Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — البقرة 2:158 – البقرة 2:220

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. البقرة 2:158
  2. البقرة 2:159
  3. البقرة 2:160
  4. البقرة 2:161
  5. البقرة 2:162
  6. البقرة 2:163
  7. البقرة 2:164
  8. البقرة 2:165
  9. البقرة 2:166
  10. البقرة 2:167
  11. البقرة 2:168
  12. البقرة 2:169
  13. البقرة 2:170
  14. البقرة 2:171
  15. البقرة 2:172
  16. البقرة 2:173
  17. البقرة 2:174
  18. البقرة 2:175
  19. البقرة 2:176
  20. البقرة 2:177
  21. البقرة 2:178
  22. البقرة 2:179
  23. البقرة 2:180
  24. البقرة 2:181
  25. البقرة 2:182
  26. البقرة 2:183
  27. البقرة 2:184
  28. البقرة 2:185
  29. البقرة 2:186
  30. البقرة 2:187
  31. البقرة 2:188
  32. البقرة 2:189
  33. البقرة 2:190
  34. البقرة 2:191
  35. البقرة 2:192
  36. البقرة 2:193
  37. البقرة 2:194
  38. البقرة 2:195
  39. البقرة 2:196
  40. البقرة 2:197
  41. البقرة 2:198
  42. البقرة 2:199
  43. البقرة 2:200
  44. البقرة 2:201
  45. البقرة 2:202
  46. البقرة 2:203
  47. البقرة 2:204
  48. البقرة 2:205
  49. البقرة 2:206
  50. البقرة 2:207
  51. البقرة 2:208
  52. البقرة 2:209
  53. البقرة 2:210
  54. البقرة 2:211
  55. البقرة 2:212
  56. البقرة 2:213
  57. البقرة 2:214
  58. البقرة 2:215
  59. البقرة 2:216
  60. البقرة 2:217
  61. البقرة 2:218
  62. البقرة 2:219
  63. البقرة 2:220

البقرة 2:158

﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ لَمّا أشارَ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ إلى الجِهادِ عَقِبَ ذَلِكَ بِبَيانِ مَعالِمِ الحَجِّ، فَكَأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الحَجِّ والغَزْوِ، وفِيهِما شِقُّ الأنْفُسِ وتَلَفُ الأمْوالِ، وقِيلَ: لَمّا ذَكَرَ الصَّبْرَ عَقَّبَهُ بِبَحْثِ الحَجِّ صفحة 25 لِما فِيهِ مِنَ الأُمُورِ المُحْتاجَةِ إلَيْهِ، و الصَّفا في الأصْلِ الحَجَرُ الأمْلَسُ، مَأْخُوذٌ مِن صَفا يَصْفُو إذا خَلُصَ، واحِدُهُ صَفاةٌ، كَحَصى وحَصاةٍ، ونَوى ونَواةٍ. وقِيلَ: إنَّ ( الصَّفا ) واحِدٌ. قالَ المُبَرِّدُ: وهو كُلُّ حَجَرٍ لا يُخالِطُهُ غَيْرُهُ مِن طِينٍ أوْ تُرابٍ، وأصْلُهُ مِنَ الواوِ؛ لِأنَّكَ تَقُولُ في تَثْنِيَتِهِ صَفْوانٌ، ولا يَجُوزُ إمالَتُهُ، والمَرْوَة في الأصْلِ الحَجَرُ الأبْيَضُ اللَّيِّنُ، والمَرْوُ لُغَةٌ فِيهِ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ثُمَّ صارا في العُرْفِ عَلَمَيْنِ لِمَوْضِعَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ بِمَكَّةَ لِلْغَلَبَةِ، واللّامُ لازِمَةٌ فِيهِما. وقِيلَ: سُمِّيَ ( الصَّفا )؛ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلَيْهِ آدَمُ صَفِيُّ اللَّهِ تَعالى، وسُمِّيَ ( المَرْوَةَ )؛ لِأنَّهُ جَلَسَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ حَوّاءُ، والشَّعائِر جَمْعُ شَعِيرَةٍ أوْ شِعارَةٍ، وهي العَلامَةُ، والمُرادُ بِهِما أعْلامُ المُتَعَبِّداتِ أوِ العِباداتُ الحُجِّيَّةُ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّ الطَّوافَ بَيْنَ هَذَيْنَ الجَبَلَيْنِ مِن عَلاماتِ دِينِ اللَّهِ تَعالى، أوْ أنَّهُما مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُقامُ فِيها دِينُهُ، أوْ مِن عَلاماتِهِ الَّتِي تُعُبِّدَ بِالسَّعْيِ بَيْنَهُما، لا مِن عَلاماتِ الجاهِلِيَّةِ. ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ﴾ الحَجُّ لُغَةً القَصْدُ مُطْلَقًا أوْ إلى مُعْظَمٍ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِكَوْنِهِ عَلى وجْهِ التَّكْرارِ، والعُمْرَةُ الزِّيارَةُ أخْذًا مِنَ العِمارَةِ، كَأنَّ الزّائِرَ يَعْمُرُ المَكانَ بِزِيارَتِهِ، فَغَلَبا شَرْعًا عَلى المَقْصِدِ المُتَعَلِّقِ بِالبَيْتِ وزِيارَتِهِ عَلى الوَجْهَيْنِ المَخْصُوصَيْنِ، والبَيْت خارِجٌ مِنَ المَفْهُومِ، والنِّسْبَةُ مَأْخُوذَةٌ فِيهِ، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ، فَلا يَرِدُ أنَّ البَيْتَ مَأْخُوذٌ في مَفْهُومِهِما، فَيَكْفِي مَن حَجَّ أوِ اعْتَمَرَ، ولا حاجَةَ إلى أنْ يَتَكَلَّفَ بِأنَّهُ مَأْخُوذٌ في مَفْهُومِ الِاسْمَيْنِ خارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ الفِعْلَيْنِ، وعَلى تَقْدِيرِ أخْذِهِ في مَفْهُومِهِما يُعْتَبَرُ التَّجْرِيدُ لِيَظْهَرَ شَرَفُ البَيْتِ. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْهِ في أنْ يَطَّوَّفَ. وأصْلُ الجُناحِ المَيْلُ، ومِنهُ ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ وسُمِّيَ الِاسْمُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مَيْلٌ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ، وأصْلُ يَطَّوَّفُ يَتَطَوَّفُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، وسَبَبُ النُّزُولِ ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ كانَ عَلى الصَّفا صَنَمٌ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ إسافٌ، وعَلى المَرْوَةِ صَنَمٌ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ تُدْعى نائِلَةُ، زَعَمَ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُما زَنَيا في الكَعْبَةِ، فَمَسَخَهُما اللَّهُ - تَعالى - حَجَرَيْنِ، فَوُضِعا عَلى الصَّفا والمَرْوَةِ لِيُعْتَبَرَ بِهِما، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ عُبِدا مِن دُونِ اللَّهِ - تَعالى - فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا طافُوا بَيْنَهُما مَسَحُوا الوَثَنَيْنِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وكُسِّرَتِ الأصْنامُ كَرِهَ المُسْلِمُونَ الطَّوافَ بَيْنَهُما لِأجْلِ الصَّنَمَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - هَذِهِ الآيَةَ، ومِنهُ يُعْلَمُ دَفْعُ ما يَتَراءى أنَّهُ لا يَتَصَوَّرُ فائِدَةٌ في نَفْيِ الجُناحِ بَعْدَ إثْباتِ أنَّهُما مِنَ الشَّعائِرِ، بَلْ رُبَّما لا يَتَلازَمانِ؛ إذْ أدْنى مَراتِبِ الأوَّلِ النَّدْبُ، وغايَةُ الثّانِي الإباحَةُ، وقَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الطَّوافِ بَيْنَهُما في الحَجِّ والعُمْرَةِ لِدَلالَةِ نَفْيِ الجُناحِ عَلَيْهِ قَطْعًا، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الوُجُوبِ؛ فَرُوِيَ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ سَنَةٌ، وبِهِ قالَ أنَسٌ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الجُناحِ يَدُلُّ عَلى الجَوازِ، والمُتَبادِرُ مِنهُ عَدَمُ اللُّزُومِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ ولَيْسَ مُباحًا بِالِاتِّفاقِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ فَيَكُونُ مَندُوبًا، وضُعِّفَ بِأنَّ نَفْيَ الجُناحِ وإنْ دَلَّ عَلى الجَوازِ المُتَبادَرِ مِنهُ عَدَمُ اللُّزُومِ، إلّا أنَّهُ يُجامِعُ الوُجُوبَ، فَلا يَدْفَعُهُ ولا يَنْفِيهِ، والمَقْصُودُ ذَلِكَ، فَلَعَلَّ هَهُنا دَلِيلًا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ولَعَلَّ هَذا كَقَوْلِكَ لِمَن عَلَيْهِ صَلاةُ الظُّهْرِ مَثَلًا، وظَنَّ أنَّهُ لا يَجُوزُ فِعْلُها عِنْدَ الغُرُوبِ، فَسَألَ عَنْ ذَلِكَ: لا جُناحَ عَلَيْكَ إنْ صَلَّيْتَها في هَذا الوَقْتِ، فَإنَّهُ جَوابٌ صَحِيحٌ، ولا