Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — البقرة 2:38 – البقرة 2:97

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. البقرة 2:38
  2. البقرة 2:39
  3. البقرة 2:40
  4. البقرة 2:41
  5. البقرة 2:42
  6. البقرة 2:43
  7. البقرة 2:44
  8. البقرة 2:45
  9. البقرة 2:46
  10. البقرة 2:47
  11. البقرة 2:48
  12. البقرة 2:49
  13. البقرة 2:50
  14. البقرة 2:51
  15. البقرة 2:52
  16. البقرة 2:53
  17. البقرة 2:54
  18. البقرة 2:55
  19. البقرة 2:56
  20. البقرة 2:57
  21. البقرة 2:58
  22. البقرة 2:59
  23. البقرة 2:60
  24. البقرة 2:61
  25. البقرة 2:62
  26. البقرة 2:63
  27. البقرة 2:64
  28. البقرة 2:65
  29. البقرة 2:66
  30. البقرة 2:67
  31. البقرة 2:68
  32. البقرة 2:69
  33. البقرة 2:70
  34. البقرة 2:71
  35. البقرة 2:72
  36. البقرة 2:73
  37. البقرة 2:74
  38. البقرة 2:75
  39. البقرة 2:76
  40. البقرة 2:77
  41. البقرة 2:78
  42. البقرة 2:79
  43. البقرة 2:80
  44. البقرة 2:81
  45. البقرة 2:82
  46. البقرة 2:83
  47. البقرة 2:84
  48. البقرة 2:85
  49. البقرة 2:86
  50. البقرة 2:87
  51. البقرة 2:88
  52. البقرة 2:89
  53. البقرة 2:90
  54. البقرة 2:91
  55. البقرة 2:92
  56. البقرة 2:93
  57. البقرة 2:94
  58. البقرة 2:95
  59. البقرة 2:96
  60. البقرة 2:97

البقرة 2:38

﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا،﴾ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، فالفَصْلُ لِكَمالِ الِاتِّصالِ، والفاءُ في (فَتَلَقّى) لِلِاعْتِراضِ، إذْ لا يَجُوزُ تَقَدُّمُ المَعْطُوفِ عَلى التَّأْكِيدِ، وفائِدَتُهُ الإشارَةُ إلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ التَّوْبَةِ، وأنَّهُ يَجِبُ المُبادَرَةُ إلَيْها، ولا يُمْهِلُ، فَإنَّهُ ذَنْبٌ آخَرُ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِن إظْهارِ الرَّغْبَةِ بِصَلاحِ حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفَراغِ بالِهِ، وإزالَةِ ما عَسى يَتَشَبَّثُ بِهِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ فُضِّلَ عَلَيْهِمْ، وأُمِرُوا بِالسُّجُودِ لَهُ، أوْ كُرِّرَ لِيَتَعَلَّقَ عَلَيْهِ مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ الأوَّلِ، إذْ ذَكَرَ إهْباطَهم أوَّلًا لِلتَّعادِي، وعَدَمِ الخُلُودِ، والأمْرُ فِيهِ تَكْوِينِيٌّ، وثانِيًا لِيَهْتَدِيَ مَن يَهْتَدِي، ويَضِلُّ مَن يَضِلُّ، والأمْرُ فِيهِ تَكْلِيفِيٌّ، ويُسَمّى هَذا الأُسْلُوبُ في البَدِيعِ التَّرْدِيدَ، فالفَصْلُ حِينَئِذٍ لِلِانْقِطاعِ لِتَبايُنِ الغَرَضَيْنِ، وقِيلَ: إنَّ إنْزالَ القَصَصِ لِلِاعْتِبارِ بِأحْوالِ السّابِقِينَ، فَفي تَكْرِيرِ الأمْرِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ الحاصِلَ مِن تَصَوُّرِ إهْباطِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المُقْتَرِنَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّعادِي والتَّكْلِيفِ كافٍ لِمَن لَهُ حَزْمٌ، وخَلا عَنْ عُذْرِ أنْ تَعُوقَهُ عَنْ مُخالَفَةِ حُكْمِهِ تَعالى، فَكَيْفَ المُخالَفَةُ الحاصِلَةُ مِن تَصَوُّرِ الإهْباطِ المُقْتَرِنِ بِهِما؟ فَلَوْ لَمْ يَعُدِ الأمْرُ لَعُطِفَ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ عَلى الأوَّلِ، فَلا يُفْهَمُ إلّا إهْباطٌ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ عَلى بُعْدٍ أنْ تَكُونَ فائِدَةُ التَّكْرارِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أرادَ ذَلِكَ، ولَوْلا إرادَتُهُ لَما كانَ ما كانَ، ولِذَلِكَ أسْنَدَ الإهْباطَ إلى نَفْسِهِ مُجَرَّدًا عَنِ التَّعْلِيقِ بِالسَّبَبِ بَعْدَ إسْنادِ إخْراجِهِما إلى الشَّيْطانِ، فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ الأوَّلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ، والثّانِي مِنها إلى الأرْضِ، ويُضْعِفُهُ ذِكْرُ ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ عَقِيبَ الأوَّلِ، (وجَمِيعًا) حالٌ مِن فاعِلِ (اهْبِطُوا) أيْ مُجْتَمِعِينَ سَواءٌ كانَ في زَمانٍ واحِدٍ، أوْ لا، وقَدْ يُفْهَمُ الِاتِّحادُ في الزَّمانِ مِن سِياقِ الكَلامِ، كَما قِيلَ بِهِ في ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ وأبْعَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَجَعَلَهُ تَأْكِيدًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُبُوطًا جَمِيعًا، ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لا يَدْخُلُ في الخِطابِ غَيْرُ المُكَلِّفِ، وأدْرَجَ الكَثِيرُونَ إبْلِيسَ لِأنَّهُ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى الهُبُوطِ المَفْهُومِ مِنَ الأمْرِ، (وإمّا) مُرَكَّبَةٌ مِن إنِ الشَّرْطِيَّةِ (وما) الزّائِدَةِ لِلتَّأْكِيدِ، وكَثُرَ تَأْكِيدُ الفِعْلِ بَعْدَها بِالنُّونِ، ولَمْ يَجِبْ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ: إنْ شِئْتَ لَمْ تُقْحِمِ النُّونَ، كَما أنَّكَ إنْ شِئْتَ لَمْ تَجِئْ بِما، وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: يا صاحِ أما تَجِدْنِي غَيْرَ ذِي جِدَّةٍ فَما التَّخَلِّي عَنِ الخِلّانِ مِن شِيَمِي وقَوْلِهِ: إمّا أقَمْتَ وإمّا كُنْتَ مُرْتَحِلًا ∗∗∗ فاللَّهُ يَحْفَظُ ما تُبْقِي وما تَذَرُ وحَمَلَ ذَلِكَ مَن قالَ بِالوُجُوبِ عَلى الضَّرُورَةِ، وهو مِمّا لا ضَرُورَةَ إلَيْهِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ مَزِيَّةُ التّابِعِ الَّذِي هو حَرْفُ الشَّرْطِ عَلى المَتْبُوعِ، وهو الفِعْلُ يَدْفَعُهُ أنَّ التّابِعَ ومُؤَكِّدَهُ تابِعٌ، فَلا مَزِيَّةَ، أوْ أنَّ ما لِتَأْكِيدِ الفِعْلِ صفحة 239 فِي أوَّلِهِ، كَما أنَّ النُّونَ إذا كانَتْ تَأْكِيدًا لَهُ في آخِرِهِ، وجِيءَ بِحَرْفِ الشَّكِّ إذْ لا قَطْعَ بِالوُقُوعِ، فَإنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَلْ إنْ شاءَ هَدى، وإنْ شاءَ تَرَكَ، وقِيلَ بِالقَطْعِ، واسْتِعْمالِ (إنَّ) في مَقامِهِ لا يَخْلُو عَنْ نُكْتَةٍ، كَتَنْزِيلِ العالِمِ مَنزِلَةَ غَيْرِهِ بِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى مُوجِبِ العِلْمِ، ويُحَسِّنُهُ سَبْقُ ما سِيقَ وُقُوعُهُ مِن آدَمَ، وقِيلَ: إنَّ زِيادَةَ (ما) والتَّوْكِيدَ بِالثَّقِيلَةِ لا يَتَقاعَدُ في إفادَةِ القَطْعِ عَنْ إذا، نَعَمْ، لا يُنْظَرُ فِيهِ إلى الزَّمانِ، بَلْ إلى أنَّهُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ أُبْهِمَ وقْتُهُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما اخَتَرْناهُ أسْلَمُ وأبْعَدُ عَنِ التَّكَلُّفِ، مِمّا ذُكِرَ، وإنْ جَلَّ قائِلُهُ، فَتَدَبَّرْ، (ومِنِّي) مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وفِيهِ شِبْهُ الِالتِفاتِ كَما في البَحْرِ، وأتى بِالضَّمِيرِ الخاصِّ هُنا لِلرَّمْزِ إلى أنَّ اللّائِقَ بِمَن هُدِيَ التَّوْحِيدُ الصِّرْفُ، وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى الكَثْرَةِ، ونُكِّرَ الهُدى لِأنَّ المَقْصُودَ هو المُطْلَقُ، ولَمْ يَسْبِقْ فِيهِ عَهْدٌ فَيُعَرَّفَ، وفي المُرادِ بِهِ هُنا أقْوالٌ، فَقِيلَ: الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وقِيلَ: الرُّسُلُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَعَلَّ المُرادَ هَدْيُهُ الَّذِي جاءَ بِهِ نُوّابُهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والفاءُ في (فَمَن) لِلرَّبْطِ (وما) بَعْدَ جُمْلَةٍ شَرْطِيَّةٍ وقَعَتْ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ عَلى حَدِّ: إنْ جِئْتَنِي فَإنْ قَدَرْتُ أحْسَنْتُ إلَيْكَ، وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ فاتَّبِعُوهُ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ (مَن) هَذِهِ مَوْصُولَةً لِما في المُقابِلِ مِنَ المَوْصُولِ، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في (هُدايَ) إشارَةً لِلْعِلِّيَّةِ، لِأنَّ الهُدى بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ واجِبُ الِاتِّباعِ، وبِالنَّظَرِ إلى أنَّهُ أُضِيفَ إلَيْهِ تَعالى إضافَةَ تَشْرِيفٍ أحْرى وأحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ، وقِيلَ: لَمْ يَأْتِ بِهِ ضَمِيرًا لِأنَّهُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ لِشُمُولِهِ لِما يَحْصُلُ بِالِاسْتِدْلالِ، والعَقْلِ، ولَمْ يَقُلِ الهُدى، لِئَلّا تَتَبادَرَ العَيْنِيَّةُ أيْضًا، لِأنَّ النَّكِرَةَ في الغالِبِ إذا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً كانَتْ عَيْنَ الأوَّلِ مَعَ ما في الإضافَةِ إلى نَفْسِهِ تَعالى مِنَ التَّعْظِيمِ ما لا يَكُونُ لَوْ أتى بِهِ مُعَرَّفًا بِاللّامِ، والخَوْفُ الفَزَعُ في المُسْتَقْبَلِ، والحُزْنُ ضِدُّ السُّرُورِ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَزَنِ، وهو ما غَلُظَ مِنَ الأرْضِ، فَكَأنَّهُ ما غَلُظَ مِنَ الهَمِّ، ولا يَكُونُ إلّا في الأمْرِ الماضِي عَلى المَشْهُورِ، ويُؤَوَّلُ حِينَئِذٍ نَحْوَ ﴿إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ بِعِلْمِ ذَلِكَ الواقِعِ، وقِيلَ: إنَّهُ والخَوْفُ كِلاهُما في المُسْتَقْبَلِ، لَكِنَّ الخَوْفَ اسْتِشْعارُهم لِفَقْدِ مَطْلُوبٍ، والحُزْنُ اسْتِشْعارُ غَمٍّ لِفَوْتِ مَحْبُوبٍ، وجُعِلَ هُنا نَفْيُ الخَوْفِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ العِقابِ، ونَفْيُ الحُزْنِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ الثَّوابِ، وهي أبْلَغُ مِنَ الصَّرِيحِ وآكَدُ، لِأنَّها كَدَعْوى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ والمَعْنى: لا خَوْفَ عَلَيْهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَكْرُوهٌ، ولا هم يَفُوتُ عَنْهم مَحْبُوبٌ فَيَحْزَنُوا عَلَيْهِ، فالمَنفِيُّ عَنِ الأوْلِياءِ خَوْفُ حُلُولِ المَكْرُوهِ، والحُزْنُ في الآخِرَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ الَّتِي هي دارُ السُّرُورِ والأمْنِ، لا خَوْفَ فِيها، ولا حُزْنَ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ التَّقابُلُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ في الآيَتَيْنِ، وقالَ بَعْضُ الكُبَراءِ: خَوْفُ المَكْرُوهِ مَنفِيٌّ عَنْهم مُطْلَقًا، وأمّا خَوْفُ الجَلالِ فَفي غايَةِ الكَمالِ، والمُخْلِصُونَ عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ، وقِيلَ: المَعْنى لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِنَ الضَّلالَةِ في الدُّنْيا، ولا حُزْنٌ مِنَ الشَّقاوَةِ في العُقْبى، وقَدَّمَ انْتِفاءَ الخَوْفِ لِأنَّ انْتِفاءَ الخَوْفِ فِيما هو آتٍ أكْثَرُ مِنَ انْتِفاءِ الحُزْنِ عَلى ما فاتَ، ولِهَذا صُدِّرَ بِالنَّكِرَةِ الَّتِي هي أدْخَلُ في النَّفْيِ، وقَدَّمَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى اخْتِصاصِهِمْ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ، وأنَّ غَيْرَهم يَحْزَنُ، والمُرادُ بَيانُ دَوامِ الِانْتِفاءِ لا بَيانُ انْتِفاءِ الدَّوامِ كَما يُتَوَهَّمُ مِن كَوْنِ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا، لِما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ أنَّ النَّفْيَ وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الدَّوامَ والِاسْتِمْرارَ بِحَسَبِ المَقامِ، وذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ أنَّ العُدُولَ عَنْ لا خَوْفَ لَهُمْ، أوْ عِنْدَهُمْ، إلى لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم قَدْ بَلَغَتْ حالُهم إلى حَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يَخافَ أحَدٌ عَلَيْهِمْ، وفي البَحْرِ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَنّى بِعَلَيْهِمْ عَنِ الِاسْتِيلاءِ والإحاطَةِ إشارَةً إلى أنَّ الخَوْفَ لا يَنْتَفِي بِالكُلِّيَّةِ، ألا تَرى انْصِرافَ النَّفْيِ عَلى كَوْنِيَّةِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ كَوْنِيَّةِ اسْتِيلاءِ الخَوْفِ انْتِفاؤُهُ في كُلِّ حالٍ، فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ صفحة 240 عَلى نَفْيِ أهْوالِ القِيامَةِ وخَوْفِها عَنِ المُطِيعِينَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ فِيما أشَرْنا إلَيْهِ كِنايَةً غَنِيَّةً عَنْ مِثْلِهِ، وكَذا عَمّا قِيلَ: إنَّ نَفْيَ الِاسْتِيلاءِ لِلتَّعْرِيضِ بِالكُفّارِ، والإشارَةِ إلى أنَّ الخَوْفَ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِمْ، هَذا وقَرَأ الأعْرَجُ (هُدايْ) بِسُكُونِ الياءِ، وفِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وذَلِكَ مِن إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وغَيْرُهُ (هُدَيَّ) بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في الياءِ عَلى لُغَةِ هُذَيْلٍ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وغَيْرُهُ (فَلا خَوْفَ) بِالفَتْحِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِاخْتِلافٍ عَنْهُ بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وكَأنَّهُ حُذِفَ لِنِيَّةِ الإضافَةِ، أوْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ أوْ لِمُلاحَظَةِ اللّامِ في الِاسْمِ عَلى ما في البَحْرِ، لِيَحْصُلَ التَّعادُلُ في كَوْنِ لا، دَخَلَتْ عَلى المَعْرِفَةِ في كِلا الجُمْلَتَيْنِ، وهو عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُبْتَدَأٌ، و(عَلَيْهِمْ) خَبَرُهُ، أوْ أنَّ لا عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.

البقرة 2:39

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فَمَن تَبِعَ﴾ قَسِيمٌ لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: ومَن لَمْ يَتْبَعْهُ، وإنَّما أُوثِرَ عَلَيْهِ ما ذَكَرَ تَعْظِيمًا لِحالِ الضَّلالَةِ وإظْهارًا لِكَمالِ قُبْحِها، أوْ لِأنَّ مَن لَمْ يَتْبَعْ شامِلٌ لِمَن لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المُكَلَّفِينَ، فَعُدِلَ عَنْ ذَلِكَ لِإخْراجِهِمْ، ولِأنَّهُ شامِلٌ لِلْفاسِقِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُتابَعَةِ المُتابَعَةُ الكامِلَةُ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ عَدَمُ الخَوْفِ، والحُزْنُ، فَلَوْ قالَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ لَزِمَ مِنهُ خُلُودُهُ في النّارِ، ولَمّا قالَ ما قالَ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ، بَلْ خَرَجَ الفاسِقُ مِنَ الصِّنْفَيْنِ، ويُعْلَمُ بِالفَحْوى إنَّ عَلَيْهِ خَوْفًا وحُزْنًا عَلى قَدْرِ عَدَمِ المُتابَعَةِ، ولَوْ جُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ”ولا خَوْفَ عَلَيْهِمْ“ حِينَئِذٍ لِنَفْيِ اسْتِمْرارِ الخَوْفِ والحُزْنِ، وأُرِيدَ بِمُتابَعَةِ الهُدى الإيمانُ بِهِ تَعالى كانَ داخِلًا في ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ إلّا أنَّ أوْلِياءَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى لا يَرْضَوْنَ ذَلِكَ ولا يَقْبَلُونَ، وأُولَئِكَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، ويُرادُ المَوْصُولُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِلْإشارَةِ إلى كَثْرَةِ الكَفَرَةِ، والمُتَبادِرُ مِنَ الكُفْرِ الكُفْرُ بِاللَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا مُتَوَجِّهِينَ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، فَيُرادُ بِالكُفْرِ بِالآياتِ إنْكارُها بِالقَلْبِ، وبِالتَّكْذِيبِ إنْكارُها بِاللِّسانِ، والآيَةُ في الأصْلِ العَلامَةُ الظّاهِرَةُ بِالقِياسِ إلى ذِي العَلامَةِ، ومِنهُ آيَةُ القُرْآنِ، لِأنَّها عَلامَةٌ لِانْقِطاعِ الكَلامِ الَّذِي بَعْدَها، والَّذِي قَبْلَها، أوْ لِأنَّها عَلامَةٌ عَلى مَعْناها، وأحْكامِها، وقِيلَ: سُمِّيَتْ آيَةً لِأنَّ الآيَةَ تُطْلَقُ عَلى الجَماعَةِ أيْضًا، كَما قالَ أبُو عَمْرٍو يُقالُ: خَرَجَ القَوْمُ بِآيَتِهِمْ، أيْ بِجَماعَتِهِمْ، وهي جَماعَةٌ مِنَ القُرْآنِ، وطائِفَةٌ مِنَ الحُرُوفِ، وذَكَرَ بَعْضُهم إنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها عَجَبٌ يُتَعَجَّبُ مِن إعْجازِهِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ آيَةٌ مِنَ الآياتِ، وفي أصْلِها، ووَزْنِها، أقْوالٌ: فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ، أنَّ أصْلَها أيَيَةٌ بِفَتَحاتٍ، قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها عَلى خِلافِ القِياسِ، كَغايَةٍ، ورايَةٍ، إذِ المُطَّرِدُ عِنْدَ اجْتِماعِ حَرْفَيْ عِلَّةٍ إعْلالُ الآخَرِ، لِأنَّهُ مَحَلُّ التَّغْيِيرِ، ومَذْهَبُ الكِسائِيِّ أنَّ أصْلَها آيِيَةٌ كَفاعِلَةٍ، وكانَ القِياسُ أنْ تُدْغَمَ كَدابَّةٍ، إلّا أنَّهُ تُرِكَ ذَلِكَ تَخْفِيفًا، فَحَذَفُوا عَيْنَها، ومَذْهَبُ الفَرّاءِ أنَّ وزْنَها فَعْلَةٌ بِسُكُونِ العَيْنِ مِن تَأيَّ القَوْمُ إذا اجْتَمَعُوا، وقالُوا في الجَمْعِ: آياءٌ كَأفْعالٍ، فَظَهَرَتِ الياءُ والهَمْزَةُ الأخِيرَةُ بَدَلُ ياءٍ، والألِفُ الثّانِيَةُ بَدَلٌ مِن هَمْزَةٍ هي فاءُ الكَلِمَةِ، ولَوْ كانَ عَيْنُها واوًا لَقالُوا في الجَمْعِ: آواءٌ ثُمَّ إنَّهم قَلَبُوا الياءَ السّاكِنَةَ ألِفًا عَلى غَيْرِ القِياسِ، لِعَدَمِ تَحَرُّكِها، وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّ وزْنَها أيْيَةٌ كَنَبْقَةٍ، فَأُعِلَّتْ، وهو في الشُّذُوذِ كالأوَّلِ، وقِيلَ: وزْنُها فَعُلَةٌ بِضَمِّ العَيْنِ، وقِيلَ: أصْلُها أياةٌ، فَقُدِّمَتِ اللّامُ وأُخِّرَتِ العَيْنُ، وهو ضَعِيفٌ، وكُلُّ الأقْوالِ فِيها لا تَخْلُو عَنْ شُذُوذٍ، ولا بِدْعَ في آيَةٍ، والمُرادُ بِالآياتِ هُنا الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ أوِ الأنْبِياءُ أوِ القُرْآنُ أوُ الدَّوالُّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن كُتُبِهِ، ومَصْنُوعاتِهِ، ويُنَزَّلُ المَعْقُولُ مَنزِلَةَ المَلْفُوظِ لِيَتَأتّى التَّكْذِيبُ، وأتى سُبْحانَهُ بِنُونِ العَظَمَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وأضافَ تَعالى الآياتِ إلَيْها لِإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ التَّكْذِيبِ صفحة 241 بِها، وأشارَ بِـ(أُولَئِكَ) إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِتَمَيُّزِ أُولَئِكَ بِذَلِكَ الوَصْفِ تَمَيُّزًا مُصَحِّحًا لِلْإشارَةِ الحِسِّيَّةِ مَعَ الإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ فِيهِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أصْحابُ، وهو جَمْعُ صاحِبٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى أفْعالٍ شاذٌّ كَما في البَحْرِ، ومَعْنى الصُّحْبَةِ الِاقْتِرانُ بِالشَّيْءِ، والغالِبُ في العُرْفِ أنْ تُطْلَقَ عَلى المُلازَمَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ بَدَلًا مِنهُ، أوْ عَطْفَ بَيانٍ، والأصْحابُ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ الاِسْمِيَّةُ بَعْدُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ لِوُرُودِ التَّصْرِيحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها﴾ وجُوِّزَ كَوْنُها حالًا مِنَ النّارِ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِها، والعامِلُ مَعْنى الإضافَةِ أوِ اللّامُ المُقَدَّرَةُ أوْ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِأُولَئِكَ، عَلى رَأْيِ مَن يَرى ذَلِكَ، قالَ أبُو حَيّانَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِما أُبْهِمَ في أصْحابِ النّارِ، مُبَيِّنَةً أنَّ هَذِهِ الصُّحْبَةَ يُرادُ مِنها مُطْلَقُ الِاقْتِرانِ بَلِ الخُلُودِ، فَلا يَكُونُ لَها إذْ ذاكَ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ، والخُلُودُ هُنا الدَّوامُ عَلى ما انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ، ومِنَ البَدِيعِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم أنَّ في الآيَتَيْنِ نَوْعًا مِنهُ يُقالُ لَهُ الِاحْتِباكُ، ويا حَبَّذاهُ، لَوْلا الكِنايَةُ المُغْنِيَةُ عَمّا هُناكَ.

البقرة 2:40

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابٌ لِطائِفَةٍ خاصَّةٍ مِنَ الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ الخِطابِ العامِّ، وإقامَةِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والتَّذْكِيرِ بِصُنُوفِ الإنْعامِ، وجَعَلَهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ قِصَّةِ آدَمَ، لِأنَّ هَؤُلاءِ بَعْدَ ما أتَوْا مِنَ البَيانِ الواضِحِ، والدَّلِيلِ اللّائِحِ، وأُمِرُوا ونُهُوا وحُرِّضُوا عَلى اتِّباعِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم ظَهَرَ مِنهم ضِدُّ ذَلِكَ، فَخَرَجُوا عَنْ جَنَّةِ الإيمانِ الرَّفِيعَةِ، وهَبَطُوا إلى أرْضِ الطَّبِيعَةِ، وتَعَرَّضَتْ لَهُمُ الكَلِماتُ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَلَقَّوْها بِالقَبُولِ، فَفاتَ مِنهم ما فاتَ، وأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالنِّداءِ لِيُحَرِّكَهم لِسَماعِ ما يَرِدُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وبَنِي جَمْعُ ابْنٍ شَبِيهٌ بِجَمْعِ التَّكْسِيرِ لِتَغَيُّرِ مُفْرَدِهِ، ولِذا أُحْلِقَ في فِعْلِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ، كَقالَتْ بَنُو عامِرٍ، وهو مُخْتَصٌّ بِالأوْلادِ الذُّكُورِ، وإذا أُضِيفَ عَمَّ في العُرْفِ الذُّكُورَ والإناثَ، فَيَكُونُ بِمَعْنى الأوْلادِ، وهو المُرادُ هُنا، وذَكَرَ السّالِيكُوتِيُّ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الأبْناءِ الصُّلْبِيَّةِ كَما بُيِّنَ في الأُصُولِ، واسْتِعْمالُهُ في العامِّ مَجازٌ، وهو مَحْذُوفُ اللّامِ، وفي كَوْنِها ياءً، أوْ واوًا خِلافٌ، فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِ، وجَعَلَهُ مِنَ البِناءِ، لِأنَّ الِابْنَ فَرْعُ الأبِ ومَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، ولِهَذا يُنْسَبُ المَصْنُوعُ إلى صانِعِهِ، فَيُقالُ لِلْقَصِيدَةِ مَثَلًا: بِنْتُ الفِكَرِ، وقَدْ أُطْلِقَ في شَرِيعَةِ مَن قَبْلَنا عَلى بَعْضِ المَخْلُوقِينَ أبْناءُ اللَّهِ تَعالى بِهَذا المَعْنى، لَكِنْ لَمّا تَصَوَّرَ مِن هَذا الجَهَلَةُ الأغْبِياءُ مَعْنى الوِلادَةِ حُظِرَ ذَلِكَ حَتّى صارَ التَّفَوُّهُ بِهِ كُفْرًا، وذَهَبَ إلى الثّانِي الأخْفَشُ وأيَّدَهُ بِأنَّهم قالُوا: البُنُوَّةُ، وبِأنَّ حَذْفَ الواوِ أكْثَرُ، وقَدْ حُذِفَتْ في أبٍ وأخٍ، وبِهِ قالَ الجَوْهَرِيُّ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أصَحُّ، ولا دِلالَةَ في البُنُوَّةِ، لِأنَّهم قالُوا أيْضًا: الفُتُوَّةُ، ولا خِلافَ في أنَّها مِن ذَواتِ الياءِ، وأمْرُ الأكْثَرِيَّةِ سَهْلٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ في وزْنِ ابْنٍ، هَلْ هو فِعْلٌ، أوْ فَعُلٌ خِلافٌ، وإسْرائِيلُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن إي، لِاسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وإسْرا، وهو العَبْدُ، أوِ الصَّفْوَةُ، أوِ الإنْسانُ، أوِ المُهاجِرُ وهو لَقَبُ سَيِّدِنا يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِلْعَرَبِ فِيهِ تَصَرُّفاتٌ فَقَدْ قالُوا: إسْرائِيلُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الألِفِ وياءٍ بَعْدَها، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وإسْرايِيلُ بِياءَيْنِ، بَعْدَ الألِفِ، وبِهِ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وغَيْرُهُ، وإسْرائِلُ، بِهَمْزَةٍ ولامٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ ورْشٍ، وإسْرَألُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ، ومَكْسُورَةٍ، بَعْدَ الرّاءِ، ولامٍ، وإسْرَألُ بِألِفٍ مُمالَةٍ بَعْدَها لامٌ خَفِيفَةٌ، وبِها ولا إمالَةَ، وهي رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ، وقِراءَةُ الحَسَنِ وغَيْرِهِ، وإسْرائِينُ صفحة 242 بِنُونٍ بَدَلَ اللّامِ كَما في قَوْلِهِ: تَقُولُ أهْلُ السُّوءِ لَمّا جِينا هَذا ورَبِّ البَيْتِ إسْرائِينا وأضافَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ إلى هَذا اللَّقَبِ تَأْكِيدًا لِتَحْرِيكِهِمْ إلى طاعَتِهِ، فَإنَّ في إسْرائِيلَ ما لَيْسَ في اسْمِهِ الكَرِيمِ يَعْقُوبَ، وقَوْلُكَ: يا ابْنَ الصّالِحِ أطِعِ اللَّهَ تَعالى، أحَثُّ لِلْمَأْمُورِ مِن قَوْلِكَ: يا ابْنَ زَيْدٍ مَثَلًا أطِعْ، لِأنَّ الطَّبائِعَ تَمِيلُ إلى اقْتِفاءِ أثَرِ الآباءِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا، فَكَيْفَ إذا كانَ، ويُسْتَعْمَلُ مِثْلُ هَذا في مَقامِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بِناءً عَلى أنَّ الحَسَنَةَ في نَفْسِها حَسَنَةٌ، وهي مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ أحْسَنُ، والسَّيِّئَةُ في نَفْسِها سَيِّئَةٌ، وهي مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ أسْوَأُ، (واذْكُرُوا) أمْرٌ مِنَ الذِّكْرِ بِكَسْرِ الذّالِ، وضَمِّها بِمَعْنًى واحِدٍ، ويَكُونانِ بِاللِّسانِ والجَنانِ، وقالَ الكِسائِيُّ: هو بِالكَسْرِ، لِلِّسانِ، وبِالضَّمِّ لِلْقَلْبِ، وضِدُّ الأوَّلِ الصَّمْتُ، وضِدُّ الثّانِي النِّسْيانُ، وعَلى العُمُومِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُما أوْ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى عامٍّ شامِلٍ لَهُما، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِذَلِكَ الشُّكْرُ عَلى النِّعْمَةِ، والقِيامُ بِحُقُوقِهِ، لا مُجَرَّدُ الإخْطارِ بِالجَنانِ، أوِ التَّفَوُّهِ بِاللِّسانِ، وإضافَةُ النِّعْمَةِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِتَشْرِيفِها، وإيجابِ تَخْصِيصِ شُكْرِها بِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّها تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ إذْ لا عَهْدَ، ولِمُناسَبَتِهِ بِمَقامِ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ فَهي شامِلَةٌ لِلنِّعَمِ العامَّةِ والخاصَّةِ بِالمُخاطَبِينَ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِها عَلَيْهِمْ أنَّها مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ أدْعى لِلشُّكْرِ، فَإنَّ الإنْسانَ حَسُودٌ غَيُورٌ، وقالَ قَتادَةُ: أُرِيدَ بِها ما أنْعَمَ بِهِ عَلى آبائِهِمْ مِمّا قَصَّهُ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ، وعَلَيْهِمْ مِن فُنُونِ النِّعْمَةِ الَّتِي أجَلُّها إدْراكُ زَمَنِ أشْرَفِ الأنْبِياءِ، وجَعَلَهم مِن جُمْلَةِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ لَهُ، ويَحْتاجُ تَصْحِيحُ الخِطابِ حِينَئِذٍ إلى اعْتِبارِ التَّغْلِيبِ أوْ جَعْلِ نِعَمِ الآباءِ نِعَمَهُمْ، فَلا جَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، كَما وهِمَ، ويَجُوزُ في الياءِ مِن (نِعْمَتِيَ) الإسْكانُ والفَتْحُ، والقُرّاءُ السَّبْعَةُ مُتَّفِقُونَ عَلى الفَتْحِ، (وأنْعَمْتُ)، صِلَةُ الَّتِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ أنْعَمْتُها، وقُرِئَ (ادَّكِرُوا) بِالدّالِ المُهْمَلَةِ المُشَدَّدَةِ عَلى وزْنِ افْتَعِلُوا، ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ يُقالُ: أوْفى، ووَفى مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا بِمَعْنًى، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْفَيْتُ بِالعَهْدِ، ووَفَّيْتُ بِهِ، وأوْفَيْتُ الكَيْلَ لا غَيْرُ، وجاءَ أوْفى بِمَعْنى ارْتَفَعَ كَقَوْلِهِ: رُبَّما أوْفَيْتُ في عِلْمٍ ∗∗∗ تَرْفَعْنَ ثَوْبِي شِمالاتُ والعَهْدُ يُضافُ إلى كُلٍّ مِمَّنْ يَتَوَلّى أحَدَ طَرَفَيْهِ، والظّاهِرُ هُنا أنَّ الأوَّلَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، والثّانِيَ إلى المَفْعُولِ، فَإنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ، وعَهِدَ إلَيْهِمْ بِما نَصَبَ مِنَ الحُجَجِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ الآمِرَةِ بِذَلِكَ، ووَعَدَهم بِحُسْنِ الثَّوابِ عَلى حَسَناتِهِمْ، والمَعْنى: أوْفُوا بِعَهْدِي بِالإيمانِ والطّاعَةِ أُوفِ بِعَهْدِكم بِحُسْنِ الإثابَةِ، ولِتَوَسُّطِ الأمْرِ صَحَّ طَلَبُ الوَفاءِ مِنهُمْ، وانْدَفَعَ ما قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ عَلى ما فِيهِ أنَّهُ لا مَعْنى لِوَفاءِ غَيْرِ الفاعِلِ بِالعَهْدِ، وقِيلَ: وهو المَفْهُومُ مِن كَلامِ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ أنَّ كِلَيْهِما مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى أوْفُوا بِما عاهَدْتُمُونِي مِنَ الإيمانِ والتِزامِ الطّاعَةِ أُوفِ بِما عاهَدْتُكم مِن حُسْنِ الإثابَةِ، وتَفْصِيلُ العَهْدَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولأُدْخِلَنَّكُمْ﴾ إلَخْ، ويُحْوِجُ هَذا إلى اعْتِبارِ أنَّ عَهْدَ الآباءِ عَهْدُ الأبْناءِ لِتَناسُبِهِمْ في الدِّينِ، وإلّا فالمُخاطَبُونَ بِأوْفُوا ما عُوهِدُوا بِالعَهْدِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، وقِيلَ: إنْ فُسِّرَ الإيفاءُ بِإتْمامِ العَهْدِ تَكُونُ الإضافَةُ إلى المَفْعُولِ في المَوْضِعَيْنِ، وإنْ فُسِّرَ بِمُراعاتِهِ تَكُونُ الإضافَةُ الأُولى لِلْفاعِلِ والثّانِيَةُ لِلْمَفْعُولِ صفحة 243 وفِيهِ تَأمُّلٌ، ولا يَخْفى أنَّ لِلْوَفاءِ عَرْضًا عَرِيضًا، فَأوَّلُ المَراتِبِ الظّاهِرَةِ مِنّا الإتْيانُ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ، ومِنهُ تَعالى حَقْنُ الدِّماءِ والمالِ، وآخِرُها مِنّا الفَناءُ حَتّى عَنِ الفَناءِ، ومِنهُ تَعالى التَّحْلِيَةُ بِأنْوارِ الصِّفاتِ والأسْماءِ، فَما رُوِيَ مِنَ الآثارِ عَلى اخْتِلافِ أسانِيدِها صِحَّةً وضَعْفًا في بَيانِ الوَفاءِ بِالعَهْدَيْنِ، فَبِالنَّظَرِ إلى المَراتِبِ المُتَوَسِّطَةِ، وهي لَعَمْرِي كَثِيرَةٌ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: أوَّلُ المَراتِبِ مِنّا تَوْحِيدُ الأفْعالِ وأوْسَطُها تَوْحِيدُ الصِّفاتِ، وآخِرُها تَوْحِيدُ الذّاتِ، ومِنهُ تَعالى ما يُفِيضُهُ عَلى السّالِكِ في كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِمّا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ المَرْتَبَةُ مِنَ المَعارِفِ، والأخْلاقِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (أُوَفِّ) بِالتَّشْدِيدِ، فَإنْ كانَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ فَذاكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ التَّكْثِيرُ والقَلْبُ إلَيْهِ يَمِيلُ فَهو إشارَةٌ إلى عَظِيمِ كَرَمِهِ وإحْسانِهِ، ومَزِيدِ امْتِنانِهِ حَيْثُ أخْبَرَ وهو الصّادِقُ أنَّهُ يُعْطِي الكَثِيرَ في مُقابَلَةِ القَلِيلِ، وهو صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ وانْجِزامُ الفِعْلِ لِوُقُوعِهِ في جَوابِ الأمْرِ، والجَزْمُ إمّا بِهِ نَفْسِهِ أوْ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وهو اخْتِيارُ الفارِسِيِّ، ونَصُّ سِيبَوَيْهِ. ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ الرَّهْبَةُ الخَوْفُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: مَعَ تَحَرُّزٍ، وبِهِ فارَقَ الِاتِّقاءَ لِأنَّهُ مَعَ حَزْمٍ، ولِهَذا كانَ الأوَّلُ لِلْعامَّةِ، والثّانِي لِلْأئِمَّةِ، والأشْبَهُ بِمَواقِعِ الِاسْتِعْمالِ أنَّ الِاتِّقاءَ التَّحَفُّظُ عَنِ المَخُوفِ، وأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ في وِقايَةٍ مِنهُ، والرَّهْبَةُ نَفْسُ الخَوْفِ، وفي الأمْرِ بِها وعِيدٌ بالِغٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِلتَّهْدِيدِ، والتَّهْوِيلِ، كَما في ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ كَما وهِمَ، لِأنَّ هَذا مَطْلُوبٌ، وذاكَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، كَما لا يَخْفى، (وإيّايَ) ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَنصُوبُ المَحَلِّ بِمَحْذُوفٍ، يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، والفاءُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ جَزائِيَّةٌ زُحْلِقَتْ مِنَ الجَزاءِ المَحْذُوفِ إلى مُفَسِّرِهِ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِلْفاءِ الجَزائِيَّةِ المَحْذُوفَةِ مَعَ الجَزاءِ، ومَن أطْلَقَ الجَزائِيَّةَ عَلَيْها، فَقَدْ تَوَسَّعَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً لِئَلّا يَجْتَمِعَ عاطِفانِ، واخْتارَ صاحِبُ المِفْتاحِ أنَّها لِلْعَطْفِ عَلى الفِعْلِ المَحْذُوفِ، فَإنْ أُرِيدَ التَّعْقِيبُ الزَّمانِيُّ أفادَتْ طَلَبَ اسْتِمْرارِ الرَّهْبَةِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ بِلا تَخَلُّلِ فاصِلٍ، وإنْ أُرِيدَ الرُّتَبِيُّ كانَ مُفادُها طَلَبَ التَّرَقِّي مِن رَهْبَةٍ إلى رَهْبَةٍ أعْلى، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ اجْتِماعُها مَعَ واوِ العَطْفِ مَثَلًا، لِأنَّها لِعَطْفِ المَحْذُوفِ عَلى ما قَبْلَهُ، وهَذِهِ الفاءُ لِعَطْفِ المَذْكُورِ عَلى المَحْذُوفِ، وكَوْنُ (فارْهَبُونِ) مُفَسِّرًا لِلْمَحْذُوفِ لا يَقْتَضِي اتِّحادَهُ بِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وأنْ لا يُفِيدَ مَعْنًى سِوى التَّفْسِيرِ حَتّى يَصِحَّ جَعْلُها عاطِفَةً، واسْتَحْسَنَ هَذا بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ لِاشْتِمالِهِ عَلى مَعْنًى بَدِيعٍ خَلَتْ عَنْهُ الجَزائِيَّةُ، وقالَ بَعْضُهم كالمُتَوَسِّطِ في المَسْألَةِ: إنَّها عاطِفَةٌ بِحَسَبِ الأصْلِ، وبَعْدَ الحَذْفِ زُحْلِقَتْ وجُعِلَتْ جَزائِيَّةً، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالآيَةُ الكَرِيمَةُ آكَدُ في إفادَةِ التَّخْصِيصِ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وعُدَّ مِن وُجُوهِ التَّأْكِيدِ تَقْدِيمُ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، وتَأْخِيرُ المُتَّصِلِ، والفاءُ المُوجِبَةُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، ومَعْطُوفًا، أحَدُهُما مُظْهَرٌ والآخَرُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: إيّايَ ارْهَبُوا، (فارْهَبُونِ)، وما في ذَلِكَ مِن تَكْرِيرِ الرَّهْبَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ بِدِلالَةِ الفاءِ، والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُتَّصِفِينَ بِالرَّهْبَةِ، فَخُصُّونِي بِالرَّهْبَةِ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الرَّهْبَةِ لِلْعُمُومِ، أيِ ارْهَبُونِي في جَمِيعِ ما تَأْتُونَ وتَذَرُوَنَ، وقِيلَ: ارْهَبُونِ في نَقْضِ العَهْدِ، ولَعَلَّ التَّخْصِيصَ بِهِ مُسْتَفادٌ مِن ذِكْرِ الأمْرِ بِالرَّهْبَةِ مَعَهُ، ثُمَّ الخَوْفُ خَوْفانِ خَوْفُ العِقابِ، وهو نَصِيبُ أهْلِ الظّاهِرِ وخَوْفُ إجْلالٍ وهو نَصِيبُ أهْلِ القُلُوبِ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْنى: ارْهَبُونِ أنْ أُنْزِلَ بِكم ما أنْزَلْتُ بِمَن كانَ قَبْلَكم مِن آبائِكم مِنَ النَّقَماتِ الَّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ مِنَ المَسْخِ، وغَيْرِهِ، ظاهِرٌ في قِسْمِ أهْلِ الظّاهِرِ، وهو المُناسِبُ بِحالِ هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ الضَّمِيرِ مِنَ (ارْهَبُونِ) لِأنَّها فاصِلَةٌ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِالياءِ عَلى الأصْلِ،

البقرة 2:41

﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وظاهِرُهُ أنَّهُ صفحة 244 أمْرٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ عُلَماءِ اليَهُودِ ورُؤَسائِهِمْ، فَهو أمْرٌ لَهُمْ، وأفْرَدَ سُبْحانَهُ الإيمانَ بَعْدَ انْدِراجِهِ في ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ بِمَجْمُوعِ الأمْرِ بِهِ، والحَثِّ عَلَيْهِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ المَقْصُودُ، والعُمْدَةُ لِلْوَفاءِ بِالعُهُودِ، (وما) مَوْصُولَةٌ، (وأنْزَلْتُ) صِلَتُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ أنْزَلْتُهُ، (ومُصَدِّقًا) حالٌ إمّا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ، واللّامُ في (لِما) مُقَوِّيَةٌ، والمُرادُ بِما أنْزَلْتُ القُرْآنُ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، والمُرادُ (بِما مَعَكُمُ) التَّوْراةُ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِعِلْمِهِمْ بِتَصْدِيقِهِ لَها، فَإنَّ المَعِيَّةَ مَئِنَّةٌ لِتَكْرارِ المُراجَعَةِ إلَيْها، والوُقُوفِ عَلى تَضاعِيفِها المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَها، ومَعْنى تَصْدِيقِهِ لَها أنَّهُ نازِلٌ حَسْبَما نَعَتَ فِيها، أوْ مُطابِقٌ لَها في أصْلِ الدِّينِ، والمِلَّةِ، أوْ لِما لَمْ يُنْسَخْ كالقَصَصِ، والمَواعِظِ، وبَعْضِ المُحَرَّماتِ كالكَذِبِ، والزِّنا، والرِّبا، أوْ لِجَمِيعِ ما فِيها، والمُخالَفَةُ في بَعْضِ جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ الَّتِي هي لِلْأمْراضِ القَلْبِيَّةِ كالأدْوِيَةِ الطِّبِّيَّةِ لِلْأمْراضِ البَدَنِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ بِحَسَبِ الأزْمانِ والأشْخاصِ لَيْسَتْ بِمُخالَفَةٍ في الحَقِيقَةِ، بَلْ هي مُوافَقَةٌ لَها مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنها حَقٌّ في عَصْرِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ التَّشْرِيعِ، ولَيْسَ في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى أبَدِيَّةِ أحْكامِها المَنسُوخَةِ حَتّى يُخالِفَها ما يَنْسَخُها، بَلْ إنَّ نُطْقَها بِصِحَّةِ القُرْآنِ النّاسِخِ لَها نُطْقٌ بِنَسْخِها، وانْتِهاءِ وقْتِها الَّذِي شُرِعَتْ لِلْمَصْلَحَةِ فِيهِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ البَداءِ في شَيْءٍ، كَما يَتَوَهَّمُونَ، فَإذَنِ المُخالَفَةُ في تِلْكَ الأحْكامِ المَنسُوخَةِ إنَّما هو اخْتِلافُ العَصْرِ حَتّى لَوْ تَأخَّرَ نُزُولُ المُتَقَدِّمِ لَنَزَلَ عَلى وفْقِ المُتَقَدِّمِ، ولَوْ تَقَدَّمَ نُزُولُ المُتَأخِّرِ لَوافَقَ المُتَقَدِّمَ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وغَيْرُهُ عَنْ جابِرٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ حِينَ قَرَأ بَيْنَ يَدَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَيْئًا مِنَ التَّوْراةِ: (لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي)،» وفي رِوايَةِ الدّارِمِيِّ: «(والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ بَدا لَكم مُوسى فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، ولَوْ كانَ حَيًّا وأدْرَكَ نُبُوَّتِي لاتَّبَعَنِي)،» وتَقْيِيدُ المُنَزَّلِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَما مَعَهم لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ، فَإنَّ إيمانَهم بِما مَعَهم يَقْتَضِي الإيمانَ بِما يُصَدِّقُهُ قَطْعًا، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ المُنَزَّلَ بِالكِتابِ، والرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما مَعَهم بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ بُعْدٍ، إلّا أنَّ البَعِيدَ مِن وجْهٍ جَعْلُ مُصَدِّقًا حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، والأبْعَدُ جَعْلُ (ما) مَصْدَرِيَّةً، ومُصَدِّقًا حالٌ مِن ما الثّانِيَةِ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُهُ حالًا مِنَ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ. ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ أيْ لا تُسارِعُوا إلى الكُفْرِ بِهِ، فَإنَّ وظِيفَتَكم أنْ تَكُونُوا أوَّلَ مَن آمَنَ بِهِ لِما أنَّكم تَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ الأمْرِ وحَقِّيَّتَهُ، وقَدْ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ تَقُولُونَ إنّا نَكُونُ أوَّلَ مَن يَتَّبِعُهُ، فَلا تَضَعُوا مَوْضِعَ ما يَتَوَقَّعُ فِيكُمْ، ويَجِبُ مِنكم ما يَبْعُدُ صُدُورُهُ عَنْكُمْ، ويَحْرُمُ عَلَيْكم مِن كَوْنِكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ، (وأوَّلُ) في المَشْهُورِ أفْعَلُ لِقَوْلِهِمْ: هَذا أوَّلُ مِنكَ، ولا فِعْلَ لَهُ، لِأنَّ فاءَهُ وعَيْنَهُ واوٌ، وقَدْ دَلَّ الِاسْتِقْراءُ عَلى انْتِفاءِ الفِعْلِ لِما هو كَذَلِكَ، وإنْ وُجِدَ فَنادِرٌ، وما في الشّافِيَةِ مِن أنَّهُ مِن ووَلَ، بَيانٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ: أصْلُهُ أوْألُ، مِن وألَ وأْوَلًا إذا لَجَأ، ثُمَّ خُفِّفَ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا، ثُمَّ الإدْغامُ وهو تَخْفِيفٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ، والمُناسَبَةُ الِاشْتِقاقِيَّةُ أنَّ الأوَّلَ الحَقِيقِيَّ أعْنِي ذاتَهُ تَعالى مَلْجَأٌ لِلْكُلِّ، وإنْ قُلْنا: وألَ بِمَعْنى تَبادَرَ، فالمُناسَبَةُ أنَّ التَّبادُرَ سَبَبُ الأوَّلِيَّةِ، وقِيلَ: أوْألَ مِن آلَ بِمَعْنى رَجَعَ، والمُناسَبَةُ الِاشْتِقاقِيَّةُ عَلى قِياسِ ما ذُكِرَ سابِقًا، وإنَّما لَمْ يُجْمَعْ عَلى أواوِلَ لِاسْتِثْقالِهِمُ اجْتِماعَ الواوَيْنِ بَيْنَهُما ألِفُ الجَمْعِ، وقالَ الدُّرَيْدِيُّ: هو فَوْعَلٌ فَقُلِبَتِ الواوُ الأُولى هَمْزَةً، وأُدْغِمَتْ، واوُ فَوْعَلٍ في عَيْنِ الفِعْلِ، ويُبْطِلُهُ ظاهِرًا مَنعُ الصَّرْفِ، وهو خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَمْعِ، ولا بُدَّ هُنا عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن تَأْوِيلِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بِجَعْلِهِ مُفْرَدًا لِلَفْظٍ جَمَعَ المَعْنى، أيْ أوَّلَ فَرِيقٍ مَثَلًا، أوْ تَأْوِيلُ المُفَضَّلِ أيْ لا يُمْكِنُ كُلُّ واحِدٍ مِنكُمْ، والمُرادُ عُمُومُ السَّلْبِ صفحة 245 كَما في ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ وبَعْضُ النّاسِ لا يُوجِبُ في مِثْلِ هَذا المُطابَقَةَ بَيْنَ النَّكِرَةِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ وما جَرى هو عَلَيْهِ، بَلْ يَجُوزُ الوَجْهانِ عِنْدَهُ كَما في قَوْلِهِ: وإذا هم طَعِمُوا فَألْأمُ طاعِمٍ وإذا هم جاعُوا فَشَرُّ جِياعِ ومَن أوْجَبَ أوَّلَ البَيْتِ كالآيَةِ، ونَهْيُهم عَنِ التَّقَدُّمِ في الكُفْرِ بِهِ مَعَ أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ أقْدَمُ مِنهم لِما أنَّ المُرادَ التَّعْرِيضُ، فَأوَّلُ الكافِرِينَ غَيْرُهُمْ، أوْ ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ، والخِطابُ لِلْمَوْجُودِينَ في زَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، بَلْ لِلْعُلَماءِ مِنهُمْ، وقَدْ يُقالُ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما مَعَكُمْ، والمُرادُ مِن ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ﴾ بِما مَعَكُمْ، لا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ مِمَّنْ كَفَرَ بِما مَعَهُ، ومُشْرِكُو مَكَّةَ، وإنْ سَبَقُوهم في الكُفْرِ بِما يُصَدِّقُ القُرْآنُ حَيْثُ سَبَقُوا بِالكُفْرِ بِهِ، وهو مُسْتَلْزِمٌ لِذَلِكَ، لَكِنْ لَيْسُوا مِمَّنْ كَفَرَ بِما مَعَهُ، والفَرْقُ بَيْنَ لُزُومِ الكُفْرِ والتِزامِهِ غَيْرُ بَيِّنٍ، إلّا أنَّهُ يَخْدِشُ هَذا الوَجْهَ، إنَّ هَذا واقِعٌ في مُقابَلَةِ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ فَيَقْتَضِي اتِّحادَ مُتَعَلِّقِ الكُفْرِ والإيمانِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ في الكَلامِ مِثْلٌ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ وآخِرَهُ، وقِيلَ: أوَّلُ زائِدَةٌ، والكُلُّ بَعِيدٌ، وبِحَمْلِ التَّعْرِيضِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ يَظْهَرُ وجْهُ التَّقْيِيدِ بِالأوَّلِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّها مُشاكَلَةٌ لِقَوْلِهِمْ: إنّا نَكُونُ أوَّلَ مَن يَتَّبِعُهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّها بِمَعْنى السَّبْقِ وعَدَمِ التَّخَلُّفِ، فافْهَمْ، ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ الِاشْتِراءُ مَجازٌ عَنِ الِاسْتِبْدالِ لِاخْتِصاصِهِ بِالأعْيانِ إمّا بِاسْتِعْمالِ المُقَيَّدِ في المُطْلَقِ كالمِرْسَنِ في الأنْفِ، أوْ تَشْبِيهِ الِاسْتِبْدالِ المَذْكُورِ في كَوْنِهِ مَرْغُوبًا فِيهِ بِالِاشْتِراءِ الحَقِيقِيِّ، والكَلامُ عَلى الحَذْفِ، أيْ لا تَسْتَبْدِلُوا بِالإيمانِ بِآياتِي والِاتِّباعِ لَها حُظُوظَ الدُّنْيا الفانِيَةِ القَلِيلَةِ المُسْتَرْذَلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى حُظُوظِ الآخِرَةِ، وما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الأبَدِيِّ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ مَعَ كَوْنِهِ مُشْتَرًى لا مُشْتَرًى بِهِ لِلدِّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ كالثَّمَنِ في الِاسْتِرْذالِ والِامْتِهانِ، فَفِيهِ تَقْرِيعٌ وتَجْهِيلٌ قَوِيٌّ حَيْثُ إنَّهم قَلَبُوا القَضِيَّةَ، وجَعَلُوا المَقْصُودَ آلَةً، والآلَةَ مَقْصُودَةً، وإغْرابٌ لَطِيفٌ حَيْثُ جُعِلَ المُشْتَرى ثَمَنًا بِإطْلاقِ الثَّمَنِ عَلَيْهِ، ثُمَّ جُعِلَ الثَّمَنُ مُشْتَرًى بِإيقاعِهِ بَدَلًا لِما جَعَلَهُ ثَمَنًا بِإدْخالِ الباءِ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: الِاشْتِراءُ بِمَعْنى الِاسْتِبْدالِ بِالإيمانِ بِالآياتِ إنَّما يَصِحُّ إذا كانُوا مُؤْمِنِينَ بِها، ثُمَّ تَرَكُوا ذَلِكَ لِلْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الإيمانِ، أُجِيبَ بِأنَّ مَبْنى ذَلِكَ عَلى أنَّ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ إيمانٌ بِالآياتِ، كَما أنَّ الكُفْرَ بِالآياتِ كُفْرٌ بِالتَّوْراةِ، فَيَتَحَقَّقُ الِاسْتِبْدالُ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الآياتِ كِنايَةً عَنِ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي وقَفُوا عَلَيْها في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ التَّوْراةِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، أوْ ما عَلِمُوهُ مِن نَعْتِهِ الجَلِيلِ وخُلُقِهِ العَظِيمِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ كانُوا يَأْخُذُونَ كُلَّ عامٍ شَيْئًا مَعْلُومًا مِن زُرُوعِ أتْباعِهِمْ وضُرُوعِهِمْ ونُقُودِهِمْ فَخافُوا إنْ بَيَّنُوا ذَلِكَ لَهم وتابَعُوهُ ﷺ أنْ يَفُوتَهم ذَلِكَ، فَضَلُّوا، وأضَلُّوا، وقِيلَ: كانَ مُلُوكُهم يُدِرُّونَ عَلَيْهِمُ الأمْوالَ لِيَكْتُمُوا ويُحَرِّفُوا، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِالآيَةِ عَلى مَنعِ جَوازِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أيْضًا أحادِيثُ لا تَصِحُّ، وقَدْ صَحَّ أنَّهم قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَأْخُذُ عَلى التَّعْلِيمِ أجْرًا، فَقالَ: (إنَّ خَيْرَ ما أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرًا كِتابُ اللَّهِ تَعالى)»، وقَدْ تَظافَرَتْ أقْوالُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ ذَلِكَ، وإنْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمُ الكَراهَةُ، ولا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى ما ادَّعاهُ هَذا الذّاهِبُ كَما لا يَخْفى، والمَسْألَةُ مُبَيَّنَةٌ في الفُرُوعِ. ﴿وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ بِالإيمانِ واتِّباعِ الحَقِّ، والإعْراضِ عَنِ الِاشْتِراءِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى الثَّمَنَ القَلِيلَ، والعَرَضَ الزّائِلَ، وإنَّما ذُكِرَ في الآيَةِ الأُولى (فارْهَبُونِ) وهُنا (فاتَّقُونِ) لِأنَّ الرَّهْبَةَ دُونَ التَّقْوى، فَحَيْثُما خاطَبَ الكافَّةَ عالِمَهم ومُقَلِّدَهُمْ، وحَثَّهم عَلى ذِكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُونَ فِيها، أمَرَهم بِالرَّهْبَةِ الَّتِي تُورِثُ التَّقْوى ويَقَعُ فِيها الِاشْتِراكُ صفحة 246 ولِذا قِيلَ: الخَشْيَةُ مِلاكُ الأمْرِ كُلِّهِ، وحَيْثُما أرادَ بِالخِطابِ فِيما بَعْدُ العُلَماءَ مِنهُمْ، وحَثَّهم عَلى الإيمانِ ومُراعاةِ الآياتِ أمَرَهم بِالتَّقْوى الَّتِي أوَّلُها تَرْكُ المَحْظُوراتِ، وآخِرُها التَّبَرِّي مِمّا سِوى غايَةِ الغاياتِ، ولَيْسَ وراءَ عَبّادانَ قَرْيَةٌ.

البقرة 2:42

﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ هَذا النَّهْيُ مَعَ ما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: وآمِنُوا إلَخْ، وهَذا كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ إنَّ مَجْمُوعَ الوَصْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ بَعْدَ اعْتِبارِ التَّعاطُفِ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ الأوَّلَيْنِ كَذَلِكَ، ويَجُوزُ العَطْفُ عَلى جُمْلَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الجُمَلِ السّابِقَةِ، إلّا أنَّ المُناسَبَةَ عَلى الأوَّلِ أشَدُّ، والمُلاءَمَةَ أتَمُّ، واللَّبْسُ بِفَتْحِ اللّامِ الخَلْطُ، وفِعْلُهُ لَبَسَ مِن بابِ ضَرَبَ، ويَكُونُ بِمَعْنى الِاشْتِباهِ، إمّا بِالِاشْتِراكِ أوِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ: والباءُ إمّا لِلتَّعْدِيَةِ، أوْ لِلِاسْتِعانَةِ، واللّامُ في الحَقِّ والباطِلِ لِلْعَهْدِ، أيْ لا تَخْلِطُوا الحَقَّ المُنَزَّلَ في التَّوْراةِ بِالباطِلِ الَّذِي اخْتَرَعْتُمُوهُ وكَتَبْتُمُوهُ، أوْ: لا تَجْعَلُوا ذَلِكَ مُلْتَبِسًا مُشْتَبِهًا غَيْرَ واضِحٍ لا يُدْرِكُهُ النّاسُ بِسَبَبِ الباطِلِ، وذِكْرِهِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أرْجَحُ لِأنَّهُ أظْهَرُ وأكْثَرُ، لا لِأنَّ جَعْلَ وُجُودِ الباطِلِ سَبَبًا لِالتِباسِ الحَقِّ لَيْسَ أوْلى مِنَ العَكْسِ، لِما أنَّهُ لَمّا كانَ المَذْمُومُ هو التِباسَ الحَقِّ بِالباطِلِ، وإنْ لَزِمَهُ العَكْسُ، وكانَ هَذا طارِئًا عَلى ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الأوْلَوِيَّةَ الَّتِي نُفِيَتْ، ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى ﴿تَلْبِسُوا﴾ فالنَّهْيُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أنْ، وهو عِنْدَ البَصْرِيِّينَ عَطْفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، ورَوى الجَرْمِيُّ إنَّ النَّصْبَ بِنَفْسِ الواوِ، وهي عِنْدَهم بِمَعْنى مَعَ، وتُسَمّى واوُ الجَمْعِ وواوَ الصَّرْفِ، لِأنَّها مَصْرُوفٌ بِها الفِعْلُ عَنِ العَطْفِ، والمُرادُ لا يَكُنْ مِنكم لَبْسُ الحَقِّ عَلى مَن سَمِعَهُ، وكِتْمانُ الحَقِّ وإخْفاؤُهُ عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْهُ، والقَصْدُ أنْ يَنْعى عَلَيْهِمْ سُوءَ فِعْلِهِمُ الَّذِي هو الجَمْعُ بَيْنَ أمْرَيْنِ كُلٌّ مِنهُما مُسْتَقِلٌّ بِالقُبْحِ، ووُجُوبِ الِانْتِهاءِ، وطَرِيقٍ واسِعٍ إلى الإضْلالِ والإغْواءِ، وحَيْثُ كانَ التَّلْبِيسُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن سَمِعَ، والكِتْمانُ إلى مَن لَمْ يَسْمَعِ انْدَفَعَ السُّؤالُ بِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إنَّما يَتَحَقَّقُ إذا أمْكَنَ افْتِراقُهُما في الجُمْلَةِ، ولَيْسَ لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ مَعَ كِتْمانِ الحَقِّ كَذَلِكَ ضَرُورَةَ أنَّ لَبْسَ الحَقِّ بِالباطِلِ كِتْمانٌ لَهُ، وكَرَّرَ الحَقُّ إمّا لِأنَّ المُرادَ بِالأخِيرِ لَيْسَ عَيْنَ الأوَّلِ بَلْ هو نَعْتُ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، وإمّا لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ المَنهِيِّ عَنْهُ، إذْ في التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الحَقِّ ما لَيْسَ في ضَمِيرِهِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (وتَكْتُمُونَ) وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ وأنْتُمْ تَكْتُمُونَ أوْ كاتِمِينَ، وفي جَوازِ اقْتِرانِ الحالِ المُصَدَّرَةِ بِالمُضارِعِ بِالواوِ قَوْلانِ، ولَيْسَ لِلْمانِعِ دَلِيلٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحالُ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ لازِمَةٌ، والتَّقْيِيدُ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ كَما فِي: لا تَضْرِبْ زَيْدًا وهو أخُوكَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِكِتْمانِ الحَقِّ ما يَلْزَمُ مِن لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ، لا إخْفائِهِ عَمَّنْ لا يَسْمَعُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى جَوازَ ذَلِكَ، وهو سِيبَوَيْهِ وجَماعَةٌ، ولا يُشْتَرَطُ التَّناسُبُ في عَطْفِ الجُمَلِ، ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومَفْعُولُ تَعْلَمُونَ، مَحْذُوفٌ اقْتِصارًا، أيْ وأنْتُمْ مِن ذَوِي العِلْمِ، ولا يُناسِبُ مَن كانَ عالِمًا أنْ يَتَّصِفَ بِالحالِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الحَذْفُ لِلِاخْتِصارِ، أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّكم لابِسُونَ كاتِمُونَ، أوْ تَعْلَمُونَ صِفَتَهُ أوِ البَعْثَ والجَزاءَ، والمَقْصُودُ مِن تَقْيِيدِ النَّهْيِ بِالعِلْمِ زِيادَةُ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، لِأنَّ الإقْدامَ عَلى هاتِيكَ الأشْياءِ القَبِيحَةِ مَعَ العِلْمِ بِما ذُكِرَ، أفْحَشُ مِنَ الإقْدامِ عَلَيْها مَعَ الجَهْلِ، ولَيْسَ مَن يَعْلَمُ كَمَن لا يَعْلَمُ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً، وإنْ كانَتْ ثُبُوتِيَّةً عَلى ما قَبْلَها مِن جُمْلَةِ النَّهْيِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُناسِبَةً في الإخْبارِ، وهي عِنْدَهُ شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِ حَقٍّ مَخْصُوصٍ في أمْرِ النَّبِيِّ صفحة 247 صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَيْسَتْ شاهِدَةً بِالعِلْمِ عَلى الإطْلاقِ، إذْ هم بِمَراحِلَ عَنْهُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العالِمَ بِالحَقِّ يَجِبُ عَلَيْهِ إظْهارُهُ، ويَحْرُمُ عَلَيْهِ كِتْمانُهُ بِالشُّرُوطِ المَعْرُوفَةِ لَدى العُلَماءِ،

البقرة 2:43

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ المُرادُ بِهِما سَواءٌ كانَتِ اللّامُ لِلْعَهْدِ أوْ لِلْجِنْسِ صَلاةُ المُسْلِمِينَ وزَكاتُهُمْ، لِأنَّ غَيْرَهُما مِمّا نَسَخَهُ القُرْآنُ مُلْتَحِقٌ بِالعَدَمِ، والزَّكاةُ في الأصْلِ النَّماءُ والطَّهارَةُ، ونُقِلَتْ شَرْعًا لِإخْراجٍ مَعْرُوفٍ، فَإنْ نُقِلَتْ مِنَ الأوَّلِ فَلِأنَّها تَزِيدُ بَرَكَةَ المالِ، وتُفِيدُ النَّفْسَ فَضِيلَةُ الكَرَمِ، أوْ لِأنَّها تَكُونُ في المالِ النّامِي، وإنْ نُقِلَتْ مِنَ الثّانِي فَلِأنَّها تُطَهِّرُ المالَ مِنَ الخَبَثِ، والنَّفْسَ مِنَ البُخْلِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ حَيْثُ كانَتْ خِطابًا لِلْيَهُودِ مَن قالَ: إنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ فِيها بِقَبُولِ الصَّلاةِ المَعْرُوفَةِ والزَّكاةِ والإيمانِ بِهِما، أوْ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِلْمُسْلِمِينَ كَما قالَهُ الشَّيْخُ أبُو مَنصُورٍ، خِلافُ الظّاهِرِ، فَلا يُنافِي الِاسْتِدْلالَ بِالظّاهِرِ، وقَدَّمَ الأمْرَ بِالصَّلاةِ لِشُمُولِ وُجُوبِها، ولِما فِيها مِنَ الإخْلاصِ والتَّضَرُّعِ لِلْحَضْرَةِ، وهي أفْضَلُ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، وقَرَنَها بِالزَّكاةِ لِأنَّها أفْضَلُ العِباداتِ المالِيَّةِ، ثُمَّ مَن قالَ: لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيانِ المُجْمَلِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ قالَ: إنَّما جاءَ هَذا بَعْدَ أنْ بَيَّنَ أرْكانَ ذَلِكَ وشَرائِطَهُ، ومَن قالَ بِجَوازِهِ، قالَ بِجَوازِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ لِقَصْدِ أنْ يُوَطِّنَ السّامِعُ نَفْسَهُ كَما يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إنِّي أُرِيدُ أنْ آمُرَكَ بِشَيْءٍ فَلا بُدَّ أنْ تَفْعَلَهُ، ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أيْ صَلُّوا مَعَ المُصَلِّينَ، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ الصَّلاةِ احْتِرازًا عَنْ صَلاةِ اليَهُودِ، فَإنَّها لا رُكُوعَ فِيها، وإنَّما قَيَّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مَعَ الرّاكِعِينَ لِأنَّ اليَهُودَ كانُوا يُصَلُّونَ وُحْدانًا، فَأُمِرُوا بِالصَّلاةِ جَماعَةً لِما فِيها مِنَ الفَوائِدِ ما فِيها، واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى وُجُوبِها، ومَن لَمْ يَقُلْ بِهِ حَمَلَ الأمْرَ عَلى النَّدْبِ، أوِ المَعِيَّةَ عَلى المُوافَقَةِ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مَعَهُمْ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ الخُضُوعُ والِانْقِيادُ لِما يَلْزَمُهم مِنَ الشَّرْعِ، قالَ الأضْبَطُ السَّعْدِيُّ: لا تُذِلَّ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ ولَعَلَّ الأمْرَ بِهِ حِينَئِذٍ بَعْدَ الأمْرِ بِالزَّكاةِ لِما أنَّها مَظِنَّةُ تَرَفُّعٍ، فَأُمِرُوا بِالخُضُوعِ لِيَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ، إلّا أنَّ الأصْلَ في إطْلاقِ الشَّرْعِ المَعانِي الشَّرْعِيَّةُ، وفي المُرادِ بِالرّاكِعِينَ قَوْلانِ: فَقِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: الجِنْسُ، وهو الظّاهِرُ، * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ﴾ إلَخْ، أيْ لا تَقْطَعُوا عَلى أنْفُسِكم طَرِيقَ الوُصُولِ إلى الحَقِّ بِالباطِلِ الَّذِي هو تَعَلُّقُ القَلْبِ بِالسِّوى، فَإنَّ أصْدَقَ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ بِالتِفاتِكم إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ وُجُودٌ حَقِيقِيٌّ، أوْ لا تَخْلِطُوا صِفاتِهِ تَعالى الثّابِتَةَ الحَقَّةَ بِالباطِلِ الَّذِي هو صِفاتُ نُفُوسِكُمْ، ولا تَكْتُمُوها بِحِجابِ صِفاتِ النَّفْسِ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِن عِلْمِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ أنَّ مَصْدَرَ الفِعْلِ هو الصِّفَةُ، فَكَما لَمْ تُسْنِدُوا الفِعْلَ إلى غَيْرِهِ لا تُثْبِتُوا صِفَتَهُ لِغَيْرِهِ، وأقِيمُوا الصَّلاةَ بِمُراقَبَةِ القُلُوبِ وآتُوا الزَّكاةَ أيْ بالِغُوا في تَزْكِيَةِ النَّفْسِ عَنِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، لِتَحْصُلَ لَكُمُ التَّحْلِيَةُ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ، أوْ أدُّوا زَكاةَ الهِمَمِ، فَإنَّ لَها زَكاةً كَزَكاةِ النِّعَمِ، بَلْ إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ زَكاةً كَما قِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ زَكاةٌ تُؤَدّى وزَكاةُ الجَمالِ رَحْمَةُ مِثْلِي (وارْكَعُوا) أيِ اخْضَعُوا لِما يَفْعَلُ بِكُمُ المَحْبُوبُ، فالخُضُوعُ عَلامَةُ الرِّضا الَّذِي هو مِيراثُ تَجَلِّي الصِّفاتِ العُلى، وحاصِلُهُ ارْضَوْا بِقَضائِي عِنْدَ مُطالَعَةِ صِفاتِي، فَإنَّ لِي أحْبابًا لِسانُ حالِ كُلٍّ مِنهم يَقُولُ: وتَعْذِيبُكم عَذْبٌ لَدَيَّ وجَوْرُكم ∗∗∗ عَلَيَّ بِما يَقْضِي الهَوى لَكم عَدْلُ

البقرة 2:44

ثُمَّ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِفِعْلِ الخَيْرِ شُكْرًا لِما خَصَّهم بِهِ مِنَ النِّعَمِ حَرَّضَهم عَلى ذَلِكَ مِن مَأْخَذٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: صفحة 248 ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ والهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّقْرِيرِ مَعَ تَوْبِيخٍ وتَعْجِيبٍ، والبِرُّ سَعَةُ المَعْرُوفِ، والخَيْرُ، ومِنهُ البَرُّ والبَرِّيَّةُ لِلسَّعَةِ، ويَتَناوَلُ كُلَّ خَيْرٍ، والنِّسْيانُ كَما في البَحْرِ السَّهْوُ الحادِثُ بَعْدَ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّرْكُ، لِأنَّ أحَدًا لا يَنْسى نَفْسَهُ بَلْ يَحْرِمُها، ويَتْرُكُها كَما يَتْرُكُ الشَّيْءَ المَنسِيَّ مُبالَغَةً في عَدَمِ المُبالاةِ، والغَفْلَةِ، فَما يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَهُ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في أحْبارِ المَدِينَةِ، كانُوا يَأْمُرُونَ سِرًّا مَن نَصَحُوهُ بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا يَتَّبِعُونَهُ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ بِالصَّدَقَةِ، ولا يَتَصَدَّقُونَ، فالمُرادُ بِالبَرِّ هُنا إمّا الإيمانُ أوِ الإحْسانُ، وتَرَكَهُ بَعْضُهم عَلى ظاهِرِهِ مُتَناوِلًا كُلَّ خَيْرٍ عَلى ما قالَ السُّدِّيُّ: إنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْهَوْنَهم عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وهم كانُوا يَتْرُكُونَ الطّاعَةَ، ويَقْدَمُونَ عَلى المَعْصِيَةِ، والتَّوْبِيخُ لَيْسَ عَلى أمْرِ النّاسِ بِالبِرِّ نَفْسِهِ، بَلْ لِمُقارَنَتِهِ بِالنِّسْيانِ المَذْكُورِ، ﴿وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ أتَأْمُرُونَ، والمُرادُ التَّبْكِيتُ وزِيادَةُ التَّقْبِيحِ، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أصْلُ هَذا الكَلامِ ونَحْوِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ كانَ بِتَقْدِيمِ حَرْفِ العَطْفِ عَلى الهَمْزَةِ، لَكِنْ لَمّا كانَ لِلْهَمْزَةِ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، وبَعْضُهم ذَهَبَ إلى أنَّهُ لا تَقْدِيمَ، ولا تَأْخِيرَ، ويُقَدَّرُ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ ما يَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ، والعَقْلُ في الأصْلِ المَنعُ والإمْساكُ، ومِنهُ عِقالُ البَعِيرِ سُمِّيَ بِهِ النُّورُ الرُّوحانِيُّ الَّذِي بِهِ تُدْرِكُ النُّفُوسُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ والنَّظَرِيَّةَ، لِأنَّهُ يَحْبِسُ عَنْ تَعاطِي ما يَقْبُحُ، ويَعْقِلُ عَلى ما يَحْسُنُ، والفِعْلُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُطْلَقًا، أُجْرِيَ مَجْرى اللّازِمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا مُقَدَّرًا لِمَفْعُولٍ، والمَعْنى: أفَلا عَقْلَ لَكم يَمْنَعُكم عَمّا تَعْلَمُونَ سُوءَ خاتِمَتِهِ، ووَخامَةَ عاقِبَتِهِ، أوْ أفَلا تَعْقِلُونَ قُبْحَ صَنِيعِكم شَرْعًا لِمُخالَفَةِ ما تَتْلُونَهُ في التَّوْراةِ، وعَقْلًا لِكَوْنِهِ جَمْعًا بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ بِالبِرِّ الإحْسانُ والِامْتِثالُ والزَّجْرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، ونِسْيانُهم أنْفُسَهم يُنافِي كُلَّ هَذِهِ الأغْراضَ، ولا نِزاعَ في كَوْنِ قُبْحِ الجَمْعِ بَيْنَ ذَلِكَ عَقْلًا بِمَعْنى كَوْنِهِ باطِلًا، فَعَلى هَذا لا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في الآيَةِ عَلى القُبْحِ العَقْلِيِّ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ، بَلْ قَدِ ادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّها دَلِيلٌ عَلى خِلافِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ رَتَّبَ التَّوْبِيخَ عَلى ما صَدَرَ مِنهم بَعْدَ تِلاوَةِ الكِتابِ، وكَذا لا حُجَّةَ فِيها لِمَن زَعَمَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْعاصِي أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، لِأنَّ التَّوْبِيخَ عَلى جَمْعِ الأمْرَيْنِ بِالنَّظَرِ لِلثّانِي فَقَطْ، لا مَنعِ الفاسِقِ عَنِ الوَعْظِ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لازِمٌ، ولَوْ لِمُرْتَكِبِهِ، فَإنَّ تَرْكَ النَّهْيِ ذَنْبٌ وارْتِكابُهُ ذَنْبٌ آخَرُ، وإخْلالُهُ بِأحَدِهِما لا يَلْزَمُ مِنهُ الإخْلالُ بِالآخَرِ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّوْبِيخَ والتَّقْرِيعَ وإنْ كانَ خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا أنَّهُ عامٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى لِكُلِّ واعِظٍ، يَأْمُرُ، ولا يَأْتَمِرُ، ويَزْجُرُ ولا يَنْزَجِرُ، يُنادِي النّاسَ البِدارَ البِدارَ، ويَرْضى لِنَفْسِهِ التَّخَلُّفَ، والبَوارَ، ويَدْعُو الخَلْقَ إلى الحَقِّ، ويَنْفِرُ عَنْهُ، ويُطالِبُ العَوامَّ بِالحَقائِقِ، ولا يُشَمُّ رِيحُها مِنهُ، وهَذا هو الَّذِي يُبْدَأُ بِعَذابِهِ قَبْلَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، ويُعَظَّمُ ما يَلْقى لِوُفُورِ تَقْصِيرِهِ يَوْمَ لا حاكِمَ إلّا المَلِكُ الدَّيّانُ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ واسِعٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أُناسًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعُوا عَلى ناسٍ مِن أهْلِ النّارِ، فَقالُوا لَهم: قَدْ كُنْتُمْ تَأْمُرُونَنا بِأشْياءَ عَمِلْناها فَدَخَلْنا الجَنَّةَ، قالُوا: كُنّا نَأْمُرُكم بِها، ونُخالِفُ إلى غَيْرِها، هَذا ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ هَذا الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وحَمَلَ الكِتابَ عَلى القُرْآنِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ كَما في ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي﴾ والظّاهِرُ يُبْعِدُهُ،

البقرة 2:45

﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ لَمّا أمَرَهم سُبْحانَهُ بِتَرْكِ الضَّلالِ والإضْلالِ، والتِزامِ الشَّرائِعِ، وكانَ ذَلِكَ شاقًّا عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِن فَواتِ مَحْبُوبِهِمْ، وذَهابِ مَطْلُوبِهِمْ عالَجَ مَرَضَهم بِهَذا الخِطابِ، والصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ عَلى ما تَكْرَهُ، وقَدَّمَهُ عَلى الصَّلاةِ لِأنَّها لا تَكْمُلُ إلّا بِهِ، أوْ لِمُناسَبَتِهِ لِحالِ المُخاطَبِينَ صفحة 249 أوْ لِأنَّ تَأْثِيرَهُ كَما قِيلَ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي، وتَأْثِيرُ الصَّلاةِ في حُصُولِ ما يَنْبَغِي، ودَرْءُ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ المَصالِحِ، واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالصَّبْرِ نَوْعٌ مِنهُ، وهو الصَّوْمُ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ مَعَ الصَّلاةِ، والِاسْتِعانَةُ بِالصَّبْرِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ لِما يَلْزَمُهُ مِنَ انْتِظارِ الفَرَجِ، والنُّجْحِ تَوَكُلًّا عَلى مَن لا يُخَيِّبُ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ، ولِذا قِيلَ: الصَّبْرُ مِفْتاحُ الفَرَجِ، وبِهِ عَلى المَعْنى الثّانِي لِما فِيهِ مِن كَسْرِ الشَّهْوَةِ وتَصْفِيَةِ النَّفْسِ، المُوجِبَيْنِ لِلِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى، المُوجِبِ لِإجابَةِ الدُّعاءِ، وأمّا الِاسْتِعانَةُ بِالصَّلاةِ فَلِما فِيها مِن أنْواعِ العِبادَةِ مِمّا يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ تَعالى قُرْبًا يَقْتَضِي الفَوْزَ بِالمَطْلُوبِ، والعُرُوجَ إلى المَحْبُوبِ، وناهِيكَ مِن عِبادَةٍ تُكَرَّرُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرّاتٍ، يُناجِي فِيها العَبْدُ عَلّامَ الغُيُوبِ، ويَغْسِلُ بِها العاصِي دَرَنَ العُيُوبِ، وقَدْ رَوى حُذَيْفَةُ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا حَزَنَهُ أمْرٌ صَلّى،» ورَوى أحْمَدُ «أنَّهُ إذا حَزَنَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ،» وحَمْلُ الصَّلاةِ عَلى الدُّعاءِ في الآيَةِ، وكَذا في الحَدِيثِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وأبْعَدُ مِنهُ كَوْنُ المُرادِ بِالصَّبْرِ الصَّبْرَ عَلى الصَّلاةِ. ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ الضَّمِيرُ لِلصَّلاةِ كَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، وتَخْصِيصُها بِرَدِّ الضَّمِيرِ إلَيْها لِعِظَمِ شَأْنِها، واسْتِجْماعِها ضُرُوبًا مِنَ الصَّبْرِ، ومَعْنى كِبَرِها ثِقَلُها وصُعُوبَتُها عَلى مَن يَفْعَلُها عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ أيْ كَبِيرَةٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ إلّا عَلى الخاشِعِينَ، وهُمُ المُتَواضِعُونَ المُسْتَكِينُونَ، وأصْلُ الخُشُوعِ الإخْباتُ، ومِنهُ الخَشَعَةُ بِفَتَحاتٍ الرَّمْلُ المُتَطامِنُ، وإنَّما لَمْ تَثْقُلْ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم عارِفُونَ بِما يَحْصُلُ لَهم فِيها، مُتَوَقِّعُونَ ما ادُّخِرَ مِن ثَوابِها، فَتَهُونُ عَلَيْهِمْ ولِذَلِكَ قِيلَ: مَن عَرَفَ ما يَطْلُبُ هانَ عَلَيْهِ ما يَبْذُلُ، ومَن أيْقَنَ بِالخُلْفِ جادَ بِالعَطِيَّةِ، وجُوِّزَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ ورَجَحَ بِالشُّمُولِ، وما يُقالُ: إنَّ الِاسْتِعانَةَ لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ لا طائِلَ تَحْتَهُ، فَإنَّ الِاسْتِعانَةَ بِالصَّلاةِ أخَصُّ مِن فِعْلِ الصَّلاةِ لِأنَّها أداؤُها عَلى وجْهِ الِاسْتِعانَةِ بِها عَلى الحَوائِجِ، أوْ عَلى سائِرِ الطّاعاتِ لِاسْتِجْرارِها ذَلِكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أُسْلُوبِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ وقَوْلُهُ: إنَّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعْرَ الأسْ ودَ ما لَمْ يُعاصِ كانَ جُنُونا والتَّأْنِيثُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى رَأْيٍ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ أوِ المُرادُ كُلُّ خَصْلَةٍ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَذْكُوراتِ المَأْمُورِ بِها، والمَنهِيِّ عَنْها، ومَشَقَّتُها عَلَيْهِمْ ظاهِرَةٌ، وهو أقْرَبُ مِمّا قالَهُ الأخْفَشُ مِن رُجُوعِهِ إلى إجابَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والبَعِيدُ بَلِ الأبْعَدُ عَوْدُهُ إلى الكَعْبَةِ المَفْهُومَةِ مِن ذِكْرِ الصَّلاةِ،

