Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — البقرة 2:98 – البقرة 2:157

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. البقرة 2:98
  2. البقرة 2:99
  3. البقرة 2:100
  4. البقرة 2:101
  5. البقرة 2:102
  6. البقرة 2:103
  7. البقرة 2:104
  8. البقرة 2:105
  9. البقرة 2:106
  10. البقرة 2:107
  11. البقرة 2:108
  12. البقرة 2:109
  13. البقرة 2:110
  14. البقرة 2:111
  15. البقرة 2:112
  16. البقرة 2:113
  17. البقرة 2:114
  18. البقرة 2:115
  19. البقرة 2:116
  20. البقرة 2:117
  21. البقرة 2:118
  22. البقرة 2:119
  23. البقرة 2:120
  24. البقرة 2:121
  25. البقرة 2:122
  26. البقرة 2:123
  27. البقرة 2:124
  28. البقرة 2:125
  29. البقرة 2:126
  30. البقرة 2:127
  31. البقرة 2:128
  32. البقرة 2:129
  33. البقرة 2:130
  34. البقرة 2:131
  35. البقرة 2:132
  36. البقرة 2:133
  37. البقرة 2:134
  38. البقرة 2:135
  39. البقرة 2:136
  40. البقرة 2:137
  41. البقرة 2:138
  42. البقرة 2:139
  43. البقرة 2:140
  44. البقرة 2:141
  45. البقرة 2:142
  46. البقرة 2:143
  47. البقرة 2:144
  48. البقرة 2:145
  49. البقرة 2:146
  50. البقرة 2:147
  51. البقرة 2:148
  52. البقرة 2:149
  53. البقرة 2:150
  54. البقرة 2:151
  55. البقرة 2:152
  56. البقرة 2:153
  57. البقرة 2:154
  58. البقرة 2:155
  59. البقرة 2:156
  60. البقرة 2:157

البقرة 2:98

﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ العَدُوُّ لِلشَّخْصِ ضِدُّ الصَّدِيقِ، يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والتَّثْنِيَةُ والجَمْعُ، وقَدْ يُؤَنَّثُ ويُثَنّى ويُجْمَعُ، وهو الَّذِي يُرِيدُ إنْزالَ المَضارِّ بِهِ، وهَذا المَعْنى لا يَصِحُّ إلّا فِينا دُونَهُ تَعالى، فَعَداوَةُ اللَّهِ هُنا مَجازٌ، إمّا عَنْ مُخالَفَتِهِ تَعالى، وعَدَمِ القِيامِ بِطاعَتِهِ لِما أنَّ ذَلِكَ لازِمٌ لِلْعَداوَةِ، وإمّا عَنْ عَداوَةِ أوْلِيائِهِ، وأمّا عَداوَتُهم لِجِبْرِيلَ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَصَحِيحَةٌ، لِأنَّ الإضْرارَ جارٍ عَلَيْهِمْ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ عَداوَتَهم لا تُؤَثِّرُ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الأُمُورِ المُؤَثِّرَةِ فِيهِمْ، وصَدَرَ الكَلامُ عَلى الِاحْتِمالِ الأخِيرِ بِذِكْرِهِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ أُولَئِكَ الأوْلِياءِ، حَيْثُ جَعَلَ عَداوَتَهم عَداوَتَهُ تَعالى، وأفْرَدَ المَلَكانِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا صفحة 334 لَهُما، وتَفْضِيلًا، كَأنَّهُما مِن جِنْسٍ آخَرَ، تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ في الوَصْفِ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ في الذّاتِ، كَقَوْلِهِ: فَإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنْتَ مِنهم فَإنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزالِ وقِيلَ: لِأنَّ اليَهُودَ ذَكَرُوهُما، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِما، وقِيلَ: لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مُعاداةَ الواحِدِ، والكُلِّ سَواءٌ في الكُفْرِ، واسْتِجْلابُ العَداوَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ مَن عادى أحَدَهم فَكَأنَّما عادى الجَمِيعَ، لِأنَّ المُوجِبَ لِمَحَبَّتِهِمْ وعَداوَتِهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَ بِحَسَبِ التَّوَهُّمِ والِاعْتِقادِ، ولِهَذا أحَبَّ اليَهُودُ مِيكائِيلَ، وأبْغَضُوا جِبْرِيلَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِتَقْدِيمِ جِبْرِيلَ عَلى مِيكائِيلَ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ، وهو المَشْهُورُ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ أيْضًا بِأنَّهُ يَنْزِلُ بِالوَحْيِ والعِلْمِ، وهو مادَّةُ الأرْواحِ، ومِيكائِيلُ بِالخِصْبِ والأمْطارِ، وهي مادَّةُ الأبْدانِ، وغِذاءُ الأرْواحِ أفْضَلُ مِن غِذاءِ الأشْباحِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ التَّقْدِيمَ في الذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلتَّرَقِّي، أوْ لِنُكْتَةٍ أُخْرى، كَما قُدِّمَتِ المَلائِكَةُ عَلى الرُّسُلِ، ولَيْسُوا أفْضَلَ مِنهم عِنْدَنا، وكَذا نُزُولُهُ بِالوَحْيِ لَيْسَ قَطْعِيًّا بِالأفْضَلِيَّةِ، إذْ قَدْ يُوجَدُ في المَفْضُولِ ما لَيْسَ في الفاضِلِ، فَلا بُدَّ في التَّفْضِيلِ مِن نَصٍّ جَلِيٍّ واضِحٍ، وأنا أقُولُ بِالأفْضَلِيَّةِ، ولَيْسَ عِنْدِي أقْوى دَلِيلًا عَلَيْها مِن مَزِيدِ صُحْبَتِهِ لِحَبِيبِ الحَقِّ بِالِاتِّفاقِ، وسَيِّدِ الخَلْقِ عَلى الإطْلاقِ ﷺ، وكَثْرَةِ نُصْرَتِهِ وحُبِّهِ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، ولا أرى شَيْئًا يُقابِلُ ذَلِكَ، وقَدْ أثْنى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَمْ يُثْنِ بِهِ عَلى مِيكائِيلَ، بَلْ ولا عَلى إسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ وسائِرِ المَلائِكَةِ أجْمَعِينَ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ المَلائِكَةِ جَبْرائِيلُ)،» وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُوسى بْنِ عائِشَةَ قالَ: «(بَلَغَنِي أنَّ جِبْرِيلَ إمامُ أهْلِ السَّماءِ)،» (ومَن) شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ قِيلَ: مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَهو كافِرٌ، مَجْزِيٌّ بِأشَدِّ العَذابِ، وقِيلَ: فَإنَّ اللَّهَ إلَخْ، عَلى نَمَطِ ما عَلِمْتَ، وأتى بِاسْمِ اللَّهِ ظاهِرًا، ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّهُ عَدُوٌّ دَفْعًا لِانْفِهامِ غَيْرِ المَقْصُودِ، أوِ التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، والعَرَبُ إذا فَخَّمَتْ شَيْئًا كَرَّرَتْهُ بِالِاسْمِ الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ، ومِنهُ: (لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ، إنَّ اللَّهَ)، وقَوْلُهُ: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ وألْ في الكافِرِينَ لِلْعَهْدِ، وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ والثَّباتِ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ عَداوَةَ المَذْكُورِينَ كُفْرٌ، وأنَّ ذَلِكَ بَيِّنٌ لا يَحْتاجُ إلى الإخْبارِ بِهِ، وأنَّ مَدارَ عَداوَتِهِ تَعالى لَهُمْ، وسُخْطَهُ المُسْتَوْجِبَ لِأشَدِّ العُقُوبَةِ والعَذابِ، هو كُفْرُهُمُ المَذْكُورُ، وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنَّهُ تَعالى عَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ لِعِلْمِهِ أنَّ بَعْضَهم يُؤْمِنُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ عَداوَةُ اللَّهِ تَعالى لِلْمَآلِ، وهو احْتِمالٌ أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ألْ لِلْجِنْسِ كَما تَقَدَّمَ، ومِنَ النّاسِ مَن رَوى أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَطَقَ بِهَذِهِ الآيَةِ مُجاوِبًا بِالبَعْضِ اليَهُودَ في قَوْلِهِ: ذاكَ عَدُوُّنا، يَعْنِي جِبْرِيلَ، فَنَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ، وهو خَبَرٌ ضَعِيفٌ كَما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، والكَلامُ في مَنعِ صَرْفِ مِيكائِيلَ، كالكَلامِ في جِبْرِيلَ، واشْتُهِرَ أنَّ مَعْناهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ، وفِيهِ لُغاتٌ: الأُولى مِيكالُ، كَمِفْعالٍ، وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، الثّانِيَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّ بَعْدَ الألِفِ هَمْزَةً، وقَرَأ بِها نافِعٌ، وابْنُ شَنْبُوذَ، لِقُنْبُلٍ، الثّالِثَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وغَيْرُ ابْنِ شَنْبُوذَ لِقُنْبُلٍ، والبَزِّيُّ، الرّابِعَةُ مِيكَئِيلُ كَمِيكَفِيلَ، وبِها قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، الخامِسَةُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لا ياءَ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقُرِئَ بِها، السّادِسَةُ مِيكايِيلُ، بِياءَيْنِ بَعْدَ الألِفِ، أوَّلُهُما مَكْسُورَةٌ وبِها قَرَأ الأعْمَشُ. ولِساداتِنا الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم في هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ بَلْ وفي أخَوَيْهِما إسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ أيْضًا كَلامٌ مَبْسُوطٌ، والمَشْهُورُ أنَّ جَبْرائِيلَ هو العَقْلُ الفَعّالُ، ومِيكائِيلَ هو رُوحُ الفَلَكِ السّادِسِ، وعَقْلُهُ المُفِيضُ لِلنَّفْسِ النَّباتِيَّةِ الكُلِّيَّةِ المُوَكَّلَةِ بِأرْزاقِ الخَلائِقِ، وإسْرافِيلَ هو رُوحُ الفَلَكِ الرّابِعِ، وعَقْلُهُ المُفِيضُ لِلنَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ الكُلِّيَّةِ المُوَكَّلَةِ بِالحَيَواناتِ، وعِزْرائِيلَ هو رُوحُ الفَلَكِ السّابِعِ المُوَكَّلُ بِالأرْواحِ الإنْسانِيَّةِ كُلِّها، بَعْضُها بِالوَسائِطِ الَّتِي هي صفحة 335 أعْوانُهُ، وبَعْضُها بِنَفْسِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

البقرة 2:99

﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ ابْنِ صُورِيا، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حِينَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ: «(ما جِئْتَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن آياتٍ فَنَتَّبِعَكَ)،» وجُعِلَتْ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا﴾ إلَخْ، عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، (وما يَكْفُرُ) عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ، فَإنَّهُ كَما يُصَدَّرُ بِاللّامِ يُصَدَّرُ بِحَرْفِ النَّفْيِ، والآياتُ: القُرْآنُ، والمُعْجِزاتُ، والإخْبارُ عَمّا خَفِيَ، وأُخْفِيَ في الكُتُبِ السّابِقَةِ، أوِ الشَّرائِعُ، والفَرائِضُ، أوْ مَجْمُوعُ ما تَقَدَّمَ كُلُّهُ، والظّاهِرُ الإطْلاقُ، والفاسِقُونَ المُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ الخارِجُونَ عَنِ الحُدُودِ، فَإنَّ مَن لَيْسَ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ الكَفَرَةِ لا يَجْتَرِئُ عَلى الكُفْرِ بِمِثْلِ هاتِيكَ البَيِّناتِ، قالَ الحَسَنُ: إذا اسْتُعْمِلَ الفِسْقُ في نَوْعٍ مِنَ المَعاصِي وقَعَ عَلى أعْظَمِ أفْرادِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِن كُفْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا قِيلَ: هو فاسِقٌ في الشُّرْبِ، فَمَعْناهُ هو أكْثَرُ ارْتِكابًا لَهُ، وإذا قِيلَ: هو فاسِقٌ في الزِّنا، يَكُونُ مَعْناهُ هو أشَدُّ ارْتِكابًا لَهُ، وأصْلُهُ مِن فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ، إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ لِأنَّ سِياقَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِلْيَهُودِ، وإمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ،

البقرة 2:100

﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا﴾ نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ قالَ: واللَّهِ ما أُخِذَ عَلَيْنا عَهْدٌ في كِتابِنا أنْ نُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولا مِيثاقٌ، وقِيلَ: في اليَهُودِ، عاهَدُوا إنْ خَرَجَ لِنُؤْمِنَنَّ بِهِ، ولَنَكُونَنَّ مَعَهُ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، فَلَمّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، وقالَ عَطاءٌ: في اليَهُودِ، عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِعُهُودٍ، فَنَقَضُوها كَفِعْلِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ بِمَعْنى ما كانَ يَنْبَغِي، وفِيهِ إعْظامُ ما يَقْدَمُونَ عَلَيْهِ مِن تَكَرُّرِ عُهُودِهِمْ، ونَقْضِها، حَتّى صارَ سَجِيَّةً لَهُمْ، وعادَةً، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ، وإشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَكْتَرِثَ بِأمْرِهِمْ، وأنْ لا يَصْعُبَ عَلَيْهِ مُخالَفَتُهُمْ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، أيِ اكْفُرُوا بِالآياتِ، وكُلَّما عاهَدُوا، وهو مِن عَطْفِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ، لِأنَّ كُلَّما ظَرْفٌ، نَبَذَهُ، والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَكْفُرُ بِها﴾ إلَخْ وبَعْضُهم يُقَدِّرُ المَعْطُوفَ مَأْخُوذًا مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، ويَقُولُ بِتَوَسُّطِ الهَمْزَةِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، لِغَرَضٍ يَتَعَلَّقُ بِالمَعْطُوفِ خاصَّةً، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: نَقَضُوا هَذا العَهْدَ وذَلِكَ العَهْدَ، ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ وفِيهِ مَعَ ارْتِكابِ ما لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ أنَّ الجُمَلَ المَذْكُورَةَ بِقُرْبِهِ لَيْسَ فِيها ذِكْرُ نَقْضِ العَهْدِ، وقالَ الأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ، والكِسائِيُّ هي (أوِ) السّاكِنَةُ حُرِّكَتْ واوُها بِالفَتْحِ، وهي بِمَعْنى بَلْ، ولا يَخْفى ضَعْفُ القَوْلَيْنِ، نَعَمْ قَرَأ ابْنُ السَّمّاكِ العَدَوِيُّ وغَيْرُهُ (أوْ) بِالإسْكانِ، وحِينَئِذٍ لا بَأْسَ بِأنْ يُقالَ: إنَّها إضْرابِيَّةٌ بِناءً عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، وأنْشَدُوا: بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى وصُورَتُها أوْ أنْتَ في العَيْنِ أمْلَحُ والعَطْفُ عَلى هَذا عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ الَّذِي هو اللّامُ في (الفاسِقُونَ) مَيْلًا إلى جانِبِ المَعْنى، وإنْ كانَ فِيهِ مَسْخُ اللّامِ المَوْصُولَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا الَّذِينَ فَسَقُوا، بَلْ كُلَّما عاهَدُوا، والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ، بَلْ أكْثَرُهم إلَخْ، وفِيهِ تَرَقٍّ إلى الأغْلَظِ فالأغْلَظِ، ولَكَ أنْ لا تَمِيلَ مَعَ المَعْنى، بَلْ تَعْطِفُ عَلى الصِّلَةِ، وألْ تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ بِالتَّبَعِيَّةِ في السَّعَةِ كَثِيرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا﴾ لِاغْتِفارِهِمْ في الثَّوانِي ما لا يُغْتَفَرُ في الأوائِلِ. ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ هَذا العَطْفَ بِاحْتِمالِيَّةٍ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْضًا، ولَمْ يَحْتَجْ إلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ (عُوهِدُوا)، وانْتِصابُ (عَهْدًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، أيْ (مُعاهَدَةً)، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ (عَهِدُوا) أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، بِتَضْمِينِ (عاهَدُوا) مَعْنى أعْطَوْا ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ نَقَضَهُ وتَرَكَ العَمَلَ بِهِ، وأصْلُ النَّبْذِ صفحة 336 طَرْحُ ما لا يُعْتَدُّ بِهِ، كالنَّعْلِ البالِيَةِ، لَكِنَّهُ غَلَبَ فِيما مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِ، ونِسْبَةُ النَّبْذِ إلى العَهْدِ مَجازٌ، والنَّبْذُ حَقِيقَةً إنَّما هو في المُتَجَسِّداتِ نَحْوُ ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ والفَرِيقُ اسْمُ جِنْسٍ لا واحِدَ لَهُ، يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، وإنَّما قالَ: فَرِيقٌ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَنْبِذْهُ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (نَقَضَهُ)، قالَ في البَحْرِ: وهي قِراءَةٌ تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، فالأوْلى حَمْلُها عَلى التَّفْسِيرِ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، إذْ لا يَظْهَرُ لِلتَّفْسِيرِ دُونَ ذِكْرِ المُفَسِّرِ، خِلالَ القِراءَةِ وجْهٌ، ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأكْثَرِ النّابِذُونَ، وأنْ يُرادَ مَن عَداهُمْ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا لِما يُتَوَهَّمُ أنَّ الفَرِيقَ هُمُ الأقَلُّونَ بِناءً عَلى أنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ القَلِيلُ، وعَلى الثّانِي رَدٌّ لِما يُتَوَهَّمُ أنَّ مَن لَمْ يَنْبِذْ جِهارًا يُؤْمِنُونَ بِهِ سِرًّا، والعَطْفُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ بِأنْ يَكُونَ أكْثَرُهم مَعْطُوفًا عَلى فَرِيقٍ، وجُمْلَةُ (لا يُؤْمِنُونَ) حالٌ مِن (أكْثَرُهُمْ)، والعامِلُ فِيها (نَبَذَهُ)،

البقرة 2:101

﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ﴾ ظَرْفٌ (لِنَبَذَ) والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى سابِقَتِها، داخِلَةٌ تَحْتَ الإنْكارِ، والضَّمِيرُ لِبَنِي إسْرائِيلَ لا لِعُلَمائِهِمْ فَقَطْ، والرَّسُولُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّكْثِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ: عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعْلُهُ مَصْدَرًا بِمَعْنى الرِّسالَةِ، كَما في قَوْلِهِ: لَقَدْ كَذَّبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم بِلَيْلى ولا أرْسَلَتُهم بِرَسُولِ خِلافُ الظّاهِرِ، ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ (بِجاءَ)، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلرَّسُولِ، لِإفادَةِ مَزِيدِ تَعْظِيمِهِ، إذْ قَدْرُ الرَّسُولِ عَلى قَدْرِ المُرْسِلِ، ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ أيْ مِنَ التَّوْراةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جاءَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي ذُكِرَ فِيها، أوْ أخْبَرَ بِأنَّها كَلامُ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلُ عَلى نَبِيِّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ صَدَّقَ ما فِيها مِن قَواعِدِ التَّوْحِيدِ، وأُصُولِ الدِّينِ، وأخْبارِ الأُمَمِ، والمَواعِظِ والحِكَمِ، أوْ أظْهَرَ ما سَألُوهُ عَنْهُ مِن غَوامِضِها، وحَمَلَ بَعْضُهم (ما) عَلى العُمُومِ، لِتَشْمَلَ جَمِيعَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (مُصَدِّقًا) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ، ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لا الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم مِنَ اللَّحاقِ، لِأنَّ النَّبْذَ عِنْدَ مَجِيءِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لا يُتَصَوَّرُ مِنهُمْ، وإفْرادُ هَذا النَّبْذِ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ إلَخْ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ جِناياتِهِمْ، ولِأنَّهُ تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي بَعْدُ، والمُرادُ بِالإيتاءِ إمّا إيتاءُ عِلْمِها، فالمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ عُلَمائِهِمْ، وإمّا مُجَرَّدُ إنْزالِها عَلَيْهِمْ، فَهو عِبارَةٌ عَنِ الكُلِّ، ولَمْ يَقُلْ: فَرِيقٌ مِنهُمْ، إيذانًا بِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَ ما ثَبَتَ لَهم في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وبَيْنَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ النَّبْذِ، ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾ مَفْعُولُ (نَبَذَ)، والمُرادُ بِهِ التَّوْراةُ لِما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عارَضُوهُ بِالتَّوْراةِ، فاتَّفَقَتِ التَّوْراةُ، والفُرْقانُ، فَنَبَذُوا التَّوْراةَ، وأخَذُوا بِكِتابِ آصِفَ، وسِحْرِ هارُوتَ ومارُوتَ، فَلَمْ تُوافِقِ القُرْآنَ، فَهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ﴾ إلَخْ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ النَّبْذَ يَقْتَضِي سابِقَةَ الأخْذِ في الجُمْلَةِ، وهو مُتَحَقِّقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وأنَّ المَعْرِفَةَ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كانَ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ، وأنَّ مَذَمَّتَهم في أنَّهم نَبَذُوا الكِتابَ الَّذِي أُوتُوهُ، واعْتَرَفُوا بِحَقِّيَّتِهِ أشَدُّ، فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ كانَ مُجَرَّدَ مُكابَرَةٍ وعِنادٍ، ومَعْنى نَبْذِهِمْ لَها إطْراحُ أحْكامِها، أوْ ما فِيها مِن صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وأيَّدَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الكَلامَ مَعَ الرَّسُولِ، فَيَصِيرُ المَعْنى أنَّهُ يُصَدِّقُ ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْراةِ، وهم بِالعَكْسِ صفحة 337 يُكَذِّبُونَ ما جاءَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ، ويَتْرُكُونَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ، بَعْدَ ما لَزِمَهم تَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ، وقِيلَ: الإنْجِيلُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وأضافَ الكِتابَ إلى الِاسْمِ الكَرِيمِ تَعْظِيمًا لَهُ، وتَهْوِيلًا لِما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ. ﴿وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ جَمْعُ ظَهْرٍ، مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى ظِهْرانٍ، وقَدْ شَبَّهَ تَرْكَهم كِتابَ اللَّهِ تَعالى وإعْراضَهم عَنْهُ بِحالَةِ شَيْءٍ يُرْمى بِهِ وراءَ الظَّهْرِ، والجامِعُ عَدَمُ الِالتِفاتِ، وقِلَّةُ المُبالاةِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ ها هُنا ما كانَ مُسْتَعْمَلًا هُناكَ، وهو النَّبْذُ وراءَ الظَّهْرِ، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ في هَذا المَعْنى، ومِنهُ قَوْلُهُ: تَمِيمُ بْنُ مُرٍّ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي ∗∗∗ بِظَهْرٍ ولا يَعْيى عَلَيْكَ جَوابُها ويَقُولُونَ أيْضًا: جَعَلَ هَذا الأمْرَ دُبُرَ أُذُنِهِ، ويُرِيدُونَ ما تَقَدَّمَ، ﴿كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ نَبَذُوهُ مُشَبَّهِينَ بِمَن لا يَعْلَمُ أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، أوْ لا يَعْلَمُهُ أصْلًا، أوْ لا يَعْلَمُونَهُ عَلى وجْهِ الإتْقانِ، ولا يَعْرِفُونَ ما فِيهِ مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ الأحْبارُ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ عِلْمَهم بِهِ رَصِينٌ، لَكِنَّهم يَتَجاهَلُونَ، وفي الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ زِيادَةُ مُبالَغَةٍ في إعْراضِهِمْ عَمّا في التَّوْراةِ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، ومَن فَسَّرَ كِتابَ اللَّهِ تَعالى بِالقُرْآنِ جَعَلَ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ، أيْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى مَعَ ثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وتَحَقُّقِهِ لَدَيْهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم نَبَذُوهُ لا عَنْ شُبْهَةٍ، ولَكِنْ بَغْيًا وحَسَدًا، وجَعْلُ المُتَعَلِّقِ أنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ، بَعِيدٌ، وقَدْ دَلَّ الآيَتانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهُمْ﴾ إلَخْ، بِناءً عَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الأكْثَرُ غَيْرَ النّابِذِينَ، عَلى أنَّ جُلَّ اليَهُودِ أرْبَعُ فِرَقٍ فَفِرْقَةٌ آمَنُوا بِالتَّوْراةِ وقامُوا بِحُقُوقِها كَمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ الأقَلُّونَ المُشارُ إلَيْهِمْ بِـ (بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ) وفِرْقَةٌ جاهَرُوا بِنَبْذِ العُهُودِ وتَعَدِّي الحُدُودِ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ط نَبَذَ فَرِيقٌ مِنهم " وفِرْقَةٌ لَمْ يُجاهِرُوا ولَكِنْ نَبَذُوا لِجَهْلِهِمْ وهُمُ الأكْثَرُونَ، وفِرْقَةٌ تَمَسَّكُوا بِها ظاهِرًا ونَبَذُوها سِرًّا، وهُمُ المُتَجاهِلُونَ،

البقرة 2:102

﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ عَطْفٌ عَلى (نَبَذَ)، والضَّمِيرُ لِفَرِيقٍ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الِكَتابَ، عَلى ما تَقَدَّمَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ، عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والضَّمِيرُ لِلَّذِينِ تَقَدَّمُوا مِنَ اليَهُودِ، أوِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ ما يَتَناوَلُ الكُلُّ، لِأنَّ ذاكَ غَيْرُ ظاهِرٍ، إذْ يَقْتَضِي الدُّخُولَ في حَيِّزِ لِـ(ما)، وأتْباعِهِمْ، هَذا لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى مَجِيءِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفِيهِ أنَّ ما عَلِمْتَ مِن قَوْلِ السُّدِّيِّ يَفْتَحُ بابَ الظُّهُورِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ المَبْنِيُّ غَيْرَهُ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى (أُشْرِبُوا)، وهو في غايَةِ البُعْدِ، بَلْ لا يَقْدَمُ عَلَيْهِ مَن جَرَعَ جَرْعَةً مِنَ الإنْصافِ، والمُرادُ بِالِاتِّباعِ التَّوَغُّلُ والإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: الِاقْتِداءُ، (وما) مَوْصُولَةٌ، (وتَتْلُو) صِلَتُها، ومَعْناهُ: تَتَّبِعُ، أوْ تَقْرَأُ، وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والأصْلُ: تَلَتْ، وقَوْلُ الكُوفِيِّينَ: إنَّ المَعْنى ما كانَتْ تَتْلُو، مَحْمُولٌ عَلى ذَلِكَ، لا أنَّ كانَ هُناكَ مُقَدَّرَةٌ، والمُتَبادِرُ مِنَ الشَّياطِينِ مَرَدَةُ الجِنِّ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ شَياطِينُ الإنْسِ، وهو قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ (الشَّياطُونَ)، عَلى حَدِّ ما رَواهُ الأصْمَعِيُّ عَنِ العَرَبِ: بُسْتانُ فُلانٍ حَوْلَهُ بَساتُونَ، وهو مِنَ الشُّذُوذِ بِمَكانٍ، حَتّى قِيلَ: إنَّهُ لَحْنٌ، ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَتْلُو)، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، أيْ عَهْدَ مُلْكِهِ، وزَمانَهُ، أوِ المُلْكُ مَجازٌ عَنِ العَهْدِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، (عَلى) بِمَعْنى (فِي) كَما أنَّ (فِي) بِمَعْنى (عَلى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وقَدْ صُرِّحَ في التَّسْهِيلِ بِمَجِيئِها لِلظَّرْفِيَّةِ، ومَثَّلَ لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ المُلْكَ صفحة 338 وكَذا العَهْدَ لا يَصْلُحُ كَوْنُهُ مَقْرُوءًا عَلَيْهِ، ومِنَ الأصْحابِ مَن أنْكَرَ مَجِيءَ (عَلى) بِمَعْنى (فِي) وجَعَلَ هَذا مِن تَضْمِينِ (تَتْلُو) مَعْنى تَتَقَوَّلُ، أوِ المُلْكُ عِبارَةٌ عَنِ الكُرْسِيِّ، لِأنَّهُ كانَ مِن آلاتِ مُلْكِهِ، فالكَلامُ عَلى حَدِّ: قَرَأْتُ عَلى المِنبَرِ، والمُرادُ بِما يَتْلُونَهُ السِّحْرُ، فَقَدْ أخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: إنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ مِنَ السَّماءِ، فَإذا سَمِعَ أحَدُهم بِكَلِمَةٍ كَذَبَ عَلَيْها ألْفَ كَذْبَةٍ، فَأُشْرِبَتْها قُلُوبُ النّاسِ، واتَّخَذُوها دَواوِينَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ، فَأخَذَها وقَذَفَها تَحْتَ الكُرْسِيِّ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ قامَ شَيْطانٌ بِالطَّرِيقِ، فَقالَ: ألا أدُلُّكم عَلى كَنْزِ سُلَيْمانَ الَّذِي لا كَنْزَ لِأحَدٍ مِثْلُ كَنْزِهِ المُمَنَّعِ؟ قالُوا: نَعَمْ فَأخْرَجُوهُ، فَإذا هو سِحْرٌ، فَتَناسَخَتْها الأُمَمُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عُذْرَ سُلَيْمانَ فِيما قالُوا مِنَ السِّحْرِ، وقِيلَ: رُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ قَدْ دَفَنَ كَثِيرًا مِنَ العُلُومِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِها تَحْتَ سَرِيرِ مُلْكِهِ خَوْفًا عَلى أنَّهُ إذا هَلَكَ الظّاهِرُ مِنها يَبْقى ذَلِكَ المَدْفُونُ، فَلَمّا مَضَتْ مُدَّةٌ عَلى ذَلِكَ، تَوَصَّلَ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلى أنْ كَتَبُوا في خِلالِ ذَلِكَ أشْياءَ مِنَ السِّحْرِ تُناسِبُ تِلْكَ الأشْياءَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ واطِّلاعِ النّاسِ عَلى تِلْكَ الكُتُبِ أوْهَمُوهم أنَّها مِن عِلْمِ سُلَيْمانَ، ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذِهِ الرِّوايَةِ، وسُلَيْمانُ كَما في البَحْرِ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وامْتَنَعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ونَظِيرُهُ مِنَ الأعْجَمِيَّةِ في أنَّ آخِرَهُ ألِفٌ ونُونٌ هامانُ، وماهانُ وشامانُ، ولَيْسَ امْتِناعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ كَعُثْمانَ، لِأنَّ زِيادَتَهُما مَوْقُوفَةٌ عَلى الِاشْتِقاقِ، والتَّصْرِيفِ، وهُما يَدْخُلانِ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ اليَوْمَ عَلى خِلافِهِ، ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ اعْتِراضٌ لِتَبْرِئَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: قالَ اليَهُودُ: انْظُرُوا إلى مُحَمَّدٍ يَخْلِطُ الحَقَّ بِالباطِلِ، يَذْكُرُ سُلَيْمانَ مَعَ الأنْبِياءِ، وإنَّما كانَ ساحِرًا، يَرْكَبُ الرِّيحَ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنِ السِّحْرِ بِالكُفْرِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ رِعايَةً لِمُناسَبَةِ (لَكِنَّ) الِاسْتِدْراكِيَّةِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ فَإنَّ (كَفَرُوا) مَعَها مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وجُمْلَةُ (يُعَلِّمُونَ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وقِيلَ: مِنَ الشَّياطِينِ، ورُدَّ بِأنَّ (لَكِنْ) لا تَعْمَلُ في الحالِ، وأُجِيبَ بِأنَّ فِيها رائِحَةُ الفِعْلِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن كَفَرُوا، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، والضَّمِيرُ لِلشَّياطِينِ، أوْ لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا، والسِّحْرُ في الأصْلِ مَصْدَرُ سَحَرَ يَسْحَرُ بِفَتْحِ العَيْنِ فِيهِما، إذا أبْدى ما يَدِقُّ ويَخْفى، وهو مِنَ المَصادِرِ الشّاذَّةِ، ويُسْتَعْمَلُ بِما لَطُفَ، وخَفِيَ سَبَبُهُ، والمُرادُ بِهِ أمْرٌ غَرِيبٌ يُشْبِهُ الخارِقَ، ولَيْسَ بِهَذا يَجْرِي فِيهِ التَّعَلُّمُ، ويُسْتَعانُ في تَحْصِيلِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلى الشَّيْطانِ بِارْتِكابِ القَبائِحِ قَوْلًا كالرُّقى الَّتِي فِيها ألْفاظُ الشِّرْكِ، ومَدْحُ الشَّيْطانِ وتَسْخِيرُهُ، وعَمَلًا كَعِبادَةِ الكَواكِبِ والتِزامِ الجِنايَةِ وسائِرِ الفُسُوقِ، واعْتِقادًا كاسْتِحْسانِ ما يُوجِبُ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ، ومَحَبَّتَهُ إيّاهُ، وذَلِكَ لا يَسْتَتِبُّ إلّا بِمَن يُناسِبُهُ في الشَّرارَةِ، وخُبْثِ النَّفْسِ، فَإنَّ التَّناسُبَ شَرْطُ التَّضامِّ والتَّعاوُنِ، فَكَما أنَّ المَلائِكَةَ لا تُعاوِنُ إلّا أخْيارَ النّاسِ المُشَبَّهِينَ بِهِمْ في المُواظَبَةِ عَلى العِبادَةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالقَوْلِ والفِعْلِ، كَذَلِكَ الشَّياطِينُ لا تُعاوِنُ إلّا الأشْرارَ المُشَبَّهِينَ بِهِمْ في الخِيانَةِ والنَّجاسَةِ قَوْلًا وفِعْلًا واعْتِقادًا، وبِهَذا يَتَمَيَّزُ السّاحِرُ عَنِ النَّبِيِّ والوَلِيِّ، فَلا يَرُدُّ ما قالَ المُعْتَزِلَةُ: مِن أنَّهُ لَوْ أمْكَنَ لِلْإنْسانِ مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ ظُهُورُ الخَوارِقِ والإخْبارُ عَنِ المُغَيَّباتِ لاشْتَبَهَ طَرِيقُ النُّبُوَّةِ بِطَرِيقِ السِّحْرِ، وأمّا ما يُتَعَجَّبُ مِنهُ كَما يَفْعَلُهُ أصْحابُ الحِيَلِ بِمَعُونَةٍ الآلاتِ المُرَكَّبَةِ عَلى النِّسْبَةِ الهَنْدَسِيَّةِ تارَةً، وعَلى صَيْرُورَةِ الخَلاءِ مِلاءً أُخْرى، وبِمَعُونَةِ الأدْوِيَةِ كالنّارِنْجِيّاتِ أوْ يُرِيهِ صاحِبُ خِفَّةِ اليَدِ فَتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا عَلى التَّجَوُّزِ، وهو مَذْمُومٌ أيْضًا صفحة 339 عِنْدَ البَعْضِ، وصَرَّحَ النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ بِحُرْمَتِهِ، فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ بِأنَّهُ خارِقُ العادَةِ يَظْهَرُ مِن نَفْسٍ شِرِّيرَةٍ بِمُباشَرَةِ أعْمالٍ مَخْصُوصَةٍ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ لَهُ حَقِيقَةً، وأنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ السّاحِرُ إلى حَيْثُ يَطِيرُ في الهَواءِ، ويَمْشِي عَلى الماءِ، ويَقْتُلُ النَّفْسَ، ويَقْلِبُ الإنْسانَ حِمارًا، والفاعِلُ الحَقِيقِيُّ في كُلِّ ذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى، ولَمْ تَجْرِ سُنَّتُهُ بِتَمْكِينِ السّاحِرِ مِن فَلْقِ البَحْرِ، وإحْياءِ المَوْتى، وإنْطاقِ العَجْماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمُعْتَزِلَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ الإسْتَراباذِيُّ مِن أصْحابِنا عَلى أنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وإنَّما هو تَخْيِيلٌ، وأكْفَرَ المُعْتَزِلَةُ مَن قالَ بِبُلُوغِ السّاحِرِ إلى حَيْثُ ما ذَكَرْنا زَعْمًا مِنهم أنَّ بِذَلِكَ انْسِدادَ طَرِيقِ النُّبُوَّةِ، ولَيْسَ كَما زَعَمُوا عَلى ما لا يَخْفى، ومِنَ المُحَقِّقِينَ مَن فَرَّقَ بَيْنَ السِّحْرِ والمُعْجِزَةِ بِاقْتِرانِ المُعْجِزَةِ بِالتَّحَدِّي بِخِلافِهِ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ ظُهُورُهُ عَلى يَدِ مُدَّعِي نُبُوَّةٍ كاذِبًا، كَما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى المُسْتَمِرَّةُ صَوْنًا لِهَذا المَنصِبِ الجَلِيلِ عَنْ أنْ يَتَسَوَّرَ حِماهُ الكَذّابُونَ، وقَدْ شاعَ أنَّ العَمَلَ بِهِ كُفْرٌ، حَتّى قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ: لا يُرْوى خِلافٌ في ذَلِكَ، وعَدُّهُ نَوْعًا مِنَ الكَبائِرِ مُغايِرَ الإشْراكِ لا يُنافِي ذَلِكَ، لِأنَّ الكُفْرَ أعَمُّ، والإشْراكَ نَوْعٌ مِنهُ، وفِيهِ بَحْثٌ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ الشَّيْخَ أبا مَنصُورٍ ذَهَبَ إلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ عَلى الإطْلاقِ خَطَأٌ، بَلْ يَجِبُ البَحْثُ عَنْ حَقِيقَتِهِ، فَإنْ كانَ في ذَلِكَ رَدُّ ما لَزِمَ مِن شَرْطِ الإيمانِ فَهو كُفْرٌ، وإلّا فَلا، ولَعَلَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ العَلّامَةُ مَبْنِيٌّ عَلى التَّفْسِيرِ أوَّلًا، فَإنَّهُ عَلَيْهِ مِمّا يُمْتَرى في كُفْرِ فاعِلِهِ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ المُرادَ مِنَ الإشْراكِ فِيما عَدا الكَبائِرَ مُطْلَقُ الكُفْرِ، وإلّا تَخْرُجُ أنْواعُ الكُفْرِ مِنها، ثُمَّ السِّحْرُ الَّذِي هو كُفْرٌ يُقْتَلُ عَلَيْهِ الذُّكُورُ لا الإناثُ، وما لَيْسَ بِكُفْرٍ وفِيهِ إهْلاكُ النَّفْسِ فَفِيهِ حُكْمُ قُطّاعِ الطَّرِيقِ، ويَسْتَوِي فِيهِ الذُّكُورُ والإناثُ، وتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إذا تابَ، ومَن قالَ لا تُقْبَلُ، فَقَدْ غَلِطَ، فَإنَّ سَحَرَةَ مُوسى قُبِلَتْ تَوْبَتُهُمْ، كَذا في المَدارِكِ، ولَعَلَّهُ إلى الأُصُولِ أقْرَبُ، والمَشْهُورُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ السّاحِرَ يُقْتَلُ مُطْلَقًا، إذا عُلِمَ أنَّهُ ساحِرٌ، ولا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أتْرُكُ السِّحْرَ، وأتُوبُ عَنْهُ، فَإنْ أقَرَّ بِأنِّي كُنْتُ أسْحَرُ مُدَّةً، وقَدْ تَرَكْتُ مُنْذُ زَمانٍ قُبِلَ مِنهُ، ولَمْ يُقْتَلْ، واحْتُجَّ بِما رُوِيَ أنَّ جارِيَةً لِحَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها سَحَرَتْها، فَأخَذُوها فاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ، فَأمَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ فَقَتَلَها، وإنْكارُ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّما كانَ لِقَتْلِها بِغَيْرِ إذْنِهِ، وبِما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: اقْتُلُوا كُلَّ ساحِرٍ وساحِرَةٍ، فَقَتَلُوا ثَلاثَ سَواحِرَ، والشّافِعِيَّةُ نَظَرُوا في هَذا الِاحْتِجاجِ، واعْتَرَضُوا عَلى القَوْلِ بِالقَتْلِ مُطْلَقًا بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَقْتُلِ اليَهُودِيَّ الَّذِي سَحَرَهُ، فالمُؤْمِنُ مِثْلُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «(لَهم ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْهِمْ ما عَلى المُسْلِمِينَ)،» وتَحْقِيقُهُ في الفُرُوعِ، واخْتُلِفَ في تَعْلِيمِهِ وتَعَلُّمِهِ، فَقِيلَ: كُفْرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، إذْ فِيها تَرْتِيبُ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ، وهو مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ فِيها ذَلِكَ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهم كَفَرُوا، وهم مَعَ ذَلِكَ يُعَلِّمُونَ السِّحْرَ، وقِيلَ: إنَّهُما حَرامانِ، وبِهِ قَطَعَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَكْرُوهانِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ البَعْضُ، وقِيلَ: مُباحانِ، والتَّعْلِيمُ المُساقُ لِلذَّمِّ هُنا مَحْمُولٌ عَلى التَّعْلِيمِ لِلْإغْواءِ والإضْلالِ، وإلَيْهِ مالَ الإمامُ الرّازِيُّ قائِلًا: اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ العِلْمَ بِالسِّحْرِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ ولا مَحْظُورٍ، لِأنَّ العِلْمَ لِذاتِهِ شَرِيفٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولَوْ لَمْ يُعْلَمِ السِّحْرُ لَما أمْكَنَ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ، والعِلْمُ بِكَوْنِ المُعْجِزِ مُعْجِزًا واجِبٌ، وما يَتَوَقَّفُ الواجِبُ عَلَيْهِ فَهو واجِبٌ، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ واجِبًا، وما يَكُونُ واجِبًا كَيْفَ يَكُونُ حَرامًا وقَبِيحًا، ونَقَلَ بَعْضُهم وُجُوبَ تَعَلُّمِهِ عَلى المُفْتِي حَتّى يَعْلَمَ ما يَقْتُلُ بِهِ، وما لا يَقْتُلُ بِهِ، فَيُفْتِيَ بِهِ في وُجُوبِ القِصاصِ انْتَهى، والحَقُّ عِنْدِي الحُرْمَةُ تَبَعًا لِلْجُمْهُورِ، إلّا لِداعٍ شَرْعِيٍّ، وفِيما قالَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى نَظَرٌ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنّا لا نَدَّعِي أنَّهُ قَبِيحٌ لِذاتِهِ، وإنَّما قُبْحُهُ بِاعْتِبارِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَتَحْرِيمُهُ صفحة 340 مِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ، وكَمْ مِن أمْرٍ حُرِّمَ لِذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ: «(مَن حامَ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ)،» وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ تَوَقُّفَ الفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ عَلى العِلْمِ بِهِ مَمْنُوعٌ، ألا تَرى أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ، أوْ كُلَّهم إلّا النّادِرَ عَرَفُوا الفَرْقَ بَيْنَهُما، ولَمْ يَعْرِفُوا عِلْمَ السِّحْرِ، وكَفى فارِقًا بَيْنَهُما ما تَقَدَّمَ، ولَوْ كانَ تَعَلُّمُهُ واجِبًا لِذَلِكَ لَرَأيْتَ أعْلَمَ النّاسِ بِهِ الصَّدْرَ الأوَّلَ، مَعَ أنَّهم لَمْ يُنْقَلْ عَنْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، أفَتَراهم أخَلُّوا بِهَذا الواجِبِ، وأتى بِهِ هَذا القائِلُ، أوْ أنَّهُ أخَلَّ بِهِ كَما أخَلُّوا، وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ إفْتاءَ المُفْتِي بِوُجُوبِ القَوَدِ أوْ عَدَمِهِ لا يَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَتَهُ عِلْمَ السِّحْرِ، لِأنَّ صُورَةَ إفْتائِهِ عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ إنْ شَهِدَ عَدْلانِ عَرَفا السِّحْرَ وتابا مِنهُ أنَّهُ يُقْتَلُ غالِبًا قَتْلَ السّاحِرِ، وإلّا فَلا، هَذا وقَدْ أطْلَقَ بَعْضُ العُلَماءِ السِّحْرَ عَلى المَشْيِ بَيْنَ النّاسِ بِالنَّمِيمَةِ، لِأنَّ فِيها قَلْبَ الصَّدِيقِ عَدُوًّا، والعَدُوَّ صَدِيقًا، كَما أُطْلِقَ عَلى حُسْنِ التَّوَسُّلِ بِاللَّفْظِ الرّائِقِ العَذْبِ لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِمالَةِ، ويُسَمّى سِحْرًا حَلالًا، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا)،» والقَوْلُ بِأنَّهُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ الذَّمِّ لِلْفَصاحَةِ والبَلاغَةِ بَعِيدٌ، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ راوِي الحَدِيثِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: (يُعَلِّمُونَ) إلَخْ، أنَّهم يُفَهِّمُونَهم إيّاهُ بِالإقْراءِ والتَّعْلِيمِ، وقِيلَ: يَدُلُّونَهم عَلى تِلْكَ الكُتُبِ، فَأُطْلِقَ عَلى تِلْكَ الدِّلالَةِ تَعْلِيمًا إطْلاقًا لِلسَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، وقِيلَ: المَعْنى يُوَقِّرُونَ في قُلُوبِهِمْ أنَّها حَقٌّ تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وأنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما تَمَّ لَهُ ما تَمَّ بِذَلِكَ، والإطْلاقُ عَلَيْهِ هو الإطْلاقُ، وقِيلَ: يُعَلِّمُونَ بِمَعْنى يُعْلِمُونَ مِنَ الإعْلامِ، وهو الإخْبارُ أيْ يُخْبِرُونَهم بِما أوْ بِمَن يَتَعَلَّمُونَ بِهِ، أوْ مِنهُ السِّحْرَ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو (لَكِنَّ) بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ، وارْتِفاعُ ما بَعْدَها بِالِابْتِداءِ، والخَبَرِ، وهَلْ يَجُوزُ إعْمالُهُ إذا خُفِّفَتْ، فِيهِ خِلافٌ، والجَمْعُ عَلى المَنعِ، وهو الصَّحِيحُ، وعَنْ يُونُسَ والأخْفَشِ الجَوازُ، والصَّحِيحُ إنَّها بَسِيطَةٌ، ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن لا النّافِيَةِ، وكافِ الخِطابِ، وأنَّ المُؤَكِّدَةِ المَحْذُوفَةِ الهَمْزَةِ لِلِاسْتِثْقالِ، وهو إلى الفَسادِ أقْرَبُ، ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ المُرادُ الجِنْسُ، وهو عَطْفٌ عَلى السِّحْرِ، وهُما واحِدٌ إلّا أنَّهُ نَزَّلَ تَغايُرَ المَفْهُومِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتِ كَما في قَوْلِهِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ البَيْتَ، وفائِدَةُ العَطْفِ التَّنْصِيصُ بِأنَّهم يُعَلِّمُونَ ما هو جامِعٌ بَيْنَ كَوْنِهِ سِحْرًا وبَيْنَ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا عَلى المَلَكَيْنِ لِلِابْتِلاءِ، فَيُفِيدُ ذَمَّهم بِارْتِكابِهِمُ النَّهْيَ بِوَجْهَيْنِ، وقَدْ يُرادُ بِالمَوْصُولِ المَعْهُودُ، وهو نَوْعٌ آخَرُ أقْوى، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ إشارَةً إلى كَمالِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو دُونَ السِّحْرِ، وهو ما يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ لا غَيْرُ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى ما (تَتْلُو)، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّبَعُوا السِّحْرَ المُدَوَّنَ في الكُتُبِ وغَيْرِهِ، وهَذانِ المَلَكانِ أُنْزِلا لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلنّاسِ، فَمَن تَعَلَّمَ وعَمِلَ بِهِ كَفَرَ، ومَن تَعَلَّمَ وتَوَقّى عَمَلَهُ ثَبَتَ عَلى الإيمانِ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يَمْتَحِنَ عِبادَهُ بِما شاءَ، كَما امْتَحَنَ قَوْمَ طالُوتَ بِالنَّهَرِ، وتَمْيِيزًا بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ، حَيْثُ إنَّهُ كَثُرَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وأظْهَرَ السَّحَرَةُ أُمُورًا غَرِيبَةً وقَعَ الشَّكُّ بِها في النُّبُوَّةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى المَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ أبْوابِ السِّحْرِ، حَتّى يُزِيلا الشُّبَهَ ويُمِيطا الأذى عَنِ الطَّرِيقِ، قِيلَ: كانَ ذَلِكَ في زَمَنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا ما رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ تَعَجَّبَتْ مِن بَنِي آدَمَ في مُخالَفَتِهِمْ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وقالُوا لَهُ تَعالى: لَوْ كُنّا مَكانَهم ما عَصَيْناكَ، فَقالَ: اخْتارُوا مَلَكَيْنِ مِنكم فاخْتارُوهُما، فَهَبَطا إلى الأرْضِ، ومَثُلا بَشَرَيْنِ، وألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِما الشَّبَقَ، وحَكَما بَيْنَ النّاسِ، فافْتَتَنا بِامْرَأةٍ يُقالُ لَها زُهَرَةُ، فَطَلَباها وامْتَنَعَتْ إلّا أنْ يَعْبُدا صَنَمًا، أوْ يَشْرَبا خَمْرًا، أوْ يَقْتُلا صفحة 341 نَفْسًا، فَفَعَلا، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ مِنهُما ما صَعِدَتْ بِهِ إلى السَّماءِ، فَصَعِدَتْ ومُسِخَتْ هَذا النَّجْمَ، وأرادا العُرُوجَ فَلَمْ يُمْكِنْهُما، فَخُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فاخْتارُوا عَذابَ الدُّنْيا، فَهُما الآنَ يُعَذَّبانِ فِيها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ الَّتِي بَلَغَتْ طُرُقُها نَيِّفًا وعِشْرِينَ، فَقَدْ أنْكَرَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ القاضِي عِياضٌ، وذَكَرَ أنَّ ما ذَكَرَهُ أهْلُ الأخْبارِ، ونَقَلَهُ المُفَسِّرُونَ في قِصَّةِ هارُوتَ ومارُوتَ لَمْ يَرِدْ مِنهُ شَيْءٌ لا سَقِيمٌ ولا صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَيْسَ هو شَيْئًا يُؤْخَذُ بِالقِياسِ، وذَكَرَ في البَحْرِ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ لا يَصِحُّ مِنهُ شَيْءٌ، ولَمْ يَصِحَّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَلْعَنُ الزُّهَرَةَ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما خِلافًا لِمَن رَواهُ، وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الرِّوايَةَ في ذَلِكَ: إنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ فاسِدَةٌ مَرْدُودَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، ونَصَّ الشِّهابُ العِراقِيُّ عَلى أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ في هارُوتَ ومارُوتَ أنَّهُما مَلَكانِ يُعَذَّبانِ عَلى خَطِيئَتِهِما مَعَ الزُّهَرَةِ فَهو كافِرٌ بِاللَّهِ تَعالى العَظِيمِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ مَعْصُومُونَ، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ والزُّهَرَةُ كانَتْ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ، والقَوْلُ بِأنَّها تَمَثَّلَتْ لَهُما فَكانَ ما كانَ، ورُدَّتْ إلى مَكانِها غَيْرُ مَعْقُولٍ ولا مَقْبُولٍ، واعْتَرَضَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ عَلى مَن أنْكَرَ القِصَّةَ بِأنَّ الإمامَ أحْمَدَ وابْنَ حِبّانَ والبَيْهَقِيَّ وغَيْرَهم رَوَوْها مَرْفُوعَةً ومَوْقُوفَةً عَلى عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأسانِيدَ عَدِيدَةٍ صَحِيحَةٍ، يَكادُ الواقِفُ عَلَيْها يَقْطَعُ بِصِحَّتِها لِكَثْرَتِها وقُوَّةِ مُخَرِّجِيها، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ما رُوِيَ مَرْوِيٌّ حِكايَةً لِما قالَهُ اليَهُودُ، وهو باطِلٌ في نَفْسِهِ، وبُطْلانُهُ في نَفْسِهِ لا يُنافِي صِحَّةَ الرِّوايَةِ، ولا يَرُدُّ ما قالَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ، إنَّما يَرُدُّ عَلى المُنْكِرِينَ بِالكُلِّيَّةِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ الرُّمُوزِ، والإشاراتِ، فَيُرادُ مِنَ المَلَكَيْنِ العَقْلُ النَّظَرِيُّ والعَقْلُ العَمَلِيُّ اللَّذانِ هُما مِن عالَمِ القُدْسِ، ومِنَ المَرْأةِ المُسَمّاةِ بِالزُّهَرَةِ النَّفْسُ النّاطِقَةُ، ومِن تَعَرُّضِهِما لَها تَعْلِيمُهُما لَها ما يُسْعِدُها، ومِن حَمْلِها إيّاهُما عَلى المَعاصِي تَحْرِيضُها إيّاهُما بِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ المِزاجِيَّةِ إلى المَيْلِ إلى السُّفْلِيّاتِ المُدَنِّسَةِ لِجَوْهَرَيْهِما، ومِن صُعُودِها إلى السَّماءِ بِما تَعَلَّمَتْ مِنهُما عُرُوجُها إلى المَلَإ الأعْلى ومُخالَطَتُها مَعَ القُدْسِيِّينَ بِسَبَبِ انْتِصاحِها لِنُصْحِهِما، ومِن بَقائِهِما مُعَذَّبَيْنِ بَقاؤُهُما مَشْغُولَيْنِ بِتَدْبِيرِ الجَسَدِ، وحِرْمانِهِما عَنِ العُرُوجِ إلى سَماءِ الحَضْرَةِ، لِأنَّ طائِرَ العَقْلِ لا يَحُومُ حَوْلَ حِماها، ومِنَ الأكابِرِ مَن قالَ في حَلِّ هَذا الرَّمْزِ: إنَّ الرُّوحَ والعَقْلَ اللَّذَيْنِ هُما مِن عالَمِ المُجَرَّداتِ قَدْ نَزَلا مِن سَماءِ التَّجَرُّدِ إلى أرْضِ التَّعَلُّقِ، فَعَشِقا البَدَنَ الَّذِي هو كالزُّهَرَةِ في غايَةِ الحُسْنِ والجَمالِ، لِتَوَقُّفِ كَمالِهِما عَلَيْهِ، فاكْتَسَبا بِتَوَسُّطِهِ المَعاصِيَ، والشِّرْكَ، وتَحْصِيلَ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةَ الدَّنِيَّةَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ بِأنْ وصَلَ بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِما إلى الكَمالِ اللّائِقِ بِهِ، ثُمَّ مُسِخَ بِأنِ انْقَطَعَ التَّعَلُّقُ وتَفَرَّقَتِ العَناصِرُ، وهُما بَقِيا مُعَذَّبَيْنِ بِعَذابِ الحِرْمانِ عَنِ الِاتِّصالِ بِعالَمِ القُدْسِ مُتَألِّمَيْنِ بِالآلامِ الرُّوحانِيَّةِ مَنكُوسَيِ الحالِ، حَيْثُ غَلَبَ التَّعَلُّقُ عَلى التَّجَرُّدِ، وانْعَكَسَ القُرْبُ بِالبُعْدِ، وقِيلَ: المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الإشارَةُ إلى أنَّ مَن كانَ مَلَكًا إنِ اتَّبَعَ الشَّهْوَةَ هَبَطَ عَنْ دَرَجَةِ المَلائِكَةِ إلى دَرَجَةِ البَهِيمَةِ، ومَن كانَ امْرَأةً ذاتَ شَهْوَةٍ إذا كَسَرَتْ شَهْوَتَها وغَلَبَتْ عَلَيْها، صَعِدَتْ إلى دَرَجِ المَلَكِ، واتَّصَلَتْ إلى سَماءِ المَنازِلِ والمَراتِبِ، وكَتَبَ بَعْضُهم لِحَلِّهِ: مَلَّ وأيْمُ اللَّهِ نَفْسِي نَفْسِي ∗∗∗ وطالَ في مُكْثِ حَياتِي حَبْسِي أصْبَحَ في مَضاجِعِي وأمْسى ∗∗∗ أمْسِي كَيَوْمِي وكَيَوْمِي أمْسِي يا حَبَّذا يَوْمُ نُزُولِي رَمْسِي ∗∗∗ مَبْدَأُ سَعْدِي وانْتِهاءُ نَحْسِي وكُلُّ جِنْسٍ لاحِقٍ بِالجِنْسِ ∗∗∗ مِن جَوْهَرٍ يَرْقى بِدارِ الأُنْسِ صفحة 342 وعَرْضٌ يَبْقى بِدارِ الحِسِّ هَذا، ومَن قالَ: بِصِحَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ في نَفْسِ الأمْرِ، وحَمَلَها عَلى ظاهِرِها فَقَدْ رَكِبَ شَطَطًا، وقالَ غَلَطًا، وفَتَحَ بابًا مِنَ السِّحْرِ يُضْحِكُ المَوْتى، ويُبْكِي الأحْياءَ، ويُنَكِّسُ رايَةَ الإسْلامِ، ويَرْفَعُ رُؤُوسَ الكَفَرَةِ الطَّغامِ، كَما لا يَخْفى ذَلِكَ عَلى المُنْصِفِينَ مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقِينَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو الأسْوَدِ، والضَّحّاكُ (المَلِكَيْنِ)، بِكَسْرِ اللّامِ، حَمَلَ بَعْضُهم قِراءَةَ الفَتْحِ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: هُما رَجُلانِ، إلّا أنَّهُما سُمِّيا مَلَكَيْنِ بِاعْتِبارِ صَلاحِهِما، ويُؤَيِّدُهُ ما قِيلَ: إنَّهُما داوُدُ وسُلَيْمانُ، ويَرُدُّهُ قَوْلُ الحَسَنِ: إنَّهُما عِلْجانِ كانا بِبابِلِ العِراقِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّهُما مِنَ المَلائِكَةِ ظَهَرا في صُورَةِ المُلُوكِ، وفِيهِ حَمْلُ الكَسْرِ عَلى الفَتْحِ عَلى عَكْسِ ما تَقَدَّمَ، والإنْزالُ إمّا عَلى ظاهِرِهِ، أوْ بِمَعْنى القَذْفِ في قُلُوبِهِما، (بِبابِلَ) الباءُ بِمَعْنى فِي، وهي مُتَعَلِّقَةٌ (بِأُنْزِلَ)، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَلَكَيْنِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في أُنْزِلَ، وهي كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: بَلَدٌ في سَوادِ الكُوفَةِ، وقِيلَ: بابِلُ العِراقِ، وقالَ قَتادَةُ: هي مِن نُصَيْبِينَ إلى رَأْسِ العَيْنِ، وقِيلَ: جَبَلُ دَماوَنْدَ، وقِيلَ: بَلَدٌ بِالمَغْرِبِ، والمَشْهُورُ اليَوْمَ الثّانِي، وعِنْدَ البَعْضِ هو الأوَّلُ، قِيلَ: وسُمِّيَتْ بابِلَ، لِتَبَلْبُلِ الألْسِنَةِ فِيها عِنْدَ سُقُوطِ صَرْحِ نُمْرُودَ، وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ سالِمٍ، وهو مُتَّهَمٌ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لَمّا حَشَرَ اللَّهُ تَعالى الخَلائِقَ إلى بابِلَ بَعَثَ إلَيْهِمْ رِيحًا شَرْقِيَّةً وغَرْبِيَّةً، وقِبْلِيَّةً وبَحْرِيَّةً، فَجَمَعَتْهم إلى بابِلَ، فاجْتَمَعُوا يَوْمَئِذٍ يَنْظُرُونَ لِما حُشِرُوا لَهُ، إذْ نادى مُنادٍ: مَن جَعَلَ المَغْرِبَ عَنْ يَمِينِهِ والمَشْرِقَ عَنْ يَسارِهِ، واقْتَصَدَ إلى البَيْتِ الحَرامِ بِوَجْهِهِ، فَلَهُ كَلامُ أهْلِ السَّماءِ، فَقامَ يَعْرُبُ ابْنُ قَحْطانَ فَقِيلَ لَهُ: يا يَعْرُبُ بْنَ قَحْطانَ بْنِ هُودٍ أنْتَ هُوَ، فَكانَ أوَّلَ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ، فَلَمْ يَزَلِ المُنادِي يُنادِي مَن فَعَلَ كَذا وكَذا، فَلَهُ كَذا وكَذا، حَتّى افَتَرَقُوا عَلى اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ لِسانًا، وانْقَطَعَ الصَّوْتُ، وتَبَلْبَلَتِ الألْسُنُ، فَسُمِّيَتْ بابِلَ، وكانَ اللِّسانُ يَوْمَئِذٍ بابِلِيًّا، وعِنْدِي في القَوْلَيْنِ تَرَدُّدٌ، بَلْ عَدَمُ قَبُولٍ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ بابِلَ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ لا عَرَبِيٌّ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الأخْفَشِ، وأنَّهُ في الأصْلِ اسْمٌ لِلنَّهَرِ الكَبِيرِ في بَعْضِ اللُّغاتِ الأعْجَمِيَّةِ القَدِيمَةِ، وقَدْ أُطْلِقَ عَلى تِلْكَ الأرْضِ لِقُرْبِ الفُراتِ مِنها، ولَعَلَّ ذَلَكَ مِن قَبِيلِ تَسْمِيَةِ بَغْدادَ دارَ السَّلامِ بِناءً عَلى أنَّ السَّلامَ اسْمٌ لِدِجْلَةَ، وقَدْ رَأيْتُ لِذَلِكَ تَفْصِيلًا لا أدْرِيهِ اليَوْمَ في أيِّ كِتابٍ، وأظُنُّهُ قَرِيبًا مِمّا ذَكَرْتُهُ، فَلْيُحْفَظْ، ومَنَعَ بَعْضُهُمُ الصَّلاةَ بِأرْضٍ بابِلَ احْتِجاجًا بِما أخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ حَبِيبِي صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَهانِي أنْ أُصَلِّيَ بِأرْضِ بابِلَ،» فَإنَّها مَلْعُونَةٌ، وقالَ الخَطّابِيُّ: في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ مَقالٌ، ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ حَرَّمَ الصَّلاةَ بِها، ويُشْبِهُ إنْ ثَبَتَ الحَدِيثُ أنْ يَكُونَ نَهاهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَها وطَنًا ومَقامًا، فَإذا أقامَ بِها كانَتْ صَلاتُهُ فِيها، وهَذا مِن بابِ التَّعْلِيقِ في عِلْمِ البَيانِ، أوْ لَعَلَّ النَّهْيَ لَهُ خاصَّةً، ألا تَرى قالَ: نَهانِي، ومِثْلُهُ حَدِيثٌ آخَرُ: (نَهانِي) أقْرَأُ ساجِدًا أوْ راكِعًا، ولا أقُولُ: (نَهاكُمْ)، وكانَ ذَلِكَ إنْذارًا مِنهُ بِما لَقِيَ مِنَ المِحْنَةِ في تِلْكَ النّاحِيَةِ، ﴿هارُوتَ ومارُوتَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمَلَكَيْنِ، وهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ لَهُما، مُنِعا مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقِيلَ: عَرَبِيّانِ مِنَ الهَرْتِ والمَرْتِ بِمَعْنى الكَسْرِ، وكانَ اسْمُهُما قَبْلُ: عَزا، وعَزايا، فَلَمّا قارَفا الذَّنْبَ سُمِّيا بِذَلِكَ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ مَنعُهُما مِنَ الصَّرْفِ، ولَيْسَ إلّا العَلَمِيَّةُ، وتَكَلَّفَ لَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُما مَعْدُولانِ مِنَ الهارِتِ والمارِتِ، وانْحِصارُ العَدْلِ في الأوْزانِ المَحْفُوظَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وهو كَما تَرى، وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ بِرَفْعِهِما عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ هُما هارُوتُ ومارُوتُ، ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ ما قالَهُ الإمامُ القُرْطُبِيُّ: إنَّ هارُوتَ ومارُوتَ صفحة 343 بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ، (وما) في ﴿وما أُنْزِلَ﴾ نافِيَةٌ، والمُرادُ مِنَ المَلَكَيْنِ جَبْرائِيلُ ومِيكائِيلُ، لِأنَّ اليَهُودَ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَهُما بِالسِّحْرِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: وما كَفَرَ سُلَيْمانُ، وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، ولَكِنَّ الشَّياطِينَ هارُوتَ ومارُوتَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ بِبابِلَ، وعَلَيْهِ فالبَدَلُ إمّا بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ونُصَّ عَلَيْهِما بِالذِّكْرِ لِتَمَرُّدِهِما، ولِكَوْنِهِما رَأْسًا في التَّعْلِيمِ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، إمّا بِناءً عَلى أنَّ الجَمْعَ يُطْلَقُ عَلى الِاثْنَيْنِ، أوْ عَلى أنَّهُما عِبارَتانِ عَنْ قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الشَّياطِينِ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُما بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وأعْجَبُ مِن قَوْلِهِ هَذا قَوْلُهُ: وهَذا أوْلى ما حُمِلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ التَّأْوِيلِ وأصَحُّ ما قِيلَ فِيها، ولا تَلْتَفِتْ إلى ما سِواهُ، ولا يَخْفى لَدى كُلِّ مُنْصِفٍ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وهو في أعْلى مَراتِبِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ عَلى ما هو أدْنى مِن ذَلِكَ، وما هو إلّا مَسْخٌ لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ شَأْنُهُ، وإهْباطٌ لَهُ عَنْ شَأْوْاهُ، ومَفاسِدُ قِلَّةِ البِضاعَةِ لا تُحْصى، وقِيلَ: إنَّهُما بَدَلٌ مِنَ النّاسِ، أيْ يُعَلِّمُونَ النّاسَ خُصُوصًا هارُوتَ ومارُوتَ، والنَّفْيُ هو النَّفْيُ. ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ أيْ ما يُعَلِّمُ المَلَكانِ أحَدًا حَتّى يَنْصَحاهُ ويَقُولا لَهُ: إنَّما نَحْنُ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَمَن تَعَلَّمَ مِنّا وعَمِلَ بِهِ كَفَرَ، ومَن تَعَلَّمَ وتَوَقّى ثَبَتَ عَلى الإيمانِ، (فَلا تَكْفُرْ) بِاعْتِقادِهِ وجَوازِ العَمَلِ بِهِ، وقِيلَ: فَلا تَتَعَلَّمْ مُعْتَقِدًا إنَّهُ حَقٌّ، حَتّى تَكْفُرَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى رَأْيِ الِاعْتِزالِ مِن أنَّ السِّحْرَ تَمْوِيهٌ، وتَخْيِيلٌ، ومَنِ اعْتَقَدَ حَقِّيَّتَهُ يَكْفُرُ، (ومِن) مَزِيدَةٌ في المَفْعُولِ بِهِ، لِإفادَةِ تَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، وإفْرادُ الفِتْنَةِ مَعَ تَعَدُّدِ المُخْبَرِ عَنْهُ لِكَوْنِها مَصْدَرًا، والحَمْلُ مُواطَأةً لِلْمُبالَغَةِ، والقَصْرُ لِبَيانِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُما فِيما يَتَعاطَيانِهِ شَأْنٌ سِواها، لِيَنْصَرِفَ النّاسُ عَنْ تَعَلُّمِهِ، (وحَتّى) لِلْغايَةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى إلّا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (يُعَلِّمُونَ)، والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، والقَوْلُ بِأنَّهُ ثَلاثٌ، أوْ سَبْعٌ، أوْ تِسْعٌ لا ثَبَتَ لَهُ، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ تَلَقِّي ذَلِكَ العِلْمِ مِنهُما، فَقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُما لا يَصِلُ إلَيْهِما أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وإنَّما يَخْتَلِفُ إلَيْهِما شَيْطانانِ في كُلِّ سَنَةٍ اخْتِلافَةً واحِدَةً فَيَتَعَلَّمانِ مِنهُما، وقِيلَ: وهو الظّاهِرُ: إنَّهُما كانَ يُباشِرانِ التَّعْلِيمَ بِأنْفُسِهِما في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، والأقْرَبُ أنَّهُما لَيْسا إذْ ذاكَ عَلى الصُّورَةِ المَلَكِيَّةِ، وأمّا ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: (قَدِمَتْ عَلَيَّ امْرَأةٌ مِن أهْلِ دُومَةِ الجَنْدَلِ تَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ، تَسْألُهُ عَنْ شَيْءٍ دَخَلَتْ فِيهِ مِن أمْرِ السِّحْرِ، ولَمْ تَعْمَلْ بِهِ، قالَتْ: كانَ لِي زَوْجٌ غابَ عَنِّي، فَدَخَلْتُ عَلى عَجُوزٍ، فَشَكَوْتُ إلَيْها، فَقالَتْ: إنْ فَعَلْتِ ما آمُرُكِ أجْعَلُهُ يَأْتِيكِ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ جاءَتْنِي بِكَلْبَيْنِ أسْوَدَيْنِ، فَرَكِبَتْ أحَدَهُما، ورَكِبْتُ الآخَرَ، فَلَمْ يَكُنْ كَشَيْءٍ، حَتّى وقَفْنا بِبابِلَ، فَإذا أنا بَرَجُلَيْنِ مُعَلَّقَيْنِ بِأرْجُلِهِما، فَقالا: ما جاءَ بِكِ؟ فَقُلْتُ: أتَعَلَّمُ السِّحْرَ فَقالا: إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرِي، وارْجِعِي فَأبَيْتُ وقُلْتُ: لا، قالا: فاذْهَبِي إلى ذَلِكَ التَّنُّورِ، فَبُولِي بِهِ، إلى أنْ قالَتْ: فَذَهَبْتُ فَبُلْتُ فِيهِ، فَرَأيْتُ فارِسًا مُقَنَّعًا بِحَدِيدٍ، خَرَجَ مِنِّي حَتّى ذَهَبَ إلى السَّماءِ، وغابَ عَنِّي، حَتّى ما أراهُ، فَجِئْتُهُما، وذَكَرْتُ لَهُما، فَقالا: صَدَقْتِ، ذَلِكَ إيمانُكِ خَرَجَ مِنكِ، اذْهَبِي فَلَنْ تُرِيدِي شَيْئًا إلّا كانَ)، الخَبَرَ بِطُولِهِ، فَهو ونَظائِرُهُ مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ القِصَصِ في هَذا البابِ مِمّا لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ ذَوُو الألْبابِ، والإقْدامُ عَلى تَكْذِيبِ مِثْلِ هَذِهِ الِامْرَأةِ الدُّوجَنْدِيَّةِ أوْلى مِنَ اتِّهامِ العَقْلِ في قَبُولِ هَذِهِ الحِكايَةِ الَّتِي لَمْ يَصِحَّ فِيها شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ رَبِّ البَرِيَّةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويا لَيْتَ كُتُبَ الإسْلامِ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى هَذِهِ الخُرافاتِ الَّتِي لا يُصَدِّقُها العاقِلُ، ولَوْ كانَتْ أضْغاثَ أحْلامٍ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن جَوَّزَ تَعَلُّمَ السِّحْرِ، ووَجْهُهُ أنَّ فِيها دِلالَةً عَلى وُقُوعِ التَّعْلِيمِ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ عِصْمَتِهِمْ، والتَّعَلُّمُ مُطاوِعٌ لَهُ، بَلْ هُما مُتَّحِدانِ بِالذّاتِ مُخْتَلِفانِ بِالِاعْتِبارِ كالإيجابِ صفحة 344 والوُجُوبِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا دَلِيلَ فِيها عَلى الجَوازِ مُطْلَقًا، لِأنَّ ذَلِكَ التَّعْلِيمَ كانَ لِلِابْتِلاءِ والتَّمْيِيزِ، كَما قَدَّمْنا، وقَدْ ذَكَرَ القائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ: إنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ إذا فُرِضَ فُشُّوهُ في صُقْعٍ، وأُرِيدَ تَبْيِينُ فَسادِهِ لَهُمْ، لِيَرْجِعُوا إلى الحَقِّ غَيْرُ حَرامٍ كَما لا يَحْرُمُ تَعَلُّمُ الفَلْسَفَةِ لِلْمَنصُوبِ لِلذَّبِّ عَنِ الدِّينِ بِرَدِّ الشُّبَهِ، وإنْ كانَ أغْلَبُ أحْوالِهِ التَّحْرِيمَ، وهَذا يُنافِي إطْلاقَ القَوْلِ بِهِ، ومَن قالَ: إنَّ هارُوتَ ومارُوتَ مِنَ الشَّياطِينِ قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ ما يُعَلِّمانِ السِّحْرَ أحَدًا حَتّى يَنْصَحاهُ ويَقُولا: إنّا مَفْتُونانِ بِاعْتِقادِ جَوازِهِ والعَمَلِ بِهِ، فَلا تَكُنْ مِثْلَنا في ذَلِكَ فَتَكْفُرَ، وحِينَئِذٍ لا اسْتِدْلالَ أصْلًا، وما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ عَلى سَبِيلِ النُّصْحِ في هَذا الوَجْهِ هو الظّاهِرُ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لا النَّصِيحَةِ، وهو الأنْسَبُ بِحالِ الشَّياطِينِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (يُعْلِمانِ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإعْلامِ، وعَلَيْها حَمَلَ بَعْضُهم قِراءَةَ التَّشْدِيدِ، وقَرَأ أُبَيٌّ بِإظْهارِ الفاعِلِ، ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، لِأنَّها في قُوَّةِ المُثْبَتَةِ كَأنَّهُ قالَ: يُعَلِّمانِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ القَوْلِ فَيَتَعَلَّمُونَ، ولَيْسَ عَطْفًا عَلى المَنفِيِّ بِدُونِ هَذا الِاعْتِبارِ، كَما تَوَهَّمَهُ أبُو عَلِيٍّ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ، وعَطَفَهُ بَعْضُهم عَلى (يُعَلِّمانِ) مَحْذُوفًا، وبَعْضُهم عَلى (يَأْتُونَ) كَذَلِكَ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (أحَدٍ) وهو النّاسُ، أوْ لِأحَدٍ، حَمْلًا لَهُ عَلى المَعْنى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ وحَكى المَهْدَوِيُّ جَوازَ العَطْفِ عَلى ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ﴾ فَمَرْجِعُ الضَّمِيرِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، وقِيلَ: في الكَلامِ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ، أيْ فَهم يَتَعَلَّمُونَ، فَتَكُونُ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى ما قَبْلَها مِن عَطْفِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى سِيبَوَيْهِ، ولَيْسَ بِالجَيِّدِ، وضَمِيرُ (مِنهُما) عائِدٌ عَلى المَلَكَيْنِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ عائِدًا إلى السِّحْرِ والكُفْرِ، أوِ الفِتْنَةِ والسِّحْرِ، وعَطَفَ (يَتَعَلَّمُونَ) عَلى (يُعَلِّمُونَ)، وحَمَلَ (ما يُعَلِّمانِ) عَلى النَّفْيِ، (وحَتّى يَقُولا) عَلى التَّأْكِيدِ لَهُ، أيْ لا يُعَلِّمانِ السِّحْرَ لِأحَدٍ بَلْ يَنْهَيانِهِ حَتّى يَقُولا إلَخْ، فَهو كَقَوْلِكَ: ما أمَرْتُهُ بِكَذا حَتّى قُلْتُ لَهُ: إنْ فَعَلْتَ نالَكَ كَذا وكَذا، وجُعِلَ (ما أُنْزِلَ) أيْضًا نَفْيًا مَعْطُوفًا عَلى (ما كَفَرَ)، وهو كَما تَرى، ﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ أيِ الَّذِي، أوْ شَيْئًا يُفَرِّقُونَ بِهِ، وهو السِّحْرُ المُزِيلُ بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، المُوقِعُ لِلْبَغْضاءِ والشَّحْناءِ المُوجِبَتَيْنِ لِلتَّفَرُّقِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: المُرادُ ما يُفَرِّقُ لِكَوْنِهِ كُفْرًا، لِأنَّهُ إذا تَعَلَّمَ كَفَرَ فَبانَتْ زَوْجَتُهُ، أوْ إذا تَعَلَّمَ عَمِلَ فَتَراهُ النّاسُ فَيَعْتَقِدُونَ أنَّهُ حَقٌّ، فَيَكْفُرُونَ، فَتَبِينُ أزْواجُهُمْ، والمَرْءُ الرَّجُلُ، والأفْصَحُ فَتْحُ المِيمِ مُطْلَقًا، وحُكِيَ الضَّمُّ مُطْلَقًا، وحُكِيَ الإتْباعُ لِحَرَكَةِ الإعْرابِ، ومُؤَنَّثُهُ المَرْأةُ وقَدْ جاءَ جَمْعُهُ بِالواوِ والنُّونِ فَقالُوا: المَرْؤُونَ، والزَّوْجُ امْرَأةُ الرَّجُلِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا القَرِيبُ والأخُ المُلائِمُ، ومِنهُ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ و﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ (المَرِ) بِغَيْرِ هَمْزٍ مُخَفَّفًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ (المُرْءِ) بِضَمِّ المِيمِ مَعَ الهَمْزِ، والأشْهَبُ بِالكَسْرِ والهَمْزِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ أيْضًا (المَرِّ) بِالفَتْحِ وإسْقاطِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ، ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ﴾ الضَّمِيرُ لِلسَّحَرَةِ الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمْ ضَمِيرُ (فَيَتَعَلَّمُونَ)، وقِيلَ: لِلْيَهُودِ الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمْ ضَمِيرُ (واتَّبَعُوا)، وقِيلَ: لِلشَّياطِينِ، وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ (لِما)، (ومِن) زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ النَّفْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما يَضُرُّونَ بِهِ أحَدًا، وقَرَأ الأعْمَشُ (بِضارِّي) مَحْذُوفَ النُّونِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّها حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وإنْ كانَ اسْمُ الفاعِلِ لَيْسَ صِلَةً لِألْ، فَقَدْ نَصَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى عَدَمِ الِاشْتِراطِ لِقَوْلِهِ: ولَسْنا إذا تَأْتُونَ سَلْمى بِمُدَّعِي ∗∗∗ لَكم غَيْرَ أنّا أنْ نُسالَمَ نُسالِمُ وقَوْلُهم: قَطاقَطا بَيْضُكَ ثِنْتا وبَيْضِي مِائَتا، وقِيلَ: إنَّها حُذِفَتْ لِلْإضافَةِ إلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ لَفْظًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ، في أحَدِ الوُجُوهِ، وقِيلَ: لِلْإضافَةِ إلى أحَدٍ عَلى جَعْلِ الجارِّ جُزْءًا مِنهُ، والفَصْلُ بِالظَّرْفِ صفحة 345 مَسْمُوعٌ، كَما في قَوْلِهِ: هُما أخَوا في الحَرْبِ مَن لا أخالُهُ ∗∗∗ وإنْ خافَ يَوْمًا كَبْوَةً فَدَعاهُما واخْتارَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ أنَّ جَعْلَ الجارِّ جُزْءًا مِنَ المَجْرُورِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِيهِ، وجُزْءُ الشَّيْءِ لا يُؤَثِّرُ فِيهِ، وأيْضًا الفَصْلُ بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ بِالظَّرْفِ، وإنْ سُمِعَ مِن ضَرائِرِ الشِّعْرِ كَما صَرَّحَ بِهِ أبُو حَيّانَ، ولِظَنٍّ تَعَيَّنَ هَذا مَخْرَجًا، قالَ ابْنُ جِنِّي: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبْعَدُ الشَّواذِّ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الأحْوالِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ (ضارِّينَ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ المُعْتَمِدِ عَلى النَّفْيِ، أوِ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في (بِهِ) أوِ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الوَصْفِ، والمُرادُ مِنَ الإذْنِ هُنا التَّخْلِيَةُ بَيْنَ المَسْحُورِ وضَرَرِ السِّحْرِ، قالَهُ الحَسَنُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ فِيهِ ضَرَرًا مُودَعًا، إذا شاءَ اللَّهُ تَعالى حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، وإذا شاءَ خَلّاهُ، وما أوْدَعَهُ فِيهِ، وهَذا مَذْهَبُ السَّلَفِ في سائِرِ الأسْبابِ والمُسَبَّباتِ، وقِيلَ: الإذْنُ بِمَعْنى الأمْرِ، ويُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ التَّكْوِينِ بِعَلاقَةِ تَرَتُّبِ الوُجُودِ عَلى كُلٍّ مِنهُما في الجُمْلَةِ، والقَرِينَةُ عَدَمُ كَوْنِ القَبائِحِ مَأْمُورًا بِها، فَفِيهِ نَفْيُ كَوْنِ الأسْبابِ مُؤَثِّرَةً بِنَفْسِها، بَلْ بِجَعْلِهِ إيّاها أسْبابًا إمّا عادِيَّةً أوْ حَقِيقِيَّةً، وقِيلَ: إنَّهُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَيْسَ فِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ التَّأْثِيرِ بِالذّاتِ كالوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ. ﴿ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ﴾ لِأنَّهم يَقْصِدُونَ بِهِ العَمَلَ قَصْدًا جازِمًا، وقَصْدُ المَعْصِيَةِ كَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ، أوْ لِأنَّ العِلْمَ يَدْعُو إلى العَمَلِ، ويَجُرُّ إلَيْهِ لا سِيَّما عَمَلُ الشَّرِّ الَّذِي هو هَوى النَّفْسِ، فَصِيغَةُ المُضارِعِ لِلْحالِ عَلى الأوَّلِ، ولِلِاسْتِقْبالِ عَلى الثّانِي، (ولا يَنْفَعُهُمْ) عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ شَرٌّ بَحْتٌ وضَرَرٌ مَحْضٌ، لا كَبَعْضِ المَضارِّ المَشُوبَةِ بِنَفْعٍ وضَرَرٍ، لِأنَّهم لا يَقْصِدُونَ بِهِ التَّخَلُّصَ عَنِ الِاغْتِرارِ بِأكاذِيبِ السَّحَرَةِ، ولا إماطَةَ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ حَتّى يَكُونَ فِيهِ نَفْعٌ في الجُمْلَةِ، وفي الإتْيانِ (بِلا) إشارَةٌ إلى أنَّهُ غَيْرُ نافِعٍ في الدّارَيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِانْتِظامِ المَعاشِ ولا المَعادِ، وفي الحُكْمِ بِأنَّهُ ضارٌّ غَيْرُ نافِعٍ تَحْذِيرٌ بَلِيغٌ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، عَنْ تَعاطِيهِ، وتَحْرِيضٌ عَلى التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ (لا يَنْفَعُهُمْ) عَلى إضْمارِ هُوَ، فَيَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وتَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهُمْ﴾ إلَخْ، وقِصَّةُ السِّحْرِ مُسْتَطْرِدَةٌ في البَيْنِ، فالضَّمِيرُ لِأُولَئِكَ اليَهُودِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: لِلْمَلَكَيْنِ لِأنَّهُما كانا يَقُولانِ: فَلا تَكْفُرْ، وأتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى قَوْلِ مَن يَرى ذَلِكَ، ﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ أيِ اسْتَبْدَلَ ما تَتْلُو الشَّياطِينُ بِكِتابِ اللَّهِ، واللّامُ لِلِابْتِداءِ، وتَدْخُلُ عَلى المُبْتَدَإ، وعَلى المُضارِعِ، ودُخُولُها عَلى الماضِي مَعَ قَدْ كَثِيرٌ، وبِدُونِهِ مُمْتَنِعٌ، وعَلى خَبَرِ المُبْتَدَإ، إذا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وعَلى مَعْمُولِ الخَبَرِ إذا وقَعَ مَوْقِعَ المُبْتَدَإ، والكُوفِيُّونَ يَجْعَلُونَها في الجَمِيعِ جَوابَ القَسَمِ المُقَدَّرِ، ولَيْسَ في الوُجُودِ عِنْدَهم لامُ ابْتِداءٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الرَّضِيِّ، وقَدْ عُلِّقَتْ هُنا (عَلِمَ) عَنِ العَمَلِ سَواءٌ كانَتْ مُتَعَدِّيَةً لِمَفْعُولٍ، أوْ مَفْعُولَيْنِ، فَمِن مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، واشْتَراهُ صِلَتُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ خَبَرُها، (ومِن) مَزِيدَةٌ في المُبْتَدَإ، (وفِي الآخِرَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، أوْ مِن مَرْجِعِهِ، والخَلاقُ النَّصِيبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ القِوامُ، قالُهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوِ القَدْرُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: فَما لَكَ بَيْتٌ لَدى الشّامِخاتِ ∗∗∗ وما لَكَ في غالِبٍ مِن خَلاقِ صفحة 346 قالَ الزَّجّاجُ: وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ، ويَكُونُ لِلشَّرِّ عَلى قِلَّةٍ، وذَهَبَ أبُو البَقاءِ تَبَعًا لِلْفَرّاءِ إلى أنَّ اللّامَ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، (ومِن) شَرْطِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، (واشْتَراهُ) خَبَرُها، (وما لَهُ) إلَخْ، جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ هو عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَ قَسَمٌ وشَرْطٌ يُجابُ سابِقُهُما غالِبًا، وفِيهِ ما فِيهِ لِأنَّهُ نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ رَدُّ مَن قالَ بِشَرْطِيَّةِ (مَن) هُنا بِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ شَرْطٍ، ووَجَّهَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الفِعْلَ ماضٍ لَفْظًا، ومَعْنًى، لِأنَّ الِاشْتِراءَ قَدْ وقَعَ، فَجَعْلُهُ شَرْطًا لا يَصِحُّ، لِأنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ إذا كانَ ماضِيًا لَفْظًا فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا مَعْنًى، وقَدْ ذَكَرَ الرَّضِيُّ فِي: لَزَيْدٌ قائِمٌ، أنَّ الأوْلى كَوْنُ اللّامِ فِيهِ لامَ الِابْتِداءِ مُفِيدَةً لِلتَّأْكِيدِ، ولا يُقَدَّرُ القَسَمُ كَما فَعَلَهُ الكُوفِيَّةُ، لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ، والتَّأْكِيدُ المَطْلُوبُ مِنَ القَسَمِ حاصِلٌ مِنَ اللّامِ، والقَوْلُ بِأنَّ اللّامَ تَأْكِيدٌ لِلْأُولى أوْ زائِدَةٌ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ بِناءَ الكَلِمَةِ إذا كانَ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ لا يُكَرَّرُ وحْدَهُ، بَلْ مَعَ عِمادِهِ، إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، عَلى ما ارْتَضاهُ الرَّضِيُّ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ المَعْهُودَ زِيادَةُ اللّامِ الجارَّةِ، وهي مَكْسُورَةٌ في الِاسْمِ الظّاهِرِ. ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ اللّامُ فِيهِ لامُ ابْتِداءٍ أيْضًا، والمَشْهُورُ إنَّها جَوابُ القَسَمِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى القَسَمِيَّةِ الأُولى، (وما) نَكِرَةٌ مُمَيِّزَةٌ لِلضَّمِيرِ المُبْهَمِ، في بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، (وشَرَوْا)، يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، والظّاهِرُ هو الظّاهِرُ، أيْ واللَّهِ لَبِئْسَ شَيْئًا شَرَوْا بِهِ حُظُوظَ أنْفُسِهِمْ أيْ باعُوها، أوْ شَرَوْها في زَعْمِهِمْ ذَلِكَ الشِّراءَ، وفي البَحْرِ: بِئْسَما باعُوا أنْفُسَهُمُ السِّحْرُ أوِ الكُفْرُ، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ مَذْمُومِيَّةَ الشِّراءِ المَذْكُورِ لامْتَنَعُوا عَنْهُ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ إثْباتِ العِلْمِ لَهم أوَّلًا، ونَفْيِهِ عَنْهم ثانِيًا، إمّا لِأنَّ المُثْبَتَ لَهم هو العَقْلُ الغَرِيزِيُّ، والمَنفِيُّ عَنْهم هو الكَسْبُ الَّذِي هو مِن جُمْلَةِ التَّكْلِيفِ، أوْ لِأنَّ الأوَّلَ هو العِلْمُ بِالجُمْلَةِ، والثّانِيَ هو العِلْمُ بِالتَّفْصِيلِ، فَقَدْ يَعْلَمُ الإنْسانُ مَثَلًا قُبْحَ الشَّيْءِ، ثُمَّ لا يَعْلَمُ أنَّ فِعْلَهُ قَبِيحٌ، فَكَأنَّهم عَلِمُوا أنَّ شِراءَ النَّفْسِ بِالسِّحْرِ مَذْمُومٌ، لَكِنْ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنَّ ما يَفْعَلُونَهُ هو مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَبِيحِ، أوْ لِأنَّهم عَلِمُوا العِقابَ، ولَمْ يَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ، وشِدَّتَهُ، وإمّا لِأنَّ الكَلامَ مُخَرَّجٌ عَلى تَنْزِيلِ العالِمِ بِالشَّيْءِ مَنزِلَةَ الجاهِلِ، ووُجُودِ الشَّيْءِ مَنزِلَةَ عَدَمِهِ، لِعَدَمِ ثَمَرَتِهِ، حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِعِلْمِهِمْ، أوْ عَلى تَنْزِيلِ العالِمِ بِفائِدَةِ الخَبَرِ، ولازِمِها مَنزِلَةَ الجاهِلِ بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ مَعْناهُ لَوْ كانَ لَهم عِلْمٌ بِذَلِكَ الشِّراءِ لامْتَنَعُوا مِنهُ، أيْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ، فَلا يَمْتَنِعُونَ، وهَذا هو الخَبَرُ المُلْقى إلَيْهِمْ، واعْتِراضُ العَلّامَةِ بِأنَّ هَذا الخَبَرَ لَوْ فُرِضَ كَوْنُهُ مُلْقًى إلَيْهِمْ فَلا مَعْنى لِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ بِمَضْمُونِهِ، كَيْفَ وقَدْ تَحَقَّقَ في ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ نَقِيضُهُ، وهو أنَّ لَهم عِلْمًا بِهِ، وبَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي لا مَعْنى لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ الجاهِلِ، بِأنْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّ مَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، بَلْ إنْ كانَ فَلا بُدَّ أنْ يُنَزَّلُوا مَنزِلَةَ الجاهِلِ بِأنَّ لَهم عِلْمًا بِذَلِكَ، يُجابُ عَنْهُ: أمّا أوَّلًا، فَبِأنَّ الخِطابَ صَرِيحًا لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَعْرِيضًا لَهُمْ، ولِذا أُكِّدَ، وأمّا ثانِيًا فَبِأنَّ المُسْتَفادَ مِن ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ ثُبُوتُ العِلْمِ لَهم حَقِيقَةً، والمُسْتَفادُ مِنَ الخَبَرِ المُلْقى لَهم نَفْيُ العِلْمِ عَنْهم تَنْزِيلًا، ولا مُنافاةَ بَيْنَهُما، وأمّا ثالِثًا فَبِأنَّ العالِمَ إذا عَمِلَ بِخِلافِ عِلْمِهِ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الجاهِلِ في عَدَمِ تَرَتُّبِ ثَمَرَةِ عِلْمِهِ، ومُقْتَضى هَذا العِلْمِ أنْ يَمْتَنِعَ عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، فَفِيما نَحْنُ فِيهِ كانُوا عالِمِينَ فِيهِ بِأنْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ، وأنَّهم بِمَنزِلَةِ الجاهِلِ في ذَلِكَ الشِّراءِ، ومُقْتَضى هَذا العِلْمِ أنْ يَمْتَنِعُوا عَنْهُ، وإذا لَمْ يَمْتَنِعُوا كانُوا بِمَنزِلَةِ الجاهِلِ في عَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُقْتَضى هَذا العِلْمِ، فَألْقى الخَبَرَ إلَيْهِمْ بِأنْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ، كَذا قِيلَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن شِدَّةِ التَّكَلُّفِ، وأجابَ بَعْضُهم عَمّا يَتَراءى مِنَ التَّنافِي بِأنَّ مَفْعُولَ (يَعْلَمُونَ) ما دَلَّ عَلَيْهِ (لِبِئْسَما شَرَوْا) إلَخْ، أعْنِي مَذْمُومِيَّةَ الشِّراءِ، ومَفْعُولُ (عَلِمُوا) أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهم صفحة 347 فِي الآخِرَةِ، والعِلْمُ بِأنَّهُ لا نَصِيبَ لَهم في الآخِرَةِ لا يُنافِي نَفْيَ العِلْمِ بِمَذْمُومِيَّةِ الشِّراءِ بِأنْ يَعْتَقِدُوا إباحَتَهُ فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى جَمِيعِ ما سَبَقَ، وفِيهِ أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الشِّراءِ المَذْكُورِ مُوجِبًا لِلْحِرْمانِ في الآخِرَةِ بِدُونِ العِلْمِ بِكَوْنِهِ مَذْمُومًا غايَةَ المَذْمُومِيَّةِ مِمّا لا يَكادُ يُعْقَلُ عِنْدَ أرْبابِ العُقُولِ، والقَوْلُ بِأنَّ مَفْعُولَ (عَلِمُوا) مَحْذُوفٌ أيْ لَقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ، (ولَمَنِ اشْتَراهُ) مُرْتَبِطٌ بِأوَّلِ القِصَّةِ، وضَمِيرُ (لَبِئْسَما شَرَوْا) (لِمَنِ اشْتَراهُ) رَكِيكٌ جِدًّا، وبِئْسَما يُشْتَرى، ودَفْعَ التَّنافِيَ بِأنَّهُ أثْبَتَ أوَّلًا العِلْمَ بِسُوءِ ما شَرَوْهُ بِالكِتابِ بِحَسَبِ الآخِرَةِ، ثُمَّ ذَمَّ بِالسُّوءِ مُطْلَقًا في الدِّينِ والدُّنْيا، لِأنَّ بِئْسَ لِلذَّمِّ العامِّ، فالمَنفِيُّ العِلْمُ بِالسُّوءِ المُطْلَقِ يَعْنِي لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ضَرَرَهُ في الدِّينِ والدُّنْيا لامْتَنَعُوا، إنَّما غَرَّهم تَوَهُّمُ النَّفْعِ العاجِلِ، أوْ بِأنَّ المُثْبَتَ أوَّلًا العِلْمُ بِأنَّ ما شَرَوْهُ ما لَهم في الآخِرَةِ نَصِيبٌ مِنهُ، لا أنَّهم شَرَوْا أنْفُسَهم بِهِ، وأخْرَجُوها مِن أيْدِيهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَهم في الآخِرَةِ، والعِلْمُ المَنفِيُّ هو هَذا العِلْمُ لا يَخْفى ما فِيهِ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ عُمُومَ الذَّمِّ في بِئْسَ، وإنْ قِيلَ بِهِ لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى إفْرادِ الفاعِلِ في نَفْسِها مِن دُونِ تَعَرُّضٍ لِلْأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ، والتِزامُ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ تَخْصِيصَ النَّصِيبِ بِمِنهُ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً مَقْرُونَةً بِمِن، في سِياقِ النَّفْيِ المُساقِ لِلتَّهْوِيلِ مِمّا لا يَدْعُو إلَيْهِ إلّا ضِيقُ العَطَنِ، والجَوابُ بِإرْجاعِ ضَمِيرِ (عَلِمُوا) لِلنّاسِ، أوِ الشَّياطِينِ، (واشْتَرَوْا) لِلْيَهُودِ ارْتِكابٌ لِلتَّفْكِيكِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ، ولا قَرِينَةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وبَعْدَ كُلِّ حِسابٍ الأوْلى عِنْدِي في الجَوابِ كَوْنُ الكَلامِ مُخَرَّجًا عَلى التَّنْزِيلِ، ولا رَيْبَ في كَثْرَةِ وُجُودِ ذَلِكَ في الكِتابِ الجَلِيلِ، والأجْوِبَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ مِن قَبْلُ مَعَ جَرَيانِ الكَلامِ فِيها عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ لا تَخْلُو في الباطِنِ عَنْ شَيْءٍ فَتَدَبَّرْ.

