Tafsir Abi Al-Suaood — الشورى 42:1 – الأحقاف 46:35
المحتويات
- الشورى 42:1
- الشورى 42:2
- الشورى 42:3
- الشورى 42:4
- الشورى 42:5
- الشورى 42:6
- الشورى 42:7
- الشورى 42:8
- الشورى 42:9
- الشورى 42:10
- الشورى 42:11
- الشورى 42:12
- الشورى 42:13
- الشورى 42:14
- الشورى 42:15
- الشورى 42:16
- الشورى 42:17
- الشورى 42:18
- الشورى 42:19
- الشورى 42:20
- الشورى 42:21
- الشورى 42:22
- الشورى 42:23
- الشورى 42:24
- الشورى 42:25
- الشورى 42:26
- الشورى 42:27
- الشورى 42:28
- الشورى 42:29
- الشورى 42:30
- الشورى 42:31
- الشورى 42:32
- الشورى 42:33
- الشورى 42:34
- الشورى 42:35
- الشورى 42:36
- الشورى 42:37
- الشورى 42:38
- الشورى 42:39
- الشورى 42:40
- الشورى 42:41
- الشورى 42:42
- الشورى 42:43
- الشورى 42:44
- الشورى 42:45
- الشورى 42:46
- الشورى 42:47
- الشورى 42:48
- الشورى 42:49
- الشورى 42:50
- الشورى 42:51
- الشورى 42:52
- الشورى 42:53
- الزخرف 43:1
- الزخرف 43:2
- الزخرف 43:3
- الزخرف 43:4
- الزخرف 43:5
- الزخرف 43:6
- الزخرف 43:7
- الزخرف 43:8
- الزخرف 43:9
- الزخرف 43:10
- الزخرف 43:11
- الزخرف 43:12
- الزخرف 43:13
- الزخرف 43:14
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:16
- الزخرف 43:17
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:19
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:21
- الزخرف 43:22
- الزخرف 43:23
- الزخرف 43:24
- الزخرف 43:25
- الزخرف 43:26
- الزخرف 43:27
- الزخرف 43:28
- الزخرف 43:29
- الزخرف 43:30
- الزخرف 43:31
- الزخرف 43:32
- الزخرف 43:33
- الزخرف 43:34
- الزخرف 43:35
- الزخرف 43:36
- الزخرف 43:37
- الزخرف 43:38
- الزخرف 43:39
- الزخرف 43:40
- الزخرف 43:41
- الزخرف 43:42
- الزخرف 43:43
- الزخرف 43:44
- الزخرف 43:45
- الزخرف 43:46
- الزخرف 43:47
- الزخرف 43:48
- الزخرف 43:49
- الزخرف 43:50
- الزخرف 43:51
- الزخرف 43:52
- الزخرف 43:53
- الزخرف 43:54
- الزخرف 43:55
- الزخرف 43:56
- الزخرف 43:57
- الزخرف 43:58
- الزخرف 43:59
- الزخرف 43:60
- الزخرف 43:61
- الزخرف 43:62
- الزخرف 43:63
- الزخرف 43:64
- الزخرف 43:65
- الزخرف 43:66
- الزخرف 43:67
- الزخرف 43:68
- الزخرف 43:69
- الزخرف 43:70
- الزخرف 43:71
- الزخرف 43:72
- الزخرف 43:73
- الزخرف 43:74
- الزخرف 43:75
- الزخرف 43:76
- الزخرف 43:77
- الزخرف 43:78
- الزخرف 43:79
- الزخرف 43:80
- الزخرف 43:81
- الزخرف 43:82
- الزخرف 43:83
- الزخرف 43:84
- الزخرف 43:85
- الزخرف 43:86
- الزخرف 43:87
- الزخرف 43:88
- الزخرف 43:89
- الدخان 44:1
- الدخان 44:2
- الدخان 44:3
- الدخان 44:4
- الدخان 44:5
- الدخان 44:6
- الدخان 44:7
- الدخان 44:8
- الدخان 44:9
- الدخان 44:10
- الدخان 44:11
- الدخان 44:12
- الدخان 44:13
- الدخان 44:14
- الدخان 44:15
- الدخان 44:16
- الدخان 44:17
- الدخان 44:18
- الدخان 44:19
- الدخان 44:20
- الدخان 44:21
- الدخان 44:22
- الدخان 44:23
- الدخان 44:24
- الدخان 44:25
- الدخان 44:26
- الدخان 44:27
- الدخان 44:28
- الدخان 44:29
- الدخان 44:30
- الدخان 44:31
- الدخان 44:32
- الدخان 44:33
- الدخان 44:34
- الدخان 44:35
- الدخان 44:36
- الدخان 44:37
- الدخان 44:38
- الدخان 44:39
- الدخان 44:40
- الدخان 44:41
- الدخان 44:42
- الدخان 44:43
- الدخان 44:44
- الدخان 44:45
- الدخان 44:46
- الدخان 44:47
- الدخان 44:48
- الدخان 44:49
- الدخان 44:50
- الدخان 44:51
- الدخان 44:52
- الدخان 44:53
- الدخان 44:54
- الدخان 44:55
- الدخان 44:56
- الدخان 44:57
- الدخان 44:58
- الدخان 44:59
- الجاثية 45:1
- الجاثية 45:2
- الجاثية 45:3
- الجاثية 45:4
- الجاثية 45:5
- الجاثية 45:6
- الجاثية 45:7
- الجاثية 45:8
- الجاثية 45:9
- الجاثية 45:10
- الجاثية 45:11
- الجاثية 45:12
- الجاثية 45:13
- الجاثية 45:14
- الجاثية 45:15
- الجاثية 45:16
- الجاثية 45:17
- الجاثية 45:18
- الجاثية 45:19
- الجاثية 45:20
- الجاثية 45:21
- الجاثية 45:22
- الجاثية 45:23
- الجاثية 45:24
- الجاثية 45:25
- الجاثية 45:26
- الجاثية 45:27
- الجاثية 45:28
- الجاثية 45:29
- الجاثية 45:30
- الجاثية 45:31
- الجاثية 45:32
- الجاثية 45:33
- الجاثية 45:34
- الجاثية 45:35
- الجاثية 45:36
- الجاثية 45:37
- الأحقاف 46:1
- الأحقاف 46:2
- الأحقاف 46:3
- الأحقاف 46:4
- الأحقاف 46:5
- الأحقاف 46:6
- الأحقاف 46:7
- الأحقاف 46:8
- الأحقاف 46:9
- الأحقاف 46:10
- الأحقاف 46:11
- الأحقاف 46:12
- الأحقاف 46:13
- الأحقاف 46:14
- الأحقاف 46:15
- الأحقاف 46:16
- الأحقاف 46:17
- الأحقاف 46:18
- الأحقاف 46:19
- الأحقاف 46:20
- الأحقاف 46:21
- الأحقاف 46:22
- الأحقاف 46:23
- الأحقاف 46:24
- الأحقاف 46:25
- الأحقاف 46:26
- الأحقاف 46:27
- الأحقاف 46:28
- الأحقاف 46:29
- الأحقاف 46:30
- الأحقاف 46:31
- الأحقاف 46:32
- الأحقاف 46:33
- الأحقاف 46:34
- الأحقاف 46:35
الشورى 42:1
(p-21)سُورَةُ الشُّورى
نَزَلَتْ بمَكَّةَ وآياتُها ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ اسْمانِ لِلسُّورَةِ ولِذَلِكَ فُصِلَ بَيْنَهُما وعُدّا آيَتَيْنِ. وقِيلَ: اسْمٌ واحِدٌ والفَصْلُ لِيُناسِبَ سائِرَ الحَوامِيمِ، وقُرِئَ "حم سق" فَعَلى الأوَّلِ هُما خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: "حم" مُبْتَدَأٌ و"عسق" خَبَرُهُ وعَلى الثّانِي الكُلُّ خَبَرٌ واحِدٌ.
الشورى 42:2
(p-21)سُورَةُ الشُّورى
نَزَلَتْ بمَكَّةَ وآياتُها ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ اسْمانِ لِلسُّورَةِ ولِذَلِكَ فُصِلَ بَيْنَهُما وعُدّا آيَتَيْنِ. وقِيلَ: اسْمٌ واحِدٌ والفَصْلُ لِيُناسِبَ سائِرَ الحَوامِيمِ، وقُرِئَ "حم سق" فَعَلى الأوَّلِ هُما خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: "حم" مُبْتَدَأٌ و"عسق" خَبَرُهُ وعَلى الثّانِي الكُلُّ خَبَرٌ واحِدٌ.
الشورى 42:3
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ لِتَحْقِيقِ أنَّ مَضْمُونَ السُّورَةِ مُوافِقٌ لِما في تَضاعِيفِ سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمَةِ في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ أوْ أنَّ إيحاءَها مِثْلُ إيحائِها بَعْدَ تَنْوِيهِها بِذِكْرِ اسْمِها والتَّنْبِيهِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِها، والكافُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِـ"يُوحِي" عَلى الأوَّلِ، وعَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ لَهُ عَلى الثّانِي وذَلِكَ عَلى الأوَّلِ إشارَةٌ إلى ما فِيها وعَلى الثّانِي إلى إيحائِها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ أيْ: مِثْلَ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ المَعانِي أوْحى إلَيْكَ في سائِرِ السُّوَرِ وإلى مَن قَبْلِكَ مِنَ الرُّسُلِ في كُتُبِهِمْ عَلى أنَّ مَناطَ المُماثَلَةِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ وما فِيهِ صَلاحُ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ أوْ مِثْلَ إيحائِها أُوحِيَ إلَيْكَ عِنْدَ إيحاءِ سائِرِ السُّوَرِ وإلى سائِرِ الرُّسُلِ عِنْدَ إيحاءِ كُتُبِهِمْ إلَيْهِمْ لا إيحاءً مُغايِرًا لَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ الآيَةُ، عَلى أنَّ مَدارَ المِثْلِيَّةِ كَوْنُهُ بِواسِطَةِ المَلَكِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ الوَحْيِ وأنَّ إيحاءَ مِثْلِهِ عادَتُهُ، وفي جَعْلِ مَضْمُونِ السُّورَةِ أوْ إيحائِها مُشَبَّهًا بِهِ مِن تَفْخِيمِها ما لا يَخْفى. وكَذا في وصْفِهِ تَعالى بِوَصْفَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ، وتَأْخِيرُ الفاعِلِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيقِ، وقُرِئَ "يُوحى" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ "كَذَلِكَ" مُبْتَدَأٌ و"يُوحى" خَبَرُهُ المُسْنَدُ إلى ضَمِيرِهِ، أوْ مَصْدَرٌ و"يُوحى" مُسْنَدٌ إلى "إلَيْكَ"، و"اللَّهُ" مُرْتَفِعٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ "يُوحى" كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُوحِي؟ فَقِيلَ: اللَّهُ و"العَزِيزُ الحَكِيمُ" صِفَتانِ لَهُ أوْ مُبْتَدَأٌ كَما في قِراءَةِ "نُوحِي" و"العَزِيزُ" وما بَعْدَهُ خَبَرانِ لَهُ، أوِ "العَزِيزُ الحَكِيمُ" صِفَتانِ لَهُ.
الشورى 42:4
(p-22)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾
﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ خَبَرانِ لَهُ، وعَلى الوُجُوهِ السّابِقَةِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ.
الشورى 42:5
﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ وقُرِئَ بِالياءِ.
﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ يَتَشَقَّقْنَ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: مِن دُعاءِ الوَلَدِ لَهُ كَما في سُورَةِ مَرْيَمَ، وقُرِئَ "يَنْفَطِرْنَ" والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّهُ مُطاوِعُ فَطَّرَ وهَذا مُطاوِعُ فَطَرَ، وقُرِئَ "تَتَفَطَّرْنَ" بِالتّاءِ لِتَأْكِيدِ التَّأْنِيثِ وهو نادِرٌ.
﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: يُبْتَدَأُ التَّفَطُّرُ مِن جِهَتِهِنَّ الفَوْقانِيَّةِ، وتَخْصِيصُها عَلى الأوَّلِ لِما أنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى العَظَمَةِ والجَلالِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وعَلى الثّانِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّفَطُّرِ مِن تَحْتِهِنَّ بِالطَّرِيقِ الأوْلى؛ لِأنَّ تِلْكَ الكَلِمَةَ الشَّنْعاءَ الواقِعَةَ في الأرْضِ حَيْثُ أثَّرَتْ مِن جِهَةِ الفَوْقِ فَلَأنْ تُؤَثِّرَ في جِهَةِ التَّحْتِ أوْلى. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأرْضِ فَإنَّها في مَعْنى الأرَضِينَ.
﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يُنَزِّهُونَهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ.
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ بِالسَّعْيِ فِيما يَسْتَدْعِي مَغْفِرَتَهم مِنَ الشَّفاعَةِ والإلْهامِ وتَرْتِيبِ الأسْبابِ المُقَرِّبَةِ إلى الطّاعَةِ، واسْتِدْعاءِ تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ طَمَعًا في إيمانِ الكافِرِ وتَوْبَةِ الفاسِقِ، وهَذا يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، بَلْ لَوْ فُسِّرَ الِاسْتِغْفارُ بِالسَّعْيِ فِيما يَدْفَعُ الخَلَلَ المُتَوَقَّعَ عَمَّ الحَيَوانَ بَلِ الجَمادَ، وحَيْثُ خُصَّ بِالمُؤْمِنِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالمُرادُ بِهِ: الشَّفاعَةُ.
﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إذْ ما مِن مَخْلُوقٍ ولَهُ حَظٌّ عَظِيمٌ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى، والآيَةُ عَلى الأوَّلِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِعَظَمَتِهِ تَعالى، وعَلى الثّانِي بَيانٌ لِكَمالِ تَقَدُّسِهِ عَمّا نُسِبَ إلَيْهِ، وأنَّ تَرْكَ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعِقابِ عَلى تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ بِسَبَبِ اسْتِغْفارِ المَلائِكَةِ، وفَرْطِ غُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ، فَفِيها رَمْزٌ إلى أنَّهُ تَعالى يَقْبَلُ اسْتِغْفارَهم ويَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ مِنَ المَغْفِرَةِ رَحْمَةً.
الشورى 42:6
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ شُرَكاءَ وأنْدادًا.
﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ رَقِيبٌ عَلى أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ بِها.
﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ بِمُوَكَّلٍ بِهِمْ، أوْ بِمَوْكُولٍ إلَيْهِ أمْرُهم، وإنَّما وظِيفَتُكَ الإنْذارُ.
الشورى 42:7
﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ "أوْحَيْنا" ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، و"قُرْآنًا عَرَبِيًّا" مَفْعُولًا لِـ"أوْحَيْنا" أيْ: ومِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ البَدِيعِ البَيِّنِ المُفْهِمِ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ ولا عَلى قَوْمِكَ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى مَعْنى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن أنَّهُ تَعالى هو الحَفِيظُ عَلَيْهِمْ وإنَّما أنْتَ نَذِيرٌ فَحَسْبُ فالكافُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ"أوْحَيْنا"، و"قُرْآنًا عَرَبِيًّا " حالٌ مِنَ المَفْعُولِ (p-23)بِهِ أيْ: أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ بَيِّنٌ.
﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ أيْ: أهْلَها وهي مَكَّةُ.
﴿وَمَن حَوْلَها﴾ مِنَ العَرَبِ.
﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ الخَلائِقُ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ . وقِيلَ: تُجْمَعُ فِيهِ الأرْواحُ والأشْباحُ. وقِيلَ: الأعْمالُ والعُمّالُ، والإنْذارُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ ثانِيهُما بِالباءِ وقَدْ حُذِفَ هَهُنا ثانِي مَفْعُولَيِ الأوَّلِ، وأوَّلُ مَفْعُولَيِ الثّانِي؛ لِلتَّهْوِيلِ وإيهامِ التَّعْمِيمِ، وقُرِئَ "لِيُنْذِرَ" بِالياءِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرُ القرآن.
﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.
﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ أيْ: بَعْدَ جَمْعِهِمْ في المَوْقِفِ فَإنَّهم يُجْمَعُونَ فِيهِ أوَّلًا ثُمَّ يُفَرَّقُونَ بَعْدَ الحِسابِ، والتَّقْدِيرُ: مِنهم فَرِيقٌ والضَّمِيرُ لِلْمَجْمُوعِينَ لِدَلالَةِ الجَمْعِ عَلَيْهِ، وقُرِئا مَنصُوبَيْنِ عَلى الحالِيَّةِ مِنهم أيْ: وتُنْذِرَ يَوْمَ جَمْعِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ أيْ: مُشارِفِينَ لَلتَّفَرُّقِ، أوْ مُتَفَرِّقِينَ في دارَيِ الثَّوابِ والعِقابِ.
الشورى 42:8
﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا.
﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ قِيلَ: مُهْتَدِينَ أوْ ضالِّينَ، وهو تَفْصِيلٌ لِما أجْمَلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ عَلى دِينٍ واحِدٍ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها، ويَدْخُلُ في عَذابِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيهِ. ولا رَيْبَ في أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى لِكُلٍّ مِنَ الإدْخالَيْنِ تابِعَةٌ لِاسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لِدُخُولِ مَدْخَلِهِ ومِن ضَرُورَةِ اخْتِلافِ الرَّحْمَةِ والعَذابِ اخْتِلافُ حالِ الدّاخِلِينَ فِيهِما قَطْعًا فَلَمْ يَشَأْ جَعْلَ الكُلِّ أُمَّةً واحِدَةً، بَلْ جَعَلَهم فَرِيقَيْنِ، وإنَّما قِيلَ ﴿والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ الإدْخالَ في العَذابِ مِن جِهَةِ الدّاخِلِينَ بِمُوجِبِ سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، لا مِن جِهَتِهِ تَعالى كَما في الإدْخالِ في الرَّحْمَةِ، لا لِما قِيلَ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَعِيدِ. وقِيلَ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم وهو ما قالَهُ مُقاتِلٌ عَلى دِينِ الإسْلامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ والمَعْنى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ مَشِيئَةَ قُدْرَةٍ لَقَسَرَهم عَلى الإيمانِ ولَكِنَّهُ شاءَ مَشِيئَةَ حِكْمَةٍ وكَلَّفَهم وبَنى أمْرَهم عَلى ما يَخْتارُونَ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ في رَحْمَتِهِ وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ﴾ وتَرَكَ الظّالِمِينَ بِغَيْرِ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ فَرْضَ جَعْلِ الكُلِّ مُؤْمِنِينَ يَأْباهُ تَصْدِيرُ الِاسْتِدْراكِ بِإدْخالِ بَعْضِهِمْ في رَحْمَتِهِ إذِ الكُلُّ حِينَئِذٍ داخِلُونَ فِيها فَكانَ المُناسِبُ حِينَئِذٍ تَصْدِيَرُهُ بِإخْراجِ بَعْضِهِمْ مِن بَيْنِهِمْ وإدْخالِهِمْ في عَذابِهِ فالَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقُهُ أنْ يُرادَ الِاتِّحادُ في الكُفْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ الآيَةُ، عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ بِأنْ يُرادَ بِهِمُ الَّذِينَ هم في فَتْرَةِ إدْرِيسَ أوْ في فَتْرَةِ نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، فالمَعْنى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً مُتَّفِقَةً عَلى الكُفْرِ بِأنْ لا يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا لِيُنْذِرَهم ما ذُكِرَ مِن يَوْمِ الجَمْعِ وما فِيهِ مِن ألْوانِ الأهْوالِ فَيَبْقَوْا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ فى رَحْمَتِهِ أيْ: شَأْنُهُ ذَلِكَ فَيُرْسِلُ إلى الكُلِّ مَن يُنْذِرُهم ما ذُكِرَ فَيَتَأثَّرُ بَعْضُهم بِالإنْذارِ فَيَصْرِفُونَ اخْتِيارَهم إلى الحَقِّ فَيُوَفِّقُهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ والطّاعَةِ ويُدْخِلُهم في رَحْمَتِهِ ولا يَتَأثَّرُ بِهِ الآخَرُونَ ويَتَمادَوْنَ في غَيِّهِمْ وهُمُ الظّالِمُونَ فَيَبْقَوْنَ في الدُّنْيا (p-24)عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ويَصِيرُونَ في الآخِرَةِ إلى السَّعِيرِ مِن غَيْرِ ولِيٍّ يَلِي أمْرَهم ولا نَصِيرٍ يُخَلِّصُهم مِنَ العَذابِ.
الشورى 42:9
﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنِ انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لِلظّالِمِينَ ولِيٌّ أوْ نَصِيرٌ، و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ، وما فِيها مِن بَلْ لِلِانْتِقالِ مِن بَيانِ ما قَبْلَها إلى بَيانِ ما بَعْدَها، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ لا لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ كَما قِيلَ؛ إذِ المُرادُ: بَيانُ أنَّ ما فَعَلُوا لَيْسَ مِنِ اتِّخاذِ الأوْلِياءِ في شَيْءٍ لِأنَّ ذَلِكَ فَرْعُ كَوْنِ الأصْنامِ أوْلِياءَ، وهو أظْهَرُ المُمْتَنِعاتِ أيْ: بَلْ أتَّخَذُوا - مُتَجاوِزِينَ - للَّهِ أوْلِياءَ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها هَيْهاتَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إبْطالِ وِلايَةٍ ما اتَّخَذُوهُ أوْلِياءَ إنْ أرادُوا ولِيًّا في الحَقِيقَةِ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ لا ولِيٌّ سِواهُ.
﴿وَهُوَ يُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: ومِن شَأْنِهِ ذَلِكَ.
﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو الحَقِيقُ بِأنْ يُتَّخَذَ ولِيًّا؛ فَلْيَخُصُّوهُ بِالِاتِّخاذِ دُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ.
الشورى 42:10
﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾ حِكايَةٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ: وما خالَفَكُمُ الكُفّارُ فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمُ وهم.
﴿مُحْكَمَةٌ﴾ راجِعٌ ﴿إلى اللَّهِ﴾ وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ وعِقابُ المُبْطِلِينَ.
﴿ذَلِكُمُ﴾ الحاكِمُ العَظِيمُ الشَّأْنِ.
﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ مالِكِي ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في مَجامِعِ أمُورِي خاصَّةً لا عَلى غَيْرِهِ.
﴿وَإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرْجِعُ في كُلِّ ما يَعِنُّ لِي مِن مُعْضِلاتِ الأُمُورِ لا إلى أحَدٍ سِواهُ، وحَيْثُ كانَ التَّوَكُّلُ أمْرًا واحِدًا مُسْتَمِرًّا، والإنابَةُ مُتَعَدِّدَةً مُتَجَدِّدَةً حَسَبَ تَجَدُّدِ مَوادِّها، أُوثِرَ في الأوَّلِ صِيغَةُ الماضِي، وفي الثّانِي صِيغَةُ المُضارِعِ. وقِيلَ: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ وتَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ. وقِيلَ: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وقِيلَ: وما وقَعَ بَيْنَكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَعَلَّقُ بِتَكْلِيفِكم ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ فَقُولُوا اللَّهُ أعْلَمُ كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ، ولا مَساغَ لِحَمْلِ هَذا عَلى الِاجْتِهادِ لِعَدَمِ جَوازِهِ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ.
الشورى 42:11
﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِـ"ذَلِكُمْ" أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ وصْفٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ.
﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن جِنْسِكم.
﴿أزْواجًا﴾ نِساءً، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
﴿وَمِنَ الأنْعامِ﴾ أيْ: وجَعَلَ لِلْأنْعامِ مِن جِنْسِها ﴿أزْواجًا﴾ أوْ خَلَقَ لَكم مِنَ الأنْعامِ أصْنافًا أوْ ذُكُورًا وإناثًا.
﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يُكَثِّرُكم مِنَ الذَّرْءِ وهو البَثُّ، وفي مَعْناهُ: الذَّرْوُ والذَّرُّ.
﴿فِيهِ﴾ أيْ: (p-25)فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّدْبِيرِ فَإنَّ جَعْلَ النّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا يَكُونُ بَيْنَهم تَوالُدٌ كالمَنبَعِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أيْ: لَيْسَ مِثْلُهُ في شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا التَّدْبِيرُ البَدِيعُ، والمُرادُ مِن مِثْلِهِ: ذاتُهُ، كَما في قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا عَلى قَصْدِ المُبالِغَةِ في نَفْيِهِ عَنْهُ فَإنَّهُ إذا نُفِيَ عَمَّنْ يُناسِبُهُ كانَ نَفْيُهُ عَنْهُ أوْلى ثُمَّ سُلِكَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ في شَأْنِ مَن لا مِثْلَ لَهُ. وقِيلَ: مِثْلُهُ صِفَتُهُ أيْ: لَيْسَ كَصِفَتِهِ صِفَةٌ.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ المُبالَغُ في العِلْمِ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ ويُبْصِرُ.
الشورى 42:12
﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَزائِنُهُما ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ يُوَسِّعُ ويُضَيِّقُ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المُؤَسَّسَةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ.
﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في الإحاطَةِ بِهِ، فَيَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى:
الشورى 42:13
﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ و إيذانٌ بِأنَّ ما شَرَعَ لَهم صادِرٌ عَنْ كَمالِ العِلْمِ والحِكْمَةِ كَما أنَّ بَيانَ نِسْبَتِهِ إلى المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ دِينًا قَدِيمًا أجْمَعَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ والخِطابُ لِأُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ومَن بَعْدَهُ مِن أرْبابِ الشَّرائِعِ وأُولِي العَزائِمِ مِن مَشاهِيرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمَرَهم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا عَلى أنَّ تَخْصِيصَهم بِالذِّكْرِ لِما ذُكِرَ مِن عُلُوِّ شَأْنِهِمْ ولِاسْتِمالَةِ قُلُوبِ الكَفَرَةِ إلَيْهِ لِاتِّفاقِ الكُلِّ عَلى نُبُوَّةِ بَعْضِهِمْ،وَتَفَرُّدِ اليَهُودِ في شَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَفَرُّدِ النَّصارى في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإلّا فَما مِن نَبِيٍّ إلّا وهو مَأْمُورٌ بِما أمَرَهُ بِهِ وهو عِبارَةٌ عَنِ التَّوْحِيدِ ودِينِ الإسْلامِ وما لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ وتَبَدُّلِ الأعْصارِ مِن أُصُولِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّوْصِيَةُ فَإنَّها مُعْرِبَةٌ عَنْ تَأْكِيدِ الأمْرِ والِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، والمُرادُ بِإيحائِهِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إمّا ما ذُكِرَ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا﴾ الآيَةُ، أوْ ما يَعُمُّهُما وغَيْرَهُما مِمّا وقَعَ في سائِرِ المَواقِعِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِـ"الَّذِي" لِزِيادَةِ تَفْخِيمِ شَأْنِهِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، وإيثارُ الإيحاءِ عَلى ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ مِنَ التَّوْصِيَةِ لِمُراعاةِ ما وقَعَ في الآياتِ المَذْكُورَةِ ولِما في الإيحاءِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ القامِعِ لِإنْكارِ الكَفَرَةِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِإيحائِهِ وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِهِ عَلى ما بَعْدَهُ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ زَمانًا، وتَقْدِيمُ (p-26)تَوْصِيَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَشْرُوعِ لَهم دِينًا قَدِيمًا، وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ لِلتَّشْرِيفِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَعالى شَرَعَهُ لَهم عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ أيْ: دِينَ الإسْلامِ الَّذِي هو تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعالى وطاعَتُهُ والإيمانُ بِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وبِيَوْمِ الجَزاءِ وسائِرِ ما يَكُونُ الرَّجُلُ بِهِ مُؤْمِنًا، والمُرادُ: بِإقامَتِهِ تَعْدِيلُ أرْكانِهِ وحِفْظُهُ مِن أنْ يَقَعَ فِيهِ زَيْغٌ أوِ المُواظَبَةُ عَلَيْهِ والتَّشَمُّرُ لَهُ ومَحَلُّ "أنْ أقِيمُوا": إمّا النَّصْبُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ "شَرَعَ"، والمَعْطُوفَيْنِ عَلَيْها، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن إبْهامِ المَشْرُوعِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما ذاكَ؟ فَقِيلَ: هو إقامَةُ الدِّينِ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ "بِهِ" ولَيْسَ بِذاكَ لِما أنَّهُ مَعَ إفْضائِهِ إلى خُرُوجِهِ عَنْ حَيِّزِ الإيحاءِ إلى النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ لِلْأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى أُمَمِهِمْ تَمَحُّلٌ ظاهِرٌ مَعَ أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى أُمَّتِهِ ﷺ وأنَّهُمُ المُتَفَرِّقُونَ كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا أيْ: لا تَتَفَرَّقُوا في الدِّينِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا ذُكِرَ مِنَ الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ المُخْتَلِفَةِ حَسَبَ اخْتِلافِ الأُمَمِ بِاخْتِلافِ الأعْصارِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ بَعْضِ مَن شَرَعَ لَهم ما شَرَعَ مِنَ الدِّينِ القَوِيمِ أيْ: عَظُمَ وشَقَّ عَلَيْهِمْ.
﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ ورَفْضِ عِبادَةِ الأصْنامِ واسْتَبْعَدُوهُ حَيْثُ قالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مِنهم مَن يُجِيبُ إلى الدَّعْوَةِ أيِ: اللَّهُ يَجْتَلِبُ إلى ما تَدْعُوهم إلَيْهِ مَن يَشاءُ أنْ يَجْتَبِيَهُ إلَيْهِ وهو مَن صَرَفَ اخْتِيارَهُ إلى ما دُعِيَ إلَيْهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: يُقْبِلُ إلَيْهِ حَيْثُ يَمُدُّهُ بِالتَّوْفِيقِ والألْطافِ.
الشورى 42:14
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَفَرَّقُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابِ عُقَيْبَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أيْ: وما تَفَرَّقُوا في الدِّينِ الَّذِي دُعُوا إلَيْهِ ولَمْ يُؤْمِنُوا كَما آمَنَ بَعْضُهم.
﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ بِحَقِّيتِهِ بِما شاهَدُوا في رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والقرآن مِن دَلائِلِ الحَقِّيةِ حَسَبَما وجَدُوهُ في كِتابِهِمْ، أوِ العِلْمِ بِمَبْعَثِهِ ﷺ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أوْ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ أيْ: وما تَفَرَّقُوا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا حالَ مَجِيءِ العِلْمِ أوْ إلّا وقْتَ مَجِيءِ العِلْمِ.
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وحَمِيَّةً وطَلَبًا لِلرِّياسَةِ لا لِأنَّ لَهم في ذَلِكَ شُبْهَةً.
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهي العِدَةُ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ.
﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ.
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لِأوْقَعَ القَضاءَ بَيْنَهم بِاسْتِئْصالِهِمْ لِاسْتِيجابِ جِناياتِهِمْ لِذَلِكَ قَطْعًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ (p-27)أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ ...إلَخْ، بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ كُفْرِ المُشْرِكِينَ بِالقرآن إثْرَ بَيانِ كَيْفِيَّةِ كُفْرِ /أهْلِ الكِتابِ، وقُرِئَ "وَرِثُوا" و"وُرِّثُوا" أيْ: وإنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُورِثُوا القرآن مِن بَعْدِ ما أُورِثَ أهْلِ الكِتابِ كِتابَهم.
﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِنَ القرآن.
﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٌ في القَلَقِ أوْ في الرِّيبَةِ ولِذَلِكَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ لا لِمَحْضِ البَغِيِ والمُكابِرَةِ بَعْدَ ما عَلِمُوا بَحَقِّيَتِهِ كَدَأْبِ أهْلِ الكِتابَيْنِ هَذا، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ضَمِيرَ "تَفَرَّقُوا" لِأُمَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ المُرادَ: تَفَرُّقُ كُلِّ أُمَّةٍ بَعْدَ نَبِيِّها مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ الفِرْقَةَ ضَلالٌ وفَسادٌ وأمْرٌ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ وكَذا ما قِيلَ مِن أنَّ النّاسَ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً مُؤْمِنِينَ بَعْدَ ما أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ الأرْضِ بِالطُّوفانِ فَلَمّا ماتَ الآباءُ اخْتَلَفَ الأبْناءُ فِيما بَيْنَهم وذَلِكَ حِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وجاءَهُمُ العِلْمُ، وإنَّما اَخْتَلَفُوا لِلْبَغْيِ بَيْنَهُمْ، فَإنَّ مَشاهِيرَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ قَدْ أصابَهم عَذابُ الِاسْتِئْصالِ مِن غَيْرِ إنْظارٍ وإمْهالٍ عَلى أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ أحْوالِ هَذِهِ الأُمَّةِ وإنَّما ذُكِرَ مَن ذُكِرَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَحْقِيقِ أنَّ ما شُرِعَ لِهَؤُلاءِ دِينٌ قَدِيمٌ أجْمَعَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ الأعْلامُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ إقامَتِهِ وتَشْدِيدًا لِلزَّجْرِ عَنِ التَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ فِيهِ، فالتَّعَرُّضُ لِبَيانِ تَفَرُّقِ أُمَمِهِمْ عَنْهُ رُبَّما يُوهِمُ الإخْلالَ بِذَلِكَ المَرامِ.
الشورى 42:15
﴿فَلِذَلِكَ﴾ أيْ: فَلِأجْلِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّفَرُّقِ والشَّكِّ المُرِيبِ أوْ فَلِأجْلِ أنَّهُ شَرَعَ لَهُمُ الدِّينَ القَوِيمَ القَدِيمَ الحَقِيقَ بِأنْ يَتَنافَسَ فِيهِ المُتَنافِسُونَ.
﴿فادْعُ﴾ أيِ: النّاسَ كافَّةً إلى إقامَةِ ذَلِكَ الدِّينِ والعَمَلِ بِمُوجِبِهِ فَإنَّ كُلًّا مِن تَفَرُّقِهِمْ وكَوْنِهِمْ في شَكٍّ مُرِيبٍ ومَن شَرَعَ ذَلِكَ الدِّينَ لَهم عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبَبٌ لِلدَّعْوَةِ إلَيْهِ والأمْرِ بَها، ولَيْسَ المُشارُ إلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّوْصِيَةِ والأمْرِ بِالإقامَةِ والنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ حَتّى يُتَوَهَّمَ شائِبَةُ التَّكْرارِ. وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ: نَفْسُ الدِّينِ المَشْرُوعِ، واللّامُ بِمَعْنى إلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ أيْ: فَإلى ذَلِكَ الدِّينِ فادْعُ.
﴿واسْتَقِمْ﴾ عَلَيْهِ وعَلى الدَّعْوَةِ إلَيْهِ.
﴿كَما أُمِرْتَ﴾ وأُوحِيَ إلَيْكَ.
﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ الباطِلَةَ.
﴿وَقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ أيَّ كِتابٍ كانَ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ لا كالَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ مِنها وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وفِيهِ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وبَيانٌ لِاتِّفاقِ الكُتُبِ في الأُصُولِ وتَأْلِيفٌ لِقُلُوبِ أهْلِ الكِتابَيْنِ وتَعْرِيضٌ بِهِمْ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ الإيمانِ بِها في خاتِمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في تَبْلِيغِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وفَصْلِ القَضايا عِنْدَ المُحاكَمَةِ والخِصامِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: لا سِوى بَيْنِي وبَيْنَكم ولا آمُرُكم بِما لا أعْمَلُهُ ولا أُخالِفُكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ولا أُفَرِّقُ بَيْنَ أكابِرِكم وأصاغِرِكُمْ، واللّامُ إمّا عَلى حَقِيقَتِها، والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ أيْ: أُمِرْتُ بِذَلِكَ لِأعْدِلَ، أوْ زائِدَةٌ أيْ: أُمِرْتُ أنْ أعْدِلَ والباءُ مَحْذُوفَةٌ.
﴿اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ: خالِقُنا جَمِيعًا ومُتَوَلِّي أُمُورِنا.
﴿لَنا أعْمالُنا﴾ لا يَتَخَطّانا جَزاؤُها ثَوابًا كانَ (p-28)أوْ عِقابًا.
﴿وَلَكم أعْمالُكُمْ﴾ لا تُجاوِزُكم آثارُها لِنَسْتَفِيدَ بِحَسَناتِكم ونَتَضَرَّرَ بِسَيِّئاتِكم.
﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ لا مُحاجَّةَ ولا خُصُومَةَ لِأنَّ الحَقَّ قَدْ ظَهَرَ ولَمْ يَبْقَ لِلْمُحاجَّةِ حاجَةٌ ولا لِلْمُخالَفَةِ مَحَلٌّ سِوى المُكابَرَةِ.
﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَيَظْهَرُ هُناكَ حالُنا وحالُكم وهَذا كَما تَرى مُحاجَزَةٌ في مَواقِفِ المُجاوَبَةِ لا مُتارَكَةٌ في مَواطِنِ المُحارِبَةِ حَتّى يُصارَ إلى النَّسْخِ بِآيَةِ القِتالِ.
الشورى 42:16
﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: في دِينِهِ.
﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ لَهُ النّاسُ ودَخَلُوا فِيهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِجابَةِ بِاعْتِبارِ دَعْوَتِهِمْ إلَيْهِ أوْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ وأيَّدَهُ بِنَصْرِهِ أوْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ لَهُ أهْلِ الكِتابِ بِأنْ أقَرُّوا بِنُبُوَّتِهِ ﷺ واسْتَفْتَحُوا بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ؛ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم ونَحْنُ خَيْرٌ مِنكم وأوْلى بِالحَقِّ.
﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ زالَّةٌ زائِلَةٌ باطِلَةٌ بَلْ لا حُجَّةَ لَهم أصْلًا وإنَّما عُبِّرَ عَنْ أباطِيلِهِمْ بِالحُجَّةِ مُجاراةً مَعَهم عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ.
﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ عَظِيمٌ لِمُكابَرَتِهِمُ الحَقَّ بَعْدَ ظُهُورِهِ.
﴿وَلَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
الشورى 42:17
﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ﴾ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ.
﴿بِالحَقِّ﴾ مُلْتَبِسًا بِهِ في أحْكامِهِ وأخْبارِهِ أوْ بِما يَحِقُّ إنْزالُهُ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ.
﴿والمِيزانَ﴾ والشَّرْعِ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ الحُقُوقُ ويُسَوّى بَيْنَ النّاسِ أوْ نَفْسُ العَدْلِ بِأنْ أنْزَلَ الأمْرَ بِهِ أوْ آلَةُ الوَزْنِ.
﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ عالِمًا؟
﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ الَّتِي يُخْبِرُ بِمَجِيئِها الكِتابُ النّاطِقُ بِالحَقِّ.
﴿قَرِيبٌ﴾ أيْ: شَيْءٌ قَرِيبٌ أوْ قَرِيبٌ مَجِيئُها. وقِيلَ: القَرِيبُ بِمَعْنى ذاتُ قُرْبٍ أوِ السّاعَةُ بِمَعْنى البَعْثِ، والمَعْنى: أنَّها عَلى جَناحِ الإتْيانِ فاتَّبِعِ الكِتابَ واعْمَلْ بِهِ وواظِبْ عَلى العَدْلِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكَ اليَوْمُ الَّذِي يُوزَنُ فِيهِ الأعْمالُ ويُوَفّى جَزاؤُها.
الشورى 42:18
﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ اسْتِعْجالَ إنْكارٍ واسْتِهْزاءٍ كانُوا يَقُولُونَ: مَتى هِيَ؟ لَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا الحَقُّ، أهُوَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ أمِ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ؟
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ خائِفُونَ مِنها مَعَ اعْتِناءٍ بِها لِتَوَقُّعِ الثَّوابِ.
﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ أيْ: الكائِنُ لا مَحالَةَ.
﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ﴾ يُجادِلُونَ فِيها مِنَ المِرْيَةِ أوْ مِن مَرَيْتُ النّاقَةَ إذا مَسَحْتَ ضَرْعَها بِشِدَّةٍ لِلْحَلْبِ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَجادِلَيْنِ يَسْتَخْرِجُ ما عِنْدَ صاحِبِهِ بِكَلامٍ فِيهِ شِدَّةٌ.
﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ، فَإنَّ البَعْثَ أشْبَهُ الغائِباتِ بِالمَحْسُوساتِ فَمَن لَمْ يَهْتَدِ إلى تَجْوِيزِهِ فَهو عَنِ (p-29)الِاهْتِداءِ إلى ما وراءَهُ أبْعَدُ وأبْعَدُ.
الشورى 42:19
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: بَرٌّ بَلِيغُ البِرِّ بِهِمْ يُفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن فُنُونِ ألْطافِهِ ما لا يَكادُ يَنالُهُ أيْدِي الأفْكارِ والظُّنُونِ.
﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَرْزُقَهُ كَيْفَما يَشاءُ فَيَخُصُّ كُلًّا مِن عِبادِهِ بِنَوْعٍ مِنَ البَرِّ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ.
﴿وَهُوَ القَوِيُّ﴾ الباهِرُ القُدْرَةِ الغالِبُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
﴿العَزِيزُ﴾ المَنِيعُ الَّذِي لا يُغْلَبُ.
الشورى 42:20
﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ الحَرْثُ في الأصْلِ: إلْقاءُ البَذْرِ في الأرْضِ يُطْلَقُ عَلى الزَّرْعِ الحاصِلِ مِنهُ ويُسْتَعْمَلُ في ثَمَراتِ الأعْمالِ ونَتائِجِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهِها بِالغِلالِ الحاصِلَةِ مِنَ البُذُورِ المُتَضَمِّنِ لِتَشْبِيهِ الأعْمالِ أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ ثَوابَ الآخِرَةِ.
﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ نُضاعِفْ لَهُ ثَوابَهُ بِالواحِدِ عَشْرَةً إلى سَبْعِمِائَةٍ فَما فَوْقَها.
﴿وَمَن كانَ يُرِيدُ﴾ بِأعْمالِهِ.
﴿حَرْثَ الدُّنْيا﴾ وهو مَتاعُها وطَيِّباتُها.
﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: شَيْئًا مِنها حَسَبَما قَسَّمْنا لَهُ لا ما يُرِيدُهُ ويَبْتَغِيهِ.
﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ إذْ كانَتْ هِمَّتُهُ مَقْصُورَةً عَلى الدُّنْيا، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ الإسْراءِ.
الشورى 42:21
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ أيْ: بَلْ ألَهم شُرَكاءُ مِنَ الشَّياطِينِ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ.
﴿شَرَعُوا لَهُمْ﴾ بِالتَّسْوِيلِ.
﴿مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ كالشَّرَكِ وإنْكارِ البَعْثِ والعَمَلِ لِلدُّنْيا. وقِيلَ: شُرَكاؤُهم أوْثانُهم وإضافَتُها إلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، وإسْنادُ الشَّرْعِ إلَيْها لِأنَّها سَبَبُ ضَلالَتِهِمْ وافْتِتانِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا﴾ أوْ تَماثِيلَ مَن سَنَّ الضَّلالَةَ لَهم.
﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: القَضاءُ السّابِقُ بِتَأْخِيرِ الجَزاءِ أوِ العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ.
﴿وَإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ أيْ: ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ وتَقْدِيرُ عَذابِ الظّالِمِينَ في الآخِرَةِ لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا فَإنَّ العَذابَ الألِيمَ غالِبٌ في عَذابِ الآخِرَةِ.
الشورى 42:22
﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لَهُ لِلْقَصْدِ إلى أنَّ سُوءَ حالِهِمْ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِرُؤْيَةِ راءٍ دُونَ راءٍ.
﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ.
﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ.
﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أيْ: ووَبالُهُ لاحِقٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا، أوِ الجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "مُشْفِقِينَ" أوِ اعْتِراضٌ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا (p-30)الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ مُسْتَقِرُّونَ في أطْيَبِ بِقاعِها وأنْزَهِها.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: ما يَشْتَهُونَهُ مِن فُنُونِ المُسْتَلَذّاتِ حاصِلٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ، ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرارِ العامِلِ في لَهم. وقِيلَ: ظَرْفٌ لِـ"يَشاءُونَ".
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حالِ المُؤْمِنِينَ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ.
﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ غايَتُهُ.
الشورى 42:23
﴿ذَلِكَ﴾ الفَضْلُ الكَبِيرُ هو ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ أيْ: يُبَشِّرُهم بِهِ، فَحَذَفَ الجارَّ ثُمَّ العائِدَ إلى المَوْصُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ وقُرِئَ "يُبْشِرُ" مِن أبْشَرَ.
﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ في مَجْمَعٍ لَهم فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتُرَوْنَ أنَّ مُحَمَّدًا يَسْألُ عَلى ما يَتَعاطاهُ أجْرًا فَنَزَلَتْ، أيْ: لا أطْلُبُ مِنكم عَلى ما أنا عَلَيْهِ مِنَ التَّبْلِيغِ والبِشارَةِ.
﴿أجْرًا﴾ نَفْعًا.
﴿إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي أوْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي. وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ والمَعْنى: لا أسْألُكم أجْرًا قَطُّ ولَكِنْ أسْألُكُمُ المَوَدَّةَ و"فِي القُرْبى" حالٌ مِنها أيْ: إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى مُتَمَكِّنَةً في أهْلِها أوْ في حَقِّ القَرابَةِ و"القُرْبى" مَصْدَرٌ كالزُّلْفى بِمَعْنى القَرابَةِ. رُوِيَ أنَّها «لَمّا نَزَلَتْ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهُمْ؟ قالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما.» وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "حُرِّمَتِ الجَنَّةُ عَلى مَن ظَلَمَ أهْلَ بَيْتِي وآذانِي في عِتْرَتِي ومَنِ اصْطَنَعَ صَنِيعَةً إلى أحَدٍ مِن ولَدِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ولَمْ يُجازِهْ فَأنا أُجازِيهِ عَلَيْها غَدًا إذا لَقِيَنِي يَوْمَ القِيامَةِ".» وقِيلَ: القُرْبى: التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في تَقَرُّبِكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وقُرِئَ "إلّا مَوَدَّةً في القُرْبى".
﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أيْ: يَكْتَسِبْ أيَّ حَسَنَةٍ كانَتْ، فَتَناوَلَ مَوَدَّةَ ذِي القُرْبى تَناوُلًا أوَّلِيًّا. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّها المُرادَةُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَوَدَّتِهِ فِيهِمْ ﴿نَزِدْ لَهُ فِيها﴾ أيْ: في الحَسَنَةِ.
﴿حُسْنًا﴾ بِمُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وقُرِئَ "يَزِدْ" أيْ: يَزِدِ اللَّهُ، وقُرِئَ "حُسْنى".
﴿أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِمَن أذْنَبَ.
﴿شَكُورٌ﴾ لِمَن أطاعَ بِتَوْفِيَةِ الثَّوابِ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِ بِالزِّيادَةِ.
الشورى 42:24
﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ بَلْ أيَقُولُونَ.
﴿افْتَرى﴾ مُحَمَّدٌ.
﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِدَعْوى النُّبُوَّةِ وتِلاوَةِ القرآن عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَتَمالَكُونَ أنْ يَنْسُبُوا مِثْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو هو إلى الِافْتِراءِ لا سِيَّما الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ الفِرى وأفْحَشُها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى بُطْلانِ ما قالُوا بِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ تَعالى لَمَنَعَهُ مِن ذَلِكَ قَطْعًا، وتَحْقِيقُهُ أنَّ دَعْوى كَوْنِ القرآن افْتِراءً عَلَيْهِ تَعالى قَوْلٌ مِنهم بِأنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ صُدُورَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَشاءُ عَدَمَ صُدُورِهِ (p-31)عَنْهُ، ومِن ضَرُورَتِهِ مَنعُهُ عَنْهُ قَطْعًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ كانَ افْتِراءً عَلَيْهِ تَعالى لَشاءَ عَدَمَ صُدُورِهِ عَنْكَ، وإنْ يَشَأْ ذَلِكَ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ بِحَيْثُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِكَ مَعْنًى مِن مَعانِيهِ ولَمْ تَنْطِقْ بِحَرْفٍ مِن حُرُوفِهِ وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ تَواتَرَ الوَحْيُ حِينًا فَحِينًا تَبَيَّنَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى هَذا، وقِيلَ: المَعْنى إنْ يَشَأْ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ تَعالى إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ ومُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ في البُعْدِ مِثْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ. وعَنْ قَتادَةَ ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ يُنْسِكَ القرآن ويَقْطَعْ عَنْكَ الوَحْيَ، يَعْنِي: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وهَذا مَعْنى ما قِيلَ لَوْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ لَأنْساهُ القرآن. وقِيلَ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يَرْبِطْ عَلَيْهِ بِالصَّبْرِ حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ أذاهم.
﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِنَفْيِ الِافْتِراءِ، غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى يَخْتِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ، وسُقُوطُ الواوِ كَما في بَعْضِ المَصاحِفِ لِاتِّباعِ اللَّفْظِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ أيْ: ومِن عادَتِهِ تَعالى أنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ ويُثْبِتُ الحَقَّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ فَلَوْ كانَ افْتِراءً كَما زَعَمُوا لَمَحَقَهُ ودَمَغَهُ أوْ عِدَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُ تَعالى يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ بِالقرآن أوْ بِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ بِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ.
﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَيُجْرِي عَلَيْها أحْكامَها اللّائِقَةَ بِها مِنَ المَحْوِ والإثْباتِ.
الشورى 42:25
﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ التَّوْبَةُ: هي الرُّجُوعُ عَنِ المَعاصِي بِالنَّدَمِ عَلَيْها والعَزْمُ عَلى أنْ لا يُعاوِدَها أبَدًا. ورَوى جابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ وكَبَّرَ فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عُنَّهُ: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالِاسْتِغْفارِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ وتَوْبَتُكَ هَذِهِ تَحْتاجُ إلى التَّوْبَةِ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ وما التَّوْبَةُ؟ قالَ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ مَعانٍ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولَتَضْيِيعِ الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ، وإذابَةُ النَّفْسِ في الطّاعَةِ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ، وإذاقَتُها مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ، والبُكاءُ بَدَلَ كُلِّ ضَحِكٍ ضِحْكْتَهُ.
﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ صَغِيرِها وكَبِيرِها لِمَن يَشاءُ.
﴿وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ كائِنًا ما كانَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِي ويَتَجاوَزُ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ، وقُرِئَ "ما تَفْعَلُونَ" بِالتّاءِ.
الشورى 42:26
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لَهم فَحَذَفَ اللّامَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا كالُوهُمْ﴾ أيْ: كالُوا لَهُمْ، والمُرادُ: إجابَةُ دَعْوَتِهِمْ والإثابَةُ عَلى طاعَتِهِمْ فَإنَّها كَدُعاءٍ وطَلَبٍ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ ﴿أفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أوْ يَسْتَجِيبُونَ اللَّهَ بِالطّاعَةِ إذا دَعاهم إلَيْها، وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ قِيلَ لَهُ: ما بالُنا نَدْعُو فَلا (p-32)نُجابُ؟ قالَ: لِأنَّهُ دَعاكم ولَمْ تُجِيبُوهُ ثُمَّ قَرَأ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ .
﴿وَيَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى ما سَألُوا واسْتَحَقُّوا بِمُوجِبِ الوَعْدِ.
﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ بَدَلَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ والفَضْلِ المَزِيدِ.
الشورى 42:27
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ لَتَكَبَّرُوا وأفْسَدُوا فِيها بَطَرًا أوْ لعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالِاسْتِيلاءِ والِاسْتِعْلاءِ كَما عَلَيْهِ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ، وأصْلُ البَغْيِ: طَلَبُ تَجاوُزِ الِاقْتِصادِ فِيما يُتَحَرّى مِن حَيْثُ الكَمِّيَّةُ أوِ الكَيْفِيَّةُ.
﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِتَقْدِيرٍ.
﴿ما يَشاءُ﴾ أنْ يُنَزِّلَهُ مِمّا تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ.
﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ مُحِيطٌ بِخَفايا أُمُورِهِمْ وجَلاياها فَيُقَدِّرُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم في كُلِّ وقْتٍ مِن أوْقاتِهِمْ ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ فَيُفْقِرُ ويُغْنِي ويَمْنَعُ ويُعْطِي ويَقْبِضُ ويَبْسُطُ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الرَّبّانِيَّةُ، ولَوْ أغْناهم جَمِيعًا لَبَغَوْا ولَوْ أفْقَرَهم لَهَلَكُوا. ورُوِيَ أنَّ أهْلَ الصُّفَّةِ تَمَنَّوُا الغِنى فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في العَرَبِ كانُوا إذا أُخْصِبُوا تَحارَبُوا وإذا أُجْدِبُوا انْتَجَعُوا.
الشورى 42:28
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيِ: المَطَرَ الَّذِي يُغِيثُهم مِنَ الجَدْبِ ولِذَلِكَ خُصَّ بِالنّافِعِ مِنهُ، وقُرِئَ "يُنْزِلُ" مِنَ الإنْزالِ.
﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ يَئِسُوا مِنهُ وتَقْيِيدُ تَنْزِيلِهِ بِذَلِكَ مَعَ تَحَقُّقِهِ بِدُونِهِ أيْضًا لِتَذَكُّرِ كَمالِ النِّعْمَةِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ.
﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أيْ: بَرَكاتِ الغَيْثِ ومَنافِعَهُ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ السَّهْلِ والجَبَلِ والنَّباتِ والحَيَوانِ أوْ رَحْمَتَهُ الواسِعَةَ المُنْتَظِمَةَ لِما ذُكِرَ انْتِظامًا أوَّلِيًا.
﴿وَهُوَ الوَلِيُّ﴾ الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ بِالإحْسانِ ونَشْرِ الرَّحْمَةِ.
﴿الحَمِيدُ﴾ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ عَلى ذَلِكَ لا غَيْرُهُ.
الشورى 42:29
﴿وَمن آياته خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَلى ما هُما مِن تَعاجِيبِ الصَّنائِعِ فَإنَّها بِذاتِها وصِفاتِها تَدُلُّ عَلى شُئُونِهِ العَظِيمَةِ.
﴿وَما بَثَّ فِيهِما﴾ عَطْفٌ عَلى السَّمَواتِ أوِ الخَلْقِ.
﴿مِن دابَّةٍ﴾ مِن حَيٍّ، عَلى إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ أوْ مِمّا يَدِبُّ عَلى الأرْضِ فَإنَّ ما يَخْتَصُّ بِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ المُتَجاوِرَيْنِ يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَشْيٌ مَعَ الطَّيَرانِ فَيُوصَفُوا بِالدَّبِيبِ وأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ في السَّماءِ حَيَوانًا يَمْشُونَ فِيها مَشْيَ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ . وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « "فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أسْفَلِهِ وأعْلاهُ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمانِيَةُ أوْعالٍ بَيْنَ رُكَبِهِنَّ وأظْلافِهِنَّ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ العَرْشُ العَظِيمُ.» ﴿وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ بَعْدَ البَعْثِ لِلْمُحاسَبَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا يَشاءُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ لا بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-33)﴿قَدِيرٌ﴾ فَإنَّ المُقَيَّدَ بِالمَشِيئَةِ جَمْعُهُ تَعالى لا قدرته وإذا عِنْدَ كَوْنِها بِمَعْنى الوَقْتِ كَما تَدْخُلُ الماضِيَ تَدْخُلُ المُضارِعَ.
الشورى 42:30
﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيَّ مُصِيبَةٍ كانَتْ.
﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: فَهي مَعاصِيكُمُ الَّتِي اكْتَسَبْتُمُوها، والفاءُ لِأنَّ "ما" شَرْطِيَّةٌ أوْ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ، وقُرِئَ بِدُونِها اكْتِفاءً بِما في الباءِ مِن مَعْنى السَّبَبِيَّةِ.
﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ فَإنَّ ما أصابَ غَيْرَهم لِأسْبابٍ أُخْرى مِنها تَعْرِيضُهُ لِلثَّوابِ بِالصَّبْرِ عَلَيْها.
الشورى 42:31
﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ فائِتِينَ ما قُضِيَ عَلَيْكم مِنَ المَصائِبِ وإنْ هَرَبْتُمْ مِن أقْطارِها كُلَّ مَهْرَبٍ.
﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يَحْمِيكم مِنها.
﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ يَدْفَعُها عَنْكم.
الشورى 42:32
﴿وَمن آياته الجَوارِ﴾ السُّفُنُ الجارِيَةُ.
﴿فِي البَحْرِ﴾ وقُرِئَ الجَوارِي.
﴿كالأعْلامِ﴾ أيْ: كالجِبالِ عَلى الإطْلاقِ لا الَّتِي عَلَيْها النّارُ لِلِاهْتِداءِ خاصَّةً.
الشورى 42:33
﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ الَّتِي يُجْرِيها، وقُرِئَ "الرِّياحَ".
﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ فَيَبْقَيْنَ ثَوابِتَ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ أيْ: غَيْرَ جارِياتٍ لا غَيْرَ مُتَحَرِّكاتٍ أصْلًا.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ السُّفُنِ اللّاتِي يَجْرِينَ تارَةً ويَرْكُدْنَ أُخْرى عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ تَعالى.
﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً في أنْفُسِها كَثِيرَةً في العَدَدِ دالَّةً عَلى ما ذُكِرَ مِن شُئُونِهِ تَعالى.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ لِكُلِّ مَن حَبَسَ نَفْسَهُ عَنِ التَّوَجُّهِ إلى ما لا يَنْبَغِي ووَكَلَ هِمَّتَهُ بِالنَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ تَعالى والتَّفَكُّرِ في آلائِهِ، أوْ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ كامِلٍ فَإنَّ الإيمانَ نِصْفُهُ صَبْرٌ ونِصْفُهُ شُكْرٌ.
الشورى 42:34
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "يُسْكِنْ" والمَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ أوْ يُرْسِلْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها، وإيقاعُ الإيباقِ عَلَيْهِنَّ مَعَ أنَّهُ حالُ "أهْلِهِنَّ" لِلْمُبالَغَةِ والتَّهْوِيلِ، وإجْراءُ حُكْمِهِ عَلى العَفْوِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ لِما أنَّ المَعْنى: أوْ يُرْسِلْها فَيَوْبَقْ ناسًا ويُنْجِ آخَرِينَ بِطَرِيقِ العَفْوِ عَنْهُمْ، وقُرِئَ "وَيُعْفُو" عَلى الِاسْتِئْنافِ.
الشورى 42:35
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مِثْلُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ولِيَعْلَمَ ...إلَخْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ ونَظائِرِهِما، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى "يَعْفُ" فَيَكُونُ المَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ إهْلاكِ قَوْمٍ وإنْجاءِ قَوْمٍ وتَحْذِيرِ قَوْمٍ ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: مِن مَهْرَبٍ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ.
الشورى 42:36
(p-34)﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ مِمّا تَرْغَبُونَ وتَتَنافَسُونَ فِيهِ.
﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: فَهو مَتاعُها تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مُدَّةَ حَياتِكم.
﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ.
﴿خَيْرٌ﴾ ذاتًا لِخُلُوصِ نَفْعِهِ.
﴿وَأبْقى﴾ زَمانًا حَيْثُ لا يَزُولُ ولا يَفْنى.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ أصْلًا، والمَوْصُولُ الأوَّلُ لَمّا كانَ مُتَضَمِّنًا لِمَعْنى الشَّرْطِ مِن حَيْثُ إنَّ إيتاءَ ما أُوتُوا سَبَبٌ لِلتَّمَتُّعِ بِها في الحَياةِ الدُّنْيا دَخَلَتْ جَوابَها الفاءُ بِخِلافِ الثّانِي، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ تَصَدَّقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمالِهِ فَلامَهُ جَمْعٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ.
الشورى 42:37
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ أيْ: الكَبائِرَ مِن هَذا الجِنْسِ.
﴿والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ مَعَ ما بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلى "الَّذِينَ آمَنُوا" أوْ مَدْحٌ بِالنَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ، وبِناءُ "يَغْفِرُونَ" عَلى الضَّمِيرِ خَبَرًا لَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ الأخِصّاءُ بِالمَغْفِرَةِ حالَ الغَضَبِ لِعِزَّةِ مَنالِها، وقُرِئَ كَبِيرَ الإثْمِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كَبِيرُ الإثْمِ: الشِّرْكُ.
الشورى 42:38
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ نَزَلَ في الأنْصارِ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ إلى الإيمانِ فاسْتَجابُوا لَهُ.
﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: ذُو شُورى لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَتَشاوَرُوا ويَجْتَمِعُوا عَلَيْها وكانُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها إذا حَزَبَهم أمْرٌ اجْتَمَعُوا وتَشاوَرُوا.
﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: في سَبِيلِ الخَيْرِ ولَعَلَّ فَصْلَهُ عَنْ قَرِينِهِ بِذِكْرِ المُشاوَرَةِ لِوُقُوعِها عِنْدَ اجْتِماعِهِمْ لِلصَّلَواتِ.
الشورى 42:39
﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: يَنْتَقِمُونَ مِمَّنْ بَغى عَلَيْهِمْ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم كَراهَةَ التَّذَلُّلِ، وهو وصْفٌ لَهم بِالشَّجاعَةِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِسائِرِ مُهِمّاتِ الفَضائِلِ وهَذا لا يُنافِي وصْفَهم بِالغُفْرانِ فَإنَّ كُلاًّ مِنهُما فَضِيلَةٌ مَحْمُودَةٌ في مَوْقِعِ نَفْسِهِ ورَذِيلَةٌ مَذْمُومَةٌ في مَوْقِعِ صاحِبِهِ، فَإنَّ الحِلْمَ عَنِ العاجِزِ وعَوْراءِ الكِرامِ مَحْمُودٌ، وعَنِ المُتَغَلِّبِ ولَغْواءِ اللِّئامِ مَذْمُومٌ؛ فَإنَّهُ إغْراءٌ عَلى البَغْيِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ:
؎ إذا أنْتَ أكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ ∗∗∗ وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدا
؎ فَوَضْعُ النَّدى في مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا ∗∗∗ مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدى
الشورى 42:40
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ بَيانٌ لِوَجْهِ كَوْنِ الِانْتِصارِ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ إساءَةً إلى الغَيْرِ بِالإشارَةِ إلى أنَّ البادِئَ هو الَّذِي فَعَلَهُ لِنَفْسِهِ فَإنَّ الأفْعالَ مُسْتَتْبِعَةٌ لِأجْزِيَتِها حَتْمًا إنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى حُرْمَةِ التَّعَدِّي، وإطْلاقُ السَّيِّئَةِ عَلى الثّانِيَةِ (p-35)لِأنَّها تَسُوءُ مَن نَزَلَتْ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا﴾ عَنِ المُسِيءِ إلَيْهِ.
﴿وَأصْلَحَ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يُعادِيهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .
﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ مُنْبِئَةٌ عَنْ عِظَمِ شَأْنِ المَوْعُودِ وخُرُوجِهِ عَنِ الحَدِّ المَعْهُودِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ البادِئِينَ بِالسَّيِّئَةِ والمُعْتَدِينَ في الِانْتِقامِ.
الشورى 42:41
﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ما ظُلِمَ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن" بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما أنَّ الضَّمِيرَيْنِ لَها بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ.
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِالمُعاتَبَةِ أوِ المُعاقَبَةِ.
الشورى 42:42
﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ يَبْتَدِئُونَهم بِالإضْرارِ أوْ يَعْتَدُونَ في الِانْتِقامِ.
﴿وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها تَجَبُّرًا وفَسادًا.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الظُّلْمِ والبَغْيِ بِغَيْرِ الحَقِّ.
﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ.
الشورى 42:43
﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ عَلى الأذى.
﴿وَغَفَرَ﴾ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ وفَوَّضَ أمْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الصَّبْرِ والمَغْفِرَةِ.
﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ، فَحُذِفَ ثِقَةً بِغايَةِ ظُهُورِهِ كَما في قَوْلِهِمْ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، وهَذا في المَوادِّ الَّتِي لا يُؤَدِّي العَفْوُ إلى الشَّرِّ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.
الشورى 42:44
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ تَعالى إيّاهُ.
﴿وَتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: حِينَ يَرَوْنَهُ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ.
﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ﴾ أيْ: إلى رَجْعَةٍ إلى الدُّنْيا.
﴿مِن سَبِيلٍ﴾ حَتّى نُؤْمِنَ ونَعْمَلَ صالِحًا.
الشورى 42:45
﴿وَتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى النّارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالعَذابِ، والخِطابُ في المَوْضِعَيْنِ لِكُلِ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.
﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ مُتَذَلِّلِينَ مُتَضائِلِينَ مِمّا دَهاهم.
﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم إلى النّارِ مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ، كالمَصْبُورِ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ.
﴿وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: المُتَّصِفِينَ بِحَقِيقَةِ الخُسْرانِ.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ بِالتَّعْرِيضِ لِلْعَذابِ الخالِدِ.
﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ إمّا ظَرْفٌ لِـ"خَسِرُوا" فالقَوْلُ في (p-36)الدُّنْيا، أوْ لِقالَ، فالقَوْلُ يَوْمَ القِيامَةِ أيْ: يَقُولُونَ حِينَ يَرَوْنَهم عَلى تِلْكَ الحالِ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ إمّا مِن تَمامِ كَلامِهِمْ أوْ تَصْدِيقٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم.
الشورى 42:46
﴿وَما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ﴾ بِرَفْعِ العَذابِ عَنْهم.
﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حَسَبَما كانُوا يَرْجُونَ ذَلِكَ في الدُّنْيا.
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ يُؤَدِّي سُلُوكُهُ إلى النَّجاةِ.
الشورى 42:47
﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ إذا دَعاكم إلى الإيمانِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ ما حَكَمَ بِهِ، عَلى أنَّ مِن صِلَةُ مَرَدَّ، أوْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ.
﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: مَفَرٌّ تَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ.
﴿وَما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: إنْكارُهُ لِما اقْتَرَفْتُمُوهُ لِأنَّهُ مُدَوَّنٌ في صَحائِفِ أعْمالِكم وتَشْهَدُ عَلَيْكم جَوارِحُكم.
الشورى 42:48
﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تَلْوِينٌ لِلْكَلامِ وصَرْفٌ لَهُ عَنْ خِطابِ النّاسِ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِالِاسْتِجابَةِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا وأعْرَضُوا عَمّا تَدْعُوهم إلَيْهِ فَما أرْسَلْناكَ رَقِيبًا ومُحاسِبًا عَلَيْهِمْ.
﴿إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ وقَدْ فَعَلْتَ.
﴿وَإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً مِنَ الصِّحَّةِ والغِنى والأمْنِ.
﴿فَرِحَ بِها﴾ أُرِيدَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ مِن مَرَضٍ وفَقْرٍ وخَوْفٍ.
﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ بَلِيغُ الكُفْرِ يَنْسى النِّعْمَةَ رَأْسًا ويَذْكُرُ البَلِيَّةَ ويَسْتَعْظِمُها ولا يَتَأمَّلُ سَبَبَها بَلْ يَزْعُمُ أنَّها أصابَتْهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لَها، وإسْنادُ هَذِهِ الخَصْلَةِ إلى الجِنْسِ مَعَ كَوْنِها مِن خَواصِّ المُجْرِمِينَ لِغَلَبَتِهِمْ فِيما بَيْنَ الأفْرادِ، وتَصْدِيرُ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى بِـ"إذا" مَعَ إسْنادِ الإذاقَةِ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إيصالَ النِّعْمَةِ مُحَقَّقُ الوُجُودِ كَثِيرُ الوُقُوعِ وأنَّهُ مُقْتَضى الذّاتِ كَما أنَّ تَصْدِيرَ الثّانِيَةِ بِـ"إنْ" وإسْنادُ الإصابَةِ إلى السَّيِّئَةِ وتَعْلِيلُها بِأعْمالِهِمْ لِلْإيذانِ بِنُدْرَةِ وُقُوعِها وأنَّها بِمَعْزِلٍ عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ الإرادَةِ بِالذّاتِ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ النِّعَمِ.
الشورى 42:49
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَمِن قَضِيَّتِهِ أنْ يَمْلِكَ التَّصَرُّفَ فِيهِما وفي كُلِّ ما فِيهِما كَيْفَما يَشاءُ ومِن جُمْلَتِهِ أنْ يُقَسِّمَ النِّعْمَةَ والبَلِيَّةَ حَسَبَما يُرِيدُهُ.
﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِمّا تَعْلَمُهُ ومِمّا لا تَعْلَمُهُ.
﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا﴾ مِنَ الأوْلادِ.
﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ (p-37)مِنهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ مَدْخَلٌ لِأحَدٍ.
الشورى 42:50
﴿أوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ أيْ: يَقْرِنُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ فَيَهَبُهُما جَمِيعًا.
﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾ قالُوا: مَعْنى يُزَوِّجُهُمْ: أنْ تَلِدَ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً أوْ جارِيَةً ثُمَّ غُلامًا أوْ تَلِدَ ذَكَرًا وأُنْثى تَوْأمَيْنِ.
﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ والمَعْنى: يَجْعَلُ أحْوالَ العِبادِ في حَقِّ الأوْلادِ مُخْتَلِفَةً عَلى ما تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ فَيَهَبُ لِبَعْضٍ إمّا صِنْفًا واحِدًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وإمّا صِنْفَيْنِ ويُعَقِّمُ آخَرِينَ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الإناثِ لِأنَّها أكْثَرُ لِتَكْثِيرِ النَّسْلِ أوْ لِأنَّ مَساقَ الآيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الواقِعَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَتُهُ تَعالى لا ما تَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَةُ الإنْسانِ، والإناثُ كَذَلِكَ، أوْ لِأنَّ الكَلامَ في البَلاءِ والعَرَبُ تَعُدُّهُنَّ أعْظَمَ البَلايا، أوْ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، أوْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى الفَواصِلِ؛ ولِذَلِكَ عَرَّفَ الذُّكُورَ، أوْ لِجَبْرِ التَّأْخِيرِ وتَغْيِيرُ العاطِفِ في الثّالِثِ لَأنَّهُ قَسِيمُ المُشْتَرِكِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ في الرّابِعِ لِإفْصاحِهِ بِأنَّهُ قَسِيمُ المُشْتَرِكِ بَيْنَ الأقْسامِ المُتَقَدِّمَةِ، وقِيلَ: المُرادُ: بَيانُ أحْوالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَيْثُ وُهِبَ لِشُعَيْبٍ ولُوطٍ إناثًا، ولِإبْراهِيمَ ذُكُورًا ولِلنَّبِيِّ ﷺ ذُكُورًا وإناثًا وجُعِلَ يَحْيى وعِيسى عَقِيمَيْنِ.
﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ والقُدْرَةِ فَيَفْعَلُ ما فِيهِ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ.
الشورى 42:51
﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ﴾ أيْ: وما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ.
﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ بَوْجَهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
﴿إلا وحْيًا﴾ أيْ: إلّا بِأنْ يُوحِيَ إلَيْهِ ويُلْهِمَهُ ويَقْذِفَ في قَلْبِهِ كَما أوْحى إلى أُمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ في ذَبْحِ ولَدِهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أوْحى اللَّهُ الزَّبُورَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صَدْرِهِ أوْ بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ الَّذِي يَخْلُقُهُ في بَعْضِ الأجْرامِ مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَ السّامِعُ مَن يُكَلِّمُهُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ فَإنَّهُ تَمْثِيلٌ لَهُ بِحالِ المَلَكِ المُحْتَجِبِ الَّذِي يُكَلِّمُ بَعْضَ خَواصِّهِ مِن وراءِ الحِجابِ يَسْمَعُ صَوْتَهُ ولا يَرى شَخْصَهُ، وذَلِكَ كَما كَلَّمَ مُوسى وكَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أوْ بِأنْ يُكَلِّمَهُ بِواسِطَةِ المَلَكِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ أيْ: مَلَكًا ﴿فَيُوحِيَ﴾ ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ الَّذِي هو الرَّسُولُ البُشْرى.
﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ.
﴿ما يَشاءُ﴾ أنْ يُوحِيَهُ إلَيْهِ وهَذا هو الَّذِي يَجْرِي بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عامَّةِ الأوْقاتِ مِنَ الكَلامِ. وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَحْيًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أوْ يُرْسِلَ﴾ مَصْدَرانِ واقِعانِ مَوْقِعَ الحالِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ ظَرْفٌ واقِعٌ مَوْقِعَها، والتَّقْدِيرُ: وما صَحَّ أنْ يُكَلِّمَ إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ أوْ مُرْسِلًا، وقُرِئَ "أوْ يُرْسِلُ" بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ. ورُوِيَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ فَإنّا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى تَفْعَلَ ذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَمْ يَنْظُرْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتْ. وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا رَأى رَبَّهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ، ثُمَّ قالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: (p-38)أوْلَمَ تَسْمَعُوا رَبَّكم يَقُولُ فَتَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ.
