Tafsir Abi Al-Suaood — يس 36:1 – ص 38:88
المحتويات
- يس 36:1
- يس 36:2
- يس 36:3
- يس 36:4
- يس 36:5
- يس 36:6
- يس 36:7
- يس 36:8
- يس 36:9
- يس 36:10
- يس 36:11
- يس 36:12
- يس 36:13
- يس 36:14
- يس 36:15
- يس 36:16
- يس 36:17
- يس 36:18
- يس 36:19
- يس 36:20
- يس 36:21
- يس 36:22
- يس 36:23
- يس 36:24
- يس 36:25
- يس 36:26
- يس 36:27
- يس 36:28
- يس 36:29
- يس 36:30
- يس 36:31
- يس 36:32
- يس 36:33
- يس 36:34
- يس 36:35
- يس 36:36
- يس 36:37
- يس 36:38
- يس 36:39
- يس 36:40
- يس 36:41
- يس 36:42
- يس 36:43
- يس 36:44
- يس 36:45
- يس 36:46
- يس 36:47
- يس 36:48
- يس 36:49
- يس 36:50
- يس 36:51
- يس 36:52
- يس 36:53
- يس 36:54
- يس 36:55
- يس 36:56
- يس 36:57
- يس 36:58
- يس 36:59
- يس 36:60
- يس 36:61
- يس 36:62
- يس 36:63
- يس 36:64
- يس 36:65
- يس 36:66
- يس 36:67
- يس 36:68
- يس 36:69
- يس 36:70
- يس 36:71
- يس 36:72
- يس 36:73
- يس 36:74
- يس 36:75
- يس 36:76
- يس 36:77
- يس 36:78
- يس 36:79
- يس 36:80
- يس 36:81
- يس 36:82
- يس 36:83
- الصافات 37:1
- الصافات 37:2
- الصافات 37:3
- الصافات 37:4
- الصافات 37:5
- الصافات 37:6
- الصافات 37:7
- الصافات 37:8
- الصافات 37:9
- الصافات 37:10
- الصافات 37:11
- الصافات 37:12
- الصافات 37:13
- الصافات 37:14
- الصافات 37:15
- الصافات 37:16
- الصافات 37:17
- الصافات 37:18
- الصافات 37:19
- الصافات 37:20
- الصافات 37:21
- الصافات 37:22
- الصافات 37:23
- الصافات 37:24
- الصافات 37:25
- الصافات 37:26
- الصافات 37:27
- الصافات 37:28
- الصافات 37:29
- الصافات 37:30
- الصافات 37:31
- الصافات 37:32
- الصافات 37:33
- الصافات 37:34
- الصافات 37:35
- الصافات 37:36
- الصافات 37:37
- الصافات 37:38
- الصافات 37:39
- الصافات 37:40
- الصافات 37:41
- الصافات 37:42
- الصافات 37:43
- الصافات 37:44
- الصافات 37:45
- الصافات 37:46
- الصافات 37:47
- الصافات 37:48
- الصافات 37:49
- الصافات 37:50
- الصافات 37:51
- الصافات 37:52
- الصافات 37:53
- الصافات 37:54
- الصافات 37:55
- الصافات 37:56
- الصافات 37:57
- الصافات 37:58
- الصافات 37:59
- الصافات 37:60
- الصافات 37:61
- الصافات 37:62
- الصافات 37:63
- الصافات 37:64
- الصافات 37:65
- الصافات 37:66
- الصافات 37:67
- الصافات 37:68
- الصافات 37:69
- الصافات 37:70
- الصافات 37:71
- الصافات 37:72
- الصافات 37:73
- الصافات 37:74
- الصافات 37:75
- الصافات 37:76
- الصافات 37:77
- الصافات 37:78
- الصافات 37:79
- الصافات 37:80
- الصافات 37:81
- الصافات 37:82
- الصافات 37:83
- الصافات 37:84
- الصافات 37:85
- الصافات 37:86
- الصافات 37:87
- الصافات 37:88
- الصافات 37:89
- الصافات 37:90
- الصافات 37:91
- الصافات 37:92
- الصافات 37:93
- الصافات 37:94
- الصافات 37:95
- الصافات 37:96
- الصافات 37:97
- الصافات 37:98
- الصافات 37:99
- الصافات 37:100
- الصافات 37:101
- الصافات 37:102
- الصافات 37:103
- الصافات 37:104
- الصافات 37:105
- الصافات 37:106
- الصافات 37:107
- الصافات 37:108
- الصافات 37:109
- الصافات 37:110
- الصافات 37:111
- الصافات 37:112
- الصافات 37:113
- الصافات 37:114
- الصافات 37:115
- الصافات 37:116
- الصافات 37:117
- الصافات 37:118
- الصافات 37:119
- الصافات 37:120
- الصافات 37:121
- الصافات 37:122
- الصافات 37:123
- الصافات 37:124
- الصافات 37:125
- الصافات 37:126
- الصافات 37:127
- الصافات 37:128
- الصافات 37:129
- الصافات 37:130
- الصافات 37:131
- الصافات 37:132
- الصافات 37:133
- الصافات 37:134
- الصافات 37:135
- الصافات 37:136
- الصافات 37:137
- الصافات 37:138
- الصافات 37:139
- الصافات 37:140
- الصافات 37:141
- الصافات 37:142
- الصافات 37:143
- الصافات 37:144
- الصافات 37:145
- الصافات 37:146
- الصافات 37:147
- الصافات 37:148
- الصافات 37:149
- الصافات 37:150
- الصافات 37:151
- الصافات 37:152
- الصافات 37:153
- الصافات 37:154
- الصافات 37:155
- الصافات 37:156
- الصافات 37:157
- الصافات 37:158
- الصافات 37:159
- الصافات 37:160
- الصافات 37:161
- الصافات 37:162
- الصافات 37:163
- الصافات 37:164
- الصافات 37:165
- الصافات 37:166
- الصافات 37:167
- الصافات 37:168
- الصافات 37:169
- الصافات 37:170
- الصافات 37:171
- الصافات 37:172
- الصافات 37:173
- الصافات 37:174
- الصافات 37:175
- الصافات 37:176
- الصافات 37:177
- الصافات 37:178
- الصافات 37:179
- الصافات 37:180
- الصافات 37:181
- الصافات 37:182
- ص 38:1
- ص 38:2
- ص 38:3
- ص 38:4
- ص 38:5
- ص 38:6
- ص 38:7
- ص 38:8
- ص 38:9
- ص 38:10
- ص 38:11
- ص 38:12
- ص 38:13
- ص 38:14
- ص 38:15
- ص 38:16
- ص 38:17
- ص 38:18
- ص 38:19
- ص 38:20
- ص 38:21
- ص 38:22
- ص 38:23
- ص 38:24
- ص 38:25
- ص 38:26
- ص 38:27
- ص 38:28
- ص 38:29
- ص 38:30
- ص 38:31
- ص 38:32
- ص 38:33
- ص 38:34
- ص 38:35
- ص 38:36
- ص 38:37
- ص 38:38
- ص 38:39
- ص 38:40
- ص 38:41
- ص 38:42
- ص 38:43
- ص 38:44
- ص 38:45
- ص 38:46
- ص 38:47
- ص 38:48
- ص 38:49
- ص 38:50
- ص 38:51
- ص 38:52
- ص 38:53
- ص 38:54
- ص 38:55
- ص 38:56
- ص 38:57
- ص 38:58
- ص 38:59
- ص 38:60
- ص 38:61
- ص 38:62
- ص 38:63
- ص 38:64
- ص 38:65
- ص 38:66
- ص 38:67
- ص 38:68
- ص 38:69
- ص 38:70
- ص 38:71
- ص 38:72
- ص 38:73
- ص 38:74
- ص 38:75
- ص 38:76
- ص 38:77
- ص 38:78
- ص 38:79
- ص 38:80
- ص 38:81
- ص 38:82
- ص 38:83
- ص 38:84
- ص 38:85
- ص 38:86
- ص 38:87
- ص 38:88
يس 36:1
(p-158)(سُورَةُ يس مَكِّيَّةٌ، وعَنْهُ ﷺ: ﴿تُدْعى المُعِمَّةَ تَعُمُّ صاحِبَها خَيْرَ الدّارَيْنِ، والدّافِعَةَ والقاضِيَةَ تَدْفَعُ عَنْهُ كُلَّ سُوءٍ وتَقْضِي لَهُ كُلَّ حاجَةٍ﴾ وآياتُها ثَلاثٌ وثَمانُونَ)
﴿يس﴾ إمّا مَسْرُودٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا حَظَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، أوِ اسْمُ السُّورَةِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ -وَعَلَيْهِ الأكْثَرُ - فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وعَلَيْهِما مَدارُ قِراءَةِ (يس) بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، أيْ: هَذِهِ يس، أوِ اقْرَأْ يس، ولا مَساغَ لِلنَّصْبِ بِإضْمارِ فِعْلِ القَسَمِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مُقْسَمٌ بِهِ، وقَدْ أبَوُا الجَمْعَ بَيْنَ قَسَمَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ قَبْلَ انْقِضاءِ الأوَّلِ، ولا مَجالَ لِلْعَطْفِ لِاخْتِلافِهِما إعْرابًا، وقِيلَ: هو مَجْرُورٌ بِإضْمارِ باءِ القَسَمِ مَفْتُوحٌ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ - كَما سَلَفَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ - مِن أنَّ ما كانَتْ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدَةً مِثْلَ: صاد، وقاف، ونون، أوْ كانَتْ مُوازِنَةً لِمُفْرَدٍ نَحْوِ طس ويس وحم المُوازِنَةِ لِقابِيلَ وهابِيلَ يَتَأتّى فِيها الإعْرابُ اللَّفْظِيُّ، ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في بابِ أسْماءِ السُّوَرِ مِن كِتابِهِ، وقِيلَ: هُما حَرَكَتا بِناءٍ، كَما في "حَيْثُ" و"أيْنَ" حَسْبَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ قِراءَةُ يس بِالكَسْرِ كَجَيْرِ، وقِيلَ: الفَتْحُ والكَسْرُ تَحْرِيكٌ لِلْجِدِّ في الهَرَبِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -أنَّ مَعْناهُ يا إنْسانُ في لُغَةِ طَيِّءٍ، قالُوا: المُرادُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَعَلَّ أصْلَهُ يا أُنَيْسَيْنِ، فاقْتُصِرَ عَلى شَطْرِهِ كَما قِيلَ: مَنِ اللَّهِ في أيْمَنِ اللَّهِ.
يس 36:2
﴿والقرآن﴾ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ مُقْسَمٌ بِهِ ابْتِداءً، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿ (يس)﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَجْرُورًا بِإضْمارِ باءِ القَسَمِ ﴿الحَكِيمِ﴾ أيِ: المُتَضَمِّنِ لِلْحِكْمَةِ، أوِ النّاطِقِ بِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، أوِ المُتَّصِفِ بِها عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ (الحَكِيمَ قائِلُهُ) فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، فَبِانْقِلابِهِ مَرْفُوعًا بَعْدَ الجَرِّ اسْتَكَنَّ في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، كَما مَرَّ في صَدْرِ سُورَةِ لُقْمانَ.
يس 36:3
﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ، والجُمْلَةُ لِرَدِّ إنْكارِ الكَفَرَةِ بِقَوْلِهِمْ في حَقِّهِ ﷺ: لَسْتَ مُرْسَلًا، وهَذِهِ الشَّهادَةُ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن جُمْلَةِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى في جَوابِهِمْ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ وفي تَخْصِيصِ القرآن بِالإقْسامِ بِهِ أوَّلًا وبِوَصْفِهِ بِالحَكِيمِ ثانِيًا تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ كَما يَشْهَدُ بِرِسالَتِهِ ﷺ مِن حَيْثُ نَظْمُهُ المُعْجِزُ المُنْطَوِي عَلى بَدائِعِ الحِكَمِ يَشْهَدُ بِها مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ أيْضًا؛ لِما أنَّ الإقْسامَ بِالشَّيْءِ (p-159)اسْتِشْهادٌ بِهِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ، وتَقْوِيَةٌ لِثُبُوتِهِ فَيَكُونُ شاهِدًا بِهِ ودَلِيلًا عَلَيْهِ قَطْعًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:4
﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِـ(إنَّ) أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ بِكَمالِها لا عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَطْ، وفائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ شَرِيعَتَهُ ﷺ أقْوَمُ الشَّرائِعِ وأعْدَلُها، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ التَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ، والوَصْفُ إثْرَ بَيانِ أنَّهُ ﷺ مِن جُمْلَةِ المُرْسَلِينَ بِالشَّرائِعِ.
يس 36:5
﴿تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وبِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ القرآن، وأيًّا ما كانَ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ عُبِّرَ بِهِ عَنِ القرآن بَيانًا لِكَمالِ عَراقَتِهِ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَأنَّهُ نَفْسُ التَّنْزِيلِ، وإظْهارًا لِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِوَصْفِهِ بِالحِكْمَةِ.
وَفِي تَخْصِيصِ الِاسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ المُعْرِبَيْنِ عَنِ الغَلَبَةِ التّامَّةِ، والرَّأْفَةِ العامَّةِ حَثٌّ عَلى الإيمانِ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا، وإشْعارٌ بِأنَّ تَنْزِيلَهُ ناشِئٌ عَنْ غايَةِ الرَّحْمَةِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المُضْمَرِ، أيْ: نُزِّلَ تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما ذُكِرَ مِن فَخامَةِ شَأْنِ القرآن، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَفِيهِ فَضْلُ تَأْكِيدٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ.
يس 36:6
﴿لِتُنْذِرَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَنْزِيلَ) عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ، وبِعامِلِهِ المُضْمَرِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ، أيْ: لِتُنْذِرَ بِهِ - كَما في صَدْرِ الأعْرافِ - وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَمِنَ المُرْسَلِينَ) أيْ: إنَّكَ مُرْسَلٌ لِتُنْذِرَ ﴿قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ أيْ: لَمْ يُنْذَرْ آباؤُهُمُ الأقْرَبُونَ لِتَطاوُلِ مُدَّةِ الفَتْرَةِ، عَلى أنَّ "ما" نافِيَةٌ، فَتَكُونُ صِفَةً مُبَيِّنَةً لِغايَةِ احْتِياجِهِمْ إلى الإنْذارِ، أوِ الَّذِي أُنْذَرَهُ، أوْ شَيْئًا أُنْذَرَهُ آباؤُهُمُ الأبْعَدُونَ، عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ(تُنْذِرَ) أوْ إنْذارَ آبائِهِمُ الأقْدَمِينَ عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، فَيَكُونُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ، أيْ: لِتُنْذِرَ إنْذارًا كائِنًا مِثْلَ إنْذارِهِمْ ﴿فَهم غافِلُونَ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْيِ الإنْذارِ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ، أيْ: لَمْ تُنْذَرْ آباؤُهم فَهم جَمِيعًا لِأجْلِهِ غافِلُونَ، وعَلى الوُجُوهِ الباقِيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِتُنْذِرَ" أوْ بِما يُفِيدُهُ (إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ) وارِدٌ لِتَعْلِيلِ إنْذارِهِ ﷺ أوْ إرْسالِهِ بِغَفْلَتِهِمُ المُحْوِجَةِ إلَيْهِما عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَوْمِ خاصَّةً، فالمَعْنى فَهم غافِلُونَ عَنْهُ، أيْ: عَمّا أُنْذِرَ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِامْتِدادِ المُدَّةِ، و"اللّامُ" في قَوْلِهِ تَعالى:
يس 36:7
﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ جَوابُ القَسَمِ، أيْ: واللَّهِ لَقَدْ ثَبَتَ وتَحَقَّقَ عَلَيْهِمُ البَتَّةَ لَكِنْ لا بِطْرِيقِ الجَبْرِ - مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِمْ ما يَقْتَضِيهِ - بَلْ بِسَبَبِ إصْرارِهِمُ الِاخْتِيارِيِّ عَلى الكُفْرِ والإنْكارِ، وعَدَمِ تَأثُّرِهِمْ مِنَ التَّذْكِيرِ والإنْذارِ، وغُلُوِّهِمْ في العُتُوِّ والطُّغْيانِ، وتَمادِيهِمْ في اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ بِحَيْثُ لا يَلْوِيهِمْ صارِفٌ، ولا يُثْنِيهِمْ عاطِفٌ كَيْفَ لا؟! والمُرادُ بِما حَقَّ مِنَ القَوْلِ قَوْلُهُ (p-160)تَعالى لِإبْلِيسَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ كَما يَلُوحُ بِهِ تَقْدِيمُ الجِنَّةِ عَلى النّاسِ، فَإنَّهُ - كَما تَرى - قَدْ أوْقَعَ فِيهِ الحُكْمَ بِإدْخالِ جَهَنَّمَ عَلى مَن تَبِعَ إبْلِيسَ، وذَلِكَ تَعْلِيلٌ لَهُ بِتَبَعِيَّتِهِ قَطْعًا، وثُبُوتُ القَوْلِ عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ عُبِّرَ عَنْهم بِأكْثَرِهِمْ إنَّما هو لِكَوْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ أُولَئِكَ المُصِرِّينَ عَلى تَبَعِيَّةِ إبْلِيسَ أبَدًا، وإذْ قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ مَناطَ ثُبُوتِ القَوْلِ وتَحَقُّقِهِ عَلَيْهِمْ إصْرارُهم عَلى الكُفْرِ إلى المَوْتِ ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ مُتَفَرِّعٌ في الحَقِيقَةِ عَلى ذَلِكَ لا عَلى ثُبُوتِ القَوْلِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:8
﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا﴾ تَقْرِيرٌ لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ عَنْهُ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ الَّذِينَ غُلَّتْ أعْناقُهم ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ أيْ: فالأغْلالُ مُنْتَهِيَةٌ إلى أذْقانِهِمْ فَلا تَدَعُهم يَلْتَفِتُونَ إلى الحَقِّ، ولا يَعْطِفُونَ أعْناقَهم نَحْوَهُ، ولا يُطَئْطِئُونَ رُءُوسَهم لَهُ ﴿فَهم مُقْمَحُونَ﴾ رافِعُونَ رُءُوسَهُمْ، غاضُّونَ أبْصارَهُمْ، بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يَرَوْنَ الحَقَّ، أوْ يَنْظُرُونَ إلى جِهَتِهِ.
يس 36:9
﴿وَجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ إمّا تَتِمَّةٌ لِلتَّمْثِيلِ وتَكْمِيلٌ لَهُ أيَّ تَكْمِيلٍ، أيْ: وجَعَلْنا - مَعَ ما ذُكِرَ - مِن أمامِهِمْ سَدًّا عَظِيمًا، ومِن ورائِهِمْ سَدًّا كَذَلِكَ، فَغَطَّيْنا بِها أبْصارَهُمْ، فَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إبْصارِ شَيْءٍ ما أصْلًا، وإمّا تَمْثِيلٌ مُسْتَقِلٌّ، فَإنَّ ما ذُكِرَ مِن جَعْلِهِمْ مَحْصُورِينَ بَيْنَ سَدَّيْنِ هائِلَيْنِ، قَدْ غَطَّيا أبْصارَهم بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا قَطْعًا كافٍ في الكَشْفِ عَنْ كَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، وكَوْنِهِمْ مَحْبُوسِينَ في مَطْمُورَةِ الغَيِّ والجَهالاتِ، مَحْرُومِينَ عَنِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ والآياتِ.
وَقُرِئَ: (سُدًّا) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقِيلَ: ما كانَ مِن عَمَلِ النّاسِ فَهو بِالفَتْحِ، وما كانَ مِن خَلْقِ اللَّهِ فَبِالضَّمِّ، وقُرِئَ: (فَأعْشَيْناهُمْ) مِنَ العَشا، وقِيلَ: الآيَتانِ في بَنِي مَخْزُومٍ، وذَلِكَ أنَّ أبا جَهْلٍ حَلَفَ لَئِنْ رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لَيَرْضَخَنَّ رَأْسَهُ، فَأتاهُ وهو ﷺ يُصَلِّي، ومَعَهُ حَجَرٌ لِيَدْمَغَهُ، فَلَمّا رَفَعَ يَدَهُ انْثَنَتْ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ، ولَزِقَ الحَجَرُ بِيَدِهِ حَتّى فَكُّوهُ عَنْها بِجُهْدٍ، فَرَجَعَ إلى قَوْمِهِ فَأخْبَرَهم بِذَلِكَ، فَقالَ مَخْزُومِيٌّ آخَرُ: أنا أقْتُلُهُ بِهَذا الحَجَرِ، فَذَهَبَ فَأعْمى اللَّهُ تَعالى بَصَرَهُ.
يس 36:10
﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ بَيانٌ لِشَأْنِهِمْ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ إثْرَ بَيانِهِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، أيْ: مُسْتَوٍ عِنْدَهم إنْذارُكَ إيّاهم وعَدَمُهُ، حَسْبَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مُبَيِّنٌ لِما فِيهِ مِن إجْمالِ ما فِيهِ الِاسْتِواءُ، أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ولَمّا بُيِّنَ كَوْنُ الإنْذارِ عِنْدَهم كَعَدَمِهِ عُقِّبَ بِبَيانِ مَن يَتَأثَّرُ مِنهُ، فَقِيلَ:
يس 36:11
﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾ أيْ: إنْذارًا مُسْتَتْبِعًا لِلْأثَرِ ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أيِ: القرآن بِالتَّأمُّلِ فِيهِ، أوِ الوَعْظِ، ولَمْ يُصِرَّ عَلى اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ أيْ: (p-161)خافَ عِقابَهُ، وهو غائِبٌ عَنْهُ، عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، أوْ خافَهُ في سَرِيرَتِهِ، ولَمْ يَغْتَرَّ بِرَحْمَتِهِ، فَإنَّهُ مُنْتَقِمٌ قَهّارٌ، كَما أنَّهُ رَحِيمٌ غَفّارٌ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ عَظِيمَةٍ ﴿وَأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، و"الفاءُ" لِتَرْتِيبِ البِشارَةِ، أوِ الأمْرِ بِها عَلى ما قَبْلَها مِنِ اتِّباعِ الذِّكْرِ والخَشْيَةِ.
يس 36:12
﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى﴾ بَيانٌ لِشَأْنٍ عَظِيمٍ يَنْطَوِي عَلى الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ انْطِواءً إجْمالِيًّا، أيْ: نَبْعَثُهم بَعْدَ مَماتِهِمْ، وعَنِ الحَسَنِ: إحْياؤُهم إخْراجُهم مِنَ الشِّرْكِ إلى الإيمانِ، فَهو حِينَئِذٍ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِتَحْقِيقِ المُبَشَّرِ بِهِ ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ أيْ: ما أسْلَفُوا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ وغَيْرِها ﴿وَآثارَهُمْ﴾ الَّتِي أبْقَوْها مِنَ الحَسَناتِ كَعِلْمٍ عَلِمُوهُ، أوْ كِتابٍ ألَّفُوهُ أوْ حَبِيسٍ وقَفُوهُ، أوْ بِناءٍ بَنَوْهُ مِنَ المَساجِدِ والرِّباطاتِ والقَناطِرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ البِرِّ.
وَمِنَ السَّيِّئاتِ كَتَأْسِيسِ قَوانِينِ الظُّلْمِ والعُدْوانِ، وتَرْتِيبِ مَبادِئِ الشَّرِّ والفَسادِ فِيما بَيْنَ العِبادِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ الشُّرُورِ الَّتِي أحْدَثُوها وسَنُّوها لِمَن بَعْدَهم مِنَ المُفْسِدِينَ.
وَقِيلَ: هي آثارُ المَشّائِينَ إلى المَساجِدِ، ولَعَلَّ المُرادَ أنَّها مِن جُمْلَةِ الآثارِ، وقُرِئَ: (وَيُكْتَبُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ (آثارَهُمْ) ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ ﴿أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ أصْلٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ مُظْهِرٍ لِجَمِيعِ الأشْياءِ مِمّا كانَ وما سَيَكُونُ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقُرِئَ: (كُلُّ شَيْءٍ) بِالرَّفْعِ.
يس 36:13
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ ضَرْبُ المَثَلِ يُسْتَعْمَلُ تارَةً في تَطْبِيقِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ بِحالَةٍ أُخْرى مِثْلِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ وأُخْرى في ذِكْرِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ، وبَيانِها لِلنّاسِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى تَطْبِيقِها بِنَظِيرَةٍ لَها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، أيْ: بَيَّنا لَكم أحْوالًا بَدِيعَةً هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ، فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ: اجْعَلْ أصْحابَ القَرْيَةِ مَثَلًا لِهَؤُلاءِ في الغُلُوِّ في الكُفْرِ، والإصْرارِ عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، أيْ: طَبِّقْ حالَهم بِحالِهِمْ عَلى أنَّ "مَثَلًا" مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ"اضْرِبْ" و"أصْحابَ القَرْيَةِ" مَفْعُولُهُ الأوَّلُ أُخِّرَ عَنْهُ لِيَتَّصِلَ بِهِ ما هو شَرْحُهُ وبَيانُهُ.
وَعَلى الثّانِي: اذْكُرْ وبَيِّنْ لَهم قِصَّةً هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أوْ بَيانٌ لَهُ، والقَرْيَةُ: أنْطاكِيَةُ ﴿إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن أصْحابِ القَرْيَةِ، وهم رُسُلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أهْلِها، ونِسْبَةُ إرْسالِهِمْ إلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ:
يس 36:14
﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ كانَ بِأمْرِهِ تَعالى لِتَكْمِيلِ التَّمْثِيلِ، وتَتْمِيمِ التَّسْلِيَةِ، وهُما يَحْيى وبُولِسُ، وقِيلَ: غَيْرُهُما ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ أيْ: فَأتَياهم فَدَعْواهم إلى الحَقِّ، فَكَذَّبُوهُما في الرِّسالَةِ ﴿فَعَزَّزْنا﴾ أيْ: قَوَّيْنا، يُقالُ: عَزَّزَ المَطَرُ الأرْضَ إذا لَبَّدَها، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِن عَزَهُ إذا غَلَبَهُ وقَهَرَهُ، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ المَقْصِدَ ذِكْرُ المُعَزَّزِ بِهِ ﴿بِثالِثٍ﴾ هو شَمْعُونُ ﴿فَقالُوا﴾ أيْ: جَمِيعًا ﴿إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ مُؤَكِّدِينَ كَلامَهم لَسَبْقِ الإنْكارِ؛ لِما أنَّ تَكْذِيبَهُما تَكْذِيبٌ لِلثّالِثِ لِاتِّحادِ كَلِمَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا عَبَدَةَ أصْنامٍ فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ (p-162)عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اثْنَيْنِ، فَلَمّا قَرُبا مِنَ المَدِينَةِ رَأيا شَيْخًا يَرْعى غُنَيْماتٍ لَهُ - وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ صاحِبُ يس - فَسَألَهُما فَأخْبَراهُ، قالَ: أمَعَكُما آيَةٌ؟ فَقالا: نَشْفِي المَرِيضَ، ونُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وكانَ لَهُ ولَدٌ مَرِيضٌ مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَمَسَحاهُ فَقامَ فَآمَنَ حَبِيبٌ، وفَشا الخَبَرُ، وشُفِيَ عَلى أيْدِيهِما خَلْقٌ، وبَلَغَ حَدِيثُهُما إلى المَلِكِ، وقالَ لَهُما: ألَنا إلَهٌ سِوى آلِهَتِنا؟ قالا: نَعَمْ، مَن أوْجَدَكَ وآلِهَتَكَ، فَقالَ: حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَتَبِعَهُما النّاسُ، وقِيلَ: ضَرَبُوهُما، وقِيلَ: حُبِسا، ثُمَّ بَعَثَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَمْعُونَ، فَدَخَلَ مُتَنَكِّرًا، وعاشَرَ حاشِيَةَ المَلِكِ حَتّى اسْتَأْنَسُوا بِهِ، ورَفَعُوا خَبَرَهُ إلى المَلِكِ فَأنِسَ بِهِ، فَقالَ لَهُ يَوْمًا: بَلَغَنِي أنَّكَ حَبَسْتَ رَجُلَيْنِ، فَهَلْ سَمِعْتَ ما يَقُولُونَهُ؟ قالَ: لا، حالَ الغَضَبُ بَيْنِي وبَيْنَ ذَلِكَ، فَدَعاهُما، فَقالَ شَمْعُونُ: مَن أرْسَلَكُما؟ قالا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، ولَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ، فَقالَ: صِفاهُ وأوْجِزا، قالا: يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، قالَ: وما آيَتُكُما؟ قالا: ما يَتَمَنّى المَلِكُ؟ فَدَعا بِغُلامٍ مَطْمُوسِ العَيْنَيْنِ، فَدَعَوا اللَّهَ تَعالى حَتّى انْشَقَّ لَهُ بَصَرٌ، فَأخَذا بُنْدُقَتَيْنِ فَوَضَعاهُما في حَدَقَتَيْهِ، فَصارَتا مُقْلَتَيْنِ يَنْظُرُ بِهِما، فَقالَ لَهُ شَمْعُونُ: أرَأيْتَ لَوْ سَألْتَ إلَهَكَ حَتّى يَصْنَعَ مِثْلَ هَذا فَيَكُونَ لَكَ ولَهُ الشَّرَفُ؟ قالَ: لَيْسَ لِي عَنْكَ سِرٌّ، إنَّ إلَهَنا لا يُبْصِرُ ولا يَسْمَعُ، ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وكانَ شَمْعُونَ يَدْخُلُ مَعَهم عَلى الصَّنَمِ فَيُصَلِّي ويَتَضَرَّعُ، وهم يَحْسَبُونَ أنَّهُ مِنهم.
ثُمَّ قالَ: إنْ قَدَرَ إلَهُكُما عَلى إحْياءِ مَيِّتٍ آمَنّا بِهِ، فَدَعَوا بِغُلامٍ ماتَ مِن سَبْعَةِ أيّامٍ، فَقامَ وقالَ: إنِّي أُدْخِلْتُ في سَبْعَةِ أوْدِيَةٍ مِنَ النّارِ، وإنِّي أُحَذِّرُكم ما أنْتُمْ فِيهِ فَآمِنُوا، وقالَ: فُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ فَرَأيْتُ شابًّا حَسَنَ الوَجْهِ يَشْفَعُ لِهَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، قالَ المَلِكُ: مَن هُمْ؟ قالَ: شَمْعُونُ وهَذانِ، فَتَعَجَّبَ المَلِكُ فَلَمّا رَأى شَمْعُونُ أنَّ قَوْلَهُ قَدْ أثَّرَ فِيهِ نَصَحَهُ فَآمَنَ، وآمَنَ قَوْمٌ، ومَن لَمْ يُؤْمِن صاحَ عَلَيْهِمْ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – فَهَلَكُوا، هَكَذا قالُوا، ولَكِنْ لا يُساعِدُهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، حَيْثُ اقْتُصِرَ فِيهِ عَلى حِكايَةِ تَمادِيهِمْ في العِنادِ واللَّجاجِ ورُكُوبِهِمْ مَتْنَ المُكابَرَةِ في الحِجاجِ، ولَمْ يُذْكَرْ فِيهِ مِمَّنْ يُؤْمِنُ أحَدٌ سِوى حَبِيبٍ، ولَوْ أنَّ المَلِكَ وقَوْمًا مِن حَواشِيهِ آمَنُوا لَكانَ الظّاهِرُ أنْ يُظاهِرُوا الرُّسُلَ، ويُساعِدُوهم قُبِلُوا في ذَلِكَ أوْ قُتِلُوا كَدَأْبِ النَّجّارِ الشَّهِيدِ، ولَكانَ لَهم فِيهِ ذِكْرٌ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ إيمانُ المَلِكِ بِطَرِيقِ الخُفْيَةِ عَلى خَوْفٍ مِن عُتاةِ مَلَئِهِ فَيَعْتَزِلُ عَنْهم مُعْتَذِرًا بِعُذْرٍ مِنَ الأعْذارِ.
يس 36:15
﴿قالُوا﴾ أيْ: أهْلُ أنْطاكِيَّةَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا مُخاطِبِينَ لِلثَّلاثَةِ ﴿ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ لَكم عَلَيْنا مُوجِبَةٍ لِاخْتِصاصِكم بِما تَدَّعُونَهُ، ورَفْعُ (بَشَرٌ) لِانْتِقاضِ النَّفْيِ المُقْتَضِي لِإعْمالِ "ما" بِـ"إلّا" ﴿وَما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ مِمّا تَدَّعُونَهُ مِنَ الوَحْيِ والرِّسالَةِ ﴿إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ﴾ في دَعْوى رِسالَتِهِ.
يس 36:16
﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ اسْتَشْهَدُوا بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وهو يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَحْذِيرِهِمْ مُعارَضَةَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وزادُوا اللّامَ المُؤَكِّدَةَ لِما شاهَدُوا مِنهم مِن شِدَّةِ الإنْكارِ.
يس 36:17
﴿وَما عَلَيْنا﴾ أيْ: مِن جِهَةِ رَبِّنا ﴿إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: إلّا تَبْلِيغُ رِسالَتِهِ تَبْلِيغًا ظاهِرًا بَيِّنًا (p-163)بِالآياتِ الشّاهِدَةِ بِالصِّحَّةِ، وقَدْ خَرَجْنا عَنْ عُهْدَتِهِ، فَلا مُؤاخَذَةَ لَنا بَعْدَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ رَبِّنا، أوْ ما عَلَيْنا شَيْءٌ نُطالَبُ بِهِ مِن جِهَتِكم إلّا تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، وقَدْ فَعَلْناهُ، فَأيُّ شَيْءٍ تَطْلُبُونَ مِنّا حَتّى تُصَدِّقُونا بِذَلِكَ.
يس 36:18
﴿قالُوا﴾ لَمّا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ، وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ ﴿إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ تَشاءَمْنا بِكُمْ؛ جَرْيًا عَلى دَيْدَنِ الجَهَلَةِ، حَيْثُ كانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِكُلِّ ما يُوافِقُ شَهَواتِهِمْ - وإنْ كانَ مُسْتَجْلِبًا لِكُلِّ شَرٍّ ووَبالٍ - ويَتَشاءَمُونَ بِما لا يُوافِقُها - وإنْ كانَ مُسْتَتْبِعًا لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ - أوْ بِناءً عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ لا تَخْلُو عَنِ الوَعِيدِ بِما يَكْرَهُونَهُ مِن إصابَةِ ضُرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِأنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ، إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَكانُوا يَنْفِرُونَ عَنْهُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ حُبِسَ عَنْهُمُ القَطْرُ فَقالُوهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ أيْ: عَنْ مَقالَتِكم هَذِهِ ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ بِالحِجارَةِ ﴿وَلَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
يس 36:19
﴿قالُوا طائِرُكُمْ﴾ أيْ: سَبَبُ شُؤْمِكم ﴿مَعَكُمْ﴾ لا مِن قِبَلِنا، وهو سُوءُ عَقِيدَتِكُمْ، وقُبْحُ أعْمالِكُمْ، وقُرِئَ: (طَيْرُكُمْ) ﴿أإنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أيْ: وُعِظْتُمْ بِما فِيهِ سَعادَتُكُمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: تَطَيَّرْتُمْ وتَوَعَّدْتُمْ بِالرَّجْمِ والتَّعْذِيبِ، وقُرِئَ بِألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، وبِفَتْحِ (أنْ) بِمَعْنى: أتَطَيَّرْتُمْ (لِأنْ ذُكِّرْتُمْ) (وَأنْ ذُكِّرْتُمْ) (وَإنْ ذُكِّرْتُمْ) بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ (وَأيْنَ ذُكِّرْتُمْ) بِمَعْنى: طائِرُكم مَعَكم حَيْثُ جَرى ذِكْرُكُمْ، وهو أبْلَغُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ إضْرابٌ عَمّا تَقْتَضِيهِ الشَّرْطِيَّةُ مِن كَوْنِ التَّذْكِيرِ سَبَبًا لِلشُّؤْمِ، أوْ مُصَحِّحًا لِلتَّوَعُّدِ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإسْرافُ في العِصْيانِ، فَلِذَلِكَ أتاكُمُ الشُّؤْمُ، أوْ في الظُّلْمِ والعُدْوانِ، ولِذَلِكَ تَوَعَّدْتُمْ وتَشاءَمْتُمْ بِمَن يَجِبُ إكْرامُهُ والتَّبَرُّكُ بِهِ.
يس 36:20
﴿وَجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ هو حَبِيبٌ النَّجّارُ، وكانَ يَنْحِتُ أصْنامَهُمْ، وهو مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَهُما سِتُّمِائَةِ سَنَةً، كَما آمَنَ بِهِ تُبَّعٌ الأكْبَرُ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وغَيْرُهُما، ولَمْ يُؤْمِن بِنَبِيٍّ غَيْرِهِ ﷺ أحَدٌ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وقِيلَ: كانَ في غارٍ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى فَلَمّا بَلَغَهُ خَبَرُ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أظْهَرَ دِينَهُ ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مَجِيئِهِ ساعِيًا، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ مَجِيئِهِ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ تَعَرَّضَ لِعُنْوانِ رِسالَتِهِمْ حَثًّا لَهم عَلى اتِّباعِهِمْ، كَما أنَّ خِطابَهم بِـ"يا قَوْمِ" لِتَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ واسْتِمالَتِها نَحْوَ قَبُولِ نَصِيحَتِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:21
﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى وصْفِهِمْ بِما يُرَغِّبُهم في اتِّباعِهِمْ مِنَ التَّنَزُّهِ عَنِ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، والِاهْتِداءِ إلى خَيْرِ الدُّنْيا والدِّينِ.
يس 36:22
﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ تَلَطُّفٌ في الإرْشادِ (p-164)بِإيرادِهِ في مَعْرِضِ المُناصَحَةِ لِنَفْسِهِ، وإمْحاضِ النُّصْحِ حَيْثُ أراهم أنَّهُ اخْتارَ لَهم ما يَخْتارُ لِنَفْسِهِ، والمُرادُ تَقْرِيعُهم عَلى تَرْكِ عِبادَةِ خالِقِهِمْ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ مُبالَغَةً في التَّهْدِيدِ، ثُمَّ عادَ إلى المَساقِ الأوَّلِ، فَقالَ:
يس 36:23
﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِاتِّخاذِ الآلِهَةِ عَلى الإطْلاقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ أيْ: لا تَنْفَعُنِي شَيْئًا مِنَ النَّفْعِ ﴿وَلا يُنْقِذُونِ﴾ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ بِالنُّصْرَةِ والمُظاهَرَةِ، اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِتَعْلِيلِ النَّفْيِ المَذْكُورِ، وجَعْلُهُ صِفَةً لِـ(آلِهَةً) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم رُبَّما يُوهِمُ أنَّ هُناكَ آلِهَةً لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وقُرِئَ: (إنْ يَرِدْنِ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى مَعْنى "إنْ يَوْرِدْنِي ضُرًّا" أيْ: يَجْعَلْنِي مَوْرِدًا لِلضُّرِّ.
يس 36:24
﴿إنِّي إذًا﴾ أيْ: إذا اتَّخَذْتُ مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فَإنَّ إشْراكَ ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ النَّفْعُ، ولا دَفْعُ الضُّرِّ بِالخالِقِ المُقْتَدِرِ الَّذِي لا قادِرَ غَيْرُهُ، ولا خَيْرَ إلّا خَيْرُهُ ضَلالٌ بَيِّنٌ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ في الجُمْلَةِ.
يس 36:25
﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ خِطابٌ مِنهُ لِلرُّسُلِ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، قِيلَ: لَمّا نَصَحَ قَوْمَهُ بِما ذُكِرَ هَمُّوا بِرَجْمِهِ فَأسْرَعَ نَحْوَ الرُّسُلِ قَبْلَ أنْ يَقْتُلُوهُ، فَقالَ ذَلِكَ، وإنَّما أكَّدَهُ لِإظْهارِ صُدُورِهِ عَنْهُ بِكَمالِ الرَّغْبَةِ والنَّشاطِ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِهِمْ رَوْمًا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وإظْهارًا لِلِاخْتِصاصِ والِاقْتِداءِ بِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: بِرَبِّكُمُ الَّذِي أرْسَلَكُمْ، أوِ الَّذِي تَدْعُونَنا إلى الإيمانِ بِهِ ﴿فاسْمَعُونِ﴾ أيِ: اسْمَعُوا إيمانِي، واشْهَدُوا لِي بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ شافَهَهم بِذَلِكَ إظْهارًا لِلتَّصَلُّبِ في الدِّينِ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِالقَتْلِ، وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ، والتَّنْبِيهِ عَلى بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنِ اتِّخاذِ الأصْنامِ أرْبابًا، وقِيلَ: لِلنّاسِ جَمِيعًا.
يس 36:26
﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لَمّا قَتَلُوهُ؛ إكْرامًا لَهُ بِدُخُولِها حِينَئِذٍ كَسائِرِ الشُّهَداءِ، وقِيلَ: لَمّا هَمُّوا بِقَتْلِهِ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَنْ قَتادَةَ: أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، وهو فِيها حَيٌّ يُرْزَقُ، وقِيلَ: مَعْناهُ البُشْرى بِدُخُولِ الجَنَّةِ، وأنَّهُ مِن أهْلِها، وإنَّما لَمْ يُقَلْ لَهُ؛ لِأنَّ الغَرَضَ بَيانُ المَقُولِ لا المَقُولِ لَهُ لِظُهُورِهِ، ولِلْمُبالَغَةِ في المُسارَعَةِ إلى بَيانِهِ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِ ومَقالِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ لِقاءُ رَبِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ التَّصَلُّبِ في دِينِهِ، والتَّسَخِّي بِرُوحِهِ لِوَجْهِهِ تَعالى؟ فَقِيلَ: قِيلَ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ .
يس 36:27
﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ فَإنَّهُ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ نَيْلِهِ تِلْكَ الكَرامَةَ السَّنِيَّةَ؟ فَقِيلَ: "قالَ": ... إلَخْ، وإنَّما تَمَنّى عِلْمَ قَوْمِهِ بِحالِهِ لِيَحْمِلَهم ذَلِكَ عَنِ اكْتِسابِ مِثْلِهِ (p-165)بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ، والدُّخُولِ في الإيمانِ والطّاعَةِ، جَرْيًا عَلى سُنَنِ الأوْلِياءِ في كَظْمِ الغَيْظِ والتَّرَحُّمِ عَلى الأعْداءِ، أوْ لِيَعْلَمُوا أنَّهم كانُوا عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ في أمْرِهِ، وأنَّهُ كانَ عَلى الحَقِّ، وأنَّ عَداوَتَهم لَمْ تُكْسِبْهُ إلّا سَعادَةً، وقُرِئَ: (مِنَ المُكَرَّمِينَ) و"ما" مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، و"الباءُ" صِلَةُ "يَعْلَمُونَ"، أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ ورَدَتْ عَلى الأصْلِ، و"الباءُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"غَفَرَ" أيْ: بِأيِّ شَيْءٍ غَفَرَ لِي رَبِّي، يُرِيدُ بِهِ تَفْخِيمَ شَأْنِ المُهاجَرَةِ عَنْ مِلَّتِهِمْ، والمُصابَرَةِ عَلى أذِيَّتِهِمْ.
يس 36:28
﴿وَما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ قَتْلِهِ، أوْ رَفْعِهِ ﴿مِن جُنْدٍ مِن السَّماءِ﴾ لِإهْلاكِهِمْ والِانْتِقامِ مِنهُمْ، كَما فَعَلْناهُ يَوْمَ بَدْرٍ والخَنْدَقِ، بَلْ كَفَيْنا أمْرَهم بِصَيْحَةِ مَلَكٍ، وفِيهِ اسْتِحْقارٌ لَهم لِإهْلاكِهِمْ، وإيماءٌ إلى تَفْخِيمِ شَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ ﴿وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ وما صَحَّ في حِكْمَتِنا أنْ نُنَزِّلَ لِإهْلاكِ قَوْمِهِ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ؛ لِما أنّا قَدَّرْنا لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا حَيْثُ أهْلَكْنا بَعْضَ مَن أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ بِالحاصِبِ، وبَعْضَهم بِالصَّيْحَةِ، وبَعْضَهم بِالخَسْفِ، وبَعْضَهم بِالإغْراقِ، وجَعَلْنا إنْزالَ الجُنْدِ مِن خَصائِصِكَ في الِانْتِصارِ مِن قَوْمِكَ، وقِيلَ: "ما" مَوْصُولَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى "جُنْدٍ" أيْ: وما كُنّا مُنْزِلِينَ عَلى مَن قَبْلَهم مِن حِجارَةٍ ورِيحٍ وأمْطارٍ شَدِيدَةٍ وغَيْرِها.
يس 36:29
﴿إنْ كانَتْ﴾ أيْ: ما كانَتِ الأخْذَةُ أوِ العُقُوبَةُ ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ صاحَ بِها جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقُرِئَ: (إلّا صَيْحَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، وقُرِئَ: (إلّا زَقْيَةً واحِدَةً) مِن زَقا الطّائِرُ إذا صاحَ ﴿فَإذا هم خامِدُونَ﴾ مَيِّتُونَ، شُبِّهُوا بِالنّارِ الخامِدَةِ؛ رَمَزًا إلى أنَّ الحَيَّ كالنّارِ السّاطِعَةِ في الحَرَكَةِ والِالتِهابِ، والمَيِّتَ كالرَّمادِ، كَما قالَ لَبِيدٌ:
؎ وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
يس 36:30
﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ تَعالَيْ، فَهَذِهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَحْضُرِي فِيها، وهي ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فَإنَّ المُسْتَهْزِئِينَ بِالنّاصِحِينَ الَّذِينَ نِيطَتْ بِنَصائِحِهِمْ سَعادَةُ الدّارَيْنِ أحِقّاءُ بِأنْ يَتَحَسَّرُوا، ويَتَحَسَّرَ عَلَيْهِمُ المُتَحَسِّرُونَ، أوْ قَدْ تَلَهَّفَ عَلى حالِهِمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَحَسُّرًا عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ: (يا حَسْرَتا) لِأنَّ المَعْنى يا حَسْرَتِي، ونَصْبُها لِطُولِها بِما تَعَلَّقَ بِها مِنَ الجارِّ، وقِيلَ: بِإضْمارِ فِعْلِها، والمُنادى مَحْذُوفٌ، وقُرِئَ: (يا حَسْرَةَ العِبادِ) بِالإضافَةِ إلى الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ. و(يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ) بِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.
يس 36:31
﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا، وهو مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ لِأنَّ (كَمْ) لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً؛ لِأنَّ أصْلَها الِاسْتِفْهامُ خَلا أنَّ مَعْناهُ نافِذٌ في الجُمْلَةِ كَما نَفَذَ في قَوْلِكَ: ألَمْ تَرَ أنَّ زَيْدًا لَمُنْطَلِقٌ، وإنْ لَمْ يَعْمَلْ في لَفْظِهِ ﴿أنَّهم (p-166)إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن "كَمْ أهْلَكْنا" عَلى المَعْنى، أيْ: ألَمْ يَرَوْا كَثْرَةَ إهْلاكِنا مَن قَبْلَهم مِنَ المَذْكُورِينَ آنِفًا، ومِن غَيْرِهِمْ كَوْنَهم غَيْرَ راجِعِينَ إلَيْهِمْ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ: (ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا) والبَدَلُ حِينَئِذٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ.
