Lafzullah

Tafsir Abi Al-Suaood — محمد 47:1 – النجم 53:62

المؤلف / المصدر: Tafsir Abi Al-Suaood

المحتويات
  1. محمد 47:1
  2. محمد 47:2
  3. محمد 47:3
  4. محمد 47:4
  5. محمد 47:5
  6. محمد 47:6
  7. محمد 47:7
  8. محمد 47:8
  9. محمد 47:9
  10. محمد 47:10
  11. محمد 47:11
  12. محمد 47:12
  13. محمد 47:13
  14. محمد 47:14
  15. محمد 47:15
  16. محمد 47:16
  17. محمد 47:17
  18. محمد 47:18
  19. محمد 47:19
  20. محمد 47:20
  21. محمد 47:21
  22. محمد 47:22
  23. محمد 47:23
  24. محمد 47:24
  25. محمد 47:25
  26. محمد 47:26
  27. محمد 47:27
  28. محمد 47:28
  29. محمد 47:29
  30. محمد 47:30
  31. محمد 47:31
  32. محمد 47:32
  33. محمد 47:33
  34. محمد 47:34
  35. محمد 47:35
  36. محمد 47:36
  37. محمد 47:37
  38. محمد 47:38
  39. الفتح 48:1
  40. الفتح 48:2
  41. الفتح 48:3
  42. الفتح 48:4
  43. الفتح 48:5
  44. الفتح 48:6
  45. الفتح 48:7
  46. الفتح 48:8
  47. الفتح 48:9
  48. الفتح 48:10
  49. الفتح 48:11
  50. الفتح 48:12
  51. الفتح 48:13
  52. الفتح 48:14
  53. الفتح 48:15
  54. الفتح 48:16
  55. الفتح 48:17
  56. الفتح 48:18
  57. الفتح 48:19
  58. الفتح 48:20
  59. الفتح 48:21
  60. الفتح 48:22
  61. الفتح 48:23
  62. الفتح 48:24
  63. الفتح 48:25
  64. الفتح 48:26
  65. الفتح 48:27
  66. الفتح 48:28
  67. الفتح 48:29
  68. الحجرات 49:1
  69. الحجرات 49:2
  70. الحجرات 49:3
  71. الحجرات 49:4
  72. الحجرات 49:5
  73. الحجرات 49:6
  74. الحجرات 49:7
  75. الحجرات 49:8
  76. الحجرات 49:9
  77. الحجرات 49:10
  78. الحجرات 49:11
  79. الحجرات 49:12
  80. الحجرات 49:13
  81. الحجرات 49:14
  82. الحجرات 49:15
  83. الحجرات 49:16
  84. الحجرات 49:17
  85. الحجرات 49:18
  86. ق 50:1
  87. ق 50:2
  88. ق 50:3
  89. ق 50:4
  90. ق 50:5
  91. ق 50:6
  92. ق 50:7
  93. ق 50:8
  94. ق 50:9
  95. ق 50:10
  96. ق 50:11
  97. ق 50:12
  98. ق 50:13
  99. ق 50:14
  100. ق 50:15
  101. ق 50:16
  102. ق 50:17
  103. ق 50:18
  104. ق 50:19
  105. ق 50:20
  106. ق 50:21
  107. ق 50:22
  108. ق 50:23
  109. ق 50:24
  110. ق 50:25
  111. ق 50:26
  112. ق 50:27
  113. ق 50:28
  114. ق 50:29
  115. ق 50:30
  116. ق 50:31
  117. ق 50:32
  118. ق 50:33
  119. ق 50:34
  120. ق 50:35
  121. ق 50:36
  122. ق 50:37
  123. ق 50:38
  124. ق 50:39
  125. ق 50:40
  126. ق 50:41
  127. ق 50:42
  128. ق 50:43
  129. ق 50:44
  130. ق 50:45
  131. الذاريات 51:1
  132. الذاريات 51:2
  133. الذاريات 51:3
  134. الذاريات 51:4
  135. الذاريات 51:5
  136. الذاريات 51:6
  137. الذاريات 51:7
  138. الذاريات 51:8
  139. الذاريات 51:9
  140. الذاريات 51:10
  141. الذاريات 51:11
  142. الذاريات 51:12
  143. الذاريات 51:13
  144. الذاريات 51:14
  145. الذاريات 51:15
  146. الذاريات 51:16
  147. الذاريات 51:17
  148. الذاريات 51:18
  149. الذاريات 51:19
  150. الذاريات 51:20
  151. الذاريات 51:21
  152. الذاريات 51:22
  153. الذاريات 51:23
  154. الذاريات 51:24
  155. الذاريات 51:25
  156. الذاريات 51:26
  157. الذاريات 51:27
  158. الذاريات 51:28
  159. الذاريات 51:29
  160. الذاريات 51:30
  161. الذاريات 51:31
  162. الذاريات 51:32
  163. الذاريات 51:33
  164. الذاريات 51:34
  165. الذاريات 51:35
  166. الذاريات 51:36
  167. الذاريات 51:37
  168. الذاريات 51:38
  169. الذاريات 51:39
  170. الذاريات 51:40
  171. الذاريات 51:41
  172. الذاريات 51:42
  173. الذاريات 51:43
  174. الذاريات 51:44
  175. الذاريات 51:45
  176. الذاريات 51:46
  177. الذاريات 51:47
  178. الذاريات 51:48
  179. الذاريات 51:49
  180. الذاريات 51:50
  181. الذاريات 51:51
  182. الذاريات 51:52
  183. الذاريات 51:53
  184. الذاريات 51:54
  185. الذاريات 51:55
  186. الذاريات 51:56
  187. الذاريات 51:57
  188. الذاريات 51:58
  189. الذاريات 51:59
  190. الذاريات 51:60
  191. الطور 52:1
  192. الطور 52:2
  193. الطور 52:3
  194. الطور 52:4
  195. الطور 52:5
  196. الطور 52:6
  197. الطور 52:7
  198. الطور 52:8
  199. الطور 52:9
  200. الطور 52:10
  201. الطور 52:11
  202. الطور 52:12
  203. الطور 52:13
  204. الطور 52:14
  205. الطور 52:15
  206. الطور 52:16
  207. الطور 52:17
  208. الطور 52:18
  209. الطور 52:19
  210. الطور 52:20
  211. الطور 52:21
  212. الطور 52:22
  213. الطور 52:23
  214. الطور 52:24
  215. الطور 52:25
  216. الطور 52:26
  217. الطور 52:27
  218. الطور 52:28
  219. الطور 52:29
  220. الطور 52:30
  221. الطور 52:31
  222. الطور 52:32
  223. الطور 52:33
  224. الطور 52:34
  225. الطور 52:35
  226. الطور 52:36
  227. الطور 52:37
  228. الطور 52:38
  229. الطور 52:39
  230. الطور 52:40
  231. الطور 52:41
  232. الطور 52:42
  233. الطور 52:43
  234. الطور 52:44
  235. الطور 52:45
  236. الطور 52:46
  237. الطور 52:47
  238. الطور 52:48
  239. الطور 52:49
  240. النجم 53:1
  241. النجم 53:2
  242. النجم 53:3
  243. النجم 53:4
  244. النجم 53:5
  245. النجم 53:6
  246. النجم 53:7
  247. النجم 53:8
  248. النجم 53:9
  249. النجم 53:10
  250. النجم 53:11
  251. النجم 53:12
  252. النجم 53:13
  253. النجم 53:14
  254. النجم 53:15
  255. النجم 53:16
  256. النجم 53:17
  257. النجم 53:18
  258. النجم 53:19
  259. النجم 53:20
  260. النجم 53:21
  261. النجم 53:22
  262. النجم 53:23
  263. النجم 53:24
  264. النجم 53:25
  265. النجم 53:26
  266. النجم 53:27
  267. النجم 53:28
  268. النجم 53:29
  269. النجم 53:30
  270. النجم 53:31
  271. النجم 53:32
  272. النجم 53:33
  273. النجم 53:34
  274. النجم 53:35
  275. النجم 53:36
  276. النجم 53:37
  277. النجم 53:38
  278. النجم 53:39
  279. النجم 53:40
  280. النجم 53:41
  281. النجم 53:42
  282. النجم 53:43
  283. النجم 53:44
  284. النجم 53:45
  285. النجم 53:46
  286. النجم 53:47
  287. النجم 53:48
  288. النجم 53:49
  289. النجم 53:50
  290. النجم 53:51
  291. النجم 53:52
  292. النجم 53:53
  293. النجم 53:54
  294. النجم 53:55
  295. النجم 53:56
  296. النجم 53:57
  297. النجم 53:58
  298. النجم 53:59
  299. النجم 53:60
  300. النجم 53:61
  301. النجم 53:62

محمد 47:1

(p-91)سُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ وهى مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ: مَكِّيَّةٌ وآياتُها ثَمانٍ وثَلاثُونَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ وسُلُوكِ طَرِيقَةِ مَن صَدَّ صُدُودًا أوْ مَنَعُوا النّاسَ عَنْ ذَلِكَ مِن صَدَّهُ صَدًّا كالمُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: هُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإسْلامِ ويَأْمُرُونَهم بِالكُفْرِ. وقِيلَ: أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا مَن أرادَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ أنْ يَدْخُلَ في الإسْلامِ. وقِيلَ: هو عامٌّ في كُلِّ مَن كَفَرَ وصَدَّ. ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أبْطَلَها وأحْبَطَها وجَعَلَها ضائِعَةً لا أثَرَ لَها أصْلًا لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّهُ أبْطَلَها وأحْبَطَها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها وضَياعِها فَإنَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِن أعْمالِ البِرِّ كَصِلَةِ الأرْحامِ، وقِرى الأضْيافِ وفَكِّ الأُسارى وغَيْرِها مِنَ المَكارِمِ لَيْسَ لَها أثَرٌ مِن أصْلِها لِعَدَمِ مُقارَنَتِها لِلْإيمانِ أوْ أبْطَلَ ما عَمِلُوا مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ بِنَصْرِ رَسُولِهِ وإظْهارِ دِينِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وهو الأوْفَقُ لِما سَيَأْتِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ﴾ ...إلَخْ.

محمد 47:2

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قِيلَ: هم ناسٌ مِن قُرَيْش. وقِيلَ: مِنَ الأنْصارِ. وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. وقِيلَ: عامٌّ لِلْكُلِّ. ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ خُصَّ بِالذِّكْرِ الإيمانُ بِذَلِكَ مَعَ انْدِراجِهِ فِيما قَبْلَهُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى سُمُوِّ مَكانِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وأنَّهُ الأصْلُ في الكُلِّ ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ بِطَرِيقِ حَصْرِ الحَقِّيَّةِ فِيهِ. وقِيلَ: حَقِّيَّتُهُ بِكَوْنِهِ ناسِخًا غَيْرَ مَنسُوخٍ فالحَقُّ عَلى هَذا مُقابِلُ الزّائِلِ وعَلى الأوَّلِ مُقابِلُ الباطِلِ وأيًّا ما كانَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الحَقِّ، وقُرِئَ "نَزَّلَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و"أنْزَلَ" عَلى البِناءَيْنِ و"نَزَلَ" بِالتَّخْفِيفِ. ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: سَتَرَها بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. ﴿وَأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم في الدِّينِ والدُّنْيا بِالتَّأْيِيدِ والتَّوْفِيقِ.

محمد 47:3

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِن إضْلالِ الأعْمالِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ وإصْلاحِ البالِ، وهو مُبْتَدَأٌ (p-92)خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ كائِنٌ بِسَبَبِ أنَّ الأوَّلِينَ اتَّبَعُوا الشَّيْطانَ كَما قالَهُ مُجاهِدٌ فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الكُفْرِ والصَّدِّ فَبَيانُ سَبَبِيَّةِ اتِّباعِهِ لِلْإضْلالِ المَذْكُورِ مُتَضَمِّنٌ لِبَيانِ سَبَبِيَّتِهِما لَهُ لِكَوْنِهِ أصْلًا مُسْتَتْبِعًا لَهُما قَطْعًا وبِسَبَبِ أنَّ الآخَرِينَ اتَّبَعُوا الحَقَّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ كائِنًا مِن رَبِّهِمْ فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الإيمانِ بِهِ وبِكِتابِهِ ومِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَبَيانُ سَبَبِيَّةِ اتِّباعِهِ لِما ذُكِرَ مِنَ التَّكْفِيرِ والإصْلاحِ بَعْدَ الإشْعارِ بِسَبَبِيَّةِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لَهُ مُتَضَمِّنٌ لِبَيانِ سَبَبِيَّتِهِما لَهُ لِكَوْنِهِ مَبْدَأً ومَنشَأً لَهُما حَتْمًا فَلا تَدافُعَ بَيْنَ الإشْعارِ والتَّصْرِيحِ في شَيْءٍ مِنَ المَوْضِعَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الباطِلُ ما يُقابِلُ الحَقَّ وهو الزّائِلُ الذّاهِبُ الَّذِي لا أصْلَ لَهُ أصْلًا فالتَّصْرِيحُ بِسَبَبِيَّةِ اتِّباعِهِ لِإضْلالِ أعْمالِهِمْ وإبْطالِها لِبَيانِ أنَّ إبْطالَها لِبُطْلانِ مَبْناها وزَوالِهِ وأمّا حَمْلُهُ عَلى ما لا يُنْتَفَعُ بِهِ فَلَيْسَ كَما يَنْبَغِي لِما أنَّ الكُفْرَ والصَّدَّ أفْحَشُ مِنهُ فَلا وجْهَ لِلتَّصْرِيحِ بِسَبَبِيَّتِهِ لِما ذُكِرَ مِن إضْلالِ أعْمالِهِمْ بِطَرِيقِ القَصْرِ بَعْدَ الإشْعارِ بِسَبَبِيَّتِهِما لَهُ فَتَدَبَّرْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالباطِلِ نَفْسُ الكُفْرِ والصَّدِّ وبِالحَقِّ نَفْسُ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ فَيَكُونُ التَّنْصِيصُ عَلى سَبَبِيَّتِهِما لِما ذُكِرَ مِنَ الإضْلالِ ومِنَ التَّكْفِيرِ والإصْلاحِ تَصْرِيحًا بِالسَّبَبِيَّةِ المُشْعِرِ بَها في المَوْقِعَيْنِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الضَّرْبِ البَدِيعِ. ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ﴾ أيْ: يُبَيِّنُ. ﴿لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ وأوْصافَهُما الجارِيَةَ في الغَرابَةِ مَجْرى الأمْثالِ وهي اتِّباعُ الأوَّلِينَ الباطِلَ وخَيْبَتُهم وخُسْرانُهم واتِّباعُ الآخَرِينَ الحَقَّ وفَوْزُهم وفَلاحُهم.

محمد 47:4

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِتَرْتِيبِ ما في حَيِّزِها مِنَ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ضَلالَ أعْمالِ الكَفَرَةِ وخَيْبَتَهم وصَلاحَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وفَلاحَهم مِمّا يُوجِبُ أنْ يُرَتِّبَ عَلى كُلٍّ مِنَ الجانِبَيْنِ ما يَلِيقُ مِنَ الأحْكامِ أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَإذا لَقِيتُمُوهم في المُحارَبَةِ. ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ أصْلُهُ: فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا فَحُذِفَ الفِعْلُ وقُدِّمَ المَصْدَرُ وأُنِيبَ مُنابَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، وفْيِهِ اخْتِصارٌ وتَأْكِيدٌ بَلِيغٌ والتَّعْبِيرُ بِهِ عَنِ القَتْلِ تَصْوِيرٌ لَهُ بِأشْنَعِ صُورَةٍ وتَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ وإرْشادُهُ لِلْغُزاةِ إلى أيْسَرِ ما يَكُونُ مِنهُ. ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ قَتْلَهم وأغْلَظْتُمُوهُ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ وهو الغَلِيظُ أوْ أثْقَلْتُمُوهم بِالقَتْلِ والجِراحِ حَتّى أذْهَبْتُمْ عَنْهُمُ النُّهُوضَ. ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ فَأْسِرُوهم واحْفَظُوهم والوَثاقُ: اسْمٌ لِما يُوثَقُ بِهِ وكَذا الوِثاقُ بِالكَسْرِ، وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ. ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ: فَإمّا تَمُنُّونَ مَنًّا بَعْدَ ذَلِكَ أوْ تُفْدُونَ فِداءً، والمَعْنى: التَّخْيِيرُ بَيْنَ القَتْلِ والِاسْتِرْقاقِ والمَنِّ والفِداءِ وهَذا ثابِتٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وعِنْدَنا مَنسُوخٌ، قالُوا: نَزَلَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ نُسِخَ والحُكْمُ إمّا القَتْلُ أوِ الِاسْتِرْقاقُ. وعَنْ مُجاهِدٍ لَيْسَ اليَوْمَ مَنٌّ ولا فِداءٌ إنَّما هو الإسْلامُ أوْ ضَرْبُ العُنُقِ، وقُرِئَ فِدًا كَعَصًا. ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ آلاتُها وأثْقالُها الَّتِي (p-93)لا تَقُومُ إلّا بَها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ وأُسْنِدَ وضْعُها إلَيْها وهو لِأهْلِها إسْنادًا مَجازِيًّا و"حَتّى" غايَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ لِأحَدِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ أوْ لِلْمَجْمُوعِ والمَعْنى: أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى ذَلِكَ أبَدًا إلى أنْ لا يَكُونَ مَعَ المُشْرِكِينَ حَرْبٌ بِأنْ لا تَبْقى لَهم شَوْكَةٌ. وقِيلَ: بِأنْ يَنْزِلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَإنْ حُمِلَ الحَرْبُ عَلى حَرْبِ بَدْرٍ فَهي غايَةٌ لِلْمَنِّ والفِداءِ والمَعْنى: يُمَنُّ عَلَيْهِمْ ويُفادُونَ حَتّى تَضَعَ حَرْبُ بَدْرٍ أوْزارَها وإنْ حُمِلَتْ عَلى الجِنْسِ فَهي غايَةٌ لِلضَّرْبِ والشَّدِّ والمَعْنى: أنَّهم يُقَتَّلُونَ ويُؤْسَرُونَ حَتّى يَضَعَ جِنْسُ الحَرْبِ أوْزارَها بِأنْ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِينَ شَوْكَةٌ. وقِيلَ: أوْزارُها: آثامُها أيْ: حَتّى يَتْرُكَ المُشْرِكُونَ شِرْكَهم ومَعاصِيَهم بِأنْ أسْلَمُوا. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ أوْ فَعَلُوا ذَلِكَ. ﴿وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ لانْتَقَمَ مِنهم بِبَعْضِ أسْبابِ الهَلَكَةِ والِاسْتِئْصالِ. ﴿وَلَكِنْ﴾ لَمْ يَشَأْ لِذَلِكَ. ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ فَأمَرَكم بِالقِتالِ وبَلاكم بِالكافِرِينَ لِتُجاهِدُوهم فَتَسْتَوْجِبُوا الثَّوابَ العَظِيمَ بِمُوجِبِ الوَعْدِ والكافِرِينَ بِكم لِيُعالِجَهم عَلى أيْدِيكم بِبَعْضِ عَذابِهِمْ كَيْ يَرْتَدِعَ بَعْضُهم عَنِ الكُفْرِ. ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتُشْهِدُوا، وقُرِئَ "قاتَلُوا" أيْ: جاهَدُوا و"قَتَلُوا" و"قُتِلُوا". ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: فَلَنْ يُضَيِّعَها، وقُرِئَ "يُضَلُّ أعْمالُهُمْ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و"يُضِلَّ أعْمالَهُمْ" مَن ضَلَّ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ أحَدٍ.

محمد 47:5

﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ في الدُّنْيا إلى أرْشِدِ الأُمُورِ وفي الآخِرَةِ إلى الثَّوابِ أوْ سَيُثَبِّتُ هِدايَتَهم ﴿وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ .

محمد 47:6

﴿وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ في الدُّنْيا بِذِكْرِ أوْصافِها بِحَيْثُ اشْتاقُوا إلَيْها أوْ بَيَّنَها لَهم بِحَيْثُ يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ مَنزِلَهُ ويَهْتَدِي إلَيْهِ كَأنَّهُ كانَ ساكِنَهُ مُنْذُ خُلِقَ. وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِعَمَلِهِ في الدُّنْيا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُعَرِّفُهُ كُلَّ شَيْءٍ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى أوْ طَيَّبَها لَهم مِنَ العَرْفِ وهو طِيبُ الرّائِحَةِ أوْ حَدَّدَها لَهم وأفْرَزَها مِن عَرْفُ الدّارِ فَجَنَّةٌ كُلٍّ مِنهم مُحَدَّدَةٌ مُفْرَزَةٌ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ.

محمد 47:7

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: دِينَهُ ورَسُولَهُ. ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ عَلى أعْدائِكم ويَفْتَحْ لَكم. ﴿وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ في مَواطِنِ الحَرْبِ ومَواقِفِها أوْ عَلى مَحَجَّةِ الإسْلامِ.

محمد 47:8

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ التَّعْسُ: الهَلاكُ والعِثارُ والسُّقُوطُ والشَّرُّ والبُعْدُ والِانْحِطاطُ ورَجُلٌ تاعِسٌ وتَعِسٌ وانْتِصابُهُ بِفِعْلِهِ الواجِبِ حَذْفُهُ سَماعًا أيْ: فَقالَ تَعْسًا لَهم أوْ فَقَضى تَعْسًا لَهم وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الخَبَرِيَّةِ لِلْمَوْصُولِ.

محمد 47:9

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذَكَرَ مِنَ التَّعِسِ وإضْلالِ الأعْمالِ. ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ القرآن، (p-94)لِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وسائِرِ الأحْكامِ المُخالِفَةِ لِما ألِفُوهُ واشْتَهَتْهُ أنْفُسُهُمُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ. ﴿فَأحْبَطَ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ. ﴿أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي لَوْ كانُوا عَمِلُوها مَعَ الإيمانِ لَأُثِيبُوا عَلَيْها.

محمد 47:10

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: أقَعَدُوا في أماكِنِهِمْ فَلَمْ يَسِيرُوا فِيها. ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ فَإنَّ آثارَ دِيارِهِمْ تُنْبِئُ عَنْ أخْبارِهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهُمْ؟ فَقِيلَ: اسْتَأْصَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ما اخْتُصَّ بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ يُقالُ: دَمَّرَهُ: أهْلَكَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ: أهْلَكَ عَلَيْهِ ما يَخْتَصُّ بِهِ. ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: ولِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ السّائِرِينَ بِسِيرَتِهِمْ. ﴿أمْثالُها﴾ أمْثالُ عَواقِبِهِمْ أوْ عُقُوباتِهِمْ لَكِنْ لا عَلى أنَّ لِهَؤُلاءِ أمْثالَ ما لِأُولَئِكَ وأضْعافَهُ بَلْ مِثْلُهُ وإنَّما جُمِعَ بِاعْتِبارِ مُماثَلَتِهِ لَعَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٍ حَسَبَ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابُهم أشَدَّ مِن عَذابِ الأوَّلِينَ وقَدْ قُتِلُوا وأُسِرُوا بِأيْدِي مَن كانُوا يَسْتَخِفُّونَهم ويَسْتَضْعِفُونَهم والقَتْلُ بِيَدِ المَثَلِ أشُدُّ ألَمًا مِنَ الهَلاكِ بِسَبَبٍ عامٍّ. وقِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِينَ المُتَقَدِّمُونَ بِطَرِيقِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ أمْثالُها.

محمد 47:11

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ثُبُوتِ أمْثالِ عُقُوبَةِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِهَؤُلاءِ. ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ، وقُرِئَ "وَلِيُّ الَّذِينَ". ﴿وَأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ فَيَدْفَعُ عَنْهم ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ والعَذابِ ولا يُخالِفُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَإنَّ المَوْلى هُناكَ بِمَعْنى المالِكِ.

محمد 47:12

﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ بَيانٌ لِحُكْمِ وِلايَتِهِ تَعالى لَهم وثَمَرَتِها الأُخْرَوِيَّةِ. ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ أيْ: يَنْتَفِعُونَ في الدُّنْيا بِمَتاعِها. ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ غافِلِينَ عَنْ عَواقِبِهِمْ. ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مَنزِلُ ثُواءٍ وإقامَةٍ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن واوِ "يَأْكُلُونَ" أوِ اسْتِئْنافٌ.

محمد 47:13

﴿وَكَأيِّنْ﴾ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ و"أيٍّ" بِمَعْنى: كَمِ الخَبَرِيَّةِ ومَحَلُّها الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ تَمْيِيزٌ لَها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هِيَ أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ صِفَةٌ لِـ"قَرْيَتِكَ" وقَدْ حُذِفَ عَنْهُما المُضافُ وأُجْرِيَ أحْكامُهُ عَلَيْهِما كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الخَبَرُ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ هم أشَدُّ (p-95)قُوَّةً مِن أهْلِ قَرْيَتِكَ الَّذِينَ كانُوا سَبَبًا لِخُرُوجِكَ مِن بَيْنِهِمْ ووَصْفُ القَرْيَةِ الأوْلى بِشِدَّةِ القُوَّةِ لِلْإيذانِ بِأوْلَوِيَّةِ الثّانِيَةِ مِنها بِالإهْلاكِ لِضَعْفِ قُوَّتِها كَما أنَّ وصْفَ الثّانِيَةِ بِإخْراجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْإيذانِ بِأوْلَوِيَّتِها بِهِ لِقُوَّةِ جِنايَتِها، وعَلى طَرِيقَتِهِ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎ كُلَيْبٌ لَعَمْرِي كانَ أكْثَرَ ناصِرًا ∗∗∗ وأيْسَرَ جُرْمًا مِنكَ ضُرِّجَ بِالدَّمِ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنَ العَذابِ بِواسِطَةِ الأعْوانِ والأنْصارِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنهُ بِأنْفُسِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ذِكْرِ ما بِالغَيْرِ عَلى ذِكْرِ ما بِالذّاتِ وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.

محمد 47:14

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِتَبايُنِ حالَيْ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وكَوْنِ الأوَّلِينَ في أعْلى عِلِّيِّينَ والآخَرِينَ في أسْفَلِ سافِلِينَ وبَيانٌ لِعِلَّةِ ما لِكُلٍّ مِنهُما مِنَ الحالِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وقَدْ قُرِئَ بِدُونِها و"مَن" عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُتَمَسِّكِينَ بِأدِلَّةِ الدِّينِ وجَعْلُها عِبارَةً عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ عَنْهُ وعَنِ المُؤْمِنِينَ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنَّ المُوازَنَةَ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهم مِمّا يَأْباهُ مَنصِبُهُ الجَلِيلُ، والتَّقْدِيرُ: ألَيْسَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَمَن كانَ مُسْتَقِرًّا عَلى حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ نَيِّرٍ مِن مالِكِ أمْرِهِ ومُرَبِّيهِ وهو القرآن الكَرِيمُ وسائِرُ المُعْجِزاتِ والحُجَجِ العَقْلِيَّةِ. ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وسائِرِ المَعاصِيِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ أقْبَحَ القَبائِحِ. ﴿واتَّبَعُوا﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّزْيِينِ. ﴿أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِغَةَ وانْهَمَكُوا في فُنُونِ الضَّلالاتِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم شُبْهَةٌ تُوهِمُ صِحَّةَ ما تَمَّ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وجَمْعُ الضَّمِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ إفْرادَ الأوَّلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.

محمد 47:15

﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِشَرْحِ مَحاسِنِ الجَنَّةِ المَوْعُودَةِ آنِفًا لِلْمُؤْمِنِينَ وبَيانِ كَيْفِيَّةِ أنْهارِها الَّتِي أُشِيرَ إلى جَرَيانِها مِن تَحْتِها، وعُبِّرَ عَنْهم بِالمُتَّقِينَ إيذانًا بِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ مِن بابِ التَّقْوى الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ الواجِباتِ بِأسْرِها وتَرْكِ السَّيِّئاتِ عَنْ آخِرِها ومَثَلُها وصْفُها العَجِيبُ الشَّأْنِ، وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ فَقَدَّرَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ مَثَلُ الجَنَّةِ ما تَسْمَعُونَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ ...إلَخْ مُفَسَّرٌ لَهُ وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ والأوَّلُ هو الأنْسَبُ لِصَدْرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. وقِيلَ: المَثَلُ زائِدَةٌ كَزِيادَةِ الِاسْمِ في قَوْلِ مَن قالَ: [إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما] والجَنَّةُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ ...إلَخْ. ﴿مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ غَيْرِ مُتَغَيِّرِ الطَّعْمِ والرّائِحَةِ، وقُرِئَ "غَيْرِ أسِنٍ". ﴿وَأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ بِأنْ صارَ قارِصًا ولا خازِرًا كَألْبانِ الدُّنْيا. ﴿وَأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ لَذِيذَةٍ لَيْسَ فِيها كَراهَةُ طَعْمٍ ورِيحٍ ولا غائِلَةُ سُكْرٍ ولا خُمارٌ وإنَّما هي تَلَذُّذٌ مَحْضٌ و"لَذَّةٍ" إمّا تَأْنِيثُ لَذٍّ بِمَعْنى لَذِيذٍ أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ (p-96)بِهِ مُبالَغَةً، وقُرِئَ "لَذَّةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةُ "أنْهارٌ" وبِالنَّصْبِ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأجْلِ لَذَّةِ الشّارِبِينَ. ﴿وَأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ لا يُخالِطُهُ الشَّمْعُ وفَضَلاتُ النَّحْلِ وغَيْرُها، وفي هَذا تَمْثِيلٌ لِما يَجْرِي مَجْرى الأشْرِبَةِ في الجَنَّةِ بِأنْواعٍ ما يُسْتَطابُ مِنها ويُسْتَلَذُّ في الدُّنْيا بِالتَّخْلِيَةِ عَمّا يُنَغِّصُها ويُنْقِصُها والتَّحْلِيَةِ بِما يُوجِبُ غَزارَتَها ودَوامَها. ﴿وَلَهم فِيها﴾ مَعَ ما ذُكِرَ مِن فُنُونِ الأنْهارِ. ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ: صِنْفٌ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أيْ: ولَهم مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ لا يُقادَرُ قَدْرُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لـِ"مَغْفِرَةٌ" مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ: كائِنَةٌ مِن رَبِّهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أمَّنْ هو خالِدٌ في هَذِهِ الجَنَّةِ حَسَبَما جَرى بِهِ الوَعْدُ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ . وقِيلَ: هو خَبَرٌ لَمَثَلُ الجَنَّةِ عَلى أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: أمَثَلُ الجَنَّةِ كَمَثَلِ جَزاءِ مَن هو خالِدٌ فى النّارِ أوْ أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ كَمَثَلِ مَن هو خالِدٌ في النّارِ؟ فَعُرِّيَ عَنْ حَرْفِ الإنْكارِ وحُذِفَ ما حُذِفَ تَصْوِيرًا لِمُكابَرَةِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ المُتَمَسِّكِ بِالبَيِّنَةِ وبَيْنَ التّابِعِ لِلْهَوى بِمُكابَرَةِ مَن سَوّى بَيْنَ الجَنَّةِ المَوْصُوفَةِ بِما فُصِّلَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ وبَيْنَ النّارِ. ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ مَكانَ تِلْكَ الأشْرِبَةِ. ﴿فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ مِن فَرْطِ الحَرارَةِ، قِيلَ: إذا دَنا مِنهم شَوى وُجُوهَهم وانْمارَتْ فَرْوَةُ رُؤُوسِهِمْ فَإذا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أمْعاءَهم.

محمد 47:16

﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ "مَن" كَما أنَّ جَمْعَهُ فِيما سَيَأْتِي بِاعْتِبارِ مَعْناها كانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَسْمَعُونَ كَلامَهُ ولا يَعُونَهُ ولا يُراعُونَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ تَهاوُنًا مِنهم. ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ أيْ: ما الَّذِي قالَ السّاعَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ وإنْ كانَ بِصُورَةِ الِاسْتِعْلامِ و"آنِفًا" مِن قَوْلِهِمْ: أنَفَ الشَّيْءُ لِما تَقَدَّمَ مِنهُ مُسْتَعارٌ مِنَ الجارِحَةِ ومِنهُ اسْتَأْنَفَ الشَّيْءَ وائْتَنَفَ وهو ظَرْفٌ بِمَعْنى وقْتًا مُؤْتَنِفًا أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "قالَ"، وقُرِئَ "أنْفًا". ﴿أُولَئِكَ﴾ المُوصِفُونَ بِما ذُكِرَ. ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ لِعَدَمِ تَوَجُّهِهِمْ نَحْوَ الخَيْرِ أصْلًا. ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ الباطِلَةَ فَلِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ.

محمد 47:17

﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ إلى طَرِيقِ الحَقِّ. ﴿زادَهُمْ﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى. ﴿هُدًى﴾ بِالتَّوْفِيقِ والإلْهامِ. ﴿وَآتاهم تَقْواهُمْ﴾ أعانَهم عَلى تَقْواهم أوْ أعْطاهم جَزاءَها أوْ بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ.

محمد 47:18

﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ﴾ أيِ: القِيامَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ أيْ: تُباغِتُهم بَغْتَةً وهي المُفاجَأةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ (p-97)السّاعَةِ والمَعْنى: أنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ بِذِكْرِ أهْوالِ الأُمَمِ الخالِيَةِ ولا بِالإخْبارِ بِإتْيانِ السّاعَةِ وما فِيها مِن عَظائِمِ الأهْوالِ وما يَنْتَظِرُونَ لِلتَّذَكُّرِ إلّا إتْيانَ نَفْسِ السّاعَةِ بَغْتَةً، وقُرِئَ "بَغَتَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ تَعْلِيلٌ لِمُفاجَأتِها لا لِإتْيانِها مُطْلَقًا عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلتَّذَكُّرِ أمْرٌ مُتَرَقَّبٌ يَنْتَظِرُونَهُ سِوى إتْيانِ نَفْسِ السّاعَةِ إذْ قَدْ جاءَ أشْراطُها فَلَمْ يَرْفَعُوا لَها رَأْسًا ولَمْ يَعُدُّوها مِن مَبادِي إتْيانِها فَيَكُونُ إتْيانُها بِطَرِيقِ المُفاجَأةِ لا مَحالَةَ، والأشْراطُ جَمْعُ شَرَطٍ بِالتَّحْرِيكِ وهي العَلامَةُ، والمُرادُ بِها: مَبْعَثُهُ ﷺ وانْشِقاقُ القَمَرِ ونَحْوُهُما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ حُكْمٌ بِخَطَئِهِمْ وفَسادِ رَأْيِهِمْ في تَأْخِيرِ التَّذَكُّرِ إلى إتْيانِها بِبَيانِ اسْتِحالَةِ نَفْعِ التَّذَكُّرِ حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ أيْ: وكَيْفَ لَهم ذِكْراهم إذا جاءَتْهم عَلى أنَّ "أنّى" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و"ذِكْراهُمْ" مُبْتَدَأٌ و"إذا جاءَتْهُمْ" اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنَهُما رَمْزًا إلى غايَةِ سُرْعَةِ مَجِيئِها وإطْلاقُ المَجِئِ عَنْ قَيْدِ البَغْتَةِ لِما أنَّ مَدارَ اسْتِحالَةِ نَفْعِ التَّذَكُّرِ كَوْنُهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ مُطْلَقًا لا مُقَيَّدًا بِقَيْدِ البَغْتَةِ، وقُرِئَ "إنْ تَأتِهِمْ" عَلى أنَّهُ شَرْطٌ مُسْتَأْنَفٌ جَزاؤُهُ ﴿فَأنّى لَهُمْ﴾ ...إلَخْ والمَعْنى: إنْ تَأْتِهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً لِأنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أماراتُها فَكَيْفَ لَهم تَذَكُّرُهم واتِّعاظُهم إذا جاءَتْهم.

محمد 47:19

﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ أيْ: إذا عَلِمْتَ أنَّ مَدارَ السَّعادَةِ هو التَّوْحِيدُ والطّاعَةُ ومَناطَ الشَّقاوَةِ هو الإشْراكُ والعِصْيانُ فاثْبُتُ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ بِالوَحْدانِيَّةِ والعَمَلِ بِمُوجِبِهِ. ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وهو الَّذِي رُبَّما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَرْكِ الأوْلى عُبِّرَ عَنْهُ بِالذَّنْبِ نَظَرًا إلى مَنصِبِهِ الجَلِيلِ. كَيْفَ لا؟ وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ وإرْشادٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفْسِ واسْتِقْصارِ العَمَلِ. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ: لِذُنُوبِهِمْ بِالدُّعاءِ لَهم وتَرْغِيبِهِمْ فِيما يَسْتَدْعِي غُفْرانَهم وفي إعادَةِ صِلَةِ الِاسْتِغْفارِ تَنْبِيهٌ عَلى اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْهِ جِنْسًا، وفي حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مُقامَهُ إشْعارٌ بِعَراقَتِهِمْ في الذَّنْبِ وفَرْطِ افْتِقارِهِمْ إلى الِاسْتِغْفارِ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في الدُّنْيا فَإنَّها مَراحِلُ لا بُدَّ مِن قَطْعِها لا مَحالَةَ. ﴿وَمَثْواكُمْ﴾ في العُقْبى فَإنَّها مَواطِنُ إقامَتِكم فَلا يَأْمُرُكم إلّا بِما هو خَيْرٌ لَكم فِيهِما فَبادِرُوا إلى الِامْتِثالِ بِما أمَرَكم بِهِ فَإنَّهُ المُهِمُّ لَكم في المَقامَيْنِ. وقِيلَ: يَعْلَمُ جَمِيعَ أحْوالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.

محمد 47:20

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حِرْصًا مِنهم عَلى الجِهادِ. ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ: هَلّا نَزَلَتْ سُورَةٌ تُؤْمَرُ فِيها بِالجِهادِ. ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ بِطَرِيقِ الأمْرِ بِهِ أيْ: سُورَةٌ مُبَيِّنَةٌ لا تَشابُهَ ولا احْتِمالَ فِيها لِوَجْهٍ آخَرَ سِوى وُجُوبِ القِتالِ. عَنْ قَتادَةَ كُلُّ سُورَةٍ فِيها ذِكْرُ القِتالِ فَهي مُحْكَمَةٌ لَمْ تُنْسَخْ، وقُرِئَ فَإذا نَزَلَتْ (p-98)سُورَةٌ، وقُرِئَ وذَكَرَ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى ونَصْبِ القِتالِ. ﴿رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: ضَعْفٌ في الدِّينِ، وقِيلَ: نِفاقٌ وهو الأظْهَرُ الأوْفَقُ لِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ أيْ: تَشْخَصُ أبْصارُهم جُبْنًا وهَلَعًا كَدَأْبِ مَن أصابَتْهُ غَشْيَةُ المَوْتِ. ﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ أيْ: فَوَيْلٌ لَهم وهو أفْعَلُ مِنَ الوَلْيِ وهو القُرْبُ. وقِيلَ: مِن آلَ ومَعْناهُ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَلِيَهُمُ المَكْرُوهُ أوْ يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم. وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ الوَيْلِ وأصْلُهُ: أوْيَلُ نُقِلَتِ العَيْنُ إلى ما بَعْدَ اللّامِ فَوَزْنُهُ أفْلَعُ.

محمد 47:21

﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: أمْرُهم طاعَةٌ...إلَخْ أوْ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ خَيْرٌ لَهم أوْ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ يَقُولُونَ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أيْ: أمْرُنا ذَلِكَ. ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ أُسْنِدَ العَزْمُ وهو الجِدُّ إلى الأمْرِ وهو لِأصْحابِهِ مَجازًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وعامِلُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: خالَفُوا وتَخَلَّفُوا. وقِيلَ: ناقَضُوا. وقِيلَ: كَرِهُوا. وقِيلَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ: "إذا حَضَرَنِي طَعامٌ فَلَوْ جِئْتَنِي لَأطْعَمْتُكَ" أيْ: فَلَوْ صَدَقُوهُ تَعالى فِيما قالُوا مِنَ الكَلامِ المُنْبِئِ عَنِ الحِرْصِ عَلى الجِهادِ بِالجَرْيِ عَلى مُوجِبِهِ. ﴿لَكانَ﴾ أيِ: الصِّدْقُ. ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى اشْتِراكِ الكُلِّ فِيما حُكِيَ عَنْهم مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ . وقِيلَ: فَلَوْ صَدَقُوهُ في الإيمانِ وواطَأتْ قُلُوبُهم في ذَلِكَ ألْسِنَتَهم وأيًّا ما كانَ؛ فالمُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

محمد 47:22

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ ...إلَخْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ أيْ: هَلْ يُتَوَقَّعُ مِنكم. ﴿إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أُمُورَ النّاسِ وتَأمَّرْتُمْ عَلَيْهِمْ. ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ تَناحُرًا عَلى المُلْكِ وتَهالُكًا عَلى الدُّنْيا فَإنَّ مَن شاهَدَ أحْوالَكُمُ الدّالَّةَ عَلى الضَّعْفِ في الدِّينِ والحِرْصِ عَلى الدُّنْيا حِينَ أُمِرْتُمْ بِالجِهادِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ إحْرازِ كُلِّ خَيْرٍ وصَلاحٍ ودَفْعِ كُلِّ شَرٍّ وفَسادٍ وأنْتُمْ مَأْمُورُونَ شَأْنُكُمُ الطّاعَةُ والقَوْلُ المَعْرُوفُ يُتَوَقَّعُ مِنكم إذا أُطْلِقَتْ أعِنَّتُكم وصِرْتُمْ آمِرِينَ ما ذَكَرَ مِنَ الإفْسادِ وقَطْعِ الأرْحامِ. وقِيلَ: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ أنْ تَرْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الإفْسادِ في الأرْضِ بِالتَّغاوُرِ والتَّناهُبِ وقَطْعِ الأرْحامِ بِمُقاتِلَةِ بَعْضِ الأقارِبِ بَعْضًا ووَأْدِ البَناتِ، وفِيهِ أنَّ الواقِعَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ لابُدَّ أنْ تَكُونَ مَحْذُورِيَّتُهُ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ المَفاسِدِ لا بِاعْتِبارِ ذاتِهِ، ولا رَيْبَ في أنَّ الإعْراضَ عَنِ الإسْلامِ رَأْسُ كُلِّ شَرٍّ وفَسادٍ فَحَقُّهُ أنْ يُجْعَلَ عُمْدَةً في التَّوْبِيخِ لا وسِيلَةً لِلتَّوْبِيخِ بِما دُونَهُ مِنَ المَفاسِدِ. وقُرِئَ "وُلِّيتُمْ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ: جُعِلْتُمْ وُلاةً، وقُرِئَ "تُولِّيتُمْ" أيْ: تَوَلّاكم وُلاةُ جَوْرٍ خَرَجْتُمْ مَعَهم وساعَدْتُمُوهم في الإفْسادِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وقُرِئَ "وَتَقَطَّعُوا" مِنَ التَّقَطُّعِ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ فانْتِصابُ "أرْحامَكُمْ" حِينَئِذٍ عَلى نَزْعِ الجارِّ أيْ: في أرْحامِكُمْ، وقُرِئَ "وَتَقْطَعُوا" مِنَ القَطْعِ وإلْحاقُ الضَّمِيرِ بِـ"عَسى" لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وأمّا بَنُو (p-99)تَمِيمٍ فَيَقُولُونَ: عَسى أنْ تَفْعَلَ وعَسى أنْ تَفْعَلُوا.

