Tafsir Abi Al-Suaood — الجن 72:1 – عبس 80:42
المحتويات
- الجن 72:1
- الجن 72:2
- الجن 72:3
- الجن 72:4
- الجن 72:5
- الجن 72:6
- الجن 72:7
- الجن 72:8
- الجن 72:9
- الجن 72:10
- الجن 72:11
- الجن 72:12
- الجن 72:13
- الجن 72:14
- الجن 72:15
- الجن 72:16
- الجن 72:17
- الجن 72:18
- الجن 72:19
- الجن 72:20
- الجن 72:21
- الجن 72:22
- الجن 72:23
- الجن 72:24
- الجن 72:25
- الجن 72:26
- الجن 72:27
- الجن 72:28
- المزمل 73:1
- المزمل 73:2
- المزمل 73:3
- المزمل 73:4
- المزمل 73:5
- المزمل 73:6
- المزمل 73:7
- المزمل 73:8
- المزمل 73:9
- المزمل 73:10
- المزمل 73:11
- المزمل 73:12
- المزمل 73:13
- المزمل 73:14
- المزمل 73:15
- المزمل 73:16
- المزمل 73:17
- المزمل 73:18
- المزمل 73:19
- المزمل 73:20
- المدثر 74:1
- المدثر 74:2
- المدثر 74:3
- المدثر 74:4
- المدثر 74:5
- المدثر 74:6
- المدثر 74:7
- المدثر 74:8
- المدثر 74:9
- المدثر 74:10
- المدثر 74:11
- المدثر 74:12
- المدثر 74:13
- المدثر 74:14
- المدثر 74:15
- المدثر 74:16
- المدثر 74:17
- المدثر 74:18
- المدثر 74:19
- المدثر 74:20
- المدثر 74:21
- المدثر 74:22
- المدثر 74:23
- المدثر 74:24
- المدثر 74:25
- المدثر 74:26
- المدثر 74:27
- المدثر 74:28
- المدثر 74:29
- المدثر 74:30
- المدثر 74:31
- المدثر 74:32
- المدثر 74:33
- المدثر 74:34
- المدثر 74:35
- المدثر 74:36
- المدثر 74:37
- المدثر 74:38
- المدثر 74:39
- المدثر 74:40
- المدثر 74:41
- المدثر 74:42
- المدثر 74:43
- المدثر 74:44
- المدثر 74:45
- المدثر 74:46
- المدثر 74:47
- المدثر 74:48
- المدثر 74:49
- المدثر 74:50
- المدثر 74:51
- المدثر 74:52
- المدثر 74:53
- المدثر 74:54
- المدثر 74:55
- المدثر 74:56
- القيامة 75:1
- القيامة 75:2
- القيامة 75:3
- القيامة 75:4
- القيامة 75:5
- القيامة 75:6
- القيامة 75:7
- القيامة 75:8
- القيامة 75:9
- القيامة 75:10
- القيامة 75:11
- القيامة 75:12
- القيامة 75:13
- القيامة 75:14
- القيامة 75:15
- القيامة 75:16
- القيامة 75:17
- القيامة 75:18
- القيامة 75:19
- القيامة 75:20
- القيامة 75:21
- القيامة 75:22
- القيامة 75:23
- القيامة 75:24
- القيامة 75:25
- القيامة 75:26
- القيامة 75:27
- القيامة 75:28
- القيامة 75:29
- القيامة 75:30
- القيامة 75:31
- القيامة 75:32
- القيامة 75:33
- القيامة 75:34
- القيامة 75:35
- القيامة 75:36
- القيامة 75:37
- القيامة 75:38
- القيامة 75:39
- القيامة 75:40
- الإنسان 76:1
- الإنسان 76:2
- الإنسان 76:3
- الإنسان 76:4
- الإنسان 76:5
- الإنسان 76:6
- الإنسان 76:7
- الإنسان 76:8
- الإنسان 76:9
- الإنسان 76:10
- الإنسان 76:11
- الإنسان 76:12
- الإنسان 76:13
- الإنسان 76:14
- الإنسان 76:15
- الإنسان 76:16
- الإنسان 76:17
- الإنسان 76:18
- الإنسان 76:19
- الإنسان 76:20
- الإنسان 76:21
- الإنسان 76:22
- الإنسان 76:23
- الإنسان 76:24
- الإنسان 76:25
- الإنسان 76:26
- الإنسان 76:27
- الإنسان 76:28
- الإنسان 76:29
- الإنسان 76:30
- الإنسان 76:31
- المرسلات 77:1
- المرسلات 77:2
- المرسلات 77:3
- المرسلات 77:4
- المرسلات 77:5
- المرسلات 77:6
- المرسلات 77:7
- المرسلات 77:8
- المرسلات 77:9
- المرسلات 77:10
- المرسلات 77:11
- المرسلات 77:12
- المرسلات 77:13
- المرسلات 77:14
- المرسلات 77:15
- المرسلات 77:16
- المرسلات 77:17
- المرسلات 77:18
- المرسلات 77:19
- المرسلات 77:20
- المرسلات 77:21
- المرسلات 77:22
- المرسلات 77:23
- المرسلات 77:24
- المرسلات 77:25
- المرسلات 77:26
- المرسلات 77:27
- المرسلات 77:28
- المرسلات 77:29
- المرسلات 77:30
- المرسلات 77:31
- المرسلات 77:32
- المرسلات 77:33
- المرسلات 77:34
- المرسلات 77:35
- المرسلات 77:36
- المرسلات 77:37
- المرسلات 77:38
- المرسلات 77:39
- المرسلات 77:40
- المرسلات 77:41
- المرسلات 77:42
- المرسلات 77:43
- المرسلات 77:44
- المرسلات 77:45
- المرسلات 77:46
- المرسلات 77:47
- المرسلات 77:48
- المرسلات 77:49
- المرسلات 77:50
- النبأ 78:1
- النبأ 78:2
- النبأ 78:3
- النبأ 78:4
- النبأ 78:5
- النبأ 78:6
- النبأ 78:7
- النبأ 78:8
- النبأ 78:9
- النبأ 78:10
- النبأ 78:11
- النبأ 78:12
- النبأ 78:13
- النبأ 78:14
- النبأ 78:15
- النبأ 78:16
- النبأ 78:17
- النبأ 78:18
- النبأ 78:19
- النبأ 78:20
- النبأ 78:21
- النبأ 78:22
- النبأ 78:23
- النبأ 78:24
- النبأ 78:25
- النبأ 78:26
- النبأ 78:27
- النبأ 78:28
- النبأ 78:29
- النبأ 78:30
- النبأ 78:31
- النبأ 78:32
- النبأ 78:33
- النبأ 78:34
- النبأ 78:35
- النبأ 78:36
- النبأ 78:37
- النبأ 78:38
- النبأ 78:39
- النبأ 78:40
- النازعات 79:1
- النازعات 79:2
- النازعات 79:3
- النازعات 79:4
- النازعات 79:5
- النازعات 79:6
- النازعات 79:7
- النازعات 79:8
- النازعات 79:9
- النازعات 79:10
- النازعات 79:11
- النازعات 79:12
- النازعات 79:13
- النازعات 79:14
- النازعات 79:15
- النازعات 79:16
- النازعات 79:17
- النازعات 79:18
- النازعات 79:19
- النازعات 79:20
- النازعات 79:21
- النازعات 79:22
- النازعات 79:23
- النازعات 79:24
- النازعات 79:25
- النازعات 79:26
- النازعات 79:27
- النازعات 79:28
- النازعات 79:29
- النازعات 79:30
- النازعات 79:31
- النازعات 79:32
- النازعات 79:33
- النازعات 79:34
- النازعات 79:35
- النازعات 79:36
- النازعات 79:37
- النازعات 79:38
- النازعات 79:39
- النازعات 79:40
- النازعات 79:41
- النازعات 79:42
- النازعات 79:43
- النازعات 79:44
- النازعات 79:45
- النازعات 79:46
- عبس 80:1
- عبس 80:2
- عبس 80:3
- عبس 80:4
- عبس 80:5
- عبس 80:6
- عبس 80:7
- عبس 80:8
- عبس 80:9
- عبس 80:10
- عبس 80:11
- عبس 80:12
- عبس 80:13
- عبس 80:14
- عبس 80:15
- عبس 80:16
- عبس 80:17
- عبس 80:18
- عبس 80:19
- عبس 80:20
- عبس 80:21
- عبس 80:22
- عبس 80:23
- عبس 80:24
- عبس 80:25
- عبس 80:26
- عبس 80:27
- عبس 80:28
- عبس 80:29
- عبس 80:30
- عبس 80:31
- عبس 80:32
- عبس 80:33
- عبس 80:34
- عبس 80:35
- عبس 80:36
- عبس 80:37
- عبس 80:38
- عبس 80:39
- عبس 80:40
- عبس 80:41
- عبس 80:42
الجن 72:1
سُورَةُ الجِنِّ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها ثَمانٍ وعِشْرُونَ.
﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ وقُرِئَ: (أُحِيَ) إلَيَّ أصْلُهُ وُحِيَ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ مَن وُحِيَ إلَيْهِ فَقُلِبَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً كَأعَدَ وأزَنَ في وعَدَ ووَزَنَ.
﴿أنَّهُ﴾ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّهُ فاعِلُ "أُوحِي"، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ.
﴿اسْتَمَعَ﴾ أيِ: القرآن كَما ذُكِرَ في "الأحْقافِ"، وقَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ.
﴿نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ النَّفَرُ: ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ، والجِنُّ: أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ، أوِ الهَوائِيَّةُ، وقِيلَ: نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ: هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ عَنْ أبْدانِها، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ وبِاسْتِماعِهِمْ، ولَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ وإنَّما اتَّفَقَ حُضُورُهم في بَعْضِ أوْقاتِ قِراءَتِهِ فَسَمِعُوهُ فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ مِنَ التَّفْصِيلِ في الأحْقافِ.
﴿فَقالُوا﴾ لِقَوْمِهِمْ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهِمْ.
﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا﴾ كِتابًا مَقْرُوءًا.
﴿عَجَبًا﴾ بَدِيعًا مُبايِنًا لِكَلامِ النّاسِ في حُسْنِ النَّظْمِ ودِقَّةِ المَعْنى، وهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.
الجن 72:2
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ إلى الحَقِّ والصَّوابِ.
﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ القرآن.
﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ ما فِيهِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ.
الجن 72:3
(p-43)﴿وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ بِالفَتْحِ، قالُوا: هو وما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ المُصَدَّرَةِ بِأنَّ في أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا، عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في "فَآمَنّا بِهِ" كَأنَّهُ قِيلَ: فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا، أيِ: ارْتَفَعَ عَظَمَتُهُ مِن جَدَّ فُلانٌ في عَيْنِي، أيْ: عَظُمَ تَمَكُّنُهُ، أوْ سُلْطانُهُ، أوْ غِناهُ عَلى أنَّهُ مُسْتَعارٌ مِنَ الجَدِّ الَّذِي هو البَخْتُ، والمَعْنى: وصَفَهُ بِالاسْتِغْناءِ عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ لِعَظَمَتِهِ، أوْ لِسُلْطانِهِ، أوْ لِغِناهُ، وقُرِئَ: بِالكَسْرِ، وكَذا الجُمَلُ المَذْكُورَةُ عَطْفًا عَلى المَحْكِيِّ بَعْدَ القَوْلِ، وهو الأظْهَرُ لِوُضُوحِ انْدِراجِ كُلِّها تَحْتَ القَوْلِ، وأمّا انْدِراجُ الجُمَلِ الآتِيَةِ تَحْتَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ كَما يَقْتَضِيهِ العَطْفُ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ فَفِيهِ إشْكالٌ كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ بَيانٌ لِحُكْمِ تَعالى جَدُّهُ، وقُرِئَ: (جَدًّا رَبُّنا) عَلى التَّمْيِيزِ (وَجَدُّ رَبِّنا) بِالكَسْرِ، أيْ: صِدْقُ رُبُوبِيَّتِهِ وحَقُّ إلَهِيَّتِهِ عَنِ اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا القرآن ووُفِّقُوا لِلتَّوْحِيدِ والإيمانِ؛ تَنَبَّهُوا لِلْخَطَأِ فِيما اعْتَقَدُوهُ كَفَرَةُ الجِنِّ مِن تَشْبِيهِ اللَّهِ تَعالى بِخَلْقِهِ في اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، فاسْتَعْظَمُوهُ ونَزَّهُوهُ تَعالى عَنْهُ.
الجن 72:4
﴿وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ أيْ: إبْلِيسُ، أوْ مَرَدَةُ الجِنِّ.
﴿عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ أيْ: قَوْلًا شَطَطَ أيْ: بَعُدَ عَنِ القَصْدِ، ومُجاوَزَةً لِلْحَدِّ، أوْ هو شَطَطٌ في نَفْسِهِ لِفَرْطِ بُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ، وهو نِسْبَةُ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ إلَيْهِ تَعالى، وتَعَلُّقُ الإيمانِ والتَّصْدِيقُ بِهَذا القَوْلِ، لَيْسَ بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ، فَإنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِقَوْلِ سُفَهائِهِمْ مِن قَبْلُ أيْضًا، بَلْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ شَطَطًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وصَدَّقْنا أنَّ ما كانَ يَقُولُهُ سَفِيهُنا في حَقِّهِ تَعالى كانَ شَطَطًا، وأمّا تَعَلُّقُهُما بِقَوْلِهِ تَعالى:
الجن 72:5
﴿وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَغَيْرُ ظاهِرٍ، وهو اعْتِذارٌ مِنهم عَنْ تَقْلِيدِهِمْ لِسَفِيهِهِمْ، أيْ: كُنّا نَظُنُّ أنَّهُ لَنْ يَكْذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى أحَدٌ أبَدًا، ولِذَلِكَ اتَّبَعْنا قَوْلَهُ، و"كَذِبًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ"تَقُولَ"؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ وصْفٌ لِمَصْدَرِهِ المَحْذُوفِ، أيْ: قَوْلًا كَذِبًا، أيْ: مَكْذُوبًا فِيهِ، وقُرِئَ: (لَنْ تَقُولَ) بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، فَـ"كَذِبًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ لِأنَّ الكَذِبَ هو التَّقَوُّلُ.
الجن 72:6
﴿وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ كانَ الرَّجُلُ مِنَ العَرَبِ إذا أمْسى في وادٍ قَفْرٍ وخافَ عَلى نَفْسِهِ يَقُولُ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن سُفَهاءِ قَوْمِهِ، يُرِيدُ الجِنَّ وكَبِيرَهُمْ، فَإذا سَمِعُوا بِذَلِكَ اسْتَكْبَرُوا وقالُوا: سُدْنا الإنْسَ والجِنَّ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَزادُوهُمْ﴾ أيْ: زادَ الرِّجالُ العائِذُونَ الجِنَّ.
﴿رَهَقًا﴾ أيْ: تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ فَزادَ الجِنُّ العائِذِينَ غِيًّا بِأنْ أضَلُّوا حَتّى اسْتَعاذُوا بِهِمْ.
الجن 72:7
﴿وَأنَّهم (p-44)ظَنُّوا﴾ أيِ: الإنْسُ.
﴿كَما ظَنَنْتُمْ﴾ أيُّها الجِنُّ عَلى أنَّهُ كَلامُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
﴿أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ وقِيلَ المَعْنى: أنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ... إلَخْ. فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ وما قَبْلَها مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المُوحى بِهِ، والأقْرَبُ أنَّهُما كَذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ عَطْفًا عَلى "أنَّهُ اسْتَمَعَ"، إذْ لا مَعْنى لِإدْراجِهِما تَحْتَ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:
الجن 72:8
﴿وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ وما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ المُصَدَّرَةِ بِـ"أنّا" يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ذَلِكَ عَلى أنَّ المُوحى عَيْنُ عِبارَةِ الجِنِّ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ كَيْتٌ وكَيْتٌ وهَذِهِ العِباراتُ، أيْ: طَلَبْنا بُلُوغَ السَّماءِ أوْ خَبَرَها، واللَّمْسُ مُسْتَعارٌ مِنَ المَسِّ لِلطَّلَبِ كالجَسِّ، يُقالُ: لَمَسَهُ والتَمَسَهُ وتَلَمَّسَهُ كَطَلَبَهُ، واطَّلَبَهُ، وتَطَلَّبَهُ.
﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ أيْ: حُرّاسًا اسْمُ جَمْعٍ كَخَدَمٍ مُفْرَدُ اللَّفْظِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿شَدِيدًا﴾ قَوِيًّا، وهُمُ المَلائِكَةُ يَمْنَعُونَهم عَنْها.
﴿وَشُهُبًا﴾ جَمْعُ شِهابٍ، وهي الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَواكِبِ.
الجن 72:9
﴿وَأنّا كُنّا نَقْعُدُ﴾ قَبْلَ هَذا.
﴿مِنها﴾ مِنَ السَّماءِ.
﴿مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ خالِيَةً عَنِ الحَرَسِ والشُّهُبِ، أوْ صالِحَةٍ لِلتَّرَصُّدِ والاسْتِماعِ، و"لِلسَّمْعِ" مُتَعَلِّقٌ بِـ"نَقْعُدُ"، أيْ: لِأجْلِ السَّمْعِ، أوْ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِـ"مَقاعِدَ" كائِنَةٌ لِلسَّمْعِ.
﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ﴾ في مَقْعَدٍ مِنَ المَقاعِدِ.
﴿يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ: شِهابًا راصِدًا لَهُ ولِأجْلِهِ يَصُدُّهُ عَنِ الأسْتِماعِ بِالرَّجْمِ، أوْ ذَوِي شِهابٍ راصِدِينَ لَهُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ في مَعْنى الجَمْعِ كالحَرَسِ، قِيلَ: حَدَثَ هَذا عِنْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والصَّحِيحُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ البَعْثِ أيْضًا، لَكِنَّهُ كَثُرَ الرَّجْمُ بَعْدَ البَعْثَةِ وزادَ زِيادَةً حَتّى تَنَبَّهَ لَها الإنْسُ والجِنُّ ومُنِعَ الأسْتِراقُ أصْلًا، فَقالُوا: ما هَذا إلّا لِأمْرٍ أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِأهْلِ الأرْضِ وذَلِكَ قَوْلُهم.
الجن 72:10
﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ﴾ بِحِراسَةِ السَّماءِ.
﴿أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ: خَيْرًا ونِسْبَةُ الخَيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى دُونَ الشَّرِّ مِنَ الآدابِ الشَّرِيفَةِ القرآنيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ونَظائِرِهِ.
الجن 72:11
﴿وَأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيِ: المَوْصُوفُونَ بِصَلاحِ الحالِ في شَأْنِ أنْفُسِهِمْ وفي مُعامَلَتِهِمْ مَعَ غَيْرِهِمُ المائِلُونَ إلى الخَيْرِ والصَّلاحِ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ لا إلى الشَّرِّ والفَسادِ كَما هو مُقْتَضى النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ.
﴿وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ، وهُمُ المُقْتَصِدُونَ في صَلاحِ الحالِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لا في الإيمانِ والتَّقْوى كَما تُوُهِّمَ، فَإنَّ هَذا بَيانٌ لِحالِهِمْ قَبْلَ اسْتِماعِ القرآن، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ وأمّا حالُهم بَعْدَ اسْتِماعِهِ فَسَيُحْكى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ﴾ أيْ: كُنّا قَبْلَ هَذا ذَوِي طَرائِقَ، أيْ: مَذاهِبَ، أوْ مِثْلَ طَرائِقَ في اخْتِلافِ الأحْوالِ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أيْ: مُتَفَرِّقَةً مُخْتَلِفَةً (p-45)جَمْعُ قِدَّةٍ مِن قَدَّ كالقِطْعَةِ مِن قَطَعَ.
الجن 72:12
﴿وَأنّا ظَنَنّا﴾ أيْ: عَلِمْنا الآنَ.
﴿أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ﴾ أيِ: الشَّأْنُ لَنْ نَعْجِزَ اللَّهَ كائِنِينَ.
﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْنَما كُنّا مِن أقْطارِها.
﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ هَرَبًا هارِبِينَ مِنها إلى السَّماءِ، أوْ لَنْ نُعْجِزَهُ في الأرْضِ إنْ أرادَ بِنا، ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا إنْ طَلَبَنا.
الجن 72:13
﴿وَأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ أيِ: القرآن الَّذِي هو الهُدى بِعَيْنِهِ.
﴿آمَنّا بِهِ﴾ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَرَدُّدٍ.
﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ﴾ وبِما أنْزَلَهُ.
﴿فَلا يَخافُ﴾ فَهو لا يَخافُ.
﴿بَخْسًا﴾ أيْ: نَقْصًا في الجَزاءِ.
﴿وَلا رَهَقًا﴾ ولا أنْ تُرْهِقَهُ ذِلَّةٌ، أوْ جَزاءٌ بَخْسٌ ولا رَهَقٌ إذا لَمْ يَبْخَسْ أحَدًا حَقًّا، ولا رَهَقَ ظُلْمِ أحَدٍ فَلا يَخافُ جَزاءَهُما، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ مِن حَقِّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَجْتَنِبَ المَظالِمَ، وقُرِئَ: فَلا يَخَفْ، والأوَّلُ أدَلُّ عَلى تَحْقِيقِ نَجاةِ المُؤْمِنِ واخْتِصاصِها بِهِ.
الجن 72:14
﴿وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ﴾ الجائِرُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الَّذِي هو الإيمانُ والطّاعَةُ.
﴿فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن أسْلَمَ" والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.
﴿تَحَرَّوْا﴾ تَوَخَّوْا.
﴿رَشَدًا﴾ عَظِيمًا يُبَلِّغُهم إلى دارِ الثَّوابِ.
الجن 72:15
﴿وَأمّا القاسِطُونَ﴾ الجائِرُونَ عَنْ سُنَنِ الإسْلامِ.
﴿فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ تُوقَدُ بِهِمْ كَما تُوقِدُ بِكَفَرَةِ الإنْسِ.
الجن 72:16
﴿وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ "أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ قَطْعًا عَلى أنَّهُ اسْتَمَعَ، والمَعْنى: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ لَوْ اسْتَقامَ الجِنُّ والإنْسُ أوْ كِلاهُما عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي هي مِلَّةُ الإسْلامِ.
﴿لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ أيْ: لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، وتَخْصِيصُ الماءِ الغَدَقِ - وهو الكَثِيرُ - بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ والسَّعَةِ، ولِعِزَّةِ وجُودِهِ بَيْنَ العَرَبِ، وقِيلَ: لَوْ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى الطَّرِيقَةِ المُثْلى، أيْ: لَوْ ثَبَتَ أبُوهُمُ الجانُّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ، ولَمْ يَتَكَبَّرْ عَنِ السُّجُودِ لَآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَكْفُرْ وتَبِعَهُ ولَدُهُ في الإسْلامِ؛ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ ووَسَّعْنا رِزْقَهم.
الجن 72:17
﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَهُ؟ وقِيلَ مَعْناهُ: إنَّهُ لَوْ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى طَرِيقَتِهِمُ القَدِيمَةِ ولَمْ يُسْلِمُوا بِاسْتِماعِ القرآن لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ اسْتِدْراجًا؛ لِنُوقِعَهم في الفِتْنَةِ ونُعَذِّبَهم في كُفْرانِ النِّعْمَةِ.
﴿وَمَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ عَنْ عِبادَتِهِ، أوْ عَنْ مَوْعِظَتِهِ، أوْ وحْيِّهِ.
﴿يَسْلُكْهُ﴾ يُدْخِلْهُ.
﴿عَذابًا صَعَدًا﴾ أيْ: شاقًّا صَعْبًا يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً.
الجن 72:18
(p-46)﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ المَساجِدَ مُخْتَصَّةٌ بِاللَّهِ تَعالى، وقِيلَ مَعْناهُ: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ.
﴿فَلا تَدْعُوا﴾ أيْ: لا تَعْبُدُوا فِيها مَعَ اللَّهِ أحَدًا غَيْرَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَساجِدِ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والجَمْعُ لِأنَّ كُلَّ ناحِيَةٍ مِنهُ مَسْجِدٌ لَهُ قِبْلَةٌ مَخْصُوصَةٌ، أوْ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ، وقِيلَ: الأرْضُ كُلُّها؛لِأنَّها جُعِلَتْ مَسْجِدًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: مَواضِعُ السُّجُودِ عَلى أنَّ المُرادَ نَهْيُّ السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أعْضاءُ السُّجُودِ السَّبْعَةُ، وقِيلَ: السَّجَداتُ عَلى أنَّهُ جَمْعُ المَصْدَرِ المِيمِيِّ.
الجن 72:19
﴿وَأنَّهُ﴾ مِن جُمْلَةِ المُوحى، أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ، أيِ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإيرادُهُ بِلَفْظِ العَبْدِ؛ لِلْإشْعارِ بِما هو المُقْتَضى لِقِيامِهِ وعِبادَتِهِ ولِلتَّواضُعِ؛ لِأنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ كَلامِهِ عَنْ نَفْسِهِ.
﴿يَدْعُوهُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "قامَ"، أيْ: يَعْبُدُهُ، وذَلِكَ قِيامُهُ لِصَلاةِ الفَجْرِ بِـ"نَخْلَةَ" كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ الأحْقافِ، "كادُواْ" أيِ: الجِنُّ.
﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ مُتَراكِمِينَ مِنَ ازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ تَعَجُّبًا مِمّا شاهَدُوا مِن عِبادَتِهِ وسَمِعُوا مِن قِراءَتِهِ واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قِيامًا ورُكُوعًا وسُجُودًا؛ لِأنَّهم رَأوْا مالَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وسَمِعُوا بِما لَمْ يَسْمَعُوا بِنَظِيرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمّا قامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ مُخالِفًا لِلْمُشْرِكِينَ، كادَ المُشْرِكُونَ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ، واللِّبَدُ: جَمْعُ لُبْدَةٍ، وهي تَلَبُّدُ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ ومِنها لُبْدَةُ الأسَدِ، وقُرِئَ: (لُبُدا) جَمْعُ لُبْدَةٍ، وهي بِمَعْنى: اللُّبْدَةُ، و"لُبَّدا" جَمْعُ لابِدٍ كَساجِدٍ وسُجَّدٍ، ولُبُدًا بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ لَبُودٍ كَصَبُورٍ وصُبُرٍ. وعَنْ قَتادَةَ: تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يُظْهِرَهُ عَلى مَن ناوَأهُ.
الجن 72:20
﴿قُلْ إنَّما أدْعُو﴾ أيْ: أعْبُدُ.
﴿رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ﴾ بِرَبِّي في العِبادَةِ أحَدًا، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ ولا مُسْتَنْكَرٍ يُوجِبُ التَّعَجُّبَ، أوِ الإطْباقَ عَلى عَداوَتِي، وقُرِئَ: (قالَ) عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْمُتَراكِمِينَ عَلَيْهِ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ والأوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى:
الجن 72:21
﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ كَأنَّهُ أُرِيدَ لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا، ولا نَفْعًا، ولا غِيًّا، ولا رَشَدًا، فَتُرِكَ مِن كِلا المُتَقابِلَيْنِ ما ذُكِرَ في الآخَرِ.
الجن 72:22
﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ إنْ أرادانِي بِسُوءٍ.
﴿وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ مُلْتَجَأً ومَعْدَلًا وهَذا بَيانٌ لِعَجُزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ شُئُونِ نَفْسِهِ بَعْدَ بَيانِ عَجْزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ شُئُونِ غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الجن 72:23
﴿إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ (p-47)مِن قَوْلِهِ: "لا أمْلِكُ" فَإنَّ التَّبْلِيغَ إرْشادٌ ونَفْعٌ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْيِ الأسْتِطاعَةِ، أوْ مِن "مُلْتَحَدًا"، أيْ: لَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مَنجًى إلّا أنْ أُبْلِغَ عَنْهُ ما أرْسَلَنِي بِهِ، وقِيلَ: إلّا مُرَكَّبَةٌ مِن "إنِ" الشَّرْطِيَّةِ و"لا" النّافِيَةِ، ومَعْناهُ: إنْ لا أُبْلِغْ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ "ما" قَبْلَهُ عَلَيْهِ، "وَرِسالأتِهِ" عَطْفٌ عَلى "بَلاغًا"، و"مِنَ اللَّهِ" صِفَتُهُ صِلَتُهُ، أيْ: لا أمْلِكُ لَكم إلّا تَبْلِيغًا كائِنًا مِنهُ تَعالى ورِسالأتِهِ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها.
﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ إذْ الكَلامُ فِيهِ.
﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ وقُرِئَ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى فَحَقُّهُ، أوْ فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ في النّارِ، أوْ في جَهَنَّمَ والجُمَعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى ﴿أبَدًا﴾ بِلا نِهايَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الجن 72:24
﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ غايَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الحالُ مِنَ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لِأنْصارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتِقْلالِهِمْ لِعَدَدِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعِدُونَ مِن فُنُونِ العَذابِ في الآخِرَةِ ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حِينَئِذٍ.
﴿مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ وحَمْلُ "ما يُوعِدُونَ" عَلى ما رَأوْا يَوْمَ بَدْرٍ، يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى:
الجن 72:25
﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ أيْ: ما أدْرِي.
﴿أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ فَإنَّهُ رَدٌّ لِما قالَهُ المُشْرِكُونَ عِنْدَ سَماعِهِمْ ذَلِكَ: مَتى يَكُونُ ذَلِكَ المَوْعُودُ إنْكارًا لَهُ واسْتِهْزاءً بِهِ؟ فَقِيلَ: قُلْ إنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وأمّا وقْتُهُ فَما أدْرِي مَتى يَكُونُ.
الجن 72:26
﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ بِالرَّفْعِ قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن رَبِّي، أوْ بَيانٌ لَهُ، ويَأْباهُ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ إذْ يَكُونُ النَّظْمُ حِينَئِذٍ، أمْ يَجْعَلُ لَهُ عالِمُ الغَيْبِ أمَدًا فَلا يُظْهِرُ عَلَيْهِ أحَدًا، وفِيهِ مِنَ الأخْتِلالِ ما لا يَخْفى، فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبِلَهُ مِن عَدَمِ الدِّرايَةِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإظْهارِ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: فَلا يُطْلِعُ عَلى غَيْبِهِ إطْلاعًا كامِلًا يَنْكَشِفُ بِهِ جَلِيَّةُ الحالِ انْكِشافًا تامًّا مُوجَبًا لِعَيْنِ اليَقِينِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ.
الجن 72:27
﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ﴾ أيْ: إلّا رَسُولًا ارْتَضاهُ لِإظْهارِهِ عَلى بَعْضِ غُيُوبِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِرِسالَتِهِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ بَيانُ مَن ارْتَضى بِالرَّسُولِ تَعَلُّقًا تامًّا، إمّا لِكَوْنِهِ مِن مَبادِئِ رِسالَتِهِ بِأنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِحَّتِها، وإمّا لِكَوْنِهِ مِن أرْكانِها وأحْكامِها كَعامَّةِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِها المُكَلَّفُونَ، وكَيْفِيّاتِ أعْمالِهِمْ وأجْزِيَتِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها في الآخِرَةِ، وما تَتَوَقَّفُ هي عَلَيْهِ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قِيامُ السّاعَةِ والبَعْثُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي بَيَّنَها مِن وظائِفِ الرِّسالَةِ، وأمّا ما لا يَتَعَلَّقُ بِها عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، فَلا يُظْهِرُ عَلَيْهِ أحَدًا عَلى أنَّ بَيانَ وقْتِهِ مُخِلٌّ بِالحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ الرِّسالَةِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ كَراماتِ الأوْلِياءِ (p-48)المُتَعَلِّقَةِ بِالكَشْفِ، فَإنَّ اخْتِصاصَ الغايَةِ القاصِيَةِ مِن مَراتِبِ الكَشْفِ بِالرُّسُلِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ حُصُولِ مَرْتَبَةٍ ما مِن تِلْكَ المَراتِبِ لِغَيْرِهِمْ أصْلًا، ولا يَدَّعِي أحَدٌ لِأحَدٍ مِنَ الأوْلِياءِ، ما في رُتْبَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الكَشْفِ الكامِلِ الحاصِلِ بِالوَحْيِّ الصَّرِيحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ تَقْرِيرٌ وتَحْقِيقٌ لِلْإظْهارِ المُسْتَفادِ مِنَ الأسْتِثْناءِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ، أيْ: فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن جَمِيعِ جَوانِبِ الرَّسُولِ ﷺ عِنْدَ إظْهارِهِ عَلى غَيْبِهِ حَرَسًا مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَهُ مِن تَعَرُّضِ الشَّياطِينِ لِما أظْهَرَهُ عَلَيْهِ مِنَ الغُيُوبِ المُتَعَلِّقَةِ بِرِسالَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الجن 72:28
﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"يَسْلُكُ" غايَةٌ لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى الإبْلاغِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ، إذْ المُرادُ بِهِ: العِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِالإبْلاغِ المَوْجُودِ بِالفِعْلِ، و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُها و"رِسالأتُ رَبِّهِمْ" عِبارَةٌ عَنِ الغَيْبِ الَّذِي أُرِيدَ إظْهارُ المُرْتَضى عَلَيْهِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أفْرادِهِ، وضَمِيرُ "أبْلَغُوا" إمّا لِلرَّصَدِ، فالمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَسْلُكُهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِ المُرْتَضى لِيَعْلَمَ أنَّ الشَّأْنَ قَدْ أبْلَغُوهُ رِسالأتِ رَبِّهِمْ سالِمَةً عَنِ الأخْتِطافِ والتَّخْلِيطِ عِلْمًا مُسْتَتْبِعًا لِلْجَزاءِ، وهو أنْ يَعْلَمَهُ مَوْجُودًا حاصِلًا بِالفِعْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ والغايَةُ في الحَقِيقَةِ هو الإبْلاغُ والجِهادُ، وإيرادُ علمه تعالى لِإبْرازِ اعْتِنائِهِ تَعالى بِأمْرِهِما والإشْعارِ بِتَرْتِيبِ الجَزاءِ عَلَيْهِما، والمُبالَغَةِ في الحَثِّ عَلَيْهِما، والتَّحْذِيرِ عَنِ التَّفْرِيطِ فِيهِما، وأمّا لِمَنِ ارْتَضى والجُمَعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن"، كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، فالمَعْنى: لِيَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ أبْلَغَ الرُّسُلَ المُوحى إلَيْهِمْ رِسالأتِ رَبِّهِمْ إلى أُمَمِهِمْ كَما هي مِن غَيْرِ اخْتِطافٍ ولا تَخْلِيطٍ بَعْدَ ما أبْلَغَها الرَّصَدُ إلَيْهِمْ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ أيْ: بَما عِنْدَ الرَّصَدِ، أوِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حالٌ مِن فاعِلِ "يَسْلُكُ" بِإضْمارِ قَدْ، أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، جِيءَ بِها لِتَحْقِيقِ اسْتِغْنائِهِ تَعالى في العِلْمِ بِالإبْلاغِ عَمّا ذُكِرَ مِن سَلْكِ الرَّصَدِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، أيْ: يَسْلُكُهم بَيْنَ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ علمه تعالى بِما ذُكِرَ، والحالُ أنَّهُ تَعالى قَدْ أحاطَ بِما لَدَيْهِمْ مِنَ الأحْوالِ جَمِيعًا.
﴿وَأحْصى كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِمّا كانَ وما سَيَكُونُ ﴿عَدَدًا﴾ أيْ: فَرْدًا فَرْدًا، وهو تَمْيِيزٌ مَنقُولٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا، والأصْلُ أحْصى عَدَدَ كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: هو حالٌ، أيْ: مَعْدُودًا مَحْصُورًا، أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى إحْصاءً، وأيًّا ما كانَ فَفائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ عِلْمَهُ – تَعالى - بِالأشْياءِ لَيْسَ عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ إجْمالِيٍّ، بَلْ عَلى وجْهٍ جُزْئِيٍّ تَفْصِيلِيٍّ فَإنَّ الإحْصاءَ قَدْ يُرادُ بِهِ الإحاطَةُ الإجْمالِيَّةُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ أيْ: لا تَقْدِرُوا عَلى حَصْرِها إجْمالأ، فَضْلًا عَنِ التَّفْصِيلِ، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ الإحْصاءِ أنَّ الحاسِبَ إذا بَلَغَ عَقْدًا مُعَيَّنًا مِن عُقُودِ الأعْدادِ كالعَشَرَةِ والمِائَةِ والألْفِ، وضَعَ حَصاةً لِيَحْفَظَ بِها كَمِّيَّةَ ذَلِكَ العَقْدِ، فَيَبْنِي عَلى ذَلِكَ حِسابَهُ هَذا، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى "وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ" ... إلَخْ: مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لِيَعْلَمَ" كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ... إلَخْ. فَبِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ الجِنِّ كانَ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ جِنِّيٍّ صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ أوْ كَذَّبَ بِهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ﴾ .
المزمل 73:1
(p-49)سُورَةُ المُزَّمِّلِ مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةَ عَشْرَةَ، إحْدى عَشْرَةَ، عِشْرُونَ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها عِشْرُونَ
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ أيِ: المُتَزَمِّلُ بِثِيابِهِ إذا تَلَفَّفَ بِها، فَأُدْغِمَ التّاءُ في الزّاءِ، وقَدْ قُرِئَ: عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ: (المُزَمَّلُ) مِن زَمَلَهُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ومَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ تَهْجِينًا لِما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الحالَةِ، حَيْثُ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَلَفِّفًا بِقَطِيفَةٍ مُسْتَعِدًّا لِلنَّوْمِ - كَما يَفْعَلُهُ مَن لا يَهُمُّهُ أمْرٌ ولا يَعْنِيهِ شَأْنٌ - فَأُمِرَ بِأنْ يَتْرُكَ التَّزَمُّلَ إلى التَّشَمُّرِ لِلْعِبادَةِ والهُجُودِ إلى التَّهَجُّدِ، وقِيلَ: دَخَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى خَدِيجَةَ وقَدْ جَئِثَ فَرَقًا أوَّلَ ما أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ وبَوادِرُهُ تُرْعِدُ فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَحَسِبَ أنَّهُ عَرَضَ لَهُ، فَبَيْنَما هو عَلى ذَلِكَ إذْ ناداهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: "ياأيُّها المُزَّمِّلُ" فَيَكُونُ تَخْصِيصُ وصْفِ التَّزَمُّلِ بِالخِطابِ لِلْمُلاطَفَةِ والتَّأْنِيسِ، كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ غاضَبَ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَأتاهُ وهو نائِمٌ وقَدْ لَصِقَ بِجَنْبِهِ التُّرابُ: ﴿قُمْ يا أبا تُرابٍ﴾ مُلاطَفَةً وإشْعارًا بِأنَّهُ غَيْرُ عاتِبٍ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: ياأيُّها الَّذِي زُمِّلَ أمْرًا عَظِيمًا هو أمْرُ النُّبُوَّةِ، أيْ: حَمْلَهُ، والزَّمْلُ الحَمْلُ وازْدَمَلَهُ،أيِ: احْتَمَلَهُ، فالتَّعَرُّضُ لِلْوَصْفِ حِينَئِذٍ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِلْقِيامِ، أوْ لِلْأمْرِ بِهِ، فَإنَّ تَحْمِيلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأعْباءِ النُّبُوَّةِ مِمّا يُوجِبُ الأجْتِهادَ في العِبادَةِ.
المزمل 73:2
﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ أيْ: قُمْ إلى الصَّلاةِ، وانْتِصابُ "اللَّيْلِ" عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقِيلَ: القِيامُ مُسْتَعارٌ لِلصَّلاةِ، ومَعْنى قُمْ: صَلِّ، وقُرِئَ: بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها.
