Tafsir Abi Al-Suaood — القمر 54:1 – الحشر 59:24
المحتويات
- القمر 54:1
- القمر 54:2
- القمر 54:3
- القمر 54:4
- القمر 54:5
- القمر 54:6
- القمر 54:7
- القمر 54:8
- القمر 54:9
- القمر 54:10
- القمر 54:11
- القمر 54:12
- القمر 54:13
- القمر 54:14
- القمر 54:15
- القمر 54:16
- القمر 54:17
- القمر 54:18
- القمر 54:19
- القمر 54:20
- القمر 54:21
- القمر 54:22
- القمر 54:23
- القمر 54:24
- القمر 54:25
- القمر 54:26
- القمر 54:27
- القمر 54:28
- القمر 54:29
- القمر 54:30
- القمر 54:31
- القمر 54:32
- القمر 54:33
- القمر 54:34
- القمر 54:35
- القمر 54:36
- القمر 54:37
- القمر 54:38
- القمر 54:39
- القمر 54:40
- القمر 54:41
- القمر 54:42
- القمر 54:43
- القمر 54:44
- القمر 54:45
- القمر 54:46
- القمر 54:47
- القمر 54:48
- القمر 54:49
- القمر 54:50
- القمر 54:51
- القمر 54:52
- القمر 54:53
- القمر 54:54
- القمر 54:55
- الرحمن 55:1
- الرحمن 55:2
- الرحمن 55:3
- الرحمن 55:4
- الرحمن 55:5
- الرحمن 55:6
- الرحمن 55:7
- الرحمن 55:8
- الرحمن 55:9
- الرحمن 55:10
- الرحمن 55:11
- الرحمن 55:12
- الرحمن 55:13
- الرحمن 55:14
- الرحمن 55:15
- الرحمن 55:16
- الرحمن 55:17
- الرحمن 55:18
- الرحمن 55:19
- الرحمن 55:20
- الرحمن 55:21
- الرحمن 55:22
- الرحمن 55:23
- الرحمن 55:24
- الرحمن 55:25
- الرحمن 55:26
- الرحمن 55:27
- الرحمن 55:28
- الرحمن 55:29
- الرحمن 55:30
- الرحمن 55:31
- الرحمن 55:32
- الرحمن 55:33
- الرحمن 55:34
- الرحمن 55:35
- الرحمن 55:36
- الرحمن 55:37
- الرحمن 55:38
- الرحمن 55:39
- الرحمن 55:40
- الرحمن 55:41
- الرحمن 55:42
- الرحمن 55:43
- الرحمن 55:44
- الرحمن 55:45
- الرحمن 55:46
- الرحمن 55:47
- الرحمن 55:48
- الرحمن 55:49
- الرحمن 55:50
- الرحمن 55:51
- الرحمن 55:52
- الرحمن 55:53
- الرحمن 55:54
- الرحمن 55:55
- الرحمن 55:56
- الرحمن 55:57
- الرحمن 55:58
- الرحمن 55:59
- الرحمن 55:60
- الرحمن 55:61
- الرحمن 55:62
- الرحمن 55:63
- الرحمن 55:64
- الرحمن 55:65
- الرحمن 55:66
- الرحمن 55:67
- الرحمن 55:68
- الرحمن 55:69
- الرحمن 55:70
- الرحمن 55:71
- الرحمن 55:72
- الرحمن 55:73
- الرحمن 55:74
- الرحمن 55:75
- الرحمن 55:76
- الرحمن 55:77
- الرحمن 55:78
- الواقعة 56:1
- الواقعة 56:2
- الواقعة 56:3
- الواقعة 56:4
- الواقعة 56:5
- الواقعة 56:6
- الواقعة 56:7
- الواقعة 56:8
- الواقعة 56:9
- الواقعة 56:10
- الواقعة 56:11
- الواقعة 56:12
- الواقعة 56:13
- الواقعة 56:14
- الواقعة 56:15
- الواقعة 56:16
- الواقعة 56:17
- الواقعة 56:18
- الواقعة 56:19
- الواقعة 56:20
- الواقعة 56:21
- الواقعة 56:22
- الواقعة 56:23
- الواقعة 56:24
- الواقعة 56:25
- الواقعة 56:26
- الواقعة 56:27
- الواقعة 56:28
- الواقعة 56:29
- الواقعة 56:30
- الواقعة 56:31
- الواقعة 56:32
- الواقعة 56:33
- الواقعة 56:34
- الواقعة 56:35
- الواقعة 56:36
- الواقعة 56:37
- الواقعة 56:38
- الواقعة 56:39
- الواقعة 56:40
- الواقعة 56:41
- الواقعة 56:42
- الواقعة 56:43
- الواقعة 56:44
- الواقعة 56:45
- الواقعة 56:46
- الواقعة 56:47
- الواقعة 56:48
- الواقعة 56:49
- الواقعة 56:50
- الواقعة 56:51
- الواقعة 56:52
- الواقعة 56:53
- الواقعة 56:54
- الواقعة 56:55
- الواقعة 56:56
- الواقعة 56:57
- الواقعة 56:58
- الواقعة 56:59
- الواقعة 56:60
- الواقعة 56:61
- الواقعة 56:62
- الواقعة 56:63
- الواقعة 56:64
- الواقعة 56:65
- الواقعة 56:66
- الواقعة 56:67
- الواقعة 56:68
- الواقعة 56:69
- الواقعة 56:70
- الواقعة 56:71
- الواقعة 56:72
- الواقعة 56:73
- الواقعة 56:74
- الواقعة 56:75
- الواقعة 56:76
- الواقعة 56:77
- الواقعة 56:78
- الواقعة 56:79
- الواقعة 56:80
- الواقعة 56:81
- الواقعة 56:82
- الواقعة 56:83
- الواقعة 56:84
- الواقعة 56:85
- الواقعة 56:86
- الواقعة 56:87
- الواقعة 56:88
- الواقعة 56:89
- الواقعة 56:90
- الواقعة 56:91
- الواقعة 56:92
- الواقعة 56:93
- الواقعة 56:94
- الواقعة 56:95
- الواقعة 56:96
- الحديد 57:1
- الحديد 57:2
- الحديد 57:3
- الحديد 57:4
- الحديد 57:5
- الحديد 57:6
- الحديد 57:7
- الحديد 57:8
- الحديد 57:9
- الحديد 57:10
- الحديد 57:11
- الحديد 57:12
- الحديد 57:13
- الحديد 57:14
- الحديد 57:15
- الحديد 57:16
- الحديد 57:17
- الحديد 57:18
- الحديد 57:19
- الحديد 57:20
- الحديد 57:21
- الحديد 57:22
- الحديد 57:23
- الحديد 57:24
- الحديد 57:25
- الحديد 57:26
- الحديد 57:27
- الحديد 57:28
- الحديد 57:29
- المجادلة 58:1
- المجادلة 58:2
- المجادلة 58:3
- المجادلة 58:4
- المجادلة 58:5
- المجادلة 58:6
- المجادلة 58:7
- المجادلة 58:8
- المجادلة 58:9
- المجادلة 58:10
- المجادلة 58:11
- المجادلة 58:12
- المجادلة 58:13
- المجادلة 58:14
- المجادلة 58:15
- المجادلة 58:16
- المجادلة 58:17
- المجادلة 58:18
- المجادلة 58:19
- المجادلة 58:20
- المجادلة 58:21
- المجادلة 58:22
- الحشر 59:1
- الحشر 59:2
- الحشر 59:3
- الحشر 59:4
- الحشر 59:5
- الحشر 59:6
- الحشر 59:7
- الحشر 59:8
- الحشر 59:9
- الحشر 59:10
- الحشر 59:11
- الحشر 59:12
- الحشر 59:13
- الحشر 59:14
- الحشر 59:15
- الحشر 59:16
- الحشر 59:17
- الحشر 59:18
- الحشر 59:19
- الحشر 59:20
- الحشر 59:21
- الحشر 59:22
- الحشر 59:23
- الحشر 59:24
القمر 54:1
(p-167)سُورَةُ القَمَرِ
مَكِّيَّةٌ إلّا الآياتِ 44، 45، 46 فَمَدَنِيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وخَمْسُونَ
﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ورُوِيَ أنَّ الكُفّارَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آيَةً فانْشَقَّ القَمَرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: انْفَلَقَ فَلْقَتَيْنِ فَلْقَةٌ ذَهَبَتْ وفَلْقَةٌ بَقِيَتْ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأيْتُ حِراءَ بَيْنَ فَلْقَتَيِ القَمَرِ، وعَنْ عُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ مَعْناهُ: سَيَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى:
القمر 54:2
﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ فَإنَّهُ ناطِقٌ بِأنَّهُ قَدْ وقَعَ وأنَّهم قَدْ شاهَدُوهُ بَعْدَ مُشاهَدَةِ نَظائِرِهِ، وقُرِئَ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، أيْ: اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ، وقْدْ حَصَلَ مِن آياتِ اقْتِرابِها أنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ، ومَعْنى الِاسْتِمْرارِ: الِاطِّرادُ أوِ الِاسْتِحْكامُ أيْ: وإنْ يَرَوْا آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّأمُّلِ فِيها لِيَقِفُوا عَلى حَقِّيَّتِها وعُلُوِّ طَبَقَتِها ويَقُولُوا سِحْرٌ مُطَّرِدٌ دائِمٌ يَأْتِي بِهِ مُحَمَّدٌ عَلى مَرِّ الزَّمانِ لا يَكادُ يَخْتَلِفُ بِحالٍ كَسائِرِ أنْواعِ السحر أوْ قَوِيٌّ مُسْتَحْكِمٌ لا يُمْكِنُ إزالَتُهُ. وقِيلَ: مُسْتَمِرٌّ ذاهِبٌ يَزُولُ ولا يَبْقى تَمْنِيَةً لِأنْفُسِهِمْ وتَعْلِيلًا - وهو الأنْسَبُ - بِغُلُوِّهِمْ في العِنادِ والمُكابَرَةِ، ويُؤَيِّدُهُ ما سَيَأْتِي لِرَدِّهِ، وقُرِئَ "وَإنْ يُرَوْا" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإراءَةِ.
القمر 54:3
﴿وَكَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالنَّبِيِّ ﷺ وما عايَنُوهُ مِمّا أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ.
﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم أوْ كَذَّبُوا الآيَةَ الَّتِي هي انْشِقاقُ القَمَرِ واتَّبَعُوا أهْواءَهم وقالُوا: سَحَرَ القَمَرَ أوْ سَحَرَ أعْيُنُنا والقَمَرُ بِحالِهِ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِإقْناطِهِمْ عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أمانِيَهُمُ الفارِغَةَ مِن عَدَمِ اسْتِقْرارِ أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَسَبَما قالُوا: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ بِبَيانِ ثَباتِهِ ورُسُوخِهِ أيْ: وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُسْتَقِرٌّ أيْ: مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ يَسْتَقِرُّ عَلْيَها لا مَحالَةَ ومِن جُمْلَتِها أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَسَيَصِيرُ إلى غايَةٍ يَتَبَيَّنُ عِنْدَها حَقِّيَّتُهُ وعُلُّوُّ شَأْنِهِ، وإبْهامُ المُسْتَقَرِّ عَلَيْهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِ الحالِ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ. وقِيلَ: المَعْنى: كُلُّ أمْرٍ مِن أمْرِهِمْ وأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَقِرٌّ أيْ: سَيَثْبُتُ ويَسْتَقِرُّ عَلى حالَةِ خِذْلانٍ أوْ نُصْرَةٍ في الدُّنْيا وشَقاوَةٍ أوْ سَعادَةٍ في الآخِرَةِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ مَكانٍ أوِ اسْمُ زَمانٍ أيْ: ذُو اسْتِقْرارٍ أوْ ذُو مَوْضِعِ اسْتِقْرارٍ أوْ ذُو زَمانِ اسْتِقْرارٍ (p-168)وَبِالكَسْرِ والجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةُ أمْرٍ وكُلُّ عَطْفٌ عَلى السّاعَةِ أيِ: اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ.
القمر 54:4
﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾ أيْ: في القرآن، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الأنْباءِ﴾ أيْ: أنْباءِ القُرُونِ الخالِيَةِ أوْ أنْباءِ الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِمّا بَعْدَهُ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ جاءَهم كائِنًا مِنَ الأنْباءِ.
﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ: ازْدِجارٌ مِنَ تَعْذِيبٍ أوْ وعِيدٍ أوْ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ عَلى أنْ "فِي" تَجْرِيدِيَّةٌ والمَعْنى: أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الدّالِ والذّالِ والزّايِ لِلتَّناسُبِ، وقُرِئَ "مُزَّجَرٌ" بِقَلْبِها زاءً وإدْغامِها.
القمر 54:5
﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ غايَتَها لا خَلَلَ فِيها وهي بَدَلُ "ما" أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ حالًا مِنها فَإنَّها مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ تَخَصَّصَتْ بِصِفَتِها فَساغَ نَصْبُ الحالِ عَنْها.
﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ نَفْيٌ لِلْإغْناءِ أوْ إنْكارٌ لَهُ والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ مَعَ كَوْنِهِ مَظِنَّةَ لِلْإغْناءِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ عَدَمِ الإغْناءِ واسْتِمْرارِهِ حَسَبَ تَجَدُّدِ مَجِيءِ الزَّواجِرِ واسْتِمْرارِهِ، و"ما" عَلى الوَجْهِ الثّانِي مَنصُوبَةٌ أيْ: فَأيَّ إغْناءٍ تُغْنِي النُّذُرُ وهو جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ.
القمر 54:6
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ لِعِلْمِكَ بِأنَّ الإنْذارَ لا يُؤَثِّرُ فِيهِمُ البَتَّةَ.
﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ مَنصُوبٌ بِـ"يَخْرُجُونَ" أوْ بِـ"اذْكُرْ" والدّاعِي إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ فِيهِ كالأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: " كُنْ فَيَكُونُ " وإسْقاطُ الِياءٍ لِلِاكْتِفاءِ بِالكَسْرِ تَخْفِيفًا.
﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أيْ: مُنْكَرٍ فَظِيعٍ تُنْكِرُهُ النُّفُوسُ لِعَدَمِ العَهْدِ بِمِثْلِهِ وهو هَوْلُ القِيامَةِ، وقُرِئَ "نُكْرٍ" بِالتَّخْفِيفِ و"نُكِرَ": بِمَعْنى أُنْكِرَ.
القمر 54:7
﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَخْرُجُونَ﴾ والتَّقْدِيمُ لِأنَّ العامِلَ مُتَصَرِّفٌ أيْ: يَخْرُجُونَ ﴿مِنَ الأجْداثِ﴾ أذِلَّةً أبْصارُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، وقُرِئَ "خاشِعًا" والإفْرادُ والتَّذْكِيرُ لِأنَّ فاعِلَهُ ظاهِرٌ غَيْرُ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، وقُرِئَ "خاشِعَةً" عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ "خُشَّعٌ أبْصارُهُمْ" عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ.
﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ في الكَثْرَةِ والتَّمَوُّجِ والتَّفَرُّقِ في الأقْطارِ.
القمر 54:8
﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ مُسْرِعِينَ مادِّي أعْناقِهِمْ إلَيْهِ أوْ ناظِرِينَ إلَيْهِ.
﴿يَقُولُ الكافِرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِن وصْفِ اليَوْمِ والأهْوالِ وأهْلِهِ بِسُوءِ الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: يَقُولُ الكافِرُونَ ﴿هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ أيْ: صَعْبٌ شَدِيدٌ، وفي إسْنادِ القَوْلِ المَذْكُورِ إلى الكُفّارِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا في تِلْكَ المَرْتَبَةِ مِنَ الشِّدَّةِ.
القمر 54:9
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ شُرُوعٌ (p-169)فِي تَعْدادِ بَعْضِ ما ذُكِرَ مِنَ الأنْباءِ المُوجِبَةِ لِلِازْدِجارِ ونَوْعُ تَفْصِيلٍ لَها وبَيانٌ لِعَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِها تَقْرِيرًا لِفَحْوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ أيْ: فَعَلَ التَّكْذِيبَ قَبْلَ تَكْذِيبِ قَوْمِكَ قَوْمُ نُوحٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ﴾ ...إلَخْ وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَحْقِيقٍ لِلتَّكْذِيبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: كَذَّبُوهُ تَكْذِيبًا إثْرَ تَكْذِيبٍ كُلَّما خَلا مِنهم قَرْنٌ مُكَذِّبٌ جاءَ عَقِيبَهُ قَرْنٌ آخَرُ مُكَذِّبٌ مِثْلُهُ، وقِيلَ: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا لِأنَّهُ مِنَّ جُمْلَتِهِمْ وفي ذِكْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى نُونِ العَظَمَةِ تَفْخِيمٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ ورَفْعٌ لِمَحَلِّهِ وزِيادَةُ تَشْنِيعٍ لِمُكَذِّبِيهِ.
﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ: لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ بَلْ نَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ.
﴿وازْدُجِرَ﴾ عَطْفٌ عَلى "قالُوا" أيْ: وزُجِرَ عَنِ التَّبْلِيغِ بِأنْواعِ الأذِيَّةِ، وقِيلَ: هو مِن جُمْلَةِ ما قالُوهُ أيْ: هو مَجْنُونٌ وقَدِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وتَخَبَّطَتْهُ.
القمر 54:10
﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي﴾ أيْ: بِأنِّي، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
﴿مَغْلُوبٌ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ قَوْمِي مالِي قُدْرَةٌ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم.
﴿فانْتَصِرْ﴾ أيْ: فانْتَقِمْ لِي مِنهم وذَلِكَ بَعْدَ تَقَرُّرِ يَأْسِهِ مِنهم بَعْدَ اللَّتَيا والَّتِي، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ الواحِدَ مِنهم كانَ يَلْقاهُ فَيَخْنُقُهُ حَتّى يَخِرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ويَقُولَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ.
القمر 54:11
﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ مُنْصَبٍّ وهو تَمْثِيلٌ لِكَثْرَةِ الأمْطارِ وشِدَّةِ انْصِبابِها، وقُرِئَ "فَفَتَّحْنا" بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ الأبْوابِ.
القمر 54:12
﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ: جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها كَأنَّها عُيُونٌ مُتَفَجِّرَةٌ وأصْلُهُ وفَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ فَغُيِّرَ قَضاءً لِحَقِّ المَقامِ ﴿فالتَقى الماءُ﴾ أيْ: ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ، والإفْرادُ لِتَحْقِيقِ أنَّ التِقاءَ الماءَيْنِ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ المُجاوَرَةِ والتَّقارُبِ بَلْ بِطَرِيقِ الِاخْتِلاطِ والِاتِّحادِ، وقُرِئَ "الماءانِ" لِاخْتِلافِ النَّوْعَيْنِ و"الماوانِ" بِقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا.
﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيْ: كائِنًا عَلى حالٍ قَدْ قَدَّرَها اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أوْ عَلى حالٍ قُدِّرَتْ وسُوِّيَتْ وهو أنَّ قُدِّرَ ما أُنْزِلَ عَلى قَدَرِ ما أُخْرِجَ أوْ عَلى أمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وهو هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ بِالطُّوفانِ.
القمر 54:13
﴿وَحَمَلْناهُ﴾ أيْ: نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ﴾ أيْ: أخْشابٍ عَرِيضَةٍ.
﴿وَدُسُرٍ﴾ ومَسامِيرَ جَمْعُ دِسارٍ مِنَ الدَّسْرِ وهو الدَّفْعُ، وهي صِفَةٌ لِلسَّفِينَةِ أُقِيمَتْ مَقامَها مِن حَيْثُ إنَّها كالشَّرْحِ لَها تُؤَدِّي مُؤَدّاها.
القمر 54:14
﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ بِمَرْأًى مِنّا أيْ: مَحْفُوظَةً بِحِفْظِنا. (p-170)﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ جَزاءً لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ نِعْمَةً كَفَرُوها، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أُمَّتِهِ ورَحْمَةٌ وأيُّ نِعْمَةٍ وأيُّ رَحْمَةٍ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ واسْتِتارُهُ في الفِعْلِ بَعْدَ انْقِلابِهِ مَرْفُوعًا، وقُرِئَ "لِمَن كَفَرَ" أيْ: لِلْكافِرِينَ.
القمر 54:15
﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ أيِ: السَّفِينَةَ أوِ الفِعْلَةَ.
﴿آيَةً﴾ يَعْتَبِرُ بَها مَن يَقِفُ عَلى خَبَرِها، وقالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ تَعالى بِأرْضِ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: عَلى الجُودِيِّ دَهْرًا طَوِيلًا حَتّى نَظَرَ إلَيْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُعْتَبِرٍ بِتِلْكَ الآيَةِ الحَقِيقَةِ بِالِاعْتِبارِ، وقُرِئَ "مُذْتَكِرٍ" عَلى الأصْلِ ومُذَّكِرٍ بِقَلْبِ التّاءِ ذالًا والإدْغامِ فِيها.
القمر 54:16
﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ اسْتِفْهامُ تَعْظِيمٍ وتَعْجِيبٍ أيْ: كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ.
القمر 54:17
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القرآن﴾ ...إلَخْ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ ورَدَتْ في أواخِرِ القِصَصِ الأرْبَعِ تَقْرِيرًا لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِي النُّذُرُ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ قِصَّةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِإيجابِ الِادِّكارِ كافِيَةٌ في الِازْدِجارِ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ تَقَعْ واحِدَةٌ في حَيِّزِ الِاعْتِبارِ أيْ: وبِاللَّهِ ولَقَدْ سَهَّلْنا القرآن لِقَوْمِكَ بِأنْ أنْزَلْناهُ عَلى لُغَتِهِمْ وشَحَنّاهُ بِأنْواعِ المَواعِظِ والعِبَرِ وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ والوَعْدِ.
﴿لِلذِّكْرِ﴾ أيْ: لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ.
﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِلْمُتَّعِظِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ حَيْثُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ يُجِيبَ المُسْتَفْهِمَ بِنَعَمْ وحَمْلُ تَيْسِيرِهِ عَلى تَسْهِيلِ حِفْظِهِ بِجَزالَةِ نَظْمِهِ وعُذُوبَةِ ألْفاظِهِ وعِباراتِهِ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ.
القمر 54:18
﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ أيْ: هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ رَوْمًا لِلِاخْتِصارِ ومُسارَعَةً إلى بَيانِ ما فِيهِ الِازْدِجارُ مِنَ العَذابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ لِتَوْجِيهِ قُلُوبِ السّامِعِينَ نَحْوَ الإصْغاءِ إلى ما يُلْقى إلَيْهِمْ قَبْلَ ذِكْرِهِ لا لِتَهْوِيلِهِ وتَعْظِيمِهِ وتَعْجِيبِهِمْ مِن حالِهِ بَعْدَ بَيانِهِ كَما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: كَذَّبَتْ عادٌ فَهَلْ سَمِعْتُمْ أوْ فاسْمَعُوا كَيْفَ كانَ عَذابِي وإنْذاراتِي لَهم.
القمر 54:19
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ ما أُجْمِلَ أوَّلًا أيْ: أرْسَلَنا عَلَيْهِمْ رِيحًا بارِدَةً أوَشَدِيدَةَ الصَّوْتِ.
﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ شُؤْمٍ.
﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ أيْ: شُؤْمُهُ أوْ مُسْتَمِرٌّ عَلَيْهِمْ إلى أنْ أهْلَكَهم أوْ شامِلٌ لِجَمِيعِهِمْ كَبِيرِهِمْ وصَغِيرِهِمْ أوْ مُشْتَدُّ مَرارَتُهُ وكانَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ آخِرَ الشَّهْرِ.
القمر 54:20
(p-171)﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ تَقْلَعُهُمْ، رُوِيَ أنَّهم دَخَلُوا الشِّعابَ والحُفَرَ وتَمَسَّكَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ فَنَزَعَتْهُمُ الرِّيحُ وصَرَعَتْهم مَوْتى.
﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ أيْ: مُنْقَلِعٍ عَنْ مَغارِسِهِ قِيلَ: شُبِّهُوا بِأعْجازِ النَّخْلِ وهي أُصُولُها بِلا فُرُوعٍ لِأنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَقْلَعُ رُؤُوسَهم فَتُبْقِي أجْسادًا وجُثَثًا بِلا رُؤُوسٍ، وتَذْكِيرُ صِفَةِ النَّخْلِ لِلنَّظَرِ إلى اللَّفْظِ كَما أنَّ تَأْنِيثَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ لِلنَّظَرِ إلى المَعْنى.
القمر 54:21
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَهْوِيلٌ لَهُما وتَعْجِيبٌ مِن أمْرِهِما بَعْدَ بَيانِهِما فَلَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ تَكْرارٍ وما قِيلَ مَن أنَّ الأوَّلَ لِما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا والثّانِي لِما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ يَرُدُّهُ تَرْتِيبُ الثّانِي عَلى العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ.
القمر 54:22
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ فِيما سَبَقَ.
القمر 54:23
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أيِ: الإنْذاراتِ والمَواعِظِ الَّتِي سَمِعُوها مِن صالِحٍ أوْ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّ تَكْذِيبَ أحَدِهِمْ تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى أُصُولِ الشَّرائِعِ.
القمر 54:24
﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا﴾ أيْ: كائِنًا مِن جِنْسِنا وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ.
﴿واحِدًا﴾ أيْ: مُنْفَرِدًا لا تَبَعَ لَهُ أوْ واحِدًا مِن آحادِهِمْ لا مِن أشْرافِهِمْ وهو صِفَةٌ أُخْرى لِـ"بَشَرًا" وتَأْخِيرُهُ عَنِ الصِّفَةِ المُؤَوَّلَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الجِنْسِيَّةِ والوَحْدَةِ مِمّا يَمْنَعُ الِاتِّباعَ ولَوْ قُدِّمَ عَلْيَها لَفاتَتِ هَذِهِ النُّكْتَةُ، وقُرِئَ "أبِشْرٌ مِنّا واحِدٌ" عَلى الِابْتِداءِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ خَبَرُهُ والأوَّلُ أوْجَهُ لِلِاسْتِفْهامِ.
﴿إنّا إذًا﴾ أيْ: عَلى تَقْدِيرِ اتِّباعِنا لَهُ وهو مُنْفَرِدٌ ونَحْنُ أُمَّةٌ جَمَّةٌ.
﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ عَنِ الصَّوابِ.
﴿وَسُعُرٍ﴾ أيْ: جُنُونٍ فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن مُقْتَضى العَقْلِ، وقِيلَ: كانَ يَقُولُ لَهم إنْ لَمْ تَتْبَعُونِي كُنْتُمْ في ضَلالٍ عَنِ الحَقِّ وسُعُرٍ أيْ: نِيرانٍ، جَمْعُ سَعِيرٍ فَعَكَسُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ فَقالُوا: إنِ اتَّبَعْناكَ كُنّا إذَنْ كَما تَقُولُ.
القمر 54:25
﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ﴾ أيِ: الكِتابُ والوَحْيُ.
﴿عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ وفِينا مَن هو أحَقُّ مِنهُ بِذَلِكَ.
﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ هو كَذا وكَذا حَمَلَهُ بَطَرُهُ عَلى التَّرَفُّعِ عَلَيْنا بِما ادَّعاهُ.
القمر 54:26
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ حِكايَةٌ لِما قالَهُ تَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وعْدًا لَهُ ووَعِيدًا لِقَوْمِهِ، والسِّينُ لِتَقْرِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وتَأْكِيدِهِ والمُرادُ: (p-172)بِالغَدِ وقْتُ نُزُولِ العَذابِ أيْ: سَيَعْلَمُونَ البَتَّةَ عَنْ قَرِيبٍ مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ الَّذِي حَمَلَهُ أشَرُهُ وبَطَرُهُ عَلى التَّرَفُّعِ؛ أصالِحٌ هو أمْ مَن كَذَّبَهُ؟ وقُرِئَ "سَتَعْلَمُونَ" عَلى الِالتِفاتِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ أوْ عَلى حِكايَةِ ما أجابَهم بِهِ صالِحٌ، وقُرِئَ "الأشِرُ" كَقَوْلِهِمْ: حَذِرٌ في حَذَرٍ، وقُرِئَ "الأشَرُّ" أيِ: الأبْلَغُ في الشَّرارَةِ وهو أصْلٌ مَرْفُوضٌ كالأخِيرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالغَدِ: يَوْمَ القِيامَةِ ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى:
القمر 54:27
﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ ...إلَخْ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَبادِي المَوْعُودِ حَتْمًا أيْ: مُخْرِجُوها مِنَ الهَضْبَةِ حَسَبَما سَألُوا.
﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيِ: امْتِحانًا.
﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ: فانْتَظِرْهم وتَبَصَّرْ ما يَصْنَعُونَ.
﴿واصْطَبِرْ﴾ عَلى أذِيَّتِهِمْ.
القمر 54:28
﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ مَقْسُومٌ لَها يَوْمٌ ولَهم يَوْمٌ و"بَيْنَهُمْ" لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ.
﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ في نَوْبَتِهِ.
القمر 54:29
﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ هو قُدارُ بْنُ سَلَفَ أُحَيْمِرُ ثَمُودَ.
﴿فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ فاجْتَرَأ عَلى تَعاطِي الأمْرِ العَظِيمُ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ لَهُ فَأحْدَثَ العَقْرَ بِالنّاقَةِ، وقِيلَ: فَتَعاطى النّاقَةَ فَعَقَرَها أوْ فَتَعاطى السَّيْفَ فَقَتْلَها والتَّعاطِي: تَناوُلُ الشَّيْءِ بِتَكَلُّفٍ.
القمر 54:30
﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في صَدْرِ قِصَّةِ عادٍ.
القمر 54:31
﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿فَكانُوا﴾ أيْ: فَصارُوا.
﴿كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ أيْ: كالشَّجَرِ اليابِسِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ مَن يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ لِأجْلِها أوْ كالحَشِيشِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الظّاءِ أيْ: كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ أوِ الشَّجَرَةِ المُتَّخَذِ لَها.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
القمر 54:32
﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿فَكانُوا﴾ أيْ: فَصارُوا.
﴿كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ أيْ: كالشَّجَرِ اليابِسِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ مَن يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ لِأجْلِها أوْ كالحَشِيشِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الظّاءِ أيْ: كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ أوِ الشَّجَرَةِ المُتَّخَذِ لَها.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
القمر 54:33
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾، ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَحْصِبُهم أيْ: تَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ.
﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ في سَحَرٍ وهو آخِرُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: هو السُّدُسُ الأخِيرُ مِنهُ أيْ: مُلْتَبَسِينَ بِسَحَرٍ.
القمر 54:34
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾، ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَحْصِبُهم أيْ: تَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ.
﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ في سَحَرٍ وهو آخِرُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: هو السُّدُسُ الأخِيرُ مِنهُ أيْ: مُلْتَبَسِينَ بِسَحَرٍ.
القمر 54:35
﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ (p-173)أيْ: إنْعامًا مِنّا وهو عِلَّةٌ لِـ"نَجَّيْنا".
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَجِيبِ.
﴿نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ نِعْمَتَنا بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
القمر 54:36
﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿بَطْشَتَنا﴾ أيْ: أخَذَتَنا الشَّدِيدَةَ بِالعَذابِ.
﴿فَتَمارَوْا﴾ فَكَذَّبُوا.
﴿بِالنُّذُرِ﴾ مُتَشاكِّينَ.
القمر 54:37
﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ قَصَدُوا الفُجُورَ بِهِمْ.
﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ فَمَسَحْناها وسَوَّيْناها كَسائِرِ الوَجْهِ، رُوِي أنَّهُ لَمّا دَخَلُوا دارَهُ عَنْوَةً صَفَقَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَفْقَةً فَتَرَكَهم يَتَرَدَّدُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى البابِ حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ: فَقُلْنا لَهم ذُوقُوا عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ أوْ ظاهِرُ الحالِ والمُرادُ بِهِ: الطَّمْسُ فَإنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما أُنْذِرُوهُ مِنَ العَذابِ.
القمر 54:38
﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾ وقُرِئَ "بُكْرَةَ" غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِها: أوَّلُ نَهارٍ مَخْصُوصَةً.
﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ لا يُفارِقُهم حَتّى يُسْلَمُوا إلى النّارِ، وفي وصْفِهِ بِالِاسْتِقْرارِ إيماءٌ إلى أنَّ ما قَبْلَهُ مِن عَذابِ الطَّمْسِ يَنْتَهِي إلَيْهِ.
القمر 54:39
﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ حِكايَةٌ لِما قِيلَ حِينَئِذٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَشْدِيدًا لِلْعَذابِ.
القمر 54:40
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ مَرَّ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ.
القمر 54:41
﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ صُدِّرَتْ قِصَّتُهم بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِها لِغايَةِ عِظَمِ ما فِيها مِنَ الآياتِ وكَثْرَتِها وهَوْلِ ما لاقَوْهُ مِنَ العَذابِ وقُوَّةِ إيجابِها لِلِاتِّعاظِ والِاكْتِفاءُ بِذِكْرِ آلِ فِرْعَوْنَ لِلْعِلْمِ بِأنَّ نَفْسَهُ أوْلى بِذَلِكَ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ جاءَهُمُ الإنْذاراتُ.
القمر 54:42
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مَجِيءِ النُّذُرِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلُوا حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِجَمِيعِ آياتِنا وهي الآياتُ التِّسْعُ.
﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾ لا يُغالَبُ.
﴿مُقْتَدِرٍ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
القمر 54:43
﴿أكُفّارُكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ العَرَبِ.
﴿خَيْرٌ﴾ قُوَّةً وشِدَّةً وعُدَّةً وعِدَّةً أوْ مَكانَةً.
﴿مِن أُولَئِكُمْ﴾ الكَفّارِ المَعْدُودِينَ والمَعْنى: أنَّهُ أصابَهم ما أصابَهم مَعَ ظُهُورِ خَيْرِيَّتِهِمْ مِنكم فِيما ذُكِرَ (p-174)مِنَ الأُمُورِ فَهَلْ تَطْمَعُونَ أنْ لا يُصِيبَكم مِثْلُ ذَلِكَ وأنْتُمْ شَرٌّ مِنهم مَكانًا وأسْوَأُ حالًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّبْكِيتِ بِوَجْهٍ آخَرَ أيْ: بَلْ ألَكم بَراءَةٌ وأمْنٌ مِن تَبِعاتِ ما تَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي وغَوائِلِهِما في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ تُصِرُّونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
القمر 54:44
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إضْرابٌ مِنَ التَّبْكِيتِ والِالتِفاتُ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ حالِهِمْ لِلْإعْراضِ عَنْهم وإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ وحِكايَةِ قَبائِحِهِمْ لِغَيْرِهِمْ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ واثِقِينَ بِشَوْكَتِهِمْ نَحْنُ أُولُو حَزْمٍ ورَأْيٍ أمْرُنا مُجْتَمَعٌ لا نُرامُ ولا نُضامُ أوْ مُنْتَصِرٌ مِنَ الأعْداءِ لا نُغْلَبُ أوْ مُتَناصِرٌ يَنْصُرُ بَعْضُنا بَعْضًا، والإفْرادُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الجَمِيعِ.
القمر 54:45
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِذَلِكَ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ أيْ: يُهْزَمُ جَمْعُهُمُ البَتَّةَ.
﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أيِ: الأدْبارَ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ والتَّوْحِيدُ لِإرادَةِ الجِنْسِ أوْ إرادَةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يُوَلِّي دُبُرَهُ وقَدْ كانَ كَذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ كُنْتَ لا أدْرِي أيَّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ الدِّرْعَ ويَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فَعَرَفْتُ تَأْوِيلَها، وقُرِئَ "سَيَهْزِمُ الجَمْعَ" أيِ: اللَّهُ عَزَّ وعَلا.
القمر 54:46
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ هَذا تَمامَ عُقُوبَتِهِمْ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُ أصْلِ عَذابِهِمْ وهَذا مِن طَلائِعِهِ.
﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ أيْ: في أقْصى غايَةٍ مِنَ الفَظاعَةِ والمَرارَةِ والدّاهِيَةِ الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي لا يُهْتَدى إلى الخَلاصِ عَنْهُ وإظْهارُ السّاعَةِ في مَوْقِعِ إضْمارِها لِتَرْبِيَةِ تَهْوِيلِها.
القمر 54:47
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ.
﴿فِي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ أيْ: في هَلاكٍ ونِيرانٍ مُسَعَّرَةٍ، وقِيلَ: في ضَلالٍ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا ونِيرانٍ في الآخِرَةِ.
القمر 54:48
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ ...إلَخْ مَنصُوبٌ إمّا بِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي ضَلالٍ﴾ أيْ: كائِنُونَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ يَوْمَ يُجَرُّونَ.
﴿فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ وإمّا بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ أيْ: يَوْمَ يُسْحَبُونَ يُقالُ لَهُمْ: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ أيْ: قاسُوا حَرَّها وألَمَها وسَقَرُ عَلْمُ جَهَنَّمَ، ولِذَلِكَ لَمْ يُصْرَفْ مِن سَقَرَتْهُ النّارُ وصَقَرَتْهُ إذا لَوَّحَتْهُ والقَوْلُ المُقَدَّرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ حالٌ مِن ضَمِيرِ "يُسْحَبُونَ".
القمر 54:49
﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ.
﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أيْ: مُلْتَبِسًا بِقَدَرٍ مُعَيَّنٍ اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ (p-175)أمْرُ التَّكْوِينِ أوْ مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ قَبْلَ وُقُوعِهِ و"كُلَّ شَيْءٍ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و"خَلَقْناهُ" خَبَرُهُ.
القمر 54:50
﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾ أيْ: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ سَرِيعَةُ التَّكْوِينِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: " كُنْ " أوْ إلّا فَعِلَةٌ واحِدَةٌ هو الإيجادُ بِلا مُعالَجَةٍ.
﴿كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ في اليُسْرِ والسُّرْعَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ .
القمر 54:51
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ أيْ: أشْباهَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ، وقِيلَ: أتْباعَكم.
﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ يَتَّعِظُ بِذَلِكَ.
القمر 54:52
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي مَكْتُوبٌ عَلى التَّفْصِيلِ.
﴿فِي الزُّبُرِ﴾ أيْ: في دِيوانِ الحَفَظَةِ.
القمر 54:53
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ مِنَ الأعْمالِ.
﴿مُسْتَطَرٌ﴾ مَسْطُورٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِتَفاصِيلِهِ، ولَمّا كانَ بَيانُ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ مِمّا يَسْتَدْعِي بَيانَ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَكافَأ التَّرْهِيبُ والتَّرْغِيبُ بَيَّنَ ما لَهم مِن حُسْنِ الحالِ بِطَرِيقِ الإجْمالِ. فَقِيلَ:
القمر 54:54
﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ عَظِيمَةِ الشَّأْنِ.
﴿وَنَهَرٍ﴾ أيْ: أنْهارٍ كَذَلِكَ، والإفْرادُ لِلِاكْتِفاءِ بِاسْمِ الجِنْسِ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ وقُرِئَ "نُهْرٍ" جَمْعُ نَهَرٍ كَأُسْدٍ وأسَدٍ.
القمر 54:55
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ في مَكانٍ مَرَضِيٍّ، وقُرِئَ "فِي مَقاعِدِ صِدْقٍ".
﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ أيْ: مُقَرَّبِينَ عِنْدِ مَلِيكٍ لا يُقادَرُ قَدْرُ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ فَلا شَيْءَ إلّا وهو تَحْتَ مَلَكُوتِهِ سُبْحانَهُ ما أعْظَمَ شَأْنَهُ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ القَمَرِ في كُلٍّ غِبٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ مِثْلُ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ".»
الرحمن 55:1
(p-176)سُورَةُ الرَّحْمَنِ
مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ أوْ مُتَبَعِّضَةٌ وآياتُها ثَمانٍ وسَبْعُونَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَمّا عَدَّ في السُّورَةِ السّابِقَةِ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِن ضُرُوبِ نِقَمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبَيَّنَ عَقِيبَ كُلِّ ضَرْبٍ مِنها أنَّ القرآن قَدْ يُسِّرِ لِحَمْلِ النّاسِ عَلى التَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ونَعى عَلَيْهِمْ إعْراضَهم عَنْ ذَلِكَ عَدَّدَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ما أفاضَ عَلى كافَّةِ الأنامِ مِن فُنُونِ نِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، وأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ إثْرَ كُلِّ فَنٍّ مِنها إخْلالَهم بِمَواجِبِ شُكْرِها وبُدِئَ بِتَعْلِيمِ القرآن فَقِيلَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القرآن﴾
﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القرآن﴾ لِأنَّهُ أعْظَمُ النِّعَمِ شَأْنًا وأرْفَعُها مَكانًا. كَيْفَ لا؟ وهو مَدارٌ لِلسَّعادَةِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ عِيارٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ما مِن مَرْصَدٍ يَرْنُو إلَيْهِ أحْداقُ الأُمَمِ إلّا وهو مَنشَؤُهُ ومَناطُهُ ولا مَقْصِدٍ يَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ إلّا وهو مَنهَجُهُ وصِراطُهُ، وإسْنادُ تَعْلِيمِهِ إلى اسْمِ الرَّحْمَنِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ وأحْكامِها، وقَدِ اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِهِ تَنْبِيهًا عَلى أصالَتِهِ وجَلالَةِ قَدْرِهِ ثُمَّ قِيلَ:
الرحمن 55:2
(p-176)سُورَةُ الرَّحْمَنِ
مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ أوْ مُتَبَعِّضَةٌ وآياتُها ثَمانٍ وسَبْعُونَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَمّا عَدَّ في السُّورَةِ السّابِقَةِ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِن ضُرُوبِ نِقَمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبَيَّنَ عَقِيبَ كُلِّ ضَرْبٍ مِنها أنَّ القرآن قَدْ يُسِّرِ لِحَمْلِ النّاسِ عَلى التَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ونَعى عَلَيْهِمْ إعْراضَهم عَنْ ذَلِكَ عَدَّدَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ما أفاضَ عَلى كافَّةِ الأنامِ مِن فُنُونِ نِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، وأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ إثْرَ كُلِّ فَنٍّ مِنها إخْلالَهم بِمَواجِبِ شُكْرِها وبُدِئَ بِتَعْلِيمِ القرآن فَقِيلَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القرآن﴾
﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القرآن﴾ لِأنَّهُ أعْظَمُ النِّعَمِ شَأْنًا وأرْفَعُها مَكانًا. كَيْفَ لا؟ وهو مَدارٌ لِلسَّعادَةِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ عِيارٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ما مِن مَرْصَدٍ يَرْنُو إلَيْهِ أحْداقُ الأُمَمِ إلّا وهو مَنشَؤُهُ ومَناطُهُ ولا مَقْصِدٍ يَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ إلّا وهو مَنهَجُهُ وصِراطُهُ، وإسْنادُ تَعْلِيمِهِ إلى اسْمِ الرَّحْمَنِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ وأحْكامِها، وقَدِ اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِهِ تَنْبِيهًا عَلى أصالَتِهِ وجَلالَةِ قَدْرِهِ ثُمَّ قِيلَ:
الرحمن 55:3
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ تَعْيِينًا لِلْمُعَلَّمِ وتَبْيِينًا لِكَيْفِيَّةِ التَّعْلِيمِ، والمُرادُ بِخَلْقِ الإنْسانِ: إنْشاؤُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ القُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والبَيانُ هو التَّعْبِيرُ عَمّا في الضَّمِيرِ ولَيْسَ المُرادُ بِتَعْلِيمِهِ مُجَرَّدَ تَمْكِينِ الإنْسانِ مِن بَيانِ نَفْسِهِ بَلْ مِنهُ ومِن فَهْمِ بَيانِ غَيْرِهِ أيْضًا إذْ هو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ تَعْلِيمُ القرآن والجُمَلُ الثَّلاثُ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ لَلرَّحْمَنِ وإخْلاءُ الأخِيرَتَيْنِ عَنِ العاطِفِ لِوُرُودِها عَلى مِنهاجِ التَّعْدِيدِ.
الرحمن 55:4
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ تَعْيِينًا لِلْمُعَلَّمِ وتَبْيِينًا لِكَيْفِيَّةِ التَّعْلِيمِ، والمُرادُ بِخَلْقِ الإنْسانِ: إنْشاؤُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ القُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والبَيانُ هو التَّعْبِيرُ عَمّا في الضَّمِيرِ ولَيْسَ المُرادُ بِتَعْلِيمِهِ مُجَرَّدَ تَمْكِينِ الإنْسانِ مِن بَيانِ نَفْسِهِ بَلْ مِنهُ ومِن فَهْمِ بَيانِ غَيْرِهِ أيْضًا إذْ هو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ تَعْلِيمُ القرآن والجُمَلُ الثَّلاثُ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ لَلرَّحْمَنِ وإخْلاءُ الأخِيرَتَيْنِ عَنِ العاطِفِ لِوُرُودِها عَلى مِنهاجِ التَّعْدِيدِ.
الرحمن 55:5
﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ أيْ: يَجْرِيانِ بِحِسابٍ مُقَدَّرٍ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما بِحَيْثُ يَنْتَظِمُ بِذَلِكَ أُمُورُ الكائِناتِ السُّفْلِيَّةِ وتَخْتَلِفُ الفُصُولُ والأوْقاتُ وتُعْلَمُ السُّنُونَ والحِسابُ.
الرحمن 55:6
(p-177)﴿والنَّجْمُ﴾ أيِ: النَّباتُ الَّذِي يَنْجُمُ أيْ: يَطْلُعُ مِنَ الأرْضِ ولا ساقَ لَهُ.
﴿والشَّجَرُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ ساقٌ.
﴿يَسْجُدانِ﴾ أيْ: يَنْقادانِ لَهُ تَعالى فِيما يُرِيدُ بِهِما طَبَعًا انْقِيادَ السّاجِدِينَ مِنَ المُكَلَّفِينَ طَوْعًا، والجُمْلَتانِ خَبَرانِ آخَرانِ لِـ"الرَّحْمَنُ" جُرِّدَتا عَنِ الرّابِطِ اللَّفْظِيِّ تَعْوِيلًا عَلى كَمالِ قُوَّةِ الِارْتِباطِ المَعْنَوِيِّ إذْ لا يُتَوَهَّمُ ذَهابُ الوَهْمِ إلى كَوْنِ حالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِتَسْخِيرِ غَيْرِهِ تَعالى ولا إلى كَوْنِ سُجُودِ النَّجْمِ والشَّجَرِ لِما سِواهُ تَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ لَهُ، وإخْلاءُ الجُمْلَةِ الأُولى عَنِ العاطِفِ لِما ذُكِرَ مِن قَبْلُ وتَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَها وبَيْنَ الثّانِيَةِ لِتَناسُبِهِما مِن حَيْثُ التَّقابُلُ لِما أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوُيّانِ والنَّجْمَ والشَّجَرَ سُفْلِيّانِ ومِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِن حالِ العُلْوِيَّيْنِ وحالِ السُّفْلِيَّيْنِ مِن بابِ الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
الرحمن 55:7
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ أيْ: خَلَقَها مَرْفُوعَةً مَحَلًّا ورُتْبَةً حَيْثُ جَعَلَها مَنشَأ أحْكامِهِ وقَضاياهُ ومُتَنَزَّلَ أوامِرِهِ ومَحَلَّ مَلائِكَتِهِ، وفِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى كِبْرِياءَ شَأْنِهِ وعِظَمِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.
﴿وَوَضَعَ المِيزانَ﴾ أيْ: شَرَعَ العَدْلَ وأمَرَ بِهِ بِأنْ وفَّرَ كُلَّ مُسْتَحَقٍّ ما اسْتَحَقَّهُ ووَفّى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ حَتّى انْتَظَمَ بِهِ أمْرُ العالَمِ واسْتَقامَ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "بِالعَدْلِ قامَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ"،» قِيلَ: فَعَلى هَذا المِيزانُ القرآن وهو قُولُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ وقِيلَ: هو ما يُعْرَفُ بِهِ مَقادِيرُ الأشْياءِ مِن مِيزانٍ ومِكْيالٍ ونَحْوِهِما وهو قَوْلُ الحَسَن ِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، فالمَعْنى: خَلَقَهُ مَوْضُوعًا مَخْفُوضًا عَلى الأرْضِ حَيْثُ عَلَّقَ بِهِ أحْكامَ عِبادِهِ وقَضاياهم وما تَعَبَّدَهم بِهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ والتَّعْدِيلِ في أخْذِهِمْ وإعْطائِهِمْ.
الرحمن 55:8
﴿ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ أيْ: لِئَلّا تَطْغَوْا فِيهِ عَلى أنَّ "أنْ" ناصِبَةٌ و"لا" نافِيَةٌ ولامَ العِلَّةِ مُقَدَّرَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَضَعَ المِيزانَ﴾ أوْ أيْ: لا تَطْغَوْا عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ لِما في الشَّرْعِ مِن مَعْنى القَوْلِ و"لا" ناهِيَةٌ أيْ: لا تَعْتَدُوا ولا تَتَجاوَزُوا الإنْصافَ، وقُرِئَ "لا تَطْغَوْا" عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
الرحمن 55:9
﴿وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ قَوِّمُوا وزْنَكم بِالعَدْلِ، وقِيلَ: أقِيمُوا لِسانَ المِيزانِ بِالقِسْطِ والعَدْلِ، وقِيلَ: الإقامَةُ بِاليَدِ والقِسْطُ بِالقَلْبِ.
﴿وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ أيْ: لا تُنْقِصُوهُ أمَرَ أوَّلًا بِالتَّسْوِيَةِ ثُمَّ نَهى عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي هو اعْتِداءٌ وزِيادَةٌ ثُمَّ عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو تَطْفِيفٌ ونُقْصانٌ وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَأْكِيدًا لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ، وقُرِئَ "وَلا تَخْسُرُوا" بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ وكَسْرِها، يُقالُ: خَسِرَ المِيزانُ يَخْسَرُ ويَخْسِرُهُ وبِفَتْحِ السِّينِ أيْضًا عَلى أنَّ الأصْلَ: ولا تَخْسَرُوا (p-178)فِي المِيزانِ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ.
الرحمن 55:10
﴿والأرْضَ وضَعَها﴾ أيْ: خَفَضَها مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ.
﴿لِلأنامِ﴾ أيْ: الخَلْقِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ: كُلُّ ذِي رُوحٍ، وقِيلَ: كُلُّ ما عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مِن دابَّةٍ، وقِيلَ: الثَّقَلانِ.
الرحمن 55:11
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ ...إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرٍ ما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ مِن كَوْنِ الأرْضِ مَوْضُوعَةً لِمَنافِعِ الأنامِ وتَفْصِيلِ المَنافِعِ العائِدَةِ إلى البَشَرِ، وقِيلَ: حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ "الأرْضِ" فالأحْسَنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الحالُ هو الجارَّ والمَجْرُورَ و"فاكِهَةٌ" رُفِعَ عَلى الفاعِلِيَّةِ أيْ: فِيها ضُرُوبٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ.
﴿والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ هي أوْعِيَةُ الثَّمَرِ جَمْعُ كِمٍّ أوْ كُلُّ ما يُكَمُّ أيْ: يُغَطّى مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وكُفُرّى فَإنَّهُ مِمّا يَنْتَفِعُ بِهِ كالمَكْمُومِ مِن ثَمَرِهِ وجُمّارِهِ وجُذُوعِهِ.
الرحمن 55:12
﴿والحَبُّ﴾ هو ما يُتَغَذّى بِهِ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ.
﴿ذُو العَصْفِ﴾ هو ورَقُ الزَّرْعِ، وقِيلَ: التِّبْنُ.
﴿والرَّيْحانُ﴾ قِيلَ: هو الرِّزْقُ أُرِيدَ بِهِ اللُّبُّ أيْ: فِيها ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِنَ الفَواكِهِ والجامِعُ بَيْنَ التَّلَذُّذِ والتَّغَذِّي وهو ثَمَرُ النَّخْلِ وما يُتَغَذّى بِهِ وهو الحُبُّ الَّذِي لَهُ عَصْفٌ هو عَلَفُ الأنْعامِ ورَيْحانٌ هو مَطْعَمُ النّاسِ، وقُرِئَ "والحَبَّ ذا العَصْفِ والرَّيْحانَ" أيْ: خَلَقَ الحَبَّ والرَّيْحانَ أوْ أخُصُّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: "وَذا الرَّيْحانِ" فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ و"الرَّيْحانُ" إمّا فَعِيلانِ مِن رُوحٍ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَ ثُمَّ خُفِّفَ أوْ فَعْلانٌ قُلِبَتْ واوُهُ ياءً لِلتَّخْفِيفِ أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّوْحانِ وهو مالَهُ رُوحٌ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ.
الرحمن 55:13
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلأنامِ﴾ وسَيَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ عَلى ما فُصِّلَ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ وصُنُوفِ الآلاءِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والشُّكْرِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِآلائِهِ تَعالى كُفْرُهم بِها إمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ كَتَعْلِيمِ القرآن وما يَسْتَنِدُ إلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وإمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَعَ الِاعْتِرافِ بِكَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ كالنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ بِإسْنادِهِ إلى غَيْرِهِ تَعالى اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا صَرِيحًا أوْ دَلالَةً، فَإنَّ إشْراكَهم لِآلِهَتِهِمْ بِهِ تَعالى في العِبادَةِ مِن دَواعِي إشْراكِهِمْ لَها بِهِ تَعالى فِيما يُوجِبُها، والتَّعْبِيرُ عَنْ كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ بِالتَّكْذِيبِ لِما أنَّ دَلالَةَ الآلاءِ المَذْكُورَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ والشُّكْرِ شَهادَةٌ مِنها بِذَلِكَ فَكُفْرُهم بِها تَكْذِيبٌ بَها لا مَحالَةَ أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَما فُصِّلَ فَبِأيِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ آلاءِ مالِكِكُما ومُرَبِّيكُما بِتِلْكَ الآلاءِ تُكَذِّبانِ؟ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنها ناطِقٌ بِالحَقِّ شاهِدٌ بِالصِّدْقِ.
الرحمن 55:14
(p-179)﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ تَمْهِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ عَلى إخْلالِهِمْ بِمَواجِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، و"الصَّلْصالُ": الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَهُ صَلْصالٌ و"الفَخّارُ": الخَزَفُ، وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ جَعَلَهُ طِينًا ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا ثُمَّ صَلْصالًا فَلا تَنافِيَ بَيْنَ الآيَةِ النّاطِقَةِ بِأحَدِها وبَيْنَ ما نَطَقَ بِأحَدِ الآخَرَيْنِ.
الرحمن 55:15
﴿وَخَلَقَ الجانَّ﴾ أيِ: الجِنَّ أوْ أبا الجِنِّ.
﴿مِن مارِجٍ﴾ مِن لَهَبٍ صافٍ.
﴿مِن نارٍ﴾ بَيانٌ لِمارِجٍ فَإنَّهُ في الأصْلِ لِلْمُضْطَرِبِ مِن مَرَجَ إذا اضْطَرَبَ.
الرحمن 55:16
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مِمّا أفاضَ عَلَيْكُما في تَضاعِيفِ خَلْقِكُما مِن سَوابِغِ النِّعَمِ.
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِيَّةِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ مِنَ الأفاعِيلِ البَدِيعَةِ رَبُّ مَشْرِقَيِ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبِيهِما ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ يَكُونَ رَبَّ ما بَيْنَهُما مِنَ المَوْجُوداتِ قاطِبَةً، وقِيلَ: عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ﴾ ...إلَخْ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن "رَبِّكُما".
الرحمن 55:17
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مِمّا أفاضَ عَلَيْكُما في تَضاعِيفِ خَلْقِكُما مِن سَوابِغِ النِّعَمِ.
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِيَّةِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ مِنَ الأفاعِيلِ البَدِيعَةِ رَبُّ مَشْرِقَيِ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبِيهِما ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ يَكُونَ رَبَّ ما بَيْنَهُما مِنَ المَوْجُوداتِ قاطِبَةً، وقِيلَ: عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ﴾ ...إلَخْ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن "رَبِّكُما".
الرحمن 55:18
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مِمّا في ذَلِكَ مِن فَوائِدَ لا تُحْصى مِنِ اعْتِدالِ الهَواءِ واخْتِلافِ الفُصُولِ وحُدُوثِ ما يُناسِبُ كُلَّ فَصْلٍ في وقْتِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ: أرْسَلَهُما، مِن مَرَجْتُ الدّابَّةَ إذا أرْسَلْتُها، والمَعْنى: أرْسَلَ البَحْرَ المِلْحَ والبَحْرَ العَذْبَ.
﴿يَلْتَقِيانِ﴾ أيْ: يَتَجاوَرانِ ويَتَماسُّ سُطُوحُهُما لا فَصْلَ بَيْنَهُما في مَرْأى العَيْنِ، وقِيلَ: أرْسَلَ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ يَلْتَقِيانِ في المُحِيطِ لِأنَّهُما خَلِيجانِ يَتَشَعَبانِ مِنهُ.
الرحمن 55:19
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مِمّا في ذَلِكَ مِن فَوائِدَ لا تُحْصى مِنِ اعْتِدالِ الهَواءِ واخْتِلافِ الفُصُولِ وحُدُوثِ ما يُناسِبُ كُلَّ فَصْلٍ في وقْتِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ: أرْسَلَهُما، مِن مَرَجْتُ الدّابَّةَ إذا أرْسَلْتُها، والمَعْنى: أرْسَلَ البَحْرَ المِلْحَ والبَحْرَ العَذْبَ.
﴿يَلْتَقِيانِ﴾ أيْ: يَتَجاوَرانِ ويَتَماسُّ سُطُوحُهُما لا فَصْلَ بَيْنَهُما في مَرْأى العَيْنِ، وقِيلَ: أرْسَلَ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ يَلْتَقِيانِ في المُحِيطِ لِأنَّهُما خَلِيجانِ يَتَشَعَبانِ مِنهُ.
الرحمن 55:20
﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ أيْ: حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ مِنَ الأرْضِ.
﴿لا يَبْغِيانِ﴾ أيْ: لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ وإبْطالِ الخاصِّيَّةِ أوْ لا يَتَجاوَزانِ حَدَّيْهِما بِإغْراقِ ما بَيْنَهُما.
الرحمن 55:21
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ولَيْسَ مِنهُما شَيْءٌ يَقْبَلُ التَّكْذِيبَ.
﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ (p-180)"الُّلؤْلُؤُ": الدُّرُّ، و"المَرْجانُ": الخَرَزُ الأحْمَرُ المَشْهُورُ، وقِيلَ: اللُّؤْلُؤُ: كِبارُ الدُّرِّ والمَرْجانُ صِغارُهُ، فَنِسْبَةُ خُرُوجِهِما حِينَئِذٍ إلى البَحْرَيْنِ مَعَ أنَّهُما إنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ عَلى ما قالُوا: لَمّا قِيلَ: إنَّهُما لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ أوْ لِأنَّهُما لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ ساغَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ مَعَ أنَّهُما لا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ وهو الأظْهَرُ، وقُرِئَ "يُخْرَجُ" مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإخْراجِ ومَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنَصْبِ "اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ" وبِنُونِ العَظَمَةِ.
الرحمن 55:22
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ولَيْسَ مِنهُما شَيْءٌ يَقْبَلُ التَّكْذِيبَ.
﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ (p-180)"الُّلؤْلُؤُ": الدُّرُّ، و"المَرْجانُ": الخَرَزُ الأحْمَرُ المَشْهُورُ، وقِيلَ: اللُّؤْلُؤُ: كِبارُ الدُّرِّ والمَرْجانُ صِغارُهُ، فَنِسْبَةُ خُرُوجِهِما حِينَئِذٍ إلى البَحْرَيْنِ مَعَ أنَّهُما إنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ عَلى ما قالُوا: لَمّا قِيلَ: إنَّهُما لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ أوْ لِأنَّهُما لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ ساغَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ مَعَ أنَّهُما لا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ وهو الأظْهَرُ، وقُرِئَ "يُخْرَجُ" مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإخْراجِ ومَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنَصْبِ "اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ" وبِنُونِ العَظَمَةِ.
الرحمن 55:23
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿وَلَهُ الجَوارِ﴾ أيِ: السُّفُنُ جَمْعُ جارِيَةٍ، وقُرِئَ بِرَفْعِ الرّاءِ وبِحَذْفِ الياءِ كَقَوْلِ مَن قالَ:
؎ لَها ثَنايا أرْبَعٌ حِسانٌ ∗∗∗ وأرْبَعٌ فَكُلُّها ثَمانُ
﴿المُنْشَآتُ﴾ المَرْفُوعاتُ الشُّرُعِ أوِ المَصْنُوعاتُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ أيِ: الرّافِعاتُ الشُّرُعَ أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ.﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ كالجِبالِ الشّاهِقَةِ، جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ الطَّوِيلُ.
الرحمن 55:24
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿وَلَهُ الجَوارِ﴾ أيِ: السُّفُنُ جَمْعُ جارِيَةٍ، وقُرِئَ بِرَفْعِ الرّاءِ وبِحَذْفِ الياءِ كَقَوْلِ مَن قالَ:
؎ لَها ثَنايا أرْبَعٌ حِسانٌ ∗∗∗ وأرْبَعٌ فَكُلُّها ثَمانُ
﴿المُنْشَآتُ﴾ المَرْفُوعاتُ الشُّرُعِ أوِ المَصْنُوعاتُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ أيِ: الرّافِعاتُ الشُّرُعَ أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ.﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ كالجِبالِ الشّاهِقَةِ، جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ الطَّوِيلُ.
الرحمن 55:25
﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ أوِ المَرْكَباتِ و"مَن" لِلتَّغْلِيبِ أوْ "مِنَ الثَّقَلَيْنِ".
﴿فانٍ﴾ هالِكٌ لا مَحالَةَ.
﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ أيْ: ذاتُهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ أيْ: ذُو الِاسْتِغْناءِ المُطْبِقِ والفَضْلِ التّامِ، وقِيلَ: الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ وهَذِهِ مِن عَظائِمِ صِفاتِهِ تَعالى، ولَقَدْ قالَ ﷺ: « "ألِظُّوا بِياذا الجَلالِ والإكْرامِ"،» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿أنَّهُ مَرَّ بَرْجَلٍ وهو يُصَلِّي ويَقُولُ: يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ فَقالَ: اسْتُجِيبَ لَكَ﴾ وقُرِئَ "ذِي الجَلالِ والإكْرامِ" عَلى أنَّهُ صِفَةُ "رَبِّكَ" وأيًّا ما كانَ؛ فَفي وصْفِهِ تَعالى بِذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ فَناءِ الخَلْقِ وبَقائِهِ تَعالى إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى يُفِيضُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ أيْضًا آثارَ لُطْفِهِ وكَرَمِهِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
الرحمن 55:26
﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ أوِ المَرْكَباتِ و"مَن" لِلتَّغْلِيبِ أوْ "مِنَ الثَّقَلَيْنِ".
﴿فانٍ﴾ هالِكٌ لا مَحالَةَ.
﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ أيْ: ذاتُهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ أيْ: ذُو الِاسْتِغْناءِ المُطْبِقِ والفَضْلِ التّامِ، وقِيلَ: الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ وهَذِهِ مِن عَظائِمِ صِفاتِهِ تَعالى، ولَقَدْ قالَ ﷺ: « "ألِظُّوا بِياذا الجَلالِ والإكْرامِ"،» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿أنَّهُ مَرَّ بَرْجَلٍ وهو يُصَلِّي ويَقُولُ: يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ فَقالَ: اسْتُجِيبَ لَكَ﴾ وقُرِئَ "ذِي الجَلالِ والإكْرامِ" عَلى أنَّهُ صِفَةُ "رَبِّكَ" وأيًّا ما كانَ؛ فَفي وصْفِهِ تَعالى بِذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ فَناءِ الخَلْقِ وبَقائِهِ تَعالى إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى يُفِيضُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ أيْضًا آثارَ لُطْفِهِ وكَرَمِهِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
الرحمن 55:27
﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ أوِ المَرْكَباتِ و"مَن" لِلتَّغْلِيبِ أوْ "مِنَ الثَّقَلَيْنِ".
﴿فانٍ﴾ هالِكٌ لا مَحالَةَ.
﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ أيْ: ذاتُهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ أيْ: ذُو الِاسْتِغْناءِ المُطْبِقِ والفَضْلِ التّامِ، وقِيلَ: الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ وهَذِهِ مِن عَظائِمِ صِفاتِهِ تَعالى، ولَقَدْ قالَ ﷺ: « "ألِظُّوا بِياذا الجَلالِ والإكْرامِ"،» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿أنَّهُ مَرَّ بَرْجَلٍ وهو يُصَلِّي ويَقُولُ: يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ فَقالَ: اسْتُجِيبَ لَكَ﴾ وقُرِئَ "ذِي الجَلالِ والإكْرامِ" عَلى أنَّهُ صِفَةُ "رَبِّكَ" وأيًّا ما كانَ؛ فَفي وصْفِهِ تَعالى بِذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ فَناءِ الخَلْقِ وبَقائِهِ تَعالى إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى يُفِيضُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ أيْضًا آثارَ لُطْفِهِ وكَرَمِهِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
الرحمن 55:28
﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ أوِ المَرْكَباتِ و"مَن" لِلتَّغْلِيبِ أوْ "مِنَ الثَّقَلَيْنِ".
﴿فانٍ﴾ هالِكٌ لا مَحالَةَ.
﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ أيْ: ذاتُهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ أيْ: ذُو الِاسْتِغْناءِ المُطْبِقِ والفَضْلِ التّامِ، وقِيلَ: الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ وهَذِهِ مِن عَظائِمِ صِفاتِهِ تَعالى، ولَقَدْ قالَ ﷺ: « "ألِظُّوا بِياذا الجَلالِ والإكْرامِ"،» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿أنَّهُ مَرَّ بَرْجَلٍ وهو يُصَلِّي ويَقُولُ: يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ فَقالَ: اسْتُجِيبَ لَكَ﴾ وقُرِئَ "ذِي الجَلالِ والإكْرامِ" عَلى أنَّهُ صِفَةُ "رَبِّكَ" وأيًّا ما كانَ؛ فَفي وصْفِهِ تَعالى بِذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ فَناءِ الخَلْقِ وبَقائِهِ تَعالى إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى يُفِيضُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ أيْضًا آثارَ لُطْفِهِ وكَرَمِهِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
الرحمن 55:29
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ إحْياءَهم بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ وإثابَتَهم بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ أجَلُّ النَّعْماءِ وأعْظَمُ الآلاءِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قاطِبَةً ما يَحْتاجُونَ (p-181)إلَيْهِ في ذَواتِهِمْ ووُجُوداتِهِمْ حُدُوثًا وبَقاءً سائِرَ أحْوالِهِمْ سُؤالًا مُسْتَمِرًّا بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ فَإنَّهم كافَّةً مِن حَيْثُ حَقائِقُهُمُ المُمْكِنَةُ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الكِمالاتِ بِالمَرَّةِ بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ مِنَ العَلاقَةِ لِمَ يَشُمُّوا رائِحَةَ الوُجُودِ أصْلًا فَهم في كُلِّ آنٍ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الِاسْتِدْعاءِ والسُّؤالِ، وقَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ مِن سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ أيْ: كُلَّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾ مِنَ الشُّؤُونِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إعْطاءُ ما سَألُوا فَإنَّهُ تَعالى لا يَزالُ يُنْشِئُ أشْخاصًا ويُغْنِي آخَرِينَ ويَأْتِي بِأحْوالٍ ويَذْهَبُ بِأحْوالٍ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، وفي الحَدِيثِ ﴿مِن شَأْنِهِ أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا ويُفَرِّجَ كَرْبًا ويَرْفَعَ قَوْمًا ويَضَعَ آخَرِينَ﴾ قِيلَ: وفِيهِ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ حَيْثُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا.
الرحمن 55:30
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مَعَ مُشاهَدَتِكم لِما ذُكِرَ مِن إحْسانِهِ.
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أيْ: سَنَتَجَرَّدُ لِحِسابِكم وجَزائِكم وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ انْتِهاءِ شُؤُونِ الخَلْقِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ فَلا يَبْقى حِينَئِذٍ إلّا شَأْنٌ واحِدٌ هو الجَزاءُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالفَراغِ لَهم بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: هو مُسْتَعارٌ مِن قَوْلِ المُتَهَدِّدِ لِصاحِبِهِ: سَأفْرُغُ لَكَ أيْ: سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما يَشْغَلُنِي عَنْهُ، والمُرادُ: التَّوَفُّرُ عَلى النِّكايَةِ فِيهِ والِانْتِقامِ مِنهُ، وقُرِئَ "سَيَفْرُغُ" مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ولِلْمَفْعُولِ، قُرِئَ "سَنَفْرُغُ إلَيْكُمْ" أيْ: سَنَقْصِدُ إلَيْكم.
﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ هُما الإنْسُ والجِنُّ سُمِّيا بِذَلِكَ لِثِقْلِهِما عَلى الأرْضِ أوْ لِرَزانَةِ آرائِهِما أوْ لِأنَّهُما مُثْقَلانِ بِالتَّكْلِيفِ.
الرحمن 55:31
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مَعَ مُشاهَدَتِكم لِما ذُكِرَ مِن إحْسانِهِ.
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أيْ: سَنَتَجَرَّدُ لِحِسابِكم وجَزائِكم وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ انْتِهاءِ شُؤُونِ الخَلْقِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ فَلا يَبْقى حِينَئِذٍ إلّا شَأْنٌ واحِدٌ هو الجَزاءُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالفَراغِ لَهم بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: هو مُسْتَعارٌ مِن قَوْلِ المُتَهَدِّدِ لِصاحِبِهِ: سَأفْرُغُ لَكَ أيْ: سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما يَشْغَلُنِي عَنْهُ، والمُرادُ: التَّوَفُّرُ عَلى النِّكايَةِ فِيهِ والِانْتِقامِ مِنهُ، وقُرِئَ "سَيَفْرُغُ" مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ولِلْمَفْعُولِ، قُرِئَ "سَنَفْرُغُ إلَيْكُمْ" أيْ: سَنَقْصِدُ إلَيْكم.
﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ هُما الإنْسُ والجِنُّ سُمِّيا بِذَلِكَ لِثِقْلِهِما عَلى الأرْضِ أوْ لِرَزانَةِ آرائِهِما أوْ لِأنَّهُما مُثْقَلانِ بِالتَّكْلِيفِ.
الرحمن 55:32
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّنْبِيهُ عَلى ما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلتَّحْذِيرِ عَمّا يُؤَدِّي إلى سُوءِ الحِسابِ.
﴿تُكَذِّبانِ﴾ بِأقْوالِكُما وأعْمالِكُما.
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ هُما الثَّقَلانِ خُوطِبا بِاسْمِ جِنْسِهِما لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ولِأنَّ الجِنَّ مَشْهُورُونَ بِالقُدْرَةِ عَلى الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ فَخُوطِبُوا بِما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ لِبَيانِ أنَّ قدرتهمْ لا تَفِي بِما كُلِّفُوهُ.
﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى ﴿أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: أنْ تَهْرُبُوا مِن قَضائِي وتَخْرُجُوا مِن مَلَكُوتِي ومِن أقْطارِ سَمَواتِي وأرْضِي ﴿فانْفُذُوا﴾ مِنها وخَلِّصُوا أنْفُسَكم مِن عِقابِي.
﴿لا تَنْفُذُونَ﴾ لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ.
﴿إلا بِسُلْطانٍ﴾ أيْ: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وأنْتُمْ مِن ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ بَعِيدٍ، رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ فَتُحِيطُ بِالخَلائِقِ فَإذا رَآهُمُ الجِنُّ والإنْسُ هَرَبُوا فَلا يَأْتُونَ وجْهًا (p-182)إلّا وجَدُوا المَلائِكَةَ أحاطَتْ بِهِ.