محمد 47:23

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُخاطَبِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إيذانًا بِأنَّ ذِكْرَ هَناتِهِمْ أوْجَبَ إسْقاطَهم عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ وحِكايَةِ أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ لِغَيْرِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ. ﴿فَأصَمَّهُمْ﴾ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ لِتَصامِّهِمْ عَنْهُ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ. ﴿وَأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ لِتَعامِيهِمْ عَمّا يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآياتِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ.

محمد 47:24

﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ أيْ: ألا يُلاحِظُونَهُ ولا يَتَصَفَّحُونَهُ وما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ حَتّى لا يَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ المُوبِقاتِ. ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ فَلا يَكادُ يَصِلُ إلَيْها ذِكْرٌ أصْلًا و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ بِعَدَمِ التَّدَبُّرِ إلى التَّوْبِيخِ بِكَوْنِ قُلُوبِهِمْ مُقْفَلَةً لا تَقْبَلُ التَّدَبُّرَ والتَّفَكُّرَ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ وتَنْكِيرُ القُلُوبِ إمّا لِتَهْوِيلِ حالِها وتَفْظِيعِ شَأْنِها بِإيهامِ أمْرِها في القَساوَةِ والجَهالَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى قُلُوبٍ مُنْكَرَةٍ لا يُعْرَفُ حالُها ولا يُقادَرُ قَدْرُها في القَساوَةِ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِها: قُلُوبُ بَعْضٍ مِنهم وهُمُ المُنافِقُونَ وإضافَةُ الأقْفالِ إلَيْها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها أقْفالٌ مَخْصُوصَةٌ بِها مُناسِبَةٌ لَها غَيْرُ مُجانِسَةٍ لِسائِرِ الأقْفالِ المَعْهُودَةِ، وقُرِئَ "أقْفالُها" و"إقْفالُها" عَلى المَصْدَرِ.

محمد 47:25

﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وهُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ وُصِفُوا فِيما سَلَفَ بِمَرَضِ القُلُوبِ وغَيْرِهِ مِن قَبائِحِ الأفْعالِ والأحْوالِ فَإنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ بِالدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ. وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ. وقِيلَ: أهْلُ الكِتابَيْنِ جَمِيعًا كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما وجَدُوا نَعْتَهُ في كِتابِهِمْ وعَرَفُوا أنَّهُ المَنعُوتُ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ وقَعَتْ خَبَرًا لِإنَّ أيْ سَهَّلَ لَهم رُكُوبَ العَظائِمِ مِنَ السَّوَلِ وهو الِاسْتِرْخاءِ. وقِيلَ: مِنَ السَّوْلِ المُخَفَّفِ مِنَ السُّؤالِ لِاسْتِمْرارِ القَلْبِ فَمَعْنى سَوَّلَ لَهُ أمْرًا حِينَئِذٍ أوْقَعَهُ في أُمْنِيَّتِهِ فَإنَّ السُّؤْلَ الأُمْنِيَّةُ، وقُرِئَ "سُوِّلَ" مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: كَيَدُ الشَّيْطانِ. ﴿وَأمَلِى لَهُمْ﴾ وعَدَ لَهم في الأمانِيِّ والآمالِ. وقِيلَ: أمْهَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، وقُرِئَ "وَأمْلَي لَهُمْ" عَلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ فالمَعْنى: أنَّ الشَّيْطانَ يُغْوِيهِمْ وأنا أُنْظِرُهم قالُوا ولِلْحالِ أوْ لِلِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ "أُمْلى لَهُمْ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ: أُمْهِلُوا ومُدَّ في عُمْرِهِمْ.

محمد 47:26

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنِ ارْتِدادِهِمْ لا إلى الإمْلاءِ كَما نُقِلَ عَنِ الواحِدِيِّ ولا إلى التَّسْوِيلِ كَما قِيلَ لِأنَّ شَيْئًا مِنهُما لَيْسَ مُسَبِّبًا عَنِ القَوْلِ الآتِي، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم. ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي: المُنافِقِينَ المَذْكُورِينَ لا لِلْيَهُودِ الكافِرِينَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما وجَدُوا نَعْتَهُ في التَّوْراةِ كَما قِيلَ، (p-100)فَإنَّ كُفْرَهم بِهِ لَيْسَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ ولَوْ فُرِضَ صُدُورُهُ عَنْهم سَواءٌ كانَ المَقُولُ لَهُمُ المُنافِقِينَ أوِ المُشْرِكِينَ عَلى رَأْيِ القائِلِ بَلْ مِن حِينِ بَعَثْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ أيْ: لِلْيَهُودِ الكارِهِينَ لِنُزُولِ القرآن عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى حَسَدًا وطَمَعًا في نُزُولِهِ عَلَيْهِمْ لا لِلْمُشْرِكِينَ كَما قِيلَ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ عِبارَةٌ قَطْعًا عَمّا حُكِيَ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ وهم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ الَّذِينَ كانُوا يُوالُونَهم ويُوادُّونَهم وأرادُوا بِالبَعْضِ الَّذِي أشارُوا إلى عَدَمِ إطاعَتِهِمْ فِيهِ إظْهارَ كُفْرِهِمْ وإعْلانَ أمْرِهِمْ بِالفِعْلِ قَبْلَ قِتالِهِمْ وإخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ، فَإنَّهم كانُوا يَأْبَوْنَ ذَلِكَ قَبْلَ مِساسِ الحاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ لِما كانَ لَهم في إظْهارِ الإيمانِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ لَهم ما يَقُولُونَ سِرًّا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ أيْ: إخْفاءَهم لِما يَقُولُونَهُ لِلْيَهُودِ، وقُرِئَ "أسْرارَهُمْ" أيْ: جَمِيعَ أسْرارِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهم هَذا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْإفْشاءِ في الدُّنْيا والتَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ.

محمد 47:27

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها و"كَيْفَ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو العامِلُ في الظُّرُوفِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَفْعَلُونَ في حَياتِهِمْ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الحِيَلِ فَكَيْفَ يَفْعَلُونَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَكَيْفَ حالُهم أوْ حِيَلُهم إذا تَوَفَّتْهم ...إلَخْ، وقُرِئَ "تَوَفّاهُمْ" عَلى أنَّهُ إمّا ماضٍ أوْ مُضارِعٌ قَدْ حُذِفَ إحْدى تاءَيْهِ. ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "تَوَفَّتْهُمْ" أوْ مِن مَفْعُولِهِ وهو تَصْوِيرٌ لِتَوَفِّيهِمْ عَلى أهْوالِ الوُجُوهِ وأفْظَعِها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لا يُتَوَفّى أحَدٌ عَلى مَعْصِيَةٍ إلّا يَضْرِبُ المَلائِكَةُ وجْهَهُ ودُبُرَهُ.

محمد 47:28

﴿ذَلِكَ﴾ التَّوَفِّي الهائِلُ. ﴿بِأنَّهُمُ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُمُ. ﴿اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ أيْ: ما يَرْضاهُ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ حَيْثُ كَفَرُوا بَعْدَ الإيمانِ وخَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ بِما صَنَعُوا مِنَ المُعامَلَةِ مَعَ اليَهُودِ. ﴿فَأحْبَطَ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ. ﴿أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي عَمِلُوها حالَ إيمانِهِمْ مِنَ الطّاعاتِ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ مِن أعْمالِ البِرِّ الَّتِي لَوْ عَمِلُوها حالَ الإيمانِ لانْتَفَعُوا بِها.

محمد 47:29

﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ فُصِّلَتْ أحْوالُهُمُ الشَّنِيعَةُ وُصِفُوا بِوَصْفِهِمُ السّابِقِ لِكَوْنِهِ مَدارًا لِما نُعِيَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ فَـ"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ ولَنْ بِما في حَيِّزِها خَبَرُها والأضْغانُ: جَمْعُ ضِغْنٍ وهو الحِقْدُ أيْ: بَلْ أحَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ حِقْدٌ وعَداوَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّهُ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أحْقادَهم (p-101)وَلَنْ يُبْرِزَها لِرَسُولِهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ فَتَبْقى أُمُورُهم مَسْتُورَةً والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الِاحْتِمالِ.

محمد 47:30

﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾ إراءَتَهم. ﴿لأرَيْناكَهُمْ﴾ لَعَرَّفْناكَهم بِدَلائِلَ تَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ مَعْرِفَةً مُتاخِمَةٌ لِلرُّؤْيَةِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإبْرازِ العِنايَةِ بِالإراءَةِ. ﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي نَسِمُهم بِها. «وَعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما خَفِيَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانَ يَعْرِفُهم بِسِيماهم ولَقَدْ كُنّا في بَعْضِ الغَزَواتِ وفِيها تِسْعَةٌ مِنَ المَنافَيْنِ يَشْكُوهُمُ النّاسُ فَنامُوا ذاتَ لَيْلَةٍ وأصْبَحُوا وعَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَكْتُوبٌ هَذا مُنافِقٌ،» واللّامُ لامُ الجَوابِ كُرِّرَتْ في المَعْطُوفِ لِلتَّأْكِيدِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ المَعْرِفَةِ عَلى الإراءَةِ وأمّا ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ فَلِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ و"لَحْنُ القَوْلِ" نَحْوُهُ وأُسْلُوبُهُ أوْ إمالَتُهُ إلى جِهَةِ تَعْرِيضٍ وتَوْرِيَةٍ ومِنهُ قِيلَ لِلْمُخْطِئِ: لاحِنٌ لِعَدْلِهِ بِالكَلامِ عَنْ سَمْتِ الصَّوابِ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ فَيُجازِيكم بِحَسَبَ قَصْدِكم وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وإيذانٌ بِأنَّ حالَهم بِخِلافِ حالِ المُنافِقِينَ.

محمد 47:31

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ بِالأمْرِ بِالجِهادِ ونَحْوِهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ. ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ عَلى مَشاقِّ الجِهادِ عِلْمًا فِعْلِيًّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ. ﴿وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ ما يُخْبِرُ بِهِ عَنْ أعْمالِكم فَيَظْهَرُ حُسْنُها وقَبِيحُها، وقُرِئَ "وَيَبْلُوَ" بِالياءِ، وقُرِئَ "نَبْلُو" بِسُكُونِ الواوِ عَلى "وَنَحْنُ نَبْلُو".

محمد 47:32

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا﴾ النّاسَ. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ﴾ وعادَوْهُ. ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ بِما شاهَدُوا نَعْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في التَّوْراةِ وبِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ ونَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ وهم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ أوِ المُطْعِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ بِكُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ. ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ أوْ لَنْ يَضُرُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمُشاقَّتِهِ شَيْئًا، وقَدْ حُذِفَ المُضافُ لِتَعْظِيمِهِ وتَفْظِيعِ مُشاقَّتِهِ. ﴿وَسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: مَكايِدَهُمُ الَّتِي نَصَبُوها في إبْطالِ دِينِهِ تَعالى ومُشاقَّةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا يَصِلُونَ بَها إلى ما كانُوا يَبْغُونَ مِنَ الغَوائِلِ ولا تُثْمِرُ لَهم إلّا القَتْلَ والجَلاءَ عَنْ أوْطانِهِمْ.

محمد 47:33

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ بِما أبْطَلَ بِهِ هَؤُلاءِ أعْمالَهم مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ والعُجْبِ والرِّياءِ والمَنِّ والأذى ونَحْوِها ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى إحْباطِ الطّاعاتِ بِالكَبائِرِ.

محمد 47:34

(p-102)﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهِ لَهُمْ﴾ حُكْمٌ يَعُمُّ كُلَّ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ وإنْ صَحَّ نُزُولُهُ في أصْحابِ القَلِيبِ.

محمد 47:35

﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ: لا تَضْعُفُوا. ﴿وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ أيْ: ولا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُّلْحِ خَوَرًا فَإنَّ ذَلِكَ إعْطاءُ الدَّنِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنْ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وقُرِئَ "وَلا تَدَّعُوا" مِنِ ادَّعى القَوْمُ تَداعَوْا نَحْوُ: ارْتَمَوُا الصَّيْدَ وتَرامَوْهُ ومِنهُ تَراءَوُا الهِلالَ، فَإنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ قَدْ يُرادُ بِها صُدُورُ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى النَّهْيِ مُؤَكِّدَةٌ لِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ فَإنَّ كَوْنَهُمُ الأعْلَيْنَ وكَوْنَهُ عَزَّ وجَلَّ ناصِرَهم مِن أقْوى مُوجِباتِ الِاجْتِنابِ عَمّا يُوهِمُ الذُّلَّ والضَّراعَةَ وكَذا تَوْفِيَتُهُ تَعالى لِأُجُورِ الأعْمالِ حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ أيْ: ولَنْ يُضَيِّعَها مِن "وَتَرْتَ الرَّجُلَ إذا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلًا مِن ولَدٍ أوْ أخٍ أوْ حَمِيمٍ" فَأفْرَدْتَهُ عَنْهُ مِنَ الوَتْرِ الَّذِي هو الفَرْدُ، وعُبِّرَ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ في مُقابَلَةِ الأعْمالِ بِالوَتْرِ الَّذِي هو إضاعَةُ شَيْءٍ مُعْتَدٍّ بِهِ مِنَ الأنْفُسِ والأمْوالِ مَعَ أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ عَلى قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ إبْرازًا لِغايَةِ اللُّطْفِ بِتَصْوِيرِ الثَّوابِ بِصُورَةِ الحَقِّ المُسْتَحَقِّ وتَنْزِيلِ تَرْكِ الإثابَةِ مَنزِلَةَ إضاعَةِ أعْظَمِ الحُقُوقِ وإتْلافِها وقَدْ مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ .

محمد 47:36

﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ لا ثَباتَ لَها ولا اعْتِدادَ بِها. ﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ أيْ: ثَوابَ إيمانِكم وتَقْواكم مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ. ﴿وَلا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ بِحَيْثُ يُخِلُّ أداؤُها بِمَعاشِكم وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى نَزْرٍ يَسِيرٍ مِنها هو رُبُعُ العُشْرِ تُؤَدُّونَها إلى فُقَرائِكم.

محمد 47:37

﴿إنْ يَسْألْكُمُوها﴾ أيْ: أمْوالَكم. ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ أيْ: يُجْهِدْكم بِطَلَبِ الكُلِّ فَإنَّ الإحْفاءَ والإلْحافَ المُبالَغَةُ وبُلُوغُ الغايَةِ، يُقالُ: أحْفى شارِبَهُ إذا أسْتَأْصَلَهُ. ﴿تَبْخَلُوا﴾ فَلا تُعْطُوا. ﴿وَيُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ أيْ: أحْقادَكم وضَمِيرُ "يُخْرِجُ" لِلَّهِ تَعالى ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِنُونِ العَظَمَةِ أوْ لِلْبُخْلِ لِأنَّهُ سَبَبُ الأضْغانِ، وقُرِئَ "يَخْرُجُ" مِنَ الخُرُوجِ بِالياءِ والتّاءِ مُسْنَدٌ إلى الأضْغانِ.

محمد 47:38

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: أنْتُمْ أيُّها المُخاطَبُونَ. (p-103)هَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِذَلِكَ أوْ صِلَةٌ لِـ"هَؤُلاءِ" عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الَّذِينَ أيْ: ها أنْتُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ، فَفِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ وتَحْقِيرٌ مِن شَأْنِهِمْ والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ يَعُمُّ نَفَقَةَ الغَزْوِ والزَّكاةَ وغَيْرَهُما. ﴿فَمِنكم مَن يَبْخَلُ﴾ أيْ: ناسٌ يَبْخَلُونَ وهو في حَيِّزِ الدَّلِيلِ عَلى الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ. ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فَإنَّ كُلًّا مِن نَفْعِ الإنْفاقِ وضَرَرِ البُخْلِ عائِدٌ عَلَيْهِ والبُخْلُ يُسْتَعْمَلُ بِـ"عَنْ" و"عَلى" لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإمْساكِ والتَّعَدِّي. ﴿واللَّه الغَنِيّ﴾ دُونَ مَن عَداهُ. ﴿وَأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ فَما يَأْمُرُكم بِهِ لِاحْتِياجِكم إلى ما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ فَإنِ امْتَثَلْتُمْ فَلَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَعَلَيْكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: وإنْ تُعْرِضُوا عَنِ الإيمانِ والتَّقْوى. ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يُخْلِفْ مَكانَكم قَوْمًا آخَرِينَ. ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ في التَّوَلِّي عَنِ الإيمانِ والتَّقْوى بَلْ يَكُونُوا راغِبِينَ فِيهِما. قِيلَ: هُمُ الأنْصارُ. وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: هم أهْلُ فارِسَ لِما «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ و السَّلامُ سُئِلَ عَنِ القَوْمِ وكانَ سُلَيْمانُ إلى جَنْبِهِ فَضَرَبَ عَلى فَخِذِهِ فَقالَ: "هَذا وقَوْمُهُ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإيمانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ".» وقِيلَ: العَجَمُ. وقِيلَ: الرُّومُ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « " مَن قَرَأ سُورَةَ مُحَمَّدٍ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَسْقِيَهُ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ".»

الفتح 48:1

سُورَةُ الفَتْحِ مَدَنِيَّةٌ ونَزَلَتْ في مَرْجِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ وآياتُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ فَتْحُ البَلَدِ عِبارَةٌ عَنِ الظَّفَرِ بِهِ عَنْوَةً أوْ صُلْحًا بِحِرابٍ أوْ بِدُونِهِ فَإنَّهُ ما لَمْ يُظْفَرْ بِهِ مُنْغَلِقٌ مَأْخُوذٌ مِن فَتْحِ بابِ الدّارِ وإسْنادُهُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِاسْتِنادِ أفْعالِ العِبادِ إلَيْهِ تَعالى خَلْقًا وإيجادًا، والمُرادُ بِهِ: فَتْحُ مَكَّةَ - شَرَّفَها اللَّهُ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بُشِّرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ انْصِرافِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِصِيغَةِ الماضِي عَلى سَنَنِ سائِرِ الأخْبارِ الرَّبّانِيَّةِ لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ تَأْكِيدًا لِلتَّبْشِيرِ كَما أنَّ تَصْدِيرَ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ الفَخامَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ عَظَمَةِ شَأْنِ المُخْبِرِ جَلَّ جَلالُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ ما لا يَخْفى. وقِيلَ: هو ما أُتِيحَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تِلْكَ السَّنَةِ مِن فَتْحِ خَيْبَرَ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ. وقِيلَ: هو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ فَإنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حِرابٌ شَدِيدٌ بَلْ تَرامٍ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِسِهامٍ وحِجارَةٍ لَكِنْ لَمّا كانَ الظُّهُورُ لِلْمُسْلِمِينَ حَيْثُ سَألَهُمُ المُشْرِكُونَ الصُّلْحَ كانَ فَتْحًا بِلا رَيْبٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما رَمَوُا المُشْرِكِينَ حَتّى أدْخَلُوهم دِيارَهم. وعَنِ الكَلْبِيِّ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ حَتّى سَألُوا الصُّلْحَ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ (p-104)بَلَغَهُ أنَّ رَجُلًا قالَ: ما هَذا بِفَتْحٍ لَقَدْ صُدِدْنا عَنِ البَيْتِ وصُدَّ هَدْيُنا قالَ: بَلْ هو أعْظَمُ الفُتُوحِ، وقَدْ رَضِيَ المُشْرِكُونَ أنْ يَدْفَعُوكم بِالرّاحِ ويَسْألُوكُمُ القَضِيَّةَ ويَرْغَبُوا إلَيْكم في الأمانِ وقَدْ رَأوْا مِنكم ما يَكْرَهُونَ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ نَزَلَتْ بِالحُدَيْبِيَةِ وأصابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في تِلْكَ الغَزْوَةِ ما لَمْ يُصِبْ في غَزْوَةٍ حَيْثُ أصابَ أنْ بُويِعَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ وغُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ فَفَرِحَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وكانَ في فَتْحِ الحُدَيْبِيَةِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ هي أنَّهُ نُزِحَ ماؤُها حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيها قَطْرَةٌ فَتَمَضْمَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ مَجَّهُ فِيها فَدَرَّتْ بِالماءِ حَتّى شَرِبَ جَمِيعُ مَن كانَ مَعَهُ وشِبَعَ. وقِيلَ: فَجاشَ الماءُ حَتّى امْتَلَأتْ ولَمْ يَنْفَدْ ماؤُها بَعْدُ. وقِيلَ: هو جَمِيعُ ما فَتَحَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الفُتُوحِ. وقِيلَ: هو ما فَتَحَ اللَّهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الإسْلامِ والنُّبُوَّةِ والدَّعْوَةِ بِالحُجَّةِ والسَّيْفِ ولا فَتْحَ أبْيَنُ مِنهُ وأعْظَمُ وهو رَأْسُ الفُتُوحِ كافَّةً؛ إذْ لا فَتْحَ مِن فُتُوحِ الإسْلامِ إلّا وهو شُعْبَةٌ مِن شُعَبِهِ وفَرْعٌ مِن فُرُوعِهِ. وقِيلَ: الفَتْحُ بِمَعْنى: القَضاءِ ومِنهُ انْفِتاحُهُ لِلْحُكُومَةِ، والمَعْنى: قَضَيْنا لَكَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ أنْ تُدْخِلَها مِن قابِلٍ وهو المُرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأيًّا ما كانَ؛ فَحَذْفُ المَفْعُولِ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ والإيذانِ بِأنَّ مَناطَ التَّبْشِيرِ نَفْسُ الفَتْحِ الصّادِرِ عَنْهُ سُبْحانَهُ لا خُصُوصِيَّةُ المَفْتُوحِ. ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾ بَيِّنًا ظاهِرَ الأمْرِ مَكْشُوفَ الحالِ أوْ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

الفتح 48:2

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ غايَةٌ لِلْفَتْحِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى سَعْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى بِمُكابَدَةِ مَشاقِّ الحُرُوبِ واقْتِحامِ مَوارِدِ الخُطُوبِ والِالتِفاتُ إلى اسْمِ الذّاتِ المُسْتَتْبِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا انْتَظَمَ في سِلْكِ الغايَةِ مِن أفْعالِهِ تَعالى صادِرٌ عَنْهُ تَعالى مِن حَيْثِيَّةٍ غَيْرِ حَيْثِيَّةِ الآخَرِ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى. ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ أيْ: جَمِيعَ ما فَرَطَ مِنكَ مِن تَرْكِ الأوْلى وتَسْمِيَتُهُ ذَنْبًا بِالنَّظَرِ إلى مَنصِبِهِ الجَلِيلِ. ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بِإعْلاءِ الدِّينِ وضَمِّ المُلْكِ إلى النُّبُوَّةِ وغَيْرِهِما مِمّا أفاضَهُ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وإقامَةِ مَراسِمِ الرِّياسَةِ وأصْلُ الِاسْتِقامَةِ وإنْ كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَ الفَتْحِ لَكِنْ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنِ اتِّضاحِ سُبُلِ الحَقِّ واسْتِقامَةِ مَناهِجِهِ ما لَمْ يَكُنْ حاصِلًا قَبْلُ.

الفتح 48:3

﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِكَوْنِهِ خاتِمَةَ الغاياتِ ولِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ النَّصْرِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ تَأْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أيْ: نَصْرًا فِيهِ عِزَّةٌ ومَنَعَةٌ أوْ قَوِيًّا مَنِيعًا عَلى وصْفِ المَصْدَرِ بِوَصْفِ صاحِبِهِ مَجازًا لِلْمُبالَغَةِ أوْ عَزِيزًا صاحِبُهُ.

الفتح 48:4

﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ (p-105)بَيانٌ لِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن مَبادِي الفَتْحِ مِنَ الثَّباتِ والطُّمَأْنِينَةِ أيِ: أنْزَلَها. ﴿فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ بِسَبَبِ الصُّلْحِ والأمْنِ إظْهارًا لِفَضْلِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَيْسِيرِ الأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ. ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ أيْ: يَقِينًا مُنْضَمًّا إلى يَقِينِهِمْ أوِ أنْزَلَ فِيها السُّكُونَ إلى ما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الشَّرائِعِ لِيَزْدادُوا إيمانًا بِها مَقْرُونًا مَعَ إيمانِهِمْ بِالوَحْدانِيَّةِ واليَوْمِ الآخِرِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ أوَّلَ ما أتاهم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ التَّوْحِيدُ ثُمَّ الصَّلاةُ والزَّكاةُ ثُمَّ الحَجُّ والجِهادُ فازْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ أوْ أنْزَلَ فِيها الوَقارَ والعَظَمَةَ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ لِيَزْدادُوا بِاعْتِقادِ ذَلِكَ إيمانًا إلى إيمانِهِمْ. ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُدَبِّرُ أمْرَها كَيْفَما يُرِيدُ يُسَلَّطُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ تارَةً ويُوقِعُ بَيْنَهُما السِّلْمَ أُخْرى حَسَبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ بِجَمِيعِ الأُمُورِ. ﴿حَكِيمًا﴾ في تَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ.

الفتح 48:5

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِ جُنُودِ السَّمَواتِ والأرْضِ لَهُ تَعالى مِن مَعْنى التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ أيْ: دَبَّرَ ما دَبَّرَ مِن تَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ لِيَعْرِفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ في ذَلِكَ ويَشْكُرُوها فَيُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ. ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: يُغَطِّيها ولا يُظْهِرُها، وتَقْدِيمُ الإدْخالِ في الذِّكْرِ عَلى التَّكْفِيرِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ في الوُجُودِ عَلى العَكْسِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ ما هو المَطْلَبُ الأعْلى. ﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الإدْخالِ والتَّكْفِيرِ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ لِأنَّهُ مُنْتَهى ما يَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ مِن جَلْبِ نَفْعٍ ودَفْعِ ضُرٍّ، و"عِنْدَ اللَّهِ" حالٌ مِن "فَوْزًا" لِأنَّهُ صِفَتُهُ في الأصْلِ فَلَمّا قُدِّمَ عَلَيْهِ صارَ حالًا أيْ: كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ أيْ: في علمه تعالى وقَضائِهِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.

الفتح 48:6

﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ عَطْفٌ عَلى "يُدْخِلُ" وفي تَقْدِيمِ المُنافِقِينَ عَلى المُشْرِكِينَ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحَقُّ مِنهم بِالعَذابِ. ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أيْ: ظَنَّ الأمْرِ السُّوءِ وهو أنْ لا يَنْصُرَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أيْ: ما يَظُنُّونَهُ ويَتَرَبَّصُونَهُ بِالمُؤْمِنِينَ فَهو حائِقٌ بِهِمْ ودائِرٌ عَلَيْهِمْ، وقُرِئَ "دائِرَةُ السُّوءِ" بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ مِن ساءَ كالكُرْهِ والكَرْهِ خَلا أنَّ المَفْتُوحَ غَلَبَ في أنْ يُضافَ إلَيْهِ ما يُرادُ ذَمُّهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وأمّا المَضْمُومُ فَجارٍ مَجْرى الشَّرِّ. ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما اسْتَحَقُّوهُ في الآخِرَةِ عَلى ما اسْتَوْجَبُوهُ في الدُّنْيا، والواوُ في الأخِيرَيْنِ مَعَ أنَّ حَقَّهُما الفاءُ المُفِيدَةُ لِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الوَعِيدِ وأصالَتِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ اسْتِتْباعِ بَعْضِها لِبَعْضٍ. ﴿وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ أيْ: جَهَنَّمُ.

الفتح 48:7

(p-106)﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ إعادَةٌ لِما سَبَقَ، قالُوا: فائِدَتُها التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى جُنُودَ الرَّحْمَةِ وجُنُودَ العَذابِ وأنَّ المُرادَ هَهُنا: جُنُودُ العَذابِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ العِزَّةِ.

الفتح 48:8

﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ أيْ: عَلى أُمَّتِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ . ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ عَلى الطّاعَةِ. ﴿وَنَذِيرًا﴾ عَلى المَعْصِيَةِ.

الفتح 48:9

﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِأُمَّتِهِ. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ وتُقَوُّوهُ بِتَقْوِيَةِ دِينِهِ ورَسُولِهِ. ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ وتُعَظِّمُوهُ. ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ وتُنَزِّهُوهُ أوْ تُصَلُّوا لَهُ مِنَ السُّبْحَةِ. ﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ غُدْوَةً وعَشِيًّا. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ الظُّهْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقُرِئَ الأفْعالُ الأرْبَعَةُ بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ، وقُرِئَ "وَتُعْزِرُوهُ" بِضَمِ التّاءِ وتَخْفِيفِ الزّايِ المَكْسُورَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِ الزّايِ وكَسْرِها "وَتُعَزِّزُوهُ" بِزاءَيْنِ "وَتُوقِرُوهُ" مَن أوْقَرَهُ بِمَعْنى وقَّرَهُ.

الفتح 48:10

﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ﴾ أيْ: عَلى قِتالِ قُرَيْش تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ خَبِّرانِ يَعْنِي: أنَّ مُبايَعَتَكَ هي مُبايَعَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْثِيقُ العَهْدِ بِمُراعاةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيلِ والمَعْنى: أنَّ عَقْدَ المِيثاقِ مَعِ الرَّسُولِ كَعَقْدِهِ مَعَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ وقُرِئَ "إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ" أيْ: لِأجْلِهِ ولِوَجْهِهِ. ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: فَمَن نَقَضَ عَهْدَهُ فَإنَّما يُعَوِّدُ ضَرَرُ نَكْثِهِ عَلى نَفْسِهِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ. ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ بِضَمِ الهاءِ فَإنَّهُ أبْقى بَعْدَ حَذْفِ الواوِ تَوَسُّلًا بِذَلِكَ إلى تَفْخِيمِ لامِ الجَلالَةِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها أيْ: ومَن وفّى بِعَهْدِهِ. ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ هو الجَنَّةُ، وقُرِئَ بِما عَهِدَ وقُرِئَ "فَسَنُؤْتِيِهِ" بِنُونِ العَظَمَةِ.

الفتح 48:11

﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ هم أعْرابُ غِفارِ ومُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأشْجَعَ وأسْلَمَ والدِّيلِ تُخْلِفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَنْفَرَ مِن (p-107) حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ الأعْرابِ وأهْلِ البَوادِي لِيُخْرِجُوا مَعَهُ عِنْدَ إرادَتِهِ المُسَيَّرَ إلى مَكَّةَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا حَذِرًا مِن قُرَيْش أنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أوْ يَصُدُّوهُ عَنِ البَيْتِ وأحْرِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وساقَ مَعَهُ الهَدْيَ لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا يُرِيدُ الحَرْبَ وتَثاقَلُوا عَنِ الخُرُوجِ، وقالُوا: نَذْهَبُ إلى قَوْمٍ قَدْ غَزَوْهُ في عُقْرِ دارِهِ بِالمَدِينَةِ وقَتَلُوا أصْحابَهُ فَنُقاتِلُهم فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهم سَيَعْتَلُونَ ويَقُولُونَ ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ ولَمْ يَكُنْ لَنا مَن يُخَلِّفُنا فِيهِمْ ويَقُومُ بِمَصالِحِهِمْ ويَحْمِيهِمِ مِنَ الضَّياعِ، وقُرِئَ "شَغَّلَتْنا" بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ. ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ اللَّهُ تَعالى لِيَغْفِرَ لَنا تَخَلَّفْنا عَنْكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِاخْتِيارٍ بَلْ عَنِ اضْطِرارٍ. ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ بَدَلٌ مَن "سَيَقُولُ" أوِ اسْتِئْنافٌ لِتَكْذِيبِهِمْ في الِاعْتِذارِ والِاسْتِغْفارِ. ﴿قُلْ﴾ رَدًّا لَهم عِنْدَ اعْتِذارِهِمْ إلَيْكَ بِأباطِيلِهِمْ. ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: فَمَن يُقَدِّرُ لِأجْلِكم مِن مَشِيئَتِهِ اللَّهُ تَعالى وقَضائِهِ عَلى شَيْءٍ مِنَ النَّفْعِ. ﴿إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا﴾ أيْ: ما يُضِرُّكم مِن هَلاكِ الأهْلِ والمالِ وضَياعِهِما حَتّى تَتَخَلَّفُوا عَنِ الخُرُوجِ لِحِفْظِهِما ودَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُما، وقُرِئَ "ضُرًّا" بِالضَّمِّ. ﴿أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ أيْ: ومَن يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الضَّرَرِ إنْ أرادَ بِكم ما يَنْفَعُكم مِن حِفْظِ أمْوالِكم وأهْلِيكم فَأيُّ حاجَةٍ إلى التَّخَلُّفِ لِأجْلِ القِيامِ بِحِفْظِهِما، وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ ورَدٌّ لَهم بِمُوجِبِ ظاهِرِ مَقالَتِهِمُ الكاذِبَةِ وتَعْمِيمُ الضُّرِّ والنَّفْعِ لِما يُتَوَقَّعُ عَلى تَقْدِيرِ الخُرُوجِ مِنَ القَتْلِ والهَزِيمَةِ والظَّفَرِ والغَنِيمَةِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَإنَّهُ إضْرابٌ عَمّا قالُوا وبَيانٌ لِكَذِبِهِ بَعْدَ بَيانِ فَسادِهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِهِ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ بَلْ كانَ اللَّهُ خَبِيرًا بِجَمِيعِ ما تَعْمَلُونَ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَخَلُّفُكم وما هو مِن مَبادِيهِ.

الفتح 48:12

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ ...إلَخْ بَدَلٌ مِن ﴿كانَ اللَّهُ﴾ ...إلَخْ مُفَسِّرٌ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ أيْ: بَلْ ظَنَنْتُمْ. ﴿أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا﴾ بِأنْ يَسْتَأْصِلَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالمَرَّةِ فَخَشِيتُمْ إنْ كُنْتُمْ مَعَهم أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهم فَلِأجْلِ ذَلِكَ تَخَلَّفْتُمْ لا لِما ذَكَرْتُمْ مِنَ المَعاذِيرِ الباطِلَةِ، والأهْلُونَ جَمْعُ أهْلٍ وقَدْ يُجْمَعُ عَلى أهَلاتٍ كَأرَضاتٍ عَلى تَقْدِيرِهِ تاءَ التَّأْنِيثِ، وأمّا الأهالِي فاسْمُ جَمْعٍ كاللَّيالِي، وقُرِئَ "إلى أهْلِهِمْ". ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكُمْ﴾ وقَبِلْتُمُوهُ واشْتَغَلْتُمْ بِشَأْنِ أنْفُسِكم غَيْرَ مُبالِينَ بِهِمْ، وقُرِئَ "زَيَّنَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِإسْنادِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أوِ إلى الشَّيْطانِ. ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ المُرادُ بِهِ: إمّا الظَّنُّ الأوَّلُ والتَّكْرِيرُ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِ بِالسُّوءِ أوْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ مِنَ الظُّنُونِ الفاسِدَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الظَّنُّ بِعَدَمِ صِحَّةِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ الجازِمَ بِصِحَّتِها لا يَحُومُ حَوْلَ فِكْرِهِ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِئْصالِ. ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ: هالِكِينَ عِنْدَ اللَّهِ مُسْتَوْجِبِينَ لِسُخْطِهِ وعِقابِهِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ بائِرٍ كَعائِذٍ وعُوذٍ أوْ فاسِدِينَ في أنْفُسِكم وقُلُوبِكم ونِيّاتِكم خَيْرٌ فِيكم. وقِيلَ: البُورُ مِن بارَ كالهُلْكِ مِن هَلَكَ بِناءً ومَعْنًى لِذَلِكَ وُصِفَ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثُ.

الفتح 48:13

(p-108)﴿وَمَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ مُقَرِّرٌ لِبَوارِهِمْ ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّتِهِ أيْ: ومَن لَمْ يُؤْمِن بِهِما كَدَأْبِ هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ. ﴿فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ أيْ: لَهم وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الكافِرُونَ إيذانًا بِأنَّ مَن لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإيمان باللَّهِ وبِرَسُولِهِ فَهو كافِرٌ وأنَّهُ مُسْتَوْجِبٌ لِلسَّعِيرِ بِكُفْرِهِ، وتَنْكِيرُ "سَعِيرًا" لِلتَّهْوِيلِ أوْ لِأنَّها نارٌ مَخْصُوصَةٌ.

الفتح 48:14

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وما فِيهِما يَتَصَرَّفُ في الكُلِّ كَيْفَ يَشاءُ. ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ. ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِنهُما وُجُودًا وعَدَمًا وفِيهِ حَسْمٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ في اسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم. ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِمَن يَشاءُ ولا يَشاءُ إلّا لِمَن تَقْتَضِي الحِكْمَةُ مَغْفِرَتَهُ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ وبِرَسُولِهِ، وأمّا مَن عَداهُ مِنَ الكافِرِينَ فَهم بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ قَطْعًا.

الفتح 48:15

﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾ أيِ: المَذْكُورُونَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ ظَرْفٌ لِما قَبْلَهُ لا شَرْطٌ لِما بَعْدَهُ أيْ: سَيَقُولُونَ عِنْدَ انْطِلاقِكم إلى مَغانِمِ خَيْبَرَ لِتَحُوزُوها حَسْبَما وعَدَكم إيّاها وخَصَّكم بِها عِوَضًا مِمّا فاتَكم مِن غَنائِمِ مَكَّةَ. ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ إلى خَيْبَرَ ونَشْهَدْ مَعَكم قِتالَ أهْلِها. ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ بِأنْ يُشارِكُوا في الغَنائِمِ الَّتِي خَصَّها بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ مِن سَنَةِ سِتٍّ وأقامَ بِالمَدِينَةِ بَقِيَّتَها وأوائِلَ المُحَرَّمِ مِن سَنَةِ سَبْعٍ ثُمَّ غَزا خَيْبَرَ بِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ فَفَتَحَها وغَنِمَ أمْوالًا كَثِيرَةً فَخَصَّها بِهِمْ حَسْبَما أمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقُرِئَ "كَلِمَ اللَّهِ" وهو جَمْعُ كَلِمَةٍ. وأيًّا ما كانَ؛ فالمُرادُ: ما ذُكِرَ مِن وعْدِهِ تَعالى غَنائِمَ خَيْبَرَ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ خاصَّةً لا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. ﴿قُلْ﴾ إقْناطًا لَهم. ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ أيْ: لا تَتْبَعُونا فَإنَّهُ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ. ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: عِنْدَ الِانْصِرافِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ. ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ سَماعِ هَذا النَّهْيِ. ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ النَّهْيُ حُكْمَ اللَّهِ بَلْ تَحْسُدُونَنا أنْ نُشارِكَكم في الغَنائِمِ، وقُرِئَ "تَحْسِدُونَنا" بِكَسْرِ السِّينِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لا يَفْهَمُونَ. ﴿إلا قَلِيلا﴾ إلّا فَهْمًا قَلِيلًا وهو فِطْنَتُهم لِأُمُورِ الدُّنْيا رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ ووَصْفٌ لَهم بِما هو أعْظَمُ مِنَ الحَسَدِ وأطَمُّ مِنَ الجَهْلِ (p-109)المُفْرِطِ وسُوءِ الفَهْمِ في أُمُورِ الدِّينِ.

الفتح 48:16

﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَهم بِهَذا العُنْوانِ مُبالَغَةً في ذَمِّهِمْ. ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ هم بَنُو حَنِيفَةَ قَوْمُ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ أوْ غَيْرُهم مِمَّنِ ارْتَدُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوِ المُشْرِكُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ أيْ: يَكُونُ أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا المُقاتَلَةُ أبَدًا أوِ الإسْلامُ لا غَيْرُ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قِراءَةُ "أوْ يُسْلِمُوا" وأمّا مَن عَداهم فَيَنْتَهِي قِتالُهم بِالجِزْيَةِ كَما يَنْتَهِي بِالإسْلامِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذْ لَمْ تَتَّفِقْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ لِغَيْرِهِ إلّا إذا صَحَّ أنَّهم ثَقِيفٌ وهَوازِنُ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ فَيُخَصُّ دَوامُ نَفْيِ الِاتِّباعِ بِما في غَزْوَةِ خَيْبَرَ كَما قالَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ. وقِيلَ: هم فارِسُ والرُّومُ ومَعْنى يُسْلِمُونَ: يَنْقادُونَ فَإنَّ الرُّومَ نَصارى وفارِسَ مَجُوسٌ يُقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ. ﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا﴾ هو الغَنِيمَةُ في الدُّنْيا والجَنَّةُ في الآخِرَةِ. ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَنِ الدَّعْوَةِ. ﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ في الحُدَيْبِيَةِ. ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ لِتَضاعُفِ جُرْمِكم.