البقرة 2:103

﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ أيْ بِالرَّسُولِ أوْ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الآياتِ، أوْ بِالتَّوْراةِ، ﴿واتَّقَوْا﴾ أيِ المَعاصِيَ الَّتِي حُكِيَتْ عَنْهم ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ جَوابُ لَوِ الشَّرْطِيَّةِ، وأصْلُهُ لَأُثِيبُوا مَثُوبَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرًا مِمّا شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ، فَحُذِفَ الفِعْلُ، وغُيِّرَ السَّبْكُ إلى ما تَرى، لِيَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ مَعَ مَعُونَةِ المَقامِ إلى الإشارَةِ إلى ثَباتِ المَثُوبَةِ، وثَباتِ نِسْبَةِ الخَيْرِيَّةِ إلَيْها، مَعَ الجَزْمِ بِخَبَرِيَّتِها، لِأنَّ الجُمْلَةَ إذا أفادَتْ ثَباتَ المَثُوبَةِ كانَ الحُكْمُ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيقِ بِالمُشْتَقِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمَثُوبَةٌ دائِمَةٌ خَيْرٌ لِدَوامِها، وثَباتِها، وحُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ إجْلالًا لِلْمُفَضَّلِ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، ولَمْ يَقُلْ: لَمَثُوبَةُ اللَّهِ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ لِيُشْعِرَ التَّنْكِيرُ بِالتَّقْلِيلِ فَيُفِيدُ أنَّ شَيْئًا قَلِيلًا مِن ثَوابِ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ الدّائِمَةِ خَيْرٌ مِن ثَوابٍ كَثِيرٍ في الدُّنْيا الفانِيَةِ، فَكَيْفَ وثَوابُ اللَّهِ تَعالى كَثِيرٌ دائِمٌ، وفِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ المُناسِبَيْنِ لِلْمَقامِ ما لا يَخْفى، وبِبَيانِ الأصْلِ انْحَلَّ إشْكالانِ لَفْظِيٌّ، وهو أنَّ جَوابَ لَوْ إنَّما يَكُونُ فَعِلِيَّةٌ ماضَوِيَّةٌ، ومَعْنَوِيٌّ وهو أنَّ خَيْرِيَّةَ المَثُوبَةِ ثابِتَةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِإيمانِهِمْ وعَدَمِهِ، ولِهَذَيْنِ الإشْكالَيْنِ قالَ الأخْفَشُ، واخْتارَهُ جَمْعٌ: لِسَلامَتِهِ مِن وُقُوعِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ في الظّاهِرِ جَوابًا لِلَوْ، ولَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ كَما في البَحْرِ أنَّ اللّامَ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ، ولَمَثُوبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، وبَعْضُهُمُ التَزَمَ التَّمَنِّيَ، ولَكِنْ مِن جِهَةِ العِبادِ، لا مِن جِهَتِهِ تَعالى خِلافًا لِمَنِ اعْتَزَلَ دَفْعًا لَهُما، إذْ لا جَوابَ لَها حِينَئِذٍ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا، كَأنَّهُ لَمّا تَمَنّى لَهم ذَلِكَ قِيلَ: ما هَذا التَّحَسُّرُ والتَّمَنِّي؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ هَؤُلاءِ المُبْتَذِلِينَ حَرَّمُوا ما شَيْءٌ قَلِيلٌ مِنهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، وفي ذَلِكَ تَحْرِيضٌ وحَثٌّ عَلى الإيمانِ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ (خَيْرٌ) هُنا لِلتَّفْضِيلِ، لا لِلْأفْضَلِيَّةِ عَلى حَدِّ: فَخَيْرُكُما لِشَرِّكُما فِداءُ والمَثُوبَةُ مَفْعَلَةٌ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ الثَّوابِ فَنُقِلَتِ صفحة 348 الضَّمَّةُ إلى ما قَبْلَها، فَهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وقِيلَ: مَفْعُولَةٌ وأصْلُها مَثْوُوبَةٌ فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الواوِ إلى ما قَبْلَها وحُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَهي مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى مَفْعُولَةٍ كَمَصْدُوقَةٍ كَما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ، ويُقالُ: مَثْوَبَةٌ بِسُكُونِ الثّاءِ وفَتْحِ الواوِ، وكانَ مِن حَقِّها أنْ تُعَلَّ فَيُقالُ: مَثابَةٌ كَمُقامَةٍ، إلّا أنَّهم صَحَّحُوها، كَما صَحَّحُوا في الأعْلامِ مَكُوزَةُ، وبِها قَرَأ قَتادَةُ، وأبُو السَّمّاكِ، والمُرادُ بِها الجَزاءُ والأجْرُ وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المُحْسِنَ يَثُوبُ إلَيْهِ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِها الرَّجْعَةُ إلَيْهِ تَعالى بَعِيدٌ، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ السّابِقِ، أيْ إنَّ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ، وكَلِمَةُ (لَوْ) إمّا لِلشَّرْطِ، والجَزاءُ مَحْذُوفٌ، أيْ آمَنُوا، وإمّا لِلتَّمَنِّي، ولا حَذْفَ، ونَفْيُ العِلْمِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ بِنَفْيِ ثَمَرَتِهِ الَّذِي هو العَمَلُ، أوْ لِتَرْكِ التَّدَبُّرِ، هَذا * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: واتَّبَعُوا أيِ اليَهُودُ، وهي القُوى الرُّوحانِيَّةُ ما تَتْلُو الشَّياطِينُ وهم مِنَ الإنْسِ المُتَمَرِّدُونَ الأشْرارُ، ومِنَ الجِنِّ الأوْهامُ والتَّخَيُّلاتُ المَحْجُوبَةُ عَنْ نُورِ الرُّوحِ المُتَمَرِّدَةِ عَنْ طاعَةِ القَلْبِ العاصِيَةِ لِأمْرِ العَقْلِ والشَّرْعِ، والنُّفُوسُ الأرْضِيَّةُ المُظْلِمَةُ القَوِيَّةُ عَلى عَهْدِ مُلْكِ سُلَيْمانَ الرُّوحُ الَّذِي هو خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ، وما كَفَرَ سُلَيْمانُ بِمُلاحَظَةِ السِّوى واتِّباعِ الهَوى وإسْنادِ التَّأْثِيرِ إلى الأغْيارِ، ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا وسَتَرُوا مُؤْثَرِيَّةَ اللَّهِ تَعالى وظُهُورَهُ الَّذِي مَحا ظُلْمَةَ العَدَمِ ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ والشُّبَهَ الصّادَّةَ عَنِ السَّيْرِ والسُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ وهُما العَقْلُ النَّظَرِيُّ والعَقْلُ العَمَلِيُّ النّازِلانِ مِن سَماءِ القُدْسِ إلى أرْضِ الطَّبِيعَةِ المَنكُوسانِ في بِئْرِها لِتَوَجُّهِهِما إلَيْها بِاسْتِجْذابِ النَّفْسِ إيّاهُما بِبابِلَ الصَّدْرِ المُعَذَّبانِ بِضِيقِ المَكانِ بَيْنَ أبْخِرَةِ حُبِّ الجاهِ ومَوادِّ الغَضَبِ وأدْخِنَةِ نِيرانِ الشَّهَواتِ المُبْتَلَيانِ بِأنْواعِ المُتَخَيَّلاتِ والمَوْهُوماتِ الباطِلَةِ مِنَ الحِيَلِ والشَّعْوَذَةِ والطَّلْسَماتِ، والنَّيْرِنْجاتِ، ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا﴾ لَهُ إنَّما نَحْنُ امْتِحانٌ وابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ وذَلِكَ لِقُوَّةِ النُّورِيَّةِ وبَقِيَّةِ المَلَكُوتِيَّةِ فِيهِما، فَإنَّ العَقْلَ دائِمًا يُنَبِّهُ صاحِبَهُ إذا صَحا عَنْ سَكْرَتِهِ، وهَبَّ مِن نَوْمَتِهِ عَنِ الكُفْرِ والِاحْتِجابِ، ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ﴾ القَلْبِ والنَّفْسِ، أوْ بَيْنَ الرُّوحِ والنَّفْسِ، بِتَكْدِيرِ القَلْبِ، ﴿ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ﴾ بِزِيادَةِ الِاحْتِجابِ وغَلَبَةِ هَوى النَّفْسِ، ولا يَنْفَعُهم كَسائِرِ العُلُومِ في رَفْعِ الحِجابِ، وتَخْلِيَةِ النَّفْسِ وتَزْكِيَتِها، ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ﴾ في مَقامِ الفَناءِ والرُّجُوعِ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ مِن نَصِيبٍ لِإقْبالِهِ عَلى العالَمِ السُّفْلِيِّ، وبُعْدِهِ عَنِ العالَمِ العُلْوِيِّ بِتَكَدُّرِ جَوْهَرِ قَلْبِهِ، وانْهِماكِهِ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ، ولَوْ أنَّهم آمَنُوا بِرُؤْيَةِ الأفْعالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى واتَّقَوُا الشِّرْكَ بِإثْباتِ ما سِواهُ لَأُثِيبُوا بِمَثُوبَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى دائِمَةٍ، ولَرَجَعُوا إلَيْهِ، وذَلِكَ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا مِن ذَوِي العِلْمِ والعِرْفانِ والبَصِيرَةِ والإيقانِ.

البقرة 2:104

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ الرَّعْيُ حِفْظُ الغَيْرِ لِمَصْلَحَتِهِ سَواءٌ كانَ الغَيْرُ عاقِلًا أوْ لا، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ كَما أخَرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ سِرًّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو سَبٌّ قَبِيحٌ بِلِسانِهِمْ، فَلَمّا سَمِعُوا أصْحابَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُونَ: أعْلَنُوا بِها فَكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، ويَضْحَكُونَ فِيما بَيْنَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ورُوِيَ أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَمِعَها مِنهُمْ، فَقالَ: يا أعْداءَ اللَّهِ، عَلَيْكم لَعْنَةُ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ سَمِعْتُها مِن رَجُلٍ مِنكم يَقُولُها لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأضْرَبَنَّ عُنُقَهُ، قالُوا: أوَلَسْتُمْ تَقُولُونَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ونُهِيَ المُؤْمِنُونَ سَدًّا لِلْبابِ، وقَطْعًا لِلْألْسِنَةِ وإبْعادًا عَنِ المُشابَهَةِ، وأخْرَجَ عُبَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كانَتْ راعِنا لُغَةَ الأنْصارِ في الجاهِلِيَّةِ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْها في الإسْلامِ، ولَعَلَّ المُرادَ أنَّهم يُكْثِرُونَها في كَلامِهِمْ صفحة 349 واسْتَعْمَلَها اليَهُودُ سَبًّا، فَنُهُوا عَنْها، وأمّا دَعْوى أنَّها لُغَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ فَغَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّها مَحْفُوظَةٌ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ، مُنْذُ كانُوا، وقِيلَ: ومَعْنى هَذِهِ الكَلِمَةِ عِنْدَ اليَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، وقِيلَ: أرادُوا نِسْبَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحاشاهُ إلى الرَّعَنِ، فَجَعَلُوهُ مُشْتَقًّا مِنَ الرُّعُونَةِ، وهي الجَهْلُ، والحُمْقُ، وكانُوا إذا أرادُوا أنْ يُحَمِّقُوا إنْسانًا قالُوا: راعِنا، أيْ يا أحْمَقُ فالألِفُ حِينَئِذٍ لِمَدِّ الصَّوْتِ، وحَرْفُ النِّداءِ مَحْذُوفٌ، وقَدْ ذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ أصْلَ يا زَيْدُ، يا زَيْدا، بِالألِفِ لِيَكُونَ المُنادى بَيْنَ صَوْتَيْنِ، ثُمَّ اكْتُفِيَ بِيا ونُوِيَ الألِفُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا بِهِ المَصْدَرَ، أيْ رَعَنْتَ رُعُونَةً، أوْ أرادُوا صِرْتَ راعِنا، وإسْقاطُ التَّنْوِينِ عَلى اعْتِبارِ الوَقْفِ وقَدْ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي لَيْلى، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّنْوِينِ، وجَعَلَهُ الكَثِيرُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قَوْلًا: راعِنا، وصِيغَةُ فاعِلٍ حِينَئِذٍ لِلنِّسْبَةِ كَلابِنٍ وتامِرٍ، ووُصِفَ القَوْلُ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما يُقالُ: كَلِمَةٌ حَمْقاءُ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ (راعَوْنا) عَلى إسْنادِ الفِعْلِ لِضَمِيرِ الجَمْعِ، لِلتَّوْقِيرِ، كَما أثْبَتَهُ الفارِسِيُّ، وذُكِرَ أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (ارْعَوْنا)، وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ سَبَبَ النَّهْيِ أنَّ لَفْظَ المُفاعَلَةِ يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ في الغالِبِ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلَيْهِ لِيَقَعَ مِنكَ رَعى لَنا، ومِنّا رَعى لَكَ وهو مُخِلٌّ بِتَعْظِيمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ بِمَراحِلَ، ﴿وقُولُوا انْظُرْنا﴾ أيِ انْتَظِرْنا، وتَأنَّ عَلَيْنا، أوِ انْظُرْ إلَيْنا لِيَكُونَ ذَلِكَ أقْوى في الإفْهامِ والتَّعْرِيفِ، وكانَ الأصْلُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ بِإلى، لَكِنَّهُ تُوُسِّعَ فِيهِ فَتَعَدّى بِنَفْسِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ظاهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرُ نَ كَما يَنْظُرُ الأراكَ الظِّباءُ وقِيلَ: هو مِن نَظَرِ البَصِيرَةِ، والمُرادُ بِهِ التَّفَكُّرُ والتَّدَبُّرُ فِيما يُصْلِحُ حالَ المَنظُورِ في أمْرِهِ، والمَعْنى: تَفَكَّرْ في أمْرِنا وخَيْرُ الأُمُورِ عِنْدِي أوْسَطُها، إلّا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ نَظَرَ العَيْنِ بِالمُقْتَرِنِ بِتَدْبِيرِ الحالِ لِتَقُومَ هَذِهِ الكَلِمَةُ مَقامَ الأُولى خالِيَةً مِنَ التَّدْلِيسِ، وبَدَأ بِالنَّهْيِ لِأنَّهُ مِن بابِ التُّرُوكِ، فَهو أسْهَلُ، ثُمَّ أتى بِالأمْرِ بَعْدَهُ الَّذِي هو أشَقُّ لِحُصُولِ الِاسْتِئْناسِ قَبْلُ بِالنَّهْيِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والأعْمَشُ (أنْظِرْنا) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الظّاءِ مِنَ الإنْظارِ، ومَعْناهُ أمْهِلْنا حَتّى نَتَلَقّى عَنْكَ ونَحْفَظَ ما نَسْمَعُهُ مِنكَ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَشْهَدُ لِلْمَعْنى الأوَّلِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، إلّا أنَّها عَلى شُذُوذِها لا تَأْبى ما اخَتَرْناهُ، ﴿واسْمَعُوا﴾ أيْ ما أمَرْتُكم بِهِ، ونَهَيْتُكم عَنْهُ بِجِدٍّ حَتّى لا تَعُودُوا إلى ما نَهَيْتُكم عَنْهُ، ولا تَتْرُكُوا ما أمَرْتُكم بِهِ، أوْ هو أمْرٌ بِحُسْنِ الِاسْتِماعِ بِأنْ يَكُونَ بِإحْضارِ القَلْبِ وتَفْرِيغِهِ عَنِ الشَّواغِلِ حَتّى لا يَحْتاجَ إلى طَلَبٍ صَرِيحِ المُراعاةِ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى التَّقْصِيرِ في السَّماعِ حَتّى ارْتَكَبُوا ما تَسَبَّبَ لِلْمَحْذُورِ، والمُرادُ سَماعُ القَبُولِ، والطّاعَةِ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا لِلْيَهُودِ، حَيْثُ قالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا، وإذا كانَ المُرادُ سَماعَ هَذا الأمْرِ، والنَّهْيِ، يَكُونُ تَأْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ. ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ اللّامُ لِلْعَهْدِ، فالمُرادُ بِالكافِرِينَ اليَهُودُ الَّذِينَ قالُوا ما قالُوا، تَهاوُنًا بِالرَّسُولِ ﷺ المَعْلُومِ مِمّا سَبَقَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ التَّهاوُنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُفْرٌ يُوجِبُ ألِيمَ العَذابِ، وفِيهِ مِن تَأْكِيدِ النَّهْيِ ما فِيهِ، وجَعْلُها لِلْجِنْسِ، فَيَدْخُلُ اليَهُودُ كَما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ لَيْسَ بِظاهِرٍ عَلى ما قِيلَ، لِأنَّ الكَلامَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، فَلا يَصْلُحُ هَذا أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا.

البقرة 2:105

﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ الوُدُّ مَحَبَّةُ الشَّيْءِ، وتَمَنِّي كَوْنِهِ، ويُذْكَرُ ويُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قَصْدًا، والآخَرُ تَبَعًا، والفارِقُ كَوْنُ مَفْعُولِهِ جُمْلَةِ إذا اسْتُعْمِلَ في التَّمَنِّي، ومُفْرَدًا إذا اسْتُعْمِلَ في المَحَبَّةِ، فَتَقُولُ عَلى الأوَّلِ: ودِدْتُ لَوْ تَفْعَلُ كَذا، وعَلى الثّانِي: ودِدْتُ الرَّجُلَ، ونَفْيُهُ كِنايَةً عَنِ الكَراهَةِ، وأتى (بِما) لِلْإشارَةِ صفحة 350 إلى أنَّ أُولَئِكَ مُتَلَبِّسُونَ بِها، (ومِن) لِلتَّبْيِينِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وفي إيقاعِ الكُفْرِ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ وبَيانِهِ بِما بُيِّنَ وإقامَةِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إشْعارٌ بِأنَّ كِتابَهم يَدْعُوهم إلى مُتابَعَةِ الحَقِّ، إلّا أنَّ كُفْرَهم يَمْنَعُهُمْ، وإنَّ الكُفْرَ شَرٌّ كُلُّهُ، لِأنَّهُ الَّذِي يُورِثُ الحَسَدَ، ويَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلى أنْ يُبْغِضَ الخَيْرَ، ولا يُحِبَّهُ كَما أنَّ الإيمانَ خَيْرٌ كُلُّهُ، لِأنَّهُ يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلى تَفْوِيضِ الأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ تَعالى، (ولا) صِلَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وزِيدَتْ لَهُ هُنا دُونَ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ لِما أنَّ مَبْنى النَّفْيِ الحَسَدُ، واليَهُودُ بِهَذا الدّاءِ أشْهَرُ لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُفِيدُ ابْتِلاءَهم بِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن نَفْيِ وِدادَتِهِمْ هَذِهِ نَفْيُ وِدادَةِ المُشْرِكِينَ لَها، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في (لَمْ يَكُنْ)، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا لِحُلَفائِهِمْ مِنَ اليَهُودِ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ، فَقالُوا: ودِدْنا لَوْ كانَ خَيْرًا مِمّا نَحْنُ عَلَيْهِ فَنَتَّبِعَهُ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ تَكْذِيبًا لِجَمْعٍ مِنَ اليَهُودِ يُظْهِرُونَ مَوَدَّةَ المُؤْمِنِينَ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يَوَدُّونَ لَهُمُ الخَيْرَ، وفُصِلَتْ عَمّا قَبْلُ، وإنِ اشْتَرَكا في بَيانِ قَبائِحِ اليَهُودِ مَعَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ، فَإنَّ الأوَّلَ لِتَأْدِيبِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا لِتَكْذِيبِ أُولَئِكَ الكافِرِينَ، ولِأجْلِ هَذا الِاخْتِلافِ فُصِلَ السّابِقُ عَنْ سابِقِهِ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، والقَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ القَوْلَ المَنهِيَّ عَنْهُ كَثِيرًا ما كانَ يَقَعُ عِنْدَ تَنْزِيلِ الوَحْيِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالخَيْرِ فِيها، فَكَأنَّهُ أُشِيرَ إلى أنَّ سَبَبَ تَحْرِيفِهِمْ لَهُ، إلى ما حُكِيَ عَنْهم لِوُقُوعِهِ في أثْناءِ حُصُولِ ما يَكْرَهُونَهُ مِن تَنْزِيلِ الخَيْرِ، مُساقٌ عَلى سَبِيلِ التَّرَجِّي، وأظُنُّهُ إلى التَّمَنِّي أقْرَبُ، وقُرِئَ (ولا المُشْرِكُونَ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (يَوَدُّ)، وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ لِلثِّقَةِ بِتَعْيِينِ الفاعِلِ ولِلتَّصْرِيحِ بِهِ فِيما بَعْدُ، وذُكِرَ التَّنْزِيلُ دُونَ الإنْزالِ رِعايَةً لِلْمُناسَبَةِ بِما هو الواقِعُ مِن تَنْزِيلِ الخَيْراتِ عَلى التَّعاقُبِ، وتَجَدُّدِها لا سِيَّما إذا أُرِيدَ مِن خَيْرٍ في قَوْلِهِ تَعالى: (مِن خَيْرٍ) الوَحْيُ، وهو قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ، (ومِن) صِلَةٌ، وزِيادَةُ خَيْرٍ، والنَّفْيُ الأوَّلُ مُنْسَحِبٍ عَلَيْها، ولِذا ساغَتْ زِيادَتُها عِنْدَ الجُمْهُورِ، ولا حاجَةَ إلى ما قِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ يَوَدُّ أنْ لا يَنْزِلَ خَيْرٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ (عَلَيْكُمْ) قائِمًا ذَلِكَ المَقامَ، والمُرادُ مِنَ الخَيْرِ إمّا الوَحْيُ أوِ القُرْآنُ أوِ النُّصْرَةُ، أوْ ما اخْتَصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَزايا أوْ عامٌّ في أنْواعِ الخَيْرِ كُلِّها، لِأنَّ المَذْكُورِينَ لا يَوَدُّونَ تَنْزِيلَ جَمِيعِ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ عَداوَةً وحَسَدًا وخَوْفًا مِن فَواتِ الدِّراسَةِ، وزَوالِ الرِّياسَةِ، وأظْهَرُ الأقْوالِ كَما في البَحْرِ الأخِيرُ، ولا يَأْباهُ ما سَيَأْتِي لِما سَيَأْتِي. ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْخَيْرِ، (ومِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ التَّنْزِيلِ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَشْرِيفِهِمْ، ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن تَنْزِيلِ الخَيْرِ والتَّنْبِيهِ عَلى حِكْمَتِهِ وإرْغامِ الكارِهِينَ لَهُ، والمُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ ذَلِكَ الخَيْرُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِها اعْتِناءً بِهِ، وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، ومَعْنى اخْتِصاصِ ذَلِكَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ ظاهِرٌ، ولِذا اخْتارَهُ مَنِ اخْتارَهُ، وعَلى الأخِيرِ انْفِرادُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ بِمَجْمُوعِهِ، وعَدَمِ شَرِكَةِ أُولَئِكَ الكارِهِينَ فِيهِ، وعُرُوِّهِمْ عَنْ تَرَتُّبِ آثارِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ دَفْعُ الِاعْتِراضِ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ الحَسَدُ بِأنَّ مَن لَهُ أنْ يَخُصَّ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ، إذا عَمَّ، وفي إقامَةِ لَفْظِ اللَّهِ مَقامَ ضَمِيرِ رَبِّكم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ بَعْضِ النّاسِ بِالخَيْرِ دُونَ بَعْضٍ يُلائِمُ الأُلُوهِيَّةَ، كَما أنَّ إنْزالَ الخَيْرِ عَلى العُمُومِ يُناسِبُ الرُّبُوبِيَّةَ، والباءُ داخِلَةٌ عَلى المَقْصُورِ، أيْ يُؤْتِي رَحْمَتَهُ، (ومَن) مَفْعُولٌ، وقِيلَ: الفِعْلُ لازِمٌ، (ومَن) فاعِلٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، العائِدُ مَحْذُوفٌ، ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ صفحة 351 وفِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْكارِهِينَ الحاسِدِينَ بِما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مانِعًا لَهُمْ، لِأنَّ المَعْنى عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ المُتَفَضِّلُ بِأنْواعِ التَّفَضُّلاتِ عَلى سائِرِ عِبادِهِ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْسُدَ أحَدًا، ويَوَدُّ عَدَمَ إصابَةِ خَيْرٍ لَهُ، والكُلُّ غَرِيقٌ في بِحارِ فَضْلِهِ الواسِعِ الغَزِيرِ كَذا قِيلَ، وإذا جُعِلَ الفَضْلُ عامًّا، وقِيلَ بِإدْخالِ النُّبُوَّةِ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، لِأنَّ الكَلامَ فِيها عَلى أحَدِ الأقْوالِ كانَ هُناكَ إشْعارٌ بِأنَّ النُّبُوَّةَ مِنَ الفَضْلِ، لا كَما يَقُولُهُ الحُكَماءُ مِن أنَّها بِتَصْفِيَةِ الباطِنِ، وأنَّ حِرْمانَ بَعْضِ عِبادِهِ لَيْسَ لِضِيقِ فَضْلِهِ بَلْ لِمَشِيئَتِهِ، وما عَرَفَ فِيهِ مِن حِكْمَتِهِ، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالِاسْمِ الكَرِيمِ لِمُناسَبَةِ العَظِيمِ

البقرة 2:106

﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ نَزَلَتْ لَمّا قالَ المُشْرِكُونَ أوِ اليَهُودُ: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ، ويَأْمُرُهم بِخِلافِهِ، ويَقُولُ اليَوْمَ قَوْلًا، ويَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا، ما هَذا القُرْآنُ إلّا كَلامُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، يَقُولُهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، وهو كَلامٌ يُناقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والنَّسْخُ في اللُّغَةِ إزالَةُ الصُّورَةِ، أوْ ما في حُكْمِها عَنِ الشَّيْءِ، وإثْباتُ مِثْلِ ذَلِكَ في غَيْرِهِ سَواءٌ كانَ في الأعْراضِ، أوْ في الأعْيانِ، ومِنَ اسْتِعْمالِهِ في المَجْمُوعِ التَّناسُخُ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَجازًا، وهو أوْلى مِنَ الِاشْتِراكِ، ولِذا رَغِبَ فِيهِ الرّاغِبُ، فَمِنَ الأوَّلِ نَسَخَتِ الرِّيحُ الأثَرَ، أيْ أزالَتْهُ، ومِنَ الثّانِي نَسَخْتُ الكِتابَ إذا أثْبَتَ ما فِيهِ، في مَوْضِعٍ آخَرَ، ونَسْخُ الآيَةِ عَلى ما ارْتَضاهُ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ: بَيانُ انْتِهاءِ التَّعَبُّدِ بِقِراءَتِها كَآيَةِ: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، أوِ الحُكْمِ المُسْتَفادِ مِنها كَآيَةِ ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ أوْ بِهِما جَمِيعًا كَآيَةِ: (عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ)، وفِيهِ رَفْعُ التَّأْيِيدِ المُسْتَفادِ مِن إطْلاقِها، ولِذا عَرَّفَهُ بَعْضُهم بِرَفْعِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَهو بَيانٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الشّارِعِ، ورَفْعٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا، وخَرَجَ بِقَيْدِ التَّعَبُّدِ الغايَةُ فَإنَّها بَيانٌ لِانْتِهاءِ مُدَّةِ نَفْسِ الحُكْمِ، لا لِلتَّعَبُّدِ بِهِ، واخْتَصَّ التَّعْرِيفُ بِالأحْكامِ إذْ لا تَعَبُّدَ في الأخْبارِ أنْفُسِها، وإنْساؤُها إذْهابُها عَنِ القُلُوبِ، بِأنْ لا تَبْقى في الحِفْظِ، وقَدْ وقَعَ هَذا، فَإنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ أرادَ قِراءَةَ بَعْضِ ما حَفِظَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ في صَدْرِهِ، فَسَألَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «(نُسِخَ البارِحَةَ مِنَ الصُّدُورِ)،» ورَوى مُسْلِمٌ، عَنَ أبِي مُوسى: إنّا كُنّا نَقْرَأُ سُورَةً نُشَبِّهُها في الطُّولِ والشِّدَّةِ بِبَراءَةٌ، فَأُنْسِيتُها، غَيْرَ أنِّي حَفِظْتُ مِنها: (لَوْ كانَ لِابْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن مالٍ لابْتَغى وادِيًا ثالِثًا، وما يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ) وكُنّا نَقْرَأُ بِسُورَةٍ نُشَبِّهُها بِإحْدى المُسَبِّحاتِ فَأُنْسِيتُها، غَيْرَ أنِّي حَفِظْتُ مِنها (يا أيُّها الَّذِينُ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ فَتُكْتَبَ شَهادَةً في أعْناقِكم فَتُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ)، وهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَما كانَ لِغَيْرِهِ أوْ لا؟ فِيهِ خِلافٌ، والذّاهِبُونَ إلى الأوَّلِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ وهو مَذْهَبُ الحَسَنِ، واسْتَدَلَّ الذّاهِبُونَ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَشاءُ أنْ يَذْهَبَ بِما أوْحى إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ لِجَوازِ حَمْلِ (الَّذِي) عَلى ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الوَحْيِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المُرادُ لَمْ نَذْهَبْ بِالجَمِيعِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يُنافِي الِاسْتِثْناءَ، وسُبْحانَ مَن لا يَنْسى، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ النَّسْخَ بِإزالَةِ الحُكْمِ سَواءٌ ثَبَتَ اللَّفْظُ، أوْ لا، والإنْساءَ بِإزالَةِ اللَّفْظِ ثَبَتَ حُكْمُهُ أوْ لا، وفَسَّرَ بَعْضٌ آخَرُ الأوَّلَ بِالإذْهابِ إلى بَدَلٍ لِلْحُكْمِ السّابِقِ، والثّانِيَ بِالإذْهابِ لا إلى بَدَلٍ، وأُورِدَ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ أنَّ تَخْصِيصَ النَّسْخِ بِهَذا المَعْنى مُخالِفٌ لِلُّغَةِ، والِاصْطِلاحِ، وأنَّ النَّساءَ حَقِيقَةٌ في الإذْهابِ عَنِ القُلُوبِ، والحَمْلُ عَلى المَجازِ بِدُونِ تَعَذُّرِ الحَقِيقَةِ تَعَسُّفٌ، ولَعَلَّ ما يُتَمَسَّكُ بِهِ لِصِحَّةِ هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ مِنَ الرِّوايَةِ عَنْ بَعْضِ الأكابِرِ لَمْ يَثْبُتْ، (وما) شَرْطِيَّةٌ جازِمَةٌ (لِنَنْسَخْ) مُنْتَصِبَةٌ بِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ كَوْنِها عامِلَةً صفحة 352 ومَعْمُولَةً لِاخْتِلافِ الجِهَةِ، فَبِتَضَمُّنِها الشَّرْطَ عامِلَةٌ، وبِكَوْنِها اسْمًا مَعْمُولَةٌ، ويُقَدَّرُ لِنَفْسِها جازِمٌ، وإلّا لَزِمَ تَوارُدُ العامِلَيْنِ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ، وتَدُلُّ عَلى جَوازِ وُقُوعِ ما بَعْدَها، إذِ الأصْلُ فِيها أنْ تَدْخُلَ عَلى الأُمُورِ المُحْتَمَلَةِ، واتَّفَقَتْ أهْلُ الشَّرائِعِ عَلى جَوازِ النَّسْخِ ووُقُوعِهِ، وخالَفَتِ اليَهُودُ غَيْرَ العِيسَوِيَّةِ في جَوازِهِ، وقالُوا: يَمْتَنِعُ عَقْلًا، وأبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ في وُقُوعِهِ فَقالَ: إنَّهُ وإنْ جازَ عَقْلًا لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في الأُصُولِ، (ومِن آيَةٍ) في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ، والمُمَيَّزُ (ما) أيْ أيُّ شَيْءٍ، ﴿نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ واحْتِمالُ زِيادَةِ (مِن)، وجَعْلِ آيَةٍ حالًا لَيْسَ بِشَيْءٍ كاحْتِمالِ كَوْنِ (ما) مَصْدَرِيَّةً شَرْطِيَّةً، وآيَةٍ مَفْعُولًا بِهِ، أيْ أيُّ نَسْخٍ نَنْسَخْ آيَةً، بَلْ هَذا الِاحْتِمالُ أدْهى وأمَرُّ، كَما لا يَخْفى، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى آيَةٍ عَلى حَدِّ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، لِأنَّ المَنسُوخَ غَيْرُ المَنسِيِّ، وتَخْصِيصُ الآيَةِ بِالذِّكْرِ بِاعْتِبارِ الغالِبِ، وإلّا فالحُكْمُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِها، بَلْ جارٍ فِيما دُونَها أيْضًا، عَلى ما قِيلَ، وقَرَأ طائِفَةٌ وابْنُ عامِرٍ مِنَ السَّبْعَةِ (نُنْسِخْ) مِن بابِ الإفْعالِ، والهَمْزَةُ كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ: لِلْوِجْدانِ عَلى صِفَةٍ نَحْوَ أحْمَدْتُهُ، أيْ وجَدَتْهُ مَحْمُودًا، فالمَعْنى ما نَجِدُهُ مَنسُوخًا، ولَيْسَ نَجِدُهُ كَذَلِكَ إلّا بِأنْ نَنْسَخَهُ، فَتَتَّفِقُ القِراءَتانِ في المَعْنى، وإنِ اخْتَلَفا في اللَّفْظِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَ الهَمْزَةِ لِلتَّعْدِيَةِ، فالفِعْلُ حِينَئِذٍ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ ما نُنْسِخُكَ مِن آيَةٍ أيْ ما نُبِيحُ لَكَ نَسْخَهُ، كَأنَّهُ لَمّا نَسَخَها اللَّهُ تَعالى أباحَ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَرْكَها بِذَلِكَ النَّسْخِ، فَسَمّى تِلْكَ الإباحَةَ إنْساخًا، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الإنْساخَ عِبارَةً عَنِ الأمْرِ بِالنَّسْخِ، والمَأْمُورُ هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ مِن نَسْخِ الكِتابِ أيْ ما نَكْتُبُ ونُنْزِلُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ ما نُؤَخِّرُ فِيهِ ونَتْرُكُ فَلا نُنْزِلُهُ، والضَّمِيرانِ الآتِيانِ بَعْدَ عائِدانِ عَلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ نُنْسِها، ناشِئٌ عَنِ الذُّهُولِ عَنْ قاعِدَةِ أنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لا بُدَّ في جَوابِهِ مِن عائِدٍ عَلَيْهِ، وقَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وكَثِيرٌ (نَنْسَأْها) بِفَتْحِ نُونِ المُضارَعَةِ والسِّينِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ، وطائِفَةٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالألِفِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ولَمْ يَحْذِفْها لِلْجازِمِ لِأنَّ أصْلَها الهَمْزَةُ مِن نَسَأ بِمَعْنى أخَّرَ، والمَعْنى في المَشْهُورِ: نُؤَخِّرُها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلا نُنْزِلُها، أوْ نُبْعِدُها عَنِ الذِّهْنِ بِحَيْثُ لا يُتَذَكَّرُ مَعْناها ولا لَفْظُها، وهو مَعْنى نُنْسِها فَتَتَّحِدُ القِراءَتانِ، وقِيلَ: ولَعَلَّهُ ألْطَفُ، إنَّ المَعْنى: نُؤَخِّرُ إنْزالَها، وهو في شَأْنِ النّاسِخَةِ حَيْثُ أخَّرَ ذَلِكَ مُدَّةَ بَقاءِ المَنسُوخَةِ، فالمَأْتِيَّةُ حِينَئِذٍ عِبارَةٌ عَنِ المَنسُوخَةِ، كَما أنَّهُ حِينَ النَّسْخِ عِبارَةٌ عَنِ النّاسِخَةِ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ أنَّ رَفْعَ المَنسُوخَةِ بِإنْزالِ النّاسِخَةِ وتَأْخِيرَ النّاسِخَةِ بِإنْزالِ المَنسُوخَةِ كُلٌّ مِنهُما يَتَضَمَّنُ المَصْلَحَةَ في وقْتِهِ، وقَرَأالضَّحّاكُ، وأبُو الرَّجاءِ (نُنْسِها) عَلى صِيغَةِ المَعْلُومِ لِلْمُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ مِنَ التَّنْسِيَةِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ يُقالُ: أنْسانِيهِ اللَّهُ تَعالى، ونَسّانِيهِ تَنْسِيَةً بِمَعْنًى، أيْ نُنْسِ أحَدًا إيّاها، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ (تَنْسَها) بِفَتْحِ التّاءِ مِنَ النِّسْيانِ، ونَسِيتَ إلى سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم هَمَزُوا، وأبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ ضَمَّ التّاءَ عَلى أنَّهُ مِنَ الإنْساءِ، وقَرَأ مَعْبَدُ مِثْلَهُ، ولَمْ يَهْمِزْ، وقَرَأ أُبَيٌّ (نُنْسِكَ) بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِكافِ الخِطابِ، وفي مُصْحَفِ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ (نُنْسِكَها) بِإظْهارِ المَفْعُولَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ (ما نُنْسِكَ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْها نَجِئْ بِمِثْلِها)، ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ فِيهِ ما هو مِن قَبِيلِ النَّسْخِ، حَيْثُ أُقِرَّ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مُدَّةً عَلى قَوْلِ راعِنا، وإقْرارُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الشَّيْءِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ الأمْرِ بِهِ، والإذْنِ فِيهِ، ثُمَّ إنَّهم نُهُوا عَنْ ذَلِكَ فَكانَ مَظِنَّةً لِما يُحاكِي ما حُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أوْ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ كادَ تَرْفَعُ الطَّغامُ رُؤُوسَها، وتَقُولُ: إنَّ مِنَ الفَضْلِ عَدَمَ النَّسْخِ صفحة 353 لِأنَّ النُّفُوسَ إذا داوَمَتْ عَلى شَيْءٍ سَهُلَ عَلَيْها، فَأتى سُبْحانَهُ بِما يُنَكِّسُ رُؤُوسَهُمْ، ويَكْسِرُ نامُوسَهُمْ، ويُشِيرُ إلى أنَّ النَّسْخَ مِن جُمْلَةِ فَضْلِهِ العَظِيمِ وجُودِهِ العَمِيمِ، أوْ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أشارَ إلى حَقِّيَّةِ الوَحْيِ، ورَدَّ كَلامَ الكارِهِينَ لَهُ رَأْسًا، عَقَّبَهُ بِما يُبَيِّنُ سِرَّ النَّسْخِ الَّذِي هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ تَنْزِيلِ الوَحْيِ، وإبْطالُ مَقالَةِ الطّاعِنِينَ فِيهِ فَلْيُتَدَبَّرْ. ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ أيْ بِشَيْءٍ هو خَيْرٌ لِلْعِبادِ مِنها، ﴿أوْ مِثْلِها﴾ حُكْمًا كانَ ذَلِكَ أوْ عَدَمَهُ وحْيًا مَتْلُوًّا، أوْ غَيْرَهُ، والخَيْرِيَّةُ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ في النَّفْعِ فَقَطْ، أوْ في الثَّوابِ فَقَطْ، أوْ في كِلَيْهِما، والمِثْلِيَّةُ خاصَّةٌ بِالثَّوابِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وفَصَّلَهُ بِأنَّ النّاسِخَ إذا كانَ ناسِخًا لِلْحُكْمِ سَواءٌ كانَ ناسِخًا لِلتِّلاوَةِ أوْ لا، لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلى مَصْلَحَةٍ خَلا عَنْها الحُكْمُ السّابِقُ لِما أنَّ الأحْكامَ إنَّما تَنَوَّعَتْ لِلْمَصالِحِ، وتَبَدُّلُها مَنُوطٌ بِتَبَدُّلِها بِحَسَبِ الأوْقاتِ، فَيَكُونُ النّاسِخُ خَيْرًا مِنهُ في النَّفْعِ سَواءٌ كانَ خَيْرًا مِنهُ في الثَّوابِ، أوْ مِثْلًا لَهُ، أوْ لا ثَوابَ فِيهِ أصْلًا، كَما إذا كانَ النّاسِخُ مُشْتَمِلًا عَلى الإباحَةِ، أوْ عَدَمِ الحُكْمِ، وإذا كانَ ناسِخًا لِلتِّلاوَةِ فَقَطْ، لا يُتَصَوَّرُ الخَيْرِيَّةُ في النَّفْعِ لِعَدَمِ تَبَدُّلِ الحُكْمِ السّابِقِ، والمَصْلَحَةِ، فَهو إمّا خَيْرٌ مِنهُ في الثَّوابِ، أوْ مِثْلٌ لَهُ، وكَذا الحالُ في الإنْساءِ، فَإنَّ المَنسِيَّ إذا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى حُكْمٍ يَكُونُ المَأْتِيُّ بِهِ خَيْرًا في النَّفْعِ سَواءٌ كانَ النَّفْعُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الحُكْمِ مُطْلَقًا، أوْ لِخُلُوِّهِ عَنْ ذَلِكَ الحُكْمِ، واشْتِمالِهِ عَلى حُكْمٍ يَتَضَمَّنُ مَصْلَحَةً خَلا عَنْها الحُكْمُ المَنسِيُّ مَعَ جَوازِ خَيْرِيَّتِهِ في الثَّوابِ، ومُماثَلَتِهِ أيّامَ خُلُوِّهُ عَنْهُ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُشْتَمِلًا عَلى حُكْمٍ فالمَأْتِيُّ بِهِ بَعْدَهُ إمّا خَيْرٌ في الثَّوابِ، أوْ مِثْلٌ لَهُ، والحاصِلُ أنَّ المُماثَلَةَ في النَّفْعِ لا تُتَصَوَّرُ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَبَدُّلِ الحُكْمِ تَتَبَدَّلُ المَصْلَحَةُ، فَيَكُونُ خَيْرًا مِنهُ، وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَبَدُّلِهِ، المَصْلَحَةُ الأُولى باقِيَةٌ عَلى حالِها انْتَهى، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْمِيمِ مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ النَّسْخِ بِلا بَدَلٍ، وجَوازُ نَسْخِ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ وهو المَذْهَبُ المَنصُورُ، ومِنَ النّاسِ مَن مَنَعَ ذَلِكَ، ومَنَعَ النَّسْخَ بِبَدَلٍ أثْقَلَ أيْضًا، واحْتَجَّ بِظاهِرِ الآيَةِ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ المَأْتِيِّ بِهِ خَيْرًا أوْ مِثْلًا إلّا في بَدَلٍ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ النّاسِخَ هو المَأْتِيُّ بِهِ بَدَلًا، وهو خَيْرٌ أوْ مِثْلٌ، ويَكُونُ الآتِي بِهِ هو اللَّهُ تَعالى، والسُّنَّةُ لَيْسَتْ خَيْرًا ولا مِثْلَ القُرْآنِ، ولا مِمّا أتى بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأمّا عَلى الثّالِثِ فَلِأنَّ الأثْقَلَ لَيْسَ بِخَيْرٍ مِنَ الأخَفِّ، ولا مِثْلًا لَهُ، ورُدَّ ذَلِكَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ كَوْنَ المَأْتِيِّ بِهِ خَيْرًا أوْ مِثْلًا لا يُتَصَوَّرُ إلّا في بَدَلٍ، وأنَّ الأثْقَلَ لا يَكُونُ خَيْرًا مِنَ الأخَفِّ، إذِ الأحْكامُ إنَّما شُرِعَتْ، والآياتُ إنَّما نَزَلَتْ لِمَصالِحِ العِبادِ، وتَكْمِيلِ نُفُوسِهِمْ فَضْلًا مِنهُ تَعالى ورَحْمَةً، وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأعْصارِ والأشْخاصِ كالدَّواءِ الَّذِي تُعالَجُ بِهِ الأدْواءُ، فَإنَّ النّافِعَ في عَصْرٍ قَدْ يَضُرُّ في غَيْرِهِ، والمُزِيلُ عِلَّةَ شَخْصٍ قَدْ يُزِيلُ عِلَّةَ سِواهُ، فَإذَنْ قَدْ يَكُونُ عَدَمُ الحُكْمِ أوِ الأثْقَلُ أصْلَحَ في انْتِظامِ المَعاشِ، وأنْظَمَ في إصْلاحِ المَعادِ، واللَّهُ تَعالى لَطِيفٌ حَكِيمٌ، ولا يَرُدُّ أنَّ المُتَبادِرَ مِن ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ بِآيَةٍ خَيْرٍ مِنها، وإنَّ عَدَمَ الحُكْمِ لَيْسَ بِمَأْتِيٍّ بِهِ لِما أنَّ الخِلافَ في جَوازِ النَّسْخِ بِلا بَدَلٍ لَيْسَ في إتْيانِ اللَّفْظِ بَدَلَ الآيَةِ الأُولى، بَلْ في الحُكْمِ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ الأُصُولَ، وأمّا الثّانِي فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ حَصْرَ النّاسِخِ بِما ذُكِرَ، إذْ يَجُوزُ أنْ يُعْرَفَ النَّسْخُ بِغَيْرِ المَأْتِيِّ بِهِ، فَإنَّ مَضْمُونَ الآيَةِ لَيْسَ إلّا أنَّ نَسْخَ الآيَةِ يَسْتَلْزِمُ الإتْيانَ بِما هو خَيْرٌ مِنها، أوْ مِثْلٌ لَها، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو النّاسِخُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا مُغايِرًا يَحْصُلُ بَعْدَ حُصُولِ النَّسْخِ، وإذا جازَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ النّاسِخُ سُنَّةً، والمَأْتِيُّ بِهِ الَّذِي هو خَيْرٌ، أوْ مِثْلٌ آيَةً أُخْرى، وأيْضًا السُّنَّةُ مِمّا أتى بِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ ولَيْسَ المُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ والمُماثَلَةِ في اللَّفْظِ حَتّى لا تَكُونَ السُّنَّةُ كَذَلِكَ، بَلْ في النَّفْعِ والثَّوابِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ خَيْرًا في ذَلِكَ، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ فَإنَّ التَّغَيُّرَ المُسْتَفادَ صفحة 354 مِنَ النَّسْخِ، والتَّفاوُتَ المُسْتَفادَ مِنَ الخَيْرِيَّةِ في وقْتٍ دُونَ آخَرَ مِن رَوادِفِ الحَدَثِ وتَوابِعِهِ، فَلا يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّغَيُّرَ والتَّفاوُتَ مِن عَوارِضِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الكَلامُ النَّفْسِيُّ القَدِيمُ، وهي الأفْعالُ في الأمْرِ والنَّهْيِ، والنِّسَبُ الخَبَرِيَّةُ في الخَبَرِ، وذَلِكَ يَسْتَدْعِيهِما في تَعَلُّقاتِهِ دُونَ ذاتِهِ، وأجابَ الإمامُ الرّازِيُّ بِأنَّ المَوْصُوفَ بِهِما الكَلامُ اللَّفْظِيُّ، والقَدِيمُ عِنْدَنا الكَلامُ النَّفْسِيُّ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ آراءُ الأشاعِرَةِ مِن أنَّ الحُكْمَ قَدِيمٌ، والنَّسْخَ لا يَجْرِي إلّا في الأحْكامِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (ناتِ) بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا. ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الِاسْتِفْهامُ قِيلَ: لِلتَّقْرِيرِ وقِيلَ: لِلْإنْكارِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُرِيدَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ هو وأُمَّتُهُ المُسْلِمُونَ، وإنَّما أفْرَدَهُ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْلَمُهُمْ، ومَبْدَأُ عِلْمِهِمْ، ولِإفادَةِ المُبالَغَةِ مَعَ الِاخْتِصارِ، وقِيلَ: لِكُلِّ واقِفٍ عَلَيْهِ عَلى حَدِّ: «(بَشِّرِ المَشّائِينَ)» وقِيلَ: لِمُنْكِرِي النَّسْخِ، والمُرادُ الِاسْتِشْهادُ بِعِلْمِ المُخاطَبِ بِما ذُكِرَ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى النَّسْخِ، وعَلى الإتْيانِ بِما هو خَيْرٌ أوْ مُماثِلٌ، لِأنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ المَقْهُورَةِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، فَمِن عِلْمِ شُمُولِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ عِلْمُ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ قَطْعًا، والِالتِفاتُ بِوَضْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، ولِأنَّهُ الِاسْمُ العَلَمُ الجامِعُ لِسائِرِ الصِّفاتِ، فَفي ضِمْنِهِ صِفَةُ القُدْرَةِ فَهو أبْلَغُ في نِسْبَةِ القُدْرَةِ إلَيْهِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ:

البقرة 2:107

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ قَدْ عَلِمْتَ أيُّها المُخاطَبُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ السُّلْطانُ القاهِرُ والِاسْتِيلاءُ الباهِرُ المُسْتَلْزِمانِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ إيجادًا وإعْدامًا وأمْرًا ونَهْيًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، لا مُعارِضَ لِأمْرِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، فَمَن هَذا شَأْنُهُ كَيْفَ يَخْرُجُ عَنْ قُدْرَتِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ ! فَيَكُونُ الكَلامُ عَلى هَذا كالدَّلِيلِ لِما قَبْلَهُ في إفادَةِ البَيانِ، فَيَكُونُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ عَطْفِ البَيانِ مِن مَتْبُوعِهِ في إفادَةِ الإيضاحِ، فَلِذا تُرِكَ العَطْفُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِلْأوَّلِ وإعادَةً لِلِاسْتِشْهادِ عَلى ما ذُكِرَ، وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ (أنَّ) مَعَ ما في حَيِّزِها عَلى ما سَبَقَ مِن مِثْلِها رَوْمًا لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ وإشْعارًا بِاسْتِقْلالِ العِلْمِ بِكُلٍّ مِنهُما وكِفايَةً في الوُقُوفِ عَلى ما هو المَقْصُودُ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ بِالمُلْكِ لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ الظّاهِرَةِ، ولِأنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ لا يَخْلُو عَنْ أنْ يَكُونَ في إحْدى هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ، فَكانَ في الِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِما إشارَةٌ إلى الِاسْتِيلاءِ عَلى ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالتَّقْرِيرِ عَلى وصْفِ القُدْرَةِ، لِأنَّهُ مُنْشِئًا لِوَصْفِ الِاسْتِيلاءِ، والسُّلْطانِ، ولَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ: إنَّ لِلَّهِ مُلْكَ إلَخْ، قَصْدًا إلى تَقَوِّي الحُكْمِ بِتَكْرِيرِ الإسْنادِ، ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِـ(أنَّ) داخِلٌ مَعَها حَيْثُ دَخَلَتْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَناوُلِ الخِطابِ فِيما قَبْلُ لِلْأُمَّةِ أيْضًا، (ومِنَ) الثّانِيَةُ صِلَةٌ فَلا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ، (ومِنَ) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَدْخُولِ (مِنَ) الثّانِيَةِ، وهو في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ، فَلَمّا قُدِّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِيَّةِ، وفي البَحْرِ إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَكُمْ) وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ في (ما) أنْ تَكُونَ تَمِيمِيَّةً، وأنْ تَكُونَ حِجازِيَّةً عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ تَقَدُّمَ خَبَرِها، إذا كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا، والوَلِيُّ المالِكُ، والنَّصِيرُ المُعِينُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المالِكَ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى النُّصْرَةِ، أوْ قَدْ يَقْدِرُ، ولا يَفْعَلُ، والمُعِينُ قَدْ يَكُونُ مالِكًا، وقَدْ لا يَكُونُ بَلْ يَكُونُ أجْنَبِيًّا، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ الِاسْتِشْهادُ عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ الإتْيانِ بِما هو خَيْرٌ مِنَ المَنسُوخِ، أوْ بِمِثْلِهِ، فَإنَّ مُجَرَّدَ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي حُصُولَهُ البَتَّةَ، إنَّما الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ كَوْنُهُ تَعالى مَعَ ذَلِكَ ولِيًّا نَصِيرًا لَهُمْ، فَمَن عَلِمَ أنَّهُ تَعالى ولَيُّهُ ونَصِيرُهُ لا ولِيَّ ولا نَصِيرَ لَهُ سِواهُ يَعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا يَفْعَلُ بِهِ إلّا ما هو خَيْرٌ لَهُ، فَيُفَوِّضُ أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ رِيبَةٌ في أمْرِ النَّسْخِ وغَيْرِهِ أصْلًا،

البقرة 2:108

صفحة 355 ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ جُوِّزَ في (أمْ) هَذِهِ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، وأنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً، فَإنْ قُدِّرَ تَعْلَمُونَ، قَبْلَ تُرِيدُونَ بِناءً عَلى دِلالَةِ السِّباقِ، وهو ألَمْ تَعْلَمْ، والسِّياقِ وهو الِاقْتِراحُ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ التَّعَنُّتِ، والعِلْمُ بِخِلافِهِ كانَتْ مُتَّصِلَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ الأمْرَيْنِ مِن عَدَمِ العِلْمِ بِما تَقَدَّمَ، أوِ العِلْمُ مَعَ الِاقْتِراحِ واقِعٌ، والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلْإنْكارِ بِمَعْنى لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُما، وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ، كانَتْ مُنْقَطِعَةً لِلْإضْرابِ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالسّابِقِ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنِ اقْتِراحِهِمْ كاقْتِراحِ اليَهُودِ إنْكارًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ أيْضًا، وقَطَعَ بَعْضُهم بِالقَطْعِ بِناءً عَلى دُخُولِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الخِطابِ أوْ لا، وعَدَمُ دُخُولِهِ فِيهِ هُنا لِأنَّهُ مُقْتَرَحٌ عَلَيْهِ، لا مُقْتَرِحٌ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِالِاتِّصالِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُخِلٍّ بِهِ، لِحُصُولِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَقْصِدِ، وإرادَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الأوَّلِ كانَتْ لِمُجَرَّدِ التَّصْوِيرِ، والِانْتِقالِ لِما قَدَّمْنا أنَّها بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، والمُرادُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَوْصِيَتُهُ المُسْلِمِينَ بِالثِّقَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتُرِكَ الِاقْتِراحُ بَعْدَ رَدِّ طَعْنِ المُشْرِكِينَ أوِ اليَهُودِ في النَّسْخِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَكُونُوا فِيما أُنْزِلَ إلَيْكم مِنَ القُرْآنِ مِثْلَ اليَهُودِ في تَرْكِ الثِّقَةِ بِالآياتِ البَيِّنَةِ واقْتِراحِ غَيْرِها، فَتَضِلُّوا وتَكْفُرُوا بَعْدَ الإيمانِ، وفي هَذِهِ التَّوْصِيَةِ كَمالُ المُبالَغَةِ والبَلاغَةُ، حَتّى كَأنَّهم بِصَدَدِ الإرادَةِ، فَنُهُوا عَنْها فَضْلًا عَنِ السُّؤالِ، يَعْنِي مِن شَأْنِ العاقِلِ أنْ لا يَتَصَدّى لِإرادَةِ ذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: كَما سَألَ أُمَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ اليَهُودُ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَن سَألَ ذَلِكَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُصانَ اللِّسانُ عَنْ ذِكْرِهِ، ولا يَقْتَضِي سابِقِيَّةَ وُقُوعِ الِاقْتِراحِ مِنهُمْ، ولا يَتَوَقَّفُ مَضْمُونُ الآيَةِ عَلَيْهِ، إذِ التَّوْصِيَةُ لا تَقْتَضِي سابِقِيَّةَ الوُقُوعِ، كَيْفَ وهو كُفْرٌ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، ولا يَكادُ يَقَعُ مِنَ المُؤْمِنِ، ومِمّا ذَكَرْنا يَظْهَرُ وجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ﴾ فَإنَّ المَقْصِدَ مِن كُلٍّ مِنهُما تَثْبِيتُهم عَلى الآياتِ، وتَوْصِيَتُهم بِالثِّقَةِ بِها، وأمّا بَيانُهُ بِأنَّهُ لَعَلَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيانَ تَفاصِيلِ الحِكَمِ الدّاعِيَةِ إلى النَّسْخِ، فَلِذا أُرْدِفَتْ آيَةُ النَّسْخِ بِذَلِكَ، فَأُراهُ إلى التَّمَنِّي أقْرَبَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ «أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزْوَةِ خَيْبَرَ أنْ يَجْعَلَ لَهم ذاتَ أنْواطٍ، كَما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (سُبْحانَ اللَّهِ ! هَذا كَما قالَ قَوْمُ مُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، والقُذَّةِ بِالقُذَّةِ، إنْ كانَ فِيهِمْ مَن أتى أُمَّهُ يَكُونُ فِيكُمْ، فَلا أدْرِي أتَعْبُدُونَ العِجْلَ أمْ لا؟)،» وهو مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ يَسْتَدْعِي أنَّ المُخاطَبَ في الآياتِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، والسِّباقُ والسِّياقُ والتَّذْيِيلُ تَشْهَدُ لَهُ، وعَلَيْهِ يَتَرَجَّحُ الِاتِّصالُ لِما نُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ: أنَّ الفِعْلِيَّتَيْنِ إذا اشْتَرَكَتا في الفاعِلِ نَحْوَ: أقُمْتَ أمْ قَعَدْتَ، (فَأمْ) مُتَّصِلَةٌ، وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُخاطَبَ بِها اليَهُودُ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ حِينَ سَألُوا أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وخاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ رَدِّ طَعْنِهِمْ تَهْدِيدًا لَهُمْ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُضارِعُ الآتِي بِمَعْنى الماضِي، إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ إحْضارًا لِلصُّورَةِ الشَّنِيعَةِ، واخْتارَ هَذا الإمامُ الرّازِيُّ، وقالَ: إنَّهُ الأصَحُّ، لِأنَّ هَذِهِ سُورَةٌ مِن أوَّلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ حِكايَةً عَنِ اليَهُودِ ومُحاجَّةً مَعَهُمْ، ولِأنَّهُ جَرى ذِكْرُهُمْ، وما جَرى ذِكْرُ غَيْرِهِمْ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ بِالرَّسُولِ لا يَكادُ يَسْألُ ما يَكُونُ مُتَبَدِّلًا بِهِ الكُفْرَ بِالإيمانِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وكَأنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى نَسِيَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا﴾ وقِيلَ: إنَّ المُخاطَبَ أهْلُ مَكَّةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ ورَهْطٍ مِن قُرَيْشٍ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، اجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، ووَسِّعْ لَنا أرْضَ مَكَّةَ، وفَجِّرْ لَنا الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا، ونُؤْمِن لَكَ، وحُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ غَيْرُ صفحة 356 ذَلِكَ، ولا مانِعَ كَما في البَحْرِ مِن جَعْلِ الكُلِّ أسْبابًا، وعَلى الخِلافِ في المُخاطَبِينَ يَجِيءُ الكَلامُ في ﴿رَسُولَكُمْ﴾ فَإنْ كانُوا المُؤْمِنِينَ فالإضافَةُ عَلى ما في نَفْسِ الأمْرِ، وما أقَرُّوا بِهِ مِن رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإنْ كانُوا غَيْرَهم فَهي عَلى ما في نَفْسِ الأمْرِ دُونَ الإقْرارِ، (وما) مَصْدَرِيَّةٌ، والمَشْهُورُ أنَّ المَجْرُورَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ سُؤالًا (كَما)، ورَأى سِيبَوَيْهِ أنَّهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ أنْ تَسْألُوهُ، أيِ السُّؤالَ (كَما)، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، لِتَسْألُوا، أيْ كالأشْياءِ الَّتِي سَألَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلُ، وهو الأنْسَبُ، لِأنَّ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ إنَّما هو لِفَسادِ المُقْتَرَحاتِ، وكَوْنُها في العاقِبَةِ وبالًا عَلَيْهِمْ، وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ المُشَبَّهَ (أنْ تَسْألُوا) وهو مَصْدَرٌ، فالظّاهِرُ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ كَذَلِكَ، وقُبْحُ السُّؤالِ إنَّما هو لِقُبْحِ المَسْؤُولِ عَنْهُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ السُّؤالُ نَفْسُهُ قَبِيحًا في بَعْضِ الحالاتِ مَعَ أنَّ المَصْدَرِيَّةَ لا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ رابِطٍ، فَهو أوْلى، (ومِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِسُئِلَ، وجِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو السِّمالِ (سِيلَ) بِسِينٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ والزُّهْرِيُّ بِإشْمامِ الشِّينِ الضَّمَّ وياءٍ، وبَعْضُهم بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وضَمِّ السِّينِ. ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُكْمٍ كُلِّيٍّ، أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ المَثَلِ، جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنِ الِاقْتِراحِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: أمْ تُرِيدُونَ إلَخْ، مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، فَهي تَذْيِيلٌ لَهُ بِاعْتِبارِ أنَّ المُقْتَرِحِينَ الشّاكِّينَ مِن جُمْلَةِ الضّالِّينَ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ المُتَبَدِّلِينَ، (وسَواءَ) بِمَعْنى وسَطٍ، أوْ مُسْتَوِي، والإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ الوَصْفِ إلى المَوْصُوفِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في بَيانِ قُوَّةِ الِاتِّصافِ، كَأنَّهُ نَفْسُ السَّواءِ عَلى مِنهاجِ حُصُولِ الصُّورَةِ في الصُّورَةِ الحاصِلَةِ، والفاءُ رابِطَةٌ، وما بَعْدَها لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَزاءَ الشَّرْطِ لِأنَّ ضَلالَ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الِاسْتِبْدالِ، والِارْتِدادُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ الجَزاءَ إذا كانَ ماضِيًا مَعَ (قَدْ) كانَ باقِيًا عَلى مُضِيِّهِ، لِأنَّ (قَدْ) لِلتَّحْقِيقِ، وما تَأكَّدَ، ورَسَخَ لا يَنْقَلِبُ، ولا يَتَرَتَّبُ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ، ولِأنَّ كَوْنَ الشَّرْطِ مُضارِعًا، والجَزاءِ ماضِيًا، صُورَةُ ضَعِيفٍ لَمْ يَأْتِ في الكِتابِ العَزِيزِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ بِأنْ يُقالَ: ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فالسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَرَكَهُ، ويَؤُولُ المَعْنى إلى أنَّ ضَلالَ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، وهو الكُفْرُ الصَّرِيحُ في الآياتِ سَبَبٌ لِلتَّبْدِيلِ والِارْتِدادِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّبَدُّلَ المَذْكُورَ بِتَرْكِ الثِّقَةِ بِالآياتِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ لازِمًا لَهُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْهُ، وحاصِلُ الآيَةِ حِينَئِذٍ: ومَن يَتْرُكِ الثِّقَةَ بِالآياتِ البَيِّنَةِ المُنَزَّلَةِ بِحَسَبِ المَصالِحِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ النّاسِخَةُ الَّتِي هي خَيْرٌ مَحْضٌ، وحَقٌّ بَحْتٌ، واقْتَرَحَ غَيْرَها، فَقَدْ عَدَلَ وجارَ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إلى مَعالِمِ الحَقِّ والهُدى، وتاهَ في تِيهِ الهَوى، وتَرَدّى في مَهاوِي الرَّدى، واخْتارَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ بِأنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ وارْتِدادٌ، ولَعَلَّ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوْلى كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وقُرِئَ (ومَن يُبْدِلْ) مِن أبْدَلَ، وإدْغامُ الدّالِ في الضّادِ والإظْهارُ قِراءَتانِ مَشْهُورَتانِ.