﴿إلا قَلِيلا﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّيْلِ وقَوْلُهُ تَعالى:
المزمل 73:3
﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلٌ مِنَ "اللَّيْلِ" الباقِي بَعْدَ الثُّنْيا بَدَلَ الكُلِّ، أيْ: قُمْ نِصْفَهُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ النِّصْفِ المُخْرَجِ بِالقَلِيلِ لِإظْهارِ كَمالِ الأعْتِدادِ بِشَأْنِ الجُزْءِ المُقارِنِ لِلْقِيامِ والإيذانِ بِفَضْلِهِ، وكَوْنِ القِيامِ فِيهِ بِمَنزِلَةِ القِيامِ في أكْثَرِهِ في كَثْرَةِ الثَّوابِ، واعْتِبارُ قِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ مَعَ عَرائِهِ عَنِ الفائِدَةِ خِلافَ الظّاهِرِ.
﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ أيِ: انْقُصِ القِيامَ مِنَ النِّصْفِ المُقارِنِ لَهُ في الصُّورَةِ الأُولى. (p-50)﴿قَلِيلا﴾ أيْ: نَقْصًا قَلِيلًا، أوْ مِقْدارًا قَلِيلًا بِحَيْثُ لا يَنْحَطُّ إلى نِصْفِ النِّصْفِ.
المزمل 73:4
﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: زِدِ القِيامَ عَلى النِّصْفِ المُقارِنِ لَهُ، فالمَعْنى تَخْيِيرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ أنْ يَقُومَ نِصْفَهُ، أوْ أقَلَّ مِنهُ، أوْ أكْثَرَ، وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: "نَصِفَهُ" بَدَلٌ مِن "قَلِيلًا" والتَّخْيِيرُ بِحالِهِ ولَيْسَ بِسَدِيدٍ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ الحَقِيقَ بِالاعْتِناءِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الإبْدالُ هو الجُزْءُ الباقِي بَعْدَ الثُّنْيا المُقارِنُ لِلْقِيامِ، لا الجُزْءُ المُخْرَجُ العارِي عَنْهُ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ نَقْصَ القِيامِ وزِيادَتَهُ إنَّما يُعْتَبَرانِ بِالقِياسِ إلى مِعْيارِهِ الَّذِي هو النِّصْفُ المُقارِنُ لَهُ، فَلَوْ جُعِلَ نِصْفَهُ بَدَلًا مِن قَلِيلًا لَزِمَ اعْتِبارُ نَقْصِ القِيامِ، وزِيادَتِهِ بِالقِياسِ إلى ما هو عارٍ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، والاعْتِذارُ بِتَساوِي النِّصْفَيْنِ مَعَ كَوْنِهِ تَمَحُّلًا ظاهِرًا اعْتِرافٌ بِأنَّ الحَقَّ هو الأوَّلُ، وقِيلَ: "نِصْفَهُ" بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ، وإلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مِنَ النِّصْفِ، والضَّمِيرُ في "مِنهُ" و"عَلَيْهِ" لِلنِّصْفِ، والمَعْنى التَّخْيِيرُ بَيْنَ أمْرَيْنِ، أنْ يَقُومَ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ عَلى البَتاتِ، وبَيْنَ أنْ يَخْتارَ أحَدَ الأمْرَيْنِ وهُما النُّقْصانُ مِنَ النِّصْفِ والزِّيادَةُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِلْأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِهِ، أوْ قُمْ أنْقَصَ مِن ذَلِكَ الأقَلِّ، أوْ أزْيَدَ مِنهُ قَلِيلًا، وقِيلَ: والَّذِي يَلِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ هو الأوَّلُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما في كِتابِهِ الجَلِيلِ.
﴿وَرَتِّلِ القرآن﴾ وفي أثْناءِ ما ذُكِرَ مِنَ القِيامِ، أيِ: اقْرَأْهُ عَلى تُؤَدَةٍ وتَبْيِينِ حُرُوفٍ.
﴿تَرْتِيلا﴾ بَلِيغًا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ السّامِعُ مِن عَدِّها مِن قَوْلِهِمْ: ثَغْرٌ رَتَلٌ ورَتِلٌ إذا كانَ مُفَلَّجًا.
المزمل 73:5
﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ﴾ أيْ: سَنُوحِي إلَيْكَ، وإيثارُ الإلْقاءِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَوْلا ثَقِيلا﴾ وهو القرآن العَظِيمُ المُنْطَوِي عَلى تَكالِيفَ شاقَّةٍ ثَقِيلَةٍ عَلى المُكَلَّفِينَ، لا سِيَّما عَلى الرَّسُولِ ﷺ، فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَحَمُّلِها وتَحْمِيلِها لِلْأُمَّةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الأمْرِ، وتَعْلِيلُهُ لِتَسْهِيلِ ما كَلَّفَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ القِيامِ، وقِيلَ مَعْنى كَوْنِهِ ثَقِيلًا: أنَّهُ رَصِينٌ لِرَزانَةِ لَفْظِهِ ومَتانَةِ مَعْناهُ، أوْ ثَقِيلٌ عَلى المُتَأمِّلِ فِيهِ؛ لِافْتِقارِهِ إلى مَزِيدِ تَصْفِيَةٍ لِلسِّرِّ وتَجْرِيدٍ لِلنَّظَرِ، أوْ ثَقِيلٌ في المِيزانِ، أوْ عَلى الكُفّارِ والفُجّارِ، أوْ ثَقِيلٌ تَلَقِّيهِ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما" كانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ ثَقُلَ عَلَيْهِ وتَرَبَّدَ لَهُ جِلْدُهُ، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: رَأيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ فَيُفْصِمُ عَنْهُ وإنَّ جَبِينَهُ لِيَرْفَضُّ عَرَقًا.
المزمل 73:6
﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: إنَّ النَّفْسَ الَّتِي تُنَشَّأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ، أيْ: تَنْهَضُ، مِن نَشَأ مِن مَكانِهِ إذا نَهَضَ، أوْ إنَّ قِيامَ اللَّيْلِ عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرٌ مَن نَشَأ كالعافِيَةِ، أوْ إنَّ العِبادَةَ الَّتِي تَنْشَأُ بِاللَّيْلِ، أيْ: تَحْدُثُ، أوْ إنْ ساعاتِ اللَّيْلِ، فَإنَّها تَحْدُثُ واحِدَةً بَعْدَ واحِدَةٍ، أوْ ساعاتُها الأُوَلُ، مِن نَشَأ إذا ابْتَدَأ.
﴿هِيَ أشَدُّ وطْئًا﴾ أيْ: هي خاصَّةٌ أشَدُّ ثَباتَ قَدَمٍ أوْ كُلْفَةً، فَلا بُدَّ مِنَ الاعْتِناءِ بِالقِيامِ، وقُرِئَ (وَطاءً) أيْ: أشَدُّ مُواطَأةً يُواطِئُ قَلْبُها لِسانَها إنْ أُرِيدَ بِها النَّفْسُ، أوْ يُواطِئُ فِيها قَلْبُ القائِمِ لِسانَهُ إنْ أُرِيدَ (p-51)بِها القِيامُ، أوِ العِبادَةُ، أوِ السّاعاتُ، أوْ أشَدُّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الخُشُوعِ والإخْلاصِ ﴿وَأقْوَمُ قِيلا﴾ وأسَدُّ مَقالأ وأثْبَتُ قِراءَةً؛ لِحُضُورِ القَلْبِ وهُدُوِّ الأصْواتِ.
المزمل 73:7
﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ: تَقَلُّبًا وتَصَرُّفًا في مُهِمّاتِكَ واشْتِغالأ بِشَواغِلِكَ فَلا تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَفَرَّغَ لِلْعِبادَةِ؛ فَعَلَيْكَ بِها في اللَّيْلِ، وهَذا بَيانٌ لِلدّاعِي الخارِجِيِّ إلى قِيامِ اللَّيْلِ بَعْدَ بَيانِ ما في نَفْسِهِ مِنَ الدّاعِي، وقُرِئَ: (سَبْخًا) أيْ: تَفَرُّقُ قَلْبٍ بِالشَّواغِلِ، مُسْتَعارٌ مِن سَبْخِ الصُّوفِ وهو نَفْشُهُ ونَشْرُ أجْزائِهِ.
المزمل 73:8
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ ودُمْ عَلى ذِكْرِهِ تَعالى لَيْلًا ونَهارًا عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وتَحْمِيدٍ، وصَلاةٍ وقِراءَةِ قُرْآنٍ ودِراسَةِ عِلْمٍ.
﴿وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ﴾ أيْ: وانْقَطِعْ إلَيْهِ بِمَجامِعِ الهِمَّةِ، واسْتِغْراقِ العَزِيمَةِ في مُراقَبَتِهِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا بِتَجْرِيدِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ العَوائِقِ الصّادَّةِ عَنْ مُراقَبَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَطْعِ العَلائِقِ عَمّا سِواهُ، قِيلَ: ﴿تَبْتِيلا﴾ مَكانَ ( تَبَتُّلًا ) مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ.
المزمل 73:9
﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى الأبْتِداءِ، خَبَرُهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وقُرِئَ: بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن "رَبِّكَ"، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ جَوابُهُ " لا إلَهَ إلاَّ هُوَ" والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ، ومُوجِبُهُ عَلى اخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ والربوبية بِهِ تَعالى:
المزمل 73:10
﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الخُرافاتِ.
﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ بِأنْ تُجانِبَهم وتُدارِيَهِمْ ولا تُكافِئَهُمْ، وتَكِلَ أُمُورَهم إلى رَبِّهِمْ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:
المزمل 73:11
﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: دَعْنِي وإيّاهم وكِلْ أمْرَهم إلَيَّ فَإنِّي أكْفِيكَهم.
﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أرْبابَ التَّنَعُّمِ وهم صَنادِيدُ قُرَيْشٍ.
﴿وَمَهِّلْهم قَلِيلا﴾ زَمَنًا قَلِيلًا.
المزمل 73:12
﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ جَمْعُ نِكْلٍ، وهو القَيْدُ الثَّقِيلُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، أيْ: إنَّ لَدَيْنا أُمُورًا مُضادَّةً لِتَنَعُّمِهِمْ ﴿وَجَحِيمًا﴾
المزمل 73:13
﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ يَنْشَبُ في الحُلُوقِ ولا يَكادُ يُساغُ كالضَّرِيعِ والزَّقُّومِ.
﴿وَعَذابًا ألِيمًا﴾ ونَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ مُؤْلِمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُدْرُكُ كُنْهُهُ، كُلُّ ذَلِكَ مُعَدٌّ لَهم ومُرْصَدٌ.
المزمل 73:14
(p-52)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: تَضْطَرِبُ وتَتَزَلْزَلُ ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ لَدَيْنا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِعَذابِنا، أيْ: عَذابًا واقِعًا يَوْمَ تَرْجُفُ.
﴿وَكانَتِ الجِبالُ﴾ مَعَ صَلابَتِها وارْتِفاعِها ﴿كَثِيبًا﴾ رَمْلًا مُجْتَمِعًا مِن كَثَبَ الشَّيْءَ إذا جَمَعَهُ، كَأنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.
﴿مَهِيلا﴾ مَنثُورًا مِن هِيلَ هَيْلًا إذا نُثِرَ وأُسِيلَ.
المزمل 73:15
﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ ياأهْلَ مَكَّةَ.
﴿رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ يَشْهَدُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما صَدَرَ عَنْكم مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ.
﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَدَمُ تَعْيِينِهِ لِعَدَمِ دَخْلِهِ في التَّشْبِيهِ.
المزمل 73:16
﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ الَّذِي أرْسَلْناهُ إلَيْهِ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا فَعَصَيْتُمُوهُ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ إرْسالأ كائِنًا كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصاهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ خارِجٌ مِنَ التَّشْبِيهِ جِئَ بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ سَيَحِيقُ بِهَؤُلاءِ ما حاقَ بِأُولَئِكَ لا مَحالَةَ، والوَبِيلُ: الثَّقِيلُ الغَلِيظُ مِن قَوْلِهِمْ كَلَأٌ وبِيلٌ، أيْ: وخِيمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقْلِهِ، والوَبِيلُ العَصا الضَّخْمَةُ.
المزمل 73:17
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكُمُ.
﴿إنْ كَفَرْتُمْ﴾: بِقِيتُم عَلى الكُفْرِ.
﴿يَوْمًا﴾ أيْ: عَذابُ يَوْمٍ.
﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ﴾ مِن شِدَّةِ هَوْلِهِ وفَظاعَةِ ما فِيهِ مِنَ الدَّواهِي شِيبًا شُيُوخًا جَمْعُ أشْيَبَ، إمّا حَقِيقَةً، أوْ تَمْثِيلًا وأصْلُهُ أنَّ الهُمُومَ والأحْزانَ إذا تَفاقَمَتْ عَلى المَرْءِ ضَعَّفَتْ قُواهُ وأسْرَعَ فِيهِ الشَّيْبُ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وصْفًا لِلْيَوْمِ بِالطُّولِ ولَيْسَ بِذاكَ.
المزمل 73:18
﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ﴾ أيْ: مُنْشَقٌّ، وقُرِئَ: مُتَفَطِّرٌ، أيْ: مُتَشَقِّقٌ، والتَّذْكِيرُ لِإجْرائِهِ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ، أيْ: شَيْءٍ مُنْفَطِرٍ عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَبَدَّلَتْ حَقِيقَتُها وزالَ عَنْها اسْمُها ورَسْمُها، ولَمْ يَبْقَ مِنها إلّا ما يُعَبِّرُ عَنْهُ بِالشَّيْءِ، وقِيلَ: لِتَأْوِيلِ السَّماءِ بِالسَّقْفِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ النَّسَبِ، أيْ: ذاتُ انْفِطارٍ، والباءُ في ﴿بِهِ﴾ مِثْلُها فِي: فُطِرَتِ العُودُ بِالقَدُومِ.
﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾ الضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، أوْ لِلْيَوْمِ، وهو مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ.
المزمل 73:19
﴿إنَّ هَذِهِ﴾ إشارَةٌ إلى الآياتِ المُنْطَوِيَةِ عَلى القَوارِعِ المَذْكُورَةِ.
﴿تَذْكِرَةٌ﴾ مَوْعِظَةٌ.
﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ بِالتَّقْرِيبِ إلَيْهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ فَإنَّها المِنهاجُ (p-53)المُوصِلُ إلى مَرْضاتِهِ.
المزمل 73:20
﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ أيْ: أقَلَّ مِنهُما، اسْتُعِيرَ لَهُ الأدْنى لِما أنَّ المَسافَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذا دَنَتْ قَلَّ ما بَيْنَهُما مِنَ الأحْيازِ ﴿وَنِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى أدْنى، وقُرِئا: بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى "ثُلُثَيِ اللَّيْلِ.
﴿وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ أيْ: يَقُومُ مَعَكَ طائِفَةٌ مِن أصْحابِكَ.
﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ وحَدُّهُ لا يَقْدِرُ عَلى تَقْدِيرِهِما أحَدٌ أصْلًا، فَإنَّ تَقْدِيمَ الأسْمِ الجَلِيلِ مُبْتَدَأٌ، وبِناءُ "يُقَدِّرُ" عَلَيْهِ مُوجِبٌ لِلِاخْتِصاصِ قَطْعًا، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أيْ: عَلِمَ أنَّ الشَّأْنَ لَنْ تَقْدِرُوا عَلى تَقْدِيرِ الأوْقاتِ، ولَنْ تَسْتَطِيعُوا ضَبْطَ السّاعاتِ أبَدًا.
﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ بِالتَّرْخِيصِ في تَرْكِ القِيامِ المُقَدَّرِ ورَفْعِ التَّبِعَةِ عَنْكم في تَرْكِهِ.
﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ فَصَلُّوا ما تَيَسَّرَ لَكم مِن صَلاةِ اللَّيْلِ، عَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِالقِراءَةِ، كَما عَبَّرَ عَنْها بِسائِرِ أرْكانِها، قِيلَ كانَ التَّهَجُّدُ واجِبًا عَلى التَّخْيِيرِ المَذْكُورِ فَعَسُرَ عَلَيْهِمُ القِيامُ بِهِ فَنُسِخَ بِهِ، ثُمَّ نُسِخَ هَذا بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ، وقِيلَ: هي قِراءَةُ القرآن بِعَيْنِها، قالُوا: مَن قَرَأ مِائَةَ آيَةٍ مِنَ القرآن في لَيْلَةٍ لَمْ يُحاجَّهُ، وقِيلَ: مَن قَرَأ مِائَةَ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القانِتِينَ، وقِيلَ: خَمْسِينَ آيَةً.
﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَةٍ أُخْرى داعِيَةٍ إلى التَّرْخِيصِ والتَّخْفِيفِ.
﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ﴾ يُسافِرُونَ فِيها لِلتِّجارَةِ.
﴿يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ وهو الرِّبْحُ، وقَدْ عُمِّمَ ابْتِغاءُ الفَضْلِ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ ﴿وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وإذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ وتَعاضَدَتِ الدَّواعِي إلى التَّرْخِيصِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ مِن غَيْرِ تَحَمُّلِ المَشاقِّ.
﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أىْ: المَفْرُوضَةَ.
﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ الواجِبَةَ، وقِيلَ: هي زَكاةُ الفِطْرِ إذْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ زَكاةٌ، ومَن فَسَّرَها بِالزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ جَعَلَ آخِرَ السُّورَةِ مَدَنِيًّا.
﴿وَأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أُرِيدَ بِهِ الإنْفاقاتُ في سُبُلِ الخَيِّراتِ، أوْ أداءِ الزَّكاةِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ وأنْفَعِها لِلْفُقَراءِ.
﴿وَما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ أيْ: خَيْرٍ كانَ مِمّا ذُكِرَ وما لَمْ يُذْكَرْ.
﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا﴾ مِنَ الَّذِي تُؤَخِّرُونَهُ إلى الوَصِيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ و"خَيْرًا" ثانِي مَفْعُولَيْ "تَجِدُوا" وهو تَأْكِيدٌ، أوْ فَصْلٌ، وإنْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ، فَإنَّ "أفْعَلَ مِن" في حُكْمِ المَعْرِفَةِ ولِذَلِكَ يُمْتَنَعُ مِن حَرْفِ التَّعْرِيفِ، وقُرِئَ: هو خَيْرٌ عَلى الأبْتِداءِ والخَبَرِ.
﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ في كافَّةِ أحْوالِكم فَإنَّ الإنْسانَ قَلَّما يَخْلُو مِن التَّفْرِيطِ.
﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَمَن قَرَأ سُورَةَ المُزَّمِّلِ دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ العُسْرَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ .
المدثر 74:1
(p-54)سُورَةُ المُدَّثِّرِ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها سِتٌّ وخَمْسُونَ
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ أيِ: المُتَدَثِّرُ، وهو لابِسُ الدِّثارِ، وهو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، قِيلَ: هي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ.
رُوِيَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ﴿كُنْتُ عَلى جَبَلِ حِراءَ فَنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ؛ إنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي ويَسارِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ فَوْقِي فَإذا بِهِ قاعِدٌ عَلى عَرْشٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ - يَعْنِيَ المَلِكَ الَّذِي ناداهُ - فَرَعَبْتُ ورَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وقالَ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ . وعَنِ الزُّهْرِيِّ:" أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ سُورَةُ "اقْرَأْ" إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وجَعَلَ يَعْلُو شَواهِقَ الجِبالِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: إنَّكَ نَبِيُ اللَّهِ فَرَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، فَقالَ: دَثِّرُونِي وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يَأيُّها المُدَّثِّرُ وقِيلَ سَمِعَ مِن قُرَيْشٍ ما كَرِهَهُ فاغْتَمَّ فَتَغَطّى بِثَوْبِهِ مُتَفَكِّرًا، كَما يَفْعَلُ المَغْمُومُ فَأمَرَ أنْ يَدَعَ إنْذارَهُمْ، وإنْ سَمِعُوهُ وآذَوْهُ"، وقِيلَ: كانَ نائِمًا مُتَدَثِرًا، وقِيلَ المُرادُ: المُتَدَثِّرُ بِلِباسِ النُّبُوَّةِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، وقُرِئَ: (المُدَثَّرُ) عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن دَثَرَهُ، أيِ: الَّذِي دُثِّرَ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ وعَصَبَ بِهِ وفي حَرْفِ أبِي المُنْذِرِ يَأيُّها المُتَدَثِّرُ عَلى الأصْلِ
المدثر 74:2
﴿قُمِ﴾ أيْ: مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ فَأنْذِرْ، أيْ: أفْعِلِ الإنْذارَ وأحْدِثْهُ، وقِيلَ: أنْذِرْ قَوْمَكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أوْ جَمِيعَ النّاسِ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾
المدثر 74:3
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ واخْتَصَّ رَبَّكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ تَعالى بِالكِبْرِياءِ اعْتِقادًا وقَوْلًا. ويُرْوى «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: "اللَّهُ أكْبَرُ" فَكَبَّرَتْ خَدِيجَةُ وفَرِحَتْ وأيْقَنَتْ أنَّهُ الوَحْيُ،» وقَدْ يُحْمَلُ عَلى تَكْبِيرِ الصَّلاةِ، والفاءُ لِمَعْنى الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَدَثَ فَلا تَدَعْ تَكْبِيرَهُ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأوْلى مِنَ الأمْرِ بِالقِيامِ أنْ يُكَبِّرَ رَبَّهُ، ويُنَزِّهَهُ مِنَ الشِّرْكِ، فَإنَّ أوَّلَ ما يَجِبُ مَعْرِفَةُ الصّانِعِ جَلَّ جَلالُهُ، ثُمَّ تَنْزِيهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ.
المدثر 74:4
﴿وَثِيابَكَ (p-55)فَطَهِّرْ﴾ مِمّا لَيْسَ بِطاهِرٍ، فَإنَّهُ واجِبُ الصَّلاةِ الأوْلى وأوْلى وأحَبُّ في غَيْرِها، وذَلِكَ بِصِيانَتِها وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وغَسْلِها بَعْدَ تَلَطُّخِها وبِتَقْصِيرِها أيْضًا، فَإنَّ طُولَها يُؤَدِّي إلى جَرِّ الذُّيُولِ عَلى القاذُوراتِ، وهو أوَّلُ ما أُمِرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن رَفْضِ العاداتِ المَذْمُومَةِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ النَّفْسِ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الأفْعالِ ويُسْتَهْجَنُ مِنَ الأحْوالِ، يُقالُ: فُلانٌ طاهِرُ الذَّيْلِ، والأرْدانِ إذا وصَفُوهُ بِالنَّقاءِ مَنَ المَعايِبِ ومَدانِسِ الأخْلاقَ.
المدثر 74:5
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ أيْ: واهْجُرِ العَذابَ بِالثَّباتِ عَلى هَجْرٍ يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ المَآثِمِ، وقُرِئَ: بِكَسْرِ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ كالذُّكْرِ والذِّكْرِ.
المدثر 74:6
﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ولا تُعْطِ مُسْتَكْثِرًا، أيْ: رائِيًا لِما تُعْطِيهِ كَثِيرًا، أوْ طالِبًا لِلْكَثِيرِ عَلى أنَّهُ أنْهي عَنِ الأسْتِغْزارِ، وهو أنْ يَهَبَ شَيْئًا وهو يَطْمَعُ أنْ يَتَعَوَّضَ مِنَ المَوْهُوبِ لَهُ أكْثَرَ مِمّا أعْطاهُ وهو جائِزٌ، ومِنهُ الحَدِيثُ المُسْتَغْرَرُ يُثابُ مِن هِبَتِهِ، فالنَّهْيُ إمّا لِلتَّحْرِيمِ، وهو خاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اخْتارَ لَهُ أشْرَفَ الأخْلاقِ وأحْسَنَ الآدابِ، أوْ لِلتَّنْزِيهِ لِلْكُلِّ، وقُرِئَ: (تَسْتَكْثِرْ) بِالسُّكُونِ اعْتِبارًا بِحالِ الوَقْفِ، أوْ إبْدالأ مِن "تَمْنُنْ"، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَمْنُنْ ولا تَسْتَكْثِرْ، عَلى أنَّهُ مِنَ المَنِّ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنًّا ولا أذًى﴾ لِأنَّ مَن يُمَنُّ بِما يُعْطِي يَسْتَكْثِرُهُ ويَعْتَدُّ بِهِ، وقُرِئَ: بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ مَعَ إبْقاءِ عَمَلِها، كَقَوْلِ مَن قالَ:
؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِيُّ أحْضُرَ الوَغى
وَقَدْ قُرِئَ: بِإثْباتِها، ويَجُوزُ في قِراءَةِ الرَّفْعِ أنْ يَحْذِفَ "أنْ" ويَبْطُلَ عَمَلُها، كَما يُرْوى "أحْضُرُ الوَغى" بِالرَّفْعِ.
المدثر 74:7
﴿وَلِرَبِّكَ﴾ أيْ: لِوَجْهِهِ تَعالى أوْ لِأمْرِهِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ فاسْتُعْمِلَ الصَّبْرُ وقِيلَ: عَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: عَلى أداءِ الفَرائِضِ.
المدثر 74:8
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ أيْ: نُفِخَ في الصُّورِ، وهو فاعِلٌ مِنَ النَّقْرِ بِمَعْنى التَّصْوِيتِ، وأصْله القَرْع الَّذِي هو سَبَبُ الصَّوْتِ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أذاهُمْ، وتَلْقى عاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِ، والعامِلُ في "إذا" ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
المدثر 74:9
﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ عَلى الكافِرِينَ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى وقْتِ النَّقْرِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْد مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مُنْزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الأبْتِداءِ، و"يَوْمَئِذٍ" (p-56)بَدَلٌ مِنهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، والخَبَرُ "يَوْمٌ عَسِيرٌ"، وقِيلَ: "يَوْمَئِذٍ" ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ، إذِ التَّقْدِيرُ: وذَلِكَ الوَقْتُ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ، و"عَلى" مُتَعَلِّقَةٌ بـ "عَسِيرٌ" وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَـ"عَسِيرٌ"، أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ مُشْعِرٌ بِيُسْرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، واخْتُلِفَ في أنَّ المُرادَ بِهِ: يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى، أوِ الثّانِيَةِ، والحَقُّ أنَّها الثّانِيَةُ؛ إذْ هي الَّتِي يَخْتَصُّ عُسْرُها بِالكافِرِينَ، وأمّا النَّفْخَةُ الأُولى فَحُكْمُها الَّذِي هو الإصْعاقُ يَعُمُّ البَرَّ والفاجِرَ عَلى أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِمَن كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِها، وقَدْ جاءَ في الأخْبارِ أنَّ في الصُّوَرِ ثُقْبًا بِعَدَدِ الأرْواحِ كُلِّها، وأنَّها تُجْمَعُ في تِلْكَ الثُّقُوبِ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَتَخْرُجُ عِنْدَ النَّفْخِ مِن كُلِّ ثُقْبَةٍ رُوحٌ إلى الجَسَدِ الِّذِي نُزِعَتْ مِنهُ فَيَعُودُ الجَسَدُ حَيًّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
المدثر 74:10
﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ عَلى الكافِرِينَ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى وقْتِ النَّقْرِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْد مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مُنْزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الأبْتِداءِ، و"يَوْمَئِذٍ" (p-56)بَدَلٌ مِنهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، والخَبَرُ "يَوْمٌ عَسِيرٌ"، وقِيلَ: "يَوْمَئِذٍ" ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ، إذِ التَّقْدِيرُ: وذَلِكَ الوَقْتُ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ، و"عَلى" مُتَعَلِّقَةٌ بـ "عَسِيرٌ" وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَـ"عَسِيرٌ"، أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ مُشْعِرٌ بِيُسْرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، واخْتُلِفَ في أنَّ المُرادَ بِهِ: يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى، أوِ الثّانِيَةِ، والحَقُّ أنَّها الثّانِيَةُ؛ إذْ هي الَّتِي يَخْتَصُّ عُسْرُها بِالكافِرِينَ، وأمّا النَّفْخَةُ الأُولى فَحُكْمُها الَّذِي هو الإصْعاقُ يَعُمُّ البَرَّ والفاجِرَ عَلى أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِمَن كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِها، وقَدْ جاءَ في الأخْبارِ أنَّ في الصُّوَرِ ثُقْبًا بِعَدَدِ الأرْواحِ كُلِّها، وأنَّها تُجْمَعُ في تِلْكَ الثُّقُوبِ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَتَخْرُجُ عِنْدَ النَّفْخِ مِن كُلِّ ثُقْبَةٍ رُوحٌ إلى الجَسَدِ الِّذِي نُزِعَتْ مِنهُ فَيَعُودُ الجَسَدُ حَيًّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
المدثر 74:11
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ حالٌ إمّا مِنَ الياءِ، أيْ: ذَرْنِي وحْدِي مَعَهُ فَإنِّي أكْفِيكَهُ في الأنْتِقامِ مِنهُ، أوْ مِنَ التّاءِ أيْ: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ، أوْ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، أيْ: ومَن خَلَقْتُهُ وحِيدًا فَرِيدًا لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ، وكانَ يُلَقَّبُ في قَوْمِهِ بِالوَحِيدِ، فَهو تَهَكُّمٌ بِهِ وبِلَقَبِهِ، وصَرْفٌ لَهُ عَنِ الغَرَضِ الَّذِي يَؤُمُّونَهُ مِن مَدْحِهِ إلى جِهَةِ ذَمِّهِ بِكَوْنِهِ وحِيدًا مِنَ المالِ والوَلَدِ، أوْ وحِيدًا مِن أبِيهِ؛ لِأنَّهُ كانَ زَنِيمًا كَما مَرَّ، أوْ وحِيدًا في الشَّرارَةِ.
المدثر 74:12
﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ مَبْسُوطًا كَثِيرًا، أوْ مُمَدًّا بِالنَّماءِ، مِن مَدَّ النَّهْرِ، ومَدَّهُ نَهْرٌ آخَرُ، قِيلَ: كانَ لَهُ الضَّرْعُ والزَّرْعُ والتِّجارَةُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هو ما كانَ لَهُ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ مِن صُنُوفِ الأمْوالِ، وقِيلَ: كانَ لَهُ بِالطّائِفِ بُسْتانٌ لا يَنْقَطِعُ ثِمارُهُ صَيْفًا وشِتاءً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ألْفُ دِينارٍ، وقالَ قَتادَةُ: سِتَّةُ آلافِ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: أيْضًا ألْفُ ألْفِ دِينارٍ.
المدثر 74:13
﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ حُضُورًا مَعَهُ بِمَكَّةَ يَتَمَتَّعُ بِمُشاهَدَتِهِمْ لا يُفارِقُونَهُ لِلتَّصَرُّفِ في عَمَلٍ، أوْ تِجارَةٍ لِكَوْنِهِمْ مَكْفِيِّينَ لِوُفُورِ نِعَمِهِمْ وكَثْرَةِ خَدَمِهِمْ، أوْ حُضُورًا في الأنْدِيَةِ والمَحافِلِ لِوَجاهَتِهِمْ واعْتِبارِهِمْ، قِيلَ: كانَ لَهُ عَشَرَةُ بَنِينَ، وقِيلَ: ثَلاثَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: سَبْعَةٌ كُلُّهم رِجالٌ الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وخالِدٌ، وعِمارَةٌ، وهِشامٌ، والعاصُ، والقَيْسُ، وعَبْدُ شَمْسٍ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ، وهُشامٌ، وعِمارَةُ.
المدثر 74:14
﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ وبَسَطْتُ لَهُ الرِّياسَةَ والجاهَ العَرِيضُ حَتّى لُقِّبَ رَيْحانَةَ قُرَيْشٍ.
المدثر 74:15
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ عَلى ما أُوتِيهِ، وهو اسْتِبْعادٌ واسْتِنْكارٌ لِطَمَعِهِ وحِرْصِهِ، إمّا لِأنَّهُ لا مَزِيدَ (p-57)عَلى ما أُوتِيَ سِعَةً وكَثْرَةً، أوْ لِأنَّهُ مُنافٍ لِما هو عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ ومُعانَدَةِ المُنَعَّمِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
المدثر 74:16
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهُ عَنْ طَمَعِهِ الفارِغِ، وقَطْعٌ لِرَجائِهِ الخائِبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ عَلى وجْهِ الأسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ، فَإنَّ مُعانِدَةَ آياتِ المُنْعِمِ مَعَ وُضُوحِها وكُفْرانَ نِعْمَتِهِ مَعَ سُبُوغِها مِمّا يُوجِبُ حِرْمانَهُ بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما أُوتِيَ ما أُوتِيَ اسْتِدْراجًا، قِيلَ: ما زالَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ حَتّى هَلَكَ.
المدثر 74:17
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ سَأُغَشِّيهِ بَدَلَ ما يَطْمَعُهُ مِنَ الزِّيادَةِ، أوِ الجَنَّةِ عَقَبَةً شاقَّةَ المِصْعَدِ، وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَ عَقَبَةً في النّارِ كُلَّما وضَعَ يَدَهُ عَلْيَها ذابَتْ، فَإذا رَفَعَها عادَتْ، وإذا وضَعَ رَجَلَهُ ذابَتْ، فَإذا رَفَعَها عادَتْ﴾، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿الصَّعُودُ جَبَلٌ مِن نارٍ يَصْعَدُ فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أبَدًا﴾ .
المدثر 74:18
﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْوَعِيدِ واسْتِحْقاقِهِ لَهُ، أوْ بَيانٌ لِعِنادِهِ لِآياتِهِ تَعالى، أيْ: فَكَّرَ ماذا يَقُولُ في شَأْنِ القرآن وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُهُ:
المدثر 74:19
﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَقْدِيرِهِ وإصابَتِهِ فِيهِ، الغَرَضَ الَّذِي كانَ يَنْتَحِيهِ قُرَيْشٌ قاتَلَهُمُ اللَّهُ، أوْ ثَناءٌ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الأسْتِهْزاءِ بِهِ، أوْ حِكايَةٌ لِما كَرَّرُوهُ مِن قَوْلِهِمْ: قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ تَهَكُّمًا بِهِمْ وبِإعْجابِهِمْ بِتَقْدِيرِهِ واسْتِعْظامِهِمْ لِقَوْلِهِ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: قَتَلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ، أوْ أخْزاهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ، الإشْعارُ بِأنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنَ الشَّجاعَةِ والشِّعْرِ مَبْلَغًا حَقِيقِيًّا، بِأنْ يَدْعُو عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ.
رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ لَبَنِي مَخْزُومٍ: "واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلامًا ما هو مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّ أعْلاهُ لَمُثْمِرٌ، وإنَّ أسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وإنَّهُ يَعْلُو، وما يُعْلى" فَقالَتْ قُرَيْشٌ، صَبَأ واللَّهِ الوَلِيدُ، واللَّهِ لَتَصْبَأنَّ قُرَيْشٌ كُلُّهُمْ، فَقالَ ابْنُ أخِيهِ أبُو جَهْلٍ: أنا أكْفِيكُمُوهُ، فَقَعَدَ عِنْدَهُ حَزِينًا وكَلَّمَهُ بِما أحْماهُ، فَقامَ فَأتاهُمْ، فَقالَ: تَزْعُمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ، فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يَخْنُقُ؟ وتَقُولُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ، فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يَتَكَهَّنُ؟ وتَزْعُمُونَ أنَّهُ شاعِرٌ، فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يَتَعاطى شِعْرًا قَطُّ؟ وتَزْعُمُونَ أنَّهُ كَذّابٌ، فَهَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الكَذِبِ؟ فَقالُوا في كُلِّ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ لا، ثُمَّ قالُوا: فَما هُوَ؟ فَفَكَّرَ فَقالَ: ما هو إلّا ساحِرٌ، أما رَأيْتُمُوهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وأهْلِهِ ووَلَدِهِ ومُوالِيهِ، وما الَّذِي يَقُولُهُ إلّا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ عَنْ أهْلِ بابِلَ فارْتَجَّ النّادِي فَرَحًا، وتَفَرَّقُوا مُعْجَبِينَ بِقَوْلِهِ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ.
المدثر 74:20
(p-58)﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمُبالِغَةِ، وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَةَ أبْلَغُ مِنَ الأُولى، وفِيما بَعْدُ عَلى أصْلِها مِنَ التَّراخِي الزَّمانِيِّ.
المدثر 74:21
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في القرآن مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
المدثر 74:22
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ فِيها مَطْعَنًا، ولَمْ يَدْرِ ماذا يَقُولُ؟ وقِيلَ: نَظَرَ في وُجُوهِ النّاسِ، ثُمَّ قَطَّبَ وجْهَهُ، وقِيلَ: نَظَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَطَّبَ في وجْهِهِ.
﴿وَبَسَرَ﴾ اتِّباعٌ لِـ"عَبَسَ".
المدثر 74:23
﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ، أوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
﴿واسْتَكْبَرَ﴾ عَنِ اتِّباعِهِ.
المدثر 74:24
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ: يُرْوى ويُتَعَلَّمُ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَمّا خَطَرَتْ بِبالِهِ تَفَوَّهَ بِها مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَلَبُّثٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
المدثر 74:25
﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، ولِذَلِكَ أُخْلِيَ عَنِ العاطِفِ.
المدثر 74:26
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ بَدَلٌ مِن "سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا".
المدثر 74:27
﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أُعْلِمَكَ ما سَقَرُ؟ عَلى أنَّ "ما" الأُولى مُبْتَدَأٌ، و"أدْراكَ" خَبَرُهُ، و"ما" الثّانِيَةُ خَبَرٌ؛ لِأنَّها المُفِيدَةُ لِما قُصِدَ إفادَتُهُ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ، و"سَقَرُ" مُبْتَدَأٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي في وصْفِها لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ "ما" قَدْ يُطْلَبُ بِها الوَصْفُ، وإنْ كانَ الغالِبُ أنْ يُطْلَبَ بِها الأسْمُ والحَقِيقَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
المدثر 74:28
﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ بَيانٌ لِوَصْفِها وحالِها، وإنْجازٌ لِلْوَعْدِ الضِّمْنِيِّ الَّذِي يُلَوِّحُ بِهِ "وَما أدْراكَ ما سَقَرُ" وقِيلَ: حالٌ مِن "سَقَرُ" ولَيْسَ بِذاكَ، أيْ: لا تُبْقِي شَيْئًا يُلْقى فِيها إلّا أهْلَكَتْهُ، وإذا هَلَكَ لَمْ تَذَرْهُ هالِكًا حَتّى يُعادَ، أوْ لا تُبْقِي عَلى شَيْءٍ ولا تَدَعُهُ مِنَ الهَلاكِ، بَلْ كُلُّ ما يُطْرَحُ فِيها هالِكٌ لا مَحالَةَ.
المدثر 74:29
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ مُغَيِّرَةٌ لِأعالِي الجِلْدِ، مُسَوِّدَةٌ (p-59)لَها، قِيلَ: تَلْفَحُ الجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أشَدَّ سَوادًا مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: تَلُوحُ لِلنّاسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وقُرِئَ: (لَوّاحَةً) بِالنَّصْبِ عَلى الأخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ.
المدثر 74:30
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أيْ: مَلَكًا، أوْ صِنْفًا، أوْ صَفًّا، أوْ نَقِيبًا مِنَ المَلائِكَةِ يَلُونَ أمْرَها، ويَتَسَلَّطُونَ عَلى أهْلِها، وقُرِئَ: بِسُكُونِ عَيْنِ "عَشَرَ" حِذارًا مِن تَوالِي الحَرَكاتِ فِيما هو في حُكْمِ اسْمٍ واحِدٍ، وقُرِئَ: تِسْعَةُ أعْشُرٍ جَمْعُ عَشِيرٍ، مِثْلُ: يَمِينٍ وأيْمُنٍ.
المدثر 74:31
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ﴾ أيِ: المُدَبِّرِينَ لِأمْرِها القائِمِينَ بِتَعْذِيبِ أهْلِها.
﴿إلا مَلائِكَةً﴾ لِيُخالِفُوا جِنْسَ المُعَذَّبِينَ؛ فَلا يَرِقُّوا لَهم ولا يَسْتَرْوِحُوا إلَيِهِمْ؛ لِأنَّهم أقْوى الخَلْقِ وأقْوَمُهم بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِالغَضَبِ لَهُ تَعالى، وأشَدُّهم بَأْسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأحَدِهِمْ مِثْلُ قُوَّةِ الثَّقَلَيْنِ، يَسُوقُ أحَدُهُمُ الأُمَّةَ وعَلى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ فَيَرْمِي بِهِمْ في النّارِ، ويَرْمِي بِالجَبَلِ عَلَيْهِمْ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، قالَ أبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: "أيَعْجِزُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهم ؟ فَقالَ أبُو الأشَدِّ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ، وكانَ شَدِيدَ البَطْشِ: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ، فاكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنِ، فَنَزَلَتْ " أيْ: ما جَعَلْناهم رِجالأ مِن جِنْسِكم ﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: ما جَعَلْنا عَدَدَهم إلّا العَدَدَ الَّذِي تَسَبَّبَ لِافْتِتانِهِمْ وهو التِّسْعَةَ عَشَرَ، فَعَبَّرَ بِالأثَرِ عَنِ المُؤَثِّرِ تَنْبِيهًا عَلى التَّلازُمِ بَيْنَهُما، ولَيْسَ المُرادُ: مُجَرَّدَ جَعْلِ عَدَدِهِمْ ذَلِكَ العَدَدَ المُعَيَّنَ في نَفْسِ الأمْرِ، بَلْ جَعْلَهُ في القرآن أيْضًا كَذَلِكَ، وهو الحُكْمُ بِأنَّ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ؛ إذْ بِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ افْتِتانُهم بِاسْتِقْلالِهِمْ لَهُ، واسْتِبْعادِهِمْ لِتَوَلِّي هَذا العَدَدِ القَلِيلِ لِتَعْذِيبِ أكْثَرَ الثَّقَلَيْنِ، واسْتِهْزائِهِمْ بِهِ حَسْبَما ذُكِرَ، وعَلَيْهِ يَدُورُ ما سَيَأْتِي مِنَ اسْتِيقانِ أهْلِ الكِتابِ وازْدِيادِ المُؤْمِنِينَ إيمانًا، قالُوا: المُخَصَّصُ لِهَذا العَدَدِ أنَّ اخْتِلافَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ في النَّظَرِ والعَمَلِ؛ بِسَبَبِ القُوى الحَيَوانِيَّةِ الأثْنَتَيْ عَشْرَةَ والطَّبِيعِيَّةِ السَّبْعِ، أوْ أنْ جَهَنَّمَ سَبْعُ دَرَكاتٍ، سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكَفَرَةِ، كُلُّ صِنْفٍ يُعَذَّبُ بِتَرْكِ الأعْتِقادِ، والإقْرارِ والعَمَلِ أنْواعًا مِنَ العَذابِ يُناسِبُها، وعَلى كُلِّ نَوْعٍ مَلَكٌ، أوْ صِنْفٌ، أوْ صَفٌّ يَتَوَلّاهُ، وواحِدَةٌ لِعُصاةِ الأُمَّةِ يُعَذَّبُونَ فِيها بِتَرْكِ العَمَلِ نَوْعًا يُناسِبُهُ ويَتَوَلّاهُ واحِدٌ، أوْ أنَّ السّاعاتِ أرْبَعٌ وعِشْرُونَ، خَمْسَةٌ مِنها مَصْرُوفَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ فَيَبْقى تِسْعَةَ عَشَرَ، قَدْ تُصْرَفُ إلى ما يُؤاخَذُ بِهِ بِأنْواعِ العَذابِ يَتَوَلّاها الزَّبانِيَةُ.
﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالجَعْلِ عَلى المَعْنى المَذْكُورِ، أيْ: لِيَكْتَسِبُوا اليَقِينَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وصِدْقِ القرآن لَمّا شاهَدُوا ما فِيهِ مُوُافِقًا لِما في كِتابِهِمْ.
﴿وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ أيْ: يَزْدادُ إيمانُهم كَيْفِيَّةً بِما رَأوْا مِن تَسْلِيمِ أهْلِ الكِتابِ (p-60)وَتَصْدِيقِهِمْ أنَّهُ كَذَلِكَ، أوْ كَمِّيَّةً بِانْضِمامِ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ إلى إيمانِهِمْ بِسائِرِ ما أُنْزِلَ.
﴿وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأسْتِيقانِ، وازْدِيادِ الإيمانِ، ونَفْيٌ لِما قَدْ يَعْتَرِي المُسْتَيْقِنَ مِن شُبْهَةٍ ما، وإنَّما لَمْ يُنَظَّمِ المُؤْمِنُونَ في سِلْكِ أهْلِ الكِتابِ في نَفْيِ الأرْتِيابِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: ولا يَرْتابُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَبايُنِ النَّفْيَّيْنِ حالأ، فَإنَّ انْتِفاءَ الأرْتِيابِ مِن أهْلِ الكِتابِ مُقارِنٌ لِما يُنافِيهِ مِنَ الجُحُودِ، ومِنَ المُؤْمِنِينَ، مُقارِنٌ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الإيمانِ وكَمْ بَيْنَهُما، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ الفاعِلِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ الحُدُوثِ لِلْإيذانِ بِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ بَعْدَ ازْدِيادِهِ ورُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ.
﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شَكٌّ أوْ نِفاقٌ فَيَكُونُ إخْبارًا بَما سَيَكُونُ في المَدِينَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ.
﴿والكافِرُونَ﴾ المُصِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ.
﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أرادَ بِهَذا العَدَدِ المُسْتَغْرَبِ اسْتِغْرابَ المَثَلِ، وقِيلَ: لَمّا اسْتَبْعَدُوهُ حَسِبُوا أنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، وإفْرادُ قَوْلِهِمْ هَذا بِالتَّعْلِيلِ مَعَ كَوْنِهِ مِن بابِ فِتْنَتِهِمْ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِهِ في الشَّناعَةِ.
﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهِدايَةِ، ومَحَلُّ الكافِ في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ.
﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ إضْلالأ وهِدايَةً كائِنَيْنِ مِثْلَ ما ذُكِرَ مِنَ الإضْلالِ والهِدايَةِ فَحُذِفَ المَصْدَرُ، وأُقِيمَ وصْفُهُ مَقامَهُ، ثُمَّ قُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، فَصارَ النَّظْمُ: مِثْلُ ذَلِكَ الإضْلالِ، وتِلْكَ الهِدايَةِ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ إضْلالَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى جانِبِ الضَّلالِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِآياتٍ إلى جانِبِ الهُدى لا إضْلالأ وهِدايَةً أدْنى مِنهُما.
﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ أيْ: جُمُوعَ خَلْقِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المَلائِكَةُ المَذْكُورُونَ.
﴿إلا هُوَ﴾ إذْ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى حَصْرِ المُمَكَّناتِ، والوُقُوفِ عَلى حَقائِقِها وصِفاتِها، ولَوْ إجْمالأ فَضْلًا عَنِ الأطِّلاعِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِها مِن كَمٍّ وكَيْفٍ ونِسْبَةٍ.
﴿وَما هِيَ﴾ أيْ: سَقَرُ، أوْ عِدَّةُ خَزَنَتِها، أوِ الآياتُ النّاطِقَةُ بِأحْوالِها.
﴿إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ إلّا تَذْكِرَةً لَهم.
المدثر 74:32
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِمَن أنْكَرَها، أوْ إنْكارٌ ونَفْيٌ؛ لِأنْ يَكُونَ لَهم تَذَكُّرٌ.
﴿والقَمَرِ﴾ .
المدثر 74:33
﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ وقُرِئَ: (إذا دَبَرَ) بِمَعْنى: أدْبَرَ كَقَبَلَ بِمَعْنى: أقْبَلَ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: صارُوا كَأمْسِ الدّارِ، وقِيلَ: هو مِن دَبِرَ اللَّيْلُ النَّهارَ إذا خَلَّفَهُ.
المدثر 74:34
﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أيْ: أضاءَ وانْكَشَفَ.
المدثر 74:35
﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ، أوْ تَعْلِيلٌ لِـ"كَلّا" والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْكِيدِ، و"الكُبَرُ" جَمْعُ الكُبْرى، جُعِلَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ كَتائِها فَكَما جُمِعَتْ "فُعْلَةُ" عَلى "فُعَلٍ" جُمِعَتْ "فُعْلى" عَلَيْها، ونَظِيرُها "القَواصِعُ" في جَمْعِ "القاصِعاءِ" (p-61)كَأنَّها جَمْعُ قاصِعَةٍ، أيْ: لَإحْدى البَلايا، أوْ لَإحْدى الدَّواهِي الكُبَرَ عَلى مَعْنى أنَّ البَلايا الكُبَرَ، أوِ الدَّواهِيَ الكُبَرَ كَثِيرَةٌ، وهَذِهِ واحِدَةٌ في العِظَمِ لا نَظِيرَةَ لَها.
المدثر 74:36
﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ تَمْيِيزٌ، أيْ: لَإحْدى الكُبَرِ إنْذارًا، أوْ حالٌ مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ، أيْ: كَبُرَتْ مُنْذِرَةً، وقُرِئَ: نَذِيرٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِـ"إنَّ"، أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
المدثر 74:37
﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ بَدَلٌ مِن "لِلْبَشَرِ"، أيْ: نَذِيرًا لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْبِقَ إلى الخَيْرِ فَيَهْدِيَهُ اللَّهُ تَعالى، أولم يَشَأْ ذَلِكَ فَيُضِلَّهُ، وقِيلَ: "لِمَن شاءَ" خَبَرٌ و"أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ" مُبْتَدَأٌ فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
المدثر 74:38
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِكَسْبِها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بَمَعْنى الرَّهْنِ، كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ لا صِفَةٌ، وإلّا لَقِيلَ: رَهِينٌ؛ لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ لا يَدْخُلُهُ التّاءُ.
المدثر 74:39
﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم فاكُّونَ رِقابَهم بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ كَما يَفُكُّ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الدَّيْنِ، وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأطْفالُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى الحُسْنى، وقِيلَ: الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ المِيثاقِ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ.
المدثر 74:40
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ لا يُكْتَنَهُ كُنْهِها ولا يُدْرَكُ وصْفُها، وهو خَبَرٌ لِمُتَبَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ اسْتِثْناءِ أصْحابِ اليَمِينِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهم ؟ فَقِيلَ: هم في جَنّاتٍ، وقِيلَ: حالٌ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِن ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وقِيلَ: ظَرْفٌ لِلتَّساؤُلِ ولَيْسَ المُرادُ بِتَساؤُلِهِمْ أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم سائِلًا ومَسْؤُلًا مَعًا، بَلْ صُدُورُ السُّؤالِ عَنْهم مُجَرَّدًا عَنْ وُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ صِيغَةَ "التَّفاعُلِ" وإنْ وُضِعَتْ في الأصْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ ووُقُوعِهِ عَلَيْهِ مَعًا، بِحَيْثُ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ فاعِلًا ومَفْعُولًا مَعًا، كَما في قَوْلِكَ: تَراءى القَوْمُ، أيْ: رَأى كُلٌ واحِدٍ مِنهُمُ الآخَرَ، لَكِنَّها قَدْ تُجَرَّدُ عَنِ المَعْنى الثّانِي، ويُقْصَدُ بِها الدَّلالَةُ عَلى الأوَّلِ فَقَطْ، فَيُذْكَرُ لِلْفِعْلِ حِينَئِذٍ مَفْعُولٌ، كَما في قَوْلِكَ: تَراءَوُا الهِلالَ، فَمَعْنى يَتَساءَلُونَ.
المدثر 74:41
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ يَسْألُونَهم عَنْ أحْوالِهِمْ، وقَدْ حُذِفَ المَسْؤُلُ لِكَوْنِهِ عَيْنُ المَسْؤُلِ عَنْهُ، (p-62)وَقَوْلُهُ تَعالى:
المدثر 74:42
﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ "يَتَساءَلُونَ"، أيْ: يَسْألُونَهم قائِلِينَ: أيُّ شَيْءٍ أدْخَلَكم فِيها فَتَأمَّلْ ودَعْ عَنْكَ ما تَكَلَّفَ فِيهِ المُتَكَلِّفُونَ.
المدثر 74:43
قالُواْ أيِ: المُجْرِمُونَ مُجِيبِينَ لِلسّائِلِينَ ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ لِلصَّلَواتِ الواجِبَةِ.
المدثر 74:44
﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ عَلى مَعْنى اسْتِمْرارِ نَفْيِ الإطْعامِ، لا عَلى نَفْيِ اسْتِمْرارِ الإطْعامِ، كَما مَرَّ مِرارًا، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ.
المدثر 74:45
﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ: نَشْرَعُ في الباطِلِ مَعَ الشّارِعِينَ فِيهِ.
المدثر 74:46
﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: بِيَوْمِ الجَزاءِ، أضافُوهُ إلى الجَزاءِ مَعَ أنَّ فِيهِ مِنَ الدَّواهِي والأهْوال ما لا غايَةَ لَهُ؛ لِأنَّهُ أدْهاها وأهْوَلُها وأنَّهم مُلابِسُوهُ، وقَدْ مَضَتْ بَقِيَّةُ الدَّواهِي وتَأْخِيرُ جِناياتِهِمْ هَذِهِ مَعَ كَوْنِها أعْظَمَ مِنَ الكُلِّ لِتَفْخِيمِها، كَأنَّهم قالُوا: وكُنّا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، ولِبَيانِ كَوْنِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ مُقارِنًا لِسائِرِ جِناياتِهِمُ المَعْدُودَةِ مُسْتَمِرًّا إلى آخَرِ عُمْرِهِمْ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهم.
المدثر 74:47
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ أيِ: المَوْتُ ومُقَدِّماتُهُ.
المدثر 74:48
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ لَوْ شَفَعُوا لَهم جَمِيعًا، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:
المدثر 74:49
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ القرآن بِغَيْرِ سَبَبٍ عَلى ما قَبْلَها مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْهِ والأتِّعاظِ بِهِ مِن سُوءِ حالِ المُكَذِّبِينَ و"مُعْرِضِينَ" حالٌ مِن الضَّمِيرِ في الجارِّ الواقِعِ خَبَرًا لِـ"ما" الاسْتِفْهامِيَّةِ و"عَنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، أيْ: فَإذا كانَ حالُ المُكَذِّبِينَ بِهِ عَلى ما ذُكِرَ فَأيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم مُعْرِضِينَ عَنِ القرآن مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْهِ، وتَآخُذِ الدَّواعِي إلى الإيمانِ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
المدثر 74:50
﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "مُعْرِضِينَ" (p-63)بِطَرِيقِ التَّداخُلِ، أيْ: مُشَبَّهِينَ بِحُمُرٍ نافِرَةٍ.
المدثر 74:51
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ: مِن أسَدٍ "فَعْوَلَة" مِنَ القَسْرِ وهو القَهْرُ والغَلَبَةُ، وقِيلَ: هي جَماعَةُ الرُّماةِ الَّذِينَ يَتَصَيَّدُونَها شُبِّهُوا في إعْراضِهِمْ عَنِ القرآن، واسْتِماعِ ما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ وشِرادِهِمْ عَنْهُ بِحُمُرٍ جَدَّتْ في نِفارِها مِمّا أفْزَعَها، وفِيهِ مِن ذَمِّهِمْ وتَهْجِينِ حالِهِمْ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى:
المدثر 74:52
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ ولا يَرْضَوْنَ بِها، بَلْ يُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أنْ يُؤْتى قَراطِيسَ تُنْشَرُ وتُقْرَأُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ نُتْبِعَكَ حَتّى تَأْتِيَ كُلَّ واحِدٍ مِنّا بِكُتُبٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُها مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ نُؤْمَرُ فِيها بِاتِّباعِكَ، كَما قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنْزِلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ، وقُرِئَ: (صُحْفًا مُنْشِرَةً) بِسُكُونِ الحاءِ والنُّونِ.
المدثر 74:53
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ تِلْكَ الجَراءَةِ ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ فَلِذَلِكَ يُعْرِضُونَ عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ.
المدثر 74:54
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ: القُرى ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ وأيُّ تَذْكِرَةٍ.
المدثر 74:55
﴿فَمَن شاءَ﴾ أنْ يَذْكُرَهُ ﴿ذَكَرَهُ﴾ وحازَ بِسَبَبِهِ سَعادَةَ الدّارَيْنِ.
المدثر 74:56
﴿وَما يَذْكُرُونَ﴾ بِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِمْ لِلذِّكْرِ، كَما هو المَفْهُومُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: "فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ" إذْ لا تَأْثِيرَ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ في أفْعالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: وما يَذْكُرُونَ بِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ، أوْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ، أوْ حالَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ، وهو تَصْرِيحٌ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقُرِئَ: (تَذْكُرُونَ) عَلى الخِطابِ التِفاتًا، وقُرِئَ: بِهِما مُشَدَّدًا.
﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ: حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عِقابُهُ ويُؤْمَنَ بِهِ ويُطاعَ.
﴿وَأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لِمَن آمَنَ بِهِ وأطاعَهُ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ المُدَّثِّرِ أعْطاهُ اللَّهُ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وكَذَّبَ بِهِ بِمَكَّةَ ﴾ .
القيامة 75:1
(p-64)سُورَةُ القِيامَةِ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها أرْبَعُونَ
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ إدْخالُ "لا" النّافِيَةِ عَلى فِعْلِ القَسَمِ شائِعٌ، وفائِدَتُها تَوْكِيدُ القَسَمِ، قالُوا: إنَّها صِلَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ وقِيلَ: هي لِلنَّفِيِّ، لَكِنْ "لا" لِنَفْيِ نَفْسِ الإقْسامِ، بَلْ النَّفْيُ ما يُنْبِئُ هو عَنْهُ مِن إعْظامِ المُقْسَمِ بِهِ، وتَفْخِيمِهِ، كَأنَّ مَعْنى "لا أُقْسِمُ بِكَذا" لا أُعَظِّمُهُ بِإقْسامِي بِهِ حَقَّ إعْظامِهِ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ وأكْثَرَ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى نَفْيُ الإقْسامِ لِوُضُوحِ الأمْرِ، فَقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ وقِيلَ: إنَّ "لا" نَفْيٌ ورَدَ لِكَلامٍ مَعْهُودٍ قَبْلَ القَسَمِ، كَأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ، فَقِيلَ: لا، أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ كَقَوْلِكَ: لا واللَّهِ، إنَّ البَعْثَ حَقٌّ وأيًّا ما كانَ، فَفي الإقْسامِ عَلى تَحَقُّقِ البَعْثِ بِيَوْمِ القِيامَةِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ يس، وسُورَةِ الزُّخْرُفِ.
القيامة 75:2
﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ أيْ: بِالنَّفْسِ المُتَّقِيَةِ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ يَوْمَئِذٍ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى، فَفِيهِ طَرَفٌ مِنَ البَراعَةِ الَّتِي في القَسَمِ السّابِقِ، أوْ بِالنَّفْسِ الَّتِي تَلُومُ نَفْسَها، وإنِ اجْتَهَدَتْ في الطّاعاتِ، أوْ بِالنَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ اللّائِمَةِ لِلنَّفْسِ الأمّارَةِ، وقِيلَ: بِالجِنْسِ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وتَلُومُ نَفْسَها يَوْمَ القِيامَةِ إنْ عَمِلَتْ خَيْرًا، قالَتْ: كَيْفَ لَمْ أزْدَدْ؟ وإنْ عَمِلَتْ شَرًّا قالَتْ: لَيْتَنِي كُنْتُ قَصَّرْتُ» ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، فَإنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ اللَّوْمِ لا يَكُونُ مَدارًا لِلْإعْظامِ بِالإقْسامِ، وإنْ صَدَرَ عَنِ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ المُسِيئَةِ، فَكَيْفَ مِنَ الكافِرَةِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ الجِنْسِ؟ وقِيلَ: بِنَفْسِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّها لا تَزالُ تَتَلَوَّمُ عَلى فِعْلِها الَّذِي خَرَجَتْ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ، وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
القيامة 75:3
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ وهُوَ: لَيُبْعَثَنَّ، والمُرادُ بِالإنْسانِ: الجِنْسُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ، أيْ: أيَحْسَبُ أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ حُسْبانٌ باطِلٌ، فَإنّا نَجْمَعُها بَعْدَ تَشَتُّتِها ورُجُوعِها رَمِيمًا (p-65)وَرُفاتًا مُخْتَلِطًا بِالتُّرابِ وبَعْدَ ما سَفَّتْها الرِّياحُ وطَيَّرَتْهُ في أقْطارِ الأرْضِ، وألْقَتْها في البِحارِ، وقِيلَ: إنَّ عُدَيَّ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ خَتَنَ الأخْنَسَ بْنَ شُرَيْقٍ وهُما اللَّذانِ كانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ فَيهِما: ﴿اللَّهُمَّ اكْفِنِي جارِيَ السُّوءَ﴾ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ؛ حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، مَتى يَكُونُ؟ وكَيْفَ أمْرُهُ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ أُصَدِّقْكَ، أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ"
القيامة 75:4
﴿بَلى﴾ أيْ نَجْمَعُها حالَ كَوْنِنا ﴿قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ أيْ: نَجْمَعُ سُلامَياتِهِ ونَضُمُّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، كَما كانَتْ مَعَ صِغَرِها ولَطافَتِها، فَكَيْفَ بِكِبارِ العِظامِ؟ أوْ عَلى أنْ نُسَوِّيَ أصابِعَهُ الَّتِي هي أطْرافُهُ وآخِرُ ما يَتِمُّ بِهِ خَلْقُهُ، وقُرِئَ: (قادِرُونَ).
القيامة 75:5
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى أيَحْسَبُ، إمّا عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ مِثْلُهُ، أُضْرِبَ عَنِ التَّوْبِيخِ بِذَلِكَ إلى التَّوْبِيخِ بَهَذا، أوْ عَلى أنَّهُ إيجابٌ انْتَقَلَ إلَيْهِ عَنِ الاسْتِفْهامِ، أيْ: بَلْ يُرِيدُ لِيَدُومَ عَلى فُجُورِهِ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الأوْقاتِ وما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ لا يَرْعَوِي عَنْهُ.
القيامة 75:6
﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَكُونُ اسْتِبْعادًا أوِ اسْتِهْزاءً.
القيامة 75:7
فَإذا بَرِقَ البَصَرُ، أيْ: تَحَيَّرَ فَزَعًا، مِن بَرَقَ الرَّجُلُ إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُنَّ، وقُرِئَ: بِفَتْحِ الرّاءِ وهي لُغَةٌ، أوْ مِنَ البَرِيقِ بِمَعْنى لَمَعَ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ، وقُرِئَ: (بَلَقَ) أيِ: انْفَتَحَ وانْفَرَجَ.
القيامة 75:8
﴿وَخَسَفَ القَمَرُ﴾ أيْ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ، وقُرِئَ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
القيامة 75:9
﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ بِأنْ يُطْلِعَهُما اللَّهُ تَعالى مِنَ المَغْرِبِ، وقِيلَ: جُمِعا في ذَهابِ الضَّوْءِ، وقِيلَ: يُجْمَعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ، كَأنَّهُما ثَوْرانِ عَقِيرانِ في النّارِ، وتَذْكِيرُ الفِعْلِ لِتَقَدُّمِهِ وتَغْلِيبِ المَعْطُوفِ.
القيامة 75:10
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَقَعُ هَذِهِ الأُمُورُ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ ؟ أيِ: الفِرارُ يَأْسًا مِنهُ، وقُرِئَ: بِالكَسْرِ، أيْ: مَوْضِعِ الفِرارِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو أيْضًا مَصْدَرًا كالمَرْجِعِ.
القيامة 75:11
(p-66)﴿كَلا﴾ رَدْعٌ مِن طَلَبِ المَفَرِّ و تَمَنِّيهِ ﴿لا وزَرَ﴾ لا مَلْجَأٌ، مُسْتَعارٌ مِنَ الجَبَلِ، وقِيلَ: كُلُّ ما التَجَأْتَ إلَيْهِ وتَخَلَّصْتَ بِهِ فَهو وزَرُكَ.
القيامة 75:12
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ أيْ: إلَيْهِ وحْدَهُ اسْتِقْرارُ العِبادِ، أوْ إلى حُكْمِهِ اسْتِقْرارُ أمْرِهِمْ، أوْ إلى مَشِيئَتِهِ مَوْضِعُ قَرارِهِمْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ الجَنَّةَ، ومَن يَشاءُ النّارَ.
القيامة 75:13
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يُخْبِرُ كُلُّ امْرِئٍ بَرًّا كانَ أوْ فاجِرًا عِنْدَ وزْنِ الأعْمالِ ﴿بِما قَدَّمَ﴾ أيْ: عَمِلَ مِن عَمَلٍ خَيْرًا كانَ، أوْ شَرًّا فَيُثابُ بِالأوَّلِ، ويُعاقَبُ بِالثّانِي ﴿وَأخَّرَ﴾ أيْ: لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا كانَ، أوْ شَرًّا فَيُعاقَبُ بِالأوَّلِ ويُثابُ بِالثّانِي، أوْ بِما قَدَّمَ مِن حَسَنَةٍ، أوْ سَيِّئَةٍ وبِما أخَّرَ مِن سُنَّةٍ حَسَنَةٍ، أوْ سَيِّئَةٍ فَعُمِلَ بَها بَعْدَهُ، أوْ بِما قَدَّمَ مِن مالٍ تَصَدَّقَ بِهِ في حَياتِهِ وبِما أخَّرَ فَخَلَقَهُ، أوْ وقَفَهُ، أوْ أوْصى بِهِ، أوْ بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ.
القيامة 75:14
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ وبَيِّنَةٌ عَلى نَفْسِهِ شاهِدَةٌ بِما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ كَلِمَةُ "عَلى" وما سَيَأْتِي مِنَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، وُصِفَتْ بِالبَصارَةِ ومَجازًا،كَما وُصِفَتِ الآياتُ بِالأبْصارِ في قَوْلِهِ تَعالى: فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً، أوْ عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، أوِ التّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، ومَعْنى "بَلْ" التَّرَقِّي، أيْ: يُنَبَّأُ الإنْسانُ بِأعْمالِهِ، بِلْ هو يَوْمَئِذٍ عالِمٌ بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ جَوارِحَهُ تَنْطِقُ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى:
القيامة 75:15
﴿وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ: ولَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يُمْكِنُ أنْ يَعْتَذِرَ بِها عَنْ نَفْسِهِ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في بَصِيرَةٍ، أوْ مِن مَرْفُوعٍ يُنَبَّأُ، أيْ: هو بَصِيرَةٌ عَلى نَفْسِهِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ جَوارِحُهُ وتُقْبَلُ شَهادَتُها ولَوْ اعْتَذَرَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ، أوْ يُنَبَّأُ بِأعْمالِهِ ولَوِ اعْتَذَرَ... إلَخْ. والمَعاذِيرُ اسْمُ جَمْعٍ لِلْمَعْذِرَةِ كالمَناكِيرِ اسْمُ جَمْعٍ لِلْمُنْكَرِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ مِعْذارٍ وهو السَّتْرُ، أيْ: ولَوْ أرْخى سُتُورَهُ.
كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا لُقِّنَ الوَحْيَ نازَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ القِراءَةَ، ولَمْ يَصْبِرْ إلى أنْ يُتِمَّها مُسارَعَةً إلى الحِفْظِ وخَوْفًا مِن أنْ يَنْفَلِتَ، فَأمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَسْتَنْصِتَ لَهُ مُلْقِيًا إلَيْهِ قَلَبَهُ وسَمْعَهُ حَتّى يُقْضى إلَيْهِ الوَحْيُ، ثُمَّ يُقْضى إلَيْهِ الوَحْيُ، ثُمَّ يُقَفِّيهِ بِالدِّراسَةِ إلى أنْ يَرْسَخَ فِيهِ فَقِيلَ:
القيامة 75:16
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ أيْ: بِالقرآن ﴿لِسانَكَ﴾ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْىِ.
﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ: لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ مَخافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنكَ.
القيامة 75:17
(p-67)﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن مَعانِيهِ ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أيْ: إثْباتَ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ.
القيامة 75:18
﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ: أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإسْنادُ القِراءَةِ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ التَّأنِّي ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَكُنْ مُقَفِّيًا لَهُ ولا تُراسِلْهُ.
القيامة 75:19
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ: بَيانَ ما أشْكَلَ عَلَيْكَ مِن مَعانِيهِ وأحْكامِهِ.
القيامة 75:20
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ عادَةِ العَجَلَةِ وتَرْغِيبٌ لَهُ في الأناةِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾
القيامة 75:21
﴿وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ عَلى تَعْمِيمِ الخِطابِ لِلْكُلِّ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ يا بَنِي آدِمَ لَمّا خُلِقْتُمْ مِن عَجَلٍ وجُبِلْتُمْ عَلَيْهِ تَعْجَلُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، ولِذَلِكَ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذَرُونَ الآخِرَةَ، وقِيلَ: "كَلّا" رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنِ الاغْتِرارِ بِالعاجِلِ فَيَكُونُ جَمْعُ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى الجِنْسِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الفِعْلَيْنِ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ.
القيامة 75:22
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ أيْ: وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ يَوْمَ إذْ تَقُومُ القِيامَةُ بَهِيَّةٌ مُتَهَلِّلَةٌ يُشاهَدُ عَلَيْها نَضْرَةُ النَّعِيمِ عَلى أنَّ "وُجُوهٌ" مُبْتَدَأٌ، و"ناضِرَةٌ" خَبَرُهُ و"يَوْمَئِذٍ" مَنصُوبٌ بِـ"ناضِرَةٌ"، و"ناظِرَةٌ" في قَوْلِهِ تَعالى:
القيامة 75:23
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ أوْ نَعْتٌ لِـ"ناضِرَةٌ"، و"إلى رَبِّها" مُتَعَلِّقٌ بِـ"ناظِرَةٌ" وصِحَّةُ وُقُوعِ النَّكِرَةِ مُبْتَدَأً؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْصِيلٍ لا عَلى أنَّ "ناضِرَةٌ" صِفَةٌ لِـ"وُجُوهٌ" والخَبَرُ ناظِرَةٌ، كَما قِيلَ: لِما هو المَشْهُورُ مِن أنَّ حَقَّ الصِّفَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الأنْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ السّامِعِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ثُبُوتُ النُّضْرَةِ لِلْوُجُوهِ كَذَلِكَ فَحَقُّهُ أنْ يُخْبَرَ بِهِ، ومَعْنى كَوْنِها ناظِرَةً إلى رَبِّها: أنَّها تَراهُ تَعالى مُسْتَغْرِقَةً في مُطالَعَةِ جَمالِهِ بِحَيْثُ تَغْفُلُ عَمّا سِواهُ وتُشاهِدُهُ تَعالى بِلا كَيْفٍ ولا عَلى جِهَةٍ، ولَيْسَ هَذا في جَمِيعِ الأحْوالِ حَتّى يُنافِيَهُ نَظَرُها إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ: مُنْتَظَرُهُ وإنْعامُهُ ورُدَّ بِأنَّ الأنْتِظارَ لا يُسْنَدُ إلى الوَجْهِ، وتَفْسِيرُهُ بِالجُمْلَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، وأنَّ المُسْتَعْمَلَ بِمَعْناهُ لا يُعَدّى بِـ"إلى".
القيامة 75:24
(p-68)﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ شَدِيدَةُ العُبُوسِ، وهي وُجُوهُ الكَفَرَةِ.
القيامة 75:25
تَظُنُّ: يَتَوَقَّعُ أرْبابُها أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ: داهِيَةٌ عَظِيمَةٌ تُقْصَمُ فَقارُ الظَّهْرِ.
القيامة 75:26
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ إيثارِ العاجِلَةِ عَلى الآخِرَةِ، أيِ: ارْتَدَعُوا عَنْ ذَلِكَ وتَنَبَّهُوا لِما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ المَوْتِ الَّذِي يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ ما بَيْنَكم وبَيْنَ العاجِلَةِ مِنَ العَلاقَةِ.
﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ: بَلَغَتِ النَّفْسُ أعالِيَ الصَّدْرِ، وهي العِظامُ المُكْتَنَفَةُ لِثُغْرَةِ النَّحْرِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ.
القيامة 75:27
﴿وَقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ: قالَ مَن حَضَرَ صاحِبَها، مِن يَرْقِيهِ ويُنْجِيهِ مِمّا هو فِيهِ مِنَ الرُّقْيَةِ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ مَلائِكَةِ المَوْتِ أيُّكم يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، أوْ مَلائِكَةُ العَذابِ مِنَ الرُّقِيِّ.
القيامة 75:28
﴿وَظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ وأيْقَنَ المُحْتَضِرُ أنَّ ما نَزَلَ بِهِ الفِراقُ مِنَ الدُّنْيا ونَعِيمِها.
القيامة 75:29
﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ والتَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ والتَوَتْ عَلَيْها عِنْدَ حُلُولِ المَوْتِ، وقِيلَ: هُما شِدَّةُ فِراقِ الدُّنْيا، وشِدَّةُ إقْبالِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هُما ساقاهُ حِينَ تُلَفّانِ في أكْفانِهِ.
القيامة 75:30
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ: إلى اللَّهِ وإلى حُكْمِهِ يُساقُ لا إلى غَيْرِهِ.
القيامة 75:31
فَلا صَدَّقَ ما يَجِبُ تَصْدِيقُهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ والقرآن الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ، أوْ فَلا صَدَّقَ مالَهُ ولا زَكّاهُ.
﴿وَلا صَلّى﴾ ما فُرِضَ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ فِيهِما لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ كَما مَرَّ.
القيامة 75:32
﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ﴾ ما ذُكِرَ مِنَ الرَّسُولِ والقرآن.
﴿وَتَوَلّى﴾ عَنِ الطّاعَةِ.
القيامة 75:33
﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ يَتَبَخْتَرُ افْتِخارًا بِذَلِكَ مِنَ المَطِّ، فَإنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ فَيَكُونُ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، (p-69)أوْ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ فَإنَّهُ يَلْوِيهِ.
القيامة 75:34
﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ: ويْلٌ لَكَ، وأصْلُهُ أوْلاكَ اللَّهُ ما تَكْرَهُهُ، واللّامُ مَزِيدَةٌ كَما في "رَدِفَ لَكُمْ"، أوْ أوْلى لَكَ الهَلاكُ، وقِيلَ: هو أفْعَلُ مِنَ "الوَيْلِ" بَعْدَ القَلْبِ كَأدْنى مِن دُونَ، أوْ فَعْلى مِن "آلَ" يَءولُ بِمَعْنى عُقْباكَ النّارُ.
القيامة 75:35
﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أيْ: يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
القيامة 75:36
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ: يُخَلّى مُهْمَلًا فَلا يُكَلَّفُ ولا يُجْزى، وقِيلَ: أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ ولا يُبْعَثَ، وقَوْلُهُ تَعالى:
القيامة 75:37
﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِإبْطالِ الحُسْبانِ المَذْكُورِ، فَإنَّ مَدارَهُ لَمّا كانَ اسْتِبْعادُهم لِلْإعادَةِ اسْتَدَلَّ عَلى تَحَقُّقِها بِبَدْءِ الخَلْقِ.
القيامة 75:38
﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ: بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ ﴿فَخَلَقَ﴾ أيْ: فَقُدِّرَ بِأنْ جَعَلَها مُضْغَةً مُخَلَّقَةً.
﴿فَسَوّى﴾ فَعَدَّلَ وكَمَّلَ نَشْأتَهُ.
القيامة 75:39
﴿فَجَعَلَ مِنهُ﴾ مِنَ الإنْسانِ.
﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ.
﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ بَدَلٌ مِنَ الزَّوْجَيْنِ.
القيامة 75:40
﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي أنْشَأ هَذا الإنْشاءَ البَدِيعَ.
﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ وهو أهْوَنُ مِنَ البَدْءِ في قِياسِ العَقْلِ.
رُوِيَ «أنَّ النَّبِيِّ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: "سُبْحانَكَ بَلى"،» وعَنْهُ ﷺ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ القِيامَةِ شَهِدْتُ لَهُ أنا وجِبْرِيلُ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِيَوْمِ القِيامَةِ".»
الإنسان 76:1
(p-70)سُورَةُ الإنْسانِ مَدَنِيَّةٌ، وآياتُها إحْدى وثَلاثُونَ
﴿هَلْ أتى﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَقْرِيبٍ، فَإنَّ "هَلْ" بِمَعْنى قَدْ، والأصْلُ "أهَلْ أتى".
﴿عَلى الإنْسانِ﴾ قَبْلَ زَمانٍ قَرِيبٍ ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾، أيْ: طائِفَةٌ مَحْدُودَةٌ كائِنَةٌ مِنَ الزَّمَنِ المُمْتَدِّ.
﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ بَلْ كانَ شَيْئًا مَنسِيًّا غَيْرَ مَذْكُورٍ بِالإنْسانِيَّةِ أصْلًا كالعُنْصُرِ والنُّطْفَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ حالٌ مِنَ "الإنْسانِ"، أيْ: غَيْرَ مَذْكُورٍ، أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"حِينٌ" عَلى حَذْفِ العائِدِ إلى المَوْصُوفِ، أيْ: لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، والمُرادُ بِالإنْسانِ: الجِنْسُ، فالإظْهارُ في قَوْلِهِ تَعالى:
الإنسان 76:2
﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، أوْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيِّ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: مَرَّتْ بِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ، وهو مُلْقًى بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، وفي رِوايَةِ الضَّحاكِ عَنْهُ: أنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِن صَلْصالٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ. وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ الحِينَ المَذْكُورَ هَهُنا هو الزَّمَنُ الطَّوِيلُ المُمْتَدُّ، الَّذِي يُعْرَفُ مِقْدارُهُ، فَيَكُونُ الأوَّلُ إشارَةً إلى خَلْقَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا بَيانًا لِخَلْقِ بَنِيهِ.
﴿أمْشاجٍ﴾ أخْلاطٍ جَمْعُ مُشْجٍ، أوْ مَشِيجٍ مِن مَشَجْتُ الشَّيْءَ إذا خَلَقْتُهُ، وصَفَ النُّطْفَةَ بِهِ لِما أنَّ المُرادَ بِها: مَجْمُوعُ الماءَيْنِ ولِكُلٍّ مِنهُما أوْصافٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنَ اللَّوْنِ والرِّقَّةِ والغِلَظِ، وخَواصُّ مُتَبايِنَةٌ، فَإنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ فِيهِ قُوَّةُ العَقْدِ، وماءَ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فِيهِ قُوَّةُ الأنْعِقادِ يُخْلَقُ مِنهُما الوَلَدُ، فَما كانَ مِن عَصَبٍ وعَظْمٍ وقُوَّةٍ فَمِن ماءِ الرُّجُلِ، وما كانَ مِن لَحْمٍ ودَمٍ وشَعْرٍ فَمِن ماءِ المَرْأةِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدْ رُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا، وقِيلَ: مُفْرَدٌ كَأعْشارٍ وأكْياشٍ، وقِيلَ: أمْشاجٌ ألْوانٌ وأطْوارٌ، فَإنَّ النُّطْفَةَ تَصِيرُ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً إلى تَمامِ الخِلْقَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "خَلَقْنا"، أيْ: مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ بِالتَّكْلِيفِ فِيما سَيَأْتِي، أوْ ناقِلِينَ لَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى طَرِيقَةِ الأسْتِعارَةِ. كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، نُصَرِّفُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً إلى آخِرِهِ.
﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ اسْتِماعِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ ومُشاهَدَةِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ، (p-71)فَهُوَ كالمُسَبَّبِ عَنِ الأبْتِداءِ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلى الخَلْقِ المُقَيَّدِ بِهِ بِالفاءِ ورُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
الإنسان 76:3
﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ بِإنْزالِ الآياتِ، ونَصْبِ الدَّلائِلِ.
﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ حالأنِ مِن مَفْعُولِ "هَدَيْنا"، أيْ: مَكَّنّاهُ وأقْدَرْناهُ عَلى سُلُوكِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلى البُغْيَةِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا، وإمّا لِلتَّفْصِيلِ، أوِ التَّقْسِيمِ، أيْ: هَدَيْناهُ إلى ما يُوَصِّلُ إلَيْها في حالَيْهِ جَمِيعًا، أوْ مَقْسُومًا إلَيْهِما بَعْضُهُمْ، شاكِرٌ بِالأهْتِداءِ والأخْذِ فِيهِ وبَعْضُهم كَفُورٌ بِالإعْراضِ عَنْهُ، وقِيلَ: مِنَ السَّبِيلِ، أيْ: عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ، إمّا سَبِيلًا شاكِرًا، أوْ كَفُورًا عَلى وصْفِ السَّبِيلِ بِوَصْفِ سالِكِهِ مَجازًا، وقُرِئَ: أمّا بِالفَتْحِ عَلى حَذْفِ الجَوابِ، أىْ: إمّا شاكِرًا فَبِتَوْفِيقِنا، وإمّا كَفُورًا فَبِسُوءِ اخْتِيارِهِ لا بِمُجَرَّدِ إجْبارِنا مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ مِن قِبَلِهِ، وإيرادُ "الكَفُورِ" لِمُراعاةِ الفَواصِلِ والإشْعارِ بِأنَّ الإنْسانَ قَلَّما يَخْلُو مِن كُفْرانٍ ما، وإنَّما المُؤاخَذُ عَلَيْهِ الكُفْرُ المُفْرَطُ.
الإنسان 76:4
﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ مِن أفْرادِ الإنْسانِ الَّذِي هَدَيْناهُ السَّبِيلَ.
﴿سَلاسِلَ﴾ بِها يُقادُونَ.
﴿وَأغْلالا﴾ بِها يُقَيَّدُونَ ﴿وَسَعِيرًا﴾ بِها يُحْرَقُونَ، وتَقْدِيمُ وعِيدِهِمْ مَعَ تَأخُّرِهِمْ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُما في الذِّكْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ الآيَةَ؛ ولِأنَّ الإنْذارَ أهَمُّ وأنْفَعُ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ وخَتْمُهُ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ أحْسُنُ، عَلى أنَّ في وصْفِهِمْ تَفْصِيلًا، رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقُرِئَ: (سَلاسِلًا) لِلتَّناسُبِ.
الإنسان 76:5
﴿إنَّ الأبْرارَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حُسْنِ حالِ الشّاكِرِينَ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ الكافِرِينَ، وإيرادُهم بِعُنْوانِ البِرِّ؛ لِلْإشْعارِ بِما اسْتَحَقُّوا بِهِ ما نالُوهُ مِنَ الكَرامَةِ السَّنِيَّةِ، والأبْرارُ جَمْعُ بَرٍّ، أوْ بارٍّ كَـ"رَبٍّ" و"أرْبابٍ" و"شاهِدٍ" و"أشْهادٍ"، قِيلَ: هو مِن يَبِرُّ خالِقَهُ، أيْ: يُطِيعُهُ، وقِيلَ: مَن يَمْتَثِلُ بِأمْرِهِ تَعالى، وقِيلَ: مَن يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ تَعالى ويُوفِي بِالنَّذْرِ. وعَنِ الحَسَنِ: البَرُّ مَن لا يُؤْذِي الذَّرَّ.
﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ هي الزُّجاجَةُ إذا كانَتْ فِيها خَمْرٌ وتُطْلَقُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ أيْضًا، فَـ"مِن" عَلى الأوَّلِ ابْتِدائِيَّةٌ وعَلى الثّانِي تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ.
﴿كانَ مِزاجُها﴾ أيْ: ما تُمْزَجُ بِهِ ﴿كافُورًا﴾ أيْ: ماءَ كافُورٍ، وهو اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ ماؤُها في بَياضِ الكافُورِ ورائِحَتِهِ وبَرْدِهِ، والجُمْلَةُ صِفَةُ "كَأْسٍ"، وقَوْلُهُ تَعالى:
الإنسان 76:6
﴿عَيْنًا﴾ بَدَلٌ مِن "كافُورًا". وعَنْ قَتادَةَ: تُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ لَهم بِالمِسْكِ، وقِيلَ: تُخْلَقُ لَهم رائِحَةُ الكافُورِ وبَياضُهُ وبَرْدُهُ، فَكَأنَّها مُزِجَتْ بِالكافُورِ فَـ"عَيْنًا" عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ "مِن كَأْسٍ" عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرَ عَيْنٍ، أوْ نُصِبَ عَلى الأخْتِصاصِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ صِفَةُ "عَيْنًا"، أيْ: يَشْرَبُونَ بِها الخَمْرَ لِكَوْنِها مَمْزُوجَةً بِها، وقِيلَ: ضُمِّنَ "يَشْرَبُ" مَعْنى يَلْتَذُّ، وقِيلَ: الياءُ بِمَعْنى مِن، وقِيلَ: زائِدَةٌ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: يَشْرَبُها (p-72)عِبادُ اللَّهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْكَأْسِ، والمَعْنى: يَشْرَبُونَ العَيْنَ بِتِلْكَ الكَأْسِ.
﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أيْ: يُجْرُونَها حَيْثُما شاؤُا مِن مَنازِلِهِمْ إجْراءً سَهْلًا لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ، بَلْ يَجْرِي جَرْيًا بِقُوَّةٍ وانْدِفاعٍ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"عَيْنًا"، وقَوْلُهُ تَعالى:
الإنسان 76:7
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ رُزِقُوا ما ذُكِرَ مِن النَّعِيمِ مُشْتَمِلٌ عَلى نَوْعِ تَفْصِيلٍ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ اسْمُ الأبْرارِ إجْمالأ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ حَتّى يَنالُوا تِلْكَ الرُّتْبَةَ العالِيَةَ؟ فَقِيلَ: يُوفُونَ بِما أوْجَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ؟ ﴿وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ﴾ عَذابُهُ ﴿مُسْتَطِيرًا﴾ فاشِيًا مُنْتَشِرًا في الأقْطارِ غايَةَ الأنْتِشارِ مِنِ "اسْتَطارَ الحَرِيقُ والفَجْرُ"، وهو أبْلَغُ مِن "طارَ" بِمَنزِلَةِ اسْتَنْفَرَ مِن "نَفَرَ".
الإنسان 76:8
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ: كائِنِينَ عَلى حُبِّ الطَّعامِ والحاجَةِ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ أوْ عَلى حُبِّ الإطْعامِ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطِيبِ النَّفْسِ، أوْ كائِنِينَ عَلى حُبِّ اللَّهِ تَعالى، أوْ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّهِ تَعالى، وهو الأنْسَبُ لِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى لِوَجْهِ اللَّهِ: ﴿مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ أيُّ أسِيرٍ، فَإنَّهُ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُؤْتى بِالأسِيرِ فَيَدْفَعُهُ إلى بَعْضِ المُسْلِمِينَ، فَيَقُولُ: أحْسِنْ إلَيْهِ، أوْ أسِيرًا مُؤْمِنًا فَيَدْخُلُ فِيهِ المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ، وقَدْ سَمّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَرِيمَ أسِيرًا فَقالَ: ﴿غَرِيمُكَ أسِيرُكَ فَأحْسِنْ إلى أسِيرِكَ﴾
الإنسان 76:9
﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ عَلى إرادَةِ قَوْلٍ هو في مَوْقِعِ الحالِ مِن فاعِلِ "يُطْعِمُونَ"، أيْ: قائِلِينَ ذَلِكَ بِلِسانِ الحالِ، أوْ بِلِسانِ المَقالِ إزاحَةً لِتَوَهُّمِ المَنِّ المُبْطِلِ لِلصَّدَقَةِ وتَوَقُّعِ المُكافَأةِ المُنْقِصَةِ لِلْأجْرِ. وعَنِ الصِّدِيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: أنَّها كانَتْ تَبْعَثُ بِالصَّدَقَةِ إلى أهْلِ بَيْتٍ، ثُمَّ تَسْألُ الرَّسُولَ ما قالُوا؟ فَإذا ذَكَرَ دُعاءَهم دَعَتْ لَهم بِمِثْلِهِ لِيَبْقى ثَوابُ الصَّدَقَةِ لَها خالِصًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أيْ: شُكْرًا وهو تَقْرِيرٌ وتَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ.
الإنسان 76:10
﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا﴾ أيْ: عَذابَ يَوْمٍ.
﴿عَبُوسًا﴾ يُعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ، أوْ يُشْبِهُ الأسَدَ العَبُوسَ في الشِّدَّةِ والضَّراوَةِ.
﴿قَمْطَرِيرًا﴾ شَدِيدَ العُبُوسِ فَلِذَلِكَ نَفْعَلُ بِكم ما نَفْعَلُ رَجاءَ أنْ يَقِيَنا رَبُّنا بِذَلِكَ شَرَّهُ، وقِيلَ: وهو تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ إرادَةِ الجَزاءِ والشُّكُورِ، أيْ: إنّا نَخافُ عِقابَ اللَّهِ تَعالى إنْ أرَدْناهُما.
الإنسان 76:11
﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ بِسَبَبِ خَوْفِهِمْ وتَحَفُّظِهِمْ عَنْهُ ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ أيْ: أعْطاهم بَدَلَ عُبُوسِ الفُجّارِ وحُزْنِهِمْ نُضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ.
الإنسان 76:12
(p-73)﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ بِصَبْرِهِمْ عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ ومُهاجَرَةِ هَوى النَّفْسِ في اجْتِنابِ المُحَرَّماتِ وإيثارِ الأمْوالِ.
﴿جَنَّةً﴾ بُسْتانًا يَأْكُلُونَ مِنهُ ما شاؤُا ﴿وَحَرِيرًا﴾ يَلْبَسُونَهُ ويَتَزَيَّنُونَ بِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مَرِضا فَعادَهُما النَّبِيُّ ﷺ في ناسٍ مَعَهُ، فَقالُوا لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ نَذَرْتَ عَلى ولَدِكَ، فَنَذَرَ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفِضَّةُ - جارِيَةٌ لَهُما - إنْ بَرِئا مِمّا بِهِما أنْ يَصُومُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ فَشُفِيا وما مَعَهم شَيْءٌ، فاسْتَقْرَضَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن شَمْعُونَ الخَيْبَرِيِّ ثَلاثَ أصْوُعٍ مِن شَعِيرٍ، فَطَحَنَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها صاعًا، واخْتَبَزَتْ خَمْسَةَ أقْراصٍ عَلى عَدَدِهِمْ، فَوَضَعُوها بَيْنَ أيْدِيهِمْ لِيُفْطِرُوا فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ سائِلٌ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، مِسْكِينٌ مِن مَساكِينِ المُسْلِمِينَ أطْعِمُونِي أطْعَمَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِن مَوائِدِ الجَنَّةِ، فَآثَرُوهُ وباتُوا لَمْ يَذُقُوا إلّا الماءَ، وأصْبَحُوا صِيامًا فَلَمّا أمْسَوْا ووَضَعُوا الطَّعامَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وقَفَ عَلَيْهِمْ يَتِيمٌ فَآثَرُوهُ، ثُمَّ وقَفَ عَلَيْهِمْ في الثّالِثَةِ أسِيرٌ فَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا أصْبَحُوا أخَذَ عَلِيٌّ بِيَدِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَأقْبَلُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا أبْصَرَهم وهم يَرْتَعِشُونَ كالفِراخِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما أشَدَّ ما يَسُوؤُنِي ما أرى بِكُمْ، وقامَ فانْطَلَقَ مَعَهم فَرَأى فاطِمَةَ في مِحْرابِها قَدْ التَصَقَ ظَهْرُها بِبَطْنِها وغارَتْ عَيْناها فَساءَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: خُذْها يا مُحَمَّدُ هَنَّأكَ اللَّهُ تَعالى في أهْلِ بَيْتِكَ فَأقْرَأهُ السُّورَةَ.»
الإنسان 76:13
﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ حالٌ مِن "هُمْ" في "جَزاهُمْ" والعامِلُ فِيها "جَزى"، وقِيلَ: صِفَةٌ لِـ"جَنَّةً" مِن غَيْرِ إبْرازِ الضَّمِيرِ، و"الأرائِكُ": هي السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ إمّا حالٌ ثانِيَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوِ المُسْتَكِنِّ في مُتَّكِئِينَ، والمَعْنى: أنَّهُ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ هَواءٌ مُعْتَدِلٌ لا حارٌّ مُحِمٌّ ولا بارِدٌ مُؤْذٍ، وقِيلَ: الزَّمْهَرِيرُ القَمَرُ في لُغَةِ طَيْءٍ، والمَعْنى: أنَّ هَواءَها مَضى بِذاتِهِ لا يَحْتاجُ إلى شَمْسٍ ولا قَمَرٍ.
الإنسان 76:14
﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها حالٌ مِثْلُها، أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى "جَنَّةً" وأيُّ جَنَّةٍ أُخْرى دانِيَةٌ عَلَيْهِمْ ظِلالُها عَلى أنَّهم وُعِدُوا جَنَّتَيْنِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ وقُرِئَ: (دانِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِـ"ظِلالُها"، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ الحالِ، والمَعْنى: لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا، أوْ والحالُ أنَّ ظِلالَها دانِيَةٌ، قالُوا مَعْناهُ: أنَّ ظِلالَ أشْجارِ الجَنَّةِ قَرِيبَةٌ مِنَ الأبْرارِ مِظَلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لَوْكانَ هُناكَ شَمْسٌ مُؤْذِيَةٌ لَكانَتْ أشْجارُها مِظَلَّةٌ عَلَيْهِمْ، أنَّهُ لا شَمْسَ ثَمَّةَ ولا قَمَرَ.
﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾ أيْ: سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِها وسُهِّلَ أخْذُها، مِنَ "الذُّلِّ" وهو ضِدُ الصُّعُوبَةِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن "دانِيَةً"، أيْ: تَدْنُو ظِلالُها عَلَيْهِمْ مُذَلَّلَةً لَهم قُطُوفُها، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى "دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها" ومُذَلَّلَةً قُطُوفُها، وعَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ "دانِيَةً" فَهي جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ.
الإنسان 76:15
(p-74)﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ الكُوبُ الكُوزُ العَظِيمُ لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ ﴿كانَتْ قَوارِيرا﴾
الإنسان 76:16
﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ: تَكَوَّنَتْ جامِعَةً بَيْنَ صَفاءِ الزُّجاجَةِ وشَفِيفِها ولِينِ الفِضَّةِ وبَياضِها، والجُمْلَةُ صِفَةُ الأكْوابِ، وقُرِئَ: بِتَنْوِينِ "قَوارِيرَ" الثّانِي أيْضًا، وقُرِئا: بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وقُرِئَ الثّانِي: بِالرَّفْعِ عَلى (هِيَ قَوارِيرُ).
﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ صِفَةٌ لِـ"قَوارِيرَ"، ومَعْنى تَقْدِيرِهِمْ لَها: أنَّهم قَدَّرُوها في أنْفُسِهِمْ وأرادُوا أنْ تَكُونَ عَلى مَقادِيرَ وأشْكالٍ مُعَيَّنَةٍ مُوافِقَةً لِشَهَواتِهِمْ، فَجاءَتْ حَسْبَما قَدَّرُوها، أوْ قَدَّرُوها بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ فَجاءَتْ عَلى حَسَبِها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلطّائِفِينَ بِها المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَيُطافُ عَلَيْهِمْ" فالمَعْنى قَدَّرُوا شَرابَها عَلى قَدْرِ اشْتِهائِهِمْ، وقُرِئَ: (قُدِّرُوها) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: جُعِلُوا قادِرِينَ لَها كَما شاؤُا مِن "قَدَرَ" مَنقُولًا مِن قَدَّرْتُ الشَّيْءَ.
الإنسان 76:17
﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾ أيْ: ما يُشْبِهُ الزَّنْجَبِيلَ في الطَّعْمِ، وكانَ الشَّرابُ المَمْزُوجُ بِهِ أطْيَبَ ما تَسْتَطِيبُهُ العَرَبُ وألَذَّ ما تَسْتَلِذُّ بِهِ.
الإنسان 76:18
﴿عَيْنًا﴾ بَدَلٌ مِن "زَنْجَبِيلًا"، وقِيلَ: تُمْزَجُ كَأْسُهم بِالزَّنْجَبِيلِ بِعَيْنِهِ، أوْ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى طَعْمَهُ فِيها، فَـ"عَيْنًا" حِينَئِذٍ بَدَلٌ مِن "كَأْسًا"، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كَأْسَ عَيْنٍ، أوْ نُصِبَ عَلى الأخْتِصاصِ.
﴿فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾ لِسَلاسَةِ انْحِدارِها في الحَلْقِ وسُهُولَةِ مَساغِها، يُقالُ: شَرابٌ سَلْسَلٌ وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ، ولِذَلِكَ حُكِمَ بِزِيادَةِ الباءِ، والمُرادُ: بَيانُ أنَّها في طَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ ولَيْسَ فِيها لَذْعَةٌ، بَلْ نَقِيضُ اللَّذْعِ هو السَّلاسَةُ.
الإنسان 76:19
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أيْ: دائِمُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الطَّراوَةِ والبَهاءِ.
﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ لِحُسْنِهِمْ وصَفاءِ ألْوانِهِمْ وإشْراقِ وُجُوهِهِمْ وانْبِثاثِهِمْ في مَجالِسِهِمْ ومَنازِلِهِمْ وانْعِكاسِ أشِعَّةِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ.
الإنسان 76:20
﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ﴾ لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ مَلْفُوظٌ ولا مُقَدَّرٌ ولا مَنوِيٌّ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ.
﴿رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ أيْ: هَنِيئًا واسِعًا وفي الحَدِيثِ: « "أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً يَنْظُرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ"،» وقِيلَ: لا زَوالَ، وقِيلَ: إذا أرادُوا شَيْئًا كانَ، وقِيلَ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ويَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْهِمْ.
الإنسان 76:21
﴿عالِيَهم ثِيابُ (p-75)سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ قِيلَ: "عالِيَهُمْ" ظَرْفٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"ثِيابُ" مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"وِلْدانٌ" كَأنَّهُ قِيلَ: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ فَوْقَهم ثِيابُ... إلَخْ. وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ "عَلَيْهِمْ" أوْ "حَسِبْتَهُمْ"، أيْ: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ عالِيًا لِلْمُطَوَّفِ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ... إلَخْ، أوْ حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا عالِيًا لَهم ثِيابُ... إلَخْ. وقُرِئَ: (عالِيهُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ثِيابُ، أيْ ما يَعْلُوهم مِن لِباسِهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ، وقُرِئَ: (خُضْرٍ) بِالجَرِّ حَمْلًا عَلى سُنْدُسٍ بِالمَعْنى؛ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ.
﴿وَإسْتَبْرَقٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى "ثِيابُ"، وقُرِئَ: بِرَفْعِ الأوَّلِ وجَرِّ الثّانِي، وقُرِئَ بِالعَكْسِ، وقُرِئَ: بِجَرِّهِما، وقُرِئَ: (واسْتَبْرَقَ) بِوَصْلِ الهَمْزَةِ والفَتْحِ عَلى أنَّهُ اسْتَفْعَلَ مِنَ "البَرِيقِ"، جُعِلَ عَلَمًا لِهَذا النَّوْعِ مِنَ الثِّيابِ.
﴿وَحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ، ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ لِإمْكانِ الجَمْعِ والمُعاقَبَةِ والتَّبْعِيضِ، فَإنَّ حُلِيَّ أهْلِ الجَنَّةِ يَخْتَلِفُ حَسَبَ اخْتِلافِ أعْمالِهِمْ، فَلَعَلَّهُ تَعالى يَفِيضُ عَلَيْهِمْ جَزاءً لِما عَمِلُوهُ بِأيْدِيهمْ حُلِيًّا وأنْوارًا تَتَفاوَتُ تَفاوُتَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ "عالِيَهُمْ" بِإضْمارِ "قَدْ"، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا لِلْخَدَمِ وذاكَ لِلْمَخْدُومِينَ.
﴿وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هو نَوْعٌ آخَرُ يَفُوقُ النَّوْعَيْنِ السّالِفَيْنِ، كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ إسْنادُ سَقْيِهِ إلى رَبِّ العالَمِينَ ووَصْفُهُ بِالطَّهُورِيَّةِ، فَإنَّهُ يُطَهِّرُ شارِبَهُ عَنْ دَنَسِ المَيْلِ إلى المَلاذِّ الحِسِّيَّةِ والرُّكُونِ إلى ما سِوى الحَقِّ، فَيَتَجَرَّدُ لِمُطالَعَةِ جَمالِهِ مُلْتَذًّا بِلِقائِهِ باقِيًا بِبَقائِهِ، وهي الغايَةُ القاصِيَةُ مِن مَنازِلِ الصِّدِّيقِينَ، ولِذَلِكَ خُتِمَ بِها مَقالَةُ ثَوابِ الأبْرارِ.
الإنسان 76:22
﴿إنَّ هَذا﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: يُقالُ لَهم أنَّ هَذا الذي ذُكِرَ مِن فُنُونِ الكَراماتِ.
﴿كانَ لَكم جَزاءً﴾ بِمُقابَلَةِ أعْمالِكُمُ الحَسَنَةِ ﴿وَكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ مُرْضِيًا مَقْبُولًا مُقابَلًا بِالثَّوابِ.
الإنسان 76:23
﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القرآن تَنْزِيلا﴾ أيْ: مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا لِحِكَمٍ بالِغَةٍ مُقْتَضِيَةٍ لَهُ لا غَيْرنا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ تَكْرِيرُ الضَّمِيرِ مَعَ إنَّ.
الإنسان 76:24
﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ بِتَأْخِيرِ نَصْرِكَ عَلى الكُفّارِ فَإنَّ لَهُ عاقِبَةً حَمِيدَةً.
﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِن مُرْتَكِبِ الإثْمِ الدّاعِي لَكَ إلَيْهِ ومِنَ الغالِي في الكُفْرِ الدّاعِي إلَيْهِ، و"أوْ" لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما سِيّانِ في اسْتِحْقاقِ العِصْيانِ والاسْتِقْلالِ بِهِ، والتَّقْسِيمُ بِاعْتِبارِ ما يَدَّعُونَهُ إلَيْهِ، فَإنَّ تَرَتُّبَ النَّهْيِ عَلى الوَصْفَيْنِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَتِهِما لَهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الإطاعَةِ في الإثْمِ والكُفْرِ فِيما لَيْسَ بِإثْمٍ ولا كُفْرٍ، وقِيلَ: الآثِمُ عُتْبَةُ، فَإنْهُ كانَ رَكّابًا لِلْمَآثِمِ مُتَعاطِيًا لِأنْواعِ الفُسُوقِ، والكَفُورُ الوَلِيدُ، فَإنَّهُ كانَ غالِيًا في الكُفْرِ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ في العُتُوِّ.
الإنسان 76:25
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ وداوِمْ عَلى ذِكْرِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، أوْ دُمْ عَلى صَلاةِ الفَجْرِ والظُّهْرِ والعَصْرِ فَإنَّ الأصِيلَ يَنْتِظِمُهُما.
الإنسان 76:26
(p-76)﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ وبَعْضَ اللَّيْلَ فَصَلِّ لَهُ ولَعَلَّهُ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِما في صَلاةِ اللَّيْلِ مِن مَزِيدِ كُلْفَةٍ وخُلُوصٍ.
﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ وتَهَجَّدْ لَهُ قِطْعًا مِنَ اللَّيْلِ طَوِيلًا.
الإنسان 76:27
﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ الكَفَرَةَ ﴿يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ويَنْهَمِكُونَ في لَذّاتِها الفانِيَةِ.
﴿وَيَذَرُونَ وراءَهُمْ﴾ أيْ: أمامَهم لا يَسْتَعِدُّونَ، أوْ يَنْبِذُونَ وراءَ ظُهُورِهِمْ.
﴿يَوْمًا ثَقِيلا﴾ لا يَعْبَأُونَ بِهِ، ووَصْفُهُ بِالثِّقَلِ لِتَشْبِيهِ شِدَّتِهِ وهَوْلِهِ بِثِقَلِ شَيْءٍ فادِحٍ باهِظٍ لِحامِلِهِ بِطَرِيقِ الأسْتِعارَةِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِما أُمِرَ بِهِ ونُهِيَ عَنْهُ.
الإنسان 76:28
﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾ لا غَيْرُنا.
﴿وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ أيْ: أحْكَمْنا رَبْطَ مَفاصِلِهِمْ بِالأعْصابِ.
﴿وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ.
﴿تَبْدِيلا﴾ بَدِيعًا لا رَيْبَ فِيهِ، هو البَعْثُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَلِمَةُ "إذا"، أوْ "بَدَّلْنا غَيْرَهُمْ" مِمَّنْ يُطِيعُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ و"إذا" لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ القُدْرَةِ وقُوَّةِ الدّاعِيَةِ.
الإنسان 76:29
﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ إشارَةٌ إلى السُّورَةِ، أوِ الآياتِ القَرِيبَةِ.
﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ أيْ: فَمَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلَيْهِ تَعالى سَبِيلًا، أيْ: وسِيلَةً تُوَصِّلُهُ إلى ثَوابِهِ اتَّخَذَهُ، أيْ: تَقَرَّبَ إلَيْهِ بِالعَمَلِ بِما في تَضاعِيفِها، وقَوْلُهُ تَعالى:
الإنسان 76:30
﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ بِبَيانِ أنَّ مُجَرَّدَ مَشِيئَتِهِمْ غَيْرُ كافِيَةٍ في اتِّخاذِ السَّبِيلِ، كَما هو المَفْهُومُ مِن ظاهِرِ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ: وما تَشاؤُنَ اتِّخاذَ السَّبِيلِ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى تَحْصِيلِهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ تَعالى تَحْصِيلَهُ لَكُمْ، إذْ لا دَخْلَ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ إلّا في الكَسْبِ، وإنَّما التَّأْثِيرُ والخَلْقُ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقُرِئَ: (يَشاؤُنَ) بِالياءِ، وقُرِئَ: (إلّا ما يَشاءُ اللَّهُ)، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ مَشِيئَتِهِ تَعالى مَبْنِيَّةً عَلى أساسِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في العِلْمِ والحِكْمَةِ فَيَعْلَمُ ما يَسْتَأْهِلُهُ كُلُّ أحَدٍ فَلا يَشاءُ لَهم إلّا ما يَسْتَدْعِيهِ عِلْمُهُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
الإنسان 76:31
﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ بَيانٌ لِأحْكامِ مَشِيئَتِهِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، أيْ: يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها، وهو الَّذِي يَصْرِفُ مَشِيئَتَهُ نَحْوَ اتِّخاذِ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى، حَيْثُ يُوَفِّقُهُ لِما يُؤَدِّي إلى دُخُولِ الجَنَّةِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿والظّالِمِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ صَرَفُوا مَشِيئَتُهم إلى خِلافِ ما ذُكِرَ ﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: مُتَناهِيًا في الإيلامِ. قالَ الزُّجاجُ: نَصَبَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ، أيْ: يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، ويَكُونُ "أعَدَّ لَهُمْ" تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى (p-77)الأبْتِداءِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ هَلْ أتى كانَ جَزاؤُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ .
المرسلات 77:1
سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةَ ثَمانٍ وأرْبَعِينَ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها خَمْسُونَ
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ أرْسَلَهُنَّ بِأوامِرِهِ فَعَصَفْنَ في مُضِيِّهِنَّ عَصْفَ الرِّياحِ مُسارَعَةً في الأمْتِثالِ بِالأمْرِ، وبِطَوائِفَ أُخْرى نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ انْحِطاطِهِنَّ بِالوَحْيِ، أوْ نَشَرْنَ الشَّرائِعَ في الأقْطارِ، أوْ نَشَرْنَ النُّفُوسَ المَوْتى بِالكُفْرِ والجَهْلِ بِما أوْحَيْنَ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَألْقَيْنَ ذِكْرًا إلى الأنْبِياءِ.
المرسلات 77:2
سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةَ ثَمانٍ وأرْبَعِينَ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها خَمْسُونَ
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ أرْسَلَهُنَّ بِأوامِرِهِ فَعَصَفْنَ في مُضِيِّهِنَّ عَصْفَ الرِّياحِ مُسارَعَةً في الأمْتِثالِ بِالأمْرِ، وبِطَوائِفَ أُخْرى نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ انْحِطاطِهِنَّ بِالوَحْيِ، أوْ نَشَرْنَ الشَّرائِعَ في الأقْطارِ، أوْ نَشَرْنَ النُّفُوسَ المَوْتى بِالكُفْرِ والجَهْلِ بِما أوْحَيْنَ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَألْقَيْنَ ذِكْرًا إلى الأنْبِياءِ.
المرسلات 77:3
سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةَ ثَمانٍ وأرْبَعِينَ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها خَمْسُونَ
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ أرْسَلَهُنَّ بِأوامِرِهِ فَعَصَفْنَ في مُضِيِّهِنَّ عَصْفَ الرِّياحِ مُسارَعَةً في الأمْتِثالِ بِالأمْرِ، وبِطَوائِفَ أُخْرى نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ انْحِطاطِهِنَّ بِالوَحْيِ، أوْ نَشَرْنَ الشَّرائِعَ في الأقْطارِ، أوْ نَشَرْنَ النُّفُوسَ المَوْتى بِالكُفْرِ والجَهْلِ بِما أوْحَيْنَ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَألْقَيْنَ ذِكْرًا إلى الأنْبِياءِ.
المرسلات 77:4
سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةَ ثَمانٍ وأرْبَعِينَ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها خَمْسُونَ
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ أرْسَلَهُنَّ بِأوامِرِهِ فَعَصَفْنَ في مُضِيِّهِنَّ عَصْفَ الرِّياحِ مُسارَعَةً في الأمْتِثالِ بِالأمْرِ، وبِطَوائِفَ أُخْرى نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ انْحِطاطِهِنَّ بِالوَحْيِ، أوْ نَشَرْنَ الشَّرائِعَ في الأقْطارِ، أوْ نَشَرْنَ النُّفُوسَ المَوْتى بِالكُفْرِ والجَهْلِ بِما أوْحَيْنَ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَألْقَيْنَ ذِكْرًا إلى الأنْبِياءِ.
المرسلات 77:5
سُورَةُ المُرْسَلاتِ مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةَ ثَمانٍ وأرْبَعِينَ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها خَمْسُونَ
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ أرْسَلَهُنَّ بِأوامِرِهِ فَعَصَفْنَ في مُضِيِّهِنَّ عَصْفَ الرِّياحِ مُسارَعَةً في الأمْتِثالِ بِالأمْرِ، وبِطَوائِفَ أُخْرى نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ انْحِطاطِهِنَّ بِالوَحْيِ، أوْ نَشَرْنَ الشَّرائِعَ في الأقْطارِ، أوْ نَشَرْنَ النُّفُوسَ المَوْتى بِالكُفْرِ والجَهْلِ بِما أوْحَيْنَ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَألْقَيْنَ ذِكْرًا إلى الأنْبِياءِ.
المرسلات 77:6
﴿عُذْرًا﴾ لِلْمُحِقِّينَ ﴿أوْ نُذْرًا﴾ لِلْمُبْطِلِينَ ولَعَلَّ تَقْدِيمَ نَشْرِ الشَّرائِعِ ونَشْرِ النُّفُوسِ والفَرْقِ عَلى الإلْقاءِ؛ لِلْإيذانِ بِكَوْنِها غايَةً لِلْإلْقاءِ حَقِيقَةً بِالاعْتِناءِ بَها، أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ مُسْتَقِلٌّ بِالدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْقاقِ الطَّوائِفِ المَوْصُوفَةِ بِها التَّفْخِيمَ والإجْلالَ بِالإقْسامِ بِهِنَّ، ولَوْ جِئَ بِها عَلى تَرْتِيبِ الوُقُوعِ لَرُبَّما فُهِمَ أنَّ مَجْمُوعَ الإلْقاءِ والنَّشْرِ والفَرْقِ هو المُوجِبُ لِما ذُكِرَ مِنَ الأسْتِحْقاقِ، أوْ إقْسامٌ بِرِياحِ عَذابٍ أرْسَلَهُنَّ فَعَصَفْنَ وبِرِياحِ رَحْمَةٍ نَشَرْنَ السَّحابَ في الجَوِّ فَفَرَّقْنَ بَيْنَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ أوْ بِسَحائِبَ نَشَرْنَ المَواتَ فَفَرَّقْنَ كُلَّ صِنْفٍ مِنها عَنْ سائِرِ الأصْنافِ بِالشَّكْلِ واللَّوْنِ وسائِرِ الخَواصِّ، أوْ فَرَقْنَ بَيْنَ مَن يَشْكُرُ اللَّهَ تَعالى وبَيْنَ مَن يَكْفُرُ بِهِ فَألْقَيْنَ ذِكْرًا، أمّا عُذْرًا لِلْمُعْتَذِرِينَ إلى اللَّهِ تَعالى بِتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ عَنْ مُشاهَدَتِهِمْ (p-78)لِآثارِ رَحْمَتِهِ تَعالى في الغَيْثِ ويَشْكُرُونَها، وإمّا إنْذارًا لِلَّذِينِ يُكَفِّرُونَها ويَنْسُبُونَها إلى الأنْواءِ، وإسْنادُ إلْقاءِ الذِّكْرِ إلَيْهِنَّ؛ لِكَوْنِهِنَّ سَبَبًا في حُصُولِهِ إذا شُكِرَتِ النِّعْمَةُ فِيهِنَّ، أوْ كُفِرَتْ، أوْ إقْسامٌ بِآياتِ القرآن المُرْسَلَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَصَفْنَ سائِرَ الكُتُبِ بِالنَّسْخِ، ونَشَرْنَ آثارَ الهُدى مِن مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، وفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَألْقَيْنَ ذِكْرَ الحَقِّ في أكْنافِ العالَمِينَ، و"العُرْفُ" إمّا نَقِيضُ النُّكْرِ وانْتِصابُهُ عَلى العِلَّةِ، أيْ: أرْسَلْنا لِلْإحْسانِ والمَعْرُوفِ، فَإنَّ إرْسالَ مَلائِكَةِ العَذابِ مَعْرُوفٌ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ، أوْ بِمَعْنى المُتابَعَةِ مِن عُرْفِ الفَرَسِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ و"العُذْرُ والنُّذْرُ" مَصْدَرانِ مِن "عَذَرَ" إذا مَحا الإساءَةَ، ومِن "أنْذَرَ" إذا خَوَّفَ، وانْتِصابُهُما عَلى البَدَلِيَّةِ مِن "ذِكْرًا"، أوْ عَلى العِلِّيَةِ، وقُرِئا: بِالتَّثْقِيلِ.
المرسلات 77:7
﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ القِيامَةِ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
المرسلات 77:8
﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ مُحِيَتْ ومُحِقَتْ، أوْ ذُهِبَ بِنُورِها.
المرسلات 77:9
﴿وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ صُدِعَتْ وفُتِحَتْ فَكانَتْ أبْوابًا.
المرسلات 77:10
﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ جُعِلَتْ كالحَبِّ الَّذِي يُنْسَفُ بِالمِنسَفِ ونَحْوِهُ، وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا، وقِيلَ: أُخِذَتْ مِن مَقارِّها بِسُرْعَةٍ مِنِ انْتَسَفْتُ الشَّيْءَ إذا اخْتَطَفْتُهُ، وقُرِئَ: (طُمِّسَتْ) و(فُرِّجَتْ) و(نُسِّفَتْ) مُشَدَّدَةً.
المرسلات 77:11
وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ
أيْ: عُيِّنَ لَهُمُ الوَقْتُ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، وذَلِكَ عِنْدَ مَجِيئِهِ وحُضُورِهِ إذْ لا يَتَعَيَّنُ لَهم قَبْلَهُ، أوْ بَلَغُوا المِيقاتَ الَّذِي كانُوا يَنْتَظِرُونَهُ، وقُرِئَ: (وُقِّتَتْ) عَلى الأصْلِ وبِالتَّخْفِيفِ فِيهِما.
المرسلات 77:12
﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ هو جَوابٌ لِ"إذا" في قَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ"، أوْ حالٌ مِن مَرْفُوعِ "أُقِّتَتْ"، أيْ يُقالُ: لِأيِّ يَوْمٍ أُخِّرَتِ الأُمُورُ المُتَعَلِّقَةُ بِالرُّسُلِ، والمُرادُ: تَعْظِيمُ ذَلِكَ اليَوْمِ والتَّعْجِيبُ مِن هَوْلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
المرسلات 77:13
﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ بَيانٌ لِيَوْمِ التَّأْجِيلِ وهو الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخَلائِقِ.
المرسلات 77:14
﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ "ما" مُبْتَدَأُ "أدْراكَ" خَبَرُهُ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ جَعَلَكَ دارِيًا ما هُوَ؟ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ (p-79)"يَوْمُ الفَصْلِ"؛ لِزِيادَةِ تَفْظِيعٍ وتَهْوِيلٍ عَلى أنَّ "ما" خَبَرٌ و"يَوْمُ الفَصْلِ" مُبْتَدَأٌ، لا بِالعَكْسِ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ بَيانُ كَوْنِ يَوْمِ الفَصْلِ أمْرًا بَدِيعًا هائِلًا، لا يُقادَرُ قَدُرُهُ ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ، كَما يُفِيدُهُ خَبَرِيَّةُ "ما" لا بَيانُ كَوْنِ أمْرٍ بَدِيعٍ مِنَ الأُمُورِ يَوْمَ الفَصْلِ كَما يُفِيدُهُ عَكْسُهُ.
المرسلات 77:15
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ و"وَيْلٌ" في الأصْلِ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، لَكِنْ عُدِلَ بِهِ إلى الرَّفْعِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الهَلاكِ ودَوامِهِ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ، و"يَوْمَئِذٍ" ظَرْفُهُ أوْ صِفَتُهُ.
المرسلات 77:16
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ لِتَكْذِيبِهِمْ بِهِ، وقُرِئَ: (نَهْلَكَ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن (هَلَكَهُ) بِمَعْنى أهْلَكَهُ.
المرسلات 77:17
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى "ثُمَّ" نَحْنُ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ مِن نُظَرائِهِمُ السّالِكِينَ لِمَسْلَكِهِمْ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وهو وعِيدٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ، وقُرِئَ: (ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمْ)، وقُرِئَ: (نُتْبِعْهُمْ) بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى "نُهْلِكُ"، فَيَكُونُ المُرادُ بِالآخِرِينَ المُتَأخِّرِينَ: هَلاكًا مِنَ المَذْكُورِينَ، كَقَوْمِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ ومُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
المرسلات 77:18
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ.
﴿نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ: سُنَّتُنا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ.
المرسلات 77:19
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ أهْلَكْناهم.
﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ، ولَيْسَ فِيهِ تَكْرِيرٌ؛ لِما أنَّ الوَيْلَ الأوَّلَ لِعَذابِ الآخِرَةِ وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
المرسلات 77:20
﴿ألَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ أيْ: ألَمْ نُقَدِّرْكم.
﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ: مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ مَهِينَةٍ.
المرسلات 77:21
﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ هو الرَّحِمُ.
المرسلات 77:22
﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ إلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ مِنَ الوَقْتِ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْوِلادَةِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ، أوْ أقَلَّ مِنها، أوْ أكْثَرَ.
المرسلات 77:23
﴿فَقَدَرْنا﴾ أيْ: فَقَدَّرْناهُ، وقَدْ قُرِئَ: مُشَدَّدًا، أوْ (فَقَدَرْنا عَلى ذَلِكَ) عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَدْرِ ما يُقارِنُ وُجُودَ المَقْدُورِ بِالفِعْلِ.
﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ نَحْنُ.
المرسلات 77:24
(p-80)﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ، أوْ عَلى الإعادَةِ.
المرسلات 77:25
﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ "الكِفاتُ" اسْمُ ما يُكْفَتُ، أيْ: يُضَمُّ ويُجْمَعُ مِن كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ، كالضِّمامِ والجِماعِ لِما يُضَمُّ ويُجْمَعُ، أيْ: ألَمْ نَجْعَلْها كِفاتًا تُكْفَتُ.
المرسلات 77:26
﴿أحْياءً﴾ كَثِيرَةً عَلى ظَهْرِها.
﴿وَأمْواتًا﴾ غَيْرَ مَحْصُورَةٍ في بَطْنِها، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: جَمْعُ "كافِتٍ" كَصائِمٍ وصِيامٍ، أوْ "كِفْتٍ" وهو الوِعاءُ أُجْرِيَ عَلى الأرْضِ بِاعْتِبارِ بِقاعِها، وقِيلَ: تَنْكِيرُ "أحْياءً وأمْواتًا"؛ لِأنَّ أحْياءَ الإنْسِ وأمْواتَهم بَعْضُ الأحْياءِ والأمْواتِ، وقِيلَ: انْتِصابُهُما عَلى الحالِيَّةِ مِن مَحْذُوفٍ، أيْ: كِفاتًا تَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا.
المرسلات 77:27
﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالأ ثَوابِتَ.
﴿شامِخاتٍ﴾ طِوالأ شَواهِقَ، ووَصْفُ جَمْعِ المُذَكَّرِ بِجَمْعِ المُؤَنَّثِ في غَيْرِ العُقَلاءِ مُطَّرِدٌ كَداجِنٍ ودَواجِنٍ، وأشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ فِيها ما لَمْ يُعْرَفْ ﴿وَأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ بِأنْ خَلَقْنا فِيها أنْهارًا ومَنابِعَ.
المرسلات 77:28
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأمْثالِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ.
المرسلات 77:29
﴿انْطَلِقُوا﴾ أيْ: يُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ انْطَلِقُوا.
﴿إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ.
المرسلات 77:30
﴿انْطَلِقُوا﴾ خُصُوصًا.
﴿إلى ظِلٍّ﴾ أيْ: ظِلِّ دُخانِ جَهَنَّمَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ وقُرِئَ: (انْطَلَقُوا) عَلى لَفْظِ الماضِي إخْبارٌ بَعْدَ الأمْرِ عَنْ عَمَلِهِمْ بِمُوجِبِهِ لِاضْطِرارِهِمْ إلَيْهِ طَوْعًا، أوْ كَرْهًا.
﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ يَتَشَعَّبُ لِعِظَمِهِ ثَلاثَ شُعَبٍ كَما هو شَأْنُ الدُّخانِ العَظِيمِ، تَراهُ يَتَفَرَّقُ ذَوائِبَ، وقِيلَ: يَخْرُجُ لِسانٌ مِنَ النّارِ فَيُحِيطُ بِالكُفّارِ كالسُّرادِقِ، ويَتَشَعَّبُ مِن دُخانِها ثَلاثُ شُعَبٍ، فَتُظِلُّهم حَتّى يُفْرِغَ مِن حِسابِهِمْ، والمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ العَرْشِ، قِيلَ: خُصُوصِيَّةُ الثَّلاثِ، إمّا لِأنَّ حِجابَ النَّفْسِ عَنْ أنْوارِ القُدْسِ الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ، أوْ لِأنَّ المُؤَدِّيَ إلى هَذا العَذابِ هو القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الشَّيْطانِيَّةُ الحالَّةُ في الدِّماغِ، والقُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ السَّبْعِيَّةُ الَّتِي عَنْ يَمِينِ القَلْبِ، والقُوَّةُ الشَّهَوِيَّةُ البَهِيمِيَّةُ الَّتِي عَنْ يَسارِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: تَقِفُ شُعْبَةٌ فَوْقَ الكافِرِ، وشُعْبَةٌ عَنْ يَمِينِهِ، وشُعْبَةٌ عَنْ يَسارِهِ.
المرسلات 77:31
(p-81)﴿لا ظَلِيلٍ﴾ تَهَكُّمٌ بِهِمْ أُورِدَ لِما أوْهَمَهُ لَفْظُ الظِّلِّ ﴿وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أيْ: غَيْرُ مُغْنٍ لَهم مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا.
المرسلات 77:32
﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ أيْ: كُلُّ شَرَرَةٍ كالقَصْرِ مِنَ القُصُورِ في عِظَمِها، وقِيلَ: هو الغَلِيظُ مِنَ الشَّجَرِ، الواحِدَةُ "قَصْرَةٌ" نَحْوَ جَمْرٍ وجَمْرَةٍ، وقُرِئَ: (كالقَصَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ وهي أعْناقُ الإبِلِ، أوْ أعْناقُ النَّخْلِ نَحْوَ شَجَرَةٍ وشَجَرٍ، وقُرِئَ: (كالقُصُرِ) بِمَعْنى القُصُورِ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، وقُرِئَ: (كالقَصْرِ) جَمْعُ قَصْرَةٍ.
المرسلات 77:33
﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ﴾ قِيلَ: هو جَمْعُ "جَمَلٍ"، والتّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، يُقالُ: جَمَلٌ وجِمالٌ وجِمّالَةٌ، وقِيلَ: اسْمُ جَمْعٍ كالحِجارَةِ ﴿صُفْرٌ﴾ فَإنَّ الشَّرارَةَ لِما فِيهِ مِنَ النّارِيَّةِ يَكُونُ أصْفَرَ، وقِيلَ: أسْوَدُ؛ لِأنَّ سَوادَ الإبِلِ يَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ، والأوَّلُ تَشْبِيهٌ في العِظَمِ، وهَذا في اللَّوْنِ والكَثْرَةِ والتَّتابُعِ والأخْتِلاطِ والحَرَكَةِ، وقُرِئَ: (جِمالأتٌ) جَمْعُ جِمّالَةٍ، وقَدْ قُرِئَ: بِها وهي الحَبْلُ العَظِيمُ مِن حَبْلِ السُّفُنِ وقُلُوسِ الجُسُورِ، والتَّشْبِيهُ في امْتِدادِهِ والتِفافِهِ.
المرسلات 77:34
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
المرسلات 77:35
﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى دُخُولِهِمُ النّارَ، أيْ: هَذا يَوْمٌ لا يَنْطِقُونَ فِيهِ بِشَيْءٍ، لِما أنَّ السُّؤالَ والجَوابَ والحِسابَ. قَدِ انْقَضَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، ويَوْمُ القِيامَةِ طَوِيلٌ لَهُ مَواطِنُ ومَواقِيتُ يَنْطِقُونَ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ وقْتٍ بِـ"يَوْمُ"، أوْ لا يَنْطِقُونَ بِشَيْءٍ يَنْفَعُهُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ كِلا نُطْقٍ، وقُرِئَ بِنَصْبِ اليَوْمِ، أيْ: هَذا الَّذِي فُصِّلَ واقِعٌ يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ.
المرسلات 77:36
﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" مُنْتَظِمٌ في سِلْكِ النَّفْيِ، أيْ: لا يَكُونُ لَهم إذْنٌ واعْتِذارٌ مُتَعَقِّبٌ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ الأعْتِذارَ مُسَبَّبًا عَنِ الإذْنِ كَما لَوْ نُصِبَ.
المرسلات 77:37
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والمُحِقِّ والمُبْطِلِ.
﴿جَمَعْناكُمْ﴾ خِطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿والأوَّلِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ، وهَذا تَقْرِيرٌ وبَيانٌ لِلْفَصْلِ.
المرسلات 77:38
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والمُحِقِّ والمُبْطِلِ.
﴿جَمَعْناكُمْ﴾ خِطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿والأوَّلِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ، وهَذا تَقْرِيرٌ وبَيانٌ لِلْفَصْلِ.
المرسلات 77:39
(p-82)﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ فَإنَّ جَمِيعَ مَن كُنْتُمْ تُقَلِّدُونَهم وتَقْتَدُونَ بِهِمْ حاضِرُونَ، وهَذا تَقْرِيعٌ لَهم عَلى كَيْدِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ.
المرسلات 77:40
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ ظَهَرَ أنَّ لا حِيلَةَ لَهم في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ.
المرسلات 77:41
﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
﴿فِي ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾
المرسلات 77:42
﴿وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ في فُنُونِ التَّرَفُّهِ وأنْواعِ التَّنَعُّمِ.
المرسلات 77:43
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ المُتَّقِينَ في الخَبَرِ، أيْ: مَقُولًا لَهُمْ: كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
المرسلات 77:44
﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ الجَزاءِ العَظِيمِ.
﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: في عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، لا جَزاءً أدْنى مِنهُ.
المرسلات 77:45
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ نالَ أعْداؤُهم هَذا الثَّوابَ الجَزِيلَ، وهم بَقَوْا في العَذابِ المُخَلَّدِ الوَبِيلِ.
المرسلات 77:46
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ هو حالٌ مِنَ "المُكَذِّبِينَ"، أيِ: الوَيْلُ ثابِتٌ لَهُمْ، مَقُولًا لَهم ذَلِكَ؛ تَذْكِيرًا لَهم بِحالِهِمْ في الدُّنْيا، وبِما جَنَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ مِن إيثارِ المَتاعِ الفانِي عَنْ قَرِيبٍ عَلى النَّعِيمِ الخالِدِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِإجْرامِهِمْ دَلالَةً عَلى أنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ مَآلُهُ هَذا، وقِيلَ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ خُوطِبَ بِهِ المُكَذِّبُونَ في الدُّنْيا بَعْدَ بَيانِ مَآلِ حالِهِمْ، وقُرِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى:
المرسلات 77:47
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
المرسلات 77:48
﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ أيْ: أطِيعُوا اللَّهَ واخْشَعُوا وتَواضَعُوا لَهُ بِقَبُولِ وحْيِهِ واتِّباعِ دِينِهِ، وارْفُضُوا هَذا الأسْتِكْبارَ والنَّخْوَةَ.
﴿لا يَرْكَعُونَ﴾ لا يَخْشَعُونَ ولا يَقْبَلُونَ ذَلِكَ ويُصِرُّونَ عَلى ما هم (p-83)عَلَيْهِ مِن الأسْتِكْبارِ، وقِيلَ: إذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ، أوْ بِالرُّكُوعِ لا يَفْعَلُونَ؛ إذْ رُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ حِينَ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَقِيفًا بِالصَّلاةِ، فَقالُوا: لا نُجِّيَ فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ﴾ وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ
المرسلات 77:49
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفّارُ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ.
المرسلات 77:50
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أيْ: بَعْدَ القرآن النّاطِقِ بِأحادِيثِ الدّارَيْنِ وأخْبارِ النَّشْأتَيْنِ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ مُعْجِزٍ مُؤَسَّسٍ عَلى حُجَجٍ قاطِعَةٍ وبَراهِينَ ساطِعَةٍ.
﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وقُرِئَ: (تُؤْمِنُونَ) عَلى الخِطابِ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ المُرْسَلاتِ كُتِبَ لَهُ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .
النبأ 78:1
(p-84)سُورَةُ النَّبَأِ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها أرْبَعُونَ.
﴿عَمَّ﴾ أصْلُهُ (عَمّا) فَحُذِفَ مِنهُ الألِفُ، إمّا فَرْقًا بَيْنَ "ما" الاسْتِفْهامِيَّةِ وغَيْرِها، أوْ قَصْدًا لِلْخِفَّةِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، وقَدْ قُرِئَ: عَلى الأصْلِ، و"ما" فِيها مِنَ الإبْهامِ لِلْإيذانِ بِفَخامَةِ شَأْنِ المَسْؤُلِ عَنْهُ وهَوْلِهِ وخُرُوجِهِ عَنْ حُدُودِ الأجْناسِ المَعْهُودَةِ، أيْ: عَنْ أيِّ شَيْءٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ.
﴿يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ، وكانُوا يَتَساءَلُونَ عَنِ البَعْثِ فِيما بَيْنَهم ويَخُوضُونَ فِيهِ إنْكارًا واسْتِهْزاءً، لَكِنْ لا عَلى طَرِيقَةِ التَّساؤُلِ عَنْ حَقِيقَتِهِ ومُسَمّاهُ، بَلْ عَنْ وُقُوعِهِ الَّذِي هو حالٌ مِن أحْوالِهِ ووَصْفٌ مِن أوْصافِهِ، فَإنَّ "ما" وإنْ وُضِعَتْ لِطَلَبِ حَقائِقِ الأشْياءِ ومُسَمَّياتِ أسْمائِها كَما في قَوْلِكَ: ما المَلَكُ؟ وما الرُّوحُ ؟ لَكِنَّها قَدْ يُطْلَبُ بِها الصِّفَةُ والحالُ، تَقُولُ: ما زَيْدٌ؟ فَيُقالُ: عالَمٌ، أوْ طَبِيبٌ، وقِيلَ: كانُوا يَسْألُونَ عَنْهُ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ اسْتِهْزاءً، كَقَوْلِهِمْ: يَتَداعَوْنَهُمْ، أيْ: يَدْعُونَهُمْ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ مَوْضُوعَةٌ لِإفادَةِ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ ووُقُوعِهِ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ فاعِلًا ومَفْعُولًا مَعًا، لَكِنَّهُ يُرْفَعُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ تَرْجِيحًا لِجانِبِ فاعِلِيَّتِهِ ويُحالُ بِمَفْعُولِيَّتِهِ عَلى دَلالَةِ العَقْلِ، كَما في قَوْلِكَ: تَراءى القَوْمُ، أيْ: رَأى كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الآخَرَ، وقَدْ تَجَرَّدَ عَنِ المَعْنى الثّانِي، فَيُرادُ بِها مُجَرَّدُ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ، عارِيًا عَنِ اعْتِبارِ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ، فَيُذْكَرُ لِلْفِعْلِ حِينَئِذٍ مَفْعُولٌ مُتَعَدِّدٌ، كَما في المِثالِ المَذْكُورِ، أوْ واحِدٌ كَما في قَوْلِكَ: تَراءَوْا الهِلالَ، وقَدْ يُحْذَفُ لِظُهُورِهِ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، فالمَعْنى: عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَسْألُ هَؤُلاءِ القَوْمُ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ؟! ورُبَّما تَجَرَّدَ عَنْ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ أيْضًا، فَيُرادُ بِها تَعَدُّدُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مُتَعَلَّقِهِ مَعَ وِحْدَةِ الفاعِلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ وقَوْلُهُ تَعالى:
النبأ 78:2
﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ بَيانٌ لِشَأْنِ المَسْؤُلِ عَنْهُ إثْرَ تَفْخِيمِهِ بِإبْهامِ أمْرِهِ وتَوْجِيهِ أذْهانِ السّامِعِينَ نَحْوَهُ، وتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُسْتَفْهِمِينَ، فَإنَّ إيرادَهُ عَلى طَرِيقَةِ الاسْتِفْهامِ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لِانْقِطاعِ قَرِينِهِ وانْعِدامِ نَظِيرِهِ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ، خَلِيقٌ بِأنْ يُعْتَنى بِمَعْرِفَتِهِ ويُسْألَ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ هَلْ أُخْبِرُكم بِهِ ؟ ثُمَّ قِيلَ بِطَرِيقِ الجَوابِ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ (p-85)لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، فَـ "عَنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ مِن مُضْمَرٍ حَقُّهُ أنْ يُقَدَّرَ بَعْدَها؛ مُسارَعَةً إلى البَيانِ ومُراعاةً لِتَرْتِيبِ السُّؤالِ، هَذا هو الحَقِيقُ بِالجَزالَةِ التَّنْزِيلِيَّةِ، وقَدْ قِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَذْكُورِ و"عَمَّ" مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُفَسَّرٍ بِهِ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ قُرِئَ: (عَمَّهُ) والأظْهَرُ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقِيلَ عَنِ الأُولى: لِلتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ، وقِيلَ قَبْلُ عَنِ الثّانِيَةِ: اسْتِفْهامٌ مُضْمَرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ أعَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ ؟ و(النَّبَأُ) الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ، وقَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى:
النبأ 78:3
﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ بَعْدَ وصْفِهِ بِالعَظِيمِ تَأْكِيدًا لِخَطَرِهِ إثْرَ تَأْكِيدٍ، وإشْعارًا بِمَدارِ التَّساؤُلِ عَنْهُ، و"فِيهِ" مُتَعَلِّقٌ بِ"مُخْتَلِفُونَ" قُدِّمَ عَلَيْهِ؛ اهْتِمامًا بِهِ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ، وجَعْلُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ، أيْ: هم راسِخُونَ في الأخْتِلافِ فِيهِ، فَمِن جازِمٍ بِاسْتِحالَتِهِ يَقُولُ:
إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
وَشاكٍّ يَقُولُ:
ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنْ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
وَقِيلَ: مِنهم مَن يُنْكِرُ المَعادَيْنِ مَعًا كَهَؤُلاءِ، ومِنهم مَن يُنْكِرُ المَعادَ الجُسْمانِيَّ فَقَطْ كَجُمْهُورِ النَّصارى، وقَدْ حُمِلَ الأخْتِلافُ عَلى الأخْتِلافِ في كَيْفِيَّةِ الإنْكارِ، فَمِنهم مَن يُنْكِرُهُ لِإنْكارِهِ الصّانِعَ المُخْتارَ، ومِنهم مَن يُنْكِرُهُ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ بِعَيْنِهِ، وحَمْلُهُ عَلى الأخْتِلافِ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ بِناءً عَلى تَعْمِيمِ التَّساؤُلِ لِفَرِيقَيِ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ عَلى أنَّ سُؤالَ الأوَّلِينَ لِيَزْدادُوا خَشْيَةً واسْتِعْدادًا، وسُؤالُ الآخِرِينَ لِيَزْدادُوا كُفْرًا وعِنادًا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى:
النبأ 78:4
﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ ... إلَخْ. فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ: اخْتِلافُ الجاهِلِينَ بِهِ المُنْكِرِينَ لَهُ؛ إذْ عَلَيْهِ يَدُورُ الرَّدْعُ والوَعِيدُ، لا عَلى خِلافِ المُؤْمِنِينَ لَهُمْ، وتَخْصِيصُهُما بِالكَفَرَةِ بِناءً عَلى تَخْصِيصِ ضَمِيرِ "سَيَعْلَمُونَ" بِهِمْ مَعَ عُمُومِ الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ لِلْكُلِّ، مِمّا يَنْبَغِي تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ، هَذا ما أدّى إلَيْهِ جَلِيلُ النَّظَرِ، والَّذِي يَقْتَضِيِهِ التَّحْقِيقُ ويَسْتَدْعِيهِ النَّظَرُ الدَّقِيقُ أنْ يُحْمَلَ اخْتِلافُهم عَلى مُخالَفَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِأنْ يُعْتَبَرَ في الأخْتِلافِ مَحْضُ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ، حَسْبَما ذُكِرَ في التَّساؤُلِ، فَإنَّ الأفْتِعالَ والتَّفاعُلَ صِيغَتانِ مُتَآخِيَتانِ كالأسْتِباقِ والتَّسابُقِ، والأنْتِضالِ والتَّناضُلِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، يَجْرِي في كُلٍّ مِنهُما ما يَجْرِي في الأُخْرى لا عَلى مُخالَفَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنَ الجانِبَيْنِ؛ لِأنَّ الكُلَّ وإنِ اسْتَحَقَّ الرَّدْعَ والوَعِيدَ، لَكِنَّ اسْتِحْقاقَ كُلِّ جانِبٍ لَهُما لَيْسَ لِمُخالَفَتِهِ لِلْجانِبِ الآخَرِ، إذْ لا حَقِّيَةَ في شَيْءٍ مِنها حَتّى يَسْتَحِقَ مَن يُخالِفُهُ المُؤاخَذَةَ، بَلْ لِمُخالَفَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَ"كَلّا" رَدْعٌ لَهم عَنِ التَّساؤُلِ والأخْتِلافِ بِالمَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، و"سَيَعْلَمُونَ" وعِيدٌ لَهم بِطَرِيقِ الأسْتِئْنافِ، وتَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ، والسِّينُ لِلتَّقْرِيبِ والتَّأْكِيدِ، ولَيْسَ مَفْعُولُهُ ما يُنْبِئُ عَنْهُ المَقامُ مِن وُقُوعِ ما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، ووُقُوعِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ الآيَةَ، فَإنَّ ذَلِكَ عارٍ عَنْ صَرِيحِ الوَعِيدِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَمّا يُلاقُونَهُ مِن فُنُونِ الدَّواهِي والعُقُوباتِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ لِقائِها بِالعِلْمِ (p-86)لِوُقُوعِهِ في مَعْرِضِ التَّساؤُلِ والأخْتِلافِ، والمَعْنى: لِيَرْتَدِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ فَإنَّهم سَيَعْلَمُونَ عَمّا قَلِيلٍ حَقِيقَةَ الحالِ إذا حَلَّ بِهِمُ العَذابُ والنَّكالُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النبأ 78:5
﴿ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلرَّدْعِ والوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ، و"ثُمَّ" لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الوَعِيدَ الثّانِيَ أبْلَغُ وأشَدُّ، وقِيلَ: الأوَّلُ عِنْدَ النَّزْعِ، والثّانِي في القِيامَةِ، وقِيلَ: الأوَّلُ لِلْبَعْثِ، والثّانِي لِلْجَزاءِ، وقُرِئَ: (سَتَعْلَمُونَ) بِالتّاءِ عَلى نَهْجِ الألْتِفاتِ إلى الخِطابِ المُوافِقِ لِما بَعْدَهُ مِنَ الخِطاباتِ تَشْدِيدًا لِلرَّدْعِ والوَعِيدِ، لا عَلى تَقْدِيرِ (قُلْ لَهُمْ) كَما تُوُهِّمَ، فَإنَّ فِيهِ مِنَ الإخْلالِ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى:
النبأ 78:6
﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ النَّبَأِ المُتَساءَلِ عَنْهُ بِتَعْدادِ بَعْضِ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِحَقِيقَتِهِ إثْرَ ما نَبَّهَ عَلَيْها بِما ذُكِرَ مِنَ الرَّدْعِ والوَعِيدِ، ومِن هَهُنا اتَّضَحَ أنَّ المُتَساءَلَ عَنْهُ هو البَعْثُ لا القرآن، أوْ نُبُوَّةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَما قِيلَ: والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، والألْتِفاتُ إلى الخِطابِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ، والمِهادُ البِساطُ والفِراشُ، وقُرِئَ: مَهْدًا عَلى تَشْبِيهِها بِمَهْدِ الصَّبِيِّ، وهو ما يُمَهَّدُ لَهُ فَيُنَوَّمُ عَلَيْهِ تَسْمِيَةٌ لِلْمَمْهُودِ بِالمُصَدِّرِ، وجَعْلُ الجِبالِ أوْتادًا لَها إرْساؤُها بِها كَما يُرْسى البَيْتُ بِالأوْتادِ.
النبأ 78:7
﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ النَّبَأِ المُتَساءَلِ عَنْهُ بِتَعْدادِ بَعْضِ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِحَقِيقَتِهِ إثْرَ ما نَبَّهَ عَلَيْها بِما ذُكِرَ مِنَ الرَّدْعِ والوَعِيدِ، ومِن هَهُنا اتَّضَحَ أنَّ المُتَساءَلَ عَنْهُ هو البَعْثُ لا القرآن، أوْ نُبُوَّةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَما قِيلَ: والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، والألْتِفاتُ إلى الخِطابِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ، والمِهادُ البِساطُ والفِراشُ، وقُرِئَ: مَهْدًا عَلى تَشْبِيهِها بِمَهْدِ الصَّبِيِّ، وهو ما يُمَهَّدُ لَهُ فَيُنَوَّمُ عَلَيْهِ تَسْمِيَةٌ لِلْمَمْهُودِ بِالمُصَدِّرِ، وجَعْلُ الجِبالِ أوْتادًا لَها إرْساؤُها بِها كَما يُرْسى البَيْتُ بِالأوْتادِ.
النبأ 78:8
﴿وَخَلَقْناكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى المُضارِعِ المَنفِيِّ بِـ"لَمْ" داخِلٌ في حُكْمِهِ، فَإنَّهُ في قُوَّةِ أما جَعَلَنا... إلَخْ، أوْ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإنْكارُ التَّقْرِيرِيُّ فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: قَدْ جَعَلْنا... إلَخْ.
﴿أزْواجًا﴾ أصْنافًا ذَكَرًا وأُنْثى؛ لِيَسْكُنَ كُلٌّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ إلى الآخَرِ، ويَنْتَظِمَ أمْرُ المُعاشَرَةِ والمَعاشِ ويَتَسَنّى التَّناسُلُ
النبأ 78:9
﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ: مَوْتًا؛ لِأنَّهُ أحَدُ التَّوَفِّيَيْنِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشارَكَةِ التّامَّةِ في انْقِطاعِ أحْكامِ الحَياةِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ وقِيلَ: قَطْعًا عَنِ الإحْساسِ والحَرَكَةِ لِإراحَةِ القُوى الحَيَوانِيَّةِ وإزاحَةِ كَلالِها، والأوَّلُ هو اللّائِقُ بِالمَقامِ كَما سَتَعْرِفُهُ.
النبأ 78:10
﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ﴾ الَّذِي فِيهِ يَقَعُ النَّوْمُ غالِبًا.
﴿لِباسًا﴾ يَسْتُرُكم بِظَلامِهِ كَما يَسْتُرُكُمُ اللِّباسُ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ: ما يُسْتَرُ بِهِ عِنْدَ النَّوْمِ مِنَ اللِّحافِ ونَحْوِهِ، فَإنَّ شَبَهَ اللَّيْلِ بِهِ أكْمَلُ، واعْتِبارَهُ في تَحْقِيقِ المَقْصِدِ أدْخَلُ، فَهو جَعَلَ اللَّيْلَ مَحَلًّا لِلنَّوْمِ الَّذِي جُعِلَ مَوْتًا كَما جُعِلَ النَّهارُ مَحَلًّا لِلْيَقَظَةِ (p-87)المُعَبَّرِ عَنْها بِالحَياةِ في قَوْلِهِ تَعالى:
النبأ 78:11
﴿وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ أيْ: وقْتَ حَياةٍ تُبْعَثُونَ فِيهِ مِن نَوْمِكُمُ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا" وجَعْلُ كَوْنِ اللَّيْلِ لِباسًا عِبارَةٌ عَنْ سَتْرِهِ عَنِ العُيُونِ لِمَن أرادَ هَرَبًا مِن عَدُوٍّ، أوْ بَياتًا لَهُ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا لا مُناسَبَةَ لَهُ بِالمَقامِ، وكَذا جَعْلُ النَّهارِ وقْتَ التَّقَلُّبِ في تَحْصِيلِ المَعايِشِ والحَوايِجِ.
النبأ 78:12
﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ أيْ: سَبْعَ سَمَواتٍ قَوِيَّةِ الخَلْقِ مُحْكَمَةِ البِناءِ، لا يُؤَثِّرُ فِيها مَرُّ الدُّهُورِ وكَرُّ العُصُورِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ خَلْقِها بِالبِناءِ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِها مَنزِلَةَ القِبابِ المَضْرُوبَةِ عَلى الخَلْقِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المَفْعُولِ لَيْسَ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ فَقَطْ، بَلْ لِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لَهُ، فَإذا ورَدَ عَلَيْها تَمَكَّنَ عِنْدَها فَضْلُ تَمَكُّنٍ.
النبأ 78:13
﴿وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا﴾ هَذا الجَعْلُ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإبْداعِ كالخَلْقِ خَلا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالإنْشاءِ التَّكْوِينِيِّ، وفِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ وهَذا عامٌّ لَهُ كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ولِلتَّشْرِيعِيِّ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ ... إلَخْ. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إنْباءٌ عَنْ مُلابَسَةِ مَفْعُولِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ بِأنْ يَكُونَ فِيهِ، أوْ لَهُ، أوْ مِنهُ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مُلابَسَةٌ مُصَحَّحَةٌ؛ لِأنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ مِنَ الظُّرُوفِ لَغْوًا كانَ، أوْ مُسْتَقَرًّا، لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ عُمْدَةً في الكَلامِ، بَلْ قَيْدًا فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ الآيَةَ. فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الظُّرُوفِ، إمّا مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الجَعْلِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالأ مِن مَفْعُولِهِ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً أيًّا ما كانَ فَهو قَيْدٌ في الكَلامِ حَتّى إذا اقْتَضى الحالُ وُقُوعَهُ عُمْدَةً فِيهِ يَكُونُ الجَعْلُ مُتَعَدِّيًا إلى اثْنَيْنِ هو ثانِيهِما، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ ورُبَّما يُشْتَبَهُ الأمْرُ فَيُظَنُّ أنَّهُ عُمْدَةٌ فِيهِ، وهو في الحَقِيقَةِ قَيْدٌ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ، كَما سَلَفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ والوَهّاجُ الوَقّادُ المُتَلَأْلِئُ مِن وهَجَتِ النّارُ إذا أضاءَتْ، أوِ البالِغُ في الحَرارَةِ مِنَ الوَهْجِ، والمُرادُ بِهِ: الشَّمْسُ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالسِّراجِ مِن رَوادِفِ التَّعْبِيرِ عَنْ خَلْقِ السماوات بِالبِناءِ.
النبأ 78:14
﴿وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ﴾ هي السَّحائِبُ إذا أعْصَرَتْ، أيْ: شارَفَتْ أنْ تَعْصِرَها الرِّياحُ فَتُمْطِرَ، كَما في أُحْصِدَ الزَّرْعُ: إذا حانَ لَهُ أنْ يُحْصَدَ، ومِنهُ أعُصِرَتِ الجارِيَةُ إذا دَنَتْ أنْ تَحِيضَ، أوِ الرِّياحُ الَّتِي حانَ لَها أنْ تَعْصِرَ السَّحابَ، وقُرِئَ: (بِالمُعْصِراتِ) ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الإنْزالَ حَيْثُ كانَ مِنَ المُعْصِراتِ سَواءٌ أُرِيدَ بِها السَّحائِبُ، أوِ الرِّياحُ، فَقَدْ كانَ بِها كَما يُقالُ: أعْطاهُ مِن يَدِهِ وبِيَدِهِ، وقَدْ فُسِّرَتِ المُعْصِراتُ بِالرِّياحِ ذَواتِ الأعاصِيرِ، ووَجْهُهُ أنَّ الرِّياحَ هي الَّتِي (p-88)تُنْشِئُ السَّحابَ وتُدِرُّ أخْلافَهُ، فَصَلُحَتْ أنْ تُجْعَلَ مُبْتَدَأً لِلْإنْزالِ.
﴿ماءً ثَجّاجًا﴾ أيْ: مُنْصَبًّا بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: ثَجَّ الماءُ، أيْ: سالَ بِكَثْرَةٍ، وثَجَّهُ أيْ: أسالَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿أفْضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ﴾ أيْ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وصَبُّ دِماءِ الهَدْيِ، وقُرِئَ: (ثَجّاحًا) بِالحاءِ بَعْدَ الجِيمِ، قالُوا: مَثاجِحُ الماءِ مَصابُّهُ.
النبأ 78:15
﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾ بِذَلِكَ الماءِ.
﴿حَبًّا﴾ يُقْتاتُ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ ونَحْوِهِما.
﴿وَنَباتًا﴾ يُعْتَلَفُ كالتِّبْنِ والحَشِيشِ، وتَقْدِيمُ الحَبِّ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنِ النَّباتِ في الإخْراجِ لِأصالَتِهِ وشَرَفِهِ؛ لِأنَّ غالِبَهُ غِذاءُ الإنْسانِ.
النبأ 78:16
﴿وَجَنّاتٍ﴾ الجَنَّةُ في الأصْلِ هي المَرَّةُ مِن مَصْدَرِ جَنَّهُ إذا سَتَرَهُ، تُطْلَقُ عَلى النَّخْلِ والشَّجَرِ المُتَكاثِفِ المُظَلَّلِ بِالتِفافِ أغْصانِهِ، قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى:
؎ كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ∗∗∗ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا
وَعَلى الأرْضِ ذاتِ الشَّجَرِ، قالَ الفَرّاءُ: الجَنَّةُ ما فِيهِ النَّخِيلُ، والفِرْدَوْسُ ما فِيهِ الكَرْمُ، والأوَّلُ هو المُرادُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْفافًا﴾ أيْ: مُلْتَفَّةً تَداخَلَ بَعْضُها في بَعْضٍ، قالُوا: لا واحِدَ لَهُ كالأوْزاعِ والأخْيافِ، وقِيلَ: الواحِدُ لِفٌّ كَكِنٍّ وأكْنانٍ، أوْ لَفِيفٌ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، وقِيلَ: هو جَمْعَ لَفَّ جَمْعَ لَفّاءَ كَخَضِرَ وخَضْراءَ، وقِيلَ: جَمْعُ مُلْتَفَّةٍ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، واعْلَمْ أنَّ فِيما ذُكِرَ مِن أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ وحَقِّيَتِهِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ، الأوَّلُ: بِاعْتِبارِ قدرته تعالى، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشاءِ هَذِهِ الأفْعالِ البَدِيعَةِ مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ كانَ عَلى الإعادَةِ أقْدَرَ وأقْوى، الثّانِي: بِاعْتِبارِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، فَإنَّ مَن أبْدَعَ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى نَمَطٍ رائِعٍ مُسْتَتْبَعٍ لِغاياتٍ جَلِيلَةٍ ومَنافِعَ جَمِيلَةٍ عائِدَةً إلى الخَلْقِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَنْفِيَها بِالكُلِّيَّةِ ولا يَجْعَلَ لَها عاقِبَةً باقِيَةً، والثّالِثُ: بِاعْتِبارِ نَفْسِ الفِعْلِ، فَإنَّ اليَقَظَةَ بَعْدَ النَّوْمِ أُنْمُوذَجٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ يُشاهِدُونَها كُلَّ يَوْمٍ، وكَذا إخْراجُ الحَبِّ والنَّباتِ مِنَ الأرْضِ المَيِّتَةِ يُعايِنُوهُ كُلَّ حِينٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ نَفْعَلْ هَذِهِ الأفْعالَ الآفاقِيَّةَ والأنْفَسِيَّةَ الدّالَّةَ بِفُنُونِ الدَّلالأتِ عَلى حَقِّيَةِ البَعْثِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ، فَما لَكم تَخُوضُونَ فِيهِ إنْكارًا، وتَتَساءَلُونَ عَنْهُ اسْتِهْزاءً ؟! وقَوْلُهُ تَعالى:
النبأ 78:17
﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ سِرِّ تَأْخِيرِ ما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ ويَسْتَعْجِلُونَ بِهِ قائِلِينَ: مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟ ونَوْعُ تَفْصِيلٍ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ وما سَيَلْقَوْنَهُ عِنْدَ ذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ، حَسْبَما جَرى بِهِ الوَعِيدُ إجْمالأ، أيْ إنَّ يَوْمَ فَصْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَ الخَلائِقِ كانَ في عِلْمِهِ وتَقْدِيرِهِ مِيقاتًا ومِيعادًا لِبَعْثِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا، لا يَكادُ يَتَخَطّاهُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، وقِيلَ: حَدًّا تُوَقَّتُ بِهِ الدُّنْيا وتَنْتَهِي عِنْدَهُ، أوْ حَدًّا لِلْخَلائِقِ يَنْتَهُونَ فِيهِ، ولا رَيْبَ في أنَّهُما بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّقْرِيبِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ عَلى أنَّ الدُّنْيا تَنْتَهِي عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى، (p-89)وَقَوْلُهُ تَعالى:
النبأ 78:18
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ أيْ: نَفْخَةً ثانِيَةً بَدَلٌ مِن "يَوْمَ الفَصْلِ"، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ مُفِيدٌ لِزِيادَةِ تَفْخِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ، ولا ضَيْرَ في تَأخُّرِ الفَصْلِ عَنِ النَّفْخِ، فَإنَّهُ زَمانٌ مُمْتَدٌّ يَقَعُ في مَبْدَئِهِ النَّفْخَةُ، وفي بَقِيَّتِهِ الفَصْلُ ومَبادِئُهُ وآثارُهُ، والصُّورُ هو القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا فَرَغَ اللَّهُ تَعالى مِن خَلْقِ السماوات والأرْضِ خَلَقَ الصُّوَرِ فَأعْطاهُ إسْرافِيلَ فَهو واضِعُهُ عَلى فِيهِ شاخِصٌ بَصَرَهُ إلى العَرْشِ مَتى يُؤْمَرُ بِهِ فَيَنْفُخُ فِيهِ نَفْخَةً لا يَبْقى عِنْدَها في الحَياةِ غَيْرُ مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى"،» وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ ثُمَّ يُؤْمَرُ بِأُخْرى فَيَنْفُخُ نَفْخَةً لا يَبْقى مَعَها مَيِّتٌ إلّا بُعِثَ وقامَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَأْتُونَ﴾ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ جُمْلَةٍ قَدْ حُذِفَتْ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وإيذانًا بِغايَةِ سُرْعَةِ الإتْيانِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "فَقُلْنا اضْرِبْ بّعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ" أيْ: فَتُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكُمْ، فَتَأْتُونَ إلى المَوْقِفِ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ لُبْثٍ أصْلًا.
﴿أفْواجًا﴾ أيْ: أُمَمًا، كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ إمامِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ، أوْ زُمُرًا وجَماعاتٍ مُخْتَلِفَةَ الأحْوالِ مُتَبايِنَةَ الأوْضاعِ حَسَبَ اخْتِلافِ أعْمالِهِمْ وتَبايُنِها.
«عَنْ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ ﷺ: "يا مُعاذُ؛ سَألْتَ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ مِنَ الأُمُورِ، ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ، وقالَ: تُحْشَرُ عَشَرَةُ أصْنافٍ مِن أُمَّتِي، بَعْضُهم عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ، وبَعْضُهم مُنَكَّسُونَ أرْجُلُهم فَوْقَ وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ عَلَيْها، وبَعْضُهم عُمْيٌ، وبَعْضُهم صُمٌّ بُكْمٌ، وبَعْضُهم يَمْضَغُونَ ألْسِنَتَهم فَهي مُدَلّاةٌ عَلى صُدُورِهِمْ يَسِيلُ القَيْحُ مِن أفْواهِهِمْ يَتَقَذَّرُهم أهْلُ الجَمْعِ، وبَعْضُهم مُقَطَّعَةٌ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ، وبَعْضُهم مُصَلَّبُونَ عَلى جُذُوعٍ مِن نارٍ، وبَعْضُهم أشَدُّ نَتْنًا مِنَ الجِيَفِ، وبَعْضُهم يَلْبَسُونَ جِبابًا سابِغَةً مِن قَطْرانٍ لازِقَةً بِجُلُودِهِمْ، فَأمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ؛ فالقَتّاتُ مِنَ النّاسِ، وأمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ فَأهْلُ السُّحْتِ، وأمّا المُنَكَّسُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ؛ فَأكَلَةُ الرِّبا، وأمّا العُمْيُ فالَّذِينَ يَجُورُونَ في الحُكْمِ، وأمّا الصُّمُّ البُكْمُ؛ فالمُعْجَبُونَ بِأعْمالِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ يَمْضَغُونَ ألْسِنَتَهم فالعُلَماءُ الَّذِينَ خالَفَتْ أقْوالُهم أعْمالَهُمْ، وأمّا الَّذِينَ قُطِعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ؛ فَهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ جِيرانَهُمْ، وأمّا المُصَلَّبُونَ عَلى جُذُوعٍ مِن نارٍ؛ فالسُّعاةُ بِالنّاسِ إلى السُّلْطانِ، وأمّا الَّذِينَ هم أشَدُّ نَتْنًا مِنَ الجِيَفِ فالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ ومَنَعُوا حَقَّ اللَّهِ تَعالى في أمْوالِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الجِبابَ؛ فَأهْلُ الكِبْرِ والفَخْرِ والخُيَلاءِ"» .
النبأ 78:19
﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ﴾ عَطْفٌ عَلى "يُنْفَخُ" وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وقُرِئَ: (فُتِّحَتْ) بِالتَّشْدِيدِ وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَتْ أبْوابًا﴾ أيْ: كَثُرَتْ أبْوابُها المُفَتَّحَةُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ نُزُولًا غَيْرَ مُعْتادٍ حَتّى صارَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ إلّا أبْوابًا مُفَتَّحَةً، (p-90)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ كَأنَّ كُلَّها عُيُونٌ مُتَفَجِّرَةٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وهو الغَمامُ الَّذِي ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أمْرُهُ وبَأْسُهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأبْوابُ: الطُّرُقُ والمَسالِكُ، أيْ: تُكْشَطُ فَيَنْتَفِحُ مَكانُها وتَصِيرُ طُرُقًا لا يَسُدُّها شَيْءٌ.
النبأ 78:20
﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ أيْ: في الجَوِّ عَلى هَيْآتِها بَعْدَ قَلْعِها مِن مَقارِّها، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ أيْ: تَراها رَأْيَ العَيْنِ ساكِنَةً في أماكِنِها، والحالُ أنَّها تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ الَّذِي يُسَيِّرُهُ الرِّياحُ سَيْرًا حَثِيثًا، وذَلِكَ أنَّ الأجْرامَ العِظامَ إذا تَحَرَّكَتْ نَحْوًا مِنَ الأنْحاءِ لا تَكادُ يَتَبَيَّنُ حَرَكَتُها، وإنْ كانَتْ في غايَةِ السُّرْعَةِ لا سِيَّما مِن بَعِيدٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ:
؎ بِأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم... وُقُوفٌ لِحاجٍّ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ
وَقَدْ أُدْمِجَ في هَذا التَّشْبِيهِ تَشْبِيهُ حالِ الجِبالِ بِحالِ السَّحابِ في تَخَلْخُلِ الأجْزاءِ وانْتِفاشِها، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ يُبَدِّلُ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ويُغَيِّرُ هَيْأتَها، ويُسَيِّرُ الجِبالَ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ الهائِلَةِ عِنْدَ حَشْرِ الخَلائِقِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لِيُشاهِدُوها، ثُمَّ يُفَرِّقُها في الهَواءِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَتْ سَرابًا﴾ أيْ: فَصارَتْ بَعْدَ تَسْيِيرِها مِثْلَ السَّرابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ أيْ: غُبارًا مُنْتَشِرًا، وهي وإنِ انْدَكَّتْ وتَصَدَّعَتْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى، لَكِنْ تَسْيِيرُها وتَسْوِيَةُ الأرْضِ، إنَّما يَكُونانِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَإنَّ اتِّباعَ الدّاعِي الَّذِي هو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبُرُوزُ الخَلْقِ لِلَّهِ تَعالى، لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.
النبأ 78:21
﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْكامِ الفَصْلِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ اليَوْمُ إثْرَ بَيانٍ هو لَهُ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ بَيانِ حالِ الكُفّارِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، والمِرْصادُ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُرْصَدُ فِيهِ، كالمِضْمارِ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُضْمَرُ فِيهِ الخَيْلُ، والمِنهاجُ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يَنْهَجُ فِيهِ، أيْ: أنَّها كانَتْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ مَوْضِعَ رَصْدٍ، يَرْصُدُ فِيهِ خَزَنَةُ النّارِ الكُفّارَ لِيُعَذِّبُوهم فِيها.
النبأ 78:22
﴿لِلطّاغِينَ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمُضْمَرٍ هو إمّا نَعْتٌ لِـ"مِرْصادًا" أيْ: كائِنًا لِلطّاغِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى:
مَآبًا
بَدَلٌ مِنهُ أيْ: مَرْجِعًا يُرْجَعُونَ إلَيْهِ لا مَحالَةَ، وإمّا حالٌ مِن "مَآبًا" قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةٌ، ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَهُ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ "مَآبًا" عَلى أنَّها مِرْصادٌ لِلْفَرِيقَيْنِ مَآبٌ لِلْكافِرَيْنِ خاصَّةً ولا يَخْفى بُعْدُهُ، فَإنَّ المُتَبادِرَ مِن كَوْنِها مِرْصادًا لِطائِفَةٍ كَوْنُهم مُعَذَّبِينَ بِها، وقَدْ قِيلَ: إنَّها مِرْصادٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ يَرْصُدُهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَسْتَقْبِلُونَهم عِنْدَها؛ لِأنَّ مَجازَهم عَلَيْها وهي مَآبٌ لِلطّاغِينَ، (p-91)وَقِيلَ: المِرْصادُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الرَّصْدِ، والمَعْنى: أنَّها مُجِدَّةٌ في تَرَصُّدِ الكُفّارِ لِئَلّا يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ، وقُرِئَ: أنَّ بِالفَتْحِ عَلى تَعْلِيلِ قِيامِ السّاعَةِ بِأنَّها مِرْصادٌ لِلطّاغِينَ.
النبأ 78:23
﴿لابِثِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "لِلطّاغِينَ"، وقُرِئَ: (لَبِثِينَ)، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْقابًا﴾ ظَرْفٌ لِلَبْثِهِمْ، أيْ: دُهُورًا مُتَتابِعَةً، كُلَّما مَضى حُقْبٌ تَبِعَهُ حُقْبٌ آخَرُ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، فَإنَّ الحُقْبَ لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا حَيْثُ يُرادُ تَتابُعُ الأزْمِنَةِ وتَوالِيها، فَلَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى تَناهِي تِلْكَ الأحْقابِ، ولَوْ أُرِيدَ بِالحُقْبِ ثَمانُونَ سَنَةً، أوْ سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النبأ 78:24
﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ، أُخْبِرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يَذُوقُونَ فِيها شَيْئًا ما مِن بَرْدٍ ورَوْحٍ يُنَفِّسُ عَنْهم حَرَّ النّارِ، ولا شَرابٍ يُسَكِّنُ مِن عَطَشِهِمْ، ولَكِنْ يَذُوقُونَ فِيها حَمِيمًا وغَسّاقًا، وقِيلَ: البَرْدُ النَّوْمُ، وقُرِئَ: (غَساقًا) بِالتَّخْفِيفِ وكِلاهُما ما يَسِيلُ مِن صَدِيدِهِمْ.
النبأ 78:25
﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ، أُخْبِرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يَذُوقُونَ فِيها شَيْئًا ما مِن بَرْدٍ ورَوْحٍ يُنَفِّسُ عَنْهم حَرَّ النّارِ، ولا شَرابٍ يُسَكِّنُ مِن عَطَشِهِمْ، ولَكِنْ يَذُوقُونَ فِيها حَمِيمًا وغَسّاقًا، وقِيلَ: البَرْدُ النَّوْمُ، وقُرِئَ: (غَساقًا) بِالتَّخْفِيفِ وكِلاهُما ما يَسِيلُ مِن صَدِيدِهِمْ.
النبأ 78:26
﴿جَزاءً﴾ أيْ: جُوزُوا بِذَلِكَ جَزاءً.
﴿وِفاقًا﴾ ذا وِفاقٍ لِأعْمالِهِمْ، أوْ نَفْسَ الوِفاقِ مُبالَغَةً، أوْ وافَقَها وِفاقًا، وقُرِئَ: (وَفاقًا) عَلى أنَّهُ فَعالٌ مِن وفَقُهَ كَذا، أيْ: لاقَهُ.
النبأ 78:27
﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ الجَزاءَ المَذْكُورَ، أيْ: كانُوا لا يَخافُونَ أنْ يُحاسَبُوا بِأعْمالِهِمْ.
النبأ 78:28
﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ.
﴿كِذّابًا﴾ أيْ: تَكْذِيبًا مُفْرِطًا، ولِذَلِكَ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ وفُنُونِ المَعاصِي، و"فِعّالٌ" مِن بابٍ "فَعَّلَ" شائِعٌ فِيما بَيْنَ الفُصَحاءِ، وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ، وهو مَصْدَرُ "كَذَّبَ"، قالَ:
؎ فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهُ
وانْتِصابُهُ إمّا بِفِعْلِهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ"كَذَّبُوا"، أيْ: وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَكَذَّبُوا كِذابًا، وإمّا بِنَفْسِ "كَذَّبُوا" لِتَضْمِينِهِ مَعْنى كَذَّبُوا، فَإنَّ كُلَّ مَن يُكَذِّبُ بِالحَقِّ فَهو كاذِبٌ، وقُرِئَ: (كُذّابًا) وهو جَمْعُ كاذِبِ، فانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: كَذَّبُوا بِآياتِنا كاذِبِينَ، وقَدْ يَكُونُ الكَذّابُ بِمَعْنى الواحِدِ البَلِيغِ في الكَذِبِ، فَيُجْعَلُ صِفَةً لِمَصْدَرِ "كَذَّبُوا"، أيْ: تَكْذِيبًا كَذّابًا مُفْرِطًا كَذِبَهُ.
النبأ 78:29
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أعْمالُهُمْ، وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿أحْصَيْناهُ﴾ أيْ: حَفِظْناهُ وضَبَطْناهُ، وقُرِئَ: (p-92)بِالرَّفْعِ عَلى الأبْتِداءِ ﴿كِتابًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ"أحْصَيْناهُ" لِما أنَّ الإحْصاءَ والكَتَبَةَ مِن وادٍ واحِدٍ، أوْ لِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ، أوْ حالٌ بِمَعْنى مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ، أوْ في صُحُفِ الحَفَظَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النبأ 78:30
﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ كُفْرِهِمْ بِالحِسابِ وتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ، وفي الألْتِفاتِ المُنْبِئِ عَنِ التَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ، وإيرادُ "لَنْ" المُفِيدَةِ لِكَوْنِ تَرْكِ الزِّيادَةِ مِن قَبِيلِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَبالُغِ الغَضَبِ ما لا يَخْفى. وقَدْ رَوى النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أشُدُّ ما في القرآن عَلى أهْلِ النّارِ﴾ .
النبأ 78:31
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَحاسِنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ بَيانِ سُوءِ أحْوالِ الكَفَرَةِ، أيْ: إنَّ لَلَذِينَ يَتَّقُونَ الكُفْرَ وسائِرَ قَبائِحِ أعْمالِ الكَفَرَةِ فَوْزًا وظَفَرًا بِمَباغِيهِمْ، أوْ مَوْضِعَ فَوْزٍ، وقِيلَ: نَجاةً مِمّا فِيهِ أُولَئِكَ، أوْ مَوْضِعَ نَجاةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النبأ 78:32
﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ أيْ: بَساتِينَ فِيها أنْواعُ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ وكُرُومًا، بَدَلٌ مِن "مَفازًا".
النبأ 78:33
﴿وَكَواعِبَ﴾ أيْ: نِساءٌ فَلَّكَتْ ثَدْيُهُنَّ وهُنَّ النَّواهِدُ ﴿أتْرابًا﴾ أيْ: لِداتٍ.
النبأ 78:34
﴿وَكَأْسًا دِهاقًا﴾ أيْ: مُتْرَعَةً، يُقالُ: أدْهَقَ الحَوْضَ أيْ: مَلَأهُ.
النبأ 78:35
﴿يَسْمَعُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ، وقِيلَ: في الكَأْسِ.
﴿لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ أيْ: لا يَنْطِقُونَ بِلَغْوٍ ولا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقُرِئَ: (كِذابًا) بِالتَّخْفِيفِ، أيْ: لا يُكَذِّبُهُ، أوْ لا يُكاذِبُهُ.
النبأ 78:36
﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مَنصُوبٌ بِمَعْنى أنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا، فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: جازى المُتَّقِينَ بِمَفازٍ جَزاءً كائِنًا مِن رَبِّكَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ شَيْئًا فَشَيْئًا، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ لَهُ ﷺ.
﴿عَطاءً﴾ أيْ: تَفْضِيلًا وإحْسانًا مِنهُ تَعالى إذْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وهو بَدَلٌ مِن جَزاءً.
﴿حِسابًا﴾ صِفَةٌ لِـ"عَطاءً" بِمَعْنى: كافِيًا عَلى مَصْدَرٍ أُقِيمَ مَقامَ الوَصْفِ، أوْ بُولِغَ فِيهِ مِن (أحْسَبَهُ الشَّيْءُ) إذا كَفاهُ حَتّى قالَ: حَسْبِي، وقِيلَ: عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ، وقُرِئَ: (حِسّابًا) بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المُتَحَسِّبُ كالدِّراكِ بِمَعْنى: المُدْرِكُ.
النبأ 78:37
(p-93)﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ بَدَلٌ مِن "رَبِّكَ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ صِفَةٌ لَهُ، وقِيلَ: صِفَةٌ لِلْأوَّلِ، وأيًّا ما كانَ فَفي ذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْكُلِّ ورَحْمَتِهِ الواسِعَةِ إشْعارٌ بِمَدارِ الجَزاءِ المَذْكُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما أفادَهُ الربوبية العامَّةُ مِن غايَةِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ واسْتِقْلالُهُ تَعالى بِما ذُكِرَ مِنَ الجَزاءِ والعَطاءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: بِرَفْعِهِما، فَقِيلَ: عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، وقِيلَ: الثّانِي نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، وقِيلَ: الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ والثّانِي خَبَرُهُ، و"لا يَمْلِكُونَ" خَبَرٌ آخَرُ، أوْ هو الخَبَرُ والرَّحْمَنُ صِفَةٌ لِلْأوَّلِ، وقِيلَ: لا يَمْلِكُونَ حالٌ لازِمَةٌ، وقِيلَ: الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ و"الرَّحْمَنُ" مُبْتَدَأٌ ثانٍ و"يَمْلِكُونُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْأوَّلِ، وحَصَلَ الرَّبْطُ بِتَكْرِيرِ المُبْتَدَأِ بِمَعْناهُ عَلى رَأْيِ مَن يَقُولُ بِهِ، والأوْجَهُ أنْ يَكُونَ كِلاهُما مَرْفُوعًا عَلى المَدْحِ، أوْ يَكُونَ الثّانِي نَعْتًا لِلْأوَّلِ و"لا يَمْلِكُونَ" اسْتِئْنافًا عَلى حالِهِ، فَفِيهِ ما ذُكِرَ مِنَ الإشْعارِ بِمَدارِ الجَزاءِ والعَطاءِ، كَما في البَدَلِيَّةِ لِما أنَّ المَرْفُوعَ، أوِ المَنصُوبَ مَدْحًا تابِعٌ لِما قَبْلَهُ مَعْنى إنْ كانَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ إعْرابًا، كَما فُصِّلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، وقُرِئَ: بِجَرِّ الأوَّلِ عَلى البَدَلِيَّةِ، ورَفْعُ الثّانِي عَلى الأبْتِداءِ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ وما بَعْدَهُ اسْتِئْنافٌ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ حالٌ وضَمِيرُ "لا يَمْلِكُونَ" لِأهْلِ السماوات والأرْضِ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يُخاطِبُوهُ تَعالى مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ لَفْظُ "المَلِكِ" خِطابًا ما في شَيْءٍ ما، والمُرادُ: نَفِيُ قدرتهمْ عَلى أنْ يُخاطِبُوهُ تَعالى بِشَيْءٍ مِن نَقْصِ العَذابِ، أوْ زِيادَةِ الثَّوابِ مِن غَيْرِ إذْنِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وقِيلَ: لَيْسَ في أيْدِيهِمْ مِمّا يُخاطِبُ اللَّهُ بِهِ يَأْمُرُ بِهِ في أمْرِ الثَّوابِ والعِقابِ خِطابٌ واحِدٌ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فَيَزِيدُونَ فِيهِ، أوْ يَنْقُصُونَ مِنهُ.
النبأ 78:38
﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ قِيلَ: الرُّوحُ خَلْقٌ أعْظَمُ مِنَ المَلائِكَةِ، وأشْرَفُ مِنهُمْ، وأقْرَبُ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: هم مَلَكٌ ما خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ العَرْشِ خَلْقًا أعْظَمَ مِنهُ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قامَ هو وحْدَهُ صَفًّا والمَلائِكَةُ كُلُّهم صَفًّا، وعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ﴿الرَّوْحُ جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لَيْسُوا مَلائِكَةً، لَهم رُؤْسٌ وأيْدٍ وأرْجُلٌ، يَأْكُلُونَ الطَّعامَ، ثُمَّ قَرَأ "يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ، ومُجاهِدٍ قالُوا: ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهُمْ، نَقْلَهُ البَغَوِيُّ، وقِيلَ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: هم حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ و"صَفًّا" حالٌ، أيْ: مُصْطَفِينَ، قِيلَ: هُما صَفّانِ الرُّوحُ صَفٌّ واحِدٌ، أوْ مُتَعَدِّدٌ والمَلائِكَةُ صَفٌّ، وقِيلَ: صُفُوفٌ وهو الأُفُقُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وقِيلَ: يَقُومُ الكُلُّ صَفًّا واحِدًا، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ، وقالَ صَوابًا﴾ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ "لا يَتَكَلَّمُونَ" العائِدِ إلى أهْلِ السماوات والأرْضِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ، وذَكَرَ قِيامَهم واصْطِفافَهُمْ؛ لِتَحْقِيقِ عَظَمَةِ سُلْطانِهِ وكِبْرِياءَ رُبُوبِيَّتِهِ، وتَهْوِيلِ يَوْمِ البَعْثِ الَّذِي عَلَيْهِ مَدارُ الكَلامِ مِن (p-94)مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إلى مَقْطَعِها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ ... إلَخْ. ومُؤَكِّدٌ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّ أهْلَ السماوات والأرْضِ إذا لَمْ يَقْدِرُوا يَوْمَئِذٍ عَلى أنْ يَتَكَلَّمُوا بِشَيْءٍ مِن جِنْسِ الكَلامِ إلّا مَن أذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنهم في التَّكَلُّمِ، وقالَ ذَلِكَ المَأْذُونُ لَهُ قَوْلًا صَوابًا، أيْ: حَقًّا، فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ خِطابَ رَبِّ العِزَّةِ مَعَ كَوْنِهِ أخَصَّ مِن مُطْلَقِ الكَلامِ وأعَزَّ مِنهُ مَرامًا، لا عَلى مَعْنى أنَّ الرُّوحَ والمَلائِكَةَ مَعَ كَوْنِهِمْ أفْضَلَ الخَلائِقِ وأقْرَبَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذا لَمْ يُقَدِّرُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بِما هو صَوابٌ مِنَ الشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى إلّا بِإذْنِهِ، فَكَيْفَ يُكَلِّمُهُ غَيْرُهُمْ؟ كَما قِيلَ: فَإنَّهُ مُؤَسَّسٌ عَلى قاعِدَةِ الأعْتِزالِ فَمَن سَلَكَهُ مَعَ تَجْوِيزِهِ أنْ يَكُونَ "يَوْمَ" ظَرْفًا لِـ"يَمْلِكُونَ"، فَقَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الشُّؤُنُ واخْتَلَطَ بِهِ الظُّنُونُ، وقِيلَ: إلّا مَن أذِنَ... إلَخْ. مَنصُوبٌ عَلى أصْلِ الأسْتِثْناءِ، والمَعْنى: لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا في حَقِّ شَخْصٍ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ، وقالَ ذَلِكَ الشَّخْصُ صَوابًا، أيْ: حَقًّا هو التَّوْحِيدُ وإظْهارُ الرَّحْمَنِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَناطَ الإذْنِ هو الرَّحْمَةُ البالِغَةُ لا، أنَّ أحَدًا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:
النبأ 78:39
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ قِيامِهِمْ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ، لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَخامَةِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الأبْتِداءِ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أيْ: ذَلِكَ اليَوْمُ العَظِيمُ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ رُوحٌ والمَلائِكَةُ مُصْطَفِّينَ غَيْرَ قادِرِينَ هم وغَيْرُهم عَلى التَّكَلُّمِ مِنَ الهَيْبَةِ والجَلالِ.
﴿اليَوْمُ الحَقُّ﴾ أيِ: الثّابِتُ المُتَحَقِّقُ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ، ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ فَصِيحَةٌ تَصْفَحُ عَنْ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِوُقُوعِها شَرْطًا، وكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ، وانْتِفاءِ الغَرابَةِ في تَعَلُّقِهِ بِها حَسَبَ القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ و"إلى رَبِّهِ" مُتَعَلِّقٌ بِـ "مَآبًا" قُدِّمَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِهِ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن تَحَقُّقِ اليَوْمِ المَذْكُورِ لا مَحالَةَ، فَمَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ مَرْجِعًا إلى ثَوابِ رَبِّهِ الَّذِي ذُكِرَ شَأْنُهُ العَظِيمُ فَعَلَ ذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وقالَ قَتادَةُ: مَآبًا، أيْ: سَبِيلًا، وتَعَلُّقُ الجارِيَةِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الإفْضاءِ والإيصالِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾
النبأ 78:40
﴿إنّا أنْذَرْناكُمْ﴾ أيْ: بِما ذُكِرَ في السُّورَةِ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِالبَعْثِ وبِما بَعْدَهُ مِنَ الدَّواهِي، أوْ بِها بِسائِرِ القَوارِعِ الوارِدَةِ في القرآن.
﴿عَذابًا قَرِيبًا﴾ هو عَذابُ الآخِرَةِ وقُرْبُهُ لِتَحْقِيقِ إتْيانِهِ حَتْمًا؛ ولِأنَّهُ قَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى وإنْ رَأوْهُ بَعِيدًا وسَيَرَوْنَهُ قَرِيبًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ .
وَعَنْ قَتادَةَ: هو عُقُوبَةُ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ العَذابَيْنِ، وعَنْ مُقاتِلٍ: هو قَتْلُ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ فَإنَّهُ إمّا بَدَلٌ مِن "عَذابًا"، أوْ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لَهُ، أيْ: عَذابًا كائِنًا يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ، أيْ: يُشاهِدُ (p-95)ما قَدَّمَهُ مِن خَيْرٍ، أوْ شَرٍّ عَلى أنَّ "ما" مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ"يَنْظُرُ" والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أوْ يَنْظُرُ أيَّ شَيْءٍ قَدَّمَتْ يَداهُ عَلى أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ"قَدَّمَتْ"، وقِيلَ: المَرْءُ عِبارَةٌ عَنِ الكافِرِ، و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ ظاهِرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ، قِيلَ: مَعْنى تَمَنِّيهِ لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا في الدُّنْيا، فَلَمْ أخْلُقْ ولَمْ أُكَلَّفْ، أوْ لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا في هَذا اليَوْمِ فَلَمْ أُبْعَثْ، وقِيلَ: يَحْشُرُ اللَّهُ تَعالى الحَيَوانَ فَيَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ تُرابًا فَيَوَدُّ الكافِرُ حالَهُ، وقِيلَ: الكافِرُ إبْلِيسُ يَرى آدَمَ ووَلَدَهُ وثَوابَهُمْ، فَيَتَمَنّى أنْ يَكُونَ الشَّيْءَ الَّذِي احْتَقَرَهُ حِينَ قالَ: خَلَقْتِنِي مِن نّارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةً عَمَّ يَتَساءَلُونَ سَقاهُ اللَّهُ تَعالى بَرْدَ الشَّرابِ يَوْمَ القِيامَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ﴾ .
النازعات 79:1
سُورَةُ النّازِعاتِ مَكِّيَّةٌ آياتُها سِتٌّ وأرْبَعُونَ
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَوائِفِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ عَلى الإطْلاقِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومُجاهِدٌ، أوْ أرْواحَ الكَفَرَةِ، كَما قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، ويَنْشِطُونَها، أيْ: يُخْرِجُونَها مِنَ الأجْسادِ مِن نَشَطَ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ: إذا أخْرَجَها، ويَسْبَحُونَ في إخْراجِها سَبْحَ الغَوّاصِ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ البَحْرِ ما يَخْرُجُ، فَيَسْبِقُونَ بِأرْواحِ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، فَيُدَبِّرُونَ أمْرَ عِقابِها وثَوابِها، بِأنْ يُهَيِّؤُها لِإدْراكِ ما أُعِدَّ لَها مِنَ الآلامِ واللَّذّاتِ، والعَطْفُ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ بِتَزَيُّلِيْ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، كَما في قَوْلِهِ:(p-96)
؎ إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ... ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ
لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَعْدُودَةِ مِن مُعَظَّماتِ الأُمُورِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلى حِيالِهِ مَناطًا لِاسْتِحْقاقِ مَوْصُوفِهِ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ مِن غَيْرِ انْضِمامِ الأوْصافِ الأُخَرِ إلَيْهِ، والفاءُ في الأخِيرَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِما عَلى ما قَبْلَهُما بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ يا لَهَفَ زَيّابَةَ لِلَحارِثِ الصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
وَ"غَرْقًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أيْ: إغْراقًا في النَّزْعِ حَيْثُ تَنْزِعُها مِن أقاصِيِّ الأجْسادِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَنْزِعُ رُوحَ الكافِرِ مِن جَسَدِهِ مِن تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ ومِن تَحْتِ الأظافِيرِ وأُصُولِ القَدَمَيْنِ، ثُمَّ تُغْرِقُها في جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنْزِعُها حَتّى إذا كادَتْ تَخْرُجُ تَرُدُّها في جَسَدِهِ، فَهَذا عَمَلُها بِالكُفّارِ، وقِيلَ: يَرى الكافِرُ نَفْسَهُ في وقْتِ النَّزْعِ، كَأنَّها تَغْرَقُ، وانْتِصابُ "نَشْطًا" و"سَبْحًا" و"سَبْقًا" أيْضًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وأمّا "أمْرًا" فَمَفْعُولٌ لِـ"المُدَبِّراتِ" وتَنْكِيرُهُ ولِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسّابِحاتِ وما بَعْدَها طَوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْبَحُونَ في مُضِيِّهِمْ، أيْ: يُسْرِعُونَ فِيهِ فَيَسْبِقُونَ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى إشارَةِ ما قَبْلَهُ مِنَ المُقْسَمِ بِهِ إلَيْهِ، ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ عَلَيْهِ وهو "لَتَبْعَثُنَّ"، فَإنَّ الإقْسامَ بِمَن يَتَوَلّى نَزْعَ الأرْواحِ ويَقُومُ بِتَدْبِيرِ أُمُورِها يُلَوِّحُ بِكَوْنِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ تِلْكَ الأُمُورِ لا مَحالَةَ، وفِيهِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ إقْسامًا بِالنُّجُومِ الَّتِي تَنْزِعُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ غَرْقًا في النَّزْعِ بِأنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ، وتَنْشَطَ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ، أيْ: تَخْرُجُ مَن نَشَطِ الثَّوْرِ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وتَسْبَحُ في الفَلَكِ فَيَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا فَتُدَبِّرُ أمْرًا نِيطَ بِها كاخْتِلافِ الفُصُولِ وتَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ وتَبَيُّنِ مَواقِيتِ العِباداتِ، وحَيْثُ كانَتْ حَرَكاتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ قَسْرِيَّةً، وحَرَكاتُها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ مُلائِمَةً، عَبَّرَ عَنِ الأُولى بِالنَّزْعِ، وعَنِ الثّانِي بِالنَّشِطِ، أوْ بِأنْفُسِ الغُزاةِ، أوْ أيْدِيهِمُ الَّتِي تَنْزِعُ القِسِيَّ بِإغْراقِ السِّهامِ، ويَنْشَطُونَ بِالسَّهْمِ لِلرَّمْيِ ويَسْبَحُونَ في البَرِّ والبَحْرِ فَيَسْبِقُونَ إلى حَرْبِ العَدُوِّ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَها، أوْ بِخَيْلِهِمُ الَّتِي تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها؛ لِأنَّها عِرابٌ، وتَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ وتَسْبَحُ في جَرْيِها لِتَسْبِقَ إلى الغابَةِ فَتُدَبِّرُ أمْرَ الظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها؛ لِأنَّها مِن أسْبابِهِ هَذا، والَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ هو الأوَّلُ، قَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:2
سُورَةُ النّازِعاتِ مَكِّيَّةٌ آياتُها سِتٌّ وأرْبَعُونَ
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَوائِفِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ عَلى الإطْلاقِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومُجاهِدٌ، أوْ أرْواحَ الكَفَرَةِ، كَما قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، ويَنْشِطُونَها، أيْ: يُخْرِجُونَها مِنَ الأجْسادِ مِن نَشَطَ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ: إذا أخْرَجَها، ويَسْبَحُونَ في إخْراجِها سَبْحَ الغَوّاصِ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ البَحْرِ ما يَخْرُجُ، فَيَسْبِقُونَ بِأرْواحِ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، فَيُدَبِّرُونَ أمْرَ عِقابِها وثَوابِها، بِأنْ يُهَيِّؤُها لِإدْراكِ ما أُعِدَّ لَها مِنَ الآلامِ واللَّذّاتِ، والعَطْفُ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ بِتَزَيُّلِيْ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، كَما في قَوْلِهِ:(p-96)
؎ إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ... ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ
لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَعْدُودَةِ مِن مُعَظَّماتِ الأُمُورِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلى حِيالِهِ مَناطًا لِاسْتِحْقاقِ مَوْصُوفِهِ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ مِن غَيْرِ انْضِمامِ الأوْصافِ الأُخَرِ إلَيْهِ، والفاءُ في الأخِيرَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِما عَلى ما قَبْلَهُما بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ يا لَهَفَ زَيّابَةَ لِلَحارِثِ الصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
وَ"غَرْقًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أيْ: إغْراقًا في النَّزْعِ حَيْثُ تَنْزِعُها مِن أقاصِيِّ الأجْسادِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَنْزِعُ رُوحَ الكافِرِ مِن جَسَدِهِ مِن تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ ومِن تَحْتِ الأظافِيرِ وأُصُولِ القَدَمَيْنِ، ثُمَّ تُغْرِقُها في جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنْزِعُها حَتّى إذا كادَتْ تَخْرُجُ تَرُدُّها في جَسَدِهِ، فَهَذا عَمَلُها بِالكُفّارِ، وقِيلَ: يَرى الكافِرُ نَفْسَهُ في وقْتِ النَّزْعِ، كَأنَّها تَغْرَقُ، وانْتِصابُ "نَشْطًا" و"سَبْحًا" و"سَبْقًا" أيْضًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وأمّا "أمْرًا" فَمَفْعُولٌ لِـ"المُدَبِّراتِ" وتَنْكِيرُهُ ولِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسّابِحاتِ وما بَعْدَها طَوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْبَحُونَ في مُضِيِّهِمْ، أيْ: يُسْرِعُونَ فِيهِ فَيَسْبِقُونَ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى إشارَةِ ما قَبْلَهُ مِنَ المُقْسَمِ بِهِ إلَيْهِ، ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ عَلَيْهِ وهو "لَتَبْعَثُنَّ"، فَإنَّ الإقْسامَ بِمَن يَتَوَلّى نَزْعَ الأرْواحِ ويَقُومُ بِتَدْبِيرِ أُمُورِها يُلَوِّحُ بِكَوْنِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ تِلْكَ الأُمُورِ لا مَحالَةَ، وفِيهِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ إقْسامًا بِالنُّجُومِ الَّتِي تَنْزِعُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ غَرْقًا في النَّزْعِ بِأنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ، وتَنْشَطَ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ، أيْ: تَخْرُجُ مَن نَشَطِ الثَّوْرِ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وتَسْبَحُ في الفَلَكِ فَيَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا فَتُدَبِّرُ أمْرًا نِيطَ بِها كاخْتِلافِ الفُصُولِ وتَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ وتَبَيُّنِ مَواقِيتِ العِباداتِ، وحَيْثُ كانَتْ حَرَكاتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ قَسْرِيَّةً، وحَرَكاتُها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ مُلائِمَةً، عَبَّرَ عَنِ الأُولى بِالنَّزْعِ، وعَنِ الثّانِي بِالنَّشِطِ، أوْ بِأنْفُسِ الغُزاةِ، أوْ أيْدِيهِمُ الَّتِي تَنْزِعُ القِسِيَّ بِإغْراقِ السِّهامِ، ويَنْشَطُونَ بِالسَّهْمِ لِلرَّمْيِ ويَسْبَحُونَ في البَرِّ والبَحْرِ فَيَسْبِقُونَ إلى حَرْبِ العَدُوِّ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَها، أوْ بِخَيْلِهِمُ الَّتِي تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها؛ لِأنَّها عِرابٌ، وتَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ وتَسْبَحُ في جَرْيِها لِتَسْبِقَ إلى الغابَةِ فَتُدَبِّرُ أمْرَ الظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها؛ لِأنَّها مِن أسْبابِهِ هَذا، والَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ هو الأوَّلُ، قَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:3
سُورَةُ النّازِعاتِ مَكِّيَّةٌ آياتُها سِتٌّ وأرْبَعُونَ
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَوائِفِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ عَلى الإطْلاقِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومُجاهِدٌ، أوْ أرْواحَ الكَفَرَةِ، كَما قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، ويَنْشِطُونَها، أيْ: يُخْرِجُونَها مِنَ الأجْسادِ مِن نَشَطَ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ: إذا أخْرَجَها، ويَسْبَحُونَ في إخْراجِها سَبْحَ الغَوّاصِ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ البَحْرِ ما يَخْرُجُ، فَيَسْبِقُونَ بِأرْواحِ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، فَيُدَبِّرُونَ أمْرَ عِقابِها وثَوابِها، بِأنْ يُهَيِّؤُها لِإدْراكِ ما أُعِدَّ لَها مِنَ الآلامِ واللَّذّاتِ، والعَطْفُ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ بِتَزَيُّلِيْ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، كَما في قَوْلِهِ:(p-96)
؎ إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ... ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ
لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَعْدُودَةِ مِن مُعَظَّماتِ الأُمُورِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلى حِيالِهِ مَناطًا لِاسْتِحْقاقِ مَوْصُوفِهِ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ مِن غَيْرِ انْضِمامِ الأوْصافِ الأُخَرِ إلَيْهِ، والفاءُ في الأخِيرَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِما عَلى ما قَبْلَهُما بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ يا لَهَفَ زَيّابَةَ لِلَحارِثِ الصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
وَ"غَرْقًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أيْ: إغْراقًا في النَّزْعِ حَيْثُ تَنْزِعُها مِن أقاصِيِّ الأجْسادِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَنْزِعُ رُوحَ الكافِرِ مِن جَسَدِهِ مِن تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ ومِن تَحْتِ الأظافِيرِ وأُصُولِ القَدَمَيْنِ، ثُمَّ تُغْرِقُها في جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنْزِعُها حَتّى إذا كادَتْ تَخْرُجُ تَرُدُّها في جَسَدِهِ، فَهَذا عَمَلُها بِالكُفّارِ، وقِيلَ: يَرى الكافِرُ نَفْسَهُ في وقْتِ النَّزْعِ، كَأنَّها تَغْرَقُ، وانْتِصابُ "نَشْطًا" و"سَبْحًا" و"سَبْقًا" أيْضًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وأمّا "أمْرًا" فَمَفْعُولٌ لِـ"المُدَبِّراتِ" وتَنْكِيرُهُ ولِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسّابِحاتِ وما بَعْدَها طَوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْبَحُونَ في مُضِيِّهِمْ، أيْ: يُسْرِعُونَ فِيهِ فَيَسْبِقُونَ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى إشارَةِ ما قَبْلَهُ مِنَ المُقْسَمِ بِهِ إلَيْهِ، ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ عَلَيْهِ وهو "لَتَبْعَثُنَّ"، فَإنَّ الإقْسامَ بِمَن يَتَوَلّى نَزْعَ الأرْواحِ ويَقُومُ بِتَدْبِيرِ أُمُورِها يُلَوِّحُ بِكَوْنِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ تِلْكَ الأُمُورِ لا مَحالَةَ، وفِيهِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ إقْسامًا بِالنُّجُومِ الَّتِي تَنْزِعُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ غَرْقًا في النَّزْعِ بِأنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ، وتَنْشَطَ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ، أيْ: تَخْرُجُ مَن نَشَطِ الثَّوْرِ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وتَسْبَحُ في الفَلَكِ فَيَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا فَتُدَبِّرُ أمْرًا نِيطَ بِها كاخْتِلافِ الفُصُولِ وتَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ وتَبَيُّنِ مَواقِيتِ العِباداتِ، وحَيْثُ كانَتْ حَرَكاتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ قَسْرِيَّةً، وحَرَكاتُها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ مُلائِمَةً، عَبَّرَ عَنِ الأُولى بِالنَّزْعِ، وعَنِ الثّانِي بِالنَّشِطِ، أوْ بِأنْفُسِ الغُزاةِ، أوْ أيْدِيهِمُ الَّتِي تَنْزِعُ القِسِيَّ بِإغْراقِ السِّهامِ، ويَنْشَطُونَ بِالسَّهْمِ لِلرَّمْيِ ويَسْبَحُونَ في البَرِّ والبَحْرِ فَيَسْبِقُونَ إلى حَرْبِ العَدُوِّ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَها، أوْ بِخَيْلِهِمُ الَّتِي تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها؛ لِأنَّها عِرابٌ، وتَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ وتَسْبَحُ في جَرْيِها لِتَسْبِقَ إلى الغابَةِ فَتُدَبِّرُ أمْرَ الظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها؛ لِأنَّها مِن أسْبابِهِ هَذا، والَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ هو الأوَّلُ، قَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:4
سُورَةُ النّازِعاتِ مَكِّيَّةٌ آياتُها سِتٌّ وأرْبَعُونَ
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَوائِفِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ عَلى الإطْلاقِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومُجاهِدٌ، أوْ أرْواحَ الكَفَرَةِ، كَما قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، ويَنْشِطُونَها، أيْ: يُخْرِجُونَها مِنَ الأجْسادِ مِن نَشَطَ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ: إذا أخْرَجَها، ويَسْبَحُونَ في إخْراجِها سَبْحَ الغَوّاصِ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ البَحْرِ ما يَخْرُجُ، فَيَسْبِقُونَ بِأرْواحِ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، فَيُدَبِّرُونَ أمْرَ عِقابِها وثَوابِها، بِأنْ يُهَيِّؤُها لِإدْراكِ ما أُعِدَّ لَها مِنَ الآلامِ واللَّذّاتِ، والعَطْفُ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ بِتَزَيُّلِيْ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، كَما في قَوْلِهِ:(p-96)
؎ إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ... ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ
لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَعْدُودَةِ مِن مُعَظَّماتِ الأُمُورِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلى حِيالِهِ مَناطًا لِاسْتِحْقاقِ مَوْصُوفِهِ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ مِن غَيْرِ انْضِمامِ الأوْصافِ الأُخَرِ إلَيْهِ، والفاءُ في الأخِيرَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِما عَلى ما قَبْلَهُما بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ يا لَهَفَ زَيّابَةَ لِلَحارِثِ الصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
وَ"غَرْقًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أيْ: إغْراقًا في النَّزْعِ حَيْثُ تَنْزِعُها مِن أقاصِيِّ الأجْسادِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَنْزِعُ رُوحَ الكافِرِ مِن جَسَدِهِ مِن تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ ومِن تَحْتِ الأظافِيرِ وأُصُولِ القَدَمَيْنِ، ثُمَّ تُغْرِقُها في جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنْزِعُها حَتّى إذا كادَتْ تَخْرُجُ تَرُدُّها في جَسَدِهِ، فَهَذا عَمَلُها بِالكُفّارِ، وقِيلَ: يَرى الكافِرُ نَفْسَهُ في وقْتِ النَّزْعِ، كَأنَّها تَغْرَقُ، وانْتِصابُ "نَشْطًا" و"سَبْحًا" و"سَبْقًا" أيْضًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وأمّا "أمْرًا" فَمَفْعُولٌ لِـ"المُدَبِّراتِ" وتَنْكِيرُهُ ولِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسّابِحاتِ وما بَعْدَها طَوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْبَحُونَ في مُضِيِّهِمْ، أيْ: يُسْرِعُونَ فِيهِ فَيَسْبِقُونَ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى إشارَةِ ما قَبْلَهُ مِنَ المُقْسَمِ بِهِ إلَيْهِ، ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ عَلَيْهِ وهو "لَتَبْعَثُنَّ"، فَإنَّ الإقْسامَ بِمَن يَتَوَلّى نَزْعَ الأرْواحِ ويَقُومُ بِتَدْبِيرِ أُمُورِها يُلَوِّحُ بِكَوْنِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ تِلْكَ الأُمُورِ لا مَحالَةَ، وفِيهِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ إقْسامًا بِالنُّجُومِ الَّتِي تَنْزِعُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ غَرْقًا في النَّزْعِ بِأنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ، وتَنْشَطَ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ، أيْ: تَخْرُجُ مَن نَشَطِ الثَّوْرِ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وتَسْبَحُ في الفَلَكِ فَيَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا فَتُدَبِّرُ أمْرًا نِيطَ بِها كاخْتِلافِ الفُصُولِ وتَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ وتَبَيُّنِ مَواقِيتِ العِباداتِ، وحَيْثُ كانَتْ حَرَكاتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ قَسْرِيَّةً، وحَرَكاتُها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ مُلائِمَةً، عَبَّرَ عَنِ الأُولى بِالنَّزْعِ، وعَنِ الثّانِي بِالنَّشِطِ، أوْ بِأنْفُسِ الغُزاةِ، أوْ أيْدِيهِمُ الَّتِي تَنْزِعُ القِسِيَّ بِإغْراقِ السِّهامِ، ويَنْشَطُونَ بِالسَّهْمِ لِلرَّمْيِ ويَسْبَحُونَ في البَرِّ والبَحْرِ فَيَسْبِقُونَ إلى حَرْبِ العَدُوِّ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَها، أوْ بِخَيْلِهِمُ الَّتِي تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها؛ لِأنَّها عِرابٌ، وتَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ وتَسْبَحُ في جَرْيِها لِتَسْبِقَ إلى الغابَةِ فَتُدَبِّرُ أمْرَ الظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها؛ لِأنَّها مِن أسْبابِهِ هَذا، والَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ هو الأوَّلُ، قَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:5
سُورَةُ النّازِعاتِ مَكِّيَّةٌ آياتُها سِتٌّ وأرْبَعُونَ
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَوائِفِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ عَلى الإطْلاقِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومُجاهِدٌ، أوْ أرْواحَ الكَفَرَةِ، كَما قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، ويَنْشِطُونَها، أيْ: يُخْرِجُونَها مِنَ الأجْسادِ مِن نَشَطَ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ: إذا أخْرَجَها، ويَسْبَحُونَ في إخْراجِها سَبْحَ الغَوّاصِ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ البَحْرِ ما يَخْرُجُ، فَيَسْبِقُونَ بِأرْواحِ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، فَيُدَبِّرُونَ أمْرَ عِقابِها وثَوابِها، بِأنْ يُهَيِّؤُها لِإدْراكِ ما أُعِدَّ لَها مِنَ الآلامِ واللَّذّاتِ، والعَطْفُ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ بِتَزَيُّلِيْ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، كَما في قَوْلِهِ:(p-96)
؎ إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ... ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ
لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَعْدُودَةِ مِن مُعَظَّماتِ الأُمُورِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلى حِيالِهِ مَناطًا لِاسْتِحْقاقِ مَوْصُوفِهِ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ مِن غَيْرِ انْضِمامِ الأوْصافِ الأُخَرِ إلَيْهِ، والفاءُ في الأخِيرَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِما عَلى ما قَبْلَهُما بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ يا لَهَفَ زَيّابَةَ لِلَحارِثِ الصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
وَ"غَرْقًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أيْ: إغْراقًا في النَّزْعِ حَيْثُ تَنْزِعُها مِن أقاصِيِّ الأجْسادِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَنْزِعُ رُوحَ الكافِرِ مِن جَسَدِهِ مِن تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ ومِن تَحْتِ الأظافِيرِ وأُصُولِ القَدَمَيْنِ، ثُمَّ تُغْرِقُها في جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنْزِعُها حَتّى إذا كادَتْ تَخْرُجُ تَرُدُّها في جَسَدِهِ، فَهَذا عَمَلُها بِالكُفّارِ، وقِيلَ: يَرى الكافِرُ نَفْسَهُ في وقْتِ النَّزْعِ، كَأنَّها تَغْرَقُ، وانْتِصابُ "نَشْطًا" و"سَبْحًا" و"سَبْقًا" أيْضًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وأمّا "أمْرًا" فَمَفْعُولٌ لِـ"المُدَبِّراتِ" وتَنْكِيرُهُ ولِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسّابِحاتِ وما بَعْدَها طَوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْبَحُونَ في مُضِيِّهِمْ، أيْ: يُسْرِعُونَ فِيهِ فَيَسْبِقُونَ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى إشارَةِ ما قَبْلَهُ مِنَ المُقْسَمِ بِهِ إلَيْهِ، ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ عَلَيْهِ وهو "لَتَبْعَثُنَّ"، فَإنَّ الإقْسامَ بِمَن يَتَوَلّى نَزْعَ الأرْواحِ ويَقُومُ بِتَدْبِيرِ أُمُورِها يُلَوِّحُ بِكَوْنِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ تِلْكَ الأُمُورِ لا مَحالَةَ، وفِيهِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ إقْسامًا بِالنُّجُومِ الَّتِي تَنْزِعُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ غَرْقًا في النَّزْعِ بِأنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ، وتَنْشَطَ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ، أيْ: تَخْرُجُ مَن نَشَطِ الثَّوْرِ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وتَسْبَحُ في الفَلَكِ فَيَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا فَتُدَبِّرُ أمْرًا نِيطَ بِها كاخْتِلافِ الفُصُولِ وتَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ وتَبَيُّنِ مَواقِيتِ العِباداتِ، وحَيْثُ كانَتْ حَرَكاتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ قَسْرِيَّةً، وحَرَكاتُها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ مُلائِمَةً، عَبَّرَ عَنِ الأُولى بِالنَّزْعِ، وعَنِ الثّانِي بِالنَّشِطِ، أوْ بِأنْفُسِ الغُزاةِ، أوْ أيْدِيهِمُ الَّتِي تَنْزِعُ القِسِيَّ بِإغْراقِ السِّهامِ، ويَنْشَطُونَ بِالسَّهْمِ لِلرَّمْيِ ويَسْبَحُونَ في البَرِّ والبَحْرِ فَيَسْبِقُونَ إلى حَرْبِ العَدُوِّ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَها، أوْ بِخَيْلِهِمُ الَّتِي تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها؛ لِأنَّها عِرابٌ، وتَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ وتَسْبَحُ في جَرْيِها لِتَسْبِقَ إلى الغابَةِ فَتُدَبِّرُ أمْرَ الظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها؛ لِأنَّها مِن أسْبابِهِ هَذا، والَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ هو الأوَّلُ، قَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:6
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ مَنصُوبٌ بِالجَوابِ المُضْمَرِ، والمُرادُ بِالرّاجِفَةِ: الواقِعَةُ الَّتِي تَرْجُفُ عِنْدَها الأجْرامُ السّاكِنَةُ أيْ: تَتَحَرَّكُ حَرَكَةً شَدِيدَةً وتَتَزَلْزَلُ زَلْزَلَةً عَظِيمَةً كالأرْضِ والجِبالِ، وهي النَّفْخَةُ الأُولى، وقِيلَ: الرَّجْفَةُ الأرْضُ والجِبالُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:7
﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ أيِ: الواقِعَةُ الَّتِي تُرْدِفُ الأُولى وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ تابِعَةٌ لَها لا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الزَّمانِ المُمْتَدِّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ النَّفْخَتانِ وبَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً، واعْتِبارُ امْتِدادِهِ مَعَ أنَّ البَعْثَ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لِتَهْوِيلِ اليَوْمِ بِبَيانِ كَوْنِهِ مَوْقِعًا (p-97)لِداهِيَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ لا يَبْقى عِنْدَ وُقُوعِ الأُولى حَيٌّ إلّا ماتَ، ولا عِنْدَ وُقُوعِ الثّانِيَةِ إلّا بُعِثَ وقامَ، ووَجْهُ إضافَتِهِ إلى الأُولى ظاهِرٌ، وقِيلَ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ مَنصُوبٌ بِ"اذْكُرْ" فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مُقَرِّرًا لِمَضْمُونِ الجَوابِ المُضْمَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: اذْكُرْ لَهم يَوْمَ النَّفْخَتَيْنِ فَإنَّهُ وقْتُ بَعْثِهِمْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:8
﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ أيْ: يَوْمَ تَرْجُفُ وجِفْتِ القُلُوبُ، قِيلَ: قُلُوبٌ مُبْتَدَأٌ و"يَوْمَئِذٍ" مُتَعَلِّقٌ بِـ"واجِفَةٌ"، وهي صِفَةٌ لِـ"قُلُوبٌ" مُسَوِّغَةٌ لِوُقُوعِهِ مُبْتَدَأً، وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:9
﴿أبْصارُها﴾ أيْ: أبْصارُ أصْحابِها.
﴿خاشِعَةٌ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ وقَعَتْ خَبَرًا لِـ"قُلُوبٌ"، وقَدْ مَرَّ أنَّ حَقَّ الصِّفَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الأنْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ السّامِعِ، حَتّى قالُوا: إنَّ الصِّفاتِ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ، والأخْبارُ بَعْدَ العِلْمِ بِها صِفاتٌ، فَحَيْثُ كانَ ثُبُوتُ الوَجِيفِ لِلْقُلُوبِ وثُبُوتُ الخُشُوعِ لِأبْصارِ أصْحابِها سَواءً في المَعْرِفَةِ والجَهالَةِ، كانَ جَعْلُ الأوَّلِ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ مَفْرُوغًا عَنْهُ، وجَعْلُ الثّانِي مُخْبَرًا بِهِ مَقْصُودَ الإفادَةِ تَحَكُّمًا بَحْتًا عَلى أنَّ الوَجِيفَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ اضْطِرابِ القَلْبِ وقَلَقِهِ مِنَ الخَوْفِ والوَجَلِ أشَدُّ مِن خُشُوعِ البَصَرِ وأهْوَلُ، فَجَعَلَ أهْوَنَ الشَّرَّيْنِ عُمْدَةً وأشَدَّهُما فَضْلَةً مِمّا لا عَهْدَ لَهُ في الكَلامِ، وأيْضًا فَتَخْصِيصُ الخُشُوعِ بِقُلُوبٍ مَوْصُوفَةٍ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ غَيْرِ مُشْعِرَةٍ بِالعُمُومِ والشُّمُولِ تَهْوِينٌ لِلْخَطْبِ في مَوْقِعِ التَّهْوِيلِ، فالوَجْهُ أنْ يُقالَ: تَنْكِيرُ "قُلُوبٌ" يَقُومُ مَقامَ الوَصْفِ المُخْتَصِّ سَواءٌ عَلى حَمْلِ التَّنْوِيعِ كَما قِيلَ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْ النَّوْعَ المُقابِلَ فَإنَّ المَعْنى مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ، أوْ عَلى التَّكْثِيرِ كَما في شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ، فَإنَّ التَّفْخِيمَ كَما يَكُونُ بِالكَيْفِيَّةِ يَكُونُ بِالكَمِّيَّةِ أيْضًا، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلُوبٌ كَثِيرَةٌ يَوْمَ إذْ يَقَعُ النَّفْخَتانِ واجِفَةٌ، أيْ: شَدِيدَةُ الاضْطِرابِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: خائِفَةٌ وجِلَةٌ، وقالَ السُّدِّيُ: زائِلَةٌ عَنْ أماكِنِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:10
﴿يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ حِكايَةٌ لِما يَقُولُهُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ المُكَذِّبُونَ بِالآياتِ النّاطِقَةِ بِهِ إثْرَ بَيانِ وُقُوعِهِ بِطَرِيقِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، وذِكْرِ مُقَدَّماتِهِ الهائِلَةِ وما يَعْرِضُ عِنْدَ وُقُوعِها لِلْقُلُوبِ والأبْصارِ، أيْ: يَقُولُونَ إذا قِيلَ لَهُمْ: إنَّكم تَبْعَثُونَ مُنْكِرِينَ لَهُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ: أئِنّا لَمَرْدُودُونَ بَعْدَ مَوْتِنا في الحافِرَةِ، أيْ: في الحالَةِ الأُولى يَعْنُونَ الحَياةَ مِن قَوْلِهِمْ: رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ، أيْ: في طَرِيقَتِهِ الَّتِي جاءَ فِيها فَحَفَرَها، أيْ: أثَّرَ فِيها بِمَشْيِهِ، وتَسْمِيَتُها حافِرَةً مَعَ أنَّها مَحْفُورَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ: مَنسُوبَةٌ إلى الحَفْرِ والرِّضا، أوْ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ عَلى تَشْبِيهِ القابِلِ بِالفاعِلِ، وقُرِئَ: (فِي الحُفْرَةِ) وهي بِمَعْنى المَحْفُورَةُ.
النازعات 79:11
(p-98)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾
﴿أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ تَأْكِيدٌ لِإنْكارِ الرَّدِّ ونَفْيِهِ بِنِسْبَتِهِ إلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ، والعامِلُ في إذا مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ "مَرْدُودُونَ"، أيْ: أئِذا كُنّا عِظامًا بالِيَةً نُرَدُّ ونُبْعَثُ مَعَ كَوْنِها أبْعَدَ شَيْءٍ مِنَ الحَياةِ، وقُرِئَ: إذا كُنّا عَلى الخَبَرِ، أوْ إسْقاطِ حَرْفِ الإنْكارِ، وناخِرَةٌ مِن نَخَرَ العَظْمُ فَهو نَخِرٌ وناخِرٌ، وهو البالِي الأجْوَفُ الَّذِي يَمُرُّ بِهِ الرِّيحُ فَيُسْمَعُ لَهُ نَخِيرٌ.
النازعات 79:12
﴿قالُوا﴾ حِكايَةً لِكُفْرِ آخِرِهِمْ مُتَفَرِّعٍ عَلى كُفْرِهِمُ السّابِقِ، ولَعَلَّ تَوْسِيطَ "قالُوا" بَيْنَهُما لِلْإيذانِ بِأنَّ صُدُورَ هَذا الكُفْرِ عَنْهم لَيْسَ بِطَرِيقِ الاطِّرادِ والاسْتِمْرارِ مِثْلَ كُفْرِهِمُ السّابِقِ المُسْتَمِرِّ صُدُورُهُ عَنْهم في كافَّةِ أوْقاتِهِمْ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ حِكايَتُهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ، أيْ: قالُوا بِطَرِيقِ الأسْتِهْزاءِ مُشِيرِينَ إلى ما أنْكَرُوهُ مِنَ الرِّدَّةِ في الحافِرَةِ مُشْعِرِينَ بِغايَةِ بُعْدِها مِنَ الوُقُوعِ ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ أيْ: ذاتُ خُسْرانٍ، أوْ خاسِرَةٌ أصْحابُها، أيْ: إنْ صَحَّتْ فَنَحْنُ إذَنْ خاسِرُونَ لِتَكْذِيبِنا بِها، وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:13
﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ إنْكارُهم لِإحْياءِ العِظامِ النَّخِرَةِ الَّتِي عَبَّرُوا عَنْها بِالكَرَّةِ، فَإنَّ مَدارَهُ لَمّا كانَ اسْتِصْعابُهم إيّاها رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لا تَسْتَصْعِبُوها، فَإنَّما هي صَيْحَةٌ واحِدَةٌ، أيْ: حاصِلَةٌ بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ عَبَّرَ عَنْها بِها تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ اتِّصالِها بِها كَأنَّها عَيْنُها، وقِيلَ: "هِيَ" راجِعٌ إلى "الرّادِفَةُ"، فَقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:14
﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ حِينَئِذٍ بَيانٌ لِتَرَتُّبِ الكَرَّةِ عَلى الزَّجْرَةِ مُفاجَأةً، أيْ: فَإذا هم أحْياءٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ بَعْدَ ما كانُوا أمْواتًا في جَوْفِها، وعَلى الأوَّلِ بَيانٌ لِحُضُورِهِمُ المَوْقِفَ عَقِيبَ الكَرَّةِ الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِالزَّجْرَةِ، والسّاهِرَةُ الأرْضُ البَيْضاءُ المُسْتَوِيَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ السَّرابَ يَجْرِي فِيها مِن قَوْلِهِمْ: "عَيْنٌ ساهِرَةٌ" جارِيَةُ الماءِ وفي ضِدِّها نائِمَةٌ، وقِيلَ: لِأنَّ سالِكَها لا يَنامُ خَوْفَ الهَلَكَةِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِـ"جَهَنَّمَ"، وقالَ الرّاغِبُ: هي وجْهُ الأرْضِ، وقِيلَ: هي أرْضُ القِيامَةِ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ السّاهِرَةَ أرْضٌ مِن فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها قَطُّ خَلَقَها حِينَئِذٍ، وقِيلَ: هي أرْضٌ يُجَدِّدُها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: هي اسْمُ الأرْضِ السّابِعَةِ يَأْتِي بِها اللَّهُ تَعالى فَيُحاسِبُ الخَلائِقَ عَلَيْها، وذَلِكَ حِينَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: السّاهِرَةُ أرْضُ الشّامِ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: جَبَلُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: السّاهِرَةُ بِمَعْنى الصَّحْراءِ عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:15
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ بِأنَّهُ يُصِيبُهم مِثْلَ ما أصابَ (p-99)مَن كانَ أقْوى مِنهم وأعْظَمَ، ومَعْنى "هَلْ أتاكَ": إنِ اعْتُبِرَ هَذا أوَّلَ ما أتاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَدِيثِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَرْغِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في اسْتِماعِ حَدِيثِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُهُ؟ أنا أُخْبِرُكَ بِهِ وإنِ اعْتُبِرَ إتْيانُهُ قَبْلَ هَذا، وهو المُتَبادَرُ مِنَ الإيجازِ في الأقْتِصاصِ، حَمَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنْ يُقِرَّ بِأمْرٍ يَعْرِفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:16
﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ ظَرْفٌ لِلْحَدِيثِ لا لِلْإتْيانِ لِاخْتِلافِ وقْتَيْهِما.
﴿طُوًى﴾ بِضَمِّ الطّاءِ غَيْرُ مُنَوَّنٍ، وقُرِئَ: مُنَوَّنًا، وقُرِئَ: بِالكَسْرِ مُنَوَّنًا وغَيْرَ مُنَوَّنٍ، فَمَن نَوَّنَّهُ أوَّلَهُ بِالمَكانِ دُونَ البُقْعَةِ، وقِيلَ: هو كَثَنى مَصْدَرٌ لَنادى، أوِ المُقَدَّسِ، أيْ: ناداهُ نِدائَيْنِ، أوِ المُقَدَّسِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
النازعات 79:17
﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، وقِيلَ: هو تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ، أيْ: ناداهُ اذْهَبْ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ "أنِ" المُفَسِّرَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: (أنِ اذْهَبْ) لِأنَّ في النِّداءِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿إنَّهُ طَغى﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، أوْ لِوُجُوبِ الأمْتِثالِ بِهِ.
النازعات 79:18
﴿فَقُلْ﴾ بَعْدَما أتَيْتَهُ.
﴿هَلْ لَكَ﴾ رَغْبَةٌ وتَوَجُّهٌ.
﴿إلى أنْ تَزَكّى﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مَن تَتَزَكّى، أيْ: تَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وقُرِئَ: (تَزَّكّى) بِالتَّشْدِيدِ.
النازعات 79:19
﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ وأُرْشِدَكَ إلى مَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَعْرِفَهُ.
﴿فَتَخْشى﴾ إذِ الخَشْيَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ تَعالى، قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ وجَعْلُ الخَشْيَةِ غايَةً لِلْهِدايَةِ؛ لِأنَّها مَلاكُ الأمْرِ، مَن خَشِيَ اللَّهَ تَعالى أتى مِنهُ كُلُّ خَيْرٍ، ومَن أمِنَ اجْتَرَأ عَلى كُلِّ شَرٍّ، أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يُخاطِبَهُ بِالاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ العَرْضُ؛ لِيَسْتَدْعِيَهُ بِالتَّلَطُّفِ في القَوْلِ، ويَسْتَنْزِلَهُ بِالمُداراةِ مِن عُتُوِّهِ، وهَذا ضَرْبُ تَفْصِيلٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:
النازعات 79:20
﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ جُمَلٍ قَدْ طُوِيَتْ تَعْوِيلًا عَلى تَفْصِيلِها في السُّوَرِ الأُخْرى، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أراهُ إيّاها عَيْبُ هَذا الأمْرِ، بَلْ بَعْدَ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى ما جَرى مِنَ الأسْتِدْعاءِ والإجابَةِ وغَيْرِهِما مِنَ المُراجَعاتِ، وبَعْدَ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ فِرْعَوْنٍ ما جَرى مِنَ المُحاوَراتِ إلى أنْ قالَ: إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ والإراءَةُ إمّا بِمَعْنى التَّبْصِيرِ أوِ التَّعْرِيفِ، فَإنَّ اللَّعِينَ حِينَ أبْصَرَها عَرَفَها، وادِّعاءُ سِحْرِيَّتِها إنَّما كانَ إراءَةً مِنهُ وإظْهارًا لِلتَّجَلُّدِ، ونِسْبَتُها إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّظَرِ إلى الظّاهِرِ، كَما أنَّ نِسْبَتَها إلى نُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا﴾ بِالنَّظَرِ (p-100)إلى الحَقِيقَةِ، والمُرادُ بِالآيَةِ الكُبْرى: قَلْبُ العَصا حَيَّةً، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَإنَّها كانَتِ المُقَدِّمَةَ والأصْلَ والأُخْرى كالتَّبَعِ لَها أوْ هُما جَمِيعًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، فَإنَّهُما كالآيَةِ الواحِدَةِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُما بِصِيغَةِ الجَمْعِ حَيْثُ قالَ: اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي بِاعْتِبارِ ما في تَضاعِيفِهِما مِن بَدائِعِ الأُمُورِ الَّتِي كُلٌّ مِنها آيَةٌ بَيِّنَةٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ كَما في سُورَةِ طَه، ولا مَساغَ لِحَمْلِها عَلى مَجْمُوعِ مُعْجِزاتِهِ، فَإنَّ ما عَدا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنَ الآياتِ التِّسْعِ، إنَّما ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما غَلَبَ السحرةَ عَلى مَهَلٍ في نَحْوٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً كَما مَرَّ في سُورَةِ الأعْرافِ، ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا مَطْلَعُ القِصَّةِ وأمْرُ السحرةِ مُتَرَقَّبٌ بَعْدُ.
النازعات 79:21
﴿فَكَذَّبَ﴾ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَمّى مُعْجِزاتِهِ سِحْرًا.
﴿وَعَصى﴾ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّمَرُّدِ بَعْدَ ما عَلِمَ صِحَّةَ الأمْرِ ووُجُوبَ الطّاعَةِ أشَدَّ عِصْيانٍ وأقْبَحَهُ، حَيْثُ اجْتَرَأ عَلى إنْكارِ وُجُودِ رَبِّ العالَمِينَ رَأْسًا، وكانَ اللَّعِينُ وقَوْمُهُ مَأْمُورِينَ بِعِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَرْكِ العَظِيمَةِ الَّتِي كانَ يَدَّعِيها الطّاغِيَةُ ويَقْبَلُها مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ، لا بِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والقَسْرِ فَقَطْ.
النازعات 79:22
﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ أيْ: تَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ، أوِ انْصَرَفَ عَنِ المَجْلِسِ.
﴿يَسْعى﴾ أيْ: يَجْتَهِدُ في مُعارَضَةِ الآيَةِ، أوْ أُرِيدَ ثُمَّ أقْبَلَ، أيْ: أنْشَأ يَسْعى، فَوَضَعَ مَوْضِعَهُ "أدْبَرَ" تَحاشِيًا عَنْ وصْفِهِ بِالإقْبالِ، وقِيلَ: أدْبَرَ هارِبًا مِنَ الثُّعْبانِ، فَإنَّهُ رَوِيَ "أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا ألْقى العَصا انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا أشْعَرَ فاغِرًا فاهُ بَيْنَ لِحْيَيْهِ ثَمانُونَ ذِراعًا، وضَعَ لِحْيَهُ الأسْفَلَ عَلى الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، فَتَوَجَّهَ نَحْوَ فِرْعَوْنَ فَهَرَبَ وأحْدَثَ، وانْهَزَمَ النّاسُ مُزْدَحِمُونَ، فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: إنَّها حِينَ انْقَلَبَتْ حَيَّةً ارْتَفَعَتْ في السَّماءِ قَدْرَ مِيلٍ، ثُمَّ انْحَطَّتْ مُقْبِلَةً نَحْوَ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَتْ تَقُولُ: يا مُوسى؛ مُرْنِي بِما شِئْتَ، ويَقُولُ فِرْعَوْنُ: أنْشُدُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ إلّا أخَذْتَهُ! فَأخَذَهُ فَعادَ عَصا ويَأْباهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ الإصْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ والعِصْيانِ والتَّصَدِّي لِلْمُعارَضَةِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:23
﴿فَحَشَرَ﴾ أيْ: فَجَمَعَ السحرةَ لِقَوْلِهِ: فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أيْ: ما يُكادُ بِهِ مِنَ السحرةِ وآلاتِهِمْ، وقِيلَ: جُنُودُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ جَمِيعُ النّاسِ.
﴿فَنادى﴾ في المَجْمَعِ بِنَفْسِهِ، أوْ بِواسِطَةِ المُنادِي.
النازعات 79:24
﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ قِيلَ: قامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقالَ تِلْكَ العَظِيمَةَ.
النازعات 79:25
﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ النَّكالُ بِمَعْنى التَّنْكِيلِ، كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو التَّعْذِيبُ الَّذِي يُنَكِّلُ مَن (p-101)رَآهُ، أوْ سَمِعَهُ ويَمْنَعُهُ مِن تَعاطِي ما يُفْضِي إلَيْهِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ كَـ"وَعْدَ اللَّهِ" و"صِبْغَةَ اللَّهِ"، كَأنَّهُ قِيلَ: نَكَّلَ اللَّهُ بِهِ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى، وهو الإحْراقُ في الآخِرَةِ والإغْراقُ في الدُّنْيا، وقِيلَ: مَصْدَرٌ لِ"أخَذَ"، أيْ: أخَذَهُ اللَّهُ أخَذَ نَكالِ الآخِرَةِ... إلَخْ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ أخَذَهُ لِأجْلِ نَكالِ... إلَخْ. وقِيلَ: نُصِبَ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: أخَذَهُ بِنَكالِ الآخِرَةِ والأوْلى، وإضافَتُهُ إلى الدّارَيْنِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِ نَفْسِ الأخْذِ فِيهِما لا بِاعْتِبارِ أنَّ ما فِيهِ مِن مَعْنى المَنعِ يَكُونُ فِيهِما، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ في الآخِرَةِ، بَلْ في الدُّنْيا فَإنَّ العُقُوبَةَ الأُخْرَوِيَّةَ تُنَكِّلُ مَن سَمِعَها وتَمْنَعُهُ مِن تَعاطِي ما يُؤَدِّي إلَيْها لا مَحالَةَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالآخِرَةِ والأُولى قَوْلُهُ: "أناْ رَبُّكُمُ الأعْلى"، وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ قِيلَ: كانَ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ أرْبَعُونَ سَنَةً فالإضافَةُ إضافَةُ المُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ.
النازعات 79:26
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وما فَعَلَ وما فُعِلَ بِهِ.
﴿لَعِبْرَةً﴾ عَظِيمَةً.
﴿لِمَن يَخْشى﴾ أيْ: لِمَن مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْشى، وهو مَن مِن شَأْنِهِ المَعْرِفَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:27
﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا﴾ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ بِناءً عَلى صُعُوبَتِهِ في زَعْمِهِمْ بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ بَعْدَ ما بُيِّنَ كَمالُ سُهُولَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ أيْ: أخَلْقُكم بَعْدَ مَوْتِكم أشَدُّ؟ أيْ: أشَقُّ وأصْعَبُ في تَقْدِيرِكم.
﴿أمِ السَّماءُ﴾ أيْ: أمْ خَلْقُ السَّماءِ عَلى عِظَمِها وانْطِوائِها عَلى تَعاجِيبِ البَدائِعِ الَّتِي تَحارُ العُقُولُ عَنْ مُلاحَظَةِ أدْناها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ *لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾*، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَناها﴾ ... إلَخْ. بَيانٌ وتَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِها المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: "أمِ ﴿السَّماءُ"﴾ وفي عَدَمِ ذِكْرِ الفاعِلِ فِيهِ وفِيما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأفْعالِ مِن التَّنْبِيهِ عَلى تَعَيُّنِهِ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ عَزَّ وجَلَّ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:28
﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ بَيانٌ لِلْبِناءِ، أيْ: جَعَلَ مِقْدارَ ارْتِفاعِها مِنَ الأرْضِ وذَهابِها إلى سَمْتِ العُلُوِّ مَدِيدًا رَفِيعًا مَسِيرَةَ خَمْسِمائَةِ عامٍ.
﴿فَسَوّاها﴾ فَعَدَلَها مُسْتَوِيَةً مَلْساءَ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا فُطُورٌ، أوْ فَتَمَّمَها بِما عَلِمَ أنَّها تَتِمُّ بِهِ مِنَ الكَواكِبِ والتَّداوِيرِ وغَيْرِها مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا الخَلاَّقُ العَلِيمُ مِن قَوْلِهِمْ سَوّى أمْرَ فُلانٍ إذا صَلَّحَهُ.
النازعات 79:29
﴿وَأغْطَشَ لَيْلَها﴾ أيْ: جَعْلَهُ مُظْلِمًا، يُقالُ: غَطَشَ اللَّيْلُ وأغْطَشَهُ اللَّهُ تَعالى، كَما يُقالُ: ظَلَمَ وأظْلَمَهُ. وقَدْ مَرَّ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى:* وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُواْ* ويُقالُ أيْضًا: أغْطَشَ اللَّيْلُ كَما يُقالُ: أظْلَمَ.
﴿وَأخْرَجَ ضُحاها﴾ أيْ: أبْرَزَ نَهارَها عَبَّرَ عَنْهُ بِالضُّحى؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ أوْقاتِهِ وأطْيَبُها، فَكانَ أحَقَّ بِالذِّكْرِ في مَقامِ الأمْتِنانِ، وهو السِّرُّ في تَأْخِيرِ ذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّيْلِ وفي التَّعْبِيرِ عَنْ إحْداثِهِ بِالإخْراجِ، فَإنَّ إضافَةَ النُّورِ بَعْدَ الظُّلْمَةِ أتَمُّ في الإنْعامِ (p-102)وَأكْمَلُ في الإحْسانِ، وإضافَةُ اللَّيْلِ والضُّحى إلى السَّماءِ لِدَوَرانِ حُدُوثِهِما عَلى حَرَكَتِهِما، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إضافَةُ الضُّحى إلَيْها بِواسِطَةِ الشَّمْسِ، أيْ: أبْرَزَ ضَوْءَ شَمْسِها، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالضُّحى؛ لِأنَّهُ وقْتُ قِيامِ سُلْطانِها وكَمالِ إشْراقِها.
النازعات 79:30
﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ أيْ: بَسَطَها ومَهَّدَها لِسُكْنى أهْلِها وتَقَلُّبِهِمْ في أقْطارِها، وانْتِصابُ "الأرْضَ" بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ "دَحاها".
النازعات 79:31
﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها﴾ بِأنْ فَجَّرَ مِنها عُيُونًا وأجْرى أنْهارًا.
﴿وَمَرْعاها﴾ أيْ: رَعْيَها، وهو في الأصْلِ مَوْضِعُ الرَّعْيِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى "مَفْعُولٌ" وتَجْرِيدُ الجُمْلَةِ عَنِ العاطِفِ، إمّا لِأنَّها بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِـ"دَحاها" وتَكْمِلَةٌ لَهُ، فَإنَّ السُّكْنى لا تَتَأتّى بِمُجَرَّدِ البَسْطِ والتَّمْهِيدِ، بَلْ لا بُدَّ مِن تَسْوِيَةِ أمْرِ المَعاشِ مِنَ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ حَتْمًا، وإمّا لِأنَّها حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ قَدْ عِنْدَ الجُمْهُورِ، أوْ بِدُونِهِعَنِ الكُوفِيِّينَ، والأخْفَشِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾
النازعات 79:32
﴿والجِبالَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ.
﴿أرْساها﴾ أيْ: أثْبَتَها وأثْبَتَ بِها الأرْضَ أنْ تَمِيدَ بِأهْلِها، وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الرُّسُوَّ المَنسُوبَ إلَيْها في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ بِالتَّعْبِيرِ عَنْها بِالرَّواسِي لَيْسَ مِن مُقْتَضَياتِ ذَواتِها، بَلْ هو بِإرْسائِهِ عَزَّ وجَلَّ ولَوْلاهُ لَما ثَبَتَتْ في أنْفُسِها، فَضْلًا عَنْ إثْباتِها لِلْأرْضِ، وقُرِئَ: (والأرْضُ والجِبالُ) بِالرَّفْعِ عَلى الأبْتِداءِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ إخْراجِ الماءِ والمَرْعى ذِكْرًا مَعَ تَقَدُّمِ الإرْساءِ عَلَيْهِ وُجُودًا، وشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِالدَّحْوِ لِإبْرازِ كَمالِ الاعْتِناءِ بِأمْرِ المَأْكَلِ والمُشْرَبِ، مَعَ ما فِيهِ مِن دَفْعِ تَوَهُّمِ رُجُوعِ ضَمِيرَيْ الماءِ والمَرْعى إلى الجِبالِ، وهَذا كَما تَرى يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى تَأخُّرِ دَحْوِ الأرْضِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ وما فِيها، كَما يُرْوى عَنِ الحُسْنِ: مِن أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ عَلَيْهِ دُخانٌ مُلْتَزِقٌ بِها، ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ وخَلَقَ مِنهُ السماوات، وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها وبَسَطَ مِنها الأرْضَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ الآيَةَ. وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ حم السَّجْدَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ الآيَةَ. إنْ حُمِلَ ما فِيهِ مِنَ الخَلْقِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ عَلى مَعانِيها الظّاهِرَةِ لا عَلى تَقْدِيرِها، فَهو وما في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ يَدُلّانِ عَلى تَقَدُّمِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها عَلى خَلْقِ السَّماءِ، وما فِيها وعَلَيْهِ إطْباقُ أكْثَرِ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ العَرْشَ كانَ قَبْلَ خَلْقِ السماوات والأرْضِ عَلى الماءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أحْدَثَ في الماءِ اضْطِرابًا فَأُزْبِدَ فارْتَفَعَ مِنهُ دُخانٌ، فَأمّا الزَّبَدُ فَبَقِيَ عَلى وجْهِ الماءِ فَخَلَقَ مِنهُ اليُبُوسَةَ فَجَعَلَهُ أرْضًا واحِدَةً، ثُمَّ فَتَقَها فَجَعَلَها أرَضِينَ، وأمّا الدُّخانُ فارْتَفَعَ وعَلا فَخَلَقَ مِنهُ السماوات. ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جِرْمَ الأرْضِ يَوْمَ الأحَدِ ويَوْمَ (p-103)الأثْنَيْنِ ودَحاها، وخَلَقَ ما فِيها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ، وخَلَقَ السماوات وما فِيهِنَّ يَوْمَ الخَمِيسِ ويَوْمَ الجُمُعَةِ، وخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في آخِرِ ساعَةٍ مِنهُ، وهي السّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ، فالأقْرَبُ كَما قِيلَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ: بِأنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ذِكْرِ ما ذُكِرَ مِن بِناءِ السَّماءِ ورَفْعِ سَمْكِها وتَسْوِيَتِها وغَيْرِها لا إلى أنْفُسِها، ويَحْمِلُ بَعْدِيَّةً في الذِّكْرِ، كَما هو المَعْهُودُ في ألْسِنَةِ العَرَبِ والعَجَمِ لا في الوُجُودِ لِما عَرِفْتَ مِن أنَّ انْتِصابَ الأرْضِ بِمُضْمَرٍ مُقْدَّمٍ، قَدْ حُذِفَ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ لا بِما ذُكِرَ بَعْدَهُ لِيُفِيدَ القَصْرَ، وتَتَعَيَّنَ البَعْدِيَّةُ في الوُجُودِ، وفائِدَةُ تَأْخِيرِهِ في الذِّكْرِ إمّا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ قاصِرٌ في الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ القاهِرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أحْوالِ السَّماءِ، وإمّا الإشْعارُ بِأنَّهُ أدْخَلُ في الإلْزامِ لِما أنَّ المَنافِعَ المَنُوطَةَ بِما في الأرْضِ أكْثَرُ، وتَعَلُّقَ مَصالِحِ النّاسِ بِذَلِكَ أظْهَرُ وإحاطَتَهم بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ أكْمَلُ، ولَيْسَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ نَصًّا في تَأخُّرِ دَحْوِ الأرْضِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ، فَإنَّ بَسْطَ الأرْضِ مَعْطُوفٌ عَلى إصْعادِ الدُّخانِ وخَلْقِ السَّماءِ بِالواوِ هي بِمَعْزِلٍ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّرْتِيبِ هَذا عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ ما ذُكِرَ في آياتِ سُورَةِ السَّجْدَةِ مِنَ الخَلْقِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ عَلى مَعانِيها الظّاهِرَةِ، وأمّا إذا حُمِلَتْ عَلى تَقْدِيرِها فَلا دَلالَةَ فِيها إلّا عَلى تَقَدُّمِ تَقْدِيرِ الأرْضِ وما فِيها عَلى إيجادِ السَّماءِ، كَما لا دَلالَةَ عَلى التَّرْتِيبِ أصْلًا إذا حُمِلَتْ كَلِمَةُ "ثُمَّ" فِيها وفِيما في سُورَةِ البَقَرَةِ عَلى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ، وقَدْ سَلَفَ تَفْصِيلُ الكَلامِ في السُّورَةِ المَذْكُورَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:33
﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ تَمْتِيعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ؛ لِأنَّ فائِدَةَ ما ذُكِرَ مِنَ البَسْطِ والتَّمْهِيدِ وإخْراجِ الماءِ والمَرْعى واصِلَةٌ إلَيْهِمْ وإلى أنْعامِهِمْ، فَإنَّ المُرادَ: المَرْعى ما يَعُمُّ ما يَأْكُلُهُ الإنْسانُ وغَيْرُهُ بِناءً عَلى اسْتِعارَةِ الرَّعْيِ لِتَناوُلِ المَأْكُولِ عَلى الإطْلاقِ، كاسْتِعارَةِ المَرْسَنِ لِلْأنْفِ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المُضْمَرِ، أيْ: مَتَّعَكم بِذَلِكَ مَتاعًا، أوْ مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ في مَعْنى مَتَّعَ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:34
﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ أيِ: الدّاهِيَةُ العُظْمى الَّتِي تَطُمُّ عَلى سائِرِ الطّاماتِ، أيْ: تَعْلُوها وتَغْلِبُها، وهي القِيامَةُ، أوِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ: هي السّاعَةُ الَّتِي يُساقُ الخَلائِقُ إلى مَحْشَرِهِمْ، وقِيلَ: الَّتِي يُساقُ أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ مَعادِهِمْ إثْرَ بَيانِ أحْوالِ مَعاشِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ ... إلَخْ. والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبُ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها عَمّا قَلِيلٍ، كَما يُنْبِئُ مِنهُ لَفْظُ المَتاعِ.
النازعات 79:35
﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن "إذا جاءَتْ"، والأظْهَرُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِـ"أعْنِي"، كَما قِيلَ: تَفْسِيرًا لِلطّامَّةِ الكُبْرى، فَإنَّ الإبْدالَ مِنها بِالظَّرْفِ المَحْضِ مِمّا يُوهِنُ تَعَلُّقَها بِالجَوابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ "الطّامَّةِ الكُبْرى" مَفْتُوحًا لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، أيْ: يَتَذَكَّرُ فِيهِ كُلَّ (p-104)أحَدٍ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، بِأنْ يُشاهِدَهُ مُدَوَّنًا في صَحِيفَةِ أعْمالِهِ، وقَدْ كانَ نَسِيَهُ مِن فَرْطِ الغَفْلَةِ وطُولِ الأمَدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً.
النازعات 79:36
﴿وَبُرِّزَتِ الجحيم﴾ عَطْفٌ عَلى "جاءَتْ"، أيْ: أُظْهِرَتْ إظْهارًا بَيِّنًا لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، ﴿لِمَن يَرى﴾ كائِنًا مَن كانَ، يُرْوى أنَّهُ يُكْشَفُ عَنْها فَتَتَلَظّى فَيَراها كُلُّ ذِي بَصَرٍ، وقُرِئَ: (وَبُرِزَتْ) بِالتَّخْفِيفِ، ولِمَن رَأى ولِمَن تَرى عَلى "فِيهِ" ضَمِيرِ الجحيم، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ وعَلى أنَّهُ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيْ: لَمْ تَراهُ مِنَ الكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:37
﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ ... إلَخْ. جَوابٌ فَإذا جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ الآيَةَ. وقِيلَ: هو تَفْصِيلٌ لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ انْقَسَمَ الرّاءونَ قِسْمَيْنِ، فَأمّا مَن... إلَخْ. والَّذِي تَسْتَدْعِيهِ فَخامَةُ التَّنْزِيلِ ويَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّهْوِيلِ أنَّ الجَوابَ المَحْذُوفَ كانَ مِن عَظائِمِ الشُّؤُنِ ما لَمْ تُشاهِدْهُ العُيُونُ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾، أيْ: فَأمّا مَن عَتا وتَمَرَّدَ عَنِ الطّاعَةِ وجاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ.
النازعات 79:38
﴿وَآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ الفانِيَةَ الَّتِي هي عَلى جَناحِ الفَواتِ فانْهَمَكَ فِيما مُتِّعَ بِهِ فِيها ولَمْ يَسْتَعِدَّ لِلْحَياةِ الأُخْرَوِيَّةِ الأبَدِيَّةِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
النازعات 79:39
﴿فَإنَّ الجحيم﴾ الَّتِي ذُكِرَ شَأْنُها.
﴿هِيَ المَأْوى﴾ أيْ: هي مَأْواهُ، واللّامُ سادَّةٌ مَسَدَّ الإضافَةِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ صاحِبَ المَأْوى هو الطّاغِي، كَما في قَوْلِكَ: غُضَّ الطَّرْفَ، ودُخُولُ اللّامِ في المَأْوى والطَّرَفِ لِلتَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُما مَعْرُوفانِ، وهي إمّا ضَمِيرُ فَصْلٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ قِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في النَّضِرِ وأبِيهِ الحَرْثِ المَشْهُورَيْنِ بِالغُلُوِّ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ.
النازعات 79:40
﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: مَقامَهُ بَيْنَ يَدَيْ مالكِ أمْرِهِ يَوْمَ الطّامَّةِ الكُبْرى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى.
﴿وَنَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ عَنِ المَيْلِ إلَيْهِ بِحُكْمِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ، ولَمْ يَعْتَدَّ بِمَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا وزَهْرَتِها، ولَمْ يَغْتَرَّ بِزَخارِفِها وزِينَتِها عِلْمًا مِنهُ بِوَخامَةِ عاقِبَتِها.
النازعات 79:41
﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ لَهُ لا غَيْرُها، وقِيلَ: نَزَلَتِ الآياتانِ في أبِي عَزِيزِ بْنِ عُمَيْرٍ، ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَدْ قَتَلَ مُصْعَبٌ أخاهُ أبا عَزِيزٍ يَوْمَ أُحُدٍ، ووُقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى اسْتُشْهِدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، هَذا وقَدْ قِيلَ: جَوابُ "إذا" ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ ... إلَخْ. أيْ: فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى عَلى طَرِيقَةِ (p-105)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَبُرِّزَتِ الجحيم" عَطْفًا عَلَيْهِ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، أوْ حالأ مِنَ الإنْسانِ بِإضْمارِ قَدْ، أوْ بِدُونِهِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ ولِمَن يَرى مُغْنٍ عَنِ العائِدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ ... إلَخْ. تَفْصِيلًا لِحالَيِ الإنْسانِ الَّذِي يَتَذَكَّرُ ما سَعى، وتَقْسِيمًا لَهُ بِحَسَبِ أعْمالِهِ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.
النازعات 79:42
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ مَتى إرْساؤُها، أيْ: إقامَتُها يَرُدُّونَ مَتى يُقِيمُها اللَّهُ تَعالى ويُثْبِتُها ويَكُوِّنُها، وقِيلَ: أيّامُ مُنْتَهاها ومُسْتَقَرِّها، كَما أنَّ مَرْسى السَّفِينَةِ حَيْثُ تَنْتَهِي إلَيْهِ وتَسْتَقِرُّ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:43
﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ إنْكارٌ ورَدٌّ لِسُؤالِ المُشْرِكِينَ عَنْها، أيْ: في أيِّ شَيْءٍ أنْتَ مَن تَذْكُرُ لَهم وقْتَها وتُعْلِمُهم بِهِ حَتّى يَسْألُونَكَ بَيانَها، كَقَوْلِهِ تَعالى: "يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها"، أيْ: ما أنْتَ مِن ذِكْرِها لَهم وتَبْيِينِ وقْتِها في شَيْءٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ فَرْعُ عِلْمِكَ بِهِ وأنّى لَكَ ذَلِكَ وهو مِمّا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ عَلّامُ الغُيُوبِ، ومَن قالَ بِصَدَدِ التَّعْلِيلِ: فَإنَّ ذِكْرَها لا يَزِيدُهم إلّا غِيًّا، فَقَدْ نَأى عَنِ الحَقِّ وقِيلَ: "فِيمَ" إنْكارٌ لِسُؤالِهِمْ، وما بَعْدَهُ مِنَ الأسْتِئْنافِ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ وبَيانٌ لِبُطْلانِ السُّؤالِ، أيْ: فِيمَ هَذا السُّؤالُ، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: أنْتَ مِن ذِكْراهُ، أيْ: إرْسالُكَ وأنْتَ خاتَمُ الأنْبِياءِ المَبْعُوثُ في نَسِيمِ السّاعَةِ عَلامَةٌ مِن عَلاماتِها ودَلِيلٌ يَدُلُّهم عَلى العِلْمِ بِوُقُوعِها عَنْ قَرِيبٍ، فَحَسْبُهم هَذِهِ المَرْتَبَةُ مِنَ العِلْمِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
النازعات 79:44
﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ إلَيْهِ تَعالى يَرْجِعُ مُنْتَهي عِلْمِها، أيْ: عِلْمُها بِكُنْهِها وتَفاصِيلِ أمْرِها، ووَقْتِ وُقُوعِها لا إلى أحَدٍ غَيْرِهِ، وإنَّما وظِيفَتُهم أنْ يَعْلَمُوا بِاقْتِرابِها ومُشارَفَتِها، وقَدْ حَصَلَ لَهم ذَلِكَ بِمَبْعَثِكَ، فَما مَعْنى سُؤالِهِمْ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ؟ وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَمَعْناهُ إلَيْهِ تَعالى انْتِهاءُ عِلْمِها لَيْسَ لِأحَدٍ مِنهُ شَيْءٌ ما كائِنًا مَن كانَ، فَلِأيِّ شَيْءٍ يَسْألُونَكَ عَنْها، وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:45
﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها" وتَحْقِيقٌ لِما هو المُرادُ مِنهُ وبَيانٌ لِوَظِيفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ الشَّأْنِ، فَإنَّ إنْكارَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في شَيْءٍ مِن ذِكْراها مِمّا يُوهِمُ بِظاهِرِهِ أنْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَذْكُرَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَأُزِيحَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّ المَنفِيَّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذِكْرُها لَهم بِتَعْيِينِ وقْتِها حَسْبَما كانُوا يَسْألُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْها، فالمَعْنى: إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها، وظِيفَتُكَ الأمْتِثالُ بِما أُمِرْتَ بِهِ مِن بَيانِ اقْتِرابِها، وتَفْصِيلِ ما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ كَما تُحِيطُ بِهِ خُبْرًا، لا تَعْيِينِ وقْتِها الَّذِي لَمَّ يُفَوَّضْ إلَيْكَ، فَما لَهم يَسْألُونَكَ عَمّا لَيْسَ مِن وظائِفِكَ بَيانُهُ، وعَلى (p-106)الوَجْهِ الثّانِي هو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "أنْتَ مِن ذِكْراها" بِبَيانِ أنَّ إرْسالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو خاتَمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُنْذِرٌ بِمَجِيءِ السّاعَةِ، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ إنْ كادَتْ لَتَسْبِقُنِي" وقُرِئَ: (مُنْذِرٌ) بِالتَّنْوِينِ، وهو الأصْلُ والإضافَةُ تَخْفِيفٌ صالِحٌ لِلْحالِ والأسْتِقْبالِ، فَإذا أُرِيدَ الماضِي تَعَيَّنَتِ الإضافَةُ، وتَخْصِيصُ الإنْذارِ بِـ"مَن يَخْشى" مَعَ عُمُومِ الدَّعْوَةِ؛ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
النازعات 79:46
﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ إمّا تَقْرِيرٌ وتَأْكِيدٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ الإنْذارُ مِن سُرْعَةِ مَجِيءِ المُنْذَرِ بِهِ لا سِيَّما عَلى الوَجْهِ الثّانِي، أيْ: كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ الإنْذارِ بِها إلّا عَشِيَّةَ يَوْمٍ واحِدٍ أوْ ضُحاهُ، فَلَمّا تُرِكَ اليَوْمُ أُضِيفَ ضُحاهُ إلى عَشِيَّتِهِ، وإمّا رَدٌّ لِما أدْمَجُوهُ في سُؤالِهِمْ، فَإنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَنْها بِطَرِيقِ الأسْتِبْطاءِ مُسْتَعْجِلِينَ بِها، وإنْ كانَ عَلى نَهْجِ الأسْتِهْزاءِ بِها ويَقُولُونَ: مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟ فالمَعْنى: كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ الوَعِيدِ تَحْقِيقًا لِلْإنْذارِ ورَدًّا لِاسْتِبْطائِهِمْ، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ: حالٌ مِنَ المَوْصُولِ فَإنَّهُ عَلى تَقْدِيرَيْ الإضافَةِ وعَدَمِها مَفْعُولٌ لِـ"مُنْذِرُ"، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في "يَحْشُرُهُمْ"، أيْ: يَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ في الدُّنْيا إلّا ساعَةً، خَلا أنَّ الشَّبَهَ هُناكَ في الأحْوالِ الظّاهِرَةِ مِنَ الزِّيِّ والهَيْئَةِ، وفِيما نَحْنُ فِيهِ في الأعْتِقادِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تُنْذِرُهم مُشَبَّهِينَ يَوْمَ يَرَوْنَها في الأعْتِقادِ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ الإنْذارِ بِها إلّا تِلْكَ المُدَّةَ اليَسِيرَةَ، وعَلى الثّانِي: مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ النّازِعاتِ كانَ مِمَّنْ حَبَسَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في القَبْرِ والقِيامَةِ حَتّى يَدْخُلَ الجَنَّةَ قَدْرَ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ،» واللَّهِ أعْلَمُ" .
عبس 80:1
(p-107)سُورَةُ عَبَسَ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها اثْنانِ وأرْبَعُونَ
﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ رُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ واسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ اسْمُ أمِّ أبِيهِ، "أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعِنْدَهُ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، وأبُو جَهْلِ بْنُ هُشامٍ، والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ بِإسْلامِهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أقْرِئْنِي وعَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ تَعالى، وكَرَّرَ ذَلِكَ وهو لا يَعْلَمُ تَشاغُلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالقَوْمِ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطْعَهُ لِكَلامِهِ وعَبَسَ وأعْرَضَ عَنْهُ؛ فَنَزَلَتْ "، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْرِمُهُ، ويَقُولُ إذا رَآهُ: مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّيَ، ويَقُولُ لَهُ: هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ؟ واسْتَخْلَفَهُ عَلى المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ، وقُرِئَ: (عَبَّسَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، و"أنْ جاءَهُ" عِلَّةٌ لِـ"تَوَلّى"، أوْ (عَبَسَ) عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ، أيْ: لِأنْ جاءَهُ الأعْمى، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ عَماهُ إمّا لِتَمْهِيدِ عُذْرِهِ في الإقْدامِ عَلى قَطْعِ كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالقَوْمِ والإيذانِ بِاسْتِحْقاقِهِ بِالرِّفْقِ والرَّأْفَةِ وإمّا لِزِيادَةِ الإنْكارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَوَلّى لِكَوْنِهِ أعْمى، كَما أنَّ الألْتِفاتَ في قَوْلِهِ تَعالى:
عبس 80:2
(p-107)سُورَةُ عَبَسَ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها اثْنانِ وأرْبَعُونَ
﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ رُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ واسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ اسْمُ أمِّ أبِيهِ، "أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعِنْدَهُ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، وأبُو جَهْلِ بْنُ هُشامٍ، والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ بِإسْلامِهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أقْرِئْنِي وعَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ تَعالى، وكَرَّرَ ذَلِكَ وهو لا يَعْلَمُ تَشاغُلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالقَوْمِ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطْعَهُ لِكَلامِهِ وعَبَسَ وأعْرَضَ عَنْهُ؛ فَنَزَلَتْ "، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْرِمُهُ، ويَقُولُ إذا رَآهُ: مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّيَ، ويَقُولُ لَهُ: هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ؟ واسْتَخْلَفَهُ عَلى المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ، وقُرِئَ: (عَبَّسَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، و"أنْ جاءَهُ" عِلَّةٌ لِـ"تَوَلّى"، أوْ (عَبَسَ) عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ، أيْ: لِأنْ جاءَهُ الأعْمى، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ عَماهُ إمّا لِتَمْهِيدِ عُذْرِهِ في الإقْدامِ عَلى قَطْعِ كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالقَوْمِ والإيذانِ بِاسْتِحْقاقِهِ بِالرِّفْقِ والرَّأْفَةِ وإمّا لِزِيادَةِ الإنْكارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَوَلّى لِكَوْنِهِ أعْمى، كَما أنَّ الألْتِفاتَ في قَوْلِهِ تَعالى:
عبس 80:3
﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ لِذَلِكَ فَإنَّ المُشافَهَةَ أدْخَلُ في تَشْدِيدِ العِتابِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِهِ حَتّى تُعْرِضَ عَنْهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ ما يُلَوِّحُ بِهِ ما قَبْلَهُ، فَإنَّهُ مَعَ إشْعارِهِ بِأنَّ لَهُ شَأْنًا مُنافِيًا لِلْإعْراضِ عَنْهُ خارِجًا عَنْ دِرايَةِ الغَيْرِ وإدْرائِهِ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ تَعالى يُدْرِيهِ ذَلِكَ، أيْ: لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَقْتَبِسُ مِنكَ مِن أوْضارِ الأوْزارِ بِالكُلِّيَّةِ، وكَلِمَةُ "لَعَلَّ" مَعَ تَحَقُّقِ التَّزَكِّي وارِدَةٌ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ، أوْ عَلى اعْتِبارِ مَعْنى التَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإعْراضَ عَنْهُ عِنْدَ كَوْنِهِ مَرْجُوَّ التَّزَكِّي مِمّا لا يَجُوزُ، فَكَيْفَ إذا كانَ مَقْطُوعًا بِالتَّزَكِّي كَما في قَوْلِكَ: لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى ما فَعَلْتَ؟، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن تَصَدّى لِتَزْكِيَتِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ لا يُرْجى مِنهُمُ التَّزَكِّي والتَّذَكُّرُ أصْلًا.
عبس 80:4
(p-108)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾
﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ عَطْفٌ عَلى يَزَّكّى داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّرَجِّي، وقَوْلُهُ تَعالى:
فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى
بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ "لَعَلَّ"، وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى "يَذَّكَرُ"، أيْ: أوْ يَتَذَكَّرُ فَتَنْفَعُهُ مَوْعِظَتُكَ إنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ التَّزَكِّي التّامِّ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في "لَعَلَّهُ" لِلْكافِرِ، فالمَعْنى: أنَّكَ طَمِعْتَ في أنْ يَتَزَكّى، أوْ يَذَّكَرُ فَتُقَرِّبُهُ الذِّكْرى إلى قَبُولِ الحَقِّ، ولِذَلِكَ تَوَلَّيْتَ عَنِ الأعْمى، وما يُدْرِيكَ أنَّ ذَلِكَ مَرْجُوُّ الوُقُوعِ.
عبس 80:5
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ أيْ: عَنِ الإيمانِ وعَمّا عِنْدَكَ مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ الَّتِي يَنْطَوِي عَلَيْها القرآن.
عبس 80:6
﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أيْ: تَتَصَدّى وتَتَعَرَّضُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والأهْتِمامِ بِإرْشادِهِ واسْتِصْلاحِهِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَنْفِيرٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ مُصاحَبَتِهِمْ، فَإنَّ الإقْبالَ عَلى المُدَبِّرِ لَيْسَ مِن شِيَمِ الكِبارِ، وقُرِئَ: (تَصَّدّى) بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وقُرِئَ: (تُصْدى) بِضَمِّ التّاءِ، أيْ: تُعْرَضُ، ومَعْناهُ يَدْعُوكَ إلى التَّصَدِّي لَهُ داعٍ مِنَ الحِرْصِ والتَّهالُكِ عَلى إسْلامِهِ.
عبس 80:7
﴿وَما عَلَيْكَ ألا يَزَّكّى﴾ ولَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ في أنْ لا يَتَزَكّى بِالإسْلامِ حَتّى تَهْتَمَّ بِأمْرِهِ وتُعْرِضَ عَمَّنْ أسْلَمَ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "تَصَدّى"، وقِيلَ: "ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلْإنْكارِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في أنْ لا يَتَزَكّى؟ ومَآلُهُ النَّفْيُ أيْضًا.
عبس 80:8
﴿وَأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُسْرِعًا طالِبًا لِما عِنْدَكَ مِن أحْكامِ الرُّشْدِ وخِصالِ الخَيْرِ.
عبس 80:9
﴿وَهُوَ يَخْشى﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: يَخْشى أذِيَّةَ الكُفّارِ في إتْيانِكَ، وقِيلَ: يَخْشى الكَبْوَةَ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قائِدٌ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "يَسْعى" كَما أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ "جاءَكَ".
عبس 80:10
﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ تَتَشاغَلُ، يُقالُ: لَهي عَنْهُ والتَهي وتَلَهّى، وقُرِئَ: (تَتَلَهّى) وتَلَهّى، أيْ: يُلْهِيكَ شَأْنُ الصَّنادِيدِ، في تَقْدِيمِ ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الفِعْلَيْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَناطَ الإنْكارِ خُصُوصِيَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: مِثْلُكَ خُصُوصًا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَصَدّى لِلْمُسْتَغْنِي ويَتَلَهي الفَقِيرَ الطّالِبَ لِلْخَيْرِ، وتَقْدِيمُ "لَهُ" و"عَنْهُ" لِلتَّعْرِيضِ بِاهْتِمامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَضْمُونِهِما.
رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ما عَبَسَ بَعْدَ ذَلِكَ في وجْهِ فَقِيرٍ قَطُّ ولا تَصَدّى لِغَنِيٍّ﴾
عبس 80:11
﴿كَلا﴾ (p-109)رَدْعٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا عُوتِبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّصَدِّي لِمَن اسْتَغْنى عَمّا دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ وما يُوجِبُهُما مِنَ القرآن الكَرِيمِ مُبالِغًا في الأهْتِمامِ بِأمْرِهِ، مُتَهالِكًا عَلى إسْلامِهِ، مُعْرِضًا بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ إرْشادِ مَن يَسْتَرْشِدُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: مَوْعِظَةٌ يَجِبُ أنْ يَتَّعِظَ بِها ويَعْمَلَ بِمُوجِبِها، تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَمّا ذُكِرَ بِبَيانِ عُلُوِّ رُتْبَةِ القرآن العَظِيمِ الَّذِي اسْتَغْنى عَنْهُ مَن تَصَدّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ، وتَحْقِيقِ أنَّ شَأْنَهُ أنْ يَكُونُ مَوْعِظَةً حَقِيقَةً بِالأتِّعاظِ بِها، فَمَن رَغِبَ فِيها اتَّعَظَ بِها، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:
عبس 80:12
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ: حَفِظَهُ واتَّعَظَ بِهِ، ومَن رَغِبَ عَنْها كَما فَعَلَ المُسْتَغْنِي فَلا حاجَةَ إلى الأهْتِمامِ بِأمْرِهِ، فالضَّمِيرانِ لِلْقُرْآنِ تَأْنِيثٌ الأوَّلُ لِتَأْنِيثِ خَبَرِهِ، وقِيلَ: الأوَّلُ لِلسُّورَةِ، أوْ لِلْآياتِ السّابِقَةِ، والثّانِي لِلتَّذْكِرَةِ والتَّذْكِيرِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ ولَيْسَ بِذاكَ، فَإنَّ السُّورَةَ والآياتِ وإنْ كانَتْ مُتَّصِفَةً بِما سَيَأْتِي مِنَ الصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ، لَكِنَّها لَيْسَتْ مِمّا أُلْقِي عَلى مَن اسْتَغْنى عَنْهُ واسْتَحَقَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ ما سَيَأْتِي مِنَ الدُّعاءِ عَلَيْهِ والتَّعَجُّبِ مِن كُفْرِهِ المُفْرِطِ لِنُزُولِها بَعْدَ الحادِثَةِ، وأمّا مَن جَوَّزَ رُجُوعَهُما إلى العِتابِ المَذْكُورِ فَقَدْ أخْطَأ وأساءَ الأدَبَ وخَبَطَ خَبْطًا يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ، فَتَأمَّلْ وكُنْ عَلى الحَقِّ المُبِينِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
عبس 80:13
﴿فِي صُحُفٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِـ"تَذْكِرَةٌ" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّرْغِيبِ فِيها والحَثِّ عَلى حِفْظِها، أيْ: كائِنَةٌ في صُحُفٍ مُنْتَسِخَةٍ مِنَ اللَّوْحِ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِـ"أنَّ" ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
عبس 80:14
﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أيْ: في السَّماءِ السّابِعَةِ، أوْ مَرْفُوعَةِ المِقْدارِ والذِّكْرِ.
﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ مُنَزَّهَةٍ عَنْ مِساسِ أيْدِي الشَّياطِينِ.
عبس 80:15
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ أيْ: كَتَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَنْتَسِخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ (سافِرٍ) مِنَ السِّفْرِ وهو الكُتُبِ، وقِيلَ: بِأيْدِي رُسُلٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْفِرُونَ بِالوَحْيِ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ الأنْبِياءِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ (سَفِيرٍ) مِنَ السِّفارَةِ وحَمْلُهم عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعِيدٌ، فَإنَّ وظِيفَتَهُمُ التَّلَقِّي مِنَ الوَحْيِ لا الكُتُبُ مِنهُ، وإرْشادُ الأُمَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وتَعْلِيمُ الشَّرائِعِ والأحْكامِ لا مُجَرَّدُ السِّفارَةِ إلَيْهِمْ، وكَذا حَمْلُهم عَلى القُرّاءِ لِقِراءَتِهِمُ الأسْفارَ، أوْ عَلى أصْحابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ قالُوا: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمَلائِكَةِ لا تَكادُ تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِمْ، وإنَّ جازَ الإطْلاقُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"مُطَهَّرَةٍ" قالَ القَفّالُ: لَمّا لَمْ يَمَسَّها إلّا المَلائِكَةُ المُطَهَّرُونَ أُضِيفَ التَّطْهِيرُ إلَيْها لِطَهارَةِ مَن يَمَسُّها. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ المُرادَ بِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ هَؤُلاءِ السَّفَرَةُ الكِرامُ البَرَرَةُ.
عبس 80:16
(p-110)﴿كِرامٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مُتَعَطِّفِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ يُكَلِّمُونَهم ويَسْتَغْفِرُونَ لَهم.
﴿بَرَرَةٍ﴾ أتْقِياءَ، وقِيلَ: مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: (فُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ)، أيْ: يُطِيعُهُ، وقِيلَ: صادِقِينَ مَن بَرَّ في يَمِينِهِ.
عبس 80:17
﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأشْنَعِ الدَّعَواتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِهِ في الكُفْرانِ وبَيانٌ لِاسْتِحْقاقِهِ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ: إمّا مَن اسْتَغْنى عَنِ القرآن الكَرِيمِ الَّذِي ذُكِرَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ المُوجِبَةُ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ والإيمانِ بِهِ، وإمّا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ انْتِظامِهِ لَهُ ولِأمْثالِهِ مِن أفْرادِهِ، لا بِاعْتِبارِ جَمِيعِ أفْرادِهِ، وفِيهِ مَعَ قِصَرِ مَتْنِهِ وتَقارُبِ قُطْرَيْهِ مِنَ الإنْباءِ عَنْ سُخْطٍ عَظِيمٍ ومَذَمَّةٍ بالِغَةٍ ما لا غايَةَ وراءَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
عبس 80:18
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ إفْراطِهِ في الكُفْرانِ بِتَفْصِيلِ ما أفاضَ عَلَيْهِ مِن مَبْدَأِ فِطْرَتِهِ إلى مُنْتَهي عُمْرِهِ مِن فُنُونِ النِّعَمِ المُوجَبَةِ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ مَعَ إخْلالِهِ بِذَلِكَ، وفي الاسْتِفْهامِ عَنْ مَبْدَأِ خَلْقِهِ، ثُمَّ بَيانِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
عبس 80:19
﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ تَحْقِيرٌ لَهُ، أيْ شَيْءٍ حَقِيرٍ مَهِينٍ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ خَلَقَهُ ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ ويَلِيقُ بِهِ مِنَ الأعْضاءِ والأشْكالِ، أوْ فَقَدَّرَهُ أطْوارًا إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
عبس 80:20
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، أيْ: ثُمَّ سَهَّلَ مَخْرَجَهُ مِنَ البَطْنِ بِأنْ فَتَحَ فَمَ الرَّحِمِ وألْهَمَهُ أنْ يَنْتَكِسَ، أوْ يَسَّرَ لَهُ سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ ومَكَّنَهُ مِنَ السُّلُوكِ، وتَعْرِيفُ السَّبِيلِ بِاللّامِ دُونَ الإضافَةِ لِلْإشْعارِ بِعُمُومِهِ.
عبس 80:21
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ: جَعَلَهُ ذا قَبْرٍ يُوارى فِيهِ تَكْرِمَةً لَهُ، ولَمْ يَدَعْهُ مَطْرُوحًا عَلى وجْهِ الأرْضِ جُرُزًا لِلسِّباعِ والطَّيْرِ كَسائِرِ الحَيَوانِ، يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ إذا أمَرَ بِدَفْنِهِ أوْ مُكِّنَ مِنهُ، وعَدُّ الإماتَةِ مِنَ النِّعَمِ؛ لِأنَّها وصْلَةٌ في الجُمْلَةِ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ.
عبس 80:22
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ: إذا شاءَ أنْشَرَهُ، وأنْشَرَ عَلى القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ في حَذْفِ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ وفي تَعْلِيقِ الإنْشارِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى إيذانٌ بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، بَلْ هو تابِعٌ لَها، وقُرِئَ: (نَشَرَهُ)
عبس 80:23
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْإنْسانِ (p-111)عَمّا هو عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ بَيانٌ لِسَبَبِ الرَّدْعِ، أيْ: لَمْ يَقْضِ بَعْدُ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذِهِ الغايَةِ مَعَ طُولِ المَدى وامْتِدادِهِ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأسْرِهِ؛ إذْ لا يَخْلُو أحَدٌ عَنْ تَقْصِيرٍ ما، كَذا قالُوا وهَكَذا نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. ولا رَيْبَ في أنَّ مَساقَ الآياتِ الكَرِيمَةِ لِبَيانِ غايَةِ عِظَمِ جِنايَةِ الإنْسانِ وتَحْقِيقِ كُفْرانِهِ المُفْرِطِ المُسْتَوْجِبِ لِلسُّخْطِ العَظِيمِ، وظاهِرٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ بِهَذا القَدْرِ مِن نَوْعِ تَقْصِيرٍ يَخْلُو عَنْهُ أحَدٌ مِن أفْرادِهِ، كَيْفَ لا؟ وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ لِما فِيها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ فالوَجُهُ أنْ يُحْمَلَ عَدَمُ القَضاءِ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ لا عَلى نَفْيِ العُمُومِ، إمّا عَلى أنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ هو المُسْتَغْنِي، أوْ هو الجِنْسُ، لَكِنْ لا عَلى الإطْلاقِ، بَلْ عَلى أنَّ مِصْداقَ الحُكْمِ بِعَدَمِ القَضاءِ بَعْضُ أفْرادِهِ، وقَدْ أُسْنِدَ إلى الكُلِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ لِلْإشْباعِ في اللَّوْمِ بِحُكْمِ المُجانَسَةِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فَلانًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، وإمّا عَلى أنَّ مِصْداقَهُ الكُلُّ مِن حَيْثُ هو كُلٌّ بِطْرِيقِ رَفْعِ الإيجابِ الكُلِّيِّ دُونَ السَّلْبِ الكُلِّيِّ، فالمَعْنى لَمّا يَقْضِ جَمِيعُ أفْرادِهِ ما أمَرَهُ، بَلْ أخَلَّ بِهِ بَعْضُها بِالكُفْرِ والعِصْيانِ مَعَ أنْ مُقْتَضى ما فُصِّلَ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ الشّامِلَةِ لِلْكُلِّ أنْ لا يَتَخَلَّفَ عَنْهُ أحَدٌ أصْلًا، هَذا وقَدْ قِيلَ:كَلّا بِمَعْنى حَقًّا، فَيَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَهُ، أيْ: حَقًّا لَمْ يَعْمَلْ بِما أمَرَهُ بِهِ.
عبس 80:24
فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ شُرُوعٌ في تَعْدادِ النِّعَمِ المُتَعَلِّقَةِ بِبَقائِهِ بَعْدَ تَفْصِيلِ النِّعَمِ المُتَعَلِّقَةِ بِحُدُوثِهِ، أيْ: فَلْيَنْظُرْ إلى طَعامِهِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ مَعاشِهِ كَيْفَ دَبَّرْناهُ؟ وقَوْلُهُ تَعالى:
عبس 80:25
﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ أيِ: الغَيْثَ، بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "طَعامِهِ"؛ لِأنَّ الماءَ سَبَبٌ لِحُدُوثِ الطَّعامِ، فَهو مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: (إنّا) عَلى الأسْتِئْنافِ، وقُرِئَ: (أنّى) بِالإمالَةِ، أيْ: كَيْفَ صَبَبْنا إلى آخِرِهِ؟ أيْ: صَبَبْناهُ صَبًّا عَجَبًا.
عبس 80:26
﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ﴾ أيْ: بِالنَّباتِ.
﴿شَقًّا﴾ بَدِيعًا لائِقًا بِما يَشُقُّها مِنَ النَّباتِ صِغَرًا وكِبَرًا وشَكْلًا وهَيْئَةً، وحَمْلُ شَقِّها عَلى ما بِالكِرابِ بِجَعْلِ إسْنادِهِ إلى نُونِ العَظَمَةِ مِن قَبِيلِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى سَبَبِهِ يَأْباهُ كَلِمَةُ "ثُمَّ" و"الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى:
عبس 80:27
﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ فَإنَّ الشَّقَّ بِالمَعْنى المَذْكُورِ لا تَرَتُّبَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأمْطارِ أصْلًا، ولا بَيْنَهُ وبَيْنَ إنْباتِ الحَبِّ بِلا مُهْلَةٍ، وإنَّما التَّرْتِيبُ بَيْنَ الأمْطارِ وبَيْنَ الشَّقِّ المَذْكُورِ وبَيْنَ إنْباتِ الحَبِّ بِلا مُهْلَةٍ، فَإنَّ المُرادَ بِالنَّباتِ ما نَبَتَ مِنَ الأرْضِ إلى أنْ يَتَكامَلَ النُّمُوُّ ويَنْقَعِدُ الحَبُّ، فَإنَّ انْشِقاقَ الأرْضِ بِالنَّباتِ لا يَزالُ يَتَزايَدُ ويَتَّسِعُ إلى تِلْكَ المَرْتَبَةِ عَلى أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ النِّعَمِ الفائِضَةِ مِن جَنابِهِ تَعالى عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ خارِجٍ عَنِ العاداتِ المَعْهُودَةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَأْكِيدُ الفِعْلَيْنِ بِالمَصْدَرَيْنِ، فَتَوْسِيطُ فِعْلِ المُنْعِمِ عَلَيْهِ في حُصُولِ تِلْكَ النِّعَمِ مُخِلٌّ بِالمَرامِ،
عبس 80:28
(p-112)﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِنَبًا﴾ عَطْفٌ عَلى "حَبًّا" ولَيْسَ مِن لَوازِمَ العَطْفِ أنْ يُقَيَّدَ المَعْطُوفُ بِجَمِيعِ ما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، فَلا ضَيْرَ في خُلُوِّ إنْباتِ العِنَبِ عَنْ شَقِّ الأرْضِ.
﴿وَقَضْبًا﴾ أيْ: رَطْبَةٌ، سُمِّيَتْ بِمَصْدَرِ "قَضَبَهُ" أيْ: قَطَعَهُ مُبالَغَةً كَأنَّها لِتَكَرُّرِ قَطْعِها وتَكَثُّرِهِ نَفْسُ القَطْعِ.
عبس 80:29
﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ الكَلامُ فِيهِما وفي أمْثالِهِما كَما في العِنَبِ.
عبس 80:30
﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ أيْ: عِظامًا، وُصِفَ بِهِ الحَدائِقُ لِتَكاثُفِها وكَثْرَةِ أشْجارِها، أوْ لِأنَّها ذاتُ أشْجارٍ غِلاظٍ، مُسْتَعارٌ مِن وصْفِ الرِّقابِ.
عبس 80:31
﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ أيْ: مَرْعى، مَن "أبَّهُ" إذا أمَّهُ، أيْ: قَصَدَهُ؛ لِأنَّهُ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، أوْ مِن أبَّ لِكَذا: إذا تَهَيَّأ؛ لِأنَّهُ مُتَهَيَّئٌ للرَّعْيِ، أوْ فاكِهَةً يابِسَةً تَؤُبُ لِلشِّتاءِ، وعَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأبِّ فَقالَ: أيُّ سَماءٍ تُظِلُّنِي، وأيُّ أرْضٍ تُقِلُّنِي إذا قُلْتُ في كِتابِ اللَّهِ ما لا عِلْمَ لِي بِهِ؟! وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: كُلُّ هَذا قَدْ عَرَفْنا فَما الأبُّ؟ ثُمَّ رَفَضَ عَصًا كانَتْ بِيَدِهِ وقالَ: هَذا لَعَمْرُ اللَّهِ التَّكَلُّفُ، وما عَلَيْكَ يا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ أنْ لا تَدْرِيَ ما الأبُّ؟ ثُمَّ قالَ: اتَّبِعُوا ما تَبَيَّنَ لَكم مِن هَذا الكِتابِ وما لا فَدَعُوهُ.
عبس 80:32
﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ تَمْتِيعًا لَكم ولِمَواشِيكُمْ، فَإنَّ بَعْضَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ طَعامٌ لَهم وبَعْضَها عَلَفٌ لِدَوابِّهِمْ، والألْتِفاتُ لِتَكْمِيلِ الأمْتِنانِ، وإمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المُضْمَرِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ أيْ: مَتَّعَكم بِذَلِكَ مَتاعًا، أوْ لِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِ، أيْ: مَتَّعَكم بِذَلِكَ فَتَمَتَّعْتُمْ مَتاعًا، أيْ: تَمَتُّعًا كَما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ في مَعْنى التَّمْتِيعِ.
عبس 80:33
﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ مَعادِهِمْ إثْرَ بَيانِ مَبْدَأِ خَلْقِهِمْ ومَعاشِهِمْ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن فُنُونِ النِّعَمِ عَنْ قَرِيبٍ كَما يُشْعِرُ لَفْظُ المَتاعِ بِسُرْعَةِ زَوالِها وقُرْبِ اضْمِحْلالِها، و"الصّاخَّةُ": هي الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي يَصُخُّ لَها الخَلائِقُ، أيْ: يَصِيخُونَ لَها مِن (صَخَّ لِحَدِيثِهِ) إذا أصاخَ لَهُ واسْتَمْتَعَ؛ وُصِفَتْ بِها النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ؛ لِأنَّ النّاسَ يَصِيخُونَ لَها. وقِيلَ: هي الصَّيْحَةُ الَّتِي تَصُخُّ الآذانَ أيْ: تَصُمُّها لِشِدَّةِ وقْعِها. وقِيلَ: هي مَأْخُوذَةٌ مِن صَخَّهُ بِالحَجَرِ أيْ: صَكَّهُ.
عبس 80:34
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن (p-113)أخِيهِ﴾
عبس 80:35
﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾، ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ إمّا مَنصُوبٌ بِـ"أعْنِي" تَفْسِيرًا لِلصّاخَّةِ، أوْ بَدَلٌ مِنها مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ بِالإضافَةِ إلى الفِعْلِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن "إذا جاءَتْ" كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ ...إلَخْ أيْ: يُعْرِضُ عَنْهم ولا يُصاحِبُهُمْ، ولا يَسْألُ عَنْ حالِهِمْ كَما في الدُّنْيا؛ لِاشْتِغالِهِ بِحالِ نَفْسِهِ، وأمّا تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ بِأنَّهم لا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا أوْ بِالحَذَرِ مِن مُطالَبَتِهِمْ بِالتَّبِعاتِ فَيَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: *
عبس 80:36
﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾، ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ إمّا مَنصُوبٌ بِـ"أعْنِي" تَفْسِيرًا لِلصّاخَّةِ، أوْ بَدَلٌ مِنها مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ بِالإضافَةِ إلى الفِعْلِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن "إذا جاءَتْ" كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ ...إلَخْ أيْ: يُعْرِضُ عَنْهم ولا يُصاحِبُهُمْ، ولا يَسْألُ عَنْ حالِهِمْ كَما في الدُّنْيا؛ لِاشْتِغالِهِ بِحالِ نَفْسِهِ، وأمّا تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ بِأنَّهم لا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا أوْ بِالحَذَرِ مِن مُطالَبَتِهِمْ بِالتَّبِعاتِ فَيَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: *
عبس 80:37
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ سَبَبِ الفِرارِ أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ شُغْلٌ شاغِلٌ وخَطْبٌ هائِلٌ يَكْفِيهِ في الأهْتِمامِ بِهِ، وأمّا الفِرارُ حَذارِ مِن مُطالَبَتِهِمْ أوْ بُغْضًا لَهم كَما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهُ يَفِرُّ قابِيلُ مِن أخِيهِ هابِيلَ، ويَفِرُّ النَّبِيُّ ﷺ مِن أُمِّهِ، ويَفِرُّ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أبِيهِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْنِهِ، ولُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنِ امْرَأتِهِ، فَلَيْسَ مِن قَبِيلِ هَذا الفِرارِ، وكَذا ما يُرْوى أنَّ الرَّجُلَ يَفِرُّ مِن أصْحابِهِ وأقْرِبائِهِ؛ لِئَلّا يَرَوْهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ، وقُرِئَ "يَعْنِيهِ" بِالياءِ المَفْتُوحَةِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، أيْ: يَهَمَّهُ، مِن عَناهُ الأمْرُ إذا أهَمَّهُ أيْ: أوْقَعَهُ في الهَمِّ، ومِنهُ ﴿مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ﴾، لا مَن عَناهُ إذا قَصَدَهُ كَما قِيلَ.
عبس 80:38
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ بَيانٌ لِمَآلِ أمْرِ المَذْكُورِينَ وانْقِسامِهِمْ إلى السُّعَداءِ والأشْقِياءِ بَعْدَ ذِكْرِ وُقُوعِهِمْ في داهِيَةٍ دَهْياءَ، فَـ"وُجُوهٌ" مُبْتَدَأٌ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً؛ لِكَوْنِها في حَيِّزِ التَّنْوِيعِ و"مُسْفِرَةٌ" خَبَرُهُ، و"يَوْمئِذٍ" مُتَعَلِّقٌ بِهِ أيْ: مُضِيئَةٌ مُتَهَلِّلَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: إذا أضاءَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ ذَلِكَ مِن قِيامِ اللَّيْلِ، وفي الحَدِيثِ « "مَن كَثُرَ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَّهارِ"،» وعَنِ الضَّحّاكِ: مِن آثارِ الوُضُوءِ. وقِيلَ: مِن طُولِ ما اغْبَرَّتْ في سَبِيلِ اللَّهِ.
عبس 80:39
﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ بِما تُشاهِدُ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والبَهْجَةِ الدّائِمَةِ.
عبس 80:40
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ أيْ: غُبارٌ وكُدُورَةٌ.
عبس 80:41
﴿تَرْهَقُها﴾ أيْ: تَعْلُوها وتَغْشاها.
﴿قَتَرَةٌ﴾ أيْ: سَوادٌ وظُلْمَةٌ.
عبس 80:42
(p-114)﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى أصْحابِ تِلْكَ الوُجُوهِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِسَوادِ الوُجُوهِ وغَيْرِهِ.
﴿هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ الجامِعُونَ بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ؛ فَلِذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى إلى سَوادِ وُجُوهِهِمُ الغَبَرَةَ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ عَبَسَ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وجْهُهُ ضاحِكٌ مُسْتَبْشِرٌ".»