الفتح 48:17

﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ لِما بِهِمْ مِنَ العُذْرِ والعاهَةِ، فَإنَّ التَّكَلُّفَ يَدُورُ عَلى الِاسْتِطاعَةِ وفى نَفْيِ الحَرَجِ عَنْ كُلٍّ مِنَ الطَّوائِفِ المَعْدُودَةِ مَزِيدُ اعْتِناءٍ بِأمْرِهِمْ وتَوْسِيعٌ لِدائِرَةِ الرُّخْصَةِ. ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي. ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وقُرِئَ "نُدْخِلْهُ" بِنُونِ العَظَمَةِ. ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ: عَنِ الطّاعَةِ. ﴿يُعَذِّبْهُ﴾ وقُرِئَ بِالنُّونِ. ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ.

الفتح 48:18

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ هُمُ الَّذِينَ ذُكِرَ شَأْنُ مُبايَعَتِهِمْ وبِهَذِهِ الآيَةِ سُمِّيَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ مَنصُوبٌ بِـ"رَضِيَ" وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها و"تَحْتَ الشَّجَرَةِ" مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا نَزَلَ الحُدَيْبِيَةَ بَعْثَ خِراشَ بْنَ أُمَيَّةَ الخُزاعِيَّ رَسُولًا إلى أهْلِ مَكَّةَ فَهَمُّوا بِهِ فَمَنَعُهُ الأحابِيشُ فَرَجَعَ فَبَعَثَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأخْبَرَهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَأْتِ لِحَرْبٍ وإنَّما جاءَ زائِرًا لِهَذا البَيْتِ مُعَظِّمًا لِحُرْمَتِهِ فَوَقَّرُوهُ وقالُوا: إنْ شِئْتَ أنْ تَطُوفَ بِالبَيْتِ فافْعَلْ فَقالَ: ما كُنْتُ لِأطُوفَ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واحْتَبَسَ عِنْدَهم. فَأُرْجِفَ بِأنَّهم قَتَلُوهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَ القَوْمَ ودَعا النّاسَ إلى البَيْعَةِ فَبايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وكانَتْ (p-110)سَمُرَةً. وقِيلَ: سِدْرَةً عَلى أنْ يُقاتِلُوا قُرَيْشًا ولا يَفِرُّوا. ورُوِيَ عَلى المَوْتِ دُونَهُ وأنْ لا يَفِرُّوا. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وكانُوا ألْفًا وخَمْسَمِائَةٍ وخَمْسَةً وعِشْرِينَ، وقِيلَ: ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ، وقِيلَ: ألْفًا وثَلَثَمِائَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "يُبايِعُونَكَ" - لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ بِمَعْنى بايَعُوكَ - لا عَلى "رَضِيَ" فَإنَّ رِضاهُ تَعالى عَنْهم مُتَرَتِّبٌ عَلى علمه تعالى بِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ والإخْلاصِ عِنْدَ مُبايَعَتِهِمْ لَهُ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "رَضِيَ" أيْ: فَأنْزَلَ عَلَيْهِمُ الطُّمَأْنِينَةَ والأمْنَ وسُكُونَ النَّفْسِ بِالرَّبْطِ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ: بِالصُّلْحِ. ﴿وَأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو فَتْحُ خَيْبَرَ عَقِبَ انْصِرافِهِمْ مِنَ الحُدَيْبِيَةَ كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ، وقُرِئَ "وَآتاهُمْ".

الفتح 48:19

﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ أيْ: مَغانِمَ خَيْبَرَ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ عَلى قِراءَةِ الأعْمَشِ وطَلْحَةَ ونافِعٍ لِتَشْرِيفِهِمْ في مَقامِ الِامْتِنانِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ غالِبًا. ﴿حَكِيمًا﴾ مُراعِيًا لِمُقْتَضى الحِكْمَةِ في أحْكامِهِ وقَضاياهُ.

الفتح 48:20

﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً﴾ هي ما يُفِيؤُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ﴿تَأْخُذُونَها﴾ في أوْقاتِها المُقَدَّرَةِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها. ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ أيْ: غَنائِمَ خَيْبَرَ. ﴿وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ أيِ: أيْدِيَ أهْلِ خَيْبَرَ وحُلَفائِهِمْ مِن بَنِي أسَدٍ وغَطَفانَ حَيْثُ جاءُوا لِنُصْرَتِهِمْ فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَنَكَصُوا، وقِيلَ: أيْدِيَ أهْلِ مَكَّةَ بِالصُّلْحِ. ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أمارَةً يَعْرِفُونَ بِها صِدْقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعْدَهُ إيّاهم عِنْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ ما ذُكِرَ مِنَ المَغانِمِ وفَتْحِ مَكَّةَ ودُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ أيْ: ولِتَكُونَ آيَةً لَهم فَعَلَ ما فَعَلَ مِنَ التَّعْجِيلِ والكَفِّ أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ عِلَّةٌ أُخْرى مَحْذُوفَةٌ مِن أحَدِ الفِعْلَيْنِ أيْ: فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ أوْ كَفَّ أيْدِيَ النّاسِ لِتَغْتَنِمُوها ولِتَكُونَ ...إلَخْ فالواوُ عَلى الأوَّلِ اعْتِراضِيَّةٌ وعَلى الثّانِيَةِ عاطِفَةٌ. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾ بِتِلْكَ الآيَةِ. ﴿صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ هو الثِّقَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذْرُوَنَ.

الفتح 48:21

﴿وَأُخْرى﴾ عَطْفٌ عَلى "هَذِهِ" أيْ: فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ المَغانِمَ ومَغانِمَ أُخْرى. ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ وهي مَغانِمُ هَوازِنَ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ ووَصْفُها بِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلَيْها لِما كانَ فِيها مِنَ الجَوْلَةِ قَبْلَ ذَلِكَ لِزِيادَةِ تَرْغِيبِهِمْ فِيها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِأُخْرى مُفِيدَةٌ لِسُهُولَةِ تَأتِّيها بِالنِّسْبَةِ إلى قدرته تعالى بَعْدَ بَيانِ صُعُوبَةِ مَنالِها بِالنَّظَرِ إلى قدرتهمْ أيْ: قَدْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْها واسْتَوْلى وأظْهَرَكم عَلَيْها، وقِيلَ: حَفِظَها لَكم ومَنَعَها مِن غَيْرِكم هَذا وقَدْ قِيلَ: إنَّ "أُخْرى" مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ "قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها" أيْ: وقَضى اللَّهُ أُخْرى، ولا رَيْبَ في أنَّ الإخْبارَ بِقَضاءِ اللَّهِ إيّاها بَعْدَ انْدِراجِها في جُمْلَةِ المَغانِمِ المَوْعُودَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ وإنَّما الفائِدَةُ (p-111)فِي بَيانِ تَعْجِيلِها. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ لِأنَّ قدرته تعالى ذاتِيَّةٌ لا تَخْتَصُّ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ.

الفتح 48:22

﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ: أهْلُ مَكَّةَ ولَمْ يُصالِحُوكُمْ، وقِيلَ: حُلَفاءُ خَيْبَرَ. ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ مُنْهَزِمِينَ. ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ يَحْرُسُهم. ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهم.

الفتح 48:23

﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: سَنَّ اللَّهُ غَلَبَةَ أنْبِيائِهِ سُنَّةً قَدِيمَةً فِيمَن مَضى مِنَ الأُمَمِ. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ أيْ: تَغْيِيرًا.

الفتح 48:24

﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ: أيْدَيَ سُفّارِ مَكَّةَ. ﴿عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ أيْ: في داخِلِها. ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ وذَلِكَ أنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ خَرَجَ في خَمْسِمِائَةٍ إلى الحُدَيْبِيَةِ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ عَلى جُنْدٍ فَهَزَمَهم حَتّى أدْخَلَهم حِيطانَ مَكَّةَ ثُمَّ عادَ، وقِيلَ: كانَ يَوْمَ الفَتْحِ وبِهِ اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً لا صُلْحًا. ﴿وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن مُقاتَلَتِهِمْ وهَزْمِهِمْ أوَّلًا والكَفِّ عَنْهم ثانِيًا لِتَعْظِيمِ بَيْتِهِ الحَرامِ، وقُرِئَ بِالياءِ. ﴿بَصِيرًا﴾ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ أوْ يُجازِيهِمْ.

الفتح 48:25

﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ فِي" صَدُّوكُمْ" وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى "المَسْجِدِ" بِحَذْفِ المُضافِ أيْ: ونَحْرِ الهَدْيِ وبِالرَّفْعِ عَلى "وَصُدَّ الهَدْيُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَعْكُوفًا﴾ حالٌ مِنَ "الهَدْيِ" أيْ: مَحْبُوسًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الهَدْيِ أوْ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: مَحْبُوسًا مِن أنْ يَبْلُغَ مَكانَهُ الَّذِي يُحَلُّ فِيهِ نَحْرُهُ وبِهِ اسْتَدَلَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ المُحَصَرَ مَحِلُّ هَدْيِهِ الحَرَمُ قالُوا: بَعْضُ الحُدَيْبِيَةِ مِنَ الحَرَمِ. ورُوِيَ أنَّ خِيامَهُ ﷺ كانَتْ في الحِلِّ ومُصَلّاهُ في الحَرَمِ وهُناكَ نُحِرَتْ هَداياهُ ﷺ والمُرادُ: صَدُّها عَنْ مَحِلِّها المَعْهُودِ الَّذِي هو مِنًى. ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ لَمْ تَعْرِفُوهم بِأعْيانِهِمْ لِاخْتِلاطِهِمْ وهو صِفَةٌ لَرِجالٌ ونِساءٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ أيْ: تُوقِعُوا بِهِمْ وتُهْلِكُوهم بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهم أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في "تَعْلَمُوهُمْ". ﴿فَتُصِيبَكم مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن جِهَتِهِمْ. ﴿مَعَرَّةٌ﴾ أيْ: مَشَقَّةٌ ومَكْرُوهٌ كَوُجُوبِ الدِّيَةِ أوِ الكَفّارَةِ بِقَتْلِهِمْ والتَّأسُّفُ عَلَيْهِمْ وتَعْيِيرُ الكَفّارِ وسُوءُ قالَتِهِمْ والإثْمُ بِالتَّقْصِيرِ في البَحْثِ عَنْهم وهي مَفْعَلَةٌ مِن عَرَّهُ إذا عَراهُ ودَهاهُ ما يَكْرَهُهُ. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"أنْ تَطَؤُهُمْ" أيْ: غَيْرَ عالِمِينَ بِهِمْ وجَوابُ "لَوْلا" (p-112)مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: لَوْلا كَراهَةُ أنْ تُهْلِكُوا ناسًا مُؤْمِنِينَ بَيْنَ الكافِرِينَ غَيْرَ عالِمِينَ بِهِمْ فَيُصِيبَكم بِذَلِكَ مَكْرُوهٍ لَما كَفَّ أيَدِيَكم عَنْهم وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجَوابُ المَحْذُوفُ كَأنَّهُ قِيلَ: عَقِيبَهُ لَكِنْ كَفَّها عَنْهم لِيُدْخِلَ بِذَلِكَ الكَفِّ المُؤَدِّي إلى الفَتْحِ بِلا مَحْذُورٍ في رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ بِقِسْمَيْها. ﴿مَن يَشاءُ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم كانُوا خارِجِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأمْنُ مُسْتَضْعَفِينَ تَحْتَ أيْدِي الكَفَرَةِ وأمّا الرَّحْمَةُ الأُخْرَوِيَّةُ فَهم وإنْ كانُوا غَيْرَ مَحْرُومِينَ مِنها بِالمَرَّةِ لَكِنَّهم كانُوا قاصِرِينَ في إقامَةِ مَراسِمِ العِبادَةِ كَما يَنْبَغِي فَتَوْفِيقُهم لِإقامَتِها عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ إدْخالٌ لَهم في الرَّحْمَةِ الأُخْرَوِيَّةِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَن يَشاءُ عِبارَةً عَمَّنْ رَغِبَ في الإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ ...إلَخْ فَإنَّ فَرْضَ التَّزَيُّلِ وتَرْتِيبَ التَّعْذِيبِ عَلَيْهِ يَقْتَضِي تَحَقُّقَ المُبايَنَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِالإيمانِ والكُفْرِ قَبْلَ التَّزَيُّلِ حَتْمًا أيْ: لَوْ تَفَرَّقُوا وتَمَيَّزَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، وقُرِئَ "لَوْ تَزايَلُوا". ﴿لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ بِقَتْلِ مُقاتَلَتِهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيهِمْ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها.

الفتح 48:26

﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مَنصُوبٌ بِـ"اذْكُرْ" عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوْ بِـ"عَذابًا" عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ هو أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكم وأيًّا ما كانَ؛ فَوَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِهِ، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى الإلْقاءِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ﴾ أيِ: الأنَفَةُ والتَّكَبُّرُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَهْوُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ أيْ: جَعَلُوها ثابِتَةً راسِخَةً في قُلُوبِهِمْ. ﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنَ الحَمِيَّةَ أيْ: حَمِيَّةَ المِلَّةِ الجاهِلِيَّةِ أوِ الحَمِيَّةَ النّاشِئَةَ مِنَ الجاهِلِيَّةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى الأوَّلِ عَطْفٌ عَلى "جَعَلَ" والمُرادُ: تَذْكِيرُ حُسْنِ صَنِيعِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وسُوءِ صَنِيعِ الكَفَرَةِ وعَلى الثّانِي عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِامْتِناعِيَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَتَزَيَّلُوا فَلَمْ نُعَذِّبْ فَأنْزَلَ ...إلَخْ وعَلى الثّالِثِ عَلى المُضْمِرِ تَفْسِيرٌ لَهُ والسَّكِينَةُ: الثَّباتُ والوَقارُ. يُرْوى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ الحُدَيْبِيَةَ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرِوٍ القُرَشِيَّ وحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ العُزّى ومُكَرَّزَ ابْنَ حَفْصِ بْنِ الأحْنَفِ عَلى أنْ يَعْرِضُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَرْجِعَ مِن عامِهِ ذَلِكَ عَلى أنْ تُخَلِّيَ لَهُ قُرَيْشٌ مَكَّةَ مِنَ العامِ القابِلِ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ وكَتَبُوا بَيْنَهم كِتابًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ما هَذا؟ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ثُمَّ قالَ: اكْتُبْ هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ أهْلَ مَكَّةَ فَقالُوا: لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ما صَدَدْناكَ عَنِ البَيْتِ وما قاتَلْناكَ اكْتُبْ هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ ﷺ: اكْتُبْ ما يُرِيدُونَ فَهَمَّ المُؤْمِنُونَ أنْ يَأْبَوْا ذَلِكَ ويَبْطِشُوا بِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ السِّكِّينَةَ عَلَيْهِمْ فَتَوَقَّرُوا وحَلِمُوا. ﴿وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ أيْ: كَلِمَةَ الشَّهادَةِ أوْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أوْ مُحَمَّد ٌ رَسُولُ اللَّهِ، وقِيلَ: كَلِمَةُ التَّقْوى هي الوَفاءُ بِالعَهْدِ والثَّباتُ عَلَيْهِ وإضافَتُها إلى التَّقْوى لِأنَّها سَبَبُ التَّقْوى وأساسُها أوْ كَلِمَةُ أهْلِها. ﴿وَكانُوا (p-113)أحَقَّ بِها﴾ مُتَّصِفِينَ بِمَزِيدِ اسْتِحْقاقٍ لَها عَلى أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ لِلزِّيادَةِ مُطْلَقًا. وقِيلَ: أحَقُّ بَها مِنَ الكُفّارِ. ﴿وَأهْلَها﴾ أيِ: المُسْتَأْهِلَ لَها. ﴿وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فَيَعْلَمُ حَقَّ كُلِّ شَيْءٍ فَيَسُوقُهُ إلى مُسْتَحِقِّهِ.

الفتح 48:27

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا﴾ رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الحُدَيْبِيَةِ كَأنَّهُ وأصْحابَهُ قَدْ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ وقَدْ حَلَّقُوا رُؤُوسَهم وقَصَّرُوا فَقَصَّ الرُّؤْيا عَلى أصْحابِهِ فَفَرِحُوا واسْتَبْشَرُوا وحَسِبُوا أنَّهم داخِلُوها في عامِهِمْ فَلَمّا تَأخَّرَ ذَلِكَ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُفَيْلٍ ورِفاعَةُ بْنُ الحَرْثِ: واللَّهِ ما حَلَّقْنا ولا قَصَّرْنا ولا رَأيْنا المَسْجِدَ الحَرامَ فَنَزَلَتْ أيْ: صَدَّقَهُ ﷺ في رُؤْياهُ كَما في قَوْلِهِمْ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ وتَحْقِيقُهُ أراهُ الرُّؤْيا الصّادِقَةَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ إمّا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ مَحْذُوفٍ أيْ: صِدْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ أيْ: بِالغَرَضِ الصَّحِيحِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ الَّتِي هي التَّمْيِيزُ بَيْنَ الرّاسِخِ في الإيمانِ والمُتَزَلْزِلِ فِيهِ أوْ حالٌ مِنَ الرُّؤْيا أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ أضْغاثِ الأحْلامِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَسَمًا بِالحَقِّ الَّذِي هو مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِنَقِيضِ الباطِلِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ جَوابُهُ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَتَدْخُلُنَّ ...إلَخْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ تَعْلِيقٌ لِلْعِدَةِ بِالمَشِيئَةِ لِتَعْلِيمِ العِبادِ أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ بَعْضَهم لا يَدْخُلُونَهُ لِمَوْتٍ أوْ غَيْبَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ أوْ هي حِكايَةٌ لِما قالَهُ مَلَكُ الرُّؤْيا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوَّلَ لَمّا قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأصْحابِهِ. ﴿آمِنِينَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "لَتَدْخُلُنَّ" والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ﴾ أيْ: مُحَلِّقًا بَعْضُكم ومُقَصِّرًا آخَرُونَ، وقِيلَ: "مُحَلِّقِينَ" حالٌ مِن ضَمِيرِ "آمِنِينَ" فَتَكُونُ مُتَداخِلَةً. ﴿لا تَخافُونَ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن فاعِلِ "لَتَدْخُلُنَّ" أوْ "آمِنِينَ" أوْ "مُحَلِّقِينَ" أوْ "مُقَصِّرِينَ" أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ: لا تَخافُونَ بَعْدَ ذَلِكَ. ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "صَدَقَ" والمُرادُ: بِعلمه تعالى العِلْمُ الفِعْلِيُّ المُتَعَلِّقُ بِأمْرٍ حادِثٍ بَعْدَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: فَعِلْمَ عَقِيبَ ما أراهُ الرُّؤْيا الصّادِقَةَ ما لَمْ تَعْلَمُوا مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى تَقْدِيمِ ما يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ عِلْمًا فِعْلِيًّا. ﴿فَجَعَلَ﴾ لِأجْلِهِ. ﴿مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن دُونِ تَحَقُّقِ مِصْداقِ ما رَآهُ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ ...إلَخْ. ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو فَتْحُ خَيْبَرَ، والمُرادُ بِجَعْلِهِ وعْدُهُ وإنْجازُهُ مِن غَيْرِ تَسْوِيفٍ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى صِدْقِ الرُّؤْيا حَسْبَما قالَ ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وأمّا جَعْلُ "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ عِبارَةً عَنِ الحِكْمَةِ في تَأْخِيرِ فَتْحِ مَكَّةَ إلى العامِ القابِلِ كَما جَنَحَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ فَتَأْباهُ الفاءُ فَإنَّ علمه تعالى بِذَلِكَ مُتَقَدِّمٌ عَلى إراءَةِ الرُّؤْيا قَطْعًا.

الفتح 48:28

﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ أيْ: مُلْتَبِسًا بِهِ أوْ بِسَبَبِهِ ولِأجْلِهِ. ﴿وَدِينِ الحَقِّ﴾ وبِدِينِ الإسْلامِ. ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ لِيُعْلِيَهُ عَلى جِنْسِ الدِّينِ بِجَمِيعِ أفْرادِهِ الَّتِي هي الأدْيانُ المُخْتَلِفَةُ بِنَسْخِ ما كانَ حَقًّا مِن بَعْضِ (p-114)الأحْكامِ المُتَبَدِّلَةِ بِتَبَدُّلِ الأعْصارِ وإظْهارِ بُطْلانِ ما كانَ باطِلًا أوْ بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلى أهْلِ سائِرِ الأدْيانِ إذْ ما مِن أهْلِ دِينٍ إلّا وقَدْ قَهَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، وفِيهِ فَضْلُ تَأْكِيدٍ لِما وعَدَ مِنَ الفَتْحِ وتَوْطِينٌ لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ سَيَفْتَحُ لَهم مِنَ البِلادِ ويُتِيحُ لَهم مِنَ الغَلَبَةِ عَلى الأقالِيمِ ما يَسْتَقِلُّونَ إلَيْهِ فَتْحَ مَكَّةَ. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ عَلى أنَّ ما وعَدَهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ أوْ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ.

الفتح 48:29

﴿مُحَمَّدٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ أوْ نَعْتٌ أيْ: ذَلِكَ الرَّسُولُ المُرْسَلُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وقِيلَ: " ﴿مُحَمَّدٌ﴾ " مُبْتَدَأٌ "رَسُولُ اللَّهِ" خَبَرُهُ والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ وأشِدّاءُ: جَمْعُ شَدِيدٍ ورُحَماءُ: جَمْعُ رَحِيمٍ، والمَعْنى: أنَّهم يُظْهِرُونَ لِمَن خالَفَ دِينَهُمُ الشِّدَّةَ والصَّلابَةَ ولِمَن وافَقَهم في الدِّينِ الرَّحْمَةَ والرَّأْفَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ وقُرِئَ "أشِدّاءَ" و"رُحَماءَ" بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ أوْ عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في مَعَهُ لِوُقُوعِهِ صِلَةً فالخَبَرُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ أيْ: تُشاهِدُهم حالَ كَوْنِهِمْ راكِعِينَ ساجِدِينَ لِمُواظَبَتِهِمْ عَلى الصَّلَواتِ وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ آخَرُ أوِ اسْتِئْنافٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ أيْ: ثَوابًا ورِضًا إمّا خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ "تَراهُمْ" أوْ مِنَ المُسْتَتِرِ في ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن بَيانِ مُواظَبَتِهِمْ عَلى الرُّكُوعِ والسُّجُودِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ؟ فَقِيلَ: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ...إلَخْ. ﴿سِيماهُمْ﴾ أيْ: سَمْتُهُمْ، وقُرِئَ "سِيمْياؤُهُمْ" بِالياءِ بَعْدَ المِيمِ والمَدِّ وهُما لُغَتانِ وفِيها لُغَةٌ ثالِثَةٌ هي "السِّيماءُ" بِالمَدِّ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فِي وُجُوهِهِمْ﴾ أيْ: في جِباهِهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ أيْ: مِنَ التَّأْثِيرِ الَّذِي يُؤَثِّرُهُ كَثْرَةُ السُّجُودِ. وما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿لا تَعْبُدُوا صُوَرَكُمْ﴾ أيْ: لا تُسَمُّوها إنَّما هو فِيما إذا اعْتَمَدَ بِجَبْهَتِهِ عَلى الأرْضِ لِيُحْدِثَ فِيها تِلْكَ السِّمَةَ وذَلِكَ مَحْضُ رِياءٍ ونِفاقٍ والكَلامُ فِيما حَدَثَ في جَبْهَةِ السَّجّادِ الَّذِي لا يَسْجُدُ إلّا خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. كانَ الإمامُ زَيْنُ العابِدِينَ وعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يُقالُ لَهُما: ذُوا الثَّفِناتِ لِما أحْدَثَتْ كَثْرَةُ سُجُودِهِما في مَواقِعِهِ مِنهُما أشْباهَ ثَفِناتِ البَعِيرِ قالَ قائِلُهُمْ: ؎ دِيارُ عَلِيٍّ والحُسَيْنِ وجَعْفَرٍ ∗∗∗ وحَمْزَةَ والسَّجّادِ ذِي الثَّفِناتِ وَقِيلَ: صُفْرَةُ الوَجْهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: نَدى الطَّهُورِ وتُرابُ الأرْضِ. وقِيلَ: اسْتِنارَةُ وُجُوهِهِمْ مِن طُولِ ما صَلَّوْا بِاللَّيْلِ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَّهارِ﴾ وقُرِئَ مِن "آثارِ السُّجُودِ" و"مِن إثْرِ السُّجُودِ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ (p-115)مِن نُعُوتِهِمُ الجَلِيلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهُمْ﴾ أيْ: وصْفُهُمُ العَجِيبُ الشَّأْنِ الجارِي في الغَرابَةِ مَجْرى الأمْثالِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي التَّوْراةِ﴾ حالٌ مِن "مَثَلُهُمْ" والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ عَطْفٌ عَلى "مَثَلُهُمْ" الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وتَكْرِيرُ "مَثَلُهُمْ" لِتَأْكِيدِ غَرابَتِهِ وزِيادَةِ تَقْرِيرِها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ﴾ ...إلَخْ تَمْثِيلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: هم كَزَرْعٍ أخْرَجَ فِراخَهُ. وقِيلَ: هو تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ عَلى أنَّهُ إشارَةٌ مُبْهَمَةٌ. وقِيلَ: خَبَرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ وقُرِئَ "شَطَأهُ" بِفَتَحاتٍ وقُرِئَ "شَطاهُ" بِفَتْحِ الطّاءِ وتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ و"شَطاءَهُ" بِالمَدِّ و"شَطَهُ" بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى ما قَبْلَها و"شَطُّوُهُ" بِقَلْبِها واوًا. ﴿فَآزَرَهُ﴾ فَقَوّاهُ مِنَ المُؤازَرَةِ بِمَعْنى المُعاوَنَةِ أوْ مِنَ الإيزارِ وهي الإعانَةُ، وقُرِئَ "فَأزَرَهُ" بِالتَّخْفِيفِ و"أزَّرَهُ" بِالتَّشْدِيدِ أيْ: شَدَّ أزْرَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَغْلَظَ﴾ فَصارَ غَلِيظًا بَعْدَ ما كانَ دَقِيقًا. ﴿فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ فاسْتَقامَ عَلى قَصَبِهِ جَمْعُ ساقٍ، وقُرِئَ "سُؤْقِهِ" بِالهَمْزَةِ. ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ بِقُوَّتِهِ وكَثافَتِهِ وغِلَظِهِ وحُسْنِ مَنظَرِهِ وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِأصْحابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَلُّوا في بَدْءِ الإسْلامِ ثُمَّ كَثُرُوا واسْتَحْكَمُوا فَتَرَقّى أمْرُهم يَوْمًا فَيَوْمًا بِحَيْثُ أعْجَبَ النّاسَ. وقِيلَ: مَكْتُوبٌ في الإنْجِيلِ "سَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَنْبُتُونَ نَباتَ الزَّرْعِ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ عِلَّةٌ لِما يُعْرِبُ عَنْهُ الكَلامُ مِن تَشَبُّهِهِمْ بِالزَّرْعِ في زَكائِهِ واسْتِحْكامِهِ أوْ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ فَإنَّ الكَفّارَ إذا سَمِعُوا بِما أُعِدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ مَعَ ما لَهم في الدُّنْيا مِنَ العِزَّةِ غاظَهم ذَلِكَ أشَدَّ غَيْظٍ ومِنهم لِلْبَيانِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الفَتْحِ فَكَأنَّما كانَ مِمَّنْ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتْحَ مَكَّةَ ".»

الحجرات 49:1

سُورَةُ الحُجُراتِ مَدَنِيَّةٌ وآياتُها ثَمانِي عَشْرَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَصْدِيرُ الخِطابِ بِالنِّداءِ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ عَلى أنَّ ما في حَيِّزِهِ أمْرٌ خَطِيرٌ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ اعْتِنائِهِمْ بِشَأْنِهِ وفَرْطَ اهْتِمامِهِمْ بِتَلَقِّيهِ ومُراعاتِهِ ووَصْفُهُ بِالإيمانِ لِتَنْشِيطِهِمْ والإيذانِ بِأنَّهُ داعٍ إلى المُحافَظَةِ عَلَيْهِ ووازِعٌ عَنِ الإخْلالِ بِهِ. ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ أيْ: لا تَفْعَلُوا التَّقْدِيمَ عَلى أنَّ تَرْكَ المَفْعُولِ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: (p-116)فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ أيْ: يَفْعَلُ الإعْطاءَ والمَنعَ أوْ لا تُقَدِّمُوا أمْرًا مِنَ الأُمُورِ عَلى أنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ لِلْقَصْدِ إلى تَعْمِيمِهِ والأوَّلُ أوْفى بِحَقِّ المَقامِ لِإفادَتِهِ النَّهْيَ عَنِ التَّلَبُّسِ بِنَفْسِ الفِعْلِ المُوجِبِ لِانْتِفائِهِ بِالكُلِّيَّةِ المُسْتَلْزِمِ لِانْتِفاءِ تَعَلُّقِهِ بِمَفْعُولِهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ بِمَعْنى التَّقَدُّمِ ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ لِلْجَماعَةِ المُتَقَدِّمَةِ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ "لا تَقَدَّمُوا" بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن "تَتَقَدَّمُوا"، وقُرِئَ "لا تُقَدِّمُوا" مِنَ القُدُومِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ مُسْتَعارٌ مِمّا بَيْنَ الجِهَتَيْنِ المُسامِتَتَيْنِ لِيَدَيِ الإنْسانِ تَهْجِينًا لِما نُهُوا عَنْهُ، والمَعْنى: لا تَقْطَعُوا أمْرًا قَبْلَ أنْ يَحْكُما بِهِ وقِيلَ: المُرادُ: بَيْنَ يَدِي رَسُولِ اللَّهِ وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لِتَعْظِيمِهِ والإيذانِ بِجَلالَةِ مَحَلِّهِ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ. قِيلَ: نَزَلَ فِيما جَرى بَيْنَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَدى النَّبِيِّ ﷺ في تَأْمِيرِ الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ أوِ القَعْقاعِ بْنِ مَعْبَدٍ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُوَنَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما نَحْنُ فِيهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِأقْوالِكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِأفْعالِكُمْ، فَمِن حَقِّهِ أنْ يُتَّقى ويُراقَبُ.

الحجرات 49:2

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ شُرُوعٌ في النَّهْيِ عَنِ التَّجاوُزِ في كَيْفِيَّةِ القَوْلِ عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ التَّجاوُزِ في نَفْسِ القَوْلِ، والفِعْلِ وإعادَةُ النِّداءِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ في الإيقاظِ والتَّنْبِيهِ والإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الكَلامَيْنِ بِاسْتِدْعاءِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ أيْ: لا تَبْلُغُوا بِأصْواتِكم وراءَ حَدٍّ يَبْلُغُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصَوْتِهِ، وقُرِئَ "لا تَرْفَعُوا بِأصْواتِكُمْ" عَلى أنَّ الباءَ زائِدَةٌ. ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ إذا كَلَّمْتُمُوهُ. ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ أيْ: جَهْرًا كائِنًا كالجَهْرِ الجارِي فِيما بَيْنَكم بَلِ اجْعَلُوا صَوْتَكم أخْفَضَ مِن صَوْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَعَهَّدُوا في مُخاطَبَتِهِ اللِّينَ القَرِيبَ مِنَ الهَمْسِ كَما هو الدَّأْبُ عِنْدَ مُخاطَبَةِ المَهِيبِ المُعَظَّمِ وحافِظُوا عَلى مُراعاةِ أُبَّهَةِ النُّبُوَّةِ وجَلالَةِ مِقْدارِها. وقِيلَ: مَعْنى: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ لا تَقُولُوا لَهُ يا مُحَمَّدُ يا أحْمَدُ وخاطِبُوهُ بِالنُّبُوَّةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ لا أُكَلِّمُكَ إلّا السِّرارَ أوْ أخا السِّرارِ حَتّى ألْقى اللَّهُ تَعالى. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يُكَلِّمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَأخِي السِّرارِ لا يَسْمَعُهُ حَتّى يَسْتِفْهِمَهُ وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذا قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَمَ الوُفُودُ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَن يُعَلِّمُهم كَيْفَ يُسَلِّمُونَ ويَأْمُرُهم بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾ إمّا عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ أيْ: لا تَجْهَرُوا خَشْيَةَ أنْ تُحْبَطَ أوْ كَراهَةَ أنْ تُحْبَطَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ أوْ لِلْنَهْيِ أيْ: لا تَجْهَرُوا لِأجْلِ الحُبُوطِ فَإنَّ الجَهْرَ حَيْثُ كانَ بِصَدَدِ الأداءِ إلى الحُبُوطِ فَكَأنَّهُ فَعَلَ لِأجْلِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ ولَيْسَ المُرادُ بِما نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الرَّفْعِ والجَهْرِ ما يُقارِنُهُ الِاسْتِخْفافُ والِاسْتِهانَةُ فَإنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ بَلْ ما يُتَوَهَّمُ أنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ مِمّا يَجْرِي بَيْنَهم في أثْناءِ المُحاوَرَةِ مِنَ الرَّفْعِ والجَهْرِ حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكم (p-117)لِبَعْضٍ﴾ خَلا أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا كانَ مُنْكَرًا مَحْضًا لَمْ يُقَيَّدْ بِشَيْءٍ ولا ما يَقَعُ مِنهُما في حَرْبٍ أوْ مُجادَلَةِ مُعانِدٍ أوِ إرْهابِ عَدُوٍّ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ وكانَ في أُذُنِهِ وقْرٌ وكانَ جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ ورُبَّما كانَ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَتَأذّى بِصَوْتِهِ. وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ فُقِدَ ثابِتٌ وتَفَقَّدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخْبَرَ بِشَأْنِهِ فَدَعاهُ فَسَألَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ وإنِّي رَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ فَأخافُ أنْ يَكُونَ عَمَلِي قَدْ حَبِطَ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَسْتَ هُناكَ إنَّكَ تَعِيشُ بِخَيْرٍ وتَمُوتُ بِخَيْرٍ وإنَّكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ.» وأمّا ما يُرْوى عَنِ الحَسَن ِ مِن أنَّها نَزَلَتْ في بَعْضِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَرْفَعُونَ أصْواتَهم فَوْقَ صَوْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ قِيلَ: مَحْمَلُهُ أنَّ نَهْيَهم مُنْدَرِجٌ تَحْتَ نَهْيِ المُؤْمِنِينَ بِدَلالَةِ النَّصِّ. ﴿وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "تَحْبَطَ" أيْ: والحالُ أنَّكم لا تَشْعُرُونَ بِحُبُوطِها وفِيهِ مَزِيدُ تَحْذِيرٍ مِمّا نُهُوا عَنْهُ.

الحجرات 49:3

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ...إلَخْ تَرْغِيبٌ في الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ بَعْدَ التَّرْهِيبِ عَنِ الإخْلالِ بِهِ أيْ: يُخَفِّضُونَها مُراعاةً لِلْأدَبِ أوْ خَشْيَةً مِن مُخالَفَةِ النَّهْيِ. ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ أيْ: جَرَّبَها لِلتَّقْوى ومَرَّنَها عَلَيْها أوْ عَرَفَها كائِنَةً لِلتَّقْوى خالِصَةً لَها فَإنَّ الِامْتِحانَ سَبَبُ المَعْرِفَةِ، واللّامُ صِلَةٌ لِمَحْذُوفٍ أوْ لِلْفِعْلِ بِاعْتِبارِ الأصْلِ أوْ ضَرَبَ قُلُوبَهم بِضُرُوبِ المِحَنِ والتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ لِأجْلِ التَّقْوى فَإنَّها لا تَظْهَرُ إلّا بِالاصْطِبارِ عَلْيَها أوِ أخْلَصَها لِلتَّقْوى مِنِ امْتَحَنَ الذَّهَبَ إذا أذابَهُ ومَيَّزَ إبْرِيزَهُ مِن خُبْثِهِ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أذْهَبَ عَنْها الشَّهَواتِ. ﴿لَهُمْ﴾ في الآخِرَةِ. ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ لِذُنُوبِهِمْ. ﴿وَأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، والجُمْلَةُ إمّا خَبَرٌ آخَرُ لـ"إنَّ" كالجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ جَزائِهِمْ إحْمادًا لِحالِهِمْ وتَعْرِيضًا بِسُوءِ حالِ مَن لَيْسَ مِثْلَهم.

الحجرات 49:4

﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ﴾ أيْ: مِن خارِجِها مِن خَلْفِها أوْ قُدّامِها و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُناداةَ نَشَأتْ مِن جِهَةِ الوَراءِ وأنَّ المُنادى داخِلُ الحُجْرَةِ لِوُجُوبِ اخْتِلافِ المَبْدَإ والمُنْتَهى بِحَسْبَ الجِهَةِ بِخِلافِ ما لَوْ قِيلَ: يُنادُونَكَ وراءَ الحُجُراتِ، وقُرِئَ "الحُجَراتِ" بِفَتْحِ الجِيمِ وبِسُكُونِها وثَلاثَتُها جَمْعُ حُجْرَةٍ وهِي القِطْعَةٌ مِنَ الأرْضِ المَحْجُورَةِ بِالحائِطِ ولِذَلِكَ يُقالُ لِحَظِيرَةِ الإبِلِ حُجْرَةٌ وهي فُعْلَةٌ مِنَ الحَجْرِ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالغُرْفَةِ والقُبْضَةِ والمُرادُ بَها: حُجُراتُ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ ومُناداتُهم مِن ورائِها إمّا بِأنَّهم أتَوْها حُجْرَةً حُجْرَةً فَنادَوْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن ورائِها أوْ بِأنَّهم تَفَرَّقُوا عَلى الحُجُراتِ مُتَطَلِّبِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنادَوْهُ (p-118)بَعْضٌ مِن وراءِ هَذِهِ وبَعْضٌ مِن وراءِ تِلْكَ فَأُسْنِدَ فِعْلُ الأبْعاضِ إلى الكُلِّ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونُوا قَدْ نادَوْهُ مِن وراءِ الحُجْرَةِ التِّي كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيها ولَكِنَّها جُمِعَتْ إجْلالًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: إنَّ الذَّيَّ ناداهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ وفَدا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَبْعِينَ رَجُلًا مِن بَنِي تَمِيمٍ وقْتَ الظَّهِيرَةِ وهو راقِدٌ فَقالا: يا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنا، وإنَّما أُسْنِدَ النِّداءَ إلى الكُلِّ لِأنَّهم رَضُوا بِذَلِكَ أوْ أمَرُوا بِهِ لِأنَّهُ وُجِدَ فِيما بَيْنَهم. ﴿أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ إذْ لَوْ كانَ لَهم عَقْلٌ لِما تَجاسَرُوا عَلى هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِن سُوءِ الأدَبِ.

الحجرات 49:5

﴿وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: ولَوْ تَحَقَّقَ صَبْرُهم وانْتِظارُهم حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ فَإنَّ "أنَّ" وإنْ دَلَّتْ بِما في حَيِّزِها عَلى المَصْدَرِ لَكِنَّها تُفِيدُ بِنَفْسِها التَّحَقُّقَ والثُّبُوتَ لِلْفَرْقِ البَيِّنِ بَيْنَ قَوْلِكَ: بَلَغَنِي قِيامُكَ وبَلَغَنِي أنَّكَ قائِمٌ وحَتّى تُفِيدُ أنَّ الصَّبْرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُغْيًا بِخُرُوجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِما هو غايَةٌ لِلشَّيْءِ في نَفْسِهِ، ولِذَلِكَ تَقُولُ: أكَلْتُ السَّمَكَةَ حَتّى رَأْسَها ولا تَقُولُ حَتّى نِصْفَها أوْ ثُلُثَها بِخِلافِ "إلى" فَإنَّها عامَّةٌ وفي "إلَيْهِمْ" إشْعارٌ بِأنَّهُ لَوْ خَرَجَ لا لِأجْلِهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَصْبِرُوا حَتّى يُفاتِحَهم بِالكَلامِ أوْ يَتَوَجَّهَ إلَيْهِمْ. ﴿لَكانَ﴾ أيِ: الصَّبْرُ المَذْكُورُ. ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِنَ الِاسْتِعْجالِ لِما فِيهِ مِن رِعايَةِ حُسْنِ الأدَبِ وتَعْظِيمِ الرَّسُولِ المُوجِبَيْنِ لِلثَّناءِ والثَّوابِ والإسْعافِ بِالمَسْؤُولِ؛ إذْ رُوِيَ أنَّهم وفَدُوا شافِعِينَ في أُسارى بَنِي العَنْبَرِ فَأطْلَقَ النِّصْفَ وفادى النِّصْفَ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بَلِيغُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ واسِعُهُما فَلَنْ يُضَيِّقَ ساحَتَهُما عَنْ هَؤُلاءِ إنْ تابُوا وأصْلَحُوا.

