Tafsir Abi Al-Suaood — طه 20:1 – الأنبياء 21:112
المحتويات
- طه 20:1
- طه 20:2
- طه 20:3
- طه 20:4
- طه 20:5
- طه 20:6
- طه 20:7
- طه 20:8
- طه 20:9
- طه 20:10
- طه 20:11
- طه 20:12
- طه 20:13
- طه 20:14
- طه 20:15
- طه 20:16
- طه 20:17
- طه 20:18
- طه 20:19
- طه 20:20
- طه 20:21
- طه 20:22
- طه 20:23
- طه 20:24
- طه 20:25
- طه 20:26
- طه 20:27
- طه 20:28
- طه 20:29
- طه 20:30
- طه 20:31
- طه 20:32
- طه 20:33
- طه 20:34
- طه 20:35
- طه 20:36
- طه 20:37
- طه 20:38
- طه 20:39
- طه 20:40
- طه 20:41
- طه 20:42
- طه 20:43
- طه 20:44
- طه 20:45
- طه 20:46
- طه 20:47
- طه 20:48
- طه 20:49
- طه 20:50
- طه 20:51
- طه 20:52
- طه 20:53
- طه 20:54
- طه 20:55
- طه 20:56
- طه 20:57
- طه 20:58
- طه 20:59
- طه 20:60
- طه 20:61
- طه 20:62
- طه 20:63
- طه 20:64
- طه 20:65
- طه 20:66
- طه 20:67
- طه 20:68
- طه 20:69
- طه 20:70
- طه 20:71
- طه 20:72
- طه 20:73
- طه 20:74
- طه 20:75
- طه 20:76
- طه 20:77
- طه 20:78
- طه 20:79
- طه 20:80
- طه 20:81
- طه 20:82
- طه 20:83
- طه 20:84
- طه 20:85
- طه 20:86
- طه 20:87
- طه 20:88
- طه 20:89
- طه 20:90
- طه 20:91
- طه 20:92
- طه 20:93
- طه 20:94
- طه 20:95
- طه 20:96
- طه 20:97
- طه 20:98
- طه 20:99
- طه 20:100
- طه 20:101
- طه 20:102
- طه 20:103
- طه 20:104
- طه 20:105
- طه 20:106
- طه 20:107
- طه 20:108
- طه 20:109
- طه 20:110
- طه 20:111
- طه 20:112
- طه 20:113
- طه 20:114
- طه 20:115
- طه 20:116
- طه 20:117
- طه 20:118
- طه 20:119
- طه 20:120
- طه 20:121
- طه 20:122
- طه 20:123
- طه 20:124
- طه 20:125
- طه 20:126
- طه 20:127
- طه 20:128
- طه 20:129
- طه 20:130
- طه 20:131
- طه 20:132
- طه 20:133
- طه 20:134
- طه 20:135
- الأنبياء 21:1
- الأنبياء 21:2
- الأنبياء 21:3
- الأنبياء 21:4
- الأنبياء 21:5
- الأنبياء 21:6
- الأنبياء 21:7
- الأنبياء 21:8
- الأنبياء 21:9
- الأنبياء 21:10
- الأنبياء 21:11
- الأنبياء 21:12
- الأنبياء 21:13
- الأنبياء 21:14
- الأنبياء 21:15
- الأنبياء 21:16
- الأنبياء 21:17
- الأنبياء 21:18
- الأنبياء 21:19
- الأنبياء 21:20
- الأنبياء 21:21
- الأنبياء 21:22
- الأنبياء 21:23
- الأنبياء 21:24
- الأنبياء 21:25
- الأنبياء 21:26
- الأنبياء 21:27
- الأنبياء 21:28
- الأنبياء 21:29
- الأنبياء 21:30
- الأنبياء 21:31
- الأنبياء 21:32
- الأنبياء 21:33
- الأنبياء 21:34
- الأنبياء 21:35
- الأنبياء 21:36
- الأنبياء 21:37
- الأنبياء 21:38
- الأنبياء 21:39
- الأنبياء 21:40
- الأنبياء 21:41
- الأنبياء 21:42
- الأنبياء 21:43
- الأنبياء 21:44
- الأنبياء 21:45
- الأنبياء 21:46
- الأنبياء 21:47
- الأنبياء 21:48
- الأنبياء 21:49
- الأنبياء 21:50
- الأنبياء 21:51
- الأنبياء 21:52
- الأنبياء 21:53
- الأنبياء 21:54
- الأنبياء 21:55
- الأنبياء 21:56
- الأنبياء 21:57
- الأنبياء 21:58
- الأنبياء 21:59
- الأنبياء 21:60
- الأنبياء 21:61
- الأنبياء 21:62
- الأنبياء 21:63
- الأنبياء 21:64
- الأنبياء 21:65
- الأنبياء 21:66
- الأنبياء 21:67
- الأنبياء 21:68
- الأنبياء 21:69
- الأنبياء 21:70
- الأنبياء 21:71
- الأنبياء 21:72
- الأنبياء 21:73
- الأنبياء 21:74
- الأنبياء 21:75
- الأنبياء 21:76
- الأنبياء 21:77
- الأنبياء 21:78
- الأنبياء 21:79
- الأنبياء 21:80
- الأنبياء 21:81
- الأنبياء 21:82
- الأنبياء 21:83
- الأنبياء 21:84
- الأنبياء 21:85
- الأنبياء 21:86
- الأنبياء 21:87
- الأنبياء 21:88
- الأنبياء 21:89
- الأنبياء 21:90
- الأنبياء 21:91
- الأنبياء 21:92
- الأنبياء 21:93
- الأنبياء 21:94
- الأنبياء 21:95
- الأنبياء 21:96
- الأنبياء 21:97
- الأنبياء 21:98
- الأنبياء 21:99
- الأنبياء 21:100
- الأنبياء 21:101
- الأنبياء 21:102
- الأنبياء 21:103
- الأنبياء 21:104
- الأنبياء 21:105
- الأنبياء 21:106
- الأنبياء 21:107
- الأنبياء 21:108
- الأنبياء 21:109
- الأنبياء 21:110
- الأنبياء 21:111
- الأنبياء 21:112
طه 20:1
(p-2)(سُورَةُ طَهَ مَكِّيَّةٌ إلّا آَيَتَيْ [130 و131] فَمَدَنِيَّتانِ وآَياتُها [135] )
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طه﴾ فَضَّمَهُما قالُونُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، ويَعْقُوبُ عَلى الأصْلِ. والطّاءُ وحْدَهُ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ لِاسْتِعْلائِهِ، وأمالَهُما الباقُونَ. وهو مِنَ الفَواتِحِ الَّتِي يُصَدِّرُ بِها السُّوَرَ الكَرِيمَةَ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُتْقِنِينَ. وقِيلَ: مَعْناهُ: يا رَجُلُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، والكَلْبِيِّ، إلّا أنَّهُ عِنْدَ سَعِيدٍ عَلى اللُّغَةِ النَّبْطِيَّةِ، وعِنْدَ قَتادَةَ عَلى السِّرْيانِيَّةِ، وعِنْدَ عِكْرِمَةَ عَلى الحَبَشِيَّةِ، وعِنْدَ الكَلْبِيِّ عَلى لُغَةِ عَكا، وقِيلَ: عُكْلٌ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ، قالُوا: إنْ صَحَّ فَلَعَلَّ أصْلَهُ يا هَذا، فَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِقَلْبِ الياءِ طاءً، وحَذْفِ ذا مِن هَذا، وما اسْتُشْهِدَ بِهِ مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ إنَّ السَّفاهَةَ طَهَ في خَلائِقِكم لا قَدَّسَ اللَّهُ أخْلاقَ المَلاعِينِ
لَيْسَ بِنَصٍّ في ذَلِكَ لِجَوازِ كَوْنِهِ قَسَمًا، كَما في حم ﴿لا يُنْصَرُونَ﴾ . وقَدْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ طَأْها بِصِيغَةِ الأمْرِ مِنَ الوَطْءِ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ في يَطَأُ ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، كَما في قَوْلِ مَن قالَ: لا هُناكَ المَرْتَعُ، وها ضَمِيرُ الأرْضِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَطَأ الأرْضَ بِقَدَمَيْهِ لَمّا كانَ يَقُومُ في تَهَجُّدِهِ عَلى إحْدى رِجْلَيْهِ مُبالَغَةً في المُجاهَدَةِ، ولَكِنْ يَأْباهُ كِتابَتُهُما عَلى صُورَةِ الحَرْفِ كَما تَأْبى التَّفْسِيرَ بِيا رَجُلُ، فَإنَّ الكِتابَةَ عَلى صُوَرِ الحَرْفِ مَعَ كَوْنِ التَّلَفُّظِ بِخِلافِهِ مِن خَصائِصِ حُرُوفِ المُعْجَمِ. وقُرِئَ "طَهَ" إمّا عَلى أنَّ أصْلَهُ طَأْ، فَقَلَبَ هَمْزَتَهُ هاءً كَما في أمْثالِ: هَرَقَتْ، أوْ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ في يَطَأُ ألِفًا كَما مَرَّ ثُمَّ بُنِيَ مِنهُ الأمْرُ وأُلْحِقُ بِهِ هاءُ السَّكْتِ، وإمّا عَلى أنَّهُ اكْتَفى في التَّلَفُّظِ بِشَطْرَيِّ الِاسْمَيْنِ وأُقِيما مَقامَهُما في الدَّلالَةِ عَلى المُسَمَّيَيْنِ، فَكَأنَّهُما اسْماهُما الدّالّانِ عَلَيْهِما وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يُحَمَلَ قَوْلُ مَن قالَ. أوِ اكْتَفى بِشَطْرَيِ الكَلِمَتَيْنِ وعَبَّرَ عَنْهُما بِاسْمِهِما، وإلّا فالشَّطْرانِ لَمْ يُذْكَرا مِن حَيْثُ إنَّهُما مُسَمَّيانِ لِاسْمَيْهِما لِيَقَعا مُعَبِّرًا عَنْهُما، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُما جُزْءانِ لَهُما قَدِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِهِما عَنْ ذِكْرِهِما، ولِذَلِكَ وقَعَ التَّلَفُّظُ بِأنْفُسِهِما لا بِاسْمَيْهِما، بِأنْ يُرادَ بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ في المَوْضِعَيْنِ الشَّطْرانِ مِن حَيْثُ هُما مُسَمَّيانِ لا مِن حَيْثُ هُما جُزْءانِ لِلِاسْمَيْنِ، ويُرادُ بِاسْمِهِما الشَّطْرانِ مِن حَيْثُ هُما قائِمانِ مَقامَ الِاسْمَيْنِ. فالمَعْنى اكْتُفِيَ في التَّلَفُّظِ بِشَطْرَيِ الكَلِمَتَيْنِ أيِ: الِاسْمَيْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُما - أيْ: عَنِ الشَّطْرَيْنِ - مِن حَيْثُ هُما مُسَمَّيانِ بِهِما مِن حَيْثُ هُما قائِمانِ مَقامَ الِاسْمَيْنِ. وأمّا حَمْلُهُ عَلى مَعْنى أنَّهُ اكْتُفِيَ في الكِتابَةِ بِشَطْرَيِ الكَلِمَتَيْنِ يَعْنِي طا عَلى تَقْدِيرَيْ كَوْنِهِ أمْرًا وكَوْنِهِ حَرْفَ نِداءٍ، وها عَلى تَقْدِيرَيْ كَوْنِها كِنايَةً عَنِ الأرْضِ وكَوْنِها حَرْفَ تَنْبِيهٍ وعُدِلَ عَنْ ذَيْنِكَ الشَّطْرَيْنِ في التَّلَفُّظِ بِاسْمِهِما، فَبَيْنَ البُطْلانِ كَيْفَ وطاؤُها عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّقادِيرِ لَيْسا بِاسْمَيْنِ لِلْحَرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بَلِ الأوَّلُ (p-3)أمْرٌ أوْ حَرْفُ نِداءٍ، والثّانِي ضَمِيرُ الأرْضِ أوْ حَرْفُ تَنْبِيهٍ، عَلى أنَّ كِتابَةَ صُورَةِ الحَرْفِ والتَّلَفُّظَ بِغَيْرِهِ مِن خَواصِّ حُرُوفِ المُعْجَمِ كَما مَرَّ، فالحَقُّ ما سَلَفَ مِن أنَّها مِنَ الفَواتِحِ، إمّا مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في مَطْلَعِ (سُورَةِ البَقَرَةِ ) فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
وَكَذا ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى:
طه 20:2
﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القرآن لِتَشْقى﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ عَمّا كانَ يَعْتَرِيهِ مِن جِهَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ التَّعَبِ، فَإنَّ الشَّقاءَ شائِعٌ في ذَلِكَ المَعْنى، ومِنهُ: أشْقى مِن رائِضِ مُهْرٍ، أيْ: ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَتْعَبَ بِالمُبالَغَةِ في مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ في مُقاوَلَةِ العُتاةِ، ومُحاوَرَةِ الطُّغاةِ، وفَرْطِ التَّأسُّفِ عَلى كُفْرِهِمْ بِهِ، والتَّحَسُّرِ عَلى أنْ يُؤْمِنُوا كَقَوْلِهِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ ...﴾ الآَيَةُ. بَلْ لِلتَّبْلِيغِ والتَّذْكِيرِ، وقَدْ فَعَلْتَ فَلا عَلَيْكَ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، أوْ لِصَرْفِهِ ﷺ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنِ المُبالَغَةِ في المُجاهَدَةِ في العِبادَةِ، كَما يُرْوى «أنَّهُ ﷺ كانَ يَقُومُ بِاللَّيْلِ حَتّى تَرِمَ قَدَماهُ، قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أبْقِ عَلى نَفْسِكَ، فَإنَّ لَها عَلَيْكَ حَقًّا.» أيْ: ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَتْعَبَ بِنَهْكِ نَفْسِكَ وحَمْلِها عَلى الرَّياضاتِ الشّاقَّةِ والشَّدائِدِ الفادِحَةِ، وما بُعِثْتَ إلّا بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحَرْثِ، قالا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ شَقِيٌّ حَيْثُ تَرَكْتَ دِينَ آَبائِكَ، وأنَّ القرآن نَزَلَ عَلَيْكَ لِتَشْقى بِهِ، فَرَدَّ ذَلِكَ بِأنّا ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لَمّا قالُوا. والأوَّلُ هو الأنْسَبُ كَما يَشْهَدُ بِهِ الِاسْتِثْناءُ الآَتِي هَذا. وإمّا اسْمٌ لِلْقُرْآَنِ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والقرآن ظاهِرٌ أُوِقِعَ مَوْقِعَ العائِدِ إلى المُبْتَدَإ، كَأنَّهُ قِيلَ: القرآن ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَشْقى. أوِ النَّصْبُ عَلى إضْمارِ فِعْلِ القَسَمِ أوِ الجَرِّ بِتَقْدِيرِ حَرْفِهِ، وما بَعْدَهُ جَوابُهُ.
وَعَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلسُّورَةِ أيْضًا، بِخِلافِ الوَجْهِ الأوَّلِ فَإنَّهُ لا يَتَسَنّى عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، لَكِنْ لا لِأنَّ المُبْتَدَأ يَبْقى حِينَئِذٍ بِلا عائِدٍ ولا قائِمٍ مَقامَهُ، فَإنَّ القرآن صادِقٌ عَلى الصُّورَةِ لا مَحالَةَ، إمّا بِطْرِيقِ الِاتِّحادِ بِأنْ يُرادَ بِهِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الكُلِّ والبَعْضِ، أوْ بِاعْتِبارِ الِانْدِراجِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الكُلُّ، بَلْ لِأنَّ نَفْيَ كَوْنِ إنْزالِهِ لِلشَّقاءِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ وُقُوعِ الشَّقاءِ مُتَرَتِّبًا عَلى إنْزالِهِ قَطْعًا، إمّا بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ كَما لَوْ أُرِيدَ بِهِ مَعْنى التَّعَبِ، أوْ بِحَسَبِ زَعْمِ الكَفَرَةِ كَما لَوْ أُرِيدَ بِهِ ضِدُّ السَّعادَةِ. ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ في إنْزالِ ما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ، وأمّا إنْزالُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ فَلَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ تَرَتُّبُ الشَّقاءُ السّابِقُ عَلَيْهِ حَتّى يَتَصَدّى لِنَفْيِهِ عَنْهُ. أمّا بِاعْتِبارِ الِاتِّحادِ فَظاهِرٌ وأمّا بِاعْتِبارِ الِانْدِراجِ فَلِأنَّ مَآَلَهُ أنَّ يُقالَ هَذِهِ السُّورَةُ ما أنْزَلَنا القرآن المُشْتَمِلَ عَلَيْها لِتَشْقى، ولا يَخْفى أنْ جَعَلَها مُخْبَرًا عَنْها مَعَ أنَّهُ لا دَخْلَ لِإنْزالِها في الشَّقاءِ السّابِقِ أصْلًا مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ.
طه 20:3
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِأنْزَلْنا، لَكِنْ لا مِن حَيْثُ أنَّهُ مُعَلَّلٌ بِالشَّقاءِ عَلى مَعْنى ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القرآن لِتَتْعَبَ بِتَبْلِيغِهِ إلّا تَذْكِرَةً. الآَيَةُ، كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُكَ لِلتَّأْدِيبِ إلّا إشْفاقًا، لِما أنَّهُ يَجِبُ في أمْثالِهِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ مُلابَسَةٌ بِالسَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبَيَّةِ حَتْمًا كَما في المِثالِ المَذْكُورِ، وفي قَوْلِكَ: ما شافَهْتُكَ بِالسُّوءِ لِتَتَأذّى إلّا زَجْرًا لِغَيْرِكَ، فَإنَّ التَّأْدِيبَ في الأوَّلِ مُسَبَّبٌ عَنِ الإشْفاقِ، والتَّأذِّي في الثّانِي سَبَبٌ لِزَجْرِ (p-4)الغَيْرِ. وقَدْ عَرَفْتُ ما بَيْنَ الشَّقاءِ والتَّذْكِرَةِ مِنَ التَّنافِي، ولا يُجْدِي أنْ يُرادَ بِهِ التَّعَبُ في الجُمْلَةِ المَجامِعُ لِلتَّذْكِرَةِ لِظُهُورِ أنْ لا مُلابَسَةَ بَيْنَهُما بِما ذَكَرَ مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبِّبِيَّةِ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ أنْ لَوْ قِيلَ مَكانَ ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾: إلّا تَكْثِيرًا لِثَوابِكَ، فَإنَّ الأجْرَ بِقَدْرِ التَّعَبِ، ولا مِن حَيْثُ أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ لِتَشْقى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ﴾ لِوُجُوبِ المُجانَسَةِ بَيْنَ البَدَلَيْنِ، وقَدْ عَرَفْتَ حالَهُما بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ بِحَسَبِ المَعْنى بَعْدَ نَفْيِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْارَكِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القرآن لِتَتْعَبَ في تَبْلِيغِهِ، ولَكِنْ تَذْكِرَةً ﴿لِمَن يَخْشى﴾ . وقَدْ جَرَّدَ التَّذْكِرَةَ عَنِ اللّامِ لِكَوْنِها فِعْلًا لِفاعِلِ الفِعْلِ المُعَلِّلِ، أيْ: لِمَن مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْشى اللَّهَ عَزَّ وعَلا ويَتَأثَّرَ بِالإنْذارِ لِرِقَّةِ قَلْبِهِ ولِينِ عَرِيكَتِهِ، أوْ لِمَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَخْشى بِالتَّخْوِيفِ، وتَخْصِيصًا بِهِمْ مَعَ عُمُومِ التَّذْكِرَةِ والتَّبْلِيغِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها.
طه 20:4
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ مُقَرَّرٍ لِما قَبْلَهُ، أيْ: نُزِّلَ تَنْزِيلًا. أوْ لِما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْتِثْنائِيَّةُ فَإنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِأنْ يُقالَ: أنْزَلْناهُ لِلتَّذْكِرَةِ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ مِنَ الِالتِفاتِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِيَخْشى عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ: يَخْشى تَنْزِيلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَعْلِيقَ الخَشْيَةِ والخَوْفِ ونَظائِرِهِما بِمُطْلَقِ التَّنْزِيلِ غَيْرُ مَعْهُودٍ. نَعَمْ قَدْ يُعَلَّقُ ذَلِكَ بِبَعْضِ أجْزائِهِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الوَعِيدِ ونَظائِرِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن تَذْكِرَةً، لَكِنْ لا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لَأنْزَلْنا إذْ يُعَلِّلُ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ ولا بِنَوْعِهِ، بَلْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكافِ في عَلَيْكَ، أوْ مِنَ القرآن، ولا مُساغَ لَهُ إلّا بِأنْ يَكُونَ قَيْدًا لَأنْزَلْنا بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِالقَيْدِ الأوَّلِ، وقَدْ عَرَفْتَ حالَهُ فِيما سَلَفَ. وقُرِئَ "تَنْـزِيلٌ" عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ.
وَ"مَن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَنْزِيلًا، أوْ بِمُضْمِرٍ هو صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما في تَنْكِيرِهِ مِنِ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ. ونِسْبَةُ التَّنْزِيلِ إلى المَوْصُولِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ بَعْدَ نِسْبَتِهِ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِبَيانِ فَخامَتِهِ تَعالى بِحَسَبِ الأفْعالِ والصِّفاتِ إثْرَ بَيانِها بِحَسَبِ الذّاتِ بِطَرِيقِ الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ لِزِيادَةِ تَحْقِيقٍ وتَقْرِيرٍ وتَخْصِيصِ خَلْقِهِما بِالذِّكْرِ، مَعَ أنَّ المُرادَ: خَلْقُهُما بِجَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِما، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ الآَيَةُ، لِأصالَتِهِما واسْتِتْباعِهِما لِما عَداهُما. وتَقْدِيمُ الأرْضِ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ إلى الحِسِّ وأظْهَرَ عِنْدَهُ. ووَصَفَ السَّمَواتِ بِالعُلا وهو جَمْعُ العُلْيا تَأْنِيثُ الأعْلى، لِتَأْكِيدِ الفَخامَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ. وكُلُّ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ مَسُوقٌ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُنَزِّلِ عَزَّ وجَلَّ المُتَتَبِّعِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُنَـزَّلِ الدّاعِي إلى تَرْبِيَةِ المَهانَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى اسْتِنْزالِ المُتَمَرِّدِينَ عَنْ رُتْبَةِ العُتُوِّ والطُّغْيانِ، واسْتَمالَهم نَحْوَ الخَشْيَةِ المُفْضِيَةِ إلى التَّذْكِرَةِ والإيمانِ.
طه 20:5
﴿الرَّحْمَنُ﴾ رُفِعَ عَلى المَدْحِ، أيْ: هو الرَّحْمَنُ. وقَدْ عَرَفْتَ في صَدْرِ (سُورَةِ البَقَرَةِ ) أنَّ المَرْفُوعَ مَدْحًا في حُكْمِ الصِّفَةِ الجارِيَةِ في ما قَبْلُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ تابِعًا لَهُ في الإعْرابِ، ولِذَلِكَ التَزَمُوا حَذْفَ المُبْتَدَإ لِيَكُونَ في صُورَةِ مُتَعَلِّقٍ مِن (p-5)مُتَعَلِّقاتِهِ. وقَدْ قُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ صَرِيحَةٌ لِلْمَوْصُولِ، وما قِيلَ مِن أنَّ الأسْماءَ النّاقِصَةَ لا يُوصَفُ مِنها إلّا الَّذِي وحَّدَهُ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. وأيًّا ما كانَ فَوَصْفُهُ بِالرَّحْمانِيَّةِ إثْرَ وصْفِهِ بِخالِقِيَّةِ السَّمَواتِ والأرْضِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ خَلْقَهُما مِن آثارِ رَحْمَتِهِ تَعالى. كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى بِطَرِيقِ الرَّحْمَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَنْزِيلَ القرآن أيْضًا مِن أحْكامِ رَحْمَتِهِ تَعالى، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القرآن﴾، أوْ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، واللّامُ لِلْعَهْدِ، والإشارَةُ إلى المَوْصُولِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾، وجَعَلَ الرَّحْمَةَ عُنْوانَ المَوْضُوعِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الثُّبُوتِ لِلْمَوْضُوعِ عِنْدَ المُخاطَبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ بَيِّنٌ لا سُتْرَةَ بِهِ غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِ بِهِ صَرِيحًا، و"عَلى" مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْتَوى قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ. والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلِ خَبَرُ مُبْتَدَإ مَحْذُوفٍ، كَما في القِراءَةِ الجَرِّ. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبِرًا بَعْدَ خَبَرٍ.
والِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ: مَجازٌ عَنِ المُلْكِ والسُّلْطانِ، مُتَفَرِّعٌ عَلى الكِنايَةِ فِيمَن يُجَوِّزُ عَلَيْهِ القُعُودَ عَلى السَّرِيرِ. يُقالُ: اسْتَوى فُلانٌ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ، يُرادُ بِهِ: مَلِكٌ، وإنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلى السَّرِيرِ أصْلًا. والمُرادُ: بَيانُ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ الشَّرِيفَةِ إيجادِ الكائِناتِ وتَدْبِيرِ أمْرِها.
طه 20:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِالجُزْئِيَّةِ مَهْما أوْ بِالحُلُولِ فِيهِما.
﴿وَما بَيْنَهُما﴾ مِنِ المَوْجُوداتِ الكائِنَةِ في الجَوِّ دائِمًا كالهَواءِ، والسَّحابِ، أوْ أكْثَرَ يا كالطَّيْرِ أيْ: لَهُ وحْدُهُ دُونَ غَيْرِهِ، لا شِرْكَةً، ولا اسْتِقْلالًا، كُلُّ ما ذَكَرَ مُلْكًا، وتَصَرُّفًا، وإحْياءً، وإمالَةً، وإيجادًا، وإعْدامًا.
﴿وَما تَحْتَ الثَّرى﴾ أيْ: ما وراءَ التُّرْبِ، وذِكْرُهُ مَعَ دُخُولِهِ تَحْتَ ما في الأرْضِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ. رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أنَّهُ ما تَحْتَ الأرْضِينَ السَّبْعِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ الثَّرى: هو الصَّخْرَةُ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ السّابِعَةُ.
طه 20:7
﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ بَيانٌ لِإحاطَةِ علمه تعالى بِجَمِيعِ الأشْياءِ إثْرَ بَيانِ سِعَةِ سَلْطَنَتِهِ، وشُمُولِ قدرته لِجَمِيعِ الكائِناتِ. أيْ: وإنْ تَجْهَرْ بِذِكْرِهِ تَعالى ودُعائِهِ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ جَهْرِكَ.
﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أيْ: ما أسْرَرْتُهُ إلى غَيْرِكَ، وشَيْئًا أخْفى مِن ذَلِكَ، وهو ما أخْطَرْتُهُ بِبالِكَ مِن غَيْرِ أنْ تَتَفَوَّهَ بِهِ أصْلًا، أوْ ما أسْرَرْتَهُ لِنَفْسِكَ وأخْفى مِنهُ وهو ما سَتُسِرُّهُ فِيما سَيَأْتِي. وتَنْكِيرُهُ لِلْمُبالَغَةِ في الخَفاءِ، وهَذا إمّا نَهْيٌ عَنِ الجَهْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾، وإمّا إرْشادٌ لِلْعِبادِ إلّا أنَّ الجَهْرَ لَيْسَ لِإسْماعِهِ سُبْحانَهُ، بَلْ لِغَرَضٍ آَخَرَ مِن تَصْوِيرِ النَّفْسِ بِالذِّكْرِ وتَثْبِيتِهِ فِيها ومَنعِها مِنَ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ وقَطْعِ الوَسْوَسَةِ عَنْها وهَضْمِها بِالتَّضَرُّعِ والجُؤارِ.
طه 20:8
وَقَوْلُهُ تَعالى: "اللَّهُ" خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مِن صِفاتِ الكَمالِ مَوْصُوفُها ذَلِكَ المَعْبُودُ بِالحَقِّ، أيْ: ذَلِكَ المَنعُوتُ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ، وتَصْرِيحٌ بِما تَضَمَّنَهُ ما قَبْلَهُ مِنِ اخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى مِن خَلْقِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، (p-6)والرَّحْمانِيَّةِ، والمالِكِيَّةِ لِلْكُلِّ، والعِلْمِ الشّامِلِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً بَيِّنًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ ما ذُكِرَ مِنَ الخالِقِيَّةِ، والرَّحْمانِيَّةِ، والمالِكِيَّةِ، والعالَمِيَّةِ أسْماءَهُ وصِفاتِهِ مِن غَيْرِ تَعَدُّدٍ في ذاتِهِ تَعالى. فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ حِينَ سَمِعُوا النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ. قالُوا يَنْهانا أنْ نَعْبُدَ إلَهَيْنِ وهو يَدْعُو إلَهًا آَخَرَ. والحُسْنى: تَأْنِيثُ الأحْسَنِ يُوصَفُ بِهِ الواحِدَةُ المُؤَنَّثَةُ، والجَمْعُ مِنِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ كَمَآَرِبَ أُخْرى، وآَياتِنا الكُبْرى.
طه 20:9
﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ الَّذِي إلَيْهِ يَنْتَهِي مَساقُ الحَدِيثِ، وبَيانُ أنَّهُ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ كابِرًا عَنْ كابِرٍ. وقَدْ خُوطِبَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قِيلَ لَهُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾ وبِهِ خَتَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَقالَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ . وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ لِتَرْغِيبِ النَّبِيِّ ﷺ في الِائْتِساءِ بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تَحَمُّلِ أعْباءِ النُّبُوَّةِ والصَّبْرِ عَلى مُقاساةِ الخُطُوبِ في تَبْلِيغِ أحْكامِ الرِّسالَةِ، فَيَأْباهُ أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِصَرْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ اقْتِحامِ المَشاقِّ.
طه 20:10
وَقَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ رَأى نارًا﴾ ظَرْفٌ لِلْحَدِيثِ. وقِيلَ: لِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ، أيْ: حِينَ رَأى نارًا كانَ كَيْتَ وكَيْتَ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ، أيِ: اذْكُرْ وقْتَ رُؤْيَتِهِ نارًا. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَأْذَنَ شُعَيْبًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ في الخُرُوجِ إلى أُمِّهِ وأخِيهِ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ وأخَذَ عَلى غَيْرِ الطَّرِيقِ مَخافَةً مِن مُلُوكِ الشّامِ. فَلَمّا وافى وادِي طَوى وهو بِالجانِبِ الغَرْبِيِّ مِنَ الطُّورِ، وُلِدَ لَهُ ولَدٌ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ شاتِيَةٍ مُثَلَّجَةٍ، وكانَتْ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ وقَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، وتَفَرَّقَتْ ماشِيَتُهُ، ولا ماءَ عِنْدَهُ وقَدَحَ، فَصَلَدَ زَنْدُهُ، فَبَيْنَما هو في ذَلِكَ، إذْ رَأى نارًا عَلى يَسارِ الطَّرِيقِ مِن جانِبِ الطُّورِ، ﴿فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ أيْ: أقِيمُوا مَكانَكم، أمَرَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ لِئَلّا يَتْبَعُوهُ فِيما عَزَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الذَّهابِ إلى النّارِ كَما هو المُعْتادُ لا لِئَلّا يَنْتَقِلُوا إلى مَوْضِعٍ آَخَرَ، فَإنَّهُ مِمّا لا يَخْطُرُ بِالبالِ، والخِطابُ لِلْمَرْأةِ والوَلَدِ والخادِمِ، وقِيلَ لَها وحْدُها، والجَمْعُ إمّا لِظاهِرِ لَفْظِ الأهْلِ، أوْ لِلتَّفْخِيمِ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: [وَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ] .
﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ أيْ: أبْصَرْتُها إبْصارًا بَيِّنًا لا شُبْهَةَ فِيهِ. وقِيلَ: الإيناسُ خاصٌّ بِإبْصارِ ما يُؤْنَسُ بِهِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أوِ المَأْمُورِ بِهِ.
﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها﴾ أيْ: أجِيئُكم مِنَ النّارِ.
﴿بِقَبَسٍ﴾ أيْ: بِشُعْلَةٍ مُقْتَبَسَةٍ مِن مُعْظَمِ النّارِ، وهي المُرادَةُ بِالجَذْوَةِ في (سُورَةِ القَصَصِ ) وبِالشِّهابِ القَبَسُ.
﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ هادِيًا يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الفاعِلُ مُبالَغَةً، أوْ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ. أيْ: ذا هِدايَةٍ. أوْ عَلى أنَّهُ إذا وُجِدَ الهادِي فَقَدْ وُجِدَ الهُدى. وقِيلَ: هادِيًا يَهْدِينِي إلى أبْوابِ الدِّينِ، فَإنَّ أفْكارَ الأبْرارِ مَغْمُورَةٌ بِالهِمَّةِ الدِّينِيَّةِ في عامَّةِ أحْوالِهِمْ لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ. والأوَّلُ هو الأظْهَرُ، لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِتَسْلِيَةِ أهْلِهِ. وقَدْ نُصَّ عَلَيْهِ في (سُورَةِ القَصَصِ ) حَيْثُ قِيلَ: ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ﴾ الآَيَةُ. وكَلِمَةُ "أوْ" في المَوْضِعَيْنِ لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ مَنعِ الجَمْعِ. ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ (p-7)تَعالى: ﴿عَلى النّارِ﴾ أنَّ أهْلَ النّارِ يَسْتَعْلُونَ المَكانَ القَرِيبَ مِنها، أوْ لِأنَّهم عِنْدَ الِاصْطِلاءِ يَكْتَنِفُونَها قِيامًا وقُعُودًا فَيُشْرِفُونَ عَلَيْها، ولَمّا كانَ الإتْيانُ بِهِما مُتَرَقَّبًا غَيْرَ مُحَقَّقِ الوُقُوعِ، صَدَّرَ الجُمْلَةَ بِكَلِمَةِ التَّرَجِّي، وهي إمّا عِلَّةٌ لِفِعْلٍ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنِ الأمْرِ بِالمُكْثِ والإخْبارِ بِإيناسِ النّارِ وتَفادِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِما يُوحِشُهم، وإمّا حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: فَأذْهَبُ إلَيْها لِآَتِيَكم أوْ كَيْ آَتِيَكم أوْ راجِيًا أنْ آَتِيَكم مِنها بِقَبَسٍ. الآَيَةُ. وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
طه 20:11
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيِ: النّارُ الَّتِي آَنَسَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: رَأى شَجَرَةً خَضْراءَ أطافَتْ بِها مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها نارٌ بَيْضاءُ تَتَّقِدُ كَأضْوَإ ما يَكُونُ، فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا مِن شِدَّةِ ضَوْئِها وشَدَّةِ خُضْرَةِ الشَّجَرَةِ، فَلا النّارُ تُغَيِّرُ خُضْرَتَها، ولا كَثْرَةُ ماءِ الشَّجَرَةِ تُغَيِّرُ ضُوءَها.
قالُوا: النّارُ أرْبَعَةُ أصْنافٍ: صِنْفٌ يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، وهي نارُ الدُّنْيا. وصِنْفٌ يَشْرَبُ ولا يَأْكُلُ، وهي نارُ الشَّجَرِ الأخْضَرِ. وصِنْفٌ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ، وهي نارُ جَهَنَّمَ. وصِنْفٌ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، وهي نارُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وَقالُوا أيْضًا: هي أرْبَعَةُ أنْواعٍ: نَوْعٌ لَهُ نُورٌ وإحْراقٌ، وهي نارُ الدُّنْيا. ونَوْعٌ لا نُورَ لَهُ ولا إحْراقَ، وهي نارُ الأشْجارِ. ونَوْعٌ لَهُ نُورٌ بِلا إحْراقٍ، وهي نارُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ونَوْعٌ لَهُ إحْراقٌ بِلا نُورٍ، وهي نارُ جَهَنَّمَ. رُوِيَ أنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ عَوْسَجَةً، وقِيلَ: كانَتْ سَمُرَةً.
﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ أيْ: نُودِيَ فَقِيلَ: يا مُوسى.
طه 20:12
﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ أوْ عُومِلَ النِّداءُ مُعامَلَةَ القَوْلِ لِكَوْنِهِ ضَرْبًا مِنهُ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ أيْ: "بِأنِّي" وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِتَأْكِيدِ الدَّلالَةِ، وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ، وإماطَةِ الشُّبْهَةِ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نُودِيَ يا مُوسى، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَنِ المُتَكَلِّمُ ؟ فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا رَبُّكَ، فَوَسْوَسَ إلَيْهِ إبْلِيسُ: لَعَلَّكَ تَسْمَعُ كَلامَ شَيْطانٍ، فَقالَ: أنا عَرَفْتُ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، بِأنِّي أسْمَعُهُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ بِجَمِيعِ الأعْضاءِ، قُلْتُ: وذَلِكَ لِأنَّ سَماعَ ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ مِنَ الأعْضاءِ لَيْسَ إلّا مِن آثارِ قُدْرَةِ الخَلّاقِ العَلِيمِ تَعالى وتَقَدَّسَ. وقِيلَ: تَلَقّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَ رَبِّ العِزَّةِ تَلَقِّيًا رَوْحانِيًّا، ثُمَّ تَمَثَّلَ ذَلِكَ الكَلامُ لِبَدَنِهِ، وانْتَقَلَ إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ فانْتَقَشَ بِهِ مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ بِعُضْوِ وجْهِهِ.
﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ لِأنَّ الحَفْوَةَ أدْخَلُ في التَّواضُعِ وحُسْنِ الأدَبِ، ولِذَلِكَ كانَ السَّلَفُ الصّالِحُونَ يَطُوفُونَ بِالكَعْبَةِ حافِّينَ. وقِيلَ: لِيُباشِرَ الوادِيَ بِقَدَمَيْهِ تَبَرُّكًا بِهِ، وقِيلَ: لِما أنَّ نَعْلَيْهِ كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: فَرِّغْ قَلْبَكَ مِنِ الأهْلِ والمالِ. والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن مُوجِباتِ الأمْرِ ودَواعِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الخُلْعِ المَأْمُورِ بِهِ، وبَيانٌ لِسَبَبِ وُرُودِ الأمْرِ بِذَلِكَ مِن شَرَفِ البُقْعَةِ وقُدْسِها. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَلَعَهُما وألْقاهُما وراءَ الوادِي.
﴿طُوًى﴾ بِضَمِ الطّاءِ غَيْرِ مُنَوَّنٍ. وقُرِئَ مُنَوَّنًا، وقُرِئَ بِالكَسْرِ مُنَوَّنًا وغَيْرَ مُنَوَّنٍ، فَمَن نَوَّنَهُ أوَّلَهُ بِالمَكانِ دُونَ البُقْعَةِ، وقِيلَ: هو كَثُنى مِنَ الطَّيِّ، مَصْدَرٌ لَنُودِيَ أوِ المُقَدَّسِ، أيْ: نُودِيَ نِداءَيْنِ أوْ قُدِّسَ مَرَّةً (p-8)بَعْدَ أُخْرى.
طه 20:13
﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ﴾ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ. وقُرِئَ: "وَإنّا اخْتَرْناكَ" بِالفَتْحِ والكَسْرِ. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فاسْتَمِعْ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ أوِ المَأْمُورِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ اخْتِيارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما ذُكِرَ مِن مُوجِباتِ الِاسْتِماعِ والأمْرِ بِهِ. واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِما يُوحى﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْتَمِعْ، و"ما" مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: فاسْتَمِعْ لِلَّذِي يُوحى إلَيْكَ أوْ لِلْوَحْيِ لا بِاخْتَرْتُكَ كَما قِيلَ لَكِنْ لا لَمّا قِيلَ مِن أنَّهُ مِن بابِ التَّنازُعِ وإعْمالِ الأوَّلِ.
طه 20:14
فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنَ اِعادَةِ الضَّمِيرِ مَعَ الثّانِي بَلْ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾ بَدَلٌ مِن ما يُوحى، ولا رَيْبَ في أنَّ اخْتِيارَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ لِهَذا الوَحْيِ فَقَطْ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿فاعْبُدْنِي﴾ لِتَرْتِيبِ المَأْمُورِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ اخْتِصاصَ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن مُوجِباتِ تَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ﴾ خُصَّتِ الصَّلاةُ بِالذِّكْرِ، وأُفْرِدَتْ بِالأمْرِ مَعَ انْدِراجِها في الأمْرِ بِالعِبادَةِ لِفَضْلِها وإنافَتِها عَلى سائِرِ العِباداتِ بِما نِيطَتْ بِهِ مِن ذِكْرِ المَعْبُودِ وشُغْلَ القَلْبِ واللِّسانِ بِذِكْرِهِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِذِكْرِي﴾ أيْ: لِتَذْكُرَنِي. فَإنَّ ذِكْرِي كَما يَنْبَغِي لا يَتَحَقَّقُ إلّا في ضِمْنِ العِبادَةِ والصَّلاةِ، أوْ لِتَذْكُرَنِي فِيها لِاشْتِمالِها عَلى الأذْكارِ، أوْ لِذِكْرِي خاصَّةً لا تَشُوبُهُ بِذِكْرِ غَيْرِي، أوْ لِإخْلاصِ ذِكْرِي وابْتِغاءِ وجْهِي لا تُرائِي بِها ولا تَقْصِدُ بِها غَرَضًا آَخَرَ، أوْ لِتَكُونَ ذاكِرًا لِي غَيْرَ ناسٍ. وقِيلَ: لِذِكْرِي إيّاها وأمْرِي بِها في الكُتُبِ، أوْ لِأنْ أذْكُرَكَ بِالمَدْحِ والثَّناءِ. وقِيلَ: لِأوْقاتِ ذِكْرِي، وهي مَواقِيتُ الصَّلاةِ، أوْ لِذِكْرِ صَلاتِي، لِما رَوى أنَّهُ ﷺ قالَ: ﴿مَن نامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ (وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي )﴾» . وقُرِئَ: "لِذِكْرى" بِألِفِ التَّأْنِيثِ، ولِلذِّكْرى مَعْرُوفًا، ولِلذِّكْرِ بِالتَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ.
طه 20:15
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ العِبادَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، أيْ: كائِنَةٌ لا مَحالَةَ. وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإتْيانِ تَحْقِيقًا لِحُصُولِها بِإبْرازِها في مَعْرِضِ أمْرٍ مُحَقَّقٍ مُتَوَجِّهٍ نَحْوَ المُخاطَبِينَ.
﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أيْ: لا أُظْهِرُها، بِأنْ أقُولَ إنَّها آَتِيَةٌ لَوْلا أنَّ ما في الإخْبارِ بِذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ وقَطْعِ الأعْذارِ لِما فَعْلَتَ، أوْ أكادُ أُظْهِرُها بِإيقاعِها مَن أخْفاهُ إذا أظْهَرَهُ بِسَلْبِ خَفائِهِ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن خُفاهُ بِمَعْنى: أظْهَرُهُ. وقِيلَ: أخْفاهُ مِنِ الأضْدادِ، يَجِيءُ بِمَعْنى: الإظْهارِ، والسَّتْرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآَتِيَةٍ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ بِأُخْفِيها عَلى المَعْنى الأخِيرِ. و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِسَعْيِها في تَحْصِيلِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ المَأْمُورِ بِها. وتَخْصِيصُهُ في مَعْرِضِ الغايَةِ لِإتْيانِها مَعَ أنَّهُ الجَزاءُ كُلُّ نَفْسٍ بِما صَدَرَ عَنْها سَواءٌ كانَ سَعْيًا فِيما ذُكِرَ، أوْ تَقاعُدًا عَنْهُ بِالمَرَّةِ، أوْ سَعْيًا في تَحْصِيلِ ما يُضادُّهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِالذّاتِ مِنَ اِتْيانِها هو الإثابَةُ بِالعِبادَةِ. وأمّا العِقابُ بِتَرْكِها فَمِن مُقْتَضَياتِ سُوءِ اخْتِيارِ العُصاةِ وبِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ في قُوَّةِ الوُجُوبِ والسّاعَةَ في شِدَّةِ الهَوْلِ والفَظاعَةِ بِحَيْثُ يُوجِبانِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ أنْ تَسْعى في الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، وتَجِدُ في تَحْصِيلِ ما يُنَجِّيها مِنَ الطّاعاتِ، وحِينَئِذٍ تَحْتَرِزُ عَنِ (p-9)اقْتِرافِ ما يُرْدِيها مِنَ المَعاصِي، وعَلَيْهِ مَدارُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فَإنَّ الِابْتِلاءَ مَعَ شُمُولِهِ لِكافَّةِ المُكَلَّفِينَ بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ المُنْقَسِمَةِ إلى الحُسْنِ والقَبِيحِ أيْضًا لا إلى الحَسَنِ والأحْسَنِ فَقَطْ قَدْ عُلِّقَ بِالأخِيرَيْنِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِنَ اِبْداعِ تِلْكَ البَدائِعِ عَلى ذَلِكَ النَّمَطِ الرّائِعِ، إنَّما هو ظُهُورُ كَمالِ إحْسانِ المُحْسِنِينَ، وأنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ الرّائِقَةِ وأكْمَلِ الأنْحاءِ اللّائِقَةِ يُوجِبُ العَمَلَ بِمُوجِبِهِ بِحَيْثُ لا يَحِيدُ أحَدٌ عَنْ سُنَنِهِ المُسْتَبِينِ، بَلْ يَهْتَدِي كُلُّ فَرْدٍ إلى ما يُرْشِدُ إلَيْهِ مِن مُطْلَقِ الإيمانِ والطّاعَةِ، وإنَّما التَّفاوُتُ بَيْنَهم في مَراتِبِهِما بِحَسَبِ القُوَّةِ والضَّعْفِ. وأمّا الإعْراضُ عَنْ ذَلِكَ والوُقُوعُ في مُهاوِي الضَّلالِ فَبِمَعْزِلٍ مِنِ الوُقُوعِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَنْتَظِمَ في سِلْكِ الغايَةِ لِذَلِكَ الصُّنْعِ البَدِيعِ، وإنَّما هو عَمَلٌ يَصْدُرُ عَنْ عامِلِهِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ مِن غَيْرِ مُصَحِّحٍ لَهُ أوْ مُسَوِّغِ هَذا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسَّعْيِ مُطْلَقُ العَمَلِ.
طه 20:16
﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ أيْ: عَنْ ذِكْرِ السّاعَةِ ومُراقَبَتِها، وقِيلَ: عَنْ تَصْدِيقِها، والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِشَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وإنْ كانَ النَّهْيُ بِطَرِيقِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُسْتَشْرِقَةً لَهُ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَها فَضْلُ تَمَكُّنٍ، ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ نَوْعَ طُولٍ رُبَّما يَخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وهَذا وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَهْيًا لِلْكافِرِ عَنْ صَدِّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ السّاعَةِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الِانْصِدادِ عَنْها عَلى أبْلِغِ وجْهٍ وآَكَدِهِ. فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أسْبابِ الشَّيْءِ ومَبادِيهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ نَهْيٌ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وإبْطالٌ لِلسَّبَبِيَّةِ مِن أصْلِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم ...﴾ إلْخَ، فَإنَّ صَدَّ الكافِرِ حَيْثُ كانَ سَبَبَ انْصِدادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ النَّهْيُ عَنْهُ نَهْيًا بِأصْلِهِ ومُوجِبِهِ وإبْطالًا لَهُ بِالكُلِّيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ النَّهْيِ عَنِ المُسَبَّبِ وإرادَةِ النَّهْيِ عَنِ السَّبَبِ عَلى أنْ يُرادَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ إظْهارِ لِينِ الجانِبِ لِلْكَفَرَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِصَدِّهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَما في قَوْلِهِ: لا أرَيْنَكَ هَهُنا، فَإنَّ المُرادَ بِهِ: نَهْيُ المُخاطَبِ عَنِ الحُضُورِ لَدَيْهِ المُوجِبِ لِرُؤْيَتِهِ.
﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيْ: ما تَهْواهُ نَفْسُهُ مِنَ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ الفانِيَةِ.
﴿فَتَرْدى﴾ أيْ: فَتَهْلَكَ. فَإنَّ الإغْفالَ عَنْها وعَنْ تَحْصِيلِ ما يُنَجِّي عَنْ أهْوالِها مُسْتَتْبِعٌ لِلْهَلاكِ لا مَحالَةَ، وهو في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَأنْتَ تَرَدى.
طه 20:17
﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما كُلِّفَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنِ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالخَلْقِ إثْرَ حِكايَةِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الشُّؤُونِ الخاصَّةِ بِنَفْسِهِ، فَـ "ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ في حَيِّزِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و"تِلْكَ خَبَرُهُ"، أوْ بِالعَكْسِ، وهو أدْخَلُ بِحَسَبِ المَعْنى وأُوفَقُ بِالجَوابِ. و"بِيَمِينِكَ" مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًا، أيْ: وما تِلْكَ قارَّةً أوْ مَأْخُوذَةً بِيَمِينِكَ، والعامِلُ: مَعْنى الإشارَةِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا ﴿وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ . وقِيلَ: تِلْكَ مَوْصُولَةٌ، أيْ: ما الَّتِي هي بِيَمِينِكَ ؟ وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِفْهامُ (p-10)إيقاظٌ وتَنْبِيهٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما سَيَبْدُو لَهُ مِنَ التَّعاجِيبِ. وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِزِيادَةِ التَّأْنِيسِ والتَّنْبِيهِ.
طه 20:18
﴿قالَ هي عَصايَ﴾ نَسَبَها إلى نَفْسِهِ تَحْقِيقًا لِوَجْهِ كَوْنِها بِيَمِينِهِ، وتُمِيدُها لِما يَعْقُبُهُ مِنِ الأفاعِيلِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقُرِئَ: "عَصَيَّ" عَلى لُغَةِ هُذَيْلٍ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ أيْ: أعْتَمِدُ عَلَيْها عِنْدَ الإعْياءِ، أوِ الوُقُوفِ عَلى رَأْسِ القَطِيعِ.
﴿وَأهُشُّ بِها﴾ أيْ: أخُبِطُ بِها الوَرَقَ وأُسْقِطُهُ ﴿عَلى غَنَمِي﴾ . وقُرِئَ: "أهِشُّ" بِكَسْرِ الهاءِ، وكِلاهُما مِن هَشَّ الخُبْزُ يَهِشُّ: إذا انْكَسَرَ لِهَشاشَتِهِ. وقُرِئَ بِالسِّينِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ وهو زَجْرُ الغَنَمِ وتَعْدِيَتُهُ بِعَلى لِتَضْمِينِ مَعْنى الإنْحاءِ والإقْباءِ، أيْ: أزْجُرُها مُنَحِّيًا ومُقْبِلًا عَلَيْها.
﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أيْ: حاجاتٌ أُخَرُ مِن هَذا البابِ. مِثْلُ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا سارَ ألْقاها عَلى عاتِقِهِ فَعَلَّقَ بِهِ أدَواتِهِ مِنَ القَوْسِ والكِنانَةِ والحِلابِ ونَحْوِها، وإذا كانَ في البَرِّيَّةِ رَكَزَها وعَرَّضَ الزِّنْدَيْنِ عَلى شَعْبِيَّتِها وألْقى عَلَيْها الكِساءَ واسْتَظَلَّ بِهِ، وإذا قَصُرَ الرِّشاءُ وصَلَهُ بِها، وإذا تَعَرَّضَتْ لِغَنَمِهِ السِّباعُ قاتَلَ بِها. وقِيلَ ومِن جُمْلَةِ المَآَرِبِ: أنَّها كانَتْ ذاتَ شُعْبَتَيْنِ ومِحْجَنٍ، فَإذا طالَ الغُصْنُ حَناهُ بِالمِحْجَنِ، وإذا أرادَ كَسْرَهُ لَواهُ بِالشُّعْبَتَيْنِ. وكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهِمَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ السُّؤالِ بَيانُ حَقِيقَتِها وتَفْصِيلُ مَنافِعِها بِطَرِيقِ الِاسْتِقْصاءِ، حَتّى إذا ظَهَرَتْ عَلى خِلافِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ وبَدَتْ مِنها خَواصُّ بَدِيعَةٌ عَلِمَ أنَّها آَياتٌ باهِرَةٌ ومُعْجِزاتٌ قاهِرَةٌ أحْدَثَها اللَّهُ تَعالى ولَيْسَتْ مِنَ الخَواصِّ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها، فَذَكَرَ حَقِيقَتَها ومَنافِعَها عَلى التَّفْصِيلِ والإجْمالِ عَلى مَعْنى أنَّها مِن جِنْسِ العِصِيِّ مُسْتَتْبِعَةٌ لِمَنافِعِ بَناتِ جِنْسِها، لِيُطابِقَ جَوابُهُ الغَرَضَ الَّذِي فَهِمَهُ مِن سُؤالِ العَلِيمِ الخَبِيرِ.
طه 20:19
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عَزَّ وجَلَّ ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿ألْقِها يا مُوسى﴾ لِتَرى مِن شَأْنِها ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِكَ مِنَ الأُمُورِ. وتَكْرِيرِ النِّداءِ لِتَأْكِيدِ التَّنْبِيهِ.
طه 20:20
﴿فَألْقاها﴾ عَلى الأرْضِ ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ ألْقاها انْقَلَبَتْ حَيَّةً صَفْراءَ في غِلْظِ العَصا، ثُمَّ انْتَفَخَتْ وعَظُمَتْ، فَلِذَلِكَ شُبِّهَتْ بِالجانِّ تارَةً، وسُمِّيَتْ ثُعْبانًا أُخْرى، وعَبَّرَ عَنْها هَهُنا بِالِاسْمِ العامِّ لِلْحالَيْنِ. وقِيلَ: قَدِ انْقَلَبَتْ مِن أوَّلِ الأمْرِ ثُعْبانًا وهو الألْيَقُ بِالمَقامِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ وإنَّما شُبِّهَتْ بِالجانِّ في الجَلادَةِ وسُرْعَةِ الحَرَكَةِ لا في صِغَرِ الجُثَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَسْعى" إمّا صِفَةٌ لِحَيَّةٍ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ عِنْدِ مَن يَجُوزُ كَوْنَهُ جُمْلَةً.
طه 20:21
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ ﴿خُذْها ولا تَخَفْ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا ذَكَرًا يَبْتَلِعُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الصَّخْرِ والشَّجَرِ، فَلَمّا رَآَهُ كَذَلِكَ خافَ ونَفَرَ، ومَلَكَهُ ما يَمْلُكُ البَشَرَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ والمَخاوِفِ مِنَ الفَزَعِ والنِّفارِ. وفي عَطْفِ النَّهْيِ عَلى الأمْرِ إشْعارٌ بِأنَّ عَدَمَ المَنهِيِّ عَنْهُ (p-11)مَقْصُودٌ لِذاتِهِ لا لِتَحْقِيقِ المَأْمُورِ بِهِ فَقَطْ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ مَعَ كَوْنِهِ اسْتِئْنافًا مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، فَإنَّ إعادَتَها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِن مُوجِباتِ أخْذِها وعَدَمِ الخَوْفِ مِنها عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإظْهارِ مُعْجِزَةٍ أُخْرى عَلى بَدْءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيذانٌ بِكَوْنِها مُسَخَّرَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَكُونَ عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أمْرِهِ ولا يَعْتَرِيهِ شائِبَةُ تَزَلْزُلٍ عِنْدَ مُحاجَّةِ فِرْعَوْنَ، أيْ: سَنُعِيدُها بَعْدَ الأخْذِ إلى حالَتِها الأُولى الَّتِي هي الهَيْئَةُ العَصَوِيَّةُ. قِيلَ: بَلَغَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الثِّقَةِ وعَدَمِ الخَوْفِ إلى حَيْثُ كانَ يُدْخِلُ يَدَهُ في فَمِها ويَأْخُذُ بِلِحْيَيْها. والسِّيرَةُ فِعْلَةٌ مِنَ السَّيْرِ تُجُوِّزَ بِها لِلطَّرِيقَةِ والهَيْئَةِ، وانْتِصابُها عَلى نَزْعِ الجارِّ أيْ: إلى سِيرَتِها، أوْ عَلى أنَّ أعادَ مَنقُولٌ مِن عادَهُ بِمَعْنى: عادَ إلَيْهِ، أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: سَنُعِيدُها في طَرِيقَتِها أوْ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلِها وإيقاعِها حالًا مِنِ المَفْعُولِ، أيْ: سَنُعِيدُها عَصًا كَما كانَتْ مِن قَبْلُ تَسِيرُ سِيرَتَها الأُولى، أيْ: سائِرَةً سِيرَتَها الأُولى فَتَنْتَفِعُ بِها كَما كُنْتَ تَنْتَفِعُ مِن قَبْلُ.
طه 20:22
﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ بَعْدَ ما أخَذَ الحَيَّةَ وانْقَلَبَتْ عَصًا كَما كانَتْ، أيْ: أدْخُلُها تَحْتَ عَضُدِكَ، فَإنَّ جَناحَيِ الإنْسانِ جَنْباهُ، كَما أنَّ جَناحَيِ العَسْكَرِ ناحِيَتاهُ مُسْتَعارٌ مِن جَناحَيِ الطّائِرِ، وقَدْ سَمَّيا جَناحَيْنِ لِأنَّهُ بِجْنَحُهُما، أيْ: يُمِيلُهُما عِنْدَ الطَّيَرانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجْ﴾ جَوابُ الأمْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْضاءَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في بَيْضاءَ، أيْ: كائِنَةً مِن غَيْرِ عَيْبٍ وقُبْحٍ. كُنِّيَ بِهِ عَنِ البَرَصِ، كَما كَنّى بِالسَّوْءَةِ عَنِ العَوْرَةِ لِما أنَّ الطِّباعَ تَعافُهُ وتَنْفِرُ عَنْهُ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ آَدَمَ فَأخْرَجَ يَدَهُ مِن مَدْرَعَتِهِ بَيْضاءَ لَها شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ تُغَشِّي البَصَرَ.
