّتًَا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ ولَوْ ساعَةً، وقُرِئَ "مُوَجَّلًَا" بِالواوِ بَدَلَ الهَمْزَةِ عَلى قِياسِ التَّخْفِيفِ، وبَعْدَ تَحْقِيقِ أنَّ مَدارَ المَوْتِ والحَياةِ مَحْضُ مَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ مَدْخَلٌ لِأحَدٍ أصْلًَا أُشِيرَ إلى أنَّ تَوْفِيَةَ ثَمَراتِ الأعْمالِ دائِرَةٌ عَلى إرادَتِهِمْ لِيَصْرِفُوها عَنِ الأغْراضِ الدَّنِيَّةِ إلى المَطالِبِ السَّنِيَّةِ، فَقِيلَ: ﴿وَمَن يُرِدْ﴾ أيْ: بِعَمَلِهِ. ﴿ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ. ﴿مِنها﴾ أيْ: مِن ثَوابِها ما نَشاءُ أنْ نُؤْتِيَهُ إيّاهُ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ وهو تَعْرِيضٌ بِمَن شَغَلَتْهُمُ الغَنائِمُ يَوْمَئِذٍ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ. ﴿وَمَن يُرِدْ﴾ أيْ: بِعَمَلِهِ. ﴿ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: مِن ثَوابِها ما نَشاءُ مِنَ الأضْعافِ حَسْبَما جَرى بِهِ الوَعْدُ الكَرِيمُ. ﴿وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ نِعْمَةَ الإسْلامِ الثّابِتِينَ عَلَيْهِ الصّارِفِينَ لِما آتاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُوى والقَدْرِ إلى ما خُلِقَتْ هي لِأجْلِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لا يَلْوِيهِمْ (p-95)عَنْ ذَلِكَ صارِفٌ أصْلًَا، والمُرادُ بِهِمْ: إمّا المُجاهِدُونَ المَعْهُودُونَ مِنَ الشُّهَداءِ وغَيْرِهِمْ، وإمّا جِنْسُ الشّاكِرِينَ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ووَعْدٌ بِالمَزِيدِ عَلَيْهِ، وفي تَصْدِيرِها بِالسِّينِ وإبْهامِ الجَزاءِ مِنَ التَّأْكِيدِ والدِّلالَةِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِ الجَزاءِ وكَوْنِهِ بِحَيْثُ يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ ما لا يَخْفى. وقُرِئَ الأفْعالُ الثَّلاثَةُ بِالياءِ.

آل عمران 3:146

﴿وَكَأيِّنْ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ناعٍ عَلَيْهِمْ تَقْصِيرَهم وسُوءَ صَنِيعِهِمْ في صُدُودِهِمْ عَنْ سُنَنِ الرَّبّانِيِّينَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ الرُّسُلِ الخالِيَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، و"كَأيِّنْ" لَفْظَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ وأيِّ حَدَثَ فِيها بَعْدَ التَّرْكِيبِ مَعْنى التَّكْثِيرِ كَما حَدَثَ في كَذا وكَذا، والنُّونُ تَنْوِينٌ أُثْبِتَتْ في الخَطِّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وفِيها خَمْسُ لُغاتٍ هي إحْداهُنَّ، والثّانِيَةُ: "كائِنْ" مِثْلُ كاعِنْ، والثّالِثَةُ: "كَأْيِنْ" مِثْلُ كَعْيِنْ، والرّابِعَةُ: "كَيْئِنْ" بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ وهي قَلْبُ ما قَبْلَها، والخامِسَةُ: "كَأنْ" مِثْلُ كَعَنْ، وقَدْ قُرِئَ بِكُلٍّ مِنها ومَحَلُّها الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن نَبِيٍّ﴾ تَمْيِيزٌ لَها لِأنَّها مِثْلُ (كَمْ) الخَبَرِيَّةِ وقَدْ جاءَ تَمْيِيزُها مَنصُوبًَا كَما في قَوْلِهِ: ؎ أطْرُدُ اليَأْسَ بِالرَّجا فَكَأيِّنْ ∗∗∗ أمَلًَا حُمَّ يُسْرُهُ بَعْدَ عُسْرٍ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ خَبَرٌ لَها عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الظّاهِرِ والرّابِطُ هو الضَّمِيرُ المَجْرُورُ في مَعَهُ. وقُرِئَ "قُتِلَ" و"قُتِّلَ" عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفَةً ومُشَدَّدَةً و "الرِّبِّيُّ" مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ كالرَّبّانِيِّ وكَسْرُ الرّاءِ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ. وقُرِئَ بِضَمِّها وبِفَتْحِها أيْضًَا عَلى الأصْلِ. وقِيلَ: هو مَنسُوبٌ إلى الرَّبَّةِ وهي الجَماعَةُ، أيْ: كَثِيرٌ مِنَ الأنْبِياءِ قاتَلَ مَعَهُ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وإعْزازِ دِينِهِ عُلَماءُ أتْقِياءٌ أوْ عابِدُونَ أوْ جَماعاتٌ كَثِيرَةٌ، فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِ "قاتَلَ" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِهِ كَما في القِراءَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ؛ إذْ لا احْتِمالَ فِيهِما لِتَعَلُّقِهِ بِالفِعْلِ، أيْ: قُتِلُوا أوْ قُتِّلُوا كائِنِينَ مَعَهُ في القِتالِ لا في القَتْلِ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما سَمِعْنا بِنَبِيٍّ قُتِلَ في القِتالِ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ العُظَماءِ لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ في حَرْبٍ قَطُّ. وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنهُ والرّابِطُ هو الضَّمِيرُ المَجْرُورُ الرّاجِعُ إلَيْهِ وهَذا واضِحٌ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ بِلا خِلافٍ، أيْ: كَمْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ كائِنًَا مَعَهُ في القِتالِ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، وأمّا عَلى القِراءَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ؛ فَغَيْرُ ظاهِرٍ لا سِيَّما عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ وقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُهم وأيَّدَهُ بِأنَّ مَدارَ التَّوْبِيخِ انْخِدالُهم لِلْإرْجافِ بِقَتْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: كَمْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ كائِنًَا مَعَهُ في القَتْلِ أوْ في القِتالِ رِبِّيُّونَ إلَخْ... وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما وهَنُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "قاتَلَ"، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ: عَدَمُ الوَهْنِ المُتَوَقَّعِ مِنَ القِتالِ كَما في قَوْلِكَ: "وَعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ وصِحْتُ بِهِ فَلَمْ يَنْزَجِرْ" فَإنَّ الإتْيانَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ وإنْ كانَ اسْتِمْرارًَا عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لَكِنَّهُ بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ صُنْعٌ جَدِيدٌ مُصَحِّحٌ لِدُخُولِ الفاءِ المُرَتِّبَةِ لَهُ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: فَما فَتَرُوا وما انْكَسَرَتْ هِمَّتُهم. ﴿لِما أصابَهُمْ﴾ في أثْناءِ القِتالِ، وهو عِلَّةٌ لِلْمَنفِيِّ دُونَ النَّفْيِ، نَعَمْ يُشْعِرُ بِعِلَّتِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَإنَّ كَوْنَ ذَلِكَ في سَبِيلِهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا يُقَوِّي قُلُوبَهم ويُزِيلُ وهَنَهم و "ما" مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ فَإنْ جُعِلَ الضَّمِيرانِ لِجَمِيعِ الرِّبِّيِّينَ فَهي عِبارَةٌ عَمّا عَدا القَتْلِ مِنَ الجِراحِ وسائِرِ المَكارِهِ المُعْتَرِيَةِ (p-96)لِلْكُلِّ وإنْ جُعِلا لِلْبَعْضِ الباقِينَ بَعْدَ ما قُتِلَ الآخَرُونَ كَما هو الأنْسَبُ بِمَقامِ تَوْبِيخِ المُنْخَذِلِينَ بَعْدَ ما اسْتُشْهِدَ الشُّهَداءُ، فَهي عِبارَةٌ عَمّا ذُكِرَ مَعَ ما اعْتَراهم مِن قَتْلِ إخْوانِهِمْ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ وغَيْرِ ذَلِكَ، هَذا عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ. وأمّا عَلى القِراءَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ؛ فَإنْ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الرِّبِّيِّينَ فالضَّمِيرانِ لِلْباقِينَ مِنهم حَتْمًَا وإنْ أُسْنِدَ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ كَما هو الأنْسَبُ بِالتَّوْبِيخِ عَلى الِانْخِذالِ بِسَبَبِ الإرْجافِ بِقَتْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهُما لِلْباقِينَ أيْضًَا إنِ اعْتُبِرَ كَوْنُ الرِّبِّيِّينَ مَعَ النَّبِيِّ في القَتْلِ ولِلْجَمِيعِ إنِ اعْتُبِرَ كَوْنُهم مَعَهُ في القِتالِ. ﴿وَما ضَعُفُوا﴾ عَنِ العَدُوِّ. وقِيلَ: عَنِ الجِهادِ. وقِيلَ: في الدِّينِ. ﴿وَما اسْتَكانُوا﴾ أيْ: وما خَضَعُوا لِلْعَدُوِّ، وأصْلُهُ: اسْتَكَنَّ مِنَ السُّكُونِ، لِأنَّ الخاضِعَ يَسْكُنُ لِصاحِبِهِ لِيَفْعَلَ بِهِ ما يُرِيدُهُ، والألِفُ مِن إشْباعِ الفَتْحَةِ أوِ اسْتَكْوَنَ مِنَ الكَوْنِ لِأنَّهُ يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ لِمَن يَخْضَعُ لَهُ وهَذا تَعْرِيضٌ بِما أصابَهم مِنَ الوَهْنِ والِانْكِسارِ عِنْدَ اسْتِيلاءِ الكَفَرَةِ عَلَيْهِمْ والإرْجافِ بِقَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ وبِضَعْفِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهَدَةِ المُشْرِكِينَ واسْتِكانَتِهِمْ لَهم حِينَ أرادُوا أنْ يَعْتَضِدُوا بِابْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ في طَلَبِ الأمانِ مِن أبِي سُفْيانَ. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ أيْ: عَلى مُقاساةِ الشَّدائِدِ ومُعاناةِ المَكارِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَنْصُرُهم ويُعَظِّمُ قَدْرَهُمْ، والمُرادُ بِالصّابِرِينَ: إمّا المَعْهُودُونَ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِحُسْنِ الصَّبْرِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإمّا الجِنْسُ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.