الحجرات 49:6

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ أيْ: فَتَعْرِفُوا وتَفْحَصُوا. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ الوَلِيدَ ابْنَ عُقْبَةَ أخا عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأُمِّهِ مُصَدِّقًا إلى بَنِي المُصْطَلِقِ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم إحْنَةٌ فَلَمّا سَمِعُوا بِهِ اسْتَقْبَلُوهُ فَحَسِبَ أنَّهم مُقاتِلُوهُ فَرَجَعَ وقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: قَدِ ارْتَدُوا ومَنَعُوا الزَّكاةَ فَهَمَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقِتالِهِمْ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: بَعَثَ إلَيْهِمْ خالِدَ بْنَ الوَلِيدَ فَوَجَدَهم مُنادِينَ بِالصَّلاةِ مُتَهَجِّدِينَ فَسَلَّمُوا إلَيْهِ الصَّدَقاتِ فَرَجَعَ، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ بِالتَّبَيُّنِ عَلى فِسْقِ المُخْبَرِ إشارَةٌ إلى قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ العَدْلِ في بَعْضِ المَوادِّ، وقُرِئَ "فَتَثَبَّتُوا" أيْ: تَوَقَّفُوا إلى أنْ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الحالُ. ﴿أنْ تُصِيبُوا﴾ حِذارًا أنْ تُصِيبُوا. ﴿قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ مُلْتَبَسِينَ بِجَهالَةِ حالِهِمْ. ﴿فَتُصْبِحُوا﴾ بَعْدَ ظُهُورِ بَراءَتِهِمْ عَمّا أُسْنِدَ إلَيْهِمْ. ﴿عَلى ما فَعَلْتُمْ﴾ في حَقِّهِمْ. ﴿نادِمِينَ﴾ مُغْتَمِّينَ غَمًّا لِازِمًا مُتَمَنِّينَ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ فَإنَّ تَرْكِيبَ هَذِهِ الأحْرُفِ الثَّلاثَةِ يَدُورُ مَعَ الدَّوامِ.

الحجرات 49:7

﴿واعْلَمُوا (p-119)أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ أنَّ بِما في حَيِّزِها سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ "اعْلَمُوا" بِاعْتِبارِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ فَإنَّهُ حالٌ مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في "فِيكُمْ" والمَعْنى: أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ كائِنًا عَلى حالَةٍ يَجِبُ عَلَيْكم تَغْيِيرُها أوْ كائِنِينَ عَلى حالَةٍ ...إلَخْ وهي أنَّكم تُرِيدُونَ أنْ يَتْبَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأْيَكم في كَثِيرٍ مِنَ الحَوادِثِ ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَوَقَعْتُمْ في الجَهْدِ والهَلاكِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ بَعْضَهم زَيَّنُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الإيقاعَ بِبَنِي المُصْطَلِقِ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الوَلِيدِ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُطِعْ رَأْيَهُمْ، وأمّا صِيغَةُ المُضارِعِ فَقَدْ قِيلَ إنَّها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ امْتِناعَ عَنَتِهِمْ لِامْتِناعِ اسْتِمْرارِ طاعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم لِأنَّ عَنَتَهم إنَّما يَلْزَمُ مِنِ اسْتِمْرارِ الطّاعَةِ فِيما يَعِنُّ لَهم مِنَ الأُمُورِ؛ إذْ فِيهِ اخْتِلالُ أمْرِ الإبّالَةِ وانْقِلابُ الرَّئِيسِ مَرْؤُوسًا لا مِن إطاعَتِهِ في بَعْضِ ما يَرَوْنَهُ نادِرًا بَلْ فِيها اسْتِمالَتُهم بِلا مَعَرَّةٍ. وقِيلَ: إنَّها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ امْتِناعَ عَنَتِهِمْ لِاسْتِمْرارِ امْتِناعِ طاعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم في ذَلِكَ، فَإنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ قَدْ يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ بِحَسَبَ المَقامِ كَما في نَظائِرَ قَوْلِهِ تَعالى: " ولا هم يَحْزَنُونَ " والتَّحْقِيقُ أنَّ الِاسْتِمْرارَ الَّذِي تُفِيدُهُ صِيغَةُ المُضارِعِ يَعْتَبِرُ تارَةً بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ مِنَ الأُمُورِ الزَّمانِيَّةِ المُتَجَدِّدَةِ وذَلِكَ بِأنْ يُعْتَبَرَ الِاسْتِمْرارُ في نَفْسِ الفِعْلِ عَلى الإبْهامِ ثُمَّ يَعْتَبِرُ تَعَلُّقَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ بَيانًا لِما فِيهِ الِاسْتِمْرارُ وأُخْرى بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن نَفْسِ الزَّمانِ المُتَجَدِّدِ، وذَلِكَ إذا اعْتُبِرَ تَعَلُّقُهُ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ أوَّلًا ثُمَّ اعْتَبَرَ اسْتِمْرارَهُ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَسَبَ الزَّمانِ فَإنْ أُرِيدَ بِاسْتِمْرارِ الطّاعَةِ اسْتِمْرارُها وتَجَدُّدُها بِحَسْبَ تَجَدُّدِ مَواقِعِها الكَثِيرَةِ الَّتِي يُفْصِحُ عَنْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ﴾ فالحَقُّ هو الأوَّلُ ضَرُورَةَ أنَّ مَدارَ امْتِناعِ العَنَتِ هو امْتِناعُ ذَلِكَ الِاسْتِمْرارِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الِامْتِناعُ بِعَدَمِ وُقُوعِ الطّاعَةِ في أمْرٍ ما مِن تِلْكَ الأُمُورِ الكَثِيرَةِ أصْلًا أوْ بِعَدَمِ وُقُوعِها كُلُّها مَعَ وُقُوعِها في بَعْضٍ يَسِيرٍ مِنها حَتّى لَوْ لَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ الِاسْتِمْرارُ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بَلْ وقَعَتِ الطّاعَةُ فِيما ذُكِرَ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ وقَعَ العَنَتُ قَطْعًا وإنْ أرِيدَ بِهِ اسْتِمْرارُ الطّاعَةِ الواقِعَةِ في الكُلِّ وتَجَدُّدُها بِحَسَبَ تَجَدُّدِ الزَّمانِ واسْتِمْرارِهِ، فالحَقُّ هو الثّانِي فَإنَّ مَناطَ امْتِناعِ العَنَتِ حِينَئِذٍ لَيْسَ امْتِناعَ اسْتِمْرارِ الطّاعَةِ المَذْكُورَةِ ضَرُورَةَ أنَّهُ مُوجِبٌ لِوُقُوعِ العَنَتِ بَلْ هو الِاسْتِمْرارُ الزَّمانِيُّ لِامْتِناعِ تِلْكَ الطّاعَةِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الأُمُورِ الكَثِيرَةِ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ حَتّى لَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ امْتِناعُها بِأنْ وقَعَتْ تِلْكَ الطّاعَةُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ وقَعَ العَنَتُ حَتْمًا، واعْلَمْ أنَّ الأحَقَّ بِالاخْتِيارِ والأوْلى بِالاعْتِبارِ هو الوَجْهُ الأوَّلُ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالقِياسِ المُقْتَضِي لِاعْتِبارِ الِامْتِناعِ وارِدًا عَلى الِاسْتِمْرارِ حَسَبَ وُرُودِ كَلِمَةِ "لَوْ" المُفِيدَةِ لِلْأوَّلِ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ المُفِيدَةِ لِلثّانِي عَلى أنَّ اعْتِبارَ الِاسْتِمْرارِ وارِدًا عَلى النَّفْيِ عَلى خِلافِ القِياسِ بِمَعُونَةِ المَقامِ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ إذا تَعَذَّرَ الجَرَيانُ عَلى مُوجِبِ القِياسِ أوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ حَيْثُ حُمِلَ عَلى اسْتِمْرارِ نَفْيِ الحُزْنِ عَنْهم إذْ لَيْسَ فى نَفْيِ اسْتِمْرارِ الحُزْنِ مَزِيدُ فائِدَةٍ، وأمّا إذا انْتَظَمَ الكَلامُ مَعَ مُراعاةِ مُوجِبِ القِياسِ حَقَّ الِانْتِظامِ فالعُدُولُ عَنْهُ تَمَحُّلٌ لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾ ...إلَخْ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى بَعْضِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْراكِ بَيانًا لِبَراءَتِهِمْ عَنْ أوْصافِ الأوَّلِينَ وإحْمادًا لِأفْعالِهِمْ أيْ: ولَكِنَّهُ تَعالى جَعَلَ الإيمانَ (p-120)مَحْبُوبًا لَدَيْكم. ﴿وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ حَتّى رَسَخَ حُبُّهُ فِيها ولِذَلِكَ أتَيْتُمْ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. ﴿وَكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ ولِذَلِكَ اجْتَنَبْتُمْ عَمّا يَلِيقُ بِها مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ مِن آثارِها وأحْكامِها ولَمّا كانَ فى التَّحْبِيبِ والتَّكْرِيهِ مَعْنى إنْهاءِ المَحَبَّةِ والكَراهَةِ وإيصالِها إلَيْهِمُ اسْتُعْمِلا بِكَلِمَةِ "إلى". وقِيلَ: هو اسْتِدْراكٌ بِبَيانِ عُذْرِ الأوَّلِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ ما صَدَرَ عَنْكم فى حَقِّ بَنِي المُصْطَلِقِ مِن خَلَلٍ في عَقِيدَتِكم بَلْ مِن فَرْطِ حُبِّكم لِلْإيمانِ وكَراهَتِكم لِلْكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ أيِ: السّالِكُونَ إلى الطَّرِيقِ السَّوِيِّ المُوَصِّلِ إلى الحَقِّ والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ .

الحجرات 49:8

﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً﴾ أيْ: وإنْعامًا تَعْلِيلٌ لِـ"حَبَّبَ" أوْ "كَرَّهُ" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقِيلَ: نَصْبُهُما بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: جَرى ذَلِكَ فَضْلًا. وقِيلَ: يَبْتَغُونَ فَضْلًا. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ فَيَعْلَمُ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ وما بَيْنَهم مِنَ التَّفاضُلِ. ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ.

الحجرات 49:9

﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أيْ: تَقاتَلُوا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى. ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ بِالنُّصْحِ والدُّعاءِ إلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى. ﴿فَإنْ بَغَتْ﴾ أيْ: تَعَدَّتْ. ﴿إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾ ولَمْ تَتَأثَّرْ بِالنَّصِيحَةِ. ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ﴾ أيْ: تَرْجِعَ. ﴿إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ إلى حُكْمِهِ أوِ إلى ما أُمِرَ بِهِ. ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾ إلَيْهِ وأقْلَعَتْ عَنِ القِتالِ حِذارًا مِن قِتالِكم. ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ بِفَصْلِ ما بَيْنَهُما عَلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى ولا تَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ مُتارَكَتِهِما عَسى أنْ يَكُونُ بَيْنَهُما قِتالٌ في وقْتٍ آخَرَ وتَقْيِيدُ الإصْلاحِ بِالعَدْلِ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الحَيْفِ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ المُقاتَلَةِ، وقَدْ أكَّدَ ذَلِكَ حَيْثُ قِيلَ: ﴿وَأقْسِطُوا﴾ أيْ: واعْدِلُوا في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ فَيُجازِيهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في قِتالٍ حَدَثَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ في عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالعَسْفِ والنِّعالِ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الباغِيَ لا يَخْرُجُ بِالبَغْيِ عَنِ الإيمانِ وأنَّهُ إذا أمْسَكَ عَنِ الحَرْبِ تُرِكَ لِأنَّهُ فَيْءٌ إلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ يَجِبُ مُعاوَنَةُ مَن بُغِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ تَقْدِيمِ النُّصْحِ والسَّعْيِ في المُصالَحَةِ.

الحجرات 49:10

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِالإصْلاحِ أيِ: أنَّهم مُنْتَسِبُونَ إلى أصْلٍ واحِدٍ هو الإيمانُ المُوجِبُ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ الآخِرَةَ الدِّينِيَّةَ مُوجِبَةٌ لِلْإصْلاحِ ووَضْعُ المُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ مُضافًا إلى المَأْمُورِينَ لِلْمُبالَغَةِ في تَأْكِيدِ وُجُوبِ الإصْلاحِ والتَّحْضِيضِ عَلَيْهِ وتَخْصِيصُ (p-121) الِاثْنَيْنِ بِالذِّكْرِ لِإثْباتِ وُجُوبِ الإصْلاحِ فِيما فَوْقَ ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ لِتَضاعُفِ الفِتْنَةِ والفَسادِ فِيهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأخَوَيْنِ: الأوْسُ والخَزْرَجُ، وقُرِئَ "بَيْنَ إخْوَتِكُمْ" و"إخْوانِكُمْ". ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُوَنَ ومِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الإصْلاحِ. ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا عَلى تَقْواكم.

الحجرات 49:11

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ﴾ أيْ: مِنكم. ﴿مِن قَوْمٍ﴾ آخَرِينَ أيْضًا مِنكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهِي أوْ لِمُوجِبِهِ أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ المَسْخُورُ مِنهم خَيْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ السّاخِرِينَ، والقَوْمُ مُخْتَصٌّ بِالرِّجالِ لِأنَّهُمُ القُوّامُ عَلى النِّساءِ وهو فى الأصْلِ إمّا جَمْعُ قائِمٍ كَصَوْمٍ وزَوْرٍ في جَمْعِ صائِمٍ وزائِرٍ أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ فَشاعَ في الجَمْعِ، وأمّا تَعْمِيمُهُ لِلْفَرِيقَيْنِ في مِثْلِ قَوْمِ عادٍ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ فَإمّا لِلتَّغْلِيبِ أوْ لِأنَّهُنَّ تَوابِعُ واخْتِيارُ الجَمْعِ لِغَلَبَةِ وُقُوعِ السُّخْرِيَةِ في المَجْمَعِ، والتَّنْكِيرُ إمّا لِلتَّعْمِيمِ أوْ لِلْقَصْدِ إلى نَهْيِ بَعْضِهِمْ عَنْ سُخْرِيَةِ بَعْضٍ لِما أنَّها مِمّا يَجْرِي بَيْنَ بَعْضٍ وبَعْضٍ. ﴿وَلا نِساءٌ﴾ أيْ: ولا تَسْخَرْ نِساءٌ مِنَ المُؤْمِناتِ. ﴿مِن نِساءٍ﴾ مِنهُنَّ. ﴿عَسى أنْ يَكُنَّ﴾ أيِ: المَسْخُورُ مِنهُنَّ. ﴿خَيْرًا مِنهُنَّ﴾ أيْ: مِنَ السّاخِراتِ، فَإنَّ مَناطَ الخَيْرِيَّةِ في الفَرِيقَيْنِ لَيْسَ ما يَظْهَرُ لِلنّاسِ مِنَ الصُّوَرِ والأشْكالِ ولا الأوْضاعِ والأطْوارِ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ السُّخْرِيَةِ غالِبًا بَلِ إنَّما هو الأُمُورُ الكامِنَةُ في القُلُوبِ فَلا يَجْتَرِئُ أحَدٌ عَلى اسْتِحْقارِ أحَدٍ فَلَعَلَّهُ أجْمَعُ مِنهُ لِما نِيطَ بِهِ الخَيْرِيَّةُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَيَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَحْقِيرِ مَن وقَّرَهُ اللَّهُ تَعالى والِاسْتِهانَةِ بِمَن عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ "عَسَوْا أنْ يَكُونُوا" و"عَسَيْنَ أنْ يَكُنَّ"؛ فَعَسى حِينَئِذٍ هي ذاتُ الخَبَرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ وأمّا عَلى الأوَّلِ فَهي الَّتِي لا خَبَرَ لَها. ﴿وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: ولا يَعِبْ بَعْضُكم بَعْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ لا تَفْعَلُوا ما تُلْمِزُونَ بِهِ فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ اللَّمْزَ فَقَدْ لَمَزَ نَفْسَهُ واللَّمْزُ الطَّعْنُ بِاللِّسانِ، وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ. ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ أيْ: ولا يَدْعُ بَعْضُكم بَعْضًا بِلَقَبِ السُّوءِ فَإنَّ النَّبْزَ مُخْتَصٌّ بِهِ عُرْفًا. ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ أيْ: بِئْسَ الذِّكْرُ المُرْتَفِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذْكَرُوا بِالفِسْقِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الإيمانَ أوِ اشْتِهارِهِمْ بِهِ، فَإنَّ الِاسْمَ هَهُنا بِمَعْنى الذِّكْرِ مِن قَوْلِهِمْ: طارَ اسْمُهُ في النّاسِ بِالكَرَمِ أوْ بِاللُّؤْمِ والمُرادُ بِهِ: إمّا تَهْجِينُ نِسْبَةِ الكُفْرِ والفُسُوقِ إلى المُؤْمِنِينَ خُصُوصًا إذْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ النِّساءَ يَقُلْنَ لِي يا يَهُودِيَّةُ بِنْتَ يَهُودِيَّيْنِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلّا قُلْتِ إنَّ أبى هارُونُ وعَمِّي مُوسى وزَوْجِي مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أوِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ التَّنابُزَ فِسْقٌ والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ قَبِيحٌ. ﴿وَمَن لَمْ يَتُبْ﴾ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ بِوَضْعِ العِصْيانِ مَوْضِعَ الطّاعَةِ وتَعْرِيضِ (p-122) النَّفْسِ لِلْعَذابِ.

الحجرات 49:12

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ أيْ: كُونُوا عَلى جانِبٍ مِنهُ وإبْهامُ الكَثِيرِ لِإيجابِ الِاحْتِياطِ والتَّأمُّلِ في كُلِّ ظَنٍّ ظُنَّ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ مِن أيِّ قَبِيلٍ، فَإنَّ مِنَ الظَّنِّ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ كالظَّنِّ فِيما لا قاطِعَ فِيهِ مِنَ العَمَلِيّاتِ وحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعالى، ومِنهُ ما يَحْرُمُ كالظَّنِّ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ وحَيْثُ يُخالِفُهُ قاطِعٌ وظَنِّ السَّوْءِ بِالمُؤْمِنِينَ ومِنهُ ما يُباحُ كالظَّنِّ في الأُمُورِ المَعاشِيَّةِ. ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالاجْتِنابِ أوْ لِمُوجِبِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ والإثْمُ الذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ عَلَيْهِ، وهَمْزَتُهُ مُنْقَلِبَةُ مِنَ الواوِ كَأنَّهُ يَثِمُ الأعْمالَ أيْ: يَكْسِرُها. ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أيْ: ولا تَبْحَثُوا عَنْ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ تَفَعَّلَ مِنَ الجَسِّ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ كَما أنَّ التَّلَمُّسَ بِمَعْنى التَّطَلُّبِ لِما في اللَّمْسِ مِنَ الطَّلَبِ، وقَدْ جاءَ بِمَعْنى الطَّلَبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ وقُرِئَ بِالحاءِ مِنَ الحَسِّ الَّذِي هو إثْرُ الجَسِّ وغايَتُهُ ولِتَقارُبِهِما يُقالُ لِلْمَشاعِرِ الحَواسُّ بِالحاءِ والجِيمِ وفي الحَدِيثِ « "لا تَتَّبِعُوا عَوْراتِ المُسْلِمِينَ فَإنَّ مَن تَتَبَّعَ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتّى يَفْضَحَهُ ولَوْ في جَوْفِ بَيْتِهِ".» ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ: لا يَذْكُرْ بَعْضُكم بَعْضًا بِالسُّوءِ في غَيْبَتِهِ، وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الغِيبَةِ فَقالَ: « "أنْ تُذْكَرَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ فَإنْ كانَ فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ".» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما الغِيبَةُ إدامُ كِلابِ النّاسِ. ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِما يَصْدُرُ عَنِ المُغْتابِ مِن حَيْثُ صُدُورُهُ عَنْهُ ومِن حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِصاحِبِهِ عَلى أفْحَشِ وجْهٍ وأشْنَعِهِ طَبْعًا وعَقْلًا وشَرْعًا مَعَ مُبالَغاتٍ مِن فُنُونٍ شَتّى الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ وإسْنادُ الفِعْلِ إلى أحَدٍ إيذانًا بِأنَّ أحَدًا مِنَ الأحَدِينَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وتَعْلِيقُ المَحَبَّةِ بِما هو في غايَةِ الكَراهَةِ وتَمْثِيلُ الِاغْتِيابِ بِأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ وجَعْلُ المَأْكُولِ أخًا لِلْآكِلِ ومَيْتًا وإخْراجُ تَماثُلِها مُخْرَجَ أمْرٍ بَيِّنٍ غَنِيٍّ عَنِ الإخْبارِ بِهِ، وقُرِئَ "مَيِّتًا" بِالتَّشْدِيدِ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ اللَّحْمِ، وقِيلَ: مِنَ الأخِ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ التَّمْثِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: وحَيْثُ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَقَدْ كَرِهْتُمُوهُ، وقُرِئَ "كُرِّهْتُمُوهُ" أيْ: جُبِلْتُمْ عَلى كَراهَتِهِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِتَرْكِ ما أُمِرْتُمْ بِاجْتِنابِهِ والنَّدَمِ عَلى ما صَدَرَ عَنْكم مِن قَبْلُ. ﴿إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في قَبُولِ التَّوْبَةِ وإفاضَةِ الرَّحْمَةِ حَيْثُ يَجْعَلُ التّائِبَ كَمَن لَمْ يُذْنِبْ ولا يَخُصُّ ذَلِكَ بِتائِبٍ دُونَ تائِبٍ بَلْ يَعُمُّ الجَمِيعَ وإنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهم. رُوِيَ «أنَّ رَجُلَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بَعَثا سَلْمانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَبْغِي لَهُما إدامًا وكانَ أُسامَةُ عَلى طَعامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ما عِنْدِي شَيْءٌ فَأخْبَرَهُما سَلْمانُ فَقالا: لَوْ بَعَثْنا سَلْمانُ إلى بِئْرِ سَمِيحَةَ لَغارَ ماؤُها فَلَمّا راحا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُما: ما لِي أرى خُضْرَةَ اللَّحْمِ في أفْواهِكُما فَقالا: ما تَناوَلْنا لَحْمًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّكُما قَدِ اغْتَبْتُما» (p-123)فَنَزَلَتْ.

الحجرات 49:13

﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ مِن آدَمَ وحَوّاءَ أوْ خَلَقْنا كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن أبٍ وأُمٍّ فالكُلُّ سَواءٌ في ذَلِكَ فَلا وجْهَ لِلتَّفاخُرِ بِالنَّسَبِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ السّابِقِ بِتَقْرِيرِ الأُخُوَّةِ المانِعَةِ مِنَ الِاغْتِيابِ. ﴿وَجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ﴾ الشَّعْبُ الجَمْعُ العَظِيمُ المُنْتَسِبُونَ إلى أصْلٍ واحِدٍ وهو يَجْمَعُ القَبائِلَ والقَبِيلَةُ تَجْمَعُ العَمائِرَ والعَمارَةُ تَجْمَعُ البُطُونَ والبَطْنُ يَجْمَعُ الأفْخاذَ والفَخِذُ يَجْمَعُ الفَصائِلَ، فَخُزَيْمَةُ شَعْبٌ وكِنانَةُ قَبِيلَةٌ وقُرَيْشٌ عَمارَةٌ وقُصَيٌّ بَطْنٌ وهاشِمٌ فَخْذٌ والعَبّاسُ فَصِيلَةٌ. وقِيلَ: الشُّعُوبُ بُطُونُ العَجَمِ والقَبائِلُ بُطُونُ العَرَبِ. ﴿لِتَعارَفُوا﴾ لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا بِحَسَبَ الأنْسابِ فَلا يُعْتَزى أحَدٌ إلى غَيْرِ آبائِهِ لا لِتَتَفاخَرُوا بِالآباءِ والقَبائِلِ وتَدَّعُوا التَّفاوُتَ والتَّفاضُلَ في الأنْسابِ، وقُرِئَ "لِتَتَعارَفُوا" عَلى الأصْلِ و"لَتَّعارَفُوا" بِالإدْغامِ و"لِتَعْرِفُوا". ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ المُسْتَفادِ مِنَ الكَلامِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الأكْرَمَ عِنْدَهُ تَعالى هو الأتْقى فَإنْ فاخَرْتُمْ فَفاخِرُوا بِالتَّقْوى، وقُرِئَ بِـ"أنَّ" المَفْتُوحَةِ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لا تَتَفاخَرُوا بِالأنْسابِ؟ فَقِيلَ: لِأنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم لا أنْسَبُكُمْ، فَإنَّ مَدارَ كَمالِ النُّفُوسِ وتَفاوُتِ الأشْخاصِ هو التَّقْوى فَمَن رامَ نَيْلَ الدَّرَجاتِ العُلا فَعَلَيْهِ بِالتَّقْوى. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أكْرَمَ النّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "يا أيُّها النّاسُ إنَّما النّاسُ رَجُلانِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ تَعالى وفاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ تَعالى".» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كَرَمُ الدُّنْيا الغِنى وكَرَمُ الآخِرَةِ التَّقْوى. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِكم وبِأعْمالِكم. ﴿خَبِيرٌ﴾ بِبَواطِنِ أحْوالِكم.

الحجرات 49:14

﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِن بَنِي أسَدٍ قَدِمُوا المَدِينَةَ في سَنَةِ جَدْبٍ فَأظْهَرُوا الشَّهادَتَيْنِ وكانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتَيْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ يُرِيدُونَ الصَّدَقَةَ ويَمُنُّونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما فَعَلُوا. ﴿قُلْ﴾ رَدًّا لَهم. ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ إذِ الإيمانُ هو التَّصْدِيقُ المُقارِنُ لِلثِّقَةِ وطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ ولَمْ يَحْصُلْ لَكم ذَلِكَ وإلّا لَما مَنَنْتُمْ عَلِيَّ ما ذَكَرْتُمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ آخِرُ السُّورَةِ. ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ فَإنَّ الإسْلامَ انْقِيادٌ ودُخُولٌ في السِّلْمِ وإظْهارُ الشَّهادَةِ وتَرْكُ المُحارَبَةِ مُشْعِرٌ بِهِ وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: لا تَقُولُوا آمَنّا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا أوْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ لِلِاحْتِرازِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّلَفُّظِ بِالإيمانِ ولِلتَّفادِي عَنْ إخْراجِ قَوْلِهِمْ مُخْرَجَ التَّسْلِيمِ والِاعْتِدادِ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ تَقَوُّلًا مَحْضًا. ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ "قُولُوا" أيْ: ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا حالَ عَدَمِ مُواطَأةِ قُلُوبِكم لِألْسِنَتِكُمْ، وما في "لَمّا" مِن مَعْنى التَّوَقُّعِ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَؤُلاءِ قَدْ آمَنُوا فِيما بَعْدُ. ﴿وَإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ (p-124)بِالإخْلاصِ وتَرْكِ النِّفاقِ. ﴿لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكُمْ﴾ لا يُنْقِصْكم. ﴿شَيْئًا﴾ مِن أُجُورِها مِن لاتَ يَلِيتُ لَيْتًا إذا نَقَصَ، وقُرِئَ "لا يَأْلِتْكُمْ" مِنَ الألْتِ وهي لُغَةُ غَطَفانَ أوْ شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِما فَرَطَ مِنَ المُطِيعِينَ. ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ.

الحجرات 49:15

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ لَمْ يَشُكُّوا مَنِ ارْتابَ مُطاوِعُ رابَهُ إذا أوْقَعَهُ في الشِّكِّ مَعَ التُّهْمَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ فِيهِمْ ما يُوجِبُ نَفْيَ الإيمانِ عَنْهم و"ثُمَّ" لِلْإشْعارِ بِأنَّ اشْتِراطَ عَدَمِ الِارْتِيابِ في اعْتِبارِ الإيمانِ لَيْسَ في حالِ إنْشائِهِ فَقَطْ بَلْ وفِيما يُسْتَقْبَلُ فَهي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " ثُمَّ اسْتَقامُوا " . ﴿وَجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعَتِهِ عَلى تَكَثُّرِ فُنُونِها مِنَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ المَحْضَةِ والمالِيَّةِ الصِّرْفَةِ والمُشْتَمِلَةُ عَلَيْها مَعًا كالحَجِّ والجِهادِ. ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ. ﴿هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ صَدَقُوا في دَعْوى الإيمانِ لا غَيْرُهم. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ جاؤُوا وحَلَفُوا أنَّهم مُؤْمِنُونَ صادِقُونَ فَنَزَلَ لِتَكْذِيبِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى:

الحجرات 49:16

﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أيِ: أتُخْبِرُونَهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِكم آمَنّا والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالتَّعْلِيمِ لِغايَةِ تَشْنِيعِهِمْ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ "تُعَلِّمُونَ" مُؤَكِّدَةٌ لِتَشْنِيعِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ أيْ: مُبالِغٌ في العِلْمِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أخْفَوْهُ مِنَ الكُفْرِ عِنْدَ إظْهارِهِمُ الإيمانَ وفِيهِ مَزِيدُ تَجْهِيلٍ وتَوْبِيخٍ لَهم.

الحجرات 49:17

﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ أيْ: يَعُدُّونَ إسْلامَهم مِنَّةً عَلَيْكَ وهي النِّعْمَةُ التِّي لا يَطْلُبُ مُوَلِّيها ثَوابًا مِمَّنْ أنْعَمَ بَها عَلَيْهِ مِنَ المَنِّ بِمَعْنى القَطْعِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِها قَطْعُ حاجَتِهِ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ المَنِّ. ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ أيْ: لا تَعُدُّوا إسْلامَكم مِنَّةً عَلِيَّ أوْ لا تُمَنُّوا عَلَيَّ بِإسْلامِكم فَنُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ. ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ﴾ عَلى ما زَعَمْتُمْ مَعَ أنَّ الهِدايَةَ لا تَسْتَلْزِمُ الِاهْتِداءَ، وقُرِئَ "إنْ هَداكُمْ" و"َإذْ هُداكُمْ". ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ادِّعاءِ الإيمانِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ: فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْكم وفي سِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى، فَإنَّهُمُ لَمّا سَمَّوْا ما صَدَرَ عَنْهم إيمانًا ومَنُّوا بِهِ فَنُفِيَ كَوْنُهُ إيمانًا وسُمِّيَ إسْلامًا. قِيلَ: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ بِما هو في الحَقِيقَةِ إسْلامٌ ولَيْسَ بِجَدِيرٍ بِالمَنِّ بَلْ لَوْ صَحَّ ادِّعاؤُهم لِلْإيمانِ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ إلَيْهِ لا لَهم.

الحجرات 49:18

﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما غابَ فِيهِما. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ في سِرِّكم وعَلانِيَتِكم فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ (p-125)ما في ضَمائِرِكُمْ، وقُرِئَ بِالياءِ. "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن قَرَأ سُورَةَ الحُجُراتِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَن أطاعَ اللَّهَ وعَصاهُ".»

ق 50:1

سُورَةُ ق مَكِّيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وأرْبَعُونَ ﴿ق والقرآن المَجِيدِ﴾ أيْ: ذِي المَجْدِ والشَّرَفِ عَلى سائِرِ الكُتُبِ أوْ لِأنَّهُ كَلامُ المُجِيدِ أوْ لِأنَّ مَن عَلِمَ مَعانِيَهُ وعَمِلَ بِما فِيهِ مُجِّدَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ النّاسِ والكَلامُ فِيهِ كالذَّيِّ فُصِّلَ في مَطْلَعِ سُورَةِ ص.

ق 50:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسِ المَلَكِ أوْ مِن جِلْدَتِهِمْ إضْرابٌ عَمّا يُنْبِئُ عَنْهُ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ كَأنَّهُ قِيلَ: والقرآن المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ حَسَبَما ورَدَ في صَدْرِ سُورَةِ الأعْرافِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ بَلْ جَعَلُوا كُلًّا مِنَ المُنْذِرِ والمُنْذَرِ بِهِ عُرْضَةً لِلنَّكِيرِ والتَّعْجِيبِ مَعَ كَوْنِهِما أوْفَقَ شَيْءٍ لِقَضِيَّةِ العُقُولِ وأقْرَبَهُ إلى التَّلَقِّي بِالقَبُولِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ والقرآن المَجِيدِ إنَّكَ لَمُنْذِرٌ ثُمَّ قِيلَ بَعْدَهُ إنَّهم شَكُّوا فِيهِ ثُمَّ أُضْرِبَ عَنْهُ. وقِيلَ: بَلْ عَجِبُوا أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِالشَّكِّ والرَّدِّ بَلْ جَزَمُوا بِالخِلافِ حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ. وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَمّا يُفْهَمُ مِن وصْفِ القرآن بِالمَجِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ سَبَبُ امْتِناعِهِمْ مِنَ الإيمان بالقرآن أنَّهُ لا مَجْدَ لَهُ ولَكِنْ لِجَهْلِهِمْ. ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِتَعْجِيبِهِمْ وبَيانٌ لِكَوْنِهِ مُقارِنًا لِغايَةِ الإنْكارِ مَعَ زِيادَةِ تَفْصِيلٍ لِمَحَلِّ التَّعَجُّبِ و"هَذا" إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنْذِرًا بِالقرآن وإضْمارُهم أوَّلًا لِلْإشْعارِ بِتَعَيُّنِهِمْ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِمِ وإظْهارُهم ثانِيًا لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ بِمُوجِبِهِ أوْ عَطْفٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِنَ البَعْثَةِ عَلى أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الإنْكارِيَّةِ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إمّا لِسَبْقِ اتِّصافِهِمْ بِما يُوجِبُ كُفْرَهم وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ تَعَجُّبَهم مِنَ البَعْثِ لِدَلالَتِهِ عَلى اسْتِقْصارِهِمْ لِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْهُ مَعَ مُعايَنَتِهِمْ لِقدرته تعالى عَلى ما هو أشَقُّ مِنهُ في قِياسِ العَقْلِ مِن مَصْنُوعاتِهِ البَدِيعَةِ أشْنَعُ مِنَ الأوَّلِ وأعْرَقُ في كَوْنِهِ كُفْرًا.

ق 50:3

﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّعْجِيبِ وتَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ (p-126)والعامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ لِغايَةِ شُهْرَتِهِ مَعَ دَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ أيِ: أحِينَ نَمُوتُ ونَصِيرُ تُرابًا نَرْجِعُ كَما يَنْطِقُ بِهِ النَّذِيرُ والمُنْذِرُ بِهِ مَعَ كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَنا وبَيْنَ الحَياةِ حِينَئِذٍ، وقُرِئَ "إذا مُتْنا" عَلى لَفْظِ الخَبَرِ أوْ عَلى حَذْفِ أداةِ الإنْكارِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَحَلِّ النِّزاعِ. ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: عَنِ الأوْهامِ أوِ العادَةِ أوِ الإمْكانِ، وقِيلَ: الرَّجْعُ بِمَعْنى المَرْجُوعِ الَّذِي هو الجَوابُ فَناصِبُ الظَّرْفِ حِينَئِذٍ ما يُنْبِئُ عَنْهُ المُنْذِرُ مِنَ البَعْثِ.

ق 50:4

﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ رَدٌّ لِاسْتِبْعادِهِمْ وإزاحَةٌ لَهُ فَإنَّ مَن عَمَّ عِلْمُهُ ولَطُفَ حَتّى انْتَهى إلى حَيْثُ عَلِمَ ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِن أجْسادِ المَوْتى وتَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ كَيْفَ يُسْتَبْعَدُ رَجْعُهُ إيّاهُمُ أحْياءً كَما كانُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ«كُلُّ ابْنِ آدِمَ يَبْلى إلّا عَجَبَ الذَّنَبِ.» وقِيلَ: ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم ما يَمُوتُ فَيُدْفَنُ في الأرْضِ مِنهم. ﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ حافِظٌ لِتَفاصِيلِ الأشْياءِ كُلِّها أوْ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّغَيُّرِ، والمُرادُ: إمّا تَمْثِيلُ علمه تعالى بِكُلِّيّاتِ الأشْياءِ وجُزْئِيّاتِها بِعِلْمٍ مَن عِنْدَهُ كِتابٌ مُحِيطٌ يَتَلَقّى مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ أوْ تَأْكِيدٌ لِعلمه تعالى بِها بِثُبُوتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عِنْدَهُ.

ق 50:5

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن بَيانِ شَناعَتِهِمُ السّابِقَةِ إلى بَيانِ ما هو أشْنَعُ مِنهُ وأفْظَعُ وهو تَكْذِيبُهم لِلنُّبُوَّةِ الثّابِتَةِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ. ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ، وقُرِئَ "لِما جاءَهُمْ" بِالكَسْرِ عَلى أنَّ اللّامَ لِلتَّوْقِيتِ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إيّاهُمْ، وقِيلَ: الحَقُّ القرآن أوِ الإخْبارُ بِالبَعْثِ. ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُضْطَرِبٍ لا قَرارَ لَهُ، مِن مَرَجَ الخاتَمُ في أُصْبُعِهِ حَيْثُ يَقُولُونَ تارَةً: إنَّهُ شاعِرٌ وتارَةً ساحِرٌ وأُخْرى كاهِنٌ.

ق 50:6

﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ أيِ: أغْفُلُوا أوِ أعَمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا. ﴿إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ﴾ بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها كُلَّ وقْتٍ. ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ أيْ: رَفَعْناها بِغَيْرِ عَمَدٍ. ﴿وَزَيَّنّاها﴾ بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ المُرَتَّبَةِ عَلى نِظامٍ بَدِيعٍ. ﴿وَما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ مِن فُتُوقٍ لِمَلاسَتِها وسَلامَتِها مِن كُلِّ عَيْبٍ وخَلَلٍ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ هَذا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.

ق 50:7

﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ: بَسَطْناها. ﴿وَألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ، مِن رَسا الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِهَذا الوَصْفِ لِلْإيذانِ بِأنَّ إلْقاءَها بِإرْساءِ الأرْضِ بِها. ﴿وَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ مِن كُلِّ صِنْفٍ. ﴿بَهِيجٍ﴾ حَسَنٍ.

ق 50:8

﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى﴾ عِلَّتانِ لِلْأفْعالِ المَذْكُورَةِ مَعْنًى وإنِ انْتَصَبَتا بِالفِعْلِ الأخِيرِ أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا تَبْصِيرًا وتَذْكِيرًا. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى رَبِّهِ مُتَفَكِّرٍ في بَدائِعِ صَنائِعِهِ. (p-127)وَقَوْلُهُ تَعالى:

ق 50:9

﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: كَثِيرَ المَنافِعِ، شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ إنْباتِ ما ذُكِرَ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، وهو عَطْفٌ عَلى "أنْبَتْنا" وما بَيْنَهُما عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ومُنَبِّهٌ عَلى ما بَعْدَهُ. ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الماءِ. ﴿جَنّاتٍ﴾ كَثِيرَةً أيِ: أشْجارًا ذَواتِ ثِمارٍ. ﴿وَحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: حَبَّ الزَّرْعِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُحْصَدَ مِنَ البُرِّ والشَّعِيرِ وأمْثالِهِما، وتَخْصِيصُ إنْباتِ حَبِّهِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ.

ق 50:10

﴿والنَّخْلَ﴾ عَطْفٌ عَلى "جَنّاتٍ" وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها في الجَنّاتِ لِبَيانِ فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ وتَوْسِيطُ الحَبِّ بَيْنَهُما لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِها وامْتِيازِها عَنِ البَقِيَّةِ مَعَ ما فِيها مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ. ﴿باسِقاتٍ﴾ أيْ: طُوالًا أوْ حَوامِلَ مِن أبْسَقَتِ الشّاةُ إذا حَمَلَتْ فَيَكُونُ مِن بابِ أفْعَلَ فَهو فاعِلٌ، وقُرِئَ "باصِقاتٍ" لِأجْلِ القافِ. ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أيْ: مَنضُودٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، والمُرادُ: تَراكُمُ الطَّلْعِ أوْ كَثْرَةٌ ما فِيهِ مِنَ الثَّمَرِ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ "النَّخْلِ كَباسِقاتٍ" بِطَرِيقِ التَّرادُفِ أوْ مِن ضَمِيرِها في "باسِقاتٍ" عَلى التَّداخُلِ أوِ الحالُ هو الجارُّ والمَجْرُورُ و"طَلْعٌ" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

ق 50:11

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ أيْ: لِنَرْزُقَهم عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وفي تَعْلِيلِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ تَعْلِيلِ "أنْبَتْنا" الأوَّلِ بِالتَّبْصِرَةِ والتَّذْكِيرُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ انْتِفاعُهُ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ التَّذَكُّرُ والِاسْتِبْصارُ أهَمُّ وأقْدَمُ مِن تَمَتُّعِهِ بِهِ مِن حَيْثُ الرِّزْقُ، وقِيلَ: "رِزْقًا" مَصْدَرٌ مِن مَعْنى "أنْبَتْنا" لِأنَّ الإنْباتَ رِزْقٌ. ﴿وَأحْيَيْنا بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الماءِ. ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أرْضًا جَدْبَةً لا نَماءَ فِيها أصْلًا بِأنْ جَعَلْناها بِحَيْثُ رَبَتَ وأنْبَتَتْ أنْواعَ النَّباتِ والأزْهارِ فَصارَتْ تَهْتَزُّ بِها بَعْدَما كانَتْ جامِدَةً هامِدَةً، وتَذْكِيرُ "مَيْتًا" لِأنَّ البَلْدَةَ بِمَعْنى البَلَدِ والمَكانِ. ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ جُمْلَةٌ قُدِّمَ فِيها الخَبَرُ لِلْقَصْدِ إلى القَصْرِ و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الحَياةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ الأحْياءِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ رُتْبَتِها أيْ: مِثْلُ تِلْكَ الحَياةِ البَدِيعَةِ حَياتُكم بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ لا شَيْءَ مُخالِفٌ لَها، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ إخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ بِالإحْياءِ وعَنْ حَياةِ المَوْتى بِالخُرُوجِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ الإنْباتِ وتَهْوِينٌ لِأمْرِ البَعْثِ وتَحْقِيقٌ لِلْمُماثَلَةِ بَيْنَ إخْراجِ النَّباتِ وإحْياءِ المَوْتى لِتَوْضِيحِ مِنهاجِ القِياسِ وتَقْرِيبِهِ إلى أفْهامِ النّاسِ.

ق 50:12

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ ...إلَخْ. اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَقْرِيرِ حَقِّيَةِ البَعْثِ بِبَيانِ كافَّةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلْيَها وتَعْذِيبِ مُنْكِرِيها. ﴿وَأصْحابُ الرَّسِّ﴾ قِيلَ: هم مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: وقِيلَ كَما مَرَّ في سُورَةِ الفُرْقانِ عَلى التَّفْصِيلِ. ﴿وَثَمُودُ﴾ .