البقرة 2:46

﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ الظَّنُّ في الأصْلِ الحُسْبانُ، واللِّقاءُ وُصُولُ أحَدِ الجِسْمَيْنِ إلى الآخَرِ بِحَيْثُ يُماسُّهُ، والمُرادُ مِن مُلاقاةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ إمّا مُلاقاةُ ثَوابِهِ أوِ الرُّؤْيَةُ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُها، وكُلٌّ مِنهُما مَظْنُونٌ مُتَوَقَّعٌ، لِأنَّهُ وإنْ عَلِمَ الخاشِعُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن ثَوابٍ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ، وتَحَقَّقَ أنَّ المُؤْمِنَ يَرى رَبَّهُ يَوْمَ المَآبِ لَكِنَّ مِن أيْنَ يَعْلَمُ ما يُخْتَمُ بِهِ عَمَلُهُ، فَفي وصْفِ أُولَئِكَ بِالظَّنِّ إشارَةٌ إلى خَوْفِهِمْ وعَدَمِ أمْنِهِمْ مَكْرَ رَبِّهِمْ، ولا يَأْمَنُ مَكْر الله إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ وفي تَعْقِيبِ الخاشِعِينَ بِهِ حِينَئِذٍ لُطْفٌ لا يَخْفى، إلّا أنَّ عَطْفَ ﴿وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ عَلى ما قَبْلَهُ يَمْنَعُ حَمْلَ الظَّنِّ عَلى ما ذُكِرَ لِأنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ تَعالى بِالنُّشُورِ أوِ المَصِيرِ إلى الجَزاءِ مُطْلَقًا مِمّا لا يَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ، والتَّوَقُّعُ، بَلْ يَجِبُ القَطْعُ بِهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ لَهُ عامِلٌ، أيْ ويَعْلَمُونَ أوْ يُقالُ: إنَّ الظَّنَّ مُتَعَلِّقٌ بِالمَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، وهو كَذَلِكَ صفحة 250 غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ، وإنْ كانَ أحَدُ جُزْئَيْهِ مَقْطُوعًا، أوْ يُقالُ: إنَّ الرُّجُوعَ إلى الرَّبِّ هُنا المَصِيرُ إلى جَزائِهِ الخاصِّ، أعْنِي الثَّوابَ بِدارِ السَّلامِ والحُلُولَ بِجِوارِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، والكُلُّ خِلافُ الظّاهِرِ، ولِهَذا اخْتِيرَ تَفْسِيرُ الظَّنِّ بِاليَقِينِ مَجازًا، ومَعْنى التَّوَقُّعِ والِانْتِظارِ في ضِمْنِهِ، ولِقاءُ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى الحَشْرِ إلَيْهِ، والرُّجُوعُ بِمَعْنى المَجازاتِ ثَوابًا أوْ عِقابًا، فَكَأنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ قالَ: يَعْلَمُونَ أنَّهم يُحْشَرُونَ إلَيْهِ فَيُجازِيهِمْ مُتَوَقِّعِينَ لِذَلِكَ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ في اسْتِعْمالِ الظَّنِّ المُبالَغَةُ في إيهامِ أنَّ مَن ظَنَّ ذَلِكَ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، فَكَيْفَ مَن تَيَقَّنَهُ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ والمالِكِيَّةِ لِلْحُكْمِ، وجُعِلَ خَبَرُ (أنَّ) في المَوْضِعَيْنِ اسْمًا لِلدِّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ اللِّقاءِ والرُّجُوعِ وتَقَرُّرِهِما عِنْدَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (يَعْلَمُونَ) وهي تُؤَيِّدُ هَذا التَّفْسِيرَ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ﴾ الَّذِي هو الفِعْلُ الجَمِيلُ المُوجِبُ لِصَفاءِ القَلْبِ وزَكاءِ النَّفْسِ، ولا تَفْعَلُونَ ما تَرْتَقُونَ بِهِ مِن مَقامِ تَجَلِّي الأفْعالِ إلى تَجَلِّي الصِّفاتِ وأنْتُمْ تَتْلُونَ كِتابَ فِطْرَتِكُمُ الَّذِي يَأْمُرُكم بِالدِّينِ السّالِكِ بِكم سَبِيلَ التَّوْحِيدِ، أفَلا تَعْقِلُونَ، فَتُقَيِّدُونَ مُطْلَقاتِ صِفاتِكُمُ الذَّمِيمَةِ بِعِقالِ ما أُفِيضَ عَلَيْكم مِنَ الأنْوارِ القَدِيمَةِ، واطْلُبُوا المَدَدَ والعَوْنَ مِمَّنْ لَهُ القُدْرَةُ الحَقِيقِيَّةُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يُفْعَلُ بِكُمْ، لِكَيْ تَصِلُوا إلى مَقامِ الرِّضا، والصَّلاةِ الَّتِي هي المُراقَبَةُ، وحُضُورُ القَلْبِ لِتَلَقِّي تَجَلِّياتِ الرَّبِّ، وإنَّ المُراقَبَةَ لَشاقَّةٌ إلّا عَلى المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمُ اللَّيِّنَةِ أفْئِدَتُهُمْ، لِقَبُولِ أنْوارِ التَّجَلِّياتِ اللَّطِيفَةِ، واسْتِيلاءِ سَطَواتِها القَهْرِيَّةِ، فَهُمُ الَّذِينَ يَتَيَقَّنُونَ أنَّهم بِحَضْرَةِ رَبِّهِمْ، وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ بِفَناءِ صِفاتِهِمْ، ومَحْوِها في صِفاتِهِ، فَلا يَجِدُونَ في الدّارِ إلّا شُئُونَ المَلِكِ اللَّطِيفِ القَهّارِ،

البقرة 2:47

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ كَرَّرَ التَّذْكِيرَ لِلتَّأْكِيدِ، والإيذانِ بِكَمالِ غَفْلَتِهِمْ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِ النِّعْمَةِ، ولِيَرْبِطَ ما بَعْدَهُ مِنَ الوَعْدِ الشَّدِيدِ بِهِ، لِتَتِمَّ الدَّعْوَةُ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: إنْ لَمْ تُطِيعُونِي لِأجْلِ سَوابِقِ نِعْمَتِي فَأطِيعُونِي لِلْخَوْفِ مِن لَواحِقِ عِقابِي، ولِتَذْكِيرِ التَّفْضِيلِ الَّذِي هو أجْلُّ النِّعَمِ، فَإنَّهُ لِذَلِكَ يَسْتَحِقُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ التَّذْكِيرُ بِخُصُوصِهِ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أجَلِّيَّتِهِ بِتَكْرِيرِ النِّعْمَةِ الَّتِي هو فَرْدٌ مِن أفْرادِها، ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى نِعْمَتِي مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وهو مِمّا انْفَرَدَتْ بِهِ الواوُ كَما في البَحْرِ، ويُسَمّى هَذا النَّحْوُ مِنَ العَطْفِ بِالتَّجْرِيدِ، كَأنَّهُ جَرَّدَ المَعْطُوفَ مِنَ الجُمْلَةِ، وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ اعْتِناءً بِهِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ فَضَّلْتُ آباءَكُمْ، وهُمُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ التَّغْيِيرِ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ نِعْمَةَ الآباءِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ، قالَ الزَّجّاجُ: والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نَجَّيْناكُمْ﴾ إلَخْ، والمُخاطَبُونَ لَمْ يَرَوْا فِرْعَوْنَ، ولا آلَهُ، ولَكِنَّهُ تَعالى أذْكَرَهم أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِـالعالَمِينَ سائِرُ المَوْجُودِينَ في وقْتِ التَّفْضِيلِ، وتَفْضِيلُهم بِما مَنَحَهم مِنَ النِّعَمِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ فَلا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ تَفْضِيلُهم عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا عَلى أُمَّتِهِ الَّذِينَ هم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، وكَذا لا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى أفْضَلِيَّةِ البَشَرِ عَلى المَلائِكَةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ تَفْضِيلُ عَوامِّهِمْ عَلى خَواصِّ المَلائِكَةِ، ولا قائِلَ بِهِ. ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أشْهَدَ بَنِي إسْرائِيلَ فَضْلَ أنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ إلَخْ، وأشْهَدَ المُسْلِمِينَ فَضْلَ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ فَشَتّانَ مَن مَشْهُودُهُ فَضْلُ رَبِّهِ ومَن مَشْهُودُهُ فَضْلُ نَفْسِهِ، فالأوَّلُ يَقْتَضِي الفَناءَ، والثّانِي يَقْتَضِي الإعْجابَ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَصَّلَنا عَلى كَثِيرٍ صفحة 251 مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا،

البقرة 2:48

﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ اليَوْمُ الوَقْتُ وانْتِصابُهُ إمّا عَلى الظَّرْفِ، والمُتَّقى مَحْذُوفٌ، أيْ واتَّقُوا العَذابَ يَوْمًا، وإمّا مَفْعُولٌ بِهِ واتِّقاؤُهُ بِمَعْنى اتِّقاءِ ما فِيهِ، إمّا مَجازًا بِجَعْلِ الظَّرْفِ عِبارَةً عَنِ المَظْرُوفِ، أوْ كِنايَةً عَنْهُ لِلُزُومِهِ لَهُ، فالِاتِّقاءُ مِن نَفْسِ اليَوْمِ مِمّا لا يُمْكِنُ، لِأنَّهُ آتٍ لا مَحالَةَ، ولا بُدَّ أنْ يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ والنّارِ جَمِيعًا، والمُمْكِنُ المَقْدُورُ اتِّقاءُ ما فِيهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، (وتَجْزِي) مِن جَزى بِمَعْنى قَضى، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِمَفْعُولِهِ الأوَّلِ، وبِعَنْ لِلثّانِي، وقَدْ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِلْمُبالَغَةِ، والمَعْنى: لا تَقْضِي يَوْمَ القِيامَةِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا مِمّا وجَبَ عَلَيْها، ولا تَنُوبُ عَنْها، ولا تَحْتَمِلُ مِمّا أصابَها، أوْ لا تَقْضِي عَنْها شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ، فَنَصْبُ (شَيْئًا) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ قائِمٌ مَقامَ المَصْدَرِ، أيْ جَزاءَ ما، وقَرَأ أبُو السَّماكِ (ولا تَجْزِئُ) مِن أجْزَأ عَنْهُ إذا أغْنى، فَهو لازِمٌ، (وشَيْئًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لا غَيْرُ، والمَعْنى: لا تُغْنِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، ولا تُجْدِيها نَفْعًا، وتَنْكِيرُ الأسْماءِ لِلتَّعْمِيمِ في الشَّفِيعِ والمَشْفُوعِ، وما فِيهِ الشَّفاعَةُ، وفِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ، والإيذانِ بِانْقِطاعِ المَطامِعِ ما لا يَخْفى، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ والجُمْلَةُ في المَشْهُورِ صِفَةُ (يَوْمٍ) والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ لا تَجْزِي فِيهِ، ولَمْ يُجَوِّزِ الكِسائِيُّ حَذْفَ المَجْرُورِ إذا لَمْ يَتَعَيَّنْ، فَلا تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا أرْغَبُ، وأنْتَ تُرِيدُ: أرْغَبُ فِيهِ، ومَذْهَبُهُ في هَذا التَّدْرِيجُ، وهو أنْ يُحْذَفَ حَرْفُ الجَرِّ أوَّلًا، حَتّى يَتَّصِلَ الضَّمِيرُ بِالفِعْلِ، فَيَصِيرَ مَنصُوبًا، فَيَصِحَّ حَذْفُهُ كَما في قَوْلِهِ: فَما أدْرِي أغَيَّرَهم تَناءٍ وطُولُ العَهْدِ أوْ مالٌ أصابُوا يُرِيدُ أصابُوهُ، وقَدْ يَجُوزُ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ أنْ لا تَكُونَ الجُمْلَةُ صِفَةً بَلْ مُضافٌ إلَيْها (يَوْمٌ) مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، فَلا تَحْتاجُ إلى ضَمِيرٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ المَحْذُوفُ بَدَلًا مِنَ المَذْكُورِ، ومِن ذَلِكَ ما حَكاهُ الكِسائِيُّ: أطْعَمُونا لَحْمًا سَمِينًا شاةٍ ذَبَحُوها، بِجَرِّ شاةٍ، عَلى تَقْدِيرِ لَحْمِ شاةٍ، وحَكى الفَرّاءُ مِثْلَ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: رَحِمَ اللَّهُ أعْظُمًا دَفَنُوها ∗∗∗ بِسِجِسْتانَ طَلْحَةَ الطَّلَحاتِ فِي رِوايَةِ مَن خَفَضَ طَلْحَةَ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجَوِّزُونَ حَذْفَ المُضافِ، وتَرْكَ المُضافِ إلَيْهِ عَلى خَفْضِهِ، ويَقُولُونَ بِشُذُوذِ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو سِرارٍ (لا تَجْزِي نَسَمَةٌ عَنْ نَسَمَةٍ)، وهي بِمَعْنى النَّفْسِ. ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ الشَّفاعَةُ كَما في البَحْرِ ضَمُّ غَيْرِهِ إلى وسِيلَتِهِ، وهي مِنَ الشَّفْعِ ضِدَّ الوَتَرِ، لِأنَّ الشَّفِيعَ يَنْضَمُّ إلى الطّالِبِ في تَحْصِيلِ ما يَطْلُبُ فَيَصِيرُ شَفْعًا بَعْدَ أنْ كانَ فَرْدًا، والعَدْلُ الفِدْيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا البَدَلُ، أيْ رَجُلٌ مَكانَ رَجُلٍ، وأصْلُ العَدْلِ بِفَتْحِ العَيْنِ ما يُساوِي الشَّيْءَ قِيمَةً وقَدْرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ، وبِكَسْرِها المُساوِي في الجِنْسِ والجِرْمِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ العَيْنَ مِن مَعْنى الفِدْيَةِ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّ عَدْلَ الشَّيْءِ بِالفَتْحِ والكَسْرِ مِثْلُهُ، وأنْشَدَ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: صَبَرْنا لا نَرى لِلَّهِ عَدْلًا ∗∗∗ عَلى ما نابَنا مُتَوَكِّلِينا وقالَ ثَعْلَبٌ: العَدْلُ الكَفِيلُ والرِّشْوَةُ، ولَمْ يُؤَثِّرْ في الآيَةِ، والضَّمِيرانِ المَجْرُورانِ بِمِن إمّا راجِعانِ إلى النَّفْسِ صفحة 252 الثّانِيَةِ، لِأنَّها أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِمَوافَقَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ولِأنَّهُ المُتَبادِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ ومَعْنى عَدَمِ قَبُولِ الشَّفاعَةِ حِينَئِذٍ أنَّها إنْ جاءَتْ بِشَفاعَةِ شَفِيعٍ لَمْ تُقْبَلْ مِنها، وإمّا إلى الأُولى لِأنَّها المُحَدَّثُ عَنْها، والثّانِيَةُ فَضْلَةٌ، ولِأنَّ المُتَبادِرَ مِن نَفْيِ قَبُولِ الشَّفاعَةِ أنَّها لَوْ شَفَعَتْ لَمْ تُقْبَلْ شَفاعَتُها، وحِينَئِذٍ مَعْنى عَدَمِ أخْذِ العَدْلِ مِنَ الأُولى أنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ عَدْلًا مِنَ الثّانِيَةِ لَمْ يُؤْخَذْ، وكَأنَّ في الآيَةِ عَلى هَذا نَوْعًا مِنَ التَّرَقِّي ارْتُكِبَ هُنا، وإنْ لَمْ يُرْتَكَبْ في مَقامٍ آخَرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ النَّفْسَ الأُولى لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِخْلاصِ صاحِبَتَها مِن قَضاءِ الواجِباتِ، وتَدارُكِ التَّبِعاتِ، لِأنَّها مَشْغُولَةٌ عَنْها بِشَأْنِها، ثُمَّ إنْ قَدَرَتْ عَلى نَفْيِ ما كانَ بِشَفاعَةٍ لا يُقْبَلُ مِنها، وإنْ زادَتْ عَلَيْهِ بِأنْ ضَمَّتِ الفِداءَ فَلا يُؤْخَذُ مِنها، وإنْ حاوَلَتِ الخَلاصَ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ، وأنّى لَها ذَلِكَ، فَلا تَتَمَكَّنُ مِنهُ، واخْتارَ الكَواشِيُّ جَعْلَ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِلنَّفْسِ الأُولى، والثّانِيَةَ لِلثّانِيَةِ عَلى اللَّفِّ والنَّشْرِ، لِما فِيهِ مِن إجْراءِ الجُمْلَتَيْنِ عَلى المَعْنى الظّاهِرِ مِنهُما، ويُهَوِّنُ أمْرَ التَّفْكِيكِ الِاتِّضاحُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (ولا تُقْبَلُ) بِالتّاءِ، وسُفْيانُ (يَقْبَلُ) بِفَتْحِ الياءِ ونَصْبِ شَفاعَةٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وفِيهِ التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في (نِعْمَتِي) إلَخْ، إلى ضَمِيرِ الغائِبِ، وبِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ. ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ النَّصْرُ في الأصْلِ المَعُونَةُ، ومِنهُ أرْضٌ مَنصُورَةٌ مَمْدُودَةٌ بِالمَطَرِ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَكُونُ بِدَفْعِ الضَّرَرِ، أيْ ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إمّا إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ الثّانِيَةُ المُنَكَّرَةُ الواقِعَةُ في سِياقِ النَّفْيِ مِنَ النُّفُوسِ الكَثِيرَةِ، فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعْنًى بِدِلالَةِ لَفْظٍ آخَرَ، وإمّا إلى النَّفْسِ المُنَكَّرَةِ مِن حَيْثُ كَوْنُها لِعُمُومِها بِالنَّفْيِ في مَعْنى الكَثْرَةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ وأتى بِهِ مُذَكَّرًا لِتَأْوِيلِ النُّفُوسِ بِالعِبادِ والأناسِيِّ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تِلْكَ النُّفُوسَ عَبِيدٌ مَقْهُورُونَ مَذْلُلُونَ تَحْتَ سُلْطانِهِ تَعالى، وأنَّهم ناسٌ كَسائِرِ النّاسِ في هَذا الأمْرِ، وعَوْدُهُ إلى النَّفْسَيْنِ بِناءً عَلى أنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَعْلُ النَّفْيِ مُنْسَحِبًا عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِلتَّقْوى، ورَفْعُ (هُمْ) عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وجَعْلُهُ مَفْعُولًا لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والفِعْلُ بَعْدَهُ مُفَسِّرٌ، فَتَوافُقُ الجُمَلِ لا أُوافِقُ عَلى اخْتِيارِهِ، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وتَمَسَّكَ المُعْتَزِلَةُ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، وكَوْنُ الخِطابِ لِلْكُفّارِ، والآيَةُ نازِلَةٌ فِيهِمْ، لا يَدْفَعُ العُمُومَ المُسْتَفادَ مِنَ اللَّفْظِ، وأُجِيبَ بِالتَّخْصِيصِ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ بِحَسَبِ المَكانِ والزَّمانِ، فَإنَّ مَواقِفَ القِيامَةِ ومِقْدارُ زَمانِها فِيها سَعَةٌ وطُولٌ، ولَعَلَّ هَذِهِ الحالَةَ في ابْتِداءِ وُقُوعِها وشِدَّتِهِ، ثُمَّ يَأْذَنُ بِالشَّفاعَةِ، وقَدْ قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ في الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ وكَوْنُ مَقامِ الوَعِيدِ يَأْبى عَنْهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، والثّانِي بِحَسَبِ الأشْخاصِ إذْ لا بُدَّ لَهم مِنَ التَّخْصِيصِ في غَيْرِ العُصاةِ لِمَزِيدِ الدَّرَجاتِ، فَلَيْسَ العامُّ باقِيًا عَلى عُمُومِهِ عِنْدَهُمْ، وإلّا اقْتَضى نَفْيَ زِيادَةِ المَنافِعِ، وهم لا يَقُولُونَ بِهِ، ونَحْنُ نُخَصِّصُ في العُصاةِ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ البالِغَةِ حَدَّ التَّواتُرِ، وحَيْثُ فُتِحَ بابُ التَّخْصِيصِ نَقُولُ أيْضًا: ذَلِكَ النَّفْيُ مُخَصَّصٌ بِما قَبْلَ الإذْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ﴾ وهو تَخْصِيصٌ لَهُ دَلِيلٌ، وتَخْصِيصُهم لا يَظْهَرُ لَهُ دَلِيلٌ، عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ بِزِيادَةِ المَنافِعِ يَكادُ أنْ لا تَكُونَ شَفاعَةً، وإلّا لَكُنّا شُفَعاءَ الرَّسُولِ ﷺ عِنْدَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّ الإجْماعَ وقَعَ مِنّا، ومِنهم عَلى أنَّهُ هو الشَّفِيعُ، وأيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ما يُشِيرُ إلى الشَّفاعَةِ الَّتِي نَدَّعِيها، ويَحُثُّ عَلى التَّخْصِيصِ الَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى الشَّفاعَةَ وحَشَرَنا في زُمْرَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ،

البقرة 2:49

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ نِعَمِهِ إجْمالًا أرادَ أنْ يُفَصِّلَ لِيَكُونَ أبْلَغَ في التَّذْكِيرِ، وأعْظَمَ في الحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ وهو عَلى الشّافِعِ عَطْفٌ عَلى (نِعْمَتِي) بِتَقْدِيرِ: اذْكُرُوا صفحة 253 كَيْلا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو (اتَّقُوا)، وقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ ما يَنْفَعُكَ هُنا، وقُرِئَ (أنْجَيْناكُمْ) و(أنْجَيْتُكُمْ) ونُسِبَتِ الأُولى لِلنَّخَعِيِّ، والآلُ قِيلَ: بِمَعْنى الأهْلِ، وإنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ عَنْ هاءٍ، وإنَّ تَصْغِيرَهُ أُهَيْلٌ، وبَعْضُهم ذَهَبَ إلى أنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ مِن هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وتِلْكَ الهَمْزَةُ بَدَلٌ مِن هاءٍ، وقِيلَ: لَيْسَ بِمَعْنى الأهْلِ، لِأنَّ الأهْلَ القَرابَةُ، والآلُ مِن يَؤُولُ إلَيْكَ في قَرابَةٍ، أوْ رَأْيٍ، أوْ مَذْهَبٍ، فَألِفُهُ بَدَلٌ مِن واوٍ، ولِذَلِكَ قالَ يُونُسُ في تَصْغِيرِهِ: أُوَيْلٌ، ونَقَلَهُ الكِسائِيُّ نَصًّا عَنِ العَرَبِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عُمَرَ غُلامِ ثَعْلَبٍ: إنَّ الأهْلَ القَرابَةُ، كانَ لَها تابِعٌ أوْ لا، والآلُ القَرابَةُ بِتابِعِها، فَهو أخَصُّ مِنَ الأهْلِ، وقَدْ خَصُّوهُ أيْضًا بِالإضافَةِ إلى أُولِي الخَطَرِ فَلا يُضافُ إلى غَيْرِ العُقَلاءِ، وإلى مَن لا خَطَرَ لَهُ مِنهُمْ، فَلا يُقالُ: آلُ الكُوفَةِ ولا آلُ الحِجامِ، وزادَ بَعْضُهُمُ اشْتِراطَ التَّذْكِيرِ فَلا يُقالُ: آلُ فاطِمَةَ، ولَعَلَّ كُلَّ ذَلِكَ أكْثَرِيٌّ، وإلّا فَقَدْ ورَدَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَآلِ أعْوَجَ اسْمِ فَرَسٍ، وآلِ المَدِينَةِ، وآلِ نُعْمٍ، وآلِ الصَّلِيبِ، وآلِكَ، ويُسْتَعْمَلُ غَيْرَ مُضافٍ، كَـهم خَيْرُ آلٍ، ويُجْمَعُ كَأهْلٍ فَيُقالُ آلُونَ، وفِرْعَوْنُ لَقَبٌ لِمَن مَلَكَ العَمالِقَةَ كَكِسْرى لِمَلِكِ الفُرْسِ، وقَيْصَرَ لِمَلِكِ الرُّومِ، وخاقانَ لِمَلِكِ التُّرْكِ، وتُبَّعٍ لِمَلِكِ اليَمَنِ، والنَّجاشِيِّ لِمَلِكِ الحَبَشَةِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو اسْمٌ لِكُلِّ مَن مَلَكَ القِبْطَ، ومِصْرَ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقَدِ اشْتُقَّ مِنهُ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُهُ، فَقِيلَ: تَفَرْعَنَ الرَّجُلُ إذا تَجَبَّرَ وعَتا، واسْمُ فِرْعَوْنَ هَذا الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ أبُوهُ مُصْعَبُ بْنُ رَيّانَ حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: قُنْطُوسُ، حَكاهُ مُقاتِلٌ، وذَكَرَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أنَّ أهْلَ الكِتابَيْنِ قالُوا: إنَّ اسْمَهُ قابُوسُ، وكُنْيَتَهُ أبُو مُرَّةَ، وكانَ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: مِن بَنِي عَمْلِيقٍ أوْ عِمْلاقِ بْنِ لاوِزَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهم أُمَمٌ تَفَرَّقُوا في البِلادِ، ورُوِيَ أنَّهُ مِن أهْلِ اصْطَخْرَ، ورَدَ إلى مِصْرَ فَصارَ بِها مَلِكًا، وقِيلَ: كانَ عَطّارًا بِأصْفَهانَ، رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ، فَدَخَلَ مِصْرَ، وآلَ أمْرُهُ إلى ما آلَ، وحِكايَةُ البِطِّيخِ شَهِيرَةٌ، وقَدْ نَقَلَها مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ في تَفْسِيرِهِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ غَيْرُ فِرْعَوْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ اسْمُهُ عَلى المَشْهُورِ الرَّيّانَ بْنَ الوَلِيدِ، وقَدْ آمَنَ بِيُوسُفَ، ماتَ في حَياتِهِ، وهو مِن أجْدادِ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِ عَلى قَوْلٍ، ويُؤَيِّدُ الغَيْرِيَّةَ أنَّ بَيْنَ دُخُولِ يُوسُفَ ودُخُولِ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ أكْثَرُ مِن أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، والمُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هُنا أهْلُ مِصْرَ، أوْ أهْلُ بَيْتِهِ خاصَّةً، أوْ أتْباعُهُ عَلى دِينِهِ، وبِـأنْجَيْناكُمْ، أنْجَيْنا آباءَكُمْ، وكَذا نَظائِرُهُ، فَلا حُجَّةَ فِيها لِتَناسُخِيٍّ، وهَذا في كَلامِ العَرَبِ شائِعٌ كَقَوْلِ حَسّانَ: ونَحْنُ قَتَلْناكم بِبَدْرٍ فَأصْبَحَتْ عَساكِرُكم في الهالِكِينَ تَجُولُ (ويَسُومُونَكُمْ) مِنَ السَّوْمِ، وأصْلُهُ الذَّهابُ لِلطَّلَبِ، ويُسْتَعْمَلُ لِلذَّهابِ وحْدَهُ تارَةً، ومِنهُ السّائِمَةُ، ولِلطَّلَبِ أُخْرى، ومِنهُ السَّوْمُ في البَيْعِ، ويُقالُ: سامَهُ كَلَّفَهُ العَمَلَ الشّاقَّ، والسُّوءُ مَصْدَرُ ساءَ يَسُوءُ، ويُرادُ بِهِ السَّيْءُ، ويُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يَقْبُحُ، كَأعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن سُوءِ الخُلُقِ، (وسُوءُ العَذابِ) أفْظَعُهُ وأشَدُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِهِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِيَسُومُونَكم بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أوْ بِدُونِهِ، والجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، وهي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أنْجَيْناكُمْ، أوْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وهو الأقْرَبُ، والمَعْنى: يُوَلُّونَكم أوْ يُكَلِّفُونَكُمُ الأعْمالَ الشّاقَّةَ، والأُمُورَ الفَظِيعَةَ، أوْ يُرْسِلُونَكم إلَيْها، ويَصْرِفُونَكم فِيها، أوْ يَبْغُونَكم سُوءَ العَذابِ المُفَسَّرَ بِما بَعْدَهُ، وقَدْ حُكِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ جَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ خَدَمًا وخَوَلًا، وصَنَّفَهم في الأعْمالِ، فَصِنْفٌ يَبْنُونَ، وصِنْفٌ يَحْرُثُونَ، وصِنْفٌ يَخْدُمُونَ، ومَن لَمْ يَكُنْ مِنهم في عَمَلٍ وضَعَ عَلَيْهِ الجِزْيَةَ يُؤَدِّيها كُلَّ يَوْمٍ، ومَن غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَبْلَ أنْ يُؤَدِّيَها غُلَّتْ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ شَهْرًا، وجَعَلَ النِّساءَ يَغْزِلْنَ الكِتّانَ ويَنْسِجْنَ، ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي سامُوهم إيّاهُ فَقالَ: صفحة 254 (يُذَبِّحُونَ) إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ تُخَرَّجَ عَلى إبْدالِ الفِعْلِ مِنَ الفِعْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ﴾ وقِيلَ: بِالعَطْفِ، وحُذِفَ حَرْفُهُ لِآيَةِ إبْراهِيمَ، والمُحَقِّقُونَ عَلى الفَرْقِ، وحَمَلُوا (سُوءَ العَذابِ) فِيها عَلى التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ غَيْرِ الذَّبْحِ، وعُطِفَ لِلتَّغايُرِ، واعْتُبِرَ هُناكَ لا هُنا عَلى رَأْيِهِمْ لِسَبْقِ ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ وهو يَقْتَضِي التَّعْدادَ، ولَيْسَ هُنا ما يَقْتَضِيهِ، والأبْناءُ الأطْفالُ الذُّكُورُ، وقِيلَ: إنَّهُمُ الرِّجالُ، هَذا وسُمُّوا أبْناءً بِاعْتِبارِ ما كانُوا قَبْلُ، وفي بَعْضَ الأخْبارِ أنَّهُ قَتَلَ أرْبَعِينَ ألْفَ صَبِيٍّ، وحُكِيَ أنَّهُ كانَ يَقْتُلُ الرِّجالَ الَّذِينَ يَخافُ مِنهُمُ الخُرُوجَ والتَّجَمُّعَ لِإفْسادِ أمْرِهِ، والمَشْهُورُ حَمْلُ الأبْناءِ عَلى الأوَّلِ، وهو المُناسِبُ المُتَبادِرُ، وفي سَبَبِ ذَلِكَ أقْوالٌ وحِكاياتٌ مُخْتَلِفَةٌ، ومُعْظَمُها يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ خافَ مِن ذَهابِ مُلْكِهِ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَفَعَلَ ما فَعَلَ، وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (يَذْبَحُونَ) مُخَفَّفًا، وعَبْدُ اللَّهِ (يُقَتِّلُونَ) مُشَدَّدًا، ﴿ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ أيْ يَسْتَبْقُونَ بَناتِكُمْ، ويَتْرُكُونَهُنَّ حَيّاتٍ وقِيلَ: يُفَتِّشُونَ في حَيائِهِنَّ يَنْظُرُونَ هَلْ بِهِنَّ حَمْلٌ، والحَياءُ الفَرَجُ، لِأنَّهُ يُسْتَحى مِن كَشْفِهِ، والنِّساءُ جَمْعُ المَرْأةِ، وفي البَحْرِ إنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِنِسْوَةٍ عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ، جَمْعُ قِلَّةٍ، وزَعَمَ ابْنُ السِّراجِ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وعَلى القَوْلَيْنِ لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ مِن لَفْظِهِ، وهي في الأصْلِ البالِغاتُ دُونَ الصَّغائِرِ، فَهي عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَجازٌ بِاعْتِبارِ الأوَّلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اسْتِبْقاءَهم كانَ لِأجْلِ أنْ يَصِرْنَ نِساءً لِخِدْمَتِهِمْ، وعَلى الثّانِي فِيهِ تَغْلِيبُ البالِغاتِ عَلى الصَّغائِرِ، وعَلى الثّالِثِ حَقِيقَةٌ، وقَدَّمَ الذَّبْحَ لِأنَّهُ أصْعَبُ الأُمُورِ، وأشَقُّها عِنْدَ النّاسِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ الِاسْتِحْياءُ أعْظَمَ مِنَ القَتْلِ لَدى الغَيُورِ. ﴿وفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى التَّذْبِيحِ والِاسْتِحْياءِ، أوْ إلى الإنْجاءِ، وجَمَعَ الضَّمِيرَ لِلْمُخاطَبِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُشارَ (بِذَلِكُمْ) إلى الجُمْلَةِ، وأصْلُ البَلاءِ الِاخْتِبارُ، وإذا نُسِبَ إلَيْهِ تَعالى يُرادُ مِنهُ ما يَجْرِي مَجْراهُ مَعَ العِبادِ عَلى المَشْهُورِ، وهو تارَةً يَكُونُ بِالمَسارِّ لِيَشْكُرُوا، وتارَةً بِالمَضارِّ لِيَصْبِرُوا، وتارَةً بِهِما لِيَرْغَبُوا، ويَرْهَبُوا، فَإنْ حُمِلَتِ الإشارَةُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالبَلاءِ المِحْنَةُ، وإنْ عَلى الثّانِي فالمُرادُ بِهِ النِّعْمَةُ، وإنْ عَلى الثّالِثِ فالمُرادُ بِهِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ كالِامْتِحانِ الشّائِعِ بَيْنَهُما، ويُرَجِّحُ الأوَّلَ التَّبادُرُ، والثّانِيَ أنَّهُ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، والثّالِثَ لُطْفُ جَمْعِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ومَعْنى ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى إمّا بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكُمْ، أوْ بِبَعْثِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتَوْفِيقِهِ لِتَخْلِيصِكُمْ، أوْ بِهِما جَمِيعًا، (وعَظِيمٌ) صِفَةُ بَلاءٍ، وتَنْكِيرُهُما لِلتَّفْخِيمِ، والعِظَمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخاطَبِ والسّامِعِ لا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، لِأنَّهُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَسْتَعْظِمُ شَيْئًا، * * * ومِن بابِ الإشارَةِ والتَّأْوِيلِ، وإذْ نَجَّيْناكم مِن قُوى فِرْعَوْنَ النَّفْسِ الأمّارَةِ المَحْجُوبَةِ بِأنانِيَّتِها والنَّظَرِ إلى نَفْسِها المُسْتَعْلِيَةِ عَلى إهْلاكِ الوُجُودِ، (ومِصْرُ) مَدِينَةُ البَدَنِ المُسْتَعْبَدَةُ، وهي وقُواها مِنَ الوَهْمِ، والخَيالِ، والغَضَبِ، والشَّهْوَةِ، القُوى الرُّوحانِيَّةُ الَّتِي هي أبْناءُ صَفْوَةِ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ، الرُّوحُ والقُوى الطَّبِيعِيَّةُ البَدَنِيَّةُ مِنَ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والقُوى النَّباتِيَّةِ أُولَئِكَ يُكَلِّفُونَكُمُ المَتاعِبَ الصَّعْبَةَ، والأعْمالَ الشّاقَّةَ مِن جَمْعِ المالِ، والحِرْصِ وتَرْتِيبِ الأقْواتِ والمَلابِسِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَسْتَعْبِدُونَكم بِالتَّفَكُّرِ فِيها، والِاهْتِمامِ بِها، لِتَحْصُلَ لَكم لَذَّةٌ هي في الحَقِيقَةِ عَذابٌ وذِلَّةٌ، لِأنَّها تَمْنَعُكم عَنْ مُشاهَدَةِ الأنْوارِ، والتَّمَتُّعِ بِدارِ القَرارِ، ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ الَّتِي هي القُوى الرُّوحانِيَّةُ مِنَ القُوى النَّظَرِيَّةِ الَّتِي هي العَيْنُ اليُمْنى لِلْقَلْبِ، والعَمَلِيَّةِ الَّتِي هي العَيْنُ اليُسْرى لَهُ، والفَهْمِ الَّذِي هو سَمْعُهُ، والسِّرِّ الَّذِي هو قَلْبُهُ، ويَسْتَحْيُونَ قُواكُمُ الطَّبِيعِيَّةَ لِيَسْتَخْدِمُوها، ويَمْنَعُوها عَنْ أفْعالِها اللّائِقَةِ بِها، وفي ذَلِكَ الإنْجاءِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِن رَبِّكُمُ المُرَقِّي لَكم مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ، ومَشْهَدٍ إلى مَشْهَدٍ حَتّى تَصِلُوا إلَيْهِ، وتَحُطُّوا رِحالَكم بَيْنَ يَدَيْهِ، أوْ في مَجْمُوعِ ذَلِكَ امْتِحانٌ لَكُمْ، وظُهُورُ آثارِ الأسْماءِ صفحة 255 المُخْتَلِفَةِ عَلَيْكُمْ، فاشْكُرُوا واصْبِرُوا، فالكُلُّ مِنهُ، وكُلُّ ما فَعَلَ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ.

البقرة 2:50

﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلُ، والفَرْقُ الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وتَعْدِيَتُهُ إلى البَحْرِ بِتَضْمِينِ مَعْنى الشَّقِّ، أيْ فَلَقْناهُ، وفَصَلْنا بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ لِأجْلِكُمْ، وبِسَبَبِ إنْجائِكُمْ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الباعِثَةِ بِمَنزِلَةِ اللّامِ، إذا قُلْنا بِتَعْلِيلِ أفْعالِهِ تَعالى، ولِلسَّبَبِيَّةِ الشَّبِيهَةِ بِها في التَّرْتِيبِ عَلى الفِعْلِ، وكَوْنِهِ مَقْصُودًا مِنهُ، إنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: (بِكُمْ) دُونَ لَكُمْ، لِأنَّ العَرَبَ عَلى ما نَقَلَهُ الدّامِغانِيُّ تَقُولُ: غَضِبْتُ لِزَيْدٍ إذا غَضِبْتَ مِن أجْلِهِ، وهو حَيٌّ، وغَضِبْتُ بِزَيْدٍ إذا غَضِبْتَ مِن أجْلِهِ، وهو مَيِّتٌ، فَفِيهِ تَلْوِيحٌ إلى أنَّ الفَرْقَ كانَ مِن أجْلِ أسْلافِ المُخاطَبِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعانَةِ عَلى مَعْنى بِسُلُوكِكُمْ، ويَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِأنْ يُشَبِّهَ سُلُوكَهم بِالآلَةِ في كَوْنِهِ واسِطَةً في حُصُولِ الفَرْقِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويُسْتَعْمَلُ الباءُ، وقَوْلُ الإمامِ الرّازِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّهم كانُوا يَسْلُكُونَ، ويَتَفَرَّقُ الماءُ عِنْدَ سُلُوكِهِمْ، فَكَأنَّهُ فُرِّقَ بِهِمْ، يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ تَفَرُّقَ الماءِ كانَ سابِقًا عَلى سُلُوكِهِمْ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ القِصَّةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ وما قِيلَ: إنَّ الآلَةَ هي العَصا كَما تُفْهِمُهُ الآيَةُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، والمَفْهُومُ كَوْنُها آلَةَ الضَّرْبِ لا الفَرْقِ، ولَوْ سُلِّمَ يَجُوزُ كَوْنُ المَجْمُوعِ آلَةً عَلى أنَّ آلِيَّةَ السُّلُوكِ عَلى التَّجَوُّزِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الفاعِلِ، ومُلابَسَتُهُ تَعالى مَعَهم حِينَ الفَرْقِ مُلابَسَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وهو كَوْنُهُ ناصِرًا وحافِظًا لَهُمْ، وهي ما أشارَ إلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ حالًا مِنَ البَحْرِ مُقَدَّمًا، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الفَرْقَ مُقَدَّمٌ عَلى مُلابَسَتِهِمُ البَحْرَ، اللَّهُمَّ إلّا عَلى التَّوَسُّعِ، واخْتَلَفُوا في هَذا البَحْرِ، فَقِيلَ: القُلْزُمُ، وكانَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ أرْبَعَةُ فَراسِخَ، وقِيلَ: النِّيلُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الماءَ المالِحَ والعَذْبَ بَحْرًا إذا كَثُرَ، ومِنهُ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ وأصْلُهُ السَّعَةُ، وقِيلَ: الشَّقُّ، ومِنَ الأوَّلِ البَحْرَةُ البَلْدَةُ، ومِنَ الثّانِي البَحِيرَةُ الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُها، وفي كَيْفِيَّةِ الِانْفِلاقِ قَوْلانِ، فالمَشْهُورُ كَوْنُهُ خَطِّيًّا، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ قُوسِيًّا، إذْ فِيهِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ الجانِبِ الَّذِي دَخَلُوا مِنهُ، واحْتِمالُ الرُّجُوعِ في طَرِيقِ الدُّخُولِ يَكادُ يَكُونُ باطِلًا، لِأنَّ الأعْداءَ في أثَرِهِمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ. ﴿فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ، وتَبِعَكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ في تَقَحُّمِهِ، فَأنْجَيْناكم أيْ مِنَ الغَرَقِ، أوْ مِن إدْراكِ فِرْعَوْنَ وآلِهِ لَكُمْ، أوْ مِمّا تَكْرَهُونَ، وكَنّى سُبْحانَهُ بِآلِ فِرْعَوْنَ عَنْ فِرْعَوْنَ وآلِهِ، كَما يُقالُ: بَنِي هاشِمٍ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ يَعْنِي هَذا الجِنْسَ الشّامِلَ لِآدَمَ أوِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الآلِ لِأنَّهم إذا عُذِّبُوا بِالإغْراقِ كانَ مَبْدَأُ العِنادِ، ورَأْسُ الضَّلالِ أوْلى بِذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ تَعالى غَرَقَ فِرْعَوْنَ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ وحَمْلُ الآلِ عَلى الشَّخْصِ حَيْثُ إنَّهُ ثَبَتَ لُغَةً كَما في الصِّحاحِ: رَكِيكٌ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ، وإنَّما المُناسِبُ لَهُ التَّعْمِيمُ، وناسَبَ نَجاتَهم بِإلْقائِهِمْ في البَحْرِ وخُرُوجِهِمْ مِنهُ سالِمِينَ نَجاةُ نَبِيِّهِمْ مُوسى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ مِنَ الذَّبْحِ بِإلْقائِهِ وهو طِفْلٌ في البَحْرِ، وخُرُوجِهِ مِنهُ سالِمًا، ولِكُلِّ أُمَّةٍ نَصِيبٌ مِن نَبِيِّها، وناسَبَ هَلاكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِالغَرَقِ هَلاكُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أيْدِيهِمْ بِالذَّبْحِ، لِأنَّ الذَّبْحَ فِيهِ تَعْجِيلُ المَوْتِ بِإنْهارِ الدَّمِ، والغَرَقَ فِيهِ إبْطاءُ المَوْتِ، ولا دَمَ خارِجٌ، وكانَ ما بِهِ الحَياةُ، وهو الماءُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ صفحة 256 سَبَبًا لِإعْدامِهِمْ مِنَ الوُجُودِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَقْنِيطِهِمْ، وانْعِكاسِ آمالِهِمْ كَما قِيلَ: إلى الماءِ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِلُقْمَةٍ إلى أيْنَ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِماءِ ولَمّا كانَ الغَرَقُ مِن أعْسَرِ المَوْتاتِ وأعْظَمِها شِدَّةً، ولِهَذا كانَ الغَرِيقُ المُسْلِمُ شَهِيدًا، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى نَكالًا لِمَنِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، وقالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، وعَلى قَدْرِ الذَّنْبِ يَكُونُ العِقابُ، ويُناسِبُ دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ والِاعْتِلاءَ انْحِطاطُ المُدَّعِي، وتَغْيِيبُهُ في قَعْرِ الماءِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ لَمّا افْتَخَرَ فِرْعَوْنُ بِالماءِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى هَلاكَهُ بِالماءِ، ولِلتّابِعِ حَظٌّ وافِرٌ مِنَ المَتْبُوعِ، وكانَ ذَلِكَ الغَرَقُ والإنْجاءُ والإغْراقُ يَوْمَ عاشُوراءَ، والكَلامُ فِيهِ مَشْهُورٌ، ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وفِيها تَجَوُّزٌ، أيْ وآباؤُكم يَنْظُرُونَ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ جَمِيعُ ما مَرَّ، فَإنْ أُرِيدَ الأحْكامُ فالنَّظَرُ بِمَعْنى العِلْمِ، وعَلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإنَّ نَفْسَ الأفْعالِ مِنَ الغَرَقِ والإنْجاءِ والإغْراقِ فَهو بِمَعْنى المُشاهَدَةِ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، والحالُ عَلى هَذا مِنَ الفاعِلِ، وهو مَعْمُولٌ بِجَمِيعِ الأفْعالِ السّابِقَةِ عَلى التَّنازُعِ، وفائِدَتُهُ تَقْرِيرُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْتُمْ لا تَشُكُّونَ فِيها، وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ المَفْعُولُ خاصًّا، أيْ غَرَقَهُمْ، وإطْباقُ البَحْرِ عَلَيْهِمْ، فالحالُ مُتَعَلِّقٌ بِالقَرِيبِ، وهو أغْرَقْنا، وفائِدَتُهُ تَتْمِيمُ النِّعْمَةِ، فَإنَّ هَلاكَ العَدُوِّ نِعْمَةٌ، ومُشاهَدَتَهُ نِعْمَةٌ أُخْرى، وفي قِصَصِ الكِسائِيِّ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ، وقَفُوا يَنْظُرُونَ إلى البَحْرِ، وجُنُودِ فِرْعَوْنَ، ويَتَأمَّلُونَ كَيْفَ يَفْعَلُونَ، أوِ انْفِلاقِ البَحْرِ، فَيَكُونُ الحالُ مُتَعَلِّقًا بِالأصْلِ في الذِّكْرِ، وهو (فَرَقْنا)، وفائِدَتُهُ إحْضارُ النِّعْمَةِ لِيَتَعَجَّبُوا مِن عِظَمِ شَأْنِها، ويَتَعَرَّفُوا إعْجازَها، أوْ ذَلِكَ الآلُ الغَرِيقُ، فالحالُ مِن مَفْعُولِ (أغْرَقْنا) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والفائِدَةُ تَحْقِيقُ الإغْراقِ وتَثْبِيتُهُ، وقِيلَ: المُرادُ يَنْظُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، وأنْتُمْ سائِرُونَ في البَحْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ نُقِلَ أنَّ بَعْضَ قَوْمِ مُوسى قالُوا لَهُ: أيْنَ أصْحابُنا؟ فَقالَ: سِيرُوا فَإنَّهم عَلى طَرِيقٍ مِثْلِ طَرِيقِكُمْ، قالُوا: لا نَرْضى حَتّى نَراهُمْ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى أنْ قُلْ بِعَصاكَ هَكَذا، فَقالَ بِها عَلى الحِيطانِ فَصارَ بِها كَوًى فَتَراءَوْا وسَمِعُوا كَلامَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فالحالُ مُتَعَلِّقٌ (بِفَرَقْنا)، وفائِدَتُهُ تَتْمِيمُ النِّعْمَةِ، فَإنَّ كَوْنَهم مُسْتَأْنِسِينَ يَرى بَعْضُهم حالَ بَعْضٍ نِعْمَةٌ أُخْرى، وبَعْضُ النّاسِ يَجْعَلُ الفِعْلَ عَلى هَذا الوَجْهِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، نَعَمِ البَعِيدُ جُعِلَ النَّظَرُ هُنا مَجازًا عَنِ القُرْبِ، أيْ وأنْتُمْ بِالقُرْبِ مِنهُمْ، أيْ بِحالِ لَوْ نَظَرْتُمْ إلَيْهِمْ لَرَأيْتُمُوهُمْ، كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ مِنِّي بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أيْ قَرِيبٌ مِنِّي بِحَيْثُ أراكَ وأسْمَعُكَ، وكَذا جَعَلَهُ بِمَعْنى الِاعْتِبارِ، أيْ وأنْتُمْ تَعْتَبِرُونَ بِمَصْرَعِهِمْ، وتَتَّعِظُونَ بِمَواقِعِ النِّقْمَةِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ، هَذا وقَدْ حَكَوْا في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَعَنُّتِهِمْ، وهم في البَحْرِ، وفي كَيْفِيَّةِ خُرُوجِ فِرْعَوْنَ بِجُنُودِهِ، وفي مِقْدارِ الطّائِفَتَيْنِ حِكاياتٌ مُطَوَّلَةٌ جِدًّا لَمْ يَدُلَّ القُرْآنُ ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَيْها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِشَأْنِها، والإشارَةُ في الآيَةِ أنَّ البَحْرَ هو الدُّنْيا، وماءَهُ شَهَواتُها ولَذّاتُها، ومُوسى هو القَلْبُ، وقَوْمَهُ صِفاتُ القَلْبِ، وفِرْعَوْنَ هو النَّفْسُ الأمّارَةُ، وقَوْمَهُ صِفاتُ النَّفْسِ وهم أعْداءُ مُوسى وقَوْمِهِ، يَطْلُبُونَهم لِيَقْتُلُوهُمْ، وهم سائِرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، والعَدُوُّ مِن خَلْفِهِمْ، وبَحْرُ الدُّنْيا أمامَهُمْ، ولا بُدَّ لَهم في السَّيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن عُبُورِهِ، ولَوْ يَخُوضُونَهُ بِلا ضَرْبِ عَصا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِيَدِ مُوسى القَلْبِ، فَإنَّ لَهُ يَدًا بَيْضاءَ في هَذا الشَّأْنِ، لَغَرِقُوا كَما غَرِقَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ العَصا في يَدِ فِرْعَوْنَ النَّفْسِ لَمْ يَنْفَلِقْ، فَكَما أنَّ يَدَ مُوسى القَلْبِ شَرْطٌ في الِانْفِلاقِ كَذَلِكَ عَصا الذِّكْرِ شَرْطٌ فِيهِ، فَإذا حَصَلَ الشَّرْطانِ، وضَرَبَ مُوسى بِعَصا الذِّكْرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى يَنْفَلِقُ بِإذْنِ اللَّهِ بَحْرُ الدُّنْيا بِالنَّفْيِ، ويَنْشَبِكُ ماءُ الشَّهَواتِ يَمِينًا وشِمالًا، ويُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى رِيحَ العِنايَةِ وشَمْسَ الهِدايَةِ عَلى قَعْرِ ذَلِكَ البَحْرِ، فَيَصِيرُ يابِسًا مِن ماءِ الشَّهَواتِ، فَيَخْرُجُ مُوسى وقَوْمُهُ بِعِنايَةِ التَّوْحِيدِ صفحة 257 إلى ساحِلِ النَّجاةِ، ”وإنَّ إلى رَبِّك المُنْتَهى“ ويُقالُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إذا غَرِقُوا وأُدْخِلُوا نارًا: ”ألّا بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ“

البقرة 2:51

﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ لَمّا جاوَزَ بَنُو إسْرائِيلَ البَحْرَ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْتِيَهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَوَعَدَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُعْطِيَهُ التَّوْراةَ، وقَبِلَ مُوسى ذَلِكَ، وضَرَبَ لَهُ مِيقاتًا ذا القِعْدَةِ وعَشَرَ ذِي الحِجَّةِ، أوْ ذا الحِجَّةِ وعَشَرَ المُحَرَّمِ، فالمُفاعَلَةُ عَلى بابِها، وهي مِن طَرَفِ فِعْلٍ، ومِن آخَرَ قَبُولُهُ، مِثْلُ: عالَجْتُ المَرِيضَ، وإنْكارُ جَوازِ ذَلِكَ لا يُسْمَعُ مَعَ وُرُودِهِ في كَلامِ العَرَبِ، وتَصْرِيحِ الأئِمَّةِ بِهِ، وارْتِضائِهِمْ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿واعَدْنا﴾ مِن بابِ المُوافاةِ، ولَيْسَ مِنَ الوَعْدِ في شَيْءٍ، وإنَّما هو مِن قَوْلِكَ: مَوْعِدُكَ يَوْمَ كَذا، ومَوْضِعَ كَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى وعَدْنا، وبِهِ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، أوْ يُقَدَّرُ المُلاقاةُ، أوْ يُقالُ بِالتَّفْكِيكِ إلى فِعْلَيْنِ، فَيُقَدَّرُ الوَحْيُ في أحَدِهِما، والمَجِيءُ في الآخَرِ، ولا مَحْذُورَ في شَيْءٍ كَما حَقَّقَهُ الدّامِغانِيُّ، وقَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: المُواعَدَةُ لا تَكُونُ إلّا مِنَ البَشَرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقَوْلُ أبِي حاتِمٍ: أكْثَرُ ما تَكُونُ مِنَ المَخْلُوقِينَ المُتَكافِئِينَ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لا يَضُرُّنا، وأرْبَعِينَ مَفْعُولٌ بِهِ مَحْذُوفُ المُضافِ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، أيْ إعْطاءَ أرْبَعِينَ، أيْ عِنْدَ انْقِضائِها، أوْ في العَشْرِ الأخِيرِ مِنها، أوْ في كُلِّها، أوْ في أوَّلِها عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، أوْ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ لِواعَدْنا، أيْ واعَدْنا مُوسى أمْرًا كائِنًا في أرْبَعِينَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، أيْ واعَدْنا مُوسى مُواعَدَةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةٍ. ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الأوْلى أنْ لا يُقَدَّرَ مَفْعُولٌ، لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ مَن وُعِدَ لا ما وُعِدَ، ويَنْصَبُّ الأرْبَعِينَ عَلى الإجْراءِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ تَوَسُّعًا، وفِيهِ مُبالَغَةٌ بِجَعْلِ مِيقاتِ الوَعْدِ مَوْعُودًا، وجَعْلِ الأرْبَعِينَ ظَرْفًا لِواعَدْنا، عَلى حَدِّ: جاءَ زَيْدٌ يَوْمَ الخَمِيسِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، ( ومُوسى ) اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ويُقالُ: هو مُرَكَّبٌ مِن (مُو) وهو الماءُ، (وشى) وهو الشَّجَرُ، وغُيِّرَ إلى (سى) بِالمُهْلَمَةِ، وكَأنَّ مَن سَمّاهُ بِهِ أرادَ ماءَ البَحْرِ، والتّابُوتَ الَّذِي قُذِفَ فِيهِ، وخاضَ بَعْضُهم في وزْنِهِ، فَعَنْ سِيبَوَيْهِ: إنَّ وزْنَهُ مُفْعَلٌ، وقِيلَ: إنَّهُ فُعْلى، وهو مُشْتَقٌّ مِن ماسَ يَمِيسُ، فَأُبْدِلَتِ الياءُ واوًا لِضَمِّ ما قَبْلَها، كَما قالُوا: طُوبى، وهي مِن ذَواتِ الياءِ، لِأنَّها مِن طابَ يَطِيبُ، ويُبْعِدُهُ أنَّ الإجْماعَ عَلى صَرْفِهِ نَكِرَةٌ، ولَوْ كانَ فُعْلى لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ ألِفَ التَّأْنِيثِ وحْدَها تَمْنَعُ الصَّرْفَ في المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ عَلى أنَّ زِيادَةَ المِيمِ أوَّلًا أكْثَرُ مِن زِيادَةِ الألِفِ آخِرًا، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ بِاللَّيالِي دُونَ الأيّامِ لِأنَّ افْتِتاحَ المِيقاتِ كانَ مِنَ اللَّيْلِ، واللَّيالِي غُرَرُ شُهُورِ العَرَبِ، لِأنَّها وُضِعَتْ عَلى سَيْرِ القَمَرِ، والهِلالُ إنَّما يُهِلُّ بِاللَّيْلِ، أوْ لِأنَّ الظُّلْمَةَ أقْدَمُ مِنَ الضَّوْءِ بِدَلِيلِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ أوْ إشارَةً إلى مُواصَلَةِ الصَّوْمِ لَيْلًا ونَهارًا، ولَوْ كانَ التَّفْسِيرُ بِاليَوْمِ أمْكَنَ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّهُ كانَ يُفْطِرُ بِاللَّيْلِ، فَلَمّا نَصَّ عَلى اللَّيالِي فُهِمَ مِن قُوَّةِ الكَلامِ أنَّهُ واصَلَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً بِأيّامِها، والقَوْلُ بِأنَّ ذِكْرَ اللَّيْلَةِ كانَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ وعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِقِيامِ اللَّيْلِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ المَرْوِيَّ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ كانَ الصِّيامَ، لا القِيامَ، وقَدْ يُقالُ مِن طَرِيقِ الإشارَةِ: إنَّ ذِكْرَ اللَّيْلَةِ لِلرَّمْزِ إلى أنَّ هَذِهِ المُواعَدَةَ كانَتْ بَعْدَ تَمامِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومُجاوَزَةِ بَحْرِ العَوائِقِ والعَلائِقِ، وهُناكَ يَكُونُ السَّيْرُ في اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا تُدْرَكُ حَقِيقَتُهُ، ولا تُعْلَمُ هُوِيَّتُهُ، ولا يُرى في بَيْداءِ جَبَرُوتِهِ إلّا الدَّهْشَةُ والحَيْرَةُ، وهَذا السَّيْرُ مُتَفاوِتٌ بِاعْتِبارِ الأشْخاصِ والأزْمانِ، ولِي مَعَ اللَّهِ تَعالى وقْتٌ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ الِاتِّخاذُ يَجِيءُ بِمَعْنى ابْتِداءِ صَنْعَةٍ، فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ نَحْوَ: اتَّخَذْتُ سَيْفًا، أيْ صَنَعْتَهُ، وبِمَعْنى اتِّخاذِ وصْفٍ، فَيَجْرِي مَجْرى الجَعْلِ ويَتَعَدّى صفحة 258 لِاِثْنَيْنِ نَحْوَ: اتَّخَذْتُ زَيْدًا صَدِيقًا، والأمْرانِ مُحْتَمَلانِ في الآيَةِ، والمَفْعُولُ الثّانِي عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِشَناعَتِهِ، أيِ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ الَّذِي صَنَعَهُ السّامِرِيُّ إلَهًا، والذَّمُّ فِيهِ ظاهِرٌ، لِأنَّهم كُلَّهم عَبَدُوهُ إلّا هارُونَ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، أوْ إلّا هارُونَ والسَّبْعِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ لا حاجَةَ إلى المَفْعُولِ الثّانِي، ويُؤَيِّدُهُ عَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ في مَوْضِعٍ مِن آياتِ هَذِهِ القِصَّةِ، والذَّمُّ حِينَئِذٍ لِما تَرَتَّبَ عَلى الِاتِّخاذِ مِنَ العِبادَةِ أوْ عَلى نَفْسِ الِاتِّخاذِ لِذَلِكَ، والعَرَبُ تَذُمُّ أوْ تَمْدَحُ القَبِيلَةَ بِما صَدَرَ عَنْ بَعْضِها، والعِجْلُ: ولَدُ البَقَرَةِ الصَّغِيرُ، وجَعَلَهُ الصُّوفِيَّةُ إشارَةً إلى عِجْلِ النَّفْسِ النّاقِصَةِ وشَهَواتِها، وكَوْنُ ما اتَّخَذُوهُ عِجْلًا ظاهِرٌ في أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا، فَيَكُونُ عِجْلًا حَقِيقَةً، ويَكُونُ نِسْبَةُ الخُوارِ إلَيْهِ فِيما يَأْتِي حَقِيقَةً أيْضًا، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ، وقِيلَ: أرادَ سُبْحانَهُ بِالعِجْلِ ما يُشْبِهُهُ في الصُّورَةِ والشَّكْلِ، ونِسْبَةُ الخُوارِ إلَيْهِ مَجازٌ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. ومِنَ الغَرِيبِ إنَّ هَذا إنَّما سُمِّيَ عِجْلًا لِأنَّهم عَجَّلُوا بِهِ قَبْلَ قُدُومِ مُوسى، فاتَّخَذُوهُ إلَهًا، أوْ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ، حَيْثُ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنَ المِيقاتِ حَرَقَهُ ونَسَفَهُ في اليَمِّ نَسْفًا، والضَّمِيرُ في بَعْدِهِ راجِعٌ إلى مُوسى، أيْ بَعْدَ ما رَأيْتُمْ مِنهُ مِنَ التَّوْحِيدِ، والتَّنْزِيهِ، والحَمْلِ عَلَيْهِ والكَفِّ عَمّا يُنافِيهِ، وذِكْرُ الظَّرْفِ لِلْإيذانِ بِمَزِيدِ شَناعَةِ فِعْلِهِمْ، ولا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُوسى مُتَّخِذًا إلَهًا كَما وُهِمَ، لِأنَّ مَفْهُومَ الكَلامِ أنْ يَكُونَ الِاتِّخاذُ بَعْدَ مُوسى، ومِن أيْنَ يُفْهَمُ اتِّخاذُ مُوسى سِيَّما في هَذا المَقامِ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ، وأقْرَبُ ما يُحْذَفُ مَصْدَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿واعَدْنا﴾، أيْ مِن بَعْدِ مُواعَدَتِهِ، وقِيلَ: المَحْذُوفُ الذَّهابُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالمُواعَدَةِ، لِأنَّها تَقْتَضِيهِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ، ومُتَعَلِّقُ الظُّلْمِ الإشْراكُ، ووَضْعُ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقِيلَ: الكَفُّ عَنِ الِاعْتِراضِ عَلى ما فَعَلَ السّامِرِيُّ، وعَدَمُ الإنْكارِ عَلَيْهِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالحالِ الإشْعارُ بِكَوْنِ الِاتِّخاذِ ظُلْمًا بِزَعْمِهِمْ أيْضًا، لَوْ راجَعُوا عُقُولَهم بِأدْنى تَأمُّلٍ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ غَيْرُ حالٍ، بَلْ مُجَرَّدُ إخْبارٍ أنَّ سَجِيَّتَهُمُ الظُّلْمُ، وإنَّما راجَ فِعْلُ السّامِرِيِّ عِنْدَهم لِغايَةِ حُمْقِهِمْ، وتَسَلُّطِ الشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ سائِرُ أفْعالِهِمْ، واتِّخاذُ السّامِرِيِّ لَهُمُ العِجْلَ دُونَ سائِرِ الحَيَواناتِ قِيلَ: لِأنَّهم مَرُّوا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم عَلى صُوَرِ البَقَرِ، فَقالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ فَهَجَسَ في نَفْسِ السّامِرِيِّ أنَّ فِتْنَتَهم مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فاتَّخَذَ لَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ هو مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، وكانَ مُنافِقًا فاتَّخَذَ عِجْلًا مِن جِنْسِ ما يَعْبُدُهُ.

البقرة 2:52

﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ثُمَّ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ فِعْلِهِمُ القَبِيحِ ولُطْفِهِ تَعالى في شَأْنِهِمْ، فَلا يَكُونُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ تَكْرارًا، وعَفا بِمَعْنى دَرَسَ يَتَعَدّى ولا يَتَعَدّى، كَعَفَتِ الدّارُ وعَفاها الرِّيحُ، والمُرادُ بِالعَفْوِ هُنا مَحْوُ الجَرِيمَةِ بِالتَّوْبَةِ، وذَلِكَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ (ذَلِكُمْ)، والإشارَةُ لِلِاتِّخاذِ كَما هو الظّاهِرُ، وإيثارُها لِكَمالِ العِنايَةِ بِتَمْيِيزِهِ، كَأنَّهُ يَجْعَلُ ظُلْمَهم مُشاهِدًا لَهُمْ، وصِيغَةُ البَعِيدِ مَعَ قُرْبِهِ لِتَعْظِيمِهِ لِيَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى جَلالَةِ قَدْرِ العَفْوِ، والمُرادُ بِالتَّرَجِّي ما عَلِمْتَ، والمَشْهُورُ هُنا كَوْنُهُ مَجازًا عَنْ طَلَبِ الشُّكْرِ عَلى العَفْوِ، ومَن قَدَّرَ الإرادَةَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ أرادَ مُطْلَقَ الطَّلَبِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِزالِ إذْ لا نِزاعَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَطْلُبُ مِنَ العِبادِ ما لا يَقَعُ، والشُّكْرُ عِنْدَ الجُنَيْدِ هو العَجْزُ عَنِ الشُّكْرِ، وعِنْدَ الشِّبْلِيِّ: التَّواضُعُ تَحْتَ رُؤْيَةِ المِنَّةِ، وقالَ ذُو النُّونِ: الشُّكْرُ لِمَن فَوْقَكَ بِالطّاعَةِ، ولِنَظِيرِكَ بِالمُكافَآتِ، ولِمَن دُونَكَ بِالإحْسانِ.

البقرة 2:53

﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ الكِتابُ التَّوْراةُ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ صفحة 259 وفِي الفُرْقانِ أقْوالٌ، الأوَّلُ: إنَّهُ هو التَّوْراةُ أيْضًا، والعَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ الصِّفاتِ، لِلْإشارَةِ إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها، فَإنَّ التَّوْراةَ لَها صِفَتانِ يُقالانِ بِالتَّشْكِيكِ، كَوْنُها كِتابًا جامِعًا لِما لَمْ يَجْمَعْهُ مُنَزَّلٌ سِوى القُرْآنِ، وكَوْنُها فُرْقانًا، أيْ حُجَّةً تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا﴾ الثّانِي: أنَّهُ الشَّرْعُ الفارِقُ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، فالعَطْفُ مِثْلُهُ في تَنَزُّلِ المَلائِكَةِ والرُّوحِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، الثّالِثُ: أنَّهُ المُعْجِزاتُ الفارِقَةُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِنَ العَصا، واليَدِ، وغَيْرِهِما، قالَهُ مُجاهِدٌ، الرّابِعُ: أنَّهُ النَّصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ العَدُوِّ، والوَلِيِّ، وكانَ آيَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهُ قِيلَ لِيَوْمِ بَدْرٍ: يَوْمُ الفُرْقانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، ومَعْنى إتْيانِهِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نُزُولُ ذِكْرِهِ لَهُ حَتّى آمَنَ بِهِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وهو بَعِيدٌ وأبْعَدُ مِنهُ ما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ، وقُطْرُبٍ أنَّهُ القُرْآنُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مَفْعُولٍ، أيْ ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ، وناسَبَ ذِكْرُ الِاهْتِداءِ إثْرَ ذِكْرِ إتْيانِ مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ، لِأنَّهُما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما ذَلِكَ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.

البقرة 2:54

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ نِعْمَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ في حَقِّ المَقْتُولِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ نالُوا دَرَجَةَ الشُّهَداءِ كَما أنَّ العَفْوَ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ في حَقِّ الباقِينَ، وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ آتَيْنا﴾ إلَخْ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَعْدادُ النِّعَمِ، فَلَوِ اتَّصَلا لَصارا نِعْمَةً واحِدَةً، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها مُنْقَطِعَةٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واللّامُ في (لِقَوْمِهِ) لِلتَّبْلِيغِ، وفائِدَةُ ذِكْرِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ خِطابَ مُوسى لِقَوْمِهِ كانَ مُشافَهَةً، لا بِتَوَسُّطِ مَن يَتَلَقّى مِنهُ، كالخِطاباتِ المَذْكُورَةِ سابِقًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، والقَوْمُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وإنَّما واحِدُهُ امْرُؤٌ، وقِياسُهُ أنْ لا يُجْمَعَ، وشَذَّ جَمْعُهُ عَلى أقاوِيمَ، والمَشْهُورُ اخْتِصاصُهُ بِالرِّجالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ولا نِساءٌ مِن نِساءٌ﴾ وقالَ زُهَيْرٌ: فَما أدْرِي وسَوْفَ أخالُ أدْرِي أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ وقِيلَ: لا اخْتِصاصَ لَهُ بِهِمْ، بَلْ يُطْلَقُ عَلى النِّساءِ أيْضًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ والأوَّلُ أصْوَبُ، وانْدِراجُ النِّساءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِتْباعِ والتَّغْلِيبِ والمَجازِ، خَيْرٌ مِنَ الِاشْتِراكِ، وسُمِّيَ الرِّجالُ قَوْمًا لِأنَّهم يَقُومُونَ بِما لا يَقُومُ بِهِ النِّساءُ، وفي إقْبالِ مُوسى عَلَيْهِمْ بِالنِّداءِ، ونِداؤُهُ لَهم (بِياقَوْمِ) إيذانٌ بِالتَّحَنُّنِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ مِنهُمْ، وهم مِنهُ، وهَزَّ لَهم لِقَبُولِهِمُ الأمْرَ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ تَقْرِيعِهِمْ بِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، والباءُ في ﴿بِاتِّخاذِكُمُ﴾ سَبَبِيَّةٌ، وفي الِاتِّخاذِ هُنا الِاحْتِمالانِ السّابِقانِ هُناكَ، ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ﴾ الفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، لِأنَّ الظُّلْمَ سَبَبٌ لِلتَّوْبَةِ، وقَدْ عَطَفَتْ ما بَعْدَها عَلى ﴿إنَّكم ظَلَمْتُمْ﴾ والتَّوافُقُ في الخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ إنَّما يُشْتَرَطُ في العَطْفِ بِالواوِ، وتُشْعِرُ عِباراتُ بَعْضِ النّاسِ أنَّها لِلسَّبَبِيَّةِ دُونَ العَطْفِ، والتَّحْقِيقُ أنَّها لَهُما مَعًا، والبارِئُ هو الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ بَرْيًا مِنَ التَّفاوُتِ وعَدَمِ تَناسُبِ الأعْضاءِ وتَلائُمِ الأجْزاءِ بِأنْ تَكُونَ إحْدى اليَدَيْنِ في غايَةِ الصِّغَرِ، والرِّقَّةِ، والأُخْرى بِخِلافِهِ، ومُتَمَيِّزًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، بِالخَواصِّ والأشْكالِ والحُسْنِ والقُبْحِ، فَهو أخَصُّ مِنَ الخالِقِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِخُلُوصِ الشَّيْءِ وانْفِصالِهِ عَنْ غَيْرِهِ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّفَصِّي كَبُرْءِ المَرِيضِ، أوِ الإنْشاءِ، كَبَرَأ اللَّهُ تَعالى آدَمَ، أيْ خَلَقَهُ ابْتِداءً مُتَمَيِّزًا عَنْ لَوَثِ الطِّينِ، وفي ذِكْرِهِ في هَذا المَقامِ تَقْرِيعٌ بِما كانَ مِنهم مِن تَرْكِ عِبادَةِ العالِمِ الحَكِيمِ الَّذِي بَرَأهم بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ حَتّى عَرَّضُوا أنْفُسَهم لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى، ونُزُولِ أمْرِهِ بِأنْ يَفُكَّ ما رَكَّبَهُ مِن خَلْقِهِمْ صفحة 260 ويَنْثُرَ ما نَظَمَ مِن صُوَرِهِمْ وأشْكالِهِمْ، حِينَ لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ في ذَلِكَ وغَمَطُوها بِعِبادَةِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنها، وهو مَثَلٌ في الغَباوَةِ والبَلادَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (بارِئِكُمْ) بِالِاخْتِلاسِ، ورُوِيَ عَنْهُ السُّكُونُ أيْضًا، وهو مِن إجْراءِ المُتَّصِلِ مِن كَلِمَتَيْنِ مَجْرى المُنْفَصِلِ مِن كَلِمَةٍ، ولِلنّاسِ في تَخْرِيجِهِ وُجُوهٌ لا تَخْلُو عَنْ شُذُوذٍ. ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، والمُتَبادِرُ مِنَ القَتْلِ القَتْلُ المَعْرُوفُ مِن إزْهاقِ الرُّوحِ، وعَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والفِعْلُ مَعْطُوفٌ عَلى سابِقِهِ، فَإنْ كانَتْ تَوْبَتُهم هو القَتْلَ، إمّا في حَقِّهِمْ خاصَّةً، أوْ تَوْبَةَ المُرْتَدِّ مُطْلَقًا في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُوبُوا﴾ اعْزِمُوا عَلى التَّوْبَةِ لِيَصِحَّ العَطْفُ، وإنْ كانَتْ هي النَّدَمَ، والقَتْلُ مِن مُتَمِّماتِها كالخُرُوجِ عَنِ المَظالِمِ في شَرِيعَتِنا، فَهو عَلى مَعْناهُ، ولا إشْكالَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّوْبَةَ جُعِلَتْ لِهَؤُلاءِ عَيْنَ القَتْلِ ولا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ (تُوبُوا) بِاعْزِمُوا، بَلْ تُجْعَلُ الفاءُ لِلتَّفْسِيرِ، كَما تُجْعَلُ الواوُ لَهُ، وقَدْ قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ وظاهِرُ الأمْرِ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يُباشِرَ كُلٌّ قَتْلَ نَفْسِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَمَعْنى ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ حِينَئِذٍ لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ والمُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ أمَرَ مَن لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ أنْ يَقْتُلَ مَن عَبَدَهُ، والمَعْنى عَلَيْهِ: اسْتَسْلِمُوا أنْفُسُكم لِلْقَتْلِ، وسَمّى الِاسْتِسْلامَ لِلْقَتْلِ قَتْلًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، والقاتِلُ إمّا غَيْرُ مُعَيَّنٍ، أوِ الَّذِينَ اعْتَزَلُوا مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي كَيْفِيَّةِ القَتْلِ أخْبارٌ لا نُطِيلُ بِذِكْرِها، وجُمْلَةُ القَتْلى سَبْعُونَ ألْفًا، وبِتَمامِها نَزَلَتِ التَّوْبَةُ، وسَقَطَتِ الشِّفارُ مِن أيْدِيهِمْ، وأنْكَرَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وقالَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ عَقْلًا، إذِ الأمْرُ لِمَصْلَحَةِ المُكَلَّفِ، ولَيْسَ بَعْدَ القَتْلِ حالُ تَكْلِيفٍ لِيَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، ولَمْ يَدْرِ هَذا القاضِي بِأنَّ لِنُفُوسِنا خالِقًا بِأمْرِهِ نَسْتَبْقِيها، وبِأمْرِهِ نُفْنِيها، وأنَّ لَها بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الَّتِي هي لَعِبٌ ولَهْوٌ حَياةً سَرْمَدِيَّةً، وبَهْجَةً أبَدِيَّةً، وأنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ، وأنَّ قَتْلَها بِأمْرِهِ يُوصِلُها إلى حَياةٍ خَيْرٍ مِنها، ومَن عَلِمَ أنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ الدُّنْيا كَمُجاهِدٍ أُقِيمَ في ثَغْرٍ يَحْرُسُهُ، ووالٍ في بَلَدٍ يَسُوسُهُ، وأنَّهُ مَهْما اسْتَرَدَّ فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَأْمُرَهُ المَلِكُ بِخُرُوجِهِ بِنَفْسِهِ، أوْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِإخْراجِهِ، وهَذا واضِحٌ لِمَن تَصَوَّرَ حالَتَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وعَرَفَ قَدْرَ الحَياتَيْنِ، والمِيتَتَيْنِ فِيهِما، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ اسْتَبْعَدَ وُقُوعَهُ فَقالَ: مَعْنى ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ ذَلِّلُوا ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: إنَّ الَّتِي عاطَيْتَنِي فَرَدَدْتُها ∗∗∗ قُتِلَتْ قُتِلَتْ فَهاتِها لَمْ تُقْتَلِ ولَوْلا أنَّ الرِّواياتِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ لَقُلْتُ بِهِ تَفْسِيرًا، ونُقِلَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قَرَأ (فَأقِيلُوا أنْفُسَكُمْ)، والمَعْنى أنَّ أنْفُسَكم قَدْ تَوَرَّطَتْ في عَذابِ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الفِعْلِ العَظِيمِ الَّذِي تَعاطَيْتُمُوهُ، وقَدْ هَلَكَتْ، فَأقِيلُوها بِالتَّوْبَةِ، والتِزامِ الطّاعَةِ، وأزِيلُوا آثارَ تِلْكَ المَعاصِي بِإظْهارِ الطّاعاتِ. ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّحْرِيضِ عَلى التَّوْبَةِ أوْ مُعَلِّلَةٌ، والإشارَةُ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِمّا تَقَدَّمَ، وخَيْرٌ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ حُذِفَتْ هَمْزَتَهُ، ونَطَقُوا بِها في الشِّعْرِ قالَ الرّاجِزُ: بِلالٌ خَيْرُ النّاسِ وابْنُ الأخْيَرِ وقَدْ تَأْتِي، ولا تَفْضِيلَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم مِنَ العِصْيانِ والإصْرارِ عَلى الذَّنْبِ، أوْ خَيْرٌ مِن ثَمَرَةِ العِصْيانِ، وهو الهَلاكُ الدّائِمُ، والكَلامُ عَلى حَدِّ العَسَلِ أحْلى مِنَ الخَلِّ، أوْ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ كائِنٌ لَكم. صفحة 261 والعِنْدِيَّةُ هُنا مَجازٌ، وكُرِّرَ البارِئُ بِلَفْظِ الظّاهِرِ اعْتِناءً بِالحَثِّ عَلى التَّسْلِيمِ لَهُ في كُلِّ حالٍ، وتَلَقِّي ما يَرِدُ مِن قِبَلِهِ بِالقَبُولِ والِامْتِثالِ، فَإنَّهُ كَما رَأى الإنْشاءَ راجِحًا فَأنْشَأ، رَأى الإعْدامَ راجِحًا فَأمَرَ بِهِ، وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ. ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ قَدْ، إنْ كانَ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُمْ، تَقْدِيرُهُ إنْ فَعَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ، فَقَدْ تابَ عَلَيْكُمْ، ومَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، إنْ كانَ خِطابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، كَأنَّهُ قالَ: فَفَعَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ فَتابَ عَلَيْكم بارِئُكُمْ، وفِيهِ التِفاتٌ لِتَقَدُّمِ التَّعْبِيرِ عَنْهم في كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِلَفْظِ القَوْمِ، وهو مِن قَبِيلِ الغَيْبَةِ، أوْ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ في (فَتابَ) حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَتُبْنا، ورُجِّحَ العَطْفُ لِسَلامَتِهِ مِن حَذْفِ الأداةِ، والشَّرْطِ، وإبْقاءِ الجَوابِ، وفي ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ مَقالٌ، وظاهِرُ الآيَةِ كَوْنُها إخْبارًا عَنِ المَأْمُورِينَ بِالقَتْلِ المُمْتَثِلِينَ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى القَتْلَ لِمَن قَتَلَ شَهادَةً، وتابَ عَنِ الباقِينَ، وعَفا عَنْهُمْ، فَمَعْنى (عَلَيْكُمْ) عِنْدَهُ عَلى باقِيكُمْ، ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: فَتُوبُوا، فَإنَّ التَّوْبَةَ بِالقَتْلِ لَمّا كانَتْ شاقَّةً عَلى النَّفْسِ هَوَّنَها سُبْحانَهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي يُوَفِّقُ إلَيْها، ويُسَهِّلُها، ويُبالِغُ في الإنْعامِ عَلى مَن أتى بِها، أوْ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ وتُفَسَّرُ التَّوْبَةُ مِنهُ تَعالى حِينَئِذٍ بِالقَبُولِ لِتَوْبَةِ المُذْنِبِينَ، والتَّأْكِيدُ لِسَبْقٍ المُلَوِّحِ، أوْ لِلِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ إنْ كانَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ مُبْتَدَأٌ، وهو الأنْسَبُ لِدِلالَتِهِ عَلى كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وإنْ كانَ راجِعًا إلى البارِئِ سُبْحانَهُ، فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ إمّا فَصْلٌ أوْ مُبْتَدَأٌ، هَذا وحَظُّ العارِفِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يَعْرِفَ أنَّ هَواهُ بِمَنزِلَةِ عِجْلِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلا يَتَّخِذَهُ إلَهًا، ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ خَلَقَ نَفْسَهُ في أصْلِ الفِطْرَةِ مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ فَيْضِ اللَّهِ تَعالى، والدِّينِ القَوِيمِ، ومُتَهَيِّئَةً لِسُلُوكِ المَنهَجِ المُسْتَقِيمِ، والتَّرَقِّي إلى جَنابِ القُدْسِ، وحَضْرَةِ الأُنْسِ، وهَذا هو الكِتابُ الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى القَلْبُ، والفُرْقانُ الَّذِي يُهْتَدى بِنُورِهِ في لَيالِي السُّلُوكِ إلى حَضْرَةِ الرَّبِّ، فَمَتى أخْلَدَتِ النَّفْسُ إلى الأرْضِ، واتَّبَعَتْ هَواها، وآثَرَتْ شَهَواتِها عَلى مَوْلاها أُمِرَتْ بِقَتْلِها بِكَسْرِ شَهَواتِها، وقَلْعِ مُشْتَهَياتِها، لِيَصِحَّ لَها البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ، والصَّحْوُ بَعْدَ المَحْوِ، ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ الحَقِيقِيَّةُ سِوى مَحْوِ البَشَرِيَّةِ بِإثْباتِ الأُلُوهِيَّةِ، وهَذا هو الجِهادُ الأكْبَرُ، والمَوْتُ الأحْمَرُ. لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ وهَذا صَعْبٌ لا يَتَيَسَّرُ إلّا لِخَواصِّ الحَقِّ، ورِجالِ الصِّدْقِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِمُوتُوا، قَبْلَ أنْ تَمُوتُوا، وقِيلَ: أوَّلُ قَدَمٍ في العُبُودِيَّةِ إتْلافُ النَّفْسِ وقَتْلُها بِتَرْكِ الشَّهَواتِ، وقَطْعِها عَنِ المَلاذِّ، فَكَيْفَ الوُصُولُ إلى شَيْءٍ مِن مَنازِلِ الصِّدِّيقِينَ، ومَعارِجِ المُقَرَّبِينَ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ، ذاكَ بِمَعْزِلٍ عَنّا، ومَناطُ الثُّرَيّا مِنّا. تَعالَوْا نُقِمْ مَأْتَمًا لِلْهُمُومِ ∗∗∗ فَإنَّ الحَزِينَ يُواسِي الحَزِينا