آل عمران 3:147

﴿وَما كانَ قَوْلَهُمْ﴾ كَلامٌ مُبَيِّنٌ لِمَحاسِنِهِمِ القَوْلِيَّةِ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الجُمَلِ المُبَيِّنَةِ لِمَحاسِنِهِمِ الفِعْلِيَّةِ، و ﴿قَوْلَهُمْ﴾ بِالنَّصْبِ خَبَرٌ لِكانَ واسْمُها "أنْ وما بَعْدَها" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ قالُوا﴾: والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ أىْ:ما كانَ قَوْلًَا لَهم عِنْدَ أيِّ لِقاءٍ لِلْعَدُوِّ واقْتِحامِ مَضايِقِ الحَرْبِ وإصابَةِ ما أصابَهم مِن فُنُونِ الشَّدائِدِ والأهْوالِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا أنْ قالُوا ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ أيْ: صَغائِرَنا. ﴿وَإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ أيْ: تَجاوُزَنا الحَدَّ في رُكُوبِ الكَبائِرِ، أضافُوُا الذُّنُوبَ والإسْرافَ إلى أنْفُسِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ رَبّانِيِّينَ بُرَءاءَ مِنَ التَّفْرِيطِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى هَضْمًَا لَها واسْتِقْصارًَا لِهِمَمِهِمْ وإسْنادًَا لِما أصابَهم إلى أعْمالِهِمْ وقَدَّمُوُا الدُّعاءَ بِمَغْفِرَتِها عَلى ما هو الأهَمُّ بِحَسَبِ الحالِ مِنَ الدُّعاءِ بِقَوْلِهِمْ ﴿وَثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ أيْ: في مَواطِنِ الحَرْبِ بِالتَّقْوِيَةِ والتَّأْيِيدِ مِن عِنْدِكَ أوْ ثَبِّتْنا عَلى دِينِكَ الحَقِّ. ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ تَقْرِيبًَا لَهُ إلى حَيِّزِ القَبُولِ، فَإنَّ الدُّعاءَ المَقْرُونَ بِالخُضُوعِ الصّادِرِ عَنْ زَكاءٍ وطَهارَةٍ أقْرَبُ إلى الِاسْتِجابَةِ، والمَعْنى: لَمْ يَزالُوا مُواظِبِينَ عَلى هَذا الدُّعاءِ مِن غَيْرِ أنْ يَصْدُرَ عَنْهم قَوْلٌ يُوهِمُ شائِبَةَ الجَزَعِ والخَوَرِ والتَّزَلْزُلِ في مَواقِفِ الحَرْبِ ومَراصِدِ الدِّينِ، وفِيهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالمُنْهَزِمِينَ ما لا يَخْفى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما بِرَفْعِ "قَوْلُهُمْ" عَلى أنَّهُ الِاسْمُ والخَبَرُ أنْ وما في حَيِّزِها، أيْ: ما كانَ قَوْلُهم حِينَئِذٍ شَيْئًَا مِنَ الأشْياءِ إلّا هَذا القَوْلَ المُنْبِئَ عَنْ أحاسِنِ المَحاسِنِ، وهَذا كَما تَرى أقْعَدُ بِحَسَبِ المَعْنى وأوْفَقُ بِمُقْتَضى المَقامِ لِما أنَّ الإخْبارَ بِكَوْنِ قَوْلِهِمِ المُطْلِقِ خُصُوصِيَّةَ قَوْلِهِمِ المَحْكِيِّ عَنْهم مُفَصَّلًَا كَما تُفِيدُهُ قِراءَتُهُما أكْثَرَ إفادَةً لِلسّامِعِ (p-97)مِنَ الإخْبارِ بِكَوْنِ خُصُوصِيَّةِ قَوْلِهِمِ المَذْكُورِ قَوْلَهم لِما أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَوْقِعَ البَيانِ في الجُمَلِ الخَبَرِيَّةِ هو الخَبَرُ، فالأحَقُّ بِالخَبَرِيَّةِ ما هو أكْثَرُ إفادَةً وأظْهَرُ دِلالَةً عَلى الحَدَثِ وأوْفَرُ اشْتِمالًَا عَلى نِسَبٍ خاصَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الوُقُوعِ في الخارِجِ وفي ذِهْنِ السّامِعِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ هَهُنا في أنْ مَعَ ما في حَيِّزِها أتَمُّ وأكْمَلُ، وأمّا ما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ النِّسْبَةِ المُطْلَقَةِ الإجْمالِيَّةِ فَحَيْثُ كانَتْ سَهْلَةَ الحُصُولِ خارِجًَا وذِهْنًَا كانَ حَقُّها أنْ تُلاحَظَ مُلاحَظَةً جَمالِيَّةً وتُجْعَلَ عُنْوانًَا لِلْمَوْضُوعِ لا مَقْصُودًَا بِالذّاتِ في بابِ البَيانِ وإنَّما اخْتارَ الجُمْهُورُ ما اخْتارَهُ لِقاعِدَةٍ صِناعِيَّةٍ؛ هي أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ مَعْرِفَتانِ فالأعْرَفُ مِنهُما أحَقُّ بِالِاسْمِيَّةِ، ولا رَيْبَ في أعْرِفِيَّةِ "أنْ قالُوا" لِدِلالَتِهِ عَلى جِهَةِ النِّسْبَةِ وزَمانِ الحَدَثِ، ولِأنَّهُ يُشْبِهُ المُضْمَرَ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُوصَفُ ولا يُوصَفُ بِهِ، وقَوْلُهم مُضافٌ إلى مُضْمَرٍ فَهو بِمَنزِلَةِ العَلَمِ فَتَأمَّلْ.

آل عمران 3:148

﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ بِسَبَبِ دُعائِهِمْ ذَلِكَ. ﴿ثَوابَ الدُّنْيا﴾ أيِ: النَّصْرَ والغَنِيمَةَ والعِزَّ والذِّكْرَ الجَمِيلَ. ﴿وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: وثَوابَ الآخِرَةِ الحَسَنَ وهو الجَنَّةُ والنَّعِيمُ المُخَلَّدُ، وتَخْصِيصُ وصْفِ الحُسْنِ بِهِ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ وأنَّهُ المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ تَعالى. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، فَإنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ عِبارَةٌ عَنْ رِضاهُ عَنْهُ وإرادَةِ الخَيْرِ بِهِ فَهي مَبْدَأٌ لِكُلِّ سَعادَةٍ، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المَعْهُودِينَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ مِن بابِ الإحْسانِ، وإمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا وهَذا أنْسَبُ بِمَقامِ تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في تَحْصِيلِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ المَناقِبِ الجَلِيلَةِ.