ق 50:13

﴿وَعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: هو وقَوْمُهُ لِيُلائِمَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. (p-128)﴿وَإخْوانُ لُوطٍ﴾ قِيلَ: كانُوا مِن أصْهارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ق 50:14

﴿وَأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ أهْلِ مَدِينَ. ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ سَبَقَ شَرْحُ حالِهِمْ في سُورَةِ الدُّخانِ. ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أيْ: فِيما أُرْسِلُوا بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها البَعْثُ الَّذِي أجْمَعُوا عَلَيْهِ قاطِبَةً أيْ: كُلُّ قَوْمٍ مِنَ الأقْوامِ المَذْكُورِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهم أوْ كَذَّبَ جَمِيعُهم جَمِيعَ الرُّسُلِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الكُلِّ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كَذَّبَ جَمْعَ الرُّسُلِ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والإنْذارِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ فَتَكْذِيبُ واحِدٍ مِنهم تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ رِسالَةِ تُبَّعٍ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِها -وَهُوَ الأظْهَرُ- فَمَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِهِ الرُّسُلَ تَكْذِيبُهم بِمَن قَبْلَهم مِنَ الرُّسُلِ المُجْمِعِينِ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وإلى ذَلِكَ كانَ يَدْعُوهم تُبَّعٌ. ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ: فَوَجَبَ وحَلَّ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وهي كَلِمَةُ العَذابِ وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَهْدِيدٌ لَهم.

ق 50:15

﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِصِحَّةِ البَعْثِ الَّذِي حُكِيَتْ أحْوالُ المُنْكِرِينَ لَهُ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، والعَيُّ بِالأمْرِ: العَجْزُ عَنْهُ، يُقالُ: عَيَّ بِالأمْرِ وعَيِيَ بِهِ إذا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِ عَمَلِهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ العَيُّ مِنَ القَصْدِ والمُباشَرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أقَصَدْنا الخَلْقَ الأوَّلَ فَعَجَزْنا عَنْهُ حَتّى يُتَوَهَّمَ عَجْزُنا عَنِ الإعادَةِ. ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: هم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَتِنا عَلى خَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في خَلْطٍ وشُبْهَةٍ في خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ لِما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ العادَةِ وتَنْكِيرُ "خَلْقٍ" لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ والإشْعارِ بِخُرُوجِهِ عَنْ حُدُودِ العاداتِ والإيذانِ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُبْحَثَ عَنْهُ ويُهْتَمَّ بِمَعْرِفَتِهِ.

ق 50:16

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أيْ: ما تُحَدِّثُهُ بِهِ نَفْسُهُ وهو يَخْطُرُ بِالبالِ، والوَسْوَسَةُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ ومِنهُ وسْواسُ الحُلِيِّ، والضَّمِيرُ لِما إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً والباءُ كَما في صَوَّتَ بِكَذا أوْ لِلْإنْسانِ وإنْ جُعِلَتْ مَصْدَرِيَّةً والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ. ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ أعْلَمُ بِحالِهِ مِمَّنْ كانَ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ عَبَّرَ عَنْ قُرْبِ العِلْمِ بِقُرْبِ الذّاتِ تَجَوُّزًا لِأنَّهُ مُوجِبٌ لَهُ وحَبْلُ الوَرِيدِ مَثَلٌ في فَرْطِ القُرْبِ والحَبَلُ العِرْقُ وإضافَتُهُ بَيانِيَّةٌ، والوَرِيدانِ عِرْقانِ مُكْتَنِفانِ بِصَفْحَتَيِ العُنُقِ في مُقَدَّمِها مُتَّصِلانِ بِالوَتِينِ يَرِدانِ مِنَ الرَّأْسِ إلَيْهِ، وقِيلَ: سُمِّيَ ورِيدًا لِأنَّ الرُّوحَ تَرِدُهُ.

ق 50:17

﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ مَنصُوبٌ بَما في أقْرَبُ مِن مَعْنى الفِعْلِ والمَعْنى: أنَّهُ لَطِيفٌ يَتَوَصَّلُ عِلْمُهُ إلى ما لا شَيْءَ أخْفى مِنهُ وهو أقْرَبُ مِنَ الإنْسانِ مِن كُلِّ قَرِيبٍ حِينَ يَتَلَقّى ويَتَلَقَّنُ الحَفِيظانِ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ اسْتِحْفاظِها لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِما يَخْفى عَلَيْهِما وإنَّما ذَلِكَ لِما كَتَبَتِهِما وحِفْظِهِما لِأعْمالِ العَبْدِ وعَرْضِ صَحائِفِهِما يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ وعِلْمِ العَبْدِ بِذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ (p-129)بِإحاطَتِهِ تَعالى بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ خَبَرًا مِن زِيادَةِ لُطْفٍ لَهُ في الكَفِّ عَنِ السَّيِّئاتِ والرَّغْبَةِ في الحَسَناتِ. وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "إنَّ مَقْعَدَ مَلَكَيْكَ عَلى ثَنِيَّتَيْكَ ولِسانُكَ قَلَمُهُما ورِيقُكَ مِدادُهُما وأنْتَ تَجْرِي فِيما لا يَعْنِيكَ لا تَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ ولا مِنهُما"،» وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَلَقِّي المَلَكَيْنِ بَيانًا لِلْقُرْبِ عَلى مَعْنى إنّا أقْرَبُ إلَيْهِ مُطَّلِعُونَ عَلى أعْمالِهِ لِأنَّ حَفَظَتَنا وكَتَبَتَنا مُوَكَّلُونَ بِهِ. ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ أيْ: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ أيْ: مُقاعِدٌ كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ لَفْظًا ومَعْنًى فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: ؎ رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي وَقِيلَ: يُطْلَقُ الفَعِيلُ عَلى الواحِدِ والمُتَعَدَّدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ .

ق 50:18

﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ ما يَرْمِي بِهِ مِن فِيهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقُرِئَ "ما يُلْفَظُ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ﴿إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ فَإنْ كانَ خَيْرًا فَهو صاحِبُ اليَمِينِ بِعَيْنِهِ وإلّا فَهو صاحِبُ الشِّمالِ ووَجْهُ تَغْيِيرِ العُنْوانِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ والإفْرادُ مَعَ وُقُوفِهِما مَعًا عَلى ما صَدَرَ عَنْهُ لِما أنَّ كُلًّا مِنهُما رَقِيبٌ لِما فُوِّضَ إلَيْهِ لا لِما فُوِّضَ إلى صاحِبِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَتِيدٌ﴾ أيْ: مُعَدٌّ مُهَيَّأٌ لِكِتابَةِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ، ومَن لَمْ يَنْتَبِهْ لَهُ تَوَهَّمَ أنَّ مَعْناهُ: رَقِيبانِ عَتِيدانِ، وتَخْصِيصُ القَوْلِ بِالذِّكْرِ لِإثْباتِ الحُكْمِ في الفِعْلِ بِدَلالَةِ النَّصِّ واخْتُلِفَ فِيما يَكْتُبانِهِ فَقِيلَ: يَكْتُبانِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى أنِينَهُ في مَرَضِهِ. وقِيلَ: إنَّما يَكْتُبانِ ما فِيهِ مِن أجْرٍ أوْ وِزْرٍ -وَهُوَ الأظْهَرُ- كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "كاتِبُ الحَسَناتِ عَلى يَمِينِ الرَّجُلِ وكاتِبُ السَّيِّئاتِ عَلى يَسارِهِ وكاتِبُ الحَسَناتِ أمِيرٌ عَلى كاتِبِ السَّيِّئاتِ فَإذا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَها مَلَكُ اليَمِينِ عَشْرًا وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ صاحِبُ اليَمِينِ لِصاحِبِ الشِّمالِ: دَعْهُ سَبْعَ ساعاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أوْ يَسْتَغْفِرُ".»

ق 50:19

﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ بَعْدَما ذُكِرَ اسْتِبْعادُهم لِلْبَعْثِ والجَزاءِ وأُزِيحَ ذَلِكَ بِتَحْقِيقِ قدرته تعالى وعِلْمِهِ وبَيَّنَ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِمْ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةً عَلَيْهِمْ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ ما يُلاقُونَهُ لا مَحالَةَ مِنَ المَوْتِ والبَعْثِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ وُقُوعِ كُلٍّ مِنها بِصِيغَةِ الماضِي إيذانًا بِتَحْقِيقِها وغايَةِ اقْتِرابِها وسَكْرَةُ المَوْتِ شِدَّتُهُ الذّاهِبَةُ بِالعَقْلِ، والباءُ إمّا لِلتَّعْدِيَةِ كَما في قَوْلِكَ: "جاءَ الرَّسُولُ بِالخَبَرِ" والمَعْنى: أحْضَرَهُ سَكْرَةَ المَوْتِ حَقِيقَةَ الأمْرِ الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ كُتُبُ اللَّهِ ورُسُلُهُ أوْ حَقِيقَةَ الأمْرِ وجَلِيَّةَ الحالِ مِن سَعادَةِ المَيِّتِ وشَقاوَتِهِ. وقِيلَ: الحَقُّ الَّذِي لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لا مَحالَةَ مِنَ المَوْتِ أوِ الجَزاءِ فَإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ لَهُ، وإمّا لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ أيْ: بِحَقِيقَةِ الأمْرِ أوْ بِالحِكْمَةِ والغايَةِ الجَمِيلَةِ، وقُرِئَ "سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ" والمَعْنى: أنَّها السَّكْرَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلى الإنْسانِ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ وأنَّها لِشِدَّتِها تُوجِبُ زُهُوقَ الرُّوحِ أوْ تَسْتَعْقِبُهُ. وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ. وقِيلَ: سَكْرَةُ الحَقِّ: سَكْرَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ الإضافَةَ لِلتَّهْوِيلِ، (p-130)وَقُرِئَ "سَكَراتُ المَوْتِ". ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المَوْتُ. ﴿ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ أيْ: تَمِيلُ وتَنْفِرُ عَنْهُ، والخِطابُ لِلْإنْسانِ فَإنَّ النَّفْرَةَ عَنْهُ شامِلَةٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ طَبْعًا.

ق 50:20

﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: وقْتُ ذَلِكَ النَّفْخِ عَلى حَذْفِ المُضافِ. ﴿يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: يَوْمُ إنْجازِ الوَعِيدِ الواقِعِ في الدُّنْيا أيْ: يَوْمُ وُقُوعِ الوَعِيدِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ العَذابِ المَوْعُودِ. وقِيلَ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الزَّمانِ المَفْهُومِ مِن نُفِخَ فَإنَّ الفِعْلَ كَما يَدُلُّ عَلى الحَدَثِ يَدُلُّ عَلى الزَّمانِ، وتَخْصِيصُ الوَعِيدِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهُ يَوْمُ الوَعْدِ أيْضًا لِتَهْوِيلِهِ ولِذَلِكَ بُدِئَ بِبَيانِ حالِ الكَفَرَةِ.

ق 50:21

﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ والفاجِرَةِ. ﴿مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ وإنِ اخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّةُ السَّوْقِ والشَّهادَةِ حَسَبَ اخْتِلافِ النُّفُوسِ عَمَلًا أيْ: مَعَها مَلَكانِ، أحَدُهُما يَسُوقُها إلى المَحْشَرِ والآخِرُ يَشْهَدُ بِعَمَلِها أوْ مَلَكٌ جامِعٌ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَعَها مَلَكٌ يَسُوقُها ويَشْهَدُ عَلَيْها. وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ. وقِيلَ: السّائِقُ نَفْسُهُ أوْ قَرِينُهُ والشَّهِيدُ جَوارِحُهُ أوِ أعْمالُهُ، ومَحَلُّ "مَعَها" النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن "كُلُّ" لِإضافَتِهِ إلى ما هو في حُكْمِ المَعْرِفَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ النُّفُوسِ، أوِ الجَرُّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِـ"نَفْسٍ" أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِـ"كُلُّ".

ق 50:22

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ مَحْكِيٌّ بِإضْمارِ قَوْلٍ هو إمّا صِفَةٌ أُخْرى لِـ"نَفْسٍ" أوْ حالٌ أُخْرى مِنها أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُ بِها؟ فَقِيلَ: يُقالُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ ...إلَخْ وخِطابُ الكُلِّ بِذَلِكَ لِما أنَّهُ ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ غَفْلَةٌ ما مِنَ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكافِرِ، وقُرِئَ "كُنْتِ" بِكَسْرِ التّاءِ عَلى اعْتِبارِ تَأْنِيثِ النَّفْسِ والتَّذْكِيرُ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ بِتَأْوِيلِ الشَّخْصِ كَما في قَوْلِ جَبَلَةَ بْنِ حُرَيْثٍ: ؎ يا نَفْسُ إنَّكَ بِاللَّذّاتِ مَسْرُورًا ∗∗∗ فاذْكُرْ فَهَلْ يَنْفَعُكَ اليَوْمَ تَذْكِيرُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الغِطاءُ: الحِجابُ المُغَطِّي لِأُمُورِ المَعادِ وهو الغَفْلَةُ والِانْهِماكُ في المَحْسُوساتِ، والإلْفُ بِها وقَصْرُ النَّظَرِ عَلَيْها. ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ نافِذٌ لِزَوالِ المانِعِ لِلْإبْصارِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ.

ق 50:23

﴿وَقالَ قَرِينُهُ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ المُقَيَّضُ لَهُ مُشِيرًا إلَيْهِ. ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ: هَذا ما عِنْدِي وفي مِلْكَتِي عَتِيدٌ لِجَهَنَّمَ قَدْ هَيَّأْتُهُ لَها بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقِيلَ: قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ مُشِيرًا إلى ما مَعَهُ مِن كِتابِ عَمَلِهِ هَذا مَكْتُوبٌ عِنْدِي عَتِيدٌ مُهَيَّأٌ لِلْعَرْضِ و"ما" إنْ جُعِلَتْ مَوْصُوفَةً فَعَتِيدٌ صِفَتُها وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فَهي بَدَلٌ مِنها أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

ق 50:24

﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ أوْ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ (p-131)أوْ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ تَثْنِيَةَ الفِعْلِ وتَكْرِيرِهِ كَقَوْلِ مَن قالَ: ؎ فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا أوْ عَلى أنَّ الألِفَ بَدَلٌ مِن نُونِ التَّأْكِيدِ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ ألْقِيَنْ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ. ﴿عَنِيدٍ﴾ مُعانِدٌ لِلْحَقِّ.

ق 50:25

﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ كَثِيرُ المَنعِ لِلْمالِ عَنْ حُقُوقِهِ المَفْرُوضَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَيْرِ: الإسْلامُ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ لَمّا مَنَعَ بَنِي أخِيهِ مِنهُ. ﴿مُعْتَدٍ﴾ ظالِمٌ مُتَخَطٍّ لِلْحَقِّ. ﴿مُرِيبٍ﴾ شاكٌّ في اللَّهِ وفي دِينِهِ.

ق 50:26

﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ مُبْتَدَأٌ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ خَبَرُهُ. ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ أوْ بَدَلٌ مِن "كُلِّ كُفّارٍ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقِياهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ أوْ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ "فَألْقِياهُ".

ق 50:27

﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ المُقَيَّضُ لَهُ وإنَّما اسْتُؤْنِفَ اسْتِئْنافَ الجُمَلِ الواقِعَةِ في حِكايَةِ المُقاوَلَةِ لِما أنَّهُ جَوابٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ فَإنَّهُ مُنْبِئٌ عَنْ سابِقَةِ كَلامٍ اعْتَذَرَ بِهِ الكافِرُ كَأنَّهُ قالَ: هو أطْغانِي فَأجابَ قَرِينُهُ بِتَكْذِيبِهِ، وإسْنادُ الطُّغْيانِ إلَيْهِ بِخِلافِ الجُمْلَةِ الأُولى فَإنَّها واجِبَةُ العَطْفِ عَلى ما قَبْلَها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ مَفْهُومَيْها في الحُصُولِ أعْنِي مَجِيءَ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ المَلَكَيْنِ وقَوْلُ قَرِينِهِ. ﴿وَلَكِنْ كانَ﴾ هو بِالذّاتِ. ﴿فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ مِنَ الحَقِّ فَأعَنْتُهُ عَلَيْهِ بِالإغْواءِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ مِن غَيْرِ قَسْرٍ وإلْجاءٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ .

ق 50:28

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أيْ: في مَوْقِفِ الحِسابِ والجَزاءِ إذْ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ. ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ عَلى الطُّغْيانِ في دارِ الكَسْبِ في كُتُبِي وعَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي فَلا تَطْمَعُوا في الخَلاصِ عَنْهُ بِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ التَّعَلُّلِ بِالمَعاذِيرِ الباطِلَةِ والجُمْلَةُ حالٌ فِيها تَعْلِيلٌ لِلنَّهِيِ عَلى مَعْنى: لا تَخْتَصِمُوا وقَدْ صَحَّ عِنْدَكم أنِّي قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ فاتَّبَعُوهُ مُعْرِضِينَ عَنِ الحَقِّ فَلا وجْهَ لِلِاخْتِصامِ في هَذا الوَقْتِ، والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ مُعَدِّيَةٌ عَلى أنَّ قَدَّمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدَّمْتُ واقِعًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى:

ق 50:29

﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ ...إلَخْ ويَكُونُ الوَعِيدُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ مُقْتَرِنًا بِهِ أوْ قَدَّمْتُهُ إلَيْكم مُوعِدًا لَكم بِهِ فَلا تَطْمَعُوا أنْ أُبَدِّلَ وعِيدِي والعَفْوُ عَنْ بَعْضِ المُذْنِبِينَ لِأسْبابٍ داعِيَةٍ إلَيْهِ لَيْسَ بِتَبْدِيلٍ فَإنَّ دَلائِلَ العَفْوِ تَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ الوَعِيدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وارِدٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ عَلى الوَجْهِ (p-132)الكُلِّيِّ وتَبَيَّنَ أنَّ عَدَمَ تَبْدِيلِ القَوْلِ وتَحْقِيقَ مُوجِبِ الوَعِيدِ لَيْسَ مِن جِهَتِهِ تَعالى مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لَهُ مِنهم بَلِ إنَّما ذَلِكَ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجِناياتِ المُوجِبَةِ لَهُ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا أيْ: وما أنا بِمُعَذِّبٍ لِلْعَبِيدِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًا مُفْرِطًا لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِنَ الظُّلْمِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ، وقِيلَ: هي لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ عَلى أنَّها مُبالَغَةٌ كَمًّا لا كَيْفًا.

ق 50:30

﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلِ مِن مَزِيدٍ﴾ سُؤالٌ وجَوابٌ جِيءَ بِهِما عَلى مِنهاجِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِتَهْوِيلِ أمْرِها والمَعْنى: أنَّها مَعَ اتِّساعِها وتَباعُدِ أقْطارِها تُطْرَحُ فِيها مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ حَتّى تَمْتَلِئَ أوْ أنَّها مِنَ السَّعَةِ بِحَيْثُ يَدْخُلُها مَن يَدْخُلُها وفِيها بَعْدُ مَحَلٌّ فارِغٌ أوْ أنَّها لِغَيْظِها عَلى العُصاةِ تَطَلُبُ زِيادَتَهُمْ، وقُرِئَ "يَقُولُ" بِالياءِ والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ والمَجِيدِ أوْ مَفْعُولٌ كالمَبِيعِ و"يَوْمَ" إمّا مَنصُوبٌ بِـ"اذْكُرْ" أوْ "أنْذِرْ" أوْ ظَرْفٌ لِنُفِخَ فَتَكُونُ "ذَلِكَ" حِينَئِذٍ إشارَةً إلَيْهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْرِيرٍ مُضافٍ أوْ لِمُقَدَّرٍ مُؤَخَّرٍ أيْ: يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما يَقْصُرُ عَنْهُ المُقالُ.

ق 50:31

﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ النَّفْخِ ومَجِيءِ النُّفُوسِ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، وقَدْ مَرَّ سِرُّ تَقْدِيمِ حالِ الكَفَرَةِ عَلَيْهِ وهو عَطْفٌ عَلى "نُفِخَ" أيْ: قُرِّبَتْ لِلْمُتَّقِينَ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها مِنَ المَوْقِفِ ويَقِفُونَ عَلى ما فِيها مِن فُنُونِ المَحاسِنِ فَيَبْتَهِجُونَ بِأنَّهم مَحْشُورُونَ إلَيْها فائِزُونَ بَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْإزْلافِ أيْ: مَكانًا غَيْرَ بَعِيدٍ بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها أوْ حالُ كَوْنِها غَيْرَ بَعِيدٍ أيْ: شَيْئًا غَيْرَ بَعِيدٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّذْكِيرُ لِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ الَّذِي يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ أوْ لِتَأْوِيلِ الجَنَّةِ بِالبُسْتانِ.

ق 50:32

﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ والتَّذْكِيرُ لِما أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو المُسَمّى مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ فَإنَّهُما مِن أحْكامِ اللَّفْظِ العَرَبِيِّ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى ثَوابٍ. وقِيلَ: إلى مَصْدَرِ "أُزْلِفَتْ". وقُرِئَ "يُوعَدُونَ" والجُمْلَةُ إمّا اعْتِراضٌ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وإمّا مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ هو حالٌ مِنَ المُتَّقِينَ أوْ مِنَ الجَنَّةِ والعامِلُ أُزْلِفَتْ أيْ: مَقُولًا لَهم أوْ مَقُولًا في حَقِّها هَذا ما تُوعَدُونَ. ﴿لِكُلِّ أوّابٍ﴾ أيْ: رَجّاعٌ إلى اللَّهِ تَعالى بَدَلٌ مِنَ المُتَّقِينَ بِإعادَةِ الجارِّ. ﴿حَفِيظٍ﴾ حافِظٍ لِتَوْبَتِهِ مِنَ النَّقْصِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَحْفَظُ ذُنُوبَهُ حَتّى يَرْجِعَ عَنْها ويَسْتَغْفِرَ مِنها. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِن حُقُوقِها.

ق 50:33

(p-133)﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ أوْ بَدَلٌ مِن مَوْصُوفٍ "أوّابٍ" ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في حُكْمِهِ لِأنَّ مَن لا يُوصَفُ بِهِ ولا يُوصَفُ إلّا بِالَّذِي أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ

ق 50:34

﴿ادْخُلُوها﴾ بِتَأْوِيلِ "يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها" والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالغَيْبِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ "خَشِيَ" أوْ مَفْعُولِهِ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِهِ أيْ: خَشْيَةً مُلْتَبِسَةً بِالغَيْبِ حَيْثُ خَشِيَ عِقابَهُ وهو غائِبٌ عَنِ الأعْيُنِ لا يَراهُ أحَدٌ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِلْإشارَةِ بِأنَّهم مَعَ خَشْيَتِهِمْ عِقابَهُ راجُونَ رَحْمَتَهُ أوْ بِأنَّ عِلْمَهم بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى يَصُدُّهم عَنْ خَشْيَتِهِ تَعالى وأنَّهم عامِلُونَ بِمُوجِبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ ووَصْفُ القَلْبِ بِالإنابَةِ لِما أنَّ العِبْرَةَ بِرُجُوعِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿بِسَلامٍ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ "ادْخُلُوها" أيْ: مُلْتَبَسِينَ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ وزَوالِ النِّعَمِ أوْ بِسَلامٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الزَّمانِ المُمْتَدِّ الَّذِي وقَعَ في بَعْضٍ مِنهُ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ. ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ إذْ لا انْتِهاءَ لَهُ أبَدًا.

ق 50:35

﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ مِن فُنُونِ المَطالِبِ كائِنًا ما كانَ. ﴿فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"يَشاؤُونَ"، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ مِن صِلَتِهِ. ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ هو ما لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ ولا يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَشِيئَتِهِمْ مِن مَعالِي الكَراماتِ الَّتِي لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. وقِيلَ: إنَّ السَّحابَ تَمُرُّ بِأهْلِ الجَنَّةِ فَتُمْطِرُهُمُ الحُورَ فَتَقُولُ: نَحْنُ المَزِيدُ الَّذِي قالَ تَعالى: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ .

ق 50:36

﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ قَوْمِكَ. ﴿مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً كَعادٍ وأضْرابِها. ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ: خَرَقُوا فِيها ودَوَّخُوا وتَصَرَّفُوا في أقْطارِها أوْ جالُوا في أكْنافِ الأرْضِ كُلَّ مَجالٍ حِذارَ المَوْتِ، وأصْلُ التَّنْقِيبِ والنَّقْبِ: التَّنْقِيرُ عَنِ الأمْرِ والبَحْثُ والطَّلَبُ، والفاءُ لِلْدَلالَةِ عَلى أنَّ شِدَّةَ بَطْشِهِمْ أقدرتهمْ عَلى التَّنْقِيبِ. قِيلَ: هي عاطِفَةٌ في المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَدَّ بَطْشُهم فَنَقَّبُوا ...إلَخْ وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: هَلْ لَهم مِن مُخَلِّصٍ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ إمّا عَلى إضْمارِ قَوْلٍ هو حالٌ مِن واوِ "نَقَّبُوا" أيْ: فَنَقَّبُوا في البِلادِ قائِلِينَ هَلْ مِن مَحِيصٍ؟ أوْ عَلى إجْراءِ التَّنْقِيبِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّتَبُّعِ والتَّفْتِيشِ مُجْرى القَوْلِ أوْ هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم مَحِيصٌ. وقِيلَ: ضَمِيرُ "نَقَّبُوا" لِأهْلِ مَكَّةَ أيْ: سارُوا في مَسايِرِهِمْ وأسْفارِهِمْ في بِلادِ القُرُونِ فَهَلْ رَأوْا لَهم مَحِيصًا حَتّى يُؤَمِّلُوا مِثْلَهُ لِأنْفُسِهِمْ ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، وقُرِئَ "فَنَقِّبُوا" بِكَسْرِ القافِ مِنَ النَّقَبِ وهو أنْ يَنْتَقِبَ خُفُّ البَعِيرِ أيِ: أكْثَرُوا السَّيْرَ حَتّى نَقِبَتْ أقْدامُهم أوْ أخْفافُ إبِلِهِمْ.

ق 50:37

(p-134)﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ، وقِيلَ: فِيما ذُكِرَ في السُّورَةِ. ﴿لَذِكْرى﴾ لَتَذْكِرَةً وعِظَةً. ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ: قَلْبٌ سَلِيمٌ يُدْرِكُ بِهِ كُنْهَ ما يُشاهِدُهُ مِنَ الأُمُورِ ويَتَفَكَّرُ فِيها كَما يَنْبَغِي، فَإنَّ مَن كانَ لَهُ ذَلِكَ يَعْلَمُ أنَّ مَدارَ دَمارِهِمْ هو الكُفْرُ فَيَرْتَدِعُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ مُشاهِدَةِ الآثارِ مِن غَيْرِ تَذْكِيرٍ. ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيِ: إلى ما يُتْلى عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِما جَرى عَلَيْهِمْ فَإنَّ مَن فَعَلَهُ يَقِفُ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ فَيَنْزَجِرُ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ فَكَلِمَةُ "أوْ" لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ فَإنَّ إلْقاءَ السَّمْعِ لا يُجْدِي بِدُونِ سَلامَةِ القَلْبِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرٌ بِفِطْنَتِهِ لِأنَّ مَن لا يَحْضُرُ ذِهْنُهُ فَكَأنَّهُ غائِبٌ، وتَجْرِيدُ القَلْبِ عَمّا ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَن عُرِّيَ قَلْبُهُ عَنْها كَمَن لا قَلْبَ لَهُ أصْلًا.

ق 50:38

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِن أصْنافِ المَخْلُوقاتِ. ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا﴾ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا لا يَفِي بِهِ القُوى والقَدْرُ. ﴿مِن لُغُوبٍ﴾ مِن إعْياءٍ ما ولا تَعَبٍ في الجُمْلَةِ وهَذا رَدٌّ عَلى جَهَلَةِ اليَهُودِ في زَعْمِهِمْ أنَّهُ تَعالى بَدَأ خَلْقَ العالَمِ يَوْمَ الأحَدِ وفَرَغَ مِنهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ واسْتَلْقى عَلى العَرْشِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

ق 50:39

﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ في شَأْنِ البَعْثِ مِنَ الأباطِيلِ المَبْنِيَّةِ عَلى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ فَإنَّ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ بِلا فُتُورٍ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِمْ والِانْتِقامِ مِنهم أوْ ما يَقُولُهُ اليَهُودُ مِن مَقالاتِ الكُفْرِ والتَّشْبِيهِ. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ: نَزِّهْهُ تَعالى عَنِ العَجْزِ عَمّا يُمْكِنُ وعَنْ وُقُوعِ الخُلْفِ في أخْبارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإخْبارُ بِوُقُوعِ البَعْثِ وعَنْ وصْفِهِ تَعالى بِما يُوجِبُ التَّشْبِيهَ حامِدًا لَهُ تَعالى عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِن إصابَةِ الحَقِّ وغَيْرِها. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ هُما وقْتُ الفَجْرِ والعَصْرِ وفَضِيلَتُهُما مَشْهُورَةٌ.

ق 50:40

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ وسَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ. ﴿وَأدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأعْقابَ الصَّلَواتِ، جَمْعُ دُبُرٍ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ مِن "أدْبَرَتِ الصَّلاةُ" إذا انْقَضَتْ وتَمَّتْ، ومَعْناهُ: وقْتُ انْقِضاءِ السُّجُودِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ: الصَّلَواتُ فالمَرادُ بِما قَبْلَ الطُّلُوعِ صَلاةُ الفَجْرِ، وبِما قَبْلَ الغُرُوبِ الظَّهْرُ والعَصْرُ وبِما مِنَ اللَّيْلِ العِشاءانِ والتَّهَجُّدُ وما يُصَلّى بِأدْبارِ السُّجُودِ النَّوافِلُ بَعْدَ المَكْتُوباتِ.

ق 50:41

﴿واسْتَمِعْ﴾ أيْ: لِما يُوحى إلَيْكَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ وفِيهِ تَهْوِيلٌ وتَفْظِيعٌ لِلْمُخَبَّرِ بِهِ. ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ أيِ: اِسْرافِيلُ أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ فَيَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ واللُّحُومُ المُتَمَزِّقَةُ والشُّعُورُ المُتَفَرِّقَةُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُنَّ أنْ تَجْتَمِعْنَ لِفَصْلِ القَضاءِ. وقِيلَ: إسْرافِيلُ يَنْفُخُ وجِبْرِيلُ يُنادى بِالحَشْرِ. ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ بِحَيْثُ يَصِلُ (p-135)نِداؤُهُ إلى الكُلِّ عَلى سَواءٍ. وقِيلَ: مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وقِيلَ: مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ. وقِيلَ: مِن مَنابِتِ شُعُورِهِمْ يُسْمَعُ مِن كُلِّ شَعْرَةٍ ولَعَلَّ ذَلِكَ في الإعادَةِ مِثْلُ كُنْ في البَدْءِ.

ق 50:42

﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يُنادِ﴾ ...إلَخْ وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّيْحَةِ والعامِلُ في الظَّرْفِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ الَّذِي هو البَعْثُ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ.

ق 50:43

﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ في الدُّنْيا مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَنا في ذَلِكَ أحَدٌ. ﴿وَإلَيْنا المَصِيرُ﴾ لِلْجَزاءِ في الآخِرَةِ لا إلى غَيْرِنا لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا.

ق 50:44

﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مَن "تَتَشَقَّقُ"، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ و"تُشَقَّقُ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ التَّفْعِيلِ و"تَنْشَقُّ". ﴿سِراعًا﴾ مُسْرِعِينَ. ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ بَعْثٌ وجَمْعٌ وسَوْقٌ. ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ أيْ: هَيِّنٌ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِتَخْصِيصِ اليُسْرِ بِهِ تَعالى.

ق 50:45

﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ مِن نَفْيِ البَعْثِ وتَكْذِيبِ الآياتِ النّاطِقَةِ بِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ. ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ بِمُتَسَلِّطٍ تَقْسِرُهم عَلى الإيمانِ أوْ تَفْعَلُ بِهِمْ ما تُرِيدُ وإنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ. ﴿فَذَكِّرْ بِالقرآن مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ وأمّا مَن عَداهم فَنَحْنُ نَفْعَلُ بِهِمْ ما تُوحِيهِ أقْوالُهم وتَسْتَدْعِيهِ أعْمالُهم مِن ألْوانِ العِقابِ وفُنُونِ العَذابِ. عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "مَن قَرَأ سُورَةَ ق هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثاراتِ المَوْتِ وسَكَراتِهِ".»

الذاريات 51:1

(p-136)سُورَةُ الذّارِياتِ ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ أيْ: الرِّياحُ الَّتِي تَذْرُو التُّرابَ وغَيْرَهُ، وقُرِئَ بِإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ. ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ أيِ: السُّحُبُ الحامِلَةُ لِلْمَطَرِ أوِ الرِّياحُ الحامِلَةُ لِلسَّحابِ، وقُرِئَ "وَقْرًا" عَلى تَسْمِيَةِ المَحْمُولِ بِالمَصْدَرِ. ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أيِ: السُّفُنُ الجارِيَةُ في البَحْرِ أوِ الرِّياحِ الجارِيَةِ في مَهابِّها أوِ السُّحُبِ الجارِيَةِ في الجَوِّ بِسَوْقِ الرِّياحِ أوِ الكَواكِبِ الجارِيَةِ في مَجارِيها ومَنازِلِها و"يُسْرًا" صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: جَرْيًا ذا يُسْرٍ. ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ أيِ: المَلائِكَةِ الَّتِي تُقَسِّمُ الأُمُورَ مِنَ الأمْطارِ والأرْزاقِ وغَيْرِها أوِ السُّحُبِ الَّتِي يُقَسِّمُ اللَّهُ تَعالى بِها أرْزاقَ العِبادِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالكُلِّ الرِّياحُ تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ العُنْوانِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ فَإنَّها كَما تَذْرُو ما تَذْرُوهُ تُثِيرُ السَّحابَ وتَحْمِلُهُ وتَجْرِي في الجَوِّ جَرْيًا سَهْلًا وتُقَسِّمُ الأمْطارَ بِتَصْرِيفِ السَّحابِ في الأقْطارِ فَإنْ حُمِلَتِ الأُمُورُ المُقْسَمُ بِها عَلى ذَواتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فالفاءُ لِتَرْتِيبِ الإقْسامِ بِاعْتِبارِ ما بَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وإلّا فَهي لِتَرْتِيبِ ما صَدَرَ عَنِ الرِّيحِ مِنَ الأفاعِيلِ فَإنَّها تَذْرُو الأبْخِرَةَ إلى الجَوِّ حَتّى تَنْعَقِدَ سَحابًا فَتَجْرِيَ بِهِ باسِطَةً لَهُ إلى ما أُمِرَتْ بِهِ فَتُقَسِّمُ المَطَرَ.

الذاريات 51:2

(p-136)سُورَةُ الذّارِياتِ ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ أيْ: الرِّياحُ الَّتِي تَذْرُو التُّرابَ وغَيْرَهُ، وقُرِئَ بِإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ. ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ أيِ: السُّحُبُ الحامِلَةُ لِلْمَطَرِ أوِ الرِّياحُ الحامِلَةُ لِلسَّحابِ، وقُرِئَ "وَقْرًا" عَلى تَسْمِيَةِ المَحْمُولِ بِالمَصْدَرِ. ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أيِ: السُّفُنُ الجارِيَةُ في البَحْرِ أوِ الرِّياحِ الجارِيَةِ في مَهابِّها أوِ السُّحُبِ الجارِيَةِ في الجَوِّ بِسَوْقِ الرِّياحِ أوِ الكَواكِبِ الجارِيَةِ في مَجارِيها ومَنازِلِها و"يُسْرًا" صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: جَرْيًا ذا يُسْرٍ. ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ أيِ: المَلائِكَةِ الَّتِي تُقَسِّمُ الأُمُورَ مِنَ الأمْطارِ والأرْزاقِ وغَيْرِها أوِ السُّحُبِ الَّتِي يُقَسِّمُ اللَّهُ تَعالى بِها أرْزاقَ العِبادِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالكُلِّ الرِّياحُ تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ العُنْوانِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ فَإنَّها كَما تَذْرُو ما تَذْرُوهُ تُثِيرُ السَّحابَ وتَحْمِلُهُ وتَجْرِي في الجَوِّ جَرْيًا سَهْلًا وتُقَسِّمُ الأمْطارَ بِتَصْرِيفِ السَّحابِ في الأقْطارِ فَإنْ حُمِلَتِ الأُمُورُ المُقْسَمُ بِها عَلى ذَواتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فالفاءُ لِتَرْتِيبِ الإقْسامِ بِاعْتِبارِ ما بَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وإلّا فَهي لِتَرْتِيبِ ما صَدَرَ عَنِ الرِّيحِ مِنَ الأفاعِيلِ فَإنَّها تَذْرُو الأبْخِرَةَ إلى الجَوِّ حَتّى تَنْعَقِدَ سَحابًا فَتَجْرِيَ بِهِ باسِطَةً لَهُ إلى ما أُمِرَتْ بِهِ فَتُقَسِّمُ المَطَرَ.

الذاريات 51:3

(p-136)سُورَةُ الذّارِياتِ ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ أيْ: الرِّياحُ الَّتِي تَذْرُو التُّرابَ وغَيْرَهُ، وقُرِئَ بِإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ. ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ أيِ: السُّحُبُ الحامِلَةُ لِلْمَطَرِ أوِ الرِّياحُ الحامِلَةُ لِلسَّحابِ، وقُرِئَ "وَقْرًا" عَلى تَسْمِيَةِ المَحْمُولِ بِالمَصْدَرِ. ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أيِ: السُّفُنُ الجارِيَةُ في البَحْرِ أوِ الرِّياحِ الجارِيَةِ في مَهابِّها أوِ السُّحُبِ الجارِيَةِ في الجَوِّ بِسَوْقِ الرِّياحِ أوِ الكَواكِبِ الجارِيَةِ في مَجارِيها ومَنازِلِها و"يُسْرًا" صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: جَرْيًا ذا يُسْرٍ. ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ أيِ: المَلائِكَةِ الَّتِي تُقَسِّمُ الأُمُورَ مِنَ الأمْطارِ والأرْزاقِ وغَيْرِها أوِ السُّحُبِ الَّتِي يُقَسِّمُ اللَّهُ تَعالى بِها أرْزاقَ العِبادِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالكُلِّ الرِّياحُ تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ العُنْوانِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ فَإنَّها كَما تَذْرُو ما تَذْرُوهُ تُثِيرُ السَّحابَ وتَحْمِلُهُ وتَجْرِي في الجَوِّ جَرْيًا سَهْلًا وتُقَسِّمُ الأمْطارَ بِتَصْرِيفِ السَّحابِ في الأقْطارِ فَإنْ حُمِلَتِ الأُمُورُ المُقْسَمُ بِها عَلى ذَواتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فالفاءُ لِتَرْتِيبِ الإقْسامِ بِاعْتِبارِ ما بَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وإلّا فَهي لِتَرْتِيبِ ما صَدَرَ عَنِ الرِّيحِ مِنَ الأفاعِيلِ فَإنَّها تَذْرُو الأبْخِرَةَ إلى الجَوِّ حَتّى تَنْعَقِدَ سَحابًا فَتَجْرِيَ بِهِ باسِطَةً لَهُ إلى ما أُمِرَتْ بِهِ فَتُقَسِّمُ المَطَرَ.

الذاريات 51:4

(p-136)سُورَةُ الذّارِياتِ ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ أيْ: الرِّياحُ الَّتِي تَذْرُو التُّرابَ وغَيْرَهُ، وقُرِئَ بِإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ. ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ أيِ: السُّحُبُ الحامِلَةُ لِلْمَطَرِ أوِ الرِّياحُ الحامِلَةُ لِلسَّحابِ، وقُرِئَ "وَقْرًا" عَلى تَسْمِيَةِ المَحْمُولِ بِالمَصْدَرِ. ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أيِ: السُّفُنُ الجارِيَةُ في البَحْرِ أوِ الرِّياحِ الجارِيَةِ في مَهابِّها أوِ السُّحُبِ الجارِيَةِ في الجَوِّ بِسَوْقِ الرِّياحِ أوِ الكَواكِبِ الجارِيَةِ في مَجارِيها ومَنازِلِها و"يُسْرًا" صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: جَرْيًا ذا يُسْرٍ. ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ أيِ: المَلائِكَةِ الَّتِي تُقَسِّمُ الأُمُورَ مِنَ الأمْطارِ والأرْزاقِ وغَيْرِها أوِ السُّحُبِ الَّتِي يُقَسِّمُ اللَّهُ تَعالى بِها أرْزاقَ العِبادِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالكُلِّ الرِّياحُ تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ العُنْوانِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ فَإنَّها كَما تَذْرُو ما تَذْرُوهُ تُثِيرُ السَّحابَ وتَحْمِلُهُ وتَجْرِي في الجَوِّ جَرْيًا سَهْلًا وتُقَسِّمُ الأمْطارَ بِتَصْرِيفِ السَّحابِ في الأقْطارِ فَإنْ حُمِلَتِ الأُمُورُ المُقْسَمُ بِها عَلى ذَواتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فالفاءُ لِتَرْتِيبِ الإقْسامِ بِاعْتِبارِ ما بَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وإلّا فَهي لِتَرْتِيبِ ما صَدَرَ عَنِ الرِّيحِ مِنَ الأفاعِيلِ فَإنَّها تَذْرُو الأبْخِرَةَ إلى الجَوِّ حَتّى تَنْعَقِدَ سَحابًا فَتَجْرِيَ بِهِ باسِطَةً لَهُ إلى ما أُمِرَتْ بِهِ فَتُقَسِّمُ المَطَرَ.

