Tafsir Abi Al-Suaood — آل عمران 3:164 – النساء 4:91
المحتويات
- آل عمران 3:164
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:166
- آل عمران 3:167
- آل عمران 3:168
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:171
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:176
- آل عمران 3:177
- آل عمران 3:178
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:182
- آل عمران 3:183
- آل عمران 3:184
- آل عمران 3:185
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:189
- آل عمران 3:190
- آل عمران 3:191
- آل عمران 3:192
- آل عمران 3:193
- آل عمران 3:194
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:197
- آل عمران 3:198
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
- النساء 4:13
- النساء 4:14
- النساء 4:15
- النساء 4:16
- النساء 4:17
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:20
- النساء 4:21
- النساء 4:22
- النساء 4:23
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:26
- النساء 4:27
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:30
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:39
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:42
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:45
- النساء 4:46
- النساء 4:47
- النساء 4:48
- النساء 4:49
- النساء 4:50
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:53
- النساء 4:54
- النساء 4:55
- النساء 4:56
- النساء 4:57
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:61
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:66
- النساء 4:67
- النساء 4:68
- النساء 4:69
- النساء 4:70
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:73
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:76
- النساء 4:77
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:80
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:89
- النساء 4:90
- النساء 4:91
آل عمران 3:164
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ مَنَّ، أيْ: أنْعَمَ.
﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: مِن نَسَبِهِمْ أوْ مِن جِنْسِهِمْ عَرَبِيًَّا مِثْلَهم لِيَفْقَهُوا كَلامَهُ بِسُهُولَةٍ ويَكُونُوا واقِفِينَ عَلى حالِهِ في الصِّدْقِ والأمانَةِ مُفْتَخِرِينَ بِهِ، وفي ذَلِكَ شَرَفٌ لَهم عَظِيمٌ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ وقُرِئَ "مِن أنْفَسِهِمْ" أيْ: أشْرَفِهِمْ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ (p-108)كانَ مِن أشْرَفِ قَبائِلِ العَرَبِ وبُطُونِها، وقُرِئَ "لَمِن مَنِّ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ" إلَخْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مَنُّهُ إذْ بَعَثَ إلَخْ أوْ عَلى أنَّ إذْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ بِمَعْنى: لَمِن مَنِّ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مِن وقْتِ بَعْثِهِ، وتَخْصِيصُهم بِالِامْتِنانِ مَعَ عُمُومِ نِعْمَةِ البَعْثَةِ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ لِما مَرَّ مِن مَزِيدِ انْتِفاعِهِمْ بِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ "رَسُولًَا"، أيْ: كائِنًَا مِن أنْفُسِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى، أيْ: يَتْلُو عَلَيْهِمُ القرآن بَعْدَما كانُوا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ لَمْ يَطْرُقْ أسْماعَهم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "يَتْلُو" أيْ: يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ الطَّبائِعِ وسُوءِ العَقائِدِ وأوْضارِ الأوْزارِ.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ أيِ: القرآن والسُّنَّةَ، وهو صِفَةٌ أُخْرى لِ "رَسُولًَا" مُتَرَتِّبَةٌ في الوُجُودِ عَلى التِّلاوَةِ وإنَّما وسَّطَ بَيْنَهُما التَّزْكِيَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ بِحَسَبِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ وتَهْذِيبِها المُتَفَرِّعِ عَلى تَكْمِيلِها بِحَسَبِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الحاصِلِ بِالتَّعْلِيمِ المُتَرَتِّبِ عَلى التِّلاوَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المُتَرَتِّبَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ، فَلَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ عَدُّ الجَمِيعِ نِعْمَةً واحِدَةً، وهو السِّرُّ في التَّعْبِيرِ عَنِ القرآن بِالآياتِ تارَةً وبِالكِتابِ والحِكْمَةِ أُخْرى رَمْزًَا إلى أنَّهُ بِاعْتِبارِ كُلِّ عُنْوانٍ نِعْمَةٌ عَلى حِدَةٍ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ شُمُولُ الحِكْمَةِ لِما في مَطاوِي الأحادِيثِ الكَرِيمَةِ مِنَ الشَّرائِعِ كَما سَلَفَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَزْكِيَتِهِ وتَعْلِيمِهِ.
﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: بَيِّنٍ لا رَيْبَ في كَوْنِهِ ضَلالًَا، و "إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ المُثْقَلَةِ وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ والظَّرْفُ الأوَّلُ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ"كانَ" والثّانِي خَبَرُها وهي مَعَ خَبَرِها خَبَرٌ لِأنَّ المُخَفَّفَةِ الَّتِي حُذِفَ اسْمُها أعْنِي ضَمِيرَ الشَّأْنِ. وقِيلَ: هي نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا، أيْ: وما كانُوا مِن قَبْلُ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ وأيًَّا ما كانَ؛ فالجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في "يُعَلِّمُهُمْ" أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهي مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ النِّعْمَةِ وتَمامِها.
آل عمران 3:165
﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِإبْطالِ بَعْضِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الظُّنُونِ الفاسِدَةِ والأقاوِيلِ الباطِلَةِ النّاشِئَةِ مِنها إثْرَ إبْطالِ بَعْضٍ آخَرَ مِنها، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّقْرِيرِ والواوُ عاطِفَةٌ لِمَدْخُولِها عَلى مَحْذُوفٍ قَبْلَها و "لَمّا" ظَرْفٌ لِـ ﴿قُلْتُمْ﴾ مُضافٌ إلى ما بَعْدَهُ و ﴿قَدْ أصَبْتُمْ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ ﴿مُصِيبَةٌ﴾، و المُرادُ بِها: ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم و بِمِثْلَيْها ما أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم وأسْرِ سَبْعِينَ، و "أنّى هَذا" مَقُولُ قُلْتُمْ، وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمْزَةِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ إنْكارُهُ والمَعْطُوفُ بِالواوِ حَقِيقَةً لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ فَإنَّ فِعْلَ القَبِيحِ في غَيْرِ وقْتِهِ أقْبَحُ والإنْكارَ عَلى فاعِلِهِ أدْخَلُ والمَعْنى: أحِينَ أصابَكم مِنَ المُشْرِكِينَ نِصْفُ ما قَدْ أصابَهم مِنكم قَبْلَ ذَلِكَ جَزِعْتُمْ وقُلْتُمْ مِن أيْنَ أصابَنا هَذا؟! وقَدْ تَقَدَّمَ الوَعْدُ بِالنَّصْرِ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والتَّقْرِيعِ إلى صُدُورِ ذَلِكَ القَوْلِ عَنْهم في (p-109)ذَلِكَ الوَقْتِ خاصَّةً بِناءً عَلى عَدَمِ كَوْنِهِ مَظِنَّةً لَهُ داعِيًَا إلَيْهِ بَلْ عَلى كَوْنِهِ داعِيًَا إلى عَدَمِهِ، فَإنَّ كَوْنَ مُصِيبَةِ عَدُوِّهِمْ ضِعْفَ مُصِيبَتِهِمْ مِمّا يُهَوِّنُ الخَطْبَ ويُورِثُ السَّلْوَةَ أوْ أفَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ ولَمّا أصابَتْكم غائِلَتُهُ قُلْتُمْ أنّى هَذا عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى اسْتِبْعادِهِمُ الحادِثَةَ مَعَ مُباشَرَتِهِمْ لِسَبَبِها، وتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ في "أنّى هَذا" مَعَ كَوْنِهِ إشارَةً إلى المُصِيبَةِ لَيْسَ لِكَوْنِها عِبارَةً عَنِ القَتْلِ ونَحْوِهِ بَلْ لِما أنَّ إشارَتَهم لَيْسَتْ إلّا إلى ما شاهَدُوهُ في المَعْرَكَةِ مِن حَيْثُ هو هو مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ تَسْمِيَتُهُ بِاسْمٍ ما فَضْلًَا عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِاسْمِ المُصِيبَةِ وإنَّما هي عِنْدَ الحِكايَةِ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُجِيبَ عَنْ سُؤالِهِمِ الفاسِدِ إثْرَ تَحْقِيقِ فَسادٍ بِالإنْكارِ والتَّقْرِيعِ ويُبَكِّتَهم أنَّ ما نالَهم إنَّما نالَهم مِن جِهَتِهِمْ بِتَرْكِهِمُ المَرْكَزَ وحِرْصِهِمْ عَلى الغَنِيمَةِ، وقِيلَ: بِاخْتِيارِهِمُ الخُرُوجَ مِنَ المَدِينَةِ ويَأْباهُ أنَّ الوَعْدَ بِالنَّصْرِ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كَما ذُكِرَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ الآيَةِ وأنَّ عَمَلَ النَّبِيِّ ﷺ بِمُوجِبِهِ قَدْ رَفَعَ الخَطَرَ عَنْهُ وخَفَّفَ جِنايَتَهم فِيهِ عَلى أنَّ اخْتِيارَ الخُرُوجِ والإصْرارَ عَلَيْهِ كانَ مِمَّنْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالشَّهادَةِ يَوْمَئِذٍ، وأيْنَ هم مِنَ التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ؟! وقِيلَ: بِأخْذِهِمُ الفِداءَ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ أنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ الأقْوى وإنَّما يُعَضِّدُهُ تَوْسِيطُ خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ بَيْنَ الخِطابَيْنِ المُتَوَجِّهَيْنِ إلى المُؤْمِنِينَ وتَفْوِيضُ التَّبْكِيتِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ تَوْبِيخَ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ إذا كانَ مِمَّنْ نَهاهُ عَنْهُ كانَ أشَدَّ تَأْثِيرًَا.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن جُمْلَتِهِ النَّصْرُ عِنْدَ الطّاعَةِ والخِذْلانُ عِنْدَ المُخالَفَةِ وحَيْثُ خَرَجْتُمْ عَنِ الطّاعَةِ أصابَكم مِنهُ تَعالى ما أصابَكُمْ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ.
آل عمران 3:166
﴿وَما أصابَكُمْ﴾ رُجُوعٌ إلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ خِطابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسِرٍّ يَقْتَضِيهِ، وإرْشادٌ لَهم إلى طَرِيقِ الحَقِّ فِيما سَألُوا عَنْهُ وبَيانٌ لِبَعْضِ ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ ودَفْعٌ لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ مِنِ اسْتِقْلالِهِمْ في وُقُوعِ الحادِثَةِ، والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى ما ذُكِرَ لِلتَّهْوِيلِ وزِيادَةِ التَّقْرِيرِ بِبَيانِ وقْتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ أيْ: جَمْعُكم وجَمْعُ المُشْرِكِينَ.
﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: فَهو كائِنٌ بِقَضائِهِ وتَخْلِيَتِهِ الكُفّارَ سُمِّيَ ذَلِكَ إذْنًَا لِكَوْنِها مِن لَوازِمِهِ.
﴿وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ عَطْفَ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، والمُرادُ بِالعِلْمِ التَّمْيِيزُ والإظْهارُ فِيما بَيْنَ النّاسِ.
آل عمران 3:167
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مِثْلِهِ وإعادَةُ الفِعْلِ لِتَشْرِيفِ المُؤْمِنِينَ وتَنْزِيهِهِمْ عَنِ الانْتِظامِ في قَرْنِ المُنافِقِينَ ولِلْإيذانِ بِاخْتِلافِ حالِ العِلْمِ بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ بِالفَرِيقَيْنِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى نَهْجِ تَعَلُّقِهِ السّابِقِ وبِالمُنافِقِينَ عَلى وجْهٍ جَدِيدٍ وهو السِّرُّ في إيرادِ الأوَّلِينَ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ المُنْبِئَةِ عَنِ الاسْتِمْرارِ والآخِرِينَ بِمَوْصُولٍ صِلَتُهُ فِعْلٌ دالٌّ عَلى الحُدُوثِ، والمَعْنى: وما (p-110)أصابَكم يَوْمَئِذٍ فَهو كائِنٌ لِتَمْيِيزِ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ والَّذِينَ أظْهَرُوُا النِّفاقَ.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى نافَقُوا داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هَمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ حَيْثُ انْصَرَفُوا يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِوِ بْنِ حَرامٍ: أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ أنْ تَخْذُلُوا نَبِيَّكم وقَوْمَكم ودَعاهم إلى القِتالِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ . قالَ السُّدِّيُّ: ادْفَعُوا عَنّا العَدُوَّ بِتَكْثِيرِ سَوادِنا إنْ لَمْ تُقاتِلُوا مَعَنا، وقِيلَ: أوِ ادْفَعُوا عَنْ أهْلِكم وبَلَدِكم وحَرِيمِكم إنْ لَمْ تُقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وتَرْكُ العَطْفِ بَيْنَ ﴿تَعالَوْا﴾ و"قاتِلُوا" لِما أنَّ المَقْصُودَ بِهِما واحِدٌ وهو الثّانِي وذِكْرُ الأوَّلِ تَوْطِئَةٌ لَهُ وتَرْغِيبٌ فِيهِ لِما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى التَّظاهُرِ والتَّعاوُنِ.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًَا عَنْ سُؤالٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعُوا حِينَ خُيِّرُوا بَيْنَ الخَصْلَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، فَقِيلَ: قالُوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ أيْ: لَوْ نُحْسِنُ قِتالًَا ونَقْدِرُ عَلَيْهِ وإنَّما قالُوهُ دَغَلًَا واسْتِهْزاءً، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ نَفْيِ القُدْرَةِ عَلى القِتالِ بِنَفْيِ العِلْمِ بِهِ لِما أنَّ القُدْرَةَ عَلى الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْعِلْمِ بِها أوْ لَوْ نَعْلَمُ ما يَصِحُّ أنْ يُسَمّى قِتالًَا لاتَّبَعْناكم ولَكِنْ ما أنْتُمْ بِصَدَدِهِ لَيْسَ بِقِتالٍ أصْلًَا وإنَّما هو إلْقاءُ النَّفْسِ إلى التَّهْلُكَةِ، وفي جَعْلِهِمُ التّالِيَ مُجَرَّدَ الِاتِّباعِ دُونَ القِتالِ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالدَّعْوَةِ دَلِيلٌ عَلى كَمالِ تَثْبِيطِهِمْ عَنِ القِتالِ حَيْثُ لا تَرْضى نُفُوسُهم بِجَعْلِهِ تالِيًَا لِمُقَدَّمٍ مُسْتَحِيلِ الوُقُوعِ.
﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ الضَّمِيرُ مُبْتَدَأٌ و "أقْرَبُ" خَبَرُهُ واللّامُ في ﴿لِلْكُفْرِ﴾ و ﴿لِلإيمانِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ وكَذا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ و"مِنهُمْ" وعَدَمُ جَوازِ تَعَلُّقِ حَرْفَيْنِ مُتَّحِدَيْنِ لَفْظًَا ومَعْنىً بِعامِلٍ واحِدٍ بِلا عَطْفٍ أوْ بَدَلِيَّةٍ إنَّما هو فِيما عَدا أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِنَ العَوامِلِ لِاتِّحادِ حَيْثِيَّةِ عَمَلِها، وأمّا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ فَحَيْثُ دَلَّ عَلى أصْلِ الفِعْلِ وزِيادَتِهِ جَرى مَجْرى عامِلَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: قُرْبُهم لِلْكُفْرِ زائِدَةٌ عَلى قُرْبِهِمْ لِلْإيمانِ. وقِيلَ: تَعَلُّقُ الجارَّيْنِ بِهِ لِشَبَهِهِما بِالظَّرْفَيْنِ، أيْ: هم لِلْكُفْرِ يَوْمَ إذْ قالُوا ما قالُوا أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ فَإنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَتَظاهَرُونَ بِالإيمانِ وما ظَهَرَتْ مِنهم أمارَةٌ مُؤْذِنَةٌ بِكُفْرِهِمْ، فَلَمّا انْخَذَلُوا عَنْ عَسْكَرِ المُسْلِمِينَ وقالُوا: ما قالُوا تَباعَدُوا بِذَلِكَ عَنِ الإيمانِ المَظْنُونِ بِهِمْ واقْتَرَبُوا مِنَ الكُفْرِ. وقِيلَ: هم لِأهْلِ الكُفْرِ أقْرَبُ نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ لِأنَّ تَقْلِيلَ سَوادِ المُسْلِمِينَ بِالِانْخِذالِ تَقْوِيَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وذِكْرُ الأفْواهِ والقُلُوبِ تَصْوِيرٌ لِنِفاقِهِمْ وتَوْضِيحٌ لِمُخالَفَةِ ظاهِرِهِمْ لِباطِنِهِمْ، و "ما" عِبارَةٌ عَنِ القَوْلِ، والمُرادُ بِهِ: إمّا نَفْسُ الكَلامِ الظّاهِرِ في اللِّسانِ تارَةً وفي القَلْبِ أُخْرى، فالمُثْبَتُ والمَنفِيُّ مُتَّحِدانِ ذاتًَا وإنِ اخْتَلَفا مَظْهَرًَا، وإمّا القَوْلُ المَلْفُوظُ فَقَطْ فالمَنفِيُّ حِينَئِذٍ مَنشَؤُهُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ القَوْلُ أصْلًَا وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِهِ إبانَةً لِما بَيْنَهُما مِن شِدَّةِ الِاتِّصالِ، أيْ: يَتَفَوَّهُونَ بِقَوْلٍ لا وُجُودَ لَهُ أوْ لِمَنشَئِهِ في قُلُوبِهِمْ أصْلًَا مِنَ الأباطِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم آنِفًَا فَإنَّهم أظْهَرُوا فِيهِ أمْرَيْنِ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ شَيْءٌ مِنهُما، أحَدُهُما: عَدَمُ العِلْمِ بِالقِتالِ، والآخَرُ: الِاتِّباعُ عَلى تَقْدِيرِ العِلْمِ بِهِ، وقَدْ كَذَبُوا فِيهِما كِذْبًَا بَيِّنًَا حَيْثُ كانُوا عالِمِينَ بِهِ غَيْرَ ناوِينَ لِلِاتِّباعِ بَلْ كانُوا مُصِرِّينَ مَعَ ذَلِكَ عَلى الِانْخِذالِ عازِمِينَ عَلى الِارْتِدادِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ بِبَيانِ اشْتِغالِ قُلُوبِهِمْ بِما يُخالِفُ أقْوالَهم مِن فُنُونِ الشَّرِّ والفَسادِ إثْرَ بَيانِ خُلُوِّها عَمّا يُوافِقُها، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ لِما أنَّ بَعْضَ ما يَكْتُمُونَهُ مِن أحْكامِ النِّفاقِ وذَمِّ المُؤْمِنِينَ وتَخْطِئَةِ آرائِهِمْ والشَّماتَةِ بِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ يَعْلَمُهُ المُؤْمِنُونَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، وأنَّ تَفاصِيلَ ذَلِكَ (p-111)وَكَيْفِيّاتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِالعِلْمِ الإلَهِيِّ.
آل عمران 3:168
﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن واوِ "يَكْتُمُونَ" أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿قُلْ فادْرَءُوا﴾ بِحَذْفِ العائِدِ تَقْدِيرُهُ قُلْ لَهم إلَخْ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّذِينَ نافَقُوا أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقِيلَ: مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ أفْواهِهِمْ أوْ قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ:
عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمُ
والمُرادُ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ.
﴿لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ، وهم مَن قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ مِن جِنْسِهِمْ أوْ مِن أقارِبِهِمْ فَيَنْدَرِجُ فِيهِمْ بَعْضُ الشُّهَداءِ.
﴿وَقَعَدُوا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ "قالُوا" بِتَقْدِيرِ قَدْ، أيْ: قالُوا وقَدْ قَعَدُوا عَنِ القِتالِ بِالِانْخِذالِ.
﴿لَوْ أطاعُونا﴾ أيْ: فِيما أمَرْناهم بِهِ ووافَقُونا في ذَلِكَ.
﴿ما قُتِلُوا﴾ كَما لَمْ نُقْتَلْ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم أمَرُوهم بِالِانْخِذالِ حِينَ انْخَذَلُوا وأغْوَوْهم كَما غَوَوْا، وحَمْلُ القُعُودِ عَلى ما اسْتَصْوَبَهُ ابْنُ أُبَيٍّ عِنْدَ المُشاوَرَةِ مِنَ الإقامَةِ بِالمَدِينَةِ ابْتِداءً، وجَعْلُ الإطاعَةِ عِبارَةً عَنْ قَبُولِ رَأْيِهِ والعَمَلِ بِهِ يَرُدُّهُ كَوْنُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً، فَإنَّها لِتَعْيِينِ ما فِيهِ العِصْيانُ والمُخالَفَةُ مَعَ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ لَيْسَ مِنَ القاعِدِينَ فِيها بِذَلِكَ المَعْنى، عَلى أنَّ تَخْصِيصَ عَدَمِ الطّاعَةِ بِإخْوانِهِمْ يُنادِي بِاخْتِصاصِ الأمْرِ أيْضًَا بِهِمْ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى ما خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ المُشاوَرَةِ.
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًَا لَهم وإظْهارًَا لِكَذِبِهِمْ.
﴿فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ جَوابٌ لِشَرْطٍ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًَا عَلى ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ كَما أنَّهُ شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدِلالَةِ الجَوابِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُكم مِن أنَّكم قادِرُونَ عَلى دَفْعِ القَتْلِ عَمَّنْ كُتِبَ عَلَيْهِ، فادْفَعُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْكم مُعَلَّقًَا بِسَبَبٍ خاصٍّ مُوَقَّتًَا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ بِدَفْعِ سَبَبِهِ، فَإنَّ أسْبابَ المَوْتِ في إمْكانِ المُدافَعَةِ بِالحِيَلِ وامْتِناعِها سَواءٌ وأنْفُسُكم أعَزُّ عَلَيْكم مِن إخْوانِكم وأمْرُها أهَمُّ لَدَيْكم مِن أمْرِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ عَدَمَ قَتْلِكم كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًَا عَلَيْكم لا بِسَبَبِ أنَّكم دَفَعْتُمُوهُ بِالقُعُودِ مَعَ كِتابَتِهِ عَلَيْكم فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ القِتالُ سَبَبًَا لِلنَّجاةِ والقُعُودُ مُؤَدِّيًَا إلى المَوْتِ. رُوِيَ أنَّهُ ماتَ يَوْمَ قالُوا ما قالُوا سَبْعُونَ مُنافِقًَا. وقِيلَ: أُرِيدَ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ، والمَعْنى: أنَّهم لَوْ أطاعُوكم وقَعَدُوا لَقُتِلُوا قاعِدِينَ كَما قُتِلُوا مُقاتِلِينَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ حِينَئِذٍ اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ رِجالًَا دَفّاعِينَ لِأسْبابِ المَوْتِ فادْرَءُوا جَمِيعَ أسْبابِهِ حَتّى لا تَمُوتُوا كَما دَرَأْتُمْ في زَعْمِكم هَذا السَّبَبَ الخاصَّ.
آل عمران 3:169
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ القَتْلَ الَّذِي يَحْذَرُونَهُ ويُحَذِّرُونَ النّاسَ مِنهُ لَيْسَ مِمّا يُحْذَرُ بَلْ هو مِن أجْلِ المَطالِبِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ إثْرَ بَيانِ أنَّ الحَذَرَ لا يُجْدِي ولا يُغْنِي، وقُرِئَ "وَلا تَحْسِبَنَّ" بِكَسْرِ السِّينِ، والمُرادُ بِهِمْ شُهَداءُ أُحُدٍ وكانُوا سَبْعِينَ رَجُلًَا أرْبَعَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وعُثْمانُ بْنُ شِهابٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وباقِيهِمْ مِنَ الأنْصارِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ، وقُرِئَ بِالياءِ عَلى (p-112)الإسْنادِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ ضَمِيرِ مَن يَحْسَبُ. وقِيلَ: إلى الَّذِينَ قُتِلُوا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ جائِزُ الحَذْفِ عِنْدَ القَرِينَةِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا أمْواتًَا، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا أنْفُسَهم أمْواتًَا، عَلى أنَّ المُرادَ مِن تَوْجِيهِ النَّهْيِ إلَيْهِمْ تَنْبِيهُ السّامِعِينَ عَلى أنَّهم أحِقّاءٌ بِأنْ يَسْلُوا بِذَلِكَ ويَبْشُرُوا بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ والكَرامَةِ السَّنِيَّةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ لَكِنْ لا في جَمِيعِ أوْقاتِهِمْ بَلْ عِنْدَ ابْتِداءِ القَتْلِ؛ إذْ بَعْدَ تَبَيُّنِ حالِهِمْ لَهم لا يَبْقى لِاعْتِبارِ تَسْلِيَتِهِمْ وتَبْشِيرِهِمْ فائِدَةٌ ولا لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ وتَذْكِيرِهِمْ وجْهٌ، وقُرِئَ "قُتِّلُوا" بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ المَقْتُولِينَ.
﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ أيْ: بَلْ هم أحْياءٌ وقُرِئَ مَنصُوبًَا، أيْ: بَلِ احْسَبْهم أحْياءً عَلى أنَّ الحُسْبانَ بِمَعْنى اليَقِينِ كَما في قَوْلِهِ:
؎ حَسِبْتُ التُّقى والمَجْدَ خَيْرَ تِجارَةٍ ∗∗∗ رَباحًَا إذا ما المَرْءُ أصْبَحَ ثاقِلًَا
أوْ عَلى أنَّهُ وارِدٌ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَإ المُقَدَّرِ أوْ صِفَةٌ لِـ"أحْياءٌ" أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ "أحْياءٌ".﴾ وقِيلَ: هو ظَرْفٌ ﴿أحْياءٌ﴾ أوْ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ، والمُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ: التَّقَرُّبُ والزُّلْفى، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ مَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لَهم.
﴿يُرْزَقُونَ﴾ أيْ: مِنَ الجَنَّةِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ أحْياءً وتَحْقِيقٌ لِمَعْنى حَياتِهِمْ. قالَ الإمامُ الواحِدِيُّ: الأصَحُّ في حَياةِ الشُّهَداءِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أنَّ « "أرْواحَهم في أجْوافِ طُيُورٍ خُضْرٍ وأنَّهم يُرْزَقُونَ ويَأْكُلُونَ ويَتَنَعَّمُونَ".» ورُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: « "لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَدُورُ في أنْهارِ الجَنَّةِ".» ورُوِيَ « "تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها وتَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ"،» وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ رُوحَ الإنْسانِ جِسْمٌ لَطِيفٌ لا يَفْنى بِخَرابِ البَدَنِ ولا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إدْراكُهُ وتَألُّمُهُ والتِذاذُهُ، ومَن قالَ بِتَجْرِيدِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ يَقُولُ المُرادُ: أنَّ نُفُوسَ الشُّهَداءِ تَتَمَثَّلُ طُيُورًَا خُضْرًَا أوْ تَتَعَلَّقُ بِها فَتَلْتَذُّ بِما ذُكِرَ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِالأفْلاكِ والكَواكِبِ فَتَلْتَذُّ بِذَلِكَ وتَكْتَسِبُ زِيادَةَ كَمالٍ.
آل عمران 3:170
﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وهو شَرَفُ الشَّهادَةِ والفَوْزُ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والتَّمَتُّعُ بِالنَّعِيمِ المُخَلَّدِ عاجِلًَا.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُسَرُّونَ بِالبِشارَةِ.
﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أيْ: بِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا بَعْدُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَلْحَقُوا بِهِمْ.
﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"يَلْحَقُوا" والمَعْنى: أنَّهم بَقُوا بَعْدَهم وهم قَدْ تَقَدَّمُوهم أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ "يَلْحَقُوا" أيْ: لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ مُتَخَلِّفِينَ عَنْهم باقِينَ في الدُّنْيا.
﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ اسْتِبْشارِهِمْ بِحالِ إخْوانِهِمْ لا بِذَواتِهِمْ و"أنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِن أنَّ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفُ وخَبَرُها الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ، أيْ: ويَسْتَبْشِرُونَ بِما تَبَيَّنَ لَهم مِن حُسْنِ حالِ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ تَرَكُوهم وهو أنَّهم عِنْدَ قَتْلِهِمْ يَفُوزُونَ بِحَياةٍ أبَدِيَّةٍ لا يُكَدِّرُها خَوْفُ وُقُوعِ مَحْذُورٍ ولا حُزْنُ فَواتِ مَطْلُوبٍ أوْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ، فَإنَّهُ عَيْنُ الحَياةِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُرْغَبَ فِيها فَضْلًَا (p-113)عَنْ أنْ تُخافَ وتُحْذَرَ، أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ لا أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهم لا يَخافُونَ ولا يَحْزَنُونَ، والمُرادُ بَيانُ دَوامِ انْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ لا بَيانُ انْتِفاءِ دَوامِهِما كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًَا، فَإنَّ النَّفْيَ وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الدَّوامَ والِاسْتِمْرارَ بِحَسَبِ المَقامِ.
آل عمران 3:171
﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ﴾ كُرِّرَ لِبَيانِ أنَّ الِاسْتِبْشارَ المَذْكُورَ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الخَوْفِ والحُزْنِ بَلْ بِهِ وبِما يُقارِنُهُ مِن نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها وهي ثَوابُ أعْمالِهِمْ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مُتَعَلِّقًَا بِحالِ "إخْوانِهِمْ" وهَذا بِحالِ أنْفُسِهِمْ بَيانًَا لِبَعْضِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"نِعْمَةٍ" مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: كائِنَةٍ مِنهُ تَعالى.
﴿وَفَضْلٍ﴾ أيْ: زِيادَةٍ عَظِيمَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوُا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ .
﴿وَأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِفَتْحِ "أنَّ" عَطْفٌ عَلى فَضْلٍ مُنْتَظَمٌ مَعَهُ في سِلْكِ المُسْتَبْشَرِ بِهِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ إمّا الشُّهَداءُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمُؤْمِنِينَ لِلْإيذانِ بِسُمُوِّ رُتْبَةِ الإيمانِ وكَوْنِهِ مَناطًَا لِما نالُوهُ مِنَ السَّعادَةِ، وإمّا كافَّةُ أهْلِ الإيمانِ مِنَ الشُّهَداءِ وغَيْرِهِمْ، ذُكِرَتْ تَوْفِيَةُ أُجُورِهِمْ عَلى إيمانِهِمْ وعُدَّتْ مِن جُمْلَةِ ما يَسْتَبْشِرُ بِهِ الشُّهَداءُ بِحُكْمِ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ. وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُعْتَرِضٌ دالٌّ عَلى أنَّ ذَلِكَ أجْرٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ مُشْعِرٌ بِأنَّ مَن لا إيمانَ لَهُ أعْمالُهُ مُحْبَطَةٌ لا أجْرَ لَها، وفِيهِ مِنَ الحَثِّ عَلى الجِهادِ والتَّرْغِيبِ في الشَّهادَةِ والبَعْثِ عَلى ازْدِيادِ الطّاعَةِ وبُشْرى المُؤْمِنِينَ بِالفَلاحِ ما لا يَخْفى.
آل عمران 3:172
﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لا مُخَصَّصَةٌ أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوْ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ بِجُمْلَتِهِ و ﴿مِن﴾ لِلْبَيانِ، والمَقْصُودُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَدْحُ والتَّعْلِيلُ لا التَّقْيِيدُ لِأنَّ المُسْتَجِيبِينَ كُلَّهم مُحْسِنُونَ ومُتَّقُونَ.
رُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ لَمّا انْصَرَفُوا مِن أُحُدٍ فَبَلَغُوا الرَّوْحاءَ نَدِمُوا وهَمُّوا بِالرُّجُوعِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُرْهِبَهم ويُرِيَهم مِن نَفْسِهِ وأصْحابِهِ قُوَّةً فَنَدَبَ أصْحابَهُ لِلْخُرُوجِ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ وقالَ: لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا إلّا مَن حَضَرَ يَوْمَنا بِالأمْسِ، فَخَرَجَ ﷺ مَعَ جَماعَةٍ حَتّى بَلَغُوا حَمْراءَ الأسَدِ وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ وكانَ بِأصْحابِهِ القَرْحُ فَتَحامَلُوا عَلى أنْفُسِهِمْ حَتّى لا يَفُوتَهُمُ الأجْرُ وألْقى اللَّهُ تَعالى الرُّعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ فَذَهَبُوا فَنَزَلَتْ.»
آل عمران 3:173
﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ يَعْنِي الرَّكْبَ الَّذِينَ (p-114)اسْتَقْبَلُوهم مِن عَبْدِ قَيْسٍ أوْ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيَّ وإطْلاقُ النّاسِ عَلَيْهِ لِما أنَّهُ مِن جِنْسِهِمْ وكَلامَهُ كَلامُهُمْ، يُقالُ فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ الثِّيابَ وما لَهُ سِوى فَرَسٍ فَرْدٍ وغَيْرُ ثَوْبٍ واحِدٍ أوْ لِأنَّهُ انْضَمَّ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المَدِينَةِ وأذاعُوا كَلامَهُ.
﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ رُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ نادى عِنْدَ انْصِرافِهِ مِن أُحُدٍ: يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُنا مَوْسِمُ بَدْرٍ القابِلُ إنْ شِئْتَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا كانَ القابِلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ في أهْلِ مَكَّةَ حَتّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرانِ فَألْقى اللَّهُ تَعالى في قَلْبِهِ الرُّعْبَ وبَدا لَهُ أنْ يَرْجِعَ فَمَرَّ بِهِ رَكْبٌ مِن بَنِي عَبْدِ قَيْسٍ يُرِيدُونَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ فَشَرَطَ لَهم حِمْلَ بَعِيرٍ مِن زَبِيبٍ إنْ ثَبَّطُوُا المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: لَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ وقَدْ قَدِمَ مُعْتَمِرًَا، فَسَألَهُ ذَلِكَ والتَزَمَ لَهُ عَشْرًَا مِنَ الإبِلِ وضَمِنَها مِنهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرِوٍ فَخَرَجَ نُعَيْمٌ ووَجَدَ المُسْلِمِينَ يَتَجَهَّزُونَ لِلْخُرُوجِ، فَقالَ لَهُمْ: أتَوْكم في دِيارِكم فَلَمْ يُفْلِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا شَرِيدٌ، أفَتَرَوْنَ أنْ تَخْرُجُوا وقَدْ جَمَعُوا لَكم فَفِرُّوا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي أحَدٌ فَخَرَجَ في سَبْعِينَ راكِبًَا كُلُّهم يَقُولُونَ حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، قِيلَ: هي الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ.
﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ لِلْمَقُولِ أوْ لِمَصْدَرِ قالَ أوْ لِفاعِلِهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ نُعَيْمٌ وحْدَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى ذَلِكَ بَلْ ثَبَتَ بِهِ يَقِينُهم بِاللَّهِ تَعالى وازْدادَ اطْمِئْنانُهم وأظْهَرُوا حَمِيَّةَ الإسْلامِ وأخْلَصُوُا النِّيَّةَ عِنْدَهُ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ يَتَفاوَتُ زِيادَةً ونُقْصانًَا فَإنَّ ازْدِيادَ اليَقِينِ بِالإلْفِ وكَثْرَةِ التَّأمُّلِ وتَناصُرِ الحُجَجِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ الإيمانُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ؟ قالَ نَعَمْ؛ يَزِيدُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ الجَنَّةَ، ويَنْقُصُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ النّارَ.
﴿وَقالُوا: حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ: مُحْسِبُنا اللَّهُ وكافِينا مِن أحْسَبَهُ إذا كَفاهُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المُحْسِبِ أنَّهُ لا يَسْتَفِيدُ بِالإضافَةِ تَعْرِيفًَا في قَوْلِكَ: "هَذا رَجُلٌ حَسْبُكَ".
﴿وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ أيْ: نِعْمَ المَوْكُولُ إلَيْهِ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
آل عمران 3:174
﴿فانْقَلَبُوا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ ووافَوُا المَوْعِدَ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وافى بِجَيْشِهِ بَدْرًَا وأقامَ بِها ثَمانِيَ لَيالٍ وكانَتْ مَعَهم تِجاراتٌ فَباعُوها وأصابُوا خَيْرًَا كَثِيرًَا، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ الضَّمِيرِ في "فانْقَلَبُوا" والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: فَرَجَعُوا مِن مَقْصِدِهِمْ مُلْتَبِسِينَ بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"نِعْمَةٍ" مُؤَكِّدَةً لِفَخامَتِها الذّاتِيَّةِ الَّتِي يُفِيدُها التَّنْكِيرُ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: كائِنَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهي العافِيَةُ والثَّباتُ عَلى الإيمانِ والزِّيادَةُ فِيهِ وحَذَرُ العَدُوِّ مِنهم.
﴿وَفَضْلٍ﴾ أيْ: رِبْحٍ في التِّجارَةِ وتَنْكِيرُهُ أيْضًَا لِلتَّفْخِيمِ.
﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ حالٌ أُخْرى مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فانْقَلَبُوا﴾ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: مُنَعَّمِينَ حالَ كَوْنِهِمْ سالِمِينَ عَنِ السُّوءِ، والحالُ إذا كانَ مُضارِعًَا مَنفِيًَّا بِـ"لَمْ" وفِيهِ ضَمِيرُ ذِي الحالِ جازَ فِيهِ دُخُولُ الواوِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وعَدَمُهُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ .
﴿واتَّبَعُوا﴾ في كُلِّ ما أتَوْا مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ.
﴿رِضْوانَ اللَّهِ﴾ الَّذِي هو مَناطُ الفَوْزِ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ.
﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ حَيْثُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ (p-115)بِالتَّثْبِيتِ وزِيادَةِ الإيمانِ والتَّوْفِيقِ لِلْمُبادَرَةِ إلى الجِهادِ والتَّصَلُّبِ في الدِّينِ وإظْهارِ الجَراءَةِ عَلى العَدُوِّ وحِفْظِهِمْ عَنْ كُلِّ ما يَسُوءُهم مَعَ إصابَةِ النَّفْعِ الجَلِيلِ، وفِيهِ تَحْسِيرٌ لِمَن تَخَلَّفَ عَنْهم وإظْهارٌ لِخَطَإ رَأْيِهِمْ حَيْثُ حَرَمُوا أنْفُسَهم ما فازَ بِهِ هَؤُلاءِ. ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: هَلْ يَكُونُ هَذا غَزْوًَا فَأعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى ثَوابَ الغَزْوِ ورَضِيَ عَنْهم.
آل عمران 3:175
﴿إنَّما ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى المُثَبِّطِ أوْ إلى مَن حَمَلَهُ عَلى التَّثْبِيطِ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّيْطانُ﴾ إمّا خَبَرُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِشَيْطَنَتِهِ أوْ حالٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ إلَخْ، وإمّا صِفَتُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: إنَّما ذَلِكم قَوْلُ الشَّيْطانِ، أيْ: إبْلِيسُ والمُسْتَكِنُّ في "يُخَوِّفُ" إمّا المِقْدارُ وإمّا الشَّيْطانُ بِحَذْفِ الرّاجِعِ إلى المُقَدَّرِ، أيْ: يُخَوِّفُ بِهِ، والمُرادُ بِأوْلِيائِهِ: إمّا أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ فالمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ كَما هو قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ أيْ: أوْلِياءَهُ.
﴿وَخافُونِ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِي، وإمّا القاعِدُونَ فالمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: يُخَوِّفُهُمُ الخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والضَّمِيرُ البارِزُ في ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ لِلنّاسِ، الثّانِي أيْ: فَلا تَخافُوهم فَتَقْعُدُوا عَنِ القِتالِ وتَجْبُنُوا وخافُونِي فَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي وسارِعُوا إلى ما يَأْمُرُكم بِهِ، والخِطابُ لِفَرِيقَيِ الخارِجِينَ والقاعِدِينَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ أوِ الانْتِهاءِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ كَوْنَ المَخُوفِ شَيْطانًَا مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ الخَوْفِ والنَّهْيَ عَنْهُ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي إيثارَ خَوْفِ اللَّهِ تَعالى عَلى خَوْفِ غَيْرِهِ ويَسْتَدْعِي الأمْنَ مِن شَرِّ الشَّيْطانِ وأوْلِيائِهِ.
آل عمران 3:176
﴿وَلا يَحْزُنْكَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِتَشْرِيفِهِ بِتَخْصِيصِهِ بِالتَّسْلِيَةِ والإيذانِ بِأصالَتِهِ في تَدْبِيرِ أُمُورِ الدِّينِ والِاهْتِمامِ بِشُئُونِهِ.
﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ أيْ: يَقَعُونَ فِيهِ سَرِيعًَا لِغايَةِ حِرْصِهِمْ عَلَيْهِ وشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ، وإيثارُ كَلِمَةِ "فِي" عَلى ما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ الآيَةِ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْرارِهِمْ في الكُفْرِ ودَوامِ مُلابَسَتِهِمْ لَهُ في مَبْدَإ المُسارَعَةِ ومُنْتَهاها كَما في قَوْلِهِ تَعالى:﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِمُلابَسَتِهِمْ لِلْخَيْراتِ وتَقَلُّبِهِمْ في فُنُونِها في طَرَفَيِ المُسارَعَةِ وتَضاعِيفِها وأمّا إيثارُ كَلِمَةِ "إلى" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ إلَخْ فَلِأنَّ المَغْفِرَةَ والجَنَّةَ مُنْتَهى المُسارَعَةِ وغايَتُها، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ: المُنافِقُونَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ وطائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ حَسْبَما عُيِّنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾، وقِيلَ: قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ إلى مَظِنَّةِ وُجُودِ المَنهِيِّ عَنْهُ واعْتِرائِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيْ: لا يُحْزِنُوكَ بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ ومُبادَرَتِهِمْ إلى تَمْشِيَةِ أحْكامِهِ ومُظاهَرَتِهِمْ لِأهْلِهِ وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى جِهَتِهِمْ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ التَّأثُّرِ مِنهم لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ لِما أنَّ (p-116)النَّهْيَ عَنِ التَّأْثِيرِ نَهْيٌ عَنِ التَّأثُّرِ بِأصْلِهِ ونَفْيٌ لَهُ بِالمَرَّةِ، وقَدْ يُوَجَّهُ النَّهْيُ إلى اللّازِمِ والمُرادُ هُوَ: النَّهْيُ عَنِ المَلْزُومِ كَما في قَوْلِكَ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا، وقَرَأ "لا يُحْزِنْكَ" مِن أحْزَنَ المَنقُولِ مِن حَزِنَ بِكَسْرِ الزّايِ، والمَعْنى: واحِدٌ. وقِيلَ: مَعْنى حَزَنَهُ: جَعَلَ فِيهِ حُزْنًَا كَما في دَهَنَهُ، أيْ: جَعَلَ فِيهِ دُهْنًَا، ومَعْنى أحْزَنَهُ: جَعَلَهُ حَزِينًَا. وقِيلَ: مَعْنى حَزَنَهُ: أحْدَثَ لَهُ الحَزَنَ، ومَعْنى أحْزَنَهُ: عَرَّضَهُ لِلْحُزْنِ.
﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوُا اللَّهَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وتَكْمِيلٌ لِلتَّسْلِيَةِ بِتَحْقِيقِ نَفْيِ ضَرَرِهِمْ أبَدًَا، أيْ: لَنْ يَضُرُّوا بِذَلِكَ أوْلِياءَ اللَّهِ البَتَّةَ، وتَعْلِيقُ نَفْيِ الضَّرَرِ بِهِ تَعالى لِتَشْرِيفِهِمْ والإيذانِ بِأنَّ مُضارَّتَهم بِمَنزِلَةِ مُضارَّتِهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ مَزِيدُ مُبالَغَةٍ في التَّسْلِيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَيْئًا﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: شَيْئًَا مِنَ الضَّرَرِ، والتَّنْكِيرُ لِتَأْكِيدِ ما فِيهِ مِنَ القِلَّةِ والحَقارَةِ. وقِيلَ: عَلى نَزْعِ الجارِّ، أيْ: بِشَيْءٍ ما أصْلًَا. وقِيلَ: المَعْنى: لَنْ يَنْقُصُوا بِذَلِكَ مِن مُلْكِهِ تَعالى وسُلْطانِهِ شَيْئًَا، كَما رَوى أبُو ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وجِنَّكم وإنْسَكم كانُوا عَلى أتْقى قَلْبِ رَجُلٍ مِنكم ما زادَ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًَا، ولَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وجِنَّكم وإنْسَكم كانُوا عَلى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنكم ما نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًَا".» والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِمَقامِ التَّسْلِيَةِ والتَّعْلِيلِ.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِسِرِّ ابْتِلائِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الانْهِماكِ في الكُفْرِ، وفي ذِكْرِ الإرادَةِ مِنَ الإيذانِ بِكَمالِ خُلُوصِ الدّاعِي إلى حِرْمانِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ حَيْثُ تَعَلَّقَتْ بِهِما إرادَةُ أرْحَمِ الرّاحِمِينَ ما لا يَخْفى. وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدِّلالَةِ عَلى دَوامِ الإرادَةِ واسْتِمْرارِها، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ بِذَلِكَ أنْ لا يَجْعَلَ لَهم في الآخِرَةِ حَظًَّا مِنَ الثَّوابِ، ولِذَلِكَ تَرَكَهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ إلى أنْ يَهْلَكُوا عَلى الكُفْرِ.
﴿وَلَهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ الحِرْمانِ الكُلِّيِّ.
﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، قِيلَ: لَمّا دَلَّتِ المُسارَعَةُ في الشَّيْءِ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ وجَلالَةِ قَدْرِهِ عِنْدَ المُسارِعِ، وُصِفَ عَذابُهُ بِالعِظَمِ رِعايَةً لِلْمُناسَبَةِ وتَنْبِيهًَا عَلى حَقارَةِ ما سارَعُوا فِيهِ وخَساسَتِهِ في نَفْسِهِ، والجُمْلَةُ إمّا مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحَظِّهِمْ مِنَ العِقابِ إثْرَ بَيانِ أنْ لا شَيْءَ لَهم مِنَ الثَّوابِ، وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهُمْ، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ حِرْمانَهم مِنَ الثَّوابِ مُعَدًَّا لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ.
آل عمران 3:177
﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ أيْ: أخَذُوهُ بَدَلًَا مِنهُ رَغْبَةً فِيما أخَذُوهُ وإعْراضًَا عَمّا تَرَكُوهُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ القَوْلِ في هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ مُسْتَوْفىً.
﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ تَفْسِيرُهُ كَما مَرَّ غَيْرَ أنَّ فِيهِ تَعْرِيضًَا ظاهِرًَا بِاقْتِصارِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم فَإنْ جُعِلَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ المُسارِعِينَ المَعْهُودِينَ بِأنْ يُرادَ بِاشْتِراءِ الكُفْرِ بِالإيمانِ إيثارُهُ عَلَيْهِ إمّا بِأخْذِهِ بَدَلًَا مِنَ الإيمانِ الحاصِلِ بِالفِعْلِ كَما هو حالُ المُرْتَدِّينَ أوْ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ الحاصِلَةِ بِمُشاهَدَةِ دَلائِلِهِ في التَّوْراةِ كَما هو شَأْنُ اليَهُودِ ومُنافِقِيهِمْ، فالتَّكْرِيرُ لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ بِبَيانِ عِلَّتِهِ بِتَغْيِيرِ عُنْوانِ المَوْضُوعِ، فَإنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الاشْتِراءِ المَذْكُورِ صَرِيحٌ في لُحُوقِ ضَرَرِهِ بِأنْفُسِهِمْ وعَدَمِ تَعَدِّيهِ إلى غَيْرِهِمْ أصْلًَا، كَيْفَ لا؟ وهو عَلَمٌ في الخُسْرانِ الكُلِّيِّ والحِرْمانِ الأبَدِيِّ دالٌّ عَلى كَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ ورَكاكَةِ آرائِهِمْ فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنهم ما يَتَوَقَّفُ عَلى قُوَّةِ الحَزْمِ ورَزانَةِ الرَّأْيِ ورَصانَةِ التَّدْبِيرِ مِن مُضارَّةِ حِزْبِ اللَّهِ تَعالى وهي أعَزُّ مِنَ الأبْلَقِ الفَرْدِ وأمْنَعُ مِن عُقابِ الجَوِّ، وإنْ أُجْرِيَ المَوْصُولُ عَلى (p-117)عُمُومِهِ بِأنْ يُرادَ بِالِاشْتِراءِ المَذْكُورِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ الشّامِلُ لِلْمَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ ولِأخْذِ الكُفْرِ بَدَلًَا مِمّا نُزِّلَ مَنزِلَةَ نَفْسِ الإيمانِ مِنَ الاسْتِعْدادِ القَرِيبِ لَهُ الحاصِلِ بِمُشاهَدَةِ الوَحْيِ النّاطِقِ ومُلاحَظَةِ الدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ كَما هو دَأْبُ جَمِيعِ الكَفَرَةِ، فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها تَقْرِيرَ القَواعِدِ الكُلِّيَّةِ لِما انْدَرَجَ تَحْتَها مِن جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ، هَذا وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ المَوْصُولِ الأوَّلِ عامًَّا لِلْكُفّارِ، والثّانِي خاصًَّا بِالمَعْهُودِينَ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ النُّكَتِ المَذْكُورَةِ مِمّا لا يَلِيقُ بِفَخامَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ لِما أنَّ صُدُورَ المُسارَعَةِ في الكُفْرِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ وكَوْنَها مَظِنَّةً لِإيراثِ الحَزَنِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما يُفْهَمُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ إنَّما يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ عُلِمَ اتِّصافُهُ بِها، وأمّا مَن لا يُعْرَفُ حالُهُ مِنَ الكَفَرَةِ الكائِنِينَ في الأماكِنِ البَعِيدَةِ فَإسْنادُ المُسارَعَةِ المَذْكُورَةِ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ كَوْنِها مِن مَبادِي حُزْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومِمّا لا وجْهَ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ فَظاعَةِ عَذابِهِمْ بِذِكْرِ غايَةِ إيلامِهِ بَعْدَ ذِكْرِ نِهايَةِ عِظَمِهِ. قِيلَ: لَمّا جَرَتِ العادَةُ بِاغْتِباطِ المُشْتَرِي بِما اشْتَراهُ وسُرُورِهِ بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ كَوْنِ الصَّفْقَةِ رابِحَةً وبِتَألُّمِهِ عِنْدَ كَوْنِها خاسِرَةً، وُصِفَ عَذابُهم بِالإيلامِ مُراعاةً لِذَلِكَ.
آل عمران 3:178
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ﴾ الآيَةِ والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى المَوْصُولِ وأنَّ بِما في حَيِّزِها سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِتَمامِ المَقْصُودِ بِها، وهو تَعَلُّقُ الفِعْلِ القَلْبِيِّ بِالنِّسْبَةِ بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ، أوْ مَسَدَّ أحَدِهِما والآخَرُ مَحْذُوفٌ عِنْدَ الأخْفَشِ، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها ووَصْلُها في الكِتابَةِ لِاتِّباعِ الإمامِ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ أنَّ إمْلاءَنا لَهم أوْ أنَّ ما نُمْلِيهِ لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ أوْ لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ خَيْرِيَّةَ إمْلائِنا لَهم أوْ خَيْرِيَّةَ ما نُمْلِيهِ لَهم ثابِتَةً أوْ واقِعَةً ومَآلُهُ نَهْيُهم عَنِ السُّرُورِ بِظاهِرِ إمْلائِهِ تَعالى لَهم بِناءً عَلى حُسْبانِ خَيْرِيَّتِهِ لَهم وتَحْسِيرُهم بِبَيانِ أنَّهُ شَرٌّ بَحْتٌ وضَرَرٌ مَحْضٌ كَما أنَّ مَآلَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ نَهْيُ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ الحُزْنِ بِظاهِرِ حالِ الكَفَرَةِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ الضَّرَرِ مِن قِبَلِهِمْ وتَسْلِيَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا جِنْسُ الكَفَرَةِ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ حُكْمِهِ الكُلِّيِّ أحْكامُ المَعْهُودِينَ انْدِراجًَا أوَّلِيًَّا، وإمّا المَعْهُودُونَ خاصَّةً فَإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ لِرِعايَةِ المُقارَنَةِ الدّائِمَةِ بَيْنَ الصِّلَةِ وبَيْنَ الإمْلاءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ إمْهالِهِمْ وتَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنَهم دَهْرًَا طَوِيلًَا فَإنَّ المُقارِنَ لَهُ دائِمًَا إنَّما هو الكُفْرُ المُسْتَمِرُّ لا المُسارَعَةُ المَذْكُورَةُ ولا الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ فَإنَّهُما مِنَ الأحْوالِ المُتَجَدِّدَةِ المُنْقَضِيَةِ في تَضاعِيفِ الكُفْرِ المُسْتَمِرِّ. وقُرِئَ "لا تَحْسَبَنَّ" بِالتّاءِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ التَّسْلِيَةِ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الحُسْبانُ قَصْدًَا إلى إشاعَةِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ و"أنَّما نُمْلِي لَهُمْ" إمّا بَدَلٌ مِنهُ وحَيْثُ كانَ التَّعْوِيلُ عَلى البَدَلِ وهو سادٌّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى:﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ﴾ اقْتُصِرَ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ كَما في قَوْلِكَ: "جَعَلْتُ المَتاعَ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ" وإمّا مَفْعُولٌ ثانٍ بِتَقْدِيرِ مُضافِ إمّا فِيهِ، أيْ: لا تَحْسَبَنَّ (p-118)الَّذِينَ كَفَرُوا أصْحابَ أنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ، أوْ في المَفْعُولِ الأوَّلِ، أيْ: لا تَحْسَبَنَّ حالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ ومَعْنى التَّفْضِيلِ بِاعْتِبارِ زَعْمِهِمْ.
﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَةِ الإمْلاءِ، و"ما" كافَّةٌ واللّامُ لامُ الإرادَةِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لامُ العاقِبَةِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ هَهُنا عَلى إيقاعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ وكَسْرُها فِيما سَبَقَ عَلى أنَّهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ ومَعْمُولِهِ مُفِيدٌ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِإبْطالِ الحُسْبانِ، ورَدِّهِ عَلى مَعْنى لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ أنَّ إمْلاءَنا لَهم لِازْدِيادِ الإثْمِ حَسْبَما هو شَأْنُهم بَلْ إنَّما هو لِتَلافِي ما فَرَطَ مِنهم بِالتَّوْبَةِ والدُّخُولِ في الإيمانِ.
﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخِرَةِ.
﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لَمّا تَضَمَّنَ الإمْلاءُ التَّمْتِيعَ بِطَيِّباتِ الدُّنْيا وزِينَتِها وذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي التَّعَزُّزَ والتَّجَبُّرَ، وُصِفَ عَذابُهم بِالإهانَةِ لِيَكُونَ جَزاؤُهم جَزاءً وِفاقًَا، والجُمْلَةُ إمّا مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحالِهِمْ في الآخِرَةِ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا، وإمّا حالٌ مِنَ الواوِ أىْ: لِيَزْدادُوا إثْمًَا مُعَدًَّا لَهم عَذابٌ مُهِينٌ، وهَذا مُتَعَيِّنٌ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ.
آل عمران 3:179
﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِوَعْدِهِ المُؤْمِنِينَ ووَعِيدِهِ المُنافِقِينَ بِالعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي هي الفَضِيحَةُ والخِزْيُ إثْرَ بَيانِ عُقُوبَتِهِمُ الأُخْرَوِيَّةِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: المُخْلِصُونَ، وأمّا الخِطابُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لِجُمْهُورِ المُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الإخْلاصِ وأهْلِ النِّفاقِ فَفِيهِ التِفاتٌ في ضِمْنِ التَّلْوِينِ، والمُرادُ بِما هم عَلَيْهِ اخْتِلاطُ بَعْضِهِمْ بَعْضًَا واسْتِواؤُهم في إجْراءِ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ؛ إذْ هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ. وقِيلَ: إنَّهُ لِلْكُفّارِ والمُنافِقِينَ - وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ- فَفِيهِ تَلْوِينٌ فَقَطْ. ولَعَلَّ "المُنافِقِينَ" عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ لِلْكُفّارِ وإلّا فَلا شَرِكَةَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، والمُرادُ بِما هم عَلَيْهِ ما مَرَّ مِنَ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، فَإنَّهُ كَما يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلى الفَرِيقَيْنِ مَعًَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلى كُلٍّ مِنهُما لا الكُفْرِ والنِّفاقِ كَما قِيلَ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ ما كانُوا مُشارِكِينَ لَهم في ذَلِكَ حَتّى لا يُتْرَكُوا عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً -وَهُوَ قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ المَعانِي- فَفِيهِ تَلْوِينٌ والتِفاتٌ كَما مَرَّ، والتَّعَرُّضُ لِإيمانِهِمْ قَبْلَ الخِطابِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، والمُرادُ بِما هم عَلَيْهِ ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ والأوَّلُ هو الأقْرَبُ، وإلَيْهِ جَنَحَ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ لِكَوْنِهِ صَرِيحًَا في كَوْنِ المُرادِ بِما هم عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِن حَيْثُ هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُما، بِخِلافِ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ فَإنَّهُما بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، كَيْفَ لا؟ والمَفْهُومُ مِمّا عَلَيْهِ المُنافِقُونَ هو الكُفْرُ والنِّفاقُ، ومِمّا عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ هو الإيمانُ والإخْلاصُ لا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَهُما، ولَئِنْ فُهِمَ ذَلِكَ فَإنَّما يُفْهَمُ مِن حَيْثُ الِانْتِسابُ إلى أحَدِهِما لا مِن حَيْثُ الِانْتِسابُ إلَيْهِما مَعًَا وعَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ الِاخْتِلاطِ المُحْوِجِ إلى الإفْرازِ، واللّامُ في "لِيَذَرَ" إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِالخَبَرِ المُقَدَّرِ لِكانَ كَما هو رَأْيُ البَصْرِيَّةِ وانْتِصابُ الفِعْلِ بَعْدَها بِأنِ المُقَدَّرَةِ، أيْ: ما كانَ اللَّهُ مُرِيدًَا أوْ مُتَصَدِّيًَا لِأنْ يَذَرَ المُؤْمِنِينَ إلَخْ فَفي تَوْجِيهِ النَّفْيِ إلى إرادَةِ الفِعْلِ تَأْكِيدٌ ومُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في تَوْجِيهِهِ إلى نَفْسِهِ، (p-119)وَإمّا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ بِنَفْسِها كَما هو رَأْيُ الكُوفِيَّةِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ زِيادَتُها كَما لا يَقْدَحُ زِيادَةُ حُرُوفِ الجَرِّ في عَمَلِها، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ غايَةٌ لِما يُفِيدُهُ النَّفْيُ المَذْكُورُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَتْرُكُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ الِاخْتِلاطِ بَلْ يُقَدِّرُ الأُمُورَ ويُرَتِّبُ الأسْبابَ حَتّى يَعْزِلَ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُما بِما ورَدَ بِهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ تَسْجِيلٌ عَلى كُلٍّ مِنهُما بِما يَلِيقُ بِهِ وإشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإفْرادُ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ مَعَ تَعَدُّدِ ما أُرِيدَ بِكُلٍّ مِنهُما وتَكَثُّرِهِ، لا سِيَّما بَعْدَ ذِكْرِ ما أُرِيدَ بِأحَدِهِما -أعْنِي المُؤْمِنِينَ- بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ إفْرازِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الآخَرِ هو اتِّصافُهُما بِوَصْفِهِما لا خُصُوصِيَّةُ ذاتِهِما وتَعَدُّدُ آحادِهِما كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ حَيْثُ قَصَدَ الدِّلالَةَ عَلى الِاتِّصافِ بِالوَصْفِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِ المَوْصُوفِ مِنَ العُقَلاءِ أوْ غَيْرِهِمْ، وتَعْلِيقُ المَيْزِ بِالخَبِيثِ المُعَبَّرِ بِهِ عَنِ المُنافِقِ مَعَ أنَّ المُتَبادِرَ مِمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ تَرْكِ المُؤْمِنِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ تَعْلِيقُهُ بِهِمْ وإفْرازُهم عَنِ المُنافِقِينَ لِما أنَّ المَيْزَ الواقِعَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ إنَّما بِالتَّصَرُّفِ في المُنافِقِينَ وتَغْيِيرِهِمْ مِن حالٍ إلى حالٍ مُغايِرَةٍ لِلْأُولى مَعَ بَقاءِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أصْلِ الإيمانِ وإنْ ظَهَرَ مَزِيدُ إخْلاصِهِمْ لا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِمْ وتَغْيِيرِهِمْ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى مَعَ بَقاءِ المُنافِقِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الاسْتِتارِ، ولِأنَّ فِيهِ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ لِلْوَعِيدِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ وإنَّما لَمْ يُنْسَبْ عَدَمُ التَّرْكِ إلَيْهِمْ لِما أنَّهُ مُشْعِرٌ بِالِاعْتِناءِ بِشَأْنِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ عَدَمُ التَّرْكِ عَلى حالَةٍ غَيْرِ مُلائِمَةٍ كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ. وقُرِئَ "حَتّى يُمَيِّزَ" مِنَ التَّمْيِيزِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ المَيْزِ المَوْعُودِ عَلى طَرِيقِ تَجْرِيدِ الخِطابِ لِلْمُخْلِصِينَ تَشْرِيفًَا لَهم. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مِن يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَوْضِعَيْنِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ فالمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ لِيَتْرُكَ المُخْلِصِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ بِالمُنافِقِينَ بَلْ يُرَتِّبُ المَبادِئَ حَتّى يُخْرِجَ المُنافِقِينَ مِن بَيْنِهِمْ وما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِاطِّلاعِكم عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ ولَكِنَّهُ تَعالى يُوحِي إلى رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُخْبِرُهُ بِذَلِكَ وبِما ظَهَرَ مِنهم مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ حَسْبَما حُكِيَ عَنْهم بَعْضُهُ فِيما سَلَفَ، فَيَفْضَحُهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ويُخَلِّصُكم مِن خِسَّةِ الشُّرَكاءِ وسُوءِ جِوارِهِمْ، والتَّعَرُّضُ لِلِاجْتِباءِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُقُوفَ عَلى أمْثالِ تِلْكَ الأسْرارِ الغَيْبِيَّةِ لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ رَشَّحَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَنصِبٍ جَلِيلٍ تَقاصَرَتْ عَنْهُ هِمَمُ الأُمَمِ واصْطَفاهُ عَلى الجَماهِيرِ لِإرْشادِهِمْ، وتَعْمِيمُ الِاجْتِباءِ لِسائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا البابِ أمْرٌ مَتِينٌ لَهُ أصْلٌ أصِيلٌ جارٍ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى المَسْلُوكَةِ فِيما بَيْنَ الرُّسُلِ الخالِيَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَعْمِيمُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ مَعَ أنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِإيجابِ الإيمانِ بِهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ والإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ بِالكُلِّ لِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ، وهم شُهَداءُ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَأْمُورُ بِهِ الإيمانُ بِكُلِّ ما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيَدْخُلُ فِيهِ تَصْدِيقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما أخْبَرَ بِهِ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا هَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَتْرُكُكم مُخْتَلِطِينَ حَتّى يُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ بِأنْ يُكَلِّفَكُمُ التَّكالِيفَ الصَّعْبَةَ الَّتِي لا يَصْبِرُ عَلَيْها إلّا الخُلَّصُ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم كَبَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ وإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، (p-120)فَيَجْعَلَ ذَلِكَ عِيارًَا عَلى عَقائِدِكم وشاهِدًَا بِضَمائِرِكم حَتّى يَعْلَمَ بَعْضُكم بِما في قَلْبِ بَعْضٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ لا مِن جِهَةِ الوُقُوفِ عَلى ذاتِ الصُّدُورِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الِاسْتِدْراكَ بِاجْتِباءِ الرُّسُلِ المُنْبِئَ عَنْ مَزِيدِ مَزِيَّتِهِمْ وفَضْلِ مَعْرِفَتِهِمْ عَلى الخَلْقِ إثْرَ بَيانِ قُصُورِ رُتْبَتِهِمْ عَنِ الوُقُوفِ عَلى خَفايا السَّرائِرِ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ إظْهارُ تِلْكَ السَّرائِرِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ لا بِطَرِيقِ التَّكْلِيفِ بِما يُؤَدِّي إلى خُرُوجِ أسْرارِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخَفاءِ، وأقْرَبُ مِن ذَلِكَ حَمْلُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنْ تَكُونَ مَسُوقَةً لِبَيانِ الحِكْمَةِ في إمْلائِهِ تَعالى لِلْكَفَرَةِ إثْرَ بَيانِ شَرِّيَّتِهِ لَهم فالمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُخْلِصِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ أبَدًَا كَما تَرَكَهم كَذَلِكَ إلى الآنَ لِسِرٍّ يَقْتَضِيهِ بَلْ يَفْرِزُ عَنْهُمُ المُنافِقِينَ ولِذَلِكَ فَعَلَهُ يَوْمَئِذٍ حَيْثُ خَلّى الكَفَرَةَ وشَأْنَهم فَأبْرَزَ لَهم صُورَةَ الغَلَبَةِ فَأظْهَرَ مَن في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما فِيها مِنَ الخَبائِثِ وافْتُضِحُوا عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ. وقِيلَ: قالَ الكافِرُونَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًَا فَلْيُخْبِرْنا مَن يُؤْمِنُ مِنّا ومَن يَكْفُرُ فَنَزَلَتْ.
﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: بِما ذَكَرَ حَقَّ الإيمانِ.
﴿وَتَتَّقُوا﴾ أيْ: عَدَمَ مُراعاةِ حُقُوقِهِ أوِ النِّفاقَ.
﴿فَلَكُمْ﴾ بِمُقابَلَةِ ذَلِكَ الإيمانِ والتَّقْوى أجْرٌ عَظِيمٌ لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ.
آل عمران 3:180
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾ بَيانٌ لِحالِ البُخْلِ ووَخامَةِ عاقِبَتِهِ وتَخْطِئَةٌ لِأهْلِهِ في تَوَهُّمِ خَيْرِيَّتِهِ حَسَبَ بَيانِ حالِ الإمْلاءِ، وإيرادُ ما بَخِلُوا بِهِ بِعُنْوانِ إيتاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن فَضْلِهِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ بَذْلِهِ في سَبِيلِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى المَوْصُولِ والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ وضَمِيرُ الفَصْلِ راجِعٌ إلَيْهِ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ الباخِلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم مَدْخَلٌ فِيهِ أوِ اسْتِحْقاقٌ لَهُ هو خَيْرًَا لَهم مِن إنْفاقِهِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ ﷺ أوْ إلى ضَمِيرِ مَن يَحْسَبُ والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ والثّانِي ما ذُكِرَ كَما هو كَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الخِطابِ، أيْ: ولا يُحْسَبَنَّ بُخْلُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًَا لَهم.
﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ التَّنْصِيصُ عَلى شَرِّيَّتِهِ لَهم مَعَ انْفِهامِها مِن نَفْيِ خَيْرِيَّتِهِ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ شَرِّيَّتِهِ، أيْ: سَيُلْزَمُونَ وبالَ ما بَخِلُوا بِهِ إلْزامَ الطَّوْقِ عَلى أنَّهُ حُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ لِلْإيذانِ بِكَمالِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ مالِهِ إلّا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ شُجاعًَا في عُنُقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقِيلَ: « "يُجْعَلُ ما بَخِلَ بِهِ مِنَ الزَّكاةِ حَيَّةً في عُنُقِهِ تَنْهَشُهُ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ وتَنْقُرُ رَأْسَهُ وتَقُولُ أنا مالُكَ".» ﴿وَلِلَّهِ﴾ وحْدَهُ لا لِأحَدٍ غَيْرِهِ اسْتِقْلالًَا أوِ اشْتِراكًَا.
﴿مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما يَتَوارَثُهُ أهْلُهُما مِن مالٍ وغَيْرِهِ مِنَ الرِّسالاتِ الَّتِي يَتَوارَثُها أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ فَما لَهم يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ بِمُلْكِهِ ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِهِ أوْ أنَّهُ يَرِثُ مِنهم ما يُمْسِكُونَهُ ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِهِ تَعالى عِنْدَ هَلاكِهِمْ وتَبْقى عَلَيْهِمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ المَنعِ والبُخْلِ.
﴿خَبِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ (p-121)لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والِالتِفاتُ لِلْمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ والإشْعارِ بِاشْتِدادِ غَضَبِ الرَّحْمَنِ النّاشِئِ مِن ذِكْرِ قَبائِحِهِمْ، وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الظّاهِرِ.
آل عمران 3:181
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ قالَتْهُ اليَهُودُ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ . ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَتَبَ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وأنْ يُقْرِضُوُا اللَّهَ قَرْضًَا حَسَنًَا فَقالَ فِنْحاصُ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ حَتّى سَألَنا القَرْضَ فَلَطَمَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في وجْهِهِ وقالَ: لَوْلا الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكم مِنَ العَهْدِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَحَدَ ما قالَهُ فَنَزَلَتْ.» والجَمْعُ حِينَئِذٍ مَعَ كَوْنِ القائِلِ واحِدًَا لِرِضا الباقِينَ بِذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ تَعالى وأعَدَّ لَهُ مِنَ العَذابِ كُفْأهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالسَّماعِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِنَ الشَّناعَةِ والسَّماجَةِ بِحَيْثُ لا يَرْضى قائِلُهُ بِأنْ يَسْمَعَهُ سامِعٌ، والتَّوْكِيدُ القَسَمِيُّ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ.
﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ أيْ: سَنَكْتُبُ ما قالُوهُ مِنَ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ في صَحائِفِ الحَفَظَةِ أوْ سَنَحْفَظُهُ ونُثْبِتُهُ في عِلْمِنا لا نَنْساهُ ولا نُهْمِلُهُ كَما يَثْبُتُ المَكْتُوبُ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: لَنْ يَفُوتَنا أبَدًَا تَدْوِينُهُ وإثْباتُهُ لِكَوْنِهِ في غايَةِ العِظَمِ والهَوْلِ، كَيْفَ لا؟ وهو كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى واسْتِهْزاءٌ بِالقرآن العَظِيمِ والرَّسُولِ الكَرِيمِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ﴾ إيذانًَا بِأنَّهُما في العِظَمِ أخَوانِ وتَنْبِيهًَا عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأوَّلِ جَرِيمَةٍ ارْتَكَبُوها بَلْ لَهم فِيهِ سَوابِقُ وأنَّ مَنِ اجْتَرَأ عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ لَمْ يُسْتَبْعَدْ مِنهُ أمْثالُ هَذِهِ العَظائِمِ، والمُرادُ بِقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ: رِضاهم بِفِعْلِ أسْلافِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "قَتْلَهُمْ"، أيْ: كائِنًَا بِغَيْرِ حَقٍّ في اعْتِقادِهِمْ أيْضًَا كَما هو في نَفْسِ الأمْرِ. وقُرِئَ "سَيَكْتُبُ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و"سَيُكْتَبُ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و"قَتْلُهُمْ" بِالرَّفْعِ.
﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ: ونَنْتَقِمُ مِنهم بَعْدَ الكَتْبَةِ بِأنْ نَقُولَ لَهم ذُوقُوُا العَذابَ المُحْرِقَ كَما أذَقْتُمُ المُسْلِمِينَ الغُصَصَ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغاتِ ما لا يَخْفى. وقُرِئَ "وَيَقُولُ" بِالياءِ، ويُقالُ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
آل عمران 3:182
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَذابِ المَذْكُورِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدِّلالَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما اقْتَرَفْتُمُوهُ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ والتَّفَوُّهِ بِمِثْلِ تِلْكَ العَظِيمَةِ وغَيْرِها مِنَ المَعاصِي، والتَّعْبِيرُ عَنِ الأنْفُسِ بِالأيْدِي لِما أنَّ عامَّةَ أفاعِيلِها تُزاوَلُ بِهِنَّ ومَحَلُّ "أنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، أيْ: والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مِن قِبَلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ فَضْلًَا عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًَا بالِغًَا لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِنَ الظُّلْمِ كَما يُعَبَّرُ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ عَلى الأعْمالِ بِإضاعَتِها مَعَ أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَلْزَمَ مِن تَخَلُّفِهِ عَنْها ضَياعُها، وصِيغَةُ (p-122)المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في صُورَةِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ، وقِيلَ: هي لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: "فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ" عَلى أنَّها لِلْمُبالَغَةِ كَمًَّا لا كَيْفًَا، هَذا وقَدْ قِيلَ: مَحَلُّ "أنَّ" الجَرُّ بِالعَطْفِ عَلى ما قَدْ مَرَّ وسَبَبِيَّتُهُ لِلْعَذابِ مِن حَيْثُ أنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعَدْلِ المُقْتَضِي لِإثابَةِ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةِ المُسِيءِ، وفَسادُهُ ظاهِرٌ فَإنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحِقِّهِ لَيْسَ بِظُلْمٍ شَرْعًَا ولا عَقْلًَا حَتّى يَنْتَهِضَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًَا لِلتَّعْذِيبِ حَسْبَما ذَكَرَهُ القائِلُ في سُورَةِ الأنْفالِ. وقِيلَ: سَبَبِيَّةُ ذُنُوبِهِمْ لِعَذابِهِمْ مُقَيَّدَةٌ بِانْضِمامِ انْتِفاءِ ظُلْمِهِ تَعالى إلَيْها إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ بَلْ وُقُوعَهُ لا يُنافِي كَوْنَ تَعْذِيبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ حَتّى يُحْتاجَ إلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ مَعَهُ وإنَّما يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ أنْ لَوْ كانَ المُدَّعى أنَّ جَمِيعَ تَعْذِيباتِهِ تَعالى بِسَبَبِ ذُنُوبِ المُعَذَّبِينَ.
آل عمران 3:183
﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ نُصِبَ أوْ رُفِعَ عَلى الذَّمِّ وهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ومالِكُ بْنُ صَيْفِيٍّ وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وفِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ ووَهْبُ بْنُ يَهُوذا.
﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ أيْ: أمَرَنا في التَّوْراةِ وأوْصانا.
﴿ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ كَما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ كانَ يُقَرَّبُ بِالقُرْبانِ فَيَقُومُ النَّبِيُّ فَيَدْعُو فَتَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُهُ، أيْ: تُحِيلُهُ إلى طَبْعِها بِالإحْراقِ، وهَذا مِن مُفْتَرَياتِهِمْ وأباطِيلِهِمْ فَإنَّ أكْلَ النّارِ القُرْبانَ لَمْ يُوجِبِ الإيمانَ إلّا لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً فَهو وسائِرُ المُعْجِزاتِ سَواءٌ، ولَمّا كانَ مُحَصَّلُ كَلامِهِمُ الباطِلِ أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (لِعَدَمِ إتْيانِهِ بِما قالُوا، ولَوْ تَحَقَّقَ الإتْيانُ بِهِ لَتَحَقَّقَ الإيمانُ رُدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ أيْ: تَبْكِيتًَا لَهم وإظْهارًَا لِكَذِبِهِمْ.
﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ﴾ كَثِيرَةُ العَدَدِ كَبِيرَةُ المِقْدارِ.
﴿مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: المُعْجِزاتِ الواضِحَةِ.
﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ بِعَيْنِهِ مِنَ القُرْبانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ.
﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُكم مِن أنَّكم تُؤْمِنُونَ لِرَسُولٍ يَأْتِيكم بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ فَإنَّ زَكَرِيّا ويَحْيى وغَيْرَهم مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ جاءُوكم بِما قُلْتُمْ مَعَ مُعْجِزاتٍ أُخَرَ فَما لَكم لَمْ تُؤْمِنُوا لَهم حَتّى اجْتَرَأْتُمْ عَلى قَتْلِهِمْ.
آل عمران 3:184
﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ شُرُوعٌ في تَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إثْرَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ ما يُحْزِنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن مَقالاتِ الكَفَرَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ، أيْ: فَتَسَلَّ فَقَدْ كُذِّبَ إلَخْ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِ ﴿كُذِّبَ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٍ لِ ﴿رُسُلٌ﴾، أيْ: كائِنَةٌ مِن قَبْلِكَ.
﴿جاءُوا بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: المُعْجِزاتِ الواضِحاتِ صِفَةً لِ "رُسُلٌ".
﴿والزُّبُرِ﴾ هو جَمْعُ زَبُورٍ، وهو الكِتابُ المَقْصُورُ عَلى الحِكَمِ مِن زَبَرْتَهُ إذا حَسَّنْتَهُ. وقِيلَ: زُبُرُ المَواعِظِ والزَّواجِرِ مِن زَبَرْتَهُ إذا زَجَرْتَهُ.
﴿والكِتابِ المُنِيرِ﴾ قِيلَ: أيِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ، والكِتابُ في عُرْفِ القرآن ما يَتَضَمَّنُ الشَّرائِعَ والأحْكامَ، ولِذَلِكَ جاءَ الكِتابُ والحِكْمَةُ مُتَعاطِفَيْنِ في عامَّةِ المَواقِعِ. وقُرِئَ "وَبِالزُّبُرِ" بِإعادَةِ الجارِّ دِلالَةً عَلى أنَّها مُغايِرَةٌ بِالذّاتِ (p-123)لِلْبَيِّناتِ.
آل عمران 3:185
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْمُصَدِّقِ والمُكَذِّبِ، وقُرِئَ ﴿ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ بِالتَّنْوِينِ وعَدَمِهِ كَما في قَوْلِهِ:
وَلا ذاكِرُ اللَّهِ إلّا قَلِيلًَا
﴿وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ أيْ: تُعْطَوْنَ أجْزِيَةَ أعْمالِكم عَلى التَّمامِ والكَمالِ.
﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ قِيامِكم مِنَ القُبُورِ، وفي لَفْظِ التَّوْفِيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ بَعْضَ أُجُورِهِمْ يَصِلُ إلَيْهِمْ قَبْلَهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، القَبْرُ: «رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النِّيرانِ.» ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ﴾ أيْ: بَعُدَ عَنْها يَوْمَئِذٍ ونُجِّيَ، والزَّحْزَحَةُ في الأصْلِ: تَكْرِيرُ الزَّحِّ وهو الجَذْبُ بِعَجَلَةٍ.
﴿وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ بِالنَّجاةِ ونَيْلِ المُرادِ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويُدْخَلَ الجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْتِي إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ".» ﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: لَذّاتُها وزَخارِفُها.
﴿إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ شُبِّهَتْ بِالمَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويُغَرُّ حَتّى يَشْتَرِيَهُ وهَذا لِمَن آثَرَها عَلى الآخِرَةِ، فَأمّا مَن طَلَبَ بِها الآخِرَةَ فَهي لَهُ مَتاعُ بَلاغٍ، والغُرُورُ: إمّا مَصْدَرٌ أوْ جَمْعُ غارٍ.
آل عمران 3:186
﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ شُرُوعٌ في تَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَمّا سَيَلْقَوْنَهُ مِن جِهَةِ الكَفَرَةِ مِنَ المَكارِهِ إثْرَ تَسْلِيَتِهِمْ عَمّا قَدْ وقَعَ مِنهم لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى احْتِمالِهِ عِنْدَ وُقُوعِهِ ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ ويُقابِلُوهُ بِحُسْنِ الصَّبْرِ والثَّباتِ فَإنَّ هُجُومَ الأوْجالِ مِمّا يُزَلْزِلُ أقْدامَ الرِّجالِ والِاسْتِعْدادَ لِلْكُرُوبِ مِمّا يُهَوِّنُ الخُطُوبَ، وأصْلُ الِابْتِلاءِ: الِاخْتِبارُ، أيْ: تَطْلُبُ الخِبْرَةَ بِحالِ المُخْتَبَرِ بِتَعْرِيضِهِ لِأمْرٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ غالِبًَا مُلابَسَتُهُ ومُقارَفَتُهُ وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةً مِمّا لا وُقُوفَ لَهُ عَلى عَواقِبِ الأُمُورِ، وأمّا مِن جِهَةِ العَلِيمِ الخَبِيرِ فَلا يَكُونُ إلّا مَجازًَا مِن تَمْكِينِهِ لِلْعَبْدِ مِنِ اخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ أوِ الأُمُورِ قَبْلَ أنْ يُرَتِّبَ عَلَيْهِ شَيْئًَا هو مِن مَبادِيهِ العادِيَّةِ كَما مَرَّ، والجُمْلَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَتُبْلَوُنَّ، أيْ: لَتُعامَلُنَّ مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ لِيَظْهَرَ ما عِنْدَكم مِنَ الثَّباتِ عَلى الحَقِّ والأعْمالِ الحَسَنَةِ وفائِدَةُ التَّوْكِيدِ إمّا تَحْقِيقُ مَعْنى الِابْتِلاءِ تَهْوِينًَا لِلْخَطْبِ، وإمّا تَحْقِيقُ وُقُوعِ المُبْتَلى بِهِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلى ما أُرِيدَ مِنهم مِنَ التَّهَيُّؤِ والِاسْتِعْدادِ.
﴿فِي أمْوالِكُمْ﴾ بِما يَقَعُ فِيها مِن ضُرُوبِ الآفاتِ المُؤَدِّيَةِ إلى هَلاكِها، وأمّا إنْفاقُها في سَبِيلِ الخَيْرِ مُطْلَقًَا فَلا يَلِيقُ نَظْمًَا في سِلْكِ الِابْتِلاءِ لِما أنَّهُ مِن بابِ الإضْعافِ لا مِن قَبِيلِ الإتْلافِ.
﴿وَأنْفُسِكُمْ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والجِراحِ وما يَرِدُ عَلَيْها مِن أصْنافِ المَتاعِبِ والمَخاوِفِ والشَّدائِدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ الأمْوالِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الهَلَكَةِ فِيها.
﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ إيتائِكُمُ القرآن، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِمَدارِ الشِّقاقِ والإيذانِ بِأنَّ بَعْضَ ما يَسْمَعُونَهُ مِنهم مُسْتَنِدٌ عَلى زَعْمِهِمْ إلى الكِتابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ (p-124)اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ إلَخْ، والتَّصْرِيحُ بِالقَبْلِيَّةِ لِتَأْكِيدِ الإشْعارِ وتَقْوِيَةِ المَدارِ فَإنَّ قِدَمَ نُزُولِ كِتابِهِمْ مِمّا يُؤَيِّدُ تَمَسُّكَهم بِهِ.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ مِنَ الطَّعْنِ في الدِّينِ الحَنِيفِ والقَدْحِ في أحْكامِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وصَدِّ مَن أرادَ أنْ يُؤْمِنَ وتَخْطِئَةِ مَن آمَنَ وما كانَ مِن كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأضْرابِهِ مِن هِجاءِ المُؤْمِنِينَ وتَحْرِيضِ المُشْرِكِينَ عَلى مُضادَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ.
﴿وَإنْ تَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى تِلْكَ الشَّدائِدِ والبَلْوى عِنْدَ وُرُودِها وتُقابِلُوها بِحُسْنِ التَّجَمُّلِ.
﴿وَتَتَّقُوا﴾ أيْ: تَتَبَتَّلُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ بِالمَرَّةِ بِحَيْثُ يَتَساوى عِنْدَكم وُصُولُ المَحْبُوبِ ولِقاءُ المَكْرُوهِ.
﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الصَّبْرِ والتَّقْوى وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِما وبُعْدِ مَنزِلَتِهِما، وتَوْحِيدُ حَرْفِ الخِطابِ إمّا بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالخِطابِ مُجَرَّدُ التَّنْبِيهِ مِن غَيْرِ مُلاحَظَةِ خُصُوصِيَّةِ أحْوالِ المُخاطَبِينَ.
﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ مِن مَعْزُوماتِها الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ أىْ مِمّا يُحِبُّ أنْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ لِما فِيهِ مِن كَمالِ المَزِيَّةِ والشَّرَفِ أوْ مِمّا عَزَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأمَرَ بِهِ وبالَغَ فِيهِ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ مِن عَزَماتِ اللَّهِ تَعالى لا بُدَّ أنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ واقِعٌ مَوْقِعَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَهو خَيْرٌ لَكم أوْ فافْعَلُوا أوْ فَقَدْ أحْسَنْتُمْ أوْ فَقَدْ أصَبْتُمْ فَإنَّ ذَلِكَ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى صَبْرِ المُخاطَبِينَ وتَقْواهم فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ جَوابُ الشَّرْطِ، وفي إبْرازِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى في صُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ مِن إظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ بِالعِبادِ ما لا يَخْفى.
آل عمران 3:187
﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِبَيانِ بَعْضِ أذِيّاتِهِمْ وهو كِتْمانُهم ما في كِتابِهِمْ مِن شَواهِدِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِها و"إذْ" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ خاصَّةً بِطَرِيقِ تَجْرِيدِ الخِطابِ إثْرَ الخِطابِ الشّامِلِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِلْمُؤْمِنِينَ لِكَوْنِ مَضْمُونِهِ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها عَلى ما مَرَّ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ﴾ إلَخْ، أيِ: اذْكُرْ وقْتَ أخْذِهِ تَعالى.
﴿مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ﴾ وهم عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى ذُكِرُوا بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ.
﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ حِكايَةٌ لِما خُوطِبُوا بِهِ، والضَّمِيرُ لِلْكِتابِ وهو جَوابٌ لِقَسَمٍ يُنْبِئُ عَنْهُ أخْذُ المِيثاقِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: بِاللَّهِ لَتُبَيِّنُنَّهُ.
﴿لِلنّاسِ﴾ وتُظْهِرُنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو المَقْصُودُ بِالحِكايَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ لِأنَّهم غُيَّبٌ.
﴿وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ وإنَّما لَمْ يُؤَكَّدْ بِالنُّونِ لِكَوْنِهِ مَنفِيًَّا كَما في قَوْلِكَ: "واللَّهِ لا يَقُومُ زَيْدٌ". وقِيلَ: اكْتُفِيَ بِالتَّأْكِيدِ في الأوَّلِ لِأنَّهُ تَأْكِيدٌ لَهُ. وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إمّا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ بَعْدَ الواوِ، أيْ: وأنْتُمْ لا تَكْتُمُونَهُ، وإمّا عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ دُخُولَ الواوِ عَلى المُضارِعِ المَنفِيِّ عِنْدَ وُقُوعِهِ حالًَا، أيْ: لَتُبَيِّنُنَّهُ غَيْرَ كاتِمِينَ والنَّهْيُ عَنِ الكِتْمانِ بَعْدَ الأمْرِ بِالبَيانِ (p-125)إمّا لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ، وإمّا المُرادُ بِالبَيانِ المَأْمُورِ بِهِ ذِكْرُ الآياتِ النّاطِقَةِ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِالكِتْمانِ المَنهِيِّ عَنْهُ إلْقاءُ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ والشُّبُهاتِ الباطِلَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ كَما قَبْلَهُ.
﴿فَنَبَذُوهُ﴾ النَّبْذُ: الرَّمْيُ والإبْعادُ، أيْ: طَرَحُوا ما أُخِذَ مِنهم مِنَ المِيثاقِ المُوَثَّقِ بِفُنُونِ التَّأْكِيدِ وألْقَوْهُ ﴿وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ولَمْ يُراعُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ أصْلًَا، فَإنَّ نَبْذَ الشَّيْءِ وراءَ الظَّهْرِ مَثَلٌ في الِاسْتِهانَةِ بِهِ والإعْراضِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ كَما أنَّ جَعْلَهُ نَصْبَ العَيْنِ عَلَمٌ في كَمالِ العِنايَةِ بِهِ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى تَحَتُّمِ بَيانِ الحَقِّ عَلى عُلَماءِ الدِّينِ وإظْهارِ ما مُنِحُوهُ مِنَ العِلْمِ لِلنّاسِ أجْمَعِينَ وحُرْمَةِ كِتْمانِهِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ أوْ لِطَمَعٍ في عَرَضٍ مِنَ الأعْراضِ الفانِيَةِ الكاسِدَةِ ما لا يَخْفى. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ "مَن كَتَمَ عِلْمًَا عَنْ أهْلِهِ أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ". وعَنْ طاوُوسَ أنَّهُ قالَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: "إنِّي أرى اللَّهَ سَوْفَ يُعَذِّبُكَ بِهَذِهِ الكُتُبِ"، وقالَ: "واللَّهِ لَوْ كُنْتُ نَبِيًَّا فَكَتَمْتُ العِلْمَ كَما تَكْتُمُهُ لَرَأيْتُ أنَّ اللَّهَ سَيُعَذِّبُكَ". وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ "لا يَحِلُّ لِأحَدٍ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَسْكُتَ عَلى عِلْمِهِ ولا يَحِلُّ لِجاهِلٍ أنْ يَسْكُتَ عَلى جَهْلِهِ حَتّى يَسْألَ". وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "ما أخَذَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الجَهْلِ أنْ يَتَعَلَّمُوا حَتّى أخَذَ عَلى أهْلِ العِلْمِ أنْ يُعَلِّمُوا".
﴿واشْتَرَوْا بِهِ﴾ أيْ: بِالكِتابِ الَّذِي أُمِرُوا بِبَيانِهِ ونُهُوا عَنْ كِتْمانِهِ، فَإنَّ ذِكْرَ نَبْذِ المِيثاقِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ دِلالَةً واضِحَةً وإيقاعُ الفِعْلِ عَلى الكُلِّ مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِ كَتْمُ بَعْضِهِ كَدَلائِلِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَحْوِها لِما أنَّ ذَلِكَ كَتْمٌ لِلْكُلِّ إذْ بِهِ يَتِمُّ الكِتابُ كَما أنَّ رَفْضَ بَعْضِ أرْكانِ الصَّلاةِ رَفْضٌ لِكُلِّها أوْ بِمَنزِلَةِ كَتْمِ الكُلِّ مِن حَيْثُ إنَّهُما سِيّانِ في الشَّناعَةِ واسْتِجْرارِ العِقابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ والِاشْتِراءُ مُسْتَعارٌ لِاسْتِبْدالِ مَتاعِ الدُّنْيا بِما كَتَمُوهُ، أيْ: تَرَكُوا ما أُمِرُوا بِهِ وأخَذُوا بَدَلَهُ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: شَيْئًَا تافِهًَا حَقِيرًَا مِن حُطامِ الدُّنْيا وأعْراضِها، وفي تَصْوِيرِ هَذِهِ المُعامَلَةِ بِعَقْدِ المُعاوَضَةِ لاسِيَّما بِالِاشْتِراءِ المُؤْذِنِ بِالرَّغْبَةِ في المَأْخُوذِ والإعْراضِ عَنِ المُعْطى والتَّعْبِيرِ عَنِ المُشْتَرى الَّذِي هو العُمْدَةُ في العَقْدِ، والمَقْصُودُ بِالمُعامَلَةِ بِالثَّمَنِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ وسِيلَةً إلَيْهِ وجَعْلِ الكِتابِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَتَنافَسَ فِيهِ المُتَنافِسُونَ مَصْحُوبًَا بِالباءِ الدّاخِلَةِ عَلى الآلاتِ والوَسائِلِ مِن نِهايَةِ الجَزالَةِ والدِّلالَةِ عَلى كَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ وغايَةِ قُبْحِها بِإيثارِهِمُ الدَّنِيءَ الحَقِيرَ عَلى الشَّرِيفِ الخَطِيرِ وتَعْكِيسِهِمْ بِجَعْلِهِمُ المَقْصِدَ الأصْلِيَّ وسِيلَةً والوَسِيلَةَ مَقْصِدًَا ما لا يَخْفى جَلالَةُ شَأْنِهِ ورِفْعَةُ مَكانِهِ.
﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ "ما" نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ "بِئْسَ" و"يَشْتَرُونَ" صِفَتُهُ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: بِئْسَ شَيْئًَا يَشْتَرُونَهُ ذَلِكَ الثَّمَنُ.
آل عمران 3:188
﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لَهُ.
﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ أيْ: بِما فَعَلُوا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ "يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا"، وقُرِئَ "بِما آتَوْا" بِمَعْنى أعْطَوْا "وَبِما أُوتُوا" أىْ: بِما أُوتُوهُ مِن عِلْمِ التَّوْراةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هُمُ اليَهُودُ حَرَّفُوُا التَّوْراةَ وفَرِحُوا بِذَلِكَ وأحَبُّوا أنْ يُوصَفُوا بِالدِّيانَةِ والفَضْلِ. رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَألَ اليَهُودَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا في التَّوْراةِ فَكَتَمُوا (p-126)الحَقَّ وأخْبَرُوهُ بِخِلافِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ صَدَقُوهُ واسْتَحْمَدُوا إلَيْهِ وفَرِحُوا بِما فَعَلُوا. وقِيلَ: فَرِحُوا بِكِتْمانِ النُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم مُتَّبِعُونَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فالمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المَذْكُورِينَ أوْ عَنْ مَشاهِيرِهِمْ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما تَسْتَتْبِعُهُ أعْمالُهُمُ المَحْكِيَّةُ مِنَ العِقابِ الأُخْرَوِيِّ إثْرَ بَيانِ قَباحَتِها، وقَدْ أُدْمِجَ فِيها بَيانُ بَعْضٍ آخَرَ مِن شَنائِعِهِمْ وهو إصْرارُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ وفَرَحُهم بِذَلِكَ ومَحَبَّتُهم لِأنْ يُوصَفُوا بِما لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وقَدْ نُظِمَ ذَلِكَ في سِلْكِ الصِّلَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الثُّبُوتِ لِلْمَوْصُولِ عِنْدَ المُخاطَبِ إيذانًَا بِشُهْرَةِ اتِّصافِهِمْ بِذَلِكَ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ ثُمَّ اعْتَذَرُوا بِأنَّهم رَأوُا المَصْلَحَةَ في ذَلِكَ واسْتَحْمَدُوا بِهِ. وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ كافَّةً، وهو الأنْسَبُ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ لِشُهْرَةِ أنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِن إظْهارِ الإيمانِ وقُلُوبُهم مُطْمَئِنَّةٌ بِالكُفْرِ ويَسْتَحْمِدُونَ إلى المُسْلِمِينَ بِالإيمانِ وهم عَنْ فِعْلِهِ بِألْفِ مَعْزِلٍ وكانُوا يُظْهِرُونَ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ وهم في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ العَداوَةِ. فالمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ طائِفَةٍ مَعْهُودَةٍ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ فَإنَّ أكْثَرَ المُنافِقِينَ كانُوا مِنَ اليَهُودِ، ولَعَلَّ الأوْلى إجْراءُ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ شامِلًَا لِكُلِّ مَن يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنَ الحَسَناتِ فَيَفْرَحُ بِهِ فَرَحَ إعْجابٍ ويَوَدُّ أنْ يَمْدَحَهُ النّاسُ بِما هو عارٍ مِنهُ مِنَ الفَضائِلِ مُنْتَظِمًَا لِلْمَعْهُودِينَ انْتِظامًَا أوَّلِيًَّا، وأيًَّا ما كانَ؛ فَهو مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِـ"تَحْسَبَنَّ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ، والفاءُ زائِدَةٌ والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِنَجاةٍ مِنهُ عَلى أنَّ المَفازَةَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ ولا يَضُرُّ تَأْنِيثُها بِالتّاءِ لِما أنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلَيْها ولَيْسَتْ لِلدِّلالَةِ عَلى الوَحْدَةِ كَما في قَوْلِهِ:
؎ فَلَوْلا رَجاءُ النَّصْرِ مِنكَ ورَهْبَةُ ∗∗∗ عِقابِكَ قَدْ كانُوا لَنا بِالمَوارِدِ
وَلا سَبِيلَ إلى جَعْلِها اسْمَ مَكانٍ عَلى أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها، أيْ: بِمَفازَةٍ كائِنَةٍ مِنَ العَذابِ لِأنَّها لَيْسَتْ مِنَ العَذابِ، وتَقْدِيرُ فِعْلٍ خاصٍّ لِيَصِحَّ بِهِ المَعْنى، أيْ: بِمَفازَةٍ مُنْجِيَةٍ مِنَ العَذابِ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الأصْلِ تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنىً عَنْهُ. وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ في الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّ الخِطابَ شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًَا. وقُرِئَ بِياءِ الغَيْبَةِ وفَتْحِ الباءِ فِيهِما عَلى أنَّ الفِعْلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُ الحُسْبانُ ومَفْعُولاهُ كَما ذُكِرَ. وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ في الثّانِي فَقَطْ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْمَوْصُولِ والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِكَوْنِهِ عَيْنَ الفاعِلِ والثّانِي بِمَفازَةٍ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ أنْفُسَهم فائِزِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ والفاءُ زائِدَةٌ كَما مَرَّ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الفِعْلُ الأوَّلُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولَيْنِ مَعًَا اخْتِصارًَا لِدِلالَةِ مَفْعُولَيِ الثّانِي عَلَيْهِما عَلى عَكْسِ ما في قَوْلِهِ:
؎ بِأيِّ كِتابٍ أوْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ تَرى حُبَّهم عارًَا عَلَيَّ وتَحْسَبُ
حَيْثُ حُذِفَ فِيهِ مَفْعُولا الثّانِي لِدِلالَةِ مَفْعُولَيِ الأوَّلِ عَلَيْهِما أوْ عَلى أنَّ الفِعْلَ الأوَّلَ لِلرَّسُولِ ﷺ أوْ لِكُلِّ حاسِبٍ ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ المَوْصُولُ والثّانِي مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ مَفْعُولِ الفِعْلِ الثّانِي عَلَيْهِ والفِعْلُ الثّانِي مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ المَوْصُولِ والفاءُ لِلْعَطْفِ لِظُهُورِ تَفَرُّعِ عَدَمِ حُسْبانِهِمْ عَلى عَدَمِ حُسْبانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَفْعُولاهُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِمَفازَةٍ﴾ وتَصْدِيرُ الوَعِيدِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الحُسْبانِ المَذْكُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُطْلانِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ وقَطْعِ أطْماعِهِمِ الفارِغَةِ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَنْجُونَ بِما صَنَعُوا مِن عَذابِ الآخِرَةِ كَما نَجَوْا بِهِ مِنَ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وعَلَيْهِ كانَ مَبْنى فَرَحِهِمْ، وأمّا نَهْيُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِلتَّعْرِيضِ بِحُسْبانِهِمِ المَذْكُورِ لا لِاحْتِمالِ وُقُوعِ الحُسْبانِ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بَعْدَما أُشِيرَ (p-127)إلى عَدَمِ نَجاتِهِمْ مِن مُطْلَقِ العَذابِ حَقَّقَ أنَّ لَهم فَرْدًَا مِنهُ لا غايَةَ لَهُ في المُدَّةِ والشِّدَّةِ كَما تَلُوحُ بِهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ والتَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ والوَصْفُ.
آل عمران 3:189
﴿وَلِلَّهِ﴾ أيْ: خاصَّةً.* ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: السُّلْطانُ القاهِرُ فِيهِما بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ فِيهِما وفِيما فِيهِما كَيْفَما يَشاءُ ويُرِيدُ إيجادًَا وإعْدامًَا إحْياءً وإماتَةً تَعْذِيبًَا وإثابَةً مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ شائِبَةُ دَخْلٍ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَقْرِيرٌ لِاخْتِصاصِ مُلْكِ العالَمِ الجُثْمانِيِّ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِقُطْرَيْهِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًَا عَلى الكُلِّ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِن مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ يَسْتَدْعِي كَوْنَ ما سِواهُ كائِنًَا ما كانَ مَقْدُورًَا لَهُ، ومِن ضَرُورَتِهِ اخْتِصاصُ القُدْرَةِ بِهِ تَعالى واسْتِحالَةُ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ في القُدْرَةِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَضْلًَا عَنِ المُشارَكَةِ في مِلْكِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وفِيهِ تَقْرِيرُهُ لِما مَرَّ مِن ثُبُوتِ العَذابِ الألِيمِ لَهم وعَدَمِ نَجاتِهِمْ مِنهُ أثَرَ تَقْرِيرٍ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإشْعارِ بِمَناطِ الحُكْمِ فَإنَّ شُمُولَ القُدْرَةِ لِجَمِيعِ الأشْياءِ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ بِالتَّقْرِيرِ.
آل عمران 3:190
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِنِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالسُّلْطانِ القاهِرِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ التَّأْكِيدِ اعْتِناءً بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها، أيْ: في إنْشائِها عَلى ما هي عَلَيْهِ في ذَواتِها وصِفاتِها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَحارُ في فَهْمِ أجْلاها العُقُولُ.
﴿والأرْضِ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ ذاتًَا وصِفَةً.
﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: في تَعاقُبِهِما في وجْهِ الأرْضِ وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خِلْفَةً لِلْآخَرِ بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها التّابِعَيْنِ لِحَرَكاتِ السَّمَواتِ وسُكُونِ الأرْضِ أوْ في تَفاوُتِهِما بِازْدِيادِ كُلٍّ مِنهُما بِانْتِقاصِ الآخَرِ وانْتِقاصِهِ بِازْدِيادِهِ بِاخْتِلافِ حالِ الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا قُرْبًَا وبُعْدًَا بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ أوْ في اخْتِلافِهِما وتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ الأمْكِنَةِ إمّا في الطُّولِ والقِصَرِ، فَإنَّ البِلادَ القَرِيبَةَ مِنَ القُطْبِ الشَّمالِيِّ أيّامُها الصَّيْفِيَّةُ أطْوَلُ ولَيالِيها الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرُ مِن أيّامِ البِلادِ البَعِيدَةِ مِنهُ ولَيالِيها، وإمّا في أنْفُسِها فَإنَّ كُرِيَّةَ الأرْضِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأوْقاتِ في بَعْضِ الأماكِنِ لَيْلًَا وفي مُقابِلِهِ نَهارًَا وفي بَعْضِها صَباحًَا وفي بَعْضِها ظُهْرًَا أوْ عَصْرًَا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، و"اللَّيْلُ" قِيلَ: إنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يُفَرَّقُ بَيْنَ واحِدِهِ، وجَمْعِهِ بِالتّاءِ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ واللَّيالِي جَمْعُ جَمْعٍ والصَّحِيحُ أنَّهُ مُفْرَدٌ ولا يُحْفَظُ لَهُ جَمْعٌ واللَّيالِي جَمْعُ لَيْلَةٍ وهو جَمْعٌ غَرِيبٌ كَأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّها لَيْلاةٌ كَما في كَيْكَةٍ وكَياكِي كَأنَّها جَمْعُ كَيْكاةٍ، و"النَّهارُ" اسْمٌ لِما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وغُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَهُ الرّاغِبُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: هو ضِياءُ ما بَيْنَهُما، وتَقْدِيمُ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ إمّا لِأنَّهُ الأصْلُ فَإنَّ غُرَرَ الشُّهُورِ تَظْهَرُ في اللَّيالِي، وإمّا لِتَقَدُّمِهِ في الخَلْفِيَّةِ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ أيْ: نُزِيلُهُ مِنهُ فَيَخْلُفُهُ.
﴿لآياتٍ﴾ اسْمُ إنَّ دَخَلَتْهُ اللّامُ لِتَأخُّرِهِ عَنْ خَبَرِها والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ كَمًَّا وكَيْفًَا، أيْ: لَآياتٍ كَثِيرَةً عَظِيمَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها دالَّةٍ عَلى تَعاجِيبِ شُئُونِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما مَرَّ مِنِ اخْتِصاصِ المُلْكِ العَظِيمِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، وعَدَمُ (p-128)التَّعَرُّضِ لِما ذُكِرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ مِنَ الفُلْكِ والمَطَرِ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ لِما أنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِما ذُكِرَ مِنَ المُلْكِ والقُدْرَةِ فاكْتُفِيَ بِمُعْظَمِ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ، وأمّا هُناكَ فَقَدَ قُصِدَ في ضِمْنِ بَيانِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ بَيانُ اتِّصافِهِ تَعالى بِالرَّحْمَةِ الواسِعَةِ فَنُظِمَتْ دَلائِلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ في سِلْكِ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ فَإنَّ ما فُصِّلَ هُناكَ مِن آياتِ رَحْمَتِهِ تَعالى كَما أنَّهُ آياتُ أُلُوهِيَّتِهِ ووَحْدَتِهِ.
﴿لأُولِي الألباب﴾ أيْ: لِذَوِي العُقُولِ المَجْلُوَّةِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الحِسِّ والوَهْمِ المُتَجَرِّدِينَ عَنِ العَلائِقِ النَّفْسانِيَّةِ المُتَخَلِّصِينَ مِنَ العَوائِقِ الظَّلْمانِيَّةِ المُتَأمِّلِينَ في أحْوالِ الحَقائِقِ وأحْكامِ النُّعُوتِ المُراقِبِينَ في أطْوارِ المُلْكِ وأسْرارِ المَلَكُوتِ المُتَفَكِّرِينَ في بَدائِعِ صَنائِعِ المَلِكِ الخَلّاقِ المُتَدَبِّرِينَ في رَوائِعِ حِكَمِهِ المُودَعَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ النّاظِرِينَ إلى العالَمِ بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ والشُّهُودِ المُتَفَحِّصِينَ عَنْ حَقِيقَةِ سِرِّ الحَقِّ في كُلِّ مَوْجُودٍ المُثابِرِينَ عَلى مُراقَبَتِهِ وذِكْراهُ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى شَيْءٍ مِمّا سِواهُ إلّا مِن حَيْثُ إنَّهُ مِرْآةٌ لِمُشاهَدَةِ جَمالِهِ وآلَةٌ لِمُلاحَظَةِ صِفاتِ كَمالِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما ظَهَرَ في مَظاهِرِ الإبْداعِ وحَضَرَ مَحاضِرَ التَّكْوِينِ والِاخْتِراعِ سَبِيلٌ سَوِيٌّ إلى عالَمِ التَّوْحِيدِ ودَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى الصّانِعِ المُجِيدِ ناطِقٌ بِآياتِ قدرته فَهَلْ مِن سامِعٍ واعٍ ومُخْبِرٍ بِأنْباءِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ؟ فَهَلْ لَهُ مِن داعٍ يُكَلِّمُ النّاسَ عَلى قَدْرِ عُقُولِهِمْ ويَرُدُّ جَوابَهم بِحَسَبِ مَقُولِهِمْ يُحاوِرُ تارَةً بِأوْضَحِ عِبارَةٍ ويُلَوِّحُ أُخْرى بِألْطَفِ إشارَةٍ مُراعِيًَا في الحِوارِ إبْهامَهم وتَصْرِيحَهُمْ، وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ؛ فَتَأمَّلْ في هَذِهِ الشُّؤُونِ والأسْرارِ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ.
«عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: هَلْ لَكِ يا عائِشَةُ أنْ تَأْذَنِي لِيَ اللَّيْلَةَ في عِبادَةِ رَبِّي؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وأُحِبُّ هَواكَ قَدْ أذِنْتُ لَكَ فَقامَ إلى قِرْبَةٍ مِن ماءٍ في البَيْتِ فَتَوَضَّأ ولَمْ يُكْثِرْ مِن صَبِّ الماءِ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي فَقَرَأ مِنَ القرآن وجَعَلَ يَبْكِي حَتّى بَلَغَ الدُّمُوعُ حِقْوَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ وجَعَلَ يَبْكِي ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَبْكِي حَتّى رَأيْتُ دُمُوعَهُ قَدْ بَلَّتِ الأرْضَ، فَأتاهُ بِلالٌ يُؤْذِنُهُ بِصَلاةِ الغَداةِ فَرَآهُ يَبْكِي فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَبْكِي وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ؟! فَقالَ: يا بِلالُ أفَلا أكُونُ عَبْدًَا شَكُورًَا ثُمَّ قالَ: ومالِي لا أبْكِي وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلىَّ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلَخْ ثُمَّ قالَ: ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها.» ورُوِيَ ﴿وَيْلٌ لِمَن لاكَها بَيْنَ فَكَّيْهِ ولَمْ يَتَأمَّلْها﴾ وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَسَوَّكُ ثُمَّ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾» .
آل عمران 3:191
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ المَوْصُولُ إمّا مَوْصُولٌ بِـ"أُولِي الألباب" مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ كاشِفٌ لَهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإمّا مَفْصُولٌ عَنْهُ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ هو القَوْلُ المُقَدَّرُ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا﴾ وفِيهِ مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ الجَلِيلِ ما لا يَخْفى. وأيًَّا ما كانَ فَقَدْ أُشِيرَ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ أنَّ (p-129)المُرادَ بِهِمُ الَّذِينَ لا يَغْفُلُونَ عَنْهُ تَعالى في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ لِاطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِذِكْرِهِ واسْتِغْراقِ سَرائِرِهِمْ في مُراقَبَتِهِ لِما أيْقَنُوا بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فائِضٌ مِنهُ وعائِدٌ إلَيْهِ فَلا يُشاهِدُونَ حالًَا مِنَ الأحْوالِ في أنْفُسِهِمْ - وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ - ولا في الآفاقِ- وإلَيْهِ أُشِيرَ بِما بَعْدَهُ - إلّا وهم يُعايِنُونَ في ذَلِكَ شَأْنًَا مِن شُئُونِهِ تَعالى، فالمُرادُ بِهِ ذِكْرُهُ تَعالى مُطْلَقًَا سَواءً كانَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الذّاتُ أوْ مِن حَيْثُ الصِّفاتُ والأفْعالُ وسَواءً قارَنَهُ الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ أوْ لا، وأمّا ما يُحْكى عَنِ ابْنِ عُمَرَ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وجَماعَةٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِن أنَّهم خَرَجُوا يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلّى فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ بَعْضُهُمْ: أما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ فَقامُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلى أقْدامِهِمْ فَلَيْسَ مُرادُهم بِهِ تَفْسِيرَ الآيَةِ وتَحْقِيقَ مِصْداقِها عَلى التَّعْيِينِ وإنَّما أرادُوا بِهِ التَّبَرُّكَ بِنَوْعِ مُوافَقَةٍ لَها في ضِمْنِ الإتْيانِ بِفَرْدٍ مِن أفْرادِ مَدْلُولِها، وأمّا حَمْلُ الذِّكْرِ عَلى الصَّلاةِ في هَذِهِ الأحْوالِ حَسَبَ الِاسْتِطاعَةِ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعِمْرانَ بْنِ الحُصَيْنِ: ﴿صَلِّ قائِمًَا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ تُومِئُ إيماءً﴾ فَمِمّا لا يُساعِدُهُ سِباقُ النَّظْمِ الجَلِيلِ ولا سِياقُهُ، والقِيامُ والقُعُودُ جَمْعُ قائِمٍ وقاعِدٍ كَنِيامٍ ورُقُودٍ جَمْعِ نائِمٍ وراقِدٍ وانْتِصابُهُما عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ "يَذْكُرُونَ" أيْ: يَذْكُرُونَهُ قائِمِينَ وقاعِدِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الحالَيْنِ، أيْ: وكائِنِينَ عَلى جُنُوبِهِمْ، أيْ: مُضْطَجِعِينَ، والمُرادُ: تَعْمِيمُ الذِّكْرِ لِلْأوْقاتِ كَما مَرَّ، وتَخْصِيصُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ بِالذِّكْرِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ الذِّكْرِ بِها بَلْ لِأنَّها الأحْوالُ المَعْهُودَةُ الَّتِي لا يَخْلُو عَنْها الإنْسانُ غالِبًَا.
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى "يَذْكُرُونَ" مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. وقِيلَ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ ولَيْسَ بِظاهِرٍ وهو بَيانٌ لِتَفَكُّرِهِمْ في أفْعالِهِ سُبْحانَهُ إثْرَ بَيانِ تَفَكُّرِهِمْ في ذاتِهِ تَعالى عَلى الإطْلاقِ وإشارَةٌ إلى نَتِيجَتِهِ الَّتِي يُؤَدِّي إلَيْها مِن مَعْرِفَةِ أحْوالِ المَعادِ حَسْبَما نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَةُ الرُّسُلِ وآياتُ الكُتُبِ فَكَما أنَّها آياتٌ تَشْرِيعِيَّةٌ هادِيَةٌ لِلْخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِهِ تَعالى ووُجُوبِ طاعَتِهِ، كَذَلِكَ المَخْلُوقاتُ آياتٌ تَكْوِينِيَّةٌ مُرْشِدَةٌ لَهم إلى ذَلِكَ فالأُولى مُنَبِّهاتٌ لَهم عَلى الثّانِيَةِ ودَواعٍ إلى الِاسْتِشْهادِ بِها كَهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ونَحْوِها مِمّا ورَدَ في مَواضِعَ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ، والثّانِيَةُ مُؤَيِّداتٌ لِلْأُولى وشَواهِدُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ مَضْمُونِها وحَقِّيَّةِ مَكْنُونِها فَإنَّ مَن تَأمَّلَ في تَضاعِيفِ خَلْقِ العالَمِ عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ قَضى بِاتِّصافِ خالِقِهِ تَعالى بِجَمِيعِ ما نَطَقَتْ بِهِ الرُّسُلُ والكُتُبُ مِنَ الوُجُوبِ الذّاتِيِّ والوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ والمُلْكِ القاهِرِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ الشّامِلِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ وحَكَمَ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشائِهِ بِلا مِثالٍ يَحْتَذِيهِ أوْ قانُونٍ يَنْتَحِيهِ فَهو عَلى إعادَتِهِ بِالبَعْثِ أقْدَرُ وحَكَمَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا لِحِكْمَةٍ باهِرَةٍ هي جَزاءُ المُكَلَّفِينَ بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِمِ المَنُوطِ بِأعْمالِهِمْ، أيْ: عُلُومِهِمْ واعْتِقاداتِهِمُ التّابِعَةِ لِأنْظارِهِمْ فِيما نُصِبَ لَهم مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ والأماراتِ والمَخايِلِ وسائِرِ أعْمالِهِمِ المُتَفَرِّعَةِ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِعَمَلِ الجَوارِحِ بَلْ مُتَناوِلٌ لِلْعَمَلِ القَلْبِيِّ بَلْ هو أشْرَفُ أفْرادِهِ لِما أنَّ لِكُلٍّ مِنَ القَلْبِ والقالَبِ عَمَلًَا خاصًَّا بِهِ ومِن قَضِيَّةِ كَوْنِ الأوَّلِ أشْرَفَ مِنَ الثّانِي كَوْنُ عَمَلِهِ أيْضًَا أشْرَفَ مِن عَمَلِهِ، كَيْفَ لا؟ ولا عَمَلَ بِدُونِ مَعْرِفَتِهِ تَعالى الَّتِي هي أوَّلُ الواجِباتِ عَلى العِبادِ والغايَةُ (p-130)القُصْوى مِنَ الخَلْقِ عَلى ما نَطَقَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيْ: لِيَعْرِفُونِ، كَما أعْرَبَ عَنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿يَقُولُ اللَّهُ تَعالى كُنْتُ كَنْزًَا مَخْفِيًَّا فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِأُعْرَفَ﴾ وإنَّما طَرِيقُها النَّظَرُ والتَّفَكُّرُ فِيما ذَكَرَ مِن شُئُونِهِ تَعالى. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿لا تُفَضِّلُونِي عَلى يُونُسَ بْنِ مَتّى فَإنَّهُ كانَ يُرْفَعُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ عَمَلِ أهْلِ الأرْضِ﴾ قالُوا: وإنَّما كانَ ذَلِكَ التَّفَكُّرَ في أمْرِ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا عِبادَةَ مِثْلُ التَّفَكُّرِ﴾ وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لِتَحْقِيقِ ما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الحَقَّةُ وإلّا لَما فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًَا وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى» فَإنَّ التَّوَرُّعَ عَنْ مَحارِمِهِ سُبْحانَهُ مَوْقُوفٌ عَلى مَعْرِفَةِ الحَلالِ والحَرامِ المَنُوطَةِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ فَحِينَئِذٍ تَتَصادَقُ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ وتَتَوافَقُ الأدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ وهو السِّرُّ في نَظْمِ ما حُكِيَ عَنِ المُتَفَكِّرِينَ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَدْعِيَةِ لِلْإيمانِ بِالشَّرِيعَةِ في سِلْكِ نَتِيجَةِ تَفَكُّرِهِمْ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ، وإظْهارُ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ مَعَ كِفايَةِ الإضْمارِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِبَيانِ حالِهِمْ والإيذانِ بِكَوْنِ تَفَكُّرِهِمْ عَلى وجْهِ التَّحْقِيقِ والتَّفْصِيلِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِإدْراجِ اخْتِلافِ المَلَوَيْنِ في سِلْكِ التَّفَكُّرِ مَعَ ذِكْرِهِ فِيما سَلَفَ إمّا لِلْإيذانِ بِظُهُورِ انْدِراجِهِ فِيهِ لِما أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ التّابِعَةِ لِأحْوالِ السَّمَواتِ والأرْضِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِمُسارَعَتِهِمْ إلى الحُكْمِ بِالنَّتِيجَةِ بِمُجَرَّدِ تَفَكُّرِهِمْ في بَعْضِ الآياتِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها في إثْباتِ المَطْلُوبِ، والخَلْقُ مَصْدَرٌ عَلى حالِهِ، أيْ: يَتَفَكَّرُونَ في إنْشائِهِما وإبْداعِهِما بِما فِيهِما مِن عَجائِبَ المَصْنُوعاتِ. وقِيلَ: بِمَعْنى المَخْلُوقِ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى "فِي" أيْ: يَتَفَكَّرُونَ فِيما خُلِقَ فِيهِما أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما أوْ بِطَرِيقِ الحُلُولِ فِيهِما أوْ عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ.
﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ كَلِمَةُ "هَذا" إشارَةٌ إلى السَّمَواتِ والأرْضِ مُتَضَمِّنَةٌ لِضَرْبٍ مِنَ التَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ والتَّذْكِيرُ لِما أنَّهُما بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ الخَلْقِ بِهِما في مَعْنى المَخْلُوقِ، و ﴿باطِلا﴾ إمّا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ مَحْذُوفٍ أوْ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: ما خَلَقْتَ هَذا المَخْلُوقَ البَدِيعَ العَظِيمَ الشَّأْنِ عَبَثًَا عارِيًَا عَنِ الحِكْمَةِ خالِيًَا عَنِ المَصْلَحَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ أوْضاعُ الغافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ المُعْرِضِينَ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيهِ بَلْ مُنْتَظِمًَا لِحِكَمٍ جَلِيلَةٍ ومَصالِحَ عَظِيمَةٍ مِن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ مَدارًَا لِمَعايِشِ العِبادِ ومَنارًَا يُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِ المَبْدَإ والمَعادِ حَسْبَما أفْصَحَتْ عَنْهُ الرُّسُلُ والكُتُبُ الإلَهِيَّةُ كَما تَحَقَّقَتْهُ مُفَصَّلًَا والجُمْلَةُ بِتَمامِها في حَيِّزِ النَّصْبِ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولِ نَعْتًَا لِـ"أُولِي الألباب" اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِنَتِيجَةِ التَّفَكُّرِ ومَدْلُولِ الآياتِ ناشِئٌ مِمّا سَبَقَ فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ سَماعِ تَخْصِيصِ الآياتِ المَنصُوبَةِ في خَلْقِ العالَمِ بِأُولِي الألباب ثُمَّ وصْفِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والتَّفَكُّرِ في مَحالِّ تِلْكَ الآياتِ تَبْقى مُتَرَقِّبَةً لِما يَظْهَرُ مِنهم مِن آثارِها وأحْكامِها كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ عِنْدَ تَفَكُّرِهِمْ في ذَلِكَ؟ وماذا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّتِيجَةِ؟ فَقِيلَ: يَقُولُونَ كَيْتَ وكَيْتَ مِمّا يُنْبِئُ عَنْ وُقُوفِهِمْ عَلى سِرِّ الخَلْقِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الرُّسُلِ وحَقِّيَّةِ الكُتُبِ النّاطِقَةِ بِتَفاصِيلِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي وقَفَتْ عَلَيْهِ هَذا، وأمّا جَعْلُهُ حالًَا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ فَمِمّا لا يُساعِدُهُ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِما أنَّ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما هو قَيْدٌ لَهُ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مِن مَبادِي (p-131)الحُكْمِ الَّذِي أُجْرِيَ عَلى المَوْصُولِ ودَواعِي ثُبُوتِهِ لَهُ، كَذِكْرِهِمُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ في خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ فَإنَّهُما مِمّا يُؤَدِّي إلى اجْتِلاءِ تِلْكَ الآياتِ والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى المَطْلُوبِ، ولا رَيْبَ في أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ لَيْسَ مِن مَبادِي الِاسْتِدْلالِ المَذْكُورِ بَلْ مِن نَتائِجِهِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ فاعْتِبارُهُ قَيْدًَا لِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ نَعَمْ؛ هو حالٌ مِن ذَلِكَ، عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولِ مَرْفُوعًَا أوْ مَنصُوبًَا عَلى المَدْحِ أوْ مَرْفُوعًَا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ إذْ لا اشْتِباهَ في أنَّ قَوْلَهُمْ: ذَلِكَ مِن مَبادِي مَدْحِهِمْ ومَحاسِنِ مَناقِبِهِمْ، وفي إبْرازِ هَذا القَوْلِ في مَعْرِضِ الحالِ دُونَ الخَبَرِ إشْعارٌ بِمُقارَنَتِهِ لِتَفَكُّرِهِمْ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَرَدُّدٍ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ﴾ أيْ: تَنْزِيهًَا لَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خَلْقُ ما لا حِكْمَةَ فِيهِ، اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومُمَهِّدٌ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فَإنَّ مَعْرِفَةَ سِرِّ خَلْقِ العالَمِ وما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ والغايَةِ الحَمِيدَةِ والقِيامَ بِما تَقْتَضِيهِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ وتَنْزِيهَ الصّانِعِ تَعالى عَنِ العَبَثِ مِن دَواعِي الِاسْتِعاذَةِ مِمّا يَحِيقُ بِالمُخِلِّينَ بِذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: الوُقُوفُ عَلى تَحَقُّقِ العَذابِ فالفاءُ لِتَرْتِيبِ الدُّعاءِ عَلى ما ذُكِرَ، والثّانِي: الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ الدُّعاءِ فالفاءُ لِتَرْتِيبِ المَدْعُوِّ أعْنِي الوِقايَةَ عَلى ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ قَدْ عَرَفْنا سِرَّكَ وأطَعْنا أمْرَكَ ونَزَّهْناكَ عَمّا لا يَنْبَغِي فَقِنا عَذابَ النّارِ الَّذِي هو جَزاءُ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ.
آل عمران 3:192
﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ مُبالَغَةٌ في اسْتِدْعاءِ الوِقايَةِ وبَيانٌ لِسَبَبِهِ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالنِّداءِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ والجُؤارِ وتَأْكِيدُها لِإظْهارِ كَمالِ اليَقِينِ بِمَضْمُونِها والإيذانِ بِشِدَّةِ الخَوْفِ، وإظْهارُ النّارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ أمْرِها وذِكْرُ الإدْخالِ في مَوْرِدِ العَذابِ لِتَعْيِينِ كَيْفِيَّتِهِ وتَبْيِينِ غايَةِ فَظاعَتِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: لِلْإخْزاءِ مَعانٍ مُتَقارِبَةٌ يُقالُ أخْزاهُ اللَّهُ أيْ: أبْعَدَهُ. وقِيلَ: أهانَهُ. وقِيلَ: أهْلَكَهُ. وقِيلَ: فَضَحَهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخِزْيُ لُغَةً الهَلاكُ بِتَلَفٍ أوْ بِانْقِطاعِ حُجَّةٍ أوْ بِوُقُوعٍ في بَلاءٍ، والمَعْنى: فَقَدْ أخْزَيْتَهُ خِزْيًَا لا غايَةَ وراءَهُ كَقَوْلِهِمْ: مَن أدْرَكَ مَرْعى الصِّمانِ فَقَدْ أدْرَكَ أيِّ المَرْعى الَّذِي لا مَرْعى بَعْدَهُ، وفِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَظاعَةِ العَذابِ الرُّوحانِيِّ ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِإظْهارِ نِهايَةِ فَظاعَةِ حالِهِمْ بِبَيانِ خُلُودِ عَذابِهِمْ بِفُقْدانِ مَن يَنْصُرُهم ويَقُومُ بِتَخْلِيصِهِمْ، وغَرَضُهم تَأْكِيدُ الِاسْتِدْعاءِ ووَضْعُ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُدْخَلِينَ لِذَمِّهِمْ والإشْعارِ بِتَعْلِيلِ دُخُولِهِمُ النّارَ بِظُلْمِهِمْ ووَضْعِهِمُ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها، وجَمْعُ الأنْصارِ بِالنَّظَرِ إلى جَمْعِ الظّالِمِينَ، أيْ: ما لِظالِمٍ مِنَ الظّالِمِينَ نَصِيرٌ مِنَ الأنْصارِ، والمُرادُ بِهِ: مَن يَنْصُرُ بِالمُدافَعَةِ والقَهْرِ فَلَيْسَ في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالظّالِمِينَ هُمُ الكُفّارُ.
آل عمران 3:193
﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ لَهم مَبْنِيٍّ عَلى تَأمُّلِهِمْ في الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ بَعْدَ حِكايَةِ دُعائِهِمُ السّابِقِ المَبْنِيِّ عَلى التَّفَكُّرِ في الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ وتَصْدِيرُ مُقَدَّمَةِ الدُّعاءِ بِالنِّداءِ لِإظْهارِ كَمالِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ (p-132)والتَّأْكِيدُ لِلْإيذانِ بِصُدُورِ المَقالِ عَنْهم بِوُفُورِ الرَّغْبَةِ وكَمالِ النَّشاطِ، والمُرادُ بِالنِّداءِ الدُّعاءُ وتَعْدِيَتُهُما بِإلى لِتَضَمُّنِهِما مَعْنى الإنْهاءِ وبِاللّامِ لِاشْتِمالِهِما عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ، والمُرادُ بِالمُنادِي: الرَّسُولُ ﷺ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ وإيثارُهُ عَلى الدّاعِي لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِ الدَّعْوَةِ وتَبْلِيغِها إلى الدّانِي والقاصِي لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، و"يُنادِي" صِفَةٌ لِ "مُنادِيًَا" عِنْدَ الجُمْهُورِ كَما في قَوْلِكَ: "سَمِعْتُ رَجُلًَا يَقُولُ كَيْتَ وكَيْتَ" ولَوْ كانَ مَعْرِفَةً لَكانَ حالًَا مِنهُ كَما إذا قُلْتَ: "سَمِعْتُ زَيْدًَا يَقُولُ إلَخْ" ومَفْعُولٌ ثانٍ لِـ"سَمِعْنا" عِنْدَ الفارِسِيِّ وأتْباعِهِ، وهَذا أُسْلُوبٌ بَدِيعٌ يُصارُ إلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ السَّماعِ والإيذانِ بِوُقُوعِهِ بِلا واسِطَةٍ عِنْدَ صُدُورِ المَسْمُوعِ عَنِ المُتَكَلِّمِ ولِلتَّوَسُّلِ إلى تَفْصِيلِهِ واسْتِحْضارِ صُورَتِهِ، وقَدِ اخْتُصَّ النَّظْمُ الكَرِيمُ بِمَزِيَّةٍ زائِدَةٍ عَلى ذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ المَسْمُوعِ مِنهُ بِالمُنادِي ثُمَّ وصَفَ بِالنِّداءِ لِلْإيمانِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ: "سَمِعْتُ مُتَكَلِّمًَا يَتَكَلَّمُ بِالحِكْمَةِ" لِما أنَّ التَّفْسِيرَ بَعْدَ الإبْهامِ والتَّقْيِيدَ بَعْدَ الإطْلاقِ أوْقَعُ عِنْدَ النَّفْسِ وأجْدَرُ بِالقَبُولِ، وقِيلَ: المُنادِي: القرآن العَظِيمُ.
﴿أنْ آمِنُوا﴾ أيْ: آمِنُوا عَلى أنَّ "أنْ" تَفْسِيرِيَّةٌ أوْ بِـ"أنْ ﴿آمِنُوا"﴾ عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ.
﴿بِرَبِّكُمْ﴾ بِمالِكِكم ومُتَوَلِّي أُمُورِكم ومُبْلِغِكم إلى الكَمالِ، وفي إطْلاقِ الإيمانِ ثُمَّ تَقْيِيدِهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ.
﴿فَآمَنّا﴾ أيْ: فامْتَثَلْنا بِأمْرِهِ وأجَبْنا نِداءَهُ.
﴿رَبَّنا﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّضَرُّعِ وإظْهارٌ لِكَمالِ الخُضُوعِ وعَرْضٌ لِلِاعْتِرافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ مَعَ الإيمانِ بِهِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ لِتَرْتِيبِ المَغْفِرَةِ أوِ الدُّعاءِ بِها عَلى الإيمانِ بِهِ تَعالى والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن دَواعِي المَغْفِرَةِ والدُّعاءِ بِها.
﴿ذُنُوبَنا﴾ أيْ: كَبائِرَها فَإنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.
﴿وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ أيْ: صَغائِرَنا، فَإنَّها مُكَفَّرَةٌ عَنْ مُجْتَنِبِ الكَبائِرِ.
﴿وَتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ أيْ: مَخْصُوصِينَ بِصُحْبَتِهِمْ مُغْتَنِمِينَ لِجِوارِهِمْ مَعْدُودِينَ مِن زُمْرَتِهِمْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا يُحِبُّونَ لِقاءَ اللَّهِ ومَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، و"الأبْرارُ" جَمْعُ بارٍّ أوْ بَرٍّ كَأصْحابٍ وأرْبابٍ.
آل عمران 3:194
﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ لَهم مَسْبُوقٍ بِما قَبْلَهُ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ لِتَأخُّرِ التَّحْلِيَةِ عَنِ التَّخْلِيَةِ وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِما مَرَّ مِرارًَا، والمُرادُ بِالمَوْعُودِ: الثَّوابُ، و"عَلى" إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِالوَعْدِ كَما في قَوْلِكَ: "وَعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلى الطّاعَةِ" أيْ: وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وعَدْتَنا وعْدًَا كائِنًَا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ مُنَزَّلًَا عَلى رُسُلِكَ أوْ مَحْمُولًَا عَلى رُسُلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ تَقْدِيرَ الأفْعالِ الخاصَّةِ في مِثْلِ هَذِهِ المَواقِعِ تَعَسُّفٌ، وجَمْعُ الرُّسُلِ مَعَ أنَّ المُنادِيَ هو الرَّسُولُ ﷺ وحْدَهُ لِما أنَّ دَعْوَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لاسِيَّما في بابِ التَّوْحِيدِ وما أجْمَعَ عَلَيْهِ الكُلُّ مِنَ الشَّرائِعِ مُنْطَوِيَةٌ عَلى دَعْوَةِ الكُلِّ، فَتَصْدِيقُهُ تَصْدِيقٌ لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَيْفَ لا؟ وقَدْ أُخِذَ مِنهُمُ المِيثاقُ بِالإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ الآيَةِ وكَذا المَوْعُودُ عَلى لِسانِهِ مِنَ الثَّوابِ مَوْعُودٌ عَلى ألْسِنَةِ الكُلِّ، وإيثارُ الجَمْعِ لِإظْهارِ كَمالِ الثِّقَةِ بِإنْجازِ المَوْعُودِ بِناءً عَلى كَثْرَةِ الشُّهُودِ.
﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قَصَدُوا بِذَلِكَ تَذْكِيرَ وعْدِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مُظْهِرِينَ أنَّهم مِمَّنْ آمَنَ مَعَهُ رَجاءً لِلِانْتِظامِ في سِلْكِهِمْ يَوْمَئِذٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَحْقِيقِ ما نَظَمُوا في سِلْكِ الدُّعاءِ، وهَذِهِ الدَّعَواتُ وما في تَضاعِيفِها مِن كَمالِ الضَّراعَةِ (p-133)والِابْتِهالِ لَيْسَتْ لِخَوْفِهِمْ مِن إخْلافِ المِيعادِ بَلْ لِخَوْفِهِمْ مِن أنْ لا يَكُونُوا مِن جُمْلَةِ المَوْعُودِينَ بِتَغَيُّرِ الحالِ وسُوءِ الخاتِمَةِ والمَآلِ فَمَرْجِعُها إلى الدُّعاءِ بِالتَّثْبِيتِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعَبُّدِ والخُشُوعِ، والمِيعادُ: الوَعْدُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ. وفي الآثارِ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ: "رَبَّنا" خَمْسَ مَرّاتٍ أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ وأعْطاهُ ما أرادَ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
آل عمران 3:195
﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ الِاسْتِجابَةُ بِمَعْنى الإجابَةِ، وقالَ تاجُ القُرّاءِ: الإجابَةُ عامَّةٌ والِاسْتِجابَةُ خاصَّةٌ بِإعْطاءِ المَسْؤُولِ، وتَتَعَدّى بِاللّامِ وبِنَفْسِها كَما في قَوْلِهِ:
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
وَهُوَ عَطْفٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ المُقَدَّرِ فِيما سَلَفَ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما في حَيِّزِهِ مِنَ الأدْعِيَةِ كَما أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى قِيلَ* المُقَدَّرِ قَبْلَ الآنَ، أيْ: قِيلَ: لَهم آلآنَ آمَنتُمْ بِهِ، ثُمَّ قِيلَ الآيَةُ، وكَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ قِيلَ: يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ونَطْبَعُ إلَخْ ولا ضَيْرَ في اخْتِلافِهِما صِيغَةً لِما أنَّ صِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ هُناكَ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ المُناسِبِ لِمَقامِ الدُّعاءِ، وصِيغَةُ الماضِي هَهُنا لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِ الِاسْتِجابَةِ وتَقَرُّرِها كَما لا ضَيْرَ في الِاخْتِلافِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ كَما سَيَأْتِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًَا عَلى مُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، أيْ: دَعَوْا بِهَذِهِ الأدْعِيَةِ فاسْتَجابَ إلَخْ وأمّا عَلى تَقْرِيرِ كَوْنِ المُقَدَّرِ حالًَا فَهو عَطْفٌ عَلى ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ بِاعْتِبارِ مُقارَنَتِهِ لِما وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِهِ -أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: رَبَّنا رَبَّنا إلَخْ - فَإنَّ الِاسْتِجابَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى دَعَواتِهِمْ لا عَلى مُجَرَّدِ تَفَكُّرِهِمْ وحَيْثُ كانَتْ هي مِن أوْصافِهِمُ الجَمِيلَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أعْمالِهِمْ بِالآخِرَةِ اسْتَحَقَّتِ الانْتِظامَ في سِلْكِ مَحاسِنِهِمُ المَعْدُودَةِ في أثْناءِ مَدْحِهِمْ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولِ نَعْتًَا لِـ"أُولِي الألباب" فَلا مَساغَ لِهَذا العَطْفِ أصْلًَا لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ حَقَّ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ أنْ يَكُونَ مِن مَبادِي جَرَيانِ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ دَعَواتِهِمُ السّابِقَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَأيْنَ الِاسْتِجابَةُ المُتَأخِّرَةُ عَنْها؟، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ مِن تَشْرِيفِهِمْ وإظْهارِ اللُّطْفِ بِهِمْ ما لا يَخْفى.
﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ: بِأنِّي، وهَكَذا قَرَأ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم بِسَبَبٍ لِأنَّهُ لا يُضَيِّعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنهُمْ، أيْ: سُنَّتُهُ السَّنِيَّةُ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى ذَلِكَ، والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ والخِطابِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الِاسْتِجابَةِ وتَشْرِيفِ الدّاعِينَ بِشَرَفِ الخِطابِ، والمُرادُ تَأْكِيدُها بِبَيانِ سَبَبِها والإشْعارُ بِأنَّ مَدارَها أعْمالُهُمُ الَّتِي قَدَّمُوها عَلى الدُّعاءِ لا مُجَرَّدُ الدُّعاءِ، وتَعْمِيمُ الوَعْدِ لِسائِرِ العامِلِينَ وإنْ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَةَ أُولِي الألباب لِتَأْكِيدِ اسْتِجابَةِ الدَّعَواتِ المَذْكُورَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ بِالإضاعَةِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِإضاعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ إذِ الأعْمالُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَلْزَمَ مِن تَخَلُّفِهِ (p-134)عَنْها ضَياعُها لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ وإبْرازِ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: قائِلًَا إنِّي إلَخْ فَلا التِفاتَ حِينَئِذٍ. وقُرِئَ "لا أُضَيِّعُ" بِالتَّشْدِيدِ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ "عامِلٍ"، أيْ: عامِلٍ كائِنٍ مِنكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ لِعامِلٍ وتَأْكِيدٌ لِعُمُومِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِسَبَبِ انْتِظامِ النِّساءِ في سِلْكِ الرِّجالِ في الوَعْدِ، فَإنَّ كَوْنَ كُلٍّ مِنهُما مِنَ الآخَرِ لِتَشَعُّبِهِما مِن أصْلٍ واحِدٍ أوْ لِفَرْطِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما أوْ لِاتِّفاقِهِما في الدِّينِ والعَمَلِ مِمّا يَسْتَدْعِي الشَّرِكَةَ والِاتِّحادَ في ذَلِكَ.
رُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنِّي أسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَذْكُرُ الرِّجالَ في الهِجْرَةِ ولا يَذْكُرُ النِّساءَ فَنَزَلَتْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في العَمَلِ وتَعْدادٌ لِبَعْضِ أحاسِنِ أفْرادِهِ عَلى وجْهِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ، أيْ: فالَّذِينَ هاجَرُوُا الشِّرْكَ أوِ الأوْطانَ والعَشائِرَ لِلدِّينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ عَلى الأوَّلِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْسِ الهِجْرَةِ وعَلى الثّانِي عَنْ كَيْفِيَّتِها وكَوْنِها بِالقَسْرِ والِاضْطِرارِ.
﴿وَأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ أيْ: بِسَبَبِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ ومِن أجْلِهِ، وهو مُتَناوِلٌ لِكُلِّ أذِيَّةٍ نالَتْهم مِن قِبَلِ المُشْرِكِينَ.
﴿وَقاتَلُوا﴾ أيِ: الكُفّارَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَقُتِلُوا﴾ اسْتُشْهِدُوا في القِتالِ. وقُرِئَ بِالعَكْسِ لِما أنَّ الواوَ لا تَسْتَدْعِي التَّرْتِيبَ أوْ لِأنَّ المُرادَ: قَتْلُ بَعْضِهِمْ وقِتالُ آخَرِينَ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى اتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَوْصُولِ المَذْكُورِ بِكُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ بَلْ عَلى اتِّصافِ الكُلِّ بِالكُلِّ في الجُمْلَةِ سَواءً كانَ ذَلِكَ بِاتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ المَوْصُولِ بِواحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ أوْ بِاثْنَيْنِ مِنها أوْ بِأكْثَرَ إمّا بِطَرِيقِ التَّوْزِيعِ أوْ بِطَرِيقِ حَذْفِ بَعْضِ المَوْصُولاتِ مِنَ البَيْنِ كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، كَيْفَ لا؟ ولَوْ أُدِيرَ الحُكْمُ عَلى اتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ بِالكُلِّ لَكانَ قَدْ أُضِيعَ عَمَلُ مَنِ اتَّصَفَ بِالبَعْضِ. وقُرِئَ "وَقُتِّلُوا" بِالتَّشْدِيدِ.
﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَأُكَفِّرَنَّ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الَّذِي هو المَوْصُولُ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِوَعْدِ ما سَألَهُ الدّاعُونَ بِخُصُوصِهِ بَعْدَ ما وعَدَ ذَلِكَ عُمُومًَا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَبَّرَ عَنْهُ الدّاعُونَ فِيما قَبْلُ بِقَوْلِهِمْ: "وَآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ" وتَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿ثَوابًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ وإدْخالَ الجَنَّةِ في مَعْنى الإثابَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ مُبَيِّنَةٌ لِشَرَفِهِ، أيْ: لَأُثِيبَنَّهم إثابَةً كائِنَةً أوْ تَثْوِيبًَا كائِنًَا مِن عِنْدِهِ تَعالى بالِغًَا إلى المَرْتَبَةِ القاصِيَةِ مِنَ الشَّرَفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ عِنْدَهُ و"حُسْنُ الثَّوابِ" مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ أوْ هو مُبْتَدَأٌ ثانٍ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ والعِنْدِيَّةُ عِبارَةٌ عَنِ الاخْتِصاصِ بِهِ تَعالى مِثْلِ كَوْنِهِ بِقدرته تعالى وفَضْلِهِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِحالِ شَيْءٍ يَكُونُ بِحَضْرَةِ أحَدٍ لا يَدَ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، فالِاخْتِصاصُ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّمْثِيلِ سَواءً جُعِلَ "عِنْدَهُ" خَبَرًَا مُقَدَّمًَا لِـ"حُسْنُ الثَّوابِ" أوْ لا، وفي تَصْدِيرِ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِعَدَمِ إضاعَةِ العَمَلِ ثُمَّ تَعْقِيبِهِ بِمِثْلِ هَذا الإحْسانِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُهُ مِن لُطْفِ المَسْلَكِ المُنْبِئِ عَنْ عِظَمِ شَأْنِ المُحْسِنِ ما لا يَخْفى.
آل عمران 3:196
(p-135)﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ بَيانٌ لِقُبْحِ ما أُوتِيَ الكَفَرَةُ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا وكَشْفٌ عَنْ حَقارَةِ شَأْنِها وسُوءِ مَغَبَّتِها إثْرَ بَيانِ حُسْنِ ما أُوتِيَ المُؤْمِنُونَ مِنَ الثَّوابِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّ المُرادَ تَثْبِيتُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ أوْ عَلى أنَّ المُرادَ نَهْيُ المُؤْمِنِينَ، كَما يُوَجَّهُ الخِطابُ إلى مَدارِهِ القَوْمِ ورُؤَسائِهِمْ والمُرادُ: أفْناؤُهم أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والنَّهْيُ لِلْمُخاطَبِ وإنَّما جُعِلَ لِلتَّقَلُّبِ مُبالَغَةً، أيْ: لا تَنْظُرْ إلى ما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ مِنَ السَّعَةِ ووُفُورِ الحَظِّ ولا تَغْتَرَّ بِظاهِرِ ما تَرى مِنهم مِنَ التَّبَسُّطِ في المَكاسِبِ والمَتاجِرِ والمَزارِعِ.
رُوِيَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَرَوْنَ المُشْرِكِينَ في رَخاءٍ ولِينِ عَيْشٍ فَيَقُولُونَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجَهْدِ فَنَزَلَتْ. وقُرِئَ "وَلا يَغُرَّنْكَ" بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ.
آل عمران 3:197
﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو مَتاعٌ قَلِيلٌ لا قَدْرَ لَهُ في جَنْبِ ما ذُكِرَ مِن ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكم أُصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ﴾ فَإذَنْ لا يُجْدِي وجُودُهُ لِواجِدِيهِ ولا يَضُرُّ فُقْدانُهُ لِفاقِدِيهِ.