الرحمن 55:33
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّنْبِيهُ عَلى ما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلتَّحْذِيرِ عَمّا يُؤَدِّي إلى سُوءِ الحِسابِ.
﴿تُكَذِّبانِ﴾ بِأقْوالِكُما وأعْمالِكُما.
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ هُما الثَّقَلانِ خُوطِبا بِاسْمِ جِنْسِهِما لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ولِأنَّ الجِنَّ مَشْهُورُونَ بِالقُدْرَةِ عَلى الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ فَخُوطِبُوا بِما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ لِبَيانِ أنَّ قدرتهمْ لا تَفِي بِما كُلِّفُوهُ.
﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى ﴿أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: أنْ تَهْرُبُوا مِن قَضائِي وتَخْرُجُوا مِن مَلَكُوتِي ومِن أقْطارِ سَمَواتِي وأرْضِي ﴿فانْفُذُوا﴾ مِنها وخَلِّصُوا أنْفُسَكم مِن عِقابِي.
﴿لا تَنْفُذُونَ﴾ لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ.
﴿إلا بِسُلْطانٍ﴾ أيْ: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وأنْتُمْ مِن ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ بَعِيدٍ، رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ فَتُحِيطُ بِالخَلائِقِ فَإذا رَآهُمُ الجِنُّ والإنْسُ هَرَبُوا فَلا يَأْتُونَ وجْهًا (p-182)إلّا وجَدُوا المَلائِكَةَ أحاطَتْ بِهِ.
الرحمن 55:34
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ: مِنَ التَّنْبِيهِ والتَّحْذِيرِ والمُساهَلَةِ والعَفْوِ مَعَ كَمالِ القُدْرَةِ عَلى العُقُوبَةِ.
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ قِيلَ: هو اللَّهَبُ الخالِصُ، وقِيلَ: المُخْتَلِطُ بِالدُّخانِ، وقِيلَ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: اللَّهَبُ الأخْضَرُ المُنْقَطِعُ مِنَ النّارِ، وقِيلَ: هو الدُّخانُ الخارِجُ مِنَ اللَّهَبِ، وقِيلَ: هو النّارُ والدُّخانُ جَمِيعًا، وقُرِئَ "شِواظٌ" بِكَسْرِ الشِّينِ.
﴿مِن نارٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"يُرْسَلُ" أوْ بِمُضْمِرٍ هو صِفَةٌ لِلشُّواظِ أيْ: كائِنٌ مِن نارٍ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ.
﴿وَنُحاسٌ﴾ أيْ: دُخانٌ، وقِيلَ: صُفْرٌ مُذابٌ يَصُبُّ عَلى رُؤُوسِهِمْ، وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى "نارٍ"، وقُرِئَ "نُرْسِلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ ونَصْبِ "شُواظًا" و"نُحاسًا"، وقُرِئَ "نُحُسٌ" جَمْعُ نِحاسٌ مِثْلُ لِحافِ ولُحُفِ، وقُرِئَ "وَنَحُسُّ" أيْ: نَقْتُلُ بِالعَذابِ.
﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ أيْ: لا تَمْتَنِعانِ.
الرحمن 55:35
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ: مِنَ التَّنْبِيهِ والتَّحْذِيرِ والمُساهَلَةِ والعَفْوِ مَعَ كَمالِ القُدْرَةِ عَلى العُقُوبَةِ.
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ قِيلَ: هو اللَّهَبُ الخالِصُ، وقِيلَ: المُخْتَلِطُ بِالدُّخانِ، وقِيلَ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: اللَّهَبُ الأخْضَرُ المُنْقَطِعُ مِنَ النّارِ، وقِيلَ: هو الدُّخانُ الخارِجُ مِنَ اللَّهَبِ، وقِيلَ: هو النّارُ والدُّخانُ جَمِيعًا، وقُرِئَ "شِواظٌ" بِكَسْرِ الشِّينِ.
﴿مِن نارٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"يُرْسَلُ" أوْ بِمُضْمِرٍ هو صِفَةٌ لِلشُّواظِ أيْ: كائِنٌ مِن نارٍ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ.
﴿وَنُحاسٌ﴾ أيْ: دُخانٌ، وقِيلَ: صُفْرٌ مُذابٌ يَصُبُّ عَلى رُؤُوسِهِمْ، وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى "نارٍ"، وقُرِئَ "نُرْسِلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ ونَصْبِ "شُواظًا" و"نُحاسًا"، وقُرِئَ "نُحُسٌ" جَمْعُ نِحاسٌ مِثْلُ لِحافِ ولُحُفِ، وقُرِئَ "وَنَحُسُّ" أيْ: نَقْتُلُ بِالعَذابِ.
﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ أيْ: لا تَمْتَنِعانِ.
الرحمن 55:36
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ بَيانَ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي لُطْفٌ وأيُّ لُطْفٍ ونِعْمَةٍ وأيُّ نِعْمَةٍ.
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ أيِ: انْصَدَعَتْ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾ كَوَرْدَةٍ حَمْراءَ، وقُرِئَ "وَرْدَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: حَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ فَيَكُونُ مِن بابِ التَّجْرِيدِ كَقَوْلِ مَن قالَ:
؎ ولَئِنْ بَقِيتُ لأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ تَحْوِي الغَنائِمَ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ
﴿كالدِّهانِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِـ"كانَتْ" أوْ نَعْتٌ لِـ"وَرْدَةً" أوْ حالٌ مِنِ اسْمِ "كانَتْ" أيْ: كَدُهْنِ الزَّيْتِ وهو إمّا جَمْعُ دُهْنٍ أوِ اسْمٌ لَمّا يُدْهَنُ بِهِ كالحِزامِ والإدامِ، وقِيلَ: هو الأدِيمُ الأحْمَرُ، وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ أيْ: يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ المَقالِ.
الرحمن 55:37
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ بَيانَ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي لُطْفٌ وأيُّ لُطْفٍ ونِعْمَةٍ وأيُّ نِعْمَةٍ.
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ أيِ: انْصَدَعَتْ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾ كَوَرْدَةٍ حَمْراءَ، وقُرِئَ "وَرْدَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: حَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ فَيَكُونُ مِن بابِ التَّجْرِيدِ كَقَوْلِ مَن قالَ:
؎ ولَئِنْ بَقِيتُ لأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ تَحْوِي الغَنائِمَ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ
﴿كالدِّهانِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِـ"كانَتْ" أوْ نَعْتٌ لِـ"وَرْدَةً" أوْ حالٌ مِنِ اسْمِ "كانَتْ" أيْ: كَدُهْنِ الزَّيْتِ وهو إمّا جَمْعُ دُهْنٍ أوِ اسْمٌ لَمّا يُدْهَنُ بِهِ كالحِزامِ والإدامِ، وقِيلَ: هو الأدِيمُ الأحْمَرُ، وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ أيْ: يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ المَقالِ.
الرحمن 55:38
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مَعَ عِظَمِ شَأْنِها.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ تَنْشَقُّ السَّماءُ حَسَبَما ذُكِرَ.
﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم وذَلِكَ أوَّلَ ما يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ ويُحْشَرُونَ إلى المَوْقِفِ ذَوْدًا ذَوْدًا عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ونَحْوُهُ فَفي مَوْقِفِ المُناقِشَةِ والحِسابِ، وضَمِيرُ "ذَنْبِهِ" لِلْإنْسِ لِتَقَدُّمِهِ رُتْبَةً وإفْرادُهُ لِما أنَّ المُرادَ: فَرْدٌ مِنَ الإنْسِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُسْألُ ذَنْبَهُ إنْسِيٌّ ولا جِنِّيٌّ.
الرحمن 55:39
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مَعَ عِظَمِ شَأْنِها.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ تَنْشَقُّ السَّماءُ حَسَبَما ذُكِرَ.
﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم وذَلِكَ أوَّلَ ما يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ ويُحْشَرُونَ إلى المَوْقِفِ ذَوْدًا ذَوْدًا عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ونَحْوُهُ فَفي مَوْقِفِ المُناقِشَةِ والحِسابِ، وضَمِيرُ "ذَنْبِهِ" لِلْإنْسِ لِتَقَدُّمِهِ رُتْبَةً وإفْرادُهُ لِما أنَّ المُرادَ: فَرْدٌ مِنَ الإنْسِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُسْألُ ذَنْبَهُ إنْسِيٌّ ولا جِنِّيٌّ.
الرحمن 55:40
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مَعَ كَثْرَةِ مَنافِعِها فَإنَّ الإخْبارَ بِما ذُكِرَ مِمّا يَزْجُرُكم عَنِ (p-183)الشَّرِّ المُؤَدِّي إلَيْهِ، وأمّا ما قِيلَ: مِمّا أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ في هَذا اليَوْمِ؟ فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ السُّؤالِ قِيلَ: يُعْرَفُونَ بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ، وقِيلَ: بِما يَعْلُوهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ الجارُّ والمَجْرُورُ هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ يُقالُ: أخَذَهُ إذا كانَ المَأْخُوذُ مَقْصُودًا بِالأخْذِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ونَحْوُهُ وأخَذَ بِهِ إذا كانَ المَأْخُوذُ شَيْئًا مِنَ مُلابَساتِ المَقْصُودِ بِالأخْذِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ وقَوْلُ المُسْتَغِيثِ: خُذْ بِيَدِي أخَذَ اللَّهُ بِيَدِكَ أيْ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظُهُورِهِمْ، وقِيلَ: تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ تارَةً تَأْخُذُ بِالنَّواصِي وتارَةً تَأْخُذُ بِالأقْدامِ.
الرحمن 55:41
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مَعَ كَثْرَةِ مَنافِعِها فَإنَّ الإخْبارَ بِما ذُكِرَ مِمّا يَزْجُرُكم عَنِ (p-183)الشَّرِّ المُؤَدِّي إلَيْهِ، وأمّا ما قِيلَ: مِمّا أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ في هَذا اليَوْمِ؟ فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ السُّؤالِ قِيلَ: يُعْرَفُونَ بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ، وقِيلَ: بِما يَعْلُوهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ الجارُّ والمَجْرُورُ هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ يُقالُ: أخَذَهُ إذا كانَ المَأْخُوذُ مَقْصُودًا بِالأخْذِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ونَحْوُهُ وأخَذَ بِهِ إذا كانَ المَأْخُوذُ شَيْئًا مِنَ مُلابَساتِ المَقْصُودِ بِالأخْذِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ وقَوْلُ المُسْتَغِيثِ: خُذْ بِيَدِي أخَذَ اللَّهُ بِيَدِكَ أيْ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظُهُورِهِمْ، وقِيلَ: تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ تارَةً تَأْخُذُ بِالنَّواصِي وتارَةً تَأْخُذُ بِالأقْدامِ.
الرحمن 55:42
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ إمّا اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ناشِئٍ مِن حِكايَةِ الأخْذِ بِالنَّواصِي والأقْدامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُ بِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: يُقالُ ...إلَخْ أوْ حالٌ مِن أصْحابِ النَّواصِي والأقْدامِ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
الرحمن 55:43
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ إمّا اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ناشِئٍ مِن حِكايَةِ الأخْذِ بِالنَّواصِي والأقْدامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُ بِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: يُقالُ ...إلَخْ أوْ حالٌ مِن أصْحابِ النَّواصِي والأقْدامِ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
الرحمن 55:44
﴿يَطُوفُونَ﴾ أيْ: بَيْنَ النّارِ يُحْرِقُونَ بِها.
﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ماءٍ بالِغٍ مِنَ الحَرارَةِ أقْصاها يُصَبُّ عَلَيْهِمْ أوْ يُسْقَوْنَ مِنهُ، وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ أُغِيثُوا بِالحَمِيمِ.
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَدْ أُشِيرَ إلى سِرِّ كَوْنِ بَيانِ أمْثالِ هَذِهِ الأُمُورِ مِن قَبِيلِ الآلاءِ مِرارًا.
الرحمن 55:45
﴿يَطُوفُونَ﴾ أيْ: بَيْنَ النّارِ يُحْرِقُونَ بِها.
﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ماءٍ بالِغٍ مِنَ الحَرارَةِ أقْصاها يُصَبُّ عَلَيْهِمْ أوْ يُسْقَوْنَ مِنهُ، وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ أُغِيثُوا بِالحَمِيمِ.
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَدْ أُشِيرَ إلى سِرِّ كَوْنِ بَيانِ أمْثالِ هَذِهِ الأُمُورِ مِن قَبِيلِ الآلاءِ مِرارًا.
الرحمن 55:46
﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ شُرُوعٌ في تَعْدادِ الآلاءِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بَعْدَ تَعْدادِ ما وصَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِنَ الآلاءِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ ما عُدِّدَ فِيما بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ خاتِمَةِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن فُنُونِ الكَراماتِ كَما أنَّ أنْفَسَها آلاءٌ جَلِيلَةٌ واصِلَةٌ إلَيْهِمْ في الآخِرَةِ كَذَلِكَ حِكاياتُها الواصِلَةُ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا آلاءٌ عَظِيمَةٌ لِكَوْنِها داعِيَةً لَهم إلى السَّعِيِ في تَحْصِيلِ ما يُؤَدِّي إلى نَيْلِها مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ وأنَّ ما فُصِّلَ مِن فاتِحَةِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ آلاءٌ جَلِيلَةٌ واصِلَةٌ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا وكَذَلِكَ حِكاياتُها مِن حَيْثُ إيجابُها لِلشُّكْرِ والمُثابَرَةِ عَلى (p-184)ما يُؤَدِّي إلى اسْتِدامَتِها، وأمّا ما عُدِّدَ فِيما بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ و بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ الَّتِي سَتَقَعُ في الآخِرَةِ فَلَيْسَتْ هي مِن قَبِيلِ الآلاءِ وإنَّما الآلاءُ حِكاياتُها المُوجِبَةُ لِلِانْزِجارِ عَمّا يُؤَدِّي إلى الِابْتِلاءِ بِها مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في تَضاعِيفِ تَعْدادِها ومَقامُهُ تَعالى مُوقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ أوْ قِيامُهُ تَعالى عَلى أحْوالِهِ، مِن قامَ عَلَيْهِ إذا راقَبَهُ أوْ مَقامُ الخائِفِ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ، وإضافَتُهُ إلى الرَّبِّ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ أوْ مُقْحَمٌ لِلتَّعْظِيمِ.
﴿جَنَّتانِ﴾ جَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ فَإنَّ الخِطابَ لِلْفَرِيقَيْنِ فالمَعْنى: لِكُلِّ خائِفَيْنِ مِنكُما أوْ لِكُلِّ واحِدٍ جَنَّةٌ لِعَقِيدَتِهِ وأُخْرى لِعَمَلِهِ أوْ جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ وأُخْرى لِتَرْكِ المَعاصِي أوْ جَنَّةٌ يُثابُ بِها وأُخْرى يُتَفَضَّلُ بِها عَلَيْهِ أوْ رُوحانِيَّةٌ وجُسْمانِيَّةٌ، وكَذا ما جاءَ مُثَنّى بَعْدُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
الرحمن 55:47
﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ شُرُوعٌ في تَعْدادِ الآلاءِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بَعْدَ تَعْدادِ ما وصَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِنَ الآلاءِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ ما عُدِّدَ فِيما بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ خاتِمَةِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن فُنُونِ الكَراماتِ كَما أنَّ أنْفَسَها آلاءٌ جَلِيلَةٌ واصِلَةٌ إلَيْهِمْ في الآخِرَةِ كَذَلِكَ حِكاياتُها الواصِلَةُ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا آلاءٌ عَظِيمَةٌ لِكَوْنِها داعِيَةً لَهم إلى السَّعِيِ في تَحْصِيلِ ما يُؤَدِّي إلى نَيْلِها مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ وأنَّ ما فُصِّلَ مِن فاتِحَةِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ آلاءٌ جَلِيلَةٌ واصِلَةٌ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا وكَذَلِكَ حِكاياتُها مِن حَيْثُ إيجابُها لِلشُّكْرِ والمُثابَرَةِ عَلى (p-184)ما يُؤَدِّي إلى اسْتِدامَتِها، وأمّا ما عُدِّدَ فِيما بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ و بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ الَّتِي سَتَقَعُ في الآخِرَةِ فَلَيْسَتْ هي مِن قَبِيلِ الآلاءِ وإنَّما الآلاءُ حِكاياتُها المُوجِبَةُ لِلِانْزِجارِ عَمّا يُؤَدِّي إلى الِابْتِلاءِ بِها مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في تَضاعِيفِ تَعْدادِها ومَقامُهُ تَعالى مُوقِفُهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ أوْ قِيامُهُ تَعالى عَلى أحْوالِهِ، مِن قامَ عَلَيْهِ إذا راقَبَهُ أوْ مَقامُ الخائِفِ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ، وإضافَتُهُ إلى الرَّبِّ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ أوْ مُقْحَمٌ لِلتَّعْظِيمِ.
﴿جَنَّتانِ﴾ جَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ فَإنَّ الخِطابَ لِلْفَرِيقَيْنِ فالمَعْنى: لِكُلِّ خائِفَيْنِ مِنكُما أوْ لِكُلِّ واحِدٍ جَنَّةٌ لِعَقِيدَتِهِ وأُخْرى لِعَمَلِهِ أوْ جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ وأُخْرى لِتَرْكِ المَعاصِي أوْ جَنَّةٌ يُثابُ بِها وأُخْرى يُتَفَضَّلُ بِها عَلَيْهِ أوْ رُوحانِيَّةٌ وجُسْمانِيَّةٌ، وكَذا ما جاءَ مُثَنّى بَعْدُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
الرحمن 55:48
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ صِفَةٌ لِـ"جَنَّتانِ" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنَهُما تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَكْذِيبَ كُلٍّ مِنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ مُوجِبٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ و"الأفْنانُ" إمّا جَمْعُ فَنٍّ أيْ: ذَواتا أنْواعٍ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ أوْ جَمْعُ فَنَنٍ أيْ: ذَواتا أغْصانٍ مُتَشَعِّبَةٍ مِن فُرُوعِ الشَّجَرِ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ لِأنَّها الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ وتَمُدُّ الظِّلَّ.
الرحمن 55:49
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ يَقْبَلُ التَّكْذِيبَ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"جَنَّتانِ" أيْ: في كُلِّ واحِدَةٍ عَيْنٌ تَجْرِي كَيْفَ يَشاءُ صاحِبُها في الأعالِي والأسافِلِ، وقِيلَ: تَجْرِيانِ مِن جَبَلٍ مِن مِسْكٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَن ِ تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ إحْداهُما التَّسْنِيمُ والأُخْرى السَّلْسَبِيلُ، وقِيلَ: إحْداهُما مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ والأُخْرى مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ. قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ لِمَن كانَتْ عَيْناهُ في الدُّنْيا تَجْرِيانِ مِن مَخافَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
الرحمن 55:50
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ يَقْبَلُ التَّكْذِيبَ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"جَنَّتانِ" أيْ: في كُلِّ واحِدَةٍ عَيْنٌ تَجْرِي كَيْفَ يَشاءُ صاحِبُها في الأعالِي والأسافِلِ، وقِيلَ: تَجْرِيانِ مِن جَبَلٍ مِن مِسْكٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَن ِ تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ إحْداهُما التَّسْنِيمُ والأُخْرى السَّلْسَبِيلُ، وقِيلَ: إحْداهُما مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ والأُخْرى مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ. قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ لِمَن كانَتْ عَيْناهُ في الدُّنْيا تَجْرِيانِ مِن مَخافَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
الرحمن 55:51
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ أيْ: صِنْفانِ مَعْرُوفٌ وغَرِيبٌ أوْ رَطْبٌ ويابِسٌ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"جَنَّتانِ" وتَوْسِيطُ الِاعْتِراضِ بَيْنَ الصِّفاتِ لِما مَرَّ آنِفًا.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
الرحمن 55:52
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ أيْ: صِنْفانِ مَعْرُوفٌ وغَرِيبٌ أوْ رَطْبٌ ويابِسٌ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"جَنَّتانِ" وتَوْسِيطُ الِاعْتِراضِ بَيْنَ الصِّفاتِ لِما مَرَّ آنِفًا.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
الرحمن 55:53
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ أيْ: صِنْفانِ مَعْرُوفٌ وغَرِيبٌ أوْ رَطْبٌ ويابِسٌ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"جَنَّتانِ" وتَوْسِيطُ الِاعْتِراضِ بَيْنَ الصِّفاتِ لِما مَرَّ آنِفًا.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
الرحمن 55:54
(p-185)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ مِنَ الخائِفِينَ لِأنَّ مَن خافَ في مَعْنى الجَمْعِ أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ.
﴿عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ مِن دَيْباجٍ ثَخِينٍ وحَيْثُ كانَتْ بَطائِنُها كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِظَهائِرِها، وقِيلَ: ظَهائِرُها مِن سُنْدُسٍ، وقِيلَ: مِن نُورٍ.
﴿وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ أيْ: ما يُجْتَنى مِن أشْجارِها مِنَ الثِّمارِ قَرِيبٌ يَنالُهُ القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: تَدْنُو الشَّجَرَةُ حَتّى يَجْتَنِيَها ولِيُّ اللَّهِ إنْ شاءَ قائِمًا وإنْ شاءَ قاعِدًا وإنْ شاءَ مُضْطَجِعًا، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ.
الرحمن 55:55
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ﴾ أيْ: في الجِنانِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنَّتانِ﴾ لِما عَرَفْتَ أنَّهُما لِكُلِّ خائِفَيْنِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ أوْ لِكُلِّ خائِفٍ حَسَبَ تَعَدُّدِ عَمَلِهِ وقَدِ اعْتُبِرَ الجَمْعِيَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، وقِيلَ: فِيهِما مِنَ الأماكِنِ والقُصُورِ. وقِيلَ: في هَذِهِ الآلاءِ المَعْدُودَةِ مِنَ الجَنَّتَيْنِ والفاكِهَةِ والفَرْشِ.
﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ نِساءٌ يَقْصُرْنَ أبْصارَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ.
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ أيْ: لَمْ يَمَسَّ الإنْسِيّاتِ أحَدٌ مِنَ الإنْسِ ولا الجِنِّيّاتِ أحَدٌ مِنَ الجِنِّ قَبْلَ أزْواجِهِنَّ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِقاصِراتِ الطَّرْفِ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمُثُونَ، وقُرِئَ "يَطْمُثْهُنَّ" بِضَمِّ المِيمِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِـ"قاصِراتُ الطَّرْفِ" لِأنَّ إضافَتَها لَفْظِيَّةٌ أوْ حالٌ مِنها لِتَخَصُّصِها بِالإضافَةِ.
الرحمن 55:56
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ﴾ أيْ: في الجِنانِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنَّتانِ﴾ لِما عَرَفْتَ أنَّهُما لِكُلِّ خائِفَيْنِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ أوْ لِكُلِّ خائِفٍ حَسَبَ تَعَدُّدِ عَمَلِهِ وقَدِ اعْتُبِرَ الجَمْعِيَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، وقِيلَ: فِيهِما مِنَ الأماكِنِ والقُصُورِ. وقِيلَ: في هَذِهِ الآلاءِ المَعْدُودَةِ مِنَ الجَنَّتَيْنِ والفاكِهَةِ والفَرْشِ.
﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ نِساءٌ يَقْصُرْنَ أبْصارَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ.
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ أيْ: لَمْ يَمَسَّ الإنْسِيّاتِ أحَدٌ مِنَ الإنْسِ ولا الجِنِّيّاتِ أحَدٌ مِنَ الجِنِّ قَبْلَ أزْواجِهِنَّ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِقاصِراتِ الطَّرْفِ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمُثُونَ، وقُرِئَ "يَطْمُثْهُنَّ" بِضَمِّ المِيمِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِـ"قاصِراتُ الطَّرْفِ" لِأنَّ إضافَتَها لَفْظِيَّةٌ أوْ حالٌ مِنها لِتَخَصُّصِها بِالإضافَةِ.
الرحمن 55:57
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ إمّا صِفَةٌ لِـ"قاصِراتُ الطَّرْفِ" أوْ حالٌ مِنها كالَّتِي قَبْلَها أيْ: مُشَبَّهاتٌ بِالياقُوتِ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والمَرْجانِ أيْ: صِغارِ الدُّرِّ في بَياضِ البَشَرِ وصَفائِها فَإنَّ صِغارَ الدُّرِّ أنْصَعُ بَياضًا مِن كِبارِهِ، قِيلَ: إنَّ الحَوْراءَ تَلْبَسُ سَبْعِينَ حُلَّةً فَيُرى مُخُّ ساقِها مِن ورائِها كَما يُرى الشَّرابُ الأحْمَرُ في الزُّجاجَةِ البَيْضاءِ.
الرحمن 55:58
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ إمّا صِفَةٌ لِـ"قاصِراتُ الطَّرْفِ" أوْ حالٌ مِنها كالَّتِي قَبْلَها أيْ: مُشَبَّهاتٌ بِالياقُوتِ في حُمْرَةِ الوَجْنَةِ والمَرْجانِ أيْ: صِغارِ الدُّرِّ في بَياضِ البَشَرِ وصَفائِها فَإنَّ صِغارَ الدُّرِّ أنْصَعُ بَياضًا مِن كِبارِهِ، قِيلَ: إنَّ الحَوْراءَ تَلْبَسُ سَبْعِينَ حُلَّةً فَيُرى مُخُّ ساقِها مِن ورائِها كَما يُرى الشَّرابُ الأحْمَرُ في الزُّجاجَةِ البَيْضاءِ.
الرحمن 55:59
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما فُصِّلُ قَبْلَهُ أيْ: ما جَزاءُ الإحْسانِ في العَمَلِ إلّا الإحْسانُ في الثَّوابِ.
الرحمن 55:60
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما فُصِّلُ قَبْلَهُ أيْ: ما جَزاءُ الإحْسانِ في العَمَلِ إلّا الإحْسانُ في الثَّوابِ.
الرحمن 55:61
(p-186)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ: ومِن دُونِ تَيْنِكَ الجَنَّتَيْنِ المَوْعُودَتَيْنِ لِلْخائِفِينَ المُقَرَّبِينَ جَنَّتانِ أُخْرَيانِ لِمَن دُونَهم مِن أصْحابِ اليَمِينِ.
الرحمن 55:62
(p-186)﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ: ومِن دُونِ تَيْنِكَ الجَنَّتَيْنِ المَوْعُودَتَيْنِ لِلْخائِفِينَ المُقَرَّبِينَ جَنَّتانِ أُخْرَيانِ لِمَن دُونَهم مِن أصْحابِ اليَمِينِ.
الرحمن 55:63
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ صِفَةٌ لِـ"جَنَّتانِ" وُسِّطَ بَيْنَهُما الِاعْتِراضُ لِما ذُكِرَ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَكْذِيبَ كُلٍّ مِنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ حَقِيقٌ بِالإنْكارِ والتَّوْبِيخِ أيْ: خَضْراوانِ تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الغالِبَ عَلى هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ النَّباتُ والرَّياحِينُ المُنْبَسِطَةُ عَلى وجْهِ الأرْضِ وعَلى الأوَّلَيْنِ الأشْجارُ والفَواكِهُ.
الرحمن 55:64
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ صِفَةٌ لِـ"جَنَّتانِ" وُسِّطَ بَيْنَهُما الِاعْتِراضُ لِما ذُكِرَ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَكْذِيبَ كُلٍّ مِنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ حَقِيقٌ بِالإنْكارِ والتَّوْبِيخِ أيْ: خَضْراوانِ تَضْرِبانِ إلى السَّوادِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الغالِبَ عَلى هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ النَّباتُ والرَّياحِينُ المُنْبَسِطَةُ عَلى وجْهِ الأرْضِ وعَلى الأوَّلَيْنِ الأشْجارُ والفَواكِهُ.
الرحمن 55:65
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ، والنَّضْخُ أكْثَرُ مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ وهو الرَّشُّ.
الرحمن 55:66
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أيْ: فَوّارَتانِ بِالماءِ، والنَّضْخُ أكْثَرُ مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ وهو الرَّشُّ.
الرحمن 55:67
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ عُطِفَ الأخِيرانِ عَلى الفاكِهَةِ عَطْفَ جِبْرِيلَ ومِيكالَ عَلى المَلائِكَةِ بَيانًا لِفَضْلِهِما؛ فَإنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ فاكِهَةٌ وغِذاءٌ والرُّمّانُ فاكِهَةٌ ودَواءٌ، وعَنْ هَذا قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ فاكِهَةً فَأكَلَ رُمّانًا أوْ رُطَبًا لَمْ يَحْنَثْ.
الرحمن 55:68
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ عُطِفَ الأخِيرانِ عَلى الفاكِهَةِ عَطْفَ جِبْرِيلَ ومِيكالَ عَلى المَلائِكَةِ بَيانًا لِفَضْلِهِما؛ فَإنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ فاكِهَةٌ وغِذاءٌ والرُّمّانُ فاكِهَةٌ ودَواءٌ، وعَنْ هَذا قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ فاكِهَةً فَأكَلَ رُمّانًا أوْ رُطَبًا لَمْ يَحْنَثْ.
الرحمن 55:69
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"جَنَّتانِ" كالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها والكَلامُ في جَمِيعِ الضَّمِيرِ كالَّذِي مَرَّ فِيما مَرَّ و"خَيْراتٌ" مُخَفَّفَةٌ مِن خَيِّراتٍ لِأنَّ خَيْرًا الَّذِي بِمَعْنى أخْيَرَ لا يُجْمَعُ، وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ.
﴿حِسانٌ﴾ أيْ: حِسانُ الخَلْقِ والخُلُقِ.
الرحمن 55:70
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"جَنَّتانِ" كالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها والكَلامُ في جَمِيعِ الضَّمِيرِ كالَّذِي مَرَّ فِيما مَرَّ و"خَيْراتٌ" مُخَفَّفَةٌ مِن خَيِّراتٍ لِأنَّ خَيْرًا الَّذِي بِمَعْنى أخْيَرَ لا يُجْمَعُ، وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ.
﴿حِسانٌ﴾ أيْ: حِسانُ الخَلْقِ والخُلُقِ.
الرحمن 55:71
(p-187)﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ﴾ بَدَلٌ مِن "خَيْراتٌ".
﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ قُصِرْنَ في خُدُورِهِنَّ يُقالُ: امْرَأةٌ قَصِيرَةٌ وقَصُورَةٌ أيْ: مُخَدَّرَةٌ أوْ مَقْصُوراتُ الطَّرَفِ عَلى أزْواجِهِنَّ، وقِيلَ: إنَّ الخَيْمَةَ مِن خِيامِهِنَّ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ.
الرحمن 55:72
(p-187)﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ﴾ بَدَلٌ مِن "خَيْراتٌ".
﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ قُصِرْنَ في خُدُورِهِنَّ يُقالُ: امْرَأةٌ قَصِيرَةٌ وقَصُورَةٌ أيْ: مُخَدَّرَةٌ أوْ مَقْصُوراتُ الطَّرَفِ عَلى أزْواجِهِنَّ، وقِيلَ: إنَّ الخَيْمَةَ مِن خِيامِهِنَّ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ.
الرحمن 55:73
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ كالَّذِي مَرَّ في نَظِيرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.
الرحمن 55:74
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ كالَّذِي مَرَّ في نَظِيرِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.
الرحمن 55:75
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نُصْبَ عَلى الِاخْتِصاصِ.
﴿عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ الرَّفْرَفُ: إمّا اسْمُ جِنْسٍ أوِ اسْمُ جَمْعٍ واحِدُهُ رَفْرَفَةٌ، قِيلَ: هو ما تَدَلّى مِنَ الأسِرَّةِ مِن أعالِي الثِّيابِ، وقِيلَ: هو ضَرْبٌ مِنَ البُسُطِ أوِ البُسُطُ، وقِيلَ: الوَسائِدُ، وقِيلَ: النَّمارِقُ، وقِيلَ: كُلُّ ثَوْبٍ عَرِيضٍ رَفْرَفٌ، وقِيلَ: لِأطْرافِ البُسُطِ وفُضُولِ الفُسْطاطِ رَفارِفُ ورَفْرَفُ السَّحابِ هَيْدَبُهُ.
﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ العَبْقَرِيُّ: مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ، تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ اسْمُ بَلَدِ الجِنِّ فَيَنْسُبُونَ إلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ عَجِيبٍ، والمُرادُ بِهِ: الجِنْسُ، ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالجَمْعِ حَمْلًا عَلى المَعْنى كَما في "رَفْرَفٍ" عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وقُرِئَ "عَلى رَفارِفَ خُضُرٍ" بِضَمَّتَيْنِ و"عَباقِرِيَّ" كَمَدائِنِيَّ نِسْبَةً إلى عَباقِرَ في اسْمِ البَلَدِ.
الرحمن 55:76
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نُصْبَ عَلى الِاخْتِصاصِ.
﴿عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ الرَّفْرَفُ: إمّا اسْمُ جِنْسٍ أوِ اسْمُ جَمْعٍ واحِدُهُ رَفْرَفَةٌ، قِيلَ: هو ما تَدَلّى مِنَ الأسِرَّةِ مِن أعالِي الثِّيابِ، وقِيلَ: هو ضَرْبٌ مِنَ البُسُطِ أوِ البُسُطُ، وقِيلَ: الوَسائِدُ، وقِيلَ: النَّمارِقُ، وقِيلَ: كُلُّ ثَوْبٍ عَرِيضٍ رَفْرَفٌ، وقِيلَ: لِأطْرافِ البُسُطِ وفُضُولِ الفُسْطاطِ رَفارِفُ ورَفْرَفُ السَّحابِ هَيْدَبُهُ.
﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ العَبْقَرِيُّ: مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ، تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ اسْمُ بَلَدِ الجِنِّ فَيَنْسُبُونَ إلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ عَجِيبٍ، والمُرادُ بِهِ: الجِنْسُ، ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالجَمْعِ حَمْلًا عَلى المَعْنى كَما في "رَفْرَفٍ" عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وقُرِئَ "عَلى رَفارِفَ خُضُرٍ" بِضَمَّتَيْنِ و"عَباقِرِيَّ" كَمَدائِنِيَّ نِسْبَةً إلى عَباقِرَ في اسْمِ البَلَدِ.
الرحمن 55:77
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ تَنْزِيهٌ وتَقْدِيسٌ لَهُ تَعالى فِيهِ تَقْرِيرٌ لِما ذُكِرَ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن آلائِهِ الفائِضَةِ عَلى الأنامِ أيْ: تَعالى اسْمُهُ الجَلِيلُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما صُدِّرَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنِ اسْمِ الرَّحْمَنِ المُنْبِئِ عَنْ إفاضَتِهِ الآلاءَ المُفَصَّلَةَ وارْتَفَعَ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها جُحُودُ نَعْمائِهِ وتَكْذِيبُها، وإذا كانَ حالُ اسْمِهِ بِمُلامَسَةِ دَلالَتِهِ عَلَيْهِ فَما ظَنُّكَ بِذاتِهِ الأقْدَسِ الأعْلى، وقِيلَ: الِاسْمُ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وقِيلَ: مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: [إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما].
﴿ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ وُصِفَ بِهِ الرَّبُّ تَكْمِيلًا لِما ذُكِرَ مِنَ التَّنْزِيهِ والتَّقْرِيرِ، وقُرِئَ "ذُو الجَلالِ" عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلِاسْمِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الرَّحْمَنِ أدّى شُكْرَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ".»
الرحمن 55:78
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ تَنْزِيهٌ وتَقْدِيسٌ لَهُ تَعالى فِيهِ تَقْرِيرٌ لِما ذُكِرَ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن آلائِهِ الفائِضَةِ عَلى الأنامِ أيْ: تَعالى اسْمُهُ الجَلِيلُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما صُدِّرَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنِ اسْمِ الرَّحْمَنِ المُنْبِئِ عَنْ إفاضَتِهِ الآلاءَ المُفَصَّلَةَ وارْتَفَعَ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها جُحُودُ نَعْمائِهِ وتَكْذِيبُها، وإذا كانَ حالُ اسْمِهِ بِمُلامَسَةِ دَلالَتِهِ عَلَيْهِ فَما ظَنُّكَ بِذاتِهِ الأقْدَسِ الأعْلى، وقِيلَ: الِاسْمُ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وقِيلَ: مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: [إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما].