الذاريات 51:5

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾، ﴿وَإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ وفي تَخْصِيصِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بِالإقْسامِ بَها رَمْزٌ إلى شَهادَتِها بِتَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها مِن حَيْثُ إنَّها أُمُورٌ بَدِيعَةٌ مُخالِفَةٌ لِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ فَمَن قَدَرَ عَلَيْها فَهو قادِرٌ عَلى البَعْثِ المَوْعُودِ و"ما" مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ووَصْفُ الوَعْدِ بِالصِّدْقِ كَوَصْفِ العِيشَةِ بِالرِّضا والدِّينُ الجَزاءُ ووُقُوعُهُ حُصُولُهُ.(p-137)

الذاريات 51:6

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾، ﴿وَإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ وفي تَخْصِيصِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بِالإقْسامِ بَها رَمْزٌ إلى شَهادَتِها بِتَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها مِن حَيْثُ إنَّها أُمُورٌ بَدِيعَةٌ مُخالِفَةٌ لِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ فَمَن قَدَرَ عَلَيْها فَهو قادِرٌ عَلى البَعْثِ المَوْعُودِ و"ما" مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ووَصْفُ الوَعْدِ بِالصِّدْقِ كَوَصْفِ العِيشَةِ بِالرِّضا والدِّينُ الجَزاءُ ووُقُوعُهُ حُصُولُهُ.(p-137)

الذاريات 51:7

﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: ذاتُ الخَلْقِ المُسْتَوِي. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ذاتُ الزِّينَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي المُتْقَنَةُ البُنْيانِ. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والضَّحّاكُ: ذاتُ الطَّرائِقِ. والمُرادُ: إمّا الطَّرائِقُ المَحْسُوسَةُ الَّتِي هي مَسِيرُ الكَواكِبِ أوِ المَعْقُولَةُ الَّتِي يَسْلُكُها النُّظّارُ أوِ النُّجُومُ فَإنَّ لَها طَرائِقَ. وعَنِ الحَسَن ِ حَبْكُها: نُجُومُها حَيْثُ تُزَيِّنُها كَما تُزَيِّنُ المُوَشّى طَرائِقُ الوَشْيِ، وهي إمّا جَمْعُ حِباكٍ أوْ حَبِيكَةٍ كَمِثالٍ ومُثُلٍ وطَرِيقَةٍ وطُرُقٍ، وقُرِئَ "الحِبْكِ" بِوَزْنِ السِّلْكِ و"الحَبَكِ" كالجَبَلِ و"الحَبْكِ" كالبَرْقِ و"الحِبَكِ" كالنِّعَمِ و"الحِبِكِ" كالإبِلِ.

الذاريات 51:8

﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ أيْ: مُتَخالِفٍ مُتَناقِضٍ وهو قَوْلُهم في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تارَةً شاعِرٌ وأُخْرى ساحِرٌ وأُخْرى مَجْنُونٌ، وفي شَأْنِ القرآن الكَرِيمِ تارَةً شِعْرٌ وأُخْرى سِحْرٌ وأُخْرى أساطِيرُ، وفي هَذا الجَوابِ تَأْيِيدٌ لِيَكُونَ الحُبُكُ عِبارَةً عَنِ الِاسْتِواءِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ ما نُقِلَ عَنِ الضَّحّاكِ مِن أنَّ قَوْلَ الكَفَرَةِ لا يَكُونُ مُسْتَوِيًا إنَّما هو مُتَناقِضٌ مُخْتَلِفٌ. وقِيلَ: النُّكْتَةُ في هَذا القَسَمِ تَشْبِيهُ أقْوالِهِمْ في اخْتِلافِها وتَنافِي أغْراضِها بِطَرائِقِ السَّمَواتِ في تَباعُدِها واخْتِلافِ غاياتِها ولَيْسَ بِذاكَ.

الذاريات 51:9

﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ أيْ: يُصْرَفُ عَنِ القرآن أوِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَن صُرِفَ إذْ لا صَرْفَ أفْظَعُ مِنهُ وأشَدُّ. وقِيلَ: يُصْرَفُ عَنْهُ مَن صُرِفَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْقَوْلِ المُخْتَلِفِ عَلى مَعْنى يَصْدُرُ إفْكُ مَن أُفِكَ عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ، وقُرِئَ "مَن أفَكَ" عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ وقُرِئَ "مَن أفَكَ" أيْ: مَن أفَكَ النّاسَ وهم قُرَيْشٌ حَيْثُ كانُوا يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ.

الذاريات 51:10

﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ وأصْلُهُ الدُّعاءُ بِالقَتْلِ والهَلاكِ ثُمَّ جَرى مَجْرى لَعَنَ و"الخَرّاصُونَ": الكَذّابُونَ المُقَدِّرُونَ ما لا صِحَّةَ لَهُ وهم أصْحابُ القَوْلِ المُخْتَلِفِ كَأنَّهُ قِيلَ: قُتِلَ هَؤُلاءِ الخَرّاصُونَ، وقُرِئَ "قَتَلَ الخَرّاصِينَ" أيْ: قَتَلَ اللَّهُ.

الذاريات 51:11

﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ﴾ مِنَ الجَهْلِ والضَّلالِ. ﴿ساهُونَ﴾ غافِلُونَ عَمّا أُمِرُوا بِهِ.

الذاريات 51:12

﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ: مَتى وُقُوعُ يَوْمِ الجَزاءِ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ الِاسْتِعْلامِ حَقِيقَةً بَلْ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْجالِ اسْتِهْزاءً، وقُرِئَ "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.

الذاريات 51:13

﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ جَوابٌ لِلسُّؤالِ أيْ: يَقَعُ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُحْرَقُونَ (p-138)وَيُعَذَّبُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَوْمَ" خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو يَوْمَ هم ...إلَخْ والفَتْحُ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ بِالرَّفْعِ.

الذاريات 51:14

﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ أيْ: مَقُولًا لَهُمُ هَذا القَوْلُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ المُضْمَرِ أيْ: هَذا ما كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا بَدَلًا مِن "فِتْنَتِكُمْ" بِتَأْوِيلِ العَذابِ والَّذِي صِفَتُهُ.

الذاريات 51:15

﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ لا يُبْلَغُ كُنْهُها ولا يُقادَرُ قَدْرُها.

الذاريات 51:16

﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ: قابِلِينَ لِما أعْطاهم راضِينَ بِهِ عَلى مَعْنى أنَّ كُلَّ ما آتاهم حَسَنٌ مَرْضِيٌّ يُتَلَقّى بِحُسْنِ القَبُولِ. ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ في الدُّنْيا. ﴿مُحْسِنِينَ﴾ أيْ: لِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ آتِينَ بَها عَلى ما يَنْبَغِي فَلِذَلِكَ نالُوا ما نالُوا مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ، ومَعْنى الإحْسانِ بِالإجْمالِ ما أشارَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: « "أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ".»

الذاريات 51:17

وَقَدْ فُسِّرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ أيْ: كانُوا يَهْجَعُونَ في طائِفَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ اللَّيْلِ عَلى أنَّ "قَلِيلًا" ظَرْفٌ أوْ كانُوا يَهْجَعُونَ هُجُوعًا قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ و"ما" مَزِيدَةٌ في الوَجْهَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً مُرْتَفِعَةً بِـ "قَلِيلًا" عَلى الفاعِلِيَّةِ أيْ: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ هُجُوعُهم أوْ ما يَهْجَعُونَ فِيهِ، وفِيهِ لِلْمُبالَغاتِ في تَقْلِيلِ نَوْمِهِمْ واسْتِراحَتِهِمْ ذِكْرُ القَلِيلِ واللَّيْلِ الَّذِي هو وقْتُ الرّاحَةِ والهُجُوعِ الَّذِي هو الغِرارُ مِنَ النَّوْمِ وزِيادَةُ "ما" ولا مَساغَ لِجَعْلِ "ما" نافِيَةً عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَهْجَعُونَ مِنَ اللَّيْلِ قَلِيلًا بَلْ يُحْيُونَهُ كُلَّهُ؛ لِما أنَّ "ما" النّافِيَةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها.

الذاريات 51:18

﴿وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أيْ: هم مَعَ قِلَّةِ هُجُوعِهِمْ وكَثْرَةِ تَهَجُّدِهِمْ يُداوِمُونَ عَلى الِاسْتِغْفارِ في الأسْحارِ كَأنَّهم أسْلَفُوا لَيْلَهم بِاقْتِرافِ الجَرائِمِ، وفي بِناءِ الفِعْلِ عَلى الضَّمِيرِ إشْعارٌ بِأنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُوصَفُوا بِالِاسْتِغْفارِ كَأنَّهُمُ المُخْتَصُّونَ بِهِ لِاسْتِدامَتِهِمْ لَهُ وإطْنابِهِمْ فِيهِ.

الذاريات 51:19

﴿وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ﴾ أيْ: نَصِيبٌ وافِرٌ يَسْتَوْجِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى وإشْفاقًا عَلى النّاسِ. ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ لِلْمُسْتَجْدِي والمُتَعَفِّفِ الَّذِي يَحْسَبُهُ النّاسُ غَنِيًّا فَيُحْرَمُ الصَّدَقَةَ.

الذاريات 51:20

﴿وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ أيْ: دَلائِلُ واضِحَةٌ عَلى شُؤُونِهِ تَعالى عَلى التَّفاصِيلِ مِن حَيْثُ إنَّها مَدْحُوَّةٌ (p-139)كالبِساطِ المُمَهَّدِ وفِيها مَسالِكُ وفِجاجٌ لِلْمُتَقَلِّبِينَ في أقْطارِها والسّالِكَيْنِ في مَناكِبِها وفِيها سَهْلٌ وجَبَلٌ وبَرٌّ وبَحْرٌ وقِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وعُيُونٌ مُتَفَجِّرَةٌ ومَعادِنُ مُفَتَّنَةٌ وأنَّها تُلَقِّحُ بِألْوانِ النَّباتِ وأنْواعِ الأشْجارِ وأصْنافِ الثِّمارِ المُخْتَلِفَةِ الألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ وفِيها دَوابُّ مُنْبَثَّةٌ قَدْ رُتِّبَ كُلُّها ودُبِّرَ لِمَنافِعِ ساكِنِها ومَصالِحِهِمْ في صِحَّتِهِمْ واعْتِلالِهِمْ.

الذاريات 51:21

﴿وَفِي أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: وفي أنْفُسِكم آياتٌ إذْ لَيْسَ في العالَمِ شَيْءٌ إلّا وفي الأنْفُسِ لَهُ نَظِيرٌ يَدُلُّ دَلالَتُهُ عَلى ما انْفَرَدَ بِهِ مِنَ الهَيْئاتِ النّافِعَةِ والمَناظِرِ البَهِيَّةِ والتَّرْكِيباتِ العَجِيبَةِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الأفْعالِ البَدِيعَةِ واسْتِنْباطِ الصَّنائِعِ المُخْتَلِفَةِ واسْتِجْماعِ الكَمالاتِ المُتَنَوِّعَةِ. ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: ألا تَنْظُرُونَ فَلا تُبْصِرُونَ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ.

الذاريات 51:22

﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ أيْ: أسْبابُ رِزْقِكم أوْ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ: السَّحابُ وبِالرِّزْقِ: المَطَرُ فَإنَّهُ سَبَبُ الأقْواتِ. ﴿وَما تُوعَدُونَ﴾ مِنَ الثَّوابِ لِأنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ السّابِعَةِ أوْ لِأنَّ الأعْمالَ وثَوابَها مَكْتُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ في السَّماءِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى:

الذاريات 51:23

﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ "لِما" وأمّا عَلى الأوَّلِ فَإمّا لَهُ وإمّا لِما ذُكِرَ مِن أمْرِ الآياتِ والرِّزْقِ عَلى أنَّهُ مُسْتَعارٌ لِاسْمِ الإشارَةِ. ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ أيْ: كَما أنَّهُ لا شَكَّ لَكم في أنَّكم تَنْطِقُونَ يَنْبَغِي أنْ لا تَشُكُّوا في حَقِّيَّتِهِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "لَحَقٌّ" أوْ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنَّهُ لَحَقٌّ حَقًّا مِثْلَ نُطْقِكم. وقِيلَ: إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وهو ما إنْ كانَتْ عِبارَةً عَنْ شَيْءٍ وأنَّ بِما في حِيِّزِها إنْ جُعِلَتْ زائِدَةً ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ "لَحَقٌّ" ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالرَّفْعِ.

الذاريات 51:24

﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ الحَدِيثِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِمّا عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ طَرِيقِ الوَحْيِ والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرُ ضافَهُ ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَماعَةِ كالزَّوْرِ والصَّوْمِ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا. وقِيلَ: تِسْعَةً عاشِرُهم جِبْرِيلُ. وقِيلَ: ثَلاثَةً جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكٌ آخَرُ مَعَهُما عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَسْمِيَتُهم ضَيْفًا لِأنَّهم كانُوا في صُورَةِ الضَّيْفِ حَيْثُ أضافَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ لِأنَّهُمُ كانُوا في حُسْبانِهِ كَذَلِكَ. ﴿المُكْرَمِينَ﴾ أيْ: المُكْرَمِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أوْ عِنْدَ إبْراهِيمَ حَيْثُ خَدَمَهم بِنَفْسِهِ وبِزَوْجَتِهِ.

الذاريات 51:25

﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ ظَرْفٌ لِلْحَدِيثِ أوْ لِما في الضَّيْفِ مِن مَعْنى الفِعْلِ أوِ المُكْرَمِينَ إنْ فُسِّرَ بِإكْرامِ إبْراهِيمَ. ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ: نُسَلِّمُ عَلَيْكَ سَلامًا. ﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ. ﴿سَلامٌ﴾ أيْ: عَلَيْكم سَلامٌ، عُدِلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ لِلْقَصْدِ إلى الثَّباتِ والدَّوامِ حَتّى تَكُونَ تَحِيَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-140)أحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمْ، وقُرِئا مَرْفُوعَيْنِ، وقُرِئَ "سِلْمٌ" وقُرِئَ مَنصُوبًا والمَعْنى واحِدٌ. ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أنْكَرَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلسَّلامِ الَّذِي هو عَلَمٌ لِلْإسْلامِ أوْ لِأنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ عَهِدَهم مِنَ النّاسِ أوْ لِأنَّ أوْضاعَهم وأشْكالَهُمُ خِلافُ ما عَلَيْهِ النّاسُ ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما قالَهُ في نَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُشْعِرَهم بِذَلِكَ لا أنَّهُ خاطَبَهم بِهِ جَهْرًا أوْ سَألَهم أنْ يُعَرِّفُوهُ أنْفُسَهم كَما قِيلَ، وإلّا لَكَشَفُوا أحْوالَهم عِنْدَ ذَلِكَ ولَمْ يَتَصَدَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمُقَدِّماتِ الضِّيافَةِ.

الذاريات 51:26

﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِمْ عَلى خُفْيَةٍ مِن ضَيْفِهِ فَإنَّ مِن أدَبِ المُضِيفِ أنْ يُبادِرَهُ بِالقِرى ويُبادِرَ بِهِ حِذارًا مِن أنْ يَكُفَّهُ ويَعْذُرَهُ أوْ يَصِيرَ مُنْتَظِرًا، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ جُمَلٍ قَدْ حُذِفَتْ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْها وإيذانًا بِكَمالِ سُرْعَةِ المَجِيءِ بِالطَّعامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "فقلنا" "اضْرِبْ بّعَصاكَ البَحْر فانْفَلَق" أيْ: فَذَبَحَ عِجْلًا فَحَنَذَهُ فَجاءَ بِهِ.

الذاريات 51:27

﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ﴾ بِأنْ وضَعَهُ لَدَيْهِمْ حَسَبَما هو المُعْتادُ. ﴿فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ إنْكارًا لِعَدَمِ تَعَرُّضِهِمْ لِلْأكْلِ.

الذاريات 51:28

﴿فَأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ أضْمَرَ في نَفْسِهِ. ﴿خِيفَةً﴾ لِتَوَهُّمِ أنَّهم جاؤُوا لِلشَّرِّ، وقِيلَ: وقَعَ في قَلْبِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ جاؤُوا لِلْعَذابِ. ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ قِيلَ: مَسَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ العِجْلَ بِجَناحِهِ فَقامَ يَنْدَرِجُ حَتّى لَحِقَ بِأُمِّهِ فَعَرَفَهم وأمِنَ مِنهم. ﴿وَبَشَّرُوهُ﴾ وفي سُورَةِ الصّافّاتِ "وَبَشَّرْناهُ" أيْ: بِواسِطَتِهِمْ. ﴿بِغُلامٍ﴾ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿عَلِيمٍ﴾ عِنْدَ بُلُوغِهِ واسْتِوائِهِ.

الذاريات 51:29

﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ﴾ سارَّةُ لَمّا سَمِعَتْ بِشارَتَهم إلى بَيْتِها وكانَتْ في زاوِيَةٍ تَنْظُرُ إلَيْهِمْ. ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ في صَيْحَةٍ مِنَ الصَّرِيرِ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ أوِ المَفْعُولِيَّةِ إنْ جُعِلَ أقْبَلَتْ بِمَعْنى أخَذَتْ كَما يُقالُ: أقْبَلَ يَشْتُمُنِي. ﴿فَصَكَّتْ وجْهَها﴾ أيْ: لَطَمَتْهُ مِنَ الحَياءِ لِما أنَّها وجَدَتْ حَرارَةَ دَمِ الطَّمْثِ. وقِيلَ: ضَرَبَتْ بِأطْرافِ أصابِعِها جَبِينَها كَما يَفْعَلُهُ المُتَعَجِّبُ. ﴿وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ أيْ: أنا عَجُوزٌ عاقِرٌ فَكَيْفَ ألِدُ؟! .

الذاريات 51:30

﴿قالُوا كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ الكَرِيمِ. ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ وإنَّما نَحْنُ مُعَبِّرُونَ نُخْبِرُكِ بِهِ عَنْهُ تَعالى لا أنّا نَقُولُهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا. ﴿إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ فَيَكُونُ قَوْلُهُ حَقًّا وفِعْلُهُ مُتْقَنًا لا مَحالَةَ. رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَها: انْظُرِي إلى سَقْفِ بَيْتِكِ فَنَظَرَتْ فَإذا جُذُوعُهُ مُورِقَةٌ مُثْمِرَةٌ ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ المُفاوَضَةُ مَعَ سارَّةٍ فَقَطْ بَلْ مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا حَسَبَما شُرِحَ في سُورَةِ الحِجْرِ، وإنَّما يُذْكَرُ هَهُنا اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ هُناكَ كَما أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ هُناكَ سارَّةُ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ هَهُنا وفي سُورَةِ هُودٍ.

الذاريات 51:31

﴿قالَ﴾ (p-141)أيْ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِأمْرٍ. ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: ما شَأْنُكُمُ الخَطِيرُ الَّذِي لِأجْلِهِ أُرْسِلْتُمْ سِوى البِشارَةِ ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ .

الذاريات 51:32

﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يَعْنُونَ قَوْمَ لُوطٍ.

الذاريات 51:33

﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ ما قَلَبْنا قُراهم وجَعْلَنا عالِيَها سافِلَها حَسَبَما فُصِّلَ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ. ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ أيْ: طِينٍ مُتَحَجِّرٍ هو السِّجِّيلُ.

الذاريات 51:34

﴿مُسَوَّمَةً﴾ مُرْسَلَةً مِن أسَمْتُ الماشِيَةَ أيْ: أرْسَلْتُها أوْ مُعَلَّمَةً مِنَ السُّومَةِ وهي العَلامَةُ وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ هُودٍ. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ المُجاوِزِينَ الحَدَّ في الفُجُورِ.

الذاريات 51:35

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ ...إلَخْ حِكايَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِما جَرى عَلى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الإجْمالِ بَعْدَ حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ جُمَلٍ قَدْ حُذِفَتْ ثِقَةً بِذِكْرِها في مَواضِعَ أُخَرَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَباشَرُوا ما أُمِرُوا بِهِ فَأخْرَجْنا بِقَوْلِنا: " فَأُسَرٍ بِأهْلِكَ " ...إلَخْ. ﴿مَن كانَ فِيها﴾ أيْ: في قُرى قَوْمِ لُوطٍ وإضْمارُها بِغَيْرِ ذِكْرٍ لِشُهْرَتِها. ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مِمَّنْ آمَنَ بِلُوطٍ.

الذاريات 51:36

﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ﴾ أيْ: غَيْرَ أهْلِ بَيْتٍ. ﴿مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: هم قَوْمُ لُوطٍ وابْنَتاهُ، وقِيلَ: كانَ لُوطٌ وأهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ نَجَوْا ثَلاثَةَ عَشَرَ.

الذاريات 51:37

﴿وَتَرَكْنا فِيها﴾ أيْ: في القَرْيَةِ. ﴿آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً دالَّةً عَلى ما أصابَهم مِنَ العَذابِ، قِيلَ: هي تِلْكَ الأحْجارُ أوْ صَخْرٌ مَنضُودٌ فِيها أوْ ماءٌ مُنْتِنٌ. ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ: مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَخافُوهُ لِسَلامَةِ فِطْرَتِهِمْ ورِقَّةِ قُلُوبِهِمْ دُونَ مَن عَداهم مِن ذَوِي القُلُوبِ القاسِيَةِ فَإنَّهم لا يَعْتَدُّونَ بَها ولا يُعِدُّونَها آيَةً.

الذاريات 51:38

﴿وَفِي مُوسى﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِي الأرْضِ﴾ أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً﴾ عَلى مَعْنى: وجَعَلْنا في مُوسى آيَةً كَقَوْلِ مَن قالَ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا. ﴿إذْ أرْسَلْنا﴾ قِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِـ"آيَةً" وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنَةً وقْتَ إرْسالِنا وقِيلَ: بِتَرَكْنا. ﴿إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ.

الذاريات 51:39

﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ أيْ: فَأعْرَضَ عَنِ الإيمانِ بِهِ وازْوَرَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: " ونَأى بِجانِبِهِ " (p-142)وَقِيلَ: فَتَوَلّى بِما يَتَقَوّى بِهِ مِن مُلْكِهِ وعَساكِرِهِ فَإنَّ الرُّكْنَ اسْمٌ لِما يَرْكَنُ إلَيْهِ الشَّيْءُ، وقُرِئَ "بِرُكُنِهِ" بِضَمِّ الكافِ. ﴿وَقالَ ساحِرٌ﴾ أيْ: هو ساحِرٌ. ﴿أوْ مَجْنُونٌ﴾ كَأنَّهُ نُسِبَ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الخَوارِقِ العَجِيبَةِ إلى الجِنِّ وتَرَدَّدَ في أنَّهُ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِ وسَعْيِهِ أوْ بِغَيْرِهِما.

الذاريات 51:40

﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غايَةِ عِظَمِ شَأْنِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ ونِهايَةِ قَمْأةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أيْ: آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "فَأخَذْناهُ".

الذاريات 51:41

﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ وُصِفَتْ بِالعُقْمِ لِأنَّها أهْلَكَتْهم وقَطَعَتْ دابِرَهم أوْ لِأنَّها لَمْ تَتَضَمَّنْ خَيْرًا ما مِن إنْشاءِ مَطَرٍ أوْ إلْقاحِ شَجَرٍ وهي النَّكْباءُ أوِ الدَّبُورُ أوِ الجَنُوبُ.

الذاريات 51:42

﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: جَرَتْ عَلَيْهِ. ﴿إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ هو كُلُّ ما رَمَّ وبَلِيَ وتَفَتَّتَ مِن عَظْمٍ أوْ نَباتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

الذاريات 51:43

﴿وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ قِيلَ: قالَ لَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: تُصْبِحُ وُجُوهُكم غَدًا مُصْفَرَّةً وبَعْدَ غَدٍ مُحْمَرَّةً واليَوْمَ الثّالِثَ مُسْوَدَّةً ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ.

الذاريات 51:44

﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: فاسْتَكْبَرُوا عَنِ الِامْتِثالِ بِهِ. ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ قِيلَ: لَمّا رَأوُا العَلاماتِ الَّتِي بَيَّنَها صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اصْفِرارِ وُجُوهِهِمْ واحْمِرارِها واسْوِدادِها عَمَدُوا إلى قَتْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ ولَمّا كانَ ضَحْوَةُ اليَوْمِ الرّابِعِ تَحَنَّطُوا وتَكَفَّنُوا بِالأنْطاعِ فَأتَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَهَلَكُوا، وقُرِئَ "الصَّعْقَةُ" وهي المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ. ﴿وَهم يَنْظُرُونَ﴾ إلَيْها ويُعايِنُونَها.

الذاريات 51:45

﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: " فَأصْبَحُواْ في دارِهِمْ جاثِمَيْنِ " . ﴿وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ بِغَيْرِهِمْ كَما لَمْ يَمْتَنِعُوا بِأنْفُسِهِمْ.

الذاريات 51:46

﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أيْ: وأهْلَكَنا قَوْمَ نُوحٍ فَإنَّ ما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أوْ واذْكُرْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ عادٍ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالجَرِّ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ "فَأخَذْناهُ". ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ. ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ خارِجِينَ عَنِ الحُدُودِ فِيما كانُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

الذاريات 51:47

﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ أيْ: بِقُوَّةٍ. ﴿وَإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ (p-143)لَقادِرُونَ مِنَ الوُسْعِ بِمَعْنى الطّاقَةِ، والمُوسِعُ: القادِرُ عَلى الإنْفاقِ أوْ لَمُوسِعُونَ السَّماءَ أوْ ما بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ أوِ الرِّزْقِ.

الذاريات 51:48

﴿والأرْضَ فَرَشْناها﴾ مَهَّدْناها وبَسَطْناها لِيَسْتَقِرُّوا عَلَيْها. ﴿فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ أيْ: نَحْنُ.

الذاريات 51:49

﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الأجْناسِ. ﴿زَوْجَيْنِ﴾ أيْ: نَوْعَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى مُتَقابِلِينَ السَّماءَ والأرْضَ واللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والبَرَّ والبَحْرَ ونَحْوَ ذَلِكَ. ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ كُلَّهُ كَيْ تَتَذَكَّرُوا فَتَعْرِفُوا أنَّهُ خالِقُ الكُلِّ ورازِقُهُ وأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وأنَّهُ قادِرٌ عَلى إعادَةِ الجَمِيعِ فَتَعْمَلُوا بِمُقْتَضاهُ.

الذاريات 51:50

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ مُقَدَّرٌ لِقَوْلٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، والفاءُ إمّا لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما حُكِيَ مِن آثارِ غَضَبِهِ المُوجِبَةِ لِلْفِرارِ مِنها ومِن أحْكامِ رَحْمَتِهِ المُسْتَدْعِيَةِ لِلْفِرارِ إلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لَهُمْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاهْرُبُوا إلى اللَّهِ الَّذِي هَذِهِ شُؤُونِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ كَيْ تَنْجُوا مِن عِقابِهِ وتَفُوزُوا بِثَوابِهِ، وإمّا لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لَهم فَتَذَكَّرُوا فَفَرُّوا إلى اللَّهِ ...إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالفِرارِ إلَيْهِ تَعالى أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ فَإنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنْذِرًا مِنهُ تَعالى مُوجِبٌ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَأْمُرَهم بِالفِرارِ إلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أنْ يَمْتَثِلُوا بِهِ أيْ: إنِّي لَكم مِنَ جِهَتِهِ تَعالى مُنْذِرٌ بَيْنَ كَوْنِهِ مُنْذِرًا أوْ مُظْهِرٌ لِما يَجِبُ إظْهارُهُ مِنَ العَذابِ المُنْذَرِ بِهِ، وفي أمْرِهِ تَعالى لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَأْمُرَهم بِالهَرَبِ إلَيْهِ تَعالى مِن عِقابِهِ وتَعْلِيلِهِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُنْذِرُهم مِن جِهَتِهِ تَعالى لا مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَجاتِهِمْ مِنَ المَهْرُوبِ وفَوْزِهِمْ بِالمَطْلُوبِ.

الذاريات 51:51

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ نَهْيٌ مُوجِبٌ لِلْفِرارِ مِن سَبَبِ العِقابِ بَعْدَ الأمْرِ بِالفِرارِ مِن نَفْسِهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لَكم مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ الجَعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ فَإنَّ تَعَلُّقَ كَلِمَةِ "مِن" بِالإنْذارِ مَعَ كَوْنِ صِلَتِهِ الباءَ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإفْرارِ يُقالُ: فَرَّ مِنهُ أيْ: هَرَبَ وأفَرَّهُ غَيْرُهُ كَأنَّهُ قِيلَ: وفِرُّوا مِن أنْ تَجْعَلُوا مَعَهُ تَعالى اعْتِقادًا أوْ قَوْلًا إلَهًا آخَرَ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِالفِرارِ مِنَ العِقابِ إلَيْهِ تَعالى لَكِنْ لا بِطَرِيقِ التَّكْرِيرِ كَما قِيلَ بَلْ بِالنَّهْيِ عَنْ سَبَبِهِ وإيجابِ الفِرارِ.

الذاريات 51:52

﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ مِثْلُ ما ذَكَرَ مِن تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ وتَسْمِيَتِهِمْ لَهُ ساحِرًا أوْ مَجْنُونًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ...إلَخْ تَفْسِيرٌ لَهُ أيْ: ما أتاهم. ﴿مِن رَسُولٍ﴾ مِن رُسُلِ اللَّهِ. ﴿إلا قالُوا﴾ في حَقَّهُ. ﴿ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ ولا سَبِيلَ إلى انْتِصابِ الكافِ بِأتى لِامْتِناعِ عَمَلِ ما بَعْدَ (p-144)"ما" النّافِيَةِ فِيما قَبْلَها.

الذاريات 51:53

﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ وإجْماعِهِمْ عَلى تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ فَضْلًا عَنِ التَّفَوُّهِ بِها أيْ: أوْصى بِهَذا القَوْلِ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ كَوْنِ مَدارِ اتِّفاقِهِمْ عَلى الشَّرِّ تَواصِيهِمْ بِذَلِكَ وإثْباتٌ لِكَوْنِهِ أمْرًا أقْبَحَ مِنَ التَّواصِي وأشْنَعَ مِنهُ مِنَ الطُّغْيانِ الشّامِلِ لِلْكُلِّ الدّالِّ عَلى أنَّ صُدُورَ تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِمُقْتَضى جِبِلَّتِهِ الخَبِيثَةِ لا بِمُوجِبِ وصِيَّةِ مَن قَبْلَهم بِذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُقْتَضى طِباعِهِمْ.

الذاريات 51:54

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فَأعْرِضْ عَنْ جِدالِهِمْ فَقَدْ كَرَرْتَ عَلَيْهِمُ الدَّعْوَةَ فَأبَوْا إلّا الإباءَ. ﴿فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ عَلى التَّوَلِّي بَعْدَ ما بَذَلْتَ المَجْهُودَ وجاوَزْتَ في الإبْلاغِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ.

الذاريات 51:55

﴿وَذَكِّرْ﴾ أيْ: أفْعِلِ التَّذْكِيرَ والمَوْعِظَةَ ولا تَدَعْهُما بِالمَرَّةِ أوْ فَذَكِّرْهُمْ، وقَدْ حُذِفَ الضَّمِيرُ لِظُهُورِ الأمْرِ. ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم أوِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالفِعْلِ فَإنَّها تَزِيدُهم بَصِيرَةً وقُوَّةً في اليَقِينِ.

الذاريات 51:56

﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِلْأمْرِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ تَعْلِيلِهِ فَإنَّ كَوْنَ خَلْقِهِمْ مُغَيًّا بِعِبادَتِهِ تَعالى مِمّا يَدْعُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى تَذْكِيرِهِمْ ويُوجِبُ عَلَيْهِمُ التَّذَكُّرَ والِاتِّعاظَ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ خَلْقِ الجَنِّ في الذِّكْرِ لِتَقَدُّمِهِ عَلى خَلْقِ الإنْسِ في الوُجُودِ ومَعْنى خَلْقِهِمْ لِعِبادَتِهِ تَعالى: خَلْقُهم مُسْتَعِدِّينَ لَها ومُتَمَكِّنِينَ مِنها أتَمَّ اسْتِعْدادٍ وأكْمَلَ تَمَكُّنٍ مَعَ كَوْنِها مَطْلُوبَةً مِنهم بِتَنْزِيلِ تَرَتُّبِ الغايَةِ عَلى ما هي ثَمَرَةٌ لَهُ مَنزِلَةَ تَرَتُّبِ الغَرَضِ عَلى ما هو غَرَضٌ لَهُ فَإنَّ اسْتِتْباعَ أفْعالِهِ تَعالى لِغاياتٍ جَلِيلَةٍ مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ قَطْعًا. كَيْفَ لا؟ وهي رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى وتَفَضُّلٌ عَلى عِبادِهِ وإنَّما الَّذِي لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ تَعْلِيلُها بِالغَرَضِ بِمَعْنى الباعِثِ عَلى الفِعْلِ بِحَيْثُ لَوْلاهُ لَمْ يَفْعَلْهُ لِإفْضائِهِ إلى اسْتِكْمالِهِ بِفِعْلِهِ وهو الكامِلُ بِالفِعْلِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وأمّا بِمَعْنى نِهايَةٍ كَمالِيَّةٍ يُفْضِي إلَيْها فِعْلُ الفاعِلِ الحَقِّ فَغَيْرُ مَنفِيٍّ مِن أفْعالِهِ تَعالى بَلْ كُلُّها جارِيَةٌ عَلى المِنهاجِ وعَلى هَذا الِاعْتِبارِ يَدُورُ وصْفُهُ تَعالى بِالحِكْمَةِ ويَكْفِي في تَحَقُّقِ مَعْنى التَّعْلِيلِ عَلى ما يَقُولُهُ الفُقَهاءُ ويَتَعارَفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ هَذا المِقْدارُ وبِهِ يَتَحَقَّقُ مَدْلُولُ اللّامِ، وأمّا إرادَةُ الفاعِلِ لَها فَلَيْسَتْ مِن مُقْتَضَياتِ اللّامِ حَتّى يَلْزَمَ مِن عَدَمِ صُدُورِ العِبادَةِ عَنِ البَعْضِ تَخَلُّفُ المُرادِ عَنِ الإرادَةِ فَإنْ تَعَوَّقَ البَعْضُ عَنِ الوُصُولِ إلى الغايَةِ مَعَ تَعاضُدِ المَبادِئِ وتَآخُذِ المُقَدِّماتِ المُوصِلَةِ إلَيْها لا يَمْنَعُ كَوْنَها غايَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ ونَظائِرِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: إلّا لِيُؤْمَرُوا بِعِبادَتِي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾، وقِيلَ: المُرادُ: سُعَداءُ الجِنْسَيْنِ كَما أنَّ المُرادَ (p-145)بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾:أشْقِياؤُهُما، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ"، وقالَ مُجاهِدٌ: -واخْتارَهُ البَغَوِيُّ- مَعْناهُ: إلّا لِيَعْرِفُوهُ ومَدارُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِيما يَحِيكُهُ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ "كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِأُعْرَفَ" ولَعَلَّ السِّرَّ في التَّعْبِيرِ عَنِ المَعْرِفَةِ بِالعِبادَةِ عَلى طَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ هي المَعْرِفَةُ الحاصِلَةُ بِعِبادَتِهِ تَعالى ما يَحْصُلُ بِغَيْرِها كَمَعْرِفَةِ الفَلاسِفَةِ.

الذاريات 51:57

﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ شَأْنِهِ تَعالى مَعَ عِبادِهِ مُتَعالِيًا عَنْ أنْ يَكُونَ كَشَأْنِ السّادَةِ مَعَ عَبِيدِهِمْ حَيْثُ يَمْلِكُونَهم لِيَسْتَعِينُوا بِهِمْ في تَحْصِيلِ مَعايِشِهِمْ وتَهْيِئَةِ أرْزاقِهِمْ أيْ: ما أُرِيدُ أنْ أصْرِفَهم في تَحْصِيلِ رِزْقِي ولا رِزْقِهِمْ بَلْ أتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِمْ وبِما يُصْلِحُهم ويُعَيِّشُهم مِن عِنْدِي فَلْيَشْتَغِلُوا بِما خُلِقُوا لَهُ مِن عِبادَتِي.

الذاريات 51:58

﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ﴾ الَّذِي يَرْزُقُ كُلَّ ما يَفْتَقِرُ إلى الرِّزْقِ، وفِيهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وقُرِئَ "إنِّي أنا الرَّزّاقُ". ﴿ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلرَّزّاقِ أوْ لِـ"ذُو" أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ خَبَرٌ لِمُضْمَرٍ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْقُوَّةِ عَلى تَأْوِيلِ الِاقْتِدارِ أوِ الأيْدِ.

الذاريات 51:59

﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ بِتَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ وضَعُوا مَكانَ التَّصْدِيقِ تَكْذِيبًا وهم أهْلُ مَكَّةَ. ﴿ذَنُوبًا﴾ أيْ: نَصِيبًا وافِرًا مِنَ العَذابِ. ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ مِثْلَ أنْصِباءِ نُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَحْكِيَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن مُقاسَمَةِ السُّقاةِ الماءَ بِالذُّنُوبِ وهو الدَّلْوُ العَظِيمُ المَمْلُوءُ. ﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ: لا يَطْلُبُوا مِنِّي أنْ أُعَجِّلَ في المَجِيءِ بِهِ، يُقالُ: اسْتَعْجَلَهُ أيْ: حَثَّهُ عَلى العَجَلَةِ وأمَرَهُ بِها، ويُقالُ: اسْتَعْجَلَهُ أيْ: طَلَبَ وُقُوعَهُ بِالعَجَلَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: " مَتى هَذا الوَعْد إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ " .

الذاريات 51:60

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى أنَّ لَهم عَذابًا عَظِيمًا كَما أنَّ الفاءَ الأُولى لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِعْجالِ عَلى ذَلِكَ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: يُوعَدُونَهُ مِن يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ وهو الأنْسَبُ بِما في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ الآتِيَةِ والأوَّلُ هو الأوْفَقُ لِما قَبْلَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُما مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ والذّارِياتِ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدٍ كُلِّ رِيحٍ سَهَبَتْ وجَرَتْ في الدُّنْيا".»

الطور 52:1

(p-146)سُورَةُ الطُّورِ ﴿والطُّورِ﴾ الطُّورُ بِالسُّرْيانِيَّةِ: الجَبَلُ، والمُرادُ بِهِ: طُورُ سِينِينَ وهو جَبَلٌ بِمَدْيَنَ سَمِعَ فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامَ اللَّهِ تَعالى.

الطور 52:2

﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ مَكْتُوبٍ عَلى وجْهِ الِانْتِظامِ فَإنَّ السَّطْرَ تَرْتِيبُ الحُرُوفِ المَكْتُوبَةِ، والمُرادُ بِهِ: القرآن أوْ ألْواحُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الأنْسَبُ بِالطُّورِ أوْ ما يُكْتَبُ في اللَّوْحِ أوْ ما يَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ.

الطور 52:3

﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ الرَّقُّ: الجِلْدُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ اسْتُعِيرَ لِما يُكْتَبُ فِيهِ الكِتابُ مِنَ الصَّحِيفَةِ، وتَنْكِيرُهُما لِلتَّفْخِيمِ أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما لَيْسا مِمّا يَتَعارَفُهُ النّاسُ.

الطور 52:4

﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ أيِ: الكَعْبَةِ وعِمارَتِها بِالحُجّاجِ والعُمّارِ والمُجاوِرِينَ أوِ الضِّراحُ وهو في السَّماءِ الرّابِعَةِ وعُمْرانُهُ كَثْرَةُ غاشِيَتِهِ مِنَ المَلائِكَةِ.

الطور 52:5

﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ أيْ: السَّماءِ، ولا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِ العُنْوانِ المَذْكُورِ.

الطور 52:6

﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ أيِ: المَمْلُوءُ وهو البَحْرُ المُحِيطُ أوِ المُوقَدُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ فالمُرادُ بِهِ: الجِنْسُ، رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ يَوْمَ القِيامَةِ نارًا يَسْجُرُ بَها نارَ جَهَنَّمَ.

الطور 52:7

﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ: لَنازِلٌ حَتْمًا، جَوابٌ لِلْقَسَمِ.

الطور 52:8

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ إمّا خَبَرٌ ثانٍ لِـ"إنَّ" أوْ صِفَةٌ لِـ"واقِعٌ" و"مِن دافِعٍ" إمّا مُبْتَدَأٌ لِلظَّرْفِ أوْ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ و"مِن" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَخْصِيصُ هَذِهِ الأُمُورِ بِالإقْسامِ بِها لِما أنَّها أُمُورٌ عِظامٌ تُنْبِئُ عَنْ عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ الدّالَّةِ عَلى إحاطَتِهِ تَعالى بِتَفاصِيلِ (p-147)أعْمالِ العِبادِ وضَبْطِها الشّاهِدَةِ بِصِدْقِ أخْبارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها.

الطور 52:9

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ظَرْفٌ لِـ"واقِعٌ" مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الوُقُوعِ مُنْبِئٌ عَنْ كَمالِ هَوْلِهِ وفَظاعَتِهِ، والمَوْرُ: الِاضْطِرابُ والتَّرَدُّدُ في المَجِيءِ والذَّهابِ، وقِيلَ: هو تَحَرُّكٌ في تَمَوُّجٍ. قِيلَ: تَدُورُ السَّماءُ كَما تَدُورُ الرَّحا وتَتَكَفَّأُ بِأهْلِها تَكَفُّؤَ السَّفِينَةِ. وقِيلَ: تَخْتَلِفُ أجْزاؤُها.