يس 36:32
﴿وَإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ بَيانٌ لِرُجُوعِ الكُلِّ إلى المَحْشَرِ بَعْدَ بَيانِ عَدَمِ الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا، و"إنْ" نافِيَةٌ، وتَنْوِينُ (كُلٌّ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، و"لَمّا" بِمَعْنى إلّا، و"جَمِيعٌ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و"لَدَيْنا" ظَرْفٌ لَهُ أوْ لِما بَعْدَهُ، والمَعْنى: ما كُلُّهم إلّا مَجْمُوعُونَ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وقِيلَ: مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، فَكُلٌّ عِبارَةٌ عَنِ الكَفَرَةِ، وقُرِئَ: (لَما) بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، و"اللّامُ" فارِقَةٌ، و"ما" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّهم مَجْمُوعُونَ ... إلَخْ.
يس 36:33
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "آيَةٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و"لَهُمْ" إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِها؛ لِأنَّها بِمَعْنى العَلامَةِ، أوْ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لَها، و"الأرْضُ" مُبْتَدَأٌ، و"المَيْتَةُ" صِفَتُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْيَيْناها﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: "آيَةٌ" مُبْتَدَأٌ، و"لَهُمْ" خَبَرٌ، و"الأرْضُ المَيْتَةُ" مُبْتَدَأٌ مَوْصُوفٌ، و"أحْيَيْناها" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِـ(آيَةٌ) وقِيلَ: "الأرْضُ" مُبْتَدَأٌ، و"أحْيَيْناها" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ(آيَةٌ) وقِيلَ: الخَبَرُ لَها هو "الأرْضُ" و"أحْيَيْناها" صِفَتُها؛ لِأنَّ المُرادَ بِها الجِنْسُ لا المُعَيَّنَةُ، والأوَّلُ هو الأوْلى؛ لِأنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ هو كَوْنُ الأرْضِ آيَةً لَهم لا كَوْنُ الآيَةِ هي الأرْضُ ﴿وَأخْرَجْنا مِنها حَبًّا﴾ جِنْسَ الحَبِّ ﴿فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ تَقْدِيمُ الصِّلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ ويُعاشُ بِهِ.
يس 36:34
﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، ولِذَلِكَ جُمِعا دُونَ الحَبِّ؛ فَإنَّ الدّالَّ عَلى الجِنْسِ مُشْعِرٌ بِالِاخْتِلافِ، ولا كَذَلِكَ الدّالُّ عَلى الأنْواعِ، وذِكْرُ النَّخِيلِ دُونَ التُّمُورِ لِيُطابِقَ الحَبَّ والأعْنابَ لِاخْتِصاصِ شَجَرِها بِمَزِيدِ النَّفْعِ، وآثارِ الصُّنْعِ ﴿وَفَجَّرْنا فِيها﴾ وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى ﴿مِنَ العُيُونِ﴾ أيْ: بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ، وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ العُيُونَ و"مِن" مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ الأخَفْشِ.
يس 36:35
﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(جَعَلْنا) وتَأْخِيرُهُ عَنْ تَفْجِيرِ العُيُونِ؛ لِأنَّهُ مِن مَبادِئِ الأثْمارِ، أيْ: وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ، ورَتَّبْنا مَبادِئَ أثْمارِها لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِ ما ذُكِرَ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، بِإجْراءِ الضَّمِيرِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ، والإضافَةُ لِأنَّ الثَّمَرَ يَخْلُقُهُ تَعالى، وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ، أوْ جَمْعُ ثِمارٍ، وبِضَمَّةٍ وسُكُونٍ ﴿وَما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ثَمَرِهِ، وهو ما يُتَّخَذُ مِنهُ مِنَ العَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما. وقِيلَ: "ما" نافِيَةٌ، والمَعْنى أنَّ الثَّمَرَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لا بِفِعْلِهِمْ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ، ويُؤَكِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ (p-167)(عَمِلَتْ) بِلا هاءٍ، فَإنَّ حَذْفَ العائِدِ مِنَ الصِّلَةِ أحْسَنُ مِنَ الحَذْفِ مِن غَيْرِها ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ المَعْدُودَةِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أيَرَوْنَ هَذِهِ النِّعَمَ، أوْ أيَتَنَعَّمُونَ بِها فَلا يَشْكُرُونَها.
يس 36:36
﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا فَعَلُوهُ مِن تَرْكِ شُكْرِهِ عَلى آلائِهِ المَذْكُورَةِ، واسْتِعْظامِ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ صِلَةٍ مِن بَدائِعِ آثارِ قدرته، وأسْرارِ حِكْمَتِهِ، ورَوائِعِ نَعْمائِهِ المُوجِبَةِ لِلشُّكْرِ، وتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ، والتَّعْجِيبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ.
وَ(سُبْحانَ) عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ اعْتِقادًا وقَوْلًا، أيِ: اعْتِقادَ البُعْدِ عَنْهُ والحُكْمِ بِهِ، مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ إذا أبْعَدَ فِيهِما وأمْعَنَ، ومِنهُ فَرَسٌ سَبُوحٌ، أيْ: واسِعُ الجَرْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، ولا يَكادُ يُذْكَرُ ناصِبُهُ، أيْ: أُسَبِّحُ سُبْحانَهُ، أيْ: أُنَزِّهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ عَقْدًا وعَمَلًا تَنْزِيهًا خاصًّا بِهِ حَقِيقًا بِشَأْنِهِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ الِاشْتِقاقِ مِنَ السَّبْحِ، ومِن جِهَةِ النَّقْلِ إلى التَّفْعِيلِ، ومِن جِهَةِ العُدُولِ عَنِ المَصْدَرِ الدّالِ عَلى الجِنْسِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً، لا سِيَّما العِلْمُ المُشِيرُ إلى الحَقِيقَةِ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ، ومِن جِهَةِ إقامَتِهِ مَقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كَغُفْرانٍ أُرِيدَ بِهِ التَّنَزُّهُ التّامُّ، والتَّباعُدُ الكُلِّيُّ عَنِ السُّوءِ، فَفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ إسْنادِ التَّنَزُّهِ إلى الذّاتِ المُقَدَّسَةِ، فالمَعْنى: تَنَزَّهَ بِذاتِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ تَنَزُّهًا خاصًّا بِهِ، فالجُمْلَةُ عَلى هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِتَنَزُّهِهِ وبَراءَتِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ مِمّا فَعَلُوهُ وما تَرَكُوهُ، وعَلى الأوَّلِ حُكْمُ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِذَلِكَ، وتَلْقِينٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَقُولُوهُ ويَعْتَقِدُوا مَضْمُونَهُ، ولا يُخِلُّوا بِهِ، ولا يَغْفُلُوا عَنْهُ، والمُرادُ بِـ"الأزْواجِ" الأصْنافُ والأنْواعُ ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ بَيانٌ لَها، والمُرادُ بِهِ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ﴿وَمِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، أيِ: الذَّكَرَ والأُنْثى ﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: والأزْواجَ مِمّا لَمْ يُطْلِعْهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى خُصُوصِيّاتِهِ لِعَدَمِ قدرتهمْ عَلى الإحاطَةِ بِها، ولَمّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِن مَصالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ - وإنَّما أطْلَعَهم عَلى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الإجْمالِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى:﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ - لِما نِيطَ بِهِ وُقُوفُهم عَلى عِظَمِ قدرته، وسَعَةِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ.
يس 36:37
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ، ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ كَما مَرَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِهِ آيَةً، أيْ: نُزِيلُهُ ونَكْشِفُهُ عَنْ مَكانِهِ، مُسْتَعارٌ مِنَ السَّلْخِ، وهو إزالَةُ ما بَيْنَ الحَيَوانِ وجِلْدِهِ مِنَ الِاتِّصالِ، والأغْلَبُ في الِاسْتِعْمالِ تَعْلِيقُهُ بِالجِلْدِ، يُقالُ: سَلَخْتُ الإهابَ مِنَ الشّاةِ، وقَدْ يُعْكَسُ، ومِنهُ الشّاةُ المَسْلُوخَةُ ﴿فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ الأصْلَ هو الظَّلامُ والنُّورَ عارِضٌ.
يس 36:38
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ لِحَدٍّ مُعَيَّنٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ دَوْرُها، فَشُبِّهَ بِمُسْتَقَرِّ المُسافِرِ إذا قَطَعَ مَسِيرَهُ، أوْ لِكَبِدِ السَّماءِ فَإنَّ حَرَكَتَها فِيهِ تُوجَدُ أبْطَأ (p-168)بِحَيْثُ يُظَنُّ أنَّ لَها هُناكَ وقْفَةً، قالَ:
؎ والشَّمْسُ حَيْرى لَها بِالجَوِّ تَدْوِيمُ
أوْ لِاسْتِقْرارٍ لَها عَلى نَهْجٍ مَخْصُوصٍ، أوْ لِمُنْتَهًى مُقَدَّرٍ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنَ المَشارِقِ والمَغارِبِ، فَإنَّ لَها في دَوْرِها ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَطْلَعٍ وتَغْرُبُ مِن مَغْرِبٍ، ثُمَّ لا يَعُودُ إلَيْهِما إلى العامِ القابِلِ، أوِ لِمُنْقَطَعِ جَرْيِها عِنْدَ خَرابِ العالَمِ، وقُرِئَ: (إلى مُسْتَقَرٍّ لَها) وقُرِئَ: (لا مُسْتَقَرَّ لَها) أيْ: لا سُكُونَ لَها فَإنَّها مُتَحَرِّكَةٌ دائِمًا، وقُرِئَ: (لا مُسْتَقَرَّ لَها) عَلى أنَّ "لا" بِمَعْنى لَيْسَ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى جَرْيِها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ البَدِيعُ المُنْطَوِي عَلى الحِكَمِ الرّائِعَةِ الَّتِي تَحارُ في فَهْمِها العُقُولُ والأفْهامُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ الغالِبِ بِقدرته عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ ﴿العَلِيمِ﴾ المُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
يس 36:39
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ﴾ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: قَدَّرْنا لَهُ ﴿مَنازِلَ﴾ وقِيلَ: قَدَّرْنا مَسِيرَهُ مَنازِلَ، وقِيلَ: قَدَّرْناهُ ذا مَنازِلَ، وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ: الشَّرَطِينُ، البُطانُ، الثُّرَيّا، الدَّبَرانُ، الهَقْعَةُ، الهَنْعَةُ، الذِّراعُ، النَّثْرَةُ، الطَّرَفُ، الجَبْهَةُ، الزُّبْرَةُ، الصَّرْفَةُ، العَوّا، السِّماكُ، الغَفْرُ، الزِّبانِيُّ، الإكْلِيلُ، القَلْبُ، الشَّوْلَةُ، النَّعائِمُ، البَلْدَةُ، سَعْدُ الذّابِحِ، سَعْدُ بَلَعَ، سَعْدُ السُّعُودِ، سَعْدُ الأخْبِيَةِ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُقَدَّمِ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرُ، الرَّشا، وهو بَطْنُ الحُوتِ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها لا يَتَخَطّاها ولا يَتَقاصَرُ عَنْها، فَإذا كانَ في آخِرِ مَنازِلِهِ - وهو الَّذِي يَكُونُ قُبَيْلَ الِاجْتِماعِ - دَقَّ واسْتَقْوَسَ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ﴾ كالشِّمْراخِ المُعْوَجِّ فِعْلُونَ مِنَ الِانْعِراجِ وهو الِاعْوِجاجُ، وقُرِئَ: (كالعُرْجُونِ) وهُما لُغَتانِ كالبُزْيُونِ والبِزْيُونِ.
﴿القَدِيمِ﴾ العَتِيقِ، وقِيلَ: هو ما مَرَّ عَلَيْهِ حَوْلٌ فَصاعِدًا.
يس 36:40
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها﴾ أيْ: يَصِحُّ ويَتَسَهَّلُ ﴿أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ في سُرْعَةِ السَّيْرِ فَإنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِتَكَوُّنِ النَّباتِ وتَعَيُّشِ الحَيَوانِ، أوْ في الآثارِ والمَنافِعِ، أوْ في المَكانِ، بِأنْ تَنْزِلَ في مَنزِلِهِ أوْ في سُلْطانِهِ فَتَطْمِسَ نُورَهُ، وإيلاءُ حَرْفِ النَّفْيِ الشَّمْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها مُسَخَّراتٌ لا يَتَيَسَّرُ لَها إلّا ما قُدِّرَ لَها ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ أيْ: يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِما: آياتُهُما - وهُما النَّيِّرانِ - وبِالسَّبْقِ سَبْقُ القَمَرِ إلى سُلْطانِ الشَّمْسِ، فَيَكُونُ عَكْسًا لِلْأوَّلِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ؛ لِأنَّهُ المُلائِمُ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ ﴿وَكُلٌّ﴾ أيْ: وكُلُّهُمْ، عَلى أنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ العائِدُ إلى الشَّمْسِ والقَمَرِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ التَّكاثُرِ العارِضِ لَهُما بِتَكاثُرِ مَطالِعِهِما، فَإنَّ اخْتِلافَ الأحْوالِ يُوجِبُ تَعَدُّدًا ما في الذّاتِ، أوْ إلى الكَواكِبِ فَإنَّ ذِكْرَهُما مُشْعِرٌ بِها ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يَسِيرُونَ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ.
يس 36:41
﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أوْلادَهُمُ الَّذِينَ يَبْعَثُونَهم إلى تِجاراتِهِمْ، أوْ صِبْيانَهم ونِساءَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَصْحَبُونَهُمْ، فَإنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلَيْهِنَّ لا سِيَّما مَعَ الِاخْتِلاطِ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِما أنَّ اسْتِقْرارَهم في السُّفُنِ أشَقُّ، واسْتِمْساكَهم فِيها أبْدَعُ ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيِ: المَمْلُوءِ، وقِيلَ: هو فُلْكُ نُوحٍ (p-169)عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَمْلُ ذُرِّيّاتِهِمْ فِيها حَمْلُ آبائِهِمُ الأقْدَمِينَ وفي أصْلابِهِمْ هَؤُلاءِ وذُرِّيّاتُهُمْ، وتَخْصِيصُ أعْقابِهِمْ بِالذِّكْرِ دُونَهُمْ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الِامْتِنانِ، وأدْخَلُ في التَّعْجِيبِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ كَوْنُهُ آيَةً.
يس 36:42
﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ﴾ مِمّا يُماثِلُ الفُلْكَ ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾ مِنَ الإبِلِ؛ فَإنَّها سَفائِنُ البَرِّ، أوْ مِمّا يُماثِلُ ذَلِكَ الفُلْكَ مِنَ السُّفُنِ والزَّوارِقِ، وجَعْلُها مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى - مَعَ كَوْنِها مِن مَصْنُوعاتِ العِبادِ - لَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِ صُنْعِهِمْ بِأقْدارِ اللَّهِ تَعالى وإلْهامِهِ، بَلْ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِ أصْلِها بِقدرته تعالى وحِكْمَتِهِ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ والتَّعْبِيرُ عَنْ مُلابَسَتِهِمْ بِهَذِهِ السُّفُنِ بِالرُّكُوبِ لِأنَّها بِاخْتِيارِهِمْ، كَما أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ مُلابَسَةِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِفُلْكِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحَمْلِ لِكَوْنِها بِغَيْرِ شُعُورٍ مِنهم واخْتِيارٍ.
يس 36:43
﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ ... إلَخْ، مِن تَمامِ الآيَةِ، فَإنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِمَضْمُونِهِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقُرِئَ: (نُغَرِّقُهُمْ) بِالتَّشْدِيدِ، وفي تَعْلِيقِ الإغْراقِ بِمَحْضِ المَشِيئَةِ إشْعارٌ بِأنَّهُ قَدْ تَكامَلَ ما يُوجِبُ إهْلاكَهم مِن مَعاصِيهِمْ، ولَمْ يَبْقَ إلّا تَعَلُّقُ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِهِ، أيْ: إنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم في اليَمِّ مَعَ ما حَمَلْناهم فِيهِ مِنَ الفُلْكِ، فَحَدِيثُ خَلْقِ الإبِلِ حِينَئِذٍ كَلامٌ جِيءَ بِهِ في خِلالِ الآيَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ لِكَمالِ التَّماثُلِ بَيْنَ الإبِلِ والفُلْكِ، فَكَأنَّها نَوْعٌ مِنهُ، أوْ مَعَ ما يَرْكَبُونَ مِنَ السُّفُنِ والزَّوارِقِ ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أيْ: فَلا مُغِيثَ لَهم يَحْرُسُهم مِنَ الغَرَقِ، ويَدْفَعُهُ عَنْهم قَبْلَ وُقُوعِهِ، وقِيلَ: فَلا اسْتِغاثَةَ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: أتاهُمُ الصَّرِيخُ ﴿وَلا هم يُنْقَذُونَ﴾ أيْ: يُنَجَّوْنَ مِنهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:44
﴿إلا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ الشّامِلَةِ لِلْباعِثِ المُتَقَدِّمِ، والغايَةِ المُتَأخِّرَةِ، أيْ: لا يُغاثُونَ ولا يُنْقَذُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِن قِبَلِنا داعِيَةٍ إلى الإغاثَةِ والإنْقاذِ وتَمْتِيعٍ بِالحَياةِ مُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِما، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ"الرَّحْمَةِ" ما يُقارِنُ التَّمْتِيعَ مِنَ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَيَكُونُ كِلاهُما غايَةً لِلْإغاثَةِ والإنْقاذِ، أيْ: لِنَوْعٍ مِنَ الرَّحْمَةِ وتَمْتِيعٍ ﴿إلى حِينٍ﴾ أيْ: إلى زَمانٍ قُدِّرَ فِيهِ آجالُهُمْ، كَما قِيلَ:
؎ ولَمْ أسْلَمْ لِكَيْ أبْقى ولَكِنْ سَلِمْتُ مِنَ الحِمامِ إلى الحِمامِ
يس 36:45
﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ الَّتِي كانُوا يُشاهِدُونَها، وعَدَمِ تَأمُّلِهِمْ فِيها، أيْ: إذا قِيلَ لَهم بِطَرِيقِ الإنْذارِ بِما نَزَلَ مِنَ الآياتِ أوْ بِغَيْرِهِ: اتَّقُوا ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكُمْ﴾ مِنَ الآفاتِ والنَّوازِلِ، فَإنَّها مُحِيطَةٌ بِكُمْ، أوْ ما يُصِيبُكم مِنَ المَكارِهِ مِن حَيْثُ تَحْتَسِبُونَ ومِن حَيْثُ لا تَحْتَسِبُونَ، أوْ مِنَ الوَقائِعِ النّازِلَةِ عَلى الأُمَمِ الخالِيَةِ قَبْلَكم والعَذابِ المُعَدِّ لَكم في الآخِرَةِ، أوْ مِن نَوازِلِ السَّماءِ ونَوائِبِ (p-170)الأرْضِ، أوْ مِن عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، أوْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الذُّنُوبِ وما تَأخَّرَ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ إمّا حالٌ مِن واوِ "اتَّقُوا" أوْ غايَةٌ لَهُ، أيْ: راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا، أوْ كَيْ تُرْحَمُوا فَتَنْجُوا مِن ذَلِكَ لِما عَرَفْتُمْ أنَّ مَناطَ النَّجاةِ لَيْسَ إلّا رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ؛ ثِقَةً بِانْفِهامِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى:
يس 36:46
﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ انْفِهامًا بَيِّنًا، أمّا إذا كانَ الإنْذارُ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ فَبِعِبارَةِ النَّصِّ، وأمّا إذا كانَ بِغَيْرِها فَبِدَلالَتِهِ؛ لِأنَّهم حِينَ أعْرَضُوا عَنْ آياتِ رَبِّهِمْ فَلِأنْ يُعْرِضُوا عَنْ غَيْرِها بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا قِيلَ لَهُمُ: اتَّقُوا العَذابَ أعْرَضُوا حَسْبَما اعْتادُوهُ، و"ما" نافِيَةٌ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِي، و"مِن" الأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، والثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةٌ واقِعَةٌ مَعَ مَجْرُورِها صِفَةً لِـ(آيَةٍ) وإضافَةُ الآياتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها المُسْتَتْبِعِ لِتَهْوِيلِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ في حَقِّها، والمُرادُ بِها إمّا الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ، فَإتْيانُها نُزُولُها، والمَعْنى ما يَنْزِلُ إلَيْهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ القرآنيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآياتُ النّاطِقَةُ بِما فُصِّلَ مِن بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى، وسَوابِغِ آلائِهِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها، والإيمانِ بِها "إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ" عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، وإمّا ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الشّامِلَةِ لِلْمُعْجِزاتِ وغَيْرِها مِن تَعاجِيبِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ الثَّلاثُ المَعْدُودَةُ آنِفًا، فالمُرادُ بِإتْيانِها ما يَعُمُّ نُزُولَ الوَحْيِ وظُهُورَ تِلْكَ الأُمُورِ لَهُمْ، والمَعْنى: ما يَظْهَرُ لَهم آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن شُئُونِهِ الشّاهِدَةِ بِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى وتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ - إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ، تارِكِينَ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها المُؤَدِّي إلى الإيمانِ بِهِ تَعالى، وإيثارُهُ عَلى أنْ يُقالَ: إلّا أعْرَضُوا عَنْها - كَما وقَعَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ - لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإعْراضِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ إتْيانِ الآياتِ، وعَنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُعْرِضِينَ، قُدِّمَتْ عَلَيْهِ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن مَفْعُولِ تَأْتِي، أوْ مِن فاعِلِهِ المُتَخَصِّصِ بِالوَصْفِ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِ كُلٍّ مِنهُما، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: ما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا حالَ إعْراضِهِمْ عَنْها، أوْ ما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنها في حالٍ مِن أحْوالِها إلّا حالَ إعْراضِهِمْ عَنْها.
يس 36:47
﴿وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أعْطاكم بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإنْعامِ مِن أنْواعِ الأمْوالِ، عُبِّرَ عَنْها بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ، وتَرْغِيبًا في الإنْفاقِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ وتَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ جِنايَتِهِمْ في تَرْكِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، وكَذَلِكَ "مِن" التَّبْعِيضِيَّةُ، أيْ: إذا قِيلَ لَهم بِطَرِيقِ النَّصِيحَةِ: أنْفِقُوا بَعْضَ ما أعْطاكُمُ اللَّهُ تَعالى مِن فَضْلِهِ عَلى المُحْتاجِينَ - فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَرُدُّ البَلاءَ ويَدْفَعُ المَكارِهَ - ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالصّانِعِ - عَزَّ وجَلَّ - وهم زَنادِقَةٌ كانُوا بِمَكَّةَ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وبِما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَعْلِيقِ الأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿أنُطْعِمُ﴾ حَسْبَما تَعِظُونَنا بِهِ ﴿مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ (p-171)أطْعَمَهُ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكم.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانَ بِمَكَّةَ زَنادِقَةٌ إذا أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ عَلى المَساكِينِ قالُوا: لا واللَّهِ، أيُفْقِرُهُ اللَّهُ ونُطْعِمُهُ نَحْنُ، وقِيلَ: قالَهُ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ حِينَ اسْتَطْعَمَهم فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ مِن أمْوالِهِمُ الَّتِي زَعَمُوا أنَّهم جَعَلُوها لِلَّهِ تَعالى مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ، يُوهِمُونَ أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَشَأْ إطْعامَهم - وهو قادِرٌ عَلَيْهِ - فَنَحْنُ أحَقُّ بِذَلِكَ، وما هو إلّا لِفَرْطِ جَهالَتِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُطْعِمُ عِبادَهُ بِأسْبابٍ مِن جُمْلَتِها: حَثُّ الأغْنِياءِ عَلى إطْعامِ الفُقَراءِ، وتَوْفِيقُهم لِذَلِكَ ﴿إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ حَيْثُ تَأْمُرُونَنا بِما يُخالِفُ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهم مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوْ حِكايَةً لِجَوابِ المُؤْمِنِينَ لَهم.
يس 36:48
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فِيما تَعِدُونَنا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ، مُخاطِبِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ لِما أنَّهم أيْضًا كانُوا يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِ الوَعِيدِ بِقِيامِها، ومَعْنى القُرْبِ في هَذا إمّا بِطْرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، وإمّا بِاعْتِبارِ قُرْبِ العَهْدِ بِالوَعْدِ.
يس 36:49
﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي النَّفْخَةُ الأُولى ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ مُفاجَأةً ﴿وَهم يَخِصِّمُونَ﴾ أيْ: يَتَخاصَمُونَ في مَتاجِرِهِمْ ومُعامَلاتِهِمْ، لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ شَيْءٌ مِن مَخايِلِها، كَقَوْلِهِ تَعالى:" فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ " فَلا يَغْتَرُّوا بِعَدَمِ ظُهُورِ عَلائِمِها ولا يَزْعُمُوا أنَّها لا تَأْتِيهِمْ، وأصْلُ (يَخِصِّمُونَ) يَخْتَصِمُونَ فَسُكِّنَتِ التّاءُ وأُدْغِمَتْ في الصّادِ، ثُمَّ كُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الياءِ لِلِاتِّباعِ، وبِفَتْحِ الخاءِ عَلى إلْقاءِ حَرَكَةِ التّاءِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ عَلى الِاخْتِلاسِ، وبِالإسْكانِ عَلى تَجْوِيزِ الجَمْعِ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ إذا كانَ الثّانِي مُدْغَمًا، وإنْ لَمْ يَكُنِ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ، وقُرِئَ: (يَخْصِمُونَ) مِن خَصَمَهُ إذا جادَلَهُ.
يس 36:50
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ إنْ كانُوا فِيما بَيْنَ أهْلِيهِمْ ﴿وَلا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ إنْ كانُوا في خارِجِ أبْوابِهِمْ، بَلْ تَبْغَتُهُمُ الصَّيْحَةُ، فَيَمُوتُونَ حَيْثُما كانُوا.
يس 36:51
﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، بَيْنَها وبَيْنَ الأُولى أرْبَعُونَ سَنَةً، أيْ: يُنْفَخُ فِيهِ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ: القُبُورِ، جَمْعِ جَدَثٍ، وقُرِئَ بِالفاءِ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾ مالِكِ أمْرِهِمْ عَلى الإطْلاقِ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يُسْرِعُونَ بِطَرِيقِ الإجْبارِ دُونَ الِاخْتِيارِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: "لَدَيْنا مُحْضَرُونَ" وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ.
يس 36:52
﴿قالُوا﴾ أيْ: في ابْتِداءِ بَعْثِهِمْ مِنَ القُبُورِ ﴿يا ويْلَنا﴾ احْضُرْ فَهَذا أوانُكَ، وقُرِئَ: (يا ويْلَتَنا) ﴿مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ وقُرِئَ: (مَن أهَبَّنا) مِن هَبَّ مِن نَوْمِهِ إذا انْتَبَهَ، وقُرِئَ: (مَن هَبَنا) بِمَعْنى أهَبَّنا، وقِيلَ: أصْلُهُ (p-172)هَبَّ بِنا، فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ.
قِيلَ: فِيهِ تَرْشِيحٌ ورَمْزٌ وإشْعارٌ بِأنَّهم لِاخْتِلاطِ عُقُولِهِمْ يَظُنُّونَ أنَّهم كانُوا نِيامًا.
وَعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ لِلْكَفّارِ هَجْعَةً يَجِدُونَ فِيها طَعْمَ النَّوْمِ، فَإذا صِيحَ بِأهْلِ القُبُورِ يَقُولُونَ ذَلِكَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأُبَيِّ بْنَ كَعْبٍ، وقَتادَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى -: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، فَيَرْقُدُونَ، فَإذا بُعِثُوا بِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وشاهَدُوا مِن أهْوالِ القِيامَةِ ما شاهَدُوا دَعَوْا بِالوَيْلِ، وقالُوا ذَلِكَ.
وَقِيلَ: إذا عايَنُوا جَهَنَّمَ، وما فِيها مِن أنْواعِ العَذابِ يَصِيرُ عَذابُ القَبْرِ في جَنْبِها مِثْلَ النَّوْمِ، فَيَقُولُونَ ذَلِكَ.
وَقُرِئَ: (مِن بَعْثِنا) و(مِن هَبِّنا) بِـ"مِن" الجارَّةِ والمَصْدَرِ، والمَرْقَدُ إمّا مَصْدَرٌ، أيْ: مِن رُقادِنا، أوِ اسْمُ مَكانٍ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ فَيَنْتَظِمُ مَراقِدَ الكُلِّ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، و"ما" مَوْصُولَةٌ مَحْذُوفَةُ العائِدِ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وهو جَوابٌ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ أوِ المُؤْمِنِينَ، عُدِلَ بِهِ عَنْ سُنَنِ سُؤالِهِمْ تَذْكِيرًا لِكُفْرِهِمْ، وتَقْرِيعًا لَهم عَلَيْهِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الَّذِي يَهُمُّهم هو السُّؤالُ عَنْ نَفْسِ البَعْثِ، ماذا هو دُونَ الباعِثِ؟ كَأنَّهم قالُوا: بَعَثَكُمُ الرَّحْمَنُ الَّذِي وعَدَكم ذَلِكَ في كُتُبِهِ، وأرْسَلَ إلَيْكُمُ الرُّسُلَ فَصَدَّقُوكم فِيهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما تَتَوَهَّمُونَهُ حَتّى تَسْألُوا عَنِ الباعِثِ.
وَقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكافِرِينَ، حَيْثُ يَتَذَكَّرُونَ ما سَمِعُوهُ مِنَ الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَيُجِيبُونَ بِهِ أنْفُسَهُمْ، أوْ بَعْضَهم بَعْضًا، وقِيلَ: هَذا صِفَةٌ لِمَرْقَدِنا، و"ما وعَدَ" ... إلَخْ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ حَقٌّ.
يس 36:53
﴿إنْ كانَتْ﴾ أيْ: ما كانَتِ النَّفْخَةُ الَّتِي حُكِيَتْ آنِفًا ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ حَصَلَتْ مِن نَفْخِ إسْرافِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الصُّورِ ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ﴾ أيْ: مَجْمُوعٌ ﴿لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ مِن غَيْرِ لُبْثٍ ما طَرْفَةَ عَيْنٍ، وفِيهِ مِن تَهْوِينِ أمْرِ البَعْثِ والحَشْرِ والإيذانِ بِاسْتِغْنائِهِما عَنِ الأسْبابِ ما لا يَخْفى.
يس 36:54
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ، بَرَّةً كانَتْ أوْ فاجِرَةً ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الظُّلْمِ ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى قُوَّةِ التَّلازُمِ والِارْتِباطِ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ، أيْ: بِمُقابَلَتِهِ أوْ بِسَبَبِهِ، وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ يَرُدُّهُ أنَّهُ تَعالى يُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ أضْعافًا مُضاعَفَةً، وهَذِهِ حِكايَةٌ لِما سَيُقالُ لَهم حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ المُعَدَّ لَهم تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ، وتَقْرِيعًا لَهم.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:55
﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما سَيُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ زِيادَةً لِحَسْرَتِهِمْ ونَدامَتِهِمْ، فَإنَّ الإخْبارَ بِحُسْنِ حالِ أعْدائِهِمْ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مِمّا يَزِيدُهم مَساءَةً عَلى مَساءَةٍ، وفي هَذِهِ الحِكايَةِ مَزْجَرَةٌ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ عَمّا هم عَلَيْهِ، ومَدْعاةٌ إلى الِاقْتِداءِ بِسِيرَةِ المُؤْمِنِينَ، والشُّغُلُ هو الشَّأْنُ الَّذِي يَصُدُّ المَرْءَ ويَشْغَلُهُ عَمّا سِواهُ مِن شُئُونِهِ لِكَوْنِهِ أهَمَّ عِنْدَهُ مِنَ الكُلِّ، إمّا لِإيجابِهِ كَمالَ المَسَرَّةِ (p-173)والبَهْجَةِ، أوْ كَمالَ المَساءَةِ والغَمِّ، والمُرادُ هَهُنا هو الأوَّلُ، وما فِيهِ مِنَ التَّنْكِيرِ والإبْهامِ لِلْإيذانِ بِارْتِفاعِهِ عَنْ رُتْبَةِ البَيانِ، والمُرادُ بِهِ ما هم فِيهِ مِن فُنُونِ المَلاذِّ الَّتِي تُلْهِيهِمْ عَمّا عَداها بِالكُلِّيَّةِ.
وَأمّا أنَّ المُرادَ بِهِ افْتِضاضُ الأبْكارِ، أوِ السَّماعُ وضَرْبُ الأوْتارِ، أوِ التَّزاوُرُ، أوْ ضِيافَةُ اللَّهِ تَعالى، أوْ شُغُلُهم عَمّا فِيهِ أهْلُ النّارِ عَلى الإطْلاقِ، أوْ شُغُلُهم عَنْ أهالِيهِمْ في النّارِ لا يُهِمُّهم أمْرُهُمْ، ولا يُبالُونَ بِهِمْ كَيْلا يُدْخَلَ عَلَيْهِمْ تَنْغِيصٌ في نَعِيمِهِمْ - كَما رُوِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَنْ واحِدٍ مِن أكابِرِ السَّلَفِ - فَلَيْسَ مُرادُهم بِذَلِكَ حَصْرَ شُغُلِهِمْ فِيما ذَكَرُوهُ فَقَطْ، بَلْ بَيانُ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أشْغالِهِمْ، وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنهم كُلًّا مِن تِلْكَ الأُمُورِ بِالذِّكْرِ مَحْمُولٌ عَلى اقْتِضاءِ مَقامِ البَيانِ إيّاهُ، وهو مَعَ جارِّهِ خَبَرٌ لِـ"إنَّ"، و"فاكِهُونَ" خَبَرٌ آخَرُ لَها، أيْ أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في شُغُلٍ - وأيُّ شُغُلٍ - في شُغُلٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ، مُتَنَعِّمُونَ بِنَعِيمٍ مُقِيمٍ، فائِزُونَ بِمُلْكٍ كَبِيرٍ.
والتَّعْبِيرُ عَنْ حالِهِمْ هَذِهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ قَبْلَ تَحَقُّقِها - بِتَنْزِيلِ المُتَرَقَّبِ المُتَوَقَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ - لِلْإيذانِ بِغايَةِ سُرْعَةِ تَحَقُّقِها ووُقُوعِها، ولِزِيادَةِ مَساءَةِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ.
وَقُرِئَ: (فِي شُغْلٍ) بِسُكُونِ الغَيْنِ، و(فِي شَغَلٍ) بِفَتْحَتَيْنِ وبِفَتْحَةٍ وسُكُونٍ، والكُلُّ لُغاتٌ.
وَقُرِئَ: (فَكِهُونَ) لِلْمُبالَغَةِ، و(فَكُهُونَ) بِضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ كَنُطُسٍ، و"فاكِهِينَ" و"فَكِهِينَ" عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:56
﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ شُغُلِهِمْ وتَفَكُّهِهِمْ، وتَكْمِيلِهِما بِما يَزِيدُهم بَهْجَةً وسُرُورًا مِن شَرِكَةِ أزْواجِهِمْ لَهُمْ، فِيما هم فِيهِ مِنَ الشُّغُلِ والفَكاهَةِ عَلى أنَّ "هُمْ" مُبْتَدَأٌ، و"أزْواجُهُمْ" عَطْفٌ عَلَيْهِ، و(مُتَّكِئُونَ) خَبَرٌ، والجارّانِ صِلَتانِ لَهُ قُدِّمَتا عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، أوْ هو والجارّانِ بِما تَعَلَّقا بِهِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ أخْبارٌ مُتَرَتِّبَةٌ، وقِيلَ: الخَبَرُ هو الظَّرْفُ الأوَّلُ، والثّانِي مُسْتَأْنَفٌ عَلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(مُتَّكِئُونَ) وهو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"مُتَّكِئُونَ" مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وقُرِئَ: (مُتَّكِينَ) بِلا هَمْزٍ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفَيْنِ أوْ أحَدِهِما، وقِيلَ: هم تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَكِنِّ في خَبَرِ (إنَّ) و"مُتَّكِئُونَ" خَبَرٌ آخَرُ لَها، و"عَلى الأرائِكِ" مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وكَذا (فِي ظِلالٍ) أوْ هَذا بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ المَعْطُوفَيْنِ.
والظِّلالُ جَمْعُ ظِلٍّ كَشِعابٍ جَمْعِ شِعْبٍ، أوْ جَمْعُ ظُلَّةٍ كَقِبابٍ جَمْعِ قُبَّةٍ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ (فِي ظُلَلٍ) و"الأرائِكِ" جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهي السَّرِيرُ المُزَيَّنُ بِالثِّيابِ والسُّتُورِ، قالَ ثَعْلَبٌ: لا تَكُونُ أرِيكَةٌ حَتّى تَكُونَ عَلَيْها حَجْلَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:57
﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ﴾ ... إلَخْ، بَيانٌ لِما يَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الجَنَّةِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ، ويَتَلَذَّذُونَ بِهِ مِنَ المَلاذِّ الجُسْمانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ، بَعْدَ بَيانِ ما لَهم فِيها مِن مَجالِسِ الأُنْسِ، ومَحافِلِ القُدْسِ، تَكْمِيلًا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ ما هم فِيهِ مِنَ الشُّغُلِ والبَهْجَةِ، أيْ: لَهم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الفَواكِهِ، و(ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهم ما يَدَّعُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ عُبِّرَ بِها عَنْ مَدْعُوٍّ عَظِيمِ الشَّأْنِ مُعَيَّنٍ أوْ مُبْهَمٍ؛ إيذانًا بِأنَّهُ الحَقِيقُ بِالدُّعاءِ دُونَ ما عَداهُ، ثُمَّ صُرِّحَ بِهِ؛ رَوْمًا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ بِالتَّحْقِيقِ بَعْدَ التَّشْوِيقِ - كَما سَتَعْرِفُهُ - أوْ هي باقِيَةٌ عَلى عُمُومِها قُصِدَ بِها التَّعْمِيمُ بَعْدَ تَخْصِيصِ بَعْضِ المَوادِّ المُعْتادَةِ بِالذِّكْرِ، وأيًّا ما كانَ فَهو مُبْتَدَأٌ، و"لَهُمْ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِعَطْفِ "ما يَدَّعُونَ" عَلى "فاكِهَةٌ" لِئَلّا (p-174)يُتَوَهَّمَ كَوْنُ "ما" عِبارَةً عَنْ تَوابِعِ الفاكِهَةِ وتَتِمّاتِها.
والمَعْنى: ولَهم ما يَدَّعُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ مِن مَدْعُوٍّ عَظِيمِ الشَّأْنِ، أوْ كُلُّ ما يَدَّعُونَ بِهِ كائِنًا ما كانَ مِن أسْبابِ البَهْجَةِ ومُوجِباتِ السُّرُورِ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم في أقْصى غايَةِ البَهْجَةِ والغِبْطَةِ، و(يَدَّعُونَ) يَفْتَعِلُونَ مِنَ الدُّعاءِ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - مِثْلُ اشْتَوى واجْتَمَلَ إذا شَوى وجَمُلَ لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: بِمَعْنى يَتَداعُونَ كالِارْتِماءِ بِمَعْنى التَّرامِي، وقِيلَ: بِمَعْنى يَتَمَنَّوْنَ، مِن قَوْلِهِمُ: ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ بِمَعْنى تَمَنَّهُ عَلَيَّ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ الدُّعاءِ، أيْ: ما يَدْعُو بِهِ أهْلُ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ، فَيَكُونُ الِافْتِعالُ بِمَعْنى الفِعْلِ كالِاحْتِمالِ بِمَعْنى الحِمْلِ والِارْتِحالِ بِمَعْنى الرِّحْلَةِ، ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ كَما ذَكَرَهُ الكَواشِيُّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:58
﴿سَلامٌ﴾ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ بَدَلٌ مِن "ما يَدَّعُونَ" أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ هو صِفَةٌ لِـ"سَلامٌ"، وما بَعْدَهُ مِنَ الجارِّ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَهم سَلامٌ، أوْ ما يَدَّعُونَ سَلامٌ، يُقالُ لَهم قَوْلًا كائِنًا ﴿مِن﴾ جِهَةِ ﴿رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أيْ: يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِواسِطَةِ المَلَكِ أوْ بِدُونِها؛ مُبالَغَةً في تَعْظِيمِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ بِالتَّحِيَّةِ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وَأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ لِـ"ما يَدَّعُونَ" و"لَهُمْ" لِبَيانِ الجِهَةِ، كَما يُقالُ: لِزَيْدٍ الشَّرَفُ مُتَوَفِّرٌ، عَلى أنَّ الشَّرَفَ مُبْتَدَأٌ و(مُتَوَفِّرٌ) خَبَرُهُ، والجارُّ والمَجْرُورُ لِبَيانِ مَن لَهُ ذَلِكَ، أيْ: ما يَدَّعُونَ سالِمٌ لَهم خالِصٌ لا شَوْبَ فِيهِ، و"قَوْلًا" حِينَئِذٍ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، أيْ: عِدَةٌ مِن رَبٍّ رَحِيمٍ، والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: لَهم سَلامٌ، أيْ: تَسْلِيمٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ، أوْ سَلامَةٌ مِنَ الآفاتِ، فَيَكُونُ (قَوْلًا) مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ كَما سَبَقَ.
وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ سَلامٌ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ حِكايَةً لِما سَيُقالُ لَهم مِن جِهَتِهِ تَعالى يَوْمَئِذٍ، وقِيلَ: خَبَرُهُ الفِعْلُ المُقَدَّرُ ناصِبًا لِـ"قَوْلًا"، وقِيلَ: خَبَرُهُ مِن (رَبٍّ رَحِيمٍ) وقُرِئَ: (سَلامًا) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: لَهم مُرادُهم سالِمًا خالِصًا، وقُرِئَ: سِلْمٌ، وهو بِمَعْنى السَّلامِ في المَعْنَيَيْنِ.
يس 36:59
﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ المَسُوقَةِ لِبَيانِ أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ، لا عَلى أنَّ المَقْصُودَ عَطْفُ فِعْلِ الأمْرِ بِخُصُوصِهِ حَتّى يَتَمَحَّلَ لَهُ مُشاكِلٌ يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ، بَلْ عَلى أنَّهُ عَطْفُ قِصَّةِ سُوءِ حالِ هَؤُلاءِ وكَيْفِيَّةِ عِقابِهِمْ عَلى قِصَّةِ حُسْنِ حالِ أُولَئِكَ ووَصْفِ ثَوابِهِمْ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ... الآيَةَ، وكَأنَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ لِتَخْيِيلِ كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وحالَيْهِما، وإمّا عَلى مُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ حِكايَةُ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ - إثْرَ بَيانِ كَوْنِهِمْ في شُغُلٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ، وفَوْزِهِمْ بِنَعِيمٍ مُقِيمٍ يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ -: فَلْيُقَرُّوا بِذَلِكَ عَيْنًا، وامْتازُوا عَنْهم ﴿أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ إلى مَصِيرِكم.
وَعَنْ قَتادَةَ: اعْتَزِلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ: لِكُلِّ كافِرٍ بَيْتٌ مِنَ النّارِ يَكُونُ فِيهِ لا يَرى ولا يُرى.
وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُضْمَرَ (فَلْيَمْتازُوا) فَبِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ لِما أنَّ المَحْكِيَّ عَنْهم لَيْسَ مَصِيرَهم إلى ما ذُكِرَ مِنَ الحالِ المَرَضِيَّةِ، حَتّى يَتَسَنّى تَرْتِيبُ الأمْرِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، بَلْ إنَّما هو اسْتِقْرارُهم عَلَيْها بِالفِعْلِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ تَنْزِيلِ المُتَرَقَّبِ مَنزِلَةَ الواقِعِ لا يُجْدِي نَفْعًا؛ لِأنَّ مَناطَ الإضْمارِ إنْسِياقُ الأفْهامِ إلَيْهِ، وانْصِبابُ (p-175)نَظْمِ الكَلامِ عَلَيْهِ، فَبَعْدَما نَزَلَتْ تِلْكَ الحالَةُ مَنزِلَةَ الواقِعِ بِالفِعْلِ - لِما اقْتَضاهُ المَقامُ مِنَ النُّكْتَةِ البارِعَةِ والحِكْمَةِ الرّائِعَةِ حَسْبَما مَرَّ بَيانُهُ - وأُسْقِطَ كَوْنُها مُتَرَقَّبَةً عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ بِالكُلِّيَّةِ يَكُونُ التَّصَدِّي لِإضْمارِ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ إخْراجًا لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَنِ الجَزالَةِ بِالمَرَّةِ.
يس 36:60
﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ لَهم بِطَرِيقِ التَّقْرِيعِ والإلْزامِ والتَّبْكِيتِ بَيْنَ الأمْرِ بِالِامْتِيازِ وبَيْنَ الأمْرِ بِدُخُولِ جَهَنَّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ﴾ ... إلَخْ، والعَهْدُ: الوَصِيَّةُ والتَّقَدُّمُ بِأمْرٍ فِيهِ خَيْرٌ ومَنفَعَةٌ، والمُرادُ هَهُنا ما كَلَّفَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ .... الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وغَيْرُهُما مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى.
وَقِيلَ: هو المِيثاقُ المَأْخُوذُ عَلَيْهِمْ حِينَ أُخْرِجُوا مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ، وأُشْهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ.
وَقِيلَ: هو ما نُصِبَ لَهم مِنَ الحُجَجِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ الآمِرَةِ بِعِبادَتِهِ تَعالى، الزّاجِرَةِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ، والمُرادُ بِـ"عِبادَةِ الشَّيْطانِ" طاعَتُهُ فِيما يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِمْ ويُزَيِّنُهُ لَهُمْ، عُبِّرَ عَنْها بِالعِبادَةِ لِزِيادَةِ التَّحْذِيرِ والتَّنْفِيرِ عَنْها في مُقابَلَةِ عِبادَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقُرِئَ: (إعْهَدْ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، و(أعْهِدْ) بِكَسْرِ الهاءِ، و(أحْهَدْ) بِالحاءِ مَكانَ العَيْنِ، و(أحَّدْ) بِالإدْغامِ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ، وهو تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ.
يس 36:61
﴿وَأنِ اعْبُدُونِي﴾ عَطْفٌ عَلى "أنْ لا تَعْبُدُوا" عَلى أنَّ "أنْ" فِيهِما مُفَسِّرَةٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى القَوْلِ بِالنَّهْيِ والأمْرِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ، أيْ: ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم في تَرْكِ عِبادَةِ الشَّيْطانِ وفي عِبادَتِي، وتَقْدِيمُ النَّهْيِ عَلى الأمْرِ لِما أنَّ حَقَّ التَّخْلِيَةِ التَّقَدُّمُ عَلى التَّحْلِيَةِ، كَما في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ولِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى عِبادَتِهِ تَعالى الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ والمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى:
يس 36:62
﴿وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلا كَثِيرًا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، وتَأْكِيدِ التَّقْرِيعِ بِبَيانِ أنَّ جِناياتِهِمْ لَيْسَتْ بِنَقْضِ العَهْدِ فَقَطْ بَلْ بِهِ وبِعَدَمِ الِاتِّعاظِ بِما شاهَدُوا مِنَ العُقُوباتِ النّازِلَةِ عَلى الأُمَمِ الخالِيَةِ بِسَبَبِ طاعَتِهِمْ لِلشَّيْطانِ، فالخِطابُ لِمُتَأخِّرِيهِمُ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ كُفّارُ مَكَّةَ، خُصُّوا بِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ؛ لِتَضاعُفِ جِناياتِهِمِ.
والجِبِلُّ - بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وتَشْدِيدِ اللّامِ - الخَلْقُ، وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدٍ، وبِضَمَّتَيْنِ وتَخْفِيفٍ، وبِضَمَّةٍ وسُكُونٍ، وبِكَسْرَتَيْنِ وتَخْفِيفٍ، وبِكَسْرَةٍ وسُكُونٍ، والكُلُّ لُغاتٌ.
وَقُرِئَ: (جِبْلًا) جَمْعُ جِبْلَةٍ كَفِطْرٍ وخَلْقٍ في فِطْرَةٍ وخِلْقَةٍ، وقُرِئَ: (جِيلًا) بِالياءِ، وهو الصِّنْفُ مِنَ النّاسِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أضَلَّ مِنكم خَلْقًا كَثِيرًا، أوْ صِنْفًا (p-176)كَثِيرًا عَنْ ذَلِكَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي أمَرْتُكم بِالثَّباتِ عَلَيْهِ، فَأصابَهم لِأجْلِ ذَلِكَ ما أصابَهم مِنَ العُقُوباتِ الهائِلَةِ الَّتِي مَلَأ الآفاقَ أخْبارُها، وبَقِيَ مَدى الدَّهْرِ آثارُها.
وَ"الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أكُنْتُمْ تُشاهِدُونَ آثارَ عُقُوباتِهِمْ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ أنَّها لِضَلالِهِمْ؟! أوْ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ شَيْئًا أصْلًا حَتّى تَرْتَدِعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ؟! كَيْلا يَحِيقَ بِكُمُ العِقابُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:63
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ، يُخاطَبُونَ بِهِ بَعْدَ تَمامِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ والإلْزامِ والتَّبْكِيتِ عِنْدَ إشْرافِهِمْ عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، أيْ: كُنْتُمْ تُوعَدُونَها عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِمُقابَلَةِ عِبادَةِ الشَّيْطانِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:64
﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أمْرُ تَنْكِيلٍ وإهانَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ ... إلَخْ، أيِ: ادْخُلُوها مِن فَوْقُ، وقاسُوا فُنُونَ عَذابِها اليَوْمَ بِكُفْرِكُمُ المُسْتَمِرِّ في الدُّنْيا.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:65
﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ أيْ: خَتْمًا يَمْنَعُها عَنِ الكَلامِ، التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذِكْرَ أحْوالِهِمُ القَبِيحَةِ اسْتَدْعى أنْ يُعْرَضَ عَنْهُمْ، ويُحْكى أحْوالُهُمُ الفَظِيعَةُ لِغَيْرِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الخَتْمِ؛ لِأنَّ الخِطابَ لِتَلَقِّي الجَوابِ، وقَدِ انْقَطَعَ بِالكُلِّيَّةِ، وقُرِئَ: (تَخْتِمُ).
﴿وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يُرْوى أنَّهم يَجْحَدُونَ ويُخاصِمُونَ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جِيرانُهم وأهالِيهِمْ وعَشائِرُهُمْ، فَيَحْلِفُونَ ما كانُوا مُشْرِكِينَ فَحِينَئِذٍ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ، وتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم.
وَفِي الحَدِيثِ: «يَقُولُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ، ويُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ، فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ.»
وَقِيلَ: تَكْلِيمُ الأرْكانِ وشَهادَتُها دَلالَتُها عَلى أفْعالِها، وظُهُورُ آثارِ المَعاصِي عَلَيْها، وقُرِئَ: (وَتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ)، وقُرِئَ: (وَلِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ وتَشَهُدَ) بِلامِ كَيْ والنَّصْبِ، عَلى مَعْنى: ولِذَلِكَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ، وقُرِئَ: (وَلْتُكَلِّمْنا أيْدِيهِمْ ولْتَشْهَدْ) بِلامِ الأمْرِ والجَزْمِ.
يس 36:66
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ الطَّمْسُ تَعْفِيَةُ شَقِّ العَيْنِ حَتّى تَعُودَ مَمْسُوحَةً، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ عَلى القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ الَّتِي هي وُقُوعُها شَرْطًا، وكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ، أيْ: لَوْ نَشاءُ أنْ نَطْمِسَ عَلى أعْيُنِهِمْ لَفَعَلْناهُ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبال - وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ - لِإفادَةِ أنَّ عَدَمَ الطَّمْسِ عَلى أعْيُنِهِمْ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ المَشِيئَةِ، فَإنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ الواقِعَ مَوْقِعَ الماضِي لَيْسَ بِنَصٍّ في إفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ (p-177)الفِعْلِ، بَلْ قَدْ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفائِهِ بِحَسَبِ المَقامِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ ﴿فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ أيْ: فَأرادُوا أنْ يَسْتَبِقُوا إلى الطَّرِيقِ الَّذِي اعْتادُوا سُلُوكَهُ - عَلى أنَّ انْتِصابَهُ بِنَزْعِ الجارِّ - أوْ هو بِتَضْمِينِ الِاسْتِباقِ مَعْنى الِابْتِدارِ، أوْ بِالظَّرْفِيَّةِ ﴿فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ الطَّرِيقَ وجِهَةَ السُّلُوكِ.
يس 36:67
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾ بِتَغْيِيرِ صُوَرِهِمْ، وإبْطالِ قُواهم ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ أيْ: مَكانِهِمْ إلّا أنَّ المَكانَةَ أخَصُّ كالمَقامَةِ والمَقامِ، وقُرِئَ: (عَلى مَكاناتِهِمْ) أيْ: لَمَسَخْناهم مَسْخًا يُجَمِّدُهم مَكانَهُمْ، لا يَقْدِرُونَ أنْ يَبْرَحُوهُ بِإقْبالٍ ولا إدْبارٍ ولا رُجُوعٍ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: ولا رُجُوعًا، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ الفِعْلُ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -قِرَدَةً وخَنازِيرَ.
وَقِيلَ: حِجارَةً.
وَعَنْ قَتادَةَ: لَأقْعَدْناهم عَلى أرْجُلِهِمْ وأزَّمْناهم.
وَقُرِئَ: (مِضِيًّا) بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها، ولَيْسَ مَساقُ الشَّرْطِيَّتَيْنِ لِمُجَرَّدِ بَيانِ قدرته تعالى عَلى ما ذُكِرَ مِن عُقُوبَةِ الطَّمْسِ والمَسْخِ، بَلْ لِبَيانِ أنَّهم - بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ونَقْضِ العَهْدِ، وعَدَمِ الِاتِّعاظِ بِما شاهَدُوا مِن آثارِ دَمارِ أمْثالِهِمْ - أحِقّاءَ بِأنْ يُفْعَلَ بِهِمْ في الدُّنْيا تِلْكَ العُقُوبَةُ، كَما فُعِلَ بِهِمْ في الآخِرَةِ عُقُوبَةُ الخَتْمِ، وأنَّ المانِعَ مِن ذَلِكَ لَيْسَ إلّا عَدَمُ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ نَشاءُ عُقُوبَتَهم بِما ذُكِرَ مِنَ الطَّمْسِ والمَسْخِ جَرْيًا عَلى مُوجَبِ جِناياتِهِمُ المُسْتَدْعِيَةِ لَها لَفَعَلْناها، ولَكِنّا لَمْ نَشَأْها جَرْيًا عَلى سُنَنِ الرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ الدّاعِيَتَيْنِ إلى إمْهالِهِمْ.
يس 36:68
﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ﴾ أيْ: نُطِلْ عُمُرَهُ ﴿نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ أيْ: نَقْلِبْهُ فِيهِ ونَخْلُقْهُ عَلى عَكْسِ ما خَلَقْناهُ أوَّلًا، فَلا يَزالُ يَتَزايَدُ ضَعْفُهُ، وتَتَناقَصُ قُوَّتُهُ، وتُنْتَقَصُ بِنْيَتُهُ، ويَتَغَيَّرُ شَكْلُهُ وصُورَتُهُ، حَتّى يَعُودَ إلى حالَةٍ شَبِيهَةٍ بِحالِ الصَّبِيِّ في ضَعْفِ الجَسَدِ، وقِلَّةِ العَقْلِ، والخُلُوِّ عَنِ الفَهْمِ والإدْراكِ، وقُرِئَ: (نَنْكُسْهُ) مِنَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ، و(نُنْكِسْهُ) مِنَ الإنْكاسِ.
﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أيَرَوْنَ ذَلِكَ فَلا يَعْقِلُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الطَّمْسِ والمَسْخِ، وأنَّ عَدَمَ إيقاعِهِما لِعَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِهِما (تَعْقِلُونَ) بِالتّاءِ لِجَرْيِ الخِطابِ قَبْلَهُ.
يس 36:69
﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ في حَقِّهِ ﷺ مِن أنَّهُ شاعِرٌ، وما يَقُولُهُ شِعْرٌ، أيْ: ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرُ بِتَعْلِيمِ القرآن عَلى مَعْنى أنَّ القرآن لَيْسَ بِشِعْرٍ، فَإنَّ الشِّعْرَ كَلامٌ مُتَكَلَّفٌ مَوْضُوعٌ، ومَقالٌ مُزَخْرَفٌ مَصْنُوعٌ مَنسُوجٌ عَلى مِنوالِ الوَزْنِ والقافِيَّةِ، مَبْنِيٌّ عَلى خَيالاتٍ وأوْهامٍ واهِيَةٍ، فَأيْنَ ذَلِكَ مِنَ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ الخَطِرِ، المُنَزَّهِ عَنْ مُماثَلَةِ كَلامِ البَشَرِ، المَشْحُونِ بِفُنُونِ الحِكَمِ والأحْكامِ الباهِرَةِ، المُوصِلَةِ إلى سَعادَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومِن أيْنَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الشُّؤُونُ، واخْتَلَطَ بِهِمُ الظُّنُونُ؟ ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ .
﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ وما يَصِحُّ لَهُ الشِّعْرُ، ولا يَتَأتّى لَهُ لَوْ طَلَبَهُ، أيْ: جَعَلْناهُ بِحَيْثُ لَوْ أرادَ قَرْضَ الشِّعْرِ لَمْ يَتَأتَّ لَهُ، كَما جَعَلْناهُ أُمِّيًّا لا يَهْتَدِي لِلْخَطِّ؛ لِتَكُونَ الحُجَّةُ أثْبَتَ والشُّبْهَةُ أدْحَضَ.
وَأمّا قَوْلُهُ ﷺ:
؎ أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ
(p-178)وَقَوْلُهُ ﷺ:
؎ هَلْ أنْتِ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيَتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيَتِ
فَمِن قَبِيلِ الِاتِّفاقاتِ الوارِدَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْها، وعَزْمٍ عَلى تَرْتِيبِها.
وَقِيلَ: الضَّمِيرُ في "لَهُ" لِلْقُرْآنِ، أيْ: وما يَنْبَغِي لِلْقُرْآنِ أنْ يَكُونَ شِعْرًا ﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما القرآن ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ: عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وإرْشادٌ لِلثَّقَلَيْنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: كِتابٌ سَماوِيٌّ بَيِّنٌ كَوْنُهُ كَذَلِكَ، أوْ فارِقٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ يُقْرَأُ في المَحارِيبِ، ويُتْلى في المَعابِدِ، ويُنالُ بِتِلاوَتِهِ والعَمَلِ بِما فِيهِ فَوْزُ الدّارَيْنِ، فَكَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قالُوا؟
يس 36:70
﴿لِيُنْذِرَ﴾ أيِ: القرآن، أوِ الرَّسُولُ ﷺ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالتّاءِ، وقُرِئَ: (لِيَنْذُرَ) مِن نَذَرَ بِهِ أيْ: عَلِمَهُ، و(لِيُنْذَرَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإنْذارِ ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ: عاقِلًا مُتَأمِّلًا؛ فَإنَّ الغافِلَ بِمَنزِلَةِ المَيِّتِ، أوْ مُؤْمِنًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ بِالإيمانِ، وتَخْصِيصُ الإنْذارِ بِهِ؛ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِهِ ﴿وَيَحِقَّ القَوْلُ﴾ أيْ: تَجِبَ كَلِمَةُ العَذابِ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، وفي إيرادِهِمْ بِمُقابَلَةِ مَن كانَ حَيًّا إشْعارٌ بِأنَّهم لِخُلُوِّهِمْ عَنْ آثارِ الحَياةِ وأحْكامِها الَّتِي هي المَعْرِفَةُ أمْواتٌ في الحَقِيقَةِ.
يس 36:71
﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مُسْتَتْبَعَةٍ لِلْمَعْطُوفِ، أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا، أوْ ألَمْ يُلاحِظُوا، ولَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا يَقِينِيًّا مُتاخِمًا لِلْمُعايَنَةِ ﴿أنّا خَلَقْنا لَهُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ أيْ: مِمّا تَوَلَّيْنا إحْداثَهُ بِالذّاتِ، وذِكْرُ الأيْدِي وإسْنادُ العَمَلِ إلَيْها اسْتِعارَةٌ تُفِيدُ مُبالَغَةً في الِاخْتِصاصِ والتَّفَرُّدِ بِالأحْداثِ والِاعْتِناءِ بِهِ ﴿أنْعامًا﴾ مَفْعُولُ (خَلَقْنا) وتَأْخِيرُهُ عَنِ الجارَّيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ - مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِما - لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لَهُ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ، لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِ المُقَدَّمِ مُنْبِئًا عَنْ كَوْنِ المُؤَخَّرِ أمْرًا نافِعًا خَطِيرًا، كَما في النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّ الجارَّ الأوَّلَ المُعْرِبَ عَنْ كَوْنِ المُؤَخَّرِ مِن مَنافِعِهِمْ، والثّانِيَ المُفْصِحَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الأُمُورِ الخَطِيرَةِ يَزِيدانِ النَّفْسَ شَوْقًا إلَيْهِ ورَغْبَةً فِيهِ، ولِأنَّ في تَأْخِيرِهِ جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ أحْكامِهِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ الآياتِ الثَّلاثَ، أيْ: فَمَلَّكْناها إيّاهُمُ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِ مالِكِيَّتِهِمْ لَها واسْتِمْرارِها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(مالِكُونَ) مُقَوِّيَةٌ لِعَمَلِهِ، أيْ: فَهم مالِكُونَ لَها بِتَمْلِيكِنا إيّاها لَهُمْ، مُتَصَرِّفُونَ فِيها بِالِاسْتِقْلالِ، مُخْتَصُّونَ بِالِانْتِفاعِ بِها، لا يُزاحِمُهم في ذَلِكَ غَيْرُهُمْ، أوْ قادِرُونَ عَلى ضَبْطِها، مُتَمَكِّنُونَ مِنَ الصَّرْفِ فِيها بِأقْدارِنا وتَمْكِينِنا وتَسْخِيرِنا إيّاها لَهُمْ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
والأوَّلُ هو الأظْهَرُ لِيَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:72
﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ تَأْسِيسًا لِنِعْمَةٍ عَلى حِيالِها لا تَتِمَّةً لِما قَبْلَها، أيْ: صَيَّرْناها مُنْقادَةً لَهم بِحَيْثُ لا تَسْتَعْصِي عَلَيْهِمْ في شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُونَ بِها حَتّى الذَّبْحِ (p-179)حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنها رَكُوبُهُمْ﴾ ... إلَخْ، فَإنَّ الفاءَ فِيهِ لِتَفْرِيعِ أحْكامِ التَّذْلِيلِ عَلَيْهِ وتَفْصِيلِها، أيْ: فَبَعْضٌ مِنها رَكُوبُهُمْ، أيْ: مَرْكُوبُهُمْ، أيْ: مُعْظَمُ مَنافِعِها الرُّكُوبُ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْحَمْلِ لِكَوْنِهِ مِن تَتِمّاتِ الرُّكُوبِ.
وَقُرِئَ: (رَكُوبَتُهُمْ) وهي بِمَعْناهُ كالحَلُوبِ والحَلُوبَةِ، وقِيلَ: الرَّكُوبَةُ اسْمُ جَمْعٍ، وقُرِئَ: (رُكُوبُهُمْ) أيْ: ذُو رُكُوبِهِمْ ﴿وَمِنها يَأْكُلُونَ﴾ أيْ: وبَعْضٌ مِنها يَأْكُلُونَ لَحْمَهُ.
يس 36:73
﴿وَلَهم فِيها﴾ أيْ في الأنْعامِ بِكِلا قِسْمَيْها ﴿مَنافِعُ﴾ أُخَرُ غَيْرُ الرُّكُوبِ والأكْلِ كالجُلُودِ والأصْوافِ والأوْبارِ وغَيْرِها، وكالحِراثَةِ بِالثِّيرانِ ﴿وَمَشارِبُ﴾ مِنَ اللَّبَنِ جَمْعُ مَشْرَبٍ، وهَذا مُجْمَلُ ما فُصِّلَ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: أيُشاهِدُونَ هَذِهِ النِّعَمَ، أوْ أيَتَنَعَّمُونَ بِها فَلا يَشْكُرُونَ المُنْعِمَ بِها؟!
يس 36:74
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى الَّذِي شاهَدُوا تَفَرُّدَهُ بِتِلْكَ القُدْرَةِ الباهِرَةِ، وتَفَضُّلَهُ عَلَيْهِمْ بَهاتِيكَ النِّعَمِ المُتَظاهِرَةِ ﴿آلِهَةً﴾ مِنَ الأصْنامِ، وأشْرَكُوها بِهِ تَعالى في العِبادَةِ ﴿لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يُنْصَرُوا مِن جِهَتِهِمْ فِيما حَزَبَهم مِنَ الأُمُورِ، أوْ يَشْفَعُوا لَهم في الآخِرَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:75
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ ... إلَخْ، اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِبَيانِ بُطْلانِ رَأْيِهِمْ، وخَيْبَةِ رَجائِهِمْ، وانْعِكاسِ تَدْبِيرِهِمْ، أيْ: لا تَقْدِرُ آلِهَتُهم عَلى نَصْرِهِمْ﴿وَهُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: لِآلِهَتِهِمْ ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ يُشَيِّعُونَهم عِنْدَ مَساقِهِمْ إلى النّارِ، وقِيلَ: مُعَدُّونَ في الدُّنْيا لِحِفْظِهِمْ وخِدْمَتِهِمْ والذَّبِّ عَنْهُمْ، ولا يُساعِدُهُ مَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ فَإنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ تَعالى:
يس 36:76
﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما قَبْلَهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ خُسْرانِهِمْ وحِرْمانِهِمْ عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ، وانْعِكاسُ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِتَرْتِيبِ الشَّرِّ عَلى ما رَتَّبُوهُ لِرَجاءِ الخَيْرِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُهَوِّنُ الخَطْبَ، ويُورِثُ السَّلْوَةَ.
وَأمّا كَوْنُهم مُعَدِّينَ لِخِدْمَتِهِمْ وحِفْظِهِمْ فَبِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، والنَّهْيُ - وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مُتَوَجِّهًا إلى قَوْلِهِمْ - لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَهْيٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ التَّأثُّرِ مِنهُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أسْبابِ الشَّيْءِ ومَبادِئِهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ نَهْيٌ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وإبْطالٌ لِلسَّبَبِيَّةِ.
وَقَدْ يُوَجَّهُ النَّهْيُ إلى المُسَبَّبِ، ويُرادُ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ لا أرَيْنَكَ هَهُنا
يُرِيدُ بِهِ نَهْيَ مُخاطِبَهُ عَنِ الحُضُورِ لَدَيْهِ، والمُرادُ بِـ"قَوْلُهُمْ" ما يُنْبِئُ عَنْهُ ما ذُكِرَ مِنِ اتِّخاذِهِمُ الأصْنامَ آلِهَةً، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنِ التَّفَوُّهِ بِقَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ آلِهَتُنا، وأنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُورِثُ الحُزْنَ.
وَقُرِئَ (يُحْزِنْكَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، مِن أحْزَنَ المَنقُولِ مِن حَزِنَ اللّازِمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ صَرِيحٌ لِلنَّهْيِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ تَعْلِيلِهِ بِطَرِيقِ الإشْعارِ، فَإنَّ العِلْمَ بِما ذُكِرَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمُجازاةِ قَطْعًا، أيْ: إنّا نُجازِيهِمْ بِجَمِيعِ جِناياتِهِمُ الخافِيَةِ (p-180)والبادِيَةِ الَّتِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِنا شَيْءٌ مِنها، وفِيهِ فَضْلُ تَسْلِيَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى العَلَنِ إمّا لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ شُمُولِ علمه تعالى لِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ - كَأنَّ علمه تعالى بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَمُ مِنهُ بِما يُعْلِنُونَهُ مَعَ اسْتِوائِهِما في الحَقِيقَةِ، فَإنَّ علمه تعالى بِمَعْلُوماتِهِ لَيْسَ بِطَرِيقِ حُصُولِ صُوَرِها، بَلْ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ في نَفْسِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى لا يَخْتَلِفُ الحالُ بَيْنَ الأشْياءِ البارِزَةِ والكامِنَةِ - وإمّا لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ؛ إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو أوْ مَبادِؤُهُ مُضْمَرٌ في القَلْبِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَعَلُّقُ علمه تعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ حَقِيقَةً.
يس 36:77
﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ بَعْدَما شاهَدُوا في أنْفُسِهِمْ أوْضَحَ دَلائِلِهِ، وأعْدَلَ شَواهِدِهِ، كَما أنَّ ما سَبَقَ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى بَعْدَما عايَنُوا فِيما بِأيْدِيهِمْ ما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ والإسْلامَ.
وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ تَسْلِيَةٌ ثانِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَهْوِينِ ما يَقُولُونَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى إنْكارِهِمُ الحَشْرَ فَكَلّا، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ هي مُسْتَتْبَعَةٌ لِلْمَعْطُوفِ، كَما مَرَّ في الجُمْلَةِ الإنْكارِيَّةِ السّابِقَةِ، أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرِ الإنْسانُ، ولَمْ يَعْلَمْ عِلْمًا يَقِينِيًّا ﴿أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ ... إلَخْ؟ أوْ هي عَيْنُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أُعِيدَتْ تَأْكِيدًا لِلنَّكِيرِ السّابِقِ، وتَمْهِيدًا لِإنْكارِ ما هو أحَقُّ مِنهُ بِالإنْكارِ والتَّعْجِيبِ؛ لِما أنَّ المُنْكَرَ هُناكَ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِما يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِ أسْبابِ مَعايِشِهِمْ، وهَهُنا عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِما يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِ أنْفُسِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ عِلْمَ الإنْسانِ بِأحْوالِ نَفْسِهِ أهَمُّ، وإحاطَتَهُ بِها أسْهَلُ وأكْمَلُ، فالإنْكارُ والتَّعْجِيبُ مِنَ الإخْلالِ بِذَلِكَ أدْخَلُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَعْلَمُوا خَلْقَهُ تَعالى لِأسْبابِ مَعايِشِهِمْ، ولَمْ يَعْلَمُوا خَلْقَهُ تَعالى لِأنْفُسِهِمْ أيْضًا؟ مَعَ كَوْنِ العِلْمِ بِذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ ونِهايَةِ الأهَمِّيَّةِ، عَلى مَعْنى أنَّ المُنْكَرَ الأوَّلَ بَعِيدٌ قَبِيحٌ، والثّانِيَ أبْعَدُ وأقْبَحُ.
وَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ الإنْكارِيَّةِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى عَلى أنَّها مُتَقَدِّمَةٌ في الِاعْتِبارِ، وأنَّ تَقَدُّمَ الهَمْزَةِ عَلَيْها لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ في الكَلامِ، كَما هو رَأْيُ الجُمْهُورِ، وإيرادُ الإنْسانِ مَوْرِدَ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ مُتَعَلِّقٌ بِأحْوالِهِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الخُصُومَةِ والجِدالِ بِالباطِلِ، عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمَ يَرَ أنّا خَلَقْناهُ مِن أخَسِّ الأشْياءِ وأمْهَنِها فَفاجَأ خُصُومَتَنا في أمْرٍ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ وتَحَقُّقِهِ مَبْدَأُ فِطْرَتِهِ شَهادَةً بَيِّنَةً، وإيرادُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِ في الخُصُومَةِ واسْتِمْرارِهِ عَلَيْها.
رُوِيَ «أنَّ جَماعَةً مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مِنهُمْ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، وأبُو جَهْلٍ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، تَكَلَّمُوا في ذَلِكَ، فَقالَ لَهم أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ: ألا تَرَوْنَ إلى ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ: إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الأمْواتَ، ثُمَّ قالَ: واللّاتِ والعُزّى لِأصِيرَنَّ إلَيْهِ ولَأخْصِمَنَّهُ، وأخَذَ عَظْمًا بالِيًا فَجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ، ويَقُولُ: يا مُحَمَّدُ، أتُرى اللَّهُ يُحْيِي هَذا بَعْدَما رَمَّ؟! قالَ ﷺ: «نَعَمْ، ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ» فَنَزَلَتْ.»
وَقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ فَإذا هو بَعْدَما كانَ ماءً مَهِينًا رَجُلٌ مُمَيِّزٌ مِنطِيقٌ قادِرٌ عَلى الخِصامِ، مُبِينٌ مُعْرِبٌ عَمّا في نَفْسِهِ، فَصِيحٌ، فَهو حِينَئِذٍ مَعْطُوفٌ عَلى (خَلَقْناهُ) غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، بَلْ هو مِن مُتَمِّماتِ شَواهِدِ صِحَّةِ البَعْثِ.
يس 36:78
(p-181)فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾ مَعْطُوفٌ حِينَئِذٍ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ والتَّقْبِيحِ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَهو عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الفُجائِيَّةِ، والمَعْنى فَفاجَأ خُصُومَتَنا وضَرَبَ لَنا مَثَلًا، أيْ: أوْرَدَ في شَأْنِنا قِصَّةً عَجِيبَةً في نَفْسِ الأمْرِ هي في الغَرابَةِ والبُعْدِ عَنِ العُقُولِ كالمَثَلِ، وهي إنْكارُ إحْيائِنا العِظامَ، أوْ قِصَّةً عَجِيبَةً في زَعْمِهِ، واسْتَبْعَدَها وعَدَّها مِن قَبِيلِ المَثَلِ، وأنْكَرَها أشَدَّ الإنْكارِ، وهي إحْياؤُنا إيّاها، وجَعَلَ لَنا مَثَلًا ونَظِيرًا مِنَ الخَلْقِ، وقاسَ قُدْرَتَنا عَلى قدرتهمْ، ونَفى الكُلَّ عَلى العُمُومِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أيْ: خَلْقَنا إيّاهُ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ الدّالِّ عَلى بُطْلانِ ما ضَرَبَهُ، إمّا عَطْفٌ عَلى (ضَرَبَ) داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ ضَرْبِهِ المَثَلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيَّ مَثَلٍ ضُرِبَ أوْ ماذا قالَ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ﴾ مُنْكِرًا لَهُ أشَدَّ النَّكِيرِ مُؤَكِّدًا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ أيْ: بالِيَةٌ أشَدَّ البِلى، بَعِيدَةٌ مِنَ الحَياةِ غايَةَ البُعْدِ.
فالمَثَلُ عَلى الأوَّلِ هو إنْكارُ إحْيائِهِ تَعالى لِلْعِظامِ، فَإنَّهُ أمْرٌ عَجِيبٌ في نَفْسِ الأمْرِ حَقِيقٌ - لِغَرابَتِهِ وبُعْدِهِ مِنَ العُقُولِ - بِأنْ يُعَدَّ مَثَلًا ضَرُورَةَ جَزْمِ العُقُولِ بِبُطْلانِ الإنْكارِ، ووُقُوعِ المُنْكَرِ لِكَوْنِهِ كالإنْشاءِ بَلْ أهْوَنُ مِنهُ في قِياسِ العَقْلِ.
وَعَلى الثّانِي: هو إحْياؤُهُ تَعالى لَها، فَإنَّهُ أمْرٌ عَجِيبٌ في زَعْمِهِ، قَدِ اسْتَبْعَدَهُ وعَدَّهُ مِن قَبِيلِ المَثَلِ، وأنْكَرَهُ أشَدَّ الإنْكارِ مَعَ أنَّهُ - في نَفْسِ الأمْرِ - أقْرَبُ شَيْءٍ مِنَ الوُقُوعِ لِما سَبَقَ مِن كَوْنِهِ مِثْلَ الإنْشاءِ، أوْ أهْوَنَ مِنهُ.
وَأمّا عَلى الثّالِثِ: فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ المَثَلُ هو الإنْكارَ أوِ المُنْكَرَ، وعَدَمُ تَأْنِيثِ الرَّمِيمِ - مَعَ وُقُوعِهِ خَبَرًا لِلْمُؤَنَّثِ - لِأنَّهُ اسْمٌ لِما بَلِيَ مِنَ العِظامِ غَيْرُ صِفَةٍ كالرُّفاتِ، وقَدْ تَمَسَّكَ بِظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَن أثْبَتَ لِلْعَظْمِ حَياةً، وبَنى عَلَيْهِ الحُكْمَ بِنَجاسَةِ عَظْمِ المَيْتَةِ، وأمّا أصْحابُنا فَلا يَقُولُونَ بِحَياتِهِ كالشَّعْرِ، ويَقُولُونَ: المُرادُ بِإحْياءِ العِظامِ رَدُّها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الغَضاضَةِ والرُّطُوبَةِ في بَدَنٍ حَيٍّ حَسّاسٍ.
يس 36:79
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهُ بِتَذْكِيرِ ما نَسَبَهُ مِن فِطْرَتِهِ الدّالَّةِ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، وإرْشادِهِ إلى طَرِيقَةِ الِاسْتِشْهادِ بِها ﴿يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَإنَّ قدرته كَما هي لِاسْتِحالَةِ التَّغَيُّرِ فِيها، والمادَّةُ عَلى حالِها ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِتَفاصِيلِ كَيْفِيّاتِ الخَلْقِ والإيجادِ إنْشاءً وإعادَةً، مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الأجْزاءِ المُتَفَتِّتَةِ المُتَبَدِّدَةِ لِكُلِّ شَخْصٍ مِنَ الأشْخاصِ أُصُولِها وفُرُوعِها وأوْضاعِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ مِنَ الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ والِاجْتِماعِ والِافْتِراقِ، فَيُعِيدُ كُلًّا مِن ذَلِكَ عَلى النَّمَطِ السّابِقِ مَعَ القُوى الَّتِي كانَتْ قَبْلُ.
والجُمْلَةُ إمّا اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الجَوابِ، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ، والعُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ علمه تعالى بِما ذُكِرَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ لَيْسَ كَإنْشائِهِ لِلْمُنْشَآتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:80
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، وعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِعَطْفِ صِلَتِهِ عَلى صِلَتِهِ (p-182)لِلتَّأْكِيدِ، ولِتَفاوُتِهِما في كَيْفِيَّةِ الدَّلالَةِ، أيْ: خَلَقَ لِأجْلِكم ومَنفَعَتِكم مِنهُ نارًا، عَلى أنَّ الجَعْلَ إبْداعِيٌّ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ قُدِّما عَلى مَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ - مَعَ تَأْخِيرِهِما عَنْهُ رُتْبَةً - لِما مَرَّ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.
وَوَصْفُ الشَّجَرِ بِالأخْضَرِ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ، وقَدْ قُرِئَ: (الخَضْراءِ) نَظَرًا إلى المَعْنى، وهو المَرْخُ والعِفارُ، يَقْطَعُ الرَّجُلُ مِنهُما عُصَيَّتَيْنِ مِثْلَ السِّواكَيْنِ، وهُما خَضْراوانِ يَقْطُرُ مِنهُما الماءُ فَيَسْحَقُ المَرْخَ - وهو ذَكَرٌ - عَلى العِفارِ - وهو أُنْثى - فَتَنْقَدِحُ النّارُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ فَمَن قَدَرَ عَلى إحْداثِ النّارِ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ - مَعَ ما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ المُضادَّةِ لَها بِكَيْفِيَّتِهِ - كانَ أقْدَرَ عَلى إعادَةِ الغَضاضَةِ إلى ما كانَ غَضًّا فَطَرَأ عَلَيْهِ اليُبُوسَةُ والبِلى.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
يس 36:81
﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ... إلَخْ، اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجَوابِ الَّذِي أُمِرَ ﷺ بِأنْ يُخاطِبَهم بِذَلِكَ، ويُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: ألَيْسَ الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ ولَيْسَ الَّذِي جَعَلَ لَهم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا، ولَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ - مَعَ كِبَرِ جِرْمِهِما وعِظَمِ شَأْنِهِما - ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في الصِّغَرِ والقَماءَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما، فَإنَّ بَدِيهَةَ العَقْلِ قاضِيَةٌ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِهِما فَهو عَلى خَلْقِ الأناسِيِّ أقْدَرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ وقُرِئَ: (يَقْدِرُ).
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وتَصْرِيحٌ بِما أفادَهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ مِن تَقْرِيرِ ما بَعْدَ النَّفْيِ، وإيذانٌ بِتَعَيُّنِ الجَوابِ نَطَقُوا بِهِ أوْ تَلَعْثَمُوا فِيهِ مَخافَةَ الإلْزامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفِيدُهُ الإيجابُ، أيْ: بَلى هو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، وهو المُبالِغُ في الخَلْقِ والعِلْمِ كَيْفًا وكَمًّا.
يس 36:82
﴿إنَّما أمْرُهُ﴾ أيْ: شَأْنُهُ ﴿إذا أرادَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ: أنْ يُعَلِّقَ بِهِ قدرته ﴿فَيَكُونُ﴾ فَيَحْدُثُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ أصْلًا، وهَذا تَمْثِيلٌ لِقدرته تعالى فِيما أرادَهُ بِأمْرِ الآمِرِ المُطاعِ المَأْمُورَ المُطِيعَ في سُرْعَةِ حُصُولِ المَأْمُورِ بِهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ ما، وقُرِئَ: (فَيَكُونَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (يَقُولَ).
يس 36:83
﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ - عَزَّ وعَلا - عَمّا وصَفُوهُ تَعالى بِهِ، وتَعْجِيبٌ مِمّا قالُوا في شَأْنِهِ تَعالى، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ مَعْنى "سُبْحانَ" والفاءُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ما فُصِّلَ مِن شُئُونِهِ تَعالى مُوجِبَةٌ لِتَنَزُّهِهِ وتَنْزِيهِهِ أكْمَلَ إيجابٍ، كَما أنَّ وصْفَهُ تَعالى بِالمالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ المُطْلَقَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّها مُقْتَضِيَةٌ لِذَلِكَ أتَمَّ اقْتِضاءٍ، والمَلَكُوتُ مُبالَغَةٌ في المُلْكِ كالرَّحَمُوتِ والرَّهَبُوتِ.
وَقُرِئَ: (مَلِكَةُ كُلِّ شَيْءٍ)، و(مَمْلَكَةُ كُلِّ شَيْءٍ) و(مُلْكُ كُلِّ شَيْءٍ) ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وقُرِئَ: (تَرْجِعُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ مِنَ الرُّجُوعِ، وفِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -كُنْتُ لا أعْلَمُ ما رُوِيَ في فَضائِلِ يس، (p-183)وَقِراءَتِها كَيْفَ خُصَّتْ بِذَلِكَ، فَإذا أنَّهُ لِهَذِهِ الآيَةِ.
قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلبًا، وإنَّ قَلْبَ القرآن يس، مَن قَرَأها يُرِيدُ بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَأنَّما قَرَأ القرآن اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ مَرَّةً، وأيَّما مُسْلِمٍ قُرِئَ عِنْدَهُ -إذا نَزَلَ بِهِ مَلَكُ المَوْتِ- سُورَةُ يس».»
الصافات 37:1
(سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها مِائَةٌ واثْنَتانِ وثَمانُونَ آيَةً)
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَوائِفِ المَلائِكَةِ الفاعِلاتِ لِلصُّفُوفِ، عَلى أنَّ المُرادَ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى المَفْعُولِ، أوِ الصّافّاتِ أنْفُسَها، أيِ: النّاظِماتِ لَها في سِلْكِ الصُّفُوفِ بِقِيامِها في مَقاماتِها المَعْلُومَةِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وعَلى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ مَدارُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ وقِيلَ: الصّافّاتِ أقْدامَها في الصَّلاةِ، وقِيلَ: أجْنِحَتُها في الهَواءِ.
الصافات 37:2
﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ أيِ: الفاعِلاتِ لِلزَّجْرِ، أوِ الزّاجِراتِ لِما نِيطَ بِها زَجْرُهُ مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وغَيْرِها عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِالمَزْجُورِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ زَجْرُ العِبادِ بِالمَعاصِي، وزَجْرُ الشَّياطِينِ عَنِ الوَسْوَسَةِ والإغْواءِ، وعَنْ إسْتِراقِ السَّمْعِ كَما سَيَأْتِي "وَصَفًّا" و"زَجْرًا" مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما قَبْلَهُما، أيْ: صَفًّا بَدِيعًا، وزَجْرًا بَلِيغًا، وأمّا ذِكْرًا في قَوْلِهِ تَعالى:
الصافات 37:3
﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ فَمَفْعُولُ التّالِياتِ، أيِ: التّالِياتِ ذِكْرًا عَظِيمَ الشَّأْنِ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، وكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وغَيْرِها مِنَ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ والتَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ.
وَقِيلَ: هو أيْضًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ؛ فَإنَّ التِّلاوَةَ مِن بابِ الذِّكْرِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ إنْ أُجْرِيَتْ عَلى الكُلِّ فَعَطْفُها بِالفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِها في الفَضْلِ إمّا بِكَوْنِ الفَضْلِ للصَّفِ ثُمَّ لِلزَّجْرِ ثُمَّ (p-184)لِلتِّلاوَةِ، أوْ عَلى العَكْسِ، وإنْ أُجْرِيَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ عَلى طَوائِفَ مُعَيَّنَةٍ فَهو الدَّلالَةُ عَلى تَرَتُّبِ المَوْصُوفاتِ في مَراتِبِ الفَضْلِ، بِمَعْنى أنَّ طَوائِفَ الصّافّاتِ ذَواتُ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلُ، والتّالِياتُ أبْهَرُ فَضْلًا، أوْ عَلى العَكْسِ.
وَقِيلَ: المُرادُ بِالمَذْكُوراتِ نُفُوسُ العُلَماءِ العُمّالِ الصّافّاتُ أنْفُسَها في صُفُوفِ الجَماعاتِ، وأقْدامَها في الصَّلَواتِ، الزّاجِراتُ بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ، التّالِياتُ آياتِ اللَّهِ تَعالى، الدّارِساتُ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ.
وَقِيلَ: طَوائِفُ الغُزاةِ الصّافّاتُ أنْفُسَهم في مُواطِنِ الحُرُوبِ كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ، أوْ طَوائِفُ قُوّادِهِمُ الصّافّاتُ لَهم فِيها، الزّاجِراتُ الخَيْلَ لِلْجِهادِ سَوْقًا، والعَدُوَّ في المَعارِكِ طَرْدًا، التّالِياتُ آياتِ اللَّهِ تَعالى وذِكْرَهُ وتَسْبِيحَهُ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ، والكَلامُ في العَطْفِ ودَلالَتِهِ عَلى تَرَتُّبِ الصِّفاتِ في الفَضْلِ أوْ تَرَتُّبِ مَوْصُوفاتِها فِيهِ كالَّذِي سَلَفَ، وأمّا الدَّلالَةُ عَلى التَّرَتُّبِ في الوُجُودِ كَما في قَوْلِهِ:
؎ يا لُهْفَ زَبّانَةَ لِلْحَرْثِ الـ ـصّابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
فَغَيْرُ ظاهِرَةٍ في شَيْءٍ مِنَ الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّهُ لَوْ سُلِّمَ تَقَدُّمُ الصَّفِّ عَلى الزَّجْرِ في المَلائِكَةِ والغُزاةِ، فَتَأخُّرُ التِّلاوَةِ عَنِ الزَّجْرِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقِيلَ: الصّافّاتُ الطَّيْرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ والزّاجِراتُ كُلُّ ما يَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي، والتّالِياتُ كُلُّ مَن يَتْلُو كِتابَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: الزّاجِراتُ القَوارِعُ القرآنيَّةُ، وقُرِئَ بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ والزّايِ والذّالِ.
الصافات 37:4
﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والجُمْلَةُ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ بِما هو المَأْلُوفُ في كَلامِهِمْ مِنَ التَّأْكِيدِ القَسَمِيِّ، وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ البُرْهانِ النّاطِقِ بِهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى:
الصافات 37:5
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ فَإنَّ وُجُودَها وانْتِظامَها عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ دَلائِلِ وُجُودِ الصّانِعِ، وعِلْمِهِ وقدرته، وأعْدَلِ شَواهِدِ وحْدَتِهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ و(رَبُّ) خَبَرٌ ثانٍ لِـ(إنَّ) أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ المَوْجُوداتِ ومُرَبِّيها ومُبَلِّغُها إلى كِمالاتِها، والمُرادُ بِـ"المَشارِقِ" مَشارِقُ الشَّمْسِ، وإعادَةُ الرَّبِّ فِيها لِغايَةِ ظُهُورِ آثارِ الربوبية فِيها، وتَجَدُّدِها كُلَّ يَوْمٍ فَإنَّها ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا تُشْرِقُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ مِنها، وبِحَسَبِها تَخْتَلِفُ المَغارِبُ، وتَغْرُبُ كُلَّ يَوْمٍ في مَغْرِبٍ مِنها، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ فَهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما.
الصافات 37:6
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أيِ: القُرْبى مِنكم ﴿بِزِينَةٍ﴾ عَجِيبَةٍ بَدِيعَةٍ ﴿الكَواكِبِ﴾ بِالجَرِّ بَدَلٌ مِن (زِينَةٍ) عَلى أنَّ المُرادَ بِها الِاسْمُ، أيْ ما يُزَيَّنُ بِهِ لا المَصْدَرُ، فَإنَّ الكَواكِبَ بِأنْفُسِها وأوْضاعِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ زِينَةٌ، وأيُّ زِينَةٍ.
وَقُرِئَ بِالإضافَةِ عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ لِما أنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ صادِقَةٌ عَلى كُلِّ ما يُزانُ بِهِ فَتَقَعُ الكَواكِبُ بَيانًا لَها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِزِينَةِ الكَواكِبِ ما زُيِّنَتْ هي بِهِ وهو ضَوْؤُها.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: بِزِينَةِ الكَواكِبِ: بِضَوْءِ الكَواكِبِ.
هَذا، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الزِّينَةِ مَصْدَرًا فالمَعْنى عَلى (p-185)تَقْدِيرِ إضافَتِها إلى الفاعِلِ بِأنْ زانَتِ الكَواكِبُ إيّاها، وأصْلُهُ بِزِينَةِ الكَواكِبِ، وعَلى تَقْدِيرِ إضافَتِها إلى المَفْعُولِ بِأنْ زانَ اللَّهُ الكَواكِبَ وحَسَّنَها، وأصْلُهُ بِزِينَةِ الكَواكِبِ، والمُرادُ هو التَّزْيِينُ في رَأْيِ العَيْنِ، فَإنَّ جَمِيعَ الكَواكِبِ مِنَ الثَّوابِتِ والسَّيّاراتِ تَبْدُو لِلنّاظِرِينَ كَأنَّها جَواهِرُ مُتَلَأْلِأةٌ في سَطْحِ سَماءِ الدُّنْيا بِصُوَرٍ بَدِيعَةٍ وأشْكالٍ رائِعَةٍ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ ارْتِكازُ الثَّوابِتِ في الفُلْكِ الثّامِنِ، وما عَدا القَمَرَ في السِّتَّةِ المُتَوَسِّطَةِ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ.
الصافات 37:7
﴿وَحِفْظًا﴾ مَنصُوبٌ إمّا بِعَطْفِهِ عَلى زِينَةٍ بِاعْتِبارِ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا خَلَقَنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ بِرَمْيِ الشُّهُبِ، وإمّا بِإضْمارِ فِعْلِهِ، وإمّا بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مُؤَخَّرٍ مُعَلَّلٍ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ زَيَّناها بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:8
﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ بَيانِ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهُمْ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى كَيْفِيَّةِ الحِفْظِ، وما يَعْتَرِيهِمْ في أثْناءِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ، ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِهِ صِفَةً لِـ(كُلِّ شَيْطانٍ) ولا جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ لِعَدَمِ اسْتِقامَةِ المَعْنى، ولا عِلَّةً لِلْحِفْظِ عَلى أنْ يَكُونَ الأصْلُ لِئَلّا يَسْمَعُوا، فَحُذِفَتِ اللّامُ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِكَ: جِئْتُكَ أنْ تُكْرِمَنِي، فَبَقِيَ أنْ لا يَسْمَعُوا، ثُمَّ بِحَذْفِ "أنْ" وبِهَدْرِ عَمَلِها كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِيُّ أحْضُرَ الوَغى
لِما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ الحَذْفَيْنِ غَيْرُ مُنْكَرٍ بِانْفِرادِهِ، فَأمّا اجْتِماعُهُما فَمِن أنْكَرِ المُنْكَراتِ الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ عَنْ أمْثالِها، وأصْلُ (يَسَّمَّعُونَ) يَتَسَمَّعُونَ، والمَلَأُ الأعْلى المَلائِكَةُ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - هُمُ الكَتَبَةُ، وعَنْهُ أشْرافُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أيْ: لا يَتَطَلَّبُونَ السَّماعَ والإصْغاءَ إلَيْهِمْ، وقُرِئَ: (يَسْمَعُونَ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ يُرْمَوْنَ ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ مِن جَمِيعِ جَوانِبِ السَّماءِ إذا قَصَدُوا الصُّعُودَ إلَيْها.
الصافات 37:9
﴿دُحُورًا﴾ عِلَّةٌ لِلْقَذْفِ، أيْ: لِلدُّحُورِ، أوْ حالٌ بِمَعْنى مَدْحُورِينَ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ؛ لِأنَّهُما مِن وادٍ واحِدٍ، وقُرِئَ: (دَحُورًا) بِفَتْحِ الدّالِ، أيْ: قَذْفًا دَحُورًا مُبالِغًا في الطَّرْدِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالقَبُولِ والوَلُوعِ ﴿وَلَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ أيْ: ولَهم في الآخِرَةِ - غَيْرُ ما في الدُّنْيا مِن عَذابِ الرَّجْمِ بِالشُّهُبِ - عَذابٌ شَدِيدٌ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ .
الصافات 37:10
﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن واوِ "يَسَّمَّعُونَ" و"مَن" بَدَلٌ مِنهُ، و"الخَطْفُ" الِاخْتِلاسُ، والمُرادُ اخْتِلاسُ كَلامِ المَلائِكَةِ مُسارَقَةً، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ تَعْرِيفُ الخَطْفَةِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ المُشَدَّدَةِ، وبِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ (p-186)وَتَشْدِيدِها، وأصْلُهُما اخْتَطَفَ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ﴾ أيْ: تَبِعَهُ ولَحِقَهُ، وقُرِئَ: (فاتَّبَعَهُ) و"الشِّهابُ" ما يُرى مُنْقَضًّا مِنَ السَّماءِ ﴿ثاقِبٌ﴾ مُضِيءٌ في الغايَةِ كَأنَّهُ يَثْقُبُ الجَوَّ بِضَوْئِهِ، يُرْجَمُ بِهِ الشَّياطِينُ إذا صَعِدُوا لِاسْتِراقِ السَّمْعِ فَيَقْتُلُهم أوْ يَحْرُقُهم أوْ يَخْبِلُهُمْ، قالُوا: وإنَّما يَعُودُ مَن يُسْلِمُ مِنهم حَيًّا طَمَعًا في السَّلامَةِ، ونَيْلِ المُرادِ كَراكِبِ السَّفِينَةِ.
الصافات 37:11
﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ فاسْتَخْبِرْ مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ أيْ: أقْوى خِلْقَةً وأمْتَنُ بِنْيَةً، أوْ أصْعَبُ خَلْقًا وأشَقُّ إيجادًا ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والسَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما والمَشارِقِ والكَواكِبِ والشُّهُبِ الثَّواقِبِ، و"مَن" لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ إطْلاقُهُ ومَجِيئُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لا سِيَّما قِراءَةُ مَن قَرَأ (أمْ مَن عَدَدْنا).
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ فَإنَّهُ الفارِقُ بَيْنَهم وبَيْنَها لا بَيْنَهم وبَيْنَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ كَعادٍ وثَمُودَ، ولِأنَّ المُرادَ إثْباتُ المَعادِ ورَدُّ اسْتِحالَتِهِمْ، والأمْرُ فِيهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ وإلى مَن قَبْلَهم سَواءٌ، وقُرِئَ: (لازِمٍ) و(لاتِبٍ).
الصافات 37:12
﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ أيْ: مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، وإنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ مِن تَعْجِيبِكَ، وتَقْرِيرِكَ لِلْبَعْثِ، وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ عَلى مَعْنى أنَّهُ بَلَغَ كَمالُ قُدْرَتِي وكَثْرَةُ مَخْلُوقاتِي إلَيَّ حَيْثُ عَجِبْتُ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، أوْ عَجِبْتُ مِن أنْ يُنْكِرُوا البَعْثَ مِمَّنْ هَذِهِ أفاعِيلُهُ، ويَسْخَرُوا مِمَّنْ يُجَوِّزُهُ، والعَجَبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إمّا عَلى الفَرْضِ والتَّخْيِيلِ، أوْ عَلى مَعْنى الِاسْتِعْظامِ اللّازِمِ لَهُ، فَإنَّهُ رَوْعَةٌ تَعْتَرِي الإنْسانَ عِنْدَ اسْتِعْظامٍ الشَّيْءِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالقَوْلِ، أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: بَلْ عَجِبْتُ.
الصافات 37:13
﴿وَإذا ذُكِّرُوا﴾ أيْ: ودَأْبُهُمُ المُسْتَمِرُّ أنَّهم إذا وُعِظُوا بِشَيْءٍ مِنَ المَواعِظِ ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾ لا يَتَّعِظُونَ، وإذا ذُكِرَ لَهم ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِغايَةِ بَلادَتِهِمْ وقُصُورِ فِكْرِهِمْ.
الصافات 37:14
﴿وَإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلى صِدْقِ القائِلِ بِهِ ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ سِحْرٌ، أوْ يَسْتَدْعِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها.
الصافات 37:15
﴿وَقالُوا إنْ هَذا﴾ أيْ: ما يَرَوْنَهُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ ﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ سِحْرِيَّتِهِ.
الصافات 37:16
﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ: كانَ بَعْضُ أجْزائِنا تُرابًا وبَعْضُها عِظامًا، وتَقْدِيمُ التُّرابِ؛ لِأنَّهُ مُنْقَلِبٌ مِنَ الأجْزاءِ البادِيَةِ، والعامِلُ في "إذا" ما دَلَّ عَلَيْهِ مَبْعُوثُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أيْ: نُبْعَثُ لا نَفْسُهُ؛ لِأنَّ دُونَهُ خُطُوبًا (p-187)لَوْ تَفَرَّدَ واحِدٌ مِنها لَكَفى في المَنعِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ لِلْبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ غايَةَ المُنافاةِ، وكَذا تَكْرِيرُ الهَمْزَةِ في "أئِنّا" لِلْمُبالَغَةِ والتَّشْدِيدِ في ذَلِكَ، وكَذا تَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِـ"إنَّ" و"اللّامِ" لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّ تَقْدِيمَ الهَمْزَةِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ، كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: " أفَلا تَعْقِلُونَ " عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ، فَإنَّ المَعْنى عِنْدَهم تَعْقِيبُ الإنْكارِ لا إنْكارُ التَّعْقِيبِ كَما هو المَشْهُورُ، وقُرِئَ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ الأُولى، وبِطَرْحِ الثّانِيَةِ فَقَطْ.
الصافات 37:17
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، أيْ: وآباؤُنا الأوَّلُونَ أيْضًا مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في "مَبْعُوثُونَ" لِلْفَصْلِ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ الجارِيَةِ مَجْرى حَرْفِ النَّفْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ وأيًّا ما كانَ فَمُرادُهم زِيادَةُ الِاسْتِبْعادِ بِناءً عَلى أنَّهم أقْدَمُ فَبَعْثُهم أبْعَدُ عَلى زَعْمِهِمْ، وقُرِئَ: (أوْ آباؤُنا).
الصافات 37:18
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿نَعَمْ﴾ والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ لَهم ولِآبائِهِمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ نَعَمْ، أيْ: كُلُّكم مَبْعُوثُونَ، والحالُ أنَّكم صاغِرُونَ أذِلّاءُ، وقُرِئَ: (نَعِمْ) بِكَسْرِ العَيْنِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ.
الصافات 37:19
﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ هي إمّا ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ خَبَرُهُ، أوْ ضَمِيرُ البَعْثَةِ، والجُمْلَةُ جَوابُ شَرْطٍ مُضْمَرٍ، أوْ تَعْلِيلٌ لِنَهْيٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَإنَّما هي ... إلَخْ، أوْ لا تَسْتَصْعِبُوهُ فَإنَّما هي ... إلَخْ، والزَّجْرَةُ الصَّيْحَةُ مِن زَجَرَ الرّاعِيَ غَنَمَهُ إذا صاحَ عَلَيْها، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ ﴿فَإذا هُمْ﴾ قائِمُونَ مِن مَراقِدِهِمْ أحْياءً ﴿يَنْظُرُونَ﴾ يُبْصِرُونَ كَما كانُوا، أوْ يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ.
الصافات 37:20
﴿وَقالُوا﴾ أيِ: المَبْعُوثُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ ﴿يا ويْلَنا﴾ أيْ: هَلاكَنا، احْضُرْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِمُ الوَيْلَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، أيِ: اليَوْمَ الَّذِي نُجازى فِيهِ بِأعْمالِنا، وإنَّما عَلِمُوا ذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ في الدُّنْيا أنَّهم يُبْعَثُونَ ويُحاسَبُونَ ويُجْزَوْنَ بِأعْمالِهِمْ، فَلَمّا شاهَدُوا البَعْثَ أيْقَنُوا بِما بَعْدَهُ أيْضًا.
الصافات 37:21
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ كَلامُ المَلائِكَةِ جَوابًا لَهم بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقِيلَ: هو أيْضًا مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَصْلُ القَضاءُ، أوِ الفَرْقُ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى والضَّلالِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:22
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْمَلائِكَةِ (p-188)أوْ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِحَشْرِ الظَّلَمَةِ مِن مَقامِهِمْ إلى المَوْقِفِ، وقِيلَ: مِنَ المَوْقِفِ إلى الجحيم ﴿وَأزْواجَهُمْ﴾ أيْ: أشْباهَهم ونُظَراءَهم مِنَ العُصاةِ، عابِدِ الصَّنَمِ مَعَ عَبَدَتِهِ، وعابِدِ الكَواكِبِ مَعَ عَبَدَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ وقِيلَ: قُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ، وقِيلَ: نِساءَهُمُ الَّتِي عَلى دِينِهِمْ ﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ .
الصافات 37:23
﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ ونَحْوِها؛ زِيادَةً في تَحْسِيرِهِمْ وتَخْجِيلِهِمْ، قِيلَ: هو عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ المَوْصُولَ عِبارَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ خاصَّةً جِيءَ بِهِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ فَلا عُمُومَ ولا تَخْصِيصَ ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجحيم﴾ أيْ: عَرِّفُوهم طَرِيقَها، ووَجِّهُوهم إلَيْها، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ.
الصافات 37:24
﴿وَقِفُوهُمْ﴾ احْبِسُوهم في المَوْقِفِ، كَأنَّ المَلائِكَةَ سارَعُوا إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِن حَشْرِهِمْ إلى الجحيم فَأُمِرُوا بِذَلِكَ، وعُلِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنْ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْعَفْوِ عَنْهُمْ، ولا لِيَسْتَرِيحُوا بِتَأْخِيرِ العَذابِ في الجُمْلَةِ بَلْ لِيُسْألُوا، لَكِنْ لا عَنْ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ - كَما قِيلَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ قَبْلَ الأمْرِ بِهِمْ إلى الجحيم - بَلْ عَمّا يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:25
﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ والتَّهَكُّمِ، أيْ: لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا - كَما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدُّنْيا - وتَأْخِيرُ هَذا السُّؤالِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ تَنَجُّزِ العَذابِ، وشِدَّةِ الحاجَةِ إلى النُّصْرَةِ، وحالَةِ انْقِطاعِ الرَّجاءِ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ، فالتَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حِينَئِذٍ أشَدُّ وقْعًا وتَأْثِيرًا، وقُرِئَ: (لا تَتَناصَرُونَ) و(لا تَنّاصَرُونَ) بِالإدْغامِ.
الصافات 37:26
﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ خاضِعُونَ لِظُهُورِ عَجْزِهِمْ، وانْسِدادِ بابِ الحِيَلِ عَلَيْهِمْ، أوْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، فَكُلُّهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ.
الصافات 37:27
﴿وَأقْبَلَ﴾ حِينَئِذٍ ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ هُمُ الأتْباعُ والرُّؤَساءُ، أوِ الكَفَرَةُ والقُرَناءُ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا سُؤالَ تَوْبِيخٍ بِطَرِيقِ الخُصُومَةِ والجِدالِ.
الصافات 37:28
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ تَساؤُلِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَساءَلُوا؟ فَقِيلَ: قالُوا: أيِ الأتْباعُ لِلرُّؤَساءِ، أوِ الكُلُّ لِلْقُرَناءِ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا﴾ في الدُّنْيا ﴿عَنِ اليَمِينِ﴾ عَنْ أقْوى الوُجُوهِ وأمْتَنِها، أوْ عَنِ الدِّينِ، أوْ عَنِ الخَيْرِ، كَأنَّكم تَنْفَعُونَنا نَفْعَ السّانِحِ فَتَبِعْناكم فَهَلَكْنا، مُسْتَعارٌ مِن يَمِينِ الإنْسانِ الَّذِي هو أشْرَفُ الجانِبَيْنِ وأقْواهُما وأنْفَعُهُما، ولِذَلِكَ سُمِّيَ يَمِينًا، ويُتَيَمَّنُ بِالسّانِحِ، أوْ عَنِ القُوَّةِ والقَسْرِ فَتَقْسِرُونَنا عَلى الغَيِّ، وهو الأوْفَقُ لِلْجَوابِ، أوْ عَنِ الحَلِفِ حَيْثُ كانُوا يَحْلِفُونَ أنَّهم عَلى الحَقِّ.
الصافات 37:29
(p-189)﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ، أيْ: قالَ الرُّؤَساءُ أوِ القُرَناءُ: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ . أيْ: لَمْ نَمْنَعْكم مِنَ الإيمانِ بَلْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِاخْتِيارِكُمْ، وأعْرَضْتُمْ عَنْهُ مَعَ تَمَكُّنِكم مِنهُ، وآثَرْتُمُ الكُفْرَ عَلَيْهِ.
الصافات 37:30
﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ مِن قَهْرٍ وتَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ اخْتِيارَكم ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ مُخْتارِينَ لِلطُّغْيانِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ.
الصافات 37:31
﴿فَحَقَّ عَلَيْنا﴾ أيْ: لَزِمَنا وثَبَتَ عَلَيْنا ﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ أيِ: العَذابَ الَّذِي ورَدَ بِهِ الوَعِيدُ.
الصافات 37:32
﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ فَدَعَوْناكم إلى الغَيِّ دَعْوَةً غَيْرَ مُلْجِئَةٍ فاسْتَجَبْتُمْ لَنا بِاخْتِيارِكم واسْتِحْبابِكُمُ الغَيَّ عَلى الرُّشْدِ ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَلا عَتَبَ عَلَيْنا في تَعَرُّضِنا لِإغْوائِكم بِتِلْكَ المَرْتَبَةِ مِنَ الدَّعْوَةِ لِتَكُونُوا أمْثالَنا في الغَوايَةِ.
الصافات 37:33
﴿فَإنَّهُمْ﴾ أيِ: الأتْباعُ والمَتْبُوعِينَ ﴿يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ حَسْبَما كانُوا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ.
الصافات 37:34
﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ البَدِيعِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ ﴿نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ المُتَناهِينَ في الإجْرامِ، وهُمُ المُشْرِكُونَ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
الصافات 37:35
﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهُمْ﴾ بِطَرِيقِ الدَّعْوَةِ والتَّلْقِينِ ﴿لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ القَبُولِ.
الصافات 37:36
﴿وَيَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وتَكْذِيبٌ لَهم بِبَيانِ أنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ هو الحَقُّ الَّذِي قامَ بِهِ البُرْهانُ، وأجْمَعَ عَلَيْهِ كافَّةُ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَأيْنَ الشِّعْرُ والجُنُونُ مِن ساحَتِهِ الرَّفِيعَةِ؟!
الصافات 37:37
﴿وَيَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وتَكْذِيبٌ لَهم بِبَيانِ أنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ هو الحَقُّ الَّذِي قامَ بِهِ البُرْهانُ، وأجْمَعَ عَلَيْهِ كافَّةُ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَأيْنَ الشِّعْرُ والجُنُونُ مِن ساحَتِهِ الرَّفِيعَةِ؟!
الصافات 37:38
﴿إنَّكُمْ﴾ بِما فَعَلْتُمْ مِنَ الإشْراكِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ والِاسْتِكْبارِ ﴿لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ (p-190)والِالتِفاتُ لِإظْهارِ كَمالِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، وقُرِئَ بِنَصْبِ العَذابِ عَلى تَقْدِيرِ النُّونِ، كَقَوْلِهِ:
؎ ولا ذاكِرُ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا
وَقُرِئَ: (لَذائِقُونَ العَذابَ) عَلى الأصْلِ.
الصافات 37:39
﴿وَما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِنها.
الصافات 37:40
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ "ذائِقُو" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ مُسارَعَةً إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّ ذَوْقَهُمُ العَذابَ لَيْسَ إلّا مِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ أصْلًا، وجَعْلُهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ (تُجْزَوْنَ) عَلى مَعْنى أنَّ الكَفَرَةَ لا يُجْزَوْنَ إلّا بِقَدْرِ أعْمالِهِمْ دُونَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ فَإنَّهم يَجْزَوْنَ أضْعافًا مُضاعَفَةً، مِمّا لا وجْهَ لَهُ أصْلًا لا سِيَّما جَعْلُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا بِتَعْمِيمِ الخِطابِ في "تُجْزَوْنَ" لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ فَإنَّهُ لَيْسَ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ، فالمَعْنى: إنَّكم لَذائِقُونَ العَذابَ الألِيمَ لَكِنْ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ المُوَحِّدِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:41
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّهم مُمْتازُونَ بِما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الإخْلاصِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى عَمَّنْ عَداهُمُ امْتِيازًا بالِغًا، مُنْتَظِمُونَ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ - مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ - لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمْ﴾ إمّا خَبَرٌ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِزْقٌ﴾ مُرْتَفَعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، أوْ مُبْتَدَأٌ و"لَهُمْ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ"أُولَئِكَ"، والجُمْلَةُ الكُبْرى اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما أفادَهُ الِاسْتِثْناءُ إجْمالًا بَيانًا تَفْصِيلِيًّا، وقِيلَ: هي خَبَرٌ لِلِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ عَلى أنَّهُ مُتَأوَّلٌ بِالمُبْتَدَأِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَعْلُومٌ﴾ أيْ: مَعْلُومُ الخَصائِصِ مِن حُسْنِ المَنظَرِ، ولَذَّةِ الطَّعْمِ، وطِيِبِ الرّائِحَةِ ونَحْوِها مِن نُعُوتِ الكَمال، وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:42
﴿فَواكِهُ﴾ إمّا بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ) أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: ذَلِكَ الرِّزْقُ فَواكِهُ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ أرْزاقَ أهْلِ الجَنَّةِ كُلُّها فَواكِهُ، أيْ: ما يُؤْكَلُ لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ دُونَ الِاقْتِياتِ؛ لِأنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنِ القُوتِ لِكَوْنِ خِلْقَتِهِمْ مُحْكَمَةً مَحْفُوظَةً مِنَ التَّحَلُّلِ المُحْوِجِ إلى البَدَلِ.
وَقِيلَ: لِأنَّ الفَواكِهَ مِن أتْباعِ سائِرِ الأطْعِمَةِ فَذِكْرُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِها ﴿وَهم مُكْرَمُونَ﴾ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَلْحَقُهم هَوانٌ، وذَلِكَ أعْظَمُ المَثُوباتِ وألْيَقُها بِأُولِي الهِمَمِ، وقِيلَ: مُكْرَمُونَ في نَيْلِهِ حَيْثُ يَصِلُ إلَيْهِمْ بِغَيْرِ تَعَبٍ وسُؤالٍ كَما هو شَأْنُ أرْزاقِ الدُّنْيا، وقُرِئَ: (مُكَرَّمُونَ) بِالتَّشْدِيدِ.
الصافات 37:43
﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ: في جَنّاتٍ لَيْسَ فِيها إلّا النَّعِيمُ، وهو ظَرْفٌ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في (مُكْرَمُونَ) أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِـ"أُولَئِكَ".
الصافات 37:44
(p-191)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾
﴿عَلى سُرُرٍ﴾ مُحْتَمِلٌ لِلْحالِيَّةِ والخَبَرِيَّةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، أوْ في (مُكْرَمُونَ) وقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:45
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ تَكامُنِ مَجالِسِ أُنْسِهِمْ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَقابِلِينَ، أوْ في أحَدِ الجارَّيْنِ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِـ(مُكْرَمُونَ) ﴿بِكَأْسٍ﴾ بِإناءٍ فِيهِ خَمْرٌ أوْ بِخَمْرٍ؛ فَإنَّ الكَأْسَ تُطْلَقُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها
﴿مِن مَعِينٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمِرٍ هو صِفَةٌ لِكَأْسٍ، أيْ: كائِنَةٍ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن نَهْرٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ الظّاهِرُ لِلْعُيُونِ، أوِ الخارِجُ مِنَ العُيُونِ، مِن عانَ الماءُ إذا نَبَعَ، وُصِفَ بِهِ الخَمْرُ - وهو لِلْماءِ - لِأنَّها تَجْرِي في الجَنَّةِ في أنْهارٍ كَما يَجْرِي الماءُ، قالَ تَعالى: ﴿وَأنْهارٌ مِن خَمْرٍ﴾ .
الصافات 37:46
﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ صِفَتانِ أيْضًا لِـ(كَأْسٍ) ووَصْفُها بِـ(لَذَّةٍ) إمّا لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّها نَفْسُ اللَّذَّةِ، أوْ لِأنَّها تَأْنِيثُ اللَّذِّ بِمَعْنى اللَّذِيذِ، ووَزْنُهُ فَعْلٍ، قالَ:
؎ ولَذٍّ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ بِأرْضِ العِدّا مِن خِيفَةِ الحَدَثانِ
يُرِيدُ بِهِ النَّوْمَ.
الصافات 37:47
﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ أيْ: غائِلَةٌ، كَما في خُمُورِ الدُّنْيا، مِن غالَهُ إذا أفْسَدَهُ وأهْلَكَهُ، ومِنهُ الغُولُ ﴿وَلا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ يَسْكَرُونَ، مِن نَزَفَ الشّارِبُ فَهو نَزِيفٌ ومَنزُوفٌ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، ويُقالُ لِلْمَطْعُونِ: نَزَفَ فَماتَ إذا خَرَجَ دَمُهُ كُلُّهُ، أُفْرِدَ هَذا بِالنَّفْيِ - مَعَ انْدِراجِهِ فِيما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الغَوْلِ عَنْها - لِما أنَّهُ مِن مُعْظَمِ مَفاسِدِ الخَمْرِ، كَأنَّهُ جِنْسٌ بِرَأْسِهِ، والمَعْنى: لا فِيها نَوْعٌ مِن أنْواعِ الفَسادِ مِن مَغَصٍ أوْ صُداعٍ أوْ خُمارٍ أوْ عَرْبَدَةٍ أوْ لَغْوٍ أوْ تَأْثِيمٍ، ولا هم يَسْكَرُونَ.
وَقُرِئَ: (يُنْزِفُونَ) بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ الشّارِبُ إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، وقُرِئَ: (يَنْزُفُونَ) بِضَمِّ الزّايِ مِن نَزُفَ يَنْزُفُ بِضَمِّ الزّايِ فِيهِما.
الصافات 37:48
﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ أبْصارَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَمْدُدْنَ طَرْفًا إلى غَيْرِهِمْ ﴿عِينٌ﴾ نُجْلُ العُيُونِ جَمْعُ عَيْناءَ، والنَّجَلُ سِعَةُ العَيْنِ.
الصافات 37:49
﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شُبِّهْنَ بِبَيْضِ النَّعامِ المَصُونِ مِنَ الغُبارِ ونَحْوِهِ في الصَّفاءِ والبَياضِ المَخْلُوطِ بِأدْنى صُفْرَةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ أحْسَنُ ألْوانِ الأبْدانِ.
الصافات 37:50
﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (يُطافُ) أيْ: يَشْرَبُونَ فَيَتَحادَثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَما هو عادَةُ الشُّرْبِ، قالَ:(p-192)
؎ وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ
فَيُقْبِلُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الفَضائِلِ والمَعارِفِ، وعَمّا جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِصِيغَةِ الماضِي لِلتَّأْكِيدِ والدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَتْمًا.
الصافات 37:51
﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ في تَضاعِيفِ مُحاوَراتِهِمْ ﴿إنِّي كانَ لِي﴾ في الدُّنْيا ﴿قَرِينٌ﴾ مُصاحِبٌ.
الصافات 37:52
﴿يَقُولُ﴾ لِي عَلى طَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ بِما كُنْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الصّادِ مِنَ التَّصَدُّقِ، والأوَّلُ هو الأوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى:
الصافات 37:53
﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ: لَمَبْعُوثُونَ ومَجْزِيُّونَ، مِنَ الدَّيْنِ بِمَعْنى الجَزاءِ، أوْ لَمَسُوسُونَ، يُقالُ: دانَهُ أيْ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ».
وَقِيلَ: كانَ رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، فاحْتاجَ فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: أيْنَ مالُكُ؟ قالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ؟ فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا، فَيَكُونُ التَّعَرُّضُ لِذِكْرِ مَوْتِهِمْ وكَوْنِهِمْ تُرابًا وعِظامًا - حِينَئِذٍ - لِتَأْكِيدِ إنْكارِ الجَزاءِ المَبْنِيِّ عَلى إنْكارِ البَعْثِ.
الصافات 37:54
﴿قالَ﴾ أيْ: ذَلِكَ القائِلُ بَعْدَما حَكى لِجُلَسائِهِ مَقالَةَ قَرِينِهِ في الدُّنْيا ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ أيْ: إلى أهْلِ النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ، يُرِيدُ بِذَلِكَ بَيانَ صِدْقِهِ فِيما حَكاهُ.
وَقِيلَ: القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ، يَقُولُ لَهُمْ: هَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا عَلى أهْلِ النّارِ؛ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَتِهِمْ؟ قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كُوًى يَنْظُرُ مِنها أهْلُها إلى أهْلِ النّارِ.
الصافات 37:55
﴿فاطَّلَعَ﴾ أيْ: عَلَيْهِمْ ﴿فَرَآهُ﴾ أيْ: قَرِينَهُ ﴿فِي سَواءِ الجحيم﴾ أيْ: في وسَطِها، وقُرِئَ: (فَأطَّلِعَ) عَلى لَفْظِ المُضارِعِ المَنصُوبِ، وقُرِئَ: (مُطْلِعُونَ) فَـاطَّلَعَ وفَأطْلَعَ بِالتَّخْفِيفِ عَلى لَفْظِ الماضِي والمُضارِعِ المَنصُوبِ، يُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ وأطْلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ، والمَعْنى: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ إلى القَرِينِ؟ فَأطَّلِعَ أنا أيْضًا، أوْ عَرِضَ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعَ فَقَبِلُوا ما عَرَضَهُ، فاطَّلَعَ هو بَعْدَ ذَلِكَ، وإنْ جُعِلَ الِاطِّلاعُ مُتَعَدِّيًا فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا شَرَطَ في اطِّلاعِهِ اطِّلاعَهم - كَما هو دَيْدَنُ الجُلَساءِ - فَكَأنَّهم مُطْلِعُوهُ.
وَقِيلَ: الخِطابُ عَلى هَذا لِلْمَلائِكَةِ، وقُرِئَ: (مُطْلِعُونِ) بِكَسْرِ النُّونِ، أرادَ مُطْلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ، كَقَوْلِهِمْ:
هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ
أوْ شُبِّهَ اسْمُ الفاعِلِ بِالمُضارِعِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّآخِي.
الصافات 37:56
﴿قالَ﴾ أيِ: القائِلُ مُخاطِبًا لِقَرِينِهِ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِالإغْواءِ، وقُرِئَ: (p-193)(لَتُغْوِينِ) والتّاءُ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِن "إنَّ" وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ، واللّامُ فارِقَةٌ، أيْ: تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كِدْتَ لَتُرْدِينِ.
الصافات 37:57
﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالهِدايَةِ والعِصْمَةِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ أُحْضِرُوا العَذابَ كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ وأضْرابُكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:58
﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ رُجُوعٌ إلى مُحاوَرَةِ جُلَسائِهِ بَعْدَ إتْمامِ الكَلامِ مَعَ قَرِينِهِ؛ تَبَجُّحًا وابْتِهاجًا بِما أتاحَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَهم مِنَ الفَضْلِ العَظِيمِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، وفِيها مَعْنى التَّعَجُّبِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الكَلامِ، أيْ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ، أيْ: بِمَن شَأْنُهُ المَوْتُ، وقُرِئَ: (بِمائِتِينَ).
الصافات 37:59
﴿إلا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا، وهي مُتَناوِلَةٌ لِما في القَبْرِ بَعْدَ الإحْياءِ لِلسُّؤالِ، قالَهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ وقِيلَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ أوَّلَ ما دَخَلُوا الجَنَّةَ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَذُبِحَ، ونُودِيَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، يَعْلَمُونَهُ، فَيَقُولُونَ ذَلِكَ؛ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى واغْتِباطًا بِها ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كالكُفّارِ، فَإنَّ النَّجاةَ مِنَ العَذابِ أيْضًا نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مُسْتَوْجِبَةٌ لِلتَّحَدُّثِ بِها.
الصافات 37:60
﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ ﴿لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ، وتَصْدِيقًا لَهُ، وقُرِئَ: (لَهُوَ الرِّزْقُ العَظِيمُ) وهو ما رُزِقُوهُ مِنَ السَّعادَةِ العُظْمى.
الصافات 37:61
﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أيْ: لِنَيْلِ هَذا المَرامِ الجَلِيلِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ لا لِلْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ السَّرِيعَةِ الِانْصِرامِ المَشُوبَةِ بِفُنُونِ الآلامِ، وهَذا أيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ رَبِّ العِزَّةِ.
الصافات 37:62
﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ أصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ والرِّيعُ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، فانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ: أذَلِكَ الرِّزْقُ المَعْلُومُ الَّذِي حاصِلُهُ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ الَّتِي حاصِلُها الألَمُ والغَمُّ؟! ويُقالُ: النُّزُلُ لِما يُقامُ ويُهَيَّأُ مِنَ الطَّعامِ الحاضِرِ لِلنّازِلِ، فانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ، والمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ نُزُلُ أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ نُزُلُهم شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، فَأيُّهُما خَيْرٌ في كَوْنِهِ نُزُلًا؟! والزَّقُّومُ اسْمُ شَجَرَةٍ صَغِيرَةِ الوَرَقِ دَفْرَةٍ مُرَّةٍ كَرِيهَةِ الرّائِحَةِ تَكُونُ في تِهامَةَ، سُمِّيَتْ بِهِ الشَّجَرَةُ المَوْصُوفَةُ.(p-194)
الصافات 37:63
﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ مِحْنَةً وعَذابًا لَهم في الآخِرَةِ وابْتِلاءً في الدُّنْيا، فَإنَّهم لَمّا سَمِعُوا أنَّها في النّارِ قالُوا: كَيْفَ يُمْكِنُ ذَلِكَ والنّارُ تُحْرِقُ الشَّجَرَ؟! ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ حَيَوانٍ يَعِيشُ في النّارِ ويَتَلَذَّذُ بِها أقْدَرُ عَلى خَلْقِ الشَّجَرِ في النّارِ وحِفْظِهِ مِنَ الإحْراقِ.
الصافات 37:64
﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجحيم﴾ مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ، وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها، وقُرِئَ: (نابِتَةٌ في أصْلِ الجحيم).
الصافات 37:65
﴿طَلْعُها﴾ أيْ: حَمْلُها الَّذِي يَخْرُجُ مِنها، مُسْتَعارٌ مِن طَلْعِ النَّخْلَةِ لِمُشارَكَتِهِ لَهُ في الشَّكْلِ والطُّلُوعِ مِنَ الشَّجَرِ، قالُوا: أوَّلُ التَّمْرِ طَلْعٌ، ثُمَّ خِلالٌ، ثُمَّ بَلَحٌ، ثُمَّ بُسْرٌ، ثُمَّ رُطَبٌ، ثُمَّ تَمْرٌ ﴿كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ في تَناهِي القُبْحِ والهَوْلِ، وهو تَشْبِيهٌ بِالمُخَيَّلِ كَتَشْبِيهِ الفائِقِ في الحُسْنِ بِالمَلَكِ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ الحَيّاتُ الهائِلَةُ القَبِيحَةُ المَنظَرِ لَها أعْرافٌ، وقِيلَ: إنَّ شَجَرًا يُقالُ لَهُ الأسْتُنُّ خَشِنًا مُنْتِنًا مُرًّا مُنْكِرَ الصُّورَةِ يُسَمّى ثَمَرُهُ (رُءُوسُ الشَّياطِينِ).
الصافات 37:66
﴿فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ الشَّجَرَةِ، أوْ مِن طَلْعِها، فالتَّأْنِيثُ مُكْتَسَبٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ لِغَلَبَةِ الجُوعِ، أوْ لِلْقَسْرِ عَلى أكْلِها، وإنْ كَرِهُوها لِيَكُونَ ذَلِكَ بابًا مِنَ العَذابِ.
الصافات 37:67
﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها﴾ عَلى الشَّجَرَةِ الَّتِي مَلَأُوا مِنها بُطُونَهم بَعْدَما شَبِعُوا مِنها، وغَلَبَهُمُ العَطَشُ، وطالَ اسْتِسْقاؤُهُمْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَلِمَةُ "ثُمَّ" ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِما في شَرابِهِمْ مِن مَزِيدِ الكَراهَةِ والبَشاعَةِ ﴿لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ لَشَرابًا مِن غَسّاقٍ، أوْ صَدِيدٍ مَشُوبًا بِماءٍ حَمِيمٍ يُقَطِّعُ أمْعاءَهُمْ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ، وهو اسْمٌ لِما يُشابُ بِهِ، والأوَّلُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ.
الصافات 37:68
﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ أيْ: مَصِيرَهُمْ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ ﴿لإلى الجحيم﴾ لَإلى دَرَكاتِها، أوْ إلى نَفْسِها فَإنَّ الزَّقُّومَ والحَمِيمَ نُزُلٌ يُقَدَّمُ إلَيْهِمْ قَبْلَ دُخُولِها، وقِيلَ: الحَمِيمُ خارِجٌ عَنْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ يُذْهَبُ بِهِمْ عَنْ مَقارِّهِمِ ومَنازِلِهِمْ في الجحيم إلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، فَيَأْكُلُونَ مِنها إلى أنْ يَمْتَثِلُوا، ثُمَّ يُسْقَوْنَ مِنَ الحَمِيمِ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى الجحيم، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: (ثُمَّ إنَّ مُنْقَلَبَهُمْ).
الصافات 37:69
﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ ما ذُكِرَ مِن فُنُونِ العَذابِ بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم ولا لِآبائِهِمْ شَيْءٌ يُتَمَسَّكُ بِهِ أصْلًا، أيْ: وجَدُوهم ضالِّينَ في نَفْسِ (p-195)الأمْرِ لَيْسَ لَهم ما يَصْلُحُ شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ صَلاحِيَّةِ الدَّلِيلِ.
الصافات 37:70
﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا أنَّهم عَلى الحَقِّ أوْ لا، مَعَ ظُهُورِ كَوْنِهِمْ عَلى الباطِلِ بِأدْنى تَأمُّلٍ، والإهْراعُ الإسْراعُ الشَّدِيدُ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ ويُحَثُّونَ حَثًّا عَلى الإسْراعِ عَلى آثارِهِمْ، وقِيلَ: هو إسْراعٌ فِيهِ شِبْهُ رِعْدَةٍ.
الصافات 37:71
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ قَوْمِكَ قُرَيْشٍ ﴿أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:72
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيْ: أنْبِياءَ أُولِي عَدَدٍ كَثِيرٍ، وذَوِي شَأْنٍ خَطِيرٍ، بَيَّنُوا لَهم بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ، وأنْذَرُوهم عاقِبَتَهُ الوَخِيمَةَ، وتَكْرِيرُ القَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ.
الصافات 37:73
﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ لَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الإنْذارِ، ولَمْ يَرْفَعُوا لَهُ رَأْسًا، والخِطابُ إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَمَكَّنُ مِن مُشاهَدَةِ آثارِهِمْ، وحَيْثُ كانَ المَعْنى أنَّهُمُ اهْلِكُوا هَلاكًا فَظِيعًا اسْتُثْنِيَ مِنهُمُ المُخْلَصُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى:
الصافات 37:74
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ، والعَمَلِ بِمُوجَبِ الإنْذارِ، وقُرِئَ: (المُخْلِصِينَ) بِكَسْرِ اللّامِ، أيِ: الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ تَعالى.
الصافات 37:75
﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِمّا أُجْمِلَ فِيما قَبْلُ بِبَيانِ أحْوالِ بَعْضِ المُرْسَلِينَ، وحُسْنِ عاقِبَتِهِمْ، مُتَضَمِّنٌ لِبَيانِ سُوءِ عاقِبَةِ بَعْضِ المُنْذَرِينَ، حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ كَقَوْمِ نُوحٍ وآلِ فِرْعَوْنَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ إلْياسَ، ولِبَيانِ حُسْنِ عاقِبَةِ بَعْضِهِمُ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى ووَفَّقَهم لِلْإيمانِ، كَما أشارَ إلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ كَقَوْمِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَجْهُ تَقْدِيمِ قِصَّةِ نُوحٍ عَلى سائِرِ القِصَصِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، و"اللّامُ" جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وكَذا ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ دَعانا نُوحٌ حِينَ يَئِسَ مِن إيمانِ قَوْمِهِ - بَعْدَما دَعاهم إلَيْهِ أحْقابًا ودُهُورًا فَلَمْ يَزِدْهم دُعاؤُهُ إلّا فِرارًا ونُفُورًا - فَأجَبْناهُ أحْسَنَ الإجابَةِ، فَواللَّهِ لَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ، والجَمْعُ دَلِيلُ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ.
الصافات 37:76
﴿وَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ أيْ: مِنَ الغَرَقِ، وقِيلَ: مِن أذِيَّةِ قَوْمِهِ.
الصافات 37:77
(p-196)﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ فَحَسْبُ، حَيْثُ أهْلَكْنا الكَفَرَةَ بِمُوجِبِ دُعائِهِ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ ماتَ كُلُّ مَن كانَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ غَيْرَ أبْنائِهِ وأزْواجِهِمْ، أوْ هُمُ الَّذِينَ بَقُوا مُتَناسِلِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
قالَ قَتادَةُ: النّاسُ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ لَهُ ثَلاثَةُ أوْلادٍ؛ سامٌ وحامٌ ويافِثُ: فَسامٌ أبُو العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ، وحامٌ أبُو السُّودانِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، ويافِثُ أبُو التُّرْكِ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
الصافات 37:78
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ.
الصافات 37:79
﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾ أيْ: هَذا الكَلامُ بِعَيْنِهِ، وهو وارِدٌ عَلى الحِكايَةِ، كَقَوْلِكَ: قَرَأْتُ (سُورَةٌ أنْزَلْناها) والمَعْنى: يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا، ويَدْعُونَ لَهُ عَلى الدَّوامِ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، وقِيلَ: ثَمَّةَ قَوْلٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: فَقُلْنا، وقِيلَ: ضُمِّنَ تَرَكْنا مَعْنى قُلْنا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ بِثَباتِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ واسْتِمْرارِها أبَدًا في العالَمِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ جَمِيعًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:80
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما فُعِلَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ التَّكْرِمَةِ السَّنِيَّةِ مِن إجابَةِ دُعائِهِ أحْسَنَ إجابَةٍ، وإبْقاءِ ذُرِّيَّتِهِ، وتَبْقِيَةِ ذِكْرِهِ الجَمِيلِ، وتَسْلِيمِ العالَمِينَ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، بِكَوْنِهِ مِن زُمْرَةِ المَعْرُوفِينَ بِالإحْسانِ الرّاسِخِينَ فِيهِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ مُجازاةِ الإحْسانِ بِالإحْسانِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ الَّتِي وقَعَتْ جَزاءً لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ - مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ - لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما بَعْدَها، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الكامِلِينَ في الإحْسانِ، لا جَزاءً أدْنى مِنهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:81
﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ مِنَ المُحْسِنِينَ بِخُلُوصِ عُبُودِيَّتِهِ، وكَمالِ إيمانِهِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَلالَةِ قَدْرِهِما ما لا يُخْفى.
الصافات 37:82
﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ أيِ: المُغايِرِينَ لِنُوحٍ وأهْلِهِ، وهم كُفّارُ قَوْمِهِ أجْمَعِينَ.
الصافات 37:83
﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ في أُصُولِ الدِّينِ، ﴿لإبْراهِيمَ﴾ وإنِ اخْتَلَفَتْ فُرُوعُ شَرائِعِهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيْنَ شَرِيعَتَيْهِما اتِّفاقٌ كُلِّيٌّ أوْ أكْثَرُ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: مِن أهْلِ دِينِهِ وعَلى سُنَّتِهِ، أوْ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى التَّصَلُّبِ في دِينِ اللَّهِ، ومُصابَرَةِ المُكَذِّبِينَ، وما (p-197)كانَ بَيْنَهُما إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وكانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً.
الصافات 37:84
﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ﴾ مَنصُوبٌ بِـ(اذْكُرْ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما في الشِّيعَةِ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أيْ: مِن آفاتِ القُلُوبِ، أوْ مِنَ العَلائِقِ الشّاغِلَةِ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ومَعْنى المَجِيءِ بِهِ رَبَّهُ إخْلاصُهُ لَهُ، كَأنَّهُ جاءَ بِهِ مُتْحِفًا إيّاهُ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ.
الصافات 37:85
﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، أوْ ظَرْفٌ لِـ(جاءَ) أوْ لِـ(سَلِيمٍ) أيْ: أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ.
الصافات 37:86
﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ أيْ: أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ إفْكًا، أيْ: لِلْإفْكِ، فَقَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ، ثُمَّ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ الأهَمَّ مُكافَحَتُهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ بِمَعْنى أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ يُفَسِّرُ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: (آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ) دَلالَةً عَلى أنَّها إفْكٌ في نَفْسِها لِلْمُبالَغَةِ، أوْ يُرادُ بِها عِبادَتُها بِحَذْفِ المُضافِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى آفِكِينَ.
الصافات 37:87
﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: بِمَن هو حَقِيقٌ بِالعِبادَةِ لِكَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ حَتّى تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ خاصَّةً، وأشْرَكْتُمْ بِهِ أخَسَّ مَخْلُوقاتِهِ، أوْ فَما ظَنُّكم بِهِ؟ أيَّ شَيْءٍ هو مِنَ الأشْياءِ حَتّى جَعَلْتُمُ الأصْنامَ لَهُ أنْدادًا، أوْ فَما ظَنَّكم بِهِ؟ ماذا يَفْعَلُ بِكُمْ؟ وكَيْفَ يُعاقِبُكم بَعْدَما فَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ مِنَ الإشْراكِ بِهِ؟
الصافات 37:88
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ قِيلَ: كانَتْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حُمّى لَها نَوْبَةٌ مُعَيَّنَةٌ في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي تِلْكَ السّاعَةُ؟ فَإذا هي قَدْ حَضَرَتْ.
الصافات 37:89
﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ وكانَ صادِقًا في ذَلِكَ، فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنْ عِيدِهِمْ، وقِيلَ: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ القَلْبِ لِكُفْرِكُمْ، وقِيلَ: نَظَرَ في عِلْمِها أوْ في كُتُبِها أوْ في أحْكامِها، ولا مَنعَ مِن ذَلِكَ حَيْثُ كانَ قَصْدُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إيهامَهم حِينَ أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى مَعْبَدِهِمْ لِيَتْرُكُوهُ، فَإنَّ القَوْمَ كانُوا نَجّامِينَ، فَأوْهَمَهم أنَّهُ قَدِ اسْتَدَلَّ بِأمارَةٍ في النُّجُومِ عَلى أنَّهُ سَقِيمٌ، أيْ: مُشارِفٌ لِلسَّقَمِ، وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ الأسْقامِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا يَخافُونَ العَدْوى لِيَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَهَرَبُوا مِنهُ إلى مَعْبَدِهِمْ، وتَرَكُوهُ في بَيْتِ الأصْنامِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:90
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: هارِبِينَ مَخافَةَ العَدْوى.(p-198)
الصافات 37:91
﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ أيْ: ذَهَبَ إلَيْها في خُفْيَةٍ، وأصْلُهُ المَيْلُ بِحِيلَةٍ ﴿فَقالَ﴾ لِلْأصْنامِ اسْتِهْزاءً ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الطَّعامِ الَّذِي كانُوا يَصْنَعُونَهُ عِنْدَها لِتُبَرِّكَ عَلَيْهِ.
الصافات 37:92
﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ أيْ: بِجَوابِي.
الصافات 37:93
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ﴾ فَمالَ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ(راغَ عَلَيْهِمْ) فَإنَّهُ بِمَعْنى ضَرَبَهُمْ، أوْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: فَراغَ عَلَيْهِمْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا، أوْ هو الحالُ مِنهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضارِبًا بِاليَمِينِ، أيْ: ضَرْبًا شَدِيدًا قَوِيًّا، وذَلِكَ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ وأشَدُّهُما، وقُوَّةُ الآلَةِ تَقْتَضِي قُوَّةَ الفِعْلِ وشِدَّتَهُ، وقِيلَ: بِالقُوَّةِ والمَتانَةِ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدِهِ تَلَقّاها عُرابَةُ بِاليَمِينِ
أيْ: بِالقُوَّةِ.
وَعَلى ذَلِكَ مَدارُ تَسْمِيَةِ الحَلِفِ بِاليَمِينِ؛ لِأنَّهُ يُقَوِّي الكَلامَ ويُؤَكِّدُهُ، وقِيلَ: بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ .
الصافات 37:94
﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ﴾ أيِ: المَأْمُورُونَ بِإحْضارِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَعْدَما رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ إلى بَيْتِ الأصْنامِ، فَوَجَدُوها مَكْسُورَةً، فَسَألُوا عَنِ الفاعِلِ فَظَنُّوا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَعَلَهُ، فَقِيلَ: فَأْتُوا بِهِ ﴿يَزِفُّونَ﴾ حالٌ مِن واوِ "أقْبَلُوا" أيْ: يُسْرِعُونَ، مِن زَفِيفِ النَّعامِ، وقُرِئَ: (يَزِفُونَ) مِن أزِفَ إذا دَخَلَ في الزَّفِيفِ، أوْ مِن أزَفَّهُ، أيْ: حَمَلَهُ عَلى الزَّفِيفِ، أيْ: يَزُفُّ بَعْضُهم بَعْضًا، و"يُزَفُّونَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُحْمَلُونَ عَلى الزَّفِيفِ، و"يَزِفُونَ" مِن وزَفَ يَزِفُ إذا أسْرَعَ، و"يُزَفُونَ" مِن زَفاهُ إذا حَداهُ، كَأنَّ بَعْضَهم يَزْفُو بَعْضًا لِتَسارُعِهِمْ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الصافات 37:95
﴿قالَ﴾ أيْ: بَعْدَما أتَوْا بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وجَرى بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَهم مِنَ المُحاوَراتِ ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ما تَنْحِتُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:96
﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (تَعْبُدُونَ) مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَكم وخَلَقَ ما تَعْمَلُونَهُ، فَإنَّ جَواهِرَ أصْنامِهِمْ ومادَّتَها بِخَلْقِهِ تَعالى، وشَكْلَها - وإنْ كانَ بِفِعْلِهِمْ - لَكِنَّهُ بِإقْدارِهِ تَعالى إيّاهم عَلَيْهِ، وخَلْقِهِ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فِعْلُهم مِنَ الدَّواعِي والعَدَدِ والأسْبابِ، و"ما تَعْمَلُونَ" إمّا عِبارَةٌ عَنِ الأصْنامِ فَوَضَعَهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ "ما تَنْحِتُونَ" لِلْإيذانِ بِأنَّ مَخْلُوقِيَّتَها لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَيْسَ مِن حَيْثُ نَحْتُهم لَها فَقَطْ بَلْ مِن حَيْثُ سائِرُ أعْمالِهِمْ أيْضًا مِنَ التَّصْوِيرِ والتَّحْلِيَةِ والتَّزْيِينِ ونَحْوِها، وإمّا عَلى عُمُومِهِ فَيَنْتَظِمُ الأصْنامُ انْتِظامًا (p-199)أوَّلِيًّا مَعَ ما فِيهِ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّ جَمِيعَ ما يَعْمَلُونَهُ كائِنًا ما كانَ مَخْلُوقٌ لَهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: عَمَلَكم عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وقِيلَ: بِمَعْناهُ فَإنَّ فِعْلَهم إذا كانَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى كانَ مَفْعُولُهُمُ المُتَوَقِّفُ عَلى فِعْلِهِمْ أوْلى بِذَلِكَ.
الصافات 37:97
﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجحيم﴾ أيْ: في النّارِ الشَّدِيدَةِ الِاتِّقادِ، مِنَ الجُحْمَةِ وهي شِدَّةُ التَّأجُّحِ، واللّامُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: جَحِيمِ ذَلِكَ البُنْيانِ، وقَدْ ذُكِرَ كَيْفِيَّةُ بِنائِهِمْ لَهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
الصافات 37:98
﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قَهَرَهم بِالحُجَّةِ، وألْقَمَهُمُ الحَجَرَ، قَصَدُوا ما قَصَدُوا لِئَلّا يَظْهَرَ لِلْعامَّةِ عَجْزُهم ﴿فَجَعَلْناهُمُ الـأسفلين﴾ الأذَلِّينَ بِإبْطالِ كَيْدِهِمْ، وجَعْلِهِ بُرْهانًا نَيِّرًا عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِجَعْلِ النّارِ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا.
الصافات 37:99
﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ أيْ: مُهاجِرٌ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي، كَما قالَ: (إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي) وهو الشّامُ، أوْ إلى حَيْثُ أتَجَرَّدُ فِيهِ لِعِبادَتِهِ تَعالى ﴿سَيَهْدِينِ﴾ أيْ: إلى ما فِيهِ صَلاحُ دِينِي، أوْ إلى مَقْصِدِي، وبَتُّ القَوْلِ بِذَلِكَ لِسَبْقِ الوَعْدِ، أوْ لِفَرْطِ تَوَكُّلِهِ ولِلْبِناءِ عَلى عادَتِهِ تَعالى مَعَهُ، ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ حالُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ولِذَلِكَ أتى بِصِيغَةِ التَّوَقُّعِ.
الصافات 37:100
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: بَعْضَ الصّالِحِينَ يُعِينُنِي عَلى الدَّعْوَةِ والطّاعَةِ، ويُؤْنِسُنِي في الغُرْبَةِ يَعْنِي الوَلَدَ؛ لِأنَّ لَفْظَ الهِبَةِ عَلى الإطْلاقِ خاصٌّ بِهِ، وإنْ كانَ قَدْ ورَدَ مُقَيَّدًا بِالأُخُوَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ ولِقَوْلِهِ تَعالى:
الصافات 37:101
﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُبَشَّرَ بِهِ عَيْنُ ما اسْتَوْهَبَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَقَدْ جُمِعَ فِيهِ بِشاراتٌ ثَلاثٌ؛ بِشارَةُ أنَّهُ غُلامٌ، وأنَّهُ يَبْلُغُ أوانَ الحُلُمِ، وأنَّهُ يَكُونُ حَلِيمًا، وأيُّ حِلْمٍ يُعادِلُ حِلْمَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ أبَوْهُ الذَّبْحَ فَقالَ: ﴿يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ وقِيلَ: ما نَعَتَ اللَّهُ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأقَلَّ مِمّا نَعَتَهم بِالحِلْمِ لِعِزَّةِ وُجُودِهِ غَيْرَ إبْراهِيمَ وابْنَهُ، فَإنَّهُ تَعالى نَعَتَهُما بِهِ، وحالُهُما المَحْكِيَّةُ بَعْدُ أعْدَلُ بَيِّنَةٍ بِذَلِكَ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:
الصافات 37:102
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مُقَدَّرٍ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الحالِ، وإيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ (p-200)بِهِ لِاسْتِحالَةِ التَّخَلُّفِ والتَّأخُّرِ بَعْدَ البِشارَةِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أيْ: فَوَهَبْناهُ لَهُ فَنَشَأ، فَلَمّا بَلَغَ رُتْبَةَ أنْ يَسْعى مَعَهُ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ، و"مَعَهُ" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ السَّعْيُ لا بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ صِلَةَ المَصْدَرِ لا تَتَقَدَّمُهُ، ولا بِـ(بَلَغَ) لِأنَّ بُلُوغَهُما لَمْ يَكُنْ مَعًا، كَأنَّهُ لَمّا ذُكِرَ السَّعْيُ قِيلَ: مَعَ مَن؟ فَقِيلَ: مَعَهُ، وتَخْصِيصُهُ لِأنَّ الأبَ أكْمَلُ في الرِّفْقِ والِاسْتِصْلاحِ، فَلا يَسْتَسِيغُهُ قَبْلَ أوانِهِ، أوْ لِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ لِذَلِكَ وكانَ لَهُ يَوْمَئِذٍ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.
﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ: أرى هَذِهِ الصُّورَةَ بِعَيْنِها، أوْ ما هَذِهِ عِبارَتُهُ وتَأْوِيلُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا، فَلَمّا أصْبَحَ رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ أمِنَ اللَّهِ هَذا الحِلْمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ؟ فَمِن ثَمَّةَ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَمِن ثَمَّةَ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ اليَوْمُ يَوْمَ النَّحْرِ.
وَقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ حِينَ بَشَّرَتْهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: إذَنْ هو ذَبِيحُ اللَّهِ، فَلَمّا وُلِدَ وبَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ، قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ، والأظْهَرُ الأشْهَرُ أنَّ المُخاطَبَ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الَّذِي وُهِبَ إثْرَ المُهاجَرَةِ؛ ولِأنَّ البِشارَةَ بِإسْحاقَ بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى البِشارَةِ بِهَذا الغُلامِ، ولِقَوْلِهِ ﷺ: ««أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»» فَأحَدُهُما جَدُّهُ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والآخَرُ أبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَإنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ نَذَرَ أنْ يَذْبَحَ ولَدًا إنْ سَهَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ حَفْرَ بِئْرِ زَمْزَمٍ، أوْ بَلَغَ بَنُوهُ عَشَرَةً، فَلَمّا حَصَلَ ذَلِكَ، وخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَداهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، ولِذَلِكَ سُنَّتِ الدِّيَةُ مِائَةً، ولِأنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَكَّةَ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مُعَلَّقَيْنِ بِالكَعْبَةِ حَتّى احْتَرَقا في أيّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ولَمْ يَكُنْ إسْحاقُ ثَمَّةَ، ولِأنَّ بِشارَةَ إسْحاقَ كانَتْ مَقْرُونَةً بِوِلادَةِ يَعْقُوبَ مِنهُ، فَلا يُناسِبُهُ الأمْرُ بِذَبْحِهِ مُراهِقًا.
وَما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ: «أيُّ النَّسَبِ أشْرَفُ؟ فَقالَ: يُوسُفُ صِدِّيقُ اللَّهِ ابْنُ يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ ابْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ»» فالصَّحِيحُ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ««يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ»» الزَّوائِدُ مِنَ الرّاوِي، وما رُوِيَ مِن أنَّ يَعْقُوبَ كَتَبَ إلى يُوسُفَ مِثْلَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ، وقُرِئَ: (إنِّيَ) بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما.
﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ مِنَ الرَّأْيِ، وإنَّما شاوَرَهُ فِيهِ - وهو أمْرٌ مَحْتُومٌ - لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ فِيما نَزَلَ مِن بَلاءِ اللَّهِ تَعالى، فَيُثَبِّتُ قَدَمَهُ إنْ جَزِعَ، ويَأْمَنُ عَلَيْهِ إنْ سَلَّمَ، ولِيُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَيُهَوِّنَ ويَكْتَسِبَ المَثُوبَةَ عَلَيْهِ بِالِانْقِيادِ لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، وقُرِئَ: (ماذا تُرِي) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، وبِفَتْحِها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ: تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ أوَّلًا عَلى القاعِدَةِ المُطَّرِدَةِ، ثُمَّ حُذِفَ العائِدُ إلى المَوْصُولِ بَعْدَ انْقِلابِهِ مَنصُوبًا بِإيصالِهِ إلى الفِعْلِ، أوْ حُذِفا دُفْعَةً، أوِ افْعَلْ أمْرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وتَسْمِيَةِ المَأْمُورِ بِهِ أمْرًا.
وَقُرِئَ: (ما تُؤْمَرُ بِهِ) وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ، مُسْتَمِرٌّ إلى حِينِ الِامْتِثالِ بِهِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ عَلى الذَّبْحِ، أوْ عَلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى.
الصافات 37:103
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيِ: اسْتَسْلَما لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وانْقادا، وخَضَعا لَهُ، يُقالُ: سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ واسْتَسْلَمَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا، وأصْلُها مِن قَوْلِكَ: سَلَّمَ هَذا لِفُلانٍ إذا خَلُصَ لَهُ، ومَعْناهُ سَلِمَ مِن أنْ يُنازِعَ فِيهِ، وقَوْلُهُمْ: سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ لَهُ مَنقُولانِ مِنهُ، ومَعْناهُما أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ (p-201)وَجَعَلَها سالِمَةً لَهُ، وكَذَلِكَ مَعْنى اسْتَسْلَمَ اسْتَخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ تَعالى.
وَعَنْ قَتادَةَ - رِضى اللَّهُ عَنْهُ - في (أسْلَما): أسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ وإسْماعِيلُ نَفْسَهُ ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ فَوَقَعَ جَبِينُهُ عَلى الأرْضِ، وهو أحَدُ جانِبَيِ الجَبْهَةِ، وقِيلَ: كَبَّهُ عَلى وجْهِهِ بِإشارَتِهِ؛ كَيْلا يَرى مِنهُ ما يُورِثُ رِقَّةً تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ مِن مِنًى، وقِيلَ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى، وقِيلَ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ اليَوْمَ فِيهِ.
الصافات 37:104
﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ بِالعَزْمِ عَلى الإتْيانِ بِالمَأْمُورِ بِهِ وتَرْتِيبِ مُقَدِّماتِهِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ أمَرَّ السِّكِّينَ بِقُوَّتِهِ عَلى حَلْقِهِ مِرارًا فَلَمْ يَقْطَعْ، ثُمَّ وضَعَ السِّكِّينَ عَلى قَفاهُ فانْقَلَبَ السِّكِّينُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَ النِّداءُ وجَوابُ "لَمّا" مَحْذُوفٌ إيذانًا بِعَدَمِ وفاءِ التَّعْبِيرِ بِتَفاصِيلِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كانَ ما كانَ مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وشُكْرِهِما لِلَّهِ تَعالى عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِما مِن دَفْعِ البَلاءِ بَعْدَ حُلُولِهِ، والتَّوْفِيقِ لِما لَمْ يُوَفَّقْ أحَدٌ لِمِثْلِهِ، وإظْهارِ فَضْلِهِما بِذَلِكَ عَلى العالَمِينَ مَعَ إحْرازِ الثَّوابِ العَظِيمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَفْرِيجِ تِلْكَ الكُرْبَةِ عَنْهُما بِإحْسانِهِما، واحْتَجَّ بِهِ مَن جَوَّزَ النَّسْخَ قَبْلَ وُقُوعِ المَأْمُورِ بِهِ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ مَأْمُورًا بِالذَّبْحِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ولَمْ يَحْصُلْ.
الصافات 37:105
﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ بِالعَزْمِ عَلى الإتْيانِ بِالمَأْمُورِ بِهِ وتَرْتِيبِ مُقَدِّماتِهِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ أمَرَّ السِّكِّينَ بِقُوَّتِهِ عَلى حَلْقِهِ مِرارًا فَلَمْ يَقْطَعْ، ثُمَّ وضَعَ السِّكِّينَ عَلى قَفاهُ فانْقَلَبَ السِّكِّينُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَ النِّداءُ وجَوابُ "لَمّا" مَحْذُوفٌ إيذانًا بِعَدَمِ وفاءِ التَّعْبِيرِ بِتَفاصِيلِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كانَ ما كانَ مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وشُكْرِهِما لِلَّهِ تَعالى عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِما مِن دَفْعِ البَلاءِ بَعْدَ حُلُولِهِ، والتَّوْفِيقِ لِما لَمْ يُوَفَّقْ أحَدٌ لِمِثْلِهِ، وإظْهارِ فَضْلِهِما بِذَلِكَ عَلى العالَمِينَ مَعَ إحْرازِ الثَّوابِ العَظِيمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَفْرِيجِ تِلْكَ الكُرْبَةِ عَنْهُما بِإحْسانِهِما، واحْتَجَّ بِهِ مَن جَوَّزَ النَّسْخَ قَبْلَ وُقُوعِ المَأْمُورِ بِهِ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ مَأْمُورًا بِالذَّبْحِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ولَمْ يَحْصُلْ.
الصافات 37:106
﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ الِابْتِلاءُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُ عَنْ غَيْرِهِ، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ إذْ لا شَيْءَ أصْعَبُ مِنها.
الصافات 37:107
﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ بِما يُذْبَحُ بَدَلَهُ فَيَتِمُّ بِهِ الفِعْلُ ﴿عَظِيمٍ﴾ أيْ: عَظِيمِ الجُثَّةِ سَمِينٍ، أوْ عَظِيمِ القَدْرِ؛ لِأنَّهُ يَفْدِي بِهِ اللَّهُ نَبِيًّا ابْنِ نَبِيٍّ مِن نِسْلِهِ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ.
قِيلَ: كانَ ذَلِكَ كَبْشًا مِنَ الجَنَّةِ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ، فَتُقُبِّلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَقِيلَ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطُ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ.
وَرُوِيَ أنَّهُ هَرَبَ مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ الجَمْرَةِ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى أخَذَهُ فَبَقِيَ سُنَّةً في الرَّمْيِ.
وَرُوِيَ أنَّهُ رَمى الشَّيْطانَ حِينَ تَعَرَّضَ لَهُ بِالوَسْوَسَةِ عِنْدَ ذَبْحِ ولَدِهِ.
وَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا ذَبَحَهُ قالَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، فَقالَ الذَّبِيحُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: اللَّهُ أكْبَرُ ولِلَّهِ الحَمْدُ، فَبَقِيَ سُنَّةً، والفادِي في الحَقِيقَةِ هو إبْراهِيمُ، وإنَّما قِيلَ: (وَفَدَيْناهُ) لِأنَّهُ تَعالى هو المُعْطِي لَهُ، والآمِرُ بِهِ عَلى التَّجَوُّزِ في الفِداءِ أوِ الإسْنادِ.
الصافات 37:108
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الأخِرَيْنِ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ قَدْ سَلَفَ بَيانُهُ في خاتِمَةِ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الصافات 37:109
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الأخِرَيْنِ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ قَدْ سَلَفَ بَيانُهُ في خاتِمَةِ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الصافات 37:110
(p-202)﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى إبْقاءِ ذِكْرِهِ الجَمِيلِ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ لا إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَبَقَ فَلا تَكْرارَ، وعَدَمُ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِإنّا لِلِاكْتِفاءِ بِما مَرَّ آنِفًا.
الصافات 37:111
﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ عَلى وُجْهَةِ الإيقانِ والِاطْمِئْنانِ.
الصافات 37:112
﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: مَقْضِيًّا بِنُبُوَّتِهِ مُقَدَّرًا كَوْنُهُ مِنَ الصّالِحِينَ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ وقَعا حالَيْنِ ولا حاجَةَ إلى وُجُودِ المُبَشَّرِ بِهِ وقْتَ البِشارَةِ، فَإنَّ وُجُودَ ذِي الحالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وإنَّما الشَّرْطُ مُقارَنَةُ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِهِ لِاعْتِبارِ مَعْنى الحالِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يُجْعَلُ عامِلًا فِيهِما مِثْلِ وبَشَّرْناهُ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَصِيرُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ فَإنَّ الدّاخِلِينَ كانُوا مُقَدِّرِينَ خُلُودَهم وقْتَ الدُّخُولِ، وإسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ مُقَدِّرًا نُبُوَّةَ نَفْسِهِ وصَلاحَها حِينَ ما يُوجَدُ.
وَمَن فَسَّرَ الغُلامَ بِإسْحاقَ جَعَلَ المَقْصُودَ مِنَ البِشارَةِ نُبُوَّتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفي ذِكْرِ الصَّلاحِ بَعْدُ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، وإيماءٌ إلى أنَّهُ الغايَةُ لَها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الكَمالِ والتَّكْمِيلِ بِالفِعْلِ عَلى الإطْلاقِ.
الصافات 37:113
﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ عَلى إبْراهِيمَ في أوْلادِهِ ﴿وَعَلى إسْحاقَ﴾ بِأنْ أخْرَجَنا مِن صُلْبِهِ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرَهم كَأيُّوبَ وشُعَيْبٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوْ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقُرِئَ: (وَبَرَّكْنا) ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ﴾ في عَمَلِهِ، أوْ لِنَفْسِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ﴿وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ ظُلْمُهُ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ النَّسَبَ لا تَأْثِيرَ لَهُ في الهِدايَةِ والضَّلالِ، وأنَّ الظُّلْمَ في أعْقابِهِما لا يَعُودُ عَلَيْهِما بِتَقَيُّصِهِ ولا عَيْبَ.
الصافات 37:114
﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْهِما بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
الصافات 37:115
﴿وَنَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ هو مَلَكَةُ آلِ فِرْعَوْنَ، وتَسَلُّطُهم عَلَيْهِمْ بِألْوانِ الغَشَمِ والعَذابِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ وقِيلَ: هو الغَرَقُ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ كَرْبًا ومَشَقَّةً.
الصافات 37:116
﴿وَنَصَرْناهُمْ﴾ أيْ: إيّاهُما وقَوْمَهُما عَلى عَدُوِّهِمْ ﴿فَكانُوا﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلَيْهِمْ غَلَبَةً لا غايَةَ وراءَها بَعْدَ أنْ كانَ قَوْمُهُما في أسْرِهِمْ وقَسْرِهِمْ مَقْهُورِينَ تَحْتَ أيْدِيهِمُ العادِيَةِ يَسُومُونَهم (p-203)سُوءَ العَذابِ، وهَذِهِ التَّنْجِيَةُ - وإنْ كانَتْ بِحَسَبِ الوُجُودِ مُقارِنَةً لِما ذُكِرَ مِنَ النَّصْرِ والغَلَبَةِ - لَكِنَّها لَمّا كانَتْ بِحَسَبِ المَفْهُومِ عِبارَةً عَنِ التَّخْلِيصِ مِنَ المَكْرُوهِ بُدِئَ بِها، ثُمَّ بِالنَّصْرِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ مَدْلُولُهُ بِمَحْضِ تَنْجِيَةِ المَنصُورِ مِن عَدُوِّهِ مِن غَيْرِ تَغْلِيبِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ بِالغَلَبَةِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ بِإظْهارِ أنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها.
الصافات 37:117
﴿وَآتَيْناهُما﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ أيِ: البَلِيغَ في البَيانِ والتَّفْصِيلِ، وهو التَّوْراةُ.
الصافات 37:118
﴿وَهَدَيْناهُما﴾ بِذَلِكَ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُوصِلَ إلى الحَقِّ والصَّوابِ بِما فِيهِ مِن تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ وتَفارِيعِ الأحْكامِ.
الصافات 37:119
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا فِيما بَيْنَ الأُمَمِ الآخِرِينَ هَذا الذِّكْرَ الجَمِيلَ، والثَّناءَ الجَزِيلَ.
الصافات 37:120
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا فِيما بَيْنَ الأُمَمِ الآخِرِينَ هَذا الذِّكْرَ الجَمِيلَ، والثَّناءَ الجَزِيلَ.
الصافات 37:121
﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ الجَزاءِ الكامِلِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ الَّذِينَ هُما مِن جُمْلَتِهِمْ لا جَزاءً قاصِرًا عَنْهُ.
الصافات 37:122
﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ.
الصافات 37:123
﴿وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بُعِثَ بَعْدَهُ، وقِيلَ: إدْرِيسُ؛ لِأنَّهُ قُرِئَ مَكانَهُ: (إدْرِيسَ) و(إدْراسَ)، وقُرِئَ: (إيلِيسَ)، وقُرِئَ: (الياسَ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ.
الصافات 37:124
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ: عَذابَ اللَّهِ تَعالى.
الصافات 37:125
﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾ أتَعْبُدُونَهُ وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ، وهو اسْمُ صَنَمٍ كانَ لِأهْلِ بَكَّ مِنَ الشَّأْمِ، وهو البَلَدُ المَعْرُوفُ اليَوْمَ بِبَعْلَبَكَّ.
قِيلَ: كانَ مِن ذَهَبٍ طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ، حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ، وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، فَكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ جَوْفَهُ، ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وقِيلَ: البَعْلُ الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، أيْ: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ ﴿وَتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ (p-204)أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَتَهُ، وقَدْ أُشِيرَ إلى المُقْتَضِي لِلْإنْكارِ المَعْنِيِّ بِالهَمْزَةِ، ثُمَّ صُرِّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
الصافات 37:126
﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن أحْسَنِ الخالِقِينَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِآبائِهِمْ لِتَأْكِيدِ إنْكارِ تَرْكِهِمْ عِبادَتَهُ تَعالى، والإشْعارِ بِبُطْلانِ آراءِ آبائِهِمْ أيْضًا.
الصافات 37:127
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ ذَلِكَ ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ أيِ: العَذابَ، والإطْلاقُ لِلِاكْتِفاءِ بِالقَرائِنِ عَلى أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ عُرْفًا.
الصافات 37:128
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن ضَمِيرِ مُحْضَرُونَ.
الصافات 37:129
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ هو لُغَةٌ في (إلْياسَ) كَسَيْناءَ في سِينِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ لَهُ أُرِيدَ بِهِ هو وأتْباعُهُ كالمُهَلِّبِينَ والخُبَيْبِينَ، وفِيهِ أنَّ العَلَمَ إذا جُمِعَ يَجِبُ تَعْرِيفُهُ كالمِثالَيْنِ، وقُرِئَ بِإضافَةِ آلِ إلى ياسِينَ؛ لِأنَّهُما في المُصْحَفِ مَفْصُولانِ فَيَكُونُ ياسِينُ أبا إلْياسَ.
الصافات 37:130
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ هو لُغَةٌ في (إلْياسَ) كَسَيْناءَ في سِينِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ لَهُ أُرِيدَ بِهِ هو وأتْباعُهُ كالمُهَلِّبِينَ والخُبَيْبِينَ، وفِيهِ أنَّ العَلَمَ إذا جُمِعَ يَجِبُ تَعْرِيفُهُ كالمِثالَيْنِ، وقُرِئَ بِإضافَةِ آلِ إلى ياسِينَ؛ لِأنَّهُما في المُصْحَفِ مَفْصُولانِ فَيَكُونُ ياسِينُ أبا إلْياسَ.
الصافات 37:131
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.
الصافات 37:132
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.
الصافات 37:133
﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ تَنْجِيَتِنا إيّاهُ ﴿وَأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ أيِ: الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الهالِكِينَ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ فَإنَّ في ذَلِكَ شَواهِدَ عَلى جَلِيَّةِ أمْرِهِ، وكَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ المُرْسَلِينَ.(p-205)
الصافات 37:134
﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ تَنْجِيَتِنا إيّاهُ ﴿وَأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ أيِ: الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الهالِكِينَ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ فَإنَّ في ذَلِكَ شَواهِدَ عَلى جَلِيَّةِ أمْرِهِ، وكَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ المُرْسَلِينَ.(p-205)
الصافات 37:135
﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ تَنْجِيَتِنا إيّاهُ ﴿وَأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ أيِ: الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الهالِكِينَ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ فَإنَّ في ذَلِكَ شَواهِدَ عَلى جَلِيَّةِ أمْرِهِ، وكَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ المُرْسَلِينَ.(p-205)
الصافات 37:136
﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ تَنْجِيَتِنا إيّاهُ ﴿وَأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ أيِ: الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الهالِكِينَ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ فَإنَّ في ذَلِكَ شَواهِدَ عَلى جَلِيَّةِ أمْرِهِ، وكَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ المُرْسَلِينَ.(p-205)
الصافات 37:137
﴿وَإنَّكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَنازِلِهِمْ في مَتاجِرِكم إلى الشّامِ، وتُشاهِدُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ فَإنَّ سَدُومَ في طَرِيقِ الشّامِ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ.
الصافات 37:138
﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ أيْ: ومَساءً، أوْ نَهارًا أوْ لَيْلًا، ولَعَلَّها وقَعَتْ بِقُرْبِ مَنزِلٍ يَمُرُّ بِها المُرْتَحِلُ عَنْهُ صَباحًا، والقاصِدُ لَهُ مَساءً ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أتُشاهِدُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ حَتّى تَعْتَبِرُوا بِهِ، وتَخافُوا أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم.
الصافات 37:139
﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ.
الصافات 37:140
﴿إذْ أبَقَ﴾ أيْ: هَرَبَ، وأصْلُهُ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذَنْ رَبِّهِ حَسُنَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيِ: المَمْلُوءِ.
الصافات 37:141
﴿فَساهَمَ﴾ فَقارَعَ أهْلَهُ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ بِالقُرْعَةِ، وأصْلُهُ المَزْلَقُ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ.
رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا وعَدَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ خَرَجَ مِن بَيْنِهِمْ قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، فَرَكِبَ السَّفِينَةَ فَوَقَفَتْ، فَقالُوا: فِيها عَبْدٌ آبِقٌ، فاقْتَرَعُوا فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، ورَمى بِنَفْسِهِ في الماءِ.
الصافات 37:142
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾ فابْتَلَعَهُ مِنَ اللُّقْمَةِ ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ داخِلٌ في المَلامَةِ، أوْ آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْهِ، أوْ مُلِيمٌ نَفْسَهُ، وقُرِئَ: (مَلِيمٌ) بِالفَتْحِ مَبْنِيًّا مِن لَيِّمٍ كَمَشِيبٍ في مَشُوبٍ.
الصافات 37:143
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا بِالتَّسْبِيحِ مُدَّةَ عُمُرِهِ، أوْ في بَطْنِ الحُوتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقِيلَ: مِنَ المُصَلِّينَ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ في الرَّخاءِ.
الصافات 37:144
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ حَيًّا، وقِيلَ: مَيِّتًا، وفِيهِ حَثٌّ عَلى إكْثارِ الذِّكْرِ، وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، ومَن أقْبَلَ عَلَيْهِ في السَّرّاءِ أُخِذَ بِيَدِهِ عِنْدَ الضَّرّاءِ.
الصافات 37:145
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ بِأنْ حَمَلْنا الحُوتَ عَلى لَفْظِهِ بِالمَكانِ الخالِي عَمّا يُغَطِّيهِ مِن شَجَرٍ أوْ نَبْتٍ.
رُوِيَ (p-206)أنَّ الحُوتَ سارَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسًا، يَتَنَفَّسُ فِيهِ يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ فَأسْلَمُوا.
وَرُوِيَ أنَّ الحُوتَ قَذَفَهُ بِساحِلِ قَرْيَةٍ مِنَ المَوْصِلِ، واخْتُلِفَ في مِقْدارِ لُبْثِهِ، فَقِيلَ: أرْبَعُونَ يَوْمًا، وقِيلَ: عِشْرُونَ، وقِيلَ: سَبْعَةٌ، وقِيلَ: ثَلاثَةٌ، وقِيلَ: لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا، ثُمَّ أُخْرِجَ مِن بَطْنِهِ بُعَيْدَ الوَقْتِ الَّذِي التُقِمَ فِيهِ.
رَوى عَطاءٌ أنَّهُ حِينَ ابْتَلَعَهُ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ: إنِّي جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ سِجْنًا، ولَمْ أجْعَلْهُ لَكَ طَعامًا ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ مِمّا نالَهُ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
الصافات 37:146
﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أيْ: فَوْقَهُ مِظَلَّةً عَلَيْهِ ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ وهو كُلُّ ما يَنْبَسِطُ عَلى الأرْضِ، ولا يَقُومُ عَلى ساقٍ كَشَجَرِ البِطِّيخِ والقِثّاءِ والحَنْظَلِ، وهو يَفْعِيلٌ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الدُّبّاءُ غَطَّتْهُ بِأوْراقِها عَنِ الذُّبابِ فَإنَّهُ لا يَقَعُ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّكَ تُحِبُّ القَرْعَ؟ قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ»» وقِيلَ: هي التِّينُ، وقِيلَ: المَوْزُ، تَغَطّى بِوَرَقِهِ، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِهِ، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِهِ، وقِيلَ: كانَ يَسْتَظِلُّ بِالشَّجَرَةِ، وكانَتْ وعْلَةٌ تَخْتَلِفُ إلَيْهِ فَيَشْرَبُ مِن لَبَنِها.
الصافات 37:147
﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهُمْ، وهم أهْلُ نَيْنَوى، والمُرادُ بِهِ إرْسالُهُ السّابِقُ، أخْبَرَ أوَّلًا بِأنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ قَدْ أُرْسِلَ إلى أُمَّةٍ جَمَّةٍ، وكَأنَّ تَوْسِيطَ تَذْكِيرِ وقْتِ هَرَبِهِ إلى الفُلْكِ وما بَعْدَهُ بَيْنَهُما لِتَذْكِيرِ سَبَبِهِ - وهو ما جَرى بَيْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وبَيْنَ قَوْمِهِ مِن إنْذارِهِ إيّاهم عَذابَ اللَّهِ تَعالى، وتَعْيِينِهِ لِوَقْتِ حُلُولِهِ، وتَعَلُّلِهِمْ وتَعْلِيقِهِمْ لِإيمانِهِمْ بِظُهُورِ أماراتِهِ كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ يُونُسَ - لِيُعْلَمَ أنَّ إيمانَهُمُ الَّذِي سَيُحْكى بَعْدُ لَمْ يَكُنْ عَقِيبَ الإرْسالِ - كَما هو المُتَبادَرُ مِن تَرْتِيبِ الإيمانِ عَلَيْهِ بِالفاءِ - بَلْ بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي.
وَقِيلَ: هو إرْسالٌ آخَرُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: إلى غَيْرِهِمْ ولَيْسَ بِظاهِرٍ ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ أيْ: في مَرْأى النّاظِرِ فَإنَّهُ إذا نَظَرَ إلَيْهِمْ قالَ: إنَّهم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، والمُرادُ هو الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، وقُرِئَ بِالواوِ.
الصافات 37:148
﴿فَآمَنُوا﴾ أيْ: بَعْدَما شاهَدُوا عَلائِمَ حُلُولِ العَذابِ إيمانًا خالِصًا ﴿فَمَتَّعْناهُمْ﴾ أيْ: بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴿إلى حِينٍ﴾ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُمْ، قِيلَ: ولَعَلَّ عَدَمَ خَتْمِ هَذِهِ القِصَّةِ، وقِصَّةِ لُوطٍ بِما خُتِمَ بِهِ سائِرُ القَصَصِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ أرْبابِ الشَّرائِعِ وأُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، أوِ اكْتِفاءً بِالتَّسْلِيمِ الشّامِلِ لِكُلِّ الرُّسُلِ المَذْكُورِينَ في آخِرِ السُّورَةِ.
الصافات 37:149
﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ رَسُولَهُ ﷺ بِتَبْكِيتِ قُرَيْشٍ، وإبْطالِ مَذْهَبِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْتاءِ، وساقَ البَراهِينَ القاطِعَةَ النّاطِقَةَ بِتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ وبَيَّنَ وُقُوعَهُ، وما سَيَلْقَوْنَهُ عِنْدَ ذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ، واسْتَثْنى مِنهم عِبادَهُ المُخْلَصِينَ، وفَصَّلَ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قَدْ ضَلَّ مِن قَبْلِهِمْ أكْثَرُ الأوَّلِينَ، (p-207)وَأنَّهُ تَعالى أرْسَلَ إلَيْهِمْ مُنْذِرِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، ثُمَّ أوْرَدَ قَصَصَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ مُبَيِّنًا في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها أنَّهم مِن عِبادِهِ تَعالى، واصِفًا لَهم تارَةً بِالإخْلاصِ وأُخْرى بِالإيمانِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - ﷺ – ها هُنا بِتَبْكِيتِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْتاءِ عَنْ وجْهِ أمْرٍ مُنْكَرٍ خارِجٍ عَنِ العُقُولِ بِالكُلِّيَّةِ، وهي القِسْمَةُ الباطِلَةُ اللّازِمَةُ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِقادِ الزّائِغِ، حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ كَبَعْضِ أجْناسِ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلِمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
وَ"الفاءُ" لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما سَبَقَ مِن كَوْنِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ الَّذِينَ هم أعْلامُ الخَلْقِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِبادَهُ تَعالى، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُؤَكِّدُ التَّبْكِيتَ، ويُظْهِرُ بُطْلانَ مَذْهَبِهِمُ الفاسِدِ، ثُمَّ تَبْكِيتَهم بِما يَتَضَمَّنُهُ كُفْرُهُمُ المَذْكُورُ مِنَ الِاسْتِهانَةِ بِالمَلائِكَةِ بِجَعْلِهِمْ إناثًا، ثُمَّ أبْطَلَ أصْلَ كُفْرِهِمُ المُنْطَوِي عَلى هَذَيْنِ الكُفْرَيْنِ، وهو نِسْبَةُ الوَلَدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولَمْ يَنْظِمْهُ في سِلْكِ التَّبْكِيتِ لِمُشارَكَتِهِمُ النَّصارى في ذَلِكَ، أيْ: فاسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ اللّاتِي هُنَّ أوْضَعُ الجِنْسَيْنِ ﴿وَلَهُمُ البَنُونَ﴾ الَّذِينَ هم أرْفَعُهُما، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَقُولُ بِهِ مَن لَهُ أدْنى شَيْءٍ مِنَ العَقْلِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:150
﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا﴾ إضْرابٌ، وانْتِقالٌ مِنَ التَّبْكِيتِ بِالِاسْتِفْتاءِ السّابِقِ إلى التَّبْكِيتِ بِهَذا كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، أيْ: بَلْ أخَلَقْنا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم مِن أشْرَفِ الخَلائِقِ وأبْعَدِهِمْ مِن صِفاتِ الأجْسامِ ورَذائِلِ الطَّبائِعِ إناثًا، والأُنُوثَةُ مِن أخَسِّ صِفاتِ الحَيَوانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم شاهِدُونَ﴾ اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، وتَجْهِيلٌ لَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ فَإنَّ أمْثالَ هَذِهِ الأُمُورِ لا تُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ إذْ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِها بِطَرِيقِ العَقْلِ، وانْتِفاءُ النَّقْلِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِأُنُوثَتِهِمْ شاهِدًا عِنْدَ خَلْقِهِمْ.
والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ (خَلَقْنا) أيْ: بَلْ أخَلَقْناهم إناثًا، والحالُ أنَّهم حاضِرُونَ حِينَئِذٍ، أوْ عَطْفٌ عَلى (خَلَقْنا) أيْ: بَلْ أهم شاهِدُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:151
﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ بِالِاسْتِفْتاءِ، مَسُوقٌ لِإبْطالِ أصْلِ مَذْهَبِهِمُ الفاسِدِ بِبَيانِ أنَّ مَبْناهُ لَيْسَ إلّا الإفْكُ الصَّرِيحُ، والِافْتِراءُ القَبِيحُ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم دَلِيلٌ أوْ شُبْهَةٌ قَطْعًا ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَذِبًا بَيِّنًا لا رَيْبَ فِيهِ، وقُرِئَ: (وَلَدُ اللَّهِ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: المَلائِكَةُ ولَدُهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإنَّ الوَلَدَ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
الصافات 37:152
﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ بِالِاسْتِفْتاءِ، مَسُوقٌ لِإبْطالِ أصْلِ مَذْهَبِهِمُ الفاسِدِ بِبَيانِ أنَّ مَبْناهُ لَيْسَ إلّا الإفْكُ الصَّرِيحُ، والِافْتِراءُ القَبِيحُ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم دَلِيلٌ أوْ شُبْهَةٌ قَطْعًا ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَذِبًا بَيِّنًا لا رَيْبَ فِيهِ، وقُرِئَ: (وَلَدُ اللَّهِ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: المَلائِكَةُ ولَدُهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإنَّ الوَلَدَ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
الصافات 37:153
﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ إثْباتٌ لِإفْكِهِمْ، وتَقْرِيرٌ لِكَذِبِهِمْ فِيما قالُوا بِبَيانِ اسْتِلْزامِهِ لِأمْرٍ بَيِّنِ الِاسْتِحالَةِ هو اصْطِفاؤُهُ تَعالى البَناتِ عَلى البَنِينَ، والِاصْطِفاءُ أخْذُ صَفْوَةِ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ (p-208)ثِقَةً بِدَلالَةِ القَرائِنِ عَلَيْهِ، وجَعْلُهُ بَدَلًا مِن (وَلَدَ اللَّهُ) ضَعِيفٌ، وتَقْدِيرُ القَوْلِ أيْ: لَكاذِبُونَ في قَوْلِهِمُ: "اصْطَفى" ... إلَخْ، تَعَسُّفٌ بَعِيدٌ.
الصافات 37:154
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بِهَذا الحُكْمِ الَّذِي يَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَدِيهَةُ العَقْلِ.
الصافات 37:155
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن تَتَذَكَّرُونَ، وقُرِئَ: (تَذْكُرُونَ) مِن ذَكَرَ، و"الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألا تُلاحِظُونَ ذَلِكَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَهُ، فَإنَّهُ مَرْكُوزٌ في عَقْلِ كُلٍّ ذَكِيٍّ وغَبِيٍّ.
الصافات 37:156
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن تَوْبِيخِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ بِما ذُكِرَ إلى تَبْكِيتِهِمْ بِتَكْلِيفِهِمْ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ أصْلًا، أيْ: بَلْ ألَكم حُجَّةٌ واضِحَةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ تَعالى؟ ضَرُورَةَ أنَّ الحُكْمَ بِذَلِكَ لا بُدَّ لَهُ مِن سَنَدٍ حِسِّيٍّ أوْ عَقْلِيٍّ، وحَيْثُ انْتَفى كِلاهُما فَلا بُدَّ مِن سَنَدٍ نَقْلِيٍّ.
الصافات 37:157
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ النّاطِقِ بِصِحَّةِ دَعْواكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيها، وفي هَذِهِ الآياتِ مِنَ الإنْباءِ عَنِ السُّخْطِ العَظِيمِ، والإنْكارِ الفَظِيعِ لِأقاوِيلِهِمْ، والِاسْتِبْعادِ الشَّدِيدِ لِأباطِيلِهِمْ، وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ وأفْهامِهِمْ مَعَ اسْتِهْزاءٍ بِهِمْ، وتَعْجِيبٍ مِن جَهْلِهِمْ - ما لا يَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَ فِيها.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:158
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الجَوابِ، وسُقُوطِهِمْ عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ، واقْتِضاءِ حالِهِمْ أنْ يُعْرَضَ عَنْهُمْ، وتُحْكى جِناياتُهم لِآخَرِينَ، والمُرادُ بِـ"الجِنَّةِ" المَلائِكَةُ، قالُوا: الجِنْسُ واحِدٌ، ولَكِنْ مَن خَبُثَ مِنَ الجِنِّ ومَرَدَ وكانَ شَرًّا كُلَّهُ فَهو شَيْطانٌ، ومَن طَهُرَ مِنهم ونَسُكَ وكانَ خَيْرًا كُلَّهُ فَهو مَلَكٌ.
وَإنَّما عُبِّرَ عَنْهم بِذَلِكَ الِاسْمِ وضْعًا مِنهم وتَقْصِيرًا بِهِمْ - مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِمْ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ - أنْ يَبْلُغُوا مَنزِلَةَ المُناسَبَةِ الَّتِي أضافُوها إلَيْهِمْ، فَجَعْلُهم هَذا عِبارَةٌ عَنْ قَوْلِهِمُ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ" وإنَّما أُعِيدَ ذِكْرُهُ تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ الَّتِي عَظَّمُوها بِأنْ جَعَلُوا بَيْنَها وبَيْنَهُ تَعالى نَسَبًا - وهُمُ المَلائِكَةُ - أنَّ الكَفَرَةَ لَمُحْضَرُونَ النّارَ مُعَذَّبُونَ بِها؛ لِكَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.
والمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ في التَّكْذِيبِ بِبَيانِ أنَّ الَّذِينَ يَدَّعِي هَؤُلاءِ لَهم تِلْكَ النِّسْبَةَ - ويَعْلَمُونَ أنَّهم أعْلَمُ مِنهم بِحَقِيقَةِ الحالِ - يُكَذِّبُونَهم في ذَلِكَ، ويَحْكُمُونَ بِأنَّهم مُعَذَّبُونَ لِأجْلِهِ حُكْمًا مُؤَكَّدًا.
وَقِيلَ: إنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ تَعالى وإبْلِيسُ أخَوانِ، فاللَّهُ هو الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ هو الشِّرِّيرُ اللَّئِيمُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ عِنْدِي أقْرَبُ الأقاوِيلِ، وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وأهْرَمَنَ، ويُعَبِّرُونَ عَنْهُما بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: قالَتْ قُرَيْشٌ: (p-209)المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: فَمَن أُمَّهاتُهُمْ؟! تَبْكِيتًا لَهُمُ، فَقالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ.
وَقِيلَ: مَعْنى (جَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا) جَعَلُوا بَيْنَهُما مُناسَبَةً حَيْثُ أشْرَكُوا بِهِ تَعالى الجِنَّ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، فَعَلى هَذِهِ الأقاوِيلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (إنَّهم لَمُحْضَرُونَ) لِلْجَنَّةِ، فالمَعْنى: لَقَدْ عَلِمَتِ الشَّياطِينُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْضُرُهُمُ النّارَ، ويُعَذِّبُهم بِها، ولَوْ كانُوا مُناسِبِينَ لَهُ تَعالى أوْ شُرَكاءَ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ لَما عَذَّبَهُمْ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ:
الصافات 37:159
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المَلائِكَةِ إيّاهُ تَعالى عَمّا وصَفَهُ المُشْرِكُونَ بِهِ بَعْدَ تَكْذِيبِهِمْ لَهم في ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى عَلِمَتْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:160
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ شَهادَةٌ مِنهم بِبَراءَةِ المُخْلَصِينَ مِن أنْ يَصِفُوهُ تَعالى بِذَلِكَ، مُتَضَمِّنَةٌ لِتَبَرُّئِهِمْ مِنهُ بِحُكْمِ انْدِراجِهِمْ في زُمْرَةِ المُخْلَصِينَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن واوِ "يَصِفُونَ" كَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمُعَذَّبُونَ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وقالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ، لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ الَّذِينَ نَحْنُ مِن جُمْلَتِهِمْ بُرَآءُ مِن ذَلِكَ الوَصْفِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:161
﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ وتَحْقِيقٌ لِبَراءَةِ المُخْلَصِينَ مِمّا ذُكِرَ بِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنْ إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ، والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الكَلامِ، وما تَعْبُدُونَ عِبارَةٌ عَنِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أغْوَوْهُمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَبَرُّئِهِمْ عَنْهم وعَنْ عِبادَتِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ و"ما" نافِيَةٌ، و"أنْتُمْ" خِطابٌ لَهم ولِمَعْبُودِيِّهِمْ تَغْلِيبًا، و"عَلى" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"فاتِنِينَ" يُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ، أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، والمَعْنى: فَإنَّكم ومَعْبُودِيَّكم - أيُّها المُشْرِكُونَ - لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلَيْهِ تَعالى بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ.
الصافات 37:162
﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ وتَحْقِيقٌ لِبَراءَةِ المُخْلَصِينَ مِمّا ذُكِرَ بِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنْ إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ، والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الكَلامِ، وما تَعْبُدُونَ عِبارَةٌ عَنِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أغْوَوْهُمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَبَرُّئِهِمْ عَنْهم وعَنْ عِبادَتِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ و"ما" نافِيَةٌ، و"أنْتُمْ" خِطابٌ لَهم ولِمَعْبُودِيِّهِمْ تَغْلِيبًا، و"عَلى" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"فاتِنِينَ" يُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ، أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، والمَعْنى: فَإنَّكم ومَعْبُودِيَّكم - أيُّها المُشْرِكُونَ - لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلَيْهِ تَعالى بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ.
الصافات 37:163
﴿إلا مَن هو صالِ الجحيم﴾ مِنهُمْ، أيْ: داخِلُها لِعلمه تعالى بِأنَّهُ يَصِيرُ عَلى الكُفْرِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، ويَصِيرُ مِن أهْلِ النّارِ لا مَحالَةَ.
وَأمّا المُخْلَصُونَ مِنهم فَأنْتُمْ بِمَعْزِلٍ مِن إفْسادِهِمْ وإضْلالِهِمْ، فَهم - لا جَرَمَ - بُرَآءُ مِن أنْ يُفْتَتَنُوا بِكُمْ، ويَسْلُكُوا مَسْلَكَكم في وصْفِهِ تَعالى بِما وصَفْتُمُوهُ بِهِ، وقُرِئَ: (صالُ) بِضَمِّ اللّامِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى (مَن) قَدْ سَقَطَ واوُهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:164
﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ تَبْيِينٌ لِجَلِيَّةِ أمْرِهِمْ، وتَعْيِينٌ لِحَيِّزِهِمْ في مَوْقِفِ العُبُودِيَّةِ - بَعْدَما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِ الكَفَرَةِ فِيما قالُوا، وتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، (p-210)وَتَبْرِئَةِ المُخْلَصِينَ عَنْهُ - وإظْهارٌ لِقُصُورِ شَأْنِهِمْ وقَمائَتِهِمْ.
أيْ: وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في العِبادَةِ والِانْتِهاءِ إلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى، مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لا يَتَجاوَزُهُ، ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَزُولَ عَنْهُ؛ خُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، وخُشُوعًا لِهَيْبَتِهِ، وتَواضُعًا لِجَلالِهِ، كَما رُوِيَ، فَمِنهم راكِعٌ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ، وساجِدٌ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ما في السَّماواتِ مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ مَلَكٌ يُصَلِّي أوْ يُسَبِّحُ.
وَرُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: « "أطَّتِ السَّماءُ، وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدٌ لِلَّهِ تَعالى".»
وَقالَ السُّدِّيُّ: إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في القُرْبَةِ والمُشاهَدَةِ.
الصافات 37:165
﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ في مَواقِفِ الطّاعَةِ، ومَواطِنِ الخِدْمَةِ.
الصافات 37:166
﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ المُقَدِّسُونَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَنابِ كِبْرِيائِهِ، وتَحْلِيَةُ كَلامِهِمْ بِفُنُونِ التَّأْكِيدِ لِإبْرازِ أنَّ صُدُورَهُ عَنْهم بِكَمالِ الرَّغْبَةِ والنَّشاطِ، هَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ، وقَدْ ذُكِرَ في تَفْسِيرِ الآياتِ الكَرِيمَةِ وإعْرابِها وُجُوهٌ أُخَرُ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الصافات 37:167
﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ "إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، و"اللّامُ" هي الفارِقَةُ، أيْ: إنَّ الشَّأْنَ كانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ:
الصافات 37:168
﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
الصافات 37:169
﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ تَعالى، ولَما خالَفْنا كَما خالَفُوا، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: (لَئِنْ جاءَنا نَذِيرٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ) و"الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى:
الصافات 37:170
﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ فَصِيحَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى:" فَقُلْنا اضْرِبْ بّعَصاكَ البَحْر فانْفَلَقَ " أيْ: فَجاءَهم ذِكْرٌ - وأيُّ ذِكْرٍ - سَيِّدُ الأذْكارِ، وكِتابٌ مُهَيْمِنٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ والأسْفارِ، فَكَفَرُوا بِهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ وغائِلَتَهُ.
الصافات 37:171
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلْوَعِيدِ، وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ لِغايَةِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ سَبَقَ وعْدُنا لَهم بِالنُّصْرَةِ والغَلَبَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:172
﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا﴾ (p-211)وَهم أتْباعُ المُرْسَلِينَ ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ عَلى أعْدائِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَشاهِدِ فَإنَّ قاعِدَةَ أمْرِهِمْ، وأساسَهُ الظَّفَرُ والنُّصْرَةُ، وإنْ وقَعَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ شَوْبٌ مِنَ الِابْتِلاءِ والمِحْنَةِ والحُكْمُ لِلْغالِبِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنْ لَمْ يُنْصَرُوا في الدُّنْيا نُصِرُوا في الآخِرَةِ. وقُرِئَ: ( عَلى عَبْدِنا ) بِتَضْمِينِ سَبَقَتْ مَعْنى حَقَّتْ، وتَسْمِيَتِها كَلِمَةً مَعَ أنَّها كَلِماتٌ لِانْتِظامِها في مَعْنًى واحِدٍ، وقُرِئَ: ( كَلِماتُنا ) .
الصافات 37:173
﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا﴾ (p-211)وَهم أتْباعُ المُرْسَلِينَ ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ عَلى أعْدائِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَشاهِدِ فَإنَّ قاعِدَةَ أمْرِهِمْ، وأساسَهُ الظَّفَرُ والنُّصْرَةُ، وإنْ وقَعَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ شَوْبٌ مِنَ الِابْتِلاءِ والمِحْنَةِ والحُكْمُ لِلْغالِبِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنْ لَمْ يُنْصَرُوا في الدُّنْيا نُصِرُوا في الآخِرَةِ. وقُرِئَ: ( عَلى عَبْدِنا ) بِتَضْمِينِ سَبَقَتْ مَعْنى حَقَّتْ، وتَسْمِيَتِها كَلِمَةً مَعَ أنَّها كَلِماتٌ لِانْتِظامِها في مَعْنًى واحِدٍ، وقُرِئَ: ( كَلِماتُنا ) .
الصافات 37:174
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فَأعْرِضْ عَنْهم واصْبِرْ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ إلى مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ. وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ، وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: يَوْمَ الفَتْحِ.
الصافات 37:175
﴿وَأبْصِرْهُمْ﴾ عَلى أسْوَأِ حالٍ وأفْظَعِ نَكالٍ حَلَّ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، والمُرادُ بِالأمْرِ بِأبْصارِهِمُ الإيذانُ بِغايَةِ قُرْبِهِ كَأنَّهُ بَيْنَ يَدْيِهِ.
﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ما يَقَعُ حِينَئِذٍ مِنَ الأُمُورِ، و "سَوْفَ" لِلْوَعِيدِ دُونَ التَّبْعِيدِ.
الصافات 37:176
﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قالُوا: مَتى هَذا؟ فَنَزَلَ.
الصافات 37:177
﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: فَإذا نَزَلَ العَذابُ المَوْعُودُ بِفَنائِهِمْ كَأنَّهُ جَيْشٌ قَدْ هَجَمَهم فَأناخَ بِفِنائِهِمْ بَغْتَةً فَشَنَّ عَلَيْهِمُ الغارَةَ، وقَطَعَ دابِرَهم بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ. وقُرِئَ: ( نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ) عَلى إسْنادِهِ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، وقُرِئَ: ( نُزِّلَ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ التَّنْزِيلِ، أيْ: نُزِّلَ العَذابُ.
﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ فَبِئْسَ صَباحُ المُنْذَرِينَ صَباحُهم. و "اللّامُ" لِلْجِنْسِ، و "الصَّباحُ" مُسْتَعارٌ مِن صَباحِ الجَيْشِ المُبَيِّتِ لِوَقْتِ نُزُولِ العَذابِ، ولَمّا كَثُرَتْ مِنهُمُ الغارَةُ في الصَّباحِ سَمَّوْها صَباحًا، وإنْ وقَعَتْ لَيْلًا. رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أتى خَيْبَرَ، وكانُوا خارِجِينَ إلى مَزارِعِهِمْ، ومَعَهُمُ المَساحِي، قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ. ورَجَعَهم إلى حِصْنِهِمْ. فَقالَ ﷺ: ﴿اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ .
الصافات 37:178
﴿وَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إثْرَ تَسْلِيَةٍ وتَأْكِيدٍ لِوُقُوعِ المِيعادِ غَبَّ تَأْكِيدٍ مَعَ ما في إطْلاقِ الفِعْلَيْنِ عَنِ المَفْعُولِ، مِنَ الإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ ﷺ حِينَئِذٍ مِن فُنُونِ المَسارِ، وما يُبْصِرُونَهُ مِن أنْواعِ المَضارِّ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ والبَيانُ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالأوَّلِ عَذابُ الدُّنْيا، وبِالثّانِي عَذابُ الآخِرَةِ.
الصافات 37:179
﴿وَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إثْرَ تَسْلِيَةٍ وتَأْكِيدٍ لِوُقُوعِ المِيعادِ غَبَّ تَأْكِيدٍ مَعَ ما في إطْلاقِ الفِعْلَيْنِ عَنِ المَفْعُولِ، مِنَ الإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ ﷺ حِينَئِذٍ مِن فُنُونِ المَسارِ، وما يُبْصِرُونَهُ مِن أنْواعِ المَضارِّ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ والبَيانُ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالأوَّلِ عَذابُ الدُّنْيا، وبِالثّانِي عَذابُ الآخِرَةِ.
الصافات 37:180
(p-212)﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُهُ المُشْرِكُونَ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِ كِبْرِيائِهِ وجَبَرُوتِهِ، مِمّا ذُكِرَ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وما لَمْ يُذْكَرُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَرْكُ إنْجازِ المَوْعُودِ عَلى مُوجِبِ كَلِمَتِهِ السّابِقَةِ لا سِيَّما في حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُعْرِبَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ والتَّكْمِيلِ والمالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ أوَّلًا، وإلى العِزَّةِ ثانِيًا، كَأنَّهُ قِيلَ: سُبْحانَ مَن هو مُرَبِّيكَ، ومُكَمِّلُكَ، ومالِكُ العِزَّةِ والغَلَبَةِ عَلى الإطْلاقِ، عَمّا يَصِفُهُ المُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِنها تَرْكُ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِعْجالُهم بِالعَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:181
﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ تَشْرِيفٌ لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ تَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا ذُكِرَ، وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِمْ، وإيذانٌ بِأنَّهم سالِمُونَ عَنْ كُلِّ المَكارِهِ فائِزُونَ بِجَمِيعِ المَآرِبِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الصافات 37:182
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى وصْفِهِ عَزَّ وجَلَّ بِصِفاتِهِ الكَرِيمَةِ الثُّبُوتِيَّةِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى اتِّصافِهِ تَعالى بِجَمِيعِ صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ، وإيذانٌ بِاسْتِتْباعِها لِلْأفْعالِ الجَمِيلَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إفاضَتُهُ عَلَيْهِمْ مِن فُنُونِ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ، والكِمالاتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وإسْباغُهُ عَلَيْهِمْ وعَلى مَن تَبَعِهِمْ صُنُوفَ النَّعْماءِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ المُوجِبَةِ لِحَمْدِهِ تَعالى، وإشْعارٌ بِأنَّ ما وعَدَهُ ﷺ مِنَ النُّصْرَةِ والغَلَبَةِ قَدْ تَحَقَّقَتْ. والمُرادُ تَنْبِيهُ المُؤْمِنِينَ عَلى كَيْفِيَّةِ تَسْبِيحِهِ تَعالى وتَحْمِيدِهِ، والتَّسْلِيمُ عَلى رُسُلِهِ الَّذِينَ هم وسائِطُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَزَّ وعَلا في فَيَضانِ الكَمالاتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ. ولَعَلَّ تَوْسِيطَ التَّسْلِيمِ عَلى المُرْسَلِينَ بَيْنَ تَسْبِيحِهِ تَعالى وتَحْمِيدِهِ لِخَتْمِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِحَمْدِهِ تَعالى مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ تَوْفِيقَهُ تَعالى لِلتَّسْلِيمِ عَلَيْهِمْ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ المُوجِبَةِ لِلْحَمْدِ. عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن أحَبَّ أنْ يَكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلْيَكُنْ آخِرُ كَلامِهِ إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَ رَبُّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصْفُونَ، وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ والصّافّاتِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ جِنِّيٍّ وشَيْطانٍ، وتَباعَدَتْ مِنهُ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ، وبَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ، وشَهِدَ لَهُ حافِظاهُ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِالمُرْسَلِينَ﴾ .
ص 38:1
(p-213)( سُورَةُ صَ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها ثَمانٌ وثَمانُونَ آيَةً )
﴿ص﴾ بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ والفَتْحِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَتْحُ بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ في مَوْضِعِ الجَرِّ، كَقَوْلِهِمْ: اللَّهِ لِأفْعَلَيْنِ بِالجَرِّ. وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا بِإضْمارِ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ لا فَتْحًا كَما مَرَّ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وامْتِناعُ الصَّرْفِ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ، لِأنَّها عَلَمٌ لِلسُّورَةِ. وقَدْ صَرَّفَها مَنَ قَرَأ صادٌ بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ الكِتابِ أوِ التَّنْزِيلِ. وقِيلَ: هو في قِراءَةِ الكَسْرِ أمْرٌ مِنَ المُصاداةِ، وهي المُعارَضَةُ والمُقابَلَةُ، ومِنها الصَّدى الَّذِي يَنْعَكِسُ مِنَ الأجْسامِ الصَّلْبَةِ بِمُقابَلَةِ الصَّوْتِ، ومَعْناهُ عارِضِ القرآن بِعَمَلِكَ فاعْمَلْ بِأوامِرِهِ، وانْتَهِ عَنْ نَواهِيهِ، وتَخَلَّقْ بِأخْلاقِهِ، ثُمَّ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلْحَرْفِ مَسْرُودًا عَلى مِنهاجِ التَّحَدِّي، أوِ الرَّمْزِ إلى كَلامٍ مِثْلَ صَدَقَ اللَّهُ، أوْ صَدَقَ مُحَمَّدٌ، كَما نُقِلَ عَنْ أكابِرِ السَّلَفِ. أوِ اسْمًا لِلسُّورَةِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ نَصْبًا عَلى إضْمارِ اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ، أوْ أمْرًا مِنَ المُصاداةِ. فَـ "الواوُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقرآن ذِي الذِّكْرِ﴾ لِلْقَسَمِ، وإنْ جُعِلَ مُقْسَمًا بِهِ، فَهي لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ فَإنْ أُرِيدَ بِالقرآن كُلُّهُ فالمُغايَرَةُ بَيْنَهُما حَقِيقَةٌ، وإنْ أُرِيدَ عَيْنُ السُّورَةِ فَهي اعْتِبارِيَّةٌ، كَما في قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الكَرِيمِ. وبِالنِّسْبَةِ المُبارَكَةِ وأيًّا ما كانَ فَفي التَّكْرِيرِ مَزِيدُ تَأْكِيدٍ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها، والذِّكْرُ الشَّرَفُ والنَّباهَةُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ أوِ الذِّكْرى والمَوْعِظَةُ، أوْ ذِكْرُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في أمْرِ الدِّينِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِها مِن أقاصِيصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأخْبارِ الأُمَمِ الدّارِجَةِ والوَعْدِ والوَعِيدِ. وجَوابُ القَسَمِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ والرّابِعِ والخامِسِ مَحْذُوفٌ، هو ما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّحَدِّي، والأمْرُ، والإقْسامُ بِهِ مِن كَوْنِ المُتَحَدّى بِهِ مُعْجِزًا، وكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ واجِبًا، وكَوْنِ المُقْسَمِ بِهِ حَقِيقًا بِالإعْظامِ، أيْ: أُقْسِمُ بِالقرآن، أوْ بِصادٍ وبِهِ إنَّهُ لَمُعْجِزٌ، أوْ لَواجِبُ العَمَلِ بِهِ، أوْ لَحَقِيقٌ بِالإعْظامِ. وأمّا عَلى الوَجْهَيْنِ الباقِيَيْنِ فَهو الكَلامُ المَرْمُوزُ إلَيْهِ. ونَفْسُ الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ القَسَمِ فَإنَّ التَّسْمِيَةَ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُسَمّى، وتَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ خَطَرِهِ، أيْ: إنَّهُ لَصادِقٌ والقرآن ذِي الذِّكْرِ، أوْ هَذِهِ السُّورَةُ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ والقرآن. . . إلَخْ. عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: هَذا حاتِمٌ واللَّهِ. ولَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأجْوِبَةِ مُنْبِئًا عَنِ انْتِفاءِ الرَّيْبِ عَنْ مَضْمُونِهِ بِالكُلِّيَّةِ إنْباءً بَيْنَما كانَ قَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:2
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ إضْرابًا عَنْ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا. ولَيْسَ عَدَمُ إذْعانِ الكَفَرَةِ لَهُ لِشائِبَةِ رَيْبٍ ما فِيهِ، بَلْ هم في اسْتِكْبارٍ وحَمِيَّةٍ شَدِيدَةٍ وشِقاقٍ بَعِيدٍ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ، ولِذَلِكَ لا يُذْعِنُونَ لَهُ، (p-214)وَقِيلَ: الجَوابُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الإضْرابِيَّةُ، أيْ: ما كَفَرَ بِهِ مَن كَفَرَ لِخَلَلٍ وجَدَهُ فِيهِ بَلِ "الَّذِينَ كَفَرُوا. . . إلَخْ. وقُرِئَ: ( في غِرَّةٍ ) أيْ: في غَفْلَةٍ عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّنَبُّهُ لَهُ مِن مَبادِئِ الإيمانِ ودَواعِيِهِ.
ص 38:3
﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ بِبَيانِ ما أصابَ مَن قَبْلَهم مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ، وكَمْ مَفْعُولُ أهْلَكْنا، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والمَعْنى وقَرْنًا كَثِيرًا أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ الخالِيَةِ.
﴿فَنادَوْا﴾ عِنْدَ نُزُولِ بَأْسِنا وحُلُولِ نِقْمَتِنا اسْتِغاثَةً، وتَوْبَةً لِيَنْجُوا مِن ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ نادَوْا، أيْ: نادَوْا واسْتَغاثُوا طَلَبًا لِلنَّجاةِ. والحالُ أنَّ لَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ، أيْ: فَوْتٍ ونَجاةٍ مِن ناصَهُ، أيْ: فاتَهُ لا مِن ناصَ بِمَعْنى تَأخَّرَ ولا هي المُشَبَّهَةُ بِلَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها تاءُ التَّأْنِيثِ لِلتَّأْكِيدِ، كَما زِيدَتْ عَلى رُبَّ وثَمَّ وخُصَّتْ بِنَفْيِ الأحْيانِ، ولَمْ يَبْرُزْ إلّا أحَدُ مَعْمُولَيْها، والأكْثَرُ حَذْفُ اسْمِها، وقِيلَ: هي النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ، وخُصَّتْ بِنَفْيِ الأحْيانِ، و "حِينَ مَناصٍ" مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ اسْمُها، أيْ: ولا حِينَ مَناصٍ لَهُمْ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: ولا أرى حِينَ مَناصٍ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ. فَهو عَلى الأوَّلِ: اسْمُها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولَيْسَ حِينُ مَناصٍ حاصِلًا لَهم. وعَلى الثّانِي: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: ولا حِينُ مَناصٍ كائِنٌ لَهم. وقُرِئَ بِالكَسْرِ كَما في قَوْلِهِ:
؎ طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٍ *** فَأجَبْنا أنْ لاتَ حِينِ بَقاءِ
إمّا لِأنَّ لاتَ تَجُرُّ الأحْيانَ كَما أنَّ لَوْلا تَجُرُّ الضَّمائِرَ في نَحْوِ قَوْلِهِ:
لَوْلاكَ هَذا العامُ لَمْ أحْجُجْ
أوْ لِأنَّ أوانَ شُبِّهَ بَإذٍ في قَوْلِهِ:
؎ نَهَيْتُكَ عَنْ طِلابِكَ أُمَّ عَمْرٍو *** ∗∗∗ بِعافِيَةٍ وأنْتَ إذٍ صَحِيحُ
فِي أنَّهُ زَمانٌ قُطِعَ مِنهُ المُضافُ إلَيْهِ، وعُوِّضَ التَّنْوِينَ؛ لِأنَّ أصْلَهُ أوانُ صُلْحٍ، ثُمَّ حُمِلَ عَلَيْهِ حِينَ مَناصٍ تَنْزِيلًا لِقَطْعِ المُضافِ إلَيْهِ مِن مَناصٍ، إذْ أصْلُهُ حِينَ مَناصِهِمْ مَنزِلَةُ قَطْعِهِ مِن حِينٍ لِما بَيْنَ المُضافَيْنِ مِنَ الِاتِّحادِ، ثُمَّ بُنِيَ الحِينُ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وقُرِئَ: ( لاتِ ) بِالكَسْرِ كَجَيْرِ، ويَقِفُ الكُوفِيُّونَ عَلَيْها بِالهاءِ كالأسْماءِ، والبَصْرِيُّونَ بِالتّاءِ كالأفْعالِ. وما قِيلَ مِن أنَّ التّاءَ مَزِيدَةٌ عَلى حِينَ لِاتِّصالِها بِهِ في الإمامِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، فَإنَّ خَطَّ المُصْحَفِ خارِجٌ عَنِ القِياسِ.
ص 38:4
﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ حِكايَةٌ لِأباطِيلِهِمُ المُتَفَرِّعَةِ عَلى ما حُكِيَ مِنِ اسْتِكْبارِهِمْ وشِقاقِهِمْ أيْ: عَجِبُوا مِن أنْ جاءَهم رَسُولٌ مِن جِنْسِهِمْ بَلْ أدْوَنُ مِنهم في الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، والمالُ عَلى مَعْنى أنَّهم عَدُّوا ذَلِكَ أمْرًا عَجِيبًا خارِجًا عَنِ احْتِمالِ الوُقُوعِ، وأنْكَرُوهُ أشَدَّ الإنْكارِ لا أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا وُقُوعَهُ وتَعَجَّبُوا مِنهُ.
﴿وَقالَ الكافِرُونَ﴾ وُضِعَ فِيهِ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ غَضَبًا عَلَيْهِمْ، وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مَثَلِ ما يَقُولُونَهُ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ والفُسُوقِ.
﴿هَذا ساحِرٌ﴾ فِيما يُظْهِرُهُ مِنَ الخَوارِقِ ﴿كَذّابٌ﴾ فِيما يُسْنِدُهُ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الإرْسالِ والإنْزالِ.
ص 38:5
﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ بِأنْ نَفى الأُلُوهِيَّةَ عَنْهُمْ، وقَصَرَها عَلى واحِدٍ.
﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بَلِيغٌ في العَجَبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ خِلافُ ما ألِفُوا عَلَيْهِ آباءَهُمُ الَّذِينَ أجْمَعُوا عَلى أُلُوهِيَّتِهِمْ، (p-215)وَواظَبُوا عَلى عِبادَتِهِمْ كابِرًا عَنْ كابِرٍ، فَإنَّ هَذا مَدارُ كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ هو التَّقْلِيدُ، والِاعْتِيادُ فَيُعِدُّونَ ما يُخالِفُ ما اعْتادُوهُ عَجِيبًا بَلْ مُحالًا، وأمّا جَعْلُ مَدارِ تَعَجُّبِهِمْ عَدَمَ وفاءِ عِلْمِ الواحِدِ، وقدرته بِالأشْياءِ الكَثِيرَةِ فَلا وجْهَ لَهُ لِما أنَّهم لا يَدَّعُونَ أنَّ لِآلِهَتِهِمْ عِلْمًا، وقُدْرَةً، ومَدْخَلًا في حُدُوثِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ حَتّى يَلْزَمَ مِن نَفْيِ أُلُوهِيَّتِهِمْ بَقاءُ الآثارِ بِلا مُؤَثِّرٍ. وقُرِئَ: ( عَجّابٌ ) بِالتَّشْدِيدِ، وهو أبْلَغُ كَكُرامٍ وكَرّامٍ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى قُرَيْشٍ فاجْتَمَعَ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ مِن صَنادِيدِهِمْ، فَأتَوْا أبا طالِبٍ فَقالُوا: أنْتَ شَيْخُنا وكَبِيرُنا وقَدْ عَلِمْتَ ما فَعَلَ هَؤُلاءِ السُّفَهاءُ، وقَدْ جِئْناكَ لِتَقْضِيَ بَيْنَنا وبَيْنَ ابْنِ أخِيكَ. فاسْتَحْضَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وقالَ: يا ابْنَ أخِي، هَؤُلاءِ قَوْمُكَ يَسْألُونَكَ السُّؤالَ، فَلا تَمِلْ كُلَّ المَيْلِ عَلى قَوْمِكَ. فَقالَ ﷺ: ماذا تَسْألُونَنِي ؟ قالُوا: رَفَضْنا وارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا ونَدَعَكَ وإلَهَكَ ؟ فَقالَ ﷺ: أرَأيْتُمْ إنْ أعْطَيْتُكم ما سَألْتُمْ أمُعْطِيَّ أنْتُمْ كَلِمَةً واحِدَةً تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ، وتَدِينُ لَكم بِها العَجَمُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، وعَشْرًا. فَقالَ: قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَقامُوا، وقالُوا ذَلِكَ.
ص 38:6
﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ﴾ أيْ: وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِن قُرَيْشٍ عَنْ مَجْلِسِ أبِي طالِبٍ بَعْدَ ما بَكَّتَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَوابِ العَتِيدِ، وشاهَدُوا تَصَلُّبَهُ ﷺ في الدِّينِ، وعَزِيمَتَهُ عَلى أنْ يُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، ويَئِسُوا مِمّا كانُوا يَرْجُونَهُ بِتَوَسُّطِ أبِي طالِبٍ مِنَ المُصالَحَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ.
﴿أنِ امْشُوا﴾ أيْ: قائِلِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى وجْهِ النَّصِيحَةِ امْشُوا.
﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيْ: واثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها مُتَحَمِّلِينَ لِما تَسْمَعُونَهُ في حَقِّها مِنَ القَدْحِ. و "أنْ" هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ الِانْطِلاقَ عَنْ مَجْلِسِ التَّقاوُلِ لا يَخْلُو عَنِ القَوْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالِانْطِلاقِ: الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، وامْشُوا مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها، ومِنهُ الماشِيَةُ لِلتَّفاؤُلِ، أيِ: اجْتَمِعُوا وكَثِّرُوا. وقُرِئَ: ( امْشُوا ) بِغَيْرِ أنْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، وقُرِئَ: ( يَمْشُونَ أنِ اصْبِرُوا ) ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، أيْ: هَذا الَّذِي شاهَدْناهُ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أمْرِ التَّوْحِيدِ، ونَفْيِ آلِهَتِنا، وإبْطالِ أمْرِها لَشَيْءٌ يُرادُ، أيْ: مِن جِهَتِهِ ﷺ إمْضاؤُهُ، وتَنْفِيذُهُ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ، ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ، لا قَوْلٌ يُقالُ مِن طَرَفِ اللِّسانِ، أوْ أمْرٌ يُرْجى فِيهِ المُسامَحَةُ بِشَفاعَةٍ أوِ امْتِنانٍ. فاقْطَعُوا أطْماعَكم عَنِ اسْتِنْزالِهِ مِن رَأْيِهِ بِوَساطَةِ أبِي طالِبٍ وشَفاعَتِهِ، وحَسْبُكم أنْ لا تُمْنَعُوا مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم بِالكُلِّيَّةِ، فاصْبِرُوا عَلَيْها، وتَحَمَّلُوا ما تَسْمَعُونَهُ في حَقِّها مِنَ القَدْحِ وسُوءِ القالَةِ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الأمْرَ لَشَيْءٌ يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى، ويَحْكُمُ بِإمْضائِهِ، وما أرادَ اللَّهُ كَوْنَهُ فَلا مَرَدَّ لَهُ، ولا يَنْفَعُ فِيهِ إلّا الصَّبْرُ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الأمْرَ لَشَيْءٌ مِن نَوائِبِ الدَّهْرِ يُرادُ بِنا فَلا انْفِكاكَ لَنا مِنهُ. وقِيلَ: إنَّ دَيْنَكم لَشَيْءٌ يُرادُ، أيْ: يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكُمْ، وتُغْلَبُوا عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الَّذِي يَدَّعِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، أوْ يَقْصِدُهُ مِنَ الرِّياسَةِ والتَّرَفُّعِ عَلى العَرَبِ والعَجَمِ لَشَيْءٌ يُتَمَنّى، ويُرِيدُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَتَأمَّلْ في هَذِهِ الأقاوِيلِ، واخْتَرْ مِنها ما يُساعِدُهُ النَّظْمُ الجَلِيلُ.
ص 38:7
﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ الَّذِي يَقُولُهُ.
﴿فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أيِ: المِلَّةِ النَّصْرانِيَّةِ الَّتِي هي آخِرُ المِلَلِ فَإنَّهم مُثَلِّثَةٌ، أوْ في المِلَّةِ الَّتِي (p-216)أدْرَكْنا عَلَيْها آباءَنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ حالًا مِن هَذا، أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا الكُهّانِ كائِنًا في المِلَّةِ المُتَرَقَّبَةِ، ولَقَدْ كَذَبُوا في ذَلِكَ أقْبَحَ كَذِبٍ فَإنَّ حَدِيثَ البِعْثَةِ والتَّوْحِيدِ كانَ أشْهُرَ الأُمُورِ قَبْلَ الظُّهُورِ.
﴿إنْ هَذا﴾ أيْ: ما هَذا.
﴿إلا اخْتِلاقٌ﴾ أيْ: كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ.
ص 38:8
﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أيِ: القرآن.
﴿مِن بَيْنِنا﴾ ونَحْنُ رُؤْسا النّاسِ وأشْرافُهُمْ، . كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ومُرادُهم إنْكارُ كَوْنِهِ ذِكْرًا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ وأمْثالُ هَذِهِ المَقالاتِ الباطِلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَناطَ تَكْذِيبِهِمْ لَيْسَ إلّا الحَسَدُ وقِصَرُ النَّظَرِ عَلى الحُطامِ الدُّنْيَوِيِّ.
﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ: مِنَ القرآن، أوِ الوَحْيِ لِمَيْلِهِمْ إلى التَّقْلِيدِ، وإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ المُؤَدِّيَةِ إلى العِلْمِ بِحَقِّيَّتِهِ، ولَيْسَ في عَقِيدَتِهِمْ ما يَبُتُّونَ بِهِ فَهم مُذَبْذَبُونَ بَيْنَ الأوْهامِ يَنْسُبُونَهُ تارَةً إلى السحر، وأُخْرى إلى الِاخْتِلاقِ.
﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أيْ: بَلْ لَمْ يَذُوقُوا بَعْدُ عَذابِي فَإذا ذاقُوهُ تَبَيَّنَ لَهم حَقِيقَةُ الحالِ، وفي "لَمّا" دَلالَةٌ عَلى أنَّ ذَوْقَهم عَلى شَرَفِ الوُقُوعِ، والمَعْنى أنَّهم لا يُصَدِّقُونَ بِهِ حَتّى يَمَسَّهُمُ العَذابُ. وقِيلَ: لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي المَوْعُودَ في القرآن، ولِذَلِكَ شَكُّوا فِيهِ.
ص 38:9
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ بَلْ أعِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَتِهِ تَعالى يَتَصَرَّفُونَ فِيها حَسْبَما يَشاءُونَ حَتّى يُصِيبُوا بِها مَن شاءُوا، ويَصْرِفُوها عَمَّنْ شاءُوا، ويَتَحَكَّمُوا فِيها بِمُقْتَضِي آرائِهِمْ، فَيَتَخَيَّرُوا لِلنُّبُوَّةِ بَعْضَ صَنادِيدِهِمْ. والمَعْنى أنَّ النُّبُوَّةَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَتَفَضَّلُ بِها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ المُصْطَفِينَ لا مانِعَ لَهُ فَإنَّهُ العَزِيزُ، أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الوَهّابُ الَّذِي لَهُ أنْ يَهَبَ كُلَّ ما يَشاءُ لِكُلِّ مَن يَشاءُ. وفي إضافَةِ اسْمِ الرَّبِّ المُنْبِئِ عَنِ التَّرْبِيَةِ، والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن تَشْرِيفِهِ، واللُّطْفِ بِهِ ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:10
﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ تَرْشِيحٌ لِما سَبَقَ، أيْ: بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ حَتّى يَتَكَلَّمُوا في الأُمُورِ الرَّبّانِيَّةِ، ويَتَحَكَّمُوا في التَّدابِيرِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي يَسْتَأْثِرُ بِها رَبُّ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إنْ كانَ لَهم ما ذُكِرَ مِنَ المُلْكِ فَلْيَصْعَدُوا في المَعارِجِ والمَناهِجِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِها إلى العَرْشِ حَتّى يَسْتَوُوا عَلَيْهِ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ، ويُنْزِلُوا الوَحْيَ إلى مَن يَخْتارُونَ ويَسْتَصْوِبُونَ. وفِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ ما لا غايَةَ وراءَهُ، والسَّبَبُ في الأصْلِ هو الوَصْلَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأسْبابِ السَّماواتُ؛ لِأنَّها أسْبابُ الحَوادِثِ السُّفْلِيَّةِ، وقِيلَ: أبْوابُها.
ص 38:11
﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ أيْ: هم جُنْدٌ ما مِنَ الكُفّارِ المُتَحَزِّبِينَ عَلى الرُّسُلِ مَهْزُومٌ مَكْسُورٌ عَمّا قَرِيبٌ فَلا تُبالِ بِما يَقُولُونَ، ولا تَكْتَرِثْ بِما يَهْذُوَنَ، و "ما" مَزِيدَةٌ لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ، (p-217)نَحْوَ قَوْلِكَ: أكَلْتُ شَيْئًا ما. وقِيلَ: لِلتَّعْظِيمِ عَلى الهُزْءِ، وهُنالِكَ إشارَةٌ إلى حَيْثُ وضَعُوا فِيهِ أنْفُسَهم مِنَ الِانْتِدابِ لِمِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ العَظِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:12
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ . . . إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ بِبَيانِ أحْوالِ العُتاةِ الطُّغاةِ الَّذِينَ هَؤُلاءِ جُنْدٌ ما مِن جُنُودِهِمْ مِمّا فَعَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ، وفُعِلَ بِهِمْ مِنَ العِقابِ. وذُو الأوْتادِ مَعْناهُ ذُو المُلْكِ الثّابِتِ، أصْلُهُ مِن ثَباتِ البَيْتِ المُطَنَّبِ بِأوْتادٍ، فاسْتُعِيرَ لِثَباتِ المُلْكِ ورُسُوخِ السَّلْطَنَةِ، واسْتِقامَةِ الأمْرِ. قالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ:
؎ ولَقَدْ غَنُوا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ *** في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ
أوْ ذُو الجُمُوعِ الكَثِيرَةِ سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ بَعْضَهم يَشُدُّ بَعْضًا كالوَتَدِ يَشُدُّ البِناءَ. وقِيلَ: نَصَبَ أرْبَعَ سَوارٍ، وكانَ يَمُدُّ يَدَيِ المُعَذَّبِ ورِجْلَيْهِ إلَيْهِما، ويَضْرِبُ عَلَيْها أوْتادًا، ويَتْرُكُهُ حَتّى يَمُوتَ. وقِيلَ: كانَ يَمُدُّهُ بَيْنَ أرْبَعَةِ أوْتادٍ في الأرْضِ، ويُرْسِلُ عَلَيْهِ العِقابَ والحَيّاتِ. وقِيلَ: كانَتْ لَهُ أوْتادٌ وحِبالٌ يُلْعَبُ بِها بَيْنَ يَدْيِهِ.
ص 38:13
﴿وَثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ أصْحابُ الغَيْضَةِ مِن قَوْمِ شُعَيْبِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ إمّا بَدَلٌ مِنَ الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ كَما أنَّ ذَلِكَ الكِتابَ بَدَلٌ مِن الم عَلى أحَدِ الوُجُوهِ، وفِيهِ فَضْلُ تَأْكِيدٍ وتَنْبِيهٍ عَلى أنَّهُمُ الَّذِينَ جُعِلَ الجُنْدُ المَهْزُومُ مِنهم. وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:14
﴿إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِتَكْذِيبِهِمْ، وبَيانًا لِكَيْفِيَّتِهِ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ، أيْ: ما كُلُّ أحَدٍ مِن آحادِ أُولَئِكَ الأحْزابِ، أوِ الأحْزابِ، أوْ ما كُلُّ حِزْبٍ مِنهم إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَ واحِدٍ مِنهم تَكْذِيبٌ لَهم جَمِيعًا لِاتِّفاقِ الكُلِّ عَلى الحَقِّ. وقِيلَ: ما كُلُّ حِزْبٍ إلّا كَذَّبَ رَسُولَهُ عَلى نَهْجِ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، أيْ: ما كُلُّ أحَدٍ مِنهم مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِحُكْمٍ إلّا مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ كَذَّبَ الرُّسُلَ، وقِيلَ: ما كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُخْبَرًا عَنْهُ بِخَبَرٍ إلّا مُخْبَرٌ عَنْهُ بِأنَّهُ كَذَّبَ الرُّسُلَ. وفي إسْنادِ التَّكْذِيبِ إلى الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ عَلى وجْهِ الإبْهامِ أوَّلًا، والإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنهم حِزْبٌ عَلى حِيالِهِ تَحَزَّبَ عَلى رَسُولِهِ ثانِيًا، وتَبْيِينِ كَيْفِيَّةِ تَكْذِيبِهِمْ بِالجُمْلَةِ الِاسْتِثْنائِيَّةِ ثالِثًا. فُنُونٌ مِنَ المُبالَغَةِ مُسَجَّلَةٌ عَلَيْهِمْ بِاسْتِحْقاقِ أشَدِّ العَذابِ وأفْظَعِهِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ: ثَبَتَ ووَقَعَ عَلى كُلٍّ مِنهم عِقابِي الَّذِي كانَتْ تُوجِبُهُ جِناياتُهم مِن أصْنافِ العُقُوباتِ المُفَصَّلَةِ في مَواقِعِها، وإمّا بِالمُبْتَدَأِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ خَبَرُهُ بِحَذْفِ العائِدِ، أيْ: إنْ كُلٌّ مِنهم. . . إلَخْ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن بَيانِ كَيْفِيَّةِ تَكْذِيبِهِمْ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُمُ الَّذِينَ جُعِلَ الجُنْدُ المَهْزُومُ مِنهم كَما ذُكِرَ. وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. والمَعْنى أنَّ الأحْزابَ الَّذِينَ جُعِلَ الجُنْدُ المَهْزُومُ مِنهم هم هُمْ، وأنَّهُمُ الَّذِينَ وُجِدَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ فَتَدَّبَّرْ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ خَبَرٌ والمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعادٌ﴾ . . . إلَخْ. أوْ قَوْلُهُ: ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ . . . إلَخْ. فَما يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ.
ص 38:15
(p-218)﴿وَما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ عِقابِ كُفّارِ مَكَّةَ إثْرَ بَيانِ عِقابِ أضْرابِهِمْ مِنَ الأحْزابِ الَّذِينَ أُخْبِرَ فِيما سَبَقَ بِأنَّهم جُنْدٌ حَقِيرٌ مِنهم مَهْزُومٌ عَنْ قَرِيبٍ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ انْتِظارَ السّامِعِ وتَرَقُّبَهُ إلى بَيانِهِ قَطْعًا، وفي الإشارَةِ إلَيْهِمْ بِهَؤُلاءِ تَحْقِيرٌ لِشَأْنِهِمْ، وتَهْوِينٌ لِأمْرِهِمْ. وأمّا جَعْلُهُ إشارَةً إلى الأحْزابِ بِاعْتِبارِ حُضُورِهِمْ بِحَسَبِ الذِّكْرِ، أوْ حُضُورِهِمْ في عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلَيْسَ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ أصْلًا، كَيْفَ لا، والِانْتِظارُ سَواءٌ كانَ حَقِيقَةً، أوِ اسْتِهْزاءً إنَّما يُتَصَوَّرُ في حَقِّ مَن لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلى أعْمالِهِ نَتائِجُها بَعْدُ ؟ وبَعْدَ ما بَيَّنَ عِقابَ الأحْزابِ، واسْتِئْصالَهم بِالمَرَّةِ لَمْ يَبْقَ مِمّا أُرِيدَ بَيانُهُ مِن عُقُوباتِهِمْ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ، وإنَّما الَّذِينَ في مَرْصَدِ الِانْتِظارِ كُفّارُ مَكَّةَ حَيْثُ ارْتَكَبُوا مِن عَظائِمِ الجَرائِمِ وكَبائِرِ الجَرائِرِ المُوجِبَةِ لِأشَدِّ العُقُوباتِ مِثْلَ ما ارْتَكَبَ الأحْزابُ أوْ أشَدَّ مِنهُ، ولَمّا يُلاقُوا بَعْدُ شَيْئًا مِن غَوائِلِها، أيْ: وما يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ الَّذِينَ هم أمْثالُ أُولَئِكَ الطَّوائِفِ المُهْلِكَةِ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لا بِمَعْنِيٍّ أنَّ عِقابَهم نَفْسَها بِما فِيها مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ، فَإنَّها داهِيَةٌ يَعُمُّ هَوْلُها جَمِيعَ الأُمَمِ بَرَّها وفاجِرَها، بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ حُلُولِ ما أعَدَّ لَهم مِنَ العِقابِ الفَظِيعِ إلّا هي حَيْثُ أُخِّرَتْ عُقُوبَتُهم إلى الآخِرَةِ لِما أنَّ تَعَذُّبَهم بِالِاسْتِئْصالِ حَسْبَما يَسْتَحِقُّونَهُ. والنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ خارِجٌ عَنِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ وأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّها النَّفْخَةُ الأُولى فَمِمّا لا وجْهَ لَهُ أصْلًا لِما أنَّهُ لا يُشاهَدُ هَوْلُها، ولا يُصْعَقُ بِها إلّا مَن كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِها، ولَيْسَ عِقابُهُمُ المَوْعُودُ واقِعًا عَقِيبَها، ولا العَذابُ المُطْلَقُ مُؤَخَّرٌ إلَيْها بَلْ يَحِلُّ بِهِمْ مِن حِينِ مَوْتِهِمْ.
﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ أيْ: مِن تَوَقُّفِ مِقْدارِ فَواقٍ، وهو ما بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الفاءِ، وهُما لُغَتانِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:16
﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ حِكايَةٌ لِما قالُوهُ عِنْدَ سَماعِهِمْ بِتَأْخِيرِ عِقابِهِمْ إلى الآخِرَةِ، أيْ: قالُوا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا مِنَ العَذابِ الَّذِي تُوعِدُنا بِهِ، ولا تُؤَخِّرْهُ إلى يَوْمِ الحِسابِ الَّذِي مَبْدَؤُهُ الصَّيْحَةُ المَذْكُورَةُ، والقِطُّ القِطَّةُ مِنَ الشَّيْءِ مِن قَطَّهُ إذا قَطَعَهُ. ويُقالُ لِصَحِيفَةِ الجائِزَةِ قِطٌّ؛ لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ القِرْطاسِ، وقَدْ فُسِّرَ بِها، أيْ: عَجِّلْ لَنا صَحِيفَةَ أعْمالِنا لِنَنْظُرَ فِيها. وقِيلَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعْدَ اللَّهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنها. وتَصْدِيرُ دُعائِهِمْ بِالنِّداءِ المَذْكُورِ لِلْإمْعانِ في الِاسْتِهْزاءِ كَأنَّهم يَدْعُونَ ذَلِكَ بِكَمالِ الرَّغْبَةِ والِابْتِهالِ.
ص 38:17
﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أمْثالِ هَذِهِ المَقالاتِ الباطِلَةِ.
﴿واذْكُرْ﴾ لَهم ﴿عَبْدَنا داوُدَ﴾ أيْ: قِصَّتَهُ تَهْوِيلًا لِأمْرِ المَعْصِيَةِ في أعْيُنِهِمْ، وتَنْبِيهًا لَهم عَلى كَمالِ قُبْحِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي. فَإنَّهُ ﷺ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِ واخْتِصاصِهِ بِعَظائِمِ النِّعَمِ والكَراماتِ لَمّا ألَمَّ بِصَغِيرَةٍ نَزَلَ عَنْ مَنزِلَتِهِ، ووَبَّخَتْهُ المَلائِكَةُ بِالتَّمْثِيلِ والتَّعْرِيضِ حَتّى تَفَطَّنَ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وأنابَ، ووُجِدَ مِنهُ ما يُحْكى مِن بُكائِهِ الدّائِبِ، وغَمِّهِ الواصِبِ، ونَدَمِهِ الدّائِمِ، فَما الظَّنُّ بِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الأذَلِّينَ (p-219)مِن كُلِّ ذَلِيلٍ المُرْتَكِبِينَ لِأكْبَرِ الكَبائِرِ المُصِرِّينَ عَلى أعْظَمِ المَعاصِي ؟ ! أوْ تَذَكَّرْ قِصَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وصُنْ نَفْسَكَ أنْ تَزِلَّ فِيما كُلِّفْتَ مِن مُصابِرَتِهِمْ، وتَحَمُّلِ أذِيَّتِهِمْ كَيْلا يَلْقاكَ ما لَقِيَهُ مِنَ المُعاتَبَةِ.
﴿ذا الأيْدِ﴾ أيْ: ذا القُوَّةِ. يُقالُ: فُلانٌ أيْدٌ، وذُو أيْدٍ. وآدٌ بِمَعْنًى وأيادِ كُلِّ شَيْءٍ ما يُتَقَوّى بِهِ.
﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ رَجّاعٌ إلى مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وهو تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذا الأيْدِ، ودَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ القُوَّةُ في الدِّينِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا، ويُفْطِرُ يَوْمًا، ويَقُومُ نِصْفَ اللَّيْلِ.
ص 38:18
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ قُوَّتِهِ في الدِّينِ، وأوابِيَّتِهِ إلى مَرْضاتِهِ تَعالى. و "مَعَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّسْخِيرِ، وإيثارُها عَلى اللّامِ، لِما أُشِيرَ إلَيْهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ مِن أنَّ تَسْخِيرَ الجِبالِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ تَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيها إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَتَسْخِيرِ الرِّيحِ وغَيْرِها لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والِاقْتِداءِ بِهِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِما بَعْدَها، وهو أقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما في سُورَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿يُسَبِّحْنَ﴾ أيْ: يُقَدِّسْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِصَوْتٍ يَتَمَثَّلُ لَهُ، أوْ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فِيها الكَلامَ، أوْ بِلِسانِ الحالِ. وقِيلَ: يَسِرْنَ مَعَهُ مِنَ السِّباحَةِ، وهو حالٌ مِنَ الجِبالِ وُضِعَ مَوْضِعَ مُسَبِّحاتٍ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ التَّسْبِيحِ حالًا بَعْدَ حالٍ، واسْتِئْنافٌ مُبِينٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّسْخِيرِ.
﴿بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ أيْ: ووَقْتِ الإشْراقِ، وهو حِينَ تُشْرِقُ. أيْ: تُضِيءُ، ويَصْفُو شُعاعُها، وهو وقْتُ الضُّحى، وأمّا شُرُوقُها فَطُلُوعُها. يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ ولَمّا تُشْرِقْ. وعَنْ أُمِّ هانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَلّى صَلاةَ الضُّحى، وقالَ: "هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ"» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما عَرَفْتُ صَلاةَ الضُّحى إلّا بِهَذِهِ الآيَةِ.
ص 38:19
﴿والطَّيْرَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجِبالِ ﴿مَحْشُورَةً﴾ حالٌ مِنَ "الطَّيْرَ"، والعامِلُ "سَخَّرْنا"، أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كانَ إذا سَبَّحَ جاوَبَتْهُ الجِبالُ بِالتَّسْبِيحِ، واجْتَمَعَتْ إلَيْهِ الطَّيْرُ فَسَبَّحَتْ، وذَلِكَ حَشْرُها. وقُرِئَ: ( والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِيَّةِ.
﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُصَرِّحٌ بِما فُهِمَ مِنهُ إجْمالًا مِن تَسْبِيحِ الطَّيْرِ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ لِأجْلِ تَسْبِيحِهِ رَجّاعٌ إلى التَّسْبِيحِ، ووَضَعُ الأوّابِ مَوْضِعَ المُسَبِّحِ، إمّا لِأنَّها كانَتْ تُرَجِّعُ التَّسْبِيحَ، والمُرَجِّعُ رَجّاعٌ؛ لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى فِعْلِهِ رُجُوعًا بَعْدَ رُجُوعٍ. وإمّا لِأنَّ الأوّابَ هو التَّوّابُ الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومِن دَأْبِهِ إكْثارُ الذِّكْرِ، وإدامَةُ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أيْ: كُلٌّ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ لِلَّهِ أوّابٌ، أيْ: مُسَبِّحٌ مُرَجِّعٌ لِلتَّسْبِيحِ.
ص 38:20
﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ بِالهَيْبَةِ والنُّصْرَةِ وكَثْرَةِ الجُنُودِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ. قِيلَ: كانَ يَبِيتُ حَوْلَ مِحْرابِهِ أرْبَعُونَ ألْفَ مُسْتَلْئِمٍ وقِيلَ: ادَّعى رَجُلٌ عَلى آخَرَ بَقَرَةً، وعَجَزَ عَنْ إقامَةِ البَيِّنَةِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ في المَنامِ أنِ اقْتُلِ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَتَأخَّرَ، فَأُعِيدَ الوَحْيُ في اليَقَظَةِ فَأعْلَمَهُ الرَّجُلُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَأْخُذْنِي (p-220)بِهَذا الذَّنْبِ، ولَكِنْ بِأنِّي قَتَلْتُ أبا هَذا غِيلَةً. فَقالَ النّاسُ: إنْ أذْنَبَ أحَدٌ ذَنْبًا أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، فَهابُوهُ، وعَظُمَتْ هَيْبَتُهُ في القُلُوبِ.
﴿وَآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ النُّبُوَّةَ، وكَمالَ العِلْمِ، وإتْقانَ العَمَلِ. وقِيلَ: الزَّبُورَ، وعِلْمَ الشَّرائِعِ. وقِيلَ: كُلُّ كَلامٍ وافَقَ الحَقَّ فَهو حِكْمَةٌ.
﴿وَفَصْلَ الخِطابِ﴾ أيْ: فَصْلَ الخِصامِ بِتَمْيِيزِ الحَقِّ عَنِ الباطِلِ، أوِ الكَلامَ المُلَخَّصَ الَّذِي يُنَبِّهُ المُخاطَبَ عَلى المَرامِ مِن غَيْرِ التِباسٍ لِما قَدْ رُوعِيَ فِيهِ مَظانُّ الفَصْلِ والوَصْلِ والعَطْفِ والِاسْتِئْنافِ والإظْهارِ والإضْمارِ والحَذْفِ والتَّكْرارِ، وإنَّما سُمِّيَ بِهِ أمّا بَعْدُ؛ لِأنَّهُ يَفْصِلُ المَقْصُودَ عَمّا سَبَقَ تَمْهِيدًا لَهُ كالحَمْدِ والصَّلاةِ. وقِيلَ: هو الخِطابُ الفَصْلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إيجازٌ مُخِلٌّ، ولا إطْنابٌ مُمِلٌّ، كَما جاءَ في نَعْتِ كَلامِ النُّبُوَّةِ فَصْلٌ لا نَزْرٌ ولا هَذْرٌ.
ص 38:21
﴿وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّشْوِيقُ إلى اسْتِماعِ ما في حَيِّزِهِ؛ لِإيذانِهِ بِأنَّهُ مِنَ الأنْباءِ البَدِيعَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَشِيعَ فِيما بَيْنَ كُلِّ حاضِرٍ وبادٍ. والخَصْمُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وما فَوْقَهُ كالضَّيْفِ، ومَعْنى خَصْمانِ فَرِيقانِ.
﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ إذْ تَصَعَّدُوا سُورَهُ، ونَزَلُوا إلَيْهِ. والسُّورُ الحائِطُ المُرْتَفِعُ، ونَظِيرُهُ تَسَنَّمَهُ إذا عَلا سَنامَهُ، وتَذَرّاهُ إذا عَلا ذِرْوَتَهُ. و "إذْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: نَبَأُ تَحاكُمُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا، أوْ بِالنَّبَأِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الواقِعُ في عَهْدِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ إسْنادَهُ الإتْيانُ إلَيْهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: قِصَّةُ نَبَأِ الخَصْمِ، أوْ بِالخَصْمِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الخُصُومَةِ، لا بِأتى لِأنَّ إتْيانَهُ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ. وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:22
﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ، أوْ ظَرْفٌ لِتَسَوَّرُوا.
﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ رُوِيَ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ في صُورَةِ إنْسانَيْنِ. قِيلَ: هُما جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَطَلَبا أنْ يَدْخُلا عَلَيْهِ فَوَجَداهُ في يَوْمِ عِبادَتِهِ فَمَنَعَهُما الحَرَسُ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِ المِحْرابَ بِمَن مَعَهُما مِنَ المَلائِكَةِ، فَلَمْ يَشْعُرْ إلّا وهُما بَيْنَ يَدَيْهِ جالِسانِ فَفَزِعَ مِنهُمْ؛ لِأنَّهم نَزَلُوا عَلَيْهِ مِن فَوْقُ عَلى خِلافِ العادَةِ، والحَرَسُ حَوْلَهُ في غَيْرِ يَوْمِ الحُكُومَةِ والقَضاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَزَّأ زَمانَهُ أرْبَعَةَ أجْزاءٍ يَوْمًا لِلْعِبادَةِ، ويَوْمًا لِلْقَضاءِ، ويَوْمًا لِلِاشْتِغالِ بِخاصَّةِ نَفْسِهِ، ويَوْمًا لِلْوَعْظِ والتَّذْكِيرِ.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ فَزَعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتِ المَلائِكَةُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِفَزَعِهِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا: إزالَةً لِفَزَعِهِ.
﴿لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أيْ: نَحْنُ فَوْجانِ مُتَخاصِمانِ عَلى تَسْمِيَةِ مُصاحِبِ الخَصْمِ خَصْمًا.
﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى الفَرْضِ وقَصْدِ التَّعَرُّضِ فَلا كَذِبَ فِيهِ.
﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في الحُكُومَةِ. وقُرِئَ: ( ولا تَشْطُطْ ) أيْ: لا تَبْعُدُ عَنِ الحَقِّ. وقُرِئَ: ( ولا تُشاطِطْ ) وكُلُّها مِن مَعْنى الشَّطَطِ، وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ وتَخَطِّي الحَقِّ.
﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ إلى وسَطِ طَرِيقِ الحَقِّ بِزَجْرِ الباغِي عَمّا سَلَكَهُ مِن طَرِيقِ الجَوْرِ، وإرْشادِهِ إلى مِنهاجِ العَدْلِ.
ص 38:23
(p-221)﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما فِيهِ الخُصُومَةُ، أيْ: أخِي في الدِّينِ، أوْ في الصُّحْبَةِ والتَّعَرُّضُ لِذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ كَمالِ قُبْحِ ما فَعَلَ بِهِ صاحِبُهُ.
﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةً واحِدَةٌ﴾ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُكَنّى بِها عَنِ المَرْأةِ، والكِنايَةُ والتَّعْرِيضُ أبْلَغُ في المَقْصُودِ. وقُرِئَ: ( تَسْعٌ وتَسْعُونَ ) بِفَتْحِ التّاءِ، و ( نِعْجَةٌ ) بِكَسْرِ النُّونِ. وقُرِئَ: ( ولِي نَعْجَةٌ ) بِسُكُونِ الياءِ.
﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: مَلِّكْنِيها، وحَقِيقَتُهُ اجْعَلْنِي أكْفُلُها كَما أكْفُلُ ما تَحْتَ يَدِي. وقِيلَ: اجْعَلْها كِفْلِي، أيْ: نَصِيبِي.
﴿وَعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي في مُخاطَبَتِهِ إيّايَ مَحاجَّةً بِأنْ جاءَ بِحِجاجٍ لَمْ أقْدِرْ عَلى رَدِّهِ، أوْ في مُغالَبَتِهِ إيّايَ، في الخِطْبَةِ يُقالُ: خَطَبْتُ المَرْأةَ وخَطَبَها هو فَخاطَبَنِي خِطابًا، أيْ: غالَبَنِي في الخِطْبَةِ فَغَلَبَنِي حَيْثُ زُوِّجَها دُونِي. وقُرِئَ: ( وعازَّنِي ) أيْ: غالَبَنِي وعَزَنِي بِتَخْفِيفِ الزّايِ طالِبًا لِلْخِفَّةِ، وهو تَخْفِيفٌ غَرِيبٌ كَأنَّهُ قِيسَ عَلى ظَلْتُ ومَسْتُ.
ص 38:24
﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَصَدَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُبالَغَةَ في إنْكارِ فِعْلِ صاحِبِهِ، وتَهْجِينَ طَمَعِهِ في نَعْجَةِ مَن لَيْسَ لَهُ غَيْرُها مَعَ أنَّ لَهُ قَطِيعًا مِنها، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ اعْتِرافِ صاحِبِهِ بِما ادَّعاهُ عَلَيْهِ، أوْ بَناهُ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِ المُدَّعِي. والسُّؤالُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وتَعْدِيَتُهُ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإضافَةِ والضَّمِّ.
﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ أيِ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ خَلَطُوا أمْوالَهم ﴿لَيَبْغِي﴾ لَيَتَعَدّى. وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ عَلى تَقْدِيرِ النُّونِ الخَفِيفَةِ وحَذْفِها، وبِحَذْفِ الياءِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ.
﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ غَيْرُ مُراعٍ لِحَقِّ الصُّحْبَةِ والشِّرْكَةِ.
﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مِنهم فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ عَنِ البَغْيِ والعُدْوانِ ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وهم قَلِيلٌ. و "ما" مَزِيدَةٌ لِلْإبْهامِ والتَّعَجُّبِ مِن قِلَّتِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.
﴿وَظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ الظَّنُّ مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشابَهَةِ الظّاهِرَةِ، أيْ: عَلِمَ بِما جَرى في مَجْلِسِ الحُكُومَةِ، وقِيلَ: لَمّا قَضى بَيْنَهُما ما نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ صَعِدا إلى السَّماءِ حِيالَ وجْهِهِ فَعَلِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ تَعالى ابْتَلاهُ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى تَخْصِيصِ الفِتْنَةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ غَيْرِهِ، بِتَوَجِّيِهِ القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن كَلِمَةِ "إنَّما" إلى المَفْعُولِ بِالقِياسِ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ كَما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ الوارِدُ عَلى تَوْجِيهِ القَصْرِ إلى مُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وقُيُودِهِ، بِاعْتِبارِ النَّفْيِ فِيهِ والإثْباتِ فِيها، كَما في مَثَلِ قَوْلِكَ: إنَّما ضَرَبْتُ زَيْدًا، وإنَّما ضَرْبَتُهُ تَأْدِيبًا، بَلْ عَلى تَخْصِيصِ حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالفِتْنَةِ بِتَوْجِيهِ القَصْرِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالقِياسِ إلى ما يُغايِرُهُ مِنَ الأفْعالِ لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ النَّفْيِ والإثْباتِ مَعًا في خُصُوصِيَّةِ الفِعْلِ فَإنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ قَطْعًا، بَلْ بِاعْتِبارِ النَّفْيِ فِيما فِيهِ مِن مَعْنى مُطْلَقِ الفِعْلِ، واعْتِبارِ الإثْباتِ فِيما يُقارِنُهُ مِنَ المَعْنى المَخْصُوصِ فَإنَّ كُلَّ فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ المَخْصُوصَةِ يَنْحَلُّ (p-222)عِنْدَ التَّحْقِيقِ إلى مَعْنًى مُطْلَقٍ هو مَدْلُولُ لَفْظِ الفِعْلِ، وإلى مَعْنًى مَخْصُوصٍ يُقارِنُهُ ويُقَيِّدُهُ، وهو أثَرُهُ في الحَقِيقَةِ. فَإنَّ مَعْنى نَصَرَ مَثَلًا فَعَلَ النَّصْرَ يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهم مَعْنى فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ يَفْعَلُ الإعْطاءَ والمَنعَ، فَمَوْرِدُ القَصْرِ في الحَقِيقَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ بِاعْتِبارِ النَّفْيِ فِيهِ والإثْباتِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ، فالمَعْنى وعَلِمَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّما فَعَلْنا بِهِ الفِتْنَةَ لا غَيْرَ. قِيلَ: ابْتَلَيْناهُ بِامْرَأةِ أُورِيّا، وقِيلَ: امْتَحَنّاهُ بِتِلْكَ الحُكُومَةِ، هَلْ يُتَنَبَّهُ بِها لِما قُصِدَ مِنها ؟ وإيثارُ طَرِيقِ التَّمْثِيلِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ، فَإنَّ التَّأمُّلَ فِيهِ إذا أدّاهُ إلى الشُّعُورِ بِما هو الغَرَضُ كانَ أوْقَعَ في نَفْسِهِ، وأعْظَمُ تَأْثِيرًا في قَلْبِهِ، وأدْعى إلى التَّنَبُّهِ لِلْخَطَأِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ حُرْمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتُرْكِ المُجاهَرَةِ، والإشْعارُ بِأنَّهُ أمْرٌ يَسْتَحْيِي مِنَ التَّصْرِيحِ بِهِ. وتَصْوِيرُهُ التَّحاكُمُ لِإلْجائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى التَّصْرِيحِ بِنِسْبَةِ نَفْسِهِ إلى الظُّلْمِ، وتَنْبِيهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ أُورِيّا بِصَدَدِ الخِصامِ.
﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ إثْرَ ما عُلِمَ أنَّ ما صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ ﴿وَخَرَّ راكِعًا﴾ أيْ: ساجِدًا عَلى تَسْمِيَةِ السُّجُودِ رُكُوعًا لِأنَّهُ مَبْدَؤُهُ. أوْ خَرَّ لِلسُّجُودِ راكِعًا، أيْ: مُصَلِّيًا كَأنَّهُ أحْرَمَ بِرَكْعَتَيِ الِاسْتِغْفارِ.
﴿وَأنابَ﴾ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ. وأصْلُ القِصَّةِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى امْرَأةَ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ أُورِيّا، فَمالَ قَلْبُهُ إلَيْها فَسَألَهُ أنْ يُطْلِقَها فاسْتَحْيَ أنْ يَرُدَهُ فَفَعَلَ فَتَزَوَّجَها. وهي أُمُّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانَ ذَلِكَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِ مُعْتادًا فِيما بَيْنُ أُمَّتِهِ، غَيْرَ مُخِلٍّ بِالمُرُوءَةِ حَيْثُ كانَ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ فَيَتَزَوَّجُها إذا أعْجَبَتْهُ، وقَدْ كانَ الأنْصارُ في صَدْرِ الإسْلامِ يُواسُونَ المُهاجِرِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، خَلا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَظَمِ مَنزِلَتِهِ، وارْتِفاعِ مَرْتَبَتِهِ، وعُلُوِّ شَأْنِهِ نُبِّهَ بِالتَّمْثِيلِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَعاطى ما يَتَعاطاهُ آحادُ أُمَّتِهِ، ويَسْألَ رَجُلًا لَيْسَ لَهُ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ أنْ يَنْزِلَ عَنْها فَيَتَزَوَّجُها مَعَ كَثْرَةِ نِسائِهِ، بَلْ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُغالِبَ هَواهُ، ويَقْهَرَ نَفْسَهُ، ويَصْبِرَ عَلى ما امْتُحِنَ بِهِ. وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ أُورِيّا تَزَوَّجَها، بَلْ كانَ خَطْبُها، ثُمَّ خَطَبَها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَآثَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أهْلَها، فَكانَ ذَنَبُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ خَطْبَ عَلى خُطْبَةِ أخِيهِ المُسْلِمِ هَذا. وأمّا ما يُذْكَرُ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَخَلَ ذاتَ يَوْمٍ مِحْرابَهُ، وأغْلَقَ بابَهُ، وجَعَلَ يُصَلِّي ويَقْرَأُ الزَّبُورَ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ جاءَهُ الشَّيْطانُ في صُورَةِ حَمامَةٍ مِن ذَهَبٍ فَمَدَّ يَدَهُ لِيَأْخُذَها لِابْنٍ صَغِيرٍ لَهُ فَطارَتْ، فامْتَدَّ إلَيْها فَطارَتْ فَوَقَعَتْ في كُوَّةٍ، فَتَبِعَها فَأبْصَرَ امْرَأةً جَمِيلَةً قَدْ نَقَضَتْ شَعْرَها، فَغَطّى بَدَنَها. وهي امْرَأةُ أُورِيّا. وهو مِن غَزاةِ البَلْقاءِ، فَكَتَبَ إلى أيُّوبَ بْنِ صُورِيّا، وهو صاحِبُ بَعْثِ البَلْقاءِ أنِ ابْعَثْ بْعَثْ أُورِيًّا، وقَدِّمْهُ عَلى التّابُوتِ. وكانَ مَن يَتَقَدَّمُ عَلى التّابُوتِ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَرْجِعَ حَتّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلى يَدْيِهِ، أوْ يُسْتَشْهَدَ، فَفَتَحَ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ وسَلِمَ، فَأمَرَ بِرَدِّهِ مَرَّةً أُخْرى، وثالِثَةً حَتّى قُتِلَ، وأتاهُ خَبَرُ قَتْلِهِ، فَلَمْ يَحْزَنْ كَما كانَ يَحْزَنُ عَلى الشُّهَداءِ، وتَزَوَّجَ امْرَأتَهُ. فَإفْكٌ مُبْتَدَعٌ مَكْرُوهٌ، ومَكْرٌ مُخْتَرَعٌ بِئْسَما مَكْرُوهٌ تَمُجُّهُ الأسْماعُ، وتَنْفِرُ عَنْهُ الطِّباعُ، ويْلٌ لِمَنِ ابْتَدَعَهُ وأشاعَهُ، وتَبًّا لِمَنِ اخْتَرَعَهُ وأذاعَهُ. ولِذَلِكَ قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَن حَدَّثَ بِحَدِيثِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما يَرْوِيهِ القَصّاصُ جِلْدَتُهُ مِائَةً وسِتِّينَ. وذَلِكَ حَدُّ الفِرْيَةِ عَلى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ هَذا، وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْمًا قَصَدُوا أنْ يَقْتُلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَتَسَوَّرُوا المِحْرابَ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ، فَوَجَدُوا عِنْدَهُ أقْوامًا، فَتَصَنَّعُوا بِهَذا التَّحاكُمِ. فَعَلِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَرَضَهُمْ، فَهَمَّ بِأنْ يَنْتَقِمَ مِنهُمِ، فَظَنَّ أنَّ ذَلِكَ ابْتِلاءٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ مِمّا هَمَّ بِهِ وأنابَ.
ص 38:25
(p-223)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما اسْتَغْفَرَ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلّا لِصَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، أوْ لِما لا بُدَّ مِنهُ، ولا يَرْقَأُ دَمْعُهُ حَتّى نَبَتَ مِنهُ العُشْبُ إلى رَأْسِهِ، ولَمْ يَشْرَبْ ماءً إلّا ثُلُثاهُ دَمْعٌ، وجَهَدَ نَفْسَهُ راغِبًا إلى اللَّهِ تَعالى في العَفْوِ عَنْهُ، حَتّى كادَ يَهْلَكُ، واشْتَغَلَ بِذَلِكَ عَنِ المُلْكِ حَتّى وثَبَ ابْنٌ لَهُ يُقالُ لَهُ إيشا عَلى مُلْكِهِ، ودَعا إلى نَفْسِهِ فاجْتَمَعَ إلَيْهِ أهْلُ الزَّيْغِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا غُفِرَ لَهُ حارَبَهُ؛ فَهَزَمَهُ.
﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ لَقَرابَةً وكَرامَةً بَعْدَ المَغْفِرَةِ.
﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ حُسْنَ مَرْجِعٍ في الجَنَّةِ.
ص 38:26
﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ إمّا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُبَيِّنَةٌ لِزُلْفاهُ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، وإمّا مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو مَعْطُوفٌ عَلى غَفَرْنا، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: وقُلْنا لَهُ أوْ قائِلِينَ لَهُ يا داوُدُ. . . إلَخْ. أيِ: اسْتَخْلَفْناكَ عَلى المُلْكِ فِيها والحُكْمِ فِيما بَيْنَ أهْلِها، أوْ جَعَلْناكَ خَلِيفَةً مِمَّنْ كانَ قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ القائِمِينَ بِالحَقِّ. وفِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ حالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ التَّوْبَةِ كَما كانَتْ قَبْلَها لَمْ تَتَغَيَّرْ قَطُّ.
﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الخِلافَةَ بِكِلا مَعْنَيَيْهِ مُقْتَضِيَةٌ لَهُ حَتْمًا.
﴿وَلا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ أيْ: هَوى النَّفْسِ في الحُكُوماتِ وغَيْرِها مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا.
﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ، وقِيلَ: هو مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى النَّهْيِ مَفْتُوحٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أيْ: فَيَكُونُ الهَوى أوِ اتِّباعُهُ سَبَبًا لِضَلالِكَ عَنْ دَلائِلِهِ الَّتِي نَصَبَها عَلى الحَقِّ تَكْوِينًا وتَشْرِيعًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ غائِلَتِهِ، وإظْهارِ سَبِيلِ اللَّهِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإيذانِ بِكَمالِ شَناعَةِ الضَّلالِ عَنْهُ.
﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ ومُبْتَدَأٍ وقَعَتْ خَبَرًا لِأنَّ، أوِ الظَّرْفُ خَبَرٌ لِأنَّ. و "عَذابٌ" مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ.
﴿بِما نَسُوا﴾ بِسَبَبِ نِسْيانِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ الحِسابِ﴾ إمّا مَفْعُولٌ لَنَسُوا، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا صَرِيحًا لِثُبُوتِ العَذابِ الشَّدِيدِ لَهم بِنِسْيانِ يَوْمِ الحِسابِ بَعْدَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما يَسْتَتْبِعُهُ ويَسْتَلْزِمُهُ أعْنِي الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِنِسْيانِ يَوْمِ الحِسابِ بِالمَرَّةِ، بَلْ هَذا فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ، أوْ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "لَهُمْ" أيْ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ يَوْمَ القِيامَةِ بِسَبَبِ نِسْيانِهِمُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ ضَلالِهِمْ، ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ سَبِيلَ اللَّهِ فَيَكُونُ التَّعْلِيلُ المُصَرَّحُ بِهِ حِينَئِذٍ عَيْنَ التَّعْلِيلِ المُشْعِرِ بِهِ بِالذّاتِ غَيْرُهُ بِالعُنْوانِ، ومَن لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا السِّرِّ السِّرِّيِّ. قالَ: بِسَبَبِ نِسْيانِهِمْ، وهو ضَلالُهم عَنِ السَّبِيلِ، فَإنَّ تَذَكُّرَهُ يَقْتَضِي مُلازَمَةَ الحَقِّ ومُخالَفَةَ الهَوى، فَتَدَبَّرْ.
ص 38:27
﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ (p-224)مِن أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ، أيْ: وما خَلَقْناهُما وما بَيْنَهُما مِنَ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا النِّظامِ البَدِيعِ الَّذِي تَحارُ في فَهْمِهِ العُقُولُ خَلْقًا باطِلًا، أيْ: خالِيًا عَنِ الغايَةِ الجَلِيلَةِ، والحِكْمَةِ الباهِرَةِ، بَلْ مَنطَوِيًا عَلى الحَقِّ المُبِينِ، والحِكَمِ البالِغَةِ حَيْثُ خَلَقْنا مِن بَيْنِ ما خَلَقْنا نُفُوسًا أوْدَعْناها العَقْلَ والتَّمْيِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والنّافِعِ والضّارِّ، ومَكَّنّاها مِنَ التَّصَرُّفاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ في اسْتِجْلابِ مَنافِعِها واسْتِدْفاعِ مَضارِّها، ونَصَبْنا لِلْحَقِّ دَلائِلَ آفافِيَّةً وأنْفُسِيَّةً، ومَنَحْناها القُدْرَةَ عَلى الِاسْتِشْهادِ بِها، ثُمَّ لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ المِقْدارِ مِنَ الألْطافِ، بَلْ أرْسَلْنا إلَيْها رُسُلًا، وأنْزَلْنا عَلَيْها كِتابًا بَيِّنًا فِيها كُلُّ دَقِيقٍ وجَلِيلٍ، وأزَحْنا عِلَلَها بِالكُلِّيَّةِ، وعَرَضْناها بِالتَّكْلِيفِ لِلْمَنافِعِ العَظِيمَةِ، وأعْدَدْنا لَها عاقِبَةً وجَزاءً عَلى حَسَبِ أعْمالِها.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما نُفِيَ مِن خَلْقِ ما ذُكِرَ باطِلًا.
﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مَظْنُونُهم. فَإنَّ جُحُودَهم بِأمْرِ البَعْثِ والجَزاءِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ تَكْوِينِ العالَمِ قَوْلٌ مِنهم بِبُطْلانِ خَلْقِ ما ذُكِرَ، وخُلُوِّهِ عَنِ الحِكْمَةِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و "الفاءُ" لِإفادَةِ تَرَتُّبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى ظَنِّهِمُ الباطِلِ، كَما أنَّ وضْعَ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِعِلِّيَّةِ كُفْرِهِمْ لَهُ، ولا تَنافِي بَيْنَهُما؛ لِأنَّ ظَنَّهم مِن بابِ كُفْرِهِمْ. ومِن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ النّارِ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ ونَظائِرِهِ مُفِيدَةٌ لِعِلِّيَّةِ النّارِ لِثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم صَرِيحًا بَعْدَ الإشْعارِ بِعَلِيَّةِ ما يُؤَدِّي إلَيْها مِن ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ، أيْ: فَوَيْلٌ لَهم بِسَبَبِ النّارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ.
ص 38:28
﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ، وما فِيها مِن بَلْ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ عَنْ تَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ بِما مَرَّ مِن نَفْيِ خَلْقِ العالِمِ خالِيًا عَنِ الحِكَمِ والمَصالِحِ إلى تَقْرِيرِهِ وتَحْقِيقِهِ بِما في الهَمْزَةِ مِن إنْكارِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، ونَفْيِها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، أيْ: بَلْ أنَجْعَلُ المُؤْمِنِينَ المُصْلِحِينَ كالكَفَرَةِ المُفْسِدِينَ في أقْطارِ الأرْضِ، كَما يَقْتَضِيهِ عَدَمُ البَعْثَ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ لِاسْتِواءِ الفَرِيقَيْنِ في التَّمَتُّعِ بِالحَياةِ الدُّنْيا بَلِ الكَفَرَةُ أوْفَرُ حَظًّا مِنها مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكِنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ مُحالٌ. فَتَعَيُّنُ البَعْثِ والجَزاءِ حَتْمًا لِرَفْعِ الأوَّلِينَ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، ورَدِّ الآخَرِينَ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ إضْرابٌ، وانْتِقالٌ عَنْ إثْباتِ ما ذُكِرَ بِلُزُومِ المُحالِ الَّذِي هو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى الإطْلاقِ إلى إثْباتِهِ بِلُزُومِ ما هو أظْهَرُ مِنهُ اسْتِحالَةً، وهو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أتْقِياءِ المُؤْمِنِينَ، وأشْقِياءِ الكَفَرَةِ، وحَمْلُ الفُجّارِ عَلى فَجَرَةِ المُؤْمِنِينَ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ عَيْنُ الأوَّلِينَ، ويَكُونُ التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ وصْفَيْنِ آخَرَيْنِ هُما أدْخَلُ في إنْكارِ التَّسْوِيَةِ مِنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وقِيلَ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ما تُعْطَوْنَ. فَنَزَلَتْ.
ص 38:29
﴿كِتابٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو عِبارَةٌ عَنِ القرآن، أوِ السُّورَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ صِفَتُهُ. (p-225)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُبارَكٌ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ صِفَةٌ لِكِتابٍ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الوَصْفِ الصَّرِيحِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ. وقُرِئَ: ( مُبارَكًا ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( أنْزَلْنا ) ومَعْنى المُبارَكِ: الكَثِيرُ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "أنْزَلْناهُ" أيْ: أنْزَلْناهُ لِيَتَفَكَّرُوا في آياتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآياتُ المُعْرَبَةُ عَنْ أسْرارِ التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ، فَيَعْرِفُوا ما يُدَبِّرُ ظاهِرَها مِنَ المَعانِي الفائِقَةِ والتَّأْوِيلاتِ اللّائِقَةِ. وقُرِئَ: ( لِيَتَدَبَّرُوا ) عَلى الأصْلِ، و "لِتَدَّبَّرُوا" عَلى الخِطابِ، أيْ: أنْتَ وعُلَماءُ أُمَّتِكَ. بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.
﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألباب﴾ أيْ: ولِيَتَّعِظَ بِهِ ذَوُو العُقُولِ السَّلِيمَةِ، أوْ لِيَسْتَحْضِرُوا ما هو كالمَرْكُوزِ في عُقُولِهِمْ مِن فَرْطِ تَمَكُّنِهِمْ مِن مَعْرِفَتِهِ لِما نُصِبِ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ، فَإنَّ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِما لا يُعْرَفُ إلّا بِالشَّرْعِ، ومُرْشِدَةٌ إلى ما لا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلَيْهِ.
ص 38:30
﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ وقُرِئَ: ( نِعْمَ العَبْدُ ) أيْ: سُلَيْمانُ. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَأْخِيرُهُ عَنْ داوُدَ مَعَ كَوْنِهِ مَفْعُولًا صَرِيحًا لِـ "وَهَبْنا" ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ أيْ: رَجّاعٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ، أوْ إلى التَّسْبِيحِ مَرْجِّعٌ لَهُ. تَعْلِيلٌ لِلْمَدْحِ، وهو مِن حالِهِ لِما أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ في قَوْلِهِ تَعالى:
ص 38:31
﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ راجِعٌ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَطْعًا، و "إذْ" مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ، أيِ: اذْكُرْ ما صَدَرَ عَنْهُ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ.
﴿بِالعَشِيِّ﴾ هو مِنَ الظُّهْرِ إلى آخِرِ النَّهارِ.
﴿الصّافِناتُ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ بِأنَّهُ أوّابٌ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِـ "أوّابٌ"، وقِيلَ: لِـ "نِعْمَ" . وتَأْخِيرُ "الصّافِناتِ" عَنِ الظَّرْفَيْنِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والصّافِنُ مِنَ الخَيْلِ الَّذِي يَقُومُ عَلى طَرَفِ سُنْبُكِ يَدٍ أوْ رِجْلٍ، وهو مِنَ الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ في الخَيْلِ لا يَكادُ يُنْفَقُ إلّا في العِرابِ الخُلَّصِ وقِيلَ: هو الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيهِما، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى سُنْبُكِهِ فَهو المُخِيمُ.
﴿الجِيادُ﴾ جَمْعُ جَوادٍ وُجُودٍ، وهو الَّذِي يُسْرَعُ في جَرْيِهِ، وقِيلَ: الَّذِي يَجُودُ عِنْدَ الرَّكْضِ، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِالصُّفُونِ والجَوْدَةِ لِبَيانِ جَمْعِها بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَحْمُودَيْنِ واقِفَةً وجارِيَةً، أيْ: إذا وقَفَتْ كانَتْ ساكِنَةً مُطْمَئِنَّةً في مَواقِفِها، وإذا جَرَتْ كانَتْ سِراعًا خِفافًا في جَرْيِها، وقِيلَ: هو جَمْعٌ جَيِّدٌ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَزا أهْلَ دِمَشْقَ ونَصِيبِينَ وأصابَ ألْفَ فَرَسٍ، وقِيلَ: أصابَها أبُوهُ مِنَ العَمالِقَةِ فَوَرِثَها مِنهُ، وقِيلَ: خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ لَها أجْنِحَةٌ فَقَعَدَ يَوْمًا بَعْدَما صَلّى الظُّهْرَ عَلى كُرْسِيِّهِ فاسْتَعْرَضَها فَلَمْ تَزَلْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وغَفَلَ عَنِ العَصْرِ، أوْ عَنْ وِرْدٍ كانَ لَهُ مِنَ الذِّكْرِ وقْتَئِذٍ. وتَهَيَّبُوهُ فَلَمْ يُعَلْمُوهُ فاغْتَمَّ لِما فاتَهُ فاسْتَرَدَّها فَعَقَرَها، تَقَرُّبًا لِلَّهِ تَعالى، وبَقِيَ مِائَةٌ فَما في أيْدِي النّاسِ مِنَ الجِيادِ، فَمِن نَسْلِها، وقِيلَ: لَمّا عَقَرَها أبْدَلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنها، وهي الرِّيحُ تَجْرِي بِأمْرِهِ.
ص 38:32
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ اعْتِرافًا بِما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِها عَنِ الصَّلاةِ، ونَدَمًا عَلَيْهِ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الأمْرِ بِرَدِّها وعَقْرِها. والتَّعْقِيبُ بِاعْتِبارِ أواخِرِ العَرْضِ المُسْتَمِرِّ دُونَ ابْتِدائِهِ، (p-226)والتَّأْكِيدُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ اعْتِرافَهُ ونَدَمَهُ عَنْ صَمِيمِ القَلْبِ لا لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الخَبَرِ. وأصْلُ "أحْبَبْتُ" أنْ يُعَدّى بِعَلى؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى آثَرْتُ لَكِنْ لَمّا أُنِيبَ مَنابِ أنْبَتَ عُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ، و "حُبَّ الخَيْرِ" مَفْعُولُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، ووَضَعْتُهُ مَوْضِعَهُ، وخَيْرُ المالُ الكَثِيرُ. والمُرادُ بِهِ الخَيْلُ الَّتِي شَغَلَتْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سَمّاها خَيْرًا لِتَعَلُّقِ الخَيْرِ بِها. قالَ ﷺ: ﴿الخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَواصِي الخَيْلِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ . وقُرِئَ: ( أنِّي ) ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ "أحْبَبْتُ" بِاعْتِبارِ اسْتِمْرارِ المَحَبَّةِ ودَوامِها حَسَبَ اسْتِمْرارِ العَرْضِ، أيْ: أنَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ حَتّى تَوارَتْ، أيْ: غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَشْبِيهًا لِغُرُوبِها في مَغْرِبِها بِتَوارى المُخَبَّأةِ بِحِجابِها، وإضْمارِها مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِدَلالَةِ العَشِيِّ عَلَيْها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلـ "صافِناتُ" أيْ: حَتّى تَوارَتْ بِحِجابِ اللَّيْلِ، أيْ: بِظَلامِهِ.
ص 38:33
﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ مِن تَمامِ مُقالَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَرْمى غَرَضِهِ مِن تَقْدِيمٍ ماِ قَدَّمَهُ، ومَن لَمْ يَتَنَبَّهُ لَهُ مَعَ ظُهُورِهِ تَوَهَّمَ أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمُضْمَرٍ هو جَوابٌ لِمُضْمَرٍ آخَرَ كَأنَّ سائِلًا قالَ: فَماذا قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ فَقِيلَ: قالَ: رَدَّها. فَتَأمَّلْ. و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ جُمْلَةٍ قَدْ حُذِفَتْ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وإيذانًا بِغايَةِ سُرْعَةِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، أيْ: فَرَدُّوها عَلَيْهِ فَأخَذَ يَمْسَحُ السَّيْفَ مَسْحًا.
﴿بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أيْ: بِسُوقِها وأعْناقِها يَقْطَعُها مِن قَوْلِهِمْ: مَسَحَ عِلاوَتَهُ، أيْ: ضَرَبَ عُنُقَهُ. وقِيلَ: جَعَلَ يَمْسَحُ بِيَدِهِ أعْناقَها، وسُوقَها حُبًّا لَها وإعْجابًا بِها، ولَيْسَ بِذاكَ. وقُرِئَ: ( بِالسُّؤُقِ ) عَلى هَمْزِ الواوِ لِضَمَّتِها، كَما في أدْؤُرٍ. وقُرِئَ: ( بِالسُّؤُوقِ ) تَنْزِيلًا لِضَمَّةِ السِّينِ مَنزِلَةَ ضَمَّةِ الواوِ، وقُرِئَ: ( بِالسّاقِ ) اكْتِفاءً بِالواحِدِ عَنِ الجَمْعِ لِأمْنِ الإلْباسِ.
ص 38:34
﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ أظْهَرَ ما قِيلَ في فِتْنَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما رُوِيَ مَرْفُوعًا، أنَّهُ قالَ: ﴿لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةً تَأْتِي كُلُّ واحِدَةٍ بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَطافَ عَلَيْهِنَّ. فَلَمْ تَحْمَلْ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ. لَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسانًا أجْمَعُونَ﴾ . وقِيلَ: وُلِدَ لَهُ ابْنٌ فاجْتَمَعَتِ الشَّياطِينُ عَلى قَتْلِهِ فَعَلِمَ ذَلِكَ، فَكانَ يَغْذُوهُ في السَّحابِ، فَما شَعَرَ بِهِ إلى أنْ أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ مَيِّتًا فَتَنَبَّهَ لِخَطَئِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ عِزَّ وعَلا. وقِيلَ: إنَّهُ غَزا صَيْدُونَ مِنَ الجَزائِرِ، فَقَتَلَ مَلِكَها، وأصابَ بِنْتًا لَهُ تُسَمّى جَرادَةَ مِن أحْسَنِ النّاسِ، فاصْطَفاها لِنَفَسِهِ، وأسْلَمَتْ حُبَّها. وكانَ لا يَرْقَأُ دَمْعُها جَزَعًا عَلى أبِيها، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَثَّلُوا لَها صُورَتَهُ، وكانَتْ تَغْدُو إلَيْها، وتَرُوحُ مَعَ ولائِدِها يَسْجُدُونَ لَها كَعادَتِهِنَّ في مُلْكِهِ، فَأخْبَرَهُ آصِفُ بِذَلِكَ، فَكَسَرَ الصُّورَةَ وعاقَبَ المَرْأةَ، ثُمَّ خَرَجَ وحْدَهُ إلى فَلاةٍ، وفُرِشَ لَهُ الرَّمادُ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ تائِبًا إلى اللَّهِ تَعالى باكِيًا مُتَضَرِّعًا، وكانَتْ لَهُ أُمُّ ولَدٍ يُقالُ لَها أمِينَةُ إذا دَخَلَ لِلطَّهارَةِ أوْ لِإصابَةِ امْرَأةٍ يُعْطِيها خاتَمَهُ، وكانَ مُلْكُهُ فِيهِ فَأعْطاها يَوْمًا فَتَمَثَّلَ لَها بِصُورَتِهِ شَيْطانٌ اسْمُهُ صَخْرٌ، وأخَذَ الخاتَمَ فَتَخَتَّمَ بِهِ، وجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ فاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الخَلْقُ، ونَفَّذَ حُكْمَهُ في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في نِسائِهِ، وغَيَّرَ سُلَيْمانُ (p-227)عَنْ هَيْئَتِهِ، فَأتى أمِينَةَ لِطَلَبِ الخاتَمِ، فَأنْكَرَتْهُ وطَرَدَتْهُ، فَعَرَفَ أنَّ الخَطِيئَةَ قَدْ أدْرَكَتْهُ فَكانَ يَدُورُ عَلى البُيُوتِ يَتَكَفَّفُ، وإذا قالَ: أنا سُلَيْمانُ. حَثَوْا عَلَيْهِ التُّرابَ، وسَبُّوهُ ثُمَّ عَمِدَ إلى السَّمّاكِينَ يَنْقُلُ لَهُمُ السَّمَكَ، فَيُعْطُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَمَكَتَيْنِ، فَمَكَثَ عَلى ذَلِكَ أرْبَعِينَ صَباحًا عَدَدَ ما عُبِدَ الوَثَنُ في بَيْتِهِ، فَأنْكَرَ آصِفُ وعُظَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ حُكْمَ الشَّيْطانِ، ثُمَّ طارَ اللَّعِينُ، وقَذَفَ الخاتَمَ في البَحْرِ، فابْتَلَعَتْهُ سَمَكَةٌ فَوَقَعَتْ في يَدِ سُلَيْمانَ، فَبَقَرَ بَطْنَها فَإذا هو بِالخاتَمِ فَتَخَتَّمَ بِهِ، وخَرَّ ساجِدًا، وعادَ إلَيْهِ مُلْكُهُ، وجابَ صَخْرَةً لِصَخْرٍ، فَجَعَلَهُ فِيها، وسَدَّ عَلَيْهِ بِأُخْرى، ثُمَّ أوْثَقَهُما بِالحَدِيدِ والرَّصاصِ، وقَذَفَهُ في البَحْرِ، وعَلى هَذا فالجَسَدُ عِبارَةٌ عَنْ صَخْرٍ سُمِّيَ بِهِ، وهو جِسْمٌ لا رُوحَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ تَمَثَّلَ بِما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، والخَطِيئَةُ تَغافُلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ حالِ أهْلِهِ؛ لِأنَّ اتِّخاذَ التَّماثِيلِ لَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا حِينَئِذٍ، وسُجُودُ الصُّورَةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنهُ لا يَضُرُّهُ.
ص 38:35
﴿قالَ﴾ بَدَلٌ مِن أنابَ، وتَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ أيْ: ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ الزَّلَّةِ.
﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ لا يَتَسَهَّلُ لَهُ، ولا يَكُونُ لِيَكُونَ مُعْجِزَةً لِي مُناسِبَةً لِحالِي، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا نَشَأ في بَيْتِ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ ووَرِثَهُما مَعًا، اسْتَدْعى مِن رَبِّهِ مُعْجِزَةً جامِعَةً لِحُكْمِهِما، أوْ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْلُبَهُ مِنِّي بَعْدَ هَذِهِ السَّلْبَةِ، أوْ لا يَصِحُّ لِأحَدٍ مِن بَعْدِي لِعَظَمَتِهِ، كَقَوْلِكَ لِفُلانٍ: ما لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الفَضْلِ والمالِ. عَلى إرادَةِ وصْفِ المُلْكِ بِالعَظَمَةِ لا أنْ لا يُعْطى أحَدٌ مِثْلَهُ، فَيَكُونُ مُنافَسَةً، وقِيلَ: كانَ مُلْكًا عَظِيمًا فَخافَ أنْ يُعْطى مِثْلَهُ أحَدٌ فَلا يُحافِظُ عَلى حُدُودِ اللَّهِ تَعالى. وتَقْدِيمُ الِاسْتِغْفارِ عَلى الِاسْتِيهابِ لِمَزِيدِ اهْتِمامِهِ بِأمْرِ الدِّينِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والصّالِحِينَ، وكَوْنُ ذَلِكَ أدْخَلَ في الإجابَةِ، وقُرِئَ: ( لِيَ ) بِفَتْحِ الياءِ.
﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلدُّعاءِ بِالمَغْفِرَةِ والهِبَةِ مَعًا، لا بِالأخِيرَةِ فَقَطْ فَإنَّ المَغْفِرَةَ أيْضًا مِن أحْكامِ وصْفِ الوَهّابِيَّةِ قَطْعًا.
ص 38:36
﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ أيْ: فَذَلَّلْناها لِطاعَتِهِ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، فَعادَ أمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الفِتْنَةِ، وقُرِئَ: ( الرِّياحَ ) ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ بَيانٌ لِتَسْخِيرِها لَهُ ﴿رُخاءً﴾ أيْ: لَيِّنَةً مِنَ الرَّخاوَةِ طَيِّبَةً لا تُزَعْزَعُ، وقِيلَ: طَيِّعَةً لا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِ كالمَأْمُورِ المُنْقادِ.
﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ: حَيْثُ قَصَدَ وأرادَ، حَكى الأصْمَعِيُّ عَنِ العَرَبِ: أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ.
ص 38:37
﴿والشَّياطِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الرِّيحِ.
﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ.
ص 38:38
﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ عَطْفٌ عَلى كُلِّ بَنّاءٍ داخِلٌ في حُكْمِ البَدَلِ كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصَّلَ الشَّياطِينَ إلى عَمَلَةٍ اسْتَعْمَلَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ مِنَ البِناءِ والغَوْصِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وإلى مَرَدَةٍ قُرِنَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ في السَّلاسِلِ لِكَفِّهِمْ عَنِ الشَّرِّ والفَسادِ، ولَعَلَّ أجْسامَهم شَفّافَةٌ فَلا تُرى صَلْبَةً، فَيُمْكِنُ تَقْيِيدُها، ويَقْدِرُونَ عَلى (p-228)الأعْمالِ الصَّعْبَةِ. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإقْرانُ في الأصْفادِ عِبارَةً عَنْ كَفِّهِمْ عَنِ الشُّرُورِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ. والصَّفْدُ القَيْدُ، وسُمِّيَ بِهِ العَطاءُ؛ لِأنَّهُ يَرْتَبِطُ بِالمُنْعِمِ عَلَيْهِ. وفَرَّقُوا بَيْنَ فِعْلَيْهِما فَقالُوا: صَفَدَهُ قَيَّدَهُ وأصْفَدَهُ أعْطاهُ عَلى عَكْسِ وعَدَ وأوْعَدَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:39
﴿هَذا﴾ . . . إلَخْ. إمّا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَ بِهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُبَيِّنَةٌ لِعِظَمِ شَأْنِ ما أُوتِيَ مِنَ المُلْكِ، وأنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ تَفْوِيضًا كُلِّيًّا، وإمّا مَقُولٌ مُقَدَّرٌ هو مَعْطُوفٌ عَلى سَخَّرْنا، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، كَما مَرَّ في خاتِمَةِ قِصَّةِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أيْ: وقُلْنا لَهُ، أوْ قائِلِينَ لَهُ هَذا الأمْرَ الَّذِي أعْطَيْناكَهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ، والبَسْطَةِ والتَّسَلُّطِ عَلى ما لَمْ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ غَيْرُكَ.
﴿عَطاؤُنا﴾ الخاصُّ بِكَ.
﴿فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ فَأعْطِ مَن شِئْتَ، وامْنَعْ مَن شِئْتَ.
﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الأمْرِ، أيْ: غَيْرَ مُحاسَبٍ عَلى شَيْءٍ مِنهِ، وإمْساكُهُ لِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ فِيهِ إلَيْكَ عَلى الإطْلاقِ، أوْ مِنَ العَطاءِ، أيْ: هَذا عَطاؤُنا مُلْتَبِسًا بِغَيْرِ حِسابٍ لِغايَةِ كَثْرَتِهِ، أوْ صِلَةً لَهُ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى تَسْخِيرِ الشَّياطِينِ. والمُرادُ بِالمَنِّ والإمْساكِ: الإطْلاقُ والتَّقْيِيدُ.
ص 38:40
﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ في الآخِرَةِ مَعَ ما لَهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ في الدُّنْيا.
﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجَنَّةُ. قِيلَ: فُتِنَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما مَلَكَ عِشْرِينَ سَنَةً، ومَلَكَ بَعْدَ الفِتْنَةِ عِشْرِينَ سَنَةً. وذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو حَنِيفَةَ أحْمَدُ بْنُ داوُدَ الدِّينَوَرِيُّ في تارِيخِهِ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ورِثَ مُلْكَ أبِيهِ في عَصْرِ كِيخُسْرُو بْنِ سِياوِشْ، وسارَ مِنَ الشّامِ إلى العِراقِ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ كِيخُسْرُو فَهَرَبَ إلى خُراسانَ، فَلَمْ يَلْبَثْ حَتّى هَلَكَ، ثُمَّ سارَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَرْوٍ، ثُمَّ إلى بِلادِ التُّرْكِ فَوَغِلِ فِيها، ثُمَّ جازَ بِلادَ الصِّينِ، ثُمَّ عَطَفَ إلى أنْ وافى بِلادَ فارِسَ فَنَزَلَها أيّامًا، ثُمَّ عادَ إلى الشّامِ، ثُمَّ أمَرَ بِبِناءِ بَيْتِ المَقْدِسِ. فَلَمّا فَرَغَ مِنهُ سارَ إلى تِهامَةَ، ثُمَّ إلى صَنْعاءَ، وكانَ مِن حَدِيثِهِ مَعَ صاحِبَتِها ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى. وغَزا بِلادَ المَغْرِبِ الأنْدَلُسَ وطَنْجَةَ وغَيْرَهُما، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ص 38:41
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عَطْفٌ عَلى اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ، وعَدَمُ تَصْدِيرِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ بِهَذا العُنْوانِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وأيُّوبُ هو ابْنُ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن عَبْدِنا، وأيُّوبُ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ.
﴿أنِّي﴾ بِأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ بِفَتْحِ ياءِ مَسَّنِيَ، وقُرِئَ بِإسْكانِها وإسْقاطِها.
﴿بِنُصْبٍ﴾ أيْ: تَعَبٍ. وقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وبِفَتْحَتَيْنِ وبِضَمَّتَيْنِ لِلتَّثْقِيلِ.
﴿وَعَذابٍ﴾ أيْ: ألَمٍ ووَصَبٍ يُرِيدُ مَرَضَهُ، وما كانَ يُقاسِيهِ مِن فُنُونِ الشَّدائِدِ، وهو المُرادُ بِالضُّرِّ في قَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وهو حِكايَةٌ لِكَلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِهِ بِعِبارَتِهِ، وإلّا لَقِيلَ أنَّهُ "مَسَّهُ. . . إلَخْ. والإسْنادُ إلى الشَّيْطانِ إمّا لِأنَّهُ تَعالى مَسَّهُ بِذَلِكَ لِما فَعَلَ بِوَسْوَسَتِهِ، كَما قِيلَ إنَّهُ أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ، أوِ اسْتَغاثَهُ مَظْلُومٌ فَلَمْ يُغِثْهُ، أوْ كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ فَداهَنَهُ ولَمْ يَغْزُهُ، أوْ لِامْتِحانِ صَبْرِهِ فَيَكُونُ اعْتِرافًا بِالذَّنْبِ، أوْ (p-229)مُراعاةً لِلْأدَبِ، أوْ لِأنَّهُ وسْوَسَ إلى أتْباعِهِ حَتّى رَفَضُوهُ وأخْرَجُوهُ مِن دِيارِهِمْ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالنَّصْبِ ما كانَ يُوَسْوَسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ، والقُنُوطُ مِنَ الرَّحْمَةِ، ويُغْرِيهِ عَلى الكَراهَةِ والجَزَعِ فالتَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ بِكَشْفِ البَلاءِ، أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِدَفْعِهِ ورَدِّهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ ولَيْسَ هَذا تَمامَ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ مِن جُمْلَتِهِ قَوْلُهُ: ﴿وَأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فاكْتَفى هَهُنا عَنْ ذِكْرِهِ بِما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، كَما تَرَكَ هُناكَ ذِكْرَ الشَّيْطانِ ثِقَةً بِما ذُكِرَ هَهُنا. وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:42
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ . . . إلَخْ. إمّا حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهُ، أوْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى نادى، أيْ: فَقُلْنا لَهُ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، أيِ: اضْرِبْ بِها الأرْضَ. وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ فَإنَّهُ أيْضًا إمّا حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهُ بَعْدَ امْتِثالِهِ بِالأمْرِ، ونُبُوعِ الماءِ، أوْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ. كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَرَبَها فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقُلْنا لَهُ هَذا مُغْتَسَلٌ تَغْتَسِلُ بِهِ، وتَشْرَبُ مِنهُ فَيَبْرَأُ ظاهِرُكَ وباطِنُكَ، وقِيلَ: نَبَعَتْ عَيْنانِ حارَّةٌ لِلِاغْتِسالِ وبارِدَةٌ لِلشُّرْبِ. ويَأْباهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:43
﴿وَوَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى مُقَدَّرٍ آخَرَ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ المُقَدَّرُ آنِفًا، كَأنَّهُ قِيلَ: فاغْتَسَلَ، وشَرِبَ فَكَشَفْنا بِذَلِكَ ما بِهِ مِن ضُرِّكُما في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ إمّا بِإحْيائِهِمْ بَعْدَ هَلاكِهِمْ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ. أوْ بِجَمْعِهِمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ، كَما قِيلَ.
﴿وَمِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى أهْلِهِ فَكانَ لَهُ مِنَ الأوْلادِ ضِعْفُ ما كانَ لَهُ قَبْلُ.
﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ: لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِنا.
﴿وَذِكْرى لأُولِي الألباب﴾ ولِتَذْكِيرِهِمْ بِذَلِكَ لِيَصْبِرُوا عَلى الشَّدائِدِ كَما صَبَرَ، ويَلْجَأُوا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِيما يَحِيقُ بِهِمْ، كَما لَجَأ لِيَفْعَلَ بِهِمْ ما فَعَلَ بِهِ مِن حُسْنِ العاقِبَةِ.
ص 38:44
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "ارْكُضْ"، أوْ عَلى "وَهَبْنا" بِتَقْدِيرِ: قُلْنا، أيْ: وقُلْنا " خُذْ بِيَدِكَ " . . . إلَخْ. والأوَّلُ أقْرَبُ لَفْظًا، وهَذا أنْسَبُ مَعْنًى. فَإنَّ الحاجَةَ إلى هَذا الأمْرِ لا تَمَسُّ إلّا بَعْدَ الصِّحَّةِ، فَإنَّ امْرَأتَهُ رَحْمَةَ بِنْتَ إفْرايِمَ بْنِ يُوسُفَ. وقِيلَ: لِيا بِنْتُ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: ماصِرُ بِنْتُ مِيشا بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَتْ لِحاجَةٍ فَأبْطَأتْ، فَحَلَفَ إنْ بَرِئَ لَيَضْرِبَنَّها مِائَةَ ضَرْبَةٍ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأخْذِ الضِّغْثِ. والضِّغْثُ: الحُزْمَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ الحَشِيشِ ونَحْوِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قَبْضَةٌ مِنَ الشَّجَرِ. وقالَ: ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الضِّغْثِ.
﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ في يَمِينِكَ فَإنَّ البِرَّ يَتَحَقَّقُ بِهِ، ولَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الرُّخْصَةَ رَحْمَةً عَلَيْهِ وعَلَيْها؛ لِحُسْنِ خِدْمَتِها إيّاهُ، ورِضاهُ عَنْها، وهي باقِيَةٌ. ويَجِبُ أنْ يُصِيبَ المَضْرُوبَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المِائَةِ إمّا بِأطْرافِها قائِمَةً، أوْ بِأعْراضِها مَبْسُوطَةً عَلى هَيْئَةِ الضَّرْبِ.
﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ فِيما أصابَهُ في النَّفْسِ والأهْلِ والمالِ، ولَيْسَ في شَكْواهُ إلى اللَّهِ تَعالى إخْلالٌ بِذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُسَمّى جَزَعًا كَتَمَنِّي العافِيَةِ وطَلَبِ الشِّفاءِ، عَلى أنَّهُ قالَ ذَلِكَ خِيفَةَ الفِتْنَةِ في الدِّينِ، حَيْثُ كانَ الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى قَوْمِهِ (p-230)بِأنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا لَما ابْتُلِيَ بِمِثْلِ ما ابُتُلِيَ بِهِ، وإرادَةُ القُوَّةِ عَلى الطّاعَةِ فَقَدْ بَلَغَ أمْرُهُ إلى أنْ لَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلْبُ واللِّسانُ. ويُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في مُناجاتِهِ: "إلَهِي قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ لِسانِي قَلْبِي، ولَمْ يَتْبَعْ قَلْبِي بَصَرِي، ولَمْ يَهَبْنِي ما مَلَكَتْ يَمِينِي، ولَمْ آكُلْ إلّا ومَعِي يَتِيمٌ، ولَمْ أبِتْ شَبْعانَ ولا كاسِيًا ومَعِي جائِعٌ أوْ عُرْيانُ" . فَكَشَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ أيْ: أيُّوبُ.
﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَدْحِهِ، أيْ: رَجّاعٌ إلى اللَّهِ تَعالى:
ص 38:45
﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِعِبادِنا. وقُرِئَ: ( عَبْدَنا ) إمّا عَلى أنَّ إبْراهِيمَ وحْدَهُ لِمَزِيدِ شَرَفِهِ عَطْفُ بَيانٍ. وقِيلَ: بَدَلٌ، وقِيلَ: نُصِبَ بِإضْمارِ أعْنِي والباقِيانِ عَطْفٌ عَلى عَبْدِنا، وإمّا عَلى أنَّ عَبْدَنا اسْمُ جِنْسٍ وُضِعَ مَوْضِعَ الجَمْعِ.
﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ أُولِي القُوَّةِ في الطّاعَةِ والبَصِيرَةِ في الدِّينِ، أوْ أُولِي الأعْمالِ الجَلِيلَةِ والعُلُومِ الشَّرِيفَةِ. فَعَبَّرَ بِالأيْدِي عَنِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ أكْثَرَها تُباشِرُ بِها. وبِالأبْصارِ عَنِ المَعارِفِ؛ لِأنَّها أقْوى مَبادِئِها. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالجَهَلَةِ البَطّالِينَ أنَّهم كالزَّمْنى والعُماةِ، وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ المُجاهَدَةَ، والتَّأمُّلِ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُما، وقُرِئَ: ( أُولِي الأيْدِ ) بِطَرْحِ الياءِ والِاكْتِفاءِ بِالكَسْرِ، وقُرِئَ: ( أُولِي الأيادِي ) عَلى جَمْعِ الجَمْعِ.
ص 38:46
﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وُصِفُوا بِهِ مِن شَرَفِ العُبُودِيَّةِ، وعُلُوِّ الرُّتْبَةِ في العِلْمِ والعَمَلِ، أيْ: جَعَلْناهم خالِصِينَ لَنا بِخَصْلَةٍ خالِصَةٍ عَظِيمَةِ الشَّأْنِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ بَيانٌ لِلْخالِصَةِ بَعْدَ إبْهامِها لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: تَذَكُّرٍ لِلدّارِ الآخِرَةِ دائِمًا فَإنَّ خُلُوصَهم في الطّاعَةِ بِسَبَبِ تَذَكُّرِهِمْ لَها، وذَلِكَ لِأنَّ مَطْمَحَ أنْظارِهِمْ، ومَطْرَحَ أفْكارِهِمْ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ جِوارَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والفَوْزَ بِلِقائِهِ، ولا يَتَسَنّى ذَلِكَ إلّا في الآخِرَةِ. وقِيلَ: أخْلَصْناهم بِتَوْفِيقِهِمْ لَها، واللُّطْفِ بِهِمْ في اخْتِيارِها، ويُعَضِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( بِخالِصَتِهِمْ ) وإطْلاقُ الدّارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّها الدّارُ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما الدُّنْيا مَعْبَرٌ، وقُرِئَ بِإضافَةِ ( خالِصَةٍ ) إلى ( ذِكْرى ) أيْ: بِما خَلُصَ مِن ذِكْرى الدّارِ عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَشُوبُونَ ذِكْراها بِهِمْ آخَرَ أصْلًا، أوْ تَذْكِيرُهُمُ الآخِرَةَ، وتَرْغِيبُهم فِيها، وتَزْهِيدُهم في الدُّنْيا، كَما هو شَأْنُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: ذِكْرى الدّارِ الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا، ولِسانُ الصِّدْقِ الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ.
ص 38:47
﴿وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ لَمِنَ المُخْتارِينَ مِن أمْثالِهِمُ، المُصْطَفَيْنَ عَلَيْهِمْ في الخَيْرِ. والأخْيارُ جَمْعُ خَيْرٍ كَشَرٍّ وأشْرارٍ. وقِيلَ: جَمْعُ خَيِّرٍ أوْ خَيْرٍ مُخَفَّفٌ مِنهُ، كَأمْواتٍ في جَمْعِ مَيِّتٍ ومَيْتٍ.
ص 38:48
﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ﴾ فُصِّلَ ذِكْرُهُ عَنْ ذِكْرِ أبِيهِ وأخِيهِ؛ لِلْإشْعارِ بِعَراقَتِهِ في الصَّبْرِ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالتَّذْكِيرِ.
﴿واليَسَعَ﴾ هو ابْنُ خُطُوبِ بْنِ العَجُوزِ اسْتَخْلَفَهُ إلْياسُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ اسْتَنْبِئَ. و "اللّامُ" فِيهِ حَرْفُ تَعْرِيفٍ دَخَلَ عَلى يَسَعَ، كَما في قَوْلِ مَن (p-231)قالَ: رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا، وقُرِئَ: ( واليَسَعُ ) كَأنَّهُ أصْلُهُ لَيْسَعُ، فَيْعَلُ مِنَ اللَّسْعِ دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّعْرِيفِ، وقِيلَ: هو عَلى القِراءَتَيْنِ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ دَخَلَ عَلَيْهِ اللّامُ، وقِيلَ: هو يُوشَعُ.
﴿وَذا الكِفْلِ﴾ هو ابْنُ عَمِّ يَسَعَ، أوْ بِشْرِ بْنِ أيُّوبَ. واخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ ولَقَبِهِ، فَقِيلَ: فَرَّ إلَيْهِ مِائَةُ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القَتْلِ فَآواهم وكَفَلَهُمْ، وقِيلَ: كُفِلَ بِعَمَلِ رَجُلٍ صالِحٍ كانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ صَلاةٍ.
﴿وَكُلٌّ﴾ أيْ: وكُلُّهم.
﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ المَشْهُورِينَ بِالخَيْرِيَّةِ.
ص 38:49
﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِمَحاسِنِهِمْ.
﴿ذِكْرٌ﴾ أيْ: شَرَفٌ لَهُمْ، وذِكْرٌ جَمِيلٌ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا، أوْ نَوْعٌ مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي هو القرآن، وبابٌ مِنهُ مُشْتَمِلٌ عَلى أنْباءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أجْرِهِمُ الجَزِيلِ في الآجِلِ بَعْدَ بَيانِ ذِكْرِهِمُ الجَمِيلِ في العاجِلِ، وهو بابٌ آخَرُ مِن أبْوابِ التَّنْزِيلِ، والمُرادُ بِـ "المُتَّقِينَ" إمّا الجِنْسُ، وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا نَفْسُ المَذْكُورِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ مَدْحًا لَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي الغايَةُ القاصِيَةُ مِنَ الكَمالِ.
ص 38:50
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِحُسْنِ مَآبٍ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَخالُفَهُما تَعْرِيفًا، وتَنْكِيرًا فَإنَّ عَدْنًا مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ حالٌ مِن جَنّاتِ عَدْنٍ، والعامِلُ فِيها ما في لِلْمُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ، والأبْوابُ مُرْتَفِعَةٌ باسِمِ المَفْعُولِ، والرّابِطُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها إمّا ضَمِيرٌ مُقَدَّرٌ كَما هو رَأْيُ البَصْرِيِّينَ، أيِ: الأبْوابُ مِنها. أوِ الألِفُ واللّامُ القائِمَةُ مَقامَهُ، كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ. إذِ الأصْلُ أبْوابُها، وقُرِئَتا مَرْفُوعَتَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، أوْ عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: هي جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ.
ص 38:51
﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ لَهُمُ، والعامِلُ فِيها "مُفَتَّحَةً" . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمْ فِيها، وقِيلَ: هو أيْضًا حالٌ مِمّا ذُكِرَ، أوْ مِن ضَمِيرِ مُتَّكِئِينَ، والِاقْتِصارُ عَلى دُعاءِ الفاكِهَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَطاعِمَهم لِمَحْضِ التَّفَكُّهِ، والتَّلَذُّذِ دُونَ التَّغَذِّي، فَإنَّهُ لِتَحْصِيلِ بَدَلِ المُتَحَلِّلِ، ولا تُحَلَّلُ ثَمَّةَ.
ص 38:52
﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ: عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ.
﴿أتْرابٌ﴾ لِداتٌ لَهُمْ، فَإنَّ التَّحابَّ بَيْنَ الأقْرانِ أرْسَخُ، أوْ بَعْضَهُنَّ لِبَعْضٍ لا عَجُوزَ فِيهِنَّ ولا صَبِيَّةَ، واشْتِقاقُهُ مِنَ التُّرابِ فَإنَّهُ يَمَسُّهم في وقْتٍ واحِدٍ.
ص 38:53
﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِ. فَإنَّ الحِسابَ عِلَّةٌ لِلْوُصُولِ إلى الجَزاءِ، وقُرِئَ بِالياءِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ. (p-232)والِالتِفاتُ ألْيَقُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ والتَّكْرِيمِ.
ص 38:54
﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن ألْوانِ النِّعَمِ والكَراماتِ.
﴿لَرِزْقُنا﴾ أعْطَيْناكُمُوهُ ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ انْقِطاعٍ أبَدًا.
ص 38:55
﴿هَذا﴾ أيِ: الأمْرُ هَذا، أوْ هَذا كَما ذُكِرَ، أوْ هَذا ذِكْرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أضِّدادِ الفَرِيقِ السّابِقِ.
ص 38:56
﴿جَهَنَّمَ﴾ إعْرابُهُ كَما سَلَفَ.
﴿يَصْلَوْنَها﴾ أيْ: يَدْخُلُونَها حالٌ مِن جَهَنَّمَ.
﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ وهو المَهْدُ والمِفْرَشُ، مُسْتَعارٌ مِن فِراشِ النّائِمِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وهو جَهَنَّمُ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ .
ص 38:57
﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ أوِ العَذابُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، أوْ هَذا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وهو عَلى الأوَّلِينَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو حَمِيمٌ. والغَسّاقُ ما يَغْسِقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ مِن غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها، وقِيلَ: الحَمِيمُ يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرُقُ بِبَرْدِهِ، وقِيلَ: لَوْ قَطَرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لَنَتَّنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، ولَوْ قَطَرَتْ قَطْرَةٌ في المَغْرِبِ لَنَتَّنَتْ أهْلَ المَشْرِقِ، وقِيلَ: الغَسّاقُ عَذابٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ السِّينِ.
ص 38:58
﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ أيْ: ومَذُوقٌ آخَرُ، أوْ عَذابٌ آخَرُ مِن مَثَلِ هَذا المَذُوقِ، أوِ العَذابِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. وقُرِئَ: ( وأُخَرُ ) أيْ: ومَذُوقاتٌ أُخَرُ، أوْ أنْواعُ عَذابٍ أُخَرُ، وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ شَكْلِهِ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ، أوِ الشَّرابُ الشّامِلُ لِلْحَمِيمِ والغَسّاقِ، أوْ هو راجِعٌ إلى الغَسّاقِ.
﴿أزْواجٌ﴾ أيْ: أجْناسٌ. وهو خَبَرٌ لِآخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا، أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ لِلثَّلاثَةِ، أوْ مُرْتَفِعٌ بِالجارِّ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ مِثْلُ لَهم.
ص 38:59
﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ حِكايَةُ ما يُقالُ مِن جِهَةِ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الطّاغِينَ إذا دَخَلُوا النّارَ، واقْتَحَمَها مَعَهم فَوْجٌ كانُوا يَتْبَعُونَهم في الكُفْرِ والضَّلالَةِ. والِاقْتِحامُ: الدُّخُولُ في الشَّيْءِ بِشِدَّةٍ. قالَ الرّاغِبُ: الِاقْتِحامُ تَوَسُّطُ شِدَّةٍ مُخِيفَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن إتْمامِ كَلامِ الخَزَنَةِ بِطَرِيقِ الدُّعاءِ عَلى الفَوْجِ، أوْ صِفَةٌ لِلْفَوْجِ، أوْ حالٌ مِنهُ، أيْ: مَقُولٌ أوْ مَقُولًا في حَقِّهِمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، أيْ: لا أتَوْا مَرْحَبًا، أوْ لا رَحُبَتْ بِهِمُ الدّارُ مَرْحَبًا.
﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ تَعْلِيلٌ مِن جِهَةِ الخَزَنَةِ لِاسْتِحْقاقِهِمُ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، أوْ وصْفِهِمْ بِما ذُكِرَ، وقِيلَ: لا مَرْحَبًا بِهِمْ إلى هُنا كَلامُ الرُّؤَساءِ في حَقِّ أتْباعِهِمْ عِنْدَ خِطابِ الخَزَنَةِ لَهم بِاقْتِحامِ الفَوْجِ مَعَهم تَضَجُّرًا مِن مُقارَنَتِهِمْ، (p-233)وَتَنَفُّرًا مِن مُصاحَبَتِهِمْ، وقِيلَ: كُلُّ ذَلِكَ كَلامُ الرُّؤَساءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في حَقِّ الأتْباعِ.
ص 38:60
﴿قالُوا﴾ أيِ: الأتْباعُ عِنْدَ سَماعِهِمْ ما قِيلَ في حَقِّهِمْ، ووَجْهُ خِطابِهِمْ لِلرُّؤَساءِ في قَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ . . . إلَخْ. عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَلَعَلَّهم إنَّما خاطَبُوهم مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَقُولُوا بِطَرِيقِ الِاعْتِذارِ إلى الخَزَنَةِ، بَلْ هم لا مَرْحَبًا بِهِمْ. . . إلَخْ. قَصْدًا مِنهم إلى إظْهارِ صِدْقِهِمْ بِالمُخاطَبَةِ مَعَ الرُّؤَساءِ، والتَّحاكُمِ إلى الخَزَنَةِ طَمَعًا في قَضائِهِمْ بِتَخْفِيفِ عَذابِهِمْ، أوْ تَضْعِيفِ عَذابِ خُصَمائِهِمْ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ أحَقُّ بِما قِيلَ لَنا، أوْ قُلْتُمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ تَعْلِيلٌ لِأحَقِّيَّتِهِمْ بِذَلِكَ، أيْ: أنْتُمُ قَدَّمْتُمُ العَذابَ، أوِ الصِّلِيَّ لَنا، وأوْقَعْتُمُونا فِيهِ بِتَقْدِيمِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ العَقائِدِ الزّائِفَةِ والأعْمالِ السَّيِّئَةِ، وتَزْيِينِها في أعْيُنِنا، وإغْرائِنا عَلَيْها لا أنّا باشَرْناها مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا.
﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: فَبِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ قَصَدُوا بِذَمِّها تَغْلِيظَ جِنايَةِ الرُّؤَساءِ عَلَيْهِمْ.
ص 38:61
﴿وَقالُوا﴾ أيِ: الأتْباعُ أيْضًا. وتَوْسِيطُهُ بَيْنَ كَلامَيْهِمْ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ ذاتًا وخِطِابًا، أيْ: قالُوا مُعْرِضِينَ عَنْ خُصُومَتِهِمْ مُتَضَرِّعِينَ إلى اللَّهِ تَعالى.
﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ كَقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ أيْ: عَذابًا مُضاعَفًا، أيْ: ذا ضِعْفٍ. وذَلِكَ بِأنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، ويَكُونُ ضِعْفَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ أوْ قِيلَ: المُرادُ بِالضِّعْفِ: الحَيّاتُ والأفاعِي.
ص 38:62
﴿وَقالُوا﴾ أيِ: الطّاغُونَ.
﴿ما لَنا لا نَرى رِجالا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَرْذِلُونَهُمْ، ويَسْخَرُونَ مِنهم.
ص 38:63
﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ سَقَطَتْ لِأجْعَلِها هَمْزَةُ الوَصْلِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. قالُوهُ إنْكارًا عَلى أنْفُسِهِمْ، وتَأْنِيبًا لَها في الِاسْتِسْخارِ مِنهم.
﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ مُتَّصِلٌ بِاتَّخَذْناهم عَلى أنَّ "أمْ" مُتَّصِلَةٌ، والمَعْنى أيَّ الأمْرَيْنِ فَعَلْنا بِهِمُ الِاسْتِسْخارُ مِنهُمْ، أمِ الِازْدِراءُ بِهِمْ وتَحْقِيرُهم وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَزِيغُ عَنْهُمْ، وتَقْتَحِمُهم. عَلى مَعْنى إنْكارِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ عَلى أنْفُسِهِمْ تَوْبِيخًا لَها، أوْ عَلى أنَّها مُنْقَطِعَةٌ، والمَعْنى أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا بَلْ أزاغَتْ عَنْهم أبْصارُنا، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ، أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ عَلى مَعْنى تَوْبِيخِ أنْفُسِهِمْ عَلى الِاسْتِسْخارِ، ثُمَّ الإضْرابُ والِانْتِقالُ مِنهُ إلى التَّوْبِيخِ عَلى الِازْدِراءِ والتَّحْقِيرِ. وقُرِئَ: ( اتَّخَذْناهم ) بِغَيْرِ هَمْزَةٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِرَجالًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ زاغَتْ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى﴾ والمَعْنى ما لَنا لا نَراهم في النّارِ، ألَيْسُوا فِيها فَلِذَلِكَ لا نَراهُمْ، أمْ زاغَتْ عَنْهم أبْصارُنا وهم فِيها ؟ ! وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ مُقَدَّرَةٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وقُرِئَ: ( سُخْرِيًّا ) بِضَمِ السِّينِ.
ص 38:64
(p-234)﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ: الَّذِي حَكى مِنِ أحْوالِهِمْ.
﴿لَحَقٌّ﴾ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ البَتَّةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ بَيانٌ لِذَلِكَ. وفي الإبْهامِ أوَّلًا، والتَّبْيِينِ ثانِيًا، مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لَهُ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ذَلِكَ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن حَقٌّ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ. وما قِيلَ: مِن أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ، فَقَدْ قِيلَ: عَلَيْهِ إنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يُوصَفُ إلّا بِالمُعَرَّفِ بِاللّامِ، يُقالُ: بِهَذا الرَّجُلِ، ولا يُقالُ: بِهَذا غُلامِ الرَّجُلِ.
ص 38:65
﴿قُلْ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى أُنْذِرُكم عَذابَهُ.
﴿وَما مِن إلَهٍ﴾ في الوُجُودِ ﴿إلا اللَّهُ الواحِدُ﴾ الَّذِي لا يَقْبَلُ الشِّرْكَةَ والكَثْرَةَ أصْلًا.
﴿القَهّارُ﴾ لِكُلِّ شَيْءٍ سِواهُ.
ص 38:66
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ مِنها ؟ ! ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغْلَبُ في أمْرٍ مِن أُمُورِهِ.
﴿الغَفّارُ﴾ المُبالِغُ في المَغْفِرَةِ يَغْفِرُ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ. وفي هَذِهِ النُّعُوتِ مِن تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، والوَعْدِ لِلْمُوَحِّدِينَ، والوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ ما لا يَخْفى، وتَثْنِيَةِ ما يُشْعِرُ بِالوَعِيدِ مِن وصْفَيِ القَهْرِ والعِزَّةِ، وتَقْدِيمِهِما عَلى وصْفِ المَغْفِرَةِ؛ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الإنْذارِ حَقَّهُ.
ص 38:67
﴿قُلْ﴾ تَكْرِيرُ الأمْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المَقُولَ أمْرٌ جَلِيلٌ لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِناءِ بِهِ أمْرًا وائْتِمارًا.
﴿هُوَ﴾ أيْ: ما أنْبَأْتُكم بِهِ مِن أنِّي مُنْذِرٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وأنَّهُ تَعالى واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، والأظْهَرُ أنَّهُ القرآن وما ذُكِرَ داخِلٌ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا كَما يَشْهَدُ بِهِ آخِرُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:68
﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ ناعٍ عَلَيْهِمْ سُوءَ صَنِيعِهِمْ بِهِ بِبَيانِ أنَّهم لا يُقْدِرُونَ قَدْرَهُ الجَلِيلَ حَيْثُ يُعْرِضُونَ عَنْهُ مَعَ عَظَمَتِهِ، وكَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْإقْبالِ الكُلِّيِّ عَلَيْهِ، وتَلَقِّيهِ بِحُسْنِ القَبُولِ، وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لِـ "نَبَأٌ" . وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:69
﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى﴾ . . . إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِذِكْرِ نَبَأٍ مِن أنْبائِهِ عَلى التَّفْصِيلِ مِن غَيْرِ سابِقَةِ مَعْرِفَةٍ بِهِ، ولا مُباشَرَةِ سَبَبٍ مِن أسْبابِها المُعْتادَةِ. فَإنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ سائِرَ أنْبِيائِهِ أيْضًا كَذَلِكَ، والمَلَأُ الأعْلى هُمُ المَلائِكَةُ، وآدَمُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، إذِ المُرادُ نَفِيُ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحالِهِمْ (p-235)لا بِذَواتِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِي فِيما سَبَقَ عِلْمٌ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بِحالِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ كَما اخْتارَهُ الجُمْهُورُ تَحْجِيرٌ لِلْواسِعِ، فَإنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى ما جَرى بَيْنَهم مِنَ الأقْوالِ فَقَطْ بَلْ عامٌّ لَها، ولِلْأفْعالِ أيْضًا مِن سُجُودِ المَلائِكَةِ، واسْتِكْبارِ إبْلِيسَ وكُفْرُهُ حَسْبَما يَنْطَلِقُ بِهِ الوَحْيُ، فَلا بُدَّ مِنِ اعْتِبارِ العُمُومِ في نَفْيِهِ أيْضًا لا مَحالَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:70
﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ إجْمالِ اخْتِصامِهِمْ وتَفْصِيلِهِ، تَقْرِيرًا لِثُبُوتِ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَعْيِينًا لِسَبَبِهِ إلّا أنَّ بَيانَ انْتِفائِهِ فِيما سَبَقَ لَمّا كانَ مُنْبِئًا عَنْ ثُبُوتِهِ الآنَ، ومِنَ البَيِّنِ عَدَمُ مُلابَسَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِشَيْءٍ مِن مَبادِئِهِ المَعْهُودَةِ تَعَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ إلّا بِطَرِيقِ الوَحْيِ حَتْمًا فَجَعَلَ ذَلِكَ أمْرًا مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِهِ قَصْدًا، وجَعَلَ مَصَبَّ الفائِدَةِ، والمَقْصُودَ إخْبارُ ما هو داعٍ إلى الوَحْيِ، ومُصَحِّحٌ لَهُ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ في ضِمْنِ تَحْقِيقِ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقِصَّةِ المَلَأِ الأعْلى، فالقائِمُ مَقامَ الفاعِلِ لِيُوحى إمّا ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى الحالِ المُقَدَّرِ، أوْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ. فالمَعْنى ما يُوحى إلى حالِ المَلَأِ الأعْلى، أوْ ما يُوحى إلَيَّ ما يُوحى مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُهم إلّا لِإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى فَإنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَلِكَ مِن دَواعِي الوَحْيِ إلَيْهِ ومِن مُوجِباتِهِ حَتْمًا، وأمّا أنَّ القائِمَ مَقامَ الفاعِلِ هو الجارُّ والمَجْرُورُ، أوْ هو إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ بِلا تَقْدِيرِ الجارِّ. وأنَّ المَعْنى ما يُوحى إلَيَّ إلّا لِلْإنْذارِ، أوْ ما يُوحى إلَيَّ إلّا أنْ أُنْذِرَ وأُبْلِغَ ولا أُفَرِّطَ في ذَلِكَ، كَما قِيلَ. فَمَعَ ما فِيهِ مِنَ الِاضْطِرارِ إلى التَّكَلُّفِ في تَوْجِيهِ قَصْرِ الوَحْيِ عَلى كَوْنِهِ لِلْإنْذارِ في الأوَّلِ، وقَصْرِهِ عَلى الإنْذارِ في الثّانِي، فَلا يُساعِدُهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ، كَيْفَ لا والِاعْتِراضُ حِينَئِذٍ يَكُونُ أجْنَبِيًّا مِمّا تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِن إجْمالِ الِاخْتِصامِ وتَفْصِيلِهِ ؟ فَتَأمَّلْ، واللَّهُ المُرْشِدُ. وقُرِئَ: ( إنَّما ) بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:71
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ مِنَ الِاخْتِصامِ الَّذِي هو ما جَرى بَيْنَهم مِنَ التَّقاوُلِ، وحَيْثُ كانَ تَكْلِيمُهُ تَعالى إيّاهم بِواسِطَةِ المَلَكِ صَحَّ إسْنادُ الِاخْتِصامِ إلى المَلائِكَةِ، وإذْ بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ البَدَلِيَّةِ دُخُولُها عَلى نَفْسِ الِاخْتِصامِ، بَلْ يَكْفِي اشْتِمالُ ما في حَيِّزِها عَلَيْهِ فَإنَّ القِصَّةَ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ تَفْصِيلًا. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَشْرِيفِهِ، والإيذانِ بِأنَّ وحْيَ هَذا النَّبَأِ إلَيْهِ تَرْبِيَةٌ وتَأْيِيدٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. و "الكافُ" وارِدٌ بِاعْتِبارِ حالِ الآمِرِ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى كَوْنِهِ وحْيًا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِهِ تَعالى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ . . . إلَخْ. دُونَ حالِ المَأْمُورِ، وإلّا لَقِيلَ رَبِّي لِأنَّهُ داخِلٌ في حَيِّزِ الأمْرِ.
﴿إنِّي خالِقٌ﴾ أيْ: فِيما سَيَأْتِي. وفِيهِ ما لَيْسَ في صِيغَةِ المُضارِعِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى فاعِلٌ لَهُ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ، ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِ.
﴿بَشَرًا﴾ قِيلَ: أيْ جِسْمًا كَثِيفًا يُلاقى ويُباشَرُ، وقِيلَ: خَلْقًا بادِيَ البَشَرَةِ بِلا صُوفٍ ولا شَعْرٍ. ولَعَلَّ ما جَرى عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ لَيْسَ هَذا الِاسْمَ الَّذِي لَمْ يُخْلَقُ مُسَمّاهُ حِينَئِذٍ فَضْلًا عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِهِ، بَلْ عِبارَةٌ كاشِفَةٌ عَنْ حالِهِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا الِاسْمِ عِنْدَ الحِكايَةِ.
﴿مِن طِينٍ﴾ لَمْ يَتَعَرَّضْ (p-236)لِأوْصافِهِ مِنَ التَّغَيُّرِ والِاسْوِدادِ والمَسْنُونِيَّةِ، اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في مَواقِعَ أُخَرَ.
ص 38:72
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ أيْ: صَوَّرْتُهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ، أوْ سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِتَعْدِيلِ طَبائِعِهِ.
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ النَّفْخُ: إجْراءُ الرِّيحِ إلى تَجْوِيفِ جِسْمٍ صالِحٍ لِإمْساكِها، والِامْتِلاءِ بِها. ولَيْسَ ثَمَّةَ نَفْخٌ ولا مَنفُوخٌ، وإنَّما هو تَمْثِيلٌ لِإفاضَةِ ما بِهِ الحَياةُ بِالفِعْلِ عَلى المادَّةِ القابِلَةِ لَها، أيْ: فَإذا كَمَّلْتُ اسْتِعْدادَهُ، وأفَضْتُ عَلَيْهِ ما يَحْيا بِهِ مِنَ الرُّوحِ الَّتِي هي مِن أمْرِي.
﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ أمْرٌ مِن وقَعَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الِانْحِناءِ، كَما قِيلَ. أيِ: اسْقُطُوا لَهُ.
﴿ساجِدِينَ﴾ تَحِيَّةً لَهُ، وتَكْرِيمًا.
ص 38:73
﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: فَخَلَقَهُ فَسَوّاهُ فَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَسَجَدَ لَهُ المَلائِكَةُ.
﴿كُلُّهُمْ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ إلّا سَجَدَ.
﴿أجْمَعُونَ﴾ أيْ: بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ. بِحَيْثُ لَمْ يَتَأخَّرْ في ذَلِكَ أحَدٌ مِنهم عَنْ أحَدٍ، ولا اخْتِصاصَ لِإفادَةِ هَذا المَعْنى بِالحالِيَّةِ، بَلْ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ أيْضًا. وقِيلَ: أُكِّدَ بِتَأْكِيدَيْنِ مُبالَغَةً في التَّعَمُّمِ هَذا وأمّا أنَّ سُجُودَهم هَذا هَلْ تَرَتَّبَ عَلى ما حُكِيَ مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ كَما تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، والَّتِي في سُورَةِ الحِجْرِ. فَإنَّ ظاهِرَهُما يَسْتَدْعِي تَرَتُّبَهُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ غَيْرُ ما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ مِنَ الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُّوحِ، أوْ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ. كَما يَقْتَضِيهِ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ، وما في سُورَةِ الأعْرافِ، وما في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وما في سُورَةِ الكَهْفِ، وما في سُورَةِ طه، مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ فَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وسُورَةِ الأعْرافِ.
ص 38:74
﴿إلا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِما أنَّهُ كانَ جِنِّيًّا مُفْرَدًا مَغْمُورًا بِأُلُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِهِمْ فَغَلَبُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتُثْنِيَ اسْتِثْناءَ واحِدٍ مِنهُمْ، أوْ لِأنَّ المَلائِكَةَ جِنْسًا يَتَوالَدُونَ وهو مِنهُمْ، أوْ مُنْقَطِعٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَكْبَرَ﴾ عَلى الأوَّلِ: اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ تَرْكِ السُّجُودِ المَفْهُومِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ تَرْكَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتّامُّلِ والتَّرَوِّي، وبِهِ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لِلْإباءِ والِاسْتِكْبارِ. وعَلى الثّانِي: يَجُوزُ اتِّصالُهُ بِما قَبْلَهُ، أيْ: لَكِنَّ إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ.
﴿وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: وصارَ مِنهم بِمُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ واسْتِكْبارِهِ عَنِ الطّاعَةِ، أوْ كانَ مِنهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ.
ص 38:75
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أيْ: خَلَقْتُهُ بِالذّاتِ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ أبٍ وأُمٍّ. والتَّثْنِيَةُ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِخَلْقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُسْتَدْعِي لِإجْلالِهِ وإعْظامِهِ، قَصْدًا إلى تَأْكِيدِ الإنْكارِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ.
﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ وطَرْحِ هَمْزَةِ الوَصْلِ، أيْ: أتَكَبَّرْتَ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ.
﴿أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ المُسْتَحِقِّينَ لِلتَّفَوُّقِ. وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ أمْ لَمْ تَزَلْ مُنْذُ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ، وقُرِئَ بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ثِقَةً بِدَلالَةِ "أمْ" عَلَيْها، (p-237)وَقَوْلُهُ تَعالى:
ص 38:76
﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ ادِّعاءٌ مِنهُ لِشَيْءٍ مُسْتَلْزِمٍ لِمَنعِهِ مِنَ السُّجُودِ عَلى زَعْمِهِ، وإشْعارٌ بِأنَّهُ لا يَلِيقُ أنْ يَسْجُدَ الفاضِلُ لِلْمَفْضُولِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما ادَّعاهُ مِن فَضْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ حَيْثُ خَصَّ الفَضْلَ بِما مِن جِهَةِ المادَّةِ والعُنْصُرِ، وزَلَّ عَنْهُ ما مِن جِهَةِ الفاعِلِ، كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ . وما مِن جِهَةِ الصُّورَةِ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ وما مِن جِهَةِ الغايَةِ، وهو مَلاكُ الأمْرِ، ولِذَلِكَ أمَرَ المَلائِكَةَ بِسُجُودِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حِينَ ظَهَرَ لَهم أنَّهُ أعْلَمُ مِنهم بِما يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الخِلافَةِ في الأرْضِ، وأنَّ لَهُ خَواصَّ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ.
ص 38:77
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما ظَهَرَ مِنَ اللَّعِينِ مِنَ المُخالَفَةِ لِلْأمْرِ الجَلِيلِ، وتَعْلِيلِها بِالأباطِيلِ، أيْ: فاخْرُجْ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، وهو المُرادُ بِالأمْرِ بِالهُبُوطِ لا الهُبُوطِ مِنَ السَّماءِ، كَما قِيلَ. فَإنَّ وسْوَسَتَهُ لَآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ هَذا الطَّرْدِ، وقَدْ بُيِّنَ كَيْفِيَّةِ وسْوَسَتِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقِيلَ: اخْرُجْ مِنَ الخِلْقَةِ الَّتِي كُنْتَ فِيها وانْسَلِخْ مِنها، فَإنَّهُ كانَ يَفْتَخِرُ بِخِلْقَتِهِ، فَغَيَّرَ اللَّهُ خِلْقَتَهُ فاسْوَدَّ بَعْدَ ما كانَ أبْيَضَ، وقَبُحَ بَعْدَ ما كانَ حَسَنًا، وأظْلَمَ بَعْدَ ما كانَ نُورانِيًّا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالخُرُوجِ، أيْ: مَطْرُودٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ، فَإنَّ مَن يُطْرَدْ يُرْجَمْ بِالحِجارَةِ، أوْ شَيْطانٌ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ.
ص 38:78
﴿وَإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ أيْ: إبْعادِي عَنِ الرَّحْمَةِ. وتَقْيِيدُها بِالإضافَةِ مَعَ إطْلاقِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ لِما أنَّ لَعْنَةَ اللّاعِنِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، والثَّقَلَيْنِ أيْضًا مِن جِهَتِهِ تَعالى وأنَّهم يَدْعُونَ عَلَيْهِ بِلَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى وإبْعادِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ.
﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: يَوْمَ الجَزاءِ والعُقُوبَةِ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ اللَّعْنَةَ مَعَ كَمالِ فَظاعَتِها لَيْسَتْ جَزاءً لِجِنايَتِهِ، بَلْ هي أُنْمُوذَجٌ لِما سَيَلْقاهُ مُسْتَمِرًّا إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، لَكِنْ لا عَلى أنَّها تَنْقَطِعُ يَوْمَئِذٍ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ التَّوْقِيتِ بَلْ عَلى أنَّهُ سَيَلْقى يَوْمَئِذٍ مِن ألْوانِ العَذابِ وأفانِينِ العِقابِ ما يَنْسى عِنْدَهُ اللَّعْنَةَ، وتَصِيرُ كالزّائِلِ ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالِي: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ .
ص 38:79
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي﴾ أيْ: أمْهِلْنِي وأخِّرْنِي. و "الفاءُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: إذا جَعَلْتَنِي رَجِيمًا فَأمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي.
﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ لِلْجَزاءِ بَعْدَ فَنائِهِمْ. وأرادَ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً لِإغْوائِهِمْ، ويَأْخُذَ مِنهم ثَأْرَهُ، ويَنْجُوَ مِنَ المَوْتِ بِالكُلِّيَّةِ إذْ لا مَوْتَ بَعْدَ يَوْمِ البَعْثِ.
ص 38:80
﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ وُرُودُ الجَوابِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِشُمُولِ ما سَألَهُ لِآخَرِينَ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ (p-238)بِكَوْنِ السّائِلِ تَبَعًا لَهم. في ذَلِكَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ بِالإنْظارِ المُقَدَّرِ لَهم أزَلًا لا إنْشاءً لِإنْظارٍ خاصٍّ بِهِ قَدْ وقَعَ إجابَةً لِدُعائِهِ، وأنَّ اسْتِنْظارَهُ كانَ طَلَبًا لِتَأْخِيرِ المَوْتِ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ مِنهم لا لِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، كَما قِيلَ. فَإنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن إضافَةِ اليَوْمِ إلى الدِّينِ، أيْ: إنَّكَ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أُخِّرَتْ آجالُهم أزَلًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ التَّكْوِينِ.
ص 38:81
﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ وعَيَّنَهُ لِفَناءِ الخَلائِقِ، وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى، لا إلى وقْتِ البَعْثِ الَّذِي هو المَسْؤُولُ. فَـ "الفاءُ" لَيْسَتْ لِرَبْطِ نَفْسِ الإنْظارِ بِالِاسْتِنْظارِ بَلْ لِرَبْطِ الإخْبارِ المَذْكُورِ بِهِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
فَإنْ تَرْحَمْ فَأنْتَ لِذاكَ أهْلٌ
فَإنَّهُ لا إمْكانَ لِجَعْلِ الفاءِ فِيهِ لِرَبْطِ ما لَهُ تَعالى مِنَ الأهْلِيَّةِ القَدِيمَةِ لِلرَّحْمَةِ بِوُقُوعِ الرَّحْمَةِ الحادِثَةِ بَلْ هي لِرَبْطِ الإخْبارِ بِتِلْكَ الأهْلِيَّةِ لِلرَّحْمَةِ بِوُقُوعِها، هَذا وقَدْ تُرِكَ التَّوْقِيتُ في سُورَةِ الأعْرافِ، كَما تُرِكَ النِّداءُ والفاءُ في الِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ. تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ هَهُنا، وفي سُورَةِ الحِجْرِ. وإنْ خَطَرَ بِبالِكَ أنَّ كُلَّ وجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّظْمِ الكَرِيمِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَهُ مَقامٌ يَقْتَضِيهِ مُغايِرٌ لِمَقامِ غَيْرِهِ، وأنَّ ما حُكِيَ مِنَ اللَّعِينِ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ مَرَّةً، وكَذا جَوابُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا دُفْعَةً، فَمَقامُ الِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ إنِ اقْتَضى أحَدَ الوُجُوهِ المَحْكِيَّةِ فَذَلِكَ الوَجْهُ هو المُطابِقُ لِمُقْتَضى الحالِ، والبالِغُ إلى رُتْبَةِ البَلاغَةِ ودَرَجَةِ الإعْجازِ، وأمّا ما عَداهُ مِنَ الوُجُوهِ فَهو بِمَعْزِلٍ مِن بُلُوغِ طَبَقَةِ البَلاغَةِ، فَضْلًا عَنِ العُرُوجِ إلى مَعارِجِ الإعْجازِ، فَقَدْ سَلَفَ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ.
ص 38:82
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾ "الباءُ" لِلْقَسَمِ، و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى الإنْظارِ، ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾، وقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ فَإنَّ إغْواءَهُ تَعالى إيّاهُ أثَرٌ مِن آثارِ قدرته تعالى وعِزَّتِهِ، وحُكْمٌ مِن أحْكامِ قَهْرِهِ وسَلْطَنَتِهِ، فَمَآلُ الإقْسامِ بِهِما واحِدٌ. ولَعَلَّ اللَّعِينَ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا، فَحَكى تارَةً قَسَمَهُ بِأحَدِهِما، وأُخْرى بِالآخَرِ، أيْ: فَأُقْسِمُ بِعِزَّتِكَ.
﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: ذَرِّيَّةَ آدَمَ بِتَزْيِينِ المَعاصِي لَهم.
ص 38:83
﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِطاعَتِهِ، وعَصَمَهم مِنَ الغَوايَةِ. وقُرِئَ: ( المُخْلِصِينَ ) عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ، أيِ: الَّذِينَ أخْلَصُوا قُلُوبَهم وأعْمالَهم لِلَّهِ تَعالى.
ص 38:84
﴿قالَ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ بِرَفْعِ الأوَّلِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، ونُصِبَ الثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ، أيْ: لا أقُولُ إلّا الحَقَّ. و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ: فالحَقُّ قَسَمِي.
ص 38:85
﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ عَلى أنَّ الحَقَّ إمّا اسْمُهُ تَعالى، (p-239)أوْ نَقِيضُ الباطِلِ عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعالى بِإقْسامِهِ بِهِ، أوْ فَأنا الحَقُّ، أوْ فَقَوْلِي الحَقُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ . . . إلَخْ. حِينَئِذٍ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: واللَّهِ لَأمْلَأنَّ. . . إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ اعْتِراضٌ مُقَرَّرٌ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، أعْنِي فَقَوْلِي الحَقَّ. وقُرِئا مَنصُوبَيْنِ عَلى أنَّ الأوَّلَ مُقْسَمٌ بِهِ، كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ. وجَوابُهُ لَأمْلَأنَّ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقُرِئا مَجْرُورَيْنِ عَلى أنَّ الأوَّلَ مُقْسَمٌ بِهِ قَدْ أُضْمِرَ حَرْفُ قَسَمِهِ كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ والحَقَّ أقُولُ. عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ نَقِيضَ الباطِلِ، ومَعْناهُ التَّأْكِيدُ والتَّشْدِيدُ. وقُرِئَ بِجَرِّ الأوَّلِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، ونَصْبِ الثّانِي عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
﴿مِنكَ﴾ أيْ: مِن جِنْسِكَ مِنَ الشَّياطِينِ.
﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ في الغَوايَةِ والإضْلالِ.
﴿مِنهُمْ﴾ ومِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ.
﴿أجْمَعِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْكافِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ: لَأمْلَأنَّها مِنَ المَتْبُوعِينَ والأتْباعِ أجْمَعِينَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وهَذا القَوْلُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ وحَيْثُ كانَ مَناطُ الحُكْمِ هَهُنا اتِّباعُ الشَّيْطانِ اتَّضَحَ أنَّ مَدارَ عَدَمِ المَشِيئَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ اتِّباعُ الكَفَرَةِ لِلشَّيْطانِ بُسُوءِ اخْتِيارِهِمْ لا تَحَقُّقِ القَوْلِ فَلَيْسَ في ذَلِكَ شائِبَةُ الجَبْرِ، فَتَدَبَّرْ.
ص 38:86
﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ عَلى القرآن، أوْ عَلى تَبْلِيغِ ما يُوحى إلَيَّ.
﴿مِن أجْرٍ﴾ دُنْيَوِيٍّ ﴿وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أيِ: المُتَصَنِّعِينَ مِمّا لَيْسُوا مِن أهْلِهِ حَتّى أنْتَحِلَ النُّبُوَّةَ، وأتَقَوَّلَ القرآن.
ص 38:87
﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هو.
﴿إلا ذِكْرٌ﴾ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ: لِلثَّقَلَيْنِ كافَّةً.
ص 38:88
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ﴾ أيْ: ما أنْبَأ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وغَيْرِهِما، أوْ صِحَّةِ خَبَرِهِ وأنَّهُ الحَقُّ والصِّدْقُ.
﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ بَعْدَ المَوْتِ. أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، أوَعَنَدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وفُشُوِّهِ. وقِيلَ: مَن بَقِي عَلِمَ ذَلِكَ إذا ظَهَرَ أمْرُهُ وعَلا، ومَن ماتَ عَلِمَهُ بَعْدَ المَوْتِ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى.
عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ ص كانَ لَهُ بِوَزْنِ كُلِّ جَبَلٍ سَخَّرَهُ اللَّهُ لِداوُدَ عَشْرُ حَسَناتٍ، وعُصِمَ أنْ يُصِرَّ عَلى ذَنَبٍ صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ﴾ . وقالَ أبُو أُمامَةَ: عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن كُلِّ ذَنَبٍ صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.