﴿إنَّهُ عَلِيٌّ﴾ مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ لا يَتَأتّى جَرَيانُ المُفاوَضَةِ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَهم إلّا بِأحَدِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.
﴿حَكِيمٌ﴾ يُجْرِي أفْعالَهُ عَلى سَنَنِ الحِكْمَةِ فَيُكَلِّمُ تارَةً بِواسِطَةٍ وأُخْرى بِدُونِها إمّا إلْهامًا وإمّا خِطابًا.
الشورى 42:52
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ البَدِيعِ.
﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ هو القرآن الَّذِي هو لِلْقُلُوبِ بِمَنزِلَةِ الرُّوحِ لِلْأبْدانِ حَيْثُ يُحْيِيها حَياةً أبَدِيَّةً. وقِيلَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَعْنى إيحائِهِ إلَيْهِ عَلَيْهِما السَّلامُ: إرْسالُهُ إلَيْهِ بِالوَحْيِ.
﴿ما كُنْتَ تَدْرِي﴾ قُبَلَ الوَحْيِ.
﴿ما الكِتابُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هو.
﴿وَلا الإيمانُ﴾ أيِ: الإيمانُ بِتَفاصِيلَ ما في تَضاعِيفِ الكِتابِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَهْتَدِي إلَيْها العُقُولُ لا الإيمانُ بِما يَسْتَقِلُّ بِهِ العَقْلُ والنَّظَرُ عَلَيْهِ فَإنَّ دِرايَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا.
﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ﴾ أيِ: الرُّوحَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ.
﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ.
﴿مِن عِبادِنا﴾ وهو الَّذِي يَصْرِفُ اخْتِيارَهُ نَحْوَ الِاهْتِداءِ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ تَقْرِيرٌ لِهِدايَتِهِ تَعالى وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِها ومَفْعُولُ "لَتَهْدِي" مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِغايَةِ الظُّهُورِ أيْ: وإنَّكَ لَتَهْدِي بِذَلِكَ النُّورِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ.
﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو الإسْلامُ وسائِرُ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، وقُرِئَ "لَتُهْدى" أيْ: لَيَهْدِيكَ اللَّهُ، وقُرِئَ "لَتَدْعُو".
الشورى 42:53
﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، وإضافَتُهُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ ثُمَّ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ وتَقْرِيرِ اسْتِقامَتِهِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ سُلُوكِهِ، فَإنَّ كَوْنَ جَمِيعِ ما فِيها مِنَ المَوْجُوداتِ لَهُ تَعالى خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا مِمّا يُوجِبُ ذَلِكَ أتَمَّ إيجابٍ.
﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ أيْ: أُمُورُ ما فِيهِما قاطِبَةً لا إلى غَيْرِهِ، فَفِيهِ مِنَ الوَعْدِ لِلْمُهْتَدِينَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ والوَعِيدِ لِلضّالِّينَ عَنْهُ ما لا يَخْفى. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ حمْ عسق كانَ مِمَّنْ تُصَلِّي عَلَيْهِ المَلائِكَةُ ويَسْتَغْفِرُونَ ويَسْتَرْحِمُونَ لَهُ﴾
الزخرف 43:1
(p-39)(سُورَةُ الزُّخْرُفِ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ "واسْألْ مَن أرْسَلْنا" وآياتُها تِسْعٌ وثَمانُونَ)
﴿حم﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في فاتِحَةِ سُورَةِ يَسْ خَلا أنَّ الظّاهِرَ عَلى تَقْدِيرِ اسْمِيَّتِهِ كَوْنُهُ اسْمًا لِلْقُرْآنِ لا لِلسُّورَةِ كَما قِيلَ فَإنَّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾
﴿والكِتابِ﴾ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ مُقْسَمٌ بِهِ إمّا ابْتِداءً أوْ عَطْفًا عَلى "حم" عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَجْرُورًا بِإضْمارِ باءِ القَسَمِ عَلى أنَّ مَدارَ العِطْفِ المُغايِرَةُ في العُنْوانِ ومَناطَ تَكْرِيمِ القَسَمِ المُبالَغَةُ في تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ.
﴿المُبِينِ﴾ أيِ: البَيِّنِ لِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ بُلَغَتِهِمْ وعَلى أسالِيبِهِمْ أوِ المُبَيِّنِ لِطَرِيقِ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ المُوَضِّحِ لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في أبْوابِ الدِّيانَةِ.
الزخرف 43:2
(p-39)(سُورَةُ الزُّخْرُفِ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ "واسْألْ مَن أرْسَلْنا" وآياتُها تِسْعٌ وثَمانُونَ)
﴿حم﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في فاتِحَةِ سُورَةِ يَسْ خَلا أنَّ الظّاهِرَ عَلى تَقْدِيرِ اسْمِيَّتِهِ كَوْنُهُ اسْمًا لِلْقُرْآنِ لا لِلسُّورَةِ كَما قِيلَ فَإنَّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾
﴿والكِتابِ﴾ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ مُقْسَمٌ بِهِ إمّا ابْتِداءً أوْ عَطْفًا عَلى "حم" عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَجْرُورًا بِإضْمارِ باءِ القَسَمِ عَلى أنَّ مَدارَ العِطْفِ المُغايِرَةُ في العُنْوانِ ومَناطَ تَكْرِيمِ القَسَمِ المُبالَغَةُ في تَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ.
﴿المُبِينِ﴾ أيِ: البَيِّنِ لِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ بُلَغَتِهِمْ وعَلى أسالِيبِهِمْ أوِ المُبَيِّنِ لِطَرِيقِ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ المُوَضِّحِ لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في أبْوابِ الدِّيانَةِ.
الزخرف 43:3
﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَرْجِعَ التَّأْكِيدِ، جَعْلُهُ كَذَلِكَ كَما قِيلَ بَلْ ما هو غايَتُهُ الَّتِي يُعْرِبُ عَنْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَإنَّها المُحْتاجَةُ إلى التَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ لِكَوْنِها مُنْبِئَةً عَنِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِمْ وإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ وإزاحَةِ أعْذارِهِمْ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ مِنَ النَّظْمِ الرّائِقِ والمَعْنى الفائِقِ وتَقِفُوا عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِخُرُوجِهِ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ وتَعْرِفُوا حَقَّ النِّعْمَةِ في ذَلِكَ وتَنْقَطِعَ أعْذارُكم بِالكُلِّيَّةِ.
الزخرف 43:4
﴿وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَإنَّهُ أصْلُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وقُرِئَ "إمِّ الكِتابِ" بِالكَسْرِ.
﴿لَدَيْنا﴾ أيْ: عِنْدَنا.
﴿لَعَلِيٌّ﴾ رَفِيعُ القَدْرِ بَيْنَ الكُتُبِ شَرِيفٌ.
﴿حَكِيمٌ﴾ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ أوْ مُحْكَمٌ، وهُما خَبَرانِ لِإنَّ وما بَيْنَهُما بَيانٌ لِمَحَلِّ الحُكْمِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ بَيانِ اتِّصافِهِ بِما ذُكِرَ مِنَ الوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ "هَذا في أُمِّ الكِتابِ" و"لَدَيْنا"، والجُمْلَةُ إمّا عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها داخِلَةٌ في حُكْمِها فَفي الإقْسامِ بِالقرآن عَلى عُلُوِّ قَدْرِهِ عِنْدَهُ تَعالى بَراعَةٌ بَدِيعَةٌ وإيذانٌ بِأنَّهُ مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ في بَيانٍ إلى الِاسْتِشْهادِ عَلَيْهِ بِالإقْسامِ بِغَيْرِهِ بَلْ هو بِذاتِهِ كافٍ في الشَّهادَةِ عَلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ الإقْسامُ بِهِ كَما أنَّهُ كافٍ فِيها مِن حَيْثُ إعْجازُهُ ورَمْزٌ إلى أنَّهُ لا يَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِهِ شَيْءٌ آخَرُ أوْلى مِنهُ بِالإقْسامِ بِهِ، وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ الَّذِي أنْبَأ عَنْهُ الإقْسامُ بِهِ عَلى مِنهاجِ الِاعْتِراضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (p-40)وَبَعْدَ ما بَيَّنَ عُلُوَّ شَأْنِ القرآن العَظِيمِ وحَقَّقَ أنَّ إنْزالَهُ عَلى لُغَتِهِمْ لِيَعْقِلُوهُ ويُؤْمِنُوا بِهِ ويَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِخِلافِهِ فَقِيلَ
الزخرف 43:5
﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ أيْ: نُنَحِّيهِ ونُبْعِدُهُ عَنْكم مَجازٌ مِن قَوْلِهِمْ ضَرْبُ الغَرائِبِ عَنِ الحَوْضِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِاقْتِضاءِ الحِكْمَةِ تَوَجُّهَ الذِّكْرِ إلَيْهِمْ ومُلازَمَتَهُ لَهم كَأنَّهُ يَتَهافَتُ عَلَيْهِمْ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ: أنُهْمِلُكم فَنُنَحِّي الذِّكْرَ عَنْكم.
﴿صَفْحًا﴾ أيْ: إعْراضًا عَنْكم عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِلْمَذْكُورِ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما دَلَّ هو عَلَيْهِ فَإنَّ التَّنْحِيَةَ مُنْبِئَةٌ عَنِ الصَّفْحِ والإعْراضِ قَطْعًا كَأنَّهُ قِيلَ: أفَنَصْفَحُ عَنْكم صَفْحًا أوْ بِمَعْنى الجانِبِ فَيَنْتَصِبُ عَلى الطَّرْفِيَّةِ أيْ: أفَنُنَحِّيهِ عَنْكم جانِبًا.
﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ مُنْهَمِكِينَ في الإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ عَلى مَعْنى أنَّ حالَكم وإنِ اقْتَضى تَخْلِيَتَكم وشَأْنَكم حَتّى تَمُوتُوا عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ وتَبْقَوْا في العَذابِ الخالِدِ لَكِنّا لِسَعَةِ رَحْمَتِنا لا نَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ نَهْدِيكم إلى الحَقِّ بِإرْسالِ الرَّسُولِ الأمِينِ وإنْزالِ الكِتابِ المُبِينِ، وقُرِئَ "إنْ" بِالكَسْرِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ شَرْطِيَّةٌ مُخْرِجَةٌ لِلْمُحَقَّقِ مُخْرَجَ المَشْكُوكِ لِاسْتِجْهالِهِمْ، والجَزاءُ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
الزخرف 43:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾، ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ أنَّ إسْرافَ الأُمَمِ السّالِفَةِ لَمْ يَمْنَعْهُ تَعالى مِن إرْسالِ الأنْبِياءِ إلَيْهِمْ، وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ اسْتِهْزاءِ قَوْمِهِ بِهِ.
الزخرف 43:7
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾، ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ أنَّ إسْرافَ الأُمَمِ السّالِفَةِ لَمْ يَمْنَعْهُ تَعالى مِن إرْسالِ الأنْبِياءِ إلَيْهِمْ، وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ اسْتِهْزاءِ قَوْمِهِ بِهِ.
الزخرف 43:8
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ المُسْرِفِينَ عِدَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ووَعِيدٌ لَهم بِمِثْلِ ما جَرى عَلى الأوَّلِينَ ووَصْفُهم بِأشَدِّيَّةِ البَطْشِ لِإثْباتِ حُكْمِهِمْ لِهَؤُلاءِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ.
﴿وَمَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: سَلَفَ في القرآن غَيْرَ مَرَّةٍ ذِكْرُ قِصَّتِهِمُ الَّتِي حَقُّها أنْ تَسِيرَ مَسِيرَ المَثَلِ.
الزخرف 43:9
﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ أيْ: لَيُسْنِدُنَّ خَلْقَها إلى مَن هَذا شَأْنُهُ في الحَقِيقَةِ وفي نَفْسِ الأمْرِ لا أنَّهم يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِهَذا العُنْوانِ وسُلُوكُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ اتِّصافَهُ تَعالى بِما سُرِدَ مِن جَلائِلِ الصِّفاتِ والأفْعالِ وبِما يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ أمْرٌ بَيِّنٌ لا رَيْبَ فِيهِ وأنَّ الحُجَّةَ قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ شاءُوا أوْ أبَوْا وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَيْنَ عِبارَتِهِمْ.
الزخرف 43:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى أيْ: بَسَطَها لَكم تَسْتَقِرُّونَ فِيها.
﴿وَجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلا﴾ تَسْلُكُونَها في أسْفارِكم.
﴿لَعَلَّكم (p-41)تَهْتَدُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تَهْتَدُوا بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم أوْ بِالتَّفَكُّرِ فِيها بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأصْلِيُّ.
الزخرف 43:11
﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ بِمِقْدارٍ تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ.
﴿فَأنْشَرْنا بِهِ﴾ أيْ: أحْيَيْنا بِذَلِكَ الماءِ.
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ خالِيًا عَنِ النَّماءِ والنَّباتِ بِالكُلِّيَّةِ، وقُرِئَ "مَيِّتًا" بِالتَّشْدِيدِ، وتَذْكِيرُهُ لِأنَّ البَلْدَةَ في مَعْنى البَلَدِ والمَكانِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِأمْرِ الإحْياءِ والإشْعارِ بِعِظَمِ خَطَرِهِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإحْياءِ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ إخْراجُ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ.
﴿تُخْرَجُونَ﴾ أيْ: تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ إخْراجِ النَّباتِ بِالإنْشارِ الَّذِي هو إحْياءُ المَوْتى وعَنْ إحْيائِها بِالإخْراجِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ الإنْباتِ وتَهْوِينٌ لِأمْرِ البَعْثِ لِتَقْوِيمِ سُنَنِ الِاسْتِدْلالِ وتَوْضِيحِ مِنهاجِ القِياسِ.
الزخرف 43:12
﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أيْ: أصْنافَ المَخْلُوقاتِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما الأزْواجُ: الضُّرُوبُ والأنْواعُ كالحُلْوِ والحامِضِ والأبْيَضِ والأسْوَدِ والذَّكَرِ والأُنْثى. وقِيلَ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو زَوْجٌ كالفَوْقِ والتَّحْتِ واليَمِينِ واليَسارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وَجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أيْ: ما تَرْكَبُونَهُ تَغْلِيبًا لِلْأنْعامِ عَلى الفُلْكِ فَإنَّ الرُّكُوبَ مُتَّعَدٍ بِنَفْسِهِ واسْتِعْمالُهُ في الفُلْكِ ونَحْوِها بِكَلِمَةٍ في الرَّمْزِ إلى مَكانِيَّتِها وكَوْنِ حَرَكَتِها غَيْرَ إرادِيَّةٍ كَما مَرَّ في سُورَةِ هُودٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ .
الزخرف 43:13
﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أيْ: لِتَسْتَعْلُوا عَلى ظُهُورِ ما تَرْكَبُونَهُ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.
﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: تَذْكُرُوها بِقُلُوبِكم مُعْتَرِفِينَ بِها مُسْتَعْظِمِينَ لَها ثُمَّ تَحْمَدُوا عَلَيْها بِألْسِنَتِكم.
﴿وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ مُتَعَجِّبِينَ مِن ذَلِكَ كَما يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكابِ قالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ قالَ: "الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا"» إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ وكَبَّرَ ثَلاثًا وهَلَّلَ ثَلاثًا.
﴿وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أيْ: مُطِيقِينَ، مِن أقْرَنَ الشَّيْءَ إذا أطاقَهُ وأصْلُهُ وجَدَهُ قَرِينَتَهُ لِأنَّ الصَّعْبَ لا يَكُونُ قَرِينَةً لِلضَّعِيفِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ والمَعْنى: واحِدٌ وهَذا مِن تَمامِ ذِكْرِ نِعْمَتِهِ تَعالى إذْ بِدُونِ اعْتِرافِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالعَجْزِ عَنْ تَحْصِيلِ النِّعْمَةِ لا يُعْرَفُ قَدْرُها ولاحَقُّ المُنْعِمِ بِها.
الزخرف 43:14
﴿وَإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ: راجِعُونَ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ حَقَّ الرّاكِبِ أنْ يَتَأمَّلَ فِيما يُلابِسُهُ مِنَ المَسِيرِ ويَتَذَكَّرَ مِنهُ المُسافَرَةَ العُظْمى الَّتِي هي الِانْقِلابُ إلى اللَّهِ تَعالى فَيَبْنِي أُمُورَهُ في مَسِيرِهِ ذَلِكَ عَلى تِلْكَ المُلاحَظَةِ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ في شَيْءٍ (p-42)مِمّا يَأْتِي ويَذْرُ أمْرًا يُنافِيها ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ رُكُوبُهُ لِأمْرٍ مَشْرُوعٍ.
الزخرف 43:15
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ ...إلَخْ أيْ: وقَدْ جَعَلُوا لَهُ سُبْحانَهُ بِألْسِنَتِهِمْ واعْتِقادِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ الِاعْتِرافِ مِن عِبادِهِ ولَدًا وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالجُزْءِ لِمَزِيدِ اسْتِحالَتِهِ في حَقِّ الواحِدِ الحَقِّ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وقُرِئَ "جُزُءًا" بِضَمَّتَيْنِ.
﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ الكُفْرانِ مُبالَغٌ فِيهِ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ.
الزخرف 43:16
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِن بَيانِ بُطْلانِ جَعْلِهِمْ لَهُ تَعالى ولَدًا عَلى الإطْلاقِ إلى بَيانِ بُطْلانِ جَعْلِهِمْ ذَلِكَ الوَلَدَ مِن أخَسِّ صِنْفَيْهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والتَّعَجُّبِ مِن شَأْنِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى "اتَّخَذَ" داخِلٌ في حُكْمِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ الخِلافُ المَشْهُورُ، والِالتِفاتُ إلى خِطابِهِمْ لِتَأْكِيدِ الإلْزامِ وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ أيْ: بَلِ اتَّخَذَ مِن خَلْقِهِ أخَسَّ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى الصِّنْفَيْنِ، واخْتارَ لَكم أفْضَلَهُما عَلى مَعْنى: هَبُوا أنَّكُمُ اجْتَرَأْتُمْ عَلى إضافَةِ اتِّخاذِ جِنْسِ الوَلَدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ - مَعَ ظُهُورِ اسْتِحالَتِهِ وامْتِناعِهِ - أما كانَ لَكم شَيْءٌ مِنَ العَقْلِ ونُبَذٌ مِنَ الحَياءِ حَتّى اجْتَرَأْتُمْ عَلى التَّفَوُّهِ بِالعَظِيمَةِ الخارِقَةِ لِلْعُقُولِ مِنِ ادِّعاءٍ أنَّهُ تَعالى آثَرَكم عَلى نَفْسِهِ بِخَيْرِ الصِّنْفَيْنِ وأعْلاهُما، وتَرَكَ لَهُ شَرَّهُما وأدْناهُما، وتَنْكِيرُ "بَناتٍ" وتَعْرِيفُ "البَنِينَ" لِتَرْبِيَةِ ما اعْتُبِرَ فِيهِما مِنَ الحَقارَةِ والفَخامَةِ.
الزخرف 43:17
﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا﴾ ...إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: حالٌ عَلى مَعْنى: أنَّهم نَسَبُوا إلَيْهِ ما ذَكَرُوا ومِن حالِهِمْ أنَّ أحَدَهم إذا بُشِّرَ بِهِ اغْتَمَّ، والِالتِفاتُ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ ذِكْرِ قَبائِحِهِمْ أنْ يُعَرَضَ عَنْهم وتُحْكى لِغَيْرِهِمْ تَعْجِيبًا مِنها أيْ: إذا أُخْبِرَ أحَدُهم بِوِلادَةِ ما جَعَلَهُ مَثَلًا لَهُ سُبْحانَهُ إذِ الوَلَدُ لابُدَّ أنْ يُجانِسَ الوالِدَ ويُماثِلَهُ.
﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أيْ: صارَ أسْوَدَ في الغايَةِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ.
﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مَمْلُوءٌ مِنَ الكَرْبِ والكَآبَةِ، والجُمْلَةُ حالٌ، وقُرِئَ "مُسْوَدٌّ" و"مُسْوادٌّ" عَلى أنَّ في ظَلَّ ضَمِيرَ المُبَشَّرِ ووَجْهُهُ مُسْوَدٌّ جُمْلَةٌ وقَعَتْ خَبَرًا لَهُ.
الزخرف 43:18
﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْإنْكارِ وتَثْنِيَةٌ لِلتَّوْبِيخِ و"مَن" مَنصُوبَةٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى "جَعَلُوا" أيْ: أوَ جَعَلُوا مَن شَأْنُهُ أنْ يُرَبّى في الزِّينَةِ وهو عاجِزٌ عَنْ أنْ يَتَوَلّى لِأمْرِهِ بِنَفْسِهِ، فالهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ وقَدْ جُوِّزَ انْتِصابُها بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى "اتَّخَذَ" فالهَمْزَةُ حِينَئِذٍ لِإنْكارِ الوُقُوعِ واسْتِبْعادِهِ وإقْحامُها بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِتَذْكِيرِ ما في أمِ مُنْقَطِعَةً مِنَ الإنْكارِ، وتَأْكِيدُهُ والعَطْفُ لِلتَّغايُرِ العُنْوانِيِّ أيْ: أوَ أتَّخَذَ مِن هَذِهِ الصِّفَةِ الذَّمِيمَةِ صِفَتَهُ.
﴿وَهُوَ﴾ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ القُصُورِ.
﴿فِي الخِصامِ﴾ أيْ: الجِدالِ الَّذِي لا يَكادُ يَخْلُو عَنْهُ الإنْسانُ في العادَةِ.
﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ غَيْرُ قادِرٍ عَلى تَقْرِيرِ دَعْواهُ وإقامَةِ حُجَّتِهِ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ، وإضافَةُ "غَيْرُ" لا تَمْنَعُ عَمَلَ ما بَعْدَهُ في الجارِّ المُتَقَدِّمِ لِأنَّهُ بِمَعْنى النَّفْيِ، وقُرِئَ (p-43)"يُنْشَأُ" و"يُناشَأُ" مِنَ الإفْعالِ والمُفاعَلَةِ والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ ونَظِيرُهُ غَلّاهُ وأغْلاهُ وغالاهُ.
الزخرف 43:19
﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ بَيانٌ لِتَضَمُّنِ كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ لِكَفْرٍ آخَرَ وتَقْرِيعٌ لَهم بِذَلِكَ وهو جَعْلُهم أكْمَلَ العِبادِ وأكْرَمَهم عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْقَصَهم رَأْيًا وأخَسَّهم صِنْفًا، وقُرِئَ "عَبِيدُ الرَّحْمَنِ"، وقُرِئَ "عِنْدَ الرَّحْمَنِ" عَلى تَمْثِيلِ زُلْفاهُمْ، وقُرِئَ "أُنُثًا" وهو جَمْعُ الجَمْعِ.
﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ: أحْضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ تَعالى إيّاهم فَشاهَدُوهم إناثًا حَتّى يَحْكُمُوا بِأُنُوثَتِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ وهو تَجْهِيلٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ، وقُرِئَ "أأُشْهِدُوا" بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَةٍ ومَضْمُومَةٍ و"آأُشْهِدُوا" بِألِفٍ بَيْنَهُما.
﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ هَذِهِ في دِيوانِ أعْمالِهِمْ.
﴿وَيُسْألُونَ﴾ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ، وقُرِئَ "سَيَكْتُبُ" و"سَنَكْتُبُ" بِالياءِ و النُّونِ، وقُرِئَ "شَهاداتُهُمْ" وهي قَوْلُهم أنَّ لِلَّهِ جُزْءًا وأنْ لَهُ بَناتٍ وأنَّها المَلائِكَةُ، وقُرِئَ "يَسْألُونَ" مِنَ المَسْألَةِ لِلْمُبالَغَةِ.
الزخرف 43:20
﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ بَيانٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ أيْ: لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِنا لِلْمَلائِكَةِ مَشِيئَةَ ارْتِضاءٍ ما عَبَدْناهم أرادُوا بِذَلِكَ بَيانَ أنَّ ما فَعَلُوهُ حَقٌّ مَرْضِيٌّ عِنْدَهُ تَعالى وأنَّهم إنَّما يَفْعَلُونَهُ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى إيّاهُ مِنهم مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِقُبْحِهِ حَتّى يَنْتَهِضَ ذَمُّهم بِهِ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، ومَبْنى كَلامِهِمُ الباطِلِ عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ إحْداهُما: أنَّ عِبادَتَهم لَهم بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، والثّانِيَةُ: أنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِها مَرَضِيَّةً عِنْدَهُ تَعالى ولَقَدْ أخْطَأُوا في الثّانِيَةِ حَيْثُ جَهِلُوا أنَّ المَشِيئَةَ عِبارَةٌ عَنْ تَرْجِيحِ بَعْضِ المُمْكِناتِ عَلى بَعْضٍ كائِنًا ما كانَ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الرِّضا أوِ السُّخْطِ في شَيْءٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، ولِذَلِكَ جَهِلُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ﴾ أيْ: بِما أرادُوا بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ مِن كَوْنِ ما فَعَلُوهُ بِمَشِيئَةِ الِارْتِضاءِ لا بِمُطْلَقِ المَشِيئَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحَقَّقٌ يَنْطِقُ بِهِ ما لا يُحْصى مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ.
﴿مِن عِلْمٍ﴾ يَسْتَنِدُ إلى سَنَدٍ ما.
﴿إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ يَتَمَحَّلُونَ تَمَحُّلًا باطِلًا، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُشِيرَ بِذَلِكَ إلى أصْلِ الدَّعْوى كَأنَّهُ لَمّا أظْهَرَ وُجُوهَ فَسادِها وحَكى شُبَهَهُمُ المُزَيِّفَةَ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم بِها عِلْمٌ مِن طَرِيقِ العَقْلِ ثُمَّ أضْرَبَ عَنْهُ إلى إبْطالِ أنْ يَكُونَ لَهم سَنَدٌ مِن جِهَةِ النَّقْلِ فَقِيلَ:
الزخرف 43:21
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْلِ القرآن أوْ مِن قَبْلِ ادِّعائِهِمْ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ ما يَدَّعُونَهُ.
﴿فَهم بِهِ﴾ بِذَلِكَ الكِتابِ.
﴿مُسْتَمْسِكُونَ﴾ وعَلَيْهِ مُعَوِّلُونَ.
الزخرف 43:22
﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: لَمْ يَأْتُوا بِحُجَّةِ عَقْلِيَّةٍ أوْ نَقْلِيَّةٍ بَلِ اعْتَرَفُوا بِأنْ لا سَنَدَ لَهم سِوى تَقْلِيدِ آبائِهِمُ الجَهَلَةِ مِثْلِهِمْ و"الأُمَّةُ": الدِّينُ والطَّرِيقَةُ الَّتِي تُؤَمُّ أيْ: تُقْصَدُ كالرِّحْلَةِ لِما يُرْحَلُ إلَيْهِ، وقُرِئَ "إمَّةٍ" بِالكَسْرِ وهي الحالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الآمُّ أيِ: القاصِدُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ خَبَرانِ والظَّرْفُ صِلَةٌ لِـ"مُهْتَدُونَ".(p-44)
الزخرف 43:23
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: والأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن عَجْزِهِمْ عَنِ الحُجَّةِ وتَشَبُّثِهِمْ بِذَيْلِ التَّقْلِيدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ دالٌّ عَلى التَّقْلِيدِ فِيما بَيْنَهم ضَلالٌ قَدِيمٌ لَيْسَ لِأسْلافِهِمْ أيْضًا سَنَدٌ غَيْرُهُ، وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ بِتِلْكَ المَقالَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّنَعُّمَ وحُبَّ البِطالَةِ هو الَّذِي صَرَفَهم عَنِ النَّظَرِ إلى التَّقْلِيدِ.
الزخرف 43:24
﴿قالَ﴾ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ المُنْذَرِينَ وبَيْنَ أُمَمِهِمْ عِنْدَ تَعَلُّلِهِمْ بِتَقْلِيدِ آبائِهِمْ أيْ: قالَ كُلُّ نَذِيرٍ مِنِ أُولَئِكَ المُنْذِرِينَ لِأُمَمِهِمْ.
﴿أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ أيْ: أتَقْتَدُونَ بِآبائِكم ولَوْ جِئْتُكم.
﴿بِأهْدى﴾ بِدِينٍ أهْدى.
﴿مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنَ الهِدايَةِ في شَيْءٍ وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ مُجاراةً مَعَهم عَلى مَسْلَكِ الإنْصافِ، وقُرِئَ "قُلْ" عَلى أنَّهُ حِكايَةُ أمْرٍ ماضٍ أُوحِيَ حِينَئِذٍ إلى كُلِّ نَذِيرٍ لا عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ كَما قِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ فَإنَّهُ حِكايَةٌ عَنِ الأُمَمِ قَطْعًا أيْ: قالَ كُلُّ أُمَّةٍ لِنَذِيرِها: إنّا بِما أُرْسِلْتَ بِهِ ...إلَخْ وقَدْ أجْمَلَ عِنْدَ الحِكايَةِ لِلْإيجازِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وجَعْلُهُ حِكايَةً عَنْ قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَمْلِ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلى تَغْلِيبِهِ عَلى سائِرِ المُنْذِرِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وتُوجِيهِ كُفْرِهِمْ إلى ما أُرْسِلَ بِهِ الكُلُّ مِنَ التَّوْحِيدِ لِإجْماعِهِمْ عَلَيْهِ كَما في نَظائِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ تَمَحُّلٌ بَعِيدٌ يَرُدُّهُ بِالكُلِّيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى:
الزخرف 43:25
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيْ: بِالِاسْتِئْصالِ.
﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورِينَ فَلا تَكْتَرِثْ بِتَكْذِيبِ قَوْمِكَ.
الزخرف 43:26
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ - المُكِبِّينَ عَلى التَّقْلِيدِ -: كَيْفَ تَبَرَّأ مِمّا هم فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ وتَمَسَّكَ بِالبُرْهانِ لِيَسْلُكُوا مَسْلَكَهُ في الِاسْتِدْلالِ أوْ لِيُقَلِّدُوهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهم بُدٌّ مِنَ التَّقْلِيدِ فَإنَّهُ أشْرَفُ آبائِهِمْ و"بَراءٌ" مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والمُتَعَدِّدُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وقُرِئَ "بَرِيءٌ" و"بُراءٌ" بِضَمِّ الباءِ كَكَرِيمٍ وكِرامٍ و"ما" إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها إلى إنَّنِي بَرِيءٌ مِن عِبادَتِكم أوْ مَعْبُودِكم.
الزخرف 43:27
﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ عَلى أنَّ ما تَعُمُّ أُولِي العِلْمِ وغَيْرَهم وأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ والأصْنامَ أوْ صِفَةٌ عَلى أنَّ "ما" مَوْصُوفَةٌ أيْ: إنَّنِي بَراءٌ مِن آلِهَةٍ تَعْبُدُونَها غَيْرَ الَّذِي فَطَرَنِي.
﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ أيْ: سَيُثَبِّتُنِي عَلى الهِدايَةِ أوْ سَيَهْدِينِ إلى ما وراءَ الَّذِي (p-45)هَدانِي إلَيْهِ إلى الآنَ، والأوْجَهُ أنَّ السِّينَ لِلتَّأْكِيدِ دُونَ التَّسْوِيفِ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ.
الزخرف 43:28
﴿وَجَعَلَها﴾ أيْ: جَعَلَ إبْراهِيمُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ الَّتِي ما تَكَلَّمَ بِهِ عِبارَةٌ عَنْها.
﴿كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ أيْ: في ذُرِّيَّتِهِ حَيْثُ وصّاهم بِها كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ الآيَةُ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ تَعالى ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِهِ، وقُرِئَ "كِلْمَةً" و"فِي عَقْبِهِ" عَلى التَّخْفِيفِ.
﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عِلَّةٌ لِلْجَعْلِ أيْ: جَعَلَها باقِيَةً في عَقِبِهِ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها مَن أشْرَكَ مِنهم بِدُعاءِ المُوَحِّدِ.
الزخرف 43:29
﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ إضْرابٌ عَنْ مَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ بِأنْ وصّى بِها بَنِيهِ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها مَن أشْرَكَ مِنهم بِدُعاءِ المُوَحِّدِ فَلَمْ يَحْصُلْ ما رَجاهُ بَلْ مَتَّعْتُ مِنهم هَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ ﷺ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
﴿وَآباءَهُمْ﴾ بِالمَدِّ في العُمْرِ والنِّعْمَةِ فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ وانْهَمَكُوا في الشَّهَواتِ وشُغِلُوا بِها عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ.
﴿حَتّى جاءَهُمُ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ.
﴿الحَقُّ﴾ أيِ: القرآن.
﴿وَرَسُولٌ﴾ أيْ: رَسُولٌ.
﴿مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ الرِّسالَةِ واضِحُها بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ أوْ مُبِينٌ للِتَّوْحِيدِ بِالآياتِ البَيِّناتِ والحُجَجِ، وقُرِئَ "مَتَّعْنا" و"مَتَّعْتَ" بِالخِطابِ عَلى أنَّهُ تَعالى اعْتَرَضَ بِهِ عَلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ ...إلَخْ مُبالَغَةٌ فى تَعْبِيرِهِمْ فَإنَّ التَّمْتِيعَ بِزِيادَةِ النِّعَمِ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوهُ سَبَبًا لِزِيادَةِ الشُّكْرِ والثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ فَجَعَلَهُ سَبَبًا لِزِيادَةِ الكُفْرانِ أقْصى مَراتِبِ الكُفْرِ والضَّلالَةِ.
الزخرف 43:30
﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ لِيُنَبِّهَهم عَمّا هم فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ ويُرْشِدَهم إلى التَّوْحِيدِ ازْدادُوا كُفْرًا وعَتَوْا وضَمُّوا إلى كُفْرِهِمُ السّابِقِ مُعانَدَةَ الحَقِّ والِاسْتِهانَةَ بِهِ حَيْثُ ﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ فَسَمَّوُا القرآن سِحْرًا وكَفَرُوا بِهِ واسْتَحْقَرُوا الرَّسُولَ ﷺ.
الزخرف 43:31
﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ﴾ أيْ: مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفِ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ .
﴿عَظِيمٍ﴾ أيْ: بِالجاهِ والمالِ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ وعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ، وقِيلَ: حَبِيبُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ. وعَنْ مُجاهِدٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وكِنانَةُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ، ولَمْ يَتَفَوَّهُوا بِهَذِهِ العَظِيمَةِ حَسَدًا عَلى نُزُولِهِ إلى رَسُولِ ﷺ دُونَ مَن ذُكِرَ مِن عُظَمائِهِمْ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِقُرْآنِيَّتِهِ بَلِ اسْتِدْلالًا عَلى عَدَمِها بِمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَنَزَلَ إلى أحَدِ هَؤُلاءِ بِناءً عَلى ما زَعَمُوا مِن أنَّ الرِّسالَةَ مَنصِبٌ جَلِيلٌ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا مَن لَهُ جَلالَةٌ مِن حَيْثُ المالُ والجاهُ ولَمْ يَدْرُوا أنَّها رُتْبَةٌ رُوحانِيَّةٌ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا هِمَمُ الخَواصِّ المُخْتَصِّينَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ المُؤَيَّدِينَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ المُتَحَلِّينَ بِالفَضائِلِ الإنْسِيَّةِ، وأمّا المُتَزَخْرِفُونَ بِالزَّخارِفِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُتَمَتِّعُونَ بِالحُظُوظِ الدَّنِيَّةِ فَهم مِنَ اسْتِحْقاقِ تِلْكَ الرُّتْبَةِ بِألِفِ مَنزِلٍ.
الزخرف 43:32
(p-46)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضَهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾
﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ إنْكارٌ فِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم وتَعْجِيبٌ مِن تَحَكُّمِهِمْ، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ: النُّبُوَّةُ.
﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ﴾ أيْ: أسْبابَ مَعِيشَتِهِمْ.
﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قِسْمَةً تَقْتَضِيَها مَشِيئَتُنا المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ ولَمْ نُفَوِّضْ أمْرَها إلَيْهِمْ عِلْمًا مِنّا بِعَجْزِهِمْ عَنْ تَدْبِيرِها بِالكُلِّيَّةِ.
﴿وَرَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في الرِّزْقِ وسائِرِ مَبادِي المَعاشِ.