الطور 52:10

﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ أيْ: تَزُولُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَصِيرُ هَباءً، وتَأْكِيدُ الفِعْلَيْنِ بِمَصْدَرَيْهِما لِلْإيذانِ بِغَرابَتِهِما وخُرُوجِهِما عَنِ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ أيْ: مَوْرًا عَجِيبًا وسَيْرًا بَدِيعًا لا يُدْرَكُ كُنْهُهُما.

الطور 52:11

﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: إذا وقَعَ ذَلِكَ أوْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَوَيْلٌ يَوْمَ إذْ يَقَعُ ذَلِكَ لَهم.

الطور 52:12

﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ﴾ أيِ: انْدِفاعٍ عَجِيبٍ في الأباطِيلِ والأكاذِيبِ. ﴿يَلْعَبُونَ﴾ يَلْهُونَ.

الطور 52:13

﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أيْ: يُدْفَعُونَ إلَيْها دَفْعًا عَنِيفًا شَدِيدًا بِأنْ تُغَلَّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعَ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ فَيُدْفَعُونَ إلى النّارِ، وقُرِئَ "يُدْعَوْنَ" مِنَ الدُّعاءِ فَيَكُونُ دَعًّا حالًا بِمَعْنى مَدْعُوعِينَ و"يَوْمَ" إمّا بَدَلٌ مِن يَوْمَ تَمُورُ أوْ ظَرْفٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى:

الطور 52:14

﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها: تَكْذِيبُهم بِالوَحْيِ النّاطِقِ بِها.

الطور 52:15

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم حَيْثُ كانُوا يُسَمُّونَهُ سِحْرًا كَأنَّهُ قِيلَ: كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْقُرْآنِ النّاطِقِ بِهَذا سِحْرٌ فَهَذا أيْضًا سِحْرٌ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِأنَّهُ مَحَطُّ الإنْكارِ ومَدارُ التَّوْبِيخِ. ﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ عَنْهُ كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ أوْ أمْ سُدَّتْ أبْصارُكم كَما سُدَّتْ في الدُّنْيا عَلى زَعْمِكم حَيْثُ كُنْتُمْ تَقُولُونَ: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ .

الطور 52:16

﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ أيِ: ادْخُلُوها وقاسُوا شَدائِدَها فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ مِنَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ. ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيِ: الأمْرانِ في عَدَمِ النَّفْعِ لا بِدَفْعِ العَذابِ ولا بِتَخْفِيفِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِواءِ فَإنَّ الجَزاءَ حَيْثُ كانَ واجِبُ الوُقُوعِ (p-148)حَتْمًا كانَ الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سَواءً في عَدَمِ النَّفْعِ.

الطور 52:17

﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ أيْ: في أيَّةِ جَنّاتٍ وأيِّ نَعِيمٍ عَلى أنَّ التَّنْوِينَ لِلتَّفْخِيمِ أوْ "فِي جَنّاتٍ" و"نَعِيمٍ" مَخْصُوصَةٍ بِالمُتَّقِينَ عَلى أنَّهُ لِلتَّنْوِيعِ.

الطور 52:18

﴿فاكِهِينَ﴾ ناعِمِينَ مُتَلَذِّذِينَ. ﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ وقُرِئَ "فَكِهِينَ" و"فاكِهُونَ" عَلى أنَّهُ الخَبَرُ والظَّرْفُ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ أوْ خَبَرٌ آخَرُ. ﴿وَوَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجحيم﴾ عَطْفٌ عَلى "آتاهُمْ" عَلى أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ أوْ عَلى خَبَرِ إنَّ أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ إمّا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ أوْ في الحالِ، وإمّا مِن فاعِلِ "أتى" أوْ مِن مَفْعُولِهِ أوْ مِنهُما وإظْهارُ الرَّبِّ في مَوْقِعِ الإضْمارِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِمْ لِلتَّشْرِيفِ والتَّعْلِيلِ.

الطور 52:19

﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا واشْرَبُوا أكْلًا وشَرابًا. ﴿هَنِيئًا﴾ أوْ طَعامًا وشَرابًا هَنِيئًا وهو الَّذِي لا تَنْغِيصَ فِيهِ. ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِسَبَبِهِ أوْ بِمُقابَلَتِهِ، وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ و"ما" فاعِلُ "هَنِيئًا" أيْ: هَنّاكم ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أيْ: جَزاؤُهُ.

الطور 52:20

﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ مُصْطَفَّةٍ. ﴿وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ وقُرِئَ "بِحُورِ عِينٍ" عَلى إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ بِالتَّأْوِيلِ المَشْهُورِ وقُرِئَ بِعَيْنٍ عِينٍ والباءُ مَعَ أنَّ التَّزْوِيجَ مِمّا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَصْلِ والإلْصاقِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ إذِ المَعْنى: صَيَّرْناهم أزْواجًا بِسَبَبِهِنَّ فَإنَّ الزَّوْجِيَّةَ لا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ انْضِمامِهِنَّ إلَيْهِمْ.

الطور 52:21

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ...إلَخْ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إثْرَ بَيانِ حالِ الكُلِّ وهُمُ الَّذِينَ شارَكَتْهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ، وهو مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ "ألْحَقْناهُمْ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "آمَنُوا". وقِيلَ: اعْتِراضٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإيمانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ أيِ: اتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ في الجُمْلَةِ قاصِرٍ عَنْ رُتْبَةِ إيمانِ الآباءِ واعْتِبارُ هَذا القَيْدِ لِلْإيذانِ بِثُبُوتِ الحُكْمِ في الإيمانِ الكامِلِ أصالَةً لا إلْحاقًا، وقُرِئَ "ذُرِّيّاتُهُمْ" لِلْمُبالَغَةِ في الكَثْرَةِ و"ذِرِّياتُهُمْ" بِكَسْرِ الذّالِ، وقُرِئَ "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ" أيْ: جَعَلْناهم تابِعِينَ لَهم في الإيمانِ، وقُرِئَ "أتْبَعْتُهُمْ". ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ: في الدَّرَجَةِ كَما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ﴿إنَّهُ تَعالى يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ في دَرَجَتِهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ﴾ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. ﴿وَما ألَتْناهُمْ﴾ وما نَقَصْنا الآباءَ بِهَذا الإلْحاقِ. ﴿مِن عَمَلِهِمْ﴾ مِن ثَوابِ عَمَلِهِمْ. ﴿مِن شَيْءٍ﴾ بِأنْ أعْطَيْنا بَعْضَ مَثُوباتِهِمْ أبْناءَهم فَتَنْقُصَ مَثُوبَتُهم وتَنْحَطَّ دَرَجَتُهم وإنَّما رَفَعْناهم إلى مَنزِلَتِهِمْ بِمَحْضِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ، وقُرِئَ (p-149)"ألِتْناهُمْ" بِكَسْرِ اللّامِ مِن ألِتَ يَأْلَتُ كَعَلِمَ يَعْلَمَ، والأوَّلُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، و"لِتْناهُمْ" مِن لاتَ يَلِيتُ و"آلَتْناهُمْ" مَن آلَتَ يُؤْلِتُ و"وَلَتْناهُمْ" مَن ولَتْ يَلِتُ والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، هَذا وقَدْ قِيلَ: المَوْصُولُ مَعْطُوفٌ عَلى حُورٍ والمَعْنى: قَرَنّاهم بِالحُورِ وبِالَّذِينَ آمَنُوا أيْ: بِالرُّفَقاءِ والجُلَساءِ مِنهم فَيَتَمَتَّعُونَ تارَةً بِمُلاعَبَةِ الحُورِ وأُخْرى بِمُؤانَسَةِ الإخْوانِ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَتْهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "زَوَّجْناهُمْ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإيمانٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ أيْ: بِسَبَبِ إيمانٍ عَظِيمٍ رَفِيعِ المَحَلِّ وهو إيمانُ الآباءِ ألْحَقْنا بِدَرَجاتِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وإنْ كانُوا لا يَسْتَأْهِلُونَها تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ لِيَتِمَّ سُرُورُهم ويَكْمُلَ نَعِيمُهم أوْ بِسَبَبِ إيمانِ دانِي المَنزِلَةِ وهو إيمانُ الذُّرِّيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: بِشَيْءٍ مِنَ الإيمانِ لا يُؤَهِّلُهم لِدَرَجَةِ الآباءِ ألْحَقْناهم بِهِمْ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ قِيلَ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ مَرْهُونٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِالعَمَلِ الصّالِحِ فَإنْ عَمِلَهُ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ، وقِيلَ: بِمَعْنى الفاعِلِ والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ راهِنٌ أيْ: دائِمٌ ثابِتٌ وهَذا أنْسَبُ بِالمَقامِ فَإنَّ الدَّوامَ يَقْتَضِي عَدَمَ المُفارَقَةِ بَيْنَ المَرْءِ وعَمَلِهِ ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ لا يَنْقُصَ مِن ثَوابِ الآباءِ شَيْءٌ فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.

الطور 52:22

﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ وزِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِن مَبادِي التَّنَعُّمِ وقْتًا فَوَقْتًا ما يَشْتَهُونَ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ وألْوانِ الآلاءِ.

الطور 52:23

﴿يَتَنازَعُونَ فِيها﴾ أيْ: يَتَعاطَوْنَ فِيها هم وجُلَساؤُهم بِكَمالِ رَغْبَةٍ واشْتِياقٍ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّنازُعِ. ﴿كَأْسًا﴾ أيْ: خَمْرًا تَسْمِيَةً لَها بِاسْمِ مَحَلِّها. ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ أيْ: في شُرْبِها حَيْثُ لا يَتَكَلَّمُونَ في أثْناءِ الشُّرْبِ بِلَغْوِ الحَدِيثِ وسَقَطِ الكَلامِ. ﴿وَلا تَأْثِيمٌ﴾ ولا يَفْعَلُونَ ما يُؤْثَمُ بِهِ فاعِلُهُ أيْ: يُنْسَبُ إلى الإثْمِ لَوْ فَعَلَهُ في دارِ التَّكْلِيفِ كَما هو دَيْدَنُ المُنادِمِينَ في الدُّنْيا وإنَّما يَتَكَلَّمُونَ بِالحِكَمِ وأحاسِنِ الكَلامِ ويَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُهُ الكِرامُ، وقُرِئَ "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" بِالفَتْحِ.

الطور 52:24

﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِالكَأْسِ ﴿غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ: مَمالِيكُ مَخْصُوصُونَ بِهِمْ، وقِيلَ: هم أوْلادُهُمُ الَّذِينَ سَبَقُوهم. ﴿كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ مَصُونٌ في الصَّدَفِ مِن بَياضِهِمْ وصَفائِهِمْ أوْ مَخْزُونٌ لِأنَّهُ لا يُخْزَنُ إلّا الثَّمِينُ الغالِي القِيمَةِ، قِيلَ لِقَتادَةَ: هَذا الخادِمُ فَكَيْفَ المَخْدُومُ؟ فَقالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ فَضْلَ المَخْدُومِ عَلى الخادِمِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ"،» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً مَن يُنادِي الخادِمَ مِن خُدّامِهِ فَيُجِيبُهُ ألْفٌ بِبابِهِ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ".»

الطور 52:25

﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: يَسْألُ كُلُّ بَعْضٍ مِنهم بَعْضًا آخَرَ عَنْ أحْوالِهِ وأعْمالِهِ فَيَكُونُ كُلُّ بَعْضٍ سائِلًا ومَسْؤُولًا لا أنَّهُ يَسْألُ بَعْضٌ مُعَيَّنٌ مِنهم بَعْضًا آخَرَ مُعَيَّنًا.

الطور 52:26

(p-150)﴿قالُوا﴾ أيْ: المَسْؤُولُونَ وهم كُلُّ واحِدٍ مِنهم في الحَقِيقَةِ. ﴿إنّا كُنّا قَبْلُ﴾ أيْ: في الدُّنْيا. ﴿فِي أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ أرِقّاءَ القُلُوبِ خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ تَعالى مُعْتَنِينَ بِطاعَتِهِ أوْ وجِلِينَ مِنَ العاقِبَةِ.

الطور 52:27

﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالرَّحْمَةِ أوِ التَّوْفِيقِ لِلْحَقِّ. ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ عَذابَ النّارِ النّافِذَةِ في المَسامِّ نُفُوذَ السُّمُومِ، وقُرِئَ "وَوَقّانا" بِالتَّشْدِيدِ.

الطور 52:28

﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: نَعْبُدُهُ أوْ نَسْألُهُ الوِقايَةَ. ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ المُحْسِنُ. ﴿الرَّحِيمُ﴾ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ الَّذِي إذا عُبِدَ أثابَ وإذا سُئِلَ أجابَ، وقُرِئَ "أنَّهُ" بِالفَتْحِ بِمَعْنى لِأنَّهُ.

الطور 52:29

﴿فَذَكِّرْ﴾ فاثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ ولا تَكْتَرِثْ بِما يَقُولُونَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأباطِيلِ. ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ بِحَمْدِهِ وإنْعامِهِ بِصِدْقِ النُّبُوَّةِ ورَجاحَةِ العَقْلِ. ﴿بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ كَما يَقُولُونَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ.

الطور 52:30

﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ وهو ما يُقْلِقُ النُّفُوسَ ويُشْخِصُ بَها مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ، وقِيلَ: المَنُونُ: المَوْتُ وهو في الأصْلِ فَعَوْلٌ مِن مَنَّهُ إذا قَطَعَهُ لِأنَّ المَوْتَ قُطُوعٌ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ نَنْتَظِرُ بِهِ نَوائِبَ الدَّهْرِ.

الطور 52:31

﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أتَرَبَّصُ هَلاكَكم كَما تَتَرَبَّصُونَ هَلاكِي وفِيهِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإهْلاكِهِمْ.

الطور 52:32

﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ﴾ أيْ: عُقُولُهم. ﴿بِهَذا﴾ أيْ: بِهَذا التَّناقُضِ في المَقالِ فَإنَّ الكاهِنَ يَكُونُ ذا فِطْنَةٍ ودِقَّةِ نَظَرٍ في الأُمُورِ والمَجْنُونُ المُغَطّى عَقْلُهُ مُخْتَلٌّ فِكْرُهُ والشّاعِرُ ذُو كَلامٍ مَوْزُونٍ مُتَّسِقٍ مُخَيَّلٍ فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ أوْصافُ هَؤُلاءِ في واحِدٍ؟ وأمْرُ الأحْلامِ بِذَلِكَ مَجازٌ عَنْ أدائِها إلَيْهِ. ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ مُجاوِزُونَ الحُدُودَ في المُكابَرَةِ والعِنادِ لا يَحُومُونَ حَوْلَ الرُّشْدِ والسَّدادِ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مِنَ الأكاذِيبِ الخارِجَةِ عَنْ دائِرَةِ العُقُولِ والظُّنُونِ، وقُرِئَ "بَلْ هُمْ".

الطور 52:33

﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ: اخْتَلَقَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ. ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَلِكُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ يَرْمُونَ بِهَذِهِ الأباطِيلِ الَّتِي لا يَخْفى عَلى أحَدٍ بُطْلانُها. كَيْفَ لا؟ وما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا واحِدٌ مِنَ العَرَبِ فَكَيْفَ أتى بِما عَجَزَ عَنْهُ كافَّةٌ الأُمَمِ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ.

الطور 52:34

(p-151)﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ مِثْلِ القرآن في النُّعُوتِ الَّتِي اسْتَقَلَّ بِها مِن حَيْثُ النَّظْمُ ومِن حَيْثُ المَعْنى. ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا فَإنَّ صِدْقَهم في ذَلِكَ يَسْتَدْعِي قدرتهمْ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ بِقَضِيَّةِ مُشارَكَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ مَعَ ما بِهِمْ مِن طُولِ المُمارِسَةِ لِلْخُطَبِ والأشْعارِ وكَثْرَةِ المُزاوَلَةِ لِأسالِيبِ النَّظْمِ والنَّثْرِ والمُبالَغَةِ في حِفْظِ الوَقائِعِ والأيّامِ، ولا رَيْبَ في أنَّ القُدْرَةَ عَلى الشَّيْءِ مِن مُوجِباتِ الإتْيانِ بِهِ ودَواعِي الأمْرِ بِذَلِكَ.

الطور 52:35

﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أيْ: أمْ أحْدَثُوا وقَدَّرُوا هَذا التَّقْدِيرَ البَدِيعَ مِن غَيْرِ مُحْدِثٍ ومُقَدَّرٍ، وقِيلَ: أمْ خُلِقُوا مِن أجْلِ لاشَيْءَ مِن عِبادَةٍ وجَزاءٍ. ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ فَلِذَلِكَ لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ.

الطور 52:36

﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَكم وخَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قالُوا: اللَّهُ، وهم غَيْرُ مُوقِنِينَ بِما قالُوا وإلّا لَما أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ.

الطور 52:37

﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ: خَزائِنُ رِزْقِهِ ورَحْمَتِهِ حَتّى يَرْزُقُوا النُّبُوَّةَ مَن شاؤُوا ويُمْسِكُوها عَمَّنْ شاؤُوا أوْ عِنْدَهم خَزائِنُ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ حَتّى يَخْتارُوا لَها مَنِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ اخْتِيارَهُ. ﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ أيِ: الغالِبُونَ عَلى الأُمُورِ يُدَبِّرُونَها كَيْفَما شاؤُوا حَتّى يُدَبِّرُوا أمْرَ الربوبية ويَبْنُوا الأُمُورَ عَلى إرادَتِهِمْ ومَشِيئَتِهِمْ، وقُرِئَ "المُصَيْطِرُونَ" بِالصّادِ لِمَكانِ الطّاءِ.

الطور 52:38

﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ مَنصُوبٌ إلى السَّماءِ. ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ صاعِدِينَ إلى كَلامِ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ مِن عِلْمِ الغَيْبِ حَتّى يَعْلَمُوا ما هو كائِنٌ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَتَقَوَّلُونَ فِيها رَجْمًا بِالغَيْبِ ويُعَلِّقُونَ بِها أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ. ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ اسْتِماعَهُ.

الطور 52:39

﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ تَسْفِيهٌ لَهم وتَرْكِيكٌ لِعُقُولِهِمْ وإيذانٌ بِأنَّ مَن هَذا رَأْيُهُ لا يَكادُ يُعَدُّ مِنَ العُقَلاءِ فَضْلًا عَنِ التَّرَقِّي إلى عالَمِ المَلَكُوتِ والتَّطَلُّعِ عَلى الأسْرارِ الغَيْبِيَّةِ، والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِتَشْدِيدِ ما في "أمِ" المُنْقَطِعَةِ مِنَ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ.

الطور 52:40

﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ رُجُوعٌ إلى خِطابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإعْراضٌ عَنْهم أيْ: بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. ﴿فَهُمْ﴾ لِذَلِكَ. ﴿مِن مَغْرَمٍ﴾ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ فادِحَةٍ. ﴿مُثْقَلُونَ﴾ مُحَمَّلُونَ الثِّقْلَ فَلِذَلِكَ لا يَتْبَعُونَكَ.

الطور 52:41

(p-152)﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ أيِ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ المُثْبَتُ فِيهِ الغُيُوبُ. ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ما فِيهِ حَتّى يَتَكَلَّمُوا في ذَلِكَ بِنَفْىٍ أوْ إثْباتٍ.

الطور 52:42

﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ هو كَيْدُهم بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في دارِ النَّدْوَةِ. ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هُمُ المَذْكُورُونَ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِهِ أوْ جَمِيعِ الكَفَرَةِ وهم داخِلُونَ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ يَحِيقُ بِهِمْ كَيْدُهم أوْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ وبالُهُ لا مَن أرادُوا أنْ يَكِيدُوهُ وهو ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ أوْ هُمُ المَغْلُوبُونَ في الكَيْدِ مِن كايَدْتُهُ فَكِدْتُهُ.

الطور 52:43

﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يُعِينُهم ويَحْرُسُهم مِن عَذابِهِ. ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ عَنْ شَرِكَةِ ما يُشْرِكُونَهُ.

الطور 52:44

﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ قِطْعَةً. ﴿مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ لِتَعْذِيبِهِمْ. ﴿يَقُولُوا﴾ مِن فَرْطِ طُغْيانِهِمْ وعِنادِهِمْ. ﴿سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ أيْ: هم في الطُّغْيانِ بِحَيْثُ لَوْ أسْقَطْناهُ عَلَيْهِمْ حَسَبَما قالُوا أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا لَقالُوا: هَذا سَحابٌ تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ يُمْطِرُنا ولَمْ يُصَدِّقُوا أنَّهُ كِسَفٌ ساقِطٌ لِلْعَذابِ.

الطور 52:45

﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا﴾ وقُرِئَ "حَتّى يَلْقَوْا". ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن صَعَقَتْهُ الصّاعِقَةُ أوْ مِن أصْعَقَتْهُ، وقُرِئَ "يَصْعَقُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ وهو يَوْمُ يُصِيبُهُمُ الصَّعْقَةُ بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ لا النَّفْخَةُ الأُولى كَما قِيلَ؛ إذْ لا يُصْعَقُ بَها إلّا مَن كانَ حَيًّا حِينَئِذٍ. ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى:

الطور 52:46

﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ بَدَلٌ مِن يَوْمَهم ولا يَخْفى أنَّ التَّعَرُّضَ لِبَيانِ عَدَمِ نَفْعِ كَيْدِهِمْ يَسْتَدْعِي اسْتِعْمالَهم لَهُ طَمَعًا في الِانْتِفاعِ بِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا ما دَبَّرُوهُ في أمْرِهِ ﷺ مِنَ الكَيْدِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ مُناصَبَتُهم يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا النَّفْخَةُ الأُولى فَلَيْسَتْ مِمّا يَجْرِي في مُدافَعَتِهِ الكَيْدُ والحِيَلُ. وقِيلَ: هو يَوْمُ مَوْتِهِمْ وفِيهِ ما فِيهِ مَعَ ما تَأْباهُ الإضافَةُ المُنْبِئَةُ عَنِ اخْتِصاصِهِ بِهِمْ. ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ مِن جِهَةِ الغَيْرِ في دَفْعِ العَذابِ عَنْهم.

الطور 52:47

﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: لَهُمْ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِما ذُكِرَ مِن قَبْلُ أيْ: وإنَّ لِهَؤُلاءِ الظَّلَمَةِ. ﴿عَذابًا﴾ آخَرَ. ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ دُونَ ما لاقَوْهُ مِنَ القَتْلِ أيْ: قَبْلَهُ وهو القَحْطُ الَّذِي أصابَهم سَبْعَ سِنِينَ أوْ وراءَهُ كَما في قَوْلِهِ: تُرِيكَ القَذى مِن دُونِها ... وهو دُونُها (p-153)وَهُوَ عَذابُ القَبْرِ وما بَعَدَهُ مِن فُنُونِ عَذابِ الآخِرَةِ، وقُرِئَ "دُونَ ذَلِكَ قَرِيبًا". ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَما ذُكِرَ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ عِنادًا أوْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا.

الطور 52:48

﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ بِإمْهالِهِمْ إلى يَوْمِهِمُ المَوْعُودِ وإبْقائِكَ فِيما بَيْنَهم مَعَ مُقاساةِ الأحْزانِ ومُعاناةِ الهُمُومِ. ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: في حِفْظِنا وحِمايَتِنا بِحَيْثُ نُراقِبُكَ ونَكْلَؤُكَ، وجَمْعُ العَيْنِ لِجَمْعِ الضَّمِيرِ والإيذانِ بِغايَةِ الِاعْتِناءِ بِالحِفْظِ. ﴿وَسَبِّحْ﴾ أيْ: نَزِّهْهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُلْتَبِسًا. ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ عَلى نَعْمائِهِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ. ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ مِن أيِّ مَكانٍ قُمْتَ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ: أيْ: قُلْ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ". وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَعْناهُ: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ: إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فَقُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ تَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ".

الطور 52:49

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ إفْرادٌ لِبَعْضِ اللَّيْلِ بِالتَّسْبِيحِ لِما أنَّ العِبادَةَ فِيهِ أشَقُّ عَلى النَّفْسِ وأبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ. ﴿وَإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ: وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ أيْ: غَيْبَتِها بِضَوْءِ الصَّباحِ، وقِيلَ: التَّسْبِيحُ مِنَ اللَّيْلِ صَلاةُ العِشاءَيْنِ وإدْبارُ النُّجُومِ صَلاةُ الفَجْرِ، وقُرِئَ "وَأدْبارَ النُّجُومِ" بِالفَتْحِ أيْ: في أعْقابِها إذا غَرَبَتْ أوْ خَفِيَتْ. عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الطُّورِ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُؤَمِّنَهُ مِن عَذابِهِ وأنْ يُنَعِّمَهُ في جَنَّتِهِ".»

النجم 53:1

(p-154)سُورَةُ النَّجْمِ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ المُرادُ بِالنَّجْمِ: إمّا الثُّرَيّا فَإنَّهُ اسْمٌ غالِبٌ لَهُ أوْ جِنْسُ النُّجُومِ وبِهَوِيِّهِ غُرُوبُهُ، وقِيلَ: طُلُوعُهُ يُقالُ: هَوى هَوِيًّا بِوَزْنِ قَبُولِ إذا غَرَبَ و"هُوِيًّا" بِوَزْنِ دُخُولِ إذا عَلا وصَعِدَ، وأمّا النَّجْمُ مِن نُجُومِ القرآن فَهُوِيُّهُ نُزُولُهُ والعامِلُ في إذا فِعْلُ القَسَمِ بِذَلِكَ فَإنَّهُ بِمَعْنى مُطْلَقِ الوَقْتِ مُنْسَلِخٌ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ كَما في قَوْلِكَ: آتِيكَ إذا احْمَّرَ البُسْرُ، وفي الإقْسامِ بِذَلِكَ عَلى نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ شائِبَةِ الضَّلالِ والغِوايَةِ مِنَ البَراعَةِ البَدِيعَةِ وحُسْنِ المَوْقِعِ ما لا غايَةَ وراءَهُ، أمّا عَلى الأوَّلَيْنِ فَلِأنَّ النَّجْمَ شَأْنُهُ أنْ يَهْتَدِيَ بِهِ السّارِي إلى مَسالِكِ الدُّنْيا كَأنَّهُ قِيلَ: والنَّجْمِ الَّذِي يَهْتَدِي بِهِ السّابِلَةُ إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

النجم 53:2

﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ أيْ: ما عَدَلَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الَّذِي هو مَسْلَكُ الآخِرَةِ. ﴿وَما غَوى﴾ أيْ: وما اعْتَقَدَ باطِلًا قَطُّ أيْ: هو في غايَةِ الهُدى والرُّشْدِ ولَيْسَ مِمّا تَتَوَهَّمُونَهُ مِنَ الضَّلالِ والغِوايَةِ في شَيْءٍ أصْلًا، وأمّا عَلى الثّالِثِ فَلِأنَّهُ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ القرآن كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في مَطْلَعِ سُورَةِ يَس وسُورَةِ الزُّخْرُفِ وتَنْبِيهٌ عَلى مَناطِ اهْتِدائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَدارِ رَشادِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: والقرآن الَّذِي هو عَلَمٌ في الهِدايَةِ إلى مَناهِجِ الدِّينِ ومَسالِكِ الحَقِّ ما ضَلَّ عَنْها مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما غَوى، والخِطابُ لِقُرَيْش وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ صاحِبِيَّتِهِ لَهم ولِلْإيذانِ بِوُقُوفِهِمْ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِهِ الشَّرِيفَةِ وإحاطَتِهِمْ خُبْرًا بِبَراءَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا نَفى عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ واتِّصافِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغايَةِ الهُدى والرَّشادِ، فَإنَّ طُولَ صُحْبَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُشاهَدَتَهم لِمَحاسِنِ شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ مُقْتَضِيَةٌ لِذَلِكَ حَتْمًا وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِوَقْتِ الهَوِيِّ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى الأوَّلَيْنِ فَلِأنَّ النَّجْمَ لا يَهْتَدِي بِهِ السّارِي عِنْدَ كَوْنِهِ في وسَطِ السَّماءِ ولا يُعْلَمُ المَشْرِقُ مِنَ المَغْرِبِ ولا الشَّمالُ مِنَ الجَنُوبِ وإنَّما يَهْتَدِي بِهِ عِنْدَ هُبُوطِهِ أوْ صُعُودِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن كَمالِ المُناسِبَةِ لِما سَيُحْكى مِن تَدَلِّي جِبْرِيلَ مِنَ الأُفُقِ الأعْلى ودُنُوِّهِ مِنهُ عَلَيْهِما السَّلامُ هَذا هو اللّائِقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، وأمّا حَمْلُ هَوِيِّهُ عَلى انْتِثارِهِ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ عَلى انْقِضاضِ النَّجْمِ الَّذِي يُرْجَمُ بِهِ أوْ حَمْلُ النَّجْمِ عَلى النَّباتِ وحَمْلُ هَوِيِّهِ عَلى سُقُوطِهِ عَلى الأرْضِ أوْ (p-155)عَلى ظُهُورِهِ مِنها فَمِمّا لا يُناسِبُ المَقامَ.

النجم 53:3

﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أيْ: وما يَصْدُرُ نُطْقُهُ بِالقرآن عَنْ هَواهُ ورَأْيِهِ أصْلًا فَإنَّ المُرادَ: اسْتِمْرارُ نَفْيِ النُّطْقِ عَنِ الهَوى لا نَفْيُ اسْتِمْرارِ النُّطْقِ عَنْهُ كَما مَرَّ مِرارًا.

النجم 53:4

﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ مِنَ القرآن. ﴿إلا وحْيٌ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوحى﴾ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ"وَحْيٌ" رافِعَةٌ لِاحْتِمالِ المَجازِ مُفِيدَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ.

النجم 53:5

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ أيْ: مَلَكٌ شَدِيدٌ قُواهُ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ الواسِطَةُ في إبْداءِ الخَوارِقِ وناهِيكَ دَلِيلًا عَلى شِدَّةِ قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ مِنَ الماءِ الأسْوَدِ الَّذِي هو تَحْتَ الثَّرى وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ ورَفَعَها إلى السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها وصاحَ بِثَمُودَ صَيْحَةً فَأصْبَحُوا جاثِمِينَ وكانَ هُبُوطُهُ عَلى الأنْبِياءِ وصُعُودُهُ في أسْرَعَ مِن رَجْعَةِ الطَّرَفِ.

النجم 53:6

﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: حَصافَةٍ في عَقْلِهِ ورَأْيِهِ ومَتانَةٍ في دِينِهِ. ﴿فاسْتَوى﴾ عَطْفٌ عَلى عَلَّمَهُ بِطَرِيقِ التَّفْسِيرِ فَإنَّهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أوْحى﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّعْلِيمِ أيْ: فاسْتَقامَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها دُونَ الصُّورَةِ الَّتِي كانَ يَتَمَثَّلُ بِها كُلَّما هَبَطَ بِالوَحْيِ؛ وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أحَبَّ أنْ يَراهُ في صُورَتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِراءَ فَطَلَعَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَشْرِقِ فَسَدَّ الأرْضَ مِنَ المَغْرِبِ ومَلَأ الأُفُقَ فَخَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ الآدَمِيِّينَ فَضَمَّهُ إلى نَفْسِهِ وجَعَلَ يَمْسَحُ الغُبارَ عَنْ وجْهِهِ. قِيلَ: ما رَآهُ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ في صُورَتِهِ غَيْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ رَآهُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً في الأرْضِ ومَرَّةً في السَّماءِ. وقِيلَ: اسْتَوى بِقُوَّتِهِ عَلى ما جُعِلَ لَهُ مِنَ الأمْرِ.

النجم 53:7

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ أيْ: أُفُقِ الشَّمْسِ حالٌ مِن فاعِلِ "اسْتَوى". ﴿ثُمَّ دَنا﴾ أيْ: أرادَ الدُّنُوَّ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿فَتَدَلّى﴾ أيِ: اسْتَرْسَلَ مِنَ الأُفُقِ الأعْلى مَعَ تَعَلُّقِ بِهِ فَدَنا مِنَ النَّبِيِّ، يُقالُ: تَدَلَّتِ الثَّمَرَةُ ودَلّى رِجْلَيْهِ مِنَ السَّرِيرِ وأدْلى دَلْوَهُ، والدَّوالِي: الثَّمَرُ المُعَلَّقُ.

النجم 53:8

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ أيْ: أُفُقِ الشَّمْسِ حالٌ مِن فاعِلِ "اسْتَوى". ﴿ثُمَّ دَنا﴾ أيْ: أرادَ الدُّنُوَّ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿فَتَدَلّى﴾ أيِ: اسْتَرْسَلَ مِنَ الأُفُقِ الأعْلى مَعَ تَعَلُّقِ بِهِ فَدَنا مِنَ النَّبِيِّ، يُقالُ: تَدَلَّتِ الثَّمَرَةُ ودَلّى رِجْلَيْهِ مِنَ السَّرِيرِ وأدْلى دَلْوَهُ، والدَّوالِي: الثَّمَرُ المُعَلَّقُ.

النجم 53:9

﴿فَكانَ﴾ أيْ: مِقْدارُ امْتِدادِ ما بَيْنَهُما. ﴿قابَ قَوْسَيْنِ﴾ أيْ: مِقْدارَهُما فَإنَّ القابَ والقِيبَ والقادَ والقَيْدَ والقِيسَ (p-156)المِقْدارُ، وقِيلَ: فَكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما في قَوْلِكَ: هو مِنِّي مَعْقِدُ الإزارِ. ﴿أوْ أدْنى﴾ أيْ: عَلى تَقْدِيرِكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ والمُرادُ: تَمْثِيلُ مَلَكَةِ الِاتِّصالِ وتَحَقُّقِ اسْتِماعِهِ لِما أُوحِيَ إلَيْهِ بِنَفِيِ البُعْدِ المُلْبِسِ.

النجم 53:10

﴿فَأوْحى﴾ أيْ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿إلى عَبْدِهِ﴾ عَبْدِ اللَّهِ تَعالى، وإضْمارُهُ قَبْلَ الذِّكْرِ لِغايَةِ ظُهُورِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها﴾ . ﴿ما أوْحى﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا تَفِي بِها العِبارَةُ أوْ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى حِينَئِذٍ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ ما أوْحى، قِيلَ: أوْحى إلَيْهِ أنَّ الجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ حَتّى تَدْخَلَها وعَلى الأُمَمِ حَتّى تَدْخَلَها أُمَّتُكَ.

النجم 53:11

﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾ أيْ: فُؤادُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿ما رَأى﴾ أيْ: ما أراهُ بِبَصَرِهِ مِن صُورَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ أيْ: ما قالَ فُؤادُهُ لِما رَآهُ لَمْ أعْرِفْكَ ولَوْ قالَ ذَلِكَ لَكانَ كاذِبًا لِأنَّهُ عَرَفَهُ بِقَلْبِهِ كَما رَآهُ بِبَصَرِهِ، وقُرِئَ "ما كَذَّبَ" أيْ: صَدَّقَهُ ولَمْ يَشُكَّ أنَّهُ جِبْرِيلُ بِصُورَتِهِ.

النجم 53:12

﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ أيْ: أتُكَذِّبُونَهُ فَتُجادِلُونَهُ عَلى ما يَراهُ مُعايَنَةً أوْ أبَعْدَ ما ذُكِرَ مِن أحْوالِهِ المُنافِيَةِ لِلْمُماراةِ، تُمارُونَهُ مِنَ المِراءِ وهو المُلاحاةُ والمُجادَلَةُ واشْتِقاقُهُ مِن مَرى النّاقَةَ كَأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَجادِلِينَ يَمْرِي ما عِنْدَ صاحِبِهِ، وقُرِئَ "أفَتُمْرُونَهُ" أيْ: أفَتَغْلِبُونَهُ في المِراءِ مِن مارَيْتُهُ فَمَرَيْتُهُ، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى الغَلَبَةِ عُدِّيَ بِعَلى كَما يُقالُ: غَلَبْتُهُ عَلى كَذا، وقِيلَ: أفَتُمْرُونَهُ أفَتَجْحَدُونَهُ مِن مَرّاهُ حَقَّهُ إذا جَحَدَهُ.

النجم 53:13

﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ مَرَّةً أُخْرى مِنَ النُّزُولِ نُصِبَتِ النَّزْلَةُ نَصْبَ الظَّرْفِ الَّذِي هو مَرَّةٌ؛ لِأنَّ الفَعْلَةَ اسْمٌ لِلْمَرَّةِ مِنَ الفِعْلِ فَكانَتْ في حُكْمِها، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ رَآهُ نازِلًا نَزْلَةً أُخْرى فَنَصْبُها عَلى المَصْدَرِ.

النجم 53:14

﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ هي شَجَرَةُ نَبْقٍ في السَّماءِ السّابِعَةِ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ ثَمَرُها كَقِلالِ هَجَرَ ووَرَقُها كَآذانِ الفُيُولِ، تَنْبُعُ مِن أصْلِها الأنْهارُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها سَبْعِينَ عامًا لا يَقْطَعُها. والمُنْتَهى مَوْضِعُ الِانْتِهاءِ أوِ الِانْتِهاءُ كَأنَّها في مُنْتَهى الجَنَّةِ، وقِيلَ: إلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ الخَلائِقِ وأعْمالُهم ولا يَعْلَمُ أحَدٌ ما وراءَها. وقِيلَ: يَنْتَهِي إلَيْها أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقِيلَ: يَنْتَهِي إلَيْها ما يَهْبِطُ مِن فَوْقِها ويَصْعَدُ مِن تَحْتِها. قِيلَ: إضافَةُ السِّدْرَةِ إلى المُنْتَهى إمّا إضافَةُ الشَّيْءِ إلى مَكانِهِ كَقَوْلِكَ: "شَجَرُ البُسْتانِ" أوْ إضافَةُ المَحَلِّ إلى الحالِّ كَقَوْلِكَ: "كِتابُ الفِقْهِ"، والتَّقْدِيرُ: سَدِرَةٌ عِنْدَها مُنْتَهى عُلُومِ الخَلائِقِ، أوْ إضافَةُ المِلْكَ إلى المالِكِ عَلى حَذْفِ الجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: سِدْرَةُ المُنْتَهى إلَيْهِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ .

النجم 53:15

(p-157)﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ أيِ: الجَنَّةُ الَّتِي يَأْوِي إلَيْها المُتَّقُونَ أوْ أرَواحُ الشُّهَداءِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. وقِيلَ: الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ الحالُ هو الظَّرْفَ و"جَنَّةُ المَأْوى" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

النجم 53:16

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ ظَرْفُ زَمانٍ لِـ"رَآهُ" لا لِما بَعْدَهُ مِنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ كَما قِيلَ، فَإنَّ "ما" النّافِيَةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها، والغَشَيانُ بِمَعْنى: التَّغْطِيَةِ والسَّتْرِ ومِنهُ الغَواشِي، أوْ بِمَعْنى الإتْيانِ يُقالُ: فُلانٌ يَغْشانِي كُلَّ حِينٍ أيْ: يَأْتِينِي، والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِالمَقامِ، وفي إبْهامِ "ما يَغْشى" مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، وتَأْخِيرُهُ عَنِ المَفْعُولِ لِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ أيْ: ولَقَدْ رَآهُ عِنْدَ السِّدْرَةِ وقْتَ ما غَشِيَها مِمّا لا يَكْتَنِهُهُ الوَصْفُ ولا يَفِي بِهِ البَيانُ كَيْفًا ولا كَمًّا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها البَدِيعَةِ ولِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ الغَشَيانِ بِطَرِيقِ التَّجَدُّدِ. وقِيلَ: يَغْشاها الجَمُّ الغَفِيرُ مِنَ المَلائِكَةِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَها. وقِيلَ: يَزُورُونَها مُتَبَرِّكِينَ بِها كَما يَزُورُ النّاسُ الكَعْبَةَ. وقِيلَ: يَغْشاها سَبَحاتُ أنْوارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حِينَ يَتَجَلّى لَها كَما يَتَجَلّى لِلْجَبَلِ لَكِنَّها أقْوى مِنَ الجَبَلِ وأثْبَتُ حَيْثُ لَمْ يُصِبْها ما أصابَهُ مِنَ الدَّكِّ. وقِيلَ: يَغْشاها فَراشٌ أوْ جَرادٌ مِن ذَهَبٍ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ والضِّحاكِ، ورُوِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "رَأيْتُ السِّدْرَةَ يَغْشاها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ ورَأيْتُ عَلى كُلِّ ورَقَةٍ مَلَكًا قائِمًا يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى"،» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿يَغْشاها رَفْرَفٌ مِن طَيْرٍ خُضْرٍ﴾ .

النجم 53:17

﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما مالَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا رَآهُ. ﴿وَما طَغى﴾ وما تَجاوَزَهُ مَعَ ما شاهَدَهُ هُناكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ المُذْهِلَةِ ما لا يُحْصى بَلْ أثْبَتَهُ إثْباتًا صَحِيحًا مُتَيَقِّنًا أوْ ما عَدَلَ عَنِ رُؤْيَةِ العَجائِبِ الَّتِي أُمِرَ بِرُؤْيَتِها ومُكِّنَ مِنها وما جاوَزَها.

النجم 53:18

﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ رَأى الآياتِ الَّتِي هي كُبْراها وعُظْماها حِينَ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ فَأُرِيَ عَجائِبَ المُلْكِ والمَلَكُوتِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ العِبارَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "الكُبْرى" صِفَةً لـِ"آياتٍ" والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ آياتِ رَبِّهِ وأنْ تَكُونَ "مِن" مَزِيدَةً.