البقرة 2:109

﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ وهم طائِفَةٌ مِن أحْبارِ اليَهُودِ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ: ألَمْ تَرَوْا إلى ما أصابَكم ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ لَما هُزِمْتُمْ، فارْجِعُوا إلى دِينِنا، فَهو خَيْرٌ لَكُمْ، رَواهُ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورَوى أنَّ فِنْحاصَ بْنَ عازُوراءَ، وزَيْدَ بْنَ قَيْسٍ ونَفَرًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا ذَلِكَ لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ، ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ، ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ حِكايَةً لِوِدادَتِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (لَوْ) هَذِهِ، فَأغْنى عَنِ الإعادَةِ ﴿مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾ أيْ مُرْتَدِّينَ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ صفحة 357 المُخاطَبِينَ، يُفِيدُ مُقارَنَةَ الكُفْرِ بِالرَّدِّ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الكُفْرَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الِارْتِدادِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ إلى ما يُرَدُّ إلَيْهِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ لَوْ يَرُدُّونَكم إلى الكُفْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ (ودَّ)، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ (لِيَرُدُّونَكُمْ) عَلى تَضْمِينِ الرَّدِّ مَعْنى التَّصْيِيرِ، إذْ مِنهم مَن لَمْ يَكْفُرْ حَتّى يُرَدَّ إلَيْهِ، فَيَحْتاجُ إلى التَّغْلِيبِ، كَما في ﴿لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ عَلى أنَّ في ذَلِكَ يَكُونُ الكُفْرُ المَفْرُوضُ بِطَرِيقِ القَسْرِ، وهو أدْخَلُ في الشَّناعَةِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: (مِن بَعْدِ) مَعَ أنَّ الظّاهِرَ (عَنْ) لِأنَّ الرَّدَّ يُسْتَعْمَلُ بِها تَنْصِيصٌ بِحُصُولِ الإيمانِ لَهُمْ، وقِيلَ: أُورِدَ مُتَوَسِّطًا لِإظْهارِ كَمالِ فَظاعَةِ ما أرادُوهُ، وغايَةُ بُعْدِهِ عَنِ الوُقُوعِ إمّا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ الصّادِّ لِلْعاقِلِ عَنْ مُباشَرَتِهِ، وإمّا لِمُمانَعَةِ الإيمانِ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِن بَعْدِ إيمانِكُمُ الرّاسِخِ، وفِيهِ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى، ﴿حَسَدًا﴾ عِلَّةٌ (لِوَدَّ)، لا (لِيَرُدُّونَكُمْ) لِأنَّهُ يَوَدُّونَ ارْتِدادَهم مُطْلَقًا، لا ارْتِدادَهُمُ المُعَلَّلَ بِالحَسَدِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى الحالِ، أيْ حاسِدِينَ، ولَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ جَعْلَ المَصْدَرِ حالًا كَما قالَ أبُو حَيّانَ لا يَنْقاسُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ حَسَدُوكم حَسَدًا، وهو كَما تَرى، ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وقَعَ صِفَةً، إمّا لِلْحَسَدِ أيْ حَسَدًا كائِنًا مِن أصْلِ نُفُوسِهِمْ، فَكَأنَّهُ ذاتِيٌّ لَها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغًا مُتَناهِيًا، وهَذا يُؤَكِّدُ أمْرَ التَّنْوِينِ إذا جُعِلَ لِلتَّكْثِيرِ، أوِ التَّعْظِيمِ، وإمّا لِلْوِدادِ المَفْهُومِ مِن (ودَّ) أيْ وِدادًا كائِنًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، وتَشَهِّيهِمْ لا مِن قِبَلِ التَّدَبُّرِ والمَيْلِ إلى الحَقِّ، وجَعْلُهُ ظَرْفًا لَغْوًا مَعْمُولًا (لِوَدَّ) أوْ حَسَدًا، كَما نُقِلَ عَنْ مَكِّيٍّ، يُبْعِدُهُ أنَّهُما لا يُسْتَعْمَلانِ بِكَلِمَةِ (مِن) كَما قالَهُ ابْنُ الشَّجَرِيِّ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ بِالنُّعُوتِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ، والمُعْجِزاتِ، وهَذا كالدَّلِيلِ عَلى تَخْصِيصِ الكَثِيرِ بِالأحْبارِ، لِأنَّ التَّبَيُّنَ بِذَلِكَ إنَّما كانَ لَهم لا لِلْجُهّالِ، ولَعَلَّ مَن قالَ: إنَّ الوِدادَةَ مِن عَوامِّهِمْ أيْضًا، لِئَلّا يَبْطُلَ دِينُهُمُ الَّذِي ورِثُوهُ، وتَبْطُلَ رِياسَةُ أحْبارِهِمُ الَّذِينَ اعْتَقَدُوهُمْ، واتَّخَذُوهم رُؤَساءَ، فالمُرادُ مِنَ الكَثِيرِ جَمِيعُهم مِن كُفّارِهِمْ ومُنافِقِيهِمْ، ويَكُونُ ذِكْرُهُ لِإخْراجِ مَن آمَنَ مِنهم سِرًّا وعَلانِيَةً يُدَّعى أنَّ التَّبْيُّنَ حَصَلَ لِلْجَمِيعِ أيْضًا إلّا أنَّ أسْبابَهُ مُخْتَلِفَةٌ مُتَفاوِتَةٌ، وهَذا هو الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ، فَإنَّ مَن شاهَدَ هاتِيكَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةَ، والآياتِ الزّاهِرَةَ يَبْعُدُ مِنهُ كَيْفَما كانَ عَدَمُ تَبَيُّنِ الحَقِّ، ومَعْرِفَةِ مَطالِعِ الصِّدْقِ، إلّا أنَّ الحُظُوظَ النَّفْسانِيَّةَ، والشَّهَواتِ الدَّنِيَّةَ والتَّسْوِيلاتِ الشَّيْطانِيَّةَ حَجَبَتْ مَن حَجَبَتْ عَنِ الإيمانِ، وقَيَّدَتْ مَن قَيَّدَتْ في قَيْدِ الخِذْلانِ، ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ العَفْوُ تَرْكُ عُقُوبَةِ المُذْنِبِ، والصَّفْحُ تَرْكُ التَّثْرِيبِ والتَّأْنِيبِ، وهو أبْلَغُ مِنَ العَفْوِ، إذْ قَدْ يَعْفُو الإنْسانُ، ولا يَصْفَحُ، ولَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِن تَوْلِيَةِ صَفْحَةِ الوَجْهِ إعْراضًا، أوْ مِن تَصَفَّحْتُ الوَرَقَةَ إذا تَجاوَزْتَ عَمّا فِيها، وآثَرَ العَفْوَ عَلى الصَّبْرِ عَلى أذاهم إيذانًا بِتَمْكِينِ المُؤْمِنِينَ تَرْهِيبًا لِلْكافِرِينَ. ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ هو واحِدُ الأوامِرِ، والمُرادُ بِهِ الأمْرُ بِالقِتالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ أوِ الأمْرُ بِقَتْلِ قُرَيْظَةَ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وقِيلَ: واحِدُ الأُمُورِ، والمُرادُ بِهِ القِيامَةُ، أوِ المُجازاةُ يَوْمَها، أوْ قُوَّةُ الرِّسالَةِ، وكَثْرَةُ الأُمَّةِ، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الصَّفْحَ بِالإعْراضِ عَنْهُمْ، وتَرْكِ مُخالَطَتِهِمْ، وجَعَلَ غايَةَ العَفْوِ إتْيانَ آيَةِ القِتالِ، وغايَةَ الإعْراضِ إتْيانَ اللَّهِ تَعالى أمْرَهُ، وفَسَّرَهُ بِإسْلامِ مَن أسْلَمَ مِنهم كَما قالَهُ الكَلْبِيُّ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أنْ يُحْمَلَ الأمْرُ عَلى واحِدِ الأوامِرِ، وواحِدِ الأُمُورِ، وهو عِنْدَ المُحَقِّقِينَ جَمْعٌ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وعَنْ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: إنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، واسْتُشْكِلَ صفحة 358 ذَلِكَ بِأنَّ النَّسْخَ لِكَوْنِهِ بَيانًا لِمُدَّةِ الِانْتِهاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشّارِعِ، ودَفْعًا لِلتَّأْيِيدِ الظّاهِرِيِّ مِنَ الإطْلاقِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الحُكْمُ المَنسُوخُ خالِيًا عَنِ التَّوْقِيتِ والتَّأْيِيدِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ مُؤَقَّتًا كانَ النّاسِخُ بَيانًا لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا أيْضًا، ولَوْ كانَ مُؤَبَّدًا كانَ بَدْءًا لا بَيانًا بِالنِّسْبَةِ إلى الشّارِعِ، والأمْرُ ها هُنا مُؤَقَّتٌ بِالغايَةِ، وكَوْنُها غَيْرَ مَعْلُومَةٍ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ آيَةُ القِتالِ بَيانًا لِإجْمالِهِ، وبِذَلِكَ تَبَيَّنَ ضَعْفُ ما أجابَ بِهِ الإمامُ الرّازِيُّ، وتَبِعَهُ فِيهِ كَثِيرُونَ مِن أنَّ الغايَةَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها الأمْرُ إذا كانَتْ لا تُعْلَمُ إلّا شَرْعًا لَمْ يَخْرُجِ الوارِدُ مِن أنْ يَكُونَ ناسِخًا، ويَحِلَّ مَحَلَّ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ إلى أنْ أنْسَخَهُ لَكُمْ، فَلَيْسَ هَذا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ وأمّا تَأْيِيدُ الطِّيبِيِّ لَهُ بِحُكْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيهِما انْتِهاءَ مُدَّةِ الحُكْمِ بِهِما بِإرْسالِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ وكانَ ظُهُورُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَسْخًا، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ ما في التَّلْوِيحِ مِن أنَّ الواقِعَ فِيهِما البِشارَةُ بِشَرْعِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإيجابِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي تَوْقِيتَ الأحْكامِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مُفَسِّرًا، أوْ مُقَرِّرًا، أوْ مُبَدِّلًا لِلْبَعْضِ دُونَ البَعْضِ، فَمِن أيْنَ يَلْزَمُ التَّوْقِيتُ، بَلْ هي مُطْلَقَةٌ، يُفْهَمُ مِنها التَّأْبِيدُ، فَتَبْدِيلُها يَكُونُ نَسْخًا، وأُجِيبَ عَنِ الِاسْتِشْكالِ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ القائِلِينَ بِالنَّسْخِ أرادُوا بِهِ البَيانَ مَجازًا، أوْ يُقالُ: لِعِلْمِهِمْ فَسَّرُوا الغايَةَ بِإماتَتِهِمْ أوْ بِقِيامِ السّاعَةِ، والتَّأْبِيدُ إنَّما يُنافِي إطْلاقَ الحُكْمِ، إذا كانَ غايَةً لِلْوُجُوبِ، وأمّا إذا كانَ غايَةً لِلْواجِبِ فَلا، ويَجْرِي فِيهِ النَّسْخُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، قالَهُ مَوْلانا السّالِيكُوتِيُّ، إلّا أنَّ الظّاهِرَ لا يُساعِدُهُ، فَتَدَبَّرْ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُؤَكِّدٌ لِما فُهِمَ مِن سابِقِهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِالِانْتِقامِ مِنَ الكُفّارِ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ، والتَّمْكِينِ، ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ ذِكْرًا لِمُوجِبِ قَبُولِ أمْرِهِ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، وتَهْدِيدًا لِمَن يُخالِفُ أمْرَهُ،

البقرة 2:110

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فاعْفُوا﴾ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِالمُخالَفَةِ، والِالتِجاءِ إلَيْهِ تَعالى بِالعِبادَةِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ لِأنَّها تَدْفَعُ عَنْهم ما يَكْرَهُونَ، وقَوْلُ الطَّبَرِيِّ: إنَّهم أُمِرُوا هُنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لِيُحْبِطَ ما تَقَدَّمَ مِن مَيْلِهِمْ إلى قَوْلِ اليَهُودِ (راعِنا) مُنْحَطٌّ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ. ﴿وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ أيْ أيِّ خَيْرٍ كانَ، وفي ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، والصَّلاةِ، والزَّكاةِ، وتَرْغِيبٌ إلَيْهِ، واللّامُ نَفْعِيَّةٌ، وتَخْصِيصُ الخَيْرِ بِالصَّلاةِ والصَّدَقَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقُرِئَ (تَقْدَمُوا) مِن قَدِمَ مِنَ السَّفَرِ، وأقْدَمَهُ غَيْرُهُ جَعَلَهُ قادِمًا، وهي قَرِيبٌ مِنَ الأُولى، لا مِنَ الإقْدامِ ضِدِّ الإحْجامِ. ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ تَجِدُوا ثَوابَهُ لَدَيْهِ سُبْحانَهُ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ تَجِدُوهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِهِ، إلّا أنَّهُ بالِغٌ في كَمالِ عِلْمِهِ، فَجَعَلَ ثُبُوتَهُ في عِلْمِهِ بِمَنزِلَةِ ثُبُوتِ نَفْسِهِ عِنْدَهُ، وقَدْ أكَّدَ تِلْكَ المُبالَغَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ حَيْثُ جَعَلَ جَمِيعَ ما يَعْمَلُونَ مُبْصَرًا لَهُ تَعالى، فَعَبَّرَ عَنْ عِلْمِهِ تَعالى بِالبَصَرِ مَعَ أنَّ قَلِيلًا مِمّا يَعْمَلُونَ مِنَ المُبْصَراتِ، وكَأنَّهُ لِهَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ البَصِيرَ بِالعالِمِ، وأمّا قَوْلُ العَلّامَةِ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الصِّفاتِ، وأنَّهُ لَيْسَ مَعْنى السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ تَعالى إلّا تَعَلُّقُ ذاتِهِ بِالمَعْلُوماتِ، فَفِيهِ أنَّ التَّفْسِيرَ لا يُفِيدُ إلّا أنَّ المُرادَ مِنَ البَصِيرِ ها هُنا العالِمُ، ولا دِلالَةَ عَلى كَوْنِهِ الذّاتَ، أوْ زائِدًا عَلَيْهِ، ولا عَلى أنَّ لَيْسَ مَعْنى السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ تَعالى سِوى التَّعَلُّقِ المَذْكُورِ، وقُرِئَ (يَعْمَلُونَ) بِالياءِ، والضَّمِيرُ صفحة 359 حِينَئِذٍ كِنايَةٌ عَنْ كَثِيرٍ، أوْ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْفُوا﴾ إلَخْ، مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الغايَةِ، والمُناسِبُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِأُولَئِكَ، لِيَكُونَ تَسْلِيَةً وتَوْطِينًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، وإزالَةً لِاسْتِبْطاءِ إتْيانِ الأمْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُؤْمِنِينَ المُخاطَبِينَ بِالخِطاباتِ المُتَقَدِّمَةِ، والكَلامُ وعِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويُسْتَفادُ مِنَ الِالتِفاتِ الواقِعِ مِن صَرْفِ الكَلامِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، وهو النُّكْتَةُ الخاصَّةُ بِهَذا الِالتِفاتِ، ولا يَخْفى أنَّهُ كَلامٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ،

البقرة 2:111

﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ عَطْفٌ عَلى (ودَّ) وما بَيْنَهُما أعْنِي ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ إمّا اعْتِراضٌ بِالفاءِ أوْ عَطْفٌ عَلى (ودَّ) أيْضًا، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ فِيما لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ بِما سِوى الواوِ جائِزٌ، والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ لا لِكَثِيرٍ مِنهُمْ، كَما يَتَبادَرُ مِنَ العَطْفِ، والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى جَمِيعًا، وكَأنَّ أصْلَ الكَلامِ: قالَتِ اليَهُودُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، وقالَتِ النَّصارى لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى، فَلَفَّ بَيْنَ هَذَيْنِ المَقُولَيْنِ، وجُعِلا مَقُولًا واحِدًا اخْتِصارًا، وثِقَةً بِفَهْمِ السّامِعِ أنْ لَيْسَ المَقْصِدَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَقُولُ هَذا القَوْلَ المُرَدَّدَ، ولِلْعِلْمِ بِتَضْلِيلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، بَلِ المَقْصِدُ تَقْسِيمُ القَوْلِ المَذْكُورِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، فَكَلِمَةُ أوْ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ لِلتَّفْصِيلِ، والتَّقْسِيمِ، لا لِلتَّرْدِيدِ، فَلا غُبارَ، وهُودٌ جَمْعُ هائِدٍ كَعُوذٍ جَمْعِ عائِذٍ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُخَفَّفُ يَهُودَ بِحَذْفِ الياءِ، وهو ضَعِيفٌ، وعَلى القَوْلِ بِالجَمْعِيَّةِ يَكُونُ اسْمَ كانَ مُفْرَدًا عائِدًا عَلى (مَن) بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وجُمِعَ الخَبَرُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ خِلافًا لِمَن مَنَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وأيْقَظَ مَن كانَ مِنكم نِيامًا وقَرَأ أُبَيٌّ (يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا)، فَحُمِلَ الخَبَرُ والِاسْمُ مَعًا عَلى اللَّفْظِ. ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ الأمانِيُّ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وهي ما يُتَمَنّى كالأُضْحُوكَةِ والأُعْجُوبَةِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وطَلَبِ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُمْ، (وتِلْكَ) إشارَةٌ إلى ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ إلَخْ، وجُمِعَ الخَبَرُ مَعَ أنَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أُمْنِيَّةٌ واحِدَةٌ لِيَدُلَّ عَلى تَرَدُّدِ الأُمْنِيَّةِ في نُفُوسِهِمْ، وتَكَرُّرِها فِيها، وقِيلَ: إشْعارًا بِأنَّها بَلَغَتْ كُلَّ مَبْلَغٍ، لِأنَّ الجَمْعَ يُفِيدُ زِيادَةَ الآحادِ، فَيُسْتَعْمَلُ لِمُطْلَقِ الزِّيادَةِ، وهَذا مِن بَدِيعِ المَجازِ ونَفائِسِ البَيانِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا كُلِّهِ، بَلِ الجَمْعُ لِأنَّ (تِلْكَ) مُحْتَوِيَةٌ عَلى أمانِ أنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا اليَهُودُ، وأنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا النَّصارى، وحِرْمانِ المُسْلِمِينَ مِنها، وأيْضًا فَقائِلُهُ مُتَعَدِّدٌ، وهو بِاعْتِبارِ كُلِّ قائِلٍ أُمْنِيَّةٌ، وبِاعْتِبارِ الجَمِيعِ أمانٍ كَثِيرَةٌ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَها إشارَةً إلى أنْ لا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهُمْ، وعَلَيْهِ يَكُونُ أمانِيُّهم تَغْلِيبًا، لِأنَّ الأوَّلَيْنِ مِن قَبِيلِ المُتَمَنَّياتِ حَقِيقَةً، والثّالِثَ دَعْوى باطِلَةٌ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى ما في الآيَةِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ أمْثالُ تِلْكَ الأُمْنِيَّةِ أمانِيُّهُمْ، فَإنْ جَعَلَ الأمانِيَّ بِمَعْنى الأكاذِيبِ، فَإطْلاقُ الأُمْنِيَّةِ عَلى دَعْواهم عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى المُتَمَنَّياتِ فَعَلى الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا بِالمُتَمَنّى في الِاسْتِحالَةِ، ولا يَخْفى ما في الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ، لا سِيَّما أوَّلُهُما، لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ ذُكِرَ فِيها وُدُّهم لِشَيْءٍ، قَدِ انْفَصَلَتْ، وكَمُلَتْ، واسْتَقَلَّتْ في النُّزُولِ، فَيَبْعُدُ جِدًّا أنْ يُشارَ إلَيْها. ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ عَلى ما ادَّعَيْتُمُوهُ مِنِ اخْتِصاصِكم بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَهو مُتَّصِلٌ مَعْنًى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ﴾ إلَخْ، عَلى أنَّهُ جَوابٌ لَهُ، لا غَيْرُ، (وهاتُوا) بِمَعْنى أحْضِرُوا، والهاءُ أصْلِيَّةٌ لا بَدَلٌ مِن هَمْزَةِ آتُوا، ولا لِلتَّنْبِيهِ، وهي فِعْلُ أمْرٍ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، أوْ صَوْتٌ بِمَنزِلَةِ ها، وفي مَجِيءِ الماضِي والمُضارِعِ والمَصْدَرِ مِن هَذِهِ المادَّةِ خِلافٌ وأثْبَتَ أبُو حَيّانَ هاتى يُهاتِي مُهاتاةً، والبُرْهانُ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ الدَّعْوى، قِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ البَرَهِ صفحة 360 وهُوَ القَطْعُ، فَتَكُونُ النُّونُ زائِدَةً، وقِيلَ: مِنَ البَرْهَنَةِ، وهو البَيانُ، فَتَكُونُ النُّونُ أصْلِيَّةٌ لِفِقْدانِ فَعْلَنَ، ووُجُودِ فَعْلَلَ، ويُبْنى عَلى هَذا الِاشْتِقاقِ الخِلافُ في بُرْهانٍ إذا سُمِّيَ بِهِ هَلْ يَنْصَرِفُ أوْ لا؟ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ومُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ دَعْواهُمُ السّابِقَةُ لا الإيمانُ، ولا الأمانِيُّ كَما قِيلَ، وأفْهَمَ التَّعْلِيقُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البُرْهانِ لِلصّادِقِ لِيُثْبِتَ دَعْواهُ، وعُلِّلَ بِأنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ غَيْرُ ثابِتٍ عِنْدَ الخَصْمِ، فَلا يُعْتَدُّ بِهِ، ولِذا قِيلَ: مَنِ ادَّعى شَيْئًا بِلا شاهِدٍ لا بُدَّ أنْ تَبْطُلَ دَعْواهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَنعِ التَّقْلِيدِ، فَإنَّ دَلِيلَ المُقَلِّدِ دَلِيلُهُ، كَما لا يَخْفى، وتَفْسِيرُ الصِّدْقِ هُنا بِالصَّلاحِ مِمّا لا يَدْعُو إلَيْهِ سِوى فَسادُ الذِّهْنِ

البقرة 2:112

﴿بَلى﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ الَّذِي زَعَمُوهُ، وإثْباتٌ لِما تَضَمَّنَهُ مِن نَفْيِ دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ والقَوْلُ بِأنَّهُ رَدٌّ لِما أشارَ إلَيْهِ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ مِن نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم بُرْهانٌ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، ولا بُرْهانَ عَلَيْهِ، ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيِ انْقادَ لِما قَضى اللَّهُ تَعالى وقَدَّرَ أوْ أخْلَصَ لَهُ نَفْسَهُ، أوْ قَصَدَهُ فَلَمْ يُشْرِكْ بِهِ تَعالى غَيْرَهُ، أوْ لَمْ يَقْصِدْ سِواهُ، فالوَجْهُ إمّا مُسْتَعارٌ لِلذّاتِ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، ومَعْدِنُ الحَواسِّ، وإمّا مَجازٌ عَنِ القَصْدِ، لِأنَّ القاصِدَ لِلشَّيْءِ مُواجِهٌ لَهُ، ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (أسْلَمَ)، أيْ والحالُ إنَّهُ مُحْسِنٌ في جَمِيعِ أعْمالِهِ، وإذا أُرِيدَ بِما تَقَدَّمَ الشِّرْكُ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الإحْسانَ بِقَوْلِهِ: «(أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ)،» ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾ أيِ الَّذِي وُعِدَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، لا الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ، كَما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ رِعايَةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، والتَّعْبِيرُ عَمّا وعَدَ بِالأجْرِ إيذانًا بِقُوَّةِ ارْتِباطِهِ بِالعَمَلِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ حالٌ مِن (أجْرُهُ) والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، والعِنْدِيَّةُ لِلتَّشْرِيفِ، والمُرادُ عَدَمُ الضَّياعِ والنُّقْصانِ، وأتى بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ (مَن أسْلَمَ) إظْهارًا لِمَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ، وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والجُمْلَةُ جَوابُ (مَن) إنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً وخَبَرُها إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، والفاءُ فِيها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ الرَّدُّ بِـ(بَلى) وحْدَهُ، وما بَعْدَهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا بَطَلَ ما زَعَمُوهُ فَما الحَقُّ في ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً، فاعِلُ لِيَدْخُلَها مَحْذُوفًا، (وبَلى) مَعَ ما بَعْدَها رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ، ويَكُونُ ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ عَطْفَ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ، لِأنَّ المُرادَ بِالأُولى التَّجَدُّدُ وبِالثّانِيَةِ الثُّبُوتُ، وقَدْ نَصَّ السَّكّاكِيُّ بِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ إذا اخْتَلَفَتا تَجَدُّدًا وثُبُوتًا يُراعى جانِبُ المَعْنى فَيَتَعاطَفانِ، ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ، والجَمْعُ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، ويَجُوزُ في مِثْلِ هَذا العَكْسُ إلّا أنَّ الأفْصَحَ أنْ يُبْدَأ بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ بِالحَمْلِ عَلى المَعْنى لِتَقَدُّمِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ في الإفْهامِ.

البقرة 2:113

﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ المُرادُ يَهُودُ المَدِينَةِ، ووَفْدُ نَصارى نَجْرانَ تَمارَوْا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَسابُّوا، وأنْكَرَتِ اليَهُودُ الإنْجِيلَ، ونُبُوَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْكَرَ النَّصارى التَّوْراةَ ونُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَألْ في المَوْضِعَيْنِ لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: المُرادُ عامَّةُ اليَهُودِ وعامَّةُ النَّصارى، وهو مِنَ الإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وفِيهِ تَقْرِيعٌ لِمَن بِحَضْرَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إذْ كَذَّبُوا بِالرُّسُلِ، والكُتُبِ قَبْلَهُ، فَألْ في المَوْضِعَيْنِ لِلْجِنْسِ، والأوَّلُ هو المَرْوِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، وعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ كُلَّ واحِدٍ مِن آحادِ الطّائِفَتَيْنِ، وهو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صفحة 361 المُرادُ بِذَلِكَ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ نافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ، ورَجُلٌ مِن نَصارى نَجْرانَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ حَيْثُ وقَعَ مِن بَعْضِهِمْ، وهي طَرِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العَرَبِ في نَظْمِها ونَثْرِها، وهَذا بَيانٌ لِتَضْلِيلِ كُلِّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ بِخُصُوصِهِ إثْرَ بَيانِ تَضْلِيلِهِ كُلَّ مَن عَداهُ عَلى وجْهِ العُمُومِ، (وعَلى شَيْءٍ) خَبَرُ لَيْسَ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مِن بابِ حَذْفِ الصِّفَةِ، أيْ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ في الدِّينِ، لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلًّا مِنهُما عَلى شَيْءٍ، والأوْلى عَدَمُ اعْتِبارِ الحَذْفِ، وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ، لِأنَّ الشَّيْءَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ سِيبَوَيْهِ، ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ، ويُخْبَرَ عَنْهُ، فَإذا نُفِيَ مُطْلَقًا كانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما هم عَلَيْهِ، وصارَ كَقَوْلِهِمْ: أقَلُّ مِن لا شَيْءَ، ﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ حالٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِجَعْلِهِما فاعِلَ فِعْلٍ واحِدٍ، لِئَلّا يَلْزَمَ إعْمالُ عامِلَيْنِ في مَعْمُولٍ واحِدٍ، أيْ قالُوا ذَلِكَ وهم عالِمُونَ بِما في كُتُبِهِمُ النّاطِقَةِ بِخِلافِ ما يَقُولُونَ، وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وإرْشادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلى أنَّ مَن كانَ عالِمًا بِالقُرْآنِ لا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ خِلافَ ما تَضَمَّنَهُ، والمُرادُ مِنَ الكِتابِ الجِنْسُ فَيَصْدُقُ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّوْراةُ لِأنَّ النَّصارى تَمْتَثِلُها أيْضًا. ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهم مُشْرِكُو العَرَبِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وقِيلَ: هم أُمَمٌ كانُوا قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى، وأمّا القَوْلُ بِأنَّهُمُ اليَهُودُ، وأُعِيدَ قَوْلُهم مِثْلَ قَوْلِ النَّصارى، ونُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ قَوْلُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، والكافُ مِن (كَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٍ (بِقالَ) مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ أيْ قَوْلًا مِثْلَ قَوْلِ اليَهُودِ والنَّصارى، ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ويَكُونُ ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ عَلى هَذا مَنصُوبًا (بِيَعْلَمُونَ)، والقَوْلُ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ، أوْ يُقالُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أوْ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ الكافِ، وقِيلَ: (كَذَلِكَ)، مَفْعُولٌ بِهِ، (ومِثْلَ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ المَقُولِ بِالمَقُولِ في المُؤَدّى والمَحْصُولِ، وتَشْبِيهُ القَوْلِ بِالقَوْلِ في الصُّدُورِ عَنْ مُجَرَّدِ التَّشَهِّي والهَوى والعَصَبِيَّةِ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ قالَهُ، (ومِثْلَ) صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَفْعُولُ (يَعْلَمُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ (قالَ) لِأنَّهُ قَدِ اسْتَوْفى مَفْعُولَهُ واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ حَذْفَ العائِدِ عَلى المُبْتَدَإ الَّذِي لَوْ قُدِّرَ خُلُوُّ الفِعْلِ عَنِ الضَّمِيرِ لَنَصَبَهُ مِمّا خَصَّهُ الكَثِيرُ بِالضَّرُورَةِ، ومَثَّلُوا لَهُ بِقَوْلِهِ: وخالِدٌ يَحْمَدُ ساداتِنا بِالحَقِّ لا تُحْمَدُ بِالباطِلِ وقِيلَ: عَلَيْهِ وعَلى ما قَبْلَهُ أنَّ اسْتِعْمالَ الكافِ اسْمًا، وإنْ جَوَّزَهُ الأخْفَشُ إلّا أنَّ جَماعَةً خَصُّوهُ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ يُؤَوَّلُ ما ورَدَ مِنهُ فِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَخْفى ما في تَوْجِيهِ التَّشْبِيهَيْنِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ اللُّغَوِيَّةِ مِنَ التَّكَلُّفِ والخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ، ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُجْعَلَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ إعادَةً لِقَوْلِهِ تَعالى (كَذَلِكَ) لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ وبِهِ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ (كَذَلِكَ) لَيْسَتْ لِلتَّشْبِيهِ هُنا بَلْ لِإفادَةِ أنَّ هَذا الأمْرَ عَظِيمٌ مُقَرَّرٌ، وقَدْ نَقَلَ الوَزِيرُ عاصِمُ بْنُ أيُّوبَ في شَرْحِ قَوْلِ زُهَيْرٍ: كَذَلِكَ خَيْمُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ ∗∗∗ إذا مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ خَيْمُ عَنِ الإمامِ الجُرْجانِيِّ: إنَّ كَذَلِكَ تَأْتِي لِلتَّثْبِيتِ، إمّا لِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، وإمّا لِخَبَرٍ مُتَأخِّرٍ، وهي نَقِيضُ كَلّا، لِأنَّ كَلّا تَنْفِي، وكَذَلِكَ تُثْبِتُ، ومِثْلُهُ ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ وفي شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ: إنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهاتِ هي المَعانِي الوَضْعِيَّةُ فَقَطْ، إذْ تَشْبِيهاتُ البُلَغاءِ قَلَّما تَخْلُو مِن مَجازاتٍ وكِناياتٍ، فَنَقُولُ: إنّا رَأيْناهم يَسْتَعْمِلُونَ كَذا وكَذا، لِلِاسْتِمْرارِ تارَةً نَحْوَ: عَدَلَ زَيْدٌ في قَضِيَّةِ فُلانٍ كَذا، وهَكَذا أيُّ عَدْلٍ مُسْتَمِرٍّ، وقالَ الحَماسِيُّ: صفحة 362 هَكَذا يَذْهَبُ الزَّمانُ ويَفْنى الـ ∗∗∗ عِلْمُ فِيهِ ويَدْرُسُ الأثَرُ نَصَّ عَلَيْهِ التَّبْرِيزِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ، ولَهُ شَواهِدُ كَثِيرَةٌ، وقالَ في شَرْحِ قَوْلِ أبِي تَمّامٍ: كَذا فَلْيَجِلَّ الخَطْبُ ولْيَفْدَحِ الأمْرُ إنَّهُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وهو في مَصْدَرِ القَصِيدَةِ لَمْ يَسْبِقْ ما يُشَبَّهُ بِهِ، وسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وإنَّما جُعِلَ قَوْلُ أُولَئِكَ مُشَبَّهًا بِهِ لِأنَّهُ أقْبَحُ إذِ الباطِلُ مِنَ العالِمِ أقْبَحُ مِنهُ مِنَ الجاهِلِ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ التَّشْبِيهَ عَلى حَدِّ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ والتَّوْبِيخِ عَلى التَّشَبُّهِ بِالجُهّالِ ما لا يَخْفى، وإنَّما وُبِّخُوا وقَدْ صَدَقُوا إذْ كِلا الدِّينَيْنِ بَعْدَ النَّسْخِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا ذَلِكَ، وإنَّما قَصَدَ كُلُّ فَرِيقٍ إبْطالَ دِينِ الآخَرِ مِن أصْلِهِ، والكُفْرَ بِنَبِيِّهِ وكِتابِهِ، عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ الحُكْمُ بِأنَّ كِلا الدِّينَيْنِ بَعْدَ النَّسْخِ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ في حَدِّ ذاتِهِ، وما لا يُنْسَخُ مِنهُما حَقٌّ واجِبُ القَبُولِ والعَمَلِ، فَيَكُونُ شَيْئًا مُعْتَدًّا بِهِ في حَدِّ ذاتِهِ، وإنْ يَكُنْ شَيْئًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ لا انْتِفاعَ بِما لَمْ يُنْسَخْ مَعَ الكُفْرِ بِالنّاسِخِ. ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى لا بَيْنَ الطَّوائِفِ الثَّلاثَةِ لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ لِبَيانِ حالِ تَيْنِكَ الطّائِفَتَيْنِ، والتَّعَرُّضُ لِمَقالَةِ غَيْرِهِمْ لِإظْهارِ كَمالِ بُطْلانِ مَقالِهِمْ، والحُكْمُ الفَصْلُ والقَضاءُ وهو يَسْتَدْعِي جارَيْنِ فَيُقالُ: حَكَمَ القاضِي في هَذِهِ الحادِثَةِ بِكَذا، وقَدْ حُذِفَ هُنا أحَدُهُما اخْتِصارًا وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ بِما يُقْسَمُ لِكُلِّ فَرِيقٍ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ العَذابِ، والمُتَبادِرُ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ أنْ يُحْكَمَ لِأحَدِهِما بِحَقٍّ دُونَ الآخَرِ، فَكَأنَّ اسْتِعْمالَهُ بِما ذُكِرَ مَجازٌ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِالحُكْمِ بَيْنَ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ تَكْذِيبُهم وإدْخالُهُمُ النّارَ، وفي ذَلِكَ تَشْرِيكٌ في حُكْمٍ واحِدٍ، وهو بَعِيدٌ عَنْ حَقِيقَةِ الحُكْمِ، (ويَوْمَ) مُتَعَلِّقٌ (بِيَحْكُمُ)، وكَذا ما بَعْدَهُ، ولا ضَيْرَ لِاخْتِلافِ المَعْنى وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ (بِيَخْتَلِفُونَ)، لا (بِكانُوا)، وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُؤُوسِ الآيِ * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ أيْ ما نُزِيلُ مِن صِفاتِكَ شَيْئًا عَنْ دِيوانِ قَلْبِكَ أوْ نُخْفِيهِ بِإشْراقِ أنْوارِنا عَلَيْهِ، إلّا ونَرْقُمُ فِيهِ مِن صِفاتِنا الَّتِي لا تَظُنُّ قابِلِيَّتَكَ لِما يُشارِكُها في الِاسْمِ، والَّتِي تَظُنُّ وُجُودَ ما لا يُشارِكُها فِيكَ، ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ﴾ عالَمِ الأرْواحِ وأرْضِ الأجْسادِ، وهو المُتَصَرِّفُ فِيهِما بِيَدِ قُدْرَتِهِ بَلِ العَوالِمُ عَلى اخْتِلافِها ظاهِرُ شُئُونِ ذاتِهِ ومَظْهَرُ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ غَيْرُهُ يَنْصُرُكم ويَلِيكُمْ، ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ العَقْلِ مِنَ اللَّذّاتِ الدَّنِيَّةِ، والشَّهَواتِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَما سُئِلَ مُوسى القَلْبُ مِن قَبْلُ، ومَن يَتَبَدَّلِ الظُّلْمَةَ بِالنُّورِ فَقَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ، وقالَتِ اليَهُودُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ المَعْهُودَةَ عِنْدَهُمْ، وهي جَنَّةُ الظّاهِرِ وعالَمُ المُلْكِ الَّتِي هي جَنَّةُ الأفْعالِ وجَنَّةُ النَّفْسِ إلّا مَن كانَ هُودًا وقالَتِ النَّصارى لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ المَعْهُودَةَ عِنْدَهُمْ، وهي جَنَّةُ الباطِنِ وعالَمُ المَلَكُوتِ الَّتِي هي جَنَّةُ الصِّفاتِ وجَنَّةُ القَلْبِ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا، ولِهَذا قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لَنْ يَلِجَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ مَن لَمْ يُولَدْ مَرَّتَيْنِ، تِلْكَ أمانِيُّهُمْ، أيْ غايَةُ مَطالِبِهِمُ الَّتِي وقَفُوا عَلى حَدِّها واحْتَجَبُوا بِها عَمّا فَوْقَها، قُلْ هاتُوا دَلِيلَكُمُ الدّالَّ عَلى نَفْيِ دُخُولِ غَيْرِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكُمْ، بَلِ الدَّلِيلُ دَلَّ عَلى نَقِيضِ مُدَّعاكُمْ، فَإنَّ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ وخَلَّصَ ذاتَهُ مِن جَمِيعِ لَوازِمِها وعَوارِضِها لِلَّهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ الذّاتِيِّ عِنْدَ المَحْوِ الكُلِّيِّ، وهو مُسْتَقِيمٌ في أحْوالِهِ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ مُشاهِدٌ رَبَّهُ في أعْمالِهِ، راجِعٌ مِنَ الشُّهُودِ الذّاتِيِّ إلى مَقامِ الإحْسانِ الصِّفاتِيِّ الَّذِي هو المُشاهَدَةُ لِلْوُجُودِ الحَقّانِيِّ، فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ أيْ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ الجَنَّةِ، وأصْفى، لِاخْتِصاصِهِ بِمَقامِ العِنْدِيَّةِ الَّتِي حُجِبْتُمْ عَنْها، ولَهم زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ هي عَدَمُ خَوْفِهِمْ مِنِ احْتِجابِ الذّاتِ، وعَدَمُ حُزْنِهِمْ عَلى ما فاتَهم مِن جَنَّةِ الأفْعالِ والصِّفاتِ الَّتِي حُجِبْتُمْ بِالوُقُوفِ عِنْدَها، وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ لِاحْتِجابِهِمْ بِالباطِنِ عَنِ الظّاهِرِ، وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ صفحة 363 اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ لِاحْتِجابِهِمْ عَنِ الباطِنِ بِالظّاهِرِ، وهم يَتْلُونَ الكِتابَ وفِيهِ ما يُرْشِدُهم إلى رَفْعِ الحِجابِ، ورُؤْيَةِ حَقِّيَّةِ كُلِّ مَذْهَبٍ في مَرْتَبَتِهِ، كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ المَراتِبَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، فَخَطَّأ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهُمُ الفِرْقَةَ الأُخْرى، ولَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الإرادَةِ الكَوْنِيَّةِ، والإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَمْ يَعْرِفُوا وجْهَ الحَقِّ في كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ الوُجُودِ، فاللَّهُ تَعالى الجامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها وتَفاوُتِ دَرَجاتِها يَحْكُمُ بَيْنَهم بِالحَقِّ في اخْتِلافاتِهِمْ يَوْمَ قِيامِ القِيامَةِ الكُبْرى وظُهُورِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ، وتَجَلِّي الرَّبِّ بِصُوَرِ المُعْتَقَداتِ، حَتّى يُنْكِرُونَهُ، فَلا يَسْجُدُ لَهُ إلّا مَن لَمْ يُقَيِّدْهُ سُبْحانَهُ حَتّى بِقَيْدِ الإطْلاقِ،

البقرة 2:114

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ في طِيطُوسَ بْنِ إسْيانُوسَ الرُّومِيِّ وأصْحابِهِ، وذَلِكَ أنَّهم غَزَوْا بَنِي إسْرائِيلَ، فَقَتَلُوا مُقاتِلِيهِمْ، وسَبُوا ذَرارِيهِمْ، وحَرَقُوا التَّوْراةَ، وخَرَّبُوا بَيْتَ المَقْدِسِ، وقَذَفُوا فِيهِ الجِيَفَ، وذَبَّحُوا فِيهِ الخَنازِيرَ، وبَقِيَ خَرابًا إلى أنْ بَناهُ المُسْلِمُونَ في أيّامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، إنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي العَرَبِ، مَنَعُوا المُسْلِمِينَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى في المَسْجِدِ الحَرامِ، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ الآيَةُ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتِ النَّصارى﴾ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ تَقْرِيرًا لِقَبائِحِهِمْ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ اعْتِراضًا بِأكْثَرِ مِن جُمْلَةٍ بَيْنَ المَعْطُوفِ، أعْنِي: قالُوا اتَّخَذَ، والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أعْنِي: قالَتِ اليَهُودُ، لِبَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُهم بَيانًا لِكَمالِ شَناعَةِ أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُضاهُونَهم إذا كانُوا أظْلَمَ الكَفَرَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ في كُلِّ مانِعٍ، وفي كُلِّ مَسْجِدٍ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُهُ، (وأظْلَمُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرُ عَنْ مَن، ولا يُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ حَقِيقَتُهُ وإنَّما هو بِمَعْنى النَّفْيِ، فَيَؤُولُ إلى الخَبَرِ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِن ذَلِكَ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ قَدْ تَقَرَّرَ في القُرْآنِ كَمَن ﴿أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإذا كانَ المَعْنى عَلى هَذا، لَزِمَ التَّناقُضَ، وأُجِيبَ بِالتَّخْصِيصِ، إمّا بِما يُفْهَمُ مِن نَفْسِ الصِّلاتِ، أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن جاءَ بَعْدُ مِن ذَلِكَ النَّوْعِ، ويَؤُولُ مَعْناهُ إلى السَّبْقِ في المانِعِيَّةِ، أوِ الِافْتِرائِيَّةِ مَثَلًا، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ بُعْدٌ عَنْ مَدْلُولِ الكَلامِ، ووَضْعِهِ العَرَبِيِّ، وعُجْمَةٌ في اللِّسانِ يَتْبَعُها اسْتِعْجامُ المَعْنى، فالأوْلى أنْ يُجابَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ التَّسْوِيَةِ في الأظْلَمِيَّةِ، وقُصارى ما يُفْهَمُ مِنَ الآياتِ أظْلَمِيَّةُ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ فِيها مِمَّنْ عَداهُمْ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا أحَدَ أفْقَهُ مِن زَيْدٍ وعَمْرٍو وخالِدٍ، لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِن نَفِيٍ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أفْقَهَ مِنهُمْ، وإمّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهم أفْقَهُ مِنَ الآخَرِ، فَلا، ولا يَرِدُ أنَّ مَن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ مَثَلًا، ولَمْ يَفْتَرِ عَلى اللَّهِ كَذِبًا أقَلُّ ظُلْمًا مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَهُما، فَلا يَكُونُ مُساوِيًا في الأظْلَمِيَّةِ، لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ إنَّما هي في الكُفّارِ، وهم مُتَساوُونَ فِيها، إذِ الكُفْرُ شَيْءٌ واحِدٌ لا يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيادَةُ بِالنِّسْبَةِ لِإفْرادِ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ، وإنَّما تُمْكِنُ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ، ولِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ بِجامِعِ ما اشْتَرَكُوا فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ، قالَهُ أبُو حَيّانَ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ قَوْلَكَ: (مَن أظْلَمُ مِمَّنْ فَعَلَ كَذا) إنْكارٌ، لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهُ، أوْ مُساوِيًا لَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبْكُ التَّرْكِيبِ مُتَعَرِّضًا لِإنْكارِ المُساواةِ، ونَفْيِها، إلّا أنَّ العُرْفَ الفاشِيَ والِاسْتِعْمالَ المُطَّرِدَ يَشْهَدُ لَهُ، فَإنَّهُ إذا قِيلَ: مَن أكْرَمُ مِن فُلانٍ، أوْ لا أفْضَلَ مِن فُلانٍ، فالمُرادُ بِهِ حَتْمًا أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ، وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، فَلَعَلَّ الأوْلى الرُّجُوعُ إلى أحَدِ الجَوابَيْنِ مَعَ مُلاحَظَةِ الحَيْثِيَّةِ، وإنْ جَعَلْتَ ذَلِكَ الكَلامَ مُخَرَّجًا مَخْرَجَ المُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ، والزَّجْرِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ نَفْيِ المُساواةِ، أوِ الزِّيادَةِ في نَفْسِ الأمْرِ كَما قِيلَ بِهِ مُحَكِّمًا العُرْفَ أيْضًا زالَ الإشْكالُ، وارْتَفَعَ القِيلُ، والقالُ، فَتَدَبَّرْ، ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِمَنَعَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ بِمَعْنى صفحة 364 مَنَعَها كَراهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَساجِدَ، والمَفْعُولُ الثّانِي إذَنْ مُقَدَّرٌ أيْ عِمارَتَها، أوِ العِبادَةَ فِيها، أوْ نَحْوَهُ، أوِ النّاسَ مَساجِدَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لا تَقْدِيرَ، والفِعْلُ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ، وكَنّى بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى عَمّا يُوقَعُ في المَساجِدِ مِنَ الصَّلَواتِ والتَّقَرُّباتِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالأفْعالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ المَأْذُونِ بِفِعْلِها فِيها. ﴿وسَعى في خَرابِها﴾ أيْ هَدْمِها وتَعْطِيلِها، وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِأنَّ عِمارَتَها بِالعِبادَةِ فِيها، ﴿أُولَئِكَ﴾ الظّالِمُونَ المانِعُونَ السّاعُونَ في خَرابِها. ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ اللّامُ في (لَهُمْ) إمّا لِلِاخْتِصاصِ عَلى وجْهِ اللِّياقَةِ كَما في الجُلِّ لِلْفَرَسِ، والمُرادُ مِنَ الخَوْفِ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإمّا لِلِاسْتِحْقاقِ كَما في الجَنَّةِ لِلْمُؤْمِنِ، والمُرادُ مِنَ الخَوْفِ الخَوْفُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإمّا لِمُجَرَّدِ الِارْتِباطِ بِالحُصُولِ، أيْ ما كانَ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ أنْ يَدْخُلُوها فِيما سَيَجِيءُ إلّا خائِفِينَ، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ لِسُؤالٍ نَشَأ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَعى في خَرابِها﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما اللّائِقُ بِهِمْ؟ والمُرادُ مِنَ الظُّلْمِ حِينَئِذٍ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وعَلى الثّانِي جَوابُ سُؤالٍ ناشِئٍ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حَقُّهُمْ؟ والمُرادُ مِنَ الظُّلْمِ التَّصَرُّفُ في حَقِّ الغَيْرِ، وعَلى الثّالِثِ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ مَعْنًى، وفِيهِ وعْدُ المُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ، وتَخْلِيصُ المَساجِدِ عَنِ الكُفّارِ، ولِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ وسَّطَهُ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ، والحَمْدُ لِلَّهِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لا يَدْخُلُ بَيْتَ المَقْدِسِ أحَدٌ مِنَ النَّصارى إلّا مُتَنَكِّرًا مُسارَقَةً، وقالَ قَتادَةُ: لا يُوجَدُ نَصْرانِيٌّ في بَيْتِ المَقْدِسِ إلّا انْتُهِكَ ضَرْبًا، وأُبْلِغَ إلَيْهِ في العُقُوبَةِ، ولا نَقْضَ بِاسْتِيلاءِ الأقْرَعِ، وبَقاءِ بَيْتِ المَقْدِسِ في أيْدِي النَّصارى أكْثَرَ مِن مِائَةِ سَنَةٍ، إلى أنِ اسْتَخْلَصَهُ المَلِكُ صَلاحُ الدِّينِ، لِأنَّ الإنْجازَ يَسْتَدْعِي تَحْقِيقَهُ في وقْتٍ ما، ولا دِلالَةَ فِيهِ عَلى التَّكْرارِ، وقِيلَ: النَّفْيُ بِمَعْنى النَّهْيِ، ومَعْناهُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ النَّهْيُ عَنِ التَّخْلِيَةِ، والتَّمْكِينُ مِن دُخُولِهِمُ المَساجِدَ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ لا يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَذُكِرَ اللّازِمُ، وأُرِيدَ المَلْزُومُ ولا يَخْفى أنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّخْلِيَةِ والتَّمْكِينِ المَذْكُورِ في وقْتِ قُوَّةِ الكُفّارِ ومَنعِهِمُ المَساجِدَ، لا فائِدَةَ فِيهِ سِوى الإشْعارِ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ والِاسْتِخْلاصِ مِنهُمْ، فالحَمْلُ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ أوْلى، واخْتَلَفَ الأئِمَّةُ في دُخُولِ الكُفّارِ المَسْجِدَ، فَجَوَّزَهُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُطْلَقًا لِلْآيَةِ، فَإنَّها تُفِيدُ دُخُولَهم بِخَشْيَةٍ وخُشُوعٍ، ولِأنَّ وفْدَ ثَقِيفَ قَدِمُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأنْزَلَهُمُ المَسْجِدَ، ولِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ الكَعْبَةَ فَهو آمِنٌ)،» والنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلى التَّنْزِيهِ، أوِ الدُّخُولُ لِلْحَرَمِ بِقَصْدِ الحَجِّ، ومَنَعَهُ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ والمَساجِدُ يَجِبُ تَطْهِيرُها عَنِ النَّجاساتِ، ولِذا يُمْنَعُ الجُنُبُ عَنِ الدُّخُولِ، وجَوَّزَهُ لِحاجَةٍ، وفَرَّقَ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ وغَيْرِهِ، وقالَ: الحَدِيثُ مَنسُوخٌ بِالآيَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (إلّا خِيفًا) وهو مِثْلُ صِيمٍ، ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ بِقَتْلِ أبْطالِهِمْ، وأقْيالِهِمْ، وكَسْرِ أصْنامِهِمْ، وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، وإخْراجِهِمْ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ الَّتِي هي دارُ قَرارِهِمْ، ومَسْقَطُ رُؤُوسِهِمْ، أوْ بِضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ مِنهُمْ، ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، وهو عَذابُ النّارِ، لِما أنَّ سَبَبَهُ أيْضًا وهو ما حُكِيَ مِن ظُلْمِهِمْ كَذَلِكَ في العِظَمِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّشْوِيقِ لِما يُذْكَرُ بَعْدَهُ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآيَةِ: ومَن أبْخَسُ حَظًّا وأنْقَصُ حَقًّا مِمَّنْ مَنَعَ مَواضِعَ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى، وهي القُلُوبُ صفحة 365 الَّتِي يُعْرَفُ فِيها، فَيُسْجَدُ لَهُ بِالفَناءِ الذّاتِيِّ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ الخاصُّ الَّذِي هو الِاسْمُ الأعْظَمُ إذْ لا يَتَجَلّى بِهَذا الِاسْمِ إلّا في القَلْبِ، وهو التَّجَلِّي بِالذّاتِ مَعَ جَمِيعِ الصِّفاتِ، أوِ اسْمِهِ المَخْصُوصِ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها، أيِ الكَمالِ اللّائِقِ بِاسْتِعْدادِهِ المُقْتَضِي لَهُ، وسَعى في خَرابِها بِتَكْدِيرِها بِالتَّعَصُّباتِ، وغَلَبَةِ الهَوى، ومَنعِ أهْلِها بِتَهْيِيجِ الفِتَنِ اللّازِمَةِ لِتَجاذُبِ قُوى النَّفْسِ، وداعِي الشَّيْطانِ والوَهْمِ، أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها ويُصَلُّوا إلَيْها، إلّا خائِفِينَ مُنْكَسِرِينَ لِظُهُورِ تَجَلِّي الحَقِّ فِيها، لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ وافْتِضاحٌ، وذِلَّةٌ بِظُهُورِ بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، وهو احْتِجابُهم عَنِ الحَقِّ سُبْحانَهُ،

البقرة 2:115

﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ أيِ النّاحِيَتانِ المَعْلُومَتانِ المُجاوِرَتانِ لِنُقْطَةٍ تَطْلُعُ مِنها الشَّمْسُ وتَغْرُبُ، وكَنّى بِمالِكِيَّتِهِما عَنْ مالِكِيَّةِ كُلِّ الأرْضِ، وقالَ بَعْضُهم: إذا كانَتِ الأرْضُ كُرَوِيَّةً يَكُونُ كُلُّ مَشْرِقٍ بِالنِّسْبَةِ مَغْرِبًا بِالنِّسْبَةِ، والأرْضُ كُلُّها كَذَلِكَ، فَلا حاجَةَ إلى التِزامِ الكِنايَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ، ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾ أيْ فَفي أيِّ مَكانٍ فَعَلْتُمُ التَّوْلِيَةَ شَطْرَ القِبْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ (تَوَلَّوْا) عَلى الغَيْبَةِ، ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ أيْ فَهُناكَ جِهَتُهُ سُبْحانَهُ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها، فَإذًا مَكانُ التَّوْلِيَةِ لا يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ دُونَ مَسْجِدٍ، ولا مَكانٍ دُونَ آخَرَ، (فَأيْنَما) ظَرْفٌ لازِمٌ الظَّرْفِيَّةَ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ، ولَيْسَ مَفْعُولًا (لِتُوَلُّوا)، والتَّوْلِيَةُ بِمَعْنى الصَّرْفِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، (وثَمَّ) اسْمُ إشارَةٍ لِلْمَكانِ البَعِيدِ خاصَّةً، مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِغَيْرِ مِن، وقَدْ وهِمَ مَن أعْرَبَهُ مَفْعُولًا بِهِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا﴾ وهو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وما بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ، والوَجْهُ الجِهَةُ كالوَزْنِ والزِّنَةِ، واخْتِصاصُ الإضافَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها مَأْمُورًا بِها، وفِيها رِضاهُ سُبْحانَهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةٌ، وقِيلَ: الوَجْهُ بِمَعْنى الذّاتِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ إلّا أنَّهُ جُعِلَ هُنا كِنايَةً عَنْ عِلْمِهِ واطِّلاعِهِ بِما يُفْعَلُ هُناكَ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ: بِمَعْنى الجاهِ ويَؤُولُ إلى الجَلالِ والعَظَمَةِ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا اعْتِراضٌ لِتَسْلِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِحِلِّ الذِّكْرِ والصَّلاةِ في جَمِيعِ الأرْضِ لا في المَساجِدِ خاصَّةً، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا)، ولَعَلَّ غَيْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ تُبَحْ لَهُ الصَّلاةُ في غَيْرِ البِيَعِ والكَنائِسِ، وصَلاةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أسْفارِهِ في غَيْرِها كانَتْ عَنْ ضَرُورَةٍ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِاخْتِصاصِ المَجْمُوعِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (أيْنَما) مَفْعُولُ (تُوَلُّوا) بِمَعْنى الجِهَةِ، فَقَدْ شاعَ في الِاسْتِعْمالِ: أيْنَما تَوَجَّهُوا بِمَعْنى أيَّ جِهَةٍ تَوَجَّهُوا بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في صَلاةِ المُسافِرِ والتَّطَوُّعِ عَلى الرّاحِلَةِ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ جابِرٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ عَمِيَتْ عَلَيْهِمُ القِبْلَةُ في غَزْوَةٍ كُنْتُ فِيها مَعَهُمْ، فَصَلَّوْا إلى الجَنُوبِ والشَّمالِ، فَلَمّا أصْبَحُوا تَبَيَّنَ خَطَؤُهُمْ، ويُحْتَمَلُ عَلى هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ أنْ تَكُونَ (أيْنَما)، كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا، ويَكُونُ المَعْنى: في أيِّ مَكانٍ فَعَلْتُمْ أيَّ تَوْلِيَةٍ، لِأنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ بِهِ يُفِيدُ العُمُومَ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُهم مُدَّعِيًا أنَّ ما تَقَدَّمَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الآيَةُ تَوْطِئَةٌ لِنَسْخِ القِبْلَةِ وتَنْزِيهٌ لِلْمَعْبُودِ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ وجْهَةٍ، وإلّا لَكانَتْ أحَقَّ بِالِاسْتِقْبالِ، وهي مَحْمُولَةٌ عَلى العُمُومِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِحالِ السَّفَرِ أوْ حالِ التَّحَرِّي، والمُرادُ بِأيْنَما أيُّ جِهَةٍ، وبِالوَجْهِ الذّاتُ، ووَجْهُ الِارْتِباطِ حِينَئِذٍ أنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ المَساجِدِ سابِقًا، أوْرَدَ بَعْدَها تَقْرِيبًا حُكْمَ القِبْلَةِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا أصَحُّ الأقْوالِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ﴾ أيْ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ مُلْكًا، أوْ رَحْمَةً، فَلِهَذا وسَّعَ عَلَيْكُمُ القِبْلَةَ، ولَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْكُمْ، عَلِيمٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، وأعْمالِهِمْ صفحة 366 فِي الأماكِنِ، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ لِمَجْمُوعِ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ إلَخْ، وعَلى الثّانِي تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾ إلَخْ، ومِنَ الغَرِيبِ جَعَلَ ذَلِكَ تَهْدِيدًا لِمَن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، وجَعَلَ الخِطابَ المُتَقَدِّمَ لَهم أيْضًا، فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهُ لا مَهْرَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمَن طَغى، ولا مَفَرَّ لِمَن بَغى، لِأنَّ فَلَكَ سُلْطانِهِ حَدَّدَ الجِهاتِ وسُلْطانَ عِلْمِهِ أحاطَ بِالأفْلاكِ الدّائِراتِ أيْنَ المَفَرُّ ولا مَفَرَّ لِهارِبٍ ولَهُ البَسِيطانِ الثَّرى والماءُ ومِن بابِ الإشارَةِ: أنَّ المَشْرِقَ عِبارَةٌ عَنْ عالَمِ النُّورِ والظُّهُورِ، وهو جَنَّةُ النَّصارى وقِبْلَتِهِمْ بِالحَقِيقَةِ باطِنُهُ، والمَغْرِبُ عالَمُ الأسْرارِ، والخَفاءِ، وهو جَنَّةُ اليَهُودِ وقِبْلَتُهم بِالحَقِيقَةِ باطِنُهُ، أوِ المَشْرِقُ عِبارَةٌ عَنْ إشْراقِهِ سُبْحانَهُ عَلى القُلُوبِ بِظُهُورِ أنْوارِهِ فِيها والتَّجَلِّي لَها بِصِفَةِ جِمالِهِ حالَةَ الشُّهُودِ، والمَغْرِبُ عِبارَةٌ عَنِ الغُرُوبِ بِتَسَتُّرِهِ، واحْتِجابِهِ، واخْتِفائِهِ بِصِفَةِ جَلالِهِ حالَةَ البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، ولِلَّهِ تَعالى كُلُّ ذَلِكَ، فَأيُّ جِهَةٍ يَتَوَجَّهُ المَرْءُ مِنَ الظّاهِرِ والباطِنِ، فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ، المُتَحَلِّي بِجَمِيعِ الصِّفاتِ، المُتَجَلِّي بِما شاءَ، مُنَزَّهًا عَنِ الجِهاتِ، وقَدْ قالَ قائِلُ القَوْمِ: وما الوَجْهُ إلّا واحِدٌ غَيْرَ أنَّهُ ∗∗∗ إذا أنْتَ عَدَّدْتَ المَرايا تَعَدَّدَ ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ﴾ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ إحاطَتِهِ عَلِيمٌ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِ خَلِيقَتِهِ، ومَظاهِرِ صِفَتِهِ.

البقرة 2:116

﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وفي نَصارى نَجْرانَ حِينَ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وفي مُشْرِكِي العَرَبِ، حَيْثُ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فالضَّمِيرُ لِما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ النَّصارى واليَهُودِ والمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، وعَطَفَهُ عَلى ”قالَتْ اليَهُود“ وقالَ أبُو البَقاءِ: عَلى ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (مَنَعَ) أوْ عَلى مَفْهُومِ ”مَن أظلم“ دُونَ لَفْظِهِ لِلِاخْتِلافِ إنْشائِيَّةً وخَبَرِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: ظَلَمُوا ظُلْمًا شَدِيدًا بِالمَنعِ، وقالُوا: وإنْ جُعِلَ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لَمْ يُحْتَجْ إلى تَأْوِيلٍ، والِاسْتِئْنافُ حِينَئِذٍ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ ما عَدَّدَ مِن قَبائِحِهِمْ: هَلِ انْقَطَعَ خَيْطُ إسْهابِهِمْ في الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أمِ امْتَدَّ؟ فَقِيلَ: بَلِ امْتَدَّ، فَإنَّهم قالُوا ما هو أشْنَعُ وأفْظَعُ، والِاتِّخاذُ إمّا بِمَعْنى الصُّنْعِ، والعَمَلِ، فَلا يَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ، وإمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ أيْ صَيَّرَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ ولَدًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عامِرٍ وغَيْرُهُما (قالُوا) بِغَيْرِ واوٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ مَلْحُوظًا فِيهِ مَعْنى العَطْفِ، واكْتَفى بِالضَّمِيرِ والرَّبْطِ بِهِ عَنِ الواوِ كَما في البَحْرِ، ﴿سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهٌ وتَبْرِئَةٌ لَهُ تَعالى عَمّا قالُوا بِأبْلَغِ صِيغَةٍ، ومُتَعَلِّقُ سُبْحانَ مَحْذُوفٌ كَما تَرى لِدِلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إبْطالٌ لِما زَعَمُوهُ، وإضْرابٌ عَمّا تَقْتَضِيهِ مَقالَتُهُمُ الباطِلَةُ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالمُحْدَثاتِ في التَّناسُلِ والتَّوالُدِ، والحاجَةِ إلى الوَلَدِ في القِيامِ بِما يَحْتاجُ الوالِدُ إلَيْهِ، وسُرْعَةِ الفَناءِ، لِأنَّهُ لازِمٌ لِلتَّرْكِيبِ اللّازِمِ لِلْحاجَةِ، وكُلُّ مُحَقَّقٍ قَرِيبٌ سَرِيعٌ، ولِأنَّ الحِكْمَةَ في التَّوالُدِ هو أنْ يَبْقى النَّوْعُ مَحْفُوظًا بِتَوارُدِ الأمْثالِ فِيما لا سَبِيلَ إلى بَقاءِ الشَّخْصِ بِعَيْنِهِ مُدَّةَ بَقاءِ الدَّهْرِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ الأبَدِيُّ الدّائِمُ والغَنِيُّ المُطْلَقُ المُنَزَّهُ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقاتِ، واللّامُ في (لَهُ) قِيلَ لِلْمِلْكِ، وقِيلَ: إنَّها كالَّتِي في قَوْلِكَ: لِزَيْدٍ ضَرْبٌ، تُفِيدُ نِسْبَةَ الأثَرِ إلى المُؤَثِّرِ، وقِيلَ: لِلِاخْتِصاصِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وهو الأظْهَرُ، والمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما افْتَرَوْا، بَلْ هو خالِقُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما زَعَمُوهُ ولَدًا، والخالِقُ لِكُلِّ مَوْجُودٍ لا حاجَةَ لَهُ إلى الوَلَدِ، إذْ هو يُوجِدُ ما يَشاءُ مُنَزَّهًا عَنِ الِاحْتِياجِ إلى التَّوالُدِ، ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أيْ كُلُّ ما فِيهِما كائِنًا ما كانَ جَمِيعًا صفحة 367 مُنْقادُونَ لَهُ، لا يَسْتَعْصِي شَيْءٌ مِنهم عَلى مَشِيئَتِهِ، وتَكْوِينِهِ إيجادًا وإعْدامًا وتَغَيُّرًا مِن حالٍ إلى حالٍ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ الحُدُوثَ والإمْكانَ المُنافِيَ لِلْوُجُوبِ الذّاتِيِّ، فَكُلُّ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لا يَكُونُ والِدًا، لِأنَّ مِن حَقِّ الوَلَدِ أنْ يُشارِكَ والِدَهُ في الجِنْسِ لِكَوْنِهِ بَعْضًا مِنهُ، وإنْ لَمْ يُماثِلْهُ، وكانَ الظّاهِرُ كَلِمَةَ مِن مَعَ قانِتُونَ، كَيْلا يَلْزَمَ اعْتِبارُ التَّغْلِيبِ فِيهِ، ويَكُونُ مُوافِقًا لِسَوْقِ الكَلامِ، فَإنَّ الكَلامَ في العُزَيْرِ والمَسِيحِ والمَلائِكَةِ، وهم عُقَلاءُ، إلّا أنَّهُ جاءَ بِكَلِمَةِ (ما) المُخْتَصَّةِ بِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ كَما قالَهُ بَعْضُهم: مُحْتَجًّا بِقِصَّةِ الزِّبَعْرى مُخالِفًا لِما عَلَيْهِ الرَّضِيُّ مِن أنَّها في الغالِبِ لِما لا يُعْلَمُ، ولِما عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِن عُمُومِها، كَما في التَّلْوِيحِ، واعْتُبِرَ التَّغْلِيبُ في قانِتُونَ إشارَةً إلى أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلُوهم ولَدَ اللَّهِ تَعالى سُبْحانَهُ وتَعالى في جَنْبِ عَظَمَتِهِ جَماداتٌ مُسْتَوِيَةُ الأقْدامِ مَعَها في عَدَمِ الصَّلاحِيَةِ لِاتِّخاذِ الوَلَدِ، وقِيلَ: أتى بِما في الأوَّلِ، لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى مَقامِ الأُلُوهِيَّةِ، والعُقَلاءُ فِيهِ بِمَنزِلَةِ الجَماداتِ، ويُجْمَعُ العُقَلاءُ في الثّانِي لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى مَقامِ العُبُودِيَّةِ، والجَماداتُ فِيهِ بِمَنزِلَةِ العُقَلاءِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ المُضافُ إلَيْهِ كُلُّ ما جَعَلُوهُ ولَدًا لِدِلالَةِ المَقُولِ لا عامًّا لِدِلالَةِ مُبْطِلِهِ، ويُرادُ بِالقُنُوتِ الِانْقِيادُ لِأمْرِ التَّكْلِيفِ، كَما أنَّهُ عَلى العُمُومِ الِانْقِيادُ لِأمْرِ التَّكْوِينِ، وحِينَئِذٍ لا تَغْلِيبَ في (قانِتُونَ)، وتَكُونُ الجُمْلَةُ إلْزامًا بِأنَّ ما زَعَمُوهُ ولَدًا مُطِيعٌ لِلَّهِ تَعالى مُقِرٌّ بِعُبُودِيَّتِهِ بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِما سَبَقَ، وتُرِكَ العَطْفُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الدِّلالَةِ عَلى الفَسادِ، واخْتِلافِهِما في كَوْنِ أحَدِهِما حُجَّةً، والآخَرِ إلْزامًا، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الأخِيرُ مُقَرِّرًا لِما قَبْلَهُ، وذَكَرَ الجَصّاصُ إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ دِلالَةً عَلى أنَّ مِلْكَ الإنْسانِ لا يَبْقى عَلى ولَدِهِ، لِأنَّهُ نَفى الوَلَدَ بِإثْباتِ المِلْكِ بِاعْتِبارِ أنَّ اللّامَ لَهُ، فَمَتى مَلَكَ ولَدَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ، وقَدْ حَكَمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ في الوالِدِ إذا مَلَكَهُ ولَدُهُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا بَعِيدٌ عَمّا قُصِدَ بِالآيَةِ، لا سِيَّما إذا كانَ الأظْهَرُ الِاخْتِصاصَ كَما عَلِمْتَ،