البقرة 2:55

﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ القائِلُ هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِي اخْتارَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِمِيقاتِ التَّوْراةِ، قِيلَ: قالُوهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ، وقَتْلِ عَبَدَةِ العِجْلِ، وتَحْرِيقِ عِجْلِهِمْ، ويُفْهَمُ مِن بَعْضِ الآثارِ أنَّ القائِلَ أهْلُ المِيقاتِ الثّانِيِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلِاعْتِذارِ عَنْ عَبَدَةِ العِجْلِ، وكانُوا سَبْعِينَ أيْضًا، وقِيلَ: القائِلُ عَشَرَةُ آلافٍ مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِسائِرِ بَنِي إسْرائِيلَ، إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الأعْرافِ ما يَنْفَعُكَ هُنا، واللّامُ مِن (لَكَ) إمّا لامُ الأجَلِ، أوْ لِلتَّعْدِيَةِ بِتَضْمِينِ مَعْنى الإقْرارِ عَلى أنَّ مُوسى مُقِرٌّ لَهُ صفحة 262 والمُقَرُّ بِهِ مَحْذُوفٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ التَّوْراةَ، أوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّمَهُ فَأمَرَهُ ونَهاهُ، وقَدْ كانَ هَؤُلاءِ مُؤْمِنِينَ مِن قَبْلُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهم نَفَوْا هَذا الإيمانَ المُعَيَّنَ والإقْرارَ الخاصَّ، وقِيلَ: أرادُوا نَفْيَ الكَمالِ أيْ لا يَكْمُلُ إيمانُنا لَكَ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ المُؤْمِنِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)،» والقَوْلُ إنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أصْلًا لَمْ نَرَهُ لِأحَدٍ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ ﴿حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ حَتّى هُنا حَرْفُ غايَةٍ، والجَهْرَةُ في الأصْلِ مَصْدَرُ جَهَرْتُ بِالقِراءَةِ، إذا رَفَعْتَ صَوْتَكَ بِها، واسْتُعِيرَتْ لِلْمُعايَنَةِ بِجامِعِ الظُّهُورِ التّامِّ، وقالَ الرّاغِبُ: الجَهْرُ يُقالُ لِظُهُورِ الشَّيْءِ بِإفْراطِ حاسَّةِ البَصَرِ، أوْ حاسَّةِ السَّمْعِ، أمّا البَصَرُ فَنَحْوُ: رَأيْتُهُ جِهارًا، وأمّا السَّمْعُ فَنَحْوُ: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ وانْتِصابُها عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُزِيلٌ لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مَنامًا، أوْ عِلْمًا بِالقَلْبِ، وقِيلَ: عَلى أنَّها حالٌ عَلى تَقْدِيرِ: ذَوِي جَهْرَةٍ، أوْ مُجاهِرِينَ، فَعَلى الأوَّلِ الجَهْرَةُ مِن صِفاتِ الرُّؤْيَةِ، وعَلى الثّانِي مِن صِفاتِ الرّائِينَ، وثَمَّ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنْ تَكُونَ راجِعَةً لِمَعْنى القَوْلِ، أوِ القائِلِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: وإذْ قُلْتُمْ كَذا (قَوْلًا) جَهْرَةً أوْ جاهِرِينَ بِذَلِكَ القَوْلِ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ، ولا مُبالِينَ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ وغَيْرُهُ (جَهَرَةً) بِفَتْحِ الهاءِ، وهي إمّا مَصْدَرٌ كالغَلَبَةِ، ومَعْناها مَعْنى المَسْكَنَةِ، وإعْرابُها إعْرابُها، أوْ جَمْعُ جاهِرٍ كَفاسِقٍ، وفَسَقَةٍ، وانْتِصابُها عَلى الحالِ. ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ أيِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْكُمْ، وأحاطَتْ بِكُمْ، وأصْلُ الأخْذِ القَبْضُ بِاليَدِ، والصّاعِقَةُ هُنا نارٌ مِنَ السَّماءِ أحْرَقَتْهُمْ، أوْ جُنْدٌ سَماوِيٌّ سَمِعُوا حِسَّهُمْ، فَماتُوا، أوْ صَيْحَةٌ سَماوِيَّةٌ خَرُّوا لَها صَعِقِينَ، مَيِّتِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، واخْتُلِفَ في مُوسى هَلْ أصابَهُ ما أصابَهُمْ؟ والصَّحِيحُ لا، وأنَّهُ صُعِقَ، ولَمْ يَمُتْ لَظاهِرٌ، ثُمَّ أفاقَ في حَقِّهِ، وثُمَّ بَعَثْناكم إلَخْ، في حَقِّهِمْ، وقَرَأ عُمَرُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (الصَّعْقَةُ)، ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومُتَعَلِّقُ النَّظَرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الصّاعِقَةِ، أوْ أثَرِها الباقِي في أجْسامِهِمْ بَعْدَ البَعْثِ، أوْ إحْياءِ كُلٍّ مِنهم كَما وقَعَ في قِصَّةِ العُزَيْرِ، قالُوا: أحْيا عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ، والمَعْنى: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها تَأْخُذُكُمْ، أوْ: وأنْتُمْ يُقابِلُ بَعْضُكم بَعْضًا، قالَ في البَحْرِ: ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ المَعْنى: وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ إجابَةَ السُّؤالِ في حُصُولِ الرُّؤْيَةِ لَكم كانَ وجْهًا مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرْتُ الرَّجُلَ أيِ انْتَظَرْتُهُ، كَما قالَ: فَإنَّكُما إنْ تَنْظُرانِي ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعُنِي لَدى أُمِّ جُنْدُبِ لَكِنَّ هَذا الوَجْهَ غَيْرُ مَنقُولٍ، فَلا أجْسُرُ عَلى القَوْلِ بِهِ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ،

البقرة 2:56

﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ بِسَبَبِ الصّاعِقَةِ، وكانَ ذَلِكَ بِدُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومُناشَدَتِهِ رَبَّهُ بَعْدَ أنْ أفاقَ، فَفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم لَمّا ماتُوا لَمْ يَزَلْ مُوسى يُناشِدُ رَبَّهُ في إحْيائِهِمْ ويَقُولُ: يا رَبِّ، إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَقُولُونَ: قَتَلْتَ خِيارَنا، حَتّى أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى جَمِيعًا رَجُلًا بَعْدَ رَجُلٍ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، كَيْفَ يُحْيَوْنَ، والمَوْتُ هُنا ظاهِرٌ في مُفارَقَةِ الرُّوحِ الجَسَدَ، وقُيِّدَ البَعْثُ بِهِ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنْ نَوْمٍ كَما هو في شَأْنِ أصْحابِ الكَهْفِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى إرْسالِ الشَّخْصِ، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: كانَ هَذا المَوْتُ غَشَيانًا وهُمُودًا، لا مَوْتًا حَقِيقَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ ومِنهم مَن حَمَلَ المَوْتَ عَلى الجَهْلِ مَجازًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ وقَدْ شاعَ ذَلِكَ نَثْرًا أوْ نَظْمًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: صفحة 263 أخُو العِلْمِ حَيٌّ خالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وأوْصالُهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ وذُو الجَهْلِ مَيِّتٌ وهو ماشٍ عَلى الثَّرى ∗∗∗ يُظَنُّ مِنَ الأحْياءِ وهو عَدِيمُ ومَعْنى البَعْثِ عَلى هَذا التَّعْلِيمُ، أيْ ثُمَّ عَلَّمْناكم بَعْدَ جَهْلِكم ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكم بِالإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ نِعْمَتَهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ ما كَفَرْتُمُوها، إذْ رَأيْتُمْ بَأْسَ اللَّهِ تَعالى في رَمْيِكم بِالصّاعِقَةِ، وإذاقَتِكُمُ المَوْتَ، وتَكْلِيفُ مَن أُعِيدَ بَعْدَ المَوْتِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ لِئَلّا يَخْلُوَ بالِغٌ عاقِلٌ مِن تَعَبُّدٍ في هَذِهِ الدّارِ بَعْدَ بَعْثَةِ المُرْسَلِينَ، ومَن جَعَلَ البَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ مَجازًا عَنِ التَّعْلِيمِ بَعْدَ الجَهْلِ جَعَلَ مُتَعَلِّقَ الشُّكْرِ ذَلِكَ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ لَمّا أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى سَألُوا أنْ يَبْعَثَهم أنْبِياءَ فَفَعَلَ، فَمُتَعَلِّقُ الشُّكْرِ حِينَئِذٍ عَلى ما قِيلَ: هَذا البَعْثُ، وهو بَعِيدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ مُتَعَلِّقِهِ إنْزالَ التَّوْراةِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِمْ، وتَفْصِيلُ شَرائِعِهِمْ بَعْدَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهم شَرائِعُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ وطَوائِفُ مِنَ المُبْتَدِعَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ البارِي سُبْحانَهُ وتَعالى، لِأنَّها لَوْ كانَتْ مُمْكِنَةً لَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِطَلَبِها، والجَوابُ أنَّ أخْذَ الصّاعِقَةِ لَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ الطَّلَبِ، ولَكِنْ لِما انْضَمَّ إلَيْهِ مِنَ التَّعَنُّتِ، وفَرْطِ العِنادِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَساقُ الكَلامِ، حَيْثُ عَلَّقُوا الإيمانَ بِها، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الأخْذُ لِكُفْرِهِمْ بِإعْطاءِ اللَّهِ تَعالى التَّوْراةَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَلامِهِ إيّاهُ، أوْ نُبُوَّتِهِ، لا لِطَلَبِهِمْ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهم لَمّا لَمْ يَكُونُوا مُتَأهِّلِينَ لِرُؤْيَةِ الحَقِّ في هَذِهِ النَّشْأةِ كانَ طَلَبُهم لَها ظُلْمًا، فَعُوقِبُوا بِما عُوقِبُوا، ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِها مُطْلَقًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ هَذِهِ المَسْألَةِ بِوَجْهٍ لا غُبارَ عَلَيْهِ،

البقرة 2:57

﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿بَعَثْناكُمْ﴾ وقِيلَ: عَلى (قُلْتُمْ)، والأوَّلُ أظْهَرُ لِلْقُرْبِ، والِاشْتِراكِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ مَعَ التَّناسُبِ في المُسْنَدَيْنِ في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما نِعْمَةً بِخِلافِ (قُلْتُمْ)، فَإنَّهُ تَمْهِيدٌ لَها، وإفادَتُهُ تَأْخِيرُ التَّظْلِيلِ والإنْزالِ عَنْ واقِعَةِ طَلَبِهِمُ الرُّؤْيَةَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، لا بُدَّ لِتَرْكِ كَلِمَةِ (إذْ) ها هُنا مِن نُكْتَةٍ، ولَعَلَّها الِاكْتِفاءُ بِالدِّلالَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما نِعْمَةً مُسْتَقِلَّةً مَعَ التَّحَرُّزِ عَنْ تَكْرارِها في ظَلَّلْنا، وأنْزَلْنا، والغَمامُ اسْمُ جِنْسٍ كَحَمامَةٍ وحَمامٍ، وهو السَّحابُ، وقِيلَ: ما ابْيَضَّ مِنهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبْرَدُ مِنَ السَّحابِ، وأرَقُّ، وسُمِّيَ غَمامًا لِأنَّهُ يَغُمُّ وجْهَ السَّماءِ، ويَسْتُرُهُ، ومِنهُ الغَمُّ، والغَمَمُ، وهَلْ كانَ غَمامًا حَقِيقَةً أوْ شَيْئًا يُشْبِهُهُ وسُمِّيَ بِهِ؟ قَوْلانِ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، وهو مَفْعُولُ (ظَلَّلْنا)، عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: ظَلَّلْتُ عَلى فُلانٍ بِالرِّداءِ، أوْ بِلا إسْقاطٍ، والمَعْنى: جَعَلْنا الغَمامَ عَلَيْكم ظُلَّةً، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِقِتالِ الجَبّارِينَ، وامْتَنَعُوا، وقالُوا: ”اذْهَبُ أنْتَ ورَبُّك فَقاتَلا“ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالتِّيهِ بَيْنَ الشّامِ ومِصْرَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وشَكَوْا حَرَّ الشَّمْسِ، فَلَطَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ بِإظْلالِ الغَمامِ وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وقِيلَ: لَمّا خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ وقَعُوا بِأرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ، لَيْسَ فِيها ماءٌ ولا ظِلٌّ، فَشَكَوُا الحَرَّ، فَوُقُوا بِهِ، وقِيلَ: الَّذِينَ ظُلِّلُوا بِالغَمامِ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أجْرى العادَةَ فِيهِمْ أنَّ مَن عَبَدَ ثَلاثِينَ سَنَةً لا يُحْدِثُ فِيها ذَنْبًا أظَلَّتْهُ الغَمامَةُ، وكانَ فِيهِمْ جَماعَةٌ يُسَمَّوْنَ أصْحابَ غَمائِمَ، فامْتَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ فِيهِمْ مَن لَهُ هَذِهِ الكَرامَةُ الظّاهِرَةُ، والنِّعْمَةُ الباهِرَةُ، ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ المَنُّ اسْمُ جِنْسٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ التُّرُنْجَبِينُ، وهو شَيْءٌ يُشْبِهُ الصَّمْغَ حُلْوٌ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الحُمُوضَةِ، كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ كالطَّلِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ في كُلِّ يَوْمٍ، إلّا يَوْمَ السَّبْتِ، وكانَ كُلُّ شَخْصٍ مَأْمُورًا بِأنْ يَأْخُذَ قَدْرَ صاعٍ كُلَّ يَوْمٍ، أوْ ما يَكْفِيهِ يَوْمًا ولَيْلَةً، ولا يَدَّخِرَ إلّا يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَإنَّ ادِّخارَ حِصَّةِ السَّبْتِ كانَ مُباحًا فِيهِ، وعَنْ وهَبٍ: إنَّهُ الخُبْزُ الرُّقاقُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ ما مَنَّ اللَّهُ تَعالى صفحة 264 بِهِ عَلَيْهِمْ في التِّيهِ، وجاءَهم عَفْوًا بِلا تَعَبٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ)،» والسَّلْوى اسْمُ جِنْسٍ أيْضًا، واحِدُها سَلْواةٌ كَما قالَهُ الخَلِيلُ، ولَيْسَتِ الألِفُ فِيها لِلتَّأْنِيثِ، وإلّا لَما أُنِّثَتْ بِالهاءِ في قَوْلِهِ: كَما انْتَفَضَ السَّلَواتُ مِن بَلَلِ القَطْرِ وقالَ الكِسائِيُّ: السَّلْوى واحِدَةٌ وجَمْعُها سَلاوى، وعِنْدَ الأخْفَشِ الجَمْعُ والواحِدُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وقِيلَ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهو طائِرٌ يُشْبِهُ السُّمانى أوْ هو السُّمانى بِعَيْنِها، وكانَتْ تَأْتِيهِمْ مِن جِهَةِ السَّماءِ بُكْرَةً وعَشِيًّا، أوْ مَتى أحَبُّوا، فَيَخْتارُونَ مِنها السَّمِينَ ويَتْرُكُونَ مِنها الهَزِيلَ، وقِيلَ: إنَّ رِيحَ الجَنُوبِ تَسُوقُها إلَيْهِمْ، فَيَخْتارُونَ مِنها حاجَتَهُمْ، ويَذْهَبُ الباقِي، وفي رِوايَةٍ: (كانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مَطْبُوخَةً ومَشْوِيَّةً)، وسُبْحانَ مَن يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ، وذَكَرَ السَّدُوسِيُّ أنَّ السَّلْوى هو العَسَلُ بِلُغَةِ كِنانَةَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: وقاسَمْتُها بِاللَّهِ جَهْرًا لَأنْتَمْ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: (إنَّهُ غَلَطٌ) غَلَطٌ، واشْتِقاقُها مِنَ السَّلْوَةِ لِأنَّها لِطِيبِها تُسَلِّي عَنْ غَيْرِها، وعَطْفُها عَلى بَعْضِ وُجُوهٍ المَنَّ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ، ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أمْرُ إباحَةٍ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ وقُلْنا، أوْ قائِلِينَ، والطَّيِّباتُ المُسْتَلَذّاتُ، وذَكَرَها لِلْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ، أوِ الحَلالاتُ، فَهو لِلنَّهْيِ عَنِ الِادِّخارِ، (ومِن) لِلتَّبْعِيضِ، وأبْعَدَ مَن جَعَلَها لِلْجِنْسِ أوْ لِلْبَدَلِ، ومِثْلُهُ مَن زَعَمَ أنَّ هَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن عِوَضِ طَيِّباتٍ قائِلًا: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَوَّضَهم عَنْ جَمِيعِ مَآكِلِهِمُ المُسْتَلَذَّةِ مِن قَبْلُ بِالمَنِّ والسَّلْوى، فَكانا بَدَلًا مِنَ الطَّيِّباتِ، (وما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ رَزَقْناكُمُوهُ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، واسْتَنْبَطَ بَعْضُهم مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَكْفِي وضْعُ المالِكِ الطَّعامَ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ في إباحَةِ الأكْلِ، بَلْ لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِ المالِكِ، وهو أحَدُ أقْوالٍ في المَسْألَةِ، ﴿وما ظَلَمُونا﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ (فَعَصَوْا)، ولَمْ يُقابِلُوا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ، أوْ فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا هَذِهِ النِّعَمَ، وما ظَلَمُونا بِذَلِكَ، ويَجُوزُ كَما في البَحْرِ أنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ قَدْ صَدَرَ مِنهُمُ ارْتِكابُ قَبائِحَ مِنَ اتِّخاذِ العِجْلِ إلَهًا، وسُؤالِ رُؤْيَتِهِ تَعالى ظُلْمًا، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما ظَلَمُونا﴾ بِجُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما وقَعَ مِنهم مِن تِلْكَ القَبائِحِ لَمْ يَصِلْ إلَيْنا مِنها نَقْصٌ ولا ضَرَرٌ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ نَفْيِ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ إمْكانُ وُقُوعِهِ، لِأنَّ ظُلْمَ الإنْسانِ لِلَّهِ تَعالى لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ البَتَّةَ، ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِالكُفْرانِ، أوْ بِما فَعَلُوا إذْ لا يَتَخَطّاهم ضَرَرُهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلدِّلالَةِ عَلى القَصْرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّفْيُ السّابِقُ، وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدِّلالَةِ عَلى تَمادِيهِمْ في الظُّلْمِ، واسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِ، وفي ذِكْرِ أنْفُسِهِمْ بِجَمْعِ القِلَّةِ تَحْقِيرٌ لَهُمْ، وتَقْلِيلٌ، والنَّفْسُ العاصِيَةُ أقَلُّ مِن كُلِّ قَلِيلٍ،

البقرة 2:58

﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والمَفْعُولِيَّةِ عِنْدَ الأخْفَشِ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالدُّخُولِ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كالأوامِرِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، والقَرْيَةُ بِفَتْحِ القافِ والكَسْرِ لُغَةُ أهْلِ اليَمَنِ المَدِينَةُ مِن قَرَيْتُ إذا جَمَعْتَ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَجْمَعُ النّاسَ عَلى طَرِيقَةِ المُساكَنَةِ، وقِيلَ: إنْ قَلُّوا قِيلَ لَها: قَرْيَةٌ، وإنْ كَثُرُوا قِيلَ لَها مَدِينَةٌ، وأنْهى بَعْضُهم حَدَّ القِلَّةِ إلى ثَلاثَةٍ، والجَمْعُ القُرى عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقِياسُ أمْثالِهِ فِعالٌ كَظَبْيَةٍ وظِباءٍ، وفي المُرادِ بِها هُنا خِلافٌ جَمٌّ صفحة 265 والمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ وغَيْرِهِمْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، وقَدْ كانَ هَذا الأمْرُ بَعْدَ التِّيهِ، والتَّحَيُّرِ، وهو أمْرُ إباحَةٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ (فَكُلُوا) إلَخْ، وهو غَيْرُ الأمْرِ المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وهو أمْرُ تَكْلِيفٍ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ النَّهْيِ، ومِنهم مَن زَعَمَ اتِّحادَهُما، وجَعَلَ هَذا الأمْرَ أيْضًا لِلتَّكْلِيفِ، وحَمْلُ تَبْدِيلِ الأمْرِ عَلى عَدَمِ امْتِثالِهِ بِناءً عَلى أنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا القُدْسَ في حَياةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهم مَنِ ادَّعى اخْتِلافَهُما، لَكِنَّهُ زَعَمَ أنَّ ما هُنا كانَ بَعْدَ التِّيهِ عَلى لِسانِ يُوشَعَ لا عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، لِأنَّهُ وأخاهُ هارُونَ ماتا في التِّيهِ، وفَتَحَ يُوشَعُ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ أرْضَ الشّامِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ، ومِنهم مَن قالَ: الأمْرُ في التِّيهِ بِالدُّخُولِ بَعْدَ الخُرُوجِ عَنْهُ، ولا يَخْفى ما في كُلٍّ، فالأظْهَرُ ما ذَكَرْنا، وقَدْ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سارَ بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ التِّيهِ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى أرِيحاءَ، وهي بِأرْضِ القُدْسِ، وكانَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلى مُقَدِّمَتِهِ، فَفَتَحَها، وأقامَ بِها ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ قُبِضَ، وكَأنَّهم أُمِرُوا بَعْدَ الفَتْحِ بِالدُّخُولِ عَلى وجْهِ الإقامَةِ والسُّكْنى كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: (فَكُلُوا) إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى في الأعْرافِ: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ ويُؤَيِّدُ كَوْنَهُ بَعْدَ الفَتْحِ الإشارَةُ بِلَفْظِ القَرِيبِ، والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ مَنزِلَةَ القَرِيبِ تَرْوِيجًا لِلْأمْرِ بَعِيدٌ، ولا يُنافِي هَذا ما مَرَّ مِن أنَّهُ ماتَ في التِّيهِ، لِأنَّ المُرادَ بِهِ المَفازَةُ لا التِّيهُ، مَصْدَرُ تاهَ يَتِيهُ تِيهًا بِالكَسْرِ والفَتْحِ وتَيَهانًا، إذا ذَهَبَ مُتَحَيِّرًا فَلْيُفْهَمْ، ﴿فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ أيْ واسِعًا هَنِيئًا، ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوِ الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وفي الكَلامِ إشارَةٌ إلى حِلِّ جَمِيعِ مَواضِعِها لَهُمْ، أوِ الإذْنِ بِنَقْلِ حاصِلِها إلى أيِّ مَوْضِعٍ شاؤُوا مَعَ دِلالَةِ (رَغَدًا) عَلى أنَّهم مُرَخَّصُونَ بِالأكْلِ مِنها واسِعًا، ولَيْسَ عَلَيْهِمُ القَناعَةُ لِسَدِّ الجَوْعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعْدًا لَهم بِكَثْرَةِ المَحْصُولاتِ، وعَدَمِ الغَلاءِ، وأُخِّرَ هَذا المَنصُوبُ هُنا مَعَ تَقْدِيمِهِ في آيَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلُ لِمُناسَبَةِ الفاصِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ والخِلافُ في نَصْبِ البابِ كالخِلافِ في نَصْبِ ﴿هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ والمُرادُ بِها عَلى المَشْهُورِ أحَدُ أبْوابِ بَيْتِ القُدْسِ، وتُدْعى الآنَ بابَ حِطَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: البابُ الثّامِنُ مِن أبْوابِهِ، ويُدْعى الآنَ بابَ التَّوْبَةِ، وعَلَيْهِ مُجاهِدٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانَتْ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ، يَتَعَبَّدانِ فِيها، وجُعِلَتْ قِبْلَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ في التِّيهِ، وفي وصْفِها أُمُورٌ غَرِيبَةٌ في القِصَصِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، (وسُجَّدًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (ادْخُلُوا)، والمُرادُ خُضَّعًا مُتَواضِعِينَ، لِأنَّ اللّائِقَ بِحالِ المُذْنِبِ التّائِبِ والمُطِيعِ المُوافِقِ الخُشُوعُ والمَسْكَنَةُ، ويَجُوزُ حَمْلُ السُّجُودِ عَلى المَعْنى الشَّرْعِيِّ، والحالُ مُقارِنَةٌ أوْ مُقَدَّرَةٌ، ويُؤَيِّدُ الثّانِيَ ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ في مَعْنى الآيَةِ: إذا دَخَلْتُمُوهُ فاسْجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ، أيْ عَلى ما أنْعَمَ عَلَيْكم حَيْثُ أخْرَجَكم مِنَ التِّيهِ، ونَصَرَكم عَلى مَن كُنْتُمْ مِنهُ تَخافُونَ، وأعادَكم إلى ما تُحِبُّونَ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: أُمِرُوا بِالسُّجُودِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى البابِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى وتَواضُعًا لَمْ نَقِفْ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن كِتابٍ وسُنَّةٍ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ السُّجُودَ هُنا بِالرُّكُوعِ، وبَعْضُهم بِالتَّطامُنِ والِانْحِناءِ قالُوا: وأُمِرُوا بِذَلِكَ لِأنَّ البابَ كانَ صَغِيرًا ضَيِّقًا، يَحْتاجُ الدّاخِلُ فِيهِ إلى انْحِناءٍ، وفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ، وقُولُوا: حِطَّةٌ، أيْ مَسْألَتُنا أوْ شَأْنُكَ يا رَبَّنا أنْ تَحُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا، وهي فِعْلَةٌ مِنَ الحَطِّ كالجِلْسَةِ، وذَكَرَ أبانُ إنَّها بِمَعْنى التَّوْبَةِ، وأنْشَدَ: فازَ بِالحِطَّةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّـــــــ ـــــهُ بِها ذَنْبَ عَبْدِهِ مَغْفُورا صفحة 266 والحَقُّ أنَّ تَفْسِيرَها بِذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، ومِنَ البَعِيدِ قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: إنَّ المَعْنى أمْرُنا حِطَّةٌ، أيْ أنْ نَحُطَّ في هَذِهِ القَرْيَةِ، ونُقِيمَ بِها، لِعَدَمِ ظُهُورِ تَعَلُّقِ الغُفْرانِ بِهِ، وتَرَتُّبِ التَّبْدِيلِ عَلَيْهِ، إلّا أنْ يُقالَ: كانُوا مَأْمُورِينَ بِهَذا القَوْلِ عِنْدَ الحَطِّ في القَرْيَةِ لِمُجَرَّدِ التَّعَبُّدِ، وحِينَ لَمْ يَعْرِفُوا وجْهَ الحِكْمَةِ بَدَّلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنَّصْبِ بِمَعْنى حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً، أوْ نَسْألُكَ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ (لِقُولُوا) أيْ قُولُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ بِعَيْنِها، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَفْعُولُ القَوْلِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ يَكُونُ مُفْرَدًا إذا أُرِيدَ بِهِ لَفْظُهُ، ولا عِبْرَةَ بِما في البَحْرِ مِنَ المَنعِ، إلّا أنَّهُ يُبْعِدُ هَذا أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ، وهم ما كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها، ولِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا قَوْلًا دالًّا عَلى التَّوْبَةِ والنَّدَمِ حَتّى لَوْ قالُوا: اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَغْفِرُكَ ونَتُوبُ إلَيْكَ، لَكانَ المَقْصُودُ حاصِلًا، ولا تَتَوَقَّفُ التَّوْبَةُ عَلى ذِكْرِ لَفْظَةٍ بِعَيْنِها، ولِهَذا قِيلَ: الأوْجَهُ في كَوْنِها مَفْعُولًا لِقُولُوا أنَّ يُرادَ: قُولُوا أمْرًا حاطًّا لِذُنُوبِكم مِنَ الِاسْتِغْفارِ، وحِينَئِذٍ يَزُولُ عَنْ هَذا الوَجْهِ الغُبارُ، ثُمَّ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ عَرَبِيَّةٌ مَعْلُومَةُ الِاشْتِقاقِ، والمَعْنى وهو الظّاهِرُ المَسْمُوعُ، وقالَ الأصَمُّ: هي مِن ألْفاظِ أهْلِ الكِتابِ، لا نَعْرِفُ مَعْناها في العَرَبِيَّةِ، وذَكَرَ عِكْرِمَةُ: إنَّ مَعْناها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ، ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ بِدُخُولِكُمُ البابَ سُجَّدًا، وقَوْلِكم حِطَّةٌ، والخَطايا أصْلُها خَطايِئُ بِياءٍ بَعْدَ ألِفٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ، فَأُبْدِلَتِ الياءُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ الزّائِدَةُ هَمْزَةً لِوُقُوعِها بَعْدَ الألِفِ واجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ، وأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ياءً ثُمَّ قُلِبَتْ ألِفًا، وكانَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَ ألِفَيْنِ فَأُبْدِلَتْ ياءً، وعِنْدَ الخَلِيلِ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ عَلى الياءِ، ثُمَّ فُعِلَ بِها ما ذُكِرَ، وقَرَأ نافِعٌ (يَغْفِرْ) بِالياءِ، وابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، والباقُونَ بِالنُّونِ والبِناءِ لِلْمَعْلُومِ، وهو الجارِي عَلى نِظامِ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ مِنَ السَّبْعَةِ إلّا بِلَفْظِ (خَطاياكُمْ)، وأمالَها الكِسائِيُّ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ (تُغْفَرْ) بِضَمِّ التّاءِ، وأفْرَدَ الخَطِيئَةَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإظْهارِ الرّاءِ مِن (يَغْفِرْ) عِنْدَ اللّامِ، وأدْغَمَها قَوْمٌ، قالُوا: وهو ضَعِيفٌ، ﴿وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ”قُولُوا حِطَّة“ وذُكِرَ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ، ولَمْ يَنْجَزِمْ لِأنَّ السِّينَ تَمْنَعُ الجَزاءَ عَنْ قَبُولِ الجَزْمِ، وفي إبْرازِهِ في تِلْكَ الصُّورَةِ دُونَ تَرَدُّدٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُحْسِنَ يَفْعَلُ ذَلِكَ البَتَّةَ، وفي الكَلامِ صِفَةُ الجَمْعِ مَعَ التَّفْرِيقِ، فَإنَّ ”قُولُوا حِطَّة“ جَمْعٌ، و”نَغْفِرُ لَكم وسَنَزِيدُ“ تَفْرِيقٌ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ ثَوابًا،

البقرة 2:59

﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالقَوْلِ الَّذِي قِيلَ لَهم قَوْلًا غَيْرَهُ، (فَبَدَّلَ) يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما بِنَفْسِهِ، والآخَرُ بِالياءِ، ويَدْخُلُ عَلى المَتْرُوكِ، فالذَّمُّ مُتَوَجِّهٌ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (بَدَّلَ) مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، أيْ فَقالَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا إلَخْ، والقَوْلُ بِأنَّ (غَيْرَ) مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَغَيَّرُوا قَوْلًا بِغَيْرِهِ، غَيْرُ مَرْضِيٍّ مِنَ القَوْلِ، وصَرَّحَ سُبْحانَهُ بِالمُغايَرَةِ مَعَ اسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ التَّبْدِيلِ بِدُونِها تَحْقِيقًا لِمُخالَفَتِهِمْ، وتَنْصِيصًا عَلى المُغايَرَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وظاهِرُ الآيَةِ انْقِسامٌ مِن هُناكَ إلى ظالِمِينَ، وغَيْرِ ظالِمِينَ، وأنَّ الظّالِمِينَ هُمُ الَّذِينَ بَدَّلُوا، وإنْ كانَ المُبَدِّلُ الكُلَّ، كانَ وضْعُ ذَلِكَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِالعِلَّةِ، واخْتُلِفَ في القَوْلِ الَّذِي بَدَّلُوهُ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ أنَّهم قالُوا: حَبَّةٌ في شُعَيْرَةٍ، ورَوى الحاكِمُ حِنْطَةٌ بَدَلَ حِطَّةٍ، وفي المَعالِمِ: إنَّهم قالُوا بِلِسانِهِمْ: حِطًّا سِمْقاثًا، أيْ حِنْطَةٌ حَمْراءُ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِما قِيلَ لَهُمْ، والرِّواياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وإذا صَحَّتْ يُحْمَلُ اخْتِلافُ الألْفاظِ عَلى اخْتِلافِ القائِلِينَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم تَبْدِيلٌ، ومَعْنى (فَبَدَّلُوا) لَمْ يَفْعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، لا أنَّهم أتَوْا بِبَدَلٍ لَهُ، غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وإنْ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وظاهِرُ الآيَةِ، والأحادِيثِ تُكَذِّبُهُ، صفحة 267 ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ أمْرِهِمْ، وإشْعارًا بِكَوْنِ ظُلْمِهِمْ وإضْرارِهِمْ أنْفُسَهم بِتَرْكِ ما يُوجِبُ نَجاتَها، أوْ وضْعُهم غَيْرَ المَأْمُورِ بِهِ مَوْضِعَهُ سَبَبًا لِإنْزالِ الرِّجْزِ، وهو العَذابُ، وتُكْسَرُ راؤُهُ، وتُضَمُّ، والضَّمُّ لُغَةُ بَنِي الصُّعُداتِ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ظُلْمَةٌ ومَوْتٌ، يُرْوى أنَّهُ ماتَ مِنهم في ساعَةٍ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وقالَ وهْبٌ: طاعُونٌ غَدَوْا بِهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ ماتُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلْجٌ هَلَكَ بِهِ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، فَإنْ فُسِّرَ بِالثَّلْجِ كانَ كَوْنُهُ مِنَ السَّماءِ ظاهِرًا، وإنْ بِغَيْرِهِ، فَهو إشارَةٌ إلى الجِهَةِ الَّتِي يَكُونُ مِنها القَضاءُ، أوْ مُبالَغَةٌ في عُلُوِّهِ بِالقَهْرِ، والِاسْتِيلاءِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ صِفَةً لِرِجْزًا، و﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، لِنِيابَتِهِ عَنِ العامِلِ عِلَّةً لَهُ، وكَلِمَةُ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: أنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا لِظُلْمِهِمْ عَذابًا مُقَدَّرًا بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الفِسْقِ في الزَّمانِ الماضِي، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ الجارِّ والمَجْرُورِ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـأنْزَلْنا، لِظُهُورِهِ عَلى سائِرِ الأقْوالِ، ولِئَلّا يَحْتاجَ في تَعْلِيلِ الإنْزالِ بِالفِسْقِ بَعْدَ التَّعْلِيلِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّعْلِيقِ بِالظُّلْمِ إلى القَوْلِ بِأنَّ الفِسْقَ عَيْنُ الظُّلْمِ، وكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ أنَّ الظُّلْمَ أعَمُّ، والفِسْقَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الكَبائِرِ، فَبَعْدَ وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ وُصِفُوا بِالفِسْقِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ مِنَ الكَبائِرِ، فَإنَّ الأوَّلَ بِضاعَةُ العاجِزِ، والثّانِيَ لا يَدْفَعُ رَكاكَةَ التَّعْلِيلِ، وما قِيلَ: إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلظُّلْمِ، فَيَكُونُ إنْزالُ العَذابِ مُسَبَّبًا عَنِ الظُّلْمِ المُسَبَّبِ عَنِ الفِسْقِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ ظُلْمُهُمُ المَذْكُورُ سابِقًا الَّذِي هو سَبَبُ الإنْزالِ، لا يَحْتاجُ إلى العِلَّةِ، وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (فَبَدَّلَ) إلَخْ، وتَرَتَّبَ العَذابُ عَنِ التَّبْدِيلِ عَلى أنَّ ما ورَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ مِنَ الأقْوالِ لا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ ولا تَبْدِيلُهُ بِلَفْظٍ آخَرَ، وقالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ إذا كانَتِ الكَلِمَةُ الثّانِيَةُ تَسُدُّ الأُولى، وعَلى هَذا جَرى الخِلافُ، كَما في البَحْرِ في قِراءَةِ القُرْآنِ بِالمَعْنى، ورِوايَةِ الحَدِيثِ بِهِ، وجَرى في تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ، وفي تَجْوِيزِ النِّكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ، والبَيْعِ، والتَّمْلِيكِ، والبَحْثُ مُفَصَّلٌ في مَحَلِّهِ، هَذا وقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الإمامُالرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ذُكِرَتْ في الأعْرافِ مَعَ مُخالَفَةٍ مِن وُجُوهٍ لِنِكاتٍ، الأوَّلُ: قالَ هُنا: ﴿وإذْ قُلْنا﴾ لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ النِّعَمِ، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِ المُنْعِمِ، وهُناكَ، ﴿وإذَ قِيلَ﴾ إذْ لا إبْهامَ بَعْدَ تَقْدِيمِ التَّصْرِيحِ بِهِ، الثّانِي: قالَ هُنا: ﴿ادْخُلُوا﴾ وهُناكَ ﴿اسْكُنُوا﴾ لِأنَّ الدُّخُولَ مُقَدَّمٌ، ولِذا قُدِّمَ وضْعًا المُقَدَّمُ طَبْعًا، الثّالِثُ: قالَ هُنا: ﴿خَطاياكُمْ﴾ بِجَمْعِ الكَثْرَةِ لَمّا أضافَ ذَلِكَ القَوْلَ إلى نَفْسِهِ، واللّائِقُ بِجُودِهِ غُفْرانُ الذُّنُوبِ الكَثِيرَةِ، وهُناكَ ﴿خَطِيئاتِكُمْ﴾ بِجَمْعِ القِلَّةِ، إذْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالفاعِلِ، الرّابِعُ: قالَ هُنا: ﴿رَغَدًا﴾ دُونَ هُناكَ لِإسْنادِ الفِعْلِ إلى نَفْسِهِ هُنا، فَناسَبَ ذِكْرَ الإنْعامِ الأعْظَمِ، وعَدَمَ الإسْنادِ هُناكَ. الخامِسُ: قالَ هُنا: ”ادْخِلُوا الباب سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّة“وهُناكَ بِالعَكْسِ، لِأنَّ الواوَ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ، وأيْضًا المُخاطَبُونَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم مُذْنِبِينَ، والبَعْضُ الآخَرُ ما كانُوا كَذَلِكَ، فالمُذْنِبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ اشْتِغالُهُ بِحَطِّ الذَّنْبِ مُقَدَّمًا عَلى اشْتِغالِهِ بِالعِبادَةِ، فَلا جَرَمَ، كانَ تَكْلِيفُ هَؤُلاءِ أنْ يَقُولُوا: حِطَّةٌ، ثُمَّ يَدْخُلُوا، وأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُذْنِبًا، فالأوْلى بِهِ أنْ يَشْتَغِلَ أوَّلًا بِالعِبادَةِ، ثُمَّ يَذْكُرَ التَّوْبَةَ ثانِيًا، لِلْهَضْمِ، وإزالَةِ العَجَبِ، فَهَؤُلاءِ يَجِبُ أنْ يَدْخُلُوا، ثُمَّ يَقُولُوا، فَلَمّا احْتَمَلَ كَوْنُ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ مُنْقَسِمِينَ إلى ذَيْنِ القِسْمَيْنِ لا جَرَمَ صفحة 268 ذُكِرَ حُكْمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في سُورَةٍ أُخْرى، السّادِسُ: قالَ هُنا: ﴿وسَنَزِيدُ﴾ بِالواوِ، وهُناكَ بِدُونِهِ، إذْ جَعَلَ هُنا المَغْفِرَةَ مَعَ الزِّيادَةِ جَزاءً واحِدًا لِمَجْمُوعِ الفِعْلَيْنِ، وأمّا هُناكَ فالمَغْفِرَةُ جَزاءُ قَوْلِ (حِطَّةٌ)، والزِّيادَةُ جَزاءُ الدُّخُولِ، فَتَرْكُ الواوِ يُفِيدُ تَوَزُّعِ كُلٍّ مِنَ الجَزاءَيْنِ عَلى كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ، السّابِعُ: قالَ هُناكَ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ وهُنا لَمْ يَذْكُرْ مِنهُمْ، لِأنَّ أوَّلَ القِصَّةِ هُناكَ مَبْنِيٌّ عَلى التَّخْصِيصِ بِمِن، حَيْثُ قالَ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ فَخَصَّ في آخِرِ الكَلامِ لِيُطابِقَ أوَّلَهُ، ولَمّا لَمْ يَذْكُرْ في الآياتِ الَّتِي قَبْلُ (فَبَدَّلَ) هُنا تَمْيِيزًا وتَخْصِيصًا لَمْ يَذْكُرْ في آخِرِ القِصَّةِ ذَلِكَ، الثّامِنُ: قالَ هُنا: ﴿فَأنْزَلْنا﴾ وهُناكَ ﴿فَأرْسَلْنا﴾ لِأنَّ الإنْزالَ يُفِيدُ حُدُوثَهُ في أوَّلِ الأمْرِ، والإرْسالَ يُفِيدُ تَسْلِيطَهُ عَلَيْهِمْ، واسْتِئْصالَهُ لَهُمْ، وذَلِكَ يَكُونُ بِالآخِرَةِ، التّاسِعُ: قالَ هُنا: ﴿فَكُلُوا﴾ بِالفاءِ، وهُناكَ بالأمْرِ في ”فَكُلًّا مِنها رَغْدًا“ وهو أنَّ كُلَّ فِعْلٍ عُطِفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وكانَ الفِعْلُ بِمَنزِلَةِ الشَّرْطِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ بِمَنزِلَةِ الجَزاءِ عُطِفَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ بِالفاءِ دُونَ الواوِ، فَلَمّا تَعَلَّقَ الأكْلُ بِالدُّخُولِ قِيلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَكُلُوا﴾ ولَمّا لَمْ يَتَعَلَّقِ الأكْلُ بِالسُّكُونِ في الأعْرافِ قِيلَ: ﴿وكُلُوا﴾ العاشِرُ: قالَ هُنا: ﴿يَفْسُقُونَ﴾ وهُناكَ ﴿يَظْلِمُونَ﴾ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ هُنا كَوْنَ الفِسْقِ ظُلْمًا اكْتَفى بِلَفْظِ الظُّلْمِ هُناكَ انْتَهى، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الأجْوِبَةِ مِنَ النَّظَرِ، أمّا في الأوَّلِ والثّانِي والثّامِنِ والعاشِرِ، فَلِأنَّها إنَّما تَصِحُّ إذا كانَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ مُتَقَدِّمَةً عَلى سُورَةِ الأعْرافِ نُزُولًا، كَما أنَّها مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْها تَرْتِيبًا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ كُلَّها مَدَنِيَّةٌ، وسُورَةَ الأعْرافِ كُلَّها مَكِّيَّةٌ إلّا ثَمانَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ داخِلٌ في الآياتِ المَكِّيَّةِ فَحِينَئِذٍ لا تَصِحُّ الأجْوِبَةُ المَذْكُورَةُ، وأمّا ما ذُكِرَ في التّاسِعِ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَنعُ عَدَمِ تَعَلُّقِ الأكْلِ بِالسُّكُونِ، لِأنَّهم إذا سَكَنُوا القَرْيَةَ تَتَسَبَّبُ سُكْناهم لِلْأكْلِ مِنها، كَما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقَدْ جَمَعُوا في الوُجُودِ بَيْنَ سُكْناها، والأكْلِ مِنها، فَحِينَئِذٍ لا فَرْقَ بَيْنَ (كُلُوا)، و(فَكُلُوا)، فَلا يَتِمُّ الجَوابُ، وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّهُ تَعالى وإنْ قالَ في الأعْرافِ: (وإذْ قِيلَ) لَكِنَّهُ قالَ في السُّورَتَيْنِ: (نَغْفِرْ لَكُمْ)، وأضافَ الغُفْرانَ إلى نَفْسِهِ فَبِحُكْمِ تِلْكَ اللِّياقَةِ يَنْبَغِي أنْ يَذْكُرَ في السُّورَتَيْنِ جَمْعَ الكَثْرَةِ بَلْ لا شَكَّ أنَّ رِعايَةَ (نَغْفِرْ لَكُمْ) أوْلى مِن رِعايَةِ (وإذْ قِيلَ لَهُمْ) لِتَعَلُّقِ الغُفْرانِ بِالخَطايا، كَما لا يَخْفى عَلى العارِفِ بِالمَزايا، وأمّا الرّابِعُ فَلِأنَّهُ تَعالى وإنْ لَمْ يُسْنِدِ الفِعْلَ إلى نَفْسِهِ تَعالى لَكِنَّهُ مُسْنَدٌ إلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَذْكُرَ الإنْعامَ الأعْظَمَ في السُّورَتَيْنِ، وأمّا الخامِسُ فَلِأنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ، وكَوْنُ بَعْضِهِمْ مُذْنِبِينَ، وبَعْضِهِمْ غَيْرَ مُذْنِبِينَ مُحَقَّقٌ، فَعَلى مُقْتَضى ما ذُكِرَ يَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ مُقَدَّمًا في السُّورَتَيْنِ، وأمّا السّادِسُ فَلِأنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ وأنَّ الواوَ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى (نَغْفِرْ) في مُقابَلَةِ (قُولُوا) سَواءٌ قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: (وسَنَزِيدُ) في مُقابَلَةِ (وادْخُلُوا) سَواءٌ ذَكَرَ الواوَ أوْ تَرَكَ، وأمّا السّابِعُ فَلِأنَّهُ تَعالى قَدْ ذَكَرَ هُنا قَبْلَ (فَبَدَّلَ) ما يَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ والتَّمْيِيزِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ إلَخْ، بِكافاتِ الخِطابِ، وصِيغَتِهِ، فاللّائِقُ حِينَئِذٍ أنْ يَذْكُرَ لَفْظَ (مِنهُمْ) أيْضًا، والجَوابُ الصَّحِيحُ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ السُّؤالاتِ وما حاكاها ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ لا بَأْسَ بِاخْتِلافِ العِبارَتَيْنِ، إذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَناقُضٌ، ولا تَناقُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ وقَوْلِهِ: (وكُلُوا) لِأنَّهم إذا سَكَنُوا القَرْيَةَ فَتَسَبَّبَ سُكْناهم لِلْأكْلِ مِنها، فَقَدْ جَمَعُوا في الوُجُودِ بَيْنَ سُكْناها والأكْلِ مِنها، وسَواءٌ قَدَّمُوا الحِطَّةَ عَلى دُخُولِ البابِ، أوْ أخَّرُوها، فَهم جامِعُونَ في الإيجادِ بَيْنَهُما، وتَرْكُ ذِكْرِ الرَّغَدِ لا يُناقِضُ صفحة 269 إثْباتَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ مَوْعِدٌ بِشَيْئَيْنِ بِالغُفْرانِ، والزِّيادَةِ، وطَرْحُ الواوِ لا يُخِلُّ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُرَتَّبٌ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلِ القائِلِ: ماذا بَعْدَ الغُفْرانِ؟ فَقِيلَ لَهُ: ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾، وكَذَلِكَ زِيادَةُ (مِنهُمْ) زِيادَةُ بَيانٍ، وأرْسَلْنا، وأنْزَلْنا، ويَظْلِمُونَ، ويَفْسُقُونَ، مِن دارٍ واحِدٍ، انْتَهى. وبِالجُمْلَةِ التَّفَنُّنُ في التَّعْبِيرِ لَمْ يَزَلْ دَأْبَ البُلَغاءِ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى رِفْعَةِ شَأْنِ المُتَكَلِّمِ ما لا يَخْفى، والقُرْآنُ الكَرِيمُ مَمْلُوءٌ مِن ذَلِكَ، ومَن رامَ بَيانَ سِرٍّ لِكُلِّ ما وقَعَ فِيهِ مِنهُ، فَقَدْ رامَ ما لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالكَشْفِ الصَّحِيحِ، والعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، واللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَن يَشاءُ، وسُبْحانَ مَن لا يُحِيطُ بِأسْرارِ كِتابِهِ إلّا هو. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: وإذْ قُلْتُمْ لِمُوسى القَلْبِ: لَنْ نُؤْمِنَ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ حَتّى نَصِلَ إلى مَقامِ المُشاهَدَةِ، والعَيانِ، فَأخَذَتْكم صاعِقَةُ المَوْتِ الَّذِي هو الفَناءُ، في التَّجَلِّي الذّاتِيِّ، وأنْتُمْ تُراقِبُونَ، أوْ تُشاهِدُونَ، ثُمَّ بَعَثْناكم بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ، والبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، لِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ التَّوْحِيدِ والوُصُولِ بِالسُّلُوكِ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وظَلَّلْنا عَلَيْكم غَمامَ تَجَلِّي الصِّفاتِ لِكَوْنِها حُجُبَ شَمْسِ الذّاتِ المُحْرِقَةِ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ، وأنْزَلْنا عَلَيْكم مِنَ الأحْوالِ والمَقاماتِ الذَّوْقِيَّةِ الجامِعَةِ بَيْنَ الحَلاوَةِ، وإذْهابِ رَذائِلِ أخْلاقِ النَّفْسِ كالتَّوَكُّلِ والرِّضا وسَلْوى الحُكْمِ والمَعارِفِ والعُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي يَحْشُرُها عَلَيْكم رِيحُ الرَّحْمَةِ، والنَّفَحاتُ الإلَهِيَّةُ في تِيهِ الصِّفاتِ عِنْدَ سُلُوكِكم فِيها، فَتُسَلَّوْنَ بِذَلِكَ السَّلْوى، وتَنْسَوْنَ مِن لَذائِذِ الدُّنْيا كُلَّ ما يُشْتَهى، كُلُوا أيْ تَناوَلُوا، وتَلَقَّوْا هَذِهِ الطَّيِّباتِ الَّتِي رُزِقْتُمُوها حَسَبَ اسْتِعْدادِكُمْ، وأُعْطِيتُمُوها عَلى ما وعْدٍ لَكُمْ، وما ظَلَمُونا أيْ ما نَقَصُوا حُقُوقَنا وصِفاتِنا بِاحْتِجاجِهِمْ بِصِفاتِ أنْفُسِهِمْ، ولَكِنْ كانُوا ناقِصِينَ حُقُوقَ أنْفُسِهِمْ بِحِرْمانِها، وخُسْرانِها، وهَذا هو الخُسْرانُ المُبِينُ، ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ أيِ المَحَلَّ المُقَدَّسَ الَّذِي هو مَقامُ المُشاهَدَةِ، وادْخُلُوا البابَ الَّذِي هو الرِّضا بِالقَضاءِ، فَهو بابُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ سُجَّدًا مُنْحَنِينَ خاضِعِينَ لِما يَرِدُ عَلَيْكم مِنَ التَّجَلِّياتِ، واطْلُبُوا أنْ يَحُطَّ اللَّهُ تَعالى عَنْكم ذُنُوبَ صِفاتِكُمْ، وأخْلاقِكُمْ، وأفْعالِكُمْ، فَإنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ، (فَمَن تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، ومَن تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)، ﴿وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ المُشاهِدِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وهَلْ ذَلِكَ إلّا الكَشْفُ التّامُّ عَنِ الذّاتِ الأقْدَسِ، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وأضاعُوها، ووَضَعُوها في غَيْرِ مَوْضِعِها اللّائِقِ بِها، قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمُ ابْتِغاءً لِلْحُظُوظِ الفانِيَةِ والشَّهَواتِ الدَّنِيَّةِ، فَأنْزَلْنا عَلى الظّالِمِينَ خاصَّةً عَذابًا، وظُلْمَةً، وضِيقًا في سِجْنِ الطَّبِيعَةِ، وإسْرًا في وثاقِ التَّمَنِّي، وقَيْدِ الهَوى، وحِرْمانًا وذُلًّا بِمَحَبَّةِ المادِّيّاتِ السُّفْلِيَّةِ، والإعْراضِ عَنْ هاتِيكَ التَّجَلِّيّاتِ العَلِيَّةِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ قَهْرِ سَماءِ الرُّوحِ، ومَنعِ اللُّطْفِ والرَّوْحِ عَنْهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، وخُرُوجِهِمْ عَنْ طاعَةِ القَلْبِ الَّذِي لا يَأْمُرُ إلّا بِالهُدى، كَما ورَدَ في الأثَرِ: (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وإنْ أفْتاكَ المُفْتُونَ)، إلى طاعَةِ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ. وهَذا هو البَلاءُ العَظِيمُ، والخَطْبُ الجَسِيمُ. مَن كانَ يَرْغَبُ في السَّلامَةِ فَلْيَكُنْ أبَدًا مِنَ الحَدَقِ المِراضِ عِياذُهُ لا تَخْدَعَنَّكَ بِالفُتُورِ فَإنَّهُ ∗∗∗ نَظَرٌ يَضُرُّ بِقَلْبِكَ اسْتِلْذاذُهُ إيّاكَ مِن طَمَعِ المُنى فَعَزِيزُهُ ∗∗∗ كَذَلِيلِهِ وغَنِيُّهُ شَحّاذُهُ

البقرة 2:60

﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ كَفَرُوا بِها، وكانَ ذَلِكَ في التِّيهِ لَمّا عَطِشُوا، فَفي صفحة 270 بَعْضِ الآثارِ أنَّهم قالُوا فِيهِ: مَن لَنا بِحَرِّ الشَّمْسِ؟ فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ، وقالُوا: مَن لَنا بِالطَّعامِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وقالُوا: مَن لَنا بِالماءِ؟ فَأمَرَ مُوسى بِضَرْبِ الحَجَرِ، وتَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ لِقَصْدِ إبْرازِ كُلٍّ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودِ في مَعْرِضِ أمْرٍ مُسْتَقِلٍّ واجِبِ التَّذْكِيرِ، والتَّذَكُّرِ، ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الوُقُوعِيُّ لَفُهِمَ أنَّ الكُلَّ أمَرٌ واحِدٌ، أمْرٌ بِذِكْرِهِ، والِاسْتِسْقاءُ طَلَبُ السُّقْيا عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، أوْ قِلَّتِهِ، قِيلَ: ومَفْعُولُ اسْتَسْقى مَحْذُوفٌ، أيْ رَبَّهُ، أوْ ماءً، وقَدْ تَعَدّى هَذا الفِعْلُ في الفَصِيحِ إلى المُسْتَسْقى مِنهُ تارَةً، وإلى المُسْتَسْقى أُخْرى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ وقَوْلِهِ: وأبْيَضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ ثِمالُ اليَتامى عِصْمَةٌ لِلْأرامِلِ وتَعْدِيَتُهُ إلَيْهِما مِثْلُ أنْ تَقُولَ: اسْتَسْقى زَيْدٌ رَبَّهُ الماءَ، لَمْ نَجِدْها في شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، وهي سَبَبِيَّةٌ، أيْ لِأجْلِ قَوْمِهِ، ﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ أيْ فَأجَبْناهُ، فَقُلْنا إلَخْ، والعَصا مُؤَنَّثٌ، والألِفُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، بِدَلِيلِ عَصَوانِ، وعَصَوْتُهُ أيْ ضَرَبْتُهُ بِالعَصا، ويُجْمَعُ عَلى أفْعُلٍ شُذُوذًا، وعَلى فُعُولٍ قِياسًا فَيُقالُ: أعْصٍ وعِصِيٍّ، وتَتْبَعُ حَرَكَةُ العَيْنِ حَرَكَةَ الصّادِ، والحَجَرُ هو هَذا الجِسْمُ المَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ أحْجارٌ وحِجارٌ وقالُوا: حِجارَةٌ، واشْتَقُّوا مِنهُ فَقالُوا: اسْتَحْجَرَ الطِّينُ، والِاشْتِقاقُ مِنَ الأعْيانِ قَلِيلٌ جِدًّا، والمُرادُ بِهَذِهِ العَصا المَسْؤُولِ عَنْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ والمَشْهُورُ أنَّها مِن آسِ الجَنَّةِ، طُولُها عَشَرَةُ أذْرُعٍ طُولُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَها شُعْبَتانِ تَتَّقِدانِ في الظُّلْمَةِ، تَوارَثَها صاغِرٌ عَنْ كابِرٍ، حَتّى وصَلَتْ إلى شُعَيْبٍ، ومِنهُ إلى مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: رَفَعَها لَهُ مَلَكٌ في طَرِيقِ مَدْيَنَ، وفي المُرادِ مِنَ الحَجَرِ خِلافٌ، فَقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ حَجَرًا مُعَيَّنًا، بَلْ أيَّ حَجَرٍ ضَرَبَهُ انْفَجَرَ مِنهُ الماءُ، وهَذا أبْلَغُ في الإعْجازِ، وأبْيَنُ في القُدْرَةِ، وقالَ وهْبٌ: كانَ يَقْرَعُ لَهم أقْرَبَ حَجَرٍ، فَتَنْفَجِرُ، وعَلى هَذا اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، وهو حَجَرٌ مُعَيَّنٌ حَمَلَهُ مَعَهُ مِنَ الطُّورِ مُكَعَّبٌ لَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، يَنْبُعُ مِن كُلِّ وجْهٍ ثَلاثَةُ أعْيُنٍ، لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ تَسِيلُ في جَدْوَلٍ إلى السِّبْطِ الَّذِي أُمِرَتْ أنْ تَسْقِيَهُمْ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ ما عَدا دَوابِّهُمْ، وسَعَةُ المُعَسْكَرِ اثْنا عَشَرَ مِيلًا، وقِيلَ: حَجَرٌ كانَ عِنْدَ آدَمَ وصَلَ مَعَ العَصا إلى شُعَيْبٍ، فَدُفِعَ إلى مُوسى، وقِيلَ: هو الحَجَرُ الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِهِ، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وقِيلَ: حَجَرٌ أُخِذَ مِن قَعْرِ البَحْرِ خَفِيفٌ يُشْبِهُ رَأْسَ الآدَمِيِّ، كانَ يَضَعُهُ في مِخْلاتِهِ، فَإذا احْتاجَ لِلْماءِ ضَرَبَهُ، والرِّواياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وظاهِرُ أكْثَرِها التَّعارُضُ، ولا يَنْبَنِي عَلى تَعْيِينِ هَذا الحَجَرِ أمْرٌ دِينِيٌّ، والأسْلَمُ تَفْوِيضُ عِلْمِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ وُجُودُ الِانْفِجارِ، ولَوْ كانَ يَنْفَجِرُ دُونَ ضَرْبٍ لَما كانَ لِلْأمْرِ فائِدَةٌ، وبَعْضُهم يُسَمِّي هَذِهِ الفاءَ الفَصِيحَةَ، ويُقَدِّرُ شَرْطًا، أيْ فَإنْ ضَرَبْتَ فَقَدِ انْفَجَرَتْ، وفي المَعْنى أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الِانْفِجارَ عَلى الضَّرْبِ، إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ فَقَدْ حَكَمْنا بِتَرَتُّبِ الِانْفِجارِ عَلى ضَرْبِكَ، وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: لا حَذْفَ بَلِ الفاءُ لِلْعَطْفِ، وإنْ مُقَدَّرَةٌ بَعْدَ الفاءِ كَما هو القِياسُ بَعْدَ الأمْرِ عِنْدَ قَصْدِ السَّبَبِيَّةِ، والتَّرْكِيبُ مِن قَبِيلِ: زُرْنِي فَأُكْرِمَكَ، أيِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ، فَإنِ انْفَجَرَتْ فَلْيَكُنْ مِنكَ الضَّرْبُ، فالِانْفِجارُ، ولا يَخْفى ما في كُلٍّ صفحة 271 حَتّى قالَ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ في الأوَّلِ: إنَّهُ غَيْرُ لائِقٍ بِجَلالَةِ شَأْنِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، والثّانِي أدْهى وأمَرُّ، والِانْفِجارُ انْصِداعُ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، ومِنهُ الفَجْرُ، والفُجُورُ، وجاءَ هُنا انْفَجَرَتْ، وفي الأعْرافِ انْبَجَسَتْ، فَقِيلَ: هُما سَواءٌ، وقِيلَ: بَيْنَهُما فَرْقٌ وهو أنَّ الِانْبِجاسَ أوَّلُ خُرُوجِ الماءِ، والِانْفِجارَ اتِّساعُهُ وكَثْرَتُهُ، أوْ الِانْبِجاسُ خُرُوجُهُ مِنَ الصُّلْبِ، والآخَرُ خُرُوجُهُ مِنَ اللِّينِ، والظّاهِرُ اسْتِعْمالُها بِمَعْنًى واحِدٍ، وعَلى فَرْضِ المُغايَرَةِ لا تَعارُضَ لِاخْتِلافِ الأحْوالِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحَجَرِ المَضْرُوبِ، وعَوْدُهُ إلى الضَّرْبِ ومِن سَبَبِيَّةٌ مِمّا لا يَنْبَغِي الإقْدامُ عَلَيْهِ، والتّاءُ في اثْنَتا لِلتَّأْنِيثِ، ويُقالُ: ثِنْتا، إلّا أنَّ التّاءَ فِيها عَلى ما في البَحْرِ لِلْإلْحاقِ، وهَذا نَظِيرُ أنْبَتَ، ونَبَتَ، ولامُها مَحْذُوفَةٌ، وهي ياءٌ، لِأنَّها مِن ثَنَيْتُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ، ورَواهُ السَّعْدِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو (عَشِرَةَ) بِكَسْرِ الشِّينِ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وقَرَأ الفَضْلُ الأنْصارِيُّ بِفَتْحِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ونَصَّ بَعْضُ النُّحاةِ عَلى الشُّذُوذِ، ويُفْهَمُ مِن بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ إنَّ هَذِهِ اللُّغاتِ في المُرَكَّبِ لا في عَشَرَةٍ وحْدَها، وعِباراتُ القَوْمِ لا تُساعِدُهُ، والعَيْنُ مَنبَعُ الماءِ، وجُمِعَ عَلى أعْيُنٍ شُذُوذًا، وعُيُونٍ قِياسًا، وقالُوا في أشْرافِ النّاسِ: أعْيانٌ، وجاءَ ذَلِكَ في الباصِرَةِ قَلِيلًا، كَما في قَوْلِهِ: أعْيانًا لَها ومَآقِيا وهُوَ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وإفْرادُهُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لازِمٌ، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وكانَ هَذا العَدَدُ دُونَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، وكانَ بَيْنَهم تَضاغُنٌ وتَنافُسٌ، فَأجْرى اللَّهُ تَعالى لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنًا يَرُدُّها لا يَشْرَكُهُ فِيها أحَدٌ مِنَ السِّبْطِ الآخَرِ دَفْعًا لِإثارَةِ الشَّحْناءِ، ويُشِيرُ إلى حِكْمَةِ الِانْقِسامِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُفْهِمَةٌ عَلى أنَّ كُلَّ سِبْطٍ مِنهم قَدْ صارَ لَهُ مَشْرَبٌ يَعْرِفُهُ، فَلا يَتَعَدّى لِمَشْرَبِ غَيْرِهِ، وأُناسٌ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وما ذُكِرَ مِن شُذُوذِ إثْباتِ هَمْزَتِهِ إنَّما هو مَعَ الألِفِ واللّامِ، وأمّا بِدُونِها فَشائِعٌ صَحِيحٌ، وعَلِمَ هُنا مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ، أُجْرِيَتْ مَجْرى عَرَفَ ووَجَدَ، ذَلِكَ بِكَثْرَةٍ، والمَشْرَبُ إمّا اسْمُ مَكانٍ، أيْ مَحَلُّ الشُّرْبِ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الشُّرْبِ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى المَشْرُوبِ، وهو الماءُ، وحَمْلُهُ عَلى المَكانِ أوْلى عِنْدَ أبِي حَيّانَ، وإضافَةُ المَشْرَبِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ لَمّا تَخَصَّصَ كُلُّ مَشْرَبٍ بِمَن تَخَصَّصَ بِهِ صارَ كَأنَّهُ مِلْكٌ لَهُمْ، وأعادَ الضَّمِيرَ في مَشْرَبِهِمْ عَلى مَعْنى (كُلٍّ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى لَفْظِها، لِأنَّ كُلًّا مَتى أُضِيفَ إلى نَكِرَةٍ وجَبَ مُراعاةُ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ وقَوْلِهِ: وكُلُّ أُناسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهم ∗∗∗ دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنها الأنامِلُ ونَصَّ عَلى المَشْرَبِ تَنْبِيهًا عَلى المَنفَعَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي سَبَبُ الحَياةِ، وإنْ كانَ سَرْدُ الكَلامِ يَقْتَضِي قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ عَيْنِهِمْ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ مِنها، لِأنَّ ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ صِفَةٌ لِاثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، فَلا بُدَّ مِن رابِطٍ، وإنَّما وصَفَها بِهِ، لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ أُخْرى، حَيْثُ يَحْدُثُ مَعَ حُدُوثِ الماءِ جَداوِلُ يَتَمَيَّزُ بِها مَشْرَبُ كُلٍّ مِن مَشْرَبٍ آخَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالِيَّةً لا صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: اثْنَتا عَشْرَةَ، لِئَلّا يَحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ العائِدِ، ولِيُفِيدَ مُقارَنَةَ العِلْمِ بِالمَشارِبِ لِلِانْفِجارِ، والمَشْرَبُ حِينَئِذٍ العَيْنُ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، وبَدَأ بِالأكْلِ لِأنَّ قِوامَ الجَسَدِ بِهِ، والِاحْتِياجُ إلى الشُّرْبِ حاصِلٌ عَنْهُ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وفي ذِكْرِ الرِّزْقِ مُضافًا تَعْظِيمٌ لِلْمِنَّةِ، وإشارَةٌ إلى حُصُولِ ذَلِكَ لَهم مِن غَيْرِ تَعَبٍ ولا تَكَلُّفٍ، وفي هَذا التِفاتٌ، إذْ تَقَدَّمَ، ﴿فَقُلْنا اضْرِبْ﴾ ولَوْ جَرى عَلى نَظْمٍ واحِدٍ لَقالَ: مِن رِزْقِنا، ولَوْ جَعَلَ الإضْمارَ قَبْلَ كُلُوا، مُسْنَدًا إلى مُوسى، أيْ: وقالَ مُوسى كُلُوا واشْرَبُوا لا يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ، والرِّزْقُ هُنا بِمَعْنى المَرْزُوقِ، وهو الطَّعامُ المُتَقَدِّمُ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى، والمَشْرُوبُ مِن ماءِ صفحة 272 العُيُونِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الماءُ وحْدَهُ، لِأنَّهُ يُشْرَبُ، ويُؤْكَلُ مِمّا يَنْبُتُ مِنهُ، ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أكْلُهم في التِّيهِ مِن زُرُوعِ ذَلِكَ الماءِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ”يَخْرُجُ مِمّا تَنْبُتُ الأرْضُ“ و﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أيْضًا الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، إذْ يَؤُولُ إلى كُلُوا، واشْرَبُوا مِنَ الماءِ، ويَكُونُ نِسْبَةُ الشُّرْبِ إلَيْهِ بِإرادَةِ ذاتِهِ، والأكْلِ بِإرادَةِ ما هو سَبَبٌ عَنْهُ، أوِ القَوْلُ بِحَذْفِ مُتَعَلِّقِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ، أيْ كُلُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ، واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ، وقَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ رِزْقَ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ الماءِ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى إعْجازٍ آخَرَ، وهو أنَّ هَذا الماءَ كَما يَرْوِي العَطْشانَ يُشْبِعُ الجَوْعانَ، فَهو طَعامٌ وشَرابٌ بَعِيدٌ غايَةُ البُعْدِ، وأقْرَبُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ مِن تَتِمَّةِ ما يُحْكى عَنْهُمْ، بَلْ يُجْعَلُ أمْرًا مُرَتَّبًا عَلى ذِكْرِهِمْ ما وقَعَ وقْتَ الِاسْتِسْقاءِ عَلى وجْهِ الشُّكْرِ والتَّذْكِيرِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهو أمَرَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الحِكايَةِ بِأكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ، مِمّا يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ تَعالى، وعَدَمِ الإفْسادِ بِإضْلالِ الخَلْقِ وجَمْعِ عَرَضِ الدُّنْيا، ويَكُونُ فَصْلُهُ عَمّا سَبَقَ، لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشُّكْرِ المَأْمُورِ أوْ نَتِيجَةٌ لِلْمَذْكُورِ، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الرِّزْقَ هو الحَلالُ، لِأنَّ أقَلَّ دَرَجاتِ هَذا الأمْرِ أنْ يَكُونَ لِلْإباحَةِ، فاقْتَضى أنْ يَكُونَ الرِّزْقُ مُباحًا، فَلَوْ وُجِدَ رِزْقٌ حَرامٌ لَكانَ الرِّزْقُ مُباحًا وحَرامًا، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، والجَوابُ أنَّ الرِّزْقَ هُنا لَيْسَ بِعامٍّ، إذا أُرِيدَ المَنُّ والسَّلْوى، والماءُ المُنْفَجِرُ مِنَ الحَجَرِ، ولا يَلْزَمُ مِن حِلْيَةِ مُعَيَّنٍ ما مِن أنْواعِ الرِّزْقِ حِلْيَةُ جَمِيعِ الرِّزْقِ، وعَلى تَسْلِيمِ العُمُومِ يُلْتَزَمُ التَّبْعِيضُ، ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لَمّا أُمِرُوا بِالأكْلِ والشُّرْبِ مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، ولا مِقْدارٍ، كانَ ذَلِكَ إنْعامًا وإحْسانًا جَزِيلًا إلَيْهِمْ، واسْتَدْعى ذَلِكَ التَّبَسُّطَ في المَأْكَلِ والمَشْرَبِ، نَهاهم عَمّا يُمْكِنُ أنْ يَنْشَأ عَنْ ذَلِكَ، وهو الفَسادُ حَتّى لا يُقابِلُوا تِلْكَ النِّعَمَ بِالكُفْرانِ، والعُثِيُّ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ مُجاوَزَةُ الحَدِّ مُطْلَقًا فَسادًا كانَ أوْ لا، فَهو كالِاعْتِداءِ، ثُمَّ غَلَبَ في الفَسادِ، (ومُفْسِدِينَ) عَلى هَذا حالٌ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ، وهو الأصْلُ فِيها، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُها، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ العُثِيُّ الفَسادُ، والحالُ مُؤَكِّدَةٌ، وفِيهِ أنَّ مَجِيءَ الحالِ المُؤَكِّدَةِ بَعْدَ الفِعْلِيَّةِ خِلافُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ مَعْناهُ أشَدُّ الفَسادِ، والمَعْنى لا تَتَمادَوْا في الفَسادِ حالَ إفْسادِكُمْ، والمَقْصِدُ النَّهْيُ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّمادِي في الفَسادِ، وهو مِن أُسْلُوبِ: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ وإلّا فالفَسادُ أيْضًا مُنْكَرٌ مَنهِيٌّ عَنْهُ، وفِيهِ أنَّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِما ذَكَرْنا، والمُرادُ مِنَ الأرْضِ عِنْدَ الجُمْهُورِ أرْضُ التِّيهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَها، وغَيْرَها مِمّا قَدَرُوا أنْ يَصِلُوا إلَيْها، فَيَنالُها فَسادُهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرِيدَ الأرَضِينَ كُلَّها، وألْ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، ويَكُونُ فَسادُهم فِيها مِن جِهَةِ أنَّ كَثْرَةَ العِصْيانِ، والإصْرارَ عَلى المُخالَفاتِ، والبَطَرَ، يُؤْذِنُ بِانْقِطاعِ الغَيْثِ، وقَحْطِ البِلادِ، ونَزْعِ البَرَكاتِ، وذَلِكَ انْتِقامٌ يَعُمُّ الأرَضِينَ، هَذا ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِ هَذا الِاسْتِسْقاءِ، ولا الضَّرْبِ، ولا الِانْفِجارِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَكَرِّرًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرَّةً واحِدَةً، والواحِدَةُ هي المُتَحَقِّقَةُ، والحِكاياتُ في هَذا الأمْرِ كَثِيرَةٌ، وأكْثَرُها لا صِحَّةَ لَهُ، وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ الطَّبِيعِيِّينَ هَذِهِ الواقِعَةَ، وقالَ كَيْفَ يُعْقَلُ خُرُوجُ الماءِ العَظِيمِ الكَثِيرِ مِنَ الحَجَرِ الصَّغِيرِ؟ وهَذا المُنْكِرُ مَعَ أنَّهُ يَتَصَوَّرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى في تَغْيِيرِ الطَّبائِعِ والِاسْتِحالاتِ فَقَدْ تَرَكَ النَّظَرَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهم أنَّ حَجَرَ المِغْناطِيسِ يَجْذِبُ الحَدِيدَ، والحَجَرَ الحَلّاقَ يَحْلِقُ الشَّعْرَ، والحَجَرَ الباغِضَ لِلْخَلِّ يُنْفَرُ مِنهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِن أسْرارِ الطَّبِيعَةِ، وإذا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ ذَلِكَ مُنْكَرًا عِنْدَهُمْ، فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَخْلُقَ في حَجَرٍ آخَرَ قُوَّةَ جَذْبِ الماءِ مِن تَحْتِ الأرْضِ، ويَكُونَ خَلْقُ تِلْكَ القُوَّةِ عِنْدَ ضَرْبِ العَصا، أوْ عِنْدَ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما ورَدَ أنَّهُ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَأْمُرُهُ فَيَنْفَجِرُ، ولا يُنافِيهِ انْفِصالُهُ عَنِ الأرْضِ، كَما وُهِمَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَقْلِبَ اللَّهُ تَعالى بِواسِطَةِ قُوَّةٍ أوْدَعَها في الحَجَرِ الهَواءَ صفحة 273 ماءً بِإزالَةِ اليُبُوسَةِ عَنْ أجْزائِهِ، وخَلْقِ الرُّطُوبَةِ فِيها، واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وحَظُّ العارِفِ مِنَ الآيَةِ أنْ يَعْرِفَ الرُّوحَ الإنْسانِيَّةَ وصِفاتِها في عالَمِ القَلْبِ، بِمَثابَةِ مُوسى وقَوْمِهِ وهو مُسْتَسْقٍ رَبَّهُ لِإرْوائِها بِماءِ الحِكْمَةِ والمَعْرِفَةِ، وهو مَأْمُورٌ بِضَرْبِ عَصا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولَها شُعْبَتانِ مِنَ النَّفْيِ والإثْباتِ تَتَّقِدانِ نُورًا عِنْدَ اسْتِيلاءِ ظُلُماتِ النَّفْسِ، وقَدْ حُمِلَتْ مِن حَضْرَةِ العِزَّةِ عَلى حَجَرِ القَلْبِ الَّذِي هو كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً، فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا مِن مِياهِ الحِكْمَةِ، لِأنَّ كَلِمَةَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ اثْنَتا عَشْرَةَ حَرْفًا، فانْفَجَرَ مِن كُلِّ حَرْفٍ عَيْنٌ، قَدْ عَلِمَ كُلُّ سِبْطٍ مِن أسْباطِ صِفاتِ الإنْسانِ، وهي اثْنا عَشَرَ سِبْطًا مِنَ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، واثْنانِ مِنَ القَلْبِ، والنَّفْسِ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَشْرَبٌ مِن عَيْنٍ جَرَتْ مِن حَرْفٍ مِن حُرُوفِ الكَلِمَةِ، وقَدْ عَلِمَ مَشْرَبَهُ ومَشْرَبَ كُلِّ واحِدٍ، حَيْثُ ساقَهُ رائِدُهُ، وقادَهُ قائِدُهُ، فَمِن مَشْرَبٍ عَذْبٍ فُراتٍ، ومَشْرَبٍ مِلْحٍ أُجاجٍ، والنُّفُوسُ تَرِدُ مَناهِلَ التُّقى والطّاعاتِ، والأرْواحُ تَشْرَبُ مِن زُلالِ الكُشُوفِ والمُشاهَداتِ والأسْرارِ، تُرْوى مِن عُيُونِ الحَقائِقِ بِكَأْسِ تَجَلِّي الصِّفاتِ عَنْ ساقِي ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ لِلِاضْمِحْلالِ في حَقِيقَةِ الذّاتِ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ﴾ بِأمْرِهِ ورِضاهُ، ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ في هَذا القالَبِ مُفْسِدِينَ بِتَرْكِ الأمْرِ، واخْتِيارِ الوِزْرِ وبَيْعِ الدِّينِ بِالدُّنْيا، وإيثارِ الأُولى عَلى العُقْبى، وتَقْدِيمِهِما عَلى المَوْلى،