﴿دَرَجاتٍ﴾ مُتَفاوِتَةً بِحَسَبَ القُرْبِ والبُعْدِ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَمِن ضَعِيفٍ وقَوِيٍّ وفَقِيرٍ وغَنِيٍّ وخادِمٍ ومَخْدُومٍ وحاكِمٍ ومَحْكُومٍ.
﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيُصَرِّفَ بَعْضُهم بَعْضًا في مَصالِحِهِمْ ويَسْتَخْدِمُوهم في مِهَنِهِمْ ويَتَسَخَّرُوهم في أشْغالِهِمْ حَتّى يَتَعايَشُوا ويَتَرافَدُوا ويَصِلُوا إلى مَرافِقِهِمْ لا لِكَمالٍ في المُوَسَّعِ ولا لِنَقْصٍ في المُقَتَّرِ ولَوْ فَرَضْنا ذَلِكَ إلى تَدْبِيرِهِمْ لَضاعُوا وهَلَكُوا، فَإذا كانُوا في تَدْبِيرِ خُوَيِّصَةِ أمْرِهِمْ وما يُصْلِحُهم مِن مَتاعِ الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ وهو في طَرَفِ الثُّمامِ عَلى هَذِهِ الحالَةِ فَما ظَنُّهم بِأنْفُسِهِمْ في تَدْبِيرِ أمْرِ الدِّينِ وهو أبْعَدُ مِن مَناطِ العَيُّوقِ، ومِن أيْنَ لَهُمُ البَحْثُ عَنْ أمْرِ النُّبُوَّةِ والتَّخَيُّرُ لَها مَن يَصْلُحُ لَها ويَقُومُ بِأمْرِها.
﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أيِ: النُّبُوَّةُ وما يَتْبَعُها مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ.
﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ الفانِيَةِ.
الزخرف 43:33
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحَقارَةِ مَتاعِ الدُّنْيا ودَناءَةِ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والمَعْنى: أنَّ حَقارَةَ شَأْنِهِ بِحَيْثُ لَوْلا أنْ لا يَرْغَبَ النّاسُ لِحُبِّهِمُ الدُّنْيا في الكُفْرِ إذا رَأوْا أهْلَهُ في سَعَةٍ وتَنَعُّمٍ فَيَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لَأعْطَيْناهُ بِحَذافِيرِهِ مَن هو شَرُّ الخَلائِقِ وأدْناهم مَنزِلَةً وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ: مُتَّخَذَةً مِنها و"لِبُيُوتِهِمْ" بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن لِـ"مَن" وجَمْعُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ إفْرادَ المُسْتَكِنِّ في "يَكْفُرُ" بِاعْتِبارِ لَفْظِها والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ كَرُهُنٍ جَمْعُ رَهْنٍ، وعَنِ الفَرّاءِ جَمْعُ سَقِيفَةٍ كَسُفُنٍ وسَفِينَةٍ وقُرِئَ "سُقْفًا" بِسُكُونِ القافِ تَخْفِيفًا و"سَقْفًا" اكْتِفاءً بِجَمْعِ البُيُوتِ، وسُقُفًا كَأنَّهُ لُغَةٌ في سَقْفٍ وسُقُوفًا.
﴿وَمَعارِجَ﴾ أيْ: جَعَلَنا لَهم مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ أيْ: مَصاعِدَ جَمْعُ مَعْرَجٍ، وقُرِئَ "مَعارِيجَ" جَمْعُ مِعْراجٍ.
﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ أيْ: يَعْلُونَ السُّطُوحَ والعَلالِيَ.
الزخرف 43:34
﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ أيْ: وجَعَلَنا لِبُيُوتِهِمْ.
﴿أبْوابًا وسُرُرًا﴾ مِن فِضَّةٍ.
﴿عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى السُّرُرِ.
﴿يَتَّكِئُونَ﴾ ولَعَلَّ تَكْرِيرَ ذِكْرِ بُيُوتِهِمْ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ.
الزخرف 43:35
﴿وَزُخْرُفًا﴾ أيْ: زِينَةً عَطْفٌ عَلى "سُقُفًا" أوْ ذَهَبًا عَطْفٌ عَلى مَحَلٍّ مِن فِضَّةٍ.
﴿وَإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: وما (p-47)كُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ البُيُوتِ المَوْصُوفَةِ بِالصِّفاتِ المُفَصَّلَةِ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وفي مَعْناهُ ما قُرِئَ: وما كُلُّ ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ "ما" عَلى أنَّ "أنْ" هي المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفارِقَةُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ العِلَّةِ و"ما" مَوْصُولَةٌ قَدْ حُذِفَ عائِدُها أيْ: لَلَّذِي هو مَتاعُ ...إلَخْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ .
﴿والآخِرَةُ﴾ بِما فِيها مِن فُنُونِ النِّعَمِ الَّتِي يَقْصُرُ عَنْها البَيانُ.
﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ العَظِيمَ هو العَظِيمُ في الآخِرَةِ لا في الدُّنْيا.
الزخرف 43:36
﴿وَمَن يَعْشُ﴾ أيْ: يَتَعامَ.
﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ وهو القرآن وإضافَتُهُ إلى اسْمِ الرَّحْمَنِ لِلْإيذانِ بِنُزُولِهِ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ، وقُرِئَ "يَعْشَ" بِالفَتْحِ أيْ: يَعْمَ، يُقالُ: عَشى يَعْشى إذا كانَ في بَصَرِهِ آفَةٌ وعَشا يَعْشُو إذا تَعَشّى بِلا آفَةٍ كَعَرَجَ وعَرُجَ، وقُرِئَ "يَعْشُو" عَلى أنَّ "مَن" مَوْصُولَةٌ غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى الشَّرْطِ والمَعْنى: ومَن يُعْرِضْ عَنْهُ لِفَرْطِ اشْتِغالِهِ بِزَهْرَةِ الحَياةِ الدُّنْيا وانْهِماكِهِ في حُظُوظِها الفانِيَةِ والشَّهَواتِ.
﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ لا يُفارِقُهُ ولا يَزالُ يُوَسْوِسُهُ ويُغْوِيهِ، وقُرِئَ "يُقَيِّضْ" بِالياءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ الرَّحْمَنِ ومَن رَفَعَ "يَعْشُو" فَحُقُّهُ أنْ يَرْفَعَ "يُقَيِّضْ".
الزخرف 43:37
﴿وَإنَّهُمْ﴾ أيْ: الشَّياطِينَ الَّذِينَ قُيِّضَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لِكُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ يَعْشُو.
﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أيْ: قُرَناءَهم فَمَدارُ جَمْعِ الضَّمِيرَيْنِ اعْتِبارُ مَعْنى مَن كَما أنَّ مَدارَ إفْرادِ الضَّمائِرِ السّابِقَةِ اعْتِبارُ لَفْظِها.
﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ المُسْتَبِينِ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ القرآن.
﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ أيِ: العاشُونَ.
﴿أنَّهُمْ﴾ أيِ: الشَّياطِينَ.
﴿مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: إلى السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ وإلّا لَما اتَّبَعُوهم أوْ يَحْسَبُونَ أنَّ أنْفُسَهم مُهْتَدُونَ لِأنَّ اعْتِقادَ كَوْنِ الشَّياطِينِ مُهْتَدِينَ مُسْتَلْزِمٌ لِاعْتِقادِ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ لِاتِّحادِ مَسْلَكِهِما، والجُمْلَةُ حالٌ مِن مَفْعُولِ "يَصُدُّونَ" بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَإ أوْ مِن فاعِلِهِ أوْ مِنهُما لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرَيْهِما أيْ: وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ الطَّرِيقِ الحَقِّ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ إلَيْهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في الأفْعالِ الأرْبَعَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ لِقَوْلِهِ تَعالى:
الزخرف 43:38
﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ فَإنَّ حَتّى وإنْ كانَتِ ابْتِدائِيَّةً داخِلَةً عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ لَكِنَّها تَقْتَضِي حَتْمًا أنْ تَكُونَ غايَةً لِأمْرٍ مُمْتَدٍّ كَما مَرَّ مِرارًا وإفْرادُ الضَّمِيرِ في جاءَ وما بَعَدُهُ لِما أنَّ المُرادَ حِكايَةُ مَقالَةِ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ العاشِينَ لِقَرِينِهِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَفْظِيعِ الحالِ، والمَعْنى: يَسْتَمِرُّ العاشُّونَ عَلى ما ذَكَرَ مِن مُقارَنَةِ الشَّياطِينِ والصَّدْرِ والحُسْبانِ الباطِلِ حَتّى إذا جاءَنا كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَعَ قَرِينِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿قالَ﴾ مُخاطِبًا لَهُ.
﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ في الدُّنْيا.
﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ أيْ: بُعْدَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ أيْ: تَباعُدَ كُلٍّ مِنهُما عَنِ الآخَرِ فَغَلَّبَ المَشْرِقَ وثَنّى وأُضِيفَ البُعْدَ إلَيْهِما.
﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيْ: أنْتَ.
الزخرف 43:39
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ ...إلَخْ حِكايَةٌ لِما سَيُقالُ لَهم حِينَئِذٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا أيْ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ.
﴿اليَوْمَ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ (p-48)تَمَنِّيَكم لِمُباعَدَتِهِمْ.
﴿إذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِ ظُلْمِكم أنْفُسَكم في الدُّنْيا بِاتِّباعِكم إيّاهم في الكُفْرِ والمَعاصِي، وقِيلَ: "إذْ ظَلَمْتُمْ" بَدَلٌ مِنَ "اليَوْمَ" أيْ: إذْ تَبَيَّنَ عِنْدَكم وعِنْدَ النّاسِ جَمِيعًا أنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم في الدُّنْيا، وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: [إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ] أيْ: تَبَيَّنَ أنِّي لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ بَلْ كَرِيمَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ النَّفْعِ أيْ: لِأنَّ حَقَّكم أنْ تَشْتَرِكُوا أنْتُمْ وقُرَناؤُكم في العَذابِ كَما كُنْتُمْ مُشْتَرِكِينَ في سَبَبِهِ في الدُّنْيا ويَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلَيْهِ لَكِنْ لا بِمَعْنى لَنْ يَنْفَعَكُمُ اشْتِراكُكم في العَذابِ كَما يَنْفَعُ الواقِعِينَ في شَدائِدِ الدُّنْيا اشْتِراكُهم فِيها لِتَعاوُنِهِمْ في تَحَمُّلِ أعْبائِها وتَقَسُّمُهم لِعَنائِها لِأنَّ لِكُلٍّ مِنهم ما لا تَبْلُغُهُ طاقَتُهُ كَما قِيلَ، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِذَلِكَ الوَجْهِ لَيْسَ مِمّا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِنَفْيِهِ بَلْ بِمَعْنى لَنْ يَحْصُلَ لَكُمُ التَّشَفِّي بِكَوْنِ قُرَنائِكم مُعَذَّبِينَ مِثْلَكم حَيْثُ كُنْتُمْ تَدْعُونَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِكُمْ: رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا، وقَوْلِكُمْ: فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ ونَظائِرِهِما لِتَتَشَفُّوا بِذَلِكَ.
كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبالِغُ في المُجاهَدَةِ في دُعاءِ قَوْمِهِ وهم لا يَزِيدُونَ إلّا غَيًّا وتَعامِيًا عَمّا يُشاهِدُونَهُ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ وتَصامًّا عَمّا يَسْمَعُونَهُ مِن بَيِّناتِ القرآن فَنَزَلَ:
الزخرف 43:40
﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ وهو إنْكارُ تَعْجِيبٍ مِن أنْ يَكُونَ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ وهم قَدْ تَمَرَّنُوا في الكُفْرِ واسْتَغْرَقُوا في الضَّلالَةِ بِحَيْثُ صارَ ما بِهِمْ مِنَ العَشى عَمًى مَقْرُونًا بِالصَّمَمِ.
﴿وَمَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ عَطْفٌ عَلى العَمى بِاعْتِبارِ تَغايُرِ الوَصْفَيْنِ، ومَدارُ الإنْكارِ هو التَّمَكُّنُ والِاسْتِقْرارُ في الضَّلالِ المُفْرِطِ بِحَيْثُ لا ارْعِواءَ لَهُ مِنهُ لا تَوَّهُمَ القُصُورِ مِن قِبَلِ الهادِي، فَفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ بِالقَسْرِ والإلْجاءِ.
الزخرف 43:41
﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أيْ: فَإنْ قَبَضْناكَ قَبْلَ أنْ نُبَصِّرَكَ عَذابَهم ونَشْفِيَ بِذَلِكَ صَدْرَكَ وصُدُورَ المُؤْمِنِينَ.
﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ لا مَحالَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَـ"ما" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ بِمَنزِلَةِ لامِ القَسَمِ في أنَّها لا تُفارِقُ النُّونَ المُؤَكِّدَةَ.
الزخرف 43:42
﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ أيْ: أوْ أرَدْنا أنْ نُرِيَكَ العَذابَ الَّذِي وعَدْناهم.
﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ بِحَيْثُ لا مَناصَ لَهم مِن تَحْتِ مِلْكَتِنا وقَهْرِنا ولَقَدْ أراهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ.
الزخرف 43:43
﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ مِنَ الآياتِ والشَّرائِعِ سَواءٌ عَجَّلْنا لَكَ المَوْعُودَ أوْ أخَّرْناهُ إلى يَوْمِ الآخِرَةِ، وقُرِئَ "أوْحى" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِمْساكِ أوْ لِلْأمْرِ بِهِ.
الزخرف 43:44
﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ﴾ لَشَرَفٌ عَظِيمٌ.
﴿لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْهُ وعَنْ قِيامِكم بِحُقُوقِهِ.
الزخرف 43:45
﴿واسْألْ (p-49)مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا﴾ أيْ: واسْألْ أُمَمَهم وعُلَماءَ دِينِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ وفائِدَةُ هَذا المَجازِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ عَيْنُ ما نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَةُ الرُّسُلِ لا ما يَقُولُهُ أُمَمُهم وعُلَماؤُهم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: هم إنَّما يُخْبِرُونَهُ عَنْ كِتابِ الرُّسُلِ فَإذا سَألَهم فَكَأنَّهُ سَألَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أيْ: هَلَ حَكَمْنا بِعِبادَةِ الأوْثانِ وهَلْ جاءَتْ في مِلَّةٍ مِن مِلَلِهِمْ، والمُرادُ بِهِ: الِاسْتِشْهادُ بِإجْماعِ الأنْبِياءِ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ ابْتَدَعَهُ حَتّى يُكَذَّبَ ويُعادى.
الزخرف 43:46
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ مُلْتَبِسًا بِها.
﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أُرِيدَ بِاقْتِصاصِهِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والِاسْتِشْهادُ بِدَعْوَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى التَّوْحِيدِ إثْرَ ما أُشِيرَ إلى إجْماعِ جَمِيعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْهِ.
الزخرف 43:47
﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ مِنها أيِ: اسْتَهْزَءُوا بِها أوَّلَ ما رَأوْها ولَمْ يَتَأمَّلُوا فِيها.
الزخرف 43:48
﴿وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ﴾ مِنَ الآياتِ.
﴿إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ إلّا وهي بالِغَةٌ أقْصى مَراتِبِ الإعْجازِ بِحَيْثُ يَحْسَبُ كُلُّ مَن يَنْظُرُ إلَيْها أنَّها أكْبَرُ مِن كُلِّ ما يُقاسُ بِها مِنَ الآياتِ، والمُرادُ: وصْفُ الكُلِّ بِغايَةِ الكِبَرِ مِن غَيْرِ مُلاحَظَةِ قُصُورٍ في شَيْءٍ مِنها أوْ إلّا وهي مُخْتَصَّةٌ بِضَرْبٍ مِنَ الإعْجازِ مُفَضَّلَةٌ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ عَلى غَيْرِها.
﴿وَأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ كالسِّنِينَ والطُّوفانِ والجَرادِ وغَيْرِها.
﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لِكَيْ يَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.
الزخرف 43:49
﴿وَقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ نادَوُهُ بِذَلِكَ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ ونِهايَةِ حَماقَتِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ لِاسْتِعْظامِهِمْ عِلْمَ السحر، وقُرِئَ "أيُّهُ السّاحِرُ" بِضَمِّ الهاءِ.
﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ لِيَكْشِفَ عَنّا العَذابَ.
﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ مِنَ النُّبُوَّةِ أوْ مِنَ اسْتِجابَةِ دَعْوَتِكَ أوْ مِن كَشْفِ العَذابِ عَمَّنِ اهْتَدى أوْ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ فَوَفَيْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ أيْ: لَمُؤْمِنُونَ عَلى تَقْدِيرِ كَشْفِ العَذابِ عَنّا بِدَعْوَتِكَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ .
الزخرف 43:50
﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ بِدَعْوَتِهِ.
﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجَئُوا وقْتَ نَكْثِ عَهْدِهِمْ بِالِاهْتِداءِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في الأعْرافِ.
الزخرف 43:51
﴿وَنادى فِرْعَوْنُ﴾ بِنَفْسِهِ (p-50)أوْ بِمُنادِيِهِ.
﴿فِي قَوْمِهِ﴾ في مَجْمَعِهِمْ وفِيما بَيْنَهم بَعْدَ أنْ كَشَفَ العَذابَ عَنْهم مَخافَةَ أنْ يُؤْمِنُوا.
﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ﴾ أنْهارُ النِّيلِ ومُعْظَمُها أرْبَعَةُ أنْهُرٍ: المَلِكُ ونَهْرُ طُولُونَ، ونَهْرُ دِمْياطٍ، ونَهْرُ تُنَيْسٍ.
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ أيْ: مِن تَحْتِ قَصْرِي أوْ أمْرِي، وقِيلَ: مِن تَحْتِ سَرِيرِي لِارْتِفاعِهِ، وقِيلَ: بَيْنَ يَدَيَّ في جِنانِي وبَساتِينِي، والواوُ إمّا عاطِفَةٌ لِهَذِهِ الأنْهارِ عَلى مُلْكِ مِصْرَ فَتَجْرِي حالٌ مِنها أوْ لِلْحالِ فَـ"هَذِهِ" مُبْتَدَأٌ و"الأنْهارُ" صِفَتُها و"تَجْرِي" خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ.
﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذَلِكَ، يُرِيدُ بِهِ اسْتِعْظامَ مُلْكِهِ.
الزخرف 43:52
﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ مَعَ هَذِهِ المَمْلَكَةِ والبَسْطَةِ.
﴿مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ مِنَ المَهانَةِ وهي القِلَّةُ.
﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ أيِ: الكَلامَ قالَهُ افْتِراءً عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَنْقِيصًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أعْيُنِ النّاسِ بِاعْتِبارِ ما كانَ في لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن نَوْعِ رَتَّةٍ وقَدْ كانَتْ ذَهَبَتْ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ و"أمْ" إمّا مُنْقَطِعَةٌ والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ كَأنَّهُ قالَ: إثْرَ ما عَدَّدَ أسْبابَ فَضْلِهِ ومَبادِيَ خَيْرِيَّتِهِ أثَبَتَ عِنْدَكم واسْتَقَرَّ لَدَيْكم أنِّي أنا خَيْرٌ وهَذِهِ حالِي مِن هَذا ...إلَخْ، وإمّا مُتَّصِلَةٌ فالمَعْنى: أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ تُبْصِرُونَ، خَلا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ: أنا خَيْرٌ مَوْضِعَ "تُبْصِرُونَ" لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وهَذا مِن بابِ تَنْزِيلِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ مِن تَنْزِيلِ المُسَبَّبِ مَنزِلَةَ السَّبَبِ فَإنَّ أبْصارَهم لِما ذُكِرَ مِن أسْبابِ فَضْلِهِ سَبَبٌ عَلى زَعْمِهِ لِحُكْمِهِمْ بِخَيْرِيَّتِهِ.
الزخرف 43:53
﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أيْ: فَهَلّا أُلْقِيَ إلَيْهِ مَقالِيدُ المُلْكِ إنْ كانَ صادِقًا لِما أنَّهم كانُوا إذا سَوَّدُوا رَجُلًا سَوَّرُوهُ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سُوارٍ، وقُرِئَ "أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وقُرِئَ أساوِرَةٌ جَمْعُ إسْوارٍ، بِمَعْنى السِّوارِ عَلى تَعْوِيضِ التّاءِ مِن ياءِ أساوِيرَ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ، وقُرِئَ "ألْقى عَلَيْهِ أسْوِرَةً" و"أساوِرَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى.
﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ مَقْرُونِينَ يُعِينُونَهُ أوْ يُصَدِّقُونَهُ مِن قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ أوْ مُتَقارِنِينَ مِنِ اقْتَرَنَ بِمَعْنى تَقارَنَ.
الزخرف 43:54
﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ فاسْتَفَزَّهم وطَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في مُطاوَعَتِهِ أوْ فاسْتَخَفَّ أحْلامَهم.
﴿فَأطاعُوهُ﴾ فِيما أمَرَهم بِهِ.
﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فَلِذَلِكَ سارَعُوا إلى طاعَةِ ذَلِكَ الفاسِقِ الغَوِيِّ.
الزخرف 43:55
﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ: أغْضَبُونا أشَدَّ الغَضَبِ مَنقُولٌ مِن أسِفَ إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ.
﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ في اليَمِّ.
الزخرف 43:56
﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾ قُدْوَةً لِمَن بَعْدَهم مِنَ الكُفّارِ يَسْلُكُونَ مَسْلَكَهم في اسْتِيجابِ مِثْلِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وهو إمّا مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ أوْ جَمْعُ سالِفٍ كَخَدَمٍ جَمْعُ خادِمٍ، وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلِيفٍ أيْ: فَرِيقٍ قَدْ سَلَفَ، كَرُغُفٍ أوْ سالِفٍ كَصُبُرٍ أوْ سَلَفٍ كَأسَدٍ، وقُرِئَ "سُلَفًا" بِإبْدالِ ضَمَّةِ اللّامِ (p-51)فُتْحَةً أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعُ سُلْفَةٍ أيْ: ثُلَّةٍ قَدْ سَلَفَتْ.
﴿وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ أيْ: عِظَةً لَهم أوْ قِصَّةً عَجِيبَةً تَسِيرُ مَسِيرَ الأمْثالِ لَهم فَيُقالُ: مَثَلُكم مَثَلُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
الزخرف 43:57
﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا﴾ أيْ: ضَرَبَهُ ابْنُ الزِّبَعْرى حِينَ جادَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ حَيْثُ قالَ: أهَذا لَنا ولِآلِهَتِنا أوْ جَمِيعِ الأُمَمِ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هو لَكم ولِآلِهَتِكم ولِجَمِيعِ الأُمَمِ، فَقالَ اللَّعِينُ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ ألَيْسَ النَّصارى يَعْبُدُونَ المَسِيحَ واليَهُودَ عُزَيْرًا وبَنُو مُلَيْحٍ المَلائِكَةَ، فَإنْ كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم فَفَرِحَ بِهِ قَوْمُهُ وضَحِكُوا وارْتَفَعَتْ أصْواتُهُمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قَوْمُكَ مِنهُ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ المَثَلِ.
﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ: يَرْتَفِعُ لَهم جَلَبَةٌ وضَجِيجٌ فَرَحًا وجَذَلًا، وقُرِئَ "يَصُدُّونَ" أيْ: مِن أجْلِ ذَلِكَ المَثَلِ يُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَثْبُتُونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإعْراضِ أوْ يَزْدادُونَ فِيهِ، وقِيلَ: هو أيْضًا مِنَ الصَّدِيدِ وهُما لُغَتانِ فِيهِ نَحْوُ: يَعْكُفُ ويَعْكِفُ وهو الأنْسَبُ بِمَعْنى المُفاجَأةِ.
الزخرف 43:58
﴿وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ حِكايَةٌ لِطَرَفٍ مِنَ المَثَلِ المَضْرُوبِ قالُوهُ تَمْهِيدًا لِما بَنَوْا عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ المُمَوَّهِ بِما يَغْتَرُّ بِهِ السُّفَهاءُ أيْ: ظاهِرٌ أنَّ عِيسى خَيْرٌ مِن آلِهَتِنا فَحَيْثُ كانَ هو في النّارِ فَلا بَأْسَ بِكَوْنِنا مَعَ آلِهَتِنا فِيها، واعْلَمْ أنَّ ما نُقِلَ عَنْهم مِنَ الفَرَحِ ورَفْعِ الأصْواتِ لَمْ يَكُنْ لِما قِيلَ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَكَتَ عِنْدَ ذَلِكَ إلى أنْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةُ، فَإنَّ ذَلِكَ مَعَ إيهامِهِ لِما يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ مِن شائِبَةِ الإفْحامِ مِن أوَّلِ الأمْرِ خِلافُ الواقِعِ. كَيْفَ لا؟ وقَدْ رُوِيَ أنَّ قَوْلَ ابْنِ الزِّبَعْرى: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ صَدَرَ عَنْهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ عِنْدَ سَماعِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلامُ «ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ، أما فَهِمْتَ أنَّ ما لِما لا يَعْقِلُ» وإنَّما لَمْ يَخُصَّ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الحُكْمَ بِآلِهَتِهِمْ حِينَ سَألَ الفاجِرَ عَنِ الخُصُوصِ والعُمُومِ عَمَلًا بِما ذَكَرَ مِنَ اخْتِصاصٍ كَلِمَةِ "ما" بِغَيْرِ العُقَلاءِ لِأنَّ إخْراجَ بَعْضِ المَعْبُودِينَ عَنْهُ عِنْدَ الحاجَةِ مُوهِمٌ لِلرُّخْصَةِ في عِبادَتِهِ في الجُمْلَةِ فَعَمَّمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْكُلِّ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ عِبارَةِ النَّصِّ بَلْ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ بِجامِعِ الِاشْتِراكِ في المَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ بَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: بَلْ هم عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي أمَرَتْهم بِذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ والمَسِيحَ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونُوا مَعْبُودِيهم كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ الآيَةُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ المَقامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةُ بَلْ إنَّما كانَ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الأحْوالِ المُنْكَرَةِ لِمَحْضِ وقاحَتِهِمْ وتَهالُكِهِمْ عَلى المُكابَرَةِ والعِنادِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا﴾ أيْ: ماضَرَبُوا لَكَ ذَلِكَ المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجِدالِ والخِصامِ لا لِطَلَبِ الحَقِّ حَتّى يُذْعِنُوا لَهُ عِنْدَ ظُهُورِهِ بِبَيانِكَ.
﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ أيْ: لُدٌّ شِدادُ الخُصُومَةِ مَجْبُولُونَ عَلى المِحَكِ واللَّجاجِ، وقِيلَ: لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ قالُوا: نَحْنُ أهْدى مِنَ النَّصارى لِأنَّهم عَبَدُوا آدَمِيًّا ونَحْنُ نَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَنَزَلَتْ، فَقَوْلُهُمْ: أألِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ؟ حِينَئِذٍ (p-52)تَفْضِيلٌ لِآلِهَتِهِمْ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ المُرادَ بِهِمُ المَلائِكَةُ، ومَعْنى ما ضَرَبُوهُ ...إلَخْ ما قالُوا هَذا القَوْلَ إلّا لِلْجَدَلِ، وقِيلَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ الآيَةُ، قالُوا: ما يُرِيدُ مُحَمَّدٌ بِهَذا إلّا أنْ نَعْبُدَهُ وأنَّهُ يَسْتَأْهِلُ أنْ يُعْبَدَ وإنْ كانَ بَشَرًا كَما عَبَدَتِ النَّصارى المَسِيحَ وهو بَشَرٌ، ومَعْنى "يَصِدُّونَ": يَضِجُّونَ ويَضْجَرُونَ والضَّمِيرُ في "أمْ" هُو لِمُحَمَّد ٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَرَضُهم بِالمُوازَنَةِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ آلِهَتِهِمُ الِاسْتِهْزاءُ بِهِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمُ التَّنَصُّلَ عَمّا أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى ومِن عِبادَتِهِمْ لَهم كَأنَّهم قالُوا: ما قُلْنا بِدْعًا مِنَ القَوْلِ ولا فَعَلْنا مُنْكَرًا مِنَ الفِعْلِ، فَإنَّ النَّصارى جَعَلُوا المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ وعَبَدُوهُ فَنَحْنُ أشَفُّ مِنهم قَوْلًا وفِعْلًا حَيْثُ نَسَبْنا إلَيْهِ المَلائِكَةَ وهم نَسَبُوا إلَيْهِ الأناسِيَّ.
الزخرف 43:59
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِالنُّبُوَّةِ.
﴿وَجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: أمْرًا عَجِيبًا حَقِيقًا بِأنْ يَسِيرَ ذِكْرُهُ كالأمْثالِ السّائِرَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَنْزِيهِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ ما نُسِبَ إلى الأصْنامِ بِطَرِيقِ الرَّمْزِ كَما نَطَقَ بِهِ صَرِيحًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةُ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى بُطْلانِ رَأْيِ مَن رَفَعَهُ عَنْ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ وتَعْرِيضٌ بِفَسادِ رَأْيِ مَن يَرى رَأْيَهم في شَأْنِ المَلائِكَةِ، وعَلى الثّانِي والرّابِعِ لِبَيانِ أنَّهُ قِياسُ باطِلٍ بِباطِلٍ أوْ بِأبْطَلَ عَلى زَعْمِهِمْ وما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، قُصارى أمْرِهِ أنَّهُ مِمَّنْ أنْعَمَنا عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وخَصَصْناهُ بِبَعْضِ الخَواصِّ البَدِيعَةِ بِأنْ خَلَقْناهُ بِوَجْهٍ بَدِيعٍ وقَدْ خَلَقْنا آدَمَ بِوَجْهٍ أبْدَعَ مِنهُ، فَأيْنَ هو مِن رُتْبَةِ الربوبية ومِن أيْنَ يُتَوَهَّمُ صِحَّةُ مَذْهَبِ عَبَدَتِهِ حَتّى يَفْتَخِرَ عَبَدَةُ المَلائِكَةِ بِكَوْنِهِمْ أهْدى مِنهم أوْ يَعْتَذِرُوا بِأنَّ حالَهم أشَفُّ أوْ أخَفُّ مِن حالِهِمْ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّالِثِ فَهو لِرَدِّهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ في افْتِرائِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَيانِ أنَّ عِيسى - في الحَقِيقَةِ وفِيما أُوحِيَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْسَ إلّا أنُّهُ عَبْدٌ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ كَما ذُكِرَ، فَكَيْفَ يَرْضى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعْبُودِيَّتَهُ أوْ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ الرِّضا بِمَعْبُودِيَّةِ نَفْسِهِ؟
الزخرف 43:60
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾ ...إلَخْ لِتَحْقِيقِ أنَّ مَثَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أبْدَعِ مِن ذَلِكَ وأبْرَعَ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى سُقُوطِ المَلائِكَةِ أيْضًا مِن دَرَجَةِ المَعْبُودِيَّةِ أيْ: قُدْرَتُنا بِحَيْثُ لَوْ نَشاءُ.
﴿لَجَعَلْنا﴾ أيْ: لَخَلَقْنا بِطَرِيقِ التَّوالُدِ.
﴿مِنكُمْ﴾ وأنْتُمُ رِجالٌ لَيْسَ مِن شَأْنِكُمُ الوِلادَةُ.
﴿مَلائِكَةً﴾ كَما خَلَقْناهم بِطَرِيقِ الإبْداعِ.
﴿فِي الأرْضِ﴾ مُسْتَقِرِّينَ فِيها كَما جَعَلْناهم مُسْتَقِرِّينَ في السَّماءِ.
﴿يَخْلُفُونَ﴾ أيْ: يَخْلُفُونَكم مِثْلَ أوْلادِكم فِيما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ويُباشِرُونَ الأفاعِيلَ المَنُوطَةَ بِمُباشَرَتِكم مَعَ أنَّ شَأْنَهُمُ التَّسْبِيحُ والتَّقْدِيسُ في السَّماءِ، فَمَن شَأْنُهم بِهَذِهِ المَثابَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ اسْتِحْقاقُهم لِلْمَعْبُودِيَّةِ أوِ انْتِسابُهم إلَيْهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا.
الزخرف 43:61
﴿وَإنَّهُ﴾ وإنَّ عِيسى.
﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أيْ: إنَّهُ بِنُزُولِهِ شَرْطٌ مِن أشْراطِها وتَسْمِيَتُهُ "عِلْمًا" لِحُصُولِهِ بِهِ (p-53)أوْ بِحُدُوثِهِ بِغَيْرِ أبٍ أوْ بِإحْيِائِهِ المَوْتى دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ الَّذِي هو مُعْظَمُ ما يُنْكِرُهُ الكَفَرَةُ مِنَ الأُمُورِ الواقِعَةِ في السّاعَةِ، وقُرِئَ "لَعَلَمٌ" أيْ: عَلامَةٌ، وقُرِئَ "لِلْعِلْمِ"، وقُرِئَ لَذِكْرٌ عَلى تَسْمِيَةِ ما يُذْكَرُ بِهِ ذِكْرًا كَتَسْمِيَةِ ما يُعْلَمُ بِهِ عِلْمًا، وفي الحَدِيثِ « "أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ عَلى ثَنْيَةٍ بِالأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفَيْفٌ وعَلَيْهِ نَصَرَتانِ وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ فَيَأتِي بَيْتَ المَقْدِسِ والنّاسُ في صَلاةِ الصُّبْحِ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّد ٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسَرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ".» وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ لِما أنَّ فِيهِ الإعْلامَ بِالسّاعَةِ.
﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ فَلا تَشُكُنَّ في وُقُوعِها.
﴿واتَّبِعُونِ﴾ أيْ: واتَّبِعُوا هُدايَ أوْ شَرْعِي أوْ رَسُولِي. وقِيلَ: هو قَوْلُ الرَّسُولِ مَأْمُورًا مِن جِهَتِهِ تَعالى.
﴿هَذا﴾ أيِ: الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ أوِ القرآن عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في "إنَّهُ" لَهُ.
﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ مُوصِلٌ إلى الحَقِّ.
الزخرف 43:62
﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ عَنِ اتِّباعِي.
﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّنُ العَداوَةِ حَيْثُ أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ وعَرَّضَكم لِلْبَلِيَّةِ.
الزخرف 43:63
﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ أوْ بِآياتِ الإنْجِيلِ أوْ بِالشَّرائِعِ الواضِحاتِ.
﴿قالَ﴾ لِبَنِي إسْرائِيلَ.
﴿قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ أيْ: الإنْجِيلُ أوِ الشَّرِيعَةُ.
﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ المَجِيءُ بِالحِكْمَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ لِأُعَلِّمَكم إيّاها ولِأُبَيِّنَ لَكم.
﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وهو ما يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدِّينِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدُّنْيا فَلَيْسَ بَيانُهُ مِن وظائِفِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "أنْتُمُ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكُمْ".» ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَتِي.
﴿وَأطِيعُونِ﴾ فِيما أُبَلِّغُهُ عَنْهُ تَعالى.
الزخرف 43:64
﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ بَيانٌ لِما أمَرَهم بِالطّاعَةِ فِيهِ وهو اعْتِقادُ التَّوْحِيدِ والتَّعَبُّدُ بِالشَّرائِعِ.
﴿هَذا﴾ أيِ: التَّوْحِيدُ والتَّعَبُّدُ بِالشَّرائِعِ.
﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ لا يَضِلُّ سالِكُهُ، وهو إمّا مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى مُقَرِّرٌ لِمَقالَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
الزخرف 43:65
﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ﴾ الفِرَقُ المُتَحَزِّبَةُ.
﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِنَ المُخْتَلِفِينَ.
﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ.
الزخرف 43:66
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُ النّاسُ.
﴿إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ أيْ: إلّا إتْيانَ السّاعَةِ.
﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً لَكِنْ لا عِنْدَ كَوْنِهِمْ مُتَرَقِّبِينَ لَها بَلْ غافِلِينَ عَنْها مُشْتَغِلِينَ بِأُمُورِ الدُّنْيا مُنْكِرِينَ لَها وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
الزخرف 43:67
(p-54)﴿الأخِلاءُ﴾ المُتَحابُّونَ في الدُّنْيا عَلى الإطْلاقِ أوْ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمَ إذْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ.
﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ لِانْقِطاعِ ما بَيْنَهم عَنْ عَلائِقِ الخُلَّةِ والتَّحابِّ لِظُهُورِ كَوْنِها أسْبابًا لِلْعَذابِ.
