Tafsir Abi Al-Suaood — الممتحنة 60:1 – نوح 71:28
المحتويات
- الممتحنة 60:1
- الممتحنة 60:2
- الممتحنة 60:3
- الممتحنة 60:4
- الممتحنة 60:5
- الممتحنة 60:6
- الممتحنة 60:7
- الممتحنة 60:8
- الممتحنة 60:9
- الممتحنة 60:10
- الممتحنة 60:11
- الممتحنة 60:12
- الممتحنة 60:13
- الصف 61:1
- الصف 61:2
- الصف 61:3
- الصف 61:4
- الصف 61:5
- الصف 61:6
- الصف 61:7
- الصف 61:8
- الصف 61:9
- الصف 61:10
- الصف 61:11
- الصف 61:12
- الصف 61:13
- الصف 61:14
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:4
- الجمعة 62:5
- الجمعة 62:6
- الجمعة 62:7
- الجمعة 62:8
- الجمعة 62:9
- الجمعة 62:10
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:2
- المنافقون 63:3
- المنافقون 63:4
- المنافقون 63:5
- المنافقون 63:6
- المنافقون 63:7
- المنافقون 63:8
- المنافقون 63:9
- المنافقون 63:10
- المنافقون 63:11
- التغابن 64:1
- التغابن 64:2
- التغابن 64:3
- التغابن 64:4
- التغابن 64:5
- التغابن 64:6
- التغابن 64:7
- التغابن 64:8
- التغابن 64:9
- التغابن 64:10
- التغابن 64:11
- التغابن 64:12
- التغابن 64:13
- التغابن 64:14
- التغابن 64:15
- التغابن 64:16
- التغابن 64:17
- التغابن 64:18
- الطلاق 65:1
- الطلاق 65:2
- الطلاق 65:3
- الطلاق 65:4
- الطلاق 65:5
- الطلاق 65:6
- الطلاق 65:7
- الطلاق 65:8
- الطلاق 65:9
- الطلاق 65:10
- الطلاق 65:11
- الطلاق 65:12
- التحريم 66:1
- التحريم 66:2
- التحريم 66:3
- التحريم 66:4
- التحريم 66:5
- التحريم 66:6
- التحريم 66:7
- التحريم 66:8
- التحريم 66:9
- التحريم 66:10
- التحريم 66:11
- التحريم 66:12
- الملك 67:1
- الملك 67:2
- الملك 67:3
- الملك 67:4
- الملك 67:5
- الملك 67:6
- الملك 67:7
- الملك 67:8
- الملك 67:9
- الملك 67:10
- الملك 67:11
- الملك 67:12
- الملك 67:13
- الملك 67:14
- الملك 67:15
- الملك 67:16
- الملك 67:17
- الملك 67:18
- الملك 67:19
- الملك 67:20
- الملك 67:21
- الملك 67:22
- الملك 67:23
- الملك 67:24
- الملك 67:25
- الملك 67:26
- الملك 67:27
- الملك 67:28
- الملك 67:29
- الملك 67:30
- القلم 68:1
- القلم 68:2
- القلم 68:3
- القلم 68:4
- القلم 68:5
- القلم 68:6
- القلم 68:7
- القلم 68:8
- القلم 68:9
- القلم 68:10
- القلم 68:11
- القلم 68:12
- القلم 68:13
- القلم 68:14
- القلم 68:15
- القلم 68:16
- القلم 68:17
- القلم 68:18
- القلم 68:19
- القلم 68:20
- القلم 68:21
- القلم 68:22
- القلم 68:23
- القلم 68:24
- القلم 68:25
- القلم 68:26
- القلم 68:27
- القلم 68:28
- القلم 68:29
- القلم 68:30
- القلم 68:31
- القلم 68:32
- القلم 68:33
- القلم 68:34
- القلم 68:35
- القلم 68:36
- القلم 68:37
- القلم 68:38
- القلم 68:39
- القلم 68:40
- القلم 68:41
- القلم 68:42
- القلم 68:43
- القلم 68:44
- القلم 68:45
- القلم 68:46
- القلم 68:47
- القلم 68:48
- القلم 68:49
- القلم 68:50
- القلم 68:51
- القلم 68:52
- الحاقة 69:1
- الحاقة 69:2
- الحاقة 69:3
- الحاقة 69:4
- الحاقة 69:5
- الحاقة 69:6
- الحاقة 69:7
- الحاقة 69:8
- الحاقة 69:9
- الحاقة 69:10
- الحاقة 69:11
- الحاقة 69:12
- الحاقة 69:13
- الحاقة 69:14
- الحاقة 69:15
- الحاقة 69:16
- الحاقة 69:17
- الحاقة 69:18
- الحاقة 69:19
- الحاقة 69:20
- الحاقة 69:21
- الحاقة 69:22
- الحاقة 69:23
- الحاقة 69:24
- الحاقة 69:25
- الحاقة 69:26
- الحاقة 69:27
- الحاقة 69:28
- الحاقة 69:29
- الحاقة 69:30
- الحاقة 69:31
- الحاقة 69:32
- الحاقة 69:33
- الحاقة 69:34
- الحاقة 69:35
- الحاقة 69:36
- الحاقة 69:37
- الحاقة 69:38
- الحاقة 69:39
- الحاقة 69:40
- الحاقة 69:41
- الحاقة 69:42
- الحاقة 69:43
- الحاقة 69:44
- الحاقة 69:45
- الحاقة 69:46
- الحاقة 69:47
- الحاقة 69:48
- الحاقة 69:49
- الحاقة 69:50
- الحاقة 69:51
- الحاقة 69:52
- المعارج 70:1
- المعارج 70:2
- المعارج 70:3
- المعارج 70:4
- المعارج 70:5
- المعارج 70:6
- المعارج 70:7
- المعارج 70:8
- المعارج 70:9
- المعارج 70:10
- المعارج 70:11
- المعارج 70:12
- المعارج 70:13
- المعارج 70:14
- المعارج 70:15
- المعارج 70:16
- المعارج 70:17
- المعارج 70:18
- المعارج 70:19
- المعارج 70:20
- المعارج 70:21
- المعارج 70:22
- المعارج 70:23
- المعارج 70:24
- المعارج 70:25
- المعارج 70:26
- المعارج 70:27
- المعارج 70:28
- المعارج 70:29
- المعارج 70:30
- المعارج 70:31
- المعارج 70:32
- المعارج 70:33
- المعارج 70:34
- المعارج 70:35
- المعارج 70:36
- المعارج 70:37
- المعارج 70:38
- المعارج 70:39
- المعارج 70:40
- المعارج 70:41
- المعارج 70:42
- المعارج 70:43
- المعارج 70:44
- نوح 71:1
- نوح 71:2
- نوح 71:3
- نوح 71:4
- نوح 71:5
- نوح 71:6
- نوح 71:7
- نوح 71:8
- نوح 71:9
- نوح 71:10
- نوح 71:11
- نوح 71:12
- نوح 71:13
- نوح 71:14
- نوح 71:15
- نوح 71:16
- نوح 71:17
- نوح 71:18
- نوح 71:19
- نوح 71:20
- نوح 71:21
- نوح 71:22
- نوح 71:23
- نوح 71:24
- نوح 71:25
- نوح 71:26
- نوح 71:27
- نوح 71:28
الممتحنة 60:1
(p-235)سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ
مَدَنِيَّةٌ وآياتُها ثَلاثَ عَشْرَةَ
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ نَزَلَتْ في حاطِبِ ابْنِ أبِي بَلْتَعَةَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغَزْوِ الفَتْحِ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكم وأرْسَلَهُ مَعَ سارَّةَ مَوَلاةِ بَنِي المُطَّلِبِ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالخَبَرِ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وعَمّارًا وطَلْحَةَ والزُّبَيْرَ والمِقْدادَ وأبا مَرْثَدٍ وقالَ: انْطَلَقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابُ حاطِبٍ إلى أهْلِ مَكَّةَ فَخُذُوهُ مِنها وخَلُّوها فَإنْ أبَتْ فاضْرِبُوا عُنُقَها فَأدْرَكُوها ثَمَّةَ فَجَحَدَتْ فَسَلَّ عَلِيٌّ سَيْفَهُ فَأخْرَجْتَهُ مِن عِقاصِها فاسْتَحْضَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حاطِبًا وقالَ: ما حَمَلَكَ عَلى هَذا؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ ولا غَشَشْتُكَ مُنْذُ نَصَحْتُكَ ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْش ولَيْسَ لِي فِيهِمْ مَن يَحْمِي أهْلِي فَأرَدْتُ أنْ آخُذَ عِنْدَهم يَدًا وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ كِتابِي لَنْ يُغْنِيَ عَنْهم شَيْئًا فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَبِلَ عُذْرَهُ.
﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ أيْ: تُوصِلُونَ إلَيْهِمْ، عَلى أنَّ الباءَ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ أوْ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ "لا تَتَّخِذُوا" أوْ صِفَةٌ لِـ"أوْلِياءَ" وإبْرازُ الضَّمِيرِ في الصِّفاتِ الجارِيَةِ عَلى غَيْرِ مَن هي لَهُ إنَّما يُشْتَرَطُ في الِاسْمِ دُونَ الفِعْلِ أوِ اسْتِئْنافٌ.
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "تُلْقُونَ"، وقِيلَ: مِن فاعِلِ "لا تَتَّخِذُوا" وقُرِئَ "لِما جاءَكُمْ" أيْ: كَفَرُوا لِأجْلِ ما جاءَكم بِمَعْنى جَعْلِ ما هو سَبَبُ الإيمانِ سَبَبًا لِلْكُفْرِ.
﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ وهو إمّا حالٌ مِن فاعِلِ "كَفَرُوا" أوِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكُفْرِهِمْ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإخْراجِ فِيهِ تَغْلِيبُ المُخاطَبِ عَلى الغائِبِ والتِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِلْإشْعارِ بِما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ والربوبية. (p-236)﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"لا تَتَّخِذُوا" كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَوَلَّوْا أعْدائِي إنْ كُنْتُمْ أوْلِيائِي وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ عَلى نَهْجِ العِتابِ والتَّوْبِيخِ أيْ: تُسِرُّونَ إلَيْهِمُ المَوَدَّةَ أوِ الأخْبارَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ.
﴿وَأنا أعْلَمُ﴾ أيْ: والحالُ أنِّي أعْلَمُ مِنكم.
﴿بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ﴾ ومُطْلِعٌ رَسُولِي عَلى ما تُسِرُّونَ، فَأيُّ طائِلٍ لَكم في الإسْرارِ، وقِيلَ: "أعْلَمُ" مُضارِعٌ والباءُ مَزِيدَةٌ و"ما" مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ وتَقْدِيمُ الإخْفاءِ عَلى الإعْلانِ قَدْ مَرَّ وجْهُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: " يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ " .
﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ أيِ: الِاتِّخاذَ.
﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ فَقَدْ أخَطَأ طَرِيقَ الحَقِّ والصَّوابِ.
الممتحنة 60:2
﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ أيْ: إنْ يَظْفَرُوا بِكم.
﴿يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾ أيْ: يُظْهِرُوا ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ العَداوَةِ ويُرَتِّبُوا عَلَيْها أحْكامَها.
﴿وَيَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ بِما يَسُوؤُكم مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والشَّتْمِ.
﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ: تَمَنَّوُا ارْتِدادَكم، وصِيغَةُ الماضِي لِلْإيذانِ بِتَحْقِيقِ وِدادَتِهِمْ قَبْلَ أنْ يَثْقَفُوهم أيْضًا.
الممتحنة 60:3
﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ﴾ قَراباتُكم.
﴿وَلا أوْلادُكُمْ﴾ الَّذِينَ تُوالُونَ المُشْرِكِينَ لِأجْلِهِمْ وتَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِمْ مُحاماةً عَلَيْهِمْ.
﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بِجَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ.
﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ عَدَمِ نَفْعِ الأرْحامِ والأوْلادِ يَوْمَئِذٍ أيْ: يُفَرِّقُ اللَّهُ بَيْنَكم بِما اعْتَراكم مِنَ الهَوْلِ المُوجِبِ لِفِرارِ كُلٍّ مِنكم مِنَ الآخَرِ حَسَبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ الآيَةُ، فَمالكم تَرْفُضُونَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى لِمُراعاةِ حَقِّ مَن هَذا شَأْنُهُ، وقُرِئَ "يُفْصَلُ" و"يُفَصَّلُ" مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و"يَفْصِلُ" و"يُفَصِّلُ" مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى و"نَفْصِلُ" و"نُفَصِّلُ" بِالنُّونِ.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم بِهِ.
الممتحنة 60:4
﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أيْ: خَصْلَةٌ حَمِيدَةٌ حَقِيقَةٌ بِأنْ يُؤْتَسى ويُقْتَدى بِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ أيْ: مِن أصْحابِهِ المُؤْمِنِينَ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ"أُسْوَةٌ" أوْ خَبَرٌ لِـ"كانَ" و"لَكُمْ" لِلْبَيانِ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في حَسَنَةٌ أوْ صِلَةٌ لَها لا لِـ"أُسْوَةٌ" عِنْدَ مَن لا يُجَوِّزُ العَمَلَ بَعْدَ الوَصْفِ.
﴿إذْ قالُوا﴾ (p-237)ظَرْفٌ لِخَبَرِ كانَ.
﴿لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ جَمْعُ بَرِيءٍ كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ، وقُرِئَ "بِراءٌ" كَظِرافٍ و"بُراءٍ" كَرُخالٍ و"بَراءٌ" عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً.
﴿وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ.
﴿كَفَرْنا بِكُمْ﴾ أيْ: بِدِينِكم أوْ بِمَعْبُودِكم أوْ بِكم وبِهِ فَلا نَعْتَدُّ بِشَأْنِكم وبِآلِهَتِكم.
﴿وَبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا﴾ أيْ: هَذا دَأْبُنا مَعَكم لا نَتْرُكُهُ.
﴿حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ وتَتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ فَتَنْقَلِبُ العَداوَةُ حِينَئِذٍ ولايَةً والبَغْضاءُ مَحَبَّةً.
﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فَإنَّ اسْتِغْفارَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِيهِ الكافِرِ وإنْ كانَ جائِزًا عَقْلًا وشَرْعًا لِوُقُوعِهِ قَبْلَ تَبَيُّنِ أنَّهُ مِن أصْحابِ الجحيم كَما نَطَقَ بِهِ النَّصُّ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتَسى بِهِ أصْلًا إذِ المُرادُ بِهِ: ما يَجِبُ الِائْتِساءُ بِهِ حَتْمًا لِوُرُودِ الوَعِيدِ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فاسْتِثْناؤُهُ مِنَ الأُسْوَةِ إنَّما يُفِيدُ عَدَمَ وُجُوبِ اسْتِدْعاءِ الإيمانِ والمَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ المَرْجُوِّ إيمانُهُ وذَلِكَ مِمّا لا يَرْتابُ فِيهِ عاقِلٌ، وأمّا عَدَمُ جَوازِهِ فَلا دَلالَةَ لِلِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ قَطْعًا هَذا، وأمّا تَعْلِيلُ عَدَمِ كَوْنِ اسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِيهِ الكافِرِ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتَسى بِهِ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَ النَّهْيِ أوْ لِمَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَبِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ بِالكُلِّيَّةِ لِابْتِنائِهِ عَلى تَناوُلِ النَّهْيِ لِاسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ وإنْبائِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُؤْتَسًى بِهِ لَوْ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ وكِلاهُما بَيِّنُ البُطْلانِ لَما أنَّ مَوْرِدَ النَّهْيِ هو الِاسْتِغْفارُ لِلْكافِرِ بَعْدَ تَبَيُّنِ أمْرِهِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ اسْتِغْفارَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِيهِ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا وأنَّ ما يُؤْتَسى بِهِ ما يَجِبُ الِائْتِساءُ بِهِ لا ما يَجُوزُ فِعْلُهُ في الجُمْلَةِ، وتَجْوِيزُ أنْ يَكُونَ اسْتِغْفارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ بَعْدَ النَّهْيِ كَما هو المَفْهُومُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ أوْ لِمَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ مِمّا لا مَساغَ لَهُ وتَوْجِيهُ الِاسْتِثْناءِ إلى العِدَةِ بِالِاسْتِغْفارِ لا إلى نَفْسِ الِاسْتِغْفارِ بِقَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ الآيَةُ لِأنَّها كانَتْ هي الحامِلَةَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الِاسْتِغْفارِ، وتَخْصِيصُ هَذِهِ العِدَةِ بِالذِّكْرِ دُونَ ما وقَعَ في سُورَةِ مَرْيَمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ لِوُرُودِها عَلى طَرِيقِ التَّوْكِيدِ القَسَمَيِّ، وأمّا جَعْلُ الِاسْتِغْفارِ دائِرًا عَلَيْها وتَرْتِيبُ التَّبَرُّؤِ عَلى تَبَيُّنِ الأمْرِ فَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ﴾ مِن تَمامِ القَوْلِ المُسْتَثْنى، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ "لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ" أيْ: أسْتَغْفِرُ لَكَ ولَيْسَ في طاقَتِي إلّا الِاسْتِغْفارُ فَمَوْرِدُ الِاسْتِثْناءِ نَفْسُ الِاسْتِغْفارِ لا قَيْدُهُ الَّذِي هو في نَفْسِهِ مِن خِصالِ الخَيْرِ لِكَوْنِهِ إظْهارًا لِلْعَجْزِ وتَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ ...إلَخْ مِن تَمامِ ما نُقِلَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِقَصْرِ التَّوَكُّلِ والإنابَةِ والمَصِيرِ عَلى اللَّهِ تَعالى قالُوهُ بَعْدَ المُجاهَرَةِ وقَشْرِ العَصا التِجاءً إلى اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ لا سِيَّما في مُدافَعَةِ الكَفَرَةِ وكِفايَةِ شُرُورِهِمْ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:
الممتحنة 60:5
﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِأنْ تُسَلِّطَهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا بِعَذابٍ لا نُطِيقُهُ.
﴿واغْفِرْ لَنا﴾ ما فَرَطَ مِنّا مِنَ العَذابِ.
﴿رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يَذِلُّ (p-238)مَنِ التَجَأ إلَيْهِ ولا يَخِيبُ رَجاءُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ والجُؤارِ هَذا، وأمّا جَعْلُ الآيَتَيْنِ تَلْقِينًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِن جِهَتِهِ تَعالى وأمْرًا لَهم بِأنْ يَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ ويُنِيبُوا إلَيْهِ ويَسْتَعِيذُوا بِهِ مِن فِتْنَةِ الكَفَرَةِ ويَسْتَغْفِرُوا مِمّا فَرَطَ مِنهم تَكْمِلَةً لِما وصّاهم بِهِ مِن قَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكَفَرَةِ فَلا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ.
الممتحنة 60:6
﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ﴾ أيْ: في إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ.
﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمُبالِغَةِ في الحَثِّ عَلى الِائْتِساءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِذَلِكَ صُدِّرَ بِالقَسَمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ بَدَلٌ مِن "لَكُمْ" فائِدَتُهُ الإيذانُ بِأنَّ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لا يَتْرُكُ الِاقْتِداءَ بِهِمْ وأنَّ تَرْكَهُ مِن مَخايِلِ عَدَمِ الإيمانِ بِهِما كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فَإنَّهُ مِمّا يُوعَدُ بِأمْثالِهِ الكَفَرَةُ.
الممتحنة 60:7
﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن أقارِبِكُمُ المُشْرِكِينَ.
﴿مَوَدَّةً﴾ بِأنْ يُوافِقَكم في الدِّينِ، وعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ لِما رَأى مِنهم مِنَ التَّصَلُّبِ في الدِّينِ والتَّشَدُّدِ لِلَّهِ في مُعاداةِ آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ وسائِرِ أقْرِبائِهِمْ ومُقاطَعَتِهِمْ إيّاهم بِالكُلِّيَّةِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، ولَقَدْ أنْجَزَ وعْدَهُ الكَرِيمَ حِينَ أتاحَ لَهُمُ الفَتْحَ فَأسْلَمَ قَوْمُهم فَتَمَّ بَيْنَهم مِنَ التَّحابِّ والتَّصافِي ما تَمَّ.
﴿واللَّهُ قَدِيرٌ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في القُدْرَةِ فَيَقْدِرُ عَلى تَقْلِيبِ القُلُوبِ وتَغْيِيرِ الأحْوالِ وتَسْهِيلِ أسْبابِ المَوَدَّةِ.
﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَغْفِرُ لِمَن أسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ ويَرْحَمُهُمْ، وقِيلَ: غَفُورٌ لِما فَرَطَ مِنكم في مُوالاتِهِمْ مِن قَبْلُ ولِما بَقِيَ في قُلُوبِكم مِن مَيْلِ الرَّحِمِ.
الممتحنة 60:8
﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ أيْ: لا يَنْهاكم عَنِ البِرِّ بِهَؤُلاءِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ.
﴿وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ أيْ: تُفْضُوا إلَيْهِمْ بِالقِسْطِ أيِ: العَدْلِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ أيِ: العادِلِينَ، رُوِيَ أنَّ قُتَيْلَةَ بِنْتَ عَبْدِ العُزّى قَدِمَتْ مُشْرِكَةً عَلى بِنْتِها أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَدايا فَلَمْ تَقْبَلْها ولَمْ تَأْذَنْ لَها بِالدُّخُولِ فَنَزَلَتْ، فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ تُدْخِلَها وتَقْبَلَ مِنها وتُكْرِمَها وتُحْسِنَ إلَيْها. وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ: خُزاعَةُ وكانُوا صالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ لا يُقاتِلُوهُ ولا يُعِينُوا عَلَيْهِ.
الممتحنة 60:9
﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ وهم عُتاةُ أهْلِ مَكَّةَ. (p-239)﴿وَظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ﴾ وهم سائِرُ أهْلِها.
﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ أيْ: إنَّما يَنْهاكم عَنْ أنْ تَتَوَلَّوْهم.
﴿وَمَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ لِوَضْعِهِمُ الوِلايَةَ في مَوْضِعِ العَداوَةِ أوْ هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ.
الممتحنة 60:10
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَيانٌ لِحُكْمِ مَن يُظْهِرُ الإيمانَ بَعْدَ بَيانِ حُكْمِ فَرِيقَيِ الكافِرِينَ.
﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ مِن بَيْنِ الكُفّارِ.
﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ فاخْتَبِرُوهُنَّ بِما يَغْلِبُ عَلى ظَنِّكم مُوافَقَةَ قُلُوبِهِنَّ لِلِسانِهِنَّ في الإيمانِ.
يُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ لِلَّتِي يَمْتَحِنُها: بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلاَّ هو ما خَرَجْتِ مِن بُغْضِ زَوْجٍ، بِاللَّهِ ما خَرَجْتِ رَغْبَةً عَنْ أرْضٍ إلى أرْضٍ، بِاللَّهِ ما خَرَجْتِ التِماسَ دُنْيا، بِاللَّهِ ما خَرَجْتِ إلّا حُبًّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ.» ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ لِأنَّهُ المُطَّلِعُ عَلى ما في قُلُوبِهِنَّ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.
﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ بَعْدَ الِامْتِحانِ.
﴿مُؤْمِناتٍ﴾ عِلْمًا يُمْكِنُكم تَحْصِيلُهُ وتَبْلُغُهُ طاقَتُكم بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالعَلائِمِ والدَّلائِلِ والِاسْتِشْهادِ بِالأماراتِ والمَخايِلِ وهو الظَّنُّ الغالِبُ وتَسْمِيَتُهُ عِلْمًا لِلْإيذانِ بِأنَّهُ جارٍ مَجْرى العِلْمِ في وُجُوبِ العَمَلِ بِهِ.
﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ أيْ: إلى أزْواجِهِنَّ الكَفَرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ رَجْعِهُنَّ إلَيْهِمِ، والتَّكْرِيرُ إمّا لِتَأْكِيدِ الحُرْمَةِ أوْ لِأنَّ الأوَّلَ لِبَيانِ زَوالِ النِّكاحِ الأوَّلِ والثّانِيَ لِبَيانِ امْتِناعِ النِّكاحِ الجَدِيدِ.
﴿وَآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾ أيْ: وأعْطُوا أزْواجَهُنَّ مِثْلَ ما دَفَعُوا إلَيْهِنَّ مِنَ المُهُورِ وذَلِكَ أنَّ صُلْحَ الحُدَيْبِيَةِ كانَ عَلى أنَّ مَن جاءَنا مِنكم رَدَدْناهُ فَجاءَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةُ مُسْلِمَةً والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالحُدَيْبِيَةِ فَأقْبَلَ زَوْجُها مُسافِرٌ المَخْزُومِيُّ. وقِيلَ: صَيْفِيُّ بْنُ الرّاهِبِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ارْدُدْ عَلَيَّ امْرَأتِي فَإنَّكَ قَدْ شَرَطْتَ أنْ تَرُدَّ عَلَيْنا مَن أتاكَ مِنّا فَنَزَلَتْ لِبَيانِ أنَّ الشَّرْطَ إنَّما كانَ في الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ فاسْتَحْلَفَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَلَفَتْ فَأعْطى زَوْجَها ما أنْفَقَ وتَزَوَّجَها عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ فَإنَّ إسْلامَهُنَّ حالَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ الكُفّارِ.
﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ شُرِطَ إيتاءُ المَهْرِ في نِكاحِهِنَّ إيذانًا بِأنَّ ما أُعْطِيَ أزْواجُهُنَّ لا يَقُومُ مَقامَ المَهْرِ.
﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ جَمْعُ عِصْمَةٍ وهي ما يُعْتَصَمُ بِهِ مِن عَقْدٍ وسَبَبٍ أيْ: لا يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَ المُشْرِكاتِ ولا عُلْقَةٌ زَوْجِيَّةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَن كانَتْ لَهُ امْرَأةٌ كافِرَةٌ بِمَكَّةَ فَلا يُعْتَدَّنَّ بِها مِن نِسائِهِ لِأنَّ اخْتِلافَ الدّارَيْنِ قَطَعَ عِصْمَتَها مِنهُ. وعَنِ النَّخَعَيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ هي المُسْلِمَةُ تَلْحَقُ بِدارِ الحَرْبِ فَتَكْفُرُ. وعَنْ مُجاهِدٍ أمَرَهم بِطَلاقِ الباقِياتِ مَعَ الكُفّارِ ومُفارَقَتِهِنَّ، وقُرِئَ "وَلا تُمَسِّكُوا" بِالتَّشْدِيدِ و"لا تَمَسَّكُوا" بِحَذْفِ إحْدى (p-240)التّاءَيْنِ مِن تَتَمَسَّكُوا.
﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾ مِن مُهُورِ نِسائِكُمُ اللّاحِقاتِ بِالكُفّارِ.
﴿وَلْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ مِن مُهُورٍ أزْواجِهِمُ المُهاجِراتِ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ الَّذِي ذُكِرَ.
﴿حُكْمُ اللَّهِ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أوْ حالٌ مِن "حُكْمِ اللَّهِ" عَلى حَذْفِ الضَّمِيرِ أيْ: يَحْكُمُهُ اللَّهُ أوْ جَعَلَ لَكم حاكِمًا عَلى المُبالَغَةِ. "واللَّه حَكِيمٌ " يَشْرَعُ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ أدّى المُؤْمِنُونَ ما أُمِرُوا بِهِ مِن مُهُورِ المُهاجِراتِ إلى أزْواجِهِنَّ المُشْرِكِينَ وأبى المُشْرِكُونَ أنْ يُؤَدُّوا شَيْئًا مِن مُهُورِ الكَوافِرِ إلى أزْواجِهِنَّ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى:
الممتحنة 60:11
﴿وَإنْ فاتَكُمْ﴾ أيْ: سَبَقَكم وانْفَلَتَ مِنكم.
﴿شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾ أيْ: أحَدٌ مِن أزْواجِكُمْ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ وإيقاعُ شَيْءٍ مَوْقِعَهُ لِلتَّحْقِيرِ والإشْباعِ في التَّعْمِيمِ أوْ شَيْءٌ مِن مُهُورِ أزْواجِكم.
﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ أيْ: فَجاءَتْ عَقَبَتُكم أيْ: نَوْبَتُكم مِن أداءِ المَهْرِ شُبِّهَ ما حَكَمَ بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ مِن أداءِ هَؤُلاءِ مُهُورَ نِساءِ أُولَئِكَ تارَةً وأداءِ أُولَئِكَ مُهُورَ نِساءِ هَؤُلاءِ أُخْرى بِأمْرٍ يَتَعاقَبُونَ فِيهِ كَما يَتَعاقَبُونَ في الرُّكُوبِ وغَيْرِهِ.
﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ مِن مَهْرِ المُهاجِرَةِ الَّتِي تَزَوَّجْتُمُوها ولا تُؤْتُوهُ زَوْجَها الكافِرَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنْ فاتَكم فَأصَبْتُمْ مِنَ الكُفّارِ عُقْبى هي الغَنِيمَةُ فَآتُوا بَدَلَ الفائِتِ مِنَ الغَنِيمَةِ، وقُرِئَ "فَأعْقَبْتُمْ" و"فَعَقَّبْتُمْ" بِالتَّشْدِيدِ و"فَعَقَبْتُمْ" بِالتَّخْفِيفِ وفَتْحِ القافِ وبِكَسْرِها. قِيلَ: جَمِيعُ مَن لَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ مِن نِساءِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ سِتُّ نِسْوَةٍ أُمُّ الحَكَمِ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ وفاطِمَةُ بِنْتُ أُمَيَّةَ وبَرْوَعُ بِنْتُ عُقْبَةَ وعَبَدَةُ بِنْتُ عَبْدِ العُزّى وهِنْدُ بِنْتُ أبِي جَهْلٍ وكُلْثُومُ بِنْتُ جَرْوَلٍ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِهِ تَعالى يَقْتَضِي التَّقْوى مِنهُ تَعالى.
الممتحنة 60:12
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ أيْ: مُبايَعاتٍ لَكَ أيْ: قاصِداتٍ لِلْمُبايَعَةِ نَزَلَتْ يَوْمَ الفَتْحِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن بَيْعَةِ الرِّجالِ شَرَعَ في بَيْعَةِ النِّساءِ.
﴿عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ.
﴿وَلا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ أُرِيدَ بِهِ وأْدُ البَناتِ، وقُرِئَ "وَلا يُقَتِّلْنَ" بِالتَّشْدِيدِ.
﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ كانَتِ المَرْأةُ تَلْتَقِطُ المَوْلُودَ فَتَقُولُ لِزَوْجِها هو ولَدِي مِنكَ كُنِّيَ عَنْهُ بِالبُهْتانِ المُفْتَرى بَيْنَ يَدَيْها ورَجُلَيْها لِأنَّ بَطْنَها الَّذِي تَحْمِلُهُ فِيهِ بَيْنَ يَدَيْها ومَخْرَجُهُ بَيْنَ رِجْلَيْها.
﴿وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ أيْ: فِيما تَأْمُرُهُنَّ بِهِ مِن مَعْرُوفٍ وتَنْهاهُنَّ عَنْهُ مِن مُنْكَرٍ والتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يَأْمُرُ إلّا بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ طاعَةُ مَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ، (p-241)وَتَخْصِيصُ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ بِالذِّكْرِ في حَقِّهِنَّ لِكَثْرَةِ وُقُوعِها فِيما بَيْنَهُنَّ مَعَ اخْتِصاصِ بَعْضِها بِهِنَّ.
﴿فَبايِعْهُنَّ﴾ أيْ: عَلى ما ذُكِرَ وما لَمْ يُذْكَرْ لِوُضُوحِ أمْرِهِ وظُهُورِ أصالَتِهِ في المُبايَعَةِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ وسائِرِ أرْكانَ الدِّينِ وشَعائِرِ الإسْلامِ وتَقْيِيدِ مُبايَعَتِهِنَّ بِما ذُكِرَ مِن مَجِيئِهِنَّ لَحَثِّهِنَّ عَلى المُسارَعَةِ إلَيْها مَعَ كَمالِ الرَّغْبَةِ فِيها مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ لَهُنَّ إلَيْها.
﴿واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾ زِيادَةٌ عَلى ما في ضِمْنِ المُبايَعَةِ فَإنَّها عِبارَةٌ عَنْ ضَمانِ الثَّوابِ مِن قِبَلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُقابَلَةِ الوَفاءِ بِالأُمُورِ المَذْكُورَةِ مِن قِبَلِهِنَّ.
﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَيَغْفِرُ لَهُنَّ ويَرْحَمُهُنَّ إذا وفَّيْنَ بِما بايَعْنَ عَلَيْهِ واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ مُبايَعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُنَّ يَوْمَئِذٍ، فَرُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن بَيْعَةِ الرِّجالِ جَلَسَ عَلى الصَّفا ومَعَهُ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أسْفَلَ مِنهُ فَجَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِنَّ البَيْعَةَ وعُمْرُ يُصافِحُهُنَّ. ورُوِيَ أنَّهُ كَلَّفَ امْرَأةً وقَفَتْ عَلى الصَّفا فَبايَعَتْهُنَّ. وقِيلَ: دَعا بِقَدَحٍ مِن ماءٍ فَغَمَسَ فِيهِ يَدَهُ ثُمَّ غَمَسْنَ أيْدِيَهُنَّ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بايَعَهُنَّ وبَيْنَ يَدَيْهِ وأيْدِيهِنَّ ثَوْبٌ قَطَرِيٌّ، والأظْهَرُ الأشْهَرُ ما «قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: واللَّهِ ما أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى النِّساءِ قَطُّ إلّا بِما أمَرَ اللَّهُ تَعالى وما مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَفَّ امْرَأةٍ قَطُّ وكانَ يَقُولُ إذا أخَذَ عَلَيْهِنَّ قَدْ بايَعْتُكُنَّ كَلامًا وكانَ المُؤْمِناتُ إذا هاجَرْنَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمْتَحِنُهُنَّ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ فَإذا أقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِنَّ قالَ لَهُنَّ: انْطَلِقْنَ فَقَدْ بايَعْتُكُنَّ.»
الممتحنة 60:13
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هم عامَّةُ الكَفَرَةِ، وقِيلَ: اليَهُودُ لِما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في بَعْضِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ كانُوا يُواصِلُونَ اليَهُودَ لِيُصِيبُوا مِن ثِمارِهِمْ.
﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ لِكَفْرِهِمْ بِها أوْ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا خَلاقَ لَهم فِيها لِعِنادِهِمُ الرَّسُولَ المَنعُوتَ في التَّوْراةِ المُؤَيَّدَ بِالآياتِ.
﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ أيْ: كَما يَئِسَ مِنها الَّذِينَ ماتُوا مِنهم لِأنَّهم وقَفُوا عَلى حَقِيقَةِ الحالِ وشاهَدُوا حِرْمانَهم مِن نَعِيمِها المُقِيمِ وابْتِلاءَهم بِعَذابِها الألِيمِ، والمُرادُ: وصَفَهم بِكَمالِ اليَأْسِ مِنها، وقِيلَ: المَعْنى: كَما يَئِسُوا مِن مَوْتاهم أنْ يُبْعَثُوا ويَرْجِعُوا إلى الدُّنْيا أحْياءً، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ بِأسْهِمْ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ المُمْتَحِنَةِ كانَ لَهُ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ شُفَعاءَ يَوْمَ القِيامَةِ".»
الصف 61:1
(p-242)سُورَةُ الصَّفِّ
مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ مَكِّيَّةٌ وآياتُها أرْبَعَ عَشْرَةَ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في نَظِيرِهِ.
الصف 61:2
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: لَوْ عَلِمْنا أحَبَّ الأعْمالَ إلى اللَّهِ تَعالى لَبَذْلَنا فِيهِ أمْوالَنا وأنْفُسَنا فَلَمّا نَزَلَ الجِهادُ كَرِهُوهُ فَنَزَلَتْ، وما قِيلَ مِن أنَّ النّازِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ بَيِّنُ الِاخْتِلالِ، ورُوِيَ «أنَّهم قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالَ إلى اللَّهِ تَعالى لَسارَعْنا إلَيْهِ فَنَزَلَتْ ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ فَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ» وفِيهِ التِزامُ أنَّ تَرْتِيبَ الآياتِ الكَرِيمَةِ لَيْسَ عَلى تَرْتِيبِ النُّزُولِ. وقِيلَ: لَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِثَوابِ شُهَداءِ بَدْرٍ قالَتِ الصَّحابَةُ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ لَئِنْ لَقِينا قِتالًا لَنُفْرِغَنَّ فِيهِ وُسْعَنا فَفَرُّوا يَوْمَ أُحُدٍ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ فِيمَن يَمْتَدِحُ كاذِبًا حَيْثُ كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: قَتَلْتُ ولَمْ يَقْتُلْ ولَمْ يَطْعَنْ وهَكَذا. وقِيلَ: كانَ رَجُلٌ قَدْ آذى المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ونَكى فِيهِمْ فَقَتَلَهُ صُهَيْبُ وانْتَحَلَ قَتْلَهُ آخَرُ فَنَزَلَتْ في المُنْتَحِلِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ ونِداؤُهم بِالإيمانِ تَهَكُّمٌ وبِإيمانِهِمْ ولَيْسَ بِذَلِكَ كَما سَتَعْرِفُهُ و"لِمَ" مُرَكَّبَةٌ مِنَ اللّامِ الجارَةِ و"ما" الِاسْتِفْهامِيَّةِ قَدْ حُذِفَتْ ألِفُها تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها مَعًا كَما في "عَمَّ، وفِيمَ " ونَظائِرِهِما مَعْناها، لِأيِّ شَيْءٍ تَقُولُونَ نَفْعَلُ ما لا تَفْعَلُونَ مِنَ الخَيْرِ والمَعْرُوفِ عَلى أنَّ مَدارَ التَّعْبِيرِ والتَّوْبِيخِ في الحَقِيقَةِ عَدَمُ فِعْلِهِمْ وإنَّما وجَّها إلى قَوْلِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى تَضاعُفِ مَعْصِيَتِهِمْ بِبَيانٍ أنَّ المُنْكَرَ لَيْسَ تَرْكَ الخَيْرِ المَوْعُودِ فَقَطْ بَلِ الوَعْدُ بِهِ أيْضًا وقَدْ كانُوا يَحْسَبُونَهُ مَعْرُوفًا، ولَوْ قِيلَ: لِمَ لا تَفْعَلُوا ما تَقُولُونَ لَفُهِمَ مِنهُ أنَّ المُنْكَرَ هو تَرْكُ المَوْعُودِ.