البقرة 2:61

﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ داخِلٌ في تَعْدادِ النِّعَمِ وتَفْصِيلِها، وهو إجابَةُ سُؤالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا﴾ إلَخْ، مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ كَمالَ السُّخْطِ، لِأنَّهم كَفَرُوا نِعْمَةَ إنْزالِ الطَّعامِ اللَّذِيذِ عَلَيْهِمْ، وهم في التِّيهِ مِن غَيْرِ كَدٍّ وتَعَبٍ، حَيْثُ سَألُوا (بِلَنْ نَصْبِرَ)، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى كَراهِيَّتِمْ إيّاهُ، إذِ الصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ في المَضِيقِ، ولِذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ﴾ إلَخْ، فالآيَةُ في الأُسْلُوبِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ إلَخْ، حَيْثُ عانَدُوا بَعْدَ سَماعِ الكَلامِ، وأُهْلِكُوا، ثُمَّ أفاضَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةَ الحَياةِ، قالَ مَوْلانا السّالِيكُوتِيُّ: ومِن هَذا ظَهَرَ ضَعْفُ ما قالَ الإمامُ الرّازِيُّ، لَوْ كانَ سُؤالُهم مَعْصِيَةً لَما أجابَهُمْ، لِأنَّ الإجابَةَ إلى المَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ، وهي غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الأنْبِياءِ، وإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ أمْرُ إباحَةٍ لا إيجابٍ، فَلا يَكُونُ سُؤالُهم غَيْرَ ذَلِكَ الطَّعامِ مَعْصِيَةً، ووَصْفُ الطَّعامِ بِواحِدٍ، وإنْ كانا طَعامَيْنِ المَنَّ والسَّلْوى اللَّذَيْنِ رُزِقُوهُما في التِّيهِ إمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ كَما يُقالُ: طَعامُ مائِدَةِ الأمِيرِ واحِدٌ، ولَوْ كانَ ألْوانًا شَتّى، بِمَعْنى أنَّهُ لا يَتَبَدَّلُ ولا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الأوْقاتِ، أوْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ ضَرْبًا واحِدًا، لِأنَّ المَنَّ والسَّلْوى مِن طَعامِ أهْلِ التَّلَذُّذِ والسَّرَفِ، وكَأنَّ القَوْمَ كانُوا فَلّاحَةً، فَما أرادُوا إلّا ما ألِفُوهُ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَطْبُخُونَهُما مَعًا، فَيَصِيرُ طَعامًا واحِدًا، والقَوْلُ بِأنَّ هَذا القَوْلَ كانَ قَبْلَ نُزُولِ السَّلْوى نازِلٌ مِنَ القَوْلِ، وأهْوَنُ مِنهُ القَوْلُ بِأنَّهم أرادُوا بِالطَّعامِ الواحِدِ السَّلْوى، لِأنَّ المَنَّ كانَ شَرابًا أوْ شَيْئًا يَتَحَلَّوْنَ بِهِ، فَلَمْ يَعُدُّوهُ طَعامًا آخَرَ، وإلّا نَزَلَ القَوْلُ بِأنَّهُ عَبَّرَ بِالواحِدِ عَنِ الِاثْنَيْنِ، كَما عَبَّرَ بِالِاثْنَيْنِ عَنِ الواحِدِ، في نَحْوِ ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ وإنَّما يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، وهو المِلْحُ دُونَ العَذْبِ، ﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ أيْ سَلْهُ لِأجْلِنا بِدُعائِكَ إيّاهُ بِأنْ يُخْرِجَ لَنا كَذا وكَذا، والفاءُ لِسَبَبِيَّةِ عَدَمِ الصَّبْرِ لِلدُّعاءِ، ولُغَةُ بَنِي عامِرٍ (فادْعِ) بِكَسْرِ العَيْنِ، جَعَلُوا دَعا مِن ذَواتِ الياءِ كَرَمى، وإنَّما سَألُوا مِن مُوسى أنْ يَدْعُوَ لَهم لِأنَّ دُعاءَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أقْرَبُ لِلْإجابَةِ مِن دُعاءِ غَيْرِهِمْ، عَلى أنَّ دُعاءَ الغَيْرِ لِلْغَيْرِ مُطْلَقًا أقْرَبُ إلَيْها، فَما ظَنُّكَ بِدُعاءِ الأنْبِياءِ لِأُمَمِهِمْ، ولِهَذا «قالَ ﷺ صفحة 274 لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (أشْرِكْنا في دُعائِكَ)،» وفي الأثَرِ: «(ادْعُونِي بِألْسِنَةٍ لَمْ تَعْصُونِي فِيها)،» وحُمِلَتْ عَلى ألْسِنَةِ الغَيْرِ، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِتَمْهِيدِ مَبادِي الإجابَةِ، وقالُوا: (رَبَّكَ) ولَمْ يَقُولُوا: رَبَّنا، لِأنَّ في ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِصاصِ بِهِ ما لَيْسَ فِيهِمْ مِن مُناجاتِهِ وتَكْلِيمِهِ وإيتائِهِ التَّوْراةَ، فَكَأنَّهم قالُوا: ادْعُ لَنا المُحْسِنَ إلَيْكَ بِما لَمْ يُحْسِنْ بِهِ إلَيْنا، فَكَما أحْسَنَ إلَيْكَ مِن قَبْلُ نَرْجُو أنْ يُحْسِنَ إلَيْكَ في إجابَةِ دُعائِكَ. ﴿يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها﴾ المُرادُ بِالإخْراجِ المَعْنى المَجازِيَّ اللّازِمَ لِلْمَعْنى الحَقِيقِيِّ، وهو الإظْهارُ بِطَرِيقِ الإيجادِ لا بِطَرِيقِ إزالَةِ الخَفاءِ، والحَمْلُ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ يَقْتَضِي مَخْرَجًا عَنْهُ، وما يَصْلُحُ لَهُ ها هُنا هو الأرْضُ، وبِتَقْدِيرِهِ يَصِيرُ الكَلامُ سَخِيفًا، (ويُخْرِجْ) مَجْزُومٌ، لِأنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، وجَزْمُهُ بِلامِ الطَّلَبِ مَحْذُوفَةً لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، (ومِنَ) الأوْلى تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ مَأْكُولًا بَعْضُ ما تُنْبِتُ، وادَّعى الأخْفَشُ زِيادَتَها، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، (وما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ تُنْبِتُهُ، وجَعْلُها مَصْدَرِيَّةً لَمْ يُجَوِّزْهُ أبُو البَقاءِ لِأنَّ المُقَدَّرَ جَوْهَرٌ، ونِسْبَةُ الإنْباتِ إلى الأرْضِ مَجازٌ مِن بابِ النِّسْبَةِ إلى القابِلِ، وقَدْ أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى في الطَّبَقَةِ الطِّينِيَّةِ مِنَ الأرْضِ أوْ فِيها قُوَّةً قابِلَةً لِذَلِكَ، وكَوْنُ القُوَّةِ القابِلَةِ مُودَعَةً في الحَبِّ دُونَ التُّرابِ، رُبَّما يُفْضِي إلى القَوْلِ بِقِدَمِ الحَبِّ بِالنَّوْعِ، (ومِنَ) الثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ، فالظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ، أيْ كائِنًا مِن بَقْلِها، وقالَ أبُو حَيّانَ: تَبْعِيضِيَّةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَدَلِ مِن كَلِمَةِ (ما) فالظَّرْفُ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ (بِيُخْرِجْ)، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، كَما قالَ السّالِيكُوتِيُّ يُفِيدُ أنَّ المَطْلُوبَ إخْراجُ بَعْضِ هَؤُلاءِ، ولَوْ جُعِلَ بَيانًا لَما أفادَهُ (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةُ، كَما قالَهُ المَوْلى عِصامُ الدِّينِ: لَخَلا الكَلامُ عَنِ الإفادَةِ المَذْكُورَةِ، وأوْهَمَ أنَّ المَطْلُوبَ إخْراجُ جَمِيعِ هَؤُلاءِ لِعَدَمِ العَهْدِ، والبَقْلُ جِنْسٌ يَنْدَرِجُ فِيهِ النَّباتُ الرَّطْبُ مِمّا يَأْكُلُهُ النّاسُ والأنْعامُ، والمُرادُ بِهِ هُنا أطايِبُ البُقُولِ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ، والقِثّاءُ هو هَذا المَعْرُوفُ، وقالَ الخَلِيلُ: هو الخِيارُ، وقَرَأ يَحْيى ابْنُ وثّابٍ وغَيْرُهُ بِضَمِّ القافِ، وهو لُغَةٌ، والفُومُ الحِنْطَةُ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ، حَتّى قالَ الزَّجّاجُ: لا خِلافَ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الفُومَ الحِنْطَةُ، وسائِرُ الحُبُوبِ الَّتِي تُخْتَبَزُ يَلْحَقُها اسْمُ الفُومِ، وقالَ الكِسائِيُّ وجَماعَةٌ: هو الثُّومُ، وقَدْ أُبْدِلَتْ ثاؤُهُ فاءً، كَما في جَدَثٍ وجَدَفٍ، وهو بِالبَصَلِ، والعَدَسِ، أوْفَقُ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ونَفْسُ شَيْخِنا عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ إلَيْهِ تَمِيلُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ الخُبْزُ يُبْعِدُهُ الإنْباتُ مِنَ الأرْضِ، وذِكْرُهُ مَعَ البَقْلِ وغَيْرِهِ، وما في المَعالِمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ الفُومَ الخُبْزُ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأنَّ مَعْناهُ إنَّهُ يُقالُ عَلَيْهِ، ووَجْهُ تَرْتِيبِ النَّظْمِ أنَّهُ ذُكِرَ أوَّلًا ما هو جامِعٌ لِلْحَرارَةِ، والبُرُودَةِ، والرُّطُوبَةِ، واليُبُوسَةِ، وهو البَقْلُ، إذْ مِنهُ ما هو بارِدٌ رَطْبٌ، كالهِنْدَبا، ومِنهُ ما هو حارٌّ يابِسٌ كالكَرَفْسِ والسَّذابِ، ومِنهُ ما هو حارٌّ وفِيهِ رُطُوبَةٌ كالنَّعْناعِ، وثانِيًا ما هو بارِدٌ رَطْبٌ، وهو القِثّاءُ، وثالِثًا ما هو حارٌّ يابِسٌ، وهو الثُّومُ، ورابِعًا ما هو بارِدٌ يابِسٌ، وهو العَدَسُ، وخامِسًا ما هو حارٌّ رَطْبٌ، وهو البَصَلُ، وإذا طُبِخَ صارَ بارِدًا رَطْبًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ ذُكِرَ أوَّلًا ما يُؤْكَلُ مِن غَيْرِ عِلاجِ نارٍ، وذُكِرَ بَعْدَهُ ما يُعالَجُ بِهِ مَعَ ما يَنْبَغِي فِيهِ ذَلِكَ ويَقْبَلُهُ. ﴿قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ﴾ إلَخْ، والقائِلُ إمّا اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُرَجِّحُهُ كَوْنُ المَقامِ مَقامُ تَعْدادِ النِّعَمِ، أوْ مُوسى نَفْسُهُ، وهو الأنْسَبُ بِسِياقِ النَّظْمِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والِاسْتِبْدالُ الِاعْتِياضُ، صفحة 275 فَإنْ قُلْتَ: كَوْنُهم لا يَصْبِرُونَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ، أفْهَمَ طَلَبَ ضَمِّ ذَلِكَ إلَيْهِ لا اسْتِبْدالَهُ بِهِ، أُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ﴾ يَدُلُّ عَلى كَراهَتِمْ ذَلِكَ الطَّعامَ، وعَدَمُ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ دَلِيلُ الزَّوالِ، فَكَأنَّهم طَلَبُوا زَوالَها، ومَجِيءَ غَيْرِها، وقِيلَ: إنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ، وخِطابُهم بِهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى إذا أعْطاهم ما سَألُوا مَنَعَ عَنْهُمُ المَنَّ والسَّلْوى، فَلا يَجْتَمِعانِ، وقِيلَ: الِاسْتِبْدالُ في المَعِدَةِ، وهو كَما تَرى، وقَرَأ أُبَيٌّ (أتُبَدِّلُونَ)، وهو مَجازٌ، لِأنَّ التَّبْدِيلَ لَيْسَ لَهُمْ، إنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى، لَكِنَّهم لَمّا كانُوا يَحْصُلُ التَّبْدِيلُ بِسُؤالِهِمْ جُعِلُوا مُبَدِّلِينَ، وكانَ المَعْنى: أتَسْألُونَ تَبْدِيلَ الَّذِي إلَخْ، والَّذِي مَفْعُولُ تَسْتَبْدِلُونَ، وهو الحاصِلُ، والَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ هو الزّائِلُ، وهو (أدْنى) صِلَةُ (الَّذِي)، وهو هُنا واجِبُ الإثْباتِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، إذْ لا طُولَ، (وأدْنى) إمّا مِنَ الدُّنُوِّ، أوْ مَقْلُوبٌ مِنَ الدُّونِ، وهو عَلى الثّانِي ظاهِرٌ، وعَلى الأوَّلِ مَجازٌ اسْتُعِيرَ فِيهِ الدُّنُوُّ بِمَعْنى القُرْبِ المَكانِيِّ لِلْخِسَّةِ، كَما اسْتُعِيرَ البُعْدُ لِلشَّرَفِ، فَقِيلَ: بَعِيدُ المَحَلِّ بَعِيدُ الهِمَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ الدَّناءَةِ، وأُبْدِلَتْ فِيهِ الهَمْزَةُ ألِفًا، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ زُهَيْرٍ والكِسائِيِّ (أدْنَأُ) بِالهَمْزَةِ، وأُرِيدَ بِالَّذِي هو خَيْرٌ المَنُّ والسَّلْوى، ومَعْنى خَيْرِيَّةِ هَذا المَأْكُولِ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ غَلاءُ قِيمَتِهِ، وطِيبُ لَذَّتِهِ، والنَّفْعُ الجَلِيلُ في تَناوُلِهِ، وعَدَمُ الكُلْفَةِ في تَحْصِيلِهِ، وخُلُوُّهُ عَنِ الشُّبْهَةِ في حِلِّهِ، ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ كالأُولى، وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى في المَحْكِيِّ لِأنَّ الأُولى خَبَرٌ مَعْنًى، وهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولِكَوْنِها كالمُبَيِّنَةِ لَها، فَإنَّ الإهْباطَ طَرِيقُ الِاسْتِبْدالِ، هَذا إذا جُعِلَ الجُمْلَتانِ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أوْ كَلامِ مُوسى، وإنْ جُعِلَ إحْداهُما مِن مُوسى، والأُخْرى مِنَ اللَّهِ تَعالى فَوَجْهُ الفَصْلِ ظاهِرٌ، والوَقْفُ عَلى خَبَرٍ كافٍ عَلى الأوَّلِ، وتامٌّ عَلى الثّانِي، والهُبُوطُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَكانِيًّا بِأنْ يَكُونَ التِّيهُ أرْفَعَ مِنَ المِصْرِ، وأنْ يَكُونَ رُتَبِيًّا، وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ، وقُرِئَ (اهْبُطُوا) بِضَمِّ الهَمْزَةِ والباءِ، والمِصْرُ البَلَدُ العَظِيمُ، وأصْلُهُ الحَدُّ والحاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، قالَ: وجاعِلُ الشَّمْسِ مِصْرًا لا خَفاءَ بِهِ بَيْنَ النَّهارِ وبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلا وإطْلاقُهُ عَلى البَلَدِ، لِأنَّهُ مَمْصُورٌ، أيْ مَحْدُودٌ، وأخْذُهُ مِن مَصَرْتُ الشّاةَ أمْصُرُها إذا حَلَبْتَ كُلَّ شَيْءٍ في ضَرْعِها بَعِيدٌ، وحُكِيَ عَنْ أشْهَبَ أنَّهُ قالَ: قالَ لِي مالِكٌ: هي مِصْرُ قَرْيَتُكَ مَسْكَنُ فِرْعَوْنَ، فَهو إذًا عَلَمٌ، وأسْماءُ المَواضِعِ قَدْ تُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ المَكانِيَّةُ فَتُذَكَّرُ، وقَدْ تُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ الأرْضِيَّةُ فَتُؤَنَّثُ، فَهو إنْ جُعِلَ عَلَمًا فَإمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بَلْدَةً، فالصَّرْفُ مَعَ العَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ لِسُكُونِ الوَسَطِ، وإمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بَلَدًا، فالصَّرْفُ عَلى بابِهِ، إذِ الفَرْعِيَّةُ الواحِدَةُ لا تَكْفِي في مَنعِهِ، ويُؤَيِّدُ ما قالَهُ الإمامُ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( مِصْرَ ) بِلا ألِفٍ بَعْدِ الرّاءِ، ويُبْعِدُهُ أنَّ الظّاهِرَ مِنَ التَّنْوِينِ التَّنْكِيرُ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ يَعْنِي الشّامَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَكم لِلْوُجُوبِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ النَّهْيِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المَنعَ مِن دُخُولِ أرْضٍ أُخْرى، وأنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالهُبُوطِ مَقْصُورًا عَلى بِلادِ التِّيهِ، وهو ما بَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى قِنَّسْرِينَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ مِصْرَ مُعَرَّبَ مِصْرائِيمَ، كَإسْرائِيلَ، اسْمٌ لِأحَدِ أوْلادِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو أوَّلُ مَنِ اخْتَطَّها، فَسُمِّيَتْ بِاسْمِهِ، وإنَّما جازَ الصَّرْفُ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالعُجْمَةِ لِوُجُودِ التَّعْرِيبِ والتَّصَرُّفِ فِيهِ، فافْهَمْ وتَدَبَّرْ. ﴿فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ، وفي البَحْرِ أنَّها جَوابٌ لِلْأمْرِ، وكَما يُجابُ بِالفِعْلِ يُجابُ بِالجُمْلَةِ، وفي ذَلِكَ مَحْذُوفانِ ما يَرْبِطُ الجُمْلَةَ بِما قَبْلَها، والضَّمِيرُ العائِدُ عَلى ما، والتَّقْدِيرُ فَإنَّ لَكم فِيها ما سَألْتُمُوهُ، صفحة 276 والتَّعْبِيرُ عَنِ الأشْياءِ المَسْؤُولَةِ (بِـما) لِلِاسْتِهْجانِ بِذِكْرِها، وقَرَأ النَّخَعِيُّ ويَحْيى (سِألْتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ. ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ أيْ جُعِلَ ذَلِكَ مُحِيطًا بِهِمْ إحاطَةَ القُبَّةِ بِمَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، أوْ أُلْصِقَ بِهِمْ مِن ضَرْبِ الطِّينِ عَلى الحائِطِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ حَيْثُ شَبَّهَ ذَلِكَ بِالقُبَّةِ، أوْ بِالطِّينِ، (وضُرِبَتِ) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ لِمَعْنى الإحاطَةِ والشُّمُولِ أوِ اللُّزُومِ واللُّصُوقِ بِهِمْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ، فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ أذِلّاءَ مُتَصاغِرِينَ، وذَلِكَ بِما ضُرِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجِزْيَةِ الَّتِي يُؤَدُّونَها عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ، وبِما أُلْزِمُوهُ مِن إظْهارِ الزِّيِّ لِيُعْلَمَ أنَّهم يَهُودُ، ولا يَلْتَبِسُوا بِالمُسْلِمِينَ، وبِما طُبِعُوا عَلَيْهِ مِن فَقْرِ النَّفْسِ وشُحِّها، فَلا تَرى مِلَّةً مِنَ المِلَلِ أحْرَصَ مِنهُمْ، وبِما تَعَوَّدُوا عَلَيْهِ مِن إظْهارِ سُوءِ الحالِ مَخافَةَ أنْ تُضاعَفَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَراهُ في اليَهُودِ اليَوْمَ، وهَذا الضَّرْبُ مُجازاةٌ لَهم عَلى كُفْرانِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، وبِهَذا ارْتَبَطَتِ الآيَةُ بِما قَبْلَها، وإنَّما أوْرَدَ ضَمِيرَ الغائِبِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى جَمِيعِ اليَهُودِ، وشامِلٌ لِلْمُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ ولِمَن يَأْتِي بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَيْسَ مِن قَبِيلِ الِالتِفاتِ عَلى ما وُهِمَ، ﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ نَزَلُوا وتَمَكَّنُوا بِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ البَلاءِ والنِّقَمِ في الدُّنْيا، أوْ بِما تَحَقَّقَ لَهم مِنَ العَذابِ في العُقْبى، أوْ بِما كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ المَكارِهِ فِيهِما، أوْ رَجَعُوا بِغَضَبٍ، أيْ صارَ عَلَيْهِمْ، ولِذا لَمْ يُحْتَجْ إلى اعْتِبارِ المَرْجُوعِ إلَيْهِ، أوْ صارُوا أحِقّاءَ بِهِ، أوِ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِسَبَبِهِ، وهو بَعِيدٌ، وأصْلُ البَواءِ بِالفَتْحِ، والضَّمِّ، مُساواةُ الأجْزاءِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُساواةٍ، فَيُقالُ: هو بَواءُ فُلانٍ أيْ كَفْؤُهُ، ومِنهُ بُؤْ، لِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ، وحَدِيثُ (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ)، وفي وصْفِ الغَضَبِ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ بَعْدَ تَعْظِيمٍ، وتَفْخِيمٌ بَعْدَ تَفْخِيمٍ. ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أشارَ بِذَلِكَ إلى ما سَبَقَ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، والبَوْءِ بِالغَضَبِ العَظِيمِ، وإنَّما بَعَّدَهُ لِبُعْدِ بَعْضِهِ حَتّى لَوْ كانَ إشارَةً إلى البَوْءِ لَمْ يَكُنْ عَلى لَفْظِ البَعِيدِ أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم أدْرَكَتْهم هَذِهِ الأُمُورُ مَعَ بُعْدِهِمْ عَنْها لِكَوْنِهِمْ أهْلَ الكِتابِ، أوْ لِلْإيماءِ إلى بُعْدِها في الفَظاعَةِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي داخِلَةٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ، ولَمْ يُعَبِّرْ بِهِ، وعَبَّرَ بِما عَبَّرَ تَنْبِيهًا عَلى تَجَدُّدِ الكُفْرِ، والقَتْلِ مِنهم حِينًا بَعْدَ حِينٍ، واسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِما فِيما مَضى، أوْ لِاسْتِحْضارِ قَبِيحِ صُنْعِهِمْ، والآياتُ إمّا المُعْجِزاتُ مُطْلَقًا، أوِ التِّسْعُ الَّتِي أتى بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ ما جاءَ بِهِ مِنَ التِّسْعِ وغَيْرِها، أوْ آياتُ الكُتُبِ المَتْلُوَّةِ مُطْلَقًا، أوِ التَّوْراةُ، أوْ آياتٌ مِنها كالآياتِ الَّتِي فِيها صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوِ الَّتِي فِيها الرَّجْمُ، أوِ القُرْآنُ، وفي إضافَةِ الآياتِ إلى اسْمِهِ تَعالى زِيادَةُ تَشْنِيعٍ عَلَيْهِمْ، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِكُفْرِهِمْ بِآياتِهِ لِأنَّهُ أعْظَمُ كُلِّ عَظِيمٍ، وأرْدَفَهُ بِقَتْلِهِمُ النَّبِيِّينَ لِأنَّهُ كالمُنْشَإ لَهُ، وأتى بِالنَّبِيِّينَ الظّاهِرِ في القِلَّةِ دُونَ الأنْبِياءِ الظّاهِرِ في الكَثْرَةِ إذْ فَرَّقَ بَيْنَ الجَمْعَيْنِ إذا كانا نَكِرَتَيْنِ، وأمّا إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِما (ألْ) فَيَتَساوَيانِ، كَما في البَحْرِ، فَلا يَرُدُّ أنَّهم قَتَلُوا ثَلاَثَمِائَةِ نَبِيٍّ في أوَّلِ النَّهارِ، وأقامُوا سُوقَهم في آخِرِهِ، وقَيَّدَ القَتْلَ بِغَيْرِ الحَقِّ مَعَ أنَّ قَتْلَ الأنْبِياءِ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ الحَقِّ عِنْدَهُمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مُعْتَقِدًا حَقِّيَّةَ قَتْلِ أحَدٍ مِنهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإنَّما حَمَلَهم عَلَيْهِ حُبُّ الدُّنْيا واتِّباعُ الهَوى، والغُلُوُّ في العِصْيانِ، والِاعْتِداءِ، فاللّامُ في الحَقِّ عَلى هَذا لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنَّها لِلْجِنْسِ، والمُرادُ بِغَيْرِ حَقٍّ أصْلًا إذْ لامُ الجِنْسِ المُبْهَمِ كالنَّكِرَةِ، ويُؤَيِّدُهُ ما في آلِ عِمْرانَ (بِغَيْرِ الحَقِّ)، فَيُفِيدُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَقًّا بِاعْتِقادِهِمْ أيْضًا، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فائِدَةُ التَّقْيِيدِ إظْهارَ مَعايِبِ صَنِيعِهِمْ، فَإنَّهُ قُتِلَ النَّبِيُّ، ثُمَّ جَماعَةٌ مِنهُمْ، ثُمَّ كَوْنُهُ بِغَيْرِ الحَقِّ، وهَذا أوْفَقُ بِما هو الظّاهِرُ مِن كَوْنِ المَنهِيِّ القَتْلَ بِغَيْرِ الحَقِّ في نَفْسِ الأمْرِ صفحة 277 سَواءٌ كانَ حَقًّا عِنْدَ القاتِلِ، أوْ لا، إلّا أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى القَتْلِ بِغَيْرِ الحَقِّ عِنْدَهم أنْسَبُ لِلتَّعْرِيضِ بِما هم فِيهِ عَلى ما قِيلَ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَوْ لَمْ يُقَيِّدْ بِغَيْرِ الحَقِّ، لَأفادَ أنَّ مِن خَواصِّ النُّبُوَّةِ أنَّهُ لَوْ قَتَلَ أحَدًا بِغَيْرِ الحَقِّ لا يَقْتَصُّ، فَفائِدَةُ التَّقْيِيدِ أنْ يَكُونَ النَّظْمُ مُفِيدًا لِما هو الحُكْمُ الشَّرْعِيُّ بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى، قالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: هَذا كُلُّهُ إذا كانَ الغَيْرُ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ بِلا حَقٍّ، أمّا إذا كانَ مَعْناهُ أيْ بِسَبَبِ أمْرٍ مُغايِرٍ لِلْحَقِّ، أيِ الباطِلِ، فالتَّقْيِيدُ مُفِيدٌ لِأنَّ قَتْلَهُمُ النَّبِيِّينَ بِسَبَبِ الباطِلِ، وحِمايَتِهِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا ما قالَهُ القَفّالُ: مِن إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهم كاذِبُونَ، وأنَّ مُعْجِزاتِهِمْ تَمْوِيهاتٌ، ويَقْتُلُونَهم بِهَذا السَّبَبِ، وبِأنَّهم يُرِيدُونَ إبْطالَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ بِزَعْمِهِمْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ غالِبُ أحْوالِهِمْ، وإلّا فَإشْعِياءُ، ويَحْيى وزَكَرِيّا عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ يُقْتَلُوا لِذَلِكَ، وإنَّما قُتِلَ إشْعِياءُ لِأنَّ مَلِكًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا ماتَ مَرَجَ أمَرُ بَنِي إسْرائِيلَ، وتَنافَسُوا المُلْكَ، وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَنَهاهم عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَغَوْا عَلَيْهِ، وقَتَلُوهُ، ويَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما قُتِلَ لِقِصَّةِ تِلْكَ الِامْرَأةِ لَعَنَها اللَّهُ تَعالى، وكَذَلِكَ زَكَرِيّا، لِأنَّهُ لَمّا قُتِلَ ابْنُهُ انْطَلَقَ هارِبًا، فَأرْسَلَ المَلِكُ في طَلَبِهِ غَضَبًا لِما حَصَلَ لِامْرَأتِهِ مِن قَتْلِ ابْنِهِ، فَوُجِدَ في جَوْفِ شَجَرَةٍ، فَفَلَقُوا الشَّجَرَةَ مَعَهُ فِلْقَتَيْنِ طُولًا بِمِنشارٍ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مِمّا تَنازَعَ فِيهِ الكُفْرُ والقَتْلُ، وفي البَحْرِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وزَعَمَ بَعْضُ المُلْحِدِينَ أنَّ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وما أشْبَهَها، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ تَناقُضًا، وأُجِيبَ بِأنَّ المَقْتُولِينَ مِنَ الأنْبِياءِ، والمَوْعُودَ بِنَصْرِهِمُ الرُّسُلُ، ورُدَّ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ رُسُلٌ أيْضًا، وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ المُرادَ النُّصْرَةُ بِغَلَبَةِ الحُجَّةِ، أوِ الأخْذِ بِالثَّأْرِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّرَ أنْ يَقْتُلَ بِكُلِّ نَبِيٍّ سَبْعِينَ ألْفًا، وبِكُلِّ خَلِيفَةٍ خَمْسًا وثَلاثِينَ ألْفًا، ولا يَخْفى ما فِيهِ، فالأحْسَنُ أنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ المَأْمُورُونَ بِالقِتالِ كَما أجابَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، لِأنَّ أمْرَهم بِالقِتالِ وعَدَمَ عِصْمَتِهِمْ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، وقَرَأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (يُقَتِّلُونَ) بِالتَّشْدِيدِ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ عَنْهُ (وتَقْتُلُونَ) بِالتّاءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتِ، وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزِ النَّبِيِّينَ، وكَذا النَّبِيُّ والنُّبُوَّةُ، واسْتُشْكِلَ بِما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: (يا نَبِيءَ اللَّهِ)، بِالهَمْزِ، فَقالَ: (لَسْتُ بِنَبِيءِ اللَّهِ) يَعْنِي مَهْمُوزًا، (ولَكِنْ نَبِيُّ اللَّهِ)، بِغَيْرِ هَمْزَةٍ،» فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولِهَذا مَنَعَ بَعْضُهم مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، عَلى أنَّهُ اسْتُشْكِلَ أيْضًا جَمْعُ النَّبِيِّ عَلى نَبِيِّينَ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ لا يُجْمَعُ جَمْعَ مُذَكَّرٍ سالِمٍ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ أبا زَيْدٍ حَكى نَبَأْتُ مِنَ الأرْضِ إذا خَرَجْتَ مِنها، فَمُنِعَ لِوَهْمِ أنَّ مَعْناهُ يا طَرِيدَ اللَّهِ تَعالى، فَنَهاهُ عَنْ ذَلِكَ لِإيهامِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن صِحَّةِ اسْتِعْمالِ اللَّهِ تَعالى لَهُ في حَقِّ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِي بَرَّأهُ مِن كُلِّ نَقْصٍ جَوازُهُ مِنَ البَشَرِ، وقِيلَ: إنَّ النَّهْيَ كانَ خاصًّا في صَدْرِ الإسْلامِ، حَيْثُ دَسائِسُ اليَهُودِ كانَتْ فاشِيَةً، وهَذا كَما نُهِيَ عَنْ قَوْلِ (راعِنا) إلى قَوْلِ (انْظُرْنا)، وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، إذْ قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى فاعِلٍ، ولَوْ سُلِّمَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مَعْناهُ الأصْلِيِّ، ولَمْ يُلاحَظْ فِيهِ هَذا، إذْ يُطْلِقُهُ عَلَيْهِ مَن لا يَعْرِفُ ذَلِكَ، فَصَحَّ جَمْعُهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى الغالِبِ عَلَيْهِ، فَتَدَبَّرْ. ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الكُفْرِ والقَتْلِ الواقِعَيْنِ سَبَبًا لِما تَقَدَّمَ، وجازَتِ الإشارَةُ بِالمُفْرَدِ إلى مُتَعَدِّدٍ لِلتَّأْوِيلِ بِالمَذْكُورِ، ونَحْوِهِ مِمّا هو مُفْرَدٌ لَفْظًا مُتَعَدِّدٌ مَعْنًى، وقَدْ يَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ في الضَّمِيرِ حَمْلًا عَلَيْهِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وما بَعْدَها سَبَبٌ لِلسَّبَبِ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ إنَّما هو تَقَدُّمُ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ ومُجاوَزَتِهِمُ الحُدُودَ، والذَّنْبُ يَجُرُّ الذَّنْبَ، وأكَّدَ الأوَّلَ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الِاسْتِبْعادِ بِخِلافِ مُطْلَقِ العِصْيانِ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِالأوَّلِ، وتُرِكَ العاطِفُ لِلدِّلالَةِ صفحة 278 عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلٌّ في اسْتِحْقاقِ الضَّرْبِ، فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا، وضُعِّفَ هَذا الوَجْهُ بِأنَّ التَّكْرارَ خِلافُ الأصْلِ مَعَ فَواتِ مَعْنًى لَطِيفٍ حَصَلَ بِالأوَّلِ، وسابِقِهِ، بِأنَّهُ لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ لِإيرادِ كَلِمَةِ ذَلِكَ فائِدَةٌ، إذِ الظّاهِرُ بِما عَصَوْا إلَخْ، ويَفُوتُ أيْضًا ما يَفُوتُ، وحَظُّ العارِفِ مِن هَذِهِ الآياتِ الِاعْتِبارُ بِحالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَرْضَوْا بِالقَضاءِ، ولَمْ يَشْكُرُوا عَلى النَّعْماءِ، ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى البَلْواءِ، كَيْفَ ضَرَبَ عَلَيْهِمْ ذُلَّ الطُّغْيانِ قَبْلَ وُجُودِ الأكْوانِ، وقَهَرَهم بِلَطْمَةِ المَسْكَنَةِ في بَيْداءِ الخِذْلانِ، وألْبَسَ قُلُوبَهم حُبَّ الدُّنْيا، وأهْبَطَهم مِنَ الدَّرَجَةِ العُلْيا. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ الطَّعامُ الواحِدُ هو الغِذاءُ الرُّوحانِيُّ مِنَ الحِكْمَةِ والمَعْرِفَةِ، وما تُنْبِتُهُ الأرْضُ هو الشَّهَواتُ الخَبِيثَةُ، واللَّذّاتُ الخَسِيسَةُ، والتَّفَكُّهاتُ البارِدَةُ النّاشِئَةُ مِن أرْضِ النُّفُوسِ المُبْتَذَلَةِ في مِصْرَ البَدَنِ، المُوجِبَةُ لِلذِّلَّةِ لِمَن ذاقَها، والمَسْكَنَةِ لِمَن لاكَها، والهَلاكِ لِمَنِ ابْتَلَعَها وسَبَبُ طَلَبِ ذَلِكَ الِاحْتِجابِ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى وتَجَلِّياتِهِ، وتَسْوِيدِ القُلُوبِ بِدَرَنِ الذُّنُوبِ، وقَطْعِ ورِيدِها بِقَطْعِ وارِدِها، والَّذِي يَجُرُّ إلى هَذا الغَفْلَةُ عَنِ المَحْبُوبِ، والِاعْتِياضُ بِالأغْيارِ عَنْ ذَلِكَ المَطْلُوبِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى لَنا ولَكُمُ العافِيَةَ،

البقرة 2:62

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ إلى ذِكْرِ وعِيدِ أهْلِ الكِتابِ قَرَنَ بِهِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ جَرْيًا عَلى عادَتِهِ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وبِهَذا يَتَّضِحُ وجْهُ تَوْسِيطِ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها بَيْنَ تَعْدادِ النِّعَمِ، وفي المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا هُنا أقْوالٌ، والمَرْوِيُّ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ بِدَلِيلِ انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ الكَفَرَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ دُونَ عُنْوانِ النِّفاقِ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ المَرْتَبَةَ، وإنْ عَبَّرَ عَنْها بِالإيمانِ لا تُجِدِيهِمْ نَفْعًا ولا تُنْقِذُهم مِن ورْطَةِ الكُفْرِ قَطْعًا، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُمُ الحَنِيفِيُّونَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقِ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، ومَن لَحِقَهُ كَأبِي ذَرٍّ وبَحِيرى، ووَفْدِ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ كانُوا يَنْتَظِرُونَ البَعْثَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِعِيسى قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُوسى إلى أنْ جاءَ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ فَآمَنُوا بِهِ، وقِيلَ: إنَّهم أصْحابُ سَلْمانَ الَّذِينَ قَصَّ حَدِيثَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ لَهُ: «(هم في النّارِ)،» فَأظْلَمَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ كَما رَوى مُجاهِدٌ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الآيَةُ إلى (يَحْزَنُونَ)، قالَ سَلْمانُ: فَكَأنَّما كُشِفَ عَنِّي جَبَلٌ، وقِيلَ: إنَّهُمُ المُتَدَيِّنُونَ بِدِينِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُخْلِصِينَ، أوْ مُنافِقِينَ، واخْتارَهُ القاضِي، وكانَ سَبَبُ الِاخْتِلافِ قَوْلَهُ تَعالى فِيما بَعْدُ: ﴿مَن آمَنَ﴾ إلَخْ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن أحَدِهِما غَيْرَ المُرادِ مِنَ الآخَرِ، وأقَلُّ الأقْوالِ مُؤْنَةً أوَّلُها، ”الَّذِينَ هادَوْا“ أيْ تَهَوَّدُوا، يُقالُ هادَ وتَهَوَّدَ إذا دَخَلَ في اليَهُودِيَّةِ، ويَهُودُ إمّا عَرَبِيٌّ مِن هادَ إذا تابَ سُمُّوا بِذَلِكَ لَمّا تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ كَوْنُ تَوْبَتِهِمْ أشَقَّ الأعْمالِ كَما مَرَّ، وإمّا مُعَرَّبُ يَهُوذا بِذالٍ مُعْجَمَةٍ وألِفٍ مَقْصُورَةٍ، كَأنَّهم سُمُّوا بِأكْبَرِ أوْلادِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَ (هادَوْا) بِفَتْحِ الدّالِ أيْ مالَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، والنَّصارى جَمْعُ نَصْرانٍ بِمَعْنى نَصْرانِيٍّ، ووَرَدَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنْ أنْكَرَهُ البَعْضُ كَقَوْلِهِ: تَراهُ إذا دارَ العَشِيَّ مُحَنِّفًا ويَضْحى لَدَيْهِ وهو نَصْرانٌ شامِسُ ويُقالُ في المُؤَنَّثِ نَصْرانٌ، كَنَدْمانٍ ونَدْمانَةٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وأُنْشِدَ: كَما سَجَدَتْ نْصَرانَةٌ لَمْ تُحَنِّفِ والياءُ في نَصْرانِيٍّ عِنْدَهُ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُقالُ لِلْأحْمَرِ أحْمَرِيٌّ إشارَةً إلى أنَّهُ عَرِيقٌ في وصْفِهِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْفَرْقِ بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ، كَزِنْجٍ وزِنْجِيٍّ، ورُومٍ ورُومِيٍّ، وقِيلَ: النَّصارى جَمْعُ نَصْرى كَمَهْرى ومَهارى حُذِفَتْ إحْدى ياءَيْهِ، وقُلِبَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً لِلتَّخْفِيفِ، فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الخَلِيلُ، وهو اسْمٌ لِأصْحابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم صفحة 279 نَصَرُوهُ، أوْ لِنَصْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وُلِدَ في بَيْتِ لَحْمٍ بِالقُدْسِ، ثُمَّ سارَتْ بِهِ أُمُّهُ إلى مِصْرَ، ولَمّا بَلَغَ اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً عادَتْ بِهِ إلى الشّامِ، وأقامَتْ بِقَرْيَةِ ناصِرَةَ، وقِيلَ: نَصْرايا، وقِيلَ: نَصْرى، وقِيلَ: نَصْرانَةَ، وقِيلَ: نَصْرانَ، وعَلَيْهِ الجَوْهَرِيُّ، فَسُمِّيَ مَن مَعَهُ بِاسْمِها، أوْ أُخِذَ لَهُمُ اسْمٌ مِنها، والصّابِئِينَ هم قَوْمٌ مَدارُ مَذاهِبِهِمْ عَلى التَّعَصُّبِ لِلرُّوحانِيِّينَ، واتِّخاذِهِمْ وسائِطَ، ولَمّا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمُ التَّقَرُّبُ إلَيْها بِأعْيانِها، والتَّلَقِّي مِنها بِذَواتِها، فَزِعَتْ جَماعَةٌ مِنهم إلى هَياكِلِها، فَصابِئَةُ الرُّومِ مَفْزَعُها السَّيّاراتُ، وصابِئَةُ الهِنْدِ مَفْزَعُها الثَّوابِتُ، وجَماعَةٌ نَزَلُوا عَنِ الهَياكِلِ إلى الأشْخاصِ الَّتِي لا تَسْمَعُ، ولا تُبْصِرُ، ولا تُغْنِي عَنْ أحَدٍ شَيْئًا، فالفِرْقَةُ الأُولى هم عَبَدَةُ الكَواكِبِ، والثّانِيَةُ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ، وكُلٌّ مِن هاتَيْنِ الفِرْقَتَيْنِ أصْنافٌ شَتّى مُخْتَلِفُونَ في الِاعْتِقاداتِ والتَّعَبُّداتِ، والإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: إنَّهم لَيْسُوا بِعَبَدَةِ أوْثانٍ، وإنَّما يُعَظِّمُونَ النُّجُومَ كَما تُعَظَّمُ الكَعْبَةُ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مُوَحِّدُونَ يَعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ ويُقِرُّونَ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ كَيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهم يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى، ويَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ، ويَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ ويُصَلُّونَ إلى الكَعْبَةِ، وقِيلَ: إلى مَهَبِّ الجَنُوبِ، وقَدْ أخَذُوا مِن كُلِّ دِينٍ شَيْئًا، وفي جَوازِ مُناكَحَتِهِمْ وأكْلِ ذَبائِحِهِمْ كَلامٌ لِلْفُقَهاءِ يُطْلَبُ في مَحَلِّهِ، واخْتُلِفَ في اللَّفْظِ، فَقِيلَ: غَيْرُ عَرَبِيٍّ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ مِن صَبَأ بِالهَمْزِ إذا خَرَجَ، أوْ مِن صَبا مُعْتَلًّا بِمَعْنى مالَ لِخُرُوجِهِمْ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ ومَيْلِهِمْ إلى الباطِلِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِالياءِ، وذَلِكَ إمّا عَلى الأصْلِ، أوِ الإبْدالِ لِلتَّخْفِيفِ. ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ أحْدَثَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ والنُّبُوّاتِ وبِالنَّشْأةِ الثّانِيَةِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وأتى بِعَمَلٍ صالِحٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ بِما ذُكِرَ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أوَّلِ الأقْوالِ، والقائِلُونَ بِآخِرِها مِنهم مَن فَسَّرَ الآيَةَ بِمَنِ اتَّصَفَ مِن أُولَئِكَ بِالإيمانِ الخالِصِ بِالمَبْدَإ والمَعادِ عَلى الإطْلاقِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الثَّباتِ والدَّوامِ عَلَيْهِ، كَإيمانِ المُخْلِصِينَ، أوْ بِطَرِيقِ إحْداثِهِ وإنْشائِهِ كَإيمانِ مَن عَداهم مِنَ المُنافِقِينَ، وسائِرِ الطَّوائِفِ، وفائِدَةُ التَّعْمِيمِ لِلْمُخْلِصِينَ مَزِيدُ تَرْغِيبِ الباقِينَ في الإيمانِ بِبَيانِ أنَّ تَأخُّرَهم في الِاتِّصافِ بِهِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِكَوْنِهِمْ أُسْوَةً لِأُولَئِكَ الأقْدَمِينَ، ومِنهم مَن فَسَّرَها بِمَن كانَ مِنهم في دِينِهِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ بِالمَبْدَإ والمَعادِ عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ، فَيَعُمُّ الحُكْمُ المُخْلِصِينَ مِن أُمَّةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ تابُوا واليَهُودَ والنَّصارى الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ التَّحْرِيفِ والنَّسْخِ والصّابِئِينَ الَّذِينَ ماتُوا زَمَنَ اسْتِقامَةِ أمْرِهِمْ إنْ قِيلَ: إنَّ لَهم دِينًا، وكَذا يَعُمُّ اليَهُودَ والصّابِئِينَ، الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وماتُوا في زَمَنِهِ، وكَذا مَن آمَنَ مِن هَؤُلاءِ الفِرَقِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفائِدَةُ ذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى هَذا مَعَ أنَّ الوَعِيدَ السّابِقَ كانَ في اليَهُودِ لِتَسْكِينِ حَمِيَّةِ اليَهُودِ بِتَسْوِيَةِ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ في أنَّ كَوْنَ كُلٍّ في دِينِهِ قَبْلَ النَّسْخِ يُوجِبُ الأجْرَ، وبَعْدَهُ يُوجِبُ الحِرْمانَ، كَما أنَّ ذِكْرَ الصّابِئِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ أبْيَنَ المَذْكُورِينَ ضَلالًا يُتابُ عَلَيْهِمْ إذا صَحَّ مِنهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، فَغَيْرُهم بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وانْفِهامُ قَبْلَ النَّسْخِ مِن ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ إذْ لا صَلاحَ في العَمَلِ بَعْدَهُ، وهَذا هو المُوافِقُ لِسَبَبِ النُّزُولِ، لا سِيَّما عَلى رِوايَةِ أنَّ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حُسْنَ حالِ الرُّهْبانِ الَّذِينَ صَحِبَهُمْ، فَقالَ: «(ماتُوا وهم في النّارِ)،» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(مَن ماتَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ بِي فَهو عَلى خَيْرٍ، ومَن سَمِعَ ولَمْ يُؤْمِن بِي فَقَدْ هَلَكَ)». والمُناسِبُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ وعَدَمِ صَرْفِهِ إلى تَخْصِيصِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى﴾ بِالكَفَرَةِ مِنهم صفحة 280 وتَخْصِيصِ ﴿مَن آمَنَ﴾ إلَخْ، بِالدُّخُولِ في مِلَّةِ الإسْلامِ، إلّا أنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ أنْ يَكُونَ لِلصّابِئِينَ دِينٌ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لَيْسَ لَهم دِينٌ تَجُوزُ رِعايَتُهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، فَفي (المِلَلِ والنِّحَلِ) أنَّ الصَّبْوَةَ في مُقابَلَةِ الحَنِيفِيَّةِ، ولِمَيْلِ هَؤُلاءِ عَنْ سُنَنِ الحَقِّ وزَيْغِهِمْ عَنْ نَهْجِ الأنْبِياءِ، قِيلَ لَهُمُ: الصّابِئَةُ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ كانَ لَهم دِينٌ سَماوِيٌّ، ثُمَّ خَرَجُوا عَنْهُ فَمَن مَضى مِن أهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِنهُ لَيْسُوا مِنَ الصّابِئِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها إلَيْهِمْ، عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ، وارْتِكابُ إرْجاعِهِ إلى المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ قَصْدًا إلى إدْراجِ الفَرِيقِ المَذْكُورِ فِيهِمْ ضَرُورَةَ أنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ قَبْلَ نَسْخِهِ مِن مَجْمُوعِ أُولَئِكَ الطَّوائِفِ بِحُكْمِ اشْتِمالِهِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الصّابِئِينَ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْهُ ! عَلى أنَّ فِيهِ بَعْدُ ما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ، (ومَن) مُبْتَدَأٌ، وجَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والخَبَرُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ودَخَلَتِ الفاءُ لِتُضَمِّنَ المُبْتَدَأ مَعْنى الشَّرْطِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ الآيَةَ، وأنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وفي خَبَرِها خِلافٌ، هَلِ الشَّرْطُ أوِ الجَزاءُ أوْ هُما، وجُمْلَةُ ﴿مَن آمَنَ﴾ إلَخْ، خَبَرُ (إنَّ)؟ فَإنْ كانَتْ (مَن) مَوْصُولَةً وهو الشّائِعُ هُنا احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مِنهم عائِدًا، وإنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً لَمْ يُحْتَجْ إلى تَقْدِيرِهِ، إذِ العُمُومُ يُغْنِي عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ وغَيْرُهم إذا آمَنُوا فَلَهم إلَخْ، عَلى ما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ (مَن) بَدَلًا مِنِ اسْمِ (إنَّ) وخَبَرُها ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّها بَدَلٌ مِنَ المَعاطِيفِ الَّتِي بَعْدَ اسْمِ (إنَّ) فَيَصِحُّ إذْ ذاكَ المَعْنى، وكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِن غَيْرِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ومَن آمَنَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ فَلَهُمْ، إلَخْ، وقَدْ حُمِلَتِ الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ بِاعْتِبارِ مَعْنى المَوْصُولِ، كَما أنَّ إفْرادَ ما في الصِّلَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وفي البَحْرِ: إنَّ هَذَيْنِ الحَمْلَيْنِ لا يَتِمّانِ إلّا بِإعْرابٍ (مَن) مُبْتَدَأً، وأمّا عَلى إعْرابِها بَدَلًا، فَلَيْسَ فِيها إلّا حَمْلٌ عَلى اللَّفْظِ فَقَطْ، فافْهَمْ. ثُمَّ المُرادُ مِنَ الأجْرِ الثَّوابُ الَّذِي وُعِدُوهُ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَإضافَتُهُ إلَيْهِمْ واخْتِصاصُهُ بِهِمْ بِمُجَرَّدِ الوَعْدِ، لا بِالِاسْتِيجابِ كَما زَعَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ رِعايَةً لِلِاعْتِزالِ، لَكِنَّ تَسْمِيَتَهُ أجْرًا لِعَدَمِ التَّخَلُّفِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ المُشِيرُ إلى أنَّهُ لا يَضِيعُ، لِأنَّهُ عِنْدَ لَطِيفٍ حَفِيظٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَهُمْ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (أجْرِهِمْ). ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِها في آخِرِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأغْنى عَنِ الإعادَةِ هُنا،

البقرة 2:63

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَتِهِمْ، والظّاهِرُ مِنَ المِيثاقِ هُنا العَهْدُ، ولَمْ يَقُلْ: مَواثِيقَكُمْ، لِأنَّ ما أُخِذَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم أُخِذَ عَلى غَيْرِهِ، فَكانَ مِيثاقًا واحِدًا، ولَعَلَّهُ كانَ بِالِانْقِيادِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتُلِفَ في أنَّهُ مَتى كانَ؟ فَقِيلَ: قَبْلَ رَفْعِ الطُّورِ، ثُمَّ لَمّا نَقَضُوهُ رُفِعَ فَوْقَهم لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: كانَ مَعَهُ ﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ الواوُ لِلْعَطْفِ، وقِيلَ: لِلْحالِ، والطُّورُ قِيلَ: جَبَلٌ مِنَ الجِبالِ وهو سُرْيانِيٌّ مُعَرَّبٌ، وقِيلَ: الجَبَلُ المُعَيَّنُ، وعَنْ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا جاءَهم بِالتَّوْراةِ، وما فِيها مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ، وأبَوْا قَبُولَها، فَأمَرَ جِبْرِيلَ بِقَلْعِ الطُّورِ، فَظَلَّلَهُ فَوْقَهم حَتّى قَبِلُوا، وكانَ عَلى قَدْرِ عَسْكَرِهِمْ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ، ورُفِعَ فَوْقَهم قَدْرَ قامَةِ الرَّجُلِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى الإلْجاءِ صفحة 281 إلى الإيمانِ، فَيُنافِي التَّكْلِيفَ، وأجابَ الإمامُ بِأنَّهُ لا إلْجاءَ، لِأنَّ الأكْثَرَ فِيهِ خَوْفُ السُّقُوطِ عَلَيْهِمْ، فَإذا اسْتَمَرَّ في مَكانِهِ مُدَّةً، وقَدْ شاهَدُوا السَّماواتِ مَرْفُوعَةً بِلا عِمادٍ، جازَ أنْ يَزُولَ عَنْهُمُ الخَوْفُ، فَيَزُولُ الإلْجاءُ ويَبْقى التَّكْلِيفُ، وقالَ العَلّامَةُ: كَأنَّهُ حَصَلَ لَهم بَعْدَ هَذا الإلْجاءِ قَبُولٌ اخْتِيارِيٌّ، أوْ كانَ يَكْفِي في الأُمَمِ السّالِفَةِ مِثْلُ هَذا الإيمانِ، وفِيهِ كَما قالَ السّالِيكُوتِيُّ: إنَّ الكَلامَ في أنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ (بِخُذُوا) إلَخْ مَعَ القَسْرِ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مَبْناهُ عَلى الِاخْتِيارِ، فالحَقُّ أنَّهُ إكْراهٌ لِأنَّهُ حَمْلُ الغَيْرِ عَلى أنْ يَفْعَلَ ما لا يَرْضاهُ، ولا يَخْتارُهُ، لَوْ خُلِّيَ ونَفْسَهُ، فَيَكُونُ مُعْدِمًا لِلرِّضا لا لِلِاخْتِيارِ، إذِ الفِعْلُ يَصْدُرُ بِاخْتِيارِهِ كَما فُصِّلَ في الأُصُولِ، وهَذا كالمُحارَبَةِ مَعَ الكُفّارِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فَقَدْ كانَ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ بِهِ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ قُلْنا أوْ قائِلِينَ (خُذُوا)، وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: لا يَحْتاجُ إلى إضْمارِهِ، لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ قَوْلٌ، والمَعْنى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ بِأنْ تَأْخُذُوا ما آتَيْناكُمْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ هُنا بِالقُوَّةِ الجِدُّ والِاجْتِهادُ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ويَؤُولُ إلى عَدَمِ التَّكاسُلِ والتَّغافُلِ، فَحِينَئِذٍ لا تَصْلُحُ الآيَةُ دَلِيلًا لِمَنِ ادَّعى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ، إذْ لا يُقالُ: خُذْ هَذا بِقُوَّةٍ إلّا والقُوَّةُ حاصِلَةٌ فِيهِ، لِأنَّ القُوَّةَ بِهَذا المَعْنى لا تُنْكَرُ صِحَّةُ تَقَدُّمِها عَلى الفِعْلِ، ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ أيِ ادْرُسُوهُ واحْفَظُوهُ، ولا تَنْسَوْهُ، أوْ تَدَبَّرُوا مَعْناهُ، أوِ اعْمَلُوا بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، فالذِّكْرُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ والقَلْبِيُّ، والأعَمُّ مِنهُما، وما يَكُونُ كاللّازِمِ لَهُما، والمَقْصُودُ مِنهُما أعْنِي العَمَلَ، ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّرَجِّي في كَلامِهِ تَعالى، وقَدْ ذُكِرَ ها هُنا أنَّ كَلِمَةً (لَعَلَّ) مُتَعَلِّقَةٌ (بِخُذُوا) (واذْكُرُوا)، إمّا مَجازٌ يُؤَوَّلُ مَعْناهُ بَعْدَ الِاسْتِعارَةِ إلى تَعْلِيلِ ذِي الغايَةِ بِغايَتِهِ، أوْ حَقِيقَةٌ لِرَجاءِ المُخاطَبِ، والمَعْنى: خُذُوا واذْكُرُوا راجِينَ أنْ تَكُونُوا مُتَّقِينَ، ويُرَجِّحُ المَعْنى المَجازِيُّ أنَّهُ لا مَعْنى لِرَجائِهِمْ فِيما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، أعْنِي التَّقْوى، اللَّهُمَّ إلّا بِاعْتِبارِ تَكَلُّفِ أنَّهم سَمِعُوا مَناقِبَ المُتَّقِينَ، ودَرَجاتِهِمْ، فَلِذا كانُوا راجِينَ لِلِانْخِراطِ في سِلْكِهِمْ، وجَوَّزَ المُعْتَزِلَةُ كَوْنَها مُتَعَلِّقَةً (بِقُلْنا) المُقَدَّرِ، وأوَّلُوا التَّرَجِّيَ بِالإرادَةِ، أيْ قُلْنا: واذْكُرُوا إرادَةَ أنْ تَتَّقُوا، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أصْلِهِمُ الفاسِدِ مِن أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى لِأفْعالِ العِبادِ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلصُّدُورِ لِكَوْنِها عِبارَةً عَنِ العِلْمِ بِالمَصْلَحَةِ، وجَوَّزَ العَلّامَةُ تَعَلُّقَها إذا أُوِّلَ التَّرَجِّي بِالإرادَةِ (بِخُذُوا) أيْضًا عَلى أنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلطَّلَبِ لا لِلْمَطْلُوبِ، وجَوَّزَ الشِّهابُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالقَوْلِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالطَّلَبِ، والتَّخَلُّفُ فِيهِ جائِزٌ، وفِيهِ إنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ وهو ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ بِعَيْنِهِ طَلَبُ التَّقْوى فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: خُذُوا ما آتَيْناكم طالِبًا مِنكُمُ التَّقْوى إلّا بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ، فافْهَمْ،

البقرة 2:64

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ بَعْدَ أخْذِهِ، وخالَفْتُمْ، وأصْلُ التَّوَلِّي الإعْراضُ المَحْسُوسُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ المَعْنَوِيِّ كَعَدَمِ القَبُولِ، ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُمُ امْتَثَلُوا الأمْرَ ثُمَّ تَرَكُوهُ. ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الفَضْلُ التَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ والرَّحْمَةُ قَبُولُها، أوِ الفَضْلُ والرَّحْمَةُ بَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإدْراكُهم لِمُدَّتِهِ، فالخِطابُ عَلى الأوَّلِ جارٍ عَلى سُنَنِ الخِطاباتِ السّابِقَةِ مَجازًا بِاعْتِبارِ الأسْلافِ، وعَلى الثّانِي جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ، والخُسْرانُ ذَهابُ رَأْسِ المالِ، أوْ نَقْصُهُ، والمُرادُ: لَكُنْتُمْ مَغْبُونِينَ هالِكِينَ بِالِانْهِماكِ في المَعاصِي، أوْ بِالخَبْطِ في مَهاوِي الضَّلالِ عِنْدَ الفَتْرَةِ، وكَلِمَةُ (لَوْلا) إمّا بَسِيطَةً أوْ مُرَكَّبَةً مِن (لَوِ) الِامْتِناعِيَّةِ صفحة 282 وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، وحَرْفِ النَّفْيِ، والِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا لِدِلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، وسَدَّ الجَوابُ مَسَدَّهُ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ حاصِلانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ خَبْرًا لِكَوْنِهِ في الأغْلَبِ خالِيًا عَنِ العائِدِ إلى المُبْتَدَإ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لَوْلا ثَبَتَ فَضْلُ اللَّهِ تَعالى إلَخْ، ولَكُنْتُمْ جَوابُ لَوْلا، ويَكْثُرُ دُخُولُ اللّامِ عَلى الجَوابِ إذا كانَ مُوجَبًا، وقِيلَ: إنَّهُ لازِمٌ إلّا في الضَّرُورَةِ، كَقَوْلِهِ: لَوْلا الحَياءُ ولَوْلا الدِّينُ عِبْتُكُما بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي وجاءَ في كَلامِهِمْ بَعْدَ اللّامِ (قَدْ) كَقَوْلِهِ: لَوْلا الأمِيرُ ولَوْلا خَوْفُ طاعَتِهِ ∗∗∗ لَقَدْ شَرِبْتُ وما أحْلى مِنَ العَسَلِ وقَدْ جاءَ أيْضًا حَذْفُ اللّامِ، وإبْقاءُ قَدْ، نَحْوُ: لَوْلا زَيْدٌ قَدْ أكْرَمْتُكَ، ولَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ مُثْبَتًا إلّا بِاللّامِ، إلّا فِيما زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهَمَّ بِها﴾ جَوابُ لَوْلا، قُدِّمَ عَلَيْها هَذا، * * * ومِن بابِ الإشارَةِ والتَّأْوِيلِ في الآيَةِ: وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمُ المَأْخُوذُ بِدَلائِلِ العَقْلِ بِتَوْحِيدِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، ورَفَعْنا فَوْقَكم طُورَ الدِّماغِ لِلتَّمَكُّنِ مِن فَهْمِ المَعانِي، وقَبُولِها، أوْ أشارَ سُبْحانَهُ بالطُّورِ إلى مُوسى القَلْبِ، وبِرَفْعِهِ إلى عُلُوِّهِ واسْتِيلائِهِ في جَوِّ الإرْشادِ، وقُلْنا: خُذُوا أيِ اقْبَلُوا، وما آتَيْناكم مِن كِتابِ العَقْلِ الفُرْقانِيِّ بِجِدٍّ، وعُوا ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَعارِفِ والعُلُومِ والشَّرائِعِ لِكَيْ تَتَّقُوا الشِّرْكَ والجَهْلَ والفِسْقَ، ثُمَّ أعْرَضْتُمْ بِإقْبالِكم إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَوْلا حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى بِإمْهالِهِ وحُكْمِهِ بِإفْضالِهِ لَعاجَلَتْكُمُ العُقُوبَةُ، ولَحَلَّ بِكم عَظِيمُ المُصِيبَةِ. إلى اللَّهِ يُدْعى بِالبَراهِينِ مَن أبى فَإنْ لَمْ يُجِبْ بادَتْهُ بِيضُ الصَّوارِمِ

البقرة 2:65

﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ اللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، وعَلِمَ هُنا كَعَرَفَ، فَلِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وظاهِرُ هَذا أنَّهم عَلِمُوا أعْيانَ المُعْتَدِينَ، وقَدَّرَ بَعْضُهم مُضافًا، أيِ اعْتِداءَ الَّذِينَ، وقِيلَ: أحْكامَهُمْ، (ومِنكُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ، والسَّبْتُ اسْمٌ لِلْيَوْمِ المَعْرُوفِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّبْتِ الَّذِي هو القَطْعُ، لِأنَّهُ سُبِتَ فِيهِ خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وعَمَلُهُ، وقِيلَ: مِنَ السُّبُوتِ، وهو الرّاحَةُ، والدَّعَةُ، والمُرادُ بِهِ هُنا اليَوْمُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ في حُكْمِ السَّبْتِ، لِأنَّ الِاعْتِداءَ والتَّجاوُزَ لَمْ يَقَعْ في اليَوْمِ، بَلْ وقَعَ في حُكْمِهِ بِناءً عَلى ما حُكِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَجْعَلَ يَوْمًا خالِصًا لِلطّاعَةِ، وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ فَخالَفُوهُ، وقالُوا: نَجْعَلُهُ يَوْمَ السَّبْتِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ شَيْئًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ دَعْهُمْ، وما اخْتارُوا، ثُمَّ امْتَحَنَهم فِيهِ، فَأمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ صَيْدَ الحِيتانِ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَدَوْا، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَسْكُنُونَ قَرْيَةً عَلى السّاحِلِ يُقالُ لَها أيْلَةُ، وإذا كانَ يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَبْقَ حُوتٌ في البَحْرِ إلّا حُظِرَ هُناكَ، وأخْرَجَ خُرْطُومَهُ، وإذا مَضى تَفَرَّقَتْ، فَحَفَرُوا حِياضًا، وأشْرَعُوا إلَيْها الجَداوِلَ، وكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها يَوْمَ السَّبْتِ بِالمَوْجِ، فَلا تَقْدِرُ عَلى الخُرُوجِ لِبُعْدِ العُمْقِ، وقِلَّةِ الماءِ، فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ، ورُوِيَ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ زَمانًا فَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ، فاسْتَبْشَرُوا، وقالُوا: قَدْ أُحِلَّ لَنا العَمَلُ في السَّبْتِ، فاصْطادُوا فِيهِ عَلانِيَةً وباعُوا في الأسْواقِ، وعَلى هَذا يَصِحُّ جَعْلُ اليَوْمِ ظَرْفًا لِلِاعْتِداءِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّبْتِ هُنا مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ يَوْمَ السَّبْتِ، ولَيْسَ بِمَعْنى اليَوْمِ، فَحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، إذْ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهُمُ اعْتَدَوْا في التَّعْظِيمِ، وهَتَكُوا الحُرْمَةَ الواجِبَةَ عَلَيْهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ تَسْمِيَةَ العَرَبِ لِلْأيّامِ بِهَذِهِ الأسْماءِ المَشْهُورَةِ حَدَثَتْ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ أسْماءَها قَبْلُ غَيْرُ ذَلِكَ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: صفحة 283 أُؤَمِّلُّ أنْ أعِيشَ وأنَّ يَوْمِي بِأوَّلَ أوْ بِأهْوَنَ أوْ جُبارِ أوِ التّالِي دُبارٍ فَإنْ أفُتْهُ فَمُونِسٍ ∗∗∗ أوْ عَرُوبَةَ أوْ شِبارِ واسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ الحِيَلِ في الأُمُورِ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ كالرِّبا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ، فَلا تَجُوزُ عِنْدَهُ بِحالٍ، قالَ الكَواشِيُّ: وجَوَّزَها أكْثَرُهم ما لَمْ يَكُنْ فِيها إبْطالُ حَقٍّ، أوْ إحْقاقُ باطِلٍ، وأجابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالآيَةِ فَأنَّها لَيْسَتْ حِيلَةٌ، وإنَّما هي عَيْنُ المَنهِيِّ عَنْهُ، لِأنَّهم إنَّما نُهُوا عَنْ أخْذِها، ولا يَخْفى ما في هَذا الجَوابِ، وتَحْقِيقُهُ في كُتُبِ الفِقْهِ، ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ القِرَدَةُ جَمْعُ قِرْدٍ، وهو مَعْرُوفٌ ويُجْمَعُ فِعْلٌ الِاسْمُ قِياسًا عَلى فُعُولٍ وقَلِيلًا عَلى فِعَلَةٍ، والخُسُوُّ الصَّغارُ والذِّلَّةُ، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْكَلْبِ: أخْسَأْ، وقِيلَ: الخُسُوءُ والخَسْأُ مَصْدَرُ خَسَأ الكَلْبُ بَعُدَ، وبَعْضُهم ذَكَرَ الطَّرْدَ عِنْدَ تَفْسِيرِ الخُسُوءِ كالإبْعادِ، فَقِيلَ: هو لِاسْتِيفاءِ مَعْناهُ لا لِبَيانِ المُرادِ، وإلّا لَكانَ الخاسِئُ بِمَعْنى الطّارِدِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ مُعْتَبَرٌ في المَفْهُومِ إلّا أنَّهُ بِالمَعْنى المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وكَذَلِكَ الإبْعادُ، فالخاسِئُ الصّاغِرُ المُبْعَدُ المَطْرُودُ، وظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهم مُسِخُوا قِرَدَةً عَلى الحَقِيقَةِ، وعَلى ذَلِكَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهو الصَّحِيحُ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنهم أنَّهم بَعْدَ أنْ مُسِخُوا لَمْ يَأْكُلُوا، ولَمْ يَشْرَبُوا، ولَمْ يَتَناسَلُوا، ولَمْ يَعِيشُوا أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهم عاشُوا سَبْعَةَ أيّامٍ، وماتُوا في اليَوْمِ الثّامِنِ، واخْتارَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ أنَّهم عاشُوا، وأنَّ القِرَدَةَ المَوْجُودِينَ اليَوْمَ مِن نَسْلِهِمْ، ويَرُدُّهُ ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِمَن سَألَهُ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ أهِيَ مِمّا مُسِخَ؟ (إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ)،» ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ ما مُسِخَتْ صُوَرُهم ولَكِنْ مُسِخَتْ قُلُوبُهُمْ، فَلا تَقْبَلُ وعْظًا، ولا تَعِي زَجْرًا، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَشْبِيهُهم بِالقِرَدَةِ كَقَوْلِهِ: إذا أنْتَ لَمْ تَعْشَقْ ولَمْ تَدْرِ ما الهَوى ∗∗∗ فَكُنْ حَجَرًا مِن يابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدا (وكُونُوا) عَلى الأوَّلِ لَيْسَ بِأمْرٍ حَقِيقَةً لِأنَّ صَيْرُورَتَهم إلى ما ذُكِرَ لَيْسَ فِيهِ تَكَسُّبٌ لَهُمْ، لِأنَّهم لَيْسُوا قادِرِينَ عَلى قَلْبِ أعْيانِهِمْ، بَلِ المُرادُ مِنهُ سُرْعَةُ التَّكْوِينِ، وأنَّهم صارُوا كَذَلِكَ، كَما أرادَ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ، ولا لُبْثٍ. وعَلى الثّانِي يَكُونُ الأمْرُ مَجازًا عَنِ التَّخْلِيَةِ، والتَّرْكِ، والخِذْلانِ، كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(اصْنَعْ ما شِئْتَ)،» وقَدْ قَرَّرَهُ العَلّامَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا﴾ والمَنصُوبانِ خَبَرانِ لِلْفِعْلِ النّاقِصِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ خاسِئِينَ حالًا مِنَ الِاسْمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ(قِرَدَةً)، والمُرادُ وصْفُهم بِالصَّغارِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنْ يُجْعَلَ مُسْخُهم وتَعْجِيلُ عَذابِهِمْ في الدُّنْيا لِدَفْعِ ذُنُوبِهِمْ، ورَفْعِ دَرَجاتِهِمْ. واعْتُرِضَ أنَّهُ لَوْ كانَ صِفَةً لَها لَوَجَبَ أنْ يَقُولَ: خاسِئَةً لِامْتِناعِ الجَمْعِ بِالواوِ والنُّونِ في غَيْرِ ذَوِي العِلْمِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى تَشْبِيهِهِمْ بِالعُقَلاءِ، كَما في ساجِدِينَ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ، أوْ بِأنَّ المَسْخَ إنَّما كانَ بِتَبَدُّلِ الصُّورَةِ فَقَطْ، وحَقِيقَتُهم سالِمَةٌ عَلى ما رُوِيَ أنَّ الواحِدَ مِنهم كانَ يَأْتِيهِ الشَّخْصُ مِن أقارِبِهِ الَّذِينَ نَهَوْهم فَيَقُولُ لَهُ: ألَمْ أنْهَكَ؟ فَيَقُولُ: بَلى، ثُمَّ تَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلى خَدِّهِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ في الآيَةِ بِمَسْخِ شَيْءٍ مِنهم خَنازِيرَ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الشَّبابَ صارُوا قِرَدَةً، والشُّيُوخَ صارُوا خَنازِيرَ، وما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا، وهَلَكَ سائِرُهُمْ، وقُرِئَ (قَرِدَةً) بِفَتْحِ القافِ، وكَسْرِ الرّاءِ، و(خاسِينَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ،

البقرة 2:66

﴿فَجَعَلْناها نَكالا﴾ أيْ كَيْنُونَتَهم صفحة 284 وصَيْرُورَتَهم قِرَدَةً، أوِ المَسْخَةَ، أوِ العُقُوبَةَ، أوِ الآيَةَ المَدْلُولَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقَرْيَةِ، وقِيلَ: لِلْحِيتانِ، والنَّكالُ واحِدُ الأنْكالِ، وهي القُيُودُ، ونَكَّلَ بِهِ فَعَلَ بِهِ ما يَعْتَبِرُ بِهِ غَيْرُهُ، فَيَمْتَنِعُ عَنْ مِثْلِهِ، ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ أيْ لِمُعاصِرِيهِمْ، ومَن خَلْفَهُمْ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا (لِما) بِحَضْرَتِها مِنَ القُرى، أيْ أهْلِها، وما تَباعَدَ عَنْها، أوْ لِلْآتِينَ والماضِينَ، وهو المُخْتارُ عِنْدَ جَماعَةٍ، فَكُلٌّ مِن ظَرْفَيِ المَكانِ مُسْتَعارٌ لِلزَّمانِ، و(ما) أُقِيمَتْ مَقامَ (مَن) إمّا تَحْقِيرًا لَهم في مَقامِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، أوْ لِاعْتِبارِ الوَصْفِ، فَإنَّ (ما) يُعَبَّرُ بِها عَنِ العُقَلاءِ تَعْظِيمًا إذا أُرِيدَ الوَصْفُ، كَقَوْلِهِ: (سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ)، وصَحَّ كَوْنُها نَكالًا لِلْماضِينَ أنَّها ذُكِرَتْ في زُبُرِ الأوَّلِينَ، فاعْتَبَرُوا بِها، وصَحَّتِ الفاءُ لِأنَّ جَعْلَ ذَلِكَ نَكالًا لِلْفَرِيقَيْنِ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ القَوْلِ والمَسْخِ، أوْ لِأنَّ الفاءَ إنَّما تَدُلُّ عَلى تَرَتُّبِ جَعْلِ العُقُوبَةِ نَكالًا عَلى القَوْلِ، وتَسَبُّبِهِ عَنْهُ، سَواءٌ كانَ عَلى نَفْسِهِ، أوْ عَلى الإخْبارِ بِهِ، فَلا يُنافِي حُصُولَ الِاعْتِبارِ قَبْلَ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ سَماعِ هَذِهِ القِصَّةِ، وقِيلَ: اللّامُ لامُ الأجَلِ، (وما) عَلى حَقِيقَتِها، والنَّكالُ بِمَعْنى العُقُوبَةِ، لا العِبْرَةِ، والمُرادُ (بِما بَيْنَ يَدَيْها) ما تَقَدَّمَ مِن سائِرِ الذُّنُوبِ قَبْلَ أخْذِ السَّمَكِ، (وبِما خَلْفَها) ما بَعْدَها، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ جَعَلْنا المَسْخَ عُقُوبَةً لِأجْلِ ذُنُوبِهِمُ المُتَقَدِّمَةِ عَلى المَسْخَةِ، والمُتَأخِّرَةِ عَنْها يَسْتَدْعِي بَقاءَهم مُكَلَّفِينَ بَعْدَ المَسْخِ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ إلّا عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ، وحَمْلُ الذُّنُوبِ الَّتِي بَعْدَ المَسْخَةِ عَلى السَّيِّئاتِ الباقِيَةِ آثارُها لَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، وقَوْلُ أبِي العالِيَةِ: إنَّ المُرادَ (بِما بَيْنَ يَدَيْها) ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ، (وبِما خَلْفَها) مَن يَأْتِي بَعْدُ، والمَعْنى فَجَعَلْناها عُقُوبَةً لِما مَضى مِن ذُنُوبِهِمْ، وعِبْرَةً لِمَن بَعْدَهُمْ، مُنْحَطٌّ مِنَ القَوْلِ جِدًّا لِمَزِيدِ ما فِيهِ مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ والتَّكَلُّفِ، ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ المَوْعِظَةُ ما يُذْكَرُ مِمّا يُلَيِّنُ القَلْبَ ثَوابًا كانَ أوْ عِقابًا، والمُرادُ (بِالمُتَّقِينَ) ما يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: مِنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُمُ اتَّعَظُوا بِذَلِكَ، وخافُوا ارْتِكابَ خِلافَ ما أُمِرُوا بِهِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم وعَظَ بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذِهِ الواقِعَةِ، وحَظُّ العارِفِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يَعْرِفَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ النّاسَ لِعِبادَتِهِ، وجَعَلَهم بِحَيْثُ لَوْ أُهْمِلُوا وتُرِكُوا وخُلُّوا بَيْنَهم وبَيْنَ طِباعِهِمْ، لَتَوَغَّلُوا وانْهَمَكُوا في اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ، والغَواشِي الظَّلَمانِيَّةِ لِضَرُوراتِهِمْ لَها، واعْتِيادِهِمْ مِنَ الطُّفُولِيَّةِ عَلَيْها. والنَّفْسُ كالطِّفْلِ إنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلى حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ فَوَضَعَ اللَّهُ تَعالى العِباداتِ، وفَرَضَ عَلَيْهِمْ تَكْرارَها في الأوْقاتِ المُعَيَّنَةِ، لِيَزُولَ عَنْهم بِها دَرْنُ الطِّباعِ المُتَراكِمِ في أوْقاتِ الغَفَلاتِ، وظُلْمَةِ الشَّواغِلِ العارِضَةِ في أزْمِنَةِ ارْتِكابِ الشَّهَواتِ، وجَعَلَ يَوْمًا مِن أيّامِ الأُسْبُوعِ مَخْصُوصًا لِلِاجْتِماعِ عَلى العِبادَةِ، وإزالَةِ وحْشَةِ التَّفْرِقَةِ، ودَفْعِ ظُلْمَةِ الِاشْتِغالِ بِالأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَوَضَعَ السَّبْتَ لِلْيَهُودِ لِأنَّ عالَمَ الحِسِّ الَّذِي إلَيْهِ دَعْوَةُ اليَهُودِ هو آخِرُ العَوالِمِ، والسَّبْتُ آخِرُ الأُسْبُوعِ، والأحَدُ لِلنَّصارى، لِأنَّ عالَمَ العَقْلِ الَّذِي إلَيْهِ دَعْوَتُهم أوَّلُ العَوالِمِ، ويَوْمُ الأحَدِ أوَّلُ الأُسْبُوعِ، والجُمُعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأنَّهُ يَوْمُ الجَمْعِ، والخَتْمِ فَهو أوْفَقُ بِهِمْ، وألْيَقُ بِحالِهِمْ، فَمَن لَمْ يُراعِ هَذِهِ الأوْضاعَ والمُراقَباتِ أصْلًا زالَ نُورُ اسْتِعْدادِهِ، وطُفِئَ مِصْباحُ فُؤادِهِ، ومُسِخَ كَما مُسِخَ أصْحابُ السَّبْتِ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ وصْفٌ مِن أوْصافِ الحَيَواناتِ، ورَسَخَ فِيهِ بِحَيْثُ أزالَ اسْتِعْدادَهُ وتَمَكَّنَ في طِباعِهِ، وصارَ صُورَةً ذاتِيَّةً لَهُ، كالماءِ الَّذِي مَنبَعُهُ مَعْدِنُ الكِبْرِيتِ مَثَلًا أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ صفحة 285 ذَلِكَ الحَيَوانِ، حَتّى كَأنْ صارَ طِباعُهُ طِباعَهُ، ونَفْسُهُ نَفْسَهُ، فَلْيَجْهَدِ المَرْءُ عَلى حِفْظِ إنْسانِيَّتِهِ وتَدْبِيرِ صِحَّتِهِ بِشَرابِ الأدْوِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، والمَعاجِينِ الحُكْمِيَّةِ ولْيَحُثَّ نَفْسَهُ بِالمَواعِظِ الوَعْدِيَّةِ والوَعِيدِيَّةِ. هِيَ النَّفْسُ إنْ تُهْمَلْ تُلازِمْ خَساسَةً ∗∗∗ وإنْ تَنْبَعِثْ نَحْوَ الفَضائِلِ تَلْهَجُ

البقرة 2:67

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ بَيانُ نَوْعٍ مِن مَساوِيهِمْ مِن غَيْرِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ، وصَحَّ العَطْفُ لِأنَّ ذِكْرَ النِّعَمِ سابِقًا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ المَساوِي أيْضًا مِنَ المُخالَفَةِ لِلْأنْبِياءِ، والتَّكْذِيبِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: هو عَلى نَمَطِ ما تَقَدَّمَ، لِأنَّ الذَّبْحَ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لِرِفْعَةِ التَّشاجُرِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وأُخْرَوِيَّةٌ لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَأنَّ مَوْلانا الإمامَ الرّازِيَّ خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ وُجُوهَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ أوَّلًا خَتَمَ ذَلِكَ بِشَرْحِ بَعْضِ ما وجَّهَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّشْدِيداتِ، وجَعَلَ النَّوْعَ الثّانِيَ ما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، وأوَّلُ القِصَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ إلَخْ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: قالَ مُوسى: إذْ قُتِلَ قَتِيلٌ تُنُوزِعَ في قاتِلِهِ، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ هي كَذا وكَذا، وأنْ يُضْرَبَ بِبَعْضِها ذَلِكَ القَتِيلُ، ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ، فَيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ، إلّا أنَّهُ فُكَّ بَعْضُها وقُدِّمَ، لِاسْتِقْلالِهِ بِنَوْعٍ مِن مَساوِيهِمُ الَّتِي قَصَدَ نَعْيَها عَلَيْهِمْ، وهو الِاسْتِهْزاءُ بِالأمْرِ، والِاسْتِقْصاءُ في السُّؤالِ، وتَرَكُ المُصارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، ولَوْ أُجْرِيَ عَلى النَّظْمِ لَكانَتْ قِصَّةً واحِدَةً، ولَذَهَبَتْ تَثْنِيَةُ التَّقْرِيعِ، وقَدْ وقَعَ في النَّظْمِ مِن فَكِّ التَّرْكِيبِ والتَّرْتِيبِ ما يُضاهِيهِ في بَعْضِ القِصَصِ، وهو مِنَ المَقْلُوبِ المَقْبُولِ لِتَضَمُّنِهِ نُكَتًا، وفَوائِدَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ نُزُولِها عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى حَسَبِ تِلاوَتِها، بِأنْ يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَبْحِ البَقَرَةِ، ثُمَّ يَقَعُ القَتْلُ فَيُؤْمَرُوا بِضَرْبِ بَعْضِها، لَكِنَّ المَشْهُورَ خِلافُهُ، والقِصَّةُ أنَّهُ عَمِدَ إخْوانٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى ابْنِ عَمٍّ لَهُما أخِي أبِيهِما، فَقَتَلاهُ لِيَرِثا مالَهُ، وطَرَحاهُ عَلى بابِ مَحَلِّهِمْ، ثُمَّ جاءا يَطْلُبانِ بِدَمِهِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَبْحِ بِقَرَةٍ وضَرْبِهِ بِبَعْضِها لِيَحْيا، ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ، وقِيلَ: كانَ القاتِلُ أخا القَتِيلِ، وقِيلَ: ابْنُ أخِيهِ، ولا وارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ عُمْرُهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ عامِيلُ، بِنْتُ عَمٍّ لا مِثْلَ لَها في بَنِي إسْرائِيلَ في الحُسْنِ والجَمالِ، فَقَتَلَهُ ذُو قَرابَةٍ لَهُ لِيَنْكِحَها، فَكانَ ما كانَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَأْمُرُكُمْ) بِضَمِّ الرّاءِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو السُّكُونُ والِاخْتِلاسُ وإبْدالُ الهَمْزَةِ ألِفًا، (وأنْ تَذْبَحُوا) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِيَأْمُرُ، وهو عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ بِأنْ تَذْبَحُوا، ﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعُوا، هَلْ سارَعُوا إلى الِامْتِثالِ أمْ لا؟ فَأُجِيبَ بِذَلِكَ، والِاتِّخاذُ كالتَّصْيِيرِ والجَعْلِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أصْلُهُما المُبْتَدَأُ والخَبَرُ، (وهُزُوًا) مَفْعُولُهُ الثّانِي، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَإ في الحَقِيقَةِ، وهو اسْمُ ذاتٍ هُنا، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ كَمَكانٍ، أوْ أهْلٍ، أوْ يُجْعَلُ بِمَعْنى المَهْزُوءِ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ أيْ مَصِيدُهُ، أوْ يُجْعَلُ الذّاتُ نَفْسَ المَعْنى مُبالَغَةً كَرَجُلٍ عَدْلٍ، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ إمّا بَعْدَ أنْ أمَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ دُونَ ذِكْرِ الأحْياءِ بِضَرْبِها، وإمّا بَعْدَ أنْ أمَرَهم وذَكَرَ لَهُمُ اسْتِبْعادًا لِما قالَهُ واسْتِخْفافًا بِهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، إذِ المَعْنى أتَسْخَرُ بِنا، فَإنَّ جَوابَكَ لا يُطابِقُ سُؤالَنا، ولا يَلِيقُ، وأيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ مِمّا أنْتَ آمِرٌ بِهِ، ولا يَأْبى ذَلِكَ انْقِيادُهم لَهُ، لِأنَّهُ بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّهُ جِدٌّ وعَزِيمَةٌ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهم: إنَّ إجابَتَهم نَبِيَّهم حِينَ أخْبَرَهم عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً بِذَلِكَ، دَلِيلٌ عَلى سُوءِ اعْتِقادِهِمْ بِنَبِيِّهِمْ، وتَكْذِيبِهِمْ لَهُ صفحة 286 إذْ لَوْ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ صَحِيحٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى لَما اسْتَفْهَمُوا هَذا الِاسْتِفْهامَ، ولا كانُوا أجابُوا هَذا الجَوابَ، فَهم قَدْ كَفَرُوا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: كانُوا مُؤْمِنِينَ مُصَدِّقِينَ، ولَكِنْ جَرى هَذا عَلى نَحْوِ ما هم عَلَيْهِ مِن غِلَظِ الطَّبْعِ والجَفاءِ والمَعْصِيَةِ، والعُذْرُ لَهم أنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْيِينَ القاتِلِ، فَقالَ ما قالَ ورَأوْا ما بَيْنَ السُّؤالِ والجَوابِ، تَوَهَّمُوا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ داعَبَهُمْ، أوْ ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى الِاسْتِهْزاءِ، فَأجابُوا بِما أجابُوا، وقِيلَ: اسْتَفْهَمُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِرْشادِ لا عَلى وجْهِ الإنْكارِ والعِنادِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (يَتَّخِذُنا) بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى، وقَرَأ حَمْزَةُ وإسْماعِيلُ عَنْ نافِعٍ (هُزْأً) بِالإسْكانِ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ، وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا، والباقُونَ بِالضَّمِّ والهَمْزَةِ، والكُلُّ لُغاتٌ فِيهِ. ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيْ مِن أنْ أُعَدَّ في عِدادِهِمْ، والجَهْلُ كَما قالَ الرّاغِبُ: لَهُ مَعانٍ: عَدَمُ العِلْمِ، واعْتِقادُ الشَّيْءِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وفِعْلُ الشَّيْءِ بِخِلافِ ما حَقُّهُ أنْ يُفْعَلَ سَواءٌ اعْتَقَدَ فِيهِ اعْتِقادًا صَحِيحًا، أوْ فاسِدًا، وهَذا الأخِيرُ هو المُرادُ هُنا، وقَدْ نَفاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ نَفْسِهِ قَصْدًا إلى نَفْيِ مَلْزُومِهِ الَّذِي رُمِيَ بِهِ، وهو الِاسْتِهْزاءُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ، وأُخْرِجَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِعارَةِ اسْتِفْظاعًا لَهُ، إذِ الهُزْءُ في مَقامِ الإرْشادِ كادَ يَكُونُ كُفْرًا، وما يَجْرِي مَجْراهُ، ووُقُوعُهُ في مَقامِ الِاحْتِقارِ والتَّهَكُّمِ مِثْلُ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ سائِغٌ شائِعٌ، وفَرْقٌ بَيْنَ المَقامَيْنِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ مِن بابِ الأدَبِ، والتَّواضُعِ مَعَهُ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ لِأنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى، وهو المَعْرُوفُ مِن إيرادِ الِاسْتِعاذَةِ في أثْناءِ الكَلامِ، والفَرْقُ بَيْنَ الهُزْءِ والمَزْحِ ظاهِرٌ، فَلا يُنافِي وُقُوعَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحْيانًا كَما لا يَخْفى.