﴿ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ وُصِفَ بِهِ الرَّبُّ تَكْمِيلًا لِما ذُكِرَ مِنَ التَّنْزِيهِ والتَّقْرِيرِ، وقُرِئَ "ذُو الجَلالِ" عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلِاسْمِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الرَّحْمَنِ أدّى شُكْرَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ".»
الواقعة 56:1
(p-188)سُورَةُ الواقِعَةِ
مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً 81، 82 فَمَدَنِيَّتانِ وآياتُها سِتٌّ وتِسْعُونَ آيَةً
﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: إذا قامَتِ القِيامَةُ وذَلِكَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالواقِعَةِ لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِ وقْعِها لا مَحالَةَ كَأنَّها واقِعَةٌ في نَفْسِها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الوُقُوعِ الواقِعِ في حَيِّزِ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: كانَتِ الكائِنَةُ وحَدَثَتِ الحادِثَةُ، وانْتِصابُ "إذا" بِمُضْمَرٍ يُنْبِئُ عَنِ الهَوْلِ والفَظاعَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ يَكُونُ مِنَ الأهْوالِ ما لا يَفِي بِهِ المَقالُ، وقِيلَ: بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى:
الواقعة 56:2
﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ أيْ: لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى أوْ تَكْذِبُ في نَفْيِها كَما تَكْذِبُ اليَوْمَ واللّامُ كَهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ عَلى أنَّ الكاذِبَةَ مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ أيْ: لَيْسَ لِأجْلِ وقْعَتِها وفي حَقِّها كَذِبٌ أصْلًا بَلْ كُلُّ ما ورَدَ في شَأْنِها مِنَ الأخْبارِ حَقٌّ صادِقٌ لا رَيْبَ فِيهِ.
الواقعة 56:3
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي خافِضَةٌ لِأقْوامٍ رافِعَةٌ لِآخَرِينَ، وهو تَقْرِيرٌ لِعَظَمَتِها وتَهْوِيلٌ لِأمْرِها فَإنَّ الوَقائِعَ العِظامَ شَأْنُها كَذَلِكَ أوْ بَيانٌ لِما يَكُونُ يَوْمَئِذْ مِن حَطِّ الأشْقِياءِ إلى الدَّرَكاتِ ورَفْعِ السُّعَداءِ إلى الدَّرَجاتِ ومِن زَلْزَلَةِ الأشْياءِ وإزالَةِ الأجْرامِ عَنْ مَقارِّها بِنَثْرِ الكَواكِبِ وإسْقاطِ السَّماءِ كِسَفًا وتَسْيِيرِ الجِبالِ في الجَوِّ كالسَّحابِ، وتَقْدِيمُ الخَفْضِ عَلى الرَّفْعِ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْوِيلِ وقُرِئَ "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ "الواقِعَةِ".
الواقعة 56:4
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا بِحَيْثُ يَنْهَدِمُ ما فَوْقَها مِن بِناءٍ وجَبَلٍ، مُتَعَلِّقٌ بِـ"خافِضَةٌ رافِعَةٌ" أيْ: تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ إذْ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ أوْ بَدَلٌ مِن "إذا وقَعَتِ".
الواقعة 56:5
﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ أيْ: فُتِّتَتْ حَتّى صارَتْ (p-189)مَثَلَ السَّوِيقِ المَلْتُوتِ مِن بَسَّ السَّوِيقَ إذا لَتَّهُ أوْ سِيقَتْ وسُيِّرَتْ مِن أماكِنِها مِن بَسَّ الغَنَمَ إذا ساقَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ وقُرِئَ "رُجَّتْ" و"بُسَّتْ" أيِ: ارْتَجَّتْ وذَهَبَتْ.
الواقعة 56:6
﴿فَكانَتْ﴾ أيْ: فَصارَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
﴿هَباءً﴾ غُبارًا.
﴿مُنْبَثًّا﴾ مُنْتَشِرًا.
الواقعة 56:7
﴿وَكُنْتُمْ﴾ إمّا خِطابٌ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ والأُمَمِ السّالِفَةِ تَغْلِيبًا أوْ لِلْحاضِرَةِ.
﴿أزْواجًا﴾ أيْ: أصْنافًا.
﴿ثَلاثَةً﴾ فَكُلُّ صِنْفٍ يَكُونُ مَعَ صِنْفٍ آخَرَ في الوُجُودِ أوْ في الذِّكْرِ فَهو زَوْجٌ.
الواقعة 56:8
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ تَقْسِيمٌ وتَنْوِيعٌ لِلْأزْواجِ الثَّلاثَةِ مَعَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى أحْوالِهِمْ قَبْلَ تَفْصِيلِها فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ خَبَرُهُ عَلى أنَّ "ما" الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ ما بَعْدَهُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ والأصْلُ ما هُمْ؟ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ؟ فَإنَّ "ما" وإنْ شاعَتْ في طَلَبِ مَفْهُومِ الِاسْمِ والحَقِيقَةِ لَكِنَّها قَدْ يُطْلَبُ بَها الصِّفَةُ والحالُ تَقُولُ: ما زَيْدٌ؟ فَيُقالُ: عالِمٌ أوْ طَبِيبٌ، فَوَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في التَّفْخِيمِ وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ والمُرادُ: تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن شَأْنِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في غايَةِ حُسْنِ الحالِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ سُوءِ الحالِ وتَكَلَّمُوا في الفَرِيقَيْنِ فَقِيلَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ المَنزِلَةِ الدَّنِيَّةِ أخْذًا مِن تَيَمُّنِهِمْ بِالمَيامِنِ وتَشاؤُمِهِمْ بِالشَّمائِلِ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ والَّذِينَ يُؤْتَوْنَها بِشَمائِلِهِمْ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ والَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ، وقِيلَ: أصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشُّؤْمِ فَإنَّ السُّعَداءَ مَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِطاعَتِهِمْ والأشْقِياءُ مَشائِيمُ عَلَيْها بِمَعاصِيهِمْ.
الواقعة 56:9
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ تَقْسِيمٌ وتَنْوِيعٌ لِلْأزْواجِ الثَّلاثَةِ مَعَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى أحْوالِهِمْ قَبْلَ تَفْصِيلِها فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ خَبَرُهُ عَلى أنَّ "ما" الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ ما بَعْدَهُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ والأصْلُ ما هُمْ؟ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ؟ فَإنَّ "ما" وإنْ شاعَتْ في طَلَبِ مَفْهُومِ الِاسْمِ والحَقِيقَةِ لَكِنَّها قَدْ يُطْلَبُ بَها الصِّفَةُ والحالُ تَقُولُ: ما زَيْدٌ؟ فَيُقالُ: عالِمٌ أوْ طَبِيبٌ، فَوَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في التَّفْخِيمِ وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ والمُرادُ: تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن شَأْنِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في غايَةِ حُسْنِ الحالِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ سُوءِ الحالِ وتَكَلَّمُوا في الفَرِيقَيْنِ فَقِيلَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ المَنزِلَةِ الدَّنِيَّةِ أخْذًا مِن تَيَمُّنِهِمْ بِالمَيامِنِ وتَشاؤُمِهِمْ بِالشَّمائِلِ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ والَّذِينَ يُؤْتَوْنَها بِشَمائِلِهِمْ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ والَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ، وقِيلَ: أصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشُّؤْمِ فَإنَّ السُّعَداءَ مَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِطاعَتِهِمْ والأشْقِياءُ مَشائِيمُ عَلَيْها بِمَعاصِيهِمْ.
الواقعة 56:10
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ هو القِسْمُ الثّالِثُ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ ذِكْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أسْبَقَ الأقْسامِ وأقْدَمَهم في الفَضْلِ لِيَقْتَرِنَ ذِكْرُهم بِبَيانِ مَحاسِنِ أحْوالِهِمْ عَلى أنَّ إيرادَهم بِعُنْوانِ السَّبْقِ مُطْلَقًا مُعْرِبٌ عَنْ إحْرازِهِمْ لِقَصَبِ السَّبْقِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وتَكَلَّمُوا فِيهِمْ أيْضًا فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ عِنْدَ ظُهُورِ الحَقِّ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَوانٍ، وقِيلَ: الَّذِينَ سَبَقُوا في حِيازَةِ الفَضائِلِ والكَمالاتِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾، وقِيلَ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وقِيلَ: المُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأيًّا ما كانَ؛ فالجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، (p-190)والمَعْنى: والسّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتَهَرَتْ أحْوالُهم وعُرِفَتْ مَحاسِنُهم كَقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: [أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي] وفِيهِ تَفْخِيمُ شَأْنِهِمْ والإيذانُ بِشُيُوعِ فَضْلِهِمْ واسْتِغْنائِهِمْ عَنِ الوَصْفِ بِالجَمِيلِ ما لا يَخْفى. وقِيلَ: والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى السّابِقُونَ إلى رَحْمَتِهِ أوِ السّابِقُونَ إلى الخَيْرِ والسّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ.
الواقعة 56:11
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ النَّعْتِ الجَلِيلِ.
﴿المُقَرَّبُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ قُرِّبَتْ إلى العَرْشِ العَظِيمِ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم ورَقِيَتْ إلى حَظائِرِ القُدْسِ نُفُوسُهُمُ الزَّكِيَّةُ هَذا أظْهَرُ ما ذُكِرَ في إعْرابِ هَذِهِ الجُمَلِ وأشْهَرُهُ والَّذِي تَقْتَضِيِهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ﴾ فَإنَّ المُتَرَقَّبَ عِنْدَ بَيانِ انْقِسامِ النّاسِ إلى الأقْسامِ الثَّلاثَةِ بَيانُ أنْفَسِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ وأمّا أوْصافُها وأحْوالُها فَحَقُّها أنَّ تُبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإسْنادِها إلَيْها والتَّقْدِيرُ: فَأحَدُها أصْحابُ المَيْمَنَةِ والآخَرُ أصْحابُ المَشْأمَةِ والثّالِثُ: السّابِقُونَ خَلا أنَّهُ لَمّا أُخِّرَ بَيانُ أحْوالِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ عُقِّبَ كُلٌّ مِنهُما بِجُمْلَةٍ مُعْتَرِضَةٍ بَيْنَ القِسْمَيْنِ مُنْبِئَةٍ عَنْ تَرامِي أحْوالِهِما في الخَيْرِ والشَّرِّ إنْباءً إجْمالِيًّا مُشْعِرًا بِأنَّ لِأحْوالٍ كُلٍّ مِنهُما تَفْصِيلًا مُتَرَقَّبًا لَكِنْ لا عَلى أنَّ "ما" الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَها خَبَرٌ، عَلى ما رَآهُ سِيبَوَيْهِ في أمْثالِهِ بَلْ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِما بَعْدَها فَإنَّ مَناطَ الإفادَةِ بَيانُ أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ أمْرٌ بَدِيعٌ كَما يُفِيدُهُ كَوْنُ "ما" خَبَرًا إلّا بَيانُ أنَّ أمْرًا بَدِيعًا أصْحابُ المَيْمَنَةِ كَما يُفِيدُهُ كَوْنُها مُبْتَدَأً وكَذا الحالُ فى "أصْحابُ المَشْأمَةِ" وأمّا القِسْمُ الأخِيرُ فَحَيْثُ قُرِنَ بَيانُ مَحاسِنِ أحْوالِهِ بِذِكْرِهِ لَمْ يُحْتَجْ فِيهِ إلى تَقْدِيمِ الأُنْمُوذَجِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿السّابِقُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّفْخِيمِ و"أُولَئِكَ" مُبْتَدَأٌ ثانٍ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ لَهُ أوِ الثّانِي والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْأوَّلِ.
الواقعة 56:12
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"المُقَرَّبُونَ" أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: كائِنِينَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وقِيلَ: خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ وفِيهِ أنَّ الإخْبارَ بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ، وقُرِئَ "فِي جَنَّةِ النَّعِيمِ".
الواقعة 56:13
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم أُمَّةٌ جَمَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وهُمُ الأُمَمُ السّالِفَةُ مِن لَدُنِ آدَمَ إلى نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَلى مَن بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ العِظامِ.
الواقعة 56:14
﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ ولا يُخالِفُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿إنَّ أُمَّتِي يَكْثُرُونَ (p-191)سائِرَ الأُمَمِ﴾ فَإنَّ أكْثَرِيَّةَ سابِقِي الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ لا تَمْنَعُ أكْثَرِيَّةَ تابِعِي هَؤُلاءِ مِن تابِعِي أُولَئِكَ ولا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ لِأنَّ كَثْرَةَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في أنْفُسِهِما لا تُنافِي أكْثَرِيَّةَ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ وسَيَأْتِي أنَّ الثُّلُثَيْنِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا أنَّ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ هَهُنا أيْضًا مُتَقَدِّمُو هَذِهِ الأُمَّةِ ومُتَأخِّرُوهم واشْتِقاقُ الثُّلَّةِ مِنَ الثِّلِ وهو الكَسْرُ.
الواقعة 56:15
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ حالٌ أُخْرى مِنَ "المُقَرَّبِينَ" أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في الحالِ الأُولى وقِيلَ: خَبَرٌ آخَرُ لِلضَّمِيرِ و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِالذَّهَبِ مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ المُتَواصِلَةُ مِنَ الوَضْنِ وهو النَّسْجُ.
الواقعة 56:16
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيما تَعَلَّقَ بِهِ عَلى سُرُرٍ أيْ: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم مِن أقْفاءِ بَعْضٍ، وهو وصْفٌ لَهم بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ والآدابِ.
الواقعة 56:17
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ أُخْرى أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ: يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ.
﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أيْ: مُبْقَوْنَ أبَدًا عَلى شَكْلِ الوِلْدانِ وطَرَواتِهِمْ لا يَتَحَوَّلُونَ عَنْها، وقِيلَ: مُقْرَطُونَ والخُلْدُ: القِرْطُ، قِيلَ: هم أوْلادُ أهْلِ الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهم حَسَناتٌ فَيُثابُوا عَلَيْها ولا سَيِّئاتٌ فَيُعاقَبُوا عَلَيْها، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعَنِ الحَسَن ِ رَحِمَهُ اللَّهُ وفي الحَدِيثِ « "أوْلادُ الكُفّارِ خُدّامُ أهْلِ الجَنَّةِ".»
الواقعة 56:18
﴿بِأكْوابٍ﴾ بِآنِيَةٍ لا عُرى لَها ولا خَراطِيمُ.
﴿وَأبارِيقَ﴾ أيْ: آنِيَةٌ ذاتُ عُرًى وخَراطِيمَ.
﴿وَكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ مِنَ العُيُونِ، قِيلَ: إنَّما أفْرَدَ الكَأْسَ لِأنَّها لا تُسَمّى كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ مَمْلُوءَةً.
الواقعة 56:19
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ: بِسَبَبِها وحَقِيقَتُهُ لا يَصْدُرُ صُداعُهم عَنْها، وقُرِئَ "لا يُصَدَّعُونَ" أيْ: لا يَتَصَدَّعُونَ ولا يَتَفَرَّقُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ وقُرِئَ "لا يَصَّدَّعُونَ" أيْ: لا يُفَرِّقُ بَعْضُهم بَعْضًا.
﴿وَلا يُنْزِفُونَ﴾ أيْ: لا يَسْكَرُونَ مِن أنْزَفَ الشّارِبُ إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ.
الواقعة 56:20
﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ: يَخْتارُونَهُ و"يَأْخُذُونَ" خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ.
الواقعة 56:21
﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ: يَتَمَنَّوْنَ، وقُرِئَ "وَلُحُومِ طَيْرٍ".
الواقعة 56:22
(p-192)﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى "وِلْدانٌ" أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ: وفِيها أوْ لَهم حُورٌ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى "جَنّاتِ النَّعِيمِ" كَأنَّهُ قِيلَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ أوْ عَلى أكْوابٍ، لِأنَّ مَعْنى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأكْوابٍ: يُنَعَّمُونَ بِأكْوابٍ وبِالنَّصْبِ أيْ: ويُؤْتَوْنَ حُورًا.
الواقعة 56:23
﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ صِفَةٌ لِـ"حُورٌ" أوْ حالٌ.
الواقعة 56:24
﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ جَزاءً بِأعْمالِهِمْ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: يُجْزَوْنَ جَزاءً.
الواقعة 56:25
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ أيْ: باطِلًا.
﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أيْ: و"لا" نِسْبَةً إلى الإثْمِ أيْ: لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ ولا سَماعَ كَقَوْلِهِ:
وَلا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
الواقعة 56:26
﴿إلا قِيلا﴾ أيْ: قَوْلًا.
﴿سَلامًا سَلامًا﴾ بَدَلٌ مِن قِيلًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا﴾ أوْ صِفَتُهُ أوْ مَفْعُولُهُ بِمَعْنى: لا يَسْمَعُونَ فِيها إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى: أنَّهم يُفْشُونَ السَّلامَ فَيُسَلِّمُونَ سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ أوْ لا يَسْمَعُ كُلٌّ مِنَ المُسَلِّمِ والمُسَلَّمِ عَلَيْهِ إلّا سْلامَ الآخَرِ بَدْءًا أوْ رَدًّا، وقُرِئَ "سَلامٌ سَلامٌ" عَلى الحِكايَةِ.
الواقعة 56:27
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ عِنْدَ التَّقْسِيمِ مِن شُؤُونِهِمُ الفاضِلَةِ إثْرَ تَفْصِيلِ شُؤُونِ السّابِقِينَ وهو مُبْتَدَأُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَسُوقَةٌ لِتَفْخِيمِهِمْ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ وقَدْ عَرَفْتَ كَيْفِيَّةَ سَبْكِها مَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ أوْ مُعْتَرِضَةٌ لا مَحَلَّ لَها والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى:
الواقعة 56:28
﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَإ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ أيْ: هم في سِدْرٍ غَيْرِ ذِي شَوْكٍ لا كَسِدْرِ الدُّنْيا وهو شَجَرُ النَّبْقِ كَأنَّهُ خُضِّدَ شَوْكُهُ أيْ: قُطِعَ، وقِيلَ: مَخْضُودٌ أيْ: مَثْنِيٌّ أغْصانُهُ لِكَثْرَةِ حَمْلِهِ مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا ثَناهُ وهو رَطْبٌ.
الواقعة 56:29
﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ قَدْ نُضِّدَ حَمْلُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ لَيْسَتْ لَهُ ساقٌ بارِزَةٌ وهو شَجَرُ (p-193)المَوْزِ وأُمِّ غِيلانَ ولَهُ أنْوارٌ كَثِيرَةٌ مُنْتَظِمَةٌ طَيِّبَةُ الرّائِحَةِ، وعَنِ السُّدِّيِّ شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ، وعَنْ عَلِّيٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ "وَطَلْعٍ" وما شَأْنُ الطَّلْحِ، وقَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ فَقِيلَ: أوَ نُحَوِّلُها، قالَ: آيُ القرآن لا تُهاجُ ولا تَحَوُّلُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُهُ.
الواقعة 56:30
﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ مُمْتَدٍّ مُنْبَسِطٍ لا يَتَقَلَّصُ ولا يَتَعاوَنُ كَظِلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ.
الواقعة 56:31
﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ يُسْكَبُ لَهم أيْنَما شاؤُوا وكَيْفَما أرادُوا بِلا تَعَبٍ أوْ مَصْبُوبٍ سائِلٍ يَجْرِي عَلى الأرْضِ في غَيْرِ أُخْدُودٍ كَأنَّهُ مَثَّلَ حالَ السّابِقِينَ بِأقْصى ما يُتَصَوَّرُ لِأهْلِ المُدُنِ، وقالَ أصْحابُ اليَمِينِ بِأكْمَلِ ما يُتَصَوَّرُ لِأهْلِ البَوادِي إيذانًا بِالتَّعاوُنِ بَيْنَ الحالَيْنِ.
الواقعة 56:32
﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ بِحَسَبِ الأنْواعِ والأجْناسِ.
الواقعة 56:33
﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ كَفَواكِهِ الدُّنْيا.
﴿وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ مِن مُتَناوِلِيها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لا يُحْظَرُ عَلَيْها كَما يُحْظَرُ عَلى بَساتِينِ الدُّنْيا، وقُرِئَ "فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى "وَهُناكَ فاكِهَةٌ" ...إلَخْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ .
الواقعة 56:34
﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أيْ: رَفِيعَةُ القَدْرِ أوْ مُنَضَّدَةٍ مُرْتَفِعَةٍ أوْ مَرْفُوعَةٍ عَلى الأسِرَّةِ، وقِيلَ: الفُرُشُ النِّساءُ حَيْثُ يُكْنى بِالفِراشِ عَنِ المَرْأةِ وارْتِفاعُها كَوْنُهُنَّ عَلى الأرائِكِ، قالَ تَعالى: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
الواقعة 56:35
﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ وعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ أُضْمِرَ لَهُنَّ لِدَلالَةِ ذِكْرِ الفُرُشِ الَّتِي هي المَضاجِعُ عَلَيْهِنَّ دَلالَةً بَيِّنَةً، والمَعْنى: ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا أوْ أبْدَعْناهُنَّ مِن غَيْرِ وِلادٍ إبْداءً أوْ إعادَةً، وفي الحَدِيثِ « "هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في دارِ الدُّنْيا عَجائِزَ شُمْطًا رُمْصًا جَعَلَهُنَّ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ الكِبَرِ أتْرابًا عَلى مِيلادٍ واحِدٍ في الِاسْتِواءِ كُلَّما أتاهُنَّ أزْواجُهُنَّ وجَدُوهُنَّ أبْكارًا".»
الواقعة 56:36
﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُرُبًا﴾ (p-194)جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها الحَسَنَةُ التَّبَعُّلِ، وقُرِئَ "عُرْبًا" بِسُكُونِ الرّاءِ.
﴿أتْرابًا﴾ مُسْتَوَياتٍ في السِّنِّ بَناتِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وكَذا أزْواجُهُنَّ.
الواقعة 56:37
﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُرُبًا﴾ (p-194)جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها الحَسَنَةُ التَّبَعُّلِ، وقُرِئَ "عُرْبًا" بِسُكُونِ الرّاءِ.
﴿أتْرابًا﴾ مُسْتَوَياتٍ في السِّنِّ بَناتِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وكَذا أزْواجُهُنَّ.
الواقعة 56:38
واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"أنْشَأْنا" أوْ "جَعَلْنا" أوْ بِـ"أتْرابًا" كَقَوْلِكَ: هَذا تِرْبٌ لِهَذا أيْ: مُساوٍ لَهُ في السِّنِّ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِـ"أبْكارًا" أيْ: كائِناتٍ لِأصْحابِ اليَمِينِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ، وقِيلَ: خَبَرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى:
الواقعة 56:39
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهو بَعِيدٌ بَلْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ خُتِمَتْ بِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ أيْ: هم أمَةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وأمَةٌ مِنَ الآخِرِينَ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِما، وعَنْ أبِي العالِيَةِ ومُجاهِد ٍ وعَطاءٍ والضَّحّاكِ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ أيْ: مِن سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ في آخِرِ الزَّمانِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "هم جَمِيعًا مِن أُمَّتِي".»
الواقعة 56:40
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهو بَعِيدٌ بَلْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ خُتِمَتْ بِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ أيْ: هم أمَةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وأمَةٌ مِنَ الآخِرِينَ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِما، وعَنْ أبِي العالِيَةِ ومُجاهِد ٍ وعَطاءٍ والضَّحّاكِ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ أيْ: مِن سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ في آخِرِ الزَّمانِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "هم جَمِيعًا مِن أُمَّتِي".»
الواقعة 56:41
﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْوالِهِمُ الَّتِي أُشِيرَ عِنْدَ التَّنْوِيعِ إلى هَوْلِها وفَظاعَتِها بَعْدَ تَفْصِيلِ حُسْنِ حالِ أصْحابِ اليَمِينِ والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ عَيْنُ ما فُصِّلَ في نَظِيرِهِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى:
الواقعة 56:42
﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ والسَّمُومُ حَرُّ نارٍ يَنْفُذُ في المَسامِّ والحَمِيمُ: الماءُ المُتَناهِي في الحَرارَةِ.
الواقعة 56:43
﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ مِن دُخانٍ أسْوَدَ بَهِيمٍ.
الواقعة 56:44
﴿لا بارِدٍ﴾ كَسائِرِ الظِّلالِ.
﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ فِيهِ خَيْرُ ما في الجُمْلَةِ سُمِّيَ ذَلِكَ ظِلًّا ثُمَّ نُفِي عَنْهُ وصَفاهُ البَرْدُ والكَرَمُ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ عَنْ دَفْعِ أذى الحَرِّ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ لَيْسَ بِظِلٍّ، وقُرِئَ "لا بارِدٌ ولا كَرِيمٌ" بِالرَّفْعِ أيْ: لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ.
الواقعة 56:45
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِابْتِلائِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ أيْ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ما ذُكِرَ مِن سُوءِ العَذابِ في الدُّنْيا مُنَعَّمِينَ بِأنْواعِ النِّعَمِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ والمَقاماتِ الكَرِيمَةِ مُنْهَمِكِينَ في الشَّهَواتِ فَلا جَرَمَ عُذِّبُوا (p-195)بِنَقائِضِها.
الواقعة 56:46
﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ أيْ: الذَّنْبِ العَظِيمِ الَّذِي هو الشِّرْكُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: بَلَغَ الغُلامُ الحِنْثَ أيِ: الحُلُمَ، ووَقْتَ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ.
الواقعة 56:47
﴿وَكانُوا يَقُولُونَ﴾ لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ.
﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ: كانَ بَعْضُ أجْزائِنا مِنَ اللَّحْمِ والجِلْدِ تُرابًا وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً، وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِعَراقَتِهِ في الِاسْتِبْعادِ وانْقِلابِهِ مِنَ الأجْزاءِ البادِيَةِ و"إذا" مُتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ لا نَفْسُهُ لِأنَّ ما بَعْدَ "إنَّ" واللّامِ والهَمْزَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها وهو نُبْعَثُ وهو المَرْجِعُ لِلْإنْكارِ وتَقْيِيدُهُ بِالوَقْتِ المَذْكُورِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ إنْكارِهِ بِهِ فَإنَّهم مُنْكِرُونَ لِلْإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ وإنْ كانَ البَدَنُ عَلى حالِهِ بَلْ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ لِلْبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلَيْهِ في حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ، وتَكْرِيرُ الهَمْزَةِ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِـ"إنَّ" لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ فَإنَّ تَقْدِيمَ الهَمْزَةِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ: " أفَلا تَعْقِلُونَ " عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ، فَإنَّ المَعْنى عِنْدَهم تَعْقِيبُ الإنْكارِ لا إنْكارُ التَّعْقِيبِ كَما هو المَشْهُورُ ولَيْسَ مَدارُ إنْكارِهِمْ كَوْنَهم ثابِتِينَ في المَبْعُوثِيَّةِ بِالفِعْلِ في حالِ كَوْنِهِمْ تُرابًا وعِظامًا بَلْ كَوْنُهم بِعَرَضِيَّةِ ذَلِكَ واسْتِعْدادِهِمْ لَهُ، ومَرْجِعُهُ إلى إنْكارِ البَعْثِ بَعْدَ تِلْكَ الحالَةِ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
الواقعة 56:48
وَتَكْرِيرُ الهَمْزَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى المُسْتَكِنِّ في "لَمَبْعُوثُونَ" وحَسَّنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِالهَمْزَةِ يَعْنُونَ أنَّ بَعْثَ آبائِهِمُ الأوَّلِينَ أبْعَدُ مِنَ الوُقُوعِ، وقُرِئَ "أوْ آباؤُنا".
الواقعة 56:49
﴿قُلْ﴾ رَدًّا لْإنْكارِهِمْ وتَحَقُّقًا لِلْحَقِّ.
﴿إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ أنْتُمْ وآباؤُكُمْ، وفي تَقْدِيمِ الأوَّلِينَ مُبالَغَةٌ في الرَّدِّ حَيْثُ كانَ إنْكارُهم لِبَعْثِ آبائِهِمْ أشَدَّ مِن إنْكارِهِمْ لِبَعْثِهِمْ مَعَ مُراعاةِ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ.
الواقعة 56:50
( لَمَجْمُوعُونَ ) بَعْدَ البَعْثِ، وقُرِئَ "لَمُجْمَعُونَ".
﴿إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إلى ما وُقِّتَتْ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى "مِن" كَخاتَمِ فِضَّةٍ.
الواقعة 56:51
﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَطْفٌ عَلى أنَّ الأوَّلِينَ داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي زَمانًا أوْ رُتْبَةً.
﴿المُكَذِّبُونَ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ، والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ وأضْرابِهِمْ.(p-196)
الواقعة 56:52
﴿لآكِلُونَ﴾ بُعْدَ البَعْثِ والجَمْعِ ودُخُولِ جَهَنَّمَ.
﴿مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ "مِن" الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ والثّانِيَةُ لِبَيانِ الشَّجَرِ وتَفْسِيرِهِ أيْ: مُبْتَدِئُونَ الأكْلَ مِن شَجَرٍ هو زَقُّومٌ، وقِيلَ: "مِن" الثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو وصْفٌ لِـ"شَجَرٍ" أيْ: كائِنٍ مِن زَقُّومٍ.
الواقعة 56:53
﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ أيْ: بُطُونَكم مِن شِدَّةِ الجُوعِ.
الواقعة 56:54
﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ بِلا رَيْثٍ ﴿مِنَ الحَمِيمِ﴾ أيِ: الماءُ الحارُّ في الغايَةِ، وتَأْنِيثُ ضَمِيرِ الشَّجَرِ أوَّلًا وتَذْكِيرُهُ ثانِيًا بِاعْتِبارِ المَعْنى واللَّفْظِ، وقُرِئَ "مِن شَجَرَةٍ" فَضَمِيرُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِلزَّقُّومِ، وقِيلَ: لِلْآكِلِ.
الواقعة 56:55
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ أيْ: لا يَكُونُ شُرْبُكم شُرْبًا مُعْتادًا بَلْ يَكُونُ مِثْلَ شُرْبِ الهِيمِ وهي الإبِلُ الَّتِي بِها الهُيامُ وهو داءٌ يُصِيبُها فَتَشْرَبُ ولا تُرْوى، جَمْعُ أهِيمَ وهَيْماءَ، وقِيلَ: الهِيمُ: الرِّمالُ عَلى أنَّهُ جَمْعُ الهَيامِ بِفَتْحِ الهاءِ وهو الرَّمْلُ الَّتِي لا يَتَماسَكُ، جُمِعَ عَلى فُعُلٍ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أبْيَضَ، والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ والتِهابِ النّارِ في أحْشائِهِمْ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي هو كالمُهْلِ فَإذا مَلَئُوا مِنهُ بُطُونَهم وهو في غايَةِ الحَرارَةِ والمَرارَةِ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يَقْطَعُ أمْعاءَهم فَيَشْرَبُونَ شُرْبَ الهِيمِ، وقُرِئَ "شَرْبَ الهِيمِ " بِالفَتْحِ وهو أيْضًا مَصْدَرٌ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ اسْمُ المَشْرُوبِ.
الواقعة 56:56
﴿هَذا﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أنْواعِ العَذابِ.
﴿نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ أيْ: يَوْمَ الجَزاءِ فَإذا كانَ ذَلِكَ نُزُلُهم وهو ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِمّا حَضَرَ فَما ظَنُّكَ بِما لَهم بَعْدَ ما اسْتَقَرَّ لَهُمُ القَرارُ واطْمَأنَّتْ بِهِمُ الدّارُ في النّارِ، وفِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ ما لا يَخْفى وقُرِئَ "نُزْلُهُمْ" بِسُكُونِ الزّايِ تَخْفِيفًا والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِطَرِيقِ الفَذْلَكَةِ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الكَلامِ المُلَقَّنِ غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ القَوْلِ.
الواقعة 56:57
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ التَّحْضِيضِ عَلى ما قَبْلَها أيْ: فَهَلّا تُصَدِّقُونَ بِالخَلْقِ فَإنَّ ما لا يُحَقِّقُهُ العِلْمُ ولا يُساعِدُهُ بَلْ يُنْبِئُ عَنْ خِلافِهِ لَيْسَ مِنَ التَّصْدِيقِ في شَيْءٍ، وقِيلَ: بِالبَعْثِ اسْتِدْلالًا عَلَيْهِ بِالإنْشاءِ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلَيْهِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ حَتْمًا والأوَّلُ هو الوَجْهُ كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا.(p-197)
الواقعة 56:58
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ أيْ: تَقْذِفُونَ في الأرْحامِ مِنَ النُّطَفِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ مِن مَنى النُّطْفَةَ بِمَعْنى: أمْناها.
الواقعة 56:59
﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أيْ: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ بَشَرًا سَوِيًّا.
﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَهُ مِن غَيْرِ دَخْلِ شَيْءٍ فِيهِ و"أمْ" قِيلَ: مُنْقَطِعَةٌ لِأنَّ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ فالمَعْنى: بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ، وقِيلَ: مُتَّصِلَةٌ ومَجِيءُ "الخالِقُونَ" بَعْدَ "نَحْنُ" بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ لا بِطَرِيقِ الخَبَرِيَّةِ أصالَةً.
الواقعة 56:60
﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ: قَسَّمْناهُ عَلَيْكم ووَقَّتْنا مَوْتَ كُلِّ أحَدٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُنا المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، وقُرِئَ "قَدَرْنا" مُخَفَّفَةً.
﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ: إنّا قادِرُونَ.
الواقعة 56:61
﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ لا يَغْلِبُنا أحَدٌ عَلى أنْ نُذْهِبَكم ونَأْتَيَ مَكانَكم أشْباهَكم مِنَ الخَلْقِ.
﴿وَنُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الخَلْقِ والأطَوارِ وتَعْهَدُونَ بِمِثْلِها قالَ الحَسَن ُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أيْ: نَجْعَلُكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وقِيلَ: المَعْنى: ونُنْشِئَكم في البَعْثِ عَلى غَيْرِ صُوَرِكم في الدُّنْيا فَمَن هَذا شَأْنُهُ كَيْفَ يَعْجِزُ عَنْ إعادَتِكم. وقِيلَ: المَعْنى: وما يَسْبِقُنا أحَدٌ فَيَهْرُبُ مِنَ المَوْتِ أوْ يُغَيِّرُ وقْتَهُ و"عَلى أنْ نُبَدِّلَ" ...إلَخْ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ "قَدَّرْنا" أوْ عِلَّةٌ لِلتَّقْدِيرِ و"عَلى" بِمَعْنى اللّامِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
الواقعة 56:62
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ هي خَلْقُهم مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ، وقِيلَ: هي فِطْرَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التُّرابِ.
﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ فَهَلّا تَتَذَكَّرُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلَيْها قَدَرَ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى حَتْمًا فَإنَّهُ أقَلُّ صُنْعًا لِحُصُولِ المَوادِّ وتَخَصُّصِ الأجْزاءِ وسَبْقِ المِثالِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ القِياسِ، وقُرِئَ "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مِنَ الثُّلاثِيِّ وفي الخَبَرِ " عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُكَذِّبِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ وهو يَرى النَّشْأةَ الأوْلى وعَجَبًا لِلْمُصَدِّقِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ.
الواقعة 56:63
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ أيْ: تَبْذُرُونَ حَبَّهُ وتَعْمَلُونَ في أرْضِهِ.
الواقعة 56:64
﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ تُنْبِتُونَهُ وتَرُدُّونَهُ نَباتًا يَرِفُّ.
﴿أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ أيِ: المُنْبِتُونَ لا أنْتُمْ، والكَلامُ في "أمْ" كَما مَرَّ آنِفًا.
الواقعة 56:65
﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ هَشِيمًا مُتَكَسِّرًا مُتَفَتِّتًا بَعْدَ ما أنْبَتْناهُ وصارَ بِحَيْثُ طَمِعْتُمْ في حِيازَةِ غِلالِهِ.
(p-198)﴿فَظَلْتُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
﴿تَفَكَّهُونَ﴾ تَتَعَجَّبُونَ مِن سُوءِ حالِهِ إثْرَ ما شاهَدْتُمُوهُ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الحالِ أوْ تَنْدَمُونَ عَلى ما تَعِبْتُمْ فِيهِ وأنْفَقْتُمْ عَلَيْهِ أوْ عَلى ما اقْتَرَفْتُمْ لِأجْلِهِ مِنَ المَعاصِي فَتَتَحَدَّثُونَ فِيهِ، والتَّفَكُّهِ التَّنَقُّلُ بِصُنُوفِ الفاكِهَةِ وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلتَّنَقُّلِ بِالحَدِيثِ، وقُرِئَ "تَفَكَّنُونَ" أيْ: تَتَنَدَّمُونَ وقُرِئَ "فَظِلْتُمْ" بِالكَسْرِ و"فَظَلِلْتُمْ" عَلى الأصْلِ.
الواقعة 56:66
﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أيْ: لَمُلْزَمُونَ غَرامَةَ ما أنْفَقْنا أوْ مُهْلَكُونَ بِهَلاكِ رِزْقِنا مِنَ الغَرامِ وهو الهَلاكُ، وقُرِئَ "أئِنّا" عَلى الِاسْتِفْهامِ والجُمْلَةُ عَلى القِراءَتَيْنِ مُقَدَّرَةٌ بِقَوْلٍ هو في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ "تَفَكَّهُونَ" أيْ: قائِلِينَ أوْ تَقُولُونَ إنّا لَمُغْرَمُونَ.
الواقعة 56:67
﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حُرِمْنا رِزْقَنا أوْ مُحارَفُونَ مُحْدُودُونَ لاحَظَّ لَنا ولا بَخْتَ لا مَجْدُودُونَ.
الواقعة 56:68
﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ عَذْبًا فُراتًا، وتَخْصِيصُ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَثْرَةِ مَنافِعِهِ لِأنَّ الشُّرْبَ أهَمُّ المَقاصِدِ المَنُوطَةِ بِهِ.
الواقعة 56:69
﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ أيْ: مِنَ السَّحابِ واحِدُهُ مُزْنَةٌ، وقِيلَ: هو السَّحابُ الأبْيَضُ وماؤُهُ أعْذَبُ.
﴿أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ لَهُ بِقُدْرَتِنا.
الواقعة 56:70
﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ مِلْحًا زُعاقًا لا يُمْكِنُ شُرْبُهُ، وحَذْفُ اللّامِ هَهُنا مَعَ إثْباتِها في الشَّرْطِيَّةِ الأُولى لِلتَّعْوِيلِ عَلى عِلْمِ السّامِعِ أوِ الفَرْقِ بَيْنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ في الأهَمِّيَّةِ وصُعُوبَةِ الفَقْدِ والشَّرْطِيَّتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ مَسُوقَتانِ لِبَيانِ أنَّ عِصْمَتَهُ تَعالى لِلزَّرْعِ والماءِ عَمّا يُخِلُّ بِالتَّمَتُّعِ بِهِما نِعْمَةٌ أُخْرى بَعْدَ نِعْمَةِ الإنْباتِ والإنْزالِ مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ تَحْضِيضٌ عَلى شُكْرِ الكُلِّ.
الواقعة 56:71
﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ: تَقْدَحُونَها وتَسْتَخْرِجُونَها مِنَ الزِّنادِ.
الواقعة 56:72
﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾ الَّتِي مِنها الزِّنادُ وهي المَرْخُ والعَفارُ.
﴿أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ لَها بِقُدْرَتِنا والتَّعْبِيرُ عَنْ خَلْقِها بِالإنْشاءِ المُنْبِئِ عَنْ بَدِيعِ الصُّنْعِ المُعْرِبِ عَنْ كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الغَرابَةِ الفارِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ الشَّجَرِ الَّتِي لا تَخْلُو عَنِ النّارِ حَتّى قِيلَ في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ كَما أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ نَفْخِ الرُّوحِ بِالإنْشاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ لِذَلِكَ.(p-199)
الواقعة 56:73
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾
وقوله ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَنافِعِها أيْ: جَعَلْناها تَذْكِيرًا لِنارِ جَهَنَّمَ حَيْثُ عَلَّقْنا بِها أسْبابَ المَعاشِ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَذْكُرُوا ما وُعِدُوا بِهِ مِن نارِ جَهَنَّمَ أوْ تَذْكِرَةً وأُنْمُوذَجًا مِن نارِ جَهَنَّمَ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "نارُكم هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُها بَنُو آدَمَ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ"،» وقِيلَ: تَبْصِرَةً فى أمْرِ البَعْثِ فَإنَّهُ لَيْسَ بِأبْدَعَ مِن إخْراجِ النّارِ مِنَ الشَّيْءِ الرَّطْبِ.
﴿وَمَتاعًا﴾ ومَنفَعَةً.
﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلَّذِينِ يَنْزِلُونَ القَواءَ وهي القَفْرُ وتَخْصِيصُهم بِذَلِكَ لِأنَّهم أحْوَجُ إلَيْها فَإنَّ المُقِيمِينَ أوِ النّازِلِينَ بِقُرْبٍ مِنهم لَيْسُوا بِمُضْطَرِّينَ إلى الِاقْتِداحِ بِالزِّنادِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُقْوِينَ الَّذِينَ خَلَتْ بُطُونُهم ومَزاوِدُهم مِنَ الطَّعامِ وهو بَعِيدٌ لِعَدَمِ انْحِصارِ ما يُهِمُّهم ويَسُدُّ خَلَلَهم فِيما لا يُؤْكَلُ إلّا بِالطَّبْخِ وتَأْخِيرُ هَذِهِ المَنفَعَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الأهَمَّ هو النَّفْعُ الأُخْرَوِيُّ.
الواقعة 56:74
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما عُدِّدَ مِن بَدائِعِ صُنْعِهِ تَعالى ورَوائِعِ نِعَمِهِ المُوجِبَةِ لِتَسْبِيحِهِ تَعالى إمّا تَنْزِيهًا لَهُ تَعالى عَمّا يَقُولُهُ الجاحِدُونَ بِوَحْدانِيَّتِهِ الكافِرُونَ بِنِعْمَتِهِ مَعَ عِظَمِها وكَثْرَتِها أوْ تَعَجُّبًا مِن أمْرِهِمْ في غَمْطِ تِلْكَ النِّعَمِ الباهِرَةِ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِها وظُهُورِ أمْرِها أوْ شُكْرًا عَلى تِلْكَ النِّعَمِ السّابِقَةِ أيْ: فَأحْدِثِ التَّسْبِيحَ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى أوْ بِذِكْرِهِ فَإنَّ إطْلاقَ الِاسْمِ لِلشَّيْءِ ذِكْرٌ لَهُ و"العَظِيمُ" صِفَةٌ لِلِاسْمِ أوِ الرَّبِّ.
الواقعة 56:75
﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ أيْ: فَأُقْسِمُ و"لا" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ أوْ "فَلَأنا أُقْسِمُ" فَحَذَفَ المُبْتَدَأ وأشْبَعَ فَتْحَةَ لامِ الِابْتِداءِ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ "فَلْأُقْسِمْ" أوْ فَلا رادَّ لِكَلامٍ يُخالِفُ المُقْسَمَ عَلَيْهِ، وأمّا ما قِيلَ مِنَ المَعْنى فَلا أُقْسِمُ إذِ الأمْرُ أوْضَحُ مِن أنْ يَحْتاجَ إلى قَسَمٍ فَيَأْباهُ تَعْيِينُ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمُ شَأْنِ القَسَمِ بِهِ.
﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ: بِمَساقِطِها وهي مَغارِبُها وتَخْصِيصُها بِالقَسَمِ لِما في غُرُوبِها مِن زَوالِ أثَرِها، والدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ مُؤَثِّرٍ دائِمٍ لا يَتَغَيَّرُ أوْ لِأنَّ ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ المُتَهَجِّدِينَ والمُبْتَهِلِينَ إلَيْهِ تَعالى وأوانُ نُزُولِ الرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ عَلَيْهِمْ أوْ بِمَنازِلِها ومَجارِيها فَإنَّ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى عِظَمِ قدرته وكَمالِ حِكْمَتِهِ ما لا يُحِيطُ بِهِ البَيانُ، وقِيلَ: النُّجُومُ: نُجُومُ القرآن ومَواقِعُها أوْقاتُ نُزُولِها.
الواقعة 56:76
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ قُصِدَ بِهِ المُبالَغَةُ في تَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وتَأْكِيدُهُ حَيْثُ اعْتَرَضَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى:
الواقعة 56:77
﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (p-200)أيْ: كَثِيرُ النَّفْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى أُصُولِ العُلُومِ المُهِمَّةِ في صَلاحِ المَعاشِ والمَعادِ أوْ حَسَنٌ مَرْضِيٌّ أوْ كَرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصْفَتِهِ وجَوابُ "لَوْ" إمّا مَتْرُوكٌ أُرِيدَ بِهِ نَفِيُ عِلْمِهِمْ أوْ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِظُهُورِهِ أيْ: لَعَظَّمْتُمُوهُ أوْ لَعَمِلْتُمْ بِمُوجِبِهِ.
الواقعة 56:78
﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ أيْ: مَصُونٍ مِن غَيْرِ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَن سِواهم وهو اللَّوْحُ.
الواقعة 56:79
﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ إمّا صِفَةٌ أُخْرى لِـ"كِتابٌ" فالمُرادُ بِالمُطَهَّرِينَ: المَلائِكَةُ المُنَزَّهُونَ عَنِ الكُدُوراتِ الجُسْمانِيَّةِ وأوْضارِ الأوْزارِ أوْ لِلْقُرْآنِ فالمُرادُ بِهِمُ: المُطَهَّرُونَ مِنَ الأحْداثِ فَيَكُونُ نَفْيًا بِمَعْنى النَّهْيِ أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ يَمَسَّهُ إلّا مَن كانَ عَلى طَهارَةٍ مِنَ النّاسِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:"المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ" أيْ: لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَظْلِمَهُ، وقِيلَ: لا يَطْلُبُهُ إلّا المُطَهَّرُونَ مِنَ الكُفْرِ، وقُرِئَ "المُتَطَهِّرُونَ" و"المُطَّهِرُونَ" بِالإدْغامِ و"المُطْهِرُونَ" مِن أطْهَرَهُ بِمَعْنى طَهَّرَهُ و"المُطَهِّرُونَ" أيْ: أنْفُسَهم أوْ غَيْرَهم بِالِاسْتِغْفارِ أوْ غَيْرِهِ.
الواقعة 56:80
﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى "لِلْقُرْآنِ" وهو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ حَتّى جَرى مَجْرى اسْمِهِ وقُرِئَ "تَنْزِيلًا".
الواقعة 56:81
﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ﴾ الَّذِي ذُكِرَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ المُوجِبَةُ لِإعْظامِهِ وإجْلالِهِ وهو القرآن الكَرِيمُ.
﴿أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ أيْ: مُتَهاوِنُونَ بِهِ كَمَن يُدْهِنُ في الأمْرِ أيْ: يُلَيِّنُ جانِبَهُ ولا يَتَصَلَّبُ فِيهِ تَهاوُنًا بِهِ.
الواقعة 56:82
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أيْ: شُكْرَ رِزْقَكم.
﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ: تَضَعُونَ التَّكْذِيبَ مَوْضِعَ الشُّكْرِ، وقُرِئَ "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ" أيْ: تَجْعَلُونَ شُكْرَكم لِنِعْمَةِ القرآن أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِهِ، وقِيلَ: الرِّزْقُ: المَطَرُ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ ما يَرْزُقُكُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَيْثِ أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ تَنْسُبُونَهُ إلى الأنْواءِ والأوَّلُ هو الأوْفَقُ لِسِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ.
الواقعة 56:83
فَإنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ...إلَخْ تَبْكِيتٌ مَبْنِيٌّ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالقرآن فِيما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ إلى هُنا مِنَ القَوارِعِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِمْ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى مِن حَيْثُ ذَواتُهم ومِن حَيْثُ طَعامُهم وشَرابُهم وسائِرُ أسْبابِ مَعايِشِهِمْ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ و"لَوْلا" لِلتَّحْضِيضِ لِإظْهارِ عَجْزِهِمْ و"إذا" ظَرْفِيَّةٌ أيْ: فَهَلّا إذا بَلَغَتِ النَّفْسُ أيِ: الرُّوحُ، وقِيلَ: (p-201)نَفْسُ الحُلْقُومِ وتَداعَتْ إلى الخُرُوجِ.
الواقعة 56:84
﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ أيُّها الحاضِرُونَ حَوْلَ صاحِبِها.
﴿تَنْظُرُونَ﴾ إلى ما هو مِنَ الغَمَراتِ.
الواقعة 56:85
﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ﴾ عِلْمًا وقُدْرَةً وتَصَرُّفًا.
﴿مِنكُمْ﴾ حَيْثُ لا تَعْرِفُونَ مِن حالِهِ إلّا ما تُشاهِدُونَهُ مِن آثارِ الشِّدَّةِ مِن غَيْرِ أنْ تَقِفُوا عَلى كُنْهِها وكَيْفِيَّتِها وأسْبابِها ولا أنْ تَقْدِرُوا عَلى دَفْعِ أدْنى شَيْءٍ مِنها ونَحْنُ المُتَوَلُّونَ لِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ بِعِلْمِنا وقُدْرَتِنا أوْ بِمَلائِكَةِ المَوْتِ.
﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ لا تُدْرِكُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِكم بِشُؤُونِنا.
الواقعة 56:86
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مَرْبُوبِينَ مِن دانَ السُّلْطانُ رَعِيَّتَهُ إذا ساسَهم واسْتَعْبَدَهم ناظِرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ فَإنَّ التَّحْضِيضَ يَسْتَدْعِي عَدَمَ المُحَضَّضِ عَلَيْهِ حَتْمًا.
الواقعة 56:87
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرْجِعُونَها﴾ أيِ: النَّفْسُ إلى مَقَرِّها هو العامِلُ في "إذا" والمُحَضَّضُ عَلَيْهِ بِـ"لَوْلا" الأُولى، والثّانِيَةُ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وهي مَعَ ما في حَيِّزِها دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ، والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْبُوبِينَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ تَصْدِيقِكم بِخَلْقِنا إيّاكم فَهَلّا تَرْجِعُونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها عِنْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في اعْتِقادِكم فَإنَّ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ بِخالِقِيَّتِهِ تَعالى لَهم عِبارَةٌ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ بِعَدَمِ خالِقِيَّتِهِ تَعالى بِمُوجِبِ مَذْهَبِهِمْ.
الواقعة 56:88
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ...إلَخْ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُتَوَفّى بَعْدَ المَماتِ إثْرَ بَيانِ حالِهِ عِنْدَ الوَفاةِ أيْ: فَأمّا إنْ كانَ الَّذِي بُيِّنَ حالُهُ مِنَ السّابِقِينَ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ عُبِّرَ عَنْهم بِأجَلِّ أوْصافِهِمْ.
الواقعة 56:89
﴿فَرَوْحٌ﴾ أيْ: فَلَهُ اسْتِراحَةٌ، وقُرِئَ "فَرُوحٌ" بِضَمِّ الرّاءِ وفُسِّرَ بِالرَّحْمَةِ لِأنَّها سَبَبٌ لِحَياةِ المَرْحُومِ وبِالحَياةِ الدّائِمَةِ.
﴿وَرَيْحانٌ﴾ ورِزْقٌ.
﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ أيْ: ذاتُ تَنَعُّمٍ.
الواقعة 56:90
﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ عَبَّرَ عَنْهم بِالعُنْوانِ السّابِقِ إذْ لَمْ يُذْكَرْ لَهم فِيما سَبَقَ وصْفٌ واحِدٌ يُنْبِئُ عَنْ شَأْنِهِمْ سِواهُ كَما ذَكَرَ لِلْفَرِيقَيْنِ الآخَرَيْنِ.
الواقعة 56:91
(p-202)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ إخْبارٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِتَسْلِيمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ اللّامُ لا حِكايَةُ إنْشاءِ سَلامِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ وإلّا لَقِيلَ: "عَلَيْكَ" والِالتِفاتُ إلى خِطابِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم لِلتَّشْرِيفِ.
الواقعة 56:92
﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ وهم أصْحابُ الشِّمالِ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ حَسَبَما وُصِفُوا بِهِ عِنْدَ بَيانِ أحْوالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ذَمًّا لَهم بِذَلِكَ وإشْعارًا بِسَبَبِ ما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.
الواقعة 56:93
﴿فَنُزُلٌ﴾ أيْ: فَلَهُ نُزُلٌ كائِنٌ ﴿مِن حَمِيمٍ﴾ يُشْرَبُ بَعْدَ أكْلِ الزَّقُّومِ كَما فُصِّلَ فِيما قَبْلُ.
الواقعة 56:94
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أيْ: إدْخالٌ في النّارِ، وقِيلَ: إقامَةٌ فِيها ومُقاساةٌ لِألْوانِ عَذابِها، وقِيلَ: ذَلِكَ ما يَجِدُهُ في القَبْرِ مِن سَمُومِ النّارِ ودُخانِها.
الواقعة 56:95
﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ: الَّذِي ذُكِرَ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.
﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ أيْ: حَقُّ الخَبَرِ اليَقِينِ، وقِيلَ: الحَقُّ الثّابِتُ مِنَ اليَقِينِ.
الواقعة 56:96
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ لِتَرْتِيبِ التَّسْبِيحِ أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ حَقِّيَّةَ ما فُصِّلَ في تَضاعِيفِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِمّا يُوجِبُ تَنْزِيهَهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإشْراكُ بِهِ والتَّكْذِيبُ بِآياتِهِ النّاطِقَةِ بِالحَقِّ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ في كُلِّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا".»
الحديد 57:1
(p-203)سُورَةُ الحَدِيدِ
مَكِّيَّةٌ وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ وآياتُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ التَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى اعْتِقادًا وقَوْلًا وعَمَلًا عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ إذا ذَهَبَ وأبْعَدَ فِيهِما، وحَيْثُ أُسْنِدَ هَهُنا إلى غَيْرِ العُقَلاءِ أيْضًا فَإنَّ ما في السَّمَواتِ والأرْضِ يَعُمُّ جَمِيعَ ما فِيهِما سَواءً كانَ مُسْتَقِرًّا فِيهِما أوْ جُزْءًا مِنهُما كَما مَرَّ في آيَةِ الكُرْسِيِّ أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى عامٌّ مَجازِيٌّ شامِلٌ لِما نَطَقَ بِهِ لِسانُ المَقالِ كَتَسْبِيحِ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ ولِسانُ الحالِ كَتَسْبِيحِ غَيْرِهِمْ فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَوْجُوداتِ يَدُلُّ بِإمْكانِهِ وحُدُوثِهِ عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ الواجِبِ الوُجُودِ المُتَّصِفِ بِالكَمالِ المُنَزَّهِ عَنِ النُّقْصانِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ واللّامُ إمّا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما في نَصَحْتُ لَهُ وشَكَرْتُ لَهُ أوْ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فَعَلَ التَّسْبِيحَ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى وخالِصًا لِوَجْهِهِ ومَجِيئُهُ في بَعْضِ الفَواتِحِ ماضِيًا وفي البَعْضِ مُضارِعًا لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حَقَّ مَن شَأْنُهُ التَّسْبِيحُ الِاخْتِيارِيُّ أنْ يُسَبِّحَهُ تَعالى في جَمِيعِ أوْقاتِهِ كَما عَلَيْهِ المَلَأُ الأعْلى حَيْثُ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتَرُونَ.
﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الغالِبُ الَّذِي لا يُمانِعُهُ ولا يُنازِعُهُ شَيْءٌ.
﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُشْعِرٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:
الحديد 57:2
﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: التَّصَرُّفُ الكُلِّيُّ فِيهِما وفِيما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ مِن حَيْثُ الإيجادُ والإعْدامُ وسائِرُ التَّصَرُّفاتِ مِمّا نَعْلَمُهُ وما لا نَعْلَمُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِبَعْضِ أحْكامِ المُلْكِ والتَّصَرُّفِ وجَعْلُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ "لَهُ" لَيْسَ كَما يَنْبَغِي.
﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ.
﴿قَدِيرٌ﴾ مُبالِغٌ في القُدْرَةِ.
الحديد 57:3
﴿هُوَ الأوَّلُ﴾ السّابِقُ عَلى سائِرِ المَوْجُوداتِ لِما أنَّهُ مُبْدِئُها ومُبْدِعُها.
﴿والآخِرُ﴾ الباقِي بَعْدَ فَنائِها حَقِيقَةً أوْ نَظَرًا إلى ذاتِها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُبْقِيها فَإنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ إذا قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ عِلَّتِها فَهي فانِيَةٌ.
﴿والظّاهِرُ﴾ وُجُودًا لِكَثْرَةِ (p-204)دَلائِلِهِ الواضِحَةِ.
﴿والباطِنُ﴾ حَقِيقَةً فَلا تَحُومُ حَوْلَهُ العُقُولُ، والواوُ الأُولى والأخِيرَةُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المُكْتَنِفَيْنِ بِهِما والوُسْطى لِلْجَمْعِ بَيْنَ المَجْمُوعِينَ فَهو مُتَّصِفٌ بِاسْتِمْرارِ الوُجُودِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ والظُّهُورِ والخَفاءِ.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الظّاهِرِ والخَفِيِّ.
الحديد 57:4
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ أحْكامِ مُلْكِهِما وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ مِرارًا.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مُرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ سَبَأٍ.
﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ تَمْثِيلٌ لِإحاطَةِ علمه تعالى بِهِمْ وتَصْوِيرٌ لِعَدَمِ خُرُوجِهِمْ عَنْهُ أيْنَما دارُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ عِبارَةٌ عَنْ إحاطَتِهِ بِأعْمالِهِمْ فَتَأْخِيرُهُ عَنِ الخَلْقِ لِما أنَّ المُرادَ بِهِ ما يَدُورُ عَلَيْهِ الجَزاءُ مِنَ العِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ لا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ.
الحديد 57:5
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: إلَيْهِ وحْدَهُ لا إلى غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا تَرْجِعُ جَمِيعُ الأُمُورِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن رَجَعَ رَجْعًا، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَن رَجَعَ رُجُوعًا.
الحديد 57:6
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في العِلْمِ.
﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِمَكْنُوناتِها اللّازِمَةِ لَها بَيانٌ لِإحاطَةِ علمه تعالى بِما يُضْمِرُونَهُ مِن نِيّاتِهِمْ بَعْدَ بَيانِ إحاطَتِهِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي يُظْهِرُونَها.
الحديد 57:7
﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ أيْ: جَعَلَكم خُلَفاءَ في التَّصَرُّفِ فِيهِ مِن غَيْرِ أنْ تَمْلِكُوهُ حَقِيقَةً عَبَّرَ عَمّا بِأيْدِيهِمْ مِنَ الأمْوالِ والأرْزاقِ بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَرْغِيبًا لَهم في الإنْفاقِ فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّها لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ الوَكِيلِ يَصْرِفُها إلى ما عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَصارِفِ هانَ عَلَيْهِ الإنْفاقُ أوْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِمَّنْ قَبْلَكم فِيما كانَ بِأيْدِيهِمْ بِتَوْرِيثِهِ إيّاكم فاعْتَبِرُوا بِحالِهِمْ حَيْثُ انْتَقَلَ مِنهم إلَيْكم وسَيَنْتَقِلُ مِنكم إلى مَن بَعْدَكم فَلا تَبْخَلُوا بِهِ.
﴿فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا﴾ حَسَبَما أُمِرُوا بِهِ.
﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
﴿أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وفْيِهِ مِنَ المُبالَغاتِ ما لا يَخْفى حَيْثُ (p-205)جَعَلَ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ وأُعِيدَ ذِكْرُ الإيمانِ والإنْفاقِ وكُرِّرَ الإسْنادُ وفُخِّمَ الأجْرُ بِالتَّنْكِيرِ ووُصِفَ بِالكَبِيرِ.
الحديد 57:8
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَرْكِ الإيمانِ حَسَبَما أُمِرُوا بِهِ بِإنْكارٍ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ ما في الجُمْلَةِ عَلى أنَّ "لا تُؤْمِنُونَ" حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَكُمْ" والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم غَيْرَ مُؤْمِنِينَ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والنَّفْيِ إلى السَّبَبِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ المُسَبِّبِ لا إلى السَّبَبِ والمُسَبَّبِ جَمِيعًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فَإنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ كَما تَكُونُ تارَةً لِإنْكارِ الواقِعِ كَما في "أتَضْرِبُ أباكَ" وأُخْرى لِإنْكارِ الوُقُوعِ كَما في "أأضْرِبُ أبِي" كَذَلِكَ "ما" الِاسْتِفْهامِيَّةُ قَدْ تَكُونُ لِإنْكارِ سَبَبِ الواقِعِ ونَفْيِهِ فَقَطْ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ فَيَكُونُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مُحَقَّقًا فَإنَّ كُلًّا مِن عَدَمِ الإيمانِ وعَدَمِ الرَّجاءِ أمْرٌ مُحَقَّقٌ قَدْ أُنْكِرَ ونُفِيَ سَبَبُهُ وقَدْ تَكُونُ لِإنْكارِ سَبَبَ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ فَيَسْرِيانِ إلى المُسَبَّبِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ﴾ إلى آخِرِهِ فَيَكُونُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مَفْرُوضًا قَطْعًا فَإنَّ عَدَمَ العِبادَةِ أمْرٌ مَفْرُوضٌ حَتْمًا قَدْ أُنْكِرَ ونُفِيَ سَبَبُهُ فانْتَفى نَفْسُهُ أيْضًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ "لا تُؤْمِنُونَ" مُفِيدَةٌ لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى الكُفْرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ عَدَمَهُ بَعْدَ تَوْبِيخِهِمْ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ ما يُوجِبُهُ أيْ: وأيُّ عُذْرٍ في تَرْكِ الإيمانِ والرَّسُولُ يَدْعُوكم إلَيْهِ ويُنَبِّهُكم عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ "يَدْعُوكُمْ" أيْ: وقَدْ أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَكم بِالإيمانِ مِن قَبْلُ وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ والتَّمْكِينِ مِنَ النَّظَرِ، وقُرِئَ "وَقَدْ أُخِذَ" مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِرَفْعِ "مِيثاقَكُمْ".
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ المُوجِبُ ما فَإنَّ هَذا مُوجِبٌ لا مُوجِبَ وراءَهُ.
الحديد 57:9
﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ﴾ حَسَبَما يَعِنُّ لَكم مِنَ المَصالِحِ.
﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتٍ.
﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى أوِ العَبْدُ بِها.
﴿مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ.
﴿وَإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ يَهْدِيكم إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ وتَنْزِيلِ الآياتِ بَعْدَ نَصْبِ الحُجَجِ العَقْلِيَّةِ.
الحديد 57:10
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَكم ألا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم عَلى تَرْكِ (p-206)
الإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ بَعْدَ تَوْبِيخِهِمْ عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ أيْضًا عُذْرٌ مِنَ الأعْذارِ وحَذْفُ المَفْعُولِ لِظُهُورِ أنَّهُ الَّذِي بُيِّنَ حالُهُ فِيما سَبَقَ وتَعْيِينُ المُنْفَقِ فِيهِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ لَكم في أنْ لا تُنْفِقُوا فِيما هو قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى ما هو في الحَقِيقَةِ وإنَّما أنْتُمْ خُلَفاؤُهُ في صَرْفِهِ إلى ما عَيَّنَهُ مِنَ المَصارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "لا تُنْفِقُوا" ومَفْعُولِهِ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ فَإنَّ تَرْكَ الإنْفاقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ قَبِيحٌ مُنْكَرٌ ومَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ الإنْفاقَ أشُدُّ في القُبْحِ وأدْخَلُ في الإنْكارِ فَإنَّ بَيانَ بَقاءِ جَمِيعَ ما في السَّمَواتِ والأرْضِ مِنَ الأمْوالِ بِالآخِرَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ أنْ يَبْقى مِن أصْحابِها أحَدٌ أقْوى في إيجابِ الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ مِن بَيانِ أنَّها لِلَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ وهم خُلَفاؤُهُ في التَّصَرُّفِ فِيها كَأنَّهُ قِيلَ: وما لَكم في تَرْكِ إنْفاقِها في سَبِيلِ اللَّهِ والحالُ أنَّهُ لا يَبْقى لَكم مِنها شَيْءٌ بَلْ يَبْقى كُلُّها لِلَّهِ تَعالى، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مَن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ بَيانٌ لِتَفاوُتِ دَرَجاتِ المُنْفِقِينَ حَسَبَ تَفاوُتِ أحْوالِهِمْ في الإنْفاقِ بَعْدَ بَيانِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا عَلى الإطْلاقِ حَثًّا لَهم عَلى تَحَرِّي الأفْضَلِ، وعَطْفُ القِتالِ عَلى الإنْفاقِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِن أهَمِّ مَوادِّ الإنْفاقِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مِن أفْضَلِ العِباداتِ وأنَّهُ لا يَخْلُو مِنَ الإنْفاقِ أصْلًا وقَسِيمُ مَن أنْفَقَ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وقُرِئَ قَبْلَ الفَتْحِ بِغَيْرِ "مِن" والفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن أنْفَقَ والجَمْعُ بِالنَّظَرِ إلى مَعْنى "مَن" كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ في الفَضْلِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِذَيْنِكَ النَّعْتَيْنِ الجَمِيلَيْنِ.
﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ وأرْفَعُ مَنزِلَةً.
﴿مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنَ بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ لِأنَّهم إنَّما فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الإنْفاقِ والقِتالِ قَبْلَ عِزَّةِ الإسْلامِ وقُوَّةِ أهْلِهِ عِنْدَ كَمالِ الحاجَةِ إلى النُّصْرَةِ بِالنَّفْسِ والمالِ وهُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿لَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهْبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ﴾ وهَؤُلاءِ فَعَلُوا ما فَعَلُوا بَعْدَ ظُهُورِ الدِّينِ ودُخُولِ النّاسِ فِيهِ أفْواجًا وقِلَّةِ الحاجَةِ إلى الإنْفاقِ والقِتالِ.
﴿وَكُلا﴾ أيْ: وكُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيِ: المَثُوبَةَ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ لا الأوَّلِينَ فَقَطْ، وقُرِئَ "وَكُلٌّ" بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: وكُلٌّ وعْدَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ بِظَواهِرِهِ وبَواطِنِهِ فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ، وقِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّهُ أوَّلُ مَن آمَنَ وأوَّلُ مَن أنْفَقَ في سَبِيلِ اللَّهِ وخاصَمَ الكَفّارَ حَتّى ضُرِبَ ضَرْبًا أشْرَفَ بِهِ عَلى الهَلاكِ.
الحديد 57:11
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ نَدَبٌ بَلِيغٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِهِ والتَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ وبَيانِ دَرَجاتِ المُنْفِقِينَ أيْ: مَن ذا الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِهِ تَعالى رَجاءَ أنْ يُعَوِّضَهُ فَإنَّهُ كَمَن يُقْرِضُهُ، وحُسْنُ الإنْفاقِ بِالإخْلاصِ فِيهِ وتَحَرِّي أكْرَمِ المالِ وأفْضَلِ الجِهاتِ.
﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ بِالنُّصْبِ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: أيُقْرِضُ اللَّهَ أحَدٌ فَيُضاعِفَهُ لَهُ؟ أيْ: فَيُعْطِيَهُ أجْرَهُ أضْعافًا.
﴿وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: (p-207)وَذَلِكَ الأجْرُ المَضْمُومُ إلَيْهِ الأضْعافُ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يَتَنافَسَ فِيهِ المُتَنافِسُونَ وإنْ لَمْ يُضاعَفْ فَكَيْفَ وقَدْ ضُوعِفَ أضْعافًا كَثِيرَةً، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى "يُقْرِضُ" أوْ حَمْلًا عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: فَهو يُضاعِفُهُ، وقُرِئَ "يُضْعِفَهُ" بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ.
الحديد 57:12
﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيُضاعِفَهُ﴾ أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "اذْكُرْ" تَفْخِيمًا لِذَلِكَ اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ "تَرى"، قِيلَ: نُورُهُمُ الضِّياءُ الَّذِي يُرى ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ وقِيلَ: هو هُداهم وبِأيْمانِهِمْ كُتُبُهم أيْ: يَسْعى إيمانُهم وعَمَلُهُمُ الصّالِحُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وفي أيْمانِهِمْ كُتُبُ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: هو القرآن، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُؤْتَوْنَ نُورَهم عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ فَمِنهم مَن يُؤْتى نُورَهُ كالنَّخْلَةِ ومِنهم مَن يُؤْتى كالرَّجُلِ القائِمِ وأدْناهم نُورًا مَن نُورُهُ عَلى إبْهامِ رِجْلِهِ يَنْطَفِئُ تارَةً ويَلْمَعُ أُخْرى، قالَ الحَسَن ُ: يَسْتَضِيئُونَ بِهِ عَلى الصِّراطِ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَكُونُ لَهم دَلِيلًا إلى الجَنَّةِ.
﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ﴾ مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ هو حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: بُشْراكم أيْ: ما تُبَشَّرُونَ بِهِ جَنّاتٌ أوْ بُشْراكم دُخُولُ الجَنَّةِ.
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ النُّورِ والبُشْرى بِالجَنّاتِ المُخَلَّدَةِ.
﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ، وقُرِئَ "ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ".
الحديد 57:13
﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ بَدَلٌ مِن "يَوْمَ تَرى".
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا﴾ أيِ: انْتَظَرُونا، يَقُولُونَ ذَلِكَ لِما أنَّ المُؤْمِنِينَ يُسْرَعُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ كالبَرْقِ الخاطِفِ عَلى رِكابٍ تَزُفُّ بِهِمْ وهَؤُلاءِ مُشاةٌ أوِ انْظُرُوا إلَيْنا فَإنَّهم إذا نَظَرُوا إلَيْهِمُ اسْتَقْبَلُوهم بِوُجُوهِهِمْ فَيَسْتَضِيئُونَ بِالنُّورِ الَّذِي بَيْنَ أيْدِيِهِمْ، وقُرِئَ "أنْظِرُونا" مِنَ النَّظِرَةِ وهي الإمْهالُ جَعَلَ اتِّئادَهم في المُضِيِّ إلى أنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ إنْظارًا لَهم.
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ أيْ: نَسْتَضِيءُ مِنهُ وأصْلُهُ اتِّخاذُ القَبَسِ.
﴿قِيلَ﴾ طَرْدًا لَهم وتَهَكُّمًا بِهِمْ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ أوْ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ.
﴿ارْجِعُوا وراءَكُمْ﴾ أيْ: إلى المَوْقِفِ.
﴿فالتَمِسُوا نُورًا﴾ فَإنَّهُ مِن ثَمَّ يُقْتَبَسُ أوْ إلى الدُّنْيا فالتَمِسُوا النُّورَ بِتَحْصِيلِ مَبادِيِهِ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ أوِ ارْجِعُوا خائِبِينَ خاسِئِينَ فالتَمِسُوا نُورًا آخَرَ وقَدْ عَلِمُوا أنْ لا نُورَ وراءَهم وإنَّما قالُوهُ تَخْيِيبًا لَهم أوْ أرادُوا بِالنُّورِ ما وراءَهم مِنَ الظُّلْمَةِ الكَثِيفَةِ تَهَكُّمًا بِهِمْ.
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿بِسُورٍ﴾ أيْ: حائِطٌ، والباءُ زائِدَةٌ.
﴿لَهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ أيْ: باطِنُ السُّورِ أوِ البابِ وهو الجانِبُ الَّذِي يَلِي الجَنَّةَ.
﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ﴾ وهو الطَّرَفُ الَّذِي يَلِي النّارَ.
﴿مِن قِبَلِهِ﴾ مِن جِهَتِهِ.
﴿العَذابُ﴾ وقُرِئَ "فَضَرَبَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.
الحديد 57:14
(p-208)﴿يُنادُونَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُونَ بَعْدَ ضَرْبِ السُّورِ ومُشاهَدَةِ العَذابِ؟ فَقِيلَ: يُنادُونَهم.
﴿ألَمْ نَكُنْ﴾ في الدُّنْيا.
﴿مَعَكُمْ﴾ يُرِيدُونَ بِهِ مُوافَقَتَهم لَهم في الظّاهِرِ.
﴿قالُوا بَلى﴾ كُنْتُمْ مَعَنا بِحَسَبِ الظّاهِرِ ﴿وَلَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ مَحَنْتُمُوها بِالنِّفاقِ وأهْلَكْتُمُوها.
﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ.
﴿وارْتَبْتُمْ﴾ في أمْرِ الدِّينِ.
﴿وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ الفارِغَةُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الطَّمَعُ في انْتِكاسِ أمْرِ الإسْلامِ.
﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيِ: المَوْتُ.
﴿وَغَرَّكم بِاللَّهِ﴾ الكَرِيمِ.
﴿الغَرُورُ﴾ أيْ: غَرَّكُمُ الشَّيْطانُ بِأنَّ اللَّهَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ لا يُعَذِّبُكُمْ، وقُرِئَ "الغُرُورُ" بِالضَّمِّ.
الحديد 57:15
﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ فِداءٌ، وقُرِئَ "تُؤْخَذُ" بِالتّاءِ.
﴿وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: ظاهِرًا وباطِنًا.
﴿مَأْواكُمُ النّارُ﴾ لا تَبْرَحُونَها أبَدًا.
﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ: أوْلى بِكم وحَقِيقَتُهُ مَكانُكُمُ الَّذِي يُقالُ فِيهِ: هو أوْلى بِكم كَما يُقالُ: هو مِئْنَةُ الكَرَمِ أيْ: مَكانٌ لِقَوْلِ القائِلِ إنَّهُ لَكَرِيمٌ أوْ مَكانُكم عَنْ قَرِيبٍ مِنَ الوَلْيِ وهو القُرْبُ أوْ ناصِرُكم عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: [تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ] أوْ مُتَوَلِّيكم تَتَوَلّاكم كَما تَوَلَّيْتُمْ مُوجِباتِها.
﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ: النّارُ.
الحديد 57:16
﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ ناعٍ عَلَيْهِمْ تَثاقُلَهم في أُمُورِ الدِّينِ ورَخاوَةِ عَقْدِهِمْ فِيها واسْتِبْطاءٌ لِانْتِدابِهِمْ لِما نُدِبُوا إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ورُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُجْدِبِينَ بِمَكَّةَ فَلَمّا هاجَرُوا أصابُوا الرِّزْقَ والنِّعْمَةَ وفَتَرُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عُوتِبْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أرْبَعُ سِنِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ اللَّهَ اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ فَعاتَبَهم عَلى رَأْسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القرآن أيْ: ألَمْ يَجِئْ وقْتُ أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ تَعالى وتَطْمَئِنُّ بِهِ ويُسارِعُوا إلى طاعَتِهِ بِالِامْتِثالِ بِأوامِرِهِ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِن غَيْرِ تَوانٍ ولا فُتُورٍ مِن " أنى الأمْرُ" إذا جاءَ إناهُ أيْ: وقَتْهُ، وقُرِئَ "ألَمْ يَئِنْ" مَن آنَ يَئِينُ بِمَعْنى: أنى، وقُرِئَ "ألَمّا يَأنِ" وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَنفِيَّ مُتَوَقَّعٌ ﴿وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ أيِ: القرآن وهو عَطْفٌ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ فَإنْ كانَ هو المُرادَ بِهِ أيْضًا فالعَطْفُ لِتَغايُرِ العُنْوانَيْنِ فَإنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ كَما أنَّهُ حَقٌّ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ وإلّا فالعَطْفُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ ومَعْنى الخُشُوعِ لَهُ الِانْقِيادُ التّامُّ لِأوامِرِهِ ونَواهِيِهِ والعُكُوفُ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما سَبَقَ وما لَحِقَ مِنَ الإنْفاقِ في (p-209)سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ "نَزَّلَ" مِنَ التَّنْزِيلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ومَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ و"أُنْزِلَ".
﴿وَلا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ﴾ عَطْفٌ عَلى "تَخْشَعَ"، وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ لِلِاعْتِناءِ بِالتَّحْذِيرِ، وقِيلَ: هو نَهْيٌ عَنْ مُماثَلَةِ أهْلِ الكِتابِ في قَسْوَةِ القُلُوبِ بَعْدَ أنْ وُبِّخُوا وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الحَقُّ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ شَهَواتِهِمْ وإذا سَمِعُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ خَشَعُوا لِلَّهِ ورَقَّتْ قُلُوبُهم.
﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ أيِ: الأجْلُ، وقُرِئَ "الأمَدُّ" بِتَشْدِيدِ الدّالِ أيِ: الوَقْتُ الأطْوَلُ وغَلَبَهُمُ الجَفاءُ وزالَتْ عَنْهُمُ الرَّوْعَةُ الَّتِي كانَتْ تَأْتِيهِمْ مِنَ الكِتابَيْنِ.
﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً.
﴿وَكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ: خارِجُونَ عَنْ حُدُودِ دِينِهِمْ رافِضُونَ لِما في كِتابِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ.
الحديد 57:17
﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ تَمْثِيلٌ لِإحْياءِ القُلُوبِ القاسِيَةِ بِالذِّكْرِ والتِّلاوَةِ بِإحْياءِ الأرْضِ المَيِّتَةِ بِالغَيْثِ لِلتَّرْغِيبِ في الخُشُوعِ والتَّحْذِيرِ عَنِ القَساوَةِ.
﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآياتُ.
﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ كَيْ تَعْقِلُوا ما فِيها وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَتَفُوزُوا بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.
الحديد 57:18
﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾ أيْ: المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الصّادِ مِنَ التَّصْدِيقِ أيْ: الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.
﴿وَأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ما في المُصَدِّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ فَإنَّهُ في حُكْمِ الَّذِينَ اصَّدَّقُوا أوْ صَدَقُوا عَلى القِراءَتَيْنِ وعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ بِأجْنَبِيٍّ وهو المُصَدِّقاتِ وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى: أنَّ النّاسَ الَّذِينَ تَصَدَّقُوا وتَصَدَّقْنَ وأقْرَضُوا فَهو عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى مِن غَيْرِ فَصْلٍ، وقِيلَ: إنَّ المُصَدِّقاتِ لَيْسَ بِعَطْفٍ عَلى المُصَدِّقَيْنِ بَلْ هو مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ المُصَدِّقِينَ عَلى العُمُومِ تَغْلِيبًا وأخُصُّ المُصَدِّقاتِ مِن بَيْنِهِمْ كَما تَقُولُ: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ولا سِيَّما العُلَماءُ مِنهم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم كَذا" لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَدارَ التَّخْصِيصِ مَزِيدُ اسْتِحْقاقِهِنَّ لِمُضاعَفَةِ الأجْرِ كَما في المِثالِ المَذْكُورِ بَلْ زِيادَةُ احْتِياجِهِنَّ إلى التَّصَدُّقِ الدّاعِيَةُ إلى الِاعْتِناءِ بِحَثِّهِنَّ عَلى التَّصَدُّقِ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: « "يا مَعْشَرَ النِّساءِ تَصَدَّقْنَ فَإنِّي أُرِيتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النّارِ"،» وقِيلَ: هو صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى المُصَدِّقِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ أقْرَضُوا القَرْصَ الحَسَن َ عِبارَةٌ عَنِ التَّصَدُّقِ مِنِ الطَّيِّبِ عَنْ طِيبَةِ النَّفْسِ وخُلُوصِ النِّيَّةِ عَلى المُسْتَحِقِّ لِلصَّدَقَةِ.
﴿يُضاعَفُ لَهُمْ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُسْنَدًا إلى ما بَعْدَهُ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ، وقِيلَ: إلى مَصْدَرِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ثَوابُ التَّصَدُّقِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ: يُضاعِفُ اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ يُضَعَّفْ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وفَتْحِها.
﴿وَلَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ مَرَّ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ.
الحديد 57:19
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ (p-210)كافَّةً، وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ الإيمانِ بِهِمْ في خاتِمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ الَّذِي هو مُبْتَدَأٌ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ مِرارًا، وهو مُبْتَدَأٌ ثانٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ﴾ مُبْتَدَأٌ ثالِثٌ خَبَرُهُ ﴿الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ﴾ وهو مَعَ خَبَرِهِ خَبَرٌ لِلثّانِي وهو مَعَ خَبَرِهِ خَبَرٌ لِلْأوَّلِ أوْ "هُمْ" ضَمِيرُ الفَصْلِ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ لِـ"أُولَئِكَ" والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ أيْ: أُولَئِكَ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بِمَنزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ المَشْهُورِينَ بِعُلُوِّ الرُّتْبَةِ ورِفْعَةِ المَحَلِّ وهُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى التَّصْدِيقِ واسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى أوْ هُمُ المُبالِغُونَ في الصِّدْقِ حَيْثُ آمَنُوا وصَدَّقُوا جَمِيعَ أخْبارِهِ تَعالى ورُسُلِهِ والقائِمُونَ بِالشَّهادَةِ لِلَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ ولَهم بِالإيمانِ أوْ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ بَيانٌ لِثَمَراتِ ما وُصِفُوا بِهِ مِن نُعُوتِ الكَمالِ عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ أوِ الخَبَرُ هو الجارُّ وما بَعْدَهُ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ والضَّمِيرُ الأوَّلُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِلْمَوْصُولِ والأخِيرانِ لِلصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ أيْ: مِثْلُ أجْرِهِمْ ونُورِهِمُ المَعْرُوفَيْنِ بِغايَةِ الكَمالِ وعِزَّةَ المَنالِ، وقَدْ حَذَفَ أداةَ التَّشْبِيهِ تَنْبِيهًا عَلى قُوَّةِ المُماثِلَةِ وبُلُوغِها حَدَّ الِاتِّحادِ كَما فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ قِيلَ: هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ ولَيْسَتِ المُماثَلَةُ بَيْنَ ما لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ مِنَ الأجْرِ والنُّورِ وبَيْنَ تَمامِ ما لِلْأوَّلِ مِنَ الأصْلِ والأضْعافِ وبَيْنَ ما لِلْأخِيرَيْنِ مِنَ الأصْلِ بِدُونِ الأضْعافِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَمَرْجِعُ الكُلِّ واحِدٌ والمَعْنى: لَهُمُ الأجْرُ والنُّورُ المَوْعُودانِ لَهم أجْرُهم ...إلَخْ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ القَبِيحَةِ.
﴿أصْحابُ الجحيم﴾ بِحَيْثُ لا يُفارِقُونَها أبَدًا.
الحديد 57:20
﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ بَعْدَما بَيَّنَ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ شَرَحَ حالَ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي اطْمَأنَّ بِها الفَرِيقُ الثّانِي وأُشِيرَ إلى أنَّها مِن مُحَقَّراتِ الأُمُورِ الَّتِي لا يَرْكَنُ إلَيْها العُقَلاءُ فَضْلًا عَنِ الِاطْمِئْنانِ بِها وأنَّها مَعَ ذَلِكَ سَرِيعَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِاضْمِحْلالِ حَيْثُ قِيلَ: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ﴾ أيِ: الحُرّاثَ.
﴿نَباتُهُ﴾ أيِ: النَّباتُ الحاصِلُ بِهِ.
﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أيْ: يَجِفُّ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ.
﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ بَعْدَ ما رَأيْتَهُ ناضِرًا مُونِقًا، وقُرِئَ "مُصْفارّا" وإنَّما لَمْ يُقَلْ: فَيَصْفَرُّ إيذانًا بِأنَّ اصْفِرارَهُ مُقارِنٌ لِجَفافِهِ وإنَّما المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ رُؤْيَتُهُ كَذَلِكَ.
﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ هَشِيمًا مُتَكَسِّرًا، ومَحَلُّ الكافِ قِيلَ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَعِبٌ" لِأنَّهُ في مَعْنى الوَصْفِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ "لِلْحَياةِ الدُّنْيا" بِتَقْدِيرِ المُضافِ أيْ: مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ ...إلَخْ، وبَعْدَ ما بُيِّنِ حَقارَةُ أمْرِ الدُّنْيا تَزْهِيدًا فِيها وتَنْفِيرًا عَنِ العُكُوفِ عَلَيْها أُشِيرَ إلى فَخامَةِ شَأْنِ الآخِرَةِ وعِظَمِ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ والآلامِ تَرْغِيبًا في تَحْصِيلِ نَعِيمِها المُقِيمِ وتَحْذِيرًا (p-211)مِن عَذابِها الألِيمِ، وقَدْ ذُكِرَ العَذابُ فَقِيلَ: ﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لِأنَّهُ مِن نَتائِجِ الِانْهِماكِ فِيما فُصِّلَ مِن أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا.
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ.
﴿مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ﴾ عَظِيمٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ أيْ: لِمَنِ اطْمَأنَّ بِها ولَمْ يَجْعَلْها ذَرِيعَةً إلى الآخِرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ " الدُّنْيا مَتاعُ الغُرُورِ إنْ ألْهَتْكَ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ فَأمّا إذا دَعَتْكَ إلى طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى فَنِعْمَ المَتاعُ ونِعْمَ الوَسِيلَةُ".
الحديد 57:21
﴿سابِقُوا﴾ أيْ: سارِعُوا مُسارَعَةَ المُسابِقِينَ لِأقْرانِهِمْ في المِضْمارِ.
﴿إلى مَغْفِرَةٍ﴾ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: إلى مُوجِباتِها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ: كَعَرْضِهِما جَمِيعًا وإذا كانَ عَرْضُها كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِطُولِها، وقِيلَ: المُرادُ بِالعَرْضِ: البَسْطَةُ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ.
﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِالفِعْلِ وأنَّ الإيمانَ وحْدَهُ كافٍ في اسْتِحْقاقِها.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي وُعِدَ مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ.
﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ عَطاؤُهُ.
﴿يُؤْتِيهِ﴾ تَفَضُّلًا وإحْسانًا.
﴿مَن يَشاءُ﴾ إيتاءَهُ إيّاهُ مِن غَيْرِ إيجابٍ.
﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ولِذَلِكَ يُؤْتى مَن يَشاءُ مِثْلَ ذَلِكَ الفَضْلِ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ.
الحديد 57:22
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ﴾ كَجَدْبٍ وعاهَةٍ في الزُّرُوعِ والثِّمارِ.
﴿وَلا في أنْفُسِكُمْ﴾ كَمَرَضٍ وآفَةٍ.
﴿إلا في كِتابٍ﴾ أيْ: إلّا مَكْتُوبَةٌ مُثْبَتَةٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ في اللَّوْحِ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ أيْ: نَخْلُقَ الأنْفُسَ أوِ المَصائِبَ أوِ الأرْضَ.
﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: إثْباتَها في كِتابٍ.
﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ فِيهِ عَنِ العُدَّةِ والمُدَّةِ.
الحديد 57:23
﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ أيْ: أخْبَرْناكم بِذَلِكَ لِئَلّا تَحْزَنُوا.
﴿عَلى ما فاتَكُمْ﴾ مِن نِعَمِ الدُّنْيا.
﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ أيْ: أعْطاكُمُ اللَّهُ تَعالى مِنها فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ الكُلَّ مُقَدَّرٌ يَفُوتُ ما قُدِّرَ فَواتُهُ ويَأْتِي ما قُدِّرَ إتْيانُهُ لا مَحالَةَ لا يَعْظُمُ جَزَعُهُ عَلى ما فاتَ ولا فَرَحُهُ بِما هو آتٍ، وقُرِئَ "بِما أتاكُمْ" مِنَ الإتْيانِ، وفي القِراءَةِ الأُولى إشْعارٌ بِأنَّ فَواتَ النِّعَمِ يَلْحَقُها إذا خُلِّيَتْ وطِباعَها وأمّا حُصُولُها وبَقاؤُها فَلا بُدَّ لَهُما مِن سَبَبٍ يُوجِدُها ويُبْقِيها، وقُرِئَ "بِما أُوتِيتُمْ" والمُرادُ بِهِ: نَفْيُ الأسى المانِعِ عَنِ التَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والفَرَحِ المُوجِبِ لِلْبَطَرِ والِاخْتِيالِ ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ فَإنَّ مَن فَرِحَ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ وعَظُمَتْ في نَفْسِهِ اخْتالَ وافْتَخَرَ بِها لا مَحالَةَ، وفي تَخْصِيصِ التَّذْيِيلِ بِالنَّهْيِ عَنِ الفَرَحِ المَذْكُورِ إيذانٌ بِأنَّهُ أقْبَحُ مِنَ الأسى.(p-212)
الحديد 57:24
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿كُلِّ مُخْتالٍ﴾ فَإنَّ المُخْتالَ بِالمالِ يَضِنُّ بِهِ غالِبًا ويَأْمُرُ غَيْرَهُ بِهِ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: ومَن يُعْرِضْ عَنِ الإنْفاقِ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ وعَنْ إنْفاقِهِ مَحْمُودٌ في ذاتِهِ لا يَضُرُّهُ الإعْراضُ عَنْ شُكْرِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِن نِعَمِهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ وإشْعارٌ بِأنَّ الأمْرَ بِالإنْفاقِ لِمَصْلَحَةِ المُنْفِقِ، وقُرِئَ "فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ".
الحديد 57:25
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ أيِ: المَلائِكَةَ إلى الأنْبِياءِ أوِ الأنْبِياءَ إلى الأُمَمِ وهو الأظْهَرُ.
﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الحُجَجِ والمُعْجِزاتِ.
﴿وَأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ الشّامِلِ لِلْكُلِّ.
﴿والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِالمِيزانِ فَدَفَعَهُ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: مُرْ قَوْمَكَ يَزِنُوا بِهِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ العَدْلُ لِيُقامَ بِهِ السِّياسَةُ ويُدْفَعَ بِهِ العُدْوانُ.
﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ قِيلَ: نَزَلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ خَمْسَةُ أشْياءَ مِن حَدِيدٍ: السِّنْدانِ والكَلْبَتانِ والمِيقَعَةُ والمِطْرَقَةُ والإبْرَةُ، ورُوِيَ ومَعَهُ المَرُّ والمِسْحاتُ، وعَنِ الحَسَن ِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ: خَلَقْناهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ﴾ وذَلِكَ أنَّ أوامِرَهُ تَعالى وقَضاياهُ وأحْكامَهُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ لِأنَّ آلاتِ الحَرْبِ إنَّما تُتَّخَذُ مِنهُ.
﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ إذْ ما مِن صَنْعَةٍ إلّا والحَدِيدُ أوْ ما يُعْمَلُ بِالحَدِيدِ آلَتُها، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الحَدِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ فَإنَّهُ حالٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَسْتَعْمِلُوهُ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ مَن يَنْصُرُهُ ورَسُولَهُ بِاسْتِعْمالِ السُّيُوفِ والرِّماحِ وسائِرِ الأسْلِحَةِ في مُجاهَدَةِ أعْدائِهِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ أيْ: ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ أنْزَلَهُ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالغَيْبِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَنْصُرُ" أوْ مَفْعُولِهِ أيْ: غائِبًا عَنْهم أوْ غائِبِينَ عَنْهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَكْلِيفَهُمُ الجِهادَ وتَعْرِيضَهم لِلْقِتالِ لَيْسَ لِحاجَتِهِ في إعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ إلى نُصْرَتِهِمْ بَلْ إنَّما هو لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَصِلُوا بِامْتِثال الأمْرِ فِيهِ إلى الثَّوابِ وإلّا فَهو غَنِيٌّ بِقدرته وعِزَّتِهِ عَنْهم في كُلِّ ما يُرِيدُهُ.
الحديد 57:26
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ (p-213)تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ ...إلَخْ وتَكْرِيرُ القَسَمِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالأمْرِ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْناهُما.
﴿وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ بِأنِ اسْتَنْبَأْناهم وأوْحَيْنا إلَيْهِمُ الكُتُبَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ: الخَطُّ بِالقَلَمِ.
﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الذُّرِّيَّةِ أوْ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ الإرْسالِ والمُرْسَلِينَ.
﴿مُهْتَدٍ﴾ إلى الحَقِّ.
﴿وَكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ والعُدُولُ عَنْ سَنَنِ المُقابِلَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ والإيذانِ بِغَلَبَةِ الضُّلّالِ وكَثْرَتِهِمْ.
الحديد 57:27
﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا﴾ أيْ: ثُمَّ أرْسَلْنا بَعْدَهم رُسُلَنا.
﴿وَقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ: أرْسَلْنا رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ حَتّى انْتَهى إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والضَّمِيرُ لِنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِمْ أوْ مَن عاصَرَهم مِنَ الرُّسُلِ لا لِلذَّرِّيَّةِ فَإنَّ الرُّسُلَ المُقَفّى بِهِمْ مِنَ الذُّرِّيَّةِ.
﴿وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَإنَّهُ أعْجَمِيٌّ لا يَلْزَمُ فِيهِ مُراعاةُ أبْنِيَةِ العَرَبِ.
﴿وَجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً﴾ وقُرِئَ "رَآفَةً" عَلى فَعالَةٍ.
﴿وَرَحْمَةً﴾ أيْ: وفَّقْناهم لِلتَّراحُمِ والتَّعاطُفِ بَيْنَهم، ونَحْوُهُ في شَأْنِ أصْحابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ رُحَماءُ بَيْنَهم.
﴿وَرَهْبانِيَّةً﴾ مَنصُوبٌ إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ أيْ: وابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً ﴿ابْتَدَعُوها﴾ وإمّا بِالعَطْفِ عَلى ما قَبْلَها و"ابْتَدَعُوها" صِفَةٌ لَها أيْ: وجَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً مُبْتَدَعَةً مِن عِنْدِهِمْ أيْ: ووَفَّقْناهم لِلتَّراحُمِ بَيْنَهم ولِابْتِداعِ الرَّهْبانِيَّةِ واسْتِحْداثِها وهي المُبالَغَةُ في العِبادَةِ بِالرِّياضَةِ والِانْقِطاعِ عَنِ النّاسِ ومَعْناها: الفِعْلَةُ المَنسُوبَةُ إلى الرَّهْبانِ وهو الخائِفُ، فَعْلانٌ مِن رَهِبَ كَخَشْيانَ مِن خَشِيَ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ كَأنَّها نِسْبَةٌ إلى الرُّهْبانِ وهو جَمْعُ راهِبٍ كَراكِبٍ ورُكْبانٍ، وسَبَبُ ابْتِداعِهِمْ إيّاها أنَّ الجَبابِرَةَ ظَهَرُوُا عَلى المُؤْمِنِينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقاتَلُوهم ثَلاثَ مَرّاتٍ فَقاتَلُوا حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا قَلِيلٌ فَخافُوا أنْ يُفْتَتَنُوا في دِينِهِمْ فاخْتارُوا الرَّهْبانِيَّةَ في قُلَلِ الجِبالِ فارِّينَ بِدِينِهِمْ مُخْلِصِينَ أنْفُسَهم لِلْعِبادَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ، وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لـِ"رَهْبانِيَّةٍ" والنَّفْيُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُتَوَجِّهٌ إلى أصْلِ الفِعْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: ما فَرَضْناها نَحْنُ عَلَيْهِمْ رَأْسًا ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَذَمَّهم حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ مِن حَيْثُ أنَّ النَّذْرَ عَهْدٌ مَعَ اللَّهِ لا يَحِلُّ نَكْثُهُ لا سِيَّما إذا قُصِدَ بِهِ رِضاهُ تَعالى وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مُتَوَجِّهٌ إلى قَيْدِهِ لا إلى نَفْسِهِ والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مِن أعَمِ العِلَلِ أيْ: ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ بِأنْ وفَّقْناهم لِابْتِداعِها لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيَبْتَغُوا بِها رِضْوانَ اللَّهِ ويَسْتَحِقُّوا بِها الثَّوابَ ومِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ أنْ يُحافِظُوا عَلْيَها ويُراعُوها حَقَّ رِعايَتِها فَما رَعاها كُلُّهم بَلْ بَعْضُهم.
﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾ إيمانًا صَحِيحًا وهو الإيمانُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ رِعايَةِ رَهْبانِيَّتِهِمْ لا مُجَرَّدَ رِعايَتِها فَإنَّها بَعْدَ البَعْثَةِ لَغْوٌ مَحْضٌ (p-214)وَكُفْرٌ بَحْتٌ وأنّى لَها اسْتِتْباعُ الأجْرِ.
﴿أجْرَهُمْ﴾ أيْ: ما يُخَصُّ بِهِمْ مِنَ الأجْرِ.
﴿وَكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنْ حَدِّ الِاتِّباعِ وحَمْلُ الفَرِيقَيْنِ عَلى مَن مَضى مِنَ المُراعِينَ لِحُقُوقِ الرَّهْبانِيَّةِ قَبْلَ النَّسْخِ والمُخِلِّينَ إذْ ذاكَ بِالتَّثْلِيثِ والقَوْلِ بِالِاتِّحادِ وقَصْدِ السُّمْعَةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإيمانِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكُفْرِهِمْ بِهِ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ.
الحديد 57:28
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِالرُّسُلِ المُتَقَدِّمَةِ.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما نَهاكم عَنْهُ.
﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ أيْ: بِمُحَمَّد ٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي إطْلاقِهِ إيذانٌ بِأنَّهُ عَلَمٌ فَرْدٌ في الرِّسالَةِ لا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى غَيْرِهِ.
﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ﴾ نَصِيبَيْنِ.
﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ لِإيمانِكم بِالرَّسُولِ وبِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّ شَرِيعَتَهم باقِيَةٌ بَعْدَ البَعْثَةِ بَلْ عَلى أنَّها كانَتْ حَقَّةً قَبْلَ النَّسْخِ.
﴿وَيَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ حَسَبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ .
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما أسْلَفْتُمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.
الحديد 57:29
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى الشَّرْطِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وتُؤْمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كَذا وكَذا لِئَلّا يَعْلَمَ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا مِن أهْلِ الكِتابِ أيْ: لِيَعْلَمُوا و"لا" مَزِيدَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قِراءَةُ "لِيَعْلَمَ" و"لِكَيْ يَعْلَمَ" و"لِأنْ يَعْلَمَ" بِإدْغامِ النُّونِ في الياءِ و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولُ "يَعْلَمَ" أيْ: لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَنالُونَ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ مِن فَضْلِهِ مِنَ الكِفْلَيْنِ والنُّورِ والمَغْفِرَةِ ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن نَيْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَأْتُوا بِشَرْطِهِ الَّذِي هو الإيمانُ بِرَسُولِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى "أنْ لا يَقْدِرُونَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِـ"أنَّ"، وقِيلَ: هو الخَبَرُ والجارُّ حالٌ لازِمَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالتَّقْوى والإيمانِ لِغَيْرِ أهْلِ الكِتابِ فالمَعْنى: اتَّقُوا اللَّهَ واثْبُتُوا عَلى إيمانِكم بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُؤْتِكم ما وعَدَ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ مِنَ الكِفْلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ ولا يَنْقُصُكم مِن مِثْلِ أجْرِهِمْ لِأنَّكم مِثْلُهم في الإيمانَيْنِ لا تُفَرِّقُونَ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُّسُلِهِ، ورُوِيَ أنَّ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ افْتَخَرُوا عَلى سائِرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ وادَّعَوُا الفَضْلَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ، وقُرِئَ "لِيَلا" بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً لِانْفِتاحِها بَعْدَ كَسْرَةٍ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ كاسْمِ المَرْأةِ وبِكَسْرِ اللّامِ مَعَ سُكُونِ الياءِ، وقُرِئَ "أنْ لا يَقْدِرُوا" هَذا وقَدْ قِيلَ: "لا" غَيْرُ مَزِيدَةٍ وضَمِيرُ "لا يَقْدِرُونَ" لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ (p-215)الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابِهِ، والمَعْنى: لِئَلّا يَعْتَقِدَ أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ والمُؤْمِنُونَ بِهِ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا أُوتُوهُ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ عَلى أنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِعَدَمِ قدرتهمْ عَلى ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِهِمْ بِقدرتهمْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ ...إلَخْ عَطْفًا عَلى "أنْ لا يَعْلَمَ".
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الحَدِيدِ كُتِبَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ".»
المجادلة 58:1
سُورَةُ المُجادَلَةِ
مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنَتانِ وعِشْرُونَ آيَةً
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ بِإظْهارِ الدّالِ وقُرِئَ بِإدْغامِها في السِّينِ.
﴿قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ أيْ: تُراجِعُكَ الكَلامَ في شَأْنِهِ وفِيما صَدَرَ عَنْهُ في حَقِّها مِنَ الظِّهارِ، وقُرِئَ "تُحاوِرُكَ" و" تُحاوِلُكَ" أيْ: تُسائِلُكَ.
﴿وَتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى "تَجادِلُكَ" أيْ: تَتَضَرَّعُ إلَيْهِ تَعالى، وقِيلَ: حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ: تُجادِلُكَ وهي مُتَضَرِّعَةٌ إلَيْهِ تَعالى وهي «خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ خُزامَةَ الخَزْرَجِيَّةُ ظاهَرَ عَنْها زَوْجُها أوْسُ بْنُ الصّامِتِ أخُو عُبادَةَ ثُمَّ نَدِمَ عَلى ما قالَ فَقالَ لَها: ما أظُنُّكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ فَشَقَّ عَلَيْها ذَلِكَ فاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: حَرُمْتِ عَلَيْهِ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما ذَكَرَ طَلاقًا فَقالَ: حَرُمْتِ عَلَيْهِ - وفي رِوايَةٍ ما أُراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ في المِرارِ كُلِّها فَقالَتْ: أشَكُو إلى اللَّهِ فاقَتِي ووَجْدِي وجَعَلَتْ تُراجِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وكُلَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: حَرُمْتِ عَلَيْهِ هَتَفَتْ وشَكَتْ إلى اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتْ،» وفي كَلِمَةِ "قَدْ" إشْعارٌ بِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُجادِلَةَ كانا يَتَوَقَّعانِ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الحادِثَةِ ويُفَرِّجَ عَنْها كَرْبَها كَما يُلَوِّحُ بِهِ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَها عِنْدَ اسْتِفْتائِها: «ما عِنْدِي في أمْرِكِ شَيْءٌ» وأنَّها كانَتْ تَرْفَعُ رَأْسَها إلى السَّماءِ وتَقُولُ: أشْكُو إلَيْكَ فَأنْزِلْ عَلى لِسانِ نَبِيِّكَ ومَعْنى سَمْعِهِ تَعالى لِقَوْلِها إجابَةُ دُعائِها لا مُجَرَّدَ علمه تعالى بِذَلِكَ كَما هو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ أيْ: يَعْلُمُ تَراجُعَكُما الكَلامَ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ السَّمْعِ حَسَبُ اسْتِمْرارِ التَّحاوُرِ وتَجَدُّدِهِ وفي نَظْمِها في سِلْكِ الخِطابِ تَغْلِيبًا تَشْرِيفٌ لَها مِن جِهَتَيْنِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ فَإنَّ إلْحافَها في المَسْألَةِ ومُبالَغَتَها في التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى ومُدافَعَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها بِجَوابٍ مُنْبِئٍ عَنِ التَّوَقُّفِ وتَرَقُّبِ الوَحْيِ وعلمه تعالى بِحالِها مِن دَواعِي الإجابَةِ، وقِيلَ: (p-216)
هِيَ حالٌ -وَهُوَ بَعِيدٌ - وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ أيْ: مُبالِغٌ في العِلْمِ بِالمَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ يَسْمَعَ تَحاوُرَهُما ويَرى ما يُقارِنُهُ مِنَ الهَيْئاتِ الَّتِي مَن جُمْلَتِها رَفْعُ رَأْسِها إلى السَّماءِ وسائِرُ آثارِ التَّضَرُّعِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَوْقِعَيْنِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِوَصْفِ الأُلُوهِيَّةِ وتَأكُّدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَتَيْنِ.
المجادلة 58:2
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ شَأْنِ الظِّهارِ في نَفْسِهِ وحُكْمِهِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ شَرْعًا بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ والظِّهارُ: أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرٍ أُمِّي، مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في الأحْزابِ وألْحَقَ بِهِ الفُقَهاءُ تَشْبِيهَها بِجُزْءٍ مُحَرَّمٍ وفي "مِنكُمْ" مَزِيدُ تَوْبِيخٍ لِلْعَرَبِ وتَهْجِينٌ لِعادَتِهِمْ فِيهِ فَإنَّهُ كانَ مِن أيْمانِ أهْلِ جاهِلِيَّتِهِمْ خاصَّةً دُونَ سائِرِ الأُمَمِ، وقُرِئَ "يَظّاهَرُونَ" و"يَظْهَرُونَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ أيْ: ما نِساؤُهم أُمَّهاتِهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ فَهو كَذِبٌ بَحْتٌ، وقُرِئَ "أُمَّهاتُهُمْ" بِالرَّفْعِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ و"بِأُمَّهاتِهِمْ".
﴿إنْ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: ما هُنَّ.
﴿إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ﴾ فَلا تُشَبَّهُ بِهِنَّ في الحُرْمَةِ إلّا مَن ألْحَقَها الشَّرْعُ بِهِنَّ مِنَ المُرْضِعاتِ وأزْواجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ فَدَخَلْنَ بِذَلِكَ في حُكْمِ الأُمَّهاتِ، وأمّا الزَّوْجاتُ فَأبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الأُمُومَةِ.
﴿وَإنَّهم لَيَقُولُونَ﴾ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ.
﴿مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ﴾ عَلى أنَّ مَناطَ التَّأْكِيدِ لَيْسَ صُدُورَ القَوْلِ عَنْهم فَإنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ بَلْ كَوْنَهُ مُنْكَرًا أيْ: عِنْدَ الشَّرْعِ وعِنْدَ العَقْلِ والطَّبْعِ أيْضًا كَما يُشْعِرُ بِهِ تَنْكِيرُهُ ونَظِيرُهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ .
﴿وَزُورًا﴾ أيْ: مُحَرَّفًا عَنِ الحَقِّ.
﴿وَإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فَيَغْفِرُ لِما سَلَفَ مِنهُ عَلى الإطْلاقِ أوْ بِالمَتابِ عَنْهُ.
المجادلة 58:3
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾: تَفْصِيلٌ لِحُكْمِ الظِّهارِ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِ أمْرًا مُنْكَرًا بِطَرِيقِ التَّشْرِيعِ الكُلِّيِّ المُنْتَظِمِ لِحُكْمِ الحادِثَةِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا أيْ: والَّذِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ القَوْلَ المُنْكَرَ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا، أيْ: إلى ما قالُوا بِالتَّدارُكِ والتَّلافِي لا بِالتَّقْرِيرِ والتَّكْرِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ فَإنَّ اللّامَ و"إلى" تَتَعاقَبانِ كَثِيرًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَدانا لِهَذا﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ﴾ .
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أيْ: فَتَدارُكُهُ أوْ فَعَلَيْهِ أوْ فالواجِبُ إعْتاقُ رَقَبَةٍ أيَّ رَقَبَةٍ كانَتْ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يُشْتَرَطُ الإيمانُ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ومِن فَوائِدِها الدَّلالَةُ عَلى تَكَرُّرِ وُجُوبِ التَّحْرِيرِ بِتَكَرُّرِ الظِّهارِ، وقِيلَ ما قالُوا عِبارَةٌ عَمّا حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِلَفْظِ الظِّهارِ تَنْزِيلًا لِلْقَوْلِ مَنزِلَةَ المَقُولِ فِيهِ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ أيِ: المَقُولَ فِيهِ مِنَ المالِ والوَلَدِ، فالمَعْنى: ثُمَّ يُرِيدُونَ العَوْدَ لِلِاسْتِمْتاعِ فَتَحْرِيرُ (p-217)رَقَبَةٍ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَسْتَمْتِعَ كُلٌّ مِنَ المُظاهِرِ والمُظاهَرِ مِنها بِالآخَرِ جِماعًا ولَمْسًا ونَظَرًا إلى الفَرَجِ شَهْوَةً وإنْ وقَعَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ ولا يَعُودَ حَتّى يُكَفِّرَ وإنْ أعْتَقَ بَعْضَ الرَّقَبَةِ ثُمَّ مَسَّ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَأْنِفَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الحُكْمِ المَذْكُورِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أيْ: تُزْجَرُونَ بِهِ عَنِ ارْتِكابِ المُنْكَرِ المَذْكُورِ فَإنَّ الغَراماتِ مَزاجِرُ عَنْ تَعاطِي الجِناياتِ، والمُرادُ بِذِكْرِهِ: بَيانُ أنَّ المَقْصُودَ مِن شَرْعِ هَذا الحُكْمِ لَيْسَ تَعْوِيضَكم لِلثَّوابِ بِمُباشَرَتِكم لِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ الَّذِي هو عِلْمٌ في اسْتِتْباعِ الثَّوابِ العَظِيمِ بَلْ هو رَدْعُكم وزَجْرُكم عَنْ مُباشَرَةِ ما يُوجِبُهُ.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّكْفِيرُ وما يُوجِبُهُ مِن جِنايَةِ الظِّهارِ.
﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِظَواهِرِها وبَواطِنَها ومُجازِيكم بِها فَحافِظُوا عَلى حُدُودِ ما شَرَعَ لَكم ولا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِنها.
المجادلة 58:4
﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيِ: الرَّقَبَةَ.
﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ.
﴿مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ لَيْلًا أوْ نَهارًا عَمْدًا أوْ خَطَأً.
﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ أيِ: الصِّيامَ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ.
﴿فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعٌ مِن غَيْرِهِ ويَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلى المَسِيسِ لَكِنْ لا يَسْتَأْنِفُ إنْ مَسَّ في خِلالِ الإطْعامِ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ البَيانِ والتَّعْلِيمِ لِلْأحْكامِ والتَّنْبِيهِ عَلَيْها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ قَدْ مَرَّ سَرْدُهُ مِرارًا ومَحَلُّهُ إمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ النَّصْبُ بِمُضْمَرٍ مُعَلَّلٍ بِما بَعْدَهُ أيْ: ذَلِكَ واقِعٌ أوْ فَعَلْنا ذَلِكَ.
﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وتَعْمَلُوا بِشَرائِعِهِ الَّتِي شَرَعَها لَكم وتَرْفُضُوا ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في جاهِلِيَّتِكم.
﴿وَتِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَعْظِيمِها كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ الَّتِي لا يَجُوزُ تَعَدِّيها.
﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِها.
﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلتَّغْلِيظِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ .
المجادلة 58:5
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: يُعادُونَهُما ويُشاقُّونَهُما فَإنَّ كُلّا مِنَ المُتَعادِيَيْنِ كَما أنَّهُ يَكُونُ في عُدْوَةٍ وشِقٍّ غَيْرِ عُدْوَةِ الآخَرِ وشِقِّهِ كَذَلِكَ يَكُونُ في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّ الآخَرِ غَيْرَ أنَّهُ لِوُرُودِ المُحادَّةِ في أثْناءِ ذِكْرِ حُدُودِ اللَّهِ دُونَ المُعاداةِ والمُشاقَّةِ مِن حُسْنِ المَوْقِعِ ما لا غايَةَ وراءَهُ.
﴿كُبِتُوا﴾ أيْ: أُخْزُوا، وقِيلَ: خُذِلُوا، وقِيلَ: أُذِلُّوا، وقِيلَ: أُهْلِكُوا، وقِيلَ: لُعِنُوا، وقِيلَ: غِيظُوا، وهو ما وقَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، قالُوا: مَعْنى كُبِتُوا: سَيُكْبَتُونَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: أصْلُ الكَبْتِ: الكَبُّ.
﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن كُفّارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ المُعادِينَ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ (p-218)الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿وَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ حالٌ مِن واوِ "كُبِتُوا" أيْ: كُبِتُوا لِمُحادَّتِهِمْ والحالُ أنْ قَدْ أنْزَلْنا آياتٍ واضِحاتٍ فِيمَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِمَّنْ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ وفِيما فَعَلْنا بِهِمْ، وقِيلَ: آياتٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ وصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ.
﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: بِتِلْكَ الآياتِ أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ تِلْكَ الآياتُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ يَذْهَبُ بِعِزِّهِمْ وكِبْرِهِمْ.
المجادلة 58:6
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ مَنصُوبٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ اللّامُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ أوْ بِـ"مُهِينٍ" أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ وتَهْوِيلًا لَهُ.
﴿جَمِيعًا﴾ أيْ: كُلُّهم بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ غَيْرَ مَبْعُوثٍ أوْ مُجْتَمِعِينَ في حالَةٍ واحِدَةٍ.
﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ مِنَ القَبائِحِ بِبَيانِ صُدُورِها عَنْهم أوْ بِتَصْوِيرِها في تِلْكَ النَّشْأةِ بِما يَلِيقُ بِها مِنَ الصُّوَرِ الهائِلَةِ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ تَخْجِيلًا لَهم وتَشْهِيرًا بِحالِهِمْ وتَشْدِيدًا لِعَذابِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ السُّؤالِ إمّا عَنْ كَيْفِيَّةِ التَّنْبِئَةِ أوْ عَنْ سَبَبِها كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يُنَبِّئُهم بِأعْمالِهِمْ وهي أعْراضٌ مُتَقَضِّيَةٌ مُتَلاشِيَةٌ؟ فَقِيلَ: أحْصاهُ اللَّهُ عَدَدًا لَمْ يَفُتْهُ مِنهُ شَيْءٌ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَسُوهُ﴾ حِينَئِذٍ حالٌ مِن مَفْعُولِ "أحْصى" بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ أوْ قِيلَ: لَمْ يُنْبِئْهم بِذَلِكَ فَقِيلَ: أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ فَيُنَبِّئُهم بِهِ لِيَعْرِفُوا أنَّ ما عايَنُوهُ مِنَ العَذابِ إنَّما حاقَ بِهِمْ لِأجْلِهِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَوْبِيخٍ وتَنْدِيمٍ لَهم غَيْرَ التَّخْجِيلِ والتَّشْهِيرِ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ قَطُّ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيُّ مُقَرِّرٌ لِإحْصائِهِ تَعالى.
المجادلة 58:7
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى شُمُولِ شَهادَتِهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ عِلْمًا يَقِينِيًّا مُتاخِمًا لِلْمُشاهَدَةِ بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرارِ فِيهِما أوْ بِالجُزْئِيَّةِ مِنهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ ...إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن سَعَةِ علمه تعالى ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّتِهِ ويَكُونُ مِن كانَ التّامَّةِ، وقُرِئَ "تَكُونُ" بِالتّاءِ اعْتِبارًا لِتَأْنِيثِ النَّجْوى وإنْ كانَ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ أيْ: ما يَقَعُ مِن تَناجِي ثَلاثَةِ نَفَرٍ أيْ: مِن مُسارَّتِهِمْ عَلى أنَّ نَجْوى مُضافَةٌ إلى ثَلاثَةٍ أوْ عَلى أنَّها مَوْصُوفَةٌ بِها إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: مِن أهْلِ نَجْوى ثَلاثَةٍ أوْ بِجَعْلِهِمْ نَجْوى في أنْفُسِهِمْ.
﴿إلا هُوَ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿رابِعُهُمْ﴾ أيْ: جاعِلُهم أرْبَعَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى يُشارِكُهم في الإطْلاعِ عَلَيْها وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
﴿وَلا خَمْسَةٍ﴾ ولا نَجْوى خَمْسَةٍ.
﴿إلا هو سادِسُهُمْ﴾ وتَخْصِيصُ العَدَدَيْنِ بِالذِّكْرِ إمّا لِخُصُوصِ الواقِعَةِ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تَناجِي المُنافِقِينَ وإمّا لِبِناءِ الكَلامِ عَلى أغْلَبِ عاداتِ المُتَناجِينَ وقَدْ عُمِّمَ الحُكْمُ بَعْدَ (p-219)ذَلِكَ فَقِيلَ: ﴿وَلا أدْنى مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: مِمّا ذُكِرَ كالواحِدِ والاثْنَيْنِ.
﴿وَلا أكْثَرَ﴾ كالسِّتَّةِ وما فَوْقَها.
﴿إلا هو مَعَهُمْ﴾ يَعْلَمُ ما يَجْرِي بَيْنَهُمْ، وقُرِئَ "وَلا أكْثَرُ" بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ " مِن نَجْوى" أوْ مَحَلِّ "وَلا أدْنى" بِأنْ جُعِلَ "لا" لِنَفْيِ الجِنْسِ.
﴿أيْنَ ما كانُوا﴾ مِنَ الأماكِنِ ولَوْ كانُوا تَحْتَ الأرْضِ فَإنَّ علمه تعالى بِالأشْياءِ لَيْسَ لِقُرْبٍ مَكانِيٍّ حَتّى يَتَفاوَتَ بِاخْتِلافِ الأمْكِنَةِ قُرْبًا وبُعْدًا.
﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ وقُرِئَ "يُنْبِئَهُمْ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَفْضِيحًا لَهم وإظْهارًا لِما يُوجِبُ عَذابَهم.
﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لِأنَّ نِسْبَةَ ذاتِهِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعِلْمِ إلى الكُلِّ سَواءٌ.
المجادلة 58:8
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهم ويَتَغامَزُونَ بِأعْيانِهِمْ إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ فَنَهاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ عادُوا لِمِثْلِ فِعْلِهِمْ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والهَمْزَةُ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ عَوْدِهِمْ وتَجَدُّدِهِ واسْتِحْضارِ صُورَتِهِ العَجِيبَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: بِما هو إثْمٌ في نَفْسِهِ وعُدْوانٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَواصٍ بِمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ المُتَوَجِّهَيْنِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِزِيادَةِ تَشْنِيعِهِمْ واسْتِعْظامِ مَعْصِيَتِهِمْ، وقُرِئَ "وَيَنْتَجُونَ بِالإثْمِ والعِدْوانِ" بِكَسْرِ العَيْنِ و"مَعْصِياتِ الرَّسُولِ".
﴿وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ فَيَقُولُونَ السّامُ عَلَيْكَ أوْ أنْعِمْ صَباحًا واللَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ .
﴿وَيَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: فِيما بَيْنَهم.
﴿لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ أيْ: هَلّا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِذَلِكَ لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا.
﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ﴾ عَذابًا.
﴿يَصْلَوْنَها﴾ يَدْخُلُونَها.
﴿فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ: جَهَنَّمُ.
المجادلة 58:9
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ﴾ في أنْدِيَتِكم وفي خَلَواتِكم.
﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ كَما يَفْعَلُهُ المُنافِقُونَ، وقُرِئَ "فَلا تَنْتَجُوا" و" فَلا تَناجَوْا" بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.
﴿وَتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ أيْ: بِما يَتَضَمَّنُ خَيْرَ المُؤْمِنِينَ والِاتِّقاءَ عَنْ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وحْدَهُ لا إلى غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا فَيُجازِيكم بِكُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ.
المجادلة 58:10
﴿إنَّما النَّجْوى﴾ (p-220)المَعْهُودَةُ الَّتِي هي التَّناجِي بِالإثْمِ والعُدْوانِ.
﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾ لا مِن غَيْرِهِ فَإنَّهُ المُزَيَّنُ لَها والحامِلُ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خَبَرٌ آخَرُ أيْ: إنَّما هي لِيَحْزُنَ المُؤْمِنِينَ بِتَوَهُّمِهِمْ أنَّها في نَكْبَةٍ أصابَتْهم.
﴿وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ أوِ التَّناجِي بِضارِّ المُؤْمِنِينَ.
﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ.
﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِمَشِيئَتِهِ.
﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ولا يُبالُوا بِنَجْواهم فَإنَّهُ تَعالى يَعْصِمُهم مِن شَرِّهِ.
المجادلة 58:11
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا﴾ أيْ: تَوَسَّعُوا ولِيُفْسِحْ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ ولا تَتَضامُّوا مِن قَوْلِهِمْ: أفْسِحْ عَنِّي أيْ: تَنَحَّ، وقُرِئَ "تَفاسَحُوا"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي المَجالِسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"قِيلَ" وقُرِئَ "فِي المَجْلِسِ" عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وقِيلَ: مَجْلِسُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانُوا يَتَضامُّونَ تَنافُسًا في القُرْبِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحِرْصًا عَلى اسْتِماعِ كَلامِهِ، وقِيلَ: هو المَجْلِسُ مِن مَجالِسِ القِتالِ وهي مَراكِزُ الغُزاةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ قِيلَ: كانَ الرَّجُلُ يَأْتِي الصَّفَّ ويَقُولُ تَفَسَّحُوا فَيَأْبَوْنَ لِحِرْصِهِمْ عَلى الشَّهادَةِ، وقُرِئَ "فِي المَجْلَسِ" بِفَتْحِ اللّامِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ"تَفَسَّحُوا" قَطْعًا أيْ: تَوَسَّعُوا في جُلُوسِكم ولا تَتَضايَقُوا فِيهِ.
﴿فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: في كُلِّ ما تُرِيدُونَ التَّفَسُّحَ فِيهِ مِنَ المَكانِ والرِّزْقِ والصَّدْرِ والقَبْرِ وغَيْرِها.
﴿وَإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ أيِ: انْهَضُوا لِلتَّوْسِعَةِ عَلى المُقْبِلِينَ أوْ لِما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن صَلاةٍ أوْ جِهادٍ أوْ غَيْرِهِما مِن أعْمالِ الخَيْرِ.
﴿فانْشُزُوا﴾ فانْهَضُوا ولا تَتَثَبَّطُوا ولا تُفَرِّطُوا، وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ الذِّكْرِ في الدُّنْيا والإيواءِ إلى غُرَفِ الجِنانِ في الآخِرَةِ.
﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِنهم خُصُوصًا.
﴿دَرَجاتٍ﴾ عالِيَةً بِما جَمَعُوا مِن أثَرَتِي العِلْمِ والعَمَلِ فَإنَّ العِلْمَ مَعَ عُلُوِّ رُتْبَتِهِ يَقْتَضِي العَمَلَ المَقْرُونَ بِهِ مَزِيدُ رِفْعَةٍ لا يُدْرِكُ شَأْوَهُ العَمَلُ العارِي عَنْهُ وإنْ كانَ في غايَةِ الصَّلاحِ ولِذَلِكَ يُقْتَدى بِالعالِمِ في أفْعالِهِ ولا يُقْتَدى بِغَيْرِهِ، وفي الحَدِيثِ « "فَضْلُ العالَمِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ".» ﴿واللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَهْدِيدٌ لِمَن لَمْ يَتَمَثَّلْ بِالأمْرِ، وقُرِئَ "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.
المجادلة 58:12
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ في بَعْضِ شُؤُونِكُمُ المُهِمَّةِ الدّاعِيَةِ إلى مُناجاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ أيْ: فَتَصَدَّقُوا قَبْلَها مُسْتَعارٌ مِمَّنْ لَهُ يَدانِ وفي هَذا الأمْرِ تَعْظِيمُ الرَّسُولِ ﷺ وإنْفاعُ الفُقَراءِ والزَّجْرُ عَنِ الإفْراطِ في السُّؤالِ والتَّمْيِيزُ بَيْنَ المُخْلِصِ والمُنافِقِ (p-221)وَمُحِبِّ الآخِرَةِ ومُحِبِّ الدُّنْيا، واخْتُلِفَ في أنَّهُ لِلنَّدْبِ أوْ لِلْوُجُوبِ لَكِنَّهُ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ وهو وإنْ كانَ مُتَصِّلًا بِهِ تِلاوَةً لَكِنَّهُ مُتَراخٍ عَنْهُ نُزُولًا، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ في كِتابِ اللَّهِ آيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ غَيْرِي كانَ لِي دِينارٌ فَصَرَفْتُهُ فَكُنْتُ إذا ناجَيْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ وهو عَلى القَوْلِ بِالوُجُوبِ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لِلْأغْنِياءِ مُناجاةٌ في مُدَّةِ بَقائِهِ؛ إذْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلّا عَشْرًا وقِيلَ: إلّا ساعَةً.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: التَّصَدُّقُ.
﴿خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ﴾ أيْ: لِأنْفُسِكم مِنَ الرِّيبَةِ وحُبِّ المالِ وهَذا يُشْعِرُ بِالنَّدْبِ لَكِنْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنْ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مُنْبِئٌ عَنِ الوُجُوبِ لِأنَّهُ تَرْخِيصٌ إنْ لَمْ يَجِدْ في المُناجاةِ بِلا تَصَدُّقٍ.
المجادلة 58:13
﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ أيْ: أخِفْتُمُ الفَقْرَ مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقاتِ أوْ أخِفْتُمُ التَّقْدِيمَ لِما يَعِدُكُمُ الشَّيْطانُ عَلَيْهِ مِنَ الفَقْرِ وجَمْعِ الصَّدَقاتِ لِجَمْعِ المُخاطَبِينَ.
﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما أُمِرْتُمْ بِهِ وشَقَّ عَلَيْكم ذَلِكَ.
﴿وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِأنْ رَخَّصَ لَكم أنْ لا تَفْعَلُوهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ إشْفاقَهم ذَنْبٌ تَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ لِما رَأى مِنهم مِنَ الِانْفِعالِ ما قامَ مَقامَ تَوْبَتِهِمْ وإذْ عَلى بابِها مِنَ المُضِيِّ، وقِيلَ: بِمَعْنى إذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾، وقِيلَ: بِمَعْنى إنْ.
﴿فَأقِيمُواْ الصَّلاة وآتَوْا الزَّكاةَ﴾ أيْ: فَإذْ فَرَّطْتُمْ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقاتِ فَتَدارَكُوهُ بِالمُثابَرَةِ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ.
﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في سائِرِ الأوامِرِ فَإنَّ القِيامَ بِها كالجابِرِ لِما وقَعَ في ذَلِكَ مِنَ التَّفْرِيطِ.
﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرًا وباطِنًا.
المجادلة 58:14
﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَّخِذُونَ اليَهُودَ أوْلِياءَ ويُناصِحُونَهم ويَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ.
﴿إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: والَوْا.
﴿قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وهُمُ اليَهُودُ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ .
﴿ما هم مِنكم ولا مِنهُمْ﴾ لِأنَّهم مُنافِقُونَ مُذَبْذَبُونَ بَيْنَ ذَلِكَ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ "تَوَلَّوْا".
﴿وَيَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ أيْ: يَقُولُونَ واللَّهِ إنّا لَمُسْلِمُونَ وهو عَطْفٌ عَلى "تَوَلَّوْا" داخِلٌ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الحَلِفِ وتَجَدُّدِهِ حَسَبَ تَكَرُّرِ ما يَقْتَضِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَحْلِفُونَ" مُفِيدَةٌ لِكَمالِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا، فَإنَّ الحَلِفَ عَلى ما لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ كَذِبٌ في غايَةِ القُبْحِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ يَعُمُّ ما يَعْلَمُ المُخْبِرُ عَدَمَ مُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ وما لا يَعْلَمُهُ، رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في حُجْرَةٍ مِن حُجُراتِهِ فَقالَ: يَدْخُلُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ قَلْبُهُ قَلْبُ جَبّارٍ ويَنْظُرُ بِعَيْنِ شَيْطانٍ فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلَ المُنافِقُ وكانَ أزْرَقَ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ؟ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما فَعَلَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَعَلْتَ (p-222)فانْطَلَقَ فَجاءَ بِأصْحابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما سَبُّوهُ» فَنَزَلَتْ.
المجادلة 58:15
﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ نَوْعًا مِنَ العَذابِ مُتَفاقِمًا.
﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ المُتَطاوِلِ فَتَمَرَّنُوا عَلى سُوءِ العَمَلِ وضَرُّوا بِهِ وأصَرُّوا عَلَيْهِ.
المجادلة 58:16
﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ﴾ الفاجِرَةَ الَّتِي يَحْلِفُونَ بِها عِنْدَ الحاجَةِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيْ: إيمانَهُمُ الَّذِي أظْهَرُوهُ لِأهْلِ الإسْلامِ.
﴿جُنَّةً﴾ وِقايَةً وسُتْرَةً دُونَ دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ فالِاتِّخاذُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عِبارَةٌ عَنِ التَّسَتُّرِ بِما أظْهَرُوهُ بِالفِعْلِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَهو عِبارَةٌ عَنْ إعْدادِهِمْ لِأيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ وتَهْيِئَتِهِمْ لَها إلى وقْتِ الحاجَةِ لِيَحْلِفُوا بِها ويَتَخَلَّصُوا مِنَ المُؤاخَذَةِ لا عَنِ اسْتِعْمالِها بِالفِعْلِ فَإنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُؤاخَذَةِ المَسْبُوقَةِ بِوُقُوعِ الجِنايَةِ والخِيانَةِ واتِّخاذِ الجُنَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المُؤاخَذَةِ وعَنْ سَبَبِها أيْضًا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَدُّوا﴾ أيِ: النّاسُ.
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في خِلالِ أمْنِهِمْ بِتَثْبِيطِ مَن لَقُوا عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ وتَضْعِيفِ أمْرِ المُسْلِمِينَ عِنْدَهم.
﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وعِيدٌ ثانٍ بِوَصْفٍ آخَرَ لِعَذابِهِمْ، وقِيلَ: الأوَّلُ عَذابُ القَبْرِ أوْ عَذابُ الآخِرَةِ.
المجادلة 58:17
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ تَعالى.
﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ، رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنهم قالَ: لَنُنْصَرَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْفُسِنا وأمْوالِنا وأوْلادِنا.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ القَبِيحَةِ.
﴿أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ: مُلازِمُوها ومُقارِنُوها.
﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ لا يَخْرُجُونَ مِنها أبَدًا.
المجادلة 58:18
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ قِيلَ: هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " لَهم عَذابٌ مُّهِينٌ " .
﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أيْ: لِلَّهِ تَعالى يَوْمَئِذٍ عَلى أنَّهم مُسْلِمُونَ.
﴿كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ في الدُّنْيا.
﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ في الآخِرَةِ.
﴿أنَّهُمْ﴾ بِتِلْكَ الأيْمانِ الفاجِرَةِ.
﴿عَلى شَيْءٍ﴾ مِن جَلْبِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ كَما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا حَيْثُ كانُوا يَدْفَعُونَ بِها عَنْ أرْواحِهِمْ وأمْوالِهِمْ ويَسْتَجِرُّونَ بِها فَوائِدَ دُنْيَوِيَّةً.
﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ المُبالِغُونَ في الكَذِبِ إلى غايَةٍ لا مَطْمَحَ وراءَها حَيْثُ تَجاسَرُوا عَلى الكَذِبِ بَيْنَ يَدِي عَلّامِ الغُيُوبِ وزَعَمُوا أنَّ أيْمانَهُمُ الفاجِرَةَ تُرَوِّجُ الكَذِبَ لَدَيْهِ كَما تُرَوِّجُهُ عِنْدَ الغافِلِينَ.
المجادلة 58:19
(p-223)﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ أيِ: اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ مِن حُذْتُ الإبِلَ إذا اسْتَوْلَيْتَ عَلَيْها وجَمَعْتَها وهو مِمّا جاءَ عَلى الأصْلِ كاسْتَصْوَبَ واسْتَنْوَقَ أيْ: مَلَكَهم.
﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾ بِحَيْثُ لَمَّ يَذْكُرُوهُ بِقُلُوبِهِمْ ولا بِألْسِنَتِهِمْ.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ حِزْبُ الشَّيْطانِ وجُنُودُهُ وأتْباعُهُ.
﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ: المَوْصُوفُونَ بِالخُسْرانِ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ حَيْثُ فَوَّتُوا عَلى أنْفُسِهِمُ النَّعِيمَ المُقِيمَ وأخَذُوا بَدَلَهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ وإظْهارِ المُضافَيْنِ مَعًا في مَوْقِعِ الإضْمارِ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ مِن فُنُونِ التَّأْكِيدِ ما لا يَخْفى.
المجادلة 58:20
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ مِن خُسْرانِ حِزْبِ الشَّيْطانِ عَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ مُوادَّةَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ مُحادَّةٌ لَهُما والإشْعارُ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّوَلِّي والمُوادَّةِ.
﴿فِي الأذَلِّينَ﴾ أيْ: في جُمْلَةِ مِن هو أذَلُّ خَلْقِ اللَّهِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لِأنَّ ذِلَّةَ أحَدِ المُتَخاصِمَيْنِ عَلى مِقْدارِ عِزَّةِ الآخَرِ وحَيْثُ كانَتْ عِزَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ كانَتْ ذِلَّةُ مَن يُحادُّهُ كَذَلِكَ.
المجادلة 58:21
﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَعْلِيلِ كَوْنِهِمْ في الأذَلِّينَ أيْ: قَضى وثَبَتَ في اللَّوْحِ وحَيْثُ جَرى ذَلِكَ مَجْرى القَسَمِ أُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ فَقِيلَ: ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ أيْ: بِالحُجَّةِ والسَّيْفِ وما يَجْرِي مَجْراهُ أوْ بِأحَدِهِما ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ وقُرِئَ "وَرُسُلِي" بِفَتْحِ الياءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ عَلى نَصْرِ أنْبِيائِهِ.
﴿عَزِيزٌ﴾ لا يُغَلَبُ عَلَيْهِ في مُرادِهِ.
المجادلة 58:22
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ و"تَجِدُ" إمّا مُتَّعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ مَفْعُولُهُ الثّانِي أوْ إلى واحِدٍ فَهو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لَهُ أيْ: قَوْمًا جامِعِينَ بَيْنَ الإيمان باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وبَيْنَ مُوادَّةٍ أعْداءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والمُرادُ (p-224)بِنَفْيِ الوِجْدانِ: نَفْيُ المُوادَّةِ عَلى مَعْنى: أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ وحَقُّهُ أنْ يَمْتَنِعَ ولا يُوجَدَ بِحالٍ وإنْ جَدَّ في طَلَبِهِ كُلُّ أحَدٍ.
﴿وَلَوْ كانُوا﴾ أيْ: مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن"، كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿آباءَهُمْ﴾ آباءُ المُوادِّينَ.
﴿أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمان باللَّهِ تَعالى أنْ يَهْجُرَ الجَمِيعَ بِالمَرَّةِ والكَلامُ في "لَوْ" قَدْ مَرَّ عَلى التَّفْصِيلِ مِرارًا.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ لا يُوادُّونَهم وإنْ كانُوا أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِمْ وأمَسَّ رَحِمًا وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِرِفْعَةِ دَرَجَتِهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ أيْ: أثْبَتَهُ فِيها وفِيهِ قَطْعًا ولا شَيْءَ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ يَثْبُتُ فِيهِ.
﴿وَأيَّدَهُمْ﴾ أيْ: قَوّاهم.
﴿بِرُوحٍ مِنهُ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وهو نُورُ القَلْبِ أوِ القرآن أوِ النَّصْرُ عَلى العَدُوِّ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْإيمانِ لِحَياةِ القُلُوبِ بِهِ فَـ"مِن" تَجْرِيدِيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ﴾ ...إلَخْ بَيانٌ لِآثارِ رَحْمَتِهِ الأُخْرَوِيَّةِ إثْرَ بَيانِ ألْطافِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ أيْ: ويُدْخِلُهم في الآخِرَةِ.
﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أبَدَ الآبِدِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بَيانٌ لِابْتِهاجِهِمْ بِما أُوتُوهُ عاجِلًا وآجِلًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ تَشْرِيفٌ لَهم بِبَيانِ اخْتِصاصِهِمْ بِهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ بَيانٌ لِاخْتِصاصِهِمْ بِالفَوْزِ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ والفَوْزِ بِسَعادَةِ النَّشْأتَيْنِ والكَلامُ في تَحْلِيَةِ الجُمْلَةِ بِفُنُونِ التَّأْكِيدِ كَما مَرَّ في مِثْلِها.
عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "مَن قَرَأ سُورَةَ المُجادَلَةِ كُتِبَ مِن حِزْبِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ".»
الحشر 59:1
سُورَةُ الحَشْرِ
مَدَنِيَّةٌ وآياتُها أرْبَعٌ وعِشْرُونَ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مَرَّ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ في صَدْرِ سُورَةِ الحَدِيدِ، وقَدْ كُرِّرَ المَوْصُولُ هَهُنا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالتَّسْبِيحِ، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ صالَحَ بَنِي النَّضِيرِ وهم رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلُوا المَدِينَةَ في فِتَنِ بَنِي إسْرائِيلَ انْتِظارًا لِبَعْثَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعاهَدَهم أنْ لا يَكُونُوا لَهُ ولا عَلَيْهِ فَلَمّا ظَهَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ بَدْرٍ قالُوا: هو النَّبِيُّ الَّذِي (p-225)نَعْتُهُ في التَّوْراةِ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ فَلَمّا كانَ يَوْمَ أُحُدٍ ما كانَ ارْتابُوا ونَكَثُوا فَخَرَجَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في أرْبَعِينَ راكِبًا إلى مَكَّةَ فَحالَفُوا قُرَيْشًا إلى الكَعْبَةِ عَلى قِتالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الأنْصارِيَّ فَقَتَلَ كَعْبًا غِيلَةً وكانَ أخاهُ مِنَ الرَّضاعَةِ ثُمَّ صَبَّحَهم بِالكِتابِ فَقالَ لَهُمُ: اخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ فاسْتَمْهَلُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَشْرَةَ أيّامٍ لِيَتَجَهَّزُوا لِلْخُرُوجِ فَدَسَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ المُنافِقُ وأصْحابُهُ إلَيْهِمْ: لا تَخْرُجُوا مِنَ الحِصْنِ فَإنْ قاتَلُوكم فَنَحْنُ مَعَكم لا نَخْذُلُكم ولَئِنْ خَرَجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم فَدَرَّبُوا عَلى الأزِقَّةِ وحَصَّنُوها فَحاصَرَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً فَلَمّا قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وأيِسُوا مِن نَصْرِ المُنافِقِينَ طَلَبُوا الصُّلْحَ فَأبى عَلَيْهِمْ إلّا الجَلاءَ عَلى أنْ يَحْمِلَ كُلُّ ثَلاثَةِ أبْياتٍ عَلى بَعِيرٍ ما شاؤُوا مِن مَتاعِهِمْ فَجُلُوا إلى الشَّأْمِ إلى أرِيحا وأذْرِعاتٍ إلّا أهْلَ بَيْتَيْنِ مِنهم آلَ أبِي الحَقِيقِ وآلَ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ فَإنَّهم لَحِقُوا بِخَيْبَرَ ولَحِقَتْ طائِفَةٌ مِنهم بِالحَيْرَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
الحشر 59:2
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ آثارِ عِزَّتْهُ تَعالى وأحْكامِ حِكْمَتِهِ إثْرَ وصْفِهِ تَعالى بِالعِزَّةِ القاهِرَةِ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ عَلى الإطْلاقِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى بِذَلِكَ العُنْوانِ إمّا بِناءً عَلى كَمالِ ظُهُورِ اتِّصافِهِ تَعالى بِهِما مَعَ مُساعَدَةٍ تامَّةٍ مِنَ المَقامِ أوْ عَلى جَعْلِهِ مُسْتَعارًا لِاسْمِ الإشارَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهُ يَأْتِيكم بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ، وعَلَيْهِ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎ [كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ]
كَما هو المَشْهُورُ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ المَنعُوتُ بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ الَّذِي أخْرَجَ ...إلَخْ. فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ في الإخْراجِ حِكْمَةً باهِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ أيْ: في أوَّلِ حَشْرِهِمْ إلى الشّامِ وكانُوا مِن سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهم جَلاءٌ قَطُّ وهم أوَّلُ مَن أُخْرِجَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ إلى الشّامِ أوْ هَذا أوَّلُ حَشْرِهِمْ، وآخِرُ حَشْرِهِمْ إجْلاءُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إيّاهم مِن خَيْبَرَ إلى الشّامِ، وقِيلَ: آخِرُ حَشْرِهِمْ حَشْرُ يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ المَحْشَرَ يَكُونُ بِالشّامِ.
﴿ما ظَنَنْتُمْ﴾ أيُّها المُسْلِمُونَ.
﴿أنْ يَخْرُجُوا﴾ مِن دِيارِهِمْ بِهَذا الذُّلِّ والهَوانِ لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ وقُوَّةِ مَنعَتِهِمْ.
﴿وَظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: ظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم أوْ مانِعَتُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ بِتَقْدِيمِ الخَبَرِ وإسْنادُ الجُمْلَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ وُثُوقِهِمْ بِحَصانَةِ حُصُونِهِمْ واعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم في عِزَّةٍ ومَنعَةٍ لا يُبالى مَعَها بِأحَدٍ يَتَعَرَّضُ لَهم أوْ يَطْمَعُ في مُعازَّتِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مانِعَتُهم خَبَرًا لِأنَّ و"حُصُونُهُمْ" مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ.
﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أمْرُ اللَّهِ تَعالى وقَدَرُهُ المَقْدُورُ لَهم.
﴿مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ وهو قَتْلُ رَئِيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَإنَّهُ (p-226)مِمّا أضْعَفَ قُوَّتَهم وفَلَّ شَوْكَتَهم وسَلَبَ قُلُوبَهُمُ الأمْنَ والطُّمَأْنِينَةَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في "أتاهُمْ" و"لَمْ يَحْتَسِبُوا" لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ: فَأتاهم نَصْرُ اللَّهِ، وقُرِئَ "فَآتاهُمْ" أيْ: فَآتاهُمُ اللَّهُ العَذابَ أوِ النَّصْرَ.
﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أيْ: أثْبَتَ فِيها الخَوْفَ الَّذِي يُرْعِبُها أيْ: يَمْلَؤُها.
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ﴾ لِيَسُدُّوا بِما نَقَضُوا مِنها مِنَ الخَشَبِ والحِجارَةِ أفْواهَ الأزِقَّةِ ولِئَلّا يَبْقى بَعْدَ جَلّائِهِمْ مَساكِنُ لِلْمُسْلِمِينَ ولِيَنْقُلُوا مَعَهم بَعْضَ آلاتِها المَرْغُوبِ فِيها مِمّا يَقْبَلُ النَّقْلَ.
﴿وَأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ حَيْثُ كانُوا يُخَرِبُونَها إزالَةً لِمُتَحَصَّنِهِمْ ومُتَمَنَّعِهِمْ وتَوَسُّعًا لِمَجالِ القِتالِ ونِكايَةً لَهم، وإسْنادُ هَذا إلَيْهِمْ لِما أنَّهُمُ السَّبَبُ فِيهِ فَكَأنَّهم كَلَّفُوهم إيّاهُ وأمَرُوهم بِهِ، قِيلَ: الجُمْلَةُ حالٌ أوْ تَفْسِيرٌ لِلرُّعْبِ، وقُرِئَ "يُخَرِّبُونَ" بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، وقِيلَ: الإخْرابُ: التَّعْطِيلُ أوْ تَرْكُ الشَّيْءِ خَرابًا والتَّخْرِيبُ: النَّقْضُ والهَدْمُ.
﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ فاتَّعَظُوا بِما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ عَلى وجْهٍ لا يَكادُ يَهْتَدِي إلَيْهِ الأفْكارُ واتَّقَوْا مُباشَرَةَ ما أدّاهم إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي أوِ انْتَقَلُوا مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ إلى حالِ أنْفُسِكم فَلا تُعَوِّلُوا عَلى تَعاضُدِ الأسْبابِ بَلْ تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى حُجِّيَّةِ القِياسِ كَما فُصِّلَ في مَوْقِعِهِ.
الحشر 59:3
﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾ أيِ: الخُرُوجَ عَنْ أوْطانِهِمْ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ الفَظِيعِ.
﴿لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ كَما فُعِلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ.
﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ اسْتِئْنافٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِجَوابِ "لَوْلا" جِيءَ بِهِ لِبَيانِ أنَّهم إنْ نَجَوْا مِن عَذابِ الدُّنْيا بِكِتابَةِ الجَلاءِ لا نَجاةَ لَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ.
الحشر 59:4
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما حاقَ بِهِمْ وما سَيَحِيقُ.
﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم.
﴿شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِمّا حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ.
﴿وَمَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ وقُرِئَ "يُشاقِقِ اللَّهَ" كَما في الأنْفالِ والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ مُشاقَّتِهِ تَعالى لِتَضَمُّنِها لِمُشاقَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ وهو إمّا نَفْسُ الجَزاءِ قَدْ حُذِفَ مِنهُ العائِدُ إلى "مَن" عِنْدَ مَن يَلْتَزِمُهُ أيْ: شَدِيدُ العِقابِ لَهُ، أوْ تَعْلِيلٌ لِلْجَزاءِ المَحْذُوفِ أيْ: يُعاقِبْهُ اللَّهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ. وأيًّا ما كانَ؛ فالشَّرْطِيَّةُ تَكْمِلَةٌ لِما قَبْلَها وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ وتَحْقِيقٌ لِلسَّبَبِيَّةِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ الَّذِي حاقَ بِهِمْ مِنَ العِقابِ العاجِلِ والآجِلِ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وكُلُّ مَن يُشاقُّ اللَّهَ كائِنًا مَن كانَ فَلَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِقابٌ شَدِيدٌ فَإذَنْ لَهم عِقابٌ شَدِيدٌ.
الحشر 59:5
﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ قَطَعْتُمْ مِن نَخْلَةٍ وهى "فِعْلَةٌ" مِنَ اللَّوْنِ وياؤُها مَقْلُوبَةٌ مِن واوٍ لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها كَدِيمَةٍ، وتَجْمَعُ عَلى ألْوانٍ، وقِيلَ: مِنَ اللِّينِ وتُجْمَعُ عَلى لِيَنٍ وهي النَّخْلَةُ الكَرِيمَةُ.
﴿أوْ تَرَكْتُمُوها﴾ الضَّمِيرُ لِما وتَأْنِيثُهُ لِتَفْسِيرِهِ بِاللَّيِّنَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ .
﴿قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾ كَما كانَتْ مِن غَيْرِ أنْ تَتَعَرَّضُوا لَها بِشَيْءٍ ما، وقُرِئَ عَلى أُصُلِها (p-227)إمّا عَلى الِاكْتِفاءِ مِنَ الواوِ بِالضَّمِّ أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ كَرُهُنٍ، وقُرِئَ "قائِمًا" عَلى أُصُولِهِ ذَهابًا إلى لَفْظِ "ما".
﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَذاكَ أيْ: قَطْعُها وتَرْكُها بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: ولِيُذِلَّ اليَهُودَ ويَغِيظَهم إذَنْ في قَطْعِها وتَرْكِها لِأنَّهم إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ يَتَحَكَّمُونَ في أمْوالِهِمْ كَيْفَ أحَبُّوا ويَتَصَرَّفُونَ فِيها حَسَبَما شاؤُوا مِنَ القَطْعِ والتَّرْكِ يَزْدادُونَ غَيْظًا ويَتَضاعَفُونَ حَسْرَةً واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ هَدْمِ دِيارَ الكَفَرَةِ وقَطْعِ أشْجارِهِمْ وإحْراقِ زُرُوعِهِمْ زِيادَةً لِغَيْظِهِمْ وتَخْصِيصُ اللِّينَةِ بِالقَطْعِ إنْ كانَتْ مِنَ الألْوانِ لِاسْتِبْقاءِ العَجْوَةِ والبَرْنِيَّةِ اللَّتَيْنِ هُما كِرامُ النَّخِيلِ وإنْ كانَتْ هي الكِرامَ لِيَكُونَ غَيْظُهم أشَدَّ.
الحشر 59:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ ما أُخِذَ مِن أمْوالِهِمْ بَعْدَ بَيانِ ما حَلَّ بِأنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ العاجِلِ والآجِلِ وما فُعِلَ بِدِيارِهِمْ ونَخِيلِهِمْ مِنَ التَّخْرِيبِ والقَطْعِ أيْ: ما أعادَهُ إلَيْهِ مِن مالِهِمْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما وقَعَ في أيْدِيهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَرَجَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى مُسْتَحِقِّهِ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ النّاسَ لِعِبادَتِهِ وخَلَقَ ما خَلَقَ لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى طاعَتِهِ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ لِلْمُطِيعِينَ.
﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: مَن بَنِي النَّضِيرِ.
﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: فَما أجْرَيْتُمْ عَلى تَحْصِيلِهِ وتَغَنُّمِهِ مِنَ الوَجِيفِ وهو سُرْعَةُ السَّيْرِ.
﴿مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ هي ما يُرْكَبُ مِنَ الإبِلِ خاصَّةً كَما أنَّ الرّاكِبَ عِنْدَهم راكِبُها لا غَيْرُ وأمّا راكِبُ الفَرَسِ فَإنَّما يُسَمُّونَهُ فارِسًا ولا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها وإنَّما الواحِدَةُ مِنها راحِلَةٌ، والمَعْنى: ما قَطَعْتُمْ لَها شُقَّةً بَعِيدَةً ولا لَقِيتُمْ مَشَقَّةً شَدِيدَةً ولا قِتالًا شَدِيدًا وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَتْ قُراهم عَلى مِيلَيْنِ مِنَ المَدِينَةِ فَمَشَوْا إلَيْها مَشْيًا وما كانَ فِيهِمْ راكِبٌ إلّا النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ فَأفْتَحَها صُلْحًا مِن غَيْرِ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم مُسابَقَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما حَصَّلْتُمُوهُ بِكَدِّ اليَمِينِ وعَرَقِ الجَبِينِ.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ: سُنَّتُهُ تَعالى جارِيَةٌ عَلى أنْ يُسَلِّطَهم عَلى مَن يَشاءُ مِن أعْدائِهِمْ تَسْلِيطًا خاصًّا وقَدْ سَلَّطَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ عَلى هَؤُلاءِ تَسْلِيطًا غَيْرَ مُعْتادٍ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتَحِمُوا مَضايِقَ الخُطُوبِ وتُقاسُوا شَدائِدَ الحُرُوبِ فَلا حَقَّ لَكم في أمْوالِهِمْ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ تارَةً عَلى الوُجُوهِ المَعْهُودَةِ وأُخْرى عَلى غَيْرِها.
الحشر 59:7
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ بَيانٌ لِمَصارِفِ الفَيْءِ بَعْدَ بَيانِ إفاءَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلْمُقاتِلَةِ فِيهِ حَقٌّ وإعادَةُ عَيْنِ العِبارَةِ الأُولى لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ووَضْعُ أهْلِ القُرى مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِشُمُولِ (p-228)ما لِعَقاراتِهِمْ أيْضًا.
﴿فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ اخْتُلِفَ في قِسْمَةِ الفَيْءِ فَقِيلَ: يُسَدَّسُ لِظاهِرِ الآيَةِ ويُصْرَفُ سَهْمُ اللَّهِ إلى الكَعْبَةِ وسائِرِ المَساجِدِ، وقِيلَ: يُخَمَّسُ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِلتَّعْظِيمِ ويُصْرَفُ الآنَ سَهْمُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الإمامِ عَلى قَوْلِ وإلى العَساكِرِ والثُّغُورِ عَلى قَوْلٍ وإلى مَصالِحِ المُسْلِمِينَ عَلى قَوْلٍ، وقِيلَ: يُخَمَّسُ خَمْسَةً كالغَنِيمَةِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ كانَ يُقَسِّمُ الخُمُسَ كَذَلِكَ ويَصْرِفُ الأخْماسَ الأرْبَعَةَ كَما يَشاءُ والآنَ عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ.
﴿كَيْ لا يَكُونَ﴾ أيِ: الفَيْءُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ لِلْفُقَراءِ يَعِيشُونَ بِهِ.
﴿دُولَةً﴾ بِضَمِّ الدّالِ وقُرِئَ بِفَتْحِها وهي ما يَدُولُ لِلْإنْسانِ أيْ: يَدُورُ مِنَ الغِنى والجِدِّ والغَلَبَةِ، وقِيلَ: الدَّوْلَةُ بِالفَتْحِ مِنَ المُلْكِ بِكَسْرِها، أوْ بِالضَّمِّ في المالِ وبِالفَتْحِ في النُّصْرَةِ أيْ: كَيْلا يَكُونَ جِدّا.
﴿بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ يَتَكاثَرُونَ بِهِ أوْ كَيْلا يَكُونَ دُولَةً جاهِلِيَّةً بَيْنَكم فَإنَّ الرُّؤَساءَ مِنهم كانُوا يَسْتَأْثِرُونَ بِالغَنِيمَةِ ويَقُولُونَ: "مَن عَزَّ بَزَّ"، وقِيلَ: الدُّولَةُ بِالضَّمِّ ما يُتَداوَلُ كالغُرْفَةِ اسْمُ ما يُغْتَرَفُ فالمَعْنى: كَيْلا يَكُونَ الفَيْءُ شَيْئًا يَتَداوَلُهُ الأغْنِياءُ بَيْنَهم ويَتَعاوَرُونَهُ فَلا يُصِيبُ الفُقَراءَ والدَّوْلَةُ بِالفَتْحِ بِمَعْنى التَّداوُلِ فالمَعْنى: كَيْلا يَكُونَ ذا تَداوُلٍ بَيْنَهم أوْ كَيْلا يَكُونَ إمْساكُهُ تَداوُلًا بَيْنَهم لا يُخْرِجُونَهُ إلى الفُقَراءِ، وقُرِئَ "دُولَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ "كانَ" تامَّةٌ أيْ: كَيْلا يَقَعَ دُولَةٌ عَلى ما فُصِّلَ مِنَ المَعانِي.
﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ﴾ أيْ: ما أعْطاكُمُوهُ مِنَ الفَيْءِ أوْ مِنَ الأمْرِ.
﴿فَخُذُوهُ﴾ فَإنَّهُ حَقُّكم أوْ فَتُمْسِكُوا بِهِ فَإنَّهُ واجِبٌ عَلَيْكم.
﴿وَما نَهاكم عَنْهُ﴾ عَنْ أخْذِهِ أوْ عَنْ تَعاطِيهِ.
﴿فانْتَهُوا﴾ عَنْهُ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿إنّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ فَيُعاقِبُ مَن يُخالِفُ أمْرَهُ ونَهْيَهُ.
الحشر 59:8
﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ بَدَلٌ مِن لَذِي القُرْبى وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَإنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُسَمّى فَقِيرًا ومَن أعْطى أغْنِياءَ ذَوِي القُرْبى خَصَّ الإبْدالَ بِما بَعْدَهُ، وأمّا تَخْصِيصُ اعْتِبارِ الفَقْرِ بِفَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ فَتَعَسُّفٌ ظاهِرٌ.
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ﴾ حَيْثُ اضْطَرَّهم كُفّارُ مَكَّةَ وأحْوَجُوهم إلى الخُرُوجِ وكانُوا مِائَةَ رَجُلٍ فَخَرَجُوا مِنها.
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ أيْ: طالِبِينَ مِنهُ تَعالى رِزْقًا فى الدُّنْيا ومَرْضاةً في الآخِرَةِ وُصِفُوا أوَّلًا بِما يَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْفَيْءِ مِنَ الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ والأمْوالِ وقُيِّدَ ذَلِكَ ثانِيًا بِما يُوجِبُ تَفْخِيمَ شَأْنِهِمْ ويُؤَكِّدُهُ.
﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى "يَبْتَغُونَ" فَهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ: ناوِينَ لِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ أوْ مُقارِنَةٌ فَإنَّ خُرُوجَهم مِن بَيْنِ الكُفّارِ مُراغِمِينَ لَهم مُهاجِرِينَ إلى المَدِينَةِ نُصْرَةً وأيُّ نُصْرَةٍ؟
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما فُصِّلَ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ.
﴿هُمُ الصّادِقُونَ﴾ الرّاسِخُونَ في الصِّدْقِ حَيْثُ ظَهَرَ ذَلِكَ بِما فَعَلُوا ظُهُورًا بَيِّنًا.
الحشر 59:9
﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ (p-229)لِمَدْحِ الأنْصارِ بِخِصالٍ حَمِيدَةٍ مِن جُمْلَتِها مَحَبَّتُهم لِلْمُهاجِرِينَ ورِضاهم بِاخْتِصاصِ الفَيْءِ بِهِمْ أحْسَنَ رِضًا وأكْمَلَهُ، ومَعْنى تَبَوُّئِهِمُ الدّارَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا المَدِينَةَ، والإيمانَ مَباءَةً وتَمَكَّنُوا فِيهِما أشَدَّ تَمَكُّنٍ عَلى تَنْزِيلِ الحالِ مَنزِلَةَ المَكانِ. وقِيلَ: ضُمِّنَ التَّبَوُّؤُ مَعْنى اللُّزُومِ. وقِيلَ: تَبَوَّءُوا الدّارَ وأخْلَصُوا الإيمانَ كَقَوْلِ مَن قالَ: [عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا]. وقِيلَ: المَعْنى تَبَوَّءُوا دارَ الهِجْرَةِ ودارَ الإيمانِ فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ مِنَ الأوَّلِ وُعُوِّضَ مِنهُ اللّامُ. وقِيلَ: سَمّى المَدِينَةَ بِالإيمانِ لِكَوْنِها مَظْهَرَهُ ومَنشَأهُ.
﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هِجْرَةِ المُهاجِرِينَ عَلى المَعانِي الأُوَلِ ومِن قَبْلِ تَبَوُّؤِ المُهاجِرِينَ عَلى الأخِيرَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ اتِّخاذُ الإيمانِ مَباءَةً ولُزُومُهُ وإخْلاصُهُ عَلى المَعانِي الأُوَلِ عِبارَةٌ عَنْ إقامَةِ كافَّةِ حُقُوقِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إظْهارُ عامَّةِ شَعائِرِهِ وأحْكامِهِ، ولا رَيْبَ في تَقَدُّمِ الأنْصارِ في ذَلِكَ عَلى المُهاجِرِينَ لِظُهُورِ عَجْزِهِمْ عَنْ إظْهارِ بَعْضِها لا عَنْ إخْلاصِهِ قَلْبًا واعْتِقادًا إذْ لا يُتَصَوَّرُ تَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ أيْ: يُحِبُّونَهم مِن حَيْثُ مُهاجَرَتُهم إلَيْهِمْ لِمَحَبَّتِهِمُ الإيمانَ.
﴿وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ﴾ أيْ: في نُفُوسِهِمْ.
﴿حاجَةً﴾ أيْ: شَيْئًا مُحْتاجًا إلَيْهِ، يُقالُ: خُذْ مِنهُ حاجَتَكَ أيْ: ما تَحْتاجُ إلَيْهِ. وقِيلَ: إثْرُ حاجَةٍ كالطَّلَبِ والحَرازَةِ والحَسَدِ والغَيْظِ.
﴿مِمّا أُوتُوا﴾ أيْ: مِمّا أوُتِيَ المُهاجِرُونَ مِنَ الفَيْءِ وغَيْرِهِ.
﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾ أيْ: يُقَدِّمُونَ المُهاجِرِينَ.
﴿عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ في كُلِّ شَيْءٍ مِن أسْبابِ المَعاشِ حَتّى إنَّ مَن كانَ عِنْدَهُ امْرَأتانِ كانَ يَنْزِلُ عَنْ إحْداهُما ويُزَوِّجُها واحِدًا مِنهم.
﴿وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ أيْ: حاجَّةٌ وخَلَّةٌ وأصْلُها خَصاصُ البَيْتِ وهي فُرَجُهُ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ الحالِ وقَدْ عَرَفْتَ وجْهَهُ مِرارًا، «وَكانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَسَّمَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ عَلى المُهاجِرِينَ ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ مُحْتاجِينَ: أبا دُجانَةَ سِماكَ بْنَ خَرَشَةَ وسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ والحارِثَ بْنَ الصِّمَّةِ وقالَ لَهُمْ: إنْ شِئْتُمْ قَسَّمْتُمْ لِلْمُهاجِرِينَ مِن أمْوالِكم ودِيارِكم وشارَكْتُمُوهم في هَذِهِ الغَنِيمَةِ وإنْ شِئْتُمْ كانَتْ لَكم دِيارُكم وأمْوالُكم ولَمْ يُقَسَّمْ لَكم شَيْءٌ مِنَ الغَنِيمَةِ فَقالَتِ الأنْصارُ: بَلْ نُقْسِمُ لَهم مِن أمْوالِنا ودِيارِنا ونُؤْثِرُهم بِالغَنِيمَةِ ولا نُشارِكُهم فِيها فَنَزَلَتْ،» وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ ...إلَخْ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى الفُقَراءِ أوِ المُهاجِرِينَ، نَعَمْ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى "أُولَئِكَ"، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَسْتَدْعِي شَرِكَةَ الأنْصارِ لِلْمُهاجِرِينَ في الصِّدْقِ دُونَ الفَيْءِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحِبُّونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ اسْتِئْنافًا مُقَرِّرًا لِصِدْقِهِمْ أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ "تَبَوَّءُوا".
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ الشُّحُّ بِالضَّمِّ والكَسْرِ وقَدْ قُرِئَ بِهِ أيْضًا: اللُّؤْمُ وإضافَتُهُ إلى النَّفْسِ لِأنَّهُ غَرِيزَةٌ فِيها مُقْتَضِيَةٌ لِلْحِرْصِ عَلى المَنعِ الَّذِي هو البُخْلُ أيْ: ومَن يُوقَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى شُحَّها حَتّى يُخالِفَها فِيما يَغْلِبُ عَلَيْها مِن حُبِّ المالِ وبُغْضِ الإنْفاقِ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن" بِاعْتِبارِ مَعْناها العامِّ المُنْتَظِمِ لِلْمَذْكُورِينَ انْتِظامًا أوَّلِيًّا.
﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ النّاجُونَ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وارِدٌ لِمَدْحِ الأنْصارِ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ، وقُرِئَ "يُوَقَّ" بِالتَّشْدِيدِ.
الحشر 59:10
﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ هُمُ الَّذِينَ (p-230)هاجَرُوا بَعْدَ ما قَوِيَ الإسْلامُ أوِ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ الفَرِيقَيْنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ وأيًّا ما كانَ؛ فالمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَقُولُونَ﴾ ...إلَخْ والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِمَدْحِهِمْ بِمَحَبَّتِهِمْ لِمَن تَقَدَّمَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُراعاتِهِمْ لِحُقُوقِ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ والسَّبْقِ بِالإيمانِ كَما أنَّ "ما" عُطِفَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِمَدْحِ الأنْصارِ أيْ: يَدْعُونَ لَهم.
﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا﴾ أيْ: في الدِّينِ الَّذِي هو أعَزُّ وأشْرَفُ عِنْدَهم مِنَ النَّسَبِ.
﴿الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ وصَفُوهم بِذَلِكَ اعْتِرافًا بِفَضْلِهِمْ.
﴿وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا﴾ وقُرِئَ "غِمْرًا" وهُما: الحِقْدُ.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى الإطْلاقِ.
﴿رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ فَحَقِيقٌ بِأنْ تُجِيبَ دُعاءَنا.
الحشر 59:11
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ مِنَ الأقْوالِ الكاذِبَةِ والأحْوالِ الفاسِدَةِ وتَعْجِيبٌ مِنها بَعْدَ حِكايَةِ مَحاسِنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأقْوالِهِمْ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ ...إلَخْ. اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ قَوْلِهِمْ أوْ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِهِ واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ لِلتَّبْلِيغِ والمُرادُ بِأُخُوَّتِهِمْ: إمّا تَوافُقُهم في الكُفْرِ أوْ صَداقَتُهم ومُوالاتُهُمْ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ أيْ: مِن دِيارِكم قَسْرًا، مُوَطِّئَةٌ لِلْقِسْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ جَوابُ القَسَمِ، أيْ: واللَّهِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمُ البَتَّةَ ونَذْهَبَنَّ في صُحْبَتِكم أيْنَما ذَهَبْتُمْ.
﴿وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أيْ: في شَأْنِكم.
﴿أحَدًا﴾ يَمْنَعُنا مِنَ الخُرُوجِ مَعَكم.
﴿أبَدًا﴾ وإنْ طالَ الزَّمانُ، وقِيلَ: لا نُطِيعُ في قِتالِكم أوْ خِذْلانِكم ولَيْسَ بِذاكَ لِأنَّ تَقْدِيرَ القِتالِ مُتَرَقَّبٌ بَعْدُ ولِأنَّ وعْدَهم لَهم عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَدَمِ طاعَتِهِمْ لِمَن يَدْعُوهم إلى قِتالِهِمْ بَلْ نُصْرَتِهِمْ عَلَيْهِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ أيْ: لِنُعاوِنَنَّكم عَلى عَدُوِّكم عَلى أنَّ دَعْوَتَهم إلى خِذْلانِ اليَهُودِ مِمّا لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ حَتّى يَدَّعُوا عَدَمَ طاعَتِهِمْ فِيها ضَرُورَةَ أنَّها لَوْ كانَتْ لَكانَتْ عِنْدَ اسْتِعْدادِهِمْ لِنُصْرَتِهِمْ وإظْهارِ كُفْرِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ ما يَفْعَلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ ذَلِكَ قَتْلُهم لا دَعْوَتُهم إلى تَرْكِ نُصْرَتِهِمْ، وأمّا الخُرُوجُ مَعَهم فَلَيْسَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ مِن إظْهارِ الكُفْرِ لِجَوازِ أنْ يَدَّعُوا أنَّ خُرُوجَهم مَعَهم لِما بَيْنَهم مِنَ الصَّداقَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لا لِلْمُوافَقَةِ في الدِّينِ.
﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في مَواعِيدِهِمُ المُؤَكَّدَةِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ.
الحشر 59:12
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ ...إلَخْ تَكْذِيبٌ لَهم في كُلِّ واحِدٍ (p-231)مِن أقْوالِهِمْ عَلى التَّفْصِيلِ بَعْدَ تَكْذِيبِهِمْ في الكُلِّ عَلى الإجْمالِ.
﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ وكانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ ابْنَ أُبَيِّ وأصْحابَهُ أرْسَلُوا إلى بَنِي النَّضِيرِ ذَلِكَ سِرًّا ثُمَّ أخْلَفُوهُمْ، وفِيهِ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ لِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ وإعْجازِ القرآن.
﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ.
﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ فِرارًا.
﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أيْ: يُهْلِكُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْفَعُهم نِفاقُهم لِظُهُورِ كُفْرِهِمْ أوْ لَيُهْزَمَنَّ اليَهُودُ ثُمَّ لا يَنْفَعُهم نُصْرَةُ المَنافِقِينَ.
الحشر 59:13
﴿لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً﴾ أيْ: أشُدُّ مَرْهُوبِيَّةً، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ.
﴿فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: رَهْبَتُهم مِنكم في السِّرِّ أشَدُّ مِمّا يُظْهِرُونَهُ لَكم مِن رَهْبَةِ اللَّهِ فَإنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ عِنْدَهم رَهْبَةً عَظِيمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن كَوْنِ رَهْبَتِهِمْ مِنكم أشَدَّ مِن رَهْبَةِ اللَّهِ.
﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم.
﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: شَيْئًا حَتّى يَعْلَمُوا عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى فَيَخْشَوْهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ.
الحشر 59:14
﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أيِ: اليَهُودُ والمُنافِقُونَ بِمَعْنى: لا يَقْدِرُونَ عَلى قِتالِكم.
﴿جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ مُتَّفِقِينَ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ.
﴿إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ بِالدُّرُوبِ والخَنادِقِ.
﴿أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾ دُونَ أنْ يُصْحِرُوا لَكم ويُبارِزُوكم لِفَرْطِ رَهْبَتِهِمْ، وقُرِئَ "جُدْرٍ" بِالتَّخْفِيفِ وقُرِئَ "جِدارٍ" وبِإمالَةِ فَتْحَةِ الدّالِ و"جَدْرٍ" و"جُدَرٍ" وهُما الجِدارُ.
﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مِن رَهْبَتِهِمْ لَيْسَ لِضَعْفِهِمْ وجُبْنِهِمْ في أنْفُسِهِمْ فَإنَّ بَأْسَهم بِالنِّسْبَةِ إلى أقْرانِهِمْ شَدِيدٌ وإنَّما ضَعْفُهم وجُبْنُهم بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم بِما قَذَفَ اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ.
﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا﴾ مُجْتَمِعِينَ مُتَّفِقِينَ.
﴿وَقُلُوبُهم شَتّى﴾ مُتَفَرِّقَةٌ لا أُلْفَةَ بَيْنَها.
﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن تَشَتُّتِ قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم.
﴿قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا حَتّى يَعْرِفُوا الحَقَّ ويُتْبِعُوهُ وتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُهم وتَتَّحِدَ كَلِمَتُهم ويَرْمُوا عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ فَيَقَعُونَ في تِيهِ الضَّلالِ وتَتَشَتَّتُ قُلُوبُهم حَسَبَ تَشَتُّتِ طُرُقِهِ وتَفَرُّقِ فُنُونِهِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: لا يَعْقِلُونَ أنَّ تَشَتُّتَ القُلُوبِ مِمّا يُوهِنُ قُواهم فَبِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ.
الحشر 59:15
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ مَثَلُهم أيْ: مَثَلُ المَذْكُورِينَ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ كَمَثَلِ أهْلِ بَدْرٍ أوْ بَنِي قَيْنُقاعَ عَلى ما قِيلَ أنَّهم أُخْرِجُوا قَبْلَ بَنِي النَّضِيرِ.
﴿قَرِيبًا﴾ في زَمانٍ قَرِيبٍ، وانْتِصابُهُ بِمِثْلِ ذا التَّقْدِيرِ كَوُقُوعِ مَثَلِ ...إلَخْ ﴿ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: سُوءَ عاقِبَةِ كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا.
﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخِرَةِ.
﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ والمَعْنى: أنَّ حالَ هَؤُلاءِ كَحالِ أُولَئِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَكِنْ لا عَلى أنَّ حالَ كُلِّهِمْ كَحالِهِمْ بَلْ حالُ بَعْضِهِمُ الَّذِينَ هُمُ اليَهُودُ كَذَلِكَ، وأمّا حالُ المُنافِقِينَ فَهي ما نَطَقَ بِهِ.
الحشر 59:16
(p-232)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ فَإنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَإ المُقَدَّرِ مُبَيِّنٌ لِحالِهِمْ مُتَضَمِّنٌ لِحالٍ أُخْرى لِلْيَهُودِ وهي اغْتِرارُهم بِمُقابَلَةِ المُنافِقِينَ أوَّلًا وخَيْبَتُهم آخِرًا وقَدْ أُجْمِلَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ حَيْثُ أُسْنِدَ كُلٌّ مِنَ الخَبَرَيْنِ إلى المُقَدَّرِ المُضافِ إلى ضَمِيرِ الفَرِيقَيْنِ مِن غَيْرِ تَعْيِينِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ بِخُصُوصِهِ ثِقَةً بِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ كُلًّا مِنَ المَثَلَيْنِ إلى ما يُماثِلُهُ كَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ اليَهُودِ في حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ...إلَخْ ومَثَلُ المُنافِقِينَ في إغْرائِهِمْ إيّاهم عَلى القِتالِ حَسَبَما نُقِلَ عَنْهم كَمَثَلِ الشَّيْطانِ.
﴿إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ﴾ أيْ: أغْراهُ عَلى الكُفْرِ إغْراءَ الآمِرِ المَأْمُورَ عَلى المَأْمُورِ بِهِ.
﴿فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ﴾ وقُرِئَ "أنا بَرِيءٌ مِنكَ" إنْ أُرِيدَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ فَهَذا التَّبَرُّؤُ مِنَ الشَّيْطانِ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ وإنْ أُرِيدَ بِهِ أبُو جَهْلٍ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اكْفُرْ﴾ عِبارَةٌ عَنْ قَوْلِ إبْلِيسَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمُ﴾ وتَبَرُّؤُهُ قَوْلُهُ يَوْمَئِذٍ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ الآيَةُ.
الحشر 59:17
﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ واسْمُها.
﴿أنَّهُما في النّارِ﴾ وقُرِئَ بِالعَكْسِ وقَدْ مَرَّ أنَّهُ أوْضَحُ.
﴿خالِدَيْنِ فِيها﴾ وقُرِئَ "خالِدانِ فِيها" عَلى أنَّهُ خَبَرُ أنَّ و"فِي النّارِ" لَغْوٌ.
﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الخُلُودُ في النّارِ جَزاءُ الظّالِمِينَ عَلى الإطْلاقِ دُونَ هَؤُلاءِ خاصَّةً.
الحشر 59:18
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ.
﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ قَدَّمَتْ مِنَ الأعْمالِ لِيَوْمِ القِيامَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِدُنُوِّهِ أوْ لِأنَّ الدُّنْيا كَيَوْمِ والآخِرَةَ غَدُهُ وتَنْكِيرُهُ لِتَفْخِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِغَدٍ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لِغايَةِ عِظَمِهِ، وأمّا تَنْكِيرُ "نَفْسٍ" فَلِاسْتِقْلالِ الأنْفُسِ النَّواظِرِ فِيما قَدَّمْنَ لِذَلِكَ اليَوْمَ الهائِلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ واحِدَةٌ ذَلِكَ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ أوِ الأوَّلُ في أداءِ الواجِباتِ كَما يُشْعِرُ بِهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ بِالعَمَلِ وهَذا تَرْكُ المَحارِمِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ الوَعِيدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ المَعاصِي.
الحشر 59:19
﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ أيْ: نَسُوا حُقُوقَهُ تَعالى وما قَدَّرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ ولَمْ يُراعُوا مَواجِبَ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ حَقَّ رِعايَتِها.
﴿فَأنْساهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
﴿أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: جَعَلَهم ناسِينَ لَها حَتّى لَمْ يَسْمَعُوا ما يَنْفَعُها ولَمْ يَفْعَلُوا ما يُخَلِّصُها أوْ أراهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ ما أنْساهم أنْفُسَهم.
﴿أُولَئِكَ﴾ (p-233)هُمُ.
﴿الفاسِقُونَ﴾ الكامِلُونَ في الفُسُوقِ.
الحشر 59:20
﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ﴾ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ تَعالى فاسْتَحَقُّوا الخُلُودَ في النّارِ.
﴿وَأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ فاسْتَحَقُّوا الخُلُودَ في الجَنَّةِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ أصْحابِ النّارِ في الذِّكْرِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ المَقْصُورُ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ مِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَةِ مُقابِلِيهِمْ فَإنَّ مَفْهُومَ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَفاوِتَيْنِ زِيادَةً ونُقْصانًا وإنْ جازَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبَ زِيادَةِ الزّائِدِ لَكِنِ المُتَبادِرُ اعْتِبارُهُ بِحَسَبَ نُقْصانِ النّاقِصِ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: " هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِير " أمْ هَلْ يُسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواقِعِ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ الفاضِلِ فِيهِ لِأنَّ صِلَتَهُ مَلَكَةٌ لِصِلَةِ المَفْضُولِ والأعْدامُ مَسْبُوقَةٌ بِمَلِكاتِها ولا دَلالَةَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يَقْتَصُّ بِالكافِرِ وأنَّ الكُفّارَ لا يَمْلِكُونَ أمْوالَ المُسْلِمِينَ بِالقَهْرِ لِأنَّ المُرادَ عَدَمُ الِاسْتِواءِ في الأُخْرَوِيَّةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعْبِيرُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ بِصاحِبِيَّةِ النّارِ وصاحِبِيَّةِ الجَنَّةِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ أيْ: هُمُ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ النّاجُونَ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ.
الحشر 59:21
﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القرآن﴾ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُنْطَوِيَ عَلى فُنُونِ القَوارِعِ.
﴿عَلى جَبَلٍ﴾ مِنَ الجِبالِ.
﴿لَرَأيْتَهُ﴾ مَعَ كَوْنِهِ عَلَمًا في القَسْوَةِ وعَدَمِ التَّأثُّرِ مِمّا يُصادِمُهُ.
﴿خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: مُتَشَقِّقًا مِنها، وقُرِئَ "مُصَدَّعًا" بِالإدْغامِ وهَذا تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ لِعُلُوِّ شَأْنِ القرآن وقُوَّةِ تَأْثِيرِ ما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ أُرِيدَ بِهِ تَوْبِيخُ الإنْسانِ عَلى قَسْوَةِ قَلْبِهِ وعَدَمِ تَخَشُّعِهِ عِنْدَ تِلاوَتِهِ وقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ فِيهِ.
الحشر 59:22
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وحْدَهُ.
﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ: ما غابَ عَنِ الحِسِّ مِنَ الجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ وأحْوالِها وما حَضَرَ لَهُ مِنَ الأجْرامِ وأعْراضِها، وتَقْدِيمُ الغَيْبِ عَلى الشَّهادَةِ لِتَقَدُّمِهِ في الوُجُودِ وتَعَلُّقِ العِلْمِ القَدِيمِ بِهِ أوِ المَعْدُومِ والمَوْجُودِ أوِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ.
﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ .
الحشر 59:23
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ كُرِّرَ لِإبْرازِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّوْحِيدِ.
﴿المَلِكُ القُدُّوسُ﴾ البَلِيغُ في النَّزاهَةِ عَمّا يُوجِبُ نُقْصانًا، وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهي (p-234)لُغَةٌ فِيهِ.
﴿السَّلامُ﴾ ذُو السَّلامَةِ مِن كُلِّ نَقْصٍ وآفَةٍ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿المُؤْمِنُ﴾ واهِبُ الأمْنِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ بِمَعْنى المُؤْمَنُ بِهِ عَلى حَذْفِ الجارِّ.
﴿المُهَيْمِنُ﴾ الرَّقِيبُ الحافِظُ لِكُلِّ شَيْءٍ، مُفَيْعِلٌ مِنَ الأمْنِ بِقَلْبِ هَمْزَتِهِ هاءً.
﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ.
﴿الجَبّارُ﴾ الَّذِي جَبَرَ خَلْقَهُ عَلى ما أرادَ أوْ جَبَرَ أحْوالَهم أيْ: أصْلَحَها.
﴿المُتَكَبِّرُ﴾ الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ كُلِّ ما يُوجِبُ حاجَةً أوْ نُقْصانًا أوِ البَلِيغُ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ.
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَهُ بِهِ تَعالى أوْ عَنْ إشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى إثْرَ تَعْدادِ صِفاتِهِ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُشارِكَهُ تَعالى في شَيْءٍ مِنها شَيْءٌ ما أصْلًا.
الحشر 59:24
﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ﴾ المُقَدِّرُ لِلْأشْياءِ عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِهِ.
﴿البارِئُ﴾ المُوجِدُ لَها بَرِيئًا مِنَ التَّفاوُتِ، وقِيلَ: المُمَيِّزُ بَعْضَها مِن بَعْضٍ بِالأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ.
﴿المُصَوِّرُ﴾ المُوجِدُ لِصُوَرِها وكَيْفِيَّتِها كَما أرادَ.
﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ لِدَلاتِها عَلى المَعانِي الحَسَنَةِ.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَنْطِقُ بِتَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ تَنَزُّهًا ظاهِرًا.
﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ الجامِعُ لِلْكَمالاتِ كافَّةً فَإنَّها مَعَ تَكَثُّرِها وتَشَعُّبِها راجِعَةٌ إلى الكَمالِ في القُدْرَةِ والعِلْمِ.
عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الحَشْرِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ".»