آل عمران 3:149

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في زَجْرِهِمْ عَنْ مُتابَعَةِ الكُفّارِ بِبَيانِ اسْتِتْباعِها لِخُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إثْرَ تَرْغِيبِهِمْ في الِاقْتِداءِ بِأنْصارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ بِبَيانِ إفْضائِهِ إلى فَوْزِهِمْ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، وتَصْدِيرُ الخِطابِ بِالنِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِما في حَيِّزِهِ ووَصْفُهم بِالإيمانِ لِتَذْكِيرِ حالِهِمْ وتَثْبِيتِهِمْ عَلَيْها بِإظْهارِ مُبايَنَتِها لِحالِ أعْدائِهِمْ، كَما أنَّ وصْفَ المُنافِقِينَ بِالكُفْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تُطِيعُوُا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِذَلِكَ قَصْدًَا إلى مَزِيدِ التَّنْفِيرِ عَنْهم والتَّحْذِيرِ عَنْ طاعَتِهِمْ. قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَزَلَتْ في قَوْلِ المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الهَزِيمَةِ "ارْجِعُوا إلى إخْوانِكم وادْخُلُوا في دِينِهِمْ"، فَوُقُوعُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ جَوابًَا لِلشَّرْطِ مَعَ كَوْنِهِ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: إنْ تُطِيعُوهم في قَوْلِهِمِ ارْجِعُوا إلى إخْوانِكم وادْخُلُوا في دِينِهِمْ يُدْخِلُوكم في دِينِهِمْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ تَمْهِيدًَا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ أيْ: لِلدُّنْيا والآخِرَةِ غَيْرَ فائِزِينَ بِشَيْءٍ مِنهُما واقِعِينَ في العَذابِ الخالِدِ عَلى أنَّ الِارْتِدادَ عَلى العَقِبِ عَلَمٌ في انْتِكاسِ الأمْرِ ومَثَلٌ في الحَوْرِ بَعْدَ الكُورِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ: اليَهُودُ والنَّصارى حَيْثُ كانُوا يَسْتَغْوُونَهم ويُوقِعُونَ لَهُمُ الشُّبَهَ في الدِّينِ ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ نَبِيًَّا حَقًَّا لَما غُلِبَ ولَما أصابَهُ وأصْحابَهُ ما أصابَهم وإنَّما هو رَجُلٌ حالُهُ كَحالِ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ يَوْمًَا عَلَيْهِ ويَوْمًَا لَهُ. وقِيلَ: أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، والمُرادُ بِطاعَتِهِمُ اسْتِئْمانُهم والِاسْتِكانَةُ لَهم. وقِيلَ: المَوْصُولُ عَلى عُمُومِهِ، والمَعْنى: نَهْيُ المُؤْمِنِينَ عَنْ طاعَتِهِمْ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ حَتّى لا يَسْتَجِرُّوهم إلى الِارْتِدادِ عَنِ الدِّينِ (p-98)فَلا حاجَةَ عَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ إلى ما مَرَّ مِنَ البَيانِ.

آل عمران 3:150

﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ إضْرابٌ عَمّا يُفْهَمُ مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَيْسُوا أنْصارَكم حَتّى تُطِيعُوهم بَلِ اللَّهُ ناصِرُكم لا غَيْرُهُ فَأطِيعُوهُ واسْتَغْنُوا بِهِ عَنْ مُوالاتِهِمْ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تُطِيعُوهم بَلْ أطِيعُوُا اللَّهَ، و "مَوْلاكُمْ" نُصِبَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ. ﴿وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ فَخُصُّوهُ بِالطّاعَةِ والِاسْتِعانَةِ.

آل عمران 3:151

﴿سَنُلْقِي﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ جَرْيًَا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ والسِّينِ لِتَأْكِيدِ الإلْقاءِ. ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ، وقُرِئَ بِضَمِّها عَلى الأصْلِ وهو ما قُذِفَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَوْفِ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى تَرَكُوُا القِتالَ ورَجَعُوا مِن غَيْرِ سَبَبٍ ولَهُمُ القُوَّةُ والغَلَبَةُ. وقِيلَ: ذَهَبُوا إلى مَكَّةَ فَلَمّا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قالُوا: ما صَنَعْنا شَيْئًَا قَتَلْنا مِنهم ثُمَّ تَرَكْناهم ونَحْنُ قاهِرُونَ، ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهم فَعِنْدَ ذَلِكَ ألْقى اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَأمْسَكُوا فَلا بُدَّ مِن كَوْنِ نُزُولِ الآيَةِ في تَضاعِيفِ الحَرْبِ أوْ عَقِيبَ انْقِضائِهِ. وقِيلَ: هو ما أُلْقِيَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ يَوْمَ الأحْزابِ. ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "نُلْقِي" دُونَ الرُّعْبِ و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى فَإنَّهُ مِن مُوجِباتِ خِذْلانِهِمْ ونَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ وكِلاهُما مِن دَواعِي الرُّعْبِ. ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ أيْ بِإشْراكِهِ. ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً سُمِّيَتْ بِهِ لِوُضُوحِها وإنارَتِها أوْ لِقُوَّتِها أوْ لِحِدَّتِها ونُفُوذِها، وذِكْرُ عَدَمِ تَنْزِيلِها مَعَ اسْتِحالَةِ تَحَقُّقِها في نَفْسِها مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ: وَلا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْحَجِرُ ، أيْ: لا ضَبَّ ولا انْحِجارَ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ المُتَّبَعَ في البابِ هو البُرْهانُ السَّماوِيُّ دُونَ الآراءِ والأهْواءِ الباطِلَةِ. ﴿وَمَأْواهُمُ﴾ بَيانٌ لِأحْوالِهِمْ في الآخِرَةِ إثْرَ بَيانِ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا وهي الرُّعْبُ، أيْ: ما يَأْوُونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ. ﴿النّارُ﴾ لا مَلْجَأ لَهم غَيْرُها. ﴿وَبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ أيْ: مَثْواهُمْ، وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَهُ المُظْهَرُ المَذْكُورُ لِلتَّغْلِيظِ والتَّعْلِيلِ والإشْعارِ بِأنَّهم في إشْراكِهِمْ ظالِمُونَ واضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: بِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ النّارُ، وفي جَعْلِها "مَثْواهُمْ" بَعْدَ جَعْلِها "مَأْواهُمْ" نَوْعُ رَمْزٍ إلى خُلُودِهِمْ فِيها، فَإنَّ المَثْوى مَكانُ الإقامَةِ المُنْبِئَةِ عَنِ المُكْثِ وأمّا المَأْوى فَهو المَكانُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ الإنْسانُ.