يَقْتَضِي نَفْيَ وُجُوبِ صَلاةِ الظُّهْرِ. وعَنِ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ: إنَّهُ رُكْنٌ - وهو رِوايَةٌ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ - واحْتَجُّوا بِما أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ - تَعالى - كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فاسْعُوا“». ومَذْهَبُ إمامِنا أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ واجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ؛ لِأنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ إلّا عَلى نَفْيِ الإثْمِ المُسْتَلْزِمِ لِلْجَوازِ، والرُّكْنِيَّةُ لا تَثْبُتُ إلّا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ ولَمْ يُوجَدْ، والحَدِيثُ إنَّما يُفِيدُ صفحة 26 حُصُولَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا ومُقَرَّرًا في الذِّهْنِ، ولا يَدُلُّ عَلى بُلُوغِهِ غايَةُ الوُجُوبِ بِحَيْثُ يَفُوتُ الجَوازُ بِفَوْتِهِ لِتَتَحَقُّقِ الرُّكْنِيَّةِ، وهو ظَنِّيُ السَّنَدِ، وإنْ فُرِضَ قَطْعِيَّ الدَّلالَةِ، فَلا يَدُلُّ عَلى الفَرْضِيَّةِ، وما رَوى مُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ، أنَّها قالَتْ: ”لَعَمْرِي ما أتَمَّ اللَّهُ - تَعالى - حَجَّ مَن لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ولا عُمْرَتَهُ“، لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى الفَرْضِيَّةِ أيْضًا سَلَّمْنا لَكِنَّهُ مَذْهَبٌ لَها، والمَسْألَةُ اجْتِهادِيَّةٌ، فَلا تُلْزِمُ بِهِ عَلى أنَّهُ مُعارِضٌ بِما أخْرَجَهُ الشَّعْبِيُّ، «عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطّائِيِّ، أنَّهُ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالمُزْدَلِفَةِ، فَقُلْتُ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ مِن جَبَلِ طَيٍّ، ما تَرَكْتُ جَبَلًا إلّا وقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِن حَجٍّ؟ فَقالَ: مَن صَلّى مَعَنا هَذِهِ الصَّلاةَ ووَقَفَ مَعَنا هَذا المَوْقِفَ، وقَدْ أدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أوْ نَهارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وقَضى تَفَثَهُ“». فَأخْبَرَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِتَمامِ حَجِّهِ، ولَيْسَ فِيهِ السَّعْيُ بَيْنَهُما، ولَوْ كانَ مِن فُرُوضِهِ لِبَيْنِهِ لِلسّائِلِ لِعِلْمِهِ بِجَهْلِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ: ( أنْ لا يَطُوفَ ) ولا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ناصِرَةً لِلْقَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّها شاذَّةٌ لا عَمَلَ بِها مَعَ ما يُعارِضُها ولِاحْتِمالِ أنَّ ( لا ) زائِدَةٌ كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ. ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أيْ: مِنِ انْقادَ انْقِيادًا خَيْرًا أوْ بِخَيْرٍ، أوْ آتِيًا بِخَيْرٍ، فَرْضًا كانَ أوْ نَفْلًا، وهو عَطْفٌ عَلى ﴿فَمَن حَجَّ﴾ إلَخْ مُؤَكِّدٌ أمْرَ الحَجِّ والعُمْرَةِ والطَّوافِ تَأْكِيدَ الحُكْمِ الكُلِّيِّ لِلْجُزْئِيِّ، أوْ مَن تَبَرَّعَ تَبَرُّعًا خَيْرًا أوْ بِخَيْرٍ، أوْ آتِيًا بِخَيْرٍ مِن حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ أوْ طَوافٍ لِقَرِينَةِ المَساقِ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مَسُوقَةً لِإفادَةِ شَرْعِيَّةِ التَّنَفُّلِ بِالأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وفائِدَةُ ( خَيْرًا ) عَلى الوَجْهَيْنِ، مَعَ أنَّ التَّطَوُّعَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ التَّنْصِيصِ بِعُمُومِ الحُكْمِ بِأنَّ مَن فَعَلَ خَيْرًا أيْ خَيْرٌ كانَ يُثابُ عَلَيْهِ، أوْ مَن تَبَرَّعَ تَبَرُّعًا خَيْرًا أوْ بِخَيْرٍ أوْ آتِيًا بِخَيْرٍ مِنَ السَّعْيِ فَقَطْ بِناءً عَلى أنَّهُ سُنَّةٌ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَكْمِيلٌ لِدَفْعِ ما يَتَوَهَّمُ مِن نَفْيِ الجُناحِ مِنَ الإباحَةِ، وفائِدَةُ القَيْدِ التَّنْصِيصُ بِخَيْرِيَّةِ الطَّوافِ دَفْعًا لِحَرَجِ المُسْلِمِينَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ( ومَن تَطَوَّعَ بِخَيْرٍ ) وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ( يَطَّوَّعْ ) عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ المَجْزُومِ لِتَضَمُّنِ ( مَن ) مَعْنى الشَّرْطِ وأصْلُهُ ( يَتَطَوَّعُ ) فَأُدْغِمَ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ﴾ أيْ: مَجازٌ عَلى الطّاعَةِ بِالثَّوابِ، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ مُبالَغَةٌ في الإحْسانِ إلى العِبادِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ 158: مُبالِغٌ في العِلْمِ بِالأشْياءِ، فَيَعْلَمُ مَقادِيرَ أعْمالِهِمْ وكَيْفِيّاتِها، فَلا يَنْقُصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وبِهَذا ظَهَرَ وجْهُ تَأْخِيرِ هَذِهِ الصِّفَةِ عَمّا قَبْلَها، ومَن قالَ: أتى بِالصِّفَتَيْنِ هَهُنا؛ لِأنَّ التَّطَوُّعَ بِالخَيْرِ يَتَضَمَّنُ الفِعْلَ والقَصْدَ، فَناسَبَ ذِكْرَ الشُّكْرِ بِاعْتِبارِ الفِعْلِ، وذِكْرَ العِلْمِ بِاعْتِبارِ القَصْدِ، وأخَّرَ صِفَةَ العِلْمِ، وإنْ كانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلى الشُّكْرِ، كَما أنَّ النِّيَّةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الفِعْلِ لِتُواخِيَ رُءُوسَ الآيِ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ قائِمٌ مَقامَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا جازاهُ اللَّهُ - تَعالى - أوْ أثابَهُ، فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: سَألَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ نَفَرًا مِن أحْبارِ يَهُودَ عَنْ بَعْضِ ما في التَّوْراةِ، فَكَتَمُوهم إيّاهُ، وأبَوْا أنْ يُخْبِرُوهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في الكاتِمِينَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وقِيلَ: نَزَلَتْ في كُلٍّ مَن كَتَمَ شَيْئًا مِن أحْكامِ الدِّينِ لِعُمُومِ الحُكْمِ لِلْكُلِّ، فَقَدْ رَوى البُخارِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ - تَعالى - ما حَدَّثْتُ أحَدًا بِشَيْءٍ أبَدًا، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ،وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُلْجَمًا بِلِجامٍ مِن نارٍ“،» والأقْرَبُ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والحُكْمُ عامٌّ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ، وكَوْنُها نَزَلَتْ في اليَهُودِ لا يَقْتَضِي الخُصُوصَ، فَإنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، فالمَوْصُولُ صفحة 27 لِلِاسْتِغْراقِ ويَدْخُلُ فِيهِ مَن ذَكَرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والكَتْمُ والكِتْمانُ تَرْكُ إظْهارِ الشَّيْءِ قَصْدًا مَعَ مَساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وتَحَقُّقِ الدّاعِي إلى إظْهارِهِ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ سِتْرِهِ وإخْفائِهِ، وقَدْ يَكُونُ بِإزالَتِهِ، ووَضْعِ شَيْءٍ آخَرَ مَوْضِعَهُ واليَهُودُ - قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى - ارْتَكَبُوا كِلا الأمْرَيْنِ.