الصف 61:3
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ بَيانٌ لِغايَةِ قُبْحِ ما فَعَلُوهُ وفَرْطِ سَماجَتِهِ وكَبُرَ مِن بابٍ نِعْمَ وبِئْسَ فِيهِ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِالنَّكِرَةِ بَعْدَهُ و"أنْ تَقُولُوا" هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ. وقِيلَ: قُصِدَ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ وأُسْنِدَ إلى أنْ تَقُولُوا ونَصْبُ "مَقْتًا" عَلى تَفْسِيرِهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ قَوْلَهم ما لا يَفْعَلُونَ مَقْتٌ خالِصٌ لا شَوْبَ فِيهِ كَبُرَ عِنْدَ مَن يَحْقُرُ دُونَهُ كُلُّ عَظِيمٍ.(p-243)
الصف 61:4
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ بَيانٌ لِما هو مَرَضِيٌّ عِنْدَهُ تَعالى بَعْدَ بَيانِ ما هو مَمْقُوتٌ عِنْدَهُ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ ما قالُوهُ عِبارَةٌ عَنِ الوَعْدِ بِالقِتالِ لا عَمّا تَقَوَّلَهُ المُتَمَدِّحِ أوِ انْتَحَلَهُ المُنْتَحِلُ أوْ أعادَهُ المُنافِقُ وأنَّ مَناطَ التَّعْبِيرِ والتَّوْبِيخِ هو إخْلافُهم لا وعْدُهم كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وقُرِئَ "يُقاتَلُونَ" بِفَتْحِ التّاءِ و"يُقاتِلُونَ" وصَفًّا مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ نَصْبُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ "يُقاتِلُونَ" أيْ: صافِّينَ أنْفُسَهم أوْ مَصْفُوفِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ حالٌ مِنَ المَسْتَكِنِّ في حال الأُولى أيْ: مُشَبَّهِينَ في تَراصِّهِمْ مِن غَيْرِ فُرْجَةٍ وخَلَلٍ بِبُنْيانٍ رُصَّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ ورُصِفَ حَتّى صارَ شَيْئًا واحِدًا.
الصف 61:5
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن شَناعَةِ تَرْكِ القِتالِ و"إذْ" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ أيْ: واذْكُرْ لِهَؤُلاءِ المُعْرِضِينَ عَنِ القِتالِ وقْتَ قَوْلِ مُوسى لبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ نَدَبَهم إلى قِتالِ الجَبابِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ فَلَمْ يَمْتَثِلُوا بِأمْرِهِ وعَصَوْهُ أشَدَّ عِصْيانٍ حَيْثُ قالُوا: ﴿يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ وآذَوْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُلَّ الأذِيَّةِ.
﴿يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ أيْ: بِالمُخالَفَةِ والعِصْيانِ فِيما أمَرَتْكم بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِإنْكارِ الإيذاءِ ونَفْيِ سَبَبِهِ و"قَدْ" لِتَحْقِيقِ العِلْمِ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِ أيْ: والحالُ أنَّكم تَعْلَمُونَ عِلْمًا قَطْعِيًّا مُسْتَمِرًّا بِمُشاهَدَةِ ما ظَهَرَ بِيَدِي مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي مُعْظَمُها إهْلاكُ عَدُوِّكم وإنْجاؤُكم مِن مَلِكَتِهِ إنّى رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم لِأُرْشِدَكم إلى خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِن قَضِيَّةِ عِلْمِكم بِذَلِكَ أنْ تُبالِغُوا في تَعْظِيمِي وتُسارِعُوا إلى طاعَتِي.
﴿فَلَمّا زاغُوا﴾ أيْ: أصَرُّوا عَلى الزَّيْغِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ.
﴿أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ: صَرَفَها عَنْ قَبُولِ الحَقِّ والمَيْلِ إلى الصَّوابِ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِمْ نَحْوَ الغَيِّ والضَّلالِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِنَ الإزاغَةِ ومُؤْذِنٌ بِعِلَّتِهِ أيْ: لا يَهْدِي القَوْمَ الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ ومِنهاجِ الحَقِّ المُصِرِّينَ عَلى الغِوايَةِ هِدايَةً مُوصِلَةً إلى ما يُوصِلُ إلَيْها فَإنَّها شامِلَةٌ لِلْكُلِّ، والمُرادُ بِهِمْ: إمّا المَذْكُورُونَ خاصَّةً، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ بِالفِسْقِ وتَعْلِيلِ عَدَمِ الهِدايَةِ بِهِ أوْ جِنْسِ الفاسِقِينَ وهم داخِلُونَ في حُكْمِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وأيًّا ما كانَ؛ فَوَصْفُهم بِالفِسْقِ ناظِرٌ إلى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ هَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ (p-244)الكَرِيمِ ويَرْتَضِيهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ. وأمّا ما قِيلَ بِصَدَدِ بَيانِ أسْبابِ الأذِيَّةِ مِن أنَّهم كانُوا يُؤْذُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْواعِ الأذى مِنِ انْتِقاصِهِ وعَيْبِهِ في نَفْسِهِ وجُحُودِ آياتِهِ وعِصْيانِهِ فِيما تَعُودُ إلَيْهِمْ مَنافِعُهُ وعِبادَتِهِمُ البَقَرَ وطَلَبِهِمْ رُؤْيَةَ اللَّهِ جَهْرَةً والتَّكْذِيبِ الَّذِي هو تَضْيِيعُ حَقِّ اللَّهِ وحَقِّهِ فَمِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ.
الصف 61:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى "إذِ" الأُولى مَعْمُولٌ لِعامِلِها وإمّا مَعْمُولٌ لِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى عامِلِها.
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ناداهم بِذَلِكَ اسْتِمالَةً لِقُلُوبِهِمْ إلى تَصْدِيقِهِ في قَوْلِهِ ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ فَإنَّ تَصْدِيقَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيِّاها مِن أقْوى الدَّواعِي إلى تَصْدِيقِهِمْ إيّاهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "مُصَدِّقًا" داعٍ إلى تَصْدِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلَهُ مِن حَيْثُ إنَّ البِشارَةَ بِهِ واقِعَةٌ في التَّوْراةِ والعامِلُ فِيهِما ما في الرَّسُولِ مِن مَعْنى الإرْسالِ لا الجارُّ فَإنَّهُ صِلَةٌ لِلرَّسُولِ والصِّلاتُ بِمَعْزِلٍ مِن تَضَمُّنِ مَعْنى الفِعْلِ وعَلَيْهِ يَدُورُ العَمَلُ أيْ: أرْسَلْتُ إلَيْكم حالَ كَوْنِي مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَنِي مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِمَن يَأْتِي مِن بَعْدِي مِن رَسُولٍ.
﴿اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ أيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ يُرِيدُ أنَّ دِينِيَ التَّصْدِيقُ بِكُتُبِ اللَّهِ وأنْبِيائِهِ جَمِيعًا مِمَّنْ تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ، وقُرِئَ "مِن بَعْدِيَ" بِفَتْحِ الياءِ.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ.
﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ مُشِيرِينَ إلى ما جاءَ بِهِ أوْ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا لِلْمُبالَغَةِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ "هَذا ساحِرٌ".
الصف 61:7
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ﴾ أيْ: أيُّ النّاسِ أشَدُّ ظُلْمًا مِمَّنْ يُدْعى إلى الإسْلامِ الَّذِي يُوصِلُهُ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ فَيَضَعُ مَوْضِعَ الإجابَةِ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ لِكَلامِهِ الَّذِي هو دُعاءُ عِبادِهِ إلى الحَقِّ: هَذا سِحْرٌ أيْ: هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ وإنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ ظاهِرُ الكَلامِ لِنَفْيِ المُساوِي، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وقُرِئَ "يُدَّعى" يُقالُ: دَعاهُ وادَّعاهُ مِثْلُ لَمَسَهُ والتَمَسَهُ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا يُرْشِدُهم إلى ما فِيهِ فَلاحُهم لِعَدَمِ تَوَجُّهِهِمْ إلَيْهِ.
الصف 61:8
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ أيْ: يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا دِينَهُ أوْ كِتابَهُ أوْ حُجَّتَهُ النَّيِّرَةَ، واللّامُ مَزِيدَةٌ لِما فِيها مِن مَعْنى الإرادَةِ تَأْكِيدًا لَها كَما زِيدَتْ لِما فِيها مِن مَعْنى الإضافَةِ تَأْكِيدًا لَها في "لا أبا لَكَ" أوْ يُرِيدُونَ الِافْتِراءَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ.
﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ بِطَعْنِهِمْ فِيهِ مُثِّلَتْ حالَهم بِحالِ مَن يَنْفُخُ في نُورِ الشَّمْسِ بِفِيهِ لِيُطْفِئَهُ.
﴿واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أيْ: مُبْلِغُهُ إلى غايَتِهِ بِنَشْرِهِ في الآفاقِ وإعْلائِهِ، وقُرِئَ "مُتِمٌّ نُورَهُ" بِلا إضافَةٍ.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ إرْغامًا (p-245)لَهُمْ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ الحالِ عَلى ما بُيِّنَ مِرارًا.
الصف 61:9
﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ بِالقرآن أوْ بِالمُعْجِزَةِ.
﴿وَدِينِ الحَقِّ﴾ والمِلَّةِ الحَنِيفَةِ.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ لِيُعْلِيَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ المُخالِفَةِ لَهُ ولَقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعَلا وعْدَهُ حَيْثُ جَعَلَهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ دِينٌ مِنَ الأدْيانِ إلّا وهو مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ بِدِينِ الإسْلامِ.
﴿وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ ذَلِكَ، وقُرِئَ "هُوَ الَّذِي أرْسَلَ نَبِيَّهُ".
الصف 61:10
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ وقُرِئَ "تُنَجِّيكُمْ" بِالتَّشْدِيدِ.
الصف 61:11
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ نَعْمَلُ أوْ ماذا نَصْنَعُ؟ فَقِيلَ: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...إلَخْ وهو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ جِيءَ لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِامْتِثالِ فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ فَأخْبَرَ بِوُقُوعِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ "آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وجاهِدُوا" وقُرِئَ "تُؤْمِنُوا" و"تُجاهِدُوا" عَلى إضْمارِ لامِ الأمْرِ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والجِهادِ بِقِسْمَيْهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ عَلى الإطْلاقِ أوْ مِن أمْوالِكم و أنْفُسِكم.
﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ فَإنَّ الجَهَلَةَ لا يُعْتَدُّ بِأفْعالِهِمْ أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم كانَ خَيْرًا لَكم حِينَئِذٍ لِأنَّكم إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ واعْتَقَدْتُمُوهُ أحْبَبْتُمُ الإيمانَ والجِهادَ فَوْقَ ما تُحِبُّونَ أنْفُسَكم وأمْوالَكم فَتُخْلِصُونَ وتُفْلِحُونَ.
الصف 61:12
﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَفْظِ الخَبَرِ أوْ لِشَرْطٍ أوِ اسْتِفْهامٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ تَقْدِيرُهُ إنْ تُؤْمِنُوا وتُجاهِدُوا أوْ هَلْ تَقْبَلُونَ أنْ أدُلَّكم يَغْفِرْ لَكُمْ، وجَعْلُهُ جَوابًا لِـ"هَلْ أدُلُّكُمْ" بَعِيدٌ لِأنَّ مُجَرَّدَ الدَّلالَةِ لا يُوجِبُ المَغْفِرَةَ.
﴿وَيُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتٍ عَدْنٍ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ المَغْفِرَةِ وإدْخالِ الجَنّاتِ المَوْصُوفَةِ بِما ذَكَرَ مِنَ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ.
﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ.
الصف 61:13
﴿وَأُخْرى﴾ ولَكم إلى هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ نِعْمَةٌ أُخْرى عاجِلَةٌ.
﴿تُحِبُّونَها﴾ وتَرْغَبُونَ فِيهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم يُؤْثِرُونَ العاجِلَ عَلى الآجِلِ. وقِيلَ: "أُخْرى" مَنصُوبَةٌ بِإضْمارِ "يُعْطِكُمْ" أوْ "تُحِبُّونَ" أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ وعَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ: عاجِلٌ عَطْفٌ عَلى (p-246)"نَصْرٌ" عَلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ وقُرِئَ "نَصْرًا" و"فَتْحًا قَرِيبًا " عَلى الِاخْتِصاصِ أوْ عَلى المَصْدَرِ أيْ: تُنْصَرُونَ نَصْرًا ويُفْتَحُ لَكم فَتْحًا أوْ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن "أُخْرى" عَلى تَقْدِيرِ نَصْبِها أيْ: يُعْطِكم نِعْمَةً أُخْرى نَصْرًا وفَتْحًا.
﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ مِثْلِ قُلْ يَأيُّها الَّذِينَ وبَشِّرْ أوْ عَلى "تُؤْمِنُونَ" فَإنَّهُ في مَعْنى آمِنُوا كَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا وجاهِدُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ وبَشِّرْهم يَأيُّها الرَّسُولُ بِما وعَدْتُهم عَلى ذَلِكَ عاجِلًا وآجِلًا.
الصف 61:14
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ﴾ وقُرِئَ "أنْصارًا لِلَّهِ" بِلا إضافَةٍ لِأنَّ المَعْنى كُونُوا بَعْضَ أنْصارِ اللَّهِ، وقُرِئَ "كُونُوا أنْتُمْ أنْصارَ اللَّهِ".
﴿كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَن جُنْدِي مُتَوَجِّهًا إلى اللَّهِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ والإضافَةُ الأُولى إضافَةُ أحَدِ المُتَشارِكَيْنِ إلى الآخَرِ لِما بَيْنَهُما مِنَ الِاخْتِصاصِ والثّانِيَةُ إضافَةُ الفاعِلِ إلى المَفْعُولِ والتَّشْبِيهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى أيْ: كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ كَما كانَ الحَوارِيُّونَ أنْصارَهُ حِينَ قالَ لَهم عِيسى: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ أوْ قُلْ لَهم كُونُوا كَما قالَ عِيسى لِلْحَوارِيِّينَ، والحَوارِيُّونَ أصْفِياؤُهُ وهم أوَّلُ مَن آمَنَ بِهِ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا.
﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: بِعِيسى وأطاعُوهُ فِيما أمَرَهم مِن نُصْرَةِ الدِّينِ.
﴿وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ أُخْرى بِهِ وقاتَلُوهم.
﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ﴾ أيْ: قَوَّيْناهم بِالحُجَّةِ أوْ بِالسَّيْفِ وذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ غالِبِينَ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الصَّفِّ كانَ عِيسى مُصَلِّيًا عَلَيْهِ مُسْتَغْفِرًا لَهُ مادامَ في الدُّنْيا وهو يَوْمَ القِيامَةِ رَفِيقُهُ".»
الجمعة 62:1
(p-247)سُورَةُ الجُمُعَةِ
مَدَنِيَّةٌ وآياتُها إحْدى عَشْرَةَ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَسْبِيحًا مُسْتَمِرًّا.
﴿المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ وقَدْ قُرِئَ الصِّفاتُ الأرْبَعُ بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ.
الجمعة 62:2
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ﴾ أيْ: في العَرَبِ لِأنَّ أكْثَرَهم لا يَكْتُبُونَ ولا يَقْرَءُونَ، قِيلَ: بُدِئَتِ الكِتابَةُ بِالطّائِفِ أخَذُوها مِن أهْلِ الحَيْرَةِ وهم مِن أهْلِ الأنْبارِ.
﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ أيْ: كائِنًا مِن جُمْلَتِهِمْ أُمِّيًّا مِثْلَهم.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا مِثْلَهم لَمْ يُعْهَدْ مِنهُ قِراءَةٌ ولا تَعَلُّمٌ.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"رَسُولًا" مَعْطُوفَةٌ عَلى "يَتْلُو" أيْ: يَحْمِلُهم عَلى ما يَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ مِن خَبائِثِ العَقائِدِ والأعْمالِ.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"رَسُولًا" مُتَرَتِّبَةٌ في الوُجُودِ عَلى التِّلاوَةِ وإنَّما وسَّطَ بَيْنَهُما التَّزْكِيَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ بِحَسَبَ قُوَّتِها العَمَلِيَّةِ وتَهْذِيبِها المُتَفَرِّغِ وعَلى تَكْمِيلِها بِحَسَبَ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الحاصِلِ بِالتَّعْلِيمِ المُتَرَتِّبِ عَلى التِّلاوَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأُمُورِ المُتَرَتِّبَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ، فَلَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ كَوْنُ الكُلِّ نِعْمَةً واحِدَةً كَما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهو السِّرُّ في التَّعْبِيرِ عَنِ القرآن تارَةً بِالآياتِ وأُخْرى بِالكِتابِ والحِكْمَةِ رَمْزًا إلى أنَّهُ بِاعْتِبارِ كُلِّ عُنْوانٍ نِعْمَةٌ عَلى حِدَةٍ ولا يَقْدَحُ فِيهِ شُمُولُ الحِكْمَةِ لِما في تَضاعِيفِ الأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ.
﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وخُبْثِ الجاهِلِيَّةِ وهو بَيانٌ لِشِدَّةِ افْتِقارِهِمْ إلى مَن يُرْشِدُهم وإزاحَةٌ لِما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن تَعَلُّمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الغَيْرِ و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفارِقَةُ.
الجمعة 62:3
﴿وَآخَرِينَ مِنهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "الأُمِّيِّينَ" أوْ عَلى المَنصُوبِ في "يُعَلِّمُهُمْ" و"يُعَلِّمُ آخَرِينَ مِنهُمْ" أيْ: مِنَ الأُمِّيِّينَ وهُمُ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ الصَّحابَةِ إلى يَوْمِ الدِّينِ فَإنَّ دَعْوَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَعْلِيمَهُ يَعُمُّ الجَمِيعَ.
﴿لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِـ"آخَرِينَ" أيْ: لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ بَعْدُ وسَيَلْحَقُونَ.
﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ المَبالِغُ في العِزَّةِ والحِكْمَةِ ولِذَلِكَ مَكَّنَ رَجُلًا أُمِّيًّا مِن ذَلِكَ الأمْرِ (p-248)العَظِيمِ واصْطَفاهُ مِن بَيْنِ كافَّةِ البَشَرِ.
الجمعة 62:4
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي امْتازَ بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأفْرادِ.
﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ وإحْسانُهُ.
﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ تَفْضِيلًا وعَطِيَّةً.
﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ الَّذِي يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ نَعِيمُ الدُّنْيا ونَعِيمُ الآخِرَةِ.
الجمعة 62:5
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ أيْ: عُلِّمُوها وكُلِّفُوا العَمَلَ بِها.
﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾ أيْ: لَمْ يَعْمَلُوا بِما في تَضاعِيفِها مِنَ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ النّاطِقَةُ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ أيْ: كُتُبًا مِنَ العِلْمِ يَتْعَبُ بِحَمْلِها ولا يَنْتَفِعُ بِها و"يَحْمِلُ" إمّا حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى المَثَلِ أوْ صِفَةٌ "لِلْحِمارِ" إذْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ مُعَيَّنًا فَهو في حُكْمِ النَّكِرَةِ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: [وَلَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي] .
﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِئْسَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآياتِ اللَّهِ، عَلى أنَّ التَّمْيِيزَ مَحْذُوفٌ والفاعِلَ المُفَسَّرَ بِهِ مُسْتَتِرٌ و"مَثَلُ القَوْمِ" هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلْقَوْمِ أوْ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ مَثَلُ الَّذِينَ كَذَّبُوا ...إلَخْ عَلى أنَّ "مَثَلُ القَوْمِ" فاعِلُ بِئْسَ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِما في التَّوْراةِ مِنَ الآياتِ الشّاهِدَةِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الواضِعِينَ لِلتَّكْذِيبِ في مَوْضِعِ التَّصْدِيقِ أوِ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ.
الجمعة 62:6
﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ: تَهَوَّدُوا.
﴿إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ﴾ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ويَدَّعُونَ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً ويَقُولُونَ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم إظْهارًا لِكَذِبِهِمْ إنْ زَعَمْتُمْ ذَلِكَ.
﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ أيْ: فَتَمَنَّوْا مِنَ اللَّهِ أنْ يُمِيتَكم ويَنْقُلَكم مِن دارِ البَلِيَّةِ إلى دارِ الكَرامَةِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زَعْمِكم واثِقِينَ بِأنَّهُ حَقٌّ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ فَإنَّ مَن أيْقَنَ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ أحَبَّ أنْ يَتَخَلَّصَ إلَيْها مِن هَذِهِ الدّارِ الَّتِي هي قَرارَةُ الأكْدارِ.
الجمعة 62:7
﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا﴾ إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ مِنهُمْ، والبِناءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّفْيُ أيْ: يَأْبَوْنَ التَّمَنِّيَ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الكُفْرَ والمَعاصِي المُوجِبَةِ لِدُخُولِ النّارِ ولَمّا كانَتِ اليَدُ مِن بَيْنِ جَوارِحِ الإنْسانِ مَناطَ عامَّةِ أفاعِيلِهِ عَبَّرَ بِها تارَةً عَنِ النَّفْسِ وأُخْرى عَنِ القُدْرَةِ.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِهِمْ وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ (p-249)لِذَمِّهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ظالِمُونَ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ادِّعاءُ ما هم عَنْهُ بِمَعْزِلٍ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِهِ أيْ: عَلِيمٌ بِهِمْ وبِما صَدَرَ عَنْهم مِن فُنُونِ الظُّلْمِ والمَعاصِي المُفْضِيَةِ إلى أفانِينِ العَذابِ وبِما سَيَكُونُ مِنهم مِنَ الِاحْتِرازِ عَمّا يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ فَوَقَعَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ فَلَمْ يَتَمَنَّ مِنهم مَوْتَهُ أحَدٌ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:
الجمعة 62:8
﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يُقالُ لَهُمْ: بَعْدَ ظُهُورِ فِرارِهِمْ مِنَ التَّمَنِّي وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ " «لَوْ تَمَنَّوْا لَماتُوا مِن ساعَتِهِمْ» " وهَذِهِ إحْدى المُعْجِزاتِ أيْ: إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ ولا تَجْسُرُونَ عَلى أنْ تَتَمَنَّوْهُ مَخافَةَ أنْ تُؤْخَذُوا بِوَبالِ كُفْرِكم.
﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ والفاءُ لِتُضَمِّنِ الِاسْمَ مَعْنى الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ الوَصْفِ، وقُرِئَ بِدُونِها وقُرِئَ "تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكُمْ".
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِأنْ يُجازِيَكم بِها.
الجمعة 62:9
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ أيْ: فُعِلَ النِّداءُ لَها أيْ: أُذِّنَ لَها.
﴿مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ بَيانٌ لِإذا وتَفْسِيرٌ لَها، وقِيلَ: "مِن" بِمَعْنى فِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " أرُونِي ماذا خَلَقُواْ مِنَ الأرْضِ " أيْ: في الأرْضِ وإنَّما سُمِّيَ جُمُعَةً لِاجْتِماعِ النّاسِ مِنهُ لِلصَّلاةِ. وقِيلَ: أوَّلُ مَن سَمّاها جُمْعَةً كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّيهِ العَرُوبَةَ. وقِيلَ: إنَّ الأنْصارَ قالُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ لِلْيَهُودِ يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ بِكُلِّ سَبْعَةِ أيّامٍ ولِلنَّصارى مِثْلُ ذَلِكَ فَهَلُمُّوا نَجْعَلْ لَنا يَوْمًا نَجْتَمِعُ فِيهِ فَنَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ ونُصَلِّي فَقالُوا: يَوْمُ السَّبْتِ لِلْيَهُودِ ويَوْمُ الأحَدِ لِلنَّصارى فاجْعَلُوهُ يَوْمَ العَرُوبَةِ فاجْتَمَعُوا إلى سَعْدِ بْنِ زُرارَةَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وذَكَّرَهم فَسَمَّوْهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ لِاجْتِماعِهِمْ فِيهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الجُمْعَةِ فَهي أوَّلُ جُمْعَةٍ كانَتْ في الإسْلامِ. وأمّا أوَّلُ جُمْعَةً جَمَّعَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهو أنَّهُ لَمّا قَدِمَ مُهاجِرًا نَزَلَ قُباءَ عَلى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وأقامَ بِها يَوْمَ الاثْنَيْنِ والثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ والخَمِيسِ وأسَّسَ مَسْجِدَهم ثُمَّ خَرَجَ يَوْمَ الجُمْعَةِ عامِدًا المَدِينَةَ فَأدْرَكَتْهُ صَلاةُ الجُمْعَةِ في بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ في بَطْنٍ وادٍ لَهَمْ فَخَطَبَ وصَلّى الجُمْعَةَ.
﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيِ: امْشُوا واقْصِدُوا إلى الخُطْبَةِ والصَّلاةِ.
﴿وَذَرُوا البَيْعَ﴾ واتْرُكُوا المُعامَلَةَ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ: السَّعْيُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ وتَرْكُ البَيْعِ.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن مُباشَرَتِهِ فَإنَّ نَفْعَ الآخِرَةِ أجَلُّ وأبْقى.
﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيِ: الخَيْرَ والشَّرَّ الحَقِيقِيَّيْنِ أوْ إنْ كُنْتُمْ أهْلَ العِلْمِ.
الجمعة 62:10
﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ (p-250)
أيْ: أُدِّيَتْ وفُرِغَ مِنها ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ.﴾ لِإقامَةِ مَصالِحِكم.
﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الرِّبْحَ فالأمْرُ لِلْإطْلاقِ بَعْدَ الحَظْرِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمْ يُؤْمَرُوا بِطَلَبِ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا إنَّما هو عِيادَةُ المَرْضى وحُضُورُ الجَنائِزِ وزِيارَةُ أخٍ في اللَّهِ، وعَنِ الحَسَن ِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ طَلَبُ العِلْمِ، وقِيلَ: صَلاةُ التَّطَوُّعِ.
﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ذِكْرًا كَثِيرًا أوْ زَمانًا كَثِيرًا ولا تَخُصُّوا ذِكْرَهُ تَعالى بِالصَّلاةِ.
﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ كَيْ تَفُوزُوا بِخَيْرِ الدّارَيْنِ.
الجمعة 62:11
﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ رُوِيَ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ أصابَهم جُوعٌ وغَلاءٌ شَدِيدٌ فَقَدِمَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ بِتِجارَةٍ مِن زَيْتِ الشّامِ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَقامُوا إلَيْهِ خَشْيَةَ أنْ يُسْبَقُوا إلَيْهِ فَما بَقِيَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا ثَمانِيَةٌ. وقِيلَ: أحَدَ عَشَرَ. وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ. وقِيلَ: أرْبَعُونُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ خَرَجُوا جَمِيعًا لَأضْرَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الوادِيَ نارًا وكانُوا إذا أقْبَلَتِ العِيرُ اسْتَقْبَلُوها بِالطَّبْلِ والتَّصْفِيقِ" وهو المُرادُ بِاللَّهْوِ وتَخْصِيصُ التِّجارَةِ بِرَجْعِ الضَّمِيرِ لِأنَّها المَقْصُودَةُ أوْ لِأنَّ الِانْفِضاضَ لِلتِّجارَةِ مَعَ الحاجَةِ إلَيْها والِانْتِفاعِ بِها إذا كانَ مَذْمُومًا فَما ظَنُّكَ بِالِانْفِضاضِ إلى اللَّهْوِ وهو المَذْمُومُ في نَفْسِهِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: إذا رَأوْا تِجارَةً انْفَضُّوا إلَيْها أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهِ، فَحُذِفَ الثّانِي لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ "إلَيْهِما".
﴿وَتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ أيْ: عَلى المِنبَرِ.
﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِنَ الثَّوابِ.
﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ مُحَقَّقٌ مُخَلَّدٌ بِخِلافِ ما فِيهِما مِنَ النَّفْعِ المُتَوَهَّمِ.
﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ فَإلَيْهِ اسْعَوْا ومِنهُ اطْلُبُوا الرِّزْقَ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الجُمُعَةِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن أتى الجُمْعَةَ ومَن لَمْ يَأْتِها في أمْصارِ المُسْلِمِينَ".»
المنافقون 63:1
(p-251)سُورَةُ المُنافِقُونَ
مَدَنِيَّةٌ وآياتُها إحْدى عَشْرَةَ
﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ أيْ: حَضَرُوا مَجْلِسَكَ.
﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ مُؤَكِّدِينَ كَلامَهم بِـ"إنَّ" واللّامِ لِلْإيذانِ بِأنَّ شَهادَتَهم هَذِهِ صادِرَةٌ عَنْ صَمِيمِ قُلُوبِهِمْ وخُلُوصِ اعْتِقادِهِمْ ووُفُورِ رَغْبَتِهِمْ ونَشاطِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَنطُوقِ كَلامِهِمْ وُسِّطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ تَحْقِيقًا وتَعْيِينًا لِما نِيطَ بِهِ التَّكْذِيبُ مِن أنَّهم قالُوهُ عَنِ اعْتِقادٍ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - وإماطَةً مِن أوَّلِ الأمْرِ لِما عَسى يُتَوَهَّمُ مَن تَوَجُّهِ التَّكْذِيبِ إلى مَنطُوقِ كَلامِهِمْ أيْ: واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما ضَمَّنُوا مَقالَتَهم مِن أنَّها صادِرَةٌ عَنِ اعْتِقادٍ وطُمَأْنِينَةِ قَلْبٍ، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
المنافقون 63:2
﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ﴾ الفاجِرَةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم.
﴿جُنَّةً﴾ أيْ: وِقايَةً عَمّا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ مُؤاخَذَةٍ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ واتِّخاذُها جُنَّةً عِبارَةٌ عَنْ إعْدادِهِمْ وتَهْيِئَتِهِمْ لَها إلى وقْتِ الحاجَةِ لِيَحْلِفُوا بِها ويَتَخَلَّصُوا عَنِ المُؤاخَذَةِ لا عَنِ اسْتِعْمالِها بِالفِعْلِ فَإنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُؤاخَذَةِ المَسْبُوقَةِ بِوُقُوعِ الجِنايَةِ، واتِّخاذُ الجُنَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المُؤاخَذَةِ وعَنْ سَبَبِها أيْضًا كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: فَصَدُّوا مَن أرادَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِرَسُولٍ ومَن أرادَ الإنْفاقَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ كَما سَيُحْكى عَنْهُمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا الصَّدَّ مِنهم مُتَقَدِّمٌ عَلى حَلِفِهِمْ بِالفِعْلِ، وقُرِئَ "إيمانَهُمْ" أيْ: ما أظْهَرُوهُ عَلى ألْسِنَتِهِمْ فاتِّخاذُهُ جُنَّةً عِبارَةٌ عَنِ اسْتِعْمالِهِ بِالفِعْلِ فَإنَّهُ وِقايَةٌ دُونَ دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَدُّوا﴾ حِينَئِذٍ فاسْتَمَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الصَّدِّ والإعْراضِ عَنْ سَبِيلِهِ تَعالى.
﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ النِّفاقِ والصَّدِّ وفي "ساءَ" مَعْنى التَّعَجُّبِ وتَعْظِيمُ أمْرِهِمْ عِنْدَ السّامِعِينَ.
المنافقون 63:3
﴿ذَلِكَ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القَوْلِ (p-252)النّاعِي عَلَيْهِمْ أنَّهم أسْوَأُ النّاسِ أعْمالًا أوْ إلى ما وصَفَ مِن حالِهِمْ في النِّفاقِ والكَذِبِ والِاسْتِتارِ بِالإيمانِ الصُّورِيِّ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ المُشارِ إلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ.
﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم.
﴿آمَنُوا﴾ أيْ: نَطَقُوا بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ كَسائِرِ مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ.
﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ أيْ: ظَهَرَ كُفْرُهم بِما شُوهِدَ مِنهم مِن شَواهِدِ الكُفْرِ ودَلائِلِهِ أوْ نَطَقُوا بِالإيمانِ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ ثُمَّ نَطَقُوا بِالكُفْرِ عِنْدَ شَياطِينِهِمْ.
﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ حَتّى تَمَرَّنُوا عَلى الكُفْرِ واطْمَأنُّوا بِهِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ "فَطَبَعَ اللَّهُ".
﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ حَقِيقَةَ الإيمانِ ولا يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهُ أصْلًا.
المنافقون 63:4
﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ لِضَخامَتِها ويَرُوقُكَ مَنظَرُهم لِصَباحَةِ وُجُوهِهِمْ.
﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ لِفَصاحَتِهِمْ وذَلاقَةِ ألْسِنَتِهِمْ وحَلاوَةِ كَلامِهِمْ، وكانَ ابْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا فَصِيحًا يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أمْثالِهِ وهم رُؤَساءُ المَدِينَةِ وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ يَعْجَبُونَ بِهَياكِلِهِمْ ويَسْمَعُونَ إلى كَلامِهِمْ. وقِيلَ: الخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ "يُسْمَعْ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا مَحَلَّ لَهُ شُبِّهُوا في جُلُوسِهِمْ في مَجالِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُسْتَنِدِينَ فِيها بِخُشُبٍ مَنصُوبَةٍ مُسَنَّدَةٍ إلى الحائِطِ في كَوْنِهِمْ أشْباحًا خالِيَةً عَنِ العِلْمِ والخَيْرِ، وقُرِئَ "خُشْبٌ" عَلى أنَّهُ جَمْعُ خَشَبَةٍ كَبُدْنٍ جَمْعُ بَدَنَةٍ. وقِيلَ: هو جَمْعُ خَشْباءَ وهي الخَشَبَةُ الَّتِي دُعِرَ جَوْفُها أيْ: فَسَدَ شُبِّهُوا بِها في نِفاقِهِمْ وفَسادِ بَواطِنِهِمْ، وقُرِئَ "خَشَبٌ" كَمَدَرَةٍ ومَدَرٍ.
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: واقِعَةً عَلَيْهِمْ ضارَّةً لَهم لِجُبْنِهِمْ واسْتِقْرارِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ: كانُوا عَلى وجِلٍ مِن أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما يَهْتِكُ أسْتارَهم ويُبِيحُ دِماءَهم وأمْوالَهم.
﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ أيْ: هُمُ الكامِلُونَ في العَداوَةِ والرّاسِخُونَ فِيها فَإنَّ أعْدى الأعادِي العَدُوُّ المُكاشِرُ الَّذِي يُكاشِرُكَ وتَحْتَ ضُلُوعِهِ الدّاءُ الدَّوِيُّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وجَعْلُها مَفْعُولًا ثانِيًا لِلْحُسْبانِ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ أصْلًا، فَإنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاحْذَرْهُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالحَذَرِ عَلى كَوْنِهِمْ أعْدى الأعْداءِ.
﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ وطَلَبٌ مِن ذاتِهِ تَعالى أنْ يَلْعَنَهم ويُخْزِيَهِمْ أوْ تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ.
المنافقون 63:5
﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ عِنْدَ ظُهُورِ جِنايَتِهِمْ بِطَرِيقِ النَّصِيحَةِ.
﴿تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ أيْ: عَطَفُوها اسْتِكْبارًا.
﴿وَرَأيْتَهم يَصُدُّونَ﴾ يُعْرِضُونَ عَنِ القائِلِ أوْ عَنِ الِاسْتِغْفارِ.
﴿وَهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (p-253)عَنْ ذَلِكَ.
المنافقون 63:6
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ كَما إذا جاءُوكَ مُعْتَذِرِينَ مِن جِناياتِهِمْ، وقُرِئَ "اسْتَغْفَرْتَ" بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ ثِقَةً بِدَلالَةِ "أمْ" عَلَيْهِ، وقُرِئَ "آسْتَغْفَرْتَ" بِإشْباعِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لا بِقَلْبِ هَمْزَةِ الوَصْلِ ألِفًا.
﴿أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ كَما إذا أصَرُّوا عَلى قَبائِحِهِمْ واسْتَكْبَرُوا عَنِ الِاعْتِذارِ والِاسْتِغْفارِ.
﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أبَدًا لِإصْرارِهِمْ عَلى الفِسْقِ ورُسُوخِهِمْ في الكُفْرِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ الكامِلِينَ في الفِسْقِ الخارِجِينَ عَنْ دائِرَةِ الِاسْتِصْلاحِ المُنْهَمِكِينَ في الكُفْرِ والنِّفاقِ، والمُرادُ: إمّا هم بِأعْيانِهِمْ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِبَيانِ غُلُوِّهم في الفِسْقِ أوِ الجِنْسِ وهم داخِلُونَ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
المنافقون 63:7
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ أيْ: لِلْأنْصارِ.
﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ﷺ.
﴿حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُهاجِرِينَ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِفِسْقِهِمْ أوْ لِعَدَمِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى لَهُمْ، وقُرِئَ "حَتّى يَنْفِضُوا" مِن أنْفَضَ القَوْمُ إذا فَنِيَتْ أزْوادُهم وحَقِيقَتُهُ حانَ لَهم أنْ يَنْفُضُوا مَزاوِدَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما زَعَمُوا مِن أنَّ عَدَمَ إنْفاقِهِمْ يُؤَدِّي إلى انْفِضاضِ الفُقَراءِ مِن حَوْلِهِ ﷺ بِبَيانِ أنَّ خَزائِنَ الأرْزاقِ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى خاصَّةً يُعْطِي مَن يَشاءُ ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ.
﴿وَلَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وبِشُئُونِهِ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ مِن مَقالاتِ الكُفْرِ ما يَقُولُونَ.
المنافقون 63:8
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ رُوِيَ أنْ جَهْجاهَ بْنَ سَعِيدٍ أجِيرَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نازَعَ سِنانًا الجُهَنِيَّ حَلِيفَ ابْنِ أُبَيٍّ واقْتَتَلا فَصَرَخَ جَهْجاهُ: يا لَلْمُهاجِرِينَ وسِنانٌ يا لَلْأنْصارِ فَأعانَ جَهْجاهًا رِجالٌ مِن فُقَراءَ المُهاجِرِينَ ولَطَمَ سِنانًا فاشْتَكى إلى ابْنِ أُبَيٍّ فَقالَ لِلْأنْصارِ: لا تُنْفِقُوا ...إلَخْ واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَّلَّ عَنى بِالأعَزِّ نَفْسَهُ وبِالأذَلِّ جانِبَ المُؤْمِنِينَ وإسْنادُ القَوْلِ المَذْكُورِ إلى المُنافِقَيْنِ لِرِضاهم بِهِ فَرُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ولِلَّهِ الغالِبَةُ والقُوَّةُ ولِمَن أعَزَّهُ مِن رَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ لا لِغَيْرِهِمْ.
﴿وَلَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ وغُرُورِهِمْ فَيُهْذُونَ ما يُهْذُونَ. رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمّا أرادَ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ اعْتَرَضَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وكانَ مُخْلِصًا وقالَ: لَئِنْ لَمْ تُقِرَّ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِالعِزِّ لَأضْرِبَنَّ عُنُقَكَ فَلَمّا (p-254)رَأى مِنهُ الجِدَّ قالَ: أشْهَدُ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِهِ: جَزاكَ اللَّهُ عَنْ رَسُولِهِ وعَنِ المُؤْمِنِينَ خَيْرًا.»
المنافقون 63:9
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَشْغَلْكُمُ الِاهْتِمامُ بِتَدْبِيرِ أُمُورِها والِاعْتِناءُ بِمَصالِحِها والتَّمَتُّعُ بِها عَنِ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الصَّلاةِ وسائِرِ العِباداتِ المَذْكُورَةِ لِلْمَعْبُودِ، والمُرادُ: نَهْيُهم عَنِ التَّلَهِّي بِها وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلَيْها لِلْمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ " ...إلَخْ ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ: التَّلَهِّي بِالدُّنْيا مِنَ الدِّينِ.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ: الكامِلُونَ في الخُسْرانِ حَيْثُ باعُوا العَظِيمَ الباقِيَ بِالحَقِيرِ الفانِي.
المنافقون 63:10
﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: بَعْضَ ما أعْطَيْناكم تَفَضُّلًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ مِن جِهَتِكُمُ ادِّخارًا لِلْآخِرَةِ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ بِأنْ يُشاهِدَ دَلائِلَهُ ويُعايِنَ أماراتِهِ ومَخايِلَهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِما قُدِّمَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ.
﴿فَيَقُولَ﴾ عِنْدَ تَيَقُّنِهِ بِحُلُولِهِ.
﴿رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾ أيْ: أمْهَلْتَنِي.
﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أيْ: أمَدٍ قَصِيرٍ.
﴿فَأصَّدَّقَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، وقُرِئَ "فَأتَصَدَّقَ".
﴿وَأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ "فَأصَّدَّقَ" كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ أخَّرَتْنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ، وقُرِئَ "وَأكُونَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى لَفْظِهِ، وقُرِئَ "وَأكُونُ" بِالرَّفْعِ أيْ: وأنا أكُونُ عِدَةً مِنهُ بِالصَّلاحِ.
المنافقون 63:11
﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ أيْ: ولَنْ يُمْهِلَها.
﴿إذا جاءَ أجَلُها﴾ أيْ: آخِرُ عُمْرِها أوِ انْتَهى إنْ أُرِيدَ بِالأجْلِ الزَّمانُ المُمْتَدُّ مِن أوَّلِ العُمْرِ إلى آخِرِهِ.
﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَمُجازٍ لَكم عَلَيْهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ فَسارِعُوا في الخَيْراتِ واسْتَعِدُّوا لِما هو آتٍ، وقُرِئَ "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ المُنافِقِينَ بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ".»
التغابن 64:1
(p-255)سُورَةُ التَّغابُنِ
مَدَنِيَّةٌ مُخْتَلِفٌ فِيها وآياتُها ثَمانِي عَشْرَةَ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: يُنَزِّهُهُ سُبْحانَهُ جَمِيعُ ما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِ كِبْرِيائِهِ تَنْزِيهًا مُسْتَمِرًّا.
﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ لا لِغَيْرِهِ وإذْ هو المُبِدِئُ لِكُلِّ شَيْءٍ وهو القائِمُ بِهِ والمُهَيْمِنُ عَلَيْهِ وهو المُولِي لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها وأمّا مُلْكُ غَيْرِهِ فاسْتِرْعاءٌ مِن جَنابِهِ وحَمْدُ غَيْرِهِ اعْتِدادٌ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدِهِ.
﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِأنَّ نِسْبَةَ ذاتِهِ المُقْتَضِيَةَ لِلْقُدْرَةِ إلى الكُلِّ سَواءٌ.
التغابن 64:2
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ خَلْقًا بَدِيعًا حاوِيًا لِجَمِيعِ مَبادِئِ الكَمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ ومَعَ ذَلِكَ.
﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ أيْ: فَبَعْضُكم أوْ فَبَعْضٌ مِنكم مُخْتارٌ لِلْكُفْرِ كاسِبٌ لَهُ عَلى خِلافِ ما تَسْتَدْعِيهِ خِلْقَتِهِ.
﴿وَمِنكم مُؤْمِنٌ﴾ مُخْتارٌ لِلْإيمانِ كاسِبٌ لَهُ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ خِلْقَتُهُ وكانَ الواجِبُ عَلَيْكم جَمِيعًا أنْ تَكُونُوا مُخْتارِينَ لِلْإيمانِ شاكِرِينَ لِنِعْمَةِ الخَلْقِ والإيجادِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِن سائِرِ النِّعَمِ فَما فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَعَ تَمامِ تَمَكُّنِكم مِنهُ بَلْ تَشَعَّبْتُمْ شُعَبًا وتَفَرَّقْتُمْ فِرَقًا، وتَقْدِيمُ الكُفْرِ لِأنَّهُ الأغْلَبُ فِيما بَيْنَهم والأنْسَبُ بِمَقامِ التَّوْبِيخِ وحَمْلُهُ عَلى مَعْنى "فَمِنكم كافِرٌ" مُقَدَّرٌ كُفْرُهُ مُوَجَّهٌ إلَيْهِ ما يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ ومِنكم مُؤْمِنٌ مُقَدِّرٌ إيمانُهُ مُوَفَّقٌ لِما يَدْعُوهُ إلَيْهِ مِمّا لا يُلائِمُ المَقامَ.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ فاخْتارُوا مِنهُ ما يُجْدِيكم مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ وإيّاكم وما يُرْدِيكم مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ.
التغابن 64:3
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
﴿وَصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ حَيْثُ بَرَأكم في أحْسَنِ تَصْوِيرٍ وأوْدَعَ فِيكم مِنَ القُوى والمَشاعِرِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ ما نِيطَ بِها عَنِ الكَمالاتِ البارِزَةِ والكامِنَةِ وزَيَّنَكم بِصَفْوَةِ صِفاتِ مَصْنُوعاتِهِ وخَصَّكم بِخُلاصَةِ خَصائِصِ مُبْدَعاتِهِ وجَعَلَكم أُنْمُوذَجَ جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ في هَذِهِ النَّشْأةِ.
﴿وَإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ لا إلى غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا فَأحْسِنُوا سَرائِرِكم بِاسْتِعْمالِ تِلْكَ القُوى والمَشاعِرِ فِيما خُلِقْنَ لَهُ.
التغابن 64:4
﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ والأحْوالِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ. (p-256)﴿وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ أيْ: ما تُسِرُّونَهُ فِيما بَيْنَكم وما تُظْهِرُونَهُ مِنَ الأُمُورِ والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ انْدِراجِهِ فِيما قَبْلَهُ لِأنَّهُ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ الجَزاءُ فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ وتَشْدِيدٌ لَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن شُمُولِ علمه تعالى لِسِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ أيْ: هو مُحِيطٌ بِجَمِيعِ المُضْمَراتِ المُسْتَكِنَّةِ في صُدُورِ النّاسِ بِحَيْثُ لا تُفارِقُها أصْلًا فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ ما يُسِرُّونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ، وإظْهارُ الجَلالَةِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وتَأْكِيدًا لِاسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ. قِيلَ: وتَقْدِيمُ تَقْرِيرِ القُدْرَةِ عَلى تَقْرِيرِ العِلْمِ لِأنَّ دَلالَةَ المَخْلُوقاتِ عَلى قدرته بِالذّاتِ وعَلى عِلْمِهِ بِما فِيهِ مِنَ الإتْقانِ والِاخْتِصاصِ بِبَعْضِ الأنْحاءِ.
التغابن 64:5
﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيُّها الكَفَرَةُ.
﴿نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ كَقَوْمِ نُوحٍ ومَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ المُصِرَّةِ عَلى الكُفْرِ.
﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "كَفَرُوا" والوَبالُ: الثِّقَلُ والشِّدَّةُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وأمْرُهم كُفْرُهم عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أمْرٌ هائِلٌ وجِنايَةٌ عَظِيمَةٌ أيْ: ألَمْ يَأْتِكم خَبَرُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ ما يَسْتَتْبِعُهُ كُفْرُهم في الدُّنْيا.
﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخِرَةِ.
﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
التغابن 64:6
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ الَّذِي ذاقُوهُ في الدُّنْيا وما سَيَذُوقُونَهُ في الآخِرَةِ.
﴿بِأنَّهُ﴾ بِسَبَبِ أنَّ الشَّأْنَ.
﴿كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ.
﴿فَقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "كانَتْ".
﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ أيْ: قالَ كُلُّ قَوْمٍ مِنَ المَذْكُورِينَ في حَقِّ رَسُولِهِمُ الَّذِي أتاهم بِالمُعْجِزاتِ مُنْكِرِينَ لِكَوْنِ الرَّسُولِ مِن جِنْسِ البَشَرِ مُتَعَجِّبِينَ مِن ذَلِكَ أبَشَرٌ يَهْدِينا، كَما قالَتْ ثَمُودُ أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ وقَدْ أُجْمِلَ في الحِكايَةِ فَأُسْنِدَ القَوْلُ إلى جَمِيعِ الأقْوامِ وأُرِيدَ بِالبَشَرِ الجِنْسُ فَوُصِفَ بِالجَمْعِ كَما أُجْمِلَ الخِطابُ، والأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ .
﴿فَكَفَرُوا﴾ أيْ: بِالرُّسُلِ.
﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ فِيما أتَوْا بِهِ مِنَ البَيِّناتِ وعَنِ الإيمانِ بِهِمْ.
﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ أيْ: أظْهَرَ اسْتِغْناءَهُ عَنْ إيمانِهِمْ وطاعَتِهِمْ حَيْثُ أهْلَكَهم وقَطَعَ دابِرَهم ولَوْلا غِناهُ تَعالى عَنْهُما لَما فَعَلَ ذَلِكَ.
﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنِ العالَمِينَ فَضْلًا عَنْ إيمانِهِمْ وطاعَتِهِمْ.
﴿حَمِيدٌ﴾ يَحْمَدُهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ بِلِسانِ الحالِ أوْ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ بِذاتِهِ وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ حامِدٌ.
التغابن 64:7
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ الزَّعْمُ: ادِّعاءُ العِلْمِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ وقَدْ قامَ مَقامَهُما "أنِ" المُخَفَّفَةُ مَعَ ما في حَيِّزِها، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ: كُفّارُ مَكَّةَ أيْ: زَعَمُوا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ يُبْعَثُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ أبَدًا.
﴿قُلْ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ وإبْطالًا لِزَعْمِهِمْ بِإثْباتِ ما نَفَوْهُ.
﴿بَلى﴾ أيْ: تُبْعَثُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ أيْ: لَتُحاسَبُنَّ ولَتُجْزَوُنَّ بِأعْمالِكُمْ، جُمْلَةٌ (p-257)مُسْتَقِلَّةٌ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ وارِدَةٌ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ كَلِمَةُ بَلى مِن إثْباتِ البَعْثِ وبَيانِ تَحَقُّقَ أمْرٍ آخَرَ مُتَفَرِّعٍ عَلَيْهِ مَنُوطٍ بِهِ، فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِتَحَقُّقِ البَعْثِ بِوَجْهَيْنِ.
﴿وَذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ.
﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لِتَحَقُّقِ القُدْرَةِ التّامَّةِ وقَبُولِ المادَّةِ.
التغابن 64:8
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا﴾ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ شَرْطٍ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِغايَةِ ظُهُورِهِ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَآمِنُوا.
﴿بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ مُحَمَّد ﷺ.
﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ وهو القرآن فَإنَّهُ بِإعْجازِهِ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ مُبَيِّنٌ لِغَيْرِهِ كَما أنَّ النُّورَ كَذَلِكَ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِأمْرِ الإنْزالِ.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ وعَدَمِهِ.
﴿خَبِيرٌ﴾ فَمُجازٍ لَكم عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ مُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ بِهِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَأْكِيدًا لِاسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ.
التغابن 64:9
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِـ"تُنَبَّؤُنَّ"، وقِيلَ: لِـ"خَبِيرٍ" لِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ مُجازِيكم ومُعاقِبَكم يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ، أوْ مَفْعُولٌ لِـ"اذْكُرْ" وقُرِئَ "نَجْمَعُكُمْ" بِنُونِ العَظَمَةِ.
﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ لِيَوْمٍ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ أيْ: لِأجْلِ ما فِيهِ مِنَ الحِسابِ والجَزاءِ.
﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ أيْ: يَوْمُ غَبْنِ بَعْضِ النّاسِ بَعْضًا بِنُزُولِ السُّعَداءِ مَنازِلَ الأشْقِياءِ لَوْ كانُوا سُعَداءَ وبِالعَكْسِ، وفي الحَدِيثِ "ما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً" وتَخْصِيصُ التَّغابُنِ بِذَلِكَ اليَوْمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّغابُنَ في الحَقِيقَةِ هو الَّذِي يَقَعُ فِيهِ لا ما يَقَعُ في أُمُورِ الدُّنْيا.
﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا﴾ أيْ: عَمَلًا صالِحًا.
﴿يُكَفِّرْ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ.
﴿عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وقُرِئَ "نُدْخِلُهُ" بِنُونٍ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ وإدْخالِ الجَنّاتِ.
﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ لِانْطِوائِهِ عَلى النَّجاةِ مِن أعْظَمِ الهَلَكاتِ والظَّفَرِ بِأجَلِّ الطَّلَباتِ.
التغابن 64:10
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ: النّارُ كَأنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّغابُنِ.
التغابن 64:11
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ مِنَ المَصائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: تَقْدِيرِهِ وإرادَتِهِ كَأنَّها بِذاتِها مُتَوَجِّهَةٌ إلى الإنْسانِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى إذْنِهِ تَعالى.
﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عِنْدَ إصابَتِها لِلثَّباتِ والِاسْتِرْجاعِ، وقِيلَ: يَهْدِ قَلْبَهُ حَتّى يَعْلَمَ (p-258)أنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وقِيلَ: يَهْدِ قَلْبَهُ أيْ: يَلْطُفُ بِهِ ويَشْرَحُهُ لِازْدِيادِ الطّاعَةِ والخَيْرِ، وقُرِئَ "يُهْدَ قَلْبُهُ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "قَلْبُهُ"، وقُرِئَ بِنَصْبِهِ عَلى نَهْجِ سَفِهَ نَفْسَهُ، وقُرِئَ "يَهْدَأْ قَلْبُهُ" بِالهَمْزَةِ أيْ: يَسْكُنْ.
﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُلُوبُ وأحْوالُها.
﴿عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ إيمانَ المُؤْمِنِ ويَهْدِي قَلْبَهُ إلى ما ذُكِرَ.
التغابن 64:12
﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ لِلتَّأْكِيدِ والإيذانِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الطّاعَتَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ وتَوْضِيحِ مَوْرِدِ التَّوَلِّي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ: عَنْ إطاعَةِ الرَّسُولِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ أيْ: فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ إذْ ما عَلَيْهِ إلّا التَّبْلِيغُ المُبِينُ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ وإظْهارُ الرَّسُولِ مُضافًا إلى نُونِ العَظَمَةِ في مَقامِ إضْمارِهِ لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإشْعارُ بِمَدارِ الحُكْمِ الَّذِي هو كَوْنُ وظِيفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَحْضَ البَلاغِ ولِزِيادَةِ تَشْنِيعِ التَّوَلِّي عَنْهُ.
التغابن 64:13
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْمَعْبُودِيَّةِ لا غَيْرُهُ، وفي إضْمارِ خَبَرِ "لا" مِثْلَ "فِي الوُجُودِ" أوْ "يَصِحُّ أنْ يُوجَدَ" خِلافٌ لِلنُّحاةِ مَعْرُوفٌ.
﴿وَعَلى اللَّهِ﴾ أيْ: عَلَيْهِ تَعالى خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا.
﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ وإظْهارُ الجَلالَةِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ التَّوَكُّلِ والأمْرِ بِهِ، فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِلتَّبَتُّلِ إلَيْهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ وقَطْعِ التَّعَلُّقِ عَمّا سِواهُ بِالمَرَّةِ.
التغابن 64:14
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ يَشْغَلُونَكم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ يُخاصِمُونَكم في أُمُورِ الدِّينِ أوِ الدُّنْيا.
﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾ الضَّمِيرُ لِلْعَدُوِّ فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الجَمْعِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ أوْ لِلْأزْواجِ والأوْلادِ جَمِيعًا، فالمَأْمُورُ بِهِ عَلى الأوَّلِ الحَذَرُ عَنِ الكُلِّ وعَلى الثّانِي إمّا الحَذَرُ عَنِ البَعْضِ لِأنَّ مِنهم مَن لَيْسَ بِعَدُوٍّ وإمّا الحَذَرُ عَنْ مَجْمُوعِ الفَرِيقَيْنِ لِاشْتِمالِهِمْ عَلى العَدُوِّ.
﴿وَأنْ تَعْفُوا﴾ عَنْ ذُنُوبِهِمُ القابِلَةِ لِلْعَفْوِ بِأنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِأُمُورِ الدُّنْيا أوْ بِأُمُورِ الدِّينِ لَكِنَّ مُقارِنَةٌ لِلتَّوْبَةِ.
﴿وَتَصْفَحُوا﴾ بِتَرْكِ التَّثْرِيبِ والتَّعْيِيرِ.
﴿وَتَغْفِرُوا﴾ بِإخْفائِها وتَمْهِيدِ عُذْرِها.
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يُعامِلُكم بِمِثْلِ ما عَمِلْتُمْ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: إنَّ ناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ أرادُوا الهِجْرَةَ عَنْ مَكَّةَ فَثَبَّطَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم وقالُوا: تَنْطَلِقُونَ وتُضَيِّعُونَنا فَرَقُّوا لَهم ووَقَفُوا فَلَمّا هاجَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ ورَأوُا المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ قَدْ فَقِهُوا في الدِّينِ أرادُوا أنْ يُعاقِبُوا أزْواجَهم وأوْلادَهم فَزُيِّنَ لَهُمُ العَفْوُ. وقِيلَ: قالُوا لَهُمْ: أيْنَ تَذْهَبُونَ وتَدَعُونَ بَلَدَكم وعَشِيرَتَكم وأمْوالَكم فَغَضِبُوا عَلَيْهِمْ وقالُوا: لَئِنْ جَمَعَنا اللَّهُ في دارِ الهِجْرَةِ لَمْ نُصِبْكم بِخَيْرٍ فَلَمّا هاجَرُوا ومَنَعُوهُمُ الخَيْرَ فَحُثُّوا عَلى أنْ يَعْفُوا عَنْهم ويَرُدُّوا إلَيْهِمُ البِرَّ والصِّلَةَ.
التغابن 64:15
(p-259)﴿أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ بَلاءٌ ومِحْنَةٌ يُوقِعُونَكم في الإثْمِ مِن حَيْثُ لا تَحْتَسِبُونَ.
﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لِمَن آثَرَ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى وطاعَتَهُ عَلى مَحَبَّةِ الأمْوالِ والأوْلادِ والسَّعْيِ في تَدْبِيرِ مَصالِحِهِمْ.
التغابن 64:16
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيِ: ابْذُلُوا في تَقْواهُ جَهْدَكم وطاقَتَكم.
﴿واسْمَعُوا﴾ مَواعِظَهُ.
﴿وَأطِيعُوا﴾ أوامِرَهُ.
﴿وَأنْفِقُوا﴾ مِمّا رَزَقَكم في الوُجُوهِ الَّتِي أمَرَكم بِالإنْفاقِ فِيها خالِصًا لِوَجْهِهِ.
﴿خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ﴾ أيِ: ائْتُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم وافْعَلُوا ما هو خَيْرٌ لَها وأنْفَعُ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْحَثِّ عَلى امْتِثالِ هَذِهِ الأوامِرِ وبَيانٌ لِكَوْنِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ خَيْرًا لِأنْفُسِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْفاقًا خَيْرًا أوْ خَبْرًا لِكانَ مُقَدِّرًا جَوابًا لِلْأوامِرِ أيْ: يَكُنْ خَيْرًا لِأنْفُسِكم.
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بَكْلِّ مَرامٍ.
التغابن 64:17
﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ﴾ بِصَرْفُ أمْوالِكم إلى المَصارِفِ الَّتِي عَيَّنَها.
﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ وطِيِبِ النَّفْسِ.
﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ بِالواحِدِ عَشْرَةً إلى سَبْعِمِائَةٍ وأكْثَرَ، وقُرِئَ "يُضَعِّفْهُ لَكُمْ".
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بِبِرْكَةِ الإنْفاقِ ما فَرَطَ مِنكم مِن بَعْضِ الذُّنُوبِ.
﴿واللَّهُ شَكُورٌ﴾ يُعْطِي الجَزِيلَ بِمُقابَلَةِ النَّزْرِ القَلِيلِ.
﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ مَعَ كَثْرَةِ ذُنُوبِكم.
التغابن 64:18
﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ المَبالِغُ في القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ التَّغابُنِ دُفِعَ عَنْهُ مَوْتُ الفَجْأةِ".»
الطلاق 65:1
(p-260)سُورَةُ الطَّلاقِ 729 مَدَنِيَّةٌ وآياتُها اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ تَخْصِيصُ النِّداءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ عُمُومِ الخِطابِ لِأُمَّتِهِ أيْضًا لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإظْهارِ جَلالَةِ مَنصِبِهِ وتَحْقِيقِ أنَّهُ المُخاطَبُ حَقِيقَةً ودُخُولُهم في الخِطابِ بِطَرِيقِ اسْتِتْباعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم وتَغْلِيبُهُ عَلَيْهِمْ لا لِأنَّ نِداءَهُ كَنِدائِهِمْ، فَإذْ ذَلِكَ الِاعْتِبارُ لَوْ كانَ في حَيِّزِ الرِّعايَةِ لَكانَ الخِطابُ هو الأحَقَّ بِهِ لِشُمُولِ حُكْمِهِ لِلْكُلِّ قَطْعًا، والمَعْنى: إذا أرَدْتُمْ تَطْلِيقَهُنَّ وعَزَمْتُمْ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ .
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أيْ: مُسْتَقْبِلاتٍ لَها كَقَوْلِكَ: "أتَيْتُهُ لِلَّيْلَةٍ خَلَتْ مِن شَهْرِ كَذا" فَإنَّ المَرْأةَ إذا طُلِّقَتْ في طُهْرٍ يَعْقُبُهُ القُرْءُ الأوَّلُ مِن إقْرائِها فَقَدْ طُلِّقَتْ مُسْتَقْبِلَةً لِعِدَّتِها، والمُرادُ: أنْ يُطَلَّقْنَ في طُهْرٍ لَمْ يَقَعْ فِيهِ جِماعٌ ثُمَّ يُخَلَّيْنَ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ وهَذا أحْسَنُ الطَّلاقِ وأدْخَلُهُ في السُّنَّةِ.
﴿وَأحْصُوا العِدَّةَ﴾ واضْبِطُوها وأكْمِلُوها ثَلاثَةَ أقْراءٍ كَوامِلَ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ في تَطْوِيلِ العِدَّةِ عَلَيْهِمْ والإضْرارِ بِهِنَّ، وفي وصْفِهِ تَعالى بِرِبَوِيَّتِهِ لَهم تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ ومُبالَغَةٌ في إيجابِ الِاتِّقاءِ.
﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ مِن مَساكِنِهِنَّ عِنْدَ الفِراقِ إلى أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ، وإضافَتُها إلَيْهِنَّ وهي لِأزْواجِهِنَّ لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ بِبَيانِ كَمالِ اسْتِحْقاقِهِنَّ لِسُكْناها كَأنَّها أمْلاكُهُنَّ.
﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ ولَوْ بِإذْنٍ مِنكم فَإنَّ الإذْنَ بِالخُرُوجِ في حُكْمِ الإخْراجِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَخْرُجْنَ بِاسْتِبْدادٍ مِنهُنَّ أمّا إذا اتَّفَقا عَلى الخُرُوجِ جازَ إذِ الحَقُّ لا يَعْدُوهُما.
﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأوَّلِ، قِيلَ: هي الزِّنا فَيَخْرُجْنَ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِنَّ، وقِيلَ: إلّا أنْ يَبْذُونَ عَلى الأزْواجِ فَيَحِلُّ حِينَئِذٍ إخْراجُهُنَّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ "إلّا أنْ يُفْحِشْنَ عَلَيْكُمْ" أوْ مِنَ الثّانِي لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنِ الخُرُوجِ بِبَيانِ أنَّ خُرُوجَها فاحِشَةٌ. " تِلْكَ " إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ، و"ما" في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِها وبُعْدِ مَنزِلَتِها.
﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ الَّتِي عَيَّنَها لِعِبادِهِ.
﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ: حُدُودَهُ المَذْكُورَةَ بِأنْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِنها عَلى أنَّ الإظْهارَ في حَيِّزِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ التَّعَدِّي، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أيْ: أضَرَّ بِها، وتَفْسِيرُ الظُّلْمِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ يَأْباهُ (p-261)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلٍ مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ وقَدْ قالُوا: إنَّ الأمْرَ الَّذِي يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يُقَلِّبَ قَلْبَهُ عَمّا فَعَلَهُ بِالتَّعَدِّي إلى خِلافِهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ عِبارَةً عَنْ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ ولا يُمْكِنُ تَدارُكُهُ أوْ عَنْ مُطْلَقِ الضَّرَرِ الشّامِلِ لِلدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، ويُخَصُّ التَّعْلِيلُ بِالدُّنْيَوِيِّ لِكَوْنِ احْتِرازِ النّاسِ مِنهُ أشَدَّ واهْتِمامِهِمْ بِدَفْعِهِ أوْقى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْرِي﴾ خِطابٌ لِلْمُتَعَدِّي بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالزَّجْرِ عَنِ التَّعَدِّي لا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما تُوُهِّمَ، فالمَعْنى: ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ أضَرَّ بِنَفْسِهِ فَإنَّكَ لا تَدْرِي أيُّها المُتَعَدِّي عاقِبَةَ الأمْرِ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ في قَلْبِكَ بَعْدَ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْتَ مِنَ التَّعَدِّي أمْرًا يَقْتَضِي خِلافَ ما فَعَلْتَهُ فَيُبَدَّلُ بِبُغْضِها مَحَبَّةً وبِالإعْراضِ عَنْها إقْبالًا إلَيْها ويَتَسَنّى تَلافِيهِ رَجْعَةً أوِ اسْتِئْنافُ نِكاحٍ.
الطلاق 65:2
﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ شارَفْنَ آخِرَ عِدَّتِهِنَّ.
﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾ فَراجِعُوهُنَّ.
﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ بِحُسْنِ مُعاشَرَةٍ وإنْفاقٍ لائِقٍ.
﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ بِإيفاءِ الحَقِّ واتِّقاءِ الضِّرارِ بِأنْ يُراجِعَها ثُمَّ يُطَلِّقُها تَطْوِيلًا لِلْعِدَّةِ.
﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ عِنْدَ الرَّجْعَةِ والفُرْقَةِ قَطْعًا لِلتَّنازُعِ وهَذا أمْرُ نَدْبٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ ويُرْوى عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ لِلْوُجُوبِ في الرَّجْعَةِ.
﴿وَأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ أيُّها الشُّهُودُ عِنْدَ الحاجَةِ خالِصًا لِوَجْهِهِ تَعالى.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الحَثِّ عَلى الإشْهادِ والإقامَةِ أوْ عَلى جَمِيعِ ما في الآيَةِ.
﴿يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ إذْ هو المُنْتَفِعُ بِهِ والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ ...إلَخْ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما سَبَقَ مِن وُجُوبِ مُراعاةِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى بِالوَعْدِ عَلى الِاتِّقاءِ عَنْ تَعَدِّيها كَما أنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ مُؤَكِّدٌ لَهُ بِالوَعِيدِ عَلى تَعَدِّيها، فالمَعْنى: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ فَطَلَّقَ لِلسُّنَّةِ ولَمْ يُضارَّ المُعْتَدَّةَ ولَمْ يُخْرِجْها مِن مَسْكَنِها واحْتاطَ في الإشْهادِ وغَيْرِهِ مِنَ الأُمُورِ.
﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ مِمّا عَسى يَقَعُ في شَأْنِ الأزْواجِ مِنَ الغُمُومِ والوُقُوعِ في المَضايِقِ ويُفْرَّجُ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ الكُرُوبِ.
الطلاق 65:3
﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ أيْ: مِن وجْهٍ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ ولا يَحْتَسِبُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا جِيءَ بِهِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِطْرادِ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إلى آخِرِهِ، فالمَعْنى: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذْرُ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ومَخْلَصًا مِن غُمُومِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ ما نَحْنُ فِيهِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.
«عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قَرَأها فَقالَ: "مَخْرَجًا مِن شُبَهاتِ الدُّنْيا ومِن غَمَراتِ المَوْتِ ومِن شَدائِدِ (p-262)يَوْمِ القِيامَةِ"» وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿إنّى لَأعْلَمُ آيَةً لَوْ أخَذَ النّاسُ بِها لَكَفَتْهم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ فَما زالَ يَقْرَؤُها ويُعِيدُها. ورُوِيَ «أنَّ عَوْفَ بْنَ الأشْجَعِيِّ أسَرَ المُشْرِكُونَ ابْنَهُ سالِمًا فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ أُسِرَ ابْنِي وشَكا إلَيْهِ الفاقَةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "اتَّقِ اللَّهَ وأكْثِرْ قَوْلَ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ" فَفَعَلَ فَبَيْنا هو في بَيْتِهِ إذْ قَرَعَ ابْنُهُ البابَ ومَعَهُ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ غَفَلَ عَنْها العَدُوُّ فاسْتاقَها فَنَزَلَتْ.» ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ أيْ: كافِيهِ في جَمِيعِ أُمُورِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ بِالإضافَةِ أيْ: مُنْفِذُ أمْرِهِ، وقُرِئَ بِتَنْوِينِ بالِغُ ونَصْبِ "أمْرِهِ" أيْ: يَبْلُغُ ما يُرِيدُهُ لا يَفُوتُهُ مُرادٌ ولا يُعَجِزُهُ مَطْلُوبٌ، وقُرِئَ بِرَفْعِ "أمْرِهِ" عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و"بالِغٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ أوْ "بالِغٌ" خَبَرُ إنَّ و"أمْرُهُ" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ أيْ: نافِذٌ أمْرُهُ، وقُرِئَ "بِالِغًا أمْرَهُ" عَلى أنَّهُ حالٌ وخَبَرُ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أيْ: تَقْدِيرًا وتَوْقِيتًا أوْ مِقْدارًا وهو بَيانٌ لِوُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى وتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ لا يَكُونُ إلّا بِتَقْدِيرِهِ تَعالى لا يَبْقى إلّا التَّسْلِيمُ لِلْقَدَرِ والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَعالى.
الطلاق 65:4
﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكُمْ﴾ لِكِبَرِهِنَّ وقَدْ قَدَّرُوهُ بِسِتِّينَ سَنَةً وبِخَمْسٍ وخَمْسِينَ.
﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ: شَكَكْتُمْ وجَهِلْتُمْ كَيْفَ عِدَّتُهُنَّ.
﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ بَعْدُ لِصِغَرِهِنَّ أيْ: فَعِدَّتُهُنَّ أيْضًا كَذَلِكَ فَحُذِفَ ثِقَةً بِدِلالَةٍ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ﴾ أيْ: مُنْتَهى عِدَّتِهِنَّ.
﴿أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ سَواءً كُنَّ مُطَلَّقاتٍ أوْ مُتَوَفًّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ، وقَدْ نُسِخَ بِهِ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ لَتَراخِي نُزُولِهِ عَنْ ذَلِكَ لِما هو المَشْهُورُ مِن قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّ سُورَةَ النِّساءِ القُصْرى نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ صَحَّ «أنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةَ ولَدَتْ بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِلَيالٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ لَها: قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِي.» ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في شَأْنِ أحْكامِهِ ومُراعاةِ حُقُوقِها.
﴿يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ أيْ: يُسَهِّلْ عَلَيْهِ أمْرَهُ ويُوَفِّقْهُ لِلْخَيْرِ.
الطلاق 65:5
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ وإفْرادُ الكافِ مَعَ أنَّ الخِطابَ لِلْجَمْعِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكُمْ﴾ لِما أنَّها لِمُجَرَّدِ الفَرْقِ بَيْنَ الحاضِرِ والمُنْقَضِي لا لِتَعْيِينِ خُصُوصِيَّةِ المُخاطَبِينَ وقَدْ مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ بِالمُحافَظَةِ عَلى أحْكامِهِ.
﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾ فَإنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ.
﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ بِالمُضاعَفَةِ.
الطلاق 65:6
(p-263)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾
﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ الحَثِّ عَلى التَّقْوى كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ نَعْمَلُ بِالتَّقْوى في شَأْنِ المُعْتَدّاتِ؟ فَقِيلَ: أسْكِنُوهُنَّ مَسْكَنًا مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ أيْ: بَعْضَ مَكانِ سُكْناكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ أيْ: مِن وُسْعِكم أيْ: مِمّا تُطِيقُونَهُ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ وتَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿وَلا تُضارُّوهُنَّ﴾ أيْ: في السُّكْنى.
﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وتَلْتَجِئُوهُنَّ إلى الخُرُوجِ.
﴿وَإنْ كُنَّ﴾ أيِ: المُطَلَّقاتُ.
﴿أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَيَخْرُجْنَ مِنَ العِدَّةِ أمّا المُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ فَلا نَفَقَةَ لَهُنَّ.
﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ.
﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ عَلى الإرْضاعِ.
﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: تَشاوَرُوا وحَقِيقَتُهُ لِيَأْمُرْ بَعْضُكم بَعْضًا بِجَمِيلٍ في الإرْضاعِ والأجْرِ ولا يَكُونُ مِنَ الأبِ مُماسَكَةٌ ولا مِنَ الأُمِّ مُعاسَرَةٌ.
﴿وَإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ: تَضايَقْتُمْ.
﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ أيْ: فَسَتُوجَدُ ولا تُعْوِزُ مُرْضِعَةٌ أُخْرى وفِيهِ مُعاتَبَةٌ لِلْأُمِّ عَلى المُعاسَرَةِ.
الطلاق 65:7
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ وإنْ قَلَّ أيْ: لِيُنْفِقْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُوسِرِ والمُعْسِرِ ما يَبْلُغُهُ وُسْعُهُ.
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها﴾ جَلَّ أوْ قَلَّ فَإنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، وفِيهِ تَطْيِيبٌ لِقَلْبِ المُعْسِرِ وتَرْغِيبٌ لَهُ في بَذْلِ مَجْهُودٍ وقَدْ أُكِّدَ ذَلِكَ بِالوَعْدِ حَيْثُ قِيلَ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أيْ: عاجِلًا أوْ آجِلًا.
الطلاق 65:8
﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: كَثِيرٌ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ.
﴿عَتَتْ﴾ أيْ: أعْرَضَتْ.
﴿عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ﴾ بِالعُتُوِّ والتَّمَرُّدِ والعِنادِ.
﴿فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا﴾ بِالِاسْتِقْصاءِ والتَّنْقِيرِ والمُناقَشَةِ في كُلِ نَقِيرٍ وقِطْمِيرٍ.
﴿وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ: مُنْكَرًا عَظِيمًا، وقُرِئَ "نُكْرًا" والمُرادُ: حِسابُ الآخِرَةِ وعَذابُها والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِلَفْظِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ .
الطلاق 65:9
﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ هائِلًا لا خُسَرَ وراءَهُ.(p-264)
الطلاق 65:10
﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ تَكْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ وبَيانٌ لِكَوْنِهِ مُرْتَقَبًا كَأنَّهُ قِيلَ: أعَدَّ اللَّهُ لَهم هَذا العَذابَ.
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألباب﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالحِسابِ اسْتِقْصاءُ ذُنُوبِهِمْ وإثْباتُها في صَحائِفِ الحَفَظَةِ وبِالعَذابِ ما أصابَهم عاجِلًا، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَتَتْ وما عُطِفَ عَلَيْهِ صِفَةً لِلْقَرْيَةِ، وأعَدَّ اللَّهُ لَهم جَوابًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ﴾ .
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أعْنِي بَيانًا لِلْمُنادى أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ نَعْتٌ وفي إبْدالِهِ مِنهُ ضَعْفٌ لِتَعَذُّرِ حُلُولِهِ مَحَلَّهُ.
﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ أوْ لِنُزُولِهِ بِالذِّكْرِ الَّذِي هو القرآن كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إبْدالُ قَوْلِهِ تَعالى:
الطلاق 65:11
﴿رَسُولا﴾ مِنهُ أوْ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ في السَّمَواتِ وفي الأُمَمِ أوْ أُرِيدَ بِالذِّكْرِ الشَّرَفُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ كَأنَّهُ في نَفْسِهِ شَرَفٌ إمّا لِأنَّهُ شَرَفٌ لِلْمُنْزَلِ عَلَيْهِ وإمّا لِأنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ أوْ هو النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ - وعَلَيْهِ الأكْثَرُ- عَبَّرَ عَنْهُ بِالذِّكْرِ لِمُواظَبَتِهِ عَلى تِلاوَةِ القرآن أوْ تَبْلِيغِهِ والتَّذْكِيرِ بِهِ وعَبَّرَ عَنْ إرْسالِهِ بِالإنْزالِ بِطَرِيقِ التَّرْشِيحِ أوْ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ إنْزالِ الوَحْيِ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ رَسُولًا لِلْبَيانِ أوْ هو القرآن و"رَسُولًا" مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مِثْلَ أرْسَلَ أوْ بِـ"ذِكْرًا" عَلى إعْمالِ المَصْدَرِ المُنَوَّنِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الرِّسالَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ﴾ نَعْتٌ لِـ"رَسُولًا" و"آياتِ اللَّهِ": القرآن و"بَيِّناتٍ" حالٌ مِنها أيْ: حالَ كَوْنِها مُبَيِّناتٍ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ، وقُرِئَ "مُبَيَّناتٍ" أيْ: بَيَّنَها اللَّهُ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: " قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآيات "، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"يَتْلُو" أوْ بِـ"أنْزَلَ" وفاعِلُ "يَخْرُجُ" عَلى الأوَّلِ ضَمِيرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ ضَمِيرُ الجَلالَةِ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ إنْزالِهِ أيْ: لِيَحْصُلَ لَهُمُ الرَّسُولُ أوِ اللَّهُ عَزَّ وعَلا ما هم عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ أوْ لِيَخْرُجَ مَن عَلِمَ أوْ قَدَّرَ أنَّهُ سَيُؤْمِنُ.
﴿مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى.
﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا﴾ حَسَبَما بُيِّنَ في تَضاعِيفِ ما أُنْزِلَ مِنَ الآياتِ المُبَيَّناتِ.
﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وقُرِئَ "نُدْخِلْهُ" بِالنُّونِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ "يُدْخِلْهُ" والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ حالٌ أُخْرى مِنهُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في "خالِدِينَ" بِطَرِيقِ التَّداخُلِ وإفْرادُ ضَمِيرِ لَهُ قَدْ مَرَّ وجْهُهُ وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ والتَّعْظِيمِ لِما رَزَقَهُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ.(p-265)
الطلاق 65:12
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
﴿وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أيْ: خَلَقَ مِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ في العَدَدِ، وقُرِئَ "مِثْلُهُنَّ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و"مِنَ الأرْضِ" خَبَرُهُ، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ طَبَقاتِ الأرْضِ قالُوا: الجُمْهُورُ عَلى أنَّها سَبْعُ أرَضِينَ طِباقًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ وأرْضٍ مَسافَةٌ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وفي كُلِّ أرْضٍ سُكّانٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الضَّحّاكُ: مُطْبِقَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ مَن غَيْرِ فُتُوقٍ بِخِلافِ السَّمَواتِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّ الأخْبارَ دالَّةٌ عَلَيْهِ كَما رَوى البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ كَعْبًا حَلَفَ بِالَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لِمُوسى أنَّ صُهَيْبًا حَدَّثَهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرَ قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَها إلّا قالَ حِينَ يَراها: « "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَواتِ السَّبْعِ وما أظْلَلْنَ ورَبَّ الأرَضِينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ ورَبَّ الشَّياطِينِ وما أضْلَلْنَ ورَبَّ الرِّياحِ وما أذْرَيْنَ نَسْألُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ وخَيْرَ أهْلِها ونَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وشَرِّ أهْلِها وشَرِّ مَن فِيها".» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ تَحْتِ الأرَضِينَ خَلْقٌ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: فَما الخَلْقُ؟ قالَ: إمّا مَلائِكَةٌ أوْ جِنٌّ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وعَلى هَذا تَخْتَصُّ دَعْوَةُ الإسْلامِ بِأهْلِ الأرْضِ العُلْيا دُونَ مَن عَداهم وإنْ كانَ فِيهِنَّ مَن يَعْقِلُ مِن خَلْقٍ وفي مُشاهَدَتِهِمُ السَّماءَ واسْتِمْدادِهِمُ الضَّوْءَ مِنها قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهم يُشاهِدُونَ السَّماءَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن أرْضِهِمْ ويَسْتَمِدُّونَ الضِّياءَ مِنها، والثّانِي: أنَّهم لا يُشاهِدُونَ السَّماءَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لَهم ضِياءً يُشاهِدُونَهُ، وحَكى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها سَبْعُ أرَضِينَ مُتَفَرِّقَةٌ بِالبِحارِ وتُظِلُّ الجَمِيعَ السَّماءُ.
﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أيْ: يَجْرِي أمْرُهُ وقَضاؤُهُ بَيْنَهُنَّ ويَنْفُذُ مُلْكُهُ فِيهِنَّ. وعَنْ قَتادَةَ في كُلِّ سَماءٍ وفي كُلِّ أرْضٍ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ وأمْرٌ مِن أمْرِهِ وقَضاءٌ مِن قَضائِهِ، وقِيلَ: هو ما يُدَبَّرُ فِيهِنَّ مِن عَجائِبِ تَدْبِيرِهِ، وقُرِئَ "يَنْزِلُ الأمْرُ".
﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"خَلَقَ" أوْ بِـ"يَتَنَزَّلُ" أوْ بِمُضْمَرٍ يَعُمُّهُما أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ما ذُكِرَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
﴿وَأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ لِاسْتِحالَةِ صُدُورِ الأفاعِيلِ المَذْكُورَةِ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في اللّامِ بَيانَ ما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ وتَنَزُّلِ الأمْرِ أيْ: أوْحى ذَلِكَ وبَيَّنَهُ لِتَعْلَمُوا بِما ذَكَرَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُشاهِدُونَها والَّتِي تَتَلَقَّوْنَها مِنَ الوَحْيِ مِن عَجائِبِ المَصْنُوعاتِ أنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ قدرته وعِلْمِهِ شَيْءٌ ما أصْلًا، وقُرِئَ "لِيَعْلَمُوا".
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الطَّلاقِ ماتَ عَلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".»
التحريم 66:1
(p-266)سُورَةُ التَّحْرِيمِ
مَدَنِيَّةٌ وآياتُها اثْنَتا عَشْرَةَ
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَلا بِمارِيَةٍ في يَوْمِ عائِشَةَ وعَلِمَتْ بِذَلِكَ حَفْصَةُ فَقالَ لَها: اكْتُمِي عَلَيَّ فَقَدْ حَرَّمْتُ مارِيَةَ عَلى نَفْسِي وأُبَشِّرُكِ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ بَعْدِي أمْرَ أُمَّتِي فَأخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ وكانَتا مُتَصادِقَتَيْنِ. وقِيلَ: خَلا بِها في يَوْمِ حَفْصَةَ فَأرْضاها بِذَلِكَ واسْتَكْتَمَها فَلَمْ تَكْتُمْ فَطَلَّقَها واعْتَزَلَ نِساءَهُ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: راجِعْها فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ وإنَّها لَمِن نِسائِكَ في الجَنَّةِ.» ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَرِبَ عَسَلًا في بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَتَواطَأتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ فَقالَتا: نَشُمُّ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ التُّفْلَ فَحَرَّمَ العَسَلَ فَنَزَلَتْ.» فَمَعْناهُ: لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِن مِلْكِ اليَمِينِ أوْ مِنَ العَسَلِ.
﴿تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾ إمّا تَفْسِيرٌ لِـ"تُحَرِّمُ" أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أوِ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ ما دَعاهُ إلَيْهِ مُؤْذِنٌ بَعَدَمِ صَلاحِيَتِكَ لِذَلِكَ.
﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ مُبالِغٌ في الغُفْرانِ قَدْ غَفَرَ لَكَ هَذِهِ الزَّلَّةَ.
﴿رَحِيمٌ﴾ قَدْ رَحِمَكَ ولَمْ يُؤاخِذْكَ بِهِ وإنَّما عاتَبَكَ مُحاماةً عَلى عِصْمَتِكَ.
التحريم 66:2
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ أيْ: شَرَعَ لَكم تَحْلِيلَها وهو حَلُّ ما عَقَدَهُ بِالكَفّارَةِ أوْ بِالِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا حَتّى لا يَحْنَثَ والأوَّلُ هو المُرادُ هاهُنا.
﴿واللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ سَيِّدُكم ومُتَوَلِّي أُمُورِكم.
﴿وَهُوَ العَلِيمُ﴾ بِما يُصْلِحُكم فَيَشْرَعُهُ لَكم.
﴿الحَكِيمُ﴾ المُتْقِنُ في أفْعالِهِ وأحْكامِهِ فَلا يَأْمُرُكم ولا يَنْهاكم إلّا حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
التحريم 66:3
﴿وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ﴾ وهي حَفْصَةُ.
﴿حَدِيثًا﴾ أيْ: حَدِيثَ تَحْرِيمِ مارِيَةَ أوِ العَسَلِ أوْ أمْرِ الخِلافَةِ.
﴿فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ﴾ أيْ: أخْبَرَتْ حَفْصَةُ عائِشَةَ بِالحَدِيثِ وأفْشَتْهُ إلَيْها، وقُرِئَ "أنْبَأتْ بِهِ".
﴿وَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: أطْلَعَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ عَلى إفْشاءِ حَفْصَةَ.
﴿عَرَّفَ﴾ أيِ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ حَفْصَةَ.
﴿بَعْضَهُ﴾ بَعْضَ الحَدِيثِ الَّذِي أفْشَتْهُ، قِيلَ: هو حَدِيثُ الإمامَةِ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَها: ألَمْ أقُلْ لَكِ اُكْتُمِي عَلَيَّ؟ قالَتْ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما مَلَكْتُ (p-267)نَفْسِي فَرَحًا بِالكَرامَةِ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ تَعالى بِها أباها.
﴿وَأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أيْ: عَنْ تَعْرِيفِ بَعْضٍ تَكَرُّمًا، قِيلَ: هو حَدِيثُ مارِيَةَ.
﴿فَلَمّا نَبَّأها بِهِ﴾ أيْ: أخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ حَفْصَةَ بِما عَرَفَهُ مِنَ الحَدِيثِ.
﴿قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا﴾ أيْ: إفْشاءَها لِلْحَدِيثِ.
﴿قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
التحريم 66:4
﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِحَفْصَةَ وعائِشَةَ عَلى الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في العِتابِ.
﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ الفاءُ لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ: "اعْبُدْ رَبَّكَ فالعِبادَةُ حَقٌّ" أيْ: فَقَدْ وُجِدَ مِنكُما ما يُوجِبُ التَّوْبَةَ مِن مَيْلِ قُلُوبِكُما عَمّا يَجِبُ عَلَيْكُما مِن مُخالَصَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحُبِّ ما يُحِبُّهُ وكَراهَةِ ما يَكْرَهُهُ، وقُرِئَ "فَقَدْ زاغَتْ".
﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ بِإسْقاطِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ عَلى الأصْلِ وبِتَشْدِيدِ الظّاءِ وتَظْهَرا أيْ: تَتَعاوَنا عَلَيْهِ بِما يَسُوؤُهُ مِنَ الإفْراطِ في الغَيْرِ وإفْشاءِ سِرِّهِ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: فَلَنْ يَعْدِمَ مَن يُظاهِرُهُ فَإنَّ اللَّهَ هو ناصِرُهُ وجِبْرِيلُ رَئِيسُ الكُرُوبِيِّينَ قَرِينُهُ ومَن صَلَحَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أتْباعُهُ وأعْوانُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ تَعالى عَنْهُما: أرادَ بِصالِحِ المُؤْمِنِينَ "أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما". وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ وهو اللّائِقُ بِتَوَسُّطِهِ بَيْنَ جِبْرِيلَ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظَّهِيرِ المَعْنَوِيِّ والظَّهِيرِ الصُّورِيِّ. كَيْفَ لا؟ وإنَّ جِبْرِيلَ ظَهِيرٌ لَهُ عَلَيْهِما السَّلامُ يُؤَيِّدُهُ بِالتَّأْيِيداتِ الإلَهِيَّةِ وهُما وزِيراهُ وظَهِيراهُ في تَدْبِيرِ أُمُورِ الرِّسالَةِ وتَمْشِيَةِ أحْكامِها الظّاهِرَةِ ولِأنَّ بَيانَ مُظاهَرَتِهِما لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدُّ تَأْثِيرًا في قُلُوبِ بِنْتَيْهِما وتَوْهِينًا لِأمْرِهِما فَكانَ حَقِيقًا بِالتَّقْدِيمِ بِخِلافِ ما إذا أُرِيدَ بِهِ جِنْسُ الصّالِحِينَ كَما هو المَشْهُورُ.
﴿والمَلائِكَةُ﴾ مَعَ تَكاثُرِ عَدَدِهِمْ وامْتِلاءِ السَّمَواتِ مِن جُمُوعِهِمْ.
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قِيلَ: أيْ: بَعْدَ نُصْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ونامُوسِهِ الأعْظَمِ وصالِحِ المُؤْمِنِينَ.
﴿ظَهِيرٌ﴾ أيْ: فَوْجٌ مُظاهِرٌ لَهُ كَأنَّهم يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن يُعادِيهِ فَماذا يُفِيدُ تَظاهُرُ امْرَأتَيْنِ عَلى مَن هَؤُلاءِ ظُهَراؤُهُ وما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ مِن فَضْلِ نُصْرَتِهِمْ عَلى نُصْرَةِ غَيْرِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّ نُصْرَةَ الكُلِّ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعالى وإنَّ نُصْرَتَهُ تَعالى بِهِمْ وبِمُظاهَرَتِهِمْ أفْضَلُ مِن سائِرِ وُجُوهِ نُصْرَتِهِ هَذا ما قالُوهُ، ولَعَلَّ الأنْسَبَ أنْ يُجْعَلَ "ذَلِكَ" إشارَةً إلى مُظاهَرَةِ صالِحِ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً ويَكُونَ بَيانُ بَعْدِيَّةِ مُظاهَرَةِ المَلائِكَةِ تَدارُكًا لِما يُوهِمُهُ التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ مِن أفْضَلِيَّةِ المُقَدَّمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ ذِكْرِ مُظاهَرَةِ صالِحِ المُؤْمِنِينَ وسائِرِ المَلائِكَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيذانًا بِعُلُوِّ رُتْبَةِ مُظاهَرَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِها وجَبْرًا لِفَصْلِها عَنْ مُظاهَرَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
التحريم 66:5
﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ﴾ أيْ: يُعْطِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَدَلَكُنَّ. (p-268)﴿أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ عَلى التَّغْلِيبِ أوْ تَعْمِيمِ الخِطابِ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُطَلِّقْ حَفْصَةَ وأنَّ في النِّساءُ خَيْرًا مِنهُنَّ فَإنَّ تَعْلِيقَ طَلاقِ الكُلِّ لا يُنافِي تَطْلِيقَ واحِدَةٍ وما عَلَّقَ بِما لَمْ يَقَعْ لا يَجِبُ وُقُوعُهُ، وقُرِئَ "أنْ يُبَدِّلَهُ" بِالتَّشْدِيدِ.
﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾ مُقِرّاتٍ مُخْلِصاتٍ أوْ مُنْقاداتٍ مُصَدِّقاتٍ.
﴿قانِتاتٍ﴾ مُصَلَّياتٍ أوْ مُواظِباتٍ عَلى الطّاعَةِ.
﴿تائِباتٍ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ.
﴿عابِداتٍ﴾ مُتَعَبِّداتٍ أوْ مُتَذَلِّلاتٍ لِأمْرِ الرَّسُولِ ﷺ.
﴿سائِحاتٍ﴾ صائِماتٍ سُمِّي الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّهُ يَسِيحُ في النَّهارِ بِلا زادٍ أوْ مُهاجِراتٍ، وقُرِئَ "سِيحاتٍ".
﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ وُسِّطَ بَيْنَهُما العاطِفُ لِتَنافِيهِما.
التحريم 66:6
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِتَرْكِ المَعاصِي وفِعْلِ الطّاعاتِ.
﴿وَأهْلِيكُمْ﴾ بِأنْ تَأْخُذُوهم بِما تَأْخُذُونَ بِهِ أنْفُسَكُمْ، وقُرِئَ "أهْلُوكُمْ" عَطْفًا عَلى واوِ "قُوا" فَيَكُونُ "أنْفُسَكُمْ" عِبارَةً عَنْ أنْفُسِ الكُلِّ عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِينَ أيْ: قُوا أنْتُمْ وأهْلُوكم أنْفُسَكم.
﴿نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ أيْ: نارًا تَتَّقِدُ بِهِما اتِّقادَ غَيْرِها بِالحَطَبِ وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِاتِّقاءِ هَذِهِ النّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ كَما نَصَّ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ.
﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ﴾ أيْ: تَلِي أمْرَها وتَعْذِيبَ أهْلِها وهُمُ الزَّبانِيَةُ.
﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾ غِلاظُ الأقْوالِ شِدادُ الأفْعالِ أوْ غِلاظُ الخُلُقِ شِدادُ الخَلْقِ وأقْوِياءُ عَلى الأفْعالِ الشَّدِيدَةِ.
﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ أيْ: أمْرَهُ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ اللَّهِ أوْ فِيما أمَرَهم بِهِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ: لا يَمْتَنِعُونَ مِن قَبُولِ الأمْرِ ويَلْتَزِمُونَهُ.
﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أيْ: ويُؤَدُّونَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ مِن غَيْرَ تَثاقُلٍ ولا تَوانٍ.
التحريم 66:7
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ عِنْدَ إدْخالِ المَلائِكَةِ إيّاهُمُ النّارَ حَسَبَما أُمِرُوا بِهِ.
﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بَعْدَ ما نُهِيتُمْ عَنْهُما أشَدَّ النَّهْيِ وأُمِرْتُمْ بِالإيمانِ والطّاعَةِ فَلا عُذْرَ لَكم قَطْعًا.
التحريم 66:8
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أيْ: بالِغَةً في النُّصْحِ، وُصِفَتِ التَّوْبَةُ بِذَلِكَ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ وهو وصْفُ التّائِبِينَ وهو أنْ يَنْصَحُوا بِالتَّوْبَةِ أنْفُسَهم فَيَأْتُوا بِها عَلى طَرِيقَتِها وذَلِكَ أنْ يَتُوبُوا عَنِ القَبائِحِ لِقُبْحِها نادِمِينَ عَلَيْها مُغْتَمِّينَ أشَدَّ الِاغْتِمامِ لِارْتِكابِها عازِمِينَ عَلى أنَّهم لا يَعُودُونَ في قَبِيحٍ مِنَ القَبائِحِ مُوَطِّنِينَ أنْفُسَهم عَلى ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَلْوِيهِمْ عَنْهُ صارِفٌ أصْلًا. (p-269)عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ التَّوْبَةَ يَجْمَعُها سِتَّةُ أشْياءَ عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ ولِلْفَرائِضِ الإعادَةُ ورَدُّ المَظالِمِ واسْتِحْلالُ الخُصُومِ وأنْ تَعْزِمَ عَلى أنْ لا تَعُودَ وأنْ تُذِيبَ نَفْسَكَ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ وأنْ تُذِيقَها مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ. وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ أنْ لا يَعُودَ ولَوْ حُزَّ بِالسَّيْفِ وأُحْرِقَ بِالنّارِ، وقِيلَ: نَصُوحًا مِن نَصاحَةِ الثَّوْبِ أيْ: تَوْبَةٌ تَرْفُو خَرُوقَكَ في دِينِكَ وتَرُمُّ خَلَلَكَ. وقِيلَ: خالِصَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: عَسَلٌ ناصِحٌ إذا خَلَصَ مِنَ الشَّمْعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ تَوْبَةً تَنْصَحُ النّاسَ أيْ: تَدْعُوهم إلى مِثْلِها لِظُهُورِ أثَرِها في صاحِبِها واسْتِعْمالِهِ الجِدَّ والعَزِيمَةَ في العَمَلِ بِمُقْتَضَياتِها، وقُرِئَ "تَوْبًا نَصُوحًا"، وقُرِئَ "نُصُوحًا" وهو مَصْدَرُ نُصِحَ فَإنَّ النُّصْحَ والنُّصُوحَ كالشُّكْرِ والشُّكُورِ أيْ: ذاتُ النُّصْحِ أوْ تَنْصَحُ نُصُوحًا أوْ تُوبُوا لِنُصْحِ أنْفُسِكم عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وُرُودُ صِيغَةِ الإطْماعِ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ والإشْعارِ بِأنَّهُ تَفَضُّلٌ والتَّوْبَةُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لَهُ وأنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ خَوْفٍ ورَجاءٍ وإنْ بالَغَ في إقامَةِ وظائِفِ العِبادَةِ.
﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ ظَرْفٌ لِـ"يُدْخِلُكُمْ".
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى النَّبِيِّ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمَن أخْزاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أهْلِ الكُفْرِ والفُسُوقِ واسْتِحْمادٌ إلى المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ عَصَمَهم مِن مِثْلِ حالِهِمْ. وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ أيْ: عَلى الصِّراطِ وهو عَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ ...إلَخْ وعَلى الثّانِي خَبَرٌ آخَرُ لِلْمَوْصُولِ أيْ: يَقُولُونَ إذا طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ.
﴿رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقِيلَ: يَدْعُونَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ مَعَ تَمامِ نُورِهِمْ. وقِيلَ: تَفاوُتُ أنْوارِهِمْ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ فَيَسْألُونَ إتْمامَهُ تَفَضُّلًا. وقِيلَ: السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ يَمُرُّونَ مِثْلَ البَرْقِ عَلى الصِّراطِ وبَعْضُهم كالرِّيحِ وبَعْضُهم حَبْوًا وزَحْفًا وأُولَئِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ .
التحريم 66:9
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ﴾ بِالسَّيْفِ.
﴿والمُنافِقِينَ﴾ بِالحُجَّةِ.
﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ واسْتَعْمِلِ الخُشُونَةَ عَلى الفَرِيقَيْنِ فِيما تُجاهِدُهُما مِنَ القِتالِ والمُحاجَّةِ.
﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ سَيَرَوْنَ فِيها عَذابًا غَلِيظًا.
﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ: جَهَنَّمُ أوْ مَصِيرُهم.
التحريم 66:10
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضَرْبُ المَثَلِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ عِبارَةٌ عَنْ إيرادِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ لِيُعْرَفَ بِها حالَةٌ أُخْرى مُشاكِلَةٌ في الغَرابَةِ أيْ: جَعَلَ اللَّهُ مَثَلًا لِحالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ حالًا ومَآلًا عَلى أنَّ "مَثَلًا" مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ"ضَرْبَ" واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ أيْ: حالَهُما مَفْعُولُهُ الأوَّلَ أُخِّرَ عَنْهُ لِيَتَّصِلَ بِهِ ما هو شَرْحٌ وتَفْصِيلٌ لِحالِهِما ويَتَّضِحُ بِذَلِكَ حالُ هَؤُلاءِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ بَيانٌ لِحالِهِما الدّاعِيَةِ لَها إلى الخَيْرِ والصَّلاحِ أيْ: كانَتا في عِصْمَةِ نَبِيَّيْنِ عَظِيمَيِ الشَّأْنِ مُتَمَكِّنَتَيْنِ مِن تَحْصِيلِ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وحِيازَةِ سَعادَتَيْهِما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخانَتاهُما﴾ (p-270)بَيانٌ لِما صَدَرَ عَنْهُما مِنَ الجِنايَةِ العَظِيمَةِ مَعَ تَحْقِيقِ ما يَنْفِيها مِن صُحْبَةِ النَّبِيِّ أيْ: خانَتاهُما بِالكُفْرِ والنِّفاقِ وهَذا تَصْوِيرٌ لِحالِهِما المُحاكِيَةِ لِحالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في خِيانَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ مَعَ تَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ [تَعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيا﴾ ...إلَخْ بَيانٌ لِما أدّى إلَيْهِ خِيانَتُهُما أيْ: فَلَمْ يُغْنِ النَّبِيّانِ.
﴿عَنْهُما﴾ بِحَقِّ الزَّواجِ.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ تَعالى.
﴿شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ.
﴿وَقِيلَ﴾ لَهُما عِنْدَ مَوْتِهِما أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ أيْ: مَعَ سائِرِ الدّاخِلِينَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا وصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
التحريم 66:11
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: جَعَلَ حالَها مَثَلًا لِحالِ المُؤْمِنِينَ في أنَّ وُصْلَةَ الكَفَرَةِ لا تَضُرُّهم حَيْثُ كانَتْ في الدُّنْيا تَحْتَ أعْدى أعْداءِ اللَّهِ وهي في أعْلى غُرَفِ الجَنَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَتْ﴾ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ أُشِيرَ إلَيْهِ أيْ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ حالَها "إذْ قالَتْ".
﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ قَرِيبًا مِن رَحْمَتِكَ أوْ في أعْلى دَرَجاتِ المُقَرَّبِينَ، رُوِيَ أنَّها لَمّا قالَتْ ذَلِكَ أُرِيَتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ مِن دُرَّةٍ وانْتُزِعَ رُوحُها.
﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ﴾ أيْ: مِن نَفْسِهِ الخَبِيثَةِ وعَمَلِهِ السَّيِّئِ.
﴿وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ القِبْطِ التّابِعِينَ لَهُ في الظُّلْمِ.
التحريم 66:12
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ﴾ عَطْفٌ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ تَسْلِيَةً لِلْأرامِلِ أيْ: وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا حالَها وما أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ والِاصْطِفاءِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ مَعَ كَوْنِ قَوْمِها كُفّارًا.
﴿الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ﴾ وقُرِئَ "فِيها" أيْ: مَرْيَمُ.
﴿مِن رُوحِنا﴾ مِن رُوحٍ خَلَقْناهُ بِلا تَوَسُّطٍ أصْلًا.
﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ بِصُحُفِهِ المُنَزَّلَةِ أوْ بِما أوْحى إلى أنْبِيائِهِ.
﴿وَكُتُبِهِ﴾ بِجَمِيعِ كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ وقُرِئَ "بِكَلِمَةِ اللَّهِ" وكِتابِهِ أيْ: بِعِيسى وبِالكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ وهو الإنْجِيلُ.
﴿وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ أيْ: مِن عِدادِ المُواظِبِينَ عَلى الطّاعَةِ والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ والإشْعارُ بِأنَّ طاعَتَها لَمْ تَقْصُرْ عَنْ طاعاتِ الرِّجالِ حَتّى عُدَّتْ مِن جُمْلَتِهِمْ أوْ مِن نَسْلِهِمْ لِأنَّها مِن أعْقابِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا أرْبَعٌ: آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ ومَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سائِرِ الطَّعامِ".»
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ التَّحْرِيمِ آتاهُ اللَّهُ تَوْبَةً نَصُوحًا".»
تَمَّ الجُزْءُ الثّامِنُ ويَلِيهِ الجُزْءُ التّاسِعُ وأوَّلُهُ سُورَةُ
الملك 67:1
(p-2)سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ، وتُسَمّى الواقِيَةَ والمُنْجِيَةَ؛ لِأنَّها تَقِي وتُنْجِي قارِئَها مِن عَذابِ القَبْرِ، وآياتُها ثَلاثُونَ
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ البَرَكَةُ والنَّماءُ والزِّيادَةُ حِسِّيَّةً كانَتْ، أوْ عَقْلِيَّةً، وكَثْرَةُ الخَيْرِ ودَوامُهُ أيْضًا، ونِسْبَتُها إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى المَعْنى الأوَّلِ، وهو الألْيَقُ بِالمَقامِ بِاعْتِبارِ تَعالِيهِ عَمّا سِواهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وصِيغَةُ التَّفاعُلِ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ، فَإنَّ ما لا يُتَصَوَّرُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ - تَعالى - مِنَ الصِّيَغِ كالتَّكَبُّرِ ونَحْوِهِ، إنَّما تُنْسَبُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ غاياتِها، وعَلى الثّانِي بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ ما يَفِيضُ مِنهُ عَلى مَخْلُوقاتِهِ مِن فُنُونِ الخَيْراتِ، والصِّيغَةُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِإفادَةِ نَماءِ تِلْكَ الخَيْراتِ وازْدِيادِها شَيْئًا فَشَيْئًا، وآنًا فَآنًا، بِحَسَبِ حُدُوثِها، أوْ حُدُوثِ مُتَعَلَّقاتِها، ولِاسْتِقْلالِها بِالدَّلالَةِ عَلى غايَةِ الكَمالِ، وإنْبائِها عَنْ نِهايَةِ التَّعْظِيمِ لَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُها في حَقِّ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، ولا اسْتِعْمالُ غَيْرِها مِنَ الصِّيَغِ في حَقِّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - وإسْنادُها إلى المَوْصُولِ لِلِاسْتِشْهادِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَّةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِها، واليَدُ مَجازٌ عَنِ القُدْرَةِ التّامَّةِ والاسْتِيلاءِ الكامِلِ، أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ بِالذّاتِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ ذاتًا وصِفَةً وفِعْلًا، الَّذِي بِقَبْضَةِ قدرته التَّصَرُّفُ الكُلِّيُّ في كُلِّ الأُمُورِ.
﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ.
﴿قَدِيرٌ﴾ مُبالِغٌ في القُدْرَةِ عَلَيْهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ، مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِها، مُفِيدَةٌ لِجَرَيانِ أحْكامِ مُلْكِهِ - تَعالى - في جَلائِلِ الأُمُورِ ودَقائِقِها، وقَوْلُهُ تَعالى:
الملك 67:2
﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ بَعْضِ أحْكامِ المُلْكِ وآثارِ القُدْرَةِ، وبَيانِ ابْتِنائِهِما عَلى قَوانِينِ الحُكْمِ والمَصالِحِ، واسْتِتْباعِهِما لِغاياتٍ جَلِيلَةٍ، والمَوْصُولُ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الشَّهادَةِ بِتَعالِيهِ تَعالى، والمَوْتُ عِنْدَ أصْحابِنا صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ مُضادَّةٌ لِلْحَياةِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أنَّهُ تَعالى خَلَقَ المَوْتَ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ ولا يَجِدُ رائِحَتَهُ شَيْءٌ إلّا ماتَ، وخَلَقَ الحَياةَ في صُورَةِ فَرَسٍ بَلْقاءَ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ، ولا يَجِدُ رائِحَتَها شَيْءٌ إلّا حَيَّ، فَكَلامٌ وارِدٌ عَلى مِنهاجِ التَّمْثِيلِ والتَّصْوِيرِ، وقِيلَ: هو عَدَمُ الحَياةِ، فَمَعْنى خَلْقِهِ حِينَئِذٍ تَقْدِيرُهُ، أوْ إزالَةُ الحَياةِ، وأيًّا ما كانَ؛ فالأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ: المَوْتُ الطّارِئُ، وبِالحَياةِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ؛ لِظُهُورِ مُدارَيَتِهِما لِما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فَإنَّ اسْتِدْعاءَ مُلاحَظَتِهِما لِإحْسانِ العَمَلِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، مَعَ أنَّ نَفْسَ العَمَلِ لا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وتَقْدِيمُ المَوْتِ لِكَوْنِهِ (p-3)أدْعى إلى إحْسانِ العَمَلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"خَلَقَ"، أيْ: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم؛ عَلى أنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا؟ فَيُجازِيَكم عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ حَسَبَ تَفاوُتِ طَبَقاتِ عُلُومِكم وأعْمالِكُمْ، فَإنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِعَمَلِ الجَوارِحِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: " «أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ،» فَإنَّ لِكُلٍّ مِنَ القَلْبِ والقالَبِ عَمَلًا خاصًّا بِهِ، فَكَما أنَّ الأوَّلَ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي، كَذَلِكَ الحالُ في عَمَلِهِ، كَيْفَ لا؟ ولا عَمَلَ بِدُونِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ -عَزَّ وجَلَّ - الواجِبَةِ عَلى العِبادِ آثَرَ ذِي أثِيرٍ، وإنَّما طَرِيقُها النَّظَرِيُّ التَّفَكُّرُ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى، والتَّدَبُّرُ في آياتِهِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿لا تُفَضِّلُونِي عَلى يُونُسَ بْنِ مَتّى، فَإنَّهُ كانَ يُرْفَعُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ عَمَلِ أهْلِ الأرْضِ﴾، قالُوا: وإنَّما كانَ ذَلِكَ التَّفَكُّرَ في أمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي هو عَمَلُ القَلْبِ ضَرُورَةً؛لِأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْمَلَ بِجَوارِحِهِ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ عَمَلِ أهْلِ الأرْضِ، وتَعْلِيقُ فِعْلِ البَلْوى، أيْ: تَعْقِيبُهُ بِحَرْفِ الاسْتِفْهامِ لا التَّعْلِيقُ المَشْهُورُ الَّذِي يَقْتَضِي عَدَمَ إيرادِ المَفْعُولِ أصْلًا مَعَ اخْتِصاصِهِ بِأفْعالِ القُلُوبِ، لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِهِ كالنَّظَرِ ونَظائِرِهِ، ولِذَلِكَ أُجْرِيَ مَجْراهُ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: بِطَرِيقِ الأسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وإيرادُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّ الأبْتِلاءَ شامِلٌ لَهم بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ المُنْقَسِمَةِ إلى الحَسَنِ والأحْسَنِ فَقَطْ، لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِالذّاتِ، والمَقْصِدِ الأصْلِيِّ مِنَ الأبْتِلاءِ هو ظُهُورُ كَمالِ إحْسانِ المُحْسِنِينَ، مَعَ تَحَقُّقِ أصْلِ الإيمانِ والطّاعَةِ في الباقِينَ أيْضًا، لِكَمالِ تَعاضُدِ المُوجِباتِ لَهُ، وأمّا الإعْراضُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَبِمَعْزِلٍ مِنَ الأنْدِراجِ تَحْتَ الوُقُوعِ، فَضْلًا عَنِ الأنْتِظامِ في سِلْكِ الغايَةِ لِلْأفْعالِ الإلَهِيَّةِ، وإنَّما هو عَمَلٌ يَصْدُرُ عَنْ عامِلِهِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ مِن غَيْرِ مُصَحِّحٍ لَهُ ولا تَقْرِيبٍ، وفِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في التَّرَقِّي إلى مَعارِجِ العُلُومِ ومَدارِجِ الطّاعاتِ، والزَّجْرِ عَنْ مُباشَرَةِ نَقائِضِها ما لا يَخْفى ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يَفُوتُهُ مَن أساءَ العَمَلَ ﴿الغَفُورُ﴾ لِمَن تابَ مِنهم.
الملك 67:3
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ قِيلَ: هو نَعْتٌ لِـ"العَزِيزُ الغَفُورُ"، أوْ بَيانٌ، أوْ بَدَلٌ، والأوْجَهُ أنَّهُ نُصِبَ، أوْ رُفِعَ عَلى المَدْحِ، مُتَعَلِّقٌ بِالمَوْصُولَيْنِ السّابِقَيْنِ مَعْنى، وإنْ كانَ مُنْقَطِعًا عَنْهُما إعْرابًا، كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ مُنْتَظِمٌ مَعَهُما في سِلْكِ الشَّهادَةِ بِتَعالِيهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ومَعَ المَوْصُولِ الثّانِي في كَوْنِهِ مَدارًا لِلْبَلْوى، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طِباقًا﴾ صِفَةٌ لِـ" سَبْعَ سَمَواتٍ"، أيْ: مُطابَقَةً، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، طابَقْتَ النَّعْلَ إذا خَصَفْتَها، وُصِفَ بِهِ المَفْعُولُ أوْ مَصْدَرُهُ مُؤَكِّدٌ لِمَحْذُوفٍ هو صِفَتُها، أيْ: طُوبِقَتْ طِباقًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"سَبْعَ سَمَواتٍ" وُضِعَ فِيها خَلْقُ الرَّحْمَنِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْظِيمِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وبِأنَّهُ تَعالى خَلَقَها بِقدرته القاهِرَةِ رَحْمَةً وتَفَضُّلًا، وبِأنَّ في إبْداعِها نِعَمًا (p-4)جَلِيلَةً، أوِ اسْتِئْنافٌ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، و"مِن" لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أيْ: ما تَرى فِيهِ شَيْئًا مِن تَفاوُتٍ، أيِ: اخْتِلافٍ وعَدَمِ تَناسُبٍ مِنَ الفَوْتِ، فَإنَّ كُلًّا مِنَ المُتَفاوِتِينَ يَفُوتُ مِنهُ بَعْضُ ما في الآخَرِ، وقُرِئَ: (مِن تَفَوُّتٍ) ومَعْناهُما واحِدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى مَعْنى التَّسْبِيبِ؛ حَيْثُ أخْبَرَ أوَّلًا بِأنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِنَّ، ثُمَّ قِيلَ: فارْجِعِ البَصَرَ حَتّى يَتَّضِحَ لَكَ ذَلِكَ بِالمُعايَنَةِ، ولا يَبْقى عِنْدَكَ شُبْهَةٌ ما، والفُطُورُ الشُّقُوقُ والصُّدُوعُ، جَمْعُ فِطْرٍ وهو الشِّقُّ، يُقالُ: فَطَرَهُ فانْفَطَرَ.
الملك 67:4
﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ: رَجْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ في ارْتِيادِ الخَلَلِ، والمُرادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْرِيرُ والتَّكْثِيرُ كَما في لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، أيْ: رَجْعَةً بَعْدَ رَجْعَةٍ وإنْ كَثُرَتْ ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا﴾ أيْ: بَعِيدًا مَحْرُومًا مِن إصابَةِ ما التَمَسَهُ مِنَ العَيْبِ والخَلَلِ، كَأنَّهُ يُطْرَدُ عَنْ ذَلِكَ طَرْدًا بِالصَّغارِ والقَماءَةِ ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أيْ: كَلِيلٌ لِطُولِ المُعاوَدَةِ وكَثْرَةِ المُراجَعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الملك 67:5
﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ خَلْقِ السماوات في غايَةِ الحُسْنِ والبَهاءِ إثْرَ بَيانِ خُلُوِّها عَنْ شائِبَةِ القُصُورِ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ الاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، أيْ: وبِاللَّهِ، لَقَدْ زَيَّنّا أقْرَبَ السماوات إلى الأرْضِ ﴿بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ بِاللَّيْلِ إضاءَةَ السُّرُجِ مِنَ السَّيّاراتِ والثَّوابِتِ، تَتَراءى كَأنَّ كُلَّها مَرْكُوزَةٌ فِيها، مَعَ أنَّ بَعْضَها في سائِرِ السماوات، وما ذاكَ إلّا لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها مَخْلُوقَةٌ عَلى نَمَطٍ رائِقٍ تَحارُ في فَهْمِهِ الأفْكارُ، وطِرازٍ فائِقٍ تَهِيمُ في دَرْكِهِ الأنْظارُ ﴿وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ وجَعَلْنا لَها فائِدَةً أُخْرى، هي رَجْمُ أعْدائِكم بِانْقِضاضِ الشُّهُبِ المُقْتَبَسَةِ مِن نارِ الكَواكِبِ، وقِيلَ مَعْناهُ: وجَعَلْناها ظُنُونًا ورُجُومًا بِالغَيْبِ لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ، ولا يُساعِدُهُ المَقامُ، والرُّجُومُ: جَمْعُ رَجْمٍ - بِالفَتْحِ - وهو ما يُرْجَمُ بِهِ ﴿وَأعْتَدْنا لَهُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾ بَعْدَ الأحْتِراقِ في الدُّنْيا بِالشُّهُبِ.
الملك 67:6
﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ مِنَ الشَّياطِينِ وغَيْرِهِمْ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ وقُرِئَ: بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾، ولِلَّذِينَ عَلى "لَهُمْ" ﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ: جَهَنَّمُ.
الملك 67:7
﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها﴾ أيْ: لِجَهَنَّمَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالأ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهِيقًا﴾؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَتُهُ، فَلَمّا قُدِّمَتْ صارَتْ حالأ، أيْ: سَمِعُوا كائِنًا لَها شَهِيقًا، أيْ: صَوْتًا كَصَوْتِ الحَمِيرِ، وهو حَسِيسُها المُنْكَرُ الفَظِيعُ، قالُوا: الشَّهِيقُ في الصَّدْرِ، والزَّفِيرُ في الحَلْقِ ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّها تَغْلِي بِهِمْ غَلَيانَ المِرْجَلِ بِما فِيهِ، وجَعْلُ الشَّهِيقِ لِأهْلِها مِنهم ومِمَّنْ طُرِحَ فِيها قَبْلَهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى:
الملك 67:8
(p-5)﴿تَكادُ تَمَيَّزُ﴾ أيْ: تَتَمَيَّزُ وتَتَفَرَّقُ ﴿مِنَ الغَيْظِ﴾ أيْ: مِن شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ مِن آثارِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ فَأيْنَ هو مِن شَهِيقِهِمُ النّاشِئِ مِن شِدَّةِ ما يُقاسُونَهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ "تَفُورُ"، أوْ خَبَرٌ آخَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِ أهْلِها بَعْدَ بَيانِ حالِ نَفْسِها، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِها، أيْ: كُلَّما أُلْقِيَ فِيها جَماعَةٌ مِنَ الكَفَرَةِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها﴾ بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لِيَزْدادُوا عَذابًا فَوْقَ عَذابٍ، وحَسْرَةً عَلى حَسْرَةٍ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا، كَما وقَعَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، ويُعْرِبُ عَنْهُ جَوابُهم أيْضًا.
الملك 67:9
﴿قالُوا﴾ اعْتِرافًا بِأنَّهُ تَعالى قَدْ أزاحَ عِلَلَهم بِالكُلِّيَّةِ ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ جامِعِينَ بَيْنَ حَرْفِ الجَوابِ ونَفْسِ الجُمْلَةِ المُجابِ بِها؛ مُبالَغَةً في الاعْتِرافِ بِمَجِيءِ النَّذِيرِ، وتَحَسُّرًا عَلى ما فاتَهم مِنَ السَّعادَةِ في تَصْدِيقِهِمْ، وتَمْهِيدًا لِبَيانِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ التَّفْرِيطِ تَنَدُّمًا واغْتِمامًا عَلى ذَلِكَ، أيْ: قالَ كُلُّ فَوْجٍ مِن تِلْكَ الأفْواجِ: قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ، أيْ: واحِدٌ حَقِيقَةً، أوْ حُكْمًا كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهم حُكْمُ نَذِيرٍ واحِدٍ فَأنْذَرَنا وتَلا عَلَيْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْهِ من آياته ﴿فَكَذَّبْنا﴾ ذَلِكَ النَّذِيرَ في كَوْنِهِ نَذِيرًا مِن جِهَتِهِ تَعالى ﴿وَقُلْنا﴾ في حَقِّ ما تَلاهُ مِنَ الآياتِ إفْراطًا في التَّكْذِيبِ وتَمادِيًا في النَّكِيرِ ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ عَلى أحَدٍ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ، فَضْلًا عَنْ تَنْزِيلِ الآياتِ عَلَيْكم ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ في ادِّعاءِ أنَّهُ تَعالى نَزَّلَ عَلَيْكم آياتٍ تُنْذِرُونَنا بِما فِيها ﴿إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ بَعِيدٍ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ، وجَمْعُ ضَمِيرِ الخِطابِ مَعَ أنَّ مُخاطِبَ كُلِّ فَوْجٍ نَذِيرُهُ؛ لِتَغْلِيبِهِ عَلى أمْثالِهِ مُبالَغَةً في التَّكْذِيبِ، وتَمادِيًا في التَّضْلِيلِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْمِيمُ المُنَزَّلِ مَعَ تَرْكِ ذَكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مُلَوَّحٌ بِعُمُومِهِ حَتْمًا، وأمّا إقامَةُ تَكْذِيبِ الواحِدِ مَقامَ تَكْذِيبِ الكُلِّ، فَأمْرٌ تَحْقِيقِيٌّ يُصارُ إلَيْهِ؛ لِتَهْوِيلِ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الجِناياتِ لا مَساغَ لِاعْتِبارِهِ مِن جِهَتِهِمْ، ولا لِإدْراجِهِ تَحْتَ عِبارَتِهِمْ، كَيْفَ لا؟ وهو مَنُوطٌ بِمُلاحَظَةِ إجْماعِ النُّذُرِ عَلى ما لا يَخْتَلِفُ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ بِاخْتِلافِ العُصُورِ والأعْوامِ، وأيْنَ هم مِن ذَلِكَ؟ وقَدْ حالَ الجَرِيضُ دُونَ القَرِيضِ، هَذا إذا جُعِلَ ما ذُكِرَ حِكايَةً عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأفْواجِ، وأمّا إذا جُعِلَ حِكايَةً عَنِ الكُلِّ؛ فالنَّذِيرُ إمّا بِمَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ فَعِيلٌ، أوْ مَصْدَرٌ مُقَدَّرٌ بِمُضافٍ عامٍّ، أيْ: أهْلُ نَذِيرٍ، أوْ مَنعُوتٌ بِهِ فَيَتَّفِقُ كِلا طَرَفَيِ الخِطابِ في الجَمْعِيَّةِ، ومَن اعْتَبَرَ الجَمْعِيَّةَ بِأحَدِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، ولَمْ يَخُصَّ اعْتِبارَها بِالتَّقْدِيرِ الأخِيرِ؛ فَقَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الشُّؤُونُ، واخْتَلَطَ بِهِ الظُّنُونُ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، عَلى أنَّ مُرادَهم بِالضَّلالِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، أوْ هَلاكُهُمْ، أوْ عِقابُ ضَلالِهِمْ تَسْمِيَةً لَهُ بِاسْمِ سَبَبِهِ، وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لِلْكَفَرَةِ، وقَدْ حَكَّمُوهُ لِلْخِزانَةِ، فَتَأمَّلْ وكُنْ عَلى الحَقِّ المُبِينِ.
الملك 67:10
﴿وَقالُوا﴾ أيْضًا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا (p-6)مِمَّنْ يَسْمَعُ، أوْ يَعْقِلُ ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ﴾ كَلامًا ﴿أوْ نَعْقِلُ﴾ شَيْئًا ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: في عِدادِهِمْ ومِن أتْباعِهِمْ وهُمُ الشَّياطِينُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ كَأنَّ الخَزَنَةَ قالُوا لَهم في تَضاعِيفِ التَّوْبِيخِ: ألَمْ تَسْمَعُوا آياتِ رَبِّكم ولَمْ تَعْقِلُوا مَعانِيَها حَتّى لا تُكَذِّبُوا بِها؟! فَأجابُوا بِذَلِكَ.
الملك 67:11
﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ الَّذِي هو كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم بِآياتِ اللَّهِ ورُسُلِهِ ﴿فَسُحْقًا﴾ بِسُكُونِ الحاءِ، وقُرِئَ: بِضَمِّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، إمّا لِفِعْلٍ مُتَعَدٍّ مِنَ المَزِيدِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَما في "قِعْدَكَ اللَّهَ" أيْ: فَأسْحَقَهُمُ اللَّهُ، أيْ: أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ سُحْقًا، أيْ: إسْحاقًا، أوْ لِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، أيْ: فَأسْحَقَهُمُ اللَّهُ فَسُحِقُوا، أيْ: بُعِدُوا سُحْقًا، أيْ: بُعْدًا، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ وعَضَّةِ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
أيْ: لَمْ تَدَعْ فَلَمْ يُبْقَ إلّا مُسَحَّتٌ... إلَخْ. وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ لِلْبَيانِ كَما في "هَيْتَ لَكَ" ونَحْوِهِ، والمُرادُ بِهِمُ: الشَّياطِينُ والدّاخِلُونَ في عِدادِهِمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ.
الملك 67:12
﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ أيْ: يَخافُونَ عَذابَهُ غائِبًا عَنْهُمْ، أوْ غائِبِينَ عَنْهُ، أوْ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أوْ بِما خَفِيَ مِنهم وهو قُلُوبُهم ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ لِذُنُوبِهِمْ ﴿وَأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
الملك 67:13
﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ بَيانٌ لِتَساوِيِ السِّرِّ والجَهْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى علمه تعالى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما-: نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، كانُوا يَنالُونَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَيُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكُمْ؛ كَيْلا يَسْمَعَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، فَقِيلَ لَهُمْ: أسِرُّوا ذَلِكَ أوِ اجْهَرُوا بِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى الجَهْرِ؛ لِلْإيذانِ بِافْتِضاحِهِمْ، ووُقُوعِ ما يَحْذَرُونَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، والمُبالَغَةِ في بَيانِ شُمُولِ عِلْمِهِ المُحِيطِ لِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، كَأنَّ علمه تعالى بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَرُ مِنهُ بِما يَجْهَرُونَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِما في الحَقِيقَةِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَإنَّ علمه تعالى بِمَعْلُوماتِهِ لَيْسَ بِطَرِيقِ حُصُولِ صُوَرِها، بَلْ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ في نَفْسِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، أوْ لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ الجَهْرِ؛ إذْ ما مِن شَيْءٍ يُجْهَرُ بِهِ إلّا وهو أوْ مَبادِيهِ مُضْمَرٌ في القَلْبِ يَتَعَلَّقُ بِهِ الإسْرارُ غالِبًا، فَتَعْلُّقُ علمه تعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وتَقْرِيرٌ لَهُ، وفي صِيغَةِ الفَعِيلِ وتَحْلِيَةِ الصُّدُورِ بِلامِ الأسْتِغْراقِ، ووَصْفِ الضَّمائِرِ بِصاحِبِيَّتِها مِنَ الجَزالَةِ ما لا غايَةَ وراءَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مُبالِغٌ في الإحاطَةِ بِمُضْمَراتِ جَمِيعِ النّاسِ وأسْرارِهِمُ الخَفِيَّةِ المُسْتَكِنَّةِ في صُدُورِهِمْ، بِحَيْثُ لا تَكادُ تُفارِقُها أصْلًا، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ ما تُسِرُّونَهُ وتَجْهَرُونَ بِهِ؟! ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ"ذاتِ الصُّدُورِ" القُلُوبُ الَّتِي في الصَّدْرِ، والمَعْنى: أنَّهُ عَلِيمٌ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سِرٌّ مِن أسْرارِها، وقَوْلُهُ تَعالى:
الملك 67:14
﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ (p-7)إنْكارٌ ونَفْيٌ لِعَدَمِ إحاطَةِ علمه تعالى بِالمُضْمَرِ والمُظْهَرِ، أيْ: ألا يَعْلَمُ السِّرَّ والجَهْرَ مَن أوْجَدَ بِمُوجِبِ حِكْمَتِهِ جَمِيعَ الأشْياءِ الَّتِي هُما مِن جُمْلَتِها، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَعْلَمُ" مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ، أيْ: ألا يَعْلَمُ ذَلِكَ، والحالُ أنَّهُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَن خَلَقَ" مَنصُوبًا، والمَعْنى: ألا يَعْلَمُ اللَّهُ مَن خَلَقَهُ، والحالُ أنَّهُ بِهَذِهِ المَثابَةِ مِن شُمُولِ العِلْمِ، ولا مَساغَ لِإخْلاءِ العِلْمِ عَنِ المَفْعُولِ، بِإجْرائِهِ مَجْرى "يُعْطِي ويَمْنَعُ" عَلى مَعْنى: ألا يَكُونُ عالِمًا مَن خَلَقَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ لا يَتَأتّى بِدُونِ العِلْمِ لِخُلُوِّ الحالِ حِينَئِذٍ مِنَ الإفادَةِ؛ لِأنَّ نَظْمَ الكَلامِ حِينَئِذٍ: ألا يَكُونُ عالِمًا وهو مُبالِغٌ في العِلْمِ.
الملك 67:15
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا﴾ لَيِّنَةً يَسْهُلُ عَلَيْكُمُ السُّلُوكُ فِيها، وتَقْدِيمُ "لَكُمْ" عَلى مَفْعُولَيِ الجَعْلِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأخُّرُ عَنْهُما؛ لِلِاهْتِمامِ بِما قُدِّمَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِ المُقَدَّمِ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُؤَخَّرِ مِن مَنافِعَ المُخاطَبِينَ، تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لِوُرُودِهِ فَيَتَمَكَّنُ لَدَيْها عِنْدَ ذِكْرِهِ فَضْلُ تَمَكُّنٍ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فامْشُوا في مَناكِبِها﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى الجَعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: فاسْلُكُوا في جَوانِبِها، أوْ جِبالِها، وهو مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ، فَإنَّ مَنكِبَ البَعِيرِ أرَقُّ أعْضائِهِ وأنْباها عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ، فَإذا جَعَلَ الأرْضَ في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَتَأتّى المَشْيُ في مَناكِبِها، لَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ لَمْ يَتَذَلَّلْ ﴿وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ والتَمِسُوا مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى ﴿وَإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أيِ: المَرْجِعُ بَعْدَ البَعْثِ، لا إلى غَيْرِهِ فَبالِغُوا في شُكْرِ نِعَمِهِ وآلائِهِ.
الملك 67:16
﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ أيِ: المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِتَدْبِيرِ هَذا العالَمِ، أوِ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى تَأْوِيلِ: مَن في السَّماءِ أمْرُهُ وقَضاؤُهُ، أوْ عَلى زَعْمِ العَرَبِ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهُ – تَعالى - في السَّماءِ، أيْ: أأمِنتُمْ مَن تَزْعُمُونَ أنَّهُ في السَّماءِ، وهو مُتَعالٍ عَنِ المَكانِ ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ بَعْدَما جَعَلَها لَكم ذَلُولًا تَمْشُونَ في مَناكِبِها، وتَأْكُلُونَ مِن رِزْقِهِ؛ لِكُفْرانِكم تِلْكَ النِّعْمَةَ، أيْ: يَقْلِبَها مُلْتَبِسَةً بِكم فَيُغَيِّبَكم فِيها، كَما فَعَلَ بِـ"قارُونَ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "مَن"، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ الجارِّ، أيْ: مِن أنْ يَخْسِفَ ﴿فَإذا هي تَمُورُ﴾ أيْ: تَضْطَرِبُ ذِهابًا ومَجِيئًا عَلى خِلافِ ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الذُّلِّ والاطْمِئْنانِ.
الملك 67:17
﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ إضْرابٌ عَنِ التَّهْدِيدِ بِما ذَكَرَ، وانْتِقالُ التَّهْدِيدِ بِوَجْهٍ آخَرَ، أيْ: بَلْ أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ ﴿أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ أيْ: حِجارَةً مِنَ السَّماءِ كَما أرْسَلَها عَلى قَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الفِيلِ، وقِيلَ: رِيحًا فِيها حِجارَةٌ وحَصْباءُ، كَأنَّها تُقْلِعُ الحَصْباءَ لِشِدَّتِها وقُوَّتِها، وقِيلَ: هي سَحابٌ فِيها حِجارَةٌ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ عَنْ قَرِيبٍ ألْبَتَّةَ ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أيْ: إنْذارِي عِنْدَ مُشاهَدَتِكم لِلْمُنْذَرِ بِهِ، ولَكِنْ لا يَنْفَعُكُمُ العِلْمُ حِينَئِذٍ، وقُرِئَ: (فَسَيَعْلَمُونَ) بِالياءِ.
الملك 67:18
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ كُفّارِ مَكَّةَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وأضْرابِهِمْ، والألْتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِإبْرازِ (p-8)الإعْراضِ عَنْهم ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ: إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ العَذابِ، أيْ: كانَ عَلى غايَةِ الهَوْلِ، والفَظاعَةِ، وهَذا هو مَوْرِدُ التَّأْكِيدِ القَسَمِيِّ، لا تَكْذِيبُهم فَقَطْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في تَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ لِقَوْمِهِ ما لا يَخْفى.
الملك 67:19
﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أغْفَلُوا ولَمْ يَنْظُرُوا ﴿إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ باسِطاتٍ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ طَيَرانِها، فَإنَّهُنَّ إذا بَسَطْنَها صَفَفْنَ قَوادِمَها صَفًّا ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ ويَضْمُمْنَها إذا ضَرَبْنَ بِها جُنُوبَهُنَّ حِينًا فَحِينًا لِلِاسْتِظْهارِ بِهِ عَلى التَّحَرُّكِ، وهو السِّرُّ في إيثارِ "يَقْبِضْنَ" الدّالِّ عَلى تَجَدُّدِ القَبْضِ تارَةً بَعْدَ تارَةٍ عَلى "قابِضاتٍ" ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجَوِّ عِنْدَ الصَّفِّ والقَبْضِ، عَلى خِلافِ مُقْتَضى الطَّبْعِ ﴿إلا الرَّحْمَنُ﴾ الواسِعُ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ بِأنْ بَرَأهُنَّ عَلى أشْكالٍ وخَصائِصَ، وهَيَّأهُنَّ لِلْجَرْيِ في الهَواءِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقْبِضْنَ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ إبْداعِ المُبْدَعاتِ وتَدْبِيرِ المَصْنُوعاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الملك 67:20
﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم ناصِرٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، كَما يُلَوِّحُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ ويَعْضُدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: "ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ" أوْ ناصِرٌ مِن عَذابِهِ - تَعالى - كَما هو الأنْسَبُ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ في المَعْنَيَيْنِ مَعًا، خَلا أنَّ الأسْتِفْهامَ هُناكَ مُتَوَجِّهٌ إلى نَفْسِ المانِعِ، وتَحَقُّقُهُ وهَهُنا إلى تَعْيِينِ النّاصِرِ؛ لِتَبْكِيتِهِمْ بِإظْهارِ عَجْزِهِمْ عَنْ تَعْيِينِهِ، و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ"بَلِ" المُفِيدَةِ لِلِانْتِقالِ مِن تَوْبِيخِهِمْ عَلى تَرْكِ التَّأمُّلِ فِيما يُشاهِدُونَهُ مِن أحْوالِ الطَّيْرِ المُنْبِئَةِ عَنْ تَعاجِيبِ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى التَّبْكِيتِ بِما ذُكِرَ، والألْتِفاتُ لِلتَّشْدِيدِ في ذَلِكَ، ولا سَبِيلَ إلى تَقْدِيرِ الهَمْزَةِ مَعَها؛ لِأنَّ ما بَعْدَها "مَن" الاسْتِفْهامِيَّةُ، وهي مُبْتَدَأٌ و"هَذا" خَبَرُهُ، والمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ صِفَتُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ وإيثارُ هَذا؛ لِتَحْقِيرِ المُشارِ إلَيْهِ، و"يَنْصُرُكُمْ" صِفَةٌ لِـ"جُنْدٌ" بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، و ﴿مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: إمّا حالٌ مِن فاعِلِ "يَنْصُرُكُمْ"، أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرِهِ، وعَلى الثّانِي: مُتَعَلِّقٌ بِـ"يَنْصُرُكُمْ" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَنْصُرُنِي مَن اللَّهِ﴾ فالمَعْنى: بَلْ مَن هَذا الحَقِيرُ الَّذِي هو في زَعْمِكم جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم نَصْرًا كائِنًا مِن دُونِ نَصْرِهِ تَعالى، أوْ يَنْصُرُكم مِن عَذابٍ كائِنٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَوَهُّمُ أنَّ "أمْ" مُعادِلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا...﴾ إلَخْ، مَعَ القَوْلِ بِأنَّ "مَنِ" اسْتِفْهامِيَّةٌ مِمّا لا تَقْرِيبَ لَهُ أصْلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ناعٍ عَلَيْهِمْ ما هم فِيهِ مِن غايَةِ الضَّلالِ، أيْ: ما هم في زَعْمِهِمْ أنَّهم مَحْفُوظُونَ مِنَ النَّوائِبِ بِحِفْظِ آلِهَتِهِمْ، لا بِحِفْظِهِ تَعالى فَقَطْ، أوْ أنَّ آلِهَتَهم تَحَفَظُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ إلّا في غُرُورٍ عَظِيمٍ، وضَلالٍ فاحِشٍ مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ، لَيْسَ لَهم في ذَلِكَ شَيْءٌ يُعْتَدُّ بِهِ في الجُمْلَةِ، والألْتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ حالِهِمْ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، وبَيانِ قَبائِحِهِمْ لِغَيْرِهِمْ، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ؛ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ وتَعْلِيلِ غُرُورِهِمْ بِهِ، والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى:
الملك 67:21
﴿أمَّنْ (p-9)هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿رِزْقَهُ﴾ بِإمْساكِ المَطَرِ وسائِرِ مَبادِيهِ، كالَّذِي مَرَّ تَفْصِيلُهُ، خَلا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ مُنْبِئٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إثْرَ تَمامِ التَّبْكِيتِ والتَّعْجِيزِ لَمْ يَتَأثَّرُوا بِذَلِكَ، ولَمْ يُذْعِنُوا لِلْحَقِّ، بَلْ لَجُّوا وتَمادَوْا في عُتُوٍّ، أيْ: عِنادٍ واسْتِكْبارٍ وطُغْيانٍ ونُفُورٍ، أيْ: شِرادٍ عَنِ الحَقِّ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الملك 67:22
﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى﴾ .. إلَخْ، مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ تَوْضِيحًا لِحالِهِما، وتَحْقِيقًا لِشَأْنِ مَذْهَبِهِما، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ذَلِكَ عَلى ما ظَهَرَ مِن سُوءِ حالِهِمْ، وخَرُورِهِمْ في مُهاوِي الغُرُورِ، ورُكُوبِهِمْ مَتْنَ عَشْواءِ العُتُوِّ والنُّفُورِ، وعَدَمِ اهْتِدائِهِمْ في مَسْلَكِ المُحاجَّةِ إلى جِهَةٍ يُتَوَهَّمُ فِيها رُشْدٌ في الجُمْلَةِ، فَإنَّ تَقَدُّمَ الهَمْزَةِ عَلَيْها صُورَةً إنَّما هو لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ، وأمّا بِحَسَبَ المَعْنى؛ فالأمْرُ بِالعَكْسِ كَما هو المَشْهُورُ، حَتّى لَوْ كانَ مَكانُ الهَمْزَةِ "هَلْ" لَقِيلَ: فَهَلْ مَن يَمْشِي مُكِبًّا... إلَخْ. والمُكِبُّ السّاقِطُ عَلى وجْهِهِ، يُقالُ: أكَبَّ: خَرَّ عَلى وجْهِهِ، وحَقِيقَتُهُ: صارَ ذا كَبٍّ، ودَخَلَ في الكَبِّ كَـ"أقْشَعَ الغَمامُ" أيْ: صارَ ذا قِشْعٍ، والمَعْنى: أفَمَن يَمْشِي وهو يَعْثُرُ في كُلِّ ساعَةٍ، ويَخِرُّ عَلى وجْهِهِ في كُلِّ خُطْوَةٍ؛ لِتَوَعُّرِ طَرِيقِهِ واخْتِلالِ قُواهُ، أهْدى إلى المَقْصِدِ الَّذِي يَؤُمُّهُ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ أيْ: قائِمًا سالِمًا مِنَ الخَبْطِ والعِثارِ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُسْتَوِيَ الأجْزاءِ لا عِوَجَ فِيهِ ولا انْحِرافَ، قِيلَ: خَبَرٌ مِنَ الثّانِيَةِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ خَبَرِ الأُولى عَلَيْهِ، ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ فَإنَّ الثّانِيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الأُولى عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ أفْضَلُ، أمْ عَمْرٌو، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالمُكِبِّ الأعْمى، وبِالسَّوِيِّ البَصِيرُ، وقِيلَ: مَن يَمْشِي مُكِبًّا هو الَّذِي يُحْشَرُ عَلى وجْهِهِ إلى النّارِ، ومَن يَمْشِي سَوِيًّا الَّذِي يُحْشَرُ عَلى قَدَمَيْهِ إلى الجَنَّةِ.
الملك 67:23
﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ إنْشاءً بَدِيعًا ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ لِتَسْمَعُوا آياتِ اللَّهِ وتَمْتَثِلُوا بِما فِيها مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي وتَتَّعِظُوا بِمَواعِظِها ﴿والأبْصارَ﴾ لِتَنْظُرُوا بِها إلى الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الشّاهِدَةِ بِشُءونِ اللَّهِ عِزَّ وجَلَّ ﴿والأفْئِدَةَ﴾ لِتَتَفَكَّرُوا بِها فِيما تَسْمَعُونَهُ وتُشاهِدُونَهُ مِنَ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ والتَّكْوِينِيَّةِ، وتَرْتَقُوا في مَعارِجِ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: بِاسْتِعْمالِها فِيما خُلِقَتْ لِأجْلِهِ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، و"قَلِيلًا" نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ، و"ما" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ القِلَّةِ، أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ، وقِيلَ: القِلَّةُ عِبارَةٌ عَنِ العَدَمِ.
الملك 67:24
﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ أيْ: خَلَقَكم وكَثَّرَكم فِيها لا غَيْرُهُ ﴿وَإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لِلْجَزاءِ لا إلى غَيْرِهِ اشْتِراكًا، أوِ اسْتِقْلالأ؛ فابْنُوا أُمُورَكم عَلى ذَلِكَ.
الملك 67:25
﴿وَيَقُولُونَ﴾ مِن فَرْطِ عُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيِ: الحَشْرُ المَوْعُودُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَإلَيْهِ تُحْشَرُونَ" ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يُخاطِبُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ كانُوا (p-10)مُشارِكِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الوَعْدِ وتِلاوَةِ الآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لَهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تُخْبِرُونَهُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والحَشْرِ؛ فَبَيِّنُوا وقْتَهُ؟
الملك 67:26
﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ﴾ أيِ: العِلْمُ بِوَقْتِهِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ عَزَّ وجَلَّ لا يُطْلِعُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ .
﴿وَإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنْذِرُكم وُقُوعَ المَوْعُودِ لا مَحالَةَ، وأمّا العِلْمُ بِوَقْتِ وُقُوعِهِ؛ فَلَيْسَ مِن وظائِفِ الإنْذارِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:
الملك 67:27
﴿فَلَمّا رَأوْهُ﴾ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ تَقْدِيرِ جُمْلَتَيْنِ، وتَرْتِيبِ الشَّرْطِيَّةِ عَلَيْهِما، كَأنَّهُ قِيلَ: وقَدْ أتاهُمُ المَوْعُودُ فَرَأوْهُ، فَلَمّا رَأوْهُ إلى آخَرِ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ إلّا أنَّ المُقَدَّرَ هُناكَ أمْرٌ واقِعٌ مُرَتَّبٌ عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ، وهَهُنا أمْرٌ مُنَّزَلٌ مَنزِلَةَ الواقِعِ، وارِدٌ عَلى طَرِيقَةِ الأسْتِئْنافِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُلْفَةً﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ "رَأوْا"، إمّا بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: ذا زُلْفَةٍ وقُرْبٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: مُزْدَلِفًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً، أوْ ظَرْفٌ، أيْ: رَأوْهُ في مَكانٍ ذِي زُلْفَةٍ ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِأنْ غَشِيَتْها الكَآبَةُ، ورَهَفَها القَتَرُ والذِّلَّةُ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ وتَعْلِيلِ المَساءَةِ بِهِ ﴿وَقِيلَ﴾ تَوْبِيخًا لَهُمْ، وتَشْدِيدًا لِعَذابِهِمْ ﴿وَقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أيْ: تَطْلُبُونَهُ في الدُّنْيا وتَسْتَعْجِلُونَهُ إنْكارًا واسْتِهْزاءً عَلى أنَّهُ "تَفْتَعِلُونَ" مِنَ الدُّعاءِ، وقِيلَ: هو مِنَ الدَّعْوى، أيْ: تَدَّعُونَ أنْ لا بَعْثَ ولا حَشْرَ، وقُرِئَ: (تَدْعُونَ هَذا)، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَوْعُودَ عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، وهو بَعِيدٌ.
الملك 67:28
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ أيْ: أماتَنِيَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالإهْلاكِ لَمّا كانُوا يَدْعُونَ عَلَيْهِ ﷺ وعَلى المُؤْمِنِينَ بِالهَلاكِ ﴿وَمَن مَعِيَ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿أوْ رَحِمَنا﴾ بِتَأْخِيرِ آجالِنا؛ فَنَحْنُ في جِوارِ رَحْمَتِهِ مُتَرَبِّصُونَ لِإحْدى الحُسْنَيَيْنِ ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: لا يُنَجِّيكم مِنهُ أحَدٌ مِتْنا أوْ بَقِينا، ووَضْعُ الكافِرِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ؛ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وتَعْلِيلِ نَفْيِ الإنْجاءِ بِهِ.
الملك 67:29
﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ﴾ أيِ: الَّذِي أدْعُوكم إلى عِبادَتِهِ مَوْلى النِّعَمِ كُلِّها ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وحْدَهُ لَمّا عَلِمْنا أنَّ كُلَّ ما سِواهُ إمّا نِعْمَةٌ، أوْ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ.
﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ لا عَلى غَيْرِهِ أصْلًا؛ لِعِلْمِنا بِأنَّ ما عَداهُ كائِنًا ما كانَ بِمَعْزِلٍ مِنَ النَّفْعِ والضَّرِّ.
﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ عَنْ قَرِيبٍ ألْبَتَّةَ ﴿مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِنّا ومِنكُمْ، وقُرِئَ: (فَسَيَعْلَمُونَ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.
الملك 67:30
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ أيْ: غائِرًا في الأرْضِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الدِّلاءُ، وهو مَصْدَرٌ (p-11)وُصِفَ بِهِ.
﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ جارٍ أوْ ظاهِرٍ سَهْلِ المَأْخَذِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ المُلْكِ؛ فَكَأنَّهُ أحْيا لَيْلَةَ القَدْرِ".»
القلم 68:1
سُورَةُ القَلَمِ مَكِّيَّةٌ إلّا مِن آيَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ إلى آيَةِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ، ومِن آيَةِ ثَمانٍ وأرْبَعِينَ إلى آيَةِ خَمْسِينَ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها اثْنَتانِ وخَمْسُونَ.
﴿ن﴾ بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ، وقُرِئَ: بِالكَسْرِ وبِالفَتْحِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَتْحُ بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ في مَوْضِعِ الجَرِّ، كَقَوْلِهِمْ: اللَّهِ لِأفْعَلَنَّ – بِالجَرِّ -، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا أذْكُرْ لا فَتْحًا، كَما سَبَقَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وامْتِناعُ الصَّرْفِ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلسُّورَةِ، ثُمَّ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلْحَرْفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ لِلتَّحَدِّي، بِأحَدِ الطَّرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في مَوْقِعِهِ، أوِ اسْمًا لِلسُّورَةِ مَنصُوبًا عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، أوْ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فالواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَلَمِ﴾ لِلْقَسَمِ، وإنْ جُعِلَ مُقْسَمًا بِهِ؛ فَهي لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، وأيًّا ما كانَ؛ فَإنْ أُرِيدَ بِهِ قَلَمُ اللَّوْحِ والكِرامِ الكاتِبِينَ؛ فاسْتِحْقاقُهُ لِلْإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ؛ فاسْتِحْقاقُ ما في أيْدِي النّاسِ لِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَزِيَّةٌ سِوى كَوْنِهِ آلَةً لِتَحْرِيرِ كُتُبِ اللَّهِ عَزَّ قائِلًا؛ لَكَفى بِهِ فَضْلًا مُوجِبًا لِتَعْظِيمِهِ، وقُرِئَ: بِإدْغامِ النُّونِ في الواوِ.
﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِأصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ، وقِيلَ: لِلْقَلَمِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ أصْحابُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأصْحابِ القَلَمِ ومَسْطُوراتِهِمْ عَلى أنَّ "ما" مَوْصُولَةٌ، أوْ وسَطْرِهِمْ عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: لِلْقَلَمِ نَفْسِهِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِهِ مَجْرى العُقَلاءِ لِإقامَتِهِ مَقامَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَلَمِ: ما خَطَّ اللَّوْحَ خاصَّةً والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
القلم 68:2
﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في خَبَرِها، والعامِلُ فِيها مَعْنى النَّفْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ، والرِّياسَةُ العامَّةُ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى مَعارِجِ الكَمالِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِتَشْرِيفِهِ ﷺ، والإيذانِ بِأنَّهُ - تَعالى - يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، ويُبَلِّغُهُ مِنَ العُلُوِّ إلى غايَةٍ لا غايَةَ وراءَها، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ ﷺ عَمّا كانُوا يَنْسُبُونَهُ ﷺ إلَيْهِ مِنَ الجُنُونِ حَسَدًا وعَداوَةً ومُكابَرَةً، مَعَ جَزْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ في غايَةِ الغاياتِ القاصِيَّةِ، ونِهايَةِ (p-12)النِّهاياتِ النّائِيَةِ مِن حَصانَةِ العَقْلِ ورَزانَةِ الرَّأْيِ.
القلم 68:3
﴿وَإنَّ لَكَ﴾ بِمُقابَلَةِ مَقاساتِكَ ألْوانَ الشَّدائِدِ مِن جِهَتِهِمْ، وتَحَمُّلِكَ لِأعْباءِ الرِّسالَةِ ﴿لأجْرًا﴾ لَثَوابًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ مَعَ عِظَمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، أوْ غَيْرَ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ، فَإنَّهُ عَطاؤُهُ تَعالى بِلا تَوَسُّطٍ.
القلم 68:4
﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ لا يُدْرِكُ شَأْوَهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ ولِذَلِكَ تَحْتَمِلُ مِن جِهَتِهِمْ ما لا يَكادُ يَحْتَمِلُهُ البَشَرُ، «وَسُئِلَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَنْ خُلُقِهِ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القرآن ألَسْتَ تَقْرَأُ القرآن؟ "قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ"» والجُمْلَتانِ مَعْطُوفَتانِ عَلى جَوابِ القَسَمِ.
القلم 68:5
﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما-: فَسَتَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَتَبَيَّنُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ: فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ في الدُّنْيا بِظُهُورِ عاقِبَةِ أمْرِكم بِغَلَبَةِ الإسْلامِ، واسْتِيلائِكَ عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ، وصَيْرُورَتِكَ مَهِيبًا مُعَظَّمًا في قُلُوبِ العالَمِينَ، وكَوْنِهِمْ أذِلَّةً صاغِرِينَ، قالَ مُقاتِلٌ: هَذا وعِيدٌ بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ.
القلم 68:6
﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ أيْ: أيُّكُمُ الَّذِي فُتِنَ بِالجُنُونِ، والباءُ مَزِيدَةٌ، أوْ بِأيِّكُمُ الجُنُونُ، عَلى أنَّ "المَفْتُونُ" مَصْدَرٌ كالمَعْقُولِ والمَجْلُودِ، أوْ بِأيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكُمُ المَجْنُونُ أبِفَرِيقِ المُؤْمِنِينَ أمْ بِفَرِيقِ الكافِرِينَ؟ أيْ: في أيِّهِما يُوجَدُ مَن يَسْتَحِقُّ هَذا الأسْمَ، وهو تَعْرِيضٌ بِأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، والوَلِيدِ ابْنِ المُغِيرَةِ وأضْرُبِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى:
القلم 68:7
﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِن ظُهُورِ جُنُونِهِمْ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، وتَأْكِيدًا لِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، أيْ: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ - تَعالى - المُؤَدِّي إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ، وهامَ في تِيهِ الضَّلالِ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَفِيضُهُ إلى الشَّقاوَةِ الأبَدِيَّةِ، وهَذا هو المَجْنُونُ الَّذِي لا يُفَرِّقُ بَيْنَ النَّفْعِ والضَّرَرِ، بَلْ يَحْسَبُ الضَّرَرَ نَفْعًا فَيُؤْثِرُهُ، والنَّفْعَ ضَرَرًا فَيَهْجُرُهُ ﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ، الفائِزِينَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، النّاجِينَ عَنْ كُلِّ مَحْذُورِهِمْ، العُقَلاءُ المَراجِيحُ، فَيَجْزِي كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَسْبَما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ العِقابِ والثَّوابِ، وإعادَةُ "هُوَ أعْلَمُ" لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:
القلم 68:8
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِنَ اهْتِدائِهِ ﷺ وضَلالِهِمْ، أوْ عَلى جَمِيعِ ما فُصِّلَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ، وهَذا (p-13)تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ لِلتَّصْمِيمِ عَلى مُعاصاتِهِمْ، أيْ: دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ طاعَتِهِمْ وتَصَلَّبْ في ذَلِكَ، أوْ نَهْيٌ عَنْ مُداهَنَتِهِمْ ومُداراتِهِمْ بِإظْهارِ خِلافِ ما في ضَمِيرِهِ ﷺ اسْتِجْلابًا لِقُلُوبِهِمْ، لا عَنْ طاعَتِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:
القلم 68:9
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوِ الأنْتِهاءِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِالطّاعَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ والتَّنْفِيرِ، أيْ: أحَبُّوا لَوْ تُلايِنُهم وتُسامِحُهم في بَعْضِ الأُمُورِ ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ حِينَئِذٍ، أوْ فَهُمُ الآنَ يُدْهِنُونَ طَمَعًا في إدْهانِكَ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "تُدْهِنُ" داخِلٌ في حَيِّزِ "لَوْ"، والمَعْنى: ودُّوا لَوْ يُدْهِنُونَ عَقِيبَ إدْهانِكَ، ويَأْباهُ ما سَيَأْتِي مِن بَدْئِهِمْ بِالإدْهانِ عَلى إدْهانِهِمْ أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا يُناسِبُ إدْخالَهُ تَحْتَ التَّمَنِّي، وأيًّا ما كانَ فالمُعْتَبَرُ في جانِبِهِمْ حَقِيقَةُ الإدْهانِ الَّذِي هو إظْهارُ المُلايَنَةِ، وإضْمارُ خِلافِها، وأمّا في جانِبِهِ ﷺ فالمُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى وِدادَتِهِمْ هو إظْهارُ المُلايَنَةِ فَقَطْ، وأمّا إضْمارُ خِلافِها فَلَيْسَ في حَيِّزِ الأعْتِبارِ، بَلْ هم في غايَةِ الكَراهَةِ لَهُ، وإنَّما اعْتِبارُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ وفي بَعْضِ المَصاحِفِ فَيُدْهِنُوا عَلى أنَّهُ جَوابُ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مِن "وَدُّوا"، أوْ أنَّ ما بَعْدَهُ حِكايَةٌ لِوِدادَتِهِمْ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى "تُدْهِنُ" بِناءً عَلى أنَّ "لَوْ" بِمَنزِلَةِ أنْ النّاصِبَةِ، فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لِـ"وَدُّوا"، كَأنَّهُ قِيلَ: ودُّوا أنْ تُدْهِنَ فَيَدْهُنُوا، وقِيلَ: "لَوْ" عَلى حَقِيقَتِها وجَوابُها مَحْذُوفٌ، وكَذا مَفْعُولُ "وَدُّوا"، أيْ: ودُّوا إدْهانَكَ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ لَسُرُّوا بِذَلِكَ.
القلم 68:10
﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ كَثِيرِ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ، تَقْدِيمُ هَذا الوَصْفِ عَلى سائِرِ الأوْصافِ الزّاجِرَةِ عَنِ الطّاعَةِ لِكَوْنِهِ أُدْخِلَ في الزَّجْرِ ﴿مَهِينٍ﴾ حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ.
القلم 68:11
﴿هَمّازٍ﴾ عَيّابٍ طَعّانٍ ﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ مُضْرِبٍ نَقّالٍ لِلْحَدِيثِ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ عَلى وجْهِ السِّعايَةِ والإفْسادِ بَيْنَهُمْ، فَإنَّ النَّمِيمَ والنَّمِيمَةَ السِّعايَةُ.
القلم 68:12
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ، أوْ مَنّاعٍ لِلنّاسِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ والطّاعَةُ والإنْفاقُ ﴿مُعْتَدٍ﴾ مُتَجاوِزٍ في الظُّلْمِ ﴿أثِيمٍ﴾ كَثِيرِ الآثامِ.
القلم 68:13
﴿عُتُلٍّ﴾ جافٍ غَلِيظٍ، مِن عَتَلَهُ إذا قادَهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بَعْدَ ما عُدَّ مِن مَثالِبِهِ ﴿زَنِيمٍ﴾ دَعِيٍّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ، وهي الهَنَةُ مِن جِلْدِ الماعِزَةِ تُقْطَعُ فَتُخَلّى مُتَدَلِّيَةً في حَلْقِها، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "بَعْدَ ذَلِكَ" دَلالَةٌ عَلى أنَّ دَعْوَتَهُ أشَدُّ مَعايِبِهِ، وأقْبَحُ قَبائِحِهِ، قِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَإنَّهُ كانَ دَعِيًّا في قُرَيْشٍ، ولَيْسَ مِن سِنْخِهِمُ، ادَّعاهُ المُغِيرَةُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ، وقِيلَ: هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيْقٍ، أصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ وعِدادُهُ في زُهْرَةَ.
القلم 68:14
(p-14)﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ﴾ أيْ: لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ؛ لِأنْ كانَ مُتَمَوِّلًا مُسْتَظْهِرًا بِالبَنِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى:
القلم 68:15
﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مِن مَعْنى الجُحُودِ، ذُو التَّكْذِيبِ لا بِجَوابِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبِلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِكَوْنِهِ مُسْتَظْهِرًا بِالمالِ والبَنِينَ كَذَّبَ بِآياتِنا، وفِيهِ أنَّهُ بَدَّلَ أنَّ مَدارَ تَكْذِيبِهِ كَوْنُهُ ذا مالٍ، وبَنِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِسائِرِ قَبائِحِهِ دَخْلٌ في ذَلِكَ، وقُرِئَ: (أأنْ) كانَ، عَلى مَعْنى ألِأنْ كانَ ذا مالٍ كَذَّبَ بِها، أوْ أتُطِيعُهُ؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ، وقُرِئَ: إنْ كانَ بِالكَسْرِ، والشَّرْطُ لِلْمُخاطَبِ، أيْ: لا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ شارِطًا يَسارَهُ؛ لِأنَّ إطاعَةَ الكافِرِ لِغِناهُ بِمَنزِلَةِ اشْتِراطِ غِناهُ في الطّاعَةِ.
القلم 68:16
﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ بِالكَيِّ عَلى أكْرَمِ مَواضِعِهِ لِغايَةِ إهانَتِهِ وإذْلالِهِ، قِيلَ: أصابَ أنْفَ الوَلِيدِ جِراحَةٌ يَوْمَ بَدْرٍ فَبَقِيَتْ عَلامَتُها، وقِيلَ مَعْناهُ: سَنُعَلِّمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَلامَةٍ مُشَوِّهَةٍ يُعْلَمُ بِها عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ.
القلم 68:17
﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ بِالقَحْطِ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ وهم قَوْمٌ مِن أهْلِ الصَّلاةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ هَذِهِ الجَنَّةُ دُونَ صَنْعاءَ بِفَرْسَخَيْنِ، فَكانَ يَأْخُذُ مِنها قُوتَ سَنَةٍ ويَتَصَدَّقُ بِالباقِي، وكانَ يُنادِي الفُقَراءَ وقْتَ الصِّرامِ ويَتْرُكُ لَهم ما أخْطَأهُ المِنجَلُ، وما في أسْفَلِ الأكْداسِ، وما أخْطَأهُ القِطافُ مِنَ العِنَبِ وما بَقِيَ عَلى البِساطِ الَّذِي يُبْسَطُ تَحْتَ النَّخْلَةِ إذا صُرِمَتْ، فَكانَ يَجْتَمِعُ لَهم شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَلَمّا ماتَ أبُوهم قالَ بَنُوهُ: إنْ فَعَلْنا ما كانَ يَفْعَلُ أبُونا ضاقَ عَلَيْنا الأمْرُ؛ فَحَلَفُوا فِيما بَيْنَهُمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ لِيَقْطَعُنَّها داخِلِينَ في الصَّباحِ.
القلم 68:18
﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ أيْ: لا يَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، وتَسْمِيَتُهُ اسْتِثْناءٌ مَعَ أنَّهُ شَرْطٌ مِن حَيْثُ أنَّ مُؤَدّاهُ مُؤَدّى الأسْتِثْناءِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: لَأخْرُجَنَّ إنْ شاءَ اللَّهُ ولا أخْرُجُ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أوْ ولا يَسْتَثْنُونَ حِصَّةَ المَساكِينِ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ أبُوهُمْ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.
القلم 68:19
﴿فَطافَ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى الجَنَّةِ ﴿طائِفٌ﴾ بَلاءٌ طائِفٌ، وقُرِئَ: (طَيْفٌ) ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُبْتَدَأٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى ﴿وَهم نائِمُونَ﴾ غافِلُونَ عَمّا جَرَتْ بِهِ المَقادِيرُ.
القلم 68:20
(p-15)﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ كالبُسْتانِ الَّذِي صُرِمَتْ ثِمارُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ، فَعِيْلٌ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ، وقِيلَ: كاللَّيْلِ أيِ: احْتَرَقَتْ فاسْوَدَّتْ، وقِيلَ: كالنَّهارِ، أيْ: يَبِسَتْ وابْيَضَّتْ سُمِّيا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنْ صاحِبِهِ، وقِيلَ: الصَّرِيمُ الرِّمالُ.
القلم 68:21
﴿فَتَنادَوْا﴾ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ.
القلم 68:22
﴿أنِ اغْدُوا﴾ أيِ: اغْدُوا عَلى أنَّ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، أوْ بِأنِ اغْدُوا عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ،أيِ: اخْرُجُوا غُدْوَةً ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ بُسْتانِكم وضَيْعَتِكُمْ، وتَعْدِيَةُ الغُدُوِّ بِـ"عَلى"؛ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإقْبالِ، أوِ الاسْتِيلاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ قاصِدِينَ لِلصَّرْمِ.
القلم 68:23
﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ المُخافَتَةِ، وخَفِيَ وخَفَتَ وخَفَدَ ثَلاثَتُها في مَعْنى الكَتْمِ، ومِنهُ الخُفْدودُ لِلْخُفّاشِ.
القلم 68:24
﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها﴾ أيِ: الجَنَّةَ ﴿اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ لِما في التَّخافُتِ مِن مَعْنى القَوْلِ، وقُرِئَ: بِطَرْحِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ، والمُرادُ بِنَهْيِ المِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ، المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنْ تَمْكِينِهِ مِنَ الدُّخُولِ كَقَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا.
القلم 68:25
﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ أيْ: عَلى نَكَدٍ لا غَيْرَ، مِن جارَدَتِ السَّنَةُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها مَطَرٌ، وحارَدَتِ الإبِلُ إذا مَنَعَتْ دَرَّها، والمَعْنى: أنَّهم أرادُوا أنْ يَتَنَكَّدُوا عَلى المَساكِينِ ويَحْرِمُوهم وهم قادِرُونَ عَلى نَفْعِهِمْ، فَغَدَوا بِحالٍ لا يَقْدِرُونَ فِيها إلّا عَلى النَّكَدِ والحِرْمانِ، وذَلِكَ أنَّهم طَلَبُوا حِرْمانَ المَساكِينِ فَتَعَجَّلُوا الحِرْمانَ والمَسْكَنَةَ، أوْ وغَدَوْا عَلى مُحارَدَةِ جَنَّتِهِمْ وذَهابِ خَيْرِها قادِرِينَ، بَدَلَ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى إصابَةِ خَيْرِها ومَنافِعِها، أيْ: غَدَوْا حاصِلِينَ عَلى النَّكَدِ والحِرْمانِ مَكانَ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى الأنْتِفاعِ، وقِيلَ: الحَرْدِ الحَرْدِ، وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ، أيْ: لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى حَنَقِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَلاوَمُونَ﴾ وقِيلَ: الحَرْدُ القَصْدُ والسُّرْعَةُ، أيْ: غَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ عَلى صِرامِها، وقِيلَ: هو عَلَمٌ لِلْجَنَّةِ.
القلم 68:26
﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا﴾ في بَدِيهَةِ رُؤْيَتِهِمْ ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أيْ: طَرِيقَ جَنَّتِنا وما هي بِها.
القلم 68:27
(p-16)﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالُوهُ بَعْدَ ما تَأمَّلُوا ووَقَفُوا عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ مُضْرِبِينَ عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ، أيْ: لَسْنا ضالِّينَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُمُونَ حُرِمْنا خَيْرَها بِجِنايَتِنا عَلى أنْفُسِنا.
القلم 68:28
﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ: رَأْيًا، أوْ سِنًّا ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ لَوْلا تَذْكُرُونَ اللَّهَ - تَعالى -وَتَنُوبُونَ إلَيْهِ مِن خُبْثِ نِيَّتِكُمْ، وقَدْ كانَ قالَ لَهم حِينَ عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ: اذْكُرُوا اللَّهَ وتُوبُوا إلَيْهِ عَنْ هَذِهِ العَزِيمَةِ الخَبِيثَةِ مِن فَوْرِكُمْ، وسارِعُوا إلى حَسْمِ شَرِّها قَبْلَ حُلُولِ النِّقْمَةِ، فَعَصَوْهُ فَعَيَّرَهم كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:
القلم 68:29
﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وقِيلَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ: الأسْتِثْناءُ لِاشْتِراكِهِما في التَّعْظِيمِ، أوْ لِأنَّهُ تَنْزِيهٌ لَهُ - تَعالى - عَنْ أنْ يَجْرِيَ في مُلْكِهِ ما لا يَشاؤُهُ.
القلم 68:30
﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَإنَّ مِنهم مَن أشارَ بِذَلِكَ، ومِنهم مَن اسْتَصْوَبَهُ، ومِنهم مَن سَكَتَ راضِيًا بِهِ، ومِنهم مَن أنْكَرَهُ.
القلم 68:31
﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ.
القلم 68:32
﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا﴾ وقُرِئَ: بِالتَّشْدِيدِ، أيْ: يُعْطِينا بَدَلًا مِنها بِبَرَكَةِ التَّوْبَةِ والاعْتِرافِ بِالخَطِيئَةِ ﴿خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ راجُونَ العَفْوَ، طالِبُونَ الخَيْرَ، و"إلى" لِانْتِهاءِ الرَّغْبَةِ، أوْ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الرُّجُوعِ، عَنْ مُجاهِدٍ: تابُوا فَأُبْدِلُوا خَيْرًا مِنها، ورُوِيَ أنَّهم تَعاقَدُوا وقالُوا: إنْ أبْدَلَنا اللَّهُ خَيْرًا مِنها لَنَصْنَعَنَّ، كَما صَنَعَ أبُونا، فَدَعَوُا اللَّهَ - تَعالى - وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ؛ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن لَيْلَتِهِمْ ما هو خَيْرٌ مِنها، قالُوا: إنَّ اللَّهَ – تَعالى - أمْرَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَقْتَلِعَ تِلْكَ الجَنَّةَ المُحْتَرِقَةَ فَيَجْعَلَها بِزُغَرَ مِن أرْضِ الشّامِ، ويَأْخُذَ مِنَ الشّامِ جَنَّةً فَيَجْعَلَها مَكانَها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: إنَّ القَوْمَ لَمّا أخْلَصُوا وعَرَفَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ؛ أبَدَلَهم جَنَّةً يُقالُ لَها: الحَيَوانُ، فِيها عِنَبٌ يَحْمِلُ البَغْلُ مِنهُ عُنْقُودًا، وقالَ أبُو خالِدٍ اليَمانِيُّ: دَخَلْتُ تِلْكَ الجَنَّةَ فَرَأيْتُ كُلَّ عُنْقُودٍ مِنها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِمِ، وسُئِلَ قَتادَةُ عَنْ أصْحابِ الجَنَّةِ: أهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ أمْ مِن أهْلِ النّارِ؟ فَقالَ: لَقَدْ كَلَّفْتَنِي تَعَبًا، وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: قَوْلُ أصْحابِ الجَنَّةِ: ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ لا أدْرِي إيمانًا كانَ ذَلِكَ مِنهُمْ، أوْ عَلى حَدِّ ما يَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ إذا أصابَتْهُمُ الشِّدَّةُ؛ فَتَوَقَّفَ في أمْرِهِمْ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهم تابُوا وأخْلَصُوا، حَكاهُ القُشَيْرِيُّ.
القلم 68:33
(p-17)﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُقَدَّمٍ لِإفادَةِ القَصْرِ، والألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، أيْ: مِثْلُ الَّذِي بَلَوْنا بِهِ أهْلَ مَكَّةَ، وأصْحابَ الجَنَّةِ عَذابُ الدُّنْيا.
﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ أعْظَمُ وأشَدُّ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ أكْبَرُ لاحْتَرَزُوا عَمّا يُؤَدِّيهِمْ إلَيْهِ.
القلم 68:34
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ، أوْ في جِوارِ القُدْسِ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ جَنّاتٍ لَيْسَ فِيها إلّا التَّنَعُّمُ الخالِصُ عَنْ شائِبَةِ ما يُنَغِّصُهُ مِنَ الكُدُوراتِ وخَوْفِ الزَّوالِ كَما عَلَيْهِ نَعِيمُ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى:
القلم 68:35
﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن فَوْزِ المُتَّقِينَ بِجَنّاتٍ النَّعِيمِ، ورَدٌّ لِما يَقُولُهُ الكَفَرَةُ عِنْدَ سَماعِهِمْ بِحَدِيثِ الآخِرَةِ، وما وعَدَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ فِيها فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنْ صَحَّ أنّا نُبْعَثُ، كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ومَن مَعَهُ؛ لَمْ يَكُنْ حالُنا وحالُهم إلّا مِثْلَ ما هي في الدُّنْيا، وإلّا لَمْ يَزِيدُوا عَلَيْنا ولَمْ يَفْضُلُونا، وأقْصى أمْرِهِمْ أنْ يُساوُونا، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أنَحِيفُ في الحُكْمِ فَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالكافِرِينَ، ثُمَّ قِيلَ لَهم بِطَرِيقِ الألْتِفاتِ لِتَأْكِيدِ الرَّدِّ وتَشْدِيدِهِ.
القلم 68:36
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَعَجِيبًا مِن حُكْمِهِمْ واسْتِبْعادًا لَهُ، وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنْ عاقِلٍ.
القلم 68:37
﴿أمْ لَكم كِتابٌ﴾ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ ﴿فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ أيْ: تَقْرَؤُنَّ.
القلم 68:38
﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أيْ: ما تَتَخَيَّرُونَهُ وتَشْتَهُونَهُ، وأصْلُهُ أنَّ لَكم بِالفَتْحِ؛ لِأنَّهُ مَدْرُوسٌ، فَلَمّا جِيءَ بِاللّامِ كُسِرَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِلْمَدْرُوسِ، كَما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ وتَخَيُّرُ الشَّيْءِ واخْتِيارُهُ: أخْذُ خَيْرِهِ.
القلم 68:39
﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ أيْ: عُهُودٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالأيْمانِ ﴿بالِغَةٌ﴾ مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ، وقُرِئَتْ: بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها أحَدُ الظَّرْفَيْنِ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُقَدَّرِ في لَكُمْ، أيْ: ثابِتَةٌ لَكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا نَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِها حَتّى نَحْكُمَكم يَوْمَئِذٍ ونُعْطِيَكم ما تَحْكُمُونَ، أوْ بِبالِغَةٍ، أيْ: أيْمانٌ تَبْلُغُ ذَلِكَ اليَوْمَ وتَنْتَهِي إلَيْهِ وافِرَةً لَمْ تَبْطُلْ مِنها يَمِينٌ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى أمْ لَكم عَلَيْنا أيْمانٌ: (p-18)أمْ أقْسَمْنا لَكم.
القلم 68:40
﴿سَلْهُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ، أيْ: سَلْهم مُبَكِّتًا لَهم ﴿أيُّهم بِذَلِكَ﴾ الحُكْمِ الخارِجِ عَنِ العُقُولِ ﴿زَعِيمٌ﴾ أيْ: قائِمٌ يَتَصَدّى لِتَصْحِيحِهِ.
القلم 68:41
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ يُشارِكُونَهم في هَذا القَوْلِ ويَذْهَبُونَ مَذْهَبَهم.
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ في دَعْواهُمْ؛ إذْ لا أقَلَّ مِنَ التَّقْلِيدِ، وقَدْ نَبَّهَ في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ عَلى أنْ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ يُتَوَهَّمُ أنْ يَتَشَبَّثُوا بِهِ حَتّى التَّقْلِيدُ الَّذِي لا يُفْلِحُ مَن تَشَبَّثَ بِذَيْلِهِ، وقِيلَ المَعْنى: أمْ لَهم شُرَكاءُ يَجْعَلُونَهم مِثْلَ المُسْلِمِينَ في الآخِرَةِ.
القلم 68:42
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ أيْ: يَوْمَ يَشْتَدُّ الأمْرُ، ويَصْعُبُ الخَطْبُ، وكَشْفُ السّاقِ مَثَلٌ في ذَلِكَ، وأصْلُهُ تَشْمِيرُ المُخَدَّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ، قالَ حاتِمٌ:
؎ أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وَقِيلَ: ساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، كَساقِ الشَّجَرِ، وساقِ الإنْسانِ، أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ فَتَظْهَرُ حَقائِقُ الأُمُورِ وأُصُولُها، بِحَيْثُ تَصِيرُ عَيانًا وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ، أوِ التَّعْظِيمِ، وقُرِئَ: (تَكْشِفُ) بِالتّاءِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ، والفِعْلُ لِلسّاعَةِ، أوِ الحالِ، وقُرِئَ: (نَكْشِفُ) بِالنُّونِ، و(تُكْشِفُ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ، وكَسْرِ الشِّينِ مِن أُكْشِفَ الأمْرُ أيْ: دَخَلَ في الكَشْفِ، وناصِبُ الظَّرْفِ "فَلْيَأْتُوا"، أوْ مُضْمَرٍ مُقْدَّمٍ،أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ... إلَخْ. أوْ مُؤَخَّرٍ أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ... إلَخْ. يَكُونُ مِنَ الأهْوالِ وعَظائِمِ الأحْوالِ ما لا يَبْلُغُهُ الوَصْفُ.
﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ تَوْبِيخًا وتَعْنِيفًا عَلى تَرْكِهِمْ إيّاهُ في الدُّنْيا، وتَحْسِيرًا لَهم عَلى تَفْرِيطِهِمْ في ذَلِكَ.
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لِزَوالِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم يَقْصِدُونَ السُّجُودَ فَلا يَتَأتّى مِنهم عَنْ ذَلِكَ. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تُعْقَمُ أصْلابُهُمْ، أيْ: تُرَدُّ عِظامًا بِلا مَفاصِلَ، لا تَنْثَنِي عِنْدَ الرَّفْعِ والخَفْضِ، وفي الحَدِيثِ: وتَبْقى أصْلابُهم طَبَقًا واحِدًا، أيْ: فَقارَةً واحِدَةً.
القلم 68:43
﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ حالٌ مِن مَرْفُوعِ "يُدْعَوْنَ" عَلى أنَّ أبْصارَهم مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، ونِسْبَةُ الخُشُوعِ إلى الأبْصارِ؛ لِظُهُورِ أثَرِهِ فِيها.
﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ تَلْحَقُهم وتَغْشاهم.
﴿ذِلَّةٌ﴾ شَدِيدَةٌ.
﴿وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ في الدُّنْيا، والإظْهارُ في مَوْضُوعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلاةُ، أوْ ما فِيها مِن السُّجُودِ، والدَّعْوَةُ دَعْوَةُ التَّكْلِيفِ.
﴿وَهم سالِمُونَ﴾ مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ أقْوى تَمَكُّنٍ، أيْ: فَلا يُجِيبُونَ إلَيْهِ ويَأْبَوْنَهُ وإنَّما تُرِكَ ذِكْرُهُ ثِقَةً بِظُهُورِهِ.
القلم 68:44
﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيْ: كِلْهُ إلَيَّ فَإنِّي أكْفِيكَ أمْرَهُ، أيْ: حَسْبُكَ في الإيقاعِ (p-19)بِهِ، والأنْتِقامِ مِنهُ أنْ تَكِلَ أمْرَهُ إلَيَّ، وتُخَلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَهُ؛ فَإنِّي عالِمٌ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ العَذابِ ومُطِيقٌ لَهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها مِن أحْوالِهِمُ المَحْكِيَّةِ، أيْ: وإذا كانَ حالُهم في الآخِرَةِ كَذَلِكَ فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا القرآن، وتَوَكَّلْ عَلَيَّ في الأنْتِقامِ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّعْذِيبِ المُسْتَفادِ مِنَ الأمْرِ السّابِقِ إجْمالأ، والضَّمِيرُ لِـ"مَن"، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، كَما أنَّ الإفْرادَ في يُكَذِّبُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، أيْ: سَنَسْتَنْزِلُهم إلى العَذابِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً بِالإحْسانِ وإدامَةِ الصِّحَّةِ وازْدِيادِ النِّعْمَةِ.
﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ إنَّهُ اسْتِدْراجٌ وهو الإنْعامُ عَلَيْهِمْ، بَلْ يَزْعُمُونَ أنَّهُ إيثارٌ لَهم وتَفْضِيلٌ عَلى المُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّهُ سَبَبٌ لِهَلاكِهِمْ.
القلم 68:45
﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ وأُمْهِلُهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، وهم يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ لِإرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ.
﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ لا يُوقَفُ عَلَيْهِ ولا يُدْفَعُ بِشَيْءٍ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ كَيْدًا لِكَوْنِهِ في صُورَةِ الكَيْدِ.
القلم 68:46
﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾ عَلى الإبْلاغِ والإرْشادِ.
﴿أجْرًا﴾ دُنْيَوِيًّا.
﴿فَهُمْ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ.
﴿مِن مَغْرَمٍ﴾ أيْ: غَرامَةٍ مالِيَّةٍ.
﴿مُثْقَلُونَ﴾ مُكَلَّفُونَ حِمْلًا ثَقِيلًا فَيُعْرِضُونَ عَنْكَ.
القلم 68:47
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ أيِ: اللَّوْحُ أوِ المُغَيَّباتُ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ مِنهُ ما يَحْكُمُونَ ويَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنْ عِلْمِكَ.
القلم 68:48
﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ وهو إمْهالُهم وتَأْخِيرُ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ.
﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ أيْ: يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿إذْ نادى﴾ في بَطْنِ الحُوتِ.
﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مَمْلُوءٌ غَيْظًا، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "نادى" وعَلَيْها يَدُورُ النَّهْيُ لا عَلى النِّداءِ، فَإنَّهُ أمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ المُنادى و"إذْ" مَنصُوبٌ بِمُضافٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لا يَكُنْ حالُكَ كَحالِهِ وقْتَ نِدائِهِ، أيْ: لا يُوجَدُ مِنكَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الضَجَرِ والمُغاضِبَةِ فَتُبْتَلى بِبَلائِهِ.
القلم 68:49
﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ وقُرِئَ: (رَحْمَةٌ) وهو تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ وقَبُولُها مِنهُ، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِلْفَصْلِ بِالضَّمِيرِ، وقُرِئَ: تَدارَكَتْهُ وتَدارَكَهُ، أيْ: تَتَدارَكَهُ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ بِمَعْنى لَوْلا أنْ كانَ يُقالُ: تَتَدارَكُهُ.
﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ بِالأرْضِ الخالِيَةِ مِنَ الأشْجارِ.
﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ مُلِيمٌ مَطْرُودٌ مِن الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ، وهو حالٌ مِن مَرْفُوعِ "نُبَذَ" عَلَيْها يَعْتَمِدُ جَوابُ "لَوْلا"؛ لِأنَّها هي المُنْتَفِيَةُ لا النَّبْذُ بِالعَراءِ، كَما مَرَّ في الحالِ الأُولى، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ كَوْنِ المَنهِيِّ عَنْهُ أمْرًا مَحْذُورًا مُسْتَتْبِعًا لِلْغائِلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
القلم 68:50
﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: فَتَدارَكَتْهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ فاجْتَباهُ بِأنْ رَدَّ إلَيْهِ الوَحْيَ وأرْسَلَهُ إلى (p-20)مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، وقِيلَ: اسْتَنْبَأهُ إنْ صَحَّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ.
﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مِنَ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ بِأنْ عَصَمَهُ مِن أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَكُونُ تَرْكُهُ أوْلى. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِأُحُدٍ حِينَ هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أنْ يَدْعُوَ عَلى المُنْهَزِمِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: حِينَ أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى ثَقِيفٍ.
القلم 68:51
﴿وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ وقُرِئَ: (لَيَزْلِقُونَكَ) بِفَتْحِ الياءِ مَن زَلَقَهُ بِمَعْنى: أزْلَقَهُ ويُزْهِقُونَكَ، و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ، واللّامُ دَلِيلُها، والمَعْنى: أنَّهم مِن شِدَّةِ عَداوَتِهِمْ لَكَ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ، شَزْرًا بِحَيْثُ يَكادُونَ يُزِلُّونَ قَدَمَكَ فَيَرْمُونَكَ، مِن قَوْلِهِمْ نَظَرَ إلَيَّ نَظَرًا يَكادُ يَصْرَعُنِي، أيْ: لَوْ أمْكَنَهُ بِنَظَرِهِ الصَّرْعُ لَفَعَلَهُ، أوْ أنَّهم يَكادُونَ يُصِيبُونَكَ بِالعَيْنِ؛ إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي أسَدٍ عَيّانُونَ، فَأرادَ بَعْضُهم أنْ يُعِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ العَيْنَ لِتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ،» ولَعَلَّهُ مِن خَصائِصِ بَعْضِ النُّفُوسِ، وعَنِ الحَسَنِ: دَواءُ الإصابَةِ بِالعَيْنِ أنْ تَقْرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أيْ: وقْتَ سَماعِهِمْ بِالقرآن عَلى أنَّ "لَمّا" ظَرْفِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بـ"يُزْلِقُونَكَ"، وذَلِكَ لِاشْتِدادِ بُغْضِهِمْ وحَسَدِهِمْ عِنْدَ سَماعِهِ.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ لِغايَةِ حَيْرَتِهِمْ في أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونِهايَةِ جَهْلِهِمْ بِما في تَضاعِيفَ القرآن مِن تَعاجِيبِ الحِكَمِ وبَدائِعِ العُلُومِ المَحْجُوبَةِ عَنِ العُقُولِ المُنْغَمِسَةِ بِأحْكامِ الطَّبائِعِ، ولِتَنْفِيرِ النّاسِ عَنْهُ.
﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ وحَيْثُ كانَ مَدارُ حُكْمِهِمُ الباطِلِ ما سَمِعُوهُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رُدَّ ذَلِكَ بِبَيانِ عُلُوِّ شَأْنِهِ وسُطُوعِ بُرْهانِهِ، فَقِيلِ:
القلم 68:52
﴿وَما هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ "يَقُولُونَ" مُفِيدَةٌ لِغايَةِ بُطْلانِ قَوْلِهِمْ وتَعْجِيبِ السّامِعِينَ مِن جَرْأْتِهِمْ عَلى تَفَوُّهِ تِلْكَ العَظِيمَةِ، أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ، أيْ: تَذْكِيرٌ وبَيانٌ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ، فَأيْنَ مَن أنْزَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وهو مُطَّلِعٌ عَلى أسْرارِهِ طُرًّا، ومُحِيطٌ بِجَمِيعِ حَقائِقِهِ خُبْرًا مِمّا قالُوا، وقِيلَ مَعْناهُ شَرَفٌ وفَضْلٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكَوْنُهُ مُذَكِّرًا وشَرَفًا لِلْعالَمِينَ لا رَيْبَ فِيهِ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ القَلَمِ أعْطاهُ اللَّهُ ثَوابَ الَّذِينَ حَسَّنَ اللَّهُ أخْلاقَهُمْ﴾ .
الحاقة 69:1
(p-21)سُورَةُ الحاقَّةِ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها اثْنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً
﴿الحاقَّةُ﴾ أيِ: السّاعَةُ، أوِ الحالَةُ الثّابِتَةُ الوُقُوعِ الواجِبَةُ المَجِيءِ لا مَحالَةَ، أوِ الَّتِي يَحِقُّ فِيها الأُمُورُ الحَقَّةُ مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ، أوِ الَّتِي تَحِقُّ فِيها الأُمُورُ، أيْ: تُعْرَفُ عَلى الحَقِيقَةِ، مِن حَقَّهُ يَحِقُّهُ إذا عَرَفَ حَقِيقَتَهُ، جَعَلَ الفِعْلَ لَها ومَجازًا، وهو لِما فِيها مِنَ الأُمُورِ، أوْ لِمَن فِيها مِن أُولِي العِلْمِ، وأيًّا ما كانَ فَحَذْفُ المَوْصُوفِ لَلْإيذانَ بِكَمالِ ظُهُورِ اتِّصافِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وجَرَيانِها مَجْرى الأسْمِ وارْتِفاعُها عَلى الأبْتِداءِ خَبَرُها.
الحاقة 69:2
﴿ما الحاقَّةُ﴾ إلى أنَّ "ما" مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و"الحاقَّةُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والأصْلُ: ما هي أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها وصِفَتِها، فَإنَّ ما قَدْ يُطْلَبُ بِها الصِّفَةُ والحالُ، فَوَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمِرِ تَأْكِيدًا لِهَوْلِها، هَذا ما ذَكَرُوهُ في إعْرابِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ونَظائِرِها، وقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ الواقِعَةِ أنَّ مُقْتَضى التَّحْقِيقِ أنْ تَكُونَ "ما" الاسْتِفْهامِيَّةُ خَبَرًا لِما بَعْدَها، فَإنَّ مَناطَ الإفادَةِ بَيانُ أنَّ الحاقَّةَ أمْرٌ بَدِيعٌ وخَطْبٌ فَظِيعٌ، كَما يُفِيدُهُ كَوْنُ "ما" خَبَرًا لا بَيانُ أنَّ أمْرًا بَدِيعًا الحاقَّةُ، كَما يُفِيدُهُ كَوْنُها مُبْتَدَأً وكَوْنُ الحاقَّةِ خَبَرًا، وقَوْلُهُ تَعالى:
الحاقة 69:3
﴿وَما أدْراكَ﴾ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ.
﴿ما الحاقَّةُ﴾ تَأْكِيدٌ لِهَوْلِها وفَظاعَتِها بِبَيانِ خُرُوجِها عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ المَخْلُوقاتِ عَلى مَعْنى أنَّ عِظَمَ شَأْنِها ومَدى هَوْلِها وشِدَّتِها بِحَيْثُ لا تَكادُ تَبْلُغُهُ دِرايَةُ أحَدٍ، ولا وهْمُهُ، وكَيْفَما قَدَّرْتَ حالَها فَهي أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وأعْظَمُ، فَلا يَتَسَنّى الإعْلامُ، وما في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى الأبْتِداءِ، و"أدْراكَ" خَبَرُهُ، ولا مَساغَ هَهُنا لِلْعَكْسِ، و"ما الحاقَّةُ" جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَرَفْتَهُ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي: بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا أدْراكم بِهِ" فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الاسْتِفْهامِ مُعَلَّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، والجُمْلَةُ الكَبِيرَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: "الحاقَّةُ" مُؤَكِّدَةٌ لِهَوْلِها كَما مَرَّ.
الحاقة 69:4
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ: بِالحالَةِ الَّتِي تُقَرِّعُ النّاسَ بِفُنُونِ الأفْزاعِ والأهْوالِ، والسَّماءَ بِالأنْشِقاقِ والأنْفِطارِ، والأرْضَ والجِبالَ بِالدَّكِّ (p-22)والنَّسْفِ، والنُّجُومَ بِالطَّمْسِ والأنْكِدارِ، ووَضْعُها مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى القَرْعِ فِيها تَشْدِيدًا لِهَوْلِها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِإعْلامِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إثْرَ تَقْرِيرِ أنَّهُ ما أدْراهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِها أحَدٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ ونَظائِرُهُ خَلا أنَّ المُبَيَّنَ هُناكَ نَفْسُ المَسْؤُلِ عَنْها، وهَهُنا حالٌ مِن أحْوالِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ فَكَما أنَّ المُبَيَّنَ هُناكَ لَيْسَ نَفْسَ لَيْلَةِ القَدْرِ، بَلْ فَضْلَها وشَرَفَها كَذَلِكَ المُبَيَّنُ هَهُنا هَوْلُ الحاقَّةِ، وعِظَمُ شَأْنِها، وكَوْنُها بِحَيْثُ يَحِقُّ إهْلاكُ مَن يُكَذِّبُ بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ ؟ كَذَّبَتْ بِها ثَمُودُ وعادٌ فَأُهْلِكُوا.
الحاقة 69:5
﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ أيْ: بِالواقِعَةِ المُجاوِزَةِ لِلْحَدِّ، وهي الصَّيْحَةُ أوِ الرّاجِفَةُ.
الحاقة 69:6
﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أيْ: شَدِيدَةِ الصَّوْتِ لَها صَرْصَرَةٌ، أوْ شَدِيدَةِ البَرْدِ تُحْرِقُ بِبَرْدِها.
﴿عاتِيَةٍ﴾ شَدِيدَةِ العَصْفِ، كَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِن ضَبْطِها، أوْ عَلى عادٍ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها، وقَوْلُهُ تَعالى:
الحاقة 69:7
﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ بِالرِّيحِ، أيْ: سَلَّطَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقدرته القاهِرَةِ.
﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ أيْ: مُتَتابِعاتٍ جَمْعُ حاسِمٍ، كَشُهُودٍ جَمْعُ شاهِدٍ، مِن حَسَمْتُ الدّابَّةَ إذا تابَعْتُ بَيْنَ كَيِّها، أوْ نَحِساتٌ حَسَمَتْ كُلَّ خَيْرٍ واسْتَأْصَلَتْهُ، أوْ قاطِعاتٌ قَطَعَتْ دابِرَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُنْتَصِبًا عَلى العِلَّةِ بِمَعْنى قَطْعًا، أوْ عَلى المَصْدَرِ لِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ حالأ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالفَتْحِ، وهي كانَتْ أيّامَ العَجُوزِ مِن صَبِيحَةِ أرْبِعاءَ إلى غُرُوبِ الأرْبِعاءِ الآخَرِ، وإنَّما سُمِّيَتْ عَجُوزًا، لِأنَّ عَجُوزًا مِن عادٍ تَوارَتْ في سِرْبٍ فانْتَزَعَتْها الرِّيحُ في اليَوْمِ الثّامِنِ فَأهْلَكَتْها، وقِيلَ: هي أيّامُ العَجْزِ وهي آخِرُ الشِّتاءِ، وأسْماؤُها الصِّنُّ، والصِّنَّبْرُ، والوَبَرُ، والآمِرُ، والمُؤْتَمَرُ، والمُعَلِّلُ، ومُطْفِئُ الجَمْرِ، وقِيلَ: ومُكْفِيء الظَّعْنِ.
﴿فَتَرى القَوْمَ﴾ إنْ كُنْتَ حاضِرًا حِينَئِذٍ.
﴿فِيها﴾ في مَهابِّها، أوْ في تِلْكَ اللَّيالِي والأيّامِ.
﴿صَرْعى﴾ مَوْتى، جَمْعُ صَرِيعٍ.
﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ.
﴿خاوِيَةٍ﴾ مُتَآكِلَةِ الأجْوافِ.
الحاقة 69:8
﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: بَقِيَّةٍ، أوْ نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ بَقاءٍ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كالكاذِبَةِ والطّاغِيَةِ.
الحاقة 69:9
﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ، وقُرِئَ: (وَمِن قَبْلِهِ) أيْ: ومِن عِنْدِهُ مِن أتْباعِهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: (وَمَن مَعَهُ).
﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾ أيْ: قُرى قَوْمِ لُوطٍ أيْ أهْلُها.
﴿بِالخاطِئَةِ﴾ بِالخَطَأِ، أوْ بِالفِعْلَةِ، أوِ الأفْعالِ ذاتِ الخَطَأِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَكْذِيبُ (p-23)البَعْثِ والقِيامَةِ.
الحاقة 69:10
﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: فَعَصى كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها حِينَ نَهَوْهم عَمّا كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ القَبائِحِ ﴿فَأخَذَهُمْ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: زائِدَةً في الشِّدَّةِ كَما زادَتْ قَبائِحُهم في القُبْحِ مِن رِبا الشَّيْءِ إذا زادَ.
الحاقة 69:11
﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ بِسَبَبِ إصْرارِ قَوْمِ نُوحٍ عَلى فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي، ومُبالَغَتِهِمْ في تَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما أُوْحِيَ إلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْوالُ القِيامَةِ.
﴿حَمَلْناكُمْ﴾ أيْ: في أصْلابِ آبائِكم.
﴿فِي الجارِيَةِ﴾ في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ بِحَمْلِهِمْ فِيها: رَفْعُهم فَوْقَ الماءِ إلى انْقِضاءِ أيّامِ الطُّوفانِ لا مُجَرَّدُ رَفْعِهِمْ إلى السَّفِينَةِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ كَلِمَةُ "فِي" فَإنَّها لَيْسَتْ بِصِلَةٍ لِلْحَمْلِ، بَلْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ، وحَفَظْناكم حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ الجارِيَةِ بِأمْرِنا وحِفْظِنا، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَدارَ نَجاتِهِمْ مَحْضُ عِصْمَتِهِ تَعالى، إنَّما السَّفِينَةُ سَبَبٌ صُورِيٌّ.
الحاقة 69:12
﴿لِنَجْعَلَها﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ.
﴿لَكم تَذْكِرَةً﴾ عِبْرَةً ودَلالَةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ وحَكَمْتِهِ وقُوَّةِ قَهْرِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ.
﴿وَتَعِيَها﴾ أيْ: تَحْفَظُها، والوَعْيُ أنْ تْحْفَظَ الشَّيْءَ في نَفْسِكَ، والإيعاءُ أنْ تَحْفَظَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ مِن وِعاءٍ، وقُرِئَ تَعْيَها بِسُكُونِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لَهُ بِكَتِفٍ ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: أُذُنٌ مِن شَأْنِها أنْ تَحْفَظَ ما يَجِبُ حِفْظُهُ بِتَذَكُّرِهِ وإشاعَتِهِ والتَّفَكُّرِ فِيهِ، ولا تُضَيِّعُهُ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ، والتَّنْكِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى قِلَّتِها، وأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ مَعَ قِلَّتِهِ يَتَسَبَّبُ لِنَجاةِ الجَمِّ الغَفِيرِ وإدامَةِ نَسْلِهِمْ، وقُرِئَ: (أُذْنٌ) بِالتَّخْفِيفِ.
الحاقة 69:13
﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ شُرُوعٌ في بَيانٍ نَفْسِ الحاقَّةِ، وكَيْفِيَةِ وُقُوعِها إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِها بِإهْلاكِ مُكَذِّبِيها، وإنَّما أسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَصْدَرِ لِتَقْيِيدِهِ وحَسُنَ تَذْكِيرُهُ لِلْفَصْلِ، وقُرِئَ: (نَفْخَةً واحِدَةً) بِالنَّصْبِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، والمُرادُ بِها: النَّفْخَةُ الأُولى الَّتِي عِنْدَها خَرابُ العالَمِ.
الحاقة 69:14
﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: قُلِعَتْ ورُفِعَتْ مِن أماكِنِها بِمُجَرَّدِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، أوْ بِتَوَسُّطِ الزَّلْزَلَةِ، أوِ الرِّيحِ العاصِفَةِ.
﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: فَضُرِبَتِ الجُمْلَتانِ إثْرَ رَفْعِهِما بَعْضِها بِبَعْضٍ ضَرْبَةً واحِدَةً حَتّى تَنْدَقَ وتَرْجِعَ كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا، وقِيلَ: فَبُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً فَصارَتا قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، مِن قَوْلِهِمُ انْدَكَّ السَّنامُ، إذا تَفَرَّشَ، وبَعِيرٌ أدَكُّ وناقَةٌ دَكّاءُ، ومِنهُ الدُّكّانُ.
الحاقة 69:15
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ فَحِينَئِذٍ.
﴿وَقَعَتِ (p-24)الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ.
الحاقة 69:16
﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ.
﴿فَهِيَ﴾ أيِ: السَّماءُ ﴿يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ بَعْدَ ما كانَتْ مُحْكَمَةً.
الحاقة 69:17
﴿والمَلَكُ﴾ أيِ: الخَلْقُ المَعْرُوفُ بِالمَلَكِ.
﴿عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جَوانِبِها جَمْعُ رَجا بِالقَصْرِ، أيْ: تَنْشَقُّ السَّماءُ الَّتِي هي مَساكِنُهم فَيَلْجَأُونَ إلى أكْنافِها وحافاتِها.
﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هُمُ الأرْجاءُ، أوْ فَوْقَ الثَّمانِيَةِ.
﴿يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أيَّدَهُمُ اللَّهُ - تَعالى -بِأرْبَعَةٍ آخَرِينَ فَيَكُونُونَ ثَمانِيَةً، ورُوِيَ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ أرْجُلهم في تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ، والعَرْشُ فَوْقَ رُؤُسِهِمْ وهم مُطْرِقُونَ مُسَبِّحُونَ، وقِيلَ: بَعْضُهم عَلى صُورَةِ الإنْسانِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الأسَدِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الثَّوْرِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ النَّسْرِ، ورُوِيَ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ في خَلْقِ الأوْعالِ ما بَيْنَ أظْلافِها إلى رُكَبِها مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عامًا، وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوشَبٍ: أرْبَعَةٌ مِنهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِك،َ لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، وأرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لَك الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، وعَنِ الحَسَنِ: اللَّهُ أعْلَمُ! أثَمانِيَةٌ أمْ ثَمانِيَةُ آلافٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الثَّمانِيَةُ مِن الرُّوحِ، أوْ مِن خَلْقٍ آخَرَ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِعَظَمَتِهِ تَعالى بِما يُشاهِدُ مِن أحْوالِ السَّلاطِينِ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ عَلى النّاسِ لِلْقَضاءِ العامِ لِكَوْنِها أقْصى ما يُتَصَوَّرُ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالِ وإلّا فَشُؤُنُهُ سُبْحانَهُ أجَلُّ مَن كَلِّ ما يُحِيطُ بِهِ فَلَكُ العِبارَةِ والإشارَةِ.
الحاقة 69:18
﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُسْألُونَ وتُحاسَبُونَ، عَبَّرْ عَنْهُ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا لَهُ بِعَرْضِ السُّلْطانِ العَسْكَرَ لِتَعَرُّفِ أحْوالِهِمْ. رُوِيَ أنَّ في يَوْمِ القِيامَةِ ثَلاثَ عُرْضاتٍ، فَأمّا عُرْضَتانِ فاعْتِذارٌ واحْتِجاجٌ وتَوْبِيخٌ، وأمّا الثّالِثَةُ فَفِيها تُنْشَرُ الكُتُبُ، فَيَأْخُذُ الفائِزُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والهالِكُ بِشِمالِهِ، وهَذا وإنْ كانَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، لَكِنْ لَمّا كانَ اليَوْمُ اِسْمًا لِزَمانٍ مُتَّسِعٍ يَقَعُ فِيهِ النَّفْخَتانِ والصَّعْقَةُ والنُّشُورُ والحِسابُ، وإدْخالُ أهْلِ الجَنَّةَ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، صَحَّ جَعْلُهُ ظَرْفًا لِلْكُلِّ.
﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ حالٌ مِن مَرْفُوعٍ تُعْرَضُونَ، أيْ: تُعْرَضُونَ غَيْرَ خافٍ عَلَيْهِ تَعالى سِرٌّ مِن أسْرارِكم قَبْلَ ذَلِكَ أيْضًا، وإنَّما العَرْضُ لِإفْشاءِ الحالِ والمُبالَغَةِ في العَدْلِ، أوْ غَيْرِ خافٍ يَوْمئِذٍ عَلى النّاسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ وقُرِئَ: (يَخْفى) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.
الحاقة 69:19
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ تَفْصِيلٌ لِأحْكامِ العَرْضِ.
﴿فَيَقُولُ﴾ تَبَجُّحًا وابْتِهاجًا.
﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ ها اِسْمٌ لخُذْ، وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ أجْوَدُهُنَّ هاءٍ يا رَجُلُ، وهاءِ يا امْرَأةُ، وهاؤُما يا رَجُلانِ، أوِ امْرَأتانِ، وهاءونَ يا رِجالُ، وهاؤُنَّ يا نِسْوَةُ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، وكِتابِيَهْ مَفْعُولُ "اقْرَؤُا"؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ العالَمِينَ؛ ولِأنَّهُ (p-25)لَوْ كانَ مَفْعُولَ هاؤُمُ لَقِيلَ اقْرَؤُهُ إذِ الأوْلى إضْمارُهُ حَيْثُ أمْكَنَ، والهاءُ فِيهِ وفي حِسابِيَهْ ومالِيَهْ وسُلْطانِيَهْ لَلسَّكْتِ، تُثْبَتُ في الوَقْفِ، وتَسْقُطُ في الوَصْلِ، واسْتُحِبَّ إثْباتُها لِثَباتِها في الإمامِ.
الحاقة 69:20
﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ أيْ: عَلِمْتُ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِالظَّنِّ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَقْدَحُ في الأعْتِقادِ ما يَهْجِسُ في النَّفْسِ مِنَ الخَطِراتِ الَّتِي لا يَنْفَكُّ عَنْها العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ غالِبًا.
الحاقة 69:21
﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ذاتِ رِضًا عَلى النِّسْبَةِ بِالصِّيغَةِ كَما يُقالُ: دارِعٌ في النِّسْبَةِ بِالحَرْفِ، أوْ جُعِلَ الفِعْلُ لَها مَجازًا، وهو لِصاحِبِها وذَلِكَ لِكَوْنِها صافِيَةً عَنِ الشَّوائِبِ دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ.
الحاقة 69:22
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ مُرْتَفِعَةِ المَكانِ؛ لِأنَّها في السَّماءِ، أوِ الدَّرَجاتِ، أوِ الأبْنِيَةِ والأشْجارِ.
الحاقة 69:23
﴿قُطُوفُها﴾ جَمْعُ قِطْفٍ، وهو ما يُجْتَنى بِسُرْعَةٍ، والقَطْفُ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ.
﴿دانِيَةٌ﴾ يَتَناوَلُها القاعِدُ.
الحاقة 69:24
﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.
﴿هَنِيئًا﴾ أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا، أوْ هُنِّئْتُمْ هَنِيئًا.
﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ بِماقَبْلَهُ ما قَدَّمَتْهم مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿فِي الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ أيِ: الماضِيَةِ في الدُّنْيا، وعَنْ مُجاهِدٍ: أيّامُ الصِّيامِ. ورُوِيَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: يا أوْلِيائِي، طالَما نَظَرْتُ إلَيْكم في الدُّنْيا. وقَدْ قَلَّصَتْ شِفاهُكُمْعَنِ الأشْرِبَةِ وغارَتْ أعْيُنُكم وخَمُصَتْ بُطُونُكُمْ؛ فَكُونُوا اليَوْمَ في نَعِيمِكم " وكُلُوا واشْرَبُوا " الآيَةَ.
الحاقة 69:25
﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ وأُرِي ما فِيهِ مِن قَبائِحِ الأعْمالِ ﴿فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ .
الحاقة 69:26
﴿وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ لِما شاهَدَ مِن سُوءِ العاقِبَةِ
الحاقة 69:27
﴿يا لَيْتَها﴾ يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها ﴿كانَتِ القاضِيَةَ﴾ أيِ: القاطِعَةُ لِأمْرِي ولَمْ أُبْعَثْ بَعْدَها ولَمْ ألْقَ ما ألْقى، فَضَمِيرُ "لَيْتَها" لِلْمَوْتَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِما شاهَدَهُ مِنَ الحالَةِ، أيْ: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضَتْ عَلَيَّ، لِما أنَّهُ وجَدَها أمَرَّ مِنَ المَوْتِ فَتَمَنّاهُ عِنْدَها، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا أيْ: (p-26)يا لَيْتَ الحَياةَ الدُّنْيا كانَتِ المَوْتَةَ ولَمْ أُخْلَقْ حَيًّا.
الحاقة 69:28
﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ ما لِيَ مِنَ المالِ، والأتْباعِ عَلى أنَّ "ما" نافِيَةٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلْإنْكارِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي ما كانَ لِي مِنَ اليَسارِ.
الحاقة 69:29
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ، أوْ حُجَّتِي الَّتِى كُنْتُ أحْتَجُّ بِها في الدُّنْيا، أوْ تَسَلُّطِي عَلى القُوى والآلاتِ فَعَجَزْتُ عَنِ اسْتِعْمالِها في العِباداتِ.
الحاقة 69:30
﴿خُذُوهُ﴾ حِكايَةٌ لِما يَقُولُهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ لِخَزَنَةِ النّارِ: ﴿فَغُلُّوهُ﴾ أيْ: شُدُّوهُ بِالأغْلالِ.
الحاقة 69:31
﴿ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ﴾ أيْ: لا تُصْلُوهُ إلّا الجحيم، وهي النّارُ العَظِيمَةُ؛ لِيَكُونَ الجَزاءُ عَلى وفْقِ المَعْصِيَةِ، حَيْثُ كانَ يَتَعاظَمُ عَلى النّاسِ.
الحاقة 69:32
﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها﴾ أيْ: طُولُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ فَأدْخِلُوهُ فِيها بِأنْ تَلُفُّوها عَلى جَسَدِهِ، فَهو فِيما بَيْنَها مُرْهَقٌ لا يَسْتَطِعُ حِراكًا ما، وتَقْدِيمُ السِّلْسِلَةِ كَتَقْدِيمِ الجحيم لِلدَّلالَةِ عَلى الأخْتِصاصِ والأهْتِمامِ بِذِكْرِ ألْوانِ ما يُعَذَّبُ بِهِ، و"ثُمَّ" لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الغَلِّ والتَّصْلِيَةِ وما بَيْنَهُما، وبَيْنَ السَّلْكِ في السِّلْسِلَةِ في الشِّدَّةِ.
الحاقة 69:33
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ الأسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ، ووَصْفُهُ تَعالى بِالعِظَمِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعَظَمَةِ فَحَسْبُ، فَمَن نَسَبَها إلى نَفْسِهِ اسْتَحَقَّ أعْظَمَ العُقُوباتِ.
الحاقة 69:34
﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ولا يَحُثُّ عَلى بَذْلِ طَعامِهِ، أوْ عَلى إطْعامِهِ فَضْلًا أنْ يَبْذُلَ ما مِن مالِهِ، وقِيلَ: ذُكِرَ الحَضُّ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تارِكَ الحَضِّ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ فَما ظَنُّكَ بِتارِكِ الفِعْلِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ قالُوا: تَخْصِيصُ الأمْرَيْنِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّ أقْبَحَ العَقائِدِ الكُفْرُ، وأشْنَعَ الرَّذائِلِ البُخْلُ وقَسْوَةُ القَلْبِ.
الحاقة 69:35
﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَحْمِيهِ ويَدْفَعُ عَنْهُ ويَحْزَنُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ أوْلِياءَهُ يَتَحامَوْنَهُ ويَفِرُّونَ مِنهُ.
الحاقة 69:36
﴿وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ (p-27)وَصَدِيدِهِمْ، فِعْلِينَ مِنَ الغُسْلِ.
الحاقة 69:37
﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ أصْحابُ الخَطايا مِن خَطِيءَ الرَّجُلُ إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ لا مِنَ الخَطَأِ المُقابِلِ لِلصَّوابِ دُونَ المُقابِلِ لِلْعَمْدِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، وقُرِئَ: (الخاطِيُونَ) بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً، وقُرِئَ: بِطَرْحِها، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِمُ الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الحَقَّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ.
الحاقة 69:38
﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ أيْ: فَأُقْسِمُ، عَلى أنَّ "لا" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وأمّا حَمْلُهُ عَلى مَعْنى نَفْيِ الإقْسامِ لِظُهُورِ الأمْرِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّحْقِيقِ فَيَرُدُّهُ تَعْيِينُ المُقْسَمِ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾
الحاقة 69:39
﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ كَمّا مَرَّ في سُورَةِ الواقِعَةِ، أيْ: أُقْسِمُ بِالمُشاهَداتِ والمُغَيَّباتِ، وقِيلَ: بِالدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالأجْسامِ والأرْواحِ، والإنْسِ والجِنِّ، والخَلْقِ والخالِقِ، والنِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والأوَّلُ مُنْتَظِمٌ لِلْكُلِّ.
الحاقة 69:40
﴿إنَّهُ﴾ أيِ: القرآن.
﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ ﴿كَرِيمٍ﴾ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو النَّبِيُّ، أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ.
الحاقة 69:41
﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ كَمّا تَزْعُمُونَ تارَةً.
﴿قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ إيمانًا قَلِيلًا تُؤْمِنُونَ.
الحاقة 69:42
﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ كَمّا تَدَّعُونَ ذَلِكَ تارَةً أُخْرى.
﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ عَلى أنَّ القِلَّةَ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَتَذَكَّرُونَ أصْلًا، قِيلَ: ذُكِرَ الإيمانُ مَعَ نَفْيِ الشّاعِرِيَّةِ والتَّذَكُّرِ مَعَ نَفْيِ الكاهِنِيَّةِ لِما أنَّ عَدَمَ مُشابَهَةِ القرآن الشِّعْرَ أمْرٌ بَيِّنٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُعانِدٌ بِخِلافِ مُبايَنَتِهِ لِلْكَهانَةِ، فَإنَّها تَتَوَقَّفُ عَلى تَذَكُّرِ أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَعانِي القرآن المُنافِيَةِ لِطَرِيقَةِ الكَهَنَةِ ومَعانِي أقْوالِهِمْ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِمّا لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَأمُّلٍ قَطْعًا، وقُرِئَ: بِالياءِ فِيهِما.
الحاقة 69:43
﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ نَزَّلَّهُ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الحاقة 69:44
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ سُمِّي الأفْتِراءُ تَقَوُّلًا؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، والأقْوالُ المُفْتَراةُ أقاوِيلُ تَحْقِيرًا لَها، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ كالأضاحِيكِ.
الحاقة 69:45
(p-28)﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِيَمِينِهِ.
الحاقة 69:46
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ أيْ: نِياطَ قَلْبِهِ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، وهو تَصْوِيرٌ لِإهْلاكِهِ بِأفْظَعِ ما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ، وهو أنْ يَأْخُذَ القَتّالُ بِيَمِينِهِ ويَكْفَحُهُ بِالسَّيْفِ، ويَضْرِبَ عُنُقَهُ، وقِيلَ: اليَمِينُ بِمَعْنى القُوَّةِ، قالَ قائِلُهُمْ:
؎ إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ
الحاقة 69:47
﴿فَما مِنكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ.
﴿مِن أحَدٍ عَنْهُ﴾ عَنِ القَتْلِ أوِ المَقْتُولِ.
﴿حاجِزِينَ﴾ دافِعِينَ، وصْفٌ لِأحَدٍ فَإنَّهُ عامٌّ.
الحاقة 69:48
﴿وَإنَّهُ﴾ أيْ: وإنَّ القرآن.
﴿لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.
الحاقة 69:49
﴿وَإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ فَنُجازِيَهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ.
الحاقة 69:50
﴿وَإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ.
الحاقة 69:51
﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ الَّذِي لا يَحُومُ حَوْلَهُ رَيْبٌ ما.
الحاقة 69:52
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ أيْ: فَسَبِّحْ بِذِكْرِ اسْمِهِ العَظِيمِ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الرِّضا بِالتَّقَوُّلِ عَلَيْهِ، وشُكْرًا عَلى ما أُوحِيَ إلَيْكَ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ الحاقَّةِ حاسَبَهُ اللَّهُ حِسابًا يَسِيرًا.»
المعارج 70:1
(p-29)سُورَةُ المَعارِجِ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها أرْبَعٌ وأرْبَعُونَ.
﴿سَألَ سائِلٌ﴾ أيْ: دَعا داعٍ.
﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ أيِ: اسْتَدْعاهُ وطَلَبَهُ، وهو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ حَيْثُ قالَ إنْكارًا واسْتِهْزاءً: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾، وقِيلَ أبُو جَهْلٍ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ"﴾، وقِيلَ: هو الحَرْثُ بْنِ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا بَلَغَهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: « "مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فِعْلِيٌّ مَوْلاهُ،» قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًا فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ" فَما لَبِثَ حَتّى رَماهُ اللَّهُ تَعالى بِحَجَرٍ فَوَقَعَ عَلى دِماغِهِ فَخَرَجَ مِن أسْفَلِهِ فَهَلَكَ مِن ساعَتِهِ، وقِيلَ: هو الرَّسُولُ ﷺ اسْتَعْجَلَ عَذابَهُمْ، وقُرِئَ: (سَألَ) وهو إمّا مِنَ السُّؤالِ عَلى لُغَةِ قُرَيْشٍ فالمَعْنى ما مَرَّ، أوْ مِنَ السَّيَلانِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: (سالَ سَيْلٌ) أيِ: انْدَفَعَ وادٍ بِعَذابٍ واقِعٍ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، إمّا في الدُّنْيا وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنَّ النَّضْرَ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ صَبْرًا، وقَدْ مَرَّ حالُ الفِهْرِيِّ، وإمّا في الآخِرَةِ فَهو عَذابُ النّارِ، واللَّهِ أعْلَمُ.
المعارج 70:2
﴿لِلْكافِرِينَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"عَذابٍ"، أيْ: كائِنٍ لِلْكافِرِينَ، أوْ صِلَةٌ لِـ"واقِعٍ"، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ"سَألَ"، أيْ: دَعا لِلْكافِرِينَ بِعَذابٍ واقِعٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"عَذابٍ"، أوْ حالٌ مِنهُ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، أوْ بِالعَمَلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الكافِرِينَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ صِفَةً لِعَذابٍ أوِ اسْتِئْنافٌ.
المعارج 70:3
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"واقِعٍ"، أوْ بِـ"دافِعٍ"، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى.
﴿ذِي المَعارِجِ﴾ ذِي المَصاعِدِ الَّتِي يَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ بِالأوامِرِ والنَّواهِي، أوْ هي عِبارَةٌ عَنِ السماوات المُتَرَتِّبَةِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
المعارج 70:4
﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ أيْ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِتَمَيُّزِهِ وفَضْلِهِ، وقِيلَ: الرُّوحُ خَلْقٌ هم حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ، كَما أنَّ المَلائِكَةَ حَفَظَةٌ عَلى النّاسِ.
﴿إلَيْهِ﴾ إلى عَرْشِهِ تَعالى، وإلى حَيْثُ تَهْبِطُ مِنهُ أوامِرُهُ تَعالى، وقِيلَ: هو مِن قَبِيلِ قَوْلِ إبْراهِيمَ (p-30)عَلَيْهِ السَّلامُ: "إنِّى ذاهِبٌ إلى رَبّى" أيْ: إلى حَيْثُ أمَرَنِي بِهِ.
﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ مِمّا يُعِدُّهُ النّاسُ، وهو بَيانٌ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها عَلى مِنهاجِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، والمَعْنى: أنَّها مِنَ الأرْتِفاعِ بِحَيْثُ لَوْ قُدِّرَ قَطْعُها في زَمانٍ لَكانَ ذَلِكَ الزَّمانُ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، وقِيلَ: مَعْناهُ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلى عَرْشِهِ تَعالى في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ كَمِقْدارِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، أيْ: يَقْطَعُونَ في يَوْمٍ ما يَقْطَعُهُ الإنْسانُ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ، وقِيلَ: "فِي يَوْمٍ" مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، وقِيلَ: بِـ"سَألَ" عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِن السَّيَلانِ فالمُرادُ بِهِ: يَوْمُ القِيامَةِ واسْتِطالَتُهُ، إمّا لِأنَّهُ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ، أوْ لِشِدَّتِهِ عَلى الكُفّارِ، أوْ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ الحالأتِ والمُحاسِباتِ، وأيًّا ما كانَ فَذَلِكَ في حَقِّ الكافِرِ، وأمّا في حَقِّ المُؤْمِنِ فَلا؛ لِما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: « "ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ! فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهُ لِيَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى إنَّهُ يَكُونُ أخَفَّ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا،» وقَوْلُهُ تَعالى:
المعارج 70:5
﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "سَألَ"؛ لِأنَّ السُّؤالَ كانَ عَنِ اسْتِهْزاءٍ وتَعَنُّتٍ وتَكْذِيبٍ بِالوَحْيِ، وذَلِكَ مِمّا يُضْجِرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ كانَ عَنْ تَضَجُّرٍ واسْتِبْطاءٍ لِلنَّصْرِ، أوْ بِـ"سَألَ سائِلٌ"، أوْ سالَ سَيْلٌ، فَمَعْناهُ: جاءَ العَذابُ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ، فَقَدْ شارَفْتَ الأنْتِقامَ.
المعارج 70:6
﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ﴾ أيِ: العَذابَ الواقِعَ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ "فِي يَوْمٍ" بِـ"واقِعٍ". بَعِيدًا أيْ: يَسْتَبْعِدُونَهُ بِطَرِيقِ الإحالَةِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُونَ بِهِ.
المعارج 70:7
﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذَّرٍ، عَلى أنَّ البُعْدَ والقُرْبَ مُعْتَبَرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإمْكانِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
المعارج 70:8
﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَرِيبًا، أيْ: يُمْكِنُ ولا يَعْتَذِرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أوْ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ "واقِعٍ"، أوْ بِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ... إلَخْ. يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُوصَفُ، أوْ بَدَلٌ مِن "فِي يَوْمٍ" عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِواقِعٍ هَذا ما قالُوا، ولَعَلَّ الأقْرَبَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "سَألَ سائِلٌ" حِكايَةٌ لِسُؤالِهِمُ المَعْهُودِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ ونَحْوَهُما، إذْ هو المَعْهُودُ بِالوُقُوعِ عَلى الكافِرِينَ، لا ما دَعا بِهِ النَّضْرُ، أوْ أبُو جَهْلٍ الفِهْرِيُّ، فالسُّؤالُ بِمَعْناهُ والباءُ بِمَعْنى عَنْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ وُقُوعِ المَسْؤُلِ عَنْهُ لا مَحالَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا" مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا"﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ كَما ذُكِرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾ ... إلَخْ. مُتَعَلِّقٌ بِـ"لَيَسَ لَهُ دافِعٌ"، أوْ بِما يَدُلُّ هو عَلَيْهِ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ (p-31)كالمُهْلِ، وهو ما أُذِيبَ عَلى مُهْلٍ مِنَ الفِلِزّاتِ، وقِيلَ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ.
المعارج 70:9
﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ كالصُّوفِ المَصْبُوغِ ألْوانًا لِاخْتِلافِ ألْوانِ الجِبالِ، مِنها جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألْوانها وغَرابِيبُ سُودٌ، فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الجَوِّ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ.
المعارج 70:10
﴿وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبًا عَنْ أحْوالِهِ ولا يُكَلِّمُهُ لِابْتِلاءٍ كُلٍّ مِنهم بِما يَشْغَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، وقُرِئَ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُطْلَبُ مِن حَمِيمٍ حَمِيمٌ أوْ لا يُسْألُ مِنهُ حالُهُ.
المعارج 70:11
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أيْ: يُبْصِرُ الأحِمّاءُ الأحِمّاءَ فَلا يَخْفُونَ عَلَيْهِمْ، وما يَمْنَعُهم مِنَ التَّساؤُلِ إلّا تَشاغُلُهم بِحالِ أنْفُسِهِمْ، وقِيلَ: ما يُغْنِي عَنْهُ مِن مُشاهَدَةِ الحالِ كَبَياضِ الوَجْهِ وسَوادِهِ، والأوَّلُ أدْخَلُ في التَّهْوِيلِ، وجَمَعَ الضَّمِيرَيْنِ لِعُمُومِ الحَمِيمِ، وقُرِئَ: (يُبْصِرُونَهُمْ) والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيْ: يَتَمَنّى الكافِرُ، وقِيلَ: كُلُّ مُذْنِبٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيِ: العَذابَ الَّذِي ابْتُلُوا بِهِ يَوْمَئِذٍ.
﴿بِبَنِيهِ﴾
المعارج 70:12
﴿وَصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ حِكايَةً لِوَدادَتِهِمْ ولَوْ في مَعْنى التَّمَنِّي، وقِيلَ: هي بِمَنزِلَةِ أنَّ النّاصِبَةَ، فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لِيَوَدُّ، والتَّقْدِيرُ يَوَدُّ افْتِداءَهُ بِبَنِيهِ... إلَخْ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَيْثُ يَتَمَنّى أنْ يَفْتَدِيَ بِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وأعْلَقِهِمْ بِقَلْبِهِ فَضْلًا أنْ يَهْتَمَ بِحالِهِ ويَسْألَ عَنْها، وقُرِئَ: (يَوْمَئِذٍ) بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِلْإضافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وبِتَنْوِينِ (عَذابٍ) ونَصْبِ "يَوْمَئِذٍ" وانْتِصابُهُ بـ"عَذابٍ"؛ لِأنَّهُ في مَعْنى تَعْذِيبٍ.
المعارج 70:13
﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الَّتِي فُصِّلَ عَنْهم.
﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: تَضُمُّهُ في النَّسَبِ، أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ.
المعارج 70:14
﴿وَمَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ والخَلائِقِ و"مَن" لِلتَّغْلِيبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ عَطْفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي، ثُمَّ لَوْ يُنْجِيهِ الأفْتِداءُ، و"ثُمَّ" لِاسْتِبْعادِ الإنْجاءِ يَعْنِي: يَتَمَنّى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا تَحْتَ يَدِهِ وبَذَلَهم في فِداءِ نَفْسِهِ، ثُمَّ يُنْجِيهِ ذَلِكَ وهَيْهاتَ.
المعارج 70:15
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِعَنِ الوِدادَةِ، وتَصْرِيحٌ بِامْتِناعِ إنْجاءِ الأفْتِداءِ، وضَمِيرُ "أنَّها" إمّا لِلنّارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِذِكْرِ العَذابِ، أوْ مُبْهَمٌ تُرْجِمَ عِنْدَ (p-32)الخَبَرِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَظى﴾ وهي عَلَمٌ لِلنّارِ مَنقُولٌ مِنَ اللَّظى بِمَعْنى: اللَّهَبِ.
المعارج 70:16
﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ نُصِبَ عَلى الأخْتِصاصِ، أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والشَّوى: الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ وهِيَ: جِلْدَةُ الرَّأْسِ، وقُرِئَ: (نَزّاعَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانِي؛ لِأنَّ أوْ هو الخَبَرُ و"لَظى" بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوِ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و"لَظى" مُبْتَدَأٌ و"نَزّاعَةً" خَبَرُهُ.
المعارج 70:17
﴿تَدْعُو﴾ أيْ: تَجْذِبُ وتُحْضِرُ، وقِيلَ تَدْعُو وتَقُولُ لَهُمْ: إلَيَّ إلَيَّ يا كافِرٌ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: تَدْعُو المُنافِقِينَ والكافِرِينَ بِلِسانٍ فَصِيحٍ، ثُمَّ تَلْتَقِطُهُمُ التِقاطَ الحَبِّ، وقِيلَ: تَدْعُو تُهْلِكُ، وقِيلَ: تَدْعُو زَبانِيَتَها.
﴿مَن أدْبَرَ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ.
﴿وَتَوَلّى﴾ أعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ.
المعارج 70:18
﴿وَجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنْزَهُ، ولَمْ يَؤُدِّ زَكاتَهُ وحُقُوقَهُ وتَشاغَلَ بِهِ عَنِ الدِّينِ وزَهي بِاقْتِنائِهِ حِرْصًا وتَأْمِيلًا.
المعارج 70:19
﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ الهَلَعُ: سُرْعَةُ الجَزَعِ عِنْدَ مَسِّ المَكْرُوهِ، وسُرْعَةُ المَنعِ عِنْدَ مَسِّ الخَيْرِ، وقَدْ فَسَّرَهُ أحْسَنَ تَفْسِيرٍ قَوْلُهُ تَعالى:
المعارج 70:20
﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أيِ: الفَقْرُ والمَرَضُ ونَحْوَهُما.
﴿جَزُوعًا﴾ أيْ: مُبالِغًا في الجَزَعِ مُكْثِرًا مِنهُ.
المعارج 70:21
﴿وَإذا مَسَّهُ الخَيْرُ﴾ أيِ: السَّعَةُ والصِّحَّةُ.
﴿مَنُوعًا﴾ مُبالِغًا في المَنعِ والإمْساكِ، والأوْصافُ الثَّلاثَةُ أحْوالٌ مُقَدَّرَةٌ، أوْ مُحَقَّقَةٌ لِأنَّها طَبائِعُ جُبِلَ الإنْسانُ عَلَيْها، و"إذا" الأُولى: ظَرْفٌ لِـ"جَزُوعًا"، والثّانِيَةُ: لَـ"مَنُوعًا".
المعارج 70:22
﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ اسْتِثْناءٌ لِلْمُتَّصِفِينَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الآتِيَةِ مِنَ المَطْبُوعِينَ عَلى القَبائِحِ الماضِيَةِ؛ لِإنْباءِ نُعُوتِهِمْ عَنِ الأسْتِغْراقِ في طاعَةِ الحَقِّ، والإشْفاقِ عَلى الخَلْقِ، والإيمان بالجَزاءِ، والخَوْفِ مِنَ العُقُوبَةِ، وكَسْرِ الشَّهْوَةِ، وإيثارِ الآجِلِ عَلى العاجِلِ عَلى خِلافِ القَبائِحِ المَذْكُورَةِ النّاشِئَةِ مِن الأنْهِماكِ في حُبِّ العاجِلِ، وقِصَرِ النَّظَرِ عَلَيْهِ.
المعارج 70:23
﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ.
المعارج 70:24
﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ أيْ: نَصِيبٌ مُعَيَّنٌ يَسْتَوْجِبُونَهُ (p-33)عَلى أنْفُسِهِمْ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى، وإشْفاقًا عَلى النّاسِ مِنَ الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ والصَّدَقاتِ المُوَظَّفَةِ.
المعارج 70:25
﴿لِلسّائِلِ﴾ الَّذِي يَسْألُهُ.
﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي لا يَسْألُهُ فَيَظُنُّ أنَّهُ غَنِيٌ فَيُحْرَمُ.
المعارج 70:26
﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: بِأعْمالِهِمْ حَيْثُ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ؛ طَمَعًا في المَثُوبَةِ الأُخْرَوِيَّةِ، بِحَيْثُ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلى تَصْدِيقِهِمْ بِيَوْمِ الجَزاءِ.
المعارج 70:27
﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ خائِفُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ مَعَ ما لَهم مِنَ الأعْمالِ الفاضِلَةِ اسْتِقْصارًا لَها واسْتِعْظامًا لِجَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى:
المعارج 70:28
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ اعْتِراضٌ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَأْمَنَ عَذابَهُ تَعالى وإنْ بالَغَ في الطّاعَةِ.
المعارج 70:29
﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ سَلَفَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
المعارج 70:30
﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ سَلَفَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
المعارج 70:31
﴿فَمَنِ ابْتَغى﴾ أيْ: طَلَبَ لِنَفْسِهِ.
﴿وَراءَ ذَلِكَ﴾ وراءَ ما ذُكِرَ مِنَ الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ المُبْتَغُونَ.
﴿هُمُ العادُونَ﴾ المُتَعَدُّونَ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعالى.
المعارج 70:32
﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن حُقُوقِها.
المعارج 70:33
﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ أيْ: مُقِيمُونَ لَها بِالعَدْلِ إحْياءً لِحُقُوقِ النّاسِ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها في الأماناتِ لِإبانَةِ فَضْلِها، وقُرِئَ: (لِأمانَتِهِمْ) وبِشَهادَتِهِمْ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
المعارج 70:34
﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أيْ: يُراعُونَ شَرائِطَها، (p-34)وَيُكْمِلُونَ فَرائِضَها وسُنَنَها ومُسْتَحِبّاتِها، وآدابِها وتَكْرِيرُ ذِكْرِ الصَّلاةِ ووَصْفِهِمْ بِها أوَّلًا وآخِرًا بِاعْتِبارَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها وإنافَتِها عَلى سائِرِ الطّاعاتِ، وتَكْرِيرُ المَوْصُولاتِ لِتَنْزِيلِ اخْتِلافِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذَّواتِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ
إيذانًا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ نَعْتٌ جَلِيلٌ عَلى حِيالِهِ، لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ مُسْتَتْبِعٌ لِأحْكامٍ جَمَّةٍ حَقِيقٌ بِأنْ يُفْرِدَ لَهُ مَوْصُوفٌ مُسْتَقِلٌّ، ولا يَجْعَلُ شَيْءٌ مِنها تَتِمَّةً لِلْآخَرِ.
المعارج 70:35
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِمْ؛ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتُهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ في جَنّاتٍ يُقادَرُ قَدْرُها ولا يُدْرَكُ كُنْهُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ هو الخَبَرُ و"فِي جَنّاتٍ" مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ، أيْ: مُكَرَمُونَ كائِنِينَ في جَنّاتٍ.
المعارج 70:36
﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ﴾ حَوْلَكَ.
﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُسْرِعِينَ نَحْوَكَ مادِّي أعْناقِهِمْ إلَيْكَ، مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْكَ.
المعارج 70:37
﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ أيْ: فِرَقًا شَتّى، جَمْعُ عِزَةٍ، وأصْلُها عِزْوَةٌ مِنَ العَزْوِ، كَأنَّ كُلِّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزِي إلَيْهِ الأُخْرى، كانَ المُشْرِكُونَ يُحَلِّقُونَ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِلَقًا حِلَقًا وفِرْقًا وفِرْقًا، ويَسْتَهْزِؤُنَ بِكَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَقُولُونَ: إنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهُمْ؛ فَنَزَلَتْ.
المعارج 70:38
﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ بِلا إيمانٍ.
المعارج 70:39
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفارِغِ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ قِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ، والمَعْنى: إنّا خَلَقْناهم مِن أجْلِ ما يَعْلَمُونَ كَما في قَوْلِ الأعْشى:
؎ أأزْمَعْتَ مِن آلِ لَيْلى ابْتِكارًا وشَطَّتْ عَلى ذِي هَوىً أنْ تُزارا
وَهُوَ تَكْمِيلُ النَّفْسِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، فَمَن لَمْ يَسْتَكْمِلْها بِذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يُبَوَّأ مُبَوَّأ الكامِلِينَ، فَمِن أيْنَ لَهم أنْ يَطْمَعُوا في دُخُولِ الجَنَّةِ، وهم مُكِبُّونَ عَلى الكُفْرِ والفُسُوقِ وإنْكارِ البَعْثِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ مِن نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ، فَمِن أيْنَ يَتَشَرَّفُونَ ويَدَّعُونَ التَّقَدُّمَ ويَقُولُونَ: لَنَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ قَبْلَهُمْ؟ وقِيلَ: إنَّهم مَخْلُوقُونَ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ لا تُناسِبُ عالَمَ القُدْسِ، فَمَتى لَمْ تَسْتَكْمِلِ الإيمانَ والطّاعَةَ، ولَمْ تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ المَلَكِيَّةِ، لَمْ تَسْتَعِدَّ لِدُخُولِها، ولا يَخْفى ما في الكُلِّ مِنَ التَّمَحُّلِ، والأقْرَبُ أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ قَدْ سَبَقَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن بَيانِ قدرته تعالى عَلى أنْ يُهْلِكَهم لِكُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، (p-35)واسْتِهْزائِهِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِما نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ، وادِّعائِهِمْ دُخُولَ الجَنَّةِ بِطَرِيقِ السُّخْرِيَةِ، ويُنْشِئَ بَدَلَهم قَوْمًا آخَرِينَ، فَإنَّ قدرته – تَعالى - عَلى ما يَعْلَمُونَ مِن النَّشْأةِ الأُولى حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ عَلى قدرته تعالى عَلى ذَلِكَ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ في قَوْلِهِ تَعالى:
المعارج 70:40
﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ والمَعْنى إذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ مِن إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ فَأُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ.
﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾
المعارج 70:41
﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ أيْ: نُهْلِكَهم بِالمَرَّةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ جِناياتُهُمْ، ونَأْتِي بَدَلَهم بِخَلْقٍ آخَرِينَ لَيْسُوا عَلى صِفَتِهِمْ.
﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ بِمَغْلُوبِينَ إنْ أرَدْنا ذَلِكَ، لَكِنَّ مَشِيئَتَنا المَبْنِيَّةَ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَ عُقُوباتِهِمْ.
المعارج 70:42
﴿فَذَرْهُمْ﴾ فَخَلِّهِمْ وشَأْنَهم.
﴿يَخُوضُوا﴾ في باطِلِهِمُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما حُكِيَ عَنْهم.
﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دُنْياهم.
﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ وهو يَوْمُ البَعْثِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ،لا يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى كَما تُوُهِّمَ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى:
المعارج 70:43
﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ، وقُرِئَ: (يُخْرَجُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإخْراجِ.
﴿سِراعًا﴾ حالٌ مِن مَرْفُوعِ"يَخْرُجُونَ"أيْ: مُسْرِعِينَ.
﴿كَأنَّهم إلى نُصُبٍ﴾ وهو كُلُّ ما نُصِبَ فَعُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ: بِسُكُونِ الصّادِ وبِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ أيْضًا.
﴿يُوفِضُونَ﴾ يُسْرِعُونَ.
المعارج 70:44
﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ وُصِفَتْ أبْصارُهم بِالخُشُوعِ مَعَ أنَّهُ وصْفُ الكُلِّ لِغايَةِ ظُهُورِ آثارِهِ فِيها.
﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ تَغْشاهم ذِلَّةٌ شَدِيدَةٌ.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ ما سَيَقَعُ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ.
﴿اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ في الدُّنْيا.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ"سَألَ سائِلٌ"أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ثَوابَ الَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ .
نوح 71:1
(p-36)سُورَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها ثَمانٍ وعِشْرُونَ
﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ أيْ: بِأنْ أنْذِرْهم عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ مِنها الجارُّ، وأُوصِلَ إلَيْها الفِعْلُ، فَإنَّ حَذْفَهُ مَعَ أنَّ وأنْ مُطَّرِدٌ،وَجُعِلَتْ صِلَتُها أمْرًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ لِأنَّ مَدارَ وصْلِها بِصِيَغِ الأفْعالِ دَلالَتُها عَلى المَصْدَرِ، وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ بِالخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، ووُجُوبُ كَوْنِ الصِّلَةِ خَبَرِيَّةً في المَوْصُولِ الأسْمِيِّ، إنَّما هو لِلتَّوَصُّلِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ الخَبَرِيَّةِ، ولَيْسَ المَوْصُولُ الحَرْفِيُّ كَذَلِكَ، وحَيْثُ اسْتَوى الخَبَرُ والإنْشاءُ في الدَّلالَةِ عَلى المَصْدَرِ اسْتَوَيا في صِحَّةِ الوَصْلِ بِهِما، فَيَتَجَرَّدُ عِنْدَ ذَلِكَ كُلٌّ مِنهُماعَنِ المَعْنى الخاصِّ بِصِيغَتِهِ فَيَبْقى الحَدَثُ المُجَرَّدُ عَنْ مَعْنى الأمْرِ والنَّهْيِ والمُضِيِّ والأسْتِقْبالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أرْسَلْناهُ بِالإنْذارِ، وقِيلَ: المَعْنى: أرْسَلْناهُ بِأنْ قُلْنا لَهُ: أنْذِرْ، أيْ: أرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً لِما في الإرْسالِ مِن مَعْنى القَوْلِ فَلا يَكُونُ لِلْجُمْلَةِ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الأوَّلِ مَحَلُّها النَّصْبُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والفَرّاءِ، والجَرُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، والكِسائِيِّ كَما هو المَعْرُوفُ، وقُرِئَ: أنْذِرْ بِغَيْرِ"أنْ" عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عاجِلٌ أوْ آجِلٌ لِئَلّا يَبْقى لَهم عُذْرٌ ما أصْلًا.
نوح 71:2
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَجْهِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقِيلَ: قالَ لَهم.
﴿يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُنْذِرٌ مُوَضِّحٌ لِحَقِيقَةِ الأمْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
نوح 71:3
﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"نَذِيرٌ" عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.
نوح 71:4
﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْضُ ذُنُوبِكُمْ، وهو ما سَلَفَ في الجاهِلِيَّةِ فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّهُ.
﴿وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو الأمَدُ الأقْصى الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم بِشَرْطِ الإيمانِ والطّاعَةِ وراءَ ما قَدَّرَهُ لَهم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ، فَإنَّ وصْفَ الأجَلِ بِالمُسَمّى، وتَعْلِيقَ تَأْخِيرِهِمْ إلَيْهِ (p-37)بِالإيمانِ والطّاعَةِ صَرِيحٌ في أنَّ لَهم أجَلًا آخَرَ، لا يُجاوِزُونَهُ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ أيْ: ما قَدَّرَ لَكم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِكم عَلى الكُفْرِ.
﴿إذا جاءَ﴾ وأنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.
﴿لا يُؤَخَّرُ﴾ فَبادِرُوا إلَيَّ بِالإيمانِ والطّاعَةِ قَبْلَ مَجِيئِهِ حَتّى لا يَتَحَقَّقَ شَرْطُهُ الَّذِي هو بَقاؤُكم عَلى الكُفْرِ فَلا يَجِيءُ، ويَتَحَقَّقَ شَرْطُ التَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُسَمّى فَتُؤَخَّرُوا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ وقْتُ إتْيانِ العَذابِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ" فَإنَّهُ أجْلٌ مُؤَقَّتٌ لَهُ حَتْمًا، وحَمْلُهُ عَلى الأجَلِ الأطْوَلِ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ، كَيْفَ لا والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْمَغْفِرَةِ والتَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُسَمّى؟ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ عِنْدَ مَجِيءِ الأجَلِ هو التَّأْخِيرَ المَوْعُودَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ ما فُرِضَ مَجِيئُهُ هو الأجَلُ المُسَمّى؟ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا لَسارَعْتُمْ إلى ما أمَرْتُكم بِهِ.
نوح 71:5
﴿قالَ﴾ أيْ: نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُناجِيًا رَبَّهُ وحاكِيًا لَهُ تَعالى، وهو أعْلَمُ بِحالِهِ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ القِيلِ والقالِ في تِلْكَ المُدَدِ الطِّوالِ بَعْدَما بَذَلَ في الدَّعْوَةِ غايَةَ المَجْهُودِ، وجاوَزَ في الإنْذارِ كَلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ، وضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ وعَيَّتْ بِهِ العِلَلُ.
﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ إلى الإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿لَيْلا ونَهارًا﴾ أيْ: دائِمًا مِن غَيْرِ فُتُورٍ ولا تَوانٍ.
نوح 71:6
﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلا فِرارًا﴾ مِمّا دَعَوْتُهم إلَيْهِ، وإسْنادُ الزِّيادَةِ إلى الدُّعاءِ لِسَبَبِيَّتِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ .
نوح 71:7
﴿وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ إلى الإيمانِ.
﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِهِ.
﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ أيْ: سَدُّوا مَسامِعَهم مِنِ اسْتِماعِ الدَّعْوَةِ.
﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أيْ: بالَغُوا في التَّغَطِّي بِها، كَأنَّهم طَلَبُوا أنْ تَغْشاهم ثِيابُهُمْ، أوْ تُغَشِّيَهم لِئَلّا يُبْصِرُوا كَراهَةَ النَّظَرِ إلَيْهِ، أوْ لِئَلّا يَعْرِفَهم فَيَدْعُوَهم.
﴿وَأصَرُّوا﴾ أيْ: أكَبُّوا عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي مُسْتَعارٌ مَن أصَرَّ الحِمارُ عَلى العانَةِ إذا أصَرَّ أُذُنَيْهِ وأقْبَلَ عَلَيْها.
﴿واسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ اتِّباعِي وطاعَتِي ﴿اسْتِكْبارًا﴾ شَدِيدًا.
نوح 71:8
﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ أيْ: دَعْوَتُهم تارَةً بَعْدَ تارَةٍ ومَرَّةً غِبَّ مَرَّةٍ عَلى وُجُوهٍ مُتَخالِفَةٍ وأسالِيبَ مُتَفاوِتَةٍ، و"ثُمَّ" لِتَفاوُتِ الوُجُوهِ، فَإنَّ الجِهارَ أشَدُّ مِنَ الإسْرارِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما أغْلَظُ مِنَ الإفْرادِ، أوْ لِتَراخِي بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، وجِهارًا مَنصُوبٌ بِـ"دَعَوْتُهُمْ" عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّهُ أحَدُ نَوْعَيِ الدُّعاءِ، أوْ أُرِيدَ بِـ"دَعَوْتُهُمْ" جاهَرْتُهم (p-38)أوْ هو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ، أيْ: دَعَوْتُهم دُعاءً جِهارًا، أيْ: مُجاهِرًا بِهِ، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، أيْ: مُجاهِرًا.
نوح 71:9
﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ أيْ: دَعْوَتُهم تارَةً بَعْدَ تارَةٍ ومَرَّةً غِبَّ مَرَّةٍ عَلى وُجُوهٍ مُتَخالِفَةٍ وأسالِيبَ مُتَفاوِتَةٍ، و"ثُمَّ" لِتَفاوُتِ الوُجُوهِ، فَإنَّ الجِهارَ أشَدُّ مِنَ الإسْرارِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما أغْلَظُ مِنَ الإفْرادِ، أوْ لِتَراخِي بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، وجِهارًا مَنصُوبٌ بِـ"دَعَوْتُهُمْ" عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّهُ أحَدُ نَوْعَيِ الدُّعاءِ، أوْ أُرِيدَ بِـ"دَعَوْتُهُمْ" جاهَرْتُهم (p-38)أوْ هو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ، أيْ: دَعَوْتُهم دُعاءً جِهارًا، أيْ: مُجاهِرًا بِهِ، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، أيْ: مُجاهِرًا.
نوح 71:10
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ لِلتّائِبِينَ كَأنَّهم تَعَلَّلُوا، وقالُوا: إنْ كُنّا عَلى الحَقِّ فَكَيْفَ نَتْرُكُهُ؟ وإنْ كُنّا عَلى الباطِلِ فَكَيْفَ يَقْبَلُنا بَعْدَ ما عَكَفْنا عَلَيْهِ دَهْرًا طَوِيلًا؟ فَأمْرُهم بِما يَمْحَقُ ما سَلَفَ مِنهم مِنَ المَعاصِي، ويَجْلِبُ إلَيْهِمُ المَنافِعَ، ولِذَلِكَ وعَدَهم بِما هو أوْقَعُ في قُلُوبِهِمْ، وأحَبُّ إلَيْهِمْ مِنَ الفَوائِدِ العاجِلَةِ، وقِيلَ: لَمّا كَذَّبُوهُ بَعْدَ تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ حَبَسَ اللَّهُ - تَعالى - عَنْهُمُ القَطْرَ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعِينَ سَنَةً فَوَعَدَهم أنَّهم إنْ آمَنُوا أنْ يَرْزُقَهُمُ اللَّهُ تَعالى الخِصْبَ، ويَدْفَعَ عَنْهم ما كانُوا فِيهِ.
نوح 71:11
﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ: كَثِيرَ الدَّرُورِ، المُرادُ بِالسَّماءِ: المِظَلَّةُ أوِ السَّحابُ.
نوح 71:12
﴿وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ بَساتِينَ.
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ﴾ فِيها.
﴿أنْهارًا﴾ جارِيَةً.
نوح 71:13
﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم سَبَبٌ ما في عَدَمِ رَجائِهِمْ لِلَّهِ تَعالى وقارًا عَلى أنَّ الرَّجاءَ بِمَعْنى الأعْتِقادِ، و"لا تَرْجُونَ" حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الأسْتِقْرارِ في لَكم عَلى أنَّ الإنْكارَ مُتَوَجِّهٌ إلى السَّبَبِ فَقَطْ، مَعَ تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لا إلَيْهِما مَعًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ و"لِلَّهِ" مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالأ مِن وقارًا، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ، أيْ: أيُّ سَبَبٍ حَصَلَ لَكم حالَ كَوْنِكم غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ لِلَّهِ تَعالى عَظَمَةً مُوجِبَةً لِتَعْظِيمِهِ بِالإيمانِ بِهِ والطّاعَةِ لَهُ.
نوح 71:14
﴿وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم عَلى حالٍ مُنافِيَةٍ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ، وهي أنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّهُ تَعالى خَلْقَكم تارّاتٍ عَناصِرَ، ثُمَّ أغْذِيَةً، ثُمَّ أخْلاطًا، ثُمَّ نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا، ثُمَّ مُضَغًا، ثُمَّ عِظامًا ولُحُومًا، ثُمَّ أنْشَأكم خَلْقًا آخَرَ، فَإنَّ التَّقْصِيرَ في تَوْقِيرِ مَن مِن هَذِهِ شُؤُنُهُ في القُدْرَةِ القاهِرَةِ، والإحْسانِ التّامِّ مَعَ العِلْمِ بِها، مِمّا لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ هَذا، وقَدْ قِيلَ: الرَّجاءُ بِمَعْنى الأمَلِ، أيْ: ما لَكم لا تُؤَمِّلُونَ لَهُ تَعالى تَوْقِيرًا، أيْ: تَعْظِيمًا لِمَن عَبَدَهُ وأطاعَهُ، ولا تَكُونُونَ عَلى حالٍ تُؤَمِّلُونَ فِيها تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى إيّاكم في دارِ الثَّوابِ و"لِلَّهِ" بَيانٌ لِلْمُوَقَّرِ، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لِلْوَقارِ، والأوَّلُ هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ الجَزالَةُ التَّنْزِيلِيَّةُ، فَإنَّ اللّائِقَ بِحالِ الكَفَرَةِ اسْتِبْعادُ أنْ لا يَعْتَقِدُوا وقارَ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِها وأحْكامِها المُوجِبَةِ لِلِاعْتِقادِ حَتْمًا، وأمّا عَدَمُ رَجائِهِمْ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ إيّاهم في دارِ الثَّوابِ فَلَيْسَ في حَيِّزِ الأسْتِبْعادِ والإنْكارِ، مَعَ أنَّ في جَعْلِ الوَقارِ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ مِن التَّعَسُّفِ، (p-39)وَفِي قَوْلِهِ: "وَلِلَّهِ" بَيانٌ لِلْمُوَقَّرِ، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لِلْوَقارِ مِنَ التَّناقُضِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ كَوْنَهُ بَيانًا لِلْمُوَقِّرِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّوْقِيرُ صادِرًا عَنْهُ تَعالى، والوَقارُ وصْفًا لِلْمُخاطَبِينَ، وكَوْنُهُ صِلَةً لِلْوَقارِ يُوجِبُ كَوْنَ الوَقارِ وصْفًا لَهُ تَعالى، وقِيلَ: ما لَكم لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً وقُدْرَةً عَلى أخْذِكم بِالعُقُوبَةِ، أيْ: أيُّ عُذْرٍ لَكم في تَرْكِ الخَوْفِ مِنهُ تَعالى.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ما لَكم لا تَخْشُونَ لِلَّهِ عِقابًا ولا تَرْجُونَ مِنهُ ثَوابًا، وعَنْ مُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ: ما لَكم لا تُبالُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً، قالَ قُطْرُبٌ: هي لُغَةٌ حِجازِيَّةٌ يَقُولُونَ لَمْ أرْجُ، أيْ: لَمْ أُبالِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
نوح 71:15
﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ أيْ: مُتَطابِقَةً بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
نوح 71:16
﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ أيْ: مُنَوِّرًا لِوَجْهِ الأرْضِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ ونِسْبَتُهُ إلى الكُلِّ مَعَ أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا لِما أنَّها مُحاطَةٌ بِسائِرِ السماوات، فَما فِيها يَكُونُ في الكُلِّ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها شَفّافَةٌ لا تَحْجُبُ ما وراءَها فَيُرى الكُلُّ كَأنَّها سَماءٌ واحِدَةٌ، ومِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ ما في واحِدَةٍ مِنها كَأنَّهُ في الكُلِّ.
﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ يُزِيلُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ، ويُبْصِرُ أهْلُ الدُّنْيا في ضَوْئِها وجْهَ الأرْضِ ويُشاهِدُونَ الآفاقَ، كَما يُبْصِرُ أهْلُ البَيْتِ في ضَوْءِ السِّراجِ ما يَحْتاجُونَ إلى إبْصارِهِ، ولَيْسَ القَمَرُ بِهَذِهِ المَثابَةِ إنَّما هو نُورٌ في الجُمْلَةِ.
نوح 71:17
﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ أيْ: أنْشَأكم مِنها فاسْتُعِيرَ الإنْباتُ لِلْإنْشاءِ، لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى الحُدُوثِ والتَّكَوُّنِ مِنَ الأرْضِ، و"نَباتًا" إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لَأنَّبَتْكم بِحَذْفِ الزَّوائِدِ ويُسَمّى اِسْمَ مَصْدَرٍ، أوْ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن فِعْلِهِ، أيْ: أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ فَنَبَتُّمْ نَباتًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ إنْباتًا فَنَبَتُّمْ نَباتًا، فَيُحْذَفُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى: المَصْدَرُ، ومِنَ الثّانِيَةِ: الفِعْلُ اكْتِفاءً في كُلٍّ مِنهُما بِما ذُكِرَ في الأُخْرى، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ .
نوح 71:18
﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها﴾ بِالدَّفْنِ عِنْدَ مَوْتِكم ﴿وَيُخْرِجُكُمْ﴾ مِنها عِنْدَ البَعْثِ والحَشْرِ.
﴿إخْراجًا﴾ مُحَقَّقًا لا رَيْبَ فِيهِ.
نوح 71:19
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ تَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها تَقَلُّبَكم عَلى بُسُطِكم في بُيُوتِكُمْ، وتَوْسِيطُ "لَكُمْ" بَيْنَ "الجَعْلِ" ومَفْعُولَيْهِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأْخِيرُ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الأهْتِمامِ بِبَيانِ كَوْنِ المَجْعُولِ مِن مَنافِعِهِمْ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ، لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِ المُقَدَّمِ مُلَوِّحًا بِكَوْنِهِ مِنَ المَنافِعِ تَبْقى مُتَرَقِّبَةً لَهُ فَيَتَمَكَّنُ (p-40)عِنْدَ وُرُودِهِ لَها فَضْلُ تَمَكُّنٍ.
نوح 71:20
﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا فِجاجًا﴾ أيْ: طُرُقًا واسِعَةً، جَمْعُ فَجٍّ وهو الطَّرِيقُ الواسِعُ، وقِيلَ: هو المَسْلَكُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها لِما فِيهِ مِن مَعْنى الأتِّخاذِ، أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِن سُبُلًا، أيْ: كائِنَةً مِنَ الأرْضِ ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَها.
نوح 71:21
﴿قالَ نُوحٌ﴾ أُعِيدَ لَفْظُ الحِكايَةِ لِطُولِ العَهْدِ بِحِكايَةِ مُناجاتِهِ لِرَبِّهِ، أيْ: قالَ مُناجِيًا لَهُ تَعالى.
﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ أيْ: تَمَّوْا عَلى عِصْيانِي فِيما أمَرْتُهم بِهِ مَعَ ما بالَغْتُ في إرْشادِهِمْ بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ.
﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلا خَسارًا﴾ أيْ: واسْتَمَرُّوا عَلى اتِّباعِ رُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ أبْطَرَتْهم أمْوالُهم وغَرَّتْهم أوْلادُهُمْ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيادَةِ خَسارِهِمْ في الآخِرَةِ فَصارُوا أُسْوَةً لَهم في الخَسارِ، وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ إشْعارٌ بِأنَّهم إنَّما اتَّبَعُوهم لِوَجاهَتِهِمُ الحاصِلَةِ لَهُمْ؛ بِسَبَبِ الأمْوالِ والأوْلادِ لا لِما شاهَدُوا فِيهِمْ مِن شُبْهَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِلِاتِّباعِ في الجُمْلَةِ، وقُرِئَ: (وَوُلْدُهُ) بِالضَّمِّ والسُّكُونِ عَلى أنَّهُ لُغَةٌ كالحُزْنِ، أوْ جَمْعٌ كالأُسْدِ.
نوح 71:22
﴿وَمَكَرُوا﴾ عَطْفٌ عَلى صِلَةِ "مَن" والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿مَكْرًا كُبّارًا﴾ أيْ: كَبِيرًا في الغايَةِ، وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ والأوَّلُ أبْلَغُ مِنهُ، وهو أبْلَغُ مِنَ الكَبِيرِ وذَلِكَ احْتِيالُهم في الدِّينِ وصَدُّهم لِلنّاسِ عَنْهُ، وتَحْرِيشُهم لَهم في أذِيَّةٍ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
نوح 71:23
﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ: لا تَتْرُكُوا عِبادَتَها عَلى الإطْلاقِ إلى عِبادَةِ رَبِّ نُوحٍ.
﴿وَلا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا.﴾ أيْ: ولا تَذُرُّنَّ عِبادَةَ هَؤُلاءِ، خَصَّوْها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها فِيما سَبَقَ؛ لِأنَّها كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ وأعْظَمَها عِنْدَهُمْ، وقَدِ انْتَقَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ عَنْهم إلى العَرَبِ ودٌّ لِكَلْبٍ، وسُواعُ لَهَمْدانَ، ويَغُوثُ لِمَذْحِجٍ، ويَعُوقُ لِمُرادٍ ونَسْرٌ لحِمْيَرٍ، وقِيلَ: هي أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ: مِن أوْلادِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ماتُوا فَقالَ إبْلِيسُ لِمَن بَعْدَهُمْ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم فَكُنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ وتَتَبَرَّكُونَ بِهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمّا ماتَ أُولَئِكَ، قالَ لِمَن بَعْدَهُمْ: إنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم فَعَبَدُوهُمْ، وقِيلَ: كانَ ودٌّ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، وسُواعُ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، ويَغُوثُ عَلى صُورَةِ أسَدٍ، ويَعُوقُ عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، ونَسْرٌ عَلى صُورَةِ نَسْرٍ، وقُرِئَ: (وُدًا) بِضَمِّ الواوِ (وَيَغُوثا ويَعُوقا) لِلتَّناسُبِ،وَمُنِعَ صَرْفُهُما لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.
نوح 71:24
﴿وَقَدْ أضَلُّوا﴾ أيِ: الرُّؤَساءُ.
﴿كَثِيرًا﴾ خَلْقًا كَثِيرًا، أوِ الأصْنامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلا ضَلالا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ عَلى حِكايَةِ كَلامِ نُوحٍ بَعْدَ "َقالَ" (p-41)وَبَعْدَ الواوِ النّائِبَةِ عَنْهُ، أيْ: قالَ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي، وقالَ: لا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالأ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ المُفْرِطِ، وتَعْلِيلِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِهِ، والمَطْلُوبُ هو الضَّلالُ في تَمْشِيَةِ مَكْرِهِمْ ومَصالِحِ دُنْياهُمْ، أوِ الضَّياعُ والهَلاكُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ويُؤَيِّدُهُ ما سَيَأْتِي مِن دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
نوح 71:25
﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ أيْ: مِن أجْلِ خَطِيّاتِهِمْ و"َما" مَزِيدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلتَّوْكِيدِ والتَّفْخِيمِ، ومَن لَمْ يَرَ زِيادَتَها جَعَلَها نَكِرَةً، وجَعَلَ خَطِيئاتِهِمْ بَدَلًا مِنها، وقُرِئَ: (مِمّا خَطاياهُمْ) (وَمِمّا خَطاياتِهِمْ) أيْ: بِسَبَبِ خَطَيَئاتِهِمُ المَعْدُودَةِ وغَيْرِها مِن خَطاياهم.
﴿أُغْرِقُوا﴾ بِالطُّوفانِ لا بِسَبَبٍ آخَرَ.
﴿فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ المُرادُ: إمّا عَذابُ القَبْرِ فَهو عَقِيبَ الإغْراقِ وإنْ كانُوا في الماءِ. عَنِ الضَّحّاكِ: أنَّهم كانُوا يُغْرَقُونَ مِن جانِبٍ ويُحْرَقُونَ مِن جانِبٍ، أوْ عَذابٌ جَهْنَمَ والتَّعْقِيبُ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المُتَعَقِّبِ لِإغْراقِهِمْ لِاقْتِرابِهِ وتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ، وتَنْكِيرُ النّارِ، إمّا لِتَعْظِيمِها وتَهْوِيلِها، أوْ لِأنَّهُ تَعالى أعَدَّ لَهم عَلى حَسَبِ خَطِيئاتِهِمْ نَوْعًا مِنَ النّارِ.
﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ أيْ: لَمْ يَجِدْ أحَدٌ مِنهم واحِدًا مِنَ الأنْصارِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِاتِّخاذِهِمْ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وبِأنَّها غَيْرُ قادِرَةٍ عَلى نَصْرِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.
نوح 71:26
﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ عَطْفٌ عَلى نَظِيرِهِ السّابِقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ ... إلَخْ. اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، بِأنَّ ما أصابَهم مِنَ الإغْراقِ والإحْراقِ لَمْ يُصِبْهم إلّا لِأجْلِ خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي عَدَّدَها نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأشارَ إلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْإهْلاكِ لِأجْلِها، لا أنَّها حِكايَةٌ لِنَفْسِ الإغْراقِ والإحْراقِ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنُهم مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ، وإلّا لَأُخِّرَ عَنْ حِكايَةِ دُعائِهِ هَذا، و"ديّارًا" مِنَ الأسْماءِ المُسْتَعْمَلَةِ في النَّفْيِ العامِّ، يُقالُ: ما بِالدّارِ دَيّارٌ، أوْ دَيُّورٌ كَقَيّامٍ وقَيُّومٍ، أيْ: أحَدٌ وهو فَيْعالٌ مِنَ الدُّورِ، أوْ مِنَ الدّارِ أصْلُهُ دَيْوارٌ، قَدْ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِأصْلِ سَيِّدِ لِأفْعالٍ وإلّا لَكانَ دَوّارًا.
نوح 71:27
﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهُمْ﴾ عَلَيْها كُلًّا أوْ بَعْضًا.
﴿يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.
﴿وَلا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفّارًا﴾ أيْ: إلّا مَن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ فَوَصَفَهم بِما يَصِيرُونَ إلَيْهِ، وكَأنَّهُ اعْتِذارٌ مِمّا عَسى يَرُدُّ عَلَيْهِ مِن أنَّ الدُّعاءَ بِالأسْتِئْصالِ مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ مِن أخِلافِهِمْ مَن يُؤْمِنُ مُنْكَرًا، وإنَّما قالَهُ لِاسْتِحْكامِ عِلْمِهِ بِما يَكُونُ مِنهم ومِن أعْقابِهِمْ بَعْدَ ما جَرَّبَهم واسْتَقْرَأ أحْوالَهم قَرِيبًا مِن ألْفِ سَنَةٍ.
نوح 71:28
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي (p-42)وَلِوالِدَيَّ﴾ أبُوهُ لامَكُ بْنُ مَتُّوشَلَخَ، وأُمُّهُ شَمْخا بِنْتُ أنُوشَ كانا مُؤْمِنَيْنِ، وقِيلَ: هُما آدَمُ وحَوّاءُ، وقُرِئَ: (وَلِوَلَدَيَّ) يُرِيدُ سامًا وحامًا.
﴿وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ أيْ: مَنزِلِي، وقِيلَ: مَسْجِدِي، وقِيلَ: سَفِينَتِي.
﴿مُؤْمِنًا﴾ بِهَذا القَيْدِ خَرَجَتِ امْرَأتُهُ وابْنُهُ كَنْعانُ، ولَكِنْ لَمْ يَجْزِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخُرُوجِهِ إلّا بَعْدَ ما قِيلَ لَهُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ هُودٍ.
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ عَمَّهم بِالدُّعاءِ إثْرَ ما خَصَّ بِهِ مَن يَتَّصِلُ بِهِ نَسَبًا ودِينًا.
﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلا تَبارًا﴾ أيْ: هَلاكًا، قِيلَ: غَرِقَ مَعَهم صِبْيانُهم أيْضًا، لَكِنْ لا عَلى وجْهِ العِقابِ لَهُمْ، بَلْ لِتَشْدِيدِ عَذابِ آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ بِإرادَةِ هَلاكِ أطْفالِهِمُ الَّذِينَ كانُوا أعَزَّ عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُهْلَكُونَ مَهْلِكًا واحِدًا، ويَصْدُرُونَ مَصادِرَ شَتّى. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: عَلِمَ اللَّهُ بَراءَتَهم فَأهْلَكَهم بِغَيْرِ عَذابٍ، وقِيلَ: أعْقَمَ اللَّهُ أرْحامَ نِسائِهِمْ، وأيْبَسَ أصْلابَ آبائِهِمْ قَبْلَ الطُّوفانِ بِأرْبَعِينَ، أوْ سَبْعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهم صَبِيٌّ حِينَ غَرِقُوا.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ نُوحٍ كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تُدْرِكُهم دَعْوَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ﴾ .