البقرة 2:117

﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعُهُما، فَهو فَعِيلٌ مِن أفْعَلَ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يُنْكِرُ فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وقالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَدْ جاءَ كَثِيرًا نَحْوَ: مُسْخِنٍ، وسَخِينٍ، ومُقْعِدٍ، وقَعِيدٍ، ومُوصِي ووَصِيٍّ، ومُحْكِمٍ، وحَكِيمٍ، ومُبْرِمٍ، وبَرِيمٍ ومُونِقٍ، وأنِيقٍ، في أخَواتٍ لَهُ، ومِن ذَلِكَ السَّمِيعُ في بَيْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ السّابِقِ، والِاسْتِشْهادُ بِناءً عَلى الظّاهِرِ المُتَبادِرِ عَلى ما هو الألْيَقُ بِمَباحِثِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يَرُدُّ ما قِيلَ في البَيْتِ، لِأنَّهُ عَلى خِلافِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، وقِيلَ: هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى فاعِلِها، لِلتَّخْفِيفِ، أيْ بَدِيعُ سَماواتِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الصِّفَةَ إذا أُضِيفَتْ إلى الفاعِلِ يَكُونُ فِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى المَوْصُوفِ، فَلا تَصِحُّ الإضافَةُ إلّا إذا صَحَّ اتِّصافُ المَوْصُوفِ بِها نَحْوَ: حَسَنُ الوَجْهِ، حَيْثُ يَصِحُّ اتِّصافُ الرَّجُلِ بِالحُسْنِ لِحُسْنِ وجْهِهِ، بِخِلافِ حَسَنُ الجارِيَةِ، وإنَّما صَحَّ: زَيْدٌ كَثِيرُ الإخْوانِ، لِاتِّصافِهِ بِأنَّهُ مُتَقَوٍّ بِهِمْ، وفِيما نَحْنُ فِيهِ، وإنِ امْتَنَعَ اتِّصافُهُ بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ لَكِنْ يَصِحُّ اتِّصافُهُ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ، وهو كَوْنُهُ مُبْدِعًا لَهُما، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الأوْلى بَقاءَ المُبْدِعِ عَلى ظاهِرِهِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أساطِينُ أهْلِ اللُّغَةِ، والإبْداعُ اخْتِراعُ الشَّيْءِ لا عَنْ مادَّةٍ، ولا في زَمانٍ، ويُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في إيجادِهِ تَعالى لِلْمَبادِي كَما قالَهُ الرّاغِبُ، وهو غَيْرُ الصُّنْعِ، إذْ هو تَرْكِيبُ الصُّورَةِ بِالعُنْصُرِ، ويُسْتَعْمَلُ في إيجادِ الأجْسامِ وغَيْرِ التَّكْوِينِ، فَإنَّهُ ما يَكُونُ بِتَغَيُّرٍ، وفي زَمانٍ غالِبًا، وإذا أُرِيدَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ جَمِيعُ ما سِواهُ تَعالى مِنَ المُبْدَعاتِ والمَصْنُوعاتِ والمُكَوَّناتِ لِاحْتِوائِها عَلى عالَمِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ فَبَعْدَ اعْتِبارِ التَّغْلِيبِ يَصِحُّ إطْلاقُ كُلٍّ مِنَ الثَّلاثَةِ، إلّا أنَّ لَفْظَ الإبْداعِ ألْيَقُ، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى، والقَوْلُ بِتَعَيُّنِ حَمْلِ الإبْداعِ عَلى التَّكْوِينِ مِن مادَّةٍ، أوْ أجْزاءٍ لِأنَّ إيجادَ السَّماواتِ مِن شَيْءٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: صفحة 368 ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ ناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا ذَكَرْنا، والآيَةُ حُجَّةٌ أُخْرى لِإبْطالِ تِلْكَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ، وتَقْرِيرُها أنَّهُ تَعالى مُبْدِعٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، فاعِلٌ عَلى الإطْلاقِ، ولا شَيْءَ مِنَ الوالِدِ، كَذَلِكَ ضَرُورَةُ انْفِعالِهِ بِانْفِصالِ مادَّةِ الوَلَدِ عَنْهُ، فالله تَعالى لَيْسَ بِوالِدٍ، وقَرَأ المَنصُورُ (بَدِيعَ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَهُ) عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ، ﴿وإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أرادَ شَيْئًا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا﴾ وجاءَ القَضاءُ عَلى وُجُوهٍ تَرْجِعُ كُلُّها إلى إتْمامِ الشَّيْءِ قَوْلًا أوْ فِعْلًا، وإطْلاقُهُ عَلى الإرادَةِ مَجازٌ مِنَ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ المُسَبَّبِ في السَّبَبِ، فَإنَّ الإيجادَ الَّذِي هو إتْمامُ الشَّيْءِ مُسَبَّبٌ عَنْ تَعَلُّقِ الإرادَةِ، لِأنَّهُ يُوجِبُهُ، وساوى ابْنُ السَّيِّدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَدَرِ، والمَشْهُورُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُما بِجَعْلِ القَدَرِ تَقْدِيرًا لِأُمُورٍ قَبْلَ أنْ تَقَعَ، والقَضاءُ إنْفاذُ ذَلِكَ القَدَرِ وخُرُوجُهُ مِنَ العَدَمِ إلى حَدِّ الفِعْلِ، وصَحَّحَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ، لِأنَّهُ قَدْ جاءَ في الحَدِيثِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرَّ بِكَهْفٍ مائِلٍ لِلسُّقُوطِ، فَأسْرَعَ المَشْيَ حَتّى جاوَزَهُ، فَقِيلَ لَهُ: أتَفِرُّ مِن قَضاءِ اللَّهِ تَعالى؟ فَقالَ: (أفِرُّ مِن قَضائِهِ تَعالى إلى قَدَرِهِ)،» فَفَرَّقَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَ القَضاءِ والقَدَرِ. ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الفِعْلَيْنِ مِن كانَ التّامَّةِ لِعَدَمِ ذِكْرِ الخَبَرِ، مَعَ أنَّها الأصْلُ، أيْ أحْدَثَ فَيَحْدُثُ، وهي تَدُلُّ عَلى مَعْنى النّاقِصَةِ، لِأنَّ الوُجُودَ المُطْلَقَ أعَمُّ مِن وُجُودِهِ في نَفْسِهِ، أوْ في غَيْرِهِ، والأمْرُ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَتِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مُحَقِّقُو ساداتِنا الحَنَفِيَّةِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ أجْرى سُنَّتَهُ في تَكْوِينِ الأشْياءِ أنْ يُكَوِّنَها بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وإنْ لَمْ يَمْتَنِعْ تَكْوِينُها بِغَيْرِها، والمُرادُ الكَلامُ الأزَلِيُّ، لِأنَّهُ يَسْتَحِيلُ قِيامُ اللَّفْظِ المُرَتَّبِ بِذاتِهِ تَعالى، ولِأنَّهُ حادِثٌ فَيَحْتاجُ إلى خِطابٍ آخَرَ، فَيَتَسَلْسَلُ، وتَأخُّرُهُ عَنِ الإرادَةِ، وتَقَدُّمُهُ عَلى وُجُودِ الكَوْنِ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ، ولَمّا لَمْ يَشْتَمِلْ خِطابُ التَّكْوِينِ عَلى الفَهْمِ، واشْتَمَلَ عَلى أعْظَمِ الفَوائِدِ، جازَ تَعَلُّقُهُ بِالمَعْدُومِ، وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ وكَثِيرٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ إلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَةَ الأمْرِ، والِامْتِثالَ، وإنَّما هو تَمْثِيلٌ لِحُصُولِ ما تَعَلَّقَ بِهِ الإرادَةُ بِلا مُهْلَةٍ بِطاعَةِ المَأْمُورِ المُطِيعِ بِلا تَوَقُّفٍ، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ حَيْثُ شُبِّهَتْ هَيْئَةُ حُصُولِ المُرادِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِلا مُهْلَةٍ، وامْتِناعٍ بِطاعَةِ المَأْمُورِ المُطِيعِ عَقِيبَ أمْرِ المُطاعِ بِلا تَوَقُّفٍ وإباءٍ تَصْوِيرًا لِحالِ الغائِبِ بِصُورَةِ الشّاهِدِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الكَلامُ المَوْضُوعِ لِلْمُشَبَّهِ في المُشَبَّهِ بِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ اسْتِعارَةٍ في مُفْرَداتِهِ، وكانَ أصْلُ الكَلامِ إذا قَضى أمْرًا فَيَحْصُلُ عَقِيبَهُ دَفْعَةٌ، فَكَأنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، ثُمَّ حُذِفَ المُشَبَّهُ، واسْتُعْمِلَ المُشَبَّهُ بِهِ مَقامَهُ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ في الكَلامِ اسْتِعارَةً تَحْقِيقِيَّةً تَصْرِيحِيَّةً مَبْنِيَّةً عَلى تَشْبِيهِ حالٍ بَقالٍ، ولَعَلَّ الَّذِي دَعى هَؤُلاءِ إلى العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ زَعْمُ امْتِناعِهِ لِوُجُوهِ ذَكَرَها بَعْضُ أئِمَّتِهِمُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُنْ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ مُحْدَثًا، لا جائِزَ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا لِتَأخُّرِ النُّونِ ولِتَقَدُّمِ الكافِ، والمَسْبُوقُ مُحْدَثٌ لا مَحالَةَ، وكَذا المُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ بِزَمانٍ مُقَدَّرٍ أيْضًا، ولِأنَّ (إذا) لِلِاسْتِقْبالِ، فالقَضاءُ مُحْدَثٌ (وكُنْ) مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، والمُتَأخِّرُ عَنِ المُحْدَثِ مُحْدَثٌ، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، وإلّا لَدارَ، أوْ تَسَلْسَلَ، والثّانِي: إمّا أنْ يُخاطَبَ المَخْلُوقُ (بِكُنْ) قَبْلَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ، وخِطابُ المَعْدُومِ سَفَهٌ، وإمّا بَعْدَ دُخُولِهِ، ولا فائِدَةَ فِيهِ. الثّالِثُ: المَخْلُوقُ قَدْ يَكُونُ جَمادًا وتَكْلِيفُهُ لا يَلِيقُ بِالحِكْمَةِ، الرّابِعُ إذا فَرَضْنا القادِرَ المُرِيدَ مُنْفَكًّا عَنْ قَوْلِهِ كُنْ، فَإنْ تَمَكَّنَ مِنَ الإيجادِ، فَلا حاجَةَ إلَيْها، وإنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ، فَلا يَكُونُ القادِرُ قادِرًا عَلى الفِعْلِ إلّا عِنْدَ تَكَلُّمِهِ بِكُنْ، فَيَلْزَمُ عَجْزُهُ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ، الخامِسُ أنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ إنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ إذا تَكَلَّمْنا بِها، فَكَذا إذا تَكَلَّمَ بِها غَيْرُنا. صفحة 369 السّادِسُ المُؤَثِّرُ إمّا مَجْمُوعُ الكافِ والنُّونِ، ولا وُجُودَ لَهُما مَجْمُوعَيْنِ، أمْ أحَدُهُما، وهو خِلافُ المَفْرُوضِ انْتَهى، وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ ما ذَكَرْنا ظَهَرَ لَكَ انْدِفاعُ جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ، ويا عَجَبًا لِمَن يَقُولُ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ ويَجْعَلُ هَذا دالًّا عَلَيْهِ، كَيْفَ تُرَوِّعُهُ هَذِهِ القَعاقِعُ أمْ كَيْفَ تَغُرُّهُ هَذِهِ الفَقاقِعُ !؟ نَعَمْ لَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى هَذا القَوْلِ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ إثْباتِ العَظَمَةِ لِلَّهِ تَعالى، ما لَيْسَ في الأوَّلِ، لا لِأنَّ الأوَّلَ باطِلٌ في نَفْسِهِ كانَ حَرِيًّا بِالقَبُولِ، ولَعَلِّي أقُولُ بِهِ، والآيَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإبْداعِ، ومَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُشْتَمِلَةٌ عَلى تَقْرِيرِ مَعْنى الإبْداعِ، وفِيها تَلْوِيحٌ بِحُجَّةٍ أُخْرى لِإبْطالِ ذَلِكَ الهَذَيانِ، بِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ مِنَ الوالِدِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ قَصْدِهِ بِأطْوارٍ، ومُهْلَةٍ، لِما أنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ انْفِصالِ مادَّتِهِ عَنْهُ، وصَيْرُورَتِهِ حَيَوانًا، وفِعْلُهُ تَعالى بَعْدَ إرادَتِهِ، أوْ تَعَلُّقُ قَوْلِهِ مُسْتَغْنٍ عَنِ المُهْلَةِ، فَلا يَكُونُ اتِّخاذُ الوَلَدِ فِعْلَهُ تَعالى، وكَأنَّ السَّبَبَ في هَذِهِ الضَّلالَةِ أنَّهُ ورَدَ إطْلاقُ الأبِ عَلى اللَّهِ تَعالى في الشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ السَّبَبُ الأوَّلُ، وكَثُرَ هَذا الإطْلاقُ في إنْجِيلِ يُوحَنّا، ثُمَّ ظَنَّتِ الجَهَلَةُ أنَّ المُرادَ بِهِ مَعْنى الوِلادَةِ، فاعْتَقَدُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا، وكَفَرُوا، ولَمْ يُجَوِّزِ العُلَماءُ اليَوْمَ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَعالى مَجازًا قَطْعًا لِمادَّةِ الفَسادِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَيَكُونَ) بِالنَّصْبِ، وقَدْ أشْكَلَتْ عَلى النُّحاةِ، حَتّى تَجَرَّأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى فَحَكَمَ بِخَطَئِها، وهو سُوءُ أدَبٍ، بَلْ مِن أقْبَحِ الخَطَإ، ووَجْهُها أنْ تَكُونَ حِينَئِذٍ جَوابَ الأمْرِ حَمْلًا عَلى صُورَةِ اللَّفْظِ، وإنْ كانَ مَعْناهُ الخَبَرَ، إذْ لَيْسَ مَعْناهُ تَعْلِيقُ مَدْلُولِ مَدْخُولِ الفاءِ بِمَدْلُولِ صِيغَةِ الأمْرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سَبَبِيَّةُ ما قَبْلَ الفاءِ، لِما بَعْدَها، اللّازِمَةِ لِجَوابِ الأمْرِ بِالفاءِ، إذْ لا مَعْنى لِقَوْلِنا لِيَكُنْ مِنكَ كَوْنٌ فَكَوْنٌ، وقِيلَ: الدّاعِي إلى الحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ حَقِيقِيًّا، فَلا يُنْصَبُ جَوابُهُ، وإنَّ مِن شَرْطِ ذَلِكَ أنْ يَنْعَقِدَ مِنهُما شَرْطٌ وجَزاءٌ نَحْوَ: ائْتِنِي فَأُكْرِمْكَ، إذْ تَقْدِيرُهُ: إنْ تَأْتِنِي أُكْرِمْكَ، وهُنا يَصِحُّ أنْ يَكُنْ يَكُنْ، وإلّا لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ سَبَبًا لِنَفْسِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ إنْ يَكُنْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ يَكُنْ في الخارِجِ، فَهو عَلى حَدِّ: «(مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ)،» وبِأنَّ كَوْنَ الأمْرِ غَيْرِ الحَقِيقِيِّ يُنْصَبُ في جَوابِهِ مَمْنُوعٌ، فَإنْ كانَ بِلَفْظٍ فَظاهِرٌ، ولَكِنَّهُ مَجازٌ عَنْ سُرْعَةِ التَّكْوِينِ، وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ، فَهو مَجازٌ عَنْ إرادَةِ سُرْعَتِهِ، فَيُؤَوَّلُ إلى أنْ يُرادَ سُرْعَةُ وُجُودِ شَيْءٍ، يُوجَدُ في الحالِ، فَلا مَحْذُورَ لِلتَّغايُرِ الظّاهِر،ِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، ووَجْهُ الرَّفْعِ الِاسْتِئْنافُ أيْ فَهو يَكُونُ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى عَطْفِهِ عَلى (يَقُولُ)، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، لا يَكُونُ يَكُونُ داخِلًا في المَقُولِ، ومِن تَتِمَّتِهِ لِيُوَجَّهَ العُدُولُ عَنِ الخِطابِ بِأنَّهُ مِن بابِ الِالتِفاتِ تَحْقِيرًا لِشَأْنِ الأمْرِ في سُهُولَةِ تَكَوُّنِهِ، ووَجَّهَهُ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ عَلى تَقْدِيرِ الدُّخُولِ.

البقرة 2:118

﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ ووَجْهُ الِارْتِباطِ أنَّ الأوَّلَ كانَ قَدْحًا في التَّوْحِيدِ، وهَذا قَدْحٌ في النُّبُوَّةِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ جَهَلَةُ المُشْرِكِينَ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والحَسَنِ، وجَماعَةٍ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ وقالُوا: ”لَوْلا تَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أرْسَلَ الأوَّلُونَ“ وقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِدَلِيلِ ما رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رافِعَ بْنَ خُزَيْمَةَ مِنَ اليَهُودِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَقُلْ لِلَّهِ يُكَلِّمُنا حَتّى نَسْمَعَ كَلامَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِنَ ذَلِكَ﴾ وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِهِ النَّصارى، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِأنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ وهو كَما تَرى، ونَفْيُ العِلْمِ عَلى الأوَّلِ عَنْهم عَلى حَقِيقَتِهِ، لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ، ولا هم أتْباعُ نُبُوَّةٍ صفحة 370 وعَلى الأخِيرَيْنِ لِتَجاهُلِهِمْ، أوْ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِمُقْتَضاهُ، ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ أيْ هَلّا يُكَلِّمُنا بِأنَّكَ رَسُولُهُ، إمّا بِالذّاتِ كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ أوْ بِإنْزالِ الوَحْيِ إلَيْنا، وهو اسْتِكْبارٌ مِنهم بِعَدِّ أنْفُسِهِمُ الخَبِيثَةِ كالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ المُقَدَّسِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ عَلى صِدْقِكَ، وهو جُحُودٌ مِنهُمْ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى، لِما آتاهم مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ والحُجَجِ الباهِراتِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ، وقِيلَ: المُرادُ إتْيانُ آيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ، وفِيهِ أنَّ تَخْصِيصَ النَّكِرَةِ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ جَوابٌ لِشُبْهَتِهِمْ، يَعْنِي أنَّهم يَسْألُونَ عَنْ تَعَنُّتٍ واسْتِكْبارٍ مِثْلَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، والسّائِلُ المُتَعَنِّتُ لا يَسْتَحِقُّ إجابَةَ مَسْألَتِهِ ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ هَذا الباطِلِ الشَّنِيعِ، ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذَيْنِ التَّشْبِيهَيْنِ، ولِبَعْضِهِمْ هُنا زِيادَةٌ عَلى ما مَرَّ، احْتِمالُ تَعَلُّقِ (كَذَلِكَ) (بِتَأْتِينا)، وحِينَئِذٍ يَكُونُ الوَقْفُ عَلَيْهِ لا عَلى آيَةٍ، أوْ جَعَلَ ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقًا (بِتَشابَهَتْ) وحِينَئِذٍ يَكُونُ الوَقْفُ عَلى ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الكَرِيمِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ البارِدَةِ ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ ومَن قَبْلَهم في العَمى والعِنادِ، وقِيلَ: في التَّعَنُّتِ والِاقْتِراحِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ تَشْدِيدَ الشِّينِ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِي: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّهُ ماضٍ والتَّآنِ المَزِيدَتانِ إنَّما يَجِيئانِ في المُضارِعِ، فَيُدْغَمُ، أمّا الماضِي فَلا، وفي غَرائِبِ التَّفْسِيرِ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى خَطَئِهِ، ووَجَّهَ ذَلِكَ الرّاغِبُ بِأنَّهُ حَمَلَ الماضِيَ عَلى المُضارِعِ، فَزِيدَ فِيهِ ما يُزادُ فِيهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ بِهَذا القَدْرِ لا يَنْدَفِعُ الإشْكالُ، وقالَ ابْنُ سَهْمِيٍّ في الشَّواذِّ: إنَّ العَرَبَ قَدْ تَزِيدُ عَلى أوَّلِ تَفَعَّلَ في الماضِي تاءً، فَتَقُولُ: تَتَفَعَّلُ، وأنْشَدَ: تَتَقَطَّعَتْ بِي دُونَكَ الأسْبابُ، وهو قَوْلٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ ولا مَقْبُولٍ، فالصَّوابُ عَدَمُ صِحَّةِ نِسْبَةِ هَذِهِ القِراءَةِ إلى هَذَيْنِ الإمامَيْنِ، وقَدْ أشَرْنا إلى نَحْوِ ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ، ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ﴾ أيْ نَزَّلْناها بَيِّنَةً بِأنْ جَعَلْناها كَذَلِكَ في أنْفُسِها، فَهو عَلى حَدِّ: سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ وكَبَّرَ الفِيلَ، ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُونَ الحَقائِقَ عِلْمًا ذا وثاقَةٍ لا يَعْتَرِيهِمْ شُبْهَةٌ، ولا عِنادٌ، وهَؤُلاءِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، فَلِهَذا تَعَنَّتُوا واسْتَكْبَرُوا، وقالُوا ما قالُوا، والجُمْلَةُ عَلى هَذا مُعَلِّلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ كَما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِنَ الإتْيانِ طَلَبُ الحَقِّ، واليَقِينِ، والآيَةُ رَدٌّ لِطَلَبِهِمْ الآيَةَ، وفي تَعْرِيفِ الآياتِ وجَمْعِها وإيرادِ التَّبْيِينِ مَكانَ الإتْيانِ الَّذِي طَلَبُوهُ ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ، والمَعْنى أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا آيَةً فَذَّةً، ونَحْنُ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ العِظامَ لِقَوْمٍ يَطْلُبُونَ الحَقَّ واليَقِينَ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ سُبْحانَهُ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ إيذانًا بِأنَّهُ مِنهم أشْبَهُ شَيْءٍ بِكَلامِ الأحْمَقِ، وجَوابُ الأحْمَقِ السُّكُوتُ،

البقرة 2:119

﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ مُتَلَبِّسًا مُؤَيَّدًا بِهِ، فالظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ، وقِيلَ: لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلْنا، أوْ بِما بَعْدَهُ، وفُسِّرَ الحَقُّ بِالقُرْآنِ، أوْ بِالإسْلامِ، وبَقاؤُهُ عَلى عُمُومِهِ أوْلى ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ حالانِ مِنَ الكافِ، وقِيلَ: مِنَ الحَقِّ، والآيَةُ اعْتِراضً لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّهُ كانَ يَهْتَمُّ ويَضِيقُ صَدْرُهُ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، والمُرادُ إنّا أرْسَلْناكَ لِأنْ تُبَشِّرَ مَن أطاعَ وتُنْذِرَ مَن عَصى، لا لِتُجْبِرَ عَلى الإيمانِ، فَما عَلَيْكَ إنْ أصَرُّوا أوْ كابَرُوا، والتَّأْكِيدُ لِإقامَةِ غَيْرِ المُنْكِرِ مَقامَ المُنْكِرِ بِما لاحَ عَلَيْهِ مِن أمارَةِ الإنْكارِ، والقَصْرُ إفْرادِيٌّ. ﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ تَذْيِيلٌ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوِ اعْتِراضٌ، أوْ حالٌ، أيْ أرْسَلْناكَ غَيْرَ مَسْؤُولٍ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ، ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ أنْ بَلَّغْتَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وألْزَمْتَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ ! صفحة 371 وقَرَأ أُبَيٌّ (وما) بَدَلَ (ولا)، وابْنُ مَسْعُودٍ (ولَنْ) بَدَلَ (ذَلِكَ)، وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ (لا تَسْألْ) عَلى صِيغَةِ النَّهْيِ إيذانًا بِكَمالِ شِدَّةِ عُقُوبَةِ الكُفّارِ وتَهْوِيلًا لَها كَما تَقُولُ: كَيْفَ حالُ فُلانٍ، وقَدْ وقَعَ في مَكْرُوهٍ، فَيُقالُ لَكَ لا تَسْألْ عَنْهُ، أيْ أنَّهُ لِغايَةِ فَظاعَةِ ما حَلَّ بِهِ، لا يَقْدِرُ المُخْبِرُ عَلى إجْرائِهِ عَلى لِسانِهِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ السّامِعُ أنْ يَسْمَعَهُ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا اعْتِراضٌ، أوْ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ فَبَلِّغْ والنَّهْيُ مَجازِيٌّ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ حَقِيقَةً، والمَقْصُودُ مِنهُ بِالذّاتِ نَهْيُهُ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالِ أبَوَيْهِ، عَلى ما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ عَنْ قَبْرَيْهِما فَدَلَّهُ عَلَيْهِما، فَذَهَبَ فَدَعا لَهُما، وتَمَنّى أنْ يَعْرِفَ حالَهُما في الآخِرَةِ، وقالَ: لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ؟» فَنَزَلَتْ، ولا يَخْفى بُعْدُ هَذِهِ الرِّوايَةِ، لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما في المُنْتَخَبِ عالِمٌ بِما آلَ إلَيْهِ أمْرُهُما، وذَكَرَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ العِراقِيُّ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْها، وقالَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ: لَمْ يَرِدْ في هَذا إلّا أثَرٌ مُعْضَلٌ ضَعِيفُ الإسْنادِ، فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أنَّ الآيَةَ في كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ كالآياتِ السّابِقَةِ عَلَيْها، والتّالِيَةِ لَها، لا في أبَوَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولِتَعارُضِ الأحادِيثِ في هَذا البابِ وضَعْفِها قالَ السَّخاوِيُّ: الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ الكَفُّ عَنْهُما، وعَنِ الخَوْضِ في أحْوالِهِما، والَّذِي أدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ أنّا أنَّهُما ماتا مُوَحِّدَيْنِ في زَمَنِ الكُفْرِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلامُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنْ صَحَّ بَلْ أكادُ أقُولُ: إنَّهُما أفْضَلُ مِن عَلِيٍّ القارِيِّ وأضْرابِهِ، والجَحِيمُ النّارُ بِعَيْنِها إذا شَبَّ وقُودُها، ويُقالُ: جَحَمَتِ النّارُ تَجْحَمُ جَحْمًا إذا اضْطَرَبَتْ.

البقرة 2:120

﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ بَيانٌ لِكَمالِ شِدَّةِ شَكِيمَتَيْ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ إثْرَ بَيانِ ما يَعُمُّهُما، والمُشْرِكِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ولا بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ رِضا كُلٍّ مِنهُما مُبايِنٌ لِرِضا الأُخْرى، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في إقْناطِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن إسْلامِهِمْ ما لا غايَةَ وراءَهُ، فَإنَّهم حَيْثُ لَمْ يَرْضَوْا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَوْ خَلّاهم يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ بَلْ أمَّلُوا ما لا يَكادُ يَدْخُلُ دائِرَةَ الإمْكانِ، وهو الِاتِّباعُ لِمِلَّتِهِمُ الَّتِي جاءَ بِنَسْخِها، فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ اتِّباعَهم لِمِلَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واحْتِيجَ لِهَذِهِ المُبالَغَةِ لِمَزِيدِ حِرْصِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى إيمانِهِمْ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ يُلاطِفُ كُلَّ فَرِيقٍ رَجاءَ أنْ يُسْلِمُوا، فَنَزَلَتْ، والمِلَّةُ في الأصْلِ اسْمٌ مِنَ أمْلَلْتُ الكِتابَ بِمَعْنى أمْلَيْتُهُ كَما قالَ الرّاغِبُ، ومِنهُ طَرِيقٌ مَلُولٌ أيْ مَسْلُوكٌ مَعْلُومٌ، كَما نَقَلَهُ الأزْهَرِيُّ، ثُمَّ نُقِلَتْ إلى أُصُولِ الشَّرائِعِ بِاعْتِبارِ أنَّها يُمْلِيها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يَخْتَلِفُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيها، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الباطِلِ، كَـ(الكُفْرُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ)، ولا تُضافُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَلا يُقالُ: مِلَّةُ اللَّهِ، ولا إلى آحادِ الأُمَّةِ، والدِّينُ يُرادِفُها صِدْقًا، لَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ قَبُولِ المَأْمُورِينَ لِأنَّهُ في الأصْلِ الطّاعَةُ والِانْقِيادُ، ولِاتِّحادِ ما صَدَّقَهُما قالَ تَعالى ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وقَدْ يُطْلَقُ الدِّينُ عَلى الفُرُوعِ تَجَوُّزًا ويُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلى الآحادِ وإلى طَوائِفَ مَخْصُوصَةٍ، نَظَرًا إلى الأصْلِ، عَلى أنَّ تَغايُرَ الِاعْتِبارِ كافٍ في صِحَّةِ الإضافَةِ، ويَقَعُ عَلى الباطِلِ أيْضًا، وأمّا الشَّرِيعَةُ فَهي المَوْرِدُ في الأصْلِ، وجُعِلَتِ اسْمًا لِلْأحْكامِ الجُزْئِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَعاشِ والمَعادِ، سَواءٌ كانَتْ مَنصُوصَةً مِنَ الشّارِعِ، أوْ لا، لَكِنَّها راجِعَةٌ إلَيْهِ، والنَّسْخُ والتَّبْدِيلُ يَقَعُ فِيها، وتُطْلَقُ عَلى الأُصُولِ الكُلِّيَّةِ تَجَوُّزًا، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ووُحِّدَتِ المِلَّةُ، وإنْ كانَ لَهم مِلَّتانِ لِلْإيجازِ، أوْ لِأنَّهُما يَجْمَعُهُما الكُفْرُ، وهو مِلَّةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ إنَّ هَذا لَيْسَ ابْتِداءَ كَلامٍ مِنهُ تَعالى بِعَدَمِ رِضاهُمْ، بَلْ هو حِكايَةٌ لِمَعْنى كَلامٍ قالُوهُ بِطَرِيقِ التَّكَلُّمِ لِيُطابِقَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ فَإنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ الجَوابِ لِمَقالَتِهِمْ، ولَعَلَّهم ما قالُوا ذَلِكَ إلّا لِزَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم صفحة 372 حَقٌّ، وغَيْرَهُ باطِلٌ، فَأُجِيبُوا بِالقَصْرِ القَلْبِيِّ، أيْ دِينُ اللَّهِ تَعالى هو الحَقُّ ودِينُكم هو الباطِلُ، وهُدى اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو الإسْلامُ هو الهُدى، وما يَدْعُونَ إلَيْهِ لَيْسَ بِهُدًى، بَلْ هَوًى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، لِإضافَةِ الهُدى إلَيْهِ تَعالى، وتَأْكِيدِهِ (بِإنَّ)، وإعادَةِ الهُدى في الخَبَرِ عَلى حَدِّ: شِعْرِي شِعْرِي، وجَعْلِهِ نَفْسَ الهُدى المَصْدَرِيِّ، وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وتَعْرِيفِ الخَبَرِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ فِيما بَيْنَهُمْ، والأمْرُ بِهَذا القَوْلِ لَهم لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِعَيْنِ تِلْكَ العِبارَةِ بَلْ جَوابٌ ورَدَ لِما يَسْتَلْزِمُ مَضْمُونَها، أوْ يَلْزَمُهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اليَهُودِيَّةِ، أوِ النَّصْرانِيَّةِ، وأنَّ الِاهْتِداءَ فِيهِما، وقِيلَ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِإقْناطِهِمْ عَمّا يَتَمَنَّوْنَهُ، ويَطْمَعُونَهُ، ولَيْسَ بِجَوابٍ، ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ أيْ آراءَهُمُ الزّائِغَةَ المُنْحَرِفَةَ عَنِ الحَقِّ الصّادِرَةَ عَنْهم بِتَبَعِيَّةِ شَهَواتِ أنْفُسِهِمْ، وهي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها فِيما قَبْلُ بِالمِلَّةِ، وكانَ الظّاهِرُ: ولَئِنِ اتَّبَعْتَها، إلّا أنَّهُ غَيَّرَ النَّظْمَ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ إيذانًا بِأنَّهم غَيَّرُوا ما شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ تَغْيِيرًا أخْرَجُوهُ بِهِ عَنْ مَوْضُوعِهِ، وفي صِيغَةِ الجَمْعِ إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ الِاخْتِلافِ بَيْنَهُمْ، وأنَّ بَعْضَهم يُكَفِّرُ بَعْضًا. ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيِ المَعْلُومِ، وهو الوَحْيُ، أوِ الدِّينُ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَّصِفُ بِالمَجِيءِ دُونَ العِلْمِ نَفْسِهِ، ولَكَ أنْ تُفَسِّرَ المَجِيءَ بِالحُصُولِ فَيَجْرِي العِلْمُ عَلى ظاهِرِهِ، ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ الدّالِّ عَلَيْهِ اللّامُ المُوَطِّئَةُ، ولَوْ أُجِيبَ بِهِ الشَّرْطُ هُنا لَوَجَبَتِ الفاءُ، وقِيلَ: إنَّهُ جَوابٌ لَهُ، ويَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ القَسَمِ مُؤَخَّرًا عَنِ الشَّرْطِ، وتَأْوِيلِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِالفِعْلِيَّةِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ، أيْ: ما يَكُونُ لَكَ، وهو تَعَسُّفٌ، إذْ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ بِتَقْدِيرِ القَسَمِ مُؤَخَّرًا مَعَ اللّامِ المُوَطِّئَةِ، وتَأْوِيلُ الِاسْمِيَّةِ بِالفِعْلِيَّةِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ جَوابٌ لِكِلا الأمْرَيْنِ القَسَمِ الدّالِّ عَلَيْهِ اللّامُ، وإنِ الشَّرْطِيَّةُ لِأحَدِهِما لَفْظًا، ولِلْآخَرِ مَعْنًى، وهو كَما تَرى، والخِطابُ أيْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَقْيِيدُ الشَّرْطِ بِما قُيِّدَ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ مُتابَعَةِ أهْوائِهِمْ مُحالٌ، لِأنَّهُ خِلافُ ما عُلِمَ صِحَّتُهُ، فَلَوْ فُرِضَ وُقُوعُهُ كَما يُفْرَضُ المُحالُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ، ولا نَصِيرٌ يَدْفَعُ عَنْهُ العَذابَ، وفِيهِ أيْضًا مِنَ المُبالَغَةِ في الإقْناطِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: الخِطابُ هُناكَ، وهُنا، وإنْ كانَ ظاهِرًا لِلنَّبِيِّ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أُمَّتُهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى التِزامِ ذَلِكَ،

البقرة 2:121

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ حالِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِ كَفَرَتِهِمْ، ولَمْ يُعْطَفْ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، والآيَةُ نازِلَةٌ فِيهِمْ، وهُمُ المَقْصُودُونَ مِنها سَواءٌ أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ الجِنْسُ أوِ العَهْدُ، عَلى ما قِيلَ إنَّهُمُ الأرْبَعُونَ الَّذِينَ قَدِمُوا مِنَ الحَبَشَةِ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ اثْنانِ وثَلاثُونَ مِنهم مِنَ اليَمَنِ وثَمانِيَةٌ مِن عُلَماءِ الشّامِ، ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ أيْ يَقْرَؤُونَهُ حَقَّ قِراءَتِهِ، وهي قِراءَةٌ تَأْخُذُ بِمَجامِعِ القَلْبِ فَيُراعى فِيها ضَبْطُ اللَّفْظِ، والتَّأمُّلُ في المَعْنى، وحَقُّ الأمْرِ والنَّهْيِ، والجُمْلَةُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مُقَدَّرًا تِلاوَتُهُمْ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا تالِينَ، وقْتَ الإيتاءِ، وهَذِهِ الحالُ مُخَصَّصَةٌ لِأنَّ لَيْسَ كُلُّ مَن أُوتِيَهُ يَتْلُوهُ، (وحَقَّ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِإضافَتِهِ إلى المَصْدَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا أيْ مُحِقِّينَ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (يَتْلُونَهُ) خَبَرًا لا حالًا، (أُولَئِكَ) إلَخْ، خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وعَلى أوَّلِ الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ المَوْصُولُ لِلْجِنْسِ، وعَلى ثانِيهِما يَكُونُ لِلْعَهْدِ، أيْ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِلْحَصْرِ، والتَّعْرِيضِ، والضَّمِيرُ لِلْكِتابِ، أيْ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ دُونَ المُحَرِّفِينَ، فَإنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِهِ، ومِن هُنا يَظْهَرُ فائِدَةُ الإخْبارِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: مَحَطُّ الفائِدَةِ ما يَلْزَمُ الإيمانُ بِهِ صفحة 373 مِنَ الرِّبْحِ بِقَرِينَةِ ما يَأْتِي، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ المَوْصُولَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، فالمُرادُ مِنَ الكِتابِ حِينَئِذٍ القُرْآنُ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ، فالمُرادُ مِنَ الكِتابِ حِينَئِذٍ الجِنْسُ لِيَشْمَلَ الكُتُبَ المُتَفَرِّقَةَ، ومِنهم مَن قالَ بِما قُلْنا، إلّا أنَّهُ جَوَّزَ عَوْدَ الضَّمِيرِ بِهِ إلى الهُدى، أوْ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ في الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، أوْ مِنَ التَّكَلُّمِ إلَيْها، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ البُعْدِ البَعِيدِ. ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أيِ الكِتابِ بِسَبَبِ التَّحْرِيفِ، والكُفْرِ بِما يُصَدِّقُهُ، واحْتِمالاتُ نَظِيرِ هَذا الضَّمِيرِ مَقُولَةٌ فِيهِ أيْضًا. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ مِن جِهَةِ أنَّهُمُ اشْتَرُوا الكُفْرَ بِالإيمانِ، وقِيلَ: بِتِجارَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها بِأخْذِ الرِّشا عَلى التَّحْرِيفِ.

البقرة 2:122

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَذْكِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ، وإعادَةٌ لِتَحْذِيرِهِمْ لِلْمُبالَغَةِ في النُّصْحِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القِصَّةِ، والمَقْصُودُ مِنها، وقَدْ تَفَنَّنَ في التَّعْبِيرِ، فَجاءَتِ الشَّفاعَةُ أوَّلًا بِلَفْظِ القَبُولِ مُتَقَدِّمَةً عَلى العَدْلِ، وهُنا بِلَفْظِ النَّفْعِ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ، ولَعَلَّهُ كَما قِيلَ: إشارَةٌ إلى انْتِفاءِ أصْلِ الشَّيْءِ، وانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وأعْطى المُقَدَّمُ وُجُودًا تَقَدُّمَهُ ذِكْرًا، والمُتَأخِّرَ وُجُودًا تَأخُّرَهُ ذِكْرًا، وقِيلَ: إنَّ ما سَبَقَ كانَ لِلْأمْرِ بِالقِيامِ بِحُقُوقِ النِّعَمِ السّابِقَةِ، وما هُنا لِتَذْكِيرِ نِعْمَةٍ بِها فَضَّلَهم عَلى العالَمِينَ، وهي نِعْمَةُ الإيمانِ بِنَبِيِّ زَمانِهِمْ، وانْقِيادُهم لِأحْكامِهِ لِيَغْتَنِمُوها ويُؤْمِنُوا ويَكُونُوا مِنَ الفاضِلِينَ لا المَفْضُولِينَ، ولِيَتَّقُوا بِمُتابَعَتِهِ عَنْ أهْوالِ القِيامَةِ وخَوْفِها، كَما اتَّقَوْا بِمُتابَعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ،

البقرة 2:123

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَذْكِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ، وإعادَةٌ لِتَحْذِيرِهِمْ لِلْمُبالَغَةِ في النُّصْحِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القِصَّةِ، والمَقْصُودُ مِنها، وقَدْ تَفَنَّنَ في التَّعْبِيرِ، فَجاءَتِ الشَّفاعَةُ أوَّلًا بِلَفْظِ القَبُولِ مُتَقَدِّمَةً عَلى العَدْلِ، وهُنا بِلَفْظِ النَّفْعِ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ، ولَعَلَّهُ كَما قِيلَ: إشارَةٌ إلى انْتِفاءِ أصْلِ الشَّيْءِ، وانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وأعْطى المُقَدَّمُ وُجُودًا تَقَدُّمَهُ ذِكْرًا، والمُتَأخِّرَ وُجُودًا تَأخُّرَهُ ذِكْرًا، وقِيلَ: إنَّ ما سَبَقَ كانَ لِلْأمْرِ بِالقِيامِ بِحُقُوقِ النِّعَمِ السّابِقَةِ، وما هُنا لِتَذْكِيرِ نِعْمَةٍ بِها فَضَّلَهم عَلى العالَمِينَ، وهي نِعْمَةُ الإيمانِ بِنَبِيِّ زَمانِهِمْ، وانْقِيادُهم لِأحْكامِهِ لِيَغْتَنِمُوها ويُؤْمِنُوا ويَكُونُوا مِنَ الفاضِلِينَ لا المَفْضُولِينَ، ولِيَتَّقُوا بِمُتابَعَتِهِ عَنْ أهْوالِ القِيامَةِ وخَوْفِها، كَما اتَّقَوْا بِمُتابَعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ،

البقرة 2:124

﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ في مُتَعَلِّقِ (إذِ) احْتِمالاتٌ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْها في نَظِيرِ الآيَةِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ تَعَلُّقَها بِقالَ الآتِي، وبَعْضُهم بِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ، أيْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والمَشْهُورُ تَعَلُّقُها بِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، أوِ اذْكُرُوا وقْتَ كَذا، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والجامِعُ الِاتِّحادُ في المَقْصِدِ، فَإنَّ المَقْصِدَ مِن تَذْكِيرِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ تَحْرِيضُهم عَلى قَبُولِ دِينِهِ ﷺ واتِّباعِ الحَقِّ وتَرْكِ التَّعَصُّبِ، وحُبِّ الرِّياسَةِ، كَذَلِكَ المَقْصِدُ مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وشَرْحِ أحْوالِهِ الدَّعْوَةُ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ، وتَرْكُ التَّعَصُّبِ في الدِّينِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ نالَ الإمامَةَ بِالِانْقِيادِ لِحُكْمِهِ تَعالى، وأنَّهُ لَمْ يَسْتَجِبْ دُعاءَهُ في الظّالِمِينَ، وأنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ مَطافًا ومَعْبَدًا في وقْتِهِ مَأْمُورًا هو بِتَطْهِيرِهِ وأنَّهُ كانَ يَحُجُّ البَيْتَ داعِيًا مُبْتَهِلًا كَما هو في دِينِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأنَّ نَبِيَّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن دَعْوَتِهِ، وأنَّهُ دَعا في حَقِّ نَفْسِهِ وذُرِّيَّتِهِ بِمِلَّةِ الإسْلامِ، كانَ الواجِبُ عَلى مَن يَعْتَرِفُ بِفَضْلِهِ، وأنَّهُ مِن أوْلادِهِ، ويَزْعُمُ اتِّباعَ مِلَّتِهِ، ويُباهِي بِأنَّهُ مِن ساكِنِ حَرَمِهِ، وحامِي بَيْتِهِ أنْ يَكُونَ حالُهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وذَهَبَ عِصامُ المِلَّةِ والدِّينِ إلى جَوازِ العَطْفِ عَلى (نِعْمَتِي) أيِ اذْكُرُوا وقْتَ ابْتِلاءِ إبْراهِيمَ، فَإنَّ فِيهِ ما يَنْفَعُكُمْ، ويَرُدُّ اعْتِقادَكُمُ الفاسِدَ أنَّ آباءَكم شُفَعاؤُكم يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ دُعاءَ إبْراهِيمَ في الظَّلَمَةِ، ويَدْفَعْ عَنْكم حُبَّ الرِّياسَةِ المانِعَ عَنْ مُتابَعَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ لا يَنالُ الرِّياسَةُ الظّالِمِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ طَرِيقِ البَلاغَةِ مَعَ لُزُومِ تَخْصِيصِ الخِطابِ بِأهْلِ الكِتابِ، وتَخَلَّلَ (اتَّقُوا) بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ، والِابْتِلاءُ في الأصْلِ الِاخْتِبارُ كَما قَدَّمْنا صفحة 374 والمُرادُ بِهِ هُنا التَّكْلِيفُ، أوِ المُعامَلَةُ مُعامَلَةُ الِاخْتِبارِ مَجازًا، إذْ حَقِيقَةُ الِاخْتِبارِ مُحالَةٌ عَلَيْهِ تَعالى، لِكَوْنِهِ عالِمُ السِّرِّ والخَفِيّاتِ، (وإبْراهِيمُ) عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ قِيلَ: مَعْناهُ قَبْلَ النَّقْلِ أبٌ رَحِيمٌ، وهو مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِإضافَةِ فاعِلِهِ إلى ضَمِيرِهِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ تَشْرِيفٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ الِابْتِلاءَ تَرْبِيَةٌ لَهُ وتَرْشِيحٌ لِأمْرٍ خَطِيرٍ، (والكَلِماتُ) جَمْعُ كَلِمَةٍ، وأصْلُ مَعْناها اللَّفْظُ المُفْرَدُ، وتُسْتَعْمَلُ في الجُمَلِ المُفِيدَةِ، وتُطْلَقُ عَلى مَعانِي ذَلِكَ، لِما بَيْنَ اللَّفْظِ والمَعْنى مِن شِدَّةِ الِاتِّصالِ، واخْتُلِفَ فِيها، فَقالَ طاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنَّها العَشَرَةُ الَّتِي مِنَ الفِطْرَةِ: المَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، وقَصُّ الشّارِبِ، وإعْفاءُ اللِّحْيَةِ، والفَرْقُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وحَلْقُ العانَةِ، والِاسْتِطابَةُ، والخِتانُ، وقالَ عِكْرِمَةُ رِوايَةً عَنْهُ أيْضًا: لَمْ يُبْتَلَ أحَدٌ بِهَذا الدِّينِ فَأقامَهُ كُلَّهُ إلّا إبْراهِيمُ، ابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِثَلاثِينَ خَصْلَةً مِن خِصالِ الإسْلامِ عَشْرٌ مِنها في سُورَةِ بَراءَةٌ (التّائِبُونَ)، إلَخْ، وعَشَرٌ في الأحْزابِ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ إلَخْ، وعَشْرٌ في المُؤْمِنِينَ، (وسَألَ سائِلٌ) إلى ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وفي رِوايَةِ الحاكِمِ في مُسْتَدْرَكِهِ: أنَّها ثَلاثُونَ، وعَدَّ السُّوَرَ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ، ولَمْ يَعُدَّ السُّورَةَ الأخِيرَةَ، فالَّذِي في بَراءَةٌ: التَّوْبَةُ، والعِبادَةُ، والحَمْدُ، والسِّياحَةُ، والرُّكُوعُ، والسُّجُودُ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، والحِفْظُ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعالى، والإيمانُ المُسْتَفادُ مِن ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ أوْ مِن ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ في الأحْزابِ: الإسْلامُ، والإيمانُ، والقُنُوتُ، والصِّدْقُ، والصَّبْرُ، والخُشُوعُ، والتَّصَدُّقُ، والصِّيامُ، والحِفْظُ لِلْفُرُوجِ، والذِّكْرُ، والَّذِي في المُؤْمِنِينَ: الإيمانُ، والخُشُوعُ، والإعْراضُ عَنِ اللَّغْوِ، والزَّكاةُ، والحِفْظُ لِلْفُرُوجِ إلّا عَلى الأزْواجِ أوِ الإماءِ، ثَلاثَةً، والرِّعايَةُ لِلْعَهْدِ، والأمانَةِ اثْنَيْنِ، والمُحافَظَةُ عَلى الصَّلاةِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ لُزُومَ التَّكْرارِ في بَعْضِ الخِصالِ بَعْدَ جَمْعِ العَشَراتِ المَذْكُورَةِ كالإيمانِ والحِفْظِ لِلْفُرُوجِ لا يُنافِي كَوْنَها ثَلاثِينَ تَعْدادًا، إنَّما يُنافِي تَغايُرَها ذاتًا، ومِن هُنا عُدَّتِ التَّسْمِيَةُ مِائَةً وثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها في كُلِّ سُورَةٍ، وما في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارِ التَّغايُرِ بِالذّاتِ، وإسْقاطِ المُكَرَّراتِ، وعَدُّهُ العاشِرَةَ البِشارَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ في بَراءَةٌ، وجَعَلَ الدَّوامَ عَلى الصَّلاةِ والمُحافَظَةَ عَلَيْها واحِدًا، ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ غَيْرَ الفاعِلِينَ لِلزَّكاةِ لِشُمُولِهِ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، وصِلَةَ الأقارِبِ، وما رُوِيَ أنَّها أرْبَعُونَ، وبُيِّنَتْ بِما في السُّوَرِ الأرْبَعِ مَبْنِيٌّ عَلى الِاعْتِبارِ الأوَّلِ أيْضًا، فَلا إشْكالَ، وقِيلَ: ابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِسَبْعَةِ أشْياءَ بِالكَواكِبِ، والقَمَرَيْنِ، والخِتانِ عَلى الكِبَرِ، والنّارِ، وذَبْحِ الوَلَدِ، والهِجْرَةِ مِن كُوثى إلى الشّامِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: هي ما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ بَعْدُ مِنَ الإمامَةِ وتَطْهِيرِ البَيْتِ، ورَفْعِ قَواعِدِهِ، والإسْلامِ، وقِيلَ وقِيلَ، إلى ثَلاثَةَ عَشَرَ قَوْلًا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ وغَيْرُهُما (إبْراهامَ)، وأبُو بَكْرَةَ (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وحَذْفِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الشَّعْثاءِ، وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِرَفْعِ (إبْراهِيمُ)، ونَصْبِ (رَبَّهُ)، فالِابْتِلاءُ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ حَقِيقَةٌ لِصِحَّتِهِ مِنَ العَبْدِ، والمُرادُ دَعا رَبَّهُ بِكَلِماتٍ مِثْلَ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ و﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ، ولا حاجَةَ إلى الحَمْلِ عَلى المَجازِ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّهُ وإنْ صَحَّ مِنَ العَبْدِ لا يَصِحُّ أوْ لا يَحْسُنُ تَعْلِيقُهُ بِالرَّبِّ، فَوَجْهُهُ غَيْرُ ظاهِرٍ سِوى ذِكْرِ لَفْظِ الِابْتِلاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في مَقامِ الأُنْسِ ومَقامِ الخُلَّةِ غَيْرَ خَفِيٍّ، ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْكَلِماتِ لا غَيْرُ، والمَرْفُوعُ المَسْتَكِنُّ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ لِإبْراهِيمَ، وأنْ يَعُودَ لِرَبِّهِ، عَلى كُلٍّ مِن قِراءَتَيِ الرَّفْعِ والنَّصْبِ، فَهُناكَ أرْبَعَةُ احْتِمالاتٍ الأوَّلُ: عَوْدُهُ عَلى (إبْراهِيمَ) مَنصُوبًا، ومَعْنى أتَمَّهُنَّ حِينَئِذٍ أتى بِهِنَّ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، وأدّاهُنَّ صفحة 375 كَما يَلِيقُ، الثّانِي: عَوْدُهُ عَلى (رَبُّهُ) مَرْفُوعًا، والمَعْنى حِينَئِذٍ: يَسَّرَ لَهُ العَمَلَ بِهِنَّ، وقَوّاهُ عَلى إتْمامِهِنَّ، أوْ أتَمَّ لَهُ أُجُورَهُنَّ، أوْ أدامَهُنَّ سُنَّةً فِيهِ وفي عَقِبِهِ إلى يَوْمِ الدِّينِ، الثّالِثُ: عَوْدُهُ عَلى (إبْراهِيمُ) مَرْفُوعًا، والمَعْنى عَلَيْهِ: أتَمَّ إبْراهِيمُ الكَلِماتِ المَدْعُوَّ بِها بِأنْ راعى شُرُوطَ الإجابَةِ فِيها، ولَمْ يَأْتِ بَعْدَها بِما يُضَيِّعُها، الرّابِعُ: عَوْدُهُ إلى (رَبَّهُ) مَنصُوبًا، والمَعْنى عَلَيْهِ فَأعْطى سُبْحانَهُ (إبْراهِيمَ) جَمِيعَ ما دَعاهُ، وأظْهَرُ الِاحْتِمالاتِ الأوَّلُ والرّابِعُ، إذِ التَّمَدُّحُ غَيْرُ ظاهِرٍ في الثّانِي مَعَ ما فِيهِ مِن حَذْفِ المُضافِ عَلى أحَدِ مُحْتَمَلاتِهِ، والِاسْتِعْمالُ المَأْلُوفُ غَيْرُ مُتَّبَعٍ في الثّالِثِ، لِأنَّ الفِعْلَ الواقِعَ في مُقابَلَةِ الِاخْتِبارِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ المُخْتَبِرِ اسْمَ مَفْعُولٍ. ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، إنَّ أُضْمِرَ ناصِبٌ، إذْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ بَعْدُ؟ فَأُجِيبَ بِذَلِكَ، أوْ بَيانٌ لِابْتَلى، بِناءً عَلى رَأْيِ مَن جَعَلَ الكَلِماتِ عِبارَةً عَمّا ذُكِرَ أثَرُهُ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ ذَلِكَ مِن بَيانِ الكُلِّيِّ بِجُزْئِيٍّ مِن جُزْئِيّاتِهِ، وإذا نَصَبَتْ إذْ بِقالَ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ، يَكُونُ المَجْمُوعُ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى ما قَبْلَها عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ تَفْصِيلُهُ، وقِيلَ: مُسْتَطْرِدَةٌ، أوْ مُعْتَرِضَةٌ لِيَقَعَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ إنْ جُعِلَ خِطابًا لِلْيَهُودِ مَوْقِعَهُ، ويُلائِمَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ وجاعِلٌ مِن جَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، والثّانِي إمّا مُتَعَلِّقٌ بِجاعِلٍ أيْ لِأجْلِهِمْ، وإمّا في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَتْ، أيْ إمامًا كائِنًا لَهُمْ، والإمامُ اسْمٌ لِلْقُدْوَةِ الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِخَيْطِ البِناءِ: إمامٌ، وهو مُفْرَدٌ عَلى فِعالٍ، وجَعَلَهُ بَعْضُهُمُ اسْمَ آلَةٍ لِأنَّ فِعالًا مِن صِيَغِها، كالإزارِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الإمامَ ما يُؤْتَمُّ بِهِ، والإزارُ ما يُؤْتَزَرُ بِهِ، فَهُما مَفْعُولانِ ومَفْعُولُ الفِعْلِ لَيْسَ بِآلَةٍ، لِأنَّها الواسِطَةُ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ في وُصُولِ أثَرِهِ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ المَفْعُولُ آلَةً لَكانَ الفاعِلُ كَذَلِكَ، ولَيْسَ، فَلَيْسَ، ويَكُونُ جَمْعَ آمٍّ اسْمِ فاعِلٍ مِن أمَّ يَؤُمُّ كَجائِعٍ، وجِياعٍ، وقائِمٍ، وقِيامٍ، وهو بِحَسَبِ المَفْهُومِ، وإنْ كانَ شامِلًا لِلنَّبِيِّ والخَلِيفَةِ، وإمامِ الصَّلاةِ، بَلْ كُلُّ مَن يَقْتَدِي بِهِ في شَيْءٍ، ولَوْ باطِلًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ ها هُنا النَّبِيُّ المُقْتَدى بِهِ، فَإنَّ مَن عَداهُ لِكَوْنِهِ مَأْمُومَ النَّبِيِّ لَيْسَتْ إمامَتُهُ كَإمامَتِهِ، وهَذِهِ الإمامَةُ إمّا مُؤَبَّدَةٌ كَما هو مُقْتَضى تَعْرِيفِ النّاسِ، وصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ، ولا يَضُرُّ مَجِيءُ الأنْبِياءِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا وكانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، ومَأْمُورا بِاتِّباعِهِ في الجُمْلَةِ لا في جَمِيعِ الأحْكامِ، لِعَدَمِ اتِّفاقِ الشَّرائِعِ الَّتِي بَعْدَهُ في الكُلِّ، فَتَكُونُ إمامَتُهُ باقِيَةً بِإمامَةِ أوْلادِهِ الَّتِي هي أبْعاضُهُ عَلى التَّناوُبِ، وإمّا مُؤَقَّتَةٌ بِناءً عَلى أنَّ ما نُسِخَ، ولَوْ بَعْضُهُ، لا يُقالُ لَهُ مُؤَبَّدٌ، وإلّا لَكانَتْ إمامَةُ كُلِّ نَبِيٍّ مُؤَبَّدَةً، ولَمْ يَشِعْ ذَلِكَ، فالمُرادُ مِنَ النّاسِ حِينَئِذٍ أُمَّتُهُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، ولَكَ أنْ تَلْتَزِمَ القَوْلَ بِتَأْبِيدِ إمامَةِ كُلِّ نَبِيٍّ، ولَكِنْ في عَقائِدِ التَّوْحِيدِ، وهي لَمْ تُنْسَخْ، بَلْ لا تُنْسَخُ أصْلًا، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وعَدَمُ الشُّيُوعِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولَئِنْ سُلِّمَ لا يَضُرُّ، والِامْتِنانُ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ لِخُصُوصِيَّةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، لا تَكادُ تَخْفى، فَتَدَبَّرْ. ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يُشِيرُ إلى أنَّ الِابْتِلاءَ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ القِيامَ بِتِلْكَ الكَلِماتِ سَبَبًا لِجَعْلِهِ إمامًا، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ بَعْدَها لِأنَّهُ يَقْتَضِي سابِقَةَ الوَحْيِ، وأُجِيبَ بِأنَّ مُطْلَقَ الوَحْيِ لا يَسْتَلْزِمُ البَعْثَةَ إلى الخَلْقِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَبْحَ الوَلَدِ والهِجْرَةَ والنّارَ إنْ كانَتْ مِنَ الكَلِماتِ يُشْكِلُ الأمْرُ، لِأنَّ هَذِهِ كانَتْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، بِلا شُبْهَةٍ، وكَذا الخِتانُ أيْضًا بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ خَتَنَ نَفْسَهُ كانَ عُمْرُهُ مِائَةً وعِشْرِينَ، فَحِينَئِذٍ يَحْتاجُ إلى أنْ يَكُونَ إتْمامُ الكَلِماتِ سَبَبَ الإمامَةِ بِاعْتِبارِ عُمُومِها لِلنّاسِ، واسْتِجابَةِ دُعائِهِ في حَقِّ بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ، ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي أنَّهُ عَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلِمَ مِن حالِهِ أنَّهُ صفحة 376 يُتِمُّهُنَّ، ويَقُومُ بِهِنَّ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، فَلا جَرَمَ، أعْطاهُ خُلْعَةَ الإمامَةِ والنُّبُوَّةِ، ولا يَخْفى أنَّ الفاءَ يَأْبى عَنِ الحَمْلِ عَلى هَذا المَعْنى. (قالَ) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، والضَّمِيرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، (ومِن ذُرِّيَّتِي) عَطْفٌ عَلى الكافِ، يُقالُ: سَأُكْرِمُكَ فَتَقُولُ: وزَيْدًا، وجَعْلُهُ عَلى مَعْنى: ماذا يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِي؟ بَعِيدٌ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيَجْعَلُ مِن ذُرِّيَّتِي إمامًا، لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهِمَ مِن ﴿إنِّي جاعِلُكَ﴾ الِاخْتِصاصَ بِهِ، واخْتارَهُ بَعْضُهُمْ، واعْتَرَضُوا عَلى ما تَقَدَّمَ بِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ لا يَصْلُحُ مُضافًا إلَيْهِ، فَكَيْفَ يُعْطَفُ عَلَيْهِ، وبِأنَّ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ كَيْفَ يَصِحُّ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ، وبِأنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ المَعْطُوفُ مَقُولَ قائِلٍ آخَرَ، ودُفِعَ الأوَّلانِ بِأنَّ الإضافَةَ اللَّفْظِيَّةَ في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ في مَعْنى بَعْضِ ذُرِّيَّتِي، فَكَأنَّهُ قالَ: وجاعِلٌ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي، وهو صَحِيحٌ، عَلى أنَّ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ، وإنْ أباهُ أكْثَرُ النُّحاةِ، إلّا أنَّ المُحَقِّقِينَ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ وأئِمَّةِ الدِّينِ عَلى جَوازِهِ، حَتّى قالَ صاحِبُ العُبابِ: إنَّهُ وارِدٌ في القِراءاتِ السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ، فَمَن رَدَّ ذَلِكَ فَقَدْ رَدَّ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ودُفِعَ الثّالِثُ بِأنَّهُ قَبِيلِ عَطْفِ التَّلْقِينِ، فَهو خَبَرٌ في مَعْنى الطَّلَبِ، وكَأنَّ أصْلَهُ: واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي، كَما قَدَّرَهُ المُعْتَرِضُ، لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى المُنَزَّلِ لِما فِيهِ مِنَ البَلاغَةِ مِن حَيْثُ جَعَلَهُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ، كَأنَّهُ مُسْتَحِقٌّ مِثْلَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وجَعَلَ نَفْسَهُ كالنّائِبِ عَنِ المُتَكَلِّمِ، والعُدُولُ مِن صِيغَةِ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في الثُّبُوتِ ومَراعاةِ الأدَبِ في التَّفادِي عَنْ صُورَةِ الأمْرِ، وفِيهِ مِنَ الِاخْتِصارِ الواقِعِ مَوْقِعَهُ ما يَرُوقُ كُلَّ ناظِرٍ، ونَظِيرُ هَذا العَطْفِ ما رَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ، قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ، قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: والمُقَصِّرِينَ)». وقَدْ ذَكَرَ الأُصُولِيُّونَ أنَّ التَّلْقِينَ ورَدَ بِالواوِ وغَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ، وأنَّهُ وقَعَ في الِاسْتِثْناءِ كَما في الحَدِيثِ: «(إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ شَجَرَةَ الحَرَمِ، قالُوا: إلّا الإذْخِرَ يا رَسُولَ اللَّهِ)،» واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ العَطْفَ المُذَكَّرَ يَسْتَدْعِي أنْ تَكُونَ إمامَةُ ذُرِّيَّتِهِ عامَّةً لِجَمِيعِ النّاسِ عُمُومَ إمامَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما قِيلَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَكْفِي في العَطْفِ الِاشْتِراكُ في أصْلِ المَعْنى، وقِيلَ: يَكْفِي قَبُولُها في حَقِّ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والذُّرِّيَّةُ نَسْلُ الرَّجُلِ، وأصْلُها الأوْلادُ الصِّغارُ، ثُمَّ عَمَّتِ الكِبارَ والصِّغارَ الواحِدَ وغَيْرَهُ، وقِيلَ: إنَّها تَشْمَلُ الآباءَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ يَعْنِي نُوحًا وأبْناءَهُ، والصَّحِيحُ خِلافُهُ، وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ، ضَمُّ الذّالِ، وفَتْحُها، وكَسْرُها، وبِها قُرِئَ، وهي إمّا فَعُولَةٌ مِن ذَرَوْتُ أوْ ذَرَيْتُ، والأصْلُ ذَرُووَةٌ، أوْ ذَرُويَةٌ فاجْتَمَعَ في الأوَّلِ واوانِ زائِدَةٌ وأصْلِيَّةٌ فَقُلِبَتِ الأصْلِيَّةُ ياءً فَصارَتْ كالثّانِيَةِ، فاجْتَمَعَتْ ياءٌ وواوٌ، وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ، فَصارَتْ ذُرِّيَّةً، أوْ فِعْلِيَّةً مِنهُما، والأصْلُ في الأُولى ذَرِيوِيَةٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِما سَبَقَ فَصارَتْ ذَرِيِيَةٌ كالثّانِيَةِ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في مِثْلِها فَصارَتْ ذُرِّيَّةً، أوْ فُعْلِيَّةً مِنَ الذَّرِّ بِمَعْنى الخَلْقِ، والأصْلُ ذَرْئِيَّةٌ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً وأُدْغِمَتْ أوْ فِعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ، والأصْلُ ذَرِيرَةٌ قُلِبَتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ ياءً هَرَبًا مِن ثِقَلِ التَّكْرِيرِ كَما قالُوا في تَظَنَّنْتُ تَظَنَّيْتُ، وفي تَقَضَّضْتُ تَقَضَّيْتُ، أوْ فَعُولَةٌ مِنهُ، والأصْلُ ذَرُورَةُ، فَقُلِبَتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ ياءً، فَجاءَ الإدْغامُ، أوْ فِعْلِيَّةٌ مِنهُ عَلى صِيغَةِ النِّسْبَةِ، قالُوا: وهو الأظْهَرُ لِكَثْرَةِ مَجِيئِها كَحُرِّيَّةٍ، ودُرِّيَّةٍ، وعَدَمِ احْتِياجِها إلى الإعْلالِ، وإنَّما ضُمَّتْ ذالَهُ لِأنَّ الأبْنِيَةَ قَدْ تُغَيَّرُ في النِّسْبَةِ خاصَّةً، كَما قالُوا في النِّسْبَةِ إلى الدَّهْرِ: دُهْرِيٌّ. (قالَ) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أيْضًا، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ إجابَةٌ لَمّا صفحة 377 راعى الأدَبَ في طَلَبِهِ مِن جَعْلِ بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيًّا كَما جُعِلَ مَعَ تَعْيِينِ جِنْسِ البَعْضِ الَّذِي أُبْهِمَ في دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِأبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، حَيْثُ نَفى الحُكْمَ عَنْ أحَدِ الضِّدَّيْنِ مَعَ الإشْعارِ إلى دَلِيلِ نَفْيِهِ عَنْهُ، لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى الثُّبُوتِ لِلْآخَرِ، فالمُتَبادِرُ مِنَ العَهْدِ الإمامَةُ، ولَيْسَتْ هي هُنا إلّا النُّبُوَّةُ، وعَبَّرَ عَنْها بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها أمانَةُ اللَّهِ تَعالى، وعَهْدُهُ الَّذِي لا يَقُومُ بِهِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ، وآثَرَ النَّيْلَ عَلى الجَعْلِ إيماءً إلى أنَّ إمامَةَ الأنْبِياءِ مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لَيْسَتْ بِجَعْلٍ مُسْتَقِلٍّ، بَلْ هي حاصِلَةٌ في ضِمْنِ إمامَتِهِ، تَنالُ كُلًّا مِنهم في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ، ولا يَعُودُ مِن ذَلِكَ نَقْصٌ في رُتْبَةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّهُ جارٍ مَجْرى التَّغْلِيبِ عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَوْ كانَ يَحُطُّ مِن قَدْرِها لَمّا خُوطِبَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ والمُتَبادِرُ مِنَ الظُّلْمِ الكُفْرُ، لِأنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن أفْرادِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ فَلَيْسَ في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ البَعْثَةِ، ولا عَلى أنَّ الفاسِقَ لا يَصْلُحُ لِلْخِلافَةِ، نَعَمْ فِيها قَطْعُ أطْماعِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ كانُوا يَتَمَنَّوْنَ النُّبُوَّةَ، وسَدَّ أبْوابَ آمالِهِمُ الفارِغَةِ عَنْ نَيْلِها، واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُ الشِّيعَةِ عَلى نَفْيِ إمامَةِ الصِّدِّيقِ وصاحِبَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، حَيْثُ إنَّهم عاشُوا مُدَّةً مَدِيدَةً عَلى الشِّرْكِ، و﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ والظّالِمُ بِنَصِّ الآيَةِ لا تَنالُهُ الإمامَةُ، وأُجِيبَ بِأنَّ غايَةَ ما يَلْزَمُ أنَّ الظّالِمَ في حالِ الظُّلْمِ لا تَنالُهُ، والإمامَةُ إنَّما نالَتْهم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في وقْتِ كَمالِ إيمانِهِمْ، وغايَةِ عَدالَتِهِمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، فَسُؤالُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الإمامَةَ، إمّا لِلْبَعْضِ العادِلِ مِن ذُرِّيَّتِهِ مُدَّةَ عُمْرِهِ، أوِ الظّالِمِ حالَ الإمامَةِ، سَواءٌ كانَ عادِلًا في باقِي العُمْرِ أمْ لا، أوِ العادِلُ في البَعْضِ الظّالِمُ في البَعْضِ الآخَرِ، أوِ الأعَمُّ، فَعَلى الأوَّلِ يَلْزَمُ عَدَمُ مُطابَقَةِ الجَوابِ، وعَلى الثّانِي جَهْلُ الخَلِيلِ وحاشاهُ، وعَلى الثّالِثِ المَطْلُوبُ وحَياهُ، وعَلى الرّابِعِ إمّا المَطْلُوبُ، أوِ الفَسادُ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مَبْنى الِاسْتِدْلالِ حَمْلُ العَهْدِ عَلى الأعَمِّ مِنَ النُّبُوَّةِ والإمامَةِ الَّتِي يَدَّعُونَها، ودُونَ إثْباتِهِ خَرْطُ القَتادِ، وتَصْرِيحُ البَعْضِ كالجَصّاصِ لا يَبْنِي عَلَيْهِ إلْزامُ الكُلِّ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ يُجابُ بِأنّا نَخْتارُ أنَّ سُؤالَ الإمامَةِ بِالمَعْنى الأعَمِّ لِلْبَعْضِ المُبْهَمِ مِن غَيْرِ إحْضارِ الِاتِّصافِ بِالعَدالَةِ، والظُّلْمُ حالَ السُّؤالِ، والآيَةُ إجابَةٌ لِدُعائِهِ مَعَ زِيادَةٍ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ وكَذا، إذا اخْتِيرَ الشِّقُّ الأوَّلُ بَلِ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ زِيادَةٌ، ويُمْكِنُ الجَوابُ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الثّالِثِ أيْضًا، بِأنْ نَقُولَ: هو عَلى قِسْمَيْنِ، أحَدُهُما مَن يَكُونُ ظالِمًا قَبْلَ الإمامَةِ ومُتَّصِفًا بِالعَدالَةِ وقْتَها اتِّصافًا مُطْلَقًا بِأنْ صارَ تائِبًا مِنَ المَظالِمِ السّابِقَةِ، فَيَكُونُ حالُ الإمامَةِ مُتَّصِفًا بِالعَدالَةِ المُطْلَقَةِ، والثّانِي مَن يَكُونُ ظالِمًا قَبْلَ الإمامَةِ، ومُحْتَرِزًا عَنِ الظُّلْمِ حالَها، لَكِنْ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِالعَدالَةِ المُطْلَقَةِ لِعَدَمِ التَّوْبَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ شامِلًا لِهَذا القِسْمِ، ولا بَأْسَ بِهِ، إذْ إنَّ الرَّعِيَّةَ مِنَ الفَسادِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ يَحْصُلُ بِهِ، فالجَوابُ بِنَفْيِ حُصُولِ الإمامَةِ لِهَذا القِسْمِ، والشَّيْخانِ وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَيْسُوا مِنهُ، بَلْ هم في أعْلى مَراتِبِ القِسْمِ الأوَّلِ مُتَّصِفُونَ بِالتَّوْبَةِ الصّادِقَةِ، والعَدالَةِ المُطْلَقَةِ، والإيمانِ الرّاسِخِ، والإمامُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ وقْتَ الإمامَةِ كَذَلِكَ، ومَن كَفَرَ أوْ ظَلَمَ ثُمَّ تابَ وأصْلَحَ لا يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ كافِرٌ أوْ ظالِمٌ في لُغَةٍ وعُرْفٍ وشَرْعٍ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ المُشْتَقَّ فِيما قامَ بِهِ المَبْدَأُ في الحالِ حَقِيقَةٌ، وفي غَيْرِهِ مَجازٌ، ولا يَكُونُ المَجازُ أيْضًا مُطَّرِدًا، بَلْ حَيْثُ يَكُونُ مُتَعارَفًا، وإلّا لَجازَ صَبِيٌّ لِشَيْخٍ، ونائِمٌ لِمُسْتَيْقِظٍ، وغَنِيٌّ لِفَقِيرٍ، وجائِعٌ لِشَبْعانَ، وحَيٌّ لِمَيِّتٍ، وبِالعَكْسِ، وأيْضًا لَوِ اطَّرَدَ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِن حَلَفَ لا يُسَلِّمُ عَلى كافِرٍ فَسَلَّمَ عَلى إنْسانٍ مُؤْمِنٍ في الحالِ إلّا أنَّهُ كانَ كافِرًا قَبْلُ بِسِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ أنْ يَحْنَثَ، ولا قائِلَ بِهِ، هَذا ومِن أصْحابِنا مَن جَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَنِ الكَبائِرِ قَبْلَ البَعْثَةِ، وأنَّ الفاسِقَ لا يَصِحُّ لِلْخِلافَةِ، ومَبْنى ذَلِكَ حَمْلُ العَهْدِ عَلى الإمامَةِ وجَعْلُها شامِلَةً، وجَعْلُها شامِلَةً لِلنُّبُوَّةِ، والخِلافَةِ، وحَمْلُ الظّالِمِ عَلى مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً مُسْقِطَةً لِلْعَدالَةِ صفحة 378 بِناءً عَلى أنَّ الظُّلْمَ خِلافُ العَدْلِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ حِينَئِذٍ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ نَيْلَ الإمامَةِ لا يُجامِعُ الظُّلْمَ السّابِقَ، فَإذا تَحَقَّقَ النَّيْلُ كَما في الأنْبِياءِ عُلِمَ عَدَمُ اتِّصافِهِمْ حالَ النَّيْلِ بِالظُّلْمِ السّابِقِ، وذَلِكَ إمّا بِأنْ لا يَصْدُرَ مِنهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ، أوْ بِزَوالِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ بِالتَّوْبَةِ، ولا قائِلَ بِالثّانِي، إذِ الخِلافُ إنَّما هو في أنَّ صُدُورَ الكَبِيرَةِ هَلْ يَجُوزُ قَبْلَ البَعْثَةِ أمْ لا، فَيَتَعَيَّنُ الثّانِي وهو العِصْمَةُ، أوِ المُرادُ بِها ها هُنا عَدَمُ صُدُورِ الذَّنْبِ لا المَلَكَةِ، وكَذا إذا تَحَقَّقَ الِاتِّصافُ بِالظُّلْمِ كَما في الفاسِقِ، عُلِمَ عَدَمُ حُصُولِ الإمامَةِ بَعْدَ ما دامَ اتِّصافُهُ بِذَلِكَ، واسْتِفادَةُ عَدَمِ صَلاحِيَّةِ الفاسِقِ لِلْإمامَةِ عَلى ما قَرَّرْنا مِن مَنطُوقِ الآيَةِ، وجَعْلُها مِن دِلالَةِ النَّصِّ، أوِ القِياسِ المُحْوِجِ إلى القَوْلِ بِالمُساواةِ، ولا أقَلَّ، أوِ التِزامٌ جامِعٌ وهُما مَناطُ العَيُّوقِ، إنَّما يَدْعُو إلَيْهِ حَمْلُ الإمامَةِ عَلى النُّبُوَّةِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ المَبْنى الحَمْلُ عَلى الأعَمِّ، وكانَ الظّاهِرُ أنَّ الظُّلْمَ الطّارِئَ والفِسْقَ العارِضَ يَمْنَعُ عَنِ الإمامَةِ بَقاءً، كَما مُنِعَ عَنْها ابْتِداءً، لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ مُتَحَقِّقَةً في كُلِّ آنٍ، وبِهِ قالَ بَعْضُ السَّلَفِ، إلّا أنَّ الجُمْهُورَ عَلى خِلافِهِ مُدَّعِينَ أنَّ المُنافاةَ في الِابْتِداءِ لا تَقْتَضِي المُنافاةَ في البَقاءِ، لِأنَّ الدَّفْعَ أسْهَلُ مِنَ الرَّفْعِ، واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِأنَّهُ لَوْ قالَ لِامْرَأةٍ مَجْهُولَةِ النَّسَبِ يُولَدُ مِثْلُها لِمِثْلِهِ: هَذِهِ بِنْتِي، لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكاحُها، ولَوْ قالَ لِزَوْجَتِهِ المَوْصُوفَةِ بِذَلِكَ لَمْ يَرْتَفِعِ النِّكاحُ، لَكِنْ إنْ أصَرَّ عَلَيْهِ يُفَرِّقُ القاضِي بَيْنَهُما، وهَذا الَّذِي قالُوهُ إنَّما يُسَلَّمُ فِيما إذا لَمْ يَصِلِ الظُّلْمُ إلى حَدِّ الكُفْرِ، أمّا إذا وصَلَ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يُنافِي الإمامَةَ بَقاءً أيْضًا، بِلا رَيْبٍ، ويَنْعَزِلُ بِهِ الخَلِيفَةُ قَطْعًا، ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الظّالِمَ إذا عُوهِدَ لَمْ يَلْزَمِ الوَفاءُ بِعَهْدِهِ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ لِلظّالِمِ عَهْدًا، وهو كَما تَرى، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ وقَتادَةُ، والأعْمَشُ (الظّالِمُونَ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (عَهْدِي) مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ عَلى الفاعِلِ اهْتِمامًا ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ،

البقرة 2:125

﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وإذِ ابْتَلى﴾ والبَيْتُ مِنَ الأعْلامِ الغالِبَةِ لِلْكَعْبَةِ، كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا، ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ مَجْمَعًا لَهُمْ، قالَهُ الخَلِيلُ، وقَتادَةُ، أوْ مَعاذًا ومَلْجَأً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوْ مَرْجِعًا يَثُوبُ إلَيْهِ أعْيانُ الزُّوّارِ، أوْ أمْثالُهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وجُبَيْرٌ، أوْ مَرْجِعًا يَحِقُّ أنْ يُرْجَعَ ويُلْجَأ إلَيْهِ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، أوْ مَوْضِعُ ثَوابٍ يُثابُونَ بِحَجِّهِ، واعْتِمارِهِ، قالَهُ عَطاءٌ وحَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ، والتّاءُ فِيهِ، وتَرْكُهُ لُغَتانِ كَما في مَقامٍ ومَقامَةٍ، وهي لِتَأْنِيثِ البُقْعَةِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ التّاءَ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في نَسّابَةٍ وعَلّامَةٍ، وأصْلُهُ مَثْوَبَةٌ عَلى وزْنِ مَفْعَلَةٌ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ، واللّامُ في النّاسِ لِلْجِنْسِ، وهو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ حَمْلُهُ عَلى العَهْدِ، أوِ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ (مَثاباتٍ) عَلى الجَمْعِ، لِأنَّهُ مَثابَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، لا يَخْتَصُّ بِهِ أحَدٌ مِنهُمْ، ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾ فَهو وإنْ كانَ واحِدًا بِالذّاتِ إلّا أنَّهُ مُتَعَدِّدٌ بِاعْتِبارِ الإضافاتِ، وقِيلَ: إنَّ الجَمْعَ بِتَنْزِيلِ تَعَدُّدِ الرُّجُوعِ مَنزِلَةَ تَعَدُّدِ المَحَلِّ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنهُ مَثابَةٌ، واخْتارَ بَعْضُهم ذَلِكَ زَعْمًا مِنهُ أنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنْ يَصِحَّ التَّعْبِيرُ عَنْ غُلامِ جَماعَةٍ بِالمَمْلُوكِينَ، ولَمْ يُعْرَفْ، وفِيهِ أنَّهُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ، إذْ لَهُ إضافَةُ المَمْلُوكِيَّةِ إلى كُلِّهِمْ لا إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، ﴿وأمْنًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿مَثابَةً﴾ وهو مَصْدَرٌ، وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، والمُرادُ مَوْضِعُ أمْنٍ، إمّا لِسُكّانِهِ مِنَ الخَطْفِ، أوْ لِحِجاجِهِ مِنَ العَذابِ، حَيْثُ إنَّ الحَجَّ يُزِيلُ ويَمْحُو ما قَبْلَهُ، غَيْرَ حُقُوقِ العِبادِ، والحُقُوقِ المالِيَّةِ كالكَفّارَةِ عَلى الصَّحِيحِ، أوْ لِلْجانِي المُلْتَجِئِ إلَيْهِ مِنَ القَتْلِ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، إذْ عِنْدَهُ لا يُسْتَوْفى قِصاصُ النَّفْسِ في الحَرَمِ لَكِنْ يُضَيَّقُ عَلى الجانِي، ولا يُكَلَّمُ، ولا يُطْعَمُ، ولا يُعامَلُ حَتّى يَخْرُجَ فَيُقْتَلَ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ والتَجَأ إلَيْهِ، يَأْمُرُ الإمامُ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ بِما يُؤَدِّي إلى خُرُوجِهِ، فَإذا خَرَجَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ في الحِلِّ، فَإنْ لَمْ يَخْرُجْ جازَ قَتْلُهُ فِيهِ، صفحة 379 وعِنْدَ الإمامِ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا يُسْتَوْفى مِنَ المُلْتَجِئِ قِصاصٌ مُطْلَقًا، ولَوْ قِصاصُ الأطْرافِ، حَتّى يَخْرُجَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ أمْنًا مَفْعُولًا ثانِيًا لِمَحْذُوفٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ، أيْ واجْعَلُوهُ أمْنًا، كَما جَعَلْناهُ مَثابَةً، وهو بَعِيدٌ عَنْ ظاهِرِ النَّظْمِ، ولَمْ يَذْكُرْ لِلنّاسِ هُنا كَما ذُكِرَ مِن قَبْلُ اكْتِفاءً بِهِ، أوْ إشارَةً إلى العُمُومِ، أيْ أنَّهُ أمْنٌ لِكُلِّ شَيْءٍ كائِنًا ما كانَ حَتّى الطَّيْرِ والوَحْشِ إلّا الخَمْسَ الفَواسِقَ، فَإنَّها خُصَّتْ مِن ذَلِكَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَدْخُلُ فِيهِ أمْنُ النّاسِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿جَعَلْنا﴾ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ وقُلْنا، أوْ قائِلِينَ لَهُمُ اتَّخِذُوا، والمَأْمُورُ بِهِ النّاسُ كَما هو الظّاهِرُ، أوْإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأوْلادُهُ كَما قِيلَ، أوْ عَطْفٌ عَلى اذْكُرِ المُقَدَّرِ عامِلًا لِإذْ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: ثُوبُوا إلَيْهِ، واتَّخِذُوا، وهو مُعْتَرِضٌ بِاعْتِبارِ نِيابَتِهِ عَنْ ذَلِكَ بَيْنَ ﴿جَعَلْنا﴾ و﴿عَهِدْنا﴾ ولَمْ يُعْتَبَرِ الِاعْتِراضُ مِن دُونِ عَطْفٍ مَعَ أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ لِيَكُونَ الِارْتِباطُ مَعَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أظْهَرَ، والخِطابُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأْسُ المُخاطَبِينَ، (ومِن) إمّا لِلتَّبْعِيضِ، أوْ بِمَعْنى (فِي) أوْ زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، والأظْهَرُ الأوَّلُ، وقالَ القَفّالُ: هي مِثْلُ اتَّخَذْتُ مِن فُلانٍ صَدِيقًا، وأعْطانِي اللَّهُ تَعالى مِن فُلانٍ أخًا صالِحًا، دَخَلَتْ لِبَيانِ المُتَّخَذِ المَوْهُوبِ وتَمْيِيزِهِ، والمَقامُ مَفْعَلٍ مِنَ القِيامِ، يُرادُ بِهِ المَكانُ، أيْ مَكانُ قِيامِهِ، وهو الحَجْرُ الَّذِي ارْتَفَعَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ضَعُفَ مِن رَفْعِ الحِجارَةِ الَّتِي كانَ ولَدُهُ إسْماعِيلُ يُناوِلُهُ إيّاها في بِناءِ البَيْتِ، وفِيهِ أثَرُ قَدَمَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ، وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي وضَعَتْهُ زَوْجَةُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحْتَ إحْدى رِجْلَيْهِ، وهو راكِبٌ، فَغَسَلَتْ أحَدَ شِقَّيْ رَأْسِهِ، ثُمَّ رَفَعَتْهُ مِن تَحْتِها، وقَدْ غاصَتْ فِيهِ ووَضَعَتْهُ تَحْتَ رِجْلِهِ الأُخْرى، فَغَسَلَتْ شِقَّهُ الآخَرَ وغاصَتْ رِجْلُهُ الأُخْرى فِيهِ أيْضًا، أوِ المَوْضِعُ الَّذِي كانَ فِيهِ الحَجَرُ حِينَ قامَ عَلَيْهِ، ودَعا النّاسَ إلى الحَجِّ، ورَفَعَ بِناءَ البَيْتِ، وهو مَوْضِعُهُ اليَوْمَ، فالمَقامُ في أحَدِ المَعْنَيَيْنِ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وفي الآخَرِ مَجازٌ مُتَعارَفٌ، ويَجُوزُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى كُلٍّ مِنهُما، كَذا قالُوا، إلّا أنَّهُ اسْتَشْكَلَ تَعْيِينُ المَوْضِعِ بِما هو المَوْضِعُ اليَوْمَ، لِما في فَتْحِ البارِي مِن أنَّهُ كانَ المَقامُ أيِ الحَجَرُ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَزِيقَ البَيْتِ إلى أنْ أخَّرَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ الآنَ، أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو الَّذِي حَوَّلَهُ، فَإنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى تَغايُرِ المَوْضِعَيْنِ، سَواءٌ كانَ المُحَوِّلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأيْضًا كَيْفَ يُمْكِنُ رَفْعُ البِناءِ حِينَ القِيامِ عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ في مَوْضِعِهِ اليَوْمَ ! وهو بَعِيدٌ مِنَ الحَجَرِ الأسْوَدِ بِسَبْعَةٍ وعِشْرِينَ ذِراعًا، وأيْضًا المَشْهُورُ أنَّ دَعْوَةَ النّاسِ إلى الحَجِّ كانَتْ فَوْقَ أبِي قُبَيْسٍ، فَإنَّهُ صَعِدَهُ بَعْدَ الفَراغِ مِن عِمارَةِ البَيْتِ، ونادى: أيُّها النّاسُ، حُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ، فَإنْ لَمْ يَكُنِ الحَجَرُ مَعَهُ حِينَئِذٍ أشْكَلَ القَوْلُ بِأنَّهُ قامَ عَلَيْهِ ودَعا، وإنْ كانَ مَعَهُ وكانَ الوُقُوفُ عَلَيْهِ فَوْقَ الجَبَلِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ رَوْضَةِ الأحْبابِ، وبِهِ يَحْصُلُ الجَمْعُ أشْكَلَ التَّعْيِينُ بِما هو اليَوْمَ، وغايَةُ التَّوْجِيهِ أنْ يُقالَ: لا شَكَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحَوِّلُ الحَجَرَ حِينَ البِناءِ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، ويَقُومُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ، وكَذا حِينَ الدَّعْوَةِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَيْتِ، بَلْ فَوْقَ أبِي قُبَيْسٍ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِ عِباراتِهِمْ عَنْ ظاهِرِها، بِأنْ يُقالَ: المَوْضِعُ الَّذِي كانَ ذَلِكَ الحَجَرُ في أثْناءِ زَمانِ قِيامِهِ عَلَيْهِ، واشْتِغالِهِ بِالدَّعْوَةِ، أوْ رَفْعِ البِناءِ لا حالَةَ القِيامِ عَلَيْهِ، ووَقَعَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ هَذا المَقامَ الَّذِي فِيهِ الحَجَرُ الآنَ كانَ بَيْتَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ يَنْقُلُ هَذا الحَجَرَ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ العَمَلِ إلَيْهِ، وأنَّ الحَجَرَ صفحة 380 بَعْدَ إبْراهِيمَ كانَ مَوْضُوعًا في جَوْفِ الكَعْبَةِ، ولَعَلَّ هَذا هو الوَجْهُ في تَخْصِيصِ هَذا المَوْضِعِ بِالتَّحْوِيلِ، وما وقَعَ في الفَتْحِ مِن أنَّهُ كانَ المَقامُ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ لَزِيقَ البَيْتِ، مَعْناهُ بَعْدَ إتْمامِ العِمارَةِ، فَلا يُنافِي أنْ يَكُونَ في أثْنائِها في المَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ اليَوْمَ، كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، فَلْيُفْهَمْ، وسَبَبُ النُّزُولِ ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: (يا عُمَرُ هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ، فَقالَ عُمَرُ: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَقالَ: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، فَلَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ)،» والأمْرُ فِيها لِلِاسْتِحْبابِ، إذِ المُتَبادِرُ مِنَ المُصَلّى مَوْضِعُ الصَّلاةِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأمْرُ بِرَكْعَتَيِ الطَّوافِ، لِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا فَرَغَ مِن طَوافِهِ عَمِدَ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ فَصَلّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، وقَرَأ الآيَةَ،» فالأمْرُ لِلْوُجُوبِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، لِأنَّ فِيهِ التَّقْيِيدَ بِصَلاةٍ مَخْصُوصَةٍ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وقِراءَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الآيَةَ حِينَ أداءِ الرَّكْعَتَيْنِ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِهِما، وذَهَبَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ إلى أنَّ المُرادَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ الحَرَمُ كُلُّهُ، وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ إلى أنَّهُ مَواقِفُ الحَجِّ كُلُّها، والشَّعْبِيُّ إلى أنَّهُ عَرَفَةُ ومُزْدَلِفَةُ والجِمارُ، ومَعْنى اتِّخاذِها مُصَلًّى أنْ يُدْعى فِيها، ويُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَها، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وهو ما قَدَّمْناهُ أوَّلًا، وهو المُوافِقُ لِظاهِرِ اللَّفْظِ، ولِعُرْفِ النّاسِ اليَوْمَ، وظَواهِرُ الأخْبارِ تُؤَيِّدُهُ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ (واتَّخَذُوا) بِفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وهو حِينَئِذٍ مَعْطُوفٌ عَلى (جَعْلِنا) أيْ واتَّخَذَ النّاسُ مِن مَكانِ إبْراهِيمَ الَّذِي عُرِفَ بِهِ، وأسْكَنَ ذُرِّيَّتَهُ عِنْدَهُ، وهو الكَعْبَةُ قِبْلَةً يُصَلُّونَ إلَيْها، فالمَقامُ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ المَحَلِّ، وكَذا المُصَلّى بِمَعْنى القِبْلَةِ مَجازٌ عَنِ المَحَلِّ الَّذِي يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ في الصَّلاةِ بِعَلاقَةِ القُرْبِ والمُجاوَرَةِ، ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ أيْ وصَّيْنا، أوْ أمَرْنا، أوْ أوْحَيْنا، أوْ قُلْنا، والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ أنَّ العَهْدَ إذا تَعَدّى بِإلى يَكُونُ بِمَعْنى التَّوْصِيَةِ، ويُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الأمْرِ، وإسْماعِيلُ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ قِيلَ: مَعْناهُ بِالعَرَبِيَّةِ مُطِيعُ اللَّهِ، وحُكِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدْعُو أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ تَعالى ولَدًا ويَقُولَ: اسْمَعْ إيلُ، أيِ اسْتَجِبْ دُعائِي يا اللَّهُ، فَلَمّا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ سَمّاهُ بِتِلْكَ الجُمْلَةِ، وأُراهُ في غايَةِ البُعْدِ، ولِلْعَرَبِ فِيهِ لُغَتانِ اللّامُ والنُّونُ، ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ أيْ بِأنْ طَهِّرا عَلى أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، وُصِلَتْ بِفِعْلِ الأمْرِ بَيانًا لِلْمُوصى المَأْمُورِ بِهِ، وسِيبَوَيْهِ، وأبُو عَلِيٍّ جَوَّزا كَوْنَ صِلَةِ الحُرُوفِ المَصْدَرِيَّةِ أمْرًا أوْ نَهْيًا، والجُمْهُورُ مَنَعُوا ذَلِكَ مُسْتَدِلِّينَ بِأنَّهُ إذا سُبِكَ مِنهُ مَصْدَرٌ فاتَ مَعْنى الأمْرِ، وبِأنَّهُ يَجِبُ في المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ كَوْنُ صِلَتِهِ خَبَرِيَّةً، والمَوْصُولُ الحَرْفِيُّ مِثْلُهُ، وقَدَّرُوا هُنا قُلْنا، لِيَكُونَ مَدْخُولُ الحَرْفِ المَصْدَرِيِّ خَبَرًا، ويُرَدُّ عَلَيْهِمْ أوَّلًا: أنَّ كَوْنَهُ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ لا يَسْتَدْعِي اتِّحادَ مَعْناهُما ضَرُورَةَ عَدَمِ دِلالَةِ المَصْدَرِ عَلى الزَّمانِ مَعَ دِلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، وثانِيًا أنَّ وُجُوبَ كَوْنِ الصِّلَةِ خَبَرِيَّةً في المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ، إنَّما هو لِلتَّوَصُّلِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، وهي لا تُوصَفُ بِها، إلّا إذا كانَتْ خَبَرِيَّةً، وأمّا المَوْصُولُ الحَرْفِيُّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وثالِثًا أنَّ تَقْدِيرَ قُلْنا يُفْضِي إلى أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِهِ القَوْلَ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ (أنْ) هَذِهِ مُفَسِّرَةً لِتَقَدُّمِ ما يَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وهو العَهْدُ، ويَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ المَفْعُولِ، إذْ يُشْتَرَطُ مَعَ تَقَدُّمِ ما ذُكِرَ كَوْنُ مَدْخُولِها مُفَسِّرًا لِمَفْعُولٍ مُقَدَّرٍ، أوْ مَلْفُوظٍ، أيْ قُلْنا لَهُما شَيْئًا هو أنْ طَهِّرا، والمُرادُ مِنَ التَّطْهِيرِ التَّنْظِيفُ مِن كُلِّ ما لا يُطِيقُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الأوْثانُ والأنْجاسُ وجَمِيعُ الخَبائِثِ، وما يُمْنَعُ مِنهُ شَرْعًا، كالحائِضِ، وخَصَّ مُجاهِدٌ وابْنُ عَطاءٍ ومُقاتِلٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ التَّطْهِيرَ بِإزالَةِ الأوْثانِ، وذَكَرُوا أنَّ البَيْتَ كانَ عامِرًا عَلى عَهْدِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ كانَ فِيهِ أصْنامٌ عَلى أشْكالِ صالِحِيهِمْ، وأنَّهُ طالَ صفحة 381 العَهْدُ فَعُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِتَطْهِيرِهِ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بَخِّراهُ، ونَظِّفاهُ، وخَلِّقاهُ، وارْفَعا عَنْهُ الفَرْثَ والدَّمَ الَّذِي كانَ يُطْرَحُ فِيهِ، وقِيلَ: أخْلِصاهُ لِمَن ذُكِرَ بِحَيْثُ لا يَغْشاهُ غَيْرُهُمْ، فالتَّطْهِيرُ عِبارَةٌ عَنْ لازِمِهِ، ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ بِهِ البِناءُ والتَّأْسِيسُ عَلى الطَّهارَةِ، والتَّوْحِيدِ، وهو بَعِيدٌ، وتَوْجِيهُ الأمْرِ هُنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ لا يُنافِي ما في سُورَةِ الحَجِّ مِن تَخْصِيصِهِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ ذَلِكَ واقِعٌ قَبْلَ بِناءِ البَيْتِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ وكانَ إسْماعِيلُ حِينَئِذٍ بِمَعْزِلٍ مِن مَثابَةِ الخِطابِ، وظاهِرٌ أنَّ هَذا بَعْدَ بُلُوغِهِ مَبْلَغَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وتَمامِ البِناءِ بِمُباشَرَتِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيرادُهُ إثْرَ حِكايَةِ جَعْلِهِ مَثابَةً، وإضافَةُ البَيْتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّشْرِيفِ: كَناقَةِ اللَّهِ، لا إنَّهُ مَكانٌ لَهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ، فاللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ، وإنْ فُسِّرَ التَّطْهِيرُ بِلازِمِهِ كانَتْ صِلَةً لَهُ، والطّائِفُ اسْمُ فاعِلٍ مِن طافَ بِهِ، إذا دارَ حَوْلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ كُلُّ مَن يَطُوفُ مِن حاضَرٍ أوْ بادٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ الغُرَباءُ الوافِدُونَ مَكَّةَ حُجّاجًا وزُوّارًا، ﴿والعاكِفِينَ﴾ وهم أهْلُ البَلَدِ الحَرامِ المُقِيمُونَ عِنْدَ ابْنِ جُبَيْرٍ، وقالَ عَطاءٌ: هُمُ الجالِسُونَ مِن غَيْرِ طَوافٍ مِن بَلَدِيٍّ، وغَرِيبٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُجاوِرُونَ لَهُ مِنَ الغُرَباءِ، وقِيلَ: هُمُ المُعْتَكِفُونَ فِيهِ، ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وهُمُ المُصَلُّونَ جَمْعُ راكِعٍ وساجِدٍ، وخُصَّ الرُّكُوعُ والسُّجُودُ بِالذِّكْرِ مِن جَمِيعِ أحْوالِ المُصَلِّي لِأنَّهُما أقْرَبُ أحْوالِهِ إلَيْهِ تَعالى، وهُما الرُّكْنانِ الأعْظَمانِ، وكَثِيرًا ما يُكَنّى عَنِ الصَّلاةِ بِهِما، ولِذا تُرِكَ العَطْفُ بَيْنَهُما، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالمُصَلِّينَ مَعَ اخْتِصارِهِ إيذانًا بِأنَّ المُعْتَبَرَ صَلاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ، لا صَلاةُ اليَهُودِ، وقَدَّمَ الرُّكُوعَ لِتَقَدُّمِهِ في الزَّمانِ، وجُمِعا جَمْعَ تَكْسِيرٍ لِتَغَيُّرِ هَيْئَةِ المُفْرَدِ مَعَ مُقابَلَتِهِما ما قَبْلَهُما مِن جَمْعَيِ السَّلامَةِ، وفي ذَلِكَ تَنْوِيعٌ في الفَصاحَةِ، وخالَفَ بَيْنَ وزْنَيْ تَكْسِيرِهِما لِلتَّنْوِيعِ مَعَ المُخالَفَةِ في الهَيْآتِ، وكانَ آخِرُهُما عَلى فُعُولٍ، لِأجْلِ كَوْنِهِ فاصِلَةً، والفَواصِلُ قَبْلَ وبَعْدَ آخِرِها حَرْفٌ قَبْلَهُ حَرْفٌ مَدٍّ، ولِينٍ.

البقرة 2:126

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ الإشارَةُ إلى الوادِي المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ اجْعَلْ هَذا المَكانَ القَفْرَ بَلَدًا إلَخْ، فالمَدْعُوُّ بِهِ البَلَدِيَّةُ مَعَ الأمْنِ، وهَذا بِخِلافِ ما في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ ولَعَلَّ السُّؤالَ مُتَكَرِّرٌ، وما في تِلْكَ السُّورَةِ كانَ بَعْدُ، والأمْنُ المَسْؤُولُ فِيها إمّا هو الأوَّلُ، وأعادَ سُؤالَهُ دُونَ البَلَدِيَّةِ رَغْبَةً في اسْتِمْرارِهِ لِأنَّهُ المَقْصِدُ الأصْلِيُّ، أوْ لِأنَّ المُعْتادَ في البَلَدِيَّةِ الِاسْتِمْرارُ بَعْدَ التَّحَقُّقِ بِخِلافِهِ، وإمّا غَيْرُهُ بِأنْ يَكُونَ المَسْؤُولُ أوَّلًا مُجَرَّدُ الأمْنِ المُصَحِّحِ لِلسُّكْنى، وثانِيًا الأمْنُ المَعْهُودُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ هَذا البَلَدَ في تِلْكَ السُّورَةِ إشارَةً إلى أمْرٍ مُقَدَّرٍ في الذِّهْنِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ إلَخْ، فَتَطابَقُ الدَّعْوَتانِ حِينَئِذٍ، وإنْ جُعِلَتِ الإشارَةُ هُنا إلى البَلَدِ تَكُونُ الدَّعْوَةُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ بَلَدًا، والمَطْلُوبُ كَوْنُهُ آمِنًا عَلى طِبْقِ ما في السُّورَةِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ، إلّا أنَّهُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ أيْ بَلَدًا كامِلًا في الأمْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اجْعَلْهُ بَلَدًا مَعْلُومَ الِاتِّصافِ بِالأمْنِ مَشْهُورًا بِهِ، كَقَوْلِكَ: كانَ هَذا اليَوْمُ يَوْمًا حارًّا، والوَصْفُ بِآمِنٍ إمّا عَلى مَعْنى النَّسَبِ أيْ ذا أمْنٍ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وإمّا عَلى الِاتِّساعِ، والإسْنادِ المَجازِيِّ، والأصْلُ آمِنًا أهْلُهُ، فَأُسْنِدَ ما لِلْحالِ لِلْمَحَلِّ، لِأنَّ الأمْنَ والخَوْفَ مِن صِفاتِ ذَوِي الإدْراكِ، وهَلِ الدُّعاءُ بِأنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا مِنَ الجَبابِرَةِ والمُتَغَلِّبِينَ، أوْ مِن أنْ يَعُودَ حَرَمُهُ حَلالًا، أوْ مِن أنْ يَخْلُوَ مِن أهْلِهِ، أوْ مِنَ الخَسْفِ والقَذْفِ، أوْ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ، أوْ مِن دُخُولِ الدَّجّالِ، أوْ مِن دُخُولِ أصْحابِ الفِيلِ؟ أقْوالٌ، والواقِعُ يَرُدُّ بَعْضَها، فَإنَّ الجَبابِرَةَ دَخَلَتْهُ، وقَتَلُوا فِيهِ، كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الجُرْهُمِيِّ، والحَجّاجِ الثَّقَفِيِّ، والقَرامِطَةِ وغَيْرِهِمْ، وكَوْنُ البَعْضِ لَمْ يَدْخُلْهُ لِلتَّخْرِيبِ بَلْ كانَ صفحة 382 غَرَضُهُ شَيْئًا آخَرَ لا يُجْدِي نَفْعًا، كالقَوْلِ بِأنَّهُ ما آذى أهْلَهُ جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى، فَفي المَثَلِ: إذا مُتُّ عَطْشانًا فَلا نَزَلَ القَطْرُ. وكانَ النِّداءُ بِلَفْظِ الرَّبِّ مُضافًا لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّلَطُّفِ بِالسُّؤالِ والنِّداءِ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى قَبُولِ السّائِلِ، وإجابَةِ ضَراعَتِهِ، وقَدْ أشَرْنا مِن قَبْلُ إلى ما يَنْفَعُكَ هُنا، فَتَذَكَّرْ. ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أيْ مِن أنْواعِها بِأنْ تَجْعَلَ قَرِيبًا مِنهُ قُرًى يَحْصُلُ فِيها ذَلِكَ، أوْ تَجِيءُ إلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ الشّاسِعَةِ، وقَدْ حَصَلَ كِلاهُما حَتّى أنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الفَواكِهُ الرَّبِيعِيَّةُ والصَّيْفِيَّةُ والخَرِيفِيَّةُ في يَوْمٍ واحِدٍ، رُوِيَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا دَعا إبْراهِيمُ أمَرَ جِبْرِيلَ فاقْتَلَعَ بُقْعَةً مِن فِلَسْطِينَ وقِيلَ: مِنَ الأُرْدُنِّ، وطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا، فَوَضَعَها حَيْثُ وضَعَها رِزْقًا لِلْحَرَمِ، وهي الأرْضُ المَعْرُوفَةُ اليَوْمَ بِالطّائِفِ، وسُمِّيَتْ بِهِ لِذَلِكَ الطَّوافِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنْ قُدْرَةِ المَلِكِ القادِرِ جَلَّ جَلالُهُ، وإنْ أبَيْتَ إبْقاءَهُ عَلى ظاهِرِهِ فَبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ، وجَمْعُ القِلَّةِ إظْهارًا لِلْقَناعَةِ، وقَدْ أشَرْنا إلى أنَّهُ كَثِيرًا ما يَقُومُ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ، ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ بَدَلٌ مِن (أهْلَهُ) بَدَلُ البَعْضِ، وهو مُخَصِّصٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ المُبْدَلُ مِنهُ، واقْتُصِرَ في مُتَعَلِّقِ الإيمانِ بِذِكْرِ المَبْدَإ والمَعادِ لِتَضَمُّنِ الإيمانِ بِهِما الإيمانَ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، قالَ: أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿ومَن كَفَرَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿مَن آمَنَ﴾ أيْ وارْزُقْ مَن كَفَرَ أيْضًا، فالطَّلَبُ بِمَعْنى الخَبَرِ عَلى عَكْسِ، ومِن ذُرِّيَّتِي، وفائِدَةُ العُدُولِ تَعْلِيمُ تَعْمِيمِ دُعاءِ الرِّزْقِ، وأنْ لا يُحْجَرَ في طَلَبِ اللُّطْفِ، وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قاسَ الرِّزْقَ عَلى الإمامَةِ، فَنَبَّهَهَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ الرِّزْقَ رَحْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لا تَخُصُّ المُؤْمِنَ بِخِلافِ الإمامَةِ، أوْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ﴿لا يَنالُ﴾ إلَخِ، احْتَرَزَ مِنَ الدُّعاءِ لِمَن لَيْسَ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ تَعالى، فَأرْشَدَهُ إلى كَرَمِهِ الشّامِلِ، وبِما ذَكَرْنا انْدَفَعَ ما في البَحْرِ مِن أنَّ هَذا العَطْفَ لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ في العامِلِ، فَيَصِيرُ قالَ إبْراهِيمُ: وارْزُقْ فِينا فِيهِ ما بَعْدُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ العَطْفَ عَلى مَحْذُوفٍ، أيِ ارْزُقْ مَن آمَنَ ومَن كَفَرَ بِلَفْظِ الخَبَرِ، ومَن لا يَقُولُ بِالعَطْفِ التَّلْقِينِيِّ يُوجِبُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأً شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ عَلى الأوَّلِ مَعْطُوفٌ عَلى (كَفَرَ)، وعَلى الثّانِي خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَإ مَعْنى الشَّرْطِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ أنا، لِأنَّ ابْنَ الحاجِبِ نَصَّ عَلى أنَّ المُضارِعَ في الجَزاءِ يَصِحُّ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ، إلّا أنْ يَكُونَ اسْتِحْسانًا، وإلى عَدَمِ التَّقْدِيرِ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وُجُوبُ التَّقْدِيرِ، وأُيِّدَ بِأنَّ المُضارِعَ صالِحٌ لِلْجَزاءِ بِنَفْسِهِ، فَلَوْلا أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ الفاءُ، ثُمَّ الكُفْرُ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِلتَّمَتُّعِ المُطْلَقِ لَكِنَّهُ يَصْلُحُ سَبَبًا لِتَقْلِيلِهِ، وكَوْنِهِ مَوْصُولًا بِعَذابِ النّارِ، (وقَلِيلًا) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ مَتاعًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَأُمْتِعُهُ) مُخَفَّفًا عَلى الخَبَرِ، وكَذا قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الهَمْزَةَ، وقَرَأ أُبَيٌّ (فَنُمَتِّعُهُ) بِالنُّونِ، وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ (فَأمْتِعْهُ) عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (قالَ) عائِدًا إلى إبْراهِيمَ، وحَسَّنَ إعادَةَ (قالَ) طُولُ الكَلامِ، وأنَّهُ انْتَقَلَ مِنَ الدُّعاءِ لِقَوْمٍ إلى الدُّعاءِ عَلى آخَرِينَ، فَكَأنَّهُ أخَذَ في كَلامٍ آخَرَ، وكَوْنُهُ عائِدًا إلَيْهِ تَعالى، أيْ قالَ اللَّهُ: فَأمْتِعْهُ يا قادِرُ يا رَزّاقُ، خِطابًا لِنَفْسِهِ عَلى طَرِيقِ التَّجْرِيدِ، بَعِيدٌ جِدًّا، لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ. ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾ الِاضْطِرارُ ضِدُّ الِاخْتِيارِ، وهو حَقِيقَةٌ في كَوْنِ الفِعْلِ صادِرًا مِنَ الشَّخْصِ مِن غَيْرِ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِهِ، كَمَن أُلْقِيَ مِنَ السَّطْحِ مَثَلًا، مَجازٌ في كَوْنِ الفِعْلِ بِاخْتِيارِهِ لَكِنْ بِحَيْثُ لا يَمْلِكُ الِامْتِناعَ عَنْهُ، بِأنْ عَرَضَ لَهُ عارِضٌ يَقْسِرُهُ عَلى اخْتِيارِهِ كَمَن أكَلَ المَيْتَةَ حالَ المَخْمَصَةِ، وبِكِلا المَعْنَيَيْنِ قالَ بَعْضٌ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: صفحة 383 ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ و﴿يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ و﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ويُؤَيِّدُ الثّانِيَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ الآيَةَ و﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ والتَّحْقِيقُ أنَّ أحْوالَ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ إدْخالِهِمُ النّارَ شَتّى، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الآياتِ، وإنَّ الِاضْطِرارَ مَجازٌ عَنْ كَوْنِ العَذابِ واقِعًا بِهِ وُقُوعًا مُحَقَّقًا، حَتّى كَأنَّهُ مَرْبُوطٌ بِهِ، قِيلَ: إنَّ هَذا الِاضْطِرارَ في الدُّنْيا، وهو مَجازٌ أيْضًا، كَأنَّهُ شَبَّهَ حالَ الكافِرِ الَّذِي أدَرَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ النِّعْمَةَ الَّتِي اسْتَدْناهُ بِها قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهُ بِحالِ مَن لا يَمْلِكُ الِامْتِناعَ مِمّا اضْطُرَّ إلَيْهِ، فاسْتَعْمَلَ في المُشَبَّهِ ما اسْتَعْمَلَ في المُشَبَّهِ بِهِ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ، لَوْلا أنَّهُ يَسْتَدْعِي ظاهِرًا حَمْلَ ثُمَّ عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (إضْطَرُّهُ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ (أضْطُرُّهُ) بِضَمِّ الطّاءِ، وأُبَيٌّ (نَضْطَرُّهُ) بِالنُّونِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ (أطَّرُّهُ) بِإدْغامِ الضّادِ في الطّاءِ خَبَرًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي لُغَةٌ مَرْذُولَةٌ، لِأنَّ حُرُوفَ (ضُمَّ شَفَرَ)، يُدْغَمُ فِيها ما يُجاوِرُها دُونَ العَكْسِ، وفِيهِ أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ أُدْغِمَتْ في غَيْرِها، فَأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو الرّاءَ في اللّامِ في ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ والضّادَ في الشِّينِ في ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ والشِّينَ في السِّينِ في ﴿العَرْشِ سَبِيلا﴾ والكِسائِيُّ: الفاءُ في الباءِ في ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ﴾ ونَقَلَ سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ أنَّهم قالُوا: مُضْطَجِعٌ ومُطَّجِعٌ، إلّا أنَّ عَدَمَ الإدْغامِ أكْثَرُ، وأصْلُ اضْطَرَّ عَلى هَذا عَلى ما قِيلَ: اضْتَرَّ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً ثُمَّ وقَعَ الإدْغامُ، ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ وبِئْسَ المَصِيرُ النّارُ، إنْ كانَ المَصِيرُ اسْمَ مَكانٍ، وإنْ كانَ مَصْدَرًا عَلى مَن أجازَ ذَلِكَ، فالتَّقْدِيرُ: وبِئْسَتِ الصَّيْرُورَةُ صَيْرُورَتُهُ إلى العَذابِ،

البقرة 2:127

﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ وإذْ لِلْمُضِيِّ، وآثَرَ صِيغَةَ المُضارِعِ مَعَ أنَّ القِصَّةَ ماضِيَةٌ اسْتِحْضارًا لِهَذا الأمْرِ لِيَقْتَدِيَ النّاسُ بِهِ في إتْيانِ الطّاعاتِ الشّاقَّةِ مَعَ الِابْتِهالِ في قَبُولِها، ولِيَعْلَمُوا عَظَمَةَ البَيْتِ المَبْنِيِّ، فَيُعَظِّمُوهُ، ﴿القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ القَواعِدُ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي الأساسُ، كَما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ صِفَةٌ صارَتْ بِالغَلَبَةِ مِن قَبِيلِ الأسْماءِ الجامِدَةِ، بِحَيْثُ لا يُذْكَرُ لَها مَوْصُوفٌ، ولا يُقَدَّرُ مِنَ القُعُودِ بِمَعْنى الثَّباتِ، ولَعَلَّهُ مَجازٌ مِنَ المُقابِلِ لِلْقِيامِ، ومِنهُ: قَعَّدَكَ اللَّهُ تَعالى، في الدُّعاءِ، بِمَعْنى أدامَكَ اللَّهُ تَعالى وثَبَّتَكَ، ورَفْعُ القَواعِدِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ عَنِ البِناءِ عَلَيْها، إذِ الظّاهِرُ مِن رَفْعِ الشَّيْءِ جَعْلُهُ عالِيًا مُرْتَفِعًا، والأساسُ لا يَرْتَفِعُ بَلْ يَبْقى بِحالِهِ، لَكِنْ ما كانَتْ هَيْئَتُهُ قَبْلَ البِناءِ عَلَيْهِ الِانْخِفاضَ، ولَمّا بُنِيَ عَلَيْهِ انْتَقَلَ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ بِمَعْنى أنَّهُ حَصَلَ لَهُ مَعَ ما بُنِيَ عَلَيْهِ تِلْكَ الهَيْئَةُ صارَ البِناءُ عَلَيْهِ سَبَبًا لِلْحُصُولِ كالرَّفْعِ، فاسْتُعْمِلَ الرَّفْعُ في البِناءِ عَلَيْهِ، واشْتُقَّ مِن ذَلِكَ يَرْفَعُ بِمَعْنى يَبْنِي عَلَيْها، وقِيلَ: القَواعِدُ ساقاتُ البِناءِ، وكُلُّ ساقٍ قاعِدَةٌ لِما فَوْقَهُ، فالمُرادُ بِرَفْعِها عَلى هَذا بِناؤُها نَفْسِها، ووَجْهُ الجَمْعِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وعَلى الأوَّلِ لِأنَّها مُرَبَّعَةٌ، ولِكُلِّ حائِطٍ أساسٌ، وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ فِيهِ صَرْفُ لَفْظِ القَواعِدِ عَنْ مَعْناهُ المُتَبادِرِ، ولَيْسَ هو كَصَرْفِ الرَّفْعِ في الأوَّلِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ بِمَعْنى الرِّفْعَةِ والشَّرَفِ، والقَواعِدُ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ السّابِقِ، فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وفِيهِ بُعْدٌ، إذْ لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ فائِدَةٌ لِذِكْرِ القَواعِدِ، (ومِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ (بِيَرْفَعُ)، أوْ حالٌ مِنَ القَواعِدِ، ولَمْ يَقُلْ: قَواعِدَ البَيْتِ، لِما في الإبْهامِ والتَّبْيِينِ مِنَ الِاعْتِناءِ الدّالِّ عَلى التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى. " و َإسْماعِيل عَطْفٌ عَلى إبْراهِيمَ، وفي تَأْخِيرِهِ عَنِ المَفْعُولِ المُتَأخِّرِ عَنْهُ رُتْبَةً إشارَةٌ إلى أنَّ مَدْخَلِيَّتَهُ في رَفْعِ البِناءِ والعَمَلِ دُونَ مَدْخَلِيَّةِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ ورَدَ أنَّهُ كانَ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، وقِيلَ: كانا يَبْنِيانِ في طَرَفَيْنِ، أوْ عَلى التَّناوُبِ، وأبْعَدَ بَعْضُهُمْ، فَزَعَمَ أنَّ إسْماعِيلَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرَهُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَقُولُ: رَبَّنا، وهَذا مَيْلٌ صفحة 384 إلى القَوْلِ بِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو المُتَفَرِّدُ بِالبِناءِ، ولا مَدْخَلِيَّةَ لِإسْماعِيلَ فِيهِ أصْلًا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ طِفْلًا صَغِيرًا، والصَّحِيحُ أنَّ الأثَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ، هَذا وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ الأخْبارِ في ماهِيَّةِ هَذا البَيْتِ وقِدَمِهِ وحُدُوثِهِ، ومِن أيِّ شَيْءٍ كانَ باباهُ، وكَمْ مَرَّةً حَجَّهُ آدَمُ، ومِن أيِّ شَيْءٍ بَناهُ إبْراهِيمُ، ومَن ساعَدَهُ عَلى بِنائِهِ، ومِن أيْنَ أتى بِالحَجَرِ الأسْوَدِ أشْياءَ لَمْ يَتَضَمَّنْها القُرْآنُ العَظِيمُ، ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ، وبَعْضُها يُناقِضُ بَعْضًا، وذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ في نَقْلِ ما دَبَّ ودَرَجَ، ومِن مَشْهُورِ ذَلِكَ أنَّ الكَعْبَةَ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّماءِ في زَمانِ آدَمَ، ولَها بابانِ إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَحَجَّ آدَمُ مِن أرْضِ الهِنْدِ واسْتَقْبَلَتْهُ المَلائِكَةُ أرْبَعِينَ فَرْسَخًا، فَطافَ بِالبَيْتِ، ودَخَلَهُ، ثُمَّ رُفِعَتْ في زَمَنِ طُوفانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ، ثُمَّ أُنْزِلَتْ مَرَّةً أُخْرى في زَمَنِ إبْراهِيمَ فَزارَها، ورَفَعَ قَواعِدَها، وجَعَلَ بابَيْها بابًا واحِدًا، ثُمَّ تَمَخَّضَ أبُو قُبَيْسٍ، فانْشَقَّ عَنِ الحَجَرِ الأسْوَدِ وكانَ ياقُوتَةً بَيْضاءَ مِن يَواقِيتِ الجَنَّةِ، نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ، فَخُبِّئَتْ في زَمانِ الطُّوفانِ إلى زَمَنِ إبْراهِيمَ، فَوَضَعَهُ إبْراهِيمُ مَكانَهُ، ثُمَّ اسْوَدَّ بِمُلامَسَةِ النِّساءِ الحُيَّضِ، وهَذا الخَبَرُ وأمْثالُهُ إنْ صَحَّ عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى إشاراتٌ ورُمُوزٌ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، فَنُزُولُها في زَمَنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إشارَةٌ إلى ظُهُورِ عالَمِ المَبْدَإ والمَعادِ، ومَعْرِفَةِ عالَمِ النُّورِ وعالَمِ الظُّلْمَةِ في زَمانِهِ دُونَ عالَمِ التَّوْحِيدِ، وقَصْدُهُ زِيارَتَها مِن أرْضِ الهِنْدِ إشارَةٌ إلى تَوَجُّهِهِ بِالتَّكْوِينِ والِاعْتِدالِ مِن عالَمِ الطَّبِيعَةِ الجِسْمانِيَّةِ المُظْلِمَةِ إلى مَقامِ القَلْبِ، واسْتِقْبالُ المَلائِكَةِ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِ القُوى النَّباتِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ بِالبَدَنِ، وظُهُورِ آثارِها فِيهِ قَبْلَ آثارِ القَلْبِ في الأرْبَعِينَ الَّتِي تَكَوَّنَتْ فِيها بِنْيَتُهُ، وتَخَمَّرَتْ طِينَتُهُ، أوْ تَوَجُّهِهِ بِالسَّيْرِ والسُّلُوكِ مِن عالَمِ النَّفْسِ الظَّلَمانِيِّ إلى مَقامِ القَلْبِ، واسْتِقْبالُ المَلائِكَةِ تَلَقِّي القُوى النَّفْسانِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ إيّاهُ بِقَبُولِ الآدابِ والأخْلاقِ الجَمِيلَةِ والمَلَكاتِ الفاضِلَةِ والتَّمَرُّنِ والتَّنَقُّلِ في المَقاماتِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى مَقامِ القَلْبِ، وطَوافُهُ بِالبَيْتِ إشارَةٌ إلى وُصُولِهِ إلى مَقامِ القَلْبِ وسُلُوكِهِ فِيهِ مَعَ التَّلْوِينِ، ودُخُولُهُ إشارَةٌ إلى تَمْكِينِهِ واسْتِقامَتِهِ فِيهِ، ورَفْعُهُ في زَمَنِ الطُّوفانِ إلى السَّماءِ إشارَةٌ إلى احْتِجابِ النّاسِ بِغَلَبَةِ الهَوى، وطُوفانِ الجَهْلِ في زَمَنِ نُوحٍ عَنْ مَقامِ القَلْبِ، وبَقاؤُهُ في السَّماءِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ الَّذِي هو قَلْبُ العالَمِ ونُزُولُهُ مَرَّةً أُخْرى في زَمانِ إبْراهِيمَ إشارَةٌ إلى اهْتِداءِ النّاسِ في زَمانِهِ إلى مَقامِ القَلْبِ بِهِدايَتِهِ، ورَفْعُ إبْراهِيمَ قَواعِدَهُ وجَعْلُهُ ذا بابٍ واحِدٍ إشارَةٌ إلى تَرَقِّي القَلْبِ إلى مَقامِ التَّوْحِيدِ، إذْ هو أوَّلُ مَن أظْهَرَ التَّوْحِيدَ الذّاتِيَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ والحَجَرُ الأسْوَدُ إشارَةٌ إلى الرُّوحِ الَّتِي هي أمْرُ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ ويَمِينُهُ، ومَوْضِعُ سِرِّهِ، وتَمَخُّضُ أبِي قُبَيْسٍ وانْشِقاقُهُ عَنْهُ إشارَةٌ إلى ظُهُورِهِ بِالرِّياضَةِ وتَحَرُّكِ آلاتِ البَدَنِ بِاسْتِعْمالِها في التَّفَكُّرِ والتَّعَبُّدِ في طَلَبِ ظُهُورِهِ، ولِهَذا قِيلَ: خُبِّئَتْ أيِ احْتَجَبَتْ بِالبَدَنِ، واسْوِدادُهُ بِمُلامَسَةِ الحُيَّضِ إشارَةٌ إلى تَكَدُّرِهِ بِغَلَبَةِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ عَلى القَلْبِ، واسْتِيلائِها عَلَيْهِ وتَسْوِيدِها الوَجْهَ النُّورانِيَّ الَّذِي يَلِي الرُّوحَ مِنهُ. ولَوْ تُرِكَ القَطا لَيْلًا لَناما. ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ أيْ يَقُولانِ رَبَّنا، وبِهِ قَرَأ أُبَيٌّ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ (يَرْفَعُ)، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَهُ بِجَعْلِ القَوْلِ مُتَعَلِّقًا (لِإذْ)، والتَّقَبُّلُ مَجازٌ عَنِ الإثابَةِ، والرِّضا، لِأنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَقْبَلُهُ اللَّهُ تَعالى فَهو يُثِيبُ صاحِبَهُ ويَرْضاهُ مِنهُ، وفي سُؤالِ الثَّوابِ عَلى العَمَلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَرَتُّبَهُ عَلَيْهِ لَيْسَ واجِبًا، وإلّا لَمْ يُطْلَبْ، وفي اخْتِيارِ صِيغَةِ التَّفَعُّلِ اعْتِرافٌ بِالقُصُورِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِالتَّكَلُّفِ في القَبُولِ، وإنْ كانَ التَّقَبُّلُ والقَبُولُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى عَلى السَّواءِ، إذْ لا يُمْكِنُ تَعَقُّلُ التَّكَلُّفِ في شَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ التَّقَبُّلِ الرِّضا فَقَطْ، دُونَ الإثابَةِ، لِأنَّ غايَةَ ما يَقْصِدُهُ المُخْلِصُونَ مِنَ الخَدَمِ صفحة 385 لِوُقُوعِ أفْعالِهِمْ مَوْضِعَ القَبُولِ والرِّضا عِنْدَ المَخْدُومِ، ولَيْسَ الثَّوابُ مِمّا يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ، ولَعَلَّ هَذا هو الأنْسَبُ بِحالِ الخَلِيلِ وابْنِهِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعاءِ التَّقَبُّلِ، والمُرادُ السَّمِيعُ لِدُعائِنا، والعَلِيمُ بِنِيّاتِنا، وبِذَلِكَ يَصِحُّ الحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدَيْنِ، ويُفِيدُ نَفْيَ السُّمْعَةِ والرِّياءِ في الدُّعاءِ والعَمَلِ الَّذِي هو شَرْطُ القَبُولِ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِإظْهارِ كَمالِ قُوَّةِ يَقِينِهِما بِمَضْمُونِها، وتَقْدِيمُ صِفَةِ السَّمْعِ وإنْ كانَ سُؤالُ التَّقَبُّلِ مُتَأخِّرًا عَنِ العَمَلِ لِلْمُجاوَرَةِ، ولِأنَّها لَيْسَتْ مِثْلَ العِلْمِ شُمُولًا.

البقرة 2:128

﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أيْ مُنْقادَيْنِ قائِمَيْنِ بِشَرائِعِ الإسْلامِ، أوْ مُخْلِصَيْنِ مُوَحِّدَيْنِ لَكَ، فَمُسْلِمَيْنِ إمّا مِنِ اسْتَسْلَمَ إذا انْقادَ أوْ مِن أسْلَمَ وجْهَهُ إذا أخْلَصَ نَفْسَهُ، أوْ قَصْدَهُ، ولِكُلٍّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ عَرْضٌ عَرِيضٌ، فالمُرادُ طَلَبُ الزِّيادَةِ فِيهِما، أوِ الثَّباتُ عَلَيْهِما، والأوَّلُ أوْلى نَظَرًا إلى مَنصِبِهِما، وإنْ كانَ الثّانِي أوْلى بِالنَّظَرِ إلى أنَّهُ أتَمُّ في إظْهارِ الِانْقِطاعِ إلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (مُسْلِمِينَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ عَلى أنَّ المُرادَ أنْفُسُهُما، والمَوْجُودُ مِن أهْلِهِما كَهاجَرَ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ لَفْظِ الجَمْعِ مُرادًا بِهِ التَّثْنِيَةُ، وقَدْ قِيلَ بِهِ هُنا، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (اجْعَلْنا) وهو في مَحَلِّ المَفْعُولِ الأوَّلِ، و ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، مَعْطُوفٌ عَلى ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ ولَوِ اعْتُبِرَ حَذْفُ الجَعْلِ فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى التَّصْيِيرِ، لا الإيجادِ، لِأنَّهُ وإنْ صَحَّ مِن جِهَةِ المَعْنى، إلّا أنَّ الأوَّلَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنَّما خَصّا الذُّرِّيَّةَ بِالدُّعاءِ لِأنَّهم أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ ولِأنَّهم أوْلادُ الأنْبِياءِ وبِصَلاحِهِمْ صَلاحُ كُلِّ النّاسِ، فَكانَ الِاهْتِمامُ بِصَلاحِهِمْ أكْثَرَ، وخَصّا البَعْضَ لِما عَلِما مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ بِاعْتِبارِ السِّياقِ إنَّ في ذُرِّيَّتِهِما ظَلَمَةً، وأنَّ الحِكْمَةَ الإلَهِيَّةَ تَسْتَدْعِي الِانْقِسامَ، إذْ لَوْلاهُ ما دارَتْ أفْلاكُ الأسْماءِ، ولا كانَ ما كانَ مِن أمْلاكِ السَّماءِ، والمُرادُ مِنَ الأُمَّةِ الجَماعَةُ، أوِ الجِيلُ، وخَصَّها بَعْضُهم بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحُمِلَ التَّنْكِيرُ عَلى التَّنْوِيعِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: (وابْعَثْ) إلَخْ، ولا يَخْفى أنَّهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، واسْتِدْلالٌ بِما لا يَدُلُّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (أُمَّةً) المَفْعُولَ الأوَّلَ، (ومِن ذُرِّيَّتِنا) حالٌ، لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها، (ومُسْلِمَةً)، المَفْعُولُ الثّانِي، وكانَ الأصْلُ: واجْعَلْ أُمَّةً مِن ذُرِّيَّتِنا مُسْلِمَةً لَكَ، فالواوُ داخِلَةٌ في الأصْلِ عَلى (أُمَّةً)، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِالجارِّ والمَجْرُورِ، (ومِن) عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَلى هَذا بَيانِيَّةٌ عَلى حَدِّ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ ونَظَرَ فِيهِ أبُو حَيّانَ بِأنَّ أبا عَلِيٍّ وغَيْرَهُ مَنَعُوا أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ، والفَصْلُ بِالحالِ أبْعَدُ مِنَ الفَصْلِ بِالظَّرْفِ، وجَعَلُوا ما ورَدَ مِن ذَلِكَ ضَرُورَةً وبِأنَّ كَوْنَ (مِن) لِلتَّبْيِينِ مِمّا يَأْباهُ الأصْحابُ، ويَتَأوَّلُونَ ما فُهِمَ ذَلِكَ مِن ظاهِرِهِ، ولا يَخْفى أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ، وما ذَكَرَهُ مَذْهَبُ البَعْضِ، وهو لا يَقُومُ حُجَّةً عَلى البَعْضِ الآخَرِ، ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ قالَ قَتادَةُ: مَعالِمُ الحَجِّ، وقالَ عَطاءٌ وجُرَيْجٌ: مَواضِعُ الذَّبْحِ، وقِيلَ: أعْمالُنا الَّتِي نَعْمَلُها إذا حَجَجْنا، فالمَنسَكُ بِفَتْحِ السِّينِ، والكَسْرِ شاذٌّ، إمّا مَصْدَرٌ أوْ مَكانٌ، وأصْلُ النُّسُكِ بِضَمَّتَيْنِ غايَةُ العِبادَةِ وشاعَ في الحَجِّ، لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ غالِبًا، والبُعْدِ عَنِ العادَةِ، (وأرِنا) مِن رَأى البَصَرِيَّةِ ولِهَمْزَةِ الأفْعالِ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ مِن رَأى القَلْبِيَّةِ بِمَعْنى عَرَفَ، لا عَلِمَ، وإلّا لَتَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةٍ، وأنْكَرَ ابْنُ الحاجِبِ، وتَبِعَهُ أبُو حَيّانَ ثُبُوتَ رَأْيٍ بِمَعْنى عَرَفَ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في المُفَصَّلِ، والرّاغِبُ صفحة 386 فِي مُفْرَداتِهِ، وهُما مِنَ الثِّقاتِ، فَلا عِبْرَةَ بِإنْكارِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (وأرِهِمْ مَناسِكَهُمْ) بِإعادَةِ الضَّمِيرِ إلى الذُّرِّيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ (وأرْنا) بِسُكُونِ الرّاءِ، وقَدْ شُبِّهَ فِيهِ المُنْفَصِلُ بِالمُتَّصِلِ، فَعُومِلَ مُعامَلَةَ (فَخُذْ)، في إسْكانِهِ لِلتَّخْفِيفِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: أرِنا إداوَةَ عَبْدِ اللَّهِ نَمْلَؤُها مِن ماءِ زَمْزَمَ إنَّ القَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ قَدِ اسْتُرْذِلَتْ لِأنَّ الكَسْرَةَ مَنقُولَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ السّاقِطَةِ دَلِيلٌ عَلَيْها، فَإسْقاطُها إجْحافٌ مِمّا لا يَنْبَغِي، لِأنَّ القِراءَةَ مِنَ المُتَواتِراتِ، ومِثْلُها أيْضًا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ العَرْباءِ، ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ أيْ وفِّقْنا لِلتَّوْبَةِ، أوِ اقْبَلْها مِنّا، والتَّوْبَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ التّائِبِينَ، فَتَوْبَةُ سائِرِ المُسْلِمِينَ النَّدَمُ والعَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، ورَدُّ المَظالِمِ، إذا أمْكَنَ، ونِيَّةُ الرَّدِّ إذا لَمْ يُمْكِنْ، وتَوْبَةُ الخَواصِّ الرُّجُوعُ عَنِ المَكْرُوهاتِ مِن خَواطِرِ السُّوءِ، والفُتُورِ في الأعْمالِ، والإتْيانِ بِالعِبادَةِ عَلى غَيْرِ وجْهِ الكَمالِ، وتَوْبَةُ خَواصِّ الخَواصِّ لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ والتَّرَقِّي في المَقاماتِ، فَإنْ كانَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ طَلَبا التَّوْبَةَ لِأنْفُسِهِما خاصَّةً، فالمُرادُ بِها ما هو مِن تَوْبَةِ القِسْمِ الأخِيرِ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ شامِلًا لَهُما، ولِلذُّرِّيَّةِ كانَ الدُّعاءُ بِها مُنْصَرِفًا لِمَن هو مِن أهْلِها، مِمَّنْ يَصِحُّ صُدُورُ الذَّنْبِ المُخِلِّ بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ مِنهُ، وإنْ قِيلَ: إنَّ الطَّلَبَ لِلذُّرِّيَّةِ فَقَطْ، وارْتُكِبَ التَّجَوُّزُ في النِّسْبَةِ إجْراءً لِلْوَلَدِ مَجْرى النَّفْسِ بِعَلاقَةِ البَعْضِيَّةِ لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى الإجابَةِ، أوْ في الطَّرَفِ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ الفَرْعِ بِاسْمِ الأصْلِ أوْ قِيلَ: بِحَذْفِ المُضافِ أيْ عَلى عُصاتِنا زالَ الإشْكالُ كَما إذا قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ عَمّا فَرَطَ مِنهُما مِنَ الصَّغائِرِ سَهْوًا، والقَوْلُ بِأنَّهُما لَمْ يَقْصِدا الطَّلَبَ حَقِيقَةً وإنَّما ذَكَرا ذَلِكَ لِلتَّشْرِيعِ، وتَعْلِيمِ النّاسِ إنَّ تِلْكَ المَواضِعَ مَواضِعُ التَّنَصُّلِ، وطَلَبِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، بَعِيدٌ جِدًّا، وجَعْلُ الطَّلَبِ لِلتَّثْبِيتِ لا أراهُ هُنا يُجْدِي نَفْعًا، كَما لا يَخْفى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (وتُبْ عَلَيْهِمْ) بِضَمِيرِ جَمْعِ الغَيْبَةِ أيْضًا، ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلدُّعاءِ، ومَزِيدُ اسْتِدْعاءٍ لِلْإجابَةِ، وتَقْدِيمُ التَّوْبَةِ لِلْمُجاوَرَةِ، وتَأْخِيرُ الرَّحْمَةِ لِعُمُومِها، ولِكَوْنِها أنْسَبَ بِالفَواصِلِ.

البقرة 2:129

﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ أيْ أرْسِلْ في الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ، وقِيلَ: في الذُّرِّيَّةِ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى أهْلِ مَكَّةَ بَعِيدٌ، ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ أيْ مِن أنْفُسِهِمْ، ووَصْفُهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ أشْفَقَ عَلَيْهِمْ، ويَكُونُوا أعَزَّ بِهِ، وأشْرَفَ وأقْرَبَ لِلْإجابَةِ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ مَنشَأهُ وصِدْقَهُ وأمانَتَهُ، ولَمْ يُبْعَثْ مِن ذُرِّيَّةِ كِلَيْهِما سِوى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجَمِيعُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا مِن ذُرِّيَّتِهِما، فَهو المُجابُ بِهِ دَعْوَتُهُما كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ وشارِحُ السُّنَّةِ، عَنِ العِرْباضِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «(سَأُخْبِرُكم بِأوَّلِ أمْرِي، أنا دَعْوَةُ إبْراهِيمَ وبِشارَةُ عِيسى، ورُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأتْ حِينَ وضَعَتْنِي)،» وأرادَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أثَرَ دَعْوَتِهِ، أوْ مَدْعُوَّهُ، أوْ عَيْنَ دَعْوَتِهِ، عَلى المُبالَغَةِ، ولَمّا كانَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَرِيكًا في الدَّعْوَةِ كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَعْوَةَ إسْماعِيلَ أيْضًا، إلّا أنَّهُ خَصَّ إبْراهِيمَ لِشَرافَتِهِ وكَوْنِهِ أصْلًا في الدُّعاءِ، ووَهِمَ مَن قالَ: إنَّ الِاقْتِصارَ في الحَدِيثِ عَلى إبْراهِيمَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُجابَ مِنَ الدَّعْوَتَيْنِ كانَ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ دُونَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَرَأ أُبَيٌّ (وابْعَثْ فِيهِمْ في آخِرِهِمْ رَسُولًا)، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ بِهِ نَبِيُّنا، وفي الأثَرِ أنَّهُ لَمّا دَعا إبْراهِيمُ قِيلَ لَهُ: قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ، وهو يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ. ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ أيْ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ ما تُوحِي إلَيْهِ مِنَ العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وغَيْرِهِما صفحة 387 وقِيلَ: خَبَرُ مَن مَضى ومَن يَأْتِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والجُمْلَةِ صِفَةُ (رَسُولًا)، وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ. ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ بِأنْ يُفْهِمَهم ألْفاظَهُ ويُبَيِّنَ لَهم كَيْفِيَّةَ أدائِهِ، ويُوقِفَهم عَلى حَقائِقِهِ وأسْرارِهِ. والظّاهِرُ أنَّ مَقْصُودَهُما مِن هَذِهِ الدَّعْوَةِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صاحِبَ كِتابٍ يُخْرِجُهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، وقَدْ أجابَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ بِالقُرْآنِ، وكَوْنُهُ بِخُصُوصِهِ كانَ مَدْعُوًّا بِهِ غَيْرُ بَيِّنٍ ولا مُبَيَّنٍ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيْ وضْعُ الأشْياءِ مَواضِعَها، أوْ ما يُزِيلُ مِنَ القُلُوبِ وهْجَ حُبِّ الدُّنْيا، أوِ الفِقْهُ في الدِّينِ، أوِ السُّنَّةِ المُبَيِّنَةِ لِلْكِتابِ، أوِ الكِتابُ، وكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِها حَقائِقُ الكِتابِ ودَقائِقُهُ وسائِرُ ما أُودِعَ فِيهِ، ويَكُونُ تَعْلِيمُ الكِتابِ عِبارَةٌ عَنْ تَفْهِيمِ ألْفاظِهِ وبَيانِ كَيْفِيَّةِ أدائِهِ، وتَعْلِيمُ الحِكْمَةِ الإيقافُ عَلى ما أُودِعَ فِيهِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِما تَكْمُلُ بِهِ النُّفُوسُ مِنَ المَعارِفِ والأحْكامِ، فَتَشْمَلُ الحِكْمَةَ النَّظَرِيَّةَ والعَمَلِيَّةَ قالُوا: وبَيْنَها وبَيْنَ ما في الكِتابِ عُمُومٌ مِن وجْهٍ لِاشْتِمالِ القُرْآنِ عَلى القِصَصِ والمَواعِيدِ، وكَوْنُ بَعْضِ الأُمُورِ الَّذِي يُفِيدُ كَمالَ النَّفْسِ عِلْمًا وعَمَلًا غَيْرُ مَذْكُورٍ في الكِتابِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا القَوْلَ بَعْدَ سَماعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: سُبْحانَهُ ﴿تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا لا يَنْبَغِي الإقْدامُ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ تَكُونَ هَذِهِ النِّسْبَةُ بَيْنَ ما في الكِتابِ الَّذِي في الدَّعْوَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمّا أُجِيبَتْ بِهِ، وبَيْنَ الحِكْمَةِ، فَتَدَبَّرْ، ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ يُطَهِّرُهم مِن أرْجاسِ الشِّرْكِ وأنْجاسِ الشَّكِّ، وقاذُوراتِ المَعاصِي، وهو إشارَةٌ إلى التَّخْلِيَةِ، كَما أنَّ التَّعْلِيمَ إشارَةٌ إلى التَّحْلِيَةِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِشَرافَتِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي هي سَبَبٌ لِطُهْرَتِهِمْ، أوْ يَشْهَدُ لَهم بِالتَّزْكِيَةِ والعَدالَةِ بَعِيدٌ، ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ الغالِبُ المُحْكِمُ لِما يُرِيدُ، فَلَكَ أنْ تُخَصِّصَ واحِدًا مِنهم بِالرِّسالَةِ الجامِعَةِ لِهَذِهِ الصِّفاتِ، بِإرادَتِهِ مِن غَيْرِ مُخَصِّصٍ، وحَمْلُ العَزِيزِ هُنا عَلى مَن لا مِثْلَ لَهُ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ المُنْتَقِمِ كَما قالَهُ الكَلْبِيِّ، والحَكِيمِ عَلى العالِمِ كَما قِيلَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

البقرة 2:130

﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ في العُقَلاءِ مَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ، وهي الحَقُّ الواضِحُ غايَةَ الوُضُوحِ، أيْ لا يَرْغَبُ عَنْ ذَلِكَ أحَدٌ ﴿إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أيْ جَعَلَها مُهانَةً ذَلِيلَةً، وأصْلُ السَّفَهِ الخِفَّةُ، ومِنهُ زِمامٌ سَفِيهٌ أيْ خَفِيفٌ، وسَفِهَ بِالكَسْرِ كَما قالَ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ: مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، (ونَفْسَهُ) مَفْعُولٌ بِهِ، وأمّا سَفُهَ بِالضَّمِّ فَلازِمٌ، ويَشْهَدُ لَهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ «(الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحَقَّ وتَغْمِطَ النّاسَ)،» وقِيلَ: إنَّهُ لازِمٌ أيْضًا، وتَعَدّى إلى المَفْعُولِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى ما يَتَعَدّى إلَيْهِ، أيْ جَهِلَ نَفْسَهُ لِخِفَّةِ عَقْلِهِ، وعَدَمِ تَفَكُّرِهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، أوْ أهْلَكَها، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وقِيلَ: إنَّ النَّصْبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ في نَفْسِهِ، فَلا يُنافِي اللُّزُومَ، وهو قَوْلٌ لِبَعْضِ البَصْرِيِّينَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ كَما في قَوْلِ نابِغَةَ الذُّبْيانِيِّ: ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ وقِيلَ: عَلى التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، واعْتَرَضَ الجَمِيعَ أبُو حَيّانَ قائِلًا: إنَّ التَّضْمِينَ والنَّصْبَ بِنَزْعِ الخافِضِ لا يَنْقاسانِ، وإنَّ التَّشْبِيهَ بِالمَفْعُولِ بِهِ مَخْصُوصٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ بِالصِّفَةِ، كَما قِيلَ بِهِ في البَيْتِ، وأنَّ البَصْرِيِّينَ مَنَعُوا مَجِيءَ التَّمْيِيزِ مَعْرِفَةً، فالحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُتَعَدّى، القَوْلُ بِالتَّعَدِّي، (ومَن) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى المُخْتارِ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَرْغَبُ، لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ صفحة 388 ابْنَ سَلامٍ دَعا ابْنَيْ أخِيهِ سَلَمَةَ ومُهاجِرًا إلى الإسْلامِ فَقالَ لَهُما: قَدْ عَلِمْتُما أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في التَّوْراةِ: إنِّي باعِثٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ نَبِيًّا اسْمُهُ أحْمَدُ، فَمَن آمَنَ بِهِ فَقَدِ اهْتَدى ورَشَدَ، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ فَهو مَلْعُونٌ، فَأسْلَمَ سَلَمَةُ وأبى مُهاجِرٌ، فَنَزَلَتْ، ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾ أيِ اخْتَرْناهُ بِالرِّسالَةِ بِتِلْكَ المِلَّةِ واجْتَبَيْناهُ مِن بَيْنِ سائِرِ الخَلْقِ، وأصْلُهُ اتِّخاذُ صَفْوَةِ الشَّيْءِ، أيْ خالِصِهِ، ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ المَشْهُودِ لَهم بِالثَّباتِ عَلى الِاسْتِقامَةِ، والخَيْرِ والصَّلاحِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وذَلِكَ مِن حَيْثُ المَعْنى دَلِيلٌ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ الرّاغِبِ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ سَفِيهًا، إذِ الِاصْطِفاءُ والعِزُّ في الدُّنْيا غايَةُ المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، والصَّلاحُ جامِعٌ لِلْكَمالاتِ الأُخْرَوِيَّةِ، ولا مَقْصِدَ لِلْإنْسانِ الغَيْرِ السَّفِيهِ سِوى خَيْرِ الدّارَيْنِ، وأمّا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مُقَرِّرَةً لِجِهَةِ الإنْكارِ، واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، أيْ أيَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ، ومَعَهُ ما يُوجِبُ عَكْسَ ذَلِكَ، وهو الظّاهِرُ لَفْظًا لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى تَقْدِيرِ القَسَمِ، وارْتَضاهُ الرَّضِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ، أوِ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ، واللّامُ جَوابُ القَسَمِ المُقَدَّرِ، وهو الظّاهِرُ مَعْنًى، لِأنَّ الأصْلَ في الجُمَلِ الِاسْتِقْلالُ، ولِإفادَةِ زِيادَةِ التَّأْكِيدِ المَطْلُوبِ في المَقامِ والإشْعارِ بِأنَّ المُدَّعِيَ لا يَحْتاجُ إلى البَيانِ، والمَقْصُودُ مَدْحُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإيرادُ الجُمْلَةِ الأُولى ماضَوِيَّةً لِمُضِيِّها مِن وقْتِ الإخْبارِ، والثّانِيَةِ اسْمِيَّةً لِعَدَمِ تَقْيِيدِها بِالزَّمانِ، لِأنَّ انْتِظامَهُ في زُمْرَةِ صالِحِي أهْلِ الآخِرَةِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ في الدّارَيْنِ، لا أنَّهُ يَحْدُثُ في الآخِرَةِ، والتَّأْكِيدُ بِإنَّ، واللّامِ لِما أنَّ الأُمُورَ الأُخْرَوِيَّةَ خَفِيَّةٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ، فَحاجَتُها إلى التَّأْكِيدِ أشَدُّ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي نُشاهِدُ آثارَها، وكَلِمَةُ (فِي) مُتَعَلِّقَةٌ (بِالصّالِحِينَ)، عَلى أنَّ ألْ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ لا مَوْصُولَةٌ، لِيَلْزَمَ تَقْدِيمُ بَعْضِ الصِّلَةِ عَلَيْها، عَلى أنَّهُ قَدْ يُغْتَفَرُ في الظَّرْفِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ صالِحٍ، أوْ أعْنِي، وجَعْلُهُ مُتَعَلِّقًا (بِاصْطَفَيْناهُ)، وفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الوَصْفِ بَعِيدٌ.

البقرة 2:131

﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ظَرْفٌ (لِاصْطَفَيْناهُ)، والمُتَوَسِّطُ المَعْطُوفُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، لِأنَّهُ لِتَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ المَعْطُوفِ تَأْكِيدُهُ، لِأنَّ اصْطِفاءَهُ في الدُّنْيا إنَّما هو لِلرِّسالَةِ، وما يَتَعَلَّقُ بِصَلاحِ الآخِرَةِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُجْعَلَ اعْتِراضًا أوْ حالًا مُقَدَّرَةً كَما قِيلَ بِهِ، أوْ تَعْلِيلٌ لَهُ، أوْ مَنصُوبٌ (بِاذْكُرْ) كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِتَقِفَ عَلى أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ وأنَّهُ ما نالَ ما نالَ إلّا بِالمُبادَرَةِ والِانْقِيادِ إلى ما أُمِرَ بِهِ، وإخْلاصِ سِرِّهِ حِينَ دَعاهُ رَبُّهُ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ ظَرْفًا لِقالَ، ولَيْسَ الأمْرُ وما في جَوابِهِ عَلى حَقِيقَتِهِما، بَلْ هو تَمْثِيلٌ، والمَعْنى: أخَطَرَ بِبالِهِ الدَّلائِلُ المُؤَيِّدَةُ إلى المَعْرِفَةِ، واسْتَدَلَّ بِها، وأذْعَنَ بِمَدْلُولاتِها، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَوْلَيْنِ تَصْوِيرًا لِسُرْعَةِ الِانْتِقالِ بِسُرْعَةِ الإجابَةِ، فَهو إشارَةٌ إلى اسْتِدْلالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكَوْكَبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ، واطِّلاعِهِ عَلى أماراتِ الحُدُوثِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الحَسَنِ، وابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَبْلَ البُلُوغِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ قالَ: المُرادُ الأمْرُ بِالطّاعَةِ، والإذْعانُ لِجُزْئِيّاتِ الأحْكامِ، والِاسْتِقامَةُ، والثَّباتُ عَلى التَّوْحِيدِ عَلى حَدِّ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ ولا يُمْكِنُ الحَمْلُ عَلى الحَقِيقَةِ أعْنِي إحْداثَ الإسْلامِ والإيمانِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ عَنِ الكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها، ولِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الوَحْيُ، والِاسْتِنْباءُ قَبْلَ الإسْلامِ، نَعَمْ إذا حُمِلَ الإسْلامُ عَلى العَمَلِ بِالجَوارِحِ لا عَلى مَعْنى الإيمانِ أمْكَنَ الحَمْلُ عَلى الحَقِيقَةِ كَما قِيلَ بِهِ، وفي الِالتِفاتِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والإضافَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إظْهارٌ لِمَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ، والِاعْتِناءِ بِتَرْبِيَتِهِ، وإضافَةُ الرَّبِّ في الجَوابِ إلى العامِلِينَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ قُوَّةِ إسْلامِهِ حَيْثُ أتْقَنَ حِينَ النَّظَرِ شُمُولَ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ قاطِبَةً لا لِنَفْسِهِ فَقَطْ، كَما هو المَأْمُورُ بِهِ ظاهِرًا

البقرة 2:132

صفحة 389 ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ مَدْحٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَكْمِيلِهِ غَيْرَهُ إثْرَ مَدْحِهِ بِكَمالِهِ في نَفْسِهِ، وفِيهِ تَوْكِيدٌ لِوُجُودِ الرَّغْبَةِ في مِلَّتِهِ، والتَّوْصِيَةُ التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ بِفِعْلٍ فِيهِ صَلاحٌ وقُرْبَةٌ، سَواءٌ كانَ حالَةُ الِاحْتِضارِ أوَّلًا، وسَواءٌ كانَ ذَلِكَ التَّقَدُّمُ بِالقَوْلِ، أوِ الدِّلالَةِ، وإنْ كانَ الشّائِعُ في العُرْفِ اسْتِعْمالُها في القَوْلِ المَخْصُوصِ حالَةَ الِاحْتِضارِ، وأصْلُها الوَصْلُ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ واصِيَةٌ، أيْ مُتَّصِلَةُ النَّباتِ، ويُقالُ: وصّاهُ إذا وصَلَهُ، وفَصّاهُ إذا فَصَلَهُ، كَأنَّ المُوصِيَ يَصِلُ فَعْلُهُ بِفِعْلِ الوَصِيِّ، والضَّمِيرُ في (بِها) إمّا لِلْمِلَّةِ، أوْ لِقَوْلِهِ: أسْلَمْتُ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ، أوِ الجُمْلَةِ، ويُرَجِّحُ الأوَّلَ كَوْنُ المَرْجِعِ مَذْكُورًا صَرِيحًا، وكَذا تَرْكُ المُضْمَرِ إلى المُظْهَرِ، وعَطْفُ (يَعْقُوبَ) عَلَيْهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ شُرُوعٌ في كَلامٍ آخَرَ لِبَيانِ تَواصِي الأنْبِياءِ بِاسْتِمْساكِ الدِّينِ الحَقِّ الجامِعِ لِجَمِيعِ أحْكامِ الأُصُولِ والفُرُوعِ، لِيَتَوارَثُوا المِلَّةَ القَوِيمَةَ، والشَّرْعَ المُسْتَقِيمَ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ، وذَكَرَ يَعْقُوبُ الدِّينَ في تَوْصِيَتِهِ لِبَنِيهِ، وهو والمِلَّةُ أخَوانِ، ولَوْ كانَ الضَّمِيرُ لِلثّانِي لَكانَ الإسْلامُ بَدَلَهُ، ويُؤَيِّدُ الثّانِيَ كَوْنُ المُوصى بِهِ مُطابِقًا في اللَّفْظِ لِأسْلَمْتُ، وقُرِّبَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قالَ أسْلَمْتُ، أيْ ما اكْتَفى بِالِامْتِثالِ بَلْ ضَمَّ تَوْصِيَةَ بَنِيهِ بِالسَّلامِ بِخِلافِ التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (مَن يَرْغَبُ)، لِأنَّهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في مَعْنى النَّفْيِ، وخَصَّ البَنِينَ لِأنَّهُ عَلَيْهِمْ أشْفَقَ، وهم بِقَبُولِ وصِيَّتِهِ أجْدَرُ، ولِأنَّ النَّفْعَ بِهِمْ أكْثَرُ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ (أوْصى)، ولا دِلالَةَ فِيها عَلى التَّكْثِيرِ كالأُولى الدّالَّةِ عَلَيْهِ لِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ. ﴿ويَعْقُوبُ﴾ عُطِفَ عَلى إبْراهِيمَ، ورَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، وحُذِفَ الخَبَرُ، أيْ يَعْقُوبُ كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وجَعْلُهُ فاعِلًا لِوَصّى مُضْمَرًا بَعِيدٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى بَنِيهِ، والمُرادُ بِهِمْ أبْناءُ الصُّلْبِ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ نافِلَةً، وإنَّما سُمِّيَ يَعْقُوبَ لِأنَّهُ وعِيصًا كانا تَوْأمَيْنِ فَتَقَدَّمَ عِيصٌ وخَرَجَ يَعْقُوبُ عَلى أثَرِهِ آخِذًا بِعَقِبِهِ، كَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا أظُنُّ صِحَّتَهُ، ﴿يا بَنِيَّ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ويُقَدَّرُ بِصِيغَةِ الإفْرادِ عَلى تَقْدِيرِ نَصْبِ يَعْقُوبَ، أيْ قالَ أوْ قائِلًا، وبِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ الرَّفْعِ، ووُقُوعُ الجُمْلَةِ بَعْدَ القَوْلِ مَشْرُوطٌ بِأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ الحِكايَةِ، والكَلامُ المَحْكِيُّ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ، وإنْ كانَ المُخاطَبُونَ في الحالَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى عَدَمِ الإضْمارِ، لِأنَّ التَّوْصِيَةَ لِاشْتِمالِها عَلى مَعْنى القَوْلِ بَلْ هي القَوْلُ المَخْصُوصُ كانَ حُكْمُها حُكْمَهُ، فَيَجُوزُ وُقُوعُ الجُمْلَةِ في حَيِّزِ مَفْعُولِها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (أنْ يا بَنِيَّ)، ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، بَلْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهم عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، وبَنُو إبْراهِيمَ عَلى ما في الإتْقانِ اثْنا عَشَرَ وهُمْ: إسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ومَدْيَنُ، وزَمْزانُ، وسَرْحٌ، ونَقْشٌ، ونَقْشانُ، وأُمَيْمٌ، وكَيْسانُ، وسَوْرَجُ، ولَوْطانُ، ونافِسُ، وبَنُو يَعْقُوبَ أيْضًا كَذَلِكَ، وهم يُوسُفُ، ورُوبِيلُ، وشَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ودانِي، وتَفْتانِي، وكادُ، وأسْبَرُ، وإيساجِرُ، ورايْكُونُ، وبِنْيامِينُ. ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أيْ جَعَلَ لَكُمُ الدِّينَ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ بِأنْ شَرَعَهُ لَكُمْ، ووَفَّقَكم لِلْأخْذِ بِهِ، والمُرادُ بِهِ دِينُ الإسْلامِ الَّذِي بِهِ الإخْلاصُ لِلَّهِ تَعالى، والِانْقِيادُ لَهُ، ولَيْسَ المُرادُ ما يَتَراءى مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ صَفْوَةَ الأدْيانِ لَكُمْ، لِأنَّ هَذا الدِّينَ صَفْوَةٌ في نَفْسِهِ، لا اخْتِصاصَ لَهُ بِأحَدٍ، ولَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُهُ، ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ دِينِنا، لَكِنَّ العُرْفَ خَصَّصَهُ بِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم عَدَمَ الإطْلاقِ، وألَّفَ في ذَلِكَ رِسالَةً تَكَلَّفَ بِها غايَةَ التَّكَلُّفِ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ نَهْيٌ عَنِ الِاتِّصافِ بِخِلافِ حالِ الإسْلامِ وقْتَ المَوْتِ، والمَفْهُومُ صفحة 390 مِنَ الآيَةِ، فَظاهِرًا النَّهْيُ عَنِ المَوْتِ عَلى خِلافِ تِلْكَ الحالِ، ولَيْسَ بِمَقْصُودٍ، لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وإنَّما المَقْدُورُ قَيْدُهُ، فَيَعُودُ النَّهْيُ إلَيْهِ، كَما سَمِعْتَ، لِما أنَّ الِامْتِناعَ عَنِ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الحالِ يَسْتَتْبِعُ الِامْتِناعَ عَنِ المَوْتِ في تِلْكَ الحالِ، فَأمّا أنْ يُقالَ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ المَوْضُوعُ لِلْأوَّلِ في الثّانِي فَيَكُونُ مَجازًا، أوْ يُقالُ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ في مَعْناهُ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى مَلْزُومِهِ، فَيَكُونُ كِنايَةً، وقالَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ: إنَّ هَذا كِنايَةٌ بِنَفْيِ الذّاتِ عَنْ نَفْيِ الحالِ، عَلى عَكْسِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ مِن أنَّهُ كِنايَةٌ بِنَفْيِ الحالِ عَنْ نَفْيِ الذّاتِ، وفِيهِ أنَّ نَفْيَ الذّاتِ إنَّما يَصِيرُ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ جَمِيعِ الصِّفاتِ، لا عَنْ صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فافْهَمْ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ ذَلِكَ النَّهْيُ الثَّباتُ عَلى الإسْلامِ، لِأنَّهُ اللّازِمُ لَهُ، والمَقْصُودُ مِنَ التَّوْصِيَةِ، ولِأنَّ أصْلَ الإسْلامِ كانَ حاصِلًا لَهُمْ، وإنَّما أُدْخِلَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلى الفِعْلِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مَنهِيًّا عَنْهُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ مَوْتَهم لا عَلى الإسْلامِ مَوْتٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وأنَّ حَقَّهُ أنْ لا يَحِلَّ بِهِمْ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَحْذَرُوهُ غايَةَ الحَذَرِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الإسْلامَ المَأْمُورَ بِهِ هُنا ما يَكُونُ بِالقَلْبِ دُونَ العَمَلِ بِالجَوارِحِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَكادُ يُمْكِنُ عِنْدَ المَوْتِ، ولِهَذا ورَدَ في الحَدِيثِ: «(اللَّهُمَّ مَن أحْيَيْتَهُ مِنّا فَأحْيِهِ عَلى الإسْلامِ، ومَن تَوَفَّيْتَهُ مِنّا فَتَوَفَّهُ عَلى الإيمانِ)،» ولا يَخْفى ما فِيهِ،

البقرة 2:133

﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ الخِطابُ لِجِنْسِ اليَهُودِ، أوِ المَوْجُودِينَ في زَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ، فَقَدْ ذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا ماتَ أوْصى بَنِيهِ بِاليَهُودِيَّةِ، (وأمْ) إمّا مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ، وهَمْزَةِ الإنْكارِ، ومَعْنى بَلِ الإضْرابُ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وهو بَيانُ التَّوْصِيَةِ إلى تَوْبِيخِ اليَهُودِ عَلى ادِّعائِهِمُ اليَهُودِيَّةَ عَلى يَعْقُوبَ وأبْنائِهِ، وفائِدَتُهُ الِانْتِقالُ مِن جُمْلَةٍ إلى أُخْرى أهَمَّ مِنها، أيْ ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ حِينَ احْتِضارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسُؤالِهِ بَنِيهِ عَنِ الدِّينِ، فَلِمَ تَدَّعُونَ ما تَدَّعُونَ؟! ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ كانَتْ أوائِلُكم حاضِرِينَ حِينَ وصّى بَنِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، وأنْتُمْ عالِمُونَ بِذَلِكَ، فَما لَكم تَدَّعُونَ عَلَيْهِ خِلافَ ما تَعْلَمُونَ؟! فَيَكُونُ قَدْ نَزَلَ عِلْمُهم بِشَهادَةِ أوائِلِهِمْ مَنزِلَةَ الشَّهادَةِ، فَخُوطِبُوا بِما خُوطِبُوا، وإمّا مُتَّصِلَةٌ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أكُنْتُمْ غائِبِينَ أمْ كُنْتُمْ شاهِدِينَ، ولَيْسَ الِاسْتِفْهامُ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِهِ لِلْعِلْمِ بِتَحَقُّقِ الأوَّلِ، وانْتِفاءِ الثّانِي، بَلْ هو لِلْإلْزامِ، والتَّبْكِيتِ، أيْ أيُّ الأمْرَيْنِ كانَ فَمُدَّعاكم باطِلٌ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّهُ رَجْمٌ بِالغَيْبِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّهُ خِلافُ المَشْهُورِ، واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ عَلى هَذا الوَجْهِ: بِأنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا أجازَ حَذْفَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها في (أمِ) المُتَّصِلَةِ، وإنَّما سُمِعَ حَذْفُ (أمْ) مَعَ المَعْطُوفِ، لِأنَّ الثَّوانِيَ تَحْتَمِلُ ما لا تَحْتَمِلُ الأوائِلُ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَعْنى بَلِ الإضْرابُ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، والأخْذُ فِيما هو الأهَمُّ، وهو التَّحْرِيضُ عَلى اتِّباعِهِ ﷺ بِإثْباتِ بَعْضِ مُعْجِزاتِهِ، وهو الإخْبارُ عَنْ أحْوالِ الأنْبِياءِ السّابِقِينَ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ، وقِراءَةٍ مِن كِتابٍ، كَأنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ ما تَقَدَّمَ التَفَتَ إلى مُؤْمِنِي الأُمَّةِ، أما شَهِدْتُمْ ما جَرى، وأما عَلِمْتُمْ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، وإخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ، فَعَلَيْكم بِاتِّباعِهِ، إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ مُقاوَلَةِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ، لِيُعْلَمَ عَدَمُ حُضُورِهِمْ حِينَ تَوْصِيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ الأوْلى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا القائِلَ لَمْ يَعْتَبِرْ سَبَبَ النُّزُولِ، ولَعَلَّهُ لِما فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ حَتّى قالَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، (والشُّهَداءُ) جَمْعُ شَهِيدٍ أوْ شاهِدٍ، بِمَعْنى حاضِرٍ، وحَضَرَ مِن بابِ قَعَدَ، وقُرِئَ (حَضِرَ) بِالكَسْرِ ومُضارِعُهُ أيْضًا يَحْضُرُ بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وقِيلَ: إنَّها عَلى التَّداخُلِ ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ حَضَرَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وكِلاهُما مَقْصُودانِ، كَما هو المُقَرَّرُ في إبْدالِ الجُمَلِ، إلّا أنَّ في البَدَلِ زِيادَةَ بَيانٍ لَيْسَتْ في المُبْدَلِ مِنهُ، ولَوْ تَعَلَّقَتْ (إذْ) هُنا (بِقالُوا) لَمْ يَنْتَظِمِ الكَلامُ صفحة 391 ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ بَعْدَ مَوْتِي، (ما) في مَحَلِّ رَفْعٍ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وكَوْنُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ مُفَوِّتٌ لِلتَّقْوى المُناسِبِ لِمَقامِ: ويُسْألُ بِها عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَإذا عُرِّفَ خُصَّ العُقَلاءُ (بِمَن) إذا سُئِلَ عَنْ تَعَيُّنِهِ، فَيُجابُ بِما يُفِيدُهُ، وإذا سَألَ عَنْ وصْفِهِ قِيلَ: ما زَيْدٌ أكاتِبٌ أمْ شاعِرٌ، وفي السُّؤالِ عَنْ حالِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الغَرَضَ حَثُّهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ حالَ حَياتِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ وأخْذِ المِيثاقِ مِنهم عَلَيْهِ، فَلَيْسَ الِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيًّا، وكانَ هَذا بَعْدَ أنْ دَخَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِصْرَ ورَأى فِيها مَن يَعْبُدُ النّارَ، فَخافَ عَلى ولَدِهِ فَحَثَّهم عَلى ما حَثَّهُمْ، ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ عَنْ حِكايَةِ السُّؤالِ، وفي إضافَةِ الإلَهِ إلى المُتَعَدِّدِ إشارَةٌ إلى الِاتِّفاقِ عَلى وُجُودِهِ، وأُلُوهِيَّتِهِ، وقُدِّمَ إسْماعِيلُ في الذِّكْرِ عَلى إسْحاقَ لِكَوْنِهِ أسَنَّ مِنهُ، وعَدَّهُ مِن آباءِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ عَمُّهُ تَغْلِيبًا لِلْأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ، أوْ لِأنَّهُ شَبَّهَ العَمَّ بِالأبِ لِانْخِراطِهِما في سِلْكٍ واحِدٍ، وهو الأُخُوَّةُ، فَأطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ: «(عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبِيهِ)،» وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُرادُ بِآبائِكَ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ كَيْلا يَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ، والمَجازِ، والآيَةُ عَلى حَدِّ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (احْفَظُونِي في العَبّاسِ، فَإنَّهُ بَقِيَّةُ آبائِي)، وقَرَأ الحَسَنُ (أبِيكَ)، وهو إمّا مُفْرَدٌ، وإسْماعِيلُ وإسْحاقُ عَطْفُ نَسَقٍ عَلَيْهِ، وإبْراهِيمُ وحْدَهُ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ جَمْعٍ، وسَقَطَتْ نُونُهُ لِلْإضافَةِ، كَما في قَوْلِهِ: فَلَمّا تَبَيَّنَ أصْواتُنا بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبْيَنا ﴿إلَهًا واحِدًا﴾ بَدَلٌ مِن ”إلَهِ آبائِك“ والنَّكِرَةُ تُبْدَلُ مِنَ المَعْرِفَةِ بِشَرْطِ أنْ تُوصَفَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ والبَصْرِيُّونَ لا يَشْتَرِطُونَ فِيها ذَلِكَ، وفائِدَةُ الإبْدالِ دَفْعُ تَوَهُّمِ التَّعَدُّدِ النّاشِئِ مِن ذِكْرِ الإلَهِ مَرَّتَيْنِ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوِ الحالِ المُوَطِّئَةِ كَما في البَحْرِ، ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُذْعِنُونَ مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: خاضِعُونَ مُنْقادُونَ مُسْتَسْلِمُونَ لِنَهْيِهِ وأمْرِهِ قَوْلًا وعَقْدًا، وقِيلَ: داخِلُونَ في الإسْلامِ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ، أوْ مِنهُما لِوُجُودِ ضَمِيرَيْهِما، أوِ اعْتِراضِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ في آخِرِ الكَلامِ بِلا كَلامٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الأبْلَغُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى (نَعْبُدُ) فَيَكُونُوا قَدْ أجابُوا بِشَيْئَيْنِ، وهو مِن بابِ الجَوابِ المُرَبّى عَنِ السُّؤالِ

البقرة 2:134

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ الإشارَةُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأوْلادِهِ، والأُمَّةُ أتَتْ بِمَعانٍ، والمُرادُ بِها هُنا الجَماعَةُ مِن أمَّ بِمَعْنى قَصَدَ، وسُمِّيَتْ كُلُّ جَماعَةٍ يَجْمَعُهم أمْرٌ ما إمّا دِينٌ واحِدٌ أوْ زَمانٌ واحِدٌ أوْ مَكانٌ بِذَلِكَ، لِأنَّهم يَؤُمُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَقْصِدُهُ، والخُلُوُّ المُضِيُّ وأصْلُهُ الِانْفِرادُ. ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (خَلَتْ) لِأنَّها بِمَعْنى لا تُشارِكُونَهُمْ، وهي كَغَيْرِ الوافِيَةِ، وهَذِهِ وافِيَةٌ بِتَمامِ المُرادِ أوِ الأُولى صِفَةٌ أُخْرى (لِأُمَّةٌ)، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (خَلَتْ) والثّانِيَةُ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ، إذْ لا رابِطَ فِيها، ولا مُقارَنَةَ في الزَّمانِ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ المَقامِ، أيْ لِكُلٍّ أجْرُ عَمَلِهِ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ لِقَصْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمَعْنى أنَّ انْتِسابَكم إلَيْهِمْ لا يُوجِبُ انْتِفاعَكم بِأعْمالِهِمْ، وإنَّما تَنْتَفِعُونَ بِمُوافَقَتِهِمْ، واتِّباعِهِمْ كَما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ أوْلى أُناسٍ بِالنَّبِيِّ المُتَّقُونَ، فَكُونُوا بِسَبِيلٍ مِن ذَلِكَ، فانْظُرُوا أنْ لا يَلْقانِي النّاسُ يَحْمِلُونَ الأعْمالَ وتَلْقَوْنِي بِالدُّنْيا فَأصُدُّ عَنْكم بِوَجْهِي)،» ولَكَ أنْ تَحْمِلَ الجُمْلَةَ الأُولى عَلى مَعْنى: لَها ما كَسَبَتْهُ، لا يَتَخَطّاها إلى غَيْرِها، والثّانِيَةَ عَلى مَعْنى: صفحة 392 ولَكم ما كَسَبْتُمُوهُ لا ما كَسَبَهُ غَيْرُهُمْ، فَيَخْتَلِفُ القَصْرانِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ ذَلِكَ. ﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إنْ أُجْرِيَ السُّؤالُ عَلى ظاهِرِهِ فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وإنْ أُرِيدَ بِهِ مُسَبَّبُهُ أعْنِي الجَزاءَ فَهو تَذْيِيلٌ لِتَتْمِيمِ ما قَبْلَهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُعْتَرِضَةٌ، والمُرادُ تَخْيِيبُ المُخاطَبِينَ، وقَطْعُ أطْماعِهِمْ مِنَ الِانْتِفاعِ بِحَسَناتِ مَن مَضى مِنهُمْ، وإنَّما أطْلَقَ العَمَلَ لِإثْباتِ الحُكْمِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ في ضِمْنِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ عَلى مَعْنى: لا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ، كَما لا تُثابُونَ بِحَسَناتِهِمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ، كَيْفَ لا، وهم مُنَزَّهُونَ عَنْ كَسْبِ السَّيِّئاتِ، فَمِن أيْنَ يُتَصَوَّرُ تَحْمِيلُها عَلى غَيْرِهِمْ، حَتّى يَتَصَدّى لِبَيانِ انْتِفائِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ المَقْصُودُ سَوْقَ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ كُلِّيٍّ بُرْهانِيٍّ لا يُتَوَهَّمُ ما ذُكِرَ. هَذا ومِنَ الغَرِيبِ حَمْلُ الإشارَةِ عَلى كُلٍّ مِن إبْراهِيمَ، وإسْماعِيلَ، وإسْحاقَ، وأنَّ المَعْنى: كُلُّ واحِدٍ مِنهم أُمَّةٌ، أيْ بِمَنزِلَتِها في الشَّرَفِ والبَهاءِ، ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ مَضَتْ، ولَسْتُمْ مَأْمُورِينَ بِمُتابَعَتِهِمْ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ وهو ما أمَرَها اللَّهُ تَعالى بِهِ، ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ مِمّا يَأْمُرُكم بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَنْفَعُكم مُكْتَسَبُهم لِأنَّهُ لَيْسَ مَقْبُولًا مِنكُمْ، لِأنَّهُ لَيْسَ في حَقِّكُمْ، إنَّما يَنْفَعُكم ما يَجِبُ عَلَيْكم كَسْبُهُ، ﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هَلْ عَمِلْتُمْ بِهِ؟ وإنَّما تُسْألُونَ عَمّا كانَ يَعْمَلُ نَبِيُّكُمُ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِمُتابَعَتِهِ، فَإنَّ أعْمالَهُ ما هو كَسْبُكُمُ المَسْؤُولُ عَنْهُ، فَدَعُوا أنَّ هَذا ما أمَرَ بِهِ إبْراهِيمُ أوْ غَيْرُهُ وتَمَسَّكُوا بِما أمَرَ بِهِ نَبِيُّكُمْ، واعْتَبِرُوا إضافَةَ العَمَلِ إلَيْهِ دُونَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الآياتُ كَلامَ هَذا المُفَسِّرِ لَأمْكَنَ حَمْلُها عَلى هَذا التَّفْسِيرِ الَّذِي لا فَرْعَ ولا أصْلَ لَهُ، لَكِنَّها كَلامُ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي يَجِلُّ عَنِ الحَمْلِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ والتَّأْوِيلِ في الآياتِ السّابِقَةِ إلى هُنا، ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ أيْ بِمَراتِبِ الرُّوحانِيّاتِ كالقَلْبِ، والسِّرِّ، والرُّوحِ، والخَفاءِ، والوَحْدَةِ، والأحْوالِ، والمَقاماتِ الَّتِي يَعْبُرُ بِها عَلى تِلْكَ المَراتِبِ كالتَّسْلِيمِ، والتَّوَكُّلِ، والرِّضا، وعُلُومِها، ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ بِالسُّلُوكِ إلى اللَّهِ تَعالى، وفي اللَّهِ تَعالى، حَتّى الفَناءِ فِيهِ، ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ والرُّجُوعِ إلى الخَلْقِ مِنَ الحَقِّ تَؤُمُّهم وتَهْدِيهِمْ سُلُوكَ سَبِيلِي، ويَقْتَدُونَ بِكَ فَيَهْتَدُونَ، ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ فَلا يَكُونُونَ خُلَفائِي مَعَ ظُلْمِهِمْ، وظُلْمَتِهِمْ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ ومُجاوَزَةِ الحُدُودِ، ﴿وإذْ جَعَلْنا﴾ بَيْتَ القَلْبِ مَرْجِعًا لِلنّاسِ، ومَحَلَّ أمْنٍ وسَلامَةٍ لَهم إذا وصَلُوا إلَيْهِ، وسَكَنُوا فِيهِ، مِن شَرِّ غَوائِلِ صِفاتِ النَّفْسِ، وفَتْكِ قِتالِ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ، وإفْسادِها، وتَخْيِيلِ شَياطِينِ الوَهْمِ والخَيالِ، وإغْوائِهِمْ، ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ الَّذِي هو مَقامُ الرُّوحِ والخُلَّةِ مَوْطِنًا لِلصَّلاةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي هي المُشاهَدَةُ والخُلَّةُ الذَّوْقِيَّةُ، ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ أمَرْناهُما بِتَطْهِيرِ بَيْتِ القَلْبِ مِن قاذُوراتِ أحادِيثِ النَّفْسِ، ونَجاساتِ وساوِسِ الشَّيْطانِ، وأرْجاسِ دَواعِي الهَوى، وأدْناسِ صِفاتِ القُوى لِلسّالِكِينَ المُشْتاقِينَ الَّذِينَ يَدُورُونَ حَوْلَ القَلْبِ في سَيْرِهِمْ، والواصِلِينَ إلى مَقامِهِ بِالتَّوَكُّلِ الَّذِي هو تَوْحِيدُ الأفْعالِ والخاضِعِينَ الَّذِينَ بَلَغُوا إلى مَقامِ تَجَلِّي الصِّفاتِ، وكَمالِ مَرْتَبَةِ الرِّضا الغائِبِينَ في الوَحْدَةِ الفانِينَ فِيها، ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا﴾ الصَّدْرَ الَّذِي هو حَرِيمُ القَلْبِ ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ مِنَ اسْتِيلاءِ صِفاتِ النَّفْسِ، واغْتِيالِ العَدُوِّ اللَّعِينِ وتَخَطُّفِ جِنِّ القُوى البَدَنِيَّةِ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ﴾ ثَمَراتِ مَعارِفِ الرُّوحِ مَن وحَّدَ اللَّهَ تَعالى مِنهم وعَلِمَ المَعادَ إلَيْهِ، قالَ ومَنِ احْتَجَبَ أيْضًا مِنَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الصَّدْرَ ولا يُجاوِزُونَ حَدَّهُ بِالتَّرَقِّي إلى مَقامِ صفحة 393 العَيْنِ لِاحْتِجاجِهِمْ بِالعِلْمِ الَّذِي وِعاؤُهُ الصَّدْرُ ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ مِنَ المَعانِي العَقْلِيَّةِ، والمَعْلُوماتِ الكُلِّيَّةِ النّازِلَةِ إلَيْهِمْ مِن عالَمِ الرُّوحِ عَلى حَسَبِ اسْتِعْدادِهِمْ، ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ﴾ نارِ الحِرْمانِ والحِجابِ، ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ مَصِيرُهم لِتَعْذِيبِهِمْ بِنُقْصانِهِمْ، وعَدَمِ تَكْمِيلِ نَشْأتِهِمْ، ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ عَلى الكَيْفِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها قَبْلُ، وإسْماعِيلُ كَذَلِكَ قائِلِينَ ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ مُجاهَداتِنا ومَساعِيَنا في السُّلُوكِ إلَيْكَ بِإمْدادِ التَّوْفِيقِ ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ﴾ لِهَواجِسِ خَواطِرِنا فِيكَ، ﴿العَلِيمُ﴾ بِنِيّاتِنا وأسْرارِنا، ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ لا تَكِلْنا إلى أنْفُسِنا، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ المُنْتَمِينَ إلَيْنا ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا﴾ طُرُقَ الوُصُولِ إلى نَفْيِ ما سِواكَ، ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ لِنَفْنى فِيكَ عَنْ أنْفُسِنا وفَنائِنا، ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ﴾ المُوَفِّقُ لِلرُّجُوعِ إلَيْكَ ﴿الرَّحِيمُ﴾ بِمَن عَوَّلَ دُونَ السِّوى عَلَيْكَ، ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ وهو الحَقِيقَةُ المُحَمَّدِيَّةُ، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ الدّالَّةَ عَلَيْكَ، ﴿ويُعَلِّمُهُمُ﴾ كِتابَ العَقْلِ الجامِعِ لِصِفاتِكَ ﴿والحِكْمَةَ﴾ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ غَيْرِكَ، ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ ويُطَهِّرُهم عَنْ دَنَسِ الشِّرْكِ، ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ فَأنّى يَظْهَرُ سِواكَ، المُحْكِمُ لِما ظَهَرْتَ فِيهِ، فَلا يُرى إلّا إيّاكَ، ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ وهي التَّوْحِيدُ الصِّرْفُ إلّا مَنِ احْتَجَبَ عَنْ نُورِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ، وبَقِيَ في ظُلْمَةِ نَفْسِهِ، ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ فَكانَ مِنَ المَحْبُوبِينَ المُرادِينَ بِالسّابِقَةِ الأزَلِيَّةِ في عالَمِ المُلْكِ، وأنَّهُ في عالَمِ المَلَكُوتِ مِن أهْلِ الِاسْتِقامَةِ الصّالِحُ لِتَدْبِيرِ النِّظامِ، وتَكْمِيلِ النَّوْعِ، ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ أيْ وحِّدْ، وأسْلِمْ لِلَّهِ تَعالى ذاتَكَ ﴿قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفَنِيتُ فِيهِ، ووَصّى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ إبْراهِيمُ بَنِيهِ السّالِكِينَ عَلى يَدِهِ، وكَذَلِكَ يَعْقُوبُ ﴿يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ﴾ دِينَهُ الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ عِنْدَهُ، ﴿فَلا تَمُوتُنَّ﴾ بِالمَوْتِ الطَّبِيعِيِّ ومَوْتِ الجَهْلِ بَلْ كُونُوا مَيِّتِينَ بِأنْفُسِكم أحْياءَ بِاللَّهِ أبَدًا، فَيُدْرِكُكم مَوْتُ البَدَنِ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ فَلا تَكُونُوا مُقَيَّدِينَ بِالتَّقْلِيدِ البَحْتِ لَهُمْ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ إلّا ما كَسَبَ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، والِاعْتِقادِ والسِّيرَةِ، فَكُونُوا عَلى بَصِيرَةٍ في أمْرِكُمْ، واطْلُبُوا ما طَلَبُوا لِتَنالُوا ما نالُوا، ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ ومَن دَقَّ بابَ الكَرِيمِ ولَجَّ ولَجَ.

البقرة 2:135

﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ الضَّمِيرُ الغائِبُ لِأهْلِ الكِتابِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والمُرادُ مِنها رَدُّ دَعْوَتِهِمْ إلى دِينِهِمُ الباطِلِ إثْرَ رَدِّ ادِّعائِهِمُ اليَهُودِيَّةَ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، (وأوْ) لِتَنْوِيعِ المَقالِ، لا لِلتَّخْيِيرِ بِدَلِيلِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يُكَفِّرُ الآخَرَ أيْ قالَ اليَهُودُ لِلْمُؤْمِنِينَ: كُونُوا هُودًا، وقالَتِ النَّصارى لَهُمْ: كُونُوا نَصارى، (وتَهْتَدُوا) جَوابُ الأمْرِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ تَهْتَدُوا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في رُؤُوسِ يَهُودِ المَدِينَةِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، ووَهْبِ بْنِ يَهُوذا، وأبِي ياسِرِ بْنِ أحْطَبَ، وفي نَصارى أهْلِ نَجْرانَ، وذَلِكَ أنَّهم خاصَمُوا المُسْلِمِينَ في الدِّينِ، كُلُّ فِرْقَةٍ تَزْعُمُ أنَّها أحَقُّ بِدِينِ اللَّهِ مِن غَيْرِها، فَقالَتِ اليَهُودُ: نَبِيُّنا مُوسى أفْضَلُ الأنْبِياءِ، وكِتابُنا التَّوْراةُ أفْضَلُ الكُتُبِ، ودِينُنا أفْضَلُ الأدْيانِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى والإنْجِيلِ ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ، وقالَتِ النَّصارى: نَبِيُّنا عِيسى أفْضَلُ الأنْبِياءِ، وكِتابُنا الإنْجِيلُ أفْضَلُ الكُتُبِ، ودِينُنا أفْضَلُ الأدْيانِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ، وقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ: كُونُوا عَلى دِينِنا فَلا دِينَ إلّا ذَلِكَ، في رِوايَةِ ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ جَرِيرٍ، وغَيْرِهِما عَنْهُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيا الأعْوَرَ قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما الهُدى إلّا ما نَحْنُ عَلَيْهِ فاتَّبِعْنا يا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمُ الآيَةَ، (قُلْ) خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أيْ قُلْ لِأُولَئِكَ القائِلِينَ عَلى سَبِيلِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ صفحة 394 وتَبْيِينِ ما هو الحَقُّ لَدَيْهِمْ، وإرْشادِهِمْ إلَيْهِ، ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ لا نَكُونُ كَما تَقُولُونَ بَلْ نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ، أوْ بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، والأوَّلُ يَقْتَضِيهِ رِعايَةُ جانِبِ لَفْظِ ما تَقَدَّمَ، وإنِ احْتاجَ إلى حَذْفِ المُضافِ، والثّانِي يَقْتَضِيهِ المَيْلُ إلى جانِبِ المَعْنى، إذْ يُؤَوَّلُ الأوَّلُ إلى: اتَّبِعُوا مِلَّةَ اليَهُودِ، أوِ النَّصارى، مَعَ عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى التَّقْدِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بَلِ اتَّبِعُوا أنْتُمْ مِلَّتَهُ أوْ كُونُوا أهْلَ مِلَّتِهِ، وقِيلَ: الأظْهَرُ بَلْ نُؤْتى مِلَّةَ إبْراهِيمَ، ولَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُهُ، وقُرِئَ (بَلْ مِلَّةُ) بِالرَّفْعِ، أيْ بَلْ مِلَّتُنا، أوْ أمْرُنا مِلَّتُهُ، أوْ نَحْنُ مِلَّتُهُ، أيْ أهْلُها، وقِيلَ: بَلِ الهِدايَةُ أوْ تَهْدِي مِلَّةُ إبْراهِيمَ، وهو كَما تَرى، ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ مُسْتَقِيمًا، أوْ مائِلًا عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ، ويُوصَفُ بِهِ المُتَدَيِّنُ، والدِّينُ، وهو حالٌ، إمّا مِنَ المُضافِ بِتَأْوِيلِ الدِّينِ، أوْ تَشْبِيهًا لَهُ بِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ وهَذا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ، وتَقْدِيرِ: نَتَّبِعُ، ظاهِرٌ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: تَكُونُ عَلَيْها، فَلِأنَّ ﴿مِلَّةَ﴾ فاعِلُ الفِعْلِ المُسْتَفادِ مِنَ الإضافَةِ، أيْ تَكُونُ مِلَّةً ثَبَتَتْ لِإبْراهِيمَ، وعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ تَكُونُ الحالُ مُؤَكِّدَةٌ لِوُقُوعِها بَعْدَ جُمَلٍ اسْمِيَّةٍ جُزْآها جامِدانِ مَعْرِفَتانِ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِها لِاشْتِهارِ مِلَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ، فالنَّظْمُ عَلى حَدِّ: أنا حاتِمٌ جَوادًا، أوْ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ بِناءً عَلى ما ارْتَضَوْهُ مِن أنَّهُ يَجُوزُ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ في ثَلاثِ صُوَرٍ: إذا كانَ المُضافُ مُشْتَقًّا عامِلًا، أوْ جُزْءًا، أوْ بِمَنزِلَةِ الجُزْءِ في صِحَّةِ حَذْفِهِ، كَما هُنا، فَإنَّهُ يَصِحُّ: اتَّبِعُوا إبْراهِيمَ، بِمَعْنى: اتَّبِعُوا مِلَّتَهُ، وقِيلَ: إنَّ الَّذِي سَوَّغَ وُقُوعَ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لِمَعْنى الفِعْلِ المُسْتَفادِ مِنَ الإضافَةِ أوِ اللّامِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ أبِي البَقاءِ، ولَعَلَّهُ أوْلى لِاطِّرادِهِ في التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ: أعْنِي، ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿حَنِيفًا﴾ عَلى طِبْقِ ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ فَهو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، لا مِنَ المُضافِ، إلّا أنْ يُقَدَّرَ: وما كانَ دِينُ المُشْرِكِينَ، وهو تَكَلُّفٌ، والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِأهْلِ الكِتابِ، والعَرَبِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ اتِّباعَهُ، ويَدِينُونَ بِشَرائِعَ مَخْصُوصَةٍ بِهِ مِن حَجِّ البَيْتِ، والخِتانِ، وغَيْرِهِما، فَإنَّ في كُلِّ طائِفَةٍ مِنهم شُرَكاءَ، فاليَهُودُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، والعَرَبُ عَبَدُوا الأصْنامَ، وقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ،

البقرة 2:136

﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لا لِلْكافِرِينَ، كَما قِيلَ، لِما فِيهِ مِنَ الكَلَفِ والتَّكَلُّفِ، وبَيانٌ لِاتِّباعِ المَأْمُورِ بِهِ، فَهو بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ لِأنَّ الِاتِّباعَ يَشْمَلُ الِاعْتِقادَ والعَمَلَ، وهَذا بَيانُ الِاعْتِقادِ، أوْ بَدَلُ الِاشْتِمالِ لِما فِيهِ مِنَ التَّفْصِيلِ الَّذِي لَيْسَ في الأوَّلِ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهم سَألُوا كَيْفَ الِاتِّباعُ؟ فَأُجِيبُوا بِذَلِكَ، وأُمِرَ أوَّلًا بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وثانِيًا بِصِيغَةِ الجَمْعِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَكْفِي في الجَوابِ قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ مِن جانِبِ كُلِّ المُؤْمِنِينَ بِخِلافِ الِاتِّباعِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن قَوْلِ كُلِّ واحِدٍ، لِأنَّهُ شَرْطُ الإيمانِ، أوْ شَطْرُهُ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ البَيانِ، والتَّأْكِيدِ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ، ولِذا تُرِكَ العَطْفُ، لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وقُدِّمَ الإيمانُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّهُ أوَّلُ الواجِباتِ، ولِأنَّهُ بِتَقَدُّمِ مَعْرِفَتِهِ تَصِحُّ مَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ والشَّرْعِيّاتِ. ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ أيِ القُرْآنُ، وهو وإنْ كانَ في التَّرْتِيبِ النُّزُولِيِّ مُؤَخَّرًا عَنْ غَيْرِهِ، لَكِنَّهُ في التَّرْتِيبِ الإيمانِيِّ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ سَبَبُ الإيمانِ بِغَيْرِهِ، لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَهُ، ولِذا قَدَّمَهُ. ﴿وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ يَعْنِي الصُّحُفَ، وهي وإنْ نَزَلَتْ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَكِنْ لَمّا كانَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مُتَعَبَّدِينَ بِتَفاصِيلِها داخِلِينَ تَحْتَ أحْكامِها صَحَّ نِسْبَةُ صفحة 395 نُزُولِها إلَيْهِمْ أيْضًا، كَما صَحَّحَ تَعَبُّدَنا بِتَفاصِيلِ القُرْآنِ ودُخُولَنا تَحْتَ أحْكامِهِ نِسْبَةُ نُزُولِهِ إلَيْنا، والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ كَأحْمالٍ وحِمْلٍ، وهم أوْلادُ إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هم في أوْلادِ إسْحاقَ كالقَبائِلِ في أوْلادِ إسْماعِيلَ، مَأْخُوذٌ مِنَ السِّبْطِ وهو شَجَرَةٌ كَثِيرَةُ الأغْصانِ، فَكَأنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَتِهِمْ، وقِيلَ: مِنَ السُّبُوطَةِ، وهي الِاسْتِرْسالُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَقْلُوبُ البَسْطِ، وقِيلَ: لِلْحَسَنَيْنِ سِبْطا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِانْتِشارِ ذُرِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ ابْنِ بِنْتٍ: سِبْطٌ، وكَذا قِيلَ لَهُ: حَفِيدٌ أيْضًا، واخْتَلَفَ النّاسُ في الأسْباطِ أوْلادِ يَعْقُوبَ، هَلْ كانُوا كُلُّهم أنْبِياءَ، أمْ لا؟ والَّذِي صَحَّ عِنْدِي الثّانِي، وهو المَرْوِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، وألَّفَ فِيهِ، لِأنَّ ما وقَعَ مِنهم مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُنافِي النُّبُوَّةَ قَطْعًا، وكَوْنُهُ قَبْلَ البُلُوغِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، لِأنَّ فِيهِ أفْعالًا لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا البالِغُونَ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لا يُجْدِي نَفْعًا عَلى ما هو القَوْلُ الصَّحِيحُ في شَأْنِ الأنْبِياءِ، وكَمْ كَبِيرَةً تَضَمَّنَ ذَلِكَ الفِعْلُ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِمْ، والآيَةُ قَدْ عَلِمْتَ ما ذَكَرْنا فِيها، فاحْفَظْ ذَلِكَ هُدِيتَ. ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ أيِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ولِكَوْنِ أهْلِ الكِتابِ زادُوا ونَقَصُوا وحَرَّفُوا فِيهِما، وادَّعَوْا أنَّهُما أُنْزِلا كَذَلِكَ، والمُؤْمِنُونَ يُنْكِرُونَهُ، اهْتَمَّ بِشَأْنِهِما، فَأفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ، وبَيَّنَ طَرِيقَ الإيمانِ بِهِما، ولَمْ يُدْرِجْهُما في المَوْصُولِ السّابِقِ، ولِأنَّ أمْرَهُما أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى وعِيسى أنَّهُما مُنَزَّلانِ عَلَيْهِما حَقِيقَةً لا بِاعْتِبارِ التَّعَبُّدِ فَقَطْ، كَما في المُنَزَّلِ عَلى إسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، ولَمْ يُعِدِ المَوْصُولَ لِذَلِكَ في عِيسى لِعَدَمِ مُخالَفَةِ شَرِيعَتِهِ لِشَرِيعَةِ مُوسى، إلّا في النَّزْرِ، ولِذَلِكَ الِاهْتِمامِ عَبَّرَ بِالإيتاءِ دُونَ الإنْزالِ لِأنَّهُ أبْلَغُ لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ مِنهُ، ولِما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الإعْطاءِ الَّذِي فِيهِ شِبْهُ التَّمْلِيكِ والتَّفْوِيضِ، ولِهَذا يُقالُ: أنْزَلْتُ الدَّلْوَ في البِئْرِ، ولا تَقُولُ: آتَيْتُها إيّاها، ولَكَ أنْ تَقُولَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ هُنا ما هو أعَمُّ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ بِأيْدِي هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ الجَلِيلَيْنِ، حَسْبَما فُصِّلَ في التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، وإيثارُ الإيتاءِ لَهُ التَّعْمِيمُ، وتَخْصِيصُ النَّبِيَّيْنِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى. ﴿وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ وهي الكُتُبُ الَّتِي خَصَّتْ مَن خَصَّتْهُ مِنهُمْ، أوْ ما يَشْمَلُ ذَلِكَ، والمُعْجِزاتُ، وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، كَيْلا يَخْرُجَ مِنَ الإيمانِ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ، ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ (بِأُوتِيَ) قَبْلَهُ، والضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّينَ خاصَّةً، وقِيلَ: لِمُوسى وعِيسى أيْضًا، ويَكُونُ ”ما أُوتِيَ“ تَكْرِيرًا لِلْأُولى، والجارُّ مُتَعَلِّقًا بِها، وهو عَلى التَّقْدِيرَيْنِ ظَرْفُ لَغْوٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ (ما) مُبْتَدَأً والجارُّ خَبَرَهُ، بَعِيدٌ، ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ أيْ كَما فَرَّقَ أهْلُ الكِتابِ فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، بَلْ نُؤْمِنُ بِهِمْ جَمِيعًا، وإنَّما اعْتَبَرَ عَدَمَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ، مَعَ أنَّ الكَلامَ فِيما أُوتُوهُ لِاسْتِلْزامِ ذَلِكَ عَدَمَ التَّفْرِيقِ فِيهِ بَيْنَ ما أُتُوهُ، (وأحَدٌ) أصْلُهُ وحَدٌ بِمَعْنى واحِدٍ وحَيْثُ وقَعَ في سِياقِ النَّفْيِ عَمَّ واسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والكَثِيرُ، وصَحَّ إرادَةُ كُلٍّ مِنهُما، وقَدْ أُرِيدَ بِهِ هُنا الجَماعَةُ، ولِهَذا ساغَ أنْ يُضافَ إلَيْهِ (بَيْنَ)، ويُفِيدُ عُمُومَ الجَماعاتِ، كَذا قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وهو مُخالِفٌ لِما هو المَشْهُورُ عِنْدَ أرْبابِ العَرَبِيَّةِ مِن أنَّ المَوْضُوعَ في النَّفْيِ العامِّ أوِ المُسْتَعْمَلِ مَعَ كُلٍّ في الإثْباتِ هَمْزَتُهُ أصْلِيَّةٌ بِخِلافِ ما اسْتُعْمِلَ في الإثْباتِ بِدُونِ كُلٍّ، فَإنَّ هَمْزَتَهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، ومِن هُنا قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ: إنَّ (أحَدٍ) في مَعْنى الجَماعَةِ بِحَسَبِ الوَضْعِ لِأنَّهُ اسْمٌ لِمَن يَصْلُحُ أنْ يُخاطَبَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ، والمُؤَنَّثُ، والمُفْرَدُ، والمُثَنّى، والمَجْمُوعُ، ويُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالُهُ مَعَ صفحة 396 كَلِمَةِ كُلٍّ، أوْ مَعَ النَّفْيِ نَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ، وهَذا غَيْرُ الأحَدِ الَّذِي هو أوَّلُ العَدَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ولَيْسَ كَوْنُهُ في مَعْنى الجَماعَةِ مِن جِهَةِ كَوْنِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ عَلى ما سَبَقَ، إلى كَثِيرٍ مِنَ الأوْهامِ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ إلّا بِتَقْدِيرِ عَطْفِ أيْ رَسُولٍ ورَسُولٍ، ولَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ، لَيْسَ في مَعْنى كامْرَأةٍ مِنهُنَّ انْتَهى، وأنْتَ بَعْدَ التَّأمُّلِ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ لا يَرُدُّ عَلى ذَلِكَ البَعْضِ، وإنَّما تَرُدُّ عَلَيْهِ المُخالَفَةُ في الأصالَةِ وعَدَمِها فَقَطْ، ولَعَلَّ الأمْرَ فِيها سَهْلٌ، عَلى أنَّ دَعْوى عَدَمِ تِلْكِ الِاسْتِقامَةِ إلّا بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، فَقَدْ ذُكِرَ في الِانْتِصافِ أنَّ النَّكِرَةَ الواقِعَةَ في سِياقِ النَّفْيِ تُفِيدُ العُمُومَ لَفْظًا عُمُومًا شُمُولِيًّا حَتّى يُنْزَلَ المُفْرَدُ فِيها مَنزِلَةَ الجَمْعِ في تَناوُلِهِ الآحادَ مُطابِقَةً، لا كَما ظَنَّهُ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ مِن أنَّ مَدْلُولَها بِطَرِيقِ المُطابَقَةِ في النَّفْيِ كَمَدْلُولِها في الإثْباتِ، وجُعِلَ هَذا التَّعَدُّدُ والعُمُومُ وضْعًا هو المُسَوِّغُ لِدُخُولِ بَيْنَ عَلَيْها هُنا، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ (أحَدٍ) في الآيَةِ بِمَعْنى واحِدٍ، وعُمُومُهُ بَدَلِيٌّ، وصِحَّةُ دُخُولِ (بَيْنَ) عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْطُوفِ قَدْ، حُذِفَ لِظُهُورِهِ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم وغَيْرِهِ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنهُمْ، وبَيْنَ مَن عَداهُ كائِنًا مَن كانَ، ما لَيْسَ في أنْ يُقالَ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (آمَنّا)، ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ خاضِعُونَ لِلَّهِ تَعالى بِالطّاعَةِ مُذْعِنُونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: مُنْقادُونَ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، ومَن جَعَلَ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَقَدْ أبْعَدَ، والجُمْلَةُ حالٌ أُخْرى، أوْ عَطْفٌ عَلى آمَنّا.

البقرة 2:137

﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا﴾ إلَخْ، أوْ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ إلَخْ، وإنْ لِمُجَرَّدِ الفَرْضِ، والكَلامُ مِن بابِ الِاسْتِدْراجِ وإرْخاءِ العِنانِ مَعَ الخَصْمِ حَيْثُ يُرادُ تَبْكِيتُهُ، وهو مِمّا تَتَراكَضُ فِيهِ خُيُولُ المُناظِرِينَ، فَلا بَأْسَ بِحَمْلِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، يَعْنِي: نَحْنُ لا نَقُولُ: إنَّنا عَلى الحَقِّ وأنْتُمْ عَلى الباطِلِ، ولَكِنْ إنْ حَصَّلْتُمْ شَيْئًا مُساوِيًا لِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ أوِ التَّدَيُّنُ بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَيْتُمْ، ومَقْصُودُنا هِدايَتُكم كَيْفَما كانَتْ، والخَصْمُ إذا نَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ في هَذا الكَلامِ، وتَفَكَّرَ فِيهِ عَلِمَ أنَّ الحَقَّ ما عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ لا غَيْرُ، إذْ لا مِثْلَ لِما آمَنُوا بِهِ، وهو ذاتُهُ تَعالى، وكُتُبُهُ المُنَزَّلَةُ عَلى أنْبِيائِهِ، ولا دِينَ كَدِينِهِمْ، (فَآمَنُوا) مُتَعَدِّيَةٌ بِالباءِ، ومِثْلٌ عَلى ظاهِرِها، وقِيلَ: آمَنُوا جارٍ مَجْرى اللّازِمِ، والباءُ إمّا لِلِاسْتِعانَةِ والآلَةِ، والمَعْنى: إنْ دَخَلُوا في الإيمانِ بِواسِطَةِ شَهادَةٍ مِثْلِ شَهادَتِكم قَوْلًا واعْتِقادًا فَقَدِ اهْتَدَوْا، أوْ فَإنْ تَحَرَّوُا الإيمانَ بِطَرِيقٍ يَهْدِي إلى الحَقِّ مِثْلِ طَرِيقِكُمْ، فَإنَّ وحْدَةَ المَقْصِدِ لا تَأْبى تَعَدُّدَ الطُّرُقِ، كَما قِيلَ: الطُّرُقُ إلى اللَّهِ تَعالى بِعَدَدِ أنْفاسِ الخَلائِقِ، والمَقامُ مَقامُ تَعْيِينِ الدِّينِ الحَقِّ لا مَقامُ تَعْيِينِ شَخْصِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ لِيَأْتِيَ هَذا التَّوْجِيهُ، وإمّا زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرُ (بِهِ) لِلَّهِ، أوْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلَخْ، بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، أوْ لِلْقُرْآنِ، أوْ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: فَإنْ آمَنُوا بِما ذُكِرَ مِثْلَ إيمانِكم بِهِ، وإمّا لِلْمُلابَسَةِ أيْ فَآمَنُوا مُتَلَبِّسِينَ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ، أوْ فَإنْ آمَنُوا إيمانًا مُتَلَبِّسًا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ إيمانًا مُتَلَبِّسًا بِهِ، مِنَ الإذْعانِ والإخْلاصِ، وعَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المَثَلُ مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ أيْ عَلَيْهِ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ، (بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ)، وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ (بِما آمَنتُمْ بِهِ)، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: اقْرَءُوا ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلَّهِ تَعالى مِثْلٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى التَّفْسِيرِ لا عَلى أنَّهُ أنْكَرَ القِراءَةَ صفحة 397 المُتَواتِرَةَ، وخَفِيَ عَلَيْهِ مَعْناها، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُمْكِنُ الِاسْتِغْناءُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: فَإنْ آمَنَ اليَهُودُ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ كَمُؤْمِنِيهِمْ قَبْلَ التَّحْرِيفِ فَإنَّهم آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنَ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّ فِيما أُوتِيَ بِهِ النَّبِيُّونَ في زَمَنِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَبْلَهُ، إلّا أنَّ هَذا التَّوْجِيهَ يَقْتَضِي إبْقاءَ صِيغَةِ الماضِي عَلى مَعْناها كَما في قَوْلِهِمْ: إنْ أكْرَمَتْنِي فَقَدْ أكْرَمْتُكَ، فَتَأمَّلِ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُؤْمِنَ بِهِ لا يَتَصَوَّرُ فِيهِ التَّعَدُّدَ، وإبْقاءُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، والِاسْتِغْناءُ عَنْ جَمِيعِ ما ذُكِرَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ ذَلِكَ التَّعَدُّدِ المُحالِ، فَماذا عَسى يَنْفَعُ هَذا سِوى تَكْثِيرِ القِيلِ والقالِ، وتَوْسِيعِ دائِرَةِ النِّزاعِ، والجِدالِ، فَتَدَبَّرْ. ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ المَأْمُورِ بِهِ، أوْ عَنْ قَوْلِكم في جَوابِ قَوْلِهِمْ ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ أيْ مُخالَفَةٍ لِلَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ مُنازَعَةٍ ومُحارَبَةٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوْ عَداوَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِ الشِّقاقِ فَقِيلَ: مِنَ الشِّقِّ، أيِ الجانِبِ، وقِيلَ: مِنَ الشُّقَّةِ، وقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: شَقَّ العَصا إذا أظْهَرَ العَداوَةَ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ إمّا عَلى أنَّ المُرادَ مُشاقَّتُهُمُ الحادِثَةُ بَعْدَ تَوَلِّيهِمْ عَنِ الإيمانِ، وأُوثِرَتِ الِاسْمِيَّةُ لِلدِّلالَةِ عَلى ثَباتِهِمْ، واسْتِقْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ، وإمّا بِتَأْوِيلِ فاعْلَمُوا. ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَفْرِيحٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِوَعْدِ النَّصْرِ والغَلَبَةِ، وضَمانِ التَّأْيِيدِ والإعْزازِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لِلسِّينِ الدّالَّةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ البَتَّةَ، أوْ لِلتَّذْيِيلِ الآتِي حَيْثُ إنَّ السِّينَ في المَشْهُورِ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ التَّنْفِيسِ عَقِبَ ذِكْرِ ما يُؤَدِّي إلى الجِدالِ والقِتالِ، والمُرادُ: سَيَكْفِيكَ كَيْدَهُمْ، وشِقاقَهم لِأنَّ الكِفايَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ، بَلْ بِالأفْعالِ، وتَلْوِينُ الخِطابِ بِتَجْرِيدِهِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أنْجَزَ وعْدَهُ الكَرِيمَ بِما هو كِفايَةٌ لِلْكُلِّ مِن قَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وسَبْيِهِمْ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ لِما أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الأصْلُ والعُمْدَةُ في ذَلِكَ، وهو سِلْكُ حَبّاتِ أفْئِدَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَطْمَحُ نَظَرِ كَيْدِ الكافِرِينَ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ القِيامَ بِأُمُورِ الحُرُوبِ، وتَحَمُّلَ المَشاقِّ، ومُقاساةَ الشَّدائِدِ في مُناهَضَةِ الأعْداءِ مِن وظائِفِ الرُّؤَساءِ، فَنِعْمَتُهُ تَعالى في الكِفايَةِ، والنُّصْرَةِ في حَقِّهِ أتَمُّ وأكْمَلُ، ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ، أيْ هو السَّمِيعُ لِما تَدْعُو بِهِ، العَلِيمُ بِما في نِيَّتِكَ مِن إظْهارِ دِينِهِ، فَيَسْتَجِيبُ لَكَ، ويُوصِلُكَ إلى مُرادِكَ، أوْ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ بِمَعْنى يَسْمَعُ ما يُبْدُونَ، ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ، وهو مُعاقِبُهم عَلَيْهِ، وفِيهِ أيْضًا تَأْكِيدُ الوَعْدِ السّابِقِ، فَإنَّ وعِيدَ الكَفَرَةِ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ،

البقرة 2:138

﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ الصِّبْغَةُ بِالكَسْرِ فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ عَبَّرَ بِها عَنِ التَّطْهِيرِ بِالإيمانِ، بِما ذَكَرَ، عَلى الوَجْهِ الَّذِي فَصَّلَ، لِأنَّهُ ظَهَرَ أثَرُهُ عَلَيْهِمْ ظُهُورَ الصَّبْغِ عَلى المَصْبُوغِ، وتَداخَلَ في قُلُوبِهِمْ تَداخُلَهُ فِيهِ، وصارَ حِلْيَةً لَهُمْ، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ، والقَرِينَةُ الإضافَةُ، والجامِعُ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: لِلْمُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ فَإنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم بِماءٍ أصْفَرَ يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ، يَزْعُمُونَ أنَّهُ الماءُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُ تَطْهِيرٌ لِلْمَوْلُودِ كالخِتانِ لِغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: هو ماءٌ يُقَدَّسُ بِما يُتْلى مِنَ الإنْجِيلِ، ثُمَّ تُغْسَلُ بِهِ الحامِلاتُ، ويَرُدُّ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ الكَلامَ عامٌّ لِلْيَهُودِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالنَّصارى، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُعْتَبَرَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ كائِنٌ فِيما بَيْنَهم في الجُمْلَةِ، ونَصْبُها عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: (آمَنّا)، وهي مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ لِأنْفُسِها، فَلا يُنافِي كَوْنَها لِلنَّوْعِ، والعامِلُ فِيها صَبَغَنا، كَأنَّهُ قِيلَ: صَبَغَنا اللَّهُ صِبْغَتَهُ، وقُدِّرَ المَصْدَرُ مُضافًا إلى الفاعِلِ لِتَحَقُّقِ صفحة 398 شَرْطِ وُجُوبِ حَذْفِ عامِلِهِ مِن كَوْنِهِ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، إذْ لَوْ قُدِّرَ مُنْكَرًا لَكانَ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ أحَدِ جُزْئَيْهِ، أعْنِي الفِعْلَ فَقَطْ، نَحْوَ ضَرَبْتُ ضَرْبًا، وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلِ الإغْراءِ، أيِ الزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ، لا عَلَيْكُمْ، وإلّا لَوَجَبَ ذِكْرُهُ، كَما قِيلَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الواحِدِيُّ، ولا يَجِبُ حِينَئِذٍ إضْمارُ العامِلِ، لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ في الإغْراءِ بِصُورَتَيِ التَّكْرارِ أوِ العَطْفِ كالعَهْدِ العَهْدِ، وكالأهْلِ والوَلَدِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ والكِسائِيُّ وغَيْرُهم إلى أنَّها بَدَلٌ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (صِبْغَةَ) تَمْيِيزٌ مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَإ، نَحْوُ: زَيْدٌ أحْسَنُ مِن عَمْرٍو وجْهًا، والتَّقْدِيرُ: ومَن صِبْغَتُهُ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما يُقَدَّرُ: وجْهُ زَيْدٍ أحْسَنُ مِن وجْهِ عَمْرٍو، والتَّفْضِيلُ جارٍ بَيْنَ الصِّبْغَتَيْنِ لا بَيْنَ فاعِلَيْهِما، أيْ لا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ تَعالى، عَلى مَعْنى أنَّهُ أحْسَنُ مِن كُلِّ صِبْغَةٍ، وحَيْثُ كانَ مَدارُ التَّفْضِيلِ عَلى تَعْمِيمِ الحُسْنِ لِلْحَقِيقِيِّ والفَرْضِيَّ المَبْنِيِّ عَلى زَعْمِ الكَفَرَةِ، لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ في صِبْغَةِ غَيْرِهِ تَعالى حُسْنٌ في الجُمْلَةِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما في صِبْغَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ التَّبَجُّحِ، والِابْتِهاجِ، أوْ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلْإغْراءِ، ﴿ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ أيْ مُوَحِّدُونَ أوْ مُطِيعُونَ مُتَّبِعُونَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أوْ خاضِعُونَ مُسْتَكِنُّونَ في اتِّباعِ تِلْكَ المِلَّةِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِإفادَةِ اخْتِصاصِ العِبادَةِ لَهُ تَعالى، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ قَصْرِ ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ عَلَيْهِمْ، وعَدَمِ تَجاوُزِهِ إلى أهْلِ الكِتابِ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا لَهم بِالشِّرْكِ، أوْ عَدَمِ الِانْقِيادِ لَهُ تَعالى بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (آمَنّا)، وذَلِكَ يَقْتَضِي دُخُولَ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ في مَفْعُولِ: قُولُوا، لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالأجْنَبِيِّ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِالدَّوامِ، ولِمَن نَصَبَ (صِبْغَةَ) عَلى الإغْراءِ أوِ البَدَلِ أنْ يُضْمِرَ (قُولُوا) قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْطُوفًا عَلى الزَمُوا، عَلى تَقْدِيرِ الإغْراءِ، وإضْمارُ القَوْلِ سائِغٌ شائِعٌ، والقَرِينَةُ السِّياقُ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَقُولُ المُؤْمِنِينَ، وأنْ يُضْمِرَ اتَّبِعُوا في ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ لا نَتَّبِعُ، ويَكُونُ ﴿قُولُوا آمَنّا﴾ بَدَلًا مِنَ (اتَّبِعُوا) بَدَلَ البَعْضِ، لِأنَّ الإيمانَ داخِلٌ في اتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلا يَلْزَمُ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولا بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِالأجْنَبِيِّ، وما قِيلَ: إنَّهُ يَلْزَمُ الفَصْلُ بِبَدَلِ الفِعْلِ بَيْنَ المَفْعُولِ والمُبْدَلِ مِنهُ، فَفِيهِ أنَّ (قُولُوا) لَيْسَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ فَقَطْ، بَلِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ، فَلا مَحْذُورَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالًا مِن لَفْظَةِ اللَّهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ أيْ صِبْغَتُهُ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ، أوِ الإرْشادِ، أوْ حِفْظِ الفِطْرَةِ أحْسَنُ الأصْباغِ حالَ إخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى،

البقرة 2:139

﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾ تَجْرِيدُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وقَرَأ زَيْدٌ والحَسَنُ وغَيْرُهُما بِإدْغامِ النُّونِ، أيْ تُجادِلُونا، ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيْ في دِينِهِ، وتَدَّعُونَ أنَّ دِينَهُ الحَقَّ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ، وتَبْنُونَ دُخُولَ الجَنَّةِ والِاهْتِداءَ عَلَيْهِما، وقِيلَ: المُرادُ في شَأْنِ اللَّهِ تَعالى واصْطِفائِهِ نَبِيًّا مِنَ العَرَبِ دُونَكم بِناءً عَلى أنَّ الخِطابَ لِأهْلِ الكِتابِ، وسَوْقُ النَّظْمِ يَقْتَضِي أنْ تُفَسَّرَ المُحاجَّةُ بِما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والمُحاجَّةُ في الدِّينِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والقَرِينَةُ عَلى التَّقْيِيدِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ قَبْلُ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ وبَعْدُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ حَيْثُ إنَّهُ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِ أهْلِ الكِتابِ شَهادَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: الأنْبِياءُ كُلُّهم مِنّا، فَلَوْ كُنْتُ نَبِيًّا لَكُنْتَ مِنّا، فَنَزَلَتْ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ المُحاجَّةَ في الدِّينِ عَلى ما ذَكَرْنا مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ، عَلى أنَّ ظاهِرَ السَّوْقِ يَقْتَضِي ذَمَّهم بِما صارَ دَيْدَنًا لَهُمْ، وشَنْشَنَةً فِيهِمْ، حَتّى عُرِفُوا فِيهِ، ومُشْرِكُو العَرَبِ، وإنْ حاجُّوا في الدِّينِ صفحة 399 أيْضًا، لَكِنَّهم لَمْ يَصِلُوا فِيهِ إلى رُتْبَةِ أهْلِ الكِتابِ، لِما أنَّهم أُمِّيُّونَ عارُونَ عَنْ سائِرِ العُلُومِ، جاهِلُونَ بِوَظائِفِ البَحْثِ بِالكُلِّيَّةِ نَظَرًا إلى أُولَئِكَ القائِمِينَ عَلى ساقِ الجِدالِ، وإنَّ القَرِينَتَيْنِ السّابِقَةَ واللّاحِقَةَ عَلى التَّقْيِيدِ في غايَةِ الخَفاءِ، وأنَّ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ لَيْسَ مَذْكُورًا في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ ولا التَّفاسِيرِ المُعْتَبَرَةِ كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ وكَفى بِهِ حُجَّةً في هَذا الشَّأْنِ. ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْ: أتُجادِلُونَنا والحالُ أنَّهُ لا وجْهَ لِلْمُجادَلَةِ أصْلًا، لِأنَّهُ تَعالى مالِكُ أمْرِنا وأمْرِكُمْ، ﴿ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ لَنا جَزاءُ أعْمالِنا الحَسَنَةِ المُوافِقَةِ لِأمْرِهِ، ولَكم جَزاءُ أعْمالِكُمُ السَّيِّئَةِ المُخالِفَةِ لِحُكْمِهِ، ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ في تِلْكَ الأعْمالِ لا نَبْتَغِي بِها إلّا وجْهَهُ، فَأنّى لَكُمُ المُحاجَّةُ ودَعْوى حَقِّيَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والقَطْعُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ بِسَبَبِهِ، ودَعْوَةِ النّاسِ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كَجُمْلَتَيْ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ اعْتِراضٌ، وتَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ الَّذِي عَقَّبَ بِهِ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعالى، لا عَطْفٌ، وتَحْرِيرُهُ أنَّ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مُناسِبٌ (لِآمَنّا) أيْ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وبِما أنْزَلَ عَلى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، ونَسْتَسْلِمُ لَهُ، ونَنْقادُ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ مُلائِمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ لِأنَّها بِمَعْنى دِينِ اللَّهِ، فالمَصْدَرُ كالفَذْلَكَةِ لِما سَبَقَ، وهَذِهِ الآيَةُ مُوافِقَةٌ لِما قَبْلَها، ولَعَلَّ الذَّوْقَ السَّلِيمَ لا يَأْباهُ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ مَعْنى ﴿وهُوَ رَبُّنا﴾ إلَخْ، أنَّهُ لا اخْتِصاصَ لَهُ تَعالى بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، فَيُصِيبُ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُكْرِمَنا بِأعْمالِنا، كَما أكْرَمَكم بِأعْمالِكُمْ، كَأنَّهُ ألْزَمَهم عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ يَفْتَحُونَهُ إفْحامًا، وتَبْكِيتًا، فَإنَّ كَرامَةَ النُّبُوَّةِ إمّا تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فالكُلُّ فِيهِ سَواءٌ، وإمّا إفاضَةُ حَقٍّ عَلى المُسْتَحِقِّينَ لَها بِالمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ، والتَّحَلِّي بِالإخْلاصِ، فَكَما أنَّ لَكم أعْمالًا، رُبَّما يَعْتَبِرُها اللَّهُ تَعالى في إعْطائِها، فَلَنا أيْضًا أعْمالٌ ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ بِها لا أنْتُمْ، فَمَعَ بِنائِهِ عَلى ما عَلِمْتَ رَكاكَتَهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِسِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ، بَلْ غَيْرُ صَحِيحٍ في نَفْسِهِ، كَما أفْتى بِهِ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، لِما أنَّ المُرادَ بِالأعْمالِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والسَّيِّئَةِ، ولا رَيْبَ أنَّ أمْرَ الصَّلاحِ والسُّوءِ يَدُورُ عَلى مُوافَقَةِ الدِّينِ المَبْنِيِّ عَلى البَعْثَةِ ومُخالَفَتِهِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اعْتِبارُ تِلْكَ الأعْمالِ في اسْتِحْقاقِ النُّبُوَّةِ واسْتِعْدادِها المُتَقَدِّمِ عَلى البَعْثَةِ بِمَراتِبِ هَذا! وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في الإخْلاصِ، فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «(سَألْتُ جِبْرِيلَ عَنِ الإخْلاصِ ما هُوَ؟ فَقالَ: سَألْتُ رَبَّ العِزَّةِ عَنْهُ فَقالَ: سِرٌّ مِن أسْرارِي، اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَن أحْبَبْتُهُ مِن عِبادِي)،» وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الإخْلاصُ أنْ لا تُشْرِكَ في دِينِهِ ولا تُراءِ أحَدًا في عَمَلِهِ، وقالَ الفُضَيْلُ: تَرْكُ العَمَلِ مِن أجْلِ النّاسِ رِياءٌ، والعَمَلُ مِن أجْلِ النّاسِ شِرْكٌ، والإخْلاصُ أنْ يُعافِيَكَ اللَّهُ تَعالى مِنهُما، وقالَ حُذَيْفَةُ المَرْعَشِيُّ: أنْ تَسْتَوِيَ أفْعالُ العَبْدِ في الباطِنِ والظّاهِرِ، وقالَ أبُو يَعْقُوبَ: المَكْفُوفُ أنْ يَكْتُمَ العَبْدُ حَسَناتِهِ كَما يَكْتُمُ سَيِّئاتِهِ، وقالَ سَهْلٌ: هو الإفْلاسُ، ومَعْناهُ احْتِقارُ العَمَلِ، وهو مَعْنى قَوْلِ رُوَيْمٍ: ارْتِفاعُ عَمَلِكَ عَنِ الرُّؤْيَةِ، قِيلَ: ومُقابِلُ الإخْلاصِ الرِّياءُ، وذَكَرَ سُلَيْمانُ الدّارانِيُّ ثَلاثَ عَلاماتٍ لَهُ: الكَسَلُ عِنْدَ العِبادَةِ في الوَحْدَةِ، والنَّشاطُ في الكَثْرَةِ، وحُبُّ الثَّناءِ عَلى العَمَلِ.

البقرة 2:140

﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ (أمْ) إمّا مُتَّصِلَةٌ مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الأمْرِ، والمُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ إنْكارُهُما مَعًا بِمَعْنى: كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ مُنْكَرٌ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إقامَةُ الحُجَّةِ، وتَنْوِيرُ البُرْهانِ عَلى حَقِّيَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والحالُ ما ذُكِرَ، والتَّشَبُّثُ بِذَيْلِ التَّقْلِيدِ والِافْتِراءِ صفحة 400 عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفائِدَةُ هَذا الأُسْلُوبِ مَعَ أنَّ العِلْمَ حاصِلٌ بِثُبُوتِ الأمْرَيْنِ الإشارَةُ إلى أنَّ أحَدَهُما كافٍ في الذَّمِّ، فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا، كَما تَقُولُ لِمَن أخْطَأ تَدْبِيرًا ومَقالًا: أتَدْبِيرُكَ أمْ تَقْرِيرُكَ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ مِن أنَّ الِاتِّصالَ يَسْتَدْعِي وُقُوعَ إحْدى الجُمْلَتَيْنِ، والسُّؤالَ عَنْ تَعْيِينِ إحْداهُما، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، إذْ وقَعَتا مَعًا، وإمّا مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ، والهَمْزَةُ دالَّةٌ عَلى الإضْرابِ، والِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى المُحاجَّةِ إلى التَّوْبِيخِ عَلى الِافْتِراءِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَرَأ غَيْرُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ (أمْ يَقُولُونَ) بِالياءِ، ويَتَعَيَّنُ كَوْنُ (أمْ) حِينَئِذٍ مُنْقَطِعَةً لِما فِيها مِنَ الإضْرابِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ولا يَحْسُنُ في المُتَّصِلَةِ أنْ يَخْتَلِفَ الخِطابُ مِن مُخاطَبٍ إلى غَيْرِهِ، كَما يَحْسُنُ في المُنْقَطِعَةِ، ويَكُونُ الكَلامُ اسْتِئْنافًا غَيْرَ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ، بَلْ وارِدٌ مِنهُ تَعالى تَوْبِيخًا لَهُمْ، وإنْكارًا عَلَيْهِمْ، وحَكى أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ جَوازَ الِاتِّصالِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: أتَقُومُ يا زَيْدُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو، صَحَّ الِاتِّصالُ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ المِثالَ غَيْرُ جَيِّدٍ، لِأنَّ القائِلَ فِيهِ واحِدٌ والمُخاطَبَ واحِدٌ، والقَوْلُ في الآيَةِ مِنَ اثْنَيْنِ، والمُخاطَبُ اثْنانِ غَيْرَ أنْ يَتَّجِهَ مُعادَلَةُ (أمْ) لِلْهَمْزَةِ عَلى الحُكْمِ المَعْنَوِيِّ كانَ مَعْنى ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾ أيْ يُحاجُّونَ يا مُحَمَّدُ أمْ يَقُولُونَ، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالِانْقِطاعِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا فَلا أقَلَّ مِن أنَّهُ أوْلى. ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ أيْ لَسْتُمْ أعْلَمَ بِحالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في بابِ الدِّينِ بَلِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِذَلِكَ، وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِنَفْيِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ عَنْهُ، واحْتُجَّ عَلى انْتِفائِهِما عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ وهَؤُلاءِ المَعْطُوفُونَ عَلَيْهِ أتْباعُهُ في الدِّينِ وِفاقًا، فَحالُهم حالُهُ، فَلِمَ تَدْعُونَ لَهُ ولَهم ما نَفى اللَّهُ تَعالى؟ فَما ذَلِكَ إلّا جَهْلٌ غالٍ، ولَجاجٌ مَحْضٌ، ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ ثابِتَةً عِنْدَهُ، واصِلَةً ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ إلَيْهِ، وهي شَهادَتُهُ تَعالى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحَنِيفِيَّةِ والبَراءَةِ عَنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ حَسْبَما تُلِيَ آنِفًا، وجِيءَ بِالوَصْفَيْنِ لِتَعْلِيلِ الإنْكارِ وتَأْكِيدِهِ، فَإنَّ ثُبُوتَ الشَّهادَةِ عِنْدَهُ وكَوْنُها مِن جانِبِ جَنابِ العَلِيِّ الأعْلى عَزَّ شَأْنُهُ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى إقامَتِها، وأشَدِّ الزَّواجِرِ عَنْ كِتْمانِها، وتَقْدِيمُ الأوَّلِ مَعَ أنَّهُ مُتَأخِّرٌ في الوُجُودِ لِمُراعاةِ طَرِيقِ التَّرَقِّي، والمَعْنى لا أحَدَ أظْلَمُ مِن أهْلِ الكِتابِ، حَيْثُ كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ، وأثْبَتُوا نَقِيضَها بِما ذُكِرَ مِنَ الِافْتِراءِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ يُقَرِّرُ ما أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ مِنَ ادِّعاءِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وتَعْلِيقُ الأظْلَمِيَّةِ بِمُطْلَقِ الكِتْمانِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ مَرْتَبَةَ مَن يَرُدُّها ويَشْهَدُ بِخِلافِها في الظُّلْمِ خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ البَيانِ، أوْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنّا لَوْ كَتَمْنا هَذِهِ الشَّهادَةَ، ولَمْ نُقِمْها في مَقامِ المُحاجَّةِ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ ما أُوقِعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ مِن أنَّهم شاهِدُونَ بِما شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، مُصَدِّقُونَهُ بِما أعْلَمَهُمْ، وجَعَلَها عَلى هَذا مِن تَتِمَّةِ ﴿قُولُوا آمَنّا﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى إظْهارِ الشَّهادَةِ، وعَلى الأوَّلِ مِن تَتِمَّةِ ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى كِتْمانِها ظاهِرُ التَّعَسُّفِ، ولا يَخْفى أنَّ في الآيَةِ تَعْرِيضًا بِغايَةِ أظْلَمِيَّةِ أهْلِ الكِتابِ عَلى نَحْوِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وفي إطْلاقِ الشَّهادَةِ مَعَ أنَّ المُرادَ بِها ما تَقَدَّمَ مِنَ الشَّهادَةِ المُعَيَّنَةِ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِهِمْ شَهادَةَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفي (رَيِّ الظَّمْآنِ) أنَّ (مَن) صِلَةُ (أظْلَمَ)، والكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ، والتَّأْخِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن أظْلَمُ مِنَ اللَّهِ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً حَصَلَتْ عِنْدَهُ، كَقَوْلِكَ: ومَن أظْلَمُ مِن زَيْدٍ مِن جُمْلَةِ الكاتِمِينَ لِلشَّهادَةِ، والمَعْنى: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ وبَنُوهُ يَهُودًا، أوْ نَصارى، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَمَ هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِمَّنْ يَكْتُمُ الشَّهادَةَ أظْلَمَ مِنهُ، لَكِنْ لَمّا اسْتَحالَ ذَلِكَ مَعَ عَدْلِهِ وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ عَلِمْنا أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ (مَن) صِلَةُ (كَتَمَ) صفحة 401 والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ كَتَمَ مِن عِبادِ اللَّهِ شَهادَةً عِنْدَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم عَلى مَنعِ أنْ يُوَصِّلُوا إلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى، ويُؤَدُّوا إلَيْهِمْ شَهادَةَ الحَقِّ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ وانْحِطاطِ المَعْنى، فَلْيُنَزَّهْ كِتابُ اللَّهِ تَعالى العَظِيمُ عَنْهُ، عَلى أنَّكَ لَوْ نَظَرْتَ بِعَيْنِ الإنْصافِ رَأيْتَ الوَجْهَ الثّانِيَ مِنَ الأوَّلَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، لِأنَّ الآيَةَ إنَّما تَقَدَّمَها الإنْكارُ لِما نُسِبَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، فالَّذِي يَلِيقُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَعَ أهْلِ الكِتابِ لا مَعَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأتْباعِهِ، لِأنَّهم مُقِرُّونَ بِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وعالِمُونَ بِذَلِكَ، فَلا يُفْرَضُ في حَقِّهِمْ كِتْمانُهُ، والتَّذْيِيلُ الَّذِي ادُّعِيَ فِيهِ خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا. ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، هَلِ الكِتابُ أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتْرُكُ أمْرَكم سُدًى بَلْ هو مُحَصِّلٌ لِأعْمالِكم مُحِيطٌ بِجَمِيعِ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ، فَيُعاقِبُكم بِذَلِكَ أشَدَّ عِقابٍ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كِتْمانُهم لِشَهادَتِهِ تَعالى، وافْتِراؤُهم عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقُرِئَ (عَمّا يَعْمَلُونَ) بِصِيغَةِ الغَيْبَةِ، فالضَّمِيرُ إمّا لِمَن (كَتَمَ) بِاعْتِبارِ المَعْنى، أوْ لِأهْلِ الكِتابِ.

البقرة 2:141

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ عَمّا اسْتَحْكَمَ في الطِّباعِ مِنَ الِافْتِخارِ بِالآباءِ، والِاتِّكالِ عَلَيْهِمْ كَما يُقالُ: اتَّقِ اللَّهَ اتَّقِ اللَّهَ، أوْ تَأْكِيدٌ وتَقْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ، يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى يُجازِيكم عَلى أعْمالِكُمْ، ولا تَنْفَعُكم آباؤُكُمْ، ولا تُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ أعْمالِهِمْ، بَلْ عَنْ أعْمالِ أنْفُسِكُمْ، وقِيلَ: الخِطابُ فِيما سَبَقَ لِأهْلِ الكِتابِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ لَنا تَحْذِيرًا عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمَّةِ في الأوَّلِ الأنْبِياءُ، وفي الثّانِي أسْلافُ اليَهُودِ، لِأنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا في إبْراهِيمَ وبَنِيهِ: إنَّهم كانُوا ما كانُوا، فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّهم عَلى مِثْلِ طَرِيقَةِ أسْلافِنا، فَصارَ سَلَفُهم في حُكْمِ المَذْكُورِينَ، فَجازَ أنْ يُعْنَوْا بِالآيَةِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّعَسُّفِ الظّاهِرِ.

البقرة 2:142

صفحة 2 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ أيِ الخِفافُ الأحْلامِ أوِ المُسْتَمْهِنُوها بِالتَّقْلِيدِ المَحْضِ والإعْراضِ عَنِ التَّدَبُّرِ والمُتَبادِرُ مِنهم ما يَشْمَلُ سائِرَ المُنْكِرِينَ لِتَغَيُّرِ القِبْلَةِ مِنَ المُنافِقِينَ واليَهُودِ والمُشْرِكِينَ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ الِاقْتِصارُ عَلى الأوَّلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الِاقْتِصارُ عَلى الثّانِي، وعَنِ الحَسَنِ الِاقْتِصارُ عَلى الثّالِثِ، ولَعَلَّ المُرادَ بَيانُ طائِفَةٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حَقِّهِمْ لا حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْها؛ لِأنَّ الجَمْعَ فِيها مُحَلّى بِاللّامِ وهو يُفِيدُ العُمُومَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الكُلُّ، والتَّخْصِيصُ بِالبَعْضِ يَدْعُو إلَيْهِ داعٍ، وتَقْدِيمُ الإخْبارِ بِالقَوْلِ عَلى الوُقُوعِ لِتَوْطِينِ النَّفْسِ بِهِ، فَإنَّ مُفاجَأةَ المَكْرُوهِ أشَدُّ إيلامًا، والعِلْمَ بِهِ قَبْلَ الوُقُوعِ أبْعَدُ مِنَ الِاضْطِرابِ، ولِما أنَّ فِيهِ إعْدادَ الجَوابِ، والجَوابُ المُعَدُّ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْطَعُ لِلْخَصْمِ، وفي المَثَلِ: قَبْلَ الرَّمْيِ يُراشُ السَّهْمُ. ولِيَكُونَ الوُقُوعُ بَعْدَ الإخْبارِ مُعْجِزَةً لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: إنَّ الوَجْهَ في التَّقْدِيمِ هو التَّعْلِيمُ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أثَرُ السَّفاهَةِ، فَلا يُبالى بِهِ، ولا يُتَألَّمُ مِنهُ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّعْلِيمَ والتَّنْبِيهَ المَذْكُورَيْنِ يَحْصُلانِ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ هَذا السُّؤالِ والجَوابِ ولَوْ بَعْدَ الوُقُوعِ. وقالَ القَفّالُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، وإنَّ لَفْظَ ”سَيَقُولُ“ مُرادٌ مِنهُ الماضِيَ، وهَذا كَما يَقُولُ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ عَمَلًا فَطَعَنَ فِيهِ بَعْضُ أعْدائِهِ: أنا أعْلَمُ أنَّهم سَيَطْعَنُونَ فِيَّ كَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ إذا ذَكَرَ مَرَّةً فَيَذْكُرُونَهُ مَرّاتٍ أُخْرى، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لِما قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحِبُّ أنْ يَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ السُّفَهاءُ وهُمُ اليَهُودُ ﴿ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ،» وفي رِوايَةِ أبِي إسْحاقَ وعُبَيْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ عَنْهُ زِيادَةٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ إلَخْ. ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ الأُولى قَدْحٌ في الأُصُولِ، وهَذا في أمْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِالفُرُوعِ، وإنَّما لَمْ يَعْطِفْ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الشَّناعَةِ. ﴿مِنَ النّاسِ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ مِنهُمُ الجِنْسُ، وفائِدَةُ ذِكْرِهِ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِ سَفاهَتِهِمْ بِالقِياسِ إلى الجِنْسِ، وقِيلَ: الكَفَرَةُ، وفائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المَحْكِيَّ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِن تِلْكَ الطَّوائِفِ، بَلْ عَنْ أشْقِيائِهِمُ المُعْتادِينَ لِلْخَوْضِ في آسِنِ الفَسادِ، والأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى. ﴿ما ولاهُمْ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ صَرَفَهم، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو حُصُولُ الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ. ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، وهي فِعْلَةٌ مِنَ المُقابَلَةِ، كالوِجْهَةِ مِنَ الواجِهَةِ، وأصْلُها الحالَةُ الَّتِي كانَ عَلَيْها المُقابِلُ، إلّا أنَّها في العُرْفِ العامِّ اسْمٌ لِلْمَكانِ صفحة 3 المُقابِلِ المُتَوَجَّهِ إلَيْهِ لِلصَّلاةِ. ﴿الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ أيْ عَلى اسْتِقْبالِها، والمَوْصُولُ صِفَةُ القِبْلَةِ، وفي وصْفِها بِذَلِكَ بَعْدَ إضافَتِها إلى ضَمِيرِ المُسْلِمِينَ تَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ، ومَدارُ هَذا الإنْكارِ بِالنِّسْبَةِ إلى اليَهُودِ زَعْمُهُمُ اسْتِحالَةَ النَّسْخِ، وكَراهَتُهم مُخالَفَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم في القِبْلَةِ، حَتّى أنَّهم قالُوا لَهُ: ارْجِعْ إلى قِبْلَتِنا نَتَّبِعْكَ ونُؤْمِن بِكَ، ولَعَلَّهم ما أرادُوا بِذَلِكَ إلّا فِتْنَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبِالنِّسْبَةِ إلى مُشْرِكِي العَرَبِ القَصْدُ إلى الطَّعْنِ في الدِّينِ وإظْهارُ أنَّ كُلًّا مِنَ التَّوَجُّهِ إلَيْها والِانْصِرافِ عَنْها بِغَيْرِ داعٍ إلَيْهِ حَتّى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ رَغِبَ عَنْ قِبْلَةِ آبائِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْها، ولَيَرْجِعَنَّ إلى دِينِهِمْ أيْضًا، وبِالنِّسْبَةِ إلى المُنافِقِينَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ أُصُولِهِمْ، فَإنَّ فِيهِمُ اليَهُودَ وغَيْرَهم، واخْتَلَفَ النّاسُ في مُدَّةِ بَقائِهِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ؛ فَفي رِوايَةِ البُخارِيِّ ما عَلِمْتَ، وفي رِوايَةِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ تِسْعَةُ أشْهُرٍ أوْ عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وعَنْ مُعاذٍ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وعَنِ الصّادِقِ سَبْعَةُ أشْهُرٍ، وهَلِ اسْتَقْبَلَ غَيْرُهُ قَبْلُ بِمَكَّةَ أمْ لا ؟ قَوْلانِ أشْهَرُهُما الثّانِي، وهو المَرْوِيُّ أيْضًا عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ أيْ جَمِيعُ الأمْكِنَةِ والجِهاتِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ تَعالى، مُسْتَوِيَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ لا اخْتِصاصَ لِشَيْءٍ مِنها بِهِ جَلَّ وعَلا، إنَّما العِبْرَةُ لِامْتِثالِ أمْرِهِ، فَلَهُ أنْ يُكَلِّفَ عِبادَهُ بِاسْتِقْبالِ أيِّ مَكانٍ وأيِّ جِهَةٍ شاءَ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ طَرِيقٍ مُسْتَوٍ، وهو ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ التَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ تارَةً وإلى الكَعْبَةِ أُخْرى، والجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِمّا تَقَدَّمَ، وهو إشارَةٌ إلى مُصَحِّحِ التَّوْلِيَةِ، وهَذا إلى مُرَجِّحِها كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ لِلتَّوْلِيَةِ المَذْكُورَةِ هِدايَةً يَخُصُّ اللَّهُ تَعالى بِها مَن يَشاءُ ويَخْتارُ مِن عِبادِهِ، وقَدْ خَصَّنا بِها فَلَهُ الحَمْدُ.

البقرة 2:143

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ وقَعا خِطابًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتِطْرادًا لِمَدْحِ المُؤْمِنِينَ بِوَجْهٍ آخَرَ، أوْ تَأْكِيدًا لِرَدِّ الإنْكارِ بِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ وأهْلَ هَذِهِ المِلَّةِ شُهَداءُ عَلَيْكم يَوْمَ الجَزاءِ، وشَهاداتُهم مَقْبُولَةٌ عِنْدَكم، فَأنْتُمْ إذًا أحَقُّ بِاتِّباعِهِمْ والِاقْتِداءِ بِهِمْ، فَلا وجْهَ لِإنْكارِكم عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الجَعْلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِجَعَلْناكُمْ، وجِيءَ بِما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ تَفْخِيمًا، والكافُ مُقْحَمٌ لِلْمُبالَغَةِ، وهو إقْحامٌ مُطَّرِدٌ، ومَحَلُّها في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأصْلُ التَّقْدِيرِ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا جَعْلًا كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ، فَقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، وأُقْحِمَتِ الكافُ فَصارَ نَفْسَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لا نَعْتًا لَهُ، أيْ ذَلِكَ الجَعْلُ البَدِيعُ جَعَلْناكم لا جَعْلًا آخَرَ أدْنى مِنهُ، كَذا قالُوا، وقَدْ ذَكَرْنا قَبْلُ أنَّ ”كَذَلِكَ“ كَثِيرًا ما يُقْصَدُ بِها تَثْبِيتُ ما بَعْدَها، وذَلِكَ لِأنَّ وجْهَ الشَّبَهُ يَكُونُ كَثِيرًا في النَّوْعِيَّةِ والجِنْسِيَّةِ كَقَوْلِكَ: هَذا الثَّوْبُ كَهَذا الثَّوْبِ في كَوْنِهِ خَزًّا أوْ بَزّا، وهَذا التَّشْبِيهُ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ مِثْلِهِ وثُبُوتَهُ في ضِمْنِ النَّوْعِ، فَأُرِيدَ بِهِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ مُجَرَّدُ الثُّبُوتِ لِما بَعْدَهُ، ولَمّا كانَتِ الجُمْلَةُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ كانَ مَعْناها مَوْجُودًا بِدُونِها، وهي مُؤَكِّدَةٌ لَهُ، فَكانَتْ كالكَلِمَةِ الزّائِدَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ الكافَ مُقْحَمَةٌ لا أنَّها زائِدَةٌ كَما يُوهِمُهُ كَلامُهم، وأمّا اسْتِفادَةُ كَوْنِ ما بَعْدَها عَجِيبًا فَلَيْسَ إلّا لِأنَّ ما لَيْسَ كَذَلِكَ لا يَحْتاجُ لِبَيانٍ، فَلَمّا اهْتَمَّ بِإثْباتِهِ في الكَلامِ البَلِيغِ عُلِمَ أنَّهُ أمْرٌ غَرِيبٌ، أوْ لِحَمْلِ البَعْدِ المَفْهُومِ مِن ذَلِكَ عَلى البْعْدِ الرَّتَبِيِّ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ”كَذَلِكَ“ لِلتَّشْبِيهِ ”بِجَعَلَ“ مَفْهُومٌ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ أيْ مِثْلَ ما جَعَلْناكم مَهْدِيِّينَ، أوْ جَعَلْنا قِبْلَتَكم أفْضَلَ القِبَلِ -جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا- ويُرَدُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ المَحَلَّ المُشَبَّهَ بِهِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ مُؤْمِنِي الأُمَمِ السّابِقَةِ كانُوا أيْضًا مُهْتَدِينَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وكانَتْ قِبْلَةُ بَعْضِهِمْ أفْضَلَ القِبَلِ أيْضًا، والجَعْلُ المُشَبَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِمْ، فَلا يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ عَلى أنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنَ السّابِقِ سِوى أنَّ التَّوَجُّهَ إلى كُلِّ صفحة 4 واحِدِ القِبْلَتَيْنِ في وقْتِهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، والأمْرُ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ هِدايَةٌ ولا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ قِبْلَتَهم أفْضَلُ القِبَلِ، والنّاسِخُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنَ المَنسُوخِ -اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادُ القائِلِ كَما جَعَلْنا قِبْلَتْكُمُ الكَعْبَةَ الَّتِي هي أفْضَلُ القِبَلِ في الواقِعِ جَعَلْنا- إلّا أنَّهُ عَلى ما فِيهِ لا يَحْسِمُ الإيرادَ كَما يَخْفى. ومَعْنًى (وسَطًا) خِيارًا أوْ عُدُولًا، وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِما يَسْتَوِي نِسْبَةُ الجَوانِبِ إلَيْهِ –كالمَرْكَزِ- ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْخِصالِ المَحْمُودَةِ البَشَرِيَّةِ لِكَوْنِها أوْساطًا لِلْخِصالِ الذَّمِيمَةِ المُكْتَنِفَةِ بِها مِن طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، كالجُودِ بَيْنَ الإسْرافِ والبُخْلِ، والشَّجاعَةِ بَيْنَ الجُبْنِ والتَّهَوُّرِ، والحِكْمَةِ بَيْنَ الجَرْبَزَةِ والبَلادَةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المُتَّصِفِ بِها إطْلاقَ الحالِ عَلى المَحَلِّ، واسْتَوى فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ بِحَسَبِ الأصْلِ جامِدٌ لا تُعْتَبَرُ مُطابَقَتُهُ، وقَدْ يُراعى فِيهِ ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا الإطْلاقُ مُطَّرِدًا كَما يُظَنُّ مِن قَوْلِهِمْ: خَيْرُ الأُمُورِ الوَسَطُ، إذْ يُعارِضُهُ قَوْلُهم عَلى الذَّمِّ: أثْقَلُ مِن مُغَنٍّ وسَطٌ؛ لِأنَّهُ كَما قالَ الجاحِظُ: يَخْتِمُ عَلى القَلْبِ، ويَأْخُذُ بِالأنْفاسِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ فَيُطْرِبُ، ولا بِرَدِيءٍ فَيُضْحِكُ. وقَوْلُهم: أخُو الدُّونِ الوَسَطُ، بَلْ هو وصْفُ مَدْحٍ في مَقامَيْنِ؛ في النَّسَبِ لِأنَّ أوْسَطَ القَبِيلَةِ أعْرَقُها وصَمِيمُها، وفي الشَّهادَةِ كَما هُنا؛ لِأنَّهُ العَدالَةُ الَّتِي هي كَمالُ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ والشَّهَوِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، أعْنِي اسْتِعْمالَها فِيما يَنْبَغِي عَلى ما يَنْبَغِي، ولَمّا كانَ عِلْمُ العِبادِ لَمْ يُعْطَ إلّا بِالظّاهِرِ أقامَ الفُقَهاءُ الِاجْتِنابَ عَنِ الكَبائِرِ وعَدَمِ الإصْرارِ عَلى الصَّغائِرِ مَقامَ ذَلِكَ وسَمَّوْهُ عَدالَةً في إحْياءِ الحُقُوقِ فَلْيُحْفَظْ. وشاعَ عَنْ أبِي مَنصُورٍ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ؛ إذْ لَوْ كانَ ما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ باطِلًا لانْثَلَمَتْ بِهِ عَدالَتُهُمْ، وهو مَعَ بِنائِهِ عَلى تَفْسِيرِ الوَسَطِ بِالعُدُولِ ولِلْخَصْمِ أنْ يُفَسِّرَهُ بِالخِيارِ، فَلا يَتِمُّ، إذْ كَوْنُهم خِيارًا يَقْتَضِي خَيْرِيَّتَهم في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَيُنافِي اتِّفاقَهم عَلى الخَطَأِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ: أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ العَدالَةَ لا تُنافِي الخَطَأ في الِاجْتِهادِ، إذْ لا فِسْقَ فِيهِ، كَيْفَ والمُجْتَهِدُ المُخْطِئُ مَأْجُورٌ. وأما ثانِيًا: فَلِأنَّ المُرادَ كَوْنُهم وسَطًا بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ الأُمَمِ. وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّهُ لا مَعْنًى لِعَدالَةِ المَجْمُوعِ بَعْدَ القَطْعِ بِعَدَمِ عَدالَةِ كُلِّ واحِدٍ. وأمّا رابِعًا: فَلِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا عُدُولًا في جَمِيعِ الأوْقاتِ، بَلْ وقْتَ أداءِ الشَّهادَةِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ. وأمّا خامِسًا: فَلِأنَّ قُصارى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ -بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي- حُجِّيَّةُ إجْماعِ كُلِّ الأُمَّةِ أوْ كُلِّ أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ مِنهم وذا مُتَعَذِّرٌ، ولا تَدُلُّ عَلى حُجِّيَّةُ إجْماعِ مُجْتَهَدِي كُلِّ عَصْرٍ والمُسْتَدِلُّ بِصَدَدِ ذَلِكَ. وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ والثّانِي بِأنَّ العَدالَةَ بِالمَعْنى المُرادِ تَقْتَضِي العِصْمَةَ في الِاعْتِقادِ والقَوْلِ والفِعْلِ، وإلّا لَما حَصَلَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وبِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ حالَةٍ مُتَشابِهَةٍ حاصِلَةٍ عَنِ امْتِزاجِ الأوْساطِ مِنَ القُوى الَّتِي ذَكَرْناها، فَلا يَكُونُ أمْرًا نِسْبِيًّا. وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّ المُرادَ أنَّ فِيهِمْ مَن يُوجَدُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَإذا كُنّا لا نَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمُ افْتَقَرْنا إلى اجْتِماعِهِمْ؛ كَيْلا يَخْرُجَ مَن يُوجَدُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، لَكِنْ يَدْخُلُ المُعْتَبَرُونَ في اجْتِماعِهِمْ ومَتى دَخَلُوا وحَصَلَ الخَطَأُ انْثَلَمَتْ عَدالَةُ المَجْمُوعِ. وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ ( جَعَلْناكم ) يَقْتَضِي تَحَقُّقَ العَدالَةِ بِالفِعْلِ، واسْتِعْمالُ الماضِي بِمَعْنى المُضارِعِ خِلافُ الظّاهِرِ. وعَنِ الخامِسِ بِأنَّ الخِطابَ لِلْحاضِرِينَ -أعْنِي الصَّحابَةَ كَما هو أصْلُهُ- فَيَدُلُّ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ في الجُمْلَةِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الجَوابَ الأخِيرَ لا يَشْفِي عَلِيلًا ولا يَرْوِي غَلِيلًا؛ لِأنَّهُ بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ مَقْصُودِ المُسْتَدِلِّ عَلى أنَّ مَن نَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ لَمْ يَرَ في الآيَةِ أكْثَرَ مِن دَلالَتِها عَلى أفْضَلِيَّةِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى حُجِّيَّةِ إجْماعٍ ولا عَدَمِها. نَعَمْ ذَهَبَ بَعْضُ الشِّيعَةِ إلى أنَّ الآيَةَ خاصَّةٌ بِالأئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ ورَوَوْا عَنِ الباقِرِ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ الأُمَّةُ الوَسَطُ، ونَحْنُ شُهَداءُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ، وحُجَّتُهُ في أرْضِهِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: نَحْنُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ وقالُوا: قَوْلُ كُلِّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ حُجَّةٌ صفحة 5 فَضْلًا عَنْ إجْماعِهِمْ، وأنَّ الأرْضَ لا تَخْلُو عَنْ واحِدٍ مِنهم حَتّى يَرِثَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ومَن عَلَيْها، ولا يَخْفى أنَّ دُونَ إثْباتِ ما قالُوهُ خَرْطُ القَتادِ. ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ أيْ سائِرِ الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أوْضَحَ السُّبُلَ وأرْسَلَ الرُّسُلَ فَبَلَّغُوا ونَصَحُوا، وهو غايَةٌ لِلْجَعْلِ المَذْكُورِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ؛ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ القِيامَةِ ومَعَهُ الرَّجُلُ، والنَّبِيُّ ومَعَهُ الرَّجُلانِ، وأكْثَرُ مِن ذَلِكَ فَيُدْعى قَوْمُهُ فَيُقالُ لَهم: هَلْ بَلَّغَكم هَذا؟ فَيَقُولُونَ: لا. فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقالُ لَهُ: مَن يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ. فَيُدْعى مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ فَيُقالُ لَهم: هَلْ بَلَّغَ هَذا قَوْمَهُ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُقالُ: وما عَلَّمَكم ؟ فَيَقُولُونَ: جاءَنا نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَنا أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ وفي رِوايَةٍ:“فَيُؤْتى بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيُسْألُ عَنْ حالِ أُمَّتِهِ، فَيُزَكِّيهِمْ ويَشْهَدُ بِعَدالَتِهِمْ"، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾» وكَلِمَةُ الِاسْتِعْلاءِ لِما في الشَّهِيدِ مِن مَعْنى الرَّقِيبِ، أوْ لِمُشاكَلَةِ ما قَبْلَهُ، وأُخِّرَتْ صِلَةُ الشَّهادَةِ أوَّلًا وقُدِّمَتْ آخِرًا لِأنَّ المُرادَ في الأوَّلِ إثْباتُ شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ، وفي الثّانِي اخْتِصاصُهم بِكَوْنِ الرَّسُولِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ في الدُّنْيا فِيما لا يَصْلُحُ إلّا بِشَهادَةِ العُدُولِ الأخْيارِ، ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ ويُزَكِّيكم ويَعْلَمُ بِعَدالَتِكم، والآثارُ لا تُساعِدُ ذَلِكَ عَلى ما فِيهِ. ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ وهي صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ قِبْلَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ كانَتْ بَيْتَ المَقْدِسِ، لَكِنَّهُ لا يَسْتَدْبِرُ الكَعْبَةَ بَلْ يَجْعَلُها بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، والَّتِي مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ، لا صِفَةُ (القِبْلَةِ)، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: قِبْلَةً كَما قِيلَ. وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الجَعْلَ تَحْوِيلُ الشَّيْءِ مِن حالَةٍ إلى أُخْرى، فالمُتَلَبِّسُ بِالحالَةِ الثّانِيَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي كَما فِي: جَعَلْتُ الطِّينَ خَزَفًا. فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ، والثّانِي هو (القِبْلَةُ) وهو المُنْساقُ إلى الذِّهْنِ بِالنَّظَرِ الجَلِيلِ، ولَكِنَّ التَّأمُّلَ الدَّقِيقَ يَهْدِي إلى ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ (القِبْلَةَ) عِبارَةٌ عَنِ الجِهَةِ الَّتِي تُسْتَقْبَلُ لِلصَّلاةِ -وهُوَ كُلِّيٌّ- والجِهَةُ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها جُزْئِيٌّ مِن جُزْئِيّاتِها، فالجَعْلُ المَذْكُورُ مِن بابِ تَصْيِيرِ الكُلِّيِّ جُزْئِيًّا، ولا شَكَّ أنَّ الكُلِّيَّ يَصِيرُ جُزْئِيًّا، كالحَيَوانِ يَصِيرُ إنْسانًا دُونَ العَكْسِ، والمَعْنى أنَّ أصْلَ أمْرِكَ أنْ تَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ كَما هو الآنَ، ﴿وما جَعَلْنا﴾ قِبْلَتَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ أيْ في ذَلِكَ الزَّمانِ ﴿مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ أيْ يَتَّبِعُكَ في الصَّلاةِ إلَيْها، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ مَعَ إيرادِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِلْإشارَةِ إلى عِلَّةِ الِاتِّباعِ. ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ أيْ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ الإسْلامِ فَلا يَتَّبِعُكَ فِيها ألِفًا لِقِبْلَةِ آبائِهِ و(مِن) هَذِهِ لِلْفَصْلِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ والكَلامُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِجامِعِ أنَّ المُنْقَلِبَ يَتْرُكُ ما في يَدِهِ ويُدْبِرُ عَنْهُ عَلى أسْوَأِ أحْوالِ الرُّجُوعِ، وكَذَلِكَ المُرْتَدُّ يَرْجِعُ عَنِ الإسْلامِ ويَتْرُكُ ما في يَدِهِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى أسْوَأِ حالٍ، و (نَعْلَمُ) حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ و( يَتَّبِعُ ) و( يَنْقَلِبُ ) بِمَعْنى الحُدُوثِ والجَعْلِ مَجازٌ بِاعْتِبارِ أنَّهُ كانَ الأصْلُ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ أوِ المَعْنى: ما جَعَلْنا قِبْلَتَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا لِنَعْلَمَ الآنَ بَعْدَ التَّحْوِيلِ إلى الكَعْبَةِ مَن يَتَّبِعُكَ حِينَئِذٍ مِمَّنْ لا يَتَّبِعُكَ كَبَعْضِ أهْلِ الكِتابِ ارْتَدُّوا لَمّا تَحَوَّلَتِ القِبْلَةُ فَنَعْلَمُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ. والحاصِلُ أنَّ ما فَعَلْناهُ كانَ لِأمْرٍ عارِضٍ وهو امْتِحانُ النّاسِ صفحة 6 إمّا في وقْتِ الجَعْلِ أوْ في وقْتِ التَّحْوِيلِ، وما كانَ لِعارِضٍ يَزُولُ بِزَوالِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ (القِبْلَةِ) الكَعْبَةُ بِناءً عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يُصَلِّي إلَيْها بِمَكَّةَ، والمَعْنى: ما رَدَدْناكَ ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ الثّابِتَ الَّذِي لا يُزِيغُهُ شُبْهَةٌ ولا يَعْتَرِيهِ اضْطِرابٌ مِمَّنْ يَرْتَدُّ بِقَلْقَلَةٍ واضْطِرابٍ بِسَبَبِ التَّحْوِيلِ بِأنَّهُ إنْ كانَ الأوَّلُ حَقًّا فَلا وجْهَ لِلتَّحْوِيلِ عَنْهُ، وإنْ كانَ الثّانِي فَلا مَعْنًى لِلْأمْرِ بِالأوَّلِ والجَعْلُ عَلى هَذا حَقِيقَةٌ، و( يَتَّبِعُ ) لِلِاسْتِمْرارِ بِقَرِينَةِ مُقابِلِهِ ويُضَعِّفُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ دَعْوى نَسْخِ القِبْلَةِ مَرَّتَيْنِ، واسْتُشْكِلَتِ الآيَةُ بِأنَّها تُشْعِرُ بِحُدُوثِ العِلْمِ في المُسْتَقْبَلِ، وهو تَعالى لَمْ يَزَلْ عالِمًا، وأُجِيبَ بِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، أيْ: فِعْلُنا ذَلِكَ فِعْلُ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ العِلْمُ الحالِيُّ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ الجَزاءِ، أيْ لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ، فالعِلْمُ مُقَيَّدٌ بِالحادِثِ، والحُدُوثُ راجِعٌ إلى القَيْدِ. الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ لِيَعْلَمَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ ويَجُوزَ في إسْنادِ فِعْلِ بَعْضِ خَواصِّ المُلْكِ إلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى كَرامَةِ القُرْبِ والِاخْتِصاصِ، فَهو كَقَوْلِ المَلِكِ: فَتَحْنا البَلَدَ، وإنَّما فَتَحَها جُنْدُهُ. الرّابِعُ: أنَّهُ ضَمَّنَ العِلْمَ مَعْنى التَّمْيِيزِ أوْ أُرِيدَ بِهِ التَّمْيِيزُ في الخارِجِ، وتَجُوزُ بِإطْلاقِ اسْمِ السَّبَبَ عَلى المُسَبِّبِ، ويُؤَيِّدُهُ تَعَدِّيهِ بِـ (مَن) كالتَّمْيِيزِ، وبِهِ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ: (لِيُعْلَمَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، حَيْثُ إنَّ المُرادَ: لِيَعْلَمَ كُلُّ مَن يَأْتِي مِنهُ –العِلْمُ- وظاهِرٌ أنَّهُ فَرَّعَ تَمْيِيزَ اللَّهِ وتَفْرِيقَهُ بَيْنَهُما في الخارِجِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ. الخامِسُ: أنَّ المُرادَ بِهِ الجَزاءُ، أيْ: لِنُجازِيَ الطّائِعَ والعاصِيَ، وكَثِيرًا ما يَقَعُ التَّهْدِيدُ في القُرْآنِ بِالعِلْمِ. السّادِسُ: أنَّ (نَعْلَمَ) لِلْمُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ، فالمُرادُ: لِيَشْتَرِكَ العِلْمُ بَيْنِي وبَيْنَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، ويُرَدُّ عَلى هَذا أنَّ مُخالَفَتَهُ مَعَ جَعْلِنا آبَ عَنْهُ، مَعَ أنَّ تَشْرِيكَ اللَّهِ تَعالى مَعَ غَيْرِهِ في ضَمِيرٍ واحِدٍ غَيْرُ مُناسِبٍ، ثُمَّ العِلْمُ إنْ كانَ مَجازًا عَنِ التَّمْيِيزِ فَمَن ومِمَّنْ مَفْعُولاهُ بِواسِطَةٍ وبِلا واسِطَةٍ، وإنْ كانَ حَقِيقَةً فَإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الإدْراكِ المُعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ –فَمَن- مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ، و (مِمَّنْ) حالٌ، أيْ: مُتَمَيِّزًا مِمَّنْ أوْ مِنَ العِلْمِ المُعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَـ ( مَنِ ) اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ، و( يَتْبَعُ ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ. ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ( يَتْبَعُ ) وبِهَذا يَنْدَفِعُ قَوْلُ أبِي البَقاءِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَنِ) اسْتِفْهامِيَّةً لِأنَّهُ لا يَبْقى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾ مُتَعَلِّقٌ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَهُ، ولا مَعْنًى لِتَعَلُّقِهِ بِـ ( يَتْبَعُ ) والكَلامُ دالٌّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَلا يُرادُ أنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ( وما جَعَلَنا ) إلَخْ مَعْطُوفَةٌ كالجُمْلَتَيْنِ التّالِيَتَيْنِ لَها عَلى مَجْمُوعِ السُّؤالِ، والجَوابُ بَيانٌ لِحِكْمَةِ التَّحْوِيلِ. وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ ويَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ حِينَئِذٍ: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِأداءِ مَضْمُونِ هَذا الكَلامِ بِألْفاظِهِ، إذْ لا يَصِحُّ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ في كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيهِ بُعْدٌ كَما لا يَخْفى. ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أيْ شاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ، والضَّمِيرُ لَمّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا﴾ إلَخْ مِنَ الجَعْلَةِ أوِ التَّوْلِيَةِ أوِ الرِّدَّةِ أوِ التَّحْوِيلَةِ أوِ الصَّيْرُورَةِ أوِ المُتابَعَةِ أوِ القِبْلَةِ، وفائِدَةُ اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ هَذا الرَّدَّ والتَّحْوِيلَ بِوُقُوعِهِ مَرَّةً واحِدَةً، واخْتِصاصُهُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ ثَقِيلَةً عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْهَدُوهُ سابِقًا، والقَوْلُ بِأنَّ تَأْنِيثَ كَبِيرَةٍ يَجْعَلُهُ صِفَةً حادِثَةً، وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ فَيَرْجِعُ إلى الجَعْلِ أوِ الرَّدِّ أوِ التَّحْوِيلِ بِدُونِ تَكَلُّفٍ تُكَلِّفَ عَرِيَ عَنِ الفائِدَةِ وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ المُفِيدَةِ لِتَأْكِيدِ الحُكْمِ، أُلْغِيَتْ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَها بِتَوَسُّطِ (كانَ)، صفحة 7 واللّامُ هي الفاصِلَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. وزَعَمَ الكُوفِيُّونَ أنَّ إنْ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وقالَ البَصْرِيُّونَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَجازَ أنْ يُقالَ: جاءَ القَوْمُ لَزَيْدًا عَلى مَعْنى إلّا زَيْدًا -ولَيْسَ فَلَيْسَ- وقُرِئَ (لَكَبِيرَةٌ) بِالرَّفْعِ، فَفي كانَ ضَمِيرُ القِصَّةِ، و( كَبِيرَة ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لَهي كَبِيرَةٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (كانَ)، وقِيلَ: (إنْ كانَتْ) زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: وإخْوانٌ لَنا كانُوا كِرامُ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّ: (كانَ) مَعَ اسِمِها زائِدَةٌ كانَتْ (كَبِيرَةٌ) بِلا مُبْتَدَأٍ، وإنَّ المُخَفِّفَةَ بِلا جُمْلَةٍ، ومِثْلُهُ خارِجٌ عَنِ القِياسِ، وإنْ أُرِيدَ أنَّ (كانَ) وحْدَها كَذَلِكَ، والضَّمِيرُ باقٍ عَلى الرَّفْعِ، بِالِابْتِداءِ، فَلا وجْهَ لِاتِّصالِهِ واسْتِتارِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا وقَعَ بَعْدَ (كانَ) و(كانَ) مِن جِهَةِ المَعْنى في مَوْقِعِ اسْمِ (كانَ) جُعِلَ مُسْتَتِرًا تَشْبِيهًا بِالِاسْمِ، وإنْ كانَ مُبْتَدَأً تَحْقِيقًا، ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ التَّكَلُّفِ غايَتُهُ، ومِنَ التَّعَسُّفِ نِهايَتُهُ ﴿إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أيْ إلى سِرِّ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ إجْمالًا أوْ تَفْصِيلًا، والمُرادُ بِهِمْ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِنَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ الغَيْرِ المُتَزَلْزِلِينَ المُنْقَلِبِينَ عَلى أعْقابِهِمْ. ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ أيْ صَلاتِكم إلى القِبْلَةِ المَنسُوخَةِ، فَفي الصَّحِيحِ أنَّهُ «لَمّا وُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى القِبْلَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالَّذِينِ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَنَزَلَتْ،» فالإيمانُ مَجازٌ مِن إطْلاقِ اللّازِمِ عَلى مَلْزُومِهِ، والمَقامُ قَرِينَةٌ وهو التَّفْسِيرُ المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرِهِ مِن أئِمَّةِ الدِّينِ، فَلا مَعْنًى لِتَضْعِيفِهِ كَما يَحْكِيهِ صَنِيعُ بَعْضِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ ثَباتَكم عَلى الإيمانِ أوْ إيمانَكم بِالقِبْلَةِ المَنسُوخَةِ، واللّامُ في ﴿لِيُضِيعَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِخَبَرِ ( كانَ ) المَحْذُوفِ كَما هو رَأْيُ البَصْرِيِّينَ، وانْتِصابُ الفِعْلِ بَعْدَها بِأنَّ مُضْمَرَةٍ، أيْ: ما كانَ مُرِيدًا -لِأنْ يُضِيعَ- وفي تَوْجِيهِ النَّفْيِ إلى إرادَةِ الفِعْلِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في تَوْجِيهِهِ إلَيْهِ نَفْسِهِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: اللّامُ زائِدَةٌ وهي النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ، و( يُضِيعُ ) هو الخَبَرُ، ولا يَقْدَحُ في عَمَلِها زِيادَتُها كَما لا تَقْدَحُ زِيادَةُ حُرُوفِ الجَرِّ في العَمَلِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ اسْتِبْعادُ أبِي البَقاءِ خَبَرِيَّةِ ( يُضِيعَ ) بِأنَّ اللّامَ لامُ الجَرِّ، و( إنَّ ) بَعْدَها مُرادَةٌ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ ما كانَ اللَّهُ إضاعَةَ إيمانِكم فَيُحْوِجُ لِلتَّأْوِيلِ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الكُوفِيُّونَ بِعِيدٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى لا تَخْفى. ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ، فَإنَّ اتِّصافَهُ تَعالى بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ يَقْتَضِي -لا مَحالَةَ- أنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أُجُورَهم ولا يَدَعُ ما فِيهِ صَلاحَهم، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ رءوف وقُدِّمَ عَلى رَحِيم لِأنَّ الرَّأْفَةَ مُبالَغَةٌ في رَحْمَةٍ خاصَّةٍ، وهي رَفْعُ المَكْرُوهِ وإزالَةُ الضَّرَرِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَرْأفُوا بِهِما فَتَرْفَعُوا الجَلْدَ عَنْهُما، والرَّحْمَةُ أعَمُّ مِنهُ ومِنَ الإفْضالِ، ودَفْعُ الضَّرَرِ أهَمُّ مِن جَلْبِ النَّفْعِ، وقَوْلُ القاضِي بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غِرَّةَ أحْوالِهِ: لَعَلَّ تَقْدِيمَ (الرَّءُوفِ) مَعَ أنَّهُ أبْلَغُ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ فَواصِلَ القُرْآنِ لا يُلاحَظُ فِيها الحَرْفُ الأخِيرُ كالسَّجْعِ، فالمُراعاةُ حاصِلَةٌ عَلى كُلِّ حالٍ؛ ولِأنَّ الرَّحْمَةَ حَيْثُ ورَدَتْ في القُرْآنِ قُدِّمَتْ ولَوْ في غَيْرِ الفَواصِلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ في وسَطِ الآيَةِ، وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ في هَذا المَوْضِعِ خَزَفٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وقَوْلُ عِصامٍ: إنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: -الرَّءُوفُ- إشارَةً إلى المُبالَغَةِ في رَحْمَتِهِ لِخَواصِّ عِبادِهِ –والرَّحِيمُ- إشارَةً إلى الرَّحْمَةِ لِمَن دُونَهم فَرُتِّبا عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ، فَقُدِّمَ الرَّءُوفُ لِتَقَدُّمِ مُتَعَلِّقِهِ شَرَفًا وقَدْرًا لا شَرَفَ ولا قَدَرَ، بَلْ ولا عِصامَ لَهُ لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابٌ ولا سُنَّةٌ ولا اسْتِعْمالٌ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ لرءوف بِالمَدِّ، والباقُونَ بِغَيْرِ مَدٍّ كَنَدْسٍ.

البقرة 2:144

صفحة 8 ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ أيْ: كَثِيرًا ما نَرى تَرَدُّدَ وجْهِكَ وتَصَرُّفَ نَظَرِكَ في جِهَةِ السَّماءِ مُتَشَوِّفًا لِلْوَحْيِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقَعُ في قَلْبِهِ ويَتَوَقَّعُ مِن رَبِّهِ أنْ يُحَوِّلَهُ إلى الكَعْبَةِ لِما أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: يُخالِفُنا مُحَمَّدٌ ويَتَّبِعُ قِبْلَتَنا، ولِما أنَّها قِبْلَةُ أبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأقْدَمُ القِبْلَتَيْنِ وأدْعى لِلْعَرَبِ إلى الإيمانِ، والظّاهِرُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَسْألْ ذَلِكَ مِن رَبِّهِ، بَلْ كانَ يَنْتَظِرُ فَقَطْ إذْ لَوْ وقَعَ السُّؤالُ لَكانَ الظّاهِرُ ذِكْرَهُ؛ فَفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ أدَبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما: كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُحَوِّلَهُ إلىالكَعْبَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ السُّؤالُ واقِعًا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يُذْكَرْ؛ لِأنَّ تَقَلُّبَ الوَجْهِ نَحْوَ السَّماءِ الَّتِي هي قِبْلَةُ الدُّعاءِ يُشِيرُ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ بَعْدَ حُصُولِ الإذْنِ لَهُ بِالدُّعاءِ لِما أنَّ الأنْبِياءَ لا يَسْألُونَ اللَّهَ تَعالى شَيْئًا مِن غَيْرِ أنْ يُؤْذَنَ لَهم فِيهِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَلا يُجابُونَ إلَيْهِ، فَيَكُونَ فِتْنَةً لِقَوْمِهِمْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما في بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتَأْذَنَ جِبْرِيلَ أنْ يَدْعُوا اللَّهَ تَعالى، فَأخْبَرَهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أذِنَ لَهُ بِالدُّعاءِ، كَذا يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ، والَّذِي أراهُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن دُعائِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وسُؤالُهُ التَّحْوِيلَ لِمَصْلَحَةٍ أُلْهِمَها ومَنفَعَةٍ دِينِيَّةٍ فُهِّمَها، ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِئْذانِ ولا الإذْنِ الصَّرِيحِينَ؛ لِأنَّ مَن نالَ قُرْبَ النَّوافِلِ مُسْتَغْنٍ عَنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ مَن حَصَلَ لَهُ مَقامُ قُرْبِ الفَرائِضِ حَتّى غَدا سَيِّدَ أهْلِهِ، ومَن عَلِمَ مَرْتَبَةَ الحَبِيبِ عَدَّ جَمِيعَ ما يَصْدُرُ مِنهُ في غايَةِ الكَمالِ، مَعَ مُراعاةِ نِهايَةِ الأدَبِ، وأمّا مُعاتَبَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ ما صَدَرَ فَلَيْسَ لِنَقْصٍ فِيهِ ولا لِإخْلالٍ بِالأدَبِ عِنْدَ فِعْلِهِ، حاشاهُ، ولَكِنْ لِأسْرارٍ خَفِيَّةٍ وحِكَمٍ رَبّانِيَّةٍ عَلِمَها مَن عَلِمَها وجَهِلَها مَن جَهِلَها. بَقِيَ: هَلْ دَعا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذِهِ الحادِثَةِ صَرِيحًا أمْ لا؟ الظّاهِرُ الثّانِي بِناءً عَلى ما صَحَّ عِنْدَنا مِن ظَواهِرِ الأخْبارِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيها سِوى حُبِّ التَّحْوِيلِ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِما، عَنِ البَراءِ قالَ: «صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى هَوى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرى﴾ الآيَةَ،» ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ صَرِيحًا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ، وأمّا الإشارَةُ فَقَدْ تَصْلُحُ لِهَذا، وهَذا كَما لا يَخْفى، هَذا ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ قَدْ هُنا لِلتَّقْلِيلِ زَعْمًا مِنهُ أنَّ وُقُوعَ التَّقَلُّبِ قَلِيلًا أدَلُّ عَلى كَمالِ أدَبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَن رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ مَرَّةً واحِدَةً لا يُقالُ لَهُ: قَلَّبَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، وإنَّما يُقالُ: قَلَّبَ إذا داوَمَ، فالكَثْرَةُ تُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ التَّقَلُّبَ الَّذِي هو مُطاوِعُ التَّقْلِيبِ يَدُلُّ عَلَيْها، وهَلِ التَّكْثِيرُ مَعْنًى مَجازِيٌّ (لِقَدْ) أوْ حَقِيقِيٌّ؟ قَوْلانِ نُسِبَ ثانِيهُما إلى سِيبَوَيْهِ، وهَذِهِ الكَثْرَةُ أوِ القِلَّةُ هُنا مُنْصَرِفَةٌ إلى التَّقَلُّبِ، وذَكَرَ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّ قَدْ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا، ومِنهُ ما هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ أيْ لَنُمَكِّنَنَّكَ مِنَ اسْتِقْبالِها مِن قَوْلِكَ: ولَّيْتَهُ كَذا إذا جَعَلْتَهُ والِيًا لَهُ، أوْ فَلَنَجْعَلَنَّكَ تَلِي جِهَتَها دُونَ جِهَةِبَيْتِ المَقْدِسِ، مِن ولِيَهُ دَنا مِنهُ، ووَلَّيْتَهُ أدْنَيْتَهُ مِنهُ، والفاءُ لِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، وهي في الحَقِيقَةِ داخِلَةٌ عَلى قَسَمٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ اللّامُ، وجاءَ هَذا الوَعْدُ عَلى إضْمارِ القَسَمِ مُبالَغَةً في وُقُوعِهِ؛ لِأنَّهُ يُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المُقَسَمِ عَلَيْها، وجاءَ قَبْلَ الأمْرِ لِفَرَحِ النَّفْسِ بِالإجابَةِ، ثُمَّ بِإنْجازِ الوَعْدِ فَيَتَوالى السُّرُورُ مَرَّتَيْنِ، ونُوَلِّي يَتَعَدّى لِاثْنَيْنَ؛ الكافُ الأوَّلُ وقِبْلَةً الثّانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرْضاها﴾ أيْ تُحِبُّها وتَمِيلُ إلَيْها لِلْأغْراضِ الصَّحِيحَةِ صفحة 9 الَّتِي أضْمَرْتَها ووافَقَتْ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتَهُ، في مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٍ لِقِبْلَةٍ، ونَكَّرَها لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ قَبْلَها ما يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَعْهُودَةً فَتُعَرَّفُ بِاللّامِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَطْلُبُ قِبْلَةً مُعَيَّنَةً. ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى الوَعْدِ، وتَخْصِيصُ التَّوْلِيَةِ بِالوَجْهِ لِما أنَّهُ مَدارُ التَّوَجُّهِ ومِعْيارُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ البَدَنِ، وكَنّى بِذَلِكَ عَنْهُ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، وبِهِ يَتَمَيَّزُ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ، أوْ مُراعاةً لِما قَبْلُ، والتَّوْلِيَةُ إذا كانَتْ مُتَعَدِّيَةً بِنَفْسِها إلى تَمامِ المَفْعُولَيْنِ كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، وإذا كانَتْ مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ فَمَعْناها الصَّرْفُ إمّا عَنِ الشَّيْءِ أوْ إلى الشَّيْءِ، عَلى اخْتِلافِ صِلَتِها الدّاخِلَةِ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي، وهي هُنا بِهَذا المَعْنى، فَـ ( وجَّهَك ) مَفْعُولٌ أوَّلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ نَحْوَهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ قِبَلَهُ كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، أوْ تِلْقاءَهُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ظَرْفُ مَكانٍ مُبْهَمٍ كَمُفَسِّرِهِ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أغْنى غِناءً إلى فَإنَّ مُؤَدّى (ولِّ وجْهَكَ) نَحْوَ أوْ قِبَلَ أوْ تِلْقاءَ المَسْجِدِ ووَلِّ وجْهَكَ إلى المَسْجِدِ وإنَّما لَمْ يَجْعَلِ الأمْرَ مِنَ المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ بِأنْ يَكُونَ ( شَطْرَ ) مَفْعُولَهُ الثّانِي -كَما قِيلَ بِهِ-؛ لِأنَّ تَرَتُّبَهُ بِالفاءِ وكَوْنَهُ إنْجازًا لِلْوَعْدِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ أوْ قَرِيبًا مِن جِهَتِها بِأنْ يُؤْمَرَ بِالصَّلاةِ إلَيْها يُناسِبُهُ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِصَرْفِ الوَجْهِ إلَيْها لا بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ مُسْتَقْبِلًا لَها أوْ قَرِيبًا مِن جِهَتِها، فَإنَّ المُناسِبَ لِهَذا: (فَلْنَأْمُرَنَّكَ بِأنْ تُوَلِّيَ)، ولِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الواجِبُ رِعايَةَ سَمْتِ الجِهَةِ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ جِهَةُ القِبْلَةِ، فَإذا كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَأْمُورًا بِجَعْلِ نَفْسِهِ مُسْتَقْبِلَ جِهَةِ المَسْجِدِ أوْ قَرِيبًا مِنها كانَ مَأْمُورًا بِاسْتِقْبالِ جِهَةِ الجِهَةِ أوْ بِقُرْبِ جِهَةِ الجِهَةِ بِخِلافِ ما إذا جَعَلَ مِنَ التَّوْلِيَةِ بِمَعْنى الصَّرْفِ وشطر ظَرْفًا فَإنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى اصْرِفْ وجْهَكَ نَحْوَ المَسْجِدِ الحَرامِ وتِلْقاءَهُ الَّذِي هو جِهَةُ القِبْلَةِ، فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِمُسامَتَةِ الجِهَةِ وإصابَتِهِ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وقِيلَ: الشَّطْرُ في الأصْلِ لِما أنْفَصِلُ عَنِ الشَّيْءِ ثُمَّ أسْتَعْمِلُ لِجانِبِهِ وإنْ لَمْ يَنْفَصِلْ فَيَكُونُ بِمَعْنى بَعْضِ الشَّيْءِ ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ جَعْلُهُ مَفْعُولًا ثانِيًا وفِيهِ أنَّهُ وإنْ لَمْ يُلْزِمْ حِينَئِذٍ وُجُوبَ رِعايَةِ جِهَةِ الجِهَةِ لَكِنَّ عَدَمَ مُناسَبَتِهِ بِإنْجازِ الوَعْدِ باقٍ والقَوْلُ بِأنَّ الشَّطْرَ هُنا بِمَعْنى النِّصْفِ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ والحَرامُ المُحَرَّمُ أيْ مُحَرَّمٌ فِيهِ القِتالُ أوْ مَمْنُوعٌ مِنَ الظُّلْمَةِ أنْ يَتَعَرَّضُوا وفي ذِكْرِ المَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي هو مُحِيطٌ بِالكَعْبَةِ دُونَ الكَعْبَةِ مَعَ أنَّها القِبْلَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها الأحادِيثُ الصِّحاحُ إشارَةً إلى أنَّهُ يَكْفِي لِلْبَعِيدِ مُحاذاةُ جِهَةِ القِبْلَةِ وإنْ لَمْ يُصِبْ عَيْنَها وهَذِهِ الفائِدَةُ لا تَحْصُلُ مِن لَفْظِ الشَّطْرِ كَما قالَهُ جَمْعٌ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ الكَعْبَةِ لَكانَ المَعْنى اجْعَلْ صَرْفَ الوَجْهِ في مَكانٍ يَكُونُ مُسامِتًا ومُحاذِيًا لِلْكَعْبَةِ، وهَذا هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأحْمَدَ وقَوْلُ أكْثَرِ الخُراسانِيِّينَ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، ورَجَّحَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ في الإحْياءِ، إلّا إنَّهم قالُوا: يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَصْدُ المُتَوَجِّهِ إلى الجِهَةِ العَيْنَ الَّتِي في تِلْكَ الجِهَةِ لِتَكُونَ القِبْلَةُ عَيْنَ الكَعْبَةِ، وقالَ العِراقِيُّونَ والقَفّالُ مِنهم: يَجِبُ إصابَةُ العَيْنِ، وقالَ الإمامُ مالِكٌ: إنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةُ أهْلِ المَسْجِدِ، والمَسْجِدَ قِبْلَةُ مَكَّةَ، وهي قِبْلَةُ الحَرَمِ، وهو قِبْلَةُ الدُّنْيا، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهَذا الخِلافُ في غَيْرِ مَن يَكُونُ شاهِدًا، أمّا هو فَيَجِبُ عَلَيْهِ إصابَةُ العَيْنِ بِالإجْماعِ، ولَمْ يُقَيِّدْ سُبْحانَهُ وتَعالى التَّوْلِيَةَ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّ المَطْلُوبَ لَمْ يَكُنْ سِوى ذَلِكَ، فَأغْنى عَنِ الذِّكْرِ، وقِيلَ: لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الصَّلاةِ، فَأغْنى التَّلَبُّسُ بِها عَنْ ذِكْرِها، واسْتَدَلَّ هَذا القائِلُ بِما ذَكَرَهُ القاضِي تَبَعًا لِغَيْرِهِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدِمَ المَدِينَةَ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ في رَجَبٍ بَعْدَ الزَّوالِ قَبْلَ قِتالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ، وقَدْ صَلّى بِأصْحابِهِ في مَسْجِدِ بَنِي سَلِمَةَ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، فَتَحَوَّلَ في الصَّلاةِ واسْتَقْبَلَ المِيزابَ وتَبادَلَ الرِّجالُ والنِّساءُ صُفُوفَهم فَسُمِّيَ المَسْجِدُ مَسْجِدُ القِبْلَتَيْنِ» صفحة 10 وهَذا كَما قالَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ تَحْرِيفٌ لِلْحَدِيثِ، فَإنَّ قِصَّةَ بَنِي سَلِمَةَ لَمْ يَكُنْ فِيها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إمامًا ولا هو الَّذِي تَحَوَّلَ في الصَّلاةِ، فَقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «كُنّا نَغْدُو إلى المَسْجِدِ فَمَرَرْنا يَوْمًا ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قاعِدٌ عَلى المِنبَرِ فَقُلْتُ: حَدَثَ أمْرٌ فَجَلَسْتُ، فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ الآيَةَ فَقُلْتُ لِصاحِبِي: تَعالَ نَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَكُونَ أوَّلَ مَن صَلّى، فَصَلَّيْناهُما ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَصَلّى لِلنّاسِ الظُّهْرَ يَوْمَئِذٍ». ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ كانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَرَّ بِرَجُلٍ بِبَنِي سَلِمَةَ فَناداهم وهم رُكُوعٌ في صَلاةِ الفَجْرِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ: ألا إنَّ القِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ. فَمالُوا كَما هم رُكُوعًا إلى الكَعْبَةِ،» فَما ذُكِرَ مُخالِفٌ لِلرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ الثّابِتَةِ عِنْدَ أهْلِ هَذا الشَّأْنِ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (تِلْقاءَ المَسْجِدِ الحَرامِ)، وهي تُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ في ( شَطْر ) كَما لا يَخْفى. ﴿وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ ومِن تَتِمَّةِ إنْجازِ الوَعْدِ، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ (حَيْثُ) إذا لَحِقَهُ (ما) الكافَّةُ عَنِ الإضافَةِ يَكُونُ مِن كَلِمِ المُجازاةَ، والفَرّاءُ لا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ فِيها، و(كانَ) تامَّةٌ، أيْ: في أيِّ مَوْضِعٍ وُجِدْتُمْ، وأصْلُ (ولُّوا) ولِيُوا فاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الياءِ فَحُذِفَتْ فالتَقى ساكِنانِ، فَحُذِفَ أوَّلُهُما وضُمَّ ما قَبْلَ الياءِ لِلْمُناسَبَةِ، فَوَزْنُهُ (فَعُّوا) وهَذا تَصْرِيحٌ بِعُمُومِ الحُكْمِ المُسْتَفادِ مِنَ السّابِقِ اعْتِناءً بِهِ؛ إذِ الخِطابُ الوارِدُ في شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عامٌّ حُكْمُهُ ما لَمْ يَظْهَرِ اخْتِصاصُهُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفائِدَةُ تَعْمِيمِ الأمْكِنَةِ -عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ- دَفْعُ تَوَهُّمِ أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ مُخْتَصَّةٌ بِأهْلِ المَدِينَةِ، وقِيلَ: لَمّا كانَ الصَّرْفُ عَنِ الكَعْبَةِ لِاسْتِجْلابِ قُلُوبِ اليَهُودِ، وكانَ مَظِنَّةَ أنْ لا يُتَوَجَّهُ إلَيْها في حُضُورِهِمْ أشارَ إلى تَعْمِيمِ التَّوْلِيَةِ جَمِيعَ الأمْكِنَةِ، أوْ يُقالُ: صَرَّحَ بِأنَّ التَّوْلِيَةَ جِهَةَ الكَعْبَةِ فُرِضَ مَعَ حُضُورِ بَيْتِ المَقْدِسِ ولِأهْلِهِ أيْضًا؛ لِئَلّا يُظَنُّ أنَّ حُضُورَ بَيْتِ المَقْدِسِ يَمْنَعُ التَّوَجُّهَ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ مَعَ غَيْبَتِها فَلْيُفْهَمْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (فَوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَهُ). ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ﴾ أيِ التَّحْوِيلَ أوِ التَّوَجُّهَ المَفْهُومُ مِنَ التَّوْلِيَةِ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ لا غَيْرِهِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَأْمُرُ بِالباطِلِ، إذْ هو النَّبِيُّ المُبَشَّرُ بِهِ في كُتُبِهِمْ وتَحَقُّقُهم أنَّهُ لا يَتَجاوَزُ كُلَّ شَرِيعَةٍ عَنْ قِبْلَتِها إلى قِبْلَةِ شَرِيعَةٍ أُخْرى، وأمّا اشْتِراكُ النَّبِيِّ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ القِبْلَةِ فَلِاشْتِراكِهِما في الشَّرِيعَةِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ ووُقُوفُهم عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهم مِن أنَّهُ يُصَلِّي إلى القِبْلَتَيْنِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿قَدْ نَرى﴾ بِجامِعِ أنَّ السّابِقَةَ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أصْلِ التَّحْوِيلِ، وهَذِهِ لِبَيانِ حَقِّيَّتِهِ. قِيلَ: أوِ اعْتِراضِيَّةٌ لِتَأْكِيدِ أمْرِ القِبْلَةِ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ جِيءَ بِهِ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ لِلْفَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ الدّاخِلِينَ تَحْتَ العُمُومِ السّابِقِ المُشارِ إلَيْهِما فِيما سَيَجِيءُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهُما مَن كَتَمَ ومَن لَمْ يَكْتُمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَعْمَلُونَ) بِالتّاءِ، فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: عَلى قِراءَةِ الخِطابِ وعَدْلِهِمْ، وعَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ وعِيدٌ لِأهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عَلى القِراءَتَيْنِ لِجَمِيعِ النّاسِ، فَيَكُونُ وعْدًا ووَعِيدًا لِفَرِيقَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.

البقرة 2:145

صفحة 11 ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وإنَّ الَّذِينَ﴾ بِجامِعٍ أنَّ كُلًّا مِنهُما مُؤَكِّدٌ لِأمْرِ القِبْلَةِ ومُبِيِّنٌ لِحِقِّيَّتِهِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ الكُفّارُ مِن ( أُولَئِكَ ) بِدَلِيلِ الجَوابِ، ولِذا وضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، ومَن خَصَّ ما تَقَدَّمَ بِالكُفّارِ جَعَلَ هَذا الوَضْعَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ سُوءِ حالِهِمْ مِنَ العِنادِ، مَعَ تَحَقُّقِ ما يُنافِيهِ مِنَ الكِتابِ الصّادِحِ بِحَقِّيَةِ ما كابَرُوا في قَبُولِهِ ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ وحُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّ تَوَجُّهَكَ إلى الكَعْبَةِ هو الحَقُّ، واللّامُ مُوطِّئَةٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ لا جَوابَ الشَّرْطِ، لِما تَقَرَّرَ أنَّ الجَوابَ إذا كانَ القَسَمُ مُقَدَّمًا لِلْقَسَمِ لا لِلشَّرْطِ إنْ لَمْ يَكُنْ مانِعٌ، فَكَيْفَ إذا كانَ كَتَرْكِ الفاءِ هَهُنا، فَإنَّها لازِمَةٌ في الماضِي المَنفِيِّ إذا وقَعَ جَزاءً، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَبُولِهِمُ الحَقَّ، والمَعْنى أنَّهم ما تَرَكُوا ﴿قِبْلَتَكَ﴾ لِشُبْهَةٍ تَدْفَعُها بِحُجَّةٍ، وإنَّما خالَفُوكَ لِمَحْضِ العِنادِ وبَحْتِ المُكابَرَةِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ الإخْبارَ عَنْ عَدَمِ مُتابَعَتِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم لا يَتَّبِعُونَكَ أصْلًا - وإنْ أتَيْتَ بِكُلِّ حُجَّةٍ - فانْدَفَعَ ما قِيلَ: كَيْفَ حَكَمَ بِأنَّهم لا يَتَّبِعُونَ، وقَدْ آمَنَ مِنهم فَرِيقٌ، واسْتَغْنى عَنِ القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، أوْ حَكَمَ عَلى الكُلِّ دُونَ الأبْعاضِ، فَإنَّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وإضافَةُ القِبْلَةِ إلى ضَمِيرِهِ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَعَبَّدَهُ بِاسْتِقْبالِها ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ أيْ: لا يَكُونُ ذَلِكَ مِنكَ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ، فالجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا ومَعْنًى، سِيقَتْ لِتَأْكِيدِ حِقِّيَّةِ أمْرِ القِبْلَةِ كُلَّ التَّأْكِيدِ، وقَطْعِ تَمَنِّي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ، عُدْ إلى قِبْلَتِنا ونُؤْمِنُ بِكَ ونَتَّبِعُكَ، مُخادَعَةً مِنهم - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى -، وفِيها إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ لا تَصِيرُ مَنسُوخَةً أبَدًا، وقِيلَ: إنَّها خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشائِيَّةٌ مَعْنًى، ومَعْناها النَّهْيُ؛ أيْ: لا تَتَّبِعْ قِبْلَتَهُمْ، أيْ: داوِمْ عَلى عَدَمِ اتِّباعِها، وأفْرَدَ القِبْلَةَ وإنْ كانَتْ مُثَنّاةً؛ إذْ لِلْيَهُودِ قِبْلَةٌ ولِلنَّصارى قِبْلَةٌ؛ لِأنَّهُما اشْتَرَكَتا في كَوْنِهِما باطِلَتَيْنِ، فَصارَ الِاثْنانِ واحِدًا مِن حَيْثُ البُطْلانُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ المُقابَلَةُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ وقَدْ يُقالُ: إنَّ الإفْرادَ بِناءً عَلى أنَّ قِبْلَةَ الطّائِفَتَيْنِ الحَقَّةَ في الأصْلِ بَيْتُ المَقْدِسِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَصِلْ جِهَةَ الشَّرْقِ حَتّى رُفِعَ، وإنَّما كانَتْ قِبْلَتُهُ قِبْلَةَ بَنِي إسْرائِيلَ اليَوْمَ، ثُمَّ بَعْدَ رَفْعِهِ شَرَعَ أشْياخُ النَّصارى لَهم الِاسْتِقْبالَ إلى الشَّرْقِ، واعْتَذَرُوا بِأنَّ المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَوَّضَ إلَيْهِمُ التَّحْلِيلَ والتَّحْرِيمَ وشَرْعَ الأحْكامِ، وأنَّ ما حَلَّلُوهُ وحَرَّمُوهُ فَقَدْ حَلَّلَهُ هو وحَرَّمَهُ في السَّماءِ، وذَكَرُوا لَهم أنَّ في الشَّرْقِ أسْرارًا لَيْسَتْ في غَيْرِهِ، ولِهَذا كانَ مَوْلِدُ المَسِيحِ شَرْقًا، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ واسْتَقْبَلَ المَسِيحُ حِينَ صُلِبَ – بِزَعْمِهِمُ - الشَّرْقَ، وقِيلَ: إنَّ بَعْضَ رُهْبانِهِمْ قالَ لَهم: إنِّي لَقِيتُ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ لِي: ”إنَّ لِلشَّمْسِ كَوْكَبًا أُحِبُّهُ يُبْلِغُ سَلامِي في كُلِّ يَوْمٍ، فَمُرْ قَوْمِي لِيَتَوَجَّهُوا إلَيْها في صَلاتِهِمْ، فَصَدَّقُوا وفَعَلُوا“، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في الإنْجِيلِ اسْتِقْبالُ الشَّرْقِ، وذَهَبَ ابْنُ القَيِّمِ إلى أنَّ قِبْلَةَ الطّائِفَتَيْنِ الآنَ لَمْ تَكُنْ قِبْلَةً بِوَحْيٍ وتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - بَلْ بِمَشُورَةٍ واجْتِهادٍ مِنهُمْ، أمّا النَّصارى فاجْتَهَدُوا، وجَعَلُوا الشَّرْقَ قِبْلَةً، وكانَ عِيسى قَبْلَ الرَّفْعِ يُصَلِّي إلى الصَّخْرَةِ، وأمّا اليَهُودُ فَكانُوا يُصَلُّونَ إلى التّابُوتِ الَّذِي مَعَهم إذا خَرَجُوا وإذا قَدِمُوا بَيْتَ المَقْدِسِ نَصَبُوهُ إلى الصَّخْرَةِ وصَلَّوْا إلَيْهِ، فَلَمّا رُفِعَ اجْتَهَدُوا، فَأدّى اجْتِهادُهم إلى الصَّلاةِ إلى مَوْضِعِهِ وهو الصَّخْرَةُ، ولَيْسَ في التَّوْراةِ الأمْرُ بِذَلِكَ، والسّامِرَةُ مِنهم يُصَلُّونَ إلى طُورِهِمْ بِالشّامِ قُرْبَ بَلْدَةِ نابْلُسَ، وهَذانِ القَوْلانِ - إنْ صَحّا - يَشْكُلُ عَلَيْهِما القَوْلُ بِأنَّ عادَتَهُ - تَعالى - تَخْصِيصُ كُلِّ شَرِيعَةٍ بِقِبْلَةٍ فَتَدَبَّرْ. ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أبْلَغُ في النَّفْيِ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى مِن وُجُوهٍ: كَوْنِها اسْمِيَّةً وتَكَرَّرَ فِيها الِاسْمُ مَرَّتَيْنِ، وتَأْكِيدِ نَفْيِها صفحة 12 بِالباءِ، وفَعَلَ ذَلِكَ اعْتِناءً بِما تَقَدَّمَ ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ أيْ أنَّ اليَهُودَ لا تَتَّبِعُ قِبْلَةَ النَّصارى، ولا النَّصارى تَتَّبِعُ قِبْلَةَ اليَهُودِ ما دامُوا باقِينَ عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وفي ذَلِكَ بَيانٌ لِتَصَلُّبِهِمْ في الهَوى وعِنادِهِمْ بِأنَّ هَذِهِ المُخالَفَةَ والعِنادَ لا يَخْتَصُّ بِكَ، بَلْ حالُهم فِيما بَيْنَهم أيْضًا كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، مُؤَكِّدَةٌ لِأمْرِ القِبْلَةِ بِبَيانِ أنَّ إنْكارَهم ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ فَرْطِ العِنادِ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، وإلّا فَلا مَعْنًى لِاسْتِعْمالِ (إنِ) المَوْضُوعَةِ لِلْمَعانِي المُحْتَمَلَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الِانْتِفاءِ فِيما سَبَقَ، والمَقْصُودُ بِهَذا الفَرْضِ ذِكْرُ مِثالٍ لِاتِّباعِ الهَوى، وذِكْرُ قُبْحِهِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى خُصُوصِيَّةِ المُتَّبِعِ والمُتَّبَعِ. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ﴾ أيِ: المَعْلُومِ الَّذِي أوْحى إلَيْكَ بِقَرِينَةِ إسْنادِ المَجِيءِ إلَيْهِ، والمُرادُ بَعْدَ ما بانَ لَكَ الحَقُّ ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: المُرْتَكِبِينَ الظُّلْمَ الفاحِشَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ أيْضًا تَقْرِيرٌ لِأمْرِ (القِبْلَةِ) وفِيها وُجُوهٌ مِنَ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ، وهي القَسَمُ، واللّامُ المُوطِّئَةُ لَهُ، و(إنِ) الفَرْضِيَّةُ، و(إنَّ) التَّحْقِيقِيَّةُ، و(اللّامُ) في حَيِّزِها، وتَعْرِيفُ الظّالِمِينَ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، و(إذًا) الجَزائِيَّةُ، وإيثارُ ( مِنَ الظّالِمِينَ ) عَلى (ظالِمٍ) - أوِ الظّالِمِ - لِإفادَتِهِ أنَّهُ مُقَرَّرٌ مُحَقَّقٌ، وأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ عَرِيقٌ فِيهِمْ، وإيقاعُ الِاتِّباعِ - عَلى ما سَمّاهُ (هَوًى) – أيْ: لا يُعَضِّدُهُ بُرْهانٌ، ولا نَزَلَ في شَأْنِهِ بَيانٌ، والإجْمالُ والتَّفْصِيلُ وجَعْلُ الجائِي نَفْسَ العِلْمِ وعُدَّ أيْضًا مِن ذَلِكَ، عَدَّهُ واحِدًا ( مِنَ الظّالِمِينَ ) مَغْمُورًا فِيهِمْ غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ كَتَعَيُّنِهِمْ فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ فِيهِ مُبالَغَةً عَظِيمَةً لِلْإشْعارِ بِالِانْتِقالِ مِن مَرْتَبَةِ العَدْلِ إلى الظُّلْمِ، ومِن مَرْتَبَةِ التَّعَيُّنِ والسِّيادَةِ المُطْلَقَةِ إلى السَّفالَةِ والمَجْهُولِيَّةِ، ولَوْ جَعَلَ كُنْتَ في ﴿كُنْتَ عَلَيْها﴾ بِمَعْنى (صِرْتَ) لَكانَ أعْلى كَعْبًا في الإفادَةِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّرْكِيبَ يَقْتَضِي المُبالَغَةَ في الِاسْتِعْمالِ لا المَجْهُولِيَّةَ، ولَوِ اقْتَضاها فِيهِ لَكانَ العَدُّ مَعْدُودًا في عِدادِ المَقْبُولِ، وفي هَذِهِ المُبالَغاتِ تَعْظِيمٌ لِأمْرِ الحَقِّ، وتَحْرِيضٌ عَلى اقْتِفائِهِ وتَحْذِيرٌ عَنْ مُتابَعَةِ الهَوى، واسْتِعْظامٌ لِصُدُورِ الذَّنْبِ عَنِ الأنْبِياءِ، وذُو المَرْتَبَةِ الرَّفِيعَةِ إلى تَجْدِيدِ الإنْذارِ عَلَيْهِ أحْوَجُ حِفْظًا لِمَرْتَبَتِهِ، وصِيانَةً لِمَكانَتِهِ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ والمَعْنِيُّ بِهِ غَيْرُهُ.

البقرة 2:146

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والمُرادُ بِهِمُ العُلَماءُ لِأنَّ (العِرْفانَ) لَهم حَقِيقَةٌ، ولِذا وضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، ولِأنَّ (أُوتُوا) يُسْتَعْمَلُ فِيمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولٌ، و( آتَيْنا ) أكْثَرُ ما جاءَ فِيمَن لَهُ ذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ ( مِنَ الظّالِمِينَ ) فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الكِتابَ أوْ مِنَ المَوْصُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا (بِأعْنِي) أوْ رَفْعًا عَلى تَقْدِيرِهِمْ، وضَمِيرُ يَعْرِفُونَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ عَلَيْهِ، فَإنَّ تَشْبِيهَ مَعْرِفَتِهِ بِمَعْرِفَةِ ( الأبْناءِ ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ المُرادُ، وقِيلَ: المَرْجِعُ مَذْكُورٌ فِيما سَبَقَ صَرِيحًا بِطَرِيقِ الخِطابِ، فَلا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ التَّقْدِيمِ المَعْنَوِيِّ (غايَةُ الأمْرِ) أنْ يَكُونَ هَهُنا التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ لَيْسَ مَعْرِفَتُهم لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن حَيْثُ ذاتُهُ ونَسَبُهُ الزّاهِرُ، بَلْ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَسْطُورًا في الكِتابِ مَنعُوتًا فِيهِ بِالنُّعُوتِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ إفْحامَهُمْ، ومِن جُمْلَتِها أنَّهُ يُصَلّى إلى القِبْلَتَيْنِ، كَأنَّهُ قالَ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَ مَن وصْفْناهُ فِيهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإنْ خُوطِبَ في الكَلامِ الَّذِي في شَأْنِ ( القِبْلَةِ ) مِرارًا، لَكِنَّهُ لا يُحْسِنُ إرْجاعَ الضَّمِيرِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ اعْتِراضِيَّةٌ مُسْتَطْرِدَةٌ بَعْدَ ذِكْرِ أمْرِ ( القِبْلَةِ ) وظُهُورُها عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ بِجامِعِ المَعْرِفَةِ الجَلِيَّةِ مَعَ الطَّعْنِ - ولِذا لَمْ تُعْطَفْ - فَلَوْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إلى المَذْكُورِ لَأوْهَمَ نَوْعَ اتِّصالٍ - ولَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ صفحة 13 الحُسْنُ - ودَلِيلُ الِاسْتِطْرادِ ( ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ ) نَعَمْ إنْ قِيلَ: بِمُجَرَّدِ الجَوازِ، فَلا بَأْسَ بِهِ؛ إذْ هو مُحْتَمَلٌ، ولَعَلَّهُ الظّاهِرُ بِالنَّظَرِ الجَلِيلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ - لِلْعِلْمِ - المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ﴾ أوِ القُرْآنِ بِادِّعاءِ حُضُورِهِ في الأذْهانِ، أوْ لِلتَّحْوِيلِ لِدَلالَةِ مَضْمُونِ الكَلامِ السّابِقِ عَلَيْهِ، وفِيهِ أنَّ التَّشْبِيهَ يَأْبى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُناسِبَ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِما هو مِن جِنْسِهِ، فَكانَ الواجِبُ في نَظَرِ البَلاغَةِ حِينَئِذٍ كَما يَعْرِفُونَ التَّوْراةَ أوِ الصَّخْرَةَ، وأنَّ التَّخْصِيصَ بِـ ( أهْلِ الكِتابِ ) يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ مُسْتَفادَةً مِنَ ( الكِتابِ )، وقَدْ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ ذِكْرِ نَعْتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِخِلافِ المَذْكُوراتِ، فَإنَّها غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيهِ ذِكْرُها فِيهِما ( والكافُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ( يَعْرِفُونَهُ ) بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ في ( الكِتابِ ) بِأنَّهُ النَّبِيُّ المَوْعُودُ؛ بِحَيْثُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ عِرْفانٌ مِثْلَ ( عِرْفانِهِمْ أبْناءَهم ) بِحَيْثُ لا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ أشْخاصُهم بِغَيْرِهِمْ، وهو تَشْبِيهٌ لِلْمَعْرِفَةِ العَقْلِيَّةِ الحاصِلَةِ مِن مُطالَعَةِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بِالمَعْرِفَةِ الحِسِّيَّةِ، في أنَّ كُلًّا مِنهُما يَتَعَذَّرُ الِاشْتِباهُ فِيهِ، والمُرادُ ( بِالأبْناءِ ) الذُّكُورُ؛ لِأنَّهم أكْثَرُ مُباشَرَةً ومُعاشَرَةً لِلْآباءِ، وألْصَقُ وأعْلَقُ بِقُلُوبِهِمْ مِنَ البَناتِ، فَكانَ ظَنُّ اشْتِباهِ أشْخاصِهِمْ أبْعَدَ، وكانَ التَّشْبِيهُ بِمَعْرِفَةِ الأبْناءِ آكَدًا مِنَ التَّشْبِيهِ بِالأنْفُسِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَمُرُّ عَلَيْهِ قِطْعَةٌ مِنَ الزَّمانِ لا يَعْرِفُ فِيها نَفْسَهُ كَزَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ ( بِخِلافِ الأبْناءِ )، فَإنَّهُ لا يَمُرُّ عَلَيْهِ زَمانٌ إلّا وهو يَعْرِفُ ابْنَهُ. وما حُكِيَ «عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ قالَ في شَأْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ”أنا أعْلَمُ بِهِ مِنِّي بِابْنِي“، فَقالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ”لِمَ؟“ قالَ: ”لِأنِّي لَسْتُ أشُكُّ بِمُحَمَّدٍ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَأمّا ولَدِي فَلَعَلَّ والِدَتَهُ خانَتْ“، فَقَبَّلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – رَأْسَهُ». فَمَعْناهُ: أنِّي لَسْتُ أشُكُّ في نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِوَجْهٍ، وأمّا ولَدِي فَأشُكُّ في بُنُوَّتِهِ، وإنْ لَمْ أشُكَّ بِشَخْصِهِ، وهو المُشَبَّهُ بِهِ في الآيَةِ، فَلا يَتَوَهَّمُ مِنهُ أنَّ ( مَعْرِفَةَ الأبْناءِ ) لا تَسْتَحِقُّ أنْ يُشَبَّهَ بِها؛ لِأنَّها دُونَ المُشَبَّهِ لِلِاحْتِمالِ، ولا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ يَكْفِي في وجْهِ الشَّبَهِ كَوْنُهُ أشْهَرَ في المُشَبَّهِ بِهِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ أقْوى - و( مَعْرِفَةُ الأبْناءِ ) أشْهَرُ مِن غَيْرِها، ولا إلى تَكَلُّفٍ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ في الآيَةِ إضافَةُ ( الأبْناءِ ) إلَيْهِمْ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَتْ حَقَّةً أوْ لا. وما ذَكَرَهُ ابْنُ سَلامٍ كَوْنُهُ ابْنًا لَهُ في الواقِعِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهُمْ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا. ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ 146 جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. ويَعْلَمُونَ إمّا مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ شَناعَةِ كِتْمانِ الحَقِّ، وأنَّهُ لا يَلِيقُ بِأهْلِ العِلْمِ، أوِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ ( يُعَلِّمُونَهُ ) فَيَكُونُ حالًا مُؤَكِّدَةً؛ لِأنَّ لَفْظَ ( يَكْتُمُونَ الحَقَّ ) يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ؛ إذِ ( الَكَتْمُ ) إخْفاءُ ما يَعْلَمُ، أوْ يَعْلَمُونَ عِقابَ الكِتْمانِ، أوْ أنَّهم يَكْتُمُونَ فَتَكُونُ مُبِيِّنَةً، وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وفائِدَتُهُ تَخْصِيصُ مَن عانَدَ وكَتَمَ بِالذَّمِّ، واسْتِثْناءُ ( مَن آمَنَ ) وأظْهَرَ عِلْمَهُ عَنْ حُكْمِ الكِتْمانِ.

البقرة 2:147

﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ قُصِدَ بِهِ رَدُّ الكاتِمِينَ، وتَحْقِيقُ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولِذا فَصَلَ، والحَقّ إمّا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجارُّ، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ إشارَةٌ إلى ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، ولِذا ذُكِرَ بِلَفْظِ المَظْهَرِ، أوِ الحَقُّ الَّذِي كَتَمَهُ هَؤُلاءِ ووَضَعَ فِيهِ المَظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ تَقْرِيرًا لِحِقِّيَّتِهِ وتَثْبِيتًا لَها، أوْ لِلْجِنْسِ، وهو يُفِيدُ قَصْرَ جِنْسِ ( الحَقِّ ) عَلى ما ثَبَتَ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ أنَّ ( الحَقَّ ) ذَلِكَ كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ لا غَيْرُهُ كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ، وإمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو الحَقُّ، أوْ هَذا الحَقُّ، و﴿مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، واللّامُ حِينَئِذٍ لِلْجِنْسِ، كَما في ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ ومَعْناهُ أنَّ ما يَكْتُمُونَهُ هو الحَقُّ لا ما يَدَّعُونَهُ ويَزْعُمُونَهُ، ولا مَعْنًى حِينَئِذٍ لِلْعَهْدِ؛ لِأدائِهِ إلى التَّكْرارِ، فَيَحْتاجُ صفحة 14 إلى تَكَلُّفٍ. وقَرَأ الإمامُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - الحَقّ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ يَعْلَمُونَ أوْ بَدَلٌ، ومِن رَبِّك حالٌ مِنهُ، وبِهِ يَحْصُلُ مُغايَرَتُهُ لِلْأوَّلِ وإنِ اتَّحَدَ لَفْظُهُما، وجَوَّزَ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ ( كالزَمْ ) وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما لا يَخْفى. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ 147﴾ أيِ: الشّاكِّينَ أوِ المُتَرَدِّدِينَ في كِتْمانِهِمُ الحَقَّ عالِمِينَ بِهِ، أوْ في أنَّهُ ﴿مِن رَبِّكَ﴾، ولَيْسَ المُرادُ نَهْيَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنْ شَيْءٍ يَقْتَضِي وُقُوعَهُ أوْ تَرَقُّبَهُ مِنَ المَنهِيِّ عَنْهُ، وذَلِكَ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ مِن ساحَةِ حَضْرَةِ الرِّسالَةِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَلا فائِدَةَ في نَهْيِهِ؛ ولِأنَّ المُكَلَّفَ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ اخْتِيارِيًّا، ولَيْسَ الشَّكُّ والتَّرَدُّدُ مِمّا يَحْصُلُ بِقَصْدٍ واخْتِيارٍ، بَلِ المُرادُ إمّا تَحْقِيقُ الأمْرِ، وأنَّهُ بِحَيْثُ لا يَشُكُّ فِيهِ أحَدٌ كائِنًا مَن كانَ، أوِ الأمْرُ لِلْأُمَّةِ بِتَحْصِيلِ المَعارِفِ المُزِيلَةِ لِما نَهى عَنْهُ، فَيَجْعَلُ النَّهْيَ مَجازًا عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ، وفي جَعْلِ امْتِراءِ الأُمَّةِ امْتِراءَهُ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُبالَغَةٌ لا تَخْفى، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ الشَّكَّ ونَحْوَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورَ التَّحْصِيلِ، لَكِنَّهُ مَقْدُورٌ لِإزالَةِ البَقاءِ، ولَعَلَّ النَّهْيَ عَنْهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ دُونَ فَلا تَمْتَرِ، ومَن ظَنَّ أنَّ مَنشَأ الإشْكالِ إفْحامُ الكَوْنِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي لَيْسَ مَقْدُورًا، فَلا يَنْهى عَنْهُ دُونَ الشَّكِّ والتَّرَدُّدِ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ.

البقرة 2:148

﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ أيْ: لِكُلِّ أهْلِ مِلَّةٍ أوْ جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ جِهَةٌ وجانِبٌ مِنَ الكَعْبَةِ يُصَلّى إلَيْها جَنُوبِيَّةً أوْ شَمالِيَّةً أوْ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً. وتَنْوِينُ ( كُلٍّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، و( وِجْهَةٌ ) جاءَ عَلى الأصْلِ، والقِياسُ (جِهَةٌ) مِثْلَ عِدَّةٍ وزِنَةٍ، وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُتَوَجَّهِ إلَيْهِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وهو مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ تَوَجَّهَ أوِ اتَّجَهَ، والمَصْدَرُ التَّوَجُّهُ أوْ الِاتِّجاهُ، ولَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنهُ وجْهٌ كَوَعْدٍ، وقِيلَ: إنَّها اسْمٌ لِلْمَكانِ المُتَوَجَّهِ إلَيْهِ، فَثُبُوتُ الواوِ لَيْسَ بِشاذٍّ، وقَرَأ أُبَيٌّ ( ولِكُلٍّ قِبْلَةٌ ). ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى ( كُلٍّ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلْوَصْفِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وجْهَهُ أوْ نَفْسَهُ؛ أيْ: مُسْتَقْبَلُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى؛ أيِ: اللَّهُ مُوَلِّيها إيّاهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قَرَأ ( ولِكُلِّ وِجْهَةٍ ) بِالإضافَةِ، وقَدْ صَعُبَ تَخْرِيجُها حَتّى تَجَرَّأ بَعْضُهم عَلى رَدِّها، وهو خَطَأٌ عَظِيمٌ، وخَرَّجَها البَعْضُ أنَّ ( كُلَّ ) كانَ في الأصْلِ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِعامِلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ مُوَلِّيها وضَمِيرُ هو عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - قَطْعًا، ثُمَّ زِيدَتِ اللّامُ في المَفْعُولِ بِهِ صَرِيحًا لِضَعْفِ العامِلِ المُقَدَّرِ مِن جِهَتَيْنِ، كَوْنُهُ اسْمَ فاعِلٍ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلَيْهِ، والمَفْعُولُ الآخَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لِكُلِّ وِجْهَةِ اللَّهِ مَوْلًى مُوَلِّيها، ورُدَّ بِأنَّ لامَ التَّقْوِيَةِ لا تُزادُ في أحَدِ مَفْعُولَيِ المُتَعَدِّي لِاثْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ تُزادَ في الآخَرِ، ولا نَظِيرَ لَهُ، أوْ لا، فَيَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بِلا مُرَجِّحٍ، وإنْ أُجِيبَ بِإطْلاقِ النُّحاةِ يَقْتَضِي جَوازَهُ، والتَّرْجِيحُ بِلا مُرَجِّحٍ مَدْفُوعٌ هُنا بِأنَّهُ تَرَجَّحَ بِتَقْدِيمِهِ. وقِيلَ: إنَّ المَجْرُورَ مَعْمُولٌ لِلْوَصْفِ المَذْكُورِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ولَهُ واللّامُ مَزِيدَةٌ، أوْ أنَّ الكَلامَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ بِالضَّمِيرِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذَيْنِ التَّخْرِيجَيْنِ يُحْوِجُ أوَّلُهُما إلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالوَصْفِ إلى التَّوْلِيَةِ، وجَعَلَهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا كَقَوْلِهِ: هَذا سُراقَةُ لِلْقُرْآنِ يَدْرُسُهُ لِئَلّا يُقالُ: كَيْفَ يَعْمَلُ الوَصْفُ مَعَ اشْتِغالِهِ بِالضَّمِيرِ، وثانِيهُما إلى القَوْلِ: بِأنَّهُ قَدْ يَجِيءُ المَجْرُورُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ﴾ والقَوْلُ: بِأنَّ اللّامَ أصْلِيَّةٌ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ ( بِصَلُّوا ) مَحْذُوفًا أوْ بِاسْتَبِقُوا، ( والفاءُ ) زائِدَةٌ بَعِيدٌ بَلْ لا أكادُ أُجِيزُهُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: ( مَوْلاها ) عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ؛ أيْ: هو قَدْ ولّى تِلْكَ الجِهَةَ، فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ حِينَئِذٍ عائِدٌ صفحة 15 إلى كُلٍّ ألْبَتَّةَ، ولا يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ تَعالى لِفَسادِ المَعْنى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنْ مَنصُورٍ، قالَ: ”نَحْنُ نَقْرَأُ ( ولِكُلٍّ جَعَلْنا قِبْلَةً يَرْضَوْنَها )“. ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ جَمْعُ خِيرَةٍ بِالتَّخْفِيفِ، وهي الفاضِلَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَصْلَةِ، ( واللّامُ ) لِلِاسْتِغْراقِ، فَيَعُمُّ المُحَلّى أمْرَ القِبْلَةِ وغَيْرَهُ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والِاسْتِباقُ مُتَعَدٍّ كَما في التّاجِ، وقِيلَ: لازِمٌ، و( إلى ) بَعْدَهُ مُقَدَّرَةٌ؛ أيْ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَبادِرُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ ما بِهِ يَحْصُلُ السَّعادَةُ في الدّارَيْنِ مِنَ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وغَيْرِهِ، ولا تُنازِعُوا مَن خالَفَكُمْ؛ إذْ لا سَبِيلَ إلى الِاجْتِماعِ عَلى قِبْلَةٍ واحِدَةٍ لِجَرْيِ العادَةِ عَلى تَوْلِيَةِ كُلِّ قَوْمٍ قِبْلَةً يَسْتَقْبِلُها، وفي أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ التَّسابُقِ فِيما بَيْنَهُمْ، كَما قالَ السَّعْدُ: ”دَلالَةٌ عَلى طَلَبِ سَبْقِ غَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلى“. وقِيلَ: الِاقْتِصارُ عَلى سَبْقِ بَعْضِهِمْ إشارَةٌ إلى أنَّ غَيْرَهم لَيْسَ في طَرِيقِ الخَيْرِ حَتّى يَتَصَوَّرَ أمْرُ أحَدٍ بِالسَّبْقِ إلى الخَيْرِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( اللّامُ ) لِلْعَهْدِ، فالمُرادُ بِالخَيْراتِ الفاضِلاتِ مِنَ الجِهاتِ الَّتِي تَسامَتِ الكَعْبَةَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّلاةَ إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ أكْثَرُ ثَوابًا مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي جِهَتِها، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها الصَّلَواتُ الفاضِلاتُ، والمُرادُ ( بِالِاسْتِباقِ ) السُّرْعَةُ فِيها والقِيامُ بِها في أوَّلِ أوْقاتِها، وفِيهِ بُعْدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى ( فاسْتَبِقُوا قِبْلَتَكم )، وعَبَّرَ عَنْها بِالخَيْراتِ إشارَةً إلى اشْتِمالِها عَلى كُلِّ خَيْرٍ. واسْتَدَلَّ الشّافِعِيَّةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ في أوَّلِ الوَقْتِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ أفْضَلُ، وهي مَسْألَةٌ فَرَغَ مِنها في الفُرُوعِ، ولِبَعْضِ العارِفِينَ في الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ تَعالى جَعَلَ النّاسَ في أُمُورِ دُنْياهم وأُخْراهم عَلى أحْوالٍ مُتَفاوِتَةٍ، فَجَعَلَ بَعْضَهم أعْوانَ بَعْضٍ، فَواحِدٌ يَزْرَعُ وآخَرُ يَطْحَنُ وآخَرُ يَخْبِزُ، وكَذَلِكَ في أمْرِ الدِّينِ؛ واحِدٌ يَجْمَعُ الحَدِيثَ، وآخَرُ يُحَصِّلُ الفِقْهَ، وآخَرُ يَطْلُبُ الأُصُولَ، وهم في الظّاهِرِ مُخْتارُونَ، وفي الباطِنِ مُسَخَّرُونَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ“». ولِهَذا قالَ بَعْضُ الصّالِحِينَ لَمّا سُئِلَ عَنْ تَفاوُتِ النّاسِ في أفْعالِهِمْ: ”كُلُّ ذَلِكَ طُرُقٌ إلى اللَّهِ - تَعالى – أرادَ أنْ يُعَمِّرَها بِعِبادِهِ، ومَن تَحَرّى وجْهَ اللَّهِ - تَعالى - في كُلِّ طَرِيقٍ يَسْلُكُهُ وصَلَ إلَيْهِ، لَكِنْ يَنْبَغِي تَحَرِّي الأحْسَنَ مِن تِلْكَ الطُّرُقِ؛ إذِ المَراتِبُ مُتَفاوِتَةٌ والشُّؤُونُ مُخْتَلِفَةٌ، ومَظاهِرُ الأسْماءِ شَتّى“، وقِيلَ: المُرادُ بِها أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ قِبْلَةً، فَقِبْلَةُ المُقَرَّبِينَ العَرْشُ، والرُّوحانِيِّينَ الكُرْسِيُّ والكُرُوبِينَ البَيْتُ المَعْمُورُ، والأنْبِياءُ قَبْلَكَ بَيْتُ المَقْدِسِ وقِبْلَتُكَ الكَعْبَةُ، وهي قِبْلَةُ جَسَدِكَ، وأمّا قِبْلَةُ رُوحِكَ فَأنا، وقِبْلَتِي أنْتَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ: ”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم مِن أجْلِي“. ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ ( أيْنَ ): ظَرْفُ مَكانٍ تَضَمَّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، و( ما ) مَزِيدَةٌ، ويَأْتِ جَوابُها، والمَعْنى في أيِّ مَوْضِعٍ تَكُونُوا مِنَ المَواضِعِ المُوافِقَةِ لِطَبْعِكم كالأرْضِ أوِ المُخالِفَةِ كالسَّماءِ أوِ المُجْتَمِعَةِ الأجْزاءِ كالصَّخْرَةِ أوِ المُتَفَرِّقَةِ الَّتِي يَخْتَلِطُ بِها ما فِيها كالرَّمْلِ، يَحْشُرُكُمُ اللَّهُ - تَعالى - إلَيْهِ لِجَزاءِ أعْمالِكُمْ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، والجُمْلَةٌ مُعَلِّلَةٌ لِما قَبْلَها، وفِيها حَثٌّ عَلى الِاسْتِباقِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وهي عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أوْ في أيِّ مَوْضِعٍ تَكُونُوا مِن أعْماقِ الأرْضِ وقُلَلِ الجِبالِ، يَقْبِضُ اللَّهُ – تَعالى - أرْواحَكم إلَيْهِ، فَهي عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ فَفِيها حَثٌّ عَلى الِاسْتِباقِ بِاغْتِنامِ الفُرْصَةِ، فَإنَّ المَوْتَ لا يُخْتَصُّ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ، أوْ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ مِنَ الجِهاتِ المُتَقابِلاتِ يُمْنَةً ويَسْرَةً وشَرْقًا وغَرْبًا، يَجْعَلُ اللَّهُ - تَعالى - صَلاتَكم مَعَ اخْتِلافِ جِهاتِها في حُكْمِ صَلاةٍ مُتَّحِدَةِ الجِهَةِ كَأنَّها إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ أوْ في المَسْجِدِ الحَرامِ، ( فَيَأْتِ بِكم ) مَجازٌ عَنْ جَعْلِ الصَّلاةِ مُتَّحِدَةَ الجِهَةِ، وفائِدَةُ الجُمْلَةِ المُعَلَّلَةِ حِينَئِذٍ بَيانُ حُكْمِ الأمْرِ بِالِاسْتِباقِ، ومِنهم مَن قالَ: الخِطابُ صفحة 16 فِي اسْتَبْقَوْا إمّا عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وإمّا خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، فَعَلى الأوَّلِ يُرادُ هُنا العُمُومُ؛ أيْ في أيِّ مَوْضِعٍ تَكُونُوا مِنَ المَواضِعِ المُوافِقَةِ لِلْحَقِّ أوِ المُخالِفَةِ لَهُ، وعَلى الثّانِي الخُصُوصُ؛ أيْ: أيْنَما تَكُونُوا في الصَّلاةِ أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنَ الجِهاتِ المُتَقابِلَةِ شَمالًا وجَنُوبًا وشَرْقًا وغَرْبًا بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا جِهَةَ الكَعْبَةِ يَجْعَلُ اللَّهُ – تَعالى - صَلاتَكم كَأنَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ لِاتِّحادِكم في الجِهَةِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِالِاتِّجاهِ إلَيْها، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 148﴾ ومِن ذَلِكَ إماتَتِكم وإحْياؤُكُمْ، وجَمْعُكم والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ، وتَأْكِيدٌ لِما تَقَدَّمَ.

البقرة 2:149

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فاسْتَبِقُوا﴾ وحَيْثُ ظَرْفٌ لازِمُ الإضافَةِ إلى الجُمَلِ غالِبًا، والعامِلُ فِيها ما هو في مَحَلُّ الجَزاءِ لا الشُّرَطِ، فَهي هُنا مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ول والفاءُ صِلَةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما بَعْدَها لازِمٌ لِما قَبْلَها لُزُومَ الجَزاءِ لِلشَّرْطِ؛ لِأنَّ ( حيث ) وإنْ لَمْ تَكُنْ شَرْطِيَّةً لَكِنَّها لِدَلالَتِها عَلى العُمُومِ أشْبَهَتْ كَلِماتِ الشَّرْطِ، فَفِيها رائِحَةُ الشَّرْطِ، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِـ خُرْجت لَفْظًا، وإنْ كانَتْ ظَرْفًا لَهُ مَعْنًى لِئَلّا يَلْزَمَ عَدَمُ الإضافَةِ، والمَعْنى مِن أيِّ مَوْضِعٍ ( خَرَجَتْ فَوَلِّ وجْهَك ) مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ شَطْر إلَخْ، ومِن ابْتِدائِيَّةٌ؛ لِأنَّ الخُرُوجَ أصْلٌ لِفِعْلٍ مُمْتَدٍّ، وهو المَشْيُ، وكَذا التَّوْلِيَةُ أصْلٌ لِلِاسْتِقْبالِ وقْتَ الصَّلاةِ الَّذِي هو مُمْتَدٌّ، وقِيلَ: إنْ حَيْثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ولِّ والفاءُ لَيْسَتْ زائِدَةً، وما بَعْدَها يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها كَما بَيَّنَ في مَحَلِّهِ إلّا أنَّهُ لا وجْهَ لِاجْتِماعِ الفاءِ والواوِ، فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ ( مِن حَيْثُ خَرَجَتْ فول ) فَيَكُونُ فُول عَطْفًا عَلى المُقَدَّرِ، ويَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ ( مِن حَيْثُ خَرَجَتْ ) بِمَعْنى أيْنَما كُنْتَ وتَوَجَّهَتْ فَيَكُونُ فُول جَزاءً لَهُ عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ العامِلُ فِيها الشَّرْطُ - ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ - والتَّخْرِيجُ عَلى قَوْلٍ ضَعِيفٍ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ إلّا الفَرّاءُ، وهو شَرْطِيَّةٌ حَيْثُ بِدُونِ ( ما ) حَتّى قالُوا: إنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ في كَلامِ العَرَبِ، ثُمَّ الأمْرُ بِالتَّوْلِيَةِ مُقَيَّدٌ بِالقِيامِ إلى الصَّلاةِ لِلْإجْماعِ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ في غَيْرِ ذَلِكَ. وإنَّهُ أيْ: الِاسْتِقْبالَ أوِ الصَّرْفَ أوِ التَّوْلِيَةَ والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ أنَّها أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ أوْ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ أوْ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِتَأْنِيثِ المَصْدَرِ أوْ بِذِي التّاءِ الَّذِي لا مَعْنى لِلْمُجَرَّدِ عَنْهُ سَواءٌ كانَ مَصْدَرًا أوْ غَيْرَهُ، وإرْجاعُ الضَّمِيرِ لِلْأمْرِ السّابِقِ واحِدُ الأوامِرِ عَلى قُرْبِهِ بَعِيدٌ ﴿لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ أيِ: الثّابِتُ المُوافِقُ لِلْحِكْمَةِ. ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ 149﴾ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ أحْسَنَ الجَزاءِ فَهو وعِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقُرِئَ ( يَعْمَلُونَ ) عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ فَهو وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، وهُما اعْتِراضٌ لِلتَّأْكِيدِ.

البقرة 2:150

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ إلَخْ أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ إلَخْ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ ولَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجَتْ﴾ الدّاخِلِ تَحْتَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى تَرَتُّبِهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾؛ لِأنَّهُ مُعَلَّلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ وهو وإنْ كانَ عِلَّةً لِـ ( ولُّوا ) لا لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: عَرَّفْناكم وجْهَ الصَّوابِ في قِبْلَتِكُمْ، والحُجَّةُ في ذَلِكَ كَما قِيلَ بِهِ: إلّا أنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِـ ( ولِّ ) لِأنَّ انْقِطاعَ الحُجَّةِ بِالتَّوْلِيَةِ إذا حَصَلَ لِلْأُمَّةِ كانَ حُصُولُهُ بِها لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِطَرِيقِ الأوْلى، ولَوْ جَعَلَ الخِطابَ عامًّا لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والأُمَّةِ، ولَمْ يَلْتَزِمْ تَخْصِيصَهُ بِالأُمَّةِ عَلى حَدِّ خِطاباتِ الآيَةِ كانَ عِلَّةً لَهُما، وإنَّما كَرَّرَ هَذا الحُكْمَ لِتَعَدُّدِ عِلَلِهِ، والحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن ( إلّا لِنَعْلَم ) إلَخْ إضافِيٌّ صفحة 17 أوِ ادِّعائِيٌّ، فَإنَّهُ - تَعالى - ذَكَرَ لِلتَّحْوِيلِ ثَلاثَ عِلَلٍ، تَعْظِيمُ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ أوَّلًا، وجَرى العادَةُ الإلَهِيَّةُ عَلى أنْ يُؤْتى كُلُّ أهْلِ مِلَّةٍ وِجْهَةً ( ثانِيًا) ودَفْعُ حُجَجِ المُخالِفِينَ، ( ثالِثًا ) فَإنَّ التَّوْلِيَةَ إلى الكَعْبَةِ تَدْفَعُ احْتِجاجَ اليَهُودِ بِأنَّ المَنعُوتَ في التَّوْراةِ قِبْلَتُهُ الكَعْبَةُ لا الصَّخْرَةُ، وهَذا النَّبِيُّ يُصَلِّي إلى الصَّخْرَةِ، فَلا يَكُونُ النَّبِيُّ المَوْعُودَ، وبِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يُدْعى أنَّهُ صاحِبُ شَرِيعَةٍ، ويَتْبَعُ قِبْلَتَنا وبَيْنَهُما تَدافُعٌ؛ لِأنَّ عادَتَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ كُلِّ صاحِبِ شَرِيعَةٍ بِقِبْلَةٍ، وتَدْفَعُ احْتِجاجَ المُشْرِكِينَ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَدَّعِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ ويُخالِفُ قِبْلَتَهُ وتَرَكَ - سُبْحانَهُ - التَّعْمِيمَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ في المَرْتَبَةِ، الثّالِثَةُ: اكْتِفاءٌ بِالعُمُومِ المُسْتَفادِ مِنَ العِلَّةِ، وزادَ ( مِن حَيْثُ خَرَجَتْ ) دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مُخالَفَةِ حالِ السَّفَرِ لِحالِ الحَضَرِ بِأنْ يَكُونَ حالَ السَّفَرِ باقِيًا عَلى ما كانَ كَما في الصَّلاةِ؛ حَيْثُ زِيدَ في الحَضَرِ رَكْعَتانِ، أوْ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ التَّوَجُّهَيْنِ كَما في الصَّوْمِ. وقَدْ يُقالُ: فائِدَةُ هَذا التَّكْرارِ الِاعْتِناءُ بِشَأْنِ الحُكْمِ؛ لِأنَّهُ مِن مَظانِّ الطَّعْنِ، وكَثْرَةُ المُخالِفِينَ فِيهِ لِعَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ النَّسْخِ والبَداءِ، وقِيلَ: لا تَكْرارَ فَإنَّ الأحْوالَ ثَلاثَةٌ؛ كَوْنُهُ في المَسْجِدِ. وكَوْنُهُ في البَلَدِ خارِجَ المَسْجِدِ. وكَوْنُهُ خارِجَ البَلَدِ، فالأوَّلُ مَحْمُولٌ عَلى الأوَّلِ، والثّانِي عَلى الثّانِي، والثّالِثُ عَلى الثّالِثِ، ولا يَخْفى أنَّهُ مُجَرَّدُ تَشَهٍّ لا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ إخْراجٌ مِنَ النّاسِ، وهو بَدَلٌ عَلى المُخْتارِ، والمَعْنى عِنْدَ القائِلِينَ: بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ؛ لِئَلّا يَكُونَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالعِنادِ، فَإنَّ لَهم عَلَيْكم حُجَّةً، فَإنَّ اليَهُودَ مِنهم يَقُولُونَ ما تَحَوَّلُ إلى الكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا لِدِينِ قَوْمِهِ وحُبًّا لِبَلَدِهِ، والمُشْرِكِينَ مِنهم يَقُولُونَ بَدا لَهُ فَرَجَعَ إلى قِبْلَةِ آبائِهِ، ويُوشِكُ أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ، وتَسْمِيَةُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الباطِلَةِ حُجَّةً مَعَ أنَّها عِبارَةٌ عَنِ البُرْهانِ المُثْبِتِ لِلْمَقْصُودِ لِكَوْنِها شَبِيهَةً بِها بِاعْتِبارِ أنَّهم يَسُوقُونَها مَساقَها، واعْتَرِضُ بِأنَّ صَدْرَ الكَلامِ لَوْ تَناوَلَ هَذا لَزِمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ؛ لَأنَّ الحُجَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالحَقِيقَةِ، ولا مَحِيصَ سِوى أنْ يُرادَ بِالحُجَّةِ المُتَمَسَّكَ حَقًّا كانَ أوْ باطِلًا، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ شُبْهَتْهم عَنِ الحُجَّةِ، بَلْ ذَواتِهِمْ عَنِ النّاسِ إلّا أنَّهُ لَزِمَ تَسْمِيَةُ شُبْهَتِهِمْ حُجَّةً بِاعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ، فَلا حاجَةَ إلى تَناوُلِ الصَّدْرِ إيّاها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مُرادَ المُعْتَرِضِ إنَّ الِاسْتِثْناءَ، وإنْ كانَ مِنَ النّاسِ إلّا أنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ ما نُفِيَ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ لِلْمُسْتَثْنى، بِناءً عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَإنْ كانَ الصَّدْرُ مُشْتَمِلًا عَلى ما أُثْبِتَ لِلْمُسْتَثْنى لَزِمَ الجَمْعُ، وإلّا لَمْ يَتَحَقَّقْ الِاسْتِثْناءُ بِمُقْتَضاهُ؛ إذِ الثّابِتُ لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ شَيْءٌ ولِلْمُسْتَثْنى شَيْءٌ آخَرُ، ولا مَحِيصَ لِلتَّفَصِّي عَنْ ذَلِكَ، إلّا أنْ يُرادَ بِالحُجَّةِ المُتَمَسَّكُ أوْ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ في الجُمْلَةِ، فَيَتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ الِاسْتِثْناءُ بِمُقْتَضاهُ؛ لِأنَّ الشُّبْهَةَ حُجَّةٌ بِهَذا المَعْنى كالبُرْهانِ، ولا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، ولَكَ أنْ تَحْمِلَ الحُجَّةَ عَلى الِاحْتِجاجِ والمُنازَعَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ فَأمْرُ الِاسْتِثْناءِ حِينَئِذٍ واضِحٌ، إلّا أنَّ صَوْغَ الكَلامِ بَعِيدٌ عَنْ الِاسْتِعْمالِ عِنْدَ إرادَةِ هَذا المَعْنى، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِضِدِّهِ وإثْباتِهِ بِنَفْيِهِ، والمَعْنى إنْ يَكُنْ لَهم حُجَّةٌ فَهي الظُّلْمُ، والظُّلْمُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حُجَّةً، فَحُجَّتُهم غَيْرُ مُمْكِنَةٍ أصْلًا، فَهو إثْباتٌ بِطَرِيقِ البُرْهانِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ نَزِيلَهم يُلامُ بِنِسْيانِ الأحِبَّةِ والوَطَنْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( ألا ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ، وهي حَرْفٌ يُسْتَفْتَحُ بِهِ الكَلامُ لِيُنَبِّهَ السّامِعَ إلى الإصْغاءِ، والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ والفاءُ زائِدَةٌ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ صفحة 18 مَعْنى الشَّرْطِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ نَصْبًا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والمَشْهُورُ أنَّ ( الخَشْيَةَ ) مُرادِفَةٌ لِلْخَوْفِ؛ أيْ: فَلا تَخافُوا الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى النّاسِ وفِيهِ بُعْدٌ. ﴿واخْشَوْنِي﴾ أيْ: وخافُونِي، فَلا تُخالِفُوا أمْرِي، فَإنِّي القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ بِالآيَةِ عَلى حُرْمَةِ التُّقْيَةِ الَّتِي يَقُولُ بِها الإمامِيَّةُ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - تَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ. ﴿ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ 150﴾ الظّاهِرُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ حُجَّةٌ ولِأُتِمَّ إلَخْ، فَهو عِلَّةٌ لِمَذْكُورٍ؛ أيْ: أمَرْتُكم بِذَلِكَ لِأجْمَعَ لَكم خَيْرَ الدّارَيْنِ، أمّا دُنْيا فَلِظُهُورِ سُلْطانِكم عَلى المُخالِفِينَ، وأمّا عُقْبى فَلِإثابَتِكُمُ الثَّوابَ الأوْفى، ولا يَرِدُ الفَصْلُ بِالِاسْتِثْناءِ وما بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُ - كَلا فَصْلَ - إذْ هو مِن مُتَعَلَّقِ العِلَّةِ الأُولى، نَعَمِ اعْتُرِضَ بِبُعْدِ المُناسَبَةِ، وبِأنَّ إرادَةَ الِاهْتِداءَ المُشْعِرَ بِها التَّرَجِّي إنَّما تَصْلُحُ عِلَّةً لِلْأمْرِ بِالتَّوْلِيَةِ لا لِفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ كَما هو الظّاهِرُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فالظّاهِرُ مَعْنى جَعْلِهِ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: وأمَرْتُكم بِالتَّوْلِيَةِ والخَشْيَةِ لِإتْمامِ نِعْمَتِي عَلَيْكم وإرادَتِي اهْتِداءَكُمْ، والجُمْلَةُ المُعَلِّلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ المُعَلَّلَةِ السّابِقَةِ، أوْ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مِثْلَ ﴿واخْشَوْنِي﴾ لِأحْفَظَكم ولِأُتِمَّ إلَخْ. ورَجَّحَ بَعْضُهم هَذا الوَجْهُ بِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرِدِ، والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: «تَمامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ»، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ قَدْ يُؤَوَّلُ الكَلامُ إلى مَعْنى ( فاعْبُدُوا ) وصَلُّوا مُتَّجِهِينَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ لِأُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ. والحَدِيثُ لا يَأْبى هَذا، بَلْ يُطابِقُهُ حَذْوَ القِذَةُ بِالقِذَةِ، فَكَوْنُهُ مُرَجِّحًا لِذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عِنْدَ قُرْبِ وفاتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ فَبَيَّنَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَكَيْفَ قالَ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أُجِيبَ بِأنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ في كُلِّ وقْتٍ بِما يَلِيقُ بِهِ فَتَدَبَّرْ.

البقرة 2:151

﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكُمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، فالكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في أمْرِ القِبْلَةِ أوْ في الآخِرَةِ، إتْمامًا مِثْلَ إرْسالِ الرَّسُولِ، وذِكْرُ الإرْسالِ وإرادَةُ الإتْمامِ مِن إقامَةِ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبِّبِ، وفِيكم مُتَعَلِّقٌ بِـ أرْسُلِنا وقُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ تَعْجِيلًا بِإدْخالِ السُّرُورِ، ولِما في صِفاتِهِ مِنَ الطَّوْلِ، وقِيلَ: مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ؛ أيِ: اذْكُرُونِي ذِكْرًا مِثْلَ ذِكْرِي لَكم بِالإرْسالِ، أوِ اذْكُرُونِي بَدَلُ إرْسالِنا فِيكم رَسُولًا، فالكافُ لِلْمُقابَلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِاذْكُرُونِي، ومِنها يُسْتَفادُ التَّشْبِيهُ؛ لِأنَّ المُتَقابِلَيْنِ مُتَشابِهانِ ومُتَبادِلانِ، وإيثارُ صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ افْتِنانٌ وجَرَيانٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، وإشارَةٌ إلى عَظَمَةِ نِعْمَةِ هَذا الإرْسالِ، وهَذا الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا﴾ صِفَةُ (رَسُولًا)، وفِيهِ إشارَةٌ إلى طَرِيقِ إثْباتِ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّ تِلاوَةَ الأُمِّيِّ الآياتِ الخارِجَةَ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ بِاعْتِبارِ بَلاغَتِها واشْتِمالِها عَلى الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ والمَصالِحِ الَّتِي يَنْتَظِمُ بِها أمْرُ المَعادِ والمَعاشِ أقْوى دَلِيلٍ عَلى نُبُوَّتِهِ. ﴿ويُزَكِّيكُمْ﴾ أيْ: يُطَهِّرُكم مِنَ الشِّرْكِ، وهي صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّسُولِ، وأتى بِها عَقِبَ التِّلاوَةِ؛ لِأنَّ التَّطْهِيرَ عَنْ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ إظْهارِ المُعْجِزَةِ لِمَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - تَوْفِيقَهُ. ﴿ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ صِفَةٌ إثْرَ صِفَةٍ، وأُخِّرَتْ؛ لِأنَّ تَعْلِيمَ الكِتابِ وتَفْهِيمَ ما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ والأسْرارِ الرَّبّانِيَّةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ التَّخَلِّي عَنْ دَنَسِ الشِّرْكِ ونَجَسِ الشَّكِّ بِالاتْباعِ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فالكُفْرُ حِجابٌ، وقَدَّمَ التَّزْكِيَةَ عَلى التَّعْلِيمِ في هَذِهِ الآيَةِ وأخَّرَها عَنْهُ في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ صفحة 19 لِاخْتِلافِ المُرادِ بِها في المَوْضِعَيْنِ، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، وقِيلَ: التَّزْكِيَةُ عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ بِحَسَبِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وتَهْذِيبُها المُتَفَرِّعُ عَلى تَكْمِيلِها بِحَسَبِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الحاصِلُ بِالتَّعْلِيمِ المُتَرَتِّبِ عَلى التِّلاوَةِ، إلّا أنَّها وُسِّطَتْ بَيْنَ التِّلاوَةِ والتَّعْلِيمِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْها لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأُمُورِ المُتَرَتِّبَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ، ولَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ كَما في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ كَوْنَ الكُلِّ نِعْمَةً واحِدَةً، وقِيلَ: قُدِّمَتِ التَّزْكِيَةُ تارَةً وأُخِّرَتْ أُخْرى؛ لِأنَّها عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِتَعْلِيمِ ( الكِتابِ والحِكْمَةِ )، وهي مُقَدَّمَةٌ في القَصْدِ والتَّصَوُّرِ مُؤَخَّرَةٌ في الوُجُودِ والعَمَلِ، فَقُدِّمَتْ وأُخِّرَتْ رِعايَةً لِكُلٍّ مِنهُما، واعْتُرِضَ بِأنَّ غايَةَ التَّعْلِيمِ صَيْرُورَتُهم أزْكِياءَ عَنِ الجَهْلِ لا تَزْكِيَةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إيّاها المُفَسَّرَةَ بِالحَمْلِ عَلى ما يَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إمّا بِتَعْلِيمِهِ إيّاهم أوْ بِأمْرِهِمْ بِالعَمَلِ بِهِ، فَهي إمّا نَفْسُ التَّعْلِيمِ أوْ أمْرٌ لا تَعْلُّقَ لَهُ بِهِ، وغايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّعْلِيمَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ زَوالُ الشَّكِّ وسائِرُ الرَّذائِلِ تَزْكِيَتُهُ إيّاهُمْ، فَهو بِاعْتِبارٍ غايَةٌ وبِاعْتِبارٍ مُغَيًّا – كالرَّمْيِ والقَتْلِ - في قَوْلِهِمْ: رَماهُ فَقَتَلَهُ فافْهَمُ ﴿ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ 151 مِمّا لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ سِوى الوَحْيِ وكانَ الظّاهِرُ وما لَمْ تَكُونُوا لِيَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، إلّا أنَّهُ تَعالى كَرَّرَ الفِعْلَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ مُشارِكٍ لِما قَبْلَهُ أصْلًا، فَهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ إرْسالِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، ولَوْلاهُ لَكانَ الخَلْقُ مُتَحَيِّرِينَ في أمْرِ دِينِهِمْ لا يَدْرُونَ ماذا يَصْنَعُونَ.

البقرة 2:152

﴿فاذْكُرُونِي﴾ بِالطّاعَةِ قَلْبًا وقالِبًا، فَيَعُمُّ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ والقَلْبِ والجَوارِحِ، فالأوَّلُ - كَما في المُنْتَخَبِ - الحَمْدُ والتَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ وقِراءَةُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، والثّانِي: الفِكْرُ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّكالِيفِ والوَعْدِ والوَعِيدِ وفي الصِّفاتِ الإلِهِيَّةِ والأسْرارِ الرَّبّانِيَّةِ. والثّالِثُ: اسْتِغْراقُ الجَوارِحِ في الأعْمالِ المَأْمُورِ بِها خالِيَةً عَنِ الأعْمالِ المَنهِيِّ عَنْها ولِكَوْنِ الصَّلاةِ مُشْتَمِلَةً عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ، سَمّاها اللَّهُ – تَعالى - ذِكْرًا في قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . وقالَ أهْلُ الحَقِيقَةِ: حَقِيقَةُ ذِكْرِ اللَّهِ - تَعالى - أنْ يُنْسى كُلُّ شَيْءٍ سِواهُ. ﴿أذْكُرْكُمْ﴾ أيْ: أُجازِكم بِالثَّوابِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ لِلْمُشاكَلَةِ، ولِأنَّهُ نَتِيجَتُهُ ومَنشَؤُهُ، وفي الصَّحِيحَيْنِ: «”مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ“». ﴿واشْكُرُوا لِي﴾: ما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكُمْ، وهو – واشْكُرُونِي - بِمَعْنى، و( لِي ) أفْصَحُ مَعَ الشُّكْرِ، وإنَّما قَدَّمَ الذِّكْرَ عَلى الشُّكْرِ؛ لِأنَّ في الذِّكْرِ اشْتِغالا بِذاتِهِ – تَعالى - وفي الشُّكْرِ اشْتِغالا بِنِعْمَتِهِ، والِاشْتِغالُ بِذاتِهِ - تَعالى - أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِنِعْمَتِهِ. ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ بِجَحْدِ نِعْمَتِي وعِصْيانِ أمْرِي، وأرْدَفَ الأمْرَ بِهَذا النَّهْيِ لِيُفِيدَ عُمُومَ الأزْمانِ، وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا لِتَناسُبِ الفَواصِلِ، وحُذِفَتْ نُونُ الرَّفْعِ لِلْجازِمِ.

البقرة 2:153

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى الذِّكْرِ والشُّكْرِ وسائِرِ الطّاعاتِ مِنَ الصَّوْمِ والجِهادِ وتَرْكِ المُبالاةِ بِطَعْنِ المُعانِدِينَ في أمْرِ القِبْلَةِ. ﴿والصَّلاةِ﴾ الَّتِي هي الأصْلُ، والمُوجِبُ لِكَمالِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ – تَعالى - . ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ 153 مَعِيَّةٌ خاصَّةٌ بِالعَوْنِ والنَّصْرِ، ولَمْ يَقُلْ مَعَ المُصَلِّينَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَعَ الصّابِرِينَ كانَ مَعَ المُصَلِّينَ مِن بابِ أوْلى لِاشْتِمالِ الصَّلاةِ عَلى الصَّبْرِ.

البقرة 2:154

﴿ولا تَقُولُوا﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿واسْتَعِينُوا﴾ إلَخْ مَسُوقٌ لِبَيانِ صفحة 20 أنَّهُ لا غائِلَةَ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وإنَّ الشَّهادَةَ الَّتِي رُبَّما يُؤَدِّي إلَيْها الصَّبْرُ حَياةٌ أبَدِيَّةٌ. ﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: في طاعَتِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وهُمُ الشُّهَداءُ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ لا لِلتَّبْلِيغِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُبَلِّغُوا الشُّهَداءَ قَوْلَهم: ﴿أمْواتٌ﴾ أيْ هُمْ: أمْواتٌ. ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ أيْ: بَلْ هم أحْياءٌ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى لا تَقُولُوا إضْرابٌ عَنْهُ، ولَيْسَ مِن عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ؛ لِيَكُونَ في حَيِّزِ القَوْلِ، ويَصِيرُ المَعْنى بَلْ ( قُولُوا أحْياءً )؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ الحَياةِ لَهم لا أمْرُهم بِأنْ يَقُولُوا في شَأْنِهِمْ أنَّهم أحْياءٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا صَحِيحًا. ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لا تُحِسُّونَ ولا تُدْرِكُونَ ما حالُهم بِالمَشاعِرِ؛ لِأنَّها مِن أحْوالِ البَرْزَخِ الَّتِي لا يُطَّلَعُ عَلَيْها، ولا طَرِيقَ لِلْعِلْمِ بِها إلّا بِالوَحْيِ، واخْتُلِفَ في هَذِهِ الحَياةِ، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّها حَقِيقِيَّةٌ بِالرُّوحِ والجَسَدِ، ولَكِنّا لا نُدْرِكُها في هَذِهِ النَّشْأةِ، واسْتَدَلُّوا بِسِياقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وبِأنَّ الحَياةَ الرُّوحانِيَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِالجَسَدِ لَيْسَتْ مِن خَواصِّهِمْ، فَلا يَكُونُ لَهُمُ امْتِيازٌ بِذَلِكَ عَلى مَن عَداهُمْ، وذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّها رُوحانِيَّةٌ، وكَوْنُهم يُرْزَقُونَ لا يُنافِي ذَلِكَ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرَّوْحُ والفَرَحُ، كَما تُعْرَضُ النّارُ عَلى أرْواحِ آلِ فِرْعَوْنَ غُدُوًّا وعَشِيًّا فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الوَجَعُ، فَوُصُولُ هَذا الرُّوحِ إلى الرُّوحِ هو الرِّزْقُ والِامْتِيازُ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الحَياةِ، بَلْ مَعَ ما يَنْضَمُّ إلَيْها مِنَ اخْتِصاصِهِمْ بِمَزِيدِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - ومَزِيدُ البَهْجَةِ والكَرامَةِ. وذَهَبَ البَلْخِيُّ إلى نَفْيِ الحَياةِ بِالفِعْلِ عَنْهم مُطْلَقًا، وأخْرَجَ الجُمْلَةَ الاسْمِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى الِاسْتِمْرارِ المُسْتَوْعِبِ لِلْأزْمِنَةِ مِن وقْتِ القَتْلِ إلى ما لا آخِرَ لَهُ عَنْ ظاهِرِها. وقالَ: مَعْنى ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ إنَّهم يَحْيَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُجْزَوْنَ أحْسَنَ الجَزاءِ، فالآيَةُ عَلى حَدِّ ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وفائِدَةُ الإخْبارِ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ؛ حَيْثُ قالُوا: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم ويَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنْيا بِلا فائِدَةٍ ويُضَيِّعُونَ أعْمارَهُمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ، بَلْ يَحْيَوْنَ ويَخْرُجُونَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى إثْباتِ الحَياةِ الحُكَمِيَّةِ لَهم بِما نالُوا مِنَ الذِّكْرِ الجَمِيلِ والثَّناءِ الجَلِيلِ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - هَلَكَ خُزّانُ الأمْوالِ والعُلَماءُ باقُونَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ أعْيانُهم مَفْقُودَةٌ وآثارُهم في القُلُوبِ مَوْجُودَةٌ، وحُكِيَ عَنِ الأصَمِّ أنَّ المُرادَ بِالمَوْتِ والحَياةِ الضَّلالُ والهُدى؛ أيْ: لا تَقُولُوا هم أمْواتٌ في الدِّينِ ضالُّونَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، بَلْ هم أحْياءٌ بِالطّاعَةِ قائِمُونَ بِأعْبائِها، ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ - ما عَدا الأوَّلَيْنِ - في غايَةِ الضَّعْفِ، بَلْ نِهايَةِ البَطَلانِ، والمَشْهُورُ تَرْجِيحُ القَوْلِ الأوَّلِ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وواصِلِ بْنِ عَطاءٍ والجِبّائِيِّ والرُّمّانِيِّ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَسَدِ، فَقِيلَ: هو هَذا الجَسَدُ الَّذِي هُدِمَتْ بِنْيَتُهُ بِالقَتْلِ، ولا يَعْجَزُ اللَّهُ - تَعالى - أنْ يُحِلَّ بِهِ حَياةً تَكُونُ سَبَبَ الحِسِّ والإدْراكِ، وإنْ كُنّا نَراهُ رِمَّةً مَطْرُوحَةً عَلى الأرْضِ، لا يَتَصَرَّفُ ولا يُرى فِيهِ شَيْءٌ مِن عَلاماتِ الأحْياءِ، فَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّ المُؤْمِنَ يُفْسَحُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ، ويُقالُ لَهُ: نَمْ نَوْمَةَ العَرُوسِ» مَعَ أنّا لا نُشاهِدُ ذَلِكَ؛ إذِ البَرْزَخُ بَرْزَخٌ آخَرُ بِمَعْزِلٍ عَنْ أذْهانِنا وإدْراكِ قُوانا، وقِيلَ: جَسَدٌ آخَرُ عَلى صُورَةِ الطَّيْرِ تَتَعَلَّقُ الرُّوحُ فِيهِ، واسْتُدِلَّ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في صُوَرِ طَيْرٍ خُضْرٍ مُعَلَّقَةٌ في قَنادِيلِ الجَنَّةِ حَتّى يُرْجِعَها اللَّهُ - تَعالى - يَوْمَ القِيامَةِ» ”ولا يُعارِضُ هَذا ما أخْرَجَهُ مالِكٌ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «“إنَّ صفحة 21 أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلَقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ - أوْ شَجَرِ الجَنَّةِ –» ”. ولا ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «“إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ في أنْهارِ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى قَنادِيلَ تَحْتَ العَرْشِ”؛» لِأنَّ كَوْنَها في الأجْوافِ أوْ في الحَواصِلِ يُجامِعُ كَوْنَها في تِلْكَ الصُّوَرِ؛ إذِ الرّائِي لا يَرى سِواها، وقِيلَ: جَسَدٌ آخَرُ عَلى صُوَرِ أبْدانِهِمْ في الدُّنْيا بِحَيْثُ لَوْ رَأى الرّائِي أحَدَهم لَقالَ: رَأيْتُ فُلانًا - وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ الإمامِيَّةِ - واسْتَدَلُّوا بِما أخْرَجَهُ أبُو جَعْفَرٍ مُسْنَدًا إلى يُونُسَ بْنِ ظَبْيانَ، قالَ: كُنْتُ عِنْدَ أبِي عَبْدِ اللَّهِ جالِسًا، فَقالَ: ما تَقُولُ النّاسُ في أرْواحِ المُؤْمِنِينَ؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ: في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ في قَنادِيلَ تَحْتَ العَرْشِ، فَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: سُبْحانَ اللَّهِ ! المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ - تَعالى - مِن أنْ يَجْعَلَ رُوحَهُ في حَوْصَلَةِ طائِرٍ أخْضَرَ يُؤْنِسُ المُؤْمِنَ إذا قَبَضَهُ اللَّهُ - تَعالى - صَيَّرَ رُوحَهُ في قالَبٍ كَقالَبِهِ في الدُّنْيا، فَيَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، فَإذا قَدَمَ عَلَيْهِمُ القادِمُ عَرَفُوهُ بِتِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ إذا كانَ المُرادُ - بِالمُؤْمِنِينَ - الشُّهَداءَ ظاهِرٌ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ بِهِمْ سائِرَ مَن آمَنَ، فَيُعْلَمُ مِنهُ حالُ الشُّهَداءِ، وأنَّ أرْواحَهم لَيْسَتْ في الحَواصِلِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وعِنْدِي أنَّ الحَياةَ في البَرْزَخِ ثابِتَةً لِكُلِّ مَن يَمُوتُ مِن شَهِيدٍ وغَيْرِهِ، وأنَّ الأرْواحَ - وإنْ كانَتْ جَواهِرَ قائِمَةً بِأنْفُسِها - مُغايِرَةً لِما يُحِسُّ بِهِ مِنَ البَدَنِ، لَكِنْ لا مانِعَ مِن تَعَلُّقِها بِبَدَنٍ بَرْزَخِيٍّ مُغايِرٍ لِهَذا البَدَنِ الكَثِيفِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّناسُخِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ الضَّلالِ، وإنَّما يَكُونُ مِنهُ لَوْ لَمْ تَعُدْ إلى جِسْمِ نَفْسِها الَّذِي كانَتْ فِيهِ - والعَوْدُ حاصِلٌ في النَّشْأةِ الجِنانِيَّةِ - بَلْ لَوْ قُلْنا بِعَدَمِ عَوْدِها إلَيْهِ والتَزَمْنا العَوْدَ إلى جِسْمٍ مُشابِهٍ لَما كانَ في الدُّنْيا مُشْتَمِلٌ عَلى الأجْزاءِ النُّطْقِيَّةِ الأصْلِيَّةِ أوْ غَيْرِ مُشْتَمِلٍ، لا يَلْزَمُ ذَلِكَ التَّناسُخُ أيْضًا؛ لِأنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهٍ نَفَوْا بِهِ الحَشْرَ والمَعادَ، وأثْبَتُوا فِيهِ سَرْمَدِيَّةَ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، وأنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ يَثْبُتُ لَها هَذا التَّعَلُّقُ عَلى وجْهٍ يَمْتازُونَ بِهِ عَمَّنْ عَداهم إمّا في أصْلِ التَّعَلُّقِ أوْ في نَفْسِ الحَياةِ بِناءً عَلى أنَّها مِنَ المُشَكِّكِ لا المُتَواطِئِ، أوْ في نَفْسِ المُتَعَلِّقِ بِهِ مَعَ ما يَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ مِنَ البَهْجَةِ والسُّرُورِ والنَّعِيمِ اللّائِقِ بِهِمْ، والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ لِهاتِيكَ الأبْدانِ شَبَهًا تامًّا صُورِيًّا بِهَذِهِ الأبْدانِ، وأنَّ المَوادَّ مُخْتَلِفَةٌ والأجْزاءَ مُتَفاوِتَةٌ؛ إذْ فَرْقٌ بَيْنَ العالَمَيْنِ - وشَتّانٌ ما بَيْنَ البَرْزَخَيْنِ - ويُمْكِنُ حَمْلُ أحادِيثَ الطَّيْرِ عَلى تَشْبِيهِ هَذِهِ الأبْدانِ الغَضَّةِ الطَّرِيَّةِ بِسُرْعَةِ حَرَكَتِها وذَهابِها حَيْثُ شاءَتْ بِالطَّيْرِ الخُضْرِ، وتُحْمَلُ الصُّورَةُ عَلى الصِّفَةِ كَما حُمِلَتْ عَلى ذَلِكَ في حَدِيثِ: «“خُلِقَ آدَمُ عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» واسْتِبْعادُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ما تَقَدَّمَ مَحْمُولٌ عَلى ما يَفْهَمُهُ العامَّةُ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ، ولِمَزِيدِ الإيضاحِ اللّائِقِ بِعَوامِّ وقْتِهِ عَدَلَ عَنْهُ إلى عِبارَةٍ لا يَتَراءى مِنها شائِبَةُ اسْتِبْعادِ كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الحَدِيثِ، حَتّى أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ لِذَلِكَ حَمَلُوا ( في ) فِيهِ عَلى (عَلى) وهو إمّا تَجاهُلٌ أوْ جَهْلٌ بِأنَّ صِغَرَ المُتَعَلِّقِ أوْ ضِيقَهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا فِيما نَحْنُ فِيهِ لا يَضُرُّ الرُّوحَ شَيْئًا، ولا يُنافِي نَعِيمَها، أوْ ظَنَّ بِأنَّ لِتِلْكَ الصُّورَةِ رُوحًا غَيْرَ رُوحِ – الشَّهِيدِ - فَلا يُمْكِنُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِها رُوحانِ، والأمْرُ عَلى خِلافِ ما يَظُنُّونَ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ بِتَمَثُّلِ الرُّوحِ نَفْسِها صُورَةً؛ لِأنَّ الأرْواحَ في غايَةِ اللَّطافَةِ، وفِيها قُوَّةُ التَّجَسُّدِ كَما يَشْعُرُ بِهِ ظُهُورُ الرُّوحِ الأمِينِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - . وأمّا القَوْلُ بِحَياةِ هَذا الجَسَدِ الرَّمِيمِ مَعَ هَدْمِ بِنْيَتِهِ وتَفَرُّقِ أجْزائِهِ وذَهابِ هَيْئَتِهِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَعِيدًا عَنْ قُدْرَةِ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ - لَكِنْ لَيْسَ إلَيْهِ كَثِيرُ حاجَةٍ، ولا فِيهِ مَزِيدُ فَضْلٍ، ولا عَظِيمُ مِنَّةٍ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ سِوى إيقاعِ ضَعْفَةِ المُؤْمِنِينَ بِالشُّكُوكِ والأوْهامِ وتَكْلِيفِهِمْ مِن غَيْرِ حاجَةٍ بِالإيمانِ بِما يُعِدُّونَ قائِلَهُ مِن سَفَهَةِ الأحْلامِ، وما يُحْكى مِن صفحة 22 مُشاهَدَةِ بَعْضِ الشُّهَداءِ الَّذِينَ قُتِلُوا مُنْذُ مِئاتِ سِنِينَ، وأنَّهم إلى اليَوْمِ تَشْخَبُ جُرُوحُهم دَمًا إذا رُفِعَتِ العُصابَةِ عَنْها؛ فَلِذَلِكَ مِمّا رَواهُ هَيّانُ بْنُ بَيّانٍ، وما هو إلّا حَدِيثُ خُرافَةٍ، وكَلامٌ يَشْهَدُ عَلى مُصَدِّقِيهِ تَقْدِيمَ السَّخافَةِ. هَذا ثُمَّ إنَّ نَهْيَ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَقُولُوا في شَأْنِ الشُّهَداءِ أمْواتٌ، إمّا أنْ يَكُونَ دَفْعًا لِإيهامِ مُساواتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ في ذَلِكَ البَرْزَخِ - وتِلْكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهم وإنْ شارَكَهم في النَّعِيمِ - بَلْ وزادَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ عِبادِ اللَّهِ - تَعالى - المُقَرَّبِينَ مِمَّنْ يُقالُ في حَقِّهِمْ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ صِيانَةً لَهم عَنِ النُّطْقِ بِكَلِمَةٍ قالَها أعْداءُ الدِّينِ والمُنافِقُونَ في شَأْنِ أُولَئِكَ الكِرامِ قاصِدِينَ بِها أنَّهم حُرِمُوا مِنَ النَّعِيمِ ولَمْ يَرَوْهُ أبَدًا، ولَيْسَ في الآيَةِ نَهْيٌ عَنْ نِسْبَةِ المَوْتِ إلَيْهِمْ بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ إنَّهم ما ذاقُوا أصْلًا ولا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وإلّا لَقالَ تَعالى: ولا تَقُولُوا لِمَن يَقْتُلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ماتُوا، فَحَيْثُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما تَرى عُلِمَ أنَّهُمُ امْتازُوا بَعْدَ أنْ قُتِلُوا بِحَياةٍ لائِقَةٍ بِهِمْ مانِعَةٍ عَنْ أنْ يُقالَ في شَأْنِهِمْ: أمْوات وعَدَلَ سُبْحانَهُ عَنْ – قُتِلُوا - المُعَبَّرُ عَنْهُ في آلِ عِمْرانَ إلى ( يُقْتَلُ ) رَوْمًا لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ، وتَأْكِيدُ الفِعْلِ في تِلْكَ السُّورَةِ يَقُومُ مَقامَ هَذا العُدُولِ هُنا كَما قَرَّرَهُ بَعْضُ أحْبابِنا مِنَ الفُضَلاءِ المُعاصِرِينَ، والآيَةُ نَزَلَتْ - كَما أخْرَجَهُ ابْنُ مَندَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في شُهَداءِ بَدْرٍ، وكانُوا عِدَّةَ لَيالِيهِ ثَمانِيَةً مِنَ الأنْصارِ وسِتَّةً مِنَ المُهاجِرِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ - .

البقرة 2:155

﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا﴾ إلَخْ عَطْفَ المَضْمُونِ عَلى المَضْمُونِ، والجامِعُ أنَّ مَضْمُونَ الأُولى طَلَبُ الصَّبْرِ، ومَضْمُونَ الثّانِيَةَ بَيانُ مَواطِنِهِ، والمُرادُ لَنُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُبْتَلى والمُخْتَبَرِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ حَقِيقَةٌ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ، وهو مُحالٌ مِنَ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ - والخِطابُ عامٌّ لِسائِرِ المُؤْمِنِينَ - وقِيلَ: لِلصَّحابَةِ فَقَطْ، وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ فَقَطْ. ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ أيْ: بِقَلِيلٍ مِن ذَلِكَ، والقِلَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِما حَفِظَهم عَنْهُ مِمّا لَمْ يَقَعْ بِهِمْ، وأخْبَرَهم - سُبْحانَهُ - بِهِ قَبْلَ وقَوْعِهِ لِيُوَطِّنُوا عَلَيْهِ نُفُوسَهُمْ، فَإنَّ مُفاجَأةَ المَكْرُوهِ أشَدُّ، ويَزْدادُ يَقِينُهم عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ حَسْبَما أخْبَرَ بِهِ، ولِيَعْلَمُوا أنَّهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ لَهُ عاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ. ﴿ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى ( شَيْءٍ ) ويُؤَيِّدُهُ التَّوافُقُ في التَّنْكِيرِ ومَجِيءُ البَيانِ بَعْدَ كُلّ وإمّا عَلى ( الخَوْفِ ) ويُؤَيِّدُهُ قُرْبُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ودُخُولُهُ تَحْتَ شَيْء والمُرادُ مِنَ الخَوْفِ خَوْفُ العَدُوِّ ومِنَ الجُوعِ القَحْطُ إقامَةً لِلْمُسَبِّبِ مَقامَ السَّبَبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -، ومِن نَقْصِ ( الأمْوالِ ) هَلاكُ المَواشِي، ومِن نَقْصِ (الأنْفُسِ ) ذَهابُ الأحِبَّةِ بِالقَتْلِ والمَوْتِ، ومَن نَقْصِ ( الثَّمَراتِ ) تَلَفُها بِالجَوائِحِ، ونَصَّ عَلَيْها مَعَ أنَّها مِنَ ( الأمْوالِ )؛ لِأنَّها قَدْ لا تَكُونُ مَمْلُوكَةً، وقالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ( الخَوْفُ ) خَوْفُ اللَّهِ تَعالى ( والجُوعِ ) صَوْمُ رَمَضانَ، والنَّقْصُ مِنَ ( الأمْوالِ ) الزِّكْواتُ والصَّدَقاتُ، ومِنَ ( الأنْفُسِ ) الأمْراضُ، ومِنَ ( الثَّمَراتِ ) مَوْتُ الأوْلادِ، وإطْلاقُ الثَّمَرَةِ عَلى الوَلَدِ مَجازٌ مَشْهُورٌ؛ لِأنَّ الثَّمَرَةَ كُلُّ ما يُسْتَفادُ ويُحَصَّلُ، كَما يُقالُ: ثَمَرَةُ العِلْمِ العَمَلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى، وحَسَّنَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ، قالَ اللَّهُ - تَعالى - لِلْمَلائِكَةِ: أقَبَضْتُمْ ولَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ قَلْبِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ - تَعالى -: ماذا قالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ - تَعالى -: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا في الجَنَّةِ، وسُمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ“،» واعْتَرِضُ ما قالَهُ الإمامُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِيَّةِ الصَّوْمِ والزَّكاةِ بِأنَّ خَوْفَ اللَّهِ - تَعالى - لَمْ تَزَلْ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ مَشْحُونَةً بِهِ قَبْلَ صفحة 23 نُزُولِ الآيَةِ، وكَذا الأمْراضُ ومَوْتُ الأوْلادِ مَوْجُودانِ قَبْلُ، فَلا مَعْنًى لِلْوَعْدِ بِالِابْتِلاءِ بِذَلِكَ، وكَذا لا مَعْنًى لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الزَّكاةِ - وهي النُّمُوُّ والزِّيادَةُ - بِالنَّقْصِ، وأُجِيبَ بِأنَّ كَوْنَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مَشْحُونَةً بِالخَوْفِ قَبْلُ لا يُنافِي ابْتِلاءَهم في الِاسْتِقْبالِ بِخَوْفٍ آخَرَ، فَإنَّ الخَوْفَ يَتَضاعَفُ بِنُزُولِ الآياتِ، وكَذا الأمْراضُ، ومَوْتُ الأوْلادِ أُمُورٌ مُتَجَدِّدَةٌ يَصِحُّ الِابْتِلاءُ بِها في الآتِي مِنَ الأزْمانِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الزَّكاةِ بِالنَّقْصِ لِكَوْنِها نَقْصًا صُورَةٌ - وإنْ كانَتْ زِيادَةً مَعْنًى - فَعِنْدَ الِابْتِلاءِ سَمّاها نَقْصًا، وعِنْدَ الأمْرِ بِالأداءِ سَمّاها زَكاةً يَسْهُلُ أداؤُها ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ 155 خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ البِشارَةُ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، عَطْفَ المَضْمُونِ عَلى المَضْمُونِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، والجامِعُ ظاهِرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: الِابْتِلاءُ حاصِلٌ لَكم - وكَذا البِشارَةُ - ولَكِنْ لِمَن صَبَرَ مِنكُمْ، وقِيلَ: عَلى مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أنْذِرِ الجازِعِينَ وبَشِّرْ.

البقرة 2:156

وفي تَوْصِيفِ الصّابِرِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ 156 إشارَةً إلى أنَّ الأجْرَ لِمَن صَبَرَ وقْتَ إصابَتِها، كَما في الخَبَرِ: «إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ أوَّلِ صَدْمَةٍ» والمُصِيبَةُ تَعُمُّ ما يُصِيبُ الإنْسانَ مِن مَكْرُوهٍ في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ أهْلٍ - قَلِيلًا كانَ المَكْرُوهُ أوْ كَثِيرًا - حَتّى لَدْغُ الشَّوْكَةِ، ولَسْعُ البَعُوضَةِ، وانْقِطاعُ الشِّسْعِ، وانْطِفاءُ المِصْباحِ، وقَدِ اسْتَرْجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن ذَلِكَ، وقالَ: «كُلُّ ما يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو مُصِيبَةٌ لَهُ وأجْرٌ» ولَيْسَ الصَّبْرُ بِالِاسْتِرْجاعِ بِاللِّسانِ، بَلِ الصَّبْرُ بِاللِّسانِ وبِالقَلْبِ بِأنْ يَخْطُرَ بِبالِهِ ما خُلِقَ لِأجْلِهِ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - وتَكْمِيلِ نَفْسِهِ، وأنَّهُ راجِعٌ إلى رَبِّهِ وعائِدٌ إلَيْهِ بِالبَقاءِ السَّرْمَدِيِّ، ومُرْتَحِلٌ عَنْ هَذِهِ الدُّنْيا الفانِيَةِ وتارِكٌ لَها عَلى عِلّاتِها، ويَتَذَكَّرُ نِعَمَ اللَّهِ - تَعالى - عَلَيْهِ، لِيَرى ما أعْطاهُ أضْعافَ ما أُخِذَ مِنهُ، فَيُهَوِّنُ عَلى نَفْسِهِ ويَسْتَسْلِمُ لَهُ، والصَّبْرُ مِن خَواصِّ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ يَتَعارَضُ فِيهِ العَقْلُ والشَّهْوَةُ، والِاسْتِرْجاعُ مِن خَواصِّ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ، أنَّ تَقُولَ عِنْدَ المُصِيبَةِ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ”،» وفي رِوايَةٍ: «“أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ عِنْدَ المُصِيبَةِ شَيْئًا لَمْ تُعْطَهُ الأنْبِياءُ قَبْلِهِمْ، إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، ولَوْ أُعْطِيَها الأنْبِياءُ قَبْلَهم لَأُعْطِيَها يَعْقُوبُ؛ إذْ يَقُولُ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ» ويُسَنُّ أنْ يَقُولَ بَعْدَ الِاسْتِرْجاعِ: ”اللَّهُمَّ آجِرْنِي في مُصِيبَتِي واخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنها“، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ”ما مِن عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، اللَّهُمَّ آجِرْنِي ... إلَخْ، إلّا آجَرَهُ اللَّهُ - تَعالى - في مُصِيبَتِهِ وأخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنها. قالَتْ: فَلَمّا تُوُفِّيَ أبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَما أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأخْلَفَ اللَّهُ - تَعالى - لِي خَيْرًا مِنهُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ –»“. ومَفْعُولُ ( بِشْر ) مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ وإحْسانٍ جَزِيلٍ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ الصَّلاةُ في الأصْلِ عَلى ما عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ الدُّعاءُ، ومِنَ اللَّهِ - تَعالى الرَّحْمَةُ - وقِيلَ: الثَّناءُ، وقِيلَ: التَّعْظِيمُ، وقِيلَ: المَغْفِرَةُ، وقالَ الإمامُ الغَزالِيُّ: الِاعْتِناءُ بِالشَّأْنِ، ومَعْناها الَّذِي يُناسِبُ أنْ يُرادَ هُنا، سَواءٌ كانَ حَقِيقِيًّا أوْ مَجازِيًّا الثَّناءُ والمَغْفِرَةُ؛ لِأنَّ إرادَةَ الرَّحْمَةِ يَسْتَلْزِمُ التَّكْرارَ، ويُخالِفُ ما رُوِيَ: ”نِعْمَ العَدْلانِ لِلصّابِرِينَ الصَّلاةُ والرَّحْمَةُ“، وحَمْلُها عَلى التَّعْظِيمِ والِاعْتِناءِ بِالشَّأْنِ، يَأْباهُما صِيغَةُ الجَمْعِ، ثُمَّ إنْ جَوَّزْنا إرادَةَ المَعْنَيَيْنِ بِتَجْوِيزِ عُمُومِ المُشْتَرَكِ، أوِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، أوْ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ المَجازِيَّيْنِ، يُمْكِنُ إرادَةُ المَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ كِلَيْهِما، وإلّا فالمُرادُ أحَدُهُما صفحة 24 والرَّحْمَةُ تَقَدَّمَ مَعْناها، وأتى بِـ(عَلى) إشارَةً إلى أنَّهم مُنْغَمِسُونَ في ذَلِكَ، وقَدْ غَشِيَهم وتَجَلَّلَهم فَهو أبْلَغُ مِنَ اللّامِ، وجَمَعَ ﴿صَلَواتٌ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِ الصِّفاتِ الَّتِي بِها الثَّناءُ والمَعاصِي الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها المَغْفِرَةُ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ صَلاةٌ بَعْدَ صَلاةٍ عَلى حَدِّ التَّثْنِيَةِ في ( لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ ) وفِيهِ أنَّ مَجِيءَ الجَمْعِ لِمُجَرَّدِ التَّكْرارِ لَمْ يُوجَدْ لَهُ نَظِيرٌ، والتَّنْوِينُ فِيها وكَذا فِيما عُطِفَ عَلَيْها لِلتَّفْخِيمِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِإظْهارِ مَزِيدِ العِنايَةِ بِهِمْ، و( مِنَ ) ابْتِدائِيَّةٌ وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ، وثَمَّ مُضافٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ مِن صَلَوات رَبِّهِمْ، وأتى بِالجُمْلَةِ اسْمِيَةً لِلْإشارَةِ إلى أنَّ نُزُولَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مَرْفُوعًا: «”مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ - تَعالى – مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ“». ﴿وأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ كَسابِقِهِ إلى الصّابِرِينَ المَنعُوتِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ، والتَّكْرِيرُ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ حِيازَتِهِمْ ما ذُكِرَ مِنَ الصَّلَواتِ والرَّحْمَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَعَلى الأوَّلِ المُرادُ بِالِاهْتِداءِ في قَوْلِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ -: ﴿هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ هو الِاهْتِداءُ لِلْحَقِّ والصَّوابِ مُطْلَقًا، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأُولَئِكَ هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالِاهْتِداءِ لِكُلِّ حَقٍّ وصَوابٍ، ولِذَلِكَ اسْتَرْجَعُوا واسْتَسْلَمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ - تَعالى -، وعَلى الثّانِي هو ( الِاهْتِداءُ ) والفَوْزُ بِالمَطالِبِ، والمَعْنى ( أُولَئِكَ هم الفائِزُونَ ) بِمَطالِبِهِمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، فَإنَّ مَن نالَ تَزْكِيَةَ اللَّهِ - تَعالى - ورَحْمَتَهُ لَمْ يَفُتْهُ مَطْلَبٌ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ والتَّأْوِيلِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانُ العَيانِيُّ ﴿اسْتَعِينُوا﴾ بِالصَّبْرِ مَعِي عِنْدَ سَطَواتِ تَجَلِّياتِ عَظَمَتِي وكِبْرِيائِي، والصَّلاةُ أيِ الشُّهُودِ الحَقِيقِيُّ. ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ المُطِيقِينَ لِتَجَلِّياتِ أنْوارِي، ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن﴾ يُجْعَلُ فانِيًا مَقْتُولًا في سُلُوكِ سَبِيلِ التَّوْحِيدِ ﴿أمْواتٌ﴾ أيْ: عَجَزَةٌ مَساكِينَ، ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ الدّائِمَةِ السَّرْمَدِيَّةِ، شُهَداءُ لِلَّهِ - تَعالى - قادِرُونَ بِهِ، ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ لِعَمى بَصِيرَتِكم وحِرْمانِكم مِنَ النُّورِ الَّذِي تُبْصِرُ بِهِ القُلُوبُ أعْيانَ عالَمِ القُدْسِ وحَقائِقِ الأرْواحِ، ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ﴾ أيْ: خَوْفِي المُوجِبِ لِانْكِسارِ النَّفْسِ وانْهِزامِها ﴿والجُوعِ﴾ المُوجِبِ لِهَتْكِ البَدَنِ وضَعْفِ القُوى ورَفْعِ حِجابِ الهَوى وتَضْيِيقِ مَجارِي الشَّيْطانِ إلى القَلْبِ، ﴿ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ﴾ الَّتِي هي مَوادُّ الشَّهَواتِ المُقَوِّيَةِ لِلنَّفْسِ الزّائِدَةِ في طُغْيانِها، ﴿والأنْفُسِ﴾ المُسْتَوْلِيَةِ عَلى القَلْبِ بِصِفاتِها، أوْ أنْفُسِ الأحْبابِ الَّذِينَ تَأْوُونَ إلَيْهِمْ لِتَنْقَطِعُوا إلى ﴿والثَّمَراتِ﴾ أيِ: المَلاذِ النَّفْسانِيَّةِ لِتَلْتَذُّوا بِالمُكاشَفاتِ والمَعارِفِ القَلْبِيَّةِ والمُشاهَداتِ الرُّوحِيَّةِ عِنْدَ صَفاءِ بَواطِنِكُمْ، وخُلُوصُ نُضارِ قُلُوبِكم بِنارِ الرِّياضَةِ، ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ مَعِي بِي أوْ عَنْ مَأْلُوفاتِهِمْ بِلَذَّةِ مَحَبَّتِي، ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ مِن تَصَرُّفاتِي فِيهِمْ شاهَدُوا آثارَ قُدْرَتِي، بَلْ أنْوارَ تَجَلِّياتِ صِفَتِي، واسْتَسْلَمُوا وأيْقَنُوا أنَّهم مِلْكِي أتَصَرَّفُ فِيهِ بِتَجَلِّياتِي، وتَفانَوْا فِيَّ وشاهَدُوا هَلَكَهم بِي - فَقالُوا: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ - بِالوُجُودِ المَوْهُوبِ لَهم بَعْدَ الفَناءِ المُنْهَلَةُ عَلَيْهِ صِفاتِي السّاطِعَةُ عَلَيْهِ أنْوارِي، ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: هِدايَةٍ يَهْدُونَ بِها خَلْقِي، ومَن أرادَ التَّوَجُّهَ نَحْوِي، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ بِيَ الواصِلُونَ إلَيَّ بَعْدَ تَخَلُّصِهِمْ مِن وُجُودِهِمُ الَّذِي هو الذَّنْبُ الأعْظَمُ عِنْدِي.

البقرة 2:157

وفي تَوْصِيفِ الصّابِرِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ 156 إشارَةً إلى أنَّ الأجْرَ لِمَن صَبَرَ وقْتَ إصابَتِها، كَما في الخَبَرِ: «إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ أوَّلِ صَدْمَةٍ» والمُصِيبَةُ تَعُمُّ ما يُصِيبُ الإنْسانَ مِن مَكْرُوهٍ في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ أهْلٍ - قَلِيلًا كانَ المَكْرُوهُ أوْ كَثِيرًا - حَتّى لَدْغُ الشَّوْكَةِ، ولَسْعُ البَعُوضَةِ، وانْقِطاعُ الشِّسْعِ، وانْطِفاءُ المِصْباحِ، وقَدِ اسْتَرْجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن ذَلِكَ، وقالَ: «كُلُّ ما يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو مُصِيبَةٌ لَهُ وأجْرٌ» ولَيْسَ الصَّبْرُ بِالِاسْتِرْجاعِ بِاللِّسانِ، بَلِ الصَّبْرُ بِاللِّسانِ وبِالقَلْبِ بِأنْ يَخْطُرَ بِبالِهِ ما خُلِقَ لِأجْلِهِ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - وتَكْمِيلِ نَفْسِهِ، وأنَّهُ راجِعٌ إلى رَبِّهِ وعائِدٌ إلَيْهِ بِالبَقاءِ السَّرْمَدِيِّ، ومُرْتَحِلٌ عَنْ هَذِهِ الدُّنْيا الفانِيَةِ وتارِكٌ لَها عَلى عِلّاتِها، ويَتَذَكَّرُ نِعَمَ اللَّهِ - تَعالى - عَلَيْهِ، لِيَرى ما أعْطاهُ أضْعافَ ما أُخِذَ مِنهُ، فَيُهَوِّنُ عَلى نَفْسِهِ ويَسْتَسْلِمُ لَهُ، والصَّبْرُ مِن خَواصِّ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ يَتَعارَضُ فِيهِ العَقْلُ والشَّهْوَةُ، والِاسْتِرْجاعُ مِن خَواصِّ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ، أنَّ تَقُولَ عِنْدَ المُصِيبَةِ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ”،» وفي رِوايَةٍ: «“أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ عِنْدَ المُصِيبَةِ شَيْئًا لَمْ تُعْطَهُ الأنْبِياءُ قَبْلِهِمْ، إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، ولَوْ أُعْطِيَها الأنْبِياءُ قَبْلَهم لَأُعْطِيَها يَعْقُوبُ؛ إذْ يَقُولُ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ» ويُسَنُّ أنْ يَقُولَ بَعْدَ الِاسْتِرْجاعِ: ”اللَّهُمَّ آجِرْنِي في مُصِيبَتِي واخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنها“، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ”ما مِن عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، اللَّهُمَّ آجِرْنِي ... إلَخْ، إلّا آجَرَهُ اللَّهُ - تَعالى - في مُصِيبَتِهِ وأخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنها. قالَتْ: فَلَمّا تُوُفِّيَ أبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَما أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأخْلَفَ اللَّهُ - تَعالى - لِي خَيْرًا مِنهُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ –»“. ومَفْعُولُ ( بِشْر ) مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ وإحْسانٍ جَزِيلٍ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ الصَّلاةُ في الأصْلِ عَلى ما عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ الدُّعاءُ، ومِنَ اللَّهِ - تَعالى الرَّحْمَةُ - وقِيلَ: الثَّناءُ، وقِيلَ: التَّعْظِيمُ، وقِيلَ: المَغْفِرَةُ، وقالَ الإمامُ الغَزالِيُّ: الِاعْتِناءُ بِالشَّأْنِ، ومَعْناها الَّذِي يُناسِبُ أنْ يُرادَ هُنا، سَواءٌ كانَ حَقِيقِيًّا أوْ مَجازِيًّا الثَّناءُ والمَغْفِرَةُ؛ لِأنَّ إرادَةَ الرَّحْمَةِ يَسْتَلْزِمُ التَّكْرارَ، ويُخالِفُ ما رُوِيَ: ”نِعْمَ العَدْلانِ لِلصّابِرِينَ الصَّلاةُ والرَّحْمَةُ“، وحَمْلُها عَلى التَّعْظِيمِ والِاعْتِناءِ بِالشَّأْنِ، يَأْباهُما صِيغَةُ الجَمْعِ، ثُمَّ إنْ جَوَّزْنا إرادَةَ المَعْنَيَيْنِ بِتَجْوِيزِ عُمُومِ المُشْتَرَكِ، أوِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، أوْ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ المَجازِيَّيْنِ، يُمْكِنُ إرادَةُ المَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ كِلَيْهِما، وإلّا فالمُرادُ أحَدُهُما صفحة 24 والرَّحْمَةُ تَقَدَّمَ مَعْناها، وأتى بِـ(عَلى) إشارَةً إلى أنَّهم مُنْغَمِسُونَ في ذَلِكَ، وقَدْ غَشِيَهم وتَجَلَّلَهم فَهو أبْلَغُ مِنَ اللّامِ، وجَمَعَ ﴿صَلَواتٌ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِ الصِّفاتِ الَّتِي بِها الثَّناءُ والمَعاصِي الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها المَغْفِرَةُ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ صَلاةٌ بَعْدَ صَلاةٍ عَلى حَدِّ التَّثْنِيَةِ في ( لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ ) وفِيهِ أنَّ مَجِيءَ الجَمْعِ لِمُجَرَّدِ التَّكْرارِ لَمْ يُوجَدْ لَهُ نَظِيرٌ، والتَّنْوِينُ فِيها وكَذا فِيما عُطِفَ عَلَيْها لِلتَّفْخِيمِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِإظْهارِ مَزِيدِ العِنايَةِ بِهِمْ، و( مِنَ ) ابْتِدائِيَّةٌ وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ، وثَمَّ مُضافٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ مِن صَلَوات رَبِّهِمْ، وأتى بِالجُمْلَةِ اسْمِيَةً لِلْإشارَةِ إلى أنَّ نُزُولَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مَرْفُوعًا: «”مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ - تَعالى – مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ“». ﴿وأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ كَسابِقِهِ إلى الصّابِرِينَ المَنعُوتِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ، والتَّكْرِيرُ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ حِيازَتِهِمْ ما ذُكِرَ مِنَ الصَّلَواتِ والرَّحْمَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَعَلى الأوَّلِ المُرادُ بِالِاهْتِداءِ في قَوْلِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ -: ﴿هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ هو الِاهْتِداءُ لِلْحَقِّ والصَّوابِ مُطْلَقًا، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأُولَئِكَ هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالِاهْتِداءِ لِكُلِّ حَقٍّ وصَوابٍ، ولِذَلِكَ اسْتَرْجَعُوا واسْتَسْلَمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ - تَعالى -، وعَلى الثّانِي هو ( الِاهْتِداءُ ) والفَوْزُ بِالمَطالِبِ، والمَعْنى ( أُولَئِكَ هم الفائِزُونَ ) بِمَطالِبِهِمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، فَإنَّ مَن نالَ تَزْكِيَةَ اللَّهِ - تَعالى - ورَحْمَتَهُ لَمْ يَفُتْهُ مَطْلَبٌ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ والتَّأْوِيلِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانُ العَيانِيُّ ﴿اسْتَعِينُوا﴾ بِالصَّبْرِ مَعِي عِنْدَ سَطَواتِ تَجَلِّياتِ عَظَمَتِي وكِبْرِيائِي، والصَّلاةُ أيِ الشُّهُودِ الحَقِيقِيُّ. ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ المُطِيقِينَ لِتَجَلِّياتِ أنْوارِي، ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن﴾ يُجْعَلُ فانِيًا مَقْتُولًا في سُلُوكِ سَبِيلِ التَّوْحِيدِ ﴿أمْواتٌ﴾ أيْ: عَجَزَةٌ مَساكِينَ، ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ الدّائِمَةِ السَّرْمَدِيَّةِ، شُهَداءُ لِلَّهِ - تَعالى - قادِرُونَ بِهِ، ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ لِعَمى بَصِيرَتِكم وحِرْمانِكم مِنَ النُّورِ الَّذِي تُبْصِرُ بِهِ القُلُوبُ أعْيانَ عالَمِ القُدْسِ وحَقائِقِ الأرْواحِ، ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ﴾ أيْ: خَوْفِي المُوجِبِ لِانْكِسارِ النَّفْسِ وانْهِزامِها ﴿والجُوعِ﴾ المُوجِبِ لِهَتْكِ البَدَنِ وضَعْفِ القُوى ورَفْعِ حِجابِ الهَوى وتَضْيِيقِ مَجارِي الشَّيْطانِ إلى القَلْبِ، ﴿ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ﴾ الَّتِي هي مَوادُّ الشَّهَواتِ المُقَوِّيَةِ لِلنَّفْسِ الزّائِدَةِ في طُغْيانِها، ﴿والأنْفُسِ﴾ المُسْتَوْلِيَةِ عَلى القَلْبِ بِصِفاتِها، أوْ أنْفُسِ الأحْبابِ الَّذِينَ تَأْوُونَ إلَيْهِمْ لِتَنْقَطِعُوا إلى ﴿والثَّمَراتِ﴾ أيِ: المَلاذِ النَّفْسانِيَّةِ لِتَلْتَذُّوا بِالمُكاشَفاتِ والمَعارِفِ القَلْبِيَّةِ والمُشاهَداتِ الرُّوحِيَّةِ عِنْدَ صَفاءِ بَواطِنِكُمْ، وخُلُوصُ نُضارِ قُلُوبِكم بِنارِ الرِّياضَةِ، ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ مَعِي بِي أوْ عَنْ مَأْلُوفاتِهِمْ بِلَذَّةِ مَحَبَّتِي، ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ مِن تَصَرُّفاتِي فِيهِمْ شاهَدُوا آثارَ قُدْرَتِي، بَلْ أنْوارَ تَجَلِّياتِ صِفَتِي، واسْتَسْلَمُوا وأيْقَنُوا أنَّهم مِلْكِي أتَصَرَّفُ فِيهِ بِتَجَلِّياتِي، وتَفانَوْا فِيَّ وشاهَدُوا هَلَكَهم بِي - فَقالُوا: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ - بِالوُجُودِ المَوْهُوبِ لَهم بَعْدَ الفَناءِ المُنْهَلَةُ عَلَيْهِ صِفاتِي السّاطِعَةُ عَلَيْهِ أنْوارِي، ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: هِدايَةٍ يَهْدُونَ بِها خَلْقِي، ومَن أرادَ التَّوَجُّهَ نَحْوِي، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ بِيَ الواصِلُونَ إلَيَّ بَعْدَ تَخَلُّصِهِمْ مِن وُجُودِهِمُ الَّذِي هو الذَّنْبُ الأعْظَمُ عِنْدِي.