﴿آيَةً أُخْرى﴾ أيْ: مُعْجِزَةً أُخْرى غَيْرَ العَصا، وانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ، إمّا مِنَ الضَّمِيرِ في "تَخْرُجُ" عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الحالِ الأُولى، وإمّا مِنَ الضَّمِيرِ في بَيْضاءَ، وقِيلَ: مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وقِيلَ: هي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ نَحْوُ خُذْ أوْ دُونَكَ.
طه 20:23
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ الأمْرِ والإظْهارِ لِنُرِيَكَ بِذَلِكَ بَعْضَ آَياتِنا الكُبْرى، عَلى أنَّ الكُبْرى صِفَةٌ لِآَياتِنا، أوْ نُرِيَكَ بِذَلِكَ مِن آياتِنا ما هي كُبْرى، عَلى أنَّ الكُبْرى مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُرِيَكَ. و "مِن آياتِنا" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن ذَلِكَ المَفْعُولِ، وأيًّا ما كانَ فالآَيَةُ الكُبْرى عِبارَةٌ عَنِ العَصا واليَدِ جَمِيعًا، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ آَيَةٌ، أيْ: دَلَّلْنا بِها لِنُرِيَكَ... إلَخَ. أوْ بِقَوْلِهِ تَعالى: "واضْمُمْ" أوْ بِقَوْلِهِ: "تَخْرُجْ" أوْ بِما قُدِّرَ مِن نَحْوِ خُذْ ودُونَكَ، كَما قالَ بِكُلٍّ مِن ذَلِكَ قائِلٌ فَيُؤَدِّي إلى عَراءِ آَيَةِ العَصا عَنْ وصْفِ الكِبْرِ.
طه 20:24
فَتَدَبَّرْ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ تَخَلَّصَ إلى ما هو المَقْصُودُ مِن تَمْهِيدِ المُقَدِّماتِ السّالِفَةِ فُصِلَ عَمّا قَبْلَهُ مِنَ الأوامِرِ إيذانًا بِأصالَتِهِ، أيِ: اذْهَبْ إلَيْهِ بِما رَأيْتَهُ مِنِ الآَياتِ الكُبْرى، وادْعُهُ إلى عِبادَتِي، وحَذِّرْهُ نَقْمَتِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أوْ لِوُجُوبِ المَأْمُورِ بِهِ، أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في التَّكَبُّرِ والعُتُوِّ والتَّجَبُّرِ حَتّى تَجاسَرَ عَلى (p-12)العَظِيمَةِ الَّتِي هي دَعْوى الربوبية.
طه 20:25
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ كَأنَّهُ قَبِلَ، فَماذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ أُمِرَ بِهَذا الأمْرِ الخَطِيرِ، والخَطْبِ العَسِيرِ، فَقِيلَ: قالَ مُسْتَعِينًا بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾
طه 20:26
﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ لَمّا أُمِرَ بِما أُمِرَ بِهِ مِنِ الخَطْبِ الجَلِيلِ تَضَرَّعَ إلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وأظْهَرَ عَجْزَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ وسَألَهُ تَعالى أنْ يُوَسِّعَ صَدْرَهُ، ويُفْسِحَ قَلْبَهُ، ويَجْعَلُهُ عَلِيمًا بِشُئُونِ الحَقِّ وأحْوالِ الخَلْقِ، حَلِيمًا حُمُولًا يَسْتَقِلُّ ما عَسى يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ بِجَمِيلِ الصَّبْرِ وحُسْنِ الثَّباتِ، ويَتَلَقّاها بِصَدْرٍ فَسِيحٍ وجَأْشٍ رابِطٍ، وأنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أمْرُهُ الَّذِي هو أجَلُّ الأُمُورِ وأعْظَمُها، وأصْعَبُ الخُطُوبِ وأُهْوَلُها، بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ ورَفْعِ المَوانِعِ. وفي زِيادَةِ كَلِمَةِ "لِي" مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِدُونِها تَأْكِيدٌ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ بِإيهامِ المَشْرُوحِ والمُيَسَّرِ أوَّلًا وتَفْسِيرُهُما ثانِيًا. وفي تَقْدِيمِها وتَكْرِيرِها إظْهارُ مَزِيدِ اعْتِناءٍ بِشَأْنِ كُلٍّ مِنَ المَطْلُوبِينَ، وفَضْلِ اهْتِمامٍ بِاسْتِدْعاءِ حُصُولِهِما لَهُ واخْتِصاصِهِما بِهِ.
طه 20:27
﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رُتَّةٌ مِن جَمْرَةٍ أدْخَلَها فاهُ في صِغَرِهِ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ حَمَلَهُ ذاتَ يَوْمٍ فَأخَذَ لِحْيَتَهُ يَنْتِفُها لِما كانَ فِيها مِنِ الجَواهِرِ، فَغَضِبَ وأمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ آَسِيَةُ: إنَّهُ صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْرِ والياقُوتِ، فَأُحْضِرا بَيْنَ يَدَيْهِ فَأخَذَ الجَمْرَةَ فَوَضَعَها في فِيهِ، قِيلَ: واحْتَرَقَتْ يَدُهُ، فاجْتَهَدَ فِرْعَوْنُ في عِلاجِها فَلَمْ تَبْرَأْ، ثُمَّ لَمّا دَعاهُ قالَ: إلى أيِّ رَبٍّ تَدْعُونِي ؟ قالَ: إلى الَّذِي أبْرَأ يَدِي وقَدْ عَجَزْتَ عَنْهُ.
واخْتَلَفَ في زَوالِ العُقْدَةِ بِكَمالِها، فَمَن قالَ بِهِ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ . ومَن لَمْ يَقُلْ بِهِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ . وأجابَ عَنِ الأوَّلِ: بِأنَّهُ لَمْ يَسْألْ حَلَّ عُقْدَةِ لِسانِهِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ حَلَّ عُقْدَةً تَمْنَعُ الإفْهامَ، ولِذَلِكَ نَكَّرَها، ووَصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لِسانِي﴾ أيْ: عُقْدَةً كائِنَةً مِن عُقَدِ لِسانِي.
طه 20:28
وَجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ جَوابَ الأمْرِ، وغَرَضًا مِنَ الدُّعاءِ. فَبِحَلِّها في الجُمْلَةِ يَتَحَقَّقُ إيتاءُ سُؤْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والحَقُّ أنَّ ما ذُكِرَ لا يَدُلُّ عَلى بَقائِها في الجُمْلَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي﴾ فَلِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَهُ اسْتِدْعاءً لِحَلٍّ، كَما سَتَعْرِفُهُ عَلى أنَّ أفَصَحِيَّتَهُ مِنهُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ لا تَسْتَدْعِي بَقاءَها أصْلًا، بَلْ تَسْتَدْعِي عَدَمَ البَقاءِ لِما أنَّ الأفْصَحِيَّةِ تُوجِبُ ثُبُوتَ أصْلِ الفَصاحَةِ في المَفْضُولِ أيْضًا، وذَلِكَ مُنافٍ لِلْعُقْدَةِ رَأْسًا. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ فَمِن بابِ غُلُوِّ اللَّعِينِ في العُتُوِّ، والطُّغْيانِ وإلّا لَدَلَّ عَلى عَدَمِ زَوالِها أصْلًا، وتَنْكِيرُها إنَّما يُفِيدُ قِلَّتَها في نَفْسِها لا قِلَّتَها بِاعْتِبارِ كَوْنِها بَعْضًا مِنَ الكَثِيرِ. وتَعَلَّقَ كَلِمَةُ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن لِسانِي﴾ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَها لَيْسَ بِمَقْطُوعٍ بِهِ بَلِ الظّاهِرُ تَعَلُّقُها بِنَفْسِ الفِعْلِ، فَإنَّ المَحْلُولَ إذا كانَ (p-13)مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ ومُتَّصِلًا بِهِ، فَكَما يَتَعَلَّقُ الحَلُّ بِهِ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الشَّيْءُ أيْضًا بِاعْتِبارِ إزالَتِهِ عَنْهُ أوِ ابْتِداءِ حُصُولِهِ مِنهُ.
طه 20:29
﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ أيْ: مُوازِرًا يُعاوِنُنِي في تَحَمُّلِ أعْباءِ ما كَلَّفْتَهُ، عَلى أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الوِزْرِ الَّذِي هو الثِّقَلُ، أوْ مَلْجَأً أعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ، عَلى أنَّهُ مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ. وقِيلَ: أصْلُهُ أزَيْرُ مِنِ الأزْرِ بِمَعْنى: القُوَّةِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كالعَشِيرِ والجَلِيسِ، قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا كَقَلْبِها في مُوازِرٍ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِاجْعَلْ قُدِّمَ عَلى الأوَّلِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: "هارُونَ" اعْتِناءً بِشَأْنِ الوِزارَةِ. و"لِي" صِلَةٌ لِلْجَعْلِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن وزِيرًا إذْ هو صِفَةٌ لَهُ في الأصْلِ. و ﴿مِن أهْلِي﴾ إمّا صِفَةٌ لِوَزِيرًا، أوْ صِلَةٌ لِاجْعَلْ، وقِيلَ: مَفْعُولاهُ لِي وزِيرًا. و"هارُونَ" عَطْفُ بَيانٍ لِلْوَزِيرِ. و"مِن أهْلِي" كَما مَرَّ مِنَ الوَجْهَيْنِ، و"أخِي" في الوَجْهَيْنِ بَدَلٌ مِن "هارُونَ" أوْ عَطْفُ بَيانٍ آَخَرُ. وقِيلَ: هُما وزِيرًا مِن أهْلِي، ولِي وتَبْيِينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ ورُدَّ بِأنَّ شَرْطَ المَفْعُولَيْنِ في بابِ النَّواسِخِ صِحَّةُ انْعِقادِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، ولا مُساغَ لِجَعْلِ وزِيرًا مُبْتَدَأً، ويُخْبِرُ عَنْهُ بِما بَعْدَهُ.
طه 20:30
﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ أيْ: مُوازِرًا يُعاوِنُنِي في تَحَمُّلِ أعْباءِ ما كَلَّفْتَهُ، عَلى أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الوِزْرِ الَّذِي هو الثِّقَلُ، أوْ مَلْجَأً أعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ، عَلى أنَّهُ مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ. وقِيلَ: أصْلُهُ أزَيْرُ مِنِ الأزْرِ بِمَعْنى: القُوَّةِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كالعَشِيرِ والجَلِيسِ، قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا كَقَلْبِها في مُوازِرٍ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِاجْعَلْ قُدِّمَ عَلى الأوَّلِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: "هارُونَ" اعْتِناءً بِشَأْنِ الوِزارَةِ. و"لِي" صِلَةٌ لِلْجَعْلِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن وزِيرًا إذْ هو صِفَةٌ لَهُ في الأصْلِ. و ﴿مِن أهْلِي﴾ إمّا صِفَةٌ لِوَزِيرًا، أوْ صِلَةٌ لِاجْعَلْ، وقِيلَ: مَفْعُولاهُ لِي وزِيرًا. و"هارُونَ" عَطْفُ بَيانٍ لِلْوَزِيرِ. و"مِن أهْلِي" كَما مَرَّ مِنَ الوَجْهَيْنِ، و"أخِي" في الوَجْهَيْنِ بَدَلٌ مِن "هارُونَ" أوْ عَطْفُ بَيانٍ آَخَرُ. وقِيلَ: هُما وزِيرًا مِن أهْلِي، ولِي وتَبْيِينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ ورُدَّ بِأنَّ شَرْطَ المَفْعُولَيْنِ في بابِ النَّواسِخِ صِحَّةُ انْعِقادِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، ولا مُساغَ لِجَعْلِ وزِيرًا مُبْتَدَأً، ويُخْبِرُ عَنْهُ بِما بَعْدَهُ.
طه 20:31
﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ كِلاهُما عَلى صِيغَةِ الدُّعاءِ، أيْ: أحْكِمْ بِهِ قُوَّتِي، واجْعَلْهُ شَرِيكِي في أمْرِ الرِّسالَةِ، حَتّى نَتَعاوَنَ عَلى أدائِها كَما يَنْبَغِي، وفَصَلَ الأوَّلَ عَنِ الدُّعاءِ السّابِقِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما، فَإنَّ شَدَّ الأزْرِ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِهِ وزِيرًا، وأمّا الإشْراكُ في الأمْرِ فَحَيْثُ كانَ مِن أحْكامِ الوِزارَةِ تَوَسَّطَ بَيْنِهِما العاطِفُ.
طه 20:32
﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ كِلاهُما عَلى صِيغَةِ الدُّعاءِ، أيْ: أحْكِمْ بِهِ قُوَّتِي، واجْعَلْهُ شَرِيكِي في أمْرِ الرِّسالَةِ، حَتّى نَتَعاوَنَ عَلى أدائِها كَما يَنْبَغِي، وفَصَلَ الأوَّلَ عَنِ الدُّعاءِ السّابِقِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما، فَإنَّ شَدَّ الأزْرِ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِهِ وزِيرًا، وأمّا الإشْراكُ في الأمْرِ فَحَيْثُ كانَ مِن أحْكامِ الوِزارَةِ تَوَسَّطَ بَيْنِهِما العاطِفُ.
طه 20:33
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ غايَةٌ لِلْأدْعِيَةِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ، فَإنْ فَعَلَ فِيها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ التَّسْبِيحِ والذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُكْثِرًا لِفِعْلِ الآَخَرِ ومُضاعِفًا لَهُ بِسَبَبِ انْضِمامِهِ إلَيْهِ مُكْثِرٌ لَهُ في نَفْسِهِ أيْضًا بِسَبَبِ تَقْوِيَتِهِ وتَأْيِيدِهِ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ ما يَكُونُ مِنهُما بِالقَلْبِ أوْ في الخَلَواتِ حَتّى لا يَتَفاوَتَ حالُهُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ والِانْفِرادِ، بَلْ ما يَكُونُ مِنهُما في تَضاعِيفِ أداءِ الرِّسالَةِ، ودَعْوَةِ المَرَدَةِ العُتاةِ إلى الحَقِّ، وذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ في اخْتِلافِ حالِهِ في حالَتَيِ التَّعَدُّدِ والِانْفِرادِ، فَإنَّ كُلاًّ مِنهُما يَصْدُرُ عَنْهُ بِتَأْيِيدِ الآَخَرِ مِنَ اِظْهارِ الحَقِّ ما لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُهُ في حالِ الِانْفِرادِ، و"كَثِيرًا" في المَوْضِعَيْنِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ زَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: نُنَزِّهُكَ عَمًّا لا يَلِيقُ بِكَ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَدَّعِيهِ فِرْعَوْنُ الطّاغِيَةُ، ويَقْبَلُهُ مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ مِنِ ادِّعاءِ الشِّرْكَةِ في الأُلُوهِيَّةِ، ونَصِفُكَ بِما يَلِيقُ بِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَمالِ والجَلاِل تَنْزِيهًا (p-14)كَثِيرًا، أوْ زَمانًا كَثِيرًا مِن جُمْلَتِهِ زَمانُ دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ، وأوانُ المُحاجَّةِ مَعَهُ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: كَيْ نُصَلِّي لَكَ كَثِيرًا ونَحْمَدَكَ ونُثْنِيَ عَلَيْكَ، فَلا يُساعِدُهُ المَقامُ.
طه 20:34
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ غايَةٌ لِلْأدْعِيَةِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ، فَإنْ فَعَلَ فِيها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ التَّسْبِيحِ والذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُكْثِرًا لِفِعْلِ الآَخَرِ ومُضاعِفًا لَهُ بِسَبَبِ انْضِمامِهِ إلَيْهِ مُكْثِرٌ لَهُ في نَفْسِهِ أيْضًا بِسَبَبِ تَقْوِيَتِهِ وتَأْيِيدِهِ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ ما يَكُونُ مِنهُما بِالقَلْبِ أوْ في الخَلَواتِ حَتّى لا يَتَفاوَتَ حالُهُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ والِانْفِرادِ، بَلْ ما يَكُونُ مِنهُما في تَضاعِيفِ أداءِ الرِّسالَةِ، ودَعْوَةِ المَرَدَةِ العُتاةِ إلى الحَقِّ، وذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ في اخْتِلافِ حالِهِ في حالَتَيِ التَّعَدُّدِ والِانْفِرادِ، فَإنَّ كُلاًّ مِنهُما يَصْدُرُ عَنْهُ بِتَأْيِيدِ الآَخَرِ مِنَ اِظْهارِ الحَقِّ ما لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُهُ في حالِ الِانْفِرادِ، و"كَثِيرًا" في المَوْضِعَيْنِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ زَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: نُنَزِّهُكَ عَمًّا لا يَلِيقُ بِكَ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَدَّعِيهِ فِرْعَوْنُ الطّاغِيَةُ، ويَقْبَلُهُ مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ مِنِ ادِّعاءِ الشِّرْكَةِ في الأُلُوهِيَّةِ، ونَصِفُكَ بِما يَلِيقُ بِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَمالِ والجَلاِل تَنْزِيهًا (p-14)كَثِيرًا، أوْ زَمانًا كَثِيرًا مِن جُمْلَتِهِ زَمانُ دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ، وأوانُ المُحاجَّةِ مَعَهُ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: كَيْ نُصَلِّي لَكَ كَثِيرًا ونَحْمَدَكَ ونُثْنِيَ عَلَيْكَ، فَلا يُساعِدُهُ المَقامُ.
طه 20:35
﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ أيْ: عالِمًا بِأحْوالِنا، وبِأنَّ ما دَعَوْتُكَ بِهِ مِمّا يُصْلِحُنا ويُفِيدُنا في تَحْقِيقِ ما كَلَّفْتَهُ مِنَ اِقامَةِ مَراسِمِ الرِّسالَةِ، وبِأنَّ هارُونَ نِعْمَ الرَّدْءُ في أداءِ ما أمَرْتَ بِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِبَصِيرًا، قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
طه 20:36
﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ أيْ أُعْطِيتَ سُؤْلَكَ، فُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالخُبْزِ، والأُكْلِ بِمَعْنى: المَخْبُوزِ، والمَأْكُولِ. والإيتاءُ: عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِوُقُوعِ تِلْكَ المَطالِبِ، وحُصُولِها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ البَتَّةَ، وتَقْدِيرُهُ إيّاها حَتْمًا فَكُلُّها حاصِلَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ كانَ وُقُوعُ بَعْضِها بِالفِعْلِ مُتَرَقِّبًا بَعْدُ كَتَيْسِيرِ الأمْرِ وشَدِّ الأزْرِ، وبِاعْتِبارِهِ قِيلَ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا مُوسى﴾ تَشْرِيفٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشَرَفِ الخِطابِ، إثْرَ تَشْرِيفِهِ بِشَرَفِ قَبُولِ الدُّعاءِ.
طه 20:37
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ، وزِيادَةِ تَوْطِينِ نَفْسِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقَبُولِ بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ النِّعَمِ التّامَّةِ مِن غَيْرِ سابِقَةِ دُعاءٍ مِنهُ وطَلَبٍ، فَلِأنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ بِمِثْلِها وهو طالِبٌ لَهُ وداعٍ أوْلى وأحْرى، وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِذَلِكَ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أنْعَمْنا.
﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ أيْ: في وقْتٍ غَيْرِ هَذا الوَقْتِ، لا أنَّ ذَلِكَ مُؤَخَّرٌ عَنْ هَذا. فَإنَّ أُخْرى تَأْنِيتُ آَخَرَ بِمَعْنى: غَيْرِ، والمَرَّةُ في الأصْلِ: اسْمٌ لِلْمُرُورِ الواحِدِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ فِعْلَةٍ واحِدَةٍ مِنِ الفَعَلاتِ مُتَعَدِّيَةً كانَتْ أوْ لازِمَةً، ثُمَّ شاعَ في كُلِّ فَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ مالِهِ أفْرادٌ مُتَجَدِّدَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَصارَ عَلَمًا في ذَلِكَ حَتّى جُعِلَ مِعْيارًا لِما في مَعْناهُ مِن سائِرِ الأشْياءِ، فَقِيلَ: هَذا بِناءُ المَرَّةِ، ويَقْرُبُ مِنها الكَرَّةُ والتّارَةُ والدُّفْعَةُ، والمُرادُ بِها هَهُنا: الوَقْتُ المُمْتَدُّ الَّذِي وقَعَ فِيهِ ما سَيَأْتِي ذِكْرُهُ مِنِ المِنَنِ العَظِيمَةِ الكَثِيرَةِ.
طه 20:38
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ظَرْفٌ لِـ"مَنَنّا"، والمُرادُ بِالإيحاءِ: إمّا الإيحاءُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ ...﴾ الآَيَةُ، وإمّا الإيحاءُ بِواسِطَةِ المَلَكِ لا عَلى وجْهِ النُّبُوَّةِ كَما أُوحِيَ إلى مَرْيَمَ، وإمّا الإلْهامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾، وإمّا الإرادَةُ في المَنامِ. والمُرادُ بِما يُوحى ما سَيَأْتِي مِنَ الأمْرِ بِقَذْفِهِ في التّابُوتِ، وقَذْفِهِ في البَحْرِ أيُّهم أوَّلًا، تَهْوِيلًا لَهُ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، ثُمَّ فُسِّرَ لِيَكُونَ أقَرَّ عِنْدَ النَّفْسِ. وقِيلَ مَعْناهُ: ما يَنْبَغِي أنْ يُوحى ولا يَخِلَّ بِهِ لِعِظَمِ شَأْنِهِ وفَرْطِ الِاهْتِمامِ بِهِ، وقِيلَ: ما لا يُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُلائِمُ المَعْنَيَيْنِ الأخِيرَيْنِ لِلْوَحْيِ إذْ لا تَفْخِيمَ لِشَأْنِهِ في أنْ يَكُونَ مِمّا لا يُعْلَمُ إلّا بِالإلْهامِ، أوْ بِالإرادَةِ في المَنامِ.
طه 20:39
(p-15)وَ"أنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّ الوَحْيَ مِن بابِ القَوْلِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ مِنها الباءُ، أيْ: بِأنِ اقْذِفِيهِ. ومَعْنى القَذْفِ هَهُنا: الوَضْعُ، وأمّا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ فالإلْقاءُ. وهَذا التَّفْصِيلُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ لا القَذْفُ بِلا تابُوتٍ.
﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ لَمّا كانَ إلْقاءُ البَحْرِ إيّاهُ بِالسّاحِلِ أمْرًا واجِبَ الوُقُوعِ لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ الرَّبّانِيَّةِ بِهِ، جُعِلَ البَحْرُ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ مُطِيعٍ أُمِرَ بِذَلِكَ وأُخْرِجَ الجَوابُ مَخْرَجَ الأمْرِ، والضَّمائِرُ كُلُّها لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَقْذُوفُ في البَحْرِ والمُلْقى بِالسّاحِلِ وإنْ كانَ هو التّابُوتُ أصالَةً، لَكِنْ لَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ ما فِيهِ جُعِلَ التّابُوتُ تابِعًا لَهُ في ذَلِكَ.
﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ بِالإلْقاءِ، وتَكْرِيرُ العَدُوِّ لِلْمُبالَغَةِ والتَّصْرِيحِ بِالأمْرِ، والإشْعارِ بِأنَّ عَداوَتَهُ لَهُ مَعَ تَحَقُّقِها لا تُؤَثِّرُ فِيهِ ولا تَضُرُّهُ بَلْ تُؤَدِّي إلى المَحَبَّةِ، فَإنَّ الأمْرَ بِما هو سَبَبٌ لِلْهَلاكِ صُورَةٌ مِن قَذْفِهِ في البَحْرِ ووُقُوعِهِ في يَدِ عَدُوِّ اللَّهِ تَعالى، وعَدُوُّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ هُناكَ لُطْفًا خَفِيًّا مُنْدَرِجًا تَحْتَ قَهْرٍ صُورِيٍّ. وقِيلَ الأوَّلُ بِاعْتِبارِ الواقِعِ، والثّانِي بِاعْتِبارِ المُتَوَقَّعِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالسّاحِلِ نَفْسَ الشّاطِئِ بَلْ ما يُقابِلُ الوَسَطَ، وهو ما يَلِي السّاحِلَ مِنَ البَحْرِ، بِحَيْثُ يَجْرِي ماؤُهُ إلى نَهْرِ فِرْعَوْنَ، لِما رُوِيَ أنَّها جَعَلَتْ في التّابُوتِ قُطْنًا ووَضَعَتْهُ فِيهِ، ثُمَّ قَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في اليَمِّ، وكانَ يَشْرَعُ مِنهُ إلى بُسْتانِ فِرْعَوْنَ نَهْرٌ صَغِيرٌ، فَدَفَعَهُ الماءُ إلَيْهِ فَأتى بِهِ إلى بِرْكَةٍ في البُسْتانِ، وكانَ فِرْعَوْنُ جالِسًا ثَمَّةَ مَعَ آَسِيَةَ بِنْتِ مُزاحِمٍ فَأمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ، فَفُتِحَ، فَإذا هو صَبِيٌّ أصْبَحُ النّاسَ وجْهًا فَأحَبَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ حُبًّا شَدِيدًا لا يَكادُ يَتَمالَكُ الصَّبْرَ عَنْهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ . كَلِمَةُ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، هو صِفَةٌ لَمُحِبَّةٍ مُؤَكِّدَةٍ لِما في تَنْكِيرِها مِنَ الفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: مَحَبَّةٌ عَظِيمَةٌ كائِنَةٌ مِنِّي، قَدْ زَرَعْتُها في القُلُوبِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْكَ مَن رَآَكَ، ولِذَلِكَ أحَبَّكَ عَدُوُّ اللَّهِ وآَلُهُ. وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بَألْقَيْتُ، أيْ: أحْبَبْتُكَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ تَعالى أحَبَّتْهُ القُلُوبُ لا مَحالَةَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِألْقَيْتُ، مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ لَهُ مُضْمَرَةٍ، أيْ: لِيَتَعَطَّفَ عَلَيْكَ، ولِنُرَبِّيَ بِالحُنُوِّ والشَّفَقَةِ بِمُراقَبَتِي وحِفْظِي، أوْ بِمُضْمَرَةٍ مُؤَخَّرٍ هو عِبارَةٌ عَمّا قَبْلَهُ مِنَ اِلْقاءِ المَحَبَّةِ، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأةٌ، أيْ: ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي فَعَلْتُ ذَلِكَ. وقَرِّي: "وَلِتُصْنَعَ" عَلى صِيغَةِ الأمْرِ بِسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِها. وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ والنَّصْبِ، أيْ: ولِيَكُونَ عَمَلُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي لِئَلّا يُخالَفَ بِهِ عَنْ أمْرِي.
طه 20:40
﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ ظَرْفٌ لِتُصْنَعَ، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ وقْتٌ وقَعَ فِيهِ مَشْيُها إلى بَيْتِ فِرْعَوْنَ، وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ والرَّجْعِ إلى أُمِّها وتَرْبِيَتِها لَهُ بِالبِرِّ والحُنُوِّ، وهو المِصْداقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ إذْ لا شَفَقَةَ (p-16)أعْظَمُ مِن شَفَقَةِ الأُمِّ وصُنْعِها عَلى مُوجَبِ مُراعاتِهِ تَعالى. وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن ﴿إذْ أوْحَيْنا﴾، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ: زَمانٌ مُتَّسِعٌ مُتَباعِدُ الأطْرافِ وهو الأنْسَبُ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ إلَخَ، فَإنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنِ المِنَنِ الإلَهِيَّةِ، ولا تَعَلُّقَ لِشَيْءٍ مِنها بِالصُّنْعِ المَذْكُورِ. وأمّا كَوْنُهُ ظَرْفًا لَألْقَيْتُ كَما جُوِّزَ، فَرُبَّما يُوهِمُ أنَّ إلْقاءَ المَحَبَّةِ لَمْ يَحْصُلْ قَبْلَ ذَلِكَ، ولا رَيْبَ في أنَّ مُعْظَمَ آَثارِ إلْقائِها ظَهَرَ عِنْدَ فَتْحِ التّابُوتِ.
﴿فَتَقُولُ﴾ أيْ: لِفِرْعَوْنَ وآَسِيَةَ حِينَ رَأتْهُما يَطْلُبانِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُرْضِعَةً يَقْبَلُ ثَدْيَها وكانَ لا يَقْبَلُ ثَدْيًا، وصِيغَةُ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ.
﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾ أيْ: يَضُمُّهُ إلى نَفْسِهِ ويُرَبِّيهِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِقَبُولِهِ ثَدْيَها. يُرْوى أنَّهُ فَشا الخَبَرُ بِمِصْرَ أنَّ آَلَ فِرْعَوْنَ أخَذُوا غُلامًا في النِّيلِ لا يَرْتَضِعُ ثَدْيَ امْرَأةٍ، واضْطُرُّوا إلى تَبْلِيغِ النِّساءِ، فَخَرَجَتْ أُخْتُهُ مَرْيَمُ لِتَعْرِفَ خَبَرَهُ، فَجاءَتْهم مُتَنَكِّرَةً، فَقالَتْ ما قالَتْ وقالُوا ما قالُوا، فَجاءَتْ بِأُمِّهِ فَقَبِلَ ثَدْيِها، فالفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مَحْذُوفٍ قَبْلَها يُعْطَفُ عَلَيْهِ ما بَعْدَها، أيْ: فَقالُوا دُلِّينا عَلَيْها فَجاءَتْ بِأُمِّكَ فَرَجَعْناكَ إلَيْها.
﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِلِقائِكَ ﴿وَلا تَحْزَنَ﴾ أيْ: لا يَطْرَأُ عَلَيْها الحُزْنُ بِفِراقِكَ بَعْدَ ذَلِكَ، وإلّا فَزَوالُ الحُزْنِ مُقَدَّمٌ عَلى السُّرُورِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِقُرَّةِ العَيْنِ، فَإنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ. وقِيلَ: ولا تَحُزْنَ أنْتَ بِفَقْدِ إشْفاقِها.
﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ هي نَفْسُ القِبْطِيِّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلَيْهِ.
﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ أيْ: غَمُّ قَتْلِهِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى بِالمَغْفِرَةِ، ومِنِ اقْتِصاصِ فِرْعَوْنَ بِالإنْجاءِ مِنهُ بِالمُهاجَرَةِ إلى مَدْيَنَ.
﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ أيِ: ابْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً، أوْ فُتُونًا مِنَ الِابْتِلاءِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ، كَحُجُوزٍ في حُجْزَةٍ، وبُدُورٍ في بَدْرَةٍ، أيْ: خَلَّصْناكَ مَرَّةً أُخْرى، وهو إجْمالُ ما نالَهُ في سَفَرِهِ مِنَ الهِجْرَةِ عَنِ الوَطَنِ، ومُفارَقَةِ الأُلّافِ، والمَشْيِ راجِلًا، وفَقْدِ الزّادِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ سَألَ عَنْهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَقالَ: خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ، وُلِدَ في عامٍ كانَ يُقْتَلُ فِيهِ الوِلْدانُ فَهَذِهِ فِتْنَةٌ يا ابْنَ جُبَيْرٍ، وألْقَتْهُ أُمُّهُ في البَحْرِ، وهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، وقَتَلَ قِبْطِيًّا، وآَجَرَ نَفْسَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وضَلَّ الطَّرِيقَ، وتَفَرَّقَتْ غَنَمُهُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وكانَ يَقُولُ عِنْدَ كُلِّ واحِدَةٍ فَهَذِهِ فِتْنَةٌ يا ابْنَ جُبَيْرٍ. ولَكِنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ أنْ لا تُعَدَّ إجارَةُ نَفْسِهِ وما بَعْدَها مِن تِلْكَ الفُتُونِ ضَرُورَةَ أنَّ المُرادَ بِها ما وقَعَ قَبْلَ وُصُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَدْيَنَ بِقِيضَةِ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ . إذْ لا رَيْبَ في أنَّ الإجارَةَ المَذْكُورَةَ وما بَعْدَها مِمّا وقَعَ بَعْدَ الوُصُولِ إلَيْهِمْ. وقَدْ أُشِيرُ بِذِكْرِ لُبْثِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِمْ دُونَ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ إلى جَمِيعِ ما قاساهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ تِلْكَ السِّنِينَ العَشْرِ مِن فُنُونِ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ الِّتِي كُلُّ واحِدٍ مِنها فِتْنَةٌ وأيُّ فِتْنَةٍ ؟ ومَدِينُ بَلْدَةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ثَمانِيَ مَراحِلَ مِصْرَ.
﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾ إلى المَكانِ الَّذِينَ أُونِسَ فِيهِ النّارُ، ووَقَعَ فِيهِ النِّداءُ والجُؤارُ. وفي كَلِمَةِ التَّراخِي إيذانٌ بِأنَّ مَجِيئَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَعْدَ اللَّتَيّا، والَّتِي مِن ضَلالِ الطَّرِيقِ وتَفَرُّقِ الغَنَمِ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ الشّاتِيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿عَلى قَدَرٍ﴾ أيْ: تَقْدِيرِ قدرته، لِأنْ أكِلَكَ وأسْتَنْبِئَكَ في وقْتٍ قَدْ عَيَّنْتُهُ لِذَلِكَ، فَما جِئْتَ إلّا عَلى ذَلِكَ القَدَرِ غَيْرِ مُسْتَقْدِمٍ ولا مُسْتَأْخِرٍ. وقِيلَ: عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهو رَأْسُ أرْبَعِينَ سَنَةً.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا مُوسى﴾ تَشْرِيفٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَنْبِيهٌ عَلى انْتِهاءِ الحِكايَةِ الَّتِي هي تَفْصِيلُ المَرَّةِ الأُخْرى الَّتِي وقَعَتْ قَبْلَ المَرَّةِ المَحْكِيَّةِ أوَّلًا.(p-17)
طه 20:41
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ تَذْكِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ﴾ وتَمْهِيدٌ لِإرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ مُؤَيِّدًا بِأخِيهِ حَسْبَما اسْتَدْعاهُ بَعْدَ تَذْكِيرِ المِنَنِ السّابِغَةِ السّابِقَةِ تَأْكِيدًا لِوُثُوقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحُصُولِ نَظائِرِها اللّاحِقَةِ. وهَذا تَمْثِيلٌ لِما خُوَّلَهُ عَزَّ وعَلا مِنَ الكَرامَةِ العُظْمى بِتَقْرِيبِ المُلْكِ بَعْضَ خَواصِّهِ واصْطِناعِهِ لِنَفْسِهِ، وتَرْشِيحِهِ لِبَعْضِ أُمُورِهِ الجَلِيلَةِ. والعُدُولُ عَنْ نُونِ العَظْمَةِ الواقِعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفَتَنّاكَ﴾ ونَظِيرَيْهِ السّابِقَيْنِ تَمْهِيدٌ لِإفْرادِ لَفْظِ النَّفْسِ اللّائِقِ بِالمَقامِ، فَإنَّهُ أدْخَلُ في تَحْقِيقِ مَعْنى الِاصْطِناعِ والِاسْتِخْلاصِ، أيِ: اصْطَفَيْتُكَ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي.
طه 20:42
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ أيْ: ولِيَذْهَبْ أخُوكَ حَسْبَما اسْتُدْعِيتَ، اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما هو المَقْصُودُ بِالِاصْطِناعِ.
﴿بِآياتِي﴾ أيْ: بِمُعْجِزاتِي الَّتِي أرَيْتُكَها مِنَ اليَدِ والعَصا، فَإنَّهُما وإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ لَكِنَّ في كُلٍّ مِنهُما آَياتٌ شَتّى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ فَإنَّ انْقِلابَ العَصا حَيَوانًا آَيَةٌ، وكَوْنُها ثُعْبانًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ آَيَةٌ أُخْرى، وسُرْعَةُ حَرَكَتِهِ مَعَ عِظَمِ جُرْمِهِ آَيَةٌ أُخْرى، وكَوْنُهُ مَعَ ذَلِكَ مُسَخَّرًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَيْثُ كانَ يُدْخِلُ يَدَهُ في فَمِهِ فَلا يَضُرُّهُ آَيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ انْقِلابُها عَصًا آَيَةٌ أُخْرى. وكَذَلِكَ اليَدُ فَإنَّ بَياضَها في نَفْسِهِ آَيَةٌ، وشُعاعَها آَيَةٌ، ثُمَّ رُجُوعُها إلى حالَتِها الأُولى آَيَةٌ أُخْرى. والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ، إذِ المُرادُ: ذَهابُهُما إلى فِرْعَوْنَ مُلْتَبِسَيْنِ بِالآَياتِ مُتَمَسِّكِينَ بِها في إجْراءِ أحْكامِ الرِّسالَةِ، وإكْمالِ أمْرِ الدَّعْوَةِ لا مُجَرَّدَ إذْهابِها وإيصالِها إلَيْهِ.
﴿وَلا تَنِيا﴾ لا تَفْتُرا ولا تُقَصِّرا. وقُرِئَ: "لا تَنِيا" بِكَسْرِ التّاءِ لِلِاتِّباعِ.
﴿فِي ذِكْرِي﴾ أيْ: بِما يَلِيقُ بِي مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ والأفْعالِ الجَمِيلَةِ عِنْدَ تَبْلِيغِ رِسالَتِي والدُّعاءِ إلَيَّ. وقِيلَ المَعْنى: لا تَنِيا في تَبْلِيغِ رِسالَتِي، فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى جَمِيعِ العِباداتِ، وهو أجَلُّها وأعْظَمُها، وقِيلَ: لا تَنْسَيانِي حَيْثُما تَقَلَّبْتُما واسْتَمِدّا بِذِكْرِيَ العَوْنَ والتَّأْيِيدَ. واعْلَما أنَّ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ لا يَتَأتّى ولا يَتَسَنّى إلّا بِذِكْرِي.
طه 20:43
﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ جَمَعَهُما في صِيغَةِ أمْرِ الحاضِرِ مَعَ غَيْبَةِ هارُونَ، إذْ ذاكَ لِلتَّغْلِيبِ، وكَذا الحالُ في صِيغَةِ النَّهْيِ. رُوِيَ أنَّهُ أُوحِيَ إلى هارُونَ وهو بِمِصْرَ أنْ يَتَلَقّى مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: سَمِعَ بِإقْبالِهِ فَتَلَقّاهُ.
﴿إنَّهُ طَغى﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجَبِ الأمْرِ.
طه 20:44
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى طُغْيانِهِ، فَإنَّ تَلْيِينَ القَوْلِ مِمّا يَكْسِرُ سَوْرَةَ عِنادِ العُتاةِ ويُلَيِّنُ عَرِيكَةَ الطُّغاةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا تُعَنِّفا في قَوْلِكُما، وقِيلَ: القَوْلُ اللَّيِّنُ، مِثْلُ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ فَإنَّها دَعْوَةٌ في صُورَةِ عَرْضٍ ومَشُورَةٍ، ويَرُدُّهُ ما سَيَجِيءُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ ...﴾ الآَيَتَيْنِ. وقِيلَ: كُنْياهُ، وكانَ لَهُ ثَلاثُ كُنًى: أبُو العَبّاسِ، وأبُو الوَلِيدِ، وأبُو مُرَّةَ. وقِيلَ: (p-18)عَدّاهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ، ويَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، ومَنكَحٌ ومُلْكٌ لا يَزُولُ إلّا بِالمَوْتِ. وقُرِئَ: "لَيْنًا"
﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ بِما بَلَغْتُماهُ مِن ذِكْرِي، ويَرْغَبُ فِيما رَغَّبْتُماهُ فِيهِ.
﴿أوْ يَخْشى﴾ عِقابَ. ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ، أيْ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا راجِينَ أنْ يَتَذَكَّرَ أوْ يَخْشى. وكَلِمَةُ "أوْ" لِمَنعِ الخُلُوِّ، أيْ: باشِرا الأمْرَ مُباشَرَةَ مَن يَرْجُو ويَطْمَعُ في أنْ يُثْمِرَ عِلْمُهُ ولا يَخِيبَ سَعْيُهُ، وهو يَجْتَهِدُ بِطَوْقِهِ ويَحْتَشِدُ بِأقْصى وُسْعِهِ، وجَدْوى إرْسالِهِما إلَيْهِ مَعَ العِلْمِ بِحالِهِ إلْزامُ الحُجَّةِ وقَطْعُ المَعْذِرَةِ.
طه 20:45
﴿قالا رَبَّنا﴾ أُسْنِدَ القَوْلُ إلَيْهِما، مَعَ أنَّ القائِلَ حَقِيقَةً هو مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ إيذانًا بِأصالَتِهِ في كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ، وتَبَعِيَّةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ في كُلِّ ما يَأْتِي ويَذَرُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هارُونُ قَدْ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ تَلاقِيهِما، فَحَكى ذَلِكَ مَعَ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِ الآَيَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَإنَّ هَذا الخِطابَ قَدْ حُكِيَ لَنا بِصِيغَةِ الجَمْعِ مَعَ أنَّ كُلاًّ مِنَ المُخاطَبِينَ لَمْ يُخاطَبْ إلّا بِطَرِيقِ الِانْفِرادِ ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ اجْتِماعِهِمْ في الوُجُودِ، فَكَيْفَ بِاجْتِماعِهِمْ في الخِطابِ ؟
﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ أيْ: يُعَجِّلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ، ولا يَصْبِرَ إلى إتْمامِ الدَّعْوَةِ وإظْهارِ المُعْجِزَةِ مِن فَرَطَ إذا تَقَدَّمَ. ومِنهُ الفارِطُ، وفَرَسٌ فارِطٌ يَسْبِقُ الخَيْلَ. وقُرِئَ: "يُفْرِطَ" مِن أفْرَطَهُ إذا حَمَلَهُ عَلى العَجَلَةِ، أيْ: نَخافُ أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ مِنَ الاسْتِكْبارِ أوِ الخَوْفِ عَلى المُلْكِ أوْ غَيْرِهِما عَلى المُعاجَلَةِ بِالعِقابِ.
﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ أيْ: يَزْدادُ طُغْيانًا إلى أنْ يَقُولَ في شَأْنِكَ ما لا يَنْبَغِي لِكَمالِ جَراءَتِهِ وقَساوَتِهِ وإطْلاقُهُ مِن حُسْنِ الأدَبِ. وإظْهارُ كَلِمَةِ "أنَّ" مَعَ سَدادِ المَعْنى بِدُونِهِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالأمْرِ والإشْعارِ بِتَحَقُّقِ الخَوْفِ مِن كُلٍّ مِنهُما.
طه 20:46
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ النّاشِئِ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ، ولَعَلَّ إسْنادَ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِلْإشْعارِ بِانْتِقالِ الكَلامِ مِن مَساقٍ إلى آَخَرَ، فَإنَّ ما قَبْلُهُ مِنَ الأفْعالِ الوارِدَةِ عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ حِكايَةٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِخِلافِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾، فَإنَّ ما قَبْلَهُ أيْضًا وارِدٌ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُما رَبُّهُما عِنْدَ تَضَرُّعِهِما إلَيْهِ ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿لا تَخافا﴾ ما تَوَهَّمْتُما مِنَ الأمْرَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ النَّهْيِ، ومَزِيدِ تَسْلِيَةٍ لَهُما. والمُرادُ: بِالمَعِيَّةِ كَمالُ الحِفْظِ والنُّصْرَةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ أيْ: ما جَرى بَيْنِكُما وبَيْنَهُ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ، فَأفْعَلُ في كُلِّ حالٍ ما يَلِيقُ بِها مِن دَفْعِ ضُرٍّ وشَرٍّ، وجَلْبِ نَفْعٍ وخَيْرٍ. ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ شَيْءٌ عَلى مَعْنى أنَّنِي حافِظُكُما سَمِيعًا بَصِيرًا، والحافِظُ النّاصِرُ إذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَمَّ وبَلَغَتِ النُّصْرَةُ غايَتَها.
طه 20:47
﴿فَأْتِياهُ﴾ أُمِرا بِإتْيانِهِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ بَعْدَما أُمِرَ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، فَلا تَكْرارَ، وهو عَطْفٌ عَلى ﴿لا تَخافا﴾ بِاعْتِبارِ (p-19)تَعْلِيلِهِ بِما بَعْدَهُ.
﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ أُمِرا بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ مِن أوَّلِ الأمْرِ لِيَعْرِفَ الطّاغِيَةُ شَأْنَهُما، ويَبْنِيَ جَوابَهُ عَلَيْهِ، وكَذا التَّعَرُّضُ لِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ كَوْنَهُما رَسُولَيْ رَبِّهِ مِمّا يُوجِبُ إرْسالَهم مَعَهُما، والمُرادُ بِالإرْسالِ: إطْلاقُهم مِنَ الأسْرِ والقَسْرِ، وإخْراجُهم مِن تَحْتِ يَدِهِ العادِيَةِ، لا تَكْلِيفُهم أنْ يَذْهَبُوا مَعَهُ مَعَهُما إلى الشّامِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ أيْ: بِإبْقائِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ، فَإنَّهم كانُوا تَحْتَ مَلَكَةِ القِبْطِ يَسْتَخْدِمُونَهم في الأعْمالِ الصَّعْبَةِ الفادِحَةِ مِنَ الحَفْرِ، ونَقْلِ الأحْجارِ وغَيْرِهِما مِنَ الأُمُورِ الشّاقَّةِ، ويَقْتُلُونَ ذُكُورَ أوْلادِهِمْ عامًا دُونَ عامٍ، ويَسْتَخْدِمُونَ نِساءَهم. وتَوْسِيطُ حُكْمِ الإرْسالِ بَيْنَ بَيانِ رِسالَتِهِما، وبَيْنَ ذِكْرِ المَجِيءِ بِآَيَةٍ دالَّةٍ عَلى صِحَّتِها لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَهْوِينِ الأمْرِ عَلى فِرْعَوْنَ، فَإنَّ إرْسالَهم مَعَهُما مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْسِهِ وقَوْمِهِ بِفُنُونِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، كَما هو حُكْمُ الرِّسالَةِ عادَةً لَيْسَ مِمّا يَشُقُّ عَلَيْهِ كُلَّ المَشَقَّةِ، ولِأنَّ في بَيانِ مَجِيءِ الآَيَةِ نَوْعَ طُولٍ كَما تَرى، فَتَأْخِيرُ ذَلِكَ عَنْهُ مُخِلٌّ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَخْلِيصَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الكَفَرَةِ أهَمُّ مِن دَعْوَتِهِمْ إلى الإيمانِ فَكُلًّا.
﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن دَعْوى الرِّسالَةِ وتَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الإرْسالِ، فَإنَّ مَجِيئَهُما بِالآَيَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى مِمّا يُحَقِّقُ رِسالَتَهُما ويُقَرِّرُها ويُوجِبُ الِامْتِثالَ بِأمْرِهِما. وإظْهارُ اسْمِ الرَّبِّ في مَوْضِعِ الإضْمارِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ لِتَأْكِيدِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّقْرِيرِ والتَّعْلِيلِ وتَوْحِيدِ الآَيَةِ مَعَ تَعَدُّدِها، لِأنَّ المُرادَ إثْباتُ الدَّعْوى بِبُرْهانِها لا بَيانُ تَعَدُّدِ الحُجَّةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها آَيَةٌ مِنَ الآَياتِ.
﴿والسَّلامُ﴾ المُسْتَتْبِعُ لِسَلامَةِ الدّارَيْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والمَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ.
﴿عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ بِتَصْدِيقِ آَياتِ اللَّهِ تَعالى الهادِيَةِ إلى الحَقِّ. وفِيهِ مِن تَرْغِيبِهِ في اتِّباعِهِما عَلى ألْطَفَ وجْهٍ ما لا يَخْفى.
طه 20:48
﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ مِن جِهَةِ رَبِّنا ﴿أنَّ العَذابَ﴾ الدُّنْيَوِيَّ والأُخْرَوِيَّ ﴿عَلى مَن كَذَّبَ﴾ أيْ: بِآَياتِهِ تَعالى ﴿وَتَوَلّى﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْ قَبُولِها. وفِيهِ مِنَ التَّلْطِيفِ في الوَعِيدِ، حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِحُلُولِ العَذابِ بِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
طه 20:49
﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ، بَعْدَما أتَياهُ وبَلَّغاهُ ما أُمِرا بِهِ، وإنَّما طُوِيَ ذِكْرُهُ لِلْإيجازِ، والإشْعارِ بِأنَّهُما كَما أُمِرا بِذَلِكَ سارَعا إلى الِامْتِثالِ بِهِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ، وبِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ.
﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ لَمْ يُضِفِ الرَّبُّ إلى نَفْسِهِ، ولَوْ بِطَرِيقِ حِكايَةِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ لِغايَةِ عُتُوِّهِ، ونِهايَةِ طُغْيانِهِ، بَلْ أضافَهُ إلَيْهِما لِما أنَّ المُرْسَلَ لابُدَّ أنْ يَكُونَ رَبًّا لِلرَّسُولِ، أوْ لِأنَّهُما قَدْ صَرَّحا بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْكُلِّ، بِأنْ قالا: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ كَما وقَعَ في (سُورَةِ الشُّعَراءِ ) . والِاقْتِصارُ هاهُنا عَلى ذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِفِرْعَوْنَ لِكِفايَتِهِ فِيما هو المَقْصُودُ. والفاءُ لِتَرْتِيبِ السُّؤالِ عَلى ما سَبَقَ مِن كَوْنِهِما رَسُولَيْ رَبِّهِما، أيْ: إذا كُنْتُما رَسُولَيْ رَبِّكُما فَأخْبِرا مَن رَبَّكُما الَّذِي (p-20)أرْسَلَكُما، وتَخْصِيصُ النِّداءِ بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِما، لِما أنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ، وهارُونُ وزِيرُهُ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ عَرَفَ أنَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَتَّةً، فَأرادَ أنْ يُفْحِمَهُ فَيَرُدَّهُ ما شاهَدَهُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حُسْنِ البَيانِ القاطِعِ لِذَلِكَ الطَّمَعِ الفارِعِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ فَمِن غُلُوِّهِ في الخُبْثِ والدَّعارَةِ كَما مَرَّ.
طه 20:50
﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُجَيْبًا لَهُ.
﴿رَبُّنا﴾ إمّا مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ خَبَرُهُ. أوْ هو خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، والمَوْصُولُ صِفَتُهُ. وأيًّا ما كانَ فَلَمْ يُرِيدا بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ أنْفُسَهُما فَقَطْ حَسْبَما أرادَ اللَّعِينُ، بَلْ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ ورَدًّا عَلَيْهِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، أيْ: هو رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ خَلْقَهُ، أيْ: صُورَتَهُ وشَكْلَهُ اللّائِقَ بِما نِيطَ بِهِ مِنَ الخَواصِّ والمَنافِعِ، أوْ أعْطى مَخْلُوقاتِهِ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتاجُ هي إلَيْهِ وتَرْتَفِقُ بِهِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ بِهِ، أوْ أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ نَظِيرَهُ في الخَلْقِ والصُّورَةِ، حَيْثُ زَوَّجَ الحِصانَ بِالفَرَسِ، والبَعِيرَ بِالنّاقَةِ، والرَّجُلَ بِالمَرْأةِ، ولَمْ يُزَوِّجْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ بِخِلافِ جِنْسِهِ. وقُرِئَ: "خَلَقَهُ" عَلى صِيغَةِ الماضِي، عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِلْمُضافِ أوِ المُضافِ إلَيْهِ، وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي إمّا لِلِاقْتِصارِ عَلى الأوَّلِ، أيْ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى لَمْ يَحْرِمْهُ مِن عَطائِهِ وإنْعامِهِ، أوْ لِلِاخْتِصارِ مِن كَوْنِهِ مَنوِيًّا مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ الحالِ، أيْ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى ما يَحْتاجُ إلَيْهِ.
﴿ثُمَّ هَدى﴾ أيْ: إلى طَرِيقِ الِانْتِفاعِ والِارْتِفاقِ بِما أعْطاهُ، وعَرَّفَهُ كَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلى بَقائِهِ وكَمالِهِ، إمّا اخْتِيارًا كَما في الحَيَواناتِ، أوْ طَبْعًا كَما في الجَماداتِ والقُوى الطَّبِيعِيَّةَ النَّباتِيَّةَ والحَيَوانِيَّةَ. ولَمّا كانَ الخَلْقُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِيبِ الأجْزاءِ، وتَسْوِيَةِ الأجْسامِ، مُتَقَدِّمًا عَلى الهِدايَةِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إيداعِ القُوى المُحَرِّكَةِ والمُدْرَكَةِ في تِلْكَ الأجْسامِ، وُسِّطَ بَيْنَهُما كَلِمَةُ التَّراخِي. ولَقَدْ ساقَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَوابَهُ عَلى نَمَطٍ رائِقٍ وأُسْلُوبٍ لائِقٍ، حَيْثُ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ قادِرٌ بِالذّاتِ، خالِقٌ لِجَمِيعِ الأشْياءِ، مُنْعِمٌ عَلَيْها بِجَمِيعِ ما يَلِيقُ بِها بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ، وضَمَّنَهُ أنَّ إرْسالَهُ تَعالى إلى الطّاغِيَةِ مِن جُمْلَةِ هِداياتِهِ تَعالى إيّاهُ بَعْدَ أنْ هَداهُ إلى الحَقِّ بِالهِداياتِ التَّكْوِينِيَّةِ، حَيْثُ رَكَّبَ فِيهِ العَقْلَ وسائِرَ المَشاعِرِ والآَلاتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ.
طه 20:51
﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ لَمّا شاهَرَ اللَّعِينُ ما نَظَمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في سِلْكِ الِاسْتِدْلالِ مِنَ البُرْهانِ النَّيِّرِ عَلى الطِّرازِ الرّائِعِ، خافَ أنْ يُظْهِرَ لِلنّاسِ حَقِيَقَةَ مَقالاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبُطْلانِ خُرافاتِ نَفْسِهِ ظُهُورًا بَيِّنًا، فَأرادَ أنْ يَصْرِفَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ سُنَنِهِ إلى ما يَعْنِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَها بِالرِّسالَةِ مِنَ الحِكاياتِ، ويَشْغَلَهُ عَمًّا هو بِصَدَدِهِ، عَسى يَظْهَرُ فِيهِ نَوْعُ غَفْلَةٍ فَيَتَسَلَّقُ بِذَلِكَ إلى أنْ يَدَّعِيَ بَيْنَ يَدَيْ قَوْمِهِ نَوْعَ مَعْرِفَةٍ. فَقالَ: ما حالُ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ، وماذا جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الحَوادِثِ المُفَصَّلَةِ ؟ فَأجابَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ العِلْمَ بِأحْوالِهِمْ مُفَصِّلَةً مِمّا لا مُلابَسَةَ لَهُ بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ، وإنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ سَألَهُ عَنْ حالِ مَن خَلا مِنَ القُرُونِ، وعَنْ شَقاءِ مَن شَقِيَ مِنهم، وسَعادَةِ مَن سَعِدَ، فَيَأْباهُ.
طه 20:52
(p-21)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، وإنَّما أنا عَبْدٌ لا أعْلَمُ مِنها إلّا ما عَلَّمَنِيهِ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِما أُرْسِلْتُ بِهِ، ولَوْ كانَ المَسْؤُولُ عَنْهُ ما ذُكِرَ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ، لِأُجِيبَ بِبَيانٍ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى مِنهم فَقَدْ سَلِمَ، ومَن تَوَلّى فَقَدْ عُذِّبَ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: "والسَّلامُ.." الآَيَتَيْنِ.
﴿فِي كِتابٍ﴾ أيْ: مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِتَفاصِيلِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْثِيلًا لِتَمَكُّنِهِ. وتُقَرِّرُهُ في عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِما اسْتَحْفَظَهُ العالِمُ وقَيَّدَهُ بِالكَتَبَةِ، كَما يُلَوِّحُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ أيْ: لا يُخْطِئُ ابْتِداءً، ولا يَذْهَبُ عِلْمُهُ بَقاءً بَلْ ثابِتٌ أبَدًا، فَإنَّهُما مُحالانِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وهو عَلى الأوَّلِ لِبَيانِ أنَّ إثْباتَهُ في اللَّوْحِ لَيْسَ لِحاجَتِهِ تَعالى إلَيْهِ في العِلْمِ بِهِ ابْتِداءً أوْ بَقاءً. وإظْهارُ "رَبِّي" في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلتَّلَذُّذِ بِذِكْرِهِ، ولِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ الربوبية مِمّا يَقْتَضِي عَدَمَ الضَّلالِ والنِّسْيانِ حَتْمًا.
.
طه 20:53
وَلَقَدْ أجابَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ السُّؤالِ بِجَوابٍ عَبْقَرِيٍّ بَدِيعٍ، حَيْثُ كَشَفَ عَنْ حَقِيقَةِ الحَقِّ حِجابَها مَعَ أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَمّا كانَ بِصَدَدِهِ مِن بَيانِ شُئُونِهِ تَعالى، ثُمَّ تَخَلَّصَ إلَيْهِ حَيْثُ قالَ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِما سَيَأْتِي مِنَ الِالتِفاتِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ عَلى أنَّ المَوْصُولَ إمّا مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ، أوْ مَنصُوبٌ عَلَيْهِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَعَلَها لَكم كالمَهْدِ تَتَمَهَّدُونَها، أوْ ذاتَ مَهْدٍ وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ، وقُرِئَ: "مِهادًا"، وهو اسْمٌ لِما يَمْهَدُ كالفِراشِ، أوْ جَمْعُ مَهْدٍ، أيْ: جَعَلَ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنها مَهْدًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنكم.