آل عمران 3:152

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ "صَدَقَ" صَرِيحًَا، وقِيلَ: بِنَزْعِ الجارِّ، أيْ: في وعْدِهِ نَزَلَتْ حِينَ قالَ ناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلى المَدِينَةِ: مِن أيْنَ أصابَنا هَذا وقَدْ وعَدَنا اللَّهُ تَعالى بِالنَّصْرِ؟ وهو ما وعَدَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ النَّصْرِ، حَيْثُ قالَ لِلرُّماةِ: « "لا تَبْرَحُوا مَكانَكم (p-99)فَلَنْ نَزالَ غالِبِينَ ما ثَبَتُّمْ مَكانَكُمْ"،» وفي رِوايَةٍ أُخْرى « "لا تَبْرَحُوا عَنْ هَذا المَكانِ فَإنّا لا نَزالُ غالِبِينَ ما دُمْتُمْ في هَذا المَكانِ"،» وقَدْ كانَ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أقْبَلُوا جَعَلَ الرُّماةُ يَرْشُقُونَهم والباقُونَ يَضْرِبُونَهم بِالسُّيُوفِ حَتّى انْهَزَمُوا، والمُسْلِمُونَ عَلى آثارِهِمْ يَقْتُلُونَهم قَتْلًَا ذَرِيعًَا، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أيْ: تَقْتُلُونَهم قَتْلًَا كَثِيرًَا فاشِيًَا مِن حَسَّهُ إذا أبْطَلَ حِسَّهُ، وهو ظَرْفٌ لِـ"صَدَقَكُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ لِتَحْقِيقِ أنَّ قَتْلَهم بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النَّصْرِ. وقِيلَ: هو ما وعَدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ الآيَةِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، كَيْفَ لا؟ والمَوْعُودُ بِما ذَكَرَ إمْدادُهُ عَزَّ وجَلَّ بِإنْزالِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَقْيِيدُ صِدْقِ وعْدِهِ تَعالى بِوَقْتِ قَتْلِهِمْ بِإذْنِهِ تَعالى صَرِيحٌ في أنَّ المَوْعُودَ هو النَّصْرُ المَعْنَوِيُّ والتَّيْسِيرُ لا الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ. وقِيلَ: هو ما وعَدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿سَنُلْقِي﴾ إلَخْ وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ إلْقاءَ الرُّعْبِ كانَ عِنْدَ تَرْكِهِمِ القِتالَ ورُجُوعِهِمْ مِن غَيْرِ سَبَبٍ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ في الطَّرِيقِ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ، وأيًَّا ما كانَ؛ فَلا سَبِيلَ إلى كَوْنِهِ مَغَبًَّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ أيْ: جَبُنْتُمْ وضَعُفَ رَأْيُكم أوْ مِلْتُمْ إلى الغَنِيمَةِ فَإنَّ الحِرْصَ مِن ضَعْفِ القَلْبِ. ﴿وَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ فَقالَ بَعْضُ الرُّماةِ - حِينَ انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ ووَلَّوْا هارِبِينَ والمُسْلِمُونَ عَلى أعْقابِهِمْ قَتْلًَا وضَرْبًَا-: فَما مَوْقِفُنا هَهُنا بَعْدَ هَذا؟ وقالَ أمِيرُهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا نُخالِفُ أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ فَثَبَتَ مَكانَهُ في نَفَرٍ دُونَ العَشْرَةِ مِن أصْحابِهِ ونَفَرَ الباقُونَ لِلنَّهْبِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ أيْ: مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ وانْهِزامِ العَدُوِّ، فَلَمّا رَأى المُشْرِكُونَ ذَلِكَ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ مِن قِبَلِ الشِّعْبِ وقَتَلُوا أمِيرَ الرُّماةِ ومَن مَعَهُ مِن أصْحابِهِ حَسْبَما فُصِّلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾، وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ وهو مَنَعَكم نَصْرَهُ. وقِيلَ: هو امْتَحَنَكم ويَرُدُّهُ جَعْلُ الِابْتِداءِ غايَةً لِلصَّرْفِ المُتَرَتِّبِ عَلى مَنعِ النَّصْرِ. وقِيلَ: هو انْقَسَمْتُمْ إلى قِسْمَيْنِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ وهُمُ الَّذِينَ تَرَكُوُا المَرْكَزَ وأقْبَلُوا عَلى النَّهْبِ، ﴿وَمِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَكانَهم حَتّى نالُوا شَرَفَ الشَّهادَةِ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "إذا" شَرْطِيَّةً و"حَتّى" ابْتِدائِيَّةً داخِلَةً عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ. وقِيلَ: "إذا" اسْمٌ كَما في قَوْلِهِمْ: "إذا يَقُومُ زَيْدٌ يَقُومُ عَمْرُوٌ"، و"حَتّى" حَرْفُ جَرٍّ بِمَعْنى إلى مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿صَدَقَكُمُ﴾ بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ لِمَعْنى النَّصْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ إلى وقْتِ فَشَلِكم وتَنازُعِكم إلَخْ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ وعَلى الأوَّلِ عُطِفَ عَلى الجَوابِ المَحْذُوفِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، والجُمْلَتانِ الظَّرْفِيَّتانِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ، أيْ: كَفَّكم عَنْهم حَتّى حالَتِ الحالُ ودالَتِ الدَّوْلَةُ، وفِيهِ مِنَ اللُّطْفِ بِالمُسْلِمِينَ ما لا يَخْفى. ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أيْ: يُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَمْتَحِنُكم بِالمَصائِبِ لِيَظْهَرَ ثَباتُكم عَلى الإيمانِ عِنْدَها. ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ تَفَضُّلًَا ولِما عَلِمَ مِن نَدَمِكم عَلى المُخالَفَةِ. ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ العَفْوَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ لا بِطَرِيقِ الوُجُوبِ عَلَيْهِ، أيْ: شَأْنُهُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ أوْ هو مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ في جَمِيعِ الأحْوالِ أُدِيلَ لَهم أوْ أُدِيلَ عَلَيْهِمْ؛ إذِ الابْتِلاءُ أيْضًَا رَحْمَةٌ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: إمّا المُخاطَبُونَ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلتَّشْرِيفِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإمّا الجِنْسُ وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.

آل عمران 3:153

(p-100)﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "صَرَفَكُمْ" أوْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أوْ بِمُقَدَّرٍ كَما ذَكَرُوا، والإصْعادُ: الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ. وقُرِئَ "تَصْعَدُونَ" مِنَ الثُّلاثِيِّ، أيْ: في الجَبَلِ، وقُرِئَ "تَصَعَّدُونَ" مِنَ التَّفَعُّلِ بِطَرْحِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ "يَصْعَدُونَ" بِالِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ. ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾ أيْ: لا تَلْتَفِتُونَ إلى ما وراءَكم ولا يَقِفُ واحِدٌ مِنكم لِواحِدٍ، وقُرِئَ "تَلُونَ" بِواوٍ واحِدَةٍ بِقَلْبِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً وحَذْفِها تَخْفِيفًَا، وقُرِئَ "يَلْوُونَ" كَيَصْعَدُونَ. ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدْعُوهُمْ: « "إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ مَن يَكُرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ"،» وإيرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ دَعْوَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ بِطَرِيقِ الرِّسالَةِ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ إشْباعًَا في تَوْبِيخِ المُنْهَزِمِينَ. ﴿فِي أُخْراكُمْ﴾ في ساقَتِكم وجَماعَتِكُمُ الأُخْرى. ﴿فَأثابَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى صَرَفَكُمْ، أىْ فَجازاكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما صَنَعْتُمْ ﴿غَمًّا﴾ مَوْصُولًَا ﴿بِغَمٍّ﴾ مِنَ الاغْتِمامِ بِالقَتْلِ والجَرْحِ وظَفَرِ المُشْرِكِينَ والإرْجافِ بِقَتْلِ الرَّسُولِ ﷺ وفَوْتِ الغَنِيمَةِ، فالتَّنْكِيرُ لِلتَّكْثِيرِ أوْ غَمًَّا بِمُقابَلَةِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِعِصْيانِكم لَهُ. ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ﴾ أيْ: لِتَتَمَرَّنُوا عَلى الصَّبْرِ في الشَّدائِدِ فَلا تَحْزَنُوا عَلى نَفْعٍ فاتَ أوْ ضُرٍّ آتٍ، وقِيلَ: "لا" زائِدَةٌ والمَعْنى: لِتَتَأسَّفُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ وعَلى ما أصابَكم مِنَ الجِراحِ والهَزِيمَةِ عُقُوبَةً لَكُمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في "أثابَكُمْ" لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ: واساكم في الِاغْتِمامِ فاغْتَمَّ بِما نَزَلَ عَلَيْكم كَما اغْتَمَمْتُمْ بِما نَزَلَ عَلَيْهِ ولَمْ يُثَرِّبْكم عَلى عِصْيانِكم تَسْلِيَةً لَكم وتَنْفِيسًَا عَنْكم لِئَلّا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ النَّصْرِ وما أصابَكم مِنَ الجِراحِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: عالِمٌ بِأعْمالِكم وبِما قَصَدْتُمْ بِها.

آل عمران 3:154

﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأثابَكُمْ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًَّا. ﴿مِن بَعْدِ الغَمِّ﴾ أيِ: الغَمِّ المَذْكُورِ، والتَّصْرِيحُ بِتَأخُّرِ الإنْزالِ عَنْهُ مَعَ دِلالَةِ "ثُمَّ" عَلَيْهِ وعَلى تَراخِيهِ عَنْهُ لِزِيادَةِ البَيانِ وتَذْكِيرِ عِظَمِ النِّعْمَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ الآيَةِ. ﴿أمَنَةً﴾ أيْ: أمْنًَا، نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُعاسًا﴾ بَدَلٌ مِنها أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ أوْ هو المَفْعُولُ، و ﴿أمَنَةً﴾ حالٌ مِنهُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ مِنَ المُخاطَبِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ذَوِي أمَنَةٍ أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعُ آمِنٍ كَبارٍّ وبَرَرَةٍ. وقُرِئَ بِسُكُونِ المِيمِ كَأنَّها مَرَّةٌ مِنَ الأمْنِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ (p-101)غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُقْدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وتَخْصِيصُ الخَوْفِ مِن بَيْنِ فُنُونِ الغَمِّ بِالإزالَةِ لِأنَّهُ المُهِمُّ عِنْدَهم حِينَئِذٍ لِما أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا انْصَرَفُوا كانُوا يَتَوَعَّدُونَ المُسْلِمِينَ بِالرُّجُوعِ فَلَمْ يَأْمَنُوا كَرَّتَهم وكانُوا تَحْتَ الحَجَفِ مُتَأهِّبِينَ لِلْقِتالِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الأمَنَةَ فَأخَذَهُمُ النُّعاسُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أمَّنَهم يَوْمَئِذٍ بِنُعاسٍ تَغَشّاهم بَعْدَ خَوْفٍ، وإنَّما يَنْعَسُ مَن أمِنَ والخائِفُ لا يَنامُ. وقالَ الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ اشْتَدَّ الخَوْفُ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْنا النَّوْمَ واللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ والنُّعاسُ يَغْشانِي ما أسْمَعُهُ إلّا كالحُلْمِ يَقُولُ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هَهُنا. وقالَ أبُو طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ لا أرى أحَدًَا مِنَ القَوْمِ إلّا وهو يَمِيدُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النُّعاسِ، قالَ: وكُنْتُ مِمَّنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ النُّعاسُ يَوْمَئِذٍ فَكانَ السَّيْفُ يَسْقُطُ مِن يَدِي فَآخُذُهُ ثُمَّ يَسْقُطُ السَّوْطُ مِن يَدِي فَآخُذُهُ. وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لَمْ يُلْقَ عَلَيْهِ النُّعاسُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُهاجِرُونَ وعامَّةُ الأنْصارِ ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عُمُومِ الإنْزالِ لِلْكُلِّ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ "نُعاسًَا". وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ﴿أمَنَةً﴾، وفِيهِ أنَّ الصِّفَةَ حَقُّها أنْ تَتَقَدَّمَ عَلى البَدَلِ وعَطْفِ البَيانِ وأنْ لا يُفْصَلَ بَيْنَها وبَيْنَ المَوْصُوفِ بِالمَفْعُولِ لَهُ وأنَّ المَعْهُودَ أنْ يُحَدَّثَ عَنِ البَدَلِ دُونَ المُبْدَلِ مِنهُ. ﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: أوْقَعَتْهم في الهُمُومِ والأحْزانِ أوْ ما بِهِمْ إلّا هَمُّ أنْفُسِهِمْ، وقَصْدُ خَلاصِها مِن قَوْلِهِمْ: هَمَّنِي الشَّيْءُ، أيْ: كانَ مِن هِمَّتِي وقَصْدِي، والقَصْرُ مُسْتَفادٌ بِمَعُونَةِ المَقامِ، و "طائِفَةٌ" مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَها إمّا خَبَرُها وإنَّما جازَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِها نَكِرَةً لِاعْتِمادِها عَلى واوِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ: سَرَيْنا ونَجْمٌ قَدْ أضاءَ فَمُذْ بَدا ... مُحَيّاكِ أخْفى ضَوْءُهُ كُلَّ شارِقِ أوْ لِوُقُوعِها في مَوْضِعِ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْصَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ ... وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ وَإمّا صِفَتُها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومَعَكم طائِفَةٌ أوْ وهُناكَ، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: ومِنكم طائِفَةٌ، وفِيهِ أنَّهُ يَقْتَضِي دُخُولَ المُنافِقِينَ في الخِطابِ بِإنْزالِ الأمَنَةِ، وأيًَّا ما كانَ؛ فالجُمْلَةُ إمّا حالِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِفَظاعَةِ الهَوْلِ مُؤَكِّدَةٌ لِعِظَمِ النِّعْمَةِ في الخَلاصِ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ وإمّا مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ حالِ المُنافِقِينَ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿أهَمَّتْهُمْ﴾ أوْ مِن "طائِفَةٌ" لِتَخَصُّصِها بِالصِّفَةِ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لَها أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ في حُكْمِ المَصْدَرِ، أيْ: يَظُنُّونَ بِهِ تَعالى غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُظَنَّ بِهِ سُبْحانَهُ وقَوْلُهُ تَعالى. ﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وهو الظَّنُّ المُخْتَصُّ بِالمِلَّةِ الجاهِلِيَّةِ، والإضافَةُ كَما في حاتِمِ الجُودِ ورَجُلِ صِدْقٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَظُنُّونَ لِما أنَّ مَسْألَتَهم كانَتْ صادِرَةً عَنِ الظَّنِّ، أيْ: يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى صُورَةِ الِاسْتِرْشادِ. ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ: مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى ووَعْدِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ. ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن نَصِيبٍ قَطُّ، أوْ هَلْ لَنا مِنَ التَّدْبِيرِ مِن شَيْءٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ أيِ: الغَلَبَةَ بِالآخِرَةِ لِلَّهِ تَعالى ولِأوْلِيائِهِ، فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ أوْ إنَّ التَّدْبِيرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ دَبَّرَ الأمْرَ كَما جَرى في سابِقِ قَضائِهِ فَلا مَرَدَّ لَهُ. وقُرِئَ "كُلُّهُ" بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: يُضْمِرُونَ فِيها أوْ يَقُولُونَ فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ الخُفْيَةِ. ﴿ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ "يَقُولُونَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأمْرَ﴾ إلَخَّ اعْتِراضٌ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها، (p-102)أيْ: يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مُظْهِرِينَ أنَّهم مُسْتَرْشِدُونَ طالِبُونَ لِلنَّصْرِ مُبْطِنِينَ الإنْكارَ والتَّكْذِيبَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًَا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يُخْفُونَ؟ فَقِيلَ: يُحَدِّثُونَ أنْفُسَهم أوْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ فِيما بَيْنَهم خُفْيَةً. ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ كَما وعَدَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنَّ الغَلَبَةَ لِلَّهِ تَعالى ولِأوْلِيائِهِ وأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، أوْ لَوْ كانَ لَنا مِنَ التَّدْبِيرِ والرَّأْىِ شَيْءٌ. ﴿ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ أيْ: ما غُلِبْنا أوْ ما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنّا في هَذِهِ المَعْرَكَةِ،، عَلى أنَّ النَّفْيَ راجِعٌ إلى نَفْسِ القَتْلِ لا إلى وُقُوعِهِ فِيها فَقَطْ، ولَما بَرِحْنا مِن مَنازِلِنا كَما رَآهُ ابْنُ أُبَيٍّ، ويُؤَيِّدُهُ تَعْيِينُ مَكانِ القَتْلِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: لَوْ لَمْ تَخْرُجُوا إلى أُحُدٍ وقَعَدْتُمْ بِالمَدِينَةِ كَما يَقُولُونَ. ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الدّاعِيَةِ إلى البُرُوزِ. ﴿إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ إلى مَصارِعِهِمُ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى قَتْلَهم فِيها وقُتِلُوا هُنالِكَ البَتَّةَ ولَمْ تَنْفَعِ العَزِيمَةُ عَلى الإقامَةِ بِالمَدِينَةِ قَطْعًَا، فَإنَّ قَضاءَ اللَّهِ تَعالى لا يُرَدُّ وحُكْمَهُ لا يُعَقَّبُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في رَدِّ مَقالَتِهِمِ الباطِلَةِ حَيْثُ لَمْ يُقْتَصَرْ عَلى تَحْقِيقِ نَفْسِ القَتْلِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ بَلْ عُيِّنَ مَكانُهُ أيْضًَا، ولا رَيْبَ في تَعَيُّنِ زَمانِهِ أيْضًَا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ . رُوِيَ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ حَضَرَ مَجْلِسَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَظَرَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ المَجْلِسِ نَظْرَةً هائِلَةً فَلَمّا قامَ، قالَ الرَّجُلُ: مَن هَذا؟ فَقالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَلَكُ المَوْتِ، قالَ: أرْسِلْنِي مَعَ الرِّيحِ إلى عالَمٍ آخَرَ فَإنِّي رَأيْتُ مِنهُ مَرْأىً هائِلًَا فَأمَرَها عَلَيْهِ السَّلامُ فَألْقَتْهُ في قُطْرٍ سَحِيقٍ مِن أقْطارِ العالَمِ، فَما لَبِثَ أنْ عادَ مَلَكُ المَوْتِ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: كُنْتُ أُمِرْتُ بِقَبْضِ رُوحِ ذَلِكَ الرَّجُلِ في هَذِهِ السّاعَةِ في أرْضِ كَذا فَلَمّا وجَدْتُهُ في مَجْلِسِكَ قُلْتُ مَتى يَصِلُ هَذا إلَيْها وقَدْ أرْسَلْتَهُ بِالرِّيحِ إلى ذَلِكَ المَكانِ فَوَجَدْتُهُ هُناكَ فَقُضِيَ أمْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في زَمانِهِ ومَكانِهِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ "كَتَبَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ القَتْلِ. وقُرِئَ "كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ". وقُرِئَ "لَبُرِّزَ" بِالتَّشْدِيدِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِي ما في صُدُورِكم مِنَ الإخْلاصِ والنِّفاقِ ويُظْهِرَ ما فِيها مِنَ السَّرائِرِ، وهو عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَها مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَلٍ لَها أُخْرى مَطْوِيَّةٍ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِها، كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلَ ما فَعَلَ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ ولِيَبْتَلِيَ إلَخْ وجَعْلُها عِلَلًَا لِ بَرَزَ يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، فَإنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ حِكْمَةِ ما وقَعَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ لا بَيانُ حِكْمَةِ البُرُوزِ المَفْرُوضِ أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها، أيْ: ولِلِابْتِلاءِ المَذْكُورِ فَعَلَ ما فَعَلَ لا لِعَدَمِ العِنايَةِ بِأمْرِ المُؤْمِنِينَ ونَحْوِ ذَلِكَ وتَقْدِيرُ الفِعْلِ مُقَدَّمًَا خالٍ عَنْ هَذِهِ المَزِيَّةِ. ﴿وَلِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ مِن مَخْفِيّاتِ الأُمُورِ ويَكْشِفَها أوْ يُخَلِّصَها مِنَ الوَساوِسِ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيِ: السَّرائِرِ والضَّمائِرِ الخَفِيَّةِ الَّتِي لا تَكادُ تُفارِقُ الصُّدُورَ بَلْ تُلازِمُها وتُصاحِبُها، والجُمْلَةُ إمّا اعْتِراضٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الابْتِلاءِ وإنَّما يُبْرِزُ صُورَةَ الِابْتِلاءِ لِتَمْرِينِ المُؤْمِنِينَ وإظْهارِ حالِ المُنافِقِينَ أوْ حالٌ مِن مُتَعَلِّقِ الفِعْلَيْنِ، أيْ: فَعَلَ ما فَعَلَ لِلِابْتِلاءِ والتَّمْحِيصِ، والحالُ أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْهُما مُحِيطٌ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

آل عمران 3:155

﴿إنَّ (p-103)الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ حَسْبَما مَرَّتْ حِكايَتُهم. ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: إنَّما كانَ سَبَبُ انْهِزامِهِمْ أنَّ الشَّيْطانَ طَلَبَ مِنهُمُ الزَّلَلَ. ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي الَّتِي هي مُخالَفَةُ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وتَرْكُ المَرْكَزِ والحِرْصُ عَلى الغَنِيمَةِ أوِ الحَياةِ فَحُرِمُوُا التَّأْيِيدَ وقُوَّةَ القَلْبِ وقِيلَ: اسْتِزْلالُ الشَّيْطانِ تَوَلِّيهِمْ وذَلِكَ بِذُنُوبٍ تَقَدَّمَتْ لَهُمْ، فَإنَّ المَعاصِيَ يَجُرُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ كالطّاعَةِ. وقِيلَ: اسْتَزَلَّهم بِذُنُوبٍ سَبَقَتْ مِنهم وكَرِهُوُا القَتْلَ قَبْلَ إخْلاصِ التَّوْبَةِ والخُرُوجِ مِنَ المَظْلَمَةِ. ﴿وَلَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لِتَوْبَتِهِمْ واعْتِذارِهِمْ. ﴿أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ. ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بِعُقُوبَةِ المُذْنِبِ لِيَتُوبَ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ، وفي إظْهارِ الجَلالَةِ تَرْبِيَةٌ لِلْمَهابَةِ وتَأْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ.

آل عمران 3:156

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ القائِلُونَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هَهُنا، وإنَّما ذَكَرَ في صَدْرِ الصِّلَةِ كُفْرَهم تَصْرِيحًَا بِمُبايَنَةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ وتَنْفِيرًَا عَنْ مُماثَلَتِهِمْ أثَرَ ذِي أثِيرٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ تَعْيِينٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ والمُماثَلَةِ الَّتِي نُهُوا عَنْها، أيْ: قالُوا لِأجْلِهِمْ وفي حَقِّهِمْ، ومَعْنى أُخُوَّتِهِمُ: اتِّفاقُهم نَسَبًَا أوْ مَذْهَبًَا. ﴿إذا ضَرَبُوا في الأرض﴾ أيْ: سافَرُوا فِيها وأبْعَدُوا لِلتِّجارَةِ أوْ غَيْرِها وإيثارُ "إذا" المُفِيدَةِ لِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ عَلى "إذا" المُفِيدَةِ لِمَعْنى المُضِيِّ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ إذِ المُرادُ بِها: الزَّمانُ المُسْتَمِرُّ المُنْتَظِمُ لِلْحالِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: "إذا" هَهُنا تَنُوبُ عَمّا مَضى مِنَ الزَّمانِ وما يُسْتَقْبَلُ يَعْنِي أنَّها لِمُجَرَّدِ الوَقْتِ أوْ يُقْصَدُ بِها الِاسْتِمْرارُ وظَرْفِيَّتُها لِقَوْلِهِمْ: إنَّما هي بِاعْتِبارِ ما وقَعَ فِيها بَلِ التَّحْقِيقُ أنَّها ظَرْفٌ لَهُ لا لِقَوْلِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالُوا: لِأجْلِ ما أصابَ إخْوانَهم حِينَ ضَرَبُوا إلَخْ. ﴿أوْ كانُوا﴾ أيْ: إخْوانُهم. ﴿غُزًّى﴾ جَمْعُ غازٍ كَعُفّى جَمْعُ عافٍ، قالَ: ؎ ومُغْبَرَّةُ الآفاقِ خاشِعَةُ الصُّوى ∗∗∗ لَها قَلْبُ عُفّى الحِياضِ أجُونُ وَقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الزّايِ عَلى حَذْفِ التّاءِ مِن غُزاةٍ، وإفْرادُ كَوْنِهِمْ غُزاةً بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ الضَّرْبِ في الأرْضِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بَيانُهُ في المَقامِ، وذِكْرُ الضَّرْبِ في الأرْضِ تَوْطِئَةٌ لَهُ وتَقْدِيمُهُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ عَلى أنَّهُ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الضَّرْبِ في الأرْضِ؛ إذِ المُرادُ بِهِ: السَّفَرُ البَعِيدُ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ أوْ غَزْوًَا لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ اتِّصافِهِمْ بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ غُزاةً أوْ بِانْقِضاءِ ذَلِكَ، أيْ: كانُوا غُزاةً فِيما مَضى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا﴾ أيْ: مُقِيمِينَ. ﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ مَفْعُولٌ لِـ"قالُوا" ودَلِيلٌ عَلى أنَّ هُناكَ مُضْمَرًَا قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِهِ، أيْ: إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ فَماتُوا أوْ كانُوا غُزًَّا فَقُتِلُوا، ولَيْسَ المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ عَدَمَ مُماثَلَتِهِمْ في النُّطْقِ بِهَذا القَوْلِ بَلْ في الِاعْتِقادِ بِمَضْمُونِهِ والحُكْمِ بِمُوجِبِهِ كَما أنَّهُ المُنْكَرُ عَلى قائِلِيهِ ألا يُرى إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ فَإنَّهُ الَّذِي جَعَلَ حَسْرَةً فِيها قَطْعًَا، وإلَيْهِ أُشِيرَ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ظَنِّهِمْ أنَّهم لَوْ لَمْ يَحْضُرُوُا القِتالَ لَمْ يُقْتَلُوا، وتَعَلُّقُهُ بِـ"قالُوا" لَيْسَ بِاعْتِبارِ نُطْقِهِمْ بِذَلِكَ القَوْلِ بَلْ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الحُكْمِ والِاعْتِقادِ، واللّامُ (p-104)لامُ العاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ واعْتَقَدُوهُ لِيَكُونَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ بِالتَّعْلِيلِ المَذْكُورِ بَيانُ عَدَمِ تَرَتُّبِ فائِدَةٍ ما عَلى ذَلِكَ أصْلًَا. وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِمَعْنى "لا تَكُونُوا مِثْلَهم في النُّطْقِ بِذَلِكَ القَوْلِ" واعْتِقادِهِ لِيَجْعَلَهُ اللَّهُ تَعالى حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ خاصَّةً ويَصُونَ مِنها قُلُوبَكم فَذَلِكَ كَما مَرَّ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم مِنَ الاعْتِقادِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ، أيْ: لا تَكُونُوا مِثْلَهم لِيَجْعَلَ اللَّهُ انْتِفاءَ كَوْنِكم مِثْلَهم حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ فَإنَّ مُضادَّتَكم لَهم في القَوْلِ والِاعْتِقادِ مِمّا يَغُمُّهم ويَغِيظُهم. ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمِ الباطِلِ إثْرَ بَيانِ غائِلَتِهِ، أيْ: هو المُؤَثِّرُ في الحَياةِ والمَماتِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلْإقامَةِ أوْ لِلسَّفَرِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والغازِيَ مَعَ اقْتِحامِهِما لِمَوارِدِ الحُتُوفِ ويُمِيتُ المُقِيمَ والقاعِدَ مَعَ حِيازَتِهِما لِأسْبابِ السَّلامَةِ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنْ يُماثِلُوهم. وقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وما يَعْمَلُونَ عامٌّ مُتَناوِلٌ لِقَوْلِهِمُ المَذْكُورِ ولِمَنشَئِهِ الَّذِي هو اعْتِقادُهم ولِما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ ولِذَلِكَ تَعَرَّضَ لِعُنْوانِ البَصَرِ لا لِعُنْوانِ السَّمْعِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإلْقاءِ الرَّوْعَةِ والمُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ والتَّشْدِيدِ في الوَعِيدِ.

آل عمران 3:157

﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ﴾ شُرُوعٌ في تَحْقِيقِ أنَّ ما يَحْذَرُونَ تَرَتُّبَهُ عَلى الغَزْوِ والسَّفَرِ مِنَ القَتْلِ والمَوْتِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُحْذَرَ بَلْ مِمّا يَجِبُ أنْ يَتَنافَسَ فِيهِ المُتَنافِسُونَ إثْرَ إبْطالِ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِما، واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ﴾ لامُ الِابْتِداءِ والتَّنْوِينُ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّقْلِيلِ و "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْمُبْتَدَإ وقَدْ حُذِفَتْ صِفَةُ "رَحْمَةٌ" لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْها، والجُمْلَةُ جَوابٌ لِلْقَسَمِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، والمَعْنى: إنَّ السَّفَرَ والغَزْوَ لَيْسَ مِمّا يَجْلِبُ المَوْتَ ويُقَدِّمُ الأجَلَ أصْلًَا ولَئِنْ وقَعَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لَنَفْحَةٌ يَسِيرَةٌ مِن مَغْفِرَةٍ ورَحْمَةٍ كائِنَتَيْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمُقابَلَةِ ذَلِكَ. ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أيِ: الكَفَرَةُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها مُدَّةَ أعْمارِهِمْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما "خَيْرٌ مِن طِلاعِ الأرْضِ ذَهَبَةً حَمْراءَ". وقُرِئَ بِالتّاءِ، أيْ: مِمّا تَجْمَعُونَهُ أنْتُمْ لَوْ لَمْ تَمُوتُوا، والِاقْتِصارُ عَلى بَيانِ خَيْرِيَّتِهِما مِن ذَلِكَ بِلا تَعَرُّضٍ لِلْإخْبارِ بِحُصُولِهِما لَهم لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ التَّخْيِيبِ مِنهُ تَعالى بَعْدَ الإطْماعِ. وقَدْ قِيلَ: لا بُدَّ مِن حَذْفٍ آخَرَ، أيْ: لَمَغْفِرَةٌ لَكم مِنَ اللَّهِ إلَخْ وحِينَئِذٍ يَكُونُ أيْضًَا إخْراجُ المُقَدَّرِ مَخْرَجَ الصِّفَةِ دُونَ الخَبَرِ لِنَحْوِ ما ذُكِرَ مِنِ ادِّعاءِ الظُّهُورِ والغِنى عَنِ الإخْبارِ بِهِ، وتَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ الواقِعِ في قَوْلِهِمْ: ما ماتُوا وما قُتِلُوُا المَبْنِيِّ عَلى كَثْرَةِ الوُقُوعِ وقِلَّتِهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ في الجِهادِ بِبَيانِ زِيادَةِ مَزِيَّةِ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ وإنافَتِهِ في اسْتِجْلابِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وفِيهِ دِلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى ما مَرَّ مِن أنَّ المَقْصُودَ بِالنَّهْيِ إنَّما هو عَدَمُ مُماثَلَتِهِمْ في الِاعْتِقادِ بِمَضْمُونِ القَوْلِ المَذْكُورِ والعَمَلِ بِمُوجِبِهِ لا في النُّطْقِ بِهِ وإضْلالِ النّاسِ بِهِ.

آل عمران 3:158

﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ﴾ أيْ: عَلى أيِّ وجْهٍ اتُّفِقَ هَلاكُكم حَسَبَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ، وقُرِئَ "مِتُّمْ" بِكَسْرِ المِيمِ مِن ماتَ (p-105)يَماتُ. ﴿لإلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى المَعْبُودِ بِالحَقِّ العَظِيمِ الشَّأْنِ الواسِعِ الرَّحْمَةِ الجَزِيلِ الإحْسانِ. ﴿تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ فَيُوَفِّيكم أُجُورَكم ويُجْزِلُ لَكم عَطاءَكُمْ، والكَلامُ في لامَيِ الجُمْلَةِ كَما مَرَّ في أُخْتِها.

آل عمران 3:159

﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الكَلامِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ السِّياقُ مِنِ اسْتِحْقاقِهِمُ اللّائِمَةَ والتَّعْنِيفَ بِمُوجِبِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ أوْ مِن سَعَةِ ساحَةِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "لِنْتَ" قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ و "ما" مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أوْ نَكِرَةٌ و "رَحْمَةٍ" بَدَلٌ مِنها مُبَيِّنٌ لِإبْهامِها والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ و "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"رَحْمَةٍ" أيْ: فَبِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ لَهم كائِنَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهي رَبْطُهُ عَلى جَأْشِهِ وتَخْصِيصُهُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ كُنْتَ لَيِّنَ الجانِبِ لَهم وعامَلْتَهم بِالرِّفْقِ والتَّلَطُّفِ بِهِمْ حَيْثُ اغْتَمَمْتَ لَهم بَعْدَ ما كانَ مِنهم ما كانَ مِن مُخالَفَةِ أمْرِكَ وإسْلامِكَ لِلْعَدُوِّ. ﴿وَلَوْ﴾ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ ﴿كُنْتَ فَظًّا﴾ جافِيًَا في المُعاشَرَةِ قَوْلًَا وفِعْلًَا. وقالَ الرّاغِبُ: الفَظُّ هو الكَرِيهُ الخُلُقِ. وقالَ الواحِدِيُّ: هو الغَلِيظُ الجانِبِ السَّيِّءُ الخُلُقِ. ﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾ قاسِيَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فَظًَّا في القَوْلِ غَلِيظَ القَلْبِ في الفِعْلِ. ﴿لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ لَتَفَرَّقُوا مِن عِنْدِكَ ولَمْ يَسْكُنُوا إلَيْكَ وتَرَدَّوْا في مَهاوِي الرَّدى، والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ العَفْوِ أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فاعْفُ عَنْهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِكَ كَما عَفا اللَّهُ عَنْهم. ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ اللَّهَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِهِ تَعالى إتْمامًَا لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وإكْمالًَا لِلْبِرِّ بِهِمْ. ﴿وَشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ أيْ: في أمْرِ الحَرْبِ إذْ هو المَعْهُودُ أوْ فِيهِ وفي أمْثالِهِ مِمّا تَجْرِي فِيهِ المُشاوَرَةُ عادَةً اسْتِظْهارًَا بِآرائِهِمْ وتَطْيِيبًَا لِقُلُوبِهِمْ وتَمْهِيدًَا لِسُنَّةِ المُشاوَرَةِ لِلْأُمَّةِ، وقُرِئَ "وَشاوِرْهم في بَعْضِ الأمْرِ". ﴿فَإذا عَزَمْتَ﴾ أيْ: عَقِيبَ المُشاوَرَةِ عَلى شَيْءٍ واطْمَأنَّتْ بِهِ نَفْسُكَ. ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في إمْضاءِ أمْرِكَ عَلى ما هو أرْشَدُ لَكَ وأصْلَحُ، فَإنَّ عِلْمَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. وقُرِئَ "فَإذا عَزَمْتُ" عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ، أيْ: عَزَمْتُ لَكَ عَلى شَيْءٍ وأرْشَدْتُكَ إلَيْهِ فَتَوَكَّلْ عَلَيَّ ولا تُشاوِرْ بَعْدَ ذَلِكَ أحَدًَا، والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ التَّوَكُّلِ أوِ الأمْرِ بِهِ، فَإنَّ عُنْوانَ الأُلُوهِيَّةِ الجامِعَةِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ مُسْتَدْعٍ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى أوِ الأمْرِ بِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ عَلَيْهِ تَعالى فَيَنْصُرُهم ويُرْشِدُهم إلى ما فِيهِ خَيْرٌ لَهم وصَلاحٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى.

آل عمران 3:160

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ تَشْرِيفًَا لِلْمُؤْمِنِينَ لِإيجابِ تَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى وحَثِّهِمْ عَلى اللَّجَإ إلَيْهِ وتَحْذِيرِهِمْ عَمّا يُفْضِي إلى خِذْلانِهِ، أيْ: إنْ يَنْصُرْكم كَما نَصَرَكم يَوْمَ بَدْرٍ فَلا أحَدَ يَغْلِبُكم عَلى طَرِيقِ نَفْيِ الجِنْسِ المُنْتَظِمِ لِنَفْيِ جَمِيعِ أفْرادِ الغالِبِ ذاتًَا وصِفَةً ولَوْ قِيلَ: فَلا يَغْلِبُكم أحَدٌ لَدَلَّ عَلى نَفْيِ الصِّفَةِ فَقَطْ ثُمَّ المَفْهُومُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ (p-106)الكَرِيمِ وإنْ كانَ نَفْيَ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ أيْضًَا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ لَكِنَّ المَفْهُومَ مِنهُ فَهْمًَا قَطْعِيًَّا هو نَفْيُ المُساواةِ وإثْباتُ الغالِبِيَّةِ لِلْمُخاطَبِينَ، فَإذا قُلْتَ: "لا أكْرَمَ مِن فُلانٍ أوْ لا أفْضَلَ مِنهُ"، فالمَفْهُومُ مِنهُ حَتْمًَا أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ وهَذا أمْرٌ مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ اللُّغاتِ ولا اخْتِصاصَ لَهُ بِالنَّفْيِ الصَّرِيحِ بَلْ هو مُطَّرِدٌ فِيما ورَدَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ ومِمّا هو نَصٌّ قاطِعٌ فِيما ذَكَرْنا ما وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ حَيْثُ قِيلَ بَعْدَهُ في حَقِّهِمْ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ فَإنَّ كَوْنَهم أخْسَرَ مِن كُلِّ خاسِرٍ يَسْتَدْعِي قَطْعًَا كَوْنَهم أظْلَمَ مِن كُلِّ ظالِمٍ. ﴿وَإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ كَما فَعَلَ يَوْمَ أُحُدٍ. وقُرِئَ "يُخْذِلْكُمْ" مِن أخْذَلَهُ إذا جَعَلَهُ مَخْذُولًَا. ﴿فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ لِانْتِفاءِ النّاصِرِ ذاتًَا وصِفَةً بِطَرِيقِ المُبالَغَةِ. ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ تَعالى أوْ مِن بَعْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى إذا جاوَزْتُمُوهُ. ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ قَصْرِهِ عَلَيْهِ تَعالى، والفاءُ لِتَرْتِيبِهِ أوْ تَرْتِيبِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما مَرَّ مِن غَلَبَةِ المُخاطَبِينَ عَلى تَقْدِيرِ نُصْرَتِهِ تَعالى لَهُمْ، ومَغْلُوبِيَّتِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ خِذْلانِهِ تَعالى إيّاهُمْ، فَإنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي قَصْرَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى لا مَحالَةَ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: إمّا الجِنْسُ والمُخاطَبُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، وإمّا هم خاصَّةً بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، وأيًَّا ما كانَ؛ فَفِيهِ تَشْرِيفٌ لَهم بِعُنْوانِ الإيمانِ اشْتِراكًَا أوِ اسْتِقْلالًَا وتَعْلِيلٌ لِتَحَتُّمِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى فَإنَّ وصْفَ الإيمانِ مِمّا يُوجِبُهُ قَطْعًَا.

آل عمران 3:161

﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ أيْ: وما صَحَّ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ ولا اسْتَقامَ لَهُ. ﴿أنْ يَغُلَّ﴾ أيْ: يَخُونَ في المَغْنَمِ، فَإنَّ النُّبُوَّةَ تُنافِيهِ مُنافاةً بَيِّنَةً، يُقالُ: غَلَّ شَيْئًَا مِنَ المَغْنَمِ يَغُلُّ غُلُولًَا وأغَلَّ إغْلالًَا إذا أخَذَهُ خُفْيَةً، والمُرادُ إمّا تَنْزِيهُ ساحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا ظَنَّ بِهِ الرُّماةُ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ تَرَكُوُا المَرْكَزَ وأفاضُوا في الغَنِيمَةِ وقالُوا: نَخْشى أنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن أخَذَ شَيْئًَا فَهو لَهُ ولا يُقَسِّمَ الغَنائِمَ كَما لَمْ يُقَسِّمْها يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم أنْ لا تَتْرُكُوُا المَرْكَزَ حَتّى يَأْتِيَكم أمْرِي؟ فَقالُوا: تَرَكْنا بَقِيَّةَ إخْوانِنا وُقُوفًَا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلْ ظَنَنْتُمْ أنّا نَغُلُّ ولا نُقَسِّمُ بَيْنَكم. وإمّا المُبالَغَةُ في النَّهْيِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ بَعَثَ طَلائِعَ فَغَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهم غَنائِمَ فَقَسَّمَها بَيْنَ الحاضِرِ ولَمْ يَتْرُكْ لِلطَّلائِعِ شَيْئًَا فَنَزَلَتْ، والمَعْنى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُعْطِيَ قَوْمًَا مِنَ العَسْكَرِ ويَمْنَعَ آخَرِينَ بَلْ عَلَيْهِ أنْ يَقْسِمَ بَيْنَ الكُلِّ بِالسَّوِيَّةِ وعُبِّرَ عَنْ حِرْمانِ بَعْضِ الغُزاةِ بِالغُلُولِ تَغْلِيظًَا، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ تَنْزِيهُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا تَفَوَّهَ بِهِ بَعْضُ المُنافِقِينَ، إذْ رُوِيَ أنَّ قَطِيفَةً حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ بَعْضُ المُنافِقِينَ لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَها، فَبَعِيدٌ جِدًَّا. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والمَعْنى: ما كانَ لَهُ أنْ يُوجَدَ غالًَّا أوْ يُنْسَبَ إلى الغُلُولِ. ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَأْتِ بِالَّذِي غَلَّهُ بِعَيْنِهِ يَحْمِلُهُ عَلى عُنُقِهِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿ألا لا أعْرِفَنَّ أحَدَكم يَأْتِي بِبَعِيرٍ لَهُ رُغاءٌ وبِبَقَرَةٍ لَها خُوارٌ وبِشاةٍ لَها ثُغاءٌ، فَيُنادِي يا مُحَمَّدُ يا مُحَمَّدُ فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًَا فَقَدْ بَلَّغْتُكَ﴾ أوْ يَأْتِ (p-107)بِما احْتَمَلَ مِن إثْمِهِ ووَبالِهِ". ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أيْ: تُعْطى وافِيًَا جَزاءَ ما كَسَبَتْ خَيْرًَا أوْ شَرًَّا، كَثِيرًَا أوْ يَسِيرًَا ووَضْعُ المَكْسُوبِ مَوْضِعَ جَزائِهِ تَحْقِيقًَا لِلْعَدْلِ بِبَيانِ ما بَيْنَهُما مِن تَمامِ التَّناسُبِ كَمًَّا وكَيْفًَا كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، وفي إسْنادِ التَّوْفِيَةِ إلى كُلِّ كاسِبٍ وتَعْلِيقِها بِكُلِّ مَكْسُوبٍ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ الغالِّ عِنْدَ إتْيانِهِ بِما غَلَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِ اليَوْمِ وهَوْلِ مَطْلَعِهِ، والمُبالَغَةِ في بَيانِ فَظاعَةِ حالِ الغالِّ ما لا يَخْفى. فَإنَّهُ حَيْثُ وُفِّيَ كُلُّ كاسِبٍ جَزاءَ ما كَسَبَهُ ولَمْ يُنْقَصْ مِنهُ شَيْءٌ وإنْ كانَ جُرْمُهُ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ فَلَأنْ لا يُنْقَصَ مِن جَزاءِ الغالِّ شَيْءٌ وجُرْمُهُ مِن أعْظَمِ الجَرائِمِ أظْهَرُ وأجْلى. ﴿وَهُمْ﴾ أيْ: كُلُّ النّاسِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ. ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ بِزِيادَةِ عِقابٍ أوْ بِنَقْصِ ثَوابٍ.

آل عمران 3:162

﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ أيْ: سَعى في تَحْصِيلِهِ وانْتَحى نَحْوَهُ حَيْثُما كانَ بِفِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المُنْكَراتِ كالنَّبِيِّ ومَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ. ﴿كَمَن باءَ﴾ أيْ: رَجَعَ. ﴿بِسَخَطٍ﴾ عَظِيمٍ لا يُقادِرُ قَدْرَهُ كائِنٌ. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ تَعالى بِسَبَبِ مَعاصِيهِ كالغالِّ ومَن يَدِينُ بِدِينِهِ، والمُرادُ: تَأْكِيدُ نَفْيِ الغُلُولِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَقْرِيرُهُ بِتَحْقِيقِ المُبايَنَةِ الكُلِّيَّةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الغالِّ حَيْثُ وُصِفَ كُلٌّ مِنهُما بِما وُصِفَ بِهِ الآخَرُ فَقُوبِلَ رِضْوانُهُ تَعالى بِسَخَطِهِ والِاتِّباعُ بِالبَوْءِ، والجَمْعُ بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى تَرَتُّبِ تَوَهُّمِ المُماثَلَةِ بَيْنَهُما والحُكْمِ بِها عَلى ما ذُكِرَ مِن حالِ الغالِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: أبَعْدَ ظُهُورِ حالِهِ يَكُونُ مَن تَرَقّى إلى أعْلى عِلِّيِّينَ كَمَن تَرَدّى إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ. ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ إمّا كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَآلِ أمْرِ مَن باءَ بِسَخَطِهِ تَعالى، وإمّا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿باءَ بِسَخَطٍ﴾ عَطْفَ الصِّلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ وأيًَّا ما كانَ؛ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. ﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: وبِئْسَ المَصِيرُ جَهَنَّمُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَرْجِعِ أنَّ الأوَّلَ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرُّجُوعُ عَلى خِلافِ الحالَةِ الأُولى بِخِلافِ الثّانِي.

آل عمران 3:163

﴿هُمْ﴾ راجِعٌ إلى المَوْصُولِينَ بِاعْتِبارِ المَعْنى. ﴿دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: طَبَقاتٌ مُتَفاوِتَةٌ في علمه تعالى وحُكْمِهِ شُبِّهُوا في تَفاوُتِ الأحْوالِ وتَبايُنِها بِالدَّرَجاتِ مُبالَغَةً وإيذانًَا بِأنَّ بَيْنَهم تَفاوُتًَا ذاتِيًَّا كالدَّرَجاتِ أوْ ذَوُو دَرَجاتٍ. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ ودَرَجاتِها فَيُجازِيهِمْ بِحَسَبِها.