﴿ثُمَّ مَأْواهُمْ﴾ أيْ: مَصِيرُهُمُ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ لا يَبْرَحُونَهُ.
﴿جَهَنَّمُ﴾ الَّتِي لا يُوصَفُ عَذابُها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِئْسَ المِهادُ﴾ ذَمٌّ لَها وإيذانٌ بِأنَّ مَصِيرَهم إلَيْها مِمّا جَنَتْهُ أنْفُسُهم وكَسَبَتْهُ أيْدِيهِمْ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ جَهَنَّمُ.
آل عمران 3:198
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ بَيانٌ لِكَمالِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ غِبَّ بَيانٍ وتَكْرِيرٌ لَهُ إثْرَ تَقْرِيرٍ مَعَ زِيادَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنّاتِ لِيَتِمَّ بِذَلِكَ سُرُورُهم ويَزْدادَ تَبَجُّحُهم ويَتَكامَلَ بِهِ سُوءُ حالِ الكَفَرَةِ، وإيرادُ التَّقْوى في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ الخِصالِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ التَّقْوى، والمُرادُ بِهِ: الِاتِّقاءُ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، فالمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ و"جَنّاتٌ" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ أوِ الظَّرْفُ خَبَرٌ لِـ"جَنّاتٌ" والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ، و"خالِدِينَ فِيها" أيْ: في الجَنّاتِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ مِن ﴿جَنّاتٌ﴾ لِتَخَصُّصِها بِالوَصْفِ والعامِلُ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ.
﴿نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وقُرِئَ بِسُكُونِ الزّايِ وهو ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ وغَيْرِهِما. قالَ أبُو الشِّعْرِ الضَّبِّيُّ:
؎ وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافِنًَا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا
وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن ﴿جَنّاتٌ﴾ لِتَخَصُّصِها بِالوَصْفِ والعامِلُ فِيهِ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًَا أوْ عَطاءً مِن عِنْدِ اللَّهِ.
﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلأبْرارِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِـ"خَيْرٌ" أيْ: ما عِنْدَهُ تَعالى مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ الدّائِمَةِ خَيْرٌ كائِنٌ لِلْأبْرارِ، أيْ: مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ الزّائِلِ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأبْرارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الصِّفاتِ المَعْدُودَةَ مِن أعْمالِ البِرِّ كَما أنَّها مِن قَبِيلِ التَّقْوى، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.
آل عمران 3:199
(p-136)﴿وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسَ كُلُّهم كَمَن حُكِيَتْ هَناتُهم مِن نَبْذِ المِيثاقِ وتَحْرِيفِ الكِتابِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَلْ مِنهم مَن لَهُ مَناقِبُ جَلِيلَةٌ. قِيلَ: هم عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ. وقِيلَ: هم أرْبَعُونَ مِن أهْلِ نَجْرانَ واثْنانِ وثَلاثُونَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٌ مِنَ الرُّومِ كانُوا نَصارى فَأسْلَمُوا. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أصْحَمَةُ النَّجاشِيُّ، فَإنَّهُ لَمّا ماتَ نَعاهُ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلى أخٍ لَكم ماتَ بِغَيْرِ أرْضِكم فَخَرَجَ إلى البَقِيعِ فَنَظَرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ فَأبْصَرَ سَرِيرَ النَّجاشِيِّ وصَلّى عَلَيْهِ واسْتَغْفَرَ لَهُ فَقالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ ولَيْسَ عَلى دِينِهِ فَنَزَلَتْ. وإنَّما دَخَلَتْ لامُ الِابْتِداءِ عَلى اسْمِ "إنَّ" لِفَصْلِ الظَّرْفِ بَيْنَهُما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ .
﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ مِنَ القرآن.
﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ مِنَ الكِتابَيْنِ، وتَأْخِيرُ إيمانِهِمْ بِهِما عَنْ إيمانِهِمْ بِالقرآن في الذِّكْرِ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ في الوُجُودِ لِما أنَّهُ عِيارٌ ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِما، فَإنَّ إيمانَهم بِهِما إنَّما يُعْتَبَرُ بِتَبَعِيَّةِ إيمانِهِمْ بِهِ؛ إذْ لا عِبْرَةَ بِأحْكامِهِما المَنسُوخَةِ وما لَمْ يُنْسَخْ مِنها إنَّما يُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ ثُبُوتُهُ بِالقرآن ولِتَعَلُّقِ ما بَعْدَهُ بِهِما، والمُرادُ بِإيمانِهِمْ بِهِما: إيمانُهم بِهِما مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا كَتْمٍ كَما هو دَيْدَنُ المُحَرِّفِينَ وأتْباعِهِمْ مِنَ العامَّةِ.
﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يُؤْمِنُ" والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.
﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ تَصْرِيحٌ بِمُخالَفَتِهِمْ لِلْمُحَرِّفِينَ، والجُمْلَةُ حالٌ كَما قَبْلَهُ ونَظْمُها في سِلْكِ مَحاسِنِهِمْ لَيْسَ مِن حَيْثُ عَدَمُ الِاشْتِراءِ فَقَطْ بَلْ لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ لِإظْهارِ ما في الكِتابَيْنِ مِن شَواهِدِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِما عُدَّ مِن صِفاتِهِمِ الحَمِيدَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدِّلالَةِ عَلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمْ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿أجْرُهُمْ﴾ أيِ: المُخْتَصُّ بِهِمُ المَوْعُودُ لَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ عَلى الفاعِلِيَّةِ أوْ عَلى الِابْتِداءِ والظَّرْفُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ"أُولَئِكَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ مِن أجْرُهُمْ، والمُرادُ بِهِ: التَّشْرِيفُ كالصِّفَةِ.
﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ لِنُفُوذِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ فَهو عالِمٌ بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ عامِلٍ مِنَ الأجْرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَأمُّلٍ، والمُرادُ بَيانُ سُرْعَةِ وصُولِ الأجْرِ المَوْعُودِ إلَيْهِمْ.
آل عمران 3:200
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إثْرَ ما بُيِّنَ في تَضاعِيفِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن فُنُونِ الحِكَمِ والأحْكامِ خُتِمَتْ بِما يُوجِبُ المُحافَظَةَ عَلَيْها، فَقِيلَ: ﴿اصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَكارِهِ والشَّدائِدِ.
﴿وَصابِرُوا﴾ أيْ: غالِبُوا أعْداءَ اللَّهِ تَعالى بِالصَّبْرِ في مَواطِنِ الحُرُوبِ وأعْدى عَدُوِّكم بِالصَّبْرِ عَلى مُخالَفَةِ الهَوى، وتَخْصِيصُ المُصابَرَةِ بِالأمْرِ بَعْدَ الأمْرِ بِمُطْلَقِ الصَّبْرِ لِكَوْنِها أشَدَّ مِنهُ وأشَقَّ.
﴿وَرابِطُوا﴾ أيْ: أقِيمُوا في الثُّغُورِ رابِطِينَ خَيْلَكم فِيها مُتَرَصِّدِينَ لِلْغَزْوِ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ. قالَ تَعالى: ﴿وَمِن رِباطِ (p-137)الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ . وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن رابَطَ يَوْمًَا ولَيْلَةً في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ كَعَدْلِ صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ وقِيامِهِ ولا يُفْطِرُ ولا يَنْفَتِلُ عَنْ صَلاتِهِ إلّا لِحاجَةٍ".» ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ ما ذُكِرَ في تَضاعِيفِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ انْدِراجًَا أوَّلِيًَّا.
﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ كَيْ تَنْتَظِمُوا في زُمْرَةِ المُفْلِحِينَ الفائِزِينَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ النّاجِينَ مِن كُلِّ الكُرُوبِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنها أمانًَا عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ".»
وَعَنْهُ ﷺ « "مَن قَرَأ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها آلُ عِمْرانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ حَتّى تُحْجَبَ الشَّمْسُ".» واللَّهُ أعْلَمُ
النساء 4:1
(سُورَةُ النِّساءِ مَدَنِيَّةٌ وهي مِائَةٌ وسِتٌّ وسَبْعُونَ آيَةً)
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ عِنْدَ النُّزُولِ ومَن سَيَنْتَظِمُ في سِلْكِهِمْ مِنَ المَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ والحادِثِينَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ عِنْدَ انْتِظامِهِمْ فِيهِ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ، فَإنَّ خِطابَ المُشافَهَةِ لا يَتَناوَلُ القاصِرِينَ عَنْ دَرَجَةِ التَّكْلِيفِ إلّا عِنْدَ الحَنابِلَةِ بَلْ إمّا بِطَرِيقِ تَغْلِيبِ الفَرِيقِ الأوَّلِ عَلى الأخِيرَيْنِ وإمّا بِطَرِيقِ تَعْمِيمِ حُكْمِهِ لَهُما بِدَلِيلٍ خارِجِيٍّ، فَإنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ آخِرَ الأُمَّةِ مُكَلَّفٌ بِما كُلِّفَ بِهِ أوَّلُها كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿الحَلالُ ما جَرى عَلى لِسانِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ والحَرامُ ما جَرى عَلى لِسانِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ وقَدْ فُصِّلَ في مَوْضِعِهِ، وأمّا الأُمَمُ الدّارِجَةُ قَبْلَ النُّزُولِ فَلا حَظَّ لَهم في الخِطابِ لِاخْتِصاصِ الأوامِرِ والنَّواهِي بِمَن يُتَصَوَّرُ مِنهُ الِامْتِثالُ وأمّا انْدِراجُهم في خِطابِ ما عَداهُما مِمّا لَهُ دَخْلٌ في تَأْكِيدِ التَّكْلِيفِ وتَقْوِيَةِ الإيجابِ فَسَتَعْرِفُ حالَهُ، ولَفْظُ النّاسِ يَنْتَظِمُ الذُّكُورَ والإناثَ حَقِيقَةً، وأمّا صِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ فَوارِدَةٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ لِعَدَمِ تَناوُلِها حَقِيقَةً لِلْإناثِ عِنْدَ غَيْرِ الحَنابِلَةِ، وأمّا إدْخالُهُنَّ في الأمْرِ بِالتَّقْوى بِما ذُكِرَ مِنَ الدَّلِيلِ الخارِجِيِّ وإنْ كانَ فِيهِ مُراعاةُ جانِبِ الصِّيغَةِ لَكِنَّهُ يَسْتَدْعِي تَخْصِيصَ لَفْظِ النّاسِ بِبَعْضِ أفْرادِهِ، والمَأْمُورُ بِهِ إمّا مُطْلَقُ التَّقْوى الَّتِي هي التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ ما يُؤْثِمُ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ وإمّا التَّقْوى فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ أبْناءِ الجِنْسِ، أيِ: اتَّقُوهُ في مُخالَفَةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ عَلى الإطْلاقِ أوْ في مُخالَفَةِ تَكالِيفِهِ الوارِدَةِ هَهُنا وأيًَّا ما كانَ؛ فالتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَأْيِيدِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّرْغِيبِ (p-138)والتَّرْهِيبِ، وكَذا وصْفُ الرَّبِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ فَإنَّ خَلْقَهُ تَعالى إيّاهم عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ لِإنْبائِهِ عَنْ قُدْرَةٍ شامِلَةٍ لِجَمِيعِ المَقْدُوراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عِقابُهم عَلى مَعاصِيهِمْ وعَنْ نِعْمَةٍ كامِلَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الِاتِّقاءِ مِن مُوجِباتِ نِقْمَتِهِ وأتَمِّ الزَّواجِرِ عَنْ كُفْرانِ نِعْمَتِهِ، وكَذا جَعْلُهُ تَعالى إيّاهم صِنْوانًَا مُفَرَّغَةً مِن أرُومَةٍ واحِدَةٍ هي نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُوجِباتِ الِاحْتِرازِ عَنِ الإخْلالِ بِمُراعاةِ ما بَيْنَهم مِن حُقُوقِ الأُخُوَّةِ، وتَعْمِيمُ الخِطابِ في "رَبَّكُمْ" و"خَلَقَكُمْ" لِلْأُمَمِ السّالِفَةِ أيْضًَا مَعَ اخْتِصاصِهِ فِيما قَبْلُ بِالمَأْمُورِينَ بِناءً عَلى أنَّ تَذْكِيرَ شُمُولِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى وخَلْقِهِ لِلْكُلِّ مِن مُؤَكِّداتِ الأمْرِ بِالتَّقْوى ومُوجِباتِ الِامْتِثالِ بِهِ تَفْكِيكٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ لِأنَّ خَلْقَهُ تَعالى لِلْمَأْمُورِينَ مِن نَفْسِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانَ بِواسِطَةِ ما بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ كانَ التَّعَرُّضُ لِخَلْقِهِمْ مُتَضَمِّنًَا لِلتَّعَرُّضِ لِخَلْقِ الوَسايِطِ جَمِيعًَا وكَذا التَّعَرُّضُ لِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم مُتَضَمِّنٌ لِلتَّعَرُّضِ لِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِأُصُولِهِمْ قاطِبَةً لا سِيَّما وقَدْ نَطَقَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ فَإنَّهُ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ صَرِيحٌ في ذَلِكَ وهو مَعْطُوفٌ إمّا عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ سَوْقُ الكَلامِ لِأنَّ تَفْرِيعَ الفُرُوعِ مِن أصْلٍ واحِدٍ يَسْتَدْعِي إنْشاءَ ذَلِكَ الأصْلِ لا مَحالَةَ كَأنَّهُ قِيلَ: خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ خَلَقَها أوَّلًَا وخَلَقَ مِنها زَوْجَها إلَخْ، وهو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ وحْدَةِ المَبْدَإ وبَيانِ كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِمْ مِنهُ وتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ أوَّلًَا أوْ صِفَةٌ لِـ "نَفْسٍ" مُفِيدَةٌ لِذَلِكَ، وإمّا عَلى ﴿خَلَقَكُمْ﴾ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مُقَرِّرٌ ومُبَيِّنٌ لِما ذَكَرَ، وإعادَةُ الفِعْلِ مَعَ جَوازِ عَطْفِ مَفْعُولِهِ عَلى مَفْعُولِ الفِعْلِ الأوَّلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إلَخْ لِإظْهارِ ما بَيْنَ الخَلْقَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ، فَإنَّ الأوَّلَ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ مِنَ الأصْلِ والثّانِي بِطَرِيقِ الإنْشاءِ مِنَ المادَّةِ، فَإنَّهُ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، رُوِيَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمّا خَلَقَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ ألْقى عَلَيْهِ النَّوْمَ فَبَيْنَما هو بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِهِ اليُسْرى فَلَمّا انْتَبَهَ وجَدَها عِنْدَهُ، وتَأْخِيرُ ذِكْرِ خَلْقِها عَنْ ذِكْرِ خَلْقِهِمْ لِما أنَّ تَذْكِيرَ خَلْقِهِمْ أدْخَلُ في تَحْقِيقِ ما هو المَقْصُودُ مِن حَمْلِهِمْ عَلى الِامْتِثالِ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى مِن تَذْكِيرِ خَلْقِها، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلِاعْتِناءِ بِبَيانِ مَبْدَئِيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَها مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ كَما مَرَّ مِرارًَا وإيرادُها بِعُنْوانِ الزَّوْجِيَّةِ تَمْهِيدٌ لِما بَعْدَهُ مِنَ التَّناسُلِ.
﴿وَبَثَّ مِنهُما﴾ أيْ: نَشَرَ مِن تِلْكَ النَّفْسِ وزَوْجِها المَخْلُوقَةِ مِنها بِطَرِيقِ التَّوالُدِ والتَّناسُلِ.
﴿رِجالا كَثِيرًا﴾ نَعْتٌ لِ "رِجالًَا" مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الكَثْرَةِ،والإفْرادُ بِاعْتِبارِ مَعْنى الجَمْعِ أوِ العَدَدِ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِلْفِعْلِ، أيْ: بَثًَّا كَثِيرًَا.
﴿وَنِساءً﴾ أيْ: كَثِيرَةً وتَرْكُ التَّصْرِيحِ بِها لِلِاكْتِفاءِ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ وإيثارُهُما عَلى ذُكُورًَا وإناثًَا لِتَأْكِيدِ الكَثْرَةِ والمُبالَغَةِ فِيها بِتَرْشِيحِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الأفْرادِ المَبْثُوثَةِ لِمَبْدَئِيَّةِ غَيْرِهِ. وقُرِئَ "وَخالِقٌ" "وَباثٌّ" عَلى حَذْفِ المُبْتَدَإ، أيْ: وهو خالِقٌ وباثٌّ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْأمْرِ وتَذْكِيرٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن مُوجِباتِ الِامْتِثالِ بِهِ، فَإنَّ سُؤالَ بَعْضِهِمُ بَعْضًَا بِاللَّهِ تَعالى بِأنْ يَقُولُوا أسْألُكَ بِاللَّهِ وأنْشُدُكَ اللَّهَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ يَقْتَضِي الِاتِّقاءَ مِن مُخالَفَةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وتَعْلِيقُ الِاتِّقاءِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في الحَمْلِ عَلى الِامْتِثالِ بِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ولِوُقُوعِ التَّساؤُلِ بِهِ لا بِغَيْرِهِ مِن أسْمائِهِ تَعالى وصِفاتِهِ. و"تَساءَلُونَ" أصْلُهُ: تَتَساءَلُونَ، فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًَا وقُرِئَ بِإدْغامِ تاءِ التَّفاعُلِ في السِّينِ لِتَقارُبِهِما في الهَمْسِ. (p-139)وَقُرِئَ "تَسْألُونَ" مِنَ الثُّلاثِيِّ، أيْ: تَسْألُونَ بِهِ غَيْرَكم وقَدْ فُسِّرَ بِهِ القِراءَةُ الأُولى والثّانِيَةُ وحَمْلُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ عَلى اعْتِبارِ الجَمْعِ كَما في قَوْلِكَ: "رَأيْتُ الهِلالَ وتَراءَيْناهُ" وبِهِ فُسِّرَ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ عَلى وجْهٍ. وقُرِئَ "تَسَلُونَ" بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى السِّينِ.
﴿والأرْحامَ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًَا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ كَقَوْلِكَ: "مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعُمَرًَا" ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ تَساءَلُونَ بِهِ وبِالأرْحامِ فَإنَّهم كانُوا يَقْرِنُونَها في السُّؤالِ والمُناشَدَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ويَقُولُونَ: أسْألُكَ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ، أوْ عَطْفًَا عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ،أىِ: اتَّقُوُا اللَّهَ والأرْحامَ وصِلُوها ولا تَقْطَعُوها فَإنَّ قَطِيعَتَها مِمّا يَجِبُ أنْ يُتَّقى وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ والضَّحّاكِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ. وقَدْ جَوَّزَ الواحِدِيُّ نَصْبَهُ عَلى الإغْراءِ، أيْ: والزَمُوُا الأرْحامَ وصِلُوها. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًَا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وبِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ تَقْدِيرُهُ و"الأرْحامُ" كَذَلِكَ، أيْ: مِمّا يُتَّقى أوْ يُتَساءَلُ بِهِ ولَقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حَيْثُ قَرَنَها بِاسْمِهِ الجَلِيلِ عَلى أنَّ صِلَتَها بِمَكانٍ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ . وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ « "الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ تَقُولُ مَن وصَلَنِي وصَلَهُ اللَّهُ ومَن قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ".» ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ أيْ: مُراقِبًَا، وهي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِن رَقَبَ يَرْقُبُ رَقْبًَا ورَقَبانًَا إذا أحَدَّ النَّظَرَ لِأمْرٍ يُرِيدُ تَحْقِيقَهُ، أيْ: حافِظًَا مُطَّلِعًَا عَلى جَمِيعِ ما يَصْدُرُ عَنْكم مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ وعَلى ما في ضَمائِرِكم مِنَ النِّيّاتِ مُرِيدًَا لِمُجازاتِكم بِذَلِكَ، وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ ووُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَأْكِيدِهِ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.
النساء 4:2
﴿وَآتُوُا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ مَوارِدِ الِاتِّقاءِ ومَظانِّهِ بِتَكْلِيفِ ما يُقابِلُها أمْرًَا ونَهْيًَا عَقِيبَ الأمْرِ بِنَفْسِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وتَقْدِيمُ ما يَتَعَلَّقُ بِاليَتامى لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِأمْرِهِمْ ولِمُلابَسَتِهِمْ بِالأرْحامِ؛ إذِ الخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ وقَلَّما تُفَوَّضُ الوِصايَةُ إلى الأجانِبِ.
واليَتِيمُ مَن ماتَ أبُوهُ مِنَ اليُتْمِ وهو الِانْفِرادُ، ومِنهُ الدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ، وجَمْعُهُ عَلى يَتامى إمّا لِأنَّهُ لَمّا جَرى مَجْرى الأسْماءِ جُمِعَ عَلى يَتاتِمْ ثُمَّ قُلِبَ فَقِيلَ يَتامى، أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مِن وادِي الآفاتِ جُمِعَ عَلى يَتْمى ثُمَّ جُمِعَ يَتْمى عَلى يَتامى، والِاشْتِقاقُ يَقْتَضِي صِحَّةَ إطْلاقِهِ عَلى الكِبارِ أيْضًَا واخْتِصاصُهُ بِالصِّغارِ مَبْنِيٌّ عَلى العُرْفِ. وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا يُتْمَ بَعْدَ الحُلُمِ﴾ فَتَعْلِيمٌ لِلشَّرِيعَةِ لا تَعْيِينٌ لِمَعْنى اللَّفْظِ، أيْ: لا يَجْرِي عَلى اليَتِيمِ بَعْدَهُ حُكْمُ الأيْتامِ، والمُرادُ بِإيتاءِ أمْوالِهِمْ: قَطْعُ المُخاطَبِينَ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ عَنْها وكَفُّ أكُفِّهِمُ الخاطِفَةِ عَنِ اخْتِزالِها وتَرْكُها عَلى حالِها غَيْرَ مُتَعَرَّضٍ لَها بِسُوءٍ حَتّى تَأْتِيَهم وتَصِلَ إلَيْهِمْ سالِمَةً كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّبَدُّلِ، والأكْلِ لا الإعْطاءِ بِالفِعْلِ فَإنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالبُلُوغِ وإيناسِ الرُّشْدِ عَلى ما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا﴾ الآيَةُ وإنَّما عَبَّرَ عَمّا ذَكَرَ بِالإيتاءِ مَجازًَا لِلْإيذانِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُرادُهم بِذَلِكَ إيصالَها إلَيْهِمْ لا مُجَرَّدَ تَرْكِ التَّعَرُّضِ لَها، فالمُرادُ بِهِمْ إمّا الصِّغارُ عَلى ما هو المُتَبادِرُ والأمْرُ خاصٌّ بِمَن يَتَوَلّى أمْرَهم مِنالأوْلِياءِ والأوْصِياءِ وشُمُولُ حُكْمِهِ لِأوْلِياءِ مَن كانَ بالِغًَا عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ دُونَ العِبارَةِ، وأمّا مَن جَرى عَلَيْهِ اليُتْمُ في الجُمْلَةِ مَجازًَا أعَمُّ مِن (p-140)أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ عِنْدَ النُّزُولِ أوْ بالِغًَا، فالأمْرُ شامِلٌ لِأوْلِياءِ الفَرِيقَيْنِ صِيغَةَ مُوجِبٍ عَلَيْهِمْ ما ذَكَرَ مِن حِفْظِ أمْوالِهِمْ والتَّحَفُّظِ عَنْ إضاعَتِها مُطْلَقًَا، وأمّا وُجُوبُ الدَّفْعِ إلى الكِبارِ فَمُسْتَفادٌ مِمّا سَيَأْتِي مِنَ الأمْرِ بِهِ، وقِيلَ المُرادُ بِهِمُ: الصِّغارُ وبِالإيتاءِ: الإعْطاءُ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، وقِيلَ: أُطْلِقَ اسْمُهم عَلى الكِبارِ بِطَرِيقِ الِاتِّساعِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِاليُتْمِ حَثًَّا لِلْأوْلِياءِ عَلى المُسارَعَةِ إلى دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ أوَّلَ ما بَلَغُوا قَبْلَ أنْ يَزُولَ عَنْهُمُ اسْمُهُمُ المَعْهُودُ، فالإيتاءُ بِمَعْنى الإعْطاءِ بِالفِعْلِ ويَأْباهُما ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وابْتَلُوُا اليَتامى﴾ إلَخْ فَإنَّ ما فِيهِ مِنَ الأمْرِ بِالدَّفْعِ وارِدٌ عَلى وجْهِ التَّكْلِيفِ الِابْتِدائِيِّ لا عَلى وجْهِ تَعْيِينِ وقْتِهِ أوْ بَيانِ شَرْطِهِ فَقَطْ كَما هو مُقْتَضى القَوْلَيْنِ، وأمّا تَعْمِيمُ الِاسْمِ لِلصِّغارِ والكِبارِ مَجازًَا بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ مَعَ تَعْمِيمِ الإيتاءِ لِلْإيتاءِ حالًَا ولِلْإيتاءِ مَآلًَا، وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِأوْلِياءِ كِلا الفَرِيقَيْنِ عَلى أنَّ مَن بَلَغَ مِنهم فَوَلِيُّهُ مَأْمُورٌ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ بِالفِعْلِ وأنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْ بَعْدُ فَوَلِيُّهُ مَأْمُورٌ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًَا فَمَعَ ما سَبَقَ تَكَلُّفٌ لا يَخْفى، فالأنْسَبُ ما تَقَدَّمَ مِن حَمْلِ إيتاءِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَرْكِ التَّعَرُّضِ لَها بِسُوءٍ كَما يُلَوِّحُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنِ الإعْطاءِ بِالفِعْلِ بِالدَّفْعِ سَواءً أُرِيدَ بِاليَتامى الصِّغارُ أوْ ما يَعُمُّ الصِّغارَ والكِبارَ حَسْبَما ذُكِرَ آنِفًَا، وأمّا ما رُوِيَ مِن أنَّ رَجُلًَا مِن غَطَفانَ كانَ مَعَهُ مالٌ كَثِيرٌ لِابْنِ أخٍ لَهُ فَلَمّا بَلَغَ طَلَبَ مِنهُ مالَهُ فَمَنَعَهُ فَنَزَلَتْ؛ فَلَمّا سَمِعَها قالَ: أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحُوبِ الكَبِيرِ فَغَيْرُ قادِحٍ في ذَلِكَ لِما أنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿وَلا تَتَبَدَّلُوُا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ نَهْيٌ عَنْ أخْذِ مالِ اليَتِيمِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ بَعْدَ النَّهْيِ الضِّمْنِيِّ عَنْ أخْذِهِ عَلى الإطْلاقِ، وتَبَدُّلُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ واسْتِبْدالُهُ بِهِ أخْذُ الأوَّلِ بَدَلَ الثّانِي بَعْدَ أنْ كانَ حاصِلًَا لَهُ أوْ في شَرَفِ الحُصُولِ يُسْتَعْمَلانِ أبَدًَا بِإفْضائِهِما إلى الحاصِلِ بِأنْفُسِهِما وإلى الزّائِلِ بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ إلَخْ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ وأمّا التَّبْدِيلُ فَيُسْتَعْمَلُ تارَةً كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ إلَخْ وأُخْرى بِالعَكْسِ كَما في قَوْلِكَ: "بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ بِالخاتَمِ إذا أذَبْتَها وجَعَلْتَها خاتَمًَا" نَصَّ عَلَيْهِ الأزْهَرِيُّ، وتارَةً أُخْرى بِإفْضائِهِ إلى مَفْعُولَيْهِ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ والمُرادُ بِالخَبِيثِ والطَّيِّبِ إنْ كانَ هو الحَرامَ والحَلالَ، فالمَنهِيُّ عَنْهُ اسْتِبْدالُ مالِ اليَتِيمِ بِمالِ أنْفُسِهِمْ مُطْلَقًَا كَما قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَذَرُوا أمْوالَكُمُ الحَلالَ وتَأْكُلُوُا الحَرامَ مِن أمْوالِهِمْ، فالمَنهِيُّ عَنْهُ أكْلُ مالِهِ مَكانَ مالِهِمِ المُحَقَّقِ أوِ المُقَدَّرِ. وقِيلَ: هو اخْتِزالُ مالِهِ مَكانَ حِفْظِهِ وأيًَّا ما كانَ؛ فَإنَّما عَبَّرَ عَنْهُما بِهِما تَنْفِيرًَا عَمّا أخَذُوهُ وتَرْغِيبًَا فِيما أُعْطَوْهُ وتَصْوِيرًَا لِمُعامَلَتِهِمْ بِصُورَةِ ما لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ، وإنْ كانَ هو الرَّدِيءَ والجَيِّدَ فَمَوْرِدُ النَّهْيِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أخْذِ الجَيِّدِ مِن مالِ اليَتِيمِ وإعْطاءِ الرَّدِيءِ مِن مالِ أنْفُسِهِمْ وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ والنَّخْعِيُّ والزُّهْرِيُّ والسُّدِّيُّ، وتَخْصِيصُ هَذِهِ المُعامَلَةِ بِالنَّهْيِ لِخُرُوجِها مَخْرَجَ العادَةِ لا لِإباحَةِ ما عَداها، وأمّا التَّعْبِيرُ عَنْها بِتَبَدُّلِ الخَبِيثِ بِالطَّيِّبِ مَعَ أنَّها تَبْدِيلُهُ بِهِ أوْ تَبَدُّلُ الطَّيِّبِ بِالخَبِيثِ فَلِلْإيذانِ بِأنَّ الأوْلِياءَ حَقُّهم أنْ يَكُونُوا في المُعاوَضاتِ عامِلِينَ لِلْيَتِيمِ لا لِأنْفُسِهِمْ مُراعِينَ لِجانِبِهِ قاصِدِينَ لِجَلْبِ المَجْلُوبِ إلَيْهِ مُشْتَرىً كانَ أوْ ثَمَنًَا لا لِسَلْبِ المَسْلُوبِ عَنْهُ.
﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ آخَرَ كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ، أيْ: لا تَأْكُلُوها مَضْمُومَةً إلى أمْوالِكم ولا تُسَوُّوا بَيْنَهُما وهَذا حَلالٌ وذاكَ حَرامٌ، وقَدْ خُصَّ مِن ذَلِكَ مِقْدارُ أجْرِ المِثْلِ عِنْدَ كَوْنِ (p-141)الوَلِيِّ فَقِيرًَا.
﴿إنَّهُ﴾ أيِ: الأكْلَ المَفْهُومَ مِنَ النَّهْيِ.
﴿كانَ حُوبًا﴾ أيْ: ذَنْبًَا عَظِيمًَا، وقُرِئَ بِفَتْحِ الحاءِ وهو مَصْدَرٌ: حابَ حَوْبًَا، وقُرِئَ "حابًَا" وهو أيْضًَا مَصْدَرٌ كَقالَ قَوْلًَا وقالًَا.
﴿كَبِيرًا﴾ مُبالَغَةٌ في بَيانِ عِظَمِ ذَنْبِ الأكْلِ المَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: مِن كِبارِ الذُّنُوبِ العَظِيمَةِ لا مِن أفْنائِها.
النساء 4:3
﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ الإقْساطُ: العَدْلُ، وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ فَقِيلَ: هو مِن قَسَطَ، أيْ: جارَ و"لا" مَزِيدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ . وقِيلَ: هو بِمَعْنى أقْسَطَ، فَإنَّ الزَّجّاجَ حَكى أنَّ قَسَطَ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ أقْسَطَ، والمُرادُ بِالخَوْفِ العِلْمُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ إيذانًَا بِكَوْنِ المَعْلُومِ مَخُوفًَا مَحْذُورًَا لا مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ، لِأنَّ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الجَوابُ هو العِلْمُ بِوُقُوعِ الجَوْرِ المَخُوفِ لا الخَوْفُ مِنهُ وإلّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ شامِلًَا لِمَن يُصِرُّ عَلى الجَوْرِ ولا يَخافُهُ وهَذا شُرُوعٌ في النَّهْيِ عَنْ مُنْكَرٍ آخَرَ كانُوا يُباشِرُونَهُ مُتَعَلِّقٌ بِأنْفُسِ اليَتامى أصالَةً وبِأمْوالِهِمْ تَبَعًَا عَقِيبَ النَّهْيِ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِأمْوالِهِمْ خاصَّةً، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ لِقِلَّةِ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأوَّلِ ونُزُولِهِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ المُرَكَّبِ مِنَ المُفْرَدِ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَزَوَّجُونَ مَن تَحِلُّ لَهم مِنَ اليَتامى اللّاتِي يَلُونَهُنَّ لَكِنْ لا لِرَغْبَةٍ فِيهِنَّ بَلْ في مالِهِنَّ ويُسِيئُونَ في الصُّحْبَةِ والمُعاشَرَةِ ويَتَرَبَّصُونَ بِهِنَّ أنْ يَمُتْنَ فَيَرِثُوهُنَّ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ. وقِيلَ: هي اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها فَيَرْغَبُ في مالِها وجَمالِها ويُرِيدُ أنْ يَنْكِحَها بِأدْنى مِن سُنَّةِ نِسائِها فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ في إكْمالِ الصَّداقِ وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما سِواهُنَّ مِنَ النِّساءِ وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ رِوايَةً عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. وأمّا اعْتِبارُ اجْتِماعِ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنهُنَّ كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ حَيْثُ قالُوا: كانَ الرَّجُلُ يَجِدُ اليَتِيمَةَ لَها مالٌ وجَمالٌ ويَكُونُ ولِيَّها فَيَتَزَوَّجُها ضَنًَّا بِها عَنْ غَيْرِهِ فَرُبَّما اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ عَشْرٌ مِنهُنَّ إلَخْ فَلا يُساعِدُهُ الأمْرُ بِنِكاحِ غَيْرِهِنَّ فَإنَّ المَحْذُورَ حِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ بِتَقْلِيلِ عَدَدِهِنَّ أيْ: وإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا في حَقِّ اليَتامى إذا تَزَوَّجْتُمْ بِهِنَّ بِإساءَةِ العِشْرَةِ أوْ بِنَقْصِ الصَّداقِ.
﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ "ما" مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، ما بَعْدَها صِلَتُها أوْ صِفَتُها أوْ أُوثِرَتْ عَلى مَن ذَهابًَا إلى الوَصْفِ وإيذانًَا بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ والغالِبُ في الِاعْتِبارِ لا بِناءً عَلى أنَّ الإناثَ مِنَ العُقَلاءِ يَجْرِينَ مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ لِإخْلالِهِ بِمَقامِ التَّرْغِيبِ فِيهِنَّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "مَن طابَ" و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ بَيانِيَّةٌ. وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ بِهِنَّ: غَيْرُ اليَتامى بِشَهادَةِ قَرِينَةِ المَقامِ، أيْ: فانْكِحُوا مَنِ اسْتَطابَتْها نُفُوسُكم مِنَ الأجْنَبِيّاتِ وفي إيثارِ الأمْرِ بِنِكاحِهِنَّ عَلى النَّهْيِ عَنْ نِكاحِ اليَتامى مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ مَزِيدُ لُطْفٍ في اسْتِنْزالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلى الحِرْصِ عَلى ما مُنِعَتْ مِنهُ كَما أنَّ وصْفَ النِّساءِ بِالطِّيبِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ فِيهِ مُبالَغَةٌ في الِاسْتِمالَةِ إلَيْهِنَّ والتَّرْغِيبِ فِيهِنَّ وكُلُّ ذَلِكَ لِلِاعْتِناءِ بِصَرْفِهِمْ عَنْ نِكاحِ اليَتامى وهو السِّرُّ في تَوْجِيهِ النَّهْيِ الضِّمْنِيِّ إلى النِّكاحِ المُتَرَقَّبِ مَعَ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو النِّكاحُ المُحَقَّقُ لِما فِيهِ مِنَ المُسارَعَةِ إلى دَفْعِ الشَّرِّ قَبْلَ وُقُوعِهِ، (p-142)فَرُبَّ واقِعٍ لا يُرْفَعُ والمُبالَغَةِ في بَيانِ حالِ النِّكاحِ المُحَقَّقِ، فَإنَّ مَحْظُورِيَّةَ المُتَرَقَّبِ حَيْثُ كانَتْ لِلْجَوْرِ المُتَرَقَّبِ فِيهِ فَمَحْظُورِيَّةُ المُحَقَّقِ مَعَ تَحَقُّقِ الجَوْرِ فِيهِ أوْلى. وقِيلَ: المُرادُ بِالطِّيبِ: الحِلُّ، أيْ: ما حَلَّ لَكم شَرْعًَا لِأنَّ ما اسْتَطابُوهُ شامِلٌ لِلْمُحَرَّماتِ ولا مُخَصِّصَ لَهُ بِمَن عَداهُنَّ، وفِيهِ فِرارٌ مِن مَحْذُورٍ ووُقُوعٌ فِيما هو أفْظَعُ مِنهُ لِأنَّ ما حَلَّ لَهم مُجْمَلٌ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ النَّصَّ إذا تَرَدَّدَ بَيْنَ الإجْمالِ والتَّخْصِيصِ يُحْمَلُ عَلى الثّانِي لِأنَّ العالِمَ المَخْصُوصَ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ والمُجْمَلُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَبْلَ وُرُودِ البَيانِ أصْلًَا ولَئِنْ جُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ دالًَّا عَلى التَّفْصِيلِ بِناءً عَلى ادِّعاءِ تَقَدُّمِهِ في التَّنْزِيلِ فَلْيُجْعَلْ دالًَّا عَلى التَّخْصِيصِ.
﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ مَعْدُولَةٌ عَنْ أعْدادٍ مُكَرَّرَةٍ غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ لِما فِيها مِنَ العَدْلَيْنِ عَدْلِها عَنْ صِيَغِها وعَدْلِها عَنْ تَكَرُّرِها. وقِيلَ: لِلْعَدْلِ والصِّفَةِ فَإنَّها بُنِيَتْ صِفاتٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ أُصُولُها كَذَلِكَ، وقُرِئَ "وَثُلَثَ ورُبَعَ" عَلى القَصْرِ مِن ثُلاثَ ورُباعَ ومَحَلُّهُنَّ النَّصْبُ عَلى أنَّها حالٌ مِن فاعِلِ ﴿طابَ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ وصْفُ الطِّيبِ مِنَ التَّرْغِيبِ فِيهِنَّ والِاسْتِمالَةِ إلَيْهِنَّ بِتَوْسِيعِ دائِرَةِ الإذْنِ، أىْ: فانْكِحُوُا الطَّيِّباتِ لَكم مَعْدُوداتٍ هَذا العَدَدَ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ وثَلاثًَا ثَلاثًَا وأرْبَعًَا أرْبَعًَا حَسْبَما تُرِيدُونَ عَلى مَعْنى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَخْتارَ، أيَّ عَدَدٍ شاءَ مِنَ الأعْدادِ المَذْكُورَةِ لا أنَّ بَعْضَها لِبَعْضٍ مِنهم وبَعْضَها لِبَعْضٍ آخَرَ كَما في قَوْلِكَ: "اقْتَسِمُوا هَذِهِ البَدْرَةَ دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ وثَلاثًَا ثَلاثًَا وأرْبَعَةً أرْبَعَةً" ولَوْ أُفْرِدَتْ لَفُهِمَ مِنهُ تَجْوِيزُ الجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الأعْدادِ دُونَ التَّوْزِيعِ ولَوْ ذُكِرَتْ بِكَلِمَةِ (أوْ) لَفاتَ تَجْوِيزُ الِاخْتِلافِ في العَدَدِ، هَذا وقَدْ قِيلَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ في اليَتامى وما في أكْلِ أمْوالِهِمْ مِنَ الحُوبِ الكَبِيرِ أخَذَ الأوْلِياءُ يَتَحَرَّجُونَ مِن وِلايَتِهِمْ خَوْفًَا مِن لُحُوقِ الحُوبِ بِتَرْكِ الإقْساطِ مَعَ أنَّهم كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن تَرْكِ العَدْلِ في حُقُوقِ النِّساءِ حَيْثُ كانَ تَحْتَ الرَّجُلِ مِنهم عَشْرٌ مِنهُنَّ فَقِيلَ لَهُمْ: إنْ خِفْتُمْ تَرْكَ العَدْلِ في حُقُوقِ اليَتامى فَتَحَرَّجْتُمْ مِنها فَخافُوا أيْضًَا تَرْكَ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ فَقَلِّلُوا عَدَدَ المَنكُوحاتِ لِأنَّ مَن تَحَرَّجَ مِن ذَنْبٍ أوْ تابَ عَنْهُ وهو مُرْتَكِبٌ مِثْلَهُ فَهو غَيْرُ مُتَحَرِّجٍ ولا تائِبٍ عَنْهُ. وقِيلَ: كانُوا لا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الزِّنى وهم يَتَحَرَّجُونَ مِن وِلايَةِ اليَتامى، فَقِيلَ: إنْ خِفْتُمُ الجَوْرَ في حَقِّ اليَتامى فَخافُوُا الزِّنى فانْكِحُوا ما حَلَّ لَكم مِنَ النِّساءِ ولا تَحُومُوا حَوْلَ المُحَرَّماتِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُساعِدُهُما جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِابْتِنائِهِما عَلى تَقَدُّمِ نُزُولِ الآيَةِ الأُولى وشُيُوعِها بَيْنَ النّاسِ مَعَ ظُهُورِ تَوَقُّفِ حُكْمِها عَلى ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوُا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ .
﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا﴾ أيْ: فِيما بَيْنَهُنَّ، ولَوْ في أقَلِّ الأعْدادِ المَذْكُورَةِ كَما خِفْتُمُوهُ في حَقِّ اليَتامى أوْ كَما لَمْ تَعْدِلُوا في حَقِّهِنَّ أوْ كَما لَمْ تَعْدِلُوا فِيما فَوْقَ هَذِهِ الأعْدادِ.
﴿فَواحِدَةً﴾ أيْ: فالزَمُوا أوْ فاخْتارُوا واحِدَةً وذَرُوُا الجَمِيعَ بِالكُلِّيَّةِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، أيْ: فالمُقْنِعُ واحِدَةٌ أوْ فَحَسْبُكم واحِدَةٌ.
﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: مِنَ السَّرارِي بالِغَةً ما بَلَغَتْ مِن مَراتِبِ العَدَدِ وهو عَطْفٌ عَلى "واحِدَةً" عَلى أنَّ اللُّزُومَ والِاخْتِيارَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّسَرِّي لا بِطَرِيقِ النِّكاحِ كَما فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ لِاسْتِلْزامِهِ وُرُودَ مِلْكِ النِّكاحِ عَلى مِلْكِ اليَمِينِ بِمُوجِبِ اتِّحادِ المُخاطَبِينَ في المَوْضِعَيْنِ بِخِلافِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ فَإنَّ المَأْمُورَ بِالنِّكاحِ هُناكَ غَيْرُ المُخاطَبِينَ بِمِلْكِ اليَمِينِ وإنَّما سَوّى في السُّهُولَةِ واليُسْرِ بَيْنَ الحُرَّةِ الواحِدَةِ وبَيْنَ السَّرارِي مِن غَيْرِ حَصْرٍ في عَدَدٍ لِقِلَّةِ تَبِعَتِهِنَّ (p-143)وَخِفَّةِ مُؤْنَتِهِنَّ وعَدَمِ وُجُوبِ القَسْمِ فِيهِنَّ، وقُرِئَ "أوْ مَن مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ" وما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ لِلْإيذانِ بِقُصُورِ رُتْبَتِهِنَّ عَنْ رُتْبَةِ العُقَلاءِ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى اخْتِيارِ الواحِدَةِ والتَّسَرِّي.
﴿أدْنى ألا تَعُولُوا﴾ العَوْلُ: المَيْلُ مِن قَوْلِهِمْ عالَ المِيزانُ عَوْلًَا إذا مالَ وعالَ في الحُكْمِ، أيْ: جارَ، والمُرادُ هُنا: المَيْلُ المَحْظُورُ المُقابِلُ لِلْعَدْلِ، أيْ: ما ذُكِرَ مِنِ اخْتِيارِ الواحِدَةِ والتَّسَرِّي أقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَداهُما مِن أنْ لا تَمِيلُوا مَيْلًَا مَحْظُورًَا لِانْتِفائِهِ رَأْسًَا بِانْتِفاءِ مَحَلِّهِ في الأوَّلِ وانْتِفاءِ خَطَرِهِ في الثّانِي بِخِلافِ اخْتِيارِ العَدَدِ في المَهائِرِ، فَإنَّ المَيْلَ المَحْظُورَ مُتَوَقَّعٌ فِيهِ لِتَحَقُّقِ المَحَلِّ والخَطَرِ ومِن هَهُنا تَبَيَّنَ أنَّ مَدارَ الأمْرِ هو عَدَمُ العَوْلِ لا تَحَقُّقُ العَدْلِ كَما قِيلَ، وقَدْ فُسِّرَ بِأنْ لا يَكْثُرَ عِيالُكم عَلى أنَّهُ مِن عالَ الرَّجُلُ عِيالَهُ يَعُولُهُمْ، أيْ: مانَهُمْ، فَعَبَّرَ عَنْ كَثْرَةِ العِيالِ بِكَثْرَةِ المُؤْنَةِ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ "أنْ تُعِيلُوا" مِن أعالَ الرَّجُلُ إذا كَثُرَ عِيالُهُ، ووَجْهُ كَوْنِ التَّسَرِّي مَظِنَّةَ قِلَّةِ العِيالِ مَعَ جَوازِ الِاسْتِكْثارِ مِنَ السَّرارِي أنَّهُ يَجُوزُ العَزْلُ عَنْهُنَّ بِغَيْرِ رِضاهُنَّ ولا كَذَلِكَ المَهائِرُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ جارِيَةٌ مِمّا قَبْلَها مَجْرى التَّعْلِيلِ.
النساء 4:4
﴿وَآتُوُا النِّساءَ﴾ أيِ: اللّاتِي أمَرَ بِنِكاحِهِنَّ.
﴿صَدُقاتِهِنَّ﴾ جَمْعُ صَدُقَةٍ كَسَمُرَةٍ وهي المَهْرُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الدّالِ عَلى التَّخْفِيفِ وبِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ، جَمْعُ صُدْقَةٍ كَغُرْفَةٍ وبِضَمِّها عَلى التَّوْحِيدِ وهو تَثْقِيلُ صُدْقَةٍ كَظُلُمَةٍ في ظُلْمَةٍ.
﴿نِحْلَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ لِأنَّها مِمّا فَرَضَهُ اللَّهُ في النِّحْلَةِ، أيِ: المِلَّةِ والشِّرْعَةِ والدِّيانَةِ فانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الصَّدُقاتِ، أيْ: أعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ حالَ كَوْنِها فَرِيضَةً مِنهُ تَعالى. وقالَ الزَّجّاجُ: تَدَيُّنًَا فانْتِصابُها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: أعْطُوهُنَّ دِيانَةً وشِرْعَةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: "نِحْلَةً" أيْ: هِبَةً وعَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَفَضُّلًَا مِنهُ عَلَيْهِنَّ فانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِنها أيْضًَا، وقِيلَ: عَطِيَّةً مِن جِهَةِ الأزْواجِ مِن نَحَلَهُ كَذا إذا أعْطاهُ إيّاهُ ووَهَبَهُ لَهُ عَنْ طِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ نِحْلَةً ونُحْلًَا، والتَّعْبِيرُ عَنْ إيتاءِ المُهُورِ بِالنِّحْلَةِ مَعَ كَوْنِها واجِبَةً عَلى الأزْواجِ لِإفادَةِ مَعْنى الإيتاءِ عَنْ كَمالِ الرِّضا وطِيبِ الخاطِرِ وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ الإيتاءَ والنِّحْلَةَ بِمَعْنى الإعْطاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وانْحِلُوُا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً، أيْ: أعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ عَنْ طِيبَةِ أنْفُسِكم أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ "آتُوا" أيْ: آتُوهُنَّ صَدُقاتِهِنَّ ناحِلِينَ طَيِّبِي النُّفُوسِ بِالإعْطاءِ أوْ مِنَ الصَّدُقاتِ، أيْ: مَنحُولَةً مُعْطاةً عَنْ طِيبَةِ الأنْفُسِ، فالخِطابُ لِلْأزْواجِ. وقِيلَ: لِلْأوْلِياءِ لِأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ مُهُورَ بَناتِهِمْ وكانُوا يَقُولُونَ هَنِيئًَا لَكَ النّافِجَةُ لِمَن يُولَدُ لَهُ بِنْتٌ يَعْنُونَ: تَأْخُذُ مَهْرَها فَتَنْفِجُ بِهِ مالَكَ، أيْ: تُعْظِمُهُ.
﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلصَّدُقاتِ، وتَذْكِيرُهُ لِإجْرائِهِ مُجْرى ذَلِكَ فَإنَّهُ قَدْ يُشارُ بِهِ إلى المُتَعَدِّدِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّهَواتِ المَعْدُودَةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ رُؤْبَةَ أنَّهُ حِينَ قِيلَ لَهُ في قَوْلِهِ:
؎ فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
إنْ أرَدْتَ الخُطُوطَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ كَأنَّها وإنْ أرَدْتَ السَّوادَ والبَلَقَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ كَأنَّهُما قالَ: لَكِنِّي أرَدْتُ كَأنَّ ذَلِكَ أوْ لِلصَّداقِ الواقِعِ مَوْقِعَهُ صَدُقاتِهِنَّ كَأنَّهُ قِيلَ: "وَآتُوُا النِّساءَ صَداقَهُنَّ" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ حَيْثُ عَطَفَ "أكُنْ" عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ ووَقَعَ مَوْقِعَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ أخَّرْتَنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ وكَذا "عَنْ" لَكِنْ (p-144)بِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّجافِي والتَّجاوُزِ، و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ، أيْ: كائِنٍ مِنَ الصَّداقِ وفِيهِ بَعْثٌ لَهُنَّ عَلى تَقْلِيلِ المَوْهُوبِ.
﴿نَفْسًا﴾ تَمْيِيزٌ، والتَّوْحِيدُ لِما أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ الجِنْسِ، أيْ: إنْ وهَبْنَ لَكم شَيْئًَا مِنَ الصَّداقِ مُتَجافِيًَا عَنْهُ نُفُوسُهُنَّ طَيِّباتٍ غَيْرَ مُخْبَثاتٍ بِما يَضْطَرُّهُنَّ إلى البَذْلِ مِن شَكاسَةِ أخْلاقِكم وسُوءِ مُعاشَرَتِكم لَكِنْ عَدَلَ عَنْ لَفْظِ الهِبَةِ والسَّماحَةِ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ إيذانًَا بِأنَّ العُمْدَةَ في الأمْرِ إنَّما هو طِيبُ النَّفْسِ وتَجافِيها عَنِ المَوْهُوبِ بِالمَرَّةِ.
﴿فَكُلُوهُ﴾ أيْ: فَخُذُوا ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي طابَتْ بِهِ نُفُوسُهُنَّ وتَصَرَّفُوا فِيهِ تَمَلُّكًَا، وتَخْصِيصُ الأكْلِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ مُعْظَمُ وُجُوهِ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ.
﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ صِفَتانِ مِن هَنُؤَ الطَّعامُ ومَرُؤَ إذا كانَ سائِغًَا لا تَنْغِيصَ فِيهِ، وقِيلَ: الهَنِيءُ الَّذِي يُلِذُّهُ الأكْلُ والمَرِيءُ ما يُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، وقِيلَ: ما يَنْساغُ في مَجْراهُ الَّذِي هو المَرِيءُ وهو ما بَيْنَ الحُلْقُومِ إلى فَمِ المَعِدَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُرُوءِ الطَّعامِ فِيهِ، أيِ: انْسِياغِهِ ونَصْبُهُما عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: أكْلًَا هَنِيئًَا مَرِيئًَا أوْ عَلى أنَّهُما حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أيْ: كُلُوهُ وهو هَنِيءٌ مَرِيءٌ، وقَدْ يُوقَفُ عَلى كُلُوهُ ويُبْتَدَأُ هَنِيئًَا مَرِيئًَا عَلى الدُّعاءِ وعَلى أنَّهُما صِفَتانِ أُقِيمَتا مَقامَ المَصْدَرَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَنْأً ومَرْأً وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّحْلِيلِ والمُبالَغَةِ في الإباحَةِ وإزالَةِ التَّبِعَةِ. ورُوِيَ أنَّ ناسًَا كانُوا يَتَأثَّمُونَ أنْ يَقْبَلَ أحَدُهم مِن زَوْجَتِهِ شَيْئًَا مِمّا ساقَهُ إلَيْها فَنَزَلَتْ.
النساء 4:5
﴿وَلا تُؤْتُوُا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْوالِ اليَتامى وتَفْصِيلُ ما أُجْمِلَ فِيما سَبَقَ مِن شَرْطِ إيتائِها ووَقْتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ إثْرَ بَيانِ بَعْضِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأنْفُسِهِنَّ - أعْنِي نِكاحَهُنَّ - وبَيانُ بَعْضِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَيْرِهِنَّ مِنَ الأجْنَبِيّاتِ مِن حَيْثُ النَّفْسُ ومِن حَيْثُ المالُ اسْتِطْرادًَا، والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ نُهُوا أنْ يُؤْتُوُا المُبَذِّرِينَ مِنَ اليَتامى أمْوالَهم مَخافَةَ أنْ يُضَيِّعُوها وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ وهي لِلْيَتامى لا نَظَرًَا إلى كَوْنِها تَحْتَ وِلايَتِهِمْ كَما قِيلَ فَإنَّهُ غَيْرُ مُصَحَّحٍ لِاتِّصافِها بِالوَصْفِ الآتِي بَلْ تَنْزِيلًَا لِاخْتِصاصِها بِأصْحابِها مَنزِلَةَ اخْتِصاصِها بِالأوْلِياءِ فَكَأنَّ أمْوالَهم عَيْنُ أمْوالِهِمْ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ الاتِّحادِ الجِنْسِيِّ والنِّسْبِيِّ مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًَا حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ بَنِي نَوْعِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ مُبالَغَةً في زَجْرِهِمْ عَنْ قَتْلِهِمْ فَكَأنَّ قَتْلَهم قَتْلُ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ أيَّدَ ذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ جَعْلِها مَناطًَا لِمَعاشِ أصْحابِها بِجَعْلِها مَناطًَا لِمَعاشِ الأوْلِياءِ. فَقِيلَ: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ أيْ: جَعَلَها اللَّهُ شَيْئًَا تَقُومُونَ بِهِ وتَنْتَعِشُونَ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الأوَّلِ فَلَوْ ضَيَّعْتُمُوهُ لَضِعْتُمْ، ثُمَّ زِيدَ في المُبالَغَةِ حَتّى جُعِلَ ما بِهِ القِيامُ قِيامًَا فَكَأنَّها في أنْفُسِها قِيامُكم وانْتِعاشُكم. وقِيلَ: إنَّما أُضِيفَتْ إلى الأوْلِياءِ لِأنَّها مِن جِنْسِ ما يُقِيمُ بِهِ النّاسُ مَعايِشَهم حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ بِها الخُصُوصِيَّةُ الشَّخْصِيَّةُ بَلِ الجِنْسِيَّةُ الَّتِي هي مَعْنى ما يُقامُ بِهِ المَعاشُ وتَمِيلُ إلَيْهِ القُلُوبُ ويُدَّخَرُ لِأوْقاتِ الِاحْتِياجِ، وهي بِهَذا الِاعْتِبارِ لا تَخْتَصُّ بِاليَتامى.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن حَمْلِ الأوْلِياءِ عَلى المُحافَظَةِ المَذْكُورَةِ كَيْفَ لا؟ والوَحْدَةُ الجِنْسِيَّةُ المالِيَّةُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِما بَيْنَ أمْوالِ اليَتامى وأمْوالِ (p-145)الأوْلِياءِ بَلْ هي مُتَحَقِّقَةٌ بَيْنَ أمْوالِهِمْ وأمْوالِ الأجانِبِ؛ فَإذَنْ لا وجْهَ لِاعْتِبارِها أصْلًَا. وقُرِئَ "اللّاتِي" و"اللَّواتِي"، وقُرِئَ "قَيْمًَا" بِمَعْنى قِيامًَا كَما جاءَ عَوْذًَا بِمَعْنى عِياذًَا، وقُرِئَ "قِوامًَا" بِكَسْرِ القافِ وهو ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ أوْ مَصْدَرُ قاوَمَ، وقُرِئَ بِفَتْحِها.
﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ أيْ: واجْعَلُوها مَكانًَا لِرِزْقِهِمْ وكُسْوَتِهِمْ بِأنْ تَتَّجِرُوا وتَتَرَبَّحُوا حَتّى تَكُونَ نَفَقاتُهم مِنَ الأرْباحِ لا مِن صُلْبِ المالِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ كائِنًَا مَن كانَ، والمُرادُ: نَهْيُهُ عَنْ أنْ يُفَوِّضَ أمْرَ مالِهِ إلى مَن لا رُشْدَ لَهُ مِن نِسائِهِ وأوْلادِهِ ووُكَلائِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
﴿وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ أيْ: كَلامًَا لَيِّنًَا تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهُمْ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ: عِدُوهم عِدَةً جَمِيلَةً بِأنْ تَقُولُوا إذا صَلَحْتُمْ ورَشَدْتُمْ سَلَّمْنا إلَيْكم أمْوالَكم وكُلُّ ما سَكَنَتْ إلَيْهِ النَّفْسُ لِحُسْنِهِ شَرْعًَا أوْ عَقْلًَا مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ فَهو مَعْرُوفٌ وما أنْكَرَتْهُ لِقُبْحِهِ شَرْعًَا أوْ عَقْلًَا فَهو مُنْكَرٌ.
النساء 4:6
﴿وابْتَلُوُا اليَتامى﴾ شُرُوعٌ في تَعْيِينِ وقْتِ تَسْلِيمِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ وبَيانِ شَرْطِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِإيتائِها عَلى الإطْلاقِ والنَّهْيِ عَنْهُ عِنْدَ كَوْنِ أصْحابِها سُفَهاءً، أيْ: واخْتَبِرُوا مَن لَيْسَ مِنهم بَيِّنَ السَّفَهِ قَبْلَ البُلُوغِ بِتَتَبُّعِ أحْوالِهِمْ في صَلاحِ الدِّينِ والِاهْتِداءِ إلى ضَبْطِ المالِ وحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ وجَرِّبُوهم بِما يَلِيقُ بِحالِهِمْ، فَإنْ كانُوا مِن أهْلِ التِّجارَةِ فَبِأنْ تُعْطُوهم مِنَ المالِ ما يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بَيْعًَا وابْتِياعًَا، وإنْ كانُوا مِمَّنْ لَهُ ضِياعٌ وأهْلٌ وخَدَمٌ فَبِأنْ تُعْطُوهم مِنهُ ما يَصْرِفُونَهُ إلى نَفَقَةِ عَبِيدِهِمْ وخَدَمِهِمْ وأُجَرائِهِمْ وسائِرِ مَصارِفِهِمْ حَتّى تَتَبَيَّنَ لَكم كَيْفِيَّةُ أحْوالِهِمْ.
﴿حَتّى إذا بَلَغُوُا النِّكاحَ﴾ بِأنْ يَحْتَلِمُوا لِأنَّهم يَصْلُحُونَ عِنْدَهُ لِلنِّكاحِ.
﴿فَإنْ آنَسْتُمْ﴾ أيْ: شاهَدْتُمْ وتَبَيَّنْتُمْ، وقُرِئَ "أحَسْتُمْ" بِمَعْنى أحْسَسْتُمْ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ خَلا أنَّ العِتاقَ مِنَ المَطايا ∗∗∗ أحَسْنَ بِهِ وهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ
﴿مِنهم رُشْدًا﴾ أيِ: اهْتِداءً إلى وُجُوهِ التَّصَرُّفاتِ مِن غَيْرِ عَجْزٍ وتَبْذِيرٍ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ أوْ لِلِاعْتِدادِ بِمَبْدَئِيَّتِهِ لَهُ، والتَّنْوِينُ لِلدِّلالَةِ عَلى كِفايَةِ رُشْدٍ في الجُمْلَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ وبِضَمِّهِما.
﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ حَدِّ البُلُوغِ وفي إيثارِ الدَّفْعِ عَلى الإيتاءِ الوارِدِ في أوَّلِ الأمْرِ إيذانٌ بِتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ المَعْنى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ، ونَظْمُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ حَتّى هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ كالَّتِي في قَوْلِهِ:
فَما زالَتِ القَتْلى تَمُجُّ دِماءَها ... بِدِجْلَةَ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أُشْكِلَ
وَما بَعْدَها جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ جُعِلَتْ غايَةً لِلِابْتِلاءِ، وفِعْلُ الشَّرْطِ "بَلَغُوا" وجَوابُهُ الشَّرْطِيَّةُ الثّانِيَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: وابْتَلُوُا اليَتامى إلى وقْتِ بُلُوغِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمْ دَفْعَ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ بِشَرْطِ إيناسِ الرُّشْدِ وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ إمّا بِالتَّبْذِيرِ أوْ بِالعَجْزِ لا يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ أبَدًَا وبِهِ أخَذَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَنْتَظِرُ إلى خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً لِأنَّ البُلُوغَ بِالسِّنِّ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً فَإذا زادَتْ عَلَيْها سَبْعُ سِنِينَ - وهي مُدَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في أحْوالِ الإنْسانِ لِما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-146)والسَّلامُ: «مُرُوهم بِالصَّلاةِ لِسَبْعٍ» - دُفِعَ إلَيْهِ مالُهُ أُونِسَ مِنهُ رُشْدٌ أوْ لَمْ يُؤْنَسْ.
﴿وَلا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ أيْ: مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ كِبَرَهم أوْ لِإسْرافِكم ومُبادَرَتِكم كِبَرَهم تُفْرِطُونَ في إنْفاقِها وتَقُولُونَ نُنْفِقُ كَما نَشْتَهِي قَبْلَ أنْ يَكْبَرَ اليَتامى فَيَنْتَزِعُوها مِن أيْدِينا، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالدَّفْعِ وتَقْرِيرٌ لَها وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ إلَخْ، أيْ: مَن كانَ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ غَنِيًَّا فَلْيَتَنَزَّهْ عَنْ أكْلِها ولْيَقْنَعْ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغِنى والرِّزْقِ إشْفاقًَا عَلى اليَتِيمِ وإبْقاءً عَلى مالِهِ.
﴿وَمَن كانَ﴾ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ.
﴿فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِقَدْرِ حاجَتِهِ الضَّرُورِيَّةِ وأُجْرَةِ سَعْيِهِ وخِدْمَتِهِ، وفي لَفْظِ الِاسْتِعْفافِ والأكْلِ بِالمَعْرُوفِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْوَصِيِّ حَقًَّا لِقِيامِهِ عَلَيْها، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "أنَّ رَجُلًَا قالَ لَهُ: إنَّ في حِجْرِي يَتِيمًَا أفَآكُلُ مِن مالِهِ؟ قالَ: بِالمَعْرُوفِ غَيْرَ مُتَأثِّلٍ مالًَا ولا واقٍ مالَكَ بِمالِهِ".» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما "إنَّ ولِيَّ يَتِيمٍ قالَ لَهُ: أفَأشْرَبُ مِن لَبَنِ إبِلِهِ؟ قالَ: إنْ كُنْتَ تَبْغِي ضالَّتَها وتَلُوطُ حَوْضَها وتَهْنَأُ جِرْباها وتَسْقِيها يَوْمَ وُرُودِها فاشْرَبْ غَيْرَ مُضِلٍّ بِنَسْلٍ ولا ناهِكٍ في الحَلْبِ". وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ "يَتَقَرَّمُ كَما تَتَقَرَّمُ البَهِيمَةُ ويُنْزِلُ نَفْسَهُ مَنزِلَةَ الأجِيرِ فِيما لابُدَّ مِنهُ". وعَنِ الشَّعْبِيِّ: "يَأْكُلُ مِن مالِهِ بِقَدْرِ ما يُعَيَّنُ فِيهِ وعَنْهُ كالمَيْتَةِ يَتَناوَلُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ويَقْضِي ". وعَنْ مُجاهِدٍ "يَسْتَسْلِفُ فَإذا أيْسَرَ أدّى". وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ "إنْ شاءَ شَرِبَ فَضْلَ اللَّبَنِ ورَكِبَ الظَّهْرَ ولَبِسَ ما يَسْتُرُهُ مِنَ الثِّيابِ وأخَذَ القُوتَ ولا يُجاوِزُهُ فَإنْ أيْسَرَ قَضاهُ وإنْ أعْسَرَ فَهو في حِلٍّ". وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "إنِّي أنْزَلْتُ نَفْسِيَ مِن مالِ اللَّهِ تَعالى مَنزِلَةَ ولِيِّ اليَتِيمِ إنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ وإنِ افْتَقَرْتُ أكَلْتُ بِالمَعْرُوفِ وإذا أيْسَرْتُ قَضَيْتُ". و"اسْتَعَفَّ" أبْلَغُ مِن "عَفَّ" كَأنَّهُ يَطْلُبُ زِيادَةَ العِفَّةِ.
﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ بَعْدَما راعَيْتُمُ الشَّرائِطَ المَذْكُورَةَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَنِ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
﴿فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ بِأنَّهم تَسَلَّمُوها وقَبَضُوها وبَرِئَتْ عَنْها ذِمَمُكم لِما أنَّ ذَلِكَ أبْعَدُ مِنَ التُّهْمَةِ وأنْفى لِلْخُصُومَةِ وأدْخَلُ في الأمانَةِ وبَراءَةِ السّاحَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ واجِبًَا عِنْدَ أصْحابِنا فَإنَّ الوَصِيَّ مُصَدَّقٌ في الدَّفْعِ مَعَ اليَمِينِ خِلافًَا لِمالِكَ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أيْ: مُحاسِبًَا فَلا تُخالِفُوا ما أمَرَكم بِهِ ولا تُجاوِزُوا ما حَدَّ لَكم.
النساء 4:7
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ بَعْدَ بَيانِ أحْكامِ أمْوالِ اليَتامى المُنْتَقِلَةِ إلَيْهِمْ بِالإرْثِ، والمُرادُ بِالأقْرَبِينَ: المُتَوارِثُونَ مِنهُمْ، و"مِن" في "مِمّا" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"نَصِيبٌ" أيْ: لَهم نَصِيبٌ كائِنٌ مِمّا تَرَكَ وقَدْ جُوِّزَ تَعَلُّقُها بِ "نَصِيبٌ".
﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ إيرادُ حُكْمِهِنَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ دُونَ الدَّرْجِ في تَضاعِيفِ أحْكامِهِمْ بِأنْ يُقالَ لِلرِّجالِ والنِّساءِ إلَخْ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِهِنَّ، والإيذانِ بِأصالَتِهِنَّ في اسْتِحْقاقِ الإرْثِ والإشارَةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ نَصِيبَيِ الفَرِيقَيْنِ، والمُبالَغَةِ في إبْطالِ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهم ما كانُوا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ والأطْفالَ ويَقُولُونَ إنَّما يَرِثُ مَن يُحارِبُ ويَذُبُّ عَنِ الحَوْزَةِ. رُوِيَ «أنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ الأنْصارِيَّ (p-147)خَلَّفَ زَوْجَتَهُ أُمَّ كُحَّةٍ وثَلاثَ بَناتٍ فَزَوى ابْنا عَمِّهِ سُوَيْدٌ وعَرْفَطَةُ أوْ قَتادَةُ وعَرْفَجَةُ مِيراثَهُ عَنْهُنَّ عَلى سُنَّةِ الجاهِلِيَّةِ، فَجاءَتْ أُمُّ كُحَّةٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَكَتْ إلَيْهِ فَقالَ: ارْجِعِي حَتّى أنْظُرَ ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعالى فَنَزَلَتْ، فَأرْسَلَ إلَيْهِما: إنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَهُنَّ نَصِيبًَا ولَمْ يُبَيِّنْ فَلا تُفَرِّقا مِن مالِ أوْسٍ شَيْئًَا حَتّى يُبَيِّنَ فَنَزَلَ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ إلَخْ فَأعْطى أُمَّ كُحَّةٍ الثُّمُنَ والبَناتِ الثُّلُثَيْنِ والباقِي لِابْنىِ العَمِّ» وهو دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنِ الخِطابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾ بَدَلٌ مِن "ما" الأخِيرَةِ بِإعادَةِ الجارِّ وإلَيْها يَعُودُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ، وهَذا البَدَلُ مُرادٌ في الجُمْلَةِ الأُولى أيْضًَا مَحْذُوفٌ لِلتَّعْوِيلِ عَلى المَذْكُورِ وفائِدَتُهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِ بَعْضِ الأمْوالِ بِبَعْضِ الوَرَثَةِ كالخَيْلِ وآلاتِ الحَرْبِ لِلرِّجالِ وتَحْقِيقُ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَقًَّا مِن كُلِّ ما جَلَّ ودَقَّ.
﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قِسْمَةً مَفْرُوضَةً أوْ عَلى الحالِيَّةِ إذِ المَعْنى ثَبَتَ لَهم نَصِيبٌ كائِنٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ حالَ كَوْنِهِ مَفْرُوضًَا أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ: أعْنِي نَصِيبًَا مَقْطُوعًَا مَفْرُوضًَا واجِبًَا لَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الوارِثَ لَوْ أعْرَضَ عَنْ نَصِيبِهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ.
النساء 4:8
﴿وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ أيْ: قِسْمَةَ التَّرِكَةِ، وإنَّما قُدِّمَتْ مَعَ كَوْنِها مَفْعُولًَا لِأنَّها المَبْحُوثُ عَنْها ولِأنَّ في الفاعِلِ تَعَدُّدًَا فَلَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ يَفُوتُ تَجاوُبُ أطْرافِ الكَلامِ.
﴿أُولُو القُرْبى﴾ مِمَّنْ لا يَرِثُ.
﴿واليَتامى والمَساكِينُ﴾ مِنَ الأجانِبِ.
﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ أيْ: أعْطُوهم شَيْئًَا مِنَ المالِ المَقْسُومِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالقِسْمَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِما وهو أمْرُ نَدْبٍ كُلِّفَ بِهِ البالِغُونَ مِنَ الوَرَثَةِ تَطْيِيبًَا لِقُلُوبِ الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ وتَصَدُّقًَا عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: أمْرُ وُجُوبٍ ثُمَّ اخْتُلِفَ في نَسْخِهِ.
﴿وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ وهو أنْ يَدْعُوا لَهم ويَسْتَقِلُّوا ما أعْطَوْهم ويَعْتَذِرُوا مِن ذَلِكَ ولا يَمُنُّوا عَلَيْهِمْ.
النساء 4:9
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ أمْرٌ لِلْأوْصِياءِ بِأنْ يَخْشَوُا اللَّهَ تَعالى ويَتَّقُوهُ في أمْرِ اليَتامى فَيَفْعَلُوا بِهِمْ ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِذَرارِيهِمُ الضِّعافِ بَعْدَ وفاتِهِمْ، أوْ لِمَن حَضَرَ المَرِيضَ مِنَ العُوّادِ عِنْدَ الإيصاءِ بِأنْ يَخْشَوْا رَبَّهم أوْ يَخْشَوْا أوْلادَ المَرِيضِ ويُشْفِقُوا عَلَيْهِمْ شَفَقَتَهم عَلى أوْلادِهِمْ فَلا يَتْرُكُوهُ أنْ يُضَرَّ بِهِمْ بِصَرْفِ المالِ عَنْهم، أوْ لِلْوَرَثَةِ بِالشَّفَقَةِ عَلى مَن حَضَرَ القِسْمَةَ مِن ضُعَفاءِ الأقارِبِ واليَتامى والمَساكِينِ مُتَصَوِّرِينَ أنَّهم لَوْ كانُوا أوْلادَهم بَقُوا خَلْفَهم ضِعافًَا مِثْلَهم هَلْ يُجَوِّزُونَ حِرْمانَهم ؟ أوْ لِلْمُوصِينَ بِأنْ يَنْظُرُوا لِلْوَرَثَةِ فَلا يُسْرِفُوا في الوَصِيَّةِ،وَ "لَوْ" بِما في حَيِّزِها صِلَةٌ لِلَّذِينَ عَلى مَعْنى: ولْيَخْشَ الَّذِينَ حالُهم وصِفَتُهم أنَّهم لَوْ شارَفُوا أنْ يُخَلِّفُوا ورَثَةً ضِعافًَا خافُوا عَلَيْهِمُ الضَّياعَ، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ عَلَيْهِ إشارَةٌ إلى المَقْصُودِ مِنهُ والعِلَّةِ فِيهِ، وبَعْثٌ عَلى (p-148)التَّرَحُّمِ وأنْ يُحِبَّ لِأوْلادِ غَيْرِهِ ما يُحِبُّ لِأوْلادِ نَفْسِهِ وتَهْدِيدٌ لِلْمُخالِفِ بِحالِ أوْلادِهِ، وقُرِئَ "ضُعَفاءَ" و"ضِعافى" و"ضَعافى".
﴿فَلْيَتَّقُوُا اللَّهَ﴾ في ذَلِكَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ أمَرَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي غايَةُ الخَشْيَةِ بَعْدَ ما أمَرَهم بِها مُراعاةً لِلْمَبْدَإ والمُنْتَهى؛ إذْ لا نَفْعَ لِلْأوَّلِ بِدُونِ الثّانِي، ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَقُولُوا لِلْيَتامى مِثْلَ ما يَقُولُونَ لِأوْلادِهِمْ بِالشَّفَقَةِ وحُسْنِ الأدَبِ أوْ لِلْمَرِيضِ ما يَصُدُّهُ عَنِ الإسْرافِ في الوَصِيَّةِ وتَضْيِيعِ الوَرَثَةِ ويُذَكِّرُهُ التَّوْبَةَ وكَلِمَةَ الشَّهادَةِ أوْ لِحاضِرِي القِسْمَةِ عُذْرًَا ووَعْدًَا حَسَنًَا أوْ يَقُولُوا في الوَصِيَّةِ ما لا يُؤَدِّي إلى تَجاوُزِ الثُّلُثِ.
النساء 4:10
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ أيْ: عَلى وجْهِ الظُّلْمِ أوْ ظالِمِينَ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما فُصِّلَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ﴾ أيْ: مَلْءَ بُطُونِهِمْ.
﴿نارًا﴾ أيْ: ما يَجُرُّ إلى النّارِ ويُؤَدِّي إلَيْها، وعَنْ أبِي بَرَدَةَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى قَوْمًَا مِن قُبُورِهِمْ تَتَأجَّجُ أفْواهُهم نارًَا، فَقِيلَ: مَن هُمْ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: "ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ ".» ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أيْ: سَيَدْخُلُونَ نارًَا هائِلَةً مُبْهَمَةَ الوَصْفِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الياءِ مُخَفَّفًَا ومُشَدَّدًَا مِنَ الإصْلاءِ والتَّصْلِيَةِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ قاسى حَرَّها، وصَلَيْتُهُ: شَوَيْتُهُ، وأصْلَيْتُهُ: ألْقَيْتُهُ فِيها، والسَّعِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى: مَفْعُولٌ مِن سَعَرْتُ النّارَ إذا ألْهَبْتُها. رُوِيَ أنَّ آكِلَ مالِ اليَتِيمِ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ والدُّخانُ يَخْرُجُ مِن قَبْرِهِ ومِن فِيهِ وأنْفِهِ وأُذُنَيْهِ وعَيْنَيْهِ فَيَعْرِفُ النّاسُ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مالَ اليَتِيمِ في الدُّنْيا. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ فاحْتَرَزُوا عَنْ مُخالَطَةِ اليَتامى بِالكُلِّيَّةِ فَصَعُبَ الأمْرُ عَلى اليَتامى، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ الآيَةُ.
النساء 4:11
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْكامِ المَوارِيثِ المُجْمَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ إلَخْ وأقْسامُ الوَرَثَةِ ثَلاثَةٌ؛ قِسْمٌ لا يَسْقُطُ بِحالٍ وهُمُ الآباءُ والأوْلادُ والأزْواجُ فَهَؤُلاءِ قِسْمانِ، والثّالِثُ: الكَلالَةُ، أيْ: يَأْمُرُكم ويَعْهَدُ إلَيْكم.
﴿فِي أوْلادِكُمْ﴾ أوْلادِ كُلِّ واحِدٍ مِنكُمْ، أيْ: في شَأْنِ مِيراثِهِمْ بُدِئَ بِهِمْ لِأنَّهم أقْرَبُ الوَرَثَةِ إلى المَيِّتِ وأكْثَرُهم بَقاءً بَعْدَ المُوَرِّثِ.
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ جِيءَ بِها لِتَبْيِينِ الوَصِيَّةِ وتَفْسِيرِها، وقِيلَ: مَحَلُّها النَّصْبُ بِـ"يُوصِيكُمْ" عَلى أنَّ المَعْنى يَفْرِضُ عَلَيْكم ويَشْرَعُ لَكم هَذا الحُكْمَ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا رَآهُ الفَرّاءُ فَإنَّهُ يُجْرِي ما كانَ بِمَعْنى القَوْلِ مِنَ الأفْعالِ مَجْراهُ في حِكايَةِ الجُمْلَةِ بَعْدَهُ ونَظِيرُهُ (p-149)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوُا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ الآيَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى الأوْلادِ مَحْذُوفٍ ثِقَةً بِظُهُورِهِ كَما في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ: لِلذَّكَرِ مِنهم. وقِيلَ: الألِفُ واللّامُ قائِمٌ مَقامَهُ، والأصْلُ: لِذَكَرِهِمْ، و"مِثْلُ" صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِلذَّكَرِ مِنهم حَظٌّ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ والبَداءَةُ بِبَيانِ حُكْمِ الذَّكَرِ لِإظْهارِ مَزِيَّتِهِ عَلى الأُنْثى كَما أنَّها المَناطُ في تَضْعِيفِ حَظِّهِ، وإيثارُ اسْمَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًَا مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِواءِ الكِبارِ والصِّغارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاسْتِحْقاقِ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِلْبُلُوغِ والكِبَرِ في ذَلِكَ أصْلًَا كَما هو زَعْمُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الأطْفالَ كالنِّساءِ.
﴿فَإنْ كُنَّ﴾ أيِ: الأوْلادُ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِساءً﴾ أيْ: خُلْصًَا لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ.
﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ أوْ صِفَةٌ لِ "نِساءً"، أيْ: نِساءً زائِداتٍ عَلى اثْنَتَيْنِ.
﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ أيِ: المُتَوَفّى المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ.
﴿وَإنْ كانَتْ﴾ أيِ: المَوْلُودَةُ.
﴿واحِدَةً﴾ أيِ: امْرَأةً واحِدَةً لَيْسَ مَعَها أخٌ ولا أُخْتٌ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْمَوْصُوفِ لِظُهُورِهِ مِمّا سَبَقَ.
﴿فَلَها النِّصْفُ﴾ مِمّا تَرَكَ، وقُرِئَ "واحِدَةٌ" عَلى كانَ التّامَّةِ، واخْتُلِفَ في الثِّنْتَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حُكْمُهُما حُكْمُ الواحِدَةِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الثُّلُثَيْنِ لِما فَوْقَهُما. وقالَ الجُمْهُورُ: حُكْمُهُما حُكْمُ ما فَوْقَهُما لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ حَظَّ الذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ إذا كانَ مَعَهُ أُنْثى وهو الثُّلُثانِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنَّ فَرْضَهُما الثُّلُثانِ ثُمَّ لَمّا أوْهَمَ ذَلِكَ أنْ يُزادَ النَّصِيبُ بِزِيادَةِ العَدَدِ رَدَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ البِنْتَ الواحِدَةَ لَمّا اسْتَحَقَّتِ الثُّلُثَ مَعَ أخِيها الأقْوى مِنها في الِاسْتِحْقاقِ فَلَأنْ تَسْتَحِقَّهُ مَعَ مِثْلِها أوْلى وأحْرى وأنَّ البِنْتَيْنِ أمَسُّ رَحِمًَا مِنَ الأُخْتَيْنِ، وقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَهُما الثُّلُثَيْنِ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ .
﴿وَلأبَوَيْهِ﴾ أيْ: لِأبَوَيِ المَيِّتِ، غُيِّرَ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِعَدَمِ اخْتِصاصِ حُكْمِهِ بِما قَبْلَهُ مِنَ الصُّوَرِ.
﴿لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما﴾ بَدَلٌ مِنهُ بِتَكْرِيرِ العامِلِ وُسِّطَ بَيْنَ المُبْتَدَإ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿السُّدُسُ﴾ وبَيْنَ خَبَرِهِ الَّذِي هو "لِأبَوَيْهِ"، ونَقَلَ الخَبَرِيَّةَ إلَيْهِ تَنْصِيصًَا عَلى اسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنهُما السُّدُسَ، وتَأْكِيدًَا لَهُ بِالتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ. وقُرِئَ "السُّدْسُ" بِسُكُونِ الدّالِ تَخْفِيفًَا وكَذَلِكَ "الثُّلْثُ" و"الرُّبْعُ" و"الثُّمْنُ".
﴿مِمّا تَرَكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ "السُّدُسُ" والعامِلُ الِاسْتِقْرارُ المُعْتَبَرُ في الخَبَرِ، أيْ: كائِنًَا مِمّا تَرَكَ المُتَوَفّى.
﴿إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ﴾ أوْ ولَدُ ابْنٍ ذَكَرًَا كانَ أوْ أُنْثى واحِدًَا أوْ مُتَعَدِّدًَا، غَيْرَ أنَّ الأبَ في صُورَةِ الأُنُوثَةِ بَعْدَ ما أخَذَ فَرْضَهُ المَذْكُورَ يَأْخُذُ ما بَقِيَ مِن ذَوِي الفُرُوضِ بِالعُصُوبَةِ.
﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ﴾ ولا ولَدُ ابْنٍ.
﴿وَوَرِثَهُ أبَواهُ﴾ فَحَسْبُ ﴿فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ مِمّا تَرَكَ والباقِي لِلْأبِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِأنَّهُ لَمّا فُرِضَ انْحِصارُ الوارِثِ في أبَوَيْهِ وعُيِّنَ نَصِيبُ الأُمِّ عُلِمَ أنَّ الباقِيَ لِلْأبِ، وتَخْصِيصُ جانِبِ الأُمِّ بِالذِّكْرِ وإحالَةُ جانِبِ الأبِ عَلى دِلالَةِ الحالِ مَعَ حُصُولِ البَيانِ بِالعَكْسِ أيْضًَا لِما أنَّ حَظَّها أخْصَرُ واسْتِحْقاقَهُ أتَمُّ وأوْفَرُ أوْ لِأنَّ اسْتِحْقاقَهُ بِطَرِيقِ العُصُوبَةِ دُونَ الفَرْضِ هَذا إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُما أحَدُ الزَّوْجَيْنِ، أمّا إذا كانَ مَعَهُما ذَلِكَ فَلِلْأُمِّ ثُلُثُ ما بَقِيَ بَعْدَ فَرْضِ أحَدِهِما لا ثُلُثُ الكُلِّ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَإنَّهُ يُفْضِي إلى تَفْضِيلِ الأُمِّ عَلى الأبِ مَعَ كَوْنِهِ أقْوى مِنها في الإرْثِ بِدَلِيلِ إضْعافِهِ عَلَيْها عِنْدَ انْفِرادِهِما عَنْ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ وكَوْنِهِ صاحِبَ فَرْضٍ وعَصَبَةٍ وذَلِكَ خِلافُ وضْعِ الشَّرْعِ.
﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ أيْ: عَدَدٌ مِمَّنْ لَهُ أُخُوَّةٌ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّثْلِيثِ سَواءً كانَتْ مِن جِهَةِ الأبَوَيْنِ أوْ مِن جِهَةِ أحَدِهِما وسَواءً كانُوا ذُكُورًَا أوْ إناثًَا (p-150)مُخْتَلِطِينَ وسَواءً كانَ لَهم مِيراثٌ أوْ كانُوا مَحْجُوبِينَ بِالأبِ.
﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ وأمّا السُّدُسُ الَّذِي حَجَبُوها عَنْهُ فَهو لِلْأبِ عِنْدَ وُجُودِهِ ولَهم عِنْدَ عَدَمِهِ وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وعِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ خَلا أنَّ هَذا الحَجْبَ عِنْدَهُ لا يَتَحَقَّقُ بِما دُونَ الثَّلاثِ وبِالأخَواتِ الخُلَّصِ، وقُرِئَ "فَلِإمِّهِ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ إتْباعًَا لِما قَبْلَها.
﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَقَدَّمَ جَمِيعًَا لا بِما يَلِيها وحْدَهُ، أيْ: هَذِهِ الأنْصِباءُ لِلْوَرَثَةِ مِن بَعْدِ إخْراجِ وصِيَّةٍ.
﴿يُوصى بِها﴾ أيِ: المَيِّتُ، وقُرِئَ مَبْنِيًَّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًَا ومَبْنِيًَّا لِلْفاعِلِ مُشَدَّدًَا، وفائِدَةُ الوَصْفِ التَّرْغِيبُ في الوَصِيَّةِ والنَّدْبُ إلَيْها.
﴿أوْ دَيْنٍ﴾ عَطْفٌ عَلى "وَصِيَّةٍ" إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِما قُيِّدَتْ بِهِ مِنَ الوَصْفِ بَلْ هو مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ ما ثَبَتَ بِالبَيِّنَةِ أوِ الإقْرارِ في الصِّحَّةِ وإيثارُ "أوْ" المُفِيدَةِ لِلْإباحَةِ عَلى الواوِ لِلدِّلالَةِ عَلى تَساوِيهِما في الوُجُوبِ وتَقَدُّمِهِما عَلى القِسْمَةِ مَجْمُوعَيْنِ أوْ مُنْفَرِدَيْنِ، وتَقْدِيمُ الوَصِيَّةِ عَلى الدَّيْنِ ذِكْرًَا مَعَ تَأخُّرِها عَنْهُ حُكْمًَا لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِتَنْفِيذِها لِكَوْنِها مَظِنَّةً لِلتَّفْرِيطِ في أدائِها ولِاطِّرادِها بِخِلافِ الدَّيْنِ.
﴿آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾ الخِطابُ لِلْوَرَثَةِ فَـ"آباؤُكُمْ" مُبْتَدَأٌ و"أبْناؤُكُمْ" عَطْفٌ عَلَيْهِ و"لا تَدْرُونَ" خَبَرُهُ و"أيُّهُمْ" مُبْتَدَأٌ و"أقْرَبُ" خَبَرُهُ و"نَفْعًَا" نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ مِنهُ وهو مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعُهُ!، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِـ"لا تَدْرُونَ" والجُمْلَةُ الكَبِيرَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِوُجُوبِ تَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ، أيْ: أُصُولُكم وفُرُوعُكُمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ لا تَدْرُونَ أيُّهم أنْفَعُ لَكم أمَن يُوصِي بِبَعْضِ مالِهِ فَيُعَرِّضُكم لِثَوابِ الآخِرَةِ بِتَنْفِيذِ وصِيَّتِهِ أمْ مَن لا يُوصِي بِشَيْءٍ فَيُوَفِّرُ عَلَيْكم عَرَضَ الدُّنْيا، ولَيْسَ المُرادُ بِنَفْيِ الدِّرايَةِ عَنْهم بَيانَ اشْتِباهِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ وكَوْنَ أنْفَعِيَّةِ كُلٍّ مِنَ الأوَّلِ، والثّانِي في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ عِنْدَهم مِن غَيْرِ رُجْحانِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ المَطَرِ لا يُدْرى أوَّلُهُ خَيْرٌ أمْ آخِرُهُ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن إفادَةِ التَّأْكِيدِ المَذْكُورِ والتَّرْغِيبِ في تَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ بَلْ تَحْقِيقَ أنْفَعِيَّةِ الأوَّلِ في ضِمْنِ التَّعْرِيضِ بِأنَّ لَهُمُ اعْتِقادًَا بِأنْفَعِيَّةِ الثّانِي مَبْنِيًَّا عَلى عَدَمِ الدِّرايَةِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ الأنْفَعِيَّةِ بِأقْرَبِيَّةِ النَّفْعِ تَذْكِيرًَا لِمَناطِ زَعْمِهِمْ وتَعْيِينًَا لِمَنشَإ خَطَئِهِمْ ومُبالَغَةً في التَّرْغِيبِ المَذْكُورِ بِتَصْوِيرِ الثَّوابِ الآجِلِ بِصُورَةِ العاجِلِ لِما أنَّ الطِّباعَ مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ الخَيْرِ الحاضِرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَدْرُونَ أيُّهم أنْفَعُ لَكُمْ، فَتَحْكُمُونَ نَظَرًَا إلى ظاهِرِ الحالِ وقُرْبِ المَنالِ بِأنْفَعِيَّةِ الثّانِي مَعَ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِهِ فَإنَّ ثَوابَ الآخِرَةِ لِتَحَقُّقِ وُصُولِهِ إلى صاحِبِهِ ودَوامِ تَمَتُّعِهِ بِهِ مَعَ غايَةِ قِصَرِ مُدَّةِ ما بَيْنَهُما مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا أقْرَبُ وأحْضَرُ وعَرَضَ الدُّنْيا لِسُرْعَةِ نَفادِهِ وفَنائِهِ أبْعَدُ وأقْصى. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُوَرِّثِينَ، والمَعْنى: لا تَعْلَمُونَ مَن أنْفَعُ لَكم مِمَّنْ يَرِثُكم مِن أُصُولِكم وفُرُوعِكم عاجِلًَا وآجِلًَا، فَتَحَرَّوْا في شَأْنِهِمْ ما أوْصاكُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ولا تَعْمَدُوا إلى تَفْضِيلِ بَعْضٍ وحِرْمانِ بَعْضٍ. رُوِيَ أنَّ أحَدَ المُتَوالِدِينَ إذا كانَ أرْفَعَ دَرَجَةً مِنَ الآخَرِ في الجَنَّةِ سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْفَعَ إلَيْهِ صاحِبَهُ فَيُرْفَعُ إلَيْهِ بِشَفاعَتِهِ قِيلَ: فالجُمْلَةُ الِاعْتِراضِيَّةُ حِينَئِذٍ مُؤَكِّدَةٌ لِأمْرِ القِسْمَةِ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ مَدارَ الإرْثِ ما ذُكِرَ مِن أقْرَبِيَّةِ النَّفْعِ مَعَ أنَّهُ العَلاقَةُ النِّسْبِيَّةُ.
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ نُصِبَتْ نَصْبَ مَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَضَ اللَّهُ ذَلِكَ فَرْضًَا أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ فَإنَّهُ في مَعْنى يَأْمُرُكم ويَفْرِضُ عَلَيْكم.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ أيْ: بِالمَصالِحِ والرُّتَبِ.
﴿حَكِيمًا﴾ في كُلِّ ما قَضى وقَدَّرَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.
النساء 4:12
(p-151)﴿وَلَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ مِنَ المالِ، شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ القِسْمِ الثّانِي مِنَ الوَرَثَةِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ حُكْمِ مِيراثِ الرِّجالِ مِمّا لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ.
﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ أيْ: ولَدٌ وارِثٌ مِن بَطْنِها أوْ مِن صُلْبِ بَنِيها أوْ بَنِي بَنِيها وإنْ سَفَلَ ذَكَرًَا كانَ أوْ أُنْثى واحِدًَا كانَ أوْ مُتَعَدِّدًَا لِأنَّ لَفْظَ الوَلَدِ يَنْتَظِمُ الجَمِيعَ مِنكم أوْ مِن غَيْرِكم والباقِي لِوَرَثَتِهِنَّ مِن ذَوِي الفُرُوضِ والعَصَباتِ أوْ غَيْرِهِمْ، ولِبَيْتِ المالِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وارِثٌ آخَرُ أصْلًَا.
﴿فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ عَلى نَحْوِ ما فُصِّلَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ذِكْرَ تَقْدِيرِ عَدَمِ الوَلَدِ وبَيانَ حُكْمِهِ مُسْتَتْبِعٌ لِتَقْدِيرِ وُجُودِهِ وبَيانِ حُكْمِهِ.
﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾ مِنَ المالِ والباقِي لِباقِي الوَرَثَةِ.
﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِكِلْتا الصُّورَتَيْنِ لا بِما يَلِيهِ وحْدَهُ.
﴿يُوصِينَ بِها﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ"وَصِيَّةٍ" وفائِدَتُها ما مَرَّ مِن تَرْغِيبِ المَيِّتِ في الوَصِيَّةِ وحَثِّ الوَرَثَةِ عَلى تَنْفِيذِها.
﴿أوْ دَيْنٍ﴾ عَطْفٌ عَلى وصِيَّةٍ سَواءً كانَ ثُبُوتُهُ بِالبَيِّنَةِ أوْ بِالإقْرارِ وإيثارُ "أوْ" عَلى الواوِ لِما ذُكِرَ مِن إبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِتَنْفِيذِها.
﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ﴾ عَلى التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ آنِفًَا والباقِي لِبَقِيَّةِ ورَثَتِكم مِن أصْحابِ الفُرُوضِ والعَصَباتِ أوْ ذَوِي الأرْحامِ أوْ لِبَيْتِ المالِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم وارِثٌ آخَرُ أصْلًَا.
﴿فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ﴾ عَلى النَّحْوِ الَّذِي فُصِّلَ ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ مِنَ المالِ لِلْباقِينَ.
﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما فُصِّلَ في نَظِيرَيْهِ فَرَضَ لِلرَّجُلِ بِحَقِّ الزَّواجِ ضِعْفَ ما فَرَضَ لِلْمَرْأةِ كَما في النَّسَبِ لِمَزِيَّتِهِ عَلَيْها وشَرَفِهِ الظّاهِرِ ولِذَلِكَ اخْتُصَّ بِتَشْرِيفِ الخِطابِ، وهَكَذا قِياسُ كُلِّ رَجُلٍ وامْرَأةٍ اشْتَرَكا في الجِهَةِ و القُرْبِ ولا يُسْتَثْنى مِنهُ إلّا أوْلادُ الأُمِّ والمُعْتَقُ والمُعْتَقَةُ وتَسْتَوِي الواحِدَةُ والعَدَدُ مِنهُنَّ في الرُّبُعِ والثُّمُنِ.
﴿وَإنْ كانَ رَجُلٌ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ القِسْمِ الثّالِثِ مِنَ الوَرَثَةِ المُحْتَمِلِ لِلسُّقُوطِ، ووَجْهُ تَأْخِيرِهِ عَنِ الأوَّلَيْنِ بَيِّنٌ والمُرادُ بِالرَّجُلِ المَيِّتُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُورَثُ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن ورِثَ لا مِن أوْرَثَ خَبَرُ كانَ، أيْ: يُورَثُ مِنهُ.
﴿كَلالَةً﴾ الكَلالَةُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكَلالِ، وهو ذَهابُ القُوَّةِ مِنَ الإعْياءِ اسْتُعِيرَتْ لِلْقَرابَةِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الوالِدِ والوَلَدِ لِضَعْفِها بِالإضافَةِ إلى قَرابَتِهِما، وتُطْلَقُ عَلى مَن لَمْ يُخَلِّفْ ولَدًَا ولا والِدًَا وعَلى مَن لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ مِنَ المُخَلَّفِينَ بِمَعْنى ذِي كَلالَةٍ كَما تُطْلَقُ القَرابَةُ عَلى ذَوِي القَرابَةِ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُها صِفَةً كالهَجاجَةِ والفَقاقَةِ لِلْأحْمَقِ فَنَصْبُها إمّا عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: يُورَثُ مِنهُ لِأجْلِ القَرابَةِ المَذْكُورَةِ أوْ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ (p-152)يُورَثُ، أيْ: حالَ كَوْنِهِ ذا كَلالَةٍ أوْ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِ كانَ و"يُورَثُ" صِفَةٌ لِـ"رَجُلٌ" أيْ: إنْ كانَ رَجُلٌ مَوْرُوثٌ ذا كَلالَةٍ لَيْسَ لَهُ والِدٌ ولا ولَدٌ، وقُرِئَ "يُوَرِّثُ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مُخَفَّفًَا ومُشَدَّدًَا، فانْتِصابُ "كَلالَةً" إمّا عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُورَثُ لِأجْلِ الكَلالَةِ.
﴿أوِ امْرَأةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى "رَجُلٌ" مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ، أيْ: أوِ امْرَأةٌ تُورَثُ كَذَلِكَ، ولَعَلَّ فَصْلَ ذِكْرِها عَنْ ذِكْرِهِ لِلْإيذانِ بِشَرَفِهِ وأصالَتِهِ في الأحْكامِ.
﴿وَلَهُ﴾ أيْ: لِلرَّجُلِ، فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْإيذانِ المَذْكُورِ حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَها بَعْدَ جَرَيانِ ذِكْرِها أيْضًَا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِكُلٍّ مِنهُما ﴿أخٌ أوْ أُخْتٌ﴾ أيْ: مِنَ الأُمِّ فَحَسْبَ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ فَإنَّ أحْكامَ بَنِي الأعْيانِ والعَلّاتِ هي الَّتِي ذُكِرَتْ في آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ "يُورَثُ" أوْ مِن "رَجُلٌ" عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "يُورَثُ" صِفَةً لَهُ ومَساقُها لِتَصْوِيرِ المَسْألَةِ وذِكْرُ "الكَلالَةِ" لِتَحْقِيقِ جَرَيانِ الحُكْمِ المَذْكُورِ وإنْ كانَ مَعَ مَن ذُكِرَ ورَثَةٌ أُخْرى بِطَرِيقِ الكَلالَةِ، وأمّا جَرَيانُهُ في صُورَةِ وُجُودِ الأُمِّ أوِ الجَدَّةِ مَعَ أنَّ قَرابَتَهُما لَيْسَتْ بِطَرِيقِ الكَلالَةِ فَبِالإجْماعِ.
﴿فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما﴾ مِنَ الأخِ والأُخْتِ.
﴿السُّدُسُ﴾ مِن غَيْرِ تَفْضِيلٍ لِلذَّكَرِ عَلى الأُنْثى لِأنَّ الإدْلاءَ إلى المَيِّتِ بِمَحْضِ الأُنُوثَةِ.
﴿فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: أكْثَرَ مِنَ الأخِ أوِ الأُخْتِ المُنْفَرِدَيْنِ بِواحِدٍ أوْ بِأكْثَرَ، والفاءُ لِما مَرَّ مِن أنَّ ذِكْرَ احْتِمالِ الِانْفِرادِ مُسْتَتْبِعٌ لِذِكْرِ احْتِمالِ التَّعَدُّدِ.
﴿فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ يَقْتَسِمُونَهُ بِالسَّوِيَّةِ والباقِي لِبَقِيَّةِ الوَرَثَةِ مِن أصْحابِ الفُرُوضِ والعَصَباتِ هَذا، وأمّا تَجْوِيزُ أنْ يَكُونَ "يُورَثُ" في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ مَبْنِيًَّا لِلْمَفْعُولِ مِن أوْرَثَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الوارِثُ، والمَعْنى: وإنْ كانَ رَجُلٌ يُجْعَلُ وارِثًَا لِأجْلِ الكَلالَةِ أوْ ذا كَلالَةٍ، أىْ: غَيْرَ والِدٍ أوْ ولَدٍ ولِذَلِكَ الوارِثِ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ الوارِثِ وأخِيهِ أوْ أُخْتِهِ السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، أيْ: مِنَ الاثْنَيْنِ بِأنْ كانُوا ثَلاثَةً أوْ أكْثَرَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ المُوَزَّعِ لِلِاثْنَيْنِ لا يُزادُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَبِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ، أمّا أوَّلًَا: فَلِأنَّ المُعْتَبَرَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إنَّما هي الأُخُوَّةُ بَيْنَ الوارِثِ وبَيْنَ شَرِيكِهِ في الإرْثِ مِن أخِيهِ أوْ أُخْتِهِ لا ما بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوَرِّثِهِ مِنَ الأُخُوَّةِ الَّتِي عَلَيْها يَتَرَتَّبُ حُكْمُ الإرْثِ وبِها يَتِمُّ تَصْوِيرُ المَسْألَةِ، وإنَّما المُعْتَبَرُ بَيْنَهُما الوِراثَةُ بِطَرِيقِ الكَلالَةِ وهي عامَّةٌ لِجَمِيعِ صُوَرِ القَراباتِ الَّتِي لا تَكُونُ بِالوِلادَةِ فَلا يَكُونُ نَصِيبُهُ ولا نَصِيبُ شَرِيكِهِ مِمّا ذُكِرَ بِعَيْنِهِ ومَنِ ادَّعى اخْتِصاصَها بِالإخْوَةِ لِأُمٍّ مُتَمَسِّكًَا بِالإجْماعِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَلالَةِ هَهُنا: أوْلادُ الأُمِّ فَقَدِ اعْتَرَفَ بِبُطْلانِ رَأْيِهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، كَيْفَ لا؟ ومَبْناهُ إنَّما هو الإجْماعُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأُخُوَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ﴾ هو الإخْوَةُ لِأُمٍّ خاصَّةً حَسْبَما شَهِدَتْ بِهِ القِراءَةُ المَحْكِيَّةُ والآيَةُ الآتِيَةُ في آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ولَوْلا أنَّ الرَّجُلَ عِبارَةٌ عَنِ المَيِّتِ والأُخُوَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ لَما أمْكَنَ كَوْنُ الكُلِّ أوْلادَ الأُمِّ ثُمَّ إنَّ الكَلالَةَ كَما نَبَّهْتُ عَلَيْهِ باقِيَةٌ عَلى إطْلاقِها لَيْسَ فِيها شائِبَةُ اخْتِصاصٍ بِأوْلادِ الأُمِّ فَضْلًَا عَنِ الإجْماعِ عَلى ذَلِكَ وإلّا لاقْتَصَرَ البَيانُ عَلى حُكْمِ صُورَةِ انْحِصارِ الوَرَثَةِ فِيهِمْ، وإنَّما الإجْماعُ فِيما ذُكِرَ مِن أنَّ المُرادَ بِالأخِ والأُخْتِ مَن كانَ لِأُمٍّ خاصَّةً. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ في قُوَّةِ الإجْماعِ عَلى أنَّ "يُورَثُ" مِن ورِثَ لا مِن أوْرَثَ فَتَدَبَّرْ، و أمّا ثانِيًَا: فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُعْتَبَرُ في اسْتِحْقاقِ الوَرَثَةِ في الفَرْضِ المَذْكُورِ أُخُوَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِن جِهَةِ الأُمِّ لِما ذُكِرَ مِنَ الإجْماعِ مَعَ (p-153)ثُبُوتِ الِاسْتِحْقاقِ عَلى تَقْدِيرِ الأُخُوَّةِ مِنَ الجِهَتَيْنِ، وأمّا ثالِثًَا: فَلِأنَّ حُكْمَ صُورَةِ انْفِرادِ الوارِثِ عَنِ الأخِ والأُخْتِ يَبْقى حِينَئِذٍ غَيْرَ مُبَيَّنٍ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ كَوْنِ حَظِّ كُلٍّ مِنهُما السُّدُسَ عِنْدَ الإجْماعِ كَوْنُهُ كَذَلِكَ عِنْدَ الِانْفِرادِ؛ ألا يَرى أنَّ حَظَّ كُلٍّ مِنَ الأُخْتَيْنِ الثُّلُثُ عِنْدَ الِاجْتِماعِ والنِّصْفُ عِنْدَ الِانْفِرادِ، وأمّا رابِعًَا: فَلِأنَّ تَخْصِيصَ أحَدِ الوَرَثَةِ بِالتَّوْرِيثِ وجَعْلَ غَيْرِهِ تابِعًَا لَهُ فِيهِ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ في الإدْلاءِ إلى المُوَرِّثِ مِمّا لا عَهْدَ بِهِ.
﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في نَظائِرِهِ خَلا أنَّ الدَّيْنَ هَهُنا مَوْصُوفٌ بِوَصْفِ الوَصِيَّةِ جَرْيًَا عَلى قاعِدَةِ تَقْيِيدِ المَعْطُوفِ بِما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِاتِّفاقِ الجُمْهُورِ عَلى اعْتِبارِ عَدَمِ المُضارَّةِ فِيهِ أيْضًَا، وذَلِكَ إنَّما يَتَحَقَّقُ فِيما يَكُونُ ثُبُوتُهُ بِالإقْرارِ في المَرَضِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ دَيْنٍ يُوصى بِهِ.
﴿غَيْرَ مُضارٍّ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ فِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، وما حُذِفَ مِنَ المَعْطُوفِ اعْتِمادًَا عَلَيْهِ كَما أنَّ "رِجالٌ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ﴾ عَلى قِراءَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ فاعِلٌ لِفِعْلٍ يُنْبِئُ عَنْهُ المَذْكُورُ ومِن فاعِلِ الفِعْلِ المَذْكُورِ والمَحْذُوفِ اكْتِفاءً بِهِ عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: يُوصِي بِما ذَكَرَ مِنَ الوَصِيَّةِ، والدَّيْنِ حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُضارٍّ لِلْوَرَثَةِ، أيْ: بِأنْ يُوصِيَ بِما زادَ عَلى الثُّلُثِ أوْ تَكُونَ الوَصِيَّةُ لِقَصْدِ الإضْرارِ بِهِمْ دُونَ القُرْبَةِ وبِأنْ يُقِرَّ في المَرَضِ بِدَيْنٍ كاذِبًَا، وتَخْصِيصُ هَذا القَيْدِ بِهَذا المَقامِ لِما أنَّ الوَرَثَةَ مَظِنَّةٌ لِتَفْرِيطِ المَيِّتِ في حَقِّهِمْ.
﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ مُؤَكِّدَةً لِفَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: يُوصِيكم بِذَلِكَ وصِيَّةً كائِنَةً مِنَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ولَعَلَّ السِّرَّ في تَخْصِيصِ كُلٍّ مِنهُما بِمَحَلِّهِ لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأُصُولِ والفُرُوعِ وبَيْنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَيْرِهِمْ مِنَ التَّفاوُتِ حَسَبَ تَفاوُتِ الفَرِيضَةِ والوَصِيَّةِ وإنْ كانَتْ كِلْتاهُما واجِبَةَ المُراعاةِ، أوْ مَنصُوبٌ بِ "غَيْرَ مُضارٍّ" عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ فَإنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مُعْتَمِدٌ عَلى ذِي الحالِ أوْ مَنفِيٌّ مَعْنىً فَيَعْمَلُ في المَفْعُولِ الصَّرِيحِ ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِالإضافَةِ، أيْ: غَيْرَ مُضارٍّ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ وعَهْدِهِ لا في شَأْنِ الأوْلادِ فَقَطْ كَما قِيلَ؛ إذْ لا تَعَلُّقَ لَهم بِالمَقامِ بَلْ في شَأْنِ الوَرَثَةِ المَذْكُورَةِ هَهُنا فَإنَّ الأحْكامَ المُفَصَّلَةَ كُلَّها مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ جارِيَةٌ مَجْرى تَفْسِيرِهِ وبَيانِهِ ومُضارَّتُها الإخْلالُ بِحُقُوقِهِمْ ونَقْصُها بِما ذُكِرَ مِنَ الوَصِيَّةِ بِما زادَ عَلى الثُّلُثِ والوَصِيَّةِ لِقَصْدِ الإضْرارِ دُونَ القُرْبَةِ والإقْرارِ بِالدَّيْنِ كاذِبًَا، وإيقاعُها عَلى الوَصِيَّةِ مَعَ أنَّها واقِعَةٌ عَلى الوَرَثَةِ حَقِيقَةً كَما في قَوْلِهِ: "يا سارِقَ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ" لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْها بِإخْراجِها مَخْرَجَ مُضارَّةِ أمْرِاللَّهِ تَعالى ومُضادَّتِهِ، وجَعْلُ الوَصِيَّةِ عِبارَةً عَنِ الوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ فَما دُونَهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ﴿غَيْرَ مُضارٍّ﴾ حالًَا مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُتَعَلِّقِ بِالوَصِيَّةِ فَقَطْ، وذَلِكَ يُؤَدِّي إلى الفَصْلِ بَيْنَ الحالِ وعامِلِها بِأجْنَبِيٍّ هو المَعْطُوفُ عَلى ﴿وَصِيَّةٍ﴾ مَعَ أنَّهُ لا تَنْحَسِمُ بِهِ مادَّةُ المُضارَّةِ لِبَقاءِ الإقْرارِ بِالدَّيْنِ عَلى إطْلاقِهِ.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِالمُضارِّ وغَيْرِهِ.
﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ فَلا يُغْتَرَّ بِالإمْهالِ، وإيرادُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ كِفايَةِ الإضْمارِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
النساء 4:13
﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في شُئُونِ اليَتامى والمَوارِيثِ وغَيْرِ (p-154)ذَلِكَ.
﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيْ: شَرائِعُهُ المَحْدُودَةُ الَّتِي تَجُوزُ مُجاوَزَتُها.
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في جَمِيعِ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فُصِّلَ هَهُنا، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما ذُكِرَ آنِفًَا.
﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ وعَلى المَفْعُولِيَّةِ عِنْدَ الأخْفَشِ.
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ صِفَةٌ لِـ"جَنّاتٍ" مَنصُوبَةٌ حَسَبَ انْتِصابِها.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن مَفْعُولِ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ وصِيغَةُ الجَمْعِ بِالنَّظَرِ إلى جَمْعِيَّةِ "مَن" بِحَسَبِ المَعْنى، كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ بِالنَّظَرِ إلى إفْرادِهِ لَفْظًَا.
﴿وَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِن دُخُولِ الجَنّاتِ المَوْصُوفَةِ بِما ذُكِرَ عَلى وجْهِ الخُلُودِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ.
﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ، وُصِفَ الفَوْزُ وهو الظَّفَرُ بِالخَيْرِ بِالعِظَمِ إمّا بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقِهِ أوْ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ، فَإنَّ الفَوْزَ بِالعَظِيمِ عَظِيمٌ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.
النساء 4:14
﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ ولَوْ في بَعْضِ الأوامِرِ والنَّواهِي، قالَ مُجاهِدُ: فِيما اقْتَصَّ مِنَ المَوارِيثِ. وقالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن لَمْ يَرْضَ بِقَسْمِ اللَّهِ تَعالى ويَتَعَدَّ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي: ومَن يَكْفُرْ بِقِسْمَةِ اللَّهِ المَوارِيثَ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ اسْتِحْلالًَا. والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ بِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ شَرائِعَهُ المَحْدُودَةَ في جَمِيعِ الأحْكامِ فَيَدْخُلُ فِيها ما نَحْنُ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.
﴿يُدْخِلْهُ﴾ وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ في المَوْضِعَيْنِ.
﴿نارًا﴾ أيْ: عَظِيمَةً هائِلَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها.
﴿خالِدًا فِيها﴾ حالٌ كَما سَبَقَ، ولَعَلَّ إيثارَ الإفْرادِ هَهُنا نَظَرًَا إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ واخْتِيارُ الجَمْعِ هُناكَ نَظَرًَا إلى المَعْنى لِلْإيذانِ بِأنَّ الخُلُودَ في دارِ الثَّوابِ بِصِفَةِ الِاجْتِماعِ أجْلَبُ لِلْأُنْسِ كَما أنَّ الخُلُودَ في دارِ العَذابِ بِصِفَةِ الِانْفِرادِ أشَدُّ في اسْتِجْلابِ الوَحْشَةِ.
﴿وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ: ولَهُ مَعَ عَذابِ الحَرِيقِ الجِسْمانِيِّ عَذابٌ آخَرُ مُبْهَمٌ يُعْرَفُ كُنْهُهُ وهو العَذابُ الرُّوحانِيُّ كَما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُهُ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.
النساء 4:15
﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنِّساءِ إثْرَ بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ، واللّاتِي جَمْعُ الَّتِي بِحَسَبِ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ. وقِيلَ: جَمْعٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، والفاحِشَةُ: الفَعْلَةُ القَبِيحَةُ أُرِيدَ بِها الزِّنا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ، والإتْيانُ: الفِعْلُ والمُباشَرَةُ، يُقالُ: أتى الفاحِشَةَ، أيْ: فَعَلَها وباشَرَها وكَذا جاءَها ورَهَقَها وغَشِيَها، وقُرِئَ "بِالفاحِشَةِ". فالإتْيانُ بِمَعْناهُ المَشْهُورِ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ ﴿يَأْتِينَ﴾ أيِ: اللّاتِي يَفْعَلْنَ الزِّنا كائِناتٍ مِن نِسائِكُمْ، أيْ: مِن أزْواجِكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.
﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ والفاءُ لِلدِّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْحُكْمِ، أيْ: فاطْلُبُوا أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِنَّ بِإتْيانِها أرْبَعَةٌ مِن رِجالِ المُؤْمِنِينَ وأحْرارِهِمْ.
﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ عَلَيْهِنَّ بِذَلِكَ.
﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ أيْ: فاحْبِسُوهُنَّ فِيها واجْعَلُوها سِجْنًَا عَلَيْهِنَّ.
﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ﴾ أيْ: إلى أنْ يَسْتَوْفِيَ أرْواحَهُنَّ.
﴿المَوْتُ﴾ وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْمَوْتِ وإبْرازٌ لَهُ في صُورَةِ مَن يَتَوَلّى قَبْضَ الأرْواحِ (p-155)وَتَوَفِّيها أوْ يَتَوَفّاهُنَّ مَلائِكَةُ المَوْتِ.
﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ أيْ: يَشْرَعَ لَهُنَّ حُكْمًَا خاصًَّا بِهِنَّ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِالسَّبِيلِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ طَرِيقًَا مَسْلُوكًَا فَلَيْسَ فِيهِ دِلالَةٌ عَلى كَوْنِهِ أخَفَّ مِنَ الحَبْسِ كَما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ.
النساء 4:16
﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ هُما الزّانِي والزّانِيَةُ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، قالَ السَّنَدِيُّ: أُرِيدَ بِهِما البِكْرانِ مِنهُما كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَوْنُ عُقُوبَتِها أخَفَّ مِنَ الحَبْسِ المُخَلَّدِ وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ التَّكْرارُ خَلا أنَّهُ يَبْقى حُكْمُ الزّانِي المُحْصَنِ مُبْهَمًَا لِاخْتِصاصِ العُقُوبَةِ الأُولى بِالمُحْصَناتِ، وعَدَمُ ظُهُورِ إلْحاقِهِ بِأحَدِ الحُكْمَيْنِ دِلالَةٌ لِخَفاءِ الشَّرِكَةِ في المَناطِ.
﴿فَآذُوهُما﴾ أيْ: بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقِيلَ: بِالضَّرْبِ بِالنِّعالِ أيْضًَا، وظاهِرٌ أنَّ إجْراءَ هَذا الحُكْمِ أيْضًَا إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الثُّبُوتِ لَكِنْ تَرَكَ ذِكْرَهُ تَعْوِيلًَا عَلى ما ذُكِرَ آنِفًَا.
﴿فَإنْ تابا﴾ عَمّا فَعَلا مِنَ الفاحِشَةِ بِسَبَبِ ما لَقِيا مِن زَواجِرِ الأذِيَّةِ وقَوارِعِ التَّوْبِيخِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ ﴿وَأصْلَحا﴾ أيْ: أعْمالَهُما، ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ بِقَطْعِ الأذِيَّةِ والتَّوْبِيخِ فَإنَّ التَّوْبَةَ والصَّلاحَ مِمّا يَمْنَعُ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ والعِقابِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلشُّهُودِ الواقِفِينَ عَلى هَناتِهِما، ويُرادَ بِالإيذاءِ ذَمُّهُما وتَعْنِيفُهُما وتَهْدِيدُهُما بِالرَّفْعِ إلى الوُلاةِ، وبِالإعْراضِ عَنْهُما تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُما بِالرَّفْعِ إلَيْهِمْ، قِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةُ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في أوائِلِ الإسْلامِ عَلى ما مَرَّ مِنَ التَّفْصِيلِ ثُمَّ نُسِخَ بِالحَدِّ لِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « "خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًَا الثَّيِّبُ تُرْجَمُ والبِكْرُ تُجْلَدُ".» وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ سابِقَةٌ عَلى الأُولى نُزُولًَا، وكانَتْ عُقُوبَةُ الزُّناةِ مُطْلَقًَا الأذى ثُمَّ الحَبْسَ ثُمَّ الجَلْدَ ثُمَّ الرَّجْمَ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالحَبْسِ غَيْرَ مَنسُوخٍ بِأنْ يُتْرَكَ ذِكْرُ الحَدِّ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًَا بِالكِتابِ والسُّنَّةِ ويُوصى بِإمْساكِهِنَّ في البُيُوتِ بَعْدَ إقامَةِ الحَدِّ صِيانَةً لَهُنَّ عَنْ مِثْلِ ما جَرى عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ الخُرُوجِ مِنَ البُيُوتِ والتَّعَرُّضِ لِلرِّجالِ ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: - وقَدْ عَزاهُ إلى مُجاهِدٍ - إنَّ الأُولى في السَّحّاقاتِ وهَذِهِ في اللَّوّاطِينَ، وما في سُورَةِ النُّورِ في الزُّناةِ والزَّوانِي مُتَمَسِّكًَا بِأنَّ المَذْكُورَ في الأُولى صِيغَةُ الإناثِ خاصَّةً، وفي الثّانِيَةِ صِيغَةُ الذُّكُورِ، ولا ضَرُورَةَ إلى المَصِيرِ إلى التَّغْلِيبِ عَلى أنَّهُ لا إمْكانَ لَهُ في الأُولى ويَأْباهُ الأمْرُ بِاسْتِشْهادِ الأرْبَعَةِ فَإنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ في الشَّرْعِ فِيما عَدا الزِّنا.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا﴾ مُبالِغًَا في قَبُولِ التَّوْبَةِ.
﴿رَحِيمًا﴾ واسِعَ الرَّحْمَةِ، وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ.
النساء 4:17
﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وصْفُهُ تَعالى بِكَوْنِهِ تَوّابًَا رَحِيمًَا بَلْ هو مُقَيَّدٌ بِما سَيَنْطِقُ بِهِ النَّصُّ الكَرِيمُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿التَّوْبَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الاسْتِقْرارِ، فَإنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ المَعْنَوِيِّ مِمّا لا نِزاعَ في جَوازِهِ وكَذا الظَّرْفُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَإ المُسْتَكِنِّ فِيما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى عامِلِها المَعْنَوِيِّ عِنْدَ كَوْنِها ظَرْفًَا (p-156)أوْ حَرْفَ جَرٍّ كَما سَبَقَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ وأيًَّا ما كانَ؛ فَمَعْنى كَوْنِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ صُدُورُ القَبُولِ عَنْهُ تَعالى، وكَلِمَةُ ﴿عَلى﴾ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ البَتَّةَ بِحُكْمِ جَرْيِ العادَةِ وسَبْقِ الوَعْدِ حَتّى كَأنَّهُ مِنَ الواجِباتِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وهَذا مُرادُ مَن قالَ:كَلِمَةُ "عَلى" بِمَعْنى مِن، وقِيلَ: هي بِمَعْنى عِنْدَ، وعَنِ الحَسَنِ يَعْنِي: التَّوْبَةَ الَّتِي يَقْبَلُها اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: هي التَّوْبَةُ الَّتِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَفْسِهِ بِفَضْلِهِ قَبُولَها، وهَذا يُشِيرُ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عَلى اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِلتَّوْبَةِ بِتَقْدِيرِ مُتَعَلَّقِهِ مَعْرِفَةً عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، أيْ: إنَّما التَّوْبَةُ الكائِنَةُ عَلى اللَّهِ، والمُرادُ بِـالسُّوءِ: المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً كانَتْ أوْ كَبِيرَةً، وقِيلَ: الخَبَرُ ﴿ "عَلى اللَّهِ".﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في مُتَعَلَّقِ الخَبَرِ، ولَيْسَ فِيهِ ما في الوَجْهِ الأوَّلِ مِن تَقْدِيمِ الحالِ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ إلّا أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ هو الأوَّلُ لِما أنَّ ما قَبْلَهُ مِن وصْفِهِ تَعالى بِكَوْنِهِ تَوّابًَا رَحِيمًَا إنَّما يَقْتَضِي بَيانَ اخْتِصاصِ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنهُ تَعالى بِالمَذْكُورِينَ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِجَعْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ﴾ إلَخْ خَبَرًَا، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ ناطِقٌ بِما قُلْنا كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما التَّوْبَةُ لِهَؤُلاءِ لا لِهَؤُلاءِ.
﴿بِجَهالَةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ "يَعْمَلُونَ" أيْ: يَعْمَلُونَ السُّوءَ مُلْتَبِسِينَ بِها، أيْ: جاهِلِينَ سُفَهاءَ أوْ بِـ"يَعْمَلُونَ" عَلى أنَّ الباءَ سَبَبِيَّةٌ، أيْ: يَعْمَلُونَهُ بِسَبَبِ الجَهالَةِ لِأنَّ ارْتِكابَ الذَّنْبِ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ الجَهْلُ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ عَدَمَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ سُوءًَا بَلْ عَدَمَ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ كَما يَفْعَلُهُ الجاهِلُ. قالَ قَتادَةُ: اجْتَمَعَ أصْحابُ الرَّسُولِ ﷺ فَرَأوْا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَصى بِهِ رَبَّهُ فَهو جَهالَةٌ عَمْدًَا كانَ أوْ خَطَأً. وعَنْ مُجاهِدٍ "مَن عَصى اللَّهَ تَعالى فَهو جاهِلٌ حَتّى يَنْزِعَ عَنْ جَهالَتِهِ"، وقالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ بِجَهالَةٍ: اخْتِيارَهُمُ اللَّذَّةَ الفانِيَةَ عَلى اللَّذَّةِ الباقِيَةِ.
﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ أيْ: مِن زَمانٍ قَرِيبٍ وهو ما قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ وقْتَ الِاحْتِضارِ هو الوَقْتُ الَّذِي لا تُقْبَلُ فِيهِ التَّوْبَةُ فَبَقِيَ ما وراءَهُ في حَيِّزِ القَبُولِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما "قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِ سُلْطانُ المَوْتِ"، وعَنِ الضَّحّاكِ "كُلُّ تَوْبَةٍ قَبْلَ المَوْتِ" فَهو قَرِيبٌ، وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ "مالَمْ يُؤْخَذْ بِكَظَمِهِ وهو مَجْرى النَّفَسِ". ورَوى أبُو أيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ"،» وعَنْ عَطاءَ "وَلَوْ قَبْلَ مَوْتِهِ بِفُواقِ ناقَةٍ"، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ إبْلِيسَ قالَ حِينَ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ وعِزَّتِكَ لا أُفارِقُ ابْنَ آدَمَ ما دامَ رُوحُهُ في جَسَدِهِ فَقالَ تَعالى: "وَعِزَّتِي لا أُغْلِقُ عَلَيْهِ بابَ التَّوْبَةِ مالَمْ يُغَرْغِرْ" و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: يَتُوبُونَ بَعْضَ زَمانٍ قَرِيبٍ كَأنَّهُ سَمّى ما بَيْنَ وُجُودِ المَعْصِيَةِ وبَيْنَ حُضُورِ المَوْتِ زَمانًَا قَرِيبًَا، فَفي أيِّ جُزْءٍ تابَ مِن أجْزاءِ هَذا الزَّمانِ فَهو تائِبٌ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِما ذُكِرَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِمْ بِانْقِضاءِ ذِكْرِهِمْ في حُكْمِ البَعِيدِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وما فِيهِ مِن تَكْرِيرِ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، وهَذا وعْدٌ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ إثْرَ بَيانِ أنَّ التَّوْبَةَ لَهُمْ، والفاءُ لِلدِّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّتِها لِلْقَبُولِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مُبالِغًَا في العِلْمِ والحِكْمَةِ فَيَبْنِي أحْكامَهُ وأفْعالَهُ عَلى أساسِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مَنشَأٌ لِاتِّصافِهِ تَعالى بِصِفاتِ الكَمالِ.
النساء 4:18
(p-157)﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ تَصْرِيحٌ بِما فُهِمَ مِن قَصْرِ القَبُولِ عَلى تَوْبَةِ مَن تابَ مِن قَرِيبٍ، وزِيادَةُ تَعْيِينٍ لَهُ بِبَيانِ أنَّ تَوْبَةَ مَن عَداهم بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، وجَمْعُ السَّيِّئاتِ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِ وُقُوعِها في الزَّمانِ المَدِيدِ لا لِأنَّ المُرادَ جَمِيعُ أنْواعِها وبِما مَرَّ مِنَ السُّوءِ نَوْعٌ مِنها.
﴿حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ "حَتّى" حَرْفُ ابْتِداءٍ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بَعْدَها غايَةٌ لِما قَبْلَها، أيْ: لَيْسَ قَبُولُ التَّوْبَةِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ إلى حُضُورِ مَوْتِهِمْ، وقَوْلِهِمْ حِينَئِذٍ إنِّي تُبْتُ الآنَ وذِكْرُ ﴿الآنَ﴾ لِمَزِيدِ تَعْيِينِ الوَقْتِ، وإيثارُ قالَ عَلى تابَ لِإسْقاطِ ذَلِكَ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ والتَّحاشِي عَنْ تَسْمِيَتِهِ تَوْبَةً.
﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ، أيْ: لَيْسَ قَبُولُ التَّوْبَةِ لِهَؤُلاءِ ولا لِهَؤُلاءِ، وإنَّما ذُكِرَ هَؤُلاءِ مَعَ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهم رَأْسًَا مُبالَغَةً في بَيانِ عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ المُسَوِّفِينَ وإيذانًَا بِأنَّ وُجُودَها كَعَدَمِها، بَلْ في تَكْرِيرِ حَرْفِ النَّفْيِ في المَعْطُوفِ إشْعارٌ خَفِيٌّ بِكَوْنِ حالِ المُسَوِّفِينَ في عَدَمِ اسْتِتْباعِ الجَدْوى أقْوى مِن حالِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولَيْنِ: إمّا الكُفّارُ خاصَّةً وإمّا الفُسّاقُ وحْدَهُمْ، وتَسْمِيَتُهم في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ "كُفّارًَا" لِلتَّغْلِيظِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾، وأمّا ما يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًَا فالتَّسْمِيَةُ حِينَئِذٍ لِلتَّغْلِيبِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأوَّلِ الفَسَقَةُ وبِالثّانِي الكَفَرَةُ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ أُخْرى.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقَيْنِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِتَرامِي حالِهِمْ في الفَظاعَةِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في السُّوءِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿أعْتَدْنا لَهُمْ﴾ أيْ: هَيَّأْنا لَهم.
﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ تَكْرِيرُ الإسْنادِ لِما مَرَّ مِن تَقْوِيَةِ الحُكْمِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِكَوْنِ العَذابِ مُعَدًَّا لَهم وتَنْكِيرُ العَذابِ ووَصْفُهُ لِلتَّفْخِيمِ الذّاتِيِّ والوَصْفِيِّ.
النساء 4:19
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوُا النِّساءَ كَرْهًا﴾ كانَ الرَّجُلُ إذا ماتَ قَرِيبُهُ يُلْقِي ثَوْبَهُ عَلى امْرَأتِهِ أوْ عَلى خِبائِها ويَقُولُ: أرِثُ امْرَأتَهُ كَما أرِثُ مالَهُ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ أحَقَّ بِها مِن كُلِّ أحَدٍ ثُمَّ إنْ شاءَ تَزَوَّجَها بِلا صَداقٍ غَيْرِ الصَّداقِ الأوَّلِ وإنْ شاءَ زَوَّجَها غَيْرَهُ وأخَذَ صَداقَها ولَمْ يُعْطِها مِنهُ شَيْئًَا وإنْ شاءَ عَضَلَها لِتَفْتَدِيَ بِما ورِثَتْ مِن زَوْجِها، وإنْ ذَهَبَتِ المَرْأةُ إلى أهْلِها قَبْلَ إلْقاءِ الثَّوْبِ فَهي أحَقُّ بِنَفْسِها فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ لَهُمْ: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا بِطَرِيقِ الإرْثِ عَلى زَعْمِكم كَما تُحازُ المَوارِيثُ وهُنَّ كارِهاتٌ لِذَلِكَ أوْ مُكْرَهاتٌ عَلَيْهِ. وقُرِئَ "تَحِلُّ" بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى أنَّ "أنْ تَرِثُوا" بِمَعْنى الوِراثَةِ، وقُرِئَ "كُرْهًَا" بِضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ كالضَّعْفِ والضُّعْفِ وكانَ الرَّجُلُ إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً ولَمْ تَكُنْ مِن حاجَتِهِ حَبَسَها مَعَ سُوءِ العِشْرَةِ والقَهْرِ وضَيَّقَ عَلَيْها (p-158)لِتَفْتَدِيَ مِنهُ بِمالِها وتَخْتَلِعَ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ عَطْفًَا عَلى "تَرِثُوا" و"لا" لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والخِطابُ لِلْأزْواجِ، والعَضْلُ: الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ، ومِنهُ عَضَلَتِ المَرْأةُ بِوَلَدِها إذا اخْتَنَقَتْ رَحِمُها فَخَرَجَ بَعْضُهُ وبَقِيَ بَعْضُهُ، أيْ: ولا أنْ تُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ.
﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أيْ: مِنَ الصَّداقِ بِأنْ يَدْفَعْنَ إلَيْكم بَعْضَهُ اضْطِرارًَا فَتَأْخُذُوهُ مِنهُنَّ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِفِعْلِهِنَّ إيذانًَا بِكَوْنِهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ لِصُدُورِهِ عَنْهُنَّ اضْطِرارًَا وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالذَّهابِ بِهِ لا بِالأخْذِ ولا بِالإذْهابِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِهِ بِبَيانِ تَضَمُّنِهِ لِأمْرَيْنِ كُلٌّ مِنهُما مَحْظُورٌ: شَنِيعُ الأخْذِ والإذْهابُ مِنهُنَّ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الذَّهابِ مُسْتَصْحَبًَا بِهِ.
﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن "بَيَّنَ" بِمَعْنى: تَبَيَّنَ، وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ وعَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن أبانَ بِمَعْنى تَبَيُّنْ، أيْ: بَيِّنَةِ القُبْحِ مِنَ النُّشُوزِ وشَكاسَةِ الخُلُقِ وإيذاءِ الزَّوْجِ وأهْلِهِ بِالبَذاءِ والسَّلاطَةِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ "إلّا أنْ يُفْحِشْنَ عَلَيْكُمْ". وقِيلَ: الفاحِشَةُ: الزِّنا، وهو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوْ أعَمِّ الأوْقاتِ أوْ أعَمِّ العِلَلِ، أيْ: ولا يَحِلُّ لَكم عَضْلُهُنَّ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أوْ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا في حالِ إتْيانِهِنَّ بِفاحِشَةٍ أوْ إلّا في وقْتِ إتْيانِهِنَّ أوْ إلّا لِإتْيانِهِنَّ بِها، فَإنَّ السَّبَبَ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِن جِهَتِهِنَّ وأنْتُمْ مَعْذُورُونَ في طَلَبِ الخُلْعِ.
﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ خِطابٌ لِلَّذِينَ يُسِيئُونَ العِشْرَةَ مَعَهُنَّ والمَعْرُوفُ ما لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ والمُرُوءَةُ، و المُرادُ هَهُنا: النَّصَفَةُ في المَبِيتِ والنَّفَقَةُ والإجْمالُ في المَقالِ ونَحْوُ ذَلِكَ.
﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ وسَئِمْتُمْ صُحْبَتَهُنَّ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِنَّ ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ فَلا تُفارِقُوهُنَّ بِمُجَرَّدِ كَراهَةِ النَّفْسِ واصْبِرُوا عَلى مُعاشَرَتِهِنَّ.
﴿فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ عِلَّةٌ لِلْجَزاءِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ اسْتِلْزامِها إيّاهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فاصْبِرُوا عَلَيْهِنَّ مَعَ الكَراهَةِ فَلَعَلَّ لَكم فِيما تَكْرَهُونَهُ خَيْرًَا كَثِيرًَا لَيْسَ فِيما تُحِبُّونَهُ و"عَسى" تامَّةٌ رافِعَةٌ لِما بَعْدَها مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ تَقْدِيرِ الخَبَرِ أيْ: فَقَدْ قَرَّبَتْ كَراهَتُكم شَيْئًَا وجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًَا كَثِيرًَا، فَإنَّ النَّفْسَ رُبَّما تَكْرَهُ ما هو أصْلَحُ في الدِّينِ وأحْمَدُ عاقِبَةً وأدْنى إلى الخَيْرِ وتُحِبُّ ما هو بِخِلافِهِ؛ فَلْيَكُنْ نَظَرُكم إلى ما فِيهِ خَيْرٌ وصَلاحٌ دُونَ ما تَهْوى أنْفُسُكُمْ، وذِكْرُ الفِعْلِ الأوَّلِ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ وانْحِصارُ العِلِّيَّةِ في الثّانِي لِلتَّوَسُّلِ إلى تَعْمِيمِ مَفْعُولِهِ لِيُفِيدَ أنَّ تَرْتِيبَ الخَيْرِ الكَثِيرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ مَخْصُوصًَا بِمَكْرُوهٍ دُونَ مَكْرُوهٍ بَلْ هو سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ جارِيَةٌ عَلى الإطْلاقِ حَسَبَ اقْتِضاءِ الحِكْمَةِ وأنَّ ما نَحْنُ فِيهِ مادَّةٌ مِن مَوادِّها، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في الحَمْلِ عَلى تَرْكِ المُفارَقَةِ وتَعْمِيمِ الإرْشادِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ "وَيَجْعَلُ" مَرْفُوعًَا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ - والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ - تَقْدِيرُهُ: وهو أيْ ذَلِكَ الشَّيْءُ يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًَا كَثِيرًَا، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: واللَّهُ يَجْعَلُ بِوَضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ وتَنْوِينُ "خَيْرًَا" لِتَفْخِيمِهِ الذّاتِيِّ، ووَصْفُهُ بِالكَثْرَةِ لِبَيانِ فَخامَتِهِ الوَصْفِيَّةِ والمُرادُ بِهِ هَهُنا: الوَلَدُ الصّالِحُ، وقِيلَ: الأُلْفَةُ والمَحَبَّةُ.
النساء 4:20
﴿وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾ أيْ: تَزَوُّجَ امْرَأةٍ تَرْغَبُونَ فِيها.
﴿مَكانَ زَوْجٍ﴾ تَرْغَبُونَ عَنْها بِأنْ تُطَلِّقُوها.
﴿وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ﴾ أيْ: إحْدى الزَّوْجاتِ فَإنَّ المُرادَ بِالزَّوْجِ هو الجِنْسُ (p-159)والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ بِإضْمارِ قَدْ لا مَعْطُوفَةٌ عَلى الشَّرْطِ، أيْ: وقَدْ آتَيْتُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أنْ تُطَلِّقُوها.
﴿قِنْطارًا﴾ أيْ: مالًَا كَثِيرًَا.
﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ القِنْطارِ.
﴿شَيْئًا﴾ يَسِيرًَا فَضْلًَا عَنِ الكَثِيرِ.
﴿أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ النَّهْيِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أتَأْخُذُونَهُ باهِتِينَ وآثِمِينَ أوْ لِلْبُهْتانِ والإثْمِ فَإنَّ أحَدَهم كانَ إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً بَهَتَ الَّتِي تَحْتَهُ بِفاحِشَةٍ حَتّى يُلْجِئَها إلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِما أعْطاها لِيَصْرِفَهُ إلى تَزَوُّجِ الجَدِيدَةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، والبُهْتانُ: الكَذِبُ الَّذِي يَبْهَتُ المَكْذُوبَ عَلَيْهِ ويُدْهِشُهُ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الفِعْلِ الباطِلِ ولِذَلِكَ فُسِّرَ هَهُنا بِالظُّلْمِ.
النساء 4:21
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إنْكارٌ لِأخْذِهِ إثْرَ إنْكارٍ وتَنْفِيرٍ عَنْهُ غَبَّ تَنْفِيرٍ وقَدْ بُولِغَ فِيهِ حَيْثُ وُجِّهَ الإنْكارُ إلى كَيْفِيَّةِ الأخْذِ إيذانًَا بِأنَّهُ مِمّا لا سَبِيلَ لَهُ إلى التَّحَقُّقِ والوُقُوعِ أصْلًَا لِأنَّ ما يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ لابُدَّ أنْ يَكُونَ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَإذا لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ حالٌ أصْلًَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الوُجُودِ قَطْعًَا. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "تَأْخُذُونَهُ" مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَقْرِيرِ الِاسْتِبْعادِ، أيْ: عَلى أيِّ حالٍ أوْ في أيِّ حالٍ تَأْخُذُونَهُ، والحالُ أنَّهُ قَدْ جَرى بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ أحْوالٌ مُنافِيَةٌ لَهُ مِنَ الخَلْوَةِ وتَقَرُّرِ المَهْرِ وثُبُوتِ حَقِّ خِدْمَتِهِنَّ لَكم وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وَأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ في حُكْمِهِ، أيْ: أخَذْنَ مِنكم عَهْدًَا وثِيقًَا وهو حَقُّ الصُّحْبَةِ والمُعاشَرَةِ أوْ ما أوْثَقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في شَأْنِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أوْ ما أشارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: « "أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى".»
النساء 4:22
﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَن يَحْرُمُ نِكاحُها مِنَ النِّساءِ ومَن لا يَحْرُمُ، وإنَّما خُصَّ هَذا النِّكاحُ بِالنَّهْيِ ولَمْ يُنْظَمْ في سِلْكِ نِكاحِ المُحَرَّماتِ الآتِيَةِ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ عَنْهُ حَيْثُ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى تَعاطِيهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَزَوَّجُونَ بِأزْواجِ آبائِهِمْ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ واسْمُ الآباءِ يَنْتَظِمُ الأجْدادَ مَجازًَا فَتَثْبُتُ حُرْمَةُ ما نَكَحُوها نَصًَّا وإجْماعًَا ويَسْتَقِلُّ في إثْباتِ هَذِهِ الحُرْمَةِ نَفْسُ النِّكاحِ إذا كانَ صَحِيحًَا، وأمّا إذا كانَ فاسِدًَا فَلا بُدَّ في إثْباتِها مِنَ الوَطْءِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ التَّقْبِيلِ والمَسِّ بِشَهْوَةٍ ونَحْوِهِما بَلْ هو المُثْبِتُ لَها في الحَقِيقَةِ حَتّى لَوْ وقَعَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِحُكْمِ مِلْكِ اليَمِينِ أوْ بِالوَجْهِ المُحَرَّمِ تَثْبُتُ بِهِ الحُرْمَةُ عِنْدَنا خِلافًَا لِلشّافِعِيِّ في المُحَرَّمِ، أيْ: لا تَنْكِحُوُا الَّتِي نَكَحَها آباؤُكُمْ، وإيثارُ "ما" عَلى "مَن" لِلذَّهابِ إلى الوَصْفِ، وقِيلَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ عَلى إرادَةِ المَفْعُولِ مِنَ المَصْدَرِ.
﴿مِنَ النِّساءِ﴾ بَيانٌ لِما نُكِحَ عَلى الوَجْهَيْنِ.
﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِمّا نُكِحَ مُفِيدٌ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْرِيمِ بِإخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:
؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
والمَعْنى: لا تَنْكِحُوا حَلائِلَ آبائِكم إلّا مَن ماتَتْ مِنهُنَّ، والمَقْصُودُ: سَدُّ طَرِيقِ الإباحَةِ بِالكُلِّيَّةِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِمّا يَسْتَلْزِمُهُ النَّهْيُ ويَسْتَوْجِبُهُ مُباشَرَةً المَنهِيُّ عَنْهُ (p-160)كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ فَإنَّهُ مُوجِبٌ لِلْعِقابِ إلّا ما قَدْ مَضى فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، مَعْناهُ: لَكِنَّ ما قَدْ سَلَفَ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ لا أنَّهُ مُقَرَّرٌ ويَأْباهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا﴾ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وبَيانٌ لِكَوْنِ المَنهِيِّ عَنْهُ في غايَةِ القُبْحِ مَبْغُوضًَا أشَدَّ البُغْضِ، وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ مَوْصُوفًَا بِذَلِكَ ما رَخَّصَ فِيهِ لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ فَلا يُلائِمُ أنْ يُوَسَّطَ بَيْنَهُما ما يُهَوِّنُ أمْرَهُ مِن تَرْكِ المُؤاخَذَةِ عَلى ما سَلَفَ مِنهُ.
﴿وَساءَ سَبِيلا﴾ في كَلِمَةِ "ساءَ" قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّها جارِيَةٌ مَجْرى بِئْسَ في الذَّمِّ والعَمَلِ فَفِيها ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "وَساءَ سَبِيلًَا سَبِيلُ ذَلِكَ النِّكاحِ" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الماءُ، وثانِيهِما: أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ وفِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ "إنَّهُ" وسَبِيلًَا تَمْيِيزٌ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ كانَ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مُضْمَرٍ هو المَعْطُوفُ في الحَقِيقَةِ تَقْدِيرُهُ: ومَقُولًَا في حَقِّهِ ساءَ سَبِيلًَا، فَإنَّ ألْسِنَةَ الأُمَمِ كافَّةً لَمْ تَزَلْ ناطِقَةً بِذَلِكَ في الأعْصارِ والأمْصارِ. قِيلَ: مَراتِبُ القُبْحِ ثَلاثٌ: القُبْحُ الشَّرْعِيُّ والقُبْحُ العَقْلِيُّ والقُبْحُ العادِيُّ، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى هَذا النِّكاحَ بِكُلِّ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاحِشَةً﴾ مَرْتَبَةُ قُبْحِهِ العَقْلِيِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَقْتًا﴾ مَرْتَبَةُ قُبْحِهِ الشَّرْعِيِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَساءَ سَبِيلا﴾ مَرْتَبَةُ قُبْحِهِ العادِيِّ، وما اجْتَمَعَ فِيهِ هَذِهِ المَراتِبُ فَقَدْ بَلَغَ أقْصى مَراتِبِ القُبْحِ.
النساء 4:23
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ لَيْسَ المُرادُ تَحْرِيمَ ذَواتِهِنَّ بَلْ تَحْرِيمَ نِكاحِهِنَّ، وما يُقْصَدُ بِهِ مِنَ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ وبَيانَ امْتِناعِ وُرُودِ مِلْكِ النِّكاحِ عَلَيْهِنَّ وانْتِفاءَ مَحَلِّيَّتِهِنَّ لَهُ رَأْسًَا، وأمّا حُرْمَةُ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ بِمِلْكِ اليَمِينِ في المَوادِّ الَّتِي يُتَصَوَّرُ فِيها قَرارُ المِلْكِ كَما في بَعْضِ المَعْطُوفاتِ عَلى تَقْدِيرِ رِقِّهِنَّ فَثابِتَةٌ بِدِلالَةِ النَّصِّ لِاتِّحادِ المَدارِ الَّذِي هو عَدَمُ مَحَلِّيَّةِ أبْضاعِهِنَّ لِلْمِلْكِ لا بِعِبارَتِهِ بِشَهادَةِ سِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ وإنَّما لَمْ يُوجِبِ المَدارُ المَذْكُورُ امْتِناعَ وُرُودِ مِلْكِ اليَمِينِ رَأْسًَا ولا حُرْمَةَ سَبَبِهِ الَّذِي هو العَقْدُ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ كَما أوْجَبَ حُرْمَةَ عَقْدِ النِّكاحِ وامْتِناعَ وُرُودِ حُكْمِهِ عَلَيْهِنَّ لِأنَّ مَوْرِدَ مِلْكِ اليَمِينِ لَيْسَ هو البُضْعَ الَّذِي هو مَوْرِدُ مِلْكِ النِّكاحِ حَتّى يَفُوتَ بِفَواتِ مَحَلِّيَّتِهِ لَهُ كَمِلْكِ النِّكاحِ، فَإنَّهُ حَيْثُ كانَ مَوْرِدُهُ ذَلِكَ فاتَ بِفَواتِ مَحَلِّيَّتِهِ لَهُ قَطْعًَا وإنَّما مَوْرِدُهُ الرَّقَبَةُ المَوْجُودَةُ في كُلِّ رَقِيقٍ فَيَتَحَقَّقُ بِتَحَقُّقِ مَحَلِّهِ حَتْمًَا ثُمَّ يَزُولُ بِوُقُوعِ العِتْقِ في المَوادِّ الَّتِي سَبَبُ حُرْمَتِها مَحْضُ القَرابَةِ النَّسَبِيَّةِ كالمَذْكُوراتِ ويَبْقى في البَواقِي عَلى حالِهِ مُسْتَتْبِعًَا لِجَمِيعِ (p-161)أحْكامِهِ المَقْصُودَةِ مِنهُ شَرْعًَا، وأمّا حَلُّ الوَطْءِ فَلَيْسَ مِن تِلْكَ الأحْكامِ فَلا ضَيْرَ في تَخَلُّفِهِ عَنْهُ كَما في المَجُوسِيَّةِ، والأُمَّهاتُ تَعُمُّ الجَدّاتِ وإنْ عَلَوْنَ، والبَناتُ تَتَناوَلُ بَناتِهِنَّ وإنْ سَفَلْنَ، والأخَواتُ يَنْتَظِمْنَ الأخَواتِ مِنَ الجِهاتِ الثَّلاثِ وكَذا الباقِياتُ والعَمَّةُ كُلُّ أُنْثى ولَدَها مَن ولَدَ والِدَكَ، والخالَةُ كُلُّ أُنْثى ولَدَها مَن ولَدَ والِدَتَكَ قَرِيبًَا أوْ بَعِيدًَا، وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ تَتَناوَلُ.القُرْبى والبُعْدى.
﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ نَزَّلَ اللَّهُ تَعالى الرَّضاعَةَ مَنزِلَةَ النَّسَبِ حَتّى سَمّى المُرْضِعَةَ أُمًَّا لِلرَّضِيعِ والمُراضَعَةَ أُخْتًَا، وكَذَلِكَ زَوْجُ المُرْضِعَةِ أبُوهُ وأبَواهُ جَدّاهُ وأُخْتُهُ عَمَّتُهُ وكُلُّ ولَدٍ وُلِدَ لَهُ مِن غَيْرِ المُرْضِعَةِ قَبْلَ الرَّضاعِ وبَعْدَهُ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ وأُمُّ المُرْضِعَةِ جَدَّتُهُ وأُخْتُها خالَتُهُ وكُلُّ مَن وُلِدَ لَها مِن هَذا الزَّوْجِ فَهم إخْوانُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ ومَن ولَدُها مِن غَيْرِهِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأُمِّهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ﴾ وهو حُكْمٌ كُلِّيٌّ جارٍ عَلى عُمُومِهِ، وأمّا أُمُّ أخِيهِ لِأبٍ وأُخْتُ ابْنِهِ لِأُمٍّ وأُمُّ أُمِّ ابْنِهِ وأُمُّ عَمِّهِ وأُمُّ خالِهِ لِأبٍ فَلَيْسَتْ حُرْمَتُهُنَّ مِن جِهَةِ النَّسَبِ حَتّى يَحِلَّ بِعُمُومِهِ ضَرُورَةَ حِلِّهِنَّ في صُوَرِ الرَّضاعِ بَلْ مِن جِهَةِ المُصاهَرَةِ، ألا يُرى أنَّ الأُولى مَوْطُوءَةُ أبِيهِ والثّانِيَةَ بِنْتُ مَوْطُوءَتِهِ والثّالِثَةَ أُمُّ مَوْطُوءَتِهِ والرّابِعَةَ مَوْطُوءَةُ جَدِّهِ الصَّحِيحِ والخامِسَةَ مَوْطُوءَةُ جَدِّهِ الفاسِدِ.
﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المُحَرَّماتِ مِن جِهَةِ المُصاهَرَةِ إثْرَ بَيانِ المُحَرَّماتِ مِن جِهَةِ الرَّضاعَةِ الَّتِي لَها لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، والمُرادُ بِالنِّساءِ المَنكُوحاتُ عَلى الإطْلاقِ سَواءً كُنَّ مَدْخُولًَا بِهِنَّ أوْ لا وعَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها: "إنَّهُ لا بَأْسَ بِأنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَها ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها"، وعَنْ عُمَرَ وعِمْرانَ بْنِ الحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الأُمَّ تَحْرُمُ بِنَفْسِ العَقْدِ، وعَنْ مَسْرُوقٍ هي مُرْسَلَةٌ فَأرْسِلُوا ما أرْسَلَ اللَّهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أبْهِمُوا ما أبْهَمَ اللَّهُ خَلا أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ وعَنْ عَلِيٍّ وزَيْدٍ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قَرَءُوا وأُمَّهاتُ نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وعَنْ جابِرٍ رِوايَتانِ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ زَيْدٍ أنَّهُ إذا ماتَتْ عِنْدَهُ فَأخَذَ مِيراثَها كُرِهَ أنْ يَخْلُفَ عَلى أُمِّها وإذا طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها فَإنْ شاءَ فَعَلَ، أقامَ المَوْتَ في ذَلِكَ مَقامَ الدُّخُولِ كَما قامَ مَقامَهُ في بابِ المَهْرِ والعِدَّةِ ويُلْحَقُ بِهِنَّ المَوْطُوءاتُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المَعْدُودَةِ فِيما سَبَقَ والمَمْسُوساتُ ونَظائِرُهُنَّ والأُمَّهاتُ تَعُمُّ المُرْضِعاتِ كَما تَعُمُّ الجَدّاتِ حَسْبَما ذَكَرَ.
﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ "الرَّبائِبُ": جَمْعُ رَبِيبَةٍ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ والتّاءُ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ والرَّبِيبُ ولَدُ المَرْأةِ مِن آخَرَ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يَرُبُّهُ غالِبًَا كَما يَرُبُّ ولَدَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أمْرًَا مُطَّرِدًَا وهو المَعْنِيُّ بِكَوْنِهِنَّ في الحُجُورِ فَإنَّ شَأْنَهُنَّ الغالِبَ المُعْتادَ أنْ يَكُنَّ في حَضانَةِ أُمَّهاتِهِنَّ تَحْتَ حِمايَةِ أزْواجِهِنَّ كَوْنُهُنَّ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ، وفائِدَةُ وصْفِهِنَّ بِذَلِكَ تَقْوِيَةُ عِلَّةِ الحُرْمَةِ وتَكْمِيلُها كَما أنَّها النُّكْتَةُ في إيرادِهِنَّ بِاسْمِ الرَّبائِبِ دُونَ بَناتِ النِّساءِ فَإنَّ كَوْنَهُنَّ بِصَدَدِ احْتِضانِهِمْ لَهُنَّ وفي شَرَفِ التَّقَلُّبِ في حُجُورِهِمْ وتَحْتَ حِمايَتِهِمْ وتَرْبِيَتِهِمْ مِمّا يُقَوِّي المُلابَسَةَ والشَّبَهَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أوْلادِهِمْ ويَسْتَدْعِي إجْراءَهُنَّ مَجْرى بَناتِهِمْ لا تَقْيِيدَ الحُرْمَةِ بِكَوْنِهِنَّ في حُجُورِهِمْ بِالفِعْلِ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِهِ أخَذَ داوُدُ ومَذْهَبُ جُمْهُورِ العُلَماءِ- ما ذُكِرَ أوَّلًَا بِخِلافِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ فَإنَّهُ لِتَقْيِيدِها بِهِ قَطْعًَا فَإنَّ (p-162)كَلِمَةَ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "رَبائِبُكُمْ" "أوْ مِن ضَمِيرِها المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ لِأنَّهُ لَمّا وقَعَ صِلَةً تَحَمَّلَ ضَمِيرًَا، أيْ: ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي اسْتَقْرَرْنَ في حُجُورِكم كائِناتٍ مِن نِسائِكُمُ إلَخْ، ولا مَساغَ لِجَعْلِهِ حالًَا مِن "أُمَّهاتُ" أوْ مِمّا أُضِيفَتْ هي إلَيْهِ خاصَّةً وهو بَيِّنٌ لا سُتْرَةَ بِهِ، ولا مَعَ ما ذُكِرَ أوَّلًَا ضَرُورَةَ أنَّ حالِيَّتَهُ مِن "رَبائِبِكُمْ" أوْ مِن ضَمِيرٍ ما تَقْتَضِي كَوْنَ كَلِمَةِ "مِن" ابْتِدائِيَّةً وحالِيَّتَهُ مِن "أُمَّهاتُ" أوْ مِن "نِسائِكُمْ" تَسْتَدْعِي كَوْنَها بَيانِيَّةً وادِّعاءُ كَوْنِها اتِّصالِيَّةً مُنْتَظِمَةً لِمَعْنى الِابْتِداءِ والبَيانِ أوْ جَعْلُ المَوْصُولِ صِفَةً لِلنِّساءِ مَعَ اخْتِلافِ عامِلَيْهِما مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ مَعَ أنَّهُ سَعْيٌ في إسْكاتِ ما نَطَقَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ واتَّفَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ حَسْبَما ذُكِرَ فِيما قَبْلُ، وأمّا ما نُقِلَ مِنَ القِراءَةِ فَضَعِيفَةُ الرِّوايَةِ وعَلى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّسْخِ، ومَعْنى الدُّخُولِ بِهِنَّ إدْخالُهُنَّ السِّتْرَ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ وهي كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ كَقَوْلِهِمْ: بَنى عَلَيْها وضَرَبَ عَلَيْها الحِجابَ وفي حُكْمِهِ اللَّمْسُ ونَظائِرُهُ كَما مَرَّ ﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا﴾ أيْ: فِيما قَبْلُ.
﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أصْلًَا.
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: في نِكاحِ الرَّبائِبِ، وهو تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ ما قَبْلَهُ، والفاءُ الأُولى لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ بَيانَ حُكْمِ الدُّخُولِ مُسْتَتْبِعٌ لِبَيانِ حُكْمِ عَدَمِهِ.
﴿وَحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ أيْ: زَوْجاتُهُمْ، سُمِّيَتِ الزَّوْجَةُ حَلِيلَةً لِحِلِّها لِلزَّوْجِ أوْ لِحُلُولِها في مَحَلِّهِ. وقِيلَ: لِحَلِّ كُلٍّ مِنهُما إزارَ صاحِبِهِ وفي حُكْمِهِنَّ مَزْنِيّاتُهم ومَن يَجْرِينَ مَجْراهُنَّ مِنَ المَمْسُوساتِ ونَظائِرِهِنَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ لِإخْراجِ الأدْعِياءِ دُونَ أبْناءِ الأوْلادِ والأبْناءِ مِنَ الرَّضاعِ فَإنَّهم وإنْ سَفُلُوا في حُكْمِ الأبْناءِ الصُّلْبِيَّةِ.
﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَطْفًَا عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، والمُرادُ بِهِ: جَمْعُهُما في النِّكاحِ لا في مِلْكِ اليَمِينِ، وأمّا جَمْعُهُما في الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِينِ فَمُلْحَقٌ بِهِ بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ لِاتِّحادِهِما في المَدارِ، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:﴿مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَجْمَعَنَّ ماءَهُ في رَحِمِ أُخْتَيْنِ﴾ بِخِلافِ نَفْسِ مِلْكِ اليَمِينِ فَإنَّهُ لَيْسَ في مَعْنى النِّكاحِ في الإفْضاءِ إلى الوَطْءِ ولا مُسْتَلْزِمًَا لَهُ، ولِذَلِكَ يَصِحُّ شِراءُ المَجُوسِيَّةِ دُونَ نِكاحِها حَتّى لَوْ وطِئَهُما يَحِلُّ لَهُ وطْءُ إحْداهُما حَتّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ وطْءُ الأُخْرى بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ وكَذا لَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَ أمَتِهِ المَوْطُوءَةِ لا يَحِلُّ لَهُ وطْءُ إحْداهُما حَتّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ الأُخْرى، لِأنَّ المَنكُوحَةَ مَوْطُوءَةٌ حُكْمًَا فَكَأنَّهُ جَمَعَهُما وطْأً وإسْنادُ الحُرْمَةِ إلى جَمْعِهِما لا إلى الثّانِيَةِ مِنهُما بِأنْ يُقالَ وأخَواتُ نِسائِكم لِلِاحْتِرازِ عَنْ إفادَةِ الحُرْمَةِ المُؤَبَّدَةِ كَما في المُحَرَّماتِ السّابِقَةِ ولِكَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى حُرْمَةِ الجَمْعِ بَيْنَهُما عَلى سَبِيلِ المَعِيَّةِ ويَشْتَرِكُ في هَذا الحُكْمِ الجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها ونَظائِرِها، فَإنَّ مَدارَ حُرْمَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إفْضاؤُهُ إلى قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهِ وذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ في الجَمْعِ بَيْنَ هَؤُلاءِ بَلْ أوْلى فَإنَّ العَمَّةَ والخالَةَ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ، فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها ولا عَلى ابْنَةِ أخِيها ولا عَلى ابْنَةِ أُخْتِها﴾ مِن قَبِيلِ بَيانِ التَّفْسِيرِ لا بَيانِ التَّغْيِيرِ، وقِيلَ: هو مَشْهُورٌ يَجُوزُ بِهِ الزِّيادَةُ عَلى الكِتابِ.
﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ ما قَدْ مَضى لا تُؤاخَذُونَ بِهِ ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِهِ مُتَّصِلًَا بِقَصْدِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ كَما مَرَّ فِيما سَلَفَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما أفادَهُ الِاسْتِثْناءُ، فَيَتَحَتَّمُ الِانْقِطاعُ. وقالَ عَطاءُ والسُّدِّيُّ مَعْناهُ، إلّا ما كانَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ لِيا أُمِّ يَهُوذا وبَيْنَ راحِيلَ أُمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يُساعِدُهُ التَّعْلِيلُ لِأنَّ ما فَعَلَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حَلالًَا في شَرِيعَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ (p-163)تَعالى إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ. ورَوى هِشامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعْرِفُونَ هَذِهِ المُحَرَّماتِ إلّا اثْنَتَيْنِ نِكاحَ امْرَأةِ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ. ألا يُرى أنَّهُ قَدْ عُقِّبَ النَّهْيُ عَنْ كُلٍّ مِنهُما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ وهَذا يُشِيرُ إلى كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ فِيهِما عَلى سَنَنٍ واحِدٍ، ويَأْباهُ اخْتِلافُ التَّعْلِيلَيْنِ.
النساء 4:24
﴿والمُحْصَناتُ﴾ بِفَتْحِ الصّادِ، وهُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ أحْصَنَهُنَّ التَّزَوُّجُ أوِ الأزْواجُ أوِ الأوْلِياءُ أيْ: أعَفَّهُنَّ عَنِ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُنَّ أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ عَنْ غَيْرِ أزْواجِهِنَّ أوْ أحْصَنَّ أزْواجَهُنَّ. وقِيلَ: الصِّيغَةُ لِلْفاعِلِ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْضًَا وفَتْحُ الصّادِ مَحْمُولٌ عَلى الشُّذُوذِ كَما في نَظِيرَيْهِ مُلْقَحٍ ومُسْهَبٍ مِن ألْقَحَ وأسْهَبَ. قِيلَ: ورَدَ الإحْصانُ في القرآن بِإزاءِ أرْبَعَةِ مَعانٍ، الأوَّلُ: التَّزَوُّجُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، الثّانِي: العِفَّةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾، الثّالِثُ: الحُرِّيَّةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾، والرّابِعُ: الإسْلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ . قِيلَ في تَفْسِيرِهِ، أيْ: أسْلَمْنَ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى المُحَرَّماتِ السّابِقَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنها، أيْ: كائِناتٍ مِنَ النِّساءِ، وفائِدَتُهُ تَأْكِيدُ عُمُومِها لا دَفْعُ تَوَهُّمِ شُمُولِها لِلرِّجالِ بِناءً عَلى كَوْنِها صِفَةً لِلْأنْفُسِ كَما تُوُهِّمَ.
﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْصَناتِ اسْتِثْناءَ النَّوْعِ مِنَ الجِنْسِ أيْ: مَلَكْتُمُوهُ، وإسْنادُ المِلْكِ إلى الأيْمانِ لِما أنَّ سَبَبَهُ الغالِبَ هو الصِّفَةُ الواقِعَةُ بِها، وقَدِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ في الأرِقّاءِ لاسِيَّما في إناثِهِمْ وهُنَّ المُراداتُ هَهُنا رِعايَةً لِلْمُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مِلْكِ النِّكاحِ الوارِدِ عَلى الحَرائِرِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُنَّ بِـ"ما" لِإسْقاطِهِنَّ بِما فِيهِنَّ مِن قُصُورِ الرِّقِّ عَنْ رُتْبَةِ العُقَلاءِ، وهي إمّا عامَّةٌ حَسَبَ عُمُومِ صِلَتِها فالِاسْتِثْناءُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِإخْراجِ جَمِيعِ أفْرادِها مِن حُكْمِ التَّحْرِيمِ بِطَرِيقِ شُمُولِ النَّفْيِ بَلْ بِطَرِيقِ نَفْيِ الشُّمُولِ المُسْتَلْزِمِ لِإخْراجِ بَعْضِها، أيْ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ عَلى الإطْلاقِ إلّا المُحْصَناتُ اللّاتِي مَلَكْتُمُوهُنَّ فَإنَّهُنَّ لَسْنَ مِنَ المُحَرَّماتِ عَلى الإطْلاقِ بَلْ فِيهِنَّ مَن لا يَحْرُمُ نِكاحُهُنَّ في الجُمْلَةِ وهُنَّ المَسْبِيّاتُ بِغَيْرِ أزْواجِهِنَّ أوْ مُطْلَقًَا حَسَبَ اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ، وإمّا خاصَّةٌ بِالمَذْكُوراتِ فالمَعْنى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ إلّا اللّاتِي سُبِينَ فَإنَّ نِكاحَهُنَّ مَشْرُوعٌ في الجُمْلَةِ أيْ: لِغَيْرِ مُلّاكِهِنَّ، وأمّا حِلُّهُنَّ لَهم بِحُكْمِ مِلْكِ اليَمِينِ فَمَفْهُومٌ بِدِلالَةِ النَّصِّ لِاتِّحادِ المَناطِ لا بِعِبارَتِهِ لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالمُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ بِحُكْمِ مِلْكِ النِّكاحِ وإنَّما ثُبُوتُ حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ بِحُكْمِ مِلْكِ اليَمِينِ بِطَرِيقِ دِلالَةِ النَّصِّ وذَلِكَ مِمّا لا يَجْرِي فِيهِ الِاسْتِثْناءُ قَطْعًَا، وأمّا عَدُّهُنَّ مِن ذَواتِ الأزْواجِ مَعَ تَحَقُّقِ الفُرْقَةِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ قَطْعًَا بِالتَّبايُنِ أوْ بِالسَّبْيِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ فَمَبْنِيٌّ عَلى اعْتِقادِ النّاسِ حَيْثُ كانُوا حِينَئِذٍ غافِلِينَ عَنِ الفُرْقَةِ، ألا يُرى إلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن أنَّهُ قالَ: أصَبْنا يَوْمَ أوْطاسٍ سَبايا لَهُنَّ أزْواجٌ فَكَرِهْنا أنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ، فَسَألْنا النَّبِيَّ ﷺ - وفي رِوايَةٍ عَنْهُ قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ - كَيْفَ نَقَعُ عَلى (p-164)نِساءٍ عَرَفْنا أنْسابَهُنَّ وأزْواجَهُنَّ فَنَزَلَتْ* والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم فاسْتَحْلَلْناهُنَّ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ ونادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ألّا تُوطَأ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ ولا حائِلٌ حَتّى تَحِيضَ فَأباحَ وطْأهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ، ولَيْسَ في تَرْتِيبِ هَذا الحُكْمِ عَلى نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مَسُوقَةً لَهُ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتَوَقَّفُ عَلى إفادَتِها لَهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الدِّلالَةِ عَلى إفادَتِها بِطَرِيقِ العِبارَةِ أوْ نَحْوِها.
هَذا وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّها نَزَلَتْ في نِساءٍ كُنَّ يُهاجِرْنَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَهُنَّ أزْواجٌ فَيَتَزَوَّجُهُنَّ بَعْضُ المُسْلِمِينَ ثُمَّ يَقْدُمُ أزْواجُهُنَّ مُهاجِرِينَ فَنَهى عَنْ نِكاحِهِنَّ، فالمُحْصَناتُ حِينَئِذٍ عِبارَةٌ عَنْ مُهاجِراتٍ يَتَحَقَّقُ أوْ يُتَوَقَّعُ مِن أزْواجِهِنَّ الإسْلامُ والمُهاجَرَةُ ولِذَلِكَ لَمْ يَزُلْ عَنْهُنَّ اسْمُ الإحْصانِ، والنَّهْىُ لِتَحْرِيمِ المُحَقَّقِ وتَعَرُّفِ حالِ المُتَوَقَّعِ وإلّا فَما عَداهُنَّ بِمَعْزِلٍ مِنَ الحُرْمَةِ واسْتِحْقاقِ إطْلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِنَّ، كَيْفَ لا؟ وحِينَ انْقَطَعَتِ العَلاقَةُ بَيْنَ المَسْبِيَّةِ وزَوْجِها مَعَ اتِّحادِهِما في الدِّينِ فَلَأنْ تَنْقَطِعَ ما بَيْنَ المُهاجِرَةِ وزَوْجِها أحَقُّ وأوْلى كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ الآيَةُ.
﴿كِتابَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: كَتَبَ اللَّهُ.
﴿عَلَيْكُمْ﴾ تَحْرِيمَ هَؤُلاءِ كِتابًَا وفَرَضَهُ فَرْضًَا. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أىِ: الزَمُوا كِتابَ اللَّهِ و"عَلَيْكُمْ" مُتَعَلِّقٌ إمّا بِالمَصْدَرِ وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنهُ. وقِيلَ: هو إغْراءٌ آخَرُ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ قَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ أوْ بِنَفْسِ "عَلَيْكُمْ" عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ تَقْدِيمَ المَنصُوبِ في بابِ الإغْراءِ كَما في قَوْلِهِ:
؎ يَأيُّها المائِحُ دَلْوِي دُونَكا ∗∗∗ إنِّي رَأيْتُ النّاسَ يَحْمَدُونَكا
وَقُرِئَ "كُتُبُ اللَّهِ" بِالجَمْعِ والرَّفْعِ أيْ: هَذِهِ فَرائِضُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وقُرِئَ "كَتَبَ اللَّهُ" بِلَفْظِ الفِعْلِ.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بَيْنَهُما لِلْمُبالَغَةِ في الحَمْلِ عَلى المُحافَظَةِ عَلى المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ، وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ مَعْطُوفًَا عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ: بَلْ عَلى ﴿حُرِّمَتْ﴾ *إلَخْ فَإنَّهُما جُمْلَتانِ مُتَقابِلَتانِ مُؤَسِّسَتانِ لِلتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ المَنُوطَيْنِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، ولا ضَيْرَ في اخْتِلافِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لاسِيَّما بَعْدَ ما أُكِّدَتِ الأُولى بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُحَرِّمَ هو اللَّهُ تَعالى.
﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِنَ المُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ، أيْ: أُحِلَّ لَكم نِكاحُ ما سِواهُنَّ انْفِرادًَا وجَمْعًَا، ولَعَلَّ إيثارَ اسْمِ الإشارَةِ المُتَعَرِّضِ لِوَصْفِ المُشارِ إلَيْهِ وعُنْوانِهِ عَلى الضَّمِيرِ المُتَعَرِّضِ لِلذّاتِ فَقَطْ لِتَذْكِيرِ ما في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ مِنَ العُنْوانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ حُكْمُ الحُرْمَةِ فَيُفْهَمُ مُشارَكَةُ مَن في مَعْناهُنَّ لَهُنَّ فِيها بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ، فَإنَّ حُرْمَةَ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها وبَيْنَها وبَيْنَ خالَتِها لَيْسَتْ بِطَرِيقِ العِبارَةِ بَلْ بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ كَما سَلَفَ. وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ بِالإحْلالِ الإحْلالُ مُطْلَقًَا أيْ: عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ حَتّى يَرِدَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حِلُّ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها وبَيْنَها وبَيْنَ خالَتِها بَلْ إنَّما هو إحْلالُهُنَّ في الجُمْلَةِ، أيْ: عَلى بَعْضِ الأحْوالِ، ولا رَيْبَ في حِلِّ نِكاحِهِنَّ بِطَرِيقِ الِانْفِرادِ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ حُرْمَتُهُ بِطَرِيقِ الجَمْعِ، ألا يُرى أنَّ حُرْمَةَ نِكاحِ المُعْتَدَّةِ والمُطَلَّقَةِ ثَلاثًَا والخامِسَةِ ونِكاحِ الأمَةِ عَلى الحُرَّةِ ونِكاحِ المُلاعَنَةِ تَقْدَحُ في حِلِّ نِكاحِهِنَّ بَعْدَ العِدَّةِ وبَعْدَ التَّحْلِيلِ وبَعْدَ تَطْلِيقِ الرّابِعَةِ وانْقِضاءِ العِدَّةِ وبَعْدَ تَطْلِيقِ الحُرَّةِ وبَعْدَ إكْذابِ المُلاعِنِ نَفْسَهُ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الحِلَّ يَجِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ هَهُنا بِما تَعَلَّقَ بِهِ الحُرْمَةُ فِيما سَلَفَ وقَدْ تَعَلَّقَ هَهُنا بِالجَمْعِ فَلا بُدَّ أنْ يَتَعَلَّقَ الحِلُّ بِهِ أيْضًَا.
﴿أنْ تَبْتَغُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى أنَّهُ (p-165)مَفْعُولٌ لَهُ لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ ذاتِهِما بَلْ بِاعْتِبارِ بَيانِهِما وإظْهارِهِما أيْ: بَيَّنَ لَكم تَحْرِيمَ المُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ وإحْلالَ ما سِواهُنَّ إرادَةَ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَبْتَغُوُا النِّساءَ أوْ مَتْرُوكٌ، أيْ: تَفْعَلُوُا الِابْتِغاءَ.
﴿بِأمْوالِكُمْ﴾ بِصَرْفِها إلى مُهُورِهِنَّ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِمّا وراءَ ذَلِكم بِتَقْدِيرِ ضَمِيرِ المَفْعُولِ.
﴿مُحْصِنِينَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "تَبْتَغُوا" والإحْصانُ: العِفَّةُ وتَحْصِينُ النَّفْسِ عَنِ الوُقُوعِ فِيما يُوجِبُ اللَّوْمَ والعِقابَ.
﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِنهُ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "مُحْصِنِينَ" والسِّفاحُ: الزِّنا والفُجُورُ مِنَ السَّفْحِ الَّذِي هو صَبُّ المَنِيِّ، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ الغَرَضُ مِنهُ ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ، أيْ: مُحْصِنِينَ فُرُوجَكم غَيْرَ مُسافِحِينَ الزَّوانِي وهي في الحَقِيقَةِ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ المُحْصِنَ غَيْرُ مُسافِحٍ البَتَّةَ وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ إمّا عِبارَةٌ عَنِ النِّساءِ أوْ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ مِنَ الأفْعالِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهي إمّا شَرْطِيَّةٌ ما بَعْدَها شَرْطُها وإمّا مَوْصُولَةٌ ما بَعْدَها صِلَتُها وأيًَّا ما كانَ؛ فَهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُها عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها شَرْطِيَّةً إمّا فِعْلُ الشَّرْطِ أوْ جَوابُهُ أوْ كِلاهُما عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، والفاءُ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها عِبارَةً عَنِ النِّساءِ، فالعائِدُ إلى المُبْتَدَإ هو الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في "فَآتُوهُنَّ" سَواءً كانَتْ شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً و"مِن" بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في "بِهِ" والمَعْنى: فَأيُّ فَرْدٍ اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ أوْ فالفَرْدُ الَّذِي اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ حالَ كَوْنِهِ مِن جِنْسِ النِّساءِ أوْ بَعْضَهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وقَدْ رُوعِيَ تارَةً جانِبُ اللَّفْظِ فَأُفْرِدَ الضَّمِيرُ أوَّلًَا وأُخْرى جانِبُ المَعْنى فَجُمِعَ ثانِيًَا وثالِثًَا، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها عِبارَةً عَمّا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ فَـ"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِمْتاعِ والعائِدُ إلى المُبْتَدَإ مَحْذُوفٌ والمَعْنى: أيُّ فِعْلٍ اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِن جِهَتِهِنَّ مِن نِكاحٍ أوْ خَلْوَةٍ أوْ نَحْوِهِما أوْ فالفِعْلُ الَّذِي اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِن قِبَلِهِنَّ مِنَ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ لِأجْلِهِ أوْ بِمُقابَلَتِهِ، والمُرادُ بِالأُجُورِ: المُهُورُ فَإنَّها أُجُورُ أبْضاعِهِنَّ.
﴿فَرِيضَةً﴾ حالٌ مِنَ الأُجُورِ بِمَعْنى مَفْرُوضَةٍ أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إيتاءً مَفْرُوضًَا أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: فُرِضَ ذَلِكَ فَرِيضَةً أيْ: لَهُنَّ عَلَيْكم.
﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنَ الحَطِّ عَنِ المَهْرِ أوِ الإبْراءِ مِنهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتُوُا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾ وتَعْمِيمُهُ لِلزِّيادَةِ عَلى المُسَمّى يُساعِدُهُ رَفْعُ الجُناحِ عَنِ الرِّجالِ لِأنَّها لَيْسَتْ مَظِنَّةَ الجُناحِ إلّا أنْ يُجْعَلَ الخِطابُ لِلْأزْواجِ تَغْلِيبًَا فَإنَّ أخْذَ الزِّيادَةِ عَلى المُسَمّى مَظِنَّةُ الجُناحِ عَلى الزَّوْجَةِ، وقِيلَ: فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن نَفَقَةٍ ونَحْوِها. وقِيلَ: مِن مَقامٍ أوْ فِراقٍ ولا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ إذْ لا تَعَلُّقَ لَهُما بِالفَرِيضَةِ إلّا أنْ يَكُونَ الفِراقُ بِطَرِيقِ المُخالَعَةِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُتْعَةِ الَّتِي هي النِّكاحُ إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ مِن يَوْمٍ أوْ أكْثَرَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الغَرَضَ مِنها مُجَرَّدُ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ واسْتِمْتاعِها بِما يُعْطى وقَدْ أُبِيحَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ حِينَ فُتِحَتْ مَكَّةُ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى ثُمَّ نُسِخَتْ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أباحَها ثُمَّ أصْبَحَ يَقُولُ: « "يا أيُّها النّاسُ إنِّي كُنْتُ أمَرْتُكم بِالِاسْتِمْتاعِ مِن هَذِهِ النِّساءِ ألا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ".» وقِيلَ: أُبِيحَ مَرَّتَيْنِ وحُرِّمَ مَرَّتَيْنِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ رَجَعَ عَنِ القَوْلِ بِجَوازِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وقالَ اللَّهُمَّ إنِّي أتُوبُ إلَيْكَ مِن قَوْلِي بِالمُتْعَةِ وقَوْلِي في الصَّرْفِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بِمَصالِحِ العِبادِ.
﴿حَكِيمًا﴾ فِيما شَرَعَ لَهم مِنَ الأحْكامِ، ولِذَلِكَ شَرَعَ لَكم هَذِهِ الأحْكامَ اللّائِقَةَ بِحالِكم.
النساء 4:25
(p-166)﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ﴾ "مَن" إمّا شَرْطِيَّةٌ ما بَعْدَها شَرْطُها أوْ مَوْصُولَةٌ ما بَعْدَها صِلَتُها والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ "يَسْتَطِعْ" أيْ: حالَ كَوْنِهِ مِنكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَوْلا﴾ أوْ غِنىً وسَعَةً، أيِ: اعْتِلاءً ونَيْلًَا وأصْلُهُ الزِّيادَةُ والفَضْلُ مَفْعُولٌ لِـ"يَسْتَطِعْ". وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ إمّا مَفْعُولٌ صَرِيحٌ لِـ"طَوْلًَا" فَإنَّ إعْمالَ المَصْدَرِ المُنَوَّنِ شائِعٌ ذائِعٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم أنْ يَنالَ نِكاحَهُنَّ، وإمّا بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم غِنىً إلى نِكاحِهِنَّ أوْ لِنِكاحِهِنَّ، فالجارُّ في مَحَلِّ النَّصْبِ صِفَةً لِـ"طَوْلًَا" أيْ: طَوْلًَا مُوصِلًَا إلَيْهِ أوْ كائِنًَا لَهُ أوْ عَلى نِكاحِهِنَّ عَلى أنَّ الطَّوْلَ بِمَعْنى القُدْرَةِ، في القامُوسِ: الطَّوْلُ والطّائِلُ والطّائِلَةُ الفَضْلُ والقُدْرَةُ والغِنى والسَّعَةُ، ومَحَلُّ "أنْ" بَعْدَ حَذْفِ الجارِّ نَصْبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ وجَرٌّ عِنْدَ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ، وإمّا بَدَلٌ مِن "طَوْلًَا" لِأنَّ الطَّوْلَ فَضْلٌ والنِّكاحَ قُدْرَةٌ، وإمّا مَفْعُولٌ لِـ"يَسْتَطِعْ" و"طَوْلًَا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ لِأنَّهُ بِمَعْناهُ؛ إذِ الاسْتِطاعَةُ هي الطَّوْلُ أوْ تَمْيِيزٌ، أيْ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم نِكاحَهُنَّ اسْتِطاعَةً أوْ مِن جِهَةِ الطَّوْلِ والغِنى، أيْ: لا مِن جِهَةِ الطَّبِيعَةِ والمِزاجِ فَإنَّ عَدَمَ الِاسْتِطاعَةِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ، والمُرادُ بِالمُحْصَناتِ: الحَرائِرُ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِنَّ بِالمَمْلُوكاتِ فَإنَّ حُرِّيَّتَهُنَّ أحْصَنَتْهُنَّ عَنْ ذُلِّ الرِّقِّ والِابْتِذالِ وغَيْرِهِما مِن صِفاتِ القُصُورِ والنُّقْصانِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ إمّا جَوابٌ لِلشَّرْطِ أوْ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ والفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ حُذِفَ مَفْعُولُهُ و"ما" مَوْصُولَةٌ، أيْ: فَلْيَنْكِحِ امْرَأةً أوْ أمَةً مِنَ النَّوْعِ الَّذِي مَلَكَتْهُ أيْمانُكم وهو في الحَقِيقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـذَلِكَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: فَلْيَنْكِحِ امْرَأةً كائِنَةً مِن ذَلِكَ النَّوْعِ. وقِيلَ: "مِن" زائِدَةٌ والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ، أيْ: فَلْيَنْكِحْ ما مَلَكَتْهُ أيْمانُكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المُقَدَّرِ في "مَلَكَتْ" الرّاجِعِ إلى ما. وقِيلَ: هو المَفْعُولُ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ عَلى زِيادَةِ "مِن" و "مِمّا مَلَكَتْ" مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فَتَياتِكم و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: فَلْيَنْكِحْ فَتَياتِكم كائِناتٍ بَعْضَ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم و"المُؤْمِناتِ" صِفَةٌ لِـ"فَتَياتِكُمْ" عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ. وقِيلَ: هو المَفْعُولُ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ و"مِمّا مَلَكَتْ" عَلى ما تَقَدَّمَ آنِفًَا و"مِن فَتَياتِكُمْ" حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ يُفِيدُ عَدَمَ جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ لِلْمُسْتَطِيعِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وعَدَمَ جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ أصْلًَا كَما هو رَأْيُ أهْلِ الحِجازِ وقَدْ جَوَّزَهُما أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مُتَمَسِّكًَا بِالعُمُوماتِ؛ فَمَحْمَلُ الشَّرْطِ والوَصْفِ هو الأفْضَلِيَّةُ ولا (p-167)نِزاعَ فِيها لِأحَدٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ومِمّا وسَّعَ اللَّهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ نِكاحُ الأمَةِ واليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ وإنْ كانَ مُوسِرًَا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ جِئَ بِها لِتَأْنِيسِهِمْ بِنِكاحِ الإماءِ واسْتِنْزالِهِمْ مِن رُتْبَةِ الِاسْتِنْكافِ مِنهُ بِبَيانِ أنَّ مَناطَ التَّفاضُلِ ومَدارَ التَّفاخُرِ هو الإيمانُ دُونَ الأحْسابِ والأنْسابِ عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ قائِلًَا: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ مِنكم بِمَراتِبِكم في الإيمانِ الَّذِي بِهِ تَنْتَظِمُ أحْوالُ العِبادِ وعَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ المَصالِحِ في المَعاشِ والمَعادِ، ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِخُصُوصِ الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ فَرُبَّ أمَةٍ يَفُوقُ إيمانُها إيمانَ الحَرائِرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ الِاتِّصالُ مِن حَيْثُ الدِّينُ فَهو بَيانٌ لِتَناسُبِهِمْ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ إثْرَ بَيانِ تَفاوُتِهِمْ في ذَلِكَ وإنْ أُرِيدَ بِهِ الِاتِّصالُ مِن حَيْثُ النَّسَبُ فَهو اعْتِراضٌ آخَرُ مُؤَكِّدٌ لِلتَّأْنِيسِ مِن جِهَةٍ أُخْرى، والخِطابُ في المَوْضِعَيْنِ إمّا لِمَن كَما في الخِطابِ الَّذِي يَعْقُبُهُ قَدْ رُوعِيَ فِيما سَبَقَ جانِبُ اللَّفْظِ وهَهُنا جانِبُ المَعْنى والِالتِفاتُ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّأْنِيسِ، وإمّا لِغَيْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ كالخِطاباتِ السّابِقَةِ لِحُصُولِ التَّرْغِيبِ بِخِطابِهِمْ أيْضًَا وأيًَّا ما كانَ؛ فَإعادَةُ الأمْرِ بِالنِّكاحِ عَلى وجْهِ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ﴾ مَعَ انْفِهامِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ حَسْبَما ذُكِرَ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في نِكاحِهِنَّ وتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ وتَصْدِيرُهُ بِالفاءِ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ: وإذْ قَدْ وقَفْتُمْ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ مَوالِيهِنَّ ولا تَتَرَفَّعُوا عَنْهُنَّ، وفي اشْتِراطِ إذْنِ المَوالِي دُونَ مُباشَرَتِهِمْ لِلْعَقْدِ إشْعارٌ بِجَوازِ مُباشَرَتِهِنَّ لَهُ.
﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ.
﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"آتُوهُنَّ" أيْ: أدُّوا إلَيْهِنَّ مُهُورَهُنَّ بِغَيْرِ مَطْلٍ وضِرارٍ وإلْجاءٍ إلى الِاقْتِضاءِ واللَّزِّ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ والعادَةُ، ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ الأداءُ إلَيْهِنَّ بِإذْنِ المَوالِي فَيَكُونُ ذِكْرُ إيتائِهِنَّ لِبَيانِ جَوازِ الأداءِ إلَيْهِنَّ لا لِكَوْنِ المُهُورِ لَهُنَّ. وقِيلَ: أصْلُهُ آتُوا مَوالِيَهُنَّ فَحُذِفَ المُضافُ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى المُضافِ إلَيْهِ.
﴿مُحْصَناتٍ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ "فَـانْكِحُوهُنَّ" أيْ: حالَ كَوْنِهِنَّ عَفائِفَ عَنِ الزِّنا.
﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ أيْ: غَيْرَ مُجاهِراتٍ بِهِ.
﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿مُسافِحاتٍ﴾ و"لا" لِتَأْكِيدِ ما في ﴿غَيْرَ﴾ مِن مَعْنى النَّفْىِ، الخِدْنُ: الصّاحِبُ، قالَ أبُو زَيْدٍ: الأخْدانُ الأصْدِقاءُ عَلى الفاحِشَةِ والواحِدُ خِدْنٌ وخَدِينٌ والجَمْعُ لِلْمُقابَلَةِ بِالِانْقِسامِ عَلى مَعْنى أنْ لا يَكُونَ لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ خِدْنٌ لا عَلى مَعْنى أنْ لا يَكُونَ لَها أخْدانٌ، أيْ: غَيْرَ مُجاهِراتٍ بِالزِّنا ولا مُسِرّاتٍ لَهُ وكانَ الزِّنا في الجاهِلِيَّةِ مُنْقَسِمًَا إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.
﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ أيْ: بِالتَّزْوِيجِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ أوْ أزْواجَهُنَّ.
﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ أيْ: فَعَلْنَ فاحِشَةً وهي الزِّنا.
﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾ فَثابِتٌ عَلَيْهِنَّ شَرْعًَا.
﴿نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾ أيِ: الحَرائِرِ الأبْكارِ.
﴿مِنَ العَذابِ﴾ مِنَ الحَدِّ الَّذِي هو جَلْدُ مِائَةٍ فَنِصْفُهُ خَمْسُونَ كَما هو كَذَلِكَ قَبْلَ الإحْصانِ، فالمُرادُ بَيانُ عَدَمِ تَفاوُتِ حَدِّهِنَّ بِالإحْصانِ كَتَفاوُتِ حَدِّ الحَرائِرِ، فالفاءُ في "فَإنْ أتَيْنَ" جَوابُ "إذا" والثّانِيَةُ جَوابُ "إنْ" والشَّرْطُ الثّانِي مَعَ جَوابِهِ مُتَرَتِّبٌ عَلى وُجُودِ الأوَّلِ كَما في قَوْلِكَ: "إذا أتَيْتَنِي فَإنْ لَمْ أُكْرِمْكَ فَعَبْدِي حُرٌّ".
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: نِكاحُ الإماءِ.
﴿لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ أيْ: لِمَن خافَ وُقُوعَهُ في الإثْمِ الَّذِي تُؤَدِّي إلَيْهِ غَلَبَةُ الشَّهْوَةِ، وأصْلُ العَنَتِ: انْكِسارُ العَظْمِ بَعْدَ الجَبْرِ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَشَقَّةٍ وضَرَرٍ يَعْتَرِي الإنْسانَ بَعْدَ (p-168)صَلاحِ حالِهِ ولا ضَرَرَ أعْظَمُ مِن مُواقَعَةِ المَآثِمِ بِارْتِكابِ أفْحَشِ القَبائِحِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الحَدُّ لِأنَّهُ إذا هَوِيَها يَخْشى أنْ يُواقِعَها فَيُحَدَّ، والأوَّلُ هو اللّائِقُ بِحالِ المُؤْمِنِ دُونَ الثّانِي لِإيهامِهِ أنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهُ الحَدُّ لا ما يُوجِبُهُ.
﴿وَأنْ تَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَنْ نِكاحِهِنَّ مُتَعَفِّفِينَ كافِّينَ أنْفُسَكم عَمّا تَشْتَهِيهِ مِنَ المَعاصِي.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن نِكاحِهِنَّ وإنْ سَبَقَتْ كَلِمَةُ الرُّخْصَةِ فِيهِ لِما فِيهِ مِن تَعْرِيضِ الوَلَدِ لِلرِّقِّ، قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أيُّما حُرٍّ تَزَوَّجَ بِأمَةٍ فَقَدْ أرَقَّ نِصْفَهُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما نِكاحُ الأمَةِ مِنَ الزِّنا إلّا قَرِيبٌ ولِأنَّ حَقَّ المَوْلى فِيها أقْوى فَلا تَخْلُصُ لِلزَّوْجِ خُلُوصَ الحَرائِرِ ولِأنَّ المَوْلى يَقْدِرُ عَلى اسْتِخْدامِها كَيْفَما يُرِيدُ في السَّفَرِ والحَضَرِ وعَلى بَيْعِها لِلْحاضِرِ والبادِي وفِيهِ مِنِ اخْتِلالِ حالِ الزَّوْجِ وأوْلادِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ ولِأنَّها مُمْتَهَنَةٌ مُبْتَذَلَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ وذَلِكَ كُلُّهُ ذُلٌّ ومَهانَةٌ سارِيَةٌ إلى النّاكِحِ والعِزَّةُ هي اللّائِقَةُ بِالمُؤْمِنِينَ ولِأنَّ مَهْرَها لِمَوْلاها فَلا تَقْدِرُ عَلى التَّمَتُّعِ بِهِ ولا عَلى هِبَتِهِ لِلزَّوْجِ فَلا يَنْتَظِمُ أمْرُ المَنزِلِ. وقَدْ قالَ ﷺ: « "الحَرائِرُ صَلاحُ البَيْتِ والإماءُ هَلاكُ البَيْتِ".» ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ فَيَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَصْبِرْ عَنْ نِكاحِهِنَّ وما في ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُنافِيَةِ لِحالِ المُؤْمِنِينَ.
﴿رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في الرَّحْمَةِ ولِذَلِكَ رَخَّصَ لَكم في نِكاحِهِنَّ.
النساء 4:26
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ وبَيانِ كَوْنِها جارِيَةً عَلى مَناهِجِ المُهْتَدِينَ مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، قِيلَ: أصْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ "يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ" فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ اللّازِمِ لِلْإرادَةِ ومَفْعُولُ "يُبَيِّنَ" مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِشَهادَةِ السِّباقِ والسِّياقِ، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكم ما هو خَفِيٌّ عَنْكم مِن مَصالِحِكم وأفاضِلِ أعْمالِكم أوْ ما تَعَبَّدَكم بِهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقِيلَ: مَفْعُولُ "يُرِيدُ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ تَشْرِيعَ ما شَرَعَ مِنَ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ لِأجْلِ التَّبْيِينِ لَكُمْ، وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ ويُعْزى إلى سِيبَوَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ اللّامَ بِنَفْسِها ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ مِن غَيْرِ إضْمارِ أنْ وهي وما بَعْدَها مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُتَقَدِّمِ فَإنَّ اللّامَ قَدْ تُقامُ مَقامَ أنْ في فِعْلِ الإرادَةِ والأمْرِ، فَيُقالُ: أرَدْتُ لِأذْهَبَ وأنْ أذْهَبَ وأمَرْتُكَ لِتَقُومَ وأنْ تَقُومَ. قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ وفي مَوْضِعٍ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا﴾، وقالَ تَعالى: ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ وفي مَوْضِعٍ ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ﴾ وفي آخَرَ ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أيْ: أنْ أعْدِلَ بَيْنَكُمْ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ وقالُوا: إنَّ وظِيفَةَ اللّامِ هي الجَرُّ والنَّصْبُ فِيما قالُوا بِإضْمارِ أنْ، أيْ: أُمِرْنا بِما أُمِرْنا لِنُسْلِمَ ويُرِيدُونَ ما يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا. وقِيلَ: يُؤَوَّلُ الفِعْلُ الَّذِي قَبْلَ اللّامِ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِالِابْتِداءِ ويُجْعَلُ ما بَعْدَهُ خَبَرًَا لَهُ كَما في "تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ" أيْ: أنْ تَسْمَعَ بِهِ ويُعْزى بِهِ هَذا الرَّأْيُ إلى بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.
﴿وَيَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ لِتَقْتَدُوا بِهِمْ.
﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ إذا تُبْتُمْ إلَيْهِ تَعالى عَمّا يَقَعُ مِنكم مِنَ التَّقْصِيرِ والتَّفْرِيطِ في مُراعاةِ ما كُلِّفْتُمُوهُ مِنَ الشَّرائِعِ - فَإنَّ المُكَلَّفَ قَلَّما يَخْلُو مِن تَقْصِيرٍ يَسْتَدْعِي تَلافِيَهُ بِالتَّوْبَةِ - ويَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم أوْ يُرْشِدُكم إلى ما يَرْدَعُكم عَنِ المَعاصِي ويَحُثُّكم عَلى التَّوْبَةِ أوْ إلى ما يَكُونُ كَفّارَةً لِسَيِّئاتِكُمْ، ولَيْسَ الخِطابُ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ حَتّى يَتَخَلَّفَ مُرادُهُ تَعالى عَنْ إرادَتِهِ فِيمَن لَمْ يَتُبْ مِنهم بَلْ لِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ حَصُلَتْ لَهم هَذِهِ التَّوْبَةُ.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِالأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها (p-169)ما شَرَعَ لَكم مِنَ الأحْكامِ.
﴿حَكِيمٌ﴾ مُراعٍ في جَمِيعِ أفْعالِهِ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ.
النساء 4:27
﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ كَمالِ مَنفَعَةِ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى وكَمالِ مَضَرَّةِ ما يُرِيدُ الفَجَرَةُ، لا لِبَيانِ إرادَتِهِ تَعالى لِتَوْبَتِهِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَكُونَ مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلتَّقْرِيرِ ولِذَلِكَ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ دِلالَةً عَلى دَوامِ الإرادَةِ ولَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ لِلْإشارَةِ إلى الحُدُوثِ ولِلْإيماءِ إلى كَمالِ المُبايَنَةِ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةِ والمُرادُ بِمُتَّبِعِي الشَّهَواتِ: الفَجَرَةُ فَإنَّ اتِّباعَها الِائْتِمارُ بِها وأمّا المُتَعاطِي لِما سَوَّغَهُ الشَّرْعُ مِنَ المُشَهَّياتِ دُونَ غَيْرِهِ فَهو مُتَّبِعٌ لَهُ لا لَها. وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وقِيلَ: هُمُ المَجُوسُ حَيْثُ كانُوا يُحِلُّونَ الأخَواتِ مِنَ الأبِ وبَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ فَلَمّا حَرَّمَهُنَّ اللَّهُ تَعالى قالُوا: فَإنَّكم تُحِلُّونَ بِنْتَ الخالَةِ وبِنْتَ العَمَّةِ مَعَ أنَّ العَمَّةَ والخالَةَ عَلَيْكم حَرامٌ فانْكِحُوا بَناتِ الأخِ والأُخْتِ فَنَزَلَتْ.
﴿أنْ تَمِيلُوا﴾ عَنِ الحَقِّ بِمُوافَقَتِهِمْ عَلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ واسْتِحْلالِ المُحَرَّماتِ وتَكُونُوا زُناةً مِثْلَهُمْ، وقُرِئَ بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ والضَّمِيرُ لِلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ.
﴿مَيْلا عَظِيمًا﴾ أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى مَيْلِ مَنِ اقْتَرَفَ خَطِيئَةً عَلى نُدْرَةٍ بِلا اسْتِحْلالٍ.
النساء 4:28
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ بِما مَرَّ مِنَ الرُّخَصِ ما في عُهْدَتِكم مِن مَشاقِّ التَّكالِيفِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
﴿وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ عاجِزًَا عَنْ مُخالَفَةِ هَواهُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى مُقابَلَةِ دَواعِيهِ وقُواهُ حَيْثُ لا يَصْبِرُ عَنِ اتِّباعِ الشَّهَواتِ ولا يَسْتَخْدِمُ قُواهُ في مَشاقِّ الطّاعاتِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ ضَعْفُ الخِلْقَةِ ولا يُساعِدُهُ المَقامُ فَإنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّخْفِيفِ بِالرُّخْصَةِ في نِكاحِ الإماءِ ولَيْسَ لِضَعْفِ البِنْيَةِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ وإنَّما الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّخْفِيفُ في العِباداتِ الشّاقَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ضَعْفُهُ في أمْرِ النِّساءِ خاصَّةً حَيْثُ لا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: ما أيِسَ الشَّيْطانُ مِن بَنِي آدَمَ قَطُّ إلّا أتاهم مِن قِبَلِ النِّساءِ فَقَدْ أتى عَلَيَّ ثَمانُونَ سَنَةً وذَهَبَتْ إحْدى عَيْنىَّ وأنا أعْشُو بِالأُخْرى وإنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عَلىَّ فِتْنَةُ النِّساءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما "وَخَلَقَ الإنْسانَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والضَّمِيرُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثَمانِي آياتٍ في سُورَةِ النِّساءِ هُنَّ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾، ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾، ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾، ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ .
النساء 4:29
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم (p-170)بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ الحُرُماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ إثْرَ بَيانِ الحُرُماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأبْضاعِ، وتَصْدِيرُ الخِطابِ بِالنِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِ والمُرادُ بِالباطِلِ: ما يُخالِفُ الشَّرْعَ كالغَصْبِ والسَّرِقَةِ والخِيانَةِ والقِمارِ وعُقُودِ الرِّبا وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُبِحْهُ الشَّرْعُ، أيْ: لا يَأْكُلْ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ.
﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ و"عَنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"تِجارَةً" أيْ: إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً صادِرَةً عَنْ تَراضٍ كَما في قَوْلِهِ:
؎ إذا كانَ يَوْمًَا ذا كَواكِبَ أشْنَعًَا
أيْ: إذا كانَ اليَوْمُ يَوْمًَا إلَخْ أوْ إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ أمْوالَ تِجارَةٍ، وقُرِئَ "تِجارَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ: ولَكِنِ اقْصُدُوا كَوْنَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ أيْ: وُقُوعَها أوْ ولَكِنَّ وُجُودَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيانِ سائِرِ أسْبابِ المِلْكِ لِكَوْنِها مُعْظَمَها وأغْلَبَها وُقُوعًَا وأوْفَقَها لِذَوِي المُرُوءاتِ، والمُرادُ بِالتَّراضِي: مُراضاةُ المُتَبايِعَيْنِ فِيما تَعاقَدا عَلَيْهِ في حالِ المُبايَعَةِ وقْتَ الإيجابِ والقَبُولِ عِنْدَنا وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ حالَةَ الِافْتِراقِ عَنْ مَجْلِسِ العَقْدِ.
﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: مَن كانَ مِن جِنْسِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ كُلَّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، وعَنِ الحَسَنِ: تَقْتُلُوا إخْوانَكُمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأنْفُسِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْ قَتْلِهِمْ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَفْعَلُهُ عاقِلٌ أوْ لا تُهْلِكُوا أنْفُسَكم بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ بِاقْتِرافِ ما يُفْضِي إلَيْهِ فَإنَّهُ القَتْلُ الحَقِيقِيُّ لَها كَما يُشْعِرُ بِهِ إيرادُهُ عَقِيبَ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ الحَرامِ فَيَكُونُ مُقَرِّرًَا لِلنَّهْيِ السّابِقِ. وقِيلَ: لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم بِالبَخْعِ كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ أوْ بِارْتِكابِ ما يُؤَدِّي إلى القَتْلِ مِنَ الجِناياتِ. وقِيلَ: بِإلْقائِها في التَّهْلُكَةِ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ تَأوَّلَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِخَوْفِ البَرْدِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ. وقُرِئَ "وَلا تُقَتِّلُوا" بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ وقَدْ جُمِعَ في التَّوْصِيَةِ بَيْنَ حِفْظِ النَّفْسِ وحِفْظِ المالِ لِما أنَّهُ شَقِيقُها مِن حَيْثُ أنَّهُ سَبَبٌ لِقِوامِها وتَحْصِيلِ كَمالاتِها واسْتِيفاءِ فَضائِلِها وتَقْدِيمُ النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، أيْ: مُبالِغًَا في الرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ ولِذَلِكَ نَهاكم عَمّا نَهى فَإنَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ لَكم بِالزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي ولِلَّذِينَ هم في مَعْرِضِ التَّعَرُّضِ لَهم بِحِفْظِ أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّهُ كانَ بِكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ رَحِيمًَا حَيْثُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَتْلِهِمْ أنْفُسَهم لِيَكُونَ تَوْبَةً لَهم وتَمْحِيصًَا لِخَطاياهم ولَمْ يُكَلِّفْكم تِلْكَ التَّكالِيفَ الشّاقَّةَ.
النساء 4:30
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القَتْلِ خاصَّةً أوْ لِما قَبْلَهُ مِن أكْلِ الأمْوالِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِما في الفَسادِ.
﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ أيْ: إفْراطًَا في التَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ وإتْيانًَا بِما لا يَسْتَحِقُّهُ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالعُدْوانِ التَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ بِالظُّلْمِ والظُّلْمُ عَلى النَّفْسِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ أوْ عَلى العِلِيَّةِ أىْ مُعْتَدِيًَا وظالِمًَا أوْ لِلْعُدْوانِ والظُّلْمِ، وقُرِئَ "عِدْوانًَا" بِكَسْرِ العَيْنِ.
﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ أىْ: نُدْخِلُهُ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِن صَلّى وبِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلاهُ يَصْلِيهِ ومِنهُ شاةٌ مَصْلِيَّةٌ ويُصْلِيهِ بِالياءِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِلصَّلْيِ.
﴿نارًا﴾ أيْ: نارًَا مَخْصُوصَةً هائِلَةً شَدِيدَةَ العَذابِ.
﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: إصْلاؤُهُ النّارَ.
﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لِتَحَقُّقِ الدّاعِي وعَدَمِ الصّارِفِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ.
النساء 4:31
(p-171)﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ: كَبائِرَ الذُّنُوبِ الَّتِي نَهاكُمُ الشَّرْعُ عَنْها مِمّا ذُكِرَ هَهُنا ومالَمْ يُذْكَرْ، وقُرِئَ "كَبِيرَ" عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وقُرِئَ بِالياءِ بِالإسْنادِ إلَيْهِ تَعالى والتَّكْفِيرُ: إماطَةُ المُسْتَحَقِّ مِنَ العِقابِ بِثَوابٍ أزْيَدَ أوْ بِتَوْبَةٍ، أيْ: نَغْفِرْ لَكم.
﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾ صَغائِرَكم ونَمْحُها عَنْكُمْ، قالَ المُفَسِّرُونَ: الصَّلاةُ إلى الصَّلاةِ والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ مِنَ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ، واخْتُلِفَ في الكَبائِرِ والأقْرَبُ أنَّ الكَبِيرَةَ كُلُّ ذَنْبٍ رَتَّبَ الشّارِعُ عَلَيْهِ الحَدَّ أوْ صَرَّحَ بِالوَعِيدِ، وقِيلَ: ما عُلِمَ حُرْمَتُهُ بِقاطِعٍ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "أنَّها سَبْعٌ الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى وقَذْفُ المُحْصَناتِ وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ والرِّبا والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ"،» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التَّعَقُّبُ بَعْدَ الهِجْرَةِ مَكانَ عُقُوقِ الوالِدَيْنِ، وزادَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما السحر واسْتِحْلالَ البَيْتِ الحَرامِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَجُلًَا قالَ لَهُ: الكَبائِرُ سَبْعٌ؛ قالَ: هي إلى سَبْعِمِائَةٍ أقْرَبُ مِنها إلى سَبْعٍ، ورُوِيَ عَنْهُ إلى سَبْعِينَ إذْ لا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ ولا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ أنْواعُ الشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وقِيلَ: صِغَرُ الذُّنُوبِ وكِبَرُها بِالإضافَةِ إلى ما فَوْقَها وما تَحْتَها وبِحَسَبِ فاعِلِها بَلْ بِحَسَبِ الأوْقاتِ والأماكِنِ أيْضًَا، فَأكْبَرُ الكَبائِرِ الشِّرْكُ وأصْغَرُ الصَّغائِرِ حَدِيثُ النَّفْسِ وما بَيْنَهُما وسايِطُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الأمْرانِ فَمَن عَنَّ لَهُ أمْرانِ مِنها ودَعَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِما بِحَيْثُ لا يَتَمالَكُ فَكَفَّها عَنْ أكْبَرِهِما كُفِّرَ عَنْهُ ما ارْتَكَبَهُ لِما اسْتَحَقَّ عَلى اجْتِنابِ الأكْبَرِ مِنَ الثَّوابِ.
﴿وَنُدْخِلْكم مُدْخَلا﴾ بِضَمِّ المِيمِ اسْمُ مَكانٍ هو الجَنَّةُ.
﴿كَرِيمًا﴾ أيْ: حَسَنًَا مَرْضِيًَّا أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أيْ: إدْخالًَا مَعَ كَرامَةٍ، وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وهو أيْضًَا يَحْتَمِلُ المَكانَ والمَصْدَرَ ونَصْبُهُ عَلى الثّانِي بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُطاوِعٍ لِلْمَذْكُورِ، أيْ: نُدْخِلْكم فَتَدْخُلُونَ مُدْخَلًَا أوْ دُخُولًَا كَرِيمًَا كَما في قَوْلِهِ:
؎ وعَضَّةُ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
أيْ: لَمْ تَدْعَ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ إلَخْ.
النساء 4:32
﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: عَلَيْكُمْ، ولَعَلَّ إيثارَ الإبْهامِ عَلَيْهِ لِلتَّفادِي عَنِ المُواجَهَةِ بِما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، قالَ القَفّالُ: لَمّا نَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وقَتْلِ الأنْفُسِ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الطَّمَعِ في أمْوالِهِمْ وتَمَنِّيها. وقِيلَ: نَهاهم أوَّلًَا عَنِ التَّعَرُّضِ لِأمْوالِهِمْ بِالجَوارِحِ ثُمَّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَها بِالقَلْبِ عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ لِتَطْهِيرِ أعْمالِهِمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ فالمَعْنى: لا تَتَمَنَّوْا ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى بَعْضَكم مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كالجاهِ والمالِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجْرِي فِيهِ التَّنافُسُ دُونَكم فَإنَّ ذَلِكَ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى صادِرَةٌ عَنْ تَدْبِيرٍ لائِقٍ بِأحْوالِ العِبادِ مُتَرَتِّبٍ عَلى الإحاطَةِ بِجَلائِلِ شُئُونِهِمْ ودَقائِقِها فَعَلى كُلِّ أحَدٍ مِنَ المُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ أنْ يَرْضى بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ ولا يَتَمَنّى حَظَّ المُفَضَّلِ ولا يَحْسُدَهُ عَلَيْهِ لِما أنَّهُ مُعارَضَةٌ لِحُكْمِ القَدَرِ المُؤَسَّسِ عَلى (p-172)الحِكَمِ البالِغَةِ لا لِأنَّ عَدَمَهُ خَيْرٌ لَهُ و لا لِأنَّهُ لَوْ كانَ خِلافَهُ لَكانَ مَفْسَدَةً لَهُ كَما قِيلَ؛ إذْ لا يُساعِدُهُ ما سَيَأْتِي مِنَ الأمْرِ بِالسُّؤالِ مِن فَضْلِهِ تَعالى فَإنَّهُ ناطِقٌ بِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ تَمَنِّي نَصِيبِ الغَيْرِ لا تَمَنِّي ما زادَ عَلى نَصِيبِهِ مُطْلَقًَا هَذا وقَدْ قِيلَ: لَمّا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى في المِيراثِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، قالَتِ النِّساءُ: نَحْنُ أحْوَجُ أنْ يَكُونَ لَنا سَهْمانِ ولِلرِّجالِ سَهْمٌ واحِدٌ لِأنّا ضُعَفاءُ وهم أقْوِياءُ وأقْدَرُ عَلى طَلَبِ المَعاشِ مِنّا فَنَزَلَتْ، وهَذا هو الأنْسَبُ بِتَعْلِيلِ النَّهْىِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في جَرَيانِ التَّمَنِّي بَيْنَ فَرِيقَيِ الرِّجالِ والنِّساءِ، ولَعَلَّ صِيغَةَ المُذَكَّرِ في النَّهْىِ لِما عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِالبَعْضِ والمَعْنى: لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في المِيراثِ نَصِيبٌ مُعَيَّنُ المِقْدارِ مِمّا أصابَهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِ وقَدْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالِاكْتِسابِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهِ اقْتِضاءِ حالِهِ لِنَصِيبِهِ بِاكْتِسابِهِ إيّاهُ تَأْكِيدًَا لِاسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنهُما لِنَصِيبِهِ وتَقْوِيَةً لِاخْتِصاصِهِ بِهِ بِحَيْثُ لا يَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُهُ الِانْتِهاءُ عَنِ التَّمَنِّي المَذْكُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألُوُا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى النَّهْيِ وتَوْسِيطُ التَّعْلِيلِ بَيْنَهُما لِتَقْرِيرِ الِانْتِهاءِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في الِامْتِثالِ بِالأمْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَمَنَّوْا ما يُخْتَصُّ بِغَيْرِكم مِن نَصِيبِهِ المُكْتَسِبِ لَهُ واسْألُوُا اللَّهَ تَعالى مِن خَزائِنِ نِعَمِهِ الَّتِي لا نَفادَ لَها وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِلتَّعْمِيمِ، أيْ: واسْألُوهُ ما تُرِيدُونَ فَإنَّهُ تَعالى يُعْطِيكُمُوهُ أوْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًَا مِنَ السِّياقِ، أيْ: واسْألُوهُ مِثْلَهُ. وقِيلَ: "مِن" زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: واسْألُوهُ فَضْلَهُ، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ « "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكم مالَ أخِيهِ ولَكِنْ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي اللَّهُمَّ أعْطِنِي مِثْلَهُ"،» وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ﴿سَلُوُا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ فَإنَّهُ يُحِبُّ أنْ يُسْألَ وأفْضَلُ العِبادَةِ انْتِظارُ الفَرَجِ﴾ وحَمْلُ النَّصِيبِ عَلى الأجْرِ الأُخْرَوِيِّ وإبْقاءُ الِاكْتِسابِ عَلى حَقِيقَتِهِ بِجَعْلِ سَبَبِ النُّزُولِ ما رُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: لَيْتَ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْنا الجِهادَ كَما كَتَبَهُ عَلى الرِّجالِ فَيَكُونَ لَنا مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ما لَهم عَلى أنَّ المَعْنى لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ نَصِيبٌ خاصٌّ بِهِ مِنَ الأجْرِ مُتَرَتِّبٌ عَلى عَمَلِهِ فَلِلرِّجالِ أجْرٌ بِمُقابَلَةِ ما يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ الأعْمالِ كالجِهادِ ونَحْوِهِ ولِلنِّساءِ أجْرٌ بِمُقابَلَةِ ما يَلِيقُ بِهِنَّ مِنَ الأعْمالِ كَحِفْظِ حُقُوقِ الأزْواجِ ونَحْوِهِ، فَلا تَتَمَنّى النِّساءُ خُصُوصِيَّةَ أجْرِ الرِّجالِ ولْيَسْألْنَ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ تَعالى ما يَلِيقُ بِحالِهِنَّ مِنَ الأجْرِ لا يُساعِدُهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ المُتَعَلِّقُ بِالمَوارِيثِ وفَضائِلِ الرِّجالِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ولِذَلِكَ جَعَلَ النّاسَ عَلى طَبَقاتٍ ورَفَعَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ دَرَجاتٍ حَسَبَ مَراتِبِ اسْتِعْداداتِهِمُ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بِمُوجِبِ المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الأبِيَّةِ.
النساء 4:33
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها و "لِكُلٍ" مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ"جَعَلْنا" قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَأْكِيدِ الشُّمُولِ ودَفْعِ تَوَهُّمِ تَعَلُّقِ الجَهْلِ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ أيْ: ولِكُلِّ تَرِكَةٍ جَعَلْنا ورَثَةً مُتَفاوِتَةً في الدَّرَجَةِ يَلُونَها ويُحْرِزُونَ مِنها أنْصِباءَهم بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِمِ المَنُوطِ بِما بَيْنَهم وبَيْنَ المُوَرِّثِ مِنَ العَلاقَةِ، و "مِمّا تَرَكَ" بَيانٌ لِكُلٍّ قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِما عَمِلَ فِيهِ، (p-173)كَما فُصِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بَيْنَ لَفْظِ الجَلالَةِ وبَيْنَ صِفَتِهِ بِالعامِلِ فِيما أُضِيفَ إلَيْهِ أعْنِي غَيْرَ أوْ ولِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم مَوالِيَ، أيْ: وُرّاثًَا نَصِيبًَا مُعَيَّنًَا مُغايِرًَا لِنَصِيبِ قَوْمٍ آخَرِينَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ عَلى أنَّ ﴿جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ صِفَةُ "لِكُلٍ" والضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ والكَلامَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ: "لِكُلِّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ إنْسانًَا مِن رِزْقِ اللَّهِ" أيْ: حَظٌّ مِنهُ، وأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ المَعْنى لِكُلِّ أحَدٍ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ أيْ: وُرّاثًَا مِنهُ عَلى أنَّ مِن صِلَةُ مَوالِيَ لِأنَّهُ في مَعْنى الوارِثِ و في "تَرَكَ" ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ عائِدٌ إلى "كُلٍّ"، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُفَسِّرٌ لِلْمَوالِي كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هُمْ؟ فَقِيلَ: الوالِدانِ إلَخْ، فَفِيهِ تَفْكِيكٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ بِبَيانِ المَوالِي بِما ذُكِرَ يَفُوتُ الإبْهامُ المُصَحِّحُ لِاعْتِبارِ التَّفاوُتِ بَيْنَهم وبِهِ يَتَحَقَّقُ الِانْتِظامُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في تَقْرِيرِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ مَعَ ما فِيهِ مِن خُرُوجِ الأوْلادِ مِنَ المَوالِي إذْ لا يَتَناوَلُهُمُ الأقْرَبُونَ كَما لا يَتَناوَلُ الوالِدَيْنِ.
﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ هم مَوالِي المُوالاةِ؛ كانَ الحَلِيفُ يُوَرَّثُ السُّدُسَ مِن مالِ حَلِيفِهِ فَنُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إذا أسْلَمَ رَجُلٌ عَلى يَدِ رَجُلٍ وتَعاقَدا عَلى أنْ يَرِثَهُ ويَعْقِلَ عَنْهُ صَحَّ وعَلَيْهِ عَقْلُهُ ولَهُ إرْثُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ أصْلًَا، وإسْنادُ العَقْدِ إلى الأيْمانِ لِأنَّ المُعْتادَ هو المُماسَحَةُ بِها عِنْدَ العَقْدِ والمَعْنى: عَقَدَتْ أيْمانُكم عُهُودَهم فَحَذَفَ العُهُودَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقُرِئَ "عَقَّدَتْ" بِالتَّشْدِيدِ وعاقَدَتْ بِمَعْنى عاقَدَتْهم أيْمانُكم وماسَحْتُمُوهُ وهو مُبْتَدَأٌ مُضَمَّنٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ؛ ولِذَلِكَ صُدِّرَ الخَبَرُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ بِالفاءِ أوْ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِكَ: "زَيْدًَا فاضْرِبْهُ" أوْ مَرْفُوعٌ مَعْطُوفٌ عَلى "الوالِدانِ والأقْرَبُونَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآتُوهُمْ﴾ إلَخْ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها ومُؤَكِّدَةٌ لَها والضَّمِيرُ لِلْمَوالِي.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإيتاءُ والمَنعُ.
﴿شَهِيدًا﴾ فَفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
النساء 4:34
﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ سَبَبِ اسْتِحْقاقِ الرِّجالِ الزِّيادَةَ في المِيراثِ تَفْصِيلًَا إثْرَ بَيانِ تَفاوُتِ اسْتِحْقاقِهِمْ إجْمالًَا، وإيرادُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً والخَبَرِ عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ لِلْإيذانِ بِعَراقَتِهِمْ في الِاتِّصافِ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ ورُسُوخِهِمْ فِيهِ، أيْ: شَأْنُهُمُ القِيامُ عَلَيْهِنَّ بِالأمْرِ والنَّهْيِ قِيامَ الوُلاةِ عَلى الرَّعِيَّةِ وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ: وهْبِيٍّ وكَسْبِيٍّ فَقِيلَ: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"قَوّامُونَ" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن ضَمِيرِهِ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ والضَّمِيرُ البارِزُ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ تَغْلِيبًَا، أيْ: قَوّامُونَ عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ تَفْضِيلِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَلَيْهِنَّ أوْ مُلْتَبِسِينَ بِتَفْضِيلِهِ تَعالى إلَخْ، ووَضْعُ البَعْضِ مَوْضِعَ الضَّمِيرَيْنِ لِلْإشْعارِ بِغايَةِ ظُهُورِ الأمْرِ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالمُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ أصْلًَا ولِمِثْلِ ذَلِكَ لَمْ يُصَرَّحْ بِما بِهِ التَّفْضِيلُ مِن صِفاتِ كَمالِهِ الَّتِي هي كَمالُ العَقْلِ وحُسْنُ التَّدْبِيرِ ورَزانَةُ الرَّأْيِ ومَزِيدُ القُوَّةِ في الأعْمالِ والطّاعاتِ، ولِذَلِكَ خُصُّوا بِالنُّبُوَّةِ والإمامَةِ والوِلايَةِ وإقامَةِ الشَّعائِرِ والشَّهادَةِ في جَمِيعِ القَضايا ووُجُوبِ الجِهادِ والجُمُعَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وَبِما (p-174)أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ الأُولى و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها مِنَ الصِّلَةِ و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"أنْفَقُوا" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ أيْ: وبِسَبَبِ إنْفاقِهِمْ مِن أمْوالِهِمْ أوْ بِسَبَبِ ما أنْفَقُوهُ مِن أمْوالِهِمْ أوْ كائِنًَا مِن أمْوالِهِمْ وهو ما أنْفَقُوهُ مِنَ المَهْرِ والنَّفَقَةِ، رُوِيَ «أنَّ سَعْدَ ابْنَ الرَّبِيعِ أحَدَ نُقَباءِ الأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم نَشَزَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ فَلَطَمَها فانْطَلَقَ بِها أبُوها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وشَكا فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لِتَقْتَصَّ مِنهُ فَنَزَلَتْ؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أرَدْنا أمْرًَا وأرادَ اللَّهُ أمْرًَا والَّذِي أرادَهُ اللَّهُ خَيْرٌ.» ﴿فالصّالِحاتُ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْوالِهِنَّ وبَيانِ كَيْفِيَّةِ القِيامِ عَلَيْهِنَّ بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِهِنَّ، أيْ: فالصّالِحاتُ مِنهُنَّ.
﴿قانِتاتٌ﴾ أيْ: مُطِيعاتٌ لِلَّهِ تَعالى قائِماتٌ بِحُقُوقِ الأزْواجِ.
﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أىْ لِمُوجَبِ الغَيْبِ، أيْ: لِما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ حِفْظُهُ في حالِ غَيْبَةِ الأزْواجِ مِنَ الفُرُوجِ والأمْوالِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "خَيْرُ النِّساءِ امْرَأةٌ إنْ نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ وإنْ أمَرْتَها أطاعَتْكَ وإذا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في مالِها ونَفْسِها"،» وتَلا الآيَةَ. وقِيلَ: لِأسْرارِهِمْ وإضافَةُ المالِ إلَيْها لِلْإشْعارِ بِأنَّ مالَهُ في حَقِّ التَّصَرُّفِ في حُكْمِ مالِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ الآيَةِ.
﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِحِفْظِهِ تَعالى إيّاهُنَّ بِالأمْرِ بِحِفْظِ الغَيْبِ والحَثِّ عَلَيْهِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّوْفِيقِ لَهُ، أوْ مَوْصُولَةٌ أيْ: بِالَّذِي حَفِظَ اللَّهُ لَهُنَّ عَلَيْهِمْ مِنَ المَهْرِ والنَّفَقَةِ والقِيامِ بِحِفْظِهِنَّ والذَّبِّ عَنْهُنَّ، وقُرِئَ "بِما حَفِظَ اللَّهَ" بِالنَّصْبِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: بِالأمْرِ الَّذِي حَفِظَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى وطاعَتَهُ وهو التَّعَفُّفُ والشَّفَقَةُ عَلى الرِّجالِ.
﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ خِطابٌ لِلْأزْواجِ وإرْشادٌ لَهم إلى طَرِيقِ القِيامِ عَلَيْهِنَّ والخَوْفُ حالَةٌ تَحْصُلُ في القَلْبِ عِنْدَ حُدُوثِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ أوْ عِنْدَ الظَّنِّ أوِ العِلْمِ بِحُدُوثِهِ، وقَدْ يُرادُ بِهِ أحَدُهُما أيْ: تَظُنُّونَ عِصْيانَهُنَّ وتَرَفُّعَهُنَّ عَنْ مُطاوَعَتِكم مِنَ النَّشَزِ وهو المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ.
﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ فانْصَحُوهُنَّ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.
﴿واهْجُرُوهُنَّ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَنْفَعِ الوَعْظُ والنَّصِيحَةُ.
﴿فِي المَضاجِعِ﴾ أيْ: في المَراقِدِ، فَلا تُدْخِلُوهُنَّ تَحْتَ اللَّحْفِ ولا تُباشِرُوهُنَّ فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ الجَمْعِ. وقِيلَ: المَضاجِعُ: المَبايِتُ أيْ: لا تُبايِتُوهُنَّ، وقُرِئَ "فِي المَضْجَعِ" و"فِي المُضْطَجَعِ".
﴿واضْرِبُوهُنَّ﴾ إنْ لَمْ يَنْجَحْ ما فَعَلْتُمْ مِنَ العِظَةِ والهِجْرانِ ضَرْبًَا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ولا شائِنٍ.
﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾ بِذَلِكَ كَما هو الظّاهِرُ لِأنَّهُ مُنْتَهى ما يُعَدُّ زاجِرًَا.
﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ بِالتَّوْبِيخِ والأذِيَّةِ، أيْ: فَأزِيلُوا عَنْهُنَّ التَّعَرُّضَ واجْعَلُوا ما كانَ مِنهُنَّ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَإنَّ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ فاحْذَرُوهُ فَإنَّهُ تَعالى أقْدَرُ عَلَيْكم مِنكم عَلى مَن تَحْتَ أيْدِيكم أوْ أنَّهُ تَعالى عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ يَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِكم ويَتُوبُ عَلَيْكم عِنْدَ تَوْبَتِكم فَأنْتُمْ أحَقُّ بِالعَفْوِ عَنْ أزْواجِكم عِنْدَ إطاعَتِهِنَّ لَكم أوْ أنَّهُ يَتَعالى ويُكْبِرُ أنْ يَظْلِمَ أحَدًَا أوْ يَنْقُصَ حَقَّهُ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِعَدَمِ إطاعَتِهِنَّ لَهم لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَتَحَقَّقَ أوْ يُفْرَضَ تَحَقُّقُهُ وأنَّ الَّذِي يُتَوَقَّعُ مِنهُنَّ ويَلِيقُ بِشَأْنِهِنَّ لا سِيَّما بَعْدَ ما كانَ مِنَ الزَّواجِرِ هو الإطاعَةُ، ولِذَلِكَ صُدِّرَتِ الشَّرْطِيَّةُ بِالفاءِ المُنْبِئَةِ عَنْ سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها.
النساء 4:35
﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الحُكّامِ وارِدٌ عَلى بِناءِ (p-175)الأمْرِ عَلى التَّقْدِيرِ المَسْكُوتِ عَنْهُ أعْنِي عَدَمَ الإطاعَةِ المُؤَدِّي إلى المُخاصَمَةِ والمُرافَعَةِ إلَيْهِمْ، والشِّقاقُ المُخالَفَةُ إمّا لِأنَّ كُلًَّا مِنهُما يُرِيدُ ما يَشُقُّ عَلى الآخَرِ وإمّا لِأنَّ كُلًَّا مِنهُما في شِقٍّ، أيْ: جانِبٍ غَيْرِ شِقِّ الآخَرِ والخَوْفُ هَهُنا بِمَعْنى العِلْمِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجَزْمُ بِوُجُودِ الشِّقاقِ لا يُنافِي بَعْثَ الحَكَمَيْنِ لِأنَّهُ لِرَجاءِ إزالَتِهِ لا لِتَعَرُّفِ وجُودِهِ بِالفِعْلِ. وقِيلَ: بِمَعْنى الظَّنِّ، وضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ لِلزَّوْجَيْنِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِجَرْىِ ما يَدُلُّ عَلَيْها وإضافَةُ الشِّقاقِ إلى الظَّرْفِ إمّا عَلى إجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ: [يا سارِقَ اللَّيْلَةَ] أوْ مَجْرى الفاعِلِ كَما في قَوْلِكَ: "نَهارُهُ صائِمٌ" أيْ: إنْ عَلِمْتُمْ أوْ ظَنَنْتُمْ تَأكُّدَ المُخالَفَةِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ الزَّوْجُ عَلى إزالَتِها.
﴿فابْعَثُوا﴾ أيْ: إلى الزَّوْجَيْنِ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ.
﴿حَكَمًا﴾ رَجُلًَا وسَطًَا صالِحًَا لِلْحُكُومَةِ والإصْلاحِ.
﴿مِن أهْلِهِ﴾ مِن أهْلِ الزَّوْجِ.
﴿وَحَكَمًا﴾ آخَرَ عَلى صِفَةِ الأوَّلِ.
﴿مِن أهْلِها﴾ فَإنَّ الأقارِبَ أعْرَفُ بِبَواطِنِ الأحْوالِ وأطْلَبُ لِلصَّلاحِ وهَذا عَلى وجْهِ الِاسْتِحْبابِ فَلَوْ نُصِبا مِنَ الأجانِبِ جازَ، واخْتُلِفَ في أنَّهُما هَلْ يَلِيانِ الجَمْعَ والتَّفْرِيقَ إنْ رَأيا ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُما ذَلِكَ وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ. وعَنِ الحَسَنِ يَجْمَعانِ ولا يُفَرِّقانِ. وقالَ مالِكُ: لَهُما أنْ يَتَخالَعا إنْ كانَ الصَّلاحُ فِيهِ.
﴿إنْ يُرِيدا﴾ أيِ: الحَكَمانِ.
﴿إصْلاحًا﴾ أيْ: إنْ قَصَدا إصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ وكانَتْ نِيَّتُهُما صَحِيحَةً وقُلُوبُهُما ناصِحَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى.
﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ يُوقِعْ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ المُوافَقَةَ والأُلْفَةَ وألْقى في نُفُوسِهِما المَوَدَّةَ والرَّأْفَةَ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ عَدَمِ إرادَتِهِما الإصْلاحَ لِما ذُكِرَ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ صُدُورُهُ عَنْهُما وأنَّ الَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِهِما ويُتَوَقَّعُ صُدُورُهُ عَنْهُما هو إرادَةُ الإصْلاحِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَرْغِيبٍ لِلْحَكَمَيْنِ في الإصْلاحِ وتَحْذِيرٌ عَنِ المُساهَلَةِ كَيْلا يُنْسَبَ اخْتِلالُ الأمْرِ إلى عَدَمِ إرادَتِهِما فَـ"إنْ" الشَّرْطِيَّةُ النّاطِقَةُ بِدَوَرانِ وُجُودِ التَّوْفِيقِ عَلى وُجُودِ الإرادَةِ مُنْبِئَةٌ عَنْ دَوَرانِ عَدَمِهِ عَلى عَدَمِها. وقِيلَ: كِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلْحَكَمَيْنِ أيْ: إنْ قَصَدا الإصْلاحَ يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما فَتَتَّفِقُ كَلِمَتُهُما ويَحْصُلُ مَقْصُودُهُما. وقِيلَ: كِلاهُما لِلزَّوْجَيْنِ، أيْ: إنْ أرادا إصْلاحَ ما بَيْنَهُما مِنَ الشِّقاقِ أوْقَعَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما الأُلْفَةَ والوِفاقَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن أصْلَحَ نِيَّتَهُ فِيما يَتَوَخّاهُ وفَّقَهُ اللَّهُ لِمُبْتَغاهُ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ بِالظَّواهِرِ والبَواطِنِ فَيَعْلَمُ كَيْفَ يَرْفَعُ الشِّقاقَ ويُوقِعُ الوِفاقَ.
النساء 4:36
﴿واعْبُدُوُا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ الوالِدَيْنِ والأقارِبِ ونَحْوِهِمْ إثْرَ بَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ الأزْواجِ صُدِّرَ بِما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّتِي هي آكَدُ الحُقُوقِ وأعْظَمُها تَنْبِيهًَا عَلى جَلالَةِ شَأْنِ حُقُوقِ الوالِدَيْنِ بِنَظْمِها في سِلْكِها كَما في سائِرِ المَواقِعِ و"شَيْئًَا" نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ، أىْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًَا مِنَ الأشْياءِ صَنَمًَا أوْ غَيْرَهُ أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًَا مِنَ الإشْراكِ جَلِيًَّا أوْ خَفِيًَّا.
﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أىْ: أحْسِنُوا بِهِما إحْسانًَا. (p-176)﴿وَبِذِي القُرْبى﴾ أيْ: بِصاحِبِ القَرابَةِ مِن أخٍ أوْ عَمٍّ أوْ خالٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
﴿واليَتامى والمَساكِينِ﴾ مِنَ الأجانِبِ.
﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ أيِ: الَّذِي قَرُبَ جِوارُهُ. وقِيلَ: الَّذِي لَهُ مَعَ الجِوارِ قُرْبٌ واتِّصالٌ بِنَسَبٍ أوْ دِينٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ تَعْظِيمًَا لِحَقِّ الجارِ ذِي القُرْبى.
﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ أيِ: البَعِيدِ أوِ الَّذِي لا قَرابَةَ لَهُ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "الجِيرانُ ثَلاثَةٌ: فَجارٌ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ حَقُّ الجِوارِ وحَقُّ القَرابَةِ وحَقُّ الإسْلامِ، وجارٌ لَهُ حَقّانِ: حَقُّ الجِوارِ وحَقُّ الإسْلامِ، وجارٌ لَهُ حَقٌّ واحِدٌ وهو حَقُّ الجِوارِ وهو الجارُ مِن أهْلِ الكِتابِ"،» وقُرِئَ "والجارِ الجُنُبِ".
﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ أيِ: الرَّفِيقِ في أمْرٍ حَسَنٍ كَتَعَلُّمٍ وتَصَرُّفٍ وصِناعَةٍ وسَفَرٍ فَإنَّهُ صَحِبَكَ وحَصَلَ بِجانِبِكَ ومِنهم مَن قَعَدَ بِجَنْبِكَ في مَسْجِدٍ أوْ مَجْلِسٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أدْنى صُحْبَةٍ التَأمَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ. وقِيلَ: هي المَرْأةُ.
﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ بِهِ أوِ الضَّيْفُ.
﴿وَما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا﴾ أيْ: مُتَكَبِّرًَا يَأْنَفُ عَنْ أقارِبِهِ وجِيرانِهِ وأصْحابِهِ ويَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ.
﴿فَخُورًا﴾ يَتَفاخَرُ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ.
النساء 4:37
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الأوَّلِ وبِفَتْحِهِما وبِضَمِّهِما، والمَوْصُولُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ﴾ أوْ نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أوْ رُفِعَ عَلَيْهِ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَفْعَلُونَ ويَصْنَعُونَ أحِقّاءٌ بِكُلِّ مَلامَةٍ.
﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِنَ المالِ والغِنى أوْ مِن نُعُوتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي بَيَّنَها لَهم في التَّوْراةِ، وهو أنْسَبُ بِأمْرِهِمْ لِلنّاسِ بِالبُخْلِ فَإنَّ أحْبارَهم كانُوا يَكْتُمُونَها ويَأْمُرُونَ أعْقابَهم بِكَتْمِها.
﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إشْعارًَا بِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ فَهو كافِرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى ومَن كانَ كافِرًَا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ عَذابٌ يُهِينُهُ كَما أهانَ النِّعْمَةَ بِالبُخْلِ والإخْفاءِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ وكانُوا يَقُولُونَ لِلْأنْصارِ بِطَرِيقِ النَّصِيحَةِ لا تُنْفِقُوا أمْوالَكم فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ. وقِيلَ: في الَّذِينَ كَتَمُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها.
النساء 4:38
﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ أيْ: لِلْفَخارِ ولِيُقالَ ما أسْخاهم وما أجْوَدَهم لا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهو عَطْفٌ عَلى "الَّذِينَ يَبْخَلُونَ" أوْ عَلى "الكافِرِينَ"، وإنَّما شارَكُوهم في الذَّمِّ والوَعِيدِ لِأنَّ البُخْلَ والسَّرَفَ الَّذِي هو الإنْفاقُ فِيما لا يَنْبَغِي مِن حَيْثُ أنَّهُما طَرَفا تَفْرِيطٍ وإفْراطٍ سَواءٌ في القُبْحِ واسْتِتْباعِ اللّائِمَةِ والذَّمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ بِناءً عَلى إجْراءِ التَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَجْرى التَّغايُرِ الذّاتِيِّ كَما في قَوْلِهِ:
؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ
أوْ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكُنِ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ.﴾ ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخر﴾ (p-177)لِيَتَحَرَّوْا بِالإنْفاقِ مَراضِيَهُ تَعالى وثَوابَهُ وهم مُشْرِكُو مَكَّةَ المُنْفِقُونَ أمْوالَهم في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ.
﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ أيْ: فَقَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ، وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِظُهُورِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ والمُرادُ بِهِ: إبْلِيسُ وأعْوانُهُ حَيْثُ حَمَلُوهم عَلى تِلْكَ القَبائِحِ وزَيَّنُوها لَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًَا لَهم بِأنَّ الشَّيْطانَ يُقْرَنُ بِهِمْ في النّارِ.
النساء 4:39
﴿وَماذا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى مَن ذُكِرَ مِنَ الطَّوائِفِ.
﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ تَعْوِيلًَا عَلى التَّفْصِيلِ السّابِقِ واكْتِفاءً بِذِكْرِ الإيمان باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْفاقُ لِابْتِغاءِ وجْهِهِ تَعالى وطَلَبِ ثَوابِهِ البَتَّةَ، أيْ: وما الَّذِي عَلَيْهِمْ أوْ وأيُّ تَبِعَةٍ ووَبالٍ عَلَيْهِمْ في الإيمان باللَّهِ والإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، وهو تَوْبِيخٌ لَهم عَلى الجَهْلِ بِمَكانِ المَنفَعَةِ والِاعْتِقادِ في الشَّيْءِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ وتَحْرِيضٌ عَلى التَّفَكُّرِ لِطَلَبِ الجَوابِ لَعَلَّهُ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى العِلْمِ بِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ والعَوائِدِ الجَمِيلَةِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَدْعُوَّ إلى أمْرٍ لا ضَرَرَ فِيهِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيبَ إلَيْهِ احْتِياطًَا فَكَيْفَ إذا كانَ فِيهِ مَنافِعُ لا تُحْصى، وتَقْدِيمُ الإيمانِ بِهِما لِأهَمِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ ولِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالإنْفاقِ بِدُونِهِ، وأمّا تَقْدِيمُ إنْفاقِهِمْ رِئاءَ النّاسِ عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِما مَعَ كَوْنِ المُؤَخَّرِ أقْبَحَ مِنَ المُقَدَّمِ فَلِرِعايَةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ إنْفاقِهِمْ ذَلِكَ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ مِن بُخْلِهِمْ وأمْرِهِمْ لِلنّاسِ بِهِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ﴾ وبِأحْوالِهِمِ المُحَقَّقَةِ.
﴿عَلِيمًا﴾ فَهو وعِيدٌ لَهم بِالعِقابِ أوْ بِأعْمالِهِمِ المَفْرُوضَةِ فَهو بَيانٌ لِإثابَتِهِ تَعالى إيّاهم لَوْ كانُوا قَدْ آمَنُوا وأنْفَقُوا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: *
النساء 4:40
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ المِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقْلِ كالمِقْدارِ مِنَ القَدْرِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَفْعُولِ قائِمٌ مَقامَهُ سَواءً كانَ الظُّلْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ أوْ بِمَعْنى وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ أيْ: لا يَنْقُصُ مِنَ الأجْرِ ويَزِيدُ في العِقابِ شَيْئًَا مِقْدارَ ذَرَّةٍ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ نائِبٌ مَنابَهُ أيْ: لا يَظْلِمُ ظُلْمًَا مِقْدارَ ذَرَّةٍ وهي النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ أوْ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَباءِ في الكُوَّةِ وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المُبالَغَةِ فَإنَّ قِلَّتَهُ في الثِّقَلِ أظْهَرُ مِن قِلَّةِ النَّمْلَةِ فِيهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ فَقالَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ ذَرَّةٌ.
﴿وَإنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ أيْ: وإنْ تَكُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ حَسَنَةً أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ أوْ لِإضافَتِهِ إلى الذَّرَّةِ وحَذْفُ النُّونِ مِن غَيْرِ قِياسٍ تَشْبِيهًَا بِحُرُوفِ العِلَّةِ وتَخْفِيفًَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وقُرِئَ "حَسَنَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ.
﴿يُضاعِفْها﴾ أيْ: يُضاعِفْ ثَوابَها جَعَلَ ذَلِكَ مُضاعَفَةً لِنَفْسِ الحَسَنَةِ تَنْبِيهًَا عَلى كَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، وقُرِئَ "يُضْعِفْها" وكِلاهُما بِمَعْنىً واحِدٍ، وقُرِئَ "نُضاعِفْها" بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. عَنْ عُثْمانَ النَّهْدِيِّ أنَّهُ قالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي عَبْدَهُ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ" قالَ أبُو هُرَيْرَةَ لا؛ بَلْ سَمِعْتُهُ ﷺ يَقُولُ: (p-178)"يُعْطِيهِ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ" ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، والمُرادُ الكَثْرَةُ لا التَّحْدِيدُ.
﴿وَيُؤْتِ مِن لَدُنْهُ﴾ ويُعْطِ صاحِبَها مِن عِنْدِهِ عَلى نَهْجِ التَّفَضُّلِ زائِدًَا عَلى ما وعَدَهُ في مُقابَلَةِ العَمَلِ.
﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَطاءً جَزِيلًَا وإنَّما سَمّاهُ أجْرًَا لِكَوْنِهِ تابِعًَا لِلْأجْرِ مَزِيدًَا عَلَيْهِ.
النساء 4:41
﴿فَكَيْفَ﴾ مَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وإمّا النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى التَّشْبِيهِ بِالحالِ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، أوْ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ كَما هو رَأْيُ الأخْفَشِ أىْ: فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ أوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ.
﴿إذا جِئْنا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ.
﴿بِشَهِيدٍ﴾ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِن فَسادِ العَقائِدِ وقَبائِحِ الأعْمالِ وهو نَبِيُّهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَضْمُونُ المُبْتَدَإ والخَبَرِ مِن هَوْلِ الأمْرِ وعِظَمِ الشَّأْنِ أوِ الفِعْلُ المُقَدَّرُ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"جِئْنا".
﴿وَجِئْنا بِكَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿عَلى هَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ إلى الشُّهَداءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِما ذَكَرَ.
﴿شَهِيدًا﴾ تَشْهَدُ عَلى صِدْقِهِمْ لِعِلْمِكَ بِعَقائِدِهِمْ لِاسْتِجْماعِ شَرْعِكَ لِمَجامِعِ قَواعِدِهِمْ. وقِيلَ: إلى المُكَذِّبِينَ المُسْتَفْهَمِ عَنْ حالِهِمْ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ كَما يَشْهَدُ سائِرُ الأنْبِياءِ عَلى أُمَمِهِمْ. وقِيلَ: إلى المُؤْمِنِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ .
النساء 4:42
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمُ الَّتِي أُشِيرَ إلى شِدَّتِها وفَظاعَتِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ﴾ فَإنْ أُرِيدَ بِهِمُ المُكَذِّبُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فالتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لا سِيَّما بَعْدَ الإشارَةِ إلَيْهِمْ بِهَؤُلاءِ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ ما اعْتَراهم مِنَ الحالِ الفَظِيعَةِ والأمْرِ الهائِلِ، وإيرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَشْرِيفِهِ وزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِ مُكَذِّبِيهِ فَإنَّ حَقَّ الرَّسُولِ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُطاعَ لا أنْ يُكْفَرَ بِهِ ويُعْصى، وإنْ أُرِيدَ بِهِمْ جِنْسُ الكَفَرَةِ فَهم داخِلُونَ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا والمُرادُ بِالرَّسُولِ حِينَئِذٍ: الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ انْتِظامًَا أوَّلِيًَّا، وأيًَّا ما كانَ؛ فَفِيهِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ وتَفْظِيعِ الحالِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَصَوُا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كَفَرُوا﴾ داخِلٌ مَعَهُ في الصِّلَةِ والمُرادُ: مَعاصِيهِمُ المُغايِرَةُ لِكُفْرِهِمْ، فَفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ. وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ "كَفَرُوا".﴾ وقِيلَ: صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ آخَرَ، أيْ: يَوَدُّ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ وعِصْيانِ الرَّسُولِ أوِ الَّذِينَ كَفَرُوا وقَدْ عَصَوُا الرَّسُولَ أوِ الَّذِينَ كَفَرُوا والَّذِينَ عَصَوُا الرَّسُولَ. و"لَوْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ إنْ جُعِلَتْ مَصْدَرِيَّةً فالجُمْلَةُ مَفْعُولٌ لِـ"يَوَدُّ" أيْ: يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا فَتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ كالمَوْتى. وقِيلَ: يَوَدُّونَ أنَّهم لَمْ يُبْعَثُوا أوْ لَمْ يُخْلَقُوا وكَأنَّهم والأرْضَ سَواءٌ. وقِيلَ: تَصِيرُ البَهائِمُ تُرابًَا فَيَوَدُّونَ حالَها. وإنْ جُعِلَتْ جارِيَةً عَلى بابِها فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ الجُمْلَةِ عَلَيْهِ، أيْ: يَوَدُّونَ تَسْوِيَةَ الأرْضِ وجَوابُ "لَوْ" أيْضًَا مَحْذُوفٌ إيذانًَا بِغايَةِ ظُهُورِهِ، أيْ: لَسُرُّوا بِذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عَطْفٌ عَلى "يَوَدُّ" أيْ: ولا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ لِأنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ (p-179)أىْ يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا في الأرْضِ وهم يَكْتُمُونَ مِنهُ تَعالى حَدِيثًَا ولا يَكْذِبُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ؛ إذْ رُوِيَ أنَّهم إذا قالُوا ذَلِكَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم فَيَشْتَدُّ الأمْرُ عَلَيْهِمْ فَيَتَمَنَّوْنَ أنْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ. وقُرِئَ "تَسَّوّى" عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَسَوّى فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ، وقُرِئَ "تَسَوّى" بِحَذْفِ التّاءِ الثّانِيَةِ يُقالُ: سَوَّيْتُهُ فَتَسَوّى.
النساء 4:43
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوُا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ لَمّا نُهُوا فِيما سَلَفَ عَنِ الإشْراكِ بِهِ تَعالى نُهُوا هَهُنا عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَنَعَ طَعامًَا وشَرابًَا حِينَ كانَتِ الخَمْرُ مُباحَةً فَدَعا نَفَرًَا مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى ثَمِلُوا وجاءَ وقْتُ صَلاةِ المَغْرِبِ فَتَقَدَّمَ أحَدُهم لِيُصَلِّيَ بِهِمْ فَقَرَأ "أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ" فَنَزَلَتْ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في حَمْلِهِمْ عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ النَّهْيِ إلى قُرْبانِ الصَّلاةِ مَعَ أنَّ المُرادَ هو النَّهْيُ عَنْ إقامَتِها لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ: النَّهْيُ عَنْ قُرْبانِ المَساجِدِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكُمْ﴾ ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ فالمَعْنى: لا تُقِيمُوها في حالَةِ السُّكْرِ حَتّى تَعْلَمُوا قَبْلَ الشُّرُوعِ ما تَقُولُونَهُ إذْ بِتِلْكَ التَّجْرِبَةِ يَظْهَرُ أنَّهم يَعْلَمُونَ ما سَيَقْرَءُونَهُ في الصَّلاةِ، وحَمْلُ "ما تَقُولُونَ" عَلى ما في الصَّلاةِ يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ الشُّرُوعِ فِيها عَلى غايَةِ النَّهْيِ وحَمْلُ العِلْمِ عَلى "ما" بِالقُوَّةِ عَلى مَعْنى: حَتّى تَكُونُوا بِحَيْثُ تَعْلَمُونَ ما سَتَقْرَءُونَ في الصَّلاةِ تَطْوِيلٌ بِلا طائِلٍ، لِأنَّ تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ إنَّما تَظْهَرُ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّجْرِبَةِ، عَلى أنَّ إيثارَ "ما تَقُولُونَ" عَلى ما تَقْرَءُونَ حِينَئِذٍ يَكُونُ عارِيًَا عَنِ الدّاعِي. وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّكْرِ: سُكْرُ النُّعاسِ وغَلَبَةُ النَّوْمِ، وأيًَّا ما كانَ؛ فَلَيْسَ مَرْجِعُ النَّهْيِ هو المُقَيِّدَ مَعَ بَقاءِ القَيْدِ مُرَخِّصًَا بِحالِهِ بَلْ إنَّما هو القَيْدُ مَعَ بَقاءِ المُقَيَّدِ عَلى حالِهِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْكَرُوا في أوْقاتِ الصَّلاةِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا بَعْدَ ما نَزَلَتِ الآيَةُ لا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ في أوْقاتِ الصَّلاةِ فَإذا صَلُّوُا العِشاءَ شَرِبُوها فَلا يُصْبِحُونَ إلّا وقَدْ ذَهَبَ عَنْهُمُ السُّكْرُ وعَلِمُوا ما يَقُولُونَ.
﴿وَلا جُنُبًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ سُكارى﴾ فَإنَّهُ في حَيِّزِ النَّصْبِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْرَبُوُا الصَّلاةَ سُكارى ولا جُنُبًَا، والجُنُبُ مَن أصابَهُ الجَنابَةُ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والجَمْعُ لِجَرَيانِهِ مَجْرى المَصْدَرِ.
﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "لا تَقْرَبُوا" بِاعْتِبارِ تَقَيُّدِهِ بِالحالِ الثّانِيَةِ دُونَ الأُولى، والعامِلُ فِيهِ فِعْلُ النَّهْيِ أيْ: لا تَقْرَبُوُا الصَّلاةَ جُنُبًَا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكم مُسافِرِينَ، عَلى مَعْنى: أنَّ في حالَةِ السَّفَرِ يَنْتَهِي حُكْمُ النَّهْيِ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ شُمُولِ النَّفْيِ لِجَمِيعِ صُوَرِها بَلْ بِطَرِيقِ نَفْيِ الشُّمُولِ في الجُمْلَةِ مِن غَيْرِ دِلالَةٍ عَلى انْتِفاءِ خُصُوصِيَّةِ البَعْضِ المُنْتَفِي ولا عَلى بَقاءِ خُصُوصِيَّةِ (p-180)البَعْضِ الباقِي ولا عَلى ثُبُوتِ نَقِيضِهِ لا كُلِّيًَّا ولا جُزْئِيًَّا، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ عِبارَةً، نَعَمْ يُشِيرُ إلى مُخالَفَةِ حُكْمِ ما بَعْدَهُ لِما قَبْلَهُ إشارَةً إجْمالِيَّةً يُكْتَفى بِها في المَقاماتِ الخِطابِيَّةِ لا في إثْباتِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّ مِلاكَ الأمْرِ في ذَلِكَ إنَّما هو الدَّلِيلُ وقَدْ ورَدَ عَقِيبَهُ عَلى طَرِيقَةِ البَيانِ وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِـ"جُـُنُبًَا" عَلى أنَّ "إلى" بِمَعْنى غَيْرِ أيْ: وإلّا جُنُبًَا غَيْرَ عابِرِي سَبِيلٍ، ومَن حَمَلَ الصَّلاةَ عَلى مَواضِعِها فَسَّرَ العُبُورَ بِالِاجْتِيازِ بِها وجَوَّزَ لِلْجُنُبِ عُبُورَ المَسْجِدِ وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وعِنْدَنا لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ الماءُ أوِ الطَّرِيقُ فِيهِ. وقِيلَ: إنَّ رِجالًَا مِنَ الأنْصارِ كانَتْ أبْوابُهم في المَسْجِدِ وكانَ يُصِيبُهُمُ الجَنابَةُ ولا يَجِدُونَ مَمَرًَّا إلّا في المَسْجِدِ فَرُخِّصَ لَهم ذَلِكَ.
﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ غايَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ حالَةَ الجَنابَةِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ حُكْمَ النَّهْيِ في هَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ عَلى الإطْلاقِ كَما في صُورَةِ السُّكْرِ تَشْوِيقًَا إلى البَيانِ ورَوْمًَا لِزِيادَةِ تَقَرُّرِهِ في الأذْهانِ، وفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُصَلِّيَ حَقُّهُ أنْ يَتَحَرَّزَ عَمّا يُلْهِيهِ ويَشْغَلُ قَلْبَهُ وأنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ عَمّا يُدَنِّسُها ولا يَكْتَفِيَ بِأدْنى مَراتِبِ التَّزْكِيَةِ عِنْدَ إمْكانِ أعالِيها.
﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في الِاسْتِثْناءِ وبَيانِ ما هو في حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنَ الأعْذارِ، والِاقْتِصارُ فِيما قَبْلُ عَلى اسْتِثْناءِ السَّفَرِ مَعَ مُشارَكَةِ الباقِي لَهُ في حُكْمِ التَّرْخِيصِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ العُذْرُ الغالِبُ المُنْبِئُ عَنِ الضَّرُورَةِ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ الرُّخْصَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا جُنُبًَا إلّا مُضْطَرِّينَ وإلَيْهِ مَرْجِعُ ما قِيلَ مِن أنَّهُ جُعِلَ "عابِرِي سَبِيلٍ" كِنايَةً عَنْ مُطْلَقِ المَعْذُورِينَ والمُرادُ بِالمَرَضِ: ما يَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْمالِ الماءِ مُطْلَقًَا سَواءً كانَ ذَلِكَ بِتَعَذُّرِ الوُصُولِ إلَيْهِ أوْ بِتَعَذُّرِ اسْتِعْمالِهِ.
﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ عَطْفٌ عَلى "مَرْضى" أيْ: أوْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ما طالَ أوْ قَصُرَ وإيرادُهُ صَرِيحًَا مَعَ سَبْقِ ذِكْرِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ لِبِناءِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهِ وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى ثُبُوتِهِ فَضْلًَا عَنِ الدِّلالَةِ عَلى كَيْفِيَّتِهِ، وتَقْدِيمُ المَرَضِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِ واسْتِقْلالِهِ بِأحْكامٍ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ كالِاشْتِدادِ بِاسْتِعْمالِ الماءِ ونَحْوِهِ.
﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ هو المَكانُ الغائِرُ المُطْمَئِنُّ والمَجِيءُ مِنهُ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ لِأنَّ المُعْتادَ أنَّ مَن يُرِيدُهُ يَذْهَبُ إلَيْهِ لِيُوارِيَ شَخْصَهُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، وإسْنادُ المَجِيءِ مِنهُ إلى واحِدٍ مِنهم مِنَ المُخاطَبِينَ دُونَهم لِلتَّفادِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَتِهِمْ إلى ما يُسْتَحْيا مِنهُ أوْ يُسْتَهْجَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ وكَذَلِكَ إيثارُ الكِنايَةِ فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ عَلى التَّصْرِيحِ بِالجِماعِ، ونَظْمُهُما في سِلْكِ سَبَبَيْ سُقُوطِ الطَّهارَةِ والمَصِيرِ إلى التَّيَمُّمِ مَعَ كَوْنِهِما سَبَبَيْ وُجُوبِها لَيْسَ بِاعْتِبارِ أنْفُسِهِما بَلْ بِاعْتِبارِ قَيْدِهِما المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ بَلْ هو السَّبَبُ في الحَقِيقَةِ وإنَّما ذُكِرا تَمْهِيدًَا لَهُ وتَنْبِيهًَا عَلى أنَّهُ سَبَبٌ لِلرُّخْصَةِ بَعْدَ انْعِقادِ سَبَبِ الطَّهارَةِ الصُّغْرى والكُبْرى كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ لَمْ تَكُونُوا مَرْضى أوْ مُسافِرِينَ بَلْ كُنْتُمْ فاقِدِينَ لِلْماءِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ اسْتِعْمالَهُ، وتَخْصِيصُ ذِكْرِهِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أنَّهُ مُعْتَبَرٌ في صُورَةِ المَرَضِ والسَّفَرِ أيْضًَا لِنُدْرَةِ وُقُوعِهِ فِيها واسْتِغْنائِهِما عَنْ ذِكْرِهِ إمّا لِأنَّ الجَنابَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِما قَطْعًَا فَيُعْلَمُ مِن حُكْمِها حُكْمُ الحَدَثِ الأصْغَرِ بِدِلالَةِ النَّصِّ لِأنَّ تَقْدِيرَ النَّظْمِ: لا تَقْرَبُوُا الصَّلاةَ في حالِ الجَنابَةِ إلّا حالَ كَوْنِكم مُسافِرِينَ فَإنْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى إلَخْ، وإمّا لِما قِيلَ: مِن أنَّ عُمُومَ إعْوازِ الماءِ في حَقِّ المُسافِرِ غالِبٌ، والعَجْزَ عَنِ اسْتِعْمالِ الماءِ القائِمِ مَقامَ عَدَمِهِ في حَقِّ المَرِيضِ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ لَفْظًَا، وما قِيلَ مِن أنَّ هَذا القَيْدَ راجِعٌ إلى الكُلِّ وأنَّ قَيْدَ وُجُوبِ التَّطَهُّرِ المَكْنِيِّ عَنْهُ بِالمَجِيءِ مِنَ الغائِطِ والمُلامَسَةِ (p-181)مُعْتَبَرٌ في الكُلِّ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ.
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فَتَعَمَّدُوا شَيْئًَا مِن وجْهِ الأرْضِ طاهِرًَا. قالَ الزَّجّاجُ: الصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ تُرابًَا أوْ غَيْرَهُ وإنْ كانَ صَخْرًَا لا تُرابَ عَلَيْهِ لَوْ ضَرَبَ المُتَيَمِّمُ يَدَهُ عَلَيْهِ ومَسَحَ لَكانَ ذَلِكَ طَهُورَهُ وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لا بُدَّ أنْ يَعْلَقَ بِاليَدِ شَيْءٌ مِنَ التُّرابِ.
﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ أيْ: إلى المِرْفَقَيْنِ لِما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ تَيَمَّمَ ومَسَحَ يَدَيْهِ إلى مِرْفَقَيْهِ» ولِأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الوُضُوءِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ وتَقْرِيرٌ لَهُما فَإنَّ مَن عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الخاطِئِينَ ويَغْفِرَ لِلْمُذْنِبِينَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُيَسِّرًَا لا مُعَسِّرًَا. وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْهُما فَإنَّ التَّرْفِيهَ والمُسامَحَةَ مِن رَوادِفِ العَفْوِ وتَوابِعِ الغُفْرانِ.
النساء 4:44
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِتَعْجِيبِ المُؤْمِنِينَ مِن سُوءِ حالِهِمْ والتَّحْذِيرِ عَنْ مُوالاتِهِمْ والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وتَوْجِيهُهُ إلَيْهِ هَهُنا مَعَ تَوْجِيهِهِ فِيما بَعْدُ إلى الكُلِّ مَعًَا لِلْإيذانِ بِكَمالِ شُهْرَةِ شَناعَةِ حالِهِمْ وأنَّها بَلَغَتْ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ يَتَعَجَّبُ مِنها كُلُّ مَن يَراها والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ إلَيْهِمْ فَإنَّهم أحَقُّ أنْ تُشاهِدَهم وتَتَعَجَّبَ مِن أحْوالِهِمْ، وتَجْوِيزُ كَوْنِها قَلْبِيَّةً عَلى أنَّ "إلى" لِتَضَمُّنِها مَعْنى الِانْتِهاءِ لِما فَعَلُوهُ يَأْباهُ مَقامُ تَشْهِيرِ شَنائِعِهِمْ ونَظْمُها في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، والمُرادُ بِهِمْ أحْبارُ اليَهُودِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في حَبْرَيْنِ مِن أحْبارِ اليَهُودِ كانا يَأْتِيانِ رَأْسَ المُنافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ورَهْطَهُ يُثَبِّطانِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًَا أنَّها نَزَلَتْ في رِفاعَةِ بْنِ زَيْدٍ ومالِكِ بْنِ دُخْشُمٍ كانا إذا تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوَيا لِسانَهُما وعاباهُ، والمُرادُ بِالكِتابِ: هو التَّوْراةُ وحَمْلُهُ عَلى جِنْسِ الكِتابِ المُنْتَظِمِ لَها انْتِظامًَا أوَّلِيًَّا تَطْوِيلٌ لِلْمَسافَةِ وبِالَّذِي أُوتُوهُ ما بُيِّنَ لَهم فِيها مِنَ الأحْكامِ والعُلُومِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عَلِمُوهُ مِن نُعُوتِ النَّبِيِّ ﷺ وحَقِيقَةِ الإسْلامِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنَّصِيبِ المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِهِ حَقًَّا مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والمُحافَظَةُ عَلَيْها لِلْإيذانِ بِكَمالِ رَكاكَةِ آرائِهِمْ حَيْثُ ضَيَّعُوهُ تَضْيِيعًَا، وتَنْوِينُهُ تَفْخِيمِيٌّ مُؤَيِّدٌ لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ فالتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى كَمالِ شَناعَتِهِمْ والإشْعارِ بِمَكانِ ما طُوِيَ ذِكْرُهُ في المُعامَلَةِ المَحْكِيَّةِ عَنْهم مِنَ الهُدى الَّذِي هو أحَدُ العِوَضَيْنِ وكَلِمَةُ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِـ"أُوتُوا" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"نَصِيبًَا" مُبَيِّنَةً لِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ إثْرَ بَيانِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ، أيْ: نَصِيبًَا كائِنًَا مِنَ الكِتابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ قِيلَ: هو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن واوِ "أُوتُوا" ولا رَيْبَ في أنَّ اعْتِبارَ تَقْدِيرِ اشْتِرائِهِمِ المَذْكُورِ في الإيتاءِ مِمّا لا يَلِيقُ بِالمَقامِ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أىْ: ألَمْ تَنْظُرْ إلَيْهِمْ حالَ اشْتِرائِهِمْ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ خالٍ عَنْ إفادَةِ أنَّ مادَّةَ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ هو الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ والَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَناطِ التَّشْنِيعِ ومَدارِ التَّعْجِيبِ المَفْهُومَيْنِ مِن صَدْرِ الكَلامِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ والإبْهامِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَصْنَعُونَ حَتّى يَنْظُرَ إلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ: يَأْخُذُونَ الضَّلالَةَ ويَتْرُكُونَ ما أُوتُوهُ مِنَ الهِدايَةِ، وإنَّما طُوِيَ المَتْرُوكُ لِغايَةِ ظُهُورِ الأمْرِ لا سِيَّما بَعْدَ الإشْعارِ المَذْكُورِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالِاشْتِراءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ (p-182)اسْتِبْدالِ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ، أيْ: أخْذِها بَدَلًَا مِنهُ أخْذًَا ناشِئًَا عَنِ الرَّغْبَةِ فِيها والإعْراضِ عَنْهُ لِلْإيذانِ بِكَمالِ رَغْبَتِهِمْ في الضَّلالَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ يُعْرَضَ عَنْها كُلَّ الإعْراضِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الهِدايَةِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ، وفِيهِ مِنَ التَّسْجِيلِ عَلى نِهايَةِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ وغايَةِ رَكاكَةِ آرائِهِمْ ما لا يَخْفى حَيْثُ صُوِّرَتْ حالُهم بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَتَعاطاهُ أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِالضَّلالَةِ جِنْسَها الحاصِلَ لَهم مِن قَبْلُ حَتّى يُخِلَّ بِمَعْنى الِاشْتِراءِ المُنْبِئِ عَنْ تَأخُّرِها عَنْهُ بَلْ هو فَرْدَها الكامِلَ وهو عِنادُهم وتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ بَعْدَ ما عَلِمُوا بِشَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ وتَيَقَّنُوا بِحَقِّيَّةِ دِينِهِ وأنَّهُ هو النَّبِيُّ العَرَبِيُّ المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ هَذِهِ الرُّتْبَةَ لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً لَهم قَبْلَ ذَلِكَ وقَدْ مَرَّ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
﴿وَيُرِيدُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى "يَشْتَرُونَ" شَرِيكٌ لَهُ في بَيانِ مَحَلِّ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ فِيهِما لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ فَإنَّ تَجَدُّدَ حُكْمِ اشْتِرائِهِمِ المَذْكُورِ وتَكَرُّرَ العَمَلِ بِمُوجِبِهِ في قُوَّةِ تَجَدُّدِ نَفْسِهِ وتَكَرُّرِهِ أيْ: لا يَكْتَفُونَ بِضَلالِ أنْفُسِهِمْ بَلْ يُرِيدُونَ بِما فَعَلُوا مِن كِتْمانِ نُعُوتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿أنْ تَضِلُّوا﴾ أنْتُمْ أيْضًَا أيُّها المُؤْمِنُونَ.
﴿السَّبِيلَ﴾ المُسْتَقِيمَ المُوصِلَ إلى الحَقِّ.
النساء 4:45
﴿واللَّهُ أعْلَمُ﴾ أيْ: مِنكم.
﴿بِأعْدائِكُمْ﴾ جَمِيعًَا ومِن جُمْلَتِهِمْ هَؤُلاءِ وقَدْ أخْبَرَكم بِعَداوَتِهِمْ لَكم وما يُرِيدُونَ بِكم لِتَكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِنهم ومِن مُخالَطَتِهِمْ أوْ هو أعْلَمُ بِحالِهِمْ ومَآلِ أمْرِهِمْ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِتَقْرِيرِ إرادَتِهِمِ المَذْكُورَةِ.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ في جَمِيعِ أُمُورِكم ومَصالِحِكم.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ في كُلِّ المَواطِنِ فَثِقُوا بِهِ واكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ ولا تَتَوَلَّوْا ولا تُبالُوا بِهِمْ وبِما يَسُومُونَكم مِنَ السُّوءِ فَإنَّهُ تَعالى يَكْفِيكم مَكْرَهم وشَرَّهُمْ؛ فَفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، والباءُ مَزِيدَةٌ في فاعِلِ "كَفى" لِتَأْكِيدِ الِاتِّصالِ الإسْنادِيِّ بِالِاتِّصالِ الإضافِيِّ وتَكْرِيرُ الفِعْلِ في الجُمْلَتَيْنِ مَعَ إظْهارِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ لا سِيَّما في الثّانِي لِتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِها المُناسِبِ لِلِاعْتِراضِ وتَأْكِيدِ كِفايَتِهِ عَزَّ وجَلَّ في كُلٍّ مِنَ الوِلايَةِ والنُّصْرَةِ والإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِما، فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن مُوجِباتِهِما لا مَحالَةَ.
النساء 4:46
﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قِيلَ: هو بَيانٌ لِأعْدائِكم وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وفِيهِ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِطائِفَةٍ مِن أعْدائِهِمْ لا سِيَّما في مَعْرِضِ الِاعْتِراضِ الَّذِي حَقُّهُ العُمُومُ والإطْلاقُ وانْتِظامُ ما هو المَقْصُودُ في المَقامِ انْتِظامًَا أوَّلِيًَّا كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وقِيلَ: هو صِلَةٌ لِـ"نَصِيرًَا" أيْ: يَنْصُرُكم مِنَ الَّذِينَ هادُوا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ ما فِيهِ مِن تَحْجِيرِ واسِعِ نُصْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ أنَّهُ لا داعِيَ إلى وضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الأعْداءِ لِأنَّ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَيْسَ بِوَصْفٍ مُلائِمٍ لِلنَّصْرِ، وقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ صِفَةً لَهُ، أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ أوْ فَرِيقٌ يُحَرِّفُونَ إلَخْ وفِيهِ أنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الفَرِيقِ السّابِقِ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْرِيفِ الَّذِي هو المِصْداقُ لِاشْتِرائِهِمْ في الحَقِيقَةِ، فالَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِ (p-183)التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ أنَّهُ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ المُتَناوِلِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ قَدْ وُسِّطَ بَيْنَهُما ما وُسِّطَ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ مَحَلِّ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ والمُسارَعَةِ إلى تَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ مِنهم وتَحْذِيرِهِمْ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ والِاهْتِمامِ بِحَمْلِهِمْ عَلى الثِّقَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والِاكْتِفاءِ بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ بَيانٌ لِاشْتِرائِهِمِ المَذْكُورِ وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ ضَلالَتِهِمْ وقَدْ رُوعِيَتْ في النَّظْمِ الكَرِيمِ طَرِيقَةُ التَّفْسِيرِ بَعْدَ الإبْهامِ والتَّفْصِيلِ إثْرَ الإجْمالِ و"ما" لِزِيادَةِ تَقْرِيرٍ يَقْتَضِيهِ الحالُ والكَلِمُ اسْمُ جِنْسٍ واحِدُهُ كَلِمَةٌ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ وتَذْكِيرُ ضَمِيرِهِ بِاعْتِبارِ إفْرادِهِ لَفْظًَا وجَمْعِيَّةُ مَواضِعِهِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِهِ مَعْنىً، وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعُ كِلْمَةٍ تَخْفِيفُ كَلِمَةٍ، وقُرِئَ "يُحَرِّفُونَ الكَلامَ"، والمُرادُ بِهِ: هَهُنا إمّا ما في التَّوْراةِ خاصَّةً وإمّا ما هو أعَمُّ مِنهُ ومِمّا سَيُحْكى عَنْهم مِنَ الكَلِماتِ المَعْهُودَةِ الصّادِرَةِ عَنْهم في أثْناءِ المُحاوَرَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا مَساغَ لِإرادَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ خاصَّةً بِأنْ يُجْعَلَ عَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ إلَخْ عَلى ما قَبْلَهُ عَطْفًَا تَفْسِيرِيًَّا لِما سَتَقِفُ عَلى سِرِّهِ فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الأوَّلُ كَما هو رَأْيُ الجُمْهُورِ فَتَحْرِيفُهُ إزالَتُهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ التَّوْراةِ كَتَحْرِيفِهِمْ في نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ أسْمَرَ رَبْعَةٍ عَنْ مَوْضِعِهِ في التَّوْراةِ بِأنْ وضَعُوا مَكانَهُ آدَمَ طُوالًَا وكَتَحْرِيفِهِمُ الرَّجْمَ بِوَضْعِهِمْ بَدَلَهُ الحَدَّ أوْ صَرْفِهِ عَنِ المَعْنى الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ إلى ما لا صِحَّةَ لَهُ بِالتَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ المُلائِمَةِ لِشَهَواتِهِمِ الباطِلَةِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الثّانِي فَلا بُدَّ مِن أنْ يُرادَ بِمَواضِعِهِ ما يَلِيقُ بِهِ مُطْلَقًَا سَواءً كانَ ذَلِكَ بِتَعْيِينِهِ تَعالى صَرِيحًَا كَمَواضِعِ ما في التَّوْراةِ أوْ بِتَعْيِينِ العَقْلِ أوِ الدِّينِ كَمَواضِعِ غَيْرِهِ، وأيًَّا ما كانَ؛ فَقَوْلُهم سَمِعْنا وعَصَيْنا يَنْبَغِي أنْ يَجْرِيَ عَلى إطْلاقِهِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمانٍ أوْ مَكانٍ ولا تَخْصِيصٍ بِمادَّةٍ دُونَ مادَّةٍ بَلْ وأنْ يُحْمَلَ عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ القَوْلِ الحَقِيقِيِّ ومِمّا يُتَرْجَمُ عَنْهُ عِنادُهم ومُكابَرَتُهم لِيَنْدَرِجَ فِيهِ ما نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَةُ حالِهِمْ عِنْدَ تَحْرِيفِ التَّوْراةِ فَإنَّ مَن لا يَتَفَوَّهُ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ لا يَكادُ يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجِنايَةِ وإلّا فَحَمْلُهُ عَلى ما قالُوهُ في مَجْلِسِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ القَبائِحِ خاصَّةً يَسْتَدْعِي اخْتِصاصَ حُكْمِ الشَّرْطِيَّةِ الآتِيَةِ وما بَعْدَها بِهِنَّ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَحْرِيفِهِمُ التَّوْراةَ مَعَ أنَّهُ مُعْظَمُ جِنايَتِهِمِ المَعْدُودَةِ ومِن هَهُنا انْكَشَفَ لَكَ السِّرُّ المَوْعُودُ فَتَأمَّلْ، أيْ: يَقُولُونَ في كُلِّ أمْرٍ مُخالِفٍ لِأهْوائِهِمُ الفاسِدَةِ سَواءً كانَ بِمَحْضَرِ النَّبِيِّ ﷺ أوْ لا بِلِسانِ المَقالِ أوِ الحالِ سَمِعْنا وعَصَيْنا عِنادًَا وتَحْقِيقًَا لِلْمُخالَفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ عَطْفٌ عَلى سَمِعْنا وعَصَيْنا داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ، أيْ: ويَقُولُونَ ذَلِكَ في أثْناءِ مُخاطَبَتِهِ ﷺ خاصَّةً وهو كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ مُحْتَمِلٌ لِلشَّرِّ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى اسْمَعْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًَا أصْلًَا بِصَمَمٍ أوْ مَوْتٍ، أيْ: مَدْعُوًَّا عَلَيْكَ بِلا سَمِعْتَ أوْ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًَا تَرْضاهُ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ولِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى اسْمَعْ مِنّا غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًَا كانُوا يُخاطِبُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ اسْتِهْزاءً بِهِ مُظْهِرِينَ لَهُ ﷺ إرادَةَ المَعْنى الأخِيرِ وهم مُضْمِرُونَ في أنْفُسِهِمُ المَعْنى الأوَّلَ مُطْمَئِنُّونَ بِهِ.
﴿وَراعِنا﴾ عَطْفٌ عَلى "اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ" أيْ: ويَقُولُونَ في أثْناءِ خِطابِهِمْ لَهُ ﷺ هَذا أيْضًَا يُورِدُونَ كُلًَّا مِنَ العَظائِمِ الثَّلاثِ في مَواقِعِها وهي أيْضًَا كَلِمَةٌ ذاتُ وجْهَيْنِ مُحْتَمِلَةٌ لِلْخَيْرِ بِحَمْلِها عَلى مَعْنى ارْقُبْنا وانْظُرْنا نُكَلِّمْكَ ولِلشَّرِّ بِحَمْلِها عَلى السَّبِّ بِالرُّعُونَةِ، أيِ: الحُمْقِ أوْ بِإجْرائِها مَجْرى ما يُشْبِهُها مِن كَلِمَةٍ عِبْرانِيَّةٍ أوْ سُرْيانِيَّةٍ كانُوا يَتَسابُّونَ بِها وهي راعِينا كانُوا يُخاطِبُونَهُ ﷺ بِذَلِكَ يَنْوُونَ الشَّتِيمَةَ والإهانَةَ ويُظْهِرُونَ التَّوْقِيرَ والِاحْتِرامَ ومَصِيرُهم إلى مَسْلَكِ النِّفاقِ في (p-184)القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِالعِصْيانِ في الأوَّلِ لِما قالُوا مِن أنَّ جَمِيعَ الكَفَرَةِ كانُوا يُواجِهُونَهُ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ ولا يُواجِهُونَهُ بِالسَّبِّ ودُعاءِ السُّوءِ. وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ الأوَّلَ فِيما بَيْنَهم. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ لا يَنْطِقُوا بِذَلِكَ ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ جُعِلُوا كَأنَّهم نَطَقُوا بِهِ.
﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أيْ: فَتْلًَا بِها وصَرْفًَا لِلْكَلامِ عَنْ نَهْجِهِ إلى نِسْبَةِ السَّبِّ حَيْثُ وضَعُوا غَيْرَ مُسْمَعٍ مَوْضِعَ لا أُسْمِعْتَ مَكْرُوهًَا وأجْرَوْا راعِنا المُشابِهَةَ لِراعِينا مَجْرى انْظُرْنا أوْ فَتْلًَا بِها وضَمًَّا لِما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الدُّعاءِ والتَّوْقِيرِ إلى ما يُضْمِرُونَهُ مِنَ السَّبِّ والتَّحْقِيرِ.
﴿وَطَعْنًا في الدِّينِ﴾ أيْ: قَدْحًَا فِيهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ وانْتِصابُهُما عَلى العِلِّيَّةِ لِ "يَقُولُونَ" بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِالقَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ لِصَرْفِ الكَلامِ عَنْ وجْهِهِ إلى السَّبِّ والطَّعْنِ في الدِّينِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ أيْ: لاوِينَ وطاعِنِينَ في الدِّينِ.
﴿وَلَوْ أنَّهُمْ﴾ عِنْدَما سَمِعُوا شَيْئًَا مِن أوامِرِ اللَّهِ تَعالى ونَواهِيهِ.
﴿قالُوا﴾: بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ مَكانَ قَوْلِهِمْ سَمِعْنا وعَصَيْنا.
﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ إنَّما أُعِيدَ سَمِعْنا مَعَ أنَّهُ مُتَحَقِّقٌ في كَلامِهِمْ وإنَّما الحاجَةُ إلى وضْعِ أطَعْنا مَكانَ عَصَيْنا لا لِلتَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِهِ بَلْ عَلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ. كَيْفَ لا؟ وسَماعُهم سَماعُ الرَّدِّ ومُرادُهم بِحِكايَتِهِ إعْلامَ عِصْيانِهِمْ لِلْأمْرِ بَعْدَ سَماعِهِ والوُقُوفِ عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن إزالَتِهِ وإقامَةِ سَماعِ القَبُولِ مَقامَهُ.
﴿واسْمَعْ﴾ أيْ: لَوْ قالُوا عِنْدَ مُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَدَلَ قَوْلِهِمُ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ اسْمَعْ.
﴿وانْظُرْنا﴾ أيْ: ولَوْ قالُوا ذَلِكَ بَدَلَ قَوْلِهِمْ راعِنا ولَمْ يَدُسُّوا تَحْتَ كَلامِهِمْ شَرًَّا وفَسادًَا، أيْ: لَوْ ثَبَتَ أنَّهم قالُوا هَذا مَكانَ ما قالُوا مِنَ الأقْوالِ.
﴿لَكانَ﴾ قَوْلُهم ذَلِكَ.
﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِمّا قالُوا.
﴿وَأقْوَمَ﴾ أيْ: أعْدَلُ وأسَدُّ في نَفْسِهِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إمّا عَلى بابِها واعْتِبارِ أصْلِ الفَضْلِ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أوْ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ، وإمّا بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ وإنَّما قُدِّمَ في البَيانِ حالُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ عَلى حالِهِ في نَفْسِهِ لِأنَّ هِمَمَهم مَقْصُورَةٌ عَلى ما يَنْفَعُهم.
﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ: ولَكِنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ فَخَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأبْعَدَهم عَنِ الهُدى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِذَلِكَ.
﴿فَلا يُؤْمِنُونَ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ.
﴿إلا قَلِيلا﴾ قِيلَ: أيْ: إلّا إيمانًَا قَلِيلًَا لا يُعْبَأُ بِهِ وهو الإيمانُ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ أوْ إلّا زَمانًَا قَلِيلًَا وهو زَمانُ الِاحْتِضارِ فَإنَّهم يُؤْمِنُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ؛ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ وكِلاهُما لَيْسَ بِإيمانٍ قَطْعًَا، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: إنْ كانَ الإيمانُ المَعْدُومُ إيمانًَا فَهم يُحْدِثُونَ شَيْئًَا مِنَ الإيمانِ فَهو في المَعْنى تَعْلِيقٌ بِالمُحالِ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الكُلَّ يَأْباهُ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الأمْرِ بِالإيمان بالقرآن النّاطِقِ بِهَذا لِإفْضائِهِ إلى التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ الَّذِي هو إيمانُهم بِعَدَمِ إيمانِهِمِ المُسْتَمِرِّ أمّا عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ فَظاهِرٌ وأمّا عَلى الأوَّلَيْنِ فَلِأنَّ أمْرَهم بِالإيمانِ المُنْجَزِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ والرُّسُلِ تَكْلِيفٌ لَهم بِإيمانِهِمْ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ وبِعَدَمِ إيمانِهِمْ إلى وقْتِ الِاحْتِضارِ، فالوَجْهُ أنْ يُحْمَلَ القَلِيلُ عَلى مَن يُؤْمِنُ بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنْ لا يُجْعَلُ المُسْتَثْنى مِنهُ ضَمِيرَ الفاعِلِ في "لا يُؤْمِنُونَ" لِإفْضائِهِ إلى وُقُوعِ إيمانِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى وخَذَلَهُ مَعَ ما فِيهِ مِن نِسْبَةِ القُرّاءِ إلى الِاتِّفاقِ عَلى غَيْرِ المُخْتارِ بَلْ بِجَعْلِهِ ضَمِيرَ المَفْعُولِ في "لَعَنَهُمْ" أيْ: ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ إلّا فَرِيقًَا قَلِيلًَا فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَلْعَنْهم فَلَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِمْ بابُ الإيمانِ وقَدْ آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ فَرِيقٌ مِنَ الأحْبارِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وأضْرابِهِما كَما سَيَأْتِي.
النساء 4:47
(p-185)﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إمّا إلى مَن حُكِيَتْ أحْوالُهم وأقْوالُهم خاصَّةً بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، ووَصْفُهم تارَةً بِإيتاءِ الكِتابِ أيِ: التَّوْراةِ وأُخْرى بِإيتاءِ نَصِيبٍ مِنها لِتَوْفِيَةِ كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ حَقَّهُ، فَإنَّ المَقْصُودَ فِيما سَبَقَ بَيانُ أخْذِهِمُ الضَّلالَةَ وإزالَةُ ما أُوتُوهُ بِمُقابَلَتِها بِالتَّحْرِيفِ ولَيْسَ ما أزالُوهُ بِذَلِكَ كُلَّها حَتّى يُوصَفُوا بِإيتائِهِ بَلْ هو بَعْضُها فَوُصِفُوا بِإيتائِهِ، وأمّا هَهُنا فالمَقْصُودُ تَأْكِيدُ إيجابِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ الَّذِي يَعْقُبُهُ والتَّحْذِيرُ عَنْ مُخالَفَتِهِ مِن حَيْثُ أنَّ الإيمان بالمُصَدِّقِ مُوجِبٌ لِلْإيمانِ بِما يُصَدِّقُهُ والكُفْرَ بِالثّانِي مُقْتَضٍ لِلْكُفْرِ بِالأوَّلِ قَطْعًَا، ولا رَيْبَ في أنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهم إنَّما هو لُزُومُ الكُفْرِ بِالتَّوْراةِ نَفْسِها لا بِبَعْضِها وذَلِكَ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِجَعْلِ القرآن مُصَدِّقًَا لِكُلِّها وإنْ كانَ مَناطُ التَّصْدِيقِ بَعْضًَا مِنها ضَرُورَةَ أنَّ مُصَدِّقَ البَعْضِ مُصَدِّقٌ لِلْكُلِّ المُتَضَمِّنِ لَهُ حَتْمًَا وإمّا إلَيْهِمْ وإلى غَيْرِهِمْ قاطِبَةً وهو الأظْهَرُ، وأيًَّا ما كانَ؛ فَتَفْصِيلُ ما فُصِّلَ: لِما كانَ مِن مَظانِّ إقْلاعِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالمُبادَرَةِ إلى سُلُوكِ مَحَجَّةِ الهِدايَةِ مَشْفُوعًَا بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلى المُخالَفَةِ فَقِيلَ: ﴿آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ مِنَ القرآن، عَبَّرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ تَشْرِيفًَا لَهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وتَحْقِيقًَا لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ مِنَ التَّوْراةِ، عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ وُقُوفِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ فَإنَّ المَعِيَّةَ المُسْتَدْعِيَةَ لِدَوامِ تِلاوَتِها وتَكَرُّرِ المُراجَعَةِ إلَيْها مِن مُوجِباتِ العُثُورِ عَلى ما في تَضاعِيفِها المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِ القرآن مُصَدِّقًَا لَها ومَعْنى تَصْدِيقِهِ إيّاها نُزُولُهُ حَسْبَما نُعِتَ لَهم فِيها أوْ كَوْنُهُ مُوافِقًَا لَها في القِصَصِ والمَواعِيدِ والدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والفَواحِشِ، وأمّا ما يَتَراءى مِن مُخالَفَتِهِ لَها في جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ بِسَبَبِ تَفاوُتِ الأُمَمِ والأعْصارِ فَلَيْسَتْ بِمُخالَفَةٍ في الحَقِيقَةِ بَلْ هي عَيْنُ المُوافَقَةِ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًَّا مِنها حَقٌّ بِالإضافَةِ إلى عَصْرِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّشْرِيعِ حَتّى لَوْ تَأخَّرَ نُزُولُ المُتَقَدِّمِ لَنَزَلَ عَلى وفْقِ المُتَأخِّرِ ولَوْ تَقَدَّمَ نُزُولُ المُتَأخِّرِ لَوافَقَ المُتَقَدِّمَ قَطْعًَا، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: « "لَوْ كانَ مُوسى حَيًَّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي".» ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ مُفِيدٌ لِلْمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ بِهِ والجِدِّ في الِانْتِهاءِ عَنْ مُخالَفَتِهِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ الوارِدِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ حَيْثُ لَمْ يُعَلَّقْ وُقُوعُ المُتَوَعَّدِ بِهِ بِالمُخالَفَةِ ولَمْ يُصَرَّحْ بِوُقُوعِهِ عِنْدَها تَنْبِيهًَا عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِ بِهِ وأنَّهُ عَلى شَرَفِ الوُقُوعِ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ المُخاطَبِينَ، وفي تَنْكِيرِ الوُجُوهِ المُفِيدِ لِلتَّكْثِيرِ تَهْوِيلٌ لِلْخَطْبِ وفي إبْهامِها لُطْفٌ بِالمُخاطَبِينَ وحُسْنُ اسْتِدْعاءٍ لَهم إلى الإيمانِ وأصْلُ الطَّمْسِ مَحْوُ الآثارِ وإزالَةُ الأعْلامِ، أيْ: آمِنُوا مِن قَبْلِ أنْ نَمْحُوَ تَخْطِيطَ صُوَرِها ونُزِيلَ آثارَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَجْعَلُها كَخُفِّ البَعِيرِ أوْ كَحافِرِ الدّابَّةِ. وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ: نُعْمِيها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ . وقِيلَ: نَجْعَلُها مَنابِتَ الشَّعْرِ كَوُجُوهِ القِرَدَةِ.
﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ فَنَجْعَلَها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها وأقْفائِها مَطْمُوسَةً مِثْلَها، فالفاءُ لِلتَّسْبِيبِ أوْ نُنَكِّسَها بَعْدَ الطَّمْسِ فَنَرُدَّها إلى مَوْضِعِ (p-186)الأقْفاءِ والأقْفاءَ إلى مَوْضِعِها، وقَدِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ أشَدِّهِما فالفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوُجُوهِ: الوُجَهاءُ عَلى أنَّ الطَّمْسَ بِمَعْنى مُطْلَقِ التَّغْيِيرِ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نُغَيِّرَ أحْوالَ وُجَهائِهِمْ فَنَسْلُبَ إقْبالَهم ووَجاهَتَهم ونَكْسُوَهم صَغارًَا وأدْبارًَا أوْ نَرُدَّهم مِن حَيْثُ جاءُوا مِنهُ وهي أذْرِعاتُ الشّامِ فالمُرادُ بِذَلِكَ: إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُساعِدُهُ مَقامُ تَشْدِيدِ الوَعِيدِ وتَعْمِيمِ التَّهْدِيدِ لِلْجَمِيعِ فالوَجْهُ ما سَبَقَ مِنَ الوُجُوهِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّ الوَعِيدَ هَلْ كانَ بِوُقُوعِهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ؛ فَقِيلَ: كانَ بِوُقُوعِهِ في الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا قَدِمَ مِنَ الشّامِ وقَدْ سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ أهْلَهُ فَأسْلَمَ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما كُنْتُ أرى أنْ أصِلَ إلَيْكَ حَتّى يَتَحَوَّلَ وجْهِي إلى قَفايَ، وفي رِوايَةٍ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ويَدُهُ عَلى وجْهِهِ وأسْلَمَ وقالَ ما قالَ، وكَذا ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى كَعْبِ الأحْبارِ فَقالَ كَعْبٌ: يا رَبُّ آمَنتُ يا رَبُّ أسْلَمْتُ مَخافَةَ أنْ يُصِيبَهُ وعِيدُها ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ إنَّهُ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ ولابُدَّ مِن طَمْسٍ في اليَهُودِ ومَسْخٍ وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ وفِيهِ أنَّ انْصِرافَ العَذابِ المَوْعُودِ عَنْ أوائِلِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ باشَرُوا أسْبابَ نُزُولِهِ ومُوجِباتِ حُلُولِهِ حَيْثُ شاهَدُوا شَواهِدَ النُّبُوَّةِ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَذَّبُوها وفي التَّوْراةِ فَحَرَّفُوها وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ وتَعَلَّقَ بِهِمْ خِطابُ المُشافَهَةِ بِالوَعِيدِ ثُمَّ نُزُولَهُ عَلى مَن وُجِدَ بَعْدَ مِئاتٍ مِنَ السِّنِينَ مِن أعْقابِهِمُ الضّالِّينَ بِإضْلالِهِمُ العالَمِينَ بِما مَهَّدُوا مِن قَوانِينِ الغِوايَةِ بَعِيدٌ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ الحَكِيمِ. وقِيلَ: إنَّ وُقُوعَهُ كانَ مَشْرُوطًَا بِعَدَمِ الإيمانِ وقَدْ آمَنَ مِن أحْبارِهِمُ المَذْكُورانِ وأضْرابُهُما فَلَمْ يَقَعْ وفِيهِ أنَّ إسْلامَ بَعْضِهِمْ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًَا لِتَأكُّدِ نُزُولِ العَذابِ عَلى الباقِينَ لِتَشْدِيدِهِمُ النَّكِيرَ والعِنادَ بَعْدَ ازْدِيادِ الحَقِّ وُضُوحًَا وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِشَهادَةِ أماثِلِهِمُ العُدُولِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يَكُونَ سَبَبًَا لِرَفْعِهِ عَنْهُمْ، وقِيلَ: كانَ الوَعِيدُ بِوُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ فَإنْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ الأوَّلُ فَلا نِزاعَ في وُقُوعِ الثّانِي، كَيْفَ لا؟ وهم مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ وتَفْسِيرُ اللَّعْنِ بِالمَسْخِ لَيْسَ بِمُقَرَّرٍ البَتَّةَ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ اللَّعْنِ المُشَبَّهِ بِلَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ هو المَسْخُ ولَيْسَ في عَطْفِهِ عَلى الطَّمْسِ والرَّدِّ عَلى الأدْبارِ شائِبَةُ دِلالَةٍ عَلى عَدَمِ إرادَةِ المَسْخِ ضَرُورَةَ أنَّهُ تَغْيِيرٌ مُغايِرٌ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى أنَّ المُتَوَعَّدَ بِهِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أمْرًَا حادِثًَا مُتَرَتِّبًَا عَلى الوَعِيدِ مَحْذُورًَا عِنْدَهم لِيَكُونَ مَزْجَرَةً عَنْ مُخالَفَةِ الأمْرِ ولَمْ يُعْهَدْ أنَّهُ وقَعَ عَلَيْهِمْ لَعْنٌ بِهَذا الوَصْفِ إنَّما الواقِعُ عَلَيْهِمْ ما تَداوَلَتْهُ الألْسِنَةُ مِنَ اللَّعْنِ المُسْتَمِرِّ الَّذِي ألِفُوهُ وهو بِمَعْزِلٍ مِن صَلاحِيَةِ أنْ يَكُونَ حُكْمًَا لِهَذا الوَعِيدِ أوْ مَزْجَرَةً لِلْعَنِيدِ. وقِيلَ: إنَّما كانَ الوَعِيدُ بِوُقُوعِ ما ذُكِرَ في الآخِرَةِ عِنْدَ الحَشْرِ وسَيَقَعُ فِيها لا مَحالَةَ أحَدُ الأمْرَيْنِ أوْ كِلاهُما عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ فَمَبْنِيٌّ عَلى الِاحْتِياطِ اللّائِقِ بِشَأْنِهِما، والحَقُّ أنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ لَيْسَ بِنَصٍّ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ بَلِ المُتَبادِرُ مِنهُ بِحَسَبِ المَقامِ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الزَّجْرِ وعَلَيْهِ مَبْنِيٌّ ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرَيْنِ لَكِنْ لَمّا لَمْ يَتَّضِحْ وُقُوعُهُ عُلِمَ أنَّ المُرادَ هو الثّانِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وأيًَّا ما كانَ؛ فَلَعَلَّ السِّرَّ في تَخْصِيصِهِمْ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ مِن بَيْنِ العُقُوباتِ مُراعاةُ المُشاكَلَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ ما أوْجَبَها مِن جِنايَتِهِمُ الَّتِي هي التَّحْرِيفُ والتَّغْيِيرُ واللَّهُ هو العَلِيمُ الخَبِيرُ.
﴿وَكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: ما أمَرَ بِهِ كائِنًَا ما كانَ أوْ أمْرُهُ بِإيقاعِ شَيْءٍ ما مِنَ الأشْياءِ.
﴿مَفْعُولا﴾ نافِذًَا كائِنًَا لا مَحالَةَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما أُوعِدْتُمْ بِهِ (p-187)دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، فالجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ وتَقْوِيَةِ ما في الِاعْتِراضِ مِنَ الاسْتِقْلالِ.
النساء 4:48
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ الوَعِيدِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ بِالإيمانِ بِبَيانِ اسْتِحالَةِ المَغْفِرَةِ بِدُونِهِ فَإنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ التَّحْرِيفِ ويَطْمَعُونَ في المَغْفِرَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوُا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أيْ: عَلى التَّحْرِيفِ.
﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ والمُرادُ بِالشِّرْكِ: مُطْلَقُ الكُفْرِ المُنْتَظِمِ لِكُفْرِ اليَهُودِ انْتِظامًَا أوَّلِيًَّا فَإنَّ الشَّرْعَ قَدْ نَصَّ عَلى إشْراكِ أهْلِ الكِتابِ قاطِبَةً وقَضى بِخُلُودِ أصْنافِ الكَفَرَةِ في النّارِ ونُزُولُهُ في حَقِّ اليَهُودِ كَما قالَ مُقاتِلٌ وهو الأنْسَبُ بِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ لا يَقْتَضِي اخْتِصاصَهُ بِكُفْرِهِمْ بَلْ يَكْفِي انْدِراجُهُ فِيهِ قَطْعًَا بَلْ لا وجْهَ لَهُ أصْلًَا لِاقْتِضائِهِ جَوازَ مَغْفِرَةِ ما دُونُ كُفْرِهِمْ في الشِّدَّةِ مِن أنْواعِ الكُفْرِ، أيْ: لا يَغْفِرُ الكُفْرَ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهِ بِلا تَوْبَةٍ وإيمانٍ لِأنَّ الحِكْمَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِسَدِّ بابِ الكُفْرِ وجَوازُ مَغْفِرَتِهِ بِلا إيمانٍ مِمّا يُؤَدِّي إلى فَتْحِهِ ولِأنَّ ظُلُماتِ الكُفْرِ والمَعاصِي إنَّما يَسْتُرُها نُورُ الإيمانِ فَمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ إيمانٌ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى خَبَرِ إنَّ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الشِّرْكِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِهِ في الذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِ وكَوْنِهِ في أقْصى مَراتِبِ القُبْحِ، أيْ: ويَغْفِرُ ما دُونَهُ في القُبْحِ مِنَ المَعاصِي صَغِيرَةً كانَتْ أوْ كَبِيرَةً تَفَضُّلًَا مِن لَدُنْهُ وإحْسانًَا مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ عَنْها لَكِنْ لا لِكُلِّ أحَدٍ بَلْ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: لِمَن يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِهِ فَقَطْ لا بِما فَوْقَهُ فَإنَّ مَغْفِرَتَهُما لِمَنِ اتَّصَفَ بِهِما سَواءً في اسْتِحالَةِ الدُّخُولِ تَحْتَ المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ، فَإنَّ اخْتِصاصَ مَغْفِرَةِ المَعاصِي مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ بِأهْلِ الإيمانِ مِنَ التَّرْغِيبِ فِيهِ والزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ، ومَن عَلَّقَ المَشِيئَةَ بِكِلا الفِعْلَيْنِ وجَعَلَ المَوْصُولَ الأوَّلَ عِبارَةً عَمَّنْ لَمْ يَتُبْ والثّانِي عَمَّنْ تابَ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ الصَّوابِ. كَيْفَ لا؟ وأنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِإظْهارِ كَمالِ عِظَمِ جَرِيمَةِ الكُفْرِ وامْتِيازِهِ عَنْ سائِرِ المَعاصِي بِبَيانِ اسْتِحالَةِ مَغْفِرَتِهِ وجَوازِ مَغْفِرَتِها فَلَوْ كانَ الجَوازُ عَلى تَقْدِيرِ التَّوْبَةِ لَمْ يَظْهَرْ بَيْنَهُما فَرْقٌ لِلْإجْماعِ عَلى مَغْفِرَتِهِما بِالتَّوْبَةِ ولَمْ يَحْصُلْ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الزَّجْرِ البَلِيغِ عَنِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والحَمْلِ عَلى التَّوْبَةِ والإيمانِ.
﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ الإشْراكِ وتَفْظِيعِ حالِ مَن يَتَّصِفُ بِهِ.
﴿فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ أيِ: افْتَرى واخْتَلَقَ مُرْتَكِبًَا إثْمًَا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ويُسْتَحْقَرُ دُونَهُ جَمِيعُ الآثامِ فَلا تَتَعَلَّقُ بِهِ المَغْفِرَةُ قَطْعًَا.
النساء 4:49
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمِ المُنافِيَةِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، والمُرادُ بِهِمُ: اليَهُودُ الَّذِينَ يَقُولُونَ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وقِيلَ: ناسٌ مِنَ اليَهُودِ جاءُوا بِأطْفالِهِمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: هَلْ عَلى هَؤُلاءِ ذَنْبٌ؟ فَقالَ ﷺ: لا قالُوا: ما نَحْنُ إلّا كَهَيْئَتِهِمْ ما عَمِلْنا بِالنَّهارِ كُفِّرَ (p-188)عَنّا بِاللَّيْلِ وما عَمِلْنا بِاللَّيْلِ كُفِّرَ عَنّا بِالنَّهارِ، أيِ: انْظُرْ إلَيْهِمْ فَتَعَجَّبْ مِنِ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أزْكِياءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والإثْمِ العَظِيمِ أوْ مِنِ ادِّعائِهِمُ التَّكْفِيرَ مَعَ اسْتِحالَةِ أنْ يُغْفَرَ لِلْكافِرِ شَيْءٌ مِن كُفْرِهِ أوْ مَعاصِيهِ وفِيهِ تَحْذِيرٌ مِن إعْجابِ المَرْءِ بِنَفْسِهِ وبِعَمَلِهِ.
﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: هم لا يُزَكُّونَها في الحَقِيقَةِ لِكَذِبِهِمْ وبُطْلانِ اعْتِقادِهِمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ تَزْكِيَتَهُ مِمَّنْ يَسْتَأْهِلُها مِنَ المُرْتَضَيْنِ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ إذْ هو العَلِيمُ الخَبِيرُ بِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ البَشَرُ مِنَ المَحاسِنِ والمَساوِي، وقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِما هم مُتَّصِفُونَ بِهِ مِنَ القَبائِحِ وأصْلُ التَّزْكِيَةِ نَفْيُ ما يُسْتَقْبَحُ بِالفِعْلِ أوِ القَوْلِ.
﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ "قَدْ" حُذِفَتْ تَعْوِيلًَا عَلى دِلالَةِ الحالِ عَلَيْها وإيذانًَا بِأنَّها غَنِيَّةٌ عَنِ الذِّكْرِ أيْ: يُعاقَبُونَ بِتِلْكَ الفَعْلَةِ القَبِيحَةِ ولا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ العِقابِ.
﴿فَتِيلا﴾ أيْ: أدْنى ظُلْمٍ وأصْغَرَهُ وهو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ النَّواةِ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في القِلَّةِ والحَقارَةِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: يُثابُ المُزَكُّونَ ولا يُنْقَصُ مِن ثَوابِهِمْ شَيْءٌ أصْلًَا ولا يُساعِدُهُ مَقامُ الوَعِيدِ.
النساء 4:50
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ "كَيْفَ" نُصِبَ إمّا عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوْ بِالحالِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ والعامِلُ "يَفْتَرُونَ" وبِهِ تَتَعَلَّقُ "عَلى" أيْ: في أيِّ حالٍ أوْ عَلى أيِّ حالٍ يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ تَعالى الكَذِبَ، والمُرادُ بَيانُ شَناعَةِ تِلْكَ الحالِ وكَمالُ فَظاعَتِها والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ والنَّظَرُ مُتَعَلِّقٌ بِها وهو تَعْجِيبٌ إثْرَ تَعْجِيبٍ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ مُتَضَمِّنٌ لِأمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ مُوجِبَيْنِ لِلتَّعَجُّبِ؛ ادِّعاؤُهُمُ الاتِّصافَ بِما هم مُتَّصِفُونَ بِنَقِيضِهِ وافْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ ادِّعاءَهُمُ الزَّكاءَ عِنْدَهُ تَعالى مُتَضَمِّنٌ لِادِّعائِهِمْ قَبُولَ اللَّهِ وارْتِضاءَهُ إيّاهم تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًَّا كَبِيرًَا، ولِكَوْنِ هَذا أشْنَعَ مِنَ الأوَّلِ جُرْمًَا وأعْظَمَ قُبْحًَا لِما فِيهِ مِن نِسْبَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى ما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ مِن قَبُولِ الكُفْرِ وارْتِضائِهِ لِعِبادِهِ ومَغْفِرَةِ كُفْرِ الكافِرِ وسائِرِ مَعاصِيهِ وُجِّهَ النَّظَرُ إلى كَيْفِيَّتِهِ تَشْدِيدًَا لِلتَّشْنِيعِ وتَأْكِيدًَا لِلتَّعْجِيبِ، والتَّصْرِيحُ بِالكَذِبِ مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًَا لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ.
﴿وَكَفى بِهِ﴾ أيْ: بِافْتِرائِهِمْ هَذا مِن حَيْثُ هو افْتِراءٌ عَلَيْهِ تَعالى مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُقارَنَتِهِ لِتَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ وسائِرِ آثامِهِمِ العِظامِ.
﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ ظاهِرًَا بَيِّنًَا كَوْنُهُ إثْمًَا والمَعْنى: كَفى ذَلِكَ وحْدَهُ في كَوْنِهِمْ أشَدَّ إثْمًَا مِن كُلِّ كَفّارٍ أثِيمٍ أوْ في اسْتِحْقاقِهِمْ لِأشَدِّ العُقُوباتِ لِما مَرَّ سِرُّهُ وجَعْلُ الضَّمِيرِ لِزَعْمِهِمْ مِمّا لا مَساغَ لَهُ لِإخْلالِهِ بِتَهْوِيلِ أمْرِ الِافْتِراءِ فَتَدَبَّرْ.
النساء 4:51
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالٍ أُخْرى لَهم ووَصْفُهم بِما ذَكَرَ مِن إيتاءِ النَّصِيبِ لِما مَرَّ مِن مُنافاتِهِ لِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمادَّةِ التَّعَجُّبِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ حِينَ يُنْظَرُ إلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ: يُؤْمِنُونَ إلَخْ، والجِبْتُ: الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، فَقِيلَ: أصْلُهُ الجِبْسُ وهو الَّذِي (p-189)لا خَيْرَ عِنْدَهُ فَأُبْدِلَ السِّينُ تاءً. وقِيلَ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ. قِيلَ: هو في الأصْلِ كُلُّ ما يُطْغِي الإنْسانَ. رُوِيَ أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ خَرَجا إلى مَكَّةَ في سَبْعِينَ راكِبًَا مِنَ اليَهُودِ لِيُحالِفُوا قُرَيْشًَا عَلى مُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَنْقُضُوُا العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ ﷺ فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ الكِتابِ وأنْتُمْ أقْرَبُ إلى مُحَمَّدٍ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا نَطْمَئِنَّ إلَيْكم فَفَعَلُوا فَهَذا إيمانُهم بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ لِأنَّهم سَجَدُوا لِلْأصْنامِ وأطاعُوا إبْلِيسَ فِيما فَعَلُوا. وقالَ أبُو سُفْيانَ لِكَعْبٍ: إنَّكَ امْرُؤٌ تَقْرَأُ الكِتابَ وتَعْلَمُ ونَحْنُ أُمِّيُّونَ لا نَعْلَمُ فَأيُّنا أهْدى طَرِيقًَا نَحْنُ أمْ مُحَمَّدٌ؟ فَقالَ: ماذا يَقُولُ مُحَمَّدٌ؟ قالَ: يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ويَنْهى عَنِ الشِّرْكِ، قالَ: وما دِينُكُمْ؟ قالُوا: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَسْقِي الحاجَّ ونَقْرِي الضَّيْفَ ونَفُكُّ العانِيَ وذَكَرُوا أفْعالَهم فَقالَ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًَا وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ وفي حَقِّهِمْ.
﴿هَؤُلاءِ﴾ يَعْنُونَهم.
﴿أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ أيْ: أقْوَمُ دِينًَا وأرْشَدُ طَرِيقَةً، وإيرادُهم بِعُنْوانِ الإيمانِ لَيْسَ مِن قِبَلِ القائِلِينَ بَلْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى تَعْرِيفًَا لَهم بِالوَصْفِ الجَمِيلِ وتَخْطِئَةً لِمَن رُجِّحَ عَلَيْهِمُ المُتَّصِفِينَ بِأقْبَحِ القَبائِحِ.
النساء 4:52
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِهِمْ في الذِّكْرِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الضَّلالِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ وطَرَدَهُمْ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ وإظْهارِ مَصِيرِهِمْ ومَآلِهِمْ.
﴿وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ﴾ أيْ: يُبْعِدُهُ عَنْ رَحْمَتِهِ.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْهُ العَذابَ دُنْيَوِيًَّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًَّا لا بِشَفاعَةٍ ولا بِغَيْرِها، وفِيهِ تَنْصِيصٌ عَلى حِرْمانِهِمْ مِمّا طَلَبُوا مِنقُرَيْشٍ وفي كَلِمَةِ "لَنْ" وتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى كُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَسَنّى لَهُ الخِطابُ وتَوْحِيدِ النَّصْرِ مُنَكَّرًَا والتَّعْبِيرِ عَنْ عَدَمِهِ بِعَدَمِ الوِجْدانِ المُنْبِئِ عَنْ سَبْقِ الطَّلَبِ مُسْنَدًَا إلى المُخاطَبِ العامِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى حِرْمانِهِمِ الأبَدِيِّ بِالكُلِّيَّةِ ما لا يَخْفى.
النساء 4:53
﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ بَعْضٍ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن بَلْ لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ مِن ذَمِّهِمْ بِتَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم وغَيْرِها مِمّا حُكِيَ عَنْهم إلى ذَمِّهِمْ بِادِّعائِهِمْ نَصِيبًَا مِنَ المُلْكِ وبُخْلِهِمِ المُفْرِطِ وشُحِّهِمِ البالِغِ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم ما يَدَّعُونَهُ وإبْطالِ ما زَعَمُوا أنَّ المُلْكَ سَيَصِيرُ إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ بَلْ لِاسْتِحْقاقِهِمُ الحِرْمانَ مِنهُ بِسَبَبِ أنَّهم مِنَ البُخْلِ والدَّناءَةِ بِحَيْثُ لَوْ أُوتُوا شَيْئًَا مِن ذَلِكَ لَما أعْطَوُا النّاسَ مِنهُ أقَلَّ قَلِيلٍ ومِن حَقِّ مَن أُوتِيَ المُلْكَ أنْ يُؤْثِرَ الغَيْرَ بِشَيْءٍ مِنهُ، فالفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْ جُعِلَ لَهم نَصِيبٌ مِنهُ فَإذَنْ لا يُؤْتُونَ النّاسَ مِقْدارَ نَقِيرٍ وهو ما في ظَهْرِ النَّواةِ مِنَ النَّقْرَةِ ويُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في القِلَّةِ والحَقارَةِ وهَذا هو البَيانُ الكاشِفُ عَنْ كُنْهِ حالِهِمْ، وإذا كانَ شَأْنُهم كَذَلِكَ وهم مُلُوكٌ فَما ظَنُّكَ بِهِمْ وهم أذِلّاءُ مُتَفاقِرُونَ، ويَجُوزُ أنْ لا تَكُونَ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ بَلْ لِإنْكارِ الواقِعِ والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ أيْ: لِعَدِّهِ مُنْكَرًَا غَيْرَ لائِقٍ بِالوُقُوعِ عَلى أنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ والإنْكارَ مُتَوَجِّهٌ إلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفَيْنِ عَلى مَعْنى: ألَهم نَصِيبٌ وافِرٌ مِنَ المُلْكِ حَيْثُ (p-190)كانُوا أصْحابَ أمْوالٍ وبَساتِينَ وقُصُورٍ مَشِيدَةٍ كالمُلُوكِ فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ مَعَ ذَلِكَ نَقِيرًَا كَما تَقُولُ لِغَنِيٍّ لا يُراعِي أباهُ: ألَكَ هَذا القَدْرُ مِنَ المالِ فَلا تُنْفِقُ عَلى أبِيكَ شَيْئًَا؟! وفائِدَةُ إذَنْ تَأْكِيدُ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ حَيْثُ يَجْعَلُونَ ثُبُوتَ النَّصِيبِ سَبَبًَا لِلْمَنعِ مَعَ كَوْنِهِ سَبَبًَا لِلْإعْطاءِ وهي مُلْغاةٌ عَنِ العَمَلِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ إذَنْ، وقُرِئَ "فَإذَنْ لا يُؤْتُوا" بِالنَّصْبِ عَلى إعْمالِها.
النساء 4:54
﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ مُنْقَطِعَةٌ أيْضًَا مُفِيدَةٌ لِلِانْتِقالِ مِن تَوْبِيخِهِمْ بِما سَبَقَ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِالحَسَدِ الَّذِي هو شَرُّ الرَّذائِلِ وأقْبَحُها لاسِيَّما عَلى ما هم بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ واللّامُ في ﴿النّاسَ﴾ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وحَمْلُهُ عَلى الجِنْسِ إيذانًَا بِحِيازَتِهِمُ الكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ قاطِبَةً فَكَأنَّهم هُمُ النّاسُ لا غَيْرُهُ لا يُلائِمُهُ ذِكْرُ حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ فَإنَّ ذَلِكَ لِتَذْكِيرِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ العَلاقَةِ المُوجِبَةِ لِاشْتِراكِهِما في اسْتِحْقاقِ الفَضْلِ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ فَإنَّهم كانُوا يَطْمَعُونَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ مِنهم فَلَمّا خَصَّ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الكَرامَةِ غَيْرَهم حَسَدُوهُمْ، أيْ: بَلْ أيَحْسُدُونَهم.
﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ والكِتابَ وازْدِيادَ العِزِّ والنَّصْرِ يَوْمًَا فَيَوْمًَا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والِاسْتِقْباحِ وإلْزامٌ لَهم بِما هو مُسَلَّمٌ عِنْدَهم وحَسْمٌ لِمادَّةِ حَسَدِهِمْ واسْتِبْعادِهِمُ المَبْنِيَّيْنِ عَلى تَوَهُّمِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِ المَحْسُودِ لِما أُوتِيَ مِنَ الفَضْلِ بِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِ لَهُ بِطَرِيقِ الوِراثَةِ كابِرًَا عَنْ كابِرٍ وإجْراءُ الكَلامِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالأمْرِ والمَعْنى: أنَّ حَسَدَهُمُ المَذْكُورَ في غايَةِ القُبْحِ والبُطْلانِ فَإنّا قَدْ آتَيْنا مِن قَبْلِ هَذا.
﴿آلَ إبْراهِيمَ﴾ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ أبْناءُ أعْمامِهِ.
﴿الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ أىِ النُّبُوَّةَ.
﴿وَآتَيْناهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ.
﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ نُبُوَّتَهُ ﷺ ويَحْسُدُونَهُ عَلى إيتائِها وتَكْرِيرُ الإيتاءِ لِما يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّفْضِيلِ مَعَ الإشْعارِ بِما بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ مِنَ المُغايَرَةِ فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الإيتاءُ بِالذّاتِ فالمُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ أنْبِياؤُهم خاصَّةً، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في الفِعْلِ الثّانِي لِبَعْضِهِمْ إمّا بِحَذْفِ المُضافِ أوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ لِما أنَّ المُلْكَ لَمْ يُؤْتَ كُلَّهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُلْكُ في آلِ إبْراهِيمَ مُلْكُ يُوسُفَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْ أُرِيدَ بِهِ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ مِنَ الإيتاءِ بِالواسِطَةِ وهو اللّائِقُ بِالمَقامِ والأوْفَقُ لِما قَبْلَهُ مِن نِسْبَةِ إيتاءِ الفَضْلِ إلى النّاسِ فالمُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ كُلُّهم فَإنَّ تَشْرِيفَ البَعْضِ بِما ذُكِرَ مِن إيتاءِ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ تَشْرِيفٌ لِلْكُلِّ لِاعْتِنائِهِمْ بِآثارِهِ واقْتِباسِهِمْ مِن أنْوارِهِ، وفي تَفْصِيلِ ما أُوتُوهُ وتَكْرِيرِ الفِعْلِ ووَصْفِ المُلْكِ بِالعِظَمِ وتَنْكِيرِهِ التَّفْخِيمِيِّ مِن تَأْكِيدِ الإلْزامِ وتَشْدِيدِ الإنْكارِ ما لا يَخْفى. هَذا هو المُتَبادِرُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وإلَيْهِ جَنَحَ جُمْهُورُ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ لَكِنَّ الظّاهِرَ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: *
النساء 4:55
﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ حِكايَةً لِما صَدَرَ عَنْ أسْلافِهِمْ عَقِيبَ وقَعَ المَحْكِيُّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في الإلْزامِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ، أيْ: فَمِن جِنْسِ (p-191)هَؤُلاءِ الحاسِدِينَ وآبائِهِمْ مَن آمَنَ بِما أُوتِيَ آلُ إبْراهِيمَ ومِنهم مَن أعْرَضَ عَنْهُ، وأمّا جَعْلُ الضَّمِيرَيْنِ لِما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ فَيَسْتَدْعِي تَراخِيَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَمّا قَبْلَها نُزُولًَا. كَيْفَ لا؟ وحِكايَةُ إيمانِهِمْ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ بِصِيغَةِ الماضِي إنَّما يُتَصَوَّرُ بَعْدَ وُقُوعِ الإيمانِ والإعْراضِ المُتَأخِّرَيْنِ عَنْ سَماعِ الحَدِيثِ المُتَأخِّرِ عَنْ نُزُولِهِ وكَذا جَعْلُهُما رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ إذِ الظّاهِرُ بَيانُ حالِهِمْ بَعْدَ هَذا الإلْزامِ وحَمْلُهُ عَلى حِكايَةِ حالِهِمُ السّابِقَةِ تُساعِدُهُ الفاءُ المُرَتِّبَةُ لِما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها ولا يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِتَقْرِيرِ حَسَدِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِذَلِكَ. ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا﴾ الآيَةُ تَعْلِيلًَا لَهُ بِدِلالَتِهِ عَلى إعْراضِهِمْ عَمّا أُوتِيَ آلُ إبْراهِيمَ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ كَوْنُهُ بِطَرِيقِ الحَسَدِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أيَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ وذَلِكَ دَيْدَنُهُمُ المُسْتَمِرُّ فَإنّا قَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ ما آتَيْنا فَمِنهم أيْ: مِن جِنْسِهِمْ مَن آمَنَ بِما آتَيْناهم ومِنهم مَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ نارًَا مُسَعَّرَةً يُعَذَّبُونَ بِها والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.
النساء 4:56
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فالمُرادُ بِالآياتِ: إمّا القرآن أوْ ما يَعُمُّ كُلَّهُ وبَعْضَهُ أوْ ما يَعُمُّ سائِرَ مُعْجِزاتِهِ أيْضًَا وإنْ أُرِيدَ بِهِمُ الجِنْسُ المُتَناوِلُ لَهم تَناوُلًَا أوَّلِيًَّا فالمُرادُ بِالآياتِ ما يَعُمُّ المَذْكُوراتِ وسائِرَ الشَّواهِدِ الَّتِي أُوتِيَها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: "سَوْفَ" كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ ويَنُوبُ عَنْها السِّينُ وقَدْ يُذْكَرانِ في الوَعْدِ فَيُفِيدانِ التَّأْكِيدَ، أيْ: نُدْخِلُهم نارًَا عَظِيمَةً هائِلَةً.
﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أيِ: احْتَرَقَتْ و"كُلَّما" ظَرْفُ زَمانٍ والعامِلُ فِيهِ ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ مِن قَبِيلِ بَدَّلَهُ بِخَوْفِهِ أمْنًَا لا مِن قَبِيلِ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، أيْ: أعْطَيْناهم مَكانَ كُلِّ جِلْدٍ مُحْتَرِقٍ عِنْدَ احْتِراقِهِ جِلْدًَا جَدِيدًَا مُغايِرًَا لِلْمُحْتَرِقِ صُورَةً وإنْ كانَ عَيْنَهُ مادَّةً بِأنْ يُزالَ عَنْهُ الِاحْتِراقُ لِيَعُودَ إحْساسُهُ لِلْعَذابِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ "نُصْلِيهِمْ" وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُها لِـ"نارًَا" عَلى حَذْفِ العائِدِ أيْ: كُلَّما نَضِجَتْ فِيها جُلُودُهُمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَذُوقُوُا العَذابَ﴾ لِيَدُومَ ذَوْقُهُ ولا يَنْقَطِعَ كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ: "أعَزَّكَ اللَّهُ"، وقِيلَ: يَخْلُقُ مَكانَهُ جِلْدًَا آخَرَ والعَذابُ لِلنَّفْسِ العاصِيَةِ لا لِآلَةِ إدْراكِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يُبَدَّلُونَ جُلُودًَا بَيْضاءَ كَأمْثالِ القَراطِيسِ. ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قُرِئَتْ عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ لِلْقارِئِ: أعِدْها فَأعادَها وكانَ عِنْدَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ فَقالَ مُعاذٌ: عِنْدِي تَفْسِيرُها يُبَدَّلُ في ساعَةٍ مِائَةَ مَرَّةٍ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَكَذا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ. وقالَ الحَسَنُ تَأْكُلُهُمُ النّارُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةٍ كُلَّما أكَلَتْهم. قِيلَ لَهُمْ: عُودُوا فَيَعُودُونَ كَما كانُوا. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ بَيْنَ مَنكِبَيِ الكافِرِ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أيّامٍ لِلرّاكِبِ المُسْرِعِ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿ضِرْسُ الكافِرِ أوْ نابُ الكافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ والتَّعْبِيرُ عَنْ إدْراكِ العَذابِ بِالذَّوْقِ لَيْسَ لِبَيانِ قِلَّتِهِ بَلْ (p-192)لِبَيانِ أنَّ إحْساسَهم بِالعَذابِ في كُلِّ مَرَّةٍ كَإحْساسِ الذّائِقِ بِالمَذُوقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَدْخُلُهُ نُقْصانٌ لِدَوامِ المُلابَسَةِ أوْ لِلْإشْعارِ بِمَرارَةِ العَذابِ مَعَ إيلامِهِ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى شِدَّةِ تَأْثِيرِهِ مِن حَيْثُ إنَّ القُوَّةَ الذّائِقَةَ أشَدُّ الحَواسِّ تَأثُّرًَا أوْ عَلى سِرايَتِهِ لِلْباطِنِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في تَبْدِيلِ الجُلُودِ مَعَ قدرته تعالى عَلى إبْقاءِ إدْراكِ العَذابِ وذَوْقِهِ بِحالِهِ مَعَ الِاحْتِراقِ ومَعَ إبْقاءِ أبْدانِهِمْ عَلى حالِها مَصُونَةً عَنِ الاحْتِراقِ أنَّ النَّفْسَ رُبَّما تَتَوَهَّمُ زَوالَ الإدْراكِ بِالِاحْتِراقِ، ولا تَسْتَبْعِدُ كُلَّ الِاسْتِبْعادِ أنْ تَكُونَ مَصُونَةً عَنِ التَّألُّمِ والعَذابِ بِصِيانَةِ بَدَنِها عَنِ الاحْتِراقِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا﴾ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ ولا يُمانِعُهُ أحَدٌ.
﴿حَكِيمًا﴾ يُعاقِبُ مَن يُعاقِبُهُ عَلى وفْقِ حِكْمَتِهِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ الإصْلاءِ والتَّبْدِيلِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ، فَإنَّ عُنْوانَ الأُلُوهِيَّةِ مَناطٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ كَمالِهِ تَعالى.
النساء 4:57
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عُقِّبَ بَيانُ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ بِبَيانِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ تَكْمِيلًَا لِمَساءَةِ الأوَّلِينَ ومَسَرَّةِ الآخِرِينَ، أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وعَمِلُوا بِمُقْتَضَياتِها، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾، وقُرِئَ "سَيُدْخِلُهُمْ" بِالياءِ رَدًَّا عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ وفي السِّينِ تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ.
﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في "سَنُدْخِلُهُمْ". وقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ: مِمّا في نِساءِ الدُّنْيا مِنَ الأحْوالِ المُسْتَقْذَرَةِ البَدَنِيَّةِ والأدْناسِ الطَّبِيعِيَّةِ، في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن "جَنّاتٍ" أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ"جَنّاتٍ" بَعْدَ صِفَةٍ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ بَعْدَ خَبَرٍ.
﴿وَنُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ أيْ: فَيْنانًَا لا جَوْبَ فِيهِ دائِمًَا لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ اللَّهُمَّ ارْزُقْنا ذَلِكَ بِفَضْلِكَ وكَرَمِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ، والظَّلِيلُ: صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن لَفْظِ الظِّلِّ لِلتَّأْكِيدِ كَما في لَيْلٍ ألْيَلَ ويَوْمٍ أيْوَمَ، وقُرِئَ "يُدْخِلُهُمْ" بِالياءِ وهو عَطْفٌ عَلى "سَيُدْخِلُهُمْ" لا عَلى أنَّهُ غَيْرُ الإدْخالِ الأوَّلِ بِالذّاتِ بَلْ بِالعُنْوانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ .
النساء 4:58
﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوُا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ في تَصْدِيرِ الكَلامِ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ وإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ وإيرادِ الأمْرِ عَلى صُورَةِ الإخْبارِ مِنَ الفَخامَةِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ والدِّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وهو خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ المُكَلَّفِينَ قاطِبَةً كَما أنَّ الأماناتِ تَعُمُّ جَمِيعَ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِهِمْ مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وحُقُوقِ العِبادِ سَواءً كانَتْ فِعْلِيَّةً أوْ قَوْلِيَّةً أوِ اعْتِقادِيَّةً، وإنَّهُ ورَدَ في شَأْنِ عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ سادِنِ الكَعْبَةِ المُعَظَّمَةِ وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ أغْلَقَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بابَ الكَعْبَةِ وصَعِدَ السَّطْحَ وأبى أنْ يَدْفَعَ المِفْتاحَ إلَيْهِ وقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ (p-193)أمْنَعْهُ فَلَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يَدَهُ وأخَذَهُ مِنهُ وفَتَحَ ودَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ فَلَمّا خَرَجَ سَألَهُ العَبّاسُ أنْ يُعْطِيَهُ المِفْتاحَ ويَجْمَعَ لَهُ السِّقايَةَ والسِّدانَةَ فَنَزَلَتْ فَأمَرَ عَلِيًَّا أنْ يَرُدَّهُ إلى عُثْمانَ ويَعْتَذِرَ إلَيْهِ فَقالَ عُثْمانُ لِعَلِيٍّ: أكْرَهْتَ وآذَيْتَ ثُمَّ جِئْتَ تَرْفُو فَقالَ: لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِكَ قُرْآنًَا فَقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ فَقالَ عُثْمانُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًَا رَسُولُ اللَّهِ فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّ السِّدانَةَ في أوْلادِ عُثْمانَ أبَدًَا، وقُرِئَ الأمانَةَ عَلى التَّوْحِيدِ والمُرادُ الجِنْسُ لا المَعْهُودُ. وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْوُلاةِ بِأداءِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِهِمْ مِنَ المَناصِبِ وغَيْرِها إلى مُسْتَحِقِّها كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ أمْرٌ لَهم بِإيصالِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِهِمْ مِنَ المَناصِبِ وغَيْرِها إلى مُسْتَحِقِّها كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ أمْرٌ لَهم بِإيصالِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِ الغَيْرِ إلى أصْحابِها وحَيْثُ كانَ المَأْمُورُ بِهِ هَهُنا مُخْتَصًَّا بِوَقْتِ المُرافَعَةِ قُيِّدَ بِهِ بِخِلافِ المَأْمُورِ بِهِ أوَّلًَا فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ أُطْلِقَ إطْلاقًَا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَحْكُمُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "أنْ تُؤَدُّوا"، قَدْ فُصِلَ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ المَعْمُولِ لَهُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ والمُقَدَّرُ يَدُلُّ هو عَلَيْهِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها عِنْدَهُمْ، أيْ: وأنْ تَحْكُمُوا إذا حَكَمْتُمْ إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالعَدْلِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"تَحْكُمُوا" أوْ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِهِ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِالعَدْلِ والإنْصافِ.
﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ "ما" إمّا مَنصُوبَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِـ"يَعِظُكم بِهِ" أوْ مَرْفُوعَةٌ مَوْصُولَةٌ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: نِعْمَ شَيْئًَا يَعِظُكم بِهِ أوْ نِعْمَ الشَّيْءُ الَّذِي يَعِظُكم بِهِ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ ذَلِكَ وهو المَأْمُورُ بِهِ مِن أداءِ الأماناتِ والعَدْلِ في الحُكُوماتِ، وقُرِئَ "نَعِمّا" بِفَتْحِ النُّونِ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مُتَضَمِّنَةٌ لِمَزِيدِ لُطْفٍ بِالمُخاطَبِينَ وحُسْنِ اسْتِدْعاءٍ لَهم إلى الِامْتِثالِ بِالأمْرِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا﴾ لِأقْوالِكم.
﴿بَصِيرًا﴾ بِأفْعالِكُمْ، فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ وإظْهارُ الجَلالَةِ لِما ذُكِرَ آنِفًَا فَإنَّ فِيهِ تَأْكِيدًَا لِكُلٍّ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
النساء 4:59
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَعْدَ ما أمَرَ الوُلاةَ بِطَرِيقِ العُمُومِ أوْ بِطَرِيقِ الخُصُوصِ بِأداءِ الأماناتِ والعَدْلِ في الحُكُوماتِ أمَرَ سائِرَ النّاسِ بِطاعَتِهِمْ لَكِنْ لا مُطْلَقًَا بَلْ في ضِمْنِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قِيلَ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ وهم أُمَراءُ الحَقِّ ووُلاةُ العَدْلِ كالخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ ومَن يَقْتَدِي بِهِمْ مِنَ المُهْتَدِينَ، وأمّا أُمَراءُ الجَوْرِ فَبِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ العَطْفِ عَلى اللَّهِ تَعالى والرَّسُولِ ﷺ في وُجُوبِ الطّاعَةِ لَهم وقِيلَ: هم عُلَماءُ الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ إذْ لَيْسَ لِلْمُقَلِّدِ أنْ يُنازِعَ المُجْتَهِدَ في حُكْمِهِ إلّا أنْ يُجْعَلَ الخِطابُ لِأُولِي الأمْرِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وفِيهِ بُعْدٌ، وتَصْدِيرُ الشَّرْطِيَّةِ بِالفاءِ لِتَرَتُّبِها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ بَيانَ حُكْمِ طاعَةِ أُولِي الأمْرِ عِنْدَ مُوافَقَتِها لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ يَسْتَدْعِي بَيانَ حُكْمِها عِنْدَ المُخالَفَةِ، أيْ: إنِ اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وأُولُوُا الأمْرِ مِنكم في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ فَراجِعُوا فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ.
﴿والرَّسُولِ﴾ أيْ: إلى سُنَّتِهِ وقَدِ اسْتَدَلَّ (p-194)بِهِ مُنْكِرُو القِياسِ (وَهُوَ في الحَقِيقَةِ دَلِيلٌ عَلى حُجِّيَّتِهِ كَيْفَ لا؟ ورَدُّ المُخْتَلَفِ فِيهِ إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِالتَّمْثِيلِ والبِناءِ عَلَيْهِ وهو المَعْنِيُّ بِالقِياسِ، ويُؤَيِّدُهُ الأمْرُ بِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى وبِطاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأحْكامَ ثَلاثَةٌ ثابِتٌ بِالكِتابِ وثابِتٌ بِالسُّنَّةِ وثابِتٌ بِالرَّدِّ إلَيْهِما بِالقِياسِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ الأخِيرِ الوارِدِ في مَحَلِّ النِّزاعِ إذْ هو المُحْتاجُ إلى التَّحْذِيرِ مِنَ المُخالَفَةِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ ثِقَةً بِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ أيْ: إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَرُدُّوهُ إلَخْ، فَإنَّ الإيمانَ بِهِما يُوجِبُ ذَلِكَ أمّا الإيمان باللَّهِ تَعالى فَظاهِرٌ وأمّا الإيمان باليَوْمِ الآخِرِ فَلِما فِيهِ مِنَ العِقابِ عَلى المُخالَفَةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الرَّدُّ المَأْمُورُ بِهِ.
﴿خَيْرٌ﴾ لَكم وأصْلَحُ.
﴿وَأحْسَنُ﴾ في نَفْسِهِ.
﴿تَأْوِيلا﴾ أيْ: عاقِبَةً ومَآلًَا، وتَقْدِيمُ خَيْرِيَّتِهِ لَهم عَلى أحْسَنِيَّتِهِ في نَفْسِهِ لِما مَرَّ مِن تَعَلُّقِ أنْظارِهِمْ بِما يَنْفَعُهم والمُرادُ: بَيانُ اتِّصافِهِ في نَفْسِهِ بِالخَيْرِيَّةِ الكامِلَةِ في حَدِّ ذاتِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ فَضْلِهِ عَلى شَيْءٍ يُشارِكُهُ في أصْلِ الخَيْرِيَّةِ والحُسْنِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّحْذِيرُ السّابِقُ.
النساء 4:60
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعْجِيبًَا لَهُ مِن حالِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ ما مَرَّ مِنَ الأمْرِ المَحْتُومِ ولا يُطِيعُونَ اللَّهَ ولا رَسُولَهُ، ووَصْفُهم بِادِّعاءِ الإيمان بالقرآن وبِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ - أعْنِي التَّوْراةَ - لِتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والِاسْتِقْباحِ بِبَيانِ كَمالِ المُبايَنَةِ بَيْنَ دَعْواهم وبَيْنَ ما صَدَرَ عَنْهُمْ، وقُرِئَ الفِعْلانِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِبَيانِ مَحَلِّ التَّعْجِيبِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن صَدْرِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ؟ فَقِيلَ: يُرِيدُونَ إلَخْ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ مُنافِقًَا خاصَمَ يَهُودِيًَّا فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودَعاهُ المُنافِقُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ثُمَّ إنَّهُما احْتَكَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ فَلَمْ يَرْضَ بِهِ المُنافِقُ فَدَعاهُ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ اليَهُودِيُّ: قَضى لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ فَقالَ عُمَرُ لِلْمُنافِقِ: أهَكَذا؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عُمَرُ: مَكانَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما فَدَخَلَ فاشْتَمَلَ عَلى سَيْفِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ بِهِ عُنُقَ المُنافِقِ حَتّى بَرَدَ ثُمَّ قالَ هَكَذا أقْضِي لِمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَضاءِ رَسُولِهِ فَنَزَلَتْ فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: إنَّ عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْتَ الفارُوقُ، فالطّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ سُمِّيَ بِهِ لِإفْراطِهِ في الطُّغْيانِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ عَلى التَّشْبِيهِ بِالشَّيْطانِ والتَّسْمِيَةِ بِاسْمِهِ أوْ جُعِلَ اخْتِيارُ التَّحاكُمِ إلى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى التَّحاكُمِ إلَيْهِ تَحاكُمًَا إلى الشَّيْطانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِالطّاغُوتِ: كَهَنَةُ اليَهُودِ وسَحَرَتُهم. وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ المُنافِقَ دَعا خَصْمَهُ إلى كاهِنٍ في جُهَيْنَةَ فَتَحاكَما إلَيْهِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ الحادِثَةَ وقَعَتْ في قَتِيلٍ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَتَحاكَمَ المُسْلِمُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأبى المُنافِقُونَ مِنهُما إلّا التَّحاكُمَ إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ الأسْلَمِيِّ فَتَحاكَمُوا إلَيْهِ فَيَكُونُ الِاقْتِصارُ حِينَئِذٍ (p-195)فِي مَعْرِضِ التَّعْجِيبِ والِاسْتِقْباحِ عَلى ذِكْرِ إرادَةِ التَّحاكُمِ دُونَ نَفْسِهِ مَعَ وُقُوعِهِ أيْضًَا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إرادَتَهُ مِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ ولا يَنْبَغِي أنْ يَدْخُلَ تَحْتَ الوُقُوعِ فَما ظَنُّكَ بِنَفْسِهِ وهَذا أنْسَبُ بِوَصْفِ المُنافِقِينَ بِادِّعاءِ الإيمان بالتَّوْراةِ فَإنَّهُ كَما يَقْتَضِي كَوْنَهم مِن مُنافِقِي اليَهُودِ يَقْتَضِي كَوْنَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّحاكُمِ ظاهِرَ المُنافاةِ لِادِّعاءِ الإيمان بالتَّوْراةِ ولَيْسَ التَّحاكُمُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ بِهَذِهِ المَثابَةِ مِنَ الظُّهُورِ وأيْضًَا فالمُتَبادِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ كَوْنُهم مَأْمُورِينَ بِكُفْرِهِ في الكِتابَيْنِ وما ذاكَ إلّا الشَّيْطانُ وأوْلِياؤُهُ المَشْهُورُونَ بِوِلايَتِهِ كالكَهَنَةِ ونَظائِرِهِمْ لا مَن عَداهم مِمَّنْ لَمْ يُشْتَهَرْ بِذَلِكَ، وقُرِئَ أنْ يَكْفُرُوا بِها عَلى أنَّ الطّاغُوتَ جَمْعٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "يُرِيدُونَ" مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ وتَشْدِيدِ الِاسْتِقْباحِ كالوَصْفِ السّابِقِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يُرِيدُونَ﴾ داخِلٌ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ، فَإنَّ اتِّباعَهم لِمَن يُرِيدُ إضْلالَهم وإعْراضَهم عَمَّنْ يُرِيدُ هِدايَتَهم أعْجَبُ مِن كُلِّ عَجِيبٍ، و"ضَلالًَا" إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ أيْ: إضْلالًَا بَعِيدًَا وإمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ أىْ: فَيَضِلُّوا إضْلالًَا، وأيًَّا ما كانَ؛ فَوَصْفُهُ بِالبُعْدِ الَّذِي هو نَعْتُ مَوْصُوفِهِ لِلْمُبالَغَةِ وقَوْلُهُ تَعالى:*
النساء 4:61
﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ﴾ تَكْمِلَةٌ لِمادَّةِ التَّعْجِيبِ بِبَيانِ إعْراضِهِمْ صَرِيحًَا عَنِ التَّحاكُمِ إلى كِتابِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ إثْرَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَنْ ذَلِكَ في ضِمْنِ التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ، وقُرِئَ "تَعالُوا" بِضَمِّ الَّلامِ عَلى أنَّهُ حَذَفَ لامَ الفِعْلِ تَخْفِيفًَا كَما في قَوْلِهِمْ: ما بالَيْتُ بالَةً أصْلُها بالِيَةٌ كَعافِيَةٍ وكَما قالُوا في "آيَةٍ": إنَّ أصْلَها أيْيَةٌ فَحُذِفَتِ اللّامُ ووَقَعَتْ واوُ الجَمْعِ بَعْدَ اللّامِ في تَعالى، فَضُمَّتْ فَصارَ تَعالُوا ومِنهُ قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ لِلْمَرْأةِ تَعالِي بِكَسْرِ اللّامِ وعَلَيْهِ قَوْلُ أبِي فِراسٍ الحَمْدانِيِّ:
؎ أيا جارَتِي ما أنْصَفَ الدَّهْرُ بَيْنَنا ∗∗∗ تَعالِي أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي
﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ﴾ إظْهارُ المُنافِقِينَ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالنِّفاقِ وذَمِّهِمْ بِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾ حالٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ والجُمْلَةُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَها والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِظُهُورِ حالِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُدُودًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ، أيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إعْراضًَا وأيَّ إعْراضٍ. وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو الصَّدُّ والأظْهَرُ أنَّهُ مَصْدَرٌ لِصَدِّ اللّازِمِ والصَّدُّ مَصْدَرٌ لِلْمُتَعَدِّي يُقالُ صَدَّ عَنْهُ صُدُودًَا، أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وصَدَّهُ عَنْهُ صَدًَّا، أيْ: مَنَعَهُ مِنهُ.
النساء 4:62
وَقَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ غائِلَةِ جِنايَتِهِمِ المَحْكِيَّةِ ووَخامَةِ عاقِبَتِها، أيْ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم.
﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ: وقْتَ إصابَةِ المُصِيبَةِ إيّاهم بِافْتِضاحِهِمْ بِظُهُورِ نِفاقِهِمْ.
﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الجِناياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ والإعْراضُ عَنْ حُكْمِكَ.
﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾ لِلِاعْتِذارِ عَمّا صَنَعُوا (p-196)مِنَ القَبائِحِ وهو عَطْفٌ عَلى "أصابَتْهُمْ" والمُرادُ: تَفْظِيعُ حالِهِمْ وتَهْوِيلُ ما دَهَمَهم مِنَ الخَطْبِ واعْتَراهم مِن شِدَّةِ الأمْرِ عِنْدَ إصابَةِ المُصِيبَةِ وعِنْدَ المَجِيءِ لِلِاعْتِذارِ.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "جاءُوكَ".
﴿إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ إلّا الفَصْلَ بِالوَجْهِ الحَسَنِ والتَّوْفِيقَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ ولَمْ نُرِدْ مُخالَفَةً لَكَ ولا تَسَخُّطًَا لِحُكْمِكَ فَلا تُؤاخِذْنا بِما فَعَلْنا وهَذا وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلَيْهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ ولا يُغْنِي عَنْهُمُ الاعْتِذارُ. وقِيلَ: جاءَ أوْلِياءُ المُنافِقِ يَطْلُبُونَ بِدَمِهِ وقَدْ أهْدَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالُوا: ما أرَدْنا، أيْ: ما أرادَ صاحِبُنا المَقْتُولُ بِالتَّحاكُمِ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلّا أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِ ويُوَفِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ.
النساء 4:63
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الكُفْرِ والنِّفاقِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِن فُنُونِ الشُّرُورِ والفَساداتِ المُنافِيَةِ لِما أظْهَرُوا لَكَ مِنَ الأكاذِيبِ.
﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إذا كانَ حالُهم كَذَلِكَ فَأعْرِضْ عَنْ قَبُولِ مَعْذِرَتِهِمْ، وقِيلَ: عَنْ عِقابِهِمْ لِمَصْلَحَةٍ في اسْتِبْقائِهِمْ ولا تُظْهِرْ لَهم عِلْمَكَ بِما في بَواطِنِهِمْ وتَهْتِكْ سِتْرَهم حَتّى يَبْقَوْا عَلى وجَلٍ وحَذَرٍ.
﴿وَعِظْهُمْ﴾ أيِ: ازْجُرْهم عَنِ النِّفاقِ والكَيْدِ.
﴿وَقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾ في حَقِّ أنْفُسِهِمُ الخَبِيثَةِ وقُلُوبِهِمُ المُنْطَوِيَةِ عَلى الشُّرُورِ الَّتِي يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى أوْ في أنْفُسِهِمْ خالِيًَا بِهِمْ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم مُسارًَّا بِالنَّصِيحَةِ لِأنَّها في السِّرِّ أنْجَعُ.
﴿قَوْلا بَلِيغًا﴾ مُؤَثِّرًَا واصِلًَا إلى كُنْهِ المُرادِ مُطابِقًَا لِما سِيقَ لَهُ مِنَ المَقْصُودِ فالظَّرْفُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ"بَلِيغًَا" عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، أيْ: قُلْ لَهم قَوْلًَا بَلِيغًَا في أنْفُسِهِمْ مُؤَثِّرًَا في قُلُوبِهِمْ يَغْتَنِمُونَ بِهِ اغْتِنامًَا ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًَا وهو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ والإيذانُ بِأنَّ ما في قُلُوبِهِمْ مِن مَكْنُوناتِ الشَّرِّ والنِّفاقِ غَيْرُ خافٍ عَلى اللَّهِ تَعالى وأنَّ ذَلِكَ مُسْتَوْجِبٌ لِأشَدِّ العُقُوباتِ وإنَّما هَذِهِ المُكافَأةُ والتَّأْخِيرُ لِإظْهارِهِمُ الإيمانَ والطّاعَةَ وإضْمارِهِمُ الكُفْرَ ولَئِنْ أظْهَرُوُا الشِّقاقَ وبَرَزُوا بِأشْخاصِهِمْ مِن نَفَقِ النِّفاقِ لَيَمَسَّنَّهُمُ العَذابُ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ.
النساء 4:64
﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ جِيءَ بِهِ تَمْهِيدًَا لِبَيانِ خَطَئِهِمْ في الِاشْتِغالِ بِسَتْرِ جِنايَتِهِمْ بِالِاعْتِذارِ بِالأباطِيلِ وعَدَمِ تَلافِيها بِالتَّوْبَةِ أيْ: وما أرْسَلْنا رَسُولًَا مِنَ الرُّسُلِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيُطاعَ بِسَبَبِ إذْنِهِ تَعالى في طاعَتِهِ وأمْرِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ بِأنْ يُطِيعُوهُ ويَتَّبِعُوهُ لِأنَّهُ مُؤَدٍّ عَنْهُ تَعالى فَطاعَتُهُ طاعَةُ اللَّهِ تَعالى ومَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَتُهُ تَعالى: مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ، أوْ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ في طاعَتِهِ.
﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وعَرَّضُوها لِعَذابٍ عَلى عَذابِ النِّفاقِ بِتَرْكِ طاعَتِكَ والتَّحاكُمِ إلى غَيْرِكَ.
﴿جاءُوكَ﴾ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ مُتَوَسِّلِينَ بِكَ في التَّنَصُّلِ عَنْ جِنايَتِهِمُ القَدِيمَةِ والحادِثَةِ ولَمْ يَزْدادُوا جِنايَةً عَلى جِنايَةٍ بِالقَصْدِ إلى سَتْرِها (p-197)بِالِاعْتِذارِ الباطِلِ والإيمانِ الفاجِرِ.
﴿فاسْتَغْفَرُوُا اللَّهَ﴾ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ وبالَغُوا في التَّضَرُّعِ إلَيْكَ حَتّى انْتَصَبْتَ شَفِيعًَا لَهم إلى اللَّهِ تَعالى واسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ، وإنَّما قِيلَ: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ تَفْخِيمًَا لِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَعْظِيمًَا لِاسْتِغْفارِهِ وتَنْبِيهًَا عَلى أنَّ شَفاعَتَهُ في حَيِّزِ القَبُولِ.
﴿لَوَجَدُوُا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ لَعَلِمُوهُ مُبالِغًَا في قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وإنْ فُسِّرَ الوِجْدانُ بِالمُصادَفَةِ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَوّابًا﴾ حالًَا و ﴿رَحِيمًا﴾ بَدَلًَا مِنهُ أوْ حالًَا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ. وأيًَّا ما كانَ؛ فَفِيهِ فَضْلُ تَرْغِيبٍ لِلسّامِعِينَ في المُسارَعَةِ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ ومَزِيدُ تَنْدِيمٍ لِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ عَلى ما صَنَعُوا لِما أنَّ ظُهُورَ تَباشِيرِ قَبُولِ التَّوْبَةِ وحُصُولِ الرَّحْمَةِ لَهم ومُشاهَدَتَهم لِآثارِهِما نِعْمَةٌ زائِدَةٌ عَلَيْهِما مُوجِبَةٌ لِكَمالِ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِها وتَمامِ الحَسْرَةِ عَلى فَواتِها.
النساء 4:65
﴿فَلا ورَبِّكَ﴾ أيْ: فَوَرَبِّكَ و"لا" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ لا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ في جَوابِهِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّها تُزادُ في الإثْباتِ أيْضًَا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ونَظائِرِهِ.
﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أيْ: يَتَحاكَمُوا إلَيْكَ ويَتَرافَعُوا إلَيْكَ وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ التَّحْكِيمِ مَعَ أنَّهُ ﷺ حاكِمٌ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيذانًَا بِأنَّ حَقَّهم أنْ يَجْعَلُوهُ حَكَمًَا فِيما بَيْنَهم ويَرْضَوْا بِحُكْمِهِ وإنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ كَوْنِهِ حاكِمًَا عَلى الإطْلاقِ.
﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: فِيما اخْتَلَفَ بَيْنَهم مِنَ الأُمُورِ واخْتَلَطَ ومِنهُ الشَّجَرُ لِتَداخُلِ أغْصانِهِ.
﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ أيْ: فَتَقْضِي بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا ﴿فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ ضِيقًَا.
﴿مِمّا قَضَيْتَ﴾ أيْ: مِمّا قَضَيْتَ بِهِ أوْ مِن قَضائِكَ، وقِيلَ: شَكا مِن أجْلِهِ إذا الشّاكُّ في ضِيقٍ مِن أمْرِهِ.
﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ أيْ: يَنْقادُوا لِأمْرِكَ ويُذْعِنُوا لَهُ.
﴿تَسْلِيمًا﴾ تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِهِ، أيْ: تَسْلِيمًَا تامًَّا بِظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ، يُقالُ: سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ لَهُ بِمَعْنىً وحَقِيقَتُهُ: سَلَّمَ نَفْسَهُ لَهُ إذا جَعَلَها سالِمَةً لَهُ خالِصَةً أيْ: يَنْقادُوا لِحُكْمِكَ انْقِيادًَا لا شُبْهَةَ فِيهِ بِظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ المُنافِقِ واليَهُودِيِّ. وقِيلَ: في شَأْنِ الزُّبَيْرِ ورَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ حِينَ اخْتَصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ كانا يَسْقِيانِ بِها النَّخْلَ فَقالَ ﷺ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ وقالَ: لِأنَّ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ قالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَرْجِعَ إلى الجُدُرِ واسْتَوْفِ حَقَّكَ ثُمَّ أرْسِلْهُ إلى جارِكَ، كانَ قَدْ أشارَ عَلى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ فِيهِ سَعَةٌ لَهُ ولِخَصْمِهِ فَلَمّا أُحْفِظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ ثُمَّ خَرَجا فَمَرّا عَلى المِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ فَقالَ: لِمَنِ القَضاءُ؟ فَقالَ الأنْصارِيُّ: قَضى لِابْنِ عَمَّتِهِ ولَوى شِدْقَهُ فَفَطِنَ يَهُودِيٌّ كانَ مَعَ المِقْدادِ فَقالَ: قاتَلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ يَشْهَدُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَّهِمُونَهُ في قَضاءٍ يَقْضِي بَيْنَهم وايْمِ اللَّهِ لَقَدْ أذْنَبْنا ذَنْبًَا مَرَّةً في حَياةِ مُوسى فَدَعانا إلى التَّوْبَةِ مِنهُ وقالَ: اقْتُلُوا أنْفُسَكم فَفَعَلْنا فَبَلَغَ قَتْلانا سَبْعِينَ ألْفًَا في طاعَةِ رَبِّنا حَتّى رَضِيَ عَنّا فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسَ: أما واللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَيَعْلَمُ مِنِّي الصِّدْقَ لَوْ أمَرَنِي مُحَمَّدٌ أنْ أقْتُلَ نَفْسِي لَقَتَلْتُها. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ ثابِتٌ وابْنُ مَسْعُودٍ وعَمّارُ بْنُ ياسِرَ (p-198)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًَا الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي فَنَزَلَتْ في شَأْنِ هَؤُلاءِ.
النساء 4:66
﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ أيْ: لَوْ أوْجَبْنا عَلَيْهِمْ مِثْلَ ما أوْجَبْنا عَلى بَنى إسْرائِيلَ مِن قَتْلِهِمْ أنْفُسَهم أوْ خُرُوجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ حِينَ اسْتِتابَتِهِمْ مِن عِبادَةِ العِجْلِ و"أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ كَتَبْنا في مَعْنى أمَرْنا.
﴿ما فَعَلُوهُ﴾ أيِ: المَكْتُوبَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِ "كَتَبْنا" أوْ أحَدِ مَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ.
﴿إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: إلّا أُناسٌ قَلِيلٌ مِنهم وهُمُ المُخْلِصُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَوْ أمَرَنا رَبُّنا لَفَعَلْنا والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ. وقِيلَ: مَعْنى اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ: تَعَرَّضُوا بِها لِلْقَتْلِ بِالجِهادِ، وهو بَعِيدٌ. وقُرِئَ "إلّا قَلِيلًَا" بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ أوْ "إلّا فِعْلًَا قَلِيلًَا".
﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِن مُتابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ وطاعَتِهِ والِانْقِيادِ لِما يَراهُ ويَحْكُمُ بِهِ ظاهِرًَا وباطِنًَا وسُمِّيَتْ أوامِرُ اللَّهِ تَعالى ونَواهِيهِ مَواعِظَ لِاقْتِرانِهِما بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.
﴿لَكانَ﴾ أيْ: فِعْلُهم ذَلِكَ.
﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ عاجِلًَا وآجِلًَا.
﴿وَأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لَهم عَلى الإيمانِ وأبْعَدَ مِنَ الاضْطِرابِ فِيهِ وأشَدَّ تَثْبِيتًَا لِثَوابِ أعْمالِهِمْ.
النساء 4:67
﴿وَإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وماذا يَكُونُ لَهم بَعْدَ التَّثْبِيتِ؟ فَقِيلَ: وإذَنْ لَوْ ثَبَتُوا لَآتَيْناهم فَإنَّ إذَنْ جَوابٌ وجَزاءٌ.
النساء 4:68
﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يَصِلُونَ بِسُلُوكِهِ إلى عالَمِ القُدُسِ ويَفْتَحُ لَهم أبْوابَ الغَيْبِ، قالَ ﷺ: « "مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ".»
النساء 4:69
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ فِيهِ فَضْلُ تَرْغِيبٍ في الطّاعَةِ ومَزِيدُ تَشْوِيقٍ إلَيْها بِبَيانِ أنَّ نَتِيجَتَها أقْصى ما يَنْتَهِي إلَيْهِ هِمَمُ الأُمَمِ وأرْفَعُ ما يَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ عَزائِمِهِمْ مِن مُجاوَرَةِ أعْظَمِ الخَلائِقِ مِقْدارًَا وأرْفَعِهِمْ مَنارًَا مُتَضَمِّنٌ لِتَفْسِيرِ ما أُبْهِمَ في جَوابِ الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ وتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ فِيهِ، والمُرادُ بِالطّاعَةِ: هو الِانْقِيادُ التّامُّ والِامْتِثالُ الكامِلُ لِجَمِيعِ الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُطِيعِينَ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في فِعْلِ الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ القُرْبِ في الذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ وتَرْكُ ذِكْرِ المُنْعَمِ بِهِ لِلْإشْعارِ بِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ تَفْصِيلِهِ وبَيانِهِ.
﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بَيانٌ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ والتَّعَرُّضُ لِمَعِيَّةِ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّ الكَلامَ في بَيانِ حُكْمِ طاعَةِ نَبِيِّنا ﷺ لِجَرَيانِ ذِكْرِهِمْ في (p-199)سَبَبِ النُّزُولِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ طاعَتَهُ ﷺ مُتَضَمِّنَةٌ لِطاعَتِهِمْ لِاشْتِمالِ شَرِيعَتِهِ عَلى شَرائِعِهِمُ الَّتِي لا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الأعْصارِ. رُوِيَ أنَّ نَفَرًَا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنْ صِرْنا إلى الجَنَّةِ تَفْضُلُنا بِدَرَجاتِ النُّبُوَّةِ فَلا نَراكَ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: جاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ وهو يَبْكِي فَقالَ: ما يُبْكِيكَ يا فُلانُ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو لَأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي وأهْلِي ومالِي ووَلَدِي وإنِّي لَأذْكُرُكَ وأنا في أهْلِي فَيَأْخُذُنِي مِثْلُ الجُنُونِ حَتّى أراكَ وذَكَرْتُ مَوْتِي وأنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ وإنِّي إنْ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلَةٍ أدْنى مِن مَنزِلَتِكَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ ثَوْبانَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ شَدِيدَ الحُبِّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ فَأتاهُ يَوْمًَا وقَدْ تَغَيَّرَ وجْهُهُ ونَحُلَ جِسْمُهُ وعُرِفَ الحُزْنُ في وجْهِهِ فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حالِهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي مِن وجَعٍ غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ واسْتَوْحَشْتُ وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ فَذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَخِفْتُ أنْ لا أراكَ هُناكَ لِأنِّي عَرَفْتُ أنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ وإنْ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلَةٍ دُونَ مَنزِلِكَ وإنْ لَمْ أُدْخَلْ فَذاكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًَا فَنَزَلَتْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ وأبَوَيْهِ وأهْلِهِ ووَلَدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ"،» وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. ورُوِيَ «أنَّ أنَسًَا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ قَوْمًَا ولَمّا يَلْحَقْ بِهِمْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ".» ﴿والصِّدِّيقِينَ﴾ أيِ: المُتَقَدِّمِينَ في تَصْدِيقِهِمُ المُبالِغِينَ في الصِّدْقِ والإخْلاصِ في الأقْوالِ والأفْعالِ وهم أفاضِلُ أصْحابِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأماثِلُ خَواصِّهِمُ المُقَرَّبِينَ كَأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿والشُّهَداءِ﴾ الَّذِينَ بَذَلُوا أرْواحَهم في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ.
﴿والصّالِحِينَ﴾ الصّارِفِينَ أعْمارَهم في طاعَتِهِ وأمْوالَهم في مَرْضاتِهِ ولَيْسَ المُرادُ بِالمَعِيَّةِ الِاتِّحادَ في الدَّرَجَةِ ولا مُطْلَقَ الِاشْتِراكِ في دُخُولِ الجَنَّةِ بَلْ كَوْنَهم فِيها بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ وزِيارَتِهِ مَتى أرادَ وإنْ بَعُدَ ما بَيْنَهُما مِنَ المَسافَةِ.
﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ الرَّفِيقُ: الصّاحِبُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّفْقِ وهو لِينُ الجانِبِ واللَّطافَةُ في المُعاشَرَةِ قَوْلًَا وفِعْلًَا، فَإنْ جُعِلَ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةً إلى النَّبِيِّينَ ومَن بَعْدَهم عَلى أنَّ ما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًَا فَـ"رَفِيقًَا" إمّا تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ عَلى مَعْنى أنَّهم وُصِفُوا بِالحُسْنِ مِن جِهَةِ كَوْنِهِمْ رُفَقاءَ لِلْمُطِيعِينَ أوْ حالَ كَوْنِهِمْ رُفَقاءَ لَهُمْ، وإفْرادُهُ لِما أنَّهُ كالصِّدِّيقِ والخَلِيطِ والرَّسُولِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والمُتَعَدِّدُ أوْ لِأنَّهُ أُرِيدَ: حَسُنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم رَفِيقًَا، وإنْ جُعِلَ إشارَةً إلى المُطِيعِينَ فَهو تَمْيِيزٌ عَلى مَعْنى أنَّهم وُصِفُوا بِحُسْنِ الرَّفِيقِ مِنَ النَّبِيِّينَ ومَن بَعْدَهم لا بِنَفْسِ الحُسْنِ فَلا يَجُوزُ دُخُولُ مِن عَلَيْهِ كَما يَجُوزُ في الوَجْهِ الأوَّلِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُؤَكِّدٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ، قِيلَ: فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًَا ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ قُرِئَ "وَحَسْنَ" بِسُكُونِ السِّينِ.
النساء 4:70
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما لِلْمُطِيعِينَ مِن عَظِيمِ الأجْرِ ومَزِيدِ الهِدايَةِ ومُرافَقَةِ هَؤُلاءِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ أوْ إلى فَضْلِهِمْ ومَزِيَّتِهِمْ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الفَضْلُ﴾ صِفَتُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: ذَلِكَ الفَضْلُ العَظِيمُ مِنَ اللَّهِ (p-200)تَعالى لا مِن غَيْرِهِ، أوِ "الفَضْلُ" خَبَرُهُ و"مِنَ اللَّهِ" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنهُ والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ الفَضْلُ كائِنًَا مِنَ اللَّهِ تَعالى لا أنَّ أعْمالَ المُكَلَّفِينَ تُوجِبُهُ.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بِجَزاءِ مَن أطاعَهُ وبِمَقادِيرِ الفَضْلِ واسْتِحْقاقِ أهْلِهِ.
النساء 4:71
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ الحِذْرُ والحَذَرُ واحِدٌ كالإثْرِ والأثَرِ والشِّبْهِ والشَّبَهِ، أيْ: تَيَقَّظُوا واحْتَرِزُوا مِنَ العَدُوِّ ولا تُمَكِّنُوهُ مِن أنْفُسِكُمْ، يُقالُ: أخَذَ حِذْرَهُ إذا تَيَقَّظَ واحْتَرَزَ مِنَ المَخُوفِ كَأنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ آلَتَهُ الَّتِي يَقِي بِها نَفْسَهُ، وقِيلَ: هو ما يُحَذَّرُ بِهِ مِنَ السِّلاحِ والحَزْمِ أيِ: اسْتَعِدُّوا لِلْعَدُوِّ.
﴿فانْفِرُوا﴾ بِكَسْرِ الفاءِ، وقُرِئَ بِضَمِّها أيِ: اخْرُجُوا إلى الجِهادِ عِنْدَ خُرُوجِكم.
﴿ثُباتٍ﴾ جَمْعُ ثُبَةٍ وهي الجَماعَةُ مِنَ الرِّجالِ فَوْقَ العَشْرَةِ ووَزْنُها في الأصْلِ فُعَلَةٌ كَحُطَمَةٍ حُذِفَتْ لامُها وعُوِّضَ عَنْها تاءُ التَّأْنِيثِ، وهَلْ هي واوٌ أوْ ياءٌ؟ فِيهِ قَوْلانِ، قِيلَ: إنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن ثَبا يَثْبُو كَحَلا يَحْلُو، أىِ: اجْتَمَعَ، وقِيلَ: مِن ثَبَيْتَ عَلى الرَّجُلِ إذا أثْنَيْتَ عَلَيْهِ كَأنَّكَ جَمَعْتَ مَحاسِنَهُ ويُجْمَعُ أيْضًَا عَلى ثُبِينَ جَبْرًَا لِما حُذِفَ مِن عَجُزِهِ ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ أيِ: انْفِرُوا جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ.
﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ كَوْكَبَةً واحِدَةً ولا تَتَخاذَلُوا فَتُلْقُوا بِأنْفُسِكم إلى التَّهْلُكَةِ.
النساء 4:72
﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أيْ: لَيَتَثاقَلَنَّ ولَيَتَخَلَّفَنَّ عَنِ الجِهادِ مِن بَطَّأ بِمَعْنى أبْطَأ كَعَتَّمَ بِمَعْنى أعْتَمَ، والخِطابُ لِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلِّهِمُ المُؤْمِنِينَ مِنهم والمُنافِقِينَ، والمُبَطِّئُونَ: مُنافِقُوهُمُ الَّذِينَ تَثاقَلُوا وتَخَلَّفُوا عَنِ الجِهادِ أوْ لَيُبَطِّئَنَّ غَيْرَهُ ويُثَبِّطَنَّهُ مِن بَطَّأ مَنقُولًَا مِن بَطُؤَ كَثَقَّلَ مِن ثَقُلَ كَما بَطَّأ ابْنُ أُبَيٍّ ناسًَا يَوْمَ أُحُدٍ، والأوَّلُ أنْسَبُ لِما بَعْدَهُ واللّامُ الأُولى لِلِابْتِداءِ دَخَلَتْ عَلى اسْمِ إنَّ لِلْفَصْلِ بِالخَبَرِ والثّانِيَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ والقَسَمُ بِجَوابِهِ صِلَةُ مَن والرّاجِعُ إلَيْهِ ما اسْتَكَنَّ في "لَيُبَطِّئَنَّ" والتَّقْدِيرُ: وإنَّ مِنكم لَمَن أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَيُبَطِّئَنَّ.
﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ كَقَتْلٍ وهَزِيمَةٍ.
﴿قالَ﴾ أيِ: المُبَطِّئُ فَرِحًَا بِصُنْعِهِ وحامِدًَا لِرَأْيِهِ.
﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ أيْ: بِالقُعُودِ.
﴿إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ أيْ: حاضِرًَا في المَعْرَكَةِ فَيُصِيبُنِي ما أصابَهُمْ، والفاءُ في الشَّرْطِيَّةِ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ذِكْرَ التَّبْطِئَةِ مُسْتَتْبِعٌ لِذِكْرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها كَما أنَّ نَفْسَ التَّبْطِئَةِ مُسْتَدْعِيَةٌ لِشَيْءٍ يَنْتَظِرُ المُبَطِّئُ وُقُوعَهُ.
النساء 4:73
﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ﴾ كَفَتْحٍ وغَنِيمَةٍ.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"أصابَكُمْ" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"فَضْلٌ" أيْ: كائِنٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ونِسْبَةُ إصابَةِ الفَضْلِ إلى جَنابِ اللَّهِ تَعالى دُونَ إصابَةِ المُصِيبَةِ مِنَ العاداتِ الشَّرِيفَةِ التَّنْزِيلِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ وتَقْدِيمُ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى لِما أنَّ مَضْمُونَها لِمَقْصِدِهِمْ أوْفَقُ وأثَرَ نِفاقِهِمْ فِيها أظْهَرُ.
﴿لَيَقُولَنَّ﴾ نَدامَةً عَلى تَثَبُّطِهِ وقُعُودِهِ وتَهالُكًَا عَلى حُطامِ الدُّنْيا وتَحَسُّرًَا عَلى فَواتِهِ، وقُرِئَ "لَيَقُولُنَّ" بِضَمِّ اللّامِ إعادَةً لِلضَّمِيرِ إلى مَعْنى "مَن". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ (p-201)بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ الَّذِي هو ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لِئَلّا يُفْهَمَ مِن مَطْلَعِ كَلامِهِ أنَّ تَمَنِّيهِ لِمَعِيَّةِ المُؤْمِنِينَ لِنُصْرَتِهِمْ ومُظاهَرَتِهِمْ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ ما في البَيْنِ مِنَ المَوَدَّةِ بَلْ هو لِلْحِرْصِ عَلى المالِ كَما يَنْطِقُ بِهِ آخِرُهُ ولَيْسَ إثْباتُ المَوَدَّةِ في البَيْنِ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ بَلْ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "لَيَقُولَنَّ" أيْ: لَيَقُولَنَّ مُشَبَّهًَا بِمَن لا مَوَدَّةَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ. وقِيلَ: هي داخِلَةٌ في المَقُولِ، أيْ: لَيَقُولَنَّ المُثَبِّطُ لِمَن يُثَبِّطُهُ مِنَ المُنافِقِينَ وضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ: كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَ مُحَمَّدٍ مَوَدَّةٌ حَيْثُ لَمْ يَسْتَصْحِبْكم في الغَزْوِ حَتّى تَفُوزُوا بِما فازَ يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم وغَرَضُهُ إلْقاءُ العَداوَةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَأْكِيدُها، وكَأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وهو مَحْذُوفٌ، وقُرِئَ "لَمْ يَكُنْ" بِالياءِ والمُنادى في "يالَيْتَنِي" مَحْذُوفٌ أيْ: يا قَوْمُ، وقِيلَ: يا أُطْلِقَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاتِّساعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأفُوزَ﴾ نُصِبَ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَأنا أفُوزُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى "كُنْتُ" داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ التَّمَنِّي.
النساء 4:74
﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: يَبِيعُونَها بِها وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فالفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ: إنْ بَطَّأ هَؤُلاءِ عَنِ القِتالِ فَلْيُقاتِلِ المُخْلِصُونَ الباذِلُونَ أنْفُسَهم في طَلَبِ الآخِرَةِ أوِ الَّذِينَ يَشْتَرُونَها ويَخْتارُونَها عَلى الآخِرَةِ وهُمُ المُبَطِّئُونَ، فالفاءُ لِلتَّعْقِيبِ أيْ: لِيَتْرُكُوا ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّثْبِيطِ والنِّفاقِ ولْيُعْقِبُوهُ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
﴿وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ التِفاتًَا.
﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ وتَعْقِيبُ القِتالِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُجاهِدَ حَقُّهُ أنْ يُوَطِّنَ نَفْسَهُ بِإحْدى الحُسْنَيَيْنِ ولا يَخْطُرَ بِبالِهِ القِسْمُ الثّالِثُ أصْلًَا، وتَقْدِيمُ القَتْلِ لِلْإيذانِ بِتَقَدُّمِهِ في اسْتِتْباعِ الأجْرِ. رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "تَكَفَّلَ اللَّهُ تَعالى لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إلّا جِهادٌ في سَبِيلِهِ وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ مَعَ ما نالَ مِن أجْرٍ وغَنِيمَةٍ".»
النساء 4:75
﴿وَما لَكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمَأْمُورِينَ بِالقِتالِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مُبالَغَةً في التَّحْرِيضِ عَلَيْهِ وتَأْكِيدًَا لِوُجُوبِهِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حالٌ عامِلُها ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الفِعْلِ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ أىْ: أىُّ شَيْءٍ لَكم غَيْرَ مُقاتِلِينَ؟ أيْ: لا عُذْرَ لَكم في تَرْكِ المُقاتَلَةِ.
﴿والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ أيْ: في سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ وهو تَخْلِيصُهم مِنَ الأسْرِ وصَوْنُهم عَنِ العَدُوِّ أوْ عَلى "السَّبِيلِ" بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: في (p-202)خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الِاخْتِصاصِ فَإنَّ سَبِيلَ اللَّهِ يَعُمُّ أبْوابَ الخَيْرِ وتَخْلِيصُ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ مِن أيْدِي الكَفَرَةِ أعْظَمُها وأخَصُّها.
﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ أوْ حالٌ مِنهم وهُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ بَقُوا بِمَكَّةَ لِصَدِّ المُشْرِكِينَ أوْ لِضَعْفِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ مُسْتَذَلِّينَ مُمْتَهَنِينَ، وإنَّما ذُكِرَ الوِلْدانُ مَعَهم تَكْمِيلًَا لِلِاسْتِعْطافِ واسْتِجْلابِ المَرْحَمَةِ وتَنْبِيهًَا عَلى تَناهِي ظُلْمِ المُشْرِكِينَ بِحَيْثُ بَلَغَ أذاهُمُ الصِّبْيانَ لِإرْغامِ آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ وإيذانًَا بِإجابَةِ الدُّعاءِ الآتِي واقْتِرابِ زَمانِ الخَلاصِ بِبَيانِ شِرْكَتِهِمْ في التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى كُلُّ ذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في الحَثِّ عَلى القِتالِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوِلْدانِ: العَبِيدُ والإماءُ؛ إذْ يُقالُ لَهُما الوَلِيدُ والوَلِيدَةُ، وقَدْ غُلِّبَ الذُّكُورُ عَلى الإناثِ فَأُطْلِقَ الوِلْدانُ عَلى الوَلائِدِ أيْضًَا.
﴿الَّذِينَ﴾ مَحَلُّهُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ أوْ لِما في حَيِّزِ البَيانِ أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ بِالشِّرْكِ الَّذِي هو ظُلْمٌ عَظِيمٌ وبِأذِيَّةِ المُسْلِمِينَ وهي مَكَّةُ و"الظّالِمِ" صِفَتُها وتَذْكِيرُهُ لِتَذْكِيرِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ إذا أُجْرِيَ عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ كانَ كالفِعْلِ في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ بِحَسَبِ ما عَمِلَ فِيهِ ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ كِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِـ"اجْعَلْ" لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِهِما وإبْرازِ الرَّغْبَةِ في المُؤَخَّرِ بِتَقْدِيمِ أحْوالِهِ فَإنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ عَمّا هو مِن أحْوالِهِ المُرَغِّبَةِ فِيهِ كَما يُورِثُ شَوْقَ السّامِعِ إلى وُرُودِهِ يُنْبِئُ عَنْ كَمالِ رَغْبَةِ المُتَكَلِّمِ فِيهِ واعْتِنائِهِ بِحُصُولِهِ لا مَحالَةَ، وتَقْدِيمُ اللّامِ عَلى "مِن" لِلْمُسارَعَةِ إلى إبْرازِ كَوْنِ المَسْؤُولِ نافِعًَا لَهم مَرْغُوبًَا فِيهِ لَدَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ كَلِمَةُ "مِن" بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "وَلِيًَّا" قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أيْ: ولِّ عَلَيْنا والِيًَا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُوالِينا ويَقُومُ بِمَصالِحِنا ويَحْفَظُ عَلَيْنا دِينَنا وشَرْعَنا ويَنْصُرُنا عَلى أعْدائِنا، ولَقَدِ اسْتَجابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دُعاءَهم حَيْثُ يَسَّرَ لِبَعْضِهِمُ الخُرُوجَ إلى المَدِينَةِ وجَعَلَ لِمَن بَقِيَ مِنهم خَيْرَ ولِيٍّ وأعَزَّ ناصِرٍ فَفَتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْ نَبِيِّهِ ﷺ فَتَوَلّاهم أيَّ تَوَلٍّ ونَصَرَهم آيَةَ نُصْرَةٍ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَتّابَ بْنَ أسِيدَ فَحَماهم ونَصَرَهم حَتّى صارُوا أعَزَّ أهْلِها. وقِيلَ: المُرادُ: واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ وِلايَةً ونُصْرَةً، أيْ: كُنْ أنْتَ ولِيَّنا وناصِرَنا، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ.
النساء 4:76
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ لِتَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في القِتالِ وتَشْجِيعِهِمْ بِبَيانِ كَمالِ قُوَّتِهِمْ بِإمْدادِ اللَّهِ تَعالى ونُصْرَتِهِ وغايَةِ ضَعْفِ أعْدائِهِمْ، أيِ: المُؤْمِنُونَ إنَّما يُقاتِلُونَ في دِينِ اللَّهِ الحَقِّ المُوصِلِ لَهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وفي إعْلاءِ كَلِمَتِهِ فَهو ولِيُّهم وناصِرُهم لا مَحالَةَ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ أيْ: فِيما يُوصِلُهم إلى الشَّيْطانِ فَلا ناصِرَ لَهم سِواهُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ لِبَيانِ اسْتِتْباعِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها وذِكْرُهم بِهَذا العُنْوانِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةٌ لِقِتالِهِمْ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ والإشْعارِ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ أوْلِياءُ اللَّهِ تَعالى لِما أنَّ قِتالَهم في سَبِيلِهِ وكُلُّ (p-203)ذَلِكَ لِتَأْكِيدِ رَغْبَةِ المُؤْمِنِينَ في القِتالِ وتَقْوِيَةِ عَزائِمِهِمْ عَلَيْهِ، فَإنَّ وِلايَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَمٌ في العِزَّةِ والقُوَّةِ كَما أنَّ وِلايَةَ الشَّيْطانِ مَثَلٌ في الذِّلَّةِ والضَّعْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقاتِلُوا يا أوْلِياءَ اللَّهِ أوْلِياءَ الشَّيْطانِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيلِ فَقِيلَ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ أيْ: في حَدِّ ذاتِهِ فَكَيْفَ بِالقِياسِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَيانِ قُوَّةِ جَنابِهِ تَعالى إيذانًَا بِظُهُورِها. قالُوا: فائِدَةُ إدْخالِ "كانَ" في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ التَّأْكِيدُ بِبَيانِ أنَّهُ مُنْذُ كانَ كانَ كَذَلِكَ فالمَعْنى: أنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ مُنْذُ كانَ كانَ مَوْصُوفًَا بِالضَّعْفِ.
النساء 4:77
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن إحْجامِهِمْ عَنِ القِتالِ مَعَ أنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ راغِبِينَ فِيهِ حِراصًَا عَلَيْهِ بِحَيْثُ كادُوا يُباشِرُونَهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الأمْرُ بِكَفِّ الأيْدِي فَإنَّ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِمْ بِصَدَدِ بَسْطِها إلى العَدُوِّ بِحَيْثُ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِهِمْ. قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ والمِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ الكِنْدِيُّ وقُدامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ الجُمَحِيُّ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ الزُّهْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كانُوا يَلْقَوْنَ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ أذىً شَدِيدًَا فَيَشْكُونَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ويَقُولُونَ: ائْذَنْ لَنا في قِتالِهِمْ ويَقُولُ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: كُفُّوا أيْدِيَكم.
﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِقِتالِهِمْ، وبِناءُ القَوْلِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ أنَّ القائِلَ هو النَّبِيُّ ﷺ لِلْإيذانِ بِكَوْنِ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولِأنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ والمُعْتَبَرَ في التَّعْجِيبِ إنَّما هو كَمالُ رَغْبَتِهِمْ في القِتالِ وكَوْنُهم بِحَيْثُ احْتاجُوا إلى النَّهْيِ عَنْهُ وإنَّما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ الأمْرُ بِكَفِّ الأيْدِي لِتَحْقِيقِهِ وتَصْوِيرِهِ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِبَيانِ خُصُوصِيَّةِ الآمِرِ غَرَضٌ وكانُوا في مُدَّةِ إقامَتِهِمْ بِمَكَّةَ مُسْتَمِرِّينَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ فَلَمّا هاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وأُمِرُوا بِالقِتالِ في وقْعَةِ بَدْرٍ كَرِهَهُ بَعْضُهم وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَكِنْ لا شَكًَّا في الدِّينِ ولا رَغْبَةً عَنْهُ بَلْ نُفُورًَا عَنِ الأخْطارِ بِالأرْواحِ وخَوْفًَا مِنَ المَوْتِ بِمُوجِبِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ إلَخْ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ بِاعْتِبارِ مَدْلُولِهِ الكِنائِيِّ؛ إذْ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ التَّبايُنُ بَيْنَ مَدْلُولَيِ المَعْطُوفَيْنِ وعَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ التَّعْجِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ كانُوا حِراصًَا عَلى القِتالِ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ كَرِهَهُ بَعْضُهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ جَوابٌ لِما عَلى أنَّ "فَرِيقٌ" مُبْتَدَأٌ و"مِنهُمْ" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ و"يَخْشَوْنَ" خَبَرُهُ وتَصْدِيرُهُ بِـ"إذا" المُفاجَأةِ لِبَيانِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الخَشْيَةِ آثِرَ ذِي أثِيرٍ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَرَدُّدٍ، أيْ: فاجَأ فَرِيقٌ مِنهم أنْ يَخْشَوُا الكُفّارَ أنْ يَقْتُلُوهُمْ، ولَعَلَّ تَوْجِيهَ التَّعْجِيبِ إلى الكُلِّ مَعَ صُدُورِ الخَشْيَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ عَنْ أحَدِهِمْ ما يُنافِي حالَتَهُمُ الأُولى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ "يَخْشَوْنَ" أيْ: يَخْشَوْنَهم مُشْبِهِينَ لِأهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ بِمَعْنى أوْ أشَدَّ خَشْيَةً مِن أهْلِ (p-204)خَشْيَةِ اللَّهِ أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ عَلى جَعْلِ الخَشْيَةِ ذاتَ خَشْيَةٍ مُبالَغَةً كَما في جَدَّ جِدُّهُ، أيْ: يَخْشَوْنَهم خَشْيَةً مِثْلَ خَشْيَةِ اللَّهِ أوْ خَشْيَةً أشَدَّ خَشْيَةً مِن خَشْيَةِ اللَّهِ. وأيًَّا ما كانَ؛ فَكَلِمَةُ "أوْ" إمّا لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى أنَّ خَشْيَةَ بَعْضِهِمْ كَخَشْيَةِ اللَّهِ وخَشْيَةَ بَعْضِهِمْ أشَدُّ مِنها وإمّا لِلْإبْهامِ عَلى السّامِعِ وهو قَرِيبٌ مِمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ مَن يُبْصِرُهم يَقُولُ إنَّهم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ.
﴿وَقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ "لَمّا" أيْ: فَلَمّا كَتَبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهم خَشْيَةَ النّاسِ وقالُوا: ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ في هَذا الوَقْتِ لا عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ عَلى حُكْمِهِ تَعالى والإنْكارِ لِإيجابِهِ بَلْ عَلى طَرِيقِ تَمَنِّي التَّخْفِيفِ.
﴿لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ اسْتِزادَةٌ في مُدَّةِ الكَفِّ واسْتِمْهالٌ إلى وقْتٍ آخَرَ حَذَرًَا مِنَ المَوْتِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَةُ حالِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَتَفَوَّهُوا بِهِ صَرِيحًَا.
﴿قُلْ﴾ أيْ: تَزْهِيدًَا لَهم فِيما يُؤَمِّلُونَهُ بِالقُعُودِ مِنَ المَتاعِ الفانِي وتَرْغِيبًَا فِيما يَنالُونَهُ بِالقِتالِ مِنَ النَّعِيمِ الباقِي.
﴿مَتاعُ الدُّنْيا﴾ أيْ: ما يُتَمَتَّعُ ويُنْتَفَعُ بِهِ في الدُّنْيا.
﴿قَلِيلٌ﴾ سَرِيعُ التَّقَضِّي وشِيكُ الِانْصِرامِ وإنْ أُخِّرْتُمْ إلى ذَلِكَ الأجَلِ.
﴿والآخِرَةُ﴾ أيْ: ثَوابُها الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الثَّوابُ المَنُوطُ بِالقِتالِ.
﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: لَكم مِن ذَلِكَ المَتاعِ القَلِيلِ لِكَثْرَتِهِ وعَدَمِ انْقِطاعِهِ وصَفائِهِ عَنِ الكُدُوراتِ وإنَّما قِيلَ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ حَثًَّا لَهم عَلى اتِّقاءِ العِصْيانِ والإحْلالِ بِمَواجِبِ التَّكْلِيفِ.
﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: تُجْزَوْنَ فِيها ولا تُنْقَصُونَ أدْنى شَيْءٍ مِن أُجُورِ أعْمالِكُمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مَسْعاكم في شَأْنِ القِتالِ فَلا تَرْغَبُوا عَنْهُ والفَتِيلُ: ما في شِقِّ النَّواةِ مِنَ الخَيْطِ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في القِلَّةِ والحَقارَةِ، وقُرِئَ "يُظْلَمُونَ" بِالياءِ إعادَةً لِلضَّمِيرِ إلى ظاهِرِ مَن.
النساء 4:78
﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وصَرْفِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المُخاطَبِينَ اعْتِناءً بِإلْزامِهِمْ إثْرَ بَيانِ حَقارَةِ الدُّنْيا وعُلُوِّ شَأْنِ الآخِرَةِ بِواسِطَتِهِ ﷺ، فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ أيْ: أيْنَما تَكُونُوا في الحَضَرِ والسَّفَرِ يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ الَّذِي لِأجْلِهِ تَكْرَهُونَ القِتالَ زَعْمًَا مِنكم أنَّهُ مِن مَظانِّهِ وتُحِبُّونَ القُعُودَ عَنْهُ عَلى زَعْمِ أنَّهُ مَنجاةٌ مِنهُ، وفي لَفْظِ الإدْراكِ إشْعارٌ بِأنَّهم في الهَرَبِ مِنَ المَوْتِ وهو مُجِدٌّ في طَلَبِهِمْ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى حَذْفِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ: [مَن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها] أوْ عَلى اعْتِبارِ وُقُوعِ "أيْنَما كُنْتُمْ" في مَوْقِعِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ أوْ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ و"أيْنَما تَكُونُوا" مُتَّصِلٌ بِـ"لا تُظْلَمُونَ" أىْ لا تُنْقَصُونَ شَيْئًَا مِمّا كُتِبَ مِن آجالِكم أيْنَما تَكُونُوا في مَلاحِمِ الحُرُوبِ ومَعارِكِ الخُطُوبِ.
﴿وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ في حُصُونٍ رَفِيعَةٍ أوْ قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ: بُرُوجِ السَّماءِ، يُقالُ: شادَ البِناءَ وأشادَهُ وشَيَّدَهُ: رَفَعَهُ. وقُرِئَ "مُشِيدَةٍ" بِكَسْرِ الياءِ وصْفًَا لَها بِفِعْلِ فاعِلِها مَجازًَا كَما في قَصِيدَةٍ شاعِرَةٍ، و"مَشِيدَةٍ" مِن شادَ القَصْرَ إذا رَفَعَهُ أوْ طَلاهُ بِالشِّيدِ وهو الجِصُّ وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ اعْتِمادًَا عَلى دِلالَةِ (p-205)ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى أُخْرى مِثْلِها، أيْ: لَوْ لَمْ تَكُونُوا في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ولَوْ كُنْتُمْ إلَخْ، وقَدِ اطَّرَدَ حَذْفُها لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْها دِلالَةً واضِحَةً فَإنَّ الشَّيْءَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَ وُجُودِ المانِعِ فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَ عَدَمِهِ أوْلى، وعَلى هَذِهِ النُّكْتَةِ يَدُورُ ما في "لَوْ" الوَصْلِيَّةِ مِنَ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ .
﴿وَإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ جِيءَ بِهِ عَقِيبَ ما حُكِيَ عَنِ المُسْلِمِينَ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ في اشْتِمالِها عَلى إسْنادِ ما يَكْرَهُونَهُ إلى بَعْضِ الأُمُورِ وكَراهَتِهِمْ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ والمُنافِقِينَ. رُوِيَ أنَّهُ كانَ قَدْ بُسِطَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ فَدَعاهم إلى الإيمانِ فَكَفَرُوا أمْسَكَ عَنْهم بَعْضَ الإمْساكِ فَقالُوا: مازِلْنا نَعْرِفُ النَّقْصَ في ثِمارِنا ومَزارِعِنا مُنْذُ قَدِمَ هَذا الرَّجُلُ وأصْحابُهُ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: وإنْ تُصِبْهم نِعْمَةٌ ورَخاءٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى وإنْ تُصِبْهم بَلِيَّةٌ مِن جَدْبٍ وغَلاءٍ أضافُوها إلَيْكَ كَما حُكِيَ عَنْ أسْلافِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ فَأُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ يَرُدَّ زَعْمَهُمُ الباطِلَ ويُرْشِدَهم إلى الحَقِّ ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ بِبَيانِ إسْنادِ الكُلِّ إلَيْهِ تَعالى عَلى الإجْمالِ إذْ لا يَجْتَرِئُونَ عَلى مُعارَضَةِ أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ قِيلَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ النِّعْمَةِ والبَلِيَّةِ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى خَلْقًَا وإيجادًَا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مَدْخَلٌ في وُقُوعِ شَيْءٍ مِنهُما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كَما تَزْعُمُونَ بَلْ وُقُوعُ الأُولى مِنهُ تَعالى بِالذّاتِ تَفَضُّلًَا ووُقُوعُ الثّانِيَةِ بِواسِطَةِ ذُنُوبِ مَنِ ابْتُلِيَ بِها عُقُوبَةً كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ؛ فَهَذا الجَوابُ المُجْمَلُ في مَعْنى ما قِيلَ رَدًَّا عَلى أسْلافِهِمْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّما سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ أوْ سَبَبُ إصابَةِ السَّيِّئَةِ الَّتِي هي ذُنُوبُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا عِنْدَ غَيْرِهِ حَتّى يُسْنِدُوها إلَيْهِ ويَطَّيَّرُوا بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ﴾ إلَخْ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المُبَيَّنِ وبَيانِهِ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَعْيِيرِهِمْ بِالجَهْلِ وتَقْبِيحِ حالِهِمْ والتَّعْجِيبِ مِن كَمالِ غَباوَتِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِهِ عَلى ما قَبْلَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ حالٌ مِن "هَؤُلاءِ" والعامِلُ فِيها ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أيْ: وحَيْثُ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأىُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَفْقَهُوا حَدِيثًَا، أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الاسْتِفْهامِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهم وماذا يَصْنَعُونَ حَتّى يُتَعَجَّبَ مِنهُ أوْ يُسْألَ عَنْ سَبَبِهِ؟ فَقِيلَ: لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًَا مِنَ الأحادِيثِ أصْلًَا فَيَقُولُونَ ما يَقُولُونَ إذْ لَوْ فَقِهُوا شَيْئًَا مِن ذَلِكَ لَفَهِمُوا هَذا النَّصَّ وما في مَعْناهُ وما هو أوْضَحُ مِنهُ مِنَ النُّصُوصِ القرآنيَّةِ النّاطِقَةِ بِأنَّ الكُلَّ فائِضٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ النِّعْمَةَ مِنهُ تَعالى بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ والبَلِيَّةَ بِطَرِيقِ العُقُوبَةِ عَلى ذُنُوبِ العِبادِ لاسِيَّما النَّصُّ الوارِدُ عَلَيْهِمْ في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى أنْ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ولَمْ يُسْنِدُوا جِنايَةَ أنْفُسِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ.
النساء 4:79
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِلْجَوابِ المُجْمَلِ المَأْمُورِ بِهِ وإجْراؤُهُ (p-206)عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ سَوْقُ البَيانِ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وتَوْجِيهِهِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ والِالتِفاتُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ والِاهْتِمامِ بِرَدِّ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ، والإيذانِ بِأنَّ مَضْمُونَهُ مَبْنِيٌّ عَلى حِكْمَةٍ دَقِيقَةٍ حَقِيقَةٍ بِأنْ يَتَوَلّى بَيانَها عَلّامُ الغُيُوبِ، وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم دُونَ كُلِّهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْقِيقِ بِقَطْعِ احْتِمالِ سَبَبِيَّةِ مَعْصِيَةِ بَعْضِهِمْ لِعُقُوبَةِ الآخَرِينَ أيْ: ما أصابَكَ مِن نِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ.
﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: فَهي مِنهُ تَعالى بِالذّاتِ تَفَضُّلًَا وإحْسانًَا مِن غَيْرِ اسْتِيجابٍ لَها مِن قِبَلِكَ. كَيْفَ لا؟ وأنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ المَرْءُ مِنَ الطّاعاتِ الَّتِي يُفْرَضُ كَوْنُها ذَرِيعَةً إلى إصابَةِ نِعْمَةٍ ما فَهي بِحَيْثُ لا تَكادُ تُكافِئُ نِعْمَةَ حَياتِهِ المُقارِنَةِ لِأدائِها ولا نِعْمَةَ إقْدارِهِ تَعالى إيّاهُ عَلى أدائِها فَضْلًَا عَنِ اسْتِيجابِها لِنِعْمَةٍ أُخْرى، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: « "ما أحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى" قِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: "وَلا أنا".» ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ أيْ: بَلِيَّةٍ مِنَ البَلايا.
﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ أيْ: فَهي مِنها بِسَبَبِ اقْتِرافِها المَعاصِيَ المُوجِبَةَ لَها وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ الإيجادُ مُنْتَسِبَةً إلَيْهِ تَعالى نازِلَةً مِن عِنْدِهِ عُقُوبَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ . وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «ما مِن مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ وصَبٌ ولا نَصَبٌ حَتّى الشَّوْكَةُ يُشاكُها وحَتّى انْقِطاعُ شِسْعِ نَعْلِهِ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ.» وقِيلَ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لَكِنْ لا لِبَيانِ حالِهِ ﷺ بَلْ لِبَيانِ حالِ الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ التَّصْوِيرِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِإظْهارِ كَمالِ السُّخْطِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ والإشْعارِ بِأنَّهم لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وبَلادَتِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الخِطابِ لا سِيَّما بِمِثْلِ هَذِهِ الحِكْمَةِ الأنِيقَةِ.
﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ بَيانٌ لِجَلالَةِ مَنصِبِهِ ﷺ ومَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ بَيانِ بُطْلانِ زَعْمِهِمِ الفاسِدِ في حَقِّهِ ﷺ بِناءً عَلى جَهْلِهِمْ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ، وتَعْرِيفُ "النّاسِ" لِلِاسْتِغْراقِ والجارُّ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ"رَسُولًَا" قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصاصِ النّاظِرِ إلى قَيْدِ العُمُومِ أيْ: مُرْسَلًَا لِكُلِّ النّاسِ لا لِبَعْضِهِمْ فَقَطْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ وإمّا بِالفِعْلِ فَـ"رَسُولًَا" حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًَا مُؤَكِّدًَا كَما في قَوْلِهِ:
؎ لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ
أيْ: بِإرْسالٍ بِمَعْنى رِسالَةٍ.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ: عَلى رِسالَتِكَ بِنَصْبِ المُعْجِزاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا النَّصُّ النّاطِقُ والوَحْيُ الصّادِقُ، والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَقْوِيَةِ الشَّهادَةِ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ.
النساء 4:80
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ بَيانٌ لِأحْكامِ رِسالَتِهِ ﷺ إثْرَ بَيانِ تَحَقُّقِها وثُبُوتِها وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الآمِرَ والنّاهِيَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى وإنَّما هو ﷺ مُبَلِّغٌ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَمَرْجِعُ الطّاعَةِ وعَدَمِها هو اللَّهُ سُبْحانَهُ. رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ﴿مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ ومَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَسْمَعُونَ إلى ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ لَقَدْ قارَفَ الشِّرْكَ وهو يَنْهى أنْ يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ ما يُرِيدُ إلّا أنْ نَتَّخِذَهُ رَبًَّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى فَنَزَلَتْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِالرَّسُولِ دُونَ الخِطابِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَناطَ كَوْنِ طاعَتِهِ ﷺ طاعَةً لَهُ تَعالى لَيْسَ خُصُوصِيَّةَ ذاتِهِ ﷺ بَلْ مِن حَيْثِيَّةِ رِسالَتِهِ وإظْهارُ الجَلالَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الطّاعَةِ بِذِكْرِ عُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ، وحَمْلُ الرَّسُولِ عَلى الجِنْسِ المُنْتَظِمِ لَهُ ﷺ انْتِظامًَا أوَّلِيًَّا يَأْباهُ تَخْصِيصُ الخِطابِ (p-207)بِهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ والمَذْكُورُ تَعْلِيلٌ لَهُ، أيْ: ومَن أعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ فَأعْرِضْ عَنْهُ إنَّما أرْسَلْناكَ رَسُولًَا مُبَلِّغًَا لا حَفِيظًَا مُهَيْمِنًَا تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم وتُحاسِبُهم عَلَيْها وتُعاقِبُهم بِحَسَبِها و"حَفِيظًَا" حالٌ مِنَ الكافِ و"عَلَيْهِمْ" مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ وجَمْعُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ الإفْرادَ في "تَوَلّى" بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ.
النساء 4:81
﴿وَيَقُولُونَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ بَيانِ وُجُوبِ طاعَتِهِ، أيْ: يَقُولُونَ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ.
﴿طاعَةٌ﴾ أيْ: أمْرُنا وشَأْنُنا طاعَةٌ أوْ مِنّا طاعَةٌ، والأصْلُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والرَّفْعُ لِلدِّلالَةِ عَلى الثَّباتِ كَسَلامٌ.
﴿فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِن مَجْلِسِكَ.
﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ القائِلِينَ المَذْكُورِينَ وهم رُؤَساؤُهم.
﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أيْ: زَوَّرَتْ طائِفَةٌ مِنهم وسَوَّتْ خِلافَ ما قالَتْ لَكَ مِنَ القَبُولِ وضَمانِ الطّاعَةِ لِأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى الرَّدِّ والعِصْيانِ وإنَّما يُظْهِرُونَ ما يُظْهِرُونَ عَلى وجْهِ النِّفاقِ أوْ خِلافَ ما قُلْتَ لَها، والتَّبْيِيتُ: إمّا مِنَ البَيْتُوتَةِ لِأنَّهُ قَضاءُ الأمْرِ وتَدْبِيرُهُ بِاللَّيْلِ يُقالُ: هَذا أمْرٌ بُيِّتَ بِلَيْلٍ، وإمّا مِن بَيْتِ الشِّعْرِ لِأنَّ الشّاعِرَ يُدَبِّرُهُ ويَسُوبُهُ، وتَذْكِيرُ الفِعْلِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الطّائِفَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقُرِئَ بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ لِقُرْبِ المَخْرَجِ، وإسْنادُهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم لِبَيانِ أنَّهُمُ المُتَصَدُّونَ لَهُ بِالذّاتِ والباقُونَ أتْباعٌ لَهم في ذَلِكَ لا لِأنَّ الباقِينَ ثابِتُونَ عَلى الطّاعَةِ.
﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يَكْتُبُهُ في جُمْلَةِ ما يُوحى إلَيْكَ فَيُطْلِعُكَ عَلى أسْرارِهِمْ فَلا يَحْسَبُوا أنَّ مَكْرَهم يَخْفى عَلَيْكم فَيَجِدُوا بِذَلِكَ إلى الإضْرارِ بِكم سَبِيلًَا أوْ يُثْبِتُهُ في صَحائِفِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ وأيًَّا ما كانَ؛ فالجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ.
﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لا تُبالِ بِهِمْ وبِما صَنَعُوا أوْ تَجافَ عَنْهم ولا تَتَصَدَّ لِلِانْتِقامِ مِنهم والفاءُ لِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في كُلِّ ما تَأْتِي وما تَذَرُ لا سِيَّما في شَأْنِهِمْ وإظْهارُ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ فَيَكْفِيكَ مَعْرِفَتَهم ويَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم والإظْهارُ هَهُنا أيْضًَا لِما مَرَّ والتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ واسْتِغْنائِها عَمّا عَداها مِن كُلِّ وجْهٍ.
النساء 4:82
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمُ القرآن وإعْراضِهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ فِيما فِيهِ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ، وتَدَبُّرُ الشَّيْءِ تَأمُّلُهُ والنَّظَرُ في أدْبارِهِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ في عاقِبَتِهِ ومُنْتَهاهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَفَكُّرٍ ونَظَرٍ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: أيُعْرِضُونَ عَنِ القرآن فَلا يَتَأمَّلُونَ فِيهِ لِيَعْلَمُوا كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِمُشاهَدَةِ ما فِيهِ مِنَ الشَّواهِدِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الوَحْيُ الصّادِقُ والنَّصُّ النّاطِقُ بِنِفاقِهِمِ المَحْكِيِّ عَلى ما هو عَلَيْهِ.
﴿وَلَوْ كانَ﴾ أيِ: القرآن.
﴿مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ كَما يَزْعُمُونَ.
﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ بِأنْ يَكُونَ بَعْضُ أخْبارِهِ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ إذْ لا عِلْمَ بِالأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ ماضِيَةً كانَتْ أوْ مُسْتَقْبَلَةً لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وحَيْثُ كانَتْ مُطابِقَةً لِلْواقِعِ تَعَيَّنَ كَوْنُهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى. قالَ الزَّجّاجُ: ولَوْلا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ مِمّا يُسِرُّهُ المُنافِقُونَ وما يُبَيِّتُونَهُ مُخْتَلِفًَا بَعْضُهُ حَقٌّ وبَعْضُهُ (p-208)باطِلٌ لِأنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: إنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَواطَؤُونَ في السِّرِّ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الكَيْدِ والمَكْرِ وكانَ اللَّهُ تَعالى يُطْلِعُ الرَّسُولَ ﷺ عَلى ذَلِكَ ويُخْبِرُهُ بِها مُفَصَّلَةً فَقِيلَ لَهُمْ: إنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى لَما اطَّرَدَ الصِّدْقُ فِيهِ ولَوَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلافُ فَلَمّا لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ قَطُّ عُلِمَ أنَّهُ بِإعْلامِهِ تَعالى، هَذا هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وأمّا حَمْلُ الِاخْتِلافِ عَلى التَّناقُضِ وتَفاوُتِ النَّظْمِ في البَلاغَةِ بِأنْ كانَ بَعْضُهُ دالًَّا عَلى مَعْنىً صَحِيحٍ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي وبَعْضُهُ عَلى مَعْنىً فاسِدٍ غَيْرِ مُلْتَئِمٍ وبَعْضُهُ بالِغًَا حَدَّ الإعْجازِ وبَعْضُهُ قاصِرًَا عَنْهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ كَما جَنَحَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ فَمِمّا لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ ومَن رامَ التَّقْرِيبَ، وقالَ: لَعَلَّ ذِكْرَهُ هَهُنا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اخْتِلافَ ما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ لَيْسَ لِتَناقُضٍ في الحُكْمِ بَلْ لِاخْتِلافٍ في الحِكَمِ والمَصالِحِ المُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ فَقَدْ أبْعَدَ عَنِ الحَقِّ بِمَراحِلَ.
النساء 4:83
﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ يُقالُ: أذاعَ السِّرَّ وأذاعَ بِهِ أيْ: أشاعَهُ وأفْشاهُ. وقِيلَ: مَعْنى أذاعُوا بِهِ فَعَلُوا بِهِ الإذاعَةَ وهو أبْلَغُ مِن أذاعُوهُ، وهو كَلامٌ مَسُوقٌ لِدَفْعِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ في بَعْضِ المَوادِّ مِن شائِبَةِ الِاخْتِلافِ بِناءً عَلى عَدَمِ فَهْمِ المُرادِ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى مَعْنى الكَلامِ لا لِتَخَلُّفِ مَدْلُولِهِ عَنْهُ وذَلِكَ أنَّ ناسًَا مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا خِبْرَةَ لَهم بِالأحْوالِ كانُوا إذا أخْبَرَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ مِن وعْدٍ بِالظَّفَرِ أوْ تَخْوِيفٍ مِنَ الكَفَرَةِ يُذِيعُونَهُ مِن غَيْرِ فَهْمٍ لِمَعْناهُ ولا ضَبْطٍ لِفَحْواهُ عَلى حَسَبِ ما كانُوا يَفْهَمُونَهُ ويَحْمِلُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ المَحامِلِ، وعَلى تَقْدِيرِ الفَهْمِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مَشْرُوطًَا بِأُمُورٍ تَفُوتُ بِالإذاعَةِ فَلا يَظْهَرُ أثَرُهُ المُتَوَقَّعُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنشَأً لِتَوَهُّمِ الِاخْتِلافِ فَنَعى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وقِيلَ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الأمْرُ الَّذِي جاءَهم.
﴿إلى الرَّسُولِ﴾ أيْ: عَرَضُوهُ عَلى رَأْيِهِ ﷺ مُسْتَكْشِفِينَ لِمَعْناهُ وما يَنْبَغِي لَهُ مِنَ التَّدْبِيرِ والِالتِفاتِ لِما أنَّ عُنْوانَ الرِّسالَةِ مِن مُوجِباتِ الرَّدِّ والمُراجَعَةِ إلى رَأْيِهِ ﷺ.
﴿وَإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ وهم كُبَراءُ الصَّحابَةِ البُصَراءُ في الأُمُورِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
﴿لَعَلِمَهُ﴾ أيْ: لَعَلِمَ الرّادُّونَ مَعْناهُ وتَدْبِيرَهُ وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمِ المَوْصُولِ فَقِيلَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَصْدُهم بِرَدِّهِ إلَيْهِمُ اسْتِكْشافَ مَعْناهُ واسْتِيضاحَ فَحْواهُ، أيْ: لَعَلِمَهُ أُولَئِكَ الرّادُّونَ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ أىْ يَتَلَقَّوْنَهُ ويَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ وتَدْبِيرَهُ مِنهم أيْ: مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ وأُولِي الأمْرِ مِن صَحابَتِهِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، ولَمّا فَعَلُوا في حَقِّهِ ما فَعَلُوا فَلَمْ يَقَعْ ما وقَعَ مِنَ الاشْتِباهِ وتَوَهُّمِ الِاخْتِلافِ. وقِيلَ: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ تَدْبِيرَهُ بِفِطَنِهِمْ وتَجارِبِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ بِأُمُورِ الحَرْبِ ومَكايِدِها فَكَلِمَةُ "مِن" في "مِنهُمْ" بَيانِيَّةٌ. وقِيلَ: إنَّهم كانُوا إذا بَلَغَهم خَبَرٌ عَنْ سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أمْنٍ وسَلامَةٍ أوْ خَوْفٍ وخَلَلٍ أذاعُوا بِهِ وكانَتْ إذاعَتُهم مُفْسِدَةً ولَوْ رَدُّوا ذَلِكَ الخَبَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإلى أُولِي الأمْرِ لَعَلِمَ تَدْبِيرَ ما أُخْبِرُوا بِهِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ أىْ يَسْتَخْرِجُونَ تَدْبِيرَهُ بِفِطَنِهِمْ وتَجارِبِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ بِأُمُورِ الحَرْبِ ومَكايِدِها وقِيلَ: (p-209)كانُوا يَقِفُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأُولِي الأمْرِ عَلى أمْنٍ ووُثُوقٍ بِالظُّهُورِ عَلى بَعْضِ الأعْداءِ أوْ عَلى خَوْفٍ فَيُذِيعُونَهُ فَيَنْتَشِرُ فَيَبْلُغُ الأعْداءَ فَتَعُودُ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ وفَوَّضُوهُ إلَيْهِمْ وكانُوا كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا لَعَلِمَ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ تَدْبِيرَهُ كَيْفَ يُدَبِّرُونَهُ وما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ فِيهِ. وقِيلَ: كانُوا يَسْمَعُونَ مِن أفْواهِ المُنافِقِينَ شَيْئًَا مِنَ الخَبَرِ عَنِ السَّرايا مَظْنُونًَا غَيْرَ مَعْلُومِ الصِّحَّةِ فَيُذِيعُونَهُ فَيَعُودُ ذَلِكَ وبالًَا عَلى المُؤْمِنِينَ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ وإلى أُولِي الأمْرِ وقالُوا: نَسْكُتُ حَتّى نَسْمَعَهُ مِنهم ونَعْلَمَ هَلْ هو مِمّا يُذاعُ أوْ لا يُذاعُ لَعَلِمَ صِحَّتَهُ وهَلْ مِمّا يُذاعُ أوْ لا يُذاعُ هَؤُلاءِ المُذِيعُونَ وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ أيْ: يَتَلَقَّوْنَهُ مِنهم ويَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ مِن جِهَتِهِمْ فَمَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ حِينَئِذٍ لِبَيانِ جِنايَةِ تِلْكَ الطّائِفَةِ وسُوءِ تَدْبِيرِهِمْ إثْرَ بَيانِ جِنايَةِ المُنافِقِينَ ومَكْرِهِمْ والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ لِلطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ أيْ: لَوْلا فَضْلُهُ تَعالى عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ بِإرْشادِكم إلى طَرِيقِ الحَقِّ الَّذِي هو المُراجَعَةُ في مَظانِّ الِاشْتِباهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ وأُولِي الأمْرِ.
﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ وعَمِلْتُمْ بِآراءِ المُنافِقِينَ فِيما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ولَمْ تَهْتَدُوا إلى سُنَنِ الصَّوابِ.
﴿إلا قَلِيلا﴾ وهم أُولُو الأمْرِ الواقِفُونَ عَلى أسْرارِ الكِتابِ الرّاسِخُونَ في مَعْرِفَةِ أحْكامِهِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. وقِيلَ: ولَوْلا فَضْلُهُ تَعالى عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ بِإرْسالِ الرَّسُولِ وإنْزالِ الكِتابِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ وبَقِيتُمْ عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ إلّا قَلِيلًَا مِنكم قَدْ تُفُضِّلَ عَلَيْهِ بِعَقْلٍ راجِحٍ اهْتَدى بِهِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ والصَّوابِ وعَصَمَهُ مِن مُتابَعَةِ الشَّيْطانِ كَقُسِّ بْنِ ساعِدَةَ الإيادِيِّ وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وأضْرابِهِمْ فالخِطابُ لِلْكُلِّ والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ: النُّصْرَةُ والظَّفَرُ بِالأعْداءِ أىْ: ولَوْلا حُصُولُ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى التَّواتُرِ والتَّتابُعِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ وتَرَكْتُمُ الدِّينَ إلّا قَلِيلًَا مِنكم وهم أُولُو البَصائِرِ النّاقِدَةِ والنِّيّاتِ القَوِيَّةِ والعَزائِمِ الماضِيَةِ مِن أفاضِلِ المُؤْمِنِينَ الواقِفِينَ عَلى حَقِّيَّةِ الدِّينِ البالِغِينَ إلى دَرَجَةِ حَقِّ اليَقِينِ المُسْتَغْنِينَ عَنْ مُشاهَدَةِ آثارِ حَقِّيَّتِهِ مِنَ الفَتْحِ والظَّفَرِ. وقِيلَ: إلّا اتِّباعًَا قَلِيلًَا.
النساء 4:84
﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وهو جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما حُكِيَ مِن عَدَمِ طاعَةِ المُنافِقِينَ وكَيْدِهِمْ وتَقْصِيرِ الآخَرِينَ في مُراعاةِ أحْكامِ الإسْلامِ فَقاتِلْ أنْتَ وحْدَكَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِما فَعَلُوا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ أيْ: إلّا فِعْلَ نَفْسِكَ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ فَإنَّ اخْتِصاصَ تَكْلِيفِهِ ﷺ بِفِعْلِ نَفْسِهِ مِن مُوجِباتِ مُباشَرَتِهِ لِلْقِتالِ وحْدَهُ وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ ما فَعَلُوا مِنَ التَّثْبِيطِ لا يَضُرُّهُ ﷺ ولا يُؤاخَذُ بِهِ. وقِيلَ: هو حالٌ مِن فاعِلِ "قاتِلْ" أيْ: فَقاتِلْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ إلّا نَفْسَكَ، وقُرِئَ "لا تُكَلِّفْ" بِالجَزْمِ عَلى النَّهْيِ. وقِيلَ: عَلى جَوابِ الأمْرِ، وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ أىْ: لا نُكَلِّفُكَ إلّا فِعْلَ نَفْسِكَ لا عَلى مَعْنى: لا نُكَلِّفُ أحَدًَا إلّا نَفْسَكَ.
﴿وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الأمْرِ السّابِقِ داخِلٌ في حُكْمِهِ فَإنَّ كَوْنَ حالِ الطّائِفَتَيْنِ كَما (p-210)حُكِيَ سَبَبٌ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ وحْدَهُ وبِتَحْرِيضِ خُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، والتَّحْرِيضُ عَلى الشَّيْءِ: الحَثُّ عَلَيْهِ والتَّرْغِيبُ فِيهِ. قالَ الرّاغِبُ: كَأنَّهُ في الأصْلِ إزالَةُ الحَرَضِ وهو ما لا خَيْرَ فِيهِ ولا يُعْتَدُّ بِهِ أيْ: رَغِّبْهم في القِتالِ ولا تَعْنُفْ بِهِمْ وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ المُحَرِّضُ عَلَيْهِ لِغايَةِ ظُهُورِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عِدَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُحَقَّقَةُ الإنْجازِ بِكَفِّ شِدَّةِ الكَفَرَةِ ومَكْرِهِمْ فَإنَّ ما صُدِّرَ بِـ"لَعَلَّ" و"عَسى" مُقَرَّرُ الوُقُوعِ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وقَدْ كانَ كَذَلِكَ حَيْثُ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ واعَدَ أبا سُفْيانَ بَعْدَ حَرْبِ أُحُدٍ مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرى في ذِي القَعْدَةِ فَلَمّا بَلَغَ المِيعادَ دَعا النّاسَ إلى الخُرُوجِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهم فَنَزَلَتْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَبْعِينَ راكِبًَا ووافَوُا المَوْعِدَ وألْقى اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوُا الرُّعْبَ فَرَجَعُوا مِن مَرِّ الظَّهْرانِ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وافى بِجَيْشِهِ بَدْرًَا وأقامَ بِها ثَمانِيَ لَيالٍ وكانَتْ مَعَهم تِجاراتٌ فَباعُوها وأصابُوا خَيْرًَا كَثِيرًَا وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا﴾ أيْ: مِن قُرَيْشٍ.
﴿وَأشَدُّ تَنْكِيلا﴾ أيْ: تَعْذِيبًَا وعُقُوبَةً تُنَكِّلُ مَن يُشاهِدُها عَنْ مُباشَرَةِ ما يُؤَدِّي إلَيْها، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ وتَكْرِيرُ الخَبَرِ لِتَأْكِيدِ التَّشْدِيدِ.
النساء 4:85
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾ أيْ: مِن ثَوابِها، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ لَهُ ﷺ فِيما أُمِرَ بِهِ مِن تَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ حَظًَّا مَوْفُورًَا فَإنَّ الشَّفاعَةَ هي التَّوَسُّطُ بِالقَوْلِ في وُصُولِ شَخْصٍ إلى مَنفَعَةٍ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ أوِ الأُخْرَوِيَّةِ أوْ خَلاصِهِ مِن مَضَرَّةٍ ما كَذَلِكَ مِنَ الشَّفْعِ كَأنَّ المَشْفُوعَ لَهُ كانَ فَرْدًَا فَجَعَلَهُ الشَّفِيعُ شَفْعًَا والحَسَنَةُ مِنها ما كانَتْ في أمْرٍ مَشْرُوعٍ رُوعِيَ بِها حَقُّ مُسْلِمٍ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ أنْ يَتَضَمَّنَ غَرَضًَا مِنَ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ وأيُّ مَنفَعَةٍ أجَلُّ مِمّا قَدْ حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِتَحْرِيضِهِ ﷺ عَلى الجِهادِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ وأيُّ مَضَرَّةٍ أعْظَمُ مِمّا تَخَلَّصُوا مِنهُ بِذَلِكَ مِنَ التَّثَبُّطِ عَنْهُ ويَنْدَرِجُ فِيها الدُّعاءُ لِلْمُسْلِمِ، فَإنَّهُ شَفاعَةٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وعَلَيْهِ مَساقُ آيَةِ التَّحِيَّةِ الآتِيَةِ. رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ﴿مَن دَعا لِأخِيهِ المُسْلِمِ بِظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ وقالَ لَهُ المَلَكُ: ولَكَ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وهَذا بَيانٌ لِمِقْدارِ النَّصِيبِ المَوْعُودِ.
﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ وهي ما كانَتْ بِخِلافِ الحَسَنَةِ.
﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ أيْ: نَصِيبٌ مِن وِزْرِها مُساوٍ لَها في المِقْدارِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنهُ شَيْءٌ.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ أيْ: مُقْتَدِرًَا، مِن أقاتَ عَلى الشَّيْءِ إذا اقْتَدَرَ عَلَيْهِ أوْ شَهِيدًَا حَفِيظًَا، واشْتِقاقُهُ مِنَ القُوتِ فَإنَّهُ يُقَوِّي البَدَنَ ويَحْفَظُهُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ.
النساء 4:86
﴿وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ تَرْغِيبٌ في فَرْدٍ شائِعٍ مِن أفْرادِ الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ إثْرَ ما رُغِّبَ فِيها عَلى الإطْلاقِ وحُذِّرَ عَمّا يُقابِلُها مِنَ الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ وإرْشادٌ إلى تَوْفِيَةِ حَقِّ الشَّفِيعِ وكَيْفِيَّةِ أدائِهِ فَإنَّ تَحِيَّةَ الإسْلامِ مِنَ المُسْلِمِ شَفاعَةٌ مِنهُ لِأخِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى، و"التَّحِيَّةُ" مَصْدَرُ حَيّى أصْلُها تَحْيِيَةٌ كَتَسْمِيَةٍ مِن سَمّى، (p-211)وَأصْلُ الأصْلِ تَحْيِيٌّ بِثَلاثِ ياءاتٍ فَحُذِفَتِ الأخِيرَةُ وعُوِّضَ عَنْها تاءُ التَّأْنِيثِ وأُدْغِمَتِ الأُولى في الثّانِيَةِ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها إلى الحاءِ. قالَ الرّاغِبُ: أصْلُ التَّحِيَّةِ: الدُّعاءُ بِالحَياةِ وطُولِها ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ دُعاءٍ، وكانَتِ العَرَبُ إذا لَقِيَ بَعْضُهم بَعْضًَا يَقُولُ: حَيّاكَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَعْمَلَها الشَّرْعُ في السَّلامِ وهي تَحِيَّةُ الإسْلامِ، قالَ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ وقالَ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ وقالَ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ قالُوا: في السَّلامِ مَزِيَّةٌ عَلى التَّحِيَّةِ لِما أنَّهُ دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ وهي مُسْتَلْزِمَةٌ لِطُولِ الحَياةِ ولَيْسَ في الدُّعاءِ بِطُولِ الحَياةِ ذَلِكَ ولِأنَّ السَّلامَ مِن أسْمائِهِ تَعالى فالبَداءَةُ بِذِكْرِهِ مِمّا لا رَيْبَ في فَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ، أيْ: إذا سُلِّمَ عَلَيْكم مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ.
﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ أيْ: بِتَحِيَّةٍ أحْسَنَ مِنها بِأنْ تَقُولُوا: "وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ" إنِ اقْتَصَرَ المُسْلِمُ عَلى الأوَّلِ وبِأنْ تَزِيدُوا "وَبَرَكاتُهُ" إنْ جَمَعَها المُسْلِمُ وهي النِّهايَةُ لِانْتِظامِها لِجَمِيعِ فُنُونِ المَطالِبِ الَّتِي هي السَّلامَةُ عَنِ المَضارِّ ونَيْلُ المَنافِعِ ودَوامُها ونَماؤُها.
﴿أوْ رُدُّوها﴾ أيْ: أجِيبُوها بِمِثْلِها، رُوِيَ «أنَّ رِجالًَا قالَ أحَدُهم لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: السَّلامُ عَلَيْكَ فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ، وقالَ الآخَرُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، وقالَ الآخَرُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ فَقالَ: وعَلَيْكَ، فَقالَ الرَّجُلُ: نَقَصْتَنِي فَأيْنَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى وتَلا الآيَةَ فَقالَ ﷺ: إنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ لِي فَضْلًَا فَرَدَدْتُ عَلَيْكَ مِثْلَهُ،» وجَوابُ التَّسْلِيمِ واجِبٌ وإنَّما التَّخْيِيرُ بَيْنَ الزِّيادَةِ وتَرْكِها، وعَنِ النَّخْعِيِّ أنَّ السَّلامَ سُنَّةٌ والرَّدَّ فَرِيضَةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: الرَّدُّ واجِبٌ وما مِن رَجُلٍ يَمُرُّ عَلى قَوْمٍ مُسْلِمِينَ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ولا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ إلّا نَزَعَ اللَّهُ مِنهم رُوحَ القُدُسِ ورَدَّتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، ولا يُرَدُّ في الخُطْبَةِ وتِلاوَةِ القرآن جَهْرًَا ورِوايَةِ الحَدِيثِ، وعِنْدَ دِراسَةِ العِلْمِ والأذانِ والإقامَةِ، ولا يُسَلَّمُ عَلى لاعِبِ النَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ والمُغَنِّي والقاعِدِ لِحاجَتِهِ ومُطَيِّرِ الحَمامِ والعارِي في الحَمّامِ وغَيْرِهِ، قالُوا: ويُسَلِّمُ الرَّجُلُ عَلى امْرَأتِهِ لا عَلى الأجْنَبِيَّةِ، والسُّنَّةُ أنْ يُسَلِّمَ الماشِي عَلى القاعِدِ والرّاكِبُ عَلى الماشِي وراكِبُ الفَرَسِ عَلى راكِبِ الحِمارِ والصَّغِيرُ عَلى الكَبِيرِ والقَلِيلُ عَلى الكَثِيرِ وإذا التَقَيا ابْتَدَرا. وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَجْهَرُ بِالرَّدِّ يَعْنِي الجَهْرَ الكَثِيرَ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا وعَلَيْكُمْ﴾ أيْ: وعَلَيْكم ما قُلْتُمْ حَيْثُ كانَ يَقُولُ بَعْضُهُمُ السّامُ عَلَيْكم. ورُوِيَ لا تَبْدَإ اليَهُودِيَّ بِالسَّلامِ وإذا بَدَأكَ فَقُلْ: وعَلَيْكَ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ لِلْكافِرِ وعَلَيْكَ السَّلامُ دُونَ الزِّيادَةِ. وقِيلَ: التَّحِيَّةُ بِالأحْسَنِ عِنْدَ كَوْنِ المُسَلِّمِ مُسْلِمًَا ورَدُّ مِثْلِها عِنْدَ كَوْنِهِ كافِرًَا.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ فَيُحاسِبُكم عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ التَّحِيَّةِ فَحافِظُوا عَلى مُراعاتِها حَسْبَما أُمِرْتُمْ بِهِ.
النساء 4:87
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَيَحْشُرَنَّكم مِن قُبُورِكم إلى حِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: "إلى" بِمَعْنى فِي، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَإ أوْ هي الخَبَرُ و ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اعْتِراضٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ أوْ في الجَمْعِ حالٌ مِنَ اليَوْمِ أوْ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: جَمْعًَا لا رَيْبَ فِيهِ.
﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أصْدَقَ مِنهُ تَعالى في وعْدِهِ وسائِرِ (p-212)أخْبارِهِ وبَيانٌ لِاسْتِحالَتِهِ. كَيْفَ لا؟ والكَذِبُ مُحالٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
النساء 4:88
﴿فَما لَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ والخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ لَكِنَّ ما فِيهِ مِن مَعْنى التَّوْبِيخِ مُتَوَجِّهٌ إلى بَعْضِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي المُنافِقِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ كائِنٌ لَكم فِيهِمْ أيْ: في أمْرِهِمْ وشَأْنِهِمْ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ وإمّا بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ مِن مَعْنى الِافْتِراقِ، أيْ: فَما لَكم تَفْتَرِقُونَ في المُنافِقِينَ وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "فِئَتَيْنِ" أيْ: كائِنَتَيْنِ في المُنافِقِينَ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ فَلَمّا قُدِّمَتِ انْتَصَبَتْ حالًَا كَما هو شَأْنُ صِفاتِ النَّكِراتِ عَلى الإطْلاقِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في "تَفْتَرِقُونَ" وانْتِصابُ ﴿فِئَتَيْنِ﴾ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُخاطَبِينَ والعامِلُ ما في "لَكُمْ" مِن مَعْنى الفِعْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ عَلى خَبَرِيَّةِ كانَ مُضْمَرَةٍ، أيْ: فَما لَكم في المُنافِقِينَ كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ، والمُرادُ: إنْكارُ أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطَبِينَ شَيْءٌ مُصَحِّحٌ لِاخْتِلافِهِمْ في أمْرِ المُنافِقِينَ، وبَيانُ وُجُوبِ بَتِّ القَوْلِ بِكُفْرِهِمْ وإجْرائِهِمْ مَجْرى المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ في جَمِيعِ الأحْكامِ، وذِكْرُهم بِعُنْوانِ النِّفاقِ بِاعْتِبارِ وصْفِهِمُ السّابِقِ. رُوِيَ أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الخُرُوجِ إلى البَدْوِ مُعْتَلِّينَ بِاجْتِواءِ المَدِينَةِ فَلَمّا خَرَجُوا لَمْ يَزالُوا راحِلِينَ مَرْحَلَةً فَمَرْحَلَةً حَتّى لَحِقُوا بِالمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ في أمْرِهِمْ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ هاجَرُوا مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ ثُمَّ بَدا لَهم فَرَجَعُوا وكَتَبُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنّا عَلى دِينِكَ وما أخْرَجَنا إلّا اجْتِواءُ المَدِينَةِ والِاشْتِياقُ إلى بَلَدِنا. وقِيلَ: هم ناسٌ أظْهَرُوُا الإسْلامَ وقَعَدُوا عَنِ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ خَرَجُوا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ رَجَعُوا، ويَأْباهُ ما سَيَأْتِي مِن جَعْلِ هِجْرَتِهِمْ غايَةً لِلنَّهْيِ عَنْ تَوَلِّيهِمْ. وقِيلَ: هُمُ العُرَنِيُّونَ الَّذِينَ أغارُوا عَلى السَّرْحِ وقَتَلُوا راعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَرُدُّهُ ما سَيَأْتِي مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِكَيْفِيَّةِ المُعامَلَةِ مَعَهم مِنَ السِّلْمِ والحَرْبِ وهَؤُلاءِ قَدْ أُخِذُوا وفُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ مِنَ المُثْلَةِ والقَتْلِ ولَمْ يُنْقَلْ في أمْرِهِمُ اخْتِلافُ المُؤْمِنِينَ.
﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ حالٌ مِنَ المُنافِقِينَ مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ السّابِقِ واسْتِبْعادِ وُقُوعِ المُنْكَرِ بِبَيانِ وُجُودِ الباقِي بَعْدَ بَيانِ عَدَمِ الدّاعِي. وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ والرّابِطُ هو الواوُ، أيْ: أىُّ شَيْءٍ يَدْعُوكم إلى الِاخْتِلافِ في كُفْرِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ اتِّفاقَكم عَلى كُفْرِهِمْ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ رَدَّهم في الكُفْرِ كَما كانُوا.
﴿بِما كَسَبُوا﴾ بِسَبَبِ ما كَسَبُوهُ مِنَ الارْتِدادِ واللُّحُوقِ بِالمُشْرِكِينَ والِاحْتِيالِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والعائِدُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ. وقِيلَ: "ما" صَدْرِيَّةٌ، أيْ: بِكَسْبِهِمْ. وقِيلَ: مَعْنى "أرْكَسَهُمْ": نَكَّسَهم بِأنْ صَيَّرَهم لِلنّارِ وأصْلُ الرَّكْسِ: رَدُّ الشَّيْءِ مَقْلُوبًَا. وقُرِئَ "رَكَّسَهُمْ" مُشَدَّدًَا و"رَكَسَهُمْ" أيْضًَا مُخَفَّفًَا.
﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ وتَخْصِيصٌ لَهُ بِالقائِلِينَ بِإيمانِهِمْ مِنَ الفِئَتَيْنِ وتَوْبِيخٌ لَهم عَلى زَعْمِهِمْ ذَلِكَ وإشْعارٌ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى مُحاوَلَةِ المُحالِ الَّذِي هو هِدايَةُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ تَعالى وذَلِكَ لِأنَّ الحُكْمَ بِإيمانِهِمْ وادِّعاءَ اهْتِدائِهِمْ وهم بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ سَعْيٌ في هِدايَتِهِمْ وإرادَةٌ لَها، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُنافِقِينَ لِتَشْدِيدِ الإنْكارِ (p-213)وَتَأْكِيدِ اسْتِحالَةِ الهِدايَةِ بِما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ لا إلى مُتَعَلِّقِها بِأنْ يُقالَ: أتَهْدُونَ إلَخْ لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِهِ بِبَيانِ أنَّهُ مِمّا لا يُمْكِنُ إرادَتُهُ فَضْلًَا عَنْ إمْكانِ نَفْسِهِ وحَمْلُ الهِدايَةِ والإضْلالِ عَلى الحُكْمِ بِهِما يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ أيْ: ومَن يَخْلُقْ فِيهِ الضَّلالَ كائِنًَا مَن كانَ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًَا مِنَ السُّبُلِ فَضْلًَا عَنْ أنْ تَهْدِيَهُ إلَيْهِ، وفِيهِ مِنَ الإفْصاحِ عَنْ كَمالِ الِاسْتِحالَةِ ما لَيْسَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ونَظائِرِهِ وحَمْلُ إضْلالِهِ تَعالى عَلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ بِالضَّلالِ مُخِلٌّ بِحُسْنِ المُقابَلَةِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ لِلْإشْعارِ بِشُمُولِ عَدَمِ الوِجْدانِ لِلْكُلِّ عَلى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ "تُرِيدُونَ" أوْ "تَهْتَدُوا" والرّابِطُ هو الواوُ أوِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ ومُؤَكِّدٌ لِاسْتِحالَةِ الهِدايَةِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لَهُ مِنَ المُخاطَبِينَ أوَّلًَا ومِن غَيْرِهِمْ.
النساء 4:89
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ غُلُوِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ وتَصَدِّيهِمْ لِإضْلالِ غَيْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وكَلِمَةُ "لَوْ" مَصْدَرِيَّةٌ غَنِيَّةٌ عَنِ الجَوابِ وهي مَعَ ما بَعْدَها نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ: ودُّوا أنْ تَكْفُرُوا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما كَفَرُوا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أىْ كَفَرَ مِثْلَ كُفْرِهِمْ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ذَلِكَ المَصْدَرِ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿تَكْفُرُونَ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: ودُّوا أنْ تَكْفُرُوا فَتَكُونُوا سَواءً مُسْتَوِينَ في الكُفْرِ والضَّلالِ. وقِيلَ: كَلِمَةُ "لَوْ" عَلى بابِها وجَوابُها مَحْذُوفٌ كَمَفْعُولِ "وَدُّوا" لِتَقْدِيرِ: ودُّوا كُفْرَكم لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا لَسُرُّوا بِذَلِكَ.
﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ﴾ الفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ وجَمْعُ أوْلِياءَ لِمُراعاةِ جَمْعِ المُخاطَبِينَ، فَإنَّ المُرادَ نَهْيُ أنْ يَتَّخِذَ واحِدٌ مِنَ المُخاطَبِينَ ولِيًَّا واحِدًَا مِنهم أيْ: إذا كانَ حالُهم ما ذُكِرَ مِن وِدادَةِ كُفْرِكم فَلا تُوالُوهم.
﴿حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويُحَقِّقُوا إيمانَهم بِهِجْرَةٍ كائِنَةٍ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ لا لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ الدُّنْيا.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: عَنِ الإيمانِ المُظاهَرِ بِالهِجْرَةِ الصَّحِيحَةِ المُسْتَقِيمَةِ.
﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أيْ: إذا قَدِرْتُمْ عَلَيْهِمْ.
﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ مِنَ الحِلِّ والحَرَمِ فَإنَّ حُكْمَهم حُكْمُ سائِرِ المُشْرِكِينَ أسْرًَا وقَتْلًَا.
﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ أيْ: جانِبُوهم مُجانَبَةً كُلِّيَّةً ولا تَقْبَلُوا مِنهم وِلايَةً ولا نُصْرَةً أبَدًَا.
النساء 4:90
﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ أيْ: إلّا الَّذِينَ يَتَّصِلُونَ ويَنْتَهُونَ إلى قَوْمٍ عاهَدُوكم ولَمْ يُحارِبُوكم وهُمُ الأسْلَمِيُّونَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقْتَ (p-214)خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ قَدْ وادَعَ هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيَّ عَلى أنَّهُ لا يُعِينُهُ ولا يُعِينُ عَلَيْهِ وعَلى أنَّ مَن وصَلَ إلى هِلالٍ ولَجَأ إلَيْهِ فَلَهُ مِنَ الجِوارِ مِثْلُ الَّذِي لِهِلالٍ. وقِيلَ: هم بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ. وقِيلَ: هم خُزاعَةُ.
﴿أوْ جاءُوكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، أيْ: أوِ الَّذِينَ جاءُوكم كافِّينَ عَنْ قِتالِكم وقِتالِ قَوْمِهِمُ اسْتُثْنِيَ مِنَ المَأْمُورِ بِأخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ فَرِيقانِ أحَدُهُما مَن تَرَكَ المُحارِبِينَ ولَحِقَ بِالمُعاهَدِينَ والآخَرُ مَن أتى المُؤْمِنِينَ وكَفَّ عَنْ قِتالِ الفَرِيقَيْنِ، أوْ عَلى صِفَةِ قَوْمٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ مُعاهَدِينَ أوْ إلى قَوْمٍ كافِّينَ عَنِ القِتالِ لَكم والقِتالِ عَلَيْكُمْ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ لِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ كَفَّهم عَنِ القِتالِ أحَدُ سَبَبَيِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِنَفْيِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ، وقُرِئَ "جاءُوكُمْ" بِغَيْرِ عاطِفٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ أوْ بَيانٌ لِـ"يَصِلُونَ" أوِ اسْتِئْنافٌ.
﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ بِدَلِيلِ أنَّهُ قُرِئَ "حَصِرَةٌ صُدُورُهُمْ" و"حَصِراتٌ صُدُورُهُمْ" و"حاصِراتٌ صُدُورُهُمْ". وقِيلَ: صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ "جاءُوا" أىْ: أوْ جاءُوكم قَوْمًَا حَصِرَتْ صُدُورُهم. وقِيلَ: هو بَيانٌ لِـ"جاءُوكُمْ" وهم بَنُو مُدْلِجٍ جاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مُقاتِلِينَ والحَصَرُ: الضِّيقُ والِانْقِباضُ.
﴿أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أيْ: مِن أنْ يُقاتِلُوكم أوْ لِأنْ يُقاتِلُوكم أوْ كَراهَةَ أنْ يُقاتِلُوكم إلَخْ.
﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِاسْتِثْناءِ الطّائِفَةِ الأخِيرَةِ مِن حُكْمِ الأخْذِ والقَتْلِ ونَظْمِهِمْ في سِلْكِ الطّائِفَةِ الأُولى الجارِيَةِ مَجْرى المُعاهَدِينَ مَعَ عَدَمِ تَعَلُّقِهِمْ بِنا ولا بِمَن عاهَدُونا كالطّائِفَةِ الأُولى، أيْ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم بِبَسْطِ صُدُورِهِمْ وتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ وإزالَةِ الرُّعْبِ عَنْها.
﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ ولَمْ يَكُفُّوا عَنْكُمْ، واللّامُ جَوابُ "لَوْ" عَلى التَّكْرِيرِ أوِ الإبْدالِ مِنَ الأُولى، وقُرِئَ "فَلَقَتَلُوكُمْ" بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ.
﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لَكم.
﴿فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ مَعَ ما عَلِمْتُمْ مِن تَمَكُّنِهِمْ مِن ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿وَألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أىِ الانْقِيادَ والِاسْتِسْلامَ، وقُرِئَ بِسُكُونِ اللّامِ.
﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ طَرِيقًَا بِالأسْرِ أوْ بِالقَتْلِ فَإنَّ مُكافَّتَهم عَنْ قِتالِكم وأنْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم أيْضًَا وإلْقاءَهم إلَيْكُمُ السَّلَمَ وإنْ لَمْ يُعاهِدُوكم كافِيَةٌ في اسْتِحْقاقِهِمْ لِعَدَمِ تَعَرُّضِكم لَهم.
النساء 4:91
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ هم قَوْمٌ مِن أسَدَ وغَطَفانَ كانُوا إذا أتَوُا المَدِينَةَ أسْلَمُوا وعاهَدُوا لِيَأْمَنُوُا المُسْلِمِينَ فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ كَفَرُوا ونَكَثُوا عُهُودَهم لِيَأْمَنُوا قَوْمَهم. وقِيلَ: هم بَنُو عَبْدِ الدّارِ وكانَ دَيْدَنَهم ما ذَكَرَ.
﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ أيْ: دُعُوا إلى الكُفْرِ وقِتالِ المُسْلِمِينَ.
﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ قُلِبُوا فِيها أقْبَحَ قَلْبٍ وأشْنَعَهُ وكانُوا فِيها شَرًَّا مِن كُلِّ عَدُوٍّ شِرِّيرٍ.
﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ بِالكَفِّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَكم بِوَجْهٍ ما.
﴿وَيُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيْ: لَمْ يُلْقُوا إلَيْكُمُ الصُّلْحَ والعَهْدَ بَلْ نَبَذُوهُ إلَيْكم.
﴿وَيَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَكُفُّوها عَنْ قِتالِكم.
﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: تَمَكَّنْتُمْ مِنهم.
﴿وَأُولَئِكُمْ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما عُدِّدَ مِنَ (p-215)الصِّفاتِ القَبِيحَةِ.
﴿جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً واضِحَةً في الإيقاعِ بِهِمْ قَتْلًَا وسَبْيًَا لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ وانْكِشافِ حالِهِمْ في الكُفْرِ والغَدْرِ وإضْرارِهِمْ بِأهْلِ الإسْلامِ أوْ تَسَلُّطًَا ظاهِرًَا حَيْثُ أذِنّا لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ.