Tafsir Abi Al-Suaood — الكهف 18:1 – مريم 19:98
المحتويات
- الكهف 18:1
- الكهف 18:2
- الكهف 18:3
- الكهف 18:4
- الكهف 18:5
- الكهف 18:6
- الكهف 18:7
- الكهف 18:8
- الكهف 18:9
- الكهف 18:10
- الكهف 18:11
- الكهف 18:12
- الكهف 18:13
- الكهف 18:14
- الكهف 18:15
- الكهف 18:16
- الكهف 18:17
- الكهف 18:18
- الكهف 18:19
- الكهف 18:20
- الكهف 18:21
- الكهف 18:22
- الكهف 18:23
- الكهف 18:24
- الكهف 18:25
- الكهف 18:26
- الكهف 18:27
- الكهف 18:28
- الكهف 18:29
- الكهف 18:30
- الكهف 18:31
- الكهف 18:32
- الكهف 18:33
- الكهف 18:34
- الكهف 18:35
- الكهف 18:36
- الكهف 18:37
- الكهف 18:38
- الكهف 18:39
- الكهف 18:40
- الكهف 18:41
- الكهف 18:42
- الكهف 18:43
- الكهف 18:44
- الكهف 18:45
- الكهف 18:46
- الكهف 18:47
- الكهف 18:48
- الكهف 18:49
- الكهف 18:50
- الكهف 18:51
- الكهف 18:52
- الكهف 18:53
- الكهف 18:54
- الكهف 18:55
- الكهف 18:56
- الكهف 18:57
- الكهف 18:58
- الكهف 18:59
- الكهف 18:60
- الكهف 18:61
- الكهف 18:62
- الكهف 18:63
- الكهف 18:64
- الكهف 18:65
- الكهف 18:66
- الكهف 18:67
- الكهف 18:68
- الكهف 18:69
- الكهف 18:70
- الكهف 18:71
- الكهف 18:72
- الكهف 18:73
- الكهف 18:74
- الكهف 18:75
- الكهف 18:76
- الكهف 18:77
- الكهف 18:78
- الكهف 18:79
- الكهف 18:80
- الكهف 18:81
- الكهف 18:82
- الكهف 18:83
- الكهف 18:84
- الكهف 18:85
- الكهف 18:86
- الكهف 18:87
- الكهف 18:88
- الكهف 18:89
- الكهف 18:90
- الكهف 18:91
- الكهف 18:92
- الكهف 18:93
- الكهف 18:94
- الكهف 18:95
- الكهف 18:96
- الكهف 18:97
- الكهف 18:98
- الكهف 18:99
- الكهف 18:100
- الكهف 18:101
- الكهف 18:102
- الكهف 18:103
- الكهف 18:104
- الكهف 18:105
- الكهف 18:106
- الكهف 18:107
- الكهف 18:108
- الكهف 18:109
- الكهف 18:110
- مريم 19:1
- مريم 19:2
- مريم 19:3
- مريم 19:4
- مريم 19:5
- مريم 19:6
- مريم 19:7
- مريم 19:8
- مريم 19:9
- مريم 19:10
- مريم 19:11
- مريم 19:12
- مريم 19:13
- مريم 19:14
- مريم 19:15
- مريم 19:16
- مريم 19:17
- مريم 19:18
- مريم 19:19
- مريم 19:20
- مريم 19:21
- مريم 19:22
- مريم 19:23
- مريم 19:24
- مريم 19:25
- مريم 19:26
- مريم 19:27
- مريم 19:28
- مريم 19:29
- مريم 19:30
- مريم 19:31
- مريم 19:32
- مريم 19:33
- مريم 19:34
- مريم 19:35
- مريم 19:36
- مريم 19:37
- مريم 19:38
- مريم 19:39
- مريم 19:40
- مريم 19:41
- مريم 19:42
- مريم 19:43
- مريم 19:44
- مريم 19:45
- مريم 19:46
- مريم 19:47
- مريم 19:48
- مريم 19:49
- مريم 19:50
- مريم 19:51
- مريم 19:52
- مريم 19:53
- مريم 19:54
- مريم 19:55
- مريم 19:56
- مريم 19:57
- مريم 19:58
- مريم 19:59
- مريم 19:60
- مريم 19:61
- مريم 19:62
- مريم 19:63
- مريم 19:64
- مريم 19:65
- مريم 19:66
- مريم 19:67
- مريم 19:68
- مريم 19:69
- مريم 19:70
- مريم 19:71
- مريم 19:72
- مريم 19:73
- مريم 19:74
- مريم 19:75
- مريم 19:76
- مريم 19:77
- مريم 19:78
- مريم 19:79
- مريم 19:80
- مريم 19:81
- مريم 19:82
- مريم 19:83
- مريم 19:84
- مريم 19:85
- مريم 19:86
- مريم 19:87
- مريم 19:88
- مريم 19:89
- مريم 19:90
- مريم 19:91
- مريم 19:92
- مريم 19:93
- مريم 19:94
- مريم 19:95
- مريم 19:96
- مريم 19:97
- مريم 19:98
الكهف 18:1
(p-202)(سُورَةُ الكَهْفِ مَكِّيَّةٌ إلّا الآياتِ ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ ومِن آيَةِ ثَلاثَةٍ وثَمانِينَ إلى آيَةِ إحْدى ومِائَةٍ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها عَشْرٌ ومِائَةٌ)
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ: الكِتابَ الكامِلَ الغَنِيَّ عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ المَعْرُوفِ بِذَلِكَ مِن بَيْنِ الكُتُبِ، الحَقِيقَ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الكِتابِ بِهِ. وهو عِبارَةٌ عَنِ جَمِيعِ القرآن، أوْ عَنْ جَمِيعِ المُنْزَلِ حِينَئِذٍ كَما مَرَّ مِرارًا، وفي وصْفِهِ تَعالى بِالمَوْصُولِ إشْعارٌ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ، وإيذانٌ بِعِظَمِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، كَيْفَ لا؟ وعَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ سَعادَةِ الدّارَيْنِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِالعَبْدِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ تَنْبِيهٌ عَلى بُلُوغِهِ ﷺ إلى أعْلى مَعارِجِ العِبادَةِ، وتَشْرِيفٌ لَهُ، أيَّ تَشْرِيفٍ، وإشْعارٌ بِأنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلْمُرْسِلِ، لا كَما زَعَمَتِ النَّصارى في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ لِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ العِوَجِ بِنَوْعِ اخْتِلالٍ في النَّظْمِ، وتَنافٍ في المَعْنى. أوِ انْحَرَفَ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، وهو في المَعانِي كالعِوَجِ في الأعْيانِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ مَعَ كَوْنِ الجِبالِ مِنَ الأعْيانِ فَلِلدَّلالَةِ عَلى انْتِفاءِ ما لا يُدْرَكُ مِنَ العِوَجِ بِحاسَّةِ البَصَرِ، بَلْ إنَّما يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالبَصِيرَةِ بِواسِطَةِ اسْتِعْمالِ المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِمّا لا يُشْعَرُ بِهِ بِالمَشاعِرِ الظّاهِرَةِ عُدَّ مِن قَبِيلِ ما في المَعانِي، وقِيلَ: الفَتْحُ في اعْوِجاجِ المُنْتَصِبِ كالعُودِ والحائِطِ، والكَسْرُ في اعْوِجاجِ غَيْرِهِ عَيْنًا كانَ، أوْ مَعْنًى.
الكهف 18:2
﴿قَيِّمًا﴾ بِالمَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ لِلْعِبادِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ مِنَ الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ، فَيَكُونُ وصْفًا لَهُ بِالتَّكْمِيلِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالكَمالِ، أوْ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ شاهِدًا بِصِحَّتِها ومُهَيْمِنًا عَلَيْها، أوْ مُتَناهِيًا في الِاسْتِقامَةِ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ نَفْيُ العِوَجِ مَعَ إفادَةِ كَوْنِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ اللّازِمَةِ لَهُ، حَسْبَما تُنْبِئُ عَنْهُ الصِّيغَةُ لا أنَّهُ نُفِيَ عَنْهُ العِوَجُ مَعَ كَوْنِهِ مِن شَأْنِهِ، وانْتِصابُهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ مَعْطُوفَةً عَلى الصِّلَةِ بِمُضْمَرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ نَفْيُ العِوَجِ تَقْدِيرُهُ: جَعَلَهُ قَيِّمًا. وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها حالِيَّةً فَهو عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكِتابِ، إذْ لا فَصْلَ حِينَئِذٍ بُنِيَ أبْعاضُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالمَعْطُوفِ. وقُرِئَ: (قِيَمًا) ﴿لِيُنْذِرَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلَ. والفاعِلُ ضَمِيرُ الجَلالَةِ كَما في الفِعْلَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، والإطْلاقُ عَنْ ذِكْرِ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ هو (p-203)المَفْعُولُ الثّانِي، وأنَّ الأوَّلَ ظاهِرٌ لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ، أيْ: أنْزَلَ الكِتابَ لِيُنْذِرَ بِما فِيهِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُ.
﴿بَأْسًا﴾ أيْ: عَذابًا.
﴿شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ أيْ: صادِرًا مِن عِنْدِهِ، نازِلًا مِن قِبَلِهِ بِمُقابَلَةِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ. وقُرِئَ: (مِن لَدْنِهِ) بِسُكُونِ الدّالِ مَعَ إشْمامِ الضَّمَّةِ، وكَسْرِ النُّونِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وكَسْرِ الهاءِ لِلْإتْباعِ.
﴿وَيُبَشِّرَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: المُصَدِّقِينَ بِهِ.
﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ الأعْمالَ الصّالِحَةَ الَّتِي بُيِّنَتْ في تَضاعِيفِهِ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِتَجَدُّدِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، واسْتِمْرارِها، وإجْراءُ المَوْصُولِ عَلى مَوْصُوفِهِ المَذْكُورِ لِما أنَّ مَدارَ قَبُولِ الأعْمالِ هو الإيمانُ.
﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهم بِمُقابَلَةِ إيمانِهِمْ، وأعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ.
﴿أجْرًا حَسَنًا﴾ هو الجَنَّةُ، وما فِيها مِنَ المَثُوباتِ الحُسْنى.
الكهف 18:3
﴿ماكِثِينَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في "لَهُمْ".
﴿فِيهِ﴾ أيْ: في ذَلِكَ الأجْرِ.
﴿أبَدًا﴾ مِن غَيْرِ انْتِهاءٍ، أيْ: خالِدِينَ فِيهِ. وهو نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِماكِثِينَ، وتَقْدِيمُ الإنْذارِ عَلى التَّبْشِيرِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِزَجْرِ الكُفّارِ عَمّا هم عَلَيْهِ مَعَ مُراعاةِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ، وتَكْرِيرُ الإنْذارِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
الكهف 18:4
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ مُتَعَلِّقًا بِفِرْقَةٍ خاصَّةٍ مِمَّنْ عَمَّهُ الإنْذارُ السّابِقُ مِن مُسْتَحِقِّي البَأْسِ الشَّدِيدِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، لِغايَةِ شَناعَةِ كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ، أيْ: ويُنْذِرَ مِن بَيْنِ سائِرِ الكَفَرَةِ هَؤُلاءِ المُتَفَوِّهِينَ بِمِثْلِ هاتِيكَ العَظِيمَةِ خاصَّةً. وهم كُفّارُ العَرَبِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى واليَهُودُ القائِلُونَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى القائِلُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. وتَرْكُ إجْراءِ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُوفِ كَما فُعِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ" لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ في الكُفْرِ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي في الصِّلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ صُدُورِ تِلْكَ الكَلِمَةِ القَبِيحَةِ عَنْهم فِيما سِيقَ، وجَعْلُ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ فِيما سَلَفَ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الطّائِفَةِ يُؤَدِّي إلى خُرُوجِ سائِرِ أصْنافِ الكَفَرَةِ عَنِ الإنْذارِ، والوَعِيدِ. وتَعْمِيمُ الإنْذارِ هُناكَ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا بِحَمْلِهِ عَلى مَعْنى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِالخَبَرِ الضّارِّ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ حُلُولِ المُنْذَرِ بِهِ عَلى المُنْذَرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُفْضِي إلى خُلُوِّ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى حُلُولِ البَأْسِ الشَّدِيدِ عَلى مَن عَدا هَذِهِ الفِرْقَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ ضَمِيرَ الكِتابِ، أوْ ضَمِيرَ الرَّسُولِ ﷺ.
الكهف 18:5
﴿ما لَهم بِهِ﴾ أيْ: بِاتِّخاذِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَدًا.
﴿مِن عِلْمٍ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِ الظَّرْفِ. و "مِن" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ في مَقالِهِمْ، أيْ: ما لَهم بِذَلِكَ شَيْءٌ مِن عِلْمٍ أصْلًا لا لِإخْلالِهِمْ بِطَرِيقَةٍ مَعَ تَحَقُّقِ المَعْلُومِ، أوْ إمْكانِهِ بَلْ لِاسْتِحالَتِهِ في نَفْسِهِ.
﴿وَلا لآبائِهِمْ﴾ الَّذِينَ قَلَّدُوهم فَتاهُوا جَمِيعًا في تِيهِ الجَهالَةِ والضَّلالَةِ، أوْ ما لَهم عِلْمٌ بِما قالُوهُ أهُوَ صَوابٌ أمْ خَطَأٌ؟ بَلْ إنَّما قالُوهُ رَمْيًا عَنْ عَمًى وجَهالَةٍ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ورَوِيَّةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أوْ بِحَقِيقَةِ ما قالُوهُ، وبِعِظَمِ رُتْبَتِهِ في الشَّناعَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ (p-204)يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ ... الآياتِ. وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ أيْ: عَظُمَتْ مَقالَتُهم هَذِهِ في الكُفْرِ والِافْتِراءِ لِما فِيها مِن نِسْبَتِهِ سُبْحانَهُ إلى ما لا يَكادُ يَلِيقُ بِجَنابِ كِبْرِيائِهِ. والفاعِلُ في كَبُرَتْ، إمّا ضَمِيرُ المَقالَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِـ "قالُوا" وكَلِمَةً نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، أوْ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِما بَعْدَهُ مِنَ النَّكِرَةِ المَنصُوبَةِ تَمْيِيزًا، كَبِئْسَ رَجُلًا. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَبُرَتْ هي كَلِمَةً خارِجَةً مِن أفْواهِهِمْ. وقُرِئَ: (كَبْرَتْ) بِإسْكانِ الباءِ مَعَ إشْمامِ الضَّمِّ وقُرِئَ: (كَلِمَةٌ) بِالرَّفْعِ ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، مُفِيدَةٌ لِاسْتِعْظامِ اجْتِرائِهِمْ عَلى التَّفَوُّهِ بِها، وإسْنادُ الخُرُوجِ إلَيْها مَعَ أنَّ الخارِجَ هو الهَواءُ المُتَكَيِّفُ بِكَيْفِيَّةِ الصَّوْتِ لِمُلابَسَتِهِ بِها.
﴿إنْ يَقُولُونَ﴾ ما يَقُولُونَ في ذَلِكَ الشَّأْنِ ﴿إلا كَذِبًا﴾ أيْ: إلّا قَوْلًا كَذِبًا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ إمْكانِ الصِّدْقِ أصْلًا، والضَّمِيرانِ لَهم ولِآبائِهِمْ، مِثْلَ حالِهِ ﷺ في شِدَّةِ الوَجْدِ عَلى إعْراضِ القَوْمِ، وتَوَلِّيهِمْ عَنِ الإيمان بالقرآن، وكَمالِ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ بِحالِ مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ إهْلاكُ نَفْسِهِ إثْرَ فَوْتِ ما يُحِبُّهُ عِنْدَ مُفارَقَةِ أحِبَّتِهِ تَأسُّفًا عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وتَلَهُّفًا عَلَيْهِمْ عَلى مُهاجَرَتِهِمْ. فَقِيلَ: عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ حَمْلًا لَهُ ﷺ عَلى الحَذَرِ، والإشْفاقِ مِن ذَلِكَ.
الكهف 18:6
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ﴾ أيْ: مُهْلِكٌ.
﴿نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ غَمًّا ووَجْدًا عَلى فِراقِهِمْ، وقُرِئَ: بِالإضافَةِ.
﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيِ: القرآن الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ في صَدْرِ السُّورَةِ بِالكِتابِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: بِأنِ المَفْتُوحَةِ، أيْ: لِأنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَإعْمالُ "باخِعٌ" يَحْمِلُهُ عَلى حِكايَةِ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ .
﴿أسَفًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ. لِـ "باخِعٌ" أيْ: لِفَرْطِ الحُزْنِ والغَضَبِ، أوْ حالٌ مِمّا فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ: مُتَأسِّفًا عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ حَمْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ بِجَعْلِ التَّشْبِيهِ بَيْنَ أجْزاءِ الطَّرَفَيْنِ لا بَيْنَ الهَيْئَتَيْنِ المُنْتَزَعَتَيْنِ مِنهُما، كَما في التَّمْثِيلِ. وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ .
الكهف 18:7
﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ، وتَعْلِيلٌ لِما في لَعَلَّ مِن مَعْنى الإشْفاقِ، أيْ: إنّا جَعَلْنا ما عَلَيْها مِمَّنْ عَدا مَن وُجِّهَ إلَيْهِ التَّكْلِيفُ مِنَ الزَّخارِفِ حَيَوانًا كانَ أوْ نَباتًا أوْ مَعْدِنًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ .
﴿زِينَةً﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ، إنْ حُمِلَ عَلى مَعْنى التَّصْيِيرِ، أوْ حالٌ إنْ حُمِلَ عَلى مَعْنى الإبْداعِ. و "اللّامُ" في ﴿لَها﴾ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"زِينَةً"، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَها، أيْ: كائِنَةً لَها، أيْ: لِيَتَمَتَّعَ بِها النّاظِرُونَ مِنَ المُكَلَّفِينَ، ويَنْتَفِعُوا بِها نَظَرًا واسْتِدْلالًا، فَإنَّ الحَيّاتِ والعَقارِبَ مِن حَيْثُ تَذْكِيرُهُما لِعَذابِ الآخِرَةِ مِن قَبِيلِ المَنافِعِ بَلْ كُلُّ حادِثٍ داخِلٌ تَحْتِ الزِّينَةِ مِن حَيْثُ دَلالَتُهُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ، فَإنَّ الأزْواجَ والأوْلادَ أيْضًا مِن زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، بَلْ أعْظَمُها. ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنُهم مِن جُمْلَةِ المُكَلَّفِينَ، فَإنَّهم مِن جِهَةِ انْتِسابِهِمْ إلى أصْحابِهِمْ داخِلُونَ تَحْتَ الزِّينَةِ، ومِن جِهَةِ كَوْنِهِمْ مُكَلَّفِينَ داخِلُونَ تَحْتَ الِابْتِلاءِ.
﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلْنا، أيْ: جَعَلْنا ما جَعَلْنا لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُهم.
﴿أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فَنُجازِيهِمْ بِالثَّوابِ والعِقابِ، حَسْبَما تَبَيَّنَ المُحْسِنُ مِنَ المُسِيءِ، وامْتازَتْ طَبَقاتُ أفْرادِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَسَبَ امْتِيازِ مَراتِبِ عُلُومِهِمُ المُرَتَّبَةِ (p-205)عَلى أنْظارِهِمْ، وتَفاوُتِ دَرَجاتِ أعْمالِهِمُ المُتَفَرِّعَةِ عَلى ذَلِكَ كَما قَرَّرْناهُ في مَطْلَعِ سُورَةِ هُودٍ، و "أيُّ" إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، و "أحْسَنُ" خَبَرُها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ البَلْوى لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِهِ كالسُّؤالِ والنَّظَرِ، ولِذَلِكَ أُجْرِيَ مَجْراهُ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، أوِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وإمّا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وأحْسَنُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، والجُمْلَةُ صِلَةٌ لَها وهي في حَيِّزِ النَّصْبِ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ لِنَبْلُوَهُمْ، والتَّقْدِيرُ: لِنَبْلُوَ الَّذِي هو أحْسَنُ عَمَلًا فَحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الضَّمَّةُ في "أيُّهُمْ" لِلْبِناءِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ عَلى أحَدِ الأقْوالِ لِتَحَقُّقِ شَرْطِ البِناءِ الَّذِي هو الإضافَةُ لَفْظًا، وحُذِفَ صَدْرُ الصِّلَةِ، وأنْ تَكُونَ لِلْإعْرابِ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ شَرْطٌ لِجَوازِ البِناءِ لا لِوُجُوبِهِ، وحُسْنُ العَمَلِ الزُّهْدُ فِيها، وعَدَمُ الِاغْتِرارِ بِها، والقَناعَةُ بِاليَسِيرِ مِنها، وصَرْفُها عَلى ما يَنْبَغِي، والتَّأمُّلُ في شَأْنِها، وجَعْلُها ذَرِيعَةً إلى مَعْرِفَةِ خالِقِها، والتَّمَتُّعُ بِها حَسْبَما أذِنَ لَهُ الشَّرْعُ، وأداءُ حُقُوقِها، والشُّكْرُ لَها لا اتِّخاذُها وسِيلَةً إلى الشَّهَواتِ والأغْراضِ الفاسِدَةِ، كَما يَفْعَلُهُ الكَفَرَةُ وأصْحابُ الأهْواءِ. وإيرادُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّ الِابْتِلاءَ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ المُنْقَسِمَةِ إلى الحُسْنِ والقَبِيحِ أيْضًا، لا إلى الحُسْنِ والأحْسَنِ فَقَطْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الغايَةَ الأصْلِيَّةَ لِلْجَعْلِ المَذْكُورِ، إنَّما هو ظُهُورُ كَمالِ إحْسانِ المُحْسِنِينَ عَلى ما حُقِّقَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ .
الكهف 18:8
﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ﴾ فِيما سَيَأْتِي عِنْدَ تَناهِي عُمْرِ الدُّنْيا ﴿ما عَلَيْها﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ قاطِبَةً بِإفْنائِها بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما أظْهَرَ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، أوْ لِإدْراجِ المُكَلَّفِينَ فِيهِ.
﴿صَعِيدًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ. والصَّعِيدُ: التُّرابُ، أوْ وجْهُ الأرْضِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الطَّرِيقُ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ.
﴿جُرُزًا﴾ تُرابًا لا نَباتَ فِيهِ بَعْدَ ما كانَ يَتَعَجَّبُ مِن بَهْجَتِهِ النُّظّارُ، وتَتَشَرَّفُ بِمُشاهَدَتِهِ الأبْصارُ، يُقالُ: أرْضٌ جُرُزٌ لا نَباتَ فِيها، وسَنَةٌ جُرُزٌ لا مَطَرَ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: جُرِزَتِ الأرْضُ فَهي مَجْرُوزَةٌ، أيْ: ذَهَبَ نَباتُها بِقَحْطٍ، أوْ جَرادٍ. ويُقالُ: جَرَزَها الجَرادُ والشّاةُ والإبِلُ إذا أكَلَتْ ما عَلَيْها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ لِتَكْمِيلِ ما في السّابِقَةِ مِنَ التَّعْلِيلِ، والمَعْنى: لا تَحْزَنْ بِما عايَنْتَ مِنَ القَوْمِ مِن تَكْذِيبِ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ مِنَ الكِتابِ فَإنّا قَدْ جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ مِن فُنُونِ الأشْياءِ زِينَةً لَها، لِنَخْتَبِرَ أعْمالَهُمْ، فَنُجازِيَهِمْ بِحَسَبِها. وإنّا لَمُفْنُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ عَنْ قَرِيبٍ، ومُجازُونَ لَهم بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ.
الكهف 18:9
﴿أُمّ حَسِبْتَ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والمُرادُ: إنْكارُ حُسْبانِ أُمَّتِهِ، و "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلِ الَّتِي هي لِلِانْتِقالِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ لا لِلْإبْطالِ، وبِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وبِبَلْ وحْدَها عِنْدَ غَيْرِهِمْ، أيْ: بَلْ أحَسِبْتَ ﴿أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا﴾ في بَقائِهِمْ عَلى الحَياةِ مُدَّةً طَوِيلَةً مِنَ الدَّهْرِ.
﴿مِن آياتِنا﴾ مِن بَيْنِ آياتِنا الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذَكَرْناهُ مِن جَعْلِ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها، لِلْحِكْمَةِ المُشارِ إلَيْها، ثُمَّ جَعْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ صَعِيدًا جُرُزًا، كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ.
﴿عَجَبًا﴾ أيْ: آيَةً ذاتَ عَجَبٍ، وضْعًا لَهُ مَوْضِعَ المُضافِ، أوْ وصْفًا لِذَلِكَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، وهو خَبَرٌ لِكانُوا. ومِن آياتِنا حالٌ مِنهُ، والمَعْنى: أنَّ قِصَّتَهُمْ، وإنْ كانَتْ خارِقَةً لِلْعاداتِ لَيْسَتْ بِعَجِيبَةٍ بِالنِّسْبَةِ (p-206)إلى سائِرِ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن تَعاجِيبِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ هي عِنْدَها كالنَّزْرِ الحَقِيرِ، والكَهْفُ: الغارُ الواسِعُ في الجَبَلِ، والرَّقِيمُ: كَلْبُهم. قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ
؎ ولَيْسَ بِها إلّا الرَّقِيمُ مُجاوِرًا وصَيْدُهُمُ والقَوْمُ في الكَهْفِ هُمَّدُ
وَقِيلَ: هو لَوْحٌ رَصاصِيٌّ أوْ حَجَرِيٌّ رُقِّمَتْ فِيهِ أسْماؤُهُمْ، وجُعِلَ عَلى بابِ الكَهْفِ. وقِيلَ: هو الوادِي الَّذِي فِيهِ الكَهْفُ، فَهو مِن رَقْمَةِ الوادِي، أيْ: جانِبِهِ. وقِيلَ: الجَبَلُ. وقِيلَ: قَرْيَتُهم. وقِيلَ: مَكانُهم بَيْنَ غَضْبانَ وأيْلَةَ دُونَ فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الرَّقِيمِ آخَرُونَ، وكانُوا ثَلاثَةً انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ الغارُ فَنَجَوْا بِذِكْرِ كُلٍّ مِنهم أحْسَنَ عَمَلِهِ عَلى ما فُصِّلَ في الصَّحِيحَيْنِ.
الكهف 18:10
﴿إذْ أوى﴾ ظَرْفٌ لِعَجَبًا لا لَحَسِبْتَ، أوْ مَفْعُولٌ لِاذْكُرْ، أيْ: حِينَ التَجَأ.
﴿الفِتْيَةُ﴾ أيْ: أصْحابُ الكَهْفِ أُوثِرَ الإظْهارُ عَلى الإضْمارِ لِتَحْقِيقِ ما كانُوا عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ مِن حالِ الفُتُوَّةِ، فَإنَّهم كانُوا فِتْيَةً مِن أشْرافِ الرُّومِ أرادَهم دِقْيانُوسُ عَلى الشِّرْكِ، فَهَرَبُوا مِنهُ بِدِينِهِمْ، ولِأنَّ صاحِبِيَّةَ الكَهْفِ مِن فُرُوعِ التِجائِهِمْ إلى الكَهْفِ فَلا يُناسِبُ اعْتِبارُها مَعَهم قَبْلَ بَيانِهِ، ﴿إلى الكَهْفِ﴾ بِجَبَلِهِمْ لِلْجُلُوسِ، واتَّخَذُوهُ مَأْوًى.
﴿فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ﴾ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِكَ الخاصَّةِ المَكْنُونَةِ عَنْ عُيُونِ أهْلِ العاداتِ. فَـ "مِنِ" ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِآتِنا، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ الثّانِي قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَهُ، أيْ: آتِنا كائِنَةً مِن لَدُنْكَ.
﴿رَحْمَةً﴾ خاصَّةً تَسْتَوْجِبُ المَغْفِرَةَ، والرِّزْقَ، والأمْنَ مِنَ الأعْداءِ.
﴿وَهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا﴾ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِن مُهاجَرَةِ الكَفّارِ، والمُثابِرَةِ عَلى طاعَتِكَ، وأصِلُ التَّهْيِئَةِ إحْداثُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ، أيْ: أصْلِحْ، ورَتِّبْ، وأتْمِمْ لَنا مِن أمْرِنا.
﴿رَشَدًا﴾ إصابَةً لِلطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَطْلُوبِ، واهْتِداءً إلَيْهِ، وكِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِهَيِّئْ لِاخْتِلافِهِما في المَعْنى، وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِهِما، وإبْرازِ الرَّغْبَةِ في المُؤَخَّرِ بِتَقْدِيمِ أحْوالِهِ فَإنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ عَمّا هو مِن أحْوالِهِ المُرَغِّبَةِ فِيهِ، كَما يُورِثُ شَوْقَ السّامِعِ إلى وُرُودِهِ يُنْبِئُ عَنْ كَمالِ رَغْبَةِ المُتَكَلِّمِ فِيهِ، واعْتِنائِهِ بِحُصُولِهِ لا مَحالَةَ، وكَذا الكَلامُ في تَقْدِيمِ قَوْلِهِ تَعالى: "مِن لَدُنْكَ" عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ "آتِنا"، وتَقْدِيمُ "لَنا" عَلى "مِن أمْرِنا" لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِكَوْنِ المَسْؤُولِ مَرْغُوبًا فِيهِ لَدَيْهِمْ، أوِ اجْعَلْ أمْرَنا رَشَدًا كُلَّهُ عَلى أنَّ مِن تَجْرِيدِيَّةٌ مِثْلُها في قَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا.
الكهف 18:11
﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ أيْ: أنَمْناهم عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ المَبْنِيِّ عَلى تَشْبِيهِ الإنامَةِ الثَّقِيلَةِ المانِعَةِ عَنْ وُصُولِ الأصْواتِ إلى الآذانِ بِضَرْبِ الحِجابِ عَلَيْها، وتَخْصِيصُ الآذانِ بِالذِّكْرِ مَعَ اشْتِراكِ سائِرِ المَشاعِرِ لَها في الحَجْبِ عَنِ الشُّعُورِ عِنْدَ النَّوْمِ لِما أنَّها المُحْتاجُ إلى الحَجْبِ عادَةً إذْ هي الطَّرِيقَةُ لِلتَّيَقُّظِ غالِبًا لا سِيَّما عِنْدَ انْفِرادِ النّائِمِ، واعْتِزالِهِ عَنِ الخَلْقِ. وقِيلَ: الضَّرْبُ عَلى الآذانِ: كِنايَةٌ عَنِ الإنامَةِ الثَّقِيلَةِ، وحَمْلُهُ عَلى تَعْطِيلِها، كَما في قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ الأمِيرُ عَلى يَدِ الرَّعِيَّةِ، أيْ: مَنَعَهم مِنَ التَّصَرُّفِ مَعَ عَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِما سَيَأْتِي مِنَ البَعْثِ لا يَدُلُّ عَلى النَّوْمِ، مَعَ أنَّهُ المُرادُ قَطْعًا. و "الفاءُ" في "فَضَرَبْنا" كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ نادى﴾ فَإنَّ الضَّرْبَ المَذْكُورَ، وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْلِيبِ ذاتَ اليَمِينِ، وذاتَ الشِّمالِ، والبَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ (p-207)إيتاءُ رَحْمَةً لَدُنْيَّةٍ خافِيَةٍ عَنْ أبْصارِ المُتَمَسِّكِينَ بِالأسْبابِ العادِيَّةِ اسْتِجابَةً لِدَعْوَتِهِمْ ﴿فِي الكَهْفِ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ لِضَرَبْنا ﴿سِنِينَ﴾ ظَرْفُ زَمانٍ لَهُ بِاعْتِبارِ بَقائِهِ لا ابْتِدائِهِ.
﴿عَدَدًا﴾ أيْ: ذَواتِ عَدَدٍ، أوْ تُعَدُّ عَدَدًا. عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ مَعْدُودَةً عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، ووَصْفُ السِّنِينَ بِذَلِكَ؛ إمّا لِلتَّكْثِيرِ، وهو الأنْسَبُ بِإظْهارِ كَمالِ القُدْرَةِ. أوْ لِلتَّقْلِيلِ، وهو الألْيَقُ بِمَقامِ إنْكارِ كَوْنِ القِصَّةِ عَجَبًا مِن بَيْنِ سائِرِ الآياتِ العَجِيبَةِ فَإنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ كَبَعْضِ يَوْمٍ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ.
الكهف 18:12
﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْ: أيْقَظْناهم مِن تِلْكَ النَّوْمَةِ الثَّقِيلَةِ الشَّبِيهَةِ بِالمَوْتِ.
﴿لِنَعْلَمَ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقُرِئَ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، وأيًّا ما كانَ فَهو غايَةٌ لِلْبَعْثِ، لَكِنْ لا يُجْعَلُ العِلْمُ مَجازًا مِنَ الإظْهارِ والتَّمْيِيزِ، أوْ بِحَمْلِهِ عَلى ما يَصِحُّ وُقُوعُهُ غايَةً لِلْبَعْثِ الحادِثِ مِنَ العِلْمِ الحالِيِّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ونَظائِرِهِما الَّتِي يَتَحَقَّقُ فِيها العِلْمُ بِتَحَقُّقِ مُتَعَلِّقِهِ قَطْعًا، فَإنَّ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ قَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَحَزُّبُ النّاسِ إلى مُتَّبِعٍ ومُنْقَلِبٍ، وكَذا مُداوَلَةُ الأيّامِ بَيْنَ النّاسِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَحَزُّبُهم إلى الثّابِتِ عَلى الإيمانِ، والمُتَزَلْزِلِ فِيهِ، وتَعَلَّقَ بِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ العِلْمُ الحالِيُّ، والإظْهارُ والتَّمْيِيزُ. وأمّا بَعْثُ هَؤُلاءِ فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ تَفَرُّقُهم إلى المُحْصِي وغَيْرِهِ، حَتّى يَتَعَلَّقَ بِهِما العِلْمُ، أوِ الإظْهارُ. والتَّمْيِيزُ ويَتَسَنّى نَظْمُ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في سَلْكِ الغايَةِ، وإنَّما الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَفَرُّقُهم إلى مُقَدِّرٍ تَقْدِيرًا غَيْرَ مُصِيبٍ، ومُفَوِّضٍ إلى العِلْمِ الرَّبّانِيِّ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنهُما مِنَ الإحْصاءِ في شَيْءٍ، بَلْ يُحْمَلُ النَّظْمِ الكَرِيمُ عَلى التَّمْثِيلِ المَبْنِيِّ عَلى جَعْلِ العِلْمِ عِبارَةً عَنِ الِاخْتِبارِ مَجازًا، بِطَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ الِاخْتِبارِ صُدُورُ الفِعْلِ المُخْتَبَرِ بِهِ عَنِ المُخْتَبَرِ قَطْعًا بَلْ قَدْ يَكُونُ لِإظْهارِ عَجْزِهِ عَنْهُ عَلى سُنَنِ التَّكالِيفِ التَّعْجِيزِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ وهو المُرادُ هَهُنا. فالمَعْنى: بَعَثْناهم لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُهم.
﴿أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ أيِ: الفَرِيقَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ بِالتَّقْدِيرِ والتَّفْوِيضِ كَما سَيَأْتِي.
﴿أحْصى﴾ أيْ: أضْبَطُ ﴿لِما لَبِثُوا﴾ أيْ: لِلُبْثِهِمْ ﴿أمَدًا﴾ أيْ: غايَةً فَيَظْهَرُ لَهم عَجْزُهُمْ، ويُفَوِّضُوا ذَلِكَ إلى العَلِيمِ الخَبِيرِ، ولِيَتَعَرَّفُوا حالَهم وما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ مِن حِفْظِ أبْدانِهِمْ وأدْيانِهِمْ، فَيَزْدادُوا يَقِينًا بِكَمالِ قدرته وعِلْمِهِ، ويَسْتَبْصِرُوا بِهِ أمْرَ البَعْثِ. ويَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا لِمُؤْمِنِي زَمانِهِمْ، وآيَةً بَيِّنَةً لِكُفّارِهِمْ، وقَدِ اقْتَصَرَ هَهُنا مِن تِلْكَ الغاياتِ الجَلِيلَةِ عَلى ذِكْرِ مَبْدَئِها الصّادِرِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ. وفِيما سَيَأْتِي عَلى ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّساؤُلِ المُؤَدِّي إلَيْها، وهَذا أوْلى مِن تَصْوِيرِ التَّمْثِيلِ بِأنْ يُقالَ: بَعَثْناهم بَعْثَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ ... إلَخْ. حَسْبَما وقَعَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا" عَلى أحَدِ الوُجُوهِ حَيْثُ حُمِلَ عَلى مَعْنى فَعَلْنا ذَلِكَ فِعْلَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ مَنِ الثّابِتُ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِ الثّابِتِ، إذْ رُبَّما يُتَوَهَّمُ مِنهُ اسْتِلْزامُ الإرادَةِ لِتَحَقُّقِ المُرادِ، فَيَعُودُ المَحْذُورُ فَيُصارُ إلى جَعْلِ إرادَةِ العِلْمِ عِبارَةً عَنِ الِاخْتِبارِ فاخْتَبِرْ واخْتَرْ. هَذا وقَدْ قُرِئَ: (لِيُعْلَمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِنَ الإعْلامِ، عَلى أنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةَ المُصَدَّرَةَ بِـ "أيُّ" في مَوْقِعِ المَفْعُولِ الثّانِي فَقَطْ إنْ جُعِلَ العِلْمُ عِرْفانِيًّا. أوْ في مَوْقِعِ المَفْعُولَيْنِ إنْ جُعِلَ يَقِينِيًّا، أيْ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ النّاسَ أيَّ الحِزْبَيْنِ أحْصى ... إلَخْ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ أحَدَ الحِزْبَيْنِ الفِتْيَةُ، والآخِرَ المُلُوكُ الَّذِينَ تَداوَلُوا المَدِينَةَ مَلِكًا (p-208)بَعْدَ مَلِكٍ، وقِيلَ: كِلاهُما مِن غَيْرِهِمْ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ، فَإنَّ "اللّامَ" لِلْعَهْدِ ولا عَهْدَ لِغَيْرِهِمْ و "الأمَدُ" بِمَعْنى المَدى كالغايَةِ في قَوْلِهِمُ: ابْتِداءُ الغايَةِ، وانْتِهاءُ الغايَةِ، وهو مَفْعُولٌ لِأحْصى، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنهُ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، ولَيْسَ مَعْنى إحْصاءِ تِلْكَ المَدَّةِ ضَبْطَها مِن حَيْثُ كَمِّيَّتُها المُتَّصِلَةُ الذّاتِيَّةُ، فَإنَّهُ لا يُسَمّى إحْصاءً بَلْ ضَبْطَها مِن حَيْثُ كَمِّيَّتُها المُفَصَّلَةُ العارِضَةُ لَها بِاعْتِبارِ قِسْمَتِها إلى السِّنِينَ، وبُلُوغِها مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ إلى مَراتِبِ الأعْدادِ عَلى ما يُرْشِدُكَ إلَيْهِ كَوْنُ تِلْكَ المُدَّةِ عِبارَةٌ عَمّا سَبَقَ مِنَ السِّنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ "الأمَدِ" مَعْناهُ الوَضْعِيُّ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: لِزَمانِ لُبْثِهِمْ، وبِدُونِهِ أيْضًا. فَإنَّ اللُّبْثَ عِبارَةٌ عَنِ الكَوْنِ المُسْتَمِرِّ المُنْطَبِقِ عَلى الزَّمانِ المَذْكُورِ، فَبِاعْتِبارِ الِامْتِدادِ العارِضِ لَهُ بِسَبَبِهِ يَكُونُ لَهُ أمَدٌ لا مَحالَةَ لَكِنْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ ما يَقَعُ غايَةً ومُنْتَهًى لِذَلِكَ الكَوْنِ المُسْتَمِرِّ بِاعْتِبارِ كَمِّيَّتِهِ المُتَّصِلَةِ العارِضَةِ لَهُ بِسَبَبِ انْطِباقِهِ عَلى الزَّمانِ المُمْتَدِّ بِالذّاتِ، وهو آنُ انْبِعاثِهِمْ مِن نَوْمِهِمْ، فَإنَّ مَعْرِفَتَهُ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ، ولا تُسَمّى إحْصاءً كَما مَرَّ، بَلْ بِاعْتِبارِ كَمِّيَّتِهِ المُفَصَّلَةِ مُعارَضَةٌ لَهُ بِسَبَبِ عُرُوضِها لِزَمانِهِ المُنْطَبِقِ هو عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ انْقِسامِهِ إلى السِّنِينَ، ووُصُولِهِ إلى مَرْتَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن مَراتِبِ العَدَدِ، كَما حُقِّقَ في الصُّورَةِ الأُولى. والفَرْقُ بَيْنَ الِاعْتِبارَيْنِ أنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ الإحْصاءُ في الصُّورَةِ السّابِقَةِ نَفْسُ المُدَّةِ المُقَسَّمَةِ إلى السِّنِينَ فَهو مَجْمُوعُ ثَلَثِمِائَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ، وفي الصُّورَةِ الأخِيرَةِ مُنْتَهى تِلْكَ المُدَّةِ المُنْقَسِمَةِ إلَيْها، أعْنِي: السَّنَةَ التّاسِعَةَ بَعْدَ الثَّلَثِمِائَةٍ، وتَعَلُّقُ الإحْصاءِ بِالأمَدِ بِالمَعْنى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِهِ بِالمَعْنى الثّانِي فَبِاعْتِبارِ انْتِظامِهِ لِما تَحْتَهُ مِن مَراتِبِ العَدَدِ، واشْتِمالِهِ عَلَيْها. هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: "لِما لَبِثُوا" مَصْدَرِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً حُذِفَ عائِدُها مِنَ الصِّلَةِ، أيْ: لِلَّذِي لَبِثُوا فِيهِ مِنَ الزَّمانِ الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ فِيما قَبْلُ بِسِنِينَ عَدَدًا، فالأمَدُ بِمَعْناهُ الوَضْعِيِّ عَلى ما تَحَقَّقْتَهُ. وقِيلَ: "اللّامُ: مَزِيدَةٌ، والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ، و "أمَدًا" نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ أحْصى اسْمُ تَفْضِيلٍ؛ لِأنَّهُ المُوافِقُ لِما وقَعَ في سائِرِ الآياتِ الكَرِيمَةِ، نَحْوِ﴿أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾، ﴿أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى، ولِأنَّ كَوْنَهُ فِعْلًا ماضِيًا يُشْعِرُ بِأنَّ غايَةَ البَعْثِ هو العِلْمُ بِالإحْصاءِ المُتَقَدِّمِ عَلى البَعْثِ، لا بِالإحْصاءِ المُتَأخِّرِ عَنْهُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وادِّعاءُ أنَّ مَجِيءَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِنَ المَزِيدَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ قِياسِيٍّ مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ قِياسٌ مُطْلَقًا. وعِنْدَ ابْنِ عُصْفُورٍ فِيما لَيْسَتْ هَمْزَتُهُ لِلنَّقْلِ. ولا رَيْبَ في أنَّ ما نَحْنُ فِيهِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ. وامْتِناعُ عَمَلِهِ إنَّما هو في غَيْرِ التَّمْيِيزِ مِنَ المَعْمُولاتِ، وأمّا أنَّ التَّمْيِيزَ يَجِبُ كَوْنُهُ فاعِلًا في المَعْنى فَلِمانِعٍ أنْ يَمْنَعَهُ بِصِحَّةِ أنْ يُقالَ: أيُّهم أحْفَظُ لِهَذا الشِّعْرِ وزْنًا أوْ تَقْطِيعًا، أوْ يُقالَ: إنَّ العامِلَ في أمَدًا فِعْلٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، أيْ: يُحْصِي لِما لَبِثُوا أمَدًا كَما في قَوْلِهِ:
؎ وأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا
وَحَدِيثُ الوُقُوعِ في المَحْذُورِ بِلا فائِدَةٍ مَدْفُوعٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن فائِدَةِ المُوافِقَةِ لِلنَّظائِرِ فَمَعَ ما فِيهِ مِنَ الِاعْتِسافِ، والخَلَلِ بِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ؛ لِأنَّ مُؤَدّاهُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِالإخْبارِ إظْهارَ أفْضَلِ الحِزْبَيْنِ، وتَمْيِيزَهُ عَنِ الأدْنى مَعَ تَحَقُّقِ أصْلِ الإحْصاءِ فِيهِما. ومِنَ البَيِّنِ أنْ لا تَحَقُّقَ لَهُ أصْلًا، وأنَّ المَقْصُودَ بِالِاخْتِبارِ إظْهارُ عَجْزِ الكُلِّ عَنْهُ رَأْسًا، فَهو فِعْلٌ ماضٍ قَطْعًا، وتَوَّهُمُ إيذانِهِ بِأنَّ غايَةَ البَعْثِ هو العِلْمُ بِالإحْصاءِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ مَرْدُودٌ بِأنَّ صِيغَةَ الماضِي بِاعْتِبارِ حالِ الحِكايَةِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الكهف 18:13
(p-209)﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ فِيما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "إذْ أوى الفِتْيَةُ ... إلَخْ. أيْ: نَحْنُ نُخْبِرُكَ بِتَفاصِيلِ أخْبارِهِمْ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ اشْتِقاقِهِ في مَطْلَعِ سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿نَبَأهُمْ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ.
﴿بِالحَقِّ﴾ إمّا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ نَقُصُّ، أوْ مِن نَبَأهم. أوْ صِفَةٌ لَهُ عَلى رَأْيِ مَن يَرى حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، أيْ: نَقُصُّ قَصَصًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، أوْ نَقُصُّهُ مُلْتَبِسِينَ بِهِ، أوْ نَقُصُّ نَبَأهم مُلْتَبِسًا بِهِ، أوْ نَبَأهُمُ المُلْتَبِسَ بِهِ. ونَبَأهم حَسْبَما ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ قَدْ مَرَجَ أهْلُ الإنْجِيلِ، وعَظُمَتْ فِيهِمُ الخَطايا، وطَغَتْ مُلُوكُهُمْ، فَعَبَدُوا الأصْنامَ، وذَبَحُوا لِلطَّواغِيتِ. وكانَ مِمَّنْ بالَغَ في ذَلِكَ، وعَتا عُتُوًّا كَبِيرًا دِقْيانُوسُ فَإنَّهُ غَلا فِيهِ غُلُوًّا شَدِيدًا، فَجاسَ خِلالَ الدِّيارِ والبِلادِ بِالعَيْثِ والفَسادِ، وقَتَلَ مَن خالَفَهُ مِنَ المُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ يَتْبَعُ النّاسَ فَيُخَيِّرُهم بَيْنَ القَتْلِ وعِبادَةِ الأوْثانِ، فَمَن رَغِبَ في الحَياةِ الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ يَصْنَعُ ما يَصْنَعُ. ومَن آثَرَ عَلَيْها الحَياةَ الأبَدِيَّةَ قَتَلَهُ، وقَطَعَ آرابَهُ، وعَلَّقَها في سُورِ المَدِينَةِ وأبْوابِها، فَلَمّا رَأى الفِتْيَةُ ذَلِكَ، وكانُوا عُظَماءَ أهْلِ مَدِينَتِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا مِن خَواصِّ المَلِكِ قامُوا، فَتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واشْتَغَلُوا بِالصَّلاةِ والدُّعاءِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ أعْوانُ الجَبّارِ، فَأحْضَرُوهم بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَهم ما قالَ، وخَيَّرَهم بَيْنَ القَتْلِ وبَيْنَ عِبادَةِ الأوْثانِ، فَقالُوا: إنَّ لَنا إلَهًا مَلَأ السَّمَواتِ والأرْضَ عَظَمَتُهُ وجَبَرُوتُهُ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ أحَدًا، ولَنْ نُقِرَّ لِما تَدْعُونا إلَيْهِ أبَدًا، فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ، فَأمَرَ بِنَزْعِ ما عَلَيْهِمْ مِنَ الثِّيابِ الفاخِرِ، وأخْرَجَهم مِن عِنْدِهِ، وخَرَجَ هو إلى مَدِينَةِ "نِينَوى" لِبَعْضِ شَأْنِهِ، وأمْهَلَهم إلى رُجُوعِهِ لِيَتَأمَّلُوا في أمْرِهِمْ فَإنْ تَبِعُوهُ وإلّا فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِسائِرِ المُسْلِمِينَ، فَأزْمَعَتِ الفِتْيَةُ عَلى الفِرارِ بِالدِّينِ، والِالتِجاءِ إلى الكَهْفِ الحَصِينِ. فَأخَذَ كُلٌّ مِنهم مِن بَيْتِ أبِيهِ شَيْئًا، فَتَصَدَّقُوا بِبَعْضِهِ، وتَزَوَّدُوا بِالباقِي، فَأوَوْا إلى الكَهْفِ، فَجَعَلُوا يُصَلُّونَ فِيهِ آناءَ اللَّيْلِ، وأطْرافَ النَّهارِ، ويَبْتَهِلُونَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالأنِينِ، والجُؤارِ، وفَوَّضُوا أمْرَ نَفَقَتِهِمْ إلى يَمْلِيخا، فَكانَ إذا أصْبَحَ يَضَعُ عَنْهُ ثِيابَهُ الحِسانَ، ويَلْبَسُ لِباسَ المَساكِينِ، ويَدْخُلُ المَدِينَةَ، ويَشْتَرِي ما يُهِمُّهُمْ، ويَتَحَسَّسُ ما فِيها مِنَ الأخْبارِ، ويَعُودُ إلى أصْحابِهِ، فَلَبِثُوا عَلى ذَلِكَ إلى أنْ قَدِمَ الجَبّارُ إلى المَدِينَةِ فَطَلَبَهُمْ، وأحْضَرَ آباءَهُمْ، فاعْتَذَرُوا بِأنَّهم عَصَوْهُمْ، ونَهَبُوا أمْوالَهُمْ، وبَذَرُوها في الأسْواقِ، وفَرُّوا إلى الجَبَلِ، فَلَمّا رَأى يَمْلِيخا ما رَأى مِنَ الشَّرِّ رَجَعَ إلى أصْحابِهِ، وهو يَبْكِي، ومَعَهُ قَلِيلٌ مِنَ الزّادِ فَأخْبَرَهم بِما شَهِدَهُ مِنَ الهَوْلِ فَفَزِعُوا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، ثُمَّ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، وجَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ في أمْرِهِمْ. فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى آذانِهِمْ، فَنامُوا ونَفَقَتُهم عِنْدَ رُءُوسِهِمْ. فَخَرَجَ دِقْيانُوسُ في طَلَبِهِمْ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ فَوَجَدُوهم قَدْ دَخَلُوا الكَهْفَ، فَأمَرَ بِإخْراجِهِمْ فَلَمْ يُطِقْ أحَدٌ أنْ يَدْخُلَهُ، فَلَمّا ضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا، قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: ألَيْسَ لَوْ كُنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْهِمْ قَتَلْتَهُمْ؟ قالَ: بَلى. قالَ: فابْنِ عَلَيْهِمْ بابَ الكَهْفِ، ودَعْهم يَمُوتُوا جُوعًا وعَطَشًا، ولْيَكُنْ كَهْفُهم قَبْرًا لَهم. فَفَعَلَ، ثُمَّ كانَ مِن شَأْنِهِمْ ما قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُمْ: ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ تَحْقِيقِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلى تَقْدِيرِ السُّؤالِ مِن قِبَلِ المُخاطَبِ، والفِتْيَةُ جَمْعُ قِلَّةٍ لِلْفَتى، كالصِّبْيَةِ لِلصَّبِيِّ.
﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أُوثِرَ (p-210)الِالتِفاتُ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ وصْفِ الربوبية لِإيمانِهِمْ، ولِمُراعاةِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ المَقالَةِ حَسْبَما سَيُحْكى عَنْهم.
﴿وَزِدْناهم هُدًى﴾ بِأنْ ثَبَّتْناهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، وأظْهَرْنا لَهم مَكْنُوناتِ مَحاسِنِهِ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى ما عَلَيْهِ سَبْكُ النَّظْمِ سِباقًا وسِياقًا مِنَ التَّكَلُّمِ.
الكهف 18:14
﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: قَوَّيْناها حَتّى اقْتَحَمُوا مَضايِقَ الصَّبْرِ عَلى هَجْرِ الأهْلِ، والأوْطانِ، والنَّعِيمِ، والإخْوانِ، واجْتَرَءُوا عَلى الصَّدْعِ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ خَوْفٍ، وحَذارٍ، والرَّدِّ عَلى دِقْيانُوسَ الجَبّارِ.
﴿إذْ قامُوا﴾ مَنصُوبٌ بِرَبَطْنا، والمُرادُ بِقِيامِهِمُ انْتِصابُهم لِإظْهارِ شِعارِ الدِّينِ، قالَ مُجاهِدٌ: خَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ، فاجْتَمَعُوا عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، فَقالَ أكْبُرُهم: إنِّي لَأجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا أنَّ رَبِّي رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ، فَقالُوا: نَحْنُ أيْضًا كَذَلِكَ، فَقامُوا جَمِيعًا ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ضَمَّنُوا دَعْواهم ما يُحَقِّقُ فَحْواها، ويَقْضِي بِمُقْتَضاها، فَإنَّ رُبُوبِيَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُما تَقْتَضِي رُبُوبِيَّتَهُ لِما فِيهِما، أيِ: اقْتِضاءً. وقِيلَ: المُرادُ قِيامُهم بَيْنَ يَدَيِ الجَبّارِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِهِ حِينَ عاتَبَهم عَلى تَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: هَؤُلاءِ ... إلَخْ. مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ صادِرًا عَنْهم بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن عِنْدِهِ ﴿لَنْ نَدْعُوَ﴾ لَنْ نَعْبُدَ أبَدًا ﴿مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ مَعْبُودًا آخَرَ لا اسْتِقْلالًا، ولا اشْتِراكًا، والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: "رَبًّا" لِلتَّنْصِيصِ عَلى رَدِّ المُخالِفِينَ حَيْثُ كانُوا يُسَمُّونَ أصْنامَهم آلِهَةً، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ العِبادَةِ وصْفُ الأُلُوهِيَّةِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى بِطَرِيقِ الأُلُوهِيَّةِ لا بِطْرِيقَ المالِكِيَّةِ المَجازِيَّةِ.
﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ أيْ: قَوْلًا ذا شَطَطٍ. أيْ: تَجاوُزٍ عَنِ الحَدِّ، أوْ قَوْلًا هو عَيْنُ الشَّطَطِ عَلى أنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، ثُمَّ اقْتُصِرَ عَلى الوَصْفِ مُبالَغَةً عَلى مُبالَغَةٍ، وحَيْثُ كانَتِ العِبادَةُ مُسْتَلْزِمَةً لِلْقَوْلِ لِما أنَّها لا تَعْرى عَنِ الِاعْتِرافِ بِأُلُوهِيَّةِ المَعْبُودِ، والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ قِيلَ: لَقَدْ قُلْنا. و "إذًا" جَوابٌ وجَزاءٌ، أيْ: لَوْ دَعَوْنا مِن دُونِهِ إلَهًا، واللَّهِ لَقَدْ قُلْنا قَوْلًا خارِجًا عَنْ حَدِّ العُقُولِ مُفْرِطًا في الظُّلْمِ.
الكهف 18:15
﴿هَؤُلاءِ﴾ هو مُبْتَدَأٌ. وفي اسْمِ الإشارَةِ تَحْقِيرٌ لَهم.
﴿قَوْمُنا﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ.
﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ خَبَرُهُ، وفِيهِ مَعْنى الإنْكارِ.
﴿لَوْلا يَأْتُونَ﴾ تَحْضِيضٌ فِيهِ مَعْنى الإنْكارِ والتَّعْجِيزِ، أيْ: هَلّا يَأْتُونَ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى أُلُوهِيَّتِهِمْ، أوْ عَلى صِحَّةِ اتِّخاذِهِمْ لَها آلِهَةً ﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ بِحُجَّةٍ ظاهِرَةِ الدَّلالَةِ عَلى مُدَّعاهُمْ، وهو تَبْكِيتٌ لَهُمْ، وإلْقامُ حَجَرٍ.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِنِسْبَةِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، والمَعْنى أنَّهُ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وإنْ كانَ سَبْكُ النَّظْمِ عَلى إنْكارِ الأظْلَمِيَّةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإنْكارِ المُساواةِ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ هُودٍ.
الكهف 18:16
(p-211)﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: فارَقْتُمُوهم في الِاعْتِقادِ، أوْ أرَدْتُمُ الِاعْتِزالَ الجُسْمانِيَّ.
﴿وَما يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: إذِ اعْتَزَلْتُمُوهم ومَعْبُودِيهِمْ إلّا اللَّهَ، أوْ وعِبادَتَهم إلّا عِبادَةَ اللَّهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ كَأهْلِ مَكَّةَ، ومُنْقَطِعٌ عَلى تَقْدِيرِ تَمَحُّضِهِمْ في عِبادَةِ الأوْثانِ، ويَجُوزُ كَوْنُ "ما" نافِيَةً عَلى أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنِ الفِتْيَةِ بِالتَّوْحِيدِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ إذْ وجَوابِهِ.
﴿فَأْوُوا﴾ أيِ: التَجِئُوا.
﴿إلى الكَهْفِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو جَوابٌ إذْ كَما تَقُولُ إذْ فَعَلْتَ فافْعَلْ كَذا، وقِيلَ: هو دَلِيلٌ عَلى جَوابِهِ، أيْ: إذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمُ اعْتِزالًا اعْتِقادِيًّا فاعْتَزِلُوهُمُ اعْتِزالًا جُسْمانِيًّا، أوْ إذا أرَدْتُمُ اعْتِزالَهم فافْعَلُوا ذَلِكَ بِالِالتِجاءِ إلى الكَهْفِ.
﴿يَنْشُرْ لَكُمْ﴾ يَبْسُطْ لَكُمْ، ويُوَسِّعْ عَلَيْكم.
﴿رَبُّكُمْ﴾ مالِكُ أمْرِكم ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ في الدّارَيْنِ ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ﴾ يُسَهِّلْ لَكم ﴿مِن أمْرِكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ بِصَدَدِهِ مِنَ الفِرارِ بِالدِّينِ ﴿مِرْفَقًا﴾ ما تَرْتَفِقُونَ، وتَنْتَفِعُونَ بِهِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ، وكَسْرِ الفاءِ مَصْدَرًا كالمَرْجِعِ، وتَقْدِيمُ "لَكُمْ" في المَوْضِعَيْنِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِكَوْنِ المُؤَخَّرِ مِن مَنافِعِهِمْ، والتَّشْوِيقِ إلى وُرُودِهِ.
الكهف 18:17
﴿وَتَرى الشَّمْسَ﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ بَعْدَ ما أوَوْا إلى الكَهْفِ، ولَمْ يُصَرَّحْ بِهِ إيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِظُهُورِ جَرَيانِهِمْ عَلى مُوجِبِ الأمْرِ بِهِ لِكَوْنِهِ صادِرًا عَنْ رَأْيٍ صائِبٍ، وتَعْوِيلًا عَلى ما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ وما لَحِقَ مِن إضافَةِ الكَهْفِ إلَيْهِمْ، وكَوْنِهِمْ في فَجْوَةٍ مِنهُ. والخِطابُ لِلرَّسُولِ صَلّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الإخْبارَ بِوُقُوعِ الرُّؤْيَةِ تَحْقِيقًا بَلِ الإنْباءُ بِكَوْنِ الكَهْفِ بِحَيْثُ لَوْ رَأيْتَهُ تَرى الشَّمْسَ.
﴿إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ﴾ أيْ: تَتَزاوَرُ، وتَتَنَحّى بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ. وتَزَوَّرُ كَتَخَمَّرُ، وتَزْوارُّ كَتَخْمارُّ، وتَزْوَئِرُ وكُلُّها مِنَ الزَّوْرِ. وهُوَ: المَيْلُ.
﴿عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ الَّذِي أوَوْا إلَيْهِ، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ.
﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ أيْ: جِهَةَ ذاتِ يَمِينِ الكَهْفِ عِنْدَ تَوَجُّهِ الدّاخِلِ إلى قَعْرِهِ، أيْ: جانِبِهِ الَّذِي يَلِي المَغْرِبَ فَلا يَقَعُ عَلَيْهِمْ شُعاعُها، فَيُؤْذِيهِمْ ﴿وَإذا غَرَبَتْ﴾ أيْ: تَراها عِنْدَ غُرُوبِها.
﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ أيْ: تَقْطَعُهم مِنَ القَطِيعَةِ والصَّرْمِ، ولا تَقْرَبُهم.
﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ: جِهَةَ ذاتِ شَمالِ الكَهْفِ، أيْ: جانِبِهِ الَّذِي يَلِي المَشْرِقَ، وكانَ ذَلِكَ بِتَصْرِيفِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى مِنهاجِ خَرْقِ العادَةِ كَرامَةً لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ أمْرًا بَدِيعًا، أيْ: تَراها تَمِيلُ عَنْهم يَمِينًا وشِمالًا، ولا تَحُومُ حَوْلَهم مَعَ أنَّهم في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ مُعَرَّضٍ لِإصابَتِها لَوْلا أنْ صَرَفَتْها عَنْهم يَدُ التَّقْدِيرِ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ مِن تَزاوُرِ الشَّمْسِ، وقَرْضِها حالَتَيِ الطُّلُوعِ والغُرُوبِ (p-212)مَعَ كَوْنِهِمْ في مَوْقِعِ شُعاعِها.
﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وقدرته، وحَقِيَّةِ التَّوْحِيدِ، وكَرامَةِ أهْلِهِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وهَذا قَبْلَ أنْ سَدَّ دِقْيانُوسُ بابَ الكَهْفِ. وقِيلَ: كانَ بابُ الكَهْفِ شِمالِيًّا مُسْتَقْبِلَ بَناتِ نَعْشٍ، وأقْرَبُ المَشارِقِ والمَغارِبِ إلى مُحاذاتِهِ رَأْسُ مَشْرِقِ السَّرَطانِ ومَغْرِبِهِ، والشَّمْسُ إذا كانَ مَدارُها مَدارَهُ تَطْلُعُ مائِلَةً عَنْهُ مُقابِلَةً لِجانِبِهِ الأيْمَنِ، وهو الَّذِي يَلِي المَغْرِبَ، وتَغْرُبُ مُحاذِيَةً لِجانِبِهِ الأيْسَرِ فَيَقَعُ شُعاعُها عَلى جَنْبَيْهِ، وتُحَلِّلُ عُفُونَتَهُ، وتُعَدِّلُ هَواءَهُ، ولا يَقَعُ عَلَيْهِمْ فَيُؤْذِي أجْسادَهُمْ، ويُبْلِي ثِيابَهم. ولَعَلَّ مَيْلَ البابِ إلى جانِبِ الغَرْبِ كانَ أكْثَرَ، ولِذَلِكَ أُوقِعَ التَّزاوُرُ عَلى كَهْفِهِمْ، والقَرْضُ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَذَلِكَ حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى إيوائِهِمْ إلى كَهْفٍ هَذا شَأْنُهُ، وأمّا جَعْلُهُ إشارَةً إلى حِفْظِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيّاهم في ذَلِكَ الكَهْفِ تِلْكَ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، أوْ إلى إطْلاعِهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ ﷺ عَلى أخْبارِهِمْ فَلا يُساعِدُهُ إيرادُهُ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ.
﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ إلى الحَقِّ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ.
﴿فَهُوَ المُهْتَدِ﴾ الَّذِي أصابَ الفَلاحَ، والمُرادُ: إمّا الثَّناءُ عَلَيْهِمْ، والشَّهادَةُ لَهم بِإصابَةِ المَطْلُوبِ، والإخْبارُ بِتَحْقِيقِ ما أمَّلُوهُ مِن نَشْرِ الرَّحْمَةِ، وتَهْيِئَةِ المَرافِقِ، أوِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ، ولَكِنَّ المُنْتَفِعَ بِها مَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلِاسْتِبْصارِ بِها.
﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ أيْ: يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلَيْهِ.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾ أبَدًا، وإنْ بالَغْتَ في التَّتَبُّعِ والِاسْتِقْصاءِ.
﴿وَلِيًّا﴾ ناصِرًا.
﴿مُرْشِدًا﴾ يَهْدِيهِ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الفَلاحِ لِاسْتِحالَةِ وجُودِهِ في نَفْسِهِ لا أنَّكَ لا تَجِدُهُ مَعَ وُجُودِهِ أوْ إمْكانِهِ.
الكهف 18:18
﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ بِفَتْحِ السِّينِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها أيْضًا. والخِطابُ فِيهِ كَما سَبَقَ.
﴿أيْقاظًا﴾ جَمْعُ يَقِظٍ، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِها. وهو اليَقْظانُ، ومَدارُ الحُسْبانِ انْفِتاحُ عُيُونِهِمْ عَلى هَيْئَةِ النّاظِرِ، وقِيلَ: كَثْرَةُ تَقَلُّبِهِمْ، ولا يُلائِمُهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَنُقَلِّبُهُمْ" ﴿وَهم رُقُودٌ﴾ أيْ: نِيامٌ وهو تَقْرِيرٌ لِما لَمْ يُذْكَرُ فِيما سَلَفَ اعْتِمادًا عَلى ذِكْرِهِ السّابِقِ مِنَ الضَّرْبِ عَلى آذانِهِمْ ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ في رَقْدَتِهِمْ ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: جِهَةً تَلِي أيْمانَهم.
﴿وَذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ: جِهَةً تَلِي شَمائِلَهُمْ، كَيْلا تَأْكُلَ الأرْضُ ما يَلِيها مِن أبْدانِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَوْ لَمْ يُقَلَّبُوا لَأكَلَتْهُمُ الأرْضُ. قِيلَ لَهم تَقْلِيبَتانِ في السَّنَّةِ. وقِيلَ: تَقْلِيبَةٌ واحِدَةٌ يَوْمَ عاشُوراءَ. وقِيلَ: في كُلِّ تِسْعِ سِنِينَ. وقُرِئَ: (يُقَلِّبُهُمْ) عَلى الإسْنادِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، "وَتَقَلُّبَهُمْ" عَلى المَصْدَرِ مَنصُوبًا بِمُضْمَرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ، وتَحْسَبُهم أيْ: وتَرى تَقَلُّبَهم.
﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ قِيلَ: هو كَلْبٌ مَرُّوا بِهِ، فَتَبِعَهُمْ، فَطَرَدُوهُ مِرارًا فَلَمْ يَرْجِعْ، فَأنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: لا تَخْشَوْا جانِبِي فَإنِّي أُحِبُّ أحِبّاءَ اللَّهِ تَعالى فَنامُوا حَتّى أحْرُسَكم. وقِيلَ: هو كَلْبُ راعٍ قَدْ تَبِعَهم عَلى دِينِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ (كالَبُهُمْ) إذا الظّاهِرُ لُحُوقُهُ بِهِمْ. وقِيلَ: كَلْبُ صَيْدِ أحَدِهِمْ، أوْ زَرْعِهِ، أوْ غَنَمِهِ. واخْتُلِفَ في لَوْنِهِ فَقِيلَ: كانَ أنْمَرَ. وقِيلَ: أصْفَرَ. وقِيلَ: أصْهَبَ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَ اسْمُهُ قِطْمِيرٌ، وقِيلَ: رَيّانٌ. وقِيلَ: تَتُوهُ. وقِيلَ: قَطْمُورٌ، وقِيلَ: ثَوْرٌ. قالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ مِنَ الدَّوابِّ إلّا كَلْبُ أصْحابِ الكَهْفِ، وحِمارُ بَلْعَمَ. وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن جِنْسِ الكِلابِ بَلْ كانَ أسَدًا.
﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، ولِذَلِكَ أُعْمِلَ اسْمُ الفاعِلِ. وعِنْدَ الكِسائِيِّ، وهِشامٍ، وأبِي جَعْفَرٍ مِنَ البَصْرِيِّينَ، يَجُوزُ (p-213)إعْمالُهُ مُطْلَقًا. والذِّراعُ مِنَ المِرْفَقِ إلى رَأْسِ الأُصْبَعِ الوُسْطى.
﴿بِالوَصِيدِ﴾ أيْ: بِمَوْضِعِ البابِ مِنَ الكَهْفِ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: لَوْ عايَنْتَهم وشاهَدْتَهم. وأصْلُ الِاطِّلاعِ: الإشْرافُ عَلى الشَّيْءِ بِالمُعايَنَةِ، والمُشاهَدَةِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الواوِ.
﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ هَرَبًا مِمّا شاهَدْتَ مِنهُمْ، وهو إمّا نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن مَعْنى ما قَبْلَهُ إذِ التَّوْلِيَةُ، والفِرارُ مِن وادٍ واحِدٍ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ بِجَعْلِ المَصْدَرِ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: فارًّا أوْ بِجَعْلِ الفاعِلِ مَصْدَرًا مُبالَغَةً، كَما في قَوْلِها: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ، وإمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
﴿وَلَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ وقُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ، أيْ: خَوْفًا يَمْلَأُ الصَّدْرَ ويُرْعِبُهُ، وهو إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ تَمْيِيزٌ. ذَلِكَ لِما ألْبَسَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الهَيْبَةِ، والهَيْئَةِ كانَتْ أعْيُنُهم مُفَتَّحَةً كالمُسْتَيْقِظِ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَتَكَلَّمَ، وقِيلَ: لِطُولِ أظْفارِهِمْ، وشُعُورِهِمْ، ولا يُساعِدُهُ قَوْلُهُمْ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ مِن ذَلِكَ عَدَمُ اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ لِعِظَمِ أجْرامِهِمْ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ هَذا عَنْ ذِكْرِ التَّوْلِيَةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في التَّرَتُّبِ عَلى الِاطِّلاعِ إذْ لَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ تَرَتُّبُ المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو هو عَلَيْهِ، ولِلْإشْعارِ بِعَدَمِ زَوالِ الرُّعْبِ بِالفِرارِ كَما هو المُعْتادُ. وعَنْ مُعاوِيَةَ: لَمّا غَزا الرُّومُ فَمَرَّ بِالكَهْفِ، قالَ: لَوْ كَشَفْتَ لَنا عَنْ هَؤُلاءِ فَنَظَرْنا إلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ قَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعالى مَن هو خَيْرٌ مِنكَ حَيْثُ قالَ: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ... الآيَةَ. قالَ مُعاوِيَةُ: لا أنْتَهِي حَتّى أعْلَمَ عِلْمَهم فَبَعَثَ ناسًا، وقالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا فانْظُرُوا، فَفَعَلُوا فَلَمّا دَخَلُوا الكَهْفَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا فَأحْرَقَتْهم، وقُرِئَ: بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى التَّكْثِيرِ، وبِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مَعَ التَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ.
الكهف 18:19
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْ: كَما أنَمْناهُمْ، وحَفِظْنا أجْسادَهم مِنَ البِلى والتَّحَلُّلِ، آيَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا بَعَثْناهم مِنَ النَّوْمِ.
﴿لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: لِيَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما فُصِّلَ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ، وجَعْلُهُ غايَةً لِلْبَعْثِ المُعَلَّلِ فِيما سَبَقَ بِالِاخْتِبارِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مِن أحْكامِهِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِهِ لِاسْتِتْباعِهِ لِسائِرِ آثارِهِ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ تَساؤُلِهِمْ.
﴿قائِلٌ مِنهُمْ﴾ هو رَئِيسُهُمْ، واسْمُهُ مَكْسِلْمِينا.
﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ في مَنامِكم لَعَلَّهُ قالَهُ لِما رَأى مِن مُخالَفَةِ حالِهِمْ لِما هو المُعْتادُ في الجُمْلَةِ.
﴿قالُوا﴾ أيْ: بَعْضُهم.
﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قِيلَ: إنَّما قالُوهُ لِما أنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ غُدْوَةً، وكانَ انْتِباهُهم آخِرَ النَّهارِ، فَقالُوا: لَبِثْنا يَوْمًا، فَلَمّا رَأوْا أنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ بَعْدُ، قالُوا: أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وكانَ ذَلِكَ بِناءً عَلى الظَّنِّ الغالِبِ فَلَمْ يُعْزَوْا إلى الكَذِبِ.
﴿قالُوا﴾ أيْ: بَعْضٌ آخَرُ مِنهم بِما سَنَحَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ، أوْ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ أيْ: أنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ مُدَّةَ لُبْثِكُمْ، وإنَّما يَعْلَمُها اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهَذا رَدٌّ مِنهم عَلى الأوَّلِينَ بِأجْمَلِ ما يَكُونُ مِن مُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ، وبِهِ يَتَحَقَّقُ التَّحَزُّبُ إلى الحِزْبَيْنِ المَعْهُودَيْنِ فِيما سَبَقَ، وقَدْ قِيلَ القائِلُونَ جَمِيعُهُمْ، ولَكِنْ في حالَتَيْنِ، ولا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، فَإنَّ الِاسْتِئْنافَ في الحِكايَةِ، والخِطابَ في المَحْكِيِّ يَقْضِي بِأنَّ الكَلامَ جارٍ عَلى مِنهاجِ المُحاوَرَةِ (p-214)والمُجاوَبَةِ. وإلّا لَقِيلَ: ثُمَّ قالُوا رَبُّنا أعْلَمُ بِما لَبِثْنا.
﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ قالُوهُ إعْراضًا عَنِ التَّعَمُّقِ في البَحْثِ، وإقْبالًا عَلى ما يُهِمُّهم بِحَسَبِ الحالِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ "الفاءُ" و "الوَرِقُ" الفِضَّةُ مَضْرُوبَةً، أوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ، ووَصْفُها بِاسْمِ الإشارَةِ يُشْعِرُ بِأنَّ القائِلَ ناوَلَها بَعْضَ أصْحابِهِ لِيَشْتَرِيَ بِها قُوتَ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ. وقُرِئَ بِسُكُونِ الرّاءِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، وبِكَسْرِ الواوِ وبِسُكُونِ الرّاءِ مَعَ الإدْغامِ. وحَمْلُهم لَها دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّزَوُّدَ لا يُنافِي التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها﴾ أيْ: أهْلُها.
﴿أزْكى﴾ أحَلُّ وأطْيَبُ، أوْ أكْثَرُ، وأرْخَصُ.
﴿طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ الأزْكى طَعامًا.
﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ ولْيَتَكَلَّفِ اللُّطْفَ في المُعامَلَةِ كَيْلا يُغْبَنَ، أوْ في الِاسْتِخْفاءِ لِئَلّا يُعْرَفَ.
﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فَإنَّهُ يَسْتَدْعِي شُيُوعَ أخْبارِكُمْ، أيْ: لا يَفْعَلَنَّ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، فالنَّهْيُ عَلى الأوَّلِ: تَأْسِيسٌ. وعَلى الثّانِي: تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالتَّلَطُّفِ.
الكهف 18:20
﴿إنَّهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، أيْ: لِيُبالِغْ في التَّلَطُّفِ، وعَدَمِ الإشْعارِ؛ لِأنَّهم ﴿إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: يَطَّلِعُوا عَلَيْكُمْ، أوْ يَظْفَرُوا بِكم. والضَّمِيرُ لِلْأهْلِ المُقَدَّرِ في أيُّها.
﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ إنْ ثَبَتُّمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ أيْ: يُصَيِّرُوكم إلَيْها، ويُدْخِلُوكم فِيها كَرْهًا. مِنَ "العَوْدِ" بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: " أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا " وقِيلَ: كانُوا أوَّلًا عَلى دِينِهِمْ، وإيثارُ كَلِمَةِ "فِي" عَلى كَلِمَةِ "إلى" لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِقْرارِ الَّذِي هو أشَدُّ شَيْءٍ عِنْدَهم كَراهَةً، وتَقْدِيمُ احْتِمالِ الرَّجْمِ عَلى احْتِمالِ الإعادَةِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِهِمْ هو الثَّباتُ عَلى الدِّينِ المُؤَدِّي إلَيْهِ. وضَمِيرُ الخِطابِ في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ لِلْمُبالَغَةِ في مَحَلِّ المَبْعُوثِ عَلى الِاسْتِخْفاءِ، وحَثِّ الباقِينَ عَلى الِاهْتِمامِ بِالتَّوْصِيَةِ، فَإنَّ إمْحاضَ النُّصْحِ أدْخَلُ في القَبُولِ، واهْتِمامُ الإنْسانِ بِشَأْنِ نَفْسِهِ أكْثَرُ وأوْفَرُ.
﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا﴾ أيْ: إنْ دَخَلْتُمْ فِيها، ولَوْ بِالكُرْهِ والإلْجاءِ لَنْ تَفُوزُوا بِخَيْرٍ.
﴿أبَدًا﴾ لا في الدُّنْيا، ولا في الآخِرَةِ، وفِيهِ مِنَ التَّشْدِيدِ في التَّحْذِيرِ ما لا يَخْفى.
الكهف 18:21
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: وكَما أنَمْناهم وبَعَثْناهم لِما مَرَّ مِنِ ازْدِيادِهِمْ في مَراتِبِ اليَقِينِ.
﴿أعْثَرْنا﴾ أيْ: أطْلَعْنا النّاسَ ﴿عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا﴾ أيِ: الَّذِينَ أعْثَرْناهم عَلَيْهِمْ بِما عايَنُوا مِن أحْوالِهِمُ العَجِيبَةِ.
﴿أنّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: وعْدَهُ بِالبَعْثِ، أوْ مَوْعُودَهُ الَّذِي هو البَعْثُ، أوْ أنَّ كُلَّ وعْدِهِ، أوْ كُلَّ مَوْعُودِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ وعْدُهُ بِالبَعْثِ، أوِ البَعْثِ المَوْعُودِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿حَقٌّ﴾ صادِقٌ لا خُلْفَ فِيهِ، أوْ ثابِتٌ لا مَرَدَّ لَهُ؛ لِأنَّ نَوْمَهم وانْتِباهَهم كَحالِ مَن يَمُوتُ، ثُمَّ يُبْعَثُ.
﴿وَأنَّ السّاعَةَ﴾ أيِ: القِيامَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ وقْتِ بَعْثِ الخَلائِقِ جَمِيعًا لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ لا شَكَّ في قِيامِها، فَإنَّ مَن شاهَدَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا تَوَفّى نُفُوسَهُمْ، وأمْسَكَها ثَلَثَمِائَةِ سَنَةٍ وأكْثَرَ حافِظًا أبْدانَها مِنَ التَّحَلُّلِ والتَّفَتُّتِ، ثُمَّ أرْسَلَها إلَيْها لا يَبْقى لَهُ شائِبَةُ شَكٍّ في أنَّ وعْدَهُ تَعالى حُقٌّ، وأنَّهُ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ، فَيَرُدُّ إلَيْهِمْ (p-215)أرْواحَهُمْ، فَيُحاسِبُهُمْ، ويَجْزِيهِمْ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ.
﴿إذْ يَتَنازَعُونَ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ "أعْثَرْنا" قُدِّمَ عَلَيْهِ الغايَةُ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِذِكْرِها لا لِقَوْلِهِ: "لِيَعْلَمُوا" كَما قِيلَ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ التَّنازُعَ يَحْدُثُ بَعْدَ الإعْثارِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، أيْ: أعْثَرْناهم عَلَيْهِمْ حِينَ يَتَنازَعُونَ.
﴿بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾ لِيَرْتَفِعَ الخِلافُ ويَتَبَيَّنَ الحَقُّ. قِيلَ: المُتَنازَعُ فِيهِ أمْرُ دِينِهِمْ حَيْثُ كانُوا مُخْتَلِفِينَ في البَعْثِ، فَمِن مُقِرٍّ لَهُ، وجاحِدٍ بِهِ، وقائِلٍ يَقُولُ: بِبَعْثِ الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، وآخَرَ يَقُولُ: بِبَعْثِهِما مَعًا. قِيلَ: كانَ مَلِكُ المَدِينَةِ حِينَئِذٍ رَجُلًا صالِحًا مُؤْمِنًا، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ في البَعْثِ حَسْبَما فُصِّلَ، فَدَخَلَ المَلِكُ بَيْتَهُ، وأغْلَقَ بابَهُ، ولَبِسَ مِسْحًا، وجَلَسَ عَلى رَمادٍ، وسَألَ رَبَّهُ أنْ يَظْهَرَ الحَقُّ، فَألْقى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في نَفْسِ رَجُلٍ مِن رُعْيانِهِمْ، فَهَدَمَ ما سَدَّ بِهِ دِقْيانُوسُ بابَ الكَهْفِ، لِيَتَّخِذَهُ حَظِيرَةً لِغَنَمِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَجَرى بَيْنَهم مِنَ التَّقاوُلِ ما جَرى. رُوِيَ أنَّ المَبْعُوثَ لَمّا دَخَلَ المَدِينَةَ أخْرَجَ الدِّرْهَمَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ الطَّعامَ، وكانَ عَلى ضَرْبِ دِقْيانُوسَ، فاتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ وجَدَ كَنْزًا فَذَهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ آباءَنا أخْبَرُونا بِأنَّ فِتْيَةً فَرُّوا بِدِينِهِمْ مِن دِقْيانُوسَ فَلَعَلَّهم هَؤُلاءِ، فانْطَلَقَ المَلِكُ وأهْلُ المَدِينَةِ مِن مُسْلِمٍ وكافِرٍ، وأبْصَرُوهُمْ، وكَلَّمُوهم. ثُمَّ قالَتِ الفِتْيَةُ لِلْمَلِكِ: نَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ، ونُعِيذُكَ بِهِ مِن شَرِّ الإنْسِ والجِنِّ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَضاجِعِهِمْ، فَماتُوا. فَألْقى المَلِكُ عَلَيْهِمْ ثِيابَهُ، وجَعَلَ لِكُلٍّ مِنهم تابُوتًا مِن ذَهَبٍ، فَرَآهم في المَنامِ كارِهِينَ لِلذَّهَبِ، فَجَعَلَها مِنَ السّاجِ. وبَنى عَلى بابِ الكَهْفِ مَسْجِدًا. وقِيلَ لَمّا انْتَهَوْا إلى الكَهْفِ، قالَ لَهُمُ الفَتى: مَكانَكم حَتّى أدْخُلَ أوَّلًا لِئَلّا يَفْزَعُوا فَدَخَلَ فَعَمِيَ عَلَيْهِمُ المَدْخَلُ فَبَنَوْا ثَمَّةَ مَسْجِدًا، وقِيلَ: المُتَنازَعُ فِيهِ أمْرُ الفِتْيَةِ قَبْلَ بَعْثِهِمْ، أيْ: أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ حِينَ يَتَذاكَرُونَ بَيْنَهم أمْرَهم. وما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ دِقْيانُوسَ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ، ويَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ مِنَ الأساطِيرِ، وأفْواهِ الرِّجالِ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَـ "الفاءُ" في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَقالُوا﴾ فَصِيحَةٌ، أيْ: أعْثَرْناهم عَلَيْهِمْ فَرَأوْا ما رَأوْا فَماتُوا، فَقالُوا: أيْ قالَ بَعْضُهُمْ: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى بابِ كَهْفِهِمْ ﴿بُنْيانًا﴾ لِئَلّا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِمُ النّاسُ ضَنًّا بِتُرْبَتِهِمْ، ومُحافَظَةً عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ المُتَنازِعِينَ، كَأنَّهم لَمّا رَأوْا عَدَمَ اهْتِدائِهِمْ إلى حَقِيقَةِ حالِهِمْ مِن حَيْثُ النَّسَبُ، ومِن حَيْثُ العَدَدُ، ومِن حَيْثُ اللُّبْثُ في الكَهْفِ، قالُوا ذَلِكَ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ، أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى رَدًّا لِقَوْلِ الخائِضِينَ في حَدِيثِهِمْ مِن أُولَئِكَ المُتَنازِعِينَ. وقِيلَ: هو أمْرُهُمْ، وتَدْبِيرُهم عِنْدَ وفاتِهِمْ، أوْ شَأْنُهم في المَوْتِ، والنَّوْمِ. حَيْثُ اخْتَلَفُوا في أنَّهم ماتُوا، أوْ نامُوا كَما في أوَّلِ مَرَّةٍ فَـ "إذْ" حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ﴾ وهُمُ المَلِكُ والمُسْلِمُونَ.
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "فَقالُوا" مَعْطُوفٌ عَلى يَتَنازَعُونَ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لَيْسَ مِمّا يَسْتَمِرُّ، ويَتَجَدَّدُ كالتَّنازُعِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِاذْكُرْ مُضْمَرًا، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِأعْثَرْنا فَيَأْباهُ أنَّ إعْثارَهم لَيْسَ في زَمانِ تَنازُعِهِمْ فِيما ذُكِرَ بَلْ قَبْلَهُ، وجَعْلُ وقْتِ التَّنازُعِ مُمْتَدًّا يَقَعُ في بَعْضِهِ الإعْثارُ، وفي بَعْضِهِ التَّنازُعُ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى مَعَ أنَّهُ لا مُخَصِّصَ لِإضافَتِهِ إلى التَّنازُعِ، وهو مُؤَخَّرٌ في الوُقُوعِ.
الكهف 18:22
﴿سَيَقُولُونَ﴾ (p-216)الضَّمِيرُ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ لِلْخائِضِينَ في قِصَّتِهِمْ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُسْلِمِينَ لَكِنْ لا عَلى وجْهِ إسْنادِ كُلٍّ مِنها إلى كُلِّهِمْ، بَلْ إلى بَعْضِهِمْ ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ أيْ: هم ثَلاثَةُ أشْخاصٍ رابِعُهُمْ، أيْ: جاعِلُهم أرْبَعَةً بِانْضِمامِهِ إلَيْهِمْ. "كَلْبُهُمْ" قِيلَ: قالَتْهُ اليَهُودُ. وقِيلَ: قالَهُ السَّيِّدُ مِن نَصارى نَجْرانَ، وكانَ يَعْقُوبِيًّا. وقُرِئَ: (ثَلّاةٌ) بِإدْغامِ الثّاءِ في التّاءِ.
﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ قِيلَ: قالَتْهُ النَّصارى أوِ العاقِبُ مِنهُمْ، وكانَ نُسْطُورِيًّا.
﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ رَمْيًا بِالخَبَرِ الخَفِيِّ الَّذِي لا مُطَّلِعَ عَلَيْهِ، أوْ ظَنًّا بِالغَيْبِ مِن قَوْلِهِمْ: رَجَمَ بِالظَّنِّ إذا ظَنَّ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا، أيْ: راجِمِينَ. أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِنهُما. فَإنَّ الرَّجْمَ والقَوْلَ واحِدٌ. أوْ مِن مَحْذُوفٍ مُسْتَأْنَفٍ واقِعٍ مَوْقِعَ الحالِ مِن ضَمِيرِ الفِعْلَيْنِ مَعًا، أيْ: يَرْجُمُونَ رَجْمًا. وعَدَمُ إيرادِ السِّينِ لِلِاكْتِفاءِ بِعَطْفِهِ عَلى ما فِيهِ ذَلِكَ.
﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ هو ما يَقُولُهُ المُسْلِمُونَ بِطَرِيقِ التَّلَقِّي مِن هَذا الوَحْيِ، وما فِيهِ مِمّا يُرْشِدُهم إلى ذَلِكَ مِن عَدَمِ نَظْمِهِ في سِلْكَ الرَّجْمِ بِالغَيْبِ، وتَغْيِيرُ سَبْكِهِ بِزِيادَةِ الواوِ المُفِيدَةِ لِزِيادَةِ وكادَةِ النِّسْبَةِ فِيما بَيْنَ طَرَفَيْها لا بِوَحْيٍ آخَرَ كَما قِيلَ: ﴿قُلْ﴾ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ، ورَدًّا عَلى الأوَّلِينَ ﴿رَبِّي أعْلَمُ﴾ أيْ: أقْوى عِلْمًا ﴿بِعِدَّتِهِمْ﴾ بِعَدَدِهِمْ ﴿ما يَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ: ما يَعْلَمُ عِدَّتَهُمْ، أوْ ما يَعْلَمُهم فَضْلًا عَنِ العِلْمِ بِعِدَّتِهِمْ.
﴿إلا قَلِيلٌ﴾ مِنَ النّاسِ قَدْ وفَّقَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِلِاسْتِشْهادِ بِتِلْكَ الشَّواهِدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حِينَ وقَعَتِ الواوُ انْقَطَعَتِ العِدَّةُ، وعَلَيْهِ مَدارُ قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا مِن ذَلِكَ القَلِيلِ ولَوْ كانَ في ذَلِكَ وحْيٌ آخَرُ لَما خَفِيَ عَلَيْهِ، ولَما احْتاجَ إلى الِاسْتِشْهادِ بِالواوِ، ولَكانَ المُسْلِمُونَ أُسْوَةً لَهُ في العِلْمِ بِذَلِكَ. وعَنْ عَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهم سَبْعَةُ نَفَرٍ أسْماؤُهم بَمْلِيخا ومَكْشِلْيِينا ومَشْلِيِينا هَؤُلاءِ أصْحابُ يَمِينِ المَلِكِ، وكانَ عَنْ يَسارِهِ مَرْنُوشُ ودَبَرْنُو وشاذْنُوشُ وكانَ يَسْتَشِيرُ هَؤُلاءِ السِّتَّةَ في أمْرِهِ، والسّابِعُ الرّاعِي الَّذِي وافَقَهم حِينَ هَرَبُوا مِن مَلِكِهِمْ دِقْيانُوسَ، واسْمُهُ كَفْيَشْطَطْيُوشُ.
﴿فَلا تُمارِ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ النَّهْيِ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: إذْ قَدْ عَرَفْتَ جَهْلَ أصْحابِ القَوْلَيْنِ الأوَّلِينَ فَلا تُجادِلْهم.
﴿فِيهِمْ﴾ في شَأْنِ الفِتْيَةِ ﴿إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ قَدْرَ ما تَعَرَّضَ لَهُ الوَحْيُ مِن وصْفِهِمْ بِالرَّجْمِ بِالغَيْبِ، وعَدَمِ العِلْمِ عَلى الوَجْهِ الإجْمالِيِّ، وتَفْوِيضِ العِلْمِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِجَهْلِهِمْ، وتَفْضِيحٍ لَهم فَإنَّهُ مِمّا يُخِلُّ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ.
﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾ في شَأْنِهِمْ ﴿مِنهُمْ﴾ مِنَ الخائِضِينَ ﴿أحَدًا﴾ فَإنَّ فِيما قُصَّ عَلَيْكَ لَمَندُوحَةً عَنْ ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ، وقالَ عَطاءٌ: إلّا قَلِيلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، فالضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ لَهُمْ، وما ذُكِرَ مِنَ الشَّواهِدِ لِإرْشادِ المُؤْمِنِينَ إلى صِحَّةِ القَوْلِ الثّالِثِ، وفِيهِ مَحِيصٌ عَمّا في الأوَّلِ مِنَ التَّكَلُّفِ في جَعْلِ أحَدِ الأقْوالِ المَحْكِيَّةِ المَنظُومَةِ في سِمْطٍ واحِدٍ ناشِئًا عَنِ الحِكايَةِ مَعَ كَوْنِ الأخِيرَيْنِ بِخِلافِهِ، ووُضُوحٌ في سَبَبِ حَذْفِ المَفْعُولِ في لا تُمارِ. والمَعْنى: حِينَئِذٍ وإذْ قَدْ وقَفْتَ عَلى أنَّ كُلَّهم لَيْسُوا عَلى خَطَأٍ في ذَلِكَ، فَلا تُجادِلْهم إلّا جِدالًا ظاهِرًا نَطَقَ بِهِ الوَحْيُ المُبِينُ مِن غَيْرِ تَجْهِيلٍ لِجَمِيعِهِمْ، فَإنَّ فِيهِمْ مُصِيبًا، وإنْ قَلَّ. والنَّهْيُ عَنِ الِاسْتِفْتاءِ لِدَفْعِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِنِ احْتِمالِ جَوازِهِ، أوِ احْتِمالِ وُقُوعِهِ بِناءً عَلى إصابَةِ بَعْضِهِمْ. فالمَعْنى: لا تُراجِعْ إلَيْهِمْ في شَأْنِ الفِتْيَةِ، ولا تُصَدِّقِ القَوْلَ الثّالِثَ مِن حَيْثُ صُدُورُهُ عَنْهم بَلْ مِن حَيْثُ التَّلَقِّي مِنَ الوَحْيِ.
الكهف 18:23
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ أيْ: لِأجْلِ شَيْءٍ تَعْزِمُ عَلَيْهِ.
﴿إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ﴾ (p-217)الشَّيْءَ.
﴿غَدًا﴾ أيْ: فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ مُطْلَقًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ الغَدُ دُخُولًا أوَّلِيًّا فَإنَّهُ نَزَلَ حِينَ قالَتِ اليَهُودُ لِقُرَيْشٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وذِي القَرْنَيْنِ؟ فَسَألُوهُ ﷺ فَقالَ: ائْتُونِي غَدًا أُخْبِرْكم. ولَمْ يَسْتَثْنِ فَأبْطَأ عَلَيْهِ الوَحْيُ حَتّى شَقَّ عَلَيْهِ، وكَذَّبَتْهُ قُرَيْشٌ، وما قِيلَ مِن أنَّ المَدْلُولَ بِالعِبارَةِ هو الغَدُ، وما بَعْدَ ذَلِكَ مَفْهُومٌ بِطْرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ يَرُدُّهُ أنَّ ما بَعْدَهُ لَيْسَ بِمَعْناهُ في مَناطِ النَّهْيِ فَإنَّ وُسْعَةَ المَجالِ دَلِيلُ القُدْرَةِ فَلْيُتَأمَّلْ:
الكهف 18:24
﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ النَّهْيِ، أيْ: لا تَقُولَنَّ ذَلِكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ مُلابَسَتِهِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى عَلى الوَجْهِ المُعْتادِ، وهو أنْ يُقالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ. أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ. أنْ تَقُولَهُ لا مُطْلَقًا بَلْ مَشِيئَتُهُ إذَنْ، فَإنَّ النِّسْيانَ أيْضًا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، ولا مَساغَ لِتَعْلِيقِهِ بِفاعِلٍ لِعَدَمِ سِدادِ اسْتِثْناءِ اقْتِرانِ المَشِيئَةِ بِالفِعْلِ، ومُنافاةِ اسْتِثْناءِ اعْتِراضِها النَّهْيَ. وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ جارٍ مَجْرى التَّأْيِيدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقُولَنَّهُ أبَدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ .
﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ بِقَوْلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ مُدارِكًا لَهُ.
﴿إذا نَسِيتَ﴾ إذا فَرَطَ مِنكَ نِسْيانٌ، ثُمَّ ذَكَرْتَهُ. وعَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ ما لَمْ يَحْنَثْ، ولِذَلِكَ جُوِّزَ تَأْخِيرُ الِاسْتِثْناءِ، وعامَّةُ الفُقَهاءِ عَلى خِلافِهِ إذْ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَما تَقَرَّرَ إقْرارٌ، ولا طَلاقٌ، ولا عَتاقٌ، ولَمْ يُعْلَمْ صِدْقٌ ولا كَذِبٌ، قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا في تَدارُكِ التَّبَرُّكِ، والتَّخَلُّصِ عَنِ الإثْمِ، وأمّا الِاسْتِثْناءُ المُغَيِّرُ لِلْحُكْمِ فَلا يَكُونُ إلّا مُتَّصِلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واذْكُرْ رَبَّكَ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءُ مُبالِغَةً في الحَثِّ عَلَيْهِ، أوِ اذْكُرْ رَبَّكَ، وعِقابَهُ إذا تَرَكْتَ بَعْضَ ما أمَرَكَ بِهِ لِيَبْعَثَكَ ذَلِكَ عَلى التَّدارُكِ، أوِ اذْكُرْهُ إذا اعْتَراكَ النِّسْيانُ لِيُذَكِّرَكَ المَنسِيَّ، وقَدْ حُمِلَ عَلى أداءِ الصَّلاةِ المَنسِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِها.
﴿وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ أيْ: يُوَفِّقَنِي.
﴿لأقْرَبَ مِن هَذا﴾ أيْ: لِشَيْءٍ أقْرَبَ وأظْهَرَ مِن نَبَأِ أصْحابِ الكَهْفِ مِنَ الآياتِ، والدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِي.
﴿رَشَدًا﴾ أيْ: إرْشادًا لِلنّاسِ، ودَلالَةً عَلى ذَلِكَ. وقَدْ فَعَلَ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ آتاهُ مِنَ البَيِّناتِ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وأبْيَنُ كَقَصَصِ الأنْبِياءِ المُتَباعِدِ أيّامُهُمْ، والحَوادِثِ النّازِلَةِ في الأعْصارِ المُسْتَقْبَلَةِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، أوْ لِأقْرَبَ رَشَدًا، وأدْنى خَبَرًا مِنَ المَنسِيِّ.
الكهف 18:25
﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ أحْياءً مَضْرُوبًا عَلى آذانِهِمْ ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما أُجْمِلَ فِيما سَلَفَ، وأُشِيرَ إلى عِزَّةِ مَنالِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِكايَةُ كَلامِ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ كَما اخْتَلَفُوا في عِدَّتِهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم هَكَذا، وبَعْضُهم ثَلَثَمِائَةٍ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ أنَّهم لَبِثُوا ثَلَثَمِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ السَّنَةَ القَمَرِيَّةَ، والتَّفاوُتَ بَيْنَهُما في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ ثَلاثُ سِنِينَ، فَيَكُونُ ثَلَثَمِائَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ. وسِنِينَ عَطْفُ بَيانِ ثَلَثِمِائَةٍ، وقِيلَ: بَدَلٌ. وقُرِئَ: عَلى الإضافَةِ وضْعًا لِلْجَمْعِ مَوْضِعَ المُفْرَدِ، ومِمّا يُحَسِّنُهُ هَهُنا أنَّ عَلامَةَ الجَمْعِ فِيهِ جَبْرٌ (p-218)لِما حُذِفَ في الواحِدِ، وأنَّ الأصْلَ في العَدَدِ إضافَتُهُ إلى الجَمْعِ.
الكهف 18:26
﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ أيْ: بِالزَّمانِ الَّذِي لَبِثُوا فِيهِ ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما غابَ فِيهِما، وخَفِيَ مِن أحْوالِ أهْلِهِما. و "اللّامُ" لِلِاخْتِصاصِ العِلْمِيِّ دُونَ التَّكْوِينِيِّ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالغَيْبِ.
﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ دَلَّ بِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ عَلى أنَّ شَأْنَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِالمُبْصَراتِ والمَسْمُوعاتِ، خارِجٌ عَمّا عَلَيْهِ إدْراكُ المُدْرِكِينَ لا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ، ولا يَحُولُ دُونَهُ حائِلٌ، ولا يَتَفاوَتُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ اللَّطِيفُ، والكَثِيفُ، والصَّغِيرُ، والكَبِيرُ، والخَفِيُّ، والجَلِيُّ. والهاءُ ضَمِيرُ الجَلالَةِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وكانَ أصْلُهُ أبْصَرَ، أيْ: صارَ ذا بَصَرٍ، ثُمَّ نُقِلَ إلى صِيغَةِ الأمْرِ لِلْإنْشاءِ فَبَرَزَ الضَّمِيرُ لِعَدَمِ لِياقَةِ الصِّيغَةِ لَهُ، أوْ لِزِيادَةِ الباءِ كَما في كَفى بِهِ، والنَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ عِنْدَ الأخْفَشِ. والفاعِلُ ضَمِيرُ المَأْمُورِ، وهو كُلُّ أحَدٍ و "الباءُ" مَزِيدَةٌ إنْ كانَتِ الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، ومُعَدِيَّةٌ إنْ كانَتْ لِلصَّيْرُورَةِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ أمْرِ إبْصارِهِ تَعالى لِما أنَّ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِن قَبِيلِ المُبْصَراتِ.
﴿ما لَهُمْ﴾ لِأهْلِ السماوات والأرْضِ ﴿مِن دُونِهِ﴾ تَعالى.
﴿مِن ولِيٍّ﴾ يَتَوَلّى أُمُورَهُمْ، ويَنْصُرُهُمُ اسْتِقْلالًا.
﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ﴾ في قَضائِهِ، أوْ في عِلْمِ الغَيْبِ.
﴿أحَدًا﴾ مِنهُمْ، ولا يُجْعَلُ لَهُ فِيهِ مُدْخَلًا، وهو كَما تَرى أبْلَغُ في نَفْيِ الشَّرِيكِ مِن أنْ يُقالَ: مِن ولِيٍّ ولا شَرِيكٍ. وقُرِئَ: عَلى صِيغَةِ نَهْيِ الحاضِرَةِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِكُلِّ أحَدٍ، ولَمّا دَلَّ انْتِظامُ القرآن الكَرِيمِ لِقِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ مَن حَيْثُ إنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المُغَيَّباتِ عَلى أنَّهُ وحْيٌ مُعْجِزٌ أمَرَهُ ﷺ بِالمُداوَمَةِ عَلى دِراسَتِهِ فَقالَ:
الكهف 18:27
﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ ولا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمُ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا، أوْ بَدِّلْهُ.
﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا قادِرَ عَلى تَبْدِيلِهِ وتَغْيِيرِهِ غَيْرُهُ.
﴿وَلَنْ تَجِدَ﴾ أبَدَ الدَّهْرِ، وإنْ بالَغْتَ في الطَّلَبِ.
﴿مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ مَلْجَأً تَعْدِلُ إلَيْهِ عِنْدَ إلْمامِ مُلِمَّةٍ.
الكهف 18:28
﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ احْبِسْها، وثَبِّتْها مُصاحِبَةً.
﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ أيْ: دائِبِينَ عَلى الدُّعاءِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وقِيلَ: في طَرَفٍ في النَّهارِ. وقُرِئَ: (بِالغُدْوَةِ) عَلى أنَّ إدْخالَ اللّامِ عَلَيْها، وهي عَلَمٌ في الأغْلَبِ عَلى تَأْوِيلِ التَّنْكِيرِ بِهِمْ. والمُرادُ بِـ "هُمْ" فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ مِثْلُ: صُهَيْبٍ، وعَمّارٍ، وخَبّابٍ، ونَحْوِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وقِيلَ: أصْحابُ الصُّفَّةِ، وكانُوا نَحْوَ سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ. قِيلَ إنَّهُ قالَ قَوْمٌ مِن رُؤَساءِ الكَفَرَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: نَحِّ هَؤُلاءِ المَوالِيَ الَّذِينَ كَأنَّ رِيحَهم رِيحُ الضَّأْنِ حَتّى نُجالِسَكَ، كَما قالَ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ فَنَزَلَتْ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِما في حَيِّزِ (p-219)الصِّلَةِ مِنَ الخَصْلَةِ الدّاعِيَةِ إلى إدامَةِ الصُّحْبَةِ ﴿يُرِيدُونَ﴾ بِدُعائِهِمْ ذَلِكَ ﴿وَجْهَهُ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في يَدْعُونَ، أيْ: مُرِيدِينَ لِرِضاهُ تَعالى، وطاعَتِهِ.
﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لا يُجاوِزْهم نَظَرُكَ إلى غَيْرِهِمْ مِن عَداهُ، أيْ: جاوَزَهُ. واسْتِعْمالُهُ بِـ "عَنْ" لِتَضْمِينِهِ مَعْنى النُّبُوِّ أوْ لا تَصْرِفْ عَيْناكَ النَّظَرَ عَنْهم إلى غَيْرِهِمْ مِن عَدَوْتُهُ عَنِ الأمْرِ، أيْ: صَرَفْتُهُ عَنْهُ عَلى أنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ. وقُرِئَ: (وَلا تُعْدِ عَيْنَيْكَ) (وَلا تُعَدِّ عَيْنَيْكَ) مِنَ الإعْداءِ والتَّعْدِيَةِ، والمُرادُ نَهْيُهُ ﷺ عَنِ الِازْدِراءِ بِهِمْ، لِرَثاثَةِ زِيِّهِمْ طُمُوحًا إلى زِيِّ الأغْنِياءِ.
﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: تَطْلُبُ مُجالَسَةَ الأشْرافِ، والأغْنِياءِ، وأصْحابِ الدُّنْيا. وهي حالٌ مِنَ الكافِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، ومِنَ الفاعِلِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنها، وضَمِيرُ تُرِيدُ لِلْعَيْنَيْنِ، وإسْنادُ الإرادَةِ إلَيْهِ مَجازٌ، وتَوْحِيدُهُ لِلتَّلازُمِ كَما في قَوْلِهِ:
؎ لِمَن زُحْلُوقَةٌ زُلَّ بِها العَيْنانِ تَنْهَلُّ
وَمِنَ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ عَلى القِراءَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ.
﴿وَلا تُطِعْ﴾ في تَنْحِيَةِ الفُقَراءِ عَنْ مَجالِسِكَ.
﴿مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ غافِلًا لِبُطْلانِ اسْتِعْدادِهِ لِلذِّكْرِ بِالمَرَّةِ، أوْ وجَدْناهُ غافِلًا كَقَوْلِكَ: أجْبَنْتُهُ، وأبْخَلْتُهُ إذا وجَدْتَهُ كَذَلِكَ، أوْ هو مِن أغْفَلَ إبِلَهُ، أيْ: لَمْ نُسَمِّهِ بِالذِّكْرِ.
﴿عَنْ ذِكْرِنا﴾ كَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَكَ إلى طَرْدِ الفُقَراءِ عَنْ مَجْلِسِكَ، فَإنَّهم غافِلُونَ عَنْ ذِكْرِنا عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الدُّعاءِ في مَجامِعِ الأوْقاتِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الباعِثَ لَهُ عَلى ذَلِكَ الدُّعاءِ غَفْلَةُ قَلْبِهِ عَنْ جَنابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وجِهَتِهِ، وانْهِماكُهُ في الحِسِّيّاتِ، حَتّى خَفِيَ عَلَيْهِ أنَّ الشَّرَفَ بِحِلْيَةِ النَّفْسِ لا بِزِينَةِ الجَسَدِ. وقُرِئَ: (أغْفَلَنا قَلْبُهُ) عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى القَلْبِ، أيْ: حَسِبَنا غافِلِينَ عَنْ ذِكْرِنا إيّاهُ بِالمُؤاخَذَةِ مِن أغْفَلْتُهُ إذا وجَدْتَهُ غافِلًا.
﴿واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ ضَياعًا وهَلاكًا، أوْ مُتَقَدِّمًا لِلْحَقِّ والصَّوابِ نابِذًا لَهُ وراءَ ظَهْرِهِ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ فُرُطٌ أيْ: مُتَقَدِّمٌ لِلْخَيْلِ، أوْ هو بِمَعْنى الإفْراطِ، والتَّفْرِيطِ فَإنَّ الغَفْلَةَ عَنْ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ تُؤَدِّي إلى اتِّباعِ الهَوى المُؤَدِّي إلى التَّجاوُزِ، والتَّباعُدِ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةٍ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلنَّهْيِ عَنِ الإطاعَةِ.
الكهف 18:29
﴿وَقُلِ﴾ لِأُولَئِكَ الغافِلِينَ المُتَّبِعِينَ هَواهم ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: ما أُوحِيَ إلَيَّ الحَقُّ لا غَيْرُ كائِنًا مِن رَبِّكُمْ، أوِ الحَقُّ المَعْهُودُ مِن جِهَةِ رَبِّكم لا مِن جِهَتِي حَتّى يُتَصَوَّرَ فِيهِ التَّبْدِيلُ، أوْ يُمْكِنَ التَّرَدُّدُ في اتِّباعِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ إمّا مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها بِطَرِيقِ التَّهْدِيدِ لا لِتَفْرِيعِهِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ﴾ أيْ: عَقِيبَ تَحَقُّقِ أنَّ ما أُوحِيَ إلَيَّ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ، وأنَّ ذَلِكَ الحَقَّ مِن جِهَةِ رَبِّكُمْ، فَمَن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ فَلْيُؤْمِن كَسائِرِ المُؤْمِنِينَ، ولا يَتَعَلَّلُ بِما لا يَكادُ يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ. ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ، فَلْيَفْعَلْ. وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ، وإظْهارِ الِاسْتِغْناءِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ، وبِإيمانِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا ما لا يَخْفى. وإمّا تَهْدِيدٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ التَّهْدِيدِ عَلى الأمْرِ لا عَلى مَضْمُونِ (p-220)المَأْمُورِ بِهِ، والمَعْنى: قُلْ لَهم ذَلِكَ وبَعْدَ ذَلِكَ مَن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، أوْ أنْ يُصَدِّقَكَ فِيهِ فَلْيُؤْمِن، ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ أوْ يُكَذِّبَكَ فِيهِ فَلْيَفْعَلْ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وتَأْكِيدٌ لِلتَّهْدِيدِ، وتَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ، أوْ لِما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ التَّخْيِيرِ مِن عَدَمِ المُبالاةِ بِكُفْرِهِمْ، وقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِزَجْرِهِمْ عَنْهُ، فَإنَّ إعْدادَ جَزائِهِ مِن دَواعِي الإمْلاءِ والإمْهالِ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: هو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّخْيِيرِ التَّهْدِيدِيِّ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ إنّا أعْتَدْنا ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: هَيَّأْنا لِلْكافِرِينَ بِالحَقِّ بَعْدَ ما جاءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِـ "الظّالِمِينَ" لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَشِيئَةَ الكُفْرِ، واخْتِيارَهُ تَجاوُزٌ عَنِ الحَدِّ، ووَضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
﴿نارًا﴾ عَظِيمَةً عَجِيبَةً.
﴿أحاطَ بِهِمْ﴾ أيْ: يُحِيطُ بِهِمْ. وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ.
﴿سُرادِقُها﴾ أيْ: فُسْطاطُها شُبِّهَ بِهِ ما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ، وقِيلَ: السُّرادِقُ الحُجْرَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الفُسْطاطِ، وقِيلَ: سُرادِقُها دُخانُها، وقِيلَ: حائِطٌ مِن نارٍ.
﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ مِنَ العَطَشِ.
﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ كالحَدِيدِ المُذابِ. وقِيلَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، وهو عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: فَأعْتَبُوا بِالصَّيْلَمِ.
﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ إذا قُدِّمَ لِيُشْرَبَ انْشَوى الوَجْهُ لِحَرارَتِهِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: هو كَعَكَرِ الزَّيْتِ فَإذا قُرِّبَ إلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ.
﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ ذَلِكَ.
﴿وَساءَتْ﴾ النّارُ، ﴿مُرْتَفَقًا﴾ مُتَّكَأً، وأصْلُ الِاتِّفاقِ نَصْبُ المِرْفَقِ تَحْتَ الخَدِّ، وأنّى ذَلِكَ في النّارِ، وإنَّما هو بِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ .
الكهف 18:30
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في مَحَلِّ التَّعْلِيلِ لِلْحَثِّ عَلى الإيمانِ المُنْفَهِمِ مِنَ التَّخْيِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا. ولَعَلَّ تَغْيِيرَ سَبْكِهِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَنافِي مَآلَيِ الفَرِيقَيْنِ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِالحَقِّ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ.
﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ حَسْبَما بُيِّنَ في تَضاعِيفِهِ.
﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ خَبَرُ "إنَّ" الأُولى هي الثّانِيَةُ مَعَ ما في حَيِّزِها، والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَن أحْسَنَ مِنهم عَمَلًا، أوْ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، كَما في قَوْلِكَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدًا. أوْ واقِعٌ مَوْقِعَهُ الظّاهِرَ فَإنَّ مَن أحْسَنَ عَمَلًا في الحَقِيقَةِ هو الَّذِي آمَنَ، وعَمِلَ الصّالِحاتِ.
الكهف 18:31
﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ الأجْرِ، أوْ هو الخَبَرُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ هو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ "مِنِ" الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ، والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ صِفَةٌ لِـ "أساوِرَ"، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وهو جَمْعُ أسْوِرَةٍ أوْ أسْوَرٍ جَمْعُ سِوارٍ.
﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا﴾ خُصَّتِ الخُضْرَةُ بِثِيابِهِمْ؛ لِأنَّها أحْسَنُ الألْوانِ وأكْثَرُها طَراوَةً.
﴿مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ أيْ: نَمارِقَ مِنَ الدِّيباجِ وما غَلَظَ جَمَعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ فِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ عَلى السُّرُرِ عَلى ما هو شَأْنُ المُتَنَعِّمِينَ.
﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ ذَلِكَ.
﴿وَحَسُنَتْ﴾ أيِ: الأرائِكُ ﴿مُرْتَفَقًا﴾ (p-221)أيْ: مُتَّكَأً.
الكهف 18:32
﴿واضْرِبْ لَهُمْ﴾ أيْ: لِلْفَرِيقَيْنِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، ﴿مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾ مَفْعُولانِ لِـ "اضْرِبْ" أوَّلُهُما ثانِيهِما، لِأنَّهُ المُحْتاجُ إلى التَّفْصِيلِ، والبَيانِ، أيِ: اضْرِبْ لِلْكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ لا مِن حَيْثُ أحْوالُهُما المُسْتَفادَةُ مِمّا ذُكِرَ آنِفًا مِن أنَّ لِلْأوَّلِينَ في الآخِرَةِ كَذا، ولِلْآخِرِينَ كَذا بَلْ مِن حَيْثُ عِصْيانُ الأوَّلِينَ مَعَ تَقَلُّبِهِمْ في نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وطاعَةُ الآخِرِينَ مَعَ مُكابَدَتِهِمْ مَشاقَّ الفَقْرِ مِثْلا حالِ رَجُلَيْنِ مُقَدَّرَيْنِ، أوْ مُحَقَّقَيْنِ هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ شَرِيكانِ. كافِرٌ اسْمُهُ قَطْرُوسُ، ومُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، اقْتَسَما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فاشْتَرى الكافِرُ بِنَصِيبِهِ ضِياعًا وعَقارًا، وصَرَفَ المُؤْمِنُ نُصِيبُهُ إلى وُجُوهِ المَبارِّ، فَآلَ أمْرُهُما إلى ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ، كافِرٌ هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ، ومُسْلِمٌ هو أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أوَّلًا.
﴿جَعَلْنا لأحَدِهِما﴾ وهو الكافِرُ.
﴿جَنَّتَيْنِ﴾ بُسْتانَيْنِ ﴿مِن أعْنابٍ﴾ مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ، والجُمْلَةُ بِتَمامِها بَيانٌ لِلتَّمْثِيلِ، أوْ صِفَةٌ لِرَجُلَيْنِ.
﴿وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطَةً بِهِما مُؤَزَّرًا بِها كُرُومُهُما. يُقالُ: حَفَّهُ القَوْمُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَفْتَهُ بِهِمْ جَعَلْتَهم حافِّينَ حَوْلَهُ، فَيَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا آخَرَ كَقَوْلِكَ: غَشَّيْتُهُ بِهِ.
﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُما﴾ وسَطَهُما.
﴿زَرْعًا﴾ لِيَكُونَ كُلٌّ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ مُتَواصِلَ العِمارَةِ عَلى الهَيْئَةِ الرّائِقَةِ، والوَضْعِ الأنِيقِ.
الكهف 18:33
﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ ثَمَرَها، وبَلَغَتْ مَبْلَغًا صالِحًا لِلْأكْلِ، وقُرِئَ: بِسُكُونِ الكافِ. وقُرِئَ: كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ.
﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ﴾ لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها.
﴿شَيْئًا﴾ كَما يُعْهَدُ ذَلِكَ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّ الثِّمارَ غالِبًا تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في آخَرَ، وكَذا بَعْضُ الأشْجارِ يَأْتِي بِالثَّمَرِ في بَعْضِ الأعْوامِ دُونَ بَعْضٍ.
﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما﴾ فِيما بَيْنَ كُلٍّ مِنَ الجَنَّتَيْنِ ﴿نَهَرًا﴾ عَلى حِدَةٍ لِيَدُومَ شُرْبُهُما ويَزِيدَ بَهاؤُهُما، وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ. ولَعَلَّ تَأْخِيرَ ذِكْرِ تَفْجِيرِ النَّهَرِ عَنْ ذِكْرِ إيتاءِ الأُكُلِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ الخارِجِيَّ عَلى العَكْسِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِن إيتاءِ الأكْلِ، وتَفْجِيرِ النَّهَرِ في تَكْمِيلِ مَحاسِنِ الجَنَّتَيْنِ، كَما في قِصَّةِ البَقَرَةِ، ونَحْوِها. ولَوْ عَكَسَ لانْفَهَمَ أنَّ المَجْمُوعَ خَصْلَةٌ واحِدَةٌ بَعْضُها مُتَرَتِّبٌ عَلى بَعْضٍ، فَإنَّ إيتاءَ الأُكُلِ مُتَفَرِّعٌ عَلى السَّقْيِ عادَةً، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إيتاءَ الأُكُلِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى السَّقْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ.
الكهف 18:34
﴿وَكانَ لَهُ﴾ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ﴿ثَمَرٌ﴾ أنْواعٌ مِنَ المالِ غَيْرُ الجَنَّتَيْنِ مِن ثَمَّرَ مالَهُ إذا كَثَّرَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هو جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحَيَوانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الذَّهَبُ، والفِضَّةُ خاصَّةً.
﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ المُؤْمِنِ ﴿وَهُوَ﴾ أيِ: القائِلُ.
﴿يُحاوِرُهُ﴾ أيْ: صاحِبَهُ المُؤْمِنَ، وإنَّ جازَ العَكْسُ، أيْ: يُراجِعُهُ في الكَلامِ مِن حارَ إذا رَجَعَ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ حَشَمًا، وأعْوانًا. أوْ أوْلادًا ذُكُورًا؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ.
الكهف 18:35
(p-222)﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ الَّتِي شُرِحَتْ أحْوالُها، وعَدَدُها، وصِفاتُها، وهَيْآتُها،، وتَوْحِيدُها إمّا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِتَعْدادِها، وإمّا لِاتِّصالِ إحْداهُما بِالأُخْرى، وإمّا لِأنَّ الدُّخُولَ يَكُونُ في واحِدَةٍ فَواحِدَةٍ.
﴿وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ضارٌّ لَها بِعُجْبِهِ وكُفْرِهِ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن ذِكْرِ دُخُولِ جَنَّتِهِ حالَ ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ إذْ ذاكَ؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ﴾ الجَنَّةُ، أيْ: تَفْنى ﴿أبَدًا﴾ لِطُولِ أمَلِهِ، وتَمادِي غَفْلَتِهِ، واغْتِرارِهِ بِمُهْلَتِهِ، ولَعَلَّهُ إنَّما قالَهُ بِمُقابَلَةِ مَوْعِظَةِ صاحِبِهِ، وتَذْكِيرِهِ بِفَناءِ جَنَّتَيْهِ، ونَهْيِهِ عَنِ الِاغْتِرارِ بِهِما، وأمْرِهِ بِتَحْصِيلِ الباقِياتِ الصّالِحاتِ.
الكهف 18:36
﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ كائِنَةً فِيما سَيَأْتِي.
﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ﴾ بِالبَعْثِ عِنْدَ قِيامِها كَما تَقُولُ: ﴿إلى رَبِّي لأجِدَنَّ﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿خَيْرًا مِنها﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. وقُرِئَ: (مِنهُما)، أيْ: مِنَ الجَنَّتَيْنِ.
﴿مُنْقَلَبًا﴾ مَرْجِعًا، وعاقِبَةً، ومَدارُ هَذا الطَّمَعِ، واليَمِينِ الفاجِرَةِ اعْتِقادُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أوْلاهُ ما أوْلاهُ في الدُّنْيا، لِاسْتِحْقاقِهِ الذّاتِيِّ، وكَرامَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، ولَمْ يَدْرِ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ.
الكهف 18:37
﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ كَما مَرَّ فائِدَتُها التَّنْبِيهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ ما يَتْلُوهُ كَلامٌ مُعْتَنًى بِشَأْنِهِ مَسُوقٌ لِلْمُحاوَرَةِ.
﴿أكَفَرْتَ﴾ حَيْثُ قُلْتَ ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً.
﴿بِالَّذِي خَلَقَكَ﴾ أيْ: في ضِمْنِ خَلْقِ أصْلِكَ.
﴿مِن تُرابٍ﴾ فَإنَّ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ مُتَضَمِّنٌ لِخَلْقِهِ مِنهُ، لِما أنَّ خَلْقَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لَمْ تَكُنْ فِطْرَتُهُ الشَّرِيفَةُ مَقْصُورَةً عَلى نَفْسِهِ، بَلْ كانَتْ أُنْمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ انْطِواءً إجْمالِيًّا مُسْتَنْبِعًا لِجَرَيانِ آثارِها عَلى الكُلِّ، فَكانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التُّرابِ، خَلْقًا لِلْكُلِّ مِنهُ، وقِيلَ: خَلَقَكَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ أصْلُ مادَّتِكَ، إذْ بِهِ يَحْصُلُ الغِذاءُ الَّذِي مِنهُ تَحْصُلُ النُّطْفَةُ فَتَدَبَّرْ.
﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ هي مادَّتُكَ القَرِيبَةُ فالمَخْلُوقُ واحِدٌ، والمَبْدَأُ مُتَعَدِّدٌ.
﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ أيْ: عَدَلَكَ، وكَمَّلَكَ إنْسانًا ذَكَرًا، أوْ صَيَّرَكَ رَجُلًا. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ تَعالى بِالمَوْصُولِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةٍ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِإنْكارِ الكُفْرِ، والتَّلْوِيحِ بِدَلِيلِ البَعْثِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِنَ تُرابٍ﴾ ... إلَخْ.
الكهف 18:38
﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ أصْلُهُ لَكِنْ إنّا، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ فَتَلاقَتِ النُّونانِ فَكانَ الإدْغامُ، وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ. و "هُوَ" مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ "اللَّهُ رَبِّي" وتِلْكَ الجُمْلَةُ خَبَرُ "إنّا" والعائِدُ مِنها إلَيْهِ الضَّمِيرُ. وقُرِئَ: بِإثْباتِ ألِفِ "إنّا" في الوَصْلِ، وفي الوَقْفِ جَمِيعًا، وفي الوَقْفِ خاصَّةً، وقُرِئَ: (لَكِنَّهُ) بِالهاءِ، ولَكِنْ بِطَرْحِ إنّا، ولَكِنْ إنّا لا إلَهَ إلّا هو رَبِّي، ومَدارُ الِاسْتِدْراكِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: أنْتَ كافِرٌ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ.
﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فِيهِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرَهُ كانَ (p-223)بِطَرِيقِ الإشْراكِ.
الكهف 18:39
﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَما دَخَلْتَها. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المُحَضَّضِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِتَحَتُّمِ القَوْلِ في آنِ الدُّخُولِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ لا لِلْقَصْرِ.
﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، أوْ ما شاءَ اللَّهُ كانَ عَلى أنَّ "ما" مَوْصُولَةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ، أوْ أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ. والمُرادُ تَحْضِيضُهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أبْقاها، وإنْ شاءَ أفْناها.
﴿لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ ذَلِكَ اعْتِرافًا بِعَجْزِكَ، وبِأنَّ ما تَيَسَّرَ لَكَ مِن عِمارَتِها، وتَدْبِيرِ أمْرِها إنَّما هو بِمَعُونَتِهِ تَعالى، وإقْدارِهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن رَأى شَيْئًا فَأعْجَبَهُ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ.» ﴿إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾ "أنا" إمّا مُؤَكِّدٌ لِياءِ المُتَكَلِّمِ، أوْ ضَمِيرُ فَصْلٍ بَيْنَ مَفْعُولَيِ الرُّؤْيَةِ. إنْ جُعِلَتْ عِلْمِيَّةً و "أقَلَّ" ثانِيهِما، وحالٌ إنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً فَيَكُونُ "أنا" حِينَئِذٍ تَأْكِيدًا لا غَيْرُ؛ لِأنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ ضَمِيرَ فَصْلٍ تَوَسُّطُهُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، أوْ ما أصْلُهُ المُبْتَدَأُ والخَبَرُ، وقُرِئَ: (أقَلُّ) بِالرَّفْعِ خَبَرًا لِـ "أنا"، والجُمْلَةُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلرُّؤْيَةِ، أوْ حالٌ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: "وَوَلَدًا" نُصْرَةٌ لِمَن فَسَّرَ النَّفَرَ بِالوَلَدِ.
الكهف 18:40
﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هو جَوابُ الشَّرْطِ، والمَعْنى: إنْ تَرَنِ أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أتَوَقَّعُ مِن صُنْعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَقْلِبَ ما بِي، وما بِكَ مِنَ الفَقْرِ والغِنى، فَيَرْزُقَنِي لِإيمانِي جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ، ويَسْلُبَكَ لِكُفْرِكَ نِعْمَتَهُ، ويُخْرِبَ جَنَّتَكَ.
﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى: الحِسابِ كالبُطْلانِ والغُفْرانِ، أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. وقِيلَ: عَذابُ حُسْبانٍ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداهُ، وقِيلَ: مَرامِي جَمْعُ حُسْبانَةٍ، وهي الصَّواعِقُ، ومُساعَدَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ فِيما سَيَأْتِي لِلْأوَّلِينَ أكْثَرُ.
﴿مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ مُبالَغَةً، أيْ: أرْضٌ مَلْساءُ يُزْلَقُ عَلَيْها لِاسْتِئْصالِ ما عَلَيْها مِنَ البِناءِ، والشَّجَرِ، والنَّباتِ.
الكهف 18:41
﴿أوْ يُصْبِحَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "فَتُصْبِحَ" وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ عَلى يُرْسِلَ ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: غائِرًا في الأرْضِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ﴾ أبَدًا ﴿لَهُ﴾ أيْ: لِلْماءِ الغائِرِ.
﴿طَلَبًا﴾ فَضْلًا عَنْ وِجْدانِهِ ورَدِّهِ.
الكهف 18:42
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أُهْلِكَ أمْوالُهُ المَعْهُودَةُ مِن جَنَّتَيْهِ، وما فِيهِما، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ. وهو عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقَعَ بَعْضُ ما تَوَقَّعَ مِنَ المَحْذُورِ، وأُهْلِكَ أمْوالُهُ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ السِّباقِ والسِّياقِ عَلَيْهِ كَما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِـ "الفاءِ" الفَصِيحَةِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ.
﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها مِنَ المالِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ النَّدَمِ بِهِ دُونَ ما هَلَكَ الآنَ مِنَ الجَنَّةِ لِما أنَّهُ إنَّما يَكُونُ عَلى الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، ولِأنَّ ما أنْفَقَ في عِمارَتِها كانَ (p-224)مِمّا يُمْكِنُ صِيانَتُهُ عَنْ طَوارِقِ الحَدَثانِ، وقَدْ صَرَفَهُ إلى مَصالِحِها رَجاءً، أيْ: يَتَمَتَّعُ بِها أكْثَرَ مِمّا يَتَمَتَّعُ بِهِ، وكانَ يَرى أنَّهُ لا تَنالُها أيْدِي الرَّدى، ولِذَلِكَ قالَ: ما أظُنُّ أنَّ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا، فَلَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّها مِمّا يَعْتَرِيهِ الهَلاكُ نَدِمَ عَلى ما صَنَعَ بِناءً عَلى الزَّعْمِ الفاسِدِ مِن إنْفاقِ ما يُمْكِنُ ادِّخارُهُ في مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ السَّرِيعِ الزَّوالِ.
﴿وَهِيَ﴾ أيِ: الجَنَّةُ مِنَ الأعْنابِ المَحْفُوفَةِ بِنَخْلٍ.
﴿خاوِيَةٌ﴾ ساقِطَةٌ ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ: دَعائِمِها المَصْنُوعَةِ لِلْكُرُومِ لِسُقُوطِها قَبْلَ سُقُوطِها، وتَخْصِيصُ حالِها بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ، والزَّرْعِ، إمّا لِأنَّها العُمْدَةُ وهُما مِن مُتَمِّماتِها، وإمّا لِأنَّ ذِكْرَ هَلاكِها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ هَلاكِ الباقِي، لِأنَّها حَيْثُ هَلَكَتْ، وهي مُشَيَّدَةٌ بِعُرُوشِها فَهَلاكُ ما عَداها بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وإمّا لِأنَّ الإنْفاقَ في عِمارَتِها أكْثَرُ، وقِيلَ: أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى نارًا فَأحْرَقَتْها، وغارَ ماؤُها ﴿وَيَقُولُ﴾ عَطْفٌ عَلى يُقَلِّبُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، أيْ: وهو يَقُولُ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَأنَّهُ تَذَكَّرَ مَوْعِظَةَ أخِيهِ، وعَلِمَ أنَّهُ إنَّما أُتِيَ مِن قِبَلِ شِرْكِهِ فَتَمَنّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا فَلَمْ يُصِبْهُ ما أصابَهُ قَبْلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَوْبَةً مِنَ الشِّرْكِ، ونَدَمًا عَلى ما فَرَطَ مِنهُ.
الكهف 18:43
﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ﴾ وقُرِئَ بِالتّاءِ التَّحْتانِيَّةِ.
﴿فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ﴾ يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِهِ بِدَفْعِ الإهْلاكِ، وعَلى رَدِّ المُهْلَكِ، والإتْيانِ بِمِثْلِهِ. وجُمِعَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ﴾ .
﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إنَّهُ القادِرُ عَلى ذَلِكَ وحْدَهُ ﴿وَما كانَ﴾ في نَفْسِهِ ﴿مُنْتَصِرًا﴾ مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنِ انْتِقامِهِ سُبْحانَهُ.
الكهف 18:44
﴿هُنالِكَ﴾ في ذَلِكَ المَقامِ، وفي تِلْكَ الحالِ.
﴿الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيِ: النَّصْرُ لَهُ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ فَهو تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ يَنْصُرُ فِيها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، كَما نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: لِأوْلِيائِهِ. وقُرِئَ: (الوِلايَةُ) بِكَسْرِ الواوِ، ومَعْناهُ: المُلْكُ والسُّلْطانُ، أيْ: هُنالِكَ السُّلْطانُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُغْلَبُ، ولا يُمْتَنَعُ مِنهُ، أوْ لا يُعْبَدُ غَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ﴾ ... إلَخْ. كانَ عَنِ اضْطِرارٍ، وجَزَعٍ عَمّا دَهاهُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ . وقِيلَ: هُناكَ إشارَةٌ إلى الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وقُرِئَ: بِرَفْعِ الحَقِّ عَلى أنَّهُ صِفَةُ الوِلايَةِ، وبِنَصْبِهِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، وقُرِئَ: (عُقْبًا) بِضَمِّ القافِ، وعُقْبى كَرُجْعى، والكُلُّ بِمَعْنى: العاقِبَةِ.
الكهف 18:45
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم ما يُشْبِهُها في زَهْرَتِها، ونَضارَتِها، وسُرْعَةِ زَوالِها لِئَلّا يَطْمَئِنُّوا بِها، ولِيَعْكُفُوا عَلَيْها، ولا يَضْرِبُوا عَنِ الآخِرَةِ صَفْحًا بِالمَرَّةِ. أوْ بَيِّنْ لَهم صِفَتَها العَجِيبَةَ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ.
﴿كَماءٍ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المَثَلِ، أيْ: هي كَماءٍ.
﴿أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ "اضْرِبْ" عَلى أنَّهُ بِمَعْنى صُيِّرَ.
﴿فاخْتَلَطَ بِهِ﴾ اشْتَبَكَ بِسَبَبِهِ ﴿نَباتُ (p-225)الأرْضِ﴾ فالتَفَّ، وخالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا مِن كَثْرَتِهِ وتَكاثُفِهِ، أوْ نَجَعَ الماءُ في النَّباتِ حَتّى رَوى ورَفَّ، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ حِينَئِذٍ فاخْتَلَطَ بِنَباتِ الأرْضِ، وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ بِالكَثْرَةِ فَإنَّ كِلا المُخْتَلِطَيْنِ مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ صاحِبِهِ ﴿فَأصْبَحَ﴾ ذَلِكَ النَّباتُ المُلْتَفُّ إثْرَ بَهْجَتِها ورَفِيفِها ﴿هَشِيمًا﴾ مَهْشُومًا مَكْسُورًا.
﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ تُفَرِّقُهُ، وقُرِئَ: (تُذْرِيهِ) مَن أذْراهُ. وتَذْرُوهُ الرِّيحُ ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ نَفْسَ الماءِ بَلْ هو الهَيْئَةُ المُنْتَزَعَةُ مِنَ الجُمْلَةِ، وهي حالُ النَّباتِ المُنْبَتِ بِالماءِ يَكُونُ أخْضَرَ وارِفًا، ثُمَّ هَشِيمًا تُطَيِّرُهُ الرِّياحُ كَأنَّ لَمْ يَغْنَ بِالأمْسِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْشاءُ والإفْناءُ ﴿مُقْتَدِرًا﴾ قادِرًا عَلى الكَمالِ.
الكهف 18:46
﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بَيانٌ لِشَأْنٍ ما كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِهِ مِن مُحَسِّناتِ الحَياةِ الدُّنْيا كَما قالَ الأخُ الكافِرُ: "أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا، وأعَزُّ نَفَرًا" إثْرَ بَيانِ شَأْنِ نَفْسِها بِما مَرَّ مِنَ المَثَلِ. وتَقْدِيمُ المالِ عَلى البَنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ أعَزَّ مِنهُ كَما في الآيَةِ المَحْكِيَّةِ آنِفًا، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ لِعَراقَتِهِ فِيما نِيطَ بِهِ مِنَ الزِّينَةِ، والإمْدادِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وعُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأفْرادِ والأوْقاتِ فَإنَّهُ زِينَةٌ، ومُمِدٌّ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الآباءِ والبَنِينَ في كُلِّ وقْتٍ وحِينٍ، وأمّا البَنُونَ فَزِينَتُهُمْ، وإمْدادُهم إنَّما يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن بَلَغَ مَبْلَغَ الأُبُوَّةِ، ولِأنَّ المالَ مُناطٌ لِبَقاءِ النَّفْسِ والبَنِينَ لِبَقاءِ النَّوْعِ، ولِأنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ أمَسُّ مِنَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ، ولِأنَّهُ أقْدَمُ مِنهم في الوُجُودِ، ولِأنَّهُ زِينَةٌ بِدُونِهِمْ مِن غَيْرِ عَكْسٍ؛ فَإنَّ مِن لَهُ بَنُونَ بِلا مالٍ فَهو في ضِيقِ حالٍ ونَكالٍ. وإفْرادُ الزِّينَةِ مَعَ أنَّها مُسْنَدَةٌ إلى الِاثْنَيْنِ لِما أنَّها مَصْدَرٌ في الأصْلِ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ مُبالَغَةً كَأنَّهُما نَفْسُ الزِّينَةِ، والمَعْنى: أنَّ ما يَفْتَخِرُونَ بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ شَيْءٌ يُتَزَيَّنُ بِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وقَدْ عُلِمَ شَأْنُها في سُرْعَةِ الزَّوالِ وقُرْبِ الِاضْمِحْلالِ، فَكَيْفَ بِما هو مِن أوْصافِها الَّتِي شَأْنُها أنْ تَزُولَ قَبْلَ زَوالِها؟ ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ هي أعْمالُ الخَيْرِ، وقِيلَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وقِيلَ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، وقِيلَ: كُلُّ ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ تَعالى وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَدْخُلُ فِيها أعْمالُ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أمّا صَلاحُها فَظاهِرٌ، وأمّا بَقاؤُها فَبَقاءُ عَوائِدِها عِنْدَ فَناءِ كُلِّ ما تَطْمَحُ إلَيْهِ النَّفْسُ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: مِمّا نُعِتَ شَأْنُهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ، وإخْراجُ بَقاءِ تِلْكَ الأعْمالِ وصَلاحِها مُخْرَجَ الصِّفاتِ المَفْرُوغِ عَنْها مَعَ أنَّ حَقَّهُما أنْ يَكُونا مَقْصُودَيِ الإفادَةِ لا سِيَّما في مُقابَلَةِ إثْباتِ الفَناءِ لِما يُقابِلُها مِنَ المالِ والبَنِينَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ بَقاءَها أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا حاجَةَ إلى بَيانِهِ بَلْ لَفْظُ الباقِياتِ اسْمٌ لَهُ وصْفٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرِ المَوْصُوفُ، وإنَّما الَّذِي يَحْتاجُ إلى التَّعَرُّضِ لَهُ خَيْرِيَّتُها.
﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ. وهو بَيانٌ لِما يَظْهَرُ فِيهِ آثارٌ خَيْرِيَّتِها بِمَنزِلَةِ إضافَةِ الزِّينَةِ إلى الحَياةِ الدُّنْيا لا لِأفْضَلِيَّتِها فِيها مِنَ المالِ والبَنِينَ مَعَ مُشارَكَةِ الكُلِّ في الأصْلِ إذْ لا مُشارَكَةَ لَهُما في الخَيْرِيَّةِ في الآخِرَةِ.
﴿ثَوابًا﴾ عائِدَةً تَعُودُ إلى صاحِبِها.
﴿وَخَيْرٌ أمَلا﴾ حَيْثُ يَنالُ بِها صاحِبُها في الآخِرَةِ كُلَّ ما كانَ يُؤَمِّلُهُ في الدُّنْيا. (p-226)وَأمّا ما مَرَّ مِنَ المالِ والبَنِينَ فَلَيْسَ لِصاحِبِهِ أمَلٌ يَنالُهُ، وتَكْرِيرُ "خَيْرٌ" لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ حَيْثِيَّةِ الخَيْرِيَّةِ، والمُبالَغَةِ فِيها.
الكهف 18:47
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ، أيِ: اذْكُرْ حِينَ نَقْلَعُها مِن أماكِنِها، ونُسَيِّرُها في الجَوِّ عَلى هَيْئاتِها كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ أوْ نُسَيِّرُ أجْزاءَها بَعْدَ أنْ نَجْعَلَها هَباءً مُنْبَثًّا، والمُرادُ بِتَذْكِيرِهِ: تَحْذِيرُ المُشْرِكِينَ مِمّا فِيهِ مِنَ الدَّواهِي، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ: الباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ ويَوْمَ القِيامَةِ. وقُرِئَ: (تُسَيَّرُ) عَلى صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ التَّفْعِيلِ جَرْيًا عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ، وإيذانًا بِالِاسْتِغْناءِ عَنِ الإسْنادِ إلى الفاعِلِ لِتَعَيُّنِهِ، وقُرِئَ: (تَسِيرُ) ﴿وَتَرى الأرْضَ﴾ أيْ: جَمِيعَ جَوانِبِها. والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيا. وقُرِئَ: (تُرى) عَلى صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿بارِزَةً﴾ أمّا بُرُوزُ ما تَحْتَ الجِبالِ فَظاهِرٌ، وأمّا ما عاداهُ فَكانَتِ الجِبالُ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاظِرِ قَبْلَ ذَلِكَ، فالآنَ أضْحى قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا.
﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾ جَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ مِن كُلِّ أوْبٍ. وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي بَعْدَ "نُسَيِّرُ" "وَتَرى" لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الحَشْرِ المُتَفَرِّعِ عَلى البَعْثِ الَّذِي يُنْكِرُهُ المُنْكِرُونَ، وعَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ الجَزاءِ، وكَذا الكَلامُ فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ مَنفِيًّا، ومُوجَبًا، وقِيلَ: هو لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَشْرَهم قَبْلَ التَّسْيِيرِ والبُرُوزِ لِيُعايِنُوا تِلْكَ الأهْوالَ، كَأنَّهُ قِيلَ: وحَشَرْناهم قَبْلَ ذَلِكَ.
﴿فَلَمْ نُغادِرْ﴾ أيْ: لَمْ نَتْرُكْ ﴿مِنهم أحَدًا﴾ يُقالُ غادَرَهُ وأغْدَرَهُ إذا تَرَكَهُ، ومِنهُ الغَدْرُ الَّذِي هو تَرْكُ الوَفاءِ، والغَدِيرُ الَّذِي هو ماءٌ يَتْرُكُهُ السَّيْلُ في الأرْضِ الغائِرَةِ، وقُرِئَ: بِالياءِ، وبِالفَوْقانِيَّةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الأرْضِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ .
الكهف 18:48
﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ جُنْدٍ عُرِضُوا عَلى السُّلْطانِ لِيَأْمُرَ فِيهِمْ بِما يَأْمُرُ. وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ، وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية، والإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ، وإظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ ما لا يَخْفى.
﴿صَفًّا﴾ أيْ: غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ ولا مُخْتَلِطِينَ، فَلا تَعَرُّضَ فِيهِ لِوَحْدَةِ الصَّفِّ وتَعَدُّدِهِ، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ صُفُوفًا.
﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ حالًا مِن ضَمِيرِ عُرِضُوا، أيْ: مَقُولًا لَهُمْ، أوْ وقُلْنا لَهم. وأمّا كَوْنُهُ عامِلًا في "يَوْمَ نُسَيِّرُ" كَما قِيلَ، فَبَعِيدٌ مِن جَزالَةِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، كَيْفَ لا؟ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ هَذا القَوْلَ هو المَقْصُودُ بِالأصالَةِ دُونَ سائِرِ القَوارِعِ مَعَ أنَّهُ خاصُّ التَّعَلُّقِ بِما قَبْلَهُ مِنَ العَرْضِ والحَشْرِ دُونَ تَسْيِيرِ الجِبالِ، وبُرُوزِ الأرْضِ ﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ . نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: مَجِيئًا كائِنًا كَمَجِيئِكم عِنْدَ خَلْقِنا لَكم ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ جِئْتُمُونا، أيْ: كائِنِينَ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، أوْ ما مَعَكم شَيْءٌ مِمّا تَفْتَخِرُونَ بِهِ مِنَ الأمْوالِ والأنْصارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ .
﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، كِلاهُما لِلتَّوْبِيخِ (p-227)والتَّقْرِيعِ، أيْ: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا أنَّهُ لَنْ نَجْعَلَ لَكم أبَدًا وقْتًا نُنْجِزُ فِيهِ ما وعَدْناهُ مِنَ البَعْثِ، وما يَتْبَعُهُ. و "أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ المُثَقَّلَةِ فُصِلَ بِحَرْفِ النَّفْيِ بَيْنَها وبَيْنَ خَبَرِها لِكَوْنِهِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً مُتَصَرِّفَةً غَيْرَ دُعاءٍ، والظَّرْفُ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ وهو بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، والأوَّلُ هو مَوْعِدًا، أوْ حالٌ مِن مَوْعِدٍ، أوْ هو بِمَعْنى الخَلْقِ والإبْداعِ.
الكهف 18:49
﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ عَطْفٌ عَلى عُرِضُوا داخِلٌ تَحْتِ الأُمُورِ الهائِلَةِ الَّتِي أُرِيدَ تَذْكِيرُها بِتَذْكِيرِ وقْتِها أُورِدَ فِيهِ ما أُورِدَ في أمْثالِهِ مِن صِيغَةِ الماضِي دَلالَةً عَلى التَّقَرُّرِ أيْضًا، أيْ: وُضِعَ صَحائِفُ الأعْمالِ، وإيثارُ الإفْرادِ لِلِاكْتِفاءِ بِالجِنْسِ، والمُرادُ بِوَضْعِها: إمّا وضْعُها في أيْدِي أصْحابِها يَمِينًا وشِمالًا، وإمّا في المِيزانِ.
﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ﴾ قاطِبَةً فَيَدْخُلُ فِيهِمُ الكَفَرَةُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ ﴿مِمّا فِيهِ﴾ مِنَ الجَرائِمِ والذُّنُوبِ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عِنْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى ما في تَضاعِيفِهِ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا.
﴿يا ويْلَتَنا﴾ مُنادِينَ لِهَلَكَتِهِمُ الَّتِي هَلَكُوها مِن بَيْنِ الهَلَكاتِ مُسْتَدْعِينَ لَها لِيَهْلِكُوا، ولا يَرَوْا هَوْلَ ما لاقَوْهُ، أيْ: يا ويْلَتَنا احْضُرِي فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ.
﴿مالِ هَذا الكِتابِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ أيْ: حَواها. وضَبَطَها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِما في الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ مِنَ التَّعَجُّبِ، أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما شَأْنُهُ حَتّى يُتَعَجَّبَ مِنهُ. فَقِيلَ: لا يُغادِرُ سَيِّئَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها.
﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في الدُّنْيا مِنَ السَّيِّئاتِ أوْ جَزاءَ ما عَمِلُوا.
﴿حاضِرًا﴾ مَسْطُورًا عَتِيدًا ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ فَيَكْتُبُ ما لَمْ يُعْمَلْ مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ يَزِيدُ في عِقابِهِ المُسْتَحَّقِ فَيَكُونُ إظْهارًا لِمَعْدِلَةِ القَلَمِ الأزَلِيِّ.
الكهف 18:50
﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهم ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ سُجُودَ تَحِيَّةٍ، وتَكْرِيمٍ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ ﴿فَسَجَدُوا﴾ جَمِيعًا امْتِثالًا بِالأمْرِ.
﴿إلا إبْلِيسَ﴾ فَإنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ بَلْ أبى واسْتَكْبَرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِما يُفِيدُهُ اسْتِثْناءُ اللَّعِينِ مِنَ السّاجِدِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ لَمْ يَسْجُدْ. فَقِيلَ: كانَ أصْلُهُ جِنِّيًّا.
﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ: خَرَجَ عَنْ طاعَتِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ، أوْ صارَ فاسِقًا كافِرًا بِسَبَبِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ لَوْلاهُ لَما أبى، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية المُنافِيَةِ لِلْفِسْقِ لِبَيانِ كَمالِ قُبْحِ ما فَعَلَهُ، والمُرادُ بِتَذْكِيرِ قِصَّتِهِ تَجْدِيدُ النَّكِيرِ عَلى المُتَكَبِّرِينَ المُفْتَخِرِينَ بِأنْسابِهِمْ، وأمْوالِهِمُ، المُسْتَنْكِفِينَ عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ فُقُراءِ المُؤْمِنِينَ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ مِن صَنِيعِ إبْلِيسَ، وأنَّهم في ذَلِكَ تابِعُونَ لِتَسْوِيلِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ ... إلَخْ. فَإنَّ الهَمْزَةَ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والفاءَ لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: أعَقِيبَ عِلْمِكم بِصُدُورِ تِلْكَ القَبائِحِ عَنْهُ تَتَّخِذُونَهُ.
﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾ أيْ: أوْلادَهُ وأتْباعَهُ جُعِلُوا ذُرِّيَّتَهُ مَجازًا. قالَ قَتادَةُ: يَتَوالَدُونَ كَما يَتَوالَدُ بَنُو آدَمَ، وقِيلَ: يُدْخِلُ ذَنَبَهُ في دُبُرِهِ فَيَبِيضُ فَتَنْفَلِقُ البَيْضَةُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الشَّياطِينِ.
﴿أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ فَتَسْتَبْدِلُونَهم بِي فَتُطِيعُونَهم (p-228)بَدَلَ طاعَتِي.
﴿وَهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ﴿لَكم عَدُوٌّ﴾ أيْ: أعْداءَكُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ وإنَّما فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ تَشْبِيهًا لَهُ بِالمَصْدَرِ نَحْوَ القُبُولِ والوُلُوعِ، وتَقَيُّدُ الِاتِّخاذِ بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ وتَشْدِيدِهِ، فَإنَّ مَضْمُونَها مانِعٌ مِن وُقُوعِ الِاتِّخاذِ، ومُنافٍ لَهُ قَطْعًا.
﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ: الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
﴿بَدَلا﴾ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ مَعَ وضْعِ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ مِنَ الإيذانِ بِكَمالِ السُّخْطِ، والإشارَةِ إلى أنَّ ما فَعَلُوهُ ظُلْمٌ قَبِيحٌ ما لا يَخْفى.
الكهف 18:51
﴿ما أشْهَدْتُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ في أنْفُسِهِمْ بَعْدَ بَيانِ الصَّوارِفِ عَنْ ذَلِكَ مِن خَباثَةِ المَحْتِدِ والفِسْقِ والعَداوَةِ، أيْ: ما أحْضَرْتُ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ.
﴿خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حَيْثُ خَلَقْتُهُما قَبْلَ خَلْقِهِمْ، ﴿وَلا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: ولا أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ هَذا ما أجْمَعَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ حِذارًا مِن تَفْكِيكَ الضَّمِيرَيْنِ، ومُحافَظَةً عَلى ظاهِرِ لَفْظِ الأنْفُسِ. ولَكَ أنْ تُرْجِعَ الضَّمِيرَ الثّانِيَ إلى الظّالِمِينَ، وتَلْتَزِمَ التَّفْكِيكَ بِناءً عَلى قَوْدِ المَعْنى إلَيْهِ، فَإنَّ نَفْيَ إشْهادِ الشَّياطِينِ خَلْقَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهم هو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ إنْكارُ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ بِناءً عَلى أنَّ أدْنى ما يُصَحِّحُ التَّوَلِّيَ حُضُورُ الوَلِيِّ خَلْقَ المُتَوَلّى، وحَيْثُ لا حُضُورَ لا مُصَحِّحَ لِلتَّوَلِّي قَطْعًا. وأمّا نَفْيُ إشْهادِ بَعْضِ الشَّياطِينِ خَلْقَ بَعْضٍ مِنهم فَلَيْسَ مِن مَدارِيَّةِ الإنْكارِ المَذْكُورِ في شَيْءٍ، عَلى أنَّ إشْهادَ بَعْضِهِمْ خَلْقَ بَعْضٍ إنْ كانَ مُصَحِّحًا لِتَوَلِّي الشّاهِدِ بِناءً عَلى دَلالَتِهِ عَلى كَمالِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ لَهُ مُدْخَلًا في خَلْقِ المَشْهُودِ في الجُمْلَةِ، فَهو مُخِلٌّ بِتَوَلِّي المَشْهُودِ بِناءً عَلى قُصُورِهِ عَمَّنْ شَهِدَ خَلْقَهُ، فَلا يَكُونُ نَفْيُ الإشْهادِ المَذْكُورِ مُتَمَحِّضًا في نَفْيِ الكَمالِ المُصَحِّحِ لِلتَّوَلِّي عَنِ الكُلِّ، والمَناطِ لِلْإنْكارِ المَذْكُورِ.
﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ﴾ أيْ: مُتَّخِذَهم. وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَهُ المُظْهَرَ ذَمًّا لَهُمْ، وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالإضْلالِ، وتَأْكِيدًا لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ.
﴿عَضُدًا﴾ أعْوانًا في شَأْنِ الخَلْقِ، أوْ في شَأْنٍ مِن شُئُونِي حَتّى يُتَوَهَّمَ شِرْكَتُهم في التَّوَلِّي بِناءً عَلى الشَّرِكَةِ في بَعْضِ أحْكامِ الربوبية، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وإيذانٌ بِكَمالِ رَكاكَةِ عُقُولِهِمْ، وسَخافَةِ آرائِهِمْ حَيْثُ لا يَفْهَمُونَ هَذا الأمْرَ الجَلِيَّ الَّذِي لا يَكادُ يُشْتَبَهُ عَلى البُلْهِ، والصِّبْيانِ فَيَحْتاجُونَ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ، وإيثارُ نَفْيِ الإشْهادِ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ، ونَفْيِ اتِّخاذِهِمْ أعْوانًا عَلى نَفْيِ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قدرته تعالى، تابِعُونَ لِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ فِيهِمْ، وأنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الشُّهُودِ والمَعُونَةِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ إحْضارٍ واتِّخاذٍ. وإنَّما قُصارى ما يُتَوَهَّمُ في شَأْنِهِمْ أنْ يَبْلُغُوا ذَلِكَ المَبْلَغَ بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يَكَدْ ذَلِكَ يَكُونُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ، والمَعْنى: ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ ذَلِكَ، وما أطْلَعْتُهم عَلى أسْرارِ التَّكْوِينِ، وما خَصَصْتُهم بِفَضائِلَ لا يَحْوِيها غَيْرُهم حَتّى يَكُونُوا قُدْوَةً لِلنّاسِ، فَيُؤْمِنُوا بِإيمانِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ فَلا يُلْتَفَتُ إلى قَوْلِهِمْ طَمَعًا في نُصْرَتِهِمُ لِلدِّينِ، فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي لِي أنْ أعْتَضِدَ بِالمُضِلِّينَ. ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِفَتْحِ التّاءِ خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمَعْنى: ما صَحَّ لَكَ الِاعْتِضادُ بِهِمْ، ووَصْفُهم بِالإضْلالِ (p-229)لِتَعْلِيلِ نَفْيِ الِاتِّخاذِ. وقُرِئَ: (مُتَّخِذًا) المُضِلِّينَ عَلى الأصْلِ. وقُرِئَ: (عُضْدًا) بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الضّادِ، وبِفَتْحٍ وسُكُونٍ بِالتَّخْفِيفِ، وبِضَمَّتَيْنِ بِالإتْباعِ، وبِفَتْحَتَيْنِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ عاضِدٍ كَرَصَدٍ وراصِدٍ.
الكهف 18:52
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْكافِرِينَ تَوْبِيخًا وتَعْجِيزًا. وقُرِئَ: بِنُونِ العَظَمَةِ ﴿نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّهم شُفَعاؤُكم لِيَشْفَعُوا لَكُمْ، والمُرادُ بِهِمْ: كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِهِ تَعالى، وقِيلَ: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ.
﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ أيْ: نادَوْهم لِلْإغاثَةِ، وفِيهِ بَيانٌ لِكَمالِ اعْتِنائِهِمْ بِإعانَتِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الشَّفاعَةِ إذْ مَعْلُومٌ أنْ لا طَرِيقَ إلى المُدافَعَةِ.
﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ فَلَمْ يُغِيثُوهم إذْ لا إمْكانَ لِذَلِكَ. وفي إيرادِهِ مَعَ ظُهُورِهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وإيذانٌ بِأنَّهم في الحَماقِهِ بِحَيْثُ لا يَفْهَمُونَهُ إلّا بِالتَّصْرِيحِ بِهِ.
﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ الدّاعِينَ والمَدْعُوِّينَ ﴿مَوْبِقًا﴾ اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِن وبَقَ وُبُوقًا كَوَثَبَ وُثُوبًا، أوْ وبِقَ وبَقًا كَفَرِحَ فَرَحًا. إذا هَلَكَ أيْ: مَهْلِكًا يَشْتَرِكُونَ فِيهِ، وهو النّارُ. أوْ عَداوَةً هي في الشِّدَّةِ نَفْسُ الهَلاكِ، كَقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا، ولا بُغْضُكَ تَلَفًا. وقِيلَ: البَيْنُ الوَصْلُ، أيْ: وجَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا هَلاكًا في الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ المَلائِكَةَ، وعُزَيْرًا، وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَرْيَمَ. وبِالمَوْبِقِ البَرْزَخَ البَعِيدَ، أيْ: جَعَلْنا بَيْنَهم أمَدًا بَعِيدًا يَهْلِكُ فِيهِ الأشْواطُ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ؛ لِأنَّهم في قَعْرِ جَهَنَّمَ وهم في أعْلى الجِنانِ.
الكهف 18:53
﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾ وُضِعَ المُظْهَرَ مَقامَ المُضْمَرَ تَصْرِيحًا بِإجْرامِهِمْ، وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ.
﴿فَظَنُّوا﴾ أيْ: فَأيْقَنُوا ﴿أنَّهم مُواقِعُوها﴾ مُخالِطُوها واقِعُونَ فِيها، أوْ ظَنُّوا إذْ رَأوْها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ أنَّهم مُواقِعُوها السّاعَةَ.
﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ انْصِرافًا، أوْ مَعْدِلًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ.
الكهف 18:54
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ أيْ: كَرَرْنا وأوْرَدْنا عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ النَّظْمِ.
﴿فِي هَذا القرآن لِلنّاسِ﴾ لِمَصْلَحَتِهِمْ ومَنفَعَتِهِمْ.
﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ مِن جُمْلَتِهِ ما مَرَّ مِن مَثَلِ الرَّجُلَيْنِ، ومَثَلِ الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَعانِي البَدِيعَةِ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ، والحُسْنِ، واسْتِجْلابِ النَّفْسِ كالمَثَلِ لِيَتَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ فَلَمْ يَفْعَلُوا.
﴿وَكانَ الإنْسانُ﴾ بِحَسَبِ جِبِلَّتِهِ ﴿أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ أيْ: أكْثَرَ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجَدَلُ، وهو هَهُنا شِدَّةُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، والمُماراةِ مِنَ الجَدْلِ الَّذِي هو الفَتْلُ. والمُجادَلَةُ المُلاواةُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُجادِلَيْنِ يَلْتَوِي عَلى صاحِبِهِ. وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، والمَعْنى: أنَّ جَدَلَهُ أكْثَرُ مِن جَدَلِ كُلِّ مُجادِلٍ.
الكهف 18:55
﴿وَما مَنَعَ النّاسَ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ الَّذِينَ حُكِيَتْ أباطِيلُهم.
﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ مِن أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ تَعالى، ويَتْرُكُوا ما هم فِيهِ مِنَ الإشْراكِ.
﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ أيِ: القرآن العَظِيمُ الهادِي إلى الإيمانِ بِما فِيهِ مِن فُنُونِ المَعانِي المُوجِبَةِ لَهُ.
﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ عَمّا فَرَطَ مِنهم مِن أنْواعِ الذُّنُوبِ (p-230)الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُجادَلَتُهم لِلْحَقِّ بِالباطِلِ ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: إلّا طَلَبُ إتْيانِ سُنَّتِهِمْ، أوْ إلّا انْتِظارُ إتْيانِها، أوْ إلّا تَقْدِيرُهُ فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ. وسُنَّتُهُمُ الِاسْتِئْصالُ.
﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الآخِرَةِ.
﴿قُبُلا﴾ أيْ: أنْواعًا. جَمْعُ قَبِيلٍ، أوْ عِيانًا كَما في قِراءَةِ (قِبَلًا) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، وقُرِئَ: بِفَتْحَتَيْنِ، أيْ: مُسْتَقْبَلًا. يُقالُ: لَقِيتُهُ قُبُلًا وقَبَلًا وقِبَلًا. وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ، أوِ "العَذابُ". والمَعْنى: أنَّ ما تَضَمَّنَهُ القرآن الكَرِيمُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلْإيمانِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذِهِ الحِكْمَةِ القَوِيَّةِ لَما امْتَنَعَ النّاسُ مِنَ الإيمانِ، وإنْ كانُوا مَجْبُولِينَ عَلى الجَدَلِ المُفْرِطِ.
الكهف 18:56
﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ إلى الأُمَمِ مُلْتَبِسِينَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ لِلْكَفَرَةِ والعُصاةِ بِالعِقابِ.
﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ بِاقْتِراحِ الآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ، والسُّؤالِ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، ونَحْوِها تَعَنُّتًا ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ﴾، أيْ: بِالجِدالِ ﴿الحَقَّ﴾ أيْ: يُزِيلُوهُ عَنْ مَرْكَزِهِ، ويُبْطِلُوهُ مِن إدْحاضِ القَدَمِ، وهو إزْلاقُها. وهو قَوْلُهم لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " ما أنْتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَة "، ونَحْوُهُما.
﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ.
﴿وَما أُنْذِرُوا﴾ أيْ: أُنْذِرُوهُ مِنَ القَوارِعِ النّاعِيَةِ عَلَيْهِمُ العِقابَ والعَذابَ، أوْ إنْذارُهم.
﴿هُزُوًا﴾ اسْتِهْزاءً. وقُرِئَ: بِسُكُونِ الزّايِ، وهو ما يُسْتَهْزَأُ بِهِ.
الكهف 18:57
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ وهو القرآن العَظِيمُ.
﴿فَأعْرَضَ عَنْها﴾ ولَمْ يَتَدَبَّرْها، ولَمْ يَتَذَكَّرْ بِها. وهَذا السَّبْكُ وإنْ كانَ مَدْلُولُهُ الوَضْعِيُّ نَفْيَ الأظْلَمِيَّةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ في الظُّلْمِ، إلّا أنَّ مَفْهُومَهُ العُرْفِيَّ أنَّهُ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ. وبِناءُ الأظْلَمِيَّةِ عَلى ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الإعْراضِ عَنِ القرآن، لِلْإشْعارِ بِأنَّ ظُلْمَ مَن يُجادِلُ فِيهِ، ويَتَّخِذُهُ هُزُوًا خارِجٌ عَنِ الحَدِّ.
﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أيْ: عَمَلَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ المُجادَلَةِ بِالباطِلِ، والِاسْتِهْزاءِ بِالحَقِّ، ولَمْ يَتَفَكَّرْ في عاقِبَتِها.
﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أغْطِيَةً كَثِيرَةً. جَمْعُ كِنانٍ، وهو تَعْلِيلٌ لِإعْراضِهِمْ ونِسْيانِهِمْ بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ.
﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ مَفْعُولٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: مَنَعْناهم أنْ يَقِفُوا عَلى كُنْهِهِ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ.
﴿وَفِي آذانِهِمْ﴾ أيْ: جَعَلْنا فِيها ﴿وَقْرًا﴾ ثِقَلًا يَمْنَعُهم مِنِ اسْتِماعِهِ.
﴿وَإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ أيْ: فَلَنْ يَكُونَ مِنهُمُ اهْتِداءٌ البَتَّةَ مُدَّةَ التَّكْلِيفِ، وإذَنْ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ، وجَوابٌ عَنْ سُؤالِ النَّبِيِّ ﷺ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِكَمالِ عِنايَتِهِ بِإسْلامِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ ﷺ: ما لِي لا أدْعُوهُمْ، فَقِيلَ: إنْ تَدَعْهم ... إلَخْ. وجَمْعُ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ في هَذِهِ المَواضِعِ الخَمْسَةِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ إفْرادَهُ في المَواطِنِ الخَمْسَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ.
الكهف 18:58
(p-231)﴿وَرَبُّكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الغَفُورُ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيِ: المَوْصُوفُ بِها خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وإيرادُ المَغْفِرَةِ عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ دُونَ الحُرْمَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَثْرَةِ الذُّنُوبِ، ولِأنَّ المَغْفِرَةَ تَرْكُ المَضارِّ. وهو سُبْحانُهُ قادِرٌ عَلى تَرْكِ ما لا يَتَناهى مِنَ العَذابِ، وأمّا "الرَّحْمَةُ" فَهي فِعْلٌ وإيجادٌ، ولا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ إلّا ما يَتَناهى. وتَقْدِيمُ الوَصْفِ الأوَّلِ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ قَبْلَ التَّحْلِيَةِ، أوْ لِأنَّهُ أهَمُّ بِحَسَبِ الحالِ إذِ المَقامُ مَقامَ بَيانِ تَأخُّرِ العُقُوبَةِ عَنْهم بَعْدَ اسْتِيجابِهِمْ لَها، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ﴾ أيْ: لَوْ يُرِيدُ مُؤاخَذَتَهم ﴿بِما كَسَبُوا﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم مِن مُجادَلَتِهِمْ بِالباطِلِ، وإعْراضِهِمْ عَنْ آياتِ رَبِّهِمْ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِما اجْتَرَحُوا مِنَ المُوبِقاتِ.
﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ لِاسْتِيجابِ أعْمالِهِمْ لِذَلِكَ، وإثارُ المُؤاخَذَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ شِدَّةِ الأخْذِ بِسُرْعَةٍ عَلى التَّعْذِيبِ والعُقُوبَةِ ونَحْوِهِما، لِلْإيذانِ بِأنَّ النَّفْيَ المُسْتَفادَ مِن مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِوَصْفِ السُّرْعَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تالِيها. وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ، لِإفادَةِ أنَّ انْتِفاءَ تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم بِسَبَبِ اسْتِمْرارِ عَدَمِ إرادَةِ المُؤاخَذَةِ، فَإنَّ المُضارِعَ الواقِعَ مَوْقِعَ الماضِي يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفاءِ الفِعْلِ فِيما مَضى، كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ.
﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ اسْمُ زَمانٍ هو يَوْمُ بَدْرٍ، أوْ يَوْمُ القِيامَةِ. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنَّهم لَيْسُوا بِمُؤاخَذِينَ بَغْتَةً ﴿لَنْ يَجِدُوا﴾ البَتَّةَ ﴿مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾ مَنجًى، أوْ مَلْجَأً. يُقالُ: وألَ أيْ: نَجا. ووَألَ إلَيْهِ أيْ: لَجَأ إلَيْهِ.
الكهف 18:59
﴿وَتِلْكَ القُرى﴾ أيْ: قُرى عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِها، وهي مُبْتَدَأٌ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: وأهْلُ تِلْكَ القُرى خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾، أوْ مَفْعُولُ مُضْمَرٍ مُفَسَّرٌ بِهِ ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ أيْ: وقْتَ ظُلْمِهِمْ كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ بِما حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ، وتَرْكُ المَفْعُولِ إمّا لِتَعْمِيمِ الظُّلْمِ، أوْ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ: لِما فَعَلُوا الظُّلْمَ، ولَمّا: إمّا حَرْفٌ، كَما قالَ ابْنُ عُصْفُورٍ. وإمّا ظَرْفٌ اسْتُعْمِلَ لِلتَّعْلِيلِ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الوَقْتَ المُعَيَّنَ الَّذِي عَمِلُوا فِيهِ الظُّلْمَ بَلْ زَمانٌ مُمْتَدٌّ مِنِ ابْتِداءِ الظُّلْمِ إلى آخِرِهِ.
﴿وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ﴾ أيْ: عَيَّنّا لِهَلاكِهِمْ ﴿مَوْعِدًا﴾ أيْ: وقْتًا مُعَيَّنًا لا مَحِيدَ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وهَذا اسْتِشْهادٌ عَلى ما فُعِلَ بِقُرَيْشٍ مِن تَعْيِينِ المَوْعِدِ لِيَتَنَبَّهُوا لِذَلِكَ، ولا يَغْتَرُّوا بِتَأخُّرِ العَذابِ، وقُرِئَ: بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ، أيْ: إهْلاكُهم. وبِفَتْحِهِما.
الكهف 18:60
﴿وَإذْ قالَ مُوسى﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِفَتاهُ﴾ وهو يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أفْرايِمَ بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمِّيَ فَتاهَ إذْ كانَ يَخْدُمُهُ ويَتْبَعُهُ، وقِيلَ: كانَ يَتَعَلَّمُ مِنهُ، ويُسَمّى التِّلْمِيذُ فَتًى، وإنْ كانَ شَيْخًا. ولَعَلَّ المُرادَ بِتَذْكِيرِهِ عَقِيبَ بَيانِ أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَوْعِدًا تَذْكِيرُ ما في القِصَّةِ مِن مَوْعِدِ المُلاقاةِ مَعَ ما فِيها مِن سائِرِ المَنافِعِ الجَلِيلَةِ.
﴿لا أبْرَحُ﴾ مَن بَرِحَ النّاقِصِ كَزالَ يَزالُ، أيْ: لا أزالُ أسِيرُ. فَحُذِفَ الخَبَرُ اعْتِمادًا عَلى (p-232)قَرِينَةِ الحالِ، إذْ كانَ ذَلِكَ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إلى السَّفَرِ، واتِّكالًا عَلى ما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى أبْلُغَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ غايَةٌ تَسْتَدْعِي ذا غايَةٍ يُؤَدِّي إلَيْها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُ الكَلامِ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حاصِلًا حَتّى أبْلُغَ، فَيُحْذَفُ المُضافُ، ويُقامُ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ فَيَنْقَلِبُ الضَّمِيرُ البارِزُ المَجْرُورُ المَحَلِّ مَرْفُوعًا مُسْتَكِنًّا، والفِعْلُ مِن صِيغَةِ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن بَرِحَ التّامِّ كَزالَ يَزُولُ، أيْ: لا أُفارِقُ ما أنا بِصَدَدِهِ حَتّى أبْلَغَ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . هو مُلْتَقى بَحْرِ فارِسَ والرُّومِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، وقِيلَ: طَنْجَةُ، وقِيلَ: هُما الكَرُّ والرَّسُّ بِأرْمِينِيَّةَ، وقِيلَ: أفْرِيقِيَّةُ. وقُرِئَ: بِكَسْرِ المِيمِ كَمَشْرِقٍ.
﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا أتَيَقَّنُ مَعَهُ فَواتَ المَطْلَبِ، والحُقُبُ: الدَّهْرُ. أوْ ثَمانُونَ سَنَةً، وكانَ مَنشَأُ هَذِهِ العَزِيمَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ظَهَرَ عَلى مِصْرَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، واسْتَقَرُّوا بِها بَعْدَ هَلاكِ القِبْطِ أمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُذَكِّرَ قَوْمَهُ النِّعْمَةَ، فَقامَ فِيهِمْ خَطِيبًا بِخُطْبَةٍ بَدِيعَةٍ رَقَّتْ بِها القُلُوبُ، وذَرَفَتِ العُيُونُ. فَقالُوا لَهُ: مَن أعْلَمُ النّاسِ. قالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، فَأوْحى إلَيْهِ بَلْ أعْلَمُ مِنكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، وهو الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانَ في أيّامِ أفْرِيذُونَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ عَلى مُقَدِّمَةِ ذِي القَرْنَيْنِ الأكْبَرِ، وبَقِيَ إلى أيّامِ مُوسى، وقِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ أيُّ عِبادِكَ أحَبُّ إلَيْكَ؟ قالَ: الَّذِي يَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي. قالَ: فَأيُّ عِبادِكَ أقَضى؟ قالَ: الَّذِي يَقْضِي بِالحَقِّ، ولا يَتَّبِعُ الهَوى. قالَ: فَأيُّ عِبادِكَ أعْلَمُ؟ قالَ: الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ النّاسِ إلى عِلْمِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلى هُدًى، أوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى. فَقالَ: إنْ كانَ في عِبادِكَ مَن هو أعْلَمُ مِنِّي فَدُلَّنِي عَلَيْهِ. قالَ: أعْلَمُ مِنكَ الخَضِرُ. قالَ: أيْنَ أطْلُبُهُ؟ قالَ: عَلى ساحِلِ البَحْرِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ. قالَ: يا رَبِّ، كَيْفَ لِي بِهِ؟ قالَ: تَأْخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَهُ فَهو هُناكَ فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ، فَقالَ لِفَتاهُ: إذا فَقَدْتَ الحُوتَ فَأخْبِرْنِي فَذَهَبا يَمْشِيانِ.
الكهف 18:61
﴿فَلَمّا بَلَغا﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ أيْ: مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وبَيْنِهِما ظَرْفٌ أُضِيفَ إلَيْهِ اتِّساعًا، أوْ بِمَعْنى الوَصْلِ.
﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ الَّذِي جُعِلَ فُقْدانُهُ أمارَةَ وُجْدانِ المَطْلُوبِ، أيْ: نَسِيا تَفَقُّدَ أمْرِهِ، وما يَكُونُ مِنهُ. وقِيلَ: نَسِيَ يُوشَعُ أنْ يُقَدِّمَهُ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْمُرَهُ فِيهِ بِشَيْءٍ. رُوِيَ أنَّهُما لَمّا بَلَغا مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وفِيهِ الصَّخْرَةُ، وعَيْنُ الحَياةِ الَّتِي لا يُصِيبُ ماؤُها مَيْتًا إلّا حَيِيَ، وضَعا رُءُوسَهُما عَلى الصَّخْرَةِ فَناما، فَلَمّا أصابَ الحُوتَ بَرْدُ الماءِ ورَوْحُهُ عاشَ، وقَدْ كانا أكَلا مِنهُ، وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ما اسْتَيْقَظَ يُوشَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: تَوَضَّأ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تِلْكَ العَيْنِ، فانْتَضَحَ الماءُ عَلى الحُوتِ فَعاشَ فَوَقَعَ في الماءِ.
﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ مَسْلَكًا كالسَّرَبِ، وهو النَّفَقُ، قِيلَ: أمْسَكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ جَرْيَةَ الماءِ عَلى الحُوتِ، فَصارَ كالطّاقِ عَلَيْهِ مُعْجِزَةً لِمُوسى، أوْ لِلْخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وانْتِصابُ سَرَبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِاتَّخَذَ، وفي البَحْرِ حالٌ مِنهُ، أوْ مِنَ السَّبِيلِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِاتَّخَذَ.
الكهف 18:62
﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ أيْ: مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ الَّذِي جُعِلَ مَوْعِدًا لِلْمُلاقاةِ، قِيلَ: أدْلَجا. وسارَ اللَّيْلَةَ والغَدَ إلى الظُّهْرِ، وأُلْقِي عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الجُوعُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ أيْ: ما نَتَغَدّى بِهِ، وهو الحُوتُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الجَوابُ.
﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا﴾ (p-233)إشارَةٌ إلى ما سارا بَعْدَ مُجاوَزَةِ المَوْعِدِ ﴿نَصَبًا﴾ تَعَبًا، وإعْياءً. قِيلَ: لَمْ يَنْصَبْ، ولَمْ يَجُعْ قَبْلَ ذَلِكَ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِإيتاءِ الغَداءِ، إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ النَّصْبَ إنَّما يُعْتَرى بِسَبَبِ الضَّعْفِ النّاشِئِ عَنِ الجُوعِ، وإمّا بِاعْتِبارِ ما في أثْناءِ التَّغَدِّي مِنِ اسْتِراحَةٍ ما.
الكهف 18:63
﴿قالَ﴾ أيْ: فَتاهَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ أيِ: التَجَأْنا إلَيْها، وأقَمْنا عِنْدَها. وذِكْرُ الإواءِ إلَيْها مَعَ أنَّ المَذْكُورَ فِيما سَبَقَ مَرَّتَيْنِ بُلُوغُ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ لِزِيادَةِ تَعْيِينِ مَحَلِّ الحادِثَةِ، فَإنَّ المَجْمَعَ مَحِلٌّ مُتَّسِعٌ لا يُمْكِنُ تَحْقِيقُ المُرادِ المَذْكُورِ بِنِسْبَةِ الحادِثَةِ إلَيْهِ، ولِتَمْهِيدِ العُذْرِ فَإنَّ الإواءَ إلَيْها، والنَّوْمَ عِنْدَها، مِمّا يُؤَدِّي إلى النِّسْيانِ عادَةً. والرُّؤْيَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْمَعْرِفَةِ التّامَّةِ، والمُشاهِدَةِ الكامِلَةِ، ومُرادُهُ بِالِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا اعْتَراهُ هُناكَ مِنَ النِّسْيانِ مَعَ كَوْنِ ما شاهَدَهُ مِنَ العَظائِمِ الَّتِي لا تَكادُ تُنْسى، وقَدْ جُعِلَ فُقْدانُهُ عَلامَةً لِوِجْدانِ المَطْلُوبِ، وهَذا أُسْلُوبٌ مُعْتادٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ. يَقُولُ أحَدُهم لِصاحِبِهِ إذا نابَهُ خَطْبٌ: أرَأيْتَ ما نابَنِي، يُرِيدُ بِذَلِكَ تَهْوِيلَهُ، وتَعْجِيبَ صاحِبِهِ مِنهُ، وأنَّهُ مِمّا لا يُعْهَدُ وُقُوعُهُ لا اسْتِخْبارُهُ عَنْ ذَلِكَ كَما قِيلَ. والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْجِيبِ، وتَرْبِيَةٌ لِاسْتِعْظامِ المَنسِيِّ، وإيقاعُ النِّسْيانِ عَلى اسْمِ الحُوتِ دُونَ ضَمِيرِ الغَداءِ، مَعَ أنَّهُ المَأْمُورُ بِإتْيانِهِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ نِسْيانِ المُسافِرِ زادَهُ في المَنزِلِ، وأنَّ ما شاهَدَهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الأحْوالِ المُتَعَلِّقَةِ بِالغَداءِ مِن حَيْثُ هو غَداءٌ وطَعامٌ بَلْ مِن حَيْثُ هو حُوتٌ كَسائِرِ الحِيتانِ مَعَ زِيادَةٍ، أيْ: نَسِيتُ أنْ أذْكُرَ لَكَ أمْرَهُ وما شاهَدْتُ مِنهُ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ.
﴿وَما أنْسانِيهُ إلا الشَّيْطانُ﴾ بِوَسْوَسَتِهِ الشّاغِلَةِ عَنْ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أذْكُرَهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ: ما أنْسانِي أنْ أذْكُرَهُ لَكَ. وفي تَعْلِيقِ الإنْساءِ بِضَمِيرِ الحُوتِ أوَّلًا، وبِذِكْرِهِ لَهُ ثانِيًا، عَلى طَرِيقِ الإبْدالِ المُنْبِئِ عَنْ تَنْحِيَةِ المُبْدَلِ مِنهُ إشارَةٌ إلى أنَّ مُتَعَلِّقَ النِّسْيانِ أيْضًا لَيْسَ نَفْسَ الحُوتِ بَلْ ذِكْرُ أمْرِهِ. وقُرِئَ: (أنْ أذْكُرَهُ). وإيثارُ أنْ أذْكُرَهُ عَلى المَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، فَإنَّ مَدْلُولَهُ نَفْسُ الحَدَثِ عِنْدَ وُقُوعِهِ، والحالُ وإنْ كانَتْ غَرِيبَةً لا يُعْهَدُ نِسْيانُها لَكِنَّهُ لِما تَعَوَّدَ بِمُشاهَدَةِ أمْثالِها عِنْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وألِفَها قَلَّ اهْتِمامُهُ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها.
﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ بَيانٌ لِطَرَفٍ مِن أمْرِ الحُوتِ مُنْبِئٍ عَنْ طَرَفٍ آخَرَ مِنهُ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاعْتِناءِ بِالِاعْتِذارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَيِيَ واضْطَرَبَ، ووَقَعَ في البَحْرِ، واتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِيهِ سَبِيلًا عَجَبًا. فَـ "عَجَبًا" ثانِي مَفْعُولَيِ اتَّخَذَ، والظَّرْفُ حالٌ مِن أوَّلِهِما، أوْ ثانِيهِما. أوْ هو المَفْعُولُ الثّانِي و "عَجَبًا" صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اتِّخاذًا عَجَبًا وهو كَوْنُ مَسْلَكِهِ كالطّاقِ والسَّرَبِ، أوْ مَصْدَرُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أتَعَجَّبُ مِنهُ عَجَبًا. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَيْسَ بِذاكَ.
الكهف 18:64
﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن أمْرِ الحُوتِ.
﴿ما كُنّا (p-234)نَبْغِ﴾ وقُرِئَ: بِإثْباتِ الياءِ. والضَّمِيرُ العائِدُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ أصْلُهُ نَبْغِيهِ، أيْ: نَطْلُبُهُ لِكَوْنِهِ أمارَةً لِلْفَوْزِ بِالمَرامِ ﴿فارْتَدّا﴾ أيْ: رَجَعا ﴿عَلى آثارِهِما﴾ طَرِيقِهِما الَّذِي جاءا مِنهُ ﴿قَصَصًا﴾ يَقُصّانِ قَصَصًا، أيْ: يَتَّبِعانِ آثارَهُما اتِّباعًا، أوْ مُقْتَصِّينَ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ.
الكهف 18:65
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ التَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الخَضِرُ، واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مَلْكانَ، وقِيلَ: اليَسَعُ، وقِيلَ: إلْياسُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ هي الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ كَما يُشْعِرُ بِهِ تَنْكِيرُ الرَّحْمَةِ، واخْتِصاصُها بِجَنابِ الكِبْرِياءِ.
﴿وَعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ خاصًّا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ، ولا يُقادَرُ قَدْرُهُ وهو عِلْمُ الغُيُوبِ.
الكهف 18:66
﴿قالَ لَهُ مُوسى﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ السِّباقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا جَرى بَيْنَهُما مِنَ الكَلامِ؟ فَقِيلَ: قالَ لَهُ: مُوسى.
﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ اسْتِئْذانًا مِنهُ في اتِّباعِهِ لَهُ عَلى وجْهِ التَّعَلُّمِ.
﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ أرْشُدُ بِهِ في دِينِي. والرُّشْدُ: إصابَةُ الخَيْرِ. وقُرِئَ: بِفَتْحَتَيْنِ، وهو مَفْعُولُ تُعَلِّمَنِ، ومَفْعُولُ عُلِّمْتَ مَحْذُوفٌ، وكِلاهُما مَنقُولٌ مِن عَلِمَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِأتَّبِعُكَ، أوْ مَصْدَرًا بِإضْمارِ فِعْلِهِ، ولا يُنافِي نُبُوَّتَهُ، وكَوْنَهُ صاحِبَ شَرِيعَةٍ أنْ يَتَعَلَّمَ مِن نَبِيٍّ آخَرَ ما لا تَعَلُّقَ لَهُ بِأحْكامِ شَرِيعَتِهِ مِن أسْرارِ العُلُومِ الخَفِيَّةِ، ولَقَدْ راعى في سَوْقِ الكَلامِ غايَةَ التَّواضُعِ مَعَهُ عَلَيْهِما السَّلامُ.
الكهف 18:67
﴿قالَ﴾ أيِ: الخَضِرُ ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ الصَّبْرِ مَعَهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ كَأنَّهُ مِمّا لا يَصِحُّ، ولا يَسْتَقِيمُ وعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ:
الكهف 18:68
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ إيذانًا بِأنَّهُ يَتَوَلّى أُمُورًا خَفِيَّةَ المَدارِ مُنْكَرَةَ الظَّواهِرِ، والرَّجُلُ الصّالِحُ لا سِيَّما صاحِبَ الشَّرِيعَةِ لا يَتَمالَكُ أنْ يَشْمَئِزَّ عِنْدَ مُشاهَدَتِها، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ «قالَ الخَضِرُ: يا مُوسى، إنِّي عَلى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ» . وخُبْرًا تَمْيِيزٌ، أيْ: لَمْ يَحُطْ بِهِ خَبَرُكَ.
الكهف 18:69
﴿قالَ﴾ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ مَعَكَ غَيْرَ مُعْتَرِضٍ عَلَيْكَ. وتَوْسِيطُ الِاسْتِثْناءِ بَيْنَ مَفْعُولَيِ الوُجْدانِ لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِالتَّيَمُّنِ، ولِئَلّا يُتَوَهَّمَ تَعَلُّقُهُ بِالصَّبْرِ.
﴿وَلا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى صابِرًا، أيْ: سَتَجِدُنِي صابِرًا وغَيْرَ عاصٍ، وفي وعْدِ هَذا الوُجْدانِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في الوَعْدِ بِنَفْسِ الصَّبْرِ، وتَرْكِ العِصْيانِ. أوْ عَلى سَتَجِدُنِي فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والأوَّلُ هو الأوْلى لِما عَرَفْتَهُ، ولِظُهُورِ تَعَلُّقِهِ بِالِاسْتِثْناءِ حِينَئِذٍ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
الكهف 18:70
(p-235)﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ أذِنَ لَهُ في الِاتِّباعِ بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي والفاءُ لِتَفْرِيعِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى ما مَرَّ مِنِ التِزامِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلصَّبْرِ والطّاعَةِ.
﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي، أيْ: لا تُفاتِحْنِي بِالسُّؤالِ عَنْ حِكْمَتِهِ فَضْلًا عَنِ المُناقَشَةِ والِاعْتِراضِ.
﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أبْتَدِئَ بِبَيانِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ كُلَّ ما صَدَرَ عَنْهُ فَلَهُ حِكْمَةٌ، وغايَةٌ حَمِيدَةٌ البَتَّةَ. وهَذا مِن أدَبِ المُتَعَلِّمِ مِنَ العالِمِ، والتّابِعِ مَعَ المَتْبُوعِ. وقُرِئَ: (فَلا تَسْألَنِّي) بِالنُّونِ المُثَقَّلَةِ.
الكهف 18:71
﴿فانْطَلَقا﴾ أيْ: مُوسى والخَضِرُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى السّاحِلِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، وأمّا يُوشَعُ فَقَدْ صَرَفَهُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، قِيلَ: إنَّهُما مَرّا بِسَفِينَةٍ فَكَلَّما أهْلَها فَعَرَفُوا الخَضِرَ، فَحَمَلُوهُما بِغَيْرِ نَوْلٍ.
﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ﴾ اسْتِعْمالُ الرُّكُوبِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ بِكَلِمَةِ في مَعَ تَجْرِيدِهِ عَنْها في مِثْلِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ عَلى ما يَقْتَضِيهِ تَعْدِيَتُهُ بِنَفْسِهِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ لا لِما قِيلَ مِن أنَّ في رُكُوبِها مَعْنى الدُّخُولِ.
﴿خَرَقَها﴾ قِيلَ: خَرَقَها بَعْدَ ما لَجَجُوا حَيْثُ أخَذَ فَأْسًا فَقَلَعَ مِن ألْواحِها لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَ﴾ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ . مِنَ الإغْراقِ. وقُرِئَ: بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّغْرِيقِ، ولِيَغْرَقَ أهْلُها مِنَ الثُّلاثِيِّ.
﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾ أتَيْتَ وفَعَلْتَ.
﴿شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: عَظِيمًا هائِلًا مِن أمِرَ الأمْرُ إذا عَظُمَ، قِيلَ: الأصْلُ أمِرًا فَخُفِّفَ.
الكهف 18:72
﴿قالَ﴾ أيِ: الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ تَذْكِيرٌ لِما قالَهُ مِن قَبْلُ، وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلْإنْكارِ عَلى عَدَمِ الوَفاءِ بِوَعْدِهِ.
الكهف 18:73
﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ بِنِسْيانِي أوْ بِالَّذِي نَسِيتُهُ أوْ بِشَيْءٍ نَسِيتُهُ، وهو وصِيَّتُهُ بِأنْ لا يَسْألَهُ عَنْ حِكْمَةِ ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الأفْعالِ الخَفِيَّةِ الأسْبابِ قَبْلَ بَيانِهِ أرادَ أنَّهُ نَسِيَ وصِيَّتَهُ، ولا مُؤاخَذَةَ عَلى النّاسِي كَما ورَدَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن أنَّ الأوَّلَ كانَ مِن مُوسى نِسْيانًا، أوْ أخْرَجَ الكَلامَ في مَعْرِضِ النَّهْيِ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِالنِّسْيانِ يُوهِمُهُ أنَّهُ قَدْ نَسِيَ لِيَبْسُطَ عُذْرَهُ في الإنْكارِ، وهو مَن مَعارِيضِ الكَلامِ الَّتِي يُتَّقى بِها الكَذِبُ مَعَ التَّوَصُّلِ إلى الغَرَضِ، أوْ أرادَ بِالنِّسْيانِ التَّرْكَ، أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتُ مِن وصِيَّتِكَ أوَّلَ مَرَّةٍ.
﴿وَلا تُرْهِقْنِي﴾ أيْ: لا تُغَشِّنِي ولا تُحَمِّلْنِي.
﴿مِن أمْرِي﴾ وهو اتِّباعُهُ إيّاهُ.
﴿عُسْرًا﴾ أيْ: لا تُعَسِّرْ عَلَيَّ مُتابَعَتَكَ، ويَسِّرْها عَلَيَّ بِالإغْضاءِ، وتَرْكِ المُناقَشَةِ. وقُرِئَ: (عُسُرًا) بِضَمَّتَيْنِ.
الكهف 18:74
﴿فانْطَلَقا﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَقَبِلَ عُذْرَهُ فَخَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فانْطَلَقا.
﴿حَتّى (p-236)إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ قِيلَ: كانَ الغُلامُ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ، فَقَتَلَ عُنُقَهُ، وقِيلَ: ضَرَبَ بِرَأْسِهِ الحائِطَ، وقِيلَ: أضْجَعَهُ فَذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ.
﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ طاهِرَةً مِنَ الذُّنُوبِ، وقُرِئَ: (زاكِيَةً) ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ، وتَخْصِيصُ نَفْيِ هَذا المُبِيحِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ المُبِيحاتِ مِنَ الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، لِأنَّهُ الأقْرَبُ إلى الوُقُوعِ نَظَرًا إلى حالِ الغُلامِ، ولَعَلَّ تَغْيِيرَ النَّظْمِ الكَرِيمِ بِجَعْلِ ما صَدَرَ عَنِ الخَضِرِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَهُنا مِن جُمْلَةِ الشَّرْطِ، وإبْرازِ ما صَدَرَ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَعْرِضِ الجَزاءِ المَقْصُودِ إفادَتُهُ مَعَ أنَّ الحَقِيقَ بِذَلِكَ، إنَّما هو ما صَدَرَ عَنِ الخَضِرِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الخَوارِقِ البَدِيعَةِ، لِاسْتِشْرافِ النَّفْسِ إلى وُرُودِ خَبَرِها لِقِلَّةِ وُقُوعِها في نَفْسِ الأمْرِ، ونُدْرَةِ وُصُولِ خَبَرِها إلى الأذْهانِ، ولِذَلِكَ رُوعِيَتْ تِلْكَ النُّكْتَةُ في الشَّرْطِيَّةِ الأُولى لِما أنَّ صُدُورَ الخَوارِقِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ بِوُقُوعِهِ مَرَّةً مَخْرَجَ العادَةِ، فانْصَرَفَتِ النَّفْسُ عَنْ تَرَقُّبِهِ إلى تَرَقُّبِ أحْوالِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. هَلْ يُحافِظُ عَلى مُراعاةِ شَرْطِهِ بِمُوجِبِ وعْدِهِ الأكِيدِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ خارِقٍ آخَرَ، أوْ يُسارِعُ إلى المُناقَشَةِ؟ كَما مَرَّ في المَرَّةِ الأُولى فَكانَ المَقْصُودُ: إفادَةَ ما صَدَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَفَعَلَ ما فَعَلَ. ولِلَّهِ دُرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ القَتْلَ أقْبَحُ، والِاعْتِراضَ عَلَيْهِ أدْخَلُ فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُجْعَلَ عُمْدَةً في الكَلامِ فَلَيْسَ مِن دَفْعِ الشُّبْهَةِ في شَيْءٍ بَلْ هو مُؤَيِّدٌ لَها، فَإنَّ كَوْنَ القَتْلِ أقْبَحَ مِن مَبادِئِ قِلَّةِ صُدُورِهِ عَنِ المُؤْمِنِ العاقِلِ، ونُدْرَةِ وُصُولِ خَبَرِهِ إلى الأسْماعِ، وذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي جَعْلَهُ مَقْصُودًا بِالذّاتِ. وكَوْنُ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ أدْخَلَ مِن مُوجِباتِ كَثْرَةِ صُدُورِهِ عَنْ كُلِّ عاقِلٍ، وذَلِكَ مِمّا لا يَقْتَضِي جَعْلُهُ كَذَلِكَ.
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قِيلَ: مَعْناهُ أنْكَرُ مِنَ الأوَّلِ إذْ لا يُمْكِنُ تَدارُكُهُ كَما يُمْكِنُ تَدارُكُ الأوَّلِ بِالسَّدِّ، ونَحْوِهِ. وقِيلَ الأمْرُ أعْظَمُ مِنَ النُّكْرَةِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ.
الكهف 18:75
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زِيدَ لَكَ لِزِيادَةِ المُكافَحَةِ بِالعِتابِ عَلى رَفْضِ الوَصِيَّةِ، وقِلَّةِ التَّثَبُّتِ والصَّبْرِ لَمّا تَكَرَّرَ مِنهُ الِاشْمِئْزازُ والِاسْتِنْكارُ، ولَمْ يَرْعَوِ بِالتَّذْكِيرِ حَتّى زادَ في النَّكِيرِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ.
الكهف 18:76
﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ . وقُرِئَ مِنَ الإفْعالِ، أيْ: لا تَجْعَلْنِي صاحِبَكَ.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أيْ: قَدْ أعْذَرْتَ، ووَجَدْتَ مِن قِبَلِي عُذْرًا حَيْثُ خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ أخِي مُوسى اسْتَحْيا فَقالَ ذَلِكَ، لَوْ لَبِثَ مَعَ صاحِبِهِ لَأبْصَرَ أعْجَبَ الأعاجِيبِ» . وقُرِئَ: (لَدُنِي) بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقُرِئَ: بِسُكُونِ الدّالِ كَعَضْدٍ في عَضُدٍ.
الكهف 18:77
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا (p-237)أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ هي أنْطاكِيَةُ، وقِيلَ: أيْلَةُ، وهي أبْعَدُ أرْضِ اللَّهِ مِنَ السَّماءِ، وقِيلَ: هي بَرْقَةُ، وقِيلَ: بَلْدَةٌ بِأنْدَلُسَ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا. وقِيلَ: شَرُّ القُرى الَّتِي لا يُضافُ فِيها الضَّيْفُ، ولا يُعْرَفُ لِابْنِ السَّبِيلِ حَقُّهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، ولَعَلَّ العُدُولَ عَنِ اسْتَطْعامِهِمْ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِأهْلٍ لِزِيادَةِ تَشْنِيعِهِمْ عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ، فَإنَّ الإباءَ مِنَ الضِّيافَةِ، وهم أهْلُها قاطِنُونَ بِها أقْبَحُ، وأشْنَعُ، رُوِيَ أنَّهُما طافا في القَرْيَةِ، فاسْتَطْعَماهم فَلَمْ يُطْعِمُوهُما، واسْتَضافاهم ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ . بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإضافَةِ. يُقالُ" ضافَهُ إذا كانَ لَهُ ضَيْفًا، وأضافَهُ وضَيَّفَهُ أنْزَلَهُ وجَعَلَهُ ضَيْفًا لَهُ، وحَقِيقَةُ ضافَ مالَ إلَيْهِ مِن ضافَ السَّهْمُ عَنِ الغَرَضِ، ونَظِيرُهُ زارَهُ مِنَ الِازْوِرارِ.
﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ أيْ: يُدانِي أنْ يَسْقُطَ فاسْتُعِيرَتِ الإرادَةُ لِلْمُشارَفَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ في ذَلِكَ، والِانْقِضاضُ الإسْراعُ في السُّقُوطِ، وهو انْفِعالٌ مِنَ القَضِّ. يُقالُ: قَضَضْتُهُ فانْقَضَّ، ومِنهُ انْقِضاضُ الطَّيْرِ والكَوْكَبِ لِسُقُوطِهِ بِسُرْعَةٍ. وقِيلَ: هو افْعِلالٌ مِنَ النَّقْضِ كاحْمَرَّ مِنَ الحُمْرَةِ، وقُرِئَ: أنْ يَنْقَضَ مِنَ النَّقْضِ، وأنْ يَنْقاضَ مِنِ انْقاضَتِ السِّنُّ إذا انْشَقَّتْ طُولًا.
﴿فَأقامَهُ﴾ قِيلَ: مَسَحَهُ بِيَدِهِ فَقامَ، وقِيلَ: نَقَضَهُ وبَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ عَمَدَهُ بِهِ، قِيلَ: كانَ سُمْكُهُ مِائَةَ ذِراعٍ.
﴿قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ تَحْرِيضًا لَهُ عَلى أخْذِ الجُعْلِ لِيَنْتَعِشا بِهِ، أوْ تَعْرِيضًا بِأنَّهُ فُضُولٌ لِما في لَوْ مِنَ النَّفْيِ، كَأنَّهُ لَمّا رَأى الحِرْمانَ، ومِساسَ الحاجَةِ، واشْتِغالَهُ بِما لا يَعْنِيهِ لَمْ يَتَمالَكِ الصَّبْرَ، واتَّخَذَ افْتَعَلَ مَن تَخِذَ بِمَعْنى أخَذَ، كاتَّبَعَ مِن تَبِعَ، ولَيْسَ مِنَ الأخْذِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ. وقُرِئَ: (لَتَخِذْتَ) أيْ: لَأخَذْتَ. وقُرِئَ: بِإدْغامِ الذّالِ في التّاءِ.
الكهف 18:78
﴿قالَ﴾ أيِ: الخَضِرُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا، وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ. والمُشارُ إلَيْهِ إمّا نَفْسُ الفِراقِ كَما في هَذا أخُوكَ، أوِ الوَقْتُ الحاضِرُ، أيْ: هَذا الوَقْتُ وقْتُ فِراقٍ بَيْنِي وبَيْنَكَ، أوِ السُّؤالُ الثّالِثُ، أيْ: هَذا سَبَبُ ذَلِكَ الفِراقِ حَسْبَما هو المَوْعُودُ.
﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ السِّينُ لِلتَّأْكِيدِ لِعَدَمِ تَراخِي التَّنْبِئَةِ.
﴿بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ التَّأْوِيلُ رَجْعُ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ، والمُرادُ بِهِ هَهُنا: المَآلُ، والعاقِبَةُ إذْ هو المُنَبَّأُ بِهِ دُونَ التَّأْوِيلِ، وهو خَلاصُ السَّفِينَةِ مِنَ اليَدِ العادِيَةِ، وخَلاصُ أبَوَيِ الغُلامِ مِن شَرَّهِ مَعَ الفَوْزِ بِالبَدَلِ الأحْسَنِ، واسْتِخْراجُ اليَتِيمَيْنِ لِلْكَنْزِ، وفي جَعْلِ صِلَةِ المَوْصُولِ عَدَمَ اسْتِطاعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلصَّبْرِ دُونَ أنْ يُقالَ: بِتَأْوِيلِ ما فَعَلْتُ، أوْ بِتَأْوِيلِ ما رَأيْتَ ونَحْوِهِما. نَوْعُ تَعْرِيضٍ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعِتابٍ.
الكهف 18:79
﴿أمّا السَّفِينَةُ﴾ الَّتِي خَرَقْتُها ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى مُدافَعَةِ الظَّلَمَةِ، وقِيلَ: كانَتْ لِعَشَرَةِ إخْوَةٍ خَمْسَةٍ مِنهم زَمْنى، وخَمْسَةٍ ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾، وإسْنادُ العَمَلِ إلى الكُلِّ حِينَئِذٍ إنَّما هو بِطْرِيقِ التَّغْلِيبِ، أوْ لِأنَّ عَمَلَ الوُكَلاءِ بِمَنزِلَةِ عَمَلِ المُوَكِّلِينَ.
﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ: أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ.
﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ أيْ: أمامَهُمْ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ أوْ (خَلْفَهُمْ)، وكانَ رُجُوعُهم (p-238)عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، واسْمُهُ جُلَنْدى بْنُ كُرْكُرَ، وقِيلَ: مِنوَلَةُ بْنُ جُلَنْدى الأزْدِيُّ.
﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ أيْ: صالِحَةٍ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ.
﴿غَصْبًا﴾ مِن أصْحابِها، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ الأخْذِ، ولَعَلَّ تَفْرِيعَ إرادَةِ تَعْيِيبِ السَّفِينَةِ عَلى مَسْكَنَةِ أصْحابِها قَبْلَ بَيانِ خَوْفِ الغَصْبِ مَعَ أنَّ مَدارَها كِلا الأمْرَيْنِ، لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِها إذْ هي المُحْتاجَةُ إلى التَّأْوِيلِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ الأقْوى في المَدارِيَّةِ هو الأمْرُ الأوَّلُ. ولِذَلِكَ لا يُبالِي بِتَخْلِيصِ سُفُنِ سائِرِ النّاسِ مَعَ تَحَقُّقِ خَوْفِ الغَصْبِ في حَقِّهِمْ أيْضًا، ولِأنَّ في التَّأْخِيرِ فَصْلًا بَيْنَ السَّفِينَةِ، وضَمِيرِها مَعَ تَوَهُّمِ رُجُوعِهِ إلى الأقْرَبِ.
الكهف 18:80
﴿وَأمّا الغُلامُ﴾ الَّذِي قَتَلْتُهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ لَمْ يُصَرِّحْ بِكُفْرانِهِ، أوْ بِكُفْرِهِ؛ إشْعارًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى الذِّكْرِ لِظُهُورِهِ.
﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ فَخِفْنا أنْ يَغْشى الوالِدَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ ﴿طُغْيانًا﴾ عَلَيْهِما، ﴿وَكُفْرًا﴾ لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ، وسُوءِ صَنِيعِهِ، ويُلْحِقَ بِهِما شَرًّا وبَلاءً. أوْ يُقْرِنَ بِإيمانِهِما طُغْيانَهُ وكُفْرَهُ، فَيَجْتَمِعُ في بَيْتٍ واحِدٍ مُؤْمِنانِ وطاغٍ كافِرٌ. أوْ يُعْدِيَهِما بِدائِهِ، ويُضِلَّهُما بِضَلالِهِ فَيَرْتَدّا بِسَبَبِهِ. وإنَّما خَشِيَ الخَضِرُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أعْلَمَهُ بِحالِهِ، وأطْلَعَهُ عَلى سِرِّ أمْرِهِ. وقُرِئَ: (فَخافَ رَبُّكَ) أيْ: كَرِهَ سُبْحانَهُ كَراهَةَ مَن خافَ سُوءَ عاقِبَةِ الأمْرِ فَغَيَّرَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ عَلى الحِكايَةِ بِمَعْنى: فَكَرِهْنا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأهَبَ لَكِ﴾ .
الكهف 18:81
﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا﴾ مِنهُ بِأنْ يَرْزُقَهُما بَدَلَهُ ولَدًا خَيْرًا ﴿مِنهُ﴾، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية، والإضافَةِ إلَيْهِما ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِما ﴿زَكاةً﴾ طَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ، والأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ.
﴿وَأقْرَبَ رُحْمًا﴾ أيْ: رَحْمَةً وعَطْفًا، قِيلَ: وُلِدَتْ لَهُما جارِيَةٌ تَزَوَّجَها نَبِيٌّ، فَوَلَدَتْ نَبِيًّا هَدى اللَّهُ تَعالى عَلى يَدَيْهِ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وقِيلَ: ولَدَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وقِيلَ: أبْدَلَهُما ابْنًا مُؤْمِنًا مِثْلَهُما. وقُرِئَ: (يُبَدِّلُهُما) بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ: (رُحُمًا) بِضَمِّ الحاءِ أيْضًا، وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ مِثْلِ زَكاةً.
الكهف 18:82
﴿وَأمّا الجِدارُ﴾ المَعْهُودُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ فِيما سَبَقَ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْها بِالمَدِينَةِ لِإظْهارِ نَوْعِ اعْتِدادٍ بِها بِاعْتِدادِ ما فِيها مِنَ اليَتِيمَيْنِ، وأبِيهِما الصّالِحِ قِيلَ: اسْماهُما أصْرَمُ وصَرِيمٌ، واسْمُ المَقْتُولِ جَيْسُورُ.
﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ مِن فِضَّةٍ وذَهَبٍ كَما رُوِيَ مَرْفُوعًا. والذَّمُّ عَلى كَنْزِهِما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ لِمَن لا يُؤَدِّي زَكاتَهُما، وسائِرَ حُقُوقِهِما، وقِيلَ: كانَ لَوْحًا مَن ذَهَبٍ مَكْتُوبًا فِيهِ عَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالقَدَرِ، كَيْفَ يَحْزَنُ؟! وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالرِّزْقِ، كَيْفَ يَتْعَبُ؟! وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالمَوْتِ، كَيْفَ يَفْرَحُ؟! وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالحِسابِ، كَيْفَ يَغْفُلُ؟! وعَجِبْتُ لِمَن يَعْرِفُ الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها، كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إلَيْها؟! لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وقِيلَ: (p-239)صُحُفٌ فِيها عِلْمٌ ﴿وَكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ سَعْيَهُ في ذَلِكَ كانَ لِصَلاحِهِ، قِيلَ: كانَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الأبِ الَّذِي حُفِظا فِيهِ سَبْعَةُ آباءٍ.
﴿فَأرادَ رَبُّكَ﴾ أيْ: مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أُمُورِكَ، فَفي إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ ضَمِيرِهِما تَنْبِيهٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تَحَتُّمِ كَمالِ الِانْقِيادِ والِاسْتِسْلامِ، لِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ، ووُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنِ المُناقَشَةِ فِيما وقَعَ بِحَسَبِها مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ.
﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: حُلْمَهُما، وكَمالَ رَأْيِهِما ﴿وَيَسْتَخْرِجا﴾ بِالكُلِّيَّةِ ﴿كَنْزَهُما﴾ مِن تَحْتِ الجِدارِ، ولَوْلا أنِّي أقَمْتُهُ لانْقَضَّ، وخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ قَبْلَ اقْتِدارِهِما عَلى حِفْظِ المالِ وتَنْمِيَتِهِ وضاعَ.
﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، أيْ: مَرْحُومَيْنِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِأرادَ فَإنَّ إرادَةَ الخَيْرِ رَحْمَةٌ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ، أيْ: فَعَلْتُ ما فَعَلْتُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي شاهَدْتَها رَحْمَةً مِن رَبِّكَ، ويُعَضِّدُهُ إضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ دُونَ ضَمِيرِهِما فَيَكُونُ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنْ رَأْيِي واجْتِهادِي تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَواقِبِ المَنظُومَةِ في سِلْكِ البَيانِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِها في الفَخامَةِ.
﴿تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ﴾ أيْ: لَمْ تَسْتَطِعْ. فَحَذْفُ التّاءِ لِلتَّخْفِيفِ.
﴿عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي رابَتْهُ، أيْ: مَآلُهُ، وعاقِبَتُهُ. فَيَكُونُ إنْجازًا لِلتَّنْبِئَةِ المَوْعُودَةِ، أوْ إلى البَيانِ نَفْسِهِ. فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ بِمَعْناهُ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَهو فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ، وفي جَعْلِ الصِّلَةِ عَيْنَ ما مَرَّ تَكْرِيرٌ لِلتَّنْكِيرِ وتَشْدِيدٌ لِلْعِتابِ.
تَنْبِيهٌ: اخْتَلَفُوا في حَياةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقِيلَ: إنَّهُ حَيٌّ، وسَبَبُهُ أنَّهُ كانَ عَلى مُقَدِّمَةِ ذِي القَرْنَيْنِ، فَلَمّا دَخَلَ الظُّلُماتِ أصابَ الخَضِرُ عَيْنَ الحَياةِ، فَنَزَلَ واغْتَسَلَ مِنها، وشَرِبَ مِن مائِها، وأخْطَأ ذُو القَرْنَيْنِ الطَّرِيقَ فَعادَ. قالُوا: وإلْياسُ أيْضًا في الحَياةِ يَلْتَقِيانِ كُلَّ سَنَةٍ بِالمَوْسِمِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَيِّتٌ لِما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى العِشاءَ ذاتَ لَيْلَةٍ ثُمَّ قالَ: أرَأيْتَكم لَيْلَتَكم هَذِهِ فَإنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنها لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ، ولَوْ كانَ الخَضِرُ حِينَئِذٍ حَيًّا لَما عاشَ بَعْدَ مِائَةِ عامٍ» . رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أرادَ أنْ يُفارِقَهُ قالَ: أوْصِنِي. قالَ: لا تَطْلُبِ العِلْمَ لِتُحَدِّثَ بِهِ، واطْلُبْهُ لِتَعْمَلَ بِهِ.
الكهف 18:83
﴿وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ هُمُ: اليَهُودُ. سَألُوهُ عَلى وجْهِ الِامْتِحانِ، أوْ سَألَهُ قُرَيْشٌ بِتَلْقِينِهِمْ. وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ إلى وُرُودِ الجَوابِ، وهو ذُو القَرْنَيْنِ الأكْبَرُ، واسْمُهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فَيْلَفُوسَ اليُونانِيُّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مَرْدَبَهْ، مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ أسْوَدَ. وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ. وقِيلَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْنانَ بْنِ مَنصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الآزَرِ بْنِ عَوْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأِ بْنِ يُعْرِبَ بْنِ قَحْطانَ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: قِيلَ: إنَّ اسْمَهُ مَرْزُبانُ بْنُ مُدْرِكَةَ، ذَكَرَهُ ابْنُ هِشامٍ. وهو أوَّلُ التَّبابِعَةِ. وقِيلَ: إنَّهُ أفْرِيذُونُ بْنُ النُّعْمانِ الَّذِي قَتَلَ الضَّحّاكَ، وذَكَرَ أبُو الرَّيْحانِ البَيْرُوتِيُّ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالآثارِ الباقِيَةِ عَنِ القُرُونِ الخالِيَةِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو أبُو كَرِبٍ سُمِّيَ ابْنَ عَيْرِينَ بْنِ أفْرِيقِيسَ الحِمْيَرِيَّ، وأنَّ مُلْكَهُ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، وهو الَّذِي افْتَخَرَ بِهِ التُّبَّعُ اليَمانِيُّ حَيْثُ قالَ:
؎ قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ جَدِّي مُسْلِمًا مَلِكًا عَلا في الأرْضِ غَيْرَ مُفَنَّدِ
؎ بَلَغَ المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ أمْرٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدِ
وَجَعْلُ هَذا القَوْلِ أقْرَبَ؛ لِأنَّ الأذْواءَ كانُوا مِنَ اليَمَنِ كَذِي المَنارِ، وذِي نُواسٍ، وذِي النُّونِ، وذِي (p-240)رُعَيْنٍ، وذِي يَزَنٍ، وذِي جَدَنٍ. قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: والأوَّلُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ الجَلِيلُ، إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ. يُرْوى أنَّهُ لَمّا ماتَ أبُوهُ جَمَعَ مُلْكَ الرُّومِ بَعْدَ أنْ كانَ طَوائِفَ، ثُمَّ قَصَدَ مُلُوكَ العَرَبِ، وقَهَرَهُمْ، ثُمَّ أمْعَنَ حَتّى انْتَهى إلى البَحْرِ الأخْضَرِ، ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ فَبَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ وسَمّاها بِاسْمِهِ، ثُمَّ دَخَلَ الشّامَ وقَصَدَ بَنِي إسْرائِيلَ، ووَرَدَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وذَبَحَ في مَذْبَحِهِ، ثُمَّ انْعَطَفَ إلى أرْمِينِيَّةَ، وبابِ الأبْوابِ، ودانَ لَهُ العِراقِيُّونَ والقِبْطُ والبَرْبَرُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ دارِ ابْنِ دارا، وهَزَمَهُ مِرارًا إلى أنْ قَتَلَهُ صاحِبُ حَرَسِهِ، واسْتَوْلى عَلى مَمالِكِ الفُرْسِ، وقَصَدَ الهِنْدَ وفَتَحَهُ، وبَنى مَدِينَةَ سَرَنْدِيبَ وغَيْرَها مِنَ المُدُنِ العِظامِ، ثُمَّ قَصَدَ الصِّينَ وغَزا الأُمَمَ البَعِيدَةَ، ورَجَعَ إلى خُراسانَ، وبَنى بِها مَدائِنَ كَثِيرَةً، ورَجَعَ إلى العِراقِ، ومَرِضَ بِشَهْرَ زُورَ، وماتَ. انْتَهى كَلامُ الإمامِ. ورُوِيَ أنَّ أهْلَ النُّجُومِ قالُوا لَهُ: إنَّكَ لا تَمُوتُ إلّا عَلى أرْضٍ مِن حَدِيدٍ، وتَحْتَ سَماءٍ مِن خَشَبٍ، وكانَ يَدْفِنُ كَنْزَ كُلِّ بَلْدَةٍ فِيها، ويَكْتُبُ ذَلِكَ بِصِفَتِهِ ومَوْضِعِهِ فَبَلَغَ بابِلَ فَرَعَفَ، وسَقَطَ عَنْ دابَّتِهِ، فَبُسِطَتْ لَهُ دُرُوعٌ فَنامَ عَلَيْها فَآذَتْهُ الشَّمْسُ، فَأظَلُّوهُ بِتُرْسٍ، فَنَظَرَ فَقالَ: هَذِهِ أرْضٌ مِن حَدِيدٍ، وسَماءٌ مِن خَشَبٍ، فَأيْقَنَ بِالمَوْتِ فَماتَ، وهو ابْنُ ألْفٍ وسِتِّمِائَةِ سَنَةٍ. وقِيلَ: ثَلاثَةُ آلافِ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا غَرِيبٌ، وأغْرَبُ مِنهُ ما قالَهُ ابْنُ عَساكِرَ: مِن أنَّهُ بَلَغَنِي أنَّهُ عاشَ سِتًّا وثَلاثِينَ سَنَةً، أوْ ثِنْتَيْنِ وثَلاثِينَ سَنَةً، وأنَّهُ كانَ بَعْدَ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْطَبِقُ إلّا عَلى ذِي القَرْنَيْنِ الثّانِي، كَما سَنَذْكُرُهُ. قُلْتُ: وكَذا ما ذَكَرَهُ الإمامُ مِن قَصْدِ بَنِي إسْرائِيلَ، ووُرُودِ بَيْتِ المَقْدِسِ، والذَّبْحِ في مَذْبَحِهِ، فَإنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يَتَأتّى نِسْبَتُهُ إلى الأوَّلِ، واخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى إسْلامِهِ، ووِلايَتِهِ، فَقِيلَ: كانَ نَبِيًّا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ وظاهِرٌ أنَّهُ مُتَناوِلٌ لِلتَّمْكِينِ في الدِّينِ، وكَمالُهُ بِالنُّبُوَّةِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ ومِن جُمْلَةِ الأشْياءِ النُّبُوَّةُ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَ مَلَكًا لِما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِآخَرَ: يا ذا القَرْنَيْنِ. فَقالَ: اللَّهُمَّ غَفْرًا أمّا رَضِيتُمْ أنْ تَتَسَمَّوْا بِأسْماءِ الأنْبِياءِ، حَتّى تَسَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ المَلائِكَةِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ، والصَّحِيحُ: أنَّهُ ما كانَ نَبِيًّا، ولا مَلَكًا، وإنَّما كانَ مَلِكًا صالِحًا عادِلًا مَلَكَ الأقالِيمَ، وقَهَرَ أهْلَها مِنَ المُلُوكِ وغَيْرَهُمْ، ودانَتْ لَهُ البِلادُ، وأنَّهُ كانَ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى سائِرًا في الخَلْقِ بِالمَعْدِلَةِ التّامَّةِ، والسُّلْطانِ المُؤَيَّدِ المَنصُورِ، وكانَ الخَضِرُ عَلى مُقَدِّمَةِ جَيْشِهِ بِمَنزِلَةِ المُسْتَشارِ الَّذِي هو مِنَ المَلِكِ بِمَنزِلَةِ الوَزِيرِ، وقَدْ ذَكَرَ الأزْرَقِيُّ، وغَيْرُهُ، أنَّهُ أسْلَمَ عَلى يَدَيْ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَطافَ مَعَهُ بِالكَعْبَةِ هو وإسْماعِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ورُوِيَ أنَّهُ حَجَّ ماشِيًا فَلَمّا سَمِعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقُدُومِهِ تَلَقّاهُ ودَعا لَهُ، وأوْصاهُ بِوَصايا. ويُقالُ: إنَّهُ أُتِيَ بِفَرَسٍ لِيَرْكَبَ، فَقالَ: لا أرْكَبُ في بَلَدٍ فِيهِ الخَلِيلُ فَعِنْدَ ذَلِكَ سُخِّرَ لَهُ السَّحابُ، وطُوِيَ لَهُ الأسْبابُ، وبَشَّرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ، فَكانَتِ السَّحابُ تَحْمِلُهُ وعَساكِرَهُ وجَمِيعَ آلاتِهِمْ، إذا أرادُوا غَزْوَةَ قَوْمٍ. وقالَ أبُو الطُّفَيْلِ: سُئِلَ عَنْهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أكانَ نَبِيًّا، أمْ مَلَكًا؟ فَقالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلَكًا، لَكِنْ كانَ عَبْدًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ، وناصَحَ اللَّهَ فَناصَحَهُ، سُخِّرَ لَهُ السَّحابُ، ومُدَّ لَهُ الأسْبابُ. واخْتُلِفَ في وجْهِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ، فَقِيلَ: لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَيِ الشَّمْسِ مَشْرِقَها ومَغْرِبَها، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلِكَ الرُّومَ وفارِسَ، وقِيلَ: الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ في رَأْسِهِ أوْ في تاجِهِ ما يُشْبِهُ القَرْنَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لَهُ ذُؤابَتانِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَتْ صَفْحَتا رَأْسِهِ مِنَ النُّحاسِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَعا النّاسَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَضُرِبَ (p-241)بِقَرْنِهِ الأيْمَنِ فَماتَ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى فَضُرِبَ بِقَرْنِهِ الأيْسَرِ فَماتَ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: لِأنَّهُ رَأى في مَنامِهِ أنَّهُ صَعِدَ الفَلَكَ فَأُخِذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في عَهْدِهِ قَرْنانِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ سُخِّرَ لَهُ النُّورُ والظُّلْمَةُ فَإذا سَرى يَهْدِيهِ النُّورُ مِن أمامِهِ، وتَحُوطُهُ الظُّلْمَةُ مِن ورائِهِ، وقِيلَ: لُقِّبَ بِهِ لِشَجاعَتِهِ هَذا.
وَأمّا ذُو القَرْنَيْنِ الثّانِي فَقَدْ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فَيْلِيسَ بْنِ مِصْرِيمَ بْنِ هُرْمُسَ بْنِ مَيْطُونَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ لِيطى بْنِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُونَهْ بْنِ شَرْخُونَ بْنِ رُومِيَّةَ بْنِ ثُونَطَ بْنِ نُوفِيلَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ الأصْفَرِ بْنِ العَنْزِ بْنِ العِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَذا نَسَبَهُ ابْنُ عَساكِرَ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ المِصْرِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ الَّذِي يُؤَرِّخُ بِأيّامِهِ الرُّومُ، وكانَ مُتَأخِّرًا عَنِ الأوَّلِ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ كانَ هَذا قَبْلَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ وزِيرُهُ أرِسْطُو طالِيسَ الفَيْلَسُوفَ، وهو الَّذِي قَتَلَ دارا بْنَ دارا، وأذَلَّ مُلُوكَ الفُرْسِ، ووَطِئَ أرْضَهُمْ، ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإنَّما بَيَّنا هَذا لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القرآن العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ، وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا؟ والأوَّلُ: كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا وزِيرُهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وأمّا الثّانِي: فَقَدْ كانَ كافِرًا، وزِيرُهُ أرِسْطُوطالِيسَ الفَيْلَسُوفُ، وقَدْ كانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ؟ انْتَهى. قُلْتُ: المَقْدُونِيُّ نِسْبَةً إلى بَلَدٍ مِن بِلادِ الرُّومِ غَرْبِيَّ دارِ السَّلْطَنَةِ السُّنِّيَّةِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ المَحْمِيَّةَ لا زالَتْ مَشْحُونَةً بِالشَّعائِرِ الدِّينِيَّةِ بَيْنَهُما مِنَ المَسّافَةِ مَسِيرَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ عِنْدَ مَدِينَةِ سِيرُوزَ اسْمُها بِلُغَةِ اليُونانِيِّينَ مَقْدُونِيا، كانَتْ سَرِيرَ مُلْكِ هَذا الإسْكَنْدَرِ، وهي اليَوْمُ بَلْقَعٌ لا يُقِيمُ بِها أحَدٌ، ولَكِنْ فِيها عَلائِمُ تَحْكِي كَمالَ عِظَمِها في عَهْدِ عُمْرانِها، ونِهايَةِ شَوْكَةِ والِيها وسُلْطانِها، ولَقَدْ مَرَرْتُ بِها عِنْدَ القُفُولِ مِن بَعْضِ المَغازِي السُّلْطانِيَّةِ فَعايَنْتُ فِيها مِن تَعاجِيبِ الآثارِ ما فِيهِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأبْصارِ.
﴿قُلْ﴾ لَهم في الجَوابِ ﴿سَأتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: سَأذْكُرُ لَكم ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ ذِي القَرْنَيْنِ.
﴿ذِكْرًا﴾ أيْ: نَبَأً مَذْكُورًا، وحَيْثُ كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ حِكايَةً عَنْ جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قِيلَ: سَأتْلُو أوْ سَأتْلُو في شَأْنِهِ، مِن جِهَتِهِ تَعالى ذِكْرًا، أيْ: قُرْآنًا. والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ والدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ المُناسِبِ لِمَقامِ تَأْيِيدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَصْدِيقِهِ بِإنْجازِ وعْدِهِ، أيْ: لا أتْرُكُ التِّلاوَةَ البَتَّةَ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ أيادِيَ لَمْ تُمْنى وإنْ هي جَلَّتِ
لا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ التِّلاوَةَ سَتَقَعُ فِيما يَسْتَقْبِلُ، كَما قِيلَ. لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ما نَزَلَتْ بِانْفِرادِها قَبْلَ الوَحْيِ بِتَمامِ القِصَّةِ بَلْ مَوْصُولَةً بِما بَعْدَها، رَيْثَما سَألُوهُ ﷺ عَنْهُ، وعَنِ الرُّوحِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ. فَقالَ لَهم ﷺ: ائْتُونِي غَدًا أُخْبِرْكُمْ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ الوَحْيُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أوْ أرْبَعِينَ كَما ذُكِرَ فِيما سَلَفَ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
الكهف 18:84
﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ شُرُوعٌ في تِلاوَةِ الذِّكْرِ المَعْهُودِ حَسْبَما هو المَوْعُودُ. والتَّمْكِينُ هَهُنا الإقْدارُ، وتَمْهِيدُ الأسْبابِ. يُقالُ: مَكَّنَهُ، ومَكَّنَ لَهُ. ومَعْنى الأوَّلِ: جَعَلَهُ قادِرًا وقَوِيًّا. ومَعْنى الثّانِي: جَعَلَ لَهُ قُدْرَةً وقُوَّةً. ولِتَلازُمِهِما في الوُجُودِ، وتَقارُبِهِما في المَعْنى، يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما في مَحَلِّ الآخَرِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ أيْ: جَعَلْناهم (p-242)قادِرِينَ -مِن حَيْثُ القُوى والأسْبابُ والآلاتُ- عَلى أنْواعِ التَّصَرُّفاتِ فِيها ما لَمْ نَجْعَلْهُ لَكم مِنَ القُوَّةِ والسَّعَةِ في المالِ، والِاسْتِظْهارِ بِالعَدَدِ والأسْبابِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما لَمْ نُمَكِّنْكم فِيها، أيْ: ما لَمْ نَجْعَلْكم قادِرِينَ عَلى ذَلِكَ فِيها، أوْ مَكَّنّا لَهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ، وهَكَذا. إذا كانَ التَّمْكِينُ مَأْخُوذًا مِنَ المَكانِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ مِيمِهِ أصْلِيَّةً، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والمَعْنى: إنّا جَعَلْنا لَهُ مَكِنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ في الأرْضِ مِن حَيْثُ التَّدْبِيرُ، والرَّأْيُ، والأسْبابُ، حَيْثُ سُخِّرَ لَهُ السَّحابُ، ومُدَّ لَهُ في الأسْبابِ، وبُسِطَ لَهُ النُّورُ، وكانَ اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءً، وسُهِّلَ عَلَيْهِ السَّيْرُ في الأرْضِ، وذُلِّلَتْ لَهُ طُرُقُها.
﴿وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أرادَهُ مِن مُهِمّاتِ مُلْكِهِ، ومَقاصِدِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِسُلْطانِهِ.
﴿سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، وهو كُلُّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقْصُودِ مِن عِلْمٍ أوْ قُدْرَةٍ أوْ آلَةٍ.
الكهف 18:85
﴿فَأتْبَعَ﴾ بِالقَطْعِ، أيْ: فَأرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ فَأتْبَعَ ﴿سَبَبًا﴾ يُوصِلُهُ إلَيْهِ، ولَعَلَّ قَصْدَ بُلُوغِ المَغْرِبِ ابْتِداءً لِمُراعاةِ الحَرَكَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وقُرِئَ: (فاتَّبَعَ) مِنَ الِافْتِعالِ، والفَرْقُ أنَّ الأوَّلَ فِيهِ مَعْنى الإدْراكِ والإسْراعِ دُونَ الثّانِي.
الكهف 18:86
﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: مُنْتَهى الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ أحَدٌ مِن مُجاوَزَتِهِ، ووَقَفَ عَلى حافَةِ البَحْرِ المُحِيطِ الغَرْبِيِّ الَّذِي يُقالُ لَهُ: أُوقْيانُوسُ الَّذِي فِيهِ الجَزائِرُ المُسَمّاةُ بِالخالِداتِ، الَّتِي هي مَبْدَأُ الأطْوالِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ.
﴿وَجَدَها﴾ أيِ: الشَّمْسَ.
﴿تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أيْ: ذاتِ حَمْأةٍ. وهي الطِّينُ الأسْوَدُ مَن حَمِئَتِ البِئْرُ إذا كَثُرَتْ حَمْأتُها، وقُرِئَ: (حامِيَةٍ) أيْ: حارَّةٍ. رُوِيَ أنَّ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ: (حامِيَةٍ) وعِنْدَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَقالَ: (حَمِئَةٍ)، فَقالَ مُعاوِيَةُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: كَيْفَ تَقْرَأُ؟ قالَ: كَما يَقْرَأُ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ وجَّهَ إلى كَعْبِ الأحْبارِ كَيْفَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ؟ قالَ: في ماءٍ وطِينٍ، ورُوِيَ في ثَأْطٍ. فَوافَقَ قَوْلَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ولَيْسَ بَيْنَهُما مُنافاةٌ قَطْعِيَّةٌ؛ لِجَوازِ كَوْنِ العَيْنِ جامِعَةً بَيْنَ الوَصْفَيْنِ. وكَوْنِ الياءِ في الثّانِيَةِ مُنْقَلِبَةً عَنِ الهَمْزَةِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وأمّا رُجُوعُ مُعاوِيَةَ إلى قَوْلِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِما سَمِعَهُ مِن كَعْبٍ مَعَ أنَّ قِراءَتَهُ أيْضًا مَسْمُوعَةٌ قَطْعًا، فَلِكَوْنِ قِراءَةِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَطْعِيَّةً في مَدْلُولِها، وقِراءَتِهِ مُحْتَمَلَةً، ولَعَلَّهُ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ. إذْ لَيْسَ في مَطْمَحِ بَصَرِهِ غَيْرُ الماءِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ﴾ .
﴿وَوَجَدَ عِنْدَها﴾ عِنْدَ تِلْكَ العَيْنِ ﴿قَوْمًا﴾ . قِيلَ: كانَ لِباسُهم جُلُودَ الوُحُوشِ، وطَعامُهم ما لَفَظَهُ البَحْرُ، وكانُوا كُفّارًا. فَخَيَّرَهُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ، وأنْ يَدْعُوَهم إلى الإيمانِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، ﴿وَإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: أمْرًا ذا حُسْنٍ. عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ عَلى طَرِيقَةِ إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى مَوْصُوفِهِ مُبالَغَةً، وذَلِكَ بِالدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ، والإرْشادِ إلى الشَّرائِعِ، ومَحَلُّ أنْ مَعَ صِلَتِهِ إمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الخَبَرِيَّةِ، وإمّا النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ: إمّا تَعْذِيبُكَ واقِعٌ، أوْ إمّا أمْرُكَ تَعْذِيبُكَ، (p-243)أوْ إمّا تَفْعَلُ تَعْذِيبَكَ، وهَكَذا الحالُ في الِاتِّخاذِ، ومَن لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ قالَ: كانَ ذَلِكَ الخِطابُ بِواسِطَةِ نَبِيٍّ في ذَلِكَ العَصْرِ، أوْ كانَ ذَلِكَ إلْهامًا لا وحْيًا بَعْدَ أنْ كانَ ذَلِكَ التَّخْيِيرُ مُوافِقًا لِشَرِيعَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ.
الكهف 18:87
﴿قالَ﴾ أيْ: ذُو القَرْنَيْنِ. لِذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ لِمَن عِنْدَهُ مِن خَواصِّهِ بَعْدَ ما تَلَقّى أمْرَهُ تَعالى مُخْتارًا لِلشِّقِّ الأخِيرِ.
﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ أيْ: نَفْسَهُ. ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي، وأصَرَّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ العَظِيمِ الَّذِي هو الشِّرْكُ.
﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بِالقَتْلِ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ كانَ يَطْبُخُ مَن كَفَرَ في القُدُورِ، ومَن آمَنَ أعْطاهُ وكَساهُ.
﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ فِيها ﴿عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. وهو عَذابُ النّارِ، وفِيهِ دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى أنَّ الخِطابَ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلَيْهِ، وأنَّ مُقاوَلَتَهُ كانَتْ مَعَ النَّبِيِّ، أوْ مَعَ مَن عِنْدَهُ مِن أهْلِ مَشُورَتِهِ.
الكهف 18:88
﴿وَأمّا مَن آمَنَ﴾ بِمُوجِبِ دَعْوَتِي ﴿وَعَمِلَ﴾ عَمَلًا ﴿صالِحًا﴾ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ، ﴿فَلَهُ﴾ في الدّارَيْنِ ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ أيْ: فَلَهُ المَثُوبَةُ الحُسْنى، أوِ الفِعْلَةُ الحُسْنى، أوِ الجَنَّةُ. "جَزاءً" عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قُدِّمَ عَلى المُبْتَدَأِ اعْتِناءً بِهِ، أوْ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ، أيْ: نَجْزِي بِها جَزاءً، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، أوْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ، أوْ حالٌ، أيْ: مَجْزِيًّا بِها. أوْ تَمْيِيزٌ. وقُرِئَ: مَنصُوبًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ عَلى أنَّهُ سَقَطَ تَنْوِينُهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ومَرْفُوعًا مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ المُبْتَدَأُ. و "الحُسْنى" بَدَلُهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ. وقِيلَ: خُيِّرَ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، والجَوابُ مِن بابِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُما، وهم كُفّارٌ. فَقالَ: أمّا الكافِرُ فَيُراعى في حَقِّهِ قُوَّةُ الإسْلامِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُ إلّا بِما يَجِبُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إمّا وأمّا لِلتَّوْزِيعِ دُونَ التَّخْيِيرِ، أيْ: ولْيَكُنْ شَأْنُكَ مَعَهُمْ، إمّا التَّعْذِيبُ، وإمّا الإحْسانُ. فالأوَّلُ: لِمَن بَقِيَ عَلى حالِهِ. والثّانِي: لِمَن تابَ.
﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ ﴿يُسْرًا﴾ أيْ: سَهْلًا مُتَيَسِّرًا غَيْرَ شاقٍّ، وتَقْدِيرُهُ: ذا يُسْرٍ. أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً، وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ.
الكهف 18:89
﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا راجِعًا مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ مَوْصِلًا إلى مَشْرِقِها.
الكهف 18:90
﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ يَعْنِي المَوْضِعَ الَّذِي تَطَّلِعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورَةِ الأرْضِ، وقُرِئَ: بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: مَكانُ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإنَّهُ مَصْدَرٌ. قِيلَ: ﴿وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ مِنَ اللِّباسِ، والبِناءِ. قِيلَ: هُمُ الزَّنْجُ. وعَنْ كَعْبٍ أنَّ أرْضَهم لا تُمْسِكُ الأبْنِيَةَ، وبِها أسْرابٌ، فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ دَخَلُوا الأسْرابَ أوِ البَحْرَ، فَإذا ارْتَفَعَ النَّهارُ خَرَجُوا إلى مَعايِشِهِمْ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: خَرَجْتُ حَتّى جاوَزْتُ الصِّينَ، فَسَألَتْ عَنْ هَؤُلاءِ. فَقالُوا: بَيْنَكَ وبَيْنَهم مَسِيرَةُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَبَلَغْتُهم فَإذا أحَدُهم يَفْرُشُ أُذُنَهُ، ويَلْبَسُ الأُخْرى، ومَعِي صاحِبٌ يَعْرِفُ لِسانَهم. فَقالُوا لَهُ: جِئْتِنا تَنْظُرُ كَيْفَ (p-244)تَطْلُعُ الشَّمْسُ؟ قالَ: فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ سَمِعْنا كَهَيْئَةِ الصَّلْصَلَةِ، فَغُشِيَ عَلَيَّ، ثُمَّ أفَقْتُ، وهم يَمْسَحُونَنِي بِالدُّهْنِ فَلَمّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلى الماءِ إذا هو فَوْقَ الماءِ كَهَيْئَةِ الزَّيْتِ، فَأدْخَلُونا سَرَبًا لَهُمْ، فَلَمّا ارْتَفَعَ النَّهارُ خَرَجُوا إلى البَحْرِ يَصْطادُونَ السَّمَكَ، ويَطْرَحُونَهُ في الشَّمْسِ، فَيَنْضَجُ لَهم. وعَنْ مُجاهِدٍ: مَن لا يَلْبَسُ الثِّيابَ مِنَ السُّودانِ عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ أكْثَرُ مِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ.
الكهف 18:91
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ كَما وصَفْناهُ لَكَ في رِفْعَةِ المَحَلِّ، وبَسْطَةِ المُلْكِ. أوْ أمْرُهُ فِيهِمْ كَأمْرِهِ في أهْلِ المَغْرِبِ مِنَ التَّخْيِيرِ، والِاخْتِيارِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لِوَجَدَ أوْ نَجْعَلُ، أوْ صِفَةَ قَوْمٍ، أيْ: عَلى قَوْمٍ مِثْلِ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ في الكُفْرِ والحُكْمِ، أوْ سَتْرًا مِثْلَ: سَتْرِكم مِنَ اللِّباسِ، والأكْنانِ، والجِبالِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وَقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ﴾ مِنَ الأسْبابِ والعَدَدَ والعُدَدِ ﴿خُبْرًا﴾ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يُحِيطُ بِهِ إلّا عِلْمُ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، هَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ. وأمّا عَلى الوُجُوهِ الباقِيَةِ فالمُرادُ بِما لَدَيْهِ: ما يَتَناوَلُ ما جَرى عَلَيْهِ، وما صَدَرَ عَنْهُ وما لاقاهُ فَتَأمَّلْ.
الكهف 18:92
﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ آخِذًا مِنَ الجَنُوبِ إلى الشَّمالِ.
الكهف 18:93
﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ اللَّذْيَنِ سُدَّ ما بَيْنَهُما، وهو مُنْقَطَعُ أرْضِ التُّرْكِ مِمّا يَلِي المَشْرِقِ لا جَبَلا أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ كَما تُوُهِّمَ. وقُرِئَ: بِالضَّمِّ. قِيلَ: ما كانَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَضْمُومٌ، وما كانَ مِن عَمَلِ الخَلْقِ فَهو مَفْتُوحٌ. وانْتِصابُ بَيْنَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ لِأنَّهُ مَبْلُوغٌ. وهو مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ أسْماءً أيْضًا كَما ارْتَفَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ وانْجَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ .
﴿وَجَدَ مِن دُونِهِما﴾ أيْ: مِن ورائِهِما مُجاوِزًا عَنْهُما ﴿قَوْمًا﴾ أيْ: أُمَّةً مِنَ النّاسِ.
﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ لِغَرابَةِ لُغَتِهِمْ، وقِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ، وقُرِئَ: مِن بابِ الإفْعالِ، أيْ: لا يُفْهِمُونَ السّامِعَ كَلامَهم. واخْتَلَفُوا في أنَّهم مِن أيِّ الأقْوامِ. فَقالَ الضَّحّاكُ: هم جِيلٌ مِنَ التُّرْكِ، وقالَ السُّدِّيُّ: التُّرْكُ سُرِّيَّةٌ مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، خَرَجَتْ فَضَرَبَ ذُو القَرْنَيْنِ السَّدَّ، فَبَقِيَتْ خارِجَهُ، فَجَمِيعُ التُّرْكِ مِنهم. وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ اثْنَتانِ وعِشْرُونَ قَبِيلَةً سَدَّ ذُو القَرْنَيْنِ عَلى إحْدى وعِشْرِينَ قَبِيلَةً مِنهُمْ، وبَقِيَتْ واحِدَةٌ، فَسُمُّوا التُّرْكَ؛ لِأنَّهم تُرِكُوا خارِجِينَ. قالَ أهْلُ التّارِيخِ: أوْلادُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثَةٌ: سامٌ وحامٌ ويافِثُ. فَسامٌ: أبُو العَرَبِ والعَجَمِ والرُّومِ، وحامٌ: أبُو الحَبَشَةِ والزَّنْجِ والنُّوبَةِ، ويافِثُ: أبُو التُّرْكِ والخَزَرِ والصَّقالِبَةِ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
الكهف 18:94
﴿قالُوا﴾ أيْ: بِواسِطَةِ مُتَرْجِمِهِمْ، أوْ بِالذّاتِ عَلى أنْ يَكُونَ فَهْمُ (p-245)ذِي القَرْنَيْنِ كَلامَهُمْ، وإفْهامُ كَلامِهِ إيّاهم مِن جُمْلَةِ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأسْبابِ.
﴿يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُما مِن أوْلادِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: يَأْجُوجُ مِنَ التُّرْكِ ومَأْجُوجُ مِنَ الجِيلِ. واخْتُلِفَ في صِفاتِهِمْ. فَقِيلَ: في غايَةِ صِغَرِ الجُثَّةِ، وقِصَرِ القامَةِ لا يَزِيدُ قَدُّهم عَلى شِبْرٍ واحِدٍ. وقِيلَ: في نِهايَةِ عِظَمِ الجِسْمِ، وطُولِ القامَةِ تَبْلُغُ قُدُودُهم نَحْوَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ ذِراعًا، وفِيهِمْ مِن عَرْضُهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: لَهم مَخالِبُ، وأضْراسٌ كالسِّباعِ، وهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ بِدَلِيلِ مَنعِ الصَّرْفِ. وقِيلَ: عَرَبِيّانِ مِن أجَّ الظَّلِيمُ إذا أسْرَعَ، وأصْلُهُما الهَمْزَةُ كَما قَرَأ عاصِمٌ. وقَدْ قُرِئَ: بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، ومُنِعَ صَرْفُهُما لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ.
﴿مُفْسِدُونَ في الأرْض﴾ أيْ: في أرْضِنا بِالقَتْلِ، والتَّخْرِيبِ، وإتْلافِ الزُّرُوعِ. قِيلَ: كانُوا يَخْرُجُونَ أيّامَ الرَّبِيعِ فَلا يَتْرُكُونَ أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ، ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ، وقِيلَ: كانُوا يَأْكُلُونَ النّاسَ أيْضًا.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ أيْ: جُعْلًا مِن أمْوالِنا. و "الفاءُ" لِتَفْرِيعِ العَرْضِ عَلى إفْسادِهِمْ في الأرْضِ. وقُرِئَ: (خَراجًا) وكِلاهُما واحِدٌ كالنَّوْلِ والنَّوالِ. وقِيلَ: الخَراجُ ما عَلى الأرْضِ، والذِّمَّةِ، والخَرْجُ المَصْدَرُ. وقِيلَ: الخَرْجُ ما كانَ عَلى كُلِّ رَأْسٍ، والخَراجُ ما كانَ عَلى البَلَدِ. وقِيلَ: الخَرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ ما لَزِمَكَ أداؤُهُ.
﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ وقُرِئَ: بِالضَّمِّ.
الكهف 18:95
﴿قالَ ما مَكَّنِّي﴾ بِالإدْغامِ، وقُرِئَ: بِالفَكِّ، أيْ: ما مَكَّنَنِي.
﴿فِيهِ رَبِّي﴾ وجَعَلَنِي فِيهِ مَكِينًا قادِرًا مِنَ المُلْكِ، والمالِ، وسائِرِ الأسْبابِ.
﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: مِمّا تُرِيدُونَ أنْ تَبْذُلُوهُ إلَيَّ مِنَ الخَرْجِ فَلا حاجَةَ بِي إلَيْهِ.
﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أيْ: بِفَعَلَةٍ، وصُنّاعٍ يُحْسِنُونَ البِناءَ والعَمَلَ، وبِآلاتٍ لا بُدَّ مِنها في البِناءِ. و "الفاءُ" لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالإعانَةِ عَلى خَيْرِيَّةِ ما مَكَّنَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن مالِهِمْ، أوْ عَلى عَدَمِ قَبُولِ خَرْجِهِمْ.
﴿أجْعَلْ﴾ جَوابُ لِلْأمْرِ ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ﴾ تَقْدِيمُ إضافَةِ الظَّرْفِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ عَلى إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ؛ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَصالِحِهِمْ، كَما راعَوْهُ في قَوْلِهِمْ بَيْنَنا وبَيْنَهم.
﴿رَدْمًا﴾ أيْ: حاجِزًا حَصِينًا، وبَرْزَخًا مَتِينًا. وهو أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ، وأوْثَقُ. يُقالُ: ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ، أيْ: فِيهِ رِقاعٌ فَوْقَ رِقاعٍ، وهَذا إسْعافٌ بِمَرامِهِمْ فَوْقَ ما يَرْجُونَهُ.
الكهف 18:96
﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ جَمْعُ زُبْرَةٍ، كَغُرَفٍ في غُرْفَةٍ. وهي القِطْعَةُ الكَبِيرَةُ، وهَذا لا يُنافِي رَدَّ خَراجِهِمْ؛ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ الإيتاءُ بِالثَّمَنِ، أوِ المُناوَلَةُ. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ القِراءَةُ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ، أيْ: جِيئُونِي بِزُبَرِ الحَدِيدِ عَلى حَذْفِ الباءِ، كَما في أمَرْتُكَ الخَيْرَ، ولِأنَّ إيتاءَ الآلَةِ مِن قَبِيلِ الإعانَةِ بِالقُوَّةِ دُونَ الخَراجِ عَلى العَمَلِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ الأمْرِ بِالإيتاءِ بِها دُونَ سائِرِ الآلاتِ مِنَ الصُّخُورِ، والحَطَبِ، ونَحْوِهِما. لِما أنَّ الحاجَةَ إلَيْها أمَسُّ، إذْ هي الرُّكْنُ في السَّدِّ، ووُجُودُها أعَزُّ. قِيلَ: حَفَرَ لِلْأساسِ حَتّى بَلَغَ الماءَ، وجَعَلَ الأساسَ مِنَ الصَّخْرِ والنُّحاسِ المُذابِ، والبُنْيانَ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ بَيْنَها الحَطَبُ والفَحْمُ، حَتّى سَدَّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ إلى أعْلاهُما، وكانَ مِائَةَ فَرْسَخٍ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ قائِلًا: ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أيْ: آتَوْهُ إيّاها فَأخَذَ يَبْنِي شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى إذا جَعَلَ ما بَيْنَ ناحِيَتَيِ الجَبَلَيْنِ مِنَ البُنْيانِ مُساوِيًا لَهُما (p-246)فِي السَّمْكِ عَلى النَّهْجِ المَحْكِيِّ. قِيلَ: كانَ ارْتِفاعُهُ مِائَتَيْ ذِراعِ، وعَرْضُهُ خَمْسِينَ ذِراعًا، وقُرِئَ: (سَوّى) مِنَ التَّسْوِيَةِ و (سُووِيَ) عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ ﴿قالَ﴾ لِلْعَمَلَةِ ﴿انْفُخُوا﴾ أيْ: بِالكِيرانِ في الحَدِيدِ المَبْنِيِّ فَفَعَلُوا ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ أيِ: المَنفُوخَ فِيهِ.
﴿نارًا﴾ أيْ: كالنّارِ في الحَرارَةِ، والهَيْئَةِ. وإسْنادُ الجَعْلِ المَذْكُورِ إلى ذِي القَرْنَيْنِ مَعَ أنَّهُ فِعْلُ الفَعَلَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ العُمْدَةُ في ذَلِكَ، وهم بِمَنزِلَةِ الآلَةِ ﴿قالَ﴾ لِلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أمْرَ النُّحاسِ مِنَ الإذابَةِ، ونَحْوِها.
﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أيْ: آتَوْنِي قِطْرًا، أيْ: نُحاسًا مُذابًا. أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، وقُرِئَ: بِالوَصْلِ. أيْ: جِيئُونِي كَأنَّهُ يَسْتَدْعِيهِمْ لِلْإعانَةِ بِاليَدِ عِنْدَ الإفْراغِ، وإسْنادُ الإفْراغِ إلى نَفْسِهِ لِلسِّرِّ الَّذِي وقَفْتَ عَلَيْهِ آنِفًا، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "ساوى" وقَوْلِهِ تَعالى: "أجْعَلْ".
الكهف 18:97
﴿فَما اسْطاعُوا﴾ بِحَذْفِ تاءِ الِافْتِعالِ تَخْفِيفًا، وحَذَرًا عَنْ تَلاقِي المُتَقارِبَيْنِ، وقُرِئَ: بِالإدْغامِ. وفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حِدَةٍ، وقُرِئَ: بِقَلْبِ السِّينِ صادًا. و "الفاءُ" فَصِيحَةٌ، أيْ: فَعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِن إيتاءِ القِطْرِ، أوِ الإتْيانِ فَأفْرَغَهُ عَلَيْهِ فاخْتَلَطَ، والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَصارَ جَبَلًا صَلْدًا، فَجاءَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، فَقَصَدُوا أنْ يَعْلُوهُ، ويَنْقُبُوهُ فَما اسْتَطاعُوا ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾، أيْ: يَعْلُوهُ ويَرْقَوْا فِيهِ لِارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ.
﴿وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ لِصَلابَتِهِ وثَخانَتِهِ، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الزُّبَرَ الكَثِيرَةَ إذا أثَّرَتْ فِيها حَرارَةُ النّارِ لا يَقْدِرُ الحَيَوانُ عَلى أنْ يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنِ النَّفْخِ فِيها إلى أنْ تَكُونَ كالنّارِ، أوْ عَنْ إفْراغِ القِطْرِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى صَرَفَ تَأْثِيرَ تِلْكَ الحَرارَةِ العَظِيمَةِ عَنْ أبْدانِ أُولَئِكَ المُباشِرِينَ لِلْأعْمالِ فَكانَ ما كانَ، واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وقِيلَ بَناهُ مِنَ الصُّخُورِ مُرْتَبِطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ بِكَلالِيبَ مِن حَدِيدٍ ونُحاسٍ، مُذابٍ في تَجاوِيفِها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ هُناكَ فُرْجَةٌ أصْلًا.
الكهف 18:98
﴿قالَ﴾ أيْ: ذُو القَرْنَيْنِ لِمَن عِنْدَهُ مِن أهْلِ تِلْكَ الدِّيارِ، وغَيْرِهِمْ ﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى السَّدِّ، وقِيلَ: إلى تَمْكِينِهِ مِن بِنائِهِ، والفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ، أيْ: هَذا الَّذِي ظَهَرَ عَلى يَدَيَّ، وحَصَلَ بِمُباشَرَتِي مِنَ السَّدِّ الَّذِي شَأْنُهُ ما ذُكِرَ مِنَ المَتانَةِ، وصُعُوبَةِ المَنالِ.
﴿رَحْمَةٌ﴾ أيْ: أثَرُ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ عَبَّرَ عَنْهُ بِها مُبالَغَةً ﴿مِن رَبِّي﴾ عَلى كافَّةِ العِبادِ لا سِيَّما عَلى مُجاوَرِيهِ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الآثارِ الحاصِلَةِ بِمُباشَرَةِ الخَلْقِ عادَةً، بَلْ هو إحْسانٌ إلَهِيٌّ مَحْضٌ، وإنْ ظَهَرَ بِمُباشَرَتِي، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية لِتَرْبِيَةِ مَعْنى الرَّحْمَةِ.
﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، لا خُرُوجُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ كَما قِيلَ. إذْ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، والمُرادُ بِمَجِيئِهِ: ما يَنْتَظِمُ مَجِيئَهُ، ومَجِيءَ مَبادِئِهِ مِن خُرُوجِهِمْ، وخُرُوجِ الدَّجّالِ، ونُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَحْوِ ذَلِكَ. لا دُنُوُّ وُقُوعِهِ فَقَطْ، كَما قِيلَ. فَإنَّ بَعْضَ الأُمُورِ الَّتِي سَتُحْكى تَقَعُ بَعْدَ مَجِيئِهِ حَتْمًا.
﴿جَعَلَهُ﴾ أيِ: السَّدَّ المُشارَ إلَيْهِ مَعَ مَتانَتِهِ ورَصانَتِهِ، وفِيهِ مِنَ الجَزالَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِ الإشارَةِ السّابِقَةِ إلى التَّمْكِينِ المَذْكُورِ ﴿دَكّاءَ﴾ أيْ: أرْضًا مُسْتَوِيَةً، وقُرِئَ: (دَكًّا) أيْ: مَدْكُوكًا مُسَوًّى بِالأرْضِ، وكُلُّ ما انْبَسَطَ بَعْدَ ارْتِفاعٍ فَقَدِ انْدَكَّ، ومِنهُ الجَمَلُ الأدَكُّ، أيِ: المُنْبَسِطُ السَّنامِ، وهَذا الجَعْلُ وقْتَ مَجِيءِ الوَعْدِ بِمَجِيءِ بَعْضِ مَبادِئِهِ، وفِيهِ بَيانٌ لِعِظَمِ قدرته عَزَّ (p-247)وَجَلَّ بَعْدَ بَيانِ سِعَةِ رَحْمَتِهِ.
﴿وَكانَ وعْدُ رَبِّي﴾ أيْ: وعْدُهُ المَعْهُودُ، أوْ كُلُّ ما وعَدَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿حَقًّا﴾ ثابِتًا لا مَحالَةَ واقِعًا البَتَّةَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مِن ذِي القَرْنَيْنِ لِما ذَكَرَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، ومُقَرِّرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِها، وهو آخَرُ ما حُكِيَ مِن قِصَّتِهِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
الكهف 18:99
﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جَنابِهِ تَعالى مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "جَعَلَهُ دَكّاءَ" ومُحَقِّقٌ لِمَضْمُونِهِ، أيْ: جَعَلْنا بَعْضَ الخَلائِقِ.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ جاءَ الوَعْدُ بِمَجِيءِ بَعْضِ مَبادِئِهِ ﴿يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ آخَرَ مِنهم يَضْطَرِبُونَ اضْطِرابَ أمْواجِ البَحْرِ، ويَخْتَلِطُ إنْسُهم وجِنُّهم. حَيارى مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى، أوْ تَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم حِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ السَّدِّ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ.
رُوِيَ أنَّهم يَأْتُونَ البَحْرَ فَيَشْرَبُونَ ماءَهُ، ويَأْكُلُونَ دَوابَّهُ، ثُمَّ يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ، ومَن ظَفِرُوا بِهِ مِمَّنْ لَمْ يَتَحَصَّنُ مِنهم مِنَ النّاسِ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَأْتُوا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ نَغَفًا في أقْفائِهِمْ، فَيَدْخُلُ آذانَهم فَيَمُوتُونَ مَوْتَ نَفْسٍ واحِدَةٍ. فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ طَيْرًا، فَتُلْقِيهِمْ في البَحْرِ، ثُمَّ يُرْسِلُ مَطَرًا يَغْسِلُ الأرْضَ، ويُطَهِّرُها مِن نَتَنِهِمْ حَتّى يَتْرُكَها كالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُوضَعُ فِيها البَرَكَةُ. وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَتْلِ الدَّجّالِ.
﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بِقَضِيَّةِ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَمَعْناهُمْ﴾ ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ النَّفْخَةِ الأُولى؛ لِأنَّها داهِيَةٌ عامَّةٌ لَيْسَ فِيها حالَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ، ولِئَلّا يَقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ ما يَقَعُ في النَّشْأةِ الأُولى مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ، وبَيْنَ ما يَقَعُ مِنها في النَّشْأةِ الآخِرَةِ. أيْ: جَمَعْنا الخَلائِقَ بَعْدَما تَفَرَّقَتْ أوْصالُهُمْ، وتَمَزَّقَتْ أجْسادُهم في صَعِيدٍ واحِدٍ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
﴿جَمْعًا﴾ أيْ: جَمْعًا عَجِيبًا لا يُكْتَنُهُ كُنْهُهُ.
الكهف 18:100
﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾ أيْ: أظْهَرْناها وأبْرَزْناها ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ جَمَعْنا الخَلائِقَ كافَّةً.
﴿لِلْكافِرِينَ﴾ مِنهم حَيْثُ جَعَلْناها بِحَيْثُ يَرَوْنَها، ويَسْمَعُونَ لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا.
﴿عَرْضًا﴾ أيْ: عَرْضًا فَظِيعًا هائِلًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وتَخْصِيصُ العَرْضِ بِهِمْ مَعَ أنَّها بِمَرْأى مِن أهْلِ الجَمْعِ قاطِبَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ لِأجْلِهِمْ خاصَّةً.
الكهف 18:101
﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهُمْ﴾ وهم في الدُّنْيا ﴿فِي غِطاءٍ﴾ كَثِيفٍ، وغِشاوَةٍ غَلِيظَةٍ مُحاطَةٍ بِذاكَ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ.
﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ عَنِ الآياتِ المُؤَدِّيَةِ لِأُولِي الأبْصارِ المُتَدَبِّرِينَ فِيها إلى ذِكْرِي بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ، أوْ كانَتْ أعْيُنُ بَصائِرِهِمْ في غِطاءٍ عَنْ ذَكَرِي عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِشَأْنِي، أوْ عَنِ القرآن الكَرِيمِ ﴿وَكانُوا﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ الحَقِّ، وكَمالِ عَداوَتِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ.
﴿سَمْعًا﴾ اسْتِماعًا لِذِكْرِي، وكَلامِي الحَقِّ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، ولا مِن خَلْفِهِ. وهَذا تَمْثِيلٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، كَما أنَّ الأوَّلَ تَصْوِيرٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ الآياتِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ، والمَوْصُولُ نَعْتٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ بَيانٌ. جِيءَ بِهِ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم مِن عَرْضِ جَهَنَّمَ لَهُمْ، (p-248)فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِعَدَمِ اسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ فِيما عَرَضَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ الآياتِ، وإعْراضِهِمْ عَنْها مَعَ كَوْنِها أسْبابًا مُنَجِّيَةً عَمّا ابْتُلُوا بِهِ في الآخِرَةِ.
الكهف 18:102
﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: كَفَرُوا بِي، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: "عِبادِي". والحُسْبانُ بِمَعْنى: الظَّنِّ. وقَدْ قُرِئَ: (أفَظَنَّ) والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، عَلى مَعْنى إنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، كَما في قَوْلِكَ: أضْرَبْتَ أباكَ لا إنْكارَ الوُقُوعِ، كَما في قَوْلِهِ: أأضْرِبُ أبِي. و "الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يُفْصِحُ عَنْهُ الصِّلَةُ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ إلى المَعْطُوفَيْنِ جَمِيعًا، كَما إذا قُدِّرَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أفَلا تَعْقِلُونَ" مَنفِيًّا، أيْ: ألا تَسْمَعُونَ فَلا تَعْقِلُونَ. لا إلى المَعْطُوفِ فَقَطْ، كَما إذا قُدِّرَ مُثْبَتًا، أيْ: أتَسْمَعُونَ فَلا تَعْقِلُونَ، والمَعْنى: أكَفَرُوا بِي مَعَ جَلالَةِ شَأْنِي فَحَسِبُوا ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي﴾ مِنَ المَلائِكَةِ، وعِيسى، وعُزَيْرٍ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وهم تَحْتَ سُلْطانِي ومَلَكُوتِي.
﴿أوْلِياءَ﴾ مَعْبُودِينَ يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِي، وما قِيلَ إنَّها لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كانَتْ ... إلَخْ. "وَكانُوا ... إلَخْ. دَلالَةً عَلى أنَّ الحُسْبانَ ناشِئٌ مِنَ التَّعامِي والتَّصامِّ، وأُدْخِلَ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ ذَمًّا عَلى ذَمٍّ، وقَطْعًا لَهُ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِما لَفْظًا لا مَعْنًى لِلْإيذانِ بِالِاسْتِقْلالِ المُؤَكَّدِ لِلذَّمِّ يَأْباهُ تَرْكُ الإضْمارِ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفٍ آخَرَ غَيْرِ التَّعامِي والتَّصامِّ، عَلى أنَّهُما أُخْرِجا مَخْرَجَ الأحْوالِ الجِبِلِّيَّةِ لَهُمْ، ولَمْ يَذْكُرُوا مِن حَيْثُ إنَّهُما مِن أفْعالِهِمُ الِاخْتِيارِيَّةِ الحادِثَةِ كَحُسْبانِهِمْ لِيَحْسُنَ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِما وأيْضًا، فَإنَّهُ دِينٌ قَدِيمٌ لَهم لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ ناشِئًا عَنْ تَصامِّهِمْ عَنْ كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَخْصِيصُ الإنْكارِ بِحُسْبانِهِمُ المُتَأخِّرِ عَنْ ذَلِكَ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى، وما في حَيِّزِ صِلَةِ أنْ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "حَسِبَ"، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: أفَحَسِبُوا أنَّهم يَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الِاتِّخاذِ في شَيْءٍ لِما أنَّهُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الجانِبَيْنِ، وهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنَزَّهُونَ عَنْ وِلايَتِهِمْ بِالمَرَّةِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ وقِيلَ: مَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: أفَحَسِبُوا اتِّخاذَهم نافِعًا لَهُمْ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ في هَذا تَسْلِيمًا لِنَفْسِ الِاتِّخاذِ، واعْتِدادًا بِهِ في الجُمْلَةِ. وقُرِئَ: (أفَحَسْبُ) الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: أفَحَسْبُهم وكافِيهِمْ أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، أوِ الفِعْلِ والفاعِلِ، فَإنَّ النَّعْتَ إذا اعْتَمَدَ الهَمْزَةَ ساوى الفِعْلَ في العَمَلِ فالهَمْزَةُ حِينَئِذٍ بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ.
﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ﴾ أيْ: هَيَّأْناها ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ المَعْهُودِينَ عَدَلَ عَنِ الإضْمارِ ذَمًّا لَهُمْ، وإشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ الِاعْتادَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُتَضَمِّنِ لِحُسْبانِهِمُ الباطِلِ.
﴿نُزُلا﴾ أيْ: شَيْئًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ، وهو ما يُقامُ لِلنَّزِيلِ، أيِ: الضَّيْفِ مِمّا حَضَرَ مِنَ الطَّعامِ، وفِيهِ تَخْطِئَةٌ لَهم في حُسْبانِهِمْ، وتَهَكُّمٌ بِهِمْ، حَيْثُ كانَ اتِّخاذُهم إيّاهم أوْلِياءَ مِن قَبِيلِ إعْتادِ العَتادِ، وإعْدادِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أعْتَدْنا لَهم مَكانَ ما أعَدُّوا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العُدَّةِ والذُّخْرِ جَهَنَّمَ عُدَّةً، وفي إيرادِ النُّزُلِ إيماءً إلى أنَّ لَهم وراءَ جَهَنَّمَ مِنَ العَذابِ ما هو أُنْمُوذَجٌ لَهُ، وقِيلَ: النُّزُلُ مَوْضِعُ النُّزُولِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بِالمَثْوى.
الكهف 18:103
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ الخِطابُ الثّانِي لِلْكَفَرَةِ عَلى وجْهِ (p-249)التَّوْبِيخِ، والجَمْعُ في صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ لِتَعْيِينِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، ولِلْإيذانِ بِمَعْلُومِيَّةِ النَّبَأِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا ﴿بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، والجَمْعُ لِلْإيذانِ بِتَنَوُّعِها، وهَذا بَيانٌ لِحالِ الكَفَرَةِ بِاعْتِبارِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ في أنْفُسِها، وفي حُسْبانِهِمْ أيْضًا، حَيْثُ كانُوا مُعْجَبِينَ بِها واثِقِينَ بِنَيْلِ ثَوابِها، ومُشاهَدَةِ آثارِها غِبَّ بَيانِ حالِهِمْ بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ في أنْفُسِها مَعَ كَوْنِها حَسَنَةً في حُسْبانِهِمْ.
الكهف 18:104
﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ في إقامَةِ تِلْكَ الأعْمالِ، أيْ: ضاعَ وبَطَلَ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّعْيِ لا بِالضَّلالِ؛ لِأنَّ بُطْلانَ سَعْيِهِمْ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالدُّنْيا. قِيلَ: المُرادُ بِهِمْ: أهْلُ الكِتابَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ومُجاهِدٌ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. ويَدْخُلُ في الأعْمالِ حِينَئِذٍ ما عَمِلُوهُ مِنَ الأحْكامِ المَنسُوخَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعِباداتِ، وقِيلَ: الرَّهابِنَةُ الَّذِينَ يَحْبِسُونَ أنْفُسَهم في الصَّوامِعِ، ويَحْمِلُونَها عَلى الرِّياضاتِ الشّاقَّةِ، ولَعَلَّهُ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ الكَفَرَةِ. ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ جَوابٌ لِلسُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم فَقِيلَ الَّذِينَ ... إلَخْ. وجَعْلُهُ مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْأخْسَرِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ عَلى أنَّ الجَوابَ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ ... الآيَةَ. يَأْباهُ أنَّ صَدْرَهُ لَيْسَ مُنْبِئًا عَنْ خُسْرانِ الأعْمالِ، وضَلالِ السَّعْيِ كَما يَسْتَدْعِيهِ مَقامُ الجَوابِ، والتَّفْرِيعُ الأوَّلُ، وإنْ دَلَّ عَلى حُبُوطِها لَكِنَّهُ ساكِتٌ عَنْ إنْباءِ ما هو العُمْدَةُ في تَحْقِيقِ مَعْنى الخُسْرانِ مِنَ الوُثُوقِ بِتَرَتُّبِ الرِّبْحِ، واعْتِقادِ النَّفْعِ فِيما صَنَعُوا عَلى أنَّ التَّفْرِيعَ الثّانِيَ مِمّا يَقْطَعُ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ رَأْسًا إذْ لا مَجالَ لِإدْراجِهِ تَحْتَ الأمْرِ بِقَضِيَّةِ نُونِ العَظَمَةِ.
﴿وَهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ الإحْسانُ الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وهو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، أيْ: يَحْسَبُونَ أنَّهم يَعْمَلُونَ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وذَلِكَ لِإعْجابِهِمْ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي سَعَوْا في إقامَتِها، وكابَدُوا في تَحْصِيلِها. والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ضَلَّ، أيْ: بَطَلَ سَعْيُهُمُ المَذْكُورُ، والحالُ أنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ في ذَلِكَ ويَنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ، أوْ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ أيْ: بَطَلَ سَعْيُهم. والحالُ "أنَّهُمْ" ... إلَخْ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المُقارَنَ لِحال حُسْبانِهِمُ المَذْكُورِ في الأوَّلِ: ضَلالُ سَعْيِهِمْ، وفي الثّانِي: نَفْسُ سَعْيِهِمْ، والأوَّلُ أدْخَلُ في بَيانِ خَطَئِهِمْ.
الكهف 18:105
﴿أُولَئِكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مِن جَنابِهِ تَعالى مَسُوقٌ لِتَكْمِيلِ تَعْرِيفِ الأخْسَرِينَ، وتَبْيِينِ سَبَبِ خُسْرانِهِمْ، وضَلالِ سَعْيِهِمْ، وتَعْيِينِهِمْ بِحَيْثُ يَنْطَبِقُ التَّعْرِيفُ عَلى المُخاطَبِينَ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ الأمْرِ، أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِن ضَلالِ السَّعْيِ مَعَ الحُسْبانِ المَزْبُورِ.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ بِدَلائِلِهِ الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ عَقْلًا ونَقْلًا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ في الكُفْرِ المَذْكُورِ.
﴿وَلِقائِهِ﴾ بِالبَعْثِ، وما يَتْبَعُهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
﴿فَحَبِطَتْ﴾ لِذَلِكَ ﴿أعْمالُهُمْ﴾ المَعْهُودَةُ حُبُوطًا كُلِّيًّا، ﴿فَلا (p-250)نُقِيمُ لَهُمْ﴾ أيْ: لِأُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِما مَرَّ مِن حُبُوطِ الأعْمالِ، وقُرِئَ: بِالياءِ.
﴿يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ: فَنَزْدَرِيهِمْ، ولا نَجْعَلُ لَهم مِقْدارًا واعْتِبارًا لِأنَّ مَدارَهُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، وقَدْ حَبِطَتْ بِالمَرَّةِ، وحَيْثُ كانَ هَذا الِازْدِراءُ مِن عَواقِبِ حُبُوطِ الأعْمالِ عُطِفَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ، وأمّا ما هو مِن أجِزْيَةِ الكُفْرِ فَسَيَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ. أوْ لا نَضَعُ لِأجْلِ وزْنِ أعْمالِهِمْ مِيزانًا؛ لِأنَّهُ إنَّما يُوضَعُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، لِيَتَمَيَّزَ بِهِ مَقادِيرُ الطّاعاتِ، والمَعاصِي لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ، أوْ عَدَمُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في المُوَحِّدِينَ بِطَرِيقِ الكَمِّيَّةِ، وأمّا الكُفْرُ فَإحْباطُهُ لِلْحَسَناتِ بِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ دُونَ الكَمِّيَّةِ فَلا يُوضَعُ لَهُمُ المِيزانُ قَطْعًا.
الكهف 18:106
﴿ذَلِكَ﴾ بَيانٌ لِمَآلِ كُفْرِهِمْ، وسائِرِ مَعاصِيهِمْ إثْرَ بَيانِ مَآلِ أعْمالِهِمُ المُحْبَطَةِ بِذَلِكَ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لَهُ، أوْ "ذَلِكَ" مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: جَزاؤُهم بِهِ، أوْ جَزاؤُهم بَدَلَهُ. وجَهَنَّمُ خَبَرُهُ، أوْ جَزاؤُهم خَبَرُهُ وجَهَنَّمُ عَطْفُ بَيانٍ لِلْخَبَرِ.
﴿بِما كَفَرُوا﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ما ذُكِرَ جَزاءٌ لِكُفْرِهِمُ المُتَضَمِّنِ لِسائِرِ القَبائِحِ الَّتِي أنْبَأ عَنْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ أيْ: مَهْزُوًّا بِهِما، فَإنَّهم لَمْ يَقْتَنِعُوا بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ بِالآياتِ والرُّسُلِ بَلِ ارْتَكَبُوا مِثْلَ تِلْكَ العَظِيمَةِ أيْضًا.
الكهف 18:107
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَيانٌ بِطَرِيقِ الوَعْدِ لِمَآلِ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِأضْدادِ ما اتَّصَفَ بِهِ الكَفَرَةُ إثْرَ بَيانِ مَآلِهِمْ بِطَرِيقِ الوَعِيدِ، أيْ: آمَنُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ.
﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مِنَ الأعْمالِ ﴿كانَتْ لَهُمْ﴾ فِيما سَبَقَ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى، ووَعْدِهِ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ أثَرَ الرَّحْمَةِ يَصِلُ إلَيْهِمْ بِمُقْتَضى الرَّأْفَةِ الأزَلِيَّةِ بِخِلافِ ما مَرَّ مِن جَعْلِ جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا فَإنَّهُ بِمُوجِبِ ما حَدَثَ مِن سُوءِ اخْتِيارِهِمْ.
﴿جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ﴾ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الفِرْدَوْسَ هو البُسْتانُ بِالرُّومِيَّةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الجَنَّةُ بِالحَبَشِيَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الجَنَّةُ المُلْتَفَّةُ الأشْجارِ. وقِيلَ: هي الجَنَّةُ الَّتِي تُنْبِتُ ضُرُوبًا مِنَ النَّباتِ. وقِيلَ: هي الجَنَّةُ مِنَ الكَرْمِ خاصَّةً. وقِيلَ: ما كانَ غالِبُهُ كَرْمًا. وقالَ المُبَرِّدُ: هو فِيما سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ، والأغْلَبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مِنَ العِنَبِ. وعَنْ كَعْبٍ أنَّهُ لَيْسَ في الجِنانِ أعْلى مِن جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ، وفِيها الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ. وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «فِي الجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَةٍ مَسِيرَةُ مِائَةِ عامٍ، والفِردَوْسُ أعْلاها، وفِيها الأنْهارُ الأرْبَعَةُ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ تَعالى؛ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّ فَوْقَهُ عَرْشَ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ.» ﴿نُزُلا﴾ خَبَرُ كانَتْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن نُزُلًا، أوْ عَلى أنَّهُ بَيانٌ، أوْ حالٌ مِن جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ. والخَبَرُ هو الجارُّ والمَجْرُورُ، فَإنَّ جَعْلَ النُّزُولِ بِمَعْنى ما يُهَيَّأُ لِلنّازِلِ، فالمَعْنى: كانَتْ لَهم ثِمارُ جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا، أوْ جُعِلَتْ نَفْسُ الجَنّاتِ نُزُلًا مُبالَغَةً في الإكْرامِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّها عِنْدَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَلى ما جَرى عَلى لِسانِ النُّبُوَّةِ مِن قَوْلِهِ: " «أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» ". بِمَنزِلَةِ النُّزُلِ بِالنِّسْبَةِ إلى الضِّيافَةِ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى المَنزِلِ فالمَعْنى ظاهِرٌ.
الكهف 18:108
(p-251)﴿خالِدِينَ فِيها﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ.
﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ مَصْدَرٌ كالعِوَجِ والصِّغَرِ، أيْ: لا يَطْلُبُونَ تَحَوُّلًا عَنْها إذْ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ أعَزَّ عِنْدَهُمْ، وأرْفَعَ مِنها حَتّى تُنازِعَهم إلَيْهِ أنْفُسُهُمْ، وتَطْمَحَ نَحْوَهُ أبْصارُهم. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نَفْيُ التَّحَوُّلِ، وتَأْكِيدُ الخُلُودِ. والجُمْلَةُ حالٌ مِن صاحِبِ خالِدِينَ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ فِيهِ فَيَكُونُ حالًا مُتَداخِلَةً.
الكهف 18:109
﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ﴾ أيْ: جِنْسُ البَحْرِ ﴿مِدادًا﴾ وهو ما تُمِدُّ بِهِ الدَّواةُ مِنَ الحِبْرِ ﴿لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ لِتَحْرِيرِ كَلِماتِ عِلْمِهِ، وحِكْمَتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ المُحَذِّرَةِ مِنَ الإشْراكِ.
﴿لَنَفِدَ البَحْرُ﴾ مَعَ كَثْرَتِهِ، ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ لِتَناهِيهِ.
﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ﴾ وقُرِئَ: بِالياءِ، والمَعْنى: مِن غَيْرِ أنْ تَنْفَدَ ﴿كَلِماتُ رَبِّي﴾ . لِعَدَمِ تَناهِيها فَلا دَلالَةَ لِلْكَلامِ عَلى نَفادِها بَعْدَ نَفادِ البَحْرِ. وفي إضافَةِ الكَلِماتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ في المَوْضِعَيْنِ مِن تَفْخِيمِ المُضافِ، وتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ ما لا يَخْفى، وإظْهارُ البَحْرِ، والكَلِماتِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ.
﴿وَلَوْ جِئْنا﴾ كَلامٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ جِيءَ بِهِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ، وتَصْدِيقِ مَدْلُولِهِ، مَعَ زِيادَةِ مُبالَغَةٍ وتَأْكِيدٍ. و "الواوُ" لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى نَظِيرَتِها المُسْتَأْنِفَةِ المُقابِلَةِ لَها المَحْذُوفَةِ لِدَلالَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً، أيْ: لَنَفِدَ البَحْرُ مِن غَيْرِ نَفادِ كَلِماتِهِ تَعالى لَوْ لَمْ نَجِيءْ بِمِثْلِهِ مِدادًا، ولَوْ جِئْنا بِقُدْرَتِنا الباهِرَةِ.
﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ عَوْنًا، وزِيادَةً؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ المُتَناهِيَيْنِ مُتَناهٍ بَلْ مَجْمُوعُ ما يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ مِنَ الأجْسامِ لا يَكُونُ إلّا مُتَناهِيًا. لِقِيامِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ عَلى تَناهِي الأبْعادِ، وقُرِئَ: (مِدادًا) جَمْعِ مُدَّةٍ، وهي ما يَسْتَمِدُّهُ الكاتِبُ، وقُرِئَ: (مِدادًا).
الكهف 18:110
﴿قُلْ﴾ لَهم بَعْدَ ما بَيَّنْتَ لَهم شَأْنَ كَلِماتِهِ تَعالى، ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ لا أدَّعِي الإحاطَةَ بِكَلِماتِهِ التّامَّةِ.
﴿يُوحى إلَيَّ﴾ مِن تِلْكَ الكَلِماتِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ، ولا في سائِرِ أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ وإنَّما تَمَيَّزْتُ عَنْكم بِذَلِكَ.
﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الرَّجاءُ تَوَقُّعُ وصُولِ الخَيْرِ في المُسْتَقْبَلِ، والمُرادُ بِلِقائِهِ تَعالى: كَرامَتُهُ. وإدْخالُ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اللّائِقَ بِحالِ المُؤْمِنِ الِاسْتِمْرارُ، والِاسْتِدامَةُ عَلى رَجاءِ اللِّقاءِ، أيْ: فَمَنِ اسْتَمَرَّ عَلى رَجاءِ كَرامَتِهِ تَعالى.
﴿فَلْيَعْمَلْ﴾ لِتَحْصِيلِ تِلْكَ الطِّلْبَةِ العَزِيزَةِ ﴿عَمَلا صالِحًا﴾ في نَفْسِهِ لائِقًا بِذَلِكَ المَرْجُوِّ، كَما فَعَلَهُ الَّذِينَ آمَنُوا، وعَمِلُوا الصّالِحاتِ.
﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ إشْراكًا جَلِيًّا، كَما فَعَلَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ، ولِقائِهِ. ولا إشْراكًا خَفِيًّا، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الرِّياءِ، ومَن يَطْلُبُ بِهِ أجْرًا، وإيثارُ وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في المَوْضِعَيْنِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ العُنْوانِ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، ووُجُوبِ الِامْتِثالِ فِعْلًا وتَرْكًا. رُوِيَ «أنَّ جُنْدُبَ بْنَ زُهَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنِّي لَأعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى فَإذا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي. فَقالَ ﷺ: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ ما شُورِكَ فِيهِ.»
(p-252)فَنَزَلَتْ تَصْدِيقًا لَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ لَهُ: لَكَ أجْرانِ أجْرُ السِّرِّ وأجْرُ العَلانِيَةِ، وذَلِكَ إذا قَصَدَ أنْ يُقْتَدى بِهِ. وعَنْهُ ﷺ: " «اتَّقُوا الشِّرْكَ الأصْغَرَ. قِيلَ: وما الشِّرْكُ الأصْغَرُ؟ قالَ: الرِّياءُ» ". عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الكَهْفِ مِن آخِرِها كانَتْ لَهُ نُورًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، ومَن قَرَأها كُلَّها كانَتْ لَهُ نُورًا مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ،» وعَنْهُ ﷺ «مَن قَرَأ عِنْدَ مَضْجَعِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ ... إلَخْ. كانَ لَهُ مَضْجَعُهُ نُورًا يَتَلَأْلَأُ إلى مَكَّةَ، حَشْوُ ذَلِكَ النُّورِ مَلائِكَةً يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتّى يَقُومَ، وإنْ كانَ مَضْجَعُهُ بِمَكَّةَ كانَ لَهُ نُورًا يَتَلَأْلَأُ مِن مَضْجَعِهِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، حَشْوُ ذَلِكَ النُّورِ مَلائِكَةً يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، حَتّى يَسْتَيْقِظَ» ". الحَمْدُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلى نِعَمِهِ العِظامِ.
مريم 19:1
(سُورَةُ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ مَكِّيَّةٌ، إلّا الآياتِ الثّامِنَةَ والخَمْسِينَ والواحِدَةَ والسَّبْعِينَ فَمَدَنِيَّتانِ، وآياتُها ثَمانِيَةٌ وتِسْعُونَ)
﴿كهيعص﴾ بِإمالَةِ الهاءِ والياءِ، وإظْهارِ الدّالِّ، وقُرِئَ: بِفَتْحِ الهاءِ وإمالَةِ الياءِ وبِتَفْخِيمِهِما، وبِإخْفاءِ النُّونِ قَبْلَ الصّادِ لِتَقارُبِهِما، وقَدْ سَلَفَ أنَّ ما لا يَكُونُ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدَةٌ، ولا مُوازَنَةَ لِمُفْرَدٍ، فَطَرِيقُ التَّلَفُّظِ بِها الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةُ الأعْجازِ عَلى الوَقْفِ سَواءٌ جُعِلَتْ أسْماءً لِلسُّوَرِ، أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، وإنْ لَزِمَها التِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِكَوْنِهِ مُغْتَفَرًا في بابِ الوَقْفِ قَطْعًا فَحَقُّ هَذِهِ الفاتِحَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها جَرْيًا عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ: بِإدْغامِ الدّالِّ فِيما بَعْدَها لِتَقارُبِهِما في المَخْرِجِ فَإنْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ عَلى ما عَلَيْهِ إطْباقُ الأكْثَرِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ، إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هَذا كهيعص، أيْ: مُسَمًّى بِهِ. وإنَّما صَحَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ مَعَ عَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِهِ؛ لِأنَّهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ عَلى جَناحِ الذِّكْرِ صارَ في حُكْمِ الحاضِرِ المُشاهَدِ. كَما يُقالُ: هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ. أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ.
مريم 19:2
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ أيِ: المُسَمّى بِهِ ذِكْرُ رَحْمَةِ ... إلَخْ. فَإنَّ ذِكْرَها لَمّا كانَ مَطْلَعَ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، ومُعْظَمَ ما انْطَوَتْ هي عَلَيْهِ جُعِلَتْ كَأنَّها نَفْسُ ذِكْرِها، والأوَّلُ هو الأوْلى؛ لِأنَّ ما يُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلَيْهِ عِنْدَ المُخاطَبِ، وإذْ لا عِلْمَ بِالتَّسْمِيَةِ مِن قَبْلُ فَحَقُّها الإخْبارُ بِها، كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ. وإنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ حَسْمًا جَنَحَ إلَيْهِ أهْلُ التَّحْقِيقِ، فَذِكْرُ... إلَخْ. خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، هو ما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْدِيدُ الحُرُوفِ كَأنَّهُ قِيلَ: المُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ مُرادًا بِهِ السُّورَةُ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ ... إلَخْ. أوِ اسْمُ إشارَةٍ أُشِيرَ بِهِ إلَيْهِ تَنْزِيلًا لِحُضُورِ المادَّةِ مَنزِلَةَ حُضُورِ المُؤَلَّفِ مِنها، أيْ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ ... إلَخْ. وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ قَدْ حُذِفَ خَبَرُهُ (p-253)أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ ذِكْرُها، وقُرِئَ: (ذَكَرَ رَحْمَةَ رَبِّكَ) عَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّذْكِيرِ، أيْ: هَذا المَتْلُوُّ ذَكَرَها. وقُرِئَ: (ذَكِّرْ) عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَنْزِيلَ السُّورَةِ عَلَيْهِ ﷺ تَكْمِيلٌ لَهُ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَبْدَهُ﴾ مَفْعُولٌ لِرَحْمَةِ رَبِّكَ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِما أُضِيفَ إلَيْها، وقِيلَ: لِلذِّكْرِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى فاعِلِهِ عَلى الِاتِّساعِ، ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ: بُلُوغُها وإصابَتُها. كَما يُقالُ: ذَكَرَنِي مَعْرُوفُ فُلانٍ، أيْ: بَلَغَنِي. وقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿زَكَرِيّا﴾ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ.
مريم 19:3
﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ ظَرْفٌ لِرَحْمَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: لِـ"ذِكْرُ"؛ عَلى أنَّهُ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ اتِّساعًا لا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِفَسادِ المَعْنى، وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن زَكَرِيّا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ﴾ ولَقَدْ راعى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حُسْنَ الأدَبِ في إخْفاءِ دُعائِهِ، فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كالجَهْرِ أدْخَلُ في الإخْلاصِ، وأبْعَدُ مِنَ الرِّياءِ، وأقْرَبُ إلى الخَلاصِ عَنْ لائِمَةِ النّاسِ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ لِتَوَقُّفِهِ عَلى مَبادٍ لا يَلِيقُ بِهِ تَعاطِيها في أوانِ الكِبَرِ والشَّيْخُوخَةِ، وعَنْ غائِلَةِ مَوالِيهِ الَّذِينَ كانَ يَخافُهُمْ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِضَعْفِ الهَرَمِ. قالُوا: كانَ سِنُّهُ حِينَئِذٍ سِتِّينَ، وقِيلَ: خَمْسًا وسِتِّينَ، وقِيلَ: سَبْعِينَ، وقِيلَ: خَمْسًا وسَبْعِينَ، وقِيلَ: ثَمانِينَ، وقِيلَ: أكْثَرَ مِنها. كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ
مريم 19:4
﴿قالَ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِنادى لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
﴿رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ إسْنادُ الوَهْنِ إلى العَظْمِ لِما أنَّهُ عِمادُ البَدَنِ، ودِعامُ الجَسَدِ، فَإذا أصابَهُ الضَّعْفُ والرَّخاوَةُ أصابَ كُلَّهُ. أوْ لِأنَّهُ أشَدُّ أجْزائِهِ صَلابَةً وقِوامًا، وأقَلُّها تَأثُّرًا مِنَ العِلَلِ فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ. وإفْرادُهُ لِلْقَصْدِ إلى الجِنْسِ المُنْبِئِ عَنْ شُمُولِ الوَهْنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ، و "مِنِّي" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ العَظْمِ، وقُرِئَ: (وَهِنَ) بِكَسْرِ الهاءِ وبِضَمِّها أيْضًا، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها.
﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ شَبَّهَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الشَّيْبَ في البَياضِ والإنارَةِ بِشُواظِ النّارِ، وانْتِشارَهُ في الشَّعْرِ، وفُشُوَّهُ فِيهِ وأخْذَهُ مِنهُ كُلَّ مَأْخَذٍ بِاشْتِعالِها، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، ثُمَّ أسْنَدَ الِاشْتِعالَ إلى مَحَلِّ الشَّعْرِ ومَنبَتِهِ، وأخْرَجَهُ مَخْرَجَ التَّمْيِيزِ، وأطْلَقَ الرَّأْسَ اكْتِفاءً بِما قَيَّدَ بِهِ العَظْمَ. وفِيهِ مِن فُنُونِ البَلاغَةِ وكَمالِ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى حَيْثُ كانَ الأصْلُ اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، فَأسْنَدَ الِاشْتِعالَ إلى الرَّأْسِ كَما ذُكِرَ لِإفادَةِ شُمُولِهِ لِكُلِّها، فَإنَّ وِزانَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأصْلِ، وِزانُ اشْتَعَلَ بَيْتُهُ نارًا بِالنِّسْبَةِ إلى اشْتَعَلَ النّارُ في بَيْتِهِ ولِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ بِالإجْمالِ أوَّلًا، والتَّفْصِيلِ ثانِيًا. ولِمَزِيدِ تَفْخِيمِهِ بِالتَّنْكِيرِ، وقُرِئَ: بِإدْغامِ السِّينِ في الشِّينِ.
﴿وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: ولَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِن أوْقاتِ هَذا العُمُرِ الطَّوِيلِ بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إذِ المَعْنى: واشْتَعَلَ رَأْسِي شَيْبًا. وهَذا تَوَسُّلٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما سَلَفَ مِنهُ مِنَ الِاسْتِجابَةِ عِنْدَ كُلِّ دَعْوَةٍ إثْرَ تَمْهِيدِ ما يَسْتَدْعِي الرَّحْمَةَ، ويَسْتَجْلِبُ الرَّأْفَةَ مِن كِبَرِ السِّنِّ وضَعْفِ الحالِ، فَإنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما عَوَّدَ عَبْدَهُ بِالإجابَةِ دَهْرًا طَوِيلًا لا يَكادُ (p-254)يُخَيِّبُهُ أبَدًا، لا سِيَّما عِنْدَ اضْطِرارِهِ، وشَدَّةِ افْتِقارِهِ، والتَّعَرُّضِ في المَوْضِعَيْنِ لِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنْ إضافَةِ ما فِيهِ صَلاحُ المَرْبُوبِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا سِيَّما تَوْسِيطُهُ بَيْنَ كانَ وخَبَرِها لِتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الإجابَةِ بِالمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إذا أرادَ العَبْدُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ دُعاؤُهُ فَلْيَدْعُ اللَّهَ تَعالى بِما يُناسِبُهُ مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ.
﴿وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "إنِّي وهَنَ العَظْمُ" مُتَرَتِّبٌ مَضْمُونُهُ عَلى مَضْمُونِهِ فَإنَّ ضَعْفَ القُوى وكِبَرَ السِّنِّ مِن مَبادِئَ خَوْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن يَلِي أمْرَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، ومَوالِيهِ بَنُو عَمِّهِ، وكانُوا أشْرارَ بَنِي إسْرائِيلَ فَخافَ أنْ لا يُحْسِنُوا خِلافَتَهُ في أُمَّتِهِ، ويُبَدِّلُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وقَوْلُهُ:
مريم 19:5
﴿مِن ورائِي﴾ أيْ: بَعْدَ مَوْتِي. مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، أيْ: فِعْلَ المَوالِي مِن بَعْدِي، أوْ جَوْرَ المَوالِي. وقَدْ قُرِئَ: كَذَلِكَ، أوْ بِما في المَوالِي مِن مَعْنى الوِلايَةِ، أيْ: خِفْتُ الَّذِينَ يَلُونَ الأمْرَ مِن ورائِي لا بِخْفِتُ لِفَسادِ المَعْنى، وقُرِئَ: (وَرايَ) بِالقَصْرِ وفَتْحِ الياءِ، وقُرِئَ: (خَفَّتِ المَوالِي مِن ورائِي) أيْ: قَلُّوا وعَجَزُوا عَنِ القِيامِ بِأُمُورِ الدِّينِ بَعْدِي، أوْ خَفَّتِ المَوالِي القادِرُونَ عَلى إقامَةِ مَراسِمِ المِلَّةِ، ومَصالِحِ الأُمَّةِ. مِن خَفَّ القَوْمُ، أيِ: ارْتَحَلُوا مُسْرِعِينَ، أيْ: دَرَجُوا قُدّامِي ولَمْ يَبْقَ مِنهم مَن بِهِ تَقَوٍّ واعْتِضادٌ، فالظَّرْفُ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِخِفْتُ.
﴿وَكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ أيْ: لا تَلِدُ مِن حِينِ شَبابِها.
﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ﴾ كِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِهَبْ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما فاللّامُ صِلَةٌ لَهُ، و "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، وتَقْدِيمُ الأوَّلِ لَكَوْنِ مَدْلُولِهِ أهَمَّ عِنْدَهُ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُ الثّانِي بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ ولَدُنْ في الأصْلِ ظَرْفٌ بِمَعْنى أوَّلُ غايَةِ زَمانٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ غَيْرِهِما مِنَ الذَّواتِ. وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في أوائِلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ: أعْطِنِي مِن مَحْضِ فَضْلِكَ الواسِعِ وقُدْرَتِكَ الباهِرَةِ بِطَرِيقِ الِاخْتِراعِ لا بِواسِطَةِ الأسْبابِ العادِيَّةِ.
﴿وَلِيًّا﴾ أيْ: ولَدًا مِن صُلْبِي. وتَأْخِيرُهُ عَنِ الجارَّيْنِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِكَوْنِ الهِبَةِ لَهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ البَدِيعِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُسْتَشْرِفَةً، فَعِنْدَ وُرُودِهِ لَها يَتَمَكَّنُ عِنْدَها فَضْلَ تَمَكُّنٍ، ولِأنَّ فِيهِ نَوْعَ طُولٍ بِما بَعْدَهُ مِنَ الوَصْفِ فَتَأْخِيرُهُما عَنِ الكُلِّ، أوْ تَوْسِيطُهُما بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كِبَرِ السِّنِّ، وضَعْفِ القُوى، وعُقْرِ المَرْأةِ مُوجِبٌ لِانْقِطاعِ رَجائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ حُصُولِ الوَلَدِ بِتَوَسُّطِ الأسْبابِ العادِيَّةِ، واسْتِيهابِهِ عَلى الوَجْهِ الخارِقِ لِلْعادَةِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هُناكَ داعٍ آخَرَ إلى الإقْبالِ عَلى الدُّعاءِ المَذْكُورِ مِن مُشاهَدَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْخَوارِقِ الظّاهِرَةِ في حَقِّ مَرْيَمَ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ ... الآيَةَ. وعَدَمُ ذِكْرِهِ هَهُنا لِلتَّعْوِيلِ عَلى ذِكْرِهِ هُناكَ كَما أنَّ عَدَمَ ذِكْرِ مُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ هُناكَ لِلِاكْتِفاءِ بِذِكْرِهِ هَهُنا، فَإنَّ الِاكْتِفاءَ بِما ذُكِرَ في مَوْطِنٍ عَمّا تُرِكَ في مَوْطِنٍ آخَرَ مِنَ النُّكَتِ التَّنْزِيلِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
مريم 19:6
﴿يَرِثُنِي﴾ صِفَةٌ لِوَلِيًّا. وقُرِئَ: هو وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالجَزْمِ جَوابًا لِلدُّعاءِ، أيْ: يَرِثُنِي مِن حَيْثُ العِلْمُ، والدِّينُ، والنُّبُوَّةُ. فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُورِثُونَ المالَ، قالَ ﷺ: (p-255)" «نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ» ". وقِيلَ: يَرِثُنِي الحُبُورَةَ. وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِبْرًا.
﴿وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ يُقالُ: ورِثَهُ ووَرِثَ مِنهُ لُغَتانِ، وآلُ الرَّجُلِ خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم لِلْقَرابَةِ، أوِ الصُّحْبَةِ، أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ. وكانَتْ زَوْجَةُ زَكَرِيّا أُخْتَ أُمِّ مَرْيَمَ، أيْ: ويَرِثُ مِنهُمُ المَلِكَ. قِيلَ: هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: هُو َ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ مِن نَسْلِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ آلُ يَعْقُوبَ أخْوالَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا. قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَنُو ماثانَ رُءُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ ومُلُوكَهُمْ، وكانَ زَكَرِيّا رَئِيسَ الأحْبارِ يَوْمَئِذٍ فَأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ حُبُورَتَهُ، ويَرِثَ مِن بَنِي ماثانَ مُلْكَهم. وقُرِئَ: (وَيَرِثُ وارِثَ آلِ يَعْقُوبَ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في يَرِثُ، وقُرِئَ: (أوْ يَرِثُ آل يَعْقُوبَ) بِالتَّصْغِيرِ فَفِيهِ إيماءٌ إلى وِراثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما يَرِثُهُ في حالَةِ صِغَرِهِ، وقُرِئَ: (وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي عَلى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ، أيْ: يَرِثُنِي بِهِ وارِثٌ. وقِيلَ: "مِن" لِلتَّبْعِيضِ إذْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ آلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْبِياءَ، ولا عُلَماءَ.
﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ مَرْضِيًّا عِنْدَكَ قَوْلًا وفِعْلًا. وتَوْسِيطُ "رَبِّ" بَيْنَ مَفْعُولَيِ "اجْعَلْ" لِلْمُبالَغَةِ في الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ ما يَسْتَدْعِيهِ.
مريم 19:7
﴿يا زَكَرِيّا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: قالَ تَعالى يا زَكَرِيّا، ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ . لَكِنْ لا بِأنْ يُخاطِبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ بِالذّاتِ بَلْ بِواسِطَةِ المَلَكِ عَلى أنْ يَحْكِيَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَذِهِ العِبارَةَ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ ... الآيَةَ. وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وهَذا جَوابٌ لِنِدائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووَعْدٌ بِإجابَةِ دُعائِهِ لَكِنْ لا كُلًّا، كَما هو المُتَبادَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ ... إلَخْ. بَلْ بَعْضًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ كانُوا مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ لَكِنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ في جَمِيعِ الدَّعَواتِ ألا يَرى إلى دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَقِّ أبِيهِ، وإلى دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ قالَ: وسَألْتُهُ أنْ لا يُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيها، وقَدْ كانَ مِن قَضائِهِ عَزَّ وعَلا أنْ يَهَبَهُ يَحْيى نَبِيًّا مَرْضِيًّا، ولا يَرِثَهُ. فاسْتُجِيبَ دُعاؤُهُ في الأوَّلِ، دُونَ الثّانِي، حَيْثُ قُتِلَ قَبْلَ مَوْتِ أبِيهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما هو المَشْهُورُ، وقِيلَ: بَقِيَ بَعْدَهُ بُرْهَةً فَلا إشْكالَ حِينَئِذٍ، وفي تَعْيِينِ اسْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ، وتَشْرِيفٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وفي تَخْصِيصِهِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أيْ: شَرِيكًا لَهُ في الِاسْمِ حَيْثُ لَمْ يُسَمَّ أحَدٌ قَبْلَهُ بِيَحْيى، مَزِيدُ تَشْرِيفٍ، وتَفْخِيمٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَإنَّ التَّسْمِيَةَ بِالأسامِي البَدِيعَةِ المُمْتازَةِ عَنْ أسْماءِ سائِرِ النّاسِ تَنْوِيهٌ بِالمُسَمّى لا مَحالَةَ، وقِيلَ: سَمِيًّا شَبَهًا في الفَضْلِ والكَمالِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ فَإنَّ المُتَشارِكِينَ في الوَصْفِ بِمَنزِلَةِ المُتَشارِكِينَ في الِاسْمِ، قالُوا: لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلٌ في أنَّهُ لَمْ يَعْصِ اللَّهَ تَعالى، ولَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ قَطُّ، وأنَّهُ ولَدٌ مِن شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ، وأنَّهُ كانَ حَصُورًا. فَيَكُونُ هَذا إجْمالًا لِما نَزَلَ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ والأظْهَرُ أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فَهو مَنقُولٌ عَنِ الفِعْلِ كَيَعْمَرَ ويَعِيشَ. قِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ حَيِيَ بِهِ رَحِمُ أُمِّهِ أوْ حَيٌّ دِينُ اللَّهِ تَعالى بِدَعْوَتِهِ.
مريم 19:8
(p-256)﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿رَبِّ﴾، ناداهُ تَعالى بِالذّاتِ مَعَ وُصُولِ خِطابِهِ تَعالى إلَيْهِ بِتَوْسِيطِ المَلَكِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ والمُناجاةِ والجِدِّ في التَّبَتُّلِ إلَيْهِ تَعالى، والِاحْتِرازِ عَمّا عَسى يُوهِمُ خِطابُهُ لِلْمَلَكِ مِن تَوَهُّمٍ أنَّ علمه تعالى بِما يَصْدُرُ عَنْهُ مُتَوَقِّفٌ عَلى تَوَسُّطِهِ كَما أنَّ عِلْمَ البَشَرِ بِما يَصْدُرُ عَنْهُ سُبْحانَهُ مُتَوَقِّفٌ عَلى ذَلِكَ في عامَّةِ الأوْقاتِ.
﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ كَلِمَةُ "أنّى" بِمَعْنى كَيْفَ، أوْ مِن أيْنَ؟ و "كانَ" إمّا تامَّةٌ، و "أنّى واللّامُ" مُتَعَلِّقَتانِ بِها. وتَقْدِيمُ الجارِّ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِما قُدِّمَ، والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ، أيْ: كَيْفَ، أوْ مِن أيْنَ يَحْدُثُ لِي غُلامٌ؟ ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن غُلامٍ، إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ، أيْ: أنّى يَحْدُثُ كائِنًا لِي غُلامٌ، أوْ ناقِصَةٌ اسْمُها ظاهِرٌ وخَبَرُها إمّا أنّى ولِيَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كَما مَرَّ، أوْ هو الخَبَرُ، وأنّى نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ حالٌ مِنهُ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِبْعادِ إثْرَ تَأْكِيدٍ، أيْ: كانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا لَمْ تَلِدْ في شَبابِها وشَبابِي فَكَيْفَ وهي الآنُ عَجُوزٌ، وقَدْ بَلَغْتُ أنا مِن أجْلِ كِبَرِ السِّنِّ جَساوَةً، وقُحُولًا في المَفاصِلِ والعِظامِ، أوْ بَلَغْتُ مِن مَدارِجِ الكِبَرِ ومَراتِبِهِ، ما يُسَمّى عِتِيًّا؟!. مِن عَتا يَعْتُو، وأصْلُهُ عُتُووٌ كَقُعُودٍ فاسْتُثْقِلَ تَوالِي الضَّمَّتَيْنِ والواوَيْنِ فَكُسِرَتِ التّاءُ، فانْقَلَبَتِ الأُولى ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها، ثُمَّ قُلِبَتِ الثّانِيَةُ أيْضًا لِاجْتِماعِ الواوِ والياءِ، وسَبْقِ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، وكُسِرَتِ العَيْنُ إتْباعًا لَها لِما بَعْدَها، وقُرِئَ: بِضَمِّها. ولَعَلَّ البُداءَةَ هَهُنا بِذِكْرِ حالِ امْرَأتِهِ عَلى عَكْسِ ما في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. لِما أنَّهُ قَدْ ذُكِرَ حالُهُ في تَضاعِيفِ دُعائِهِ، وإنَّما المَذْكُورُ هَهُنا بُلُوغُهُ أقْصى مَراتِبِ الكِبَرِ تَتِمَّةً لِما ذُكِرَ قَبْلُ، وأمّا هُنالِكَ فَلَمْ يَسْبِقْ في الدُّعاءِ ذِكْرُ حالِهِ فَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ عَلى ذِكْرِ حالِ امْرَأتِهِ لِما أنَّ المُسارَعَةَ إلى بَيانِ قُصُورِ شَأْنِهِ أنْسَبُ. وإنَّما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ سَبْقِ دُعائِهِ بِذَلِكَ، وقُوَّةِ يَقِينِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ لا سِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ لِلشَّواهِدِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. اسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَعْجِيبًا مِنها، واعْتِدادًا بِنِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ في ذَلِكَ بِإظْهارِ أنَّهُ مِن مَحْضِ لُطْفِ اللَّهِ عَزَّ وعَلا، وفَضْلِهِ، مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسٍ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَحِيلَةِ عادَةً لا اسْتِبْعادًا لَهُ. وقِيلَ: إنَّما قالَهُ لِيُجابَ بِما أُجِيبَ بِهِ فَيَزْدادَ المُؤْمِنُونَ إيقانًا، ويَرْتَدِعَ المُبْطِلُونَ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتِفْهامًا عَنْ كَيْفِيَّةِ حُدُوثِهِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ حَيْثُ كانَ بَيْنَ الدُّعاءِ والبِشارَةِ سِتُّونَ سَنَةً، وكانَ قَدْ نَسِيَ دُعاءَهُ، وهو بَعِيدٌ.
مريم 19:9
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا سَلَفَ، و "الكافُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ مُقْحَمَةٌ، كَما في مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ مَحَلُّها إمّا النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ لِقالَ الثّانِي، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِهِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الوَعْدِ السّابِقِ لا إلى قَوْلٍ آخَرَ شُبِّهَ هَذا بِهِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعْدِ المَذْكُورِ دالَّةٌ عَلى إنْجازِهِ داخِلَةٌ في حَيِّزِ "قالَ" الأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: مِثْلُ (p-257)ذَلِكَ القَوْلِ البَدِيعِ قُلْتُ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الوَعْدِ الخارِقِ لِلْعادَةِ، وعَدْتُ هو عَلَيَّ خاصَّةً هَيِّنٌ، وإنْ كانَ في العادَةِ مُسْتَحِيلًا. وقُرِئَ: (وَهُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ حالٌ مِن رَبِّكَ، و "الياءُ" عِبارَةٌ عَنْ ضَمِيرِهِ كَما سَتَعْرِفُهُ، أوِ اعْتِراضٌ. وعَلى كُلِّ حالٍ فَهي مُؤَكَّدَةٌ ومُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، ثُمَّ أُخْرِجَ القَوْلُ الثّانِي مَخْرَجَ الِالتِفاتِ جَرْيًا عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ لِنُرِيَهُ المَهابَةِ، وإدْخالَ الرَّوْعَةِ كَقَوْلِ الخُلَفاءِ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَرْسُمُ لَكَ مَكانَ أنا أرْسُمُ. ثُمَّ أُسْنِدَ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَشْرِيفًا لَهُ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ. فَإنَّ تَذْكِيرَ جَرَيانِ أحْكامِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إيجادِهِ مِنَ العَدَمِ، وتَصْرِيفِهِ في أطْوارِ الخَلْقِ مِن حالٍ إلى حالٍ شَيْئًا فَشَيْئًا إلى أنْ يَبْلُغَ كَمالَهُ اللّائِقَ بِهِ، مِمّا يَقْلَعُ أساسَ اسْتِبْعادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِحُصُولِ المَوْعُودِ، ويُورِثُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الِاطْمِئْنانَ بِإنْجازِهِ لا مَحالَةَ، ثُمَّ التُفِتَ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ العائِدِ إلى الرَّبِّ إلى ياءِ العَظَمَةِ إيذانًا بِأنَّ مَدارَ كَوْنِهِ هَيِّنًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ هو القُدْرَةُ الذّاتِيَّةُ لا رُبُوبِيَّتُهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ، وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ولا يَخْرُجُ هَذا الوَجْهُ عَلى القِراءَةِ بِالواوِ، ولِأنَّها لا تَدْخُلُ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ، وإمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن وعْدِهِ تَعالى، أيْ: قالَ عَزَّ وعَلا: الأمْرُ كَما وعَدْتُ، وهو واقِعٌ لا مَحالَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "قالَ رَبُّكِ" ... إلَخِ. اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ، والجُمْلَةُ المَحْكِيَّةُ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلى المَحْكِيَّةِ الأُولى، أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وأيًّا ما كانَ فَتَوْسِيطُ "قالَ" بَيْنَهُما مُشْعِرٌ بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِكُلٍّ مِنهُما، والكَلامُ في إسْنادِ القَوْلِ إلى الرَّبِّ، ثُمَّ الِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ كالَّذِي مَرَّ آنِفًا، وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قالَهُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: قالَ تَعالى: الأمْرُ كَما قُلْتَ تَصْدِيقًا لَهُ فِيما حَكاهُ مِنَ الحالَةِ المُبايِنَةِ لِلْوِلادَةِ في نَفْسِهِ، وفي امْرَأتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "قالَ رَبُّكِ ..." إلَخِ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِإزالَةِ اسْتِبْعادِهِ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ، أيْ: قالَ تَعالى وهو مَعَ بُعْدِهِ في نَفْسِهِ عَلَيَّ هَيِّنٌ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ أدْخَلُ في إفادَةِ هَذا المَعْنى عَلى أنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ، وأمّا جَعْلُها لِلْحالِ فَمُخِلٌّ بِسِدادِ المَعْنى؛ لِأنَّ مَآلَهُ تَقْرِيرُ صُعُوبَتِهِ حالَ سُهُولَتِهِ عَلَيْهِ تَعالى مَعَ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ سُهُولَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مَعَ صُعُوبَتِهِ في نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، والمُرادُ بِهِ: ابْتِداءُ خَلْقِ البَشَرِ هو الواقِعُ إثْرَ العَدَمِ المَحْضِ لا ما كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِطْرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ، وإنَّما لَمْ يُنْسَبْ ذَلِكَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو المَخْلُوقُ مِنَ العَدَمِ حَقِيقَةً بِأنْ يُقالَ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ أوْ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، مَعَ كِفايَتِهِ في إزالَةِ الِاسْتِبْعادِ بِقِياسِ حالِ ما بُشِّرَ بِهِ عَلى حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَأْكِيدِ الِاحْتِجاجِ بِهِ، وتَوْضِيحِ مِنهاجِ القِياسِ. حَيْثُ نُبِّهَ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العَدَمِ، إذْ لَمْ تَكُنْ فِطْرَتُهُ البَدِيعَةُ مَقْصُورَةً عَلى نَفْسِهِ بَلْ كانَتْ أُنْمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرِيَّةِ سائِرِ آحادِ الجِنْسِ انْطِواءً إجْمالِيًّا مُسْتَتْبِعًا لِجَرَيانِ آثارِها عَلى الكُلِّ، فَكانَ إبْداعُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ إبْداعًا لِكُلِّ أحَدٍ مِن فُرُوعِهِ كَذَلِكَ، ولَمّا كانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى هَذا النَّمَطِ السّارِي إلى جَمِيعِ أفْرادِ ذُرِّيَّتِهِ أبْدَعَ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلى نَفْسِهِ، كَما هو المَفْهُومُ مِن نِسْبَةِ الخَلْقِ المَذْكُورِ إلَيْهِ، وأدَلَّ عَلى عِظَمِ قدرته تعالى، وكَمالِ عَلَمِهِ وحِكْمَتِهِ. وكانَ عَدَمُ (p-258)زَكَرِيّا حِينَئِذٍ أظْهَرَ عِنْدَهُ، وأجْلى. وكانَ حالُهُ أوْلى بِأنْ يَكُونَ مِعْيارًا لِحالِ ما بُشِّرَ بِهِ نُسِبَ الخَلْقُ المَذْكُورُ إلَيْهِ، كَما نُسِبَ الخَلْقُ والتَّصْوِيرُ إلى المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ تَوْفِيَةً لِمَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ في تَضاعِيفِ خَلْقِ آدَمَ، ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ شَيْئًا أصْلًا بَلْ عَدَمًا بَحْتًا ونَفْيًا صِرْفًا هَذا. وأمّا حَمْلُ الشَّيْءِ عَلى المُعْتَدِّ بِهِ، أيْ: ولَمْ تَكُنْ شَيْئًا مُعْتَدًّا بِهِ فَيَأْباهُ المَقامُ، ويَرُدُّهُ نَظْمُ الكَلامِ، وقُرِئَ: (خَلَقْناكَ).
مريم 19:10
﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى تَحَقُّقِ المَسْؤُولِ، ووُقُوعِ الحَبَلِ. ولَمْ يَكُنْ هَذا السُّؤالُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَأْكِيدِ البِشارَةِ وتَحْقِيقِها، كَما قِيلَ. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ لِتَعْرِيفِ وقْتِ العُلُوقِ حَيْثُ كانَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ تَعْيِينِهِ، وهو أمْرٌ خَفِيٌّ لا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَأرادَ أنْ يُطْلِعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ لِيَتَلَقّى تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَلِيَّةَ بِالشُّكْرِ مِن حِينِ حُدُوثِها، ولا يُؤَخِّرُهُ إلى أنْ تَظْهَرَ ظُهُورًا مُعْتادًا. وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى أنَّ هَذا السُّؤالَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَعْدَما مَضى بَعْدَ البِشارَةِ بُرْهَةٌ مِنَ الزَّمانِ لِما رُوِيَ أنَّ يَحْيى كانَ أكْبَرَ مِن عِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، أوْ بِثَلاثِ سِنِينَ. ولا رَيْبَ في أنَّ دُعاءَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في صِغَرِ مَرْيَمَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ وهي إنَّما ولَدَتْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهي بِنْتُ عَشْرِ سِنِينَ أوْ بِنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. والجَعْلُ إبْداعِيٌّ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وتَقْدِيمُها عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن آيَةٍ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَها، وقِيلَ: بِمَعْنى التَّصْبِيرِ المُسْتَدْعِي لِمَفْعُولَيْنِ، أوْ لَهُما آيَةً، وثانِيهِما الظَّرْفُ، وتَقْدِيمُهُ؛ لِأنَّهُ لا مُسَوِّغَ لَكَوْنِ آيَةٌ مُبْتَدَأً عِنْدَ انْحِلالِ الجُمْلَةِ إلى مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ سِوى تَقْدِيمِ الظَّرْفِ فَلا يَتَغَيَّرُ حالُهُما بَعْدَ وُرُودِ النّاسِخِ.
﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ: أنْ لا تَقْدِرَ عَلى أنْ تُكَلِّمَهم بِكَلامِ النّاسِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ.
﴿ثَلاثَ لَيالٍ﴾ مَعَ أيّامِهِنَّ لِلتَّصْرِيحِ بِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
﴿سَوِيًّا﴾ حالٌ مِن فاعِلٍ تُكَلِّمَ مُفِيدٌ لِكَوْنِ انْتِفاءِ التَّكَلُّمِ بِطَرِيقِ الِاضْطِرارِ دُونَ الِاخْتِيارِ، أيْ: تُمْنَعُ الكَلامَ فَلا تُطِيقُ بِهِ حالَ كَوْنِكَ سِوى الخَلْقِ سَلِيمَ الجَوارِحِ ما بِكَ شائِبَةُ بَكَمٍ، ولا خَرَسٍ.
مريم 19:11
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ أيْ: مِنَ المُصَلّى، أوْ مِنَ الغُرْفَةِ. وكانُوا مِن وراءِ المِحْرابِ يَنْتَظِرُونَهُ أنْ يُفْتَحَ لَهُمُ البابُ فَيَدْخُلُوهُ، ويُصَلُّوا إذْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ مُتَغَيِّرًا لَوْنُهُ فَأنْكَرُوهُ، وقالُوا: ما لَكَ.
﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ أيْ: أوْمَأ إلَيْهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: "إلّا رَمْزًا" وقِيلَ: كَتَبَ عَلى الأرْضِ، وأنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ إمّا مُفَسِّرَةٌ لَأوْحى، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: أيْ صَلُّوا، أوْ بِأنْ صَلُّوا.
﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ هُما ظَرْفا زَمانٍ لِلتَّسْبِيحِ. عَنْ أبِي العالِيَةِ: أنَّ المُرادَ بِهِما صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، أوْ نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ، ولَعَلَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِأنْ يُسَبِّحَ شُكْرًا، ويَأْمُرَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ.
مريم 19:12
﴿يا يَحْيى﴾ اسْتِئْنافٌ طُوِيَ قَبْلَهُ جُمَلٌ كَثِيرَةٌ مُسارَعَةً إلى الإنْباءِ بِإنْجازِ الوَعْدِ الكَرِيمِ، أيْ: قُلْنا (p-259)يا يَحْيى، ﴿خُذِ الكِتابَ﴾ . التَّوْراةَ ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أيْ: بِجِدٍّ، واسْتِظْهارٍ بِالتَّوْفِيقِ.
﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الحُكْمُ النُّبُوَّةُ اسْتَنْبَأهُ، وهو ابْنُ ثَلاثِ سِنِينَ. وقِيلَ: الحُكْمُ الحِكْمَةُ، وفَهْمُ التَّوْراةِ، والفِقْهُ في الدِّينِ. رُوِيَ أنَّهُ دَعاهُ الصِّبْيانُ إلى اللَّعِبِ فَقالَ: ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا.
مريم 19:13
﴿وَحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ عَطْفٌ عَلى الحُكْمِ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ. وهو التَّحَنُّنُ والِاشْتِياقُ. و "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: وآتَيْناهُ رَحْمَةً عَظِيمَةً عَلَيْهِ كائِنَةً مِن جَنابِنا، أوْ رَحْمَةً في قَلْبِهِ وشَفَقَةً عَلى أبَوَيْهِ، وغَيْرِهِما.
﴿وَزَكاةً﴾ أيْ طَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ صَدَقَةً تَصَدَّقْنا بِهِ عَلى أبَوَيْهِ، أوْ وفَّقْناهُ لِلتَّصْدِيقِ عَلى النّاسِ.
﴿وَكانَ تَقِيًّا﴾ مُطِيعًا مُتَجَنِّبًا عَنِ المَعاصِي.
مريم 19:14
﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ عَطْفٌ عَلى تَقِيًّا، أيْ: بارًّا بِهِما، لَطِيفًا بِهِما، مُحْسِنًا إلَيْهِما.
﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ مُتَكَبِّرًا عاقًّا لَهُما، أوْ عاصِيًا لِرَبِّهِ.
مريم 19:15
﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ مِن أنْ يَنالَهُ الشَّيْطانُ بِما يَنالُ بِهِ بَنِي آدَمَ.
﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ مِن عَذابِ القَبْرِ ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ مِن هَوْلِ القِيامَةِ، وعَذابِ النّارِ.
مريم 19:16
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾ مُسْتَأْنِفٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وأُمِرَ بِذِكْرِ قِصَّةِ مَرْيَمَ إثْرَ قِصَّةِ زَكَرِيّا لِما بَيْنَهُما مِن كَمالِ الِاشْتِباكِ، والمُرادُ بِالكِتابِ: السُّورَةُ الكَرِيمَةُ، لا القرآن. إذْ هي الَّتِي صُدِّرَتْ بِقِصَّةِ زَكَرِيّا المُسْتَتْبَعَةِ لِذِكْرِ قِصَّتِها، وقَصَصِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ فِيها، أيْ: واذْكُرْ لِلنّاسِ.
﴿مَرْيَمَ﴾ أيْ: نَبَأها فَإنَّ الذِّكْرَ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ ظَرْفٌ لِذَلِكَ المُضافِ لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِهِ ذَكَرَ نَبْذَها عِنْدَ انْتِباذِها فَقَطْ، بَلْ كُلُّ ما عُطِفَ عَلَيْهِ. وحُكِيَ بَعْدَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ داخِلٌ في حَيِّزِ الظَّرْفِ مُتَمِّمٌ لِلنَّبَأِ، وقِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَرْيَمَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها: نَبَؤُها. فَإنَّ الظُّرُوفَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها، وقِيلَ: بَدَلُ الكُلِّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالظَّرْفِ ما وقَعَ فِيهِ، وقِيلَ: إذْ بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةِ، كَما في قَوْلِكَ: أكْرَمْتُكَ إذْ لَمْ تُكْرِمْنِي، أيْ: لِأنْ لَمْ تُكْرِمْنِي فَهو بَدَلُ اشْتِمالٍ لا مَحالَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أهْلِها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "انْتَبَذَتْ" وقَوْلُهُ: ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ بِاعْتِبارِ ما في ضِمْنِهِ مِن مَعْنى الإتْيانِ المُتَرَتِّبِ وُجُودًا واعْتِبارًا عَلى أصْلِ مَعْناهُ العامِلِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وهو السِّرُّ في تَأْخِيرِهِ عَنْهُ، أيِ: اعْتَزَلَتْ، وانْفَرَدَتْ مِنهُمْ، وأتَتْ مَكانًا شَرْقِيًّا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، أوْ مِن دارِها لِتَتَخَلّى هُنالِكَ لِلْعِبادَةِ. وقِيلَ: قَعَدَتْ مُشْرِقَةً لِتَغْتَسِلَ مِنَ الحَيْضِ مُحْتَجِبَةً بِحائِطٍ، أوْ بِشَيْءٍ يَسْتُرُها، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:
مريم 19:17
﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ وكانَ مَوْضِعُها المَسْجِدَ فَإذا حاضَتْ تَحَوَّلَتْ إلى بَيْتِ خالَتِها، وإذا طَهُرَتْ عادَتْ إلى المَسْجِدِ فَبَيْنَما هي (p-260)فِي مُغْتَسَلِها أتاها المَلَكُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في صُورَةٍ آدَمِيٍّ شابٍّ أمْرَدَ، وضِيءِ الوَجْهِ جَعْدِ الشَّعَرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ أيْ: جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَوْفِيَةً لِلْمَقامِ حَقَّهُ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ الرّاءِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِما فِيهِ مِن رُوحُ العِبادِ الَّذِي هو عُدَّةُ المُقَرَّبِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ .
﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ سَوِيَّ الخَلْقِ كامِلَ البُنِّيَّةِ، لَمْ يَفْقِدْ مِن حِسانِ نُعُوتِ الآدَمِيَّةِ شَيْئًا. وقِيلَ تَمَثَّلَ في سُورَةِ تِرْبٍ لَها اسْمُهُ يُوسُفُ مِن خَدَمِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وذَلِكَ لِتَسْتَأْنِسَ بِكَلامِهِ، وتَتَلَقّى مِنهُ ما يُلْقِي إلَيْها مِن كَلِماتِهِ تَعالى إذْ لَوْ بَدا لَها عَلى الصُّورَةِ المَلَكِيَّةِ لَنَفَرَتْ مِنهُ، ولَمْ تَسْتَطِعْ مُفاوَضَتَهُ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ لِتَهْيِيجِ شَهْوَتِها فَتَنْحَدِرُ نُطْفَتُها إلى رَحِمِها، فَمَعَ مُخالَفَتِهِ لِمَقامِ بَيانِ آثارِ القُدْرَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ يُكَذِّبُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
مريم 19:18
﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ﴾ فَإنَّهُ شاهِدٌ عَدْلٌ بِأنَّهُ لَمْ يَخْطِرْ بِبالِها شائِبَةُ مَيْلٍ ما إلَيْهِ فَضْلًا عَمّا ذُكِرَ مِنَ الحالَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أقْصى مَراتِبِ المَيْلِ والشَّهْوَةِ، نَعَمْ كانَ تَمْثِيلُهُ عَلى ذَلِكَ الحُسْنِ الفائِقِ والجَمالِ الرّائِقِ لِابْتِلائِها، وسَبْرِ عِفَّتِها، ولَقَدْ ظَهَرَ مِنها مِنَ الوَرَعِ والعَفافِ ما لا غايَةَ وراءَهُ، وذِكْرُهُ تَعالى بِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في العِياذِ بِهِ تَعالى، واسْتِجْلابِ آثارِ الرَّحْمَةِ الخاصَّةِ الَّتِي هي العِصْمَةُ مِمّا دَهِمَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أيْ: تَتَّقِي اللَّهَ تَعالى، وتُبالِي بِالِاسْتِعاذَةِ بِهِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، أيْ: فَإنِّي عائِذَةٌ بِهِ، أوْ فَتَعُوذُ بِتَعَوُّذِي، أوْ فَلا تَتَعَرَّضْ لِي.
مريم 19:19
﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ يُرِيدُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنِّي لَسْتُ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ ما تَوَهَّمْتِ مِنَ الشَّرِّ، وإنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ.
﴿لأهَبَ لَكِ غُلامًا﴾ أيْ: لِأكُونَ سَبَبًا في هِبَتِهِ بِالنَّفْخِ في الدِّرْعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حِكايَةً لِقَوْلِهِ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالياءِ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِها لِتَشْرِيفِها، وتَسْلِيَتِها، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ هِبَةَ الغُلامِ لَها مِن أحْكامِ تَرْبِيَتِها، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ أمَرَنِي أنْ أهَبَ لَكِ غُلامًا.
﴿زَكِيًّا﴾ طاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ نامِيًا عَلى الخَيْرِ، أيْ: مُتَرَقِّيًا مِن سِنٍّ إلى سِنٍّ عَلى الخَيْرِ والصَّلاحِ.
مريم 19:20
﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ كَما وصَفْتَ ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يُباشِرْنِي بِالنِّكاحِ رَجُلٌ، وإنَّما قِيلَ بَشَرٌ مُبالِغَةً في بَيانِ تَنَزُّهِها مِن مَبادِئِ الوِلادَةِ ﴿وَلَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ عَطْفٌ عَلى لَمْ يَمْسَسْنِي داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الحالِيَّةِ مُفْصِحٌ عَنْ كَوْنِ المِساسِ، عِبارَةً عَنِ المُباشَرَةِ بِالنِّكاحِ، أيْ: ولَمْ أكُنْ فاجِرَةً تَبْغِي الرِّجالَ، وهي فَعُولٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، أصْلُها بَغُويٌّ. فَأدْغَمَتِ الواوُ بَعْدَ قَلْبِها ياءً في الياءِ، وكُسِرَتِ الغَيْنُ لِلْياءِ. وقِيلَ: هي فَعِيلٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، وإلّا لَقِيلَ بَغُوٌّ، كَما يُقالُ: فُلانٌ نَهُوٌّ عَنِ المُنْكَرِ وإنَّما لَمْ تَلْحَقْهُ التّاءُ؛ لِأنَّها مِن بابِ النَّسَبِ كَطالِقٍ. أوْ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: يَبْغِيها الرِّجالُ لِلْفُجُورِ بِها.
مريم 19:21
﴿قالَ﴾ أيِ: (p-261)المَلَكُ. تَقْرِيرًا لِمَقالَتِهِ، وتَحْقِيقًا لَها.
﴿كَذَلِكِ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما قُلْتُ لَكِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ ... إلَخِ. اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لَهُ، أيْ: قالَ رَبُّكِ الَّذِي أرْسَلَنِي إلَيْكِ.
﴿هُوَ﴾ أيْ: ما ذَكَرْتُ لَكِ مِن هِبَةِ الغُلامِ مِن غَيْرِ أنْ يَمَسَّكِ بَشَرٌ أصْلًا ﴿عَلَيَّ﴾ خاصَّةً ﴿هَيِّنٌ﴾ وإنْ كانَ مُسْتَحِيلًا عادَةً لِما أنِّي لا أحْتاجُ إلى الأسْبابِ، والوَسائِطِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ إمّا عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ولِنَجْعَلَ وهْبَ الغُلامِ آيَةً لَهُمْ، وبُرْهانًا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا نَفْعَلُ ذَلِكَ. أوْ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُضْمَرَةٍ، أيْ: لِنُبَيِّنَ بِهِ عِظَمَ قُدْرَتِنا، ولِنَجْعَلَهُ آيَةً ... إلَخْ. والواوُ عَلى الأوَّلِ اعْتِراضِيَّةٌ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإظْهارِ كَمالِ الجَلالَةِ.
﴿وَرَحْمَةً﴾ عَظِيمَةً كائِنَةً ﴿مِنّا﴾ عَلَيْهِمْ يَهْتَدُونَ بِهِدايَتِهِ، ويَسْتَرْشِدُونَ بِإرْشادِهِ.
﴿وَكانَ﴾ ذَلِكَ ﴿أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ مُحْكَمًا قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ قَضاؤُنا الأزَلِيُّ، أوْ قُدِّرَ وسُطِّرَ في اللَّوْحِ، لا بُدَّ مِن جَرَيانِهِ عَلَيْكَ البَتَّةَ، أوْ كانَ أمْرًا حَقِيقِيًّا، بِأنْ يُقْضى ويُفْعَلَ، لِتَضَمُّنِهِ حِكَمًا بالِغَةً.
مريم 19:22
﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ بِأنْ نَفَخَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في دِرْعِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ في جَوْفِها، قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَفَعَ دِرْعَها فَنَفَخَ في جَيْبِهِ فَحَمَلَتْ، وقِيلَ: نَفَخَ عَنْ بُعْدٍ فَوَصَلَ الرِّيحُ إلَيْها فَحَمَلَتْ في الحالِ، وقِيلَ: إنَّ النَّفْحَةَ كانَتْ في فِيها، وكانَتْ مُدَّةُ حَمْلِها سَبْعَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةً. ولَمْ يَعِشْ مَوْلُودٌ وُضِعَ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ غَيْرُهُ، وقِيلَ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَلاثُ ساعاتٍ، وقِيلَ: ساعَةٌ. كَما حَمَلَتْ وضَعَتْهُ، وسِنُّها حِينَئِذٍ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: عَشْرُ سِنِينَ. وقَدْ حاضَتْ حَيْضَتَيْنِ.
﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أيْ: فاعْتَزَلَتْ، وهو في بَطْنِها، كَما في قَوْلِهِ:
؎ تَدُوسُ بِنا الجَماجِمَ والنَّرِيبا
فالجارُّ والمَجْرُورُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: فانْتَبَذَتْ مُلْتَبِسَةً بِهِ.
﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ بَعِيدًا مِن أهْلِها وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: أقْصى الدّارِ، وهو الأنْسَبُ بِقِصَرِ مُدَّةِ الحَمْلِ.
مريم 19:23
﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ أيْ: فَألْجَأها. وهو في الأصْلِ مَنقُولٌ مِن جاءَ، لَكِنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ كَآتى في أعْطى، وقُرِئَ: (المِخاضُ) بِكَسْرِ المِيمِ، وكِلاهُما مَصْدَرُ مَخِضَتِ المَرْأةُ إذا تَحَرَّكَ الوَلَدُ في بَطْنِها لِلْخُرُوجِ.
﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ لِتَسْتَتِرَ بِهِ، وتَعْتَمِدَ عَلَيْهِ عِنْدَ الوِلادَةِ، وهو ما بَيْنَ العِرْقِ والغُصْنِ، وكانَتْ نَخْلَةً يابِسَةً لا رَأْسَ لَها ولا خُضْرَةَ، وكانَ الوَقْتُ شِتاءً. والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ، أوْ لِلْعَهْدِ، إذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ غَيْرُها. وكانَتْ كالمُتَعالِمِ عِنْدَ النّاسِ، ولَعَلَّهُ تَعالى ألْهَمَها ذَلِكَ لِيُرِيَها من آياتها ما يُسَكِّنُ رَوْعَتَها، ويُطْعِمُها الرُّطَبَ الَّذِي هو خُرْسَةُ النُّفَساءِ المُوافِقَةُ لَها.
﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ماتَ يَماتُ كَخِفْتُ، وقُرِئَ: بِضَمِّها مَن ماتَ يَمُوتُ.
﴿قَبْلَ هَذا﴾ أيْ: هَذا الوَقْتِ الَّذِي لَقِيتُ فِيهِ ما لَقِيتُ، وإنَّما قالَتْهُ مَعَ أنَّها كانَتْ تَعْلَمُ ما جَرى بَيْنَها وبَيْنَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ اسْتِحْياءً مِنَ النّاسِ، وخَوْفًا مِن لائِمَتِهِمْ. أوْ حِذارًا مِن وُقُوعِ النّاسِ في المَعْصِيَةِ بِما تَكَلَّمُوا فِيها، أوْ جَرْيًا عَلى سَنَنِ الصّالِحِينَ عِنْدَ اشْتِدادِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ. كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ أخَذَ تِبْنَةً مِنَ الأرْضِ، فَقالَ: يا لَيْتَنِي هَذِهِ التَّبِنَةُ، ولَمْ أكُنْ شَيْئًا. وعَنْ بِلالٍ أنَّهُ قالَ: لَيْتَ بِلالًا لَمْ تَلِدْهُ أُمُّهُ.
﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ أيْ: شَيْئًا تافِهًا شَأْنُهُ أنْ يُنْسى، ولا يُعْتَدَّ بِهِ أصْلًا. وقُرِئَ: بِالكَسْرِ. قِيلَ: هُما لُغَتانِ في ذَلِكَ كالوَتْرِ والوِتْرِ، وقِيلَ: هو بِالكَسْرِ اسْمٌ لِما يُنْسى كالنِّقْضِ اسْمٌ (p-262)لِما يُنْقَضُ، وبِالفَتْحِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ مُبالَغَةً. وقُرِئَ بِهِما: مَهْمُوزًا مِن نَسَأْتُ اللَّبَنَ إذا صَبَبْتَ عَلَيْهِ الماءَ، فَصارَ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ، وقُرِئَ: نَسًا كَعَصًا.
﴿مَنسِيًّا﴾ لا يَخْطِرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ، وهو نَعْتٌ لِلْمُبالِغَةِ. وقُرِئَ: بِكَسْرِ المِيمِ إتْباعًا لَهُ بِالسِّينِ.
مريم 19:24
﴿فَناداها﴾ أيْ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مِن تَحْتِها﴾ قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقْبَلُ الوَلَدَ، وقِيلَ: مِن تَحْتِها، أيْ: مِن مَكانٍ أسْفَلَ مِنها تَحْتَ الأكَمَةِ، وقِيلَ: مِن تَحْتِ النَّخْلَةِ، وقِيلَ: ناداها عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقُرِئَ: فَخاطَبَها مَن تَحْتَها بِفَتْحِ المِيمِ.
﴿ألا تَحْزَنِي﴾ أيْ: لا تَحْزَنِي عَلى أنَّ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ. أوْ بِأنْ لا تَحْزَنِي عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ قَدْ حُذِفَ عَنْها الجارُّ.
﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ﴾ أيْ: بِمَكانٍ أسْفَلَ مِنكِ، وقِيلَ: تَحْتَ أمْرِكِ إنْ أمَرْتِ بِالجَرْيِ جَرى، وإنْ أمْرَتِ بِالإمْساكِ أمْسَكَ.
﴿سَرِيًّا﴾ أيْ: نَهَرًا صَغِيرًا حَسْبَما رُوِيَ مَرْفُوعًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ الأرْضَ، فَظَهَرَتْ عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ، فَجَرى جَدْوَلًا. وقِيلَ: فَعَلَهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: كانَ هُناكَ نَهَرٌ يابِسٌ أجْرى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ الماءَ حِينَئِذٍ، كَما فَعَلَ مِثْلَهُ بِالنَّخْلَةِ فَإنَّها كانَتْ نَخْلَةً يابِسَةً لا رَأْسَ لَها ولا ورَقَ، فَضْلًا عَنِ الثَّمَرِ. وكانَ الوَقْتُ شِتاءً فَجَعَلَ اللَّهُ لَها إذْ ذاكَ رَأْسًا وخُوصًا وثَمَرًا. وقِيلَ: كانَ هُناكَ ماءٌ جارٍ. والأوَّلُ هو المُوافِقُ لِمَقامِ بَيانِ ظُهُورِ الخَوارِقِ، والمُتَبادِرُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ. وقِيلَ: سَرِيًّا، أيْ: سَيِّدًا نَبِيلًا رَفِيعَ الشَّأْنِ جَلِيلًا؛ وهو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ الحُزْنِ المَفْهُومِ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِها لِتَشْرِيفِها، وتَأْكِيدِ التَّعْلِيلِ، وتَكْمِيلِ التَّسْلِيَةِ.
مريم 19:25
﴿وَهُزِّي﴾ هَزُّ الشَّيْءِ تَحْرِيكُهُ إلى الجِهاتِ المُتَقابِلَةِ تَحْرِيكًا عَنِيفًا مُتَدارِكًا. والمُرادُ هَهُنا: ما كانَ مِنهُ بِطَرِيقِ الجَذْبِ والدَّفْعِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْكِ﴾ أيْ: إلى جِهَتِكِ. و "الباءُ" في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ صِلَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ ... إلَخْ. قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، وأخَذَ الخِطامَ وأخَذَ بِالخِطامِ. أوْ لِإلْصاقِ الفِعْلِ بِمَدْخُولِها، أيِ: افْعَلِي الهَزَّ بِجِذْعِها، أوْ هُزِّي الثَّمَرَةَ بِهَزِّهِ. وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ الهَزِّ، أيْ: هُزِّي إلَيْكِ الرُّطَبَ كائِنًا بِجِذْعِها.
﴿تُساقِطْ﴾ أيْ: تُسْقِطِ النَّخْلَةُ.
﴿عَلَيْكِ﴾ إسْقاطًا مُتَواتِرًا حَسَبِ تَواتُرِ الهَزِّ، وقُرِئَ (تُسْقِطْ) و (يُسْقِطْ) مِنَ الإسْقاطِ بِالتّاءِ والياءِ، وتَتَساقَطْ بِإظْهارِ التّاءَيْنِ، وتَساقَطْ بِطَرْحِ الثّانِيَةِ، وتَسّاقَطْ بِإدْغامِها في السِّينِ، ويَسّاقَطْ بِالياءِ كَذَلِكَ، وتَسْقُطْ ويَسْقُطْ مِنَ السُّقُوطِ عَلى أنَّ التّاءَ في الكُلِّ لِلنَّخْلَةِ، والياءَ لِلْجِذْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُطَبًا﴾ عَلى القِراءاتِ الثَّلاثِ. الأوَّلُ مَفْعُولٌ. وعَلى السِّتِّ البَواقِي تَمْيِيزٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنِيًّا﴾ صِفَةٌ لَهُ، وهو ما قُطِعَ قَبْلَ يَبْسِهِ. فَعِيلَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: رُطَبًا مَجْنِيًّا. أيْ: صالِحًا لِلِاجْتِناءِ. وقِيلَ: بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ: طَرِيًّا طَيِّبًا، وقُرِئَ: (جِنِيًّا) بِكَسْرِ الجِيمِ لِلِاتِّباعِ.
مريم 19:26
﴿فَكُلِي واشْرَبِي﴾ (p-263)أيْ: ذَلِكَ الرُّطَبَ، وماءَ السَّرِيِّ. أوْ مِنَ الرُّطَبِ وعَصِيرِهِ.
﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ وطِيبِي نَفْسًا، وارْفُضِي عَنْها ما أحْزَنَكِ وأهَمَّكِ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ نَزَّهَ ساحَتَكِ عَمّا اخْتَلَجَ في صُدُورِ المُتَعَبِّدِينَ بِالأحْكامِ العادِيَّةِ بِأنْ أظْهَرَ لَهم مِنَ البَسائِطِ العُنْصُرِيَّةِ، والمُرَكَّباتِ النَّباتِيَّةِ ما يَخْرِقُ العاداتِ التَّكْوِينِيَّةَ، ويُرْشِدُهم إلى الوُقُوفِ عَلى سَرِيرَةِ أمْرِكِ، وقُرِئَ: (وَقِرِّي) بِكَسْرِ القافِ، وهي لُغَةُ نَجْدٍ. واشْتِقاقُهُ مِنَ القَرارِ، فَإنَّ العَيْنَ إذا رَأتْ ما يُسِرُّ النَّفْسَ سَكَنَتْ إلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ إلى غَيْرِهِ، أوْ مِنَ القَرِّ، فَإنَّ دَمْعَةَ السُّرُورِ بارِدَةٌ، ودَمْعَةَ الحُزْنِ حارَّةٌ. ولِذَلِكَ يُقالُ: قُرَّةُ العَيْنِ، وسُخْنَةُ العَيْنِ لِلْمَحْبُوبِ والمَكْرُوهِ.
﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ أيْ: آدَمِيًّا كائِنًا مَن كانَ، وقُرِئَ: (تَرَئِنَّ) عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: لَبَّأْتُ بِالحَجِّ. لِما بَيْنَ الهَمْزَةِ والياءِ مِنَ التَّآخِي.
﴿فَقُولِي﴾ لَهُ إنِ اسْتَنْطَقَكِ.
﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ: صَمْتًا وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ، أوْ صِيامًا وكانَ صِيامُهم بِالسُّكُوتِ.
﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ أخْبَرْتُكم بِنَذْرِي، وإنَّما أُكَلِّمُ المَلائِكَةَ، وأُناجِي رَبِّي. وقِيلَ: أُمِرَتْ بِأنْ تُخْبِرَ بِنَذْرِها بِالإشارَةِ، وهو الأظْهَرُ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ ما وصَلَ إلى الإنْسانِ كَلامًا بِأيِّ طَرِيقٍ وصَلَ ما لَمْ يُؤَكَّدْ بِالمَصْدَرِ، فَإذا أُكِّدَ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةُ الكَلامِ، وإنَّما أُمِرَتْ بِذَلِكَ لِكَراهَةِ مُجادِلَةِ السُّفَهاءِ، ومُناقِلَتِهِمْ. والِاكْتِفاءِ بِكَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ نَصٌّ قاطِعٌ في قَطْعِ الطَّعْنِ.
مريم 19:27
﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها﴾ أيْ: جاءَتْهم مَعَ ولَدِها راجِعَةً إلَيْهِمْ عِنْدَما طَهُرَتْ مِن نَفْسِها.
﴿تَحْمِلُهُ﴾ أيْ: حامِلَةً لَهُ.
﴿قالُوا﴾ مُؤَنَّبِينَ لَها ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ.
﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ أيْ: عَظِيمًا بَدِيعًا، مُنْكَرًا مِن فَرى الجِلْدَ، أيْ: قَطَعَهُ، أوْ جِئْتِ مَجِيئًا عَجِيبًا، عَبَّرَ عَنْهُ بِالشَّيْءِ تَحْقِيقًا لِلِاسْتِغْرابِ.
مريم 19:28
﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَجْدِيدِ التَّعْبِيرِ، وتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ، عَنَوْا بِهِ هارُونَ النَّبِيَّ ﷺ، وكانَتْ مِن أعْقابِ مَن كانَ مَعَهُ في طَبَقَةِ الأُخُوَّةِ، وقِيلَ: كانَتْ مِن نَسْلِهِ، وكانَ بَيْنَهُما ألْفُ سَنَةٍ. وقِيلَ: هو رَجُلٌ صالِحٌ، أوْ طالِحٌ كانَ في زَمانِهِمْ شَبَّهُوها بِهِ، أيْ: كُنْتِ عِنْدَنا مِثْلَهُ في الصَّلاحِ، أوْ شَتَمُوها بِهِ.
﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ ما جاءَتْ بِهِ فَرِيًّا مُنْكَرًا، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ارْتِكابَ الفَواحِشِ مِن أوْلادِ الصّالِحِينَ أفْحَشُ.
مريم 19:29
﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ كَلِّمُوهُ، والظّاهِرُ أنَّها حِينَئِذٍ بَيَّنَتْ نَذْرَها، وأنَّها بِمَعْزِلٍ عَنْ مُحاوَرَةِ الإنْسِ حَسْبَما أُمِرَتْ. فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ بَيانُ نَذْرِها بِالإشارَةِ لا بِالعِبارَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مِمّا لا عَهْدَ بِهِ.
﴿قالُوا﴾ مُنْكِرِينَ لِجَوابِها ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾، ولَمْ نَعْهَدْ فِيما سَلَفَ صَبِيًّا يُكَلِّمُهُ عاقِلٌ، وقِيلَ: كانَ لِإيقاعِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ في زَمانٍ ماضٍ مُبْهَمٍ صالِحٍ لِقَرِيبِهِ وبِعِيدِهِ، وهو هَهُنا لِقَرِيبِهِ خاصَّةً بِدَلِيلِ أنَّهُ مَسُوقٌ لِلتَّعَجُّبِ. وقِيلَ: هي زائِدَةٌ. والظَّرْفُ صِلَةُ مَن و "صَبِيًّا" حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، أوْ هي تامَّةٌ، أوْ دائِمَةٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " وكانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا " .
مريم 19:30
(p-264)﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن سِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ . أنْطَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ آثَرَ ذِي أثِيرٍ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ، ورَدًّا عَلى مَن يَزْعُمُ رُبُوبِيَّتَهُ. قِيلَ: كانَ المُسْتَنْطِقُ لِعِيسى زَكَرِيّا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. وعَنِ السُّدِّيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا أشارَتْ إلَيْهِ غَضِبُوا، وقالُوا: لَسُخْرِيَتُها بِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِمّا فَعَلَتْ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَرْضَعُ فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ تَرَكَ الرَّضاعَ، وأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، واتَّكَأ عَلى يَسارِهِ، وأشارَ إلَيْهِمْ بِسَبّابَتِهِ فَقالَ ما قالَ... إلَخْ. وقِيلَ: كَلَّمَهم بِذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى بَلَغَ مَبْلَغًا يَتَكَلَّمُ فِيهِ الصِّبْيانُ.
﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيِ: الإنْجِيلَ ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ .
مريم 19:31
﴿وَجَعَلَنِي﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿مُبارَكًا﴾ نَفّاعًا مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ. والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الماضِي في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ إمّا بِاعْتِبارِ ما سَبَقَ في القَضاءِ المَحْتُومِ، أوْ بِجَعْلِ ما في شَرَفِ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ واقِعًا، وقِيلَ: أكْمَلَهُ اللَّهُ عَقْلًا، واسْتَنْبَأهُ طِفْلًا.
﴿أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ.
﴿وَأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها أمْرًا مُؤَكَّدًا.
﴿والزَّكاةِ﴾ زَكاةِ المالِ إنْ مَلَكْتُهُ، أوْ بِتَطْهِيرِ النَّفْسِ عَنِ الرَّذائِلِ.
﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ في الدُّنْيا.
مريم 19:32
﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ عَطْفٌ عَلى مُبارَكًا، أيْ: جَعَلَنِي بارًّا بِها، وقُرِئَ: بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالِغَةً، أوْ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ أوْصانِي، أيْ: وكَلَّفَنِي بَرًّا، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالكَسْرِ، والجَرِّ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ والزَّكاةِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ عَنِيدًا لِلَّهِ تَعالى لِفَرْطِ تَكَبُّرِهِ.
مريم 19:33
﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ كَما هو عَلى يَحْيى عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ، والأظْهَرُ أنَّهُ لِلْجِنْسِ، والتَّعْرِيضِ بِاللَّعْنِ عَلى أعْدائِهِ، فَإنَّ إثْباتَ جِنْسِ السَّلامِ لِنَفْسِهِ تَعْرِيضٌ بِإثْباتِ ضِدِّهِ لِأضْدادِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ بِأنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى.
مريم 19:34
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن فُصِّلَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ وامْتِيازِهِ بِتِلْكَ المَناقِبِ الحَمِيدَةِ عَنْ غَيْرِهِ، ونُزُولِهِ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ المَحْسُوسِ ﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، لا ما يَصِفُهُ النَّصارى، وهو تَكْذِيبٌ لَهم فِيما يَزْعُمُونَهُ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ والمِنهاجِ البُرْهانِيِّ، حَيْثُ جَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِأضْدادِ ما يَصِفُونَهُ.
﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ "قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ... إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو قَوْلُ الحَقِّ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، والإضافَةُ لِلْبَيانِ، والضَّمِيرُ لِلْكَلامِ السّابِقِ أوْ لِتَمامِ القِصَّةِ، وقِيلَ: صِفَةُ عِيسى، أوْ بَدَلُهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. (p-265)وَمَعْناهُ: كَلِمَةُ اللَّهِ. وقُرِئَ: (قالَ الحَقُّ) و (قَوْلَ الحَقِّ). فَإنَّ القَوْلَ والقالَ في مَعْنى واحِدٍ.
﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ: يَشُكُّونَ أوْ يَتَنازَعُونَ. فَيَقُولُ اليَهُودُ: ساحِرٌ، والنَّصارى: ابْنُ اللَّهِ، وقُرِئَ: بِتاءِ الخِطابِ.
مريم 19:35
﴿ما كانَ لِلَّهِ﴾ أيْ: ما صَحَّ، وما اسْتَقامَ لَهُ تَعالى.
﴿أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ تَكْذِيبٌ لِلنَّصارى، وتَنْزِيهٌ لَهُ تَعالى عَمّا بَهَتُوهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم بِبَيانِ أنَّ شَأْنَهُ تَعالى إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ أنَّ يُعَلِّقَ بِهِ إرادَتَهُ فَيَكُونَ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ، فَمْنْ هَذا شَأْنُهُ، كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ؟! وقُرِئَ: (فَيَكُونَ) بِالنَّصْبِ عَلى الجَوابِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
مريم 19:36
﴿وَإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "إني عَبْدُ اللَّهِ" داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ، وقَدْ قُرِئَ: بِغَيْرِ واوٍ، وقُرِئَ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ اللّامِ، أيْ: ولِأنَّهُ تَعالى رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الصَّلاةِ.
﴿هَذا﴾ أيِ: الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنَ التَّوْحِيدِ.
﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ لا يَضِلُّ سالِكُهُ. و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى:
مريم 19:37
﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبِلَها تَنْبِيهًا عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِجَعْلِهِمْ ما يُوجِبُ الِاتِّفاقَ مُنْشَأً لِلِاخْتِلافِ، فَإنَّ ما حُكِيَ مِن مَقالاتِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَوْنِها نُصُوصًا قاطِعَةً في كَوْنِهِ عَبْدَهُ تَعالى ورَسُولَهُ، قَدِ اخْتَلَفَتِ اليَهُودُ والنَّصارى بِالتَّفْرِيطِ والإفْراطِ، أوْ فَرَّقَ النَّصارى، فَقالَتِ النُّسْطُورِيَّةُ: هو ابْنُ اللَّهِ. وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ، ثُمَّ صَعَدَ إلى السَّماءِ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وقالَتِ المَلْكانِيَّةُ: هو عَبْدُ اللَّهِ ونَبِيُّهُ.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهْمُ المُخْتَلِفُونَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ إيذانًا بِكُفْرِهِمْ جَمِيعًا، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمٍ عَظِيمِ الهَوْلِ، والحِسابِ، والجَزاءِ: وهو يَوْمُ القِيامَةِ. أوْ مِن وقْتِ شُهُودِهِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وهو أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وألْسِنَتُهُمْ، وآذانُهُمْ، وأيْدِيهِمْ، وأرْجُلُهُمْ، وسائِرُ آرابِهِمْ بِالكُفْرِ والفُسُوقِ. أوْ مِن وقْتِ الشَّهادَةِ، أوْ مِن مَكانِها. وقِيلَ: هو ما شَهِدُوا بِهِ في حَقِّ عِيسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ.
مريم 19:38
﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ تَعَجُّبٌ مِن حِدَّةِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومَعْناهُ أنَّ أسْماعَهم وأبْصارِهِمْ.
﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ. جَدِيرٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنها بَعْدَ أنْ كانُوا في الدُّنْيا صُمًّا عُمْيًا، أوْ تَهْدِيدٌ بِما سَيَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ يَوْمَئِذٍ، وقِيلَ: أُمِرَ بِأنْ يُسْمِعَهم ويُبْصِرَهم مَواعِيدَ ذَلِكَ اليَوْمَ، وما يَحِيقُ بِهِمْ فِيهِ. والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلِ في مَوْقِعِ الرَّفْعِ، وعَلى الثّانِي في حَيِّزِ النَّصْبِ.
﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا (p-266)﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لا تُدْرَكُ غايَتُهُ حَيْثُ أغْفَلُوا الِاسْتِماعَ والنَّظَرَ بِالكُلِّيَّةِ، ووَضْعُ الظّالِمِينَ مَوْضِعُ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم في ذَلِكَ ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ.
مريم 19:39
﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُ النّاسُ قاطِبَةً، أمّا المُسِيءُ فَعَلى إساءَتِهِ، وأمّا المُحْسِنُ فَعَلى قِلَّةِ إحْسانِهِ.
﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ، وتَصادَرُ الفَرِيقانِ إلى الجَنَّةِ والنّارِ. رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: "حِينَ يُجاءُ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيَذْبَحُ، والفَرِيقانِ يَنْظُرُونَ فَيُنادِي المُنادِي: يا أهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ. ويا أهْلَ النّارِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ. فَيَزْدادُ أهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إلى فَرَحٍ، وأهْلُ النّارِ غَمًّا إلى غَمٍّ» ". و "إذْ" بَدَلٌ مِن "يَوْمَ الحَسْرَةِ"، أوْ ظَرْفٌ "لِلْحَسْرَةِ" فَإنَّ المَصْدَرَ المُعَرَّفَ بِاللّامِ يَعْمَلُ في المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، فَكَيْفَ بِالظَّرْفِ؟ ﴿وَهم في غَفْلَةٍ﴾ أيْ: عَمّا يُفْعَلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ.
﴿وَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ وهْما جُمْلَتانِ حالِيَّتانِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" أيْ: مُسْتَقِرُّونَ في ذَلِكَ. وهم في تِينِكَ الحالَتَيْنِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ مِن مَفْعُولِ أنْذِرْهُمْ، أيْ: أنْذِرْهم غافِلِينَ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ. فَيَكُونُ حالًا مُتَضَمِّنَةً لِمَعْنى التَّعْلِيلِ.
مريم 19:40
﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ لا يُبْقى لِأحَدٍ غَيْرِنا عَلَيْها وعَلَيْهِمْ مُلْكٌ ولا مَلِكَ، أوْ نَتَوَفّى الأرْضَ ومَن عَلَيْها بِالإفْناءِ والإهْلاكِ تُوَفِّيَ الوارِثُ لِإرْثِهِ.
﴿وَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ لِلْجَزاءِ لا إلى غَيْرِنا اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا.
مريم 19:41
﴿واذْكُرْ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْذِرْهم.
﴿فِي الكِتابِ﴾ أيْ: في السُّورَةِ، أوْ في القرآن.
﴿إبْراهِيمَ﴾ أيِ: اتْلُ عَلى النّاسِ قِصَّتَهُ، وبَلِّغْها إيّاهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ فَإنَّهم يَنْتَمُونَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَساهم بِاسْتِماعِ قِصَّتِهِ يُقْلِعُونَ عَمّا هم في مِنَ القَبائِحِ.
﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا﴾ مُلازِمًا لِلصِّدْقِ في كُلِّ ما يَأْتِي ويَذْرُ، أوْ كَثِيرَ التَّصْدِيقِ لِكَثْرَةِ ما صَدَقَ بِهِ مِن غُيُوبِ اللَّهِ تَعالى، وآياتِهِ، وكُتُبِهُ، ورُسُلِهُ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلٍ مُوجَبِ الأمْرِ، فَإنَّ وصْفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مِن دَواعِي ذِكْرِهِ.
﴿نَبِيًّا﴾ خَبَرٌ آخَرُ لَكانَ مُقَيِّدٌ لِلْأوَّلِ مُخَصِّصٌ لَهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهِ تَعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ ... الآيَةُ. أيْ: كانَ جامِعًا بَيْنَ الصِّدِّيقِيَّةِ والنُّبُوَّةِ، ولَعَلَّ هَذا التَّرْتِيبَ لِلْمُبالَغَةِ في الِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ تَخْصِيصِ الصِّدِّيقِيَّةِ بِالنُّبُوَّةِ فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ صِدِّيقٌ.
مريم 19:42
﴿إذْ قالَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بَـ"كانَ"، أوْ بِـ"نَبِيًّا، وتَعْلِيقُ الذَّكَرِ بِالأوْقاتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرٌ ما وقَعَ فِيها مِنَ الحَوادِثِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ مِرارًا، أيْ: كانَ جامِعًا بَيْنَ الأثَرَتَيْنِ حِينَ قالَ: ﴿لأبِيهِ﴾ آزَرَ مُتَلَطِّفًا في الدَّعْوَةِ مُسْتَمِيلًا لَهُ.
﴿يا أبَتِ﴾ أيْ: يا أبِي. فَإنَّ التّاءَ عِوَضٌ عَنْ ياءِ الإضافَةِ، ولِذَلِكَ لا يَجْتَمِعانِ، وقَدْ قِيلَ: يا أبَتا، لِكَوْنِ الألْفِ بَدَلًا مِنَ الياءِ.
﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ﴾ ثَناءَكَ عَلَيْهِ عِنْدَ عِبادَتِكَ لَهُ، وجُؤارَكَ إلَيْهِ.
﴿وَلا يُبْصِرُ﴾ خُضُوعَكَ، وخُشُوعَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أوْ لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، والمُبْصَراتِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ (p-267)ما ذَكَرَ دُخُولًا أوْلِيًا.
﴿وَلا يُغْنِي﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُغْنِيَ.
﴿عَنْكَ شَيْئًا﴾ في جَلْبِ نَفْعٍ، أوْ دَفْعٍ ضُرٍّ. ولَقَدْ سَلَكَ عَلَيْهِ السَّلامُ في دَعْوَتِهِ أحْسَنَ مِنهاجٍ، وأقْوَمَ سَبِيلٍ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ أبْدَعَ احْتِجاجٍ بِحُسْنِ أدَبٍ وخُلُقٍ جَمِيلٍ، لِئَلّا يَرْكَبَ مَتْنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ، ولا يَنْكُبَ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ مَحَجَّةِ الرَّشادِ، حَيْثُ طَلَبَ مِنهُ عِلَّةَ عِبادَتِهِ لِما يَسْتَخِفُّ بِهِ عَقْلُ كُلِّ عاقِلٍ مِن عالَمٍ وجاهِلٍ، ويَأْبى الرُّكُونَ إلَيْهِ فَضْلًا عَنْ عِبادَتِهِ الَّتِي هي الغايَةُ القاصِيَةُ مِنَ التَّعْظِيمِ، مَعَ أنَّها لا تَحِقُّ إلّا لِمَن لَهُ الِاسْتِغْناءُ التّامُّ، والإنْعامُ العامُّ الخالِقِ الرّازِقِ المُحْيِي المُمِيتِ المُثِيبِ المُعاقَبِ. ونَبَّهَ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ ما يَفْعَلُ لِداعِيَةٍ صَحِيحَةٍ، وغَرَضٍ صَحِيحٍ، والشَّيْءُ لَوْ كانَ حَيًّا مُمَيِّزًا سَمِيعًا بَصِيرًا قادِرًا عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، مُطِيقًا بِإيصالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، لَوْ كانَ مُمْكِنًا لاسْتَنْكَفَ العَقْلُ السَّلِيمُ عَنْ عِبادَتِهِ، وإنْ كانَ أشْرَفَ الخَلائِقِ لِما يَراهُ مِثْلَهُ في الحاجَةِ، والِانْقِيادِ لِلْقُدْرَةِ القاهِرَةِ الواجِبَةِ. فَما ظَنُّكَ بِجَمادٍ مَصْنُوعٍ مَن حَجَرٍ، أوْ شَجَرٍ لَيْسَ لَهُ مِن أوْصافِ الإحْياءِ عَيْنٌ، ولا أثَرٌ؟ ثُمَّ دَعاهُ إلى أنْ يَتْبَعَهُ لِيُهْدِيَهُ إلى الحَقِّ المُبِينِ لِما أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحْظُوظًا مِنَ العِلْمِ الإلَهِيِّ مُسْتَقِلًّا بِالنَّظَرِ السَّوِيِّ مُصَدِّرًا لِدَعْوَتِهِ بِما مَرَّ مِنَ الِاسْتِمالَةِ والِاسْتِعْطافِ حَيْثُ قالَ:
مريم 19:43
﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ ولَمْ يَسِمِّ أباهُ بِالجَهْلِ المُفْرِطِ، وإنْ كانَ في أقْصاهُ، ولا نَفْسَهُ بِالعِلْمِ الفائِقِ، وإنْ كانَ كَذَلِكَ. بَلْ أبْرَزَ نَفْسَهَ في صُورَةِ رَفِيقٍ لَهُ، أعْرَفُ بِأحْوالِ ما سَلَكاهُ مِنَ الطَّرِيقِ. فاسْتَمالَهُ بِرِفْقٍ حَيْثُ قالَ: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ أيْ: مُسْتَقِيمًا مُوَصِلًا إلى أسْنى المَطالِبِ مُنْجِيًا عَنِ الضَّلالِ المُؤَدِّي إلى مُهاوِي الرَّدى، والمَعاطِبِ. ثُمَّ ثَبَّطَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةٍ يَسْتَنْكِرُها كُلُّ عاقِلٍ بِبَيانِ أنَّهُ مَعَ عِرائِهِ عَنِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ مُسْتَجْلِبٌ لِضَرَرٍ عَظِيمٍ، فَإنَّهُ في الحَقِيقَةِ عِبادَةُ الشَّيْطانِ لِما أنَّهُ الآمِرُ بِهِ فَقالَ:
مريم 19:44
﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ فَإنَّ عِبادَتَكَ لِلْأصْنامِ عِبادَةٌ لَهُ إذْ هو الَّذِي يُسَوِّ لِهالِكَ، ويُغْرِيكَ عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ النَّهْيِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ بِبَيانٍ أنَّهُ مُسْتَعْصٍ عَلى رَبِّكَ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكَ بِفُنُونِ النِّعَمَ، ولا رَيْبَ أنَّ المُطِيعَ لِلْعاصِي عاصٍ، وكُلُ مَن هو عاصٍ حَقِيقٌ بِأنْ يَسْتَرِدَّ مِنهُ النِّعَمَ، ويَنْتَقِمَ مِنهُ. والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والِاقْتِصادِ عَلى ذِكْرِ عِصْيانِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ جِناياتِهِ؛ لِأنَّهُ مَلاكُها، أوْ لِأنَّهُ نَتِيجَةُ مُعاداتِهِ لَآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتَهُ. فَتَذْكِيرُهُ داعٍ لِأبِيهِ إلى الِاحْتِرازِ عَنْ مُوالاتِهِ وطاعَتِهِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ عِصْيانِهِ. وقَوْلُهُ:
مريم 19:45
﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ تَحْذِيرٌ مِن سُوءِ عاقِبَةِ ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الشَّيْطانِ، وهو ابْتِلاؤُهُ بِما ابْتُلِيَ بِهِ مَعْبُودُهُ مِنَ العَذابِ الفَظِيعِ، وكَلِمَةُ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمِرٍ وقَعَ صِفَةً لِلْعَذابِ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، وإظْهارُ "الرَّحْمَنِ" لِلْإشْعارِ بِأنَّ وصْفَ الرَّحْمانِيَّةِ لا يَدْفَعُ حُلُولَ العَذابِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: قَرِينًا لَهُ في اللَّعْنِ المُخَلَّدِ. وذِكْرُ الخَوْفِ لِلْمُجامَلَةِ، (p-268)وَإبْرازِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ.
مريم 19:46
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مَن صَدَرَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ أبُوهُ عِنْدَما سَمِعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ النَّصائِحَ الواجِبَةَ القَبُولِ؟ فَقِيلَ: قالَ: مُصِرًّا عَلى عِنادِهِ.
﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ﴾ أيْ: أمُعْرِضٌ، ومُنْصَرِفٌ أنْتَ عَنْها؟ بِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى نَفْسِ الرَّغْبَةِ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ التَّعَجُّبِ، كَأنَّ الرَّغْبَةَ عَنْها مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ فَضْلًا عَنْ تَرْغِيبِ الغَيْرِ عَنْها، وقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ﴾ تَهْدِيدٌ، وتَحْذِيرٌ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ، أيْ: واللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عَمّا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِها، لِأرْجُمُنَّكَ بِالحِجارَةِ. وقِيلَ: بِاللِّسانِ.
﴿واهْجُرْنِي﴾ أيْ: فاحْذَرْنِي واتْرُكْنِي.
﴿مَلِيًّا﴾ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا، أوْ مَلِيًّا بِالذَّهابِ مُطِيقًا بِهِ.
مريم 19:47
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ تَوْدِيعٌ، ومُتارَكَةٌ عَلى طَرِيقَةِ مُقابَلَةِ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ، أيْ: لا أُصِيبُكَ بِمَكْرُوهٍ بَعْدُ، ولا أشافِهُكَ بِما يُؤْذِيكَ، ولَكِنْ ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾، أيْ: أسْتَدْعِيهِ أنْ يَغْفِرَ لَكَ بِأنْ يُوَفِّقَكَ لِلتَّوْبَةِ، ويَهْدِيَكَ إلى الإيمانِ. كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَعْلِيلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ . والِاسْتِغْفارُ بِهَذا المَعْنى لِلْكافِرِ قَبْلَ تَبَيُّنٍ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ مِمّا لا رَيْبَ في جَوازِهِ، وإنَّما المَحْظُورُ اسْتِدْعاءُ المَغْفِرَةِ لَهُ مَعَ بَقائِهِ عَلى الكُفْرِ فَإنَّهُ مِمّا لا مَساغَ لَهُ عَقْلًا ولا نَقْلًا، وأمّا الِاسْتِغْفارُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ فَلا تَأْباهُ قَضِيَّةُ العَقْلِ، وإنَّما الَّذِي يَمْنَعُهُ السَّمْعُ ألّا يُرى إلى «أنَّهُ ﷺ قالَ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ: لا أزالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْهُ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ...الآيَةُ» . والِاشْتِباهُ في أنَّ هَذا الوَعْدَ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِما مِن قَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ ... الآيَةُ. إنَّما كانَ قَبْلَ انْقِطاعِ رَجائِهِ عَنْ إيمانِهِ لِعَدَمِ تَبَيُّنِ أمْرِهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ كَمًّا مَرَّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ. واسْتِثْناؤُهُ عَمّا يُؤْتَسى بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ لا يَقْدَحُ في جَوازِهِ لَكِنْ لا لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ، أوْ لِمَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ كَما قِيلَ. لَمّا أنَّ النَّهْيَ إنَّما ورَدَ في شَأْنِ الِاسْتِغْفارِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الأمْرِ، وقَدْ كانَ اسْتِغْفارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ التَّبَيُّنِ فَلَمْ يَتَناوَلْهُ النَّهْيُ أصْلًا، وأنَّ الوَعْدَ بِالمَحْظُورِ لا يَرْفَعُ خَطَرَهُ، بَلْ لِأنَّ المُرادَ بِما يُؤْتَسى بِهِ ما يَجِبُ الِائْتِساءُ بِهِ حَتْمًا لِوُرُودِ الوَعِيدِ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ . فاسْتِثْناؤُهُ عَنْ ذَلِكَ إنَّما يُفِيدُ عَدَمَ وُجُوبِ اسْتِدْعاءِ الإيمانِ لِلْكافِرِ المَرْجُوِّ إيمانُهُ لا سِيَّما وقَدِ انْقَطَعَ ذَلِكَ عِنْدَ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَتَرَدَّدُ فِيهِ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ، وأمّا عَدَمُ جَوازِهِ قَبْلَ تَبَيُّنِ الأمْرِ فَلا دِلالَةَ لِلِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ قَطْعًا، وتَوْجِيهُ الِاسْتِثْناءِ إلى العِدَةِ بِالِاسْتِغْفارِ لا إلى نَفْسِ الِاسْتِغْفارِ بِقَوْلِهِ: "واغْفِرْ لِأبِي" ... الآيَةَ. لِأنَّها كانَتْ هي الحامِلَةُ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِ. وتَخْصِيصُ تِلْكَ العِدَةِ بِالذِّكْرِ دُونَ ما وقَعَ هَهُنا لِوُرُودِها عَلى نَهْجِ التَّأْكِيدِ القَسَمَيَّ، وأمّا جَعْلُ الِاسْتِغْفارِ دائِرَةً عَلَيْها، وتَرْتِيبُ التَّبَرُّؤِ عَلى تَبَيُّنِ الأمْرِ فَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ أيْ: بَلِيغًا في البِرِّ. والإلْطافُ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونٍ ما قَبْلَهُ.
مريم 19:48
(p-269)﴿وَأعْتَزِلُكُمْ﴾ أيْ: أتَباعَدُ عَنْكَ وعَنْ قَوْمِكَ.
﴿وَما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِالمُهاجِرَةِ بِدِينِي حَيْثُ لَمَّ تُؤَثِّرْ فِيكم نَصائِحِي ﴿وَأدْعُو رَبِّي﴾ أعْبُدُهُ وحْدَهُ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ دُعاؤُهُ المَذْكُورُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الشُّعَراءِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِهِ اسْتِدْعاءُ الوَلَدِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ حَسْبَما يُساعِدُهُ السِّباقُ والسِّياقُ ﴿عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا ضائِعَ السَّعْيِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشَقائِهِمْ في عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ، وفي تَصْدِيرِ الكَلامِ بِعَسى مِن إظْهارِ التَّواضُعِ، ومُراعاةِ حَسَنِ الأدَبِ، والتَّنْبِيهِ عَلى حَقِيقَةِ الحَقِّ مِن أنَّ الإجابَةَ والإثابَةَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لا بِطْرِيقَ الوُجُوبِ، وأنَّ العِبْرَةَ بِالخاتِمَةِ، وذَلِكَ مِنَ الغُيُوبِ المُخْتَصَّةِ بِالعَلِيمِ الخَبِيرِ ما لا يَخْفى.
مريم 19:49
﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِالمُهاجِرَةِ إلى الشّامِ ﴿وَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ بَدَلَ مَن فارَقَهم مِن أقْرِبائِهِ الكَفَرَةِ، لَكِنْ لا عَقِيبَ المُهاجِرَةِ فَإنَّ المَشْهُورَ أنَّ المَوْهُوبَ حِينَئِذٍ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ إثْرَ دُعائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ولَعَلَّ تَرْتِيبَ هِبَتِهُما عَلى اعْتِزالِهِ هَهُنا لِبَيانِ كَمالِ عِظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أعْطاها اللَّهُ تَعالى إيّاهُ بِمُقابَلَةِ مَنِ اعْتَزَلَهم مِنَ الأهْلِ والأقْرِباءِ، فَإنَّها شَجَرَتا الأنْبِياءُ، لَهُما أوْلادٌ وأحْفادٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ، وذُو عَدَدٍ كَثِيرٍ، هَذا، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما قَصَدَ الشّامَ أتى أوَّلًا حَرّانَ، وتَزَوَّجَ بِسارَّةَ ووَلَدَتْ لَهُ إسْحاقَ، ووُلِدَ لِإسْحاقَ يَعْقُوبُ. والأوَّلُ هو الأقْرَبُ الأظْهَرُ.
﴿وَكُلا﴾ أيْ: كُلُ واحِدٍ مِنهُما أوْ مِنهُمْ، وهو مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِهِمْ، أيْ: كُلٌ واحِدٌ مِنهم جَعَلْنا نَبِيًّا لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ.
مريم 19:50
﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ هي النُّبُوَّةُ. وذِكْرُها بَعْدَ ذِكْرِ جَعْلِهِمْ نَبِيًّا لِلْإيذانِ بِأنَّها مِن بابِ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: هي المالُ والأوْلادُ، ما بُسِطَ لَهم مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، وقِيلَ: هو الكِتابُ. والأظْهَرُ أنَّها عامَّةٌ لِكُلِّ خَيْرٍ دِينِيٍّ ودُنْيَوِيٍّ أُوتُوهُ مِمّا لَمَّ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ.
﴿وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ يَفْتَخِرُ بِهِمُ النّاسُ، ويُثْنُونَ عَلَيْهِمُ اسْتِجابَةً لِدَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ والمُرادُ بِاللِّسانِ: ما يُوجَدُ بِهِ الكَلامُ. ولِسانُ العَرَبِ لُغَتُهم. وإضافَتِهِ إلى الصِّدْقِ، ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءٌ بِما يُثْنُونَ عَلَيْهِمْ، وأنَّ مَحامِدَهم لا تَخْفى عَلى تَباعُدِ الأعْصارِ، وتَبَدُّلِ الدُّوَلِ، وتَحَوُّلِ المِلَلِ والنِّحَلِ.
مريم 19:51
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى﴾ قُدِّمَ ذِكْرُهُ عَلى ذِكْرِ إسْماعِيلَ لِئَلّا يَنْفَصِلَ عَنْ ذِكْرِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ مُوَحِّدًا أخْلَصَ عِبادَتَهُ عَنِ الشِّرْكِ والرِّياءِ، أوْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ تَعالى، وأخْلَصَ نَفْسَهُ عَمّا سِواهُ. وقُرِئَ: (مُخْلَصًا) عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْلَصَهُ.
﴿وَكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الخَلْقِ فَأنْبَأهم عَنْهُ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ رَسُولًا مَعَ كَوْنِهِ أخَصَّ وأعْلى.
مريم 19:52
(p-270)﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ الطُّورُ: جَبَلٌ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ، و "الأيْمَنُ" صِفَةٌ لِلْجانِبِ، أيْ: نادَيْناهُ مِن ناحِيَتِهِ اليُمْنى مِنَ اليَمِينِ، وهي الَّتِي تَلِي يَمِينَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مِن جانِبِهِ المَيْمُونِ مِنَ اليُمْنِ. ومَعْنى نِدائِهِ مِنهُ أنَّهُ لَهُ الكَلامُ مِن تِلْكَ الجِهَةِ.
﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ تَقْرِيبَ تَشْرِيفٍ مُثِّلَ حالُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحالِ مَن قَرَّبَهُ المَلِكُ لِمُناجاتِهِ، واصْطَفاهُ لِمُصاحَبَتِهِ. ونَجِيًّا، أيْ: مُناجِيًا حالٌ مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في نادَيْناهُ، أوْ قَرَّبْناهُ، وقِيلَ: مُرْتَفِعًا لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُفِعَ فَوْقَ السَّمَواتِ حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ القَلَمِ.
مريم 19:53
﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا﴾ أيْ: مِن أجْلِ رَحْمَتِنا، ورَأْفَتِنا لَهُ، أوْ بَعْضِ رَحْمَتِنا.
﴿أخاهُ﴾ أيْ: مُعاضَدَةَ أخِيهِ، ومُؤازَرَتَهُ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ لا نَفْسُهُ لِأنَّهُ كانَ أكْبَرَ مِنهُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو عَلى الأوَّلِ مَفْعُولٌ لَوَهَبْنا، وعَلى الثّانِي بَدَلُ قَوْلِهِ تَعالى:﴿هارُونَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ مِنهُ.
مريم 19:54
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ﴾ فُصِلَ ذِكْرُهُ عَنْ ذِكْرِ أبِيهِ وأخِيهِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ بِإيرادِهِ مُسْتَقِلًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ الأمْرِ، وإيرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الوَصْفِ لِكَمال شُهْرَتِهِ بِهِ، وناهِيكَ أنَّهُ وعَدَ الصَّبْرَ عَلى الذَّبْحِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ فَوَفّى ﴿وَكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ صاحِبَ شَرِيعَةٍ فَإنَّ أوْلادَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا عَلى شَرِيعَتِهِ.
مريم 19:55
﴿وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ اشْتِغالًا بِالأهَمِّ. وهو أنْ يُقْبِلَ الرَّجُلُ بِالتَّكْمِيلِ عَلى نَفْسِهِ، ومَن هو أقْرَبُ النّاسِ إلَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ وقَصْدًا إلى تَكْمِيلِ الكُلِّ بِتَكْمِيلِهِمْ، لِأنَّهم قُدْوَةٌ يُؤْتَسى بِهِمْ، وقِيلَ: أهْلُهُ أُمَّتُهُ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ آباءُ الأُمَمِ ﴿وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ لِاتِّصافِهِ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن خِصالِهِ الحَمِيدَةِ.
مريم 19:56
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ﴾ وهو سِبْطُ شِيثَ وجَدُّ أبِي نُوحٍ، فَإنَّهُ نُوحُ بْنُ لَمْكَ بْنِ مَتُوشَلْحَ بْنِ أخْنُوخَ. وهو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّرْسِ يَرُدُّهُ مَنعُ صَرْفِهِ نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ قَرِيبًا مِن ذَلِكَ، فَلُقِّبَ بِهِ لِكَثْرَةِ دِراسَتِهِ. رُوِيَ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عَلَيْهِ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وأنَّهُ أوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ، ونَظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والحِسابِ.
﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا﴾ مُلازِمًا لِلصِّدْقِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ.
﴿نَبِيًّا﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِكانَ مُخَصَّصٌ لِلْأوَّلِ إذْ لَيْسَ كُلُّ صِدِّيقٍ نَبِيًّا.
مريم 19:57
(p-271)﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ هو شَرَفُ النُّبُوَّةِ، والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: عُلُوُّ الرُّتْبَةِ بِالذِّكْرِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ . وقِيلَ: الجَنَّةُ، وقِيلَ: السَّماءُ السّادِسَةُ أوِ الرّابِعَةُ. رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ وغَيْرِهِ في سَبَبِ رَفْعِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ سُئِلَ ذاتَ يَوْمٍ في حاجَةٍ، فَأصابَهُ وهَجُ الشَّمْسِ، فَقالَ: يا رَبِّ، إنِّي قَدْ مَشَيْتُ فِيها يَوْمًا، وقَدْ أصابَنِي مِنها ما أصابَنِي فَكَيْفَ مَن يَحْمِلُها مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ في يَوْمٍ واحِدٍ؟! اللَّهُمَّ خَفِّفْ عَنْهُ مِن ثِقَلِها وحَرِّها، فَلَمّا أصْبَحَ المَلِكُ وجَدَ مِن خِفَّةِ الشَّمْسِ وحَرِّها ما لا يَعْرِفُ. فَقالَ: يا رَبِّ، ما الَّذِي قَضَيْتَ فِيهِ؟ قالَ: إنَّ عَبْدِي إدْرِيسَ سَألَنِي أنْ أُخَفِّفَ عَنْكَ حَمْلَها وحَرَّها فَأجَبْتُهُ. قالَ: يا رَبِّ، اجْعَلْ بَيْنِي وبَيْنَهُ خُلَّةً. فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ فَرَفَعَهُ إلى السَّماءِ.
مريم 19:58
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشارَةِ بِعُلُوِّ رُتَبِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ صِفَتُهُ، أيْ: أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِفُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ مُجْمَلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بِإعادَةِ الجارِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ "مِن" فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ المُنْعَمُ عَلَيْهِمْ أعَمُّ مِنَ الأنْبِياءِ، وأخَصُّ مِنَ الذُّرِّيَّةِ.
﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ أيْ: ومِن ذُرِّيَّةِ مَن حَمَلْنا مَعَهُ خُصُوصًا، وهم مَن عَدا إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ مِن ذُرِّيَّةِ سامِ بْنِ نُوحٍ.
﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ﴾ وهُمُ الباقُونَ.
﴿وَإسْرائِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى إبْراهِيمَ، أيْ: ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ. وكانَ مِنهم مُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أوْلادَ البَناتِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ.
﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا﴾ أيْ: ومِن جُمْلَةِ مَن هَدَيْناهم إلى الحَقِّ، واجْتَبَيْناهم لِلنُّبُوَّةِ والكَرامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ خَبَرٌ لِـ "أُولَئِكَ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ هو المَوْصُولُ وهَذا اسْتِئْنافًا مَسُوقًا لِبَيانِ خَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإخْباتِهِمْ لَهُ مَعَ حالِهِمْ مِن عُلُوِّ الرُّتْبَةِ وسُمُوِّ الطَّبَقَةِ في شَرَفِ النَّسَبِ، وكَمالِ النَّفْسِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ، وسُجَّدًا وبُكِيًّا حالانِ مِن ضَمِيرِ خَرُّوا، أيْ: ساجِدِينَ باكِينَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «اتْلُوا القرآن، وابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا»، والبُكِيُّ جَمْعُ باكٍ، كالسُّجَّدِ جَمْعُ ساجِدٍ. وأصْلُهُ بُكُويٌ فاجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ، وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ، وحُرِّكَتِ الكافُ بِالكَسْرِ المُجانِسِ لِلْياءِ. وقُرِئَ: (يُتْلى) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقُرِئَ: (بِكِيًّا) بِكَسْرِ الباءِ لِلْإتْباعِ. قالُوا: يَنْبَغِي أنْ يَدْعُوَ السّاجِدُ في سَجْدَتِهِ بِما يَلِيقُ بِآيَتِها فَهَهُنا يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن عِبادِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمُ المَهْدِيِّينَ السّاجِدِينَ لَكَ، الباكِينَ عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِكَ. وفي آيَةِ الإسْراءِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الباكِينَ إلَيْكَ الخاشِعِينَ لَكَ، وفي آيَةِ التَّنْزِيلِ السَّجْدَةِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ السّاجِدِينَ لِوَجْهِكَ المُسَبِّحِينَ بِحَمْدِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِن أنْ أكُونَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ عَنْ أمْرِكَ.
مريم 19:59
(p-272)﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ يُقالُ لِعَقِبِ الخَيْرِ: خَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ، ولِعَقِبِ شَرٍّ: خَلْفٌ بِالسُّكُونِ، أيْ: فَعَقَبَهُمْ، وجاءَ بِعَدْهَمْ عَقِبَ سُوءٍ.
﴿أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ وقُرِئَ: (الصَّلَواتِ) أيْ: تَرَكُوها، أوْ أخَّرُوها عَنْ وقْتِها.
﴿واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ مِن شُرْبِ الخَمْرِ، واسْتِحْلالِ نِكاحِ الأُخْتِ مِنَ الأبِ، والِانْهِماكِ في فُنُونِ المَعاصِي. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هم مِن بَنى المَشِيدَ، ورَكِبَ المَنظُورَ، ولَبِسَ المَشْهُورَ.
﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أيْ: شَرًّا. فَإنَّ كُلَّ شَرٍّ عِنْدَ العَرَبِ غَيٌّ، وكُلَّ خَيْرٍ رَشادٌ. كَقَوْلِهِ"
؎ فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما
وَعَنِ الضَّحّاكِ: جَزاءَ غَيٍّ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ أيْ: جَزاءَ أثامٍ، أوْ غَيًّا عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: غَيٌّ وادٍ في جَهَنَّمَ تَسْتَعِيذُ مِنهُ أوْدِيَتُها، وقَوْلُهُ تَعالى:
مريم 19:60
﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ في حَقِّ الكَفَرَةِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا، أيْ: فَأُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ بِمُوجِبِ الوَعْدِ المَحْتُومِ، وقُرِئَ: (يُدْخَلُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَنْقَصُونَ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، أوْ لا يُنْقَصُونَ شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُفْرَهُمُ السّابِقَ لا يَضُرُّهم ولا يُنْقِصُ أُجُورَهم.
مريم 19:61
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةَ، بَدَلَ البَعْضِ لِاشْتِمالِها عَلَيْها، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ. وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هِيَ، أوْ "تِلْكَ جَنّاتٌ" ... إلَخْ. أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ "الَّتِي وعَدَ" ... إلَخْ. وقُرِئَ: (جَنَّةَ عَدْنٍ) نَصْبًا ورَفْعًا، و "عَدْنٌ" عَلَمٌ لِمَعْنى العَدْنِ وهُوَ: الإقامَةُ. كَما أنَّ فَيْنَةَ وسَحَرَ وأمْسِ فِيمَن لَمْ يَصْرِفْها أعْلامٌ لِمَعانِي الفَيْنَةِ، وهي السّاعَةُ الَّتِي أنْتَ فِيها والسحر والأمْسِ، فَجَرى لِذَلِكَ مَجْرى العَدْنِ، أوْ هو عِلْمُ الأرْضِ الجَنَّةُ خاصَّةً، ولَوْلا ذَلِكَ لَما ساغَ إبْدالُ ما أُضِيفَ إلَيْهِ مِنَ الجَنَّةِ بِلا وصْفٍ عِنْدَ غَيْرِ البَصْرِيِّينَ، ولا وصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾ وجَعْلُهُ بَدَلًا مِنهُ خِلافُ الظّاهِرِ فَإنَّ المَوْصُولَ في حُكْمِ المُشْتَقِّ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ البَدَلَ بِالمُشْتَقِّ ضَعِيفٌ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ وعْدَها وإنْجازَهُ لِكَمالِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى. و "الباءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالغَيْبِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ المُضْمَرِ العائِدِ إلى الجَنّاتِ، أوْ مِن عِبادِهِ، أيْ: وعَدَها إيّاهم مُلْتَبِسَةً، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالغَيْبِ، أيْ: غائِبَةً عَنْهم غَيْرَ حاضِرَةٍ، أوْ غائِبِينَ عَنْها لا يَرَوْنَها، وإنَّما آمَنُوا بِها بِمُجَرَّدِ الإخْبارِ، أوْ بِمُضْمَرٍ هو سَبَبٌ لِلْوَعْدِ، أيْ: وعَدَها إيّاهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ.
﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ﴾ أيْ: مَوْعُودُهُ كائِنًا ما كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الجَنّاتُ المَوْعُودَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ولَمّا كانَتْ هي مَثابَةً يُرْجَعُ إلَيْها قِيلَ: ﴿مَأْتِيًّا﴾ أيْ: يَأْتِيهِ مَن وُعِدَ لَهُ لا مَحالَةَ بِغَيْرِ خُلْفٍ، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقِيلَ: مَأْتِيًّا، أيْ: مَفْعُولًا مُنْجَزًا مَن أتى إلَيْهِ إحْسانًا، أيْ: فَعَلَهُ.
مريم 19:62
﴿لا يَسْمَعُونَ (p-273)فِيها لَغْوًا﴾ أيْ: فُضُولَ كَلامٍ لا طائِلَ تَحْتَهُ. وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ صُدُورِ اللَّغْوِ عَنْ أهْلِها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اللَّغْوَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُجْتَنَبَ عَنْهُ في هَذِهِ الدّارِ ما أمْكَنَ.
﴿إلا سَلامًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ يَسْمَعُونَ تَسْلِيمَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ تَسْلِيمَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، أوْ مُتَّصِلٌ بِطَرِيقِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، أيْ: لا يَسْمَعُونَ لَغْوًا ما إلّا سَلامًا فَحَيْثُ اسْتَحالَ كَوْنُ السَّلامِ لَغْوًا اسْتَحالَ سَماعُهم لَهُ بِالكُلِّيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أوْ عَلى أنَّ مَعْناهُ الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ، وهم أغْنِياءُ عَنْهُ مِن بابِ اللَّغْوِ ظاهِرًا، وإنَّما فائِدَتُهُ الإكْرامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ وارِدٌ عَلى عادَةِ المُتَنَعِّمِينَ في هَذِهِ الدّارِ، وقِيلَ: المُرادُ دَوامُ رِزْقِهِمْ ودُرُورُهُ، وإلّا فَلَيْسَ فِيها بُكْرَةٌ ولا عَشِيٌّ.
مريم 19:63
﴿تِلْكَ الجَنَّةُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ جِيءَ بِهِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الجَنَّةِ، وتَعْيِينِ أهْلِها فَإنَّ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِها، وعُلُوِّ رُتْبَتِها.
﴿الَّتِي نُورِثُ﴾ أيْ: نُورِثُها.
﴿مِن عِبادِنا مِن كانَ تَقِيًّا﴾ أيْ: نُبْقِيها عَلَيْهِمْ بِتَقْواهُمْ، ونُمَتِّعُهم بِها. كَما نُبْقِي عَلى الوارِثِ مالَ مُوَرِّثِهِ، ونُمَتِّعُهُ بِهِ. والوِراثَةُ أقْوى ما يُسْتَعْمَلُ في التَّمَلُّكِ والِاسْتِحْقاقِ مِنَ الألْفاظِ مِن حَيْثُ إنَّها لا تُعْقَبُ بِفَسْخٍ، ولا اسْتِرْجاعٍ، ولا إبْطالٍ. وقِيلَ: يُوَرَّثُ المُتَّقُونَ مِنَ الجَنَّةِ المَساكِنَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النّارِ، لَوْ آمَنُوا وأطاعُوا زِيادَةً في كَرامَتِهِمْ، وقُرِئَ: (نُوَرِّثُ) بِالتَّشْدِيدِ.
مريم 19:64
﴿وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ حِكايَةٌ لِقَوْلِ جِبْرِيلَ حِينَ اسْتَبْطَأهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وذِي القَرْنَيْنِ، والرُّوحِ. فَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُجِيبُ؟ ورَجا أنْ يُوحى إلَيْهِ فِيهِ فَأبْطَأ عَلَيْهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، أوْ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً. وقالَ المُشْرِكُونَ: ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ. ثُمَّ نَزَلَ بِبَيانِ ذَلِكَ، وأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ، وسُورَةَ الضُّحى. والتَّنْزِيلُ: النُّزُولُ عَلى مَهْلٍ؛ لِأنَّهُ مُطاوِعٌ لِلتَّنْزِيلِ. وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ النُّزُولِ كَما يُطْلَقُ التَّنْزِيلُ عَلى الإنْزالِ، والمَعْنى: وما نَتَنَزَّلُ وقْتًا غِبَّ وقْتٍ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ. وقُرِئَ: (وَما يَتَنَزَّلُ) بِالياءِ، والضَّمِيرُ لِلْوَحْيِ.
﴿لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وهو ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الأماكِنِ والأزْمِنَةِ، ولا يُنْتَقَلُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ولا نَتَنَزَّلُ في زَمانٍ دُونَ زَمانٍ إلّا بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ.
﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أيْ: تارِكًا لَكَ. يَعْنِي أنَّ عَدَمَ النُّزُولِ لَمْ يَكُنْ إلّا لِعَدَمِ الأمْرِ بِهِ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ فِيهِ، ولَمْ يَكُنْ لِتَرْكِهِ تَعالى لَكَ، وتَوْدِيعِهِ إيّاكَ كَما زَعَمَتِ الكَفَرَةُ، وفى إعادَةِ اسْمِ الرَّبِّ المُعْرِبِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَشْرِيفِهِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ ما لا يَخْفى. وقِيلَ: أوَّلُ الآيَةِ حِكايَةُ قَوْلِ المُتَّقِينَ حِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ مُخاطِبًا بَعْضُهم بَعْضًا بِطَرِيقِ التَّبَجُّحِ والِابْتِهاجِ. والمَعْنى: وما نَتَنَزَّلُ الجَنَّةَ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ولُطْفِهِ، وهو مالِكُ الأُمُورِ كُلِّها سالِفِها، ومُتَرَقِّيها، وحاضِرِها. فَما وجَدْناهُ وما نَجِدُهُ مِن لُطْفِهِ وفَضْلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا" تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِمْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: وما كانَ ناسِيًا لِأعْمالِ العامِلِينَ، وما وعَدَهم مِنَ الثَّوابِ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى:
مريم 19:65
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ بَيانٌ لِاسْتِحالَةِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ تَعالى، (p-274)فَإنَّ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَحُومَ حَوْلَ ساحَةِ سُبُحاتِهِ الغَفْلَةُ والنِّسْيانُ؟ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن رَبِّكَ. و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِن مُوجِبِ الأمْرَيْنِ عَلى ما قَبْلَها مِن كَوْنِهِ تَعالى رَبَّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وقِيلَ: مِن كَوْنِهِ تَعالى غَيْرَ تارِكٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ غَيْرَ ناسٍ لِأعْمالِ العامِلِينَ. والمَعْنى: فَحِينَ عَرَفْتَهُ تَعالى بِما ذُكِرَ مِنَ الربوبية الكامِلَةِ فاعْبُدْهُ .. إلَخْ. فَإنَّ إيجابَ مَعْرِفَتِهِ تَعالى كَذَلِكَ لِعِبادَتِهِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، أوْ حِينَ عَرَفْتَ أنَّهُ تَعالى لا يَنْساكَ، أوْ يَنْسى أعْمالَ العامِلِينَ كائِنًا مَن كانَ، فَأقْبِلْ عَلى عِبادَتِهِ، واصْطَبِرْ عَلى مَشاقِّها، ولا تَحْزَنْ بِإبْطاءِ الوَحْيِ، وهُزُؤِ الكَفَرَةِ، فَإنَّهُ يُراقِبُكَ، ويُراعِيكَ، ويَلْطُفُ بِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَعْدِيَةُ الِاصْطِبارِ بِاللّامِ لا بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الثَّباتِ لِلْعِبادَةِ فِيما تُورِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَشاقِّ، كَقَوْلِكَ لِلْمُبارِزِ: اصْطَبِرْ لِقَرْنِكَ، أيِ: اثْبُتْ لَهُ فِيما يُورِدُ عَلَيْكَ مِن شَدائِدِهِ.
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ السَّمِيُّ: هو الشَّرِيكُ في الِاسْمِ. والظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِهِ هَهُنا الشَّرِيكُ في اسْمٍ خاصٍّ قَدْ عَبَّرَ عَنْهُ تَعالى بِذَلِكَ، وهو "رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما" والمُرادُ بِإنْكارِ العِلْمِ ونَفْيِهِ، إنْكارُ المَعْلُومِ ونَفْيُهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ. فالجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِما أفادَهُ الفاءُ مِن عِلِّيَّةِ رُبُوبِيَّتِهِ العامَّةِ لِوُجُوبِ عِبادَتِهِ، بَلْ لِوُجُوبِ تَخْصِيصِها بِهِ تَعالى بِبَيانِ اسْتِقْلالِهِ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ الِاسْمِ، وانْتِفاءِ إطْلاقِهِ عَلى الغَيْرِ بِالكُلِّيَّةِ حَقًّا، أوْ باطِلًا. وقِيلَ: المُرادُ هو الشَّرِيكُ في الِاسْمِ الجَلِيلِ فَإنَّ المُشْرِكِينَ مَعَ غُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ لَمْ يُسَمُّوا الصَّنَمَ بِالجَلالَةِ أصْلًا، وقِيلَ: هو الشَّرِيكُ في اسْمِ الإلَهِ، والمُرادُ بِالتَّسْمِيَةِ التَّسْمِيَةُ عَلى الحَقِّ. فالمَعْنى هَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا يُسَمّى بِالِاسْتِحْقاقِ إلَهًا، وأمّا التَّسْمِيَةُ عَلى الباطِلِ فَهي كَلا تَسْمِيَةٍ. فَتَقْرِيرُ الجُمْلَةِ لِوُجُوبِ العِبادَةِ بِاعْتِبارِ ما في الِاسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ مِنَ الإشْعارِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ فَتَدَبَّرْ.
مريم 19:66
﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ﴾ المُرادُ بِهِ إمّا الجِنْسُ بِأسْرِهِ، وإسْنادُ القَوْلِ إلى الكُلِّ لِوُجُودِ القَوْلِ فِيما بَيْنَهم. وإنْ لَمْ يَقُلْهُ الجَمِيعُ كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإنَّما القاتِلُ واحِدٌ مِنهم. وإمّا البَعْضُ المَعْهُودُ مِنهم وهو الكَفَرَةُ، أوْ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَإنَّهُ أخَذَ عِظامًا بالِيَةً فَفَتَّها، وقالَ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنّا نُبْعَثُ بَعْدَ ما نَمُوتُ، ونَصِيرُ إلى هَذِهِ الحالِ، أيْ: يَقُولُ بِطَرِيقِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ: ﴿أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ أيْ: أُبْعَثُ مِنَ الأرْضِ، أوْ مِن حالِ المَوْتِ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ وإيلاؤُهُ حَرْفَ الإنْكارِ لِما أنَّ المُنْكَرَ كَوْنُ ما بَعْدَ المَوْتِ وقْتَ الحَياةِ. وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ أُخْرِجَ لا بِهِ فَإنَّ ما بَعْدَ اللّامِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهي هَهُنا مُخْلَصَةٌ لِلتَّوْكِيدِ مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنى الحالِ كَما خَلَصَتِ الهَمْزَةُ واللّامُ لِلتَّعْوِيضِ في يا أللَّهُ، فَساغَ اقْتِرانُها بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ، وقُرِئَ: (إذا ما مِتُّ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ عَلى الخَبَرِ.
مريم 19:67
﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾ مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّفَكُّرُ، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإشْعارِ بِأنَّ الإنْسانِيَّةَ مِن دَواعِي التَّفَكُّرِ فِيما جَرى عَلَيْهِ مَن شُئُونِ التَّكْوِينِ المُنْحِيَةِ بِالقَلْعِ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ، وهو السِّرُّ في إسْنادِهِ إلى الجِنْسِ، أوْ إلى الفَرْدِ بِذَلِكَ العُنْوانِ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ، والواوُ (p-275)لِعَطْفِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَقُولُ، أيْ: أيَقُولُ ذَلِكَ، ولا يَذْكُرُ.
﴿أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ الحالَةِ الَّتِي هو فِيها، وهي حالَةُ بَقائِهِ.
﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ شَيْئًا أصْلًا فَحَيْثُ خَلَقْناهُ وهو في تِلْكَ الحالَةِ المُنافِيَةِ لِلْخَلْقِ بِالكُلِّيَّةِ، مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ مِنَ الوُقُوعِ فَلَأنْ نَبْعَثَهُ بِجَمْعِ المَوادِّ المُتَفَرِّقَةِ، وإيجادِ مِثْلِ ما كانَ فِيها مِنَ الأعْراضِ أوْلى وأظْهَرَ فَما لَهُ لا يَذْكُرُهُ فَيَقَعُ فِيما يَقَعُ فِيهِ مِنَ النَّكِيرِ، وقُرِئَ: (يَذَّكَّرُ) و (يَتَذَكَّرُ) عَلى الأصْلِ.
مريم 19:68
﴿فَوَرَبِّكَ﴾ إقْسامُهُ بِاسْمِهِ عَزَّتْ أسْماؤُهُ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَحْقِيقِ الأمْرِ بِالإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ، وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ ﷺ، ورَفْعِ مَنزِلَتِهِ.
﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أيْ: لَنَجْمَعَنَّ القائِلِينَ بِالسَّوْقِ إلى المَحْشَرِ بَعْدَ ما أخْرَجْناهم مِنَ الأرْضِ أحْياءً، فَفِيهِ إثْباتٌ لِلْبَعْثِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، كَأنَّهُ أمْرٌ واضِحٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى البَيانِ ما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأهْوالِ.
﴿والشَّياطِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ. رُوِيَ أنَّ الكَفَرَةَ يُحْشَرُونَ مَعَ قُرَنائِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ الَّتِي كانَتْ تُغْوِيهِمْ كُلٌّ مِنهم مَعَ شَيْطانِهِ في سِلْسِلَةٍ، وهَذا وإنْ كانَ مُخْتَصًّا بِهِمْ لَكِنْ ساغَ نِسْبَتُهُ إلى الجِنْسِ بِاعْتِبارِ أنَّهم لَمّا حُشِرُوا، وفِيهِمُ الكَفَرَةُ مَقْرُونِينَ بِالشَّياطِينِ فَقَدْ حُشِرُوا مَعَهم جَمِيعًا، كَما ساغَ نِسْبَةُ القَوْلِ المَحْكِيِّ إلَيْهِ مَعَ كَوْنِ القائِلِ بَعْضَ أفْرادِهِ.
﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ لِيَرى السُّعَداءُ ما نَجّاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ، فَيَزْدادُوا غِبْطَةً وسُرُورًا، ويَنالَ الأشْقِياءُ ما ادَّخَرُوا لِمَعادِهِمْ عُدَّةً، ويَزْدادُوا غَيْظًا مِن رُجُوعِ السُّعَداءِ عَنْهم إلى دارِ الثَّوابِ، وشَماتَتِهِمْ بِهِمْ. والجِثِيُّ جَمْعِ جاثٍ مِن جَثا إذا قَعَدَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، وأصْلُهُ "جِثُووٌ" بِواوَيْنِ فاسْتُثْقِلَ اجْتِماعُهُما بَعْدَ ضَمَّتَيْنِ فَكُسِرَتِ الثّاءُ لِلتَّخْفِيفِ، فانْقَلَبَتِ الواوُ الأُولى ياءً لِسُكُونِها، وانْكِسارِ ما قَبْلَها، فاجْتَمَعَتْ واوٌ وياءٌ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فِيها الياءُ الأُولى، وكُسِرَتِ الجِيمُ إتْباعًا لِما بَعْدَها. وقُرِئَ: بِضَمِّها، ونَصْبُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ البارِزِ، أيْ: لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جاثِينَ عَلى رُكَبِهِمْ لِما يَدْهَمُهم مِن هَوْلِ المَطْلَعِ، أوْ لِأنَّهُ مِن تَوابِعِ التَّواقُفِ لِلْحِسابِ قَبْلَ التَّواصُلِ إلى الثَّوابِ والعِقابِ، فَإنَّ أهْلَ المَوْقِفِ جاثُونَ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ عَلى ما هو المُعْتادُ في مَواقِفِ التَّقاوُلِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالإنْسانِ الكَفَرَةَ، فَلَعَلَّهم يُساقُونَ مِنَ المَوْقِفِ إلى شاطِئِ جَهَنَّمَ جُثاةً إهانَةً بِهِمْ، أوْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ القِيامِ لِما اعْتَراهم مِنَ الشِّدَّةِ.
مريم 19:69
﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ شاعَتْ دِينًا مِنَ الأدْيانِ.
﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ أيْ: مَن كانَ مِنهم أعْصى وأعْتى، فَنَطْرَحُهم فِيها، وفي ذِكْرِ الأشَدِّ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنْ بَعْضٍ مِن أهْلِ العِصْيانِ، وعَلى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الإنْسانِ بِالكَفَرَةِ، فالمَعْنى: إنّا نُمَيِّزُ مِن كُلِّ طائِفَةٍ مِنهم أعَصاهم فَأعْصاهُمْ، وأعْتاهم فَأعْتاهم فَنَطْرَحُهم في النّارِ عَلى التَّرْتِيبِ، أوْ نُدْخِلُ كُلًّا مِنهم طَبَقَتَها اللّائِقَةَ بِهِ. و "أيُّهُمْ" مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّ حَقَّهُ أنْ يُبْنى كَسائِرِ المَوْصُولاتِ، لَكِنَّهُ أُعْرِبَ حَمْلًا عَلى كُلٍّ وبَعْضٍ لِلُزُومِ الإضافَةِ. وإذا حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِهِ زادَ نَقْصُهُ، فَعادَ إلى حَقِّهِ، ومَنصُوبُ المَحَلِّ بِنَنْزِعَنَّ، ولِذَلِكَ قُرِئَ: مَنصُوبًا، ومَرْفُوعٌ عِنْدَ غَيْرِهِ بِالِابْتِداءِ (p-276)عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامِيٌّ وخَبَرُهُ أشَدُّ، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ الَّذِينَ يُقالُ لَهم "أيُّهم أشَدُّ"، أوْ مُعَلِّقٌ عَنْها لَنَنْزِعَنَّ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّمْيِيزِ اللّازِمِ لِلْعِلْمِ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ. والفِعْلُ واقِعٌ عَلى كُلِّ شِيعَةٍ عَلى زِيادَةِ مِن، أوْ عَلى مَعْنى لَنَنْزِعَنَّ بَعْضَ كُلِّ شِيعَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ و "عَلى" لِلْبَيانِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّ سائِلًا قالَ: عَلى مَن عَتَوْا؟ فَقِيلَ: عَلى الرَّحْمَنِ. أوْ مُتَعَلِّقٌ بِأفْعَلَ، وكَذا الباءُ في قَوْلِهِ تَعالى:
مريم 19:70
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ أيْ: هم أوْلى بِصِلِّيِها، أوْ صِلِيِّهِمْ أوْلى بِالنّارِ، وهُمُ المُنْتَزَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمْ وبِأشَدِّهِمْ عِتِيًّا رُؤَساءُ الشِّيَعِ، فَإنَّ عَذابَهم مُضاعَفٌ لِضَلالِهِمْ، وإضْلالِهِمْ. والصِّلِيُّ كالعِتِيِّ صِيغَةً، وإعْلالًا وقُرِئَ: بِضَمِّ الصّادِ.
مريم 19:71
﴿وَإنْ مِنكُمْ﴾ التِفاتٌ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلنّاسِ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى المَذْكُورِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ أنَّهُ قُرِئَ: (وَإنْ مِنهُمْ) أيْ: ما مِنكم أيُّها الإنْسانُ.
﴿إلا وارِدُها﴾ أيْ: واصِلُها وحاضِرٌ دُونَها يَمُرُّ بِها المُؤْمِنُونَ، وهي خامِدَةٌ وتَهارُّ بِغَيْرِهِمْ. وعَنْ جابِرٍ أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ألَيْسَ قَدْ وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَرِدَ النّارَ؟ فَيُقالُ لَهُمْ: قَدْ ورَدْتُمُوها وهي خامِدَةٌ.» وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ فالمُرادُ بِهِ الإبْعادُ عَنْ عَذابِها. وقِيلَ: وُرُودُها الجَوازُ عَلى الصِّراطِ المَمْدُودِ عَلَيْها.
﴿كانَ﴾ أيْ: وُرُودُهم إيّاها.
﴿عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: أمْرًا مَحْتُومًا أوْجَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى ذاتِهِ، وقَضى أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ البَتَّةَ، وقِيلَ: أقْسَمَ عَلَيْهِ.
مريم 19:72
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكُفْرَ والمَعاصِيَ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن حالِ الجُثُوِّ عَلى الرُّكَبِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَلَفَ، فَيُساقُونَ إلى الجَنَّةِ، وقُرِئَ: (نُنْجِي) بِالتَّخْفِيفِ، و (يُنْجِي) و (يُنْجى) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ: (ثَمَّةَ) نُنَجِّي بِفَتْحِ الثّاءِ، أيْ: هُناكَ نُنْجِيهِمْ.
﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿فِيها جِثِيًّا﴾ مُنْهارًا بِهِمْ، كَما كانُوا. قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوُرُودِ الجُثُوُّ حَوالَيْها، وأنَّ المُؤْمِنِينَ يُفارِقُونَ الفَجَرَةَ بَعْدَ تَجاثِيهِمْ حَوْلَها، ويُلْقى الفَجَرَةُ فِيها عَلى هَيْآتِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:
مريم 19:73
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ ... الآيَةَ إلى آخِرِها. حِكايَةٌ لِما قالُوا عِنْدَ سَماعِ الآياتِ النّاعِيَةِ عَلَيْهِمْ فَظاعَةَ حالِهِمْ، ووَخامَةَ مَآلِهِمْ، أيْ: وإذا تُتْلى عَلى المُشْرِكِينَ.
﴿آياتُنا﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هاتِيكَ الآياتُ النّاطِقَةُ بِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ، وسُوءِ حالِ الكَفَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيِّناتٍ﴾ أيْ: مُرَتَّلاتِ الألْفاظِ، مُبَيَّناتِ المَعانِي بِنَفْسِها، أوْ بِبَيانِ الرَّسُولِ ﷺ، أوْ بَيِّناتِ الإعْجازِ. حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن آياتِنا.
﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: قالُوا. ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم قالُوا ما قالُوا، كافِرِينَ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ رادِّينَ لَهُ، أوْ قالَ الَّذِينَ مَرَدُوا مِنهم عَلى الكُفْرِ، ومَرَنُوا عَلى العُتُوِّ والعِنادِ، وهُمُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأتْباعُهُ (p-277)الفَجَرَةُ. و "اللّامُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِلتَّبْلِيغِ. كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ . وقِيلَ: لامُ الأجَلِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ أيْ: قالُوا لِأجْلِهِمْ، وفي حَقِّهِمْ، والأوَّلُ هو الأوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهم لَيْسَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَقَطْ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ . أيِ: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ. كَأنَّهم قالُوا أيُّنا ﴿خَيْرٌ﴾ نَحْنُ أوْ أنْتُمْ ﴿مَقامًا﴾ ؟ أيْ: مَكانًا. وقُرِئَ: بِضَمِّ المِيمِ، أيْ: مَوْضِعَ إقامَةٍ ومَنزِلٍ.
﴿وَأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أيْ: مَجْلِسًا ومُجْتَمَعًا. يُرْوى أنَّهم كانُوا يُرَجِّلُونَ شُعُورَهُمْ، ويَدْهُنُونَها، ويَتَطَيَّبُونَ، ويَتَزَيَّنُونَ بِالزَّيْنِ الفاخِرِ، ثُمَّ يَقُولُونَ ذَلِكَ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنَّ خَيْرِيَّتَهم حالًا، وأحْسَنِيَّتَهم مَنالًا مِمّا لا يَقْبَلُ الإنْكارَ، وأنَّ ذَلِكَ لِكَرامَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وزُلْفاهم عِنْدَهُ إذْ هو العِيارُ عَلى الفَضْلِ، والنُّقْصانِ، والرِّفْعَةِ، والضَّعَةِ. وأنَّ مِن ضَرُورَتِهِ هَوانَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ تَعالى لِقُصُورِ حَظِّهِمُ العاجِلِ، وما هَذا القِياسُ العَقِيمُ، والرَّأْيُ السَّقِيمُ إلّا لِكَوْنِهِمْ جَهَلَةً لا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، وذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ فَرُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ:
مريم 19:74
﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ أيْ: كَثِيرًا مِنَ القُرُونِ الَّتِي كانَتْ أفْضَلَ مِنهم فِيما يَفْتَخِرُونَ بِهِ مِنَ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَعادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ مِنَ الأُمَمِ العاتِيَةِ. قَبْلَ هَؤُلاءِ أهْلَكْناهم بِفُنُونِ العَذابِ، ولَوْ كانَ ما آتَيْناهم لِكَرامَتِهِمْ عَلَيْنا لَما فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلْيَنْتَظِرْ هَؤُلاءِ أيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ. فَـ "كَمْ" مَفْعُولُ "أهْلَكْنا" و "مِن قَرْنٍ" بَيانٌ لِإبْهامِها، وأهْلُ كُلِّ عَصْرٍ قَرْنٌ لِمَن بَعْدَهُمْ؛ لِأنَّهم يَتَقَدَّمُونَهم مَأْخُوذٌ مِن قَرْنِ الدّابَّةِ، وهو مُقَدَّمُها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِكَمْ، وأثاثًا تَمْيِيزُ النِّسْبَةِ، وهو مَتاعُ البَيْتِ. وقِيلَ: هو ما جَدَّ مِنهُ، والخُرْثِيُّ ما لُبِسَ مِنهُ ورَثَّ، والرِّئِيُّ المَنظَرُ فِعْلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ لِما يُرى كالطِّحْنِ لِما يُطْحَنُ، وقُرِئَ: (رِيًّا) عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها، أوْ عَلى أنَّهُ مِنَ الرِّيِّ، وهو النِّعْمَةُ والتَّرَفُّهُ، وقُرِئَ: (رِيْئًا) عَلى القَلْبِ، ورِيا بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، و (زِيًّا) بِالزّايِ المُعْجَمَةِ مِنَ الزِّيِّ، وهو الجَمْعُ. فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَحاسِنِ المَجْمُوعَةِ.
مريم 19:75
﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ لَمّا بَيَّنَ عاقِبَةَ أمْرِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ مَعَ ما كانَ لَهم مِنَ التَّمَتُّعِ بِفُنُونِ الحُظُوظِ العاجِلَةِ. أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُجِيبَ هَؤُلاءِ المُفْتَخِرِينَ بِما لَهم مِنَ الحُظُوظِ بِبَيانِ مَآلِ أمْرِ الفَرِيقَيْنِ، إمّا عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ مُتَناوِلٍ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِنَ المُنْهَمِكِينَ في اللَّذَّةِ الفانِيَةِ، المُبْتَهِجِينَ بِها، عَلى أنَّ مَن عَلى عُمُومِها، وإمّا عَلى وجْهٍ خاصٍّ بِهِمْ عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنْهُمْ، ووَصْفُهم بِالتَّمَكُّنِ لِذَمِّهِمْ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، أيْ: مَن كانَ مُسْتَقِرًّا في الضَّلالَةِ مَغْمُورًا بِالجَهْلِ والغَفْلَةِ عَنْ عَواقِبِ الأُمُورِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ، أيْ: يُمِدُّ لَهُ ويُمْهِلُهُ بِطُولِ العُمُرِ، وإعْطاءِ المالِ، والتَّمْكِينِ مِنَ التَّصَرُّفاتِ، وإخْراجُهُ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ، لِقَطْعِ المَعاذِيرِ. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ، أوْ لِلِاسْتِدْراجِ كَما يَنْطِقُ بِهِ (p-278)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ وقِيلَ المُرادُ بِهِ الدُّعاءُ بِالمَدِّ، والتَّنْفِيسِ. وعَلى اعْتِبارِ الِاسْتِقْرارِ في الضَّلالِ لِما أنَّ المَدَّ لا يَكُونُ إلّا لِلْمُصِرِّينَ عَلَيْها إذْ رُبَّ ضالٍّ يَهْدِيهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِما أنَّ المَدَّ مِن أحْكامِ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ غايَةٌ لِلْمَدِّ المُمْتَدِّ لا لِقَوْلِ المُفْتَخِرِينَ كَما قِيلَ. إذْ لَيْسَ فِيهِ امْتِدادٌ بِحَسَبِ الذّاتِ، وهو ظاهِرٌ. ولا اسْتِمْرارٌ بِحَسَبِ التَّكْرارِ لِوُقُوعِهِ في حَيِّزِ جَوابِ إذا وجَمْعُ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمِيرَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْمَوْعُودِ بَدَلٌ مِنهُ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ، فَإنَّهُ إمّا العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ بِغَلَبَةِ المُسْلِمِينَ، واسْتِيلائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وتَعْذِيبِهِمْ إيّاهم قَتْلًا وأسْرًا، وإمّا يَوْمُ القِيامَةِ، وما نالَهم فِيهِ مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ، عَلى طَرِيقَةِ مَنعِ الخُلُوِّ دُونَ مَنعِ الجَمْعِ، فَإنَّ العَذابَ الأُخْرَوِيَّ لا يَنْفَكُّ عَنْهم بِحالٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بَعْدَ حَتّى، أيْ: حَتّى إذا عايَنُوا ما يُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، أوِ الأُخْرَوِيِّ فَقَطْ فَسَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ ﴿مَن هو شَرٌّ مَكانًا﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. بِأنْ يُشاهِدُوا الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما كانُوا يُقَدِّرُونَهُ، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم شَرٌّ مَكانًا لا خَيْرٌ مَقامًا.
﴿وَأضْعَفُ جُنْدًا﴾ أيْ: فِئَةً وأنْصارًا. لا أحْسَنُ نَدِيًّا كَما كانُوا يَدَّعُونَهُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهُ ثَمَّةَ جُنْدًا ضُعَفاءَ كَلّا، ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ رَدًّا لِما كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ لَهم أعْوانًا مِنَ الأعْيانِ، وأنْصارًا مِنَ الأخْيارِ، ويَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ في الأنْدِيَةِ والمَحافِلِ.
مريم 19:76
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِبَيانِ حالِ المُهْتَدِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ الضّالِّينَ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى فَلْيَمْدُدْ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الخَبَرِ حَسْبَما عَرَفْتَهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: مَن كانَ في الضَّلالَةِ يَمُدُّهُ اللَّهُ، ويَزِيدُ المُهْتَدِينَ هِدايَةً. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ . وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى الشَّرْطِيَّةِ المَحْكِيَّةِ بَعْدَ القَوْلِ كَأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ إمْهالَ الكافِرِ، وتَمْتِيعَهُ بِالحَياةِ لَيْسَ لِفَضْلِهِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّ قُصُورَ حَظِّ المُؤْمِنِ مِنها لَيْسَ لِنَقْصِهِ، بَلْ لِأنَّهُ تَعالى أرادَ بِهِ ما هو خَيْرٌ مِن ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ﴾ عَلى تَقْدِيرَيِ الِاسْتِئْنافِ والعَطْفِ، كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ فَضْلِ أعْمالِ المُهْتَدِينَ غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ الكَلامِ المُلَقَّنِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ: الطّاعاتُ الَّتِي تَبْقى فَوائِدُها، وتَدُومُ عَوائِدُها، ومِن جُمْلَتِها ما قِيلَ: مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وما قِيلَ: مِن قَوْلِ: "سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ" خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ لِتَشْرِيفِهِ ﷺ ﴿ثَوابًا﴾ أيْ: عائِدَةً مِمّا يَتَمَتَّعُ بِهِ الكَفَرَةُ مِنَ النِّعَمِ المُخْدَجَةِ الفانِيَةِ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها لا سِيَّما ومَآلُها النَّعِيمُ المُقِيمُ، ومَآلُ هَذِهِ الحَسْرَةُ السَّرْمَدِيَّةُ والعَذابُ الألِيمُ. كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ أيْ: مَرْجِعًا وعافِيَةً، وتَكْرِيرُ الخَيْرِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ الخَيْرِيَّةِ، وتَأْكِيدٌ لَها. وفي التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّ ما لِلْكَفَرَةِ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ خَيْرِيَّةٌ في العاقِبَةِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ.
مريم 19:77
﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي (p-279)كَفَرَ بِآياتِنا﴾ أيْ: بِآياتِنا الَّتِي مِن جُمْلَتِها آياتُ البَعْثِ. نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، كانَ لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ عَلَيْهِ مالٌ فاقْتَضاهُ، فَقالَ: لا حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. قالَ: لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِهِ حَيًّا ولا مَيِّتًا ولا حِينَ بُعِثْتُ. قالَ: فَإذا بُعِثْتُ جِئْنِي فَيَكُونَ لِي ثَمَّةَ مالٌ ووَلَدٌ، فَأُعْطِيَكَ. وفي رِوايَةٍ قالَ: لا أكْفُرُ بِهِ حَتّى يُمِيتَكَ، ثُمَّ تُبْعَثَ. فَقالَ: إنِّي لَمَيِّتٌ، ثُمَّ مَبْعُوثٌ. قالَ: نَعَمْ. قالَ: دَعْنِي حَتّى أمُوتَ، وأُبْعَثَ فَسَأُوتى مالًا ووَلَدًا فَأقْضِيَكَ، فَنَزَلَتْ. فالهَمْزَةُ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِ والإيذانِ بِأنَّها مِنَ الغَرابَةِ والشَّناعَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ تُرى، ويُقْضى مِنها العَجَبُ. ومَن فَرَّقَ بَيْنَ "ألَمْ تَرَ" و "أرَأيْتَ" بَعْدَ بَيانِ اشْتِراكِهِما في الِاسْتِعْمالِ لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ بِأنَّ الأوَّلَ: يُعَلَّقُ بِنَفْسِ المُتَعَجِّبِ مِنهُ. فَيُقالُ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي صَنَعَ كَذا، بِمَعْنى انْظُرْ إلَيْهِ فَتَعَجَّبْ مِن حالِهِ، والثّانِي: يُعَلَّقُ بِمِثْلِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ. فَيُقالُ: أرَأيْتَ مِثْلَ الَّذِي صَنَعَ كَذا، بِمَعْنى أنَّهُ مِنَ الغَرابَةِ بِحَيْثُ لا يُرى لَهُ مِثْلٌ فَقَدْ حَفِظَ شَيْئًا، وغابَتْ عَنْهُ أشْياءُ، وكَأنَّهُ ذَهَبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ . و "الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أنَظَرْتَ فَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا الباهِرَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ يُؤْمِنَ بِها كُلُّ مَن يُشاهِدُها.
﴿وَقالَ﴾ مُسْتَهْزِئًا بِها مُصَدِّرٌ لِكَلامِهِ بِاليَمِينِ الفاجِرَةِ، واللَّهِ ﴿لأُوتَيَنَّ﴾ في الآخِرَةِ ﴿مالا ووَلَدًا﴾ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِ فَتَعَجَّبْ مِن حالَتِهِ البَدِيعَةِ، وجَراءَتِهِ الشَّنِيعَةِ هَذا هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْ. و "الفاءُ" عَلى أصْلِها. والمَعْنى: أخْبِرْ بِقِصَّةِ هَذا الكافِرِ عَقِيبَ حَدِيثِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قالُوا، أىُّ: ﴿الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ ... الآيَةَ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ المَشْهُورَ اسْتِعْمالُ أرَأيْتَ في مَعْنى أخْبَرَنِي بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ جارِيًا عَلى أصْلِهِ، أوْ مُخْرَجًا إلى ما يُناسِبُهُ مِنَ المَعانِي لا بِطْرِيقِ الأمْرِ بِالإخْبارِ لِغَيْرِهِ. وقُرِئَ: (وُلْدًا) عَلى أنَّهُ جَمْعُ ولَدٍ كَأُسْدٍ جَمْعُ أسَدٍ، أوْ عَلى أنَّهُ لُغَةٌ فِيهِ كالعُرْبِ والعَرَبِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
مريم 19:78
﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ رَدٌّ لِكَلِمَتِهِ الشَّنْعاءِ، وإظْهارٌ لِبُطْلانِها إثْرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِالتَّعْجِيبِ مِنها، أيْ: أقَدْ بَلَغَ مِن عَظَمَةِ الشَّأْنِ إلى أنِ ارْتَقى إلى عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ العَلِيمُ الخَبِيرُ حَتّى ادَّعى أنْ يُؤْتى في الآخِرَةِ مالًا ووَلَدًا، وأقْسَمَ عَلَيْهِ.
﴿أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ بِذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُتَوَصَّلُ إلى العِلْمِ بِهِ إلّا بِأحَدِ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الرَّحْمَةِ لِإيتاءِ ما يَدَّعِيهِ، وقِيلَ: العَهْدُ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، وقِيلَ: العَمَلُ الصّالِحُ، فَإنَّ وعْدَهُ تَعالى بِالثَّوابِ عَلَيْهِما كالعَهْدِ، وهَذا مُجاراةٌ مَعَ اللَّعِينِ بِحَسَبِ مَنطُوقِ مَقالِهِ، كَما أنَّ كَلامَهُ مَعَ خَبّابٍ كانَ كَذَلِكَ، وقَوْلَهُ تَعالى:
مريم 19:79
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهُ عَنِ التَّفَوُّهِ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ، وتَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِ.
﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ أيْ: سَنُظْهِرُ أنّا كَتَبْنا قَوْلَهُ كَقَوْلِهِ:
؎ إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ
أيْ: يَتَبَيَّنُ أنِّي لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ، أوْ سَنَنْتَقِمُ مِنهُ انْتِقامَ مَن كَتَبَ جَرِيمَةَ الجانِي وحَفِظَها عَلَيْهِ، فَإنَّ نَفْسَ الكَتِيبَةِ لا تَكادُ تَتَأخَّرُ عَنِ القَوْلِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ فَمَبْنى الأوَّلِ تَنْزِيلُ إظْهارِ الشَّيْءِ الخَفِيِّ مَنزِلَةَ إحْداثِ الأمْرِ المَعْدُومِ بِجامِعِ أنَّ كُلًّا مِنهُما إخْراجٌ مِنَ الكُمُونِ إلى البُرُوزِ، فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً مَبْنِيَّةً عَلى تَشْبِيهِ إظْهارِ الكِتابَةِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِإحْداثِها. ومَدارُ الثّانِي تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ فَإنَّ (p-280)كِتابَةَ جَرِيمَةِ المُجْرِمِ سَبَبٌ لِعُقُوبَتِهِ قَطْعًا.
﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ مَكانَ ما يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ مِنَ الإمْدادِ بِالمالِ والوَلَدِ، أيْ: نُطَوِّلُ لَهُ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَحِقُّهُ، أوْ نَزِيدُ عَذابَهُ، ونُضاعِفُهُ لَهُ لِكُفْرِهِ، وافْتِرائِهِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، واسْتِهْزائِهِ بِآياتِهِ العِظامِ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِالمَصْدَرِ دَلالَةً عَلى فَرْطِ الغَضَبِ.
مريم 19:80
﴿وَنَرِثُهُ﴾ بِمَوْتِهِ ﴿ما يَقُولُ﴾ أيْ: مُسَمّى ما يَقُولُ ومِصْداقَهُ، وهو ما أُوتِيَهُ في الدُّنْيا مِنَ المالِ والوَلَدِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ لَيْسَ لِما يَقُولُهُ مِصْداقٌ مَوْجُودٌ سِوى ما ذَكَرَ، أيْ: نَنْزِعُ عَنْهُ ما آتَيْناهُ.
﴿وَيَأْتِينا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فَرْدًا﴾ لا يَصْحَبُهُ مالٌ، ولا ولَدٌ كانَ لَهُ في الدُّنْيا فَضْلًا أنْ يُؤْتى ثَمَّةَ زائِدًا. وقِيلَ: نَزْوِي عَنْهُ ما زَعَمَ أنَّهُ يَنالُهُ في الآخِرَةِ، ونُعْطِيهِ ما يَسْتَحِقُّهُ، ويَأْباهُ مَعْنى الإرْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِما يَقُولُ نَفْسُ القَوْلِ المَذْكُورِ لا مُسَمّاهُ، والمَعْنى إنَّما يَقُولُ هَذا القَوْلَ ما دامَ حَيًّا فَإذا قَبَضْناهُ حُلْنا بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَقُولَهُ، ويَأْتِينا رافِضًا لَهُ مُنْفَرِدًا عَنْهُ. وأنْتُ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ صُدُورَ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الِاعْتِقادِ، وأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ عَلى التَّفَوُّهِ بِهِ راجٍ لِوُقُوعِ مَضْمُونِهِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ مِمَّنْ كَفَرَ بِالبَعْثِ، وإنَّما قالَ ما قالَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، وتَعْلِيقِ أداءِ دَيْنِهِ بِالمُحالِ.
مريم 19:81
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ عامَّةٍ لِلْكُلِّ مُسْتَتْبَعَةٍ لِضِدِّ ما يَرْجِعُونَ تُرَتِّبَهُ عَلَيْها إثْرَ حِكايَةِ مَقالَةِ الكافِرِ المَعْهُودِ، واسْتِتْباعِها لِنَقِيضِ مَضْمُونِها، أيِ: اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى.
﴿لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ أيْ: لِيَتَعَزَّزُوا بِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا لَهم وصْلَةً إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وشُفَعاءَ عِنْدَهُ.
مريم 19:82
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ الباطِلِ، وإنْكارٌ لِوُقُوعِ ما عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ.
﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ أيْ: سَتَجْحَدُ الآلِهَةُ بِعِبادَتِهِمْ لَها بِأنْ يُنْطِقَها اللَّهُ تَعالى، وتَقُولَ ما عَبَدْتُمُونا، أوْ سَيُنْكِرُ الكَفَرَةُ حِينَ شاهَدُوا سُوءَ عاقِبَةِ كُفْرِهِمْ عِبادَتَهم لَها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ عَلى الأوَّلِ: تَكُونُ الآلِهَةُ الَّتِي كانُوا يَرْجُونَ أنْ تَكُونَ لَهم عِزًّا ضِدًّا لِلْعِزِّ، أيْ: ذُلًّا وهَوانًا أوْ تَكُونَ عَوْنًا عَلَيْهِمْ، وآلَةً لِعَذابِهِمْ حَيْثُ تُجْعَلُ وقُودَ النّارِ وحَصَبَ جَهَنَّمَ، أوْ حَيْثُ كانَتْ عِبادَتُهم لَها سَبَبًا لِعَذابِهِمْ. وإطْلاقُ الضِّدِّ عَلى العَوْنِ لِما أنَّ عَوْنَ الرَّجُلِ يُضادُّ عَدُوَّهُ، ويُنافِيهِ بِإعانَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ. وعَلى الثّانِي: يَكُونُ الكَفَرَةُ ضِدًّا وأعْداءً لِلْآلِهَةِ، كافِرِينَ بِها بَعْدَ أنْ كانُوا يُحِبُّونَها كَحُبِّ اللَّهِ، ويَعْبُدُونَها. وتَوْحِيدُ الضِّدِّ لِوَحْدَةِ المَعْنى الَّذِي عَلَيْهِ تَدُورُ مُضادَّتُهُمْ، فَإنَّهم بِذَلِكَ كَشَيْءٍ واحِدٍ كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: وهم يَدٌ عَلى مَن سِواهم. وقُرِئَ: (كَلًّا) بِفَتْحِ الكافِ والتَّنْوِينِ عَلى قَلْبِ الألْفِ نُونًا في الوَقْفِ، قَلْبَ ألْفِ الإطْلاقِ في قَوْلِهِ:
؎ أقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابَنْ وقُولِي إنْ أصَبْتُ لَقَدْ أصابَنْ
أوْ عَلى مَعْنى كَلَّ هَذا الرَّأْيُ كَلًّا، وقُرِئَ: (كَلّا) عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، أيْ: سَيَجْحَدُونَ كَلّا سَيَكْفُرُونَ... إلَخْ.
مريم 19:83
(p-281)﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ السّالِفَةُ، وحَكَتْهُ عَنْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ والغُواةِ والمَرَدَةِ العُتاةِ مِن فُنُونِ القَبائِحِ مِنَ الأقاوِيلِ والأفاعِيلِ، والتَّمادِي في الغَيِّ والِانْهِماكِ في الضَّلالِ، والإفْراطِ في العِنادِ، والتَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ، ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِمْ. والإجْماعِ عَلى مُدافَعَةِ الحَقِّ بَعْدَ اتِّضاحِهِ، وانْتِفاءِ الشَّكِّ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنهم بِإضْلالِ الشَّياطِينِ وإغْوائِهِمْ. لا لِأنَّ لَهُ مُسَوِّغًا ما في الجُمْلَةِ، ومَعْنى إرْسالِ الشَّياطِينِ عَلَيْهِمْ، إمّا تَسْلِيطُهم عَلَيْهِمْ وتَمْكِينُهم مِن إضْلالِهِمْ، وإمّا تَقْيِيضُهم لَهم. ولَيْسَ المُرادُ تَعْجِيبَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إرْسالِهِمْ عَلَيْهِمْ كَما يُوهِمُهُ تَعْلِيقُ الرُّؤْيَةِ بِهِ بَلْ مِمّا ذُكِرَ مِن أحْوالِ الكَفَرَةِ مِن حَيْثُ كَوْنُها مِن آثارِ إغْواءِ الشَّياطِينِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ فَإنَّهُ إمّا حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِن صَدْرِ الكَلامِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُ الشَّياطِينُ بِهِمْ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: تَؤُزُّهم. أيْ: تُغْرِيهِمْ وتُهَيِّجُهم عَلى المَعاصِي تَهْيِيجًا شَدِيدًا بِأنْواعِ الوَساوِسِ والتَّسْوِيلاتِ، فَإنَّ الأزَّ والهَزَّ والِاسْتِفْزازَ أخَواتٌ، مَعْناها: شِدَّةُ الإزْعاجِ.
مريم 19:84
﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِأنْ يُهْلَكُوا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ جِناياتُهُمْ، ويَبِيدُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وتَطْهُرَ الأرْضُ مِن فَساداتِهِمْ. و "الفاءُ" لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ ما قَبْلَها مِظَلَّةً لِوُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ مُحْوِجَةً إلى النَّهْيِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجَبِ النَّهْيِ بِبَيانِ اقْتِرابِ هَلاكِهِمْ، أيْ: لا تَسْتَعْجِلْ بِهَلاكِهِمْ فَإنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم إلّا أيّامٌ، وأنْفاسٌ نُعِدُّها عَدًّا.
مريم 19:85
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ حُذِفَ لِلْإشْعارِ بِضِيقِ العِبارَةِ عَنْ حَصْرِهِ، وشَرْحِهِ لِكَمالِ فَظاعَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ التّامَّةِ، والدَّواهِي العامَّةِ. كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ، أيْ: نَجْمَعُهم.
﴿إلى الرَّحْمَنِ﴾ إلى رَبِّهِمُ الَّذِي يَغْمُرُهم بِرَحْمَتِهِ الواسِعَةِ.
﴿وَفْدًا﴾ وافِدِينَ عَلَيْهِ كَما يَفِدُ الوُفُودُ عَلى المُلُوكِ مُنْتَظِرِينَ لِكَرامَتِهِمْ وإنْعامِهِمْ.
مريم 19:86
﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ﴾ كَما تُساقُ البَهائِمُ.
﴿إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ عِطاشًا. فَإنَّ مَن يَرِدُ الماءَ لا يُورِدُهُ إلّا العَطَشُ، أوْ كالدَّوابِّ الَّتِي تَرِدُ الماءَ نَفْعَلُ بِالفَرِيقَيْنِ مِنَ الأفْعالِ ما لا يَفِي بِبَيانِهِ نِطاقُ المَقالِ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ خُوطِبَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، أيِ: اذْكُرْ لَهم بِطَرِيقِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ يَوْمَ نَحْشُرُ ... إلَخْ. وقِيلَ: عَلى الظَّرْفِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى:
مريم 19:87
﴿لا يَمْلِكُونَ (p-282)الشَّفاعَةَ﴾ والَّذِي يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّهْوِيلِ، وتَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ أنْ يَنْتَصِبَ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ. ويَكُونُ هَذا اسْتِئْنافًا مُبَيَّنًا لِبَعْضِ ما فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى هَوْلِهِ، وضَمِيرُهُ عائِدًا إلى العِبادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ لِانْحِصارِهِمْ فِيهِما. وقِيلَ: إلى المُتَّقِينَ خاصَّةً، وقِيلَ: إلى المُجْرِمِينَ مِنَ الكَفَرَةِ وأهْلِ الإسْلامِ. والشَّفاعَةُ عَلى الأوَّلِينَ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ، وعَلى الثّالِثِ: يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ عَلى الأوَّلِ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن لا يَمْلِكُونَ. ومَحَلُّ المُسْتَثْنى إمّا الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ، أوِ النَّصْبُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ. والمَعْنى: لا يَمْلِكُ العِبادُ أنْ يَشْفَعُوا لِغَيْرِهِمْ إلّا مَنِ اسْتَعَدَّ لَهُ بِالتَّحَلِّي بِالإيمانِ والتَّقْوى، أوْ مَن أُمِرَ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: عَهِدَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ بِكَذا إذا أمَرَهُ بِهِ، فَيَكُونُ تَرْغِيبًا لِلنّاسِ في تَحْصِيلِ الإيمانِ والتَّقْوى المُؤَدِّي إلى نَيْلِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ. وعَلى الثّانِي: اسْتِثْناءٌ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، والمُسْتَثْنى مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ، أوْ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، أيْ: لا يَمْلِكُ المُتَّقُونَ الشَّفاعَةَ إلّا شَفاعَةَ مَنِ اتَّخَذَ العَهْدَ بِالإسْلامِ، فَيَكُونُ تَرْغِيبًا في الإسْلامِ. وعَلى الثّالِثِ: اسْتِثْناءٌ مِن لا يَمْلِكُونَ أيْضًا، والمُسْتَثْنى مَرْفُوعٌ عَلى البَدَلِ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الأصْلِ، والمَعْنى: لا يَمْلِكُ المُجْرِمُونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم إلّا مَن كانَ مِنهم مُسْلِمًا.
مريم 19:88
﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةِ اليَهُودِ والنَّصارى، ومَن يَزْعُمُ مِنَ العَرَبِ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا إثْرَ حِكايَةِ عَبَدَةِ الأصْنامِ بِطَرِيقِ عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
مريم 19:89
﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ رَدٌّ لِمَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ، وتَهْوِيلٌ لِأمْرِها بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ المَبْنِيِّ عَنْ كَمالِ السُّخْطِ، وشِدَّةِ الغَضَبِ المُفْصِحِ عَنْ غايَةِ التَّشْنِيعِ والتَّقْبِيحِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِنِهايَةِ الوَقاحَةِ والجَهْلِ والجَراءَةِ. و "الإدُّ" بِالكَسْرِ والفَتْحِ: العَظِيمُ المُنْكَرُ. و "الإدَّةُ" الشِّدَّةُ، وأدْنى الأمْرِ. و "آدَنِي" أثْقَلَنِي، وعَظُمَ عَلَيَّ، أيْ: فَعَلْتُمْ أمْرًا مُنْكَرًا شَدِيدًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ مِن جاءَ وأتى يُسْتَعْمَلانِ في مَعْنى فِعْلٍ فَيُعَدَّيانِ تَعْدِيَتَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
مريم 19:90
﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ ... إلَخْ. صِفَةٌ لِـ "إدًّا"، أوِ اسْتِئْنافٌ بِبَيانٍ عَظِيمٍ شَأْنُهُ في الشِّدَّةِ والهَوْلِ. وقُرِئَ: يَكادُ بِالتَّذْكِيرِ.
﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ يَتَشَقَّقْنَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى مِن عِظَمِ ذَلِكَ الأمْرِ. وقُرِئَ: (يَنْفَطِرْنَ). والأوَّلُ أبْلَغُ؛ لِأنَّ تَفَعَّلَ مُطاوِعُ فَعَّلَ، وانْفَعَلَ مُطاوِعُ فَعَلَ، ولِأنَّ أصْلَ التَّفَعُّلِ التَّكَلُّفُ.
﴿وَتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾ أيْ: وتَكادُ تَنْشَقُّ الأرْضُ.
﴿وَتَخِرُّ الجِبالُ﴾ أيْ: تَسْقُطُ، وتَتَهَدَّمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الجِبالِ، أيْ: تُهَدُّ هَدًّا. أوْ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مُؤَكِّدٌ لِتَخِرُّ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَعْنى التَّهَدُّمِ، والخُرُورِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وتَخِرُّ الجِبالُ خُرُورًا. أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: مَهْدُودَةً، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأنَّها تُهَدُّ. وهَذا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ إدًّا، والمَعْنى: أنَّ هَوْلَ تِلْكَ الشَّنْعاءِ وعِظَمَها بِحَيْثُ لَوْ تَصَوَّرَتْ بِصُورَةٍ مَحْسُوسَةٍ لَمْ تُطِقْ بِها هاتِيكَ الأجْرامُ العِظامُ، وتَفَتَّتْ مِن شِدَّتِها، أوْ أنَّ فَظاعَتَها في اسْتِجْلابِ الغَضَبِ، واسْتِيجابِ السَّخَطِ، (p-283)بِحَيْثُ لَوْلا حِلْمُهُ تَعالى لَخُرِّبَ العالِمُ، وبُدِّدَتْ قَوائِمُهُ غَضَبًا عَلى مَن تَفَوَّهَ بِها.
مريم 19:91
﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى حَذْفِ اللّامِ المُتَعَلِّقَةِ بِتَكادُ، أوْ مَجْرُورٌ بِإضْمارِها، أيْ: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ، والأرْضُ تَنْشَقُّ، والجِبالُ تَخِرُّ؛ لِأنْ دَعَوْا لَهُ سُبْحانَهُ ولَدًا. وقِيلَ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "هَدًّا"، وقِيلَ: الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في مِنهُ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمُ
وَقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: المُوجِبُ لِذَلِكَ أنْ دَعَوْا ... إلَخْ. وقِيلَ: فاعِلُ هَدًّا، أيْ: هَدَّها دُعاءُ الوَلَدِ، والأوَّلُ هو الأوْلى. ودَعَوْا مَن دَعا بِمَعْنى سَمّى المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، وقَدِ اقْتُصِرَ عَلى ثانِيهِما لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما دُعِيَ لَهُ ولَدًا، أوْ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي مُطاوِعُهُ ادَّعى إلى فُلانٍ، أيِ: انْتَسَبَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
مريم 19:92
﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ حالٌ مِن فاعِلِ قالُوا، أوْ دَعَوْا مُقَرِّرَةٌ لِبُطْلانِ مَقالَتِهِمْ، واسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ مَضْمُونِها، أيْ: قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا، أوْ أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا. والحالُ أنَّهُ ما يَلِيقُ بِهِ تَعالى اتِّخاذُ الوَلَدِ، ولا يُتَطَلَّبُ لَهُ لَوْ طَلَبَ مَثَلًا لِاسْتِحالَتِهِ في نَفْسِهِ، ووَضْعُ الرَّحْمَنِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما سِواهُ تَعالى، إمّا نِعْمَةٌ، أوْ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ. فَكَيْفَ يَتَسَنّى أنْ يُجانِسَ مَن هو مَبْدَأُ النِّعَمِ، ومَوْلى أُصُولِها وفُرُوعِها، حَتّى يُتَوَهَّمَ أنْ يَتَّخِذَهُ ولَدًا؟ وقَدْ صُرِّحَ لَهُ قَوْمٌ بِهِ عَزَّ قائِلًا:
مريم 19:93
﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما مِنهم أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ ﴿إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ إلّا وهو مَمْلُوكٌ لَهُ، يَأْوِي إلَيْهِ بِالعُبُودِيَّةِ والِانْقِيادِ. وقُرِئَ: (آتٍ الرَّحْمَنَ) عَلى الأصْلِ.
مريم 19:94
﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾ أيْ: حَصَرَهُمْ، وأحاطَ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْرُجُ مِنهم أحَدٌ مِن حِيطَةِ عَلَمِهِ، وقَبْضَةِ قدرته، ومَلَكُوتِهِ.
﴿وَعَدَّهم عَدًّا﴾ أيْ: عَدَّ أشْخاصَهُمْ، وأنْفاسَهُمْ، وأفْعالَهُمْ، وكُلَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ.
مريم 19:95
﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهم آتِ إيّاهُ تَعالى مُنْفَرِدًا مِنَ الأتْباعِ والأنْصارِ. وفي صِيغَةِ الفاعِلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى إتْيانِهِمْ كَذَلِكَ البَتَّةَ ما لَيْسَ في صِيغَةِ المُضارِعِ، لَوْ قِيلَ يَأْتِيهِ فَإذا كانَ شَأْنُهُ تَعالى وشَأْنُهم كَما ذُكِرَ، فَأنّى يُتَوَهَّمُ احْتِمالُ أنْ يَتَّخِذَ شَيْئًا مِنهم ولَدًا.
مريم 19:96
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لَمّا فُصِّلَتْ قَبائِحُ أحْوالِ الكَفَرَةِ عُقِّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَحاسِنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ.
﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أيْ: سَيَحْدُثُ لَهم في القُلُوبِ مَوَدَّةٌ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ مِنهم لِأسْبابِها، سِوى ما لَهم مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَةِ لِما أنَّ المَوْعُودَ مِن آثارِها. (p-284)وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا يَقُولُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في أهْلِ السَّماءِ إنَّ اللَّهَ أحَبَّ فُلانًا فَأحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ المَحَبَّةُ في الأرْضِ» ".
وَ "السِّينُ"؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وكانُوا إذْ ذاكَ مَمْقُوتِينَ بَيْنَ الكَفَرَةِ فَوَعَدَهم ذَلِكَ، ثُمَّ أنْجَزَهُ حِينَ رَبا الإسْلامُ، أوْ لِأنَّ المَوْعُودَ في القِيامَةِ حِينَ تُعْرَضُ حَسَناتُهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، فَيَنْزِعُ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الغِلِّ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا. ولَعَلَّ إفْرادَ هَذا بِالوَعْدِ مِن بَيْنِ ما سَيُؤْتَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الكَراماتِ السُّنِّيَّةِ لِما أنَّ الكَفَرَةَ سَيَقَعُ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ تَباغُضٌ، وتَضادٌّ، وتَقاطُعٌ، وتَلاعُنٌ.
مريم 19:97
﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ﴾ أيِ: القرآن.
﴿بِلِسانِكَ﴾ بِأنْ أنْزَلْناهُ عَلى لُغَتِكَ. و "الباءُ" بِمَعْنى: عَلى. وقِيلَ: ضُمِّنَ التَّيْسِيرُ مَعْنى الإنْزالِ، أيْ: يَسَّرْنا القرآن مُنْزِلِينَ لَهُ بِلُغَتِكَ. و "الفاءُ" لِتَعْلِيلِ أمْرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إيحاءِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بَلِّغْ هَذا المُنْزَلَ، أوْ بَشِّرْ بِهِ وأنْذِرْ، فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ العَرَبِيِّ المُبِينِ.
﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الصّائِرِينَ إلى التَّقْوى بِامْتِثالِ ما فِيهِ مِنَ الأمْرِ، والنَّهْيِ.
﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ لَجاجًا، وعِنادًا. و "اللُّدُّ" جَمْعُ الألَدِّ، وهو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ اللَّجُوجُ المُعانِدُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
مريم 19:98
﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ وعْدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ضِمْنِ وعِيدِ الكَفَرَةِ بِالإهْلاكِ، وحَثٌّ لَهُ ﷺ عَلى الإنْذارِ، أيْ: قَرْنًا كَثِيرًا أهْلَكْنا قَبْلَ هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ: هَلْ تَشْعُرُ بِأحَدٍ مِنهُمْ، وتَرى ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾، أيْ: صَوْتًا خَفِيًّا. وأصْلُ الرِّكْزِ هو الخَفاءُ، ومِنهُ رَكَزَ الرُّمْحَ إذا غَيَّبَ طَرَفَهُ في الأرْضِ، والرِّكازُ المالُ المَدْفُونُ المَخْفِيُّ. والمَعْنى: أهْلَكْناهم بِالكُلِّيَّةِ، واسْتَأْصَلْناهم بِحَيْثُ لا يُرى مِنهم أحَدٌ، ولا يُسْمَعُ مِنهم صَوْتٌ خَفِيٌّ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " «مَن قَرَأ سُورَةُ مَرْيَمَ أُعْطِيَ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن كَذَّبَ زَكَرِيّا، وصَدَّقَ بِهِ، ويَحْيى، وعِيسى، ومَرْيَمَ، وسائِرَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ فِيها، وبِعَدَدِ مَن دَعا اللَّهَ تَعالى في الدُّنْيا، ومَن لَمْ يَدْعُ اللَّهَ تَعالى» ".