النجم 53:19

﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾، ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ هي أصْنامٌ كانَتْ لَهُمْ، فاللّاتُ كانَتْ لِثَقِيفٍ بِالطّائِفِ. وقِيلَ: لِقُرَيْش بِنَخْلَةٍ وهي فَعَلَةٌ مِن لَوى لِأنَّهم كانُوا يَلْوُونَ عَلَيْها ويَطُوفُونَ بِها، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ التّاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ اشْتُهِرَ بِهِ رَجُلٌ كانَ يَلُتُّ السَّمْنَ بِالزَّيْتِ ويُطْعِمُهُ (p-158)الحاجَّ. وقِيلَ: كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ بِالطّائِفِ ويُطْعِمُهُ الحاجَّ فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ يَعْبُدُونَهُ. وقِيلَ: كانَ يَجْلِسُ عَلى حَجَرٍ فَلَمّا ماتَ سُمِّيَ الحَجَرُ بِاسْمِهِ وعُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: كانَ الحَجْرُ عَلى صُورَتِهِ، والعُزّى تَأْنِيثُ الأعَزِّ كانَتْ لِغَطَفانَ وهي سَمُرَةً كانُوا يَعْبُدُونَها فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَقَطَعَها فَخَرَجَتْ مِنها شَيْطانَةٌ ناشِرَةٌ شَعْرَها واضِعَةً يَدَها عَلى رَأْسِها وهي تُوَلْوِلُ فَجَعَلَ خالِدٌ يَضْرِبُها بِالسَّيْفِ حَتّى قَتْلَها فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: تِلْكَ العُزّى ولَنْ تُعْبَدَ أبَدًا، ومَناةُ صَخْرَةٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ. وقِيلَ لِثَقِيفٍ وكَأنَّها سُمِّيَتْ مَناةَ لِأنَّ دِماءَ النِّسائِكَ تُمْنى عِنْدَها أيْ: تُراقُ، وقُرِئَ "وَمُناءَةَ" وهي مُفْعَلَةٌ مِنَ النَّوْءِ كَأنَّهم كانُوا يَسْتَمْطِرُونَ عِنْدَها الأنْواءَ تَبَرُّكًا بِها والأُخْرى صِفَةُ ذَمٍّ لَها وهي المُتَأخِّرَةُ الوَضِيعَةُ المِقْدارِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ الأوَّلِيَّةُ والتَّقَدُّمُ عِنْدَهم لِلّاتِ والعُزّى ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَعَ ما ذُكِرَ مِن عِبادَتِهِمْ لَها يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ وتِلْكَ الأصْنامَ بَناتُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَقِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَبْكِيتًا: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ ...إلَخْ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِتَوْجِيهِهِ إلى تَرْتِيبِ الرُّؤْيَةِ عَلى ما ذَكَرَ مِن شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى المُنافِيَةِ لَها غايَةَ المُنافاةِ وهي قَلْبِيَّةٌ ومَفْعُولُها الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، فالمَعْنى: عَقِيبُ ما سَمِعْتُمْ مِن آثارِ كَمالِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ وجَلالِهِ وجَبَرُوتِهِ وإحْكامِ قدرته ونَفاذِ أمْرِهِ في المَلَأِ الأعْلى وما تَحْتَ الثَّرى وما بَيْنَهُما رَأيْتُمْ هَذِهِ الأصْنامَ مَعَ غايَةِ حَقارَتِها وقَماءَتِها بَناتٍ لَهُ تَعالى. وقِيلَ: المَعْنى: أفَرَأيْتُمْ هَذِهِ الأصْنامَ مَعَ حَقارَتِها وذِلَّتِها شُرَكاءَ اللَّهِ تَعالى مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن عَظَمَتِهِ. وقِيلَ: أخْبَرُونِي عَنْ آلِهَتِكم هَلْ لَها شَيْءٌ مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ في الآيِ السّابِقَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: أظْنَنْتُمْ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْبُدُونَها تَنْفَعُكم. وقِيلَ: أظْنَنْتُمْ أنَّها تَشْفَعُ لَكم في الآخِرَةِ. وقِيلَ: أفَرَأيْتُمْ إلى هَذِهِ الأصْنامِ إنْ عَبَدْتُمُوها لا تَنْفَعْكم وإنْ تَرَكْتُمُوَها لا تَضُرَّكُمْ، والأوَّلُ هو الحَقُّ كَما يَشْهَدُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:

النجم 53:20

﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾، ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ هي أصْنامٌ كانَتْ لَهُمْ، فاللّاتُ كانَتْ لِثَقِيفٍ بِالطّائِفِ. وقِيلَ: لِقُرَيْش بِنَخْلَةٍ وهي فَعَلَةٌ مِن لَوى لِأنَّهم كانُوا يَلْوُونَ عَلَيْها ويَطُوفُونَ بِها، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ التّاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ اشْتُهِرَ بِهِ رَجُلٌ كانَ يَلُتُّ السَّمْنَ بِالزَّيْتِ ويُطْعِمُهُ (p-158)الحاجَّ. وقِيلَ: كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ بِالطّائِفِ ويُطْعِمُهُ الحاجَّ فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ يَعْبُدُونَهُ. وقِيلَ: كانَ يَجْلِسُ عَلى حَجَرٍ فَلَمّا ماتَ سُمِّيَ الحَجَرُ بِاسْمِهِ وعُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: كانَ الحَجْرُ عَلى صُورَتِهِ، والعُزّى تَأْنِيثُ الأعَزِّ كانَتْ لِغَطَفانَ وهي سَمُرَةً كانُوا يَعْبُدُونَها فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَقَطَعَها فَخَرَجَتْ مِنها شَيْطانَةٌ ناشِرَةٌ شَعْرَها واضِعَةً يَدَها عَلى رَأْسِها وهي تُوَلْوِلُ فَجَعَلَ خالِدٌ يَضْرِبُها بِالسَّيْفِ حَتّى قَتْلَها فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: تِلْكَ العُزّى ولَنْ تُعْبَدَ أبَدًا، ومَناةُ صَخْرَةٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ. وقِيلَ لِثَقِيفٍ وكَأنَّها سُمِّيَتْ مَناةَ لِأنَّ دِماءَ النِّسائِكَ تُمْنى عِنْدَها أيْ: تُراقُ، وقُرِئَ "وَمُناءَةَ" وهي مُفْعَلَةٌ مِنَ النَّوْءِ كَأنَّهم كانُوا يَسْتَمْطِرُونَ عِنْدَها الأنْواءَ تَبَرُّكًا بِها والأُخْرى صِفَةُ ذَمٍّ لَها وهي المُتَأخِّرَةُ الوَضِيعَةُ المِقْدارِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ الأوَّلِيَّةُ والتَّقَدُّمُ عِنْدَهم لِلّاتِ والعُزّى ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَعَ ما ذُكِرَ مِن عِبادَتِهِمْ لَها يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ وتِلْكَ الأصْنامَ بَناتُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَقِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَبْكِيتًا: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ ...إلَخْ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِتَوْجِيهِهِ إلى تَرْتِيبِ الرُّؤْيَةِ عَلى ما ذَكَرَ مِن شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى المُنافِيَةِ لَها غايَةَ المُنافاةِ وهي قَلْبِيَّةٌ ومَفْعُولُها الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، فالمَعْنى: عَقِيبُ ما سَمِعْتُمْ مِن آثارِ كَمالِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ وجَلالِهِ وجَبَرُوتِهِ وإحْكامِ قدرته ونَفاذِ أمْرِهِ في المَلَأِ الأعْلى وما تَحْتَ الثَّرى وما بَيْنَهُما رَأيْتُمْ هَذِهِ الأصْنامَ مَعَ غايَةِ حَقارَتِها وقَماءَتِها بَناتٍ لَهُ تَعالى. وقِيلَ: المَعْنى: أفَرَأيْتُمْ هَذِهِ الأصْنامَ مَعَ حَقارَتِها وذِلَّتِها شُرَكاءَ اللَّهِ تَعالى مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن عَظَمَتِهِ. وقِيلَ: أخْبَرُونِي عَنْ آلِهَتِكم هَلْ لَها شَيْءٌ مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ في الآيِ السّابِقَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: أظْنَنْتُمْ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْبُدُونَها تَنْفَعُكم. وقِيلَ: أظْنَنْتُمْ أنَّها تَشْفَعُ لَكم في الآخِرَةِ. وقِيلَ: أفَرَأيْتُمْ إلى هَذِهِ الأصْنامِ إنْ عَبَدْتُمُوها لا تَنْفَعْكم وإنْ تَرَكْتُمُوَها لا تَضُرَّكُمْ، والأوَّلُ هو الحَقُّ كَما يَشْهَدُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:

النجم 53:21

﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ شَهادَةٌ بَيِّنَةً فَإنَّهُ تَوْبِيخٌ مَبْنِيٌّ عَلى التَّوْبِيخِ الأوَّلِ وحَيْثُ كانَ مَدارُهُ تَفْضِيلَ جانِبِ أنْفُسِهِمْ عَلى جَنابِهِ تَعالى بِنِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ تَعالى الإناثَ مَعَ اخْتِيارِهِمْ لِأنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَناطُ الأوَّلِ نَفْسَ تِلْكَ النِّسْبَةِ حَتّى يَتَسَنّى بِناءُ التَّوْبِيخِ الثّانِي عَلَيْهِ وظاهِرٌ أنْ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ التَّقْدِيراتِ المَذْكُورَةِ مِن تِلْكَ النِّسْبَةِ عَيْنٌ ولا أثَرٌ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلرُّؤْيَةِ وخُلُوُّها عَنِ العائِدِ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِما أنَّ الأصْلَ: أخْبِرُونِي أنَّ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ ألْكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ هُنَّ أيْ: تِلْكَ الأصْنامُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ الأُنْثى لِمُراعاةِ الفَواصِلِ وتَحْقِيقِ مَناطِ التَّوْبِيخِ فَمَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمَحُّلاتِ الَّتِي يَنْبَغِي تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِها يَقْتَضِي اقْتِصارَ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْجِيحِ جانِبِهِمُ الحَقِيرِ عَلى جَنابِ اللَّهِ العَزِيزِ الجَلِيلِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلتَّوْبِيخِ عَلى نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ.

النجم 53:22

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى القِسْمَةِ المُنْفَهِمَةِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ. ﴿إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أيْ: جائِرَةٌ حَيْثُ جَعَلْتُمْ لَهُ تَعالى ما تَسْتَنْكِرُونَ (p-159)مِنهُ، وهي فُعْلى مِنَ الضَّيْزِ وهو الجَوْرُ لَكِنَّهُ كُسِرَ فاؤُهُ لِتَسْلَمَ الياءُ كَما فُعِلَ في بِيضٍ فَإنَّ فُعْلى بِالكَسْرِ لَمْ يَأْتِ في الوَصْفِ، وقُرِئَ "ضِئْزى" بِالهَمْزَةِ مِن ضَأزَهُ إذا ظَلَمَهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ، وقُرِئَ "ضَيْزى" إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كَدَعْوى أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ كَسَكْرى وعَطْشى.

النجم 53:23

﴿إنْ هِيَ﴾ الضَّمِيرُ لِلْأصْنامِ أيْ: ما الأصْنامُ بِاعْتِبارِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي يَدَّعُونَها. ﴿إلا أسْماءٌ﴾ مَحْضَةٌ لَيْسَ تَحْتَها مِمّا تُنْبِئُ هي عَنْهُ مِن مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ شَيْءٌ ما أصْلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ صِفَةٌ لِـ"أسْماءٌ" وضَمِيرُها لَها لا لِلْأصْنامِ والمَعْنى: جَعَلْتُمُوها أسْماءً لا جَعَلْتُمْ لَها أسْماءً فَإنَّ التَّسْمِيَةَ نِسْبَةٌ بَيْنَ الِاسْمِ والمُسَمّى، فَإذا قِيسَتْ إلى الاسْمِ فَمَعْناها جَعْلُهُ اسْمًا لِلْمُسَمّى وإنْ قِيسَتْ إلى المُسَمّى فَمَعْناها جَعْلُهُ مُسَمًّى لِلِاسْمِ وإنَّما اخْتِيرَ هَهُنا المَعْنى الأوَّلُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمُسَمّى لِتَحْقِيقِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يُسَمُّونَها آلِهَةً أسْماءٌ مُجَرَّدَةٌ لَيْسَ لَها مُسَمَّياتٌ قَطْعًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ الآيَةُ لا أنَّ هُناكَ مُسَمَّياتٍ لَكِنَّها لا تَسْتَحِقُّ التَّسْمِيَةَ. وقِيلَ: هي لِلْأسْماءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ حَيْثُ كانُوا يُطْلِقُونَها عَلى تِلْكَ الأصْنامِ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَسْتَحِقُّ العُكُوفَ عَلى عِبادَتِها والإعْزازَ والتَّقَرُّبَ إلَيْها بِالقَرابِينِ. وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لَوْ سُلِّمَ دَلالَةُ الأسْماءِ المَذْكُورَةِ عَلى ثُبُوتِ تِلْكَ المَعانِي الخاصَّةِ لِلْأصْنامِ فَلَيْسَ في سَلْبِها عَنْها مَزِيدُ فائِدَةٍ بَلْ إنَّما هي في سَلْبِ الأُلُوهِيَّةِ عَنْها كَما هو زَعْمُهُمُ المَشْهُورُ في حَقِّ جَمِيعِ الأصْنامِ عَلى وجْهٍ بُرْهانِيٍّ فَإنَّ انْتِفاءَ المَوْصُوفِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ الوَصْفِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ أيْ: ما هي إلّا أسْماءٌ خالِيَةٌ عَنِ المُسَمَّياتِ وضَعْتُمُوها. ﴿أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ بِمُقْتَضى أهْوائِكُمُ الباطِلَةِ. ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ بِرِهانٍ تَتَعَلَّقُونَ بِهِ. ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَعْدادَ قَبائِحِهِمُ اقْتَضى الإعْراضَ عَنْهم وحِكايَةَ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ أيْ: ما يَتْبَعُونَ فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّسْمِيَةِ والعَمَلِ بِمُوجِبِها. ﴿إلا الظَّنَّ﴾ إلّا تَوَهُّمَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ تَوَهُّمًا باطِلًا. ﴿وَما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ أيْ: تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهُمُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ. ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ قِيلَ: هي حالٌ مِن فاعِلِ "يَتَّبِعُونَ" أوِ اعْتِراضٌ وأيًّا ما كانَ؛ فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِبُطْلانِ اتِّباعِ الظَّنِّ - وهو النَّفْسُ - وزِيادَةُ تَقْبِيحٍ لِحالِهِمْ، فَإنَّ اتِّباعَهُما مِن أيِّ شَخْصٍ كانَ قَبِيحٌ ومِمَّنْ هَداهُ اللَّهُ تَعالى بِإرْسالِ الرَّسُولِ ﷺ وإنْزالِ الكِتابِ أقْبَحُ.

النجم 53:24

﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن بَلْ لِلِانْتِقالِ مِن بَيانِ أنَّ ما هم عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلّا إلى تَوَهُّمِهِمْ وهَوى أنْفُسِهِمْ إلى بَيانِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُجْدِي نَفْعًا أصْلًا والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ أيْ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ كُلُّ ما يَتَمَنّاهُ وتَشْتَهِيهُ نَفَسُهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أطْماعُهُمُ الفارِغَةُ في شَفاعَةِ الآلِهَةِ ونَظائِرِها الَّتِي لا تَكادُ تَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ.

النجم 53:25

﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ ما يَتَمَنّاهُ حَتْمًا فَإنَّ اخْتِصاصَ (p-160)أُمُورِ الآخِرَةِ والأوْلى جَمِيعًا بِهِ تَعالى مُقْتَضٍ لِانْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لَهُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ.

النجم 53:26

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ إقْناطٌ لَهم عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهم مِن شَفاعَةِ المَلائِكَةِ لَهم مُوجِبٌ لِإقْناطِهِمْ مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ و"كَمْ" خَبَرِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ هي الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ وجَمْعُ الضَّمِيرِ في شَفاعَتِهِمْ مَعَ إفْرادِ المَلَكِ بِاعْتِبارِ المَعْنى أيْ: وكَثِيرٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ. ﴿إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ لَهم في الشَّفاعَةِ. ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَشْفَعُوا لَهُ. ﴿وَيَرْضى﴾ ويَراهُ أهْلًا لِلشَّفاعَةِ مِن أهِلِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ، وأمّا مَن عَداهم مَن أهِلِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ فَهم مِن إذَنِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْزِلٍ ومِنَ الشَّفاعَةِ ألْفُ مَنزِلٍ فَإذا كانَ حالُ المَلائِكَةِ في بابِ الشَّفاعَةِ كَما ذُكِرَ فَما ظَنُّهم بِحالِ الأصْنامِ.

النجم 53:27

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وبِما فِيها مِنَ العِقابِ عَلى ما يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ﴾ المُنَزَّهِينَ عَنْ سِماتِ النُّقْصانِ عَلى الإطْلاقِ يُسَمُّونَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ﴿تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ فَإنَّ قَوْلَهُمُ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ" قَوْلٌ مِنهم بِأنَّ كُلًّا مِنهم بِنْتُهُ سُبْحانَهُ وهي التَّسْمِيَةُ بِالأُنْثى وفي تَعْلِيقِها بِعَدَمِ الإيمان بالآخِرَةِ إشْعارٌ بِأنَّها في الشَّناعَةِ والفَظاعَةِ واسْتِتْباعِ العُقُوبَةِ في الآخِرَةِ بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْها إلّا مَن يُؤْمِنُ بَها رَأْسًا.

النجم 53:28

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يُسَمُّونَ" أيْ: يُسَمُّونَهُ والحالُ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم بِما يَقُولُونَ أصْلًا، وقُرِئَ بِها أيْ: بِالمَلائِكَةِ أوْ بِالتَّسْمِيَةِ. ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في ذَلِكَ. ﴿إلا الظَّنَّ﴾ الفاسِدَ. ﴿وَإنَّ الظَّنَّ﴾ أيْ: جِنْسَ الظَّنِّ كَما يُلَوِّحُ بِهِ الإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ. ﴿لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ فَإنَّ الحَقَّ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ لا يُدْرَكُ إلّا بِالعِلْمِ والظَّنِّ لا اعْتِدادَ بِهِ في شَأْنِ المَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ وإنَّما يُعْتَدُّ بِهِ في العَمَلِيّاتِ وما يُؤَدِّي إلَيْها.

النجم 53:29

﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ أيْ: عَنْهم ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى وصْفِهِمْ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِها أيْ: فَأعْرِضْ عَمَّنْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِنا المُفِيدِ لِلْعِلْمِ اليَقِينِيِّ وهو القرآن المُنْطَوِي عَلى عُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ المُذَكِّرِ لِأُمُورِ الآخِرَةِ أوْ عَنْ ذِكْرِنا كَما يَنْبَغِي فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَتْبِعٌ لِذِكْرِ الآخِرَةِ وما فِيها مِنَ الأُمُورِ المَرْغُوبِ فِيها والمَرْهُوبِ عَنْها. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ راضِيًا بِها قاصِرًا نَظَرَهُ عَلَيْها والمُرادُ: النَّهْيُ عَنْ دَعْوَتِهِ والِاعْتِناءُ بِشَأْنِهِ، قالَ: مَن أعْرَضَ عَمّا ذُكِرَ وانْهَمَكَ في الدُّنْيا بِحَيْثُ كانَتْ هي مُنْتَهى هِمَّتِهِ وقُصارى سَعْيِهِ (p-161)لا تَزِيدُهُ الدَّعْوَةُ إلى خِلافِها إلّا عِنادًا وإصْرارًا عَلى الباطِلِ.

النجم 53:30

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما أدّاهم إلى ما هم فِيهِ مِنَ التَّوَلِّي وقِصَرِ الإرادَةِ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا. ﴿مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ لا يَكادُونَ يُجاوِزُونَهُ إلى غَيْرِهِ حَتّى تُجْدِيَهُمُ الدَّعْوَةُ والإرْشادُ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في مَبْلَغُهم بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ إفْرادَهُ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، والمُرادُ بِالعِلْمِ: مُطْلَقُ الإدْراكِ المُنْتَظِمِ لِلظَّنِّ الفاسِدِ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونٍ ما قَبْلَها مِن قَصْرِ الإرادَةِ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَن اهْتَدى﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ﴾ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإيذانِ بِكَمالِ تَبايُنِ المَعْلُومِينَ والمُرادُ بِمَن ضَلَّ: مَن أصَرَّ عَلَيْهِ ولَمْ يَرْجِعْ إلى الهُدى أصْلًا، وبِمَنِ اهْتَدى مَن مِن شَأْنِهِ الِاهْتِداءُ في الجُمْلَةِ أيْ: هو المُبالِغُ في العِلْمِ بِمَن لا يَرْعَوِي عَنِ الضَّلالِ أبَدًا وبِمَن يَقْبَلُ الِاهْتِداءَ في الجُمْلَةِ لا غَيْرُهُ فَلا تُتْعِبْ نَفْسَكَ في دَعْوَتِهِمْ فَإنَّهم مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ، وفي تَعْلِيلِ الأمْرِ بِإعْراضِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِمْ بِاقْتِصارِ العِلْمِ بِأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ عَلَيْهِ تَعالى رَمْزٌ إلى أنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم بِمُوجِبِ عِلْمِهِ بِهِمْ فَيَجْزِي كُلًّا مِنهم بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ فَفِيهِ وعِيدٌ ووَعْدٌ ضِمْنًا كَما سَيَأْتِي صَرِيحًا.

النجم 53:31

﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقًا ومِلْكًا لا لِغَيْرِهِ أصْلًا لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ ...إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ أعْلَمُ ...إلَخْ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ فَإنَّ كَوْنَ الكُلِّ مَخْلُوقًا لَهُ تَعالى مِمّا يُقَرِّرُ علمه تعالى بِأحْوالِهِمْ "ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ" كَأنَّهُ قِيلَ: فَيَعْلَمُ ضَلالَ مَن ضَلَّ واهْتِداءَ مَنِ اهْتَدى ويَحْفَظُهُما لِيَجْزِيَ ﴿الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ: بِعِقابِ ما عَمِلُوا مِنَ الضَّلالِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالإساءَةِ بَيانًا لِحالِهِ أوْ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا. ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أيِ: اهْتَدَوْا. ﴿بِالحُسْنى﴾ أيْ: بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ أوْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الحُسْنى، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: خَلَقَ ما فِيهِما لِيَجْزِيَ ...إلَخْ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ"ضَلَّ" و"اهْتَدى" عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ أيْ: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ لِيَؤُولَ أمْرُهُ إلى أنْ يَجْزِيَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَمَلِهِ وبِمَنِ اهْتَدى لِيَؤُولَ أمْرُهُ إلى أنْ يَجْزِيَهُ بِالحُسْنى، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما لا يَخْفى وتَكْرِيرُ الفِعْلِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الجَزاءِ والتَّنْبِيهِ عَلى تَبايُنِ الجَزاءَيْنِ.

النجم 53:32

(p-162)﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في صِلَتِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الِاجْتِنابِ واسْتِمْرارِهِ أوْ بَيانٌ أوْ نَعْتٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ و"كَبائِرُ الإثْمِ" ما يَكْبُرُ عِقابُهُ مِنَ الذُّنُوبِ وهو ما رُتِّبَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ بِخُصُوصِهِ، وقُرِئَ "كَبِيرَ الإثْمِ" عَلى إرادَةِ الجِنْسِ أوِ الشِّرْكِ. ﴿والفَواحِشَ﴾ وما فُحِشَ مِنَ الكَبائِرِ خُصُوصًا. ﴿إلا اللَّمَمَ﴾ أيْ: إلّا ما قَلَّ وصَغُرَ فَإنَّهُ مَغْفُورٌ مِمَّنْ يَجْتَنِبُ الكَبائِرَ. قِيلَ: هي النَّظْرَةُ والغَمْزَةُ والقُبْلَةُ. وقِيلَ: هي الخَطْرَةُ مِنَ الذَّنْبِ. وقِيلَ: كُلُّ ذَنْبٍ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَلَيْهِ حَدًّا ولا عَذابًا. وقِيلَ: عادَةُ النَّفْسِ الحِينَ بَعْدَ الحِينِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ. ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ حَيْثُ يَغْفِرُ الصَّغائِرَ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِاسْتِثْناءِ اللَّمَمِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إخْراجَهُ عَنْ حُكْمِ المُؤاخَذَةِ بِهِ لَيْسَ لِخُلُوِّهِ عَنِ الذَّنْبِ في نَفْسِهِ بَلْ لِسَعَةِ المَغْفِرَةِ الرَّبّانِيَّةِ. وقِيلَ: المَعْنى: لَهُ أنْ يَغْفِرَ لِمَن يَشاءُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ما يَشاءُ مِنَ الذُّنُوبِ صَغِيرِها وكَبِيرِها، لَعَلَّ تَعْقِيبَ وعْدِ المُسِيئِينَ ووَعْدِ المُحْسِنِينَ بِذَلِكَ حِينَئِذٍ لِئَلّا يَيْأسَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى ولا يَتَوَهَّمَ وُجُوبَ العِقابِ عَلَيْهِ تَعالى. ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيْ: بِأحْوالِكم يَعْلَمُها. ﴿إذْ أنْشَأكُمْ﴾ في ضِمْنِ إنْشاءِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ إنْشاءً إجْمالِيًّا حَسَبَما مَرَّ تَقْرِيرُهُ مِرارًا. ﴿وَإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ﴾ أيْ: وقْتَ كَوْنِكم أجِنَّةً. ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَرَتِّبَةٍ لا يَخْفى عَلَيْها حالٌ مِن أحْوالِكم وعَمَلٌ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اللَّمَمُ الَّذِي لَوْلا المَغْفِرَةُ الواسِعَةُ لَأصابَكم وبالُهُ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ عَلى ما سَبَقَ مِن أنَّ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ بِاللَّمَمِ لَيْسَ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مِن قَبِيلِ الذُّنُوبِ بَلْ لِمَحْضِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ بِصُدُورِهِ عَنْكم أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا تُثْنُوا عَلَيْها بِالطَّهارَةِ عَنِ المَعاصِي بِالكُلِّيَّةِ أوْ بِما يَسْتَلْزِمُها مِن زَكاءِ العَمَلِ ونَماءِ الخَيْرِ بَلِ اشْكُرُوا اللَّهَ تَعالى عَلى فَضْلِهِ ومَغْفِرَتِهِ. ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ المَعاصِيَ جَمِيعًا وهو اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلنَّهْيِ ومُشْعِرٌ بِأنَّ فِيهِمْ مَن يَتَّقِيها بِأسْرِها، وقِيلَ: كانَ ناسٌ يَعْمَلُونَ أعَمالًا حَسَنَةً ثُمَّ يَقُولُونَ صَلاتُنا وصِيامُنا وحَجُّنا فَنَزَلَتْ وهَذا إذا كانَ بِطَرِيقِ الإعْجابِ أوِ الرِّياءِ، فَأمّا مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ ما عَمِلَهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِتَوْفِيقِهِ وتَأْيِيدِهِ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّمَدُّحَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُزَكِّينَ أنْفُسَهم فَإنَّ المَسَرَّةَ بِالطّاعَةِ طاعَةٌ وذِكْرَها شُكْرٌ.

النجم 53:33

﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ أيْ: عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والثَّباتِ عَلَيْهِ.

النجم 53:34

﴿وَأعْطى قَلِيلا﴾ أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا أوْ إعْطاءً قَلِيلًا. ﴿وَأكْدى﴾ أيْ: قَطَعَ العَطاءَ، (p-163)مِن قَوْلِهِمْ: أكْدى الحافِرُ إذا بَلَغَ الكُدْيَةَ أيِ: الصَّلابَةَ كالصَّخْرَةِ فَلا يُمْكِنُهُ أنْ يَحْفِرَ قالُوا: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ؛ كانَ يَتْبَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَيَّرَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ وقالَ لَهُ: تَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ وضَلَّلْتَهم فَقالَ: أخْشى عَذابَ اللَّهِ فَضِمْنَ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ العَذابَ إنْ أعْطاهُ بَعْضَ مالِهِ فارْتَدَّ وأعْطاهُ بَعْضَ المَشْرُوطِ وبَخِلَ بِالباقِي. وقِيلَ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ لَمّا كانَ يُوافِقُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بَعْضِ الأُمُورِ. وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ كانَ رُبَّما يُوافِقُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بَعْضِ الأُمُورِ وكانَ يَقُولُ: واللَّهُ ما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ والأوَّلُ هو الأشْهَرُ المُناسِبُ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى:

النجم 53:35

﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ ...إلَخْ أيْ: أعِنْدَهُ عِلْمٌ بِالأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَحَمُّلُ صاحِبِهِ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

النجم 53:36

﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾، ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ أيْ: وفَّرَ وأتَمَّ ما ابْتُلِيَ بِهِ مِنَ الكَلِماتِ أوْ أُمِرَ بِهِ أوْ بالَغَ في الوَفاءِ بِما عاهَدَ اللَّهَ وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ لِاحْتِمالِهِ ما لَمْ يَحْتَمِلْهُ غَيْرُهُ كالصَّبْرِ عَلى نارِ نُمْرُوذَ حَتّى إذا أنَّهُ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ يُلْقى في النّارِ فَقالَ: ألَكَ حاجَةٌ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، وعَلى ذَبْحِ الوَلَدِ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَمْشِي كُلَّ يَوْمٍ فَرْسَخًا يَرْتادُ ضَيْفًا فَإنْ وافَقَهُ أكْرَمَهُ وإلّا نَوى الصَّوْمَ، وتَقْدِيمُ مُوسى لِما أنَّ صُحُفَهُ الَّتِي هي التَّوْراةُ أشْهَرُ عِنْدَهم وأكْثَرُ.

النجم 53:37

﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾، ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ أيْ: وفَّرَ وأتَمَّ ما ابْتُلِيَ بِهِ مِنَ الكَلِماتِ أوْ أُمِرَ بِهِ أوْ بالَغَ في الوَفاءِ بِما عاهَدَ اللَّهَ وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ لِاحْتِمالِهِ ما لَمْ يَحْتَمِلْهُ غَيْرُهُ كالصَّبْرِ عَلى نارِ نُمْرُوذَ حَتّى إذا أنَّهُ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ يُلْقى في النّارِ فَقالَ: ألَكَ حاجَةٌ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، وعَلى ذَبْحِ الوَلَدِ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَمْشِي كُلَّ يَوْمٍ فَرْسَخًا يَرْتادُ ضَيْفًا فَإنْ وافَقَهُ أكْرَمَهُ وإلّا نَوى الصَّوْمَ، وتَقْدِيمُ مُوسى لِما أنَّ صُحُفَهُ الَّتِي هي التَّوْراةُ أشْهَرُ عِنْدَهم وأكْثَرُ.

النجم 53:38

﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: أنَّهُ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ مِن شَأْنِها الحَمْلُ حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرى عَلى أنَّ "أنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ خَبَرُها ومَحَلُّ الجُمْلَةُ الجَرُّ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِمّا في صُحُفِ مُوسى أوِ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ما في صُحُفِهِما؟ فَقِيلَ: هو أنْ لا تَزِرُ ...إلَخْ والمَعْنى: أنَّهُ لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ لِيَتَخَلَّصَ الثّانِي عَنْ عِقابِهِ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ وِزْرُ الإضْلالِ الَّذِي هو وِزْرُهُ.

النجم 53:39

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ انْتِفاعِ الإنْسانِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ مِن حَيْثُ جَلْبُ النَّفْعِ إلَيْهِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ انْتِفاعِهِ بِهِ مِن حَيْثُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُ، وأمّا شَفاعَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واسْتِغْفارُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ودُعاءُ الأحْياءِ لِلْأمْواتِ وصَدَقْتُهم عَنْهم وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُحْصى مِنَ الأُمُورِ النّافِعَةِ لِلْإنْسانِ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ مِن عَمَلِهِ قَطْعًا فَحَيْثُ كانَ مَناطُ مَنفَعَةِ كُلٍّ مِنها عَمَلُهُ الَّذِي هو الإيمانُ والصَّلاحُ ولَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِنها نَفْعٌ ما بِدُونِهِ جُعِلَ النّافِعُ نَفْسَ عَمَلِهِ وإنْ (p-164)كانَ بِانْضِمامِ عَمَلِ غَيْرِهِ إلَيْهِ، "وَأنْ" مُخَفِّفَةٌ كَأُخْتِها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:

النجم 53:40

﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ أيْ: يُعْرَضُ عَلَيْهِ ويَكْشِفُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في صَحِيفَتِهِ ومِيزانِهِ، مِن أرَيْتُهُ الشَّيْءَ.

النجم 53:41

﴿ثُمَّ يُجْزاهُ﴾ أيْ: يُجْزى الإنْسانُ سَعْيَهُ يُقالُ: جَزاهُ اللَّهُ بِعَمَلِهِ وجَزاهُ عَلى عَمَلِهِ وجَزاهُ عَمَلَهُ بِحَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ لِلْجَزاءِ ثُمَّ يُفَسَّرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ أوْ يُبْدَلَ هو عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ .

النجم 53:42

﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيِ: انْتِهاءَ الخَلْقِ ورُجُوعَهم إلَيْهِ تَعالى لا إلى غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، وقُرِئَ بِكَسْرِ "إنَّ" عَلى الِابْتِداءِ.

النجم 53:43

﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ أيْ: هو خَلَقَ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ.

النجم 53:44

﴿وَأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ لا يَقْدِرُ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ غَيْرُهُ فَإنَّ أثَرَ القاتِلِ نَقْضُ البِنْيَةِ وتَفْرِيقُ الِاتِّصالِ وإنَّما يَحْصُلُ المَوْتُ عِنْدَهُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى عَلى العادَةِ.

النجم 53:45

﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ تَدْفُقُ في الرَّحِمِ أوْ تُخَلَّقُ أوْ يُقَدَّرُ مِنها الوَلَدُ مِن مَنِيٍّ، بِمَعْنى قَدَّرَ.

النجم 53:46

﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾، ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ تَدْفُقُ في الرَّحِمِ أوْ تُخَلَّقُ أوْ يُقَدَّرُ مِنها الوَلَدُ مِن مَنِيٍّ، بِمَعْنى قَدَّرَ.

النجم 53:47

﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ أيْ: الإحْياءَ بَعْدَ المَوْتِ وفاءً بِوَعْدِهِ، وقُرِئَ "النَّشاءَةَ" بِالمَدِّ وهي أيْضًا مَصْدَرُ نَشَّأهُ.

النجم 53:48

﴿وَأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ وأعْطى القِنْيَةَ وهي ما يُتَأثَّلُ مِنَ الأمْوالِ، وأفْرَدَها بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشْرَفُ الأمْوالِ أوْ أرْضى، وتَحْقِيقُهُ جَعْلُ الرِّضا لَهُ قِنْيَةً.

النجم 53:49

﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ أيْ: رَبُّ مَعْبُودِهِمْ وهي العَبُورُ وهي أشَدُّ ضِياءً مِنَ الغُمَيْصاءِ وكانَتْ خُزاعَةُ تَعْبُدُها، سَنَّ لَهم ذَلِكَ أبُو كَبْشَةَ رَجُلٌ مِن أشْرافِهِمْ وكانَتْ قَرِيشٌ تَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أبُو كَبْشَةً تَشْبِيهًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ لِمُخالَفَتِهِ إيّاهم في دِينِهِمْ.

النجم 53:50

﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ (p-165)هِيَ قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وعادٌ الأُخْرى إرَمُ وقِيلَ: الأُولى القُدَماءُ لِأنَّهم أُولى الأُمَمِ هَلاكًا بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ، وقُرِئَ "عادٌ الأُولى" بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ ضَمَّتِها إلى اللّامِ و"عادٌ لُّولى" بِإدْغامِ التَّنْوِينِ في اللّامِ وطَرْحِ هَمْزَةِ أوْلى ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى لامِ التَّعْرِيفِ.

النجم 53:51

﴿وَثَمُودَ﴾ عَطْفٌ عَلى عادًا لِأنَّ ما بَعْدَهُ لا يَعْمَلُ فِيهِ وقُرِئَ "وَثَمُودًا" بِالتَّنْوِينِ. ﴿فَما أبْقى﴾ أيْ: أحَدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ.

النجم 53:52

﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ أيْضًا. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ إهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ. ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ كانُوا يُؤْذُونَهُ ويُنَفِّرُونَ النّاسَ عَنْهُ وكانُوا يُحَذِّرُونَ صِبْيانَهم أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ وكانُوا يَضْرِبُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى لا يَكُونَ بِهِ حَراكٌ وما أثَّرَ فِيهِمْ دُعاؤُهُ قَرِيبًا مِن ألْفِ سَنَةٍ.

النجم 53:53

﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ هي قُرى قَوْمِ لُوطٍ ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها أيِ: انْقَلَبَتْ بِهِمْ. ﴿أهْوى﴾ أيْ: أسْقَطَها إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ رَفَعَها عَلى جَناحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ.

النجم 53:54

﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ مِن فُنُونِ العَذابِ، وفِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ ما لا غايَةَ وراءَهُ.

النجم 53:55

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ تَتَشَكَّكُ والخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ، وإسْنادُ فِعْلِ التَّمارِي إلى الواحِدِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِهِ بِحَسَبَ تَعَدُّدِ مُتَعَلَّقِهِ فَإنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ وإنْ كانَتْ مَوْضُوعَةً لِإفادَةِ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ ووُقُوعِهِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلٌّ مِن ذَلِكَ فاعِلًا ومَفْعُولًا مَعًا لَكِنَّها قَدْ تُجَرَّدُ عَنِ المَعْنى الثّانِي فَيُرادُ بِها المَعْنى الأوَّلُ فَقَطْ كَما في "يَتَداعُونَهُمْ" أيْ: يَدْعُونَهُمْ، وقَدْ تُجَرَّدُ عَنْهم أيْضًا فَيُكْتَفى بِتَعَدُّدِ الفِعْلِ بِتَعَدُّدِ مُتَعَلَّقِهِ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ فَإنَّ المِراءَ مُتَعَدِّدٌ بِتَعَدُّدِ الآلاءِ فَتَدَبَّرْ، وتَسْمِيَةُ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ آلاءً مَعَ أنَّ بَعْضَها نِقَمٌ لِما أنَّها أيْضًا نِعَمٌ مِن حَيْثُ إنَّها نُصْرَةٌ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ وانْتِقامٌ لَهم وفِيها عِظاتَ وعِبَرٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ.

النجم 53:56

﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ "هَذا" إمّا إشارَةٌ إلى القرآن والنَّذِيرُ مَصْدَرٌ أوْ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والنَّذِيرُ بِمَعْنى المُنْذِرِ، وأيًّا ما كانَ؛ فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو نَعْتٌ لِـ"نَذِيرٌ" مُقَرِّرٌ لَهُ ومُتَضَمِّنٌ لِلْوَعِيدِ أيْ: هَذا القرآن الَّذِي تُشاهِدُونَهُ نَذِيرٌ مِن قَبِيلِ الإنْذاراتِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي سَمِعْتُمْ عاقِبَتَها أوْ هَذا الرَّسُولُ مُنْذِرٌ مِن جِنْسِ المُنْذِرِينَ الأوَّلِينَ والأُولى عَلى تَأْوِيلِ الجَماعَةِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ وقَدْ عَلِمْتُمْ أحْوالَ قَوْمِهِمُ المُنْذَرِينَ وفي (p-166)تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى:

النجم 53:57

﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ تَعْذِيبَهم مُؤَخَّرٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أيْ: دَنْتِ السّاعَةُ المَوْصُوفَةُ بِالدُّنُوِّ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ .

النجم 53:58

﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ أيْ: لَيْسَ لَها نَفْسٌ قادِرَةٌ عَلى كَشْفِها عِنْدَ وُقُوعِها إلّا اللَّهُ تَعالى لَكِنَّهُ لا يَكْشِفُها أوْ لَيْسَ لَها الآنَ نَفْسٌ كاشِفَةٌ بِتَأْخِيرِها إلّا اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ المُؤَخِّرُ لَها أوْ لَيْسَ لَها كاشِفَةٌ لِوَقْتِها إلّا اللَّهُ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ أوْ لَيْسَ لَها مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَشْفٌ عَلى أنَّ كاشِفَةً مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ.

النجم 53:59

﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ أيِ: القرآن. ﴿تَعْجَبُونَ﴾ إنْكارًا.

النجم 53:60

﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ حُزْنًا عَلى ما فَرَّطْتُمْ في شَأْنِهِ وخَوْفًا مِن أنْ يَحِيقَ بِكم ما حاقَ بِالأُمَمِ المَذْكُورَةِ.

النجم 53:61

﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ أيْ: لاهُونَ أوْ مُسْتَكْبِرُونَ، مَن سَمَدَ البَعِيرُ إذا رَفَعَ رَأْسَهُ أوْ مُغَنُّونَ لِتَشْغَلُوا النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ مِنَ السُّمُودِ بِمَعْنى الغِناءِ عَلى لُغَةِ حِمْيَرَ أوْ خاشِعُونَ جامِدُونَ مِنَ السُّمُودِ بِمَعْنى الجُمُودِ والخُشُوعِ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: ؎ رَمى الحِدْثانُ نِسْوَةَ آلِ ∗∗∗ سَعْدٍ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُجُودًا ؎ فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودًا والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "لا تَبْكُونَ" خَلا أنَّ مَضْمُونَها عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ قَيْدٌ لِلْمَنفِيِّ والإنْكارُ وارِدٌ عَلى نَفْيِ البُكاءِ والسُّمُودِ مَعًا وعَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ قَيْدٌ لِلنَّفْيِ والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى نَفْيِ البُكاءِ ووُجُودِ السُّمُودِ والأوَّلُ أوْفى بِحَقِّ المَقامِ فَتَدَبَّرْ.

النجم 53:62

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ أوْ مُوجِبِهِ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن بُطْلانِ مُقابِلَةِ القرآن بِالإنْكارِ والِاسْتِهْزاءِ ووُجُوبِ تَلَقِّيهِ بِالإيمانِ مَعَ كَمالِ الخُضُوعِ والخُشُوعِ أيْ: وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ واعْبُدُوا. عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "مَن قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ وجَحَدَ بِهِ بِمَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى".»