البقرة 2:68

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ أيْ سَلْ لِأجْلِنا رَبَّكَ الَّذِي عَوَّدَكَ ما عَوَّدَكَ يُظْهِرُ لَنا ما حالُها وصِفَتُها، فالسُّؤالُ في الحَقِيقَةِ عَنِ الصِّفَةِ، لِأنَّ الماهِيَّةَ ومُسَمّى الِاسْمِ مَعْلُومانِ، ولا ثالِثَ لَهُما، لِتُسْتَعْمَلَ ما فِيهِ، أمّا إذا أُرِيدَ بَقَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ فَظاهِرٌ، لِأنَّهُ اسْتِفْسارٌ لِبَيانِ المُجْمَلِ، وإلّا فَلِمَكانِ التَّعَجُّبِ، وتُوِهِّمَ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ البَقَرَةِ لا تَكُونُ إلّا مُعَيَّنَةً، والجَوابُ عَلى الأوَّلِ بَيانٌ، وعَلى الثّانِي نَسْخٌ وتَشْدِيدٌ، وهَكَذا الحالُ فِيما سَيَأْتِي مِنَ السُّؤالِ والجَوابِ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ عَلى الأوَّلِ أيْ لِأنَّها لِلسُّؤالِ عَنِ المُمَيَّزِ وصْفًا كانَ أوْ ذاتِيًّا. وعَلى الثّانِي كَيْفَ؟ لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلسُّؤالِ عَنِ الحالِ، (وما) وإنْ سُئِلَ بِها عَنِ الوَصْفِ لَكِنَّهُ عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ، وهو إمّا مَجازٌ أوِ اشْتِراكٌ كَما صُرِّحَ بِهِ في المِفْتاحِ، والغالِبُ السُّؤالُ بِها عَنِ الجِنْسِ، فَإنْ أُجْرِيَتْ هُنا عَلى الِاسْتِعْمالِ الغالِبِ نَزَلَ مَجْهُولُ الصِّفَةِ لِكَوْنِهِ عَلى صِفَةٍ لَمْ يُوجَدْ عَلَيْها جِنْسُهُ، وهو إحْياءُ المَيِّتِ بِضَرْبِ بَعْضِهِ مَنزِلَةَ مَجْهُولِ الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ سُؤالًا عَنِ الجِنْسِ تَنْزِيلًا، وعَنِ الصِّفَةِ حَقِيقَةً، وإنْ أُجْرِيَتْ عَلى النّادِرِ لَمْ يُحْتَجْ إلى التَّنْزِيلِ المَذْكُورِ، والقَوْلُ إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ (ما هِيَ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ما حالُها، فَيَكُونُ سُؤالًا عَنْ نَوْعِ حالٍ تَفَرَّعَ عَلَيْهِ هَذِهِ الخاصِّيَّةُ عَلى بُعْدِهِ خالٍ عَنِ اللَّطافَةِ اللّائِقَةِ بِشَأْنِ الكِتابِ العَزِيزِ، (وما) اسْتِفْهامِيَّةُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ (لِهِيَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (بِيُبَيِّنْ) لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَنْها، وجازَ فِيهِ ذَلِكَ لِشَبَهِهِ بِأفْعالِ القُلُوبِ، والمَعْنى: ﴿يُبَيِّنْ لَنا﴾ جَوابَ هَذا السُّؤالِ، ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ الفارِضُ اسْمٌ لِلْمُسِنَّةِ الَّتِي انْقَطَعَتْ وِلادَتُها مِنَ الكِبَرِ، والفِعْلُ فَرَضَتْ بِفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّها، ويُقالُ لِكُلِّ ما قَدُمَ صفحة 287 وطالَ أمْرُهُ: فارِضٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: يا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فارِضٌ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ وكَأنَّ المُسِنَّةَ سُمِّيَتْ فارِضًا لِأنَّها فَرَضَتْ سِنَّها أيْ قَطَعَتْها، وبَلَغَتْ آخِرَها، والبِكْرُ اسْمٌ لِلصَّغِيرَةِ، وزادَ بَعْضُهُمُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ مِنَ الصِّغَرِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الَّتِي ولَدَتْ ولَدًا واحِدًا، والبِكْرُ مِنَ النِّساءِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّها الرِّجالُ، وقِيلَ: هي الَّتِي لَمْ تَحْمِلْ، والبِكْرُ مِنَ الأوْلادِ الأوَّلُ، ومِنَ الحاجاتِ الأُولى، والبَكْرُ بِفَتْحِ الباءِ الفَتِيُّ مِنَ الإبِلِ، والأُنْثى بَكْرَةٌ، وأصْلُهُ مِنَ التَّقَدُّمِ في الزَّمانِ، ومِنهُ البَكْرَةُ والباكُورَةُ، والِاسْمانِ صِفَةُ (بَقَرَةً)، ولَمْ يُؤْتَ بِالتّاءِ لِأنَّهُما اسْمانِ لِما ذُكِرَ، واعْتَرَضَتْ (لا) بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، وكُرِّرَتْ لِوُجُوبِ تَكْرِيرِها مَعَ الخَبَرِ، والنَّعْتِ، والحالِ، إلّا في الضَّرُورَةِ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، وابْنِ كَيْسانَ كَقَوْلِهِ: قَهَرْتُ العِدا لا مُسْتَعِينًا بِعُصْبَةٍ ∗∗∗ ولَكِنْ بِأنْواعِ الخَدائِعِ والمَكْرِ ومَن جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الوَصْفِ بِالجُمَلِ فَقَدَّرَ مُبْتَدَأً أيْ لا هي فارِضٌ ولا بِكْرٌ، فَقَدْ أبْعَدَ، إذِ الأصْلُ الوَصْفُ بِالمُفْرَدِ، والأصْلُ أيْضًا أنْ لا حَذْفَ، وذَكَرَ (يَقُولُ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لا مِن عِنْدِ نَفْسِهِ. ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ مُتَوَسِّطَةُ السِّنِّ، وقِيلَ: هي الَّتِي ولَدَتْ بَطْنًا أوْ بَطْنَيْنِ، وقِيلَ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ويُجْمَعُ عَلى فُعَلٍ كَقَوْلِهِ: طِوالٌ مِثْلُ أعْناقِ الهَوادِي ∗∗∗ نَواعِمُ بَيْنَ أبْكارٍ وعُوَنِ ويَجُوزُ ضَمُّ عَيْنِ الكَلِمَةِ في الشِّعْرِ، وفائِدَةُ هَذا بَعْدَ ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ نَفْيُ أنْ تَكُونَ عِجْلًا، أوْ جَنِينًا، وأرادَ مِن ذَلِكَ ما ذُكِرَ مِنَ الوَصْفَيْنِ السّابِقَيْنِ، وبِهَذا صَحَّ الإفْرادُ، وإضافَةُ بَيْنَ إلَيْهِ، فَإنَّهُ لا يُضافُ إلّا إلى مُتَعَدِّدٍ، وكَوْنُ الكَلامِ مِمّا حُذِفَ مِنهُ المَعْطُوفُ لِدِلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ وهَذا، أيِ الفارِضِ والبِكْرِ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ حَيْثُ أرادَ بَيْنَ الخَيْرِ وباعِثِهِ، تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِما ذُكِرَ، واخْتارَ السَّجاوَنْدِيُّ أنَّ المُرادَ في وسَطِ زَمانِ الصَّلاحِ لِلْعَوانِ، واعْتِدالِهِ تَقُولُ: سافَرْتُ إلى الرُّومِ، وطُفْتُ بَيْنَ ذَلِكَ، فالمُشارُ إلَيْهِ عَوانٌ، وارْتَضاهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُدَّعِيًا أنَّهُ أوْلى، لِئَلّا يَفُوتَ مَعْنى بَيْنَ ذَلِكَ، لِأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: بَقَرَةٌ عَوانٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ، وعَلى الشّائِعِ رُبَّما يَحْتاجُ الأمْرُ إلى تَجْرِيدٍ، كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ عَوْدَ الضَّمائِرِ المَذْكُورَةِ في السُّؤالِ والجَوابِ، وإجْراءُ تِلْكَ الصِّفاتِ عَلى بَقَرَةٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِها مُعَيَّنَةٌ، لِأنَّ الأوَّلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ في البَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها، والثّانِي يُفِيدُ أنَّ المَقْصِدَ تَعْيِينُها، وإزالَةُ إبْهامِها بِتِلْكَ الصِّفاتِ، كَما هو شَأْنُ الصِّفَةِ لا أنَّها تَكالِيفُ مُتَغايِرَةٌ، بِخِلافِ ما إذا ذَكَرَ تِلْكَ الصِّفاتِ بِدُونِ الإجْراءِ، وقِيلَ: إنَّها لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ، فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ تَبْدِيلَ الحُكْمِ السّابِقِ، والقَوْلَ بِأنَّهم لَمّا تَعَجَّبُوا مِن بَقَرَةٍ مَيِّتَةٍ يُضْرَبُ بِبَعْضِها مَيِّتٌ فَيَحْيا، ظَنُّوها مُعَيَّنَةً خارِجَةً عَمّا عَلَيْهِ الجِنْسُ، فَسَألُوا عَنْ حالِها وصِفَتِها، فَوَقَعَتِ الضَّمائِرُ لِمُعَيَّنَةٍ بِاعْتِقادِهِمْ، فَعُيِّنَتْ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ مِنها أوَّلَ الأمْرِ مُعَيَّنَةً، لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنِ الضَّمائِرُ عائِدَةً إلى ما أُمِرُوا بِذَبْحِها، بَلْ ما اعْتَقَدُوها، والظّاهِرُ خِلافُهُ واللّازِمُ عَلى هَذا تَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، ولَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ، والمُمْتَنِعُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ، إلّا عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ صفحة 288 التَّكْلِيفَ بِالمُحالِ، ولَيْسَ بِلازِمٍ، إذْ لا دَلِيلَ عَلى أنَّ الأمْرَ هُنا لِلْفَوْرِ، حَتّى يُتَوَهَّمَ ذَلِكَ، ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرُوا ذَلِكَ، وادَّعَوْا أنَّ المُرادَ بِها بَقَرَةٌ مِن نَوْعِ البَقَرِ، بِلا تَعْيِينٍ، وكانَ يَحْصُلُ الِامْتِثالُ لَوْ ذَبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ كانَتْ، إلّا أنَّها انْقَلَبَتْ مَخْصُوصَةً بِسُؤالِهِمْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، وتَمَسَّكُوا بِظاهِرِ اللَّفْظِ، فَإنَّهُ مُطْلَقٌ، فَيُتْرَكُ عَلى إطْلاقِهِ مَعَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، مَوْقُوفًا، (لَوْ ذَبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ أرادُوا لَأجْزَأتْهُمْ، ولَكِنْ شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ)، وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا، وبِأنَّهُ لَوْ كانَتْ مُعَيَّنَةً لَما عَنَّفَهم عَلى التَّمادِي، وزَجَرَهم عَنِ المُراجَعَةِ إلى السُّؤالِ، واللّازِمُ حِينَئِذٍ النَّسْخُ قَبْلَ الفِعْلِ بِناءً عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: الزِّيادَةُ عَلى الكِتابِ نَسْخٌ كَجَماهِيرِ الحَنَفِيَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ يَتَضَمَّنُ التَّخْيِيرَ، وهو حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، والتَّقْيِيدُ يَرْفَعُهُ، وهو جائِزٌ، بَلْ واقِعٌ كَما في حَدِيثِ فَرْضِ الصَّلاةِ لَيْلَةَ المِعْراجِ، والمُمْتَنِعُ النَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِاعْتِقادِ بِالِاتِّفاقِ، لِأنَّهُ بَداءٌ، وقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، ولَيْسَ بِلازِمٍ عَلى ما قِيلَ، عَلى أنَّهُ قِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِنَسْخٍ، لِأنَّ البَقَرَةَ المُطْلَقَةَ مُتَناوِلَةٌ لِلْبَقَرَةِ المَخْصُوصَةِ، وذَبْحَ البَقَرَةِ المَخْصُوصَةِ ذَبْحٌ لِلْبَقَرَةِ مُطْلَقًا، فَهو امْتِثالٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِيِّ، فَلا يَكُونُ نَسْخًا، واعْتُرِضَ عَلى كَوْنِ التَّخْيِيرِ حُكْمًا شَرْعِيًّا إلَخْ، بِالمَنعِ مُسْتَنِدًا بِأنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ إنَّما يَدُلُّ عَلى إيجابِ ماهِيَّةٍ مِن حَيْثُ هي بِلا شَرْطٍ، لَكِنْ لَمّا لَمْ تَتَحَقَّقْ إلّا في ضِمْنِ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ جاءَ التَّخْيِيرُ عَقْلًا مِن غَيْرِ دِلالَةِ النَّصِّ عَلَيْهِ، وإيجابُ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي إيجابَ مُقَدِّمَتِهِ العَقْلِيَّةِ، إذِ المُرادُ بِالوُجُوبِ الوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ، ومِنَ الجائِزِ أنْ يُعاقَبَ المُكَلَّفُ عَلى تَرْكِ ما يَشْمَلُهُ مُقَدِّمَةٌ عَقْلِيَّةٌ، ولا يُعاقَبُ عَلى تَرْكِ المُقَدِّمَةِ، ونُسِبَ هَذا الِاعْتِراضُ لِمَوْلانا القاضِي في مَنهِيّاتِهِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ تَحْقِيقَ هَذا المَقامِ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِالبَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها مُطْلَقَ البَقَرَةِ، أيَّ بَقَرَةٍ كانَتْ، فالنَّسْخُ جائِزٌ، لِأنَّ شَرْطَ النَّسْخِ التَّمَكُّنُ مِنَ الِاعْتِقادِ، وهو حاصِلٌ بِلا رَيْبٍ، وإنْ كانَ البَقَرَةَ المُعَيَّنَةَ، فَلا يَجُوزُ النَّسْخُ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنَ الِاعْتِقادِ حِينَئِذٍ، لِأنَّهُ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ الِاسْتِفْسارِ، فاخْتِلافُ العُلَماءِ في جَوازِ النَّسْخِ وعَدَمِهِ في هَذا المَقامِ مِن بابِ النِّزاعِ اللَّفْظِيِّ، فَتَدَبَّرْ، ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ مِن ذَبْحِ البَقَرَةِ، ولا تُكَرِّرُوا السُّؤالَ، ولا تَتَعَنَّتُوا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، حَرَّضَهم عَلى امْتِثالِ ما أُمِرُوا بِهِ، شَفَقَةً مِنهُ عَلَيْهِمْ، (وما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما تُؤْمَرُونَهُ بِمَعْنى: ما تُؤْمَرُونَ بِهِ، وقَدْ شاعَ حَذْفُ الجارِّ في هَذا الفِعْلِ حَتّى لَحِقَ بِالمُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، فالمَحْذُوفُ مِن أوَّلِ الأمْرِ هو المَنصُوبُ، وأجازَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، أيْ فافْعَلُوا أمْرَكُمْ، ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ ذَلِكَ في الحاصِلِ بِالسَّبْكِ قَلِيلٌ، وإنَّما كَثُرَ في صِيغَةِ المَصْدَرِ.

البقرة 2:69

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ إسْنادُ البَيانِ في كُلِّ مَرَّةٍ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِإظْهارِ كَمالِ المُساعَدَةِ في إجابَةِ مَسْؤُولِهِمْ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والفُقُوعُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الصُّفْرَةِ، وأبْلَغُهُ، والوَصْفُ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ، كَأمْسِ الدّابِرِ، وكَذا في قَوْلِهِمْ: أبْيَضُ ناصِعٌ، وأسْوَدُ حالِكٌ، وأحْمَرُ قانٍ، وأخْضَرُ ناضِرٌ، (ولَوْنُها) مَرْفُوعٌ بِـ(فاقِعٌ)، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: صَفْراءُ فاقِعَةٌ، لِأنَّهُ أرادَ تَأْكِيدَ نِسْبَةِ الصُّفْرَةِ، فَحَكَمَ عَلَيْها أنَّها صَفْراءُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى اللَّوْنِ أنَّهُ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، فابْتَدَأ أوَّلًا بِوَصْفِ البَقَرَةِ بِالصُّفْرَةِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِ اللَّوْنِ بِها، فَكَأنَّهُ قالَ: هي صَفْراءُ ولَوْنُها شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، وعَنِ الحَسَنِ: سَوْداءُ صفحة 289 شَدِيدَةُ السَّوادِ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، لِأنَّ الصُّفْرَةَ وإنِ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ بِهَذا المَعْنى نادِرًا كَما أطْلَقُوا الأسْوَدَ عَلى الأخْضَرِ، لَكِنَّهُ في الإبِلِ خاصَّةً، عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ لِأنَّ سَوادَ الإبِلِ تَشُوبُهُ صُفْرَةٌ، وتَأْكِيدُهُ بِالفُقُوعِ يُنافِيهِ، لِأنَّهُ مِن وصْفِ الصُّفْرَةِ في المَشْهُورِ، نَعَمْ ذُكِرَ في اللُّمَعِ أنَّهُ يُقالُ: أصْفَرُ فاقِعٌ، وأحْمَرُ فاقِعٌ، ويُقالُ في الألْوانِ كُلِّها فاقِعٌ وناصِعٌ، إذا أُخْلِصَتْ، فَعَلَيْهِ لا يَرُدُّ ما ذُكِرَ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الصُّفْرَةَ اسْتُعِيرَتْ هُنا لِلسَّوادِ، وكَذا فاقِعٌ لِشَدِيدِ السَّوادِ، وهو تَرْشِيحٌ، ويُجْعَلُ سَوادُهُ مِن جِهَةِ البَرِيقِ واللَّمَعانِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ لَوْنُها مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ إمّا فاقِعٌ أوِ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ، والتَّأْنِيثُ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما لِكَوْنِهِ أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ، كَما قالُوا: ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ، والثّانِي أنَّهُ يُرادُ بِهِ المُؤَنَّثُ إذْ هو الصُّفْرَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: صُفْرَتُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ، ولا يَخْفى بُعْدُ ذَلِكَ، والسُّرُورُ أصْلُهُ لَذَّةٌ في القَلْبِ عِنْدَ حُصُولِ نَفْعٍ أوْ تَوَقُّعِهِ أوْ رُؤْيَةِ أمْرٍ مُعْجِبٍ رائِقٍ، وأمّا نَفْسُهُ فانْشِراحٌ مُسْتَبْطِنٌ فِيهِ، وبَيْنَ السُّرُورِ والحُبُورِ والفَرَحِ تَقارُبٌ، لَكِنَّ السُّرُورَ هو الخالِصُ المُنْكَتِمُ سُمِّيَ بِذَلِكَ اعْتِبارًا بِالإسْرارِ، والحُبُورُ ما يُرى حَبَرُهُ، أيْ أثَرُهُ في ظاهِرِ البَشَرَةِ، وهُما يُسْتَعْمَلانِ في المَحْمُودِ، وأمّا الفَرَحُ فَما يَحْصُلُ بَطَرًا وأشَرًا، ولِذَلِكَ كَثِيرًا ما يُذَمُّ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ والمُرادُ بِهِ هُنا عِنْدَ بَعْضٍ الإعْجابُ مَجازًا لِلُزُومِهِ لَهُ غالِبًا، والجُمْلَةُ صِفَةُ البَقَرَةِ، أيْ تُعْجِبُ النّاظِرِينَ إلَيْها، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ يُشِيرُونَ إلى أنَّ الصُّفْرَةَ مِنَ الألْوانِ السّارَّةِ، ولِهَذا كانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَرْغَبُ في النِّعالِ الصُّفْرِ، ويَقُولُ: (مَن لَبِسَ نَعْلًا أصْفَرَ قَلَّ هَمُّهُ)، ونَهى ابْنُ الزُّبَيْرِ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ لِباسِ النِّعالِ السُّودِ لِأنَّها تَغُمُّ، وقُرِئَ (يَسُرُّ) بِالياءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (لَوْنُها) مُبْتَدَأً، (ويَسُرُّ) خَبَرَهُ، ويَكُونَ (فاقِعٌ) صِفَةٌ تابِعَةٌ لِصَفْراءَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: وإنِّي لِأسْقِي الشِّرْبَ صَفْراءَ فاقِعًا كَأنَّ ذَكِيَّ المِسْكِ فِيها يُفَتَّقُ إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ، حَتّى قِيلَ: بابُهُ الشِّعْرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (لَوْنُها) فاعِلًا بِـ(فاقِعٌ)، (ويَسُرُّ) إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ.

البقرة 2:70

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ إعادَةٌ لِلسُّؤالِ عَنِ الحالِ والصِّفَةِ لِرَدِّ الجَوابِ الأوَّلِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُطابِقٍ، وأنَّ السُّؤالَ باقٍ عَلى حالِهِ، بَلْ لِطَلَبِ الكَشْفِ الزّائِدِ عَلى ما حَصَلَ، وإظْهارُ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ البَيانُ التّامُّ. ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: (ادْعُ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وهو اعْتِذارٌ لِتَكْرِيرِ السُّؤالِ، أيْ إنَّ البَقَرَ المَوْصُوفَ بِما ذُكِرَ كَثِيرٌ فاشْتَبَهَ عَلَيْنا، والتَّشابُهُ مَشْهُورٌ في البَقَرِ، وفي الحَدِيثِ «(فِتَنٌ كَوُجُوهِ البَقَرِ)،» أيْ يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضًا، وقَرَأ يَحْيى وعِكْرِمَةُ والباقِرُ: (إنَّ الباقِرَ)، وهو اسْمٌ لِجَماعَةِ البَقَرِ، والبَقَرُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدِهِ بِالتّاءِ، ومِثْلُهُ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ (كَنَخْلٍ مُنْقَعِرٍ)، (والنَّخْلَ باسِقاتٍ)، وجَمْعُهُ أباقِرُ، ويُقالُ فِيهِ: بَيْقُورٌ وجَمْعُهُ بَواقِرُ، وفي البَحْرِ إنَّما سُمِّيَ هَذا الحَيَوانُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَبْقُرُ الأرْضَ أيْ يَشُقُّها لِلْحَرْثِ، وقَرَأ الحَسَنُ (تَشابَهُ) بِضَمِّ الهاءِ جَعَلَهُ مُضارِعًا مَحْذُوفَ التّاءِ وماضِيهِ تَشابَهَ، وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى البَقَرِ، عَلى أنَّهُ مُؤَنَّثٌ، والأعْرَجُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ شَدَّدَ الشِّينَ، والأصْلُ تَتَشابَهُ، فَأُدْغِمَ، وقُرِئَ (تَشَّبَّهَ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى صِيغَةِ المُؤَنَّثِ مِنَ المُضارِعِ المَعْلُومِ، (ويَشَّبَّهُ) بِالياءِ والتَّشْدِيدِ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ المَعْلُومِ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ (يَشّابَهُ) بِالياءِ والتَّشْدِيدِ جَعَلَهُ مُضارِعًا مِن تَفاعَلَ، لَكِنَّهُ أدْغَمَ التّاءَ في الشِّينِ، وقُرِئَ: (مُشْتَبِهٌ)، (ومُتَشَبِّهٌ)، (ويَتَشابَهُ)، والأعْمَشُ (مُتَشابِهٌ، ومُتَشابِهَةٌ)، وقُرِئَ (تَشابَهَتْ) بِالتَّخْفِيفِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ بِالتَّشْدِيدِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ التّاءَ لا تُدْغَمُ إلّا في المُضارِعِ، ولَيْسَ في زِنَةِ الأفْعالِ فِعْلٌ ماضٍ عَلى تَفّاعَلَ بِتَشْدِيدِ الفاءِ، ووُجِّهَ بِأنَّ أصْلَهُ: صفحة 290 إنَّ البَقَرَةَ تَشابَهَتْ، فالتّاءُ الأُولى مِنَ البَقَرَةِ، والثّانِيَةُ مِنَ الفِعْلِ، فَلَمّا اجْتَمَعَ مِثْلانِ أُدْغِمَ، نَحْوَ: الشَّجَرَةُ تَمايَلَتْ، إلّا أنَّ جَعْلَ التَّشابُهِ في بَقَرَةٍ رَكِيكٌ، والأهْوَنُ القَوْلُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ هَذِهِ القِراءَةِ، فَإنَّ دُونَ تَصْحِيحِها عَلى وجْهٍ وجِيهٍ خَرْطُ القَتادِ، ويُشْكِلُ أيْضًا (تَشابَهَ) مِن غَيْرِ تَأْنِيثٍ، لِأنَّهُ كانَ يَجِبُ ثُبُوتُ عَلامَتِهِ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالُها وابْنُ كَيْسانَ يُجَوِّزُهُ في السَّعَةِ، ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ أيْ إلى عَيْنِ البَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها، أوْ لِما خَفِيَ مِن أمْرِ القاتِلِ، أوْ إلى الحِكْمَةِ الَّتِي مِن أجْلِها أُمِرْنا، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مُعْضَلًا، وسَعِيدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مَوْصُولًا أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(لَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا لَما تَبَيَّنَتْ لَهم آخِرَ الأبَدِ)،» واحْتُجَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحَوادِثَ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، حَيْثُ عَلَّقَ فِيما حَكاهُ وُجُودَ الِاهْتِداءِ الَّذِي هو مِن جُمْلَةِ الحَوادِثِ بِتَعَلُّقِ المَشِيئَةِ، وهي نَفْسُ الإرادَةِ، وما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ فَهو حُجَّةٌ عَلى ما عُرِفَ في مَحَلِّهِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِتَرادُفِ المَشِيئَةِ والإرادَةِ، وفِيهِ خِلافٌ، وأنَّ كَوْنَ ما ذُكِرَ بِالإرادَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ جَمِيعِ الحَوادِثِ بِها، وفِيهِ نَظَرٌ، واحْتُجَّ أيْضًا بِها عَلى أنَّ الأمْرَ قَدْ يَنْفَعُكَ عَنِ الإرادَةِ، ولَيْسَ هو الإرادَةَ كَما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالذَّبْحِ فَقَدْ أرادَ اهْتِداءَهم في هَذِهِ الواقِعَةِ، فَلا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: إنْ شاءَ اللَّهُ، الدّالِّ عَلى الشَّكِّ، وعَدَمِ تَحَقُّقِ الِاهْتِداءِ فائِدَةٌ بِخِلافِ ما إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُعْتَقِدِينَ عَلى خِلافِ الواقِعِ لِلِانْفِكاكِ، أوْ يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلى تَرَدُّدِهِمْ في كَوْنِ الأمْرِ مِنهُ تَعالى يَدْفَعُهُ التَّقْرِيرُ، إلّا أنَّهُ يَرِدُ أنَّ الِاحْتِجاجَ إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ مَعْنى (لَمُهْتَدُونَ) الِاهْتِداءَ إلى المُرادِ بِالأمْرِ، أمّا لَوْ كانَ المُرادُ إنْ شاءَ اللَّهُ اهْتِداءَنا في أمْرٍ ما لَكُنّا مُهْتَدِينَ فَلا، إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، كالقَوْلِ بِأنَّ اللّازِمَ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِهِ، وهو الذَّبْحُ مُرادًا، ولا يَلْزَمُهُ الِاهْتِداءُ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِتِلْكَ الإرادَةِ حِكْمَةٌ أُخْرى، بَلْ هَذا أبْعَدُ بَعِيدٍ، والمُعْتَزِلَةُ والكَرامِيَّةُ يَحْتَجُّونَ بِالآيَةِ عَلى حُدُوثِ إرادَتِهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّها والمَشِيئَةَ سَواءٌ، لِأنَّ كَلِمَةَ (إنْ) دالَّةٌ عَلى حُصُولِ الشَّرْطِ في الِاسْتِقْبالِ، وقَدْ تَعَلَّقَ الِاهْتِداءُ الحادِثُ بِها، ويُجابُ بِأنَّ التَّعْلِيقَ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ، فاللّازِمُ حُدُوثُ التَّعَلُّقِ، ولا يَلْزَمُهُ حُدُوثُ نَفْسِ الصِّفَةِ، وتَوَسُّطُ الشَّرْطِ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها لِتَتَوافَقَ رُؤُوسُ الآيِ، وجاءَ خَبَرُ إنَّ اسْمًا لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الثُّبُوتِ، وعَلى أنَّ الهِدايَةَ حاصِلَةٌ لَهُمْ، ولِلِاعْتِناءِ بِذَلِكَ أُكِّدَ الكَلامُ.

البقرة 2:71

﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ صِفَةُ (بَقَرَةٌ)، وهو مِنَ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ، ومَن قالَ: هو مِنَ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: لا هي ذَلُولٌ، فَقَدْ أبْعَدَ عَنِ الصَّوابِ، (ولا) بِمَعْنى غَيْرُ، وهو اسْمٌ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ السَّخاوِيُّ وغَيْرُهُ لَكِنْ لِكَوْنِها في صُورَةِ الحَرْفِ ظَهَرَ إعْرابُها فِيما بَعْدَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حَرْفًا (كالا) الَّتِي بِمَعْنى غَيْرُ، في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ والذَّلُولُ الرَّيِّضُ الَّذِي زالَتْ صُعُوبَتُهُ، يُقالُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذِّلِّ بِالكَسْرِ، ورَجُلٌ ذَلُولٌ بَيِّنُ الذُّلِّ بِالضَّمِّ، ﴿تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ (لا) صِلَةٌ لازِمَةٌ لِوُجُوبِ التَّكْرارِ في هَذِهِ الصُّورَةِ، وهي مُفِيدَةٌ لِلتَّصْرِيحِ بِعُمُومِ النَّفْيِ، إذْ بِدُونِها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِنَفْيِ الِاجْتِماعِ، ولِذا تُسَمّى المُذَكِّرَةُ والإثارَةُ قَلْبَ الأرْضِ لِلزِّراعَةِ، مِن أثَرْتُهُ إذا هَيَّجْتَهُ، والحَرْثُ الأرْضُ المُهَيَّأةُ لِلزَّرْعِ، أوْ هو شَقُّ الأرْضِ لِيُبْذَرَ فِيها، ويُطْلَقُ عَلى ما حُرِثَ وزُرِعَ، وعَلى نَفْسِ الزَّرْعِ أيْضًا، والفِعْلانِ صِفَتا (ذَلُولٌ)، والصِّفَةُ يَجُوزُ وصْفُها عَلى ما ارْتَضاهُ بَعْضُ النُّحاةِ، وصَرَّحَ بِهِ السَّمِينُ، والفِعْلُ الأوَّلُ داخِلٌ في حَيِّزِ النَّفْيِ والمَقْصُودُ نَفْيُ إثارَتِها الأرْضَ، أيْ لا تُثِيرُ الأرْضَ، فَتُذَلُّ، فَهو مِن بابِ صفحة 291 عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ فَفِيهِ نَفْيٌ لِلْأصْلِ، والفَرْعِ مَعًا، وانْتِفاءُ المَلْزُومِ بِانْتِفاءِ اللّازِمِ، قالَ الحَسَنُ: كانَتْ هَذِهِ البَقَرَةُ وحْشِيَّةً، ولِهَذا وُصِفَتْ بِأنَّها لا تُثِيرُ الأرْضَ إلَخْ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ (تُثِيرُ) مُثْبَتٌ لَفْظًا ومَعْنًى، وأنَّهُ أثْبَتَ لِلْبَقَرَةِ أنَّها تُثِيرُ الأرْضَ وتَحْرُثُها، ونَفى عَنْها سَقْيَ الحَرْثِ، ورُدَّ بِأنَّ ما كانَ يَحْرُثُ لا يَنْتَفِي عَنْهُ كَوْنُهُ ذَلُولًا، وقالَ بَعْضٌ: المُرادُ إنَّها تُثِيرُ الأرْضَ بِغَيْرِ الحَرْثِ بَطَرًا ومَرَحًا، ومِن عادَةِ البَقَرِ إذا بَطِرَتْ تَضْرِبُ بِقُرُونِها وأظْلافِها، فَتُثِيرُ تُرابَ الأرْضِ، فَيَكُونُ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِ (لا ذَلُولٌ)، لِأنَّ وصْفَها بِالمَرَحِ والبَطَرِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ عِنْدِي بِالبَعِيدِ، وذَهَبُ بَعْضُهم كَما في المَواشِي إلى أنَّ جُمْلَةَ (تُثِيرُ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأنَّها مِن نَكِرَةٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إنْ أرادَ بِالنَّكِرَةِ بَقَرَةً، فَقَدْ وُصِفَتْ، والحالُ مِنَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ جائِزَةٌ جَوازًا حَسَنًا، وإنْ أرادَ بِها لا ذَلُولٌ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ جَوازُ مَجِيءِ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، وإنْ لَمْ تُوصَفْ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَبِعَ الجُمْهُورَ في ذَلِكَ، وهم عَلى المَنعِ، وجَعْلُ الجُمْلَةِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (ذَلُولٌ)، أيْ لا ذَلُولٌ في حالِ إثارَتِها، لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: (لا ذَلُولَ) بِالفَتْحِ، (فَلا) لِلتَّبْرِئَةِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: هُناكَ، والمُرادُ مَكانٌ وُجِدَتْ هي فِيهِ، والجُمْلَةُ صِفَةُ (ذَلُولٌ)، وهو نَفْيٌ لِأنْ تُوصَفَ بِالذُّلِّ، ويُقالُ: هي ذَلُولٌ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ في مَكانِ البَقَرَةِ لَكانَتْ مَوْصُوفَةً بِهِ ضَرُورَةَ اقْتِضاءِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ في مَكانِها لَمْ تَكُنْ مَوْصُوفَةً بِهِ، فَهَذا كَقَوْلِهِمْ: مَحَلُّ فُلانٍ مَظِنَّةُ الجُودِ والكَرَمِ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ (تُثِيرُ) خَبَرُ لا، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، لِأنَّهُ أبْلَغُ كَما لا يَخْفى، وبَعْضُهم خَرَّجَ القِراءَةَ عَلى البِناءِ نَظَرًا إلى صُورَةِ (لا) كَما في كُنْتُ بِلا مالَ، بِالفَتْحِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلى مَوْرِدِ السَّماعِ، ولَيْسَ بِقِياسِيٍّ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ الرَّضِيِّ، وقُرِئَ (تُسْقِي) بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أسْقى، بِمَعْنى سَقى، وبَعْضٌ فَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ سَقى لِنَفْسِهِ وأسْقى لِغَيْرِهِ، كَماشِيَتِهِ وأرْضِهِ. ﴿مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها﴾ أيْ سَلَّمَها اللَّهُ تَعالى مِنَ العُيُوبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ أعْفاها أهْلُها مِن سائِرِ أنْواعِ الِاسْتِعْمالِ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الحَرامِ، لا غَصْبَ فِيها ولا سَرِقَةَ، قالَهُ عَطاءٌ، أوْ أُخْلِصَ لَوْنُها مِنَ الشِّياتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والأوْلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، لِأنَّ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى الكامِلِ، ولِكَوْنِهِ تَأْسِيسًا، وعَلى آخِرِ الأقْوالِ يَكُونُ ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ أيْ لا لَوْنَ فِيها يُخالِفُ لَوْنَها تَأْكِيدًا، والتَّضْعِيفُ هُنا لِلنَّقْلِ والتَّعْدِيَةِ، ووَهِمَ غَيْرُ واحِدٍ فَزَعَمَ أنَّهُ لِلْمُبالَغَةِ، والشِّيَةُ مَصْدَرُ وشَيْتُ الثَّوْبَ أشِيهِ وشْيًا إذا زَيَّنْتَهُ بِخُطُوطٍ مُخْتَلِفَةِ الألْوانِ، فَحُذِفَ فاؤُهُ كَعِدَةٍ وزِنَةٍ، ومِنهُ الواشِي لِلنَّمّامِ، قِيلَ: ولا يُقالُ لَهُ: واشٍ حَتّى يُغَيِّرَ كَلامَهُ ويُزَيِّنَهُ، ويُقالُ: ثَوْرٌ أشْيَهُ، وفَرَسٌ أبْلَقُ، وكَبْشٌ أخْرَجُ، وتَيْسٌ أبْرَقُ، وغُرابٌ أبْقَعُ، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى البُلْقَةِ، وفي البَحْرِ: لَيْسَ الأشْيَهُ في قَوْلِهِمْ: ثَوْرٌ أشْيَهُ لِلَّذِي فِيهِ بَلَقٌ مَأْخُوذًا مِنَ الشِّيَهِ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، وشِيَةٌ اسْمُ لا، وفِيها خَبَرُهُ. ﴿قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ أيْ أظْهَرْتَ حَقِيقَةَ ما أُمِرْنا بِهِ، فالحَقُّ هُنا بِمَعْنى الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى الأمْرِ المَقْضِيِّ، أوِ اللّازِمِ، وقِيلَ: بِمَعْنى القَوْلِ المُطابِقِ لِلْواقِعِ، ولَمْ يُرِيدُوا أنَّ ما سَبَقَ لَمْ يَكُنْ حَقًّا، بَلْ أرادُوا أنَّهُ لَمْ يَظْهَرِ الحَقُّ بِهِ كَمالَ الظُّهُورِ فَلَمْ يَجِئْ بِالحَقِّ، بَلْ أوْمَأ إلَيْهِ، فَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ لَمْ يَكْفُرُوا بِهَذا القَوْلِ، وأجْراهُ قَتادَةُ عَلى ظاهِرِهِ، وجَعَلَهُ مُتَضَمِّنًا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِن قَبْلُ كانَ باطِلًا، فَقالَ: إنَّهم كَفَرُوا بِهَذا القَوْلِ، والأوْلى عَدَمُ الإكْفارِ، (والآنَ) صفحة 292 ظَرْفُ زَمانٍ لازِمُ البِناءِ عَلى الفَتْحِ، ولا يَجُوزُ تَجْرِيدُهُ مِن ألْ، واسْتِعْمالُهُ عَلى خِلافِهِ لَحْنٌ، وهي تَقْتَضِي الحالَ، وتُخَلِّصُ المُضارِعَ لَهُ غالِبًا، وقَدْ جاءَتْ حَيْثُ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ لَهُ نَحْوَ ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ إذِ الأمْرُ نَصٌّ في الِاسْتِقْبالِ، وادَّعى بَعْضُهم إعْرابَها لِقَوْلِهِ: كَأنَّهُما مِلْآنِ لَمْ يَتَغَيَّرا يُرِيدُ مِنَ الآنَ، فَجَرَّهُ، وهو يَحْتَمِلُ البِناءَ عَلى الكَسْرِ، (وألْ) فِيها لِلْحُضُورِ عِنْدَ بَعْضٍ، وزائِدَةٌ عِنْدَ آخَرِينَ، وبُنِيَتْ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الإشارَةِ، أوْ لِتَضَمُّنِها مَعْنى (ألِ) التَّعْرِيفِيَّةِ، كَسَحَرَ، وقُرِئَ (آلْآنَ)، بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ إشارَةً إلى اسْتِبْطائِهِ، وانْتِظارِهِمْ لَهُ. وقَرَأ نافِعٌ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وعَنْهُ رِوايَتانِ: حَذْفُ واوِ (قالُوا)، وإثْباتُها، (فَذَبَحُوها) أيْ فَطَلَبُوا هَذِهِ البَقَرَةَ الجامِعَةَ لِلْأوْصافِ السّابِقَةِ، وحَصَّلُوها فَذَبَحُوها، فالفاءُ فَصِيحَةٌ عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، إذْ لا يَتَرَتَّبُ الذَّبْحُ عَلى مُجَرَّدِ الأمْرِ بِالذَّبْحِ، وبَيانِ صِفَتِها، وحُذِفَ لِدِلالَةِ الذَّبْحِ عَلَيْهِ، وتَحْصِيلُها كانَ بِاشْتِرائِها مِنَ الشّابِّ البارِّ بِأبَوَيْهِ كَما تَظافَرَتْ عَلَيْهِ أقْوالُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ، وقِيلَ: كانَتْ وحْشِيَّةً، فَأخَذُوها، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ مِن بَقَرِ الدُّنْيا، بَلْ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى مِنَ السَّماءِ، وهو قَوْلٌ هابِطٌ إلى تُخُومِ الأرْضِ، قِيلَ: ووَجْهُ الحِكْمَةِ في جَعْلِ البَقَرَةِ آلَةً دُونَ غَيْرِها مِنَ البَهائِمِ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ البَقَرَ والعَجاجِيلَ، وحُبِّبَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ ثُمَّ بَعْدَ ما تابُوا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَمْتَحِنَهم بِذَبْحِ ما حُبِّبَ إلَيْهِمْ لِيَكُونَ حَقِيقَةً لِتَوْبَتِهِمْ، وقِيلَ: لَعَلَّهُ ألْطَفُ وأوْلى إنَّ الحِكْمَةَ في هَذا الأمْرِ إظْهارَ تَوْبِيخِهِمْ في عِبادَةِ العِجْلِ بِأنَّكم كَيْفَ عَبَدْتُمْ ما هو في صُورَةِ البَقَرَةِ، مَعَ أنَّ الطَّبْعَ لا يَقْبَلُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ خاصِّيَّةً يَحْيا بِها مَيِّتٌ بِمُعْجِزَةِ نَبِيٍّ؟! وكَيْفَ قَبِلْتُمْ قَوْلَ السّامِرِيِّ إنَّهُ إلَهُكُمْ، وها أنْتُمْ تَقْبَلُونَ قَوْلَ اللَّهِ سُبْحانَهُ: إنَّهُ يَحْيا بِضَرْبِ لَحْمَةٍ مِنهُ المَيِّتُ، سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى! هَذا الخَرَقُ العَظِيمُ، ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ كَنّى عَلى الذَّبْحِ بِالفِعْلِ، أيْ وما كادُوا يَذْبَحُونَ، واحْتِمالُ - أنْ يَكُونَ المُرادُ وما كادُوا يَفْعَلُونَ ما أُمِرُوا بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ مِن ضَرْبِ بَعْضِها عَلى المَيِّتِ - بَعِيدٌ، وكادَ مَوْضُوعَةٌ لِدُنُوِّ الخَبَرِ حُصُولًا، ولا يَكُونُ خَبَرُها في المَشْهُورِ إلّا مُضارِعًا دالًّا عَلى الحالِ لِتَأْكِيدِ القُرْبِ، واخْتُلِفَ فِيها فَقِيلَ: هي في الإثْباتِ نَفْيٌ، وفي النَّفْيِ إثْباتٌ، فَمَعْنى كادَ زَيْدٌ يَخْرُجُ، قارَبَ، ولَمْ يَخْرُجْ، وهو فاسِدٌ، لِأنَّ مَعْناها مُقارَبَةُ الخُرُوجِ، وأمّا عَدَمُهُ فَأمْرٌ عَقْلِيٌّ خارِجٌ عَنِ المَدْلُولِ، ولَوْ صَحَّ ما قالَهُ لَكانَ قارَبَ ونَحْوُهُ كَذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وقِيلَ: هي في الإثْباتِ إثْباتٌ، وفي النَّفْيِ الماضِي إثْباتٌ، وفي المُسْتَقْبَلِ عَلى قِياسِ الأفْعالِ، وتَمَسَّكَ القائِلُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَعْنى ﴿وما كادُوا﴾ هُنا نَفْيًا لِلْفِعْلِ عَنْهم لَناقَضَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها﴾، حَيْثُ دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الفِعْلِ لَهُمْ، والحَقُّ إنَّها في الإثْباتِ والنَّفْيِ كَسائِرِ الأفْعالِ، فَمُثْبَتُها لِإثْباتِ القُرْبِ، ومَنفِيُّها لِنَفْيِهِ، والنَّفْيُ والإثْباتُ في الآيَةِ مَحْمُولانِ عَلى اخْتِلافِ الوَقْتَيْنِ، أوِ الِاعْتِبارَيْنِ، فَلا تَناقُضَ، إذْ مِن شَرْطِهِ اتِّحادُ الزَّمانِ والِاعْتِبارُ، والمَعْنى: أنَّهم ما قارَبُوا ذَبْحَها حَتّى انْقَطَعَتْ تَعَلُّلاتُهم فَذَبَحُوا كالمُلْجَإ، أوْ فَذَبَحُوها ائْتِمارًا وما كادُوا مِنَ الذَّبْحِ خَوْفًا مِنَ الفَضِيحَةِ، أوِ اسْتِثْقالًا لِغُلُوِّ ثَمَنِها، حَيْثُ رُوِيَ أنَّهُمُ اشْتَرَوْها بِمِلْءِ جِلْدِها ذَهَبًا، وكانَتِ البَقَرَةُ إذْ ذاكَ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ، واسْتَشْكَلَ القَوْلُ بِاخْتِلافِ الوَقْتَيْنِ بِأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن فاعِلِ ذَبَحُوها، فَيَجِبُ مُقارَنَةُ مَضْمُونِها لِمَضْمُونِ العامِلِ، والجَوابُ بِأنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّهُ قَدْ يُقَيَّدُ بِالماضِي، فَإنْ كانَ مُثْبَتًا قُرِنَ بِقَدْ، لِتَقَرُّبِهِ مِنَ الحالِ، وإنْ كانَ مَنفِيًّا كَما هُنا لَمْ يُقْرَنْ بِها، لِأنَّ الأصْلَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ، فَيُفِيدُ المُقارَبَةَ لا يُجْدِي نَفْعًا، لِأنَّ عَدَمَ مُقارَبَةِ الفِعْلِ لا يُتَصَوَّرُ مُقارَنَتُها لَهُ، ولِهَذا عَوَّلَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ في الجَوابِ عَلى أنَّ ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَعَسُّرِ الفِعْلِ، وثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، وهو مُسْتَمِرٌّ باقٍ، وقَدْ صَرَّحَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ صفحة 293 أنَّهُ قَدْ يَقُولُ القائِلُ: لَمْ يَكَدْ زَيْدٌ يَفْعَلُ، ومُرادُهُ أنَّهُ فَعَلَ بِعُسْرٍ، لا بِسُهُولَةٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، الَّذِي وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ فافْهَمْ،

البقرة 2:72

﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ أيْ شَخْصًا، أوْ ذا نَفْسٍ، ونِسْبَةُ القَتْلِ إلى المُخاطَبِينَ لِوُجُودِهِ فِيهِمْ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في نِسْبَةِ الأشْياءِ إلى القَبِيلَةِ إذا وُجِدَ مِن بَعْضِها ما يُذَمُّ بِهِ، أوْ يُمْدَحُ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ لا يَحْسُنُ إسْنادُ فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ صَدَرَ عَنِ البَعْضِ إلى الكُلِّ، إلّا إذا صَدَرَ عَنْهُ بِمُظاهَرَتِهِمْ أوْ رِضًا مِنهم غَيْرُ مُسَلَّمٍ، نَعَمْ لا بُدَّ لِإسْنادِهِ إلى الكُلِّ مِن نُكْتَةٍ ما، ولَعَلَّها هُنا الإشارَةُ إلى أنَّ الكُلَّ بِحَيْثُ لا يَبْعُدُ صُدُورُ القَتْلِ مِنهم لِمَزِيدِ حِرْصِهِمْ، وكَثْرَةِ طَمَعِهِمْ، وعِظَمِ جَرْأتِهِمْ: فَهم كَأصابِعِ الكَفَّيْنِ طَبْعًا وكُلٌّ مِنهم طَمِعٌ جَسُورُ وقِيلَ: إنَّ القاتِلَ جَمْعٌ، وهم ورَثَةُ المَقْتُولِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلى قَتْلِهِ، ولِهَذا نُسِبَ القَتْلُ إلى الجَمْعِ،﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ أصْلُهُ تَدارَأْتُمْ مِنَ الدَّرْءِ، وهو الدَّفْعُ، فاجْتَمَعَتِ التّاءُ والدّالُ مَعَ تَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما، وأُرِيدَ الإدْغامُ فَقُلِبَتِ التّاءُ دالًا، وسُكِّنَتْ لِلْإدْغامِ، فاجْتَلَبَتْ هَمْزَةَ الوَصْلِ لِلتَّوَصُّلِ إلى الِابْتِداءِ بِها، وهَذا مُطَّرِدٌ في كُلِّ فِعْلٍ عَلى تَفاعَلَ أوْ تَفَعَّلَ، فاؤُهُ تاءٌ أوْ طاءٌ أوْ ظاءٌ أوْ صادٌ أوْ ضادٌ، والتَّدارُؤُ هُنا إمّا مَجازٌ عَنِ الِاخْتِلافِ والِاخْتِصامِ أوْ كِنايَةٌ عَنْهُ، إذِ المُتَخاصِمانِ يَدْفَعُ كُلٌّ مِنهُما الآخَرَ، أوْ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، أعْنِي التَّدافُعَ بِأنْ طَرَحَ قَتْلَها كُلٌّ عَنْ نَفْسِهِ إلى صاحِبِهِ، فَكُلٌّ مِنهُما مِن حَيْثُ إنَّهُ مَطْرُوحٌ عَلَيْهِ يَدْفَعُ الآخَرَ مِن حَيْثُ إنَّهُ طارِحٌ، وقِيلَ: إنَّ طَرْحَ القَتْلِ في نَفْسِهِ نَفْسُ دَفْعِ الصّاحِبِ، وكُلٌّ مِنَ الطّارِحَيْنِ دافِعٌ، فَتَطارُحُهُما تَدافُعٌ، وقِيلَ: إنَّ كُلًّا مِنهُما يَدْفَعُ الآخَرَ عَنِ البَراءَةِ إلى التُّهْمَةِ، فَإذا قالَ أحَدُهُما: أنا بَرِيءٌ وأنْتَ مُتَّهَمٌ، يَقُولُ الآخَرُ: بَلْ أنْتَ المُتَّهَمُ، وأنا البَرِيءُ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ عَلى ما فِيهِ بِالمَجازِ ألْيَقُ، ولِهَذا عَدَّ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ مِنَ المَجازِ، والضَّمِيرُ في (فِيها) عائِدٌ عَلى النَّفْسِ، وقِيلَ: عَلى القَتَلَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الفِعْلِ، وقِيلَ: عَلى التُّهْمَةِ الدّالِّ عَلَيْها مَعْنى الكَلامِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (فَتَدارَأْتُمْ) عَلى الأصْلِ، وقِيلَ: قَرَأ هُوَ، وأبُو السُّوارِ (فادَّرَأْتُمْ) بِغَيْرِ ألْفٍ قَبْلَ الرّاءِ، وإنَّ طائِفَةً أُخْرى قَرَؤُوا (فَتَدارَأْتُمْ)، ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أيْ مُظْهِرٌ لا مَحالَةَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ مِن أمْرِ القَتِيلِ والقاتِلِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ بِناءُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وبِناءُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى المُبْتَدَإ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الحُكْمِ وتَقَوِّيهِ، وذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ عِنْدَنا والوُجُوبِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وتَقْدِيرُ المُتَعَلِّقِ خاصًّا هو ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا في القَتِيلِ وغَيْرِهِ، ويَكُونُ القَتِيلُ مِن جُمْلَةِ أفْرادِهِ، وفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَيْسَ كُلُّ ما كَتَمُوهُ عَنِ النّاسِ أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وأُعْمِلَ (مُخْرِجٌ) لِأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْحُكْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وهو التَّدارُؤُ، ومُضِيُّهُ الآنَ لا يَضُرُّ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وفي البَحْرِ: إنْ كانَ لِلدِّلالَةِ عَلى تَقَدُّمِ الكِتْمانِ

البقرة 2:73

﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فادّارَأْتُمْ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ يُفِيدُ أنَّ كِتْمانَ القاتِلِ لا يَنْفَعُهُ، وقِيلَ: حالٌ، أيْ والحالُ أنَّكم تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، والهاءُ في (اضْرِبُوهُ) عائِدٌ عَلى النَّفْسِ بِناءً عَلى تَذْكِيرِها، إذْ فِيها التَّأْنِيثُ، وهو الأشْهَرُ، والتَّذْكِيرُ، أوْ عَلى تَأْوِيلِ الشَّخْصِ، أوِ القَتِيلِ، أوْ عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا نَفْسٍ، وبَعْدَ الحَذْفِ أُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنَّ التَّذْكِيرَ لِتَذْكِيرِ المَعْنى، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُذَكَّرًا، والمَعْنى مُؤَنَّثًا، أوْ بِالعَكْسِ، فَوَجْهانِ، وذُكِّرَ هَذا الضَّمِيرُ مَعَ سَبْقِ التَّأْنِيثِ تَفَنُّنًا، أوْ تَمْيِيزًا بَيْنَ هَذا الضَّمِيرِ والضَّمِيرِ الَّذِي بَعْدَهُ تَوْضِيحًا، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالبَعْضِ أيُّ بَعْضٍ كانَ، إذْ لا فائِدَةَ في تَعَيُّنِهِ صفحة 294 ولَمْ يَرِدْ بِهِ نَقْلٌ صَحِيحٌ، واخْتُلِفَ بِمَ ضَرَبُوهُ؟ فَقِيلَ: بِلِسانِها أوْ بِأصْغَرَيْها، أوْ بِفَخِذِها اليُمْنى، أوْ بِذَنَبِها، أوْ بِالغُضْرُوفِ، أوْ بِالعَظْمِ الَّذِي يَلِيهِ، أوْ بِالبَضْعَةِ الَّتِي بَيْنَ الكَتِفَيْنِ، أوْ بِالعَجَبِ، أوْ بِعَظْمٍ مِن عِظامِها، ونُقِلَ أنَّ الضَّرْبَ كانَ عَلى جِيدِ القَتِيلِ، وذَلِكَ قَبْلَ دَفْنِهِ، ومَن قالَ: إنَّهم مَكَثُوا في تَطَلُّبِها أرْبَعِينَ سَنَةً، أوْ أنَّهم أُمِرُوا بِطَلَبِها ولَمْ تَكُنْ في صُلْبٍ ولا رَحِمٍ قالَ: إنَّ الضَّرْبَ عَلى القَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ، والأظْهَرُ أنَّهُ المُباشِرُ بِالضَّرْبِ لا القَبْرُ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ قامَ وأوْداجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، فَقالَ: قَتَلَنِي ابْنُ أخِي، وفي رِوايَةٍ: فُلانٌ وفُلانٌ لِابْنَيْ عَمِّهِ، ثُمَّ سَقَطَ مَيِّتًا، فَأُخِذا وقُتِلا، وما ورِثَ قاتِلٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وفي بَعْضِ القِصَصِ أنَّ القاتِلَ حَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى ما قَتَلْتُهُ، فَكَذَّبَ بِالحَقِّ بَعْدَ مُعايَنَتِهِ، قالَ الماوَرْدِيُّ: وإنَّما كانَ الضَّرْبُ بِمَيِّتٍ لا حَياةَ فِيهِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ عَلى ذِي شُبْهَةٍ أنَّ الحَياةَ إنَّما انْقَلَبَتْ إلَيْهِ مِمّا ضُرِبَ بِهِ، فَلِإزالَةِ الشُّبْهَةِ، وتَأكُّدِ الحُجَّةِ كانَ ذَلِكَ، ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ تُفِيدُ تَحَقُّقَ المُشَبَّهِ، وتَيَقُّنَهُ بِتَشْبِيهِ المَوْعُودِ بِالمَوْجُودِ، والمُماثَلَةُ في مُطْلَقِ الإحْياءِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ أيْ فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ، والتَّكَلُّمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَعَ مَن حَضَرَ وقْتَ الحَياةِ، والكافُ خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ ويَسْمَعَ هَذا الكَلامَ، لِأنَّ أمْرَ الإحْياءِ عَظِيمٌ يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ بِشَأْنِهِ أنْ يُخاطَبَ بِهِ كُلُّ مَن يَصِحُّ مِنهُ الِاسْتِماعُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أُولَئِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرِيكُمْ﴾ إلَخْ، ولا بُدَّ عَلى هَذا مِن تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ قُلْنا، أوْ وقُلْنا لَهم كَذَلِكَ لِيَرْتَبِطَ الكَلامُ بِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: حَرْفُ الخِطابِ مَصْرُوفٌ إلَيْهِمْ، وكانَ الظّاهِرُ كَذَلِكم عَلى وفْقِ ما بَعْدَهُ، إلّا أنَّهُ أفْرَدَهُ بِإرادَةِ كُلِّ واحِدٍ، أوْ بِتَأْوِيلِ فَرِيقٍ، ونَحْوِهِ قَصْدًا لِلتَّخْفِيفِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّكَلُّمُ مَعَ مَن حَضَرَ نُزُولَ الآيَةِ، وعَلَيْهِ لا تَقْدِيرَ، إذْ يَنْتَظِمُ بِدُونِهِ، بَلْ رُبَّما يَخْرُجُ مَعَهُ مِنَ الِانْتِظامِ، وأبْعَدَ الماوَرْدِيُّ فَجَعَلَهُ خِطابًا مِن مُوسى نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ مُسْتَأْنَفٌ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الآياتِ جَمْعٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى، والمُرادُ بِها الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها هَذا الإحْياءُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالجَمْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى أُمُورٍ بَدِيعَةٍ مِن تَرَتُّبِ الحَياةِ عَلى الضَّرْبِ بِعُضْوٍ مَيِّتٍ، وإخْبارِ المَيِّتِ بِقاتِلِهِ، وما يُلابِسُهُ مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ، وفي المُنْتَخَبِ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الآيَةِ الواحِدَةِ بِالآياتِ، لِأنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، المُخْتارِ في الإيجادِ والإبْداعِ، وعَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى بَراءَةِ ساحَةِ مَن لَمْ يَكُنْ قاتِلًا، وعَلى تَعَيُّنِ تِلْكَ التُّهْمَةِ عَلى مَن باشَرَ القَتْلَ، ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَعْقِلُوا الحَياةَ بَعْدَ المَوْتِ، والبَعْثَ والحَشْرَ، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ نَفْسٍ واحِدَةٍ قَدَرَ عَلى إحْياءِ الأنْفُسِ كُلِّها لِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ، ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أوْ لِكَيْ يَكْمُلَ عَقْلُكُمْ، أوْ لَعَلَّكم تَمْتَنِعُونَ مِن عِصْيانِهِ، وتَعْمَلُونَ عَلى قَضِيَّةِ عُقُولِكُمْ، وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أحْكامًا فِقْهِيَّةً انْتَزَعُوها واسْتَدَلُّوا عَلَيْها مِن قِصَّةِ هَذا القَتِيلِ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ، ولا أرى لِذِكْرِ ذَلِكَ طائِلًا سِوى الطُّولِ هَذا. ومِن بابِ الإشارَةِ: إنَّ البَقَرَةَ هي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ حِينَ زالَ عَنْها شَرَهُ الصِّبا، ولَمْ يَلْحَقْها ضَعْفُ الكِبَرِ، وكانَتْ مُعْجَبَةً رائِقَةَ النَّظَرِ لا تُثِيرُ أرْضَ الِاسْتِعْدادَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، ولا تَسْقِي حَرْثَ المَعارِفِ والحِكَمِ الَّتِي فِيها بِالقُوَّةِ بِمِياهِ التَّوَجُّهِ إلى حَضْرَةِ القُدْسِ، والسَّيْرِ إلى رِياضِ الأُنْسِ، وقَدْ سَلِمَتْ لِتَرْعى أزْهارَ الشَّهَواتِ، ولَمْ تُقَيَّدْ بِقُيُودِ الآدابِ والطّاعاتِ، فَلَمْ يَرْسَخْ فِيها مَذْهَبٌ واعْتِقادٌ، ولَمْ يَظْهَرْ عَلَيْها ما أُودِعَ فِيها مِن أنْوارِ الِاسْتِعْدادِ، وذَبْحُها قَمْعُ هَواها ومَنعُها عَنْ صفحة 295 أفْعالِها الخاصَّةِ بِها، بِشَفْرَةِ سِكِّينِ الرِّياضَةِ، فَمَن أرادَ أنْ يَحْيا قَلْبُهُ حَياةً طَيِّبَةً، ويَتَحَلّى بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والعُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ ويَنْكَشِفَ لَهُ حالُ المُلْكِ والمَلَكُوتِ، وتَظْهَرَ لَهُ أسْرارُ اللّاهُوتِ والجَبَرُوتِ، ويَرْتَفِعَ ما بَيْنَ عَقْلِهِ ووَهْمِهِ مِنَ التَّدارُؤِ والنِّزاعِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الإلْفِ لِلْمَحْسُوساتِ، فَلْيَذْبَحْها، ولْيُوصِلْ أثَرَهُ إلى قَلْبِهِ المَيِّتِ، فَهُناكَ يَخْرُجُ المَكْتُومُ، وتَفِيضُ بِحارُ العُلُومِ، وهَذا الذَّبْحُ هو الجِهادُ الأكْبَرُ، والمَوْتُ الأحْمَرُ، وعُقْباهُ الحَياةُ الحَقِيقِيَّةُ، والسَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ ومَن لَمْ يَمُتْ في حُبِّهِ لَمْ يَعِشْ بِهِ ودُونَ اجْتِناءِ النَّحْلِ ما جَنَتِ النَّحْلُ وقَدْ أُشِيرَ بِالشَّيْخِ والعَجُوزِ والطِّفْلِ والشّابِّ المَقْتُولِ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ في هَذِهِ القِصَّةِ إلى الرُّوحِ والطَّبِيعَةِ الجِسْمانِيَّةِ والعَقْلِ والقَلْبِ، وتَطْبِيقُ سائِرِ ما في القِصَّةِ بَعْدَ هَذا إلَيْكَ، هَذا وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ.

البقرة 2:74

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ القَسْوَةُ في الأصْلِ اليُبْسُ والصَّلابَةُ، وقَدْ شُبِّهَتْ هُنا حالُ قُلُوبِهِمْ، وهي نُبُوُّها عَنِ الِاعْتِبارِ بِحالِ قَسْوَةِ الحِجارَةِ في أنَّها يَجْرِي فِيها لُطْفُ العَمَلِ فَفي (قَسَتِ) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ، (وثُمَّ) لِاسْتِبْعادِ القَسْوَةِ بَعْدَ مُشاهَدَةِ ما يُزِيلُها، وقِيلَ: إنَّها لِلتَّراخِي في الزَّمانِ لِأنَّهم قَسَتْ قُلُوبُهم بَعْدَ مُدَّةٍ حِينَ قالُوا: إنَّ المَيِّتَ كَذَبَ عَلَيْهِمْ، أوْ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ قَسْوَةِ عَقِبِهِمْ، والضَّمِيرُ في (قُلُوبِكُمْ) لِوَرَثَةِ القَتِيلِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعِنْدَ أبِي العالِيَةِ وغَيْرِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ إحْياءِ القَتِيلِ، وقِيلَ: كَلامِهِ، وقِيلَ: ما سَبَقَ مِنَ الآياتِ الَّتِي عَلِمُوها، كَمَسْخِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ورَفْعِ الجَبَلِ، وانْبِجاسِ الماءِ، والإحْياءِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وعَلَيْهِ تَكُونُ ﴿ثُمَّ قَسَتْ﴾ إلَخْ، عَطْفًا عَلى مَضْمُونِ جَمِيعِ القِصَصِ السّابِقَةِ، والآياتِ المَذْكُورَةِ، وعَلى سابِقِهِ تَكُونُ عَطْفًا عَلى قِصَّةِ ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ﴾ ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾ أيْ في القَسْوَةِ، وعَدَمِ التَّأثُّرِ، والجَمْعُ لِجَمْعِ القُلُوبِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّها مُتَفاوِتَةٌ في القَسْوَةِ، كَما أنَّ الحِجارَةَ مُتَفاوِتَةٌ في الصَّلابَةِ، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهي حَرْفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ، والأخْفَشُ يَدَّعِي اسْمِيَّتَها، وهي مُتَعَلِّقَةٌ هُنا بِمَحْذُوفٍ، أيْ كائِنَةٌ كالحِجارَةِ، خِلافًا لِابْنِ عُصْفُورٍ، إذْ زَعَمَ أنَّ كافَ التَّشْبِيهِ لا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ ﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ أيْ مِنَ الحِجارَةِ، فَهي كالحَدِيدِ مَثَلًا، أوْ كَشَيْءٍ لا يَتَأثَّرُ أصْلًا، ولَوْ وهْمًا، (وأوْ) لِتَخْيِيرِ المُبالِغِ، ويَكُونُ في التَّشْبِيهِ كَما يَكُونُ بَعْدَ الأمْرِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ، أيْ بَعْضٌ كالحِجارَةِ، وبَعْضٌ أشَدُّ، أوْ لِلتَّرْدِيدِ، بِمَعْنى تَجْوِيزِ الأمْرَيْنِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الغَيْرِ، عَلى ما قِيلَ، أوْ بِمَعْنى بَلْ، ويَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ، إذا قُلْنا بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِالجُمَلِ، أوْ بِمَعْنى الواوِ، أوْ لِلشَّكِّ، وهو لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ تَعالى يُصْرَفُ إلى الغَيْرِ، والعَلّامَةُ لا يَرْتَضِي ذَلِكَ لِما أنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ مَعانِي الحُرُوفِ بِالقِياسِ إلى السّامِعِ، وفِيهِ إخْراجٌ لِلْألْفاظِ عَنْ أوْضاعِها، فَإنَّها إنَّما وُضِعَتْ لِيُعَبِّرَ بِها المُتَكَلِّمُ عَمّا في ضَمِيرِهِ، والحَقُّ جَوازُ اعْتِبارِ السّامِعِ في مَعانِي الألْفاظِ عِنْدَ امْتِناعِ جَرْيِها عَلى الأصْلِ بِالنَّظَرِ إلى المُتَكَلِّمِ، فَلا بَأْسَ بِأنْ يَسْلُكَ بِأوْ في الشَّكِّ مَسْلَكَ لَعَلَّ في التَّرَجِّي الواقِعِ في كَلامِهِ تَعالى، فَتِلْكَ جادَّةٌ مَسْلُوكَةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ، وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ، فَتَذَكَّرْ، (وأشَدُّ) عَطْفٌ عَلى (كالحِجارَةِ) مِن قَبِيلِ عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ عَلى سَفَرٍ أوْ مُقِيمٌ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمْ: أوْ هي أشَدُّ، فَيَصِيرُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، ومِنَ النّاسِ مَن يُقَدِّرُ مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ مِثْلُ ما هو أشَدُّ، ويَجْعَلُهُ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ، إنْ كانَ اسْمًا، أوْ مَجْمُوعَ الجارِّ والمَجْرُورِ إذا كانَ حَرْفًا، ثُمَّ لَمّا حُذِفَ المُضافُ أُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، فَأُعْرِبَ بِإعْرابِهِ، ولا يَخْفى أنَّ اعْتِبارَ التَّشْبِيهِ في جانِبِ المَعْطُوفِ بِدُونِ عَطْفِهِ عَلى المَجْرُورِ بِالكافِ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا، وقَرَأ الأعْمَشُ (أوْ أشَدُّ) مَجْرُورًا بِالفَتْحَةِ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ صفحة 296 لِلْوَصْفِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وهو عَطْفٌ عَلى الحِجارَةِ، واعْتِبارُ التَّشْبِيهِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ وتَعالى: أقْسى، مَعَ أنَّ فِعْلَ القَسْوَةِ مِمّا يُصاغُ مِنهُ أفْعَلُ، وهو أخْصَرُ، ووارِدٌ في الفَصِيحِ كَقَوْلِهِ: كُلُّ خَمْصانَةٍ أرَقُّ مِنَ الخَمْرِ بِقَلْبٍ أقْسى مِنَ الجُلْمُودِ لِما في أشَدَّ مِنَ المُبالَغَةِ، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الزِّيادَةِ بِجَوْهَرِهِ، وهَيْئَتِهِ، بِخِلافِ أقْسى، فَإنَّ دِلالَتَهُ بِالهَيْئَةِ فَقَطْ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى اشْتِدادِ القَسْوَتَيْنِ، ولَوْ كانَ أقْسى لَكانَ دالًّا عَلى اشْتِراكِ القُلُوبِ والحِجارَةِ في القَسْوَةِ، واشْتِمالِ القُلُوبِ عَلى زِيادَةِ القَسْوَةِ لا في شِدَّةِ القَسْوَةِ، ولَيْسَ هَذا مِثْلَ قَوْلِكَ: زَيْدٌ أشَدُّ إكْرامًا مِن عَمْرٍو، حَيْثُ ذَكَرُوا أنَّ لَيْسَ مَعْناهُ إلّا أنَّهُما مُشْتَرِكانِ في الإكْرامِ، وإكْرامُ زَيْدٍ زِيدَ عَلى إكْرامِ عَمْرٍو، لا أنَّهُما مُشْتَرِكانِ في شِدَّةِ الإكْرامِ وشِدَّةُ إكْرامِ زَيْدٍ زائِدَةٌ عَلى شِدَّةِ إكْرامِ عَمْرٍو، لِلْفَرْقِ بَيْنَ ما بُنِيَ لِلتَّوَصُّلِ، وما بُنِيَ لِغَيْرِهِ، وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الثّانِي، وإنْ كانَ الأوَّلُ أكْثَرَ، والِاعْتِراضُ بِأنَّ أشَدَّ مَحْمُولٌ عَلى القُلُوبِ، دُونَ القَسْوَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَيْها، بِحَسَبِ المَعْنى، لِكَوْنِها تَمْيِيزًا مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ، أوْ مَنقُولًا عَنِ المُبْتَدَإ، كَما في البَحْرِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أبْرَزَ القَساوَةَ في مَعْرِضِ العُيُوبِ الظّاهِرَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها مِنَ العُيُوبِ، بَلِ العَيْبُ كُلُّ العَيْبِ ما صَدَّ عَنْ عالَمِ الغَيْبِ، ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِنَ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ تَذْيِيلٌ لِبَيانِ تَفْضِيلِ قُلُوبِهِمْ عَلى الحِجارَةِ، أوِ اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وبَيْنَ الحالِ عَنْها، وهو ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ﴾ لِبَيانِ سَبَبِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لِغَرابَتِهِ يَحْتاجُ إلى بَيانِ السَّبَبِ، كَما في قَوْلِهِ: فَلا هِجْرَةَ يَبْدُو وفي اليَأْسِ راحَةٌ ∗∗∗ ولا وصْفُهُ يَصْفُو لَنا فَنُكارِمُهُ) وجَعْلُهُ جُمْلَةً حالِيَّةً مُشْعِرَةً بِالتَّعْلِيلِ يَأْباهُ الذَّوْقُ، إذْ لا مَعْنى لِلتَّقْيِيدِ، وكَوْنُهُ بَيانًا وتَقْرِيرًا مِن جِهَةِ المَعْنى لِما تَقَدَّمَ مَعَ كَوْنِهِ بِحَسَبِ اللَّفْظِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ﴾ كَما قالَهُ الَعَلّامَةُ مِمّا لا يَظْهَرُ وجْهُهُ، لِأنَّهُ إذا كانَ بَيانًا في المَعْنى كَيْفَ يَصِحُّ عَطْفُهُ، ويُتْرَكُ جَعْلُهُ بَيانًا؟ والمَعْنى: إنَّ الحِجارَةَ تَتَأثَّرُ، وتَنْفَعِلُ، وقُلُوبُ هَؤُلاءِ لا تَتَأثَّرُ ولا تَنْفَعِلُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى أصْلًا، وقَدْ تَرَقّى سُبْحانَهُ في بَيانِ التَّفْضِيلِ كَأنَّهُ بَيَّنَ أوَّلًا تَفْضِيلَ قُلُوبِهِمْ في القَساوَةِ عَلى الحِجارَةِ الَّتِي تَتَأثَّرُ تَأثُّرًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنفَعَةٌ عَظِيمَةٌ مِن تَفَجُّرِ الأنْهارِ، ثُمَّ عَلى الحِجارَةِ الَّتِي تَتَأثَّرُ تَأثُّرًا ضَعِيفًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنفَعَةٌ قَلِيلَةٌ مِن خُرُوجِ الماءِ، ثُمَّ عَلى الحِجارَةِ الَّتِي تَتَأثَّرُ مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: قُلُوبُ هَؤُلاءِ أشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ، لِأنَّها لا تَتَأثَّرُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ المَنفَعَةُ العَظِيمَةُ بَلِ الحَقِيرَةُ بَلْ لا تَتَأثَّرُ أصْلًا، وبِما ذُكِرَ يَظْهَرُ نُكْتَةُ ذِكْرِ تَفَجُّرِ الأنْهارِ، وخُرُوجِ الماءِ، وتَرْكِ فائِدَةِ الهُبُوطِ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ عَلى نَهْجِ التَّتْمِيمِ دُونَ التَّرَقِّي، كالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إذْ لَوْ أُرِيدَ التَّرَقِّي لَقِيلَ: وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، وإنَّ مِنها لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، وفائِدَتُهُ اسْتِيعابُ جَمِيعِ الِانْفِعالاتِ الَّتِي عَلى خِلافِ طَبِيعَةِ هَذا الجَوْهَرِ، وهو أبْلَغُ مِنَ التَّرَقِّي، ويَكُونُ ﴿وإنَّ مِنها﴾ الأخِيرُ تَتْمِيمًا لِلتَّتْمِيمِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَنعُ إفادَتِهِ لِاسْتِيعابِ جَمِيعِ الِانْفِعالاتِ وخُلُوُّهُ عَنْ لَطافَةِ ما ذَكَرْناهُ، والفَجْرُ التَّفَتُّحُ بِسَعَةٍ، وكَثْرَةٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوْهَرُ الكَلِمَةِ، وبِناءُ التَّفَعُّلِ، والمُرادُ مِنَ الأنْهارِ الماءُ الكَثِيرُ الَّذِي يَجْرِي في الأنْهارِ، والكَلامُ إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ ذِكْرِ المَحَلِّ وإرادَةِ الحال،ِ أوِ الإسْنادُ مَجازِيٌّ، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: وحَمْلُها عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ وهْمٌ، إذِ التَّفَتُّحُ لا يُمْكِنُ إسْنادُهُ إلى الأنْهارِ، اللَّهُمَّ إلّا بِتَضْمِينِ مَعْنى الحُصُولِ، بِأنْ يُقالَ: يَتَفَجَّرُ، ويَحْصُلُ مِنهُ الأنْهارُ، عَلى أنَّ تَفْجِيرَ الحِجارَةِ بِحَيْثُ تَصِيرُ صفحة 297 نَهْرًا غَيْرُ مُعْتادٍ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِها أنْهارًا، والتَّشَقُّقُ التَّصَدُّعُ بِطُولٍ أوْ بِعَرْضِ، والخَشْيَةُ الخَوْفُ، واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنها، فَذَهَبَ قَوْمٌ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ، أنَّها هُنا حَقِيقَةٌ، وهي مُضافَةٌ إلى الِاسْمِ الكَرِيمِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيْ مِن خَشْيَةِ الحِجارَةِ اللَّهَ، ويَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى العَقْلَ والحَياةَ في الحَجَرِ، واعْتِدالُ المِزاجِ والبِنْيَةُ لَيْسا شَرْطًا في ذَلِكَ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وظَواهِرُ الآياتِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، وفي الصَّحِيحِ: «(إنِّي لَأعْرِفُ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ أُبْعَثَ)» وأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ ما مَرَّ بِحَجَرٍ ولا مَدَرٍ، إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، ووَرَدَ في الحَجَرِ الأسْوَدِ أنَّهُ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ، وحَدِيثُ تَسْبِيحِ الحَصى بِكَفِّهِ الشَّرِيفِ ﷺ مَشْهُورٌ، وقِيلَ: هي حَقِيقَةٌ، والإضافَةُ هي الإضافَةُ، إلّا أنَّ الفاعِلَ مَحْذُوفٌ، هو العِبادُ، والمَعْنى: أنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما يَنْزِلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، عِنْدَ الزِّلْزالِ مِن خَشْيَةِ عِبادِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنها خَشْيَةَ اللَّهِ تَعالى صارَتْ تِلْكَ الخَشْيَةُ كالعِلَّةِ المُؤَثِّرَةِ في ذَلِكَ الهُبُوطِ، فَيُؤَوَّلُ المَعْنى أنَّهُ يَهْبِطُ مِن أجْلِ أنْ يَحْصُلَ خَشْيَةُ العِبادِ اللَّهَ تَعالى. وذَهَبُ أبُو مُسْلِمٍ إلى أنَّ الخَشْيَةَ حَقِيقَةٌ، وأنَّ الضَّمِيرَ في ﴿مِنها لَما يَهْبِطُ﴾ عائِدٌ عَلى القُلُوبِ، والمَعْنى: أنَّ مِنَ القُلُوبِ قُلُوبًا تَطْمَئِنُّ، وتَسْكُنُ، وتَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، وهي قُلُوبُ المُخْلِصِينَ، فَكَنّى عَنْ ذَلِكَ بِالهُبُوطِ، وقِيلَ: إنَّها حَقِيقَةٌ، إلّا أنَّ إضافَتَها مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ، والمُرادُ بِالحَجَرِ البَرَدُ، وبِخَشْيَتِهِ تَعالى إخافَتُهُ عِبادَهُ بِإنْزالِهِ، وهَذا القَوْلُ أبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وما قَبْلَهُ أكْثَفُ مِنَ الحَجَرِ، وما قَبْلَهُما بَيْنَ بَيْنَ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الخَشْيَةَ مَجازٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى إطْلاقًا لِاسْمِ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ، ولا يَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ عَلى حَقِيقَتِها، أمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ اعْتِدالَ المِزاجِ والبِنْيَةَ شَرْطٌ، وما ورَدَ مِمّا يَقْتَضِي خِلافَهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ مَلائِكَتَهُ بِتِلْكَ الجَماداتِ، ومِنها هاتِيكَ الأفْعالُ، ونَحْوُ «(هَذا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ)،» عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ يُحِبُّنا أهْلُهُ، ونُحِبُّ أهْلَهُ، فَظاهِرٌ. وأمّا عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ الِاشْتِراطِ فَلِأنَّ الهُبُوطَ والخَشْيَةَ عَلى تَقْدِيرِ خَلْقِ العَقْلِ، والحَياةِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِكَوْنِ الحِجارَةِ في نَفْسِها أقَلَّ قَسْوَةً، وهو المُناسِبُ لِلْمَقامِ، والِاعْتِراضُ بِأنَّ قُلُوبَهم إنَّما تَمْتَنِعُ عَنِ الِانْقِيادِ لِأمْرِ التَّكْلِيفِ بِطَرِيقِ القَصْدِ، والِاخْتِيارِ، ولا تَمْتَنِعُ عَمّا يُرادُ بِها عَلى طَرِيقِ القَسْرِ، والإلْجَإ كَما في الحِجارَةِ، وعَلى هَذا لا يَتِمُّ ما ذُكِرَ، فالأوْلى الحَمْلُ عَلى الحَقِيقَةِ، أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ أنَّ قُلُوبَهم أقْسى مِنَ الحِجارَةِ، لِقَبُولِها التَّأثُّرَ الَّذِي يَلِيقُ بِها، وخُلِقَتْ لِأجْلِهِ بِخِلافِ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّها تَنْبُو عَنِ التَّأثُّرِ الَّذِي يَلِيقُ بِها، وخُلِقَتْ لَهُ، والجَوابُ بِأنَّ ما رَأوْهُ مِنَ الآياتِ مِمّا يُقْسِرُ القَلْبَ ويُلْجِؤُهُ فَلَمّا لَمْ تَتَأثَّرْ قُلُوبُهم عَنِ القاسِراتِ الكَثِيرَةِ ويَتَأثَّرُ الحَجَرُ مِن قاسِرٍ واحِدٍ تَكُونُ قُلُوبُهم أشَدُّ قَسْوَةً، لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ المُبالَغَةُ في الدِّلالَةِ عَلى الصِّدْقِ، فَلا يَنْفَعُ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَةُ الإلْجاءِ فَمَمْنُوعٌ، وإلّا لَما تَخَلَّفَ عَنْها التَّأثُّرُ، ولَما اسْتَحَقَّ مَن آمَنَ بَعْدَ رُؤْيَتِها الثَّوابَ لِكَوْنِهِ إيمانًا اضْطِرارِيًّا، ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، ثُمَّ الظّاهِرُ عَلى هَذا تَعَلُّقُ خَشْيَةِ اللَّهِ بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ السّابِقَةِ، وقُرِئَ (وإنْ) عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ويَلْزَمُها اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والفَرّاءُ يَقُولُ: إنَّها النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ (إنَّ) إنْ ولِيَها اسْمٌ كانَتِ المُخَفَّفَةَ، وإنْ فِعْلٌ كانَتِ النّافِيَةَ، وقُطْرُبٌ: إنَّها إنْ ولِيَها فِعْلٌ كانَتْ بِمَعْنى قَدْ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ (يَنْفَجِرُ) مُضارِعَ انْفَجَرَ، والأعْمَشُ (يَتَشَقَّقُ)، (ويَهْبُطُ) بِالضَّمِّ. ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ عَلى ما ذُكِرَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَبِالمِرْصادِ لِهَؤُلاءِ القاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ، حافِظٌ لِأعْمالِهِمْ مُحْصٍ لَها، فَهو مُجازِيهِمْ بِها في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (يَعْمَلُونَ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ ضَمًّا إلى صفحة 298 ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”أنْ يُؤْمِنُوا ويُسْمِعُونَ“ وفَرِيقٌ مِنهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ لِمُناسَبَةِ (وإذْ قَتَلْتُمْ) و(ادّارَأْتُمْ) و(تَكْتُمُونَ) إلَخْ، وقِيلَ: ضَمًّا إلى قَوْلِهِ تَعالى: (أفَتَطْمَعُونَ) بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ فِيهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعْدٌ لَهُمْ، ويُبْعِدُهُ أنَّهُ لا وجْهَ لِذِكْرِ وعْدِ المُؤْمِنِينَ تَذْيِيلًا لِبَيانِ قَبائِحِ اليَهُودِ،

البقرة 2:75

﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِبْعادِ، أوْ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ، والجُلْمَةُ قِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ﴾ أوْ عَلى مُقَدَّرٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ عِنْدَ غَيْرِ سِيبَوَيْهِ، أيْ تَحْسَبُونَ أنَّ قُلُوبَكم صالِحَةٌ لِلْإيمانِ فَتَطْمَعُونَ، والطَّمَعُ تَعَلُّقُ النَّفْسِ بِإدْراكِ مَطْلُوبٍ تَعَلُّقًا قَوِيًّا، وهو أشَدُّ مِنَ الرَّجاءِ، لا يَحْدُثُ إلّا عَنْ قُوَّةِ رَغْبَةٍ وشِدَّةِ إرادَةٍ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، أوْ لِلْأنْصارِ، قالَهُ النَّقّاشُ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ أنَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً، والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، ﴿أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أيْ يُصَدِّقُوا مُسْتَجِيبِينَ لَكُمْ، فالإيمانُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، والتَّعْدِيَةُ بِاللّامِ لِلتَّضْمِينِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ لِأجْلِ دَعْوَتِكم لَهُمْ، فالفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، والمُرادُ بِالإيمانِ المَعْنى الشَّرْعِيُّ، واللّامُ لامُ الأجَلِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ: أنْ يُؤْمِنُوا مَعْمُولٌ لِتَطْمَعُونَ، عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وجَرٍّ عِنْدَ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لَهُ، لِأنَّهُمُ المَطْمُوعُ في إيمانِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ اليَهُودِ لِيَصِحَّ جَعْلُ طائِفَةٍ مِنهم مَطْمُوعَ الإيمانِ، وطائِفَةٍ مُحَرِّفِينَ، وفِيهِ ما لا يَخْفى. ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ طائِفَةٌ مِن أسْلافِهِمْ، وهُمُ الأحْبارُ ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أيْ يَسْمَعُونَ التَّوْراةَ، ويُؤَوِّلُونَها تَأْوِيلًا فاسِدًا حَسَبَ أغْراضِهِمْ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ تَحْرِيفَها بِتَبْدِيلِ كَلامٍ مِن تِلْقائِهِمْ كَما فَعَلُوا ذَلِكَ في نَعْتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ مِن صِفاتِهِ فِيها أنَّهُ أبْيَضُ، رَبْعَةٌ، فَغَيَّرُوهُ بِأسْمَرَ طَوِيلٍ، وغَيَّرُوا آيَةَ الرَّجْمِ بِالتَّسْخِيمِ، وتَسْوِيدِ الوَجْهِ، كَما في البُخارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى ما سَمِعُوهُ عَلى الطُّورِ فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الفَرِيقِ طائِفَةً مِن أُولَئِكَ السَّبْعِينَ، وقَدْ رَوى الكَلْبِيُّ أنَّهم سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُسْمِعَهم كَلامَهُ تَعالى، فَقالَ لَهم: اغْتَسِلُوا والبَسُوا الثِّيابَ النَّظِيفَةَ فَفَعَلُوا، فَأسْمَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى كَلامَهُ ثُمَّ قالُوا: سَمِعْنا، يَقُولُ في آخِرِهِ: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَفْعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ فافْعَلُوا، وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَفْعَلُوا، والتَّحْرِيفُ عَلى هَذا الزِّيادَةُ. ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ فِيما افْتَرَوْا شاهِدًا عَلى فَسادِهِ حَيْثُ عَلَّقُوا الأمْرَ بِالِاسْتِطاعَةِ، والنَّهْيَ بِالمَشِيئَةِ، وهُما لا يَتَقابَلانِ، وكَأنَّهم أرادُوا بِالأمْرِ غَيْرَ المُوجِبِ عَلى مَعْنى افْعَلُوا إنْ شِئْتُمْ، وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَفْعَلُوا، كَذا أفادَهُ العَلّامَةُ، ومَقْصُودُهُ بَيانُ مَنشَإ تَحْرِيفِهِمُ الفاسِدِ، فَلا يُنافِي كَوْنَ عَدَمِ التَّقابُلِ شاهِدًا عَلى فَسادِهِ، ومُقْتَضى هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ هَؤُلاءِ سَمِعُوا كَلامَهُ تَعالى بِلا واسِطَةٍ، كَما سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُصَحَّحُ أنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وأنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الوَحْيُ المُنَزَّلُ عَلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كانَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ يَسْمَعُونَهُ، فَيُحَرِّفُونَهُ قَصْدًا أنْ يُدْخِلُوا في الدِّينِ ما لَيْسَ مِنهُ، ويَحْصُلَ التَّضادُّ في أحْكامِهِ، ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ (كَلِمَ اللَّهِ). ﴿مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ أيْ ضَبَطُوهُ، وفَهِمُوهُ، ولَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِمْ صِحَّتُهُ، (وما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مِن بَعْدِ عَقْلِهِمْ إيّاهُ، والضَّمِيرُ في ﴿عَقَلُوهُ﴾ عائِدٌ عَلى كَلامِ اللَّهِ، وقِيلَ: (ما) مَوْصُولَةٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلَيْها، وهو بَعِيدٌ. ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقُ العِلْمِ مَحْذُوفٌ، أيْ إنَّهم مُبْطِلُونَ كاذِبُونَ، أوْ ما في تَحْرِيفِهِ مِنَ العِقابِ، وفي صفحة 299 ذَلِكَ كَمالُ مَذَمَّتِهِمْ، وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ تَوَهُّمُ تَكْرارِ ما ذُكِرَ بَعْدَ ما عَقَلُوهُ، وحاصِلُ الآيَةِ اسْتِبْعادُ الطَّمَعِ في أنْ يَقَعَ مِن هَؤُلاءِ السَّفَلَةِ إيمانٌ، وقَدْ كانَ أحْبارُهم ومُقَدَّمُوهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ الشَّنْعاءِ، ولا شَكَّ أنَّ هَؤُلاءِ أسْوَأُ خُلُقًا، وأقَلُّ تَمْيِيزًا مِن أسْلافِهِمْ، أوِ اسْتِبْعادًا لِطَمَعٍ في إيمانِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُحَرِّفِينَ وأسْلافِهِمُ الَّذِينَ كانُوا زَمَنَ نَبِيِّهِمْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَهم فِيهِ سابِقَةٌ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما عَسى أنْ يَخْتَلِجَ في الصَّدْرِ مِن أنَّهُ كَيْفَ يَلْزَمُ مِن إقْدامِ بَعْضِهِمْ عَلى التَّحْرِيفِ حُصُولُ اليَأْسِ مِن إيمانِ باقِيهِمْ،

البقرة 2:76

﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَيْسَتْ إثْرَ بَيانِ ما صَدَرَ عَنْ أسْلافِهِمْ لِبَيانِ ما صَدَرَ عَنْهم بِالذّاتِ مِنَ الشَّنائِعِ المُؤَيِّسَةِ عَنْ إيمانِهِمْ مِن نِفاقِ بَعْضٍ، وعِتابِ آخَرِينَ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَسْمَعُونَ) وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وضَمِيرُ (لَقُوا) لِلْيَهُودِ عَلى طِبْقِ ﴿أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ وضَمِيرُ (قالُوا) لِلاقِينَ، لَكِنْ لا يَتَصَدّى الكُلُّ لِلْقَوْلِ حَقِيقَةً، بَلْ بِمُباشَرَةِ مُنافِقِيهِمْ، وسُكُوتِ الباقِينَ، فَهو مِن إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ لِلْكُلِّ، ومِثْلُهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وهَذا أدْخَلُ كَما قالَ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ في تَقْبِيحِ حالِ السّاكِتِينَ أوَّلًا العاتِبِينَ ثانِيًا، لِما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى نِفاقِهِمْ، واخْتِلافِ أحْوالِهِمْ، وتَناقُضِ آرائِهِمْ مِن إسْنادِ القَوْلِ إلى المُباشِرِينَ خاصَّةً بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ قالَ: مُنافِقُوهم كَما فَعَلَهُ البَعْضُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِمُنافِقِي اليَهُودِ كالثّانِي، لِيَتَّحِدَ فاعِلُ الشَّرْطِ والجَزاءُ مُراعاةً لِحَقِّ النَّظْمِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ في تَفْسِيرِ (وإذا لَقُوا) يَعْنِي مُنافِقِي اليَهُودِ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصَ قالُوا، إلّا أنَّ السِّباقَ واللَّحاقَ كَما رَأيْتَ، وسَتَرى يُبْعِدانِ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (لاقَوْا). ﴿وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ إذا انْفَرَدَ بَعْضُ المَذْكُورِينَ وهُمُ السّاكِتُونَ مِنهم بَعْدَ فَراغِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالمُؤْمِنِينَ مُتَوَجِّهِينَ مُنْضَمِّينَ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنهُمْ، وهم مَن نافَقَ، وهَذا كالنَّصِّ عَلى اشْتِراكِ السّاكِتِينَ في لِقاءِ المُؤْمِنِينَ، إذِ الخُلُوُّ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الِاشْتِغالِ، ولِأنَّ عِتابَهم مُعَلَّقٌ بِمَحْضِ الخُلُوِّ، ولَوْلا إنَّهم حاضِرُونَ عِنْدَ المُقاوَلَةِ لَوَجَبَ أنْ يُجْعَلَ سَماعُهم مِن تَمامِ الشَّرْطِ، ولِأنَّ فِيهِ زِيادَةَ تَشْنِيعٍ لَهم عَلى ما أُوتُوا مِنَ السُّكُوتِ، ثُمَّ العِتابِ، ﴿قالُوا﴾ أيْ أُولَئِكَ البَعْضُ الخالِي مُوَبِّخِينَ لِمُنافِقِيهِمْ عَلى ما صَنَعُوا بِحَضْرَتِهِمْ. ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ تُخْبِرُونَ المُؤْمِنِينَ بِما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى لَكم خاصَّةً مِن نَعْتِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ مِن أخْذِ العُهُودِ عَلى أنْبِيائِكم بِتَصْدِيقِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونُصْرَتِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالفَتْحِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ سِرٌّ مَكْتُومٌ، وبابٌ مُغْلَقٌ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِقَوْلِهِمْ: آمَنّا، بَلْ عَلَّلُوهُ بِما ذُكِرَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ التَّوْبِيخِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ هَذا التَّوْبِيخِ مِن جِهَةِ المُنافِقِينَ لِأعْقابِهِمْ وبَقاياهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُنافِقُوا، وحِينَئِذٍ يَكُونُ البَعْضُ الَّذِي هو فاعِلُ (خَلا) عِبارَةً عَنِ المُنافِقِينَ، وفِيهِ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَكْثِيرًا لِلْمَعْنى، والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ، ونَهْيٌ عَنِ التَّحْدِيثِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وإنْ جَلَّ قائِلُهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ فِيهِ رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ ودُونَ ذَلِكَ خَرْطُ القَتادِ. ﴿لِيُحاجُّوكم بِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّحْدِيثِ دُونَ الفَتْحِ، خِلافًا لِمَن تَكَلَّفَ لَهُ، والمُرادُ تَأْكِيدُ النَّكِيرِ، وتَشْدِيدُ التَّوْبِيخِ، فَإنَّ التَّحْدِيثَ، وإنْ كانَ مُنْكَرًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لِهَذا الغَرَضِ مِمّا لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ، والمُفاعَلَةُ هُنا غَيْرُ مُرادَةٍ، والمُرادُ لِيَحْتَجُّوا بِهِ عَلَيْكُمْ، إلّا أنَّهُ إنَّما أتى بِها لِلْمُبالَغَةِ، وذَكَرَ ابْنُ تَمْجِيدٍ أنَّهُ لَوْ ذَهَبَ أحَدٌ صفحة 300 إلى المُشارَكَةِ بَيْنَ المُحْتَجِّ والمُحْتَجِّ عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ مِن جانِبٍ احْتِجاجٌ، ومَن جانِبٍ آخَرَ سَماعٌ، لَكانَ لَهُ وجْهٌ كَما في بايَعْتُ زَيْدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ هُنا، فَتَذَكَّرْ، واللّامُ هَذِهِ لامُ كَيْ، والنَّصْبُ بِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها، أوْ بِها، وهي مُفِيدَةٌ لِلتَّعْلِيلِ، ولَعَلَّهُ هُنا مَجازٌ، لِأنَّ المُحَدِّثِينَ لَمْ يَحُومُوا حَوْلَ ذَلِكَ الغَرَضِ، لَكِنَّ فِعْلَهم ذَلِكَ لَمّا كانَ مُسْتَتْبِعًا لَهُ البَتَّةَ جُعِلُوا كَأنَّهم فاعِلُونَ لَهُ إظْهارًا لِكَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ أرائِهِمْ، وضَمِيرُ (بِهِ) راجِعٌ إلى ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ﴾ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ في كِتابِهِ وحُكْمِهِ، وهو عِنْدَ عِصابَةٍ بَدَلٌ مِن (بِهِ) ومَعْنى كَوْنِهِ بَدَلًا مِنهُ أنَّ عامِلَهُ الَّذِي هو نائِبٌ عَنْهُ بَدَلٌ مِنهُ، إمّا بَدَلُ الكُلِّ، إنْ قَدَّرَ صِيغَةَ اسْمِ الفاعِلِ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ إنْ قَدَّرَ مَصْدَرًا، وفائِدَتُهُ بَيانُ جِهَةِ الِاحْتِجاجِ بِما فَتَحَ اللَّهُ تَعالى، فَإنَّ الِاحْتِجاجَ بِهِ يُتَصَوَّرُ عَلى وُجُوهٍ شَتّى، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُحاجُّوكم بِهِ بِكَوْنِهِ في كِتابِهِ، أيْ يَقُولُوا: إنَّهُ مَذْكُورٌ في كِتابِهِ الَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، وبِما ذُكِرَ يَظْهَرُ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: (بِهِ) أيْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ وانْدَفَعَ ما قِيلَ، لا يَصِحُّ جَعْلُهُ بَدَلًا لِوُجُوبِ اتِّحادِ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ في الإعْرابِ، وها هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ لِكَوْنِ الثّانِي ظَرْفًا، والأوَّلِ مَفْعُولًا بِهِ بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بِما عِنْدَ رَبِّكُمْ، فَيَكُونُ الظَّرْفُ حالًا مِن ضَمِيرِ (بِهِ)، وفائِدَتُهُ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِ الِاحْتِجاجِ بِأمْرٍ ثابِتٍ عِنْدَهُ تَعالى، وإنْ كانَ مُسْتَفادًا مِن كَوْنِهِ بِما فَتَحَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكُمْ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمُرادُ مِنَ الذِّكْرِ الكِتابُ، وجَعْلُ المُحاجَّةِ بِما فَتَحَ اللَّهُ تَعالى بِاعْتِبارِ أنَّهُ في الكِتابِ مُحاجَّةٌ عِنْدَهُ تَوَسُّعًا، وهَذِهِ الأقْوالَ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُحاجَّةِ في الدُّنْيا، وهو ظاهِرٌ لِأنَّها دارُ المُحاجَّةِ، والتَّأْوِيلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ وقِيلَ: عِنْدَ رَبِّكم عَلى ظاهِرِهِ، والمُحاجَّةُ يَوْمَ القِيامَةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الإخْفاءَ لا يَدْفَعُ هَذِهِ المُحاجَّةَ لِأنَّهُ إمّا لِأجْلِ أنْ لا يَطَّلِعَ المُؤْمِنُونَ عَلى ما يَحْتَجُّونَ بِهِ، وهو حاصِلٌ لَهم بِالوَحْيِ، أوْ لِيَكُونَ لِلْمُحْتَجِّ عَلَيْهِمْ طَرِيقٌ إلى الإنْكارِ، وإذًا لا يُمْكِنُ عِنْدَهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يُظَنُّ بِأهْلِ الكِتابِ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ إخْفاءً ما في الكِتابِ في الدُّنْيا يَدْفَعُ المُحاجَّةَ، بِكَوْنِهِ فِيهِ في العُقْبى، لِأنَّهُ اعْتِقادٌ مِنهم بِأنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ ما أنْزَلَ في كِتابِهِ، وهم بُرَآءُ مِنهُ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ لِيُحاجُّوكم يَوْمَ القِيامَةِ، وعِنْدَ المَسائِلِ، فَيَكُونُ زائِدًا في ظُهُورِ فَضِيحَتِكُمْ، وتَوْبِيخِكُمْ، عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ في المَوْقِفِ العَظِيمِ، فَكانَ القَوْمُ يَعْتَقِدُونَ أنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ في الدُّنْيا يَزِيدُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَنِ اعْتَرَفَ، وكَتَمَ، وبَيْنَ مَن ثَبَتَ عَلى الإنْكارِ، أوْ بِأنَّ المُحاجَّةَ بِأنَّكم بَلَّغْتُمْ وخالَفْتُمْ تَنْدَفِعُ بِالإخْفاءِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ الإخْفاءَ حِينَئِذٍ إنَّما يَدْفَعُ الِاحْتِجاجَ بِإقْرارِهِمْ، لا بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، عَلى أنَّ المَدْفُوعَ في الوَجْهِ الأوَّلِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ والفَضِيحَةِ، لا المُحاجَّةُ، وقِيلَ: (عِنْدَ رَبِّكُمْ) بِتَقْدِيرِ (مِن عِنْدِ رَبِّكُمْ) وهو مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتَكَبَ في فَصِيحِ الكَلامِ، وجَوَّزَ الدّامِغانِيُّ أنْ يَكُونَ عِنْدَ لِلزُّلْفى، أيْ لِيُحاجُّوكم بِهِ مُتَقَرِّبِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو بَعِيدٌ أيْضًا، كَقَوْلِ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ: إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ المُحاجَّةُ بِهِ عِنْدَ الرَّبِّ عِبارَةً عَنِ المُباهَلَةِ في تَحَقُّقِ ما يُحَدِّثُونَهُ، وعَلَيْهِ تَكُونُ المُحاجَّةُ عَلى مُقْتَضى المُفاعَلَةِ، وعِنْدِي أنَّ رُجُوعَ ضَمِيرِ (بِهِ) (لِما فَتَحَ اللَّهُ) مِن حَيْثُ إنَّهُ مُحَدَّثٌ بِهِ، وجُعِلَ القَيْدُ هو المَقْصُودُ، أوْ لِلتَّحْدِيثِ المَفْهُومِ مِن (أتُحَدِّثُونَهُمْ)، وحَمْلُ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ، والتِزامُ أنَّ الإخْفاءَ يَدْفَعُ هَذا الِاحْتِجاجَ لَيْسَ بِالبَعِيدِ، إلّا أنَّ أحَدًا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، ولَعَلَّهُ أوْلى مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَتَدَبَّرْ، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى ﴿أتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ والفاءُ لِإفادَةِ تَرَتُّبِ عَدَمِ عَقْلِهِمْ عَلى تَحْدِيثِهِمْ، وإمّا عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ ألا تَتَأمَّلُونَ فَلا تَعْقِلُونَ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِإنْكارِ التَّحْدِيثِ، وهو مِن تَمامِ صفحة 301 كَلامِ اللّائِمِينَ، ومَفْعُولُهُ إمّا ما ذُكِرَ أوَّلًا، أوْ لا مَفْعُولَ لَهُ، وهو أبْلَغُ، وقِيلَ: هو خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾، والمَعْنى: أفَلا تَعْقِلُونَ حالَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ، وأنْ لا مَطْمَعَ في إيمانِهِمْ، وهم عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، والأخْلاقِ القَبِيحَةِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى:

البقرة 2:77

﴿أوَلا يَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهُ تَجْهِيلٌ لَهم مِنهُ تَعالى فِيما حَكى عَنْهُمْ، فَيَكُونُ تَوْسِيطُ خِطابِ المُؤْمِنِينَ في أثْنائِهِ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرَةِ ولِحائِها، عَلى أنَّ في تَخْصِيصِ الخِطابِ بِالمُؤْمِنِينَ تَعَسُّفًا ما، وفي تَعْمِيمِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ سُوءُ أدَبٍ كَما لا يَخْفى، والِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلْإنْكارِ مَعَ التَّقْرِيعِ، لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا عالِمِينَ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى، والمَقْصُودُ بَيانُ شَناعَةِ فِعْلِهِمْ بِأنَّهم يَفْعَلُونَ ما ذُكِرَ مَعَ عِلْمِهِمْ. ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الآتِيَ بِالمَعْصِيَةِ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِها مَعْصِيَةً أعْظَمُ وِزْرًا، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، والضَّمِيرُ لِلْمُوَبَّخِينَ، أيْ أيَلُومُونَهم عَلى التَّحْدِيثِ المَذْكُورِ مَخافَةَ المُحاجَّةِ، ولا يَعْلَمُونَ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ فَقَطْ، أوْ لَهم ولِلْمُوَبَّخِينَ، أوْ لِآبائِهِمُ المُحَرِّفِينَ، والظّاهِرُ حَمْلُ ما في المَوْضِعَيْنِ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الكُفْرُ الَّذِي أسَرُّوهُ، والإيمانُ الَّذِي أعْلَنُوهُ، واقْتَصَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِما، وقِيلَ: العَداوَةُ والصَّداقَةُ، وقِيلَ: صِفَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، الَّتِي في التَّوْراةِ المُنَزَّلَةِ، والصِّفَةُ الَّتِي أظْهَرُوها افْتِراءً عَلى اللَّهِ تَعالى، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الإسْرارَ عَلى الإعْلانِ، إمّا لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ، إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو أوْ مَبادِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ مُضْمَرٌ في القَلْبِ، يَتَعَلَّقُ بِهِ الإسْرارُ غالِبًا، فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِافْتِضاحِهِمْ، ووُقُوعِ ما يَحْذَرُونَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ شُمُولِ عِلْمِهِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، كانَ عِلْمُهُ بِما يُسِرُّونَ أقْدَمَ مِنهُ بِما يُعْلِنُونَهُ مَعَ كَوْنِهِما في الحَقِيقَةِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَإنَّ عِلْمَهُ تَعالى لَيْسَ بِطَرِيقِ حُصُولِ الصُّورَةِ، بَلْ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ في نَفْسِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى لا يَخْتَلِفُ الحالُ بَيْنَ الأشْياءِ البارِزَةِ، ولا الكامِنَةِ، وعَكْسُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ لِأنَّ الأصْلَ فِيما تَتَعَلَّقُ المُحاسَبَةُ بِهِ هو الأُمُورُ البادِيَةُ دُونَ الخافِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (أوَ لا تَعْلَمُونَ)، بِالتّاءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ خِطابًا لَهُمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعْرَضَ عَنْ خِطابِهِمْ، وأعادَ الضَّمِيرَ إلى الغَيْبَةِ إهْمالًا لَهُمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ.

البقرة 2:78

﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ قَبائِحِ جَهَلَةِ اليَهُودِ، إثْرَ بَيانِ شَنائِعِ الطَّوائِفِ السّالِفَةِ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ وعَلَيْهِ الجَمْعُ، وقِيلَ: عَلى ﴿وإذا لَقُوا﴾ واخْتارَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّهُ وهَذا الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ لِبَيانِ أصْنافِ اليَهُودِ اسْتِطْرادًا لِأُولَئِكَ المُحَرِّفِينَ، والأُمِّيُّونَ جَمْعُ أُمِّيٍّ، وهو كَما في المُغْرِبِ: مَن لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، مَنسُوبٌ إلى أُمَّةِ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا لا يَكْتُبُونَ، ولا يَقْرَؤُونَ، أوْ إلى الأُمِّ، بِمَعْنى أنَّهُ كَما ولَدَتْهُ أُمُّهُ، أوْ إلى أُمِّ القُرى، لِأنَّ أهْلَها لا يَكْتُبُونَ غالِبًا، والمُرادُ أنَّهم جَهَلَةٌ، والكِتابُ التَّوْراةُ كَما يَقْتَضِيهِ سِباقُ النَّظْمِ، وسِياقُهُ، فاللّامُ فِيهِ إمّا لِلْعَهْدِ، أوْ أنَّهُ مِنَ الأعْلامِ الغالِبَةِ، وجَعْلُهُ مَصْدَرَ كَتَبَ كِتابًا، واللّامُ لِلْجِنْسِ بَعِيدٌ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (أُمِيُّونَ) بِالتَّخْفِيفِ، ﴿إلا أمانِيَّ﴾ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وأصْلُها أُمْنُونَةٌ أُفْعُولَةٌ، وهو في الأصْلِ ما يُقَدِّرُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِن مُنى، إذا قَدَّرَ، ولِذَلِكَ تُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ وعَلى ما يُتَمَنّى، وما يُقْرَأُ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّ الأمانِيَّ هُنا الأكاذِيبُ، إلّا أكاذِيبَ أخَذُوها تَقْلِيدًا مِن شَياطِينِهِمُ المُحَرِّفِينَ، وقِيلَ: إلّا ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِيِّهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْفُو عَنْهُمْ، ويَرْحَمُهُمْ، ولا يُؤاخِذُهم بِخَطاياهم صفحة 302 وأنَّ آبائَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ، وقِيلَ: إلّا مَواعِيدَ مُجَرَّدَةً سَمِعُوها مِن أحْبارِهِمْ، مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا، وأنَّ النّارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ، والِاسْتِثْناءُ عَلى ذَلِكَ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأباطِيلِ أوْ سَمِعُوهُ مِنَ الأكاذِيبِ لَيْسَ مِنَ الكِتابِ، وقِيلَ: إلّا ما يَقْرَؤُونَ قِراءَةً عادِيَّةً عَنْ مَعْرِفَةِ المَعْنى، وتَدَبُّرِهِ، فالِاسْتِثْناءُ حِينَئِذٍ مُتَّصِلٌ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ أيْضًا، إذْ لَيْسَ ما يُتْلى مِن جِنْسِ عِلْمِ الكِتابِ، واعْتُرِضَ هَذا الوَجْهُ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ تَفْسِيرَ الآتِي بِما في المُغْرِبِ، وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ لا يَقْرَأُ مِنَ الكِتابِ ولا يَعْلَمُ الخَطَّ، وإمّا عَلى سَبِيلِ الأخْذِ مِنَ الغَيْرِ، فَكَثِيرًا ما يَقْرَؤُونَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِالمَعانِي، ولا بِصُوَرِ الحُرُوفِ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ، إذْ لا يُقالُ لِلْحافِظِ الأعْمى: إنَّهُ أُمِّيٌّ، نَعَمْ إذا فُسِّرَ الأُمِّيُّ بِمَن لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ والقِراءَةَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ لا يُنافِي أنْ يَكْتُبَ، ويَقْرَأ في الجُمْلَةِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ أخَذَ الكِتابَ، ولَيْسَ يُحْسِنُ الكَتْبَ، فَكَتَبَ هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» إلَخْ، ومَن فَسَّرَ الأُمِّيَّ بِما تَقَدَّمَ أوَّلَ الحَدِيثِ بِأنْ كَتَبَ فِيهِ بِمَعْنى أمَرَ بِالكِتابَةِ، وأطالَ بَعْضُ شُرّاحِ الحَدِيثِ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، ولَيْسَ هَذا مَحَلَّهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ جَمّازٍ، عَنْ نافِعٍ، وهارُونَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (أمانِيَ) بِالتَّخْفِيفِ، ﴿وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، والمُسْتَثْنى مَحْذُوفٌ أُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، أيْ ما هم إلّا قَوْمٌ قُصارى أمْرِهِمُ الظَّنُّ مِن غَيْرِ أنْ يَصِلُوا إلى مَرْتَبَةِ العِلْمِ، فَأنّى يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ المُؤَسَّسُ عَلى قَواعِدِ اليَقِينِ، وقَدْ يُطْلَقُ الظَّنُّ عَلى ما يُقابِلُ العِلْمَ اليَقِينِيَّ عَنْ دَلِيلٍ قاطِعٍ سَواءٌ قُطِعَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، أوْ بِدَلِيلٍ غَيْرِ صَحِيحٍ، أوْ لَمْ يُقْطَعْ، فَلا يُنافِي نِسْبَةَ الظَّنِّ إلَيْهِمْ، إنْ كانُوا جازِمِينَ.

البقرة 2:79

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ الوَيْلُ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِمْ: والَ مَصْنُوعٌ كَما في البَحْرِ، ومِثْلُهُ ويْحٌ، ووَيْبٌ، ووَيْسٌ، ووَيْهٌ، وعَوْلٌ، ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، ويُقالُ: ويْلَةٌ ويُجْمَعُ عَلى ويْلاتٍ، وإذا أُضِيفَ فالأحْسَنُ فِيهِ النَّصْبُ، ولا يَجُوزُ غَيْرُهُ عِنْدَ بَعْضٍ، وإذا أفْرَدْتَهُ اخْتِيرَ الرَّفْعُ، ومَعْناهُ الفَضِيحَةُ والحَسْرَةُ، وقالَ الخَلِيلُ: شِدَّةُ الشَّرِّ، وابْنُ المُفَضَّلِ: الحُزْنُ، وغَيْرُهُما: الهَلَكَةُ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ، وقَدْ تَكُونُ تَرَحُّمًا، ومِنهُ: «(ويْلُ أُمِّهِ، مِسْعَرَ حَرْبٍ)،» ووَرَدَ مِن طُرُقٍ صَحَّحَها الحُفّاظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «(الوَيْلُ وادٍ في جَهَنَّمَ يَهْوِي بِهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا، قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ)،» وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: «(إنَّهُ جَبَلٌ فِيها)،» وإطْلاقُهُ عَلى ذَلِكَ إمّا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وإمّا مَجازٌ لُغَوِيٌّ، مِن إطْلاقِ لَفْظِ الحالِّ عَلى المَحَلِّ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، لِأنَّ العَرَبَ تَكَلَّمَتْ بِهِ في نَظْمِها ونَثْرِها قَبْلَ أنْ يَجِيءَ القُرْآنُ، ولَمْ تُطْلِقْهُ عَلى ذَلِكَ، وعَلى كُلِّ حالٍ هو هُنا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لِلَّذِينَ)، فَإنْ كانَ عِلْمًا لِما في الخَبَرِ، فَظاهِرٌ، وإلّا فالَّذِي سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ كَوْنُهُ دُعاءً، وقَدْ حُوِّلَ عَنِ المَصْدَرِ المَنصُوبِ لِلدِّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ، ومِثْلُهُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ غَيْرُ مُخْبَرٍ عَنْهُ، وقِيلَ: لِتَخَصُّصِ النَّكِرَةِ فِيهِ بِالدّاعِي كَما تَخَصَّصَ سَلامٌ في (سَلامٌ عَلَيْكَ) بِالمُسَلِّمِ، فَإنَّ المَعْنى: سَلامِي عَلَيْكَ، وكَذَلِكَ المَعْنى ها هُنا: دُعائِي عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ ثابِتٌ لَهُمْ، والكِتابَةُ مَعْرُوفَةٌ، وذَكَرَ الأيْدِيَ تَأْكِيدًا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ المَجازِ، ويُقالُ: أوَّلُ مَن كَتَبَ بِالقَلَمِ إدْرِيسُ، وقِيلَ: آدَمُ عَلَيْهِما السَّلامُ، والمُرادُ بِالكِتابِ المُحَرَّفُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم كَتَبُوا في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ صُورَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبَثُّوها في سُفَهائِهِمْ، وفي العَرَبِ، وأخْفَوْا تِلْكَ النُّسَخَ الَّتِي كانَتْ عِنْدَهم بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ، وصارُوا إذا سُئِلُوا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُونَ: ما هَذا هو المَوْصُوفُ عِنْدَنا في التَّوْراةِ، ويُخْرِجُونَ التَّوْراةَ المُبْدَّلَةَ، ويَقْرَؤُونَها، ويَقُولُونَ: هَذِهِ التَّوْراةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صفحة 303 المُرادُ بِهِ ما كَتَبُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ، ورَوَّجُوهُ عَلى العامَّةِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ما انْفَكَّ كِتابٌ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ مِن تَضَمُّنِ ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَكِنْ بِإشارَةٍ لا يَعْرِفُها إلّا العالِمُونَ، ولَوْ كانَ مُتَجَلِّيًا لِلْعَوامِّ لَما عُوتِبَ عُلَماؤُهم في كِتْمانِهِ، ثُمَّ ازْدادَ ذَلِكَ غُمُوضًا بِنَقْلِهِ مِن لِسانٍ إلى لِسانٍ، وقَدْ وُجِدَ في التَّوْراةِ ألْفاظٌ إذا اعْتَبَرْتَها وجَدْتَها دالَّةً عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَعْرِيضٍ هو عِنْدَ الرّاسِخِينَ جَلِيٌّ، وعِنْدَ العامَّةِ خَفِيٌّ، فَعَمِدَ إلى ذَلِكَ أحْبارٌ مِنَ اليَهُودِ، فَأوَّلُوهُ، وكَتَبُوا تَأْوِيلاتِهِمُ المُحَرَّفَةَ بِأيْدِيهِمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، إعْظامًا لِشَأْنِهِ، وتَمْكِينًا لَهُ في قُلُوبِ أتْباعِهِمُ الأُمِّيِّينَ، (وثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، فَإنَّ نِسْبَةَ المُحَرَّفِ والتَّأْوِيلِ الزّائِغِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ صَرِيحًا أشَدُّ شَناعَةً مِن نَفْسِ التَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ، والإشارَةُ إمّا إلى الجَمِيعِ، أوْ إلى الخُصُوصِ. ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ لِيُحَصِّلُوا بِما أشارُوا إلَيْهِ غَرَضًا مِن أغْراضِ الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ، وهو وإنْ جَلَّ أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما اسْتَوْجَبُوهُ مِنَ العَذابِ الدّائِمِ، وحُرِمُوهُ مِنَ الثَّوابِ المُقِيمِ، وهو عِلَّةٌ لِلْقَوْلِ كَما في البَحْرِ، ولا أرى في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى المَنعِ مِن أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى كِتابَةِ المَصاحِفِ، ولا عَلى كَراهِيَةِ بَيْعِها، والأعْمَشُ تَأوَّلَ الآيَةَ واسْتَدَلَّ بِها عَلى الكَراهَةِ، وطَرْفُ المُنْصِفِ أعْمى عَنْ ذَلِكَ، نَعَمْ ذَهَبَ إلى الكَراهَةِ جَمْعٌ مِنهُمُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وبِهِ قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ، لَكِنْ لا أظُنُّهم يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمامُ البَحْثِ في مَحَلِّهِ. ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ الفاءُ لِتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ إلَخْ، حَيْثُ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوَيْلِ لِلْمَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ لِأجْلِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، بِناءً عَلى التَّعْلِيقِ بِالوَصْفِ مِن غَيْرِ دِلالَةٍ عَلى أنَّ ثُبُوتَهُ لِأجْلِ مَجْمُوعِ ما ذُكِرَ أوَّلًا، بَلْ كَلِّ واحِدٍ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ويْلٌ لَهم إلَخْ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّنْصِيصِ بِالعِلَّةِ، ولا يَخْفى ما في هَذا الِإجْمالِ والتَّفْصِيلِ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَعِيدِ والزَّجْرِ والتَّهْوِيلِ. (ومِن) تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(ويْلٌ)، أوْ بِالِاسْتِقْرارِ في الخَبَرِ، (وما) قِيلَ: مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ كَتَبَتْهُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، الأوَّلُ أدْخَلُ في الزَّجْرِ عَنْ تَعاطِي المُحَرَّفِ، والثّانِي في الزَّجْرِ عَنِ التَّحْرِيفِ، (وما) الثّانِيَةُ مِثْلُها، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ المَصْدَرِيَّةَ في المَوْضِعَيْنِ لَفْظًا ومَعْنًى لِعَدَمِ تَقْدِيرِ العائِدِ، ولِأنَّ مَكْسُوبَ العَبْدِ حَقِيقَةً فِعْلُهُ الَّذِي يُعاقَبُ عَلَيْهِ ويُثابُ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ العَبْدَ كَما يُعاقَبُ عَلى نَفْسِ فِعْلِهِ يُعاقَبُ عَلى أثَرِ فِعْلِهِ، لِإفْضائِهِ إلى حَرامٍ آخَرَ، وهو هُنا يُفْضِي إلى إضْلالِ الغَيْرِ، وأكْلِ الحَرامِ، وغايَرَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُ بَيَّنَ في الأُولى اسْتِحْقاقَهُمُ العِقابَ بِنَفْسِ الفِعْلِ، وفي الثّانِيَةِ اسْتِحْقاقَهم لَهُ بِأثَرِهِ، ولِذا جاءَ بِالفاءِ، ولا يَخْفى أنَّهُ كَلامٌ خالٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، كَما لا يَخْفى عَلى أرْبابِ التَّدْقِيقِ، ومِمّا ذَكَرْنا ظَهَرَ فائِدَةُ ذِكْرِ الوَيْلِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وقِيلَ: فائِدَتُهُ أنَّ اليَهُودَ جَنَوْا ثَلاثَ جِناياتٍ: تَغْيِيرَ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأخْذَ الرِّشْوَةَ، فَهُدِّدُوا بِكُلِّ جِنايَةٍ بِالوَيْلِ، وكَأنَّهُ جَعَلَ الفائِدَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ﴾ إلى آخِرِ المَعْطُوفِ كَما في خَبَرِ «(لا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعاءِ)» وهو عَلى بُعْدِهِ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ وجْهُ إيرادِ الفاءِ في الثّانِي، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ مَفْعُولَ الكَسْبِ خاصٌّ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ(ما يَكْسِبُونَ) جَمِيعُ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، لِيَشْمَلَ القَوْلَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وعَدَمَ التَّعَرُّضِ لِلْقَوْلِ لِما أنَّهُ مِن مَبادِي تَرْوِيجِ ”ما كَتَبَتْ أيْدِيهمْ“ والآيَةُ نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ خافُوا أنْ تَذْهَبَ رِياسَتُهم بِإبْقاءِ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى حالِها، فَغَيَّرُوها، وقِيلَ: خافَ مُلُوكُهم عَلى مَلِكِهِمْ، إذا آمَنَ النّاسُ، فَرَشَوْهم فَحَرَّفُوا صفحة 304 والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِنَبِيٍّ، ولَمْ يَتَّبِعُوا كِتابًا، بَلْ كَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا، وحَلَّلُوا فِيهِ ما اخْتارُوا، وحَرَّمُوا ما اخْتارُوا، وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، غَيْرُ مَرْضِيٍّ، كالقَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْحٍ، كاتِبِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كانَ يُغَيِّرُ القُرْآنَ، فارْتَدَّ،

البقرة 2:80

﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عِنْدَ فَرِيقٍ مِنهُمْ، وعِنْدَ آخَرِينَ عَلى ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ﴾ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّها اعْتِراضٌ لِرَدِّ ما قالُوا حِينَ أُوعِدُوا عَلى ما تَقَدَّمَ بِالوَيْلِ، بَلْ جَمِيعُ الجُمَلِ عِنْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ﴾ إلَخْ ذُكِرَ اسْتِطْرادًا بَيْنَ القِصَّتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ، فالضَّمِيرُ في (قالُوا) عائِدٌ عَلى ”الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ“ والمَسُّ اتِّصالُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِآخَرَ عَلى وجْهِ الإحْساسِ والإصابَةِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ كاللَّمْسِ، لَكِنَّ اللَّمْسَ قَدْ يُقالُ لِطَلَبِ الشَّيْءِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ كَقَوْلِهِ: وألْمَسُهُ فَلا أجِدُهُ. والمُرادُ مِنَ النّارِ نارُ الآخِرَةِ، ومِنَ المَعْدُودَةِ المَحْصُورَةُ القَلِيلَةُ، وكَنّى بِالمَعْدُودَةِ عَنِ القَلِيلَةِ لِما أنَّ الأعْرابَ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالحِسابِ وقَوانِينِهِ تُصُوِّرَ القَلِيلُ مُتَيَسِّرَ العَدَدِ والكَثِيرُ مُتَعَسِّرَهُ، فَقالُوا: شَيْءٌ مَعْدُودٌ، أيْ قَلِيلٌ، وغَيْرُ مَعْدُودٍ أيْ كَثِيرٌ، والقَوْلُ بِأنَّ القِلَّةَ تُسْتَفادُ مِن أنَّ الزَّمانَ إذا كَثُرَ لا يُعَدُّ بِالأيّامِ بَلْ بِالشُّهُورِ والسَّنَةِ والقَرْنِ يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ إلى ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”وواعِدُنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً“ ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم يُعَذَّبُونَ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، ثُمَّ يُنادى: أخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وفي رِوايَةٍ: أنَّهم يُعَذَّبُونَ سَبْعَةَ أيّامٍ، لِكُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا يَوْمٌ، وهي سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم زَعَمُوا أنَّهم وجَدُوا مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ: إنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، إلى أنْ يَنْتَهُوا إلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، وأنَّهم يَقْطَعُونَ في كُلِّ يَوْمٍ مَسِيرَةَ سَنَةٍ، فَيُكْمِلُونَها، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ حِينَ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ، وسَمِعَهُ المُسْلِمُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ تَبْكِيتٌ لَهُمْ، وتَوْبِيخٌ، والعَهْدُ مَجازٌ عَنْ خَبَرِهِ تَعالى، أوْ وعْدِهِ بِعَدَمِ مِساسِ النّارِ لَهم سِوى الأيّامِ المَعْدُودَةِ، وسُمِّيَ ذَلِكَ عَهْدًا لِأنَّهُ أوْكَدُ مِنَ العُهُودِ المُؤَكَّدَةِ بِالقَسَمِ، والنُّذُرِ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ هُنا بِالوَعْدِ مُسْتَشْهِدًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ فَإنَّ ﴿لَنْ تَمَسَّنا﴾ إلَخْ فَرْعُ الوَعْدِ والوَعِيدِ لِأنَّ مِساسَ النّارِ وعِيدٌ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْوَعِيدِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِالِاسْتِفْهامِ الوَعْدُ، لا الوَعِيدُ، فَإنَّهُ ثابِتٌ في حَقِّهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: هَلْ قُلْتُمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وآمَنتُمْ وأطَعْتُمْ، فَتَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ، وتَعْلَمُونَ خُرُوجَكم مِنَ النّارِ، ويُؤَوَّلُ إلى: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ، والمَعْنى الأوَّلُ أظْهَرُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ بِإظْهارِ الذّالِ، والباقُونَ بِإدْغامِهِ، وحُذِفَتْ مِنَ (اتَّخَذَ) هَمْزَةُ الوَصْلِ لِوُقُوعِها في الدَّرْجِ. ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلَفَ، وقَدَّرَهُ العَلّامَةُ: إنْ كُنْتُمُ اتَّخَذْتُمْ، إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ حَرْفَ الشَّرْطِ لا يُغَيِّرُ مَعْنًى كانَ، وفِيهِ خِلافٌ مَعْرُوفٌ، فَإنْ قُلْتَ: لا يَصِحُّ جَعْلُ ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ﴾ جَزاءً لِامْتِناعِ السَّبَبِيَّةِ، والتَّرَتُّبِ لِكَوْنِ (لَنْ) لِمَحْضِ الِاسْتِقْبالِ، قُلْتُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ في الفاءِ الفَصِيحَةِ كَقَوْلِهِ: قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا صفحة 305 ولَوْ سُلِّمَ فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلى اتِّخاذِ العَهْدِ الحُكْمُ بِأنَّهُ لا يُخْلِفُ العَهْدَ فِيما يَسْتَقْبِلُ مِنَ الزَّمانِ فَقَطْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ كَذا أفادَهُ العَلّامَةُ، والجَوابُ الأوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الفاءَ الفَصِيحَةَ لا تُنافِي تَقْدِيرَ الشَّرْطِ، وأنَّها تُفِيدُ كَوْنَ مَدْخُولِها سَبَبًا عَنِ المَحْذُوفِ سَواءٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، أوْ تَأخَّرَ، لِتَوَقُّفِهِ عَلى أمْرٍ آخَرَ بِدَلِيلِ أنَّ قَوْلَهُ: فَقَدْ جِئْنا خُراسانا، عُلِمَ عِنْدَهم في الفَصِيحَةِ مَعَ كَوْنِهِ بِتَقْدِيرِ الشَّرْطِ، وعَدَمِ التَّرَتُّبِ، كَما في شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ، ومَبْنى الثّانِي عَلى أنَّ المُرادَ حُكْمُهم لا حُكْمُهُ تَعالى حِينَ النُّزُولِ، ولِخَفاءِ ذَلِكَ قالَ المَوْلى عِصامٌ: الأظْهَرُ أنَّهُ دَلِيلُ الجَزاءِ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، أيْ إنْ كُنْتُمُ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا، فَقَدْ نَجَوْتُمْ، لِأنَّهُ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ فافْهَمْ. ومِنَ النّاسِ مَن لا يُقَدِّرُ مَحْذُوفًا ويَجْعَلُ الفاءَ سَبَبِيَّةً لِيَكُونَ اتِّخاذُ العَهْدِ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ عَدَمُ إخْلافِ اللَّهِ تَعالى عَهْدَهُ، ويَكُونَ المُنَكَّرُ حِينَئِذٍ المَجْمُوعَ، فَتَفَطَّنْ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ اتَّخَذْتُمْ، والمُعادِلِ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ عَدَمَ الِاخْتِلافَ مِن قَضِيَّةِ الأُلُوهِيَّةِ، والعَهْدُ مُضافٌ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى، لِذَلِكَ أيْضًا، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ جَمِيعُ عُهُودِهِ لِعُمُومِهِ بِالإضافَةِ، فَيَدْخُلُ العَهْدُ المَعْهُودُ مَعَ التَّجافِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِتَحَقُّقِ مَضْمُونِ كَلامِهِمْ، وإنْ كانَ مُعَلَّقًا عَلى اتِّخاذِ المُعَلَّقِ بِحِبالِ العَدَمِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى نَفْيِ الخُلْفِ في الوَعْدِ والوَعِيدِ بِحَمْلِ العَهْدِ عَلى الخَبَرِ الشّامِلِ لَهُما، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ العَهْدَ ظاهِرٌ في الوَعْدِ، بَلْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِيهِ، فَلا دَلِيلَ فِيها عَلى نَفْيِ الخُلْفِ في الوَعِيدِ. ﴿أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً لِلْمُعادَلَةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِمَعْنى أيُّ هَذَيْنِ واقِعٌ اتِّخاذُكُمُ العَهْدَ أمْ قَوْلُكم عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ، وخُرِّجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ المُتَرَدِّدِ في تَعْيِينِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ لِأُولَئِكَ المُخاطَبِينَ لِعِلْمِ المُسْتَفْهِمِ، وهو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِوُقُوعِ أحَدِهِما، وهو قَوْلُهُمْ: بِما لا يَعْلَمُونَ، عَلى التَّعْيِينِ، فَلا يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ الواقِعَ بَعْدَ (أمِ) المُتَّصِلَةِ قَدْ يَكُونُ جُمْلَةً، لِأنَّ التَّسْوِيَةَ قَدْ تَكُونُ بَيْنَ الحُكْمَيْنِ، وبِهَذا صَرَّحَ ابْنُ الحاجِبِ في الإيضاحِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلْ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أتَقُولُونَ، ومَعْنى بَلْ فِيها الإضْرابُ والِانْتِقالُ مِنَ التَّوْبِيخِ بِالإنْكارِ عَلى الِاتِّخاذِ إلى ما تُفِيدُ هَمْزَتُها مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى القَوْلِ، وظاهِرُ كَلامِ صاحِبِ المِفْتاحِ تَعَيُّنُ الِانْقِطاعِ حَيْثُ جَعَلَ عَلامَةَ المُنْقَطِعَةِ كَوْنَ ما بَعْدَها جُمْلَةً، وإنَّما عُلِّقَ التَّوْبِيخُ بِإسْنادِهِمْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ما لا يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ مَعَ أنَّ ما أسْنَدُوهُ إلَيْهِ تَعالى مِن قَبِيلِ ما يَعْلَمُونَ عَدَمَ وُقُوعِهِ، المُبالَغَةُ في التَّوْبِيخِ، فَإنَّ التَّوْبِيخَ عَلى الأدْنى يَسْتَلْزِمُ التَّوْبِيخَ عَلى الأعْلى، بِطَرِيقِ الأوْلى، وقَوْلُهُمُ المَحْكِيُّ وإنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا بِالِافْتِراءِ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، لَكِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، لِأنَّ ذَلِكَ الجَزْمَ لا يَكُونُ إلّا بِإسْنادِ سَبَبِهِ إلَيْهِ تَعالى.

البقرة 2:81

﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ، وإبْطالٌ لَهُ عَلى وجْهٍ أعَمَّ شامِلٍ لَهُمْ، ولِسائِرِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ تَمَسُّكم وغَيْرُكم دَهْرًا طَوِيلًا وزَمانًا مَدِيدًا لا كَما تَزْعُمُونَ، ويَكُونُ ثُبُوتُ الكُلِّيَّةِ كالبُرْهانِ عَلى إبْطالِ ذَلِكَ بِجَعْلِهِ كُبْرى لِصُغْرى سَهْلَةِ الحُصُولِ، فَبَلى داخِلَةٌ عَلى ما ذُكِرَ بَعْدَها، وإيجازُ الِاخْتِصارِ أبْلَغُ مِن إيجازِ الحَذْفِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها داخِلَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، وأنَّ المَعْنى عَلى تَمَسُّكِمْ أيّامًا مَعْدُودَةً، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وهي حَرْفُ جَوابٍ كَجَيْرِ ونَعَمْ، إلّا أنَّها لا تَقَعُ جَوابًا إلّا لِنَفْيٍ مُتَقَدِّمٍ سَواءٌ دَخَلَهُ اسْتِفْهامٌ أمْ لا، فَتَكُونُ إيجابًا لَهُ، وهي بَسِيطَةٌ، وقِيلَ: أصْلُها بَلْ، فَزِيدَتْ عَلَيْها الألِفُ، والكَسْبُ جَلْبُ النَّفْعِ، والسَّيِّئَةُ الفاحِشَةُ المُوجِبَةُ لِلنّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ مَن فَسَّرَها بِالكَبِيرَةِ صفحة 306 لِأنَّها الَّتِي تُوجِبُ النّارَ، أيْ يَسْتَحِقُّ فاعِلُها النّارَ إنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّها هُنا الكُفْرُ، وتَعْلِيقُ الكَسْبِ بِالسَّيِّئَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، وقِيلَ: إنَّهم بِتَحْصِيلِ السَّيِّئَةِ اسْتَجْلَبُوا نَفْعًا قَلِيلًا فانِيًا، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ أوْقَعَ عَلَيْهِ الكَسْبَ، والمُرادُ بِالإحاطَةِ الِاسْتِيلاءُ، والشُّمُولُ، وعُمُومُ الظّاهِرِ، والباطِنِ، والخَطِيئَةُ السَّيِّئَةُ، وغَلَبَتْ فِيما يُقْصَدُ بِالعَرَضِ، أيْ لا يَكُونُ مَقْصُودًا في نَفْسِهِ، بَلْ يَكُونُ القَصْدُ إلى شَيْءٍ آخَرَ، لَكِنْ تَوَلَّدَ مِنهُ ذَلِكَ الفِعْلُ كَمَن رَمى صَيْدًا، فَأصابَ إنْسانًا، وشَرِبَ مُسْكِرًا، فَجَنى جِنايَةً، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ولِذَلِكَ أضافَ الإحاطَةَ إلَيْها إشارَةً إلى أنَّ السَّيِّئاتِ بِاعْتِبارِ وصْفِ الإحاطَةِ داخِلَةٌ تَحْتَ القَصْدِ بِالعَرَضِ، لِأنَّها بِسَبَبِ نِسْيانِ التَّوْبَةِ، ولِكَوْنِها راسِخَةً فِيهِ مُتَمَكِّنَةً حالَ الإحاطَةِ أضافَها إلَيْهِ بِخِلافِ حالِ الكَسْبِ، فَإنَّها مُتَعَلِّقُ القَصْدِ بِالذّاتِ، وغَيْرُ حاصِلَةٍ فِيهِ، فَضْلًا عَنِ الرُّسُوخِ، فَلِذا أضافَ الكَسْبَ إلى سَيِّئَةٍ ونَكَّرَها، وإضافَةُ الأصْحابِ إلى النّارِ عَلى مَعْنى المُلازَمَةِ، لِأنَّ الصُّحْبَةَ، وإنْ شَمِلَتِ القَلِيلَ والكَثِيرَ لَكِنَّها في العُرْفِ تُخَصُّ بِالكَثْرَةِ، والمُلازَمَةِ، ولِذا قالُوا: لَوْ حَلَفَ مَن لاقى زَيْدًا أنَّهُ لَمْ يَصْحَبْهُ لَمْ يَحْنَثْ، والمُرادُ بِالخُلُودِ الدَّوامُ، ولا حُجَّةَ في الآيَةِ عَلى خُلُودِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، لِأنَّ الإحاطَةَ إنَّما تَصِحُّ في شَأْنِ الكافِرِ، لِأنَّ غَيْرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوى تَصْدِيقِ قَلْبِهِ، وإقْرارِ لِسانِهِ فَلَمْ تُحِطْ خَطِيئَتُهُ بِهِ، لِكَوْنِ قَلْبِهِ ولِسانِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الخَطِيئَةِ، وهَذا لا يَتَوَقَّفُ عَلى كَوْنِ التَّصْدِيقِ والإقْرارِ حَسَنَتَيْنِ، بَلْ عَلى أنْ لا يَكُونا سَيِّئَتَيْنِ، فَلا يَرِدُ البَحْثُ بِأنَّ الخَصْمَ يَجْعَلُ العَمَلَ شَرْطًا لِكَوْنِهِما حَسَنَتَيْنِ، كَما يَجْعَلُ الِاعْتِقادَ شَرْطًا لِكَوْنِ الأعْمالِ حَسَناتٍ، فَلا يَتِمُّ عِنْدَهُ أنَّ الإحاطَةَ إنَّما تَصِحُّ في شَأْنِ الكافِرِ، ولا يَحْتاجُ إلى الدَّفْعِ، بِأنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهُ في الآيَةِ، وهَذا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ الإحاطَةِ مَمْنُوعَةً في غَيْرِ الكافِرِ، فَلَوْ ثَبَتَ أنَّ العَمَلَ داخِلٌ في الإيمانِ صارَتِ الآيَةُ حُجَّةً، ودُونَ إثْباتِهِ خَرْطُ القَتادِ، ثُمَّ أنَّ نَفْيَ الحُجِّيَّةِ بِحَمْلِ الإحاطَةِ عَلى ما ذُكِرَ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ إذا كانَتِ السَّيِّئَةُ والخَطِيئَةُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو مُطْلَقُ الفاحِشَةِ، أمّا إذا فُسِّرَتِ السَّيِّئَةُ بِالكُفْرِ أوِ الخَطِيئَةِ بِهِ، حَسْبَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي وائِلٍ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعَطاءٍ والرَّبِيعِ، فَنَفْيُ الحُجِّيَّةِ أظْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ. ومِنَ النّاسِ مَن نَفاها بِحَمْلِ الخُلُودِ عَلى أصْلِ الوَضْعِ، وهو اللُّبْثُ الطَّوِيلُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ فِيهِ تَهْوِينَ الخَطْبِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ مَعَ عَدَمِ مُلائَمَتِهِ حَمْلَ الخُلُودِ في الجَنَّةِ عَلى الدَّوامِ، وكَذا لا حُجَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ إلَخْ، بِناءً عَلى ما زَعَمَهُ الجُبّائِيُّ حَيْثُ قالَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما وعَدَ مُوسى، ولا سائِرَ الأنْبِياءِ بَعْدَهُ بِإخْراجِ أهْلِ الكَبائِرِ والمَعاصِي مِنَ النّارِ بَعْدَ التَّعْذِيبِ، وإلّا لَما أنْكَرَ عَلى اليَهُودِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ﴾ إلَخْ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أوْعَدَ العُصاةَ بِالعَذابِ زَجْرًا لَهم عَنِ المَعاصِي، فَقَدْ ثَبَتَ أنْ يَكُونَ عَذابُهم دائِمًا، وإذا ثَبَتَ في سائِرِ الأُمَمِ، وجَبَ ثُبُوتُهُ في هَذِهِ الأُمَّةِ، إذِ الوَعِيدُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ في الأُمَمِ، إذا كانَ قَدْرُ المَعْصِيَةِ واحِدًا، لِأنَّ ما أنْكَرَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ جَزْمُهم بِقِلَّةِ العَذابِ لِانْقِطاعِهِ مُطْلَقًا، عَلى أنَّ ذَلِكَ في حَقِّ الكُفّارِ لا العُصاةِ، كَما لا يَخْفى، (ومَن) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والمُسَوِّغاتُ لِجَوازِ دُخُولِ الفاءِ في الخَبَرِ إذا كانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُولًا مَوْجُودَةٌ، ويُحَسِّنُ المَوْصُولِيَّةَ مَجِيءُ المَوْصُولِ في قَسِيمِهِ، وإيرادُ اسْمِ الإشارَةِ المُنْبِئِ عَنِ اسْتِحْضارِ المُشارِ إلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ الأوْصافِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِصاحِبِيَّةِ النّارِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الكُفْرِ، والخَطايا، وإنَّما أُشِيرَ إلَيْهِمْ بِعُنْوانِ الجَمْعِيَّةِ مُراعاةً لِجانِبِ المَعْنى في كَلِمَةٍ (مَن) بَعْدَ مُراعاةِ جانِبِ اللَّفْظِ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ، لِما أنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ في تَيْنِكَ الحالَتَيْنِ، فَإنَّ كَسْبَ السَّيِّئَةِ، وإحاطَةَ الخَطِيئَةِ بِهِ في حالَةِ الإفْرادِ، وصاحِبِيَّةَ النّارِ في حالَةِ الِاجْتِماعِ صفحة 307 قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وقَرَأ نافِعٌ (خَطِيئَآتُهُ)، وبَعْضُ (خَطِيّاهُ)، و(خَطِيَّتُهُ)، و(خَطِيّاتُهُ) بِالقَلْبِ والإدْغامِ، واسْتَحْسَنُوا قِراءَةَ الجَمْعِ، بِأنَّ الإحاطَةَ لا تَكُونُ بِشَيْءٍ واحِدٍ، ووُجِّهَتْ قِراءَةُ الإفْرادِ بِأنَّ الخَطِيئَةَ وإنْ كانَتْ مُفْرَدَةً لَكِنَّها لِإضافَتِها مُتَعَدِّدَةٌ، مَعَ أنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ قَدْ يُحِيطُ كالحَلْقَةِ، فَلا تَغْفُلْ.

البقرة 2:82

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أهْلَ النّارِ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الهَلاكِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أهْلِ الإيمانِ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الخُلُودِ في الجِنانِ، وقَدْ جَرَتْ عادَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى أنْ يَشْفَعَ وعْدَهُ بِوَعِيدِهِ مُراعاةً لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في إرْشادِ العِبادِ مِنَ التَّرْغِيبِ تارَةً والتَّرْهِيبِ أُخْرى، وقِيلَ: إنَّ في الجَمْعِ تَرْبِيَةَ الوَعِيدِ بِذِكْرِ ما فاتَ أهْلَهُ مِنَ الثَّوابِ، وتَرْبِيَةَ الوَعْدِ بِذِكْرِ ما نَجا مِنهُ أهْلُهُ مِنَ العِقابِ، وعَطْفُ العَمَلِ عَلى الإيمانِ يَدُلُّ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ مُسَمّاهُ، إذْ لا يُعْطَفُ الجُزْءُ عَلى الكُلِّ، ولا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اشْتِراطِهِ بِهِ حَتّى يَدُلَّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ غَيْرُ خارِجٍ عَنِ الإيمانِ، وتَكُونُ الآيَةُ حُجَّةً عَلى الوَعِيدِيَّةِ كَما قالَهُ المَوْلى عِصامٌ، فَإنْ قُلْتَ لِلْمُخالِفِ أنْ يَقُولَ: العَطْفُ لِلتَّشْرِيفِ لِكَوْنِ العَمَلِ أشَقَّ وأحْمَزَ مِنَ التَّصْدِيقِ، وأفْضَلُ الأعْمالِ أحْمَزُها، أُجِيبَ بِأنَّ الإيمانَ أشْرَفُ مِنَ العَمَلِ لِكَوْنِهِ أساسَ جَمِيعِ الحَسَناتِ، إذِ الأعْمالُ ساقِطَةٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ عِنْدَ عَدَمِهِ، ويَخْطُرُ في البالِ إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِذِكْرِ العَمَلِ الصّالِحِ هُنا مَعَ الإيمانِ نُكْتَةٌ، وهو أنْ يَكُونَ الإيمانُ في مُقابَلَةِ السَّيِّئَةِ المُفَسَّرَةِ بِالكُفْرِ عِنْدَ بَعْضٍ، والعَمَلُ الصّالِحُ في مُقابَلَةِ الخَطِيئَةِ المُفَسَّرَةِ بِما عَداهُ، والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومُؤْمِنُو الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ، وهو الظّاهِرُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وأُمَّتُهُ خاصَّةً، وذِكْرُ الفاءِ فِيما سَبَقَ وتَرْكُها هُنا إمّا لِأنَّ الوَعِيدَ مِنَ الكَرِيمِ مَظِنَّةُ الخُلْفِ دُونَ الوَعْدِ، فَكانَ الأوَّلُ حَرِيًّا بِالتَّأْكِيدِ دُونَ الثّانِي، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ، فَإنَّ النُّحاةَ قالُوا: مَن دَخَلَ دارِي فَأُكْرِمُهُ، يَقْتَضِي إكْرامَ كُلِّ داخِلٍ، لَكِنْ عَلى خَطَرٍ أنْ لا يُكْرِمَ، وبِدُونِ الفاءِ يَقْتَضِي إكْرامَهُ البَتَّةَ، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ خُلُودَهم في النّارِ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ السَّيِّئَةِ، وعِصْيانِهِمْ، وخُلُودُهم في الجَنَّةِ بِمَحْضِ لُطْفِهِ تَعالى، وكَرَمِهِ، وإلّا فالإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ لا يَفِي بِشُكْرِ ما حَصَلَ لِلْعَبْدِ مِنَ النِّعَمِ العاجِلَةِ، وإلى كُلٍّ ذَهَبَ بَعْضٌ، والقَوْلُ بِأنَّ تَرْكَ الفاءِ هُنا لِمَزِيدِ الرَّغْبَةِ في ذِكْرِ ما لَهم لَيْسَ بِشَيْءٍ،

البقرة 2:83

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ شُرُوعٌ في تَعْدادِ بَعْضِ آخَرَ مِن قَبائِحِ أسْلافِ اليَهُودِ مِمّا يُنادِي بِاسْتِبْعادِ إيمانِ أخْلافِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها، وذَلِكَ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الأشْياءِ مُوَصِّلٌ إلى أعْظَمِ النِّعَمِ، وهو الجَنَّةُ، والمُوَصِّلُ إلى النِّعْمَةِ نِعْمَةٌ، وهَذا المِيثاقُ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ عَلى لِسانِ مُوسى وغَيْرِهِ مِن أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أوْ مِيثاقٌ أُخِذَ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، وقَوْلُ مَكِّيٍّ: إنَّهُ مِيثاقٌ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ كالذَّرِّ، لا يُظْهِرُهم وجْهُهُ هُنا. ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ قُلْنا، أوْ قائِلِينَ، لِيَرْتَبِطَ بِما قَبْلَهُ، وهو إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ وكَما تَقُولُ: تَذْهَبُ إلى فُلانٍ، وتَقُولُ لَهُ كَيْتَ وكَيْتَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ، ويُرَجِّحُهُ أنَّهُ أبْلَغُ مِن صَرِيحِ النَّهْيِ لِما فِيهِ مِن إيهامِ أنَّ المَنهِيَّ كَأنَّهُ سارَعَ إلى ذَلِكَ، فَوَقَعَ مِنهُ حَتّى أخْبَرَ عَنْهُ بِالحالِ، أوِ الماضِي، أيْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، فَلا يَرُدُّ أنَّ حالَ المُخْبَرِ عَنْهُ عَلى خِلافِهِ، وأنَّهُ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (لا تَعْبُدُوا) عَلى النَّهْيِ، وأنَّ (قُولُوا) عُطِفَ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ التَّناسُبُ المَعْنَوِيُّ بَيْنَهُما في كَوْنِهِما إنْشاءً، وإنْ كانَ يَجُوزُ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ فِيما لَهُ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ أنْ لا تَعْبُدُوا، فَلَمّا حُذِفَ النّاصِبُ ارْتَفَعَ الفِعْلُ، ولا يَجِبُ الرَّفْعُ بَعْدَ الحَذْفِ في مِثْلِ ذَلِكَ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ الأخْفَشُ، ونَظِيرُهُ مِن نَثْرِ العَرَبِ: صفحة 308 مُرْهُ يَحْفِرُها، ومِن نَظْمِها: ألا أيُّها الزّاجِرِي احْضُرِ الوَغى وإنْ أشْهَدِ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخَلِّدِي ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ (أنْ لا تَعْبُدُوا) ويُضَعِّفُهُ أنَّ (أنْ) لا تُحْذَفُ قِياسًا في مَواضِعَ لَيْسَ هَذا مِنها، فَلا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ الآيَةِ عَلَيْهِ، وعَلى تَخْرِيجِها عَلَيْهِ فَهو مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ بَدَلٌ مِنَ المِيثاقِ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ بِأنْ لا، أوْ عَلى أنْ لا، وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ حَلَّفْناهم لا تَعْبُدُونَ، أوْ جَوابُ المِيثاقِ نَفْسِهِ، لِأنَّ لَهُ حُكْمَ القَسَمِ، وعَلَيْهِ يَخْلُو الكَلامُ عَمّا مَرَّ في وجْهِ رُجْحانِ الأوَّلِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ حِكايَةً لِما خُوطِبُوا بِهِ، والباقُونَ بِالياءِ لِأنَّهم غَيْبٌ، وفي الآيَةِ حِينَئِذٍ التِفاتانِ، في لَفْظِ الجَلالَةِ و(يَعْبُدُونَ). ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وتُحْسِنُونَ، أوْ أحْسِنُوا، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى (تَعْبُدُونَ)، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِإحْسانًا، وهو يَتَعَدّى بِالباءِ، وإلى، كَـ ﴿أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ و﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ ومَنعُ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ، ومِنَ المُعْرِبِينَ مَن قَدَّرَ اسْتَوْصُوا، (فَبِالوالِدَيْنِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، (وإحْسانًا) مَفْعُولُهُ، ومِنهم مَن قَدَّرَ: ووَصَّيْناهُمْ، فَإحْسانًا مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والوالِدانِ تَثْنِيَةُ والِدٍ، لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الأبِ، والأُمِّ، أوْ تَغْلِيبٌ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُقالُ إلّا لِلْأبِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَلَبِيُّ، وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى الحَثِّ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ، وإكْرامِهِما، والآياتُ والأحادِيثُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وناهِيكَ احْتِفالًا بِهِما، أنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ قَرَنَ ذَلِكَ بِعِبادَتِهِ، ﴿وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ﴾ عَطْفٌ عَلى الوالِدَيْنِ، والقُرْبى مَصْدَرٌ كالرُّجْعى، والألِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ، وهي قَرابَةُ الرَّحِمِ والصُّلْبِ، واليَتامى وزْنُهُ فَعالى، وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ، وهو جَمْعُ يَتِيمٍ كَنَدِيمِ ونَدامى، ولا يَنْقاسُ، ويُجْمَعُ عَلى أيْتامٍ، واليُتْمُ أصْلٌ مَعْناهُ الِانْفِرادُ، ومِنهُ الدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الغَفْلَةُ، وسُمِّيَ اليَتِيمُ يَتِيمًا لِأنَّهُ يُتَغافَلُ عَنْ بِرِّهِ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: الإبْطاءُ لِإبْطاءِ البِرِّ عَنْهُ، وهو في الآدَمِيِّينَ مِن قِبَلِ الآباءِ، ولا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمَّهاتِ، وفي الطُّيُورِ مِن جِهَتِهِما، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّهُ يُقالُ في الآدَمِيِّينَ لِمَن فُقِدَتْ أُمُّهُ أيْضًا، والأوَّلُ هو المَعْرُوفُ، والمَساكِينُ جَمْعُ مِسْكِينٍ عَلى وزْنِ مِفْعِيلٍ، مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ كَأنَّ الحاجَةَ أسْكَنَتْهُ، فالمِيمُ زائِدَةٌ كَمَحْضَرٍ، مِنَ الحُضُورِ، ورُوِيَ تَمَسْكَنَ فُلانٌ، والأصَحُّ تَسَكَّنَ أيْ صارَ مِسْكِينًا، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَقِيرِ مَعْرُوفٌ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ جاءَ هَذا التَّرْتِيبُ اعْتِناءً بِالأوْكَدِ فالأوْكَدِ، فَبَدَأ بِالوالِدَيْنِ إذْ لا يَخْفى تَقَدُّمُهُما عَلى كُلِّ أحَدٍ في الإحْسانِ إلَيْهِما، ثُمَّ بِذِي القُرْبى، لِأنَّ صِلَةَ الأرْحامِ مُؤَكَّدَةٌ، ولِمُشارَكَةِ الوالِدَيْنِ في القَرابَةِ، وكَوْنِهِما مَنشَأً لَها، وقَدْ ورَدَ في الأثَرِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَ الرَّحِمَ فَقالَ: «(أنْتِ الرَّحِمُ، وأنا الرَّحْمَنُ، أصِلُ مَن وصَلَكِ، وأقْطَعُ مَن قَطَعَكِ)،» ثُمَّ بِاليَتامى، لِأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم تامَّةً عَلى الِاكْتِسابِ، وقَدْ جاءَ «(أنا وكافِلُ اليَتِيمِ في الجَنَّةِ كَهاتَيْنِ، وأشارَ ﷺ إلى السَّبّابَةِ والوُسْطى)،» وتَأخَّرَتْ دَرَجَةُ المَساكِينِ لِأنَّ المِسْكِينَ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَعَهَّدَ نَفْسَهُ بِالِاسْتِخْدامِ، ويُصْلِحَ مَعِيشَتَهُ مَهْما أمْكَنَ بِخِلافِ اليَتِيمِ، فَإنَّهُ لِصِغَرِهِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ، ويَحْتاجُ إلى مَن يَنْفَعُهُ، وأفْرَدَ ذِي القُرْبى، كَما في البَحْرِ، لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، ولِأنَّ إضافَتَهُ إلى المَصْدَرِ يَنْدَرِجُ فِيهِ كُلُّ ذِي قَرابَةٍ، وكَأنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ ذَوِي القُرْبى، وإنْ كَثُرُوا كَشَيْءٍ واحِدٍ لا يَنْبَغِي أنْ يُضْجَرَ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ، ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ أيْ قَوْلًا حَسَنًا، سَمّاهُ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: هو لُغَةٌ في الحُسْنِ، كالبُخْلِ، والبَخَلِ، والرُّشْدِ والرَّشَدِ، والعُرْبُ والعَرَبِ، والمُرادُ: قُولُوا لَهُمُ القَوْلَ الطَّيِّبَ، وجاوِبُوهم بِأحْسَنِ ما يُحِبُّونَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: مُرُوهم بِالمَعْرُوفِ، وانْهُوهم صفحة 309 عَنِ المُنْكَرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: قُولُوا لَهُمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، مُرُوهم بِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أعْلِمُوهم مِمّا في كِتابِكم مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَوْلُ أبِي العالِيَةِ في المَرْتَبَةِ العالِيَةِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الأمْرَ مِن جُمْلَةِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ومَن قالَ: إنَّ المُخاطَبَ بِهِ الأُمَّةُ، وهو مُحْكَمٌ، أوْ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، أوْ إنَّ النّاسَ مَخْصُوصٌ بِصالِحِي المُؤْمِنِينَ، إذْ لا يَكُونُ القَوْلُ الحَسَنُ مَعَ الكُفّارِ والفُسّاقِ، لِأنّا أُمِرْنا بِلَعْنِهِمْ، وذَمِّهِمْ، ومُحارَبَتِهِمْ، فَقَدْ أبْعَدَ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ (حَسَنًا) بِفَتْحَتَيْنِ، وعَطاءٌ، وعِيسى بِضَمَّتَيْنِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، وأبُو طَلْحَةَ بْنُ مُصَرِّفٍ (حُسْنى) عَلى وزْنِ فُعْلى، واخْتُلِفَ في وجْهِهِ، فَقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كَرُجْعى، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ، بِأنَّهُ غَيْرُ مَقِيسٍ، ولَمْ يُسْمَعْ فِيهِ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ كَحُبْلى، أيْ مَقالَةً أوْ كَلِمَةً حُسْنى، وفي الوَصْفِ بِها وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ باقِيَةً عَلى أنَّها لِلتَّفْضِيلِ، واسْتِعْمالُها بِغَيْرِ الألِفِ واللّامِ، والإضافَةِ لِلْمَعْرِفَةِ نادِرٌ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: وإنْ دَعَوْتَ إلى جَلى ومَكْرُمَةٍ ∗∗∗ يَوْمًا كِرامَ سُراةِ النّاسِ فادْعِينا وثانِيهِما: أنْ تُجَرَّدَ عَنِ التَّفْضِيلِ فَتَكُونَ بِمَعْنى حَسَنَةٍ، كَما قالُوا ذَلِكَ فِي: يُوسُفُ أحْسَنُ إخْوَتِهِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (إحْسانًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أحْسَنَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلصَّيْرُورَةِ، كَما تَقُولُ: أعْشَبَتِ الأرْضُ إعْشابًا، أيْ صارَتْ ذا عُشْبٍ، فَهو حِينَئِذٍ نَعَتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قَوْلًا ذا حُسْنٍ، ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ أرادَ سُبْحانَهُ بِهِما ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ في مِلَّتِهِمْ، لِأنَّهُ حِكايَةٌ لِما وقَعَ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ زَكاةُ أمْوالِهِمْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قُرْبانًا تَهْبِطُ إلَيْها نارٌ فَتَحْمِلُها، وكانَ ذَلِكَ عَلامَةَ القَبُولِ، وما لا تَفْعَلُ النّارُ بِهِ كَذَلِكَ كانَ غَيْرَ مُتَقَبِّلٍ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِهِما هَذِهِ الصَّلاةُ، وهَذِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَتانِ عَلَيْنا، والخِطابُ لِمَن بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أبْناءِ اليَهُودِ لا غَيْرُ، والأمْرُ بِهِما كِنايَةٌ عَنِ الأمْرِ بِالإسْلامِ، أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ أيْضًا لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ المِيثاقِ، ورَفَضْتُمُوهُ، وثُمَّ لِلِاسْتِبْعادِ، أوْ لِحَقِيقَةِ التَّراخِي، فَيَكُونُ تَوْبِيخًا لَهم بِالِارْتِدادِ بَعْدَ الِانْقِيادِ مُدَّةً مَدِيدَةً، وهو أشْنَعُ مِنَ العِصْيانِ مِنَ الأوَّلِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ إذا جُعِلَ ناصِبُ الظَّرْفِ خِطابًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، فَهَذا التِفاتٌ إلى خِطابِ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا بِتَغْلِيبِ أخْلافِهِمْ عَلى أسْلافِهِمْ، لِجَرَيانِ ذِكْرِهِمْ كُلِّهِمْ حِينَئِذٍ عَلى نَهْجِ الغَيْبَةِ، فَإنَّ الخِطاباتِ السّابِقَةَ لِلْأسْلافِ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ كَأنَّهُمُ اسْتَحْضَرُوا عِنْدَ ذِكْرِ جِناياتِهِمْ فَنُعِيَتْ عَلَيْهِمْ، وإنْ جُعِلَ خِطابًا لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ فَهَذا تَعْمِيمٌ لِلْخِطابِ بِتَنْزِيلِ الأسْلافِ مَنزِلَةَ الأخْلافِ، كَما أنَّهُ تَعْمِيمٌ لِلتَّوَلِّي بِتَنْزِيلِ الأخْلافِ مَنزِلَةَ الأسْلافِ لِلتَّشْدِيدِ في التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: الِالتِفاتُ إنَّما يَجِيءُ عَلى قِراءَةِ (لا يَعْبُدُونَ) بِالغَيْبَةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الخِطابِ فَلا التِفاتَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ هَذا الخِطابَ خاصًّا بِالحاضِرِينَ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما تَقَدَّمَ خاصًّا بِمَن تَقَدَّمَ، وجَعَلَ الِالتِفاتَ عَلى القِراءَتَيْنِ، لَكِنَّهُ بِالمَعْنى الغَيْرِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ أنَّ كَوْنَ الِالتِفاتِ بَيْنَ خِطابَيْنِ لِاخْتِلافِهِما لَمْ يَقُلْ بِهِ أهْلُ المَعانِي، لَكِنَّهُ وقَعَ مِثْلُهُ في كَلامِ بَعْضِ الأُدَباءِ، وما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّغْلِيبِ أوْلى وأحْرى خِلافًا لِمَنِ التَفَتَ عَنْهُ. ﴿إلا قَلِيلا مِنكُمْ﴾ وهم مِنَ الأسْلافِ مَن أقامَ اليَهُودِيَّةَ عَلى وجْهِها قَبْلَ النَّسْخِ، ومِنَ الأخْلافِ مَن أسْلَمَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأضْرابِهِ، فالقِلَّةُ في عَدَدِ الأشْخاصِ، وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في الإيمانِ، أيْ لَمْ صفحة 310 يَبْقَ حِينَ عَصَوْا وكَفَرَ آخِرُهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ إلّا إيمانٌ قَلِيلٌ إذْ لا يَنْفَعُهُمْ، لا يَقْدَمُ عَلَيْهِ إلّا القَلِيلُ مِمَّنْ لَمْ يُعْطَ فَهْمًا في الألْفاظِ العَرَبِيَّةِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وغَيْرِهِ رَفْعُ قَلِيلٍ، والكَثِيرُ المَشْهُورُ في أمْثالِ ذَلِكَ النَّصْبُ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ مُوجِبٌ، واخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِ الرَّفْعِ، فَقِيلَ: إنَّ المَرْفُوعَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وجازَ لِأنَّ (تَوَلَّيْتُمْ)، في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لَمْ يَفُوا، وقَدْ خَرَّجَ غَيْرُ واحِدٍ قَوْلَهُ ﷺ: فِيما صَحَّ عَلى الصَّحِيحِ: «(العالَمُونَ هَلْكى إلّا العالِمُونَ، والعالِمُونَ هَلْكى إلّا العامِلُونَ، والعامِلُونَ هَلْكى إلّا المُخْلِصُونَ، والمُخْلِصُونَ عَلى خَطَرٍ)،» وقَوْلَ الشّاعِرِ: وبِالصَّرِيمَةِ مِنهم مَنزِلٌ خَلِقٌ ∗∗∗ عافٍ تَغَيَّرَ إلّا النَّوْءُ والوَتَدُ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ ما مِن إثْباتٍ إلّا ويُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِنَفْيٍ، فَيَلْزَمُ جَوازُ: قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدٌ بِالرَّفْعِ عَلى التَّأْوِيلِ، والإبْدالِ، ولَمْ يُجَوِّزْهُ النَّحْوِيُّونَ، لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ (إلّا) صِفَةٌ بِمَعْنى غَيْرُ، ظَهَرَ إعْرابُها فِيما بَعْدَها، وقَدْ عَقَدَ سِيبَوَيْهِ لِذَلِكَ بابًا في كِتابِهِ، فَقالَ: هَذا بابُ ما يَكُونُ فِيهِ إلّا، وما بَعْدَها وصْفًا بِمَنزِلَةِ غَيْرُ، ومَثَّلَ وذَكَرَ مِن أمْثِلَةِ هَذا البابِ: لَوْ كانَ مَعَنا رَجُلٌ إلّا زَيْدٌ لَغَلَبْنا، و﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ وقَوْلُهُ: أيْنَخَتْ فَألْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ ∗∗∗ قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها وخُرِّجَ جَمْعُ جَمِيعِ ما سَلَفَ عَلى هَذا، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى مَذْهَبِ ابْنِ عُصْفُورٍ، حَيْثُ ذَهَبَ إلى أنَّ الوَصْفَ بِإلّا يُخالِفُ الوَصْفَ بِغَيْرِها مِن حَيْثُ إنَّهُ يُوصَفُ بِها النَّكِرَةُ والمَعْرِفَةُ، والظّاهِرُ والمُضْمَرُ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ غَيْرِهِ، وهو ابْنُ شاهِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مِن أنَّهُ لا يُوصَفُ بِها إلّا إذا كانَ المَوْصُوفُ نَكِرَةً أوْ مَعْرِفَةً بِلامِ الجِنْسِ، فَلا، والمُبَرِّدُ يَشْتَرِطُ في الوَصْفِ بِها صَلاحِيَّةَ البَدَلِ في مَوْضِعِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَمْ يَقُولُوا، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا تَقَدَّمَ، إلّا أنَّ فِيهِ كَلامًا سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أيْ وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإعْراضُ، والتَّوَلِّي عَنِ المَواثِيقِ، ويُؤْخَذُ كَوْنُهُ عادَتَهم مِنَ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثُّبُوتِ، وقِيلَ: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والتَّوَلِّي والإعْراضُ شَيْءٌ واحِدٌ، ويَجُوزُ فَصْلُ الحالِ المُؤَكِّدَةِ بِالواوِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ بِأنَّ الأوَّلَ قَدْ يَكُونُ لِحاجَةٍ تَدْعُو إلى الِانْصِرافِ مَعَ ثُبُوتِ العَقْدِ، والإعْراضُ هو الِانْصِرافُ عَنِ الشَّيْءِ بِالقَلْبِ، وقِيلَ: إنَّ التَّوَلِّيَ أنْ يَرْجِعَ عَوْدُهُ إلى بَدْئِهِ، والإعْراضُ أنْ يَتْرُكَ المَنهَجَ ويَأْخُذَ في عُرْضِ الطَّرِيقِ، والمُتَوَلِّي أقْرَبُ أمْرًا مِنَ المُعْرِضِ، لِأنَّهُ مَتى عَزَمَ سَهُلَ عَلَيْهِ العَوْدُ إلى سُلُوكِ المَنهَجِ، والمُعْرِضُ حَيْثُ تَرَكَ المَنهَجَ وأخَذَ في عُرْضِ الطَّرِيقِ يَحْتاجُ إلى طَلَبِ مَنهَجِهِ، فَيَعْسُرُ عَلَيْهِ العَوْدُ إلَيْهِ. ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُعْرِضُونَ عَلى ظاهِرِهِ، والجُمْلَةُ حالٌ مُقَيَّدَةٌ، أيْ لَمْ يَتَوَلَّ القَلِيلُ ﴿وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عَنْهم ساخِطُونَ لَهُمْ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ مَزِيدُ تَوْبِيخٍ لَهُمْ، ومَدْحًا لِلْقَلِيلِ، فَهو بَعِيدٌ، كالقَوْلِ بِأنَّها مُقَيَّدَةٌ، ومُتَعَلِّقُ التَّوَلِّي والإعْراضِ مُخْتَلِفٌ، أيْ تَوَلَّيْتُمْ عَلى المُضِيِّ في المِيثاقِ وأعْرَضْتُمْ عَنِ اتِّباعِ هَذا النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ

البقرة 2:84

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ في ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ والمُرادُ أنْ لا يَتَعَرَّضَ بَعْضُكم بَعْضًا بِالقَتْلِ والإجْلاءِ، وجَعَلَ قَتْلَ الرَّجُلِ غَيْرَهُ قَتْلَ نَفْسِهِ، لِاتِّصالِهِ نَسَبًا أوْ دِينًا أوْ لِأنَّهُ يُوجِبُهُ قِصاصًا، فَفي الآيَةِ مَجازٌ، إمّا في ضَمِيرِ (كُمْ) حَيْثُ عَبَّرَ بِهِ عَمَّنْ يَتَّصِلُ بِهِ، أوْ في (تَسْفِكُونَ) حَيْثُ أُرِيدَ بِهِ ما هو سَبَبُ السَّفْكِ، وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَرْتَكِبُوا ما يُبِيحُ سَفْكَ دِمائِكُمْ، وإخْراجَكم مِن دِيارِكُمْ، أوْ لا تَفْعَلُونَ ما يُرْدِيكم ويَصْرِفُكم عَنْ لَذّاتِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، فَإنَّهُ القَتْلُ في الحَقِيقَةِ، ولا تَقْتَرِفُوا ما تُمْنَعُونَ بِهِ صفحة 311 عَنِ الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُكُمْ، ولَيْسَ النَّفْيُ في الحَقِيقَةِ جَلاءُ الأوْطانِ بَلِ البُعْدُ مِن رِياضِ الجِنانِ، ولَعَلَّ ما يُساعِدُهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ هو الأوَّلُ، والدِّماءُ جَمْعُ دَمٍ، مَعْرُوفٌ، وهو مَحْذُوفُ اللّامِ، وهي ياءٌ عِنْدَ بَعْضٍ لِقَوْلِهِ: جَرى الدَّمَيانِ بِالخَبَرِ اليَقِينِ وواوٌ عِنْدَ آخَرِينَ لِقَوْلِهِمْ: دَمَوانِ، ووَزْنُهُ فَعُلٌ، أوْ فَعِلٌ، وقَدْ سُمِعَ مَقْصُورًا، وكَذا مُشَدَّدًا، وقَرَأ طَلْحَةُ وشُعَيْبٌ (تَسْفُكُونَ) بِضَمِّ الفاءِ، وأبُو نَهِيكٍ بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِ السِّينِ، وكَسْرِ الفاءِ مُشَدَّدَةً، وابْنُ أبِي إسْحاقَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ سَكَّنَ السِّينَ، وخَفَّفَ الفاءَ، ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾ أيْ بِالمِيثاقِ، واعْتَرَفْتُمْ بِلُزُومِهِ خَلَفًا بَعْدَ سَلَفٍ، فالإقْرارُ ضِدُّ الجَحْدِ، ويَتَعَدّى بِالباءِ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ بِمَعْنى إبْقاءِ الشَّيْءِ عَلى حالِهِ مِن غَيْرِ اعْتِرافٍ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ لا يُلائِمُهُ حِينَئِذٍ، ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ رافِعَةٌ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ الإقْرارُ ذِكْرَ أمْرٍ آخَرَ، لَكِنَّهُ يَقْتَضِيهِ، ولا يَجُوزُ العَطْفُ لِكَمالِ الِاتِّصالِ، ولا الِاعْتِراضِ، إذْ لَيْسَ المَعْنى: وأنْتُمْ عادَتُكُمُ الشَّهادَةُ، بَلِ المَعْنى عَلى التَّقْيِيدِ، وقِيلَ: وأنْتُمْ لَها أيُّها المَوْجُودُونَ تَشْهَدُونَ عَلى إقْرارِ أسْلافِكُمْ، فَيَكُونُ إسْنادُ الإقْرارِ إلَيْهِمْ مَجازًا، وضُعِّفَ بِأنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ اسْتِبْعادُ القَتْلِ والإجْلاءِ مِنهُمْ، مَعَ أنَّ أخْذَ المِيثاقِ والإقْرارُ كانَ مِن أسْلافِهِمْ لِاتِّصالِهِمْ بِهِمْ نَسَبًا ودِينًا، بِخِلافِ ما إذا اعْتُبِرَ نِسْبَةُ الإقْرارِ إلَيْهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإنَّهُ يَكُونُ بِسَبَبِ إقْرارِهِمْ وشَهادَتِهِمْ، وهو أبْلَغُ في بَيانِ قَبِيحِ صَنِيعِهِمْ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الأظْهَرَ أنَّ المُرادَ أقْرَرْتُمْ حالَ كَوْنِكم شاهِدِينَ عَلى إقْرارِكم بِأنْ شَهِدَ كُلُّ أحَدٍ عَلى إقْرارِ غَيْرِهِ، كَما هو طَرِيقُ الشَّهادَةِ، ولا يَخْفى انْحِطاطُ المُبالَغَةِ حِينَئِذٍ.

البقرة 2:85

﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ نَزَلَتْ كَما في البَحْرِ في بَنِي قَيْنُقاعَ، وبَنِي قُرَيْظَةَ، وبَنِي النَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ، كانَ بَنُو قَيْنُقاعَ أعْداءَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَتِ الأوْسُ حُلَفاءَ بَنِي قَيْنُقاعَ، والخَزْرَجُ حُلَفاءَ بَنِي قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرُ والأوْسُ والخَزْرَجُ إخْوانٌ، وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرُ إخْوانٌ، ثُمَّ افْتَرَقُوا، فَصارَتْ بَنُو النَّضِيرِ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، وبَنُو قُرَيْظَةَ حُلَفاءَ الأوْسِ، فَكانُوا يَقْتَتِلُونَ، ويَقَعُ مِنهم ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، (وثُمَّ) لِلِاسْتِبْعادِ في الوُقُوعِ، لا لِلتَّراخِي في الزَّمانِ، لِأنَّهُ الواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ كَما قِيلَ بِهِ، (وأنْتُمْ) مُبْتَدَأٌ (وهَؤُلاءِ) خَبَرُهُ عَلى مَعْنى: أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ المِيثاقِ والإقْرارِ والشَّهادَةِ هَؤُلاءِ النّاقِضُونَ كَقَوْلِكَ: أنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي فَعَلَ كَذا، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ: ثُمَّ أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ التَّوْكِيدِ في المِيثاقِ نَقَضْتُمُ العَهْدَ، فَتَقْتُلُونَ أنْفُسَكم إلَخْ، أيْ صِفَتُكُمُ الآنَ غَيْرُ الصِّفَةِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها، لَكِنْ أُدْخِلُ (هَؤُلاءِ) وأُوقِعَ خَبَرًا لِيُفِيدَ أنَّ الَّذِي تَغَيَّرَ هو الذّاتُ نَفْسُها نَعْيًا عَلَيْهِمْ لِشِدَّةٍ، وكادَتِ المِيثاقُ، ثُمَّ تَساهُلُهم فِيهِ، وتَغْيِيرُ الذّاتِ فُهِمَ مِن وضْعِ اسْمِ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلذّاتِ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لا مِن جَعْلِ ذاتٍ واحِدٍ في خِطابٍ واحِدٍ مُخاطَبًا وغائِبًا، وإلّا لَفُهِمَ ذَلِكَ مِن نَحْوِ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أيْضًا، وصَحَّ الحَمْلُ مَعَ اعْتِبارِ التَّغَيُّرِ لِأنَّهُ ادِّعائِيٌّ، وفي الحَقِيقَةِ واحِدٌ وعُدُّوا حُضُورًا مُشاهِدِينَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ مِنَ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ سابِقًا وغَيْبًا بِاعْتِبارِ عَدَمِ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِهِمْ، لِما سَيُحْكى عَنْهم مِنَ الأفْعالِ بَعْدُ، لا لِأنَّ المَعاصِيَ تُوجِبُ الغَيْبَةَ عَنْ غَيْرِ الحُضُورِ، إذِ المُناسِبُ حِينَئِذٍ الغَيْبَةُ في (تَقْتُلُونَ)، (وتُخْرِجُونَ)، قالَهُ السّالِيكُوتِيُّ، (وتَقْتُلُونَ) إمّا حالٌ والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، أوْ بَيانٌ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ قالُوا كَيْفَ نَحْنُ؟ صفحة 312 فَجِيءَ بِتَقْتُلُونَ تَفْسِيرًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تُجْعَلَ مُفَسِّرَةً لَها مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ سُؤالٍ، وذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ وغَيْرُهُ إلى أنَّ (أنْتُمْ) مُبْتَدَأٌ، (وتَقْتُلُونَ) الخَبَرُ، (وهَؤُلاءِ) تَخْصِيصٌ لِلْمُخاطَبِينَ لَمّا نُبِّهُوا عَلى الحالِ الَّتِي هم عَلَيْها مُقِيمُونَ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا بِأعْنِي، وفِيهِ أنَّ النُّحاةَ نَصُّوا عَلى أنَّ التَّخْصِيصَ لا يَكُونُ بِأسْماءِ الإشارَةِ ولا بِالنَّكِرَةِ، والمُسْتَقِرُّ مِن لِسانِ العَرَبِ أنَّهُ يَكُونُ بِأيَّتُها، كاللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ، وبِالمُعَرَّفِ بِاللّامِ كَنَحْنُ العَرَبَ أقْرى النّاسِ لِلضَّيْفِ، أوِ الإضافَةِ، (كَنَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ) وقَدْ يَكُونُ بِالعَلَمِ: كَبِنا تَمِيمًا نَكْشِفُ الضَّبابا. وأكْثَرَ ما يَأْتِي بَعْدَ ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ، وقَدْ يَجِيءُ بَعْدَ ضَمِيرِ المُخاطَبِ كَبِكَ اللَّهَ نَرْجُو الفَضْلَ، وقِيلَ: هَؤُلاءِ تَأْكِيدٌ لُغَوِيٌّ لِأنْتُمْ، فَهو إمّا بَدَلٌ مِنهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ، وجَعْلُهُ مِنَ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بِالمُرادِفِ تَوَهُّمٌ، والكَلامُ عَلى هَذا خالٍ عَنْ تِلْكَ النُّكْتَةِ، وقِيلَ: هَؤُلاءِ بِمَعْنى الَّذِينَ، والجُمْلَةُ صِلَتُهُ، والمَجْمُوعُ هو الخَبَرُ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، حَيْثُ جَوَّزُوا كَوْنَ جَمِيعِ أسْماءِ الإشارَةِ مَوْصُولَةً، سَواءٌ كانَتْ بَعْدَ (ما) أوْ لا، والبَصْرِيُّونَ يَخُصُّونَهُ إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وهو المُصَحَّحُ عَلى أنَّ الكَلامَ يَصِيرُ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ: أنا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ وهُوَ ضَعِيفٌ كَما قالَهُ الشِّهابُ، وقَرَأ الحَسَنُ (تُقَتِّلُونَ) عَلى التَّكْثِيرِ، وفي تَفْسِيرِ المَهْدَوِيِّ أنَّها قِراءَةُ أبِي نَهِيكٍ، ﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وضَمِيرُ دِيارِهِمْ لِلْفَرِيقِ، وإيثارُ الغَيْبَةِ مَعَ جَوازِ دِيارِكم كَما في الأوَّلِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ المُرادِ إخْراجَهم مِن دِيارِ المُخاطَبِينَ، مِن حَيْثُ دِيارُهم لا دِيارُ المُخْرَجِينَ، ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿تُخْرِجُونَ﴾ أوْ مِن مَفْعُولِهِ، قِيلَ: أوْ مِن كِلَيْهِما، لِأنَّهُ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِ هُما يُبَيِّنُ هَيْئَتَهُما، والمَعْنى عَلى الأوَّلِ تُخْرِجُونَ مُتَظاهِرِينَ عَلَيْهِمْ، وعَلى الثّانِي تُخْرِجُونَ فَرِيقًا مُتَظاهَرًا عَلَيْهِمْ، وعَلى الثّالِثِ تُخْرِجُونَ واقِعًا التَّظاهُرُ مِنهم عَلَيْهِمْ، والتَّظاهُرُ التَّعاوُنُ، وأصْلُهُ مِنَ الظَّهْرِ كَأنَّ المُتَعاوِنِينَ يُسْنِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظَهْرَهُ إلى صاحِبِهِ، والإثْمُ الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ صاحِبُهُ الذَّمَّ واللَّوْمَ، وقِيلَ: ما تَنْفِرُ مِنهُ النَّفْسُ، ولا يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ القَلْبُ، وفي الحَدِيثِ: «(الإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ)» وهو مُتَعَلِّقٌ بِتَظاهَرُونَ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِالإثْمِ، وكَوْنُهُ هُنا مَجازًا عَمّا يُوجِبُهُ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى سَبَبِهِ كَما سُمِّيَتِ الخَمْرُ إثْمًا في قَوْلِهِ: شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي كَذاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بِالعُقُولِ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ داعٍ، والعُدْوانُ تَجاوُزُ الحَدِّ في الظُّلْمِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَظاهَرُونَ) بِتَخْفِيفِ الظّاءِ وأصْلُهُ بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ ثانِيَتُهُما عِنْدَ أبِي حَيّانَ، وأُولاهُما عِنْدَ هاشِمٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّشْدِيدِ، عَلى إدْغامِ التّاءِ في الظّاءِ، وأبُو حَيْوَةَ (تُظاهِرُونَ) بِضَمِّ التّاءِ، وكَسْرِ الهاءِ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما (تَظَّهَّرُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ والظّاءِ والهاءِ مُشَدَّدَتَيْنِ، دُونَ ألِفٍ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو أيْضًا، وبَعْضُهم (تَتَظاهَرُونَ) عَلى الأصْلِ. ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ أيْ تُخْرِجُوهم مِنَ الأسْرِ بِإعْطاءِ الفِداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ (تَفْدُوهُمْ) وعَلَيْهِ حَمْلُ بَعْضِ قِراءَةِ الباقِينَ، إذْ لا مُفاعَلَةَ، وفَرَّقَ جَمْعٌ بَيْنَ فادى وفَدى، بِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ بادَلَ أسِيرًا بِأسِيرٍ، والثّانِي جَمَعَ الفِداءَ، ويُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (فادَيْتُ نَفْسِي، وفادَيْتُ عَقِيلًا) إذْ مِنَ المَعْلُومِ إنَّهُ ما بادَلَ أسِيرًا بِأسِيرٍ، وقِيلَ: تُفادُوهم بِالعُنْفِ، وتَفْدُوهم بِالصُّلْحِ، وقِيلَ: تُفادُوهم تَطْلُبُوا الفِدْيَةَ مِنَ الأسِيرِ الَّذِي في أيْدِيكم مِن أعْدائِكُمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: قِفِي فادِي أسِيرَكِ إنَّ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمَكِ لا أرى لَهُمُ احْتِفالًا صفحة 313 وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ لُغَةً تُطْلِقُونَهم بَعْدَ أنْ تَأْخُذُوا مِنهم شَيْئًا، وأُراهُ هُنا كَسابِقِهِ في غايَةِ البُعْدِ، والقَوْلُ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: وإنْ يَأْتُوكم أُسارى في أيْدِي الشَّياطِينِ تَتَصَدَّوْنَ لِإنْقاذِهِمْ بِالإرْشادِ والوَعْظِ مَعَ تَضْيِيعِكم أنْفُسَكم إلى البُطُونِ أقْرَبُ كَما لا يَخْفى، والأُسارى قِيلَ: جَمْعُ أسِيرٍ بِمَعْنى مَأْسُورٍ، وكَأنَّهم حَمَلُوا أسِيرًا عَلى كَسْلانَ، فَجَمَعُوهُ جَمْعَهُ كَما حَمَلُوا كَسْلانَ عَلَيْهِ، فَقالُوا كَسْلى، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ الأسْرَ مَحْبُوسٌ عَنْ كَثِيرٍ مِن تَصَرُّفِهِ لِلْأسْرِ، والكَسْلانُ مَحْبُوسٌ عَنْ ذَلِكَ لِعادَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجْمُوعٌ كَذا ابْتِداءً مِن غَيْرِ حَمْلٍ كَما قالُوا في قَدِيمٍ قُدامى، وسُمِعَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ولَيْسَتْ بِالعالِيَةِ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ الفَتْحَ هو الأصْلُ والضَّمَّ لِيَزْدادَ قُوَّةً، وقِيلَ: جَمْعُ أسْرى وبِهِ قَرَأ حَمْزَةُ، وهو جَمْعُ أسِيرٍ، كَجَرِيحٍ وجَرْحى، فَيَكُونُ أُسارى جَمْعُ الجَمْعِ، قالَهُ المُفَضَّلُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: الأسْرى مَن في اليَدِ، والأُسارى مَن في الوَثاقِ، ولا أرى فَرْقًا، بَلِ المَأْخُذُونَ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والغَلَبَةِ مُطْلَقًا أسْرى وأُسارى. ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ”تُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم“ أوْ مَفْعُولُهُ بَعْدَ اعْتِبارِ التَّقْيِيدِ بِالحالِ السّابِقَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَأْتُوكُمْ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما لا مَعْطُوفٌ عَلى ﴿تَظاهَرُونَ﴾ لِأنَّ الإتْيانَ لَمْ يَكُنْ مُقارِنًا لِلْإخْراجِ، وقُيِّدَ الإخْراجُ بِهَذِهِ الحالِ لِإفادَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنِ اسْتِحْقاقٍ ومَعْصِيَةٍ مُوجِبَةٍ لَهُ، وتَخْصِيصُهُ بِالتَّقْيِيدِ دُونَ القَتْلِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ لِكَوْنِهِ أشَدَّ مِنهُ، ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ وقِيلَ: لا بَلْ لِكَوْنِهِ أقَلَّ خَطَرًا بِالنِّسْبَةِ إلى القَتْلِ، فَكانَ مَظِنَّةَ التَّساهُلِ، ولِأنَّ مَساقَ الكَلامِ لِذَمِّهِمْ، وتَوْبِيخِهِمْ عَلى جِناياتِهِمْ، وتَناقُضِ أفْعالِهِمْ، وذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِصُورَةِ الإخْراجِ إذْ لَمْ يُنْقَلُ عَنْهم تَدارُكُ القَتْلى بِشَيْءٍ مِن دِيَةٍ، أوْ قِصاصٍ، وهو السِّرُّ في تَخْصِيصِ التَّظاهُرِ فِيما سَبَقَ، وقِيلَ: النُّكْتَةُ في إعادَةِ تَحْرِيمِ الإخْراجِ، وقَدْ أفادَهُ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ بِأبْلَغِ وجْهٍ، وفي تَخْصِيصِ تَحْرِيمِ الإخْراجِ بِالإعادَةِ دُونَ القَتْلِ أنَّهُمُ امْتَثَلُوا حُكْمًا في بابِ المُخْرَجِ، وهو الفِداءُ، وخالَفُوا حُكْمًا، وهو الإخْراجُ، فَجُمِعَ مَعَ الفِداءِ حُرْمَةُ الإخْراجِ لِيَتَّصِلَ بِهِ، ﴿أفَتُؤْمِنُونَ﴾ إلَخْ أشَدَّ اتِّصالٍ، ويَتَّضِحُ كُفْرُهم بِالبَعْضِ، وإيمانُهم بِالبَعْضِ كَمالَ اتِّضاحٍ، حَيْثُ وقَعَ في حَقِّ شَخْصٍ واحِدٍ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وقِيلَ: خَبَرُهُ (مُحَرَّمٌ)، وإخْراجُهم نائِبُ فاعِلٍ، وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ المَهْدَوِيُّ، وإنَّما ارْتَكَبُوهُ لِأنَّ الخَبَرَ المُتَحَمِّلَ ضَمِيرًا مَرْفُوعًا لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلى المُبْتَدَإ، فَلا يُجِيزُونَ (قائِمٌ زَيْدٌ) عَلى أنْ يَكُونَ قائِمٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، والبَصْرِيُّونَ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ، ويُجِيزُونَ هَذا الوَجْهَ لِأنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لا يُخْبَرُ عَنْهُ عِنْدَهم إلّا بِجُمْلَةٍ مُصَرَّحٍ بِجُزْأيْها، وقِيلَ: إنَّهُ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ مُبْتَدَأٌ أيْضًا، (ومُحَرَّمٌ) خَبَرُهُ، (وإخْراجُهُمْ) بَدَلٌ مِنهُ مُفَسِّرٌ لَهُ، وهَذا بِناءً عَلى جَوازِ إبْدالِ الظّاهِرِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ ما يَعُودُ إلَيْهِ، ومِنهم مَن مَنَعَهُ، وأجازَهُ الكِسائِيُّ وقِيلَ: راجِعٌ إلى الإخْراجِ المَفْهُومِ مِن ﴿تُخْرِجُونَ﴾ (وإخْراجُهُمْ) عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مِن ضَمِيرِ (مُحَرَّمٌ)، وضُعِّفَ بِأنَّهُ بَعْدَ عَوْدِهِ إلى الإخْراجِ لا وجْهَ لِإبْدالِهِ مِنهُ، ومِنَ الغَرِيبِ ما نُقِلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَ فَصْلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ: وإخْراجُهم هو مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ، فَلَمّا قُدِّمَ خَبَرُ المُبْتَدَإ عَلَيْهِ قُدِّمَ هو مَعَهُ، ولا يُجَوِّزُهُ البَصْرِيُّونَ، لِأنَّ وُقُوعَ الفَصْلِ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ ونَكِرَةٍ لِتَقارُبِ المَعْرِفَةِ لا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ، وتَوَسُّطُهُ بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ أوْ بَيْنَ ما هُما أصْلُهُ شَرْطٌ عِنْدَهم أيْضًا، ولِابْنِ عَطِيَّةَ في هَذا الضَّمِيرِ كَلامٌ يَجِبُ إضْمارُهُ، ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿تَقْتُلُونَ﴾ أوْ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ أتَفْعَلُونَ ما ذُكِرَ فَتُؤْمِنُونَ إلَخْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّوْبِيخِ عَلى التَّفْرِيقِ بَيْنَ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى، إذِ العَهْدُ كانَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ، تَرْكِ القَتْلِ، وتَرْكِ الإخْراجِ، ومُفاداةِ الأُسارى، فَقَتَلُوا، وأخْرَجُوا عَلى خِلافِ العَهْدِ، وفَدَوْا بِمُقْتَضاهُ، وقِيلَ: المَواثِيقُ أرْبَعَةٌ، فَزِيدَ تَرْكُ المُظاهَرَةِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ مَرَّ عَلى رَأْسِ صفحة 314 الجالُوتِ بِالكُوفَةِ، وهو يُفادِي مِنَ النِّساءِ ما لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ العَرَبُ، ولا يُفادِي مَن وقَعَ عَلَيْهِ العَرَبُ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: أما إنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنْ فادُوهُنَّ كُلَّهُنَّ، ورَوى مُحْيِي السُّنَّةِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ أنْ لا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُخْرِجَ بَعْضُهم بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ، وأيُّما عَبْدٍ أوْ أمَةٍ وجَدْتُمُوهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فاشْتَرُوهُ بِما قامَ مِن ثَمَنِهِ فَأعْتِقُوهُ، ولَعَلَّ كُفْرَهم بِما ارْتَكَبُوا لِاعْتِقادِهِمْ عَدَمَ الحُرْمَةِ مَعَ دِلالَةِ صَرِيحِ التَّوْراةِ عَلَيْها، لَكِنْ ما في الكَشّافِ مِن أنَّهُ قِيلَ لَهم: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم ثُمَّ تَفْدُونَهُمْ؟! فَقالُوا: أُمِرْنا بِالفِداءِ، وحُرِّمَ عَلَيْنا القِتالُ، لَكُنّا نَسْتَحِي مِن حُلَفائِنا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يُنْكِرُونَ حُرْمَةَ القِتالِ، فَإطْلاقُ الكُفْرِ حِينَئِذٍ عَلى فِعْلِ ما حُرِّمَ إمّا لِأنَّهُ كانَ في شَرْعِهِمْ كُفْرًا، أوْ أنَّهُ لِلتَّغْلِيظِ كَما أُطْلِقَ عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ ونَحْوِهِ ذَلِكَ في شَرْعِنا، والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى أتَسْتَعْمِلُونَ البَعْضَ وتَتْرُكُونَ البَعْضَ، فالكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى المَجازِ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا اعْتِبارَ بِهِ، كالقَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالبَعْضِ المُؤْمَنُ بِهِ نُبُوَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والبَعْضَ الآخَرَ نُبُوَّةُ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الإشارَةُ إلى الكُفْرِ بِبَعْضِ الكِتابِ والإيمانِ بِبَعْضٍ، أوْ إلى ما فَعَلُوهُ مِنَ القَتْلِ والإجْلاءِ مَعَ مُفاداةِ الأُسارى، والجَزاءُ المُقابَلَةُ، ويُطْلَقُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، والخِزْيُ الهَوانُ، والماضِي خَزِيَ بِالكَسْرِ، وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: مَعْنى خَزِيَ وقَعَ في بَلِيَّةٍ، وخَزِيَ الرَّجُلُ خَزايَةً إذا اسْتَحى، وهو خَزْيانُ، وقَوْمٌ خَزايا، وبِهِ هُنا الفَضِيحَةُ والعُقُوبَةُ، أوْ ضَرْبُ الجِزْيَةِ غابِرَ الدَّهْرِ، أوْ غَلَبَةُ العَدُوِّ، أوْ قَتْلُ قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَّضِيرِ مِن مَنازِلِهِمْ إلى أرِيحاءَ وأذْرُعاتٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: «(كانَ عادَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ القَتْلَ، وعادَةُ بَنِي النَّضِيرِ الإخْراجَ، فَلَمّا غَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أجْلى بَنِي النَّضِيرِ، وقَتَلَ رِجالَ قُرَيْظَةَ، وأسَرَ نِساءَهم وأطْفالَهُمْ)،» وتَنْكِيرُ الخِزْيِ لِلْإيذانِ بِفَظاعَةِ شَأْنِهِ، وأنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغًا لا يُكْنَهُ كُنْهُهُ، ومِن هُنا لَمْ يَخُصَّهُ بَعْضُهم بِبَعْضِ الوُجُوهِ، وادَّعى أنَّ الأظْهَرَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الإشارَةَ إلى الكُفْرِ بِبَعْضِ الكِتابِ والإيمانِ بِبَعْضٍ أيْ بَعْضٍ كانَ، ولِذَلِكَ أفْرَدَها، وحِينَئِذٍ يَتَناوَلُ الكَفَرَةُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَظِيرُهُ مَن يَفْعَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ، والدُّنْيا مَأْخُوذَةٌ مِن دَنا يَدْنُو، وياؤُها مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، ولا يُحْذَفُ مِنها الألِفُ واللّامُ إلّا قَلِيلًا، وخَصَّهُ أبُو حَيّانَ في الشِّعْرِ، (وما) نافِيَةٌ، (ومَن) إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فَلا مَحَلَّ (لِيَفْعَلْ) مِنَ الإعْرابِ، وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُوفَةً فَمَحَلُّهُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَتُها، (ومِنكُمْ) حالٌ مِن فاعِلِ (يَفْعَلْ)، (وإلّا خِزْيٌ) اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، وقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى المَشْهُورِ، ونُقِلَ عَنْ يُونُسَ إجازَتُهُ في الخَبَرِ بَعْدَ (إلّا) كائِنًا ما كانَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ ما بَعْدَ (إلّا) هو الأوَّلَ في المَعْنى، أوْ مُنَزَّلَ مَنزِلَتَهُ لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلّا الرَّفْعُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ النَّصْبَ فِيما كانَ الثّانِي فِيهِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ وصْفًا أجازَ فِيهِ الفَرّاءُ النَّصْبَ، ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، وحُكِيَ عَنْهم أنَّهم لا يُجَوِّزُونَ النَّصْبَ في غَيْرِ المَصادِرِ، إلّا أنْ يُعْرَفَ المَعْنى، فَيُضْمَرُ ناصِبٌ حِينَئِذٍ، وتَحْقِيقُهُ في مَحَلِّهِ. ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾ أيْ يَصِيرُونَ إلَيْهِ، فَلا يَلْزَمُ كَيْنُونَتُهم قَبْلَ ذَلِكَ في أشَدِّ العَذابِ، وقَدْ يُرادُ بِالرَّدِّ الرُّجُوعُ إلى ما كانُوا فِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ وكَأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ في أشَدِّ العَذابِ أيْضًا، فَرُدُّوا إلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ الخُلُودُ في النّارِ، وأشَدِّيَّتُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا انْقِضاءَ لَهُ، أوِ المُرادُ أشَدُّ صفحة 315 جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ، ولَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابِ مَن لَمْ يَفْعَلْ هَذا العِصْيانَ لِأنَّ عِصْيانَهم أشَدُّ مِن عِصْيانِ هَؤُلاءِ، وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، ويَدُلُّ عَلى ما قَرَّرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾ فَلا يَرُدُّ ما أوْرَدَهُ الإمامُ الرّازِيُّ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ عَذابُ اليَهُودِ أشَدُّ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ المُنْكِرِينَ لِلصّانِعِ، ولا يُفِيدُ ما قِيلَ، لِأنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ إنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وإقْرارِهِمْ، وشَهادَتِهِمْ، إذِ الكافِرُ المُوَحِّدُ كَيْفَ يُقالُ إنَّهُ أشَدُّ عَذابًا مِنَ المُشْرِكِ أوِ النّافِي لِلصّانِعِ؟! وإنْ كانَ كُفْرُهُ عَنْ عِلْمٍ ومَعْرِفَةٍ، وضَمِيرُ (يُرَدُّونَ) راجِعٌ إلى (مَن) وأُوثِرَ صِيغَةُ الجَمْعِ نَظَرًا إلى مَعْناها بَعْدَ ما أُوثِرَ الإفْرادُ نَظَرًا إلى لَفْظِها، لِما أنَّ الرَّدَّ إنَّما يَكُونُ بِالِاجْتِماعِ، وغَيْرِ السَّبْكِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ مَثَلًا: وأشَدُّ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِلْإيذانِ بِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَ جَزاءَيِ النَّشْأتَيْنِ، وتَقْدِيمُ اليَوْمِ عَلى ذِكْرِ ما يَقَعُ فِيهِ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعِ الحالِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما، وعاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ (تُرَدُّونَ) عَلى الخِطابِ، والجُمْهُورُ عَلى الغَيْبَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ (يُرَدُّونَ) راجِعٌ إلى مَن يَفْعَلُ، فَمَن قَرَأ بِصِيغَةِ الغَيْبَةِ نَظَرَ إلى صِيغَةِ (مَن)، ومَن قَرَأ بِصِيغَةِ الخِطابِ نَظَرَ إلى دُخُولِهِ في (مِنكُمْ) لا أنَّ الضَّمِيرَ حِينَئِذٍ راجِعٌ إلى (كُمْ)، كَما وُهِمَ، ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ اعْتِراضٌ وتَذْيِيلٌ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ المُسْتَفادِ مِمّا قَبْلَهُ، أيْ إنَّهُ بِالمِرْصادِ، لا يَغْفُلُ عَمّا تَعْمَلُونَ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا المُنْكَرُ، والمُخاطَبُ بِهِ مَن كانَ مُخاطَبًا بِالآيَةِ قَبْلُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ مَضَوْا وأنْتُمْ تُعْنَوْنَ بِهَذا يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وبِما يَجْرِي مَجْراهُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ (يَعْمَلُونَ) بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ (لِمَن)، والباقُونَ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ،

البقرة 2:86

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ أيْ آثَرُوا الحَياةَ الدُّنْيا، واسْتَبْدَلُوها بِالآخِرَةِ، وأعْرَضُوا عَنْها مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِن تَحْصِيلِها، ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ المَوْعُودُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ مُطْلَقُ العَذابِ دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا. ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ بِدَفْعِ الخِزْيِ إلى آخِرِ الدُّنْيا، أوْ بِدَفْعِ الجِزْيَةِ في الدُّنْيا والتَّعْذِيبِ في العُقْبى، وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في الأمْرَيْنِ يُسْتَفادُ نَفْيُ دَفْعِ العَذابِ مِن نَفْيِ تَخْفِيفِهِ بِأبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، ورَجَّحَهُ بَعْضُهم بِأنَّ المَقامَ عَلى الثّانِي يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ نَفْيِ الدَّفْعِ عَلى نَفْيِ التَّخْفِيفِ، وتَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، والتَّقْوى لا لِلْحَصْرِ، إذْ لَيْسَ المَقامُ مَقامَهُ، ولِذا لَمْ يَقُلْ فَلا عَنْهم يُخَفَّفُ العَذابُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُوصَلَ المَوْصُولُ بِصِلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ زَمانًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً، والَّذِينَ خَبَرَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والفاءُ لِما أنَّ المَوْصُولَ إذا كانَتْ صِلَتُهُ فِعْلًا، كانَ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ، وفِيهِ أنَّ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ لا يَسْرِي إلى المُبْتَدَإ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْهُ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (أُولَئِكَ) مُبْتَدَأً، (والَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ الثّانِي، والمَجْمُوعُ خَبَرُ الأوَّلِ، ولا يَحْتاجُ إلى رابِطٍ، لِأنَّ الَّذِينَ هم أُولَئِكَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) في هَذِهِ الآياتِ، ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ بِمَيْلِكم إلى هَوى النَّفْسِ وطِباعِها ومُتارَكَتِكم حَياتَكُمُ الحَقِيقِيَّةَ لِأجْلِ تَحْصِيلِ لَذّاتِكُمُ الدَّنِيَّةِ ومَآرِبِكُمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، ولا تُخْرِجُونَ ذَواتَكم مِن مَقارِّكُمُ الرُّوحانِيَّةِ ورِياضَتِكُمُ القُدْسِيَّةِ، ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾ بِقَبُولِكم لِذَلِكَ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ عَلَيْهِ بِاسْتِعْداداتِكُمُ الأوَّلِيَّةِ، وعُقُولِكُمُ الفِطْرِيَّةِ، ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ السّاقِطُونَ عَنِ الفِطْرَةِ المُحْتَجِبُونَ عَنْ نُورِ الِاسْتِعْدادِ ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ وتُهْلِكُونَها بِغَوايَتِكُمْ، ومُتابَعَتِكُمُ الهَوى، ﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُمْ﴾ مِن أوْطانِهِمُ القَدِيمَةِ بِإغْوائِهِمْ، وإضْلالِهِمْ، وتَحْرِيضِهِمْ عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي، تَتَعاوَنُونَ عَلَيْهِمْ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ صفحة 316 لِيَرَوْكم فَيَتَّبِعُوكم فِيها، وبِإلْزامِكم إيّاهم رَذائِلَ القُوَّتَيْنِ البَهِيمِيَّةِ والسَّبْعِيَّةِ، وتَحْرِيضِكم لَهم عَلَيْها، ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى﴾ في قَيْدِ ما ارْتَكَبُوهُ ووَثاقِ شَيْنِ ما فَعَلُوهُ قَدْ أخَذَتْهُمُ النَّدامَةُ، وعَيَّرَتْهم عُقُولُهُمْ، وعُقُولُ أبْناءِ جِنْسِهِمْ بِما لَحِقَهم مِنَ العارِ والشَّنارِ، تُفادُوهم بِكَلِماتِ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ اللَّذّاتِ المُسْتَعْلِيَةَ هي العَقْلِيَّةُ، والرُّوحِيَّةُ، وأنَّ اتِّباعَ النَّفْسِ مَذْمُومٌ رَدِيءٌ، فَيَتَّعِظُوا بِذَلِكَ، ويَتَخَلَّصُوا مِن هاتِيكَ القُيُودِ سُوَيْعَةً، أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ كِتابِ العَقْلِ والشَّرْعِ قَوْلًا وإقْرارًا، وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فِعْلًا وعَمَلًا، فَلا تَنْتَهُونَ عَمّا نَهاكم عَنْهُ، ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾ إلّا ذِلَّةٌ وافْتِضاحٌ في الحَياةِ الدُّنْيا، ويَوْمَ مُفارَقَةِ الرُّوحِ البَدَنَ تُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ، وهو تَعْذِيبُهم بِالهَيْآتِ المُظْلِمَةِ الرّاسِخَةِ في نُفُوسِهِمْ، واحْتِراقِهِمْ بِنِيرانِها، ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ﴾ عَنْ أفْعالِكُمْ، أحْصاها وضَبَطَها في أنْفُسِكُمْ، وكَتَبَها عَلَيْكم.

البقرة 2:87

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ، وتَصْدِيرُهُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ، والإيتاءُ الإعْطاءُ، والكِتابُ التَّوْراةُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ (لِآتَيْنا)، وعِنْدَ السُّهَيْلِيِّ مَفْعُولٌ أوَّلُ، والمُرادُ بِإتْيانِها لَهُ إنْزالُها عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَمْلِها، فَلَمْ يُطِقْ، فَبَعَثَ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنها مَلَكًا، فَلَمْ يُطِيقُوا حَمْلَها، فَخَفَّفَها اللَّهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَمَلَها، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿آتَيْنا﴾ إلَخْ، أفْهَمْناهُ ما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الحُدُودِ والأحْكامِ والأنْباءِ والقِصَصِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ عِلْمَ الكِتابِ، أوْ فَهْمَهُ، ولَيْسَ بِالظّاهِرِ، ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ يُقالُ: قَفاهُ إذا اتَّبَعَهُ، وقَفّاهُ بِهِ إذا أتْبَعَهُ إيّاهُ، مِنَ القَفا، وأصْلُ هَذِهِ الياءِ واوٌ لِأنَّها مَتى وقَعَتْ رابِعَةً أُبْدِلَتْ كَما تَقُولُ: عَرِيتُ مِنَ العَرْوِ، أيْ أرْسَلْناهم عَلى أثَرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ وكانُوا إلى زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعَةَ آلافٍ، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وكُلُّهم عَلى شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنهم يُوشَعُ، وشَمْوِيلُ وشَمْعُونُ وداوُدُ، وسُلَيْمانُ واشْعِياءُ، وأرْمِياءُ، وعُزَيْرٌ، وحِزْقِيلُ، وإلْياسُ، واليَسَعُ، ويُونُسُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى وغَيْرُهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ (بِالرُّسْلِ) بِتَسْكِينِ السِّينِ، وهو لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّحْرِيكُ لُغَةُ تَمِيمٍ، ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ أيِ الحُجَجَ الواضِحَةَ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَتَشْمَلُ كُلَّ مُعْجِزَةٍ أُوتِيَها عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: الإنْجِيلُ، وعِيسى أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ إيشُوعُ بِهَمْزَةٍ مُمالَةٍ بَيْنَ بَيْنَ أوْ مَكْسُورَةٍ، ومَعْناهُ السَّيِّدُ، وقِيلَ: المُبارَكُ، فَعُرِّبَ، والنِّسْبَةُ إلَيْهِ عِيسِيٌّ وعِيسَوِيٌّ، وجَمْعُهُ عِيسَوْنَ، بِفَتْحِ السِّينِ، وقَدْ تُضَمُّ، وأفْرَدَهُ عَنِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَمَيُّزِهِ عَنْهم لِكَوْنِهِ مِن أُولِي العَزْمِ وصاحِبَ كِتابٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ لَيْسَ مُتَّبِعًا لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، حَيْثُ نَسَخَ كَثِيرًا مِن شَرِيعَتِهِ، وأضافَهُ إلى أُمِّهِ رَدًّا عَلى اليَهُودِ، إذْ زَعَمُوا أنَّ لَهُ أبًا، ومَرْيَمُ بِالعِبْرِيَّةِ الخادِمُ، وسُمِّيَتْ أُمُّ عِيسى بِهِ، لِأنَّ أُمَّها نَذَرَتْها لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: العابِدَةُ، وبِالعَرَبِيَّةِ مِنَ النِّساءِ مَن تُحِبُّ مُحادَثَةَ الرِّجالِ، فَهي كالزِّيرِ مِنَ الرِّجالِ، وهو الَّذِي يُحِبُّ مُحادَثَةَ النِّساءِ، وقِيلَ: ولا يُناسِبُ مَرْيَمَ أنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا، لِأنَّها كانَتْ بَرِيَّةً عَنْ مَحَبَّةِ مُحادَثَةِ الرِّجالِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَمْلِيحًا، كَما يُسَمّى الأسْوَدُ كافُورًا، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا مانِعَ مِن تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ شَأْنَ مَن تَخْدُمُ مِنَ النِّساءِ ذَلِكَ، وفي القامُوسِ: هي الَّتِي تُحِبُّ مُحادَثَةَ الرِّجالِ، ولا تَفْجُرُ، وعَلَيْهِ لا بَأْسَ بِالتَّسْمِيَةِ، كَما ذَكَرَهُ المَوْلى عِصامٌ، والأوْلى عِنْدِي أنَّ التَّسْمِيَةَ وقَعَتْ بِالعِبْرِيِّ، لا بِالعَرَبِيِّ، بَلْ يَكادُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، وعَنِ الأزْهَرِيِّ: المَرْيَمُ المَرْأةُ الَّتِي لا تُحِبُّ مُجالَسَةَ الرِّجالِ، وكَأنَّهُ قِيلَ لَها ذَلِكَ تَشْبِيهًا لَها بِمَرْيَمَ البَتُولِ، ووَزْنُهُ عَرَبِيًّا مَفْعَلٌ، لا فَعِيلًا، صفحة 317 لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في الأبْنِيَةِ عَلى المَشْهُورِ، وأثْبَتَهُ الصّاغانِيُّ في الذَّيْلِ، وقالَ: إنَّهُ مِمّا فاتَ سِيبَوَيْهِ، ومِنهُ عَثْيَرٌ لِلْغُبارِ وضَهْيَدٌ بِالمُهْمَلَةِ والمُعْجَمَةِ لِلصُّلْبِ، واسْمُ مَوْضِعٍ، ومَدْيَنُ عَلى القَوْلِ بِأصالَةِ مِيمِهِ، وضَهْيا بِالقَصْرِ، وهي المَرْأةُ الَّتِي لا تَحِيضُ، أوْ لا ثَدْيَ لَها مِنَ المُضاهاةِ، كَأنَّها أُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ لِمُشابَهَتِها الرَّجُلَ، وابْنُ جِنِّي يَقُولُ: إنَّ (ضَهْيَدَ) (وعَثْيَرَ) مَصْنُوعانِ، فَلا دِلالَةَ فِيهِما عَلى إثْباتِ فَعْيَلٍ، وذَكَرَ السّالِيكُوتِيُّ أنَّ (عِثْيَرَ) بِمَعْنى الغُبارِ بِكَسْرِ العَيْنِ، وإذا كانَ مَفْعَلًا فَهو أيْضًا عَلى خِلافِ القِياسِ، إذِ القِياسُ إعْلالُهُ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى الرّاءِ وقَلْبِها ألِفًا، نَحْوَ مُباعٍ، لَكِنَّهُ شَذَّ كَما شَذَّ مَدْيَنُ ومَزْيَدُ، وإذا كانَ مِن رامَ يَرِيمُ إذا فارَقَ وبَرِحَ فالقِياسُ كَسْرُ يائِهِ أيْضًا، ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ أيْ قَوَّيْناهُ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإطْلاقُ رُوحِ القُدُسِ عَلَيْهِ شائِعٌ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ «وقالَ ﷺ لِحَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (اهْجُهم ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ)،» ومَرَّةً قالَ لَهُ: «(وجِبْرِيلُ مَعَكَ)،» وقالَ حَسّانُ: وجِبْرِيلُ ورُوحُ القُدُسِ فِينا ورُوحُ القُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ والقُدُسُ الطَّهارَةُ والبَرَكَةُ، أوِ التَّقْدِيسُ، ومَعْناهُ التَّطْهِيرُ، والإضافَةُ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الِاخْتِصاصِ، وهي مَعْنَوِيَّةٌ بِمَعْنى اللّامِ، فَإذا أُضِيفَ العِلْمُ كَذَلِكَ يَكُونُ مُؤَوَّلًا بِواحِدٍ مِنَ المُسَمَّيْنِ بِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ والرَّبِيعُ: القُدُسُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى كالقُدُّوسِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ إطْلاقَ الرُّوحِ عَلى جِبْرِيلَ مَجازٌ لِأنَّهُ الرِّيحُ المُتَرَدِّدُ في مَخارِقِ الإنْسانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ جِبْرِيلَ لَيْسَ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ مِن حَيْثُ إنَّ الرُّوحَ سَبَبُ الحَياةِ الجِسْمانِيَّةِ، وجِبْرِيلُ سَبَبُ الحَياةِ المَعْنَوِيَّةِ بِالعُلُومِ، وكَأنَّ هَذا الزَّعْمَ نَشَأ مِن كَثافَةِ رُوحِ الزّاعِمِ، وعَدَمِ تَغَذِّيها بِشَيْءٍ مِنَ العُلُومِ، وخُصَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ التَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ، لِأنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِهِ مِن وقْتِ صِباهُ إلى حالِ كِبَرِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ ولِأنَّهُ حَفِظَهُ حَتّى لَمْ يَدْنُ مِنهُ الشَّيْطانُ، ولِأنَّهُ بالَغَ اثْنا عَشَرَ ألْفَ يَهُودِيٍّ لِقَتْلِهِ، فَدَخَلَ عِيسى بَيْتًا فَرَفَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكانًا عَلِيًّا، وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا اسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ الَّذِي كانَ يُحْيِي بِهِ المَوْتى، ورُوِيَ ذَلِكَ كالأوَّلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإنْجِيلُ، كَما جاءَ في شَأْنِ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، والتَّحَلِّي بِالعُلُومِ والمَعارِفِ الَّتِي هي حَياةُ القُلُوبِ، وانْتِظامُ المَعاشِ الَّذِي هو سَبَبُ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقِيلَ: رُوحُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسِهِ، ووَصَفَها بِهِ لِطَهارَتِها عَنْ مَسِّ الشَّيْطانِ، أوْ لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ تَعالى، ولِذَلِكَ أضافَها إلى نَفْسِهِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَضُمَّهُ الأصْلابُ ولا أرْحامُ الطَّوامِثِ بَلْ حَصَلَ مِن نَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في دِرْعِ أُمِّهِ، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ في جَوْفِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (القُدْسِ) بِسُكُونِ الدّالِ، حَيْثُ وقَعَ وأبُو حَيْوَةَ (القُدُّوسِ) بِواوٍ. ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ بِحَيْثُ لا يَتِمُّ الكَلامُ السّابِقُ بِدُونِهِ كالشَّرْطِ بِدُونِ الجَزاءِ، وقَدْ أُدْخِلَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ لِلتَّوْبِيخِ عَلى تَعْقِيبِهِمْ ذَلِكَ بِهَذا، والتَّعْجِيبُ مِن شَأْنِهِمْ عَلى مَعْنى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ وأنْعَمْنا عَلَيْكم بِكَذا وكَذا، لِتَشْكُرُوا بِالتَّلَقِّي بِالقَبُولِ، فَعَكَسْتُمْ بِأنْ كَذَّبْتُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أفَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ، فَكُلَّما جاءَكُمْ، ثُمَّ المُقَدَّرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَمّا وقَعَ بَعْدَ الفاءِ، فَيَكُونُ العَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ، وأنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مِثْلَ أكَفَرْتُمُ النِّعْمَةَ واتَّبَعْتُمُ الهَوى، فَيَكُونُ لِحَقِيقَةِ التَّعْقِيبِ، وضُعِّفَ هَذا الِاحْتِمالُ بِما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ صفحة 318 أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَجازَ وُقُوعُ الهَمْزَةِ في الكَلامِ قَبْلَ أنْ يَتَقَدَّمَهُ ما كانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، ولَمْ تَجِئْ إلّا مَبْنِيَّةً عَلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ، وفي كَوْنِ الهَمْزَةِ الدّاخِلَةِ عَلى جُمْلَةٍ مَعْطُوفَةٍ بِالواوِ أوِ الفاءِ، أوْ ثُمَّ في مَحَلِّها الأصْلِيِّ، أوْ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ حَيْثُ إنَّ مَحَلَّها بَعْدَ العاطِفِ خِلافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَحْمِلُها في بَعْضِ المَواضِعِ عَلى هَذا، وفي البَعْضِ عَلى ذَلِكَ بِحَسَبِ مُقْتَضى المَقامِ، ومَساقِ الكَلامِ، والقَلْبُ يَمِيلُ إلَيْهِ، قِيلَ: ولا يَلْزَمُ بُطْلانُ صَدارَةِ الهَمْزَةِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْها شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ الَّذِي دَخَلَتْ هي عَلَيْهِ، وتَعَلَّقَ مَعْناها بِمَضْمُونِهِ، غايَةُ الأمْرِ أنَّها تَوَسَّطَتْ بَيْنَ كَلامَيْنِ لِإفادَةِ إنْكارِ جَمْعِ الثّانِي مَعَ الأوَّلِ، أوْ لِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ مُتَراخِيًا، أوْ غَيْرَ مُتَراخٍ، وهَذا مُرادُ مَن قالَ: إنَّها مُقْحَمَةٌ مَزِيدَةٌ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الإنْكارِ، أوِ التَّقْرِيرِ، أيْ مُقْحَمَةٌ عَلى المَعْطُوفِ مَزِيدَةٌ بَعْدَ اعْتِبارِ عَطْفِهِ، ولَمْ يَرِدْ أنَّها صِلَةٌ، (وتَهْوى) مِن هَوِيَ بِالكَسْرِ، إذا أحَبَّ، ومَصْدَرُهُ هَوًى، بِالقَصْرِ، وأمّا هَوى بِالفَتْحِ فَبِمَعْنى سَقَطَ، ومَصْدَرُهُ هُوِيٌّ بِالضَّمِّ، وأصْلُهُ فَعُولٌ فَأُعِلَّ، وقالَ المَرْزُوقِيُّ: هَوى انْقَضَّ انْقِضاضَ النَّجْمِ والطّائِرِ، والأصْمَعِيُّ يَقُولُ: هَوَتِ العُقابُ إذا انْقَضَّتْ لِغَيْرِ الصَّيْدِ، وأهْوَتْ إذا انْقَضَّتْ لِلصَّيْدِ، وحَكى بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: هَوى يَهْوِي هَوِيًّا بِفَتْحِ الهاءِ، إذا كانَ القَصْدُ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، وهَوى يَهْوِي هُوِيًّا بِالضَّمِّ إذا كانَ مِن أسْفَلَ إلى أعْلى، وما ذَكَرْناهُ أوَّلًا هو المَشْهُورُ، والهَوى يَكُونُ في الحَقِّ وغَيْرِهِ، وإذا أُضِيفَ إلى النَّفْسِ، فالمُرادُ بِهِ الثّانِي في الأكْثَرِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المَحَبَّةِ بِأنَّ مَدارَ الرَّدِّ والقَبُولِ عِنْدَهم هو المُخالَفَةُ لِأهْواءِ أنْفُسِهِمْ، والمُوافَقَةُ لَها، لا شَيْءَ آخَرَ، ومُتَعَلِّقُ (اسْتَكْبَرْتُمْ) مَحْذُوفٌ، أيْ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مَثَلًا، واسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى تَفَعَّلَ. ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ إنْ كانَ التَّكْذِيبُ والقَتْلُ مُرَتَّبَيْنِ عَلى الِاسْتِكْبارِ، ولِلتَّفْصِيلِ إنْ كانا نَوْعَيْنِ مِنهُ، وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿وأيَّدْناهُ﴾ ويَكُونُ ﴿أفَكُلَّما﴾ مَعَ ما بَعْدَهُ فَصْلًا بَيْنَهُما عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وقَدَّمَ فَرِيقًا في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ، وتَشْوِيقِ السّامِعِ إلى ما فَعَلُوا بِهِمْ، لا لِلْقَصْرِ، وثَمَّ مَحْذُوفٌ: أيْ فَرِيقًا مِنهُمْ، وبَدَأ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَفْعَلُونَهُ مِنَ الشَّرِّ، ولِأنَّهُ المُشْتَرِكُ بَيْنَ المُكَذِّبِ والمَقْتُولِ، ونُسِبَ القَتْلُ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ القاتِلَ آباؤُهم لِرِضاهم بِهِ، ولِحُوقِ مَذَمَّتِهِ بِهِمْ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ حِكايَةً لِلْحالِ الماضِيَةِ، واسْتِحْضارًا لِصُورَتِها لِفَظاعَتِها، واسْتِعْظامِها، أوْ مُشاكَلَةً لِلْأفْعالِ المُضارِعَةِ الواقِعَةِ في الفَواصِلِ، فِيما قَبْلُ، أوْ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّكُمُ الآنَ فِيهِ، فَإنَّكم حَوْلَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَوْلا أنِّي أعْصِمُهُ لَقَتَلْتُمُوهُ، ولِذَلِكَ سَحَرْتُمُوهُ وسَمَّمْتُمْ لَهُ الشّاةَ، فالمُضارِعُ لِلْحالِ، ولا يُنافِيهِ قَتْلُ البَعْضِ، والمُرادُ مِنَ القَتْلِ مُباشَرَةُ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِزَوالِ الحَياةِ سَواءٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، أوْ لا، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّعْمِيمِ، لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قُتِلَ حَقِيقَةً بِالسُّمِّ الَّذِي ناوَلُوهُ عَلى ما وقَعَ في الصَّحِيحِ بِلَفْظِ: «(وهَذا أوانُ وجَدْتُ انْقِطاعَ أبْهَرِي مِن ذَلِكَ السُّمِّ)،» وفِيهِ أنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنهُمُ القَتْلُ زَمانَ نُزُولِ الآيَةِ، بَلْ مُباشَرَةُ الأسْبابِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّعْمِيمِ.

البقرة 2:88

﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أوْ عَلى ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ فَتَكُونُ تَفْسِيرًا لِلِاسْتِكْبارِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فِيهِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ، وإبْعادًا لَهم عَنْ عِزِّ الحُضُورُ، والقائِلُونَ هُمُ المَوْجُودُونَ في عَصْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والغُلْفُ جَمْعُ أغْلَفَ كَأحْمَرَ، وحُمْرٍ، وهو الَّذِي لا يَفْقَهُ، قِيلَ: وأصْلُهُ ذُو الغُلْفَةِ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ، أوْ جَمْعُ غُلافٍ، ويُجْمَعُ عَلى غُلُفٍ بِضَمَّتَيْنِ أيْضًا، وبِهِ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وأرادُوا عَلى الأوَّلِ قُلُوبُنا مُغَشّاةٌ بِأغْشِيَةٍ خَلْقِيَّةٍ مانِعَةٍ عَنْ نُفُوذِ ما جِئْتَ بِهِ فِيها، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ صفحة 319 قَصَدُوا بِهِ إقْناطَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الإجابَةِ، وقَطْعَ طَمَعِهِ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: مُغَشّاةٌ بِعُلُومٍ مِنَ التَّوْراةِ تَحْفَظُها أنْ يَصِلَ إلَيْها ما تَأْتِي بِهِ، أوْ بِسَلامَةٍ مِنَ الفِطْرَةِ كَذَلِكَ، وعَلى الثّانِي أنَّها أوْعِيَةُ العِلْمِ، فَلَوْ كانَ ما تَقُولُهُ حَقًّا وصِدْقًا لَوَعَتْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، أوْ مَمْلُوءَةٌ عِلْمًا، فَلا تَسَعُ بَعْدُ شَيْئًا، فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما عِنْدَنا عَنْ غَيْرِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وقِيلَ: أرادُوا أنَّها أوْعِيَةُ العِلْمِ، فَكَيْفَ يَحِلُّ لَنا اتِّباعُ الأُمِّيِّ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ رَدٌّ لِما قالُوهُ، وتَكْذِيبٌ لَهم فِيما زَعَمُوهُ، والمَعْنى أنَّها خُلِقَتْ عَلى فِطْرَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ المُوصِلِ إلى الحَقِّ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أبْعَدَهُمْ، وأبْطَلَ اسْتِعْدادَهُمُ الخَلْقِيَّ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ بِسَبَبِ اعْتِقاداتِهِمُ الفاسِدَةِ وجَهالاتِهِمُ الباطِلَةِ الرّاسِخَةِ في قُلُوبِهِمْ، أوْ أنَّها لَمْ تَأْبَ قَبُولَ ما تَقُولُهُ لِعَدَمِ كَوْنِهِ حَقًّا وصِدْقًا، بَلْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ طَرَدَهم وخَذَلَهم بِكُفْرِهِمْ، فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ، أوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أقْصاهم عَنْ رَحْمَتِهِ، فَأنّى لَهُمُ ادِّعاءُ العِلْمِ الَّذِي هو أجَلُّ آثارِها، ويُعْلَمُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كَيْفِيَّةُ الرَّدُّ عَلى ما قِيلَ قَبْلُ مِنَ الوُجُوهِ، ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ الفاءُ لِسَبَبِيَّةِ اللَّعْنِ، لِعَدَمِ الإيمانِ، وقَلِيلًا نُصِبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إيمانًا قَلِيلًا، وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الكِتابِ، (وما) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القِلَّةِ لا نافِيَةٌ، لِأنَّ ما في حَيِّزِها لا يَتَقَدَّمُها، ولِأنَّهُ وإنْ كانَ بِمَعْنى لا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ، لَكِنْ رُبَّما يُتَوَهَّمُ لا سِيَّما مَعَ التَّقْدِيمِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا، بَلْ كَثِيرًا، ولا مَصْدَرِيَّةَ لِاقْتِضائِها رَفْعَ القَلِيلِ بِأنْ يَكُونَ خَبَرًا، والمَصْدَرُ المُعَرَّفُ بِالإضافَةِ مُبْتَدَأٌ، والتَّقْدِيرُ فَإيمانُهم قَلِيلٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها نافِيَةً بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ مِن جَوازِ تَقَدُّمِ ما في حَيِّزِها عَلَيْها، ولَمْ يُبالِ بِالتَّوَهُّمِ، وآخَرُونَ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً، والمَصْدَرُ فاعِلُ (قَلِيلًا)، وكانُوا مُقَدَّرَةٌ في نَظْمِ الكَلامِ، فَتَكُونُ عَلى طِرازِ ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وجُوِّزَ انْتِصابُ (قَلِيلًا) عَلى الحالِ، إمّا مِن ضَمِيرِ الإيمانِ، أوْ مِن فاعِلِ (يُؤْمِنُونَ)، والتَّقْدِيرُ: فَيُؤْمِنُونَهُ أيِ الإيمانَ في حالِ قِلَّتِهِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ سِيبَوَيْهِ، أوْ فَيُؤْمِنُونَ حالَ كَوْنِهِمْ جَمْعًا قَلِيلًا، أيِ المُؤْمِنُ مِنهم قَلِيلٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وطَلْحَةَ، وقَتادَةَ، ولِذا جُوِّزَ كَوْنُهُ نَعْتًا لِلزَّمانِ، أيْ زَمانًا قَلِيلًا، وهو زَمانُ الِاسْتِفْتاحِ، أوْ بُلُوغِ الرُّوحِ التَّراقِيَ، أوْ ما قالُوا ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ وأوْلى الوُجُوهِ أوَّلُها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإيمانِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ، والقِلَّةُ مُقابِلُ الكَثْرَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى العَدَمِ، وكَأنَّهُ أخَذَهُ مِن كَلامِ الواقِدِيِّ لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، واعْتَرَضَهُ في البَحْرِ بِأنَّ القِلَّةَ بِمَعْنى النَّفْيِ، وإنْ صَحَّتْ، لَكِنْ في غَيْرِ هَذا التَّرْكِيبِ، لِأنَّ قَلِيلًا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ المُثْبَتِ، فَصارَ نَظِيرَ قُمْتُ قَلِيلًا، أيْ قِيامًا قَلِيلًا، ولا يَذْهَبُ ذاهِبٌ إلى أنَّكَ إذا أتَيْتَ بِفِعْلٍ مُثْبَتٍ وجَعَلْتَ قَلِيلًا صِفَةً لِمَصْدَرِهِ، يَكُونُ المَعْنى في المُثْبَتِ الواقِعِ عَلى صِفَةٍ أوْ هَيْئَةٍ انْتِفاءَ ذَلِكَ المُثْبَتِ رَأْسًا، وعَدَمَ وُقُوعِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما الَّذِي نَقَلَ النَّحْوِيُّونَ أنَّهُ قَدْ يُرادُ بِالقِلَّةِ النَّفْيُ المَحْضُ في قَوْلِهِمْ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ، وقَلَّما يَقُومُ زَيْدٌ، فَحَمْلُها هُنا عَلى ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولَيْتَ شِعْرِي أيُّ مَعْنًى لِقَوْلِنا يُؤْمِنُونَ إيمانًا مَعْدُومًا، وما نَقَلَ الكِسائِيُّ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: مَرَرْنا بِأرْضٍ قَلِيلًا ما تُنْبِتُ، ويُرِيدُونَ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، فَإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ قَلِيلًا حالٌ مِنَ الأرْضِ، وإنْ كانَ نَكِرَةً، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: قَلِيلًا إنْباتُها، فَلا مانِعَ فِيهِ مِن حَمْلِ القِلَّةِ عَلى العَدَمِ، وأيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ مِن ذاكَ، اللَّهُمَّ إلّا عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ المَرْجُوحَةِ، لَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ غَيْرُ قائِلٍ بِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ، فَإنَّ قِلَّةَ الشَّيْءِ تَسْتَتْبِعُ عَدَمَهُ في أكْثَرِ الأوْقاتِ، لا عَلى أنَّ لَفْظَ القِلَّةِ مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنى العَدَمِ، فَإنَّهُ هُنا قَوْلٌ بارِدٌ جِدًّا، ولَوْ أوْقَدَ عَلَيْهِ الواقِدِيُّ ألْفَ سَنَةٍ

البقرة 2:89

صفحة 320 ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القُرْآنُ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ، ووَصْفُهُ لِلتَّشْرِيفِ والإيذانِ بِأنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يُقْبَلَ ما فِيهِ، ويُتَّبَعَ، لِأنَّهُ مِن خالِقِهِمْ، وإلَهِهِمُ النّاظِرِ في مَصالِحِهِمْ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ”قالُوا قُلُوبَنا غَلَّفَ“ أيْ وكَذَّبُوا لَمّا جاءَهم إلَخْ، ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ مِن كِتابِهِمْ، أيْ نازِلٌ حَسْبَما نُعِتَ أوْ مُطابِقٌ لَهُ، ومُصَدِّقٌ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِكِتابٍ، وقُدِّمَتِ الأُولى عَلَيْها لِأنَّ الوَصْفَ بِكَيْنُونَتِهِ مِن عِنْدِهِ تَعالى آكَدٌ، ووَصْفُهُ بِالتَّصْدِيقِ ناشِئٌ عَنْها، وجَعَلَهُ مُصَدِّقًا لِكِتابِهِمْ لا مُصَدِّقًا بِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ، ونَفْسُ الأمْرِ لِكِتابِهِمْ، لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الإخْبارِ عَنْهُ، مُحْتاجًا في صِدْقِهِ إلَيْهِ، وإلى أنَّهُ بِإعْجازِهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ تَصْدِيقِ الغَيْرِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (مُصَدِّقًا) بِالنَّصْبِ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهو حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الظَّرْفِ، أوْ مِن (كِتابٌ)، لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ المُقَرِّبِ لَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ، واحْتِمالُ أنَّ الظَّرْفَ لُغَةً مُتَعَلِّقٌ (بِجاءَ) بَعِيدٌ، فَلا يَضُرُّ، عَلى أنَّ سِيبَوَيْهِ جَوَّزَ مَجِيءَ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ بِلا شَرْطٍ، ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَتادَةُ، والمَعْنى: يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَنْصُرَهم بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ، كَما رَوى السُّدِّيُّ أنَّهم كانُوا إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ أخْرَجُوا التَّوْراةَ ووَضَعُوا أيْدِيَهم عَلى مَوْضِعِ ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالُوا: اللَّهُمَّ إنّا نَسْألُكَ بِحَقِّ نَبِيِّكَ الَّذِي وعَدْتَنا أنْ تَبْعَثَهُ في آخِرِ الزَّمانِ أنْ تَنْصُرَنا اليَوْمَ عَلى عَدُوِّنا، فَيُنْصَرُونَ، فالسِّينُ لِلطَّلَبِ، والفَتْحُ مَعْنًى النَّصْرُ بِواسِطَةِ (عَلى)، أوْ يَفْتَحُونَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَحَ عَلَيْهِ إذا عَلَّمَهُ، ووَقَفَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يُعَرِّفُونَ المُشْرِكِينَ أنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنهُمْ، وقَدْ قَرُبَ زَمانُهُ، فالسِّينُ زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، كَأنَّهم فَتَحُوا بَعْدَ طَلَبِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، والشَّيْءُ بَعْدَ الطَّلَبِ أبْلَغُ، وهو مِن بابِ التَّجْرِيدِ، جَرَّدُوا مِن أنْفُسِهِمْ أشْخاصًا وسَألُوهُمُ الفَتْحَ كَقَوْلِهِمُ: اسْتَعْجَلَ، كَأنَّهُ طَلَبَ العَجَلَةَ مِن نَفْسِهِ، ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى يا نَفْسُ عَرِّفِي المُشْرِكِينَ أنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنهُمْ، وقِيلَ: يَسْتَفْتِحُونَ بِمَعْنى يَسْتَخْبِرُونَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، هَلْ وُلِدَ مَوْلُودٌ صِفَتُهُ كَذا وكَذا، نَقَلَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ، وما قِيلَ: إنَّهُ لا يَتَعَدّى بِعَلى، لا يُسْمَعُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي. ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ كَنّى عَنِ الكِتابِ المُتَقَدِّمِ بِما عَرَفُوا، لِأنَّ مَعْرِفَةَ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةٌ لَهُ، والِاسْتِفْتاحُ بِهِ اسْتِفْتاحٌ بِهِ، وإيرادُ المَوْصُولِ دُونَ الِاكْتِفاءِ بِالإضْمارِ لِبَيانِ كَمالِ مُكابَرَتِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما قَدْ يُعَبَّرُ بِها عَنْ صِفاتِ مَن يَعْقِلُ، وبَعْضُهم فَسَّرَهُ بِالحَقِّ إشارَةً إلى وجْهِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (بِما) وهو أنَّ المُرادَ بِهِ الحَقُّ لا خُصُوصِيَّةُ ذاتِهِ المُطَهَّرَةِ، وعِرْفانُهم ذَلِكَ حَصَلَ بِدِلالَةِ المُعْجِزاتِ والمُوافَقَةِ لِما نُعِتَ في كِتابِهِمْ، فَإنَّهُ كالصَّرِيحِ عِنْدَ الرّاسِخِينَ، فَلا يَرُدُّ أنَّ نَعْتَ الرَّسُولِ في التَّوْراةِ إنْ كانَ مَذْكُورًا عَلى التَّعْيِينِ فَكَيْفَ يُنْكِرُونَهُ، فَإنَّهُ مَذْكُورٌ بِالتَّواتُرِ، وإلّا فَلا عِرْفانَ لِلِاشْتِباهِ عَلى أنَّ الإيرادَ في غايَةِ السُّقُوطِ، لِأنَّ الآيَةَ مُساقَةٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ جَحَدُوهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ، وهَذا أبْلَغُ في ذَمِّهِمْ، (وكَفَرُوا) جَوابٌ (لِما) الأُولى، (ولِما) الثّانِيَةِ تَكْرِيرٌ لَها، لِطُولِ العَهْدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، وقالَ الفَرّاءُ: (لِما) الثّانِيَةِ مَعَ جَوابِها جَوابُ الأُولى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ إلَخْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ﴾ جُمْلَةً حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ: قَدْ مُقَرِّرَةً، واخْتارَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ أنَّ جَوابَ الأُولى صفحة 321 مَحْذُوفٌ، أيْ كَذَّبُوا بِهِ مَثَلًا، وعَلَيْهِ يَكُونُ ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ﴾ إلَخْ، مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى ”لَمّا جاءَهم“ بَعْدَ تَمامِها، تَدُلُّ الأُولى عَلى مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الكِتابِ المُصَدِّقِ، والثّانِيَةُ مَعَ الرَّسُولِ المُسْتَفْتَحِ بِهِ، وارْتَضاهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِما في الأُولى مِن لُزُومِ التَّأْكِيدِ، والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنهُ، واسْتِعْمالُ الفاءِ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، فَإنَّ مَرْتَبَةَ المُؤَكِّدِ بَعْدَ مَرْتَبَةِ المُؤَكَّدِ، ولِما في الثّانِي مِن دُخُولِ الفاءِ في جَوابِ (لَمّا) مَعَ أنَّهُ ماضٍ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا، حَتّى لَمْ يُجَوِّزْهُ البَصْرِيُّونَ، ولَوْ جُوِّزَ وُقُوعُها زائِدَةً (فَلَمّا) لا تُجابُ بِمِثْلِها، لا يُقالُ: لَمّا جاءَ زَيْدٌ لَمّا قَعَدَ عَمْرٌو أكْرَمْتُكَ، بَلْ هو كَما تَرى تَرْكِيبٌ مَعْقُودٌ في لِسانِهِمْ مَعَ خُلُوِّ الوَجْهَيْنِ عَنْ فائِدَةٍ عَظِيمَةٍ، وهو بَيانُ سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ، واسْتِلْزامُهُما جَعْلَ (وكانُوا) حالًا، واخْتارَ أبُو البَقاءِ إنَّ (كَفَرُوا) جَوابٌ (لِما) الأُولى، والثّانِيَةِ، ولا حَذْفَ، لِأنَّ مُقْتَضاهُما واحِدٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَجَعْلِ ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ جَوابًا لِلْأُولى، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، واللّامُ في (الكافِرِينَ) لِلْعَهْدِ، أيْ عَلَيْهِمْ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حُلُولَ اللَّعْنَةِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، كَما أنَّ الفاءَ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِها عَلَيْهِ، وجُوِّزَ كَوْنُها لِلْجِنْسِ، ويَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واعْتُرِضَ بِأنَّ دِلالَةَ العامِّ مُتَساوِيَةٌ، فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ أوَّلُ ولا أسْبَقُ مِن شَيْءٍ، والجَوابُ أنَّ المُرادَ دُخُولًا قَصْدِيًّا، لِأنَّ الكَلامَ سِيقَ بِالأصالَةِ فِيهِمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ، ويُصارُ إلَيْها، إذا كانَ المَوْصُوفُ مُبالِغًا في ذَلِكَ الوَصْفِ، ومُنْهَمِكًا فِيهِ، حَتّى إذا ذُكِرَ خَطَرُ ذَلِكَ الوَصْفِ بِالبالِ كَقَوْلِهِمْ لِمَن يَقْتَنِي رَذِيلَةً ويُصِرُّ عَلَيْها: أنا إذا نَظَرْتُكَ خَطَرَ بِبالِي سِبابُكَ، وسِبابُ كُلِّ مَن هو مِن أبْناءِ جِنْسِكَ، فاليَهُودُ لَمّا بالَغُوا في الكُفْرِ والعِنادِ وكِتْمانِ أمْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَعى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، صارَ الكُفْرُ كَأنَّهُ صِفَةٌ غَيْرُ مُفارِقَةٍ لِذِكْرِهِمْ، وكانَ هَذا الكَلامُ لازِمًا لِذِكْرِهِمْ، ورَدِيفَهُ، وأنَّهم أوْلى النّاسِ دُخُولًا فِيهِ لِكَوْنِهِمْ تَسَبَّبُوا اسْتِجْلابَ هَذا القَوْلِ في غَيْرِهِمْ، وجَعَلَ السَّكّاكِيُّ مِن هَذا القَبِيلِ قَوْلَهُ: إذا اللَّهُ لَمْ يَسْقِ إلّا الكِراما فَيَسْقِي وُجُوهَ بَنِي حَنْبَلِ فَإنَّهُ في إفادَةِ كَرَمِ بَنِي حَنْبَلٍ، كَما تَرى لا خَفاءَ فِيهِ،

البقرة 2:90

﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ باعُوا، فالأنْفُسُ بِمَنزِلَةِ المُثَمَّنِ، والكُفْرُ بِمَنزِلَةِ الثَّمَنِ، لِأنَّ أنْفُسَهُمُ الخَبِيثَةَ لا تُشْتَرى بَلْ تُباعُ، وهو عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ إنَّهُمُ اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، وبَذَلُوا أنْفُسَهم فِيهِ، وقِيلَ: هو بِمَعْناهُ المَشْهُورِ، لِأنَّ المُكَلَّفَ إذا خافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ العِقابِ أتى بِأعْمالٍ يَظُنُّ أنَّها تُخَلِّصُهُ، فَكَأنَّهُ اشْتَرى نَفْسَهُ بِها، فَهَؤُلاءِ اليَهُودُ لَمّا اعْتَقَدُوا فِيما أتَوْا بِهِ أنَّهُ يُخَلِّصُهم مِنَ العِقابِ ظَنُّوا أنَّهُمُ اشْتَرَوْا أنْفُسَهُمْ، وخَلَّصُوها، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُدَّعى أنَّهم ظَنُّوا ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ فَإذا عَلِمُوا مُخالَفَةَ الحَقِّ، كَيْفَ يَظُنُّونَ نَجاتَهم بِما فَعَلُوا، وإرادَةُ العِقابِ الدُّنْيَوِيِّ كَتَرْكِ الرِّياسَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّهُ لا يُشْتَرى بِهِ الأنْفُسُ، ويُمْكِنُ الجَوابُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم ظَنُّوا عَلى ما هو ظاهِرُ حالِهِمْ مِنَ التَّصَلُّبِ في اليَهُودِيَّةِ، والخَوْفِ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، وادِّعاءِ الحَقِّيَّةِ فِيهِ، فَلا يُنافِي عَدَمَ ظَنِّهِمْ في الواقِعِ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، والمُرادُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ الكِتابَ المُصَدِّقَ، وفي تَبْدِيلِ المَجِيءِ بِالإنْزالِ المُشْعِرِ بِأنَّهُ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ مَعَ الإسْنادِ إلَيْهِ تَعالى إيذانٌ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ، وعِظَمِهِ المُوجِبِ لِلْإيمانِ بِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وأنْ يُرادَ الجَمِيعُ، والكُفْرُ بِبَعْضِها كُفْرٌ بِكُلِّها، واخْتُلِفَ في (ما) الواقِعَةُ بَعْدَ (بِئْسَ)، ألَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ أمْ لا؟ فَذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّها لا مَحَلَّ لَها، وأنَّها مَعَ بِئْسَ شَيْءٌ واحِدٌ كَحَبَّذا، وذَهَبَ صفحة 322 الجُمْهُورُ إلى أنَّ لَها مَحَلًّا، واخْتُلِفَ أهُوَ نَصْبٌ أمْ رَفْعٌ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى الأوَّلِ عَلى أنَّها تَمْيِيزٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الصِّفَةِ، وفاعِلُ بِئْسَ مُضْمَرٌ مُفَسَّرٌ بِها، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ هو شَيْئًا اشْتَرَوْا بِهِ، وأنْ يَكْفُرُوا هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ، فَإنَّهُ المُوجِبُ لِلْعَذابِ المُهِينِ، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المَخْصُوصَ مَحْذُوفًا، واشْتَرَوْا صِفَةٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْءٌ اشْتَرَوْا بِهِ، وأنْ يَكْفُرُوا بَدَلٌ مِنَ المَحْذُوفِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وذَهَبَ الكِسائِيُّ إلى النَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ أيْضًا، إلّا أنَّهُ قَدَّرَ بَعْدَها ما أُخْرى مَوْصُولَةً، هي المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، واشْتَرَوْا صِلَتُها، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا الَّذِي اشْتَرَوْا، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى الثّانِي عَلى أنَّها فاعِلُ بِئْسَ، وهي مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ، أيْ شَيْءٌ اشْتَرَوْا، وعَزى هَذا إلى الكِسائِيِّ أيْضًا، وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الفارِسِيِّ، وعَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى سِيبَوَيْهِ، وهو وهْمٌ، ونَقَلَ المَهْدَوِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَحَصِّلُ فاعِلُ بِئْسَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ بِئْسَ لا تَدْخُلُ عَلى اسْمٍ مُعَيَّنٍ يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ، ولَكَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ لا تَجْعَلَ ذَلِكَ فاعِلًا، بَلْ تَجْعَلُهُ المَخْصُوصَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ، والتَّمْيِيزُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ اشْتِراءً اشْتِراؤُهُمْ، فَلا يَلْزَمُ الِاعْتِراضُ، نَعَمْ يَرِدُ عَوْدُ ضَمِيرِ (بِهِ) عَلى (ما)، والمَصْدَرِيَّةُ لا يَعُودُ عَلَيْها الضَّمِيرُ، لِأنَّها حَرْفٌ عِنْدَ غَيْرِ الأخْفَشِ، فافْهَمْ، ﴿بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ البَغْيُ في الأصْلِ الظُّلْمُ والفَسادُ مِن قَوْلِهِمْ: بَغى الجُرْحُ فَسَدَ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ، وقِيلَ: أصْلُهُ الطَّلَبُ، وتَخْتَلِفُ أنْواعُهُ، فَفي طَلَبِ زَوالِ النِّعْمَةِ حَسَدٌ، والتَّجاوُزُ عَلى الغَيْرِ ظُلْمٌ، والزِّنا فُجُورٌ، والمُرادُ بِهِ هُنا بِمَعُونَةِ المَقامِ طَلَبُ ما لَيْسَ لَهُمْ، فَيَؤُولُ إلى الحَسَدِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ والسُّدِّيُّ، وقِيلَ: الظُّلْمُ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، (لِيَكْفُرُونَ) فَيُفِيدُ أنَّ كُفْرَهم كانَ لِمُجَرَّدِ العِنادِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ الحَسَدِ لا لِلْجَهْلِ، وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، لِأنَّ الجاهِلَ قَدْ يُعْذَرُ، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّهُ عِلَّةُ (اشْتَرَوْا) ورُدَّ بِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الفَصْلَ بِالأجْنَبِيِّ، وهو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ أجْنَبِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِ الذَّمِّ وفاعِلِهِ، لَكِنْ لا خَفاءَ في أنَّهُ أجْنَبِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ تَمْيِيزُ الفاعِلِ، والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى عَلى ذَمِّ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهم حَسَدًا، وهو الكُفْرُ لا عَلى ذَمِّ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهُمْ، وهو الكُفْرُ حَسَدًا تَحَكُّمٌ، نَعَمْ قَدْ يُقالُ: إنَّما يَلْزَمُ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ، إذا كانَ المَخْصُوصُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ بِئْسَما، أمّا لَوْ كانَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وهو المُخْتارُ، فَلا، لِأنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ جَوابٌ لِلسُّؤالِ عَنْ فاعِلِ بِئْسَ، فَيَكُونُ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْلُولِ وعِلَّتِهِ بِما هو بَيانٌ لِلْمَعْلُولِ، ولا امْتِناعَ فِيهِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم عِلَّةً (لِاشْتَرَوْا) مَحْذُوفًا فِرارًا مِنَ الفَصْلِ، ومِنهم مَن أعْرَبَهُ حالًا ومَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمُقَدَّرٍ، أيْ بَغَوْا بَغْيًا، (وأنْ يُنَزِّلَ)، إمّا مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ لِلْبَغْيِ أيْ حَسَدًا لِأجْلِ تَنْزِيلِ اللَّهِ، وإمّا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ المُتَعَلِّقِ بِالبَغْيِ، أيْ حَسَدًا عَلى أنْ يُنَزِّلَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ما في قَوْلِهِ: ﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ بَعِيدٌ جِدًّا، ورُبَّما يَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، والبَغْيُ بِمَعْنى طَلَبِ الشَّخْصِ ما لَيْسَ لَهُ، يَتَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ تارَةً، وبِاللّامِ أُخْرى، والمَفْعُولُ الأوَّلُ ها هُنا أعْنِي مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَحْذُوفٌ لِتَعَيُّنِهِ، ولِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الحَسَدَ مَذْمُومٌ في نَفْسِهِ كائِنًا ما كانَ المَحْسُودُ، كَما لا يَخْفى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ (يُنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أرادَ بِهِ الوَحْيَ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ شَيْئًا كائِنًا مِن فَضْلِهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ أيْ عَلى مَن يَخْتارُهُ لِرِسالَةٍ، وفي البَحْرِ: أنَّ المُرادَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ العَرَبِ، ومِن ولَدِ إسْماعِيلَ، ولَمْ يَكُنْ مِن ولَدِهِ نَبِيٌّ سِواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، صفحة 323 وإضافَةُ العِبادِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِلتَّشْرِيفِ، (ومَن) إمّا مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ. ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، أيْ فَرَجَعُوا مُتَلَبِّسِينَ بِغَضَبٍ كائِنٍ عَلى غَضَبٍ مُسْتَحِقِّينَ لَهُ، حَسْبَما اقْتَرَفُوا مِنَ الكُفْرِ والحَسَدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الغَضَبَ الأوَّلَ لِعِبادَةِ العِجْلِ، والثّانِيَ لِكُفْرِهِمْ بِهِ ﷺ، وقالَ قَتادَةُ: الأوَّلُ: كُفْرُهم بِالإنْجِيلِ، والثّانِي كُفْرُهم بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: هُما الكُفْرُ بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ قَوْلُهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ و﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ، وكُفْرُهُمُ الأخِيرُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يَخْفى أنَّ فاءَ العَطْفِ يَقْتَضِي صَيْرُورَتَهم أحِقّاءَ بِتَرادُفِ الغَضَبِ، لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ مَثَلًا غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيما سَبَقَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ التَّرادُفُ والتَّكاثُرُ لا غَضَبانِ فَقَطْ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَشْدِيدِ الحالِ عَلَيْهِمْ جِدًّا كَما في قَوْلِهِ: ولَوْ كانَ رُمْحًا واحِدًا لاتَّقَيْتُهُ ولَكِنَّهُ رُمْحٌ وثانٍ وثالِثُ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ، والمَعْنى: فَإذا كَفَرُوا وحَسَدُوا عَلى ما ذُكِرَ باؤُوا إلَخْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ. ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ اللّامُ في الكافِرِينَ لِلْعَهْدِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ كُفْرِهِمْ لِما حاقَ بِهِمْ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعُمُومِ، فَيَدْخُلُ المَعْهُودُونَ فِيهِ عَلى طِرازِ ما مَرَّ، والمُهِينُ المُذِلُّ، وأصْلُهُ مُهْوِنٌ فَأُعِلَّ، وإسْنادُهُ إلى العَذابِ مَجازٌ، مِنَ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ، والوَصْفُ بِهِ لِلتَّقْيِيدِ والِاخْتِصاصِ الَّذِي يُفْهِمُهُ تَقْدِيمُ الخَبَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَغَيْرُ الكافِرِينَ إذا عُذِّبَ فَإنَّما يُعَذَّبُ لِلتَّطْهِيرِ لا لِلْإهانَةِ والإذْلالِ، ولِذا لَمْ يُوصَفْ عَذابُ غَيْرِهِمْ بِهِ في القُرْآنِ، فَلا تَمَسُّكَ لِلْخَوارِجِ بِأنَّهُ خَصَّ العَذابَ بِالكافِرِينَ، فَيَكُونُ الفاسِقُ كافِرًا، لِأنَّهُ مُعَذَّبٌ، ولا لِلْمُرْجِئَةِ أيْضًا،

البقرة 2:91

﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِقالُوا، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ”قالُوا قُلُوبَنا غَلَّفَ“ ولا غَرَضَ يَتَعَلَّقُ بِالقائِلِ، فَلِذا بُنِيَ الفِعْلُ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن جانِبِ المُؤْمِنِينَ. ﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ القُرْآنُ، وقِيلَ: سائِرُ ما أُنْزِلَ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إجْراءً لِما عَلى العُمُومِ، ومَعَ هَذا جُلُّ الغَرَضِ الأمْرُ بِالإيمانِ بِالقُرْآنِ، لَكِنْ سَلَكَ مَسْلَكَ التَّعْمِيمِ مِنهُ، إشْعارًا بِتَحَتُّمِ الِامْتِثالِ مِن حَيْثُ مُشارَكَتُهُ لِما آمَنُوا بِهِ فِيما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ومُوافَقَتُهُ لَهُ في المَضْمُونِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإيمانَ بِما عَداهُ مِن غَيْرِ إيمانٍ بِهِ لَيْسَ إيمانًا بِما أنْزَلَ اللَّهُ، ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أيْ نَسْتَمِرُّ عَلى الإيمانِ بِالتَّوْراةِ، وما في حُكْمِها مِمّا أُنْزِلَ لِتَقْرِيرِ حُكْمِها، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يُنْزِلُ الكُتُبُ إلّا هو سُبْحانَهُ، ولِجَرَيانِ ذِكْرِهِ في الخِطابِ، ومُرادُهم بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إمّا أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو الظّاهِرُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ كانَ بَغْيًا وحَسَدًا عَلى نُزُولِهِ عَلى مَن لَيْسَ مِنهُمْ، وإمّا أنْفُسِهِمْ، ومَعْنى الإنْزالِ عَلَيْهِمْ تَكْلِيفُهم بِما في المُنَزَّلِ مِنَ الأحْكامِ، وذُمُّوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ لِما فِيها مِنَ التَّعْرِيضِ بِشَأْنِ القُرْآنِ، ودَسائِسُ اليَهُودِ مَشْهُورَةٌ، أوْ لِأنَّهم تَأوَّلُوا الأمْرَ المُطْلَقَ العامَّ، ونَزَّلُوهُ عَلى خاصٍّ، هو الإيمانُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، كَما هو دَيْدَنُهم في تَأْوِيلِ الكِتابِ الصَّغِيرِ المُرادِ مِنهُ، ﴿ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى قالُوا، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ اسْتِغْرابًا لِلْكُفْرِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ العِلْمِ بِحَقِّيَّتِهِ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُفْرَهم مُسْتَمِرٌّ إلى زَمَنِ الإخْبارِ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، وعَلَيْهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا إمّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ وُقُوعَ المُضارِعِ المُثْبَتِ حالًا مَعَ الواوِ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ أيْ: وهم صفحة 324 يَكْفُرُونَ، والتَّقْيِيدُ بِالحالِ حِينَئِذٍ لِإفادَةِ بَيانِ شَناعَةِ حالِهِمْ، بِأنَّهم مُتَناقِضُونَ في إيمانِهِمْ، لِأنَّ كُفْرَهم بِما وراءَهُ حالَ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الإيمانِ بِهِ، وهَذا أدْخَلُ في رَدِّ مَقالَتِهِمْ، ولِهَذا اخْتارَ هَذا الوَجْهَ بَعْضُ الوُجُوهِ، ووَراءٌ في الأصْلِ مَصْدَرٌ لِاشْتِقاقِ المُواراةِ، والتَّوارِي مِنهُ، والمَزِيدُ فَرْعُ المُجَرَّدِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِعْلُهُ المُجَرَّدُ أصْلًا، ثُمَّ جُعِلَ ظَرْفَ مَكانٍ، ويُضافُ إلى الفاعِلِ، فَيُرادُ بِهِ المَفْعُولُ، وإلى المَفْعُولِ، فَيُرادُ بِهِ الفاعِلُ، أعْنِي السّائِرَ، ولِصِدْقِهِ عَلى الضِّدَّيْنِ الخَلْفِ والأمامِ عُدَّ مِنَ الأضْدادِ، ولَيْسَ مَوْضُوعًا لَهُما، وفي المُوازَنَةِ لِلْأُمَوِيِّ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنها، وإنَّما هو مِنَ المُواراةِ، والِاسْتِتارِ فَما اسْتَتَرَ عَنْكَ فَهو وراءٌ خَلْفًا كانَ أوْ قُدّامًا، إذا لَمْ تَرَهُ، فَأمّا إذا رَأيْتَهُ فَلا يَكُونُ وراءَكَ، والمُرادُ هُنا بِما بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ بِما سِواهُ، وبِهِ فُسِّرَ ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وأُرِيدَ بِهِ القُرْآنُ كَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقالَ الواحِدِيُّ: هو والإنْجِيلُ، واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِما وراءَهُ باطِنُ مَعانِي ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الَّتِي هي وراءَ ألْفاظِها، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ إيمانَهم بِظاهِرِ اللَّفْظِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إلّا أنْ يُرادَ بِذَلِكَ الباطِنِ القُرْآنُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ لِما وراءَهُ حالٌ مِنهُ، وقِيلَ: مِن فاعِلِ (يَكْفُرُونَ)، والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ المُقْتَرِنَةُ بِالواوِ لا يَلْزَمُ أنْ يَعُودَ مِنها ضَمِيرٌ إلى ذِي الحالِ، كَجاءَ زَيْدٌ والشَّمْسُ طالِعَةٌ، وعَلى فَرْضِ اللُّزُومِ يُنَزَّلُ وُجُودُ الضَّمِيرِ فِيما هو مِن تَتِمَّتِها مَنزِلَةَ وُجُودِهِ فِيها، والمَعْنى: وهم مُقارِنُونَ لِحَقِّيَّتِهِ أيْ عالِمُونَ بِها، وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ مِن كُفْرِهِمْ بِما هو حَقٌّ في نَفْسِهِ، والأوَّلُ أوْلى لِظُهُورِهِ، ولا تَفُوتُ تِلْكَ الأبْلَغِيَّةُ عَلَيْهِ أيْضًا، إذْ تَعْرِيفُ الحَقِّ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ مُسَلَّمُ الِاتِّصافِ بِهِ، مَعْرُوفُهُ مِن قَبِيلِ: والِدُكَ العَبْدُ، في فَيُفِيدُ أنَّ كُفْرَهم بِهِ كانَ لِمُجَرَّدِ العِنادِ، وقِيلَ: التَّعْرِيفُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّجْهِيلِ بِمَعْنى أنَّهُ خاصَّةً الحَقَّ الَّذِي يُقارِنُ تَصْدِيقَ كِتابِهِمْ، ولَوْلا الحالُ أعْنِي مُصَدِّقًا لَمْ يَسْتَقِمِ الحَصْرُ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ كِتابِهِمْ، وهو حَقٌّ أيْضًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ ولَوْ لُوحِظَ الحالُ بِناءً عَلى تَخْصِيصِ ذِي الضَّمِيرِ بِالقُرْآنِ، لِأنَّ الإنْجِيلَ حَقٌّ مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ أيْضًا، نَعَمْ لَوْ أُرِيدَ بِالحَقِّ الثّابِتُ المُقابِلُ لِلْمَنسُوخِ لاسْتَقامَ الحَصْرُ مُطْلَقًا، إلّا أنَّهُ بَعِيدٌ، ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ كُتُبَ اللَّهِ تَعالى يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا، فالتَّصْدِيقُ لازِمٌ لا يَنْتَقِلُ، وقَدْ قَرَّرَتْ مَضْمُونَ الخَبَرِ، لِأنَّها كالِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، ولِهَذا تَضَمَّنَتْ رَدَّ قَوْلِهِمْ ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ حَيْثُ إنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ بِما وافَقَ التَّوْراةَ لَمْ يُصَدِّقْ بِها، واحْتِمالُ أنْ يُرادَ مِمّا مَعَهُمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، كَما في البَحْرِ، لِأنَّهُما أُنْزِلا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكِلاهُما غَيْرُ مُخالِفٍ لِلْقُرْآنِ مُخالِفٌ لِما يَقْتَضِيهِ الذَّوْقُ سِباقًا وسِياقًا. ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ تَبْكِيتًا لَهُمْ، حَيْثُ قَتَلُوا الأنْبِياءَ مَعَ ادِّعاءِ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ، وهي لا تُسَوِّغُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِمَن يُرِيدُ جِدالَهم كائِنًا مَن كانَ، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلِمَ إلَخْ، (وما) اسْتِفْهامِيَّةٌ، حُذِفَتْ ألِفُها لِأجْلِ لامِ الجَرِّ، ويَقِفُ البَزِّيُّ في مِثْلِ ذَلِكَ بِالهاءِ وغَيْرُهُ بِغَيْرِها، وإيرادُ صِيغَةِ المُضارِعِ مَعَ الظَّرْفِ الدّالِّ عَلى المُضِيِّ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى القَتْلِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ، وقِيلَ: لِحِكايَةِ تِلْكَ الحالِ، والمُرادُ بِالقَتْلِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ، وإسْنادُهُ إلى الأخْلافِ المُعاصِرِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ أنَّ صُدُورَهُ مِنَ الأسْلافِ مَجازٌ لِلْمُلابَسَةِ بَيْنَ الفاعِلِ الحَقِيقِيِّ وما أُسْنِدَ إلَيْهِ، وهَذا كَما يُقالُ لِأهْلِ قَبِيلَةٍ: أنْتُمْ قَتَلْتُمْ زَيْدًا، إذا كانَ القاتِلُ آباءَهُمْ، وقِيلَ: القَتْلُ مَجازٌ عَنِ الرِّضا، أوِ العَزْمِ عَلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّ الِاعْتِراضَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أقْوى تَبْكِيتًا مِنهُ عَلى الآخَرِينَ، فَتَدَبَّرْ، وفي إضافَةِ أنْبِياءَ إلى الِاسْمِ الكَرِيمِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، وإيذانٌ بِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي لِمَن جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُعَظَّمَ ويُنْصَرَ، لا أنْ يُقْتَلَ، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ صفحة 325 تَكْرِيرٌ لِلِاعْتِراضِ لِتَأْكِيدِ الإلْزامِ وتَشْدِيدِ التَّهْوِيلِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلِمَ تَقْتُلُونَهُمْ، وقَدْ حُذِفَ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الشَّرْطِيَّتَيْنِ ما حُذِفَ ثِقَةً بِما أثْبَتَ في الأُخْرى، عَلى طَرِيقِ الِاحْتِباكِ، وقِيلَ: إنَّ المَذْكُورَ قَبْلُ جَوابٌ لِهَذا الشَّرْطِ بِناءً عَلى جَوازِ تَقْدِيمِهِ، وهو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، وأبِي زَيْدٍ، واخْتارَهُ في البَحْرِ، وقالَ الزَّجّاجُ: (إنَّ) هُنا نافِيَةٌ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

البقرة 2:92

﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ، فَهو مِن تَمامِ التَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ، وكَذا ما يَأْتِي بَعْدَ لا تَكْرِيرٌ لِما قَصَّ مِن قَبْلُ، والمُرادُ بِالبَيِّناتِ الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في دَعْوَتِهِ، والمُعْجِزاتُ المُؤَيِّدَةُ لِنُبُوَّتِهِ كالعَصا، واليَدِ، وانْفِلاقِ البَحْرِ مَثَلًا، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ يُرادَ بِها الدَّلائِلُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، فَإنَّهُ أدْخَلُ في التَّقْرِيعِ بِما بَعْدُ، وعِنْدِي الحَمْلُ عَلى العُمُومِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ ذَلِكَ أيْضًا أوْلى وأظْهَرُ، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ أيِ الَّذِي صَنَعَهُ لَكُمُ السّامِرِيُّ مِن حُلِّيِّكم إلَهًا مِن بَعْدِهِ، أيْ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِها، ومَن عَدَّ التَّوْراةَ، وانْفِجارَ الماءِ مِنها لَمْ يُرِدِ الجَمِيعَ بَلِ الجِنْسَ، لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ قِصَّةِ العِجْلِ، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) عَلى هَذا لِلِاسْتِبْعادِ، لِئَلّا يَلْغُوَ القَيْدُ، وقَدْ يُقالُ: الضَّمِيرُ لِمُتَقَدِّمٍ مَعْنًى، وهو الذَّهابُ إلى الطُّورِ، فَكَلِمَةُ (ثُمَّ) عَلى حَقِيقَتِها، وعَدُّ ما ذَكَرْنا مِنَ البَيِّناتِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، ويُشِيرُ هَذا العَطْفُ عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ النَّظَرِ في الآياتِ، وذَلِكَ أعْظَمُ ذَنْبًا، وأكْثَرُ شَناعَةً لِحالِهِمْ، والتَزَمَ بَعْضُهم رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى البَيِّناتِ بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ مِن بَعْدِ تَدَبُّرِ الآياتِ لِيَظْهَرَ ذَلِكَ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى العِجْلِ، والمُرادُ بَعْدَ وُجُودِهِ، أيْ عَبَدْتُمُ الحادِثَ الَّذِي حَدَثَ بِمَحْضَرِكُمْ، لِيَكُونَ فِيهِ التَّوْبِيخُ العَظِيمُ، لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ العَظِيمِ المُسْتَغْنى عَنْهُ بِما أشَرْنا إلَيْهِ، ﴿وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ أيْ واضِعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ اللّائِقِ بِهِ، أوْ مُخِلُّونَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ، وهي جارِيَةٌ مَجْرى القَرِينَةِ عَلى إرادَةِ العِبادَةِ مِنَ الِاتِّخاذِ، وفِيها تَعْرِيضٌ بِأنَّهم صَرَفُوا العِبادَةَ عَنْ مَوْضِعِها الأصْلِيِّ إلى غَيْرِ مَوْضِعِها، وإيهامُ المُبالَغَةِ مِن حَيْثُ أنَّ إطْلاقَ الظُّلْمِ يُشْعِرُ بِأنَّ عِبادَةَ العِجْلِ كُلُّ الظُّلْمِ، وأنَّ مَنِ ارْتَكَبَها لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَها اعْتِراضًا لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِتَمامِها دُونَ تَعَرُّضٍ لِبَيانِ الهَيْئَةِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحالِيَّةُ، أيْ وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُّلْمُ، واسْتَمَرَّ مِنكم ومِنهُ عِبادَةُ العِجْلِ، والَّذِي دَعاهُ إلى ذَلِكَ زَعْمُ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى الحالِيَّةِ أنْ يَكُونَ تَكْرارًا مَحْضًا، فَإنَّ عِبادَةَ العِجْلِ لا تَكُونُ إلّا ظُلْمًا بِخِلافِهِ عَلى هَذا، فَإنَّهُ يَكُونُ بَيانًا لِرَذِيلَةٍ لَهم تَقْتَضِي ذَلِكَ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَمّا ذَكَرْنا، وإذا حُمِلَ الِاتِّخاذُ عَلى الحَقِيقَةِ نَحْوَ اتَّخَذْتُ خاتَمًا، تَكُونُ الحالِيَّةُ أوْلى بِلا شُبْهَةٍ، لِأنَّ الِاتِّخاذَ لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ ظُلْمًا إلّا إذا قُيِّدَ بِعِبادَتِهِ، كَما لا يَخْفى،

البقرة 2:93

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ أيْ قُلْنا لَهم خُذُوا ما أمَرْتُكم بِهِ في التَّوْراةِ بِجِدٍّ وعَدَمِ فُتُورٍ، واسْمَعُوا، أيْ سَماعَ تَقَبُّلٍ وطاعَةٍ، إذْ لا فائِدَةَ في الأمْرِ بِالمُطْلَقِ بَعْدَ الأمْرِ بِالأخْذِ بِقُوَّةٍ بِخِلافِهِ عَلى تَقْدِيرِ التَّقْيِيدِ، فَإنَّهُ يُؤَكِّدُهُ ويُقَرِّرُهُ لِاقْتِضائِهِ كَمالَ إبائِهِمْ عَنْ قَبُولِ ما آتاهم إيّاهُ، ولِذا رُفِعَ الجَبَلُ عَلَيْهِمْ، وكَثِيرًا ما يُرادُ مِنَ السَّماعِ القَبُولُ، ومِن ذَلِكَ ”سَمْع اللَّهِ لِمَن حَمْدُهُ“ وقَوْلُهُ: دَعَوْتُ اللَّهَ حَتّى خِفْتُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ يَسْمَعُ ما أقُولُ ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ سَمِعْنا قَوْلَكَ: خُذُوا، واسْمَعُوا، وعَصَيْنا أمْرَكَ، فَلا نَأْخُذُ، ولا نَسْمَعُ سَماعَ الطّاعَةِ، ولَيْسَ هَذا جَوابًا لِاسْمَعُوا، بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ أمْرَيْنِ، لِأنَّهُ يَبْقى خُذُوا بِلا جَوابٍ، وذَهَبَ الجَمُّ إلى ذَلِكَ، وأوْرَدُوا هُنا سُؤالًا وجَوابًا، حاصِلُ الأوَّلِ أنَّ السَّماعَ في الأمْرِ إنْ كانَ عَلى ظاهِرِهِ، فَقَوْلُهُمْ: سَمِعْنا طاعَةٌ، وعَصَيْنا مُناقِضٌ صفحة 326 وإنْ كانَ القَبُولَ، فَإنْ كانَ في الجَوابِ كَذَلِكَ كَذِبٌ وتَناقُضٌ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالسُّؤالِ، وزُبْدَةُ الجَوابِ أنَّ السَّماعَ هُناكَ مُقَيَّدٌ، والأمْرَ مُشْتَمِلٌ عَلى أمْرَيْنِ سَماعِ قَوْلِهِ، وقَبُولِهِ بِالعَمَلِ، فَقالُوا: نَمْتَثِلُ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، ومَرْجِعُهُ إلى القَوْلِ بِالمُوجِبِ، ونَظِيرُهُ ﴿ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنٌ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ وقِيلَ: المَعْنى قالُوا بِلِسانِ القالِ سَمِعْنا، وبِلِسانِ الحالِ عَصَيْنا، أوْ سَمِعْنا أحْكامًا قَبْلُ وعَصَيْنا، فَنَخافُ أنْ نَعْصِيَ بَعْدَ سَماعِ قَوْلِكَ هَذا، وقِيلَ: ”سَمِعْنا“ جَوابُ ”اسْمَعُوا“ و”عَصَيْنا“ جَوابُ ”خُذُوا“ وقالَ أبُو مَنصُورٍ: إنَّ قَوْلَهم ”عَصَيْنا“ لَيْسَ عَلى إثْرِ قَوْلِهِمْ ”سَمْعنا“ بَلْ بَعْدَ زَمانٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ فَلا حاجَةَ إلى الدَّفْعِ بِما ذُكِرَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ بَعْدَ ما سَمِعْتَ كَما لا يَخْفى. ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ عَطْفٌ عَلى قالُوا، أوْ مُسْتَأْنَفٌ، أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ: قَدْ، أوْ بِدُونِهِ، والعامِلُ قالُوا، والإشْرابُ مُخالَطَةُ المائِعِ الجامِدَ، وتُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ في اللَّوْنَيْنِ، ومِنهُ بَياضٌ مُشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ حُبَّ العِجْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العِجْلُ مَجازًا عَنْ صُورَتِهِ، فَلا يَحْتاجُ إلى الحَذْفِ، وذِكْرُ القُلُوبِ لِبَيانِ مَكانِ الإشْرابِ، وذِكْرُ المَحَلِّ المُتَعَيِّنِ يُفِيدُ مُبالَغَةً في الإثْباتِ، والمَعْنى: داخَلَهم حُبُّ العِجْلِ ورَسَخَ في قُلُوبِهِمْ صُورَتُهُ لِفَرْطِ شَغَفِهِمْ بِهِ، كَما داخَلَ الصَّبْغُ الثَّوْبَ، وأنْشَدُوا: إذا ما القَلْبُ أُشْرِبَ حُبَّ شَيْءٍ ∗∗∗ فَلا تَأْمُلْ لَهُ عَنْهُ انْصِرافا وقِيلَ: أُشْرِبُوا مِن أُشْرِبَتِ البَعِيرُ إذا شَدَدْتَ في عُنُقِهِ حَبْلًا، كَأنَّ العِجْلَ شُدَّ في قُلُوبِهِمْ لِشَغَفِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: مِنَ الشَّرابِ، ومِن عادَتِهِمْ أنَّهم إذا عَبَّرُوا عَنْ مُخامَرَةِ حُبٍّ، أوْ بُغْضٍ اسْتَعارُوا لَهُ اسْمَ الشَّرابِ، إذْ هو أبْلَغُ مُنْساغٍ في البَدَنِ، ولِذا قالَ الأطِبّاءُ: الماءُ مَطِيَّةُ الأغْذِيَةِ، والأدْوِيَةِ، ومَرْكَبُها الَّذِي تُسافِرُ بِهِ إلى أقْطارِ البَدَنِ، وقالَ الشّاعِرُ: تَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ شَرابٌ ∗∗∗ ولا حُزْنٌ ولَمْ يَبْلُغْ سُرُورُ وقِيلَ: مِنَ الشُّرْبِ حَقِيقَةً، وذَلِكَ أنَّ السُّدِّيَّ نَقَلَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَرَدَ العِجْلَ بِالمِبْرَدِ، ورَماهُ في الماءِ، وقالَ لَهُمُ: اشْرَبُوا، فَشَرِبُوا جَمِيعُهُمْ، فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بِرادَتُهُ عَلى شَفَتَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ يُبْعِدُ هَذا القَوْلَ جِدًّا، عَلى أنَّ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا في كِتابِهِ عَمّا فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِجْلِ يُبْعِدُ ظاهِرَ هَذِهِ الرِّوايَةِ أيْضًا، وبِناءُ أُشْرِبُوا لِلْمَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ فُعِلَ بِهِمْ، ولا فاعِلَ سِواهُ تَعالى، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو عَلى حَدِّ قَوْلِ القائِلِ: أنَسِيتَ كَذا، ولَمْ يُرِدْ أنَّ غَيْرَهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، وإنَّما المُرادُ نَسِيتَ وأنَّ الفاعِلَ مَن زَيَّنَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، ودَعاهم إلَيْهِ كالسّامِرِيِّ ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا مُجَسِّمَةً، يُجَوِّزُونَ أنْ يَكُونَ جِسْمٌ مِنَ الأجْسامِ إلَهًا، أوْ حُلُولِيَّةً يُجَوِّزُونَ حُلُولَهُ فِيهِ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولَمْ يَرَوْا جِسْمًا أعْجَبَ مِنهُ، فَتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ ما سُوِّلَ لَهُمْ، وثُعْبانُ العَصا كانَ لا يَبْقى زَمانًا مُمْتَدًّا، ولا يَبْعُدُ مِن أُولَئِكَ أنْ يَعْتَقِدُوا عِجْلًا صَنَعُوهُ عَلى هَيْئَةِ البَهائِمِ إلَهًا، وإنْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما تَرى مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ الَّذِينَ كانَ أكْثَرُهم أعْقَلَ مِن كَثِيرٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ، أيْ مَصْحُوبًا بِكُفْرِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ. ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ أيْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ حَسْبَما تَدَّعُونَ، وإسْنادُ الأمْرِ إلى الإيمانِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلتَّهَكُّمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ قَتْلُ الأنْبِياءِ، وكَذا وكَذا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَخْصُوصُ مَخْصُوصًا بِقَوْلِهِمْ: عَصَيْنا أمْرَكَ، وأُراهُ عَلى القُرْبِ بَعِيدًا. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قَدْحٌ في دَعْواهُمُ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ، وإبْطالٌ لَها، وجَوابُ الشَّرْطِ ما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: صفحة 327 ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في رَدِّ دَعْواهُمُ الإيمانَ، أوِ الجُمْلَةُ الإنْشائِيَّةُ السّابِقَةُ، إمّا بِتَأْوِيلٍ، أوْ بِلا تَأْوِيلٍ، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ما رَخَّصَ لَكم إيمانُكم بِالقَبائِحِ الَّتِي فَعَلَّكُمْ، بَلْ مَنَعَ عَنْها، فَتَناقَضْتُمْ في دَعْواكم لَهُ، فَتَكُونُ باطِلًا، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِها فَبِئْسَما أمَرَكم بِهِ إيمانُكم بِها، أوْ فَقَدْ أمَرَكم إيمانُكم بِالباطِلِ، لَكِنَّ الإيمانَ بِها لا يَأْمُرُ بِهِ، فَإذَنْ لَسْتُمْ بِمُؤْمِنِينَ، والمُلازَمَةُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ عَلى الأوَّلِ، بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِ الأمْرِ، وإبْطالِ الدَّعْوى بِلُزُومِ التَّناقُضِ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ المُلازَمَةُ بِالنَّظَرِ إلى حالِهِمْ مِن تَعاطِي القَبائِحِ مَعَ ادِّعائِهِمُ الإيمانَ، والمُؤْمِنُ مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَتَعاطى إلّا ما يُرَخِّصُهُ إيمانُهُ، وإبْطالُ التّالِي بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِ الأمْرِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم في هَذا، ونَظائِرِهِ كَوْنَ الجَزاءِ مَعْرِفَةَ السّابِقِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تَعْرِفُونَ أنَّهُ بِئْسَ المَأْمُورُ بِهِ، وقِيلَ: (إنْ) نافِيَةٌ، وقِيلَ: لِلتَّشْكِيكِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الكَشّافِ، وفِيهِ أنَّ المَقْصِدَ إبْطالُ دَعَوَتُهم بِإبْرازِ إيمانِهِمُ القَطْعِيِّ العَدَمِ مَنزِلَةَ ما لا قَطْعَ بِعَدَمِهِ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ، لا لِلتَّشْكِيكِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُعْهَدِ اسْتِعْمالُ (إنْ) لِتَشْكِيكِ السّامِعِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (بِهُو إيمانُكُمْ) بِضَمِّ الهاءِ، ووَصْلِها بِواوٍ،

البقرة 2:94

﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ رَدٌّ لِدَعْوى أُخْرى لَهم بَعْدَ رَدِّ دَعْوى الإيمانِ، بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، ولِاخْتِلافِ الغَرَضِ لَمْ يَعْطِفْ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ مَعَ ظُهُورِ المُناسَبَةِ المُصَحِّحَةِ لِلذِّكْرِ، والآيَةُ نَزَلَتْ فِيما حَكاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عِنْدَ ما قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الجَنَّةَ إلّا لِإسْرائِيلَ وبَنِيهِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: سَبَبُ نُزُولِها قَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ إلَخْ، و﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ﴾ إلَخْ، و﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ إلَخْ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ، والضَّمِيرُ في (قُلْ)، إمّا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِمَن يَبْغِي إقامَةَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ الجَنَّةُ، وهو الشّائِعُ، واسْتَحْسَنَ في البَحْرِ تَقْدِيرَ مُضافٍ، أيْ نَعِيمُ الدّارِ الآخِرَةِ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ، المَرْتَبَةُ والشَّرَفُ، وحَمْلُها عَلى عِنْدِيَّةِ المَكانِ كَما قِيلَ بِهِ احْتِمالًا، بَعِيدٌ، ﴿خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ﴾ أيْ مَخْصُوصَةً بِكم كَما تَزْعُمُونَ، والخالِصُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ، أوْ ما زالَ عَنْهُ شَوْبُهُ، ونَصْبُ (خالِصَةً) عَلى الحالِ مِنَ الدّارِ الَّذِي هو اسْمُ كانَ، (ولَكُمْ) خَبَرُها قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ، أوْ لِإفادَةِ الحَصْرِ، وما بَعْدَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا إنْ جَوَّزَ مَجِيءَ الحالِ مِنَ اسْمِ كانَ، وهو الأصَحُّ، ومَن لَمْ يُجَوِّزْ بِناءً عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِفاعِلٍ جَعَلَها حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، وقِيلَ: (خالِصَةً) هو الخَبَرُ، (ولَكُمْ) ظَرْفُ لَغْوٍ (لِكانَ)، أوْ (لِخالِصَةً)، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، فَإنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلْحُكْمِ قَبْلَ مَجِيئِهِ، ولا وجْهَ لِتَقْدِيمِ مُتَعَلِّقِ الخَبَرِ عَلى الِاسْمِ مَعَ لُزُومِ تَوَسُّطِ الظَّرْفِ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، وأبْعَدَ المَهْدَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا فَجَعَلا (خالِصَةً) حالًا، (وعِنْدَ اللَّهِ) هو الخَبَرُ، مَعَ أنَّ الكَلامَ لا يَسْتَقِلُّ بِهِ وحْدَهُ، (ودُونَ) هُنا لِلِاخْتِصاصِ، وقَطْعِ الشَّرِكَةِ يُقالُ: هَذا لِي دُونَكَ، وأنْتَ تُرِيدُ لا حَقَّ لَكَ فِيهِ مَعِي ولا نَصِيبَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ(خالِصَةً)، والمُرادُ (بِالنّاسِ) الجِنْسُ وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُسْلِمُونَ، وقِيلَ: النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحْدَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قالُوا: ويُطْلَقُ (النّاسُ) ويُرادُ بِهِ الرَّجُلُ الواحِدُ، ولَعَلَّهُ لا يَكُونُ إلّا مَجازًا بِتَنْزِيلِ الواحِدِ مَنزِلَةَ الجَماعَةِ، ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لَكُمْ، فَإنَّ مَن أيْقَنَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ اخْتارَ أنْ يَنْتَقِلَ إلى دارِ القَرارِ، وأحَبَّ أنْ يَخْلُصَ مِنَ المُقامِ في دارِ الأكْدارِ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ في غُلالَةٍ، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: صفحة 328 ما هَذا؟ بِزِيِّ المُحارِبِينَ، فَقالَ: يا بُنَيَّ، لا يُبالِي أبُوكَ سَقَطَ عَلى المَوْتِ، أمْ سَقَطَ عَلَيْهِ المَوْتُ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ رَواحَةَ يُنْشِدُ وهو يُقاتِلُ الرُّومَ: يا حَبَّذا الجَنَّةُ واقْتِرابُها طَيِّبَةٌ وبارِدٌ شَرابُها والرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنا عَذابُها وقالَ عَمّارٌ بِصِفِّينَ: غَدًا نَلْقى الأحِبَّهْ ∗∗∗ مُحَمَّدًا وصَحْبَهْ ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ كانَ يَتَمَنّى المَوْتَ، فَلَمّا احْتُضِرَ قالَ: حَبِيبٌ جاءَ عَلى فاقَةٍ، وعَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ لَمّا بَلَغَهُ قَتْلُ مَن قُتِلَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ قالَ: «(يا لَيْتَنِي غُودِرْتُ مَعَهُمْ، في لُحُفِ الجَبَلِ)،» ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ تَمَنِّيَ المَوْتِ لِأجْلِ الِاشْتِياقِ إلى دارِ النَّعِيمِ، ولِقاءِ الكَرِيمِ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ، إنَّما النَّهْيُ عَنْهُ تَمَنِّيهِ لِأجْلِ ضُرٍّ أصابَهُ، فَإنَّهُ أثَرُ الجَزَعِ وعَدَمُ الرِّضا بِالقَضاءِ، وفي الخَبَرِ: «(لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وإنْ كانَ ولا بُدَّ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أحْيِنِي ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وأمِتْنِي ما كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي)،» والمُرادُ بِالتَّمَنِّي قَوْلُ الشَّخْصِ: لَيْتَ كَذا، ولَيْتَ مِن أعْمالِ القَلْبِ، أوِ الِاشْتِهاءِ بِالقَلْبِ، ومَحَبَّةِ الحُصُولِ مَعَ القَوْلِ، فَمَعْنى الآيَةِ: سَلُوا المَوْتَ بِاللِّسانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوِ اشْتَهُوهُ بِقُلُوبِكُمْ، وسَلُوهُ بِألْسِنَتِكُمْ، قالَهُ قَوْمٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، الأمْرُ بِالتَّمَنِّي حَقِيقَةٌ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: تَعَرَّضُوا لِلْمَوْتِ، ولا تَحْتَرِزُوا عَنْهُ، كالمُتَمَنِّي، فَحارِبُوا مَن يُخالِفُكُمْ، ولا تَكُونُوا مِن أهْلِ الجِزْيَةِ والصَّغارِ، أوْ كُونُوا عَلى وجْهٍ يَكُونُ المُتَمَنُّونَ لِلْمَوْتِ المُشْتَهُونَ لِلْجَنَّةِ عَلَيْهِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ مِمّا لا تُساعِدُهُ الآثارُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَوْقُوفًا: «(لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَشَرِقَ أحَدُهم بِرِيقِهِ)،» وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «(لا يَقُولُها رَجُلٌ مِنهم إلّا غَصَّ بِرِيقِهِ)،» والبُخارِيُّ مَرْفُوعًا عَنْهُ أيْضًا: «(لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا)،» وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ (فَتَمَنَّوِا المَوْتَ) بِكَسْرِ الواوِ، وحَكى الحَسَنُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ أبِي عَمْرٍو فَتْحَها، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا اخْتِلاسُ ضَمَّتِها،

البقرة 2:95

﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُعْتَرِضَةٌ غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ الأمْرِ سِيقَتْ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ ما يَكُونُ مِنهم مِنَ الإحْجامِ الدّالِّ عَلى كَذِبِهِمْ في دَعْواهُمْ، والمُرادُ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ ما عاشُوا، وهَذا خاصٌّ بِالمُعاصِرِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَلى ما رُوِيَ عَنْ نافِعٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: (خاصَمَنا يَهُودِيٌّ، وقالَ: إنَّ في كِتابِكم ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ إلَخْ، فَأنا أتَمَنّى المَوْتَ فَما لِي لا أمُوتُ؟ فَسَمِعَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَغَضِبَ، فَدَخَلَ بَيْتَهُ، وسَلَّ سَيْفَهُ وخَرَجَ، فَلَمّا رَآهُ اليَهُودِيُّ فَرَّ مِنهُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أما واللَّهِ لَوْ أدْرَكْتُهُ لَضَرَبْتُ عُنُقَهُ، تَوَهَّمَ هَذا الكَلْبُ اللَّعِينُ الجاهِلُ أنَّ هَذا لِكُلِّ يَهُودِيٍّ، أوْ لِلْيَهُودِ في كُلِّ وقْتٍ، لا، إنَّما هو لِأُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا يُعانِدُونَ، ويَجْحَدُونَ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ أنْ عَرَفُوا، وكانَتِ المُحاجَّةُ مَعَهم بِاللِّسانِ دُونَ السَّيْفِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا «(لَوْ تَمَنَّوْهُ يَوْمَ قالَ لَهم ذَلِكَ ما بَقِيَ عَلى وجْهِ الأرْضِ يَهُودِيٌّ إلّا ماتَ)،» وهَذِهِ الجُمْلَةُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، ومُعْجِزَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفِيها دَلِيلٌ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَتَيَقَّنُوا ذَلِكَ ما امْتَنَعُوا مِنَ التَّمَنِّي، وقِيلَ: لا دَلِيلَ، بَلِ الِامْتِناعُ كانَ بِصَرْفِ الصِّرْفَةِ كَما قِيلَ في عَدَمِ مُعارَضَةِ القُرْآنِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً مَعَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ لَمْ يَتَمَنَّ أحَدٌ، والتَّمَنِّي أمْرٌ قَلْبِيٌّ لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ مُجابٌ عَنْهُ، بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ بِالتَّمَنِّي هُنا الأمْرُ القَلْبِيُّ بَلْ هو أنْ يَقُولَ: لَيْتَ كَذا، ونَحْوَهُ، كَما مَرَّ آنِفًا، ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ أمْرٌ قَلْبِيٌّ، فَهَذا مَذْكُورٌ عَلى طَرِيقِ المُحاجَّةِ، وإظْهارِ المُعْجِزَةِ، فَلا يُدْفَعُ إلّا بِالإظْهارِ والتَّلَفُّظِ، كَما إذا قالَ رَجُلٌ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ، إنْ شِئْتِ أوْ أحْبَبْتِ، فَإنَّهُ يُعَلِّقُ بِالإخْبارِ، لا بِالإضْمارِ، فَحَيْثُ ثَبَتَ عَدَمُ تَلَفُّظِهِمْ بِالإخْبارِ، وبِأنَّهُ لَوْ وقَعَ لَنُقِلَ، واشْتُهِرَ لِتَوَفُّرِ الدَّواعِي إلى نَقْلِهِ، لِأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرٌ صفحة 329 عَظِيمٌ يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ النُّبُوَّةِ، فَإنَّهُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ يَظْهَرُ صِدْقُهُ، وبِتَقْدِيرِ حُصُولِهِ يَبْطُلُ القَوْلُ بِنُبُوَّتِهِ، ثَبَتَ كَوْنُهُ مُعْجِزَةً أيَّدَهُ بِها رَبُّهُ، ومَن حَمَلَ التَّمَنِّيَ عَلى المَجازِ لا يَرِدُ عِنْدَهُ هَذا السُّؤالُ، ولا يَحْتاجُ إلى هَذا الجَوابِ، وقَدْ عَلِمْتَ ما فِيهِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى عُمُومِ حُكْمِ الآيَةِ لِجَمِيعِ اليَهُودِ في جَمِيعِ الأعْصارِ، ولَسْتُ مِمَّنْ يَقُولُ بِذَلِكَ، وإنِ ارْتَضاهُ الجَمُّ الغَفِيرُ، وقالُوا: إنَّهُ المَشْهُورُ المُوافِقُ لِظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ اليَهُودِ المُعْتَقِدِينَ نُبُوَّتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، الجاحِدِينَ لَها في جَمِيعِ الأعْصارِ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى اليَهُودِ مُطْلَقًا، في جَمِيعِها، ومَعَ هَذا لِي فِيهِ نَظَرٌ بَعْدُ، ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي المُوجِبَةِ لِلنّارِ، كالكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والقُرْآنِ، وقَتْلِ الأنْبِياءِ، (وما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، ولا حَذْفَ، واليَدُ كِنايَةٌ عَنْ نَفْسِ الشَّخْصِ، ويُكَنّى بِها عَنِ القُدْرَةِ أيْضًا، لِما أنَّها مِن بَيْنِ جَوارِحِ الإنْسانِ مَناطُ عامَّةِ صَنائِعِهِ، ومَدارُ أكْثَرِ مَنافِعِهِ، ولا يُجْعَلُ الإسْنادُ مَجازِيًّا، واليَدُ عَلى حَقِيقَتِها، فَيَكُونُ المَعْنى: بِما قَدَّمُوا بِأيْدِيهِمْ كَتَحْرِيفِ التَّوْراةِ لِيَشْمَلَ ما قَدَّمُوا بِسائِرِ الأعْضاءِ، وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّهْدِيدِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم ظالِمُونَ في ادِّعاءِ ما لَيْسَ لَهُمْ، ونَفْيِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ، والمُرادُ بِالعِلْمِ إمّا ظاهِرُ مَعْناهُ، أوْ أنَّهُ كَنّى بِهِ عَنِ المُجازاةِ، وألْ إمّا لِلْعَهْدِ، وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ لِلذَّمِّ، وإمّا لِلْجِنْسِ، فَيَدْخُلُ المَعْهُودُونَ فِيهِ عَلى طِرازِ ما تَقَدَّمَ.

البقرة 2:96

﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَجِدُ مِن وجَدَ بِعَقْلِهِ بِمَعْنى عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ، والضَّمِيرُ مَفْعُولٌ أوَّلُ، (وأحْرَصَ) مَفْعُولٌ ثانٍ، واحْتِمالُ أنَّها مِن وجَدَ بِمَعْنى لَقِيَ، وأصابَ، فَتَتَعَدّى إلى واحِدٍ، (وأحْرَصَ) حالٌ لا يَتَأتّى عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ إضافَةَ أفْعَلَ مَحْضَةٌ كَما سَيَأْتِي، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ، وقِيلَ: عَلى جَمِيعِهِمْ، وقِيلَ: عَلى عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وألْ في (النّاسِ) لِلْجِنْسِ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، والمُرادُ جَماعَةٌ عُرِفُوا بِغَلَبَةِ الحِرْصِ عَلَيْهِمْ، وتَنْكِيرُ (حَياةٍ) لِأنَّهُ أُرِيدَ بِها فَرْدٌ نَوْعِيٌّ، وهي الحَياةُ المُتَطاوِلَةُ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّحْقِيرِ، فَإنَّ الحَياةَ الحَقِيقِيَّةَ هي الأُخْرَوِيَّةُ، وأنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّنْكِيرُ لِلْإبْهامِ، بَلْ قِيلَ: إنَّهُ الأوْجَهُ، أيْ عَلى حَياةٍ مُبْهَمَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةِ المِقْدارِ، ومِنهُ يُعْلَمُ حِرْصُهم عَلى الحَياةِ المُتَطاوِلَةِ مِن بابِ الأوْلى، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ صِفَةٍ، أيْ طُولِ حَياةٍ، أوْ حَياةٍ طَوِيلَةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ (قُلْ) وعَلَيْهِ الزَّجّاجُ، وإمّا مُعْتَرِضَةٌ لِتَأْكِيدِ عَدَمِ تَمَنِّيهِمُ المَوْتَ، وقَرَأ أُبَيٌّ (عَلى الحَياةِ) بِالألِفِ واللّامِ، ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ هُمُ المَجُوسَ، ووُصِفُوا بِالإشْراكِ لِأنَّهم يَقُولُونَ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ، وكانَتْ تَحِيَّتُهم إذا عَطَسَ العاطِسُ عِشْ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ الَّذِينَ عَبَدُوا الأصْنامَ، وهَذا مِنَ الحَمْلِ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: أحْرَصَ مِنَ النّاسِ، ومِنَ الَّذِينَ إلَخْ، بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ السِّراجِ، وعَبْدُ القاهِرِ، والجَزُولِيُّ، وأبُو عَلِيٍّ، مِن أنَّ إضافَةَ أفْعَلَ المُضافِ إذا أُرِيدَ الزِّيادَةُ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ لَفْظِيَّةٌ، لِأنَّ المَعْنى عَلى إثْباتِ (مِنَ) الِابْتِدائِيَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولِهِ، وسِيبَوَيْهِ يَجْعَلُها مَعْنَوِيَّةً بِتَقْدِيرِ اللّامِ، والمُرادُ بِالنّاسِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: ما عَدا اليَهُودَ لِما تَقَرَّرَ أنَّ المَجْرُورَ (بِمِن) مَفْضُولٌ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ، أوِ الأعَمُّ، ولا يَلْزَمُ تَفْضِيلُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّ أفْعَلَ ذُو جِهَتَيْنِ، ثُبُوتُ أصْلِ المَعْنى، والزِّيادَةُ، فَكَوْنُهُ مِن جُمْلَتِهِمْ بِالجِهَةِ الأُولى دُونَ الثّانِيَةِ وجِيءَ بِمِن في الثّانِيَةِ لِأنَّ مِن شَرْطِ أفْعَلَ المُرادِ بِهِ الزِّيادَةُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ أنْ يُضافَ إلى ما هو بَعْضُهُ لِأنَّهُ مَوْضُوعٌ، لِأنْ يَكُونَ جُزْءًا مِن جُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَعْدَهُ مُجْتَمِعَةٍ مِنهُ، ومِن أمْثالِهِ، ولا شَكَّ أنَّ اليَهُودَ غَيْرُ داخِلِينَ في الَّذِينَ أشْرَكُوا، فَإنَّ الشّائِعَ في القُرْآنِ ذِكْرُهُما صفحة 330 مُتَقابِلَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الحَذْفِ، أيْ وأحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، ووَجْهُ الآيَةِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ذِكْرُ المُشْرِكِينَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ عَلى الوَجْهِ الظّاهِرِ في اللّامِ لِإفادَةِ المُبالَغَةِ في حِرْصِهِمْ، والزِّيادَةُ تَوْبِيخُهم وتَقْرِيعُهم حَيْثُ كانُوا مَعَ كَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ يَرْجُونَ ثَوابًا، ويَخافُونَ عِقابًا، أحْرَصَ مِمَّنْ لا يَرْجُو ذَلِكَ، ولا يُؤْمِنُ بِبَعْثٍ، ولا يَعْرِفُ إلّا الحَياةَ العاجِلَةَ، وإنَّما كانَ حِرْصُهم أبْلَغَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى العَذابِ، ومَن تَوَقَّعَ شَرًّا كانَ أنْفَرَ النّاسِ عَنْهُ، وأحْرَصَهم عَلى أسْبابِ التَّباعُدِ مِنهُ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ (مِنَ الَّذِينَ) صِفَةً لِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (لَتَجِدَنَّهُمْ)، والكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ لَتَجِدَنَّهم وطائِفَةً مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أحْرَصَ النّاسِ، ولا أظُنُّ يَقْدَمُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٌ، لِأنَّهُ وإنْ كانَ مَعْنًى صَحِيحًا في نَفْسِهِ إلّا أنَّ التَّرْكِيبَ يَنْبُو عَنْهُ، والفَصاحَةَ تَأْباهُ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، لا سِيَّما عَلى قَوْلِ مَن يَخُصُّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ بِالضَّرُورَةِ، نَعَمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَحْذُوفٌ، هو مُبْتَدَأٌ، والمَذْكُورُ صِفَتُهُ، أوِ المَذْكُورُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ صِفَتُهُ. ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾ وحَذْفُ مَوْصُوفُ الجُمْلَةِ فِيما إذا كانَ بَعْضًا مِن سابِقِهِ المَجْرُورِ بِمِن، أوْ فِي، جائِزٌ في السَّعَةِ، وفي غَيْرِهِ مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ نَحْوُ: أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعِ الثَّنايا وحِينَئِذٍ يُرادُ بِالَّذِينَ أشْرَكُوا اليَهُودُ، لِأنَّهم قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ بِالشِّرْكِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يُرادَ بِذَلِكَ الجِنْسُ، ويُرادَ بِمَن ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾ اليَهُودُ، والمُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، وهو بَعِيدٌ، وجُمْلَةُ (يَوَدُّ) إلَخْ، عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما شِدَّةُ حِرْصِهِمْ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ الَّذِينَ، أوْ مِن ضَمِيرِ أشْرَكُوا، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (لَتَجِدَنَّهُمْ)، ﴿لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ جَوابُ (لَوْ)، مَحْذُوفٌ، أيْ لَسُرَّ بِذَلِكَ، وكَذا مَفْعُولُ يَوَدُّ، أيْ طُولَ الحَياةِ، وحُذِفَ لِدِلالَةِ ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ عَلَيْهِ، كَما حُذِفَ الجَوابُ لِدِلالَةِ (يَوَدُّ) عَلَيْهِ، وهَذا هو الجارِي عَلى قَواعِدِ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا المَكانِ، وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ في مِثْلِ ذَلِكَ إلى أنَّ (لَوْ) مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنى (أنْ) فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها مَصْدَرٌ هو مَفْعُولُ (يَوَدُّ) كَأنَّهُ قالَ: يَوَدُّ أحَدُهم تَعْمِيرَ ألْفِ سَنَةٍ، وقِيلَ: (لَوْ) بِمَعْنى لَيْتَ، ولا يَحْتاجُ إلى جَوابٍ، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ (بِيَوَدُّ)، في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلًا، ولا في مَعْناهُ لَكِنَّهُ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ يَصْدُرُ عَنْهُ الأقْوالُ، فَعُومِلَ مُعامَلَتَها، وكانَ أصْلُهُ: لَوْ أُعْمِرَ، إلّا أنَّهُ أُورِدَ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، لِأجْلِ مُناسَبَةِ (يَوَدُّ)، فَإنَّهُ غائِبٌ كَما يُقالُ: حَلَفَ لَيَفْعَلْنَّ، مَقامُ لَأفْعَلَنَّ، وهَذا بِخِلافِ ما لَوْ أتى بِصَرِيحِ القَوْلِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ، قالَ: لَيَفْعَلَنَّ، وإذا قُلْنا: إنَّ (لَوِ) الَّتِي لِلتَّمَنِّي مَصْدَرِيَّةٌ لا يَحْتاجُ إلى اعْتِبارِ الحِكايَةِ، وابْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: إنَّ (لَوْ) في أمْثالِ ذَلِكَ مَصْدَرِيَّةٌ لا غَيْرُ، لَكِنَّها أشْبَهَتْ لَيْتَ في الأشْعارِ بِالتَّمَنِّي، ولَيْسَتْ حَرْفًا مَوْضُوعًا لَهُ، كَلَيْتَ، ونَحْوُ: لَوْ تَأْتِينِي فَتُحَدِّثَنِي بِالنَّصْبِ، أصْلُهُ ودِدْتُ لَوْ تَأْتِيَنِي إلَخْ، فَحُذِفَ فِعْلُ التَّمَنِّي لِدَلالَةِ (لَوْ) عَلَيْهِ، وقِيلَ: هي لَوِ الشَّرْطِيَّةُ أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي، ومَعْنى ﴿ألْفَ سَنَةٍ﴾ الكَثْرَةُ لِيَشْمَلَ مَن يَوَدُّ أنْ لا يَمُوتَ أبَدًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ ألْفُ سَنَةٍ حَقِيقَةً، والألْفُ العَدَدُ المَعْلُومُ مِنَ الأُلْفَةِ، إذْ هو مُؤَلَّفٌ مِن أنْواعِ الأعْدادِ بِناءً عَلى مُتَعارَفِ النّاسِ، وإنْ كانَ الصَّحِيحُ أنَّ العَدَدَ مُرَكَّبٌ مِنَ الوَحَداتِ الَّتِي تَحْتَهُ، لا الأعْدادِ، وأصْلُ سَنَةٍ سَنْوَةٌ، لِقَوْلِهِمْ: سَنَواتٌ، وقِيلَ: سَنْهَةٌ كَجَبْهَةٍ لِقَوْلِهِمْ: سانَهْتُهُ وتَسَنَّهَتِ النَّخْلَةُ إذا أتَتْ عَلَيْها السُّنُونَ، وسُمِعَ أيْضًا في الجَمْعِ سَنَهاتٌ، ﴿وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ﴾ ما حِجازِيَّةٌ أوْ تَمِيمِيَّةٌ، (وهُوَ) ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى أحَدِهِمُ اسْمُها، أوْ مُبْتَدَأٌ، (وبِمُزَحْزِحِهِ)، خَبَرُها، أوْ خَبَرُهُ، والباءُ زائِدَةٌ، و﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ صفحة 331 فاعِلُ (مُزَحْزِحِهِ)، والمَعْنى ما أحَدُهم يُزَحْزِحُهُ مِنَ العَذابِ تَعْمِيرُهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى ثُبُوتِ مَن يُزَحْزِحُهُ التَّعْمِيرُ، وهو مَن آمَنَ، وعَمِلَ صالِحًا، ولا يَجُوزُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلشَّأْنِ، لِأنَّ مُفَسِّرَهُ جُمْلَةٌ، ولا تَدْخُلُ الباءُ في خَبَرِ ما، ولَيْسَ إلّا إذا كانَ مُفْرَدًا عِنْدَ غَيْرِ الفَرّاءِ، وأجازَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، وهو مَيْلٌ مِنهُ إلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، مِن أنَّ مُفَسِّرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ جُمْلَةٍ، إذا انْتَظَمَ إسْنادًا مَعْنَوِيًّا نَحْوَ: ما هو بِقائِمٍ زَيْدٌ، نَعَمْ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿يُعَمَّرُ﴾ و﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، أيْ ما تَعْمِيرُهُ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ ضَعْفًا لِلْفَصْلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، ولِلْإبْدالِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلَيْهِ، وأجابَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَمّا كانَ لَفْظُ التَّعْمِيرِ غَيْرَ مَذْكُورٍ بَلْ ضَمِيرُهُ، حَسُنَ الإبْدالُ، ولَوْ كانَ التَّعْمِيرُ مَذْكُورًا بِلَفْظِهِ لَكانَ الثّانِي تَأْكِيدًا لا بَدَلًا، ولِكَوْنِهِ في الحَقِيقَةِ تَكْرِيرًا يُفِيدُ فائِدَتَهُ مِن تَقْرِيرِ المَحْكُومِ عَلَيْهِ اعْتِناءً بِشَأْنِ الحُكْمِ بِناءً عَلى شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى التَّعْمِيرِ، ووِدادِهِ إيّاهُ، جازَ الفَصْلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ بِالخَبَرِ، كَما في التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وقِيلَ: هو ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ البَدَلُ، فَهو راجِعٌ إلَيْهِ لا إلى شَيْءٍ مُتَقَدِّمٍ مَفْهُومٍ مِنَ الفِعْلِ، والتَّفْسِيرُ بَعْدَ الإبْهامِ، لِيَكُونَ أوْقَعَ في نَفْسِ السّامِعِ، ويَسْتَقِرَّ في ذِهْنِهِ كَوْنُهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِذَلِكَ الحُكْمِ، والفَصْلُ بِالظَّرْفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُفَسِّرِهِ جائِزٌ كَما يُفْهِمُهُ كَلامُ الرَّضِيِّ في بَحْثِ أفْعالِ المَدْحِ والذَّمِّ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ (هُوَ) ضَمِيرَ فَصْلٍ قُدِّمَ مَعَ الخَبَرِ بَعِيدٌ، والزَّحْزَحَةُ التَّبْعِيدُ، وهو مُضاعَفٌ مِن زَحَّ يَزِحُّ زَحًّا كَكَبْكَبَ مِن كَبَّ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ، لَكِنَّها مُتَوَجِّهَةٌ إلى النَّفْيِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فَيُؤَوَّلُ إلى أنَّهُ لا يُؤَثِّرُ في إزالَةِ العَذابِ أقَلَّ تَأْثِيرٍ التَّعْمِيرُ، وصَحَّ ذَلِكَ مَعَ أنَّ التَّعْمِيرَ يُفِيدُ رَفْعَ العَذابِ مُدَّةَ البَقاءِ، لِأنَّ الإمْهالَ بِحَسَبِ الزَّمانِ، وإنْ حَصَلَ لَكِنَّهم لِاقْتِرافِهِمُ المَعاصِيَ بِالتَّعْمِيرِ زادَ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ الشِّدَّةُ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ في إزالَتِهِ أدْنى تَأْثِيرٍ، بَلْ زادَ فِيهِ حَيْثُ اسْتَوْجَبُوا بِمُقابَلَةِ ”أيّام مَعْدُودَة“ عَذابَ الأبَدِ، ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ عالِمٌ بِخَفِيّاتِ أعْمالِهِمْ، فَهو مُجازِيهِمْ لا مَحالَةَ، وحَمْلُ البَصَرِ عَلى العِلْمِ هُنا وإنْ كانَ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ صِفَةً لِلَّهِ تَعالى أيْضًا، لِأنَّ بَعْضَ الأعْمالِ لا يَصِحُّ أنْ يُرى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ ما هو ظاهِرٌ، (وما) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وأتى بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِتَواخِي الفَواصِلِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ (تَعْمَلُونَ) بِالتّاءِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ،

البقرة 2:97

﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ «دَخَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَدارِسَ اليَهُودِ يَوْمًا، فَسَألَهم عَنْ جِبْرِيلَ، فَقالُوا: ذاكَ عَدُوُّنا، يُطْلِعُ مُحَمَّدًا عَلى أسْرارِنا، وأنَّهُ صاحِبُ كُلِّ خَسْفٍ، وعَذابٍ، ومِيكائِيلُ صاحِبُ الخِصْبِ والسَّلامِ، فَقالَ: ما مَنزِلَتُهُما مِنَ اللَّهِ تَعالى؟ قالُوا: جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ، ومِيكائِيلُ عَنْ يَسارِهِ، وبَيْنَهُما عَداوَةٌ، فَقالَ: لَئِنْ كانا كَما تَقُولُونَ، فَلَيْسا بِعَدُوَّيْنِ، ولَأنْتُمْ أكْفَرُ مِنَ الحَمِيرِ، ومَن كانَ عَدُوًّا لِأحَدِهِما فَهو عَدُوُّ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ فَوَجَدَ جِبْرِيلَ قَدْ سَبَقَهُ بِالوَحْيِ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَقَدْ وافَقَكَ رَبُّكَ يا عُمَرُ، قالَ عُمَرُ: لَقَدْ رَأيْتُنِي بَعْدَ ذَلِكَ أصْلَبَ مِنَ الحَجَرِ،» وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيا كانَ يَهُودِيًّا مِن أحْبارِ فَدَكٍ، سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ؟ فَقالَ: جِبْرِيلُ، فَقالَ: ذاكَ عَدُوُّنا، عادانا مِرارًا، وأشَدُّها أنَّهُ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّنا أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ سَيُخَرِّبُهُ بُخْتَنَصَّرُ، فَبَعَثْنا مَن يَقْتُلُهُ، فَرَآهُ بِبابِلَ، فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ، وقالَ: إنْ كانَ رَبُّكم أمَرَهُ بِهَلاكِكُمْ، فَلا يُسَلِّطُكم عَلَيْهِ، وإلّا فَبِمَ تَقْتُلُونَهُ، وصَدَّقَهُ الرَّجُلُ المَبْعُوثُ، ورَجَعَ إلَيْنا وكَبُرَ بُخْتَنَصَّرُ وقَوِيَ صفحة 332 وغَزانا، وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، رَوى ذَلِكَ بَعْضُ الحُفّاظِ، وقالَ العِراقِيُّ: لَمْ أقِفْ لَهُ عَلى سَنَدٍ، فَلَعَلَّ الأوَّلَ أقْوى مِنهُ، وإنْ أوْهَمَ صَنِيعُ بَعْضِهِمُ العَكْسَ، وجِبْرِيلُ عَلَمُ مَلَكٍ، كانَ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالقُرْآنِ، وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن جَبَرُوتِ اللَّهِ، وجَعَلَهُ مُرَكَّبًا تَرْكِيبَ مَزْجٍ مِن مُضافٍ ومُضافٍ إلَيْهِ، فَمَنَعَهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّرْكِيبِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ ما يُرَكَّبُ هَذا التَّرْكِيبَ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإضافَةُ ومَنعُ الصَّرْفِ، فَكَوْنُهُ لَمْ يُسْمَعْ فِيهِ الإضافَةُ أوِ البِناءُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن تَرْكِيبِ المَزْجِ، وقَدْ تَصَرَّفَتْ فِيهِ العَرَبُ عَلى عادَتِها في تَغْيِيرِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، حَتّى بَلَغَتْ فِيهِ إلى ثَلاثَ عَشْرَةَ لُغَةً، أفْصَحُها وأشْهَرُها جِبْرِيلُ كَقِنْدِيلٍ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ونافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، قالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: وجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ ومِيكالُ مَعَهُما مِنَ اللَّهِ وحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنَزَّلُ الثّانِيَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّها بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، والحَسَنِ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، قالَ الفَرّاءُ: لا أُحِبُّها، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فَعْلِيلٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الأعْجَمِيَّ إذْ عَرَّبُوهُ قَدْ يُلْحِقُونَهُ بِأوْزانِهِمْ كَلِجامِ، وقَدْ لا يُلْحِقُونَهُ بِها كَإبْرَيْسِمٍ، وجِبْرِيلُ مِن هَذا القَبِيلِ، مَعَ أنَّهُ سُمِعَ سَمَوْألُ، لِطائِرٍ، الثّالِثُ جَبْرَئِيلُ كَسَلْسَبِيلٍ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَمّادٌ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ، وهي لُغَةُ قَيْسٍ، وتَمِيمٍ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ نَجْدٍ، وحَكاها الفَرّاءُ، واخْتارَها الزَّجّاجُ، وقالَ: هي أجْوَدُ اللُّغاتِ، وقالَ حَسّانُ: شَهِدْنا فَما يَلْقى لَنا مِن كَتِيبَةٍ ∗∗∗ مَدى الدَّهْرِ إلّا جَبْرَئِيلُ أمامَها الرّابِعَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّها بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وهي رِوايَةُ يَحْيى بْنِ آدَمَ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ، وتُرْوى عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ، الخامِسَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّ اللّامَ مُشَدَّدَةٌ، وهي قِراءَةُ أبانَ عَنْ عاصِمٍ، ويَحْيى ابْنِ يَعْمَرَ أيْضًا، السّادِسَةُ جَبْرائِلُ، بِألِفٍ وهَمْزَةٍ بَعْدَها مَكْسُورَةٍ بِدُونِ ياءٍ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعِكْرِمَةُ، السّابِعَةُ مِثْلُها مَعَ زِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، الثّامِنَةُ جَبْرايِيلُ بِياءَيْنِ بَعْدَ الألِفِ، وبِها قَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ يَعْمَرَ، ورَواها الكِسائِيُّ عَنْ عاصِمٍ، التّاسِعَةُ جَبْرالَ، العاشِرَةُ جِبْرِيلُ بِالياءِ والقَصْرِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، الحادِيَةَ عَشْرَةَ جَبْرِينُ، بِفَتْحِ الجِيمِ والنُّونِ، الثّانِيَةَ عَشْرَةَ كَذَلِكَ إلّا أنَّها بِكَسْرِ الجِيمِ، وهي لُغَةُ أسَدٍ، الثّالِثَةَ عَشْرَةَ جَبْرايِنُ، قالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: جُمِعَ جِبْرِيلُ جَمْعَ تَكْسِيرٍ عَلى جَبارِينَ، عَلى اللُّغَةِ العالِيَةِ، واشْتُهِرَ أنَّ مَعْناهُ عَبْدُ اللَّهِ عَلى أنَّ جَبْرَ هو اللَّهُ تَعالى، وإيلُ هو العَبْدُ، وقِيلَ: عَكْسُهُ، ورَدَّهُ بَعْضُهم بِأنَّ المَعْهُودَ في الكَلامِ العَجَمِيِّ تَقْدِيمُ المُضافِ إلَيْهِ عَلى المُضافِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ. ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، إمّا نِيابَةً أوْ حَقِيقَةً، والمَعْنى مَن عاداهُ مِنهُمْ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإنْصافِ، أوْ كَفَرَ بِما مَعَهُ مِنَ الكِتابِ بِمُعاداتِهِ إيّاهُ، لِنُزُولِهِ عَلَيْكَ بِالوَحْيِ، لِأنَّهُ نَزَّلَ كِتابًا مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، أوْ فالسَّبَبُ في عَداوَتِهِ أنَّهُ نَزَلَ عَلَيْكَ، ولَيْسَ المُبْتَدَأُ عَلى هَذا الأخِيرِ مَحْذُوفًا، و”إنَّهُ نزله“ خَبَرُهُ، حَتّى يَرِدَ أنَّ المَوْضِعَ لِلْمَفْتُوحَةِ، بَلْ أنَّ الفاءَ داخِلَةٌ عَلى السَّبَبِ، ووَقَعَ جَزاءً بِاعْتِبارِ الإعْلامِ والإخْبارِ بِسَبَبِيَّتِهِ، لِما قَبْلَهُ، فَيَؤُولُ المَعْنى إلى مَن عاداهُ، فَأُعْلِمُكم بِأنَّ سَبَبَ عَداوَتِهِ كَذا، فَهو كَقَوْلِكَ: إنْ عاداكَ فُلانٌ فَقَدْ آذَيْتَهُ، أيْ فَأخْبَرَكَ بِأنَّ سَبَبَ عَداوَتِكَ أنَّكَ آذَيْتَهُ، وقِيلَ: الجَزاءُ مَحْذُوفٌ بِحَيْثُ لا يَكُونُ المَذْكُورُ نائِبًا، وعَنْهُ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا عَنْهُ، ويَكُونُ هو تَعْلِيلًا وبَيانًا لِسَبَبِ العَداوَةِ، والمَعْنى: مَن عاداهُ، لِأنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ، فَلْيَمُتْ غَيْظًا، أوْ فَهو عَدُوٌّ لِي وأنا عَدُوُّهُ، صفحة 333 والقَرِينَةُ عَلى حَذْفِ الثّانِي الجُمْلَةُ المُعْتَرِضَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ في وعِيدِهِمْ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا﴾ إلَخِ اسْتِفْهامًا لِلِاسْتِبْعادِ، أوِ التَّهْدِيدِ، ويَكُونُ (فَإنَّهُ) تَعْلِيلَ العَداوَةِ، وتَقْيِيدًا لَها، أوْ تَعْلِيلَ الأمْرِ بِالقَوْلِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتَكَبَ في القُرْآنِ العَظِيمِ، والضَّمِيرُ الأوَّلُ البارِزُ لِجِبْرِيلَ، والثّانِي لِلْقُرْآنِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ الأحْوالُ، لِأنَّها كُلَّها مِن صِفاتِ القُرْآنِ ظاهِرًا، وقِيلَ: الأوَّلُ لِلَّهِ تَعالى، والثّانِي لِجِبْرِيلَ، أيْ فَإنَّ اللَّهَ نَزَّلَ جِبْرِيلَ بِالقُرْآنِ عَلى قَلْبِكَ، وفي كُلٍّ مِنَ الوَجْهَيْنِ إضْمارٌ يَعُودُ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، وفي ذَلِكَ مِن فَخامَةِ الشَّأْنِ ما لا يَخْفى، ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: عَلَيْكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ بَلْ قالَ: ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾، لِأنَّهُ القابِلُ الأوَّلُ لِلْوَحْيِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الرُّوحُ، ومَحَلُّ الفَهْمِ والحِفْظِ إنْ أُرِيدَ بِهِ العُضْوُ، بِناءً عَلى نَفْيِ الحَواسِّ الباطِنَةِ، وقِيلَ: كَنّى بِالقَلْبِ عَنِ الجُمْلَةِ الإنْسانِيَّةِ كَما يُكَنّى بِبَعْضِ الشَّيْءِ عَنْ كُلِّهِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ جَعَلَ قَلْبَكَ مُتَّصِفًا بِأخْلاقِ القُرْآنِ، ومُتَأدِّبًا بِآدابِهِ كَما في حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «(كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ، ويَغْضَبُ لِغَضَبِهِ)،» وكانَ الظّاهِرُ أنْ يَقُولَ: عَلى قَلْبِي، لِأنَّ القائِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لَكِنَّهُ حَكى ما قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ، وجَعَلَ القائِلَ كَأنَّهُ اللَّهُ تَعالى، لِأنَّهُ سَفِيرٌ مَحْضٌ بِإذْنِ اللَّهِ، أيْ بِأمْرِهِ، أوْ بِعِلْمِهِ، وتَمْكِينِهِ إيّاهُ مِن هَذِهِ المَنزِلَةِ، أوْ بِاخْتِيارِهِ، أوْ بِتَيْسِيرِهِ وتَسْهِيلِهِ، وأصْلُ مَعْنى الإذْنِ في الشَّيْءِ الإعْلامُ بِإجازَتِهِ، والرُّخْصَةُ فِيهِ، فالمَعانِي المَذْكُورَةُ كُلُّها مَجازِيَّةٌ، والعَلاقَةُ ظاهِرَةٌ، والمُنْتَخَبُ كَما في المُنْتَخَبِ المَعْنى الأوَّلُ، والمُعْتَزِلَةُ لَمّا لَمْ يَقُولُوا بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ، وإسْنادِ الإذْنِ إلَيْهِ تَعالى بِاعْتِبارِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ، اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ، والقَوْلُ: إنَّ الإذْنَ بِمَعْنى الأمْرِ إنْ أُرِيدَ بِالتَّنْزِيلِ مَعْناهُ الظّاهِرُ، وبِمَعْنى التَّيْسِيرِ إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّحَفُّظُ، والتَّفْهِيمُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مُعْظَمُها التَّوْراةُ، وانْتِصابُ (مُصَدِّقًا) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (نَزَّلَهُ) إنْ كانَ عائِدًا لِلْقُرْآنِ، وإنْ كانَ لِجِبْرِيلَ، فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَحْذُوفِ لِفَهْمِ المَعْنى، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، والثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِن جِبْرِيلَ، والهاءُ إمّا لِلْقُرْآنِ، أوْ لِجِبْرِيلَ، فَإنَّهُ مُصَدِّقٌ أيْضًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ والكُتُبِ، ﴿وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى (مُصَدِّقًا) فَهُما حالانِ مِثْلُهُ، والتَّأْوِيلُ غَيْرُ خَفِيٍّ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ عَلى غَيْرِهِمْ عَمًى، وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَعْظِيمِ جِبْرِيلَ، والتَّنْوِيهِ بِقَدْرِهِ، حَيْثُ جَعَلَهُ الواسِطَةَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ أشْرَفِ خَلْقِهِ، والمُنَزَّلَ بِالكِتابِ الجامِعِ لِلْأوْصافِ المَذْكُورَةِ، ودَلَّتْ عَلى ذَمِّ اليَهُودِ، حَيْثُ أبْغَضُوا مَن كانَ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ العَظِيمَةِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، قِيلَ: وتَعَلَّقَتِ الباطِنِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ القُرْآنَ إلْهامٌ، والحُرُوفَ عِبارَةُ الرَّسُولِ ﷺ، ورُدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ ظاهِرَةٌ وباطِنَةٌ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ قُرْآنًا وكِتابًا وعَرَبِيًّا، وإنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِهِ، والمُلْهَمُ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ.