Tafsir Abi Al-Suaood — الزمر 39:1 – فصلت 41:54
المحتويات
- الزمر 39:1
- الزمر 39:2
- الزمر 39:3
- الزمر 39:4
- الزمر 39:5
- الزمر 39:6
- الزمر 39:7
- الزمر 39:8
- الزمر 39:9
- الزمر 39:10
- الزمر 39:11
- الزمر 39:12
- الزمر 39:13
- الزمر 39:14
- الزمر 39:15
- الزمر 39:16
- الزمر 39:17
- الزمر 39:18
- الزمر 39:19
- الزمر 39:20
- الزمر 39:21
- الزمر 39:22
- الزمر 39:23
- الزمر 39:24
- الزمر 39:25
- الزمر 39:26
- الزمر 39:27
- الزمر 39:28
- الزمر 39:29
- الزمر 39:30
- الزمر 39:31
- الزمر 39:32
- الزمر 39:33
- الزمر 39:34
- الزمر 39:35
- الزمر 39:36
- الزمر 39:37
- الزمر 39:38
- الزمر 39:39
- الزمر 39:40
- الزمر 39:41
- الزمر 39:42
- الزمر 39:43
- الزمر 39:44
- الزمر 39:45
- الزمر 39:46
- الزمر 39:47
- الزمر 39:48
- الزمر 39:49
- الزمر 39:50
- الزمر 39:51
- الزمر 39:52
- الزمر 39:53
- الزمر 39:54
- الزمر 39:55
- الزمر 39:56
- الزمر 39:57
- الزمر 39:58
- الزمر 39:59
- الزمر 39:60
- الزمر 39:61
- الزمر 39:62
- الزمر 39:63
- الزمر 39:64
- الزمر 39:65
- الزمر 39:66
- الزمر 39:67
- الزمر 39:68
- الزمر 39:69
- الزمر 39:70
- الزمر 39:71
- الزمر 39:72
- الزمر 39:73
- الزمر 39:74
- الزمر 39:75
- غافر 40:1
- غافر 40:2
- غافر 40:3
- غافر 40:4
- غافر 40:5
- غافر 40:6
- غافر 40:7
- غافر 40:8
- غافر 40:9
- غافر 40:10
- غافر 40:11
- غافر 40:12
- غافر 40:13
- غافر 40:14
- غافر 40:15
- غافر 40:16
- غافر 40:17
- غافر 40:18
- غافر 40:19
- غافر 40:20
- غافر 40:21
- غافر 40:22
- غافر 40:23
- غافر 40:24
- غافر 40:25
- غافر 40:26
- غافر 40:27
- غافر 40:28
- غافر 40:29
- غافر 40:30
- غافر 40:31
- غافر 40:32
- غافر 40:33
- غافر 40:34
- غافر 40:35
- غافر 40:36
- غافر 40:37
- غافر 40:38
- غافر 40:39
- غافر 40:40
- غافر 40:41
- غافر 40:42
- غافر 40:43
- غافر 40:44
- غافر 40:45
- غافر 40:46
- غافر 40:47
- غافر 40:48
- غافر 40:49
- غافر 40:50
- غافر 40:51
- غافر 40:52
- غافر 40:53
- غافر 40:54
- غافر 40:55
- غافر 40:56
- غافر 40:57
- غافر 40:58
- غافر 40:59
- غافر 40:60
- غافر 40:61
- غافر 40:62
- غافر 40:63
- غافر 40:64
- غافر 40:65
- غافر 40:66
- غافر 40:67
- غافر 40:68
- غافر 40:69
- غافر 40:70
- غافر 40:71
- غافر 40:72
- غافر 40:73
- غافر 40:74
- غافر 40:75
- غافر 40:76
- غافر 40:77
- غافر 40:78
- غافر 40:79
- غافر 40:80
- غافر 40:81
- غافر 40:82
- غافر 40:83
- غافر 40:84
- غافر 40:85
- فصلت 41:1
- فصلت 41:2
- فصلت 41:3
- فصلت 41:4
- فصلت 41:5
- فصلت 41:6
- فصلت 41:7
- فصلت 41:8
- فصلت 41:9
- فصلت 41:10
- فصلت 41:11
- فصلت 41:12
- فصلت 41:13
- فصلت 41:14
- فصلت 41:15
- فصلت 41:16
- فصلت 41:17
- فصلت 41:18
- فصلت 41:19
- فصلت 41:20
- فصلت 41:21
- فصلت 41:22
- فصلت 41:23
- فصلت 41:24
- فصلت 41:25
- فصلت 41:26
- فصلت 41:27
- فصلت 41:28
- فصلت 41:29
- فصلت 41:30
- فصلت 41:31
- فصلت 41:32
- فصلت 41:33
- فصلت 41:34
- فصلت 41:35
- فصلت 41:36
- فصلت 41:37
- فصلت 41:38
- فصلت 41:39
- فصلت 41:40
- فصلت 41:41
- فصلت 41:42
- فصلت 41:43
- فصلت 41:44
- فصلت 41:45
- فصلت 41:46
- فصلت 41:47
- فصلت 41:48
- فصلت 41:49
- فصلت 41:50
- فصلت 41:51
- فصلت 41:52
- فصلت 41:53
- فصلت 41:54
الزمر 39:1
(p-240)( سُورَةُ الزُّمَرِ مَكِّيَّةٌ، إلّا قَوْلَهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ﴾ . . . الآيَةَ. وآياتُها خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً )
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، هو اسْمُ إشارَةٍ أُشِيرَ بِهِ إلى السُّورَةِ تَنْزِيلًا لَها مَنزِلَةَ الحاضِرِ المُشارِ إلَيْهِ لِكَوْنِها عَلى شَرَفِ الذِّكْرِ والحُضُورِ كَما مَرَّ مِرارًا. وقَدْ قِيلَ: هو ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى الذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ صِلَةٌ لِلتَّنْزِيلِ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ حالٌ مِنَ التَّنْزِيلِ عامِلُها مَعْنى الإشارَةِ، أوْ مِنَ الكِتابِ الَّذِي هو مَفْعُولُ مَعْنى عامِلِها المُضافِ، وقِيلَ: هو خَبَرٌ لِتَنْزِيلِ الكِتابِ، والوَجْهُ الأوَّلُ، أوْ في بِمُقْتَضى المَقامِ الَّذِي هو بَيانُ أنَّ السُّورَةَ أوِ القرآن تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا بَيانُ أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ مِنهُ تَعالى لا مِن غَيْرِهِ، كَما يُفِيدُهُ الوَجْهُ الأخِيرُ. وقُرِئَ: ( تَنْزِيلَ ) الكِتابِ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ نَحْوَ اقْرَأْ أوِ الزَمْ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ، لِلْإيذانِ بِظُهُورِ أثَرَيْهِما في الكِتابِ بِجَرَيانِ أحْكامِهِ، ونَفاذِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ مِن غَيْرِ مُدافِعٍ ولا مُمانِعٍ، وبِابْتِناءِ جَمِيعِ ما فِيهِ عَلى أساسِ الحِكَمِ الباهِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الزمر 39:2
﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ شَأْنِ المُنَزَّلِ إلَيْهِ، وما يَجِبُ عَلَيْهِ إثْرَ بَيانِ شَأْنِ المُنَزَّلِ وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. والمُرادُ بِـ "الكِتابِ" هو القرآن، وإظْهارُهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ هو المُرادَ بِالأوَّلِ أيْضًا، لِتَعْظِيمِهِ ومَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، و "الباءُ" إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِالإنْزالِ، أيْ: بِسَبَبِ الحَقِّ وإثْباتِهِ وإظْهارِهِ، أوْ بِداعِيَةِ الحَقِّ واقْتِضائِهِ لِلْإنْزالِ. وإمّا بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن نُونِ العَظَمَةِ، أوْ مِنَ الكِتابِ، أيْ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُحِقِّينَ في ذَلِكَ، أوْ أنْزَلْناهُ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والصَّوابِ، أيْ: كُلُّ ما فِيهِ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ بِهِ حَتْمًا. و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ عَلى إنْزالِ الكِتابِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالحَقِّ، أيْ: فاعْبُدْهُ تَعالى مُمَحِّضًا لَهُ الدِّينَ مِن شَوائِبِ الشِّرْكِ والرِّياءِ، حَسْبَما بُيِّنَ في تَضاعِيفِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( الدِّينِ ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الظَّرْفُ المُقَدَّمُ عَلَيْهِ، لِتَأْكِيدِ الِاخْتِصاصِ المُسْتَفادِ مِنَ اللّامِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِإخْلاصِ العِبادَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الزمر 39:3
﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ (p-241)اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ تَعالى ووُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مُؤَكِّدٌ لِاخْتِصاصِ الدِّينِ بِهِ تَعالى، أيْ: ألا هو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُخَصَّ بِإخْلاصِ الطّاعَةِ لَهُ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمَلِها الِاطِّلاعُ عَلى السَّرائِرِ والضَّمائِرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ تَحْقِيقٌ لِحَقِّيَّةِ ما ذُكِرَ مِن إخْلاصِ الدِّينِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ التَّوْحِيدِ بِبَيانِ بُطْلانِ الشِّرْكِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ إخْلاصِهِ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، خَبَرُهُ مِمّا سَيَأْتِي مِنَ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِأنْ، والأوْلِياءُ عَنِ المَلائِكَةِ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأصْنامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ حالٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ مِن واوِ اتَّخَذُوا مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ إشْراكِهِمْ، وعَدَمِ خُلُوصِ دِينِهِمْ. والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ. و "زُلْفى" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ عَلى غَيْرِ لَفْظِ المَصْدَرِ مُلاقٍ لَهُ في المَعْنى، أيْ: والَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ تَعالى، بَلْ شابُوها بِعِبادَةِ غَيْرِهِ قائِلِينَ: ما نَعْبُدُهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَعالى تَقْرِيبًا.
﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: وبَيْنَ خُصَمائِهِمُ الَّذِينَ هُمُ المُخْلِصُونَ لِلدِّينِ. وقَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ. أيْ: بَيْنَ أحَدٍ مِنهم وبَيْنَ غَيْرِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎ فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا. . . أبُو حُجُرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ
أيْ: بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي. وقِيلَ: ضَمِيرٌ بَيْنَهم لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا.
﴿فِي ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِنَ الدِّينِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ بِالتَّوْحِيدِ والإشْراكِ، وادَّعى كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم صِحَّةَ ما انْتَحَلَهُ، وحُكْمُهُ تَعالى في ذَلِكَإدْخالُ المُوَحِّدِينَ الجَنَّةَ، والمُشْرِكِينَ النّارَ. فالضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ هَذا هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ مَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وأمّا تَجْوِيزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ المَعْبُودِينَ عَلى حَذْفِ العائِدِ إلَيْهِ، وإضْمارِ المُشْرِكِينَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ المَساقِ عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: والَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، أيْ: بَيْنَ العَبَدَةِ والمَعْبُودِينَ فِيما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. حَيْثُ يَرْجُو العَبَدَةُ شَفاعَتَهُمْ، وهم يَلْعَنُونَهم فَبَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفاتِ بِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ، كَيْفَ لا ولَيْسَ فِيما ذُكِرَ مِن طَلَبِ الشَّفاعَةِ واللَّعْنِ مادَّةٌ يَخْتَلِفُ فِيها الفَرِيقانِ اخْتِلافًا مُحْوِجًا إلى الحُكْمِ والفَصْلِ ؟ وإنَّما ذاكَ ما بَيْنَ فَرِيقَيِ المُوَحِّدِينَ والمُشْرِكِينَ في الدُّنْيا مِنَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ الباقِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقُرِئَ: ( قالُوا ما نَعْبُدُهم ) فَهو بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ لا خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ، كَما قِيلَ. إذْ لَيْسَ في الإخْبارِ بِذَلِكَ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ. وقُرِئَ: ( ما نَعْبُدُكم إلّا لِتُقَرِّبُونا ) حِكايَةً لِما خاطَبُوا بِهِ آلِهَتَهُمْ، وقُرِئَ: ( نَعْبُدُهم ) إتْباعًا لِلْباءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ: لا يُوَفَّقُ لِلِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ الَّذِي هو طَرِيقُ النَّجاةِ عَنِ المَكْرُوهِ، والفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ.
﴿مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ أيْ: راسِخٌ في الكَذِبِ، مُبالِغٌ في الكُفْرِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قِراءَةُ: ( كَذّابٌ ) و ( كَذُوبٌ ) فَإنَّهُما فاقِدانِ لِلْبَصِيرَةِ، غَيْرُ قابِلَيْنِ لِلِاهْتِداءِ، لِتَغْيِيرِهِما الفِطْرَةَ الأصْلِيَّةَ بِالتَّمَرُّنِ في الضَّلالَةِ، والتَّمادِي في الغَيِّ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما ذُكِرَ مِن حُكْمِهِ تَعالى.
الزمر 39:4
﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ . . . إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ، وإبْطالِ القَوْلِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، عِيسى ابْنُهُ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلَّوًا كَبِيرًا بِبَيانِ اسْتِحالَةِ اتِّخاذِ الوَلَدِ في حَقِّهِ تَعالى عَلى الإطْلاقِ، لِيَنْدَرِجَ فِيهِ اسْتِحالَةُ (p-242)ما قَبْلُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، أيْ: لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا.
﴿لاصْطَفى﴾ أيْ: لاتَّخَذَ.
﴿مِمّا يَخْلُقُ﴾ أيْ: مِن جُمْلَةِ ما يَخْلُقُهُ، أوْ مِن جِنْسِ ما يَخْلُقُهُ.
﴿ما يَشاءُ﴾ أنْ يَتَّخِذَهُ إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقٌ لَهُ تَعالى، لِامْتِناعِ تَعَدُّدِ الواجِبِ، ووُجُوبِ اسْتِنادِ جَمِيعِ ما عَداهُ إلَيْهِ. ومِنَ البَيِّنِ أنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ مَنُوطٌ بِالمُماثَلَةِ بَيْنَ المُتَّخِذِ والمُتَّخَذِ، وأنَّ المَخْلُوقَ لا يُماثِلُ خالِقَهُ حَتّى يُمْكِنَ اتِّخاذُهُ ولَدًا فَما فَرَضْناهُ اتِّخاذَ ولَدٍ لَمْ يَكُنِ اتِّخاذَ ولَدٍ، بَلِ اصْطِفاءَ عَبْدٍ، وإلَيْهِ أُشِيرُ. حَيْثُ وُضِعَ الِاصْطِفاءُ مَوْضِعَ الِاتِّخاذِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَّرْطِيَّةُ، تَنْبِيهًا عَلى اسْتِحالَةِ مُقَدِّمِها لِاسْتِلْزامِ فَرْضِ وُقُوعِهِ بَلْ فَرْضِ إرادَةِ وُقُوعِهِ انْتِفاءَهُ، أيْ: لَوْ أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لَفَعَلَ شَيْئًا لَيْسَ هو مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ في شَيْءٍ أصْلًا، بَلْ إنَّما هو اصْطِفاءُ عَبْدٍ. ولا رَيْبَ في أنَّ ما يَسْتَلْزِمُ فَرْضُ وُقُوعِهِ انْتِفاءَهُ فَهو مُمْتَنِعٌ قَطْعًا. فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لامْتَنَعَ ولَمْ يَصِحَّ لَكِنْ لا عَلى أنَّ الِامْتِناعَ مَنُوطٌ بِتَحَقُّقِ الإرادَةِ، بَلْ عَلى أنَّهُ مُتَحَقِّقٌ عِنْدَ عَدَمِها بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ عَلى مِنوالٍ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ﴾ تَقْرِيرٌ لِما ذُكِرَ مِنِ اسْتِحالَةِ اتِّخاذِ الوَلَدِ في حَقِّهِ تَعالى، وتَأْكِيدٌ لَهُ بِبَيانِ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْهُ، أيْ: تَنَزَّهَ بِالذّاتِ عَنْ ذَلِكَ تَنَزُّهَهُ الخاصَّ بِهِ عَلى أنَّ السُّبْحانَ مَصْدَرٌ مِن سَبَحَ إذا بَعُدَ، أوْ أسْبَحَهُ تَسْبِيحًا لائِقًا بِهِ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ، أوْ سَبَّحُوهُ تَسْبِيحًا حَقِيقًا بِشَأْنِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِتَنَزُّهِهِ تَعالى بِحَسَبِ الصِّفاتِ إثْرَ بَيانِ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْهُ بِحَسَبِ الذّاتِ، فَإنَّ صِفَةَ الأُلُوهِيَّةِ المُسْتَتْبَعَةَ لِسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ النّافِيَةِ لِسِماتِ النُّقْصانِ والوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ المُوجِبَةِ لِامْتِناعِ المُماثَلَةِ والمُشارَكَةِ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ غَيْرِهِ عَلى الإطْلاقِ، مِمّا يَقْضِي بِتَنَزُّهِهِ تَعالى عَمّا قالُوا قَضاءً مُتْقَنًا، وكَذا وصْفُ القَهّارِيَّةِ لِما أنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ شَأْنُ مَن يَكُونُ تَحْتَ مَلَكُوتِ الغَيْرِ عُرْضَةً لِلْفَناءِ، لِيَقُومَ ولَدُهُ مَقامَهُ عِنْدَ فَنائِهِ، ومَن هو مُسْتَحِيلُ الفَناءِ قَهّارٌ لِكُلِّ الكائِناتِ. كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَتَّخِذَ مِنَ الأشْياءِ الفانِيَةِ ما يَقُومُ مَقامَهُ ؟ وقَوْلُهُ تَعالى:
الزمر 39:5
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ تَفْصِيلٌ لِبَعْضِ أفْعالِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، أيْ: خَلَقَهُما وما بَيْنَهُما مِنَ المَوْجُوداتِ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ والصَّوابِ مُشْتَمِلَةً عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارِ عَلى اللَّيْلَ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَصَرُّفِهِ تَعالى فِيهِما بَعْدَ بَيانِ خَلْقِهِما، فَإنَّ حُدُوثَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في الأرْضِ مَنُوطٌ بِتَحْرِيكِ السَّماواتِ، أيْ: يَغْشى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ، كَأنَّهُ يَلُفُّهُ عَلَيْهِ لَفَّ اللِّباسِ عَلى اللّابِسِ، أوْ يُغَيِّبُهُ بِهِ كَما يُغَيَّبُ المَلْفُوفُ بِاللِّفافَةِ، أوْ يَجْعَلُهُ كارًّا عَلَيْهِ كُرُورًا مُتَتابِعًا تَتابُعَ أكْوارِ العِمامَةِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ جَعَلَهُما مُنْقادَيْنِ لِأمْرِهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَسْخِيرِهِما، أيْ: كُلٌّ مِنهُما يَجْرِي لِمُنْتَهى دَوْرَتِهِ أوْ مُنْقَطَعِ حَرَكَتِهِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
﴿ألّا هو العَزِيزُ﴾ الغالِبُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عِقابُ العُصاةِ.
﴿الغَفّارُ﴾ المُبالِغُ في المَغْفِرَةِ. ولِذَلِكَ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ وسَلْبِ ما في هَذِهِ الصَّنائِعِ البَدِيعَةِ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ. وتَصْدِيرُ (p-243)الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها.
الزمر 39:6
﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ بَيانٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أفْعالِهِ الدّالَّةِ عَلى ما ذُكِرَ، وتَرْكِ عَطْفِهِ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ في الدِّلالَةِ، ولِتَعَلُّقِهِ بِالعالَمِ السُّفْلِيِّ، والبَداءَةِ بِخَلْقِ الإنْسانِ لِعَراقَتِهِ في الدِّلالَةِ لِما فِيهِ مِن تَعاجِيبِ آثارِ القُدْرَةِ، وأسْرارِ الحِكْمَةِ، وأصالَتِهِ في المَعْرِفَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ بِحالِ نَفْسِهِ أعْرَفُ. والمُرادُ بِـ "النَّفْسِ" نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِنَفْسٍ، أيْ: مِن نَفْسٍ خَلَقَها، ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها. أوْ عَلى مَعْنى واحِدَةٍ، أيْ: مِن نَفْسٍ وحَّدَتْ، ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها فَشَفَعَها. أوْ عَلى خَلْقِكم لِتَفاوُتِ ما بَيْنَهُما في الدَّلالَةِ فَإنَّهُما وإنْ كانَتا آيَتَيْنِ دالَّتَيْنِ عَلى ما ذُكِرَ. لَكِنَّ الأُولى لِاسْتِمْرارِها صارَتْ مُعْتادَةً، وأمّا الثّانِيَةُ فَحَيْثُ لَمْ تَكُنْ مُعْتادَةً خارِجَةً عَنْ قِياسِ الأُولى، كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنْها بِالجَعْلِ دُونَ الخَلْقِ، كانَتْ أدْخَلَ في كَوْنِها آيَةً. وأجْلَبَ لِلتَّعَجُّبِ مِنَ السّامِعِ، فَعُطِفَتْ عَلى الأُولى بِـ "ثُمَّ" دَلالَةً عَلى مُبايَنَتِها لَها فَضْلًا ومَزِيَّةٍ، وتَراخِيها عَنْها فِيما يَرْجِعُ إلى زِيادَةِ كَوْنِها آيَةً، فَهو مِنَ التَّراخِي في الحالِ والمَنزِلَةِ. وقِيلَ: أخْرَجَ ذَرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ مِنهُ حَوّاءَ. فَفِيهِ ثَلاثُ آياتٍ مُتَرَتِّبَةٍ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلا أبٍ وأُمٍّ، وخَلْقُ حَوّاءَ مِن قُصَيْراهُ، ثُمَّ تَشْعِيبُ الخَلْقِ الفائِتِ لِلْحَصْرِ مِنهُما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ لَكُمْ﴾ بَيانٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أفْعالِهِ الدّالَّةِ عَلى ما ذُكِرَ، أيْ: قَضى، أوْ قَسَمَ لَكم. فَإنَّ قَضاياهُ وقَسْمَهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ حَيْثُ تُكْتَبُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ أحْدَثَ لَكم بِأسْبابٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ كالأمْطارِ وأشِعَّةِ الكَواكِبِ.
﴿مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ ذَكَرًا وأُنْثى: هي الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ والمَعْزِ. وقِيلَ: خَلَقَها في الجَنَّةِ ثُمَّ أنْزَلَها. وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِما قَدَّمَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أخَّرَ، فَإنَّ كَوْنَ الإنْزالِ لِمَنافِعِهِمْ، وكَوْنَهُ مِنَ الجِهَةِ العالِيَةِ مِنَ الأُمُورِ المُهِمَّةِ المَشُوفَةِ إلى ما أُنْزِلُ لا مَحالَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِمْ، وأطْوارِهِ المُخْتَلِفَةِ الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ الدَّلالَةُ عَلى التَّدَرُّجِ والتَّجَدُّدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، أيْ: يَخْلُقُكم فِيها خَلْقًا كائِنًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ، أيْ: خَلْقًا مُدَرَّجًا حَيَوانًا سَوِيًّا مِن بَعْدِ عِظامٍ مَكْسُوَّةٍ لَحْمًا مِن بَعْدِ عِظامٍ عارِيَةٍ مِن بَعْدِ مُضَعٍ مُخَلَّقَةٍ، مِن بَعْدِ مُضَغٍ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، مِن بَعْدِ عَلَقَةٍ، مِن بَعْدِ نُطْفَةٍ.
﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ مُتَعَلِّقِ بِيَخْلُقُكُمْ، وهي ظُلْمَةُ البَطْنِ وظُلْمَةُ الرَّحِمِ وظُلْمَةُ المَشِيمَةِ، أوْ ظُلْمَةُ الصُّلْبِ والبَطْنِ والرَّحِمِ.
﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أفْعالِهِ المَذْكُورَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ تَعالى في العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ. ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: ذَلِكُمُ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي عَدَدْتُ أفْعالَهُ.
﴿اللَّهُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكُمْ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أيْ: مُرْبِبُكم فِيما ذُكِرَ مِنَ الأطْوارِ، وفِيما بَعْدَها، ومالِكُمُ المُسْتَحِقُّ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ.
﴿لَهُ المُلْكُ﴾ عَلى الإطْلاقِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ شَرِكَةٌ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ (p-244)مِنَ الوُجُوهِ. والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ . و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما ذُكِرَ مِن شُؤُونِهِ تَعالى، أيْ: فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى مَعَ وُفُورِ مُوجِباتِها ودَواعِيها، وانْتِفاءِ الصّارِفِ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْها مَعَ كَثْرَةِ الصَّوارِفِ عَنْها ؟ !
الزمر 39:7
﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ بِهِ تَعالى بَعْدَ مُشاهَدَةِ ما ذُكِرَ مِن فُنُونِ نَعْمائِهِ، ومَعْرِفَةِ شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والشُّكْرِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أيْ: فاعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ إيمانِكم وشُكْرِكُمْ، غَيْرُ مُتَأثِّرٍ مِنِ انْتِفائِهِما.
﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ أيْ: عَدَمُ رِضاهُ بِكُفْرِ عِبادِهِ لِأجْلِ مَنفَعَتِهِمْ، ودَفْعِ مَضَرَّتِهِمْ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ، لا لِتَضَرُّرِهِ تَعالى بِهِ.
﴿وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: يَرْضَ الشُّكْرَ لِأجْلِكم ومَنفَعَتِكُمْ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِفَوْزِكم بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، لا لِانْتِفاعِهِ تَعالى بِهِ. وإنَّما قِيلَ: لِعِبادِهِ لا لَكم لِتَعْمِيمِ الحُكْمِ، وتَعْلِيلِهِ بِكَوْنِهِمْ عِبادَهُ تَعالى. وقُرِئَ بِإسْكانِ الهاءِ.
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ سَرايَةِ كُفْرِ الكافِرِ إلى غَيْرِهِ أصْلًا، أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ لِلْوِزْرِ حَمْلَ نَفْسٍ أُخْرى.
﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِن أعْمالِ الكُفْرِ والإيمانِ، أيْ: يُجازِيكم بِذَلِكَ ثَوابًا وعِقابًا.
﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِمُضْمَراتِ القُلُوبِ، فَكَيْفَ بِالأعْمالِ الظّاهِرَةِ ؟ ! وهو تَعْلِيلٌ لِلتَّنْبِئَةِ.
الزمر 39:8
﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ مِن مَرَضٍ وغَيْرِهِ ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ راجِعًا إلَيْهِ مِمّا كانَ يَدْعُوهُ في حالَةِ الرَّخاءِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ القُدْرَةِ عَلى كَشْفِ ضُرِّهِ. وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِحالِ بَعْضِ أفْرادِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ .
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ﴾ أيْ: أعْطاهُ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِن جَنابِهِ تَعالى مِنَ التَّخَوُّلِ، وهو التَّعَهُّدُ. أيْ: جَعَلَهُ خائِلَ مالٍ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ خائِلُ مالٍ إذا كانَ مُتَعَهِّدًا لَهُ حَسَنَ القِيامِ بِهِ. أوْ مِنَ الخَوَلِ وهو الِافْتِخارُ. أيْ: جَعَلَهُ يَخُولُ، أيْ: يَخْتالُ ويَفْتَخِرُ.
﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ﴾ أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ تَعالى فِيما سَبَقَ إلى كَشْفِهِ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ التَّخْوِيلِ، أوْ نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَدْعُوهُ ويَتَضَرَّعُ إلَيْهِ إمّا بِناءً عَلى أنَّ ما بِمَعْنى "مَن" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ وإمّا إيذانًا بِأنَّ نِسْيانَهُ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يُعْرَفُ مُدَّعُوهُ ما هو فَضْلًا عَنْ أنْ يَعْرِفَهُ مَن هُوَ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَمّا أرْضَعَتْ﴾ ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ شُرَكاءَ في العِبادَةِ ﴿لِيُضِلَّ﴾ النّاسَ بِذَلِكَ ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ. وقُرِئَ: ( لِيَضِلَّ ) بِفَتْحِ الياءِ، أيْ: يَزْدادَ ضَلالًا أوْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ. وإلّا فَأصْلُ الضَّلالِ غَيْرُ مُتَأخِّرٍ عَنِ الجَعْلِ المَذْكُورِ. و "اللّامُ" لامُ العاقِبَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (p-245)﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ خَلا أنَّ هَذا أقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الجاعِلَ هَهُنا قاصِدٌ بِجَعْلِهِ المَذْكُورِ حَقِيقَةَ الإضْلالِ والضَّلالِ، وإنْ لَمْ يُعْرَفْ لِجَهْلِهِ أنَّهُما إضْلالٌ وضَلالٌ وأمّا آلُ فِرْعَوْنَ فَهم غَيْرُ قاصِدِينَ بِالتِقاطِهِمُ العَداوَةَ أصْلًا.
﴿قُلْ﴾ تَهْدِيدًا لِذَلِكَ الضّالِّ المُضِلِّ، وبَيانًا لِحالِهِ ومَآلِهِ.
﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا﴾ أيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مِن مُلازِمِيها والمُعَذَّبِينَ فِيها عَلى الدَّوامِ. وهو تَعْلِيلٌ لِقِلَّةِ التَّمَتُّعِ، وفِيهِ مِنَ الإقْناطِ مِنَ النَّجاةِ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ قِيلَ: إذْ قَدْ أبَيْتَ قَبُولَ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ فَمِن حَقِّكَ أنْ تُؤْمَرَ بِتَرْكِهِ لِتَذُوقَ عُقُوبَتَهُ.
الزمر 39:9
﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ . . . إلَخْ. مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ. و "أمْ" إمّا مُتَّصِلَةٌ قَدْ حُذِفَ مُعادِلُها ثِقَةً بِدَلالَةِ مَساقِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّهْدِيدِ وتَهُكُّمًا بِهِ: أأنْتَ أحْسَنُ حالًا ومَآلًا، أمْ مَن هو قائِمٌ بِمُواجِبِ الطّاعاتِ ودائِمٌ عَلى أداءِ وظائِفِ العِباداتِ في ساعاتِ اللَّيْلِ حالَتَيِ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، لا عِنْدَ مِساسِ الضُّرِّ فَقَطْ كَدَأْبِكَ حالَ كَوْنِهِ ؟ ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾ أيْ: جامِعًا بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَحْمُودَيْنِ. وتَقْدِيمُ السُّجُودِ عَلى القِيامِ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في مَعْنى العِبادَةِ، وقُرِئَ كِلاهُما بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ حالٌ أُخْرى عَلى التَّرادُفِ أوِ التَّداخُلِ، أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِ مِنَ القُنُوتِ والسُّجُودِ والقِيامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ.
﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فَيَنْجُو بِذَلِكَ مِمّا يَحْذَرُهُ، ويَفُوزُ بِما يَرْجُوهُ. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الرّاجِي لا أنَّهُ يَحْذَرُ ضُرَّ الدُّنْيا ويَرْجُو خَيْرَها فَقَطْ، وإمّا مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِنَ الإضْرابِ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّهْدِيدِ إلى التَّبْكِيتِ، بِتَكْلِيفِ الجَوابِ المُلْجِئِ إلى الِاعْتِرافِ بِما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أمْ مَن هو قانِتٌ. . . إلَخْ أفْضَلُ أمْ مَن هو كافِرٌ مِثْلَكَ. كَما هو المَعْنى عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ.
﴿قُلْ﴾ بَيانًا لِلْحَقِّ، وتَنْبِيهًا عَلى شَرَفِ العِلْمِ والعَمَلِ.
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ حَقائِقَ الأحْوالِ، فَيَعْمَلُونَ بِمُوجِبِ عِلْمِهِمْ كالقانِتِ المَذْكُورِ.
﴿والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ، أوْ شَيْئًا فَيَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى جَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ كَدَأْبِكَ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كَوْنَ الأوَّلِينَ في أعْلى مَعارِجِ الخَيْرِ، وكَوْنُ الآخِرِينَ في أقْصى مَدارِجِ الشَّرِّ مِنَ الظُّهُورِ، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ مِن مُنْصِفٍ ومُكابِرٍ، وقِيلَ: هو وارِدٌ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، أيْ: كَما لا يَسْتَوِي العالِمُونَ والجاهِلُونَ لا يَسْتَوِي القانِتُونَ والعاصُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألباب﴾ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بَعْدَ الأمْرِ بِما ذُكِرَ مِنَ القَوارِعِ الزّاجِرَةِ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي، لِبَيانِ عَدَمِ تَأْثِيرِها في قُلُوبِ الكَفَرَةِ لِاخْتِلالِ عُقُولِهِمْ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ عُوجُوا فَحَيُّوا لِنُعْمى دِمْنَةَ الدّارِ *** ماذا تُحَيُّونَ مِن نُؤْيٍ وأحْجارِ
أيْ: إنَّما يَتَّعِظُ بِهَذِهِ البَياناتِ الواضِحَةِ أصْحابُ العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الخَلَلِ، وهَؤُلاءِ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ. وقُرِئَ: ( إنَّما يَذَّكَّرُ ) بِالإدْغامِ.
الزمر 39:10
(p-246)﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِتَذْكِيرِ المُؤْمِنِينَ، وحَمْلِهِمْ عَلى التَّقْوى والطّاعَةِ، إثْرَ تَخْصِيصِ التَّذَكُّرِ بِأُولِي الألباب إيذانًا بِأنَّهم هم كَما سَيُصَرِّحُ بِهِ، أيْ: قُلْ لَهم قَوْلِي هَذا بِعَيْنِهِ. وفِيهِ تَشْرِيفٌ لَهم بِإضافَتِهِمْ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، ومَزِيدُ اعْتِناءٍ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ. فَإنَّ نَقْلَ عَيْنِ أمْرِ اللَّهِ أدْخَلُ في إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ. وإيرادُ الإحْسانِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ دُونَ التَّقْوى لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِن بابِ الإحْسانِ، وأنَّهُما مُتَلازِمانِ، وكَذا الصَّبْرُ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأحْسَنُوا، أيْ: عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ في هَذِهِ الدُّنْيا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ، وهو الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنِ الإحْسانِ بِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ﴾ .
﴿حَسَنَةٌ﴾ أيْ: حَسَنَةً عَظِيمَةً لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها، وهي الجَنَّةُ. وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِحَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ بَيانٌ لِمَكانِها، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها في الظَّرْفِ، فالمُرادُ بِها حِينَئِذٍ الصِّحَّةُ والعافِيَةُ.
﴿وَأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ فَمِن تَعَسَّرَ عَلَيْهِ التَّوَفُّرُ عَلى التَّقْوى والإحْسانِ في وطَنِهِ فَلْيُهاجِرْ إلى حَيْثُ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِن ذَلِكَ، كَما هو سُنَّةُ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، فَإنَّهُ لا عُذْرَ لَهُ في التَّفْرِيطِ أصْلًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾ . . . إلَخْ. تَرْغِيبٌ في التَّقْوى المَأْمُورِ بِها، وإيثارُ الصّابِرِينَ عَلى المُتَّقِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّهم حائِزُونَ لِفَضِيلَةِ الصَّبْرِ كَحِيازَتِهِمْ لِفَضِيلَةِ الإحْسانِ، لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنِ اسْتِلْزامِ التَّقْوى لَهُما مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ حَثٍّ عَلى المُصابَرَةِ، والمُجاهَدَةِ في تَحَمُّلِ مَشاقِّ المُهاجَرَةِ ومَتاعِبِها، أيْ: إنَّما يُوَفّى الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى دِينِهِمْ، وحافَظُوا عَلى حُدُودِهِ، ولَمْ يُفَرِّطُوا في مُراعاةِ حُقُوقِهِ لِما اعْتَراهم في ذَلِكَ مِن فُنُونِ الآلامِ والبَلايا الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُهاجَرَةُ الأهْلِ، ومُفارَقَةُ الأوْطانِ.
﴿أجْرَهُمْ﴾ بِمُقابَلَةِ ما كابَدُوا مِنَ الصَّبْرِ.
﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِحَيْثُ لا يُحْصى، ولا يُحْصَرُ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لا يَهْتَدِي إلَيْهِ حِسابُ الحُسّابِ ولا يُعْرَفُ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ تُنْصَبُ المَوازِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لِأهْلِ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ والحَجِّ، فَيُؤْتَوْنَ بِها أُجُورَهُمْ، ولا تُنْصَبُ لِأهْلِ البَلاءِ بَلْ يُصَبُّ عَلَيْهِمُ الأجْرُ صَبًّا حَتّى يَتَمَنّى أهْلُ العافِيَةِ في الدُّنْيا أنَّ أجْسادَهم تُقْرَضُ بِالمَقارِيضِ، مِمّا يَذْهَبُ بِهِ أهْلُ البَلاءِ مِنَ الفَضْلِ.
الزمر 39:11
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: مِن كُلِّ ما يُنافِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وغَيْرِ ذَلِكَ. أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَيانِ ما أُمِرَ بِهِ نَفْسِهِ مِنَ الإخْلاصِ في عِبادَةِ اللَّهِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا أُمِرَ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ التَّقْوى مُبالَغَةً في حَثِّهِمْ عَلى الإتْيانِ بِما كُلِّفُوهُ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِمّا خُوطِبَ بِهِ المُشْرِكُونَ.
الزمر 39:12
﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: وأُمِرْتُ بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ أكُونَ مُقَدَّمَهم (p-247)فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّ إحْرازَ قَصْبِ السَّبْقِ في الدِّينِ بِالإخْلاصِ فِيهِ، والعَطْفُ لِمُغايِرَةِ الثّانِي الأوَّلَ بِتَقَيُّدِهِ بِالعِلَّةِ، والإشْعارُ بِأنَّ العِبادَةَ المَذْكُورَةَ كَما تَقْتَضِي الأمْرَ بِها لِذاتِها تَقْتَضِيهِ لِما يَلْزَمُها مِنَ السَّبْقِ في الدِّينِ، ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ اللّامُ مَزِيدَةً كَما في أرَدْتُ لِأنْ أقُومَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ فالمَعْنى وأُمِرَتْ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن أهِلِ زَمانِي، أوْ مِن قَوْمِي، أوْ أكُونَ أوَّلَ مَن دَعا غَيْرَهُ إلى ما دَعا إلَيْهِ نَفْسَهُ.
الزمر 39:13
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِتَرْكِ الإخْلاصِ، والمَيْلِ إلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ.
﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ وُصِفَ بِالعَظَمَةِ؛ لِعَظَمَةِ ما فِيهِ مِنَ الدَّواهِي والأهْوالِ.
الزمر 39:14
﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ لا غَيْرَهُ، لا اسْتِقْلالًا، ولا اشْتِراكًا.
﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ مِن كُلِّ شَوْبٍ. أُمِرَ ﷺ أوَّلًا بِبَيانِ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ، ثُمَّ بِالإخْبارِ بِخَوْفِهِ مِنَ العَذابِ عَلى تَقْدِيرِ العِصْيانِ، ثُمَّ بِالإخْبارِ بِامْتِثالِهِ بِالأمْرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ إظْهارًا لِتَصَلُّبِهِ في الدِّينِ، وحَسْمًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ، وتَمْهِيدًا لِتَهْدِيدِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى:
الزمر 39:15
﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾ أنْ تَعْبُدُوهُ ﴿مِن دُونِهِ﴾ تَعالى. وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ ما لا يَخْفى، كَأنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ، أُمِرُوا بِهِ كَيْ يَحِلَّ بِهِمُ العِقابُ.
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيِ: الكامِلِينَ في الخُسْرانِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ إضاعَةِ ما يُهِمُّهُ، وإتْلافِ ما لا بُدَّ مِنهُ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ بِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ لَهُما، أيْ: أضاعُوهُما وأتْلَفُوهُما.
﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ حِينَ يَدْخُلُونَ النّارَ حَيْثُ عَرَّضُوهُما لِلْعَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وأوْقَعُوهُما في هَلَكَةٍ لا هَلَكَةَ وراءَها. وقِيلَ: خَسِرُوا أهْلِيهِمْ؛ لِأنَّهم إنْ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم كَما خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا عَنْهم ذَهابًا لا إيابَ بَعْدَهُ. وفِيهِ أنَّ المَحْذُورَ ذَهابُ ما لَوْ آبَ لانْتَفَعَ بِهِ الخاسِرُ، وذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ في الشِّقِّ الأخِيرِ. وقِيلَ: خَسِرُوهُمْ؛ لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا مَدْخَلَ الَّذِينَ لَهم في أهْلِ الجَنَّةِ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا يَتَمَتَّعُونَ بِهِمْ لَوْ آمَنُوا، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ تَعْرِيفِ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ بِما نَذْكُرُ بَلْ بَيانَ أنَّهم هم إمّا نَجْعَلُ المَوْصُولِ عِبارَةً عَنْهُمْ، أوْ عَمّا هم مُنْدَرِجُونَ فِيهِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ مِنِ اسْتِئْنافِ الجُمْلَةِ وتَصْدِيرِها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ والإشارَةِ بِذَلِكَ إلى بُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الشَّرِّ، وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وتَعْرِيفِ الخُسْرانِ، ووَصْفِهِ بِالمُبِينِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ هَوْلِهِ وفَظاعَتِهِ، وأنَّهُ لا خُسْرانَ وراءَهُ ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى:
الزمر 39:16
(p-248)﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ﴾ . . . إلَخْ. نَوْعُ بَيانٍ لِخُسْرانِهِمْ بَعْدَ تَهْوِيلِهِ بِطَرِيقِ الإبْهامِ عَلى أنَّ لَهم خَبَرٌ لِـ "ظُلَلٌ"، و "مِن فَوْقِهِمْ" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ. قِيلَ: هو حالٌ مِن ظُلَلٍ، والأظْهَرُ أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ المُقَدَّمِ، و "مِنَ النّارِ" صِفَةٌ لِـ "ظُلَلٌ"، أيْ: لَهم كائِنَةٌ مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ كَثِيرَةٌ مُتَراكِبَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضِ كائِنَةٌ مِنَ النّارِ.
﴿وَمِن تَحْتِهِمْ﴾ أيْضًا ﴿ظُلَلٌ﴾ أيْ: أطْباقٌ كَثِيرَةٌ بَعْضُها تَحْتَ بَعْضٍ ظُلَلٌ لِآخَرِينَ بَلْ لَهم أيْضًا عِنْدَ تَرَدِّيهِمْ في دَرَكاتِها.
﴿ذَلِكَ﴾ العَذابُ الفَظِيعُ هو الَّذِي ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ ويُحَذِّرُهم إيّاهُ بِآياتِ الوَعِيدِ لِيَجْتَنِبُوا ما يُوقِعُهم فِيهِ.
﴿يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ ولا تَتَعَرَّضُوا لِما يُوجِبُ سَخَطِي، وهَذِهِ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بالِغَةٌ مُنْطَوِيَةٌ عَلى غايَةِ اللُّطْفِ والمَرْحَمَةِ، وقُرِئَ: ( يا عِبادِي ) .
الزمر 39:17
﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ أيِ: البالِغَ أقْصى غايَةِ الطُّغْيانِ فَعَلُوتٌ مِنهُ، بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ بُنِيَ لِلْمُبالَغَةِ في المَصْدَرِ كالرَّحَمُوتِ والعَظَمُوتِ، ثُمَّ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّعْتِ، والمُرادُ بِهِ هو الشَّيْطانُ.
﴿أنْ يَعْبُدُوها﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ، فَإنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عِبادَةٌ لِلشَّيْطانِ إذْ هو الآمِرُ بِها، والمُزَيِّنُ لَها.
﴿وَأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ وأقْبَلُوا إلَيْهِ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ إقْبالًا كُلِّيًّا.
﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ بِالثَّوابِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ أوِ المَلائِكَةِ، عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، وحِينَ يُحْشَرُونَ، وبَعْدَ ذَلِكَ.
﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾
الزمر 39:18
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ هُمُ المَوْصُوفُونَ بِالِاجْتِنابِ والإنابَةِ بِأعْيانِهِمْ. لَكِنْ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمُ الظّاهِرِ تَشْرِيفًا لَهم بِالإضافَةِ، ودَلالَةً عَلى أنَّ مَدارَ اتِّصافِهِمْ بِالوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ كَوْنُهم نُقّادًا في الدِّينِ يُمَيِّزُونَ الحَقَّ مِنَ الباطِلَ، ويُؤْثِرُونَ الأفْضَلَ فالأفْضَلَ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ. ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ المَوْصُولِ، أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِالمَحاسِنِ الجَمِيلَةِ.
﴿الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ لِلْحَقِّ ﴿وَأُولَئِكَ هم أُولُو الألباب﴾ أيْ: هم أصْحابُ العُقُولِ السَّلِيمَةِ عَنْ مُعارَضَةِ الوَهْمِ، ومُنازَعَةِ الهَوى المُسْتَحِقُّونَ لِلْهِدايَةِ لا غَيْرُهُمْ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الهِدايَةَ تَحْصُلُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى وقَبُولِ النَّفْسِ لَها.
الزمر 39:19
﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ بَيانُ الأحْوالِ أضِّدادِ المَذْكُورِينَ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِحِرْمانِ الهِدايَةِ، وهم عَبَدَةُ الطّاغُوتِ ومُتَّبِعُو خُطُواتِها. كَما يُلَوِّحُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَإنَّ المُرادَ بِها قَوْلُهُ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وأصْلُ الكَلامِ أمَّنَ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَأنْتَ تُنْقِذُهُ عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ دَخَلَ عَلَيْها الهَمْزَةُ لِإنْكارِ مَضْمُونِها، ثُمَّ الفاءُ لِعَطْفِها عَلى جُمْلَةٍ مُسْتَتْبِعَةٍ لَها مُقَدَّرَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ لِيَتَعَلَّقَ الإنْكارُ والنَّفْيُ بِمَضْمُونَيْهِما (p-249)مَعًا، أيْ: أأنَتَ مالِكُ أمْرِ النّاسِ، فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَأنْتَ تُنْقِذُهُ ؟ ثُمَّ كُرِّرَتِ الهَمْزَةُ في الجَزاءِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ وتَذْكِيرِهِ لَمّا طالَ الكَلامُ، ثُمَّ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ مَن في النّارِ لِمَزِيدِ تَشْدِيدِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالعَذابِ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ في النّارِ، وأنَّ اجْتِهادَهُ ﷺ في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ سَعْيٌ في إنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَأنْتَ. . . إلَخْ. جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وتَعْيِينِ ما حُذِفَ مِنها، وتَشْدِيدِ الإنْكارِ بِتَنْزِيلِ مَنِ اسْتَحَقَّ العَذابَ مَنزِلَةَ مَن دَخَلَ النّارَ، وتَصْوِيرِ الِاجْتِهادِ في دُعائِهِ إلى الإيمانِ بِصُورَةِ الإنْقاذِ مِنَ النّارِ، كَأنَّهُ قِيلَ أوَّلًا: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ مِنهُ ؟ ثُمَّ شُدِّدَ النَّكِيرُ فَقِيلَ: أفَأنَتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ ؟ وفِيهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى الإنْقاذِ لا غَيْرُهُ، وحَيْثُ كانَ المُرادُ بِمَن في النّارِ الَّذِينَ قِيلَ في حَقِّهِمْ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ اسْتَدْرَكَ مِنهم بِقَوْلِهِ تَعالى:
الزمر 39:20
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ وهُمُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ ووُصِفُوا بِما عُدِّدَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ أيْضًا فِيما سَبَقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ . . . الآيَةَ. وبَيَّنَ أنَّ لَهم دَرَجاتٍ عالِيَةً في جَنّاتِ النَّعِيمِ بِمُقابَلَةِ ما لِلْكَفَرَةِ مِن دَرَكاتٍ سافِلَةٍ في الجحيم، أيْ: لَهم عَلالِي بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ بِناءَ المَنازِلِ المَبْنِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الأرْضِ في الرَّصانَةِ والإحْكامِ.
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ ﴿الأنْهارُ﴾ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَ العُلُوِّ والسُّفْلِ ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "لَهم غُرَفٌ" . . . إلَخْ. فَإنَّهُ وعْدٌ وأيُّ وعْدٍ.
﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.
الزمر 39:21
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ إمّا لِتَمْثِيلِ الحَياةِ الدُّنْيا في سُرْعَةِ الزَّوالِ، وقُرْبِ الِاضْمِحْلالِ بِما ذُكِرَ مِن أحْوالِ الزَّرْعِ تَرْغِيبًا عَنْ زَخارِفِها وزِينَتِها، وتَحْذِيرًا مِنَ الِاغْتِرارِ بِزَهْرَتِها، كَما في نَظائِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ . . . الآيَةَ. أوْ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى تَحَقُّقِ المَوْعُودِ مِنَ الأنْهارِ الجارِيَةِ مِن تَحْتِ الغُرَفِ بِما يُشاهَدُ مِن إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن آثارِ قدرته تعالى، وإحْكامِ حِكْمَتِهِ ورَحِمْتِهِ، والمُرادُ بِـ "الماءِ" المَطَرُ، وقِيلَ: كُلُّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِنَ السَّماءِ يَنْزِلُ مِنها إلى الصَّخْرَةِ، ثُمَّ يُقَسِّمُهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ البِقاعِ.
﴿فَسَلَكَهُ﴾ فَأدْخَلَهُ ونَظَّمَهُ ﴿يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ أيْ: عُيُونًا ومَجارِيَ كالعُرُوقِ في الأجْسادِ. وقِيلَ: مِياهًا نابِعَةً فِيها، فَإنَّ اليَنْبُوعَ يُطْلَقُ عَلى المَنبَعِ والنّابِعِ. فَنَصْبُها عَلى الحالِ، وعَلى الأوَّلِ بِنَزْعِ الجارِّ، أيْ: في يَنابِيعَ.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ أصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وغَيْرِهِما، أوْ كِيفاتُهُ مِنَ الألْوانِ والطُّعُومِ وغَيْرِهِما. وكَلِمَةُ "ثُمَّ" لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ أوِ الزَّمانِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ (p-250)الصُّورَةِ ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أيْ: يَتِمُّ جَفافُهُ ويُشْرِفُ عَلى أنْ يَثُورَ مِن مَنابِتِهِ.
﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ مِن بَعْدِ خُضْرَتِهِ ونُضْرَتِهِ، وقُرِئَ: ( مُصْفارّا ) ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ فُتاتًا مُتَكَسِّرَةً كَأنْ لَمْ يَغْنَ بِالأمْسِ ولِكَوْنِ هَذِهِ الحالَةِ مِنَ الآثارِ القَوِيَّةِ عُلِّقَتْ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى كالإخْراجِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةً إلى ما ذُكِرَ تَفْصِيلًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مُنْزِلَتِهِ في الغَرابَةِ، والدَّلالَةِ عَلى ما قُصِدَ بَيانُهُ.
﴿لَذِكْرى﴾ لَتَذْكِيرًا عَظِيمًا ﴿لأُولِي الألباب﴾ لِأصْحابِ العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الخَلَلِ، وتَنْبِيهًا لَهم عَلى حَقِيقَةِ الحالِ يَتَذَكَّرُونَ بِذَلِكَ أنَّ حالَ الحَياةِ الدُّنْيا في سُرْعَةِ التَّقَضِّي والِانْصِرامِ كَما يُشاهِدُونَهُ مِن حالِ الحُطامِ كُلَّ عامٍ فَلا يَغْتَرُّونَ بِبَهْجَتِها ولا يَفْتَتِنُونَ بِفِتْنَتِها، أوْ يَجْزِمُونَ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وإجْرائِهِ في يَنابِيعِ الأرْضِ قادِرٌ عَلى إجْراءِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الغُرَفِ هَذا. وأمّا ما قِيلَ: إنَّ في ذَلِكَ لَتَذْكِيرًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ، وأنَّهُ كائِنٌ عَنْ تَقْدِيرٍ وتَدْبِيرٍ لا عَنْ تَعْطِيلٍ وإهْمالٍ، فَبِمَعْزِلٍ مِن تَفْسِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وإنَّما يَلِيقُ ذَلِكَ بِما لَوْ ذُكِرَ ما ذُكِرَ مِنَ الآثارِ الجَلِيلَةِ، والأفْعالِ الجَمِيلَةِ مِن غَيْرِ إسْنادٍ لَها إلى مُؤَثِّرٍ ما فَحَيْثُ ذُكِرَتْ مُسْنَدَةً إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ التَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ شُؤُونَهُ تَعالى أوْ شُؤُونَ آثارِهِ حَسْبَما بُيِّنَ لا وُجُودَهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى:
الزمر 39:22
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ . . . إلَخْ. اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِن تَخْصِيصِ الذِّكْرى بِأُولِي الألباب. وشَرْحُ الصَّدْرِ لِلْإسْلامِ: عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ الِاسْتِعْدادِ لَهُ، فَإنَّهُ مَحَلٌّ لِلْقَلْبِ الَّذِي هو مَنبَعٌ لِلرُّوحِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها النَّفْسُ القابِلَةُ لِلْإسْلامِ فانْشِراحُهُ مُسْتَدْعٍ لِاتِّساعِ القَلْبِ واسْتِضاءَتِهِ بِنُورِهِ. فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ﴿إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ. فَقِيلَ: فَما عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ قالَ ﷺ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ﴾ . والكَلامُ في الهَمْزَةِ والفاءِ كالَّذِي مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ وخَبَرُ "مَن" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أكُلُّ النّاسِ سَواءٌ فَمَنَ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، أيْ: خَلَقَهُ مُتَّسِعَ الصَّدْرِ مُسْتَعِدًّا لِلْإسْلامِ فَبَقِيَ عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ، ولَمْ يَتَغَيَّرْ بِالعَوارِضِ المُكْتَسَبَةِ القادِحَةِ فِيها.
﴿فَهُوَ﴾ بِمُوجِبِ ذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ ﴿عَلى نُورٍ﴾ عَظِيمٍ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ وهو اللُّطْفُ الإلَهِيُّ الفائِضُ عَلَيْهِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، والتَّوْفِيقُ لِلِاهْتِداءِ بِها إلى الحَقِّ كَمَن قَسا قَلْبُهُ، وحَرِجَ صَدْرُهُ بِسَبَبِ تَبْدِيلِ فِطْرَةِ اللَّهِ بِسُوءِ اخْتِبارِهِ، واسْتَوْلى عَلَيْهِ ظُلُماتُ الغَيِّ والضَّلالَةِ، فَأعْرَضَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَتَذَكَّرَ بِها ولا يَغْتَنِمَها.
﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أجْلِ ذِكْرِهِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ تَنْشَرِحَ لَهُ الصُّدُورُ، وتَطْمَئِنَّ بِهِ القُلُوبُ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَهُمْ، أوْ آياتُهُ اشْمَأزُّوا مِن أجْلِهِ، وازْدادَتْ قُلُوبُهم قَساوَةً، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا﴾ وقُرِئَ: ( عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) أيْ: عَنْ قَبُولِهِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ البُعَداءُ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ.
﴿فِي ضَلالٍ﴾ بُعْدٍ عَنِ الحَقِّ ﴿مُبِينٍ﴾ ظاهِرٍ كَوْنُهُ ضَلالًا لِكُلِّ أحَدٍ قِيلَ نَزَلَتِ الآيَةُ في حَمْزَةَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأبِي لَهَبٍ ووَلَدِهِ، وقِيلَ: في عَمّارِ بْنِ (p-251)ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ وذَوِيهِ.
الزمر 39:23
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ هو القرآن الكَرِيمُ. رُوِيَ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَلُّوا مَلَّةً فَقالُوا لَهُ ﷺ: حَدِّثْنا حَدِيثًا. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم قالُوا: لَوْ حَدَّثْتَنا. فَنَزَلَتْ. والمَعْنى أنَّ فِيهِ مَندُوحَةً عَنْ سائِرِ الأحادِيثِ، وفي إيقاعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مُبْتَدَأً وبِناءِ نَزَّلَ عَلَيْهِ مِن تَفْخِيمِ أحْسَنِ الحَدِيثِ، ورَفْعِ مَحَلِّهِ، والِاسْتِشْهادِ عَلى حُسْنِهِ، وتَأْكِيدِ اسْتِنادِهِ إلَيْهِ تَعالى، وأنَّهُ مِن عِنْدِهِ لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْ غَيْرِهِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ وحْيٌ مُعْجِزٌ ما لا يَخْفى.
﴿كِتابًا﴾ بَدَلٌ مِن أحْسَنِ الحَدِيثِ، أوْ حالٌ مِنهُ سَواءٌ اكْتَسَبَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ تَعْرِيفًا أوَّلًا، فَإنَّ مَساغَ مَجِيءِ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ المُضافَةِ اتِّفاقِيٌّ ووُقُوعُهُ حالًا مَعَ كَوْنِهِ اسْمًا لا صِفَةً إمّا لِاتِّصافِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَشابِهًا﴾، أوْ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ مَكْتُوبًا. ومَعْنى كَوْنِهِ مُتَشابِهًا تَشابُهُ مَعانِيهِ في الصِّحَّةِ والإحْكامِ والِابْتِناءِ عَلى الحَقِّ، والصِّدْقِ واسْتِتْباعِ مَنافِعِ الخَلْقِ في المَعادِ والمَعاشِ، وتَناسُبِ ألْفاظِهِ في الفَصاحَةِ، وتَجاوُبِ نَظْمِهِ في الإعْجازِ.
﴿مَثانِيَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لَكِتابًا، أوْ حالٌ أُخْرى مِنهُ، وهو جَمْعُ مَثْنى بِمَعْنى مُرَدَّدٍ ومُكَرَّرٍ لِما ثُنِيَ مِن قِصَصِهِ وأنْبائِهِ وأحْكامِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ ومَواعِظِهِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ يُثَنّى في التَّلاوَةِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ مَثْنى مَفْعَلٌ مِنَ التَّثْنِيَةِ بِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ. ووُقُوعُهُ صِفَةً لِكِتابًا بِاعْتِبارِ تَفاصِيلِهِ كَما يُقالُ القرآن سُوَرٌ وآياتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ مِن مُتَشابِهًا كَما يُقالُ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلُ، أيْ: شَمائِلُهُ. والمَعْنى مُتَشابِهَةٌ مَثانِيهِ.
﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ قِيلَ: صِفَةٌ لِكِتابًا، أوْ حالٌ مِنهُ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، والأظْهَرُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ آثارِهِ الظّاهِرَةِ في سامِعِيهِ بَعْدَ بَيانِ أوْصافِهِ في نَفْسِهِ، ولِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ أحْسَنَ الحَدِيثِ، والِاقْشِعْرارُ التَّقَبُّضُ. يُقالُ: اقْشَعَرَّ الجِلْدُ إذا تَقَبَّضَ تَقَبُّضًا شَدِيدًا، وتَرْكِيبُهُ مِنَ القَشْعِ وهو الأدِيمُ اليابِسُ. قَدْ ضُمَّ إلَيْهِ الرّاءُ لِيَكُونَ رُباعِيًّا ودالًّا عَلى مَعْنًى زائِدٍ يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ وقَفَ شَعْرُهُ إذا عَرَضَ لَهُ خَوْفٌ شَدِيدٌ مِن مُنْكَرٍ هائِلٍ دَهَمَهُ بَغْتَةً، والمُرادُ إمّا بَيانُ إفْراطِ خَشْيَتِهِمْ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ والتَّصْوِيرِ، أوْ بَيانُ حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ وعُرُوضِها لَهم بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ. والمَعْنِيُّ أنَّهم إذا سَمِعُوا القرآن وقَوارِعَ آياتِ وعِيدِهِ أصابَتْهم هَيْبَةٌ وخَشْيَةٌ، تَقْشَعِرُّ مِنها جُلُودُهُمْ، وإذا ذَكَرُوا رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى تَبَدَّلَتْ خَشْيَتُهم رَجاءً، ورَهْبَتُهم رَغْبَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: ساكِنَةً مُطْمَئِنَّةً إلى ذِكْرِ رَحْمَتِهِ تَعالى، وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِها إيذانًا بِأنَّها أوَّلُ ما يَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الكِتابُ الَّذِي شُرِحَ أحْوالُهُ.
﴿هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَهْدِيَهُ بِصَرْفِ مَقْدُورِهِ إلى الِاهْتِداءِ بِتَأمُّلِهِ فِيما في تَضاعِيفِهِ مِن شَواهِدِ الحَقِّيَّةِ، ودَلائِلِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَةَ بِصَرْفِ قدرته إلى مَبادِئِها، وإعْراضِهِ عَمّا يُرْشِدُهُ إلى الحَقِّ بِالكُلِّيَّةِ، وعَدَمِ تَأثُّرِهِ بِوَعِيدِهِ ووَعْدِهِ أصْلًا، أوْ (p-252)وَمَن يَخْذُلْ.
﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يُخَلِّصُهُ مِن ورْطَةِ الضَّلالِ. وقِيلَ: ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الخَشْيَةِ والرَّجاءِ أثَرُ هُداهُ تَعالى يَهْدِي بِذَلِكَ الأثَرِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، ومَن يُضْلِلْ، أيْ: مَن لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ لُطْفُهُ لِقَسْوَةِ قَلْبِهِ وإصْرارِهِ عَلى فُجُورِهِ فَما لَهُ مِن هادٍ مِن مُؤَثِّرٍ فِيهِ بِشَيْءٍ قَطْ.
الزمر 39:24
﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ . . . إلَخْ. اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِن تَبايُنِ حالَيِ المُهْتَدِي والضّالِّ، والكَلامُ في الهَمْزَةِ والفاءِ وحَذْفِ الخَبَرِ كالَّذِي مَرَّ في نَظِيرَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: أكُلُّ النّاسِ سَواءٌ فَمَن شَأْنُهُ أنَّهُ بَقّى نَفْسَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضائِهِ.
﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أيِ: العَذابَ السَّيِّئَ الشَّدِيدَ.
﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِكَوْنِ يَدِهِ الَّتِي بِها كانَ يَتَّقِي المَكارِهَ والمَخاوِفَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِهِ كَمَن هو آمِنٌ لا يَعْتَرِيهِ مَكْرُوهٌ، ولا يَحْتاجُ إلى الِاتِّقاءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى يَتَّقِي، أيْ: ويُقالُ لَهم مِن جِهَةِ خَزَنَةِ النّارِ. وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ، وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ "يَتَّقِي" بِإضْمارِ قَدْ، ووَضْعُ المُظْهَرِ في مَقامِ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أيْ: وبالَ ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَهُ في الدُّنْيا عَلى الدَّوامِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
الزمر 39:25
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أصابَ بَعْضَ الكَفَرَةِ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ إثْرَ بَيانِ ما يُصِيبُ الكُلَّ مِنَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، أيْ: كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ.
﴿فَأتاهُمُ العَذابُ﴾ المُقَدَّرُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنهم ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَحْتَسِبُونَ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ إتْيانُ الشَّرِّ مِنها.
الزمر 39:26
﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ أيِ: الذُّلَّ والصَّغارَ.
﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ كالمَسْخِ والخَسْفِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والإجْلاءِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ النَّكالِ.
﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ﴾ المُعَدُّ لَهم ﴿أكْبَرُ﴾ لِشِدَّتِهِ وسَرْمَدِيَّتِهِ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَعْلَمُوا شَيْئًا لَعَلِمُوا ذَلِكَ واعْتَبَرُوا بِهِ.
الزمر 39:27
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاظِرُ في أُمُورِ دِينِهِ.
﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ كَيْ يَتَذَكَّرُوا بِهِ ويَتَّعِظُوا.
الزمر 39:28
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن هَذا عَلى أنَّ مَدارَ التَّأْكِيدِ هو الوَصْفُ كَقَوْلِكَ: جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا أوْ مَدْحٌ لَهُ.
﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ لا اخْتِلافَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَهو أبْلَغُ مِنَ المُسْتَقِيمِ وأخَصُّ بِالمَعانِي، وقِيلَ المُرادُ بِـ "العِوَجِ" الشَّكُّ.
﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عِلَّةٌ أُخْرى مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الأُولى.
الزمر 39:29
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ (p-253)لِمَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ القرآنيَّةِ بَعْدَ بَيانِ أنَّ الحِكْمَةَ في ضَرْبِها هو التَّذَكُّرُ والِاتِّعاظُ بِها، وتَحْصِيلُ التَّقْوى. والمُرادُ بِـ "ضَرَبَ المَثَلَ" هَهُنا تَطْبِيقُ حالَةٍ عَجِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها، وجَعْلِها مِثْلَها، كَما مَرَّ في سُورَةِ يس. و "مَثَلًا" مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ "ضَرَبَ"، و "رَجُلًا" مَفْعُولُهُ الأوَّلُ أُخِّرَ عَنِ الثّانِي لِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ، ولِيَتَّصِلَ بِهِ ما هو مِن تَتِمَّتِهِ الَّتِي هي العُمْدَةُ في التَّمْثِيلِ. وفِيهِ لَيْسَ بِصِلَةٍ لِشُرَكاءَ كَما قِيلَ. بَلْ هو خَبَرٌ لَهُ، وبَيانُ أنَّهُ في الأصْلِ كَذَلِكَ مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ. والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِرَجُلًا، أوِ الوَصْفُ هو الجارُّ والمَجْرُورُ، و "شُرَكاءُ" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُوفِ فالمَعْنى جَعَلَ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ، حَسْبَما يَقُودُ إلَيْهِ مَذْهَبُهُ مِنِ ادَّعاءِ كُلِّ مَعْبُودِيهِ عُبُودِيَّتَهُ عَبْدًا يَتَشارَكُ فِيهِ جَماعَةٌ يَتَجاذَبُونَهُ، ويَتَعاوَرُونَهُ في مُهِمّاتِهِمُ المُتَبايِنَةِ في تَحَيُّرِهِ، وتَوَزُّعِ قَلْبِهِ.
﴿وَرَجُلا﴾ أيْ: وجُعِلَ لِلْمُوَحِّدِ مَثَلًا رَجُلًا.
﴿سَلَمًا﴾ أيْ: خالِصًا ﴿لِرَجُلٍ﴾ فَرْدٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ أصْلًا. وقُرِئَ: ( سَلْمًا ) بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ اللّامِ، والكُلُّ مَصادِرُ مِن سَلِمَ لَهُ كَذا، أيْ: خَلَصَ نُعِتَ بِها مُبالَغَةً، أوْ حُذِفَ مِنها ذُو. وقُرِئَ: ( سالِمًا ) و ( سالِمٌ ) أيْ: وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ. وتَخْصِيصُ الرَّجُلِ؛ لِأنَّهُ أفْطَنُ لِما يَجْرِي عَلَيْهِ مِنَ الضُّرِّ والنَّفْعِ.
﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِاسْتِوائِهِما، ونَفْيٌ لَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَتَفَوَّهَ بِاسْتِوائِهِما، أوْ يَتَلَعْثَمَ في الحُكْمِ بِتَبايُنِهِما ضَرُورَةَ أنَّ أحَدَهُما في أعْلى عِلِّيِّينَ، والآخَرَ في أسْفَلِ سافِلِينَ، وهو السِّرُّ في إبْهامِ الفاضِلِ والمَفْضُولِ وانْتِصابِ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ. أيْ: هَلْ يَسْتَوِي حالاهُما وصِفَتاهُما. والِاقْتِصارُ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ لِبَيانِ الجِنْسِ. وقُرِئَ: ( مَثَلَيْنِ ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا﴾ بِاخْتِلافِ النَّوْعِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ هَلْ يَسْتَوِيانِ في الوَصْفَيْنِ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَثَلَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلُ رَجُلٍ فِيهِ. . . إلَخْ. ومَثَلُ رَجُلٍ. . . إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ، وتَنْبِيهٌ لِلْمُوَحِّدِينَ عَلى أنَّ ما لَهم مِنَ المَزِيَّةِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّها نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مُوجِبَةٌ عَلَيْهِمْ أنْ يُداوِمُوا عَلى حَمْدِهِ وعِبادَتِهِ، أوْ عَلى أنَّ بَيانَهُ تَعالى بِضَرْبِ المَثَلِ أنَّ لَهُمُ المَثَلَ الأعْلى، ولِلْمُشْرِكِينَ مَثَلُ السَّوْءِ صُنْعٌ جَمِيلٌ، ولُطْفٌ تامٌّ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مُسْتَوْجِبٌ لِحَمْدِهِ وعِبادَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنِ بَيانِ عَدَمِ الِاسْتِواءِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ إلى بَيانِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ، وهُمُ المُشْرِكُونَ. لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ كَمالِ ظُهُورِهِ فَيَبْقَوْنَ في ورْطَةِ الشِّرْكِ والضَّلالِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الزمر 39:30
﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ تَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الِاخْتِصامِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقُرِئَ: ( مائِتٌ ) و ( مائِتُونَ ) . وقِيلَ: كانُوا يَتَرَبَّصُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْتَهُ، أيْ: إنَّكم جَمِيعًا بِصَدَدِ المَوْتِ.
الزمر 39:31
﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مالِكِ أُمُورِكم ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ بَلَّغْتَهم مّا أُرْسِلْتَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ والمَواعِظِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما في تَضاعِيفِ هَذِهِ الآياتِ، واجْتَهَدْتَ في الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ حَقَّ الِاجْتِهادِ، وهم قَدْ لَجُّوا في المُكابَرَةِ والعِنادِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الِاخْتِصامُ العامُّ الجارِي في الدُّنْيا بَيْنَ الأنامِ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ (p-254)تَعالى:
الزمر 39:32
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ إلى آخِرِهِ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِ كُلٍّ مِن طَرَفَيِ الِاخْتِصامِ الجارِي في شَأْنِ الكُفْرِ والإيمانِ لا غَيْرَ، أيْ: أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنْ أضافَ إلَيْهِ الشَّرِيكَ والوَلَدَ.
﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ أيْ: بِالأمْرِ الَّذِي هو عَيْنُ الحَقِّ ونَفْسُ الصِّدْقِ، وهو ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ .
﴿إذْ جاءَهُ﴾ أيْ: في أوَّلِ مَجِيئِهِ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ فِيهِ، ولا تَأمُّلٍ.
﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وسارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِالصَّدْقِ مِن أوَّلِ الأمْرِ والجَمْعِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ السّابِقَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، أوْ لِجِنْسِ الكَفَرَةِ وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
الزمر 39:33
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن تَبِعَهُ، كَما أنَّ المُرادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَوْمُهُ. وقِيلَ: عَنِ الجِنْسِ المُتَناوَلِ المُرْسَلِ والمُؤْمِنِينَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ( والَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ ) وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ هو الفَوْجُ أوِ الفَرِيقُ.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ المَجِيءِ بِالصَّدْقِ، والتَّصْدِيقِ بِهِ.
﴿هُمُ المُتَّقُونَ﴾ المَنعُوتُونَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي أجَلُّ الرَّغائِبِ. وقُرِئَ: ( وصَدَقَ بِهِ ) بِالتَّخْفِيفِ، أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسَ فَأدّاهُ إلَيْهِمْ كَما نَزَلَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ، وقِيلَ: وصارَ صادِقًا بِهِ، أيْ: بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ القرآن مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِهِ ﷺ . وقُرِئَ: ( صُدِّقَ بِهِ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
الزمر 39:34
﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بَيانٌ لِما لَهم في الآخِرَةِ مِن حُسْنِ المَآبِ بَعْدَ بَيانِ ما لَهم في الدُّنْيا مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ، أيْ: لَهم كُلُّ ما يَشاءُونَ مِن جَلْبِ المَنافِعِ، ودَفْعِ المَضارِّ في الآخِرَةِ لا في الجَنَّةِ فَقَطْ، لِما أنَّ بَعْضَ ما يَشاءُونَهُ مِن تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ والأمْنِ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، وسائِرِ أهْوالِ القِيامَةِ إنَّما يَقَعُ قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن حُصُولِ كُلِّ ما يَشاءُونَهُ.
﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا أعْمالَهُمْ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الإحْسانِ غَيْرَ مَرَّةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الزمر 39:35
﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ . . . إلَخْ. مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ ضَرُورَةَ أنَّ التَّفْكِيرَ المَذْكُورَ لا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ غايَةً لِثُبُوتِ ما يَشاءُونَ لَهم في الآخِرَةِ، كَيْفَ لا وهو بَعْضُ ما سَيَثْبُتُ لَهم فِيها، بَلْ بِاعْتِبارِ فَحَواهُ ؟ فَإنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ إخْبارًا بِما ثَبَتَ لَهم فِيما مَضى بَلْ بِما سَيَثْبُتُ لَهم فِيما سَيَأْتِي كانَ في مَعْنى الوَعْدِ بِهِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَعْدَ اللَّهِ" فَإنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ فَإنَّهُ في مَعْنى وعَدَهُمُ اللَّهُ غُرَفًا. فانْتَصَبَ بِهِ وعْدُ اللَّهِ كَأنَّهُ قِيلَ: (p-255)وَعَدَهُمُ اللَّهُ جَمِيعَ ما يَشاءُونَهُ مِن زَوالِ المَضارِّ، وحُصُولِ المَسارِّ، لِيُكَفِّرَ عَنْهم بِمُوجِبِ ذَلِكَ الوَعْدِ أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا دَفْعًا لِمَضارِّهِمْ.
﴿وَيَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إعْطاءً لِمَنافِعِهِمْ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ. وإضافَةُ الأسْوَأِ والأحْسَنِ إلى ما بَعْدَهُما لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ إضافَةِ المُفَضَّلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بَلْ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى بَعْضِهِ لِلْقَصْدِ إلى التَّحْقِيقِ والتَّوْضِيحِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ، وإنَّما المُعْتَبَرُ فِيهِما مُطْلَقُ الفَضْلِ والزِّيادَةِ لا عَلى المُضافِ إلَيْهِ المُعَيَّنِ بِخُصُوصِهِ كَما في قَوْلِهِمْ: النّاقِصُ والأشَجُّ أعْدَلا بَنِي مَرْوانَ. خَلا أنَّ الزِّيادَةَ المُعْتَبَرَةَ فِيهِما لَيْسَتْ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ بَلْ هي في الأوَّلِ: بِالنَّظَرِ إلى ما يَلِيقُ بِحالِهِمْ مِنِ اسْتِعْظامِ سَيِّئاتِهِمْ وإنْ قَلَّتْ، واسْتِصْغارِ حَسَناتِهِمْ وإنْ جَلَّتْ. والثّانِي: بِالنَّظَرِ إلى لُطْفِ أكْرَمَ الأكْرَمِينَ مِنِ اسْتِكْثارِ الحَسَنَةِ اليَسِيرَةِ، ومُقابَلَتِها بِالمَثُوباتِ الكَثِيرَةِ، وحَمْلِ الزِّيادَةِ عَلى الحَقِيقَةِ وإنْ أمْكَنَ في الأوَّلِ. بِناءً عَلى أنَّ تَخْصِيصَ الأسْوَأِ بِالذِّكْرِ لِبَيانِ تَكْفِيرِ ما دُونَهُ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ تَكْفِيرِ الأسْوَأِ لِتَكْفِيرِ السَّيِّئِ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في الأحْسَنِ كانَ الأحْسَنُ نَظْمَهُما في سِلْكٍ واحِدٍ مِنَ الِاعْتِبارِ. والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ الثّانِي دُونَ الأوَّلِ؛ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِخِلافِ السَّيِّئَةِ.
الزمر 39:36
﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِعَدَمِ كِفايَتِهِ تَعالى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، كَأنَّ الكِفايَةَ مِنَ التَّحَقُّقِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يَتَفَوَّهَ بِعَدَمِها، أوْ يَتَلَعْثَمَ في الجَوابِ بِوُجُودِها. والمُرادُ بِـ "العَبْدِ" إمّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أوِ الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( عِبادَهُ ) وفُسِّرَ بِـ "الأنْبِياءُ" عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( بِكافِي عِبادِهِ ) عَلى الإضافَةِ، و ( يُكافِئُ عِبادَهُ ) صِيغَةُ المُغالَبَةِ، إمّا مِنَ الكِفايَةِ لِإفادَةِ المُبالَغَةِ فِيها، وإمّا مِنَ المُكافَأةِ بِمَعْنى المُجازاةِ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا قالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: إنّا نَخافُ أنْ تُخْبِلَكَ آلِهَتُنا، ويُصِيبَكَ مَضَرَّتُها لِعَيْبِكِ إيّاها. وفي رِوايَةٍ قالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنا، أوْ لَيُصِيبَنَّكَ مِنهم خَبَلٌ أوْ جُنُونٌ. كَما قالَ قَوْمُ هُودٍ: ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ أيِ: الأوْثانِ الَّتِي اتَّخَذُوها آلِهَةَ مِن دُونِهِ تَعالى، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ، وقِيلَ: حالٌ.
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ حَتّى غَفَلَ عَنْ كِفايَتِهِ تَعالى، وعَصِمْتِهِ لَهُ ﷺ، وخَوْفِهِ بِما يَنْفَعُ ويَضُرُّ أصْلًا.
﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يَهْدِيهِ إلى خَيْرٍ ما.
الزمر 39:37
﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ يَصْرِفُهُ عَنْ مَقْصِدِهِ، أوْ يُصِيبُهُ بِسُوءٍ يُخِلُّ بِسُلُوكِهِ إذْ لا رادَّ لِفِعْلِهِ، ولا مُعارِضَ لِإرادَتِهِ، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ غالِبٍ لا يُغالَبُ، مَنِيعٌ لا يُمانَعُ ولا يُنازَعُ.
﴿ذِي انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الكَلامِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
الزمر 39:38
(p-256)﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لِوُضُوحِ الدَّلِيلِ وسُنُوحِ السَّبِيلِ.
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهِ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ما تَحَقَّقْتُمْ أنَّ خالِقَ العالَمِ العَلَوِيِّ والسُّفْلِيِّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَأخْبَرُونِي أنَّ آلِهَتَكم إنْ أرادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ يَكْشِفْنَ عَنِّي ذَلِكَ الضُّرَّ.
﴿أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ أيْ: أوْ أرادَنِي بِنَفْعٍ.
﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ فَيَمْنَعْنَها عَنِّي، وقُرِئَ: ( كاشِفاتٌ ضُرَّهُ ) و ( مُمْسِكاتٌ رَحْمَتَهُ ) بِالتَّنْوِينِ فِيهِما، ونُصِبَ ضُرُّهُ ورَحْمَتُهُ، وتَعْلِيقُ إرادَةِ الضُّرِّ والرَّحْمَةِ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلرَّدِّ في نُحُورِهِمْ حَيْثُ كانُوا خَوَّفُوهُ مَعَرَّةَ الأوْثانِ، ولِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِإمْحاضِ النَّصِيحَةِ.
﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أيْ: في جَمِيعِ أُمُورِي مِن إصابَةِ الخَيْرِ، ودَفْعِ الشَّرِّ. رُوِيَ أنَّهُ ﷺ لَمّا سَألَهم سَكَتُوا. فَنَزَلَ ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ أصْلًا لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى.
الزمر 39:39
﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمُ عَلَيْها مِنَ العَداوَةِ الَّتِي تَمَكَّنْتُمْ فِيها، فَإنَّ المَكانَةَ تُسْتَعارُ مِنَ العَيْنِ لِلْمَعْنى كَما تُسْتَعارُ هُنا، وحَيْثُ لِلزَّمانِ مَعَ كَوْنِهِما لِلْمَكانِ، وقُرِئَ: ( عَلى مَكاناتِكم ) ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى مَكانَتِي. فَحُذِفَ لِلِاخْتِصارِ والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ والإشْعارِ بِأنَّ حالَهُ لا تَزالُ تَزْدادُ قُوَّةً بِنَصْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَأْيِيدِهِ، ولِذَلِكَ تَوَعَّدَهم بِكَوْنِهِ مَنصُورًا عَلَيْهِمْ في الدّارَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .
الزمر 39:40
﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ فَإنَّ خِزْيَ أعْدائِهِ دَلِيلُ غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأخْزاهم يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: دائِمٌ هو عَذابُ النّارِ.
الزمر 39:41
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ﴾ لِأجْلِهِمْ، فَإنَّهُ مَناطُ مَصالِحِهِمْ في المَعاشِ والمَعادِ.
﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ أنْزَلْنا، أوْ مِن مَفْعُولِهِ.
﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ بِأنْ عَمِلَ بِما فِيهِ.
﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ: إنَّما نَفَعَ بِهِ نَفْسَهُ.
﴿وَمَن ضَلَّ﴾ بِأنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمُوجِبِهِ.
﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ لِما أنَّ وبالَ ضَلالِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْها.
﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ لِتُجْبِرَهم عَلى الهُدى، وما وظِيفَتُكَ إلّا البَلاغُ، وقَدْ بَلَّغْتَ أيَّ بَلاغٍ.
الزمر 39:42
﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ أيْ: يَقْبِضُها مِنَ الأبْدانِ، (p-257)بِأنْ يَقْطَعَ تَعَلُّقَها عَنْها وتَصَرُّفَها فِيها، إمّا ظاهِرًا وباطِنًا، كَما عِنْدَ المَوْتِ، أوْ ظاهِرًا فَقَطْ كَما عِنْدَ النَّوْمِ.
﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ﴾ ولا يَرُدُّها إلى البَدَنِ. وقُرِئَ: ( قُضِيَ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ ( المَوْتُ ) ﴿وَيُرْسِلُ الأُخْرى﴾ أيِ: النّائِمَةَ إلى بَدَنِها عِنْدَ التَّيَقُّظِ.
﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِمَوْتِهِ، وهو غايَةٌ لِجِنْسِ الإرْسالِ الواقِعِ بَعْدَ الإمْساكِ لا لِفَرْدٍ مِنهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا امْتِدادَ فِيهِ، ولا كَمِّيَّةَ. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ في ابْنِ آدَمَ نَفَسًا ورُوحًا بَيْنَهُما مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ، فالنَّفْسُ هي الَّتِي بِها العَقْلُ والتَّمْيِيزُ، والرُّوحُ هي الَّتِي بِها النَّفَسُ والتَّحَرُّكُ، فَتُتَوَفَّيانِ عِنْدَ المَوْتِ، وتُتَوَفّى النَّفْسُ وحْدَها عِنْدَ النَّوْمِ. قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّوَفِّي عَلى الوَجْهَيْنِ، والإمْساكِ في أحَدِهِما، والإرْسالِ في الآخَرِ.
﴿لآياتٍ﴾ عَجِيبَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قدرته تعالى، وحِكْمَتِهِ، وشُمُولِ رَحْمَتِهِ.
﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِها بِالأبْدانِ، وتَوَفِّيها عَنْها تارَةً بِالكُلِّيَّةِ كَما عِنْدَ المَوْتِ، وإمْساكُها باقِيَةً لا تَفْنى بِفَنائِها، وما يَعْتَرِيها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وأُخْرى عَنْ ظَواهِرِها فَقَطْ، كَما عِنْدَ النَّوْمِ، وإرْسالُها حِينًا بَعْدَ حِينٍ إلى انْقِضاءِ آجالِها.
الزمر 39:43
﴿أمِ اتَّخَذُوا﴾ أيْ: بَلِ اتَّخَذَ قُرَيْشٌ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِن دُونِ إذْنِهِ تَعالى ﴿شُفَعاءَ﴾ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَهُ تَعالى.
﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ، أيْ: قُلْ أتَتَّخِذُونَهم شُفَعاءَ، ولَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، ولا يَعْقِلُونَهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكُوا الشَّفاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أوْ هي لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ، عَلى أنَّ المُرادَ بَيانُ أنَّ ما فَعَلُوا لَيْسَ مِنِ اتِّخاذِ الشُّفَعاءِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ فَرْعُ كَوْنِ الأوْثانِ شُفَعاءَ، وذَلِكَ أظْهَرُ المُحالاتِ، فالمُقَدَّرُ حِينَئِذٍ غَيْرُ ما قُدِّرَ أوَّلًا. وعَلى أيِّ تَقْدِيرٍ كانَ فَـ "الواوُ" لِلْعَطْفِ عَلى شَرْطِيَّةٍ قَدْ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْها، أيْ: أيَشْفَعُونَ لَوْ كانُوا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ. . . إلَخْ ؟ وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا.
الزمر 39:44
﴿قُلْ﴾ بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ، وتَجْهِيلِهِمْ بِما ذُكِرَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ ﴿لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ أيْ: هو مالِكُها لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ شَفاعَةً ما إلّا أنْ يَكُونَ المَشْفُوعُ لَهُ مُرْتَضًى، والشَّفِيعُ مَأْذُونًا لَهُ، وكِلاهُما مَفْقُودٌ هَهُنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لَهُ وتَأْكِيدٌ، أيْ: لَهُ مُلْكُهُما وما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ لا يَمْلِكُ أحَدٌ أنْ يَتَكَلَّمَ في أمْرٍ مِن أُمُورِهِ بِدُونِ إذْنِهِ ورِضاهُ.
﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ لا إلى أحَدٍ سِواهُ لا اسْتِقْلالًا، ولا اشْتِراكًا، فَيَفْعَلُ يَوْمَئِذٍ ما يُرِيدُ.
الزمر 39:45
﴿وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ دُونَ آلِهَتِهِمْ ﴿اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيِ: انْقَبَضَتْ ونَفَرَتْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القرآن وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ .
﴿وَإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ فُرادى أوْ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ لِفَرْطِ افْتِتانِهِمْ بِها، ونِسْيانِهِمْ حَقَّ اللَّهِ تَعالى، ولَقَدْ بُولِغَ في بَيانِ حالَيْهِمُ القَبِيحَتَيْنِ حَيْثُ (p-258)بَيَّنَ الغايَةَ فِيهِما فَإنَّ الِاسْتِبْشارَ هو أنْ يَمْتَلِئَ القَلْبُ سُرُورًا حَتّى يَنْبَسِطَ لَهُ بَشَرَةُ الوَجْهِ، والِاشْمِئْزازُ: أنْ يَمْتَلِئَ غَيْظًا وغَمًّا يَنْقَبِضُ مِنهُ أدِيمُ الوَجْهِ. والعامِلُ في "إذا" الأُولى "اشْمَأزَّتْ"، وفي الثّانِيَةِ ما هو العامِلُ في إذا المُفاجَأةِ تَقْدِيرُهُ: وقْتَ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ فاجَأُوا وقْتَ الِاسْتِبْشارِ.
الزمر 39:46
﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيِ: التَجِئْ إلَيْهِ تَعالى بِالدُّعاءِ لِما تَحَيَّرْتَ في أمْرِ الدَّعْوَةِ، وضَجِرْتَ مِن شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى الأشْياءِ بِجُمْلَتِها، والعالِمُ بِالأحْوالِ بِرُمَّتِها.
﴿أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: حُكْمًا يُسَلِّمُهُ كُلُّ مُكابِرٍ مُعانِدٍ، ويَخْضَعُ لَهُ كُلُّ عاتٍ مارِدٍ، وهو العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ، أوِ الأُخْرَوِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الزمر 39:47
﴿وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ . . . إلَخْ. كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ آثارِ الحُكْمِ الَّذِي اسْتَدْعاهُ النَّبِيُّ ﷺ، وغايَةِ شِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ، أيْ: لَوْ أنَّ لَهم جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ.
﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: لَجَعَلُوا كُلَّ ذَلِكَ فِدْيَةً لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، وهَيْهاتَ ولاتَ حِينَ مَناصٍ، وهَذا كَما تَرى وعِيدٌ شَدِيدٌ، وإقْناطٌ لَهم مِنَ الخَلاصِ.
الزمر 39:48
﴿وَبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم مِن فُنُونِ العُقُوباتِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ مِنَ الوَعِيدِ لا غايَةَ وراءَها، ونَظِيرُهُ في الوَعْدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ .
﴿وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ أوْ كَسْبِهِمْ حِينَ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ صَحائِفُهم.
﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ جَزاؤُهُ.
الزمر 39:49
﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ إخْبارٌ عَنِ الجِنْسِ بِما يَفْعَلُهُ غالِبُ أفْرادِهِ. و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ المُناقَضَةِ والتَّعْكِيسِ عَلى ما مَرَّ مِن حالَتَيْهِمُ القَبِيحَتَيْنِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ: أنَّهم يَشْمَئِزُّونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِ الآلِهَةِ. فَإذا مَسَّهم ضُرٌّ دَعُوا مَنِ اشْمَأزُّوا عَنْ ذِكْرِهِ دُونَ مَنِ اسْتَبْشَرُوا بِذِكْرِهِ.
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا﴾ أعْطَيْناهُ إيّاها تَفَضُّلًا فَإنَّ التَّخْوِيلَ مُخْتَصٌّ بِهِ لا يُطْلَقُ عَلى ما أُعْطِي جَزاءً.
﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِوُجُوهِ كَسْبِهِ، أوْ بِأنِّي سَأُعْطاهُ لِما لِي مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِي وبِاسْتِحْقاقِي، و "الهاءُ" لَمّا أنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، وإلّا فَلِنِعْمَةٍ، والتَّذْكِيرُ لِما أنَّ المُرادَ شَيْءٌ نِعْمَةٌ.
﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ أيْ: مِحْنَةٌ وابْتِلاءٌ لَهُ أيَشْكُرُ، (p-259)أمْ يَكْفُرُ ؟ وهو رَدٌّ لِما قالَهُ، وتَغْيِيرُ السَّبْكِ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ، والإيذانُ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن بابِ الإيتاءِ المُنْبِئِ عَنِ الكَرامَةِ، وإنَّما هو أمْرٌ مُبايِنٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ، وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ النِّعْمَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ، وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ هو الجِنْسُ.
الزمر 39:50
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الهاءُ لِقَوْلِهِ: "إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ" لِأنَّها كَلِمَةٌ أوْ جُمْلَةٌ. وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ قارُونَ وقَوْمِهِ، حَيْثُ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ وهم راضُونَ بِهِ.
﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ويَجْمَعُونَ مِنهُ.
الزمر 39:51
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ جَزاءَ سَيِّئاتِ أعْمالِهِمْ، أوْ أجْزِيَةَ ما كَسَبُوا. وتَسْمِيَتُها سَيِّئاتٍ؛ لِأنَّها في مُقابَلَةِ سَيِّئاتِهِمْ، وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها.
﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾ المُشْرِكِينَ، و "مِن" لِلْبَيانِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: أفْرَطُوا في الظُّلْمِ والعُتُوِّ.
﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي كَما أصابَ أُولَئِكَ، و "السِّينُ" لِلتَّأْكِيدِ، وقَدْ أصابَهُمْ، أيْ: إصابَةً حَيْثُ قُحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ، وقُتِلَ صَنادِيدُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿وَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: فائِنِينَ.
الزمر 39:52
﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ: أقالُوا ذَلِكَ، ولَمْ يَعْلَمُوا ؟ أوْ أغْفَلُوا ولَمْ يَعْلَمُوا.
﴿أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَبْسُطَهُ لَهُ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْدِرَهُ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ مَدْخَلٌ ما في ذَلِكَ حَيْثُ حُبِسَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ سَبْعًا، ثُمَّ بَسَطَهُ لَهم سَبْعًا.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ ﴿لآياتٍ﴾ دالَّةً عَلى أنَّ الحَوادِثَ كافَّةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إذْ هُمُ المُسْتَدِلُّونَ بِها عَلى مَدْلُولاتِها.
الزمر 39:53
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أفْرَطُوا في الجِنايَةِ عَلَيْها بِالإسْرافِ في المَعاصِي، وإضافَةُ العِبادِ تَخَصُّصُهُ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى ما هو عُرْفُ القرآن الكَرِيمِ.
﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَيْأسُوا مِن مَغْفِرَتِهِ أوَّلًا، ولا تَفَضُّلِهِ ثانِيًا.
﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ عَفُوًّا لِمَن يَشاءُ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ بِتَعْذِيبٍ في الجُمْلَةِ وبِغَيْرِهِ حَسْبَما يَشاءُ، وتَقْيِيدُهُ بِالتَّوْبَةِ خِلافَ الظّاهِرِ كَيْفَ لا ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ ظاهِرٌ في الإطْلاقِ فِيما عَدا الشِّرْكَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ عَلى المُبالَغَةِ، وإفادَةِ الحَصْرِ والوَعْدِ بِالرَّحْمَةِ بَعْدَ المَغْفِرَةِ، وتَقْدِيمُ ما يَسْتَدْعِي عُمُومَ المَغْفِرَةِ مِمّا في عِبادِي مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الذِّلَّةِ والِاخْتِصاصِ المُقْتَضِيَيْنِ لِلتَّرَحُّمِ، وتَخْصِيصُ ضَرَرِ الإسْرافِ بِأنْفُسِهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ مُطْلَقًا عَنِ الرَّحْمَةِ فَضْلًا عَنِ المَغْفِرَةِ وإطْلاقِها، وتَعْلِيلُهُ بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ (p-260)الضَّمِيرِ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَغْنِي والمُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ. والتَّأْكِيدُ بِالجَمِيعِ، وما رُوِيَ مِن أسْبابِ النُّزُولِ الدّالَّةِ عَلى وُرُودِ الآيَةِ فِيمَن تابَ لا يَقْتَضِي اخْتِصاصَ الحُكْمِ بِهِمْ، ووُجُوبُ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ في كَلامٍ واحِدٍ مِثْلِ: أكْرَمُ الفُضَلاءِ أكْرَمُ الكامِلِينَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَكَيْفَ فِيما هو بِمَنزِلَةِ كَلامٍ واحِدٍ ؟ ولا يُخِلُّ بِذَلِكَ الأمْرُ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ في قَوْلِهِ تَعالى:
الزمر 39:54
﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ إذْ لَيْسَ المُدَّعى أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَغْفِرَةِ لِكُلِّ أحَدٍ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، وسَبْقِ تَعْذِيبٍ لِتُغْنِيَ عَنِ الأمْرِ بِهِما، وتُنافِي الوَعِيدَ بِالعَذابِ.
الزمر 39:55
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ: القرآن، أوِ المَأْمُورَ بِهِ دُونَ المَنهِيِّ عَنْهُ، أوِ العَزائِمَ دُونَ الرُّخَصِ، أوِ النّاسِخَ دُونَ المَنسُوخِ، ولَعَلَّهُ ما هو أنْجى وأسْلَمَ كالإنابَةِ والمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ بِمَجِيئِهِ لِتَتَدارَكُوا وتَتَأهَّبُوا لَهُ.
الزمر 39:56
﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَقُولَ. والتَّنْكِيرُ لِلتَّكْثِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ فَإنَّهُ مَسْلَكٌ رُبَّما يُسْلَكُ عِنْدَ إرادَةِ التَّكْثِيرِ والتَّعْمِيمِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في مَطْلَعِ سُورَةِ الحِجْرِ.
﴿يا حَسْرَتا﴾ بِالألِفِ بَدَلًا مِن ياءِ الإضافَةِ، وقُرِئَ: ( يا حَسْرَتاهُ ) بِهاءِ السَّكْتِ وقْفًا، وقُرِئَ: ( ياحَسْرَتايَ ) بِالجَمْعِ بَيْنَ العِوَضَيْنِ، وقُرِئَ: ( يا حَسْرَتِي ) عَلى الأصْلِ، أيِ: احْضُرِي فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ.
﴿عَلى ما فَرَّطْتُ﴾ أيْ: عَلى تَفْرِيطِي وتَقْصِيرِي ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أيْ: جانِبِهِ وفي حَقِّهِ وطاعَتِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ:
أما تَتَّقِينَ اللَّهَ في جَنْبٍ وامِقٍ. . . لَهُ كَبِدٌ حَرّى وعَيْنٌ تَرَقْرَقُ
وَهُوَ كِنايَةٌ فِيها مُبالَغَةٌ، وقِيلَ: في ذاتِ اللَّهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كالطّاعَةِ، وقِيلَ: في قُرْبِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ وقُرِئَ: ( في ذِكْرِ اللَّهِ ) .
﴿وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيِ: المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ تَعالى وأهْلِهِ. ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: فَرَّطْتُ وأنا ساخِرٌ.
الزمر 39:57
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ.
الزمر 39:58
﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ في العَقِيدَةِ والعَمَلِ، و "أوْ" لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّها لا تَخْلُو عَنْ هَذِهِ الأقْوالِ تَحَسُّرًا وتَحَيُّرًا وتَعَلُّلًا بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الزمر 39:59
﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ رَدٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: "لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي" مِن مَعْنى النَّفْيِ، (p-261)وَفَضْلِهِ عَنْهُ لِما أنَّ تَقْدِيمَهُ يُفَرِّقُ القَرائِنَ، وتَأْخِيرُ المَرْدُودِ يُخِلُّ بِالتَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ؛ لِأنَّهُ يَتَحَسَّرُ بِالتَّفْرِيطِ، ثُمَّ يَتَعَلَّلُ بِفَقْدِ الهِدايَةِ، ثُمَّ يَتَمَنّى الرَّجْعَةَ وهو لا يَمْنَعُ تَأْثِيرَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في فِعْلِ العَبْدِ، ولا ما فِيهِ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ كَما عَرَفْتَ، وتَذْكِيرُ الخِطابِ بِاعْتِبارِ المَعْنى، وقُرِئَ بِالتَّأْنِيثِ.
الزمر 39:60
﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ﴾ بِأنْ وصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ كاتِّخاذِ الوَلَدِ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ بِما يَنالُهم مِنَ الشِّدَّةِ، أوْ بِما يَتَخَيَّلُ عَلَيْها مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ. والجُمْلَةُ حالٌ قَدِ اكْتُفِيَ فِيها بِالضَّمِيرِ عَنِ الواوِ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لَها عَلى أنَّها عِرْفانِيَّةٌ.
﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ أيْ: مَقامٌ.
﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ، وهو تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن رُؤْيَتِهِمْ كَذَلِكَ.
الزمر 39:61
﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، أيْ: مِن جَهَنَّمَ، وقُرِئَ: ( يُنْجِي ) مِنَ الإنْجاءِ.
﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ إمّا مِن فازَ بِالمَطْلُوبِ، أيْ: ظَفِرَ بِهِ. و "الباءُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ مُفِيدَةٌ لِمُقارَنَةِ تَنْجِيَتِهِمْ مِنَ العَذابِ لِنَيْلِ الثَّوابِ، أيْ: يُنَجِّيهِمُ اللَّهُ تَعالى مِن مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ مُلْتَبِسِينَ بِفَوْزِهِمْ بِمَطْلُوبِهِمُ الَّذِي هو الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ إمّا حالٌ أُخْرى مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن ضَمِيرِ مَفازَتِهِمْ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ نَجاتِهِمْ أوْ فَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ بِمِساسِ العَذابِ والحُزْنِ، وإمّا مِن فازَ مِنهُ، أيْ: نَجا مِنهُ. و "الباءُ" لِلْمُلابَسَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُمْ" إلى آخِرِهِ تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لِمَفازَتِهِمْ، أيْ: يُنَجِّيهِمُ اللَّهُ تَعالى، مُلْتَبِسِينَ بِنَجاتِهِمُ الخاصَّةِ بِهِمْ، أيْ: بِنَفْيِ السُّوءِ والحُزْنِ عَنْهم. أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: يُنَجِّيهِمْ بِسَبَبِ مَفازَتِهِمُ الَّتِي هي تَقْواهم كَما يُشْعِرُ بِهِ إيرادُهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإمّا عَلى إطْلاقِ المَفازَةِ عَلى سَبَبِها الَّذِي هو التَّقْوى، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ دَوامِ المِساسِ والحُزْنِ، بَلْ دَوامَ نَفْيِهِما، كَما مَرَّ مِرارًا.
الزمر 39:62
﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، لَكِنْ لا بِالجَبْرِ بَلْ بِمُباشَرَةِ الكاسِبِ لِأسْبابِها.
﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ يَتَوَلّى التَّصَرُّفَ فِيهِ كَيْفَما يَشاءُ.
الزمر 39:63
﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يَمْلِكُ أمْرَها، ولا يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها غَيْرُهُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ قدرته تعالى وحِفْظِهِ لَها. وفِيها مَزِيدُ دَلالَةٍ عَلى الِاسْتِقْلالِ والِاسْتِبْدادِ؛ لِأنَّ الخَزائِنَ لا يَدْخُلُها، ولا يَتَصَرَّفُ فِيها إلّا مَن بِيَدِهِ مَفاتِيحِها، وهو جَمْعُ مِقْلِيدٍ أوْ مِقْلادٍ مَن قَلَّدْتُهُ إذا ألْزَمْتَهُ. وقِيلَ: جَمْعُ إقْلِيدٍ مُعَرَّبُ كَلِيدٍ عَلى الشُّذُوذِ كالمَذاكِيرِ. «وَعَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المَقالِيدِ فَقالَ ﷺ: "تَفْسِيرُها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، وسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، هو الأوَّلُ والآخِرُ، والظّاهِرُ والباطِنُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، يُحْيِي ويُمِيتُ، وهو عَلى كُلٍّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"» . والمَعْنى عَلى هَذا أنَّ لِلَّهِ هَذِهِ الكَلِماتِ يُوَحَّدُ بِها، ويُمَجَّدُ. وهي مَفاتِيحُ خَيْرِ السَّماواتِ والأرْضِ مَن تَكَلَّمَ بِها أصابَهُ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقٌ لِجَمِيعِ الأشْياءِ (p-262)وَمُتَصَرِّفٌ فِيها كَيْفَما يَشاءُ بِالإحْياءِ والإماتَةِ، بِيَدِهِ مَقالِيدُ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِهِ التَّكْوِينِيَّةِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ، والتَّنْزِيلِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هاتِيكَ الآياتُ النّاطِقَةُ بِذَلِكَ، هُمُ الخاسِرُونَ خُسْرانًا لا خَسارَ وراءَهُ. هَذا وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَيُنَجِّي اللَّهُ" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ فَتَدَبَّرْ.
الزمر 39:64
﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ أيْ: أبَعْدَ مُشاهِدَةِ هَذِهِ الآياتِ غَيْرَ اللَّهِ أعْبُدُ. و "تَأْمُرُونِّي" اعْتِراضٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أمَرُوهُ بِهِ عَقِيبَ ذَلِكَ، وقالُوا اسْتَلِمْ بَعْضَ آلِهَتِنا نُؤْمِنُ بِإلَهِكَ لِفَرْطِ غَباوَتِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ غَيْرُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ "تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ"؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى تُعَبِّدُونَنِي، وتَقُولُونَ لِي أعْبُدُ عَلى أنَّ أصْلَهُ "تَأْمُرُونَنِي أنْ أعْبُدَ" فَحُذِفَ "أنْ" ورُفِعَ ما بَعْدَها، كَما في قَوْلِهِ:
؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِيُّ أحْضُرَ الوَغى. . . وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي
وَيُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ: ( أعْبُدَ ) بِالنَّصْبِ، وقُرِئَ: ( تَأْمُرُونَنِي ) بِإظْهارِ النُّونَيْنِ عَلى الأصْلِ، وبِحَذْفِ الثّانِيَةِ.
الزمر 39:65
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ: مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ كَلامٌ وارِدٌ عَلى طَرِيقَةِ الفَرْضِ لِتَهْيِيجِ الرُّسُلِ، وإقْناطِ الكَفَرَةِ، والإيذانِ بِغايَةِ شَناعَةِ الإشْراكِ وقُبْحِهِ، وكَوْنِهِ بِحَيْثُ يَنْهى عَنْهُ مَن لا يَكادُ يُمْكِنُ أنْ يُباشِرَهُ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ ؟ وإفْرادُ الخِطابِ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ. و "اللّامُ" الأُولى مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، والأُخْرَيانِ لِلْجَوابِ، وإطْلاقُ الإحْباطِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن خَصائِصِهِمْ عِنْدَ الإشْراكِ؛ لِأنَّ الإشْراكَ مِنهم أشَدُّ وأقْبَحُ، وأنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالمَوْتِ، كَما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ وعَطْفُ الخُسْرانِ عَلَيْهِ مِن عَطْفِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ.
الزمر 39:66
﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ رَدٌّ لِما أمَرُوهُ بِهِ، ولَوْلا دَلالَةُ التَّقْدِيمِ عَلى القَصْرِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ إنْعامَهُ عَلَيْكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى ما يُوجِبُ الِاخْتِصاصَ، ويَقْتَضِيهِ.
الزمر 39:67
﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ما قَدَرُوا عَظَمَتَهُ تَعالى في أنْفُسِهِمْ حَقَّ عَظَمَتِهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ شَرِيكًا، ووَصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِشُؤُونِهِ الجَلِيلَةِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ.
﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى غايَةِ عَظَمَتِهِ، وكَمالِ قدرته، وحَقارَةِ الأفْعالِ العِظامِ الَّتِي تَتَحَيَّرُ فِيها الأوْهامُ، بِالنِّسْبَةِ إلى قدرته تعالى، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ تَخْرِيبَ العالَمِ أهْوَنُ شَيْءٍ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ القَبْضَةِ واليَمِينِ حَقِيقَةً ولا مَجازًا كَقَوْلِهِمْ: شابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ. والقَبْضَةُ: المَرَّةُ مِنَ القَبْضِ أُطْلِقَتْ بِمَعْنى القَبْضَةِ، وهي المِقْدارُ (p-263)المَقْبُوضُ بِالكَفِّ. تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ، أوْ بِتَقْدِيرِ ذاتِ قَبْضَةٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِ تَشْبِيهًا لِلْمُوَقَّتِ بِالمُبْهَمِ، وتَأْكِيدُ الأرْضِ بِالجَمِيعِ لِأنَّ المُرادَ بِها الأرَضُونَ السَّبْعُ، أوْ جَمِيعُ أبْعاضِها البادِيَةِ والغائِرَةِ، وقُرِئَ: مَطْوِيّاتٍ عَلى أنَّها حالٌ، والسَّماواتُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الأرْضِ مَنظُومَةٌ في حُكْمِها.
﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ما أبْعَدَ وما أعْلى مَن هَذِهِ قدرته وعَظَمَتُهُ عَنْ إشْراكِهِمْ، أوْ عَمّا يُشْرِكُونَهُ مِنَ الشُّرَكاءِ.
الزمر 39:68
﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ هي النَّفْخَةُ الأُولى.
﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خَرُّوا أمْواتًا، ومَغْشِيًّا عَلَيْهِمْ.
﴿إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ قِيلَ: هم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ، فَإنَّهم لا يَمُوتُونَ بَعْدُ، وقِيلَ: حَمَلَةُ العَرْشِ.
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ نَفْخَةٌ أُخْرى هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، و "أُخْرى" يَحْتَمِلُ النَّصْبَ والرَّفْعَ.
﴿فَإذا هم قِيامٌ﴾ قائِمُونَ مِن قُبُورِهِمْ، أوْ مُتَوَقِّفُونَ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الخَبَرَ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِهِ. والمَعْنى: يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم في الجَوانِبِ كالمَبْهُوتِينَ، أوْ يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ.
الزمر 39:69
﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ بِما أقامَ فِيها مِنَ العَدْلِ اسْتُعِيرَ لَهُ النُّورُ؛ لِأنَّهُ يُزَيِّنُ البِقاعَ، ويُظْهِرُ الحُقُوقَ كَما يُسَمّى الظُّلْمُ ظُلْمَةً. وفي الحَدِيثِ: ﴿الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ولِذَلِكَ أُضِيفَ الِاسْمُ الجَلِيلُ إلى ضَمِيرِ الأرْضِ، أوْ بِنُورٍ خَلَقَهُ فِيها بِلا تَوَسُّطِ أجْسامٍ مُضِيئَةٍ، ولِذَلِكَ أُضِيفَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ الحِسابُ والجَزاءُ، مِن وضْعِ المُحاسِبِ كِتابَ المُحاسَبَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أوْ صَحائِفَ الأعْمالِ في أيْدِي العُمّالِ، واكْتَفى بِاسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ. وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ يُقابَلُ بِهِ الصَّحائِفُ.
﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ﴾ لِلْأُمَمِ، وعَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُسْتَشْهِدُونَ.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ العِبادِ.
﴿بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ، أوْ زِيادَةِ عِقابٍ عَلى ما جَرى بِهِ الوَعْدُ.
الزمر 39:70
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أيْ: جَزاءَهُ.
﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ فَلا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أفْعالِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الزمر 39:71
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ . . . إلَخْ. تَفْصِيلٌ لِلتَّوْفِيَةِ، وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِها، أيْ: سِيقُوا إلَيْها بِالعُنْفِ والإهانَةِ أفْواجًا مُتَفَرِّقَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، مُتَرَتِّبَةً حَسَبَ تَرَتُّبِ طَبَقاتِهِمْ في الضَّلالَةِ والشِّرارَةِ. والزُّمَرُ جَمْعُ زُمْرَةٍ، واشْتِقاقُها مِنَ الزَّمْرِ، وهو (p-264)الصَّوْتُ إذِ الجَماعَةُ لا تَخْلُو عَنْهُ.
﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ لِيُدْخِلُوها، وحَتّى هي الَّتِي تُحْكى بَعْدَها الجُمْلَةُ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ.
﴿وَقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا.
﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ مِن جِنْسِكُمْ، وقُرِئَ: ( نُذُرٌ مِنكم ) ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: وقْتِكم هَذا، وهو وقْتُ دُخُولِهِمُ النّارَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن حَيْثُ أنَّهم عَلَّلُوا تَوْبِيخَهم بِإتْيانِ الرُّسُلِ، وتَبْلِيغِ الكُتُبِ.
﴿قالُوا بَلى﴾ قَدْ أتَوْنا وأنْذَرُونا ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وقَدْ كُنّا مِمَّنِ اتَّبَعَهُ، وكَذَّبْنا الرُّسُلَ، وقُلْنا: ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ.
الزمر 39:72
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: مُقَدَّرًا خُلُودُكم فِيها، وإبْهامُ القائِلِ لِتَهْوِيلِ المَقُولِ.
﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ اللّامُ لِلْجِنْسِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِذِكْرِهِ آنِفًا، أيْ: فَبِئْسَ مَثْواهم جَهَنَّمُ، ولا يَقْدَحُ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ كَوْنَ مَثْواهم جَهَنَّمَ لِتَكَبُّرِهِمْ عَنِ الحَقِّ في أنَّ دُخُولَهُمُ النّارَ لِسَبْقِ كَلِمَةِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّها إنَّما حَقَّتْ عَلَيْهِمْ بِناءً عَلى تَكَبُّرِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الم السَّجْدَةِ.
الزمر 39:73
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ﴾ مَساقَ إعْزازٍ وتَشْرِيفٍ، لِلْإسْراعِ بِهِمْ إلى دارِ الكَرامَةِ، وقِيلَ: سِيقَ مَراكِبُهم إذْ لا يُذْهَبُ بِهِمْ إلّا راكِبِينَ.
﴿زُمَرًا﴾ مُتَفاوِتِينَ حَسَبَ تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في الفَضْلِ، وعُلُوِّ الطَّبَقَةِ.
﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ، وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ لَهم حِينَئِذٍ مِن فُنُونِ الكَراماتِ ما لا يَحْدِقُ بِهِ نِطاقُ العِباراتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا جاءُوها وقَدْ فُتِحَتْ أبْوابُها.
﴿وَقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ مِن جَمِيعِ المَكارِهِ والآلامِ.
﴿طِبْتُمْ﴾ طَهُرْتُمْ مِن دَنَسِ المَعاصِي، أوْ طِبْتُمْ نَفْسًا بِما أُتِيحَ لَكم مِنَ النَّعِيمِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ كانَ ما كانَ مِمّا يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ.
الزمر 39:74
﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ بِالبَعْثِ والثَّوابِ.
﴿وَأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ يُرِيدُونَ المَكانَ الَّذِي اسْتَقَرُّوا فِيهِ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وإيراثُها تَمْلِيكُها مُخَلَّفَةً عَلَيْهِمْ مِن أعْمالِهِمْ، أوْ تَمْكِينُهم مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها تَمْكِينَ الوارِثِ فِيما يَرِثُهُ.
﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ أيْ: نَتَبَوَّأُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا في أيِّ مَكانٍ أرادَهُ مِن جَنَّتِهِ الواسِعَةِ عَلى أنَّ فِيها مَقاماتٍ مَعْنَوِيَّةً لا يَتَمانَعُ وارِدُوها.
﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ الجَنَّةُ.
الزمر 39:75
﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ﴾ مُحْدِقِينَ ﴿مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ أيْ: حَوْلَهُ. (p-265)وَ "مِن" مَزِيدَةٌ، أوْ لِابْتِداءِ الحُفُوفِ.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: يُنَزِّهُونَهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسِينَ بِحَمْدِهِ، والجُمْلَةُ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ مُقَيِّدَةٌ لِلْأُولى. والمَعْنى: ذاكِرِينَ لَهُ تَعالى بِوَصْفَيْ جَلالِهِ وإكْرامِهِ تَلَذُّذًا بِهِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ أقْصى دَرَجاتِ العِلِّيِّينَ وأعْلى لَذائِذِهِمْ هو الِاسْتِغْراقُ في شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ: بَيْنَ الخَلْقِ بِإدْخالِ بَعْضِهِمُ النّارَ وبَعْضِهِمُ الجَنَّةَ، أوْ بَيْنَ المَلائِكَةِ بِإقامَتِهِمْ في مَنازِلِهِمْ عَلى حَسَبِ تَفاضُلِهِمْ.
﴿وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: عَلى ما قُضِيَ بَيْنَنا بِالحَقِّ، وأُنْزِلَ كَلامُنا مَنزِلَتَهُ الَّتِي هي حَقُّهُ، والقائِلُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ، أوِ المَلائِكَةُ. وطّى ذِكْرَهم لِتَعَيُّنِهِمْ وتَعْظِيمِهِمْ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ الزُّمَرِ لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ تَعالى رَجاءَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وأعْطاهُ ثَوابَ الخائِفِينَ» .
وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّهُ ﷺ «كانَ يَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ بَنِي إسْرائِيلَ والزُّمَرَ» .
غافر 40:1
( سُورَةُ غافِرٍ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً )
﴿حم﴾ بِتَفْخِيمِ الألِفِ، وتَسْكِينِ المِيمِ، وقُرِئَ بِإمالَةِ الألِفِ وبِإخْراجِها بَيْنَ بَيْنَ وبِفَتْحِ المِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أوْ نَصْبِها بِإضْمارِ اقْرَأْ ونَحْوِهِ، ومَنعُ الصَّرْفِ لِلتَّعْرِيفِ، وكَوْنُها عَلى زِنَةِ قابِيلَ وهابِيلَ، وبَقِيَّةُ الكَلامِ فِيهِ.
غافر 40:2
وَفي قَوْلِهِ تَعالى:
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ كالَّذِي سَلَفَ في الم السَّجْدَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ كَما في مَطْلَعِ سُورَةِ الزُّمَرِ في الوُجُوهِ كُلِّها، ووَجْهُ التَّعَرُّضِ لِنَعْتَيِ العِزَّةِ والعِلْمِ ما ذُكِرَ هُناكَ.
غافر 40:3
﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ إمّا صِفاتٌ أُخَرُ لِتَحْقِيقِ ما فِيها مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والحَثِّ عَلى ما هو المَقْصُودُ. والإضافَةُ فِيها حَقِيقِيَّةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِها زَمانٌ مَخْصُوصٌ، وأُرِيدَ بِشَدِيدِ العِقابِ مُشَدِّدُهُ، أوِ الشَّدِيدُ عِقابُهُ بِحَذْفِ اللّامِ لِلِازْدِواجِ، وأمْنِ الِالتِباسِ، أوْ إبْدالٍ وجَعَلَهُ وحْدَهُ بَدَلًا كَما فَعَلَهُ الزَّجّاجُ مُشَوِّشٌ لِلنَّظْمِ. وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ الأوَّلَيْنِ لِإفادَةِ الجَمْعِ بَيْنَ مَحْوِ الذُّنُوبِ وقَبُولِ التَّوْبَةِ، أوْ تَغايُرِ الوَصْفَيْنِ إذْ رُبَّما يُتَوَهَّمُ الِاتِّحادُ، أوْ تَغايُرُ مَوْقِعِ الفِعْلَيْنِ؛ لِأنَّ الغَفْرَ هو السَّتْرُ مَعَ بَقاءِ الذَّنْبِ، وذَلِكَ لِمَن لَمْ يَتُبْ فَإنَّ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ. والتَّوْبُ مَصْدَرٌ كالتَّوْبَةِ، وقِيلَ: هو جَمْعُها، والطَّوْلُ الفَضْلُ بِتَرْكِ العِقابِ المُسْتَحَقِّ، وفي تَوْحِيدِ صِفَةِ العَذابِ مَغْمُورَةً بِصِفاتِ الرَّحْمَةِ دَلِيلُ سَبْقِها (p-266)وَرُجِّحا بِها.
﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَيَجِبُ الإقْبالُ الكُلِّيُّ عَلى طاعَتِهِ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ.
﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَحَسْبُ لا إلى غَيْرِهِ، لا اسْتِقْلالًا، ولا اشْتِراكًا، فَيَجْزِي كُلًّا مِنَ المُطِيعِ والعاصِي.
غافر 40:4
﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِالطَّعْنِ فِيها، واسْتِعْمالُ المُقَدِّماتِ الباطِلَةِ لِإدْحاضِ الحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ .
﴿إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِها، وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَلا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ شائِبَةُ شُبْهَةٍ مِنها فَضْلًا عَنِ الطَّعْنِ فِيها، وأمّا الجِدالُ فِيها لِحَلِّ مُشْكِلاتِها، وكَشْفِ مُعْضِلاتِها، واسْتِنْباطِ حَقائِقِها الكُلِّيَّةِ، وتَوْضِيحِ مَناهِجِ الحَقِّ في مَضايِقِ الأفْهامِ، ومَزالِقِ الأقْدامِ، وإبْطالِ شَبَهِ أهْلِ الزَّيْغِ والضَّلالِ فَمِن أعْظَمِ الطّاعاتِ. ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: ﴿إنَّ جِدالًا في القرآن كُفْرٌ﴾ . بِالتَّنْكِيرِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ جِدالٍ وجِدالٍ. و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ، أوْ وُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَلى ما قَبْلَها مِنَ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ الَّذِي لا شَيْءَ أمْقَتُ مِنهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ولا أجْلَبُ لِخُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ مَن تَحَقَّقَ ذَلِكَ لا يَكادُ يَغْتَرُّ بِما لَهم مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وزَخارِفِها، فَإنَّهم مَأْخُوذُونَ عَمّا قَلِيلِ أخْذٍ مِن قِبَلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:
غافر 40:5
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ، وناصَبُوهم بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ مِثْلُ عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ.
﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ العاتِيَةِ.
﴿بِرَسُولِهِمْ﴾ وقُرِئَ: ( بِرَسُولِها ) ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ فَيُصِيبُوا بِهِ ما أرادُوا مِنِ تَعْذِيبٍ، أوْ قَتْلٍ مِنَ الأخْذِ بِمَعْنى الأسْرِ.
﴿وَجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ الَّذِي لا أصْلَ، ولا حَقِيقَةَ لَهُ أصْلًا.
﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ.
﴿فَأخَذْتُهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ الَّذِي عاقَبْتُهم بِهِ فَإنَّ آثارَ دَمارِهِمْ عِبْرَةٌ لِلنّاظِرِينَ، ولَآخُذَنَّ هَؤُلاءِ أيْضًا لِاتِّحادِهِمْ في الطَّرِيقَةِ، واشْتِراكِهِمْ في الجَرِيرَةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:
غافر 40:6
﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أيْ: كَما وجَبَ وثَبَتَ حُكْمُهُ تَعالى، وقَضاؤُهُ بِالتَّعْذِيبِ عَلى أُولَئِكَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُتَحَزِّبَةِ عَلى رُسُلِهِمْ، المُجادِلَةِ بِالباطِلِ لِإدْحاضِ الحَقِّ بِهِ وجَبَ أيْضًا ﴿عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: كَفَرُوا بِكَ، وتَحَزَّبُوا عَلَيْكَ، وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إضافَةُ اسْمِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ . فَإنَّ ذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ وُجُوبَ كَلِمَةِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مِن أحْكامِ تَرْبِيَتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نُصْرَتُهُ ﷺ، وتَعْذِيبُ أعْدائِهِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِكَوْنِ المَوْصُولِ عِبارَةً عَنْ كُفّارِ قَوْمِهِ لا عَنِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأنَّهم مُسْتَحِقُّو أشَدِّ العُقُوباتِ، وأفْظَعِها الَّتِي هي عَذابُ النّارِ، ومُلازِمُوها أبَدًا لِكَوْنِهِمْ كُفّارًا مُعانِدِينَ مُتَحَزِّبِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَدَأْبٍ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ، فَهم لِسائِرِ فُنُونِ العُقُوباتِ أشَدُّ اسْتِحْقاقًا، وأحَقُّ اسْتِيجابًا، وقِيلَ: هو في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن كَلِمَةِ رَبِّكَ، والمَعْنى مِثْلُ ذَلِكَ (p-267)الوُجُوبِ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ المُهْلَكَةِ كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ، أيْ: كَما وجَبَ إهْلاكُهم في الدُّنْيا بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ كَذَلِكَ وجَبَ تَعْذِيبُهم بِعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ، ومَحَلُّ الكافِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
غافر 40:7
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ وهم أعْلى طَبَقاتِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأوَّلُهم وُجُودًا، وحَمْلُهم إيّاهُ وحَفِيفُهم حَوْلَهُ مَجازٌ عَنْ حِفْظِهِمْ وتَدْبِيرِهِمْ لَهُ، وكِنايَةٌ عَنْ زُلْفاهم مِن ذِي العَرْشِ جَلَّ جَلالُهُ، ومَكانَتِهِمْ عِنْدَهُ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَيانِ أنَّ أشْرافَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُثابِرُونَ عَلى وِلايَةِ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ونُصْرَتِهِمْ واسْتِدْعاءِ ما يُسْعِدُهم في الدّارَيْنِ، أيْ: يُنَزِّهُونَهُ تَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ عَلى نَعْمائِهِ الَّتِي لا تَتَناهى.
﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إيمانًا حَقِيقًا بِحالِهِمْ، والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ الغِنى عَنْ ذِكْرِهِ رَأْسًا لِإظْهارِ فَضِيلَةِ الإيمانِ، وإبْرازِ شَرَفِ أهْلِهِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ دُعائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّ المُشارَكَةَ في الإيمانِ أقْوى المُناسَباتِ وأتَمُّها، وأدْعى الدَّواعِي إلى النُّصْحِ والشَّفَقَةِ، وفي نَظْمِ اسْتِغْفارِهِمْ لَهم في سِلْكِ وظائِفِهِمُ المَفْرُوضَةِ عَلَيْهِمْ مِن تَسْبِيحِهِمْ وتَحْمِيدِهِمْ وإيمانِهِمْ إيذانٌ بِكَمالِ اعْتِنائِهِمْ بِهِ، وإشْعارٌ بِوُقُوعِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في مَوْقِعِ القَبُولِ. رُوِيَ أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ أرْجُلُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ورُءُوسُهم قَدْ خَرَقَتِ العَرْشَ، وهم خُشُوعٌ لا يَرْفَعُونَ طَرْفَهم. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿لا تَتَفَكَّرُوا في عِظَمِ رَبِّكم ولَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّ خَلْقًا مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُ إسْرافِيلُ زاوِيَةٌ مِن زَوايا العَرْشِ عَلى كاهِلِهِ، وقَدَماهُ في الأرْضِ السُّفْلى، وقَدُ مَرَقَ رَأْسُهُ مِن سَبْعِ سَماواتٍ وإنَّهُ لَيَتَضاءَلُ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ الوَضْعُ﴾ . وفي الحَدِيثِ: ﴿أنَّ اللَّهَ أمَرَ جَمِيعَ المَلائِكَةِ أنْ يَغْدُوا ويَرُوحُوا بِالسَّلامِ عَلى حَمَلَةِ العَرْشِ تَفْضِيلًا لَهم عَلى سائِرِ المَلائِكَةِ﴾ . وقِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العَرْشَ مِن جَوْهَرَةٍ خَضْراءَ، وبَيْنَ القائِمَتَيْنِ مِن قَوائِمِهِ خَفَقانُ الطَّيْرِ المُسْرِعِ ثَمانِينَ ألْفَ عامٍ، وقِيلَ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ، ومِن ورائِهِمْ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ قِيامٌ قَدْ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى عَواتِقِهِمْ رافِعِينَ أصْواتَهم بِالتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ، ومِن ورائِهِمْ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ قَدْ وضَعُوا أيْمانَهم عَلى الشَّمائِلِ ما مِنهم أحَدٌ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُ بِهِ الآخَرُ.
﴿رَبَّنا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا عَلى أنَّهُ إمّا بَيانٌ لِاسْتِغْفارِهِمْ، أوْ حالٌ.
﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ أيْ: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ، فَأُزِيلَ عَنْ أصْلِهِ لِلْإغْراقِ في وصْفِهِ تَعالى بِالرَّحْمَةِ والعِلْمِ، والمُبالَغَةِ في عُمُومِهِما، وتَقْدِيمُ الرَّحْمَةِ لِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ هَهُنا. و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: لِلَّذِينِ عَلِمْتَ مِنهُمُ التَّوْبَةَ واتِّباعَ سَبِيلِ الحَقِّ لِتَرْتِيبِ الدُّعاءِ عَلى ما قَبْلَها مِن سِعَةِ الرَّحْمَةِ والعِلْمِ.
﴿وَقِهِمْ عَذابَ الجحيم﴾ واحْفَظْهم عَنْهُ، وهو تَصْرِيحٌ بَعْدَ إشْعارٍ لِلتَّأْكِيدِ.
غافر 40:8
(p-268)﴿رَبَّنا وأدْخِلْهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "قِهِمْ"، وتَوْسِيطُ النِّداءِ بَيْنَهُما لِلْمُبالَغَةِ في الجُؤارِ.
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ أيْ: وعَدْتَهم إيّاها، وقُرِئَ: ( جَنَّةَ عَدْنٍ ) ﴿وَمَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: صَلاحًا مُصَحَّحًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ في الجُمْلَةِ، وإنْ كانَ دُونَ صَلاحِ أُصُولِهِمْ، وهو عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ الأوَّلِ، أيْ: وأدْخِلْها مَعَهم هَؤُلاءِ لِيَتِمَّ سُرُورُهُمْ، ويَتَضاعَفَ ابْتِهاجُهم. أوْ عَلى الثّانِي لَكِنْ لا بِناءً عَلى الوَعْدِ العامِّ لِلْكُلِّ كَما قِيلَ. إذْ لا يَقِي حِينَئِذٍ لِلْعَطْفِ وجْهٌ بَلْ بِناءً عَلى الوَعْدِ الخاصِّ بِهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِأنْ يَكُونُوا أعْلى دَرَجَةً مِن ذُرِّيَّتِهِمْ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَدْخُلُ المُؤْمِنُ الجَنَّةَ فَيَقُولُ: أيْنَ أبِي ؟ أيْنَ ولَدِي ؟ أيْنَ زَوْجِي ؟ فَيُقالُ: إنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا مِثْلَ عَمَلِكَ. فَيَقُولُ: إنِّي كُنْتُ أعْمَلُ لِي ولَهم. فَيُقالُ: أدْخِلُوهُمُ الجَنَّةَ. وسَبْقُ الوَعْدِ بِالإدْخالِ والإلْحاقِ لا يَسْتَدْعِي حُصُولَ المَوْعُودِ بِلا تَوَسُّطِ شَفاعَةٍ واسْتِغْفارٍ، وعَلَيْهِ مَبْنى قَوْلِ مَن قالَ: فائِدَةُ الِاسْتِغْفارِ زِيادَةُ الكَرامَةِ والثَّوابِ، والأوَّلُ هو الأوْلى؛ لِأنَّ الدُّعاءَ بِالإدْخالِ فِيهِ صَرِيحٌ، وفي الثّانِي ضِمْنِيٌّ. وقُرِئَ: ( صَلُحَ ) بِالضَّمِ، و ( ذَرِّيَّتِهِمُ ) بِالإفْرادِ.
﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَقْدُورٌ.
﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الباهِرَةُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إنْجازُ الوَعْدِ، فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
غافر 40:9
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: العُقُوباتُ؛ لِأنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُها. أوْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، أوْ مَخْصُوصٌ بِالِاتِّباعِ، أوِ المَعاصِي في الدُّنْيا فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ ومَن تَقِهِ المَعاصِيَ في الدُّنْيا فَقَدْ رَحِمْتَهُ في الآخِرَةِ، كَأنَّهم طَلَبُوا لَهُمُ السَّبَبَ بَعْدَ ما سَألُوا المُسَبِّبَ.
﴿وَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّحْمَةِ المَفْهُومَةِ مِن رَحْمَتَهُ، أوْ إلَيْها وإلى الوِقايَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإشْعارِ بِبُعْدِ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ.
﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا مَطْمَعَ وراءَهُ لِطامِعٍ.
غافر 40:10
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ الكَفَرَةِ بَعْدَ دُخُولِ النّارِ بَعْدَما بَيَّنَ فِيما سَبَقَ أنَّهم أصْحابُ النّارِ.
﴿يُنادَوْنَ﴾ أيْ: مِن مَكانٍ بَعِيدٍ. وهم في النّارِ، وقَدْ مَقَتُوا أنْفُسَهُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ الَّتِي وقَعُوا فِيما وقَعُوا بِاتِّباعِ هَواها، أوْ مَقَتَ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الأحْبابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ: أبْغَضُوها أشَدَّ البُغْضِ، وأنْكَرُوها أبْلَغَ الإنْكارِ، وأظْهَرُوا ذَلِكَ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، فَيُقالُ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: لَمَقْتُ اللَّهِ أنْفُسَكُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ، أوْ مَقْتُهُ إيّاكم في الدُّنْيا.
﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾ مِن جِهَةِ الأنْبِياءِ.
﴿إلى الإيمانِ﴾ فَتَأْبَوْنَ قَبُولَهُ ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ اتِّباعًا لِأنْفُسِكُمُ الأمّارَةِ، ومُسارَعَةً إلى هَواها، أوِ اقْتِداءً بِأخِلّائِكُمُ المُضِلِّينَ، واسْتِحْبابًا لِآرائِهِمْ أكْبَرَ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ الأمّارَةَ، أوْ مِن مَقْتِ بَعْضِكم بَعْضًا (p-269)اليَوْمَ، "فَإذا" ظَرْفٌ لِلْمَقْتِ الأوَّلِ، وإنْ تَوَسَّطَ بَيْنَهُما الخَبَرُ لِما في الظُّرُوفِ مِنَ الِاتِّساعِ، وقِيلَ: لِمَصْدَرٍ آخَرَ مُقَدَّرٍ، أيْ: مَقْتُهُ إيّاكم إذْ تَدْعُونَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لِـ "اذْكُرُوا" والأوَّلُ هو الوَجْهُ. وقِيلَ: كِلا المَقْتَيْنِ في الآخِرَةِ، و "إذْ تُدْعَوْنَ" تَعْلِيلٌ لِما بَيْنَ الظَّرْفِ والسَّبَبِ مِن عَلاقَةِ اللُّزُومِ، والمَعْنى لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكُمُ الآنَ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم لِما كُنْتُمُ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ، وتَخْصِيصُ هَذا الوَجْهِ بِصُورَةِ كَوْنِ المُرادِ بِأنْفُسِهِمْ أضْرابَهم مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ.
غافر 40:11
﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ صِفَتانِ لِمَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، أيْ: إماتَتَيْنِ وإحْياءَتَيْنِ، أوْ مَوْتَتَيْنِ وحَياتَيْنِ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ لَهُما أيْضًا بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أوْ لِفِعْلَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِما المَذْكُورانِ. فَإنَّ الإماتَةَ والإحْياءَ يَنْبَثّانِ عَنِ المَوْتِ والحَياةِ حَتْمًا كَأنَّهُ قِيلَ: أمَتَّنا فَمُتْنا مَوْتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا فَحَيِينا حَياتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ مَن قالَ:
؎ وعَضَّةُ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ *** مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
أيْ: لَمْ تَدَعْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ. . . إلَخْ. قِيلَ: أرادُوا بِالأمانَةِ الأُولى خَلْقَهم أمْواتًا، وبِالثّانِيَةِ إماتَتَهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ. عَلى أنَّ الإماتَةَ جَعْلُ الشَّيْءِ عادِمَ الحَياةِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ بِإنْشائِهِ كَذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِمْ سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ وكَبَّرَ الفِيلَ، أوْ بِجَعْلِهِ كَذَلِكَ بَعْدَ الحَياةِ وبِالإحْياءَيْنِ الإحْياءِ الأوَّلِ، وإحْياءِ البَعْثِ. وقِيلَ: أرادُوا بِالإماتَةِ الأُولى ما بَعْدَ حَياةِ الدُّنْيا، وبِالثّانِيَةِ ما بَعْدَ حَياةِ القَبْرِ، وبِالإحْياءَيْنِ ما في القَبْرِ، وما عِنْدَ البَعْثِ، وهو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ. وأمّا حَدِيثُ لُزُومِ الزِّيادَةِ عَلى النَّصِّ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ حَياةِ الدُّنْيا فَمَدْفُوعٌ لَكِنْ لا بِما قِيلَ مِن عَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِها لِزَوالِها وانْقِضائِها، وانْقِطاعِ آثارِها وأحْكامِها، بَلْ بِأنَّ مَقْصُودَهم إحْداثُ الِاعْتِرافِ بِما كانُوا يُنْكِرُونَهُ في الدُّنْيا، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهم: ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ والتِزامُ العَمَلِ بِمُوجِبِ ذَلِكَ الِاعْتِرافِ لِيَتَوَسَّلُوا بِذَلِكَ إلى ما عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ مِنَ الرَّجْعِ إلى الدُّنْيا، كَما قَدْ صَرَّحُوا بِهِ حَيْثُ قالُوا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ، وهو الَّذِي أرادُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ مَعَ نَوْعِ اسْتِبْعادٍ لَهُ، واسْتِشْعارِ يَأْسٍ مِنهُ، لا أنَّهم قالُوهُ بِطَرِيقِ القُنُوطِ البَحْتِ، كَما قِيلِ. ولا رَيْبَ في أنَّ الَّذِي كانَ يُنْكِرُونَهُ، ويُفَرِّعُونَ عَلَيْهِ فُنُونَ الكُفْرِ والمَعاصِي، لَيْسَ إلّا الإحْياءَ بَعْدَ المَوْتِ، وأمّا الإحْياءُ الأوَّلُ فَلَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَهُ لِيَنْظِمُوهُ في سِلْكِ ما اعْتَرَفُوا بِهِ، وزَعَمُوا أنَّ الِاعْتِرافَ يُجْدِيهِمْ نَفْعًا، وإنَّما ذَكَرُوا المَوْتَةَ الأُولى مَعَ كَوْنِهِمْ مُعْتَرِفِينَ بِها في الدُّنْيا لِتَوَقُّفِ حَياةِ القَبْرِ عَلَيْها، وكَذا حالُ المَوْتَةِ في القَبْرِ فَإنَّ مَقْصِدَهُمُ الأصْلِيَّ هو الِاعْتِرافُ بِالإحْياءَيْنِ، وإنَّما ذَكَرُوا الإماتَتَيْنِ لِتَرْتِيبِهِما عَلَيْهِما ذِكْرًا حَسَبَ تَرْتِيبِهِما عَلَيْهِما وُجُودًا، وتَنْكِيرُ سَبِيلٍ لِلْإبْهامِ، أيْ: مِن سَبِيلِ ما كَيْفَما كانَ. وقَوْلُهُ تَعالى:
غافر 40:12
﴿ذَلِكُمْ﴾ . . . إلَخْ. جَوابٌ لَهم بِاسْتِحالَةِ حُصُولِ ما يَرْجُونَهُ بِبَيانِ ما يُوجِبُها مِن أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ، أيْ: ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمُ فِيهِ مِنَ العَذابِ مُطْلَقًا لا مُقَيَّدًا بِالخُلُودِ، كَما قِيلَ.
﴿بِأنَّهُ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ الشَّأْنَ.
﴿إذا دُعِيَ اللَّهُ﴾ في الدُّنْيا، أيْ: عُبِدَ.
﴿وَحْدَهُ﴾ أيْ: مُنْفَرِدًا.
﴿كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِهِ. (p-270)﴿وَإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: بِالإشْراكِ بِهِ، وتُسارِعُوا فِيهِ، وفي إيرادِ إذا، وصِيغَةِ الماضِي في الشُّرْطِيَّةِ الأُولى، وإنْ وصِيغَةِ المُضارِعِ في الثّانِيَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ، وحَيْثُ كانَ حالُكم كَذَلِكَ.
﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾ الَّذِي لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، ولا يَقْضِي إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
﴿العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاتِهِ، ولا في صِفاتِهِ، ولا في أفْعالِهِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وقَدْ حَكَمَ بِأنَّهُ لا مَغْفِرَةَ لِلْمُشْرِكِ ولا نِهايَةَ لِعُقُوبَتِهِ، كَما لا نِهايَةَ لِشَناعَتِهِ، فَلا سَبِيلَ لَكم إلى الخُرُوجِ أبَدًا.
غافر 40:13
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ الدّالَّةَ عَلى شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ المُوجِبَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، لِتَسْتَدِلُّوا بِها عَلى ذَلِكَ، وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَتُوَحِّدُوهُ تَعالى وتَخُصُّوهُ بِالعِبادَةِ.
﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْزالِ.
﴿لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ أيْ: سَبَبَ رِزْقٍ، وهو المَطَرُ. وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قدرته تعالى لِتَفَرُّدِهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ، وجَلائِلَ نِعْمَتِهِ المُوجِبَةِ لِلشُّكْرِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الإراءَةِ والتَّنْزِيلِ واسْتِمْرارِهِما. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ لِما مَرَّ غَيْرَ مُرَّةٍ.
﴿وَما يَتَذَكَّرُ﴾ بِتِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ، ولا يَعْمَلُ بِمُقْتَضاها.
﴿إلا مَن يُنِيبُ﴾ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَتَفَكَّرُ فِيما أوْدَعَهُ في تَضاعِيفِ مَصْنُوعاتِهِ مِن شَواهِدِ قدرته الكامِلَةِ، ونِعْمَتِهِ الشّامِلَةِ المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ تَعالى، ومَن لَيْسَ كَذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ.
غافر 40:14
﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِنِ اخْتِصاصِ التَّذَكُّرِ بِمَن يُنِيبُ فاعْبُدُوهُ أيُّها المُؤْمِنُونَ مُخْلِصِينَ لَهُ دِينَكم بِمُوجِبِ إنابَتِكم إلَيْهِ تَعالى وإيمانِكم بِهِ.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ذَلِكَ وغاظَهم إخْلاصُكم.
غافر 40:15
﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ نَحْوَ بَدِيعِ السَّماواتِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ أُضِيفَتْ إلى فاعِلِها بَعْدَ النَّقْلِ إلى فَعُلَ بِالضَّمِّ، كَما هو المَشْهُورُ. وتَفْسِيرُهُ بِالرّافِعِ لِيَكُونَ مِن إضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ إلى المَفْعُولِ بَعِيدٌ في الِاسْتِعْمالِ، أيْ: رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ، أيْ: مَعارِجِهِمْ ومَصاعِدِهِمْ إلى العَرْشِ.
﴿ذُو العَرْشِ﴾ أيْ: مالِكُهُ. وهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِقَوْلِهِ تَعالى، هو أخْبَرَ عَنْهُ بِهِما إيذانًا بِعُلُوِّ شَأْنِهِ تَعالى، وعِظَمِ سُلْطانِهِ المُوجِبَيْنِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ، وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ إمّا بِطْرِيقِ الِاسْتِشْهادِ بِهِما عَلَيْهِما فَإنَّ ارْتِفاعَ مَعارِجِ مَلائِكَتِهِ إلى العَرْشِ، وكَوْنَ العَرْشِ العَظِيمِ المُحِيطِ بِأكْنافِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ وقَبْضَةِ قدرته، مِمّا يَقْضِي بِكَوْنِ عُلُوِّ شَأْنِهِ وعِظَمِ سُلْطانِهِ فِيهِ لا غايَةَ وراءَها، وإمّا بِجَعْلِهِما عِبارَةً عَنْهُما بِطَرِيقِ المَجازِ المُتَفَرِّعِ عَلى الكِنايَةِ، كالِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُما مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ فَإنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِما ذُكِرَ مُنْبِئٌ عَنْ إنْزالِ الرِّزْقِ الرُّوحانِيِّ الَّذِي هو الوَحْيُ بَعْدَ بَيانِ إنْزالِ الرِّزْقِ الجُسْمانِيِّ الَّذِي هو المَطَرُ، أيْ: يُنْزِلُ الوَحْيَ الجارِيَ مِنَ القُلُوبِ مَنزِلَةَ الرُّوحِ مِنَ الأجْسادِ. وقَوْلُهُ (p-271)تَعالى: مِن أمْرِهِ بَيانٌ لِلرُّوحِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الوَحْيُ فَإنَّهُ أمْرٌ بِالخَيْرِ، أوْ حالٌ مِنهُ، أيْ: حالَ كَوْنِهِ ناشِئًا. ومُبْتَدَأٌ مِن أمْرِهِ، أوْ صِفَةٌ لَهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ حَذَفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، أيِ: الرُّوحَ الكائِنَ مِن أمْرِهِ. أوْ مُتَعَلِّقٌ بِباقِي، و "مِن" لِلسَّبَبِيَّةِ كالباءِ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ أيْ: يُلْقِي الوَحْيَ بِسَبَبِ أمْرِهِ.
﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ وهو الَّذِي اصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ وتَبْلِيغِ أحْكامِهِ إلَيْهِمْ.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى، أوِ المُلْقى عَلَيْهِ، أوِ الرُّوحُ. وقُرِئَ: ( لِتُنْذِرَ ) عَلى أنَّ الفاعِلَ هو الرَّسُولُ ﷺ، أوِ الرُّوحُ؛ لِأنَّها قَدْ تُؤَنَّثُ.
﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ إمّا ظَرْفٌ لِلْمَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: لِيُنْذِرَ النّاسُ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ يَتَلاقى فِيهِ الأرْواحُ والأجْسامُ وأهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ هو المَفْعُولُ الثّانِي اتِّساعًا أوْ أصالَةً فَإنَّهُ مِن شِدَّةِ هَوْلِهِ وفَظاعَتِهِ حَقِيقٌ بِالإنْذارِ أصالَةً، وقُرِئَ: ( لِيُنْذَرَ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ اليَوْمِ.
غافر 40:16
﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ التَّلاقِ، أيْ: خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ، أوْ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ، لِكَوْنِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ قاعًا صَفْصَفًا، ولا عَلَيْهِمْ ثِيابٌ إنَّما هم عُراةٌ مَكْشُوفُونَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ﴿يُحْشَرُونَ عُراةً حُفّاهُ غُرْلًا﴾ . وقِيلَ: ظاهِرَةُ نُفُوسِهِمْ لا تَحَجُّبُهم غَواشِي الأبْدانِ، أوْ أعْمالُهم وسَرائِرُهم.
﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ بُرُوزِهِمْ، وتَقْرِيرٌ لَهُ وإزاحَةٌ لِما كانَ يَتَوَهَّمَهُ المُتَوَهِّمُونَ في الدُّنْيا مِنَ الِاسْتِنارِ تَوَهُّمًا باطِلًا، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ بارِزُونَ، أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما مِن أعْيانِهِمْ وأعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمُ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ.
﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ حِكايَةٌ لِما يَقَعُ حِينَئِذٍ مِنَ السُّؤالِ والجَوابِ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ المُسْتَأْنِفَةِ، أوْ مُسْتَأْنِفٌ يَقَعُ جَوابًا عَنْ سُؤالِ نَشَأ مِن حِكايَةِ بُرُوزِهِمْ، وظُهُورِ أحْوالِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ. . . إلَخْ. أيْ: يُنادِي مُنادٍ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ فَيُجِيبُهُ أهْلُ المَحْشَرِ: لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ. وقِيلَ: المُجِيبُ هو السّائِلُ بِعَيْنِهِ لِما رُوِيَ أنَّهُ يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ في أرْضٍ بَيْضاءَ، كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ. وقِيلَ: حِكايَةً لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الحالِ مِن تَقَطُّعِ أسْبابٍ لِلتَّصَرُّفاتِ المَجازِيَّةِ، واخْتِصاصِ جَمِيعِ الأفاعِيلِ بِقَبْضَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ.
غافر 40:17
﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ . . . إلَخْ. إمّا مِن تَتِمَّةِ الجَوابِ لِبَيانِ حُكْمِ اخْتِصاصِ المُلْكِ بِهِ تَعالى، ونَتِيجَتِهِ الَّتِي هي الحُكْمِ السَّوِيُّ، والقَضاءُ الحَقُّ، أوْ حِكايَةً لِما سَيَقُولُهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ عَقِيبَ السُّؤالِ والجَوابِ، أيْ: تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ الفاجِرَةِ بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عَذابٍ.
﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ: سَرِيعٌ حِسابُهُ تَمامًا، إذْ لا يَشْغَلُهُ تَعالى شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيُحاسِبُ الخَلائِقَ قاطِبَةً في أقْرَبِ زَمانٍ، كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ تَعالى إذا أخَذَ في حِسابِهِمْ لَمْ يَقُلْ أهْلُ الجَنَّةِ إلّا فِيها ولا أهْلُ النّارِ إلّا فِيها، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "اليَوْمَ تُجْزى﴾ . . . إلَخْ. فَإنَّ كَوْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ يَوْمَ التَّلاقِي ويَوْمَ البُرُوزِ، رُبَّما يُوهِمُ اسْتِبْعادَ وُقُوعِ الكُلِّ (p-272)فِيهِ أوْ سَرِيعٌ مَجِيئًا فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْإنْذارِ.
غافر 40:18
﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيِ: القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِها لِأُزُوفِها، وهو القُرْبُ غَيْرَ أنَّ فِيهِ إشْعارًا بِضِيقِ الوَقْتِ، وقِيلَ: الخُطَّةُ الآزِفَةُ، وهي مُشارَفَةُ أهْلِ النّارِ دُخُولَها. وقِيلَ: وقْتَ حُضُورِ المَوْتِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ الآزِفَةِ فَإنَّها تَرْتَفِعُ مِن أماكِنِها فَتَلْتَصِقُ بِحُلُوقِهِمْ فَلا تَعُودُ فَيَتَرَوَّحُوا، وتَخْرُجُ فَيَسْتَرِيحُوا بِالمَوْتِ.
﴿كاظِمِينَ﴾ عَلى الغَمِّ حالٌ مِن أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى إذِ الأصْلُ قُلُوبُهُمْ، أوْ مِن ضَمِيرِها في الظَّرْفِ، وجُمِعَ السَّلامَةُ بِاعْتِبارِ أنَّ الكَظْمَ مِن أحْوالِ العُقَلاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أوْ مِن مَفْعُولِ "أنْذِرْهُمْ" عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ: أنْذِرْهم مُقَدِّرًا كَظْمَهُمْ، أوْ مُشارِفِينَ الكَظْمَ.
﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ مُشْفِقٍ.
﴿وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ أيْ: لا شَفِيعٍ مُشَفَّعٍ عَلى مَعْنى نَفْيِ الشَّفاعَةِ والطّاعَةِ مَعًا، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
والضَّمائِرُ إنْ عادَتْ إلى الكُفّارِ وهو الظّاهِرُ فَوَضْعُ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِهِ.
غافر 40:19
﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ النَّظْرَةُ الخائِنَةُ كالنَّظْرَةِ الثّانِيَةِ إلى غَيْرِ المَحْرَمِ واسْتِراقِ النَّظَرِ إلَيْهِ، أوْ خِيانَةُ الأعْيُنِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ.
﴿وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ والأسْرارِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ مَثَلٌ يُلْقِي الرُّوحَ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ ما مِن خَفِيٍّ إلّا وهو مُتَعَلِّقُ العِلْمِ والجَزاءِ.
غافر 40:20
﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ لِأنَّهُ المالِكُ الحاكِمُ عَلى الإطْلاقِ فَلا يَقْضِي بِشَيْءٍ إلّا وهو حُقٌّ وعَدْلٌ.
﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يَعْبُدُونَهم ﴿مِن دُونِهِ﴾ تَعالى ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ الجَمادَ لا يُقالُ في حَقِّهِ يَقْضِي أوْ لا يَقْضِي. وقُرِئَ: ( تَدْعُونَ ) عَلى الخِطابِ التِفاتًا، أوْ عَلى إضْمارِ قُلْ.
﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ تَقْرِيرٌ لِعلمه تعالى بِخائِنَةِ الأعْيُنِ، وقَضائِهِ بِالحَقِّ، ووَعِيدٌ لَهُمُ عَلى ما يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ، وتَعْرِيضٌ بِحالِ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ.
غافر 40:21
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مَآلُ حالِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِرُسُلِهِمْ كَعادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ.
﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قُدْرَةً وتَمَكُّنًا مِنَ التَّصَرُّفاتِ، وإنَّما جِيءَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّوَسُّطُ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ لِمُضاهاةِ افْعَلْ مِن لِلْمَعْرِفَةِ في امْتِناعِ دُخُولِ اللّامِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: ( أشَدَّ مِنكم ) بِالكافِ.
﴿وَآثارًا في الأرْضِ﴾ مِثْلَ القِلاعِ الحَصِينَةِ، والمَدائِنِ المَنِينَةِ. وقِيلَ: المَعْنى وأكْثَرَ آثارًا، كَقَوْلِهِ:
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أخْذًا وبِيلًا ﴿وَما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ واقٍ﴾ (p-273)أيْ: مِن واقٍ يَقِيهِمْ عَذابَ اللَّهِ.
غافر 40:22
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الأخْذِ.
﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ أوْ بِالأحْكامِ الظّاهِرَةِ.
﴿فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ مُتَمَكِّنٌ مِمّا يُرِيدُ غايَةَ التَّمَكُّنِ.
﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ لا يُؤْبَهُ عِنْدَ عِقابِهِ بِعِقابٍ.
غافر 40:23
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ.
﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: وحُجَّةٍ قاهِرَةٍ. وهي إمّا عَيْنُ الآياتِ والعَطْفُ لِتَغايُرِ العُنْوانَيْنِ، وإمّا بَعْضُ مَشاهِيرِها كالعَصا أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها تَحْتَ الآياتِ؛ لِأنَّ فِيها إفْرادَ جِبْرِيلَ ومِيكالَ بِهِ مَعَ دُخُولِهِما في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
غافر 40:24
﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أيْ: فِيما أظْهَرَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ، وفِيما ادَّعاهُ مِن رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ.
غافر 40:25
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وهو ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ.
﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ كَما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ أيْ: أعِيدُوا عَلَيْهِمْ ما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ أوَّلًا، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ فَلَمّا بُعِثَ ﷺ وأحَسَّ بِأنَّهُ قَدْ وقَعَ ما وقَعَ أعادَهُ عَلَيْهِمْ غَيْظًا وحَنَقًا وزَعْمًا مِنهُ أنَّهُ يَصُدُّهم بِذَلِكَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي حَكَمَ المُنَجِّمُونَ والكَهَنَةُ بِذَهابِ مُلْكِهِمْ عَلى يَدِهِ.
﴿وَما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في ضَياعٍ وبُطْلانٍ لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ويَنْفُذُ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ القَدَرُ المَقْدُورُ، والقَضاءُ المَحْتُومُ. و "اللّامُ" إمّا لِلْعَهْدِ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، أوْ لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الأباطِيلِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ بُطْلانِ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الإبْراقِ والإرْعادِ واضْمِحْلالِهِ بِالمَرَّةِ.
غافر 40:26
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ كانَ مَلَؤُهُ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَفَوْهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ هَذا بِالَّذِي تَخافُهُ فَإنَّهُ أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ، وما هو إلّا بَعْضُ السحرةِ. وبِقَوْلِهِمْ: إذا قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ عَلى النّاسِ شُبْهَةً، واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِالحُجَّةِ وعَدَلْتَ إلى المُقارَعَةِ بِالسَّيْفِ. والظّاهِرُ مِن دَهاءِ اللَّعِينِ ونَكارَتِهِ أنَّهُ كانَ قَدِ اسْتَيْقَنَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ آياتٌ باهِرَةٌ وما هو بِسِحْرٍ، ولَكِنْ كانَ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ، وكانَ قَوْلُهُ هَذا تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ، وإيهامًا أنَّهم هُمُ الكافُّونَ لَهُ عَنْ قَتْلِهِ (p-274)وَلَوْلاهم لَقَتَلَهُ، وما كانَ الَّذِي يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِنَ الفَزَعِ الهائِلِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ تَجَلُّدٌ مِنهُ، وإظْهارٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِدُعائِهِ، ولَكِنَّهُ أخْوَفُ ما يَخافُهُ.
﴿إنِّي أخافُ﴾ إنْ لَمْ أقْتُلْهُ ﴿أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أنْ يُغِيرَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ عِبادَتِهِ وعِبادَةِ الأصْنامِ لِتُقَرِّبَهم إلَيْهِ.
﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ما يُفْسِدُ دُنْياكم مِنَ التَّحارُبِ والتَّهارُجِ، إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى تَبْدِيلِ دِينِكم بِالكُلِّيَّةِ، وقُرِئَ بِالواوِ الجامِعَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ ورَفْعِ الفَسادِ، وقُرِئَ: ( بِظَهْرٍ ) بِتَشْدِيدِ الظّاءِ والهاءِ مِن تَظاهَرَ، أيْ: تَتابَعَ وتَعاوَنَ.
غافر 40:27
﴿وَقالَ مُوسى﴾ أيْ: لِقَوْمِهِ حِينَ سَمِعَ بِما تَقَوَّلَهُ اللَّعِينُ مِن حَدِيثِ قَتْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ صَدَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَهُ بِإنَّ تَأْكِيدًا لَهُ، وإظْهارًا لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِهِ وفَرْطِ الرَّغْبَةِ فِيهِ، وخُصَّ اسْمَ الرَّبِّ المُنْبِئِ عَنِ الحِفْظِ والتَّرْبِيَةِ؛ لِأنَّهُما الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ وأضافَهُ إلَيْهِ وإلَيْهِمْ حَثًّا لَهم عَلى مُوافَقَتِهِ في العِياذِ بِهِ تَعالى والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ فَإنَّ في تَظاهُرِ النُّفُوسِ تَأْثِيرًا قَوِيًّا في اسْتِجْلابِ الإجابَةِ، ولَمْ يُسَمِّفِرْعَوْنَ بَلْ ذَكَرَهُ بِوَصْفٍ يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ لِتَعْمِيمِ الِاسْتِعاذَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ القَساوَةِ والجُرْأةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ: ( عُدْتُ ) بِالإدْغامِ.
غافر 40:28
﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمٍّ لِفِرْعَوْنَ آمَنَ بِمُوسى سِرًّا، وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا أوْ غَرِيبًا مُوَحِّدًا.
﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ أيْ: مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ.
﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا﴾ أتَقْصُدُونَ قَتْلَهُ.
﴿أنْ يَقُولَ﴾ لِأنْ يَقُولَ أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولَ.
﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ وتَأمُّلٍ في أمْرِهِ.
﴿وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ والحالُ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الَّتِي شاهَدْتُمُوها وعَهِدْتُمُوها.
﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أضافَهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ البَيِّناتِ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ، واسْتِنْزالًا لَهُمُ عَنْ رُتْبَةِ المُكابَرَةِ ثُمَّ أخَذَهم بِالِاحْتِجاجِ مِن بابِ الِاحْتِياطِ فَقالَ: ﴿وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ لا يَتَخَطّاهُ وبالُ كَذِبِهِ فَيَحْتاجُ في دَفْعِهِ إلى قَتْلِهِ.
﴿وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يُصِبْكم كُلُّهُ فَلا أقَلَّ مِن إصابَةِ بَعْضِهِ لاسِيَّما إنْ تَعَرَّضْتُمْ لَهُ بِسُوءٍ، وهَذا كَلامٌ صادِرٌ عَنْ غايَةِ الإنْصافِ، وعَدَمِ التَّعَصُّبِ. ولِذَلِكَ قُدِّمَ مِن شِقَّيِ التَّرْدِيدِ كَوْنُهُ كاذِبًا، أوْ يُصِبْكم ما يَعِدُكم مِن عَذابِ الدُّنْيا، وهو بَعْضُ ما يَعِدُهم كَأنَّهُ خَوَّفَهم بِما أظْهَرَ احْتِمالًا عِنْدَهُمْ، وتَفْسِيرُ البَعْضِ بِالكُلِّ مُسْتَدَلًّا بِقَوْلِ لَبِيَدٍ:
تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها. . . أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
مَرْدُودٌ لِما أنَّ مُرادَهُ بِالبَعْضِ نَفْسُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ تَعالى إلى البَيِّناتِ ولَما أيَّدَهُ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ، وثانِيهِما: إنْ كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ ولَعَلَّهُ أراهُمُ المَعْنى الثّانِي وهو عاكِفٌ عَلى المَعْنى الأوَّلِ لِتَلِينَ شَكِيمَتُهم. وقَدْ عَرَّضَ بِهِ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّهُ (p-275)مُسْرِفٌ كَذّابٌ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ سَبِيلَ الصَّوابِ، ومِنهاجَ النَّجاةِ.
غافر 40:29
﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾ غالِبِينَ عالِينَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ لا يُقاوِمُكم أحَدٌ في هَذا الوَقْتِ.
﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ مِن أخْذِهِ وعَذابِهِ ﴿إنْ جاءَنا﴾ أيْ: فَلا تُفْسِدُوا أمْرَكم ولا تَتَعَرَّضُوا لِبَأْسِ اللَّهِ بِقَتْلِهِ فَإنْ جاءَنا لَمْ يَمْنَعْنا مِنهُ أحَدٌ، وإنَّما نُسِبَ ما يَسُرُّهم مِنَ المُلْكِ والظُّهُورِ في الأرْضِ إلَيْهِمْ خاصَّةً، ونَظَّمَ نَفْسَهُ في سِلْكِهِمْ فِيما يَسُوءُهم مِن مَجِيءِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، وإيذانًا بِأنَّهُ مُناصِحٌ لَهم ساعٍ في تَحْصِيلِ ما يُجْدِيهِمْ ودَفْعِ ما يُرْدِيهِمْ سَعْيُهُ في حَقِّ نَفْسِهِ لِيَتَأثَّرُوا بِنُصْحِهِ.
﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ بَعْدَ ما سَمِعَ نُصْحَهُ ﴿ما أُرِيكُمْ﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم ﴿إلا ما أرى﴾ وأسْتَصْوِبُهُ مِن قَتْلِهِ ﴿وَما أهْدِيكُمْ﴾ بِهَذا الرَّأْيِ ﴿إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيِ: الصَّوابِ أوْ لا أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ ولا أُسِرُّ عَنْكم خِلافَ ما أُظْهِرُهُ، ولَقَدْ كَذَّبَ حَيْثُ كانَ مُسْتَشْعِرًا لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ، ولَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ، ولَوْلاهُ لَما اسْتَشارَ أحَدًا أبَدًا، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ لِلْمُبالَغَةِ مِن رَشُدَ كَعَلّامٍ، أوْ مِن رَشَدَ كَعَبّادٍ لا مَن أرْشَدَ كَجَبّارٍ مَن أجْبَرَ؛ لِأنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى السَّماعِ، أوْ لِلنِّسْبَةِ إلى الرُّشْدِ كَعَوّاجٍ وبَتّاتٍ غَيْرَ مَنظُورٍ فِيهِ إلى فَعَلَ.
غافر 40:30
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ﴾ مُخاطِبًا لِقَوْمِهِ ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ في تَكْذِيبِهِ، والتَّعَرُّضِ لَهُ بِالسُّوءِ.
﴿مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ مَثَلَ أيّامِ الأُمَمِ الماضِيَةِ يَعْنِي وقائِعَهُمْ، وجَمْعُ الأحْزابِ مَعَ التَّفْسِيرِ أغْنى عَنْ جَمْعِ اليَوْمِ.
غافر 40:31
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: مِثْلَ جَزاءِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وإيذاءِ الرُّسُلِ.
﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ كَقَوْمِ لُوطٍ ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ فَلا يُعاقِبُهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُخَلِّي الظّالِمَ مِنهم بِغَيْرِ انْتِقامٍ، وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِما أنَّ المَنفِيَّ فِيهِ إرادَةُ ظُلْمِ ما يَنْتَفِي الظُّلْمَ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ.
غافر 40:32
﴿وَيا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ خَوَّفَهم بِالعَذابِ الأُخْرَوِيِّ بَعْدَ تَخْوِيفِهِمْ بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، ويَوْمَ التَّنادِ يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ يُنادِي فِيهِ بَعْضُهم لِلِاسْتِغاثَةِ، أوْ يَتَصايَحُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، أوْ يَتَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ وأصْحابُ النّارِ حَسْبَما حُكِيَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وهو أنْ يَنِدَّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ . وعَنِ الضَّحّاكِ: إذا سَمِعُوا زَفِيرَ النّارِ نَدُّوا هَرَبًا فَلا يَأْتُونَ قُطْرًا مِنَ الأقْطارِ إلّا وجَدُوا مَلائِكَةً صُفُوفًا فَبَيْنا هم بِمَوْجٍ بَعْضُهم في بَعْضٍ إذْ سَمِعُوا مُنادِيًا أقْبِلُوا إلى الحِسابِ.
غافر 40:33
﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ التَّنادِ، أيْ: مُنْصَرِفِينَ عَنِ المَوْقِفِ إلى النّارِ، أوْ فارِّينَ مِنها حَسْبَما نُقِلَ آنِفًا.
(p-276)﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ يَعْصِمُكم مِن عَذابِهِ. والجُمْلَةُ حالٌ أُخْرى مِن ضَمِيرِ تُوَلُّونَ ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يَهْدِيهِ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ.
غافر 40:34
﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ﴾ هو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَهُ فِرْعَوْنُ مُوسى، أوْ عَلى نِسْبَةِ أحْوالِ الآباءِ إلى الأوْلادِ، وقِيلَ: سِبْطُهُ يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ مُوسى ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الواضِحَةِ ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ مِنَ الدِّينِ ﴿حَتّى إذا هَلَكَ﴾ بِالمَوْتِ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ ضَمًّا إلى تَكْذِيبِ رِسالَتِهِ تَكْذِيبَ رِسالَةِ مَن بَعْدَهُ، أوْ جَزْمًا بِأنْ لا يُبْعَثَ بَعْدَهُ رَسُولٌ مَعَ الشَّكِّ في رِسالَتِهِ، وقُرِئَ: ( ألَّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ ) عَلى أنَّ بَعْضَهم يُقَرِّرُ بَعْضًا بِنَفْيِ البَعْثِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ مَثَلُ ذَلِكَ الإضْلالِ الفَظِيعِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ﴾ في عِصْيانِهِ.
﴿مُرْتابٌ﴾ في دِينِهِ شاكٌّ فِيما تَشْهَدُ بِهِ البَيِّناتُ لِغَلَبَةِ الوَهْمِ، والِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ.
غافر 40:35
﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ صِفَةٌ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ مُسْرِفٍ مُرْتابٍ، أوِ المُسْرِفِينَ المُرْتابِينَ.
﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ مُتَعَلِّقُ يُجادِلُونَ، أيْ: بِغَيْرِ حُجَّةٍ صالِحَةٍ لِلتَّمَسُّكِ بِها في الجُمْلَةِ.
﴿أتاهُمْ﴾ صِفَةُ سُلْطانٍ.
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ، وفي كَبُرَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى مَن وتَذْكِيرُهُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، وقِيلَ: إلى الجِدالِ المُسْتَفادِ مِن يُجادِلُونَ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ الفَظِيعِ.
﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ فَيَصْدُرُ عَنْهُ أمْثالُ ما ذُكِرَ مِنَ الإسْرافِ، والِارْتِيابِ، والمُجادَلَةِ بِالباطِلِ، وقُرِئَ بِتَنْوِينِ ( قَلْبٍ ) ووَصْفِهِ بِالتَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ؛ لِأنَّهُ مَنَعَهُما.
غافر 40:36
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ أيْ: بِناءً مَكْشُوفًا عالِيًا مِن صَرْحِ الشَّيْءِ إذا ظَهَرَ ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ أيِ: الطُّرُقَ.
غافر 40:37
﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ بَيانٌ لَها وفي إبْهامِها ثُمَّ إيضاحِها تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها وتَشْوِيقٌ لِلسّامِعِ إلى مَعْرِفَتِها.
﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّرَجِّي، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى أبْلُغُ، ولَعَلَّهُ أرادَ أنْ يَبْنِيَ لَهُ رَصَدًا في مَوْضِعٍ عالٍ لِيَرْصُدَ مِنهُ أحْوالَ الكَواكِبِ الَّتِي هي أسْبابٌ سَماوِيَّةٌ تَدُلُّ عَلى إرْسالِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، أوْ أنْ يَرى فَسادَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ إخْبارَهُ مِن إلَهِ السَّماءِ يَتَوَقَّفُ عَلى اطِّلاعِهِ عَلَيْهِ، ووُصُولِهِ إلَيْهِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا بِالصُّعُودِ إلى السَّماءِ وهو مِمّا (p-277)لا يَقْوى عَلَيْهِ الإنْسانُ، وما ذاكَ إلّا لِجَهْلِهِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وكَيْفِيَّةِ اسْتِنْبائِهِ.
﴿وَإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ فِيما يَدَّعِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ، أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ المُفْرِطِ.
﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فانْهَمَكَ فِيهِ انْهِماكًا لا يَرْعَوِي عَنْهُ بِحالٍ ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيْ: سَبِيلِ الرَّشادِ. والفاعِلُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ زَيَّنَ بِالفَتْحِ، وبِالتَّوَسُّطِ لِشَيْطانٍ، وقُرِئَ: ( وصَدَّ ) عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ صَدَّ النّاسَ عَنِ الهُدى بِأمْثالِ هَذِهِ التَّمْوِيهاتِ والشُّبُهاتِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ﴾ أيْ: خَسارٍ وهَلاكٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مِن صَدَّ صُدُودًا، أيْ: أعْرَضَ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الصّادِ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ الدّالِ إلَيْهِ، وقُرِئَ: ( وصَدٌّ ) عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى سُوءِ عَمَلِهِ، وقُرِئَ: ( وصَدُّوا ) أيْ: هو وقَوْمُهُ.
غافر 40:38
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ﴾ أيْ: مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ﴾ فِيما دَلَلْتُكم عَلَيْهِ.
﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: سَبِيلًا يَصِلُ سالِكُهُ إلى المَقْصُودِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ما يَسْلُكُهُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ سَبِيلُ الغَيِّ والضَّلالِ.
غافر 40:39
﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ أيْ: تَمَتُّعٌ يَسِيرٌ لِسُرْعَةِ زَوالِها أجْمَلَ لَهُمُ أوَّلًا، ثُمَّ فَسَّرَ فافْتَتَحَ بِذَمِّ الدُّنْيا وتَصْغِيرِ شَأْنِها؛ لِأنَّ الإخْلادَ إلَيْها رَأْسُ كُلِّ شَرٍّ ومِنهُ تَتَشَعَّبُ فُنُونَ ما يُؤَدِّي إلى سُخْطِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ثَنّى بِتَعْظِيمِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وَإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ لِخُلُودِها ودَوامِ ما فِيها.
غافر 40:40
﴿مَن عَمِلَ﴾ في الدُّنْيا ﴿سَيِّئَةً فَلا يُجْزى﴾ في الآخِرَةِ ﴿إلا مِثْلَها﴾ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِناياتِ تُغَرَّمُ بِأمْثالِها.
﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ عَمِلُوا ذَلِكَ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ ومُوازَنَةٍ بِالعَمَلِ بَلْ أضْعافًا مُضاعَفَةً فَضْلًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ورَحْمَةً، وجَعْلُ العَمَلِ عُمْدَةً والإيمانِ حالًا لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لا عِبْرَةَ بِالعَمَلِ بِدُونِهِ وأنَّ ثَوابَهُ أعْلى مِن ذَلِكَ.
غافر 40:41
﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ كَرَّرَ نِداءَهم إيقاظًا لَهم عَنْ سِنَةٍ الغَفْلَةِ، واعْتِناءً بِالمُنادى لَهُ ومُبالَغَةً في تَوْبِيخِهِمْ عَلى ما يُقالُونَ بِهِ نُصْحَهُ، ومَدارُ التَّعَجُّبِ الَّذِي يُلَوِّحُ الِاسْتِفْهامُ دَعْوَتُهم إيّاهُ إلى النّارِ ودَعْوَتُهُ إيّاهم إلى النَّجاةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي كَيْفَ هَذِهِ الحالُ أدْعُوكم إلى الخَيْرِ وتَدْعُونَنِي إلى الشَّرِّ، وقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهم مِن قَبِيلِ ما لِي أراكَ حَزِينًا ؟ ! وقَوْلُهُ تَعالى:
غافر 40:42
﴿تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ والدُّعاءُ كالهِدايَةِ في التَّعْدِيَةِ بِـ "إلى" و "اللّامِ" ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ بِشَرِكَتِهِ لَهُ تَعالى في المَعْبُودِيَّةِ، وقِيلَ بِرُبُوبِيَّتِهِ. عِلْمٌ والمُرادُ نَفْيُ المَعْلُومِ والإشْعارُ بِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ لا بُدَّ لَها مِن بُرْهانٍ مُوجِبِ (p-278)العِلْمِ بِها.
﴿وَأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ مِن كَمالِ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ، وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ والإرادَةِ والتَّمَكُّنِ مِنَ المُجازاةِ والقُدْرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ والغُفْرانِ.
غافر 40:43
﴿لا جَرَمَ﴾ لا رَدَّ لِما دَعَوْهُ إلَيْهِ، و "جَرَمَ" فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى حَقَّ وفاعِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ أيْ: حَقَّ ووَجَبَ عَدَمُ دَعْوَةِ آلِهَتِكم إلى عِبادَتِها أصْلًا، أوْ عَدَمُ دَعْوَةٍ مُسْتَجابَةٍ دَعْوَةٍ لَها. وقِيلَ: جَرَمَ بِمَعْنى كَسَبَ وفاعِلُهُ مُسْتَكِنٌّ فِيهِ، أيْ: كَسَبَ ذَلِكَ الدُّعاءُ إلَيْهِ بُطْلانَ دَعْوَتِهِ بِمَعْنى ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِ دَعْوَتِهِ، وقِيلَ: جَرَمَ فِعْلٌ مِنَ الجَرْمِ وهو القَطْعُ كَما أنَّ بَدا مِن لا بُدَّ فُعْلٌ مِنَ التَّبْدِيدِ، أيِ: التَّفْرِيقِ. والمَعْنى لا قَطْعَ لِبُطْلانِ أُلُوهِيَّةِ الأصْنامِ، أيْ: لا يَنْقَطِعُ في وقْتٍ ما فَيَنْقَلِبُ حَقًّا، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهم: جُرْمَ أنَّهُ يَفْعَلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ، وفُعْلٌ وفَعَلٌ أخَوانِ كَرُشْدٍ ورَشَدٍ.
﴿وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: بِالمَوْتِ. عَطْفٌ عَلى أنَّ ما تَدْعُونَنِي داخِلٌ في حُكْمِهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ﴾ أيْ: في الضَّلالِ والطُّغْيانِ كالإشْراكِ وسَفْكِ الدِّماءِ.
﴿هم أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ: مُلازِمُوها.
غافر 40:44
﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ وقُرِئَ: ( فَسَتَذْكُرُونَ ) أيْ: فَسَيَذْكُرُ بَعْضُكم بَعْضًا عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ.
﴿ما أقُولُ لَكُمْ﴾ مِنَ النَّصائِحِ ﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ قالَهُ لِما أنَّهم كانُوا تَوَعَّدُوهُ ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ فَيَحْرُسُ مَن يَلُوذُ بِهِ مِنَ المَكارِهِ.
غافر 40:45
﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ شَدائِدَ مَكْرِهِمْ وما هَمُّوا بِهِ مِن إلْحاقِ أنْواعِ العَذابِ بِمَن خالَفَهم. قِيلَ: نُجامِعُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِلِاسْتِغْناءِ بِذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِ ضَرُورَةَ أنَّهُ أوْلى مِنهم بِذَلِكَ، وقِيلَ: بِطَلِبَةِ المُؤْمِنِ مِن قَوْمِهِ لِما أنَّهُ فَرَّ إلى جَبَلٍ فاتَّبَعَهُ طائِفَةٌ لِيَأْخُذُوهُ فَوَجَدُوهُ يُصَلِّي والوُحُوشُ صُفُوفٌ حَوْلَهُ فَرَجَعُوا رُعْبًا فَقَتَلَهم.
﴿سُوءُ العَذابِ﴾ الغَرَقُ والقَتْلُ والنّارُ.
غافر 40:46
﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ سُوءِ العَذابِ، أوِ النّارُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما سُوءُ العَذابِ ؟ فَقِيلَ: هو النّارُ. و "يُعْرَضُونَ" اسْتِئْنافٌ لِلْبَيانِ أوْ بَدَلٌ مِن سُوءِ العَذابِ، و "يَعْرِضُونَ" حالٌ مِنها أوْ مِنَ الآلِ، ولا يُشْتَرَطُ في الحَيْقِ أنْ يَكُونَ الحائِقُ ذَلِكَ السُّوءَ بِعَيْنِهِ حَتّى يَرِدَ أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَهُمُّوا بِتَعْذِيبِهِ بِالنّارِ لِيَكُونَ ابْتِلاؤُهم بِها مِن قَبِيلِ رُجُوعِ ما هَمُّوا بِهِ عَلَيْهِمْ بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السُّوءِ، وقُرِئَتْ مَنصُوبَةً عَلى الِاخْتِصاصِ أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ يُعْرَضُونَ مِثْلَ يُصَلُّونَ، فَإنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ بِإحْراقِهِمْ بِها مِن قَوْلِهِمْ: عُرِضَ الأُسارى عَلى السَّيْفِ إذا قُتِلُوا بِهِ وذَلِكَ لِأرْواحِهِمْ، (p-279)كَما رَوىَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ تُعْرَضُ عَلى النّارِ بُكْرَةً وعَشِيًّا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذَكَرَ الوَقْتَيْنِ إمّا لِلتَّخْصِيصِ وإمّا فِيما بَيْنَهُما، فاللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِهِمْ وإمّا لِلتَّأْيِيدِ هَذا ما دامَتِ الدُّنْيا.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ أيْ: عَذابَ جَهْنَمَ فَإنَّهُ أشَدُّ مِمّا كانُوا فِيهِ أوْ أشَدُّ عَذابِ جَهْنَمَ فَإنَّ عَذابَها ألْوانٌ بَعْضُها أشَدُّ مِن بَعْضٍ، وقُرِئَ: ( ادْخُلُوا ) مِنَ الدُّخُولِ، أيْ: يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا يا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ.
غافر 40:47
﴿وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ أيْ: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ وقْتَ تَخاصُمِهِمْ فِيها ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ﴾ مِنهم ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم رُؤَساؤُهم ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ اتِّباعًا كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ أوْ ذَوِي تَبَعٍ، أيْ: أتْباعٍ عَلى إضْمارِ المُضافِ أوْ تَبَعًا عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ بِالدَّفْعِ أوْ بِالحَمْلِ، و "نَصِيبًا" مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مُغْنُونَ، أيْ: دافِعُونَ عَنّا نَصِيبًا. . . إلَخْ. أوْ بِمُغْنُونَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الحَمْلِ، أيْ: مُغْنُونَ عَنّا حامِلِينَ نَصِيبًا. . . إلَخْ. أوْ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ كَشَيْئًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ فَإنَّهُ في مَوْقِعِ غَناءٍ فَكَذَلِكَ نَصِيبًا.
غافر 40:48
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها﴾ أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ، فَكَيْفَ نُغْنِي عَنْكم ولَوْ قَدَرْنا لَأغْنَيْنا عَنْ أنْفُسِنا ؟ وقُرِئَ: ( كُلًّا ) عَلى التَّأْكِيدِ لِاسْمِ إنَّ بِمَعْنى كُلِّنا، وتَنْوِيهٌ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ ولا مَساغَ لِجَعْلِهِ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ، فَإنَّهُ لا يَعْمَلُ في الحالِ المُتَقَدِّمَةِ كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ المُتَقَدِّمِ فَإنَّكَ تَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تَقُولُ جَدِيدًا لَكَ ثَوْبٌ.
﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ وقَضى قَضاءً مُتْقَنًا لا مَرَدَّ لَهُ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.
غافر 40:49
﴿وَقالَ الَّذِينَ في النّارِ﴾ مِنَ الضُّعَفاءِ والمُسْتَكْبِرِينَ جَمِيعًا لَمّا ضاقَتْ حِيَلُهم وعَيَّتْ بِهِمْ عِلَلُهم ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: لِلْقُوّامِ بِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ، ووَضْعُ جَهَنَّمَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ أوْ لِبَيانِ مَحَلِّهِمْ فِيها بِأنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ أبْعَدَ دِرْكاتِ النّارِ وفِيها، أعْنِي الكَفَرَةِ وأطْغاهم أوْ لِكَوْنِ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ أهْلِها أقْدَرَ عَلى الشَّفاعَةِ لِمَزِيدِ قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا﴾ أيْ: مِقْدارَ يَوْمٍ أوْ في يَوْمٍ ما مِنَ الأيّامِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لا مِعْيارٌ شَيْئًا.
﴿مِنَ العَذابِ﴾ واقْتِصارُهم في الِاسْتِدْعاءِ عَلى ما ذُكِرَ مِن تَخْفِيفِ قَدْرٍ يَسِيرٍ مِنَ العَذابِ في مِقْدارٍ قَصِيرٍ مِنَ الزَّمانِ دُونَ رَفْعِهِ رَأْسًا، أوْ تَخْفِيفِ قَدْرٍ كَثِيرٍ مِنهُ في زَمانٍ مَدِيدٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم مِمّا لَيْسَ في حَيِّزِ الإمْكانِ ولا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ أمانِيِّهِمْ.
غافر 40:50
﴿قالُوا﴾ أيِ: الخَزَنَةُ. (p-280)﴿أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: ألَمْ تُنَبَّهُوا عَلى هَذا ولَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ بِالحُجَجِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى سُوءِ مُغِبَّةِ ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أرادُوا بِذَلِكَ إلْزامَهم وتَوْبِيخَهم عَلى إضاعَةِ أوْقاتِ الدُّعاءِ، وتَعْطِيلِ أسْبابِ الإجابَةِ.
﴿قالُوا بَلى﴾ أيْ: أتَوْنا بِها فَكَذَّبْناهم كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ . و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا فادْعُوا﴾ فَصِيحَةٌ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
فَقَدْ جِئْنا خُراسانا
أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فادْعُوا أنْتُمْ فَإنَّ الدُّعاءَ لِمَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِمّا يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنّا، وتَعْلِيلُ امْتِناعِهِمْ عَنِ الدُّعاءِ بِعَدَمِ الإذْنِ فِيهِ مَعَ عَرائِهِ عَنْ بَيانِ أنَّ سَبَبَهُ مِن قِبَلِهِمْ كَما تُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ، رُبَّما يُوهِمُ أنَّ الإذْنَ في حَيِّزِ الإمْكانِ، وأنَّهم لَوْ أُذِنَ لَهم فِيهِ لَفَعَلُوا، ولَمْ يُرِيدُوا بِأمْرِهِمْ بِالدُّعاءِ إطْماعَهم في الإجابَةِ بَلْ إقْناطَهم مِنها وإظْهارَ خَيْبَتِهِمْ حَسْبَما صَرَّحُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: ضَياعٍ وبُطْلانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى:
غافر 40:51
﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ . . . إلَخْ. كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ أنَّ ما أصابَ الكَفَرَةَ مِنَ العَذابِ المَحْكِيِّ مِن فُرُوعِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وهو أنَّ شَأْنَنا المُسْتَمِرَّ أنّا نَنْصُرُ رُسُلَنا وأتْباعَهم.
﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالحُجَّةِ والظَّفَرِ والِانْتِقامِ لَهم مِنَ الكَفَرَةِ بِالِاسْتِئْصالِ والقَتْلِ والسَّبْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ ما قَدْ يَتَّفِقُ لَهم مِن صُورَةِ الغَلَبَةِ امْتِحانًا إذِ العِبْرَةُ إنَّما هي بِالعَواقِبِ وغالِبِ الأمْرِ.
﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِكَيْفِيَّةِ النُّصْرَةِ، وأنَّها تَكُونُ عِنْدَ جَمِيعِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ بِشَهادَةِ الأشْهادِ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ، وعَلى الكَفَرَةِ بِالتَّكْذِيبِ.
غافر 40:52
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، وعَدَمُ نَفْعِ المَعْذِرَةِ لِأنَّها باطِلَةٌ، وقُرِئَ: ( لا تَنْفَعُ ) بِالتّاءِ.
﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أيِ: البُعْدُ عَنِ الرَّحْمَةِ.
﴿وَلَهم سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ: جَهَنَّمَ.
غافر 40:53
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ ما يُهْتَدى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ والصُّحُفِ والشَّرائِعِ، ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ وتَرَكْنا عَلَيْهِمْ مِن بَعْدِهِ التَّوْراةَ.
غافر 40:54
﴿هُدًى وذِكْرى﴾ هِدايَةً وتَذْكِرَةً، أوْ هادِيًا ومُذَكِّرًا.
﴿لأُولِي الألباب﴾ لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ العامِلِينَ بِما في تَضاعِيفِهِ.
غافر 40:55
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما نالَكَ مِن أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ.
﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: وعْدَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ أوْ وعْدَهُ الخاصَّ بِكَ أوْ جَمِيعَ مَواعِيدِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ.
﴿حَقٌّ﴾ لا يَحْتَمِلُ الإخْلافَ أصْلًا، واسْتَشْهَدَ بِحالِ مُوسى وفِرْعَوْنَ (p-281)﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ تَدارُكًا لِما فَرَطَ مِنكَ مِن تَرْكِ الأوْلى في بَعْضِ الأحايِينِ، فَإنَّهُ تَعالى كافِيكَ في نُصْرَةِ دِينِكَ وإظْهارِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أيْ: ودُمْ عَلى التَّسْبِيحِ مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ تَعالى، وقِيلَ: صَلِّ لِهَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ إذْ كانَ الواجِبُ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً ورَكْعَتَيْنِ عَشِيًّا، وقِيلَ: صَلِّ شُكْرًا لِرَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ، وقِيلَ: هُما صَلاةُ العَصْرِ وصَلاةُ الفَجْرِ.
غافر 40:56
﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ ويَجْحَدُونَ بِها ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ في ذَلِكَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وتَقْيِيدُ المُجادَلَةِ بِذَلِكَ مَعَ اسْتِحالَةِ إتْيانِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّكَلُّمَ في أمْرِ الدِّينِ لا بُدَّ مِنِ اسْتِنادِهِ إلى سُلْطانٍ مُبِينٍ البَتَّةَ، وهَذا عامٌّ لِكُلِّ مُجادِلٍ مُبْطِلٍ وإنْ نَزَلَ في مُشْرِكِي مَكَّةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ﴾ خَبَرٌ لِـ "إنَّ"، أيْ: ما في قُلُوبِهِمْ إلّا تَكَبُّرٌ عَنِ الحَقِّ وتَعَظُّمٌ عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّعَلُّمِ، أوْ إلّا إرادَةُ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ عَلى الإطْلاقِ، أوْ إلّا إرادَةُ أنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ لَهم دُونَكَ حَسَدًا وبَغْيًا حَسْبَما قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وقالُوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ ولِذَلِكَ يُجادِلُونَ فِيها لا أنَّ فِيها مَوْقِعَ جِدالٍ ما، وأنَّ لَهُمُ شَيْئًا يُتَوَهَّمُ أنْ يَصْلُحَ مَدارًا لِمُجادَلَتِهِمْ في الجُمْلَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما هم بِبالِغِيهِ﴾ صِفَةٌ لِكِبْرٍ. قالَ مُجاهِدٌ: ما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبْرِ، وهو ما أرادُوهُ مِنَ الرِّياسَةِ أوِ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: المُجادِلُونَ هُمُ اليَهُودُ، وكانُوا يَقُولُونَ لَسْتَ صاحِبَنا المَذْكُورَ في التَّوْراةِ بَلْ هو المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يُرِيدُونَ الدَّجّالَ يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، ويَبْلُغُ سُلْطانُهُ البَرَّ والبَحْرَ، وتَسِيرُ مَعَهُ الأنْهارُ، وهو آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى فَيَرْجِعُ إلَيْنا المُلْكُ فَسَمّى اللَّهُ تَعالى تَمَنِّيَهم ذَلِكَ كِبْرًا، ونَفى أنْ يَبْلُغُوا مُتَمَنّاهم.
﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أيْ: فالتَجِئْ إلَيْهِ مِن كَيْدِ مَن يَحْسُدُكَ ويَبْغِي عَلَيْكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ.
﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ لِأقْوالِكم وأفْعالِكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:
غافر 40:57
﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَبْيِينٌ لِأشْهَرِ ما يُجادِلُونَ فِيهِ مِن أمْرِ البَعْثِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ لِقُصُورِهِمْ في النَّظَرِ والتَّأمُّلِ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِمْ واتِّباعِهِمْ لِأهْوائِهِمْ.
غافر 40:58
﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيِ: الغافِلُ والمُسْتَبْصِرُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ أيْ: والمُحْسِنُ والسَّيِّئُ فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ لَهم حالٌ أُخْرى يَظْهَرُ فِيها ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ، وهي فِيما بَعْدَ البَعْثِ، وزِيادَةُ لا في المُسِيءِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِطُولِ الكَلامِ بِالصِّلَةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ مُساواتِهِ لِلْمُحْسِنِ فِيما لَهُ مِنَ الفَضْلِ والكَرامَةِ، والعاطِفُ الثّانِي عَطْفُ المَوْصُولِ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الأعْمى والبَصِيرِ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ في المَقْصُودِ، أوِ الدَّلالَةِ بِالصَّراحَةِ والتَّمْثِيلِ.
﴿قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ عَلى الخِطابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، (p-282)أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ، وقُرِئَ عَلى الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ لِلنّاسِ أوِ الكُفّارِ.
غافر 40:59
﴿إنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ: في مَجِيئِها لِوُضُوحِ شَواهِدِها، وإجْماعِ الرُّسُلِ عَلى الوَعْدِ بِوُقُوعِها ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يُصَدِّقُونَ بِها لِقُصُورِ أنْظارِهِمْ عَلى ظَواهِرِ ما يُحِسُّونَ بِهِ.
غافر 40:60
﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ أيِ: اعْبُدُونِي.
﴿أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أيِ: أنِبْكم لِقَوْلِهِ تَعالى.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ أيْ: صاغِرِينَ أذِلّاءَ وإنْ فُسِّرِ الدُّعاءُ بِالسُّؤالِ كانَ الأمْرُ الصّارِفُ عَنْهُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الِاسْتِكْبارِ عَنِ العِبادَةِ لِلْمُبالِغَةِ، أوِ المُرادُ بِالعِبادَةِ الدُّعاءُ فَإنَّهُ مِن أفْضَلِ أبْوابِها، وقُرِئَ: ( سَيُدْخَلُونَ ) عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإدْخالِ.
غافر 40:61
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ بِأنْ خَلَقَهُ بارِدًا مُظْلِمًا لِيُؤَدِّيَ إلى ضَعْفِ الحَرَكاتِ، وهُدْءِ الحَواسِّ لِتَسْتَرِيحُوا فِيهِ، وتَقَدُّمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ مِرارًا.
﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: مُبْصَرًا فِيهِ أوْ بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ عَظِيمٍ لا يُوازِيهِ، ولا يُدانِيهِ فَضْلٌ ﴿عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ لِجَهْلِهِمْ بِالمُنْعِمِ وإغْفالِهِمْ مَواضِعَ النِّعَمِ، وتَكْرِيرُ النّاسِ لِتَخْصِيصِ الكُفْرانِ بِهِمْ.
غافر 40:62
﴿ذَلِكُمُ﴾ المُتَفَرِّدُ بِالأفْعالِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ والربوبية ﴿اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ تُخَصِّصُ اللّاحِقَةُ مِنها السّابِقَةَ وتُقَرِّرُها، وقُرِئَ: ( خالِقَ ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ فَيَكُونُ لا إلَهَ إلّا هو اسْتِئْنافٌ بِما هو كالنَّتِيجَةِ لِلْأوْصافِ المَذْكُورَةِ.
﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ ؟ ومِن أيِّ وجْهٍ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ خاصَّةً إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ ؟
غافر 40:63
﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإفْكِ العَجِيبِ الَّذِي لا وجْهَ لَهُ ولا مُصَحِّحَ أصْلًا يُؤْفَكُ كُلُّ مَن جَحَدَ بِآياتِهِ تَعالى أيَّ آيَةٍ كانَتْ لا إفْكًا آخَرَ لَهُ وجْهٌ ومُصَحَّحٌ في الجُمْلَةِ.
غافر 40:64
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً﴾ بَيانٌ لِفَضْلِهِ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِالمَكانِ بَعْدَ بَيانِ فَضْلِهِ المُتَعَلِّقِ بِالزَّمانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ بَيانٌ لِفَضْلِهِ المُتَعَلِّقِ بِأنْفُسِهِمْ، و "الفاءُ" في "فَأحْسَنَ" تَفْسِيرِيَّةٌ، (p-283)فَإنَّ الإحْسانَ عَيْنُ التَّصْوِيرِ، أيْ: صَوَّرَكم أحْسَنَ تَصْوِيرٍ حَيْثُ خَلَقَكم مُنْتَصِبَ القامَةِ بادِيَ البَشَرَةِ مُتَناسِبَ الأعْضاءِ والتَّخْطِيطاتِ، مُتَهَيِّئًا لِمُزاوَلَةِ الصَّنائِعِ واكْتِسابِ الكَمالاتِ.
﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ: اللَّذائِذِ.
﴿ذَلِكُمُ﴾ الَّذِي نُعِتِ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ خَبَرانِ لِذَلِكم ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: تَعالى بِذاتِهِ ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ. والكُلُّ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ في ذاتِهِ ووُجُودِهِ، وسائِرِ أحْوالِهِ جَمِيعًا بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ فَيْضُهُ عَنْهُ آنًا لانْعَدَمَ بِالكُلِّيَّةِ.
غافر 40:65
﴿هُوَ الحَيُّ﴾ المُتَفَرِّدُ بِالحَياةِ الذّاتِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إذْ لا مَوْجُودَ يُدانِيهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ.
﴿فادْعُوهُ﴾ فاعْبُدُوهُ خاصَّةً لِاخْتِصاصِ ما يُوجِبُهُ بِهِ تَعالى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيِ: الطّاعَةَ مِنَ الشِّرْكِ الجَلِيِّ والخَفِيِّ.
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: قائِلِينَ ذَلِكَ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَلْيَقُلْ عَلى أثَرِها: الحُمَدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
غافر 40:66
﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي﴾ مِنَ الحُجَجِ والآياتِ أوْ مِنَ الآياتِ لِكَوْنِها مُؤَيِّدَةً لِأدِلَّةِ العَقْلِ مُنَبِّهَةً عَلَيْها فَإنَّ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ مُفَسِّراتٌ لِلْآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ.
﴿وَأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: بِأنْ أنْقادَ لَهُ وأُخْلِصَ لَهُ دِينِي.
غافر 40:67
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ حَسْبَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا.
﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ: ثُمَّ خَلَقَكم خَلْقًا تَفْصِيلِيًّا مِن نُطْفَةٍ، أيْ: مَنِيٍّ.
﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا﴾ أيْ: أطْفالًا. والإفْرادُ لِإرادَةِ الجِنْسِ، أوْ لِإرادَةِ كُلِّ واحِدٍ مِن أفْرادِهِ.
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِيُخْرِجَكم مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى لَهُ مُناسِبَةٍ لَها كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا لِتَكْبُرُوا شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا كَمالَكم في القُوَّةِ والعَقْلِ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى لِتَبْلُغُوا، وقُرِئَ: ( شَيْخًا ) كَقَوْلِهِ تَعالى: "طِفْلًا" ﴿وَمِنكم مَن يُتَوَفّى مَن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ الشَّيْخُوخَةِ بَعْدَ بُلُوغِ الأشَدِّ أوْ قَبْلَهُ أيْضًا.
﴿وَلِتَبْلُغُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ، أيْ: ولِتَبْلُغُوا ﴿أجَلا مُسَمًّى﴾ هو وقْتُ المَوْتِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ بِفِعْلِ ذَلِكَ.
﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ولِكَيْ تَعْقِلُوا ما في ذَلِكَ مِن فُنُونِ الحِكَمِ والعِبَرِ.
غافر 40:68
﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي﴾ الأمْواتَ ﴿وَيُمِيتُ﴾ الأحْياءَ أوِ الَّذِي يَفْعَلُ الإحْياءَ والإماتَةَ.
﴿فَإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ: أرادَ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أصْلًا، وهَذا تَمْثِيلٌ لِتَأْثِيرِ قدرته في المَقْدُوراتِ عِنْدَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِها، وتَصْوِيرٌ لِسُرْعَةِ (p-284)تَرَتُّبِ المُكَوِّناتِ عَلى تَكْوِينِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ أمْرٌ ومَأْمُورٌ، و "الفاءُ" الأُولى لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مِن نَتائِجِ ما قَبْلَها مِنِ اخْتِصاصِ الإحْياءِ والإماتَةِ بِهِ سُبْحانَهُ.
غافر 40:69
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن أحْوالِهِمُ الشَّنِيعَةِ وآرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ، وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن بَيانِ تَكْذِيبِهِمْ بِكُلِّ القرآن وبِسائِرِ الكُتُبِ والشَّرائِعِ، وتَرْتِيبُ الوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ كَما أنَّ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ . . . إلَخْ. بَيانٌ لِابْتِناءِ جِدالِهِمْ عَلى مَبْنًى فاسِدٍ لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ هو الأمْنِيَّةُ الفارِغَةُ فَلا تَكْرِيرَ فِيهِ، أيِ: انْظُرْ إلى هَؤُلاءِ المُكابِرِينَ المُجادِلِينَ في آياتِهِ تَعالى الواضِحَةِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِها الزّاجِرَةِ عَنِ الجِدالِ فِيها، كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْها مَعَ تَعاضُدِ الدَّواعِي إلى الإقْبالِ عَلَيْها وانْتِفاءِ الصَّوارِفِ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ ؟ وقَوْلُهُ تَعالى:
غافر 40:70
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ أيْ: بِكُلِّ القرآن أوْ بِجِنْسِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ. فَإنَّ تَكْذِيبَهُ تَكْذِيبٌ لَها في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ في حَيِّزِ النَّصْبِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ. وإنَّما وُصِلَ المَوْصُولُ الثّانِي بِالتَّكْذِيبِ دُونَ المُجادَلَةِ؛ لِأنَّ المُعْتادَ وُقُوعُ المُجادَلَةِ في بَعْضِ المَوادِّ لا في الكُلِّ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ كَما أنَّ صِيغَةِ المُضارِعِ في الصِّلَةِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ المُجادَلَةِ وتَكَرُّرِها.
﴿وَبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ، أوْ مُطْلَقِ الوَحْيِ والشَّرائِعِ.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ كُنْهَ ما فَعَلُوا مِنَ الجِدالِ والتَّكْذِيبِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِعُقُوباتِهِ.
غافر 40:71
﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ ظَرْفٌ لَيَعْلَمُونَ إذِ المَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، ولَفْظُ الماضِي لِتَيَقُّنِهِ.
﴿والسَّلاسِلُ﴾ عَطْفٌ عَلى الأغْلالِ، والجارُّ في نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ لِدَلالَةِ خَبَرُ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْحَبُونَ﴾ بِحَذْفِ العائِدِ، أيْ: يُسْحَبُونَ بِها. وهو عَلى الأوَّلِينَ حالٌ مِنَ المَسَّتِكُنِّ في الظَّرْفِ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ حالُهم بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: يُسْحَبُونَ ؟
غافر 40:72
﴿فِي الحَمِيمِ﴾ وقُرِئَ: ( والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ ) بِالنَّصْبِ وفَتْحِ الياءِ عَلى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ وعَطْفِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، و ( السَّلاسِلِ ) بِالجَرِّ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ في مَعْنى أعْناقِهِمْ في الأغْلالِ أوْ إضْمارًا لِلْباءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِهِ.
﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ أيْ: يُحْرَقُونَ مِن سَجْرِ التَّنُّورِ إذا مَلَأهُ بِالوَقُودِ، ومِنهُ السَّجِيرُ لِلصَّدِيقِ كَأنَّهُ سُجِرَ بِالحُبِّ، أيْ: مُلِئَ. والمُرادُ بَيانُ أنَّهم يُعَذَّبُونَ بِأنْواعِ العَذابِ، ويُنْقَلُونَ مِن بابٍ إلى بابٍ.
غافر 40:73
﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .
غافر 40:74
(p-285)﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمُ ويَقُولُونَ وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، ومَعْنى "ضَلُّوا عَنّا" غابُوا عَنّا، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَقَرْنَ بِهِمْ آلِهَتَهم أوْ ضاعُوا عَنّا فَلَمْ نَجِدْ ما كُنّا نَتَوَقَّعُ مِنهم.
﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ: بَلْ تَبَيَّنَ لَنا أنّا لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُ شَيْئًا بِعِبادَتِهِمْ لِما ظَهَرَ لَنا اليَوْمَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ كَقَوْلِكَ: حَسِبْتُهُ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الضَّلالِ الفَظِيعِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ حِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ، أوْ كَما ضَلَّ عَنْهم آلِهَتُهم يُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ حَتّى لَوْ تَطالَبُوا لَمْ يَتَصادَفُوا.
غافر 40:75
﴿ذَلِكُمْ﴾ الإضْلالُ ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: تَبْطُرُونَ وتَتَكَبَّرُونَ.
﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وهو الشِّرْكُ والطُّغْيانُ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تَتَوَسَّعُونَ في البَطَرِ والأشَرِ، والِالتِفاتُ لِلْمُبالَغَةِ في التَّوْبِيخِ.
غافر 40:76
﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: أبْوابَها السَّبْعَةَ المَقْسُومَةَ لَكم.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ مُقَدَّرًا خُلُودُكم فِيها.
﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ جَهَنَّمُ. والتَّعْبِيرُ عَنْ مَدْخَلِهِمْ بِـ "المَثْوى" لِكَوْنِ دُخُولِهِمْ بِطَرِيقِ الخُلُودِ.
غافر 40:77
﴿فاصْبِرْ﴾ إلى أنْ يُلاقُوا ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِتَعْذِيبِهِمْ ﴿حَقٌّ﴾ كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ أيْ: فَإنْ نُرِكَ. و "ما" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الشُّرْطِيَّةِ، ولِذَلِكَ لَحِقَتِ النُّونُ الفِعْلَ ولا تَلْحَقُهُ مَعَ إنْ وحْدَها.
﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ وهو القَتْلُ والأسْرُ.
﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، وهو جَوابُ "نَتَوَفَّيَنَّكَ"، وجَوابُ "نُرِيَنَّكَ" مَحْذُوفٌ. مِثْلُ فَذاكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَها بِمَعْنى إنْ نُعَذِّبْهم في حَياتِكَ، أوْ لَمْ نُعَذِّبْهم فَإنّا نُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ أشَدَّ العَذابِ وأفْظَعَهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الرُّجُوعِ في هَذا المَعْرَضِ.
غافر 40:78
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ مِنهم مِن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مِن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ إذْ قِيلَ: عَدَدُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِائَةٌ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، والمَذْكُورُ قِصَصُهم أفْرادٌ مَعْدُودَةٌ، وقِيلَ: أرْبَعَةُ آلافٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وأرْبَعَةُ آلافٍ مِن سائِرِ النّاسِ.
﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ﴾ أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِرَسُولٍ مِنهم.
﴿أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَإنَّ المُعْجِزاتِ عَلى تَشَعُّبِ فُنُونِها عَطايا مِنَ اللَّهِ تَعالى قَسَمَها بَيْنَهم حَسْبَما اقْتَضَتْهُ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ كَسائِرِ القَسَمِ لَيْسَ لَهُمُ اخْتِيارٌ في إيثارِ بَعْضِها والِاسْتِبْدادِ بِإتْيانِ المُقْتَرَحِ مِنها.
(p-286)﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ بِالعَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿قُضِيَ بِالحَقِّ﴾ بِإنْجاءِ المُحِقِّ وإثابَتِهِ، وإهْلاكِ المُبْطِلِ وتَعْذِيبِهِ.
﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ﴾ أيْ: وقْتَ مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ. اسْمُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ لِلزَّمانِ.
﴿المُبْطِلُونَ﴾ أيِ: المُتَمَسِّكُونَ بِالباطِلِ عَلى الإطْلاقِ فَيَدْخُلُ فِيهِمُ المُعانِدُونَ المُقْتَرِحُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
غافر 40:79
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾ قِيلَ: هي الإبِلُ خاصَّةً، أيْ: خَلَقَها لِأجْلِكم ومَصْلَحَتِكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ تَفْصِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ اللّامُ إجْمالًا، و "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، ومَعْناها ابْتِداءُ الرُّكُوبِ والأكْلِ مِنها، أيْ: تَعَلُّقُهُما بِها. وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: لِتَرْكَبُوا بَعْضَها، وتَأْكُلُوا بَعْضَها لا عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الرُّكُوبِ والأكْلِ مُخْتَصٌّ بِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنها بِحَيْثُ لا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الآخَرُ، بَلْ عَلى أنَّ كُلَّ بَعْضٍ مِنها صالِحٌ لِكُلٍّ مِنهُما، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ مَعَ الإشْعارِ بِأصالَةِ الرُّكُوبِ.
غافر 40:80
﴿وَلَكم فِيها مَنافِعُ﴾ أُخَرُ غَيْرُ الرُّكُوبِ والأكْلِ كَألْبانِها وأوْبارِها وجُلُودِها.
﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ بِحَمْلِ أثْقالِكم مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ﴿وَعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ لَعَلَّ المُرادَ بِهِ حَمْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ عَلَيْها بِالهَوْدَجِ، وهو السِّرُّ في فَصْلِهِ عَنِ الرُّكُوبِ والجَمْعِ بَيْنَها وبَيْنَ الفُلْكِ في الحَمْلِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ التّامَّةِ حَتّى سُمِّيَتْ سَفائِنَ البَرِّ. وقِيلَ: هي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ. فَمَعْنى الرُّكُوبِ والأكْلِ مِنها تَعَلُّقُهُما بِالكُلِّ لَكِنْ لا عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِكُلٍّ مِنها ولا عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُخْتَصٌّ بِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنها بِحَيْثُ لا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الآخَرُ، بَلْ عَلى أنَّ بَعْضَها يَتَعَلَّقُ بِهِ الأكْلُ فَقَطْ كالغَنَمِ، وبَعْضُها يَتَعَلَّقُ بِهِ كِلاهُما كالإبِلِ والبَقَرِ، والمَنافِعُ تَعُمُّ الكُلَّ وبُلُوغُ الحاجَةِ عَلَيْها يَعُمُّ البَقَرَ.
غافر 40:81
﴿وَيُرِيكم آياتِهِ﴾ دَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ قدرته ووُفُورِ رَحْمَتِهِ.
﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: فَأيَّ آيَةٍ مِن تِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ.
﴿تُنْكِرُونَ﴾ فَإنَّ كُلًّا مِنها مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَجْتَرِئُ عَلى إنْكارِها مَن لَهُ عَقْلٌ في الجُمْلَةِ، وهو ناصِبٌ لِـ "أيَّ" وإضافَةُ الآياتِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَهْوِيلِ إنْكارِها، وتَذْكِيرِ، أيْ: هو الشّائِعُ المُسْتَفِيضُ، والتَّأْنِيثُ قَلِيلٌ؛ لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ في الأسْماءِ غَيْرُ الصِّفاتِ، نَحْوُ حِمارٌ وحِمارَةٌ غَرِيبٌ، وهي في "أيَّ" أغْرَبُ لِإبْهامِهِ.
غافر 40:82
﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أيْ: أُقْعِدُوا فَلَمْ يَسِيرُوا.
﴿فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً﴾ . . . إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَبادِئِ أحْوالِهِمْ وعَواقِبِها، ﴿وَآثارًا في الأرْضِ﴾ باقِيَةً بَعْدَهم مِنَ الأبْنِيَةِ والقُصُورِ والمَصانِعِ، وقِيلَ: هي آثارُ أقْدامِهِمْ في الأرْضِ لِعِظَمِ إجْرامِهِمْ. (p-287)﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ "ما" الأُولى نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ "أغْنى"، والثّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ، أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ، أوْ أيَّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم مَكْسُوبُهم أوْ كَسْبُهم.
غافر 40:83
﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ أوْ بِالآياتِ الواضِحَةِ.
﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ: أظْهَرُوا الفَرَحَ بِذَلِكَ، وهو ما لَهم مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ والشُّبَهِ الدّاحِضَةِ، وتَسْمِيَتُها عِلْمًا لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ، أوْ عِلْمُ الطَّبائِعِ والتَّنْجِيمِ والصَّنائِعِ ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ هو عِلْمُ الأنْبِياءِ الَّذِي أظْهَرَهُ رُسُلُهم عَلى أنَّ مَعْنى فَرَحِهِمْ بِهِ ضَحِكُهم مِنهُ واسْتِهْزاؤُهم بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وقِيلَ: الفَرَحَ أيْضًا لِلرُّسُلِ فَإنَّهم لَمّا شاهَدُوا تُمادِيَ جَهْلِهِمْ وسُوءَ عاقِبَتِهِمْ فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ المُؤَدِّي إلى حُسْنِ العاقِبَةِ وشَكَرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، وحاقَ بِالكافِرِينَ جَزاءُ جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ.
غافر 40:84
﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ شِدَّةَ عَذابِنا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ .
﴿قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنُونَ الأصْنامَ.
غافر 40:85
﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ أيْ: عِنْدَ رُؤْيَةِ عَذابِنا لِامْتِناعِ قَبُولِهِ حِينَئِذٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: فَلَمْ يَكُ بِمَعْنى لَمْ يَصِحَّ ولَمْ يَسْتَقِمْ. و "الفاءُ" الأُولى بَيانُ عاقِبَةِ كَثْرَتِهِمْ وشَدَّةِ قُوَّتِهِمْ، وما كانُوا يَكْسِبُونَ بِذَلِكَ زَعْمًا مِنهم أنْ يُغْنِيَ عَنْهم فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ إلّا عَدَمُ الإغْناءِ فَبِهَذا الِاعْتِبارِ جَرى مَجْرى النَّتِيجَةِ، وإنْ كانَ عَكْسَ الغَرَضِ ونَقِيضَ المَطْلُوبِ كَما في قَوْلِكَ: وعِظَتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ. والثّانِيَةُ تَفْسِيرٌ وتَفْصِيلٌ لِما أُبْهِمَ وأُجْمِلَ مِن عَدَمِ الإغْناءِ، وقَدْ كَثُرَ في الكَلامِ مِثْلُ هَذِهِ الفاءِ ومَبْناها عَلى التَّفْسِيرِ بَعْدَ الإبْهامِ والتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ. والثّالِثَةُ لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ، وجَعَلَ ما بَعْدَها تابِعًا لِما قَبْلَها واقِعًا عَقِيبَهُ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ﴾ . . . إلَخْ. هو أنَّهم كَفَرُوا فَصارَ مَجْمُوعُ الكَلامِ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: فَكَفَرُوا ثُمَّ لَمّا رَأوْا بَأْسَنا آمَنُوا. والرّابِعَةُ لِلْعَطْفِ عَلى آمَنُوا كَأنَّهُ قِيلَ: فَآمَنُوا فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ؛ لِأنَّ النّافِعَ هو الإيمانُ الِاخْتِيارِيُّ.
﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ أيْ: سَنَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ سُنَّةً ماضِيَةً في العِبادِ، وهو مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ.
﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ أيْ: وقْتَ رُؤْيَتِهِمُ البَأْسَ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ قَدِ اسْتُعِيرَ لِلزَّمانِ كَما سَلَفَ آنِفًا.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ المُؤْمِنِ لَمْ يَبْقَ رُوحُ نَبِيٍّ ولا صِدِّيقٍ ولا شَهِيدٍ ولا مُؤْمِنٍ إلّا صَلّى عَلَيْهِ واسْتَغْفَرَ لَهُ» .
فصلت 41:1
(p-2)سُورَةُ فُصِّلَتْ مَكِّيَّةٌ وآياتُها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ آيَةً
﴿حم﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَهو إمّا خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وهو الأظْهَرُ لِما مَرَّ سِرُّهُ مِرارًا أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ وخَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أوْ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ تَنْزِيلٌ مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ خَبَرُهُ ﴿كِتابٌ﴾ وهو عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرٌ آخَرُ أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ. ونِسْبَةُ التَّنْزِيلِ إلى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مَدارٌ لِلْمَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ واقِعٌ بِمُقْتَضى الرَّحْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ .
﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ مُيِّزَتْ بِحَسَبِ النَّظْمِ والمَعْنى: وجُعِلَتْ تَفاصِيلَ في أسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ ومَعانٍ مُتَغايِرَةٍ مِن أحْكامٍ وقِصَصٍ ومَواعِظَ وأمْثالٍ ووَعْدٍ ووَعِيدٍ وقُرِئَ "فَصَلَتْ" أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ أوْ فُصِلَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الأسالِيبِ والمَعانِي مِن قَوْلِكَ: "فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا".
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ أوِ الحالِيَّةِ مِن "كِتابٌ" لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ أوْ من آياته.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مَعانِيَهُ لِكَوْنِهِ عَلى لِسانِهِمْ. وقِيلَ: لِأهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ أُخْرى لِـ"قُرْآنًا" أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ ...إلَخْ.
أوْ بِتَنْزِيلٍ عَلى أنَّ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ بِصِفَةٍ لَهُ أوْ بِفُصِّلَتْ.
فصلت 41:2
(p-2)سُورَةُ فُصِّلَتْ مَكِّيَّةٌ وآياتُها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ آيَةً
﴿حم﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَهو إمّا خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وهو الأظْهَرُ لِما مَرَّ سِرُّهُ مِرارًا أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ وخَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أوْ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ تَنْزِيلٌ مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ خَبَرُهُ ﴿كِتابٌ﴾ وهو عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرٌ آخَرُ أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ. ونِسْبَةُ التَّنْزِيلِ إلى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مَدارٌ لِلْمَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ واقِعٌ بِمُقْتَضى الرَّحْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ .
﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ مُيِّزَتْ بِحَسَبِ النَّظْمِ والمَعْنى: وجُعِلَتْ تَفاصِيلَ في أسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ ومَعانٍ مُتَغايِرَةٍ مِن أحْكامٍ وقِصَصٍ ومَواعِظَ وأمْثالٍ ووَعْدٍ ووَعِيدٍ وقُرِئَ "فَصَلَتْ" أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ أوْ فُصِلَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الأسالِيبِ والمَعانِي مِن قَوْلِكَ: "فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا".
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ أوِ الحالِيَّةِ مِن "كِتابٌ" لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ أوْ من آياته.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مَعانِيَهُ لِكَوْنِهِ عَلى لِسانِهِمْ. وقِيلَ: لِأهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ أُخْرى لِـ"قُرْآنًا" أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ ...إلَخْ.
أوْ بِتَنْزِيلٍ عَلى أنَّ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ بِصِفَةٍ لَهُ أوْ بِفُصِّلَتْ.
فصلت 41:3
(p-2)سُورَةُ فُصِّلَتْ مَكِّيَّةٌ وآياتُها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ آيَةً
﴿حم﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَهو إمّا خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وهو الأظْهَرُ لِما مَرَّ سِرُّهُ مِرارًا أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ وخَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أوْ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ تَنْزِيلٌ مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ خَبَرُهُ ﴿كِتابٌ﴾ وهو عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرٌ آخَرُ أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ. ونِسْبَةُ التَّنْزِيلِ إلى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مَدارٌ لِلْمَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ واقِعٌ بِمُقْتَضى الرَّحْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ .
﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ مُيِّزَتْ بِحَسَبِ النَّظْمِ والمَعْنى: وجُعِلَتْ تَفاصِيلَ في أسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ ومَعانٍ مُتَغايِرَةٍ مِن أحْكامٍ وقِصَصٍ ومَواعِظَ وأمْثالٍ ووَعْدٍ ووَعِيدٍ وقُرِئَ "فَصَلَتْ" أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ أوْ فُصِلَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الأسالِيبِ والمَعانِي مِن قَوْلِكَ: "فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا".
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ أوِ الحالِيَّةِ مِن "كِتابٌ" لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ أوْ من آياته.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مَعانِيَهُ لِكَوْنِهِ عَلى لِسانِهِمْ. وقِيلَ: لِأهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ أُخْرى لِـ"قُرْآنًا" أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ ...إلَخْ.
أوْ بِتَنْزِيلٍ عَلى أنَّ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ بِصِفَةٍ لَهُ أوْ بِفُصِّلَتْ.
فصلت 41:4
﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ صِفَتانِ أُخْرَيانِ لِـ"قُرْآنًا" أيْ: بَشِيرًا لِأهْلِ الطّاعَةِ ونَذِيرًا لِأهْلِ المَعْصِيَةِ، أوْ حالانِ مِن "كِتابٌ" أوْ مِن "آياتِهِ" وقُرِئا بِالرَّفْعِ عَلى الوَصْفِيَّةِ لِـ"كِتابٌ" أوِ الخَبَرِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ.
﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ عَنْ تَدَبُّرِهِ مَعَ كَوْنِهِ عَلى لُغَتِهِمْ.
﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ تَفَكُّرٍ وتَأمُّلٍ حَتّى يَفْهَمُوا إجَلالَةَ قَدْرِهِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ.
فصلت 41:5
﴿وَقالُوا﴾ (p-3)أيْ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ دَعْوَتِهِ إيّاهم إلى الإيمانِ والعَمَلِ بِما في القرآن.
﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: أغْطِيَةٍ.
﴿مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمُ الثِّقْلِ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ وقُرِئَ بِفَتْحِ القافِ.
﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ غَلِيظٌ يَمْنَعُنا عَنِ التَّواصُلِ و"مِن" لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحِجابَ مُبْتَدَأٌ مِنَ الجانِبَيْنِ بِحَيْثُ اسْتَوْعَبَ ما بَيْنَهُما مِنَ المَسافَةِ المُتَوَسِّطَةِ ولَمْ يَبْقَ ثَمَّةَ فَراغٌ أصْلًا وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنِ إدْراكِ الحَقِّ وقَبُولِهِ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ كَأنَّ بِها صَمَمًا وامْتِناعَ مُواصَلَتِهِمْ ومُوافَقَتِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ.
﴿فاعْمَلْ﴾ أيْ: عَلى دِينِكَ وقِيلَ: في إبْطالِ أمْرِنا.
﴿إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيْ: عَلى دِينِنا، وقِيلَ: في إبْطالِ أمْرِكَ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ،
فصلت 41:6
فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ تَلْقِينٌ لِلْجَوابِ عَنْهُ أيْ: لَسْتُ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى يَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَكم حِجابٌ وتَبايُنٌ مُصَحِّحٌ لِتَبايُنِ الأعْمالِ والأدْيانِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُكُمْ: فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ، بَلْ إنَّما مِثْلُكم مَأْمُورٌ بِما أُمِرْتُمْ بِهِ حَيْثُ أُخْبِرْنا جَمِيعًا بِالتَّوْحِيدِ بِخِطابٍ جامِعٍ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، فَإنَّ الخِطابَ في إلَهِكم مَحْكِيٌّ مُنْتَظِمٌ لِلْكُلِّ لا أنَّهُ خِطابٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْكَفَرَةِ كَما في مَثَلِكم. وقِيلَ: المَعْنى: لَسْتُ مَلَكًا ولا جِنِّيًا لا يُمْكِنُكُمُ التَّلَقِّي مِنهُ ولا أدْعُوكم إلى ما تَنْبُو عَنْهُ العُقُولُ والأسْماعُ وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ في العَمَلِ، وقَدْ تَدُلُّ عَلَيْهِما دَلائِلُ العَقْلِ وشَواهِدُ النَّقْلِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم فَصَحَّتْ بِالوَحْيِ إلَيَّ وأنا بَشَرٌ نُبُوَّتِي وإذا صَحَّتْ نَبُّوتِي وجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي فَتَأمَّلْ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن إحْياءِ الوَحْدانِيَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِاسْتِقامَتِهِمْ إلَيْهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ في الأعْمالِ.
﴿واسْتَغْفِرُوهُ﴾ مِمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِن سُوءِ العَقِيدَةِ والعَمَلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ تَرْهِيبٌ وتَنْفِيرٌ لَهم عَنِ الشِّرْكِ إثْرَ تَرْغِيبِهِمْ في التَّوْحِيدِ.
فصلت 41:7
وَوَصَفَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ لِزِيادَةِ التَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ عَنْ مَنعِ الزَّكاةِ حَيْثُ جُعِلَ مِن أوْصافِ المُشْرِكِينَ وقُرِنَ بِالكُفْرِ بِالآخِرَةِ حَيْثُ قِيلَ ﴿وَهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى "لا يُؤْتُونَ" داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، واخْتِلافُهُما بِالفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ لِما أنَّ عَدَمَ إيتائِها مُتَجَدِّدٌ والكُفْرُ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ فَسَّرَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ بِقَوْلِهِ: لا يَقُولُونَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ والمَعْنى: لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ بِالتَّوْحِيدِ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ . وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يُنْفِقُونَ في الطّاعاتِ ولا يَتَصَدَّقُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُزَكُّونَ أعْمالَهم.
فصلت 41:8
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: (p-4)لا يُمَنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَنِّ وأصْلُهُ الثِّقْلُ أوْ لا يُقْطَعُ مِن مَنَنْتُ الحَبْلَ قَطَعْتُهُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المَرْضى والهَرْمى إذا عَجَزُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهُمُ الأجْرُ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ.
فصلت 41:9
﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ﴾ إنْكارٌ وتَشْنِيعٌ لِكُفْرِهِمْ و"إنَّ واللّامَ " إمّا لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ، وتَقْدِيمُ الهَمْزَةِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُفْرَهم مِنَ البُعْدِ بِحَيْثُ يُنْكِرُ العُقَلاءُ وُقُوعَهُ فَيَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ وإنَّما عَلَّقَ كُفْرَهم بِالمَوْصُولِ حَيْثُ قِيلَ ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ تَعالى واسْتِعْظامِ كُفْرِهِمْ بِهِ أيْ: بِالعَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي قَدَّرَ وُجُودَها أيْ: حَكَمَ بِأنَّها سَتُوجَدُ في مِقْدارِ يَوْمَيْنِ أوْ في نَوْبَتَيْنِ عَلى أنَّ ما يُوجَدُ في كُلِّ نَوْبَةٍ يُوجَدُ بِأسْرَعَ ما يَكُونُ وإلّا فاليَوْمُ الحَقِيقِيُّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِها وتَسْوِيَةِ السَّمَواتِ وإبْداعِ نَيِّراتِها وتَرْتِيبِ حَرَكاتِها.
﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ عَطْفٌ عَلى "تَكْفُرُونَ" داخِلٌ في حُكْمِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، وجَمَعَ الأنْدادَ بِاعْتِبارِ ما هو الواقِعُ لا بِأنْ يَكُونَ مَدارُ الإنْكارِ هو التَّعَدُّدُ أيْ: وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا والحالُ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ واحِدٌ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في العَظَمَةِ، وإفْرادُ الكافِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ المُرادَ لَيْسَ تَعْيِينَ المُخاطَبِينَ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ: ذَلِكَ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ.
﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ: خالِقُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ ومُرَبِّيها دُونَ الأرْضِ خاصَّةً فَكَيْفَ يُتَصَّوَرُ أنْ يَكُونَ أخَسُّ مَخْلُوقاتِهِ نِدًّا لَهُ؟
فصلت 41:10
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ عَطْفٌ عَلى "خَلَقَ" داخِلٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ والجَعْلُ إبْداعِيٌّ وحَدِيثُ لُزُومِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِجُمْلَتَيْنِ خارِجِيَّتَيْنِ عَنْ حَيِّزِ الصِّلَةِ مَدْفُوعٌ بِأنَّ الأُولى مُتَّحِدَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكْفُرُونَ﴾ فَهو بِمَنزِلَةِ الإعادَةِ لَهُ والثّانِيَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الكَلامِ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، فالفَصْلُ بِهِما كَلا فَصْلٍ عَلى أنَّ فِيهِ فائِدَةَ التَّنَبِّيِهِ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ كافٍ في تَحَقُّقٍ رُبُوبِيَّتِهِ لِلْعالَمِينَ واسْتِحالَةِ أنْ يُجْعَلَ لَهُ نِدٌّ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلَيْهِ المَعْطُوفاتُ. وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: خَلَقَها وجَعَلَ ...إلَخْ وقِيلَ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وأيًّا ما كانَ؛ فالمُرادُ تَقْدِيرُ الجَعْلِ لا الجَعْلُ بِالفِعْلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"جَعَلَ" أوْ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِـ"رَواسِيَ" أيْ: كائِنَةً مِن فَوْقِها مُرْتَفِعَةً عَلَيْها لِتَكُونَ مَنافِعُها مُعَرَّضَةً لِأهْلِها ويَظْهَرَ لِلنُّظّارِ ما فِيها مِن مَراصِدِ الِاعْتِبارِ ومَطارِحِ الأفْكارِ.
﴿وَبارَكَ فِيها﴾ أيْ: قَدَّرَ أنْ يَكْثُرَ خَيْرُها بِأنْ يَخْلُقَ أنْواعَ الحَيَواناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْسانُ وأصْنافُ النَّباتِ الَّتِي مِنها مَعايِشُهم.
﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ أيْ: حَكَمَ بِالفِعْلِ بِأنْ يُوجَدَ فِيما سَيَأْتِي لِأهْلِها مِنَ الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ أقْواتُها المُناسِبَةُ لَها عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وقُرِئَ "وَقَسَّمَ فِيها أقْواتَها". (p-5)﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحُصُولِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ لا بِتَقْدِيرِها أيْ: قَدَّرَ حُصُولَها في يَوْمَيْنِ وإنَّما قِيلَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ أيْ: تَتِمَّةِ أرْبَعَةٍ تَصْرِيحًا بِالفَذْلَكَةِ.
﴿سَواءً﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِـ"أيّامٍ" أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً أيِ: اسْتِواءً كَما يُنْبِئُ عَنْهُ القِراءَةُ بِالجَرِّ. وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "أقْواتِها" أوْ في "فِيها"، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ: هِي سَواءٌ.
﴿لِلسّائِلِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ عَنْ مُدَّةِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها أوْ بِقَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ السّائِلِينَ أيِ: الطّالِبِينَ لَها المُحْتاجِينَ إلَيْها مِنَ المُقْتاتِينَ.
فصلت 41:11
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّكْوِينِ إثْرَ بَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّقْدِيرِ ولَعَلَّ تَخْصِيصَ البَيانِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالأرْضِ وأهْلِها لِما أنَّ بَيانَ اعْتِنائِهِ تَعالى بِأمْرِ المُخاطَبِينَ وتَرْتِيبِ مَبادِي مَعايِشِهِمْ قَبْلَ خَلْقِهِمْ مِمّا يَحْمِلُهم عَلى الإيمانِ ويَزْجُرُهم عَنِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ أيْ: ثُمَّ قَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا لا يَلْوِي عَلى غَيْرِهِ.
﴿وَهِيَ دُخانٌ﴾ أيْ: أمْرٌ ظَلْمانِيٌّ عَبَّرَ بِهِ عَنْ مادَّتِها أوْ عَنِ الأجْزاءِ المُتَصَغِّرَةِ الَّتِي رُكِّبَتْ هي مِنها أوْ دُخانٌ مُرْتَفِعٌ مِنَ الماءِ كَما سَيَأْتِي وإنَّما خَصَّ الِاسْتِواءَ بِالسَّماءِ مَعَ أنَّ الخِطابَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِما مَعًا حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ﴾ اكْتِفاءً بِذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها كَأنَّهُ قِيلَ: فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ الَّتِي قُدِّرَ وُجُودُها ووُجُودُ ما فِيها.
﴿ائْتِيا﴾ أيْ: كُونا واحْدُثا عَلى وجْهٍ مُعَيَّنٍ وفي وقْتٍ مُقَدَّرٍ لِكُلٍّ مِنكُما، وهو عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِوُجُودِهِما تَعَلُّقًا فِعْلِيًّا بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ بَعْدَ تَقْدِيرِ أمْرِهِما مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ أمْرٌ ومَأْمُورٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ تَمْثِيلٌ لِتَحَتُّمِ تَأْثِيرِ قدرته تعالى فِيهِما واسْتِحالَةِ امْتِناعِهِما مِن ذَلِكَ لا إثْباتُ الطَّوْعِ والكَرْهِ لَهُما وهُما مَصْدَرانِ وقَعا مَوْقِعَ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ كارِهَتَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: مُنْقادِينَ تَمْثِيلٌ لِكَمالِ تَأثُّرِهِما بِالذّاتِ عَنِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ وحُصُولِهِما كَما أُمِرَتا بِهِ وتَصْوِيرٌ لِكَوْنِ وجُودِهِما كَما هُما عَلَيْهِ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ البالِغَةِ، فَإنَّ الطَّوْعَ مُنْبِئٌ عَنْ ذَلِكَ، والكَرْهَ مُوهِمٌ لِخِلافِهِ، وإنَّما قِيلَ طائِعِينَ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِما في مَعْرِضِ الخِطابِ والجَوابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ساجِدِينَ﴾ .
فصلت 41:12
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ تَفْسِيرٌ وتَفْصِيلٌ لِتَكْوِينِ السَّماءِ المُجْمَلِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالأمْرِ وجَوابِهِ لا أنَّهُ فِعْلٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى تَكْوِينِها أيْ: خَلَقَهُنَّ خَلْقًا إبْداعِيًّا وأتْقَنَ أمْرَهُنَّ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والضَّمِيرُ إمّا لِلسَّماءِ عَلى المَعْنى أوْ مُبْهَمٌ و"سَبْعَ سَمَواتٍ" حالٌ عَلى الأوَّلِ تَمْيِيزٌ عَلى الثّانِي.
﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ في وقْتٍ مُقَدَّرٍ بِيَوْمَيْنِ وقَدْ بَيَّنَ مِقْدارَ زَمانِ خَلْقِ الأرْضِ وخَلْقِ ما فِيها عِنْدَ بَيانِ تَقْدِيرِهِما فَكانَ خَلْقُ الكُلِّ في سِتَّةِ أيّامٍ حَسَبَما نَصَّ عَلَيْهِ في مَواقِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ.
﴿وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضّاهُنَّ أيْ: خَلَقَ في كُلٍّ مِنها ما في المَلائِكَةِ (p-6)والنَّيِّراتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى كَما قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّي فالوَحْيُ عِبارَةٌ عَنِ التَّكْوِينِ كالأمْرِ مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ مِنَ الوَقْتِ أوْ أوْحى إلى أهْلِ كُلٍّ مِنها أوامِرَهُ وكَلَّفَهم ما يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ التَّكالِيفِ فَهو بِمَعْناهُ، ومُطْلَقٌ عَنِ القَيْدِ المَذْكُورِ وأيًّا ما كانَ؛ فَعَلى ما قُرِّرَ مِنَ التَّفْصِيلِ لا دَلالَةَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى التَّرْتِيبِ بَيْنَ إيجادِ الأرْضِ وإيجادِ السَّماءِ وإنَّما التَّرْتِيبُ بَيْنَ التَّقْدِيرِ والإيجادِ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخَلْقِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ عَلى مَعانِيها الظّاهِرَةِ فَهي وما في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ تَدُلّانِ عَلى تَقَدُّمِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها عَلى خَلْقِ السَّماءِ وما فِيها وعَلَيْهِ إطْباقُ أكْثَرِ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ العَرْشَ العَظِيمَ كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ عَلى الماءِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أحْدَثَ في الماءِ اضْطِرابًا فَأزْبَدَ فارْتَفَعَ مِنهُ دُخانٌ فَأمّا الزَّبَدُ فَبَقِيَ عَلى وجْهِ الماءِ فَخَلَقَ فِيهِ اليُبُوسَةَ فَجَعَلَهُ أرْضًا واحِدَةً ثُمَّ فَتَقَها فَجَعَلَها أرَضِينَ، وأمّا الدُّخانُ فارْتَفَعَ وعَلا فَخَلَقَ مِنهُ السَّمَواتِ. ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جِرْمَ الأرْضِ يَوْمَ الأحَدِ ويَوْمَ الِاثْنَيْنِ ودَحاها وخَلَقَ ما فِيها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّمَواتِ وما فِيهِنَّ يَوْمَ الخَمِيسِ ويَوْمَ الجُمْعَةِ وخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في آخِرِ ساعَةٍ مِنهُ وهي السّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ. وقِيلَ: إنَّ خَلْقَ جِرْمِ الأرْضِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ السَّمَواتِ لَكِنْ دَحْوُها وخَلْقُ ما فِيها مُؤَخَّرٌ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ولِما رُوِي عَنِ الحَسَن ِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ عَلَيْهِ دُخانٌ مُلْتَزِقٌ بِها ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَّمَواتِ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها وبَسَطَ مِنها الأرْضَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ الآيَةُ. ولَيْسَ المُرادُ بِنَظْمِها مَعَ السَّماءِ في سِلْكِ الأمْرِ بِالإتْيانِ إنْشاءَها وإحْداثَها بَلْ إنْشاءُ دَحْوِها وجَعْلُها عَلى وجْهٍ خاصٍّ يَلِيقُ بِها مِن شَكْلٍ مُعَيَّنٍ ووَصْفٍ مَخْصُوصٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ائْتِيا عَلى ما يَنْبَغِي أنْ تَأْتِيا عَلَيْهِ ائْتِي يا أرْضُ مَدْحُوَّةً قَرارًا ومِهادًا لِأهْلِكِ وائْتِي يا سَماءُ مُقْبِيَةً سَقْفًا لَهُمْ، ومَعْنى الإتْيانِ: الحُصُولُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ كَما تُنْبِئُ عَنْهُ قِراءَةُ "آتِيا" و"آتَيْنا" مِنَ المُواتاةِ وهي المُوافَقَةُ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ المَذْكُورَ قَبْلَ الأمْرِ بِالإتْيانِ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَلْقِ جِرْمِ الأرْضِ حَتّى يَتَأتّى ما ذَكَرَ بَلْ خَلْقُ ما فِيها أيْضًا مِنَ الأُمُورِ المُتَأخِّرَةِ عَنْ دَحْوِها قَطْعًا فالأظْهَرُ أنْ يُسَلَكَ مَسْلَكَ الأوَّلِينَ ويُحَمَلَ الأمْرُ بِالإتْيانِ عَلى تَكْوِينِهِما مُتَوافِقَتَيْنِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ دَحْوُها مُتَرَتِّبًا عَلى ذَلِكَ التَّكْوِينِ وإنَّما اللّازِمُ تَرَتُّبُ حُصُولِ التَّوافُقِ عَلَيْهِ ولا رَيْبَ في أنَّ تَكْوِينَ السَّماءِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِها كافٍ في حُصُولِهِ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ تَكْوِينُ الأرْضِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ قَبْلَ ذَلِكَ وأنْ يَجْعَلَ الأرْضَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ مَنصُوبًا بِمُضْمَرٍ قَدْ حُذِفَ عَلى شَرْطِيَّةِ التَّفْسِيرِ ويَجْعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ذِكْرِ ما ذُكِرَ مِن بِناءِ السَّماءِ ورَفْعِ سَمْكِها وتَسْوِيَتِها وغَيْرَها لا إلى أنْفُسِها وتُحْمَلُ البَعْدِيَّةُ إمّا عَلى أنَّهُ قاصِرٌ عَنِ الأوَّلِ في الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ القاهِرَةِ كَما قِيلَ، وإمّا عَلى أنَّهُ أدْخَلُ في الإلْزامِ لِما أنَّ المَنافِعَ المَنُوطَةَ بِما في الأرْضِ أكْثَرُ، وتَعَلُّقَ مَصالِحِ النّاسِ بِذَلِكَ أظْهَرُ،وَإحاطَتَهم بِتَفاصِيلِها أكْمَلُ، ولَيْسَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَن ِ (p-7)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصًّا في تَأخُّرِ دَحْوِ الأرْضِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ فَإنَّ بَسْطَ الأرْضِ مَعْطُوفٌ عَلى إصْعادِ الدُّخانِ وخَلْقِ السَّماءِ بِالواوِ فَلا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى التَّرْتِيبِ قَطْعًا، وقَدْ نَقَلَ الإمامُ الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ الأرْضِ فَضْلًا عَنْ دَحْوِها فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ الأمْرِ بِإتْيانِهِما حِينَئِذٍ أيْضًا عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّوافُقِ والمُواتاةِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ تَقَدُّمُ خَلْقِ السَّماءِ عَلى خَلْقِ الأرْضِ كَما لَمْ يَقْدَحْ فِيهِ تَقَدُّمُ خَلْقِ الأرْضِ عَلى خَلْقِ السَّماءِ هَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ كَلِمَةِ "ثُمَّ" لِلْتَراخِي الزَّمانِيِّ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَما جَنَحَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى التَّرْتِيبِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ وعَلى ذَلِكَ بُنِيَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيَةُ، وإنَّما لَمْ يُحْمَلِ الخَلْقُ هُناكَ عَلى مَعْنى التَّقْدِيرِ كَما حُمِلَ عَلَيْهِ هُنا لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ.
﴿وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ مِنَ الكَواكِبِ فَإنَّها كُلَّها تُرى مُتَلَأْلِئَةً عَلَيْها كَأنَّها فِيها، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإبْرازِ مَزِيدِ العِنايَةِ بِالأمْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحِفْظًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى "زَيَّنّا" أيْ: وحَفِظْناها مِنَ الآفاتِ أوْ مِنَ المُسْتَرِقَةِ حِفْظًا. وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ بِتَفاصِيلِهِ.
﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ المُبالِغِ في القُدْرَةِ والعِلْمِ.
فصلت 41:13
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أإنَّكُمْ﴾ ...إلَخْ أيْ: فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ فِيما ذُكِرَ مِن عَظائِمَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ أوْ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم.
﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: أُنْذِرُكُمْ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الإنْذارِ المُنْبِئِ عَنْ تَحَقُّقِ المُنْذَرِ بِهِ.
﴿صاعِقَةً﴾ أيْ: عَذابًا هائِلًا شَدِيدَ الوَقْعِ كَأنَّهُ صاعِقَةٌ.
﴿مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ وقُرِئَ "صَعْقَةً" مِثْلَ صَعْقَةِ عادٍ وثَمُودٍ وهي المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ أوِ الصَّعَقِ يُقالُ: صَعَقَتْهُ الصّاعِقَةُ صَعْقًا فَصَعِقَ صَعْقًا وهو مِن بابِ فَعَلْتُهُ فَفُعِلَ
فصلت 41:14
﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ حالٌ مِن ﴿صاعِقَةِ عادٍ﴾ ولا سَدادَ لِجَعْلِهِ ظَرْفًا لـِ"أنْذَرْتُكُمْ" أوْ صِفَةً لِـ"صاعِقَةً" لِفَسادٍ المَعْنى، وأمّا جَعْلُهُ صِفَةً لِصاعِقَةِ عادٍ أيِ: الكائِنَةُ إذْ جاءَتْهم فَفِيهِ حَذْفُ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ.
﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"جاءَتْهُمْ" أيْ: مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ واجْتَهَدُوا بِهِمْ مِن كُلِ جِهَةٍ أوْ مِن جِهَةِ الزَّمانِ الماضِي بِالإنْذارِ عَمّا جَرى فِيهِ عَلى الكُفّارِ ومِن جِهَةِ المُسْتَقْبَلِ بِالتَّحْذِيرِ عَمّا سَيَحِيقُ بِهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ. وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى الحَقِّ مَنزِلَةَ مَجِيءِ أنْفُسِهِمْ فَإنَّ هُودًا وصالِحًا كانا داعِيَيْنِ لَهم إلى الإيمانِ بِهِما وبِجَمِيعِ الرُّسُلِ مِمَّنْ جاءَ مِن بَيْنِ أيْدِيِهِمْ أيْ: مِن قَبْلِهِمْ ومِمَّنْ يَجِيءُ مِن خَلْفِهِمْ أيْ: مِن بَعْدِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ أوْ أيْ: لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ.
﴿قالُوا: لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيْ: (p-8)إرْسالَ الرُّسُلِ لا إنْزالَ المَلائِكَةِ كَما قِيلَ، فَإنَّهُ عارٍ عَنْ إفادَةِ ما أرادُوهُ مِن نَفْيِ رِسالَةِ البَشَرِ وقَدْ مَرَّ فِيما سَلَفَ.
﴿لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم لَكِنْ لَمّا كانَ إرْسالُهم بِطَرِيقِ الإنْزالِ قِيلَ لَأنْزَلَ.
﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكُمْ، وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ.
﴿كافِرُونَ﴾ لِما أنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا مِن غَيْرِ فَضْلٍ لَكم عَلَيْنا. رُوِيَ «أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ في مَلَأٍ مِن قُرَيْش قَدِ التَبَسَ عَلَيْنا أمْرُ مُحَمَّدٍ فَلَوِ التَمَسْتُمْ لَنا رَجُلًا عالِمًا بِالشِّعْرِ والكِهانَةِ والسحر فَكَلَّمَهُ ثُمَّ أتانا بِبَيانٍ مِن أمْرِهِ فَقالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ والكِهانَةَ والسحر وعَلِمْتُ مِن ذَلِكَ عِلْمًا وما يَخْفِي عَلَيَّ فَأتاهُ فَقالَ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ خَيْرٌ أمْ هاشِمٌ ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ؟ فَبِمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنا وتُضَلِّلُنا فَإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الرِّياسَةَ عَقَدْنا لَكَ اللِّواءَ فَكُنْتَ رَئِيسًا، وإنْ تَكُ بِكَ الباءَةُ زَوَّجْناكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ تَخْتارُهُنَّ أيَّ بَناتِ قُرَيْش شِئْتَ وإنْ كانَ بِكَ المالُ جَمَعْنا لَكَ ما تَسْتَغْنِي، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ ساكِتٌ فَلَمّا فَرَغَ عُتْبَةُ قالَ ﷺ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ " فَأمْسَكَ عُتْبَةُ عَلى فِيهِ ﷺ وناشَدَهُ بِالرَّحِمِ ورَجَعَ إلى أهْلِهِ ولَمْ يُخْرَجْ إلى قُرَيْش فَلَمّا احْتَبَسَ عَنْهم قالُوا: ما نَرى عُتْبَةَ إلّا قَدْ صَبَأ فانْطَلَقُوا إلَيْهِ وقالُوا: يا عُتْبَةُ ما حَبَسَكَ عَنّا إلّا أنَّكَ قَدْ صَبَأْتَ فَغَضِبَ ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فَأجابَنِي بِشَيْءٍ واللَّهِ ما هو بِشِعْرٍ ولا كِهانَةٍ ولا سِحْرٍ ولَمّا بَلَغَ ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾ أمْسَكْتُ بِفِيِهِ وناشَدْتُهُ بِالرَّحِمِ أنْ يَكُفَّ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا إذا قالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ فَخِفْتُ أنْ يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ.»
فصلت 41:15
﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما يُخَصُّ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ الجِنايَةِ والعَذابِ إثْرَ حِكايَةِ ما يَعُمُّ الكُلَّ مِنَ الكُفْرِ المُطْلَقِ أيْ: فَتَعَظَّمُوا فِيها عَلى أهْلِها أوِ اسْتَعْلَوْا فِيها واسْتَوْلَوْا عَلى أهْلِها.
﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِلتَّعَظُّمِ والوِلايَةِ.
﴿وَقالُوا﴾ مُدِلِّينَ بِشِدَّتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ.
﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ حَيْثُ كانُوا ذَوِي أجْسامٍ طِوالٍ وخَلْقٍ عَظِيمٍ وقَدْ بَلَغَ مِن قُوَّتِهِمْ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَنْزِعُ الصَّخْرَةَ مِن جَبَلٍ فَيَقْتَلِعُها بِيَدِهِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: أغَفُلُوا أوْ ألَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا جَلِيًّا شَبِيهًا بِالمُشاهَدَةِ والعِيانِ.
﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ أيْ: قُدْرَةً، فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ بِالذّاتِ مُقْتَدِرٌ عَلى ما لا يَتَناهى قَوِيٌّ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مُفِيضٌ لِلْقُوى والقُدَرِ عَلى كُلِّ قَوِيٍّ وقادِرٍ، وإنَّما أوْرَدَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ خَلْقَهم دُونَ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ لِادِّعائِهِمُ الشِّدَّةَ في القُوَّةِ وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ.
﴿وَكانُوا بِآياتِنا﴾ المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ.
﴿يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: يُنْكِرُونَها وهم يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَها وهو عَطْفٌ عَلى "فاسْتَكْبَرُوا" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِلرَّدِّ عَلى كَلِمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ.
فصلت 41:16
﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أيْ: بارِدَةً تُهْلِكُ وتَحْرِقُ بِشِدَّةِ (p-9)بَرْدِها مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ الَّذِي يَصِرُّ أيْ: يَجْمَعُ ويَقْبِضُ أوْ عاصِفَةً في هُبُوبِها مِنَ الصَّرِيرِ.
﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ جَمْعُ نَحِسَةٍ مِن نَحِسَ نَحْسًا نَقِيضُ سَعِدَ سَعْدًا، وقُرِئَ بِالسُّكُونِ عَلى التَّخْفِيفِ أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ عَلى فَعْلٍ أوْ وصْفٌ بِمَصْدَرٍ مُبالَغَةً، قِيلَ: كُنَّ آخِرَ شَوّالٍ مِنَ الأرْبِعاءِ إلى الأرْبِعاءِ وما عُذِّبَ قَوْمٌ إلّا في يَوْمِ الأرْبِعاءِ.
﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وقُرِئَ "لِتُذِيقَهُمُ" عَلى إسْنادِ الإذاقَةِ إلى الرِّيحِ أوْ إلى الأيّامِ وأُضِيفَ العَذابُ إلى الخِزْيِ الَّذِي هو الذُّلُّ والِاسْتِكانَةُ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لَهُ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ لِلْمُعَذَّبِ وقَدْ وُصِفَ بِهِ العَذابُ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿وَهم لا يُنْصَرُونَ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
فصلت 41:17
﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ فَدَلَلْناهم عَلى الحَقِّ بِنَصْبِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ وإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الآياتِ التَّشْرِيعِيَّةِ وأزَحْنا عِلَلَهم بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ مَعْنى الهُدى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقُرِئَ "ثَمُودَ" بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ ومُنَوَّنًا في الحالَيْنِ وبِضَمِ الثّاءِ.
﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ: اخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهِدايَةِ.
﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ داهِيَةُ العَذابِ وقارِعَةُ العَذابِ، والهُونُ: الهَوانُ وُصِفَ بِهِ العَذابُ مُبالَغَةً أوْ أُبْدِلَ مِنهُ.
﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنِ اخْتِيارِ الضَّلالَةِ.
فصلت 41:18
﴿وَنَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ مِن تِلْكَ الصّاعِقَةِ.
فصلت 41:19
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ عُقُوباتِهِمُ الآجِلَةِ إثْرَ بَيانِ عُقُوباتِهِمُ العاجِلَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِأعْداءِ اللَّهِ تَعالى لِذَمِّهِمْ والإيذانِ بِعِلَّةِ ما يَحِيقُ بِهِمْ مِن ألْوانِ العَذابِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ: الكُفّارُ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ويَرُدُّهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ وقُرِئَ "يَحْشُرُ" عَلى بِناءِ الفاعِلِ ونَصْبِ "أعْداءَ اللَّهِ"، وبِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الشِّينِ وكَسْرِها.
﴿إلى النّارِ﴾ أيْ: إلى مَوْقِفِ الحِسابِ إذْ هُناكَ تَتَحَقَّقُ الشَّهادَةُ الآتِيَةُ لا بِعَدَمِ تَمامِ السُّؤالِ والجَوابِ، وسَوْقُهم إلى النّارِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنّارِ إمّا لِلْإيذانِ بِأنَّها عاقِبَةُ حَشْرِهِمْ عَلى شَرَفِ دُخُولِها وإمّا لِأنَّ حِسابَهم يَكُونُ عَلى شَفِيرِها و"يَوْمَ" إمّا مَنصُوبٌ بِـ"اذْكُرْ" أوْ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ حُذِفَ إيهامًا لِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ تَفْصِيلِهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ . وقِيلَ: ظَرْفٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَثْرَتِهِمْ وقِيلَ: يُساقُونَ ويُدْفَعُونَ إلى النّارِ
فصلت 41:20
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى (p-10)إذا ما جاءُوها﴾ أيْ: جَمِيعًا غايَةً لِيُحْشَرُ أوْ لَيُوزَعُونَ أيْ: حَتّى إذا حَضَرُوها و"ما" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ الشَّهادَةِ بِالحُضُورِ.
﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فى الدُّنْيا مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِأنْ يُنْطِقَها اللَّهُ تَعالى أوْ يُظْهِرَ عَلَيْها آثارَ ما اقْتَرَفُوهُ بِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِشَهادَةِ الجُلُودِ: شَهادَةُ الفُرُوجِ، وهو الأنْسَبُ بِتَخْصِيصِ السُّؤالِ بَها في قَوْلِهِ تَعالى:
فصلت 41:21
﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ فَإنَّ ما تَشْهَدُ بِهِ مِنَ الزِّنا أعْظَمُ جِنايَةً وقُبْحًا وأجْلَبُ لِلْخِزْيِ والعُقُوبَةِ مِمّا يَشْهَدُ بِهِ السَّمْعُ والأبْصارُ مِنَ الجِناياتِ المُكْتَسَبَةِ بِتَوَسُّطِهِما. وقِيلَ: المُرادُ بِالجُلُودِ: الجَوَرِاحُ أيْ: سَألُوها سُؤالَ تَوْبِيخٍ لِما رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَها: فَعَنْكُنَّ كُنّا نُناضِلُ، وفي رِوايَةٍ بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، عَنْكُنَّ كُنْتُ أُجادِلُ، وصِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ في خِطابِ الجُلُودِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لِوُقُوعِها في مَوْقِعِ السُّؤالِ والجَوابِ المُخْتَصَّيْنِ بِالعُقَلاءِ أيْ: أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ وأقْدَرَنا عَلى بَيانِ الواقِعِ فَشَهِدْنا عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ بِواسِطَتِنا مِنَ القَبائِحِ وما كَتَمْناها. وقِيلَ: ما نَطَقْنا بِاخْتِيارِنا بَلْ أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ولَيْسَ بِذاكَ لِما فِيهِ مِن إيهامِ الِاضْطِرارِ في الإخْبارِ. وقِيلَ: سَألُوها سُؤالَ تَعْجُّبٍ فالمَعْنى حِينَئِذٍ: لَيْسَ نُطْقُنا بِعَجَبٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ حَيٍّ.
﴿وَهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِكم وإنْشائِكم أوَّلًا وعَلى إعادَتِكم ورَجْعِكم إلى جَزائِهِ ثانِيًا لا يُتَعَجَّبُ مِن إنْطاقِهِ لِجَوارِحِكُمْ، ولَعَلَّ صِيغَةَ المُضارِعِ مَعَ أنَّ هَذِهِ المُحاوَرَةَ بَعْدَ البَعْثِ والرَّجْعِ لِما أنَّ المُرادَ بِالرَّجْعِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الرَّدِّ إلى الحَياةِ بِالبَعْثِ بَلْ ما يَعُمُّهُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ الخالِدِ المُتَرَتِّبِ عِنْدَ التَّخاطُبِ عَلى تَغْلِيبِ المُتَوَقَّعِ عَلى الواقِعِ عَلى أنَّ فِيهِ مُراعاةَ الفَواصِلِ.
فصلت 41:22
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكُمْ﴾ حِكايَةٌ لِما سَيُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ تَقْرِيرًا لِجَوابِ الجُلُودِ أيْ: ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ في الدُّنْيا عِنْدَ مُباشَرَتِكُمُ الفَواحِشَ مَخافَةَ أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم جَوارِحُكم بِذَلِكَ كَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ مِنَ النّاسِ مَخافَةَ الِافْتِضاحِ عِنْدَهم بَلْ كُنْتُمْ جاحِدِينَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ رَأْسًا.
﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ القَبائِحِ المَخْفِيَّةِ فَلا يُظْهِرُها في الآخِرَةِ ولِذَلِكَ اجْتَرَأْتُمْ عَلى ما فَعَلْتُمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ شَهادَةَ الجَوارِحِ بِإعْلامِهِ تَعالى حِينَئِذٍ لا بِأنَّها كانَتْ عالِمَةً بِما شَهِدَتْ بِهِ عِنْدَ صُدُورِهِ عَنْهم. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ فَدَخَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ أوْ قُرَشِيّانِ وثَقَفِيٌّ فَقالَ أحَدُهُمْ: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ؟ قالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إنْ (p-11)أخْفَيْنا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ الآيَةُ، فالحُكْمُ المَحْكِيُّ حِينَئِذٍ يَكُونُ خاصًّا بِمَن كانَ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ مِنَ الكَفَرَةِ، ولَعَلَّ الأنْسَبَ أنْ يُرادَ بِالظَّنِّ مَعْنًى مَجازِيٌّ يَعُمُّ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ وما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الأعْمالِ المُنْبِئَةِ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ لِيَعُمَّ ما حُكِيَ مِنَ الحالِ جَمِيعَ أصْنافِ الكَفَرَةِ فَتَدَبَّرْ.
فصلت 41:23
﴿وَذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن ظَنِّهِمْ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ بُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ والسُّوءِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكُمْ﴾ خَبَرانِ لَهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ظَنُّكُمْ" بَدَلًا و"أرْداكُمْ" خَبَرًا.
﴿فَأصْبَحْتُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الظَّنِّ السُّوءِ الَّذِي أهْلَكَكم.
﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾ إذْ صارَ ما مُنِحُوا لِنَيْلِ سَعادَةِ الدّارَيْنِ سَبَبًا لِشَقاءِ النَّشْأتَيْنِ.
فصلت 41:24
﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مَحَلُّ ثُواءٍ وإقامَةٍ أبَدِيَّةٍ لَهم بِحَيْثُ لا بَراحَ لَهم مِنها، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ حالِهِمْ أنْ يُعْرَضَ عَنْهم ويُحْكى سُوءُ حالِهِمْ لِغَيْرِهِمْ أوْ لِلْإشْعارِ بِإبْعادِهِمْ عَنْ حَيِّزِ الخِطابِ وإلْقائِهِمْ في غايَةِ دَرَكاتِ النّارِ.
﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أيْ: يَسْألُوا العُتْبى وهو الرُّجُوعُ إلى ما يُحِبُّونَهُ جَزَعًا مِمّا هم فِيهِ.
﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ المُجابِينَ إلَيْها ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ وقُرِئَ وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتِبِينَ أيْ: إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْضُوا رَبَّهم فَما هم فاعِلُونَ لِفَواتِ المُكْنَةِ.
فصلت 41:25
﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ﴾ أيْ: قَدَّرَنا وقَرَنّا لِلْكَفَرَةِ في الدُّنْيا.
﴿قُرَناءَ﴾ جَمْعُ قَرِينٍ أيْ: أخْدانًا مِنَ الشَّياطِينِ يَسْتَوْلُونَ عَلَيْهِمُ اسْتِيلاءَ القَيْضِ عَلى البَيْضِ وهو القِشْرُ، وقِيلَ: أصْلُ القَيْضِ البَدَلُ ومِنهُ المُقايَضَةُ لِلْمُعاوَضَةِ.
﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مِن أُمُورِ الدُّنْيا واتِّباعِ الشَّهَواتِ.
﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ حَيْثُ أرَوْهم أنْ لا بَعْثَ ولا حِسابَ ولا مَكْرُوهَ قَطُّ.
﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: ثَبَتَ وتَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ وتَحَقَّقَ مُوجِبُها ومِصْداقُها وهو قَوْلُهُ تَعالى لِإبْلِيسَ: فالحَقُّ والحَقُّ أقُولُ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ كَما مَرَّ مِرارًا.
﴿فِي أُمَمٍ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ أيْ: كائِنِينَ في جُمْلَةِ أُمَمٍ. وقِيلَ: "فِي" بِمَعْنى مَعَ، وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِأعْداءِ اللَّهِ تَعالى فِيما سَبَقَ المَعْهُودُونَ مِن عادٍ وثَمُودَ لا الكُفّارُ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ كَما قِيلَ.
﴿قَدْ خَلَتْ﴾ صِفَةٌ لِأُمَمٍ أيْ: مَضَتْ.
﴿مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ.
﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ والضَّيْرَ لِلْأوَّلِينَ والآخِرِينَ.
فصلت 41:26
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن رُؤَساءِ المُشْرِكِينَ لِأعْقابِهِمْ أوْ قالَ (p-12)بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القرآن﴾ أيْ: لا تُنْصِتُوا لَهُ.
﴿والغَوْا فِيهِ﴾ وعارِضُوهُ بِالخُرافاتِ مِنَ الرَّجَزِ والشِّعْرِ والتَّصْدِيَةِ والمُكاءِ أوِ ارْفَعُوا أصْواتَكم بَها لِتُشَوِّشُوهُ عَلى القارِئِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الغَيْنِ والمَعْنى واحِدٌ يُقالُ: لَغى يَلْغى كَلَقِيَ يَلْقى، ولَغا يَلْغُو إذا هَذى.
﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ أيْ: تَغْلِبُونَهُ عَلى قِراءَتِهِ.
فصلت 41:27
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: فَواللَّهِ لَنُذِيقَنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ واللّاغِينَ أوْ جَمِيعَ الكُفّارِ وهم داخِلُونَ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: جَزاءَ سَيِّئاتِ أعْمالِهِمُ الَّتِي هي في أنْفُسِها أسْوَأُ. وقِيلَ: إنَّهُ لا يُجازِيهِمْ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ كَإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ وصِلَةِ الأرْحامِ. وقِرى الأضْيافِ لِأنَّها مُحْبَطَةٌ بِالكُفْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: عَذابًا شَدِيدًا يَوْمَ بَدْرٍ وأسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ في الآخِرَةِ.
فصلت 41:28
﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ﴾ خَبَرُهُ أيْ:ما ذُكِرَ مِنَ الجَزاءِ جَزاءٌ مُعَدٌّ لِأعْدائِهِ، تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْجَزاءِ، أوْ "ذَلِكَ" خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا عَنِ الجَزاءِ وما بَعْدَهُ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، أوِ "النّارُ" مُبْتَدَأٌ "هِيَ" خَبَرُهُ أيْ: هي بِعَيْنِها دارُ إقامَتِهِمْ عَلى أنَّ في لِلتَّجْرِيدِ وهو أنْ يُنْتَزَعَ مِن أمْرٍ ذِي صِفَةٍ أمْرٌ آخَرُ مِثْلُهُ مُبالَغَةً لِكَمالِهِ فِيها كَما يُقالُ: في البَيْضَةِ عِشْرُونَ مِنًا حَدِيدٌ. وقِيلَ: وهي عَلى مَعْناها، والمُرادُ: أنَّ لَهم في النّارِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الدَّرَكاتِ دارًا مَخْصُوصَةً هم فِيها خالِدُونَ.
﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: يُجْزُونَ جَزاءً أوْ بِالمَصْدَرِ السّابِقِ فَإنَّ المَصْدَرَ يَنْتَصِبُ بِمِثْلِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ والباءُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"جَزاءً" والثّانِيَةُ بِـ"يَجْحَدُونَ" قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ أيْ: بِسَبَبِ ما كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِنا الحَقَّةِ أوْ يَلْغُونَ فِيها، وذَكَرَ الجُحُودَ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلَّغْوِ.
فصلت 41:29
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم مُتَقَلَّبُونَ فِيما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ.
﴿رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَعْنُونَ فَرِيقَيْ شَياطِينِ النَّوْعَيْنِ المُقَيَّضَيْنِ لَهُمُ الحامِلِينَ لَهم عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي بِالتَّسْوِيلِ والتَّزْيِينِ. وقِيلَ: هُما إبْلِيسُ وقابِيلُ فَإنَّهُما سَنّا الكُفْرَ والقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وقُرِئَ "أرْنا" تَخْفِيفًا كَفَخْذٍ في فَخِذٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: أعْطِناهُما. وقُرِئَ بِاخْتِلاسِ كَسْرَةِ الرّاءِ.
﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ أيْ: نَدُسْهُما انْتِقامًا مِنهُما. وقِيلَ: نَجْعَلْهُما في الدَّرْكِ الأسْفَلِ.
﴿لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ أيْ: ذُلًّا ومَهانَةً أوْ مَكانًا.
فصلت 41:30
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ (p-13)شُرُوعٌ في بَيانِ حُسْنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ فِيهِما أيْ: قالُوا اعْتِرافًا بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى وإقْرارًا بِوَحْدانِيَّتِهِ.
﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ: ثَبَتُوا عَلى الإقْرارِ ومُقْتَضَياتِهِ عَلى أنَّ "ثُمَّ" لِلتَّراخِي في الزَّمانِ أوْ في الرُّتْبَةِ فَإنَّ الِاسْتِقامَةَ لَها الشَّأْنُ كُلُّهُ، وما رُوِيَ عَنِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في مَعْناها مِنَ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ وإخْلاصِ العَمَلِ وأداءِ الفَرائِضِ بَيانٌ لِجُزْئِيّاتِها.
﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى يَمُدُّونَهم فِيما يَعِنُّ لَهم مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ بِما يَشْرَحُ صُدُورَهم ويَدْفَعُ عَنْهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ بِطَرِيقِ الإلْهامِ كَما أنَّ الكَفَرَةَ يُغْوِيهِمْ ما قُيِّضَ لَهم مِن قُرَناءِ السُّوءِ بِتَزْيِينِ القَبائِحِ. وقِيلَ: تَتَنَزَّلُ عِنْدَ المَوْتِ بِالبُشْرى. وقِيلَ: إذا قامُوا مِن قُبُورِهِمْ. وقِيلَ: البُشْرى في مُواطِنَ ثَلاثَةٍ: عِنْدَ المَوْتِ، وفي القَبْرِ، وعِنْدَ البَعْثِ والأظْهَرُ هو العُمُومُ والإطْلاقُ كَما سَتَعْرِفُهُ.
﴿ألا تَخافُوا﴾ ما تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ فَإنَّ الخَوْفُ غَمٌّ يَلْحَقُ لِتَوَقُّعِ المَكْرُوهِ.
﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ عَلى ما خَلَّفْتُمْ فَإنَّهُ غَمٌّ يَلْحَقُ لِوُقُوعِهِ مِن فَواتِ نافِعٍ أوْ حُصُولِ ضارٍّ. وقِيلَ: المُرادُ: نَهْيُهم عَنِ الغُمُومِ عَلى الإطْلاقِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ لَكُمُ الأمْنَ مِن كُلِّ غَمٍّ فَلَنْ تَذُوقُوهُ أبَدًا و"أنْ" إمّا مُفَسِّرَةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والأصْلُ بِأنَّها لا تَخافُوا والهاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقُرِئَ "لا تَخافُوا" أيْ: يَقُولُونَ لا تَخافُوا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ أوِ اسْتِئْنافٌ.
﴿وَأبْشِرُوا﴾ أيْ: سُرُّوا.
﴿بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدُّنْيا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ هَذا مِن بِشاراتِهِمْ في أحَدِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ.
فصلت 41:31
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ...إلَخْ مِن بِشاراتِهِمْ في الدُّنْيا أيْ: أعْوانُكم في أُمُورِكم نُلْهِمُكُمُ الحَقَّ ونُرْشِدُكم إلى ما فِيهِ خَيْرُكم وصَلاحُكم ولَعَلَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَمّا يَخْطُرُ بِبال المُؤْمِنِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الطّاعاتِ مِن أنَّ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَأْيِيدِهِ لَهم بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ نَمُدُّكم بِالشَّفاعَةِ ونَتَلَقّاكم بِالكَرامَةِ حِينَ يَقَعُ بَيْنَ الكَفَرَةِ وقُرَنائِهِمْ ما يَقَعُ مِنَ التَّعادِي والخِصامِ.
﴿وَلَكم فِيها﴾ أيْ: في الآخِرَةِ.
﴿ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ مِن فُنُونِ الطَّيِّباتِ.
﴿وَلَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ما تَتَمَنَّوْنَ افْتِعالٌ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْنى الطَّلَبِ أيْ: تَدْعُونَ لِأنْفُسِكم وهو أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ ولَكم في المَوْضِعَيْنِ خَبَرٌ و"ما" مُبْتَدَأٌ و"فِيها" حالٌ مِن ضَمِيرِهِ في الخَبَرِ وعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِعَطْفِ "ما تَدَّعُونَ" عَلى "ما تَشْتَهِي" لِلْإشْباعِ في البِشارَةِ والإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما.
فصلت 41:32
﴿نُزُلا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ حالٌ مِمّا تَدَّعُونَ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ ما يَتَمَنَّوْنَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُعْطَوْنَ مِن عَظائِمِ الأُجُورِ كالنُّزُلِ لِلضَّيْفِ.
فصلت 41:33
﴿وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى تَوْحِيدِهِ تَعالى وطاعَتِهِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا إلى الإسْلامِ (p-14)وَعَنْهُ أنَّهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُؤَذِّنِينَ والحَقُّ أنَّ حُكْمَها عامٌّ لِكُلِّ مَن جَمَعَ ما فِيها مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ وإنْ نَزَلَتْ فِيمَن ذُكِرَ.
﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ.
﴿وَقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ابْتِهاجًا بِأنَّهُ مِنهم أوِ اتِّخاذًا لِلْإسْلامِ دِينًا ونِحْلَةً مِن قَوْلِهِمْ هَذا قَوْلُ فُلانٍ أيْ: مَذْهَبُهُ لا أنَّهُ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ، وقُرِئَ "إنِّي" بِنُونٍ واحِدَةٍ.
فصلت 41:34
﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ مَحاسِنِ الأعْمالِ الجارِيَةِ بَيْنَ العِبادِ إثْرَ بَيانِ مَحاسِنِ الأعْمالِ الجارِيَةِ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ تَرْغِيبًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّبْرِ عَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ ومُقابَلَةِ إساءَتِهِمْ بِالإحْسانِ أيْ: لا تَسْتَوِي الخَصْلَةُ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ في الآثارِ والأحْكامِ و"لا" الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ...إلَخِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحُسْنِ عاقِبَةِ الحَسَنَةُ أيِ: ادْفَعِ السَّيِّئَةَ حَيْثُ اعْتَرَضَتْكَ مِن بَعْضِ أعادِيكَ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ما يُمْكِنُ دَفْعُها بِهِ مِنَ الحَسَناتِ كالإحْسانِ إلى مَن أساءَ فَإنَّهُ أحْسَنُ مِنَ العَفْوِ وإخْراجُهُ مُخْرَجَ الجَوابِ عَنْ سُؤالِ مَن قالَ كَيْفَ أصْنَعُ ؟ لِلْمُبالَغَةِ ولِذَلِكَ وضَعَ "أحْسَنُ" مَوْضِعَ الحَسَنَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ بَيانٌ لِنَتِيجَةِ الدَّفْعِ المَأْمُورِ بِهِ أيْ: فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ صارَ عَدُوُّكَ المُشاقُّ مِثْلَ الوَلِيِّ الشَّفِيقِ.
فصلت 41:35
﴿وَما يُلَقّاها﴾ أيْ: ما يَلْقى هَذِهِ الخَصْلَةَ والسَّجِيَّةَ الَّتِي هي مُقابَلَةُ الإساءَةِ بِالإحْسانِ.
﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ: شَأْنُهُمُ الصَّبْرُ.
﴿وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ مِنَ الخَيْرِ وكَمالِ النَّفْسِ. وقِيلَ: الحَظُّ العَظِيمُ: الجَنَّةُ. وقِيلَ: هو الثَّوابُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وكانَ مُؤْذِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصارَ ولِيًّا مُصافِيًا.
فصلت 41:36
﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ مِنَ الشَّيْطانِ.
﴿نَزْغٌ﴾ النَّزْغُ والنَّسْغُ: بِمَعْنًى، وهو شِبْهُ النَّخْسِ شُبِّهَ بِهِ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ لِأنَّها بَعْثٌ عَلى الشَّرِّ وجُعِلَ نازِغًا عَلى طَرِيقَةِ جَدَّ جَدُّهُ أوْ أُرِيدَ، وإمّا يَنْزَغَنَّكَ نازِغٌ وصْفًا لِلشَّيْطانِ بِالمَصْدَرِ أيْ: وإنْ صَرَفَكَ الشَّيْطانُ عَمّا وُصِّيتَ بِهِ مِنَ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.
﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن شَرِّهِ ولا قَطْعِهِ.
﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ بِاسْتِعاذَتِكَ.
﴿العَلِيمُ﴾ بِنِيَّتِكَ أوْ بِصَلاحِكَ وفي جَعْلِ تَرْكِ الدَّفْعِ بِالأحْسَنِ مِن آثارِ نَزَغاتِ الشَّيْطانِ مَزِيدُ تَحْذِيرٍ وتَنْفِيرٍ عَنْهُ.
فصلت 41:37
﴿وَمن آياته﴾ الدّالَّةِ عَلى شُئُونِهِ العَظِيمَةِ.
﴿اللَّيْلُ والنَّهارُ (p-15)والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ كُلٌّ مِنها مَخْلُوقٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ مُسَخَّرٌ لِأمْرِهِ.
﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ لِأنَّهُما مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ المُسَخَّرَةِ لِأوامِرِهِ مِثْلَكم.
﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الضَّمِيرُ لِلْأرْبَعَةِ لِأنَّ حُكَمَ جَماعَةِ ما لا يَعْقِلُ حُكْمُ الأُنْثى أوِ الإناثِ أوْ لِأنَّها عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ، وتَعْلِيقُ الفِعْلِ بِالكُلِّ مَعَ كِفايَةِ بَيانِ مَخْلُوقِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ سُقُوطِهِما عَنْ رُتْبَةِ المَسْجُودِيَّةِ بِنَظْمِهِما في المَخْلُوقِيَّةِ في سِلْكِ الأعْراضِ الَّتِي لا قِيامَ لَها بِذاتِها وهو السِّرُّ في نَظْمَ الكُلِّ في سِلْكِ آياتِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فَإنَّ السُّجُودَ أقْصى مَراتِبِ العِبادَةِ فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِهِ بِهِ سُبْحانَهُ وهو مَوْضِعٌ لِلسُّجُودِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وعِنْدَنا آخِرَ الآيَةِ الأُخْرى لِأنَّهُ تَمامُ المَعْنى.
فصلت 41:38
﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الِامْتِثالِ.
﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: دائِمًا.
﴿وَهم لا يَسْأمُونَ﴾ لا يَفْتَرُونَ ولا يَمَلُّونَ وقُرِئَ "لا يِسْأمُونَ" بِكَسْرِ الياءِ.
فصلت 41:39
﴿وَمن آياته أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ يابِسَةً مُتَطامِنَةً مُسْتَعارٌ مِنَ الخُشُوعِ بِمَعْنى التَّذَلُّلِ.
﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ﴾ أيِ: المَطَرَ.
﴿اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ أيْ: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ وانْتَفَخَتْ لِأنَّ النَّبْتَ إذا دَنا أنْ يَظْهَرَ ارْتَفَعَتْ لَهُ الأرْضُ وانْتَفَخَتْ ثُمَّ تَصَدَّعَتْ عَنِ النَّباتِ. وقِيلَ: تَزَخْرَفَتْ بِالنَّباتِ. وقُرِئَ "رَبَأتْ" أيِ: ارْتَفَعَتْ.
﴿إنَّ الَّذِي أحْياها﴾ بِما ذُكِرَ بَعْدَ مَوْتِها.
﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ بِالبَعْثِ.
﴿وَأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإحْياءُ.
﴿قَدِيرٌ﴾ مُبالِغٌ في القُدْرَةِ.
فصلت 41:40
﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ يَمِيلُونَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ وقُرِئَ "يَلْحِدُونَ".
﴿فِي آياتِنا﴾ بِالطَّعْنِ فِيها وتَحْرِيفِها بِحَمْلِها عَلى المَحامِلِ الباطِلَةِ.
﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ فَنُجازِيهِمْ يِإلْحادِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى كَيْفِيَّةِ الجَزاءِ.
﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ مِنَ الأعْمالِ المُؤَدِّيَةِ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الإلْقاءِ في النّارِ والإتْيانِ آمِنًا وفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ.
﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم بِحَسَبَ أعْمالِكم.
فصلت 41:41
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ ...إلَخْ وخَبَرُ إنَّ هو الخَبَرُ السّابِقُ. وقِيلَ: مُسْتَأْنَفٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: سَدَّ مَسَدَّهُ الخَبَرُ السّابِقُ والذِّكْرُ: القرآن. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَنافِعِ عَدِيمُ النَّظِيرِ أوْ مَنِيعٌ لا تَتَأتّى مُعارَضَتُهُ، جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِغايَةِ (p-16)شَناعَةِ الكُفْرِ بِهِ.
فصلت 41:42
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ أيْ: لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الباطِلُ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، صِفَةٌ أُخْرى لِـ"كِتابٌ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"كِتابٌ" مُفِيدَةٌ لِفَخامِتِهِ الإضافِيَّةِ كَما أنَّ الصِّفَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ مُفِيدَتانِ لِفَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ﴾ ...إلَخْ. اعْتِراضٌ عِنْدَ مَن لا يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ غَيْرِ الصَّرِيحِ مِنَ الصِّفاتِ عَلى الصَّرِيحِ كُلُّ ذَلِكَ لِتَأْكِيدِ بُطْلانِ الكُفْرِ بِالقرآن.
فصلت 41:43
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ﴾ ...إلَخْ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يُصِيبُهُ مِن أذِيَّةِ الكُفّارِ أيْ: ما يُقالُ في شَأْنِكَ وشَأْنِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القرآن مِن جِهَةِ كُفّارِ قَوْمِكَ.
﴿إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ: إلّا مِثْلُ ما قَدْ قِيلَ في حَقِّهِمْ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ.
﴿إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ لِأنْبِيائِهِ.
﴿وَذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ لِأعْدائِهِمْ وقَدْ نَصَرَ مَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ وانْتَقَمَ مِن أعْدائِهِمْ وسَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ بِكَ وبِأعْدائِكَ أيْضًا.
فصلت 41:44
﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: هَلّا أُنْزِلَ القرآن بِلُغَةِ العَجَمِ، والضَّمِيرُ لِلذِّكْرِ.
﴿لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أيْ: بُيِّنَتْ بِلِسانٍ نَفْقَهُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ إنْكارٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّخْصِيصِ والأعْجَمِيُّ يُقالُ لِكَلامٍ لا يُفْهَمُ ولِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ، والياءُ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ كَأحْمَرِيٍّ والمَعْنى: أكَلامٌ أعْجَمِيٌّ ورَسُولٌ أوْ مُرْسَلٌ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ عَلى أنَّ الإفْرادَ مَعَ كَوْنِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ أُمَّةً جَمَّةً لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ التَّنافِي والتَّنافُرِ بَيْنَ الكَلامِ وبَيْنَ المُخاطَبِ بِهِ لا بَيانُ كَوْنِ المُخاطَبِ واحِدًا أوْ جَمْعًا، وقُرِئَ "أعَجَمِيٌّ" أيْ: أكَلامٌ مَنسُوبٌ إلى أُمَّةِ العَجَمِ، وقُرِئَ "أعْجَمِيٌّ" عَلى الإخْبارِ بِأنَّ القرآن أعْجَمِيٌّ والمُتَكَلِّمُ والمُخاطَبُ عَرَبِيٌّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ هَلّا فُصِّلَتْ آياتُهُ فَجُعِلَ بَعْضُها أعْجَمِيًّا لِإفْهامِ العَجَمِ وبَعْضُها عَرَبِيًّا لِإفْهامِ العَرَبِ وأيًّا ما كانَ؛ فالمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ آياتِ اللَّهِ تَعالى عَلى أيِّ وجْهٍ جاءَتْهم وجَدُوا فِيها مُتَعَنَّتًا يَتَعَلَّلُونَ بِهِ.
﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ.
﴿وَشِفاءٌ﴾ لِما في الصُّدُورِ مِن شَكٍّ وشُبْهَةٍ.
﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مُبْتَدَأٌّ خَبَرُهُ ﴿فِي آذانِهِمْ وقْرٌ﴾ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ هُوَ: أيِ القرآن في آذانِهِمْ وقْرٌ، عَلى أنَّ "وَقْرٌ" خَبَرٌ لِلضَّمِيرِ المُقَدَّرِ و"فِي آذانِهِمْ" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "وَقْرٌ" وهو أوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ . وقِيلَ: خَبَرُ المَوْصُولِ "فِي آذانِهِمْ" و"وَقْرٌ" فاعِلُ الظَّرْفِ. وقِيلَ: "وَقْرٌ" مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ مِنهُ وقْرٌ ومَن جَوَّزَ العَطْفَ عَلى عامِلَيْنِ عَطْفَ المَوْصُولَ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ أيْ: هو لِلْأوَّلِينَ هُدًى وشِفاءٌ ولِلْآخِرِينَ وقْرٌ في آذانِهِمْ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى (p-17)المَوْصُولِ الثّانِي بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ ومُلاحَظَةِ ما أُثْبِتَ لَهُ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ مَعَ ما فِيهِ مِن كَمالِ المُناسِبَةِ لِلنِّداءِ مِن بَعِيدٍ أيْ: أُولَئِكَ البُعَداءُ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّصامِّ عَنِ الحَقِّ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ والتَّعامِي عَنِ الآياتِ الظّاهِرَةِ الَّتِي يُشاهِدُونَها.
﴿يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ تَمْثِيلٌ لَهم في عَدَمِ قَبُولِهِمْ واسْتِماعِهِمْ لَهُ بِمَن يُنادى مِن مَسافَةٍ نائِيَةٍ لا يَكادُ يَسْمَعُ مِن مِثْلِها الأصْواتِ.
فصلت 41:45
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ الِاخْتِلافَ في شَأْنِ الكُتُبِ عادَةٌ قَدِيمَةٌ لِلْأُمَمِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِقَوْمِكَ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ آتَيْناهُ التَّوْراةَ فاخْتُلِفَ فِيها فَمِن مُصَدِّقٍ لَها ومُكَذِّبٍ وهَكَذا حالُ قَوْمِكَ في شَأْنِ ما آتَيْناكَ مِنَ القرآن فَمِن مُؤْمِنٍ بِهِ وكافِرٍ.
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ في حَقِّ أُمَّتِكَ المُكَذِّبَةِ وهي العِدَةُ بِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ وفَصْلُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخُصُومَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ .
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِاسْتِئْصالِ المُكَذِّبِينَ كَما فَعَلَ بِمُكَذِّبِي الأُمَمِ السّالِفَةِ.
﴿وَأنَّهُمْ﴾ أيْ: كُفّارُ قَوْمِكَ.
﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ أيْ: مِنَ القرآن، وجَعْلُ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِلْيَهُودِ والثّانِي لِلتَّوْراةِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ.
فصلت 41:46
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ بِأنْ آمَنَ بِالكُتُبِ وعَمِلَ بِمُوجِبِها.
﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ: فَلِنَفْسِهِ يَعْمَلُهُ أوْ فَنَفْعُهُ لِنَفْسِهِ لا لِغَيْرِهِ.
﴿وَمَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ ضَرَرُهُ لا عَلى غَيْرِهِ.
﴿وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ تَرْكِ إثابَةِ المُحْسِنِ بِعَمَلِهِ أوْ إثابَةِ الغَيْرِ بِعَمَلِهِ وتَنْزِيلِ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ إساءَةٍ أوْ بِإساءَةِ غَيْرِهِ مَنزِلَةَ الظُّلْمِ الَّذِي يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ مَرَّ ما في المَقامِ مِنَ التَّحْقِيقِ والتَّفْصِيلِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وسُورَةِ الأنْفالِ.
فصلت 41:47
﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ: إذا سُئِلَ عَنْها يُقالُ: اللَّهُ يَعْلَمُ، أوْ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى.
﴿وَما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ أيْ: مِن أوْعِيَتِها جَمْعُ كِمٍّ بِالكَسْرِ، وهو وِعاءُ الثَّمَرَةِ كَجُفِّ الطَّلْعَةِ، وقُرِئَ "مِن ثَمَرَةٍ" عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، والجَمْعُ لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، وقَدْ قُرِئَ بِجَمْعِ الضَّمِيرِ أيْضًا و"ما" نافِيَةٌ و"مِن" الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ واحْتِمالُ أنْ تَكُونَ "ما" مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى السّاعَةِ و"مِن" مُبَيِّنَةً بَعِيدٌ.
﴿وَما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ﴾ أيْ: حَمْلَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِعِلْمِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: وما يَحْدُثُ شَيْءٌ (p-18)مِن خُرُوجِ ثَمَرَةٍ ولا حَمْلِ حامِلٍ ولا وضْعِ واضِعٍ مُلابِسًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا مُلابِسًا بِعِلْمِهِ المُحِيطِ.
﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ أيْ: بِزَعْمِكم كَما نَصَّ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَقْرِيعٌ لَهم و"يَوْمَ" مَنصُوبٌ بِـ"اذْكُرْ" أوْ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ تُرِكَ إيذانًا بِقُصُورِ البَيانِ عَنْهُ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ .
﴿قالُوا آذَنّاكَ﴾ أيْ: أخْبَرْناكَ.
﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ مِن أحَدٍ يَشْهَدُ لَهم بِالشَّرِكَةِ إذْ تَبَرَّأْنا مِنهم لَمّا عايَنّا الحالَ وما مِنّا أحَدٌ إلّا وهو مُوَحِّدٌ لَكَ أوْ ما مِنّا مِن أحَدٍ يُشاهِدُهم لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم حِينَئِذٍ. وقِيلَ: هو قَوْلُ الشُّرَكاءِ أيْ: ما مِنّا مِن شَهِيدٍ يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم كانُوا مُحِقِّينَ، وقَوْلُهم آذَنّاكَ إمّا لِأنَّ هَذا التَّوْبِيخَ مَسْبُوقٌ بِتَوْبِيخٍ آخَرَ مُجابٍ بِهَذا الجَوابِ أوْ لِأنَّ مَعْناهُ: أنَّكَ عَلِمْتَ مِن قُلُوبِنا وعَقائِدِنا الآنَ أنّا لا نَشْهَدُ تِلْكَ الشَّهادَةَ الباطِلَةَ لِأنَّهُ إذا عَلِمَهُ مِن نُفُوسِهِمْ فَكَأنَّهم أعْلَمُوهُ أوْ لِأنَّ مَعْناهُ الإنْشاءُ لا الإخْبارُ بِإيذانٍ قَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ.
فصلت 41:48
﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: غابُوا عَنْهم أوْ ظَهَرَ عَدَمُ نَفْعِهِمْ فَكانَ حُضُورُهم كَغَيْبَتِهِمْ.
﴿وَظَنُّوا﴾ أيْ: أيْقَنُوا.
﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ مَهْرَبٍ، والظَّنُّ مُعَلَّقٌ عَنْهُ بِحَرْفِ النَّفْيِ.
فصلت 41:49
﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ﴾ أيْ: لا يَمَلُّ ولا يَفْتُرُ.
﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ مِن طَلَبِ السَّعَةِ في النِّعْمَةِ وأسْبابِ المَعِيشَةِ، وقُرِئَ "مِن دُعاءٍ بِالخَيْرِ".
﴿وَإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أيِ: العُسْرُ والضِّيقَةُ.
﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ فِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ البِناءِ ومِن جِهَةِ التَّكْرِيرِ ومِن جِهَةِ أنَّ القُنُوطَ عِبارَةٌ عَنْ يَأْسٍ مُفْرِطٍ يَظْهَرُ أثَرُهُ في الشَّخْصِ فَيَتَضاءَلُ ويَنْكَسِرُ أيْ: مُبالَغٌ في قَطْعِ الرَّجاءِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ، وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِوَصْفِ غالِبِ أفْرادِهِ لِما أنَّ اليَأْسَ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى لا يَتَأتّى إلّا مِنَ الكافِرِ وسَيُصَرِّحُ بِهِ.
فصلت 41:50
﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ بِتَفْرِيجِها عَنْهُ.
﴿لَيَقُولَنَّ هَذا لِي﴾ أيْ: حَقِّي أسْتَحِقُّهُ لِما لِي مِنَ الفَضْلِ والعَمَلِ أوْ لِي لا لِغَيْرِي فَلا يَزُولَ عَنِّي أبَدًا.
﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أيْ: تَقُومُ فِيما سَيَأْتِي.
﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي﴾ عَلى تَقْدِيرِ قِيامِها.
﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ أيْ: لَلْحالَةُ الحُسْنى مِنَ الكَرامَةِ وذَلِكَ لِاعْتِقادِهِ أنَّ ما أصابَهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا لِاسْتِحْقاقِهِ لَهُ وأنَّ نِعَمَ الآخِرَةِ كَذَلِكَ.
﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ: لَنُعْلِمَنَّهم بِحَقِيقَةِ أعْمالِهِمْ حِينَ أظْهَرْناها بِصُورَةِ الحَقِيقَةِ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ مِن سُورَةِ يُونُسَ.
﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ كُنْهُهُ.
(p-19)﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾
فصلت 41:51
﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ﴾ أيْ: عَنِ الشُّكْرِ.
﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أيْ: ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وتَباعَدَ بِكُلِّيَّتِهِ تَكَبُّرًا وتَعَظُّمًا والجانِبُ مَجازٌ عَنِ النَّفْسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ عِطْفُهُ ويَكُونَ عِبارَةً عَنِ الِانْحِرافِ والِازْوِرارِ كَما قالُوا: ثَنى عِطْفَهُ وتَوَلّى بِرُكْنِهِ.
﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ أيْ: كَثِيرٍ، مُسْتَعارٌ مِمّا لَهُ عَرْضٌ مُتَّسِعٌ لِلْإشْعارِ بِكَثْرَتِهِ واسْتِمْرارِهِ وهو أبْلَغُ مِنَ الطَّوِيلِ إذِ الطُّولُ أطْوَلُ الِامْتِدادَيْنِ فَإذا كانَ عَرْضُهُ كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِطُولِهِ، ولَعَلَّ هَذا شَأْنُ بَعْضٍ غَيْرِ البَعْضِ الَّذِي حُكِيَ عَنْهُ اليَأْسُ والقُنُوطُ أوْ شَأْنُ الكُلِّ في بَعْضِ الأوْقاتِ.
فصلت 41:52
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبَرُونِي.
﴿إنْ كانَ﴾ أيِ: القرآن.
﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ الإيمانِ بِهِ.
﴿مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: مَن أضَلُّ مِنكم فَوُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ شَرْحًا لِحالِهِمْ وتَعْلِيلًا لِمَزِيدِ ضَلالِهِمْ.
فصلت 41:53
﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا﴾ الدّالَّةَ عَلى حَقِيقَتِهِ وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
﴿فِي الآفاقِ﴾ هو ما أخْبَرَهم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الحَوادِثِ الآتِيَةِ وآثارِ النَّوازِلِ الماضِيَةِ وما يُسِرُّ اللَّهُ تَعالى لَهُ ولِخُلَفائِهِ مِنَ الفُتُوحِ والظُّهُورِ عَلى آفاقِ الدُّنْيا والِاسْتِيلاءِ عَلى بِلادِ المَشارِقِ والمَغارِبِ عَلى وجْهٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ.
﴿وَفِي أنْفُسِهِمْ﴾ هو ما ظَهَرَ فِيما بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ وما حَلَّ بِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في الآفاقِ أيْ: مَنازِلِ الأُمَمِ الخالِيَةِ وآثارِهِمْ وفي أنْفُسِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَن ُ والسُّدِّي ّ ُ: في الآفاقِ ما يَفْتَحُ اللَّهُ مِنَ القُرى عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُسْلِمِينَ وفي أنْفُسِهِمْ فَتْحُ مَكَّةَ. وقِيلَ: في الآفاقِ أيْ: في أقْطارِ السَّمَواتِ والأرْضِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ والأضْواءِ والظِّلالِ والظُّلُماتِ ومِنَ النَّباتِ والأشْجارِ والأنْهارِ وفي أنْفُسِهِمْ مِن لَطِيفِ الصَّنْعَةِ وبَدِيعِ الحِكْمَةِ في تَكْوِينِ الأجِنَّةِ في ظُلُماتِ الأرْحامِ وحُدُوثِ الأعْضاءِ العَجِيبَةِ والتَّرْكِيباتِ الغَرِيبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ واعْتُذِرَ بِأنَّ مَعْنى السِّينِ مَعَ أنَّ إراءَةَ تِلْكَ الآياتِ قَدْ حَصَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى سَيُطْلِعُهم عَلى تِلْكَ الآياتِ زَمانًا فَزَمانًا ويَزِيدُهم وُقُوفًا عَلى حَقائِقِها يَوْمًا فَيَوْمًا.
﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ بِذَلِكَ.
﴿أنَّهُ الحَقُّ﴾ أيِ: القرآن أوِ الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ.
﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَرَدُّدِهِمْ في شَأْنِ القرآن وعِنادِهِمُ المُحْوِجِ إلى إراءَةِ الآياتِ وعَدَمِ اكْتِفائِهِمْ بِإخْبارِهِ تَعالى، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ: ألَمْ يُغْنِ ولَمْ يَكْفِ رَبُّكَ والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ولا تَكادُ تُزادُ إلّا مَعَ كَفى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أيْ: ألَمْ يُغْنِهِمْ عَنْ إراءَةِ الآياتِ المَوْعُودَةِ المُبَيِّنَةِ لِحَقِيقَةِ القرآن ولَمْ يَكْفِهِمْ في ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى شَهِيدٌ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ وقَدْ أخْبَرَ بِأنَّهُ مِن عِنْدِهِ وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّ هَذا المَوْعُودَ مِن إظْهارِ آياتِ اللَّهِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ سَيَرَوْنَهُ (p-20)وَيُشاهِدُونَهُ فَيَتَبَيَّنُونَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّ القرآن تَنْزِيلُ عالَمِ الغَيْبِ الَّذِي هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أيْ: مُطَّلِعٌ يَسْتَوِي عِنْدَهُ غَيْبُهُ وشَهادَتُهُ فَيَكْفِيهِمْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ حَقٌّ وأنَّهُ مِن عِنْدِهِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَما قَوِيَ هَذِهِ القُوَّةَ ولَما نُصِرَ حامِلُوهُ هَذِهِ النُّصْرَةَ فَتَأمَّلْ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: أوْ لَمْ يَكْفِكَ أنَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ مُحَقِّقٌ لَهُ فَيُحَقِّقُ أمْرَكَ بِإظْهارِ الآياتِ المَوْعُودَةِ كَما حَقَّقَ سائِرَ الأشْياءِ المَوْعُودَةِ فَمَعَ إشْعارِهِ بِما لا يَلِيقُ بِجَلالَةِ مَنصِبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّرَدُّدِ فِيما ذُكِرَ مِن تَحْقِيقِ المَوْعُودِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى:
فصلت 41:54
﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: في شَكٍّ عَظِيمٍ مِن ذَلِكَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ عَدَمَ الكِفايَةِ مُعْتَبَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وقُرِئَ "مُرْيَةٍ" بِالضَّمِّ وهو لُغَةٌ فِيها.
﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ عالِمٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ جُمَلِها وتَفاصِيلِها وظَواهِرِها وبَواطِنِها فَلا تَخْفى عَلَيْها خافِيَةٌ مِنهم وهو مُجازِيهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ ومِرْيَتِهِمْ لا مَحالَةَ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ السَّجْدَةِ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَناتٍ".» واللَّهُ أعْلَمُ.