﴿وَسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلا﴾ أيْ: حَصَّلَ لَكم طُرُقًا، ووَسَّطَها بَيْنَ الجِبالِ والأوْدِيَةِ والبَرارِي تَسْلُكُونَها مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ لِتَقْضُوا مِنها مَآَرِبَكم وتَنْتَفِعُوا بِمَنافِعِها ومَرافِقَها.
﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هو المَطَرُ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الماءِ وهو عَطْفٌ عَلى أنْزَلَ، داخِلٌ تَحْتَ الحِكايَةِ. وإنَّما التُفِتَ إلى التَّكَلُّمِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ظُهُورِ ما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، والإيذانِ بِأنَّهُ لا يَتَأتّى إلّا مِن قادِرٍ مُطاعٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ تَنْقادُ لِأمْرِهِ وتُذْعِنُ لِمَشِيئَتِهِ الأشْياءُ المُخْتَلِفَةُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ خَلا أنَّ ما قَبْلَ الِالتِفاتِ هُناكَ صَرِيحُ كَلامِهِ تَعالى، وأمّا هاهُنا فَحِكايَةٌ عَنْهُ تَعالى. وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ هو المَحْكِيُّ،مَعَ كَوْنِ ما قَبْلَهُ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خِلافُ الظّاهِرِ، مَعَ أنَّهُ يُفَوِّتُ حِينَئِذٍ الِالتِفاتَ لِعَدَمِ اتِّحادِ المُتَكَلِّمِ.
﴿أزْواجًا﴾ أصْنافًا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِازْدِواجِها واقْتِرانِ بَعْضِها بِبَعْضٍ.
﴿مِن نَباتٍ﴾ بَيانٌ أوْ صِفَةٌ لِأزْواجًا، أيْ: كائِنَةً مِن نَباتٍ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَتّى﴾ أيْ: مُتَفَرِّقَةٌ، جَمْعُ شَتِيتٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِنَباتٍ لِما أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، يَعْنِي: أنَّها شَتّى مُخْتَلِفَةٌ في الطَّعْمِ والرّائِحَةِ والشَّكْلِ والنَّفْعِ، بَعْضُها صالِحٌ لِلنّاسِ عَلى اخْتِلافِ وُجُوهِ الصَّلاحِ، وبَعْضُها لِلْبَهائِمِ، فَإنَّ مِن تَمامِ نِعْمَتِهِ تَعالى (p-22)أنَّ أرْزاقَ عِبادِهِ لَمّا كانَ تَحَصُّلُها بِعَمَلِ الأنْعامِ، جَعَلَ عَلَفَها مِمّا يَفْضُلُ عَنْ حاجاتِهِمْ، ولا يَلِيقُ بِكَوْنِهِ طَعامًا لَهم.
طه 20:54
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿فَأخْرَجْنا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: أخْرَجَنا مِنها أصْنافَ النَّباتِ قائِلِينَ: كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم، أيْ: مُعِدِّيها لِانْتِفاعِكم بِالذّاتِ وبِالواسِطَةِ آَذِنِينَ في ذَلِكَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِن شُئُونِهِ تَعالى وأفْعالِهِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الكَمالِ. والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لآياتٍ﴾ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا، أيْ: لَآَياتٌ كَثِيرَةٌ جَلِيلَةٌ واضِحَةُ الدَّلالَةِ عَلى شُئُونِ اللَّهِ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وعَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿لأُولِي النُّهى﴾ جَمْعُ نُهْيَةٍ، سُمِّيَ بِها العَقْلُ لِنَهْيِهِ عَنِ اتِّباعِ الباطِلِ، وارْتِكابِ القَبائِحِ، كَما سُمِّيَ بِالعَقْلِ والحِجْرِ لِعَقْلِهِ وحَجْرِهِ عَنْ ذَلِكَ، أيْ: لِذَوِي العُقُولِ النّاهِيَةِ عَنِ الأباطِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَدَّعِيهِ الطّاغِيَةُ ويَقْبَلُهُ مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ. وتَخْصِيصُ كَوْنِها آَياتٍ بِهِمْ مَعَ أنَّها آَياتٌ لِلْعالِمِينَ بِاعْتِبارِ أنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها.
طه 20:55
﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: في ضِمْنِ أبِيكم آَدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنها، فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن خَلْقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إذْ لَمْ تَكُنْ قَطْرَتُهُ البَدِيعَةُ مَقْصُورَةً عَلى نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلْ كانَتْ أُنْمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ انْطِواءً إجْمالِيًّا مُسْتَتْبِعًا لِجَرَيانِ آَثارِها عَلى الكُلِّ، فَكانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنها خَلْقًا لِلْكُلِّ مِنها. وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْنا أبْدانَكم مِنَ النُّطْفَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِنَ الأغْذِيَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِنَ الأرْضِ بِوَسائِطَ، وقِيلَ: إنَّ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِالرَّحِمِ يَأْخُذُ مِن تُرْبَةِ المَكانِ الَّذِي يُدْفَنُ المَوْلُودُ فَيُبَدِّدُها عَلى النُّطْفَةِ فَيَخْلَقُ مِنَ التُّرابِ والنُّطْفَةِ.
﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ بِالأمانَةِ وتَفْرِيقِ الأجْزاءِ. وإيثارِ كَلِمَةِ "فِي" عَلى كَلِمَةِ "إلى" للدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِقْرارِ المَدِيدِ فِيها.
﴿وَمِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ بِتَأْلِيفِ أجْزائِكُمُ المُتَفَتِّتَةِ المُخْتَلِطَةِ بِالتُّرابِ عَلى الهَيْئَةِ السّابِقَةِ، ورَدِّ الأرْواحِ إلَيْها، وكَوْنُ هَذا الإخْراجِ تارَةً أُخْرى بِاعْتِبارَ أنَّ خَلْقَهم مِنَ الأرْضِ إخْراجٌ لَهم مِنها، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى نَهْجِ التّارَةِ الثّانِيَةِ. والتّارَةُ في الأصْلِ: اسْمٌ لِلتَّوْرِ الواحِدِ، وهو الجَرَيانُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ فِعْلَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الفِعْلاتِ المُتَجَدِّدَةِ كَما مَرَّ في المَرَّةِ.
طه 20:56
﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ﴾ حِكايَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِما جَرى بَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ فِرْعَوْنَ إثْرَ حِكايَةِ ما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِجَلائِلَ نَعْمائِهِ الدّاعِيَةِ لَهُ إلى قَبُولِ الحَقِّ والِانْقِيادِ لَهُ، وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها. وإسْنادِ الإراءَةِ إلى نُونِ العَظَمَةِ نَظَرًا إلى الحَقِيقَةِ لا إلى مُوسى نَظَرٌ إلى الظّاهِرِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ الآَياتِ وتَفْخِيمِ شَأْنِها وإظْهارِ كَمالِ شاعَّةِ لِلْعَيْنِ وتَمادِيهِ في المُكابَرَةِ والعِنادِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ بَصَّرْنا فِرْعَوْنَ أوْ عَرَّفْناهُ.
﴿آياتِنا﴾ حِينَ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ وصِيغَةُ الجَمْعِ مَعَ كَوْنِهِما اثْنَتَيْنِ بِاعْتِبارِ ما في تَضاعِيفِهِما مِن بَدائِعِ الأُمُورِ الَّتِي كُلٌّ مِنها آَيَةٌ بَيِّنَةٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، (p-23)حَسْبَما بُيِّنَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ . وقَدْ ظَهَرَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ أُمُورٌ أُخَرُ كُلُّ واحِدٍ مِنها داهِيَةٌ دَهْياءُ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا ألْقاها انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا أشْعَرَ فاغِرًا فاهُ بَيْنَ لِحْيَيْهِ ثَمانُونَ ذِراعًا، وضَعَ لِحْيَهُ الأسْفَلَ عَلى الأرْضِ، والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، وتُوَجَّهَ نَحْوَ فِرْعَوْنَ فَهَرَبَ وأحْدَثَ وانْهَزَمَ النّاسُ مُزْدَحِمِينِ، فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا مِن قَوْمِهِ، فَصاحَ فِرْعَوْنُ: يا مُوسى أنْشُدُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ إلّا أخَذْتَهُ، فَأخَذَهُ فَعادَ عَصًا. ورُوِيَ أنَّها انْقَلَبَتْ حَيَّةً، ارْتَفَعَتْ في السَّماءِ قَدْرَ مَيْلٍ، ثُمَّ انْحَطَّتْ مُقْبِلَةً نَحْوَ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَتْ تَقُولُ: يا مُوسى مُرْنِي بِما شِئْتَ، ويَقُولُ فِرْعَوْنُ: أنْشُدُكَ ... إلَخَ. ونَزَعَ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ فَإذا هي بَيْضاءُ بَياضًا نَوْرانِيًّا خارِجًا عَنْ حُدُودِ العاداتِ قَدْ غَلَبَ شُعاعُهُ شُعاعَ الشَّمْسِ، يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النَّظّارَةُ تَعَجُّبًا مِن أمْرِهِ، فَفي تَضاعِيفِ كُلٍّ مِنَ الآَيَتَيْنِ آَياتٌ جَمَّةٌ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ غَيْرَ مَذْكُورَةٍ صَراحَةً أُكِّدَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّها﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أرَيْناهُ آَياتِنا بِجَمِيعِ مُسْتَتْبَعاتِهِما وتَفاصِيلِهِما، قَصْدًا إلى بَيانٍ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ في ذَلِكَ عُذْرٌ ما. ولا مُساغٌ لِعَدِّ بَقِيَّةِ الآَياتِ التَّسْعِ مِنها لِما أنَّها إنَّما ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَما غَلَبَ السحرةُ عَلى مَهْلٍ في نَحْوٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ (سُورَةِ الأعْرافِ ) . ولا رَيْبَ في أنَّ أمْرَ السحرةِ مُتَرَقَّبٌ بَعْدُ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ أنْ يَعُدَّ مِنها ما جُعِلَ لِإهْلاكِهِمْ، لا لِإرْشادِهِمْ إلى الإيمانِ مِن فَلَقِ البَحْرِ، وما ظَهَرَ بَعْدَ مُهْلِكِهِ مِنَ الآَياتِ الظّاهِرَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ مِن نَتْقِ الجَبَلِ والحَجَرِ، سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ الحَجَرُ الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِهِ، أوِ الَّذِي انْفَجَرَتْ مِنهُ العُيُونُ، وكَذا أنْ يُعَدَّ مِنها الآَياتُ الظّاهِرَةُ عَلى يَدِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِناءً عَلى أنَّ حِكايَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها لِفِرْعَوْنَ في حُكْمِ إظْهارِها بَيْنَ يَدَيْهِ، وإراءَتِهِ إيّاها لِاسْتِحالَةِ الكَذِبِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ حِكايَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها لِفِرْعَوْنَ مِمّا لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُ هَهُنا عَلى أنَّ ما سَيَأْتِي مِن حَمْلِ ما أظْهَرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى السحر والتَّصَدِّي لِلْمُعارَضَةِ بِالمَثَلِ يَأْباهُ إباءً بَيِّنًا، ويَنْطِقُ بِأنَّ المُرادَ بِها ما ذَكَرْناهُ قَطْعًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ جَعْلُ ما فَصَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أفْعالِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِالربوبية وأحْكامِها مِن جُمْلَةِ الآَياتِ.
﴿فَكَذَّبَ﴾ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ وتَأخُّرٍ، مَعَ ما شاهَدَ في يَدِهِ مِنَ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِصِدْقِهِ جُحُودًا وعِنادًا.﴿وَأبى﴾ الإيمانَ والطّاعَةَ، لِعُتُوِّهِ واسْتِكْبارِهِ. وقِيلَ: كَذَّبَ بِالآَياتِ جَمِيعًا وأبى أنْ يَقْبَلَ شَيْئًا مِنها، أوْ أبى قَبُولَ الحَقِّ.
طه 20:57
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ تَكْذِيبِهِ وإبائِهِ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، وادِّعاءِ أنَّهُ أمْرٌ مُحالٌ. والمَجِيءُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ، أوْ بِمَعْنى الإقْبالِ عَلى الأمْرِ والتَّصَدِّي لَهُ، أيْ: أجِئْتَنا مِن مَكانِكَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ بَعْدَما غِبْتَ عَنّا، أوْ أقْبَلْتَ عَلَيْنا لِتُخْرِجَنا مِن مِصْرَ بِما أظْهَرْتَهُ مِنَ السحر، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ لِكَوْنِهِ مِن بابِ مُحاوَلَةِ المُحالِ. وإنَّما قالَهُ لِحَمْلِ قَوْمِهِ عَلى غايَةِ المَقْتِ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإبْرازِ أنَّ مُرادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ مُجَرَّدَ إنْجاءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أيْدِيهِمْ، بَلْ إخْراجُ القِبْطِ مِن وطَنِهِمْ وحِيازَةُ أمْوالِهِمْ وأمْلاكِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَتَوَجَّهَ إلى اتِّباعِهِ أحَدٌ، ويُبالِغُوا في المُدافَعَةِ والمُخاصَمَةِ. وسُمِّيَ ما أظْهَرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ سِحْرًا لِتَجْسِيرِهِمْ عَلى المُقابَلَةِ ثُمَّ ادَّعى أنَّهُ يُعارِضُهُ (p-24)بِمِثْلِ ما أتى بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
طه 20:58
فَقالَ: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَوَ اللَّهِ لَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِ سِحْرِكَ.
﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أيْ: وعْدًا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ فَإنَّهُ المُناسِبُ لا المَكانُ والزَّمانُ، أيْ لا نُخْلِفُ ذَلِكَ الوَعْدَ.
﴿نَحْنُ ولا أنْتَ﴾ وإنَّما فَوَّضَ اللَّعِينُ أمْرَ الوَعْدِ إلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلِاحْتِرازِ عَنْ نِسْبَتِهِ إلى ضَعْفِ القَلْبِ، وضِيقِ المَجالِ، وإظْهارِ الجَلادَةِ، وإراءَةِ أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِن تَهَيُّئِهِ أسْبابَ المُعارَضَةِ، وتَرْتِيبِ آَلاتِ المُغالَبَةِ طالَ الأمَدُ أمْ قَصُرَ. كَما أنَّ تَقْدِيمَ ضَمِيرِهِ عَلى ضَمِيرِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَوْسِيطِ كَلِمَةِ النَّفْيِ بَيْنَهُما لِلْإيذانِ بِمُسارَعَتِهِ إلى عَدَمِ الإخْلافِ، وأنَّ عَدَمَ إخْلافِهِ لا يُوجِبُ إخْلافَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ النَّفْيُ بِتَكْرِيرِ حَرْفِهِ. وانْتِصابِ ﴿مَكانًا سُوًى﴾ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ، لا بِهِ فَإنَّهُ مَوْصُوفٌ، أوْ بِأنَّهُ بَدَلٌ مِن مَوْعِدٍ عَلى تَقْدِيرِ مَكانٍ مُضافٍ إلَيْهِ.
طه 20:59
فَحِينَئِذٍ تَكُونُ مُطابَقَةُ الجَوابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ مِن حَيْثُ المَعْنى، فَإنَّ يَوْمَ الزِّينَةِ يَدُلُّ عَلى مَكانٍ مُشْتَهِرٍ بِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ يَوْمَئِذٍ، أوْ بِإضْمارِ مِثْلِ مَكانِ مَوْعِدِكم مَكانَ يَوْمِ الزِّينَةِ كَما هو عَلى الأوَّلِ، أوْ وعْدُكم وعْدُ يَوْمِ الزِّينَةِ. وقُرِئَ "يَوْمَ" بِالنَّصْبِ، وهو ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِهِ المَصْدَرُ. ومَعْنى "سُوى" مُنْتَصَفًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ إلَيْنا وإلَيْكَ، وهو في النَّعْتِ كَقَوْلِهِمْ: قَوْمُ عَدِيٍّ في الشُّذُوذِ وقُرِئَ بِكَسْرِ السِّينِ. قِيلَ: يَوْمُ الزِّينَةِ: يَوْمُ عاشُوراءَ، أوْ يَوْمُ النَّيْرُوزِ، أوْ يَوْمُ عِيدٍ كانَ لَهم في كُلِّ عامٍ، وإنَّما خَصَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّعْيِينِ لِإظْهارِ كَمالِ قُوَّتِهِ، وكَوْنِهِ عَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِهِ، وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ، لِما أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ وقْتُ ظُهُورِ غايَةِ شَوْكَتِهِمْ، ولِيَكُونَ ظُهُورُ الحَقِّ وزَهُوقُ الباطِلِ في يَوْمٍ مَشْهُورٍ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ويَشِيعُ ذَلِكَ فِيما بَيْنَ كُلِّ حاضِرٍ وبادٍ.
﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ عَطَفَ عَلى يَوْمٍ أوْ يَوْمُ الزِّينَةِ. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ فِرْعَوْنَ، وبِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لَهُ عَلى سُنَنِ المُلُوكِ أوْ لِلْيَوْمِ.
طه 20:60
﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ أيِ: انْصَرَفَ عَنِ المَجْلِسِ ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أيْ: ما يُكادُ بِهِ مِنَ السحرةِ وأدَواتِهِمْ ﴿ثُمَّ أتى﴾ أيِ: المَوْعِدَ ومَعَهُ ما جَمَعَهُ مِن كَيْدِهِ. وفي كَلِمَةِ التَّراخِي إماءٌ إلى أنَّهُ لَمْ يُسارِعْ إلَيْهِ بَلْ أتاهُ بَعْدَ لَأْيٍ وتَلَعْثُمٍ.
طه 20:61
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ إلَخَ. بِطَرِيقٍ الِاسْتِئْنافِ المَبْنِيِّ عَلى السُّؤالِ يَقْضِي بِأنَّ المُتَرَقِّبَ مِن أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ والمُحْتاجَ إلى السُّؤالِ والبَيانِ، لَيْسَ إلّا ما صَدَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الكَلامِ، وأمّا إتْيانُهُ أوَّلًا فَأمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ إتْيانِ فِرْعَوْنَ بِما جَمَعَهُ مِنَ السحرةِ ؟ فَقِيلَ: قالَ لَهم بِطَرِيقِ النَّصِيحَةِ: ﴿وَيْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ (p-25)كَذِبًا﴾ بِأنْ تَدْعُوا آَياتِهِ الَّتِي سَتَظْهَرُ عَلى يَدَيْهِ سِحْرًا كَما فَعَلَ فِرْعَوْنُ ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ أيْ: يَسْتَأْصِلُكم بِسَبَبِهِ ﴿بِعَذابٍ﴾ هائِلٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقُرِئَ: "يَسْحِتَكُمْ" مِنَ الثُّلاثِيِّ عَلى لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ، والإسْحاتُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ ونَجْدٍ.
﴿وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ أيْ: عَلى اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الِافْتِراءُ المَنهِيُّ عَنْهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ وقَدْ خابَ فِرْعَوْنُ المُفْتَرِي، فَلا تَكُونُوا مِثْلَهُ في الخَيْبَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
طه 20:62
﴿فَتَنازَعُوا﴾ أيِ: السحرةُ حِينَ سَمِعُوا كَلامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَأنَّ ذَلِكَ غاظَهم فَتَنازَعُوا ﴿أمْرَهُمْ﴾ الَّذِي أُرِيدَ مِنهم مِن مُغالَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتُشاوَرُوا وتُناظَرُوا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ في كَيْفِيَّةِ المُعارَضَةِ وتُجاذَبُوا أهْدابَ القَوْلِ في ذَلِكَ ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى﴾ أيْ: مِن مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِئَلّا يَقِفَ عَلَيْهِ فَيُدافِعَهُ.
طه 20:63
وَكانَ نَجْواهم ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ أيْ: بِطَرِيقِ التَّناجِي والإسْرارِ ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ إلَخَ. فَإنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ، ونَتِيجَةٌ لِتَنازُعِهِمْ وخُلاصَةُ ما اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ آَراؤُهم بَعْدَ التَّناظُرِ والتَّشاوُرِ. وإنْ مُخَفِّفَةٌ مِن "أنْ" قَدْ أُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ، واللّامُ فارِقَةٌ. وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ نُونِ "هَذانَ" . وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى: إلّا أيْ: ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ. وقُرِئَ: "إنَّ" بِالتَّشْدِيدِ، و"هَذانِ" اسْمُها عَلى لُغَةِ بِلْحارِثَ بْنِ كَعْبٍ فَإنَّهم يُعْرِبُونَ التَّثْنِيَةَ تَقْدِيرًا، وقِيلَ: اسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفِ "وَهَذانِ لَساحِرانِ" خَبَرُها. وقِيلَ: "إنَّ" بِمَعْنى "نَعَمْ"، وما بَعْدَها جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ وخَبَرٍ، وفِيهِما أنَّ اللّامَ لا تَدْخُلُ خَبَرَ المُبْتَدَإ. وقِيلَ: أصْلُهُ: إنَّهُ هَذانِ لَهُما ساحِرانِ فَحُذِفَ الضَّمِيرُ، وفِيهِ أنَّ المُؤَكَّدَ بِاللّامِ لا يَلِيقُ بِهِ الحَذْفُ. وقُرِئَ: "إنْ هَذَيْنِ لَساحِرانِ" وهي قِراءَةٌ واضِحَةٌ.
﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكُمْ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ، بِالِاسْتِيلاءِ عَلَيْها ﴿بِسِحْرِهِما﴾ الَّذِي أظْهَراهُ مِن قَبْلُ ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ أيْ: بِمَذْهَبِكُمُ الَّذِي هو أفْضَلُ المَذاهِبِ وأمْثَلُها، بِإظْهارِ مَذْهَبِهِما وإعْلاءِ دِينِهِما، يُرِيدُونَ بِهِ ما كانَ عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لا طَرِيقَةَ السحر، فَإنَّهم ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا، وقِيلَ: أرادُوا أهْلَ طَرِيقَتِكم، وهم بَنُو إسْرائِيلَ، لِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وكانُوا أرْبابَ عِلْمٍ فِيما بَيْنَهم، ويَأْباهُ أنَّ إخْراجَهم مِن أرْضِهِمْ إنَّما يَكُونُ الِاسْتِيلاءُ عَلَيْها تَمَكُّنًا وتَصَرُّفًا، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ حِينَئِذٍ نَقْلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلى الشّامِ ؟، وحَمْلُ الإخْراجِ عَلى إخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنها مَعَ بَقاءِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ عَلى حالِهِمْ مِمّا يَجِبُ تَنْـزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ، عَلى أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِنهم لِلْإغْراءِ بِالمُبالَغَةِ في المُغالَبَةِ والِاهْتِمامِ بِالمُناصَبَةِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الإنْذارُ والتَّحْذِيرُ بِأشَدِّ المَكارِهِ وأشَقِّها عَلَيْهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ إخْراجَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَنِيهِمْ والذَّهابَ بِهِمْ إلى الشّامِ وهم آَمِنُونَ في دِيارِهِمْ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرٌ مَحْذُورٌ. وقِيلَ: الطَّرِيقَةُ اسْمٌ لِوُجُوهِ القَوْمِ وأشْرافِهِمْ، لِما أنَّهم قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَخْصِيصَ الإذْهابِ بِهِمْ مِمّا لا مَزِيَّةَ فِيهِ.
طه 20:64
(p-26)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمَطْلُوبِ إثْرَ تَمْهِيدِ المُقَدِّماتِ. والفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن كَوْنِهِما ساحِرَيْنِ يُرِيدُ أنَّ بِكم ما ذُكِرَ مِنَ الإخْراجِ والإذْهابِ، فَأزْمِعُوا كَيْدَكم واجْعَلُوهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ واحِدٌ مِنكم، وارْمُوا عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. وقُرِئَ: فاجْمَعُوا مِنَ الجَمْعِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أيْ: فاجْمَعُوا أدَواتِ سِحْرِكم ورَتِّبُوها كَما يَنْبَغِي.
﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أيْ: مُصْطَفِّينَ أُمِرُوا بِذَلِكَ، لِأنَّهُ أهْيَبُ في صُدُورِ الرّائِينَ، وأدْخَلُ في اسْتِجْلابِ الرَّهْبَةِ مِنَ المُشاهِدِينَ. قِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا مَعَ كُلٍّ مِنهم حَبْلٌ وعَصًا، وأقْبَلُوا عَلَيْهِ إقْبالَةً واحِدَةَ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا، اثْنانِ مِنَ القِبْطِ، والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: تِسْعُمائَةٍ وثَلاثُمِائَةٍ مِنَ الفَرَسِ، وثَلاثُمِائَةٍ مِنَ الرُّومِ، وثَلاثُمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: بِضْعَةٌ وثَلاثِينَ ألْفًا، واللَّهُ أعْلَمُ. ولَعَلَّ المَوْعِدَ كانَ مَكانًا مُتَّسِعًا، خاطَبَهم مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما ذَكَرَهُ في قُطْرٍ مِن أقْطارِهِ، وتَنازَعُوا أمْرَهم في قُطْرٍ آَخَرَ مِنهُ، ثُمَّ أُمِرُوا بِأنْ يَأْتُوا وسَطَهُ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ. وقَدْ فُسِّرَ الصَّفُّ بِالمُصَلّى لِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ في الأعْيادِ والصَّلَواتِ، ووَجْهُ صِحَّتِهِ أنْ يَكُونَ عَلَمًا لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ المَكانِ المَوْعُودِ. وأمّا إرادَةُ مُصَلّى مِن مُصَلَّياتٍ بَعْدَ تَعَيُّنِ المَكانِ المَوْعُودِ فَلا مَساغَ لَها قَطْعًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مِن قِبَلِهِمْ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ، أيْ: قَدْ فازَ بِالمَطْلُوبِ مَن غَلَبَ، يُرِيدُونَ بِالمَطْلُوبِ ما وعَدَهم فِرْعَوْنُ مِنَ الأجْرِ والتَّقْرِيبِ، حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾، وبِمَن غَلَبَ أنْفُسَهم جَمِيعًا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ أوْ مَن غُلِبَ مِنهم حَثًّا لَهم عَلى بَذْلِ المَجْهُودِ في المُغالَبَةِ، هَذا هو اللّائِقُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. وقَدْ قِيلَ: كانَ نَجْواهم أنْ قالُوا حِينَ سَمِعُوا مَقالَةَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ أنْ قالُوا: إنْ غَلَبْنا مُوسى اتَّبَعْناهُ، وقِيلَ كانَ ذَلِكَ قَوْلُهم: إنْ كانَ سِاحِرًا فَسَنَغْلِبُهُ، وإنْ كانَ مِنَ السَّماءِ فَلَهُ أمْرٌ. فَيَكُونُ إسْرارُهم حِينَئِذٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، ويُحْمَلُ قَوْلُهم: ﴿ "إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ .." إلَخَ عَلى أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم عَلى الأقاوِيلِ المَذْكُورَةِ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ التَّنازُعِ والتَّناظُرِ، واسْتَقَرَّتْ آَراؤُهم عَلى ذَلِكَ، وأبَوْا إلّا المُناصَبَةَ لِلْمُعارَضَةِ. وأمّا جَعْلُ ضَمِيرِ قالُوا لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلسَّحَرَةِ رَدًّا لَهم عَنِ الِاخْتِلافِ، وأمَرُوهُمُ الإجْماعَ والإزْماعَ، وإظْهارَ الجَلادَةِ بِالإتْيانِ عَلى وجْهِ الِاصْطِفافِ، فَمُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ.
طه 20:65
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ ناشِئٍ مِن حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَ السحرةِ مِنَ المُقاوَلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلُوا بَعْدَ ما قالُوا فِيما بَيْنَهم ما قالُوا ؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿يا مُوسى﴾ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإجْماعِهِمْ وإتْيانِهِمْ بِطَرِيقِ الِاصْطِفافِ إشْعارًا بِظُهُورِ أمْرِهِما وغِناهُما عَنِ البَيانِ.
﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ أيْ: ما نُلْقِيهِ أوَّلًا عَلى أنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، أوْ تَفْعَلُ الإلْقاءَ أوَّلًا عَلى أنَّ الفِعْلَ مُنَزَّلٌ مَنـزِلَةَ اللّازِمِ.
﴿وَإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ما يُلْقِيهِ، أوْ أوَّلَ مَن يَفْعَلُ الإلْقاءَ، خَيَّرُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما ذُكِرَ مُراعاةً لِلْأدَبِ لِما رَأوْا (p-27)مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما رَأوْا مِن مَخايِلِ الخَيْرِ، ورَزانَةِ الرَّأْيِ، وإظْهارًا لِلْجَلادَةِ، بِإراءَةِ أنَّهُ لا يَخْتَلِفُ حالُهم بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. و"أنْ" مَعَ ما في حَيِّزِها مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أوْ مَرْفُوعٌ بِخَبَرِيَّةِ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اخْتَرْ إلْقاءَكَ أوَّلًا، أوْ إلْقاءَنا، أوِ الأمْرُ إمّا إلْقاؤُكَ، أوْ إلْقاؤُنا.
طه 20:66
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ ناشِئٌ مِن حِكايَةِ تَخْيِيرِ السحرةِ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ أنْتُمْ أوَّلًا، مُقابَلَةً لِلْأدَبِ بِأحْسَنَ مِن أدَبِهِمْ، حَيْثُ بِتَّ القَوْلَ بِإلْقائِهِمْ أوَّلًا، وإظْهارًا لِعَدَمِ المُبالاةِ بِسِحْرِهِمْ، ومُساعِدَةً لِما أوْهَمُوا مِنَ المَيْلِ إلى البَدْءِ، وليُبْرِزُوا ما مَعَهم، ويَسْتَفْرِغُوا أقْصى جُهْدِهِمْ، ويَسْتَنْفِدُوا قُصارى وُسْعِهِمْ، ثُمَّ يُظْهِرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ سُلْطانَهُ فَيَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ، لَمّا عَلِمَ أنَّ ما سَيَظْهَرُ بِيَدِهِ سَيَلْقَفُ ما يَصْنَعُونَ مِن مَكايِدِ السحر.
﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مُسارَعَتِهِمْ إلى الإلْقاءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى:" فَقُلْنا اضْرِبْ بّعَصاكَ البَحْر فانْفَلَقَ " أيْ: فَألْقَوْا، ﴿فَإذا حِبالُهُمْ﴾ وهي لِلْمُفاجَأةِ والتَّحْقِيقِ، أنَّها أيْضًا ظَرْفِيَّةٌ تَسْتَدْعِي مُتَعِلَّقًا يَنْصِبُها وجُمْلَةً تُضافُ إلَيْها، لَكِنَّها خُصَّتْ بِكَوْنِ مُتَعَلِّقَها فِعْلُ المُفاجَأةِ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ، والمَعْنى: فَألْقَوْا، فَفاجَأ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقْتَ أنْ يُخَيَّلَ إلَيْهِ سَعْيُ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ مِن سِحْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا لَطَّخُوها بِالزِّئْبَقِ، فَلَمّا ضَرَبَتْ عَلَيْها الشَّمْسُ اضْطَرَبَتْ واهْتَزَّتْ، فَخُيِّلَ إلَيْهِ أنَّها تَتَحَرَّكُ. وقُرِئَ: "تُخَيَّلُ" بِالتّاءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ الحِبالِ والعِصِيِّ، وإبْدالِ "أنَّها تَسْعى" مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ. وقُرِئَ: "يُخَيَّلُ" بِإسْنادِهِ إلَيْهِ تَعالى. وقُرِئَ: "تَخَيَّلَ" بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مَن تَتَخَيَّلُ.
طه 20:67
﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ أيْ: أضْمَرَ فِيها بَعْضَ خَوْفٍ مِن مُفاجَأتِهِ بِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ المَجْبُولَةِ عَلى النَّفْرَةِ مِنَ الحَيّاتِ والِاحْتِرازِ مِن ضَرَرِها المُعْتادِ مِنَ اللَّسْعِ ونَحْوِهِ. وقِيلَ: مِن أنْ يُخالِجَ النّاسَ شَكٌّ فَلا يُتْبِعُوهُ، ولَيْسَ بِذاكَ كَما سَتَعْرِفُهُ وتَأْخِيرُ الفاعِلِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
طه 20:68
﴿قُلْنا لا تَخَفْ﴾ أيْ: ما تَوَهَّمْتَ ﴿إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُوجِبُهُ النَّهْيُ مِنَ الِانْتِهاءِ عَنِ الخَوْفِ، وتَقْرِيرٌ لِغَلَبَتِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآَكَدِهِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الِاسْتِئْنافُ، وحَرْفُ التَّحْقِيقِ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ، وتَعْرِيفُ الخَبَرِ، ولَفْظُ العُلُوِّ المُنْبِئِ عَنِ الغَلَبَةِ الظّاهِرَةِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ.
طه 20:69
﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ أيْ: عَصاكَ، كَما وقَعَ في (سُورَةِ الأعْرافِ )، وإمّا أُوثِرَ الإبْهامُ تَهْوِيلًا لِأمْرِها، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وإيذانًا بِأنَّها لَيْسَتْ مِن جِنْسِ العِصِيِّ المَعْهُودَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْآَثارِ المُعْتادَةِ، بَلْ خارِجَةٌ عَنْ حُدُودِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ، مُبْهَمَةُ الكُنْهِ، مُسْتَتْبِعَةٌ لِآَثارٍ غَرِيبَةٍ، وعَدَمُ مُراعاةِ هَذِهِ النُّكْتَةِ عِنْدَ حِكايَةِ الأمْرِ في مَوْضِعٍ آَخَرَ لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ مُراعاتِها عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ هَذا، وحَمْلُ الإبْهامِ عَلى التَّحْقِيرِ بِأنْ يُرادَ لا تُبالِ بِكَثْرَةِ حِبالِهِمْ (p-28)وَعِصِيِّهِمْ، وألْقِ العُوَيْدَ الَّذِي في يَدِكَ فَإنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يَلْقَفُها مَعَ وحْدَتِهِ وكَثْرَتِها، وصِغَرِهِ وعِظَمِها، يَأْباهُ ظُهُورُ حالِها فِيما مَرَّ مَرَّتَيْنِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ المَعْنى إنَّما يَلِيقُ بِما لَوْ فَعَلَتِ العَصا ما فَعَلَتْ وهي عَلى هَيْئَتِها الأصْلِيَّةِ، وقَدْ كانَ مِنها ما كانَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ مِن لَقِفَهُ: إذا ابْتَلَعَهُ، والتَقَمَهُ بِسُرْعَةٍ. والتَّأْنِيثُ لِكَوْنِ "ما" عِبارَةً عَنِ العَصا، أيْ: تَبْتَلِعُ ما صَنَعُوهُ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ الَّتِي خُيِّلَ إلَيْكَ سَعْيُها وخِفَّتُها. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِما صَنَعُوا لِلتَّحْقِيرِ، والإيذانِ بِالتَّمْوِيهِ والتَّزْوِيرِ. وقُرِئَ "تَلَقَّفُ" بِتَشْدِيدِ القافِ، وإسْقاطِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن "تَتَلَقَّفُ" . وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الحالِ، أوِ الِاسْتِئْنافِ. والجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى النَّهْيِ مُتَمِّمَةٌ بِما في حَيِّزِها، لِتَعْلِيلِ مُوجِبِهِ بِبَيانِ كَيْفِيَّةِ غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعُلُوِّهِ، فَإنَّ ابْتِلاعَ عَصاهُ لِأباطِيلِهِمُ الَّتِي مِنها أوْجَسَ في نَفْسِهِ ما أوْجَسَ مِمّا يَقْلَعُ مادَّتَهُ بِالكُلِّيَّةِ. وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ خَوْفَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِمّا ذُكِرَ مِن مُخالَجَةِ الشَّكِّ لِلنّاسِ، وعَدَمِ اتِّباعِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإلّا لَعُلِّلَ بِما يُزِيلُهُ مِنَ الوَعْدِ، بِما يُوجِبُ إيمانُهم واتِّباعُهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما صَنَعُوا﴾ إلَخِ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ . و"ما" إمّا مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ، أيْ: إنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ أوْ إنَّ شَيْئًا صَنَعُوهُ ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ، لِأنَّ أيْ كَيْدُ جِنْسِ السّاحِرِ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى تَنْكِيرِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ لِلتَّحْقِيرِ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ "صَنَعُوا" و"ما" كافَّةٌ. وقُرِئَ: "كَيْدُ سِحْرٍ" عَلى أنَّ الإضافَةَ لِلْبَيانِ، كَما في "عِلْمُ فِقَةٍ "، أوْ عَلى مَعْنى: ذِي سِحْرٍ، أوْ عَلى تَسْمِيَةِ السّاحِرِ سِحْرًا مُبالَغَةً.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ أيْ: هَذا الجِنْسُ ﴿حَيْثُ أتى﴾ أيْ: حَيْثُ كانَ، وأيْنَ أقْبَلَ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ، وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِشَأْنِ العَصا، وكَوْنِها مُعْجِزَةً إلَهِيَّةً مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَقْوِيَةِ التَّعْلِيلِ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ أمْرِها.
طه 20:70
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السحرةُ سُجَّدًا﴾ كَما سَلَفَ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مَحْذُوفَيْنِ يَنْساقُ إلَيْهِما النَّظْمُ الكَرِيمُ، غَنِيَّيْنِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِما، لِعَدَمِ احْتِمالِ تَرَدُّدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، واسْتِحالَةِ عَدَمِ وُقُوعِ اللَّقْفِ المَوْعُودِ، أيْ: فَألْقاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَقَعَ ما وقَعَ مِنَ اللَّقْفِ، فَأُلْقِيَ السحرةُ سُجَّدًا لَمّا تَيَقَّنُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن بابِ السحر، وإنَّما هي آَيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. رُوِيَ أنَّ رَئِيسَهم قالَ: كُنّا نَغْلِبُ النّاسَ، وكانَتِ الآَلاتُ تُبْقِي عَلَيْنا، فَلَوْ كانَ هَذا سِحْرًا فَأيْنَ ما ألْقَيْناهُ مِنَ الآَلاتِ ؟ فاسْتَدَلَّ بِتَغَيُّرِ أحْوالِ الأجْسامِ عَلى الصّانِعِ القادِرِ العالِمِ، وبِظُهُورِ ذَلِكَ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ، لا جَرَمَ ألْقاهم ما شاهَدُوهُ عَلى وُجُوهِهِمْ، وتابُوا وآَمَنُوا وأتَوْا بِما هو غايَةُ الخُضُوعِ. قِيلَ: لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهم حَتّى رَأوُا الجَنَّةَ والنّارَ، والثَّوابَ والعِقابَ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: لَمّا خَرُّوا سُجَّدًا أراهُمُ اللَّهَ تَعالى في سُجُودِهِمْ مَنازِلَهم في الجَنَّةِ، ولا يُنافِيهِ قَوْلُهم: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ إلَخِ، لِأنَّ كَوْنَ تِلْكَ المَنازِلِ مَنازِلَهم بِاعْتِبارِ صُدُورِ هَذا القَوْلِ عَنْهم.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ تَأْخِيرُ مُوسى عِنْدَ حِكايَةِ كَلامِهِمْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ كَلامِهِمْ أيْضًا هَكَذا، إمّا لِكِبَرِ سِنِّ هارُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في الِاحْتِرازِ عَنِ التَّوَهُّمِ الباطِلِ مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، حَيْثُ كانَ فِرْعَوْنُ ربي مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَوْ قَدِمُوا مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَرُبَّما تَوَهَّمَ اللَّعِينُ وقَوْمُهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ (p-29)أنَّ مُرادَهم فِرْعَوْنُ
طه 20:71
﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ لِلسَّحَرَةِ ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ أيْ: لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واللّامُ لِتَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى الِاتِّباعِ. وقُرِئَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِي.
﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ أنَّ آَذَنَ لَكم في الإيمانِ لَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ لا أنَّ إذْنَهُ لَهم في ذَلِكَ واقِعٌ بَعْدَهِ أوْ مُتَوَقَّعٌ.
﴿إنَّهُ﴾ يَعْنِي: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لَكَبِيرُكُمُ﴾ أيْ: في فَنِّكم، وأعْلَمُكم بِهِ، وأُسْتاذِكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ فَتَواطَأْتُمْ عَلى ما فَعَلْتُمْ، أوْ فَعَلَّمَكم شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ، فَلِذَلِكَ غَلَبَكم. وهَذِهِ شَهادَةٌ زَوَّرَها اللَّعِينُ، وألْقاها عَلى قَوْمِهِ، وأراهم أنَّ أمْرَ الإيمانِ مَنُوطٌ بِإذْنِهِ، فَلَمّا كانَ إيمانُهم بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَكُنْ مُعْتَدًّا بِهِ، وأنَّهم مِن تَلامِذَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلا عِبْرَةَ بِما أظْهَرَهُ كَما لا عِبْرَةَ بِما أظْهَرُوهُ، وذَلِكَ لِما اعْتَراهُ مِنَ الخَوْفِ مِنِ اقْتِداءِ النّاسِ بِالسحرةِ في الإيمان باللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالوَعِيدِ المُؤَكَّدِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ﴾ أيْ: فَوَ اللَّهِ لَأُقَطِّعَنَّ ﴿أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيِ: اليَدَ اليُمْنى والرِّجْلَ اليُسْرى. و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ، كَأنَّ القَطْعَ ابْتِداءٌ مِن مُخالَفَةِ العُضْوِ العُضْوَ، فَإنَّ المُبْتَدِئَ مِنَ المَعْرُوضِ مُبْتَدِئٌ مِنَ العارِضِ أيْضًا، وهي مَعَ مَجْرُورِها في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: لَأقْطَعَنَّها مُخَلِفاتٍ، وتَعْيِينُ تِلْكَ الحالِ لِلْإيذانِ بِتَحْقِيقِ الأمْرِ، وإيقاعِهِ لا مَحالَةَ بِتَعْيِينِ كَيْفِيَّتِهِ المَعْهُودَةِ في بابِ السِّياسَةِ لا لِأنَّها أفْظَعُ مِن غَيْرِها.
﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أيْ: عَلَيْها. وإيثارُ كَلِمَةِ "فِي" لِلدَّلالَةِ عَلى إبْقائِهِمْ عَلَيْها زَمانًا مَدِيدًا، تَشْبِيهًا لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْها بِاسْتِقْرارِ المَظْرُوفِ في الظَّرْفِ المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ، قالُوا: وهو أوَّلُ مَن صَلَبَ. وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ في الفِعْلَيْنِ لِلتَّكْثِيرِ. وقَدْ قُرِئا بِالتَّخْفِيفِ.
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾ يُرِيدُ بِهِ نَفْسَهُ، ومُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِقَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، واللّامُ مَعَ الإيمانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لِغَيْرِهِ تَعالى، وهَذا إمّا لِقَصْدِ تَوْضِيعِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والهُزْءِ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّعْذِيبِ في شَيْءٍ، وإمّا لِإراءَةِ أنَّ إيمانَهم لَمْ يَكُنْ عَنْ مُشاهَدَةِ المُعْجِزَةِ ومُعايَنَةِ البُرْهانِ، بَلْ كانَ عَنْ خَوْفٍ مِن قِبَلِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَيْثُ رَأوُا ابْتِلاعَ عَصاهُ لِحِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، فَخافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أيْضًا، وقِيلَ: يُرِيدُ بِهِ: رَبَّ مُوسى الَّذِي آَمَنُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ .
﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ أيْ: أدْوَمُ.
طه 20:72
﴿قالُوا﴾ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِوَعِيدِهِ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ لَنْ نَخْتارَكَ بِالإيمانِ والِاتِّباعِ ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ مِنَ اللَّهِ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ، فَإنَّ ما ظَهَرَ بِيَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العَصا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى مُعْجِزاتِهِ جَمَّةً كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ فِيما سَلَفَ، فَإنَّهم كانُوا عارِفِينَ بِجَلائِلِها ودَقائِقِها.
﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ أيْ: خَلَقَنا وسائِرَ المَخْلُوقاتِ، وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ما جاءَنا﴾، وتَأْخِيرُهُ لِأنَّ ما في ضِمْنِهِ آَيَةٌ عَقْلِيَّةٌ نَظَرِيَّةٌ، وما شاهَدُوهُ آَيَةٌ حِسِّيَّةٌ ظاهِرَةٌ، وإيرادُهُ تَعالى بِعُنْوانِ فاطِرِيَّتِهِ تَعالى لَهم لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ خالِقِيَّتَهُ تَعالى لَهم وكَوْنَ فِرْعَوْنَ مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ إيثارِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ (p-30)سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا جَوابٌ مِنهم لِتَوْبِيخِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، وقِيلَ: هو قَسَمٌ مَحْذُوفُ الجَوابِ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، أيْ: وحَقِّ الَّذِي فَطَرَنا لا نُؤْثِرُكَ .. إلَخِ. ولا مُساغَ لِكَوْنِ المَذْكُورِ جَوابًا لَهُ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ الجَوابِ أيْضًا، لِما أنَّ القَسَمَ لا يُجابُ بِلَنْ إلّا عَلى شُذُوذٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ جَوابٌ عَنْ تَهْدِيدِهِ بِقَوْلِهِ: "لِأُقَطِّعَنَّ .." إلَخِ، أيْ: فاصْنَعْ ما أنْتَ صانِعُهُ، أوْ فاحْكم ما أنْتَ حاكِمٌ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ مَعَ ما بَعْدَهُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ المُسْتَفادِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالقَضاءِ، أيْ: إنَّما تَصْنَعُ ما تَهْواهُ، أوْ تَحْكُمُ بِما تَراهُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا فَحَسْبُ، وما لَنا مِن رَغْبَةٍ في عَذْبِها ولا رَهْبَةٍ مِن عَذابِها.
طه 20:73
﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ الَّتِي اقْتَرَفْنا فِيها مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ولا يُؤاخِذُنا بِها في الدّارِ الآَخِرَةِ، لا لِيُمَتِّعْنا بِتِلْكَ الحَياةِ الفانِيَةِ حَتّى نَتَأثَّرَ بِما أوْعَدْتَنا بِهِ مِنَ القَطْعِ والصَّلْبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السحر﴾ عَطْفٌ عَلى "خَطايانا"، أيْ: ويَغْفِرَ لَنا السحر الَّذِي عَلِمْناهُ في مُعارَضَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإكْراهِكَ وحَشْرِكَ إيّانا مِنَ المَدائِنِ القاصِيَةِ. خَصُّوهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ في خَطاياهم إظْهارًا لِغايَةِ نَفْرَتِهِمْ عَنْهُ، ورَغْبَتِهِمْ في مَغْفِرَتِهِ. وذَكَرَ الإكْراهَ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالِاسْتِغْفارِ مِنهُ مَعَ صُدُورِهِ عَنْهم بِالإكْراهِ، وفِيهِ نَوْعُ اعْتِذارٍ لِاسْتِجْلابِ المَغْفِرَةِ، وقِيلَ: أرادُوا الإكْراهَ عَلى تَعَلُّمِ السحر، حَيْثُ رُوِيَ أنَّ رُؤَساءَهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ، اثْنانِ مِنهم مَنَ القِبْطِ، والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ فِرْعَوْنُ أكْرَهَهم عَلى تَعَلُّمِ السحر. وقِيلَ: إنَّهُ أكْرَهَهم عَلى المُعارَضَةِ، حَيْثُ رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا، فَفَعَلَ، فَوَجَدُوهُ تَحْرُسُهُ عَصاهُ، فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرٍ، فَإنَّ السّاحِرَ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ، فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ، ويَأْباهُ تَصَدِّيهِمْ لِلْمُعارَضَةِ عَلى الرَّغْبَةِ والنَّشاطِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهم: ﴿أإنَّ لَنا لأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ وقَوْلُهم: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾
﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾ أيْ: في حَدِّ ذاتِهِ، وهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِمْ: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ .
﴿وَأبْقى﴾ أيْ: جَزاءً، ثَوابًا كانَ أوْ عَذابًا، خَيْرٌ ثَوابًا وأبْقى عَذابًا.
طه 20:74
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ إلى آَخِرِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ تَعْلِيلٌ مِن جِهَتِهِمْ، لِكَوْنِهِ تَعالى خَيْرًا وأبْقى جَزاءٌ وتَحْقِيقٌ لَهُ، وإبْطالٌ لِما ادَّعاهُ فِرْعَوْنُ، وتَصْدِيرُهُما بِضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى فَخامَةِ مَضْمُونِهِما، لِأنَّ مَناطَ وضْعِ الضَّمِيرِ مَوْضِعَهُ ادِّعاءُ شُهْرَتِهِ المُغْنِيَةِ عَنْ ذِكْرِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ التَّقْرِيرِ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا شَأْنٌ مُبْهَمٌ لَهُ خَطَرٌ، فَيَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لِما يَعْقُبُهُ فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَهُ فَضْلُ تَمَكُّنٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا، أيْ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ بِأنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَنْتَهِيَ عَذابُهُ، وهَذا تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ عَذابِهِ أبْقى ﴿وَلا يَحْيا﴾ حَياةً يَنْتَفِعُ بِها.
طه 20:75
﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ بِهِ تَعالى، وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما شاهَدْناهُ ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ الصّالِحَةُ: كالحَسَنَةِ، جارِيَةٌ مَجْرى الِاسْمِ، ولِذَلِكَ لا تُذْكَرُ غالِبًا مَعَ (p-31)المَوْصُوفِ، وهي كُلُّ ما اسْتَقامَ مِنَ الأعْمالِ بِدَلِيلِ العَقْلِ والنَّقْلِ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن"، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها. كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ السّابِقَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ، أيْ: فَأُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ لِلصّالِحاتِ ﴿لَهُمُ﴾ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ ﴿الدَّرَجاتُ العُلا﴾ أيِ: المَنازِلُ الرَّفِيعَةُ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ الإيمانِ المُجَرَّدِ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ في اسْتِتْباعِ الثَّوابِ، لِأنَّ ما نِيطَ بِالإيمانِ المَقْرُونِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ هو الفَوْزُ بِالدَّرَجاتِ العُلى لا بِالثَّوابِ مُطْلَقًا، وهَلِ التَّشاجُرُ إلّا فِيهِ ؟
طه 20:76
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الدَّرَجاتِ العُلى، أوْ بَيانٌ، وقَدْ مَرَّ أنَّ عَدْنًا عَلَمٌ لِمَعْنى الإقامَةِ، أوْ لِأرْضِ الجَنَّةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ حالٌ مِنَ الجَنّاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَهُمْ" والعامِلُ: مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أوِ الإشارَةِ.
﴿وَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما أُتِيحَ لَهم مِنَ الفَوْزِ بِما ذُكِرَ مِنَ الدَّرَجاتِ العُلى، ومَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِنَ التَّفْخِيمِ.
﴿جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ أيْ: تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهَذا تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ ثَوابِهِ تَعالى أبْقى. وتَقْدِيمُ ذِكْرِ حالِ المُجْرِمِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ أشَدِّيَّةِ عَذابِهِ ودَوامِهِ، رَدًّا عَلى ما ادَّعاهُ فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ . هَذا وقَدْ قِيلَ هَذِهِ الآَياتُ الثَّلاثُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالُوا: لَيْسَ في القرآن أنَّ فِرْعَوْنَ فَعَلَ بِأُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ ما أوْعَدَهم بِهِ، ولَمْ يَثْبُتْ في الأخْبارِ.
طه 20:77
﴿وَلَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ حِكايَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وقَدْ طُوِيَ في البَيْنِ ذِكْرُ ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الآَياتِ المُفَصَّلاتِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَعْدَ ما غَلَبَ السحرةَ في نَحْوٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً حَسْبَما فُصِّلَ في (سُورَةِ الأعْرافِ ) . وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها. و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ إمّا مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ الوَحْيَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ عِبادًا لَهُ تَعالى لِإظْهارِ المَرْحَمَةِ والِاعْتِناءِ بِأمْرِهِمْ، والتَّنْبِيهِ عَلى غايَةِ قُبْحِ صَنِيعِ فِرْعَوْنَ بِهِمْ، حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم وهم عِبادُهُ عَزَّ وجَلَّ وفَعَلَ بِهِمْ مِن فُنُونِ الظُّلْمِ ما فَعَلَ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أوْحَيْنا إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ أسْرِ بِعِبادِي الَّذِينَ أرْسَلْتُكَ لِإنْقاذِهِمْ مِن مَلَكَةِ فِرْعَوْنَ، أيْ: سِرْ بِهِمْ مِن مِصْرَ لَيْلًا.
﴿فاضْرِبْ لَهُمْ﴾ أيْ: فاجْعَلْ، أوْ فاتَّخِذْ لَهم ﴿طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ أيْ: يابِسًا، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الفاعِلُ مُبالَغَةً. وقُرِئَ: "يَبْسًا" وهو إمّا مُخَفَّفٌ مِنهُ، أوْ وصْفٌ كَصَعْبٍ، أوْ جَمْعُ يابِسٍ كَصَحْبٍ، وُصِفَ بِهِ الواحِدُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِتَعَدُّدِهِ حَسْبَ تَعَدُّدِ الأسْباطِ.
﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾ حالٌ مِنَ المَأْمُورِ، أيْ: آَمِنًا مِن أنْ يُدْرِكَكُمُ العَدُوُّ، أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِطَرِيقًا، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. وقُرِئَ: "لا تَخَفْ" جَوابًا لِلْأمْرِ.
﴿وَلا تَخْشى﴾ عَطْفٌ عَلى لا تَخافُ داخِلٌ في حُكْمِهِ، أيْ: ولا تَخْشى الغَرَقَ. وعَلى قِراءَةِ الجَزْمِ اسْتِئْنافٌ، أيْ: وأنْتَ لا تَخْشى، أوْ عَطْفٌ عَلَيْهِ، والألِفُ لِلْإطْلاقِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ وتَقْدِيمُ نَفْيِ الخَوْفِ المَذْكُورِ لِلْمُسارَعَةِ إلى إزاحَةِ (p-32)ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الخَوْفِ العَظِيمِ حَيْثُ قالُوا: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾
طه 20:78
﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ أيْ: تَبِعَهم ومَعَهُ جُنُودُهُ حَتّى لَحِقُوهم، يُقالُ: أتْبَعْتُهم أيْ تَبِعْتُهم، وذَلِكَ إذا كانُوا سَبَقُوكَ فَلَحِقْتَهم، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: "فَأتْبَعَهُمْ" مِنَ الِافْتِعالِ. وقِيلَ: المَعْنى: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي، وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ جُنُودَهُ، أيْ: ساقَهم خَلْفَهم. وأيًّا ما كانَ فالفاءُ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مُضْمَرٍ قَدْ طُوِيَ ذِكْرُهُ ثِقَةً بِغايَةِ ظُهُورِهِ وِإيذانًا بِكَمالِ مُسارِعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الِامْتِثالِ بِالأمْرِ: أيْ: فَفَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الإسْراءِ بِهِمْ، وضَرْبِ الطَّرِيقِ وسُلُوكِهِ، فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ بَرًّا وبَحْرًّا. رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ بِهِمْ أوَّلَ اللَّيْلِ، وكانُوا سِتَّمائَةٍ وسَبْعِينَ ألْفًا، فَأُخْبِرَ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ فَأتْبَعَهم بِعَساكِرِهِ، وكانَتْ مُقَدِّمَتُهُ سَبْعُمِائَةِ ألْفٍ، فَقَصَّ أثَرَهم فَلَحِقَهم بِحَيْثُ تَراءى الجَمْعانِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ضَرَبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعَصاهُ البَحْرَ فانْفَلَقَ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ فَرْقًا كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ، فَعَبَرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَن مَعَهُ مِنَ الأسْباطِ سالِمِينَ وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ.
﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ أيْ: عَلاهم مِنهُ، وغَمَرَهم ما غَمَرَهم مِنَ الأمْرِ الهائِلِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ولا يُبْلَغُ كُنْهُهُ. وقِيلَ: غَشِيَهم ما سُمِعَتْ قِصَّتُهُ ولَيْسَ بِذاكَ، فَإنَّ مَدارَ التَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ خُرُوجُهُ عَنْ حُدُودِ الفَهْمِ والوَصْفِ لا سَماعُ قِصَّتِهِ. وقُرِئَ: "فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهُمْ" أيْ: غَطّاهم ما غَطّاهم، والفاعِلُ هو اللَّهُ عَزَّ وعُلا، أوْ ما غَشّاهم. وقِيلَ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَهم لِلْهِلْكَةِ.
طه 20:79
وَيَأْباهُ الإظْهارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أيْ: سَلَكَ بِهِمْ مَسْلَكًا أدّاهم إلى الخَيْبَةِ والخُسْرانِ في الدِّينِ والدُّنْيا مَعًا، حَيْثُ ماتُوا عَلى الكُفْرِ بِالعَذابِ الهائِلِ الدُّنْيَوِيِّ المُتَّصِلِ بِالعَذابِ الخالِدِ الأُخْرَوِيِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هَدى﴾ أيْ: ما أرْشَدَهم قَطُّ إلى طَرِيقٍ مُوصِلٍ إلى مَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، تَقْرِيرٌ لِإضْلالِهِ وتَأْكِيدٌ لَهُ، إذْ رُبَّ مُضَلٍّ قَدْ يُرْشِدُ مَن يُضِلُّهُ إلى بَعْضِ مَطالِبِهِ، وفِيهِ نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ . فَإنَّ نَفْيَ الهِدايَةِ عَنْ شَخْصٍ مُشْعِرٍ بِكَوْنِهِ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنهُ الهِدايَةُ في الجُمْلَةِ، وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ وحَمَلَ الإضْلالَ، والهِدايَةَ عَلى ما يَخْتَصُّ بِالدِّينِيِّ مِنهُما يَأْباهُ مَقامُ بَيانِ سَوْقِهِ بِجُنُودِهِ إلى مَساقِ الهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ وجَعَلَهُما عِبارَةً عَنِ الإضْلالِ في البَحْرِ والإنْجاءِ مِنهُ مِمّا لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ السَّلِيمُ.
طه 20:80
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ حِكايَةٌ لِما خاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وإنْجائِهِمْ مِنهم، لَكِنْ لا عَقِيبَ ذَلِكَ، بَلْ بَعْدَ ما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن فُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ما أفاضَ. وقِيلَ: هو إنْشاءُ خِطابٍ لِلَّذِينِ كانُوا مِنهم في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى قَدْ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِما فَعَلَ بِآَبائِهِمْ أصالَةً وبِهِمْ تَبَعًا، ويَرُدُّهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أعْجَلَكَ...﴾ الآَيَةُ، ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ حَمْلِهِ عَلى الإنْشاءِ، فالوَجْهُ (p-33)هُوَ الحِكايَةُ بِتَقْدِيرِ: "قُلْنا" عَطْفًا عَلى "أوْحَيْنا" أيْ: وقُلْنا يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴿قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، حَيْثُ كانُوا يَبْغُونَكُمُ الغَوائِلَ ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ . وقُرِئَ: "نَجَّيْناكُمْ" و "نَجَّيْتُكُمْ" .
﴿وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُضافِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ لِلْجِوارِ، أيْ: واعَدْناكم بِواسِطَةِ نَبِيِّكم إتْيانَ جانِبِهِ الأيْمَنِ نَظَرًا إلى السّالِكِ مِن مِصْرَ إلى الشّامِ، أيْ: إتْيانُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْمُناجاةِ، وإنْزالَ التَّوْراةِ عَلَيْهِ. ونُسِبَتِ المُواعَدَةُ إلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِها لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، نَظَرًا إلى مُلابَسَتِها إيّاهم وسِرايَةِ مَنفَعَتِها إلَيْهِمْ وإيفاءً لِمَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ حَيْثُ نُسِبَ الخَلْقُ والتَّصْوِيرُ إلى المُخاطَبِينَ، مَعَ أنَّ المَخْلُوقَ المُصَوَّرَ بِالذّاتِ هو آَدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقُرِئَ: "واعَدْتُكُمْ" و " وعَدْناكُمْ" .
﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ أيِ: التَّرَنْجَبِينَ والسُّمانى، حَيْثُ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ وهم في التِّيهِ مِثْلُ الثَّلْجِ مِنَ الفَجْرِ إلى الطُّلُوعِ، لِكُلِّ إنْسانٍ صاعٌ، وتَبْعَثُ الجَنُوبُ عَلَيْهِمُ السُّمانى، فَيَذْبَحُ الرَّجُلُ مِنهُ ما يَكْفِيهِ كَما مَرَّ مِرارًا.
طه 20:81
﴿كُلُوا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ إباحَةِ ما ذَكَرَ لَهم وإتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: مِن لَذائِذِهِ، أوْ حَلالاتِهِ، وقُرِئَ: "رَزَقْتُكُمْ" . وفي البَدْءِ بِنِعْمَةِ الإنْجاءِ ثُمَّ بِالنِّعْمَةِ الدِّينِيَّةِ ثُمَّ بِالنِّعْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِن حُسْنِ النَّظْمِ ولُطْفِ التَّرْتِيبِ ما لا يَخْفى.
﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ أيْ: فِيما رَزَقْناكم بِالإخْلالِ بِشُكْرِهِ والتَّعَدِّي لِما حُدَّ لَكم فِيهِ، كالسَّرَفِ والبَطَرِ والمَنعِ مِنَ المُسْتَحِقِّ.
﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، أيْ: فَتَلْزَمُكم عُقُوبَتِي وتَجِبُ لَكم، مِن حَلَّ الدَّيْنُ إذا وجَبَ أداؤُهُ.
﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ أيْ: تَرَدّى وهَلَكَ، وقِيلَ: وقَعَ في الهاوِيَةِ. وقُرِئَ: "فَيَحُلَّ" بِضَمِّ الحاءِ مِن حَلَّ يَحُلُّ إذا نَزَلَ.
طه 20:82
﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الطُّغْيانُ فِيما ذَكَرَهُ ﴿وَآمَنَ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ: عَمِلَ صالِحًا مُسْتَقِيمًا عِنْدَ الشَّرْعِ والعَقْلِ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ لِمَن وقَعَ مِنهُ الطُّغْيانُ فِيما ذُكِرَ، وحَثٌّ عَلى التَّوْبَةِ والإيمانِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أيِ: اسْتَقامَ عَلى الهُدى، إشارَةٌ إلى أنَّ مَن لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الغُفْرانِ، و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ.
طه 20:83
﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الكَلامِ عِنْدَ ابْتِداءِ مُوافاتِهِ المِيقاتَ بِمُوجِبِ المُواعَدَةِ المَذْكُورَةِ، أيْ: وقُلْنا لَهُ أيُّ شَيْءٍ أعْجَلَكَ مُنْفَرِدًا عَنْ قَوْمِكَ، وهَذا كَما تَرى سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ تَقَدُّمِهِ عَلى النُّقَباءِ، مَسُوقٌ لِإنْكارِ انْفِرادِهِ عَنْهم لِما في ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِن مُخايِلِ إغْفالِهِمْ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، مَعَ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِاسْتِصْحابِهِمْ وإحْضارِهِمْ مَعَهُ لا لِإنْكارِ نَفْسِ العَجَلَةِ الصّادِرَةِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِها نَقِيصَةً مُنافِيَةً لِلْحَزْمِ اللّائِقِ بِأُولِي العَزْمِ.
طه 20:84
وَلِذَلِكَ أجابَ عَلَيْهِ (p-34)الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَفْيِ الِانْفِرادِ المُنافِي لِلِاسْتِصْحابِ والمَعِيَّةِ حَيْثُ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ يَعْنِي: إنَّهم مَعِي، وإنَّما سَبَقْتُهم بِخُطًى يَسِيرَةٍ ظَنَنْتُ أنَّها لا تُخِلُّ بِالمَعِيَّةِ ولا تَقْدَحُ في الِاسْتِصْحابِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُعْتَدُّ بِهِ فِيما بَيْنَ الرُّفْقَةِ أصْلًا. وبَعْدَ ما ذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ تَقَدُّمَهُ ذَلِكَ لَيْسَ لِأمْرٍ مُنْكَرٍ، ذَكَرَ أنَّهُ لِأمْرٍ مَرَضِيٍّ حَيْثُ قالَ: ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ عَنِّي بِمُسارَعَتِي إلى الِامْتِثالِ بِأمْرِكَ واعْتِنائِي بِالوَفاءِ بِعَهْدِكَ. وزِيادَةُ "رَبِّ" لِمَزِيدِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ رَغْبَةً في قَبُولِ العُذْرِ.
طه 20:85
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ اعْتِذارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو السِّرُّ في وُرُودِهِ عَلى صِيغَةِ الغائِبِ لا أنَّهُ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِما أنَّ المُقَدَّرَ فِيما سَبَقَ مِنَ المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ كَأنَّهُ قِيلَ مِن جِهَةِ السّامِعِينَ. فَماذا قالَ لَهُ رَبُّهُ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهم بِعِبادَةِ العِجْلِ مِن بَعْدِ ذَهابِكَ مِن بَيْنِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ خَلَفَهم مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، ما نَجا مِنهم مِن عِبادَةِ العِجْلِ إلّا اثْنا عَشَرَ ألْفًا. والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ بِما ذَكَرَ مِنَ الِابْتِلاءِ عَلى إخْبارِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعَجَلَتِهِ، لَكِنْ لا لِأنَّ الإخْبارَ بِها سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلْإخْبارِ بِهِ، بَلْ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ المُصَحِّحَةِ لِلِانْتِقالِ مِن أحَدِهِما إلى الآَخَرِ مِن حَيْثُ إنَّ مَدارَ الِابْتِلاءِ المَذْكُورِ عَجَلَةُ القَوْمِ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهم أقامُوا عَلى ما وصّى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِشْرِينَ لَيْلَةً بَعْدَ ذَهابِهِ فَحَسَبُوها مَعَ أيّامِها أرْبَعِينَ، وقالُوا: قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ، ولَيْسَ مِن مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ.
﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ حَيْثُ كانَ هو المُدَبِّرُ في الفِتْنَةِ، فَقالَ لَهم: إنَّما أخْلَفَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِيعادَكم لِما مَعَكم مِن حُلِيِّ القَوْمِ، وهو حَرامٌ عَلَيْكم فَكانَ مِن أمْرِ العِجْلِ ما كانَ، فَأخْبَرَهُ تَعالى بِوُقُوعِ هَذِهِ الفِتْنَةِ عِنْدَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إمّا بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِها في علمه تعالى ومَشِيئَتِهِ، وإمّا بِطَرِيقِ التَّعْبِيرِ عَنِ المُتَوَقَّعِ بِالواقِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ونَظائِرِهِ، أوْ لِأنَّ السّامِرِيَّ كانَ قَدْ عَزَمَ عَلى إيقاعِ الفِتْنَةِ عِنْدَ ذَهابِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَصَدّى لِتَرْتِيبِ مَبانِيها وتَمْهِيدِ مُبادِيها فَكانَتِ الفِتْنَةُ واقِعَةً عِنْدَ الإخْبارِ بِها. وقُرِئَ: "وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ" عَلى صِيغَةِ التَّفْضِيلِ، أيْ: أشَدُّهم ضَلالًا، لِأنَّهُ ضالٌّ ومُضِلٌّ. والسّامِرِيُّ: مَنسُوبٌ إلى قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، يُقالُ لَها: السّامِرَةُ، وقِيلَ: كانَ عِلْجًا مِن كَرْمانَ، وقِيلَ: مِن أهْلِ باجَرَما، واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفَرٍ، وكانَ مُنافِقًا قَدْ أظْهَرَ الإسْلامَ، وكانَ مَن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ.
طه 20:86
﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ﴾ عِنْدَ رُجُوعِهِ المَعْهُودِ، أيْ: بَعْدَ ما اسْتَوْفى الأرْبَعِينَ وأخَذَ التَّوْراةَ، لا عَقِيبَ الإخْبارِ بِالفِتْنَةِ فَسَبَبِيَّةُ ما قَبْلَ الفاءِ لِما بَعْدَها، إنَّما هي بِاعْتِبارِ قَيْدِ الرُّجُوعِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (p-35)﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ وإنْ كانَتْ داخِلَةً عَلَيْهِ حَقِيقَةً، فَإنَّ كَوْنَ الرُّجُوعِ بَعْدَ تَمامِ الأرْبَعِينَ أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَشْهُورٌ، لا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى كَوْنِهِ عِنْدَ الإخْبارِ بِالفِتْنَةِ، كَما إذا قُلْتَ:شايَعْتُ الحَجّاجَ ودَعَوْتُ لَهم بِالسَّلامَةِ فَرَجَعُوا سالِمِينَ، فَإنَّ أحَدًا لا يَرْتابُ في أنَّ المُرادَ رُجُوعُهُمُ المُعْتادُ لا رُجُوعُهم إثْرَ الدُّعاءِ، وأنَّ سَبَبِيَّةَ الدُّعاءِ بِاعْتِبارِ وصْفِ السَّلامَةِ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِ الرُّجُوعِ. والآَسِفُ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ، وقِيلَ: الحَزِينُ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ ناشِئٍ مِن حِكايَةِ رُجُوعِهِ، كَذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلَ بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ بِأنْ يُعْطِيَكُمُ التَّوْراةَ فِيها ما فِيها مِنَ النُّورِ والهُدى، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ عَدَمِ الوَعْدِ ونَفْيِهِ وتَقْرِيرِ وجُودِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآَكَدِهِ، أيْ: وعَدَكم بِحَيْثُ لا سَبِيلَ لَكم إلى إنْكارِهِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ أيِ: الزَّمانُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ المَعْطُوفِ ونَفْيِهِ فَقَطْ، أيْ: أُوعِدُكم ذَلِكَ فَطالَ زَمانُ الإنْجازِ فَأخْطَأْتُمْ بِسَبْيِهِ.
﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ﴾ أيْ: يَجِبَ ﴿عَلَيْكم غَضَبٌ﴾ شَدِيدٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ كائِنٌ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِن مالِكِ أمْرِكم عَلى الإطْلاقِ.
﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أيْ: وعْدَكم إيّايَ بِالثَّباتِ عَلى ما أمَرْتُكم بِهِ إلى أنْ أرْجِعَ مِنَ المِيقاتِ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ لِلْقَصْدِ إلى زِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، فَإنَّ إخْلافَهُمُ الوَعْدَ الجارِيَ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أشْنَعُ مِنهُ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن شَقِيَ التَّرْدِيدَ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنَسِيتُمُ الوَعْدَ بِطُولِ العَهْدِ فَأخْلَفْتُمُوهُ خَطَأً، أمْ أرَدْتُمْ حُلُولَ الغَضَبِ عَلَيْكم فَأخْلَفْتُمُوهُ عَمْدًا. وأمّا جَعْلُ المَوْعِدِ مُضافًا إلى فاعِلِهِ وحَمْلُ إخْلافِهِ عَلى مَعْنى وِجْدانِ الخُلُفِ فِيهِ، أيْ: فَوَجَدْتُمُ الخُلْفَ في مَوْعِدِي لَكم بِالعَوْدِ بَعْدَ الأرْبَعِينَ، فَما لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ أصْلًا.
طه 20:87
﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ﴾ أيْ: وعْدُنا إيّاكَ الثّابِتُ عَلى ما أمَرْتَنا بِهِ، وإيثارُهُ عَلى أنْ يُقالَ مَوْعِدُنا عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ لِما مَرَّ آَنِفًا.
﴿بِمَلْكِنا﴾ أيْ: بِأنَّ مَلْكِنا أُمُورَنا،يَعْنُونَ: أنّا لَوْ خُلِّينا وأُمُورَنا ولَمْ يُسَوِّلْ لَنا السّامِرِيُّ ما سَوَّلَهُ مَعَ مُساعَدَةِ بَعْضِ الأحْوالِ لَما أخْلَفْناهُ. وقُرِئَ: "بِمَلْكِنا" بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها والكُلُّ لُغاتٌ في مَصْدَرِ مَلَكْتُ الشَّيْءَ.
﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ اسْتِدْراكٌ عَمّا سَبَقَ، واعْتِذارٌ عَمّا فَعَلُوا بِبَيانِ مَنشَإ الخَطَإ. وقُرِئَ: "حُمِلْنا" بِالتَّخْفِيفِ، أيْ: حَمَلْنا أحْمالًا مِن حُلِيِّ القِبْطِ الَّتِي اسْتَعَرْناها مِنهم حِينَ هَمَمْنا بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ بِاسْمِ العُرْسِ. وقِيلَ: كانُوا اسْتَعارُوها لِعِيدٍ كانَ لَهم، ثُمَّ لَمْ يَرُدُّوها إلَيْهِمْ عِنْدَ الخُرُوجِ مَخافَةَ أنْ يَقِفُوا عَلى أمْرِهِمْ، وقِيلَ: هي ما ألْقاهُ البَحْرُ عَلى السّاحِلِ بَعْدَ إغْراقِهِمْ فَأخَذُوها، ولَعَلَّ تَسْمِيَتَهم لَها أوْزارًا لِأنَّها تَبِعاتٌ وآَثامٌ حَيْثُ لَمْ تَكُنِ الغَنائِمُ تَحِلُّ حِينَئِذٍ.
﴿فَقَذَفْناها﴾ أيْ: في النّارِ رَجاءً لِلْخَلاصِ عَنْ ذَنْبِها ﴿فَكَذَلِكَ﴾ أيْ: فَمِثْلُ ذَلِكَ القَذْفِ ﴿ألْقى السّامِرِيُّ﴾ أيْ: ما كانَ مَعَهُ مِنها، وقَدْ كانَ أراهم أنَّهُ أيْضًا يُلْقِي ما كانَ مَعَهُ مِنَ الحُلِيِّ، فَقالُوا ما قالُوا عَلى زَعْمِهِمْ، وإنَّما كانَ الَّذِي ألْقاهُ التُّرْبَةَ الَّتِي أخَذَها مِن آثَرِ الرَّسُولِ كَما سَيَأْتِي. رُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهم: إنَّما تَأخَّرَ مُوسى عَنْكم لِما مَعَكم مِنَ الأوْزارِ، فالرَّأْيُ أنْ نَحْفُرَ (p-36)حَفِيرَةً ونَسْجُرَ فِيها نارًا ونَقْذِفَ فِيها كُلَّ ما مَعَنا، فَفَعَلُوا.
طه 20:88
﴿فَأخْرَجَ﴾ أيِ السّامِرِيُّ ﴿لَهُمْ﴾ لِلْقائِلِينَ ﴿عِجْلا﴾ مِن تِلْكَ الحُلِيِّ المُذابَةِ، وتَأْخِيرُهُ مَعَ كَوْنِهِ مَفْعُولًا صَرِيحًا عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقْدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يَخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿جَسَدًا﴾ أيْ: جُثَّةً ذا دَمٍ ولَحْمٍ، أوْ جَسَدًا مِن ذَهَبٍ لا رُوحَ لَهُ بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ أيْ: صَوْتُ عِجْلٍ نَعْتٌ لَهُ.
﴿فَقالُوا﴾ أيِ: السّامِرِيُّ ومَنِ افْتُتِنَ بِهِ أوَّلَ ما رَآَهُ ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ أيْ: غَفَلَ عَنْهُ وذَهَبَ يَطْلُبُهُ في الطُّورِ، وهَذا حِكايَةٌ لِنَتِيجَةِ فِتْنَةِ السّامِرِيِّ فِعْلًا وقَوْلًا مِن جِهَتِهِ تَعالى قَصْدًا إلى زِيادَةِ تَقْرِيرِها، ثُمَّ تَرْتِيبِ الإنْكارِ عَلَيْها لا مِن جِهَةِ القائِلِينَ، وإلّا لَقِيلَ: فَأخْرِجْ لَنا. والحَمْلُ عَلى أنَّ عُدُولَهم إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِبَيانِ أنَّ الإخْراجَ والقَوْلَ المَذْكُورَيْنِ لِلْكُلِّ لا لِلْعابِدَةِ فَقَطْ، خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ أنَّهُ مُخِلٌّ بِاعْتِذارِهِمْ، فَإنَّ مُخالِفَةَ بَعْضِهِمْ لِلسّامِرِيِّ وعَدَمِ افْتِتانِهِمْ بِتَسْوِيلِهِ مَعَ كَوْنِ الإخْراجِ والخِطابِ لَهم مِمّا يُهَوِّنُ مُخالَفَتَهُ لِلْمُعْتَذِرِينَ، فافْتِتانُهم بَعْدَ ذَلِكَ أعْظَمُ جِنايَةً وأكْثَرُ شَناعَةً، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُعْتَذِرِينَ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ وأنَّ نِسْبَةَ الإخْلافِ إلى أنْفُسِهِمْ وهم بُرَآَءُ مِنهُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، مَعَ أنَّ القاتِلَ واحِدٌ مِنهم، كَأنَّهم قالُوا: ما وُجِدَ الإخْلافُ فِيما بَيْنَنا بِأمْرٍ كُنّا نَمْلِكُهُ، بَلْ تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِ العَبَدَةِ حَيْثُ فَعَلَ السّامِرِيُّ ما فَعَلَ فَأخْرَجَ لَهم ما أخْرَجَ وقالَ ما قالَ، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلى صَرْفِهِمْ عَنْ ذَلِكَ ولَمْ نُفارِقْهم مَخافَةَ ازْدِيادِ الفِتْنَةِ فَيَقْضِي بِفَسادِهِ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ.
طه 20:89
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ إلَخِ، إنْكارٌ وتَقَيُّحٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِحالِ الضّالِّينَ والمُضِلِّينَ جَمِيعًا، وتَسْفِيهٌ لَهم فِيما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُنْكَرِ الَّذِي لا يَشْتَبِهُ بُطْلانُهُ واسْتِحالَتُهُ عَلى أحَدٍ وهو اتِّخاذُهُ إلَهًا، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: ألا يَتَفَكَّرُونَ فَلا يَعْلَمُونَ ﴿ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا﴾ أيْ: أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ كَلامًا ولا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ جَوابًا، فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُونَ أنَّهُ إلَهٌ، وقُرِئَ: "يَرْجِعَ" بِالنَّصْبِ. قالُوا: فالرُّؤْيَةُ حِينَئِذٍ بَصْرِيَّةٌ، فَإنِ النّاصِبَةَ لا تَقَعُ بَعْدَ أفْعالِ اليَقِينِ، أيْ: ألا يَنْظُرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ عَدَمَ رَجْعِهِ إلَيْهِمْ قَوْلًا مِنَ الأقْوالِ، وتَعْلِيقُ الإبْصارِ بِما ذُكِرَ مَعَ كَوْنِهِ أمْرًا عَدِيمًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ المُسْتَدْعِي لِمَزِيدِ تَشْنِيعِهِمْ وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ عَطْفٌ عَلى "لا يَرْجِعُ" داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ، أيْ: أفَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْفَعَ عَنْهم ضَرًّا، أوْ يَجْلُبَ لَهم نَفْعًا، أوْ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّهم إنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ، أوْ يَنْفَعَهم إنْ عَبَدُوهُ.
طه 20:90
﴿وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الإنْكارِ والتَّشْنِيعِ بِبَيانِ عُتُوِّهِمْ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الرَّسُولِ، إثْرَ بَيانِ مُكابَرَتِهِمْ لِقَضِيَّةِ (p-37)العُقُولِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ نَصَحَ لَهم هارُونُ ونَبَّهَهم عَلى كُنْهِ الأمْرِ مِن قِبَلِ رُجُوعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ وخِطابِهِ إيّاهم بِما ذَكَرَ مِنَ المَقالاتِ. وقِيلَ مِن قِبَلِ قَوْلِ السّامِرِيِّ، كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ وما أبْصَرَهُ حِينَ طَلَعَ مِنَ الحَفِيرَةِ تَوَهَّمَ مِنهُمُ الِافْتِتانَ بِهِ فَسارَعَ إلى تَحْذِيرِهِمْ، وقالَ لَهم: ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: أُوقِعْتُمْ في الفِتْنَةِ بِالعِجْلِ، أوْ أُضْلِلْتُمْ بِهِ عَلى تَوْجِيهِ القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن كَلِمَةِ "إنَّما" إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالقِياسِ إلى مُقابِلِهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ القَوْمُ لا إلى قَيْدِهِ المَذْكُورِ بِالقِياسِ إلى قَيْدٍ آَخَرَ، عَلى مَعْنى إنَّما فَعَلَ بِكُمُ الفِتْنَةَ لا الإرْشادَ إلى الحَقِّ، لا عَلى مَعْنى إنَّما فُتِنْتُمْ بِالعِجْلِ لا بِغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ بِكَسْرِ "إنَّ" عَطْفًا عَلى "إنَّما" إرْشادٌ لَهم إلى الحَقِّ إثْرَ زَجْرِهِمْ عَنِ الباطِلِ، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية والرَّحْمَةِ لِلِاعْتِناءِ بِاسْتِمالَتِهِمْ إلى الحَقِّ، كَما أنَّ التَّعَرُّضَ لِوَصْفِ العِجْلِ لِلِاهْتِمامِ بِالزَّجْرِ عَنِ الباطِلِ، أيْ: إنَّ رَبَّكُمُ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ هو الرَّحْمَنُ لا غَيْرُ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاتَّبِعُونِي في الثَّباتِ عَلى الدِّينِ﴿وَأطِيعُوا أمْرِي﴾ هَذا واتْرُكُوا عِبادَةَ ما عَرَفْتُمْ شَأْنَهُ.
طه 20:91
﴿قالُوا﴾ في جَوابِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾ عَلى العِجْلِ وعِبادَتِهِ ﴿عاكِفِينَ﴾ مُقِيمِينَ ﴿حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ جَعَلُوا رُجُوعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ غايَةً لِعُكُوفِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، لَكِنْ لا عَلى طَرِيقِ الوَعْدِ بِتَرْكِها عِنْدَ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ والتَّسْوِيقِ، وقَدْ دَسُّوا تَحْتَ ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مُبِينٍ تَعْوِيلًا عَلى مَقالَةِ السّامِرِيِّ. رُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوهُ اعْتَزَلَهم هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وسَمِعَ الصِّياحَ وكانُوا يَرْقُصُونَ حَوْلَ العِجْلِ، قالَ لِلسَّبْعِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ هَذا صَوْتُ الفِتْنَةِ، فَقالَ لَهم ما قالَ وسَمِعَ مِنهم ما قالُوا.
طه 20:92
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ جَوابِهِمْ لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى لِهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ حِينَ سَمِعَ جَوابَهم لَهُ، وهَلْ رَضِيَ بِسُكُوتِهِ بَعْدَ ما شاهَدَ مِنهم ما شاهَدَ ؟ فَقِيلَ: قالَ لَهُ وهو مُغْتاظٌ قَدْ أخَذَ بِلِحْيَتِهِ ورَأْسِهِ: ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ وبَلَغُوا مِنَ المُكابَرَةِ إلى أنْ شافَهُوكَ بِتِلْكَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ.
طه 20:93
﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ أيْ: أنْ تَتَّبِعَنِي عَلى أنْ لا تُرِيدَهُ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِمَنَعَ، وهو عامِلٌ في "إذْ" أيْ: أيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ حِينَ رُؤْيَتِكَ لِضَلالِهِمْ أنْ تَتَّبِعَنِي في الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى والمُقاتَلَةِ مَعَ مَن كَفَرَ بِهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ما حَمَلَكَ عَلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي، فَإنَّ المَنعَ عَنِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَمْلِ عَلى مُقابِلِهِ. وقِيلَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَلْحَقَنِي وتُخْبِرَنِي بِضَلالِهِمْ فَتَكُونَ مُفارَقَتُكَ مَزْجَرَةً لَهم، وفِيهِ أنَّ نَصائِحَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ لَمْ تَزْجُرْهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، فَلِأنَّ لا تَزْجُرُهم مُفارَقَتُهُ إيّاهم عَنْهُ أوْلى والِاعْتِذارُ بِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ يَلْحَقُهُ ويُخْبِرُهُ بِالقِصَّةِ يَخافُونَ رُجُوعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَنْـزَجِرُوا عَنْ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن حَيِّزِ القَبُولِ، كَيْفَ لا وهْمَ قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهم عاكِفُونَ عَلَيْهِ إلى حِينِ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
(p-38)﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ أيْ: بِالصَّلابَةِ في الدِّينِ والمُحاماةِ عَلَيْهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ لَهُ عَلَيْهِما السَّلامُ: "اخْلُفْنِي" مُتَضَمِّنٌ الأمْرَ بِهِما حَتْمًا، فَإنَّ الخِلافَةَ لا تَتَحَقَّقُ إلّا بِمُباشَرَةِ الخَلِيفَةِ ما كانَ يُباشِرُهُ المُسْتَخْلَفُ لَوْ كانَ حاضِرًا. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ تَتَّبِعْنِي أوْ أخالَفْتَنِي فَعَصَيْتَ أمْرِي.
طه 20:94
﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ﴾ خَصَّ الأُمَّ بِالإضافَةِ اسْتِعْظامًا لِحَقِّها وتَرِقِيقًا لِقَلْبِهِ، لا لَمّا قِيلَ مِن أنَّهُ كانَ أخاهُ لِأُمِّ، فَإنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّهُما كانا شَقِيقَيْنِ ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ أيْ: ولا بِشَعْرِ رَأْسِي. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ شَعْرَ رَأْسِهِ بِيَمِينِهِ ولِحْيَتَهُ بِشَمالِهِ مِن شِدَّةِ غَيْظِهِ وفَرْطِ غَضَبِهِ لِلَّهِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَدِيدًا مُتَصَلِّبًا في كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمْ يَتَمالَكْ حِينَ رَآَهم يَعْبُدُونَ العِجْلَ فَفَعَلَ ما فَعَلَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي خَشِيتُ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِتَعْلِيلٍ مُوجِبِ النَّهْيِ بِبَيانِ الدّاعِي إلى تَرْكِ المُقاتِلَةِ وتَحْقِيقِ أنَّهُ غَيْرُ عاصٍ لِأمْرِهِ بَلْ مُمْتَثِلٌ بِهِ، أيْ: إنِّي خَشِيتُ لَوْ قاتَلَتْ بَعْضُهم بَعْضًا وتَفانَوْا وتَفَرَّقُوا.
﴿أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِرَأْيِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ أبْناءَ واحِدٍ، كَما يُنَبَّأُ عَنْهُ ذِكْرُهم بِذَلِكَ العُنْوانِ دُونَ القَوْمِ ونَحْوِهِ، وأرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّفْرِيقِ ما يَسْتَتْبِعُهُ القِتالُ مِنَ التَّفْرِيقِ الَّذِي لا يُرْجى بَعْدَهُ الِاجْتِماعُ.
﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يُرِيدُ بِهِ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ...﴾ إلَخِ، يَعْنِي: إنِّي رَأيْتُ أنَّ الإصْلاحَ في حِفْظِ الدَّهْماءِ والمُداراةِ مَعَهم إلى أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتَأْنَيْتُكَ لِتَكُونَ أنْتَ المُتَدارِكَ لِلْأمْرِ حَسْبَما رَأيْتَ لا سِيَّما وقَدْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ ونَحْنُ عَلى القِلَّةِ والضَّعْفِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾
طه 20:95
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِنِ اعْتِذارِ القَوْمِ بِإسْنادِ الفَسادِ إلى السّامِرِيِّ واعْتِذارِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ سَماعِ ما حُكِيَ مِنَ الِاعْتِذارَيْنِ واسْتِقْرارِ أصْلِ الفِتْنَةِ عَلى السّامِرِيِّ ؟ فَقِيلَ: قالَ مُوَبِّخًا لَهُ: هَذا شَأْنُهم ﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ أيْ: ما شَأْنُكَ وما مَطْلُوبُكَ مِمّا فَعَلْتَ. خاطَبَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بُطْلانَ كَيْدِهِ بِاعْتِرافِهِ ويَفْعَلَ بِهِ وبِما صَنَعَهُ مِنَ العِقابِ ما يَكُونُ نَكالًا لِلْمَفْتُونِينَ بِهِ ولِمَن خَلَفَهم مِنَ الأُمَمِ.
طه 20:96
﴿قالَ﴾ أيِ: السّامِرِيُّ مُجِيبًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ فِيهِما، وقُرِئَ بِكَسْرِها في الأوَّلِ وفَتْحِها في الثّانِي، وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الوَجْهَيْنِ عَلى خِطابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، أيْ: عَلِمْتُ ما لَمْ يَعْلَمْهُ القَوْمُ، وفَطِنْتُ لِما لَمْ يَفْطَنُوا لَهُ، أوْ رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ، وهو الأنْسَبُ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ لا سِيَّما عَلى القِراءَةِ بِالخِطابِ، فَإنَّ ادِّعاءَ عِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمْهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جُرْأةٌ عَظِيمَةٌ لا تَلِيقُ بِشَأْنِهِ ولا بِمَقامِهِ بِخِلافِ ادِّعاءِ رُؤْيَةِ ما لَمْ يَرَهُ (p-39)عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ مِمّا يَقَعُ بِحَسَبِ ما يَتَّفِقُ. وقَدْ كانَ رَأى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ راكِبًا فَرَسًا، وكانَ كُلَّما رَفَعَ الفَرَسُ يَدَيْهِ أوْ رِجْلَيْهِ عَلى الطَّرِيقِ اليَبَسِ يَخْرُجُ مِن تَحْتِهِ النَّباتُ في الحالِ، فَعَرَفَ أنَّ لَهُ شَأْنًا فَأخَذَ مِن مَوْطِئِهِ حِفْنَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ﴾ . وقُرِئَ: "مِن آثَرِ فَرْسِ الرَّسُولِ"، أيْ: مِن تُرْبَةِ مَوْطِئِ فَرَسِ المَلَكِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكَ لِيَذْهَبَ بِكَ إلى الطُّورِ، ولَعَلَّ ذِكْرَهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِلْإشْعارِ بِوُقُوفِهِ عَلى ما لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ القَوْمُ مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ، تَأْكِيدًا لِما صَدَّرَ بِهِ مَقالَتَهُ والتَّنْبِيهُ عَلى وقْتِ أخْذِ ما أخَذَهُ والقَبْضَةُ: المَرَّةُ مِنَ القَبْضِ، أُطْلِقَتْ عَلى المَقْبُوضِ مَرَّةً. وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ وهو اسْمُ المَقْبُوضِ، كالغُرْفَةِ والمُضْغَةِ. وقُرِئَ: "فَقَبَصْتُ قَبْصَةً" بِالصّادِّ المُهْمِلَةِ، والأوَّلُ لِلْأخْذِ بِجَمِيعِ الكَفِّ، والثّانِي بِأطْرافِ الأصابِعِ ونَحْوِهِما الخَضْمُ والقَضْمُ، ﴿فَنَبَذْتُها﴾ أيْ: في الحُلِيِّ المُذابَةِ فَكانَ ما كانَ.
﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أيْ: ما فَعَلْتُهُ مِنَ القَبْضِ والنَّبْذِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ، ومَحَلُّ "كَذَلِكَ" في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ، أيْ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي تَسْوِيلًا كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ التَّسْوِيلِ، فَقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصِرِ، واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحِمَةً لِإفادَةِ تَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ اِفْخامَةٍ فَصارَ نَفْسَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لا نَعْتًا لَهُ، أيْ: ذَلِكَ التَّزْيِينُ البَدِيعُ زَيَّنَتْ لِي نَفْسِي ما فَعَلْتُهُ لا تَزْيِينًا أدْنى مِنهُ ولِذَلِكَ فَعَلْتُهُ، وحاصِلُ جَوابِهِ أنَّ ما فَعَلَهُ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ بِمَحْضِ اتِّباعِ هَوى النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ وإغْوائِها، لا بِشَيْءٍ آَخَرَ مِنَ البُرْهانِ العَقْلِيِّ أوِ الإلْهامِ الإلَهِيِّ.
طه 20:97
فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فاذْهَبْ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ النّاسِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ﴾ إلَخِ تَعْلِيلٌ لِمُوجَبِ الأمْرِ، و"فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ في لَكَ، أيْ: ثابِتٌ لَكَ في الحَياةِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الكافِ، والعامِلُ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في الظَّرْفِ المَذْكُورِ لِاعْتِمادِهِ عَلى ما هو مُبْتَدَأٌ مَعْنى، لا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ لِمَكانِ أنَّ أيْ: ثابِتٌ لَكَ كائِنًا في الحَياةِ أيْ مُدَّةَ حَياتِكَ أنْ تُفارِقَهم مُفارَقَةً كُلِّيَّةً لَكِنْ لا بِحَسَبِ الِاخْتِيارِ بِمُوجِبِ التَّكْلِيفِ، بَلْ بِحَسَبِ الِاضْطِرارِ المُلْجِئِ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى رَماهُ بِداءٍ عُقامٍ لا يَكادُ يَمَسُّ أحَدًا أوْ بِمَسِّهِ أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ إلّا حَما مِن ساعَتِهِ حُمّى شَدِيدَةً، فَتَحامى النّاسُ وتَحامَوْهُ، وكانَ يَصِيحُ بِأقْصى طَوْقِهِ لا مِساسَ، وحَرُمَ عَلَيْهِمْ مُلاقاتُهُ ومُواجَهَتُهُ ومُكالَمَتُهُ ومُبايَعَتُهُ وغَيْرُها مِمّا يُعْتادُ جَرَيانُهُ فِيما بَيْنَ النّاسِ مِنَ المُعامَلاتِ، وصارَ بَيْنَ النّاسِ أوْحَشَ مِنَ القاتِلِ اللّاجِئِ إلى الحَرَمِ، ومِنَ الوَحْشِ النّافِرِ في البَرِّيَّةِ، ويُقالُ: إنَّ قَوْمَهُ باقٍ فِيهِمْ تِلْكَ الحالَةُ إلى اليَوْمِ. وقُرِئَ: "لا مِساسَ" كَفِجارِ، وهو عَلَمٌ لِلْمَسَّةِ. ولَعَلَّ السِّرَّ في مُقابَلَةِ جِنايَتِهِ بِتِلْكَ العُقُوبَةِ خاصَّةً ما بَيْنَهُما مِن مُناسَبَةِ التَّضادِّ، فَإنَّهُ لَمّا أنْشَأ الفِتْنَةَ بِما كانَتْ مُلابَسَتُهُ سَبَبًا لِحَياةِ المَواتِ عُوقِبَ مِمّا يُضادُّهُ، حَيْثُ جُعِلَتْ مُلابَسَتُهُ سَبَبًا لِلْحُمّى الَّتِي هي مِن أسْبابِ مَوْتِ الأحْياءِ.
﴿وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أيْ: في الآَخِرَةِ ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أيْ: لَنْ يُخْلِفَكَ اللَّهُ ذَلِكَ الوَعْدَ، بَلْ يُنْجِزُهُ لَكَ البَتَّةَ بَعْدَ ما عاقَبَكَ في الدُّنْيا. وقُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ، والأظْهَرُ أنَّهُ مِن أخْلَفْتُ المَوْعِدَ أيْ: وجَدَتْهُ خَلَفًا. وقُرِئَ (p-40)بِالنُّونِ عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ أيْ: ظَلَلْتُ مُقِيمًا عَلى عِبادَتِهِ، فَحُذِفَتِ اللّامُ الأُولى تَخْفِيفًا. وقُرِئَ بِكَسْرِ الظّاءِ بِنَقْلِ حَرَكَةِ اللّامِ إلَيْها،
﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: بِالنّارِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ لَنُحْرِّقَنَّهُ مِنَ الإحْراقِ، وقِيلَ بِالمِبْرَدِ عَلى أنَّهُ مُبالَغَةٌ في حَرْقٍ إذا بُرِّدَ بِالمِبْرَدِ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ لَنُحَرِّقَنَّهُ.
﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ أيْ: لِنُذْرِيَنَّهُ، وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ ﴿فِي اليَمِّ﴾ رَمادًا أوْ مَبْرُودًا كَأنَّهُ هَباءٌ.
﴿نَسْفًا﴾ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ، ولَقَدْ فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ كُلَّهُ يَشْهَدُ بِهِ الأمْرُ بِالنَّظَرِ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ واسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ المُؤَكَّدِ بِاليَمِينِ.
طه 20:98
﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ إثْرَ إبْطالِ الباطِلِ بِتَلْوِينِ الخِطابِ وتَوْجِيهٍ إلى الكُلِّ، أيْ: إنَّما مَعْبُودُكُمُ المُسْتَحَقُّ لِلْعِبادَةِ اللَّهُ ﴿الَّذِي لا إلَهَ﴾ في الوُجُودِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا هُوَ﴾ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْكامُ الأُلُوهِيَّةِ. وقُرِئَ: "اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ رَبُّ العَرْشِ" .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا لا غَيْرُهُ كائِنًا ما كانَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ العِجْلُ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقُرِئَ: "وَسَّعَ" بِالتَّشْدِيدِ، فَيَكُونُ انْتِصابُ "عِلْمًا" عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأنَّهُ عَلى القِراءَةِ الأوْلى فاعِلٌ حَقِيقَةً، وبِنَقْلِ الفِعْلِ إلى التَّعْدِيَةِ إلى المَفْعُولَيْنِ صارَ الفاعِلُ مَفْعُولًا أوَّلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وبِهِ تَمَّ حَدِيثُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المَذْكُورُ لِتَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ حَسْبَما نَطَقَتْ بِهِ خاتِمَتُهُ.
طه 20:99
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ الوَعْدِ الجَمِيلِ بِتَنْزِيلِ أمْثالِ ما مَرَّ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى اقْتِصاصِ حَدِيثِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءٍ ما قَدْ سَبَقَ مِنَ الحَوادِثِ الماضِيَةِ الجارِيَةِ عَلى الأُمَمِ الخالِيَةِ قَصًّا مِثْلَ ذَلِكَ القَصِّ المارِّ، والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ. و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أنْباءِ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ، إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ نَقُصُّ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ، وإمّا عَلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: جَمْعٌ دُونَ ذَلِكَ، والمَعْنى: نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضًا مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ، أوْ بَعْضًا كائِنًا مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ ...﴾ إلَخِ وتَأْخِيرُهُ عَنْ "عَلَيْكَ" لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ القَصِّ البَدِيعِ الَّذِي سَمِعْتَهُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ما ذُكِرَ مِنَ الأنْباءِ، لا قَصًّا ناقِصًا عَنْهُ تَبْصِرَةً لَكَ وتَوْفِيرًا لِعِلْمِكَ وتَكْثِيرًا لِمُعْجِزاتِكَ وتَذَكُّرًا لِلْمُسْتَبْصِرِينَ مَنِ اُمَّتِكَ.
﴿وَقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ أيْ: كَتِابًا مُنْطَوِيًا عَلى هَذِهِ الأقاصِيصِ والأخْبارِ حَقِيقًا بِالتَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ، وكَلِمَةُ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "آَتَيْناكَ" . وتَنْكِيرُ "ذِكْرا" لِلتَّفْخِيمِ، وتَأْخِيرُهُ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما أنَّ مَرْجِعَ الإفادَةِ في الجُمْلَةِ كَوْنُ المُؤْتى مِن لَدُنْهُ تَعالى ذِكْرًا عَظِيمًا وقُرْآَنًا كَرِيمًا جامِعًا لِكُلِّ كَمالٍ، لا كَوْنَ ذَلِكَ الذِّكْرَ مُؤْتًى مِن لَدُنْهُ عَزَّ وجَلَّ مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولِ بِما بَعْدَهُ مِنَ (p-41)الصِّفَةِ فَتَقْدِيمُهُ يَذْهَبُ بِرَوْنَقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
طه 20:100
﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ عَنْ ذَلِكَ الذِّكْرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المُسْتَتْبِعِ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، وقِيلَ: عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. و"مَن" إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، وأيًّا ما كانَتْ فالجُمْلَةُ صِفَةٌ لِذِكْرا.
﴿فَإنَّهُ﴾ أيِ: المُعْرِضُ عَنْهُ ﴿يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ أيْ: عُقُوبَةً ثَقِيلَةً فادِحَةً عَلى كُفْرِهِ وسائِرِ ذُنُوبِهِ، وتَسْمِيَتُها "وِزْرًا" إمّا لِتَشْبِيهِها في ثِقَلِها عَلى المُعاقَبِ وصُعُوبَةِ احْتِمالِها بِالحَمْلِ الَّذِي يَفْدَحُ الحامِلَ ويَنْقُضُ ظَهْرَهُ، أوْ لِأنَّها جَزاءُ الوِزْرِ وهو الإثْمُ. والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِما سَيَأْتِي مِن تَسْمِيَتِها حِمْلًا.
طه 20:101
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ - أيْ: في الوِزْرِ أوْ في احْتِمالِهِ المُسْتَمِرِّ - حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في "يَحْمِلُ"، والجَمْعُ بِالنَّظَرِ إلى مَعْنى مَن لِما أنَّ الخُلُودَ في النّارِ مِمّا يَتَحَقَّقُ حالَ اجْتِماعِ أهْلِها، كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ مِنَ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِها.
﴿وَساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾ أيْ: بِئْسَ لَهم. فَفِيهِ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ حِمْلًا، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: ساءَ حِمْلًا وِزْرُهم، واللّامُ لِلْبَيانِ كَما في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: "ساءَ"، قِيلَ: لِمَن يُقالُ هَذا ؟ فَأُجِيبُ لَهم. وإعادَةُ يَوْمِ القِيامَةِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَهْوِيلِ الأمْرِ.
طه 20:102
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ قَدْ حُذِفَ لِلْإيذانِ بِضِيقِ العِبارَةِ عَنْ حَصْرِهِ وبَيانٍ حَسْبَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ . وقُرِئَ: "نَنْفُخُ" بِالنُّونِ عَلى إسْنادِ النَّفْخِ إلى الأمْرِ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وبِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى أنَّ ضَمِيرَهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ لِإسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُ لِشُهْرَتِهِ.
﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، وذِكْرُهُ صَرِيحًا مَعَ تَعَيُّنِ أنَّ الحَشْرَ لا يَكُونُ إلّا يَوْمَئِذٍ لِلتَّهْوِيلِ. وقُرِئَ: "وَيُحْشَرُ المُجْرِمُونَ" .
﴿زُرْقًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ زُرْقَ العُيُونِ، وإنَّما جُعِلُوا كَذَلِكَ لِأنَّ الزُّرْقَةَ أسْوَأُ ألْوانِ العَيْنِ وأبْغَضُها إلى العَرَبِ، فَإنَّ الرُّومَ الَّذِينَ كانُوا أعْدى عَدُوِّهِمْ زُرْقٌ، ولِذَلِكَ قالُوا في صِفَةِ العَدُوِّ: أسْوَدُ الكِبْدِ، وأصْهَبُ السِّبالِ، وأزْرَقُ العَيْنِ، أوْ عُمْيًا لِأنَّ حَدَقَةَ الأعْمى تَزْرَقُّ.
طه 20:103
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: يَخْفِضُونَ أصْواتَهم ويُخْفُونَها لِما يَمْلَأُ صُدُورَهم مِنَ الرُّعْبِ والهَوْلِ، اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ ما يَأْتُونَ وما يَذْرُوَنَ حِينَئِذٍ، أوْ حالٌ أُخْرى مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِ بِطْرِيقِ المُخافَتَةِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ: ما لَبِثْتُمْ في الدُّنْيا ﴿إلا عَشْرًا﴾ أيْ: عَشْرَ لَيالٍ، اسْتِقْصارًا لِمُدَّةٍ لُبْثِهِمْ فِيها لِزَوالِها، أوِ اسْتِطالَتِهِمْ مُدَّةَ الآَخِرَةِ، أوْ لِتَأسُّفِهِمْ عَلَيْها لَمّا عايَنُوا الشَّدائِدَ، وأيْقَنُوا أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوها عَلى إضاعَتِها في قَضاءِ الأوْطارِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ، أوْ في القَمَرِ وهو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ، فَإنَّهم حِينَ يُشاهِدُونَ البَعْثَ الَّذِي كانُوا يُنْكِرُونَهُ في الدُّنْيا ويَعُدُّونَهُ مِن قَبِيلِ المُحالاتِ لا يَتَمالَكُونَ مِن أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ اعْتَرافًا بِهِ وتَحْقِيقًا لِسُرْعَةِ وُقُوعِهِ، كَأنَّهم قالُوا: قَدْ بُعِثْتُمْ وما لَبِثْتُمْ في القَبْرِ إلّا مُدَّةً يَسِيرَةً، (p-42)وَإلّا فَحالُهم أفْظَعُ مِن أنْ تُمَكِّنَهم مِنَ الاشْتِغالِ بِتَذَكُّرِ أيّامِ النِّعْمَةِ والسُّرُورِ واسْتِقْصارِها والتَّأسُّفِ عَلَيْها.
طه 20:104
﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ وهو مُدَّةُ لُبْثِهِمْ ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾ أيْ: أعْدَلُهم رَأْيًا أوْ عَمَلًا ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ ونِسْبَةُ هَذا القَوْلِ إلى أمْثَلِهِمُ اسْتِرْجاعٌ مِنهُ تَعالى لَهُ، لَكِنْ لا لِكَوْنِهِ أقْرَبَ إلى الصِّدْقِ، بَلْ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى شِدَّةِ الهَوْلِ.
طه 20:105
﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ أيْ: عَنْ مَآَلِ أمْرِها. وقَدْ سَألَ عَنْهُ رَجُلٌ مِن ثَقِيفٍ، وقِيلَ: مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ.
﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ أيْ: يَجْعَلُها كالرَّمْلِ، ثُمَّ يُرْسِلُ عَلَيْها الرِّياحَ فَتُفَرِّقُها، والفاءُ لِلْمُسارَعَةِ إلى إلْزامِ السّائِلِينَ.
طه 20:106
﴿فَيَذَرُها﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْجِبالِ بِاعْتِبارِ أجْزائِها السّالِفَةِ الباقِيَةِ بَعْدَ النَّسْفِ وهي مَقارُّها ومَراكِزُها، أيْ: فَيَذْرُ ما انْبَسَطَ مِنها وساوى سَطْحَهُ سُطُوحَ سائِرِ أجْزاءِ الأرْضِ بَعْدَ نَسْفِ ما نَتَأ مِنها ونَشَزَ، وإمّا لِلْأرْضِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَرِينَةِ الحالِ لِأنَّها الباقِيَةُ بَعْدَ نَسْفِ الجِبالِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ: يَذَرُ الكُلَّ.
﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ لِأنَّ الجِبالَ إذا سُوِّيَتْ وجُعِلَ سَطْحُها مُساوِيًا لِسُطُوحِ سائِرِ أجْزاءِ الأرْضِ فَقَدْ جُعِلَ الكُلُّ سَطْحًا واحِدًا، والقاعُ: قِيلَ: السَّهْلُ، وقِيلَ: المُنْكَشِفُ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ: المُسْتَوى الصُّلْبُ مِنها، وقِيلَ: ما لا نَباتَ فِيهِ ولا بِناءَ. والصَّفْصَفُ: الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ المَلْساءُ، كَأنَّ أجْزاءَهُ صَفٌّ واحِدٌ مِن كُلِّ جِهَةٍ، وانْتِصابُ "قاعًا" عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوْ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ "يَذَرُ" عَلى تَضْمِينِ مَعْنى التَّصْيِيرِ. وصَفْصَفًا إمّا حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي.
طه 20:107
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها﴾ أيْ: مَقارُّ الجِبالِ، أوْ في الأرْضِ عَلى ما مَرَّ مِنَ التَّفْصِيلِ ﴿عِوَجًا﴾ بِكَسْرِ العَيْنِ، أيِ: اعْوِجاجًا ما كَأنَّهُ لِغايَةِ خَفائِهِ مِن قَبِيلِ ما في المَعانِي، أيْ: لا تُدْرِكُهُ إنْ تَأمَّلْتَ بِالمَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ.
﴿وَلا أمْتًا﴾ أيْ: نُتُوءًا يَسِيرًا. اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ ما سَبَقَ مِنَ القاعِ الصَّفْصَفِ، أوْ حالٌ أُخْرى، أوْ صِفَةٌ لِقاعًا، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ تَأْتِي مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ مَعَ ما فِيهِ مِن طُولٍ رُبَّما يَخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
طه 20:108
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ نُسِفَتِ الجِبالُ، عَلى إضافَةِ اليَوْمِ إلى وقْتِ النَّسْفِ، وهو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ وقِيلَ: بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، أيْ: يَتْبَعُ النّاسُ داعِيَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى المَحْشَرِ وهو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، يَدْعُو النّاسَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ قائِمًا عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ والأوْصالُ المُتَفَرِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَمَزِّقَةُ قَوْمِي إلى (p-43)عَرْضِ الرَّحْمَنِ، فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ أوْبٍ إلى صَوْبِهِ.
﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ لا يَعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ ولا يَعْدِلُ عَنْهُ.
﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أيْ: خَضَعَتْ لِهَيْبَتِهِ ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ أيْ: صَوْتًا خَفِيًّا، ومِنهُ الهَمِيسُ لِصَوْتِ أخْفافِ الإبِلِ، وقَدْ فُسِّرَ الهَمْسُ بِخَفْقِ أقْدامِهِمْ ونَقْلِها إلى المَحْشَرِ.
طه 20:109
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَقَعُ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ مِنَ الشُّفَعاءِ أحَدًا ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ أنْ يَشْفَعَ لَهُ ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ أيْ: ورَضِيَ لِأجْلِهِ قَوْلَ الشّافِعِ في شَأْنِهِ، أوْ رَضِيَ قَوْلَهُ لِأجْلِهِ وفي شَأْنِهِ، وأمّا مَن عَداهُ فَلا تَكادُ تَنْفَعُهُ وإنْ فُرِضَ صُدُورُها عَنِ الشُّفَعاءِ المُتَصَدِّينَ لِلشَّفاعَةِ لِلنّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ فالِاسْتِثْناءُ كَما تَرى مِن أعَمَّ المَفاعِيلِ، وأمّا كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى مَعْنى لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا شَفاعَةُ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ أنْ يَشْفَعَ لِغَيْرِهِ كَما جَوَّزُوهُ، فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ لِما أنَّ حُكْمَ الشَّفاعَةِ مِمَّنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ أنْ لا يَمْلِكَها ولا تَصْدُرُ هي عَنْهُ أصْلًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ فالإخْبارُ عَنْها بِمُجَرَّدِ عَدَمِ نَفْعِها لِلْمَشْفُوعِ لَهُ رُبَّما يُوهِمُ إمْكانَ صُدُورِها عَمَّنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ مَعَ إخْلالِهِ بِمُقْتَضى مَقامِ تَهْوِيلِ اليَوْمِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ فَمَعْناهُ: عَدَمُ الإذْنِ في الشَّفاعَةِ، لا عَدَمُ قَبُولِها بَعْدَ وُقُوعِها.
طه 20:110
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: ما تَقَدَّمَهم مِنَ الأحْوالِ، وقِيلَ: مِن أمْرِ الدُّنْيا.
﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ وما بَعْدَهم مِمّا يَسْتَقْبِلُونَهُ، وقِيلَ: مِن أمْرِ الآَخِرَةِ.
﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ أيْ: لا تُحِيطُ عُلُومُهم بِمَعْلُوماتِهِ تَعالى، وقِيلَ: بِذاتِهِ، أيْ: مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العِلْمُ الشّامِلُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِأحَدِ المَوْصُولَيْنِ أوْ لِمَجْمُوعِها، فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ ولا تَفْصِيلَ ما عَلِمُوا مِنهُ.
طه 20:111
﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ أيْ: ذَلَّتْ وخَضَعَتْ خُضُوعَ العُتاةِ، أيِ: الأُسارى في يَدِ المَلِكِ القَهّارِ، ولَعَلَّها وُجُوهُ المُجْرِمِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ ولَمْ يَتُبْ، وهو اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ عَنَتْ وُجُوهُهم، أوِ اعْتِراضٌ كَأنَّهُ قِيلَ: خابُوا وخَسِرُوا، وقِيلَ: حالٌ مِنَ الوُجُوهِ. و"مَن" عِبارَةٌ عَنْها مُغْنِيَةٌ عَنْ ضَمِيرِها، وقِيلَ: الوُجُوهُ عَلى العُمُومِ، فالمَعْنى حِينَئِذٍ: وقَدْ خابَ مِن حَمَلَ مِنهم ظُلْمًا.
طه 20:112
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ إلَخِ قَسَمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا" لا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ إلَخِ. كَما أنَّهُ كَذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أيْ: ومَن يَعْمَلْ بَعْضَ الصّالِحاتِ، أوْ بَعْضًا مِنَ الصّالِحاتِ، عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فَإنَّ الإيمانَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الطّاعاتِ وقَبُولِ الحَسَناتِ ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾ أيْ: مَنعَ ثَوابَ مُسْتَحِقٍّ بِمُوجِبِ الوَعْدِ.
﴿وَلا﴾ (p-44)﴿هَضْمًا﴾ ولا كَسْرًا مِنهُ يَنْقُصُ، أوْ لا يَخافُ جَزاءَ ظُلْمٍ وهَضْمٍ، إذا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ظُلْمٌ ولا هَضْمٌ حَتّى يَخافَهُما. وقُرِئَ: "فَلا يَخَفْ" عَلى النَّهْيِ.
طه 20:113
﴿وَكَذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ﴾، و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى إنْزالِ ما سَبَقَ مِنَ الآَياتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْوَعِيدِ المُنْبَثَّةِ عَمّا سَيَقَعُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ وأهْوالِها، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ.
﴿أنْزَلْناهُ﴾ أيِ: القرآن كُلُّهُ، وإضْمارُهُ مِن غَيْرِ سَبْقِ ذِكْرِهِ لِلْإيذانِ بِنَباهَةِ شَأْنِهِ، وكَوْنِهِ مَرْكُوزًا في العُقُولِ حاضِرًا في الأذْهانِ.
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِيَفْهَمَهُ العَرَبُ ويَقِفُوا عَلى ما فِيهِ مِنَ النَّظْمِ المُعْجِزِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ خارِجًا عَنْ طَوْقِ البَشَرِ نازِلًا مِن عِنْدِ خَلّاقِ القُوى والقَدَرِ.
﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾ أيْ: كَرَّرْنا فِيهِ بَعْضَ الوَعِيدِ، أوْ بَعْضًا مِنَ الوَعِيدِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ آَنِفًا.
﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ: كَيْ يَتَقَوَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ بِالفِعْلِ.
﴿أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ اتِّعاظًا واعْتِبارًا مُؤَدِّيًا بِالآَخِرَةِ إلى الِاتِّقاءِ.
طه 20:114
﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ اسْتِعْظامٌ لَهُ تَعالى ولِشُئُونِهِ الَّتِي يُصَرِّفُ عَلَيْها عِبادَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، والوَعْدِ والوَعِيدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، أيِ: ارْتَفَعَ بِذاتِهِ وتَنَـزَّهَ عَنْ مُماثَلَةِ المَخْلُوقِينَ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْوالِهِ.
﴿المَلِكُ﴾ النّافِذُ أمْرُهُ ونَهْيُهُ الحَقِيقُ بِأنْ يُرْجى وعْدُهُ ويُخْشى وعِيدُهُ.
﴿الحَقُّ﴾ في مَلَكُوتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ لِذاتِهِ، أوِ الثّابِتُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ.
﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقرآن مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ﴾ أيْ: يَتِمَّ ﴿وَحْيُهُ﴾ . كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا ألْقى إلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ الوَحْيَ يَتْبَعُهُ عِنْدَ تَلَفُّظِ كُلِّ حَرْفٍ وكُلِّ كَلِمَةٍ لِكَمالِ اعْتِنائِهِ بِالتَّلَقِّي والحِفْظِ، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ إثْرَ ذِكْرِ الإنْزالِ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ لِما أنَّ اسْتِقْرارَ الألْفاظِ في الأذْهانِ تابِعٌ لِاسْتِقْرارِ مَعانِيها فِيها، ورُبَّما يَشْغَلُ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةٍ عَنْ سَماعِ ما بَعْدَها، وأُمِرَ بِاسْتِفاضَةِ العِلْمِ واسْتِزادَتِهِ مِنهُ تَعالى فَقِيلَ: ﴿وَقُلْ﴾ أيْ في نَفْسِكَ ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أيْ: سَلِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ زِيادَةَ العِلْمِ، فَإنَّهُ المُوصِلُ إلى طِلْبَتِكَ دُونَ الِاسْتِعْجالِ، وقِيلَ: إنَّهُ نُهِيَ عَنْ تَبْلِيغِ ما كانَ مُجْمَلًا قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ بَيانُهُ، ولَيْسَ بِذَلِكَ فَإنَّ تَبْلِيغَ المُجْمَلِ وتِلاوَتِهِ قَبْلَ البَيانِ مِمّا لا رَيْبَ في صِحَّتِهِ ومَشْرُوعِيَّتِهِ.
طه 20:115
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن تَصْرِيفِ الوَعِيدِ في القرآن، وبَيانِ أنَّ أساسَ بَنِي آَدَمَ عَلى العِصْيانِ وعِرْقُهُ راسِخٌ في النِّسْيانِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ اِنْجازِ المَوْعُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ يُقالُ: عَهِدَ إلَيْهِ المَلِكُ وعَزَمَ عَلَيْهِ وتَقَدَّمَ إلَيْهِ: إذا أمَرَهُ ووَصّاهُ، والمَعْهُودُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأُقْسِمُ أوْ وبِاللَّهِ أوْ تاللَّهِ لَقَدْ أمَرْناهُ ووَصَّيْناهُ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا الزَّمانِ ﴿فَنَسِيَ﴾ أيِ: العَهْدِ، ولَمْ يَعْتَنِ بِهِ حَتّى غَفَلَ عَنْهُ، أوْ تَرَكَهُ تَرْكَ المَنسِيِّ عَنْهُ. وقُرِئَ: "فَنُسِّيَ" أيْ: نَسّاهُ الشَّيْطانُ.
﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (p-45)تَصْمِيمُ رَأْيٍ وثَباتِ قَدَمٍ في الأُمُورِ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما أزَلَّهُ الشَّيْطانُ، ولَما اسْتَطاعَ أنْ يَغُرَّهُ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في بَدْءِ أمْرِهِ مِن قَبْلِ أنْ يُجَرِّبَ الأُمُورَ ويَتَوَلّى حارَّها وقارَّها ويَذُوقَ شَرْيَها وأُرْيِها، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "لَوْ وُزِنَتْ أحْلامُ بَنِي آَدَمَ بِحِلْمِ آَدَمَ لَرَجَحَ حِلْمُهُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾» وقِيلَ: عَزْمًا عَلى الذَّنْبِ فَإنَّهُ أخْطَأ ولَمْ يَتَعَمَّدْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ﴾ إنْ كانَ مِنَ الوُجُودِ العِلْمِيِّ فَلَهُ عَزْمًا مَفْعُولًا قُدِّمَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِكَوْنِهِ ظَرْفًا، وإنْ كانَ مِنَ الوُجُودِ المُقابِلِ لِلْعَدَمِ وهو الأنْسَبُ لِأنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ هو المَفْعُولُ ولَيْسَ في الإخْبارِ بِكَوْنِ العَزْمِ المَعْدُومِ لَهُ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ فَلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلى مَفْعُولِهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ المُنَكَّرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمْ نُصادِفْ لَهُ عَزْمًا.
طه 20:116
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المَعْهُودِ وكَيْفِيَّةِ ظُهُورِ نِسْيانِهِ وفُقْدانِ عَزْمِهِ. و"إذْ" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهم، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها، فَإنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلى تَفاصِيلِ الأُمُورِ الواقِعَةِ فِيهِ، فالأمْرُ بِذِكْرِهِ أمْرٌ بِذِكْرِ تَفاصِيلِ ما وقَعَ فِيهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، ولِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلى أعْيانِ الحَوادِثِ فَإذا ذُكِرَ صارَتِ الحَوادِثُ كَأنَّها مَوْجُودَةٌ في ذِهْنِ المُخاطَبِ بِوُجُوداتِها العَيْنِيَّةِ، أيِ: اذْكُرْ ما وقَعَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنّا ومِنهُ، حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ نِسْيانُهُ وفِقْدانُ عَزْمِهِ.
﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾ قَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ مِرارًا.
﴿أبى﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وقَعَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ عَنِ الإخْبارِ بِعَدَمِ سُجُودِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُ لَمْ يَسْجُدْ ؟ فَقِيلَ: أبى واسْتَكْبَرَ، ومَفْعُولُ "أبى" إمّا مَحْذُوفٌ، أيْ: أبى السُّجُودَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾، أوْ غَيْرُ مَنوِيٍّ رَأْسًا بِتَنْـزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ: فَعَلَ الإباءَ وأظْهَرَهُ.
طه 20:117
﴿فَقُلْنا﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ اعْتِناءً بِنُصْحِهِ ﴿يا آدَمُ إنَّ هَذا﴾ الَّذِي رَأيْتَ ما فَعَلَ ﴿عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما﴾ أيْ: لا يَكُونَنَّ سَبَبًا لِإخْراجِكُما ﴿مِنَ الجَنَّةِ﴾ والمُرادُ: نَهْيُهُما عَنْ أنْ يَكُونا بِحَيْثُ يَسْتَبِبِ الشَّيْطانُ إلى إخْراجِهِما مِنها بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، كَما في قَوْلِكَ: لا أرَيْنَكَ هَهُنا، والفاءُ لِتَرْتِيبٍ مُوجِبِ النَّهْيِ عَلى عَداوَتِهِ لَهُما، أوْ عَلى الإخْبارِ بِها ﴿فَتَشْقى﴾ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، وإسْنادُ الشَّقاءِ إلَيْهِ خاصَّةً بَعْدَ تَعْلِيقِ الإخْراجِ المُوجِبِ لَهُ بِهِما مَعًا لِأصالَتِهِ في الأُمُورِ، واسْتِلْزامِ شَقائِهِ لِشَقائِها مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّقاءِ التَّعَبُ في تَحْصِيلِ مَبادِئِ المَعاشِ وذَلِكَ مِن وظائِفِ الرِّجالِ.
طه 20:118
﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُوجِبُهُ النَّهْيُ فَإنَّ اجْتِماعَ أسْبابِ الرّاحَةِ فِيها مِمّا يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِ (p-46)مَبادِئِ البَقاءِ فِيها، والجِدِّ في الِانْتِهاءِ عَمّا يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ عَنْها، والعُدُولِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِأنَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها تَنَعُّمًا بِفُنُونِ النِّعَمِ مِنَ المَآَكِلِ والمَشارِبِ، وتَمَتُّعًا بِأصْنافِ المَلابِسِ البَهِيَّةِ والمَساكِنِ المَرْضِيَّةِ، مَعَ أنَّ فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في البَقاءِ فِيها ما لا يَخْفى إلى ما ذُكِرَ مِن نَفْيِ نَقائِضِها الَّتِي هي الجُوعُ والعَطَشُ والعُرْيُ والضُّحى لِتَذْكِيرِ تِلْكَ الأُمُورِ المُنْكَرَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن أنْواعِ الشَّقْوَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ عَنْها لِيُبالِغَ في التَّحامِي عَنِ السَّبَبِ المُؤَدِّي إلَيْها، عَلى أنَّ التَّرْغِيبَ قَدْ حَصَلَ بِما سَوَّغَ لَهُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِجَمِيعِ ما فِيها سِوى ما اسْتَثْنى مِنَ الشَّجَرَةِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:" ويا آدَم اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّة وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما " . وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُهُ هَهُنا اكْتِفاءً بِما ذَكَرَ في مَوْضِعٍ آَخَرَ، واقْتَصَرَ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ التَّرْغِيبِ المُتَضَمِّنِ التَّرْهِيبَ. ومَعْنى ﴿ألا تَجُوعَ فِيها..﴾ إلَخِ: أنْ لا يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ أصْلًا، فَإنَّ الشِّبَعَ والرِّيَّ والكُسْوَةَ والَكِنَّ قَدْ تَحْصُلُ بَعْدَ عُرُوضِ أضْدادِها بِإعْوازِ الطَّعامِ والشَّرابِ واللِّباسِ والمَسْكَنِ، ولَيْسَ الأمْرُ فِيها كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ ما وقَعَ فِيها شَهْوَةٌ ومَيْلٌ إلى شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ تَمَتَّعَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَصِلَ إلى حَدِّ الضَّرُورَةِ. ووَجْهُ إفْرادِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذَكَرَ ما مَرَّ آَنِفًا، وفَصَلَ الظَّمَأ عَنِ الجُوعِ في الذِّكْرِ مَعَ تَجانُسِهِما وتَقارُنِهِما في الذِّكْرِ عادَةً، وكَذا حالُ العُرْيِ والضَّحْوِ المُتَجانِسَيْنِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ بِالإشارَةِ إلى أنَّ نَفْيَ كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأُمُورِ نِعْمَةٌ عَلى حِيالِها، ولَوْ جُمِعَ بَيْنَ الجُوعِ والظَّمَإ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ نَفْيَهُما نِعْمَةٌ واحِدَةٌ. وكَذا الحالُ في الجَمْعِ بَيْنَ العُرْيِ والضَّحْوِ عَلى مِنهاجِ قِصَّةِ البَقَرَةِ، ولِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ نَفْيَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ مَذْكُورٌ بِالأصالَةِ، لا أنَّ نَفْيَ بَعْضِها مَذْكُورٌ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ والتَّبَعِيَّةِ لِنَفِيَ بَعْضٍ آَخَرَ، كَما عَسى يُتَوَهَّمُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ كُلٍّ مِنَ المُتَجانِسِينَ. وقُرِئَ: "إنَّكَ" بِالكَسْرِ، والجُمْهُورُ عَلى الفَتْحِ بِالعَطْفِ عَلى أنْ لا تَجُوعَ. وصِحَّةُ وُقُوعِ الجُمْلَةِ بِأنَّ المَفْتُوحَةَ اسْمًا لِلْمَكْسُورَةِ المُشارِكَةِ لَها في إفادَةِ التَّحْقِيقِ مَعَ امْتِناعِ وُقُوعِها خَبَرًا لَها لِما أنَّ المَحْذُورَ اجْتِماعُ حَرْفَيِ التَّحْقِيقِ في مادَّةٍ واحِدَةٍ، لا اجْتِماعَ فِيما نَحْنُ فِيهِ لِاخْتِلافِ مَناطِ التَّحْقِيقِ فِيما في حَيِّزِهِما، بِخِلافِ ما لَوْ وقَعَتْ خَبَرًا لَها فَإنَّ اتِّحادَ المُناطِ حِينَئِذٍ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ بَيانُهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَكْسُورَةِ والمَفْتُوحَةِ مَوْضُوعَةٌ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ المُنْعَقِدَةِ مِنِ اسْمِها وخَبَرِها. ولا يَخْفى أنَّ مَرْجِعَ خَبَرِيَّتِها ما فِيها مِنَ الحُكْمِ الإيجابِيِّ أوِ السَّلْبِيِّ وأنَّ مَناطَ ذَلِكَ الحُكْمِ خَبَرُها لا اسْمُها، فَمَدْلُولُ كُلٍّ مِنهُما تَحْقِيقُ ثُبُوتِ خَبَرِها لِاسْمِها لا ثُبُوتِ اسْمِها في نَفْسِها، فاللّازِمُ مِن وُقُوعِ الجُمْلَةِ المُصَدِّرَةِ بِالمَفْتُوحَةِ اسْمًا لِلْمَكْسُورَةِ تَحْقِيقُ ثُبُوتِ خَبَرِها لِتِلْكَ الجُمْلَةِ المُؤَوَّلَةِ بِالمَصْدَرِ، وأمّا تَحْقِيقُ ثُبُوتِها في نَفْسِها فَهو مَدْلُولُ المَفْتُوحَةِ حَتْمًا، فَلَمْ يَلْزَمِ اجْتِماعُ حَرْفَيِ التَّحْقِيقِ في مادَّةٍ واحِدَةٍ قَطْعًا، وإنَّما لَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يُقالَ: إنَّ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ حَقٌّ مَعَ اخْتِلافِ المَناطِ، بَلْ شَرَطُوا الفَصْلَ بِالخَبَرِ كَقَوْلِنا: إنَّ عِنْدِي أنَّ زَيْدًا قائِمٌ لِلتَّجافِي عَنْ صُورَةِ الِاجْتِماعِ، والواوُ العاطِفَةُ وإنْ كانَتْ نائِبَةً عَنِ المَكْسُورَةِ الَّتِي يَمْتَنِعُ دُخُولُها عَلى المَفْتُوحَةِ بِلا فَصْلٍ وقائِمَةً مَقامَها في إفْضاءِ مَعْناها وإجْراءِ أحْكامِها عَلى مَدْخُولِها، لَكِنَّها حَيْثُ لَمْ تَكُنْ حَرْفًا مَوْضُوعًا لِلتَّحْقِيقِ لَمْ يَلْزَمْ مِن دُخُولِها عَلى المَفْتُوحَةِ اجْتِماعُ حَرْفَيِ التَّحْقِيقِ أصْلًا، فالمَعْنى: إنَّ لَكَ عَدَمَ الجُوعِ وعَدَمَ العُرْيِ وعَدَمَ الظَّمَإ، خَلا أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى بَيانِ أنَّ الثّابِتَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمَ الظَّمَإ والضَّحْوِ مُطْلَقًا كَما فُعِلَ مِثْلُهُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، بَلْ قُصِدَ بَيانُ أنَّ الثّابِتَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحْقِيقُ عَدَمِها فَوُضِعَ مَوْضِعَ الحَرْفِ المَصْدَرِيِّ (p-47)المُحَصَّنِ "أنَّ" المُفِيدَةِ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ لَكَ فِيها عَدَمَ ظَمَئِكَ عَلى التَّحْقِيقِ.
طه 20:119
﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُوجِبُهُ النَّهْيُ فَإنَّ اجْتِماعَ أسْبابِ الرّاحَةِ فِيها مِمّا يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِ (p-46)مَبادِئِ البَقاءِ فِيها، والجِدِّ في الِانْتِهاءِ عَمّا يُؤَدِّي إلى الخُرُوجِ عَنْها، والعُدُولِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِأنَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها تَنَعُّمًا بِفُنُونِ النِّعَمِ مِنَ المَآَكِلِ والمَشارِبِ، وتَمَتُّعًا بِأصْنافِ المَلابِسِ البَهِيَّةِ والمَساكِنِ المَرْضِيَّةِ، مَعَ أنَّ فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في البَقاءِ فِيها ما لا يَخْفى إلى ما ذُكِرَ مِن نَفْيِ نَقائِضِها الَّتِي هي الجُوعُ والعَطَشُ والعُرْيُ والضُّحى لِتَذْكِيرِ تِلْكَ الأُمُورِ المُنْكَرَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن أنْواعِ الشَّقْوَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ عَنْها لِيُبالِغَ في التَّحامِي عَنِ السَّبَبِ المُؤَدِّي إلَيْها، عَلى أنَّ التَّرْغِيبَ قَدْ حَصَلَ بِما سَوَّغَ لَهُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِجَمِيعِ ما فِيها سِوى ما اسْتَثْنى مِنَ الشَّجَرَةِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:" ويا آدَم اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّة وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما " . وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُهُ هَهُنا اكْتِفاءً بِما ذَكَرَ في مَوْضِعٍ آَخَرَ، واقْتَصَرَ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ التَّرْغِيبِ المُتَضَمِّنِ التَّرْهِيبَ. ومَعْنى ﴿ألا تَجُوعَ فِيها..﴾ إلَخِ: أنْ لا يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ أصْلًا، فَإنَّ الشِّبَعَ والرِّيَّ والكُسْوَةَ والَكِنَّ قَدْ تَحْصُلُ بَعْدَ عُرُوضِ أضْدادِها بِإعْوازِ الطَّعامِ والشَّرابِ واللِّباسِ والمَسْكَنِ، ولَيْسَ الأمْرُ فِيها كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ ما وقَعَ فِيها شَهْوَةٌ ومَيْلٌ إلى شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ تَمَتَّعَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَصِلَ إلى حَدِّ الضَّرُورَةِ. ووَجْهُ إفْرادِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذَكَرَ ما مَرَّ آَنِفًا، وفَصَلَ الظَّمَأ عَنِ الجُوعِ في الذِّكْرِ مَعَ تَجانُسِهِما وتَقارُنِهِما في الذِّكْرِ عادَةً، وكَذا حالُ العُرْيِ والضَّحْوِ المُتَجانِسَيْنِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ بِالإشارَةِ إلى أنَّ نَفْيَ كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأُمُورِ نِعْمَةٌ عَلى حِيالِها، ولَوْ جُمِعَ بَيْنَ الجُوعِ والظَّمَإ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ نَفْيَهُما نِعْمَةٌ واحِدَةٌ. وكَذا الحالُ في الجَمْعِ بَيْنَ العُرْيِ والضَّحْوِ عَلى مِنهاجِ قِصَّةِ البَقَرَةِ، ولِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ نَفْيَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ مَذْكُورٌ بِالأصالَةِ، لا أنَّ نَفْيَ بَعْضِها مَذْكُورٌ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ والتَّبَعِيَّةِ لِنَفِيَ بَعْضٍ آَخَرَ، كَما عَسى يُتَوَهَّمُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ كُلٍّ مِنَ المُتَجانِسِينَ. وقُرِئَ: "إنَّكَ" بِالكَسْرِ، والجُمْهُورُ عَلى الفَتْحِ بِالعَطْفِ عَلى أنْ لا تَجُوعَ. وصِحَّةُ وُقُوعِ الجُمْلَةِ بِأنَّ المَفْتُوحَةَ اسْمًا لِلْمَكْسُورَةِ المُشارِكَةِ لَها في إفادَةِ التَّحْقِيقِ مَعَ امْتِناعِ وُقُوعِها خَبَرًا لَها لِما أنَّ المَحْذُورَ اجْتِماعُ حَرْفَيِ التَّحْقِيقِ في مادَّةٍ واحِدَةٍ، لا اجْتِماعَ فِيما نَحْنُ فِيهِ لِاخْتِلافِ مَناطِ التَّحْقِيقِ فِيما في حَيِّزِهِما، بِخِلافِ ما لَوْ وقَعَتْ خَبَرًا لَها فَإنَّ اتِّحادَ المُناطِ حِينَئِذٍ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ بَيانُهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَكْسُورَةِ والمَفْتُوحَةِ مَوْضُوعَةٌ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ المُنْعَقِدَةِ مِنِ اسْمِها وخَبَرِها. ولا يَخْفى أنَّ مَرْجِعَ خَبَرِيَّتِها ما فِيها مِنَ الحُكْمِ الإيجابِيِّ أوِ السَّلْبِيِّ وأنَّ مَناطَ ذَلِكَ الحُكْمِ خَبَرُها لا اسْمُها، فَمَدْلُولُ كُلٍّ مِنهُما تَحْقِيقُ ثُبُوتِ خَبَرِها لِاسْمِها لا ثُبُوتِ اسْمِها في نَفْسِها، فاللّازِمُ مِن وُقُوعِ الجُمْلَةِ المُصَدِّرَةِ بِالمَفْتُوحَةِ اسْمًا لِلْمَكْسُورَةِ تَحْقِيقُ ثُبُوتِ خَبَرِها لِتِلْكَ الجُمْلَةِ المُؤَوَّلَةِ بِالمَصْدَرِ، وأمّا تَحْقِيقُ ثُبُوتِها في نَفْسِها فَهو مَدْلُولُ المَفْتُوحَةِ حَتْمًا، فَلَمْ يَلْزَمِ اجْتِماعُ حَرْفَيِ التَّحْقِيقِ في مادَّةٍ واحِدَةٍ قَطْعًا، وإنَّما لَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يُقالَ: إنَّ أنَّ زَيْدًا قائِمٌ حَقٌّ مَعَ اخْتِلافِ المَناطِ، بَلْ شَرَطُوا الفَصْلَ بِالخَبَرِ كَقَوْلِنا: إنَّ عِنْدِي أنَّ زَيْدًا قائِمٌ لِلتَّجافِي عَنْ صُورَةِ الِاجْتِماعِ، والواوُ العاطِفَةُ وإنْ كانَتْ نائِبَةً عَنِ المَكْسُورَةِ الَّتِي يَمْتَنِعُ دُخُولُها عَلى المَفْتُوحَةِ بِلا فَصْلٍ وقائِمَةً مَقامَها في إفْضاءِ مَعْناها وإجْراءِ أحْكامِها عَلى مَدْخُولِها، لَكِنَّها حَيْثُ لَمْ تَكُنْ حَرْفًا مَوْضُوعًا لِلتَّحْقِيقِ لَمْ يَلْزَمْ مِن دُخُولِها عَلى المَفْتُوحَةِ اجْتِماعُ حَرْفَيِ التَّحْقِيقِ أصْلًا، فالمَعْنى: إنَّ لَكَ عَدَمَ الجُوعِ وعَدَمَ العُرْيِ وعَدَمَ الظَّمَإ، خَلا أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى بَيانِ أنَّ الثّابِتَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمَ الظَّمَإ والضَّحْوِ مُطْلَقًا كَما فُعِلَ مِثْلُهُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، بَلْ قُصِدَ بَيانُ أنَّ الثّابِتَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحْقِيقُ عَدَمِها فَوُضِعَ مَوْضِعَ الحَرْفِ المَصْدَرِيِّ (p-47)المُحَصَّنِ "أنَّ" المُفِيدَةِ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ لَكَ فِيها عَدَمَ ظَمَئِكَ عَلى التَّحْقِيقِ.
طه 20:120
﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: أنْهى إلَيْهِ وسْوَسَتَهُ أوْ أسَرَّها إلَيْهِ ﴿قالَ﴾ إمّا بَدَلٌ مِن وسْوَسَ، أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ وجَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ في وسْوَسَتِهِ ؟ فَقِيلَ: قالَ:﴿يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ أيْ: شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها خُلِّدَ ولَمْ يَمُتْ أصْلًا، سَواءٌ كانَ عَلى حالِهِ أوْ بِأنْ يَكُونَ مَلِكًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾
﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ أيْ: لا يَزُولُ، ولا يَخْتَلُّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
طه 20:121
﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: عَرِيا عَنِ النُّورِ الَّذِي كانَ اللَّهُ تَعالى ألْبَسَهُما حَتّى بَدَتْ فُرُوجُهُما.
﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في (سُورَةِ الأعْرافِ ) .
﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ بِما ذَكَرَ مِن أكْلِ الشَّجَرَةِ ﴿فَغَوى﴾ ضَلَّ عَنْ مَطْلُوبِهِ الَّذِي هو الخُلُودُ، أوْ عَنِ المَأْمُورِ بِهِ، أوْ عَنِ الرُّشْدِ، حَيْثُ اغْتَرَّ بِقَوْلِ العَدُوِّ. وقُرِئَ: "فَغَوِي" مِن غَوِيَ الفَصِيلُ: إذا أُتْخِمَ مِنَ اللَّبَنِ. وفي وصْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِصْيانِ والغِوايَةِ مَعَ صِغَرِ زَلَّتِهِ تَعْظِيمٌ لَها وزَجْرٌ بَلِيغٌ لِأوْلادِهِ عَنْ أمْثالِها.
طه 20:122
﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ أيِ: اصْطَفاهُ وقَرَّبَهُ إلَيْهِ بِالحَمْلِ عَلى التَّوْبَةِ والتَّوْفِيقِ لَها، مِنِ اجْتَبى الشَّيْءَ بِمَعْنى جِباهُ لِنَفْسِهِ، أيْ: جَمَعَهُ، كَقَوْلِكَ: اجْتَمَعْتُهُ، أوْ مِن جَبى إلَيَّ كَذا فاجْتَبَيْتُهُ، مِثْلُ: جَلِيبٌ عَلى العَرُوسِ فاجْتَلَيْتُها، وأصْلُ الكَلِمَةِ الجَمْعُ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: قَبْلَ تَوْبَتِهِ حِينَ تابَ هو وزَوْجَتُهُ قائِلِينَ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾، وإفْرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالِاجْتِباءِ وقَبُولِ التَّوْبَةِ قَدْ مَرَّ وجْهُهُ.
﴿وَهَدى﴾ أيْ: إلى الثَّباتِ عَلى التَّوْبَةِ، والتَّمَسُّكِ بِأسْبابِ العِصْمَةِ.
طه 20:123
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّهُ تَعالى قَبِلَ تَوْبَتَهُ وهَداهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أمَرَهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: قالَ لَهُ ولِزَوْجَتِهِ: ﴿اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ أيِ: انْزِلا مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ في "اهْبِطا"، والجَمْعُ لِما أنَّهُما أصْلُ الذُّرِّيَّةِ ومَنشَأُ الأوْلادِ، أيْ: مُتَعادِينَ: في أمْرِ المَعاشِ كَما عَلى النّاسِ مِنَ التَّجاذُبِ والتَّحارُبِ.
﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ مِن كِتابٍ ورَسُولٍ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِتَشْرِيفِهِ والمُبالَغَةِ في إيجابِ اتِّباعِهِ.
﴿فَلا يَضِلُّ﴾ في الدُّنْيا ﴿وَلا يَشْقى﴾ في الآَخِرَةِ.(p-48)
طه 20:124
﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ أيْ: عَنِ الهُدى الذّاكِرِ لِي والدّاعِي إلَيَّ ﴿فَإنَّ لَهُ﴾ في الدُّنْيا ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ضَيِّقًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. وقُرِئَ: "ضَنْكى" كَسَكْرى، وذَلِكَ لِأنَّ مَجامِعَ هِمَّتِهِ ومَطامِحَ نَظَرِهِ مَقْصُورَةٌ عَلى أعْراضِ الدُّنْيا وهو مُتَهالِكٌ عَلى ازْدِيادِها وخائِفٌ مِنِ انْتِقاصِها، بِخِلافِ المُؤْمِنِ الطّالِبِ لِلْآَخِرَةِ مَعَ أنَّهُ قَدْ يُضَيِّقُ اللَّهُ بِشُؤْمِ الكُفْرِ ويُوَسِّعُ بِبَرَكَةِ الإيمانِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ . وقِيلَ: هو الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ في النّارِ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ.
﴿وَنَحْشُرُهُ﴾ وقُرِئَ بِسُكُونِ الهاءِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ، وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا لِأنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ.
﴿يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ فاقِدَ البَصَرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ لا أعْمى عَنِ الحُجَّةِ كَما قِيلَ.
طه 20:125
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ أيْ: في الدُّنْيا، وقُرِئَ: "أعْمى" بِالإمالَةِ في المَوْضِعَيْنِ، وفي الأوَّلِ فَقَطْ لِكَوْنِهِ جَدِيرًا بِالتَّغْيِيرِ لِكَوْنِهِ رَأْسَ الآَيَةِ ومَحَلَّ الوَقْفِ.
طه 20:126
﴿قالَ كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ فَعَلْتَ أنْتَ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أتَتْكَ آياتُنا﴾ واضِحَةٌ نَيِّرَةٌ بِحَيْثُ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ ﴿فَنَسِيتَها﴾ أيْ: عَمِيتَ عَنْها، وتَرَكْتَها تَرْكَ المَنسِيِّ الَّذِي لا يَذْكُرُ أصْلًا ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ النِّسْيانِ الَّذِي كُنْتَ فَعَلْتَهُ في الدُّنْيا ﴿اليَوْمَ تُنْسى﴾ تُتْرَكُ في العَمى والعَذابِ جَزاءً وِفاقًا، لَكِنْ لا أبَدًا كَما قِيلَ بَلْ إلى ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُزِيلُهُ عَنْهُ فَيَرى أهْوالَ القِيامَةِ ويُشاهِدُ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ، ويَكُونُ ذَلِكَ لَهُ عَذابًا فَوْقَ العَذابِ، وكَذا البَكَمُ والصَّمَمُ يُزِيلُهُما اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾
طه 20:127
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ المُوافِقِ لِلْجِنايَةِ ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ بِالِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ ﴿وَلَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ بَلْ كَذَّبَها وأعْرَضَ عَنْها ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ﴾ عَلى الإطْلاقِ، أوْ عَذابُ النّارِ ﴿أشَدُّ وأبْقى﴾ أيْ: مِن ضَنْكِ العَيْشِ، أوْ مِنهُ ومِنَ الحَشْرِ عَلى العَمى.
طه 20:128
﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَكَذَلِكَ نَجْزِي﴾ .." الآَيَةُ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، واسْتِعْمالُ الهِدايَةِ بِاللّامِ إمّا لِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ اللّامِ فَلا حاجَةَ (p-49)إلى المَفْعُولِ، أوْ لِأنَّها بِمَعْنى التَّبْيِينِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. وأيًّا ما كانَ فالفاعِلُ هو الجُمْلَةُ بِمَنصُوبِها ومَعْناها، وضَمِيرُ "لَهُمْ" لِلْمُشْرِكِينَ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمَعْنى: أغَفَلُوا فَلَمْ يَفْعَلِ الهِدايَةَ لَهم، أوْ فَلَمْ يُبَيَّنْ لَهم مَآَلَ أمْرِهِمْ كَثْرَةُ إهْلاكِنا لِلْقُرُونِ الأُولى، وقَدْ مَرَّ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها...﴾ الآَيَةُ. وقِيلَ: الفاعِلُ الضَّمِيرُ العائِدُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَمْ أهْلَكْنا﴾ ..." إلَخِ إمّا مُعَلَّقٌ لِلْفِعْلِ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولِهِ، أوْ مُفَسِّرٌ لِمَفْعُولِهِ المَحْذُوفِ هَكَذا قِيلَ. والأوْجَهُ أنْ لا يُلاحَظَ لَهُ مَفْعُولٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أفَلَمْ يَفْعَلِ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الهِدايَةَ، ثُمَّ قِيلَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا..﴾ إلَخِ بَيانًا لِتِلْكَ الهِدايَةِ. "وَمِنَ القُرُونِ" في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمُمَيِّزِكم، أيْ: كَمْ قَرْنًا كائِنًا مِنَ القُرُونِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ حالٌ مِنَ القُرُونِ، أوْ مِن مَفْعُولِ أهْلَكْنا، أيْ: أهْلَكْناهم وهم في حالِ أمْنٍ وتَقَلُّبٍ في دِيارِهِمْ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهم مُؤَكِّدٌ لِلْإنْكارِ، والعامِلُ "يُهْدَ"، والمَعْنى: أفَلَمْ يَهْدِ لَهم إهْلاكُنا لِلْقُرُونِ السّالِفَةِ مِن أصْحابِ الحِجْرِ وثَمُودَ وقَرْياتِ قَوْمِ لُوطٍ حالَ كَوْنِهِمْ ماشِينَ في مَساكِنِهِمْ إذا سافَرُوا إلى الشّامِ مُشاهِدِينَ لِآَثارِ هَلاكِهِمْ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ أنْ يَهْتَدُوا إلى الحَقِّ فَيَعْتَبِرُوا لِئَلّا يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ. وقُرِئَ: "يَمْشُونَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُمَكَّنُونَ مِنَ المَشْيِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ وتَقْرِيرٌ لِلْهِدايَةِ مَعَ عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "كَمْ أهْلَكْنا﴾ .." إلَخِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ وعُلُوِّ شَأْنِهِ في بابِهِ ﴿لآياتٍ﴾ كَثِيرَةٍ عَظِيمَةٍ واضِحاتِ الهِدايَةِ ظاهِراتِ الدَّلالَةِ عَلى الحَقِّ، فَإذَنْ هم هادَوْا أيَّما هادُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ "فِي" تَجْرِيدِيَّةً فافْهَمْ ﴿لأُولِي النُّهى﴾ لِذَوِي العُقُولِ النّاهِيَةِ عَنِ القَبائِحِ الَّتِي مِن أقْبَحِها ما يَتَعاطاهُ كَفّارُ مَكَّةَ مِنَ الكُفْرِ بِآَياتِ اللَّهِ تَعالى، والتَّعامِي عَنْها وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ المَعاصِي، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ هو الفاعِلُ لا المَفْعُولُ.
طه 20:129
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ حِكْمَةِ عَدَمِ وُقُوعِ ما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ .." الآَيَةُ مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ القُرُونَ المُهْلَكَةَ، أيْ: ولَوْلا الكَلِمَةُ السّابِقَةُ، وهي العِدَةُ بِتَأْخِيرِ عَذابِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى الآَخِرَةِ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ ومَصْلَحَةٍ تَسْتَدْعِيهِ.
﴿لَكانَ﴾ عِقابُ جِناياتِهِمْ ﴿لِزامًا﴾ أيْ: لازِمًا لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ بِحَيْثُ لا يَتَأخَّرُ عَنْ جِناياتِهِمْ ساعَةَ لُزُومِ ما نَزَلَ بِأُولَئِكَ العابِرِينَ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَلْوِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ التَّأْخِيرُ لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ واللِّزامُ: إمّا مَصْدَرٌ لازِمٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، وإمّا فِعالٌ بِمَعْنى مِفْعَلٌ جُعِلَ آَلَةَ اللُّزُومِ لِفَرْطِ لُزُومِهِ كَما يُقالُ لِزازُ خَصْمٍ.
﴿وَأجَلٌ مُسَمًّى﴾ عَطْفٌ عَلى "كَلِمَةٌ"، أيْ:0 ولَوْلا أجَلٍ مُسَمًّى لِأعْمارِهِمْ أوْ لِعَذابِهِمْ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ويَوْمُ بَدْرٍ، لَما تَأخَّرَ عَذابُهم أصْلًا. وفَصَلَهُ عَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ جَوابِ "لَوْلا"، ولِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلِّ مِنهُما بِنَفْيِ لُزُومِ العَذابِ ومُراعاةِ فَواصِلِ الآَيِ الكَرِيمَةِ. وقَدْ جَوَّزَ عَطْفَهُ عَلى المُسْتَكِنِ في "كانَ" العائِدِ إلى الأخْذِ العاجِلِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ تَنْزِيلًا لِلْفَصْلِ بِالخَبَرِ مَنزِلَةَ التَّأْكِيدِ، أيْ: لَكانَ الأخْذُ العاجِلُ وأجَلٌ مُسَمًّى لازِمَيْنِ لَهم، كَدَأْبِ عادٍ وثَمُودَ (p-50)وَأضْرابِهِمْ، ولَمْ يَنْفَرِدِ الأجَلُ المُسَمّى دُونَ الأخْذِ العاجِلِ.
طه 20:130
﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما ذُكِرَ مِن أنَّ تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ لَيْسَ بِإهْمالٍ بَلْ إمْهالٍ، وأنَّهُ لازِمٌ لَهُمُ البَتَّةَ. فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ مِن كَلِماتِ الكُفْرِ، فَإنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهم مُعَذَّبُونَ لا مَحالَةَ مِمّا يُسَلِّيهِ ويَحْمِلُهُ عَلى الصَّبْرِ.
﴿وَسَبِّحْ﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ: صَلِّ وأنْتَ حامِدٌ لِرَبِّكَ الَّذِي يُبَلِّغُكَ إلى كَمالِكٍ عَلى هِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ، أوْ نَزِّهْهُ تَعالى عَمّا يَنْسِبُوهُ إلَيْهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الرَّفِيعِ، حامِدًا لَهُ عَلى ما مَيَّزَكَ بِالهُدى مُعْتَرِفًا بِأنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ كُلِّها، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ إلَخِ فَإنَّ تَوْقِيتَ التَّنْـزِيهِ غَيْرُ مَعْهُودٍ، فالمُرادُ: صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ يَعْنِي: صَلاتَيِ الظُّهْرِ والعَصْرِ، لِأنَّهُما قَبْلَ غُرُوبِها بَعْدَ زَوالِها، وجَمَعَها لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، وقَبْلَ صَلاةِ العَصْرِ.
﴿وَمِن آناءِ اللَّيْلِ﴾ أيْ: مِن ساعاتِهِ جَمْعُ أنى بِالكَسْرِ والقَصْرِ، وآَناءَ بِالفَتْحِ والمَدِّ.
﴿فَسَبِّحْ﴾ أيْ: فَصَلِّ، والمُرادُ: بِهِ المَغْرِبُ والعَشاءُ، وتَقْدِيمُ الوَقْتِ فِيهِما لِاخْتِصاصِهِما بِمَزِيدِ الفَضْلِ، فَإنَّ القَلْبَ فِيهِما أجْمَعُ، والنَّفْسُ إلى الِاسْتِراحَةِ أمِيلُ، فَتَكُونُ العِبادَةُ فِيهِما أشَقَّ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ .
﴿وَأطْرافَ النَّهارِ﴾ تَكْرِيرٌ لِصَلاةِ الفَجْرِ والمَغْرِبِ إيذانًا بِاخْتِصاصِهِما بِمَزِيدِ مَزِيَّةٍ، ومَجِيئُهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأمْنٍ مِنَ الإلْباسِ كَقَوْلِ مَن قالَ: ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ، أوْ أمَرَ بِصَلاةِ الظُّهْرِ فَإنَّهُ نِهايَةُ النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ النَّهارِ وبِدايَةُ النِّصْفِ الأخِيرِ وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ النِّصْفَيْنِ، أوْ لِأنَّ النَّهارَ جِنْسٌ، أوْ أمْرٌ بِالتَّطَوُّعِ في أجْزاءِ النَّهارِ.
﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "سَبِّحَ" أيْ: سَبِّحَ في هَذِهِ الأوْقاتِ رَجاءَ أنْ تَنالَ عِنْدَهُ تَعالى ما تَرْضى بِهِ نَفْسُكَ، وقُرِئَ: "تُرْضى" عَلى صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أرْضى، أيْ: يُرْضِيكَ رَبُّكَ.
طه 20:131
﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أيْ: لا تُطِلْ نَظَرَهُما بِطَرِيقِ الرَّغْبَةِ والمَيْلِ ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾ أيْ: أصْنامًا مِنَ الكَفَرَةِ مَفْعُولٌ "مَتَّعْنا" قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ، أوْ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، والمَفْعُولُ "مِنهُمْ" أيْ: إلى الَّذِي مَتَّعْنا بِهِ، وهو أصْنافٌ وأنْواعُ بَعْضِهِمْ عَلى أنَّهُ مَعْنًى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ، أوْ بَعْضًا مِنهم عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ كَما مَرَّ مِرارًا.
﴿زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "مَتَّعْنا"، أيْ: أعْطَيْنا، أوْ "بِهِ" عَلى تَضْمِينِ مَعْناهُ، أوْ بِالبَدَلِيَّةِ مِن مَحَلِّ "بِهِ" أوْ مِن "أزْواجًا" بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ بِدُونِهِ، أوْ بِالذَّمِّ وهي الزِّينَةُ والبَهْجَةُ. وقُرِئَ: "زَهَرَةَ" بِفَتْحِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ كالجَهَرَةِ في الجَهْرَةِ، أوْ جَمْعُ زاهِرٍ وصْفٌ لَهم بِأنَّهم زاهِرٌ والدُّنْيا لِتَنَعُّمِهِمْ وبَهاءِ زِيِّهِمْ بِخِلافِ ما عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ الزُّهّادُ.
﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَتَّعْنا جِيءَ بِهِ لِلتَّنْفِيرِ عَنْهُ بِبَيانِ سُوءِ عاقِبَتِهِ مَآَلًا إثْرَ إظْهارِ بَهْجَتِهِ حالًا، أيْ: لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيهِمْ ويَخْتَبِرُهم فِيهِ أوْ لِنُعَذِّبَهم في الآَخِرَةِ بِسَبَبِهِ.
﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ أيْ: ما ادُّخِرَ لَكَ في الآَخِرَةِ أوْ ما رَزَقَكَ في الدُّنْيا مِنَ النُّبُوَّةِ والهُدى ﴿خَيْرٌ﴾ مِمّا مَنَحَهم في الدُّنْيا لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ (p-51)فِي نَفْسِهِ أجَلَّ ما يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ مَأْمُونُ الغائِلَةِ بِخِلافِ ما مَنَحُوهُ.
﴿وَأبْقى﴾ فَإنَّهُ لا يَكادُ يَنْقَطِعُ نَفْسُهُ أوْ أثَرُهُ أبَدًا كَما عَلَيْهِ زَهْرَةُ الدُّنْيا.
طه 20:132
﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ أُمِرَ ﷺ بِأنْ يَأْمُرَ أهْلَ بَيْتِهِ أوِ التّابِعَيْنِ لَهُ مِنَ اُمَّتِهِ بِالصَّلاةِ بَعْدَ ما أُمِرَ هو بِها لِيَتَعاوَنُوا عَلى الِاسْتِعانَةِ عَلى خَصاصَتِهِمْ ولا يَهْتَمُّوا بِأمْرِ المَعِيشَةِ ولا يَلْتَفِتُوا لَفْتَ أرْبابِ الثَّرْوَةِ.
﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ وثابِرْ عَلَيْها غَيْرَ مُشْتَغِلٍ بِأمْرِ المَعاشِ.
﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾ أيْ: لا نُكَلِّفُكَ أنْ تَرْزُقَ نَفْسَكَ ولا أهْلَكَ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ وإيّاهم فَفَرِّغْ بالَكَ بِأمْرِ الآَخِرَةِ ﴿والعاقِبَةُ﴾ الحَمِيدَةِ ﴿لِلتَّقْوى﴾ أيْ: لِأهْلِ التَّقْوى، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَلاكَ الأمْرِ هو التَّقْوى. رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ إذا أصابَ أهْلَهُ ضُرٌّ أمَرَهم بِالصَّلاةِ وتَلا هَذِهِ الآَيَةَ.
طه 20:133
﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضِ أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي أُمِرَ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلَيْها، أيْ: هَلّا يَأْتِينا بِآَيَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ في دَعْوى النُّبُوَّةِ أوْ آَيَةً مِمّا اقْتَرَحُوها بَلَغُوا مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ إلى حَيْثُ لَمْ يَعُدُّوا ما شاهَدُوا مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ مِن قَبِيلِ الآَياتِ حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِهَذِهِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ أيِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ. رَدَّ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وعَلا لِمَقالَتِهِمُ القَبِيحَةِ وتَكْذِيبٌ لَهم دَسُّوا تَحْتَها مِنَ اِنْكارِ إتْيانِ الآَيَةِ بِإتْيانِ القرآن الكَرِيمِ الَّذِي هو أُمُّ الآَياتِ وأُسُّ المُعْجِزاتِ وأعْظَمُها فِيها وأبْقاها، لِأنَّ حَقِيقَةَ المُعْجِزَةِ اخْتِصاصُ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ بِنَوْعٍ مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ أيُّ أمْرٍ كانَ، ولا رَيْبَ في أنَّ العِلْمَ أجَلُّ الأُمُورِ وأعْلاها إذْ هو أصْلُ الأعْمالِ ومَبْدَأُ الأفْعالِ، ولَقَدْ ظَهَرَ مَعَ حِيازَتِهِ لِجَمِيعِ عُلُومِ الأوَّلِينَ والآَخِرِينَ عَلى يَدِ أُمِّيٍّ لَمْ يُمارِسْ شِيئًا مِنَ العُلُومِ ولَمْ يُدارِسْ أحَدًا مِن أهْلِها أصْلًا، فَأيُّ مُعْجِزَةٍ تُرادُ بَعْدَ وُرُودِهِ، وأيُّ آَيَةٍ تُرامُ مَعَ وُجُودِهِ وفي إيرادِهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ بَيِّنَةً لِما في الصُّحُفِ الأُولى مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، أيْ: شاهِدًا بِحَقِيقَةِ ما فِيها مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ وأُصُولِ الأحْكامِ الَّتِي أجْمَعَتْ عَلَيْها كافَّةُ الرُّسُلِ، وبِصِحَّةِ ما تَنْطِقُ بِهِ مِن أنْباءِ الأُمَمِ مِن حَيْثُ أنَّهُ غَنِيٌّ بِإعْجازِهِ عَمّا يَشْهَدُ بِحَقِّيَّتِهِ حَقِيقٌ بِإثْباتِ حَقِيَّةِ غَيْرِهِ ما لا يُخْفى مِن تَنْوِيهِ شَأْنِهِ وإنارَةِ بُرْهانِهِ ومَزِيدِ تَقْرِيرٍ وتَحْقِيقٍ لِإتْيانِهِ وإسْنادُ الإتْيانِ إلَيْهِ مَعَ جَعْلِهِمْ إيّاهُ مَأْتِيًّا بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أصالَتِهِ فِيهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ لِلْبَيِّنَةِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ تَأْتِهِمْ سائِرُ الآَياتِ ولَمْ تَأْتِهِمْ خاصَّةً بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى، تَقْرِيرًا لِإتْيانِهِ وإيذانًا بِأنَّهُ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَتَأتّى مِنهم إنْكارُهُ أصْلًا وإنِ اجْتَرَءُوا عَلى إنْكارِ سائِرِ الآَياتِ مُكابَرَةً وعِنادًا. وقُرِئَ: "أوَلَمْ يَأْتِهِمْ" بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ. وقُرِئَ: "الصُّحْفِ" بِالسُّكُونِ تَخْفِيفًا.
طه 20:134
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنّا (p-52)أهْلَكْناهم بِعَذابٍ ...﴾ إلى آَخِرِ الآَيَةِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ القرآن آَيَةً بَيِّنَةً لا يُمْكِنُ إنْكارُها بِبَيانِ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى: لَوْ أنّا أهْلَكْناهم في الدُّنْيا بِعَذابٍ مُسْتَأْصِلٍ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "أهْلَكْنا"، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِعَذابٍ، أيْ: بِعَذابٍ كائِنٍ مِن قَبْلِ إتْيانِ البَيِّنَةِ، أوْ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لَقالُوا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا﴾ في الدُّنْيا ﴿رَسُولا﴾ مَعَ كِتابِ ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ الَّتِي جاءَنا بِها ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ﴾ بِالعَذابِ في الدُّنْيا ﴿وَنَخْزى﴾ بِدُخُولِ النّارِ اليَوْمَ، ولَكِنّا لَمْ نُهْلِكْهم قَبْلَ إتْيانِها فانْقَطَعَتْ مَعْذِرَتُهم فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾
طه 20:135
﴿قُلْ﴾ لِأُولَئِكَ الكَفَرَةِ المُتَمَرِّدِينَ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنّا ومِنكم ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾ مُنْتَظِرٌ لِما يُؤُولُ إلَيْهِ أمْرُنا وأمْرُكم ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ وقُرِئَ: "فَتَمَتَّعُوا" .
﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ عَنْ قَرِيبٍ ﴿مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ﴾ أيِ: المُسْتَقِيمِ، وقُرِئَ: "السَّواءِ" أيِ: الوَسَطِ الجَيِّدِ، وقُرِئَ: "السُّوءِ" و"السُّوءى" و "السُّوَيُّ" تَصْغِيرُ السُّوءِ.
﴿وَمَنِ اهْتَدى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ. و"مِن "فِي المَوْضِعَيْنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَحَلُّها الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ، خَبَرُها ما بَعْدَها، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ العِلْمِ أوْ مَفْعُولِهِ. ويَجُوزُ كَوْنُ الثّانِيَةِ مَوْصُولَةً بِخِلافِ الأُولى لِعَدَمِ العائِدِ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُعَلَّقِ عَنْها الفِعْلُ، عَلى أنَّ العِلْمَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، أوْ عَلى أصْحابِ، أوْ عَلى الصِّراطِ. وقِيلَ: العائِدُ في الأُولى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: مَن هم أصْحابُ الصِّراطِ ؟ .
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ طَهَ أُعْطِيَ يَوْمَ القِيامَةِ ثَوابَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾، وقالَ: ﴿لا يَقْرَأُ أهْلُ الجَنَّةِ مِنَ القرآن إلّا سُورَةَ طَهَ ويس﴾ .
الأنبياء 21:1
(p-53)(سُورَةُ الأنْبِياءِ مَكِّيَّةٌ و آَياتُها مِائَةٌ واثْنا عَشْرَ آَيَةً )
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الفاتِحَةِ الكَرِيمَةِ لِما قَبْلَها مِنِ الخاتِمَةِ الشَّرِيفَةِ غَنِيَّةٌ عَنِ البَيانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ بِالنّاسِ: المُشْرِكُونَ، وهو الَّذِي يُفْصِحُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ، والمُرادُ بِاقْتِرابِ حِسابِهِمُ: اقْتِرابُهُ في ضِمْنِ اقْتِرابِ السّاعَةِ، وإسْنادُ الِاقْتِرابِ إلَيْهِ لا إلى السّاعَةِ مَعَ اسْتِتْباعِها لَهُ ولِسائِرِ ما فِيها مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ الفَظِيعَةِ لِانْسِياقِ الكَلامِ إلى بَيانِ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ وإعْراضِهِمْ عَمّا يُذَكِّرُهم ذَلِكَ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، وتَقْدِيمُها عَلى الفاعِلِ لِلْمُسارَعَةِ إلى إدْخالِ الرَّوْعَةِ، فَإنَّ نِسْبَةَ الِاقْتِرابِ إلَيْهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ مِمّا يَسُوؤُهم ويُورِثُهم رَهْبَةً وانْزِعاجًا مِنَ المُقْتَرِبِ، كَما أنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لِما أنَّ بَيانَ كَوْنِ الخَلْقِ لِأجْلِ المُخاطَبِينَ مِمّا يَسُرُّهم ويَزِيدُهم رَغْبَةً فِيما خُلِقَ لَهم وشَوْقًا إلَيْهِ، وجَعَلَها تَأْكِيدًا لِلْإضافَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ المُتَعارَفَ فِيما بَيْنَ الأوْساطِ اقْتَرَبَ حِسابُ النّاسِ، ثُمَّ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ الحِسابُ، ثُمَّ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم، مَعَ أنَّهُ تَعَسُّفٌ تامٌّ بِمَعْزِلٍ عَمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ وإنَّما الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ النِّظامِ ما قَدَّمْناهُ، والمَعْنى: دَنا مِنهم حِسابُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُوجِبَةِ لِلْعِقابِ، وفي إسْنادِ الِاقْتِرابِ المُنْبِئِ عَنِ التَّوَجُّهِ نَحْوَهم إلى الحِسابِ مَعَ إمْكانِ العَكْسِ بِأنْ يُعْتَبَرَ التَّوَجُّهُ والإقْبالُ مِن جِهَتِهِمْ نَحْوَهُ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ ما لا يَخْفى لِما فِيهِ مِن تَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ شَيْءٍ مُقْبِلٍ عَلَيْهِمْ لا يَزالُ يُطالِبُهم ويُصِيبُهم لا مَحالَةَ. ومَعْنى اقْتِرابِهِ لَهم تَقارُبُهُ ودُنُوُّهُ مِنهم بَعْدَ بُعْدِهِ عَنْهم فَإنَّهُ في كُلِّ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الزَّمانِ أقْرَبُ إلَيْهِمْ مِنهُ في السّاعَةِ السّابِقَةِ، هَذا وأمّا الِاعْتِذارُ بِأنَّ قُرْبَهُ بِالإضافَةِ إلى ما مَضى مِنَ الزَّمانِ أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ آَتٍ قَرِيبٌ فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الِاقْتِرابِ المُسْتَفادِ مِن صِيغَةِ الماضِي ولا حاجَةَ إلَيْهِ في تَحْقِيقِ أصْلِ مَعْناهُ، نَعَمْ قَدْ يُفْهَمُ عَنْهُ عُرْفًا كَوْنُهُ قَرِيبًا في نَفْسِهِ أيْضًا فَيُصارُ حِينَئِذٍ إلى التَّوْجِيهِ بِالوَجْهِ الأوَّلِ دُونَ الآخَرَيْنِ، أمّا الثّانِي فَلا سَبِيلَ إلى اعْتِبارِهِ هَهُنا لِأنَّ قُرْبَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى مِمّا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّجَدُّدُ والتَّفاوُتُ حَتْمًا، وإنَّما اعْتِبارُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ونَظائِرُهُ مِمّا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحُدُوثِ، وأمّا الثّالِثُ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى القُرْبِ حَقِيقَةً ولَوْ بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آَخَرَ.
﴿وَهم في غَفْلَةٍ﴾ أيْ: في غَفْلَةٍ تامَّةٍ مِنهُ، ساهُونَ عَنْهُ بِالمَرَّةِ لا أنَّهم غَيْرُ مُبالِينَ بِهِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِإتْيانِهِ بَلْ مُنْكِرُونَ لَهُ كافِرُونَ بِهِ مَعَ اقْتِضاءِ عُقُولِهِمْ أنَّ الأعْمالَ لا بُدَّ لَها مِنَ الجَزاءِ.
﴿مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَنِ الآَياتِ والنُّذُرِ المُنَبِّهَةِ لَهم عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ، وهُما خَبَرانِ لِلضَّمِيرِ وحَيْثُ كانَتِ (p-54)الغَفْلَةُ أمْرًا جِبِلِّيًّا لَهم جُعِلَ الخَبَرُ الأوَّلُ ظَرْفًا مُنْبِئًا عَنِ الِاسْتِقْرارِ بِخِلافِ الإعْراضِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ النّاسِ. وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ الظَّرْفِ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِ في "مُعْرِضُونَ" .
الأنبياء 21:2
﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾ مِن طائِفَةٍ نازِلَةٍ مِنِ القرآن تُذَكِّرُهم ذَلِكَ أكْمَلَ تَذْكِيرٍ وتُنَبِّهُهم عَنِ الغَفْلَةِ أتَمَّ تَنْبِيهٍ كَأنَّها نَفْسُ الذِّكْرِ. و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِيَأْتِيهِمْ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِذِكْرٍ، وأيّامًا كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ وشَرَفِهِ وكَمالِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا بِهِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية لِتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ.
﴿مُحْدَثٍ﴾ بِالجَرِّ صِفَةٌ لِذِكْرٍ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ حَمْلًا عَلى مَحَلِّهِ، أيْ: مُحْدَثٌ تَنْـزِيلُهُ بِحَسَبِ اقْتِضاءِ الحِكْمَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا اسْتَمَعُوهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ "يَأْتِيهِمْ" بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَلْعَبُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "اسْتَمَعُوهُ" .
الأنبياء 21:3
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ أمّا حالٌ أُخْرى مِنهُ، أوْ مِن واوِ "يَلْعَبُونَ"، والمَعْنى: ما يَأْتِيهِمْ ذِكْرٍ مِن رَّبِّهِمْ مُحْدَثٍ في حالٍ مِنِ الأحْوالِ إلّا حالَ اسْتِماعِهِمْ إيّاهُ لاعِبِينَ مُسْتَهْزِئِينَ بِهِ لاهِينَ عَنْهُ أوْ لاعِبِينَ بِهِ حالَ كَوْنِ قُلُوبِهِمْ لاهِيَةً عَنْهُ لِتَناهِي غَفْلَتِهِمْ وفَرْطِ إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في الأُمُورِ والتَّفَكُّرِ في العَواقِبِ. وقُرِئَ: "لاهِيَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ جِناياتِهِمْ خاصَّةً إثْرَ حِكايَةِ جِناياتِهِمُ المُعْتادَةِ، والنَّجْوى: اسْمٌ مِنَ التَّناجِي، ومَعْنى إسْرارِها مَعَ أنَّها لا تَكُونُ إلّا سِرًّا أنَّهم بالَغُوا في إخْفائِها، أوْ أسَرُّوا نَفْسَ التَّناجِي بِحَيْثُ لَمْ يَشْعُرُ أحَدٌ بِأنَّهم مُتَناجُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بَدَلٌ مِن واوِ "أسَرُّوا" مُنْبِئٌ عَنْ كَوْنِهِمْ مَوْصُوفِينَ بِالظُّلْمِ الفاحِشِ فِيما أسَرُّوا بِهِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أسَرُّوا النَّجْوى قُدِّمَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِهِ، والمَعْنى: هم أسَرُّوا النَّجْوى، فَوُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَسْجِيلًا عَلى فِعْلِهِمْ بِكَوْنِهِ ظُلْمًا، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم ...﴾ إلَخَ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ هو جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ عَمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا في نَجْواهم ؟ فَقِيلَ: قالُوا هَلْ هَذا ... إلَخَ، أوْ بَدَلٌ مِن أسَرُّوا أوْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ النَّجْوى، أيْ: أسَرُّوا هَذا الحَدِيثَ. و"هَلْ" بِمَعْنى النَّفْيِ. والهَمْزَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَأْتُونَ السحر﴾ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "تَأْتُونَ" مُقَرِّرَةٌ لِلْإنْكارِ ومُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِبْعادِ، والمَعْنى: ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم، أيْ: مِن جِنْسِكم، وما أتى بِهِ سِحْرٌ أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَتَأْتُونَهُ وتُحْضِرُونَهُ عَلى وجْهِ الإذْعانِ والقَبُولِ وأنْتُمْ تُعايِنُونَ أنَّهُ سِحْرٌ، قالُوهُ بِناءً عَلى ما ارْتَكَزَ في اعْتِقادِهِمُ الزّائِغِ أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا مَلَكًا، وأنَّ كُلَّ ما يَظْهَرُ عَلى يَدِ البَشَرِ مِنَ الخَوارِقِ مِن قَبِيلِ السحر، وزَلَّ عَنْهم أنَّ إرْسالَ البَشَرِ إلى عامَّةِ البَشَرِ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ. وإنَّما أسَرُّوا ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ عَلى طَرِيقِ تَوْثِيقٍ العَهْدِ وتَرْتِيبِ مَبادِئِ الشَّرِّ والفَسادِ وتَمْهِيدِ مُقَدِّماتِ المَكْرِ والكَيْدِ في هَدْمِ أمْرِ النُّبُوَّةِ وإطْفاءِ نُورِ الدِّينِ، واللَّهُ (p-55)مُتِمٌّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ.
الأنبياء 21:4
﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ﴾ حِكايَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما أوْحى إلَيْهِ أحْوالَهم وأقْوالَهم بَيانًا لِظُهُورِ أمْرِهِمْ وانْكِشافِ سِرِّهِمْ، وإيثارُ القَوْلِ المُنْتَظِمِ لِلسِّرِّ والجَهْرِ عَلى السِّرِّ لِإثْباتِ علمه تعالى بِالسِّرِّ عَلى النَّهْجِ البُرْهانِيِّ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ علمه تعالى بِالسِّرِّ والجَهْرِ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما بِالجَلاءِ والخَفاءِ قَطْعًا كَما في عُلُومِ الخَلْقِ. وقُرِئَ: "قُلْ رَبِّي ..." إلَخَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي السَّماءِ والأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حِالًا مِنَ القَوْلِ، أيْ: كائِنًا في السَّماءِ والأرْضِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيِ: المُبالَغُ في العِلْمِ بالمَسْمُوعاتِ والمَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أسَرُّوهُ مِنَ النَّجْوى فَيُجازِيهِمْ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمُ، اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعِيدِ.
الأنبياء 21:5
﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ إضْرابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى وانْتِقالٌ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمُ السّابِقِ إلى حِكايَةِ قَوْلٍ آَخَرَ مُضْطَرِبٍ في مَسالِكِ البُطْلانِ، أيْ: لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى أنْ يَقُولُوا في حَقِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ، وفي حَقِّ ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ مِنَ القرآن الكَرِيمِ إنَّهُ سِحْرٌ، بَلْ قالُوا تَخالِيطُ الأحْلامِ، ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْهُ فَقالُوا: ﴿بَلِ افْتَراهُ﴾ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ أوْ شِبْهُ أصْلٍ، ثُمَّ قالُوا: ﴿بَلْ هو شاعِرٌ﴾ وما أتى بِهِ شِعْرٌ يُخَيَّلُ إلى السّامِعِ مَعانِيَ لا حَقِيقَةَ لَها. وهَكَذا شَأْنُ المُبْطِلِ المَحْجُوجِ مُتَحَيِّرٌ لا يَزالُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ باطِلٍ وأبْطَلَ ويَتَذَبْذَبُ بَيْنَ فاسِدٍ وأفْسَدَ، فالإضْرابُ الأوَّلُ كَما تَرى مِن جِهَتِهِ تَعالى، والثّانِي والثّالِثُ مِن قِبَلِهِمْ، وقَدْ قِيلَ: الكُلُّ مِن قِبَلِهِمْ حَيْثُ أضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمْ هو سِحْرٌ إلى أنَّهُ تَخالِيطُ أحْلامٍ، ثُمَّ إلى أنَّهُ كَلامٌ مُفْتَرًى، ثُمَّ إلى أنَّهُ قَوْلُ شاعِرٍ، ولا رَيْبَ في أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي حِينَئِذٍ بِأنْ قالَ: قالُوا بَلْ أضْغاثُ أحْلامٍ والِاعْتِذارُ بِأنَّ، بَلْ قالُوا مَقُولٌ لَقالُوا المُضْمَرُ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: "هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ ..." الخَ. كَأنَّهُ قِيلَ: وأسَرُّو النَّجْوى قالُوا: هَلْ هَذا إلى قَوْلِهِ: بَلْ أضْغاثُ أحْلامٍ، وإنَّما صَرَّحَ بِقالُوا بَعْدَ بَلْ لِبُعْدِ العَهْدِ مِمّا يَجِبُ تَنْـزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ.
﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ يُفْصِحُ عَنْهُ السِّياقُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ لَمْ يَكُنْ كَما قُلْنا، بَلْ كانَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلْيَأْتِنا بِآَيَةٍ ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ الآَيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ بِها الأوَّلُونَ كاليَدِ والعَصا ونَظائِرِهِما حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ. فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ، ومَحَلُّ الكافِ الجَرُّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِآَيَةٍ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فالكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ، أيْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَلْيَأْتِنا بِآَيَةٍ إتْيانًا كائِنًا مِثْلُ إرْسالِ الأوَّلِينَ بِها، وصِحَّةُ التَّشْبِيهِ مِن حَيْثُ إنَّ الإتْيانَ بِالآَيَةِ مِن فُرُوعِ الإرْسالِ بِها، أيْ: مِثْلُ إتْيانٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى الإرْسالِ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ كُلُّ واحِدٍ مِنِ الإتْيانِ والإرْسالِ في كُلِّ واحِدٍ مِن طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ، لَكِنَّهُ تُرِكَ في جانِبِ المُشَبَّهِ ذِكْرُ الإرْسالِ وفي جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ ذِكْرُ الإتْيانِ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَوْطِنٍ عَمّا تُرِكَ في المَوْطِنِ الآَخَرِ حَسْبَما مَرَّ في آَخِرِ سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الأنبياء 21:6
﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَكْذِيبِهِمْ فِيما تُنْبِئُ عَنْهُ خاتِمَةُ مَقالِهِمْ مِنَ الوَعْدِ (p-56)الضِّمْنِيِّ بِالإيمانِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وبَيانٌ أنَّهم في اقْتِراحِ تِلْكَ الآَياتِ كالباحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ وأنَّ في تَرْكِ الإجابَةِ إلَيْهِ إبْقاءً عَلَيْهِمْ، كَيْفَ لا ولَوْ أُعْطُوا ما اقْتَرَحُوا مَعَ عَدَمِ إيمانِهِمْ قَطْعًا لَوَجَبَ اسْتِئْصالُهم لِجَرَيانِ سُنَّةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في الأُمَمِ السّالِفَةِ عَلى أنَّ المُقْتَرِحِينَ إذا أُعْطُوا ما اقْتَرَحُوهُ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا نَزَلَ بِهِمُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ لا مَحالَةَ. وقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَةُ الحَقِّ مِنهُ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ لا يُعَذَّبُونَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، في مَحْلِّ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، و"مِن" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ: بِإهْلاكِ أهْلِها لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بَعْدَ مَجِيءِ ما اقْتَرَحُوهُ مِنِ الآَياتِ، صِفَةٌ لـِ "قَرْيَةٍ" . والهَمْزَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ لِإنْكارِ الوُقُوعِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ إمّا عَلى مُقَدَّرٍ دَخَلَتْهُ الهَمْزَةُ فَأفادَتْ إنْكارَ وُقُوعِ إيمانِهِمْ ونَفْيَهُ عُقَيْبَ عَدَمِ إيمانِ الأوَّلِينَ، فالمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تُؤْمِنَ اُمَّةٌ مِنِ الأُمَمِ المَهْلِكَةِ عِنْدَ إعْطاءِ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآَياتِ، أهم لَمْ يُؤْمِنُوا فَهَؤُلاءِ يُؤْمِنُونَ لَوْ أُجِيبُوا إلى ما سَألُوا وأُعْطُوا ما اقْتَرَحُوا مَعَ كَوْنِهِمْ أعْتى مِنهم وأطْغى، وإمّا عَلى ما آَمَنتُ عَلى أنَّ الفاءَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الهَمْزَةِ في الِاعْتِبارِ مُفِيدَةٌ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ وُقُوعِ إيمانِهِمْ عَلى عَدَمِ إيمانِ الأوَّلِينَ، وإنَّما قُدِّمَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ كَما هو رَأْيُ الجُمْهُورِ.
الأنبياء 21:7
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ..﴾ الخَ. مُتَضَمِّنٌ لِرَدِّ ما دَسُّوا تَحْتَ قَوْلِهِمْ: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ مِنَ التَّعَرُّضِ بِعَدَمِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُ أُولَئِكَ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، ولِذَلِكَ قُدِّمَ عَلَيْهِ جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ﴾، ولِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّعْجِيزِ فَلا بُدَّ مِنَ المُسارَعَةِ إلى رَدِّهِ وإبْطالِهِ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ ولِأنَّ في هَذا الجَوابِ نَوْعُ بَسْطٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، والحَقُّ أنَّ ما اتَّخَذُوهُ سَبَبًا لِلتَّكْذِيبِ مُوجِبٌ لِلتَّصْدِيقِ في الحَقِيقَةِ، لِأنَّ مُقْتَضى الحِكْمَةِ أنْ يُرْسِلَ إلى البَشَرِ البَشَرُ وإلى المَلَكِ المَلَكُ، حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ فَإنَّ عامَّةَ البَشَرِ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ المُفاوِضَةِ المَلَكِيَّةِ لِتَوَقُّفِها عَلى التَّناسُبِ بَيْنَ المُفِيضِ والمُسْتَفِيضِ، فَبَعْثُ المَلَكِ إلَيْهِمْ مُزاحِمٌ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ، وإنَّما الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ أنْ يُبْعَثَ المَلَكُ مِنهم إلى الخَواصِّ المُخْتَصِّينَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ المُؤَيَّدِينَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ المُتَعَلِّقِينَ بِكِلا العالَمَيْنِ الرَّوْحانِيِّ والجُسْمانِيِّ لِيَتَلَقَّوْا مِن جانِبٍ ويُلْقُوا إلى جانِبٍ آَخَرَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الإرْسالِ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ المُسْتَمِرَّةِ، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِعَدَمِ القَصْدِ إلى خُصُوصِهِ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا إلى الأُمَمِ قَبْلَ إرْسالِكَ إلى أُمَّتِكَ إلّا رِجالًا مَخْصُوصِينَ مِن أفْرادِ الجِنْسِ مُسْتَأْهِلِينَ لِلِاصْطِفاءِ والإرْسالِ نُوحِي إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلَكِ ما نُوحِي مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِهِما مِنَ القِصَصِ والأخْبارِ كَما نُوحِي إلَيْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُما في حَقِيقَةِ الوَحْيِ، وحَقِيَةِ مَدْلُولِهِ حَسْبَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ ..﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ كَما لا فَرَّقَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم في البَشَرِيَّةِ فَما لَهم لا يَفْهَمُونَ أنَّكَ لَسْتَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وأنَّ ما أُوحِيَ إلَيْكَ لَيْسَ مُخالِفًا لِما أُوحِيَ إلَيْهِمْ (p-57)فَيَقُولُونَ ما يَقُولُونَ. وقُرِئَ: "يُوحى إلَيْهِمْ" بِالياءِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ وإيذانًا بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكَفَرَةِ لِتَبْكِيتِهِمْ واسْتِنْـزالِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الِاسْتِبْعادِ والنَّكِيرِ إثْرَ تَحْقِيقِ الحَقِّ عَلى طَرِيقَةِ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأنَّهُ الحَقِيقُ بِالخِطابِ في أمْثالِ تِلْكَ الحَقائِقِ الأنِيقَةِ، وأمّا الوُقُوفُ عَلَيْها بِالِاسْتِخْبارِ مِنَ الغَيْرِ فَهو مِن وظائِفِ العَوامِّ. والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ما ذُكِرَ فاسْألُوا أيُّها الجَهَلَةُ أهْلَ الكِتابِ الواقِفِينَ عَلى أحْوالِ الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلَواتُ لِنُـزُولِ شُبْهَتِكم أُمِرُوا بِذَلِكَ لِأنَّ إخْبارَ الجَمِّ الغَفِيرِ يُوجِبُ العِلْمَ لا سِيَّما وهم كانُوا يُشايِعُونَ المُشْرِكِينَ في عَداوَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُشاوِرُونَهم في أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ وُضُوحِ الأمْرِ وقُوَّةِ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ ما لا يَخْفى.
الأنبياء 21:8
﴿وَما جَعَلْناهم جَسَدًا﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُسْوَةً لِسائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ في أحْكامِ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ إثْرَ بَيانِ كَوْنِهِمْ أُسْوَةً لَهم في نَفْسِ البَشَرِيَّةِ والجَسَدُ جِسْمُ الإنْسانِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ، ونَصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ لَكِنْ لا بِمَعْنى جَعْلِهِ جَسَدًا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَما هو المَشْهُورُ مِن مَعْنى التَّصْبِيرِ بَلْ بِمَعْنى جَعْلِهِ كَذَلِكَ ابْتِداءً عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: "سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ وكَبَّرَ الفِيلَ"، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾، وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ. والجَعْلُ إبْداعِيٌّ، وإفْرادُهُ لِإرادَةِ الجِنْسِ المُنْتَظِمِ لِلْكَثِيرِ أيْضًا، وقِيلَ: بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: ذَوِي جَسَدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ صِفَةٌ لَهُ، أيْ: وما جَعَلْناهم جَسَدًا مُسْتَغْنِيًا عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ، بَلْ مُحْتاجًا إلى ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ بَدَلِ ما يَتَحَلَّلُ مِنهُ.
﴿وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ لِأنَّ مَآَلَ التَّحَلُّلِ هو الفِناءُ لا مَحالَةَ. وفي إيثارِ "ما كانُوا" عَلى "ما جَعَلْناهُمْ" تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عَدَمَ الخُلُودِ مُقْتَضِي جِبِلَّتَهُمُ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَما جَعَلْناهُمْ﴾ .." إلَخْ. لا بِالجَعْلِ المُسْتَأْنَفِ، والمُرادُ بِالخُلُودِ: أمّا المُكْثُ المَدِيدُ كَما هو شَأْنُ المَلائِكَةِ، أوِ الأبَدِيَّةِ وهم مُعْتَقِدُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، والمَعْنى: جَعَلْناهم أجْسادًا مُتَغَذِّيَةً صائِرَةً إلى المَوْتِ بِالآَخِرَةِ عَلى حَسْبِ آَجالِهِمْ، لا مَلائِكَةً ولا أجْسادًا مُسْتَغْنِيَةً عَنِ الأغْذِيَةِ مَصُونَةً عَنِ التَّحَلُّلِ كالمَلائِكَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَها خُلُودٌ كَخُلُودِهِمْ. فالجُمْلَةُ مُقَرَّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِ الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَشَرًا لا مَلَكًا مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الرَّدِّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾
الأنبياء 21:9
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن حِكايَةِ وحْيِهِ تَعالى إلَيْهِمْ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِي، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْحَيْنا إلَيْهِمْ ما أوْحَيْنا ثُمَّ صَدَقْناهم في الوَعْدِ الَّذِي وعَدْناهم في تَضاعِيفِ الوَحْيِ بِإهْلاكِ أعْدائِهِمْ.
﴿فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَسْتَدْعِي الحِكْمَةُ إبْقاءَهُ، كَمَن سَيُؤْمِنُ هو أوْ بَعْضُ فُرُوعِهِ بِالآَخِرَةِ وهو السِّرُّ في حِمايَةِ العَرَبِ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ.
﴿وَأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ أيِ: المُجاوَزِينَ لِلْحُدُودِ في الكُفْرِ والمَعاصِي.
الأنبياء 21:10
(p-58)﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ القرآن العَظِيمِ الَّذِي ذُكِرَ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إعْراضُ النّاسِ عَمّا يَأْتِيهِمْ من آياته واسْتِهْزاؤُهم بِهِ وتَسْمِيَتُهم تارَةً سِحْرًا أوْ تارَةً أضْغاثَ أحْلامٍ وأُخْرى مُفْتَرًى وشِعْرًا، وبَيانُ عُلُوِّ رُتْبَتِهِ إثْرَ تَحْقِيقِ رِسالَتِهِ ﷺ بِبَيانِ أنَّهُ كَسائِرِ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ صَدَّرَ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ إظْهارًا لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِهِ وإيذانًا بِكَوْنِ المُخاطَبِينَ في أقْصى مَراتِبِ النَّكِيرِ، أيْ: واللَّهِ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ﴿كِتابًا﴾ عَظِيمَ الشَّأْنِ نَيِّرَ البُرْهانِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ صِفَةٌ لـِ "كِتِابًا" مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ مِن كَوْنِهِ جَلِيلَ المِقْدارِ بِأنَّهُ جَمِيلُ الآَثارِ مُسْتَجْلِبٌ لَهم مَنافِعَ جَلِيلَةً، أيْ: فِيهِ شَرَفُكم وصِيَّتُكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ . وقِيلَ: ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أُمُورِ دِينِكم ودُنْياكم، وقِيلَ: ما تَطْلُبُونَ بِهِ حَسَنَ الذِّكْرِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، وقِيلَ: فِيهِ مَوْعِظَتُكم، وهو الأنْسَبُ بِسِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إنْكارٌ تَوْبِيخِيٌّ فِيهِ بَعْثٌ لَهم عَلى التَّدَبُّرِ في أمْرِ الكِتابِ والتَّأمُّلِ فِيما في تَضاعِيفِهِ مِن فُنُونِ المَواعِظِ والزَّواجِرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القَوارِعُ السّابِقَةُ واللّاحِقَةُ. والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، أوْ لا تَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ.
الأنبياء 21:11
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِإجْمالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ وسَبَبِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى كَثْرَتِهِمْ. و"كَمْ" خَبَرِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِـ "قَصَمْنا"، و"مِن قَرْيَةٍ" تَمْيِيزٌ. وفي لَفْظِ القَصْمِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الكَسْرِ بِإبانَةِ أجْزاءِ المَكْسُورَةِ وإزالَةِ تَأْلِيفِها بِالكُلِّيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الغَضَبِ وشِدَّةِ السُّخْطِ ما لا يَخْفى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتْ ظالِمَةً﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الضَّمِيرُ الآَتِي، أيْ: وكَثِيرًا قَصَمْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا ظالِمِينَ بِآَياتِ اللَّهِ تَعالى كافِرِينَ بِها كَدَأْبِكم.
﴿وَأنْشَأْنا بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ إهْلاكِها ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ أيْ: لَيْسُوا مِنهم نَسَبًا ولا دِينًا. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِئْصالِ الأوَّلِينَ وقَطْعِ دابِرِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ.
الأنبياء 21:12
وَهُوَ السِّرُّ في تَقْدِيمِ حِكايَةِ إنْشاءِ هَؤُلاءِ عَلى حِكايَةِ مَبادِئِ إهْلاكِ أُولَئِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ أيْ: أدْرَكُوا عَذابَنا الشَّدِيدَ إدْراكًا تامًّا كَأنَّهُ إدْراكُ المُشاهَدِ المَحْسُوسِ.
﴿إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ يَهْرُبُونَ مُسْرِعِينَ راكِضِينَ دَوابُّهم، أوْ مُشَبَّهِينَ بِهِمْ في فَرْطِ الإسْراعِ.
الأنبياء 21:13
﴿لا تَرْكُضُوا﴾ أيْ: قِيلَ لَهم بِلِسانِ الحالِ أوْ بِلِسانِ المَقالِ مِنَ المَلَكِ أوْ مِمَّنْ ثَمَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّوْبِيخِ لا تَرْكُضُوا ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ مِنَ التَّنَعُّمِ والتَّلَذُّذِ والإتْرافِ إبْطارُ النِّعْمَةِ.
﴿وَمَساكِنِكُمْ﴾ الَّتِي كُنْتُمْ تَفْتَخِرُونَ بِها ﴿لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ تُقْصِدُونَ لِلسُّؤالِ والتَّشاوُرِ والتَّدْبِيرِ في المُهِمّاتِ (p-59)والنَّوازِلِ، أوْ تَنْفَقِدُونَ إذا رُئِيَتْ مَساكِنُكم خالِيَةً وتُسْألُونَ أيْنَ أصْحابُها ؟، أوْ يَسْألُكُمُ الوافِدُونَ نَوالَكم عَلى أنَّهم كانُوا أسْخِياءَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِياءً وبُخَلاءَ، فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَهَكُّمًا إلى تَهَكُّمٍ.
الأنبياء 21:14
﴿قالُوا﴾ لَمّا يَئِسُوا مِنَ الخَلاصِ بِالهَرَبِ وأيْقَنُوا بِنُـزُولِ العَذابِ ﴿يا ويْلَنا﴾ أيْ: هَلاكَنا ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ: مُسْتَوْجِبِينَ لِلْعَذابِ. وهو اعْتِرافٌ مِنهم بِالظُّلْمِ وبِاسْتِتْباعِهِ لِلْعَذابِ ونَدَمٌ عَلَيْهِ حِينَ لَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ.
الأنبياء 21:15
﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ أيْ: فَما زالُوا يُرَدِّدُونَ تِلْكَ الكَلِمَةَ، وتَسْمِيَتُها دَعْوى أيْ: دَعْوَةٌ؛ لِأنَّ المَدْلُولَ كَأنَّهُ يَدْعُو الوَيْلَ قائِلًا: يا ويْلٌ تَعالَ فَهَذا أوانُكَ.
﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا﴾ أيْ: مِثْلُ الحَصِيدِ وهو المَحْصُودُ مِنَ الزَّرْعِ والنَّبْتِ ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعُ.
﴿خامِدِينَ﴾ أيْ: مَيِّتِينَ مِن خَمَدَتِ النّارُ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعَ حَصِيدًا في حَيِّزِ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْجَعْلِ، كَقَوْلِكَ: جَعَلْتُهُ حُلْوًا حامِضًا، والمَعْنى: جَعَلْناهم جامِعِينَ لِمُماثَلَةِ الحَصِيدِ والخُمُودِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في "جَعَلْناهُمْ" أوْ مِنَ المُسْتَكِنِ في "حَصِيدًا" أوْ صِفَةٌ لَحَصِيدًا لِنُعَدِّدَهُ مَعْنًى لِأنَّهُ في حُكْمِ جَعَلْناهم أمْثالَ حَصِيدٍ.
الأنبياء 21:16
﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ﴾ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى أنَّ تَكْوِينَ العالِمِ وإبْداعَ بَنِي آَدَمَ مُؤَسَّسٌ عَلى قَواعِدِ الحِكَمِ البالِغَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْغاياتِ الجَلِيلَةِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما حُكِيَ مِنَ العَذابِ الهائِلِ والعِقابِ النّازِلِ بِأهْلِ القُرى مِن مُقْتَضَياتِ تِلْكَ الحِكَمِ ومُتَفَرِّعاتِها حَسَبَ اقْتِضاءِ أعْمالِهِمْ إيّاهُ، وأنَّ لِلْمُخاطَبِينَ المُقْتَدِرِينَ بِآَثارِهِمْ ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِهِمْ أيْ: ما خَلَقْناهُما ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي لا تُحْصى أجْناسُها وأفْرادُها ولا تُحْصَرُ أنْواعُها وآَحادُها عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ والأُسْلُوبِ المَنِيعِ خالِيَةٌ عَنِ الحِكَمِ والمَصالِحِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ حَيْثُ قِيلَ: ﴿لاعِبِينَ﴾ لِبَيانِ كَمالِ تَنْـزُّهِهِ تَعالى عَنِ الخَلْقِ الخالِي عَنِ الحِكْمَةِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما لا يَرْتابُ أحَدٌ في اسْتِحالَةِ صُدُورِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، بَلْ إنَّما خَلَقْناهُما وما بَيْنَهُما لِتُكُونَ مَبْدَأً لِوُجُودِ الإنْسانِ وسَبَبًا لِمَعاشِهِ ودَلِيلًا يَقُودُهُ إلى تَحْصِيلِ مَعْرِفَتِنا الَّتِي هي الغايَةُ القُصْوى بِواسِطَةِ طاعَتِنا وعِبادَتِنا، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ .
الأنبياء 21:17
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنِ انْتِفاءِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ، أيْ: لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ ما يُتَلَهّى بِهِ ويُلْعَبُ ﴿لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ أيْ: مِن جِهَةِ قُدْرَتِنا، أوْ مِن عِنْدِنا مِمّا يَلِيقُ بِشَأْنِنا مِنَ المُجَرَّداتِ لا مِنَ الأجْسامِ المَرْفُوعَةِ والأجْرامِ المَوْضُوعَةِ، كَدَيْدَنِ الجَبابِرَةِ في رَفْعِ العُرُوشِ وتَحْسِينِها وتَسْوِيَةِ الفُرُوشِ وتَزْيِينِها، لَكِنْ يَسْتَحِيلُ إرادَتُنا لَهُ لِما فاتَهُ الحِكْمَةُ فَيَسْتَحِيلُ اتِّخاذُنا لَهُ قَطْعًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ جَرًّا بِهِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: إنْ كُنّا فاعِلِينَ لاتَّخَذْناهُ، وقِيلَ: "إنَّ" نافِيَةٌ، أيْ: ما كُنّا فاعِلِينَ، أيْ: لِاتِّخاذِ اللَّهْوِ لِعَدَمِ إرادَتِنا إيّاهُ، فَيَكُونُ بَيانًا (p-60)لِانْتِفاءِ التّالِي لِانْتِفاءِ المُقَدَّمِ، أوْ لِإرادَةِ اتِّخاذِهِ فَيَكُونُ بَيانًا لِانْتِفاءِ المُقَدَّمِ المُسْتَلْزِمِ لِانْتِفاءِ التّالِي. وقِيلَ: اللَّهْوُ الوَلَدُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وقِيلَ: الزَّوْجَةُ، والمُرادُ الرَّدُّ عَلى النَّصارى ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
الأنبياء 21:18
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ﴾ إضْرابٌ عَنِ اتِّخاذِ اللَّهْوِ بَلْ عَنْ إرادَتِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَكُنّا لا نُرِيدُهُ بَلْ شَأْنُنا أنْ نُغَلِّبَ الحَقَّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الجِدُّ عَلى الباطِلِ الَّذِي مِن قَبِيلِهِ اللَّهْوُ، وتَخْصِيصُ شَأْنِهِ هَذا مِن بَيْنِ سائِرِ شُئُونِهِ تَعالى بِالذِّكْرِ لِلتَّخَلُّصِ إلى ما سَيَأْتِي مِنَ الوَعِيدِ.
﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أيْ: يَمْحَقُهُ بِالكُلِّيَّةِ كَما فَعَلْنا بِأهْلِ القُرى المَحْكِيَّةِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ لِإيرادِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ القَذْفُ الَّذِي هو الرَّمْيُ الشَّدِيدُ بِالجِرْمِ الصُّلْبِ كالصَّخْرَةِ، ولِمَحْقِهِ لِلْباطِلِ الدَّمْغُ الَّذِي هو كَسْرُ الشَّيْءِ الرِّخْوِ الأجْوَفِ، وهو الدِّماغُ بِحَيْثُ يَشُقُّ غِشاءَهُ المُؤَدِّيَ إلى زُهُوقِ الرُّوحِ تَصْوِيرًا لَهُ بِذَلِكَ. وقُرِئَ: "فَيَدْمَغُهُ" بِالنَّصْبِ وهو ضَعِيفٌ. وقُرِئَ: "فَيَدْمَغُهُ" بِضَمِّ المِيمِ.
﴿فَإذا هو زاهِقٌ﴾ أيْ: ذاهِبٌ بِالكُلِّيَّةِ. وفي "إذا" الفُجائِيَّةِ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ المُسارَعَةِ في الذَّهابِ والبُطْلانِ ما لا يَخْفى، فَكَأنَّهُ زاهِقٌ مِنَ الأصْلِ.
﴿وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ بِأنَّ لَهم أيْضًا مِثْلَ ما لِأُولَئِكَ مِنَ العَذابِ والعِقابِ. و"مِن" تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الوَيْلِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الخَبَرِ. و"ما" إمّا مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ، أيْ: واسْتَقَرَّ لَكُمُ الوَيْلُ والهَلاكُ مِن أجْلِ وصْفِكم لَهُ سُبْحانَهُ بِما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ، أوْ بِالَّذِي تَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الوَلَدِ، أوْ كائِنًا مِمّا تَصِفُونَهُ تَعالى بِهِ.
الأنبياء 21:19
﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن خَلْقِهِ تَعالى لِجَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ ونِظامٍ كامِلٍ، وأنَّهُ تَعالى يُحِقُّ الحَقَّ ويُزْهِقُ الباطِلَ، أيْ: لَهُ تَعالى خاصَّةً جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ خَلْقًا ومُلْكًا وتَدْبِيرًا وتَصْرُّفًا وإحْياءً وإماتَةً وتَعْذِيبًا وإثابَةً مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ في ذَلِكَ دَخْلٌ ما اسْتِقْلالًا أوِ اسْتِتْباعًا.
﴿وَمَن عِنْدَهُ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ إثْرَ ما عَبَّرَ عَنْهم بِمَن في السَّمَواتِ تَنْـزِيلًا لَهم لِكَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ عَزَّ وعَلا، وزُلْفاهم عِنْدَهُ مَنـزِلَةُ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ المُلُوكِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ أيْ: لا يَتَعَظَّمُونَ عَنْها ولا يُعِدُّونَ أنْفُسَهم كَبِيرًا.
﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ولا يَكِلُّونَ ولا يَعِبُونَ. وصِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ المُنْبِئَةِ عَنِ المُبالَغَةِ في الحُسُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ عِباداتِهِمْ بِثِقَلِها ودَوامِها حَقِيقَةٌ بِأنْ يُسْتَحْسَرَ مِنها ومَعَ ذَلِكَ لا يَسْتَحْسِرُونَ. "لا" لِإفادَةِ نَفْيِ المُبالِغَةِ في الحُسُورِ مَعَ ثُبُوتِ أصْلِهِ في الجُمْلَةِ. كَما أنَّ نَفْيِ الظَّلامِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِإفادَةِ كَثْرَةِ الظُّلْمِ المَفْرُوضِ تَعَلُّقُهُ بِالعَبِيدِ، لا لِإفادَةِ نَفْيِ المُبالِغَةِ في الظُّلْمِ مَعَ ثُبُوتِ أصْلِ الظُّلْمِ في الجُمْلَةِ. وقِيلَ: "مَن عِنْدَهُ" مَعْطُوفٌ عَلى "مَن" الأُولى، وإفْرادُهم بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِمْ في مَن في السَّمَواتِ والأرْضِ لِلتَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ . فَقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَسْتَكْبِرُونَ" حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ الثّانِيَةِ.
الأنبياء 21:20
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ: يُنَـزِّهُونَهُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ ويُعَظِّمُونَهُ ويُمَجِّدُونَهُ دائِمًا، وهو اسْتِئْنافٌ (p-61)وَقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَصْنَعُونَ في عِباداتِهِمْ ؟، أوْ كَيْفَ يَعْبُدُونَ ؟ . فَقِيلَ: "يُسَبِّحُونَ ..." إلَخَ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ "يَسْتَحْسِرُونَ" . وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ أيْ: لا يَتَخَلَّلُ تَسْبِيحُهم فَتْرَةً أصْلًا بِفَراغٍ أوْ بِشُغْلٍ آَخَرَ.
الأنبياء 21:21
﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِهِمْ بِطَرِيقِ الإضْرابِ والِانْتِقالِ مِن فَنٍّ إلى فَنٍّ آَخَرَ مِنَ التَّوْبِيخِ إثْرَ تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ عَلى مِنهاجِ الحِكْمَةِ، وأنَّهم قاطِبَةً تَحْتَ مَلَكُوتِهِ وقَهْرِهِ، وأنَّ عِبادَهُ مُذْعِنُونَ لِطاعَتِهِ ومُثابِرُونَ عَلى عِبادَتِهِ مُنَـزِّهُونَ لَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأنْدادُ. ومَعْنى الهَمْزَةِ في "أمْ" المُنْقَطِعَةِ: إنْكارُ الواقِعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "اتَّخَذُوا"، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِآَلِهَةٍ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ هو التَّحْقِيرُ لا التَّخْصِيصُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم يُنْشِرُونَ﴾ أيْ: يَبْعَثُونَ المَوْتى صِفَةٌ لِآَلِهَةٍ، وهو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ الإنْكارُ والتَّجْهِيلُ والتَّشْنِيعُ نَفْسُ الِاتِّخاذِ، فَإنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ، أيْ: بَلِ اتِّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم خاصَّةً مَعَ حَقارَتِهِمْ وجَمادِيَّتِهِمْ يُنْشِرُونَ المَوْتى، كُلًّا فَإنَّ ما اتَّخَذُوها آَلِهَةً بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، وهم وإنْ لَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ صَرِيحًا لَكِنَّهم حَيْثُ ادَّعَوْا لَها الإلَهِيَّةَ فَكَأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَها الإنْشارَ ضَرُورَةً أنَّهُ مِنَ الخَصائِصِ الإلَهِيَّةِ حَتْمًا. ومَعْنى التَّخْصِيصِ في تَقْدِيمِ الضَّمِيرِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ مُبايَنَةِ حالِهِمْ لِلْإنْشارِ المُوجِبَةِ لِمَزِيدِ الإنْكارِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾، فَإنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ مُبايَنَةِ أمْرِهِ تَعالى لِأنَّ يُشَكَّ فِيهِ ويُسْتَهْزَأ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن مُسْتَتْبِعاتِ ادِّعائِهِمُ الباطِلَ، لِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِلِاسْتِقْلالِ بِالإبْداءِ والإعادَةِ، فَحَيْثُ ادَّعَوْا لِلْأصْنامِ الإلَهِيَّةَ فَكَأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَها الِاسْتِقْلالَ بِالإنْشارِ، كَما أنَّهم جُعِلُوا بِذَلِكَ مُدَّعِينَ لِأصْلِ الإنْشارِ.
الأنبياء 21:22
﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ﴾ إبْطالٌ لِتَعَدُّدِ الإلَهِ بِإقامَةِ البُرْهانِ عَلى انْتِفائِهِ بَلْ عَلى اسْتِحالَتِهِ، وإيرادُ الجَمْعِ لِوُرُودِهِ إثْرَ إنْكارِ اتِّخاذِ الآَلِهَةِ، لا لِأنَّ لِلْجَمْعِيَّةِ مَدْخَلًا في الِاسْتِدْلالِ، وكَذا فَرْضُ كَوْنِها فِيهِما. و"إلّا" بِمَعْنى "غَيْرِ" عَلى أنَّها صِفَةٌ لِآَلِهَةٍ، ولا مَساغَ لِلِاسْتِثْناءِ لِاسْتِحالَةِ شُمُولِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها وإفْضائِهِ إلى فَسادِ المَعْنى لِدَلالَتِهِ حِينَئِذٍ عَلى أنَّ الفَسادَ لِكَوْنِها فِيهِما بِدُونِهِ تَعالى، ولا لِلرَّفْعِ عَلى البَدَلِ لِأنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ ومَشْرُوطٌ بِأنْ يَكُونَ في كَلامٍ غَيْرِ مُوجِبٍ، أيْ: لَوْ كانَ في السَّماواتِ والأرْضِ آَلِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ كَما هو اعْتِقادُهُمُ الباطِلُ ﴿لَفَسَدَتا﴾ أيْ: لَبَطَلَتا بِما فِيهِما جَمِيعًا، وحَيْثُ انْتَفى التّالِي عُلِمَ انْتِفاءُ المُقَدِّمِ قَطْعًا بَيانُ المُلازَمَةِ أنَّ الإلَهِيَّةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْقُدْرَةِ عَلى الِاسْتِبْدادِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِما عَلى الإطْلاقِ تَغْيِيرًا وتَبْدِيلًا وإيجادًا وإعْدامًا وإحْياءً وإماتَةً، فَبَقاؤُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ إمّا بِتَأْثِيرِ كُلٍّ مِنها وهو مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ المَعْلُولِ المُعَيَّنِ بِعِلَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وإمّا بِتَأْثِيرٍ واحِدٍ مِنها، فالبَواقِي بِمَعْزِلٍ مِنَ الإلَهِيَّةِ قَطْعًا. واعْلَمْ أنَّ جَعْلَ التّالِي فَسادُهُما بَعْدَ وُجُودِهِما لِما أنَّهُ اعْتُبِرَ في المُقَدَّمِ تَعَدُّدُ الآَلِهَةِ فِيهِما، وإلّا فالبُرْهانُ يَقْضِي بِاسْتِحالَةِ التَّعَدُّدِ عَلى الإطْلاقِ فَإنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الإلَهُ فَإنْ تَوافَقَ الكُلُّ في المُرادِ تَطارَدَتْ عَلَيْهِ القَدْرُ، وإنْ تَخالَفَتْ (p-62)تَعاوَقَتْ فَلا يُوجَدُ مَوْجُودٌ أصْلًا وحَيْثُ انْتَفى التّالِي تَعَيَّنَ انْتِفاءُ المُقَدَّمِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ بِالبُرْهانِ، أيْ: فَسَبِّحُوهُ سُبْحانَهُ اللّائِقَ بِهِ ونَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في الأُلُوهِيَّةِ، وإيرادُ الجَلالَةِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مَناطٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ كَمالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَنَـزُّهُهُ تَعالى عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ ولِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ العَرْشِ﴾ صِفَةٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ مُؤَكِّدَةٌ لِتَنَـزُّهِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ مُتَعِلِّقٌ بِالتَّسْبِيحِ، أيْ: فَسَبِّحُوهُ عَمّا يَصِفُونَهُ مِن أنْ يَكُونَ مِن دُونِهِ آَلِهَةٌ.
الأنبياء 21:23
﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى لِقُوَّةِ عَظْمَتِهِ وعِزَّةِ سُلْطانِهِ القاهِرِ بِحَيْثُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ أنْ يُناقِشَهُ ويَسْألَهُ عَمّا يَفْعَلُ مِن أفْعالِهِ إثْرَ بَيانِ أنْ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ في الإلَهِيَّةِ. "وَهْم" أيِ: العِبادُ "يَسْألُونَ" عَمًّا يَفْعَلُونَ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا، لِأنَّهم مَمْلُوكُونَ لَهُ تَعالى مُسْتَعْبَدُونَ. فَفِيهِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ.
الأنبياء 21:24
﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ اِظْهارِ بُطْلانِ كَوْنِ ما اتَّخَذُوهُ آَلِهَةً، آَلِهَةً حَقِيقَةً بِإظْهارِ خُلُوِّها عَنْ خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْشارُ وإقامَةُ البُرْهانِ القاطِعِ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَدُّدِ الإلَهِ عَلى الإطْلاقِ، وتَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى إظْهارِ بُطْلانِ اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآَلِهَةِ مَعَ عَرائِها عَنْ تِلْكَ الخَصائِصِ بِالمَرَّةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ، وتَبْكِيتُهم بِإلْجائِهِمْ إلى إقامَةِ البُرْهانِ عَلى دَعْواهُمُ الباطِلَةِ وتَحْقِيقُ أنَّ جَمِيعَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ناطِقَةٌ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الإشْراكِ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ واسْتِقْباحِهِ واسْتِعْظامِهِ. و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "اتَّخَذُوا"، والمَعْنى: بَلِ اتَّخَذُوا مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ تَعالى مَعَ ظُهُورِ شُئُونِهِ الجَلِيلَةِ المُوجِبَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ آَلِهَةً مَعَ ظُهُورِ خُلُودِهِمْ عَنْ خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿قُلْ﴾ لَهم بِطْرِيقِ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجْرِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ عَلى ما تَدَّعُونَهُ مِن جِهَةِ العَقْلِ والنَّقْلِ، فَإنَّهُ لا صِحَّةَ لِقَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ لا سِيَّما في مِثْلِ هَذا الشَّأْنِ الخَطِيرِ، وما في إضافَةِ البُرْهانِ إلى ضَمِيرِهِمْ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ لَهم بُرْهانًا ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ إنارَةٌ لِبُرْهانِهِ، وإشارَةٌ إلى أنَّهُ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ قاطِبَةً وشَهِدَتْ بِهِ ألْسِنَةُ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمَةُ كافَّةً، وزِيادَةُ تَهْيِيجٍ لَهم عَلى إقامَةِ البُرْهانِ لِإظْهارِ كَمالِ عَجْزِهِمْ، أيْ: هَذا الوَحْيُ الوارِدُ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ المُتَضَمِّنِ لِلْبُرْهانِ القاطِعِ العَقْلِيِّ ذِكْرُ أُمَّتِي، أيْ: عِظَتُهم، وذِكْرُهُمُ الأُمَمَ السّالِفَةَ قَدْ أقَمْتُهُ فَأقِيمُوا أنْتُمْ أيْضًا بُرْهانَكم. وقِيلَ: المَعْنى: هَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَّتِي وهَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ والصُّحُفِ فَراجِعُوها وانْظُرُوا هَلْ في واحِدٍ مِنها غَيْرُ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ والنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ، فَفِيهِ تَبْكِيتٌ لَهم مُتَضَمِّنٌ لِإثْباتٍ نَقِيضِ مُدَّعاهم. وقُرِئَ بِالتَّنْوِينِ والإعْمالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾، وبِهِ وبِمِنِ الجارَّةِ عَلى أنْ مَعَ اسْمٌ هو ظَرْفٌ كَقَبْلٍ وبَعْدٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ﴾ (p-63)إضْرابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ، وانْتِقالٌ مِنَ الأمْرِ بِتَبْكِيتِهِمْ بِمُطالَبَةِ البُرْهانِ إلى بَيانِ أنَّهُ لا يَنْجَحُ فِيهِمُ المُحاجَّةُ بِإظْهارِ حَقِّيَّةِ الحَقِّ وبُطْلانِ الباطِلِ، فَإنَّ أكْثَرَهم لا يَفْهَمُونَ الحَقَّ ولا يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ.
﴿فَهُمْ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإعْراضِ عَنِ التَّوْحِيدِ واتِّباعِ الرَّسُولِ لا يَرْعَوُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلالِ وإنْ كُرِّرَتْ عَلَيْهِمُ البَيِّناتُ والحُجَجُ، أوْ مُعْرِضُونَ عَمّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَراهِينِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ. وقُرِئَ: "الحَقُّ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وسَطٌ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبِّبِ تَأْكِيدًا لِلسَّبَبِيَّةِ.
الأنبياء 21:25
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِما أُجْمِلَ فِيما قَبْلَهُ مِن كَوْنِ التَّوْحِيدِ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ وأجْمَعَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقُرِئَ: "يُوحى" عَلى صِيغَةِ الغائِبِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وأيًّا ما كانَ فَصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَةِ الوَحْيِ.
الأنبياء 21:26
﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُشْرِكِينَ جِيءَ بِها لِإظْهارِ بُطْلانِها وبَيانِ تَنَـزُّهِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ إثْرَ بَيانِ تَنَـزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنِ الشُّرَكاءِ عَلى الإطْلاقِ، وهم حَيٌّ مِن خُزاعَةَ، يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى. ونَقَلَ الواحِدِيُّ أنَّ قُرَيْشًا وبَعْضَ أجْناسِ العَرَبِ جُهَيْنَةَ، وبَنِي سَلَمَةَ، وخُزاعَةَ، وبَنِي مَلِيحٍ، يَقُولُونَ ذَلِكَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ كَوْنِ جَمِيعِ ما سِواهُ تَعالى مَرْبُوبًا لَهُ تَعالى نِعْمَةً أوْ مُنْعِمًا عَلَيْهِ لِإبْرازِ كَمالِ شَناعَةِ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ.
﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ تَنَـزَّهَ بِالذّاتِ تَنَـزُّهَهُ اللّائِقَ بِهِ، عَلى أنَّ السُّبْحانَ مَصْدَرٌ مِن سَبَحَ، أيْ: بَعُدَ أوْ أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحَهُ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ، أوْ سَبِّحُوهُ تَسْبِيحَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ﴾ إضْرابٌ وإبْطالٌ لِما قالُوهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَتِ المَلائِكَةُ كَما قالُوا بَلْ هم عِبادٌ لَهُ تَعالى ﴿مُكْرَمُونَ﴾ مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ. وقُرِئَ: "مُكَرَّمُونَ" بِالتَّشْدِيدِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى مَنشَإ غَلَطِ القَوْمِ.
الأنبياء 21:27
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِعِبادٍ مُنْبِئَةٌ عَنْ كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ لِأمْرِهِ تَعالى، أيْ: لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ تَعالى أوْ يَأْمُرَهم بِهِ، وأصْلُهُ لا يَسْبِقُ قَوْلُهم قَوْلَهُ تَعالى، فَأسْنَدَ السَّبْقَ إلَيْهِمْ مَنسُوبًا إلَيْهِ تَعالى تَنْـزِيلًا لَسَبْقِ قَوْلِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى مَنـزِلَةَ سَبْقِهِمْ إيّاهُ تَعالى لِمَزِيدِ تَنْـزِيهِهِمْ عَنْ ذَلِكَ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى غايَةِ اسْتِهْجانِ السَّبْقِ المُعَرَّضِ بِهِ لِلَّذِينِ يَقُولُونَ ما لا يَقُولُهُ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَ القَوْلَ مَحَلًّا لِلسَّبْقِ وأداةً لَهُ، ثُمَّ أُنِيبَ اللّامُ عَنِ الإضافَةِ لِلِاخْتِصارِ والتَّجافِي عَنِ التَّكْرارِ. وقُرِئَ: "لا يَسْبِقُونَهُ" بِضَمِّ الباءِ مِن سابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ، وفِيهِ مَزِيدُ اسْتِهْجانٍ لِلسَّبْقِ وإشْعارٌ بِأنَّ مَن سَبَقَ قَوْلُهُ قَوْلَهُ تَعالى فَقَدْ تَصَدّى لِمُغالَبَتِهِ تَعالى في السَّبْقِ فَسَبَقَهُ فَغَلَبَهُ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى-، وزِيادَةُ تَنْـزِيهٍ لَهم عَمّا نُفِيَ عَنْهم بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ الغَلَبَةِ بَعْدَ المُغالَبَةِ فَأتى يَتَوَهَّمُ صُدُورَ عَنْهم.
﴿وَهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ بَيانٌ لِتَبِيعَتِهِمْ لَهُ تَعالى في الأعْمالِ إثْرَ بَيانِ تَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ تَعالى في الأقْوالِ، فَإنَّ نَفْيَ سَبْقِهِمْ لَهُ تَعالى بِالقَوْلِ عِبارَةٌ عَنْ تَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ تَعالى فِيهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هم بِأمْرِهِ يَقُولُونَ وبِأمْرِهِ (p-64)يَعْمَلُونَ لا بِغَيْرِ أمْرِهِ أصْلًا، فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ مُعْتَبَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ أمْرِهِ لا إلى أمْرِ غَيْرِهِ.
الأنبياء 21:28
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ، فَإنَّ لِعِلْمِهِمْ بِإحاطَتِهِ تَعالى بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ لايَزالُونَ يُراقِبُونَ أحْوالَهم فَلا يَقْدِرُونَ عَلى قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ بِغَيْرِ أمْرِهِ تَعالى.
﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أنْ يَشْفَعَ لَهُ مَهابَةً مِنهُ تَعالى ﴿وَهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿مِن خَشْيَتِهِ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ مُرْتَعِدُونَ، وأصْلُ الخَشْيَةِ الخَوْفُ مَعَ التَّعْظِيمِ، ولِذَلِكَ خَصَّ بِها العُلَماءُ، والإشْفاقُ الخَوْفُ مَعَ الِاعْتِناءِ فَعِنْدَ تَعْدِيَتِهِ بِمَن يَكُونُ مَعْنى الخَوْفِ فِيهِ أظْهَرَ، وعِنْدَ تَعْدِيَتِهِ بِعَلى يَنْعَكِسُ الأمْرُ.
الأنبياء 21:29
﴿وَمَن يَقُلْ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ، الكَلامُ فِيهِمْ وفي كَوْنِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِمّا قالُوا في حَقِّهِمْ ﴿إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ﴾ مُتَجاوِزًا إيّاهُ تَعالى ﴿فَذَلِكَ﴾ الَّذِي فُرِضَ قَوْلُهُ فَرْضَ مُحالٍ ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ كَسائِرِ المُجْرِمِينَ ولا يُغْنِي عَنْهم ما ذُكِرَ مِن صِفاتِهِمُ السُّنِّيَّةِ وأفْعالِهِمُ المَرْضِيَّةِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ مَلَكُوتِهِ تَعالى وعِزَّةِ جَبَرُوتِهِ واسْتِحالَةِ كَوْنِ المَلائِكَةِ بِحَيْثُ يَتَوَهَّمُ في حَقِّهِمْ ما تَوَهَّمَهُ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ ما لا يَخْفى.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الَّذِينَ يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها ويَتَعَدَّوْنَ أطْوارَهم، والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ التَّقْدِيمِ مُعْتَبَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّقْصانِ دُونَ الزِّيادَةِ، أيْ: لا جَزاءً أنْقَصَ مِنهُ.
الأنبياء 21:30
﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَجْهِيلٌ لَهم بِتَقْصِيرِهِمْ في التَّدَبُّرِ في الآَياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى اسْتَقالِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ، وكَوْنُ جَمِيعِ ما سِواهُ مَقْهُورًا تَحْتَ مَلَكُوتِهِ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ. وقُرِئَ بِغَيْرِ واوٍ، الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا﴾ أيْ: جُمِعَتا السَّمَواتِ والأرْضِينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ .
﴿رَتْقًا﴾ الرَّتْقُ: الضَّمُّ والِالتِحامُ، والمَعْنى: إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ هو بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: كانَتا ذَواتَيْ رَتْقٍ، أوْ مَرْتُوقَتَيْنِ. وقُرِئَ: "رَتْقًا شَيْئًا رَتْقًا" أيْ: مَرْتُوقًا.
﴿فَفَتَقْناهُما﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وقَتادَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزَمَيْنِ، فَفَصَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما، ورَفَعَ السَّماءَ إلى حَيْثُ هي، وأقَرَّ الأرْضَ. وقالَ كَعْبٌ: خَلْقَ اللَّهُ تَعالى السَّمَواتِ والأرْضِ مُلْتَصِقَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا فَتَوَسَّطَتْها فَفَتَقَتْها. وعَنِ الحَسَنِ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ عَلَيْها دُخانٌ مُلْتَزِقٌ بِها، ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَّمَواتِ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها، وبَسَطَ مِنها الأرْضَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ وقالَ مُجاهِدٌ، والسَّدِّيُّ: كانَتِ السَّمَواتُ مُرْتَتِقَةً طَبْعَةً واحِدَةً، فَفَتْقَها فَجَعَلَها سَبْعَ سَماواتٍ، وكَذَلِكَ الأرْضُ كانَتْ مُرْتَفِعَةً طَبْعَةً واحِدَةً، فَفَتْقَها فَجَعَلَها سَبْعَ أرْضِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في (p-65)رِوايَةِ عَطاءٍ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ السَّمَواتِ كانَتْ رَتْقًا مُسْتَوِيَةً صُلْبَةً لا تُمْطِرُ، والأرْضُ رَتْقًا لا تُنْبِتُ، فَفَتَقَ السَّماءَ بِالمَطَرِ، والأرْضَ بِالنَّباتِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالسَّماواتِ: السَّماءَ الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ الآَفاقِ أوِ السَّماواتِ جَمِيعًا عَلى أنَّ لَها مَدْخَلًا في الأمْطارِ، وعَلِمَ الكَفَرَةُ الرَّتْقَ والفَتْقَ بِهَذا المَعْنى مِمّا لا سِتْرَةَ بِهِ. وأمّا بِالمَعانِي الأُوَلِ فَهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوهُما لَكِنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مَن عِلْمِها إمّا بِطْرِيقِ النَّظَرِ والتَّفْكِيرِ فَإنَّ الفَتْقَ عارِضٌ مُفْتَرِقٌ إلى مُؤَثِّرٍ قَدِيمٍ، وإمّا بِالِاسْتِفْسارِ مِنَ العُلَماءِ ومُطالَعَةِ الكُتُبِ.
﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أيْ: خَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ مَوادِّهِ أوْ لِفَرْطِ احْتِياجِهِ إلَيْهِ وانْتِفاعِهِ بِهِ أوْ صَيَّرْنا كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ مِنَ الماءِ، أيْ: بِسَبَبٍ مِنهُ لا بُدَّ لَهُ مِن ذَلِكَ. وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ بِهِ، لا لِمُجَرَّدِ أنَّ المَفْعُولَيْنِ في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وحَقُّ الخَبَرِ عِنْدَ كَوْنِهِ ظَرْفًا أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى المُبْتَدَإ، فَإنَّ ذَلِكَ مُصَحِّحٌ مَحْضٌ مُرَجِحٌ. وقُرِئَ: "حَيًّا" عَلى أنَّهُ صِفَةٌ كُلِّ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، والظَّرْفُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ قُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ والتَّشَوُّقِ إلى المُؤَخَّرِ.
﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ إنْكارٌ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ وحْدَهُ مَعَ ظُهُورِ ما يُوجِبُهُ حَتْمًا مِنَ الآَياتِ الآَفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى تَفَرُّدِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالأُلُوهِيَّةِ، وعَلى كَوْنِ ما سِواهُ مِن مَخْلُوقاتِهِ مَقْهُورَةً تَحْتَ مَلَكُوتِهِ وقدرته. والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ الإنْكارُ السّابِقُ، أيْ: أيَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا يُؤْمِنُونَ ؟ .
الأنبياء 21:31
﴿وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، جَمْعُ راسِيَةٍ مِن رَسا الشَّيْءُ: إذا ثَبَتَ ورَسَخَ، ووَصْفٌ جَمَعَ المُذَكَّرَ يَجْمَعُ المُؤَنَّثَ في غَيْرِ العُقَلاءِ مِمّا لا رَيْبَ في صِحَّتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: "أشْهُرٌ مَعْلُوماتٍ" و" أيّامًا مَعْدُودات " .
﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَتَحَرَّكَ وتَضْطَرِبَ بِهِمْ، أوْ لِئَلّا تَمِيدَ بِهِمْ بِحَذْفِ اللّامِ، ولا لِعَدَمِ الإلْباسِ.
﴿وَجَعَلْنا فِيها﴾ أيْ: في الأرْضِ، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ لِاخْتِلافِ المَجْعُولِينَ ولِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، أوْ في الرَّواسِي لِأنَّها المُحْتاجَةُ إلى الطَّرُقِ.
﴿فِجاجًا﴾ مَسالِكَ واسِعَةً، وإنَّما قُدِّمَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبُلا﴾ وهو وصْفٌ لَهُ لِيَصِيرَ حالًا، فَيُفِيدُ أنَّهُ تَعالى حِينَ خَلَقَها كَذَلِكَ أوْ لِيُبْدِلَ مِنها سُبُلًا، فَيَدُلُّ ضِمْنًا عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَها ووُسَّعَها لِلسّابِلَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّوْكِيدِ.
﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: إلى مَصالِحِهِمْ ومَهَمّاتِهِمْ.
الأنبياء 21:32
﴿وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ مِنَ الوُقُوعِ بِقُدْرَتِنا القاهِرَةِ، أوْ مِنَ الفَسادِ والِانْحِلالِ إلى الوَقْتِ المَعْلُومِ بِمَشِيئَتِنا، أوْ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ بِالشُّهُبِ.
﴿وَهم عَنْ آياتِها﴾ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ وقدرته وإرادَتِهِ الَّتِي بَعْضُها مَحْسُوسٌ وبَعْضُها مَعْلُومٌ بِالبَحْثِ عَنْهُ في عِلْمَيِ الطَّبِيعَةِ والهَيْئَةِ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يَتَدَبَّرُونَ فِيها فَيَبْقَوْنَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ.
الأنبياء 21:33
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ اللَّذَيْنِ هُما آَيَتاهُما، بَيانٌ لِبَعْضِ تِلْكَ الآَياتِ الَّتِي هم عَنْها مُعْرِضُونَ بِطْرِيقِ الِالتِفاتِ المُوجِبِ (p-66)لِتَأْكِيدِ الِاعْتِناءِ بِفَحْوى الكَلامِ، أيْ: هو الَّذِي خَلَقَهُنَّ وحْدَهُ.
﴿كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، عَلى أنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ.
﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أيْ: يَجْرُونَ في سَطْحِ الفَلَكِ كالسَّبْحِ في الماءِ، والمُرادُ بِالفَلَكِ الجِنْسُ، كَقَوْلِكَ: كَساهُمُ الخَلِيفَةُ حُلَّةً. والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وجازَ انْفِرادُهُما بِها لِعَدَمِ اللَّبْسِ والضَّمِيرُ لَهُما، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَطالِعِ، وجُعِلَ الضَّمِيرُ واوَ العُقَلاءِ لِأنَّ السِّباحَةَ حالُهم.
الأنبياء 21:34
﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْحِكْمَةِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّشْرِيعِيَّةِ ﴿أفَإنْ مِتَّ﴾ بِمُقْتَضى حِكْمَتِنا ﴿فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ نَزَلَتْ حِينَ قالُوا: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ والفاءُ لِتَعْلِيقِ الشَّرْطِيَّةِ بِما قَبْلَها، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ مَضْمُونِها بَعْدَ تَقَرُّرِ القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ النّافِيَةِ لِذَلِكَ بِالمَرَّةِ. والمُرادُ بِإنْكارِ خُلُودِهِمْ ونَفْيِهِ: إنْكارُ ما هو مَدارٌ لَهُ وُجُودًا وعَدَمًا مِن شَماتَتِهِمْ بِمَوْتِهِ ﷺ، فَإنَّ الشَّماتَةَ بِما يَعْتَرِيهِ أيْضًا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ عَنِ العاقِلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أفَإنْ مُتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ حَتّى يَشْمَتُوا بِمَوْتِكَ.
الأنبياء 21:35
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أىْ: ذائِقَةٌ مَرارَةَ مُفارِقِها جَسَدَها بُرْهانٌ عَلى ما أنْكَرَ مِن خُلُودِكم.
﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ الخِطابُ إمّا لِلنّاسِ كافَّةً بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، أوْ لِلْكَفَرَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، أيْ: نُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوكم ﴿بِالشَّرِّ والخَيْرِ﴾ بِالبَلايا والنِّعَمِ هَلْ تَصْبِرُونَ وتَشْكُرُونَ أوَّلًا ؟ .
﴿فِتْنَةً﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لـِ "نَبْلُوَكُمْ" مِن غَيْرِ لَفْظِهِ.
﴿وَإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غَيْرِنا لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، فَنُجازِيكم حَسْبَما يَظْهَرُ مِنكم مِنَ الأعْمالِ، فَهو عَلى الأوَّلِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، وعَلى الثّانِي وعِيدٌ مَحْضٌ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا الِابْتِلاءُ والتَّعْرِيضُ لِلثَّوابِ والعِقابِ. وقُرِئَ: "يُرْجَعُونَ" بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ.
الأنبياء 21:36
﴿وَإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوءًا بِهِ عَلى مَعْنى قَصْرِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ هُزُوًا، لا عَلى مَعْنى قَصْرِ اتِّخاذِهِمْ عَلى كَوْنِهِ هُزُوًا كَما هو المُتَبادَرُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتِّخاذَكَ هُزُوًا، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ في (سُورَةِ الأنْعامِ ) .
﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: ويَقُولُونَ أوْ قائِلِينَ ذَلِكَ، أيْ: يُذَكِّرُهم بِسُوءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم ..﴾ إلَخِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ القَوْلِ المُقَدَّرِ، والمَعْنى: أنَّهم يَعِيبُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَذْكُرَ آَلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ والحالُ أنَّهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ أوْ بِإرْشادِ الخَلْقِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ أوْ بِالقرآن كافِرُونَ، فَهم أحِقّاءٌ بِالعَيْبِ والإنْكارِ، فالضَّمِيرُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ "كافِرُونَ"، وبِذِكْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ: وهم كافِرُونَ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ. والضَّمِيرُ الثّانِي تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأوَّلِ (p-67)فَوَقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ ومَعْمُولِهِ بِالمُؤَكَّدِ، وبَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ بِالمَعْمُولِ.
الأنبياء 21:37
﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ جُعِلَ لِفَرْطِ اسْتِعْجالِهِ وقِلَّةِ صَبْرِهِ كَأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنهُ، تَـنْزِيلًا لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ الأخْلاقِ مَنزِلَةَ ما طُبِعَ مِنهُ مِنَ الأرْكانِ إيذانًا بِغايَةِ لُزُومِهِ لَهُ وعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْهُ. ومِن عَجَلَتِهِ مُبادَرَتُهُ إلى الكُفْرِ واسْتِعْجالُهُ بِالوَعِيدِ، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ حِينَ اسْتَعْجَلَ العَذابَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ ...﴾ الآَيَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ: آَدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ حِينَ بَلَغَ الرُّوحُ صَدْرَهُ ولَمْ يَتَبالَغْ فِيهِ، أرادَ أنْ يَقُومَ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا دَخَلَ الرَّوْعُ في عَيْنَيْهِ نَظَرَ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، ولَمّا دَخَلَ جَوْفَهُ اشْتَهى الطَّعامَ. وقِيلَ: خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في آَخِرِ النَّهارِ يَوْمَ الجُمْعَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأسْرَعَ في خَلْقِهِ قَبْلَ غَيْبَتِها، فالمَعْنى: خُلِقَ الإنْسانُ خَلْقًا ناشِئًا مِن عَجَلٍ، فَذَكَرَهُ لِبَيانِ أنَّهُ مِن دَواعِي عَجَلَتِهِ في الأُمُورِ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وإنْ كانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سارِيًا إلى أوْلادِهِ، وقِيلَ: العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ، ولا تَقْرِيبَ لَهُ هَهُنا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وصَرْفٌ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المُسْتَعْجِلِينَ بِطَرِيقِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، أيْ: سَأُرِيكم نِقْماتِي في الآَخِرَةِ، كَعَذابِ النّارِ وغَيْرِهِ.
﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ بِالإتْيانِ بِها، والنَّهْيِ عَمّا جُبِلَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم لِيُقْعِدُوها عَنْ مُرادِها.
الأنبياء 21:38
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيءِ السّاعَةِ الَّتِي كانُوا يُوعِدُونَ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَهُ اسْتِعْجالًا لِمَجِيئِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والإنْكارِ، كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ الجَوابُ لا طَلَبًا لِتَعْيِينِ وقْتِهِ بِطَرِيقِ الإلْزامِ كَما في سُورَةِ المُلْكِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في وعْدِكم بِأنَّهُ يَأْتِينا، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ الآَياتِ الكَرِيمَةَ المُنْبِئَةَ عَنْ مَجِيءِ السّاعَةِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ حَسْبَما حُذِفَ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ . فَإنَّ قَوْلَهم: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ اسْتِبْطاءٌ مِنهم لِلْمَوْعُودِ وطَلَبٌ لِإتْيانِهِ بِطَرِيقِ العَجَلَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ في قُوَّةِ الأمْرِ بِالإتْيانِ عَجَلَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلْيَأْتِنا بِسُرْعَةٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
الأنبياء 21:39
﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ شِدَّةِ هَوْلِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ وفَظاعَةِ ما فِيهِ مِنَ العَذابِ، وأنَّهم إنَّما يَسْتَعْجِلُونَهُ لِجَهْلِهِمْ بِشَأْنِهِ. وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ في الشَّرْطِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ عَدَمِ العِلْمِ، فَإنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ الواقِعَ مَوْقِعَ الماضِي لَيْسَ بِنَصٍّ في إفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ، بَلْ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفائِهِ أيْضًا بِحَسَبِ المَقامِ كَما في قَوْلِكَ: لَوْ تُحْسِنُ إلَيَّ لَشَكَرْتُكَ، فَإنَّ المَعْنى أنَّ انْتِفاءَ الشُّكْرِ لِاسْتِمْرارِ انْتِفاءِ الإحْسانِ لا لِانْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الإحْسانِ. ووَضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى عِلَّةِ اسْتِعْجالِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ مَفْعُولُ "يَعْلَمُ"، وهو عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَوْعُودِ الَّذِي كانُوا (p-68)يَسْتَعْجِلُونَهُ، وإضافَتُهُ إلى الجُمْلَةِ الجارِيَةِ مَجْرى الصِّفَةِ الَّتِي حَقَّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ المُخاطَبِ أيْضًا مَعَ إنْكارِ الكَفَرَةِ لِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ لَهُ إلى الإخْبارِ بِهِ، وإنَّما حَقُّهُ الِانْتِظامُ في سِلْكِ المُسَلَّماتِ المَفْرُوغِ عَنْها، وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، أيْ: لَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِالوَقْتِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ مِنَ الحِينِ الَّذِي تُحِيطُ بِهِمُ النّارُ فِيهِ مِن كُلِّ جانِبٍ. وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ والظُّهُورُ بِالذِّكْرِ بِمَعْنى: القُدّامِ والخَلْفِ لِكَوْنِهِما أشْهَرُ الجَوانِبِ، واسْتِلْزامُ الإحاطَةِ بِهِما الإحاطَةُ بِالكُلِّ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها بِأنْفُسِهِمْ مِن جانِبٍ مِن جَوانِبِهِمْ.
﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ مِن جِهَةِ الغَيْرِ في دَفْعِها .. إلَخِ، لِما فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الِاسْتِعْجالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مَتْرُوكَ المَفْعُولِ مُنَـزَّلًا مَنـزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ: لَوْ كانَ لَهم عِلْمٌ لَما فَعَلُوهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "حِينٍ .." إلَخِ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِجَهْلِهِمْ ومُبَيِّنٌ لِاسْتِمْرارِهِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حِينَ يَرَوْنَ ما يَرَوْنَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ.
الأنبياء 21:40
﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لا يَكُفُّونَ﴾، أيْ: لا يَكُفُّونَها بَلْ تَأْتِيهِمْ، أيِ: العِدَةُ أوِ النّارُ أوِ السّاعَةُ.
﴿بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ أيْ: تَغْلِبُهم أوْ تُحَيِّرُهم. وقُرِئَ الفِعْلانِ بِالتَّذْكِيرِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْوَعْدِ أوِ الحِينَ. وكَذا الهاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ بِتَأْوِيلِ الوَعْدِ بِالنّارِ، أوِ العِدَّةِ والحِينِ بِالسّاعَةِ. ويَجُوزُ عَوْدُهُ إلى النّارِ، وقِيلَ: إلى البَغْتَةِ، أيْ: لا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ.
﴿وَلا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: يُمْهَلُونَ لِيَسْتَرِيحُوا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وفِيهِ تَذْكِيرٌ لِإمْهالِهِمْ في الدُّنْيا.
الأنبياء 21:41
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِهِ ﷺ في ضِمْنِ الِاسْتِعْجالِ، وعِدَّةٌ ضِمْنِيَّةٌ بِأنَّهُ يُصِيبُهم مِثْلُ ما أصابَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ مَضْمُونِها. وتَنْوِينُ "الرُّسُلِ" لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ. و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ أُولِي شَأْنٍ خَطِيرٍ وذَوِي عَدَدٍ كَثِيرٍ، أوْ حَلٍّ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَإنَّ مَعْناهُ يَدُورُ عَلى الشُّمُولِ واللُّزُومِ، ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ والحَيْقِ ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهِ فِعْلِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ اُولَئِكَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مُتَعَلِّقٌ بِـ "حاقَ"، وتَقْدِيمُهُ عَلى فاعِلِهِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ لُحُوقِ الشَّرِّ بِهِمْ. و"ما" إمّا مَوْصُولَةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّهْوِيلِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلَيْها والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ وتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، أيْ: فَأحاطَ بِهِمُ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَهْزِءُونَ بِهِ حَيْثُ أُهْلِكُوا لِأجْلِهِ، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ فالضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ حِينَئِذٍ إلى جِنْسِ الرَّسُولِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالجَمْعِ كَما قالُوا. ولَعَلَّ إيثارَهُ عَلى الجَمْعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ يَحِيقُ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ بِكُلِّ واحِدٍ واحِدٌ مِنهم عَلَيْهِ السَّلامُ لا جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ بِكُلِّهِمْ مِن حَيْثُ هو كُلٌّ فَقَطْ، أيْ: فَنَـزَلَ بِهِمْ جَزاءُ اسْتِهْزائِهِمْ عَلى وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ السَّبَبِ إيذانًا بِكَمالِ المُلابَسَةِ بَيْنَهُما، أوْ عَيْنُ اسْتِهْزائِهِمْ إنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ بِناءً عَلى تَجَسُّمِ الأعْمالِ، فَإنَّ الأعْمالَ الظّاهِرَةَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُوَرٍ عَرْضِيَّةٍ تَبْرُزُ في النَّشْأةِ الآَخِرَةِ بِصُوَرٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُناسِبَةٍ لَها في الحُسْنِ والقُبْحِ (p-69)وَعَلى ذَلِكَ بُنِيَ الوَزْنُ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في (سُورَةِ الأعْرافِ )، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم ...﴾ الآَيَةُ إلى آَخِرِها.
الأنبياء 21:42
﴿قُلْ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إثْرَ تَسْلِيَتِهِ بِما ذَكَرَ مِن مَصِيرِ أمْرِهِمْ إلى الهَلاكِ، وأمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقُولَ لِأُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقِ التَّقْرِيعِ والتَّبْكِيتِ ﴿مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ أيْ: يَحْفَظُكم ﴿بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ: بَأْسُهُ الَّذِي تَسْتَحِقُّونَ نُزُولَهُ لَيْلًا أوْ نَهارًا، أوْ تَقْدِيمُ اللَّيْلِ لِما أنَّ الدَّواهِيَ أكْثَرُ فِيهِ وُقُوعًا وأشَدُّ وقْعًا. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ إيذانٌ بِأنَّ كالِئَهم لَيْسَ إلّا رَحْمَتُهُ العامَّةُ، وبَعْدَ ما أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذَكَرَ مِنَ السُّؤالِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حالُهم لِأنَّهم بِحَيْثُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظُهم في المَلَوَيْنِ لَحَلَّ بِهِمْ فُنُونً الآَفاتِ فَهم أحْقادٌ بِأنْ يُكَلِّفُوا الِاعْتِرافَ بِذَلِكَ فَيُوَبِّخُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ بِبَيانِ أنَّ لَهم حالًا أُخْرى مُقْتَضِيَةً لِصَرْفِ الخِطابِ عَنْهم هي أنَّهم لا يُخْطِرُونَ ذِكْرَهُ تَعالى بِبالِهِمْ؛ فَضْلًا أنْ يَخافُوا بَأْسَهُ ويَعُدُّوا ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الأمْنِ والدَّعَةِ حِفْظًا وكَلاءَةً حَتّى يَسْألُوا عَنِ الكالِئِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ مَن قالَ:
؎ عَوِّجُوا فَحَيُّوا لِنُعَمٍ دُمَنَةَ الدّارِ .... ماذا تُحَيُّونَ مِن نُؤْيٍ وأحْجارِ
وَفِي تَعْلِيقِ الإعْراضِ بِذِكْرِهِ تَعالى وإيرادِ اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمُ المُنْبِئُ عَنْ كَوْنِهِمْ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ وتَدْبِيرِهِ وتَرْبِيَتِهِ تَعالى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الضَّلالَةِ والغَيِّ ما لا يَخْفى.
الأنبياء 21:43
وَكَلِمَةُ "أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى "بَلْ" لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَمّا قَبْلَهُ مِن بَيانِ أنَّ جَهْلَهم بِحِفْظِهِ تَعالى إيّاهم لِعَدَمِ خَوْفِهِمُ النّاشِئِ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ بِالكُلِّيَّةِ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِاعْتِمادِهِمْ عَلى آَلِهَتِهِمْ وإسْنادِهِمُ الحِفْظَ إلَيْها. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم آَلِهَةٌ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، والمَعْنى: ألْهَمَ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِنَ العَذابِ تَتَجاوَزُ مَنعَنا أوْ حِفْظَنا أوْ مِن عَذابٍ كائِنٍ مِن عِنْدِنا فَهم مُعَوِّلُونَ عَلَيْها واثِقُونَ بِحِفْظِها وفي تَوْجِيهِ الإنْكارِ والنَّفْيِ إلى وُجُودِ الآَلِهَةِ المَوْصُوفَةِ بِما ذُكِرَ مِنَ المَنعِ لا إلى نَفْسِ الصِّفَةِ بِأنْ يُقالَ: أمْ تَمْنَعُهم آَلِهَتُهم .. إلَخِ، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى سُقُوطِها عَنْ مَرْتَبَةِ الوُجُودِ فَضْلًا عَنْ رُتْبَةِ المَنعِ ما لا يُخْفى.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الإنْكارِ، ومُوَضِّحٌ لِبُطْلانِ اعْتِقادِهِمْ، أيْ: هم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَنْصُرُوا أنْفُسَهم، ولا يُصْحَبُونَ بِالنَّصْرِ مِن جِهَتِنا، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَنْصُرُوا غَيْرَهم ؟ .
الأنبياء 21:44
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ إضْرابٌ عَمّا تَوَهَّما بِبَيانِ أنَّ الدّاعِيَ إلى حِفْظِهِمْ تَمْتِيعُنا إيّاهم بِما قَدَرَ لَهم مِنَ الأعْمالِ، أوْ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى بُطْلانِهِ بَيانُ ما أوْهَمَهم ذَلِكَ هو أنَّهُ تَعالى مَتَّعَهم بِالحَياةِ الدُّنْيا وأمْهَلَهم حَتّى طالَتْ أعْمارُهم فَحَسِبُوا أنْ لا يَزالُوا كَذَلِكَ وأنَّهُ بِسَبَبِ ما هم عَلَيْهِ، (p-70)وَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَمَعٌ فارِغٌ، وأمَلٌ كاذِبٌ. حَيْثُ قِيلَ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ: ألا يَنْظُرُونَ فَلا يَرَوْنَ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ﴾ أيْ: أرْضَ الكَفَرَةِ ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُونَ أنَّهم ناجُونَ مِن بَأْسِنا ؟ . وهو تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِما يُخَرِّبُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن دِيارِهِمْ عَلى أيْدِي المُسْلِمِينَ ويُضِيفُها إلى دارِ الإسْلامِ.
﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، والفاءُ لِإنْكارِ تَرْتِيبِ الغالِبِيَّةِ عَلى ما ذُكِرَ مِن نَقْصِ أرْضِ الكَفَرَةِ بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلَيْها، كَأنَّهُ قِيلَ: أبْعَدُ ظُهُورٍ ما ذُكِرَ ورُؤْيَتُهم لَهُ يُتَوَهَّمُ غَلَبَتُهم كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ وفي التَّعْرِيفِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُسْلِمِينَ هُمُ المُتَعَيِّنُونَ لِلْغَلَبَةِ المَعْرُوفُونَ بِها.
الأنبياء 21:45
﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكُمْ﴾ بَعْدَ ما بُيِّنَ مِن جِهَتِهِ تَعالى غايَةُ هَوْلِ ما يَسْتَعْجِلُهُ المُسْتَعْجِلُونَ ونِهايَةُ سُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ إتْيانِهِ، ونُعِيَ عَلَيْهِمْ جَهْلُهم بِذَلِكَ وإعْراضُهم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمُ الَّذِي يَكْلَؤُهم مِن طَوارِقِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَساوِئِ أحْوالِهِمْ، أمَرَ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم: إنَّما أُنْذِرُكم ما تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ السّاعَةِ ﴿بِالوَحْيِ﴾ الصّادِقِ النّاطِقِ بِإتْيانِها وفَظاعَةٍ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ، أيْ: إنَّما شَأْنِي أنْ أنْذَرَكم بِالإخْبارِ بِذَلِكَ لا بِالإتْيانِ بِها، فَإنَّهُ مُزاحِمٌ لِلْحِكْمَةِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّشْرِيعِيَّةِ إذِ الإيمانُ بُرْهانِيٌّ لا عَيانِيٌّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ المُلَقَّنِ تَذْيِيلٌ لَهُ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ، قَدْ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ الجَهْلِ والعِنادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ المُنْتَظِمِ لِلْمُخاطَبِينَ انْتِظامًا أوَّلِيًّا أوْ لِلْعَهْدِ، فَوَضَعَ المُظْهِرَ مَوْضِعَ المُضْمِرَ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالتِصامٍ وتَقْيِيدِ نَفْيِ السَّماعِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ مَعَ أنَّ الصُّمَّ لا يَسْمَعُونَ الكَلامَ إنْذارًا كانَ أوْ تَبْشِيرًا لِبَيانِ كَمالِ شِدَّةِ الصَّمَمِ، كَما أنَّ إيثارَ الدُّعاءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الصَّوْتِ والنِّداءِ عَلى الكَلامِ لِذَلِكَ، فَإنَّ الإنْذارَ عادَةً يَكُونُ بِأصْواتٍ عالِيَةٍ مُكَرِّرَةٍ مُقارَنَةٍ لِهَيْآَتٍ دالَّةٍ عَلَيْهِ، فَإذا لَمْ يَسْمَعُوها يَكُونُ صَمَمُهم في غايَةٍ لا غايَةَ وراءَها. وإمّا مِن جِهَتِهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ عَلى خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الإسْماعِ بِنُصْبِ الصُّمِّ والدُّعاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لَهم ذَلِكَ وأنْتَ بِمَعْزِلٍ مِنَ اِسْماعِهِمْ. وقُرِئَ بِالياءِ أيْضًا عَلى أنَّ الفاعِلَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إسْماعِ الصُّمِّ.
الأنبياء 21:46
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ بَيانٌ لِسُرْعَةِ تَأثُّرِهِمْ مِن مَجِيءِ نَفَسِ العَذابِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ مِن مَجِيءِ خَبَرِهِ عَلى نَهْجِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، أيْ: وبِاللَّهِ لَئِنْ أصابَهم أدْنى إصابَةٍ أدْنَهُ شَيْءٌ مِن عَذابِهِ تَعالى، كَما يُنْبِئِ عَنْهُ المَسُّ والنَّفْخَةُ بِجَوْهَرِها وبِنائِها، فَإنَّ أصْلَ النَّفْخِ هُبُوبُ رائِحَةِ الشَّيْءِ.
﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ لَيَدْعُنَّ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُنَّ عَلَيْها بِالظُّلْمِ.
الأنبياء 21:47
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ﴾ بَيانٌ لِما سَيَقَعُ عِنْدَ إتْيانِ ما أُنْذِرُوهُ، أيْ: نُقِيمُ المَوازِينَ (p-71)العادِلَةَ الَّتِي تُوزَنُ بِها صَحائِفُ الأعْمالِ، وقِيلَ: وضْعُ المَوازِينِ تَمْثِيلٌ لِإرْصادِ الحِسابِ السَّوِيِّ والجَزاءِ عَلى حَسْبِ الأعْمالِ. وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ في (سُورَةِ الأعْرافِ ) وإفْرادُ القِسْطِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً.
﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، أيْ: لِجَزائِهِ، أوْ لِأجْلِ أهْلِهِ، أوْ فِيهِ، كَما في قَوْلِكَ: جِئْتُ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿شَيْئًا﴾ حَقًّا مِن حُقُوقِها، أوْ شَيْئًا ما مِنَ الظُّلْمِ، بَلْ يُوَفّى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا. فَشَرٌّ والفاءُ لِتَرْتِيبِ انْتِفاءِ الظُّلْمِ عَلى وضْعِ المَوازِينِ.
﴿وَإنْ كانَ﴾ أيِ: العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ أيْ: مِقْدارَ حَبَّةٍ كائِنَةٍ مِن خَرْدَلٍ، أيْ: وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ، فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ. وقُرِئَ: "مِثْقالُ حَبَّةٍ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ.
﴿أتَيْنا بِها﴾ أيْ: أحْضَرْنا ذَلِكَ العَمَلَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِمِثْقالِ حَبَّةِ الخَرْدَلِ لِلْوَزْنِ، والتَّأْنِيثُ لِإضافَتِهِ إلى الحَبَّةِ. وقُرِئَ: "آَتَيْنا بِها" أيْ: جازَيْنا بِها، مِنَ الإتْيانِ بِمَعْنى: المُجازاةِ والمُكافَأةِ، لِأنَّهم أتَوْهُ بِالأعْمالِ وأتاهم بِالجَزاءِ. وقُرِئَ: "أُثِبْنا" مِنَ الثَّوابِ. وقُرِئَ: "جِئْنا بِها" .
﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ إذْ مَزِيدٌ عَلى عِلْمِنا وعَدْلِنا.
الأنبياء 21:48
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ ..﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾، وإشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ إنْجائِهِمْ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ وتَصْدِيرُهُ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِهِ، والمُرادُ بِالفُرْقانِ: هو التَّوْراةُ، وكَذا بِالضِّياءِ والذِّكْرِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ آَتَيْناهُما وحْيًا ساطِعًا وِكِتابًا جامِعًا بَيْنَ كَوْنِهِ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وضِياءِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، وذِكْرًا يَتَّعِظُ بِهِ النّاسُ، وتَخْصِيصُ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُسْتَضِئُونَ بِأنْوارِهِ المُغْتَنِمُونَ لِمَغانِمِ آَثارِهِ، أوْ ذِكْرِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، وقِيلَ: الفَرْقانُ: النَّصْرُ، وقِيلَ: فَلَقُ البَحْرِ، والأوَّلُ هو اللّائِقُ بِمَساقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ فَإنَّهُ لِتَحْقِيقِ أمْرِ القرآن المُشارِكِ لِسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لا سِيَّما التَّوْراةُ فِيما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ، ولِأنَّ فَلَقَ البَحْرِ هو الَّذِي اقْتَرَحَ الكَفَرَةُ مِثْلَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ . وقُرِئَ: "ضِياءً" بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الفُرْقانِ.
الأنبياء 21:49
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ: عَذابَهُ مَجْرُورُ المَحَلِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ بَدَلٌ، أوْ بَيانٌ، أوْ مَنصُوبٌ، أوْ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ.
﴿بِالغَيْبِ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: يَخْشَوْنَ عَذابَهُ تَعالى وهو غائِبٌ عَنْهم غَيْرُ مُشاهِدٍ لَهم، فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالكَفَرَةِ حَيْثُ لا يَتَأثَّرُونَ بِالإنْذارِ ما لَمْ يُشاهِدُوا ما أُنْذِرُوهُ. وقِيلَ: مِنَ الفاعِلِ.
﴿وَهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ مِنها بِطَرِيقِ الِاعْتِناءِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وتَخْصِيصُ إشْفاقِهِمْ مِنها بِالذِّكْرِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالخَشْيَةِ عَلى الإطْلاقِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِها مُعْظَمَ المَخُوفاتِ ولِلتَّنْصِيصِ عَلى اتِّصافِهِمْ بِضِدِّ ما اتَّصَفَ بِهِ المُسْتَعْجِلُونَ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الإشْفاقِ ودَوامِهِ.
الأنبياء 21:50
﴿وَهَذا﴾ أيِ: القرآن الكَرِيمُ، أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذا إيذانًا بِغايَةِ وُضُوحِ أمْرِهِ ﴿ذِكْرٌ﴾ يَتَذَكَّرُ بِهِ (p-72)مَن يَتَذَكَّرُ. وُصِفَ بِالوَصْفِ الأخِيرِ لِلتَّوْراةِ لِمُناسَبَةِ المَقامِ ومُوافَقَتِهِ لِما مَرَّ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ﴿مُبارَكٌ﴾ كَثِيرُ الخَيْرِ غَزِيزُ النَّفْعِ يُتَبَرَّكُ بِهِ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ إمّا صِفَةٌ ثانِيَةٌ لـِ "ذِكْرٌ" أوْ خَبَرٌ آَخَرُ.
﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ إنْكارٌ لِإنْكارِهِمْ بَعْدَ ظَهْرٍ، وكَوْنُ إنْزالِهِ كَإيتاءِ التَّوْراةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أبْعَدُ أنْ عَلِمْتُمْ أنَّ شَأْنَهُ كَشَأْنِ التَّوْراةِ في الإيتاءِ والإيحاءِ أنْتُمْ مُنْكِرُونَ لِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِنا ؟ فَإنَّ ذَلِكَ بَعْدَ مُلاحَظَةِ حالِ التَّوْراةِ مِمّا لا مَساغَ لَهُ أصْلًا.
الأنبياء 21:51
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيِ: الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ الكِبارِ، وهو الِاهْتِداءُ الكامِلُ المُسْتَنِدُ إلى الهِدايَةِ الخاصَّةِ الحاصِلَةِ بِالوَحْيِ، والِاقْتِدارُ عَلى إصْلاحِ الأُمَّةِ بِاسْتِعْمالِ النَّوامِيسِ الإلَهِيَّةِ. وقُرِئَ: "رَشَدَهُ" وهُما لُغَتانِ كالحُزْنِ والحَزَنِ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ إيتاءِ مُوسى وهارُونَ التَّوْراةَ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ إيتائِها لِما بَيْنَهُ وبَيْنَ إنْزالِ القرآن مِنَ الشَّبَهِ التّامِّ. وقِيلَ: مِن قَبْلِ اسْتِنْبائِهِ، أوْ قَبْلَ بُلُوغِهِ، ويَأْباهُ المَقامُ.
﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ: بِأنَّهُ أهْلٌ لِما آَتَيْناهُ، وفِيهِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالجُزْئِيّاتِ مُخارٌ في أفْعالِهِ ما لا يَخْفى.
الأنبياء 21:52
﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ ظَرْفٌ لـِ "آَتَيْنا" عَلى أنَّهُ وقْتٌ مُتَّسِعٌ وقَعَ فِيهِ الإيتاءُ وما تُرُتِّبَ عَلَيْهِ مِن أفْعالِهِ وأقْوالِهِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ، أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ لَهم: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ لِتَقِفَ عَلى كَمالِ رُشْدِهِ وغايَةِ فَضْلِهِ. والتِّمْثالُ: اسْمٌ لِشَيْءٍ مَصْنُوعٍ مُشَبَّهٍ بِخَلْقٍ مِن خَلائِقِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَجاهُلٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ سَألَهم عَنْ أصْنامِهِمْ بِما الَّتِي يُطْلَبُ بِها بَيانُ الحَقِيقَةِ، أوْ شَرَحَ الِاسْمَ كَأنَّهُ لا يَعْرِفُ أنَّها ماذا مَعَ إحاطَتِهِ بِأنَّ حَقِيقَتَها حَجَرٌ أوْ شَجَرٌ اتَّخَذُوها مَعْبُودًا، وعَبَّرَ عَنْ عِبادَتِهِمْ لَها بِمُطْلَقِ العُكُوفِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الشَّيْءِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ قَصْدًا إلى تَحْقِيرِها وإذْلالِها وتَوْبِيخًا لَهم عَلى إجْلالِها. واللّامُ في "لَها" لِلِاخْتِصاصِ دُونَ التَّعْدِيَةِ، وإلّا لَجِيءَ بِكَلِمَةِ "عَلى" والمَعْنى: أنْتُمْ فاعِلُونَ العُكُوفَ لَها.
الأنبياء 21:53
وَقَدْ جُوِّزَ تَضْمِينُ العُكُوفِ مَعْنى العِبادَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أجابُوا بِذَلِكَ لِما أنَّ مَآَلَ سُؤالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الِاسْتِفْسارُ عَنْ سَبَبِ عِبادَتِهِمْ لَها كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وصْفُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم بِالعُكُوفِ لَها، كَأنَّهُ قالَ: ما هي هَلْ تَسْتَحِقُّ ما تَصْنَعُونَ مِنَ العُكُوفِ عَلَيْها ؟ .
الأنبياء 21:54
فَلَمّا لَمْ يَكُنْ لَهم مَلْجَأٌ يُعْتَدُّ بِهِ التَجَئُوا إلى التَّقْلِيدِ فَأبْطَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ حَيْثُ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ الَّذِينَ سَنُّوا لَكم هَذِهِ السُّنَّةَ الباطِلَةَ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَجِيبٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٌ بَيِّنٌ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ كَوْنُهُ كَذَلِكَ. ومَعْنى "كُنْتُمْ" مُطْلَقُ اسْتِقْرارِهِمْ عَلى الضَّلالِ لا اسْتِقْرارُهُمُ الماضِي الحاصِلِ قَبْلَ زَمانِ الخِطابِ المُتَناوَلِ لَهم ولِآَبائِهِمْ، أيْ: واللَّهِ لَقَدْ كُنْتُمْ مُسْتَقِرِّينَ عَلى ضَلالٍ عَظِيمٍ (p-73)ظاهِرٌ لِعَدَمِ اسْتِنادِهِ إلى دَلِيلٍ ما، والتَّقْلِيدُ إنَّما يَجُوزُ فِيما يَحْتَمِلُ الحَقِّيَّةَ في الجُمْلَةِ.
الأنبياء 21:55
﴿قالُوا﴾ لَمّا سَمِعُوا مَقالَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِبْعادًا لِكَوْنِ ما هم عَلَيْهِ ضَلالًا وتَعَجُّبًا مِن تَضْلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم بِطَرِيقِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، وتَرَدُّدًا في كَوْنِ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى وجْهِ الجِدِّ ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالجِدِّ ﴿أمْ أنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ﴾ فَتَقُولُ ما تَقُولُ عَلى وجْهِ المُداعَبَةِ والمِزاحِ. وفي إيرادِ الشِّقِّ الأخِيرِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ إيذانٌ بِرُجْحانِهِ عِنْدَهم.
الأنبياء 21:56
﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ إضْرابًا عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَهم مِنِ اعْتِقادِ كَوْنِها أرْبابًا لَهم كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهم: ﴿نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
﴿بَلْ رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِهِ لاعِبًا بِإقامَةِ البُرْهانِ عَلى ما ادَّعاهُ، وضَمِيرُ "هُنَّ" لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وصَفَهُ تَعالى بِإيجادِهِنَّ إثْرَ وصْفِهِ تَعالى بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُنَّ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الربوبية، أيْ: أنْشَأهُنَّ بِما فِيهِنَّ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْتُمْ وآَباؤُكم وما تَعْبُدُونَ مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ، ورَجْعُ الضَّمِيرِ إلى التَّماثِيلِ أدْخَلُ في تَضْلِيلِهِمْ وأظْهَرُ في إلْزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِنَ التَّصْرِيحِ المُغْنِي عَنِ التَّأمُّلِ في كَوْنِ ما يَعْبُدُونَهُ مِن جُمْلَةِ المَخْلُوقاتِ.
﴿وَأنا عَلى ذَلِكُمْ﴾ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِن كَوْنِ رَبِّكم رَبَّ السَّمَواتِ والأرْضِ فَقَطْ دُونَ ما عَداهُ كائِنًا ما كانَ ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ: العالِمِينَ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ مَن تَحَقَّقَهُ وحَقَّقَهُ وشَهادَتُهُ عَلى ذَلِكَ إدْلاؤُهُ بِالحُجَّةِ عَلَيْهِ وإثْباتُهُ بِها كَأنَّهُ قالَ: وأنا أُبَيِّنُ ذَلِكَ وأُبَرْهِنُ عَلَيْهِ.
الأنبياء 21:57
﴿وَتاللَّهِ﴾ وقُرِئَ بِالباءِ وهو الأصْلُ، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنَ الأصْلِ وفِيها تَعْجِيبٌ.
﴿لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ أيْ: لَأجْتَهِدَنَّ في كَسْرِها، وفِيهِ إيذانٌ بِصُعُوبَةِ الِانْتِهازِ وتَوَقُّفِهِ عَلى اسْتِعْمالِ الحِيَلِ، وإنَّما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سِرًّا، وقِيلَ: سَمِعَهُ رَجُلٌ واحِدٌ.
﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ مِن عِبادَتِهِمْ إلى عِيدِكم. وقُرِئَ: "تَوَلَّوْا" مِنَ التَّوَلِّي بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، ويَعْضُدُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾
الأنبياء 21:58
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَوَلَّوْا فَجَعَلَهم ﴿جُذاذًا﴾ أيْ: قِطَعًا فُعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ الجَذِّ الَّذِي هو القَطْعُ، كالحُطامِ مِنَ الحَطْمِ الَّذِي هو الكَسْرُ. وقُرِئَ بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ، أوْ جُمَعُ جَذِيذٍ كَخِفافٍ وخَفِيفٍ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ. وجُذُذًا جَمْعُ جَذِيذٍ وجُذَذًا جَمْعُ جُذَّةٍ. رُوِيَ أنْ آَزَرَ خَرَجَ بِهِ في يَوْمِ عِيدٍ لَهم، فَبَدَءُوا بِبَيْتِ الأصْنامِ فَدَخَلُوهُ فَسَجَدُوا لَها ووَضَعُوا بَيْنَها طَعامًا خَرَجُوا بِهِ مَعَهم، وقالُوا: إلى أنْ تَرْجِعَ بَرَكَتَهُ الآَلِهَةُ عَلى طَعامِنا فَذَهَبُوا، وبَقِيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَظَرَ إلى الأصْنامِ وكانَتْ سَبْعَيْنِ صَنَمًا مُصْطَفًّا وثَمَّةَ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبِلَ البابِ، وكانَ مِن ذَهَبٍ وفي عَيْنَيْهِ (p-74)جَوْهَرَتانِ تُضِيئانِ بِاللَّيْلِ فَكَسَرَ الكُلَّ بِفَأْسٍ كانَتْ في يَدِهِ ولَمْ يُبْقِ إلّا الكَبِيرَ، وعَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أيْ: لِلْأصْنامِ ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿يَرْجِعُونَ﴾ فَيُحاجُّهم بِما سَيَأْتِي فَيُحَجِّهِمْ ويُبَكِّتُهم. وقِيلَ: يَرْجِعُونَ إلى الكَبِيرِ فَيَسْألُونَهُ عَنِ الكاسِرِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ في المُلِمّاتِ، وقِيلَ: يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِهِمْ عَجْزَ آَلِهَتِهِمْ عَنْ دَفْعِ ما يُصِيبُهم وعَنِ الإضْرارِ بِمَن كَسَرَهم.
الأنبياء 21:59
﴿قالُوا﴾ أيْ: حِينَ رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ورَأوْا ما رَأوْا ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والتَّشْنِيعِ، وإنَّما عَبَّرُوا عَنْها بِما ذُكِرَ، ولَمْ يَشْتَرُوا إلَيْها بِهَؤُلاءِ وهي بَيْنَ أيْدِيهِمْ مُبالَغَةً في التَّشْنِيعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: "مَن" مَوْصُولَةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ لَها، والمَعْنى: الَّذِي فَعَلَ هَذا الكَسْرَ والحَطْمَ بِآَلِهَتِنا إنَّهُ مَعْدُودٌ مِن جُمْلَةِ الظَّلَمَةِ، إمّا لِجُرْأتِهِ عَلى إهانَتِها وهي حَقِيقَةٌ بِالإعْظامِ، أوْ لِإفْراطِهِ في الكَسْرِ والحَطْمِ وتَمادِيهِ في الِاسْتِهانَةِ بِها، أوْ بِتَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلْهَلَكَةِ.
الأنبياء 21:60
﴿قالُوا﴾ أيْ: بَعْضٌ مِنهم مُجِيبِينَ لِلسّائِلِينَ ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أيْ: يَعِيبُهم فَلَعَلَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: "يَذْكُرُهُمْ" إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِسَمِعَ لِتَعَلُّقِهِ بِالعَيْنِ، أوْ صِفَةٌ لـِ "فَتى" مُصَحِّحَةٌ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ هَذا إذا كانَ القائِلُونَ سَمِعُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذّاتِ يَذْكُرُهم وإنْ كانُوا قَدْ سَمِعُوا مِنَ النّاسِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُذَكِّرُهم بِسُوءٍ فَلا حاجَةَ إلى المُصَحِّحِ.
﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لـِ "فَتى" أيْ: يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذا الِاسْمَ.
الأنبياء 21:61
﴿قالُوا﴾ أيِ: السّائِلُونَ ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ أيْ: بِمَرْأًى مِنهم بِحَيْثُ يَكُونُ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ أيْ: يَحْضُرُونَ عُقُوبَتَنا لَهُ، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ بِفِعْلِهِ أوْ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ، فالضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِلنّاسِ، بَلْ لِبَعْضٍ مِنهم مُبْهَمٍ أوْ مَعْهُودٍ.
الأنبياء 21:62
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلُوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ أتَوْا بِهِ أوَّلًا ؟ فَقِيلَ: أتَوْا بِهِ ثُمَّ قالُوا ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ اقْتِصارًا عَلى حِكايَةِ مُخاطَبَتِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إتْيانَهم بِهِ ومُسارَعَتَهم إلى ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ.
الأنبياء 21:63
﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ مُشِيرًا إلى الَّذِي لَمْ يَكْسِرْهُ سَلَكَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْلَكًا تَعْرِيضِيًّا يُؤَدِّيهِ إلى مَقْصِدِهِ الَّذِي هو إلْزامُهُمُ الحُجَّةَ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ بِحَمْلِهِمْ عَلى التَّأمُّلِ في شَأْنِ آَلِهَتِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّوَقِّي مِنَ الكَذِبِ، حَيْثُ أبْرَزَ الكَبِيرَ قَوْلًا في مَعْرِضِ المُباشِرِ لِلْفِعْلِ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ، كَما أبْرَزَهُ في ذَلِكَ (p-75)المَعْرَضِ فِعْلًا يَجْعَلُ الفَأْسَ في عُنُقِهِ، وقَدْ قَصَدَ إسْنادَهُ إلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّسْبِيبِ، حَيْثُ كانَتْ تِلْكَ الأصْنامُ غاظَتْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أبْصَرَها مُصْطَفَّةً مُرَتَّبَةً لِلْعِبادَةِ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وكانَ غَيْظُ كَبِيرِهِمْ أكْبَرَ وأشَدَّ حَسَبَ زِيادَةِ تَعْظِيمِهِمْ لَهُ، فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ الحامِلُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما يَقُودُ إلى تَجْوِيزِهِ مَذْهَبَهم، كَأنَّهُ قالَ لَهم: ما تُنْكِرُونَ أنْ يَفْعَلَهُ كَبِيرُهم، فَإنَّ مِن حَقِّ مَن يُعْبَدُ ويُدْعى إلَهًا أنْ يَقْدِرَ عَلى ما هو أشَدُّ مِن ذَلِكَ. ويُحْكى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا غَضِبَ أنْ تُعْبَدَ مَعَهُ هَذِهِ الصِّغارُ وهو أكْبَرُ مِنها، فَيَكُونُ تَمْثِيلًا أرادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَنْبِيهَهم عَلى غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ لِإشْراكِهِمْ بِعِبادَتِهِ الأصْنامَ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقْصِدْ نِسْبَةَ الفِعْلِ الصّادِرِ عَنْهُ إلى الضَّمِّ بَلْ إنَّما قَصَدَ تَقْرِيرَهُ لِنَفْسِهِ وإثْباتَهُ لَها عَلى أُسْلُوبٍ تَعْرِيضِيٍّ يُبَلِّغُ فِيهِ غَرَضَهُ مِنَ إلْزامِهِمُ الحُجَّةَ وتَبْكِيتِهِمْ، ومَثَّلَ لِذَلِكَ بِما لَوْ قالَ لَكَ أُمِّيٌّ فِيما كَتَبْتَهُ بِخَطٍّ رَشِيقٍ وأنْتَ شَهِيرٌ بِحُسْنِ الخَطِّ: أأنْتَ كَتَبْتَ هَذا ؟ فَقُلْتَ لَهُ: بَلْ أنْتَ كَتَبْتَهُ، كانَ قَصْدُكَ تَقْرِيرَ الكِتابَةِ لِنَفْسِكَ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِالسّائِلِ نَفْيُها عَنْكَ وإثْباتُها لَهُ فَبِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْقِيقِ، لِأنَّ خُلاصَةَ المَعْنى في المِثالِ المَذْكُورِ مُجَرَّدُ تَقْرِيرِ الكِتابَةِ لِنَفْسِكَ وإدْعاءُ ظُهُورِ الأمْرِ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِالسّائِلِ وتَجْهِيلِهِ في السُّؤالِ لِابْتِنائِهِ عَلى أنَّ صُدُورَها عَنْ غَيْرِكَ مُحْتَمَلٌ عِنْدَهُ مَعَ اسْتِحالَتِهِ عِنْدَكَ، ولا رَيْبَ في أنَّ مُرادَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اِسْنادِ الكَسْرِ إلى الصَّنَمِ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَقْرِيرِهِ لِنَفْسِهِ ولا تَجْهِيلَهم في سُؤالِهِمْ لِابْتِنائِهِ عَلى احْتِمالِ صُدُورِهِ عَنِ الغَيْرِ عِنْدَهم، بَلْ إنَّما مُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَوْجِيهُهم نَحْوَ التَّأمُّلِ في أحْوالِ أصْنامِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ: إنْ كانُوا مِمَّنْ يُمْكِنُ أنْ يَنْطِقُوا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ كانُوا يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ مَعَ أنَّ السُّؤالَ مَوْقُوفٌ عَلى السَّمْعِ والعَقْلِ أيْضًا، لِما أنَّ نَتِيجَةَ السُّؤالِ هو الجَوابُ وأنَّ عَدَمَ نُطْقِهِمْ أظْهَرُ وتَبْكِيتُهم بِذَلِكَ أدْخَلُ.
الأنبياء 21:64
وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ أوَّلًا حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: راجَعُوا عُقُولَهم وتَذَكَّرُوا أنَّ ما لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ نَفْسِهِ ولا عَلى الإضْرارِ بِمَن كَسَرَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَقْدِرَ عَلى دَفْعِ مُضِرَّةٍ عَنْ غَيْرِهِ أوْ جَلْبِ مَنفَعَةٍ لَهُ فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا.
﴿فَقالُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ فِيما بَيْنَهم ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: بِهَذا السُّؤالِ لِأنَّهُ كانَ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ المُسْتَتْبِعِ لِلْمُؤاخَذَةِ، أوْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ لا مَن ظَلَمْتُمُوهُ بِقَوْلِكم: إنَّهُ لِمَنِ الظّالِمِينَ، أوْ أنْتُمْ ظالِمُونَ بِعِبادَتِها لا مَن كَسَرَها.
الأنبياء 21:65
﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ أيِ: انْقَلَبُوا إلى المُجادَلَةِ بَعْدَ ما اسْتَقامُوا بِالمُراجَعَةِ. شَبَّهَ عُودَهم إلى الباطِلِ بِصَيْرُورَةِ أسْفَلِ الشَّيْءِ أعْلاهُ. وقُرِئَ: "نُكِّسُوا" بِالتَّشْدِيدِ، و"نَكَّسُوا" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: نَكَّسُوا أنْفُسَهم.
﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: قائِلِينَ: واللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ أنْ لَيْسَ مِن شَأْنِهِمُ النُّطْقُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنا بِسُؤالِهِمْ ؟ عَلى أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ نَفْيِ النُّطْقِ لا نَفْيِ اسْتِمْرارِهِ كَما تُوهِمُهُ صِيغَةُ المُضارِعِ.
الأنبياء 21:66
(p-76)﴿قالَ﴾ مُبَكِّتًا لَهم ﴿أفَتَعْبُدُونَ﴾ أيْ: أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَتَعْبُدُونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ عِبادَتَهُ تَعالى ﴿ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ مِنَ النَّفْعِ ﴿وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ فَإنَّ العِلْمَ بِحالِهِ المُنافِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ مِمّا يُوجِبُ الِاجْتِنابَ عَنْ عِبادَتِهِ قَطْعًا.
الأنبياء 21:67
﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تَضَجُّرٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اِصْرارِهِمْ عَلى الباطِلِ البَيِّنِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِمَزِيدِ اسْتِقْباحِ ما فَعَلُوا، و"أُفٍّ" صَوْتُ المُتَضَجِّرِ، ومَعْناهُ: قُبْحًا ونَتْنًا، واللّامُ لِبَيانِ المُتَأقِّفِ لَهُ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ قُبْحَ صَنِيعِكم.
الأنبياء 21:68
﴿قالُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا عَجَزُوا عَنِ المَحاجَّةِ وضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ وعَيَّتْ بِهِمُ العِلَلُ وهَكَذا دَيْدَنُ المُبْطِلِ المَحْجُوجِ إذا قَرَعْتَ شُبْهَتَهُ بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ وافْتُضِحَ لا يَبْقى لَهُ مُفْزِعٌ إلّا المُناصَبَةُ.
﴿حَرِّقُوهُ﴾ فَإنَّهُ أشَدُّ العُقُوباتِ ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ الِانْتِقامُ لَها ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ: لِلنَّصْرِ، أوْ لِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ. قِيلَ: القائِلُ: نَمْرُودُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ السَّنْجارِيبِ بْنِ نَمْرُودَ بْنِ كَوْسِ بْنِ حامٍ بْنِ نُوحٍ، وقِيلَ: رَجُلٌ مِن أكْرادِ فارِسَ اسْمُهُ هَيْوُنُ، وقِيلَ: هَدِيرٌ خُسِفَتْ بِهِ الأرْضُ. رُوِيَ أنَّهم لَمّا أجْمَعُوا عَلى إحْراقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَنَوْا لَهُ حَظِيرَةً بِكُوثى قَرْيَةٍ مِن قُرى الأنْباطِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجحيم﴾ فَجَمَعُوا لَهُ صِلابَ الحَطَبِ مِن أصْنافِ الخَشَبِ مُدَّةَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَأوْقَدُوا نارًا عَظِيمَةً لا يَكادُ يَحُومُ حَوْلَها أحَدٌ، حَتّى إنْ كانَتِ الطَّيْرُ لَتَمَرُّ بِها وهي في أقْصى الجَوِّ فَتَحْتَرِقُ مِن شِدَّةِ وهَجِها، ولَمْ يَكَدْ أحَدٌ يَحُومُ حَوْلَها فَلَمْ يَعْلَمُوا كَيْفَ يُلْقُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها، فَأتى إبْلِيسٌ وعَلَّمَهم عَمَلَ المَنجَنِيقِ فَعَمِلُوهُ، وقِيلَ: صَنَعَهُ لَهم رَجُلٌ مِنَ الأكْرادِ فَخَسَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ الأرْضَ فَهو يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ عَمَدُوا إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَضَعُوهُ فِيهِ مَغْلُولًا فَرَمَوْا بِهِ فِيها، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَلْ لَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ أمّا إلَيْكَ فَلا، قالَ: فاسْألْ رَبَّكَ، قالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
الأنبياء 21:69
فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِبَرَكَةِ قَوْلِهِ الحَظِيرَةَ رَوْضَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ أيْ: كُونِي ذاتَ بَرْدٍ وسَلامٍ، أيِ ابْرُدِي بَرْدًا غَيْرَ ضارٍّ. وفِيهِ مُبالَغاتٌ، جَعْلُ النّارِ المُسَخَّرَةِ لِقدرته تعالى مَأْمُورَةً مُطاوِعَةً، وإقامَةَ كَوْنِي ذاتَ بَرْدٍ مَقامَ ابْرُدِي ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ وإقامَةُ المُضافِ إلَيْهِ مُقامَهُ، وقِيلَ: نَصَبَ "سَلامًا" بِفِعْلِهِ، أيْ: وسَلَّمْنا سَلامًا عَلَيْهِ. رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ أخَذُوا بِضَبْعَيْ إبْراهِيمَ وأقْعَدُوهُ عَلى الأرْضِ، فَإذا عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ ووَرْدٌ أحْمَرُ ونَرْجِسٌ ولَمْ تُحْرِقِ النّارُ إلّا وثاقَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ فِيها أرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ خَمْسِينَ، وقالَ: ما كُنْتُ أطْيَبَ عَيْشًا مِنِّي إذْ كُنْتُ فِيها. قالَ ابْنُ يَسارٍ: وبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مَلَكَ الظِّلِّ فَقَعَدَ إلى جَنْبِهِ يُؤْنِسُهُ فَنَظَرَ نَمْرُودُ مِن صَرْحِهِ فَأشْرَفَ عَلَيْهِ فَرَآَهُ جالِسًا في رَوْضَةٍ مُونِقَةٍ ومَعَهُ جَلِيسٌ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الهَيْئَةِ (p-77)والنّارُ مُحِيطَةٌ بِهِ، فَناداهُ يا إبْراهِيمُ هَلْ تَسْطِيعُ أنْ تَخْرُجَ مِنها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَقُمْ فاخْرُجْ، فَقامَ يَمْشِي فَخَرَجَ مِنها، فاسْتَقْبَلَهُ نَمْرُودُ وعَظَّمَهُ، وقالَ: مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَأيْتَهُ مَعَكَ ؟ قالَ: ذَلِكَ مَلَكُ الظِّلِّ أرْسَلَهُ رَبِّي لِيُؤْنِسَنِي، فَقالَ: إنِّي مُقَرِّبٌ إلى أهْلِكَ قُرْبانًا لِما رَأيْتُ مِن قدرته وعِزَّتِهِ فِيما صَنَعَ بِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنكَ ما دُمْتَ عَلى دِينِكَ هَذا، قالَ: لا أسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي ولَكِنْ سَوْفَ أذْبَحُ لَهُ أرْبَعَةَ آَلافِ بَقَرَةٍ فَذَبَحَها وكَفَّ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً. وهَذا كَما تَرى مَن أبْدَعِ المُعْجِزاتِ، فَإنَّ انْقِلابَ النّارِ هَواءً طَيِّبًا وإنْ لَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَكِنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ مِمّا يَخْرِقُ العاداتِ.
الأنبياء 21:70
وَقِيلَ: كانَتِ النّارُ عَلى حالِها لَكِنَّهُ تَعالى دَفَعَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أذاها كَما تَراهُ في السَّمَندَلِ، كَما يَشْعُرُ بِهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ: ﴿وَأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ مَكْرًا عَظِيمًا في الإضْرارِ بِهِ ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ: أخْسَرَ مِن كُلِّ خاسِرٍ، حَيْثُ عادَ سَعْيُهم في إطْفاءِ نُورِ الحَقِّ بُرْهانًا قاطِعًا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الحَقِّ وهم عَلى الباطِلِ ومُوجِبًا لِارْتِفاعِ دَرَجَتِهِ واسْتِحْقاقِهِمْ لِأشَدِّ العَذابِ.
الأنبياء 21:71
﴿وَنَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ: مِنَ العِراقِ إلى الشّامِ، وبَرَكاتُهُ العامَّةُ أنَّ أكْثَرَ الأنْبِياءِ بُعِثُوا فِيهِ فانْتَشَرَتْ في العالَمِينَ شَرائِعُهُمُ الَّتِي هي مَبادِئُ الكَمالاتِ والخَيْراتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وقِيلَ: كَثْرَةُ النِّعَمِ والخِصْبُ الغالِبُ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِفَلَسْطِينَ، ولُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمُؤْتَفِكَةِ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ.
الأنبياء 21:72
﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ أيْ: عَطِيَّةً فَهي حالٌ مِنهُما، أوْ ولَدٌ، أوْ زِيادَةٌ عَلى ما سَألَ وهو إسْحَقُ، فَتَخْتَصُّ بِيَعْقُوبَ ولا لَبْسَ فِيهِ لِلْقَرِينَةِ الظّاهِرَةِ.
﴿وَكُلا﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ ﴿جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ بِأنْ وفَّقْناهم لِلصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا فَصارُوا كامِلِينَ.
الأنبياء 21:73
﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ يُقْتَدى بِهِمْ في أُمُورِ الدِّينِ، إجابَةً لِدُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ .
﴿يَهْدُونَ﴾ أيِ: الأُمَّةُ إلى الحَقِّ ﴿بِأمْرِنا﴾ لَهم بِذَلِكَ وإرْسالِنا إيّاهم حَتّى صارُوا مُكَمِّلِينَ.
﴿وَأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ لِيَحُثُّوهم عَلَيْهِ فَيَتِمُّ كَمالُهم بِانْضِمامِ العَمَلِ إلى العِلْمِ، وأصْلُهُ أنْ تَفْعَلَ الخَيْراتِ ثُمَّ فِعْلَ الخَيْراتِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ﴾ وهو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ دَلالَةً عَلى فَضْلِهِ وأنافَتِهِ، وحُذِفَتْ تاءُ الإقامَةِ المُعَوِّضَةِ مِنَ اِحْدى الألِفَيْنِ لِقِيامِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ.
﴿وَكانُوا لَنا﴾ خاصَّةً دُونَ غَيْرِنا ﴿عابِدِينَ﴾ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ غَيْرُ عِبادَتِنا.
الأنبياء 21:74
(p-78)﴿وَلُوطًا﴾ قِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ﴾ أيْ: وآَتَيْنا لُوطًا، وقِيلَ: بِاذْكُرْ.
﴿حُكْمًا﴾ أيْ: حِكْمَةً، أوْ نُبُوَّةً، أوْ فَصْلًا بَيْنَ الخُصُومِ بِالحَقِّ ﴿وَعِلْمًا﴾ بِما يَنْبَغِي عِلْمُهُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ﴾ أيِ: اللِّواطَةَ، وُصِفَتْ بِصِفَةِ أهْلِها وأُسْنِدَتْ إلَيْها عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَتِها مُقامَهُ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ فَإنَّهُ كالتَّعْلِيلِ لَهُ.
الأنبياء 21:75
﴿وَأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا﴾ أيْ: في أهْلِ رَحْمَتِنا، أوْ في جَنَّتِنا ﴿إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى.
الأنبياء 21:76
﴿وَنُوحًا﴾ أيِ: اذْكُرْ نُوحًا، أيْ: خَبَرَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ نادى﴾ أيْ: دَعا اللَّهَ تَعالى عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ، ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المُقَدَّرِ، أيِ: اذْكُرْ نَبَأهُ الواقِعَ وقْتَ دُعائِهِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ.
﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ: دُعاءَهُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ قَوْلُهُ: ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ .
﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو الطُّوفانُ، وقِيلَ: أذِيَّةُ قَوْمِهِ، وأصْلُ الكَرْبِ: الغَمُّ الشَّدِيدُ.
الأنبياء 21:77
﴿وَنَصَرْناهُ﴾ نَصْرًا مُسْتَتْبِعًا لِلِانْتِقامِ والِانْتِصارِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وحَمْلُهُ عَلى فانْتَصَرَ يَأْباهُ ما ذَكَرَ مِن دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ ظاهِرَهُ يُوجِبُ إسْنادَ الِانْتِصارِ إلَيْهِ تَعالى مَعَ ما فِيهِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ فَإنَّ الإصْرارَ عَلى تَكْذِيبِ الحَقِّ والِانْهِماكِ في الشَّرِّ والفَسادِ مِمّا يُوجِبُ الإهْلاكَ قَطْعًا.
الأنبياء 21:78
﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى نُوحًا مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ، وإمّا لِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ذَلِكَ العامِلِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَحْكُمانِ﴾ ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المُقَدَّرِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ حِكايَةٌ لِلْحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، أيِ: اذْكُرْ خَبَرَهُما وقْتَ حُكْمِهِما ﴿فِي الحَرْثِ﴾ أيْ: في حَقِّ الزَّرْعِ، أوِ الكَرَمِ المُتَدَلِّي عَنّا قَيْدُهُ كَما قِيلَ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُما.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ نَفَشَتْ﴾ أيْ: تَفَرَّقَتْ وانْتَشَرَتْ ﴿فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ﴾ لَيْلًا بِلا راعٍ فَرَعَتْهُ وأفْسَدَتْهُ، ظَرْفٌ لِلْحُكْمِ.
﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ﴾ أيْ: لِحُكْمِ الحاكِمِينَ والمُتَحاكِمِينَ إلَيْهِما، فَإنَّ الإضافَةَ لِمُجَرَّدِ الِاخْتِصاصِ المُنْتَظِمِ لِاخْتِصاصِ القِيامِ واخْتِصاصِ الوُقُوعِ. وقُرِئَ: "لِحُكْمِهِما" .
﴿شاهِدِينَ﴾ حاضِرِينَ عِلْمًا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِلْحُكْمِ ومُفِيدٌ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ.
الأنبياء 21:79
(p-79)﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ عَطْفٌ عَلى "يَحْكُمانِ" فَإنَّهُ في حُكْمِ الماضِي، وقُرِئَ: "فَأفْهَمْناها"، والضَّمِيرُ لِلْحُكُومَةِ أوِ الفُتْيا. رُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلانِ فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ غَنَمَ هَذا دَخَلَتْ في حَرْثِي لَيْلًا فَأفْسَدَتْهُ فَقَضى لَهُ بِالغَنَمِ، فَخَرَجا فَمَرّا عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَراهُ بِذَلِكَ، فَقالَ: غَيْرُ هَذا أرْفَقُ بِالفَرِيقَيْنِ، فَسَمِعَهُ داوُدُ فَدَعاهُ، فَقالَ لَهُ: بِحَقِّ البُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ إلّا أخْبَرْتِنِي بِالَّذِي أرْفُقُ بِالفَرِيقَيْنِ. فَقالَ: أرى أنْ تُدْفَعَ الغَنَمُ إلى صاحِبِ الأرْضِ لَيَنْتَفِعَ بَدَرِّها ونَسْلِها وصُوفِها، والحَرْثُ إلى أرْبابِ الغَنَمِ لَيَقُومُوا عَلَيْهِ حَتّى يَعُودَ إلى ما كانَ ثُمَّ يَتَرادّا، فَقالَ: القَضاءُ ما قَضَيْتَ وأمْضى الحُكْمَ بِذَلِكَ، والَّذِي عِنْدِي أنَّ حُكْمَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ كانَ بِالِاجْتِهادِ، فَإنَّ قَوْلَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ هَذا أرْفَقُ بِالفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: أرى أنْ تُدْفَعَ ... إلَخِ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ، وإلّا لَبَتَّ القَوْلَ بِذَلِكَ، ولَما ناشَدَهُ داوُدُ عَلَيْهِما السَّلامُ لِإظْهارِ ما عِنْدَهُ بَلْ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَظْهَرَهُ بَدْءٌ أوْ حَرُمَ عَلَيْهِ كَتْمُهُ، ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ القَضاءُ السّابِقُ أيْضًا كَذَلِكَ ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ نَقْضِ حُكْمِ النَّصِّ بِالِاجْتِهادِ، بَلْ أقُولُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: إنَّ رَأْيَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِحْسانٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: أرْفَقُ بِالفَرِيقَيْنِ، ورَأْيُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِياسٌ، كَما أنَّ العَبْدَ إذا جَنى عَلى النَّفْسِ يَدْفَعُهُ المَوْلى عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ إلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، أوْ يَفْدِيهِ ويَبِيعُهُ في ذَلِكَ أوْ يَفْدِيهِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ قِيمَةِ الحَرْثِ وقِيمَةِ الغَنَمِ تَفاوُتٌ. وأمّا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدِ اسْتَحْسَنَ حَيْثُ جَعَلَ الِانْتِفاعَ بِالغَنَمِ بِإزاءِ ما فاتَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالحَرْثِ مِن غَيْرِ أنْ يَزُولَ مُلْكُ المالِكِ عَنِ الغَنَمِ، وأوْجَبَ عَلى صاحِبِ الغَنَمِ أنْ يَعْمَلَ في الحَرْثِ إلى أنْ يَزُولَ الضَّرَرُ الَّذِي أتاهُ مِن قِبَلِهِ، كَما قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ فِيمَن عَصَبَ عَبْدًا فَأبِقَ مِنهُ أنَّهُ يَضْمَنُ القِيمَةَ فَيَنْتَفِعُ بِها المَغْصُوبُ مِنهُ بِإزاءِ ما فَوَّتَهُ الغاصِبُ مِنَ المَنافِعِ، فَإذا ظَهَرَ الآَبِقُ تَرادًّا. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ دَلِيلٌ عَلى رُجْحانِ قَوْلِهِ، ورُجُوعُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ مَعَ أنَّ الحُكْمَ المَبْنِيَّ عَلى الِاجْتِهادِ يَنْقُضُ بِاجْتِهادٍ آَخَرَ وإنْ كانَ أقْوى مِنهُ لِما أنَّ ذَلِكَ مِن خَصائِصِ شَرِيعَتِنا، عَلى أنَّهُ ورَدَ في الأخْبارِ أنْ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ بَتَّ الحُكْمَ في ذَلِكَ حَتّى سَمِعَ مِن سُلَيْمانَ ما سَمِعَ. وأمّا حُكْمُ المَسْألَةِ في شَرِيعَتِنا فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لا ضَمانَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَها سائِقٌ أوْ قائِدٌ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَجِبُ الضَّمانُ لَيْلًا لا نَهارًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ لِدَفْعِ ما عَسى يُوهِمُهُ تَخْصِيصُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّفْهِيمِ مِن عَدَمِ كَوْنِ حُكْمِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما آَتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا كَثِيرًا لا سُلَيْمانَ وحْدَهُ، وهَذا إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ خَطَأ المُجْتَهِدِ لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا، وقِيلَ: بَلْ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وهو مُخالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾، ولَوْلا النَّقْلُ لاحْتُمِلَ تَوافُقُهُما عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ لِإظْهارِ ما تَفَضَّلَ عَلَيْهِ في صِغَرِهِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حِينَئِذٍ ابْنُ إحْدى عَشْرَةَ سَنَةً.
﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما يَخْتَصُّ بِكُلٍّ مِنهُما مِن كَرامَتِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ كَرامَتِهِ العامَّةِ لَهُما ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مَعَهُ بِصَوْتٍ يَتَمَثَّلُ لَهُ، أوْ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى فِيها الكَلامَ. وقِيلَ: يَسِرْنَ مَعَهُ مِنَ السِّباحَةِ، (p-80)وَهُوَ حالٌ مِنَ الجِبالِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّسْخِيرِ، ومَعَ "مُتَعَلِّقَةٌ" بِالتَّسْخِيرِ، وقِيلَ: بِالتَّسْبِيحِ وهو بَعِيدٌ.
﴿والطَّيْرَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجِبالِ أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: والطَّيْرُ مُسَخَّراتٌ، وقِيلَ: عَلى العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في "يَسْبَحْنَ" وفِيهِ ضَعْفٌ لِعَدَمِ التَّأْكِيدِ والفَصْلِ.
﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ: مِن شَأْنِنا أنْ نَفْعَلَ أمْثالَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِنّا وإنْ كانَ بَدِيعًا عِنْدَكم.
الأنبياء 21:80
﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ أيْ: عَمَلَ الدِّرْعِ وهو في الأصْلِ اللِّباسُ.
قالَ قائِلُهم:
؎ البِسْ لِكُلِّ حالَةٍ لَبُوسَها ∗∗∗ إمّا نَعِيمَها وإمّا بُؤْسَها
وَقِيلَ: كانَتْ صَفائِحُ فَحَلَقَها وسَرَدَها ﴿لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِعَلَّمْنا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةُ لَبُوسٍ.
﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أيِ: اللَّبُوسُ بِتَأْوِيلِ الدِّرْعِ. وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ "لِلَّبُوسِ" . وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "لَكُمْ" بِإعادَةِ الجارِّ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الِاخْتِصاصِ والمَنفَعَةِ المُسْتَفادَةِ مِن لامِ "لَكُمْ" .
﴿مِن بَأْسِكُمْ﴾ قِيلَ: مِن حَرْبِ عَدُوِّكم، وقِيلَ: مِن وقْعِ السِّلاحِ فِيكم.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أمْرٌ وارِدٌ عَلى صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ لِلْمُبالَغَةِ أوِ التَّقْرِيعِ.
الأنبياء 21:81
﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أيْ: وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ، وإيرادُ اللّامِ هَهُنا دُونَ الأوَّلِ للدَّلالَةِ عَلى ما بَيْنَ التَّسْخِيرَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ، فَإنَّ تَسْخِيرَ ما سَخَّرَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرِّيحِ وغَيْرِها كانَ بِطَرِيقِ الِانْقِيادِ الكُلِّيِّ لَهُ، والِامْتِثالِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ والمَقْهُورِيَّةِ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ، وأمّا تَسْخِيرُ الجِبالِ والطَّيْرِ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ المَثابَةِ بَلْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاقْتِداءِ بِهِ في عِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وعَلا.
﴿عاصِفَةً﴾ حالٌ مِنَ الرِّيحِ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ المُقَدَّرُ، أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ حالَ كَوْنِها شَدِيدَةَ الهُبُوبِ مِن حَيْثُ أنَّها كانَتْ تَبْعُدُ بِكُرْسِيِّهِ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الزَّمانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ وكانَتْ رُخاءً في نَفْسِها طَيِّبَةً، وقِيلَ: كانَتْ رُخاءً تارَةً وعاصِفَةً أُخْرى حَسْبَ إرادَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقُرِئَ: "الرِّيحُ" بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ وعاصِفَةً حِينَئِذٍ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ في الخَبَرِ، والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقُرِئَ: "الرِّياحُ" نَصْبًا ورَفْعًا.
﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ، حالٌ ثانِيَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأُولى أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها.
﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وهي الشّامُ رَواحًا بَعْدَ ما سارَ بِهِ مِنهُ بُكْرَةً. قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ يَرْكَبُونَ عَلَيْها مِنِ اصْطَخَرَ إلى الشّامِ، وإلى حَيْثُ شاءَ ثُمَّ يَعُودُ إلى مَنزِلِهِ.
﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ فَنَجْزِيهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
الأنبياء 21:82
﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ في البِحارِ ويَسْتَخْرِجُونَ لَهُ مِن نَفائِسِها. وقِيلَ: "مَن" رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما قَبْلَهُ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ.
﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: غَيْرَ ما ذُكِرَ مِن بِناءِ المُدُنِ والقُصُورِ واخْتِراعِ الصَّنائِعِ الغَرِيبَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ ...﴾ الآَيَةِ. وهَؤُلاءِ أمّا الفِرْقَةُ الأُولى أوْ غَيْرُها لِعُمُومِ كَلِمَةِ "مَن"، كَأنَّهُ قِيلَ: "وَمَن يَعْمَلُونَ" وجَمْعُ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْها بِاعْتِبارِ مَعْناها بَعْدَ ما رُشِّحَ جانِبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ﴾ رُوِيَ أنَّ المُسَخَّرَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كُفّارُهم (p-81)لا مُؤْمِنُوهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ أيْ: مِن أنْ يَزِيغُوا عَنْ أمْرِهِ أوْ يُفْسِدُوا عَلى ما هو مُقْتَضى جِبِلَّتِهِمْ. قِيلَ: وكَّلَ بِهِمْ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ وجَمْعًا مِن مُؤْمِنِي الجِنِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُفْسِدُوا ما عَمِلُوا، وكانَ دَأْبُهم أنْ يُفْسِدُوا بِاللَّيْلِ ما عَمِلُوهُ بِالنَّهارِ.
الأنبياء 21:83
﴿وَأيُّوبَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ أيْ: واذْكُرْ خَبَرَ أيُّوبَ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي﴾ أيْ: بِأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ، والضُّرُّ شائِعٌ في كُلِّ ضَرَرٍ، وبِالضَّمِّ خاصٌّ بِما في النَّفْسِ مِن مَرَضٍ وهُزالٍ ونَحْوِهِما.
﴿وَأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وصَفَهُ تَعالى بِغايَةِ الرَّحْمَةِ بَعْدَ ما ذَكَرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُها واكْتَفى بِهِ عَنْ عَرْضِ المَطْلَبِ لُطْفًا في السُّؤالِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ رُومِيًّا مِن ولَدِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ، اسْتَسْبَأهُ اللَّهُ تَعالى وكَثُرَ أهْلُهُ ومالُهُ، فابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَلاكِ أوْلادِهِ بِهَدْمِ بَيْتٍ عَلَيْهِمْ وذَهابِ أمْوالِهِ، والمَرَضُ في بَدَنِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ سَبْعًا وسَبْعَةَ أشْهُرٍ وسَبْعَةَ أيّامٍ وسَبْعَ ساعاتٍ. رُوِيَ أنَّ امْرَأتَهُ ماخِيرَ بِنْتُ مِيشا بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ رَحْمَةُ بِنْتُ إفْرايِمَ بْنِ يُوسُفَ قالَتْ لَهُ يَوْمًا: لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ تَعالى، فَقالَ: كَمْ كانَتْ مُدَّةُ الرَّخاءَ ؟ فَقالَتْ: ثَمانِينَ سَنَةً، فَقالَ: اسْتَحِي مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ أدْعُوَهُ وما بَلَغَتْ مُدَّةُ بَلائِي مُدَّةَ رَخائِي. ورُوِيَ أنَّ إبْلِيسَ أتاها عَلى هَيْئَةٍ عَظِيمَةٍ فَقالَ: أنا إلَهُ الأرْضِ فَعَلْتُ بِزَوْجِكَ ما فَعَلْتُ لِأنَّهُ تَرَكَنِي وعَبَدَ إلَهَ السَّماءِ فَلَوْ سَجَدَ لِي سَجْدَةً لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ وعَلَيْكَ جَمِيعَ ما أخَذْتُ مِنكُما. وفي رِوايَةٍ لَوْ سَجَدْتَ لِي سَجْدَةً لَرَجَّعْتُ المالَ والوَلَدَ وعافَيْتُ زَوْجَكَ، فَرَجَعَتْ إلى أيُّوبَ وكانَ مُلْقًى في الكُناسَةِ لا يَقْرُبُ مِنهُ أحَدٌ فَأخْبَرَتْهُ بِالقِصَّةِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: كَأنَّكَ افْتُتِنْتَ بِقَوْلِ اللَّعِينِ، لَئِنْ عافانِيَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَأضْرِبَنَّكَ مِائَةَ سَوْطٍ وحَرامٌ عَلَيَّ أنَّ أذُوقَ بَعْدَ هَذا شَيْئًا مِن طَعامِكَ وشَرابِكَ فَطَرَدَها، فَبَقِيَ طَرِيحًا عَلى الكُناسَةِ لا يَحُومُ حَوْلَهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَّ ساجِدًا فَقالَ: "رَبِّ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ " فَقِيلَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ، ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فَرَكَضَ، فَنَبَعَتْ مِن تَحْتِهِ عَيْنُ ماءٍ فاغْتَسَلَ مِنها فَلَمْ يَبْقَ في ظاهِرِ بَدَنِهِ دابَّةٌ إلّا سَقَطَتْ، ولا جِراحَةٌ إلّا بَرِئَتْ، ثُمَّ رَكَضَ مَرَّةً أُخْرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ أُخْرى فَشَرِبَ مِنها، فَلَمْ يَبْقَ في جَوْفِهِ داءٌ إلّا خَرَجَ وعادَ صَحِيحًا.
الأنبياء 21:84
وَرَجَعَ إلَيْهِ شَبابُهُ وجَمالُهُ ثُمَّ كُسِيَ حُلَّةً وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ فَلَمّا قامَ جَعَلَ يَلْتَفِتُ فَلا يَرى شَيْئًا مِمّا كانَ لَهُ مِنَ الأهْلِ والمالِ إلّا وقَدْ ضاعَفَهُ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ بِأنْ وُلِدَ لَهُ ضِعْفُ ما كانَ، ثُمَّ إنَّ امْرَأتَهُ قالَتْ في نَفْسِها هَبْ أنَّهُ طَرَدَنِي أفَأتْرُكُهُ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا ويَأْكُلَهُ السِّباعُ لَأرْجِعَنَّ إلَيْهِ، فَلَمّا رَجَعَتْ ما رَأتْ تِلْكَ الكُناسَةَ ولا تِلْكَ الحالَ وقَدْ تَغَيَّرَتِ الأُمُورُ فَجَعَلَتْ تَطُوفُ حَيْثُ كانَتِ الكُناسَةُ وتَبْكِي وهابَتْ صاحِبَ الحُلَّةِ أنْ (p-82)تَأْتِيَهُ وتَسْألَ عَنْهُ، فَأرْسَلَ إلَيْها أيُّوبُ ودَعاها فَقالَ: ما تُرِيدِينَ يا أمَةَ اللَّهِ ؟ فَبَكَتْ وقالَتْ: أُرِيدُ ذَلِكَ المُبْتَلى الَّذِي كانَ مُلْقًى عَلى الكُناسَةِ، قالَ لَها: ما كانَ مِنكِ، فَبَكَتْ وقالَتْ: بَعْلِي، قالَ: أتَعْرِفِينَهُ إذا رَأيْتِهِ، قالَتْ: وهَلْ يَخْفى عَلَيَّ ؟ فَتَبَسَّمَ فَقالَ: أنا ذَلِكَ، فَعَرَفَتْهُ بِضَحِكِهِ فاعْتَنَقَتْهُ.
﴿رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أيْ: آَتَيْناهُ ما ذَكَرَ لِرَحْمَتِنا أيُّوبَ وتَذْكِرَةً لِغَيْرِهِ مِنَ العابِدِينَ لَيَصْبِرُوا كَما صَبَرَ فَيُثابُوا كَما أُثِيبَ، أوْ لِرَحْمَتِنا العابِدِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ أيُّوبُ وذِكْرِنا إيّاهم بِالإحْسانِ وعَدَمِ نِسْيانِنا لَهم.
الأنبياء 21:85
﴿وَإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ﴾ أيْ: واذْكُرْهم، وذُو الكِفْلِ: إلْياسُ، وقِيلَ: يُوشَعُ بْنُ نُونَ، وقِيلَ: زَكَرِيّا، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ كانَ ذا حَظٍّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ تَكَفَّلَ مِنهُ أوْ ضِعْفِ عَمَلِ أنْبِياءِ زَمانِهِ وثَوابِهِمْ، فَإنَّ الكِفْلَ يَجِيءُ بِمَعْنى النَّصِيبِ والكَفالَةِ والضِّعْفِ.
﴿كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ ﴿مِنَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ: عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ وشَدائِدِ النُّوَبِ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِهِمْ.
الأنبياء 21:86
﴿وَأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا﴾ أيْ: في النُّبُوَّةِ، أوْ في نِعْمَةِ الآَخِرَةِ ﴿إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ: الكامِلِينَ في الصَّلاحِ الكامِلِ الَّذِي لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ الفَسادِ، وهُمُ الأنْبِياءُ فَإنَّ صَلاحَهم مَعْصُومٌ مِن كَدَرِ الفَسادِ.
الأنبياء 21:87
﴿وَذا النُّونِ﴾ أيْ: واذْكُرْ صاحِبَ الحُوتِ، وهو يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ أيْ: مُراغِمًا لِقَوْمِهِ لَمّا بَرَمَ مِن طُولِ دَعْوَتِهِ إيّاهم وشَدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وتَمادِي إصْرارِهِمْ مُهاجِرًا عَنْهم قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ. وقِيلَ: وعَدَهم بِالعَذابِ فَلَمْ يَأْتِهِمْ لِمِيعادِهِمْ بِتَوْبَتِهِمْ، ولَمْ يَعْرِفِ الحالَ فَظَنَّ أنَّهُ كَذَّبَهم فَغَضِبَ مِن ذَلِكَ، وهو مِن بِناءِ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِأنَّهُ أغْضَبَهم بِالمُهاجَرَةِ لِخَوْفِهِمْ لُحُوقُ العَذابِ عِنْدَها. وقُرِئَ: "مُغْضَبًا" .
﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ، أوْ لَنْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالعُقُوبَةِ مِنَ القَدْرِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ مُشَدَّدًا، أوْ لَنْ نُعْمِلَ فِيهِ قُدْرَتَنا، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِحالِهِ بِحالِ مَن يَظُنُّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، أيْ: نُعامِلُهُ مُعامَلَةَ مَن يَظُنُّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ في مُراغَمَتِهِ قَوْمَهُ مِن غَيْرِ انْتِظارٍ لِأمْرِنا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ أيْ: نُعامِلُهُ مُعامَلَةَ مَن يَحْسَبُ ذَلِكَ، وقِيلَ: خَطِرَةٌ شَيْطانِيَّةٌ سَبَقَتْ إلى وهْمِهِ فَسُمِّيَتْ ظَنًّا لِلْمُبالَغَةِ. وقُرِئَ بِالياءِ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿فَنادى﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَكانَ ما كانَ مِنَ المُساهَمَةِ والتِقامِ الحُوتِ فَنادى ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ أيْ: في الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ المُتَكاثِفَةِ، أوْ في ظُلُماتِ بَطْنِ الحُوتِ والبَحْرِ واللَّيْلِ. وقِيلَ: ابْتَلَعَ حُوتَهُ حُوتٌ أكْبَرُ مِنهُ فَحَصَلَ في ظُلْمَتَيْ بَطْنَيِ الحُوتَيْنِ وظُلْمَتَيِ البَحْرِ واللَّيْلِ.
﴿أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ﴾ أيْ: بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ عَلى أنَّ "أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن "أنَّ" وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، أوْ أيْ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ.
﴿سُبْحانَكَ﴾ أُنَزِّهُكَ تَنْـزِيهًا لائِقًا بِكَ مِن أنْ يُعْجِزَكَ شَيْءٌ، أوْ أنْ يَكُونَ ابْتِلائِي بِهَذا بِغَيْرِ سَبَبٍ (p-83)مِن جِهَتِي ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْهِلْكَةِ حَيْثُ بادَرَتْ إلى المُهاجَرَةِ.
الأنبياء 21:88
﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ: دُعاءَهُ الَّذِي دَعاهُ في ضِمْنِ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿ما مِن مَكْرُوبٍ يَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ إلّا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ .
﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ﴾ بِأنَّ قَذْفَهُ الحُوتَ إلى السّاحِلِ بَعْدَ أرْبَعِ ساعاتٍ كانَ فِيها في بَطْنِهِ، وقِيلَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ. وقِيلَ: الغَمُّ غَمُّ الِالتِقامِ، وقِيلَ: الخَطِيئَةُ.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْجاءِ الكامِلِ ﴿نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ مِن غُمُومٍ دَعَوُا اللَّهَ تَعالى فِيها بِالإخْلاصِ لا إنْجاءَ أدْنى مِنهُ. وفي الإمامِ "نَجّى"، فَلِذَلِكَ أخْفى الجَماعَةُ النُّونَ الثّانِيَةَ فَإنَّها تَخْفى مَعَ حُرُوفِ الفَمِّ. وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى أنَّ أصْلَهُ "نُنَجِّي" فَحُذِفَتِ الثّانِيَةُ كَما حُذِفَتِ التّاءُ في تَظاهَرُونَ، وهي وإنْ كانَتْ فاءً فَحَذْفُها أوْقَعُ مِن حَذْفِ حَرْفِ المُضارَعَةِ الَّتِي لِمَعْنًى ولا يَقْدَحُ فِيهِ اخْتِلافُ حَرَكَتَيِ النُّونَيْنِ، فَإنَّ الدّاعِيَ إلى الحَذْفِ اجْتِماعُ المِثْلَيْنِ مَعَ تَعَذُّرِ الإدْغامِ وامْتِناعُ الحَذْفِ في تَتَجافى لِخَوْفِ اللَّبْسِ، وقِيلَ: هو ماضٍ مَجْهُولٌ أُسْنِدَ إلى ضَمِيرِ المَصْدَرِ وسُكِّنَ آَخِرُهُ تَخْفِيفًا، ورُدَّ بِأنَّهُ لا يُسْنَدُ إلى المَصْدَرِ والمَفْعُولِ مَذْكُورٌ والماضِي لا يَسْكُنُ آَخِرُهُ.
الأنبياء 21:89
﴿وَزَكَرِيّا﴾ أيْ: واذْكُرْ خَبَرَهُ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ وقالَ ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أيْ: وحِيدًا بِلا ولَدٍ يَرِثُنِي ﴿وَأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ فَحَسْبِي أنْتَ إنْ لَمْ تَرْزُقْنِي وارِثًا.
الأنبياء 21:90
﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ: دُعاءَهُ ﴿وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِجابَةِ والهِبَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
﴿وَأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أيْ: أصْلَحْناها لِلْوِلادَةِ بَعْدَ عُقْرِها، أوْ أصْلَحْناها لِلْمُعاشَرَةِ بِتَحْسِينِ خُلُقِها وكانَتْ حَرِدَةً.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما فَصَلَ مِن فُنُونِ إحْسانِهِ تَعالى المُتَعَلِّقَةِ بِالأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، أيْ: كانُوا يُبادِرُونَ في وُجُوهِ الخَيْراتِ مَعَ ثَباتِهِمْ واسْتِقْرارِهِمْ في أصْلِ الخَيْرِ، وهو السِّرُّ في إيثارِ كَلِمَةِ "فِي" عَلى كَلِمَةِ "إلى" المُشْعِرَةِ بِخِلافِ المَقْصُودِ مِن كَوْنِهِمْ خارِجِينَ عَنْ أصْلِ الخَيْراتِ مُتَوَجِّهِينَ إلَيْها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ .
﴿وَيَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ ذَوِي رَغَبٍ ورَهَبٍ أوْ راغِبِينَ في الثَّوابِ راجِينَ لِلْإجابَةِ، أوْ في الطّاعَةِ وخائِفِينَ العِقابَ، أوِ المَعْصِيَةَ أوْ لِلرَّغَبِ والرَّهَبِ.
﴿وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ أيْ: مُخْبِتِينَ مُتَضَرِّعِينَ أوْ دائِمِي الوَجَلِ، والمَعْنى: أنَّهم نالُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى ما نالُوا بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ الخِصالِ الحَمِيدَةِ.
الأنبياء 21:91
﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أيِ: اذْكُرْ خَبَرَ الَّتِي أحْصَنَتْهُ عَلى الإطْلاقِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالمَوْصُولِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها وتَنْـزِيهِها عَمّا زَعَمُوهُ في حَقِّها آَثَرَ ذِي أثِيرٍ ﴿فَنَفَخْنا فِيها﴾ أيْ: أحْيَيْنا عِيسى في جَوْفِها ﴿مِن رُوحِنا﴾ مِنَ الرُّوحِ الَّذِي هو مِن أمْرِنا، وقِيلَ: فَعَلْنا النَّفْخَ فِيها مِن جِهَةِ رُوحِنا جِبْرِيلَ (p-84)عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿وَجَعَلْناها وابْنَها﴾ أيْ: قِصَّتُهُما أوْ حالُهُما ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فَإنَّ مَن تَأْمَّلَ حالَهُما تَحَقَّقَ كَمالَ قدرته عَزَّ وجَلَّ. فالمُرادُ بِالآَيَةِ ما حَصَلَ بِهِما مِنَ الآَيَةِ التّامَّةِ مَعَ تَكاثُرِ آَياتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالآَيَةِ الجِنْسَ الشّامِلَ لِما لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ الآَياتِ المُسْتَقِلَّةِ، وقِيلَ: المَعْنى: وجَعَلْناها آَيَةً وابْنَها آَيَةً فَحُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها.
الأنبياء 21:92
﴿إنَّ هَذِهِ﴾ أيْ: مِلَّةَ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، أُشِيرَ إلَيْها بِهَذِهِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ ظُهُورِ أمْرِها في الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
﴿أُمَّتُكُمْ﴾ أيْ: مِلَّتُكُمُ الَّتِي يَجِبُ أنْ تُحافِظُوا عَلى حُدُودِها وتُراعُوا حُقُوقَها ولا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِنها، والخِطابُ لِلنّاسِ قاطِبَةً.
﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ مِن "أُمَّتِكُمْ"، أيْ: غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذْ لا مُشارَكَةَ لِغَيْرِها في صِحَّةِ الِاتِّباعِ ولا احْتِمالَ لِتَبَدُّلِها وتَغَيُّرِها كَفُرُوعِ الشَّرائِعِ المُتَبَدِّلَةِ حَسْبَ تَبَدُّلِ الأُمَمِ والأعْصارِ. وقُرِئَ: "أُمَّتَكُمْ" بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنِ اسْمِ "إنَّ"، و"أُمَّةٌ واحِدَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ. وقُرِئَتا بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما خَبَرانِ.
﴿وَأنا رَبُّكُمْ﴾ لا إلَهَ لَكم غَيْرِي ﴿فاعْبُدُونِ﴾ خاصَّةً لا غَيْرُ.
الأنبياء 21:93
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لَيَنْعى عَلَيْهِمْ ما أفْسَدُوهُ مِنَ التَّفَرُّقِ في الدِّينِ، وجَعْلِ أمْرِهِ قِطَعًا مُوَزَّعَةً ويَنْهى قَبائِحَ أفْعالِهِمْ إلى الآَخَرِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألا تَرَوْنَ إلى عَظِيمِ ما ارْتَكَبَ هَؤُلاءِ في دِينِ اللَّهِ الَّذِي أجْمَعَتْ عَلَيْهِ كافَّةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ؟ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الفِرَقِ المُتَقَطِّعَةِ، أوْ كُلُّ واحِدٍ مِن آحادِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الفِرَقِ.
﴿إلَيْنا راجِعُونَ﴾ بِالبَعْثِ لا إلى غَيْرِنا، فَنُجازِيهِمْ حِينَئِذٍ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ، وإيرادُ اسْمِ الفاعِلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ والتَّحَقُّقِ.
الأنبياء 21:94
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ إلَخِ تَفْصِيلٌ لِلْجَزاءِ، أيْ: فَمَن يَعْمَلْ بَعْضَ الصّالِحاتِ أوْ بَعْضًا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أيْ: لا حِرْمانَ لِثَوابِ عَمَلِهِ ذَلِكَ. عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالكُفْرانِ الَّذِي هو سَتْرُ النِّعْمَةِ وجُحُودُها لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْهُ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى مِنَ القَبائِحِ وإبْرازِ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ تَعالى. ونَفى نَفْيِ الجِنْسِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْـزِيهِ، وعَبَّرَ عَنِ العَمَلِ بِالسَّعْيِ لِإظْهارِ الِاعْتِدادِ بِهِ.
﴿وَإنّا لَهُ﴾ أيْ: لِسَعْيِهِ ﴿كاتِبُونَ﴾ أيْ: مُثْبِتُونَ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ لا نُغادِرُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا.
الأنبياء 21:95
﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ﴾ أيْ: مُمْتَنِعٌ عَلى أهْلِها غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ مِنهم. وقُرِئَ: "حِرْمٌ" وهي لُغَةٌ كالحِلِّ والحَلالِ.
﴿أهْلَكْناها﴾ قَدَّرْنا هَلاكَها أوْ حُكْمَنا بِهِ لِغايَةِ طُغْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ حَرامٌ، أوْ فاعِلٌ لَهُ سادَّ مَسَدَّ خَبَرِهِ، والجُمْلَةُ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ . وما في "أنَّ" مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ مُعْتَبَرٌ في النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن حَرامٍ لا في المَنفِيِّ، أيْ: مُمْتَنَعٌ البَتَّةَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا لِلْجَزاءِ لا أنَّ عَدَمَ رُجُوعِهِمُ المُحَقِّقِ مُمْتَنِعٌ، وتَخْصِيصُ امْتِناعِ عَدَمِ رُجُوعِها بِالذِّكْرِ مَعَ شُمُولِ (p-85)الِامْتِناعِ لِعَدَمِ رُجُوعِ الكُلِّ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ والرُّجُوعِ دُونَ غَيْرِهِمْ. وقِيلَ: مُمْتَنَعٌ رُجُوعُهم إلى التَّوْبَةِ عَلى أنَّ "لا" صِلَةٌ. وقُرِئَ: "إنَّهم لا يَرْجِعُونَ" بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِما قَبْلَهُ، فَحَرامٌ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: حَرامٌ عَلَيْها ذَلِكَ، وهو ما ذُكِرَ في الآَيَةِ السّابِقَةِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ المَشْفُوعِ بِالإيمانِ والسَّعْيِ المَشْكُورِ، ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، فَكَيْفَ لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ ؟ ويَجُوزُ حَمْلُ المَفْتُوحَةِ أيْضًا عَلى هَذا المَعْنى بِحَذْفِ اللّامِ عَنْها، أيْ: لِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ.
الأنبياء 21:96
وَ"حَتّى" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ إلَخِ هي الَّتِي يُحْكى بَعْدَها الكَلامُ، وهي عَلى الأوَّلِ غايَةٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: يَسْتَمِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الهَلاكِ حَتّى إذا قامَتِ القِيامَةُ يَرْجِعُونَ إلَيْنا ويَقُولُونَ: ﴿ "يا ويْلَنا﴾ ..." إلَخِ. وعَلى الثّانِي غايَةٌ لِلْحُرْمَةِ، أيْ: يَسْتَمِرُّ امْتِناعُ رُجُوعِهِمْ إلى التَّوْبَةِ حَتّى إذا قامَتِ القِيامَةُ يَرْجِعُونَ إلَيْها حِينَ لا تَنْفَعُهُمُ التَّوْبَةُ. وعَلى الثّالِثِ غايَةٌ لِعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنِ الكُفْرِ، أيْ: لا يَرْجِعُونَ عَنْهُ حَتّى إذا قامَتِ القِيامَةُ يَرْجِعُونَ عَنْهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الرُّجُوعُ. ويَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ قَبِيلَتانِ مِنَ الإنْسِ قالُوا: النّاسُ عَشَرَةُ أجْزاءٍ تِسْعَةٌ مِنها يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، والمُرادُ بِفَتْحِها فَتْحُ سَدِّها عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مُقامَهُ. وقُرِئَ: "فَتَّحَتْ" بِالتَّشْدِيدِ.
﴿وَهُمْ﴾ أيْ: يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، وقِيلَ: النّاسُ ﴿مِن كُلِّ حَدَبٍ﴾ أيْ: نَشَزَ مِنَ الأرْضِ، وقُرِئَ: "جَدَثَ" وهو القَبْرُ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ، وأصْلُهُ مُقارَبَةُ الخَطْوِ مَعَ الإسْراعِ. وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ.
الأنبياء 21:97
﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ عَطْفٌ عَلى "فُتِحَتْ"، والمُرادُ بِهِ ما بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ، لا النَّفْخَةُ الأُولى.
﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، و"إذا" لِلْمُفاجَأةِ تَسُدُّ مَسَدَّ الفاءِ الجَزائِيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ فَإذا دَخَلَتْها الفاءُ تَظاهَرَتْ عَلى وصْلِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ، والضَّمِيرِ لِلْقِصَّةِ، أوْ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ.
﴿يا ويْلَنا﴾ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ، أيْ: يَقُولُونَ يا ويْلَنا تَعال فَهَذا أوَنُ حُضُورِكَ، وقِيلَ: هو الجَوابُ لِلشَّرْطِ ﴿قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ﴾ تامَّةٍ ﴿مِن هَذا﴾ الَّذِي دَهَمَنا مِنَ البَعْثِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ تَعالى لِلْجَزاءِ، ولَمْ نَعْلَمْ أنَّهُ حَقٌّ ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ إضْرابٌ عَمّا قَبْلَهُ مِن وصْفِ أنْفُسِهِمْ بِالغَفْلَةِ، أيْ: لَمْ نَكُنْ غافِلِينَ عَنْهُ حَيْثُ نَبَّهْنا عَلَيْهِ بِالآَياتِ والنُّذُرِ، بَلْ كُنّا ظالِمِينَ بِتِلْكَ الآَياتِ والنُّذُرِ مُكَذِّبِينَ بِها، أوْ ظالِمِينَ لِأنْفُسِنا بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ بِالتَّكْذِيبِ.
الأنبياء 21:98
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ خِطابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ وتَصْرِيحٌ بِمَآَلِ أمْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ مُبالَغَةً في الإنْذارِ وإزاحَةِ الِاعْتِذارِ.
﴿وَما تَعْبُدُونَ"﴾ عِبارَةٌ عَنْ أصْنامِهِمْ لِأنَّها الَّتِي يَعْبُدُونَها كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَلِمَةُ "ما" . وقَدْ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ (p-86)تَلا الآَيَةَ قالَ لَهُ ابْنُ الزَّبَعْرى: خَصِمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ، ألَيْسَتِ اليَهُودُ عَبَدُوا عُزَيْرًا والنَّصارى المَسِيحَ وبَنُو مَلِيحٍ المَلائِكَةَ ؟ رَدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ أما فَهِمْتَ أنَّ "ما" لِما لا يَعْقِلُ. ولا يُعارِضُهُ ما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ رَدَّهُ بِقَوْلِهِ: بَلْ هم عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي أمَرَتْهم بِذَلِكَ، ولا ما رَوى أنَّ ابْنَ الزَّبَعْرى قالَ: هَذا شَيْءٌ لِآَلِهَتِنا خاصَّةً أوْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَقالَ ﷺ: بَلْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى. إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُما نَصًّا في عُمُومِ كَلِمَةِ "ما" كَما أنَّ الأوَّلَ نَصٌّ في خُصُوصِها وشُمُولِ حُكْمِ النَّصِّ لا يَقْتَضِي شُمُولَهُ بِطَرِيقِ العِبارَةِ، بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ شُمُولُهُ لَهم بِطَرِيقِ دِلالَةِ النَّصِّ بِجامِعِ الشَّرِكَةِ في المَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، فَلَعَلَّهُ ﷺ بَعْدَما بَيَّنَ مَدْلُولَ النَّظْمِ الكَرِيمِ بِما ذَكَرَ، وعَدَمَ دُخُولِ المَذْكُورِينَ في حُكْمِهِ بِطَرِيقِ العِبارَةِ بَيَّنَ عَدَمَ دُخُولِهِمْ فِيهِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ أيْضًا تَأْكِيدًا لِلرَّدِّ والإلْزامِ وتَكْرِيرًا لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ، لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِمْ مَعْبُودِينَ لَهم كَما هو زَعْمُهم، فَإنَّ إخْراجَ بَعْضِ المَعْبُودِينَ عَنْ حُكْمٍ مُنْبِئٍ عَنِ الغَضَبِ عَلى العَبَدَةِ والمَعْبُودِينَ مِمّا يُوهِمُ الرُّخْصَةَ في عِبادَتِهِ في الجُمْلَةِ، بَلْ بِتَحْقِيقِ الحَقِّ وبَيانِ أنَّهم لَيْسُوا مِنَ العُبُودِيَّةِ في شَيْءٍ حَتّى يُتَوَهَّمَ دُخُولُهم في الحُكْمِ المَذْكُورِ دَلالَةً بِمُوجِبِ شَرِكَتِهِمْ لِلْأصْنامِ في المَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما مَعْبُودُهُمُ الشَّياطِينُ الَّتِي أمَرَتْهم بِعِبادَتِهِمْ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ ...﴾ الآَيَةِ. فَهُمُ الدّاخِلُونَ في الحُكْمِ المَذْكُورِ لِاشْتِراكِهِمْ مَعَ الأصْنامَ في المَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِهِ تَعالى دُونَ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهَذا هو الوَجْهُ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الأخْبارِ المَذْكُورَةِ. وأمّا تَعْمِيمُ كَلِمَةِ "ما" لِلْعُقَلاءِ أيْضًا وجَعْلُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى:" ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ ..." إلَخِ بَيانًا لِلتَّجَوُّزِ أوِ التَّخْصِيصِ فَمِمّا لا يُساعِدُهُ السِّباقُ والسِّياقُ كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ. والحَصَبُ: ما يُرْمى بِهِ ويُهَيِّجُ بِهِ النّارَ مِن حَصَبِهِ إذا رَماهُ بِالحَصْباءِ. وقُرِئَ بِسُكُونِ الصّادِ وصْفًا لَهُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، واللّامُ مُعَوِّضَةٌ مِن عَلى لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ، وأنَّ ورْدَهم لِأجْلِها والخِطابُ لَهم ولِما يَعْبُدُونَ تَغْلِيبًا.
الأنبياء 21:99
﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: أصْنامُهم ﴿آلِهَةً﴾ كَما يَزْعُمُونَ ﴿ما ورَدُوها﴾ وحَيْثُ تَبَيَّنَ وُرُودُهم إيّاها تَعَيَّنَ امْتِناعُ كَوْنِها آَلِهَةً بِالضَّرُورَةِ. وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِما يَعْبُدُونَ هي الأصْنامُ، لِأنَّ المُرادَ إثْباتُ نَقِيضِ ما يَدَّعُونَهُ، وهم إنَّما يَدَّعُونَ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ لا إلَهِيَّةَ الشَّياطِينِ حَتّى يُحْتَجَّ بِوُرُودِها النّارَ عَلى عَدَمِ إلِهِيَّتِها، وأمّا ما وقَعَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ فَقَدْ وقَعَ بِطَرِيقِ التَّكْمِلَةِ بِانْجِرارِ الكَلامِ إلَيْهِ عِنْدَ بَيانِ ما سِيقَ لَهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ بِطَرِيقِ العِبارَةِ، حَيْثُ سَألَ ابْنُ الزَّبَعْرى عَنْ حالِ سائِرِ المَعْبُودِينَ وكانَ الِاقْتِصارُ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ مِمّا يُوهِمُ الرُّخْصَةَ في عِبادَتِهِمْ في الجُمْلَةِ لِأنَّهُمُ المَعْبُودُونَ عِنْدَهم، أُجِيبَ بِبَيانِ أنَّ المَعْبُودِينَ هُمُ الشَّياطِينُ وأنَّهم داخِلُونَ في حُكْمِ النَّصِّ لَكِنْ بِطْرِيقِ العِبارَةِ لِئَلّا يُلْزَمَ التَّدافُعُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ.
﴿وَكُلٌّ﴾ أيْ: مِنَ العَبَدَةِ والمَعْبُودِينَ ﴿فِيها خالِدُونَ﴾ لا خَلاصَ لَهم عَنْها.
الأنبياء 21:100
﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ أيْ: أنِينٌ وتَنَفُّسٌ شَدِيدٌ، وهو مَعَ كَوْنِهِ مِن أفْعالِ العَبَدَةِ أُضِيفَ إلى الكُلِّ لِلتَّغْلِيبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ (p-87)لِلْعَبَدَةِ لِعَدَمِ الإلْباسِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: لا يَسْمَعُ بَعْضُهم زَفِيرَ بَعْضٍ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وفَظاعَةِ العَذابِ، وقِيلَ لا يَسْمَعُونَ ما يَسُرُّهم مِنَ الكَلامِ.
الأنبياء 21:101
﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ شَرْحِ حالِ الكَفَرَةِ حَسْبَما جَرَتْ بِهِ سُنَّةُ التَّنْزِيلِ مِن شَفْعِ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ وإيرادِ التَّرْغِيبِ مَعَ التَّرْهِيبِ، أيْ: سَبَقَتْ لَهم مِنّا في التَّقْدِيرِ الخَصْلَةُ الحُسْنى الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ وهي السَّعادَةُ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ لِلطّاعَةِ، أوْ سَبَقَتْ لَهم كَلِمَتُنا بِالبُشْرى بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، وهو الأدْخَلُ الأظْهَرُ في الحَمْلِ عَلَيْها لِما أنَّ الأوَّلَيْنِ مَعَ خَفائِهِما لَيْسا مِن مَقْدُوراتِ المُكَلَّفِينَ. فالجُمْلَةُ مَعَ ما بَعْدَها تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ كَما أنَّ ما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "إنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ .." إلَخِ تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَرامٌ...﴾ إلَخِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ والفَضْلِ، أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النَّعْتِ الجَمِيلِ.
﴿عَنْها﴾ أيْ: عَنْ جَهَنَّمَ ﴿مُبْعَدُونَ﴾ لِأنَّهم في الجَنَّةِ وشَتّانَ بَيْنَها وبَيْنَ النّارِ. وما رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ يَوْمًا فَقَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِنهم وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وسَعْدٌ وسَعِيدٌ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَقامَ يَجُرُّ رِداءَهُ.
الأنبياء 21:102
وَيَقُولُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ لَيْسَ بِنَصٍّ في كَوْنِ المَوْصُولِ عِبارَةً عَنْ طائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ. والحَسِيسُ: صَوْتٌ يُحَسُّ بِهِ، أيْ لا يَسْمَعُونَ صَوْتَها سَمْعًا ضَعِيفًا كَما هو المَعْهُودُ عِنْدَ كَوْنِ المُصَوِّتِ بَعِيدًا، وإنْ كانَ صَوْتُهُ في غايَةِ الشِّدَّةِ لا أنَّهم لا يَسْمَعُونَ صَوْتَها الخَفِيَّ في نَفْسِهِ فَقَطْ. والجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن مُبْعَدُونَ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ مَسُوقَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في إنْقاذِهِمْ مِنها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ بَيانٌ لِفَوْزِهِمْ بِالمَطالِبِ إثْرَ بَيانِ خَلاصِهِمْ مِنَ المَهالِكِ والمَعاطِبِ، أيْ: دائِمُونَ في غايَةِ التَّنَعُّمِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْقَصْرِ والِاهْتِمامِ بِهِ.
الأنبياء 21:103
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ بَيانٌ لِنَجاتِهِمْ مِنَ الإفْزاعِ بِالكُلِّيَّةِ بَعْدَ بَيانِ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ، لِأنَّهم إذا لَمْ يَحْزُنْهم أكْبَرُ الأفْزاعِ لا يَحْزُنُهم ما عَداهُ بِالضَّرُورَةِ. عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ الِانْصِرافُ إلى النّارِ، وعَنِ الضَّحاكِ: حَتّى يَطْبَقَ عَلى النّارِ، وقِيلَ: حِينَ يُذْبَحُ المَوْتُ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، وقِيلَ: النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ ولَيْسَ بِذاكَ، فَإنَّ الآَمِنَ مِن ذَلِكَ الفَزَعِ مَنِ اسْتَثْناهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ لا جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ المَوْصُوفِينَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى أنَّ الأكْثَرِينَ عَلى أنَّ ذَلِكَ في النَّفْخَةِ الأُولى دُونَ الأخِيرَةِ كَما سَيَأْتِي في (سُورَةِ النَّمْلِ ) .
﴿وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: تَسْتَقْبِلُهم مُهَنِّئِينَ لَهم ﴿هَذا يَوْمُكُمُ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: قائِلِينَ: هَذا اليَوْمُ يَوْمُكم ﴿الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدُّنْيا، وتُبَشِّرُونَ بِما فِيهِ مِن فُنُونِ المَثُوباتِ عَلى الإيمانِ والطّاعاتِ. وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ (p-88)سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى: كافَّةُ المُؤْمِنِينَ المَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، لا مَن ذُكِرَ مِنَ المَسِيحِ وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ خاصَّةً كَما قِيلَ.
الأنبياء 21:104
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ﴾، وقِيلَ: بِتَتَلَقّاهم، وقِيلَ: حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في "تُوعَدُونَ" والطَّيُّ ضِدُّ النَّشْرِ، وقِيلَ: المَحْوِ. وقُرِئَ "يُطْوى" بِالياءِ والتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ وهي الصَّحِيفَةُ، أيْ: طَيًّا كَطَيِّ الطُّوُّمارِ، وقُرِئَ: السَّجْلُ كَلَفْظِ الدَّلْوِ، وبِالكَسْرِ. والسُّجُلُّ عَلى وزْنِ العُتُلِّ وهُما لُغَتانِ. واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ السِّجِلِّ، أوْ صِفَةٌ لَهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ حَذَفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، أيْ: كَطَيِّ السِّجِلِّ كائِنًا لِلْكُتُبِ أوِ الكائِنِ لِلْكُتُبِ، فَإنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الصَّحائِفِ وما كُتِبَ فِيها فَسِجِلُّها بَعْضُ أجْزائِها، وبِهِ يَتَعَلَّقُ الطَّيُّ حَقِيقَةً. وقُرِئَ: "لِلْكِتابِ" وهو إمّا مَصْدَرٌ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: كَما يُطْوى الطُّوُّمارُ لِلْكِتابَةِ، أوِ اسْمٌ كالإمامِ، فاللّامُ كَما ذَكَرَ أوَّلًا قِيلَ: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ يَطْوِي كُتُبَ أعْمالِ بَنِي آَدَمَ إذا رُفِعَتْ إلَيْهِ، وقِيلَ: هو كاتِبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أيْ: نُعِيدُ ما خَلَقْناهُ مُبْتَدَأً إعادَةً مِثْلَ بَدْئِنا إيّاهُ في كَوْنِها إيجادًا بَعْدَ العَدَمِ أوْ جَمْعًا مِنَ الأجْزاءِ المُتَبَدِّدَةِ، والمَقْصُودُ بَيانُ صِحَّةِ الإعادَةِ بِالقِياسِ عَلى المَبْدَأِ لِشُمُولِ الإمْكانِ الذّاتِيِّ المُصَحِّحِ لِلْمَقْدُورِيَّةِ، وتَناوُلِ القُدْرَةِ لَهُما عَلى السَّواءِ. و"ما" كافَّةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. و"أوَّلَ" مَفْعُولٌ لَبَدَأْنا أوْ لِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ، أوْ مَوْصُولَةٌ والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ، أيْ: نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ، و"أوَّلَ خَلْقٍ" ظَرْفٌ لَبَدَأْنا أوْ حالُ ضَمِيرِ المَوْصُولِ المَحْذُوفِ.
﴿وَعْدًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ ومُقَرَّرٌ لِنُعِيدُهُ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِهِ لِأنَّهُ عِدَةٌ بِالإعادَةِ.
﴿عَلَيْنا﴾ أيْ: عَلَيْنا إنْجازُهُ ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ لِما ذَكَرَ لا مَحالَةَ.
الأنبياء 21:105
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ هو كِتابُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِجِنْسِ ما أُنْزِلَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أيِ: التَّوْراةُ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ كَتَبَنا في كِتابِ داوُدَ بَعْدَ ما كَتَبْنا في التَّوْراةِ، أوْ كَتَبْنا في جَمِيعِ الكُتُبِ المُنَـزَّلَةِ بَعْدَما كَتَبْنا وأثْبَتْنا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ أيْ: عامَّةُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ إجْلاءِ الكُفّارِ وهَذا وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِإظْهارِ الدِّينِ وإعْزازِ أهْلِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ المُرادَ: أرْضُ الجَنَّةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾، وقِيلَ: الأرْضُ المُقَدَّسَةُ يَرِثُها أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
الأنبياء 21:106
﴿إنَّ في هَذا﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ الأخْبارِ والمَواعِظِ البالِغَةِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ وصِحَّةِ النُّبُوَّةِ ﴿لَبَلاغًا﴾ أيْ: كِفايَةً أوْ سَبَبَ بُلُوغٍ إلى البُغْيَةِ ﴿لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ أيْ: لِقَوْمٍ هَمُّهُمُ (p-89)العِبادَةُ دُونَ العادَةِ.
الأنبياء 21:107
﴿وَما أرْسَلْناكَ﴾ بِما ذَكَرَ وبِأمْثالِهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي مَناطٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.
﴿إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ هو في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، أوْ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: ما أرْسَلْناكَ بِما ذُكِرَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا بِرَحْمَتِنا الواسِعَةِ لِلْعالَمِينَ قاطِبَةً، أوْ ما أرْسَلْناكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكَ رَحْمَةً لَهم، فَإنَّ ما بُعِثْتَ بِهِ سَبَبٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ ومَنشَأٌ لِانْتِظامِ مَصالِحِهِمْ في النَّشْأتَيْنِ، ومَن لَمْ يَغْتَنِمْ مَغانِمَ آَثارِهِ فَإنَّما فَرَّطَ في نَفْسِهِ وحُرْمَةِ حَقِّهِ، لا أنَّهُ تَعالى حَرَمَهُ مِمّا يُسْعِدُهُ، وقِيلَ: كَوْنُهُ رَحْمَةً في حَقِّ الكُفّارِ أمْنُهم مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والِاسْتِئْصالِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾
الأنبياء 21:108
﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّهُ لا إلَهَ لَكُمُ إلّا إلَهٌ واحِدٌ لِأنَّهُ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ البَعْثَةِ، وأمّا ما عَداهُ فَمِنَ الأحْكامِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ فَإنَّما الأُولى لِقِصَرِ الحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ كَقَوْلِكَ: إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ، أيْ: ما يَقُومُ إلّا زَيْدٌ، والثّانِيَةُ لِقِصَرِ الشَّيْءِ عَلى الحُكْمِ كَقَوْلِكَ: إنَّما زِيدٌ قائِمٌ، أيْ لَيْسَ لَهُ إلّا صِفَةُ القِيامِ.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُخْلِصُونَ العِبادَةَ لِلَّهِ تَعالى مُخَصِّصُونَ لَها بِهِ تَعالى، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما قَبْلَها مُوجِبٌ لِما بَعْدَها، قالُوا: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ صِفَةَ الوَحْدانِيَّةِ تَصِحُّ أنْ يَكُونَ طَرِيقُها السَّمْعَ.
الأنبياء 21:109
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الإسْلامِ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى ما يُوجِبُهُ مِنَ الوَحْيِ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ أيْ: أعْلَمْتُكم ما أُمِرْتُ بِهِ أوْ حَرْبِي لَكم ﴿عَلى سَواءٍ﴾ كائِنَتَيْنِ عَلى سَواءٍ في الإعْلامِ بِهِ لَمْ أطْوِهِ عَنْ أحَدٍ مِنكم، أوْ مُسْتَوِينَ بِهِ أنا وأنْتُمْ في العِلْمِ بِما أعْلَمْتُكم بِهِ، أوْ في المُعاداةِ، أوْ إيذانًا عَلى سَواءٍ، وقِيلَ: أعْلَمْتُكم أنِّي عَلى سَواءٍ، أيْ: عَدْلٍ واسْتِقامَةِ رَأْيٍ بِالبُرْهانِ النَّيِّرِ.
﴿وَإنْ أدْرِي﴾ أيْ: ما أدْرِي ﴿أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ مِن غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ وظُهُورِ الدِّينِ،أوِ الحَشْرِ مَعَ كَوْنِهِ آَتِيًا لا مَحالَةَ.
الأنبياء 21:110
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ: ما تُجاهِرُونَ بِهِ مِنَ الطَّعْنِ في الإسْلامِ وتَكْذِيبِ الآَياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما نَطَقَ بِمَجِيءِ المَوْعُودِ.
﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ مِنَ الإحَنِ والأحْقادِ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ نَقِيرًا أوْ قِطْمِيرًا.
الأنبياء 21:111
﴿وَإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أيْ: ما أدْرِي لَعَلَّ تَأْخِيرَ جَزائِكُمُ اسْتِدْراجٌ لَكم وزِيادَةٌ في افْتِتانِكم، أوِ امْتِحانٌ لَكم لَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ.
﴿وَمَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ أيْ: وتَمَتُّعٌ لَكم إلى أجَلٍ مُقَدَّرٍ تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ لَيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْكم.
الأنبياء 21:112
(p-90)﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ حِكايَةً لِدُعائِهِ ﷺ . وقُرِئَ: "قُلْ رَبِّ" عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، أيِ: اقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ بِالعَدْلِ المُقْتَضِي لِتَعْجِيلِ العَذابِ والتَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ، وقَدِ اسْتُجِيبَ دُعاؤُهُ ﷺ حَيْثُ عُذِّبُوا بِبَدْرٍ أيَّ تَعْذِيبٍ. وقُرِئَ: "رَبُّ" احْكم بِضَمِّ الباءِ، و"رَبِّي أحْكَمُ" عَلى صِيغَةِ التَّفْضِيلِ، ورَبِّي أحْكَمُ مِنَ الإحْكامِ.
﴿وَرَبُّنا الرَّحْمَنُ﴾ مُبْتَدَأٌ، أيْ: كَثِيرُ الرَّحْمَةِ عَلى عِبادِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُسْتَعانُ﴾ أيِ: المَطْلُوبُ مِنهُ المَعُونَةُ وخَبَرٌ آَخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ، وإضافَةُ الرَّبِّ فِيما سَبَقَ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ خاصَّةً لِما أنَّ الدُّعاءَ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ ﷺ، كَما أنَّ إضافَتَهُ هَهُنا إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ المُنْتَظِمِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا لِما أنَّ الِاسْتِعانَةَ مِنَ الوَظائِفِ العامَّةِ لَهم.
﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الحالِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ إنَّ الشَّوْكَةَ تَكُونُ لَهم، وإنَّ رايَةَ الإسْلامِ تَخْفُقُ ثُمَّ تَرْكُدُ، وإنَّ المُتَوَعَّدَ بِهِ لَوْ كانَ حَقًّا لَنَزَلَ بِهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيها. فاسْتَجابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دَعْوَةَ رَسُولِهِ ﷺ فَخَيَّبَ آَمالَهم وغَيَّرَ أحْوالَهم ونَصَرَ أوْلِياءَهُ عَلَيْهِمْ، فَأصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ ما أصابَهم. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ. وقُرِئَ: "يَصِفُونَ" بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ اقْتَرَبَ حاسَبَهُ اللَّهُ تَعالى حِسابًا يَسِيرًا وصافَحَهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِ كُلُّ نَبِيٍّ ذُكِرَ اسْمُهُ في القرآن﴾ .