﴿إلا المُتَّقِينَ﴾ فَإنَّ خُلَّتَهم في الدُّنْيا لَمّا كانَتْ في اللَّهِ تَبْقى عَلى حالِها بَلْ تَزْدادُ بِمُشاهَدَةِ كُلٍّ مِنهم آثارَ خُلَّتِهِمْ مِنَ الثَّوابِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ، والِاسْتِثْناءُ عَلى الأوَّلِ مُتَّصِلٌ وعَلى الثّانِي مُنْقَطِعٌ.
الزخرف 43:68
﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ حِكايَةٌ لِما يُنادى بِهِ المُتَّقُونَ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ يَوْمَئِذٍ تَشْرِيفًا لَهم وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ.
الزخرف 43:69
﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا﴾ صِفَةٌ لِلْمُنادى أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ.
﴿وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مُخْلِصِينَ وُجُوهَهم لَنا جاعِلِينَ أنْفُسَهم سالِمَةً لِطاعَتِنا، وهو حالٌ مِن واوِ "آمَنُوا"، عَنْ مُقاتِلٍ إذا بَعَثَ اللَّهُ النّاسَ فَزِعَ كُلُّ أحَدٍ فَيُنادِي مُنادٍ يا عِبادِي فَيَرْفَعُ الخَلائِقُ رُؤُوسَهم عَلى الرَّجاءِ ثُمَّ يَتْبَعُها الَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ فَيُنَكِّسُ أهْلُ الأدْيانِ الباطِلَةِ رُؤُوسَهم.
الزخرف 43:70
﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾ نِساؤُكُمُ المُؤْمِناتُ.
﴿تُحْبَرُونَ﴾ تُسَرُّونَ سُرُورًا يَظْهَرُ حَبارُهُ أيْ: أثَرُهُ عَلى وُجُوهِكم أوْ تُزَيَّنُونَ مِنَ الحَبَرَةِ وهو حُسْنُ الهَيْئَةِ أوْ تُكْرَمُونَ إكْرامًا بَلِيغًا، و"الحَبْرَةُ": المُبالَغَةُ فِيما وُصِفَ بِجَمِيلٍ.
الزخرف 43:71
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ حَسَبَما أُمِرُوا بِهِ.
﴿بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ كَذَلِكَ، والصِّحافُ جَمْعُ صَحْفَةٍ، قِيلَ: هي كالقَصْعَةِ، وقِيلَ: أعْظَمُ القِصاعِ الجَفْنَةُ ثُمَّ القَصْعَةُ ثُمَّ المَكِيلَةُ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ وهو كُوزٌ لا عُرْوَةَ لَهُ.
﴿وَفِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ.
﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ مِن فُنُونِ المَلاذِّ، وقُرِئَ "ما تَشْتَهِي".
﴿وَتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ أيْ: تَسْتَلِذُّهُ وتَقَرُّ بِمُشاهَدَتِهِ، وقُرِئَ "وَتُلِذُّهُ".
﴿وَأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ إتْمامٌ لِلنِّعْمَةِ وإكْمالٌ لِلسُّرُورِ فَإنَّ كُلَّ نَعِيمٍ لَهُ زَوالٌ بِالآخِرَةِ مُقارِنٌ لِخَوْفِهِ لا مَحالَةَ والِالتِفاتُ لِلتَّشْرِيفِ.
الزخرف 43:72
﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ وقُرِئَ "وُرِّثْتُمُوها".
﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، شَبَّهَ جَزاءَ العَمَلِ بِالمِيراثِ لِأنَّهُ يَخْلُفُهُ العامِلُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: تِلْكَ الجَنَّةُ مُبْتَدَأٌ وصِفَةٌ والمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ خَبَرُهُ. وقِيلَ: هو صِفَةُ الجَنَّةِ كالوَجْهِ الأوَّلِ، والخَبَرُ ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ فَتَتَعَلَّقُ الباءُ بِمَحْذُوفٍ لا بِـ"أُورِثْتُمُوها" كَما في الأوَّلَيْنِ.
الزخرف 43:73
﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ بِحَسَبِ الأنْواعِ والأصْنافِ (p-55)لا بِحَسَبِ الأفْرادِ فَقَطْ.
﴿مِنها تَأْكُلُونَ﴾ أيْ: بَعْضَها تَأْكُلُونَ في كُلِّ نَوْبَةٍ وأمّا الباقِي فَعَلى الأشْجارِ عَلى الدَّوامِ لا تَرى فِيها شَجَرَةً خَلَتْ عَنْ ثَمَرِها لَحْظَةً فَهي مُزَيَّنَةٌ بِالثِّمارِ أبَدًا مُوقَرَةٌ بِها. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "لا يَنْزِعُ رَجُلٌ في الجَنَّةِ مِن ثَمَرِها إلّا نَبَتَ مِثْلاها مَكانَها".»
الزخرف 43:74
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإجْرامِ وهُمُ الكُفّارُ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيرادُهم في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِينَ بِالآياتِ.
﴿فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ خَبَرُ "إنَّ" أوْ "خالِدُونَ" هو الخَبَرُ و"فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ.
الزخرف 43:75
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لا يُخَفَّفُ العَذابُ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا والتَّرْكِيبُ لِلضَّعْفِ.
﴿وَهم فِيهِ﴾ أيْ: في العَذابِ، وقُرِئَ "فِيها" أيْ: في النّارِ.
﴿مُبْلِسُونَ﴾ آيِسُونَ مِنَ النَّجاةِ.
الزخرف 43:76
﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ.
﴿وَلَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ لِتَعْرِيضِهِمْ أنْفُسَهم لِلْعَذابِ الخالِدِ.
الزخرف 43:77
﴿وَنادَوْا﴾ خازِنَ النّارِ.
﴿يا مالِكُ﴾ وقُرِئَ "يا مالُ" عَلى التَّرْخِيمِ بِالضَّمِّ والكَسْرِ ولَعَلَّهُ رَمْزٌ إلى ضَعْفِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنْ تَأْدِيَةِ اللَّفْظِ بِتَمامِهِ.
﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ أيْ: لِيُمِتْنا حَتّى نَسْتَرِيحَ، مِن قَضى عَلَيْهِ: إذا أماتَهُ والمَعْنى: سَلْ رَبَّكَ أنْ يَقْضِيَ عَلَيْنا، وهَذا لا يُنافِي ما ذُكِرَ مِن إبْلاسِهِمْ لِأنَّهُ جُؤارٌ وتَمَنٍّ لِلْمَوْتِ لِفَرْطِ الشِّدَّةِ.
﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ أيْ: في العَذابِ أبَدًا لا خَلاصَ لَكم مِنهُ بِمَوْتٍ ولا بِغَيْرِهِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ لا يُجِيبُهم إلّا بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ. وقِيلَ: بَعْدَ مِائَةٍ. وقِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً.
الزخرف 43:78
﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾ في الدُّنْيا بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنِزالِ الكُتُبِ، وهو خِطابُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى مُقَرِّرٌ لِجَوابِ مالِكٍ ومُبَيِّنٌ لِسَبَبِ مُكْثِهِمْ. وقِيلَ في "قالَ" ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ﴾ أيِّ حَقٍّ كانَ.
﴿كارِهُونَ﴾ لا يَقْبَلُونَهُ ويَنْفِرُونَ عَنْهُ، أمّا الحَقُّ المَعْهُودُ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ أوِ القرآن فَكُلُّهم كارِهُونَ لَهُ مُشْمَئِزُّونَ مِنهُ.
الزخرف 43:79
﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ناعٍ عَلى المُشْرِكِينَ ما فَعَلُوا مِنَ الكَيْدِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِن تَوْبِيخِ أهْلِ النّارِ إلى حِكايَةِ جِنايَةِ هَؤُلاءِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ فَإنْ أُرِيدَ بِالإبْرامِ الإحْكامُ حَقِيقَةً فَهي لِإنْكارِ الوُقُوعِ واسْتِبْعادِهِ وإنْ أُرِيدَ الإحْكامُ صُورَةً فَهي لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، أيْ: أأبْرَمَ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟
﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا حَقِيقَةً لا هم أوْ فَإنّا مُبْرِمُونَ كَيْدَنا بِهِمْ حَقِيقَةً كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم صُورَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ وكانُوا يَتَناجَوْنَ في أنْدِيَتِهِمْ ويَتَشاوَرُونَ في أُمُورِهِ (p-56)عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الزخرف 43:80
﴿أمْ يَحْسَبُونَ﴾ أيْ: بَلْ أيَحْسَبُونَ.
﴿أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ وهو ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم أوْ غَيْرَهم في مَكانٍ خالٍ.
﴿نَجْواهُمْ﴾ أيْ: ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ التَّناجِي.
﴿بَلى﴾ نَحْنُ نَسْمَعُهُما ونَطَّلِعُ عَلَيْهِما.
﴿وَرُسُلُنا﴾ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم ويُلازِمُونَهم أيْنَما كانُوا.
﴿لَدَيْهِمْ﴾ عِنْدَهم.
﴿يَكْتُبُونَ﴾ أيْ: يَكْتُبُونَهُما أوْ يَكْتُبُونَ كُلَّ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَ مِن سِرِّهِمْ ونَجْواهُمْ، والجُمْلَةُ إمّا عَطْفٌ عَلى ما يُتَرْجِمُ عَنْهُ "بَلى" أوْ حالٌ أيْ: نَسْمَعُها والحالُ أنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ.
الزخرف 43:81
﴿قُلْ﴾ أيْ: لِلْكَفَرَةِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ مُخالَفَتَكَ لَهم بِعَدَمِ عِبادَتِكَ لِما يَعْبُدُونَهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَتْ لِبُغْضِكَ وعَداوَتِكَ لَهم أوْ لِمَعْبُودِيهِمْ بَلْ إنَّما هو لِجَزْمِكَ بِاسْتِحالَةِ ما نَسَبُوا إلَيْهِمْ وبَنَوْا عَلَيْها عِبادَتَهم مِن كَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ تَعالى.
﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيْ: لَهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْلَمُ النّاسِ بِشُؤُونِهِ تَعالى وبِما يَجُوزُ عَلَيْهِ وبِما لا يَجُوزُ وأوْلاهم بِمُراعاةِ حُقُوقِهِ ومِن مَواجِبِ تَعْظِيمِ الوالِدِ تَعْظِيمُ ولَدِهِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى انْتِفاءِ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ وأقْواها وعَلى كَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى قُوَّةِ يَقِينٍ وثَباتِ قَدَمٍ في بابِ التَّوْحِيدِ ما لا يَخْفى، مَعَ ما فِيهِ مِنِ اسْتِنْزالِ الكَفَرَةِ عَنْ رُتْبَةِ المُكابَرَةِ حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ إيرادُ إنْ مَكانَ "لَوْ" المُنْبِئَةُ عَنِ امْتِناعِ مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ. وقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ أيِ: المُسْتَنْكِفِينَ مِنهُ أوْ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مَن عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّ أنَفُهُ. وقِيلَ: "إنْ" نافِيَةٌ أيْ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأناْ أوَّلُ مَن قالَ بِذَلِكَ، وقُرِئَ "وُلْدٌ".
الزخرف 43:82
﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ: يَصِفُونَهُ بِهِ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وفي إضافَةِ اسْمِ الرَّبِّ إلى أعْظَمِ الأجْرامِ وأقْواها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّها وما فِيها مِنَ المَخْلُوقاتِ حَيْثُ كانَتْ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنها جُزْءٌ مِنهُ سُبْحانَهُ؟، وفي تَكْرِيرِ اسْمِ الرَّبِّ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ العَرْشِ.
الزخرف 43:83
﴿فَذَرْهُمْ﴾ حَيْثُ لَمْ يُذْعِنُوا لِلْحَقِّ بَعْدَ ما سَمِعُوا هَذا البُرْهانَ الجَلِيَّ.
﴿يَخُوضُوا﴾ في أباطِيلِهِمْ.
﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دُنْياهم فَإنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ لَيْسَتْ إلّا مِن بابِ الجَهْلِ واللَّعِبِ، والجَزْمُ في الفِعْلِ لِجَوابِ الأمْرِ.
﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ مِن يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ يَعْلَمُونَ ما فَعَلُوا وما يُفْعَلُ بِهِمْ.
الزخرف 43:84
﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ الظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِالمَعْنى الوَصْفِيِّ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ مِن مَعْنى المَعْبُودِيَّةِ بِالحَقِّ بِناءً عَلى اخْتِصاصِهِ (p-57)بِالمَعْبُودِ بِالحَقِّ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ البَسْمَلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهو الَّذِي مُسْتَحِقٌّ لِأنْ يُعْبَدَ فِيهِما، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقُرِئَ "وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ اللَّهُ وفي الأرْضِ اللَّهُ" والرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ مُبْتَدَأٌ قَدْ حُذِفَ لِطُولِ الصِّلَةِ بِمُتَعَلِّقِ الخَبَرِ والعَطْفِ عَلَيْهِ، ولا مَساغَ لِكَوْنِ الجارِّ خَبَرًا مُقَدَّمًا و"إلَهٌ" مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ لِلُزُومِ عَراءِ الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ عَنِ العائِدِ، نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ و"إلَهٌ" خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ بَيانٌ لِلصِّلَةِ وأنَّ كَوْنَهُ في السَّماءِ عَلى سَبِيلِ الإلَهِيَّةِ لا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْرارِ، وفِيهِ نَفْيُ الآلِهَةِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ وتَخْصِيصٌ لِاسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ بِهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ كالدَّلِيلِ عَلى ما قَبْلَهُ.
الزخرف 43:85
﴿وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ إمّا عَلى الدَّوامِ كالهَواءِ أوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ كالطَّيْرِ.
﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيِ: العِلْمُ بِالسّاعَةِ الَّتِي فِيها تَقُومُ القِيامَةُ.
﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، والِالتِفاتُ لِلتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ عَلى الغَيْبَةِ، وقُرِئَ "تُحْشَرُونَ" بِالتّاءِ.
الزخرف 43:86
﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ: يَدْعُونَهُمْ، وقُرِئَ بِالتّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا.
﴿مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ﴾ كَما يَزْعُمُونَ.
﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ.
﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ بِما يَشْهَدُونَ بِهِ عَنْ بَصِيرَةٍ وإيقانٍ وإخْلاصٍ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ أوَّلًا بِاعْتِبارِ لَفْظِها والِاسْتِثْناءُ إمّا مُتَّصِلٌ والمَوْصُولُ عامٌّ لِكُلِّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مُنْفَصِلٌ عَلى أنَّهُ خاصٌّ بِالأصْنامِ.
الزخرف 43:87
﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهُمْ﴾ أيْ: سَألَتَ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ.
﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لِتَعَذُّرِ الإنْكارِ لِغايَةِ بُطْلانِهِ.
﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ يُصْرِفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِكَوْنِ الكُلِّ مَخْلُوقًا لَهُ تَعالى.
الزخرف 43:88
﴿وَقِيلِهِ﴾ بِالجَرِّ إمّا عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السّاعَةِ أيْ: عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وعِلْمُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿يا رَبِّ﴾ ...إلَخْ فَإنَّ القَوْلَ والقِيلَ والقالَ كُلُّها مُصادِرُ أوْ عَلى أنَّ الواوَ لِلْقَسَمِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ جَوابُهُ وفي الإقْسامِ بِهِ مِن رَفْعِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَفْخِيمِ دُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ تَعالى ما لا يَخْفى. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ بِالعَطْفِ عَلى سِرَّهم أوْ عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ أوْ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أوْ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ القَسَمِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى عِلْمُ السّاعَةِ.
الزخرف 43:89
﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ فَأعْرِضْ عَنْ دَعْوَتِهِمْ واقْنَطْ عَنْ إيمانِهِمْ.
﴿وَقُلْ سَلامٌ﴾ أيْ: أمْرِي تَسَلُّمٌ مِنكم ومُتارَكَةٌ.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ حالَهُمُ البَتَّةَ وإنْ تَأخَّرَ ذَلِكَ وهو وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقُرِئَ "تَعْلَمُونَ" عَلى أنَّهُ داخِلٌ (p-58)فِي حَيِّزٍ قُلْ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الزُّخْرُفِ كانَ مِمَّنْ يُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ"..»
الدخان 44:1
(سُورَةُ الدُّخانِ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ﴾ وآياتُها تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً)
﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي سَلَفَ في السُّورَةِ السّابِقَةِ.
الدخان 44:2
(سُورَةُ الدُّخانِ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ﴾ وآياتُها تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً)
﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي سَلَفَ في السُّورَةِ السّابِقَةِ.
الدخان 44:3
﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ أيِ: الكِتابَ المُبِينَ الَّذِي هو القرآن.
﴿فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ هي لَيْلَةُ القَدْرِ. وقِيلَ: لَيْلَةُ البَراءَةِ ابْتُدِئَ فِيها إنْزالُهُ أوْ أُنْزِلَ فِيها جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا مِنَ اللَّوْحِ وأمْلاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى السَفَرَةِ ثُمَّ كانَ يُنْزِلُهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نُجُومًا في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً كَما مَرَّ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، ووَصْفُها بِالبَرَكَةِ لِما أنَّ نُزُولَ القرآن مُسْتَتْبِعٌ لِلْمَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ بِأجْمَعِها أوْ لِما فِيها مِن تَنَزُّلِ المَلائِكَةِ والرَّحْمَةِ وإجابَةِ الدَّعْوَةِ وقَسْمِ النِّعْمَةِ وفَصْلِ الأُقْضِيَةِ وفَضِيلَةِ العِبادَةِ وإعْطاءِ تَمامِ الشَّفاعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وقِيلَ: يَزِيدُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ماءُ زَمْزَمَ زِيادَةً ظاهِرَةً.
﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما يُقْضى الإنْزالَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أنْزَلْناهُ لِأنَّ مِن شَأْنِنا الإنْذارَ والتَّحْذِيرَ مِنَ العِقابِ. وقِيلَ: جَوابٌ لِلْقَسَمِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ ...إلَخْ. اعْتِراضٌ. وقِيلَ: جَوابٌ ثانٍ بِغَيْرٍ عاطِفٍ.
الدخان 44:4
﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قَبْلَهُ فَإنَّ كَوْنَها مَفْرَقَ الأُمُورِ المُحْكَمَةِ أوِ المُلْتَبِسَةِ بِالحِكْمَةِ المُوافِقَةِ لَها يَسْتَدْعِي أنْ يَنْزِلَ فِيها القرآن الَّذِي هو مِن عَظائِمِها. وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لِـ"لَيْلَةٍ" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ ومَعْنى يُفْرَقُ أنَّهُ يُكْتُبُ ويُفْصَلُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ مِن أرْزاقِ العِبادِ وآجالِهِمْ، وجَمِيعِ أُمُورِهِمْ مِن هَذِهِ اللَّيْلَةِ إلى الأُخْرى مِنَ السَّنَةِ القابِلَةِ. وقِيلَ: يَبْدَأُ في اسْتِنْساخِ ذَلِكَ مِنَ اللَّوْحِ في لَيْلَةِ البَراءَةِ ويَقَعُ الفَراغُ في لَيْلَةِ القَدْرِ فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ الأرْزاقِ إلى مِيكائِيلَ ونُسْخَةُ الحُرُوبِ إلى جِبْرِيلَ وكَذا الزَّلازِلُ والخَسْفُ والصَّواعِقُ ونُسْخَةُ الأعْمالِ إلى إسْماعِيلَ صاحِبِ سَماءِ الدُّنْيا وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ ونُسْخَةُ المَصائِبِ إلى مَلَكِ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقُرِئَ "يُفَرَّقُ" بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ "يَفْرُقُ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ: يَفْرُقُ اللَّهُ تَعالى (p-59)كُلَّ أمْرٍ حَكِيمٍ، وقُرِئَ "نَفْرُقُ" بِنُونِ العَظَمَةِ.
الدخان 44:5
﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِنا، وهو بَيانٌ لِفَخامَةِ الإضافِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ ويَجُوزُ كَوْنُهُ حالًا مِن كُلِّ أمْرٍ لِتَخَصُّصِهِ بِالوَصْفِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في "حَكِيمٍ" وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ مُقابِلَ النَّهْيِ ويُجْعَلَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِيُفْرَقُ لِاتِّحادِ الأمْرِ والفُرْقانِ في المَعْنى أوْ لِفِعْلِهِ المُضْمَرِ لِما أنَّ الفَرْقَ بِهِ أوْ حالًا مِن أحَدِ ضَمِيرَيْ "أنْزَلْناهُ" أيْ: آمِرِينَ أوْ مَأْمُورًا بِهِ.
﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ بَدَلٌ مِن إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ، وقِيلَ: جَوابٌ ثالِثٌ. وقِيلَ: مُسْتَأْنَفٌ.
الدخان 44:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ غايَةٌ لِلْإرْسالِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْهُ، عَلى أنَّ المُرادَ بِها: الرَّحْمَةُ الواصِلَةُ إلى العِبادِ باعِثٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ عَلى أنَّ المُرادَ مَبْدَؤُها أيْ: إنّا أنْزَلَنا القرآن لِأنَّ مِن عادَتِنا إرْسالَ الرُّسُلِ بِالكُتُبِ إلى العِبادِ لِأجْلِ إفاضَةِ رَحْمَتِنا عَلَيْهِمْ أوْ لِاقْتِضاءِ رَحْمَتِنا السّابِقَةِ إرْسالَهُمْ، ووَضْعُ الرَّبِّ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِن أحْكامِ الربوبية ومُقْتَضَياتِها وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَشْرِيفِهِ أوْ تَعْلِيلٌ لِـ"يُفْرَقُ" أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْرًا﴾ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَحْمَةً﴾ مَفْعُولٌ لِلْإرْسالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ أيْ: يُفْرَقُ فِيها كُلُّ أمْرٍ أوْ تَصْدُرُ الأوامِرُ مِن عِنْدِنا لِأنَّ مِن عادَتِنا إرْسالَ رَحْمَتِنا، ولا رَيْبَ في أنَّ كُلًّا مِن قِسْمَةِ الأرْزاقِ وغَيْرِها والأوامِرِ الصّادِرَةِ مِنهُ تَعالى مِن بابِ الرَّحْمَةِ فَإنَّ الغايَةَ لِتَكْلِيفِ العِبادَةِ تَعْرِيضُهم لِلْمَنافِعِ، وقُرِئَ "رَحْمَةٌ" بِالرَّفْعِ أيْ: تِلْكَ رَحْمَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَحْقِيقٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى وأنَّها لا تَحِقُّ إلّا لِمَن هَذِهِ نُعُوتُهُ.
الدخان 44:7
﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ بَدَلٌ مِن[رَبِّكَ] أوْ بَيانٌ أوْ نَعْتٌ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ أوِ اسْتِئْنافٌ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ الإيقانِ في العُلُومِ أوْ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ في إقْرارِكم بِأنَّهُ تَعالى رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إذا سُئِلْتُمْ مَن خَلَقَها؟ فَقُلْتُمُ: اللَّهُ، عَلِمْتُمْ أنَّ الأمْرَ كَما قُلْنا أوْ إنْ كُنْتُمْ مُرِيدِينَ اليَقِينَ فاعْلَمُوا ذَلِكَ.
الدخان 44:8
﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ ...إلَخْ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَبْلَها وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ أوْ بَدَلٌ مِن "رَبِّ السَّمَواتِ" عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ أوْ بَيانٌ أوْ نَعْتٌ لَهُ. وقِيلَ: فاعِلٌ لِـ"يُمِيتُ" وفي "يُحْيِي" ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى "رَبِّ السَّمَواتِ"، وقُرِئَ بِالجَرِّ بَدَلًا مِن "رَبِّ السَّمَواتِ" عَلى قِراءَةِ الجَرِّ.
الدخان 44:9
﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ مِمّا ذُكِرَ مِن شُئُونِهِ تَعالى غَيْرُ مُوقِنِينَ في إقْرارِهِمْ.
﴿يَلْعَبُونَ﴾ لا يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ عَنْ جِدٍّ وإذْعانٍ بَلْ مَخْلُوطًا بِهُزْءٍ ولَعِبٍ.(p-60)
الدخان 44:10
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ﴾ لِتَرْتِيبِ الِارْتِقابِ أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ كَوْنَهم في شَكٍّ مِمّا يُوجِبُ ذَلِكَ حَتْمًا أيْ: فانْتَظِرْ لَهم.
﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: يَوْمَ شِدَّةٍ ومَجاعَةٍ، فَإنَّ الجائِعَ يَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ إمّا لِضَعْفِ بَصَرِهِ أوْ لِأنَّ في عامِ القَحْطِ يُظْلِمُ الهَواءُ لِقِلَّةِ الأمْطارِ وكَثْرَةِ الغُبارِ أوْ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الشَّرَّ الغالِبَ دُخانًا، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ﴾ فَأخَذَتْهم سَنَةٌ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والعِظامَ والعِلْهِزَ وكانَ الرَّجُلُ يَرى بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ الدُّخانَ وكانَ يُحَدِّثُ الرَّجُلَ يَسْمَعُ كَلامَهُ ولا يَراهُ مِنَ الدُّخانِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:
الدخان 44:11
﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أيْ: يُحِيطُ بِهِمْ.
﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: قائِلِينَ ذَلِكَ فَمَشى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبُو سُفْيانَ ونَفَرٌ مَعَهُ وناشَدُوهُ اللَّهَ تَعالى والرَّحِمَ وواعَدُوهُ إنْ دَعا لَهم وكَشَفَ عَنْهم أنْ يُؤْمِنُوا، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:
الدخان 44:12
﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وبِهِ أخَذَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ. وقِيلَ: هو دُخانٌ يَأْتِي مِنَ السَّماءِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ فَيَدْخُلُ في أسْماعِ الكَفَرَةِ حَتّى يَكُونَ رَأْسُ الواحِدِ كالرَّأْسِ الحَنِيذِ ويَعْتَرِي المُؤْمِنَ مِنهُ كَهَيْئَةِ الزُّكامِ وتَكُونُ الأرْضُ كُلُّها كَبَيْتٍ أُوقِدَ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ خَصاصٌ. وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "أوَّلُ الآياتِ الدُّخانُ ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ أبْيَنَ تَسُوقُ النّاسَ إلى المَحْشَرِ" قالَ حُذَيْفَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما الدُّخانُ؟ فَتَلا الآيَةَ وقالَ: يُمْلَأُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً أمّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ كَهَيْئَةِ الزُّكْمَةِ وأمّا الكافِرُ فَهو كالسَّكْرانِ يَخْرُجُ مِن مَنخَرَيْهِ وأُذُنَيْهِ ودُبُرِهِ،» والأوَّلُ هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ مَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ قَطْعًا.
الدخان 44:13
فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ ...إلَخْ رَدٌّ لِكَلامِهِمْ واسْتِدْعائِهِمُ الكَشْفَ وتَكْذِيبٌ لَهم في الوَعْدِ بِالإيمانِ المُنْبِئِ عَنِ التَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ بِما اعْتَراهم مِنَ الدّاهِيَةِ أيْ: كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ أوْ مِن أيْنَ يَتَذَكَّرُونَ بِذَلِكَ ويَفُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم.
﴿وَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم شاهَدُوا مِن دَواعِي التَّذَكُّرِ ومُوجِباتِ الِاتِّعاظِ ما هو أعْظَمُ مِنهُ في إيجابِها حَيْثُ جاءَهم رَسُولٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ وبَيَّنَ لَهم مَناهِجَ الحَقِّ بِإظْهارِ آياتٍ ظاهِرَةٍ ومُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ.
الدخان 44:14
﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ عَنْ ذَلِكَ الرَّسُولِ وهو هو رَيْثَما شاهَدُوا مِنهُ ما شاهَدُوهُ مِنَ العَظائِمِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ ولَمْ يَقْتَنِعُوا بالتَّوَلِّي. (p-61)﴿وَقالُوا﴾: في حَقِّهِ.
﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ أيْ: قالُوا تارَةً: يُعَلِّمُهُ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ ثَقِيفٍ وأُخْرى مَجْنُونٌ أوْ يَقُولُ بَعْضُهم كَذا وآخَرُونَ كَذا فَهَلْ يُتَوَقَّعُ مِن قَوْمٍ هَذِهِ صِفاتُهم أنْ يَتَأثَّرُوا بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ وما مَثَلُهم إلّا كَمَثَلِ الكَلْبِ إذا جاعَ ضَغا وإذا شَبِعَ طَغى.
الدخان 44:15
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا﴾ ﴿إنَّكم عائِدُونَ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِمَزِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْ: إنّا نَكْشِفُ العَذابَ المَعْهُودَ عَنْكم كَشْفًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا إنَّكم تَعُودُونَ إثْرَ ذَلِكَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ وتَنْسَوْنَ هَذِهِ الحالَةَ، وصِيغَةُ الفاعِلِ في الفِعْلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِما لا مَحالَةَ ولَقَدْ وقَعَ كِلاهُما حَيْثُ كَشَفَ اللَّهُ تَعالى بِدُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَما لَبِثُوا أنْ عادُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والعِنادِ، ومَن فَسَّرَ الدُّخانَ بِما هو مِنَ الأشْراطِ قالَ: إذا جاءَ الدُّخانُ تَضَوَّرَ المُعَذَّبُونَ بِهِ مِنَ الكُفّارِ والمُنافِقَيْنِ وغَوَّثُوا وقالُوا: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ فَيَكْشِفُهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بَعْدَ أرْبَعِينَ ورَيْثَما يَكْشِفُهُ عَنْهم يَرْتَدُّونَ ولا يَتَمَهَّلُونَ.
الدخان 44:16
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ. وهو ظَرْفٌ لَمّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ لا لَمُنْتَقِمُونَ لِأنَّ "إنَّ" مانِعَةٌ مِن ذَلِكَ أيْ: يَوْمَئِذٍ نَنْتَقِمُ إنّا مُنْتَقِمُونَ. وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن "يَوْمَ تَأْتِي" ...إلَخْ وقُرِئَ "نُبْطِشُ" أيْ: نَحْمِلُ المَلائِكَةَ عَلى أنْ يَبْطِشُوا بِهِمُ البَطْشَةَ الكُبْرى وهو التَّناوُلُ بِعُنْفٍ وصَوْلَةٍ أوْ نَجْعَلُ البَطْشَةَ الكُبْرى باطِشَةً بِهِمْ، وقُرِئَ "نَبْطُشُ" بِضَمِّ الطّاءِ وهي لُغَةٌ.
الدخان 44:17
﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ: امْتَحَنّاهم بِإرْسالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ أوْقَعْناهم في الفِتْنَةِ بِالإمْهالِ وتَوْسِيعِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ لِكَثْرَةِ القَوْمِ.
﴿وَجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ عَلى اللَّهِ تَعالى أوْ عَلى المُؤْمِنِينَ وفي نَفْسِهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا مِن سُراةِ قَوْمِهِ وكِرامِهِمْ.
الدخان 44:18
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِأنْ أدُّوا إلَيَّ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسِلُوهم مَعِي أوْ بِأنْ أدُّوا إلَيَّ يا عِبادَ اللَّهِ حَقَّهُ مِنَ الإيمانِ وقَبُولِ الدَّعْوَةِ. وقِيلَ: "أنْ" مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ مَجِيءَ الرَّسُولِ لا يَكُونُ إلّا بِرِسالَةٍ ودَعْوَةٍ. وقِيلَ: مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ أيْ: جاءَهم بِأنَّ الشَّأْنَ أدُّوا إلَيَّ ...إلَخْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أوْ لِوُجُوبِ المَأْمُورِ بِهِ أيْ: رَسُولٌ غَيْرُ ظَنِينٍ قَدِ ائْتَمَنَنِي اللَّهُ تَعالى عَلى وحْيِهِ وصَدَّقَنِي بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ.
الدخان 44:19
﴿وَأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا عَلَيْهِ تَعالى بِالِاسْتِهانَةِ بِوَحْيِهِ وبِرَسُولِهِ و"أنْ" كالَّتِي سَلَفَتْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي آتِيكُمْ﴾ أيْ: مِن جِهَتِهِ تَعالى. (p-62)﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ: آتِيكم بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِها و"آتِيكُمْ" عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ أوِ المُضارِعِ، وفي إيرادِ الأداءِ مَعَ الأمِينِ والسُّلْطانِ مَعَ العُلا مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى.
الدخان 44:20
﴿وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ أيِ: التَجَأْتُ إلَيْهِ وتَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ.
﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ مِن أنْ تَرْجُمُونِي أيْ: تُؤْذُونِي ضَرْبًا أوْ شَتْمًا أوْ أنْ تَقْتُلُونِي، قِيلَ لَمّا قالَ: وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، وقُرِئَ بِإدْغامِ الذّالِ في التّاءِ.
الدخان 44:21
﴿وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: وإنْ كابَرْتُمْ مُقْتَضى العَقْلِ ولَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَخَلَّوْنِي كَفافًا لا عَلَيَّ ولا لِيَ ولا تَتَعَرَّضُوا بِشَرٍّ ولا أذًى فَلَيْسَ ذَلِكَ جَزاءَ مَن يَدْعُوكم إلى ما فِيهِ فَلاحُكُمْ، وحَمْلُهُ عَلى مَعْنى فاقْطَعُوا أسْبابَ الوُصْلَةِ عَنِّي فَلا مُوالاةَ بَيْنِي وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَن لا يُؤْمِنُ يَأْباهُ المَقامُ.
الدخان 44:22
﴿فَدَعا رَبَّهُ﴾ بَعْدَ ما تَمُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: بِأنَّ هَؤُلاءِ.
﴿قَوْم مُجْرِمِونَ﴾ وهو تَعْرِيضٌ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ ما اسْتَوْجَبُوهُ ولِذَلِكَ سُمِّيَ دُعاءً، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ. قِيلَ: كانَ دُعاؤُهُ "اللَّهُمَّ عَجِّلْ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَهُ بِإجْرامِهِمْ". وقِيلَ: هو قَوْلُهُ ﴿ "رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ".﴾
الدخان 44:23
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلا﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ إمّا بَعْدَ الفاءِ أيْ: فَقالَ رَبُّهُ: أسْرِ بِعِبادِي وإمّا قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ فَأسْرِ بِعِبادِي أيْ: بِبَنِي إسْرائِيلَ فَقَدْ دَبَّرَ اللَّهُ تَعالى أنْ تَتَقَدَّمُوا، وقُرِئَ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ مِن "سَرى".
﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَعْدَ ما عَلِمُوا بِخُرُوجِكم.
الدخان 44:24
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ مَفْتُوحًا ذا فَجْوَةٍ واسِعَةٍ أوْ ساكِنًا عَلى هَيْئَتِهِ بَعْدَ ما جاوَزْتَهُ ولا تَضْرِبْهُ بِعَصاكَ لِيَنْطَبِقَ ولا تُغَيِّرْهُ عَنْ حالِهِ لِيَدْخُلَهُ القِبْطُ.
﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ وقُرِئَ "أنَّهُمْ" بِالفَتْحِ أيْ: لِأنَّهم.
الدخان 44:25
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ أيْ: كَثِيرًا تَرَكُوا بِمِصْرَ.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ مَحافِلَ مُزَيَّنَةً ومَنازِلَ مُحَسَّنَةً.
الدخان 44:26
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ أيْ: كَثِيرًا تَرَكُوا بِمِصْرَ.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ مَحافِلَ مُزَيَّنَةً ومَنازِلَ مُحَسَّنَةً.
الدخان 44:27
﴿وَنَعْمَةٍ﴾ أيْ: تَنَعُّمٍ.
﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ مُتَنَعِّمِينَ، وقُرِئَ "فَكِهِينَ".
الدخان 44:28
﴿كَذَلِكَ﴾ الكافُ في حَيِّزِ النَّصْبِ و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى مَصْدَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "تَرَكُوا" أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ السَّلْبِ سَلَبْناهم (p-63)إيّاها.
﴿وَأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ وقِيلَ: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها. وقِيلَ: في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ "أوْرَثْناها" مَعْطُوفًا عَلى "تَرَكُوا" وعَلى الأوَّلَيْنِ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
الدخان 44:29
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهَلاكِهِمْ والِاعْتِدادِ بِوُجُودِهِمْ، فِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وبِحالِهِمُ المُنافِيَةِ لِحالِ مَن يَعْظُمُ فَقْدُهُ فَيُقالُ لَهُ: بَكَتِ السَّماءُ والأرْضُ، ومِنهُ ما رُوِيَ إنَّ المُؤْمِنَ لَيَبْكِيَ عَلَيْهِ مُصَلّاهُ ومَحَلُّ عِبادَتِهِ ومَصاعِدُ عَمَلِهِ ومَهابِطُ رِزْقِهِ وآثارُهُ في الأرْضِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ.
﴿وَما كانُوا﴾ لَمّا جاءَ وقْتُ هَلاكِهِمْ.
﴿مُنْظَرِينَ﴾ مُمْهَلِينَ إلى وقْتٍ آخَرَ أوْ إلى الآخِرَةِ بَلْ عُجِّلَ لَهم في الدُّنْيا.
الدخان 44:30
﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِأنْ فَعَلْنا بِفِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ ما فَعَلْنا.
﴿مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم وقَتْلِ أبْنائِهِمْ واسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ عَلى الخَسْفِ والضَّيْمِ.
الدخان 44:31
﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ بَدَلٌ "مِنَ العَذابِ" إمّا عَلى جَعْلِهِ نَفْسَ العَذابِ لِإفْراطِهِ فِيهِ وإمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: عَذابِ فِرْعَوْنَ أوْ حالٌ مِنَ المُهِينِ أيْ: كائِنًا مِن فِرْعَوْنَ، وقُرِئَ "مَن فِرْعَوْنُ" عَلى مَعْنى هَلْ تَعْرِفُونَهُ مَن هو في عُتُوِّهِ وتَفَرْعُنِهِ، وفي إبْهامِ أمْرِهِ أوَّلًا وتَبَيُّنِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ ثانِيًا مِنَ الإفْصاحِ عَنْ كُنِهَ أمْرِهِ في الشَّرِّ والفَسادِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ إمّا خَبَرٌ ثانٍ لِـ"كانَ" أيْ: كانَ مُتَكَبِّرًا مُسْرِفًا أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "عالِيًا" أيْ: كانَ رَفِيعَ الطَّبَقَةِ مِن بَيْنِ المُسْرِفِينَ فائِقًا لَهم بَلِيغًا في الإسْرافِ.
الدخان 44:32
﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ﴾ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عالِمِينَ بِأنَّهم أحِقّاءُ بِالِاخْتِيارِ أوْ عالِمِينَ بِأنَّهم يَزِيغُونَ في الأوْقاتِ ويَكْثُرُ مِنهُمُ الفُرُطاتُ.
﴿عَلى العالَمِينَ﴾ جَمِيعًا لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ أوْ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ.
الدخان 44:33
﴿وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ﴾ كَفَلْقِ البَحْرِ وتَظْلِيلِ الغَمامِ وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى وغَيْرِها مِن عَظائِمِ الآياتِ الَّتِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُها في غَيْرِهِمْ.
﴿ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ نِعْمَةٌ جَلِيَّةٌ أوِ اخْتِبارٌ ظاهِرٌ لِنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ.
الدخان 44:34
﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْش لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وقِصَّةُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مَسُوقَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَماثُلِهِمْ في الإصْرارِ عَلى الضَّلالَةِ والتَّحْذِيرِ عَنْ حُلُولِ مِثْلِ ما حَلَّ بِهِمْ ﴿لَيَقُولُونَ﴾ .
الدخان 44:35
﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ أيْ: ما العاقِبَةُ ونِهايَةُ الأمْرِ إلّا المَوْتَةُ الأُولى المُزِيلَةُ لِلْحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا قَصْدَ إلى إثْباتِ مَوْتَةٍ أُخْرى كَما في قَوْلِكَ: "حَجَّ زَيْدٌ (p-64)الحَجَّةَ الأُولى وماتَ". وقِيلَ: لَمّا قِيلَ لَهم إنَّكم تَمُوتُونَ مَوْتَةً تَعْقُبُها حَياةٌ كَما تَقَدَّمَتْكم مَوْتَةٌ كَذَلِكَ قالُوا: ما هي إلّا مَوْتَتَنا الأُولى أيْ: ما المَوْتَةُ الَّتِي تَعْقُبُها حَياةٌ إلّا المَوْتَةُ الأُولى. وقِيلَ: المَعْنى: لَيْسَتِ المَوْتَةُ إلّا هَذِهِ المَوْتَةَ دُونَ المَوْتَةِ الَّتِي تَعْقُبُ حَياةَ القَبْرِ كَما تَزْعُمُونَ.
﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ بِمَبْعُوثِينَ.
الدخان 44:36
﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ خِطابٌ لِمَن وعَدَهم بِالنُّشُورِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَعُدُّونَهُ مِن قِيامِ السّاعَةِ وبَعْثِ المَوْتى لِيَظْهَرَ أنَّهُ حَقٌّ. وقِيلَ: كانُوا يَطْلُبُونَ إلَيْهِمْ أنْ يَدْعُوا اللَّهَ تَعالى فَيَنْشُرَ لَهم قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ لِيُشاوِرُوهُ وكانَ كَبِيرَهم ومَفْزَعَهم في المُهِمّاتِ والمُلِمّاتِ.
الدخان 44:37
﴿أهم خَيْرٌ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ وتَهْدِيدٌ لَهم أيْ: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ والمَنَعَةِ اللَّتَيْنِ يُدْفَعُ بِهِما أسْبابُ الهَلاكِ.
﴿أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تُبَّعُ الحِمْيَرِيُّ الَّذِي سارَ بِالجُيُوشِ وحَيَّرَ الحِيرَةَ وبَنى سَمَرْقَنْدَ. وقِيلَ: هَدَمَها وكانَ مُؤْمِنًا وقَوْمُهُ كافِرِينَ ولِذَلِكَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى دُونَهُ وكانَ يَكْتُبُ في عُنْوانِ كِتابِهِ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي مَلَكَ بَحْرًا وبَحْرًا أيْ: بِحارًا كَثِيرَةً. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ".» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "ما أدْرِي أكانَ تُبَعٌ نَبِيًّا أوْ غَيْرَ نَبِيٍّ".» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وقِيلَ: لِمُلُوكِ اليَمَنِ التَّبابِعَةُ لِأنَّهم يُتَّبَعُونَ كَما يُقالُ لَهُمُ الأقْيالُ لِأنَّهم يَتَقَيَّلُونَ.
﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْمِ تُبَّعٍ والمُرادُ بِهِمْ: عادٌ وثَمُودُ وأْضَرابُهم مِن كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ والِاسْتِفْهامُ لِتَقْرِيرِ أنَّ أُولَئِكَ أقْوى مِن هَؤُلاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ عاقِبَةِ أمْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِإهْلاكِهِمْ لِيُعْلَمَ أنَّ أُولَئِكَ حَيْثُ أُهْلِكُوا بِسَبَبِ إجْرامِهِمْ مَعَ ما كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ فَلَأنْ يَهْلَكَ هَؤُلاءِ وهم شُرَكاءُ لَهم في الإجْرامِ أضْعَفُ مِنهم في الشِّدَّةِ والقُوَّةِ وأوْلى.
الدخان 44:38
﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: ما بَيْنَ الجِنْسَيْنِ، وقُرِئَ "وَما بَيْنَهُنَّ".
﴿لاعِبِينَ﴾ لاهِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ في خَلْقِهِما غَرَضٌ صَحِيحٌ وغايَةٌ حَمِيدَةٌ.
الدخان 44:39
﴿ما خَلَقْناهُما﴾ وما بَيْنَهُما.
﴿إلا بِالحَقِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوْ أعَمِّ الأسْبابِ أيْ: ما خَلَقْناهُما مُلْتَبِسًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ أوْ ما خَلَقْناهُما بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ الَّذِي هو الإيمانُ والطّاعَةُ والبَعْثُ والجَزاءُ.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَيُنْكِرُونَ البَعْثُ والجَزاءُ.
الدخان 44:40
﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ﴾ أيْ: فَصْلِ الحَقِّ عَنِ الباطِلِ وتَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أوْ فَصْلِ الرَّجُلِ عَنْ أقارِبِهِ وأحِبّائِهِ.
﴿مِيقاتُهُمْ﴾ وقْتَ مَوْعِدِهِمْ.
﴿أجْمَعِينَ﴾ وقُرِئَ "مِيقاتَهُمْ" بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ إنَّ و"يَوْمَ الفَصْلِ" خَبَرُها أيْ: إنَّ مِيعادَ حِسابِهِمْ وجَزاءَهم في يَوْمِ الفَصْلِ.
الدخان 44:41
(p-65)﴿يَوْمَ لا يُغْنِي﴾ بَدَلٌ مِن "يَوْمِ الفَصْلِ" أوْ صِفَةٌ لِـ"مِيقاتُهُمْ" أوْ ظَرْفٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الفَصْلُ لا لِنَفْسِهِ.
﴿مَوْلًى﴾ مِن قَرابَةٍ أوْ غَيْرِها.
﴿عَنْ مَوْلًى﴾ أيَّ مَوْلًى كانَ.
﴿شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ.
﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِـ"مَوْلًى" الأوَّلُ بِاعْتِبارِ المَعْنى لِأنَّهُ عامٌّ.
الدخان 44:42
﴿إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ بِالعَفْوِ عَنْهُ وقَبُولِ الشَّفاعَةِ في حَقِّهِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ أوِ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ.
﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُنَصَرُ مَن أرادَ تَعْذِيبَهُ.
﴿الرَّحِيمُ﴾ لِمَن أرادَ أنْ يَرْحَمَهُ.
الدخان 44:43
﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ وقَدْ مَرَّ مَعْنى الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
الدخان 44:44
﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ أيِ: الكَثِيرُ الآثامِ، والمُرادُ بِهِ: الكافِرُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ.
الدخان 44:45
﴿كالمُهْلِ﴾ وهو ما يُمْهَلُ في النّارِ حَتّى يَذُوبَ، وقِيلَ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ.
﴿يَغْلِي في البُطُونِ﴾ وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الشَّجَرَةِ.
الدخان 44:46
﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ غَلَيانًا كَغَلْيِهِ.
الدخان 44:47
﴿خُذُوهُ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ والخِطابُ لِلزَّبانِيَةِ.
﴿فاعْتِلُوهُ﴾ أيْ: جُرُّوهُ والعَتْلُ: الأخْذُ بِمَجامِعِ الشَّيْءِ وجَرُّهُ بِقَهْرٍ وعُنْفٍ، وقُرِئَ بِضَمِ التّاءِ وهي لُغَةٌ فِيهِ.
﴿إلى سَواءِ الجحيم﴾ أيْ: وسَطِهِ.
الدخان 44:48
﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ كانَ الأصْلُ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الحَمِيمُ، فَقِيلَ: يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمْ عَذابٌ هو الحَمِيمُ لِلْمُبالَغَةِ ثُمَّ أُضِيفَ العَذابُ إلى الحَمِيمِ لِلتَّخْفِيفِ وزِيدَ مِن لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَصْبُوبَ بَعْضُ هَذا النَّوْعِ.
الدخان 44:49
﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِهِ وتَقْرِيعًا لَهُ عَلى ما كانَ يَزْعُمُهُ. رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما بَيْنَ جَبَلَيْها أعَزُّ ولا أكْرَمُ مِنِّي فَواللَّهِ ما تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا. وقُرِئَ بِالفَتْحِ أيْ: لِأنَّكَ أوْ عَذابُ أنَّكَ.
الدخان 44:50
﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ: العَذابَ.
﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ تَشُكُّونَ وتُمارُونَ فِيهِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى لِأنَّ (p-66)المُرادَ جِنْسُ الأثِيمِ.
الدخان 44:51
﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿فِي مَقامٍ﴾ في مَوْضِعِ قِيامٍ، والمُرادُ: المَكانُ عَلى الإطْلاقِ فَإنَّهُ مِنَ الخاصِّ الَّذِي شاعَ اسْتِعْمالُهُ في مَعْنى العُمُومِ، وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ وهو مَوْضِعُ إقامَةٍ.
﴿أمِينٍ﴾ يَأْمَنُ صاحِبُهُ الآفاتِ والِانْتِقالَ عَنْهُ وهو مِنَ الأمْنِ الَّذِي هو ضِدُّ الخِيانَةِ وُصِفَ بِهِ المَكانُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ كَأنَّ المَكانَ المُخِيفَ يَخُونُ صاحِبَهُ لِما يَلْقى فِيهِ مِنَ المَكارِهِ.
الدخان 44:52
﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ جِيءَ بِهِ دَلالَةً عَلى نَزاهَتِهِ واشْتِمالِهِ عَلى طَيِّباتِ المَآكِلِ والمَشارِبِ.
الدخان 44:53
﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ إمّا خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ أوِ اسْتِئْنافٌ والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ مِنَ الحَرِيرِ، والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنهُ مُعَرَّبٌ.
﴿مُتَقابِلِينَ﴾ في المَجالِسِ لِيَسْتَأْنِسَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ.
الدخان 44:54
﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ أوْ كَذَلِكَ أثَبْناهم.
﴿وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ عَلى الوَصْفِ، وقُرِئَ بِالإضافَةِ أيْ: قَرَنّاهم بِهِنَّ، والحُورُ: جَمْعُ الحَوْراءِ وهي البَيْضاءُ، والعِينُ: جَمْعُ العَيْناءِ وهي العَظِيمَةُ العَيْنَيْنِ واخْتُلِفَ في أنَّهُنَّ نِساءُ الدُّنْيا أوْ غَيْرُها.
الدخان 44:55
﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ ويَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَهُ مِنَ الفَواكِهِ لا يَتَخَصَّصُ شَيْءٌ مِنها بِمَكانٍ ولا زَمانٍ.
﴿آمِنِينَ﴾ مِن كُلِّ ما يَسُوؤُهم.
الدخان 44:56
﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ بَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الحَياةِ أبَدًا والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ عَلى أنَّ المُرادَ: بَيانُ اسْتِحالَةِ ذَوْقِ المَوْتِ فِيها عَلى الإطْلاقِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا إذا أمْكَنَ ذَوْقُ المَوْتَةِ الأُولى حِينَئِذٍ.
﴿وَوَقاهم عَذابَ الجحيم﴾ وقُرِئَ مُشَدَّدًا لِلْمُبالَغَةِ في الوِقايَةِ.
الدخان 44:57
﴿فَضْلا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: أُعْطُوا ذَلِكَ كُلَّهُ عَطاءً وتَفْضِيلًا مِنهُ تَعالى، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ: ذَلِكَ فَضْلٌ.
﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ إذْ هو خَلاصٌ عَنْ جَمِيعِ المَكارِهِ ونِيلٌ لِكُلِّ المَطالِبِ.
الدخان 44:58
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ فَذْلَكَةٌ لِلسُّورَةِ الكَرِيمَةِ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا الكِتابَ المُبِينَ بِلُغَتِكَ كىْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ ويَتَذَكَّرُوا ويَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ وإذا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ
الدخان 44:59
﴿فارْتَقِبْ﴾ (p-67)فانْتَظِرْ ما يَحُلُّ بِهِمْ.
﴿إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ ما يَحُلُّ بِكَ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ "حَم" الدُّخانَ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ أصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ".»
الجاثية 45:1
سُورَةُ الجاثِيَةِ
مَكِّيَّةٌ وهي سَبْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿حم﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ في فاتِحَةِ سُورَةِ المُؤْمِنِ فَإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هَذا مُسَمّى بِـ"حَمْ" والإشارَةُ إلى السُّورَةِ قَبْلَ جَرَيانِ ذِكْرِها قَدْ وقَفْتَ عَلى سِرِّهِ مِرارًا وإنْ جُعِلَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا حَظَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
الجاثية 45:2
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ مُبالَغَةً وعَلى الثّانِي خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ يُلَوِّحُ بِهِ ما قَبْلَهُ أيِ: المُؤَلَّفُ مِن جِنْسٍ ما ذُكِرَ تَنْزِيلُ الكِتابِ. وقِيلَ: هو خَبَرٌ لِـ"حُمَّ" أيِ: المُسَمّى بِهِ تَنْزِيلُ ...إلَخْ، وقَدْ مَرَّ مِرارًا أنَّ الَّذِي يُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلَيْهِ وإذْ لا عَهْدَ بِالتَّسْمِيَةِ بَعْدُ فَحَقُّها الإخْبارُ بَها وأمّا جَعْلُهُ خَبَرًا لَهُ بِتَقْدِيرِ المُضافِ وإبْقاءِ التَّنْزِيلِ عَلى أصْلِهِ أيْ: تَنْزِيلُ "حم" تَنْزِيلُ الكِتابِ فَمَعَ عَرائِهِ عَنْ إفادَةِ فائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها تَمَحُّلٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ كَمًّا مَرَّ في صَدْرِ سُورَةِ الزُّمَرُ عَلى التَّفْصِيلِ. وقِيلَ: ﴿حم﴾ مُقْسَمٌ بِهِ وتَنْزِيلُ الكِتابِ صِفَتُهُ وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ تَعالى:
الجاثية 45:3
﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهو عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ ومَحَلُّ الآياتِ إمّا نَفْسُ السَّمَواتِ والأرْضِ فَإنَّهُما مُنْطَوِيَتانِ مِن فُنُونِ الآياتِ عَلى ما يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ وإمّا خَلْقُهُما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ " وهو الأوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
الجاثية 45:4
﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ أيْ: مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ مُتَقَلِّبَةٍ في أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ إلى تَمامِ الخَلْقِ.
﴿وَما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى المُضافِ دُونَ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وفِيما يَنْشُرُهُ ويُفَرِّقُهُ مِن دابَّةٍ.
﴿آياتٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الظَّرْفُ المُقَدَّمُ والجُمَلُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِإنَّ. وقِيلَ: "آياتٌ" عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها مِن آياتٍ بِاعْتِباِرِ المَحَلِّ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ، وقُرِئَ (p-68)"آيَةٌ" بِالتَّوْحِيدِ، وقُرِئَ "آياتٍ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَها مِنَ اسْمِ إنَّ والخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ في خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٍ.
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ: مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُوقِنُوا بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
الجاثية 45:5
﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ بِالجَرِّ عَلى إضْمارِ الجارِّ المَذْكُورِ في الآيَتَيْنِ قَبْلَهُ، وقَدْ قُرِئَ بِذِكْرِهِنَّ والمُرادُ: بِاخْتِلافِهِما إمّا تَعاقُبُهُما أوْ تَفاوُتُهُما طُولًا وقِصَرًا.
﴿وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ﴾ عَطْفٌ عَلى "اخْتِلافِ".
﴿مِن رِزْقٍ﴾ أيْ: مِن مَطَرٍ وهو سَبَبٌ لِلرِّزْقِ عُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِ آيَةً مِن جِهَتَيِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾ بِأنْ أخْرَجَ مِنها أصْنافَ الزُّرُوعِ والثَّمَراتِ والنَّباتِ.
﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ وعَرائِها عَنْ آثارِ الحَياةِ وانْتِفاءِ قُوَّةِ التَّنْمِيَةِ عَنْها وخُلُوِّ أشْجارِها عَنِ الثِّمارِ.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى ومِن حالٍ إلى حال، وقُرِئَ بِتَوْحِيدِ " الرِّيحِ"، وتَأْخِيرُهُ عَنْ إنْزالِ المَطَرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ في الوُجُودِ إمّا لِلْإيذانِ بِأنَّهُ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ حَيْثُ لَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الوُجُودِيُّ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ مَجْمُوعَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وإنْزالِ المَطَرِ آيَةٌ واحِدَةٌ وإمّا لِأنَّ كَوْنَ التَّصْرِيفِ آيَةً لَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِإنْشاءِ المَطَرِ بَلْ لَهُ ولِسائِرِ المَنافِعِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها سَوْقُ السُّفُنِ في البِحارِ.
﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقِيلَ: عَلى أنَّها اسْمُ إنَّ، والمَجْرُورُ المُتَقَدِّمُ خَبَرُها بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ هُما إنَّ وفي أُقِيمَتِ الواوُ مُقامَهُما فَعَمِلَتِ الجَرَّ في اخْتِلافِ والنَّصْبَ في "آياتٍ"، وتَنْكِيرُ "آياتٍ" في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا واخْتِلافُ الفَواصِلِ لِاخْتِلافِ مَراتِبَ الآياتِ في الدِّقَّةِ والجَلاءِ.
الجاثية 45:6
﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ حالٌ عامِلُها مَعْنى الإشارَةِ. وقِيلَ: هو الخَبَرُ و"آياتُ اللَّهِ" بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ.
﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "نَتْلُو" ومِن مَفْعُولِهِ أيْ: نَتْلُوها مُحِقِّينَ أوْ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ مِنَ الأحادِيثِ.
﴿بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ آياتِ اللَّهِ، وتَقْدِيمُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْظِيمِها كَما في قَوْلِهِمْ: "أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرْمُهُ" أوْ بَعْدَ "حَدِيثِ اللَّهِ" الَّذِي هو القرآن حَسَبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ وهو المُرادُ بِآياتِهِ ومَناطُ العَطْفِ التَّغايُرُ العُنْوانِيُّ.
﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بِصِيغَةِ الغَيْبَةِ وقُرِئَ بِالتّاءِ.
الجاثية 45:7
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ﴾ كَذّابٍ.
﴿أثِيمٍ﴾ كَثِيرُ الآثامِ.
الجاثية 45:8
﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"أفّاكٍ". وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "أثِيمٍ".
﴿تُتْلى عَلَيْهِ﴾ حالٌ مِن آياتِ اللَّهِ ولا مَساغَ لِجَعْلِهِ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ"يَسْمَعُ" لِأنَّ شَرْطَهُ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ مِمّا لا يُسْمَعُ (p-69)كَقَوْلِكَ: "سَمِعْتُ زَيْدًا يَقْرَأُ".
﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ أيْ: يُقِيمُ عَلى كُفْرِهِ، وأصْلُهُ: مِن إصْرارِ الحِمارِ عَلى العانَةِ.
﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ عَنِ الإيمانِ بِما سَمِعَهُ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى والإذْعانِ لِما تَنْطِقُ مُزْدَرِيًا لَها مُعْجَبًا بِما عِنْدَهُ مِنَ الأباطِيلِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ يَشْتَرِي مِن أحادِيثِ الأعاجِمِ ويَشْغَلُ بِها النّاسَ عَنِ اسْتِماعِ القرآن لَكِنَّها ورَدَتْ بِعِبارَةٍ عامَّةٍ ناعِيَةٍ عَلَيْهِ وعَلى كُلِّ مَن يَسِيرُ سِيرَتَهُ ما هم فِيهِ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ، وكَلِمَةُ "ثُمَّ" لِاسْتِبْعادِ الإصْرارِ والِاسْتِكْبارِ بَعْدَ سَماعِ الآياتِ الَّتِي حَقُّها أنْ تُذْعِنَ لَها القُلُوبُ وتَخْضَعَ لَها الرِّقابُ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: [يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها].
﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ أيْ: كَأنَّ لَمْ يَسْمَعْها فَخُفِّفَ وحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ والجُمْلَةُ حالٌ مِن "يُصِرُّ" أيْ: يُصِرُّ شَبِيهًا بِغَيْرِ السّامِعِ.
﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ عَلى إصْرارِهِ واسْتِكْبارِهِ.
الجاثية 45:9
﴿وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا﴾ أيْ: إذا بَلَغَهُ مِن آياتِنا شَيْءٌ وعَلِمَ أنَّهُ مِن آياتِنا لا أنَّهُ عَلِمَهُ كَما هو عَلَيْهِ فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ العِلْمِ. وقِيلَ: إذا عَلِمَ مِنها شَيْئًا يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثَ بِهِ المُعانِدُ ويَجِدَ لَهُ مَحْمَلًا فاسِدًا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى الطَّعْنِ والغَمِيزَةِ.
﴿اتَّخَذَها﴾ أيِ: الآياتُ كُلُّها.
﴿هُزُوًا﴾ أيْ: مَهْزُوئًا بِها لا ما سَمِعَهُ فَقَطْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشَّيْءِ والتَّأْنِيثُ لِأنَّهُ في مَعْنى الآياتِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ أفّاكٍ مِن حَيْثُ الِاتِّصافُ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ الشُّمُولِ لِلْكُلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ مِنَ الضَّمائِرِ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ.
﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ جِناياتِهِمُ المَذْكُورَةِ.
﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وصْفُ العَذابِ بِالإهانَةِ تَوْفِيَةً لِحَقِّ اسْتِكْبارِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
الجاثية 45:10
﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: مِن قُدّامِهِمْ لِأنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلى ما أُعِدَّ لَهم أوْ مِن خَلْفِهِمْ لِأنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْ ذَلِكَ مُقْبِلُونَ عَلى الدُّنْيا، فَإنَّ الوَراءَ اسْمٌ لِلْجِهَةِ الَّتِي يُوارِيها الشَّخْصُ مِن خَلَفٍ وقُدّامٍ.
﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ولا يَدْفَعُ.
﴿ما كَسَبُوا﴾ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ.
﴿شَيْئًا﴾ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أوْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ.
﴿وَلا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ أيِ: الأصْنامَ وتَوْسِيطُ حَرْفِ النَّفْيِ بَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ مَعَ أنَّ عَدَمَ إغْناءِ الأصْنامِ أظْهَرُ وأجْلى مِن عَدَمِ إغْناءِ الأمْوالِ والأوْلادِ قَطْعًا مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ حَيْثُ كانُوا يَطْمَعُونَ في شَفاعَتِهِمْ وفِيهِ تَهَكُّمٌ.
﴿وَلَهُمْ﴾ فِيما وراءَهم مِن جَهَنَّمَ.
﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
الجاثية 45:11
﴿هَذا﴾ أيِ: القرآن.
﴿هُدًى﴾ في غايَةِ الكَمالِ مِنَ الهِدايَةِ كَأنَّهُ نَفْسُها.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِالقرآن وإنَّما وضَعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ لِزِيادَةِ تَشْنِيعِ كُفْرِهِمْ بِهِ وتَفْظِيعِ حالِهِمْ.
﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ أيْ: مِن أشَدِّ العَذابِ.
﴿ألِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةُ "عَذابٌ"، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةُ "رِجْزٍ" وتَنْوِينُ "عَذابٌ" في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ لِلتَّفْخِيمِ ورَفْعُهُ إمّا عَلى الِابْتِداءِ وإمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ.
الجاثية 45:12
(p-70)﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾ بِأنْ جَعَلَهُ أمْلَسَ السَّطْحِ يَطْفُو عَلَيْهِ ما يَتَخَلَّلُ كالأخْشابِ ولا يَمْنَعُ الغَوْصَ والخَرْقَ لِمَيَعانِهِ.
﴿لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ وأنْتُمْ راكِبُوها.
﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِالتِّجارَةِ والغَوْصِ والصَّيْدِ وغَيْرِها.
﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ولِكَيْ تَشْكُرُوا النِّعَمَ المُتَرَتِّبَةَ عَلى ذَلِكَ.
الجاثية 45:13
﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ بِأنْ جَعَلَها مَدارًا لِمَنافِعِكم.
﴿جَمِيعًا﴾ إمّا حالٌ مِن "ما في السَّمَواتِ والأرْضِ" أوْ تَوْكِيدٌ لَهُ.
﴿مِنهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِـ"جَمِيعًا" أوْ حالٌ مِن "ما" أيْ: جَمِيعًا كائِنًا مِنهُ تَعالى أوْ سَخَّرَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ كائِنَةً مِنهُ مَخْلُوقَةً لَهُ تَعالى أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: هي جَمِيعًا مِنهُ تَعالى، وقُرِئَ "مِنهُ" عَلى المَفْعُولِ لَهُ و"مِنهُ" عَلى أنَّهُ فاعِلُ "سَخَّرَ" عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذَلِكَ مِنهُ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذَكَرَ مِنَ الأُمُورِ العَظائِمِ.
﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ كَثِيرَةَ العَدَدِ.
﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهم يَقِفُونَ بِذَلِكَ عَلى جَلائِلِ نِعَمِهِ تَعالى ودَقائِقِها ويُوَفَّقُونَ لِشُكْرِها.
الجاثية 45:14
﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ حُذِفَ المَقُولُ لِدَلالَةِ.
﴿يَغْفِرُوا﴾ عَلَيْهِ فَإنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِهِ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ فَقَطْ أيْ: قُلْ لَهُمُ اغْفِرُوا يَغْفِرُوا.
﴿لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ أيْ: يَعْفُوا ويَصْفَحُوا عَنِ الَّذِينَ لا يَتَوَقَّعُونَ وقائِعَهُ تَعالى بِأعْدائِهِ مِن قَوْلِهِمْ أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِها. وقِيلَ: لا يَأْمُلُونَ الأوْقاتَ الَّتِي وقَّتَها اللَّهُ تَعالى لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ ووَعْدِهِمُ الفَوْزَ فِيها. قِيلَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ القِتالِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِها. وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُمْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ شَتَمَهُ غِفارِيٌّ فَهَّمَ أنْ يَبْطِشَ بِهِ. وقِيلَ: حِينَ قالَ ابْنُ أُبَيٍّ ما قالَ؛ وذَلِكَ أنَّهم نَزَلُوا في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ عَلى بِئْرٍ يُقالُ لَها المُرَيْسِيعُ فَأرْسَلَ ابْنُ أُبَيٍّ غُلامَهُ يَسْتَقِي فَأبْطَأ عَلَيْهِ فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: ما حَبَسَكَ؟ قالَ غُلامُ عُمَرَ: قَعَدَ عَلى طَرَفِ البِئْرِ فَما تَرَكَ أحَدًا يَسْتَقِي حَتّى مَلَأ قِرَبَ النَّبِيِّ ﷺ وقِرَبَ أبِي بَكْرٍ فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: ما مَثَلُنا ومَثَلُ هَؤُلاءِ إلّا كَما قِيلَ سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ فَأنْزَلَها اللَّهُ تَعالى.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ والمُرادُ بِالقَوْمِ: المُؤْمِنُونَ، والتَّنْكِيرُ لِمَدْحِهِمْ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ أيْ: أُمِرُوا بِذَلِكَ لِيَجْزِيَ يَوْمَ القِيامَةِ قَوْمًا أيَّما قَوْمٍ قَوْمًا مَخْصُوصِينَ بِما كَسَبُوا في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الصَّبْرُ عَلى أذِيَّةِ الكَفّارِ والإغْضاءُ عَنْهم بِكَظْمِ الغَيْظِ واحْتِمالِ المَكْرُوهِ ما يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ، هَذا وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالقَوْمِ: الكَفَرَةُ، وبِما كانُوا يَكْسِبُونَ: سَيِّئاتُهُمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ مِنَ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّحْقِيرِ وفِيهِ أنَّ مُطْلَقَ الجَزاءِ لا يَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ لِتَحَقُّقِهِ عَلى تَقْدِيرَيِ المَغْفِرَةِ وعَدَمِها فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِهِ بِالكُلِّ بِأنْ لا يَتَحَقَّقَ بَعْضٌ مِنهُ في الدُّنْيا أوْ بِما يَصْدُرُ عَنْهُ تَعالى بِالذّاتِ وفي ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ ما لا (p-71)يَخْفى. وأنْ يُرادَ كِلا الفَرِيقَيْنِ وهو أكْثَرُ تَكَلُّفًا وأشُدُّ تَمَحُّلًا، وقُرِئَ "لِيُجْزى قَوْمٌ" و"لِيُجْزى قَوْمًا" أيْ: لِيُجْزى الجَزاءُ قَوْمًا، وقُرِئَ "لِنَجْزِيَ" بِنُونِ العَظَمَةِ.
الجاثية 45:15
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ لا يَكادُ يَسْرِي عَمَلٌ إلى غَيْرِ عامِلِهِ.
﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ﴾ مالِكِ أُمُورِكم.
﴿تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا.
الجاثية 45:16
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ.
﴿والحُكْمَ﴾ أيِ: الحِكْمَةَ النَّظَرِيَّةَ والعِلْمِيَّةَ والفِقْهَ في الدِّينِ أوْ فَصْلَ الخُصُوماتِ بَيْنَ النّاسِ إذْ كانَ المُلْكُ فِيهِمْ.
﴿والنُّبُوَّةَ﴾ حَيْثُ كَثُرَ فِيهِمُ الأنْبِياءُ ما لَمْ يَكْثُرْ في غَيْرِهِمْ.
﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِمّا أحَلَّ اللَّهُ تَعالى مِنَ اللَّذائِذِ كالمَنِّ والسَّلْوى.
﴿وَفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ حَيْثُ آتَيْناهم ما لَمْ يُؤْتَ مَن عَداهم مِن فَلْقِ البَحْرِ وإضْلالِ الغَمامِ ونَظائِرِها. وقِيلَ: عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ.
الجاثية 45:17
﴿وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ﴾ دَلائِلَ ظاهِرَةً في أمْرِ الدِّينِ ومُعْجِزاتٍ قاهِرَةً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هو العِلْمُ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وما بَيَّنَ لَهم مِن أمْرِهِ وأنَّهُ يُهاجِرُ مِن تِهامَةَ إلى يَثْرِبَ ويَكُونُ أنْصارُهُ أهْلَ يَثْرِبَ.
﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في ذَلِكَ الأمْرِ.
﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ بِحَقِيقَتِهِ وحَقِّيَتِهِ فَجَعَلُوا ما يُوجِبُ زَوالَ الخِلافِ مُوجِبًا لِرُسُوخِهِ.
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: عَداوَةً وحَسَدًا لا شَكًّا فِيهِ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بِالمُؤاخَذَةِ والجَزاءِ.
﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ.
الجاثية 45:18
﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ﴾ أيْ: سُنَّةٍ وطَرِيقَةٍ عَظِيمَةِ الشَّأْنِ.
﴿مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ: أمْرِ الدِّينِ.
﴿فاتَّبِعْها﴾ بِإجْراءِ أحْكامِها في نَفْسِكَ وفي غَيْرِكَ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها.
﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: آراءَ الجَهَلَةِ واعْتِقاداتِهِمُ الزّائِغَةَ التّابِعَةَ لِلشَّهَواتِ وهم رُؤَساءُ قُرَيْش كانُوا يَقُولُونَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ارْجِعْ إلى دِينِ آبائِكَ.
الجاثية 45:19
﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ مِمّا أرادَ بِكَ إنِ اتَّبَعْتَهم.
﴿وَإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ لا يُوالِيهِمْ ولا يَتَّبِعُ أهْواءَهم إلّا مَن كانَ ظالِمًا مِثْلَهَمْ.
﴿واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ الَّذِينَ أنْتَ قُدْوَتُهم قُدِّمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مَن تَوَلِّيهِ خاصَّةً والإعْراضِ عَمّا سِواهُ بِالكُلِّيَّةِ.
الجاثية 45:20
﴿هَذا﴾ أيِ: القرآن أوِ اتِّباعُ الشَّرِيعَةِ.
﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ (p-72)فَإنَّ ما فِيهِ مِن مَعالِمِ الدِّينِ وشَعائِرِ الشَّرائِعِ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ في القُلُوبِ.
﴿وَهُدًى﴾ مِن ورْطَةِ الضَّلالَةِ.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عَظِيمَةً.
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ مِن شَأْنِهِمُ الإيقانُ بِالأُمُورِ.
الجاثية 45:21
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ تَبايُنِ حالَيِ المُسِيئِينَ والمُحْسِنِينَ إثْرَ بَيانِ تَبايُنِ حالَيِ الظّالِمِينَ والمُتَّقِينَ و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ البَيانِ الأوَّلِ إلى الثّانِي، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الحُسْبانِ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ إنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ بَلْ بِطَرِيقِ إنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ، والِاجْتِراحُ: الِاكْتِسابُ.
﴿أنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ أيْ: نُصَيِّرَهم في الحُكْمِ والِاعْتِبارِ وهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن مَساوِئِ الأحْوالِ.
﴿كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ وهم فِيما هم فِيهِ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ ونُعامِلُهم مُعامَلَتَهم في الكَرامَةِ ورَفْعِ الدَّرَجَةِ.
﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ أيْ: مَحْيا الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا ومَماتُهم، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ والمَوْصُولِ مَعًا لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرَيْهِما عَلى أنَّ السَّواءَ بِمَعْنى المُسْتَوِي، ومَحْياهم ومَماتُهم مُرْتَفِعانِ عَلى الفاعِلِيَّةِ والمَعْنى: أمْ حَسِبُوا أنْ نَجْعَلَهم كائِنِينَ مِثْلَهم حالَ كَوْنِ الكُلِّ مُسْتَوِيًا مَحْياهم ومَماتُهم كَلّا لا يَسْتَوُونَ في شَيْءٍ مِنهُما، فَإنَّ هَؤُلاءِ في عِزِّ الإيمانِ والطّاعَةِ وشَرَفِهِما في المَحْيا وفي رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ورِضْوانِهِ في المَماتِ وأُولَئِكَ في ذَلِكَ الكُفْرِ والمَعاصِي وهو أنَّهُما في المَحْيا وفي لَعْنَةِ اللَّهِ والعَذابِ الخالِدِ في المَماتِ شَتّانَ بَيْنَهُما، وقَدْ قِيلَ المُرادُ: إنْكارُ أنْ يَسْتَوُوا في المَماتِ كَما اسْتَوَوْا في الحَياةِ لِأنَّ المُسِيئِينَ والمُحْسِنِينَ مُسْتَوٍ مَحْياهم في الرِّزْقِ والصِّحَّةِ وإنَّما يَفْتَرِقُونَ في المَماتِ، وقُرِئَ "مَحْياهُمْ" و"مَماتَهُمْ" بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُما ظَرْفانِ كَمَقْدَمِ الحاجِّ، وسَواءً: حال عَلى حالِهِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مُسْتَوِينَ في مَحْياهم ومَماتِهِمْ، وقَدْ ذُكِرَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ وُجُوهٌ أُخَرَ مِنَ الإعْرابِ، والَّذِي يَلِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ هو الأوَّلُ فَتَدَبَّرُ، وقُرِئَ "سَواءٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ و"مَحْياهُمْ" مُبْتَدَأٌ فَقِيلَ: الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الكافِ.وَقِيلَ: حالٌ. وأيًّا ما كانَ؛ فَنِسْبَةُ حِسْبانِ التَّساوِي إلَيْهِمْ في ضِمْنِ الإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ مَعَ أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنهُ جازِمُونَ بِفَضْلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ لِلْمُبالَغَةِ في الإنْكارِ والتَّشْدِيدِ في التَّوْبِيخِ، فَإنَّ إنْكارَ حُسْبانِ التَّساوِي والتَّوْبِيخَ عَلَيْهِ إنْكارٌ لِحُسْبانِ الجَزْمِ بِالفَضْلِ وتَوْبِيخٌ عَلَيْهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ.
﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: ساءَ حُكْمُهم هَذا أوْ بِئْسَ شَيْئًا حَكَمُوا بِهِ ذَلِكَ.
الجاثية 45:22
﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِنَ الحُكْمِ فَإنَّ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى لَهُما ولِما فِيهِما بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِلْعَدْلِ يَسْتَدْعِي لا مَحالَةَ تَفْضِيلَ المُحْسِنِ عَلى المُسِيءِ في المَحْيا والمَماتِ وانْتِصارَ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ وإذا لَمْ يَطَّرِدْ ذَلِكَ في المَحْيا فَهو بَعْدَ المَماتِ حَتْمًا.
﴿وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى "بِالحَقِّ" لِأنَّ فِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ إذْ مَعْناهُ: خَلَقَها مَقْرُونَةً بِالحِكْمَةِ والصَّوابِ دُونَ العَبَثِ والباطِلِ فَحاصِلُهُ خَلْقُها لِأجْلِ ذَلِكَ ولِتُجْزى ...إلَخْ أوْ عَلى عِلَّةٍ (p-73)مَحْذُوفَةٍ مِثْلَ لِيَدُلَّ بَها عَلى قدرته أوْ لِيَعْدِلَ ولِتُجْزى.
﴿وَهُمْ﴾ أيِ: النُّفُوسُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ.
﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ بِزِيادَةِ عِقابٍ وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ ظُلْمًا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلى ما عُرِفَ، قاعِدَةُ أهْلٍ السُّنَّةِ لِبَيانِ غايَةِ تَنَزُّهِ ساحَةِ لُطْفِهِ تَعالى عَمّا ذُكِرَ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الظُّلْمِ الَّذِي يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى.
الجاثية 45:23
﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ تَعَجُّبٌ مِن حالِ مَن تَرَكَ مُتابَعَةَ الهُدى إلى مُطاوَعَةِ الهَوى فَكَأنَّهُ عَبَدَهُ أيْ: أنَظَرْتَ فَرَأيْتَهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُقْضى مِنهُ العَجَبُ، وقُرِئَ "آلِهَةً هَواهُ" لِأنَّ أحَدَهم كانَ يَسْتَحْسِنُ حَجَرًا فَيَعْبُدُهُ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَفَضَهُ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ اتَّخَذَ آلِهَةً شَتّى.
﴿وَأضَلَّهُ اللَّهُ﴾ وخَذَلَهُ.
﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عالِمًا بِضَلالِهِ وتَبْدِيلِهِ لِفِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها.
﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾ بِحَيْثُ لا يَتَأثَّرُ بِالمَواعِظِ ولا يَتَفَكَّرُ في الآياتِ والنُّذُرِ.
﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ مانِعَةً عَنِ الِاسْتِبْصارِ والِاعْتِبارِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الغَيْنِ وضَمِّها، وقُرِئَ "غِشْوَةً".
﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ تَعالى إيّاهُ بِمُوجِبِ تَعامِيهِ عَنِ الهُدى وتَمادِيهِ في الغَيِّ.
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: ألا تُلاحِظُونَ فَلا تَذَكَّرُونَ وقُرِئَ "تَتَذَكَّرُونَ" عَلى الأصْلِ.
الجاثية 45:24
﴿وَقالُوا﴾ بَيانٌ لِأحْكامِ ضَلالِهِمُ المَحْكِيِّ أيْ: قالُوا مِن غايَةِ غَيِّهِمْ وضَلالِهِمْ.
﴿ما هِيَ﴾ أيْ: ما الحَياةُ؟ ﴿إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ الَّتِي نَحْنُ فِيها.
﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ: يُصِيبُنا المَوْتُ والحَياةُ فِيها ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ حَياةٌ. وقِيلَ: نَكُونُ نُطَفًا وما قَبْلَها وما بَعْدَها ونَحْيا بَعْدَ ذَلِكَ أوْ نَمُوتُ بِأنْفُسِنا ونَحْيا بِبَقاءِ أوْلادِنا أوْ يَمُوتُ بَعْضُنا ويَحْيا بَعْضُنا، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ التَّناسُخَ فَإنَّهُ عَقِيدَةُ أكْثَرِ عَبَدَةِ الأوْثانِ وقُرِئَ "نَحْيا".
﴿وَما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ إلّا مُرُورُ الزَّمانِ وهو في الأصْلِ مُدَّةُ بَقاءِ العالِمِ مِن دَهَرَهُ أيْ: غَلَبَهُ، وقُرِئَ إلّا دَهْرٌ يَمُرُّ، وكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ المُؤَثِّرَ في هَلاكِ الأنْفُسِ هو مُرُورُ الأيّامِ واللَّيالِي ويُنْكِرُونَ مَلَكَ المَوْتِ وقَبْضَهُ لِلْأرْواحِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ويُضِيفُونَ الحَوادِثَ إلى الدَّهْرِ والزَّمانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ ﴿لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإنَّ اللَّهَ هو الدَّهْرُ﴾ أيْ: فَإنَّ اللَّهَ هو الآتِي بِالحَوادِثِ لا الدَّهْرُ.
﴿وَما لَهم بِذَلِكَ﴾ أيْ: بِما ذُكِرَ مِنِ اقْتِصارِ الحَياةِ عَلى ما في الدُّنْيا واسْتِنادِ الحَياةِ والمَوْتِ إلى الدَّهْرِ.
﴿مِن عِلْمٍ﴾ ما مُسْتَنِدٍ إلى عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ.
﴿إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ ما هم إلّا قَوْمٌ قُصارى أمْرِهِمُ الظَّنُّ والتَّقْلِيدُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يَصِحُّ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ في الجُمْلَةِ هَذا مُعْتَقَدُهُمُ الفاسِدُ في أنْفُسِهِمْ.
الجاثية 45:25
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ النّاطِقَةُ بِالحَقِّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ البَعْثُ.
﴿بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى ما نَطَقَتْ بِهِ أوْ مُبَيِّناتٍ لَهُ.
﴿ما كانَ حُجَّتَهُمْ﴾ بِالنَّصْبِ (p-74)عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ أيْ: ما كانَ مُتَمَسَّكًا لَهم شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ.
﴿إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنّا نَبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ أيْ: هَذا القَوْلُ الباطِلُ الَّذِي يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ الحُجَّةِ، وتَسْمِيَتُهُ "حُجَّةً" إمّا لِسَوْقِهِمْ إيّاهُ مَساقَ الحُجَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ أوْ لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ [تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ] وقُرِئَ بِرَفْعِ "حُجَّتَهُمْ" عَلى أنَّها اسْمُ كانَ فالمَعْنى: ما كانَ حُجَّتُهم شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا هَذا القَوْلَ الباطِلَ.
الجاثية 45:26
﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ ابْتِداءً.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم لا كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّكم تَحْيَوْنَ وتَمُوتُونَ بِحُكْمِ الدَّهْرِ.
﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ﴾ بَعْدَ المَوْتِ.
﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِلْجَزاءِ.
﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في جَمْعِكم فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى البَدْءِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ، والحِكْمَةُ اقْتَضَتِ الجَمْعَ لِلْجَزاءِ لا مَحالَةَ والوَعْدُ المُصَدَّقُ بِالآياتِ الدّالُّ عَلى وقَوْعِها حَتْمًا والإتْيانُ بِآبائِهِمْ حَيْثُ كانَ مُزاحِمًا لِلْحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ امْتَنَعَ إيقاعُهُ.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ اسْتِدْراكٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهو إمّا مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ أوْ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ارْتِيابَهم لِجَهْلِهِمْ وقُصُورِهِمْ في النَّظَرِ والتَّفَكُّرِ لا لِأنَّ فِيهِ شائِبَةَ رَيْبٍ ما.
الجاثية 45:27
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بَيانٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكِ المُطْلَقِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِما وفِيما بَيْنَهُما بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إثْرَ بَيانِ تَصَرُّفِهِ تَعالى في النّاسِ بِالإحْياءِ والإماتَةِ والبَعْثِ والجَمْعِ لِلْمُجازاةِ.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ العامِلُ في "يَوْمَ يَخْسَرُ" و "يَوْمَئِذٍ" بَدَلٌ مِنهُ.
الجاثية 45:28
﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ المَجْمُوعَةِ.
﴿جاثِيَةً﴾ بارِكَةً عَلى الرُّكَبِ مُسْتَوْفِزَةً، وقُرِئَ "جاذِيَةً" أيْ: جالِسَةً عَلى أطْرافِ الأصابِعِ والجَذْوُ أشُدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجُثُوِّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما جاثِيَةً: مُجْتَمِعَةً. وقِيلَ: جَماعاتٍ مِنَ الجَثْوِ وهي الجَماعَةُ.
﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ إلى صَحِيفَةِ أعْمالِها وقُرِئَ "كُلَّ" بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ و"تُدْعى" صِفَةٌ أوْ حالٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ.
﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
الجاثية 45:29
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا﴾ ...إلَخْ مِن تَمامِ ما يُقالُ حِينَئِذٍ وحَيْثُ كانَ كِتابُ كُلِّ أمَةٍ مَكْتُوبًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى أُضِيفَ إلى نُونِ العَظَمَةِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِ فَـ"هَذا" مُبْتَدَأٌ و"كِتابُنا" خَبَرُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْكم ﴿بِالحَقِّ﴾ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ، خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ و"بِالحَقِّ" حالٌ مِن فاعِلِ "يَنْطِقُ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾ ...إلَخْ تَعْلِيلٌ لِنُطْقِهِ عَلَيْهِمْ بِأعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها أيْ: إنّا كُنّا فِيما قَبْلُ نَسْتَكْتِبُ المَلائِكَةَ.
﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ حَسَنَةً كانَتْ أوْ سَيِّئَةً.
الجاثية 45:30
(p-75)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: في جَنَّتِهِ تَفْصِيلٌ لِما يُفْعَلُ بِالأُمَمِ بَعْدَ بَيانِ ما خُوطِبُوا بِهِ مِنَ الكَلامِ المُنْطَوِي عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الإدْخالِ في رَحْمَتِهِ تَعالى.
﴿هُوَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ الظّاهِرُ كَوْنُهُ فَوْزًا لا فَوْزَ وراءَهُ.
الجاثية 45:31
﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: فَيُقالُ لَهم - بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ - ألَمْ يَكُنْ تَأْتِيكم رُسُلِي فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ؟ فَحَذَفَ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ ثِقَةً بِدَلالَةِ القَرِينَةِ عَلَيْهِ.
﴿فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ بِها.
﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: قَوْمًا عادَتُهُمُ الإجْرامُ.
الجاثية 45:32
﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: ما وعَدَهُ مِنَ الأُمُورِ الآتِيَةِ أوْ وعَدَهُ بِذَلِكَ ﴿حَقٌّ﴾ أيْ: واقِعٌ لا مَحالَةَ أوْ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ.
﴿والسّاعَةُ﴾ الَّتِي هي أشْهَرُ ما وعَدَهُ.
﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ: في وُقُوعِها، وقُرِئَ "والسّاعَةَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ وقِراءَةُ الرَّفْعِ لِلْعَطْفِ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها.
﴿قُلْتُمْ﴾ لِغَيَّةِ عُتُوِّكم.
﴿ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ اسْتِغْرابًا لَها.
﴿إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا﴾ أيْ: ما نَفْعَلُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا. وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ وقِيلَ: ما نَعْتَقِدُ إلّا ظَنًّا أيْ: لا عِلْمًا. وقِيلَ: ما نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا. وقِيلَ: ما نَظُنُّ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أيْ: لا مَكانَهُ فَإنَّ مُقابِلَ الِاسْتِيقانِ مُطْلَقُ الظَّنِّ لا الضَّعِيفُ مِنهُ، ولَعَلَّ هَؤُلاءِ غَيْرُ القائِلِينَ ما هي إلاَّ حَياتُنا الدُّنْيا.
الجاثية 45:33
﴿وَبَدا لَهُمْ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم حِينَئِذٍ ﴿سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الصُّورَةِ المُنْكَرَةِ الهائِلَةِ وعايَنُوا وخامَةَ عاقِبَتِها أوْ جَزاءَها فَإنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ.
﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مِنَ الجَزاءِ والعِقابِ.
الجاثية 45:34
﴿وَقِيلَ: اليَوْمَ نَنْساكُمْ﴾ نَتْرُكُكم في العَذابِ تَرْكَ المَنسِيِّ.
﴿كَما نَسِيتُمْ﴾ في الدُّنْيا.
﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: كَما تَرَكْتُمْ عِدَتَهُ ولَمْ تُبالُوا بِهِ وإضافَةُ اللِّقاءِ إلى اليَوْمِ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى ظَرْفِهِ.
﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: ما لِأحَدٍ مِنكم ناصِرٌ واحِدٌ يُخَلِّصُكم مِنها.
الجاثية 45:35
﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذابُ.
﴿بِأنَّكُمُ﴾ بِسَبَبِ أنَّكم ﴿اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ مَهْزُوءًا (p-76)بِها ولَمْ تَرْفَعُوا لَها رَأْسًا.
﴿وَغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ فَحَسِبْتُمْ أنْ لا حَياةَ سِواها ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ النّارِ وقُرِئَ "يَخْرُجُونَ" مِنَ الخُرُوجِ والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ اسْتِهانَةٌ بِهِمْ أوْ بِنَقْلِهِمْ مِن مَقامِ الخِطابِ إلى غَيابَةِ النّارِ.
﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: يُطْلَبُ مِنهم أنْ يُعْتِبُوا رَبَّهم أيْ: يُرْضُوهُ لِفَواتِ أوانِهِ.
الجاثية 45:36
﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ﴾ خاصَّةً.
﴿رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ أحَدٌ سِواهُ وتَكْرِيرُ الرَّبِّ لِلتَّأْكِيدِ والإيذانِ بِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى لِكُلٍّ مِنها بِطَرِيقِ الأصالَةِ، وقُرِئَ بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ عَلى المَدْحِ بِإضْمارِ هو.
الجاثية 45:37
﴿وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِظُهُورِ آثارِها وأحْكامِها فِيهِما وإظْهارُهُما في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الكِبْرِياءِ.
﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغْلَبُ.
﴿الحَكِيمُ﴾ في كُلِّ ما قَضى وقَدَّرَ فاحْمَدُوهُ وكَبِّرُوهُ وأطِيعُوهُ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «مَن قَرَأ حم الجاثِيَةَ سَتَرَ اللَّهُ تَعالى عَوْرَتَهُ وسَكَّنَ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الحِسابِ".»
الأحقاف 46:1
(p-77)سُورَةُ الأحْقافِ
مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في مَطْلَعِ السُّورَةِ السّابِقَةِ.
الأحقاف 46:2
(p-77)سُورَةُ الأحْقافِ
مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في مَطْلَعِ السُّورَةِ السّابِقَةِ.
الأحقاف 46:3
﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ بِما فِيهِما مِن حَيْثُ الجُزْئِيَّةُ مِنهُما ومِن حَيْثُ الِاسْتِقْرارُ فِيهِما.
﴿وَما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
﴿إلا بِالحَقِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّكْوِينِيَّةُ والتَّشْرِيعِيَّةُ أوْ مِن أعَمِّ الأحْوالِ مِن فاعِلِ "خَلَقْنا" أوْ مَفْعُولِهِ أيْ: ما خَلَقْناها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ مُلابَسَتِنا بِالحَقِّ أوْ حالَ مُلابَسَتِها بِهِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ تَعالى وصِفاتِ كَمالِهِ وابْتِناءِ أفْعالِهِ عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ وانْتِهائِها إلى غاياتٍ جَلِيلَةٍ ما لا يَخْفى.
﴿وَأجَلٍ مُسَمًّى﴾ عَطْفٌ عَلى الحَقِّ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى يَنْتَهِي إلَيْهِ أمْرُ الكُلِّ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّمَواتُ وبَرَزُواْ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ. وقِيلَ: هو آخِرُ مُدَّةِ البَقاءِ المُقَدَّرِ لِكُلِّ واحِدٍ ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ فَإنَّ ما أُنْذِرُوهُ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ التّامَّةِ والأهْوالِ العامَّةِ لا آخِرُ أعْمارِهِمْ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ "ما" مَصْدَرِيَّةً والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أيْ: ما خَلَقْنا الخَلْقَ إلّا بِالحَقِّ وتَقْدِيرِ الأجْلِ الَّذِي يُجاوِزُونَ عِنْدَهُ والحالُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِهِ مُعْرِضُونَ عَنْهُ وعَنِ الِاسْتِعْدادِ لَهُ.
الأحقاف 46:4
﴿قُلْ﴾ تَوْبِيخًا لَهم وتَبْكِيتًا.
﴿أرَأيْتُمْ﴾ أخْبِرُونِي وقُرِئَ "أرَأيْتَكُمْ".
﴿ما تَدْعُونَ﴾ ما تَعْبُدُونَ.
﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ.
﴿أرُونِي﴾ تَأْكِيدٌ لَأرَأيْتُمْ.
﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ بَيانٌ لِلْإبْهامِ في ماذا.
﴿أمْ لَهم شِرْكٌ﴾ أيْ: شِرْكَةٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى.
﴿فِي السَّماواتِ﴾ أيْ: في خَلْقِها أوْ مُلْكِها وتَدْبِيرِها حَتّى يُتَوَهَّمَ أنْ يَكُونَ لَهم شائِبَةُ اسْتِحْقاقٍ لِلْمَعْبُودِيَّةِ فَإنَّ ما لا مَدْخَلَ لَهُ في وُجُودِ (p-78)شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَهو بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ الِاسْتِحْقاقِ بِالمَرَّةِ وإنْ كانَ مِنَ الأحْياءِ العُقَلاءِ فَما ظَنُّكم بِالجَمادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتابٍ﴾ ...إلَخْ تَبْكِيتٌ لَهم بِتَعْجِيزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِسَنَدٍ نَقْلِيٍّ بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ بِالتَّعْجِيزِ عَنِ الإتْيانِ بِسَنَدٍ عَقْلِيٍّ أيِ: ائْتُونِي بِكِتابٍ إلَهِيٍّ كائِنٍ.
﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ الكِتابِ أيِ: القرآن النّاطِقُ بِالتَّوْحِيدِ وإبْطالُ الشِّرْكِ دالٌّ عَلى صِحَّةِ دِينِكم.
﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ أوْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ بَقِيَتْ عَلَيْكم مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ شاهِدَةٍ بِاسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعِبادَةِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم فَإنَّها لا تَكادُ تَصِحُّ ما لَمْ يَقُمْ عَلَيْها بُرْهانٌ عَقْلِيٌّ أوْ سُلْطانٌ نَقْلِيٌّ وحَيْثُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْها شَيْءٌ مِنهُما وقَدْ قامَتْ عَلى خِلافِها أدِلَّةُ العَقْلِ والنَّقْلِ تَبَيَّنَ بُطْلانُها، وقُرِئَ "إثارَةٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيْ: مُناظَرَةٌ، فَإنَّها تُثِيرُ المَعانِيَ و"أثَرَةٍ" أيْ: شَيْءٌ أُوثِرْتُمْ بِهِ وخُصِصْتُمْ مِن عِلْمٍ مَطْوِيٍّ مِن غَيْرِكم و"إثْرَةٌ" بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ مَعَ سُكُونِ الثّاءِ؛ أمّا المَكْسُورَةُ فَبِمَعْنى الأثَرَةِ وأمّا المَفْتُوحَةُ فَهي المَرَّةُ مِن أثَرَ الحَدِيثَ أيْ: رَواهُ وأمّا المَضْمُومَةُ فاسْمُ ما يُؤْثَرُ كالخُطْبَةِ الَّتِي هي اسْمُ ما يُخْطَبُ بِهِ.
الأحقاف 46:5
﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مِن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ يُساوِي المُشْرِكِينَ في الضَّلالِ وإنْ كانَ سَبْكُ التَّرْكِيبِ لِنَفْيٍ الأضَلِّ مِنهم مَن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المُساوِي كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ: هم أضَلُّ مِن كُلِّ ضالٍّ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ خالِقِهِمُ السَّمِيعِ القادِرِ المُجِيبِ الخَبِيرِ إلى عِبادَةِ مَصْنُوعِهِمُ العارِي عَنِ السَّمْعِ والقُدْرَةِ والِاسْتِجابَةِ.
﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِنَفْيِ الِاسْتِجابَةِ.
﴿وَهم عَنْ دُعائِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِمَفْعُولِ "وَيَدْعُو" والثّانِي لِفاعِلِهِ والجَمْعُ فِيهِما بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿غافِلُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ وضَمائِرُ العُقَلاءِ لِإجْرائِهِمْ إيّاها مُجْرى العُقَلاءِ ووَصْفِها بِما ذُكِرَ مِن تَرْكِ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ مَعَ ظُهُورِ حالِها لِلتَّهَكُّمِ بَها وبِعَبَدَتِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ الآيَةُ.
الأحقاف 46:6
﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ﴾ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ.
﴿كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ: مُكَذِّبِينَ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ عَلى ما يُرْوى أنَّهُ تَعالى يُحْيِي الأصْنامَ فَتَتَبَرَّأُ عَنْ عِبادَتِهِمْ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِمْ كُلُّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ والإنْسِ وغَيْرِهِمْ ويُبْنى إرْجاعُ الضَّمائِرِ وإسْنادُ العَداوَةِ والكُفْرِ إلَيْهِمْ عَلى التَّغْلِيبِ ويُرادُ بِذَلِكَ تَبَرُّؤُهم عَنْهم وعَنْ عِبادَتِهِمْ. وقِيلَ: ضَمِيرُ "كانُوا" لِلْعَبَدَةِ وذَلِكَ قَوْلُهُمْ: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ.
الأحقاف 46:7
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتٍ أوْ مُبَيَّناتٍ.
﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ: لِأجْلِهِ وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ المَتْلُوَّةِ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها تَنْصِيصًا عَلى حَقِّيَّتِها ووُجُوبِ الإيمانِ بَها كَما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ الكُفْرِ والضَّلالَةِ.
﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ: في أوَّلِ ما جاءَهم مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ وتَأمُّلٍ.
﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرٌ كَوْنُهُ.
الأحقاف 46:8
(p-79)﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن حِكايَةِ شَناعَتِهِمُ السّابِقَةِ إلى حِكايَةِ ما هو أشْنَعُ مِنها وما في "أمْ" مِنَ الهَمْزَةِ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعْجِيبِ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى القرآن.
﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ عَلى الفَرْضِ.
﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ إذْ لا رَيْبَ في أنَّهُ تَعالى يُعاجِلُنِي حِينَئِذٍ بِالعُقُوبَةِ فَكَيْفَ أجْتَرِئُ عَلى أنْ أفْتَرِيَ عَلَيْهِ تَعالى كَذِبًا فَأُعَرِّضَ نَفْسِي لِلْعُقُوبَةِ الَّتِي لا مَناصَ عَنْها.
﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ القَدْحِ في وحْيِ اللَّهِ والطَّعْنِ في آياتِهِ وتَسْمِيَتِهِ سِحْرًا تارَةً وفِرْيَةً أُخْرى.
﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ حَيْثُ يَشْهَدُ لِي بِالصِّدْقِ والبَلاغِ وعَلَيْكم بِالكَذِبِ والجُحُودِ وهو وعِيدٌ بِجَزاءِ إفاضَتِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وعْدٌ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لِمَن تابَ وآمَنَ وإشْعارٌ بِحِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَنْهم مَعَ عِظَمِ جَرائِمِهِمْ.
الأحقاف 46:9
﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ: بِمَعْنى البَدِيعِ كالخِلِّ بِمَعْنى الخَلِيلِ وهو ما لا مِثْلَ لَهُ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الدّالِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ كَقِيَمٍ وزِيَمٍ أوْ جَمْعٌ مُقَدَّرٌ مُضافٌ أيْ: ذا بِدَعٍ، وقَدْ جُوِّزَ ذَلِكَ في القِراءَةِ الأُولى أيْضًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آياتٍ عَجِيبَةً ويَسْألُونَهُ عَنِ المُغَيَّباتِ عِنادًا ومُكابَرَةً فَأُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما كُنْتُ بَدِيعًا مِنَ الرُّسُلِ قادِرًا عَلى ما لَمْ يَقْدِرُوا حَتّى آتِيَكم بِكُلِّ ما تَقْتَرِحُونَهُ وأُخْبِرَكم بِكُلِّ ما تَسَلُونَ عَنْهُ مِنَ الغُيُوبِ فَإنَّ مَن قَبْلِي مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانُوا يَأْتُونَ إلّا بِما آتاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الآياتِ ولا يُخْبِرُونَهم إلّا بِما أُوحِيَ إلَيْهِمْ.
﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ يُصِيبُنا فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ مِن أفْعالِهِ تَعالى وماذا يُقَدَّرُ لَنا مِنَ القَضايا. وعَنِ الحَسَن ِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي وأمْرُكم في الدُّنْيا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم في الآخِرَةِ. وقالَ هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ هي الدِّرايَةَ المُفَصَّلَةَ والأظْهَرُ الأوْفَقُ لِما ذُكِرَ مِن سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ ما عِبارَةٌ عَمّا لَيْسَ عِلْمُهُ مِن وظائِفِ النُّبُوَّةِ مِنَ الحَوادِثِ والواقِعاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ دُونَ ما سَيَقَعُ في الآخِرَةِ فَإنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِن وظائِفِ النُّبُوَّةِ، وقَدْ ورَدَ بِهِ الوَحْيُ النّاطِقُ بِتَفاصِيلِ ما يُفْعَلُ بِالجانِبَيْنِ، هَذا وقَدْ رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا؟ فَقالَ: ﴿ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأُتْرَكُ بِمَكَّةَ أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ ذاتِ نَخِيلٍ وشَجَرٍ قَدْ رُفِعَتْ لِي ورَأيْتُها﴾ يَعْنِي في مَنامِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ "ما" مَوْصُولَةً والِاسْتِفْهامِيَّةُ أقَضى لِحَقِّ مَقامِ التَّبَرُّؤِ عَنِ الدِّرايَةِ وتَكْرِيرُ "لا" لِتَذْكِيرِ النَّفِيِ المُنْسَحِبِ إلَيْهِ وتَأْكِيدِهِ، (p-80)وَقُرِئَ "ما يَفْعَلُ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى.
﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ عَلى مَعْنى قَصْرِ أفْعالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ لا قَصْرِ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ كَما هو المُتَسارِعُ إلى الأفْهامِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ وقُرِئَ "يُوحِي" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو جَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الإخْبارَ عَمّا لَمْ يُوحَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الغُيُوبِ. وقِيلَ: عَنِ اسْتِعْجالِ المُسْلِمِينَ أنْ يَتَخَلَّصُوا عَنْ أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ والأوَّلُ هو الأوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أنا إلا نَذِيرٌ﴾ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ تَعالى حَسَبَما يُوحى إلَيَّ.
﴿مُبِينٌ﴾ بَيِّنُ الإنْذارِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ.
الأحقاف 46:10
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ مِنَ القرآن.
﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا سِحْرًا ولا مُفْتَرًى كَما تَزْعُمُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ وُسِّطَتْ بَيْنَ أجْزاءِ الشَّرْطِ مُسارَعَةً إلى التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ أوْ عَطْفٌ عَلى كانَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ لَكِنْ لا عَلى أنَّ نَظْمَهُ في سِلْكِ الشَّرْطِ المُتَرَدِّدِ بَيْنَ الوُقُوعِ وعَدَمِهِ عِنْدَهم بِاعْتِبارِ حالِهِ في نَفْسِهِ بَلْ بِاعْتِبارِ حالِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، فَإنَّ كُفْرَهم بِهِ أمْرٌ مُحَقَّقٌ عِنْدَهم أيْضًا وإنَّما تَرَدُّدُهم في أنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ بَما مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أمْ لا وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وما بَعْدَهُ مِنَ الفِعْلَيْنِ، فَإنَّ الكُلَّ أُمُورٌ مُحَقَّقَةٌ عِنْدَهم وإنَّما تَرَدُّدُهم في أنَّها شَهادَةٌ وإيمانٌ بِما مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى واسْتِكْبارٌ عَنْهُ أوَّلًا والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الواقِفِينَ عَلى شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى وأسْرارِ الوَحْيِ بِما أُوتُوا مِنَ التَّوْراةِ.
﴿عَلى مِثْلِهِ﴾ أيْ: مِثْلِ القرآن مِنَ المَعانِي المُنْطَوِيَةِ في التَّوْراةِ المُطابِقَةِ لِما في القرآن مِنَ التَّوْحِيدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإنَّها عَيْنُ ما فِيهِ في الحَقِيقَةِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ والمِثْلِيَّةُ بِاعْتِبارِ تَأْدِيَتِها بِعِباراتٍ أُخَرَ أوْ عَلى مِثْلِ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى والمِثْلِيَّةُ لِما ذُكِرَ. وقِيلَ: المِثْلُ صِلَةٌ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ سارَعَ إلى الإيمان بالقرآن لَمّا عَلِمَ أنَّهُ مِن جِنْسٍ الوَحْيِ النّاطِقِ بِالحَقِّ وهو «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ لَمّا سَمِعَ بِمَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أتاهُ فَنَظَرَ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذّابٍ وتَأمَّلَهُ فَتَحَقَّقَ أنَّهُ النَّبِيُّ المُنْتَظَرُ فَقالَ لَهُ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ؛ ما أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ؟ وما أوَّلُ طَعامٍ أكَلَهُ أهْلُ الجَنَّةِ؟ والوَلَدُ يَنْزِعُ إلى أبِيهِ أوْ إلى أُمِّهِ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "أمّا أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ: فَنارٌ تَحْشُرُهم مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا طَعامُ أهْلِ الجَنَّةِ: فَزِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وأمّا الوَلَدُ فَإنْ سَبَقَ ماءُ الرَّجُلِ نَزَعَهُ وإنْ سَبَقَ ماءُ المَرْأةِ نَزَعَتْهُ"، فَقالَ أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَقامَ ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اليَهُودَ قَوْمُ بُهْتٌ فَإنْ عَلِمُوا بِإسْلامِي قَبْلَ أنْ تَسْألَهم عَنِّي بَهَتُونِي عِنْدَكَ فَجاءَتِ اليَهُودُ فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ: أيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكم فَقالُوا: خَيْرُنا (p-81)وابْنُ خَيْرِنا وسَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا وأعْلَمُنا وابْنُ أعْلَمِنا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ قالُوا: أعاذَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ فَقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقالُوا: شَرُّنا وابْنُ شَرِّنا وانْتَقَصُوهُ، قالَ: هَذا ما كُنْتُ أخافُ يا رَسُولَ اللَّهِ وأحْذَرُ» «قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأحَدٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلّا لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَلامٍ وفِيهِ نَزَلَ وشَهِدَ شاهِدٌ الآيَةُ.» وقِيلَ: الشّاهِدُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وشَهادَتُهُ بِما في التَّوْراةِ مِن بَعْثَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ. وقالَ مَسْرُوقٌ: واللَّهِ ما نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ فَإنَّ الـ "حم " نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وإنَّما أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بِالمَدِينَةِ. وأجابَ الكَلْبِيُّ بِأنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ وإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً.
﴿واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى شَهِدَ شاهِدٌ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وشَهِدَ عَلى ذَلِكَ أعْلَمُ بَنِي إسْرائِيلَ فَآمَنَ بِهِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ واسْتَكْبَرْتُمْ عَنِ الإيمانِ بِهِ بَعْدَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ مَن أضَلُّ مِنكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَإنَّ عَدَمَ الهِدايَةِ مِمّا يُنْبِئُ عَنِ الضَّلالِ قَطْعًا ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنْ تَرْكَهُ تَعالى لِهِدايَتِهِمْ لَظَلَمَهم.
الأحقاف 46:11
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ في حَقِّ القرآن العَظِيمِ والمُؤْمِنِينَ بِهِ أيْ: قالَ كُفّارُ مَكَّةَ.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ.
﴿لَوْ كانَ﴾ أيْ: ما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ القرآن والدِّينِ.
﴿خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ فَإنَّ مَعالِيَ الأُمُورِ لا يَنالُها أيْدِي الأراذِلِ وهم سُقّاطُ عامَّتِهِمْ فُقَراءُ ومَوالٍ ورُعاةٌ قالُوهُ زَعْمًا مِنهم أنَّ الرِّياسَةَ الدِّينِيَّةَ مِمّا يُنالُ بِأسْبابٍ دُنْيَوِيَّةٍ كَما قالُوا: لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، وزَلَّ عَنْهم أنَّها مَنُوطَةٌ بِكِمالاتٍ نَفْسانِيَّةٍ ومَلَكاتٍ رُوحانِيَّةٍ مَبْناها الإعْراضُ عَنْ زَخارِفِ الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ والإقْبالُ عَلى الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ وأنَّ مَن فازَ بِها فَقَدْ حازَها بِحَذافِيرِها ومَن حُرِمَها فَما لَهُ مِنها مِن خَلاقٍ. وقِيلَ: قالَهُ بَنُو عامِرٍ وغَطَفانُ وأسَدٌ وأشْجَعُ لَمّا أسْلَمَ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأسْلَمُ وغِفارٌ. وقِيلَ: قالَتْهُ اليَهُودُ حِينَ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ ويَأْباهُ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنَ الِالتِجاءِ إلى ادِّعاءِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ.
﴿وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ أيْ: وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِالقرآن قالُوا ما قالُوا.
﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِنَفْيِ خَيْرِيَّتِهِ.
﴿هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ كَما قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ. وقِيلَ: المَحْذُوفُ ظَهَرَ عِنادُهم ولَيْسَ بِذاكَ.
الأحقاف 46:12
﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ القرآن وهو خَبَرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ قِيلَ: والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وأيًّا (p-82)ما كانَ؛ فَهو لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ، وإبْطالِهِ فَإنَّ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِكِتابِ مُوسى مُقَرِّرٌ لِحَقِّيَّتِهِ قَطْعًا.
﴿إمامًا ورَحْمَةً﴾ حالانِ مِن كِتابِ مُوسى أيْ: إمامًا يُقْتَدى بِهِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ كَما يُقْتَدى بِالإمامِ ورَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِمُوجِبِهِ.
﴿وَهَذا﴾ الَّذِي يَقُولُونَ في حَقِّهِ ما يَقُولُونَ.
﴿كِتابُ﴾ عَظِيمُ الشَّأْنِ.
﴿مُصَدِّقٌ﴾ أيْ: لِكِتابِ مُوسى الَّذِي هو إمامٌ ورَحْمَةٌ أوْ لِما مَن بَيْنَ يَدَيْهِ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ.
﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الكِتابِ في "مُصَدِّقٌ" أوْ مِن نَفْسِهِ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ وعامِلُها مَعْنى الإشارَةِ وعَلى الأوَّلِ مُصَدِّقٌ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ لِـ"مُصَدِّقٌ" أيْ: يُصَدِّقُ ذا لِسانٍ عَرِبِيٍّ.
﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"مُصَدِّقٌ" وفِيهِ ضَمِيرُ الكِتابِ أوِ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُؤَيِّدُ الأخِيرَ القِراءَةُ بِتاءِ الخِطابِ.
﴿وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ " ليُنْذِرَ".وَقِيلَ: في مَحْلِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أيْ: وبُشْرى. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى "مُصَدِّقٌ".
الأحقاف 46:13
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ: جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو خُلاصَةُ العِلْمِ والِاسْتِقامَةِ في أُمُورِ الدِّينِ الَّتِي هي مُنْتَهى العَمَلِ و"ثُمَّ" لِلدَّلالَةِ عَلى تَراخِي رُتْبَةِ العَمَلِ وتَوَقُّفِ الِاعْتِدادِ بِهِ عَلى التَّوْحِيدِ.
﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ.
﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ الِاسْمِ مَعْنى الشَّرْطِ، والمُرادُ: بَيانُ دَوامِ نَفْيِ الحُزْنِ لا بَيانُ نَفْيِ دَوامِ الحُزْنِ كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ مُضارِعًا وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ مِرارًا.
الأحقاف 46:14
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ.
﴿أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "أصْحابُ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءً﴾ مَنصُوبٌ إمّا بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: يُجْزَوْنَ جَزاءً أوْ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ في مَعْنى جازَيْناهم.
﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الحَسَناتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ.
الأحقاف 46:15
﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ بِأنْ يُحْسِنَ.
﴿بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ وقُرِئَ "حُسْنًا" أيْ: بِأنْ يَفْعَلَ بِهِما حُسْنًا أيْ: فِعْلًا ذا حُسْنٍ أوْ كَأنَّهُ في ذاتِهِ نَفْسُ الحُسْنِ لِفَرْطِ حُسْنِهِ، وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ أيْضًا وبِفَتْحِهِما أيْ: بِأنْ يَفْعَلَ بِهِما فِعْلًا حَسَنًا أوْ وصَّيْناهْ إيصاءً حَسَنًا.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أيْ: ذاتَ كُرْهٍ أوْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ وهو المَشَقَّةُ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ كالفَقْرِ والفُقْرِ. وقِيلَ: المَضْمُومُ اسْمٌ والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ.
﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ﴾ أيْ: مُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ وهو الفِطامُ، وقُرِئَ "فَصْلُهُ" و"الفَصْلُ" و"الفِصالُ" كالفَطْمِ والفِطامِ بِناءً ومَعْنًى، والمُرادُ (p-83)بِهِ: الرَّضاعُ التّامُّ المُنْتَهِي بِهِ، كَما أرادَ بِالأمَدِ المُدَّةَ مَن قالَ: [كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ مُدَّةَ العُمْرِ ومُودٍ إذا انْتَهى أمَدُهُ] ﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ تَمْضِي عَلْيَها بِمُعاناةِ المَشاقِّ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ لِأجْلِهِ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ لِما أنَّهُ حُطَّ عَنْهُ لِلْفِصالِ حَوْلانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ يَبْقى لِلْحَمْلِ ذَلِكَ، قِيلَ: ولَعَلَّ تَعْيِينَ أقَلِّ مُدَّةِ الحَمْلِ وأكْثَرِ مُدَّةِ الرَّضاعِ لِانْضِباطِهِما وتَحَقُّقِ ارْتِباطِ النَّسَبِ والرَّضاعِ بِهِما.
﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيِ: اكْتَهَلَ واسْتَحْكَمَ قُوَّتَهُ وعَقْلَهُ.
﴿وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ قِيلَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَبْلَ أرْبَعِينَ، وقُرِئَ "حَتّى إذا اسْتَوى وبَلَغَ أشُدَّهُ".
﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ أيْ: ألْهِمْنِي وأصْلُهُ: أوْلِعْنِي مِن أوْزَعْتُهُ بِكَذا.
﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ أيْ: نِعْمَةَ الدِّينِ أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها.
﴿وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ التَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ.
﴿وَأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: واجْعَلِ الصَّلاحَ سارِيًا في ذُرِّيَّتِي راسِخًا فِيهِمْ كَما في قَوْلِهِ: [يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي]. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَأعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنهم بِلالٌ وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ولَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ إلّا أعانَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ودَعا أيْضًا فَقالَ: وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي فَأجابَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ إلّا آمَنُوا جَمِيعًا فاجْتَمَعَ لَهُ إسْلامُ أبَوَيْهِ وأوْلادِهِ جَمِيعًا فَأدْرَكَ أبُوهُ أبُو قُحافَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ وابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أبُو عَتِيقٍ كُلُّهم أدْرَكُوا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.
﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ﴾ عَمّا لا تَرْضاهُ أوْ عَمّا يَشْغَلُنِي عَنْ ذِكْرِكَ.
﴿وَإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ الَّذِينَ أخْلَصُوا لَكَ أنْفُسَهم.
الأحقاف 46:16
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الإنْسانِ والجَمْعُ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ المُتَّصِفُ بِالوَصْفِ المَحْكِيِّ عَنْهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ.
﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ مِنَ الطّاعاتِ فَإنَّ المُباحَ حَسَنٌ ولا يُثابُ عَلَيْهِ.
﴿وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ وقُرِئَ الفِعْلانِ بِالياءِ عَلى إسْنادِهِما إلى اللَّهِ تَعالى وعَلى بِنائِهِما لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعُ "أحْسَنُ" عَلى أنَّهُ قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ وكَذا الجارُّ والمَجْرُورُ.
﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ أيْ: كائِنِينَ في عِدادِهِمْ مُنْتَظِمِينَ في سِلْكِهِمْ.
﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "يَتَقَبَّلُ" و"نَتَجاوَزُ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ.
﴿الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ.
الأحقاف 46:17
﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ عِنْدَ دَعْوَتِهِما لَهُ إلى الإيمانِ.
﴿أُفٍّ لَكُما﴾ هو صَوْتٌ يَصْدُرُ عَنِ المَرْءِ عِنْدَ تَضَجُّرِهِ، واللّامُ لِبَيانِ المُؤَفَّفِ لَهُ كَما في هَيْتَ لَكَ، وقُرِئَ "أُفِّ" بِالفَتْحِ والكَسْرِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وبِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ مَعَ التَّنْوِينِ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الجِنْسِ القائِلِ ذَلِكَ القَوْلَ ولِذَلِكَ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالمَجْمُوعِ كَما سَبَقَ، قِيلَ: هو (p-84)فِي الكافِرِ العاقِّ لِوالِدَيْهِ المُكَذِّبِ بِالبَعْثِ. وعَنْ قَتادَةَ هو نَعْتُ عَبْدِ سُوءٍ عاقٍّ لِوالِدَيْهِ فاجِرٍ لِرَبِّهِ. وما رُوِيَ مِن أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَبْلَ إسْلامِهِ يَرُدُّهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ الآيَةُ فَإنَّهُ كانَ مِن أفاضِلِ المُسْلِمِينَ وسَرَواتِهِمْ وقَدْ كَذَّبَتِ الصِّدِّيقَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَن قالَ ذَلِكَ.
﴿أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾ أُبْعَثَ مِنَ القَبْرِ بَعْدَ المَوْتِ، وقُرِئَ "أخْرُجَ" مِنَ الخُرُوجِ.
﴿وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ ولَمْ يُبْعَثْ مِنهم أحَدٌ.
﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ يَسْألانِهِ أنْ يُغِيثَهُ ويُوَفِّقَهُ لِلْإيمانِ.
﴿وَيْلَكَ﴾ أيْ: قائِلَيْنِ لَهُ ويْلَكَ، وهو في الأصْلِ دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ أُرِيدَ بِهِ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةَ الهَلاكِ.
﴿آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيِ: البَعْثَ، أضافا إلَيْهِ تَعالى تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا عَلى خَطَئِهِ في إسْنادِ الوَعْدِ إلَيْهِما، وقُرِئَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
﴿فَيَقُولُ﴾ مُكَذِّبًا لَهُما.
﴿ما هَذا﴾ الَّذِي تُسَمِّيانِهِ وعْدَ اللَّهِ.
﴿إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أباطِيلُهُمُ الَّتِي سَطَّرُوها في الكُتُبِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها حَقِيقَةٌ.
الأحقاف 46:18
﴿أُولَئِكَ﴾ القائِلُونَ هَذِهِ المَقالاتِ.
﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ وهو قَوْلُهُ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ ألم السَّجْدَةِ.
﴿إنَّهُمْ﴾ جَمِيعًا.
﴿كانُوا خاسِرِينَ﴾ قَدْ ضَيَّعُوا فِطْرَتَهُمُ الأصْلِيَّةَ الجارِيَةَ مَجْرى رُؤُوسِ أمْوالِهِمْ بِاتِّباعِهِمُ الشَّيْطانَ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ.
الأحقاف 46:19
﴿وَلِكُلٍّ﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.
﴿دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ مَراتِبُ مِن أجِزْيَةِ ما عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، والدَّرَجاتُ غالِبَةٌ في مَراتِبِ المَثُوبَةِ وإيرادُها بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ.
﴿وَلِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أجِزْيَةَ أعْمالِهِمْ، وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ.
﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ ثَوابِ الأوَّلِينَ عِقابَ الآخَرِينَ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْفِيَةِ أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لَها واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم ولا يَظْلِمَهم حُقُوقَهُمْ، فَعَلَ ما فَعَلَ مِن تَقْدِيرِ الأجْزِيَةِ عَلى مَقادِيرِ أعْمالِهِمْ فَجَعَلَ الثَّوابَ والعِقابَ دَرَكاتٍ.
الأحقاف 46:20
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ أيْ: يُعَذَّبُونَ بِها مِن قَوْلِهِمْ: عُرِضَ الأسُارى عَلى السَّيْفِ أيْ: قُتِلُوا. وقِيلَ: يُعْرَضُ النّارُ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ القَلْبِ مُبالَغَةً.
﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، وهو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ وقُرِئَ "أأذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ وبِألِفٍ بَيْنَهُما عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ أيْ: أصَبْتُمْ أوْ أخَذْتُمْ ما كُتِبَ لَكم مِن حُظُوظِ الدُّنْيا ولَذائِذِها.
﴿فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ فَلَمْ يَبْقَ لَكم بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنها.
﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ (p-85)أيِ: الهَوانُ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ. بِما كُنْتُمْ في الدُّنْيا.
﴿تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِذَلِكَ.
﴿وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ أيْ: تَخْرُجُونَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ: بِسَبَبِ اسْتِكْبارِكم وفِسْقِكُمُ المُسْتَمِرَّيْنِ، وقُرِئَ "تَفْسِقُونَ" بِكَسْرِ السِّينِ.
الأحقاف 46:21
﴿واذْكُرْ﴾ أيْ: لِكُفّارِ مَكَّةَ.
﴿أخا عادٍ﴾ أيْ: هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ أيْ: وقْتَ إنْذارِهِ إيّاهم.
﴿بِالأحْقافِ﴾ جَمْعُ حِقْفٍ وهو رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ فِيهِ انْحِناءٌ مِنِ احْقَوْقَفَ الشَّيْءُ إذا اعْوَجَّ وكانَتْ عادٌ أصْحابَ عُمُدٍ يَسْكُنُونَ بَيْنَ رِمالٍ مُشْرِفَةٍ عَلى البَحْرِ بِأرْضٍ يُقالُ لَها: الشَّجَرُ مِن بِلادِ اليَمَنِ وقِيلَ: بَيْنَ عُمانَ ومَهَرَةَ.
﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ أيِ: الرُّسُلُ، جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ.
﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مِن قَبْلِهِ.
﴿وَمِن خَلْفِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِهِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُؤَكِّدٌ لِوُجُوبِ العَمَلِ بِمُوجِبِ الإنْذارِ وُسِّطَ بَيْنَ أنْذَرَ قَوْمَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ.
﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ مُسارَعَةً إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ وإيذانًا بِاشْتِراكِهِمْ في العِبارَةِ المَحْكِيَّةِ والمَعْنى: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ إنْذارَ هُودٍ قَوْمَهُ عاقِبَةَ الشِّرْكِ والعَذابَ العَظِيمَ، وقَدْ أنْذَرَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ ومَن تَأخَّرَ عَنْهُ قَوْمَهم مِثْلَ ذَلِكَ فاذْكُرْهُمْ، وأمّا جَعْلُها حالًا مِن فاعِلِ "أنْذَرَ" عَلى مَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْذَرَهم وقالَ لَهُمْ: لا تَعْبُدُواْ إلّا اللَّهَ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقَدْ أعْلَمَهم أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَهُ والَّذِينَ سَيُبْعَثُونَ بَعْدَهُ كُلَّهم مُنْذِرُونَ نَحْوَ إنْذارِهِ فَمَعَ ما فِيهِ مِن تَكَلُّفِ تَقْدِيرِ الإعْلامِ لا بُدَّ في نِسْبَةِ الخُلُوِّ إلى مَن بَعْدَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِن تَنْزِيلِ الآتِي مَنزِلَةَ الخالِي.
الأحقاف 46:22
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا﴾ أيْ: تَصْرِفَنا.
﴿عَنْ آلِهَتِنا﴾ عَنْ عِبادَتِهِمْ.
﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ.
﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في وعْدِكَ بِنُزُولِهِ بِنا.
الأحقاف 46:23
﴿قالَ إنَّما العِلْمُ﴾ أيْ: بِوَقْتِ نُزُولِهِ أوِ العِلْمِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ.
﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ وحْدَهُ لا عِلْمَ لِي بِوَقْتِ نُزُولِهِ ولا مَدْخَلَ لِي في إتْيانِهِ وحُلُولِهِ وإنَّما عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَيَأْتِيكم بِهِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ.
﴿وَأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ مِن مَواجِبِ الرِّسالَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها بَيانُ نُزُولِ العَذابِ إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنِ الشِّرْكِ مِن غَيْرِ وُقُوفٍ عَلى وقْتِ نُزُولِهِ، وقُرِئَ "أُبْلِغُكُمْ" مِنَ الإبْلاغِ.
﴿وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ حَيْثُ تَقْتَرِحُونَ عَلَيَّ ما لَيْسَ مِن وظائِفِ الرُّسُلِ مِنَ الإتْيانِ بِالعَذابِ وتَعْيِينِ وقْتِهِ.
الأحقاف 46:24
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ﴾ فَصِيحَةٌ (p-86)والضَّمِيرُ إمّا مُبْهَمٌ يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عارِضًا﴾ إمّا تَمْيِيزًا أوْ حالًا أوْ راجِعٌ إلى ما اسْتَعْجَلُوهُ بِقَوْلِهِمْ: فائْتِنا بِما تَعِدُنا أيْ: فَأتاهم فَلَمّا رَأوْهُ سَحابًا يَعْرِضُ في أُفُقِ السَّماءِ ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ أيْ: مُتَوَجَّهَ أوْدِيَتِهِمْ، والإضافَةُ فِيهِ لَفْظِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ ولِذَلِكَ وقَعا وصْفَيْنِ لِلنَّكِرَةِ.
﴿بَلْ هُوَ﴾ أيْ: قالَ هُودٌ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ، وقُرِئَ "قُلْ" وهو رَدٌّ عَلَيْهِمْ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ هو.
﴿ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ مِنَ العَذابِ.
﴿رِيحٌ﴾ بَدَلٌ مِن "ما" أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
﴿فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ صِفَةٌ لَرِيحٌ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:
الأحقاف 46:25
﴿تُدَمِّرُ﴾ أيْ: تُهْلِكُ.
﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِن نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ.
﴿بِأمْرِ رَبِّها﴾ وقُرِئَ "يُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ " مِن دَمَّرَ دَمارًا إذا هَلَكَ، فالعائِدُ إلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ أوْ هو الهاءُ في "رَبِّها"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا وارِدًا لِبَيانِ أنَّ لِكُلِّ مُمْكِنٍ فَناءً مَقْضِيًّا مَنُوطًا بِأمْرِ بارِئِهِ وتَكُونُ الهاءُ لِكُلِّ شَيْءٍ لِكَوْنِهِ بِمَعْنى الأشْياءِ وفي ذِكْرِ الأمْرِ والرَّبِّ والإضافَةِ إلى الرِّيحِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ شَأْنِهِ عَزَّ وجَلَّ ما لا يَخْفى. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ: فَجاءَتْهُمُ الرِّيحُ فَدَمَّرَتْهم فَأصْبَحُوا بِحَيْثُ لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ، وقُرِئَ تَرى بِالتّاءِ ونَصْبِ "مَساكِنُهُمْ" خِطابًا لِكُلِّ أحَدٍ يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حالَهم بِحَيْثُ لَوْ حَضَرَ كُلُّ أحَدٍ بِلادَهم لا يَرى فِيها إلّا مَساكِنَهم.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ.
﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ القِصَّةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَحْمِلُ الفُسْطاطَ والظَّعِينَةَ فَتَرْفَعُها في الجَوِّ حَتّى تُرى كَأنَّها جَرادَةٌ، قِيلَ: أوَّلُ مَن أبْصَرَ العَذابَ امْرَأةٌ مِنهم قالَتْ: رَأيْتُ رِيحًا فِيها كَشُهُبِ النّارِ. ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما عَرَفُوا بِهِ أنَّهُ عَذابٌ ما رَأوْا ما كانَ في الصَّحْراءِ مِن رِحالِهِمْ ومَواشِيهِمْ تَطِيرُ بِها الرِّيحُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَدَخَلُوا بُيُوتَهم وغَلَّقُوا أبْوابَهم فَقَلَعَتِ الرِّيحُ الأبْوابَ وصَرَعَتْهم فَأمالَ اللَّهُ تَعالى الأحْقافَ فَكانُوا تَحْتَها سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ لَهم أنِينٌ ثُمَّ كَشَفَتِ الرِّيحُ عَنْهم فاحْتَمَلَتْهم فَطَرَحَتْهم في البَحْرِ. ورُوِيَ أنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أحَسَّ بِالرِّيحِ خَطَّ عَلى نَفْسِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ خَطًّا إلى جَنْبِ عَيْنِ تَنْبُعَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما اعْتَزَلَ هُودٌ ومَن مَعَهُ في حَظِيرَةٍ ما يُصِيبُهم مِنَ الرِّيحِ إلّا ما يَلِينُ عَلى الجُلُودِ وتَلَذُّهُ الأنْفُسُ وإنَّها لَتَمُرُّ مِن عادٍ بِالظُّعُنِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وتَدْمَغُهم بِالحِجارَةِ.
الأحقاف 46:26
﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ﴾ أيْ: قَرَّرْنا عادًا أوْ أقَدَرْناهم و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ و"إنْ" نافِيَةٌ أيْ: في الَّذِي أوْ في شَيْءٍ ما مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ السَّعَةِ والبَسْطَةِ وطُولِ الأعْمارِ وسائِرِ مَبادِيِ التَّصَرُّفاتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾، ومِمّا يُحَسِّنُ (p-87)مَوْقِعَ "إنْ" هَهُنا التَّفَصِّي عَنْ تَكَرُّرِ لَفْظَةِ ما وهو الدّاعِي إلى قَلْبِ ألِفِها هاءً في مَهْما وجَعْلُها شَرْطِيَّةً أوْ زائِدَةً مِمّا لا يَلِيقُ بِالمَقامِ.
﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ لِيَسْتَعْمِلُوها فِيما خُلِقَتْ لَهُ ويَعْرِفُوا بِكُلِّ مِنها ما نِيطَتْ بِهِ مَعْرِفَتُهُ مِن فُنُونِ النِّعَمِ ويَسْتَدِلُّوا بِها عَلى شُؤُونِ مَنعِهِما عَزَّ وجَلَّ ويُداوِمُوا عَلى شُكْرِهِ.
﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهُمْ﴾ حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ في اسْتِماعِ الوَحْيِ ومَواعِظِ الرُّسُلِ.
﴿وَلا أبْصارُهُمْ﴾ حَيْثُ لَمْ يَجْتَلُوا بِها الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ المَنصُوبَةَ في صَحائِفِ العِلْمِ.
﴿وَلا أفْئِدَتُهُمْ﴾ حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوها في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى.
﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ و"مِن" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"ما أغْنى" وهو ظَرْفٌ جَرى مَجْرى التَّعْلِيلِ مِن حَيْثُ إنَّ الحُكْمَ مُرَتَّبٌ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ فَإنَّ قَوْلَكَ: "أكْرَمْتُهُ إذْ أكْرَمَنِي" في قُوَّةِ قَوْلِكَ: "أكْرَمْتُهُ لِإكْرامِهِ إذا أكْرَمْتَهُ وقْتَ إكْرامِهِ" فَإنَّما أكْرَمْتَهُ فِيهِ لِوُجُودِ إكْرامِهِ فِيهِ كَذا الحالُ في حَيْثُ.
﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ ويَقُولُونَ: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ.
الأحقاف 46:27
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ.
﴿مِنَ القُرى﴾ كَحِجْرِ ثَمُودٍ، وقُرى قَوْمِ لُوطٍ.
﴿وَصَرَّفْنا الآياتِ﴾ كَرَّرْناها لَهم.
﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لِكَيْ يَرْجِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
الأحقاف 46:28
﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ القُرْبانُ: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى وأحَدُ مَفْعُولَيِ "اتَّخَذُوا" ضَمِيرُ المَوْصُولِ المَحْذُوفِ والثّانِي "آلِهَةً" و"قُرْبانًا" حالٌ والتَّقْدِيرُ: فَهَلّا نَصَرَهم وخَلَّصَهم مِنَ العَذابِ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم آلِهَةً حالَ كَوْنِها مُتَقَرَّبًا بَها إلى اللَّهِ تَعالى حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ: ما نَعْبُدُهم إلاَّ لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ. ولا مَساغَ لِجَعْلِ "قُرْبانًا" مَفْعُولًا ثانِيًا "آلِهَةً" بَدَلًا مِنهُ لِفَسادِ المَعْنى، فَإنَّ البَدَلَ وإنْ كانَ هو المَقْصُودَ لَكِنَّهُ لا بُدَّ في غَيْرِ بَدَلِ الغَلَطِ مِن صِحَّةِ المَعْنى بِدُونِهِ، ولا رَيْبَ في أنَّ قَوْلَنا: اتَّخَذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا أيْ: مُتَقَرَّبًا بِهِ ما لا صِحَّةَ لَهُ قَطْعًا لِأنَّهُ تَعالى مُتَقَرَّبٌ إلَيْهِ لا مُتَقَرَّبٌ بِهِ فَلا يَصِحُّ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهم قُرْبانًا مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ في ذَلِكَ، وقُرِئَ "قُرُبانًا" بِضَمِّ الرّاءِ.
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أيْ: غابُوا عَنْهم وفِيهِ تَهَكُّمٌ آخَرُ بِهِمْ كَأنَّ عَدَمَ نَصْرِهِمْ لِغَيْبَتِهِمْ أوْ ضاعُوا عَنْهم أيْ: ظَهَرَ ضَياعُهم عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ. وقِيلَ: امْتَنَعَ نَصْرُهُمُ امْتِناعَ نَصْرِ الغائِبِ عَنِ المَنصُورِ.
﴿وَذَلِكَ﴾ أيْ: ضَياعُ آلِهَتِهِمْ عَنْهم وامْتِناعُ نَصْرِهِمْ.
﴿إفْكُهُمْ﴾ أيْ: أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً نَتِيجَةُ شِرْكِهِمْ. وقُرِئَ "أفَكُهُمْ" وكِلاهُما مَصْدَرٌ كالحِذْرِ والحَذَرِ، وقُرِئَ "أفَكَهُمْ" عَلى صِيغَةِ الماضِي فَذَلِكَ إشارَةٌ حِينَئِذٍ إلى الِاتِّخاذِ أيْ: وذَلِكَ الِاتِّخاذُ الَّذِي هو ثَمَرَتُهُ وعاقِبَتُهُ صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ، وقُرِئَ "أفَّكَهُمْ" بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ و"آفَكَهُمْ" مِنَ الأفْعالِ أيْ: جَعَلَهم آفِكِينَ، وقُرِئَ "آفِكُهُمْ" عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِمْ أيْ: قَوْلُهُمُ الإفْكُ كَما يُقالُ قَوْلٌ كاذِبٌ.
﴿وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى (p-88)إفْكُهم أيْ: وأثَرُ افْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ أوْ أثَرُ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ عَلَيْهِ تَعالى، وقُرِئَ وذَلِكَ إفْكٌ مِمّا كانُوا يَفْتَرُونَ أيْ: بَعْضُ ما كانُواْ يَفْتَرُونَ مِنَ الإفْكِ.
الأحقاف 46:29
﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ أمَلْناهم إلَيْكَ وأقْبَلْنا بِهِمْ نَحْوَكَ، وقُرِئَ "صَرَّفْنا" بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لِأنَّهم جَماعَةٌ وهو السِّرُّ في جَمْعِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْتَمِعُونَ القرآن﴾ وما بَعْدَهُ وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن "نَفَرًا" لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ أيْ: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ وقْتَ صَرْفِنا إلَيْكَ نَفَرًا كائِنًا مِنَ الجِنِّ مُقَدَّرًا اسْتِماعُهُمُ القرآن.
﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ أيِ: القرآن عِنْدَ تِلاوَتِهِ أوِ الرَّسُولَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لَهُ عَلى الِالتِفاتِ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ.
﴿قالُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
﴿أنْصِتُوا﴾ أيْ: اسْتَكِنُّوا لِنَسْمَعَهُ.
﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ أُتِمَّ وفُرِغَ عَنْ تِلاوَتِهِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهَذا يُؤَيِّدُ ضَمِيرَ حَضَرُوهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ مُقَدِّرِينَ إنْذارَهم عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهِمْ. ورُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ فَلَمّا حُرِسَتِ السَّماءُ ورُجِمُوا بِالشُّهُبِ قالُوا: ما هَذا إلاَّ لِنَبَأٍ حَدَثَ فَنَهَضَ سَبْعَةُ نَفَرٍ أوْ سِتَّةُ نَفَرٍ مِن أشْرافِ جِنِّ نُصَيْبِينَ أوْ نَيْنَوى مِنهم زَوْبَعَةٌ فَضَرَبُوا حَتّى بَلَغُوا تِهامَةَ ثُمَّ انْدَفَعُوا إلى وادِي نَخْلَةَ فَوافَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو قائِمٌ في جَوْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّي أوْ في صَلاةِ الفَجْرِ فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ وذَلِكَ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ الطّائِفِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ ولا رَآهم وإنَّما كانَ يَتْلُو في صَلاتِهِ فَمَرُّوا بِهِ فَوَقَفُوا مُسْتَمِعِينَ وهو لا يَشْعُرُ بِهِمْ فَأنْبَأهُ اللَّهُ تَعالى بِاسْتِماعِهِمْ. وقِيلَ: بَلْ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ ويَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَصَرَفَ إلَيْهِ نَفَرًا مِنهم جَمَعَهم لَهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ اللَّيْلَةَ فَمَن يَتْبَعُنِي؟ قالَها ثَلاثًا، فَأطْرَقُوا إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ فانْطَلَقْنا حَتّى إذا كُنّا بِأعْلى مَكَّةَ في شِعْبِ الحَجُونِ خَطَّ لِي خَطًّا فَقالَ: لا تَخْرُجْ مِنهُ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ ثُمَّ افْتَتَحَ القرآن وسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتّى خِفْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وغَشِيَتْهُ أسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حالَتْ بَيْنِي وبَيْنَهُ حَتّى ما أسْمَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ انْقَطَعُوا كَقِطَعِ السَّحابِ فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأيْتَ شَيْئًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ رِجالًا سُودًا مُسْتَشْعِرِي ثِيابٍ بِيضٍ فَقالَ: أُولَئِكَ جِنُّ نُصَيْبِينَ» وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا والسُّورَةُ الَّتِي قَرَأها عَلَيْهِمُ ﴿ "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ".﴾
الأحقاف 46:30
﴿قالُوا﴾ أيْ: عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلى قَوْمِهِمْ.
﴿يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ قِيلَ: قالُوهُ لِأنَّهم كانُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الجِنَّ لَمْ تَكُنْ سَمِعَتْ بِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أرادُوا بِهِ التَّوْراةَ.
﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ مِنَ العَقائِدِ الصَّحِيحَةِ.
﴿وَإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُوصِلٍ إلَيْهِ وهو الشَّرائِعُ والأعْمالُ الصّالِحَةُ.(p-89)
الأحقاف 46:31
﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ أرادُوا بِهِ ما سَمِعُوهُ مِنَ الكِتابِ وصَفُوهُ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى بَعْدَما وصَفُوهُ بِالهِدايَةِ إلى الحَقِّ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لِتَلازُمِهِما، دَعَوْهم إلى ذَلِكَ بَعْدَ بَيانِ حَقِّيَّتِهِ واسْتِقامَتِهِ تَرْغِيبًا لَهم في الإجابَةِ ثُمَّ أكَّدُوهُ بِقَوْلِهِمْ.
﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْضَ ذُنُوبِكم وهو ما كانَ في خالِصِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ حُقُوقَ العِبادِ لا تُغْفَرُ بِالإيمانِ.
﴿وَيُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ مَعَدٍّ لِلْكَفَرَةِ، واخْتُلِفَ في أنَّ لَهم أجْرًا غَيْرَ هَذا أوْ لا والأظْهَرُ أنَّهم في حُكْمِ بَنِي آدَمَ ثَوابًا وعِقابًا.
الأحقاف 46:32
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ إيجابٌ لِلْإجابَةِ بِطَرِيقِ التَّرْهِيبِ إثْرَ إيجابِها بِطَرِيقِ التَّرْغِيبِ وتَحْقِيقٌ لِكَوْنِهِمْ مُنْذِرِينَ وإظْهارُ داعِي اللَّهِ مِن غَيْرِ اكْتِفاءٍ بِأحَدِ الضَّمِيرَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ في الإيجابِ بِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ وتَقْيِيدُ الإعْجازِ بِكَوْنِهِ في الأرْضِ لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ أيْ: فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ لَهُ تَعالى بِالهَرَبِ وإنْ هَرَبَ كُلَّ مَهْرَبٍ مِن أقْطارِها أوْ دَخَلَ في أعْماقِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ بَيانٌ لِاسْتِحالَةِ نَجاتِهِ بِواسِطَةِ الغَيْرِ إثْرَ بَيانِ اسْتِحالَةِ نَجاتِهِ بِنَفْسِهِ، وجَمْعُ الأوْلِياءِ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" فَيَكُونُ مِن بابِ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ لِانْقِسامِ الآحادِ إلى الآحادِ كَما أنَّ الجَمْعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِعَدَمِ إجابَةِ داعِي اللَّهِ.
﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٌ كَوْنُهُ ضَلالًا بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أعْرَضُوا عَنْ إجابَةِ مَن هَذا شَأْنُهُ.
الأحقاف 46:33
﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا جازِمًا مُتاخِمًا لِلْمُشاهَدَةِ والعِيانِ.
﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ.
﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أيْ: لَمْ يَتْعَبْ ولَمْ يَنْصَبْ بِذَلِكَ أصْلًا أوْ لَمْ يَعْجِزْ عَنْهُ يُقالُ: عَيِيتُ بِالأمْرِ إذا لَمْ يُعْرَفْ وجْهُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِقادِرٍ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ لِأنَّهُ خَبَرُ أنَّ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ القِراءَةُ بِغَيْرِ باءٍ ووَجُهُ دُخُولِها في القِراءَةِ الأُولى اشْتِمالُ النَّفْيِ الوارِدِ في صَدْرِ الآيَةِ عَلى "أنَّ" وما في حَيِّزِها كَأنَّهُ قِيلَ: أوَ لَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ.
﴿عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ ولِذَلِكَ أُجِيبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَقْرِيرًا لِلْقُدْرَةِ عَلى وجْهٍ عامٍّ يَكُونُ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ.
الأحقاف 46:34
(p-90)﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ ظَرْفٌ عامِلُهُ قَوْلٌ مُضْمَرٌ مَقُولُهُ ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى ما يُشاهِدُونَهُ حِينَئِذٍ مِن حَيْثُ هو مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ إذْ هو اللّائِقُ بِتَهْوِيلِهِ وتَفْخِيمِهِ وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ الأحْزابِ. وقِيلَ: هي إلى العَذابِ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ وقَوْلِهِمْ: وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ.
﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ أكَّدَ جَوابَهم بِالقَسَمِ كَأنَّهم يَطْمَعُونَ في الخَلاصِ بِالِاعْتِرافِ بِحَقِّيَّتِها كَما في الدُّنْيا وأنّى لَهم ذَلِكَ.
﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بِها في الدُّنْيا، ومَعْنى الأمْرِ: الإهانَةُ بِهِمْ والتَّوْبِيخُ لَهُمْ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:
الأحقاف 46:35
﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إذا كانَ عاقِبَةُ أمْرِ الكَفَرَةِ ما ذُكِرَ فاصْبِرْ عَلى ما يُصِيبُكَ مِن جِهَتِهِمْ كَما صَبَرَ أُولُو الثَّباتِ والحَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ فَإنَّكَ مِن جُمْلَتِهِمْ بَلْ مِن عِلْيَتِهِمْ و"مِن" لِلتَّبْيِينِ، والمُرادُ بِأُولِي العَزْمِ: أصْحابُ الشَّرائِعِ الَّذِينَ اجْتَهَدُوا في تَأْسِيسِها وتَقْرِيرِها وصَبَرُوا عَلى تَحَمُّلِ مَشاقِّها ومُعاداةِ الطّاعِنِينَ فِيها ومَشاهِيرُهم نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: هُمُ الصّابِرُونَ عَلى بَلاءِ اللَّهِ كَنُوحٍ صَبَرَ عَلى أذِيَّةِ قَوْمِهِ كانُوا يَضْرِبُونَهُ حَتّى يُغْشى عَلَيْهِ، وإبْراهِيمُ صَبَرَ عَلى النّارِ وعَلى ذَبْحِ ولَدِهِ والذَّبِيحُ عَلى الذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ عَلى فَقْدِ الوَلَدِ والبَصَرِ، ويُوسُفُ عَلى الجُبِّ والسِّجْنِ، وأيُّوبُ عَلى الضُّرِّ، ومُوسى قالَ لَهُ قَوْمُهُ: إنّا لَمُدْرَكُونَ قالَ: كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، وداوُدُ بَكى عَلى خَطِيئَتِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعِيسى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.
﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أيْ: لِكُفّارِ مَكَّةَ بِالعَذابِ فَإنَّهُ عَلى شَرَفِ النُّزُولِ بِهِمْ.
﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ مِنَ العَذابِ.
﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في الدُّنْيا.
﴿إلا ساعَةً﴾ يَسِيرَةً.
﴿مِن نَهارٍ﴾ لِما يُشاهِدُونَ مِن شِدَّةِ العَذابِ وطُولِ مُدَّتِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلاغٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هَذا الَّذِي وُعِظْتُمْ بِهِ كِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ أوْ تَبْلِيغٌ مِنَ الرَّسُولِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ "بَلَغَ"، وقُرِئَ "بَلاغًا" أيْ: بَلَغُوا بَلاغًا.
﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ أيْ: الخارِجُونَ عَنِ الِاتِّعاظِ بِهِ أوْ عَنِ الطّاعَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ وبِفَتْحِهِما مِن هَلِكَ وهَلَكَ وبِنُونِ العَظَمَةِ مِنَ الإهْلاكِ ونَصْبِ القَوْمِ ووَصْفِهِ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الأحْقافِ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدٍ كُلِّ رَمْلَةٍ فى الدُّنْيا".»