البقرة 2:159

﴿ما أنْزَلْنا﴾ عَلى الأنْبِياءِ ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾ أيِ: الآياتِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى الحَقِّ، ومِن ذَلِكَ ما أنْزَلْناهُ عَلى مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - في أمْرِ مُحَمَّدٍ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - . ﴿والهُدى﴾ عَطَفَ عَلى البَيِّناتِ والمُرادُ بِهِ ما يَهْدِي إلى الرُّشْدِ مُطْلَقًا، ومِنهُ ما يَهْدِي إلى وُجُوبِ اتِّباعِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والإيمانُ بِهِ وهي الآياتُ الشّاهِدَةُ عَلى صِدْقِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والعَطْفُ بِاعْتِبارِ التَّغايُرِ في المَفْهُومِ كَجاءَنِي الآكِلُ فالشّارِبُ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما أنْزَلْنا إلَخْ، والمُرادُ بِالأوَّلِ الأدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ، وبِالثّانِي ما يَدْخُلُ فِيهِ الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ، أوِ المُرادُ بِالأوَّلِ التَّنْزِيلُ، وبِالثّانِي ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الفَوائِدِ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ يَأْبى عَنْهُ قُرْبُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والتَّبْيِينُ الدّالُّ عَلى كَمالِ الوُضُوحِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ﴾ أيْ: شَرَحْناهُ وأظْهَرْناهُ لَهم والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَكْتُمُونَ ) واللّامُ في (النّاسِ) صِلَةُ بَيَّنّا أوْ لامِ الأجَلِ، والمُرادُ بِهِمُ الجِنْسُ أوْ الِاسْتِغْراقُ، وفي تَقْيِيدِ الكِتْمانِ بِالظَّرْفِ إشارَةٌ إلى شَناعَةِ حالِهِمْ، بِأنَّهم يَكْتُمُونَ ما وضُحَ لِلنّاسِ وإلى عِظَمِ الإثْمِ بِأنَّهم يَكْتُمُونَ ما فِيهِ النَّفْعَ العامَّ ﴿فِي الكِتابِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ بَيَّناهُ وتَعَلُّقُ جارَّيْنِ بِفِعْلٍ واحِدٍ عِنْدَ اخْتِلافِ المَعْنى مِمّا لا رَيْبَ في جَوازِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، وقِيلَ: التَّوْراةُ، وقِيلَ: هي والإنْجِيلُ، وقِيلَ: القُرْآنُ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، ومِنَ النّاسِ مِن حَمْلِ ( البَيِّناتِ ) عَلى ما في القُرْآنِ وعُلِّقَ ( مِن بَعْدِ ) بِـ ( أنْزَلَنا ) وفُسِّرَ ( الكِتابُ ) بِالتَّوْراةِ، ( والكِتْمانُ ) بِعَدَمِ الِاعْتِرافِ بِالحَقِّيَّةِ، ولَعَلَّ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ أوْلى مِن جَمِيعِ ذَلِكَ. ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: يُبْعِدُهم عَنْ رَحْمَتِهِ ويُذِيقُهم ألِيمَ نِقْمَتِهِ والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ بِإظْهارِ اسْمِ الذّاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والإشْعارِ بِأنَّ مَبْدَأ صُدُورِ اللَّعْنِ صِفَةُ الجَلالِ المُغايِرَةُ لِما هو مَبْدَأُ الإنْزالِ والتَّبْيِينِ مِن صِفَةِ الجَمالِ، ولَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي خَبَرُ المَوْصُولِ، كَما أُتِيَ بِهِ فِيما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعَ أنَّ المَوْصُولَ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ وقَصْدِ السَّبَبِيَّةِ في المَوْضِعَيْنِ، ولِذا أوْرَدَ اسْمَ الإشارَةَ الَّذِي تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِهِ كَتَعْلِيقِهِ بِالمُشْتَقِّ، قِيلَ: لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ( لَعْنَهم ) إنَّما هو بِهَذا السَّبَبِ بِناءً عَلى أنَّ (فاءَ السَّبَبِيَّةِ ) في الأصْلِ لِكَوْنِهِ ( فاءَ التَّعْقِيبِ ) يُفِيدُ أنَّ حُصُولَ المُسَبَّبِ بَعْدَ السَّبَبِ بِلا تَراخٍ، وقَدْ يُقْصَدُ مِنهُ ذَلِكَ بِمَعُونَةِ المَقامِ، كَما في الآيَةِ بَعْدُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَهُ أسْبابٌ جَمَّةٌ، وبِهَذا عُلِمَ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يُغْنِي عَنِ الفاءِ؛ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِالسَّبَبِيَّةِ، ولا يُشْعِرُ بِالتَّعْقِيبِ المُوهِمِ لِلِانْحِصارِ بِناءً عَلى امْتِناعِ التَّوارُدِ. ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ 159 أيْ: مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ، فالمُرادُ بِـ ( اللّاعِنُونَ ) مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ، ولَيْسَ عَلى حَدِّ مَن قَتَلَ قَتِيلًا في المَشْهُورِ، والِاسْتِغْراقُ عُرْفِيٌّ؛ أيْ كُلُّ فَرْدٍ مِمّا يَتَناوَلُهُ اللَّفْظُ بِحَسَبِ مُتَفاهِمِ العُرْفِ، ولَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ حَتّى يُرَدَّ أنَّهُ لا يَلْعَنُهم كُلُّ لاعِنٍ في الدُّنْيا، ويَحْتاجُ إلى التَّخْصِيصِ، وإنَّما أعادَ الفِعْلَ؛ لِأنَّ لَعْنَةَ اللّاعِنِينَ بِمَعْنى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالإبْعادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ - تَعالى - . ورَوى البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرَ اللّاعِنِينَ بِدَوابِّ الأرْضِ، حَتّى العَقارِبِ والخَنافِسِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ حِينَئِذٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾، واسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ إظْهارِ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وحُرْمَةِ كِتْمانِهِ، لَكِنِ اشْتَرَطُوا لِذَلِكَ أنْ لا يَخْشى العالِمُ عَلى نَفْسِهِ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا، وإلّا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ الكَتْمُ إلّا إنْ سُئِلَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الجَوابُ ما لَمْ يَكُنْ إثْمُهُ أكْبَرَ صفحة 28 مِن نَفْعِهِ قالُوا: وفِيها دَلِيلٌ أيْضًا عَلى وُجُوبِ قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ البَيانُ إلّا وقَدْ وجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى عَدَمِ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلى النِّساءِ بِناءً عَلى أنَّهُنَّ لا يَدْخُلْنَ في خِطابِ الرِّجالِ.

البقرة 2:160

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ: رَجَعُوا عَنِ الكِتْمانِ أوْ عَنْهُ، وعَنْ سائِرِ ما يَجِبُ أنْ يُتابَ عَنْهُ بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَ المَعْمُولِ يُفِيدُ العُمُومَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ الكِتْمانِ فَقَطْ لا يُوجِبُ صَرْفَ اللَّعْنِ عَنْهم ما لَمْ يَتُوبُوا عَنِ الجَمِيعِ، فَإنَّ لِلَعْنِهِمْ أسْبابًا جَمَّةً. ﴿وأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا بِالتَّدارُكِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الحَقِّ والخَلْقِ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُصْلِحُوا قَوْمَهم بِالإرْشادِ إلى الإسْلامِ بَعْدَ الإضْلالِ، وأنْ يُزِيلُوا الكَلامَ المُحَرَّفَ، ويَكْتُبُوا مَكانَهُ ما كانُوا أزالُوهُ عِنْدَ التَّحْرِيفِ. ﴿وبَيَّنُوا﴾ أيْ: أظْهَرُوا ما بَيَّنَهُ اللَّهُ – تَعالى - لِلنّاسِ مُعايَنَةً وبِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ تَتِمُّ التَّوْبَةُ، وقِيلَ: أظْهَرُوا ما أحْدَثُوهُ مِنَ التَّوْبَةِ لِيَمْحُوا سِمَةَ الكُفْرِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ويَقْتَدِي بِهِمْ أضْرابُهُمْ، فَإنَّ إظْهارَ التَّوْبَةِ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ شَرْطٌ فِيها عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ بَعْضُ الآثارِ، وفِيهِ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ إظْهارَ التَّوْبَةِ إنَّما هو لِدَفْعِ مَعْصِيَةِ المُتابَعَةِ، ولَيْسَ شَرْطًا في التَّوْبَةِ عَنْ أصْلِ المَعْصِيَةِ، فَهو داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأصْلَحُوا﴾ . ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ بِالقَبُولِ وإفاضَةِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. ﴿وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ 160﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ تَذْيِيلٌ لَهُ، والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِلِافْتِنانِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الرَّمْزِ إلى اخْتِلافِ مَبْدَأٍ، فَعَلَيْهِ السّابِقُ واللّاحِقُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾: المَوْصُولُ لِلْعَهْدِ كَما هو الأصْلُ، والمُرادُ بِهِ الَّذِينَ كَتَمُوا، وعَبَّرَ عَنِ الكِتْمانِ بِالكُفْرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ بِهِ، والجُمْلَةُ عَدِيلَةٌ لِما فِيها. ( إلّا ) ولَمْ تُعْطَفْ عَلَيْها إشارَةً إلى كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، والآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الجَمْعِ والتَّفْرِيقِ جَمْعَ الكاتِمِينَ في حُكْمٍ واحِدٍ، وهو أنَّهم مَلْعُونُونَ، ثُمَّ فَرَّقَ فَقالَ: أمّا الَّذِينَ تابُوا فَقَدْ تابَ اللَّهُ – تَعالى - عَلَيْهِمْ، وأزالَ عَنْهم عُقُوبَةَ اللَّعْنَةِ، وأمّا الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكِتْمانِ ولَمْ يَتُوبُوا عَنْهُ فَقَدِ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ، ولَمْ تَزُلْ عَنْهم. وأوْرَدَ كَلِمَةَ الِاسْتِثْناءِ في الجُمْلَةِ الأوْلى، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْإخْراجِ عَنِ الحُكْمِ السّابِقِ، بَلْ هو بِمَعْنى ( لَكِنْ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ صارَتْ مُكَفِّرَةً لِلَّعْنِ عَنْهُمْ، فَكَأنَّهم لَمْ يُباشَرُوا ولَمْ يَدْخُلُوا تَحْتَهُ - قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - وفِيهِ ارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ في الِاسْتِثْناءِ، ولِهَذا قالَ البَعْضُ: إنَّ المُرادَ بِالجُمْلَةِ المُسْتَثْنى مِنها بَيانُ دَوامِ اللَّعْنِ واسْتِمْرارُهُ، وعَلَيْهِ يَدُورُ الِاسْتِثْناءُ المُتَّصِلُ، وجُمْلَةُ ( إنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ) إلَخْ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِتَحْقِيقِ بَقاءِ اللَّعْنِ فِيما وراءَ الِاسْتِثْناءِ، وتَأْكِيدِ دَوامِهِ واسْتِمْرارِهِ عَلى غَيْرِ التّائِبِينَ، والِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ الكُفْرِ في الصِّلَةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَمِ التَّوْبَةِ والإصْلاحِ، والتَّبْيِينُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ وُجُودَ الكُفْرِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِها جَمِيعِها، كَما أنَّ وُجُودَها مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ المُوجِبِ لِعَدَمِ الكُفْرِ، ولِذا لَمْ يُصَرِّحْ بِالإيمانِ في صِفاتِ التّائِبِينَ، والفَرْقُ بَيْنَ الدَّوامَيْنِ أنَّ الأوَّلَ تُجَدُّدِيٌّ، والثّانِي ثُبُوتِيٌّ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا أوْفَقُ بِظاهِرِ اللَّفْظِ، وما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أجْزَلُ مَعْنًى وأعْلى كَعْبًا وأدَقُّ نَظَرًا، وقِيلَ: المَوْصُولُ عامٌّ للَّذِينَ كَتَمُوا وغَيْرَهم كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الصِّلَةِ، والآيَةُ مِن بابِ التَّذْيِيلِ، فَيَدْخُلُ الكاتِمُونَ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكِتْمانِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واعْتُرِضَ بِأنَّ تَقْيِيدَ الوَعِيدِ بِعَدَمِ التَّخْفِيفِ أعْدَلُ شاهِدٍ عَلى أنَّ الآيَةَ في شَأْنِ الكاتِمِينَ الَّذِينَ ماتُوا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهم أشَدُّ الكَفَرَةِ وأخْبَثُهُمْ، فَإنَّ الوَعِيدَ في حَقِّ الكَفَرَةِ مُطْلَقُ الخُلُودِ في النّارِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا في حَيِّزِ المَنعِ، بَلْ ما مِن كافِرٍ جَهَنَّمِيٍّ إلّا وحالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ طِبْقُ ما ذُكِرَ في الآيَةِ، ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن ذَلِكَ بَعْدَ سَماعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ فَلا يَبْعُدُ القَوْلُ بِحُسْنِ هَذا القِيلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الإمامُ، وكَلامُ الطِّيبِيِّ يُشِيرُ إلى حُسْنِهِ وطِيبِهِ فَتَدَبَّرْ.

البقرة 2:161

صفحة 29 ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ المُرادُ اسْتِمْرارُ ذَلِكَ ودَوامُهُ، فَهَذا الحُكْمُ غَيْرُ ما سَبَقَ؛ إذِ المُرادُ مِنهُ حُدُوثُ اللَّعْنَةِ ووُقُوعُها عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ المَلائِكَةِ والنّاسِ التَّخْصِيصَ؛ لِيُنافِيَ العُمُومَ السّابِقَ، ولا العُمُومَ لِيَرِدَ خُرُوجُ المَهِيمِينَ الَّذِينَ لا شُعُورَ لَهم بِذَواتِهِمْ، وكَثِيرًا مِنَ الأتْقِياءِ الَّذِينَ لا يَلْعَنُونَ أحَدًا، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهُ يَلْعَنُهم هَؤُلاءِ المُعْتَدُونَ مِن خَلْفِهِ. وأجْمَعِينَ تَأْكِيدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ لا لِلنّاسِ فَقَطْ، والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهُمُ المُعْتَدُونَ مِنهُمْ، والكُفّارُ كالأنْعامِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْسِمُ مادَّةَ الإشْكالِ، وقِيلَ: إنَّهُ باقٍ عَلى عُمُومِهِ، والكُفّارُ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ الجُمْلَةُ مُساقَةٌ لِلْإخْبارِ بِاسْتِحْقاقِ أُولَئِكَ اللَّعْنَ مِنَ العُمُومِ لا بِوُقُوعِهِ بِالفِعْلِ، ولَمْ يُكَرِّرِ اللَّعْنَةَ هُنا كَما كَرَّرَ الفِعْلَ قَبْلُ اكْتِفاءً بِهِ وافْتِنانًا في النَّظْمِ الكَرِيمِ، ومُناسِبَةً لِما يُشْعِرُ بِهِ التَّأْكِيدُ. وقَرَأ الحَسَنُ: ( والمَلائِكَةُ والنّاسُ أجْمَعُونَ ) بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ عَلى وُجُوهٍ، فَقِيلَ: عَطْفٌ عَلى لَعْنَةٍ بِتَقْدِيرِ لَعْنَةِ اللَّهِ ولَعْنَةِ المَلائِكَةِ، فَحُذِفَ المُضافُ مِنَ الثّانِي، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ؛ أيْ: والمَلائِكَةُ والنّاسُ يَلْعَنُونَهُمْ، أوْ فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: يَلْعَنُهُمْ، وقِيلَ: إنَّ لَعْنَةً مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ والمَرْفُوعُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّهِ، وقَدْ أتْبَعَتِ العَرَبُ فاعِلَ المَصْدَرِ عَلى مَحَلِّهِ رَفَعًا، كَقَوْلِهِ: مَشى الهَلُوكُ عَلَيْها الخَيْعَلُ (الفَضِلُ) بِرَفْعِ الفَضْلِ، وهو صِفَةٌ لِلْهَلُوكِ عَلى المَوْضِعِ، وإذا ثَبَتَ في النَّعْتِ جازَ في العَطْفِ؛ إذْ لا فارِقَ بَيْنَهُما، وادَّعى أبُو حَيّانَ عَدَمَ الجَوازِ؛ لِأنَّ شَرْطَ العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ أنْ يَكُونَ ثَمَّتَ طالِبٌ ومُحْرِزٌ لِلْمَوْضِعِ لا يَتَغَيَّرُ، وأيْضًا لعنةٍ وإنْ سُلِّمَ مَصْدَرِيَّتُهُ فَهو إنَّما يَعْمَلُ إذا انْحَلَّ؛ لِأنَّ والفِعْلِ وهُنا المَقْصُودُ الثُّبُوتُ، فَلا يَصِحُّ انْحِلالُهُ لَهُما وسَلَّمَهُ لَهُ غَيْرُهُ، وقالُوا: إنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

البقرة 2:162

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: في اللَّعْنَةِ، وهو يُؤَكِّدُ ما تُفِيدُهُ اسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ مِنَ الثَّباتِ، وجُوِّزَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى النّارِ، والإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى حُضُورِها في الذِّهْنِ المُشْعِرِ بِالِاعْتِناءِ المُفْضِي إلى التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، وقِيلَ: إنَّ اللَّعْنَ يَدُلُّ عَلَيْها؛ إذِ اسْتِقْرارُ الطَّرْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ يَسْتَلْزِمُ الخُلُودَ في النّارِ خارِجًا وذِهْنًا، والمَوْتَ عَلى الكُفْرِ وإنِ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ خارِجًا، لَكِنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُهُ ذِهْنًا، فَلا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وخالِدِينَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في المَرْجِعِ حالٌ مُقارِنٌ لِاسْتِقْرارِ اللَّعْنَةِ لا كَما قِيلَ: إنَّهُ عَلى الثّانِي حالٌ مُقَدَّرَةٌ. ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾: إمّا مُسْتَأْنِفٌ لِبَيانِ كَثْرَةِ عَذابِهِمْ مِن حَيْثُ الكَيْفُ إثْرَ بَيانِ كَثْرَتِهِ مِن حَيْثُ الكَمُّ، وإمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ عَلَيْهِمْ أيْضًا أوْ مِن ضَمِيرِ ( خالِدِينَ ) . ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ 162﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ جارٍ فِيهِ ما جَرى فِيهِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ دَوامِ النَّفْيِ واسْتِمْرارِهِ، والفِعْلُ إمّا مِنَ الإنْظارِ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ – أيْ: لا يُمْهَلُونَ - عَنِ العَذابِ، ولا يُؤَخَّرُونَ عَنْهُ ساعَةً. وإمّا مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى الِانْتِظارِ – أيْ: لا يَنْتَظِرُونَ - لِيَعْتَذِرُوا، وإمّا مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ – أيْ: لًا يَنْظُرُ اللَّهُ - تَعالى - إلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ، والنَّظَرُ بِهَذا المَعْنى يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ أيْضًا كَما في الأساسِ، فَيُصاغُ مِنهُ المَجْهُولُ.

البقرة 2:163

﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾: نَزَلَتْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: صِفْ لَنا رَبَّكَ. والخِطابُ عامٌّ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ كَما هو الظّاهِرُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِشَأْنِ النُّزُولِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ عَطَفَ القِصَّةَ عَلى القِصَّةِ، والجامِعُ أنَّ الأُولى مَسُوقَةٌ لِإثْباتِ نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وهَذِهِ لِإثْباتِ وحْدانِيَّتِهِ - تَعالى - وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكاتِمِينَ، وفِيهِ انْتِقالٌ عَنْ زَجْرِهِمْ عَمّا يُعامِلُونَ رَسُولَهم إلى زَجْرِهِمْ عَنْ مُعامَلَتِهِمْ رَبِّهِمْ؛ حَيْثُ يَكْتُمُونَ وحْدانِيَّتَهُ، ويَقُولُونَ: عُزَيْرٌ وعِيسى ابْنانِ لِلَّهِ - عَزِّ وجَلَّ -، وفِيهِ أنَّهُ وإنْ حَسُنَ الِانْتِظامُ إلّا أنَّهُ فِيهِ خُرُوجٌ شَأْنَ النُّزُولِ عَنِ الآيَةِ - وهو باطِلٌ - وإضافَةُ ( إلَهٍ ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ الِاسْتِحْقاقِ لا بِاعْتِبارِ الوُقُوعِ، فَإنَّ الآلِهَةَ غَيْرُ المُسْتَحَقَّةِ كَثِيرَةٌ، وإعادَةُ صفحة 30 لَفْظِ ( إلَهٍ ) وتَوْصِيفُهُ بِالوَحْدَةِ لِإفادَةِ أنَّ المُعْتَبَرَ الوَحْدَةُ في الأُلُوهِيَّةِ، واسْتِحْقاقُ العِبادَةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكَفى ﴿وإلَهُكم واحِدٌ﴾ فَهو بِمَنزِلَةِ وصْفِهِمُ الرَّجُلَ بِأنَّهُ سَيِّدٌ واحِدٌ وعالِمٌ واحِدٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ( إلَهٌ ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، و( واحِدٌ ) صِفَةٌ لَهُ، والغَرَضُ هُنا هو الصِّفَةُ؛ إذْ لَوْ قالَ: وإلَهُكم واحِدٌ، لَكانَ هو المَقْصُودُ إلّا أنَّ في ذِكْرِهِ زِيادَةَ تَأْكِيدٍ، وهَذا يُشْبِهُ الحالَ المُوَطِّئَةَ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلًا صالِحًا، وكَقَوْلِكَ في الخَبَرِ: زَيْدٌ شَخْصٌ صالِحٌ، ولَعَلَّ الأوَّلَ ألْطَفُ، وأكْثَرُ النّاسِ عَلى أنَّ الواحِدَ هُنا بِمَعْنى لا نَظِيرَ لَهُ ولا شَبِيهَ في ذاتِهِ ولا في صِفاتِهِ ولا في أفْعالِهِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ ما لَيْسَ بِذِي أبْعاضٍ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْقِسامُ، ولا يَحْتَمِلُ التَّجْزِئَةَ أصْلًا، ولَيْسَ المَعْنى بِهِ هُنا مَبْدَأ العَدَدِ، وأصَحُّ الأقْوالِ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ أنَّهُ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ ولا شَبِيهَ لَهُ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وهو مُسْتَلْزِمٌ لِكُلِّ كَمالٍ آبَ عَمّا فِيهِ أدْنى وصْمَةٍ وإخْلالٍ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾: خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِلْخَبَرِ أوْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى أيِّ تَقْدِيرٍ هو مُقَرِّرٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ ومُزِيحٌ - عَلى ما قِيلَ - لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ في الوُجُودِ إلَهًا، لَكِنْ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عَلى الصَّحِيحِ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ المَحْذُوفِ، فَهو بَدَلٌ مَرْفُوعٌ مِن ضَمِيرٍ مَرْفُوعٍ، وقَدِ اخْتُلِفَ في المَنفِيِّ: هَلِ المَعْبُودُ بِحَقٍّ أوِ المَعْبُودُ بِباطِلٍ، فَقالَ مُحَمَّدٌ الشِّيشِينِيُّ: النَّفْيُ إنَّما تَسَلَّطَ عَلى الآلِهَةِ المَعْبُودَةِ بِباطِلٍ تَنْزِيلًا لَها مَنزِلَةَ العَدَمِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ الهَبَطِيُّ: إنَّما تَسَلَّطَ عَلى الآلِهَةِ المَعْبُودَةِ بِحَقٍّ، ولِكُلٍّ انْتَصَرَ بَعْضٌ، وذَكَرَ المَلَّوِيُّ أنَّ الحَقَّ مَعَ الثّانِي؛ لِأنَّ المَعْبُودَ بِباطِلٍ لَهُ وُجُودٌ في الخارِجِ، ووُجُودٌ في ذِهْنِ المُؤْمِنِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ باطِلًا، ووُجُودٌ في ذِهْنِ الكافِرِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ حَقًّا، فَهو مِن حَيْثُ وُجُودِهِ في الخارِجِ في نَفْسِهِ لا تُنْفى؛ لِأنَّ الذّاتَ لا تُنْفى، وكَذا مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْبُودًا بِباطِلٍ لا يُنْفى أيْضًا؛ إذْ كَوْنُهُ مَعْبُودًا بِباطِلٍ أمْرٌ حَقٌّ لا يَصِحُّ نَفْيُهُ، وإلّا كانَ كَذِبًا، وإنَّما يُنْفى مِن حَيْثُ وُجُودُهُ في ذِهْنِ الكافِرِ مِن حَيْثُ وُجُودُهُ في ذِهْنِهِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مَعْبُودًا بِحَقٍّ، فالمَعْبُوداتُ الباطِلَةُ لَمْ تُنْفَ إلّا مِن حَيْثُ كَوْنُها مَعْبُودَةً بِحَقٍّ، فَلَمْ يُنْفَ في هَذِهِ الكَلِمَةِ إلّا المَعْبُودُ بِحَقِّ غَيْرُهُ - تَعالى - فافْهَمْ، وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ما في هَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ في مَحَلِّهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - . ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ 163﴾: خَبَرانِ آخَرانِ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ خَبَرَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( إلَهكم ) أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، أوْ بَدَلانِ عَلى رَأْيٍ، وجِيءَ بِهِما لِتَمْيِيزِ الذّاتِ المَوْصُوفَةِ بِالوَحْدَةِ عَمّا سِواهُ، ولِيَكُونَ الجَوابُ مُوافِقًا لِما سَألُوهُ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى حُجَّةِ الوَحْدانِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مَوْلى النِّعَمِ كُلِّها أُصُولًا وفُرُوعًا دُنْيا وأُخْرى، وما سِواهُ إمّا خَيْرٌ مَحْضٌ أوْ خَيْرٌ غالِبٌ، وهو إمّا نِعْمَةٌ أوْ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ العِبادَةَ أحَدٌ غَيْرُهُ لِاسْتِواءِ الكُلِّ في الِاحْتِياجِ إلَيْهِ - تَعالى - في الوُجُودِ، وما يَتْبَعُهُ مِنَ الكِمالاتِ.

البقرة 2:164

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الضُّحى – مَعْضَلًا-: «أنَّهُ كانَ لِلْمُشْرِكِينَ حَوْلَ الكَعْبَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، فَلَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ تَعَجَّبُوا، وقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَأْتِ بِآيَةٍ نَعْرِفُ بِها صِدْقَكَ، فَنَزَلَتْ». ولِفِرْطِ جَهْلِهِمْ لَمْ يَكَفِهِمُ الحُجَّةُ الإجْمالِيَّةُ المُشِيرُ إلَيْها الوَصْفانِ، وإنَّما جَمَعَ ( السَّماواتِ ) وأفْرَدَ ( الأرْضَ ) لِلِانْتِفاعِ بِجَمِيعِ أجْزاءِ الأُولى بِاعْتِبارِ ما فِيها مِن نُورِ كَواكِبِها وغَيْرِهِ دُونَ الثّانِيَةِ، فَإنَّهُ إنَّما يُنْتَفَعُ بِواحِدَةٍ مِن آحادِها، وهي ما نُشاهِدُهُ مِنها. وقالَ أبُو حَيّانَ: لَمْ تُجْمَعِ ( الأرْضُ )؛ لِأنَّ جَمْعَها ثَقِيلٌ، وهو مُخالِفٌ لِلْقِياسِ، ورُبَّ مُفْرَدٍ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ جَمْعُهُ لِثِقْلِهِ وخِفَّةِ المُفْرَدِ، وجَمْعٍ لَمْ يَقَعْ مُفْرَدُهُ كالألْبابِ، وفي المَثَلِ السّائِرِ نَحْوُهُ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: جَمَعَ ( السَّمَواتِ )؛ لِأنَّها طَبَقاتٌ مُمْتازَةٌ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى بِذاتِها الشَّخْصِيَّةِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ سَواءٌ كانَتْ مُتَماسَّةً، كَما هو رَأْيُ الحَكِيمِ أوْ لا، كَما جاءَ صفحة 31 فِي الآثارِ: أنَّ بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، مُخْتَلِفَةُ الحَقِيقَةِ لِما أنَّ الِاخْتِلافَ في الآثارِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ولَمْ يَجْمَعِ ( الأرْضَ )؛ لِأنَّ طَبَقاتِها لَيْسَتْ مُتَّصِفَةً بِجَمِيعِ ذَلِكَ، فَإنَّها سَواءٌ كانَتْ مُتَفاصِلَةً بِذَواتِها، كَما ورَدَ في الأحادِيثِ مِن أنَّ: «بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ كَما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ» أوْ لا تَكُونُ مُتَفاصِلَةً - كَما هو رَأْيُ الحَكِيمِ - غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ في الحَقِيقَةِ اتِّفاقًا. ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: تَعاقُبُهُما وكَوْنُ كُلٍّ مِنهُما خَلَفًا لِلْآخَرِ، أوْ اختلاف كُلٍّ مِنهُما في أنْفُسِهِما ازْدِيادًا وانْتِقاصًا، أوْ ظُلْمَةً ونُورًا، وقَدَّمَ اللَّيْل لِسَبْقِهِ في الخَلْقِ أوْ لِشَرَفِهِ. ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ عَطْفٌ عَلى ( خَلْقِ السَّمَواتِ ) لا عَلى السَّمَواتِ أوْ عَطْفٌ عَلى ( اللَّيْلِ والنَّهارِ )، والفَلَكِ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ مُفْرَدًا وجَمْعًا، وقُدِّرَ بَيْنَهُما تَغايُرٌ اعْتِبارِيٌّ، فَإنِ اعْتُبِرَ أنَّ ضَمَّتَهُ أصْلِيَّةٌ كَضَمَّةِ ( قُفْلٍ ) فَمُفْرَدٌ، وإنِ اعْتُبِرَ أنَّها عارِضَةٌ كَضَمَّةِ ( أُسْدٍ ) فَجَمْعٌ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ جَمَعَ ( فَلْكٍ ) بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ اللّامِ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ قُرِئَ ( فُلُكٌ ) بِضَمَّتَيْنِ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مُفْرَدٌ لا غَيْرَ. وقالَ الكَواشِيُّ: الفَلَكُ والفُلُكُ ( بِضَمَّتَيْنِ ) لُغَتانِ الواحِدُ والجَمْعُ سَواءٌ في اللَّفْظِ، ويُعَرِّفُ ذَلِكَ بِجَمْعِ ضَمِيرِ فِعْلِهِما وإفْرادِهِ. ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ ( ما ) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: بِنَفْعِهِمْ، أوْ مَوْصُولَةٌ؛ أيْ: بِالَّذِي يَنْفَعُهُمْ، وعَلى الأوَّلِ ضَمِيرُ الفاعِلِ إمّا لِلْفُلْكِ؛ لِأنَّهُ مُذَكَّرُ اللَّفْظِ مُؤَنَّثُ المَعْنى، كَما قِيلَ: ( أوْ ) لِلْجَرْيِ، ( أوْ ) لِلْبَحْرِ، واحْتِمالُ كَوْنِها مَوْصُوفَةً لا يُلائِمُهُ مَقامُ الِاسْتِدْلالِ. ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنَ ماءٍ﴾ عَطْفٌ عَلى الفُلْكِ قِيلَ: وتَأْخِيرُهُ عَنْ ذِكْرِها مَعَ كَوْنِهِ أعَمَّ مِنها نَفْعًا لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ تَفْضِيلٍ، وقِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الأوَّلِ الِاسْتِدْلالُ بِـ ( البَحْر ) وأحْوالِهِ لا بِـ الفَلَك الجارِي فِيهِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِذَلِكَ إمّا بِصَنْعَتِهِ عَلى وجْهٍ يُجْرِي في الماءِ، أوِ العِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ إجْرائِهِ، أوْ بِتَسْخِيرِ الرِّيحِ والبَحْرِ لِذَلِكَ، أوْ تَوَسُّلِهِ إلى ﴿ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ وشَيْءٌ مِنها لَيْسَ مِن حالِهِ في نَفْسِهِ، ولِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالفُلْكِ الجارِي في البَحْرِ اسْتِدْلالٌ بِحالٍ مِن أحْوالِ البَحْرِ بِخِلافِ ما لَوِ اسْتُدِلَّ بِـ البَحْر وجَمِيعِ أحْوالِهِ فَإنَّهُ أعَمُّ وألْيَقُ بِالمَقامِ، إلّا أنَّهُ خَصَّ الفَلَكَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى المَقامِ حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: والعَجائِبُ الَّتِي في البَحْرِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الِاطِّلاعِ عَلى أحْوالِهِ وعَجائِبِهِ، فَكانَ ذِكْرُهُ ذِكْرًا لِجَمِيعِ أحْوالِهِ، وطَرِيقًا إلى العِلْمِ بِوُجُوهِ دَلالَتِهِ، ولِذَلِكَ قُدِّمَ عَلى ذِكْرِ المَطَرِ والسَّحابِ؛ لِأنَّ مَنشَأهُما البَحْرُ في غالِبِ الأمْرِ، وإلّا فالمُناسِبُ بَعْدَ ذِكْرِ اختلاف اللَّيْل والنَّهار الَّذِي هو مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ ذِكْرُ ( المَطَرِ والسَّحابِ ) اللَّذَيْنِ هُما مِن كائِناتِ الجَوِّ، وعَدَمُ نَظْمِ الفَلَك في البَيْنِ لِكَوْنِها مِنَ الآياتِ السُّفْلِيَّةِ. وعِنْدِي أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا - وإنَّ جُلَّ قائِلِهِ -؛ إذْ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى: ( والبَحْرِ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الفُلْكُ بِما يَنْفَعُ النّاسَ ) وهو قَلْبٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ بِغَيْرِ داعٍ إلَيْهِ، ولا دَلِيلَ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وأيُّ مانِعٍ مِن كَوْنِ الِاسْتِدْلالِ بِاخْتِلافِ الفُلْكِ وذَهابِها مَرَّةً كَذا ومَرَّةً كَذا عَلى حَسَبِ ما تُحَرِّكُها المَقادِيرُ الإلَهِيَّةُ، أوْ بِالفُلْكِ الجارِيَةِ في البَحْرِ مِن حَيْثُ إنَّها جارِيَةٌ فِيهِ مُوَقَّرَةٌ مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، مُتَعَلِّقَةً بِحِبالِ الهَواءِ عَلى لُطْفِهِ، وكَثافَتِها لا تُرَسَّبَ إلى قاعِ البَحْرِ مَعَ تَلاطُمِ أمْواجِهِ واضْطِرابِ لُجَجِهِ، وكَوْنُ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لَيْسَ حالًا لَها في نَفْسِها غَيْرَ مُسَلَّمٍ، ووَجْهُ التَّرْتِيبَ عَلى ما أرى أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ أوَّلًا خَلْقَ أمْرَيْنِ عُلْوِيٍّ وسُفْلِيٍّ، واخْتِلافَ شَيْئَيْنِ بِمَدْخَلِيَّةِ أمْرَيْنِ سَماوِيٍّ وأرْضِيٍّ، ( ثانِيًا ): إذْ تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أوِ اخْتِلافُهُما صفحة 32 ازْدِيادًا وانْتِقاصًا، أوْ ظُلْمَةً ونُورًا، إنَّما هو بِمَدْخَلِيَّةِ سَيْرِ الفُلْكِ وحَيْلُولَةِ جِرْمِ الأرْضِ عَلى كَيْفِيَّتَيْنِ مَخْصُوصَتَيْنِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يُشْبِهُ آيَتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ السّابِحُ كُلٌّ مِنهُما في لُجَّةِ بِحْرِ فَلَكِهِ، الدَّوّارُ المُسَخَّرُ بِالجَرَيانِ فِيهِ ذَهابًا وإيابًا ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ في أمْرِ مَعاشِهِمْ وانْتِظامِ أحْوالِهِمْ، وهو الفُلْكُ الَّتِي تَجْرِي عَلى كَبِدِ البَحْر بِذَلِكَ، ويَخْتَلِفُ جَرَيانُها شَرْقًا وغَرْبًا عَلى حَسَبِ تَسْلِيكِ المَقادِيرِ الإلَهِيَّةِ في هاتِيكَ المَسالِكِ، فالآيَةُ حِينَئِذٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ إلّا أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ الآيَتَيْنِ في الثّانِيَةِ ذُكِرَتا مُتَوَسِّطَتَيْنِ صَرِيحًا بَيْنَ حَدِيثِ الفُلْكِ وشَأْنِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وفي الأُولى تَقَدَّمَ ما يُشْعِرُ بِهِما ويُشِيرُ إلَيْهِما، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يَشْتَرِكُ فِيهِ العالَمُ العُلْوِيُّ والعالَمُ السُّفْلِيُّ، ولَهُ مُناسَبَةٌ لِذِكْرِ البَحْرِ بَلْ ولِذِكْرِ الفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِيهِ بِما يَنْفَعُ النّاس وهو إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، ونَشْرُ ما كانَ دَفِينًا في الأرْضِ بِالأحْياءِ، وفي ذَلِكَ النَّفْعِ التّامِّ والفَضْلِ العامِّ. ومِنَ الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةَ، وأنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الأُولى، والمُرادُ مِنَ السَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ. ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾ بِتَهْيِيجِ قُواها النّامِيَةِ، وإظْهارِ ما أوْدَعَ فِيها مِن أنْواعِ النَّباتِ والأزْهارِ والأشْجارِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ وعَدَمُ ظُهُورِ ذَلِكَ فِيها لِاسْتِيلاءِ اليُبُوسَةِ عَلَيْها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ طَبِيعَتُها، ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى ( أنْزَلَ ) والجامِعُ كَوْنُ كُلٍّ مِنهُما آيَةً مُسْتَقِلَّةً لِوَحْدانِيَّتِهِ - تَعالى - وهو الغَرَضُ المَسُوقُ لَهُ الكَلامُ مَعَ الِاشْتِراكِ في الفاعِلِ، وأحْيا مِن تَتِمَّةِ الأوَّلِ كانَ الِاسْتِدْلالُ بِالإنْزالِ المُسَبَّبِ عَنْهُ الأحْياءُ، فَلا يَكُونُ الفَصْلُ بِهِ مانِعًا لِلْعَطْفِ، إمّا عَلى أحْيا فَيَدْخُلُ تَحْتَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ، وسَبَبِيَّةُ إنْزالِ الماءِ لِلْبَثِّ بِاعْتِبارِ أنَّ الماءَ سَبَبُ حَياةِ المَواشِي والدَّوابِّ، والبَثُّ فَرْعُ الحَياةِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ الضَّمِيرِ لِلرَّبْطِ لِإغْناءِ فاءِ السَّبَبِيَّةِ عَنْهُ في المَشْهُورِ، وقِيلَ: يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ بِهِ- أيْ بِالماءِ- لِيُشْعِرَ بِارْتِباطِهِ بِـ أنْزَل اسْتِقْلالًا كَـ أحْيا وفاءُ السَّبَبِيَّةِ لا تَكْفِي في ذَلِكَ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ مَجْمُوعَهُما، وحَيْثُ أنَّ المَجْرُورَ إنَّما يُحْذَفُ إنْ جُرَّ المَوْصُولُ بِمِثْلِهِ أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ، ومِن بَيانِيَّةٌ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، والمُرادُ ﴿مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ كُلُ نَوْعٍ مِنَ الدَّوابِّ، ومَعْنى ( بَثِّها ) تَكْثِيرُها بِالتَّوالُدِ والتَّوَلُّدِ، فالِاسْتِدْلالُ بِتَكْثِيرِ كُلِّ نَوْعٍ مِمّا يَدِبُّ عَلى الأرْضِ وعَدَمِ انْحِصارِهِ في البَعْضِ، وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمْ يَبُثَّ إلّا بَعْضَ الأفْرادِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما في قُدْرَتِهِ، عَلى أنَّهُ أثْبَتَ الزَّمَخْشَرِيُّ دَوابَّ في السَّماءِ أيْضًا في سُورَةِ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾، وفِيهِ أنَّ بَثَّ كُلِّ نَوْعٍ مِمّا يَدِبُّ عَلى الأرْضِ لا يُنافِي كَوْنَ بَعْضِ أفْرادِهِ مُقَدَّرًا ولا وُجُودَهُ في السَّماءِ، عَلى أنَّ مَدْلُولَ التَّبْعِيضِيَّةِ كَوْنُ شَيْءٍ جُزْءًا مِن مَدْخُولِها لا فَرْدًا مِنهُ، وزائِدَةٌ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي لِعَدَمِ تَقَدُّمِ المُبِينِ، وعَدَمِ صِحَّةِ التَّبْعِيضِ، وهي زِيادَةٌ في الإثْباتِ لَمْ يُجَوِّزْها سِوى الأخْفَشِ. ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أيْ: تَقْلِيبُ اللَّهِ - تَعالى - لَها جَنُوبًا وشَمالًا وقَبُولًا ودَبُورًا، حارَّةً وبارِدَةً وعاصِفَةً ولَيِّنَةً وعَقِيمًا ولَواقِحَ، وتارَةً بِالرَّحْمَةِ ومَرَّةً بِالعَذابِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( الرِّيحَ ) عَلى الإفْرادِ، وأُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما-: ”( الرِّياحُ ) لِلرَّحْمَةِ، و(الرِّيحُ) لِلْعَذابِ“. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا هَبَّتْ رِيحٌ قالَ: ”اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا“» ولَعَلَّهُ قَصَدَ بِالأوَّلِ والثّانِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ صفحة 33 وعَقَّبَ إحْياءَ الأرْضِ بِالمَطَرِ، وبَثَّ كُلَّ دابَّةٍ فِيها بِتَصْرِيفِ الرِّياحِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ تَرْبِيَةَ النَّباتِ وبَقاءَ حَياةِ الحَيَواناتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ، ولَوْ أمْسَكَ اللَّهُ - تَعالى - الرِّيحَ ساعَةَ لَأنْتَنَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَما نَطَقَ بِهِ بَعْضُ الآثارِ. ﴿والسَّحابِ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وهو اسْمُ جِنْسٍ واحِدُهُ سَحابَةٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْسِحابِهِ في الجَوِّ أوْ لِجَرِّ الرِّياحِ لَهُ. ﴿المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ صِفَةٌ ( لِلسَّحابِ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ مَعْناهُ فَيُوصَفُ بِالجَمْعِ كَـ ﴿سَحابًا ثِقالا﴾، و(بَيْنَ) ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِالمُسَخَّرِ، ومَعْنى تَسْخِيرِهِ أنَّهُ لا يَنْزِلُ ولا يَزُولُ، مَعَ أنَّ الطَّبْعَ يَقْتَضِي صُعُودَهُ إنْ كانَ لَطِيفًا وهُبُوطَهُ إنْ كانَ كَثِيفًا، وقِيلَ: الظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ المُسَخَّرِ، ومُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ؛ أيِ: المُسَخَّرُ لِلرِّياحِ، حَيْثُ تَقْلَبُهُ في الجَوِّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعالى -، وتَعْقِيُ تَصْرِيفِ الرِّياحِ بِالسَّحابِ؛ لِأنَّهُ كالمَعْلُولِ لِلرِّياحِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾، ولِأنَّ في جَعْلِهِ خَتْمَ المُتَعاطِفاتِ مُراعاةً في الجُمْلَةِ لِما بُدِئَ بِهِ مِنها؛ لِأنَّهُ أرْضِيٌّ سَماوِيٌّ، فَيَنْتَظِمُ بَدْءُ الكَلامِ وخَتْمُهُ، وبِما ذَكَرْنا عُلِمَ جِهَةُ التَّرْتِيبِ في الآيَةِ، وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: لَعَلَّ تَأْخِيرَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وتَسْخِيرَ السَّحابِ في الذِّكْرِ عَنْ جَرَيانِ الفُلْكِ وإنْزالِ الماءِ، مَعَ انْعِكاسِ التَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ في كَوْنِها آيَةً، ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الخارِجِيُّ لَرُبَّما تُوُهِّمَ كَوْنُ المَجْمُوعِ المُرَتَّبِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ آيَةً واحِدَةً، ولا يَخْفى أنَّهُ يُبْعِدُ هَذا التَّوَهُّمَ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لآياتٍ﴾ اسَمُ (إنَّ) دَخَلَتْهُ ( اللّامُ ) لِتَأخُّرِهِ عَنْ خَبَرِها والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا أيْ آياتٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ دالَّةٌ عَلى القُدْرَةِ القاهِرَةِ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ المُقْتَضِيَةِ لِاخْتِصاصِ الآلِهِيَّةِ بِهِ - سُبْحانَهُ - ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 164﴾ أيْ: يَتَفَكَّرُونَ، فالعَقْلُ مَجازٌ عَنِ التَّفَكُّرِ الَّذِي هو ثَمَرَتُهُ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: ”ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها“» وفِيها تَعْرِيضٌ بِجَعْلِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - آيَةً تُصَدِّقُهُ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسَخافَةِ العُقُولِ، وإلّا فَمَن تَأمَّلَ في تِلْكَ الآياتِ وجَدَ كُلًّا مِنها مُشْتَمِلًا عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِهِ - تَعالى - ووَحْدانِيَّتِهِ، وسائِرِ صِفاتِهِ الكَمالِيَّةِ المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ - تَعالى -، واسْتَغْنى عَنْ سائِرِها، ومُجْمَلُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ قَدْ وُجِدَ عَلى وجْهٍ خاصٍّ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ دُونَ ما عَداهُ مُسْتَتْبِعًا لِآثارٍ مُعَيَّنَةٍ وأحْكامٍ مَخْصُوصَةٍ، مِن غَيْرِ أنْ تَقْتَضِيَ ذاتُهُ وُجُودَهُ، فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ عَلى النَّمَطِ الكَذائِيِّ، فَإذًا لا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ لِامْتِناعِ وُجُودِ المُمْكِنِ بِلا مُوجِدٍ قادِرٍ إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ، حَكِيمٌ عالِمٌ بِحَقائِقِ الأشْياءِ وما فِيها مِنَ المَفاسِدِ والمَصالِحِ، يُوجِدُهُ حَسْبَما يَسْتَدْعِيهِ عِلْمُهُ بِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ،ُ مُتَعالٍ عَنْ مُقابَلَةِ غَيْرِهِ؛ إذْ لَوْ كانَ مَعَهُ واجِبٌ يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ الحَقُّ - تَعالى - عَلَيْهِ، فَإنْ وافَقَتْ إرادَةُ كُلٍّ مِنهُما إيجادَهُ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ أرادَهُ الآخَرُ، فالتَّأْثِيرُ إنْ كانَ لِكُلٍّ مِنهُما لَزِمَ اجْتِماعُ فاعِلَيْنِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ، وهو يَسْتَلْزِمُ اجْتِماعَ العِلَّتَيْنِ التّامَّتَيْنِ، وإنْ كانَ الفِعْلُ لِأحَدِهِما لَزِمَ تَرْجِيحُ الفاعِلِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ لِاسْتِوائِهِما في إرادَةِ إيجادِهِ عَلى الِاسْتِقْلالِ، وعَجْزُ الآخَرِ لِما أنَّ الفاعِلَ سَدَّ عَلَيْهِ إيقاعَ ما أرادَهُ، وإنِ اخْتَلَفَتِ الإرادَتانِ بِأنْ أرادَ أحَدُهُما وُجُودَهُ عَلى نَحْوٍ، وأرادَ الآخَرُ وُجُودَهُ عَلى نَحْوٍ آخَرَ، لَزِمَ التَّمانُعُ والتَّطارُدُ لِعَدَمِ المُرَجِّحِ، فَيَلْزَمُ عَجْزُهُما، والعَجْزُ مُنافٍ لِلْأُلُوهِيَّةِ بَدِيهَةً، وفي الآيَةِ إثْباتُ الِاسْتِدْلالِ بِالحُجَجِ العَقْلِيَّةِ، وتَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ عِلْمِ الكَلامِ وفَضْلِ أهْلِهِ، ورُبَّما أشارَتْ إلى شَرَفِ عِلْمِ الهَيْئَةِ.

البقرة 2:165

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ بَيانٌ لِحالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ بَيانِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ صفحة 34 - تَعالى - و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَتَّخِذُ)، و( الأنْدادُ ) الأمْثالُ، والمُرادُ بِها الأصْنامُ كَما هو الشّائِعُ في القُرْآنِ، والمَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: الرُّؤَساءُ الَّذِينَ يُطِيعُونَهم طاعَةَ الأرْبابِ مِنَ الرِّجالِ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ - ونُسِبَ إلى الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقِيلَ: المُرادُ أعَمُّ مِنهُما، وهو ما يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - والمَعْنى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ﴾ مُتَجاوِزِينَ الإلَهَ الواحِدَ الَّذِي ذُكِرَتْ شُئُونُهُ الجَلِيلَةُ أمْثالًا، فَلا يَقْصُرُونَ الطّاعَةَ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بَلْ يُشارِكُونَهم إيّاهُ، وإيثارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْيِينِهِ - تَعالى - بِالذّاتِ غِبَّ تَعْيِينِهِ بِالصِّفاتِ. ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ أوْ صِفَةُ الأنْدادِ، أوْ صِفَةً ( لِمَن ) إذا جَعَلْتَها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً مَسُوقَةً لِبَيانِ وجْهِ الِاتِّخاذِ، و( المَحَبَّةُ ) مَيْلُ القَلْبِ مِنَ الحَبِّ واحِدِ الحُبُوبِ، اسْتُعِيرَ لِحَبَّةِ القَلْبِ وسُوَيْدائِهِ، ثُمَّ اشْتُقَّ مِنهُ الحُبُّ؛ لِأنَّهُ يُؤْثِّرُ في صَمِيمِ القَلْبِ ويَرْسُخُ فِيهِ، ومَحَبَّةُ العِبادِ لِلَّهِ - تَعالى - عِنْدَ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ نَوْعٌ مِنَ الإرادَةِ، سَواءٌ قُلْنا إنَّها نَفْسُ المَيْلِ التّابِعِ لِاعْتِقادِ النَّفْعِ كَما هو رَأْيُ المُعْتَزِلَةِ، أوْ صِفَةٌ مُرَجَّحَةٌ مُغايِرَةٌ لَهُ كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، فَلا تَتَعَلَّقُ إلّا بِالجائِزاتِ، ولا يُمْكِنُ تَعَلُّقُها بِذاتِهِ - تَعالى -، فَمَحَبَّةُ العَبْدِ لَهُ – سُبْحانَهُ - إرادَةُ طاعَتِهِ وتَحْصِيلُ مَراضِيهِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى انْحِصارِ المَطْلُوبِ بِالذّاتِ في اللَّذَّةِ ورَفْعِ الألَمِ، والعارِفُونَ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالُوا: إنَّ الكَمالَ أيْضًا مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، فالعَبْدُ يُحِبُّ اللَّهَ - تَعالى - لِذاتِهِ؛ لِأنَّهُ الكامِلُ المُطْلَقُ الَّذِي لا يُدانِي كَمالَهُ كَمالٌ، وأمّا مَحَبَّةُ خِدْمَتِهِ وثَوابِهِ فَمَرْتَبَةٌ نازِلَةٌ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ - تَعالى - لِلْعِبادِ صِفَةٌ لَهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - لا تَتَكَيَّفُ ولا يَحُومُ طائِرُ الفِكْرِ حَوْلَ حِماها، وقِيلَ: إرادَةُ إكْرامِهِ واسْتِعْمالُهُ في الطّاعَةِ وصَوْنُهُ عَنِ المَعاصِي، والمُرادُ بِالمَحَبَّةِ هُنا التَّعْظِيمُ والطّاعَةُ؛ أيْ أنَّهم يُسَوُّونَ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَ الأنْدادِ المُتَّخَذَةِ، فَيُعَظِّمُونَهم ويُطِيعُونَهم كَما يُعَظِّمُونَ اللَّهَ – تَعالى - ويَمِيلُونَ إلى طاعَتِهِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ المَنصُوبُ راجِعٌ إلى الأنْدادِ، فَإنْ أُرِيدَ بِها الرُّؤَساءُ فَواضِحٌ، وإلّا فالتَّعْبِيرُ عَنْها بِضَمِيرِ العُقَلاءِ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ الزَّعْمِ الباطِلِ أنَّهم أنْدادُ اللَّهِ - تَعالى - والمَصْدَرُ المُضافُ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ وفاعِلِهِ ضَمِيرُهم بِقَرِينَةِ سَبْقِ الذِّكْرِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ يَعْتَرِفُونَ بِهِ – تَعالى - ويَلْجَئُونَ إلَيْهِ في الشَّدائِدِ، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقِيلَ: وهو الخِلافُ الظّاهِرُ، وعُدُولٌ عَمّا يَقْتَضِيهِ كَوْنُ جُمْلَةِ ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ بَيانًا لِوَجْهِ الِاتِّخاذِ أنَّهُ مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ مَن يُحِبُّ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُلْبَسٍ، والمَعْنى عَلى تَشْبِيهِ مَحْبُوبِيَّةِ الأنْدادِ مِن جِهَةِ المُشْرِكِينَ بِمَحْبُوبِيَّتِهِ - تَعالى - مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ التَّشْبِيهَ إنَّما وقَعَ بَيْنَ المَحْبُوبَتَيْنِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَحْبُوبِيَّةُ الأصْنامِ مُماثِلًا لِمَحْبُوبِيَّتِهِ - تَعالى -، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَحَبَّتَيْنِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ رُسُوخِ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى، فَإنَّ المُرادَ بِشِدَّةِ مَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ شِدَّتُها في المَحَلِّ، وهو رُسُوخُها فِيهِمْ، وعَدَمُ زَوالِها عَنْهم بِحالٍ، لا كَمَحَبَّةِ المُشْرِكِينَ لِآلِهَتِهِمْ؛ حَيْثُ يَعْدِلُونَ عَنْها إلى اللَّهِ - تَعالى - عِنْدَ الشَّدائِدِ، ويَتَبَرَّءُونَ مِنها عِنْدَ مُعايَنَةِ الأهْوالِ، ويَعْبُدُونَ الصَّنَمَ زَمانًا، ثُمَّ يَرْفُضُونَهُ إلى غَيْرِهِ، ورُبَّما أكَلُوهُ - كَما يُحْكى: أنَّ باهِلَةَ كانَتْ لَهم أصْنامٌ مِن حَيْسٍ، فَجاعُوا في قَحْطٍ أصابَهم فَأكَلُوها - ولِلَّهِ أبُوهُمْ، فَإنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ مُشْرِكٌ بِآلِهَتِهِ كانْتِفاعِ هَؤُلاءِ بِها، فَإنَّهم ذاقُوا حَلاوَةَ الكُفْرِ، ولَيْسَ المُرادُ مِن شِدَّةِ المَحَبَّةِ شِدَّتَها وقُوَّتَها في نَفْسِها، لِيُرَدَّ أنّا نَرى الكُفّارَ يَأْتُونَ بِطاعاتٍ شاقَّةٍ لا يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنها أكْثَرُ المُؤْمِنِينَ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّ مَحَبَّتَهم أشَدُّ مِن مَحَبَّتِهِمْ، ومِن هَذا ظَهَرَ وجْهُ اخْتِيارِ ﴿أشَدُّ حُبًّا﴾ عَلى أحَبَّ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ الزِّيادَةَ في أصْلِ الفِعْلِ، بَلِ الرُّسُوخَ والثَّباتَ، وهو مِلاكُ الأمْرِ؛ ولِهَذا نَزَلَ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ وكانَ أحَبُّ الأعْمالِ إلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أدْوَمَها، وقالَ العَلّامَةُ: عَدَلَ عَنْ ( أحَبَّ ) إلى (أشَدَّ)؛ لِأنَّهُ شاعَ في الأشَدِّ مَحْبُوبِيَّةٌ، فَعَدَلَ صفحة 35 عَنْهُ احْتِرازًا عَنِ اللَّبْسِ، وقِيلَ: إنَّ أحَبَّ أكْثَرُ مِن حَبَّ، فَلَوْ صِيغَ مِنهُ ( أفْعَلَ ) لَتَوَهَّمَ أنَّهُ مِنَ المَزِيدِ. ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: لَوْ يَعْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالِاتِّخاذِ المَذْكُورِ؛ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ ( الِاتِّخاذَ ) ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وأنَّ اتِّصافَ المُتَّخِذِينَ بِهِ أمْرٌ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ؛ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْهُ بِمُطْلَقِ الظُّلْمِ، والمَوْصُولُ والصِّلَةُ لِلْإشْعارِ بِسَبِبِ ( رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ ) المَفْهُومَةِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ أيْ: عايَنُوا العَذاب المُعَدَّ لَهم وأبْصَرُوهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وأوْرَدَ صِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ ( لَوْ ) و( إذا ) المُخْتَصَّيْنِ بِالماضِي لَتَحَقُّقِ مَدْلُولِهِ، فَيَكُونُ ماضِيًا تَأْوِيلًا مُسْتَقْبَلًا تَحْقِيقًا، فَرُوعِيَ الجِهَتانِ. ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ سادَ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ( يَرى )، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ لِلْإيذانِ بِخُرُوجِهِ عَنْ دائِرَةِ البَيانِ؛ أيْ: لَوَقَعُوا مِنَ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ فِيما لا يَكادُ يُوصَفُ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقُ الجَوابِ، والمَفْعُولانِ مَحْذُوفانِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنْدادَهم لا تَنْفَعُ لَعَلِمُوا ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ غَيْرُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ ويَعْقُوبُ: ( تَرى ) عَلى أنَّ الخِطابَ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، فالجَوابُ حِينَئِذٍ: ( لَرَأيْتَ أمْرًا لا يُوصَفُ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ )، وابْنُ عامِرٍ: ( إذْ يُرَوْنَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ويَعْقُوبُ: ( إنَّ ) بِالكَسْرِ، وكَذا ﴿وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ إضْمارِ القَوْلِ؛ أيْ: قائِلِينَ ذَلِكَ، وفائِدَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ المُبالَغَةُ في تَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعُ الأمْرِ، فَإنَّ اخْتِصاصَ ( القُوَّةَ ) بِهِ تَعالى لا يُوجِبُ شِدَّةَ ( العَذابِ ) لِجَوازِ تَرْكِهِ عَفْوًا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ.

البقرة 2:166

﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾ مُطْلَقًا، وجازَ الفَصْلُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِالجَوابِ ومُتَعَلِّقِهِ لِطُولِ البَدَلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ (شَدِيدِ العَذابِ) أوْ مَفْعُولًا (لِاذْكُرُوا ) وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ ( تَرى ) عَلى قِراءَةِ الخِطابِ، كَما أنَّ (إذْ يَرَوْنَ) بَدَلٌ مِنهُ أيْضًا، و(أنَّ القُوَّةَ) في مَوْضِعِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِنَ (العَذابِ)، ولا يَخْفى أنَّ هَذا يَقْتَضِي جَوازَ تَعَدُّدِ البَدَلِ، ولَمْ يُعْثَرْ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ النَّحْوِ، وأيْضًا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ المُبْدَلَ مِنهُ في بَدَلِ الِاشْتِمالِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقاضِيًا لِلْبَدَلِ دالًّا عَلَيْهِ إجْمالًا، وأنْ يَكُونَ البَدَلُ مُشْتَمِلًا عَلى ضَمِيرِ المُبْدَلِ مِنهُ - وكِلاهُما مَفْقُودانِ - والمَعْنى: ﴿إذْ تَبَرَّأ﴾ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أيِ: المَرْءُوسِينَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ وقَرَأ مُجاهِدٌ ( الأوَّلَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، ( والثّانِي ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: تَبَرَّأ الأتْباعُ وانْفَصَلُوا عَنْ مَتْبُوعِيهِمْ، ونَدِمُوا عَلى عِبادَتِهِمْ، ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ حالٌ مِنَ الأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ، كَما في لَقِيتُهُ راكِبِينَ؛ أيْ: رائِينَ لَهُ، فالواوُ لِلْحالِ، و( قَدْ ) مُضْمَرَةٌ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى تَبْرَأُ وفِيهِ أنَّهُ يُؤَدِّي إلى إبْدالِ ( إذْ رَأوُا العَذابَ ) مِن ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ؛ لِأنَّ فاعِلَ الفِعْلَيْنِ - وإنْ كانا مُتَغايِرَيْنِ - إلّا أنَّ تَهْوِيلَ الوَقْتِ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ فِيهِ، وهو رُؤْيَةُ العَذابِ؛ ولِأنَّ الحَقِيقَ بِالِاسْتِفْظاعِ هو تَبَرُّؤُهم حالَ رُؤْيَةِ العَذابِ، لا هو نَفْسُهُ، وأُجِيبَ أنَّ البَدَلَ الوَقْتُ المُضافُ إلى الأمْرَيْنِ، والمُبْدَلَ مِنهُ الوَقْتُ المُضافُ إلى واحِدٌ، وهو الرُّؤْيَةُ فَقَطْ، وفِيهِ أنَّ هَذا أيْضًا لا يَخْرُجُ ذَلِكَ عَنِ الرَّكاكَةِ؛ إذْ بَعْدَ تَهْوِيلِ الوَقْتِ بِإضافَتِهِ إلى ( رُؤْيَةِ العَذابِ ) لا حاجَةَ إلى جَمْعِها مَعَ التَّبَرِّي بِخِلافِ ما إذا جُعِلَ حالًا، فَإنَّ البَدَلَ هو التَّبَرُّؤُ الواقِعُ في حالِ رُؤْيَةِ العَذابِ. ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ 166﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى (تَبَرَّأ) أوْ (رَأوْا) أوْ حالٌ، ورُجِّحَ الأوَّلُ؛ لِأنَّ صفحة 36 الأصْلَ في ( الواوِ ) العَطْفُ، وفي الجُمْلَةِ الِاسْتِقْلالُ، ولِإفادَتِهِ تَكْثِيرَ أسْبابِ التَّهْوِيلِ والِاسْتِفْظاعِ، مَعَ عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى تَقْدِيرِ ( قَدْ ) والباءِ مِن ( بِهِمْ ) لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أيْ تَقَطَّعَتْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ الأسْباب الَّتِي كانُوا يَرْجُونَ مِنها النَّجاةَ، وقِيلَ: لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: تَقَطَّعَتِ الأسْبابُ مَوْصُولَةً بِهِمْ؛ كَقَوْلِكَ: خَرَجَ زَيْدٌ بِثِيابِهِ، وقِيلَ: بِمَعْنى ( عَنْ )، وقِيلَ: لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: قَطَعَتْهُمُ الأسْبابُ، كَما تَقُولُ: تَفَرَّقَتْ بِهِمُ الطَّرِيقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وأصْلُ ( السَّبَبِ ) الحَبْلُ مُطْلَقًا، أوِ الحَبْلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الماءِ، أوِ الحَبْلُ الَّذِي أحَدُ طَرَفَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّقْفِ، أوِ الحَبْلُ الَّذِي يُرْتَقى بِهِ النَّخْلُ. والمُرادُ بِـ ( الأسْباب ) هُنا الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ الأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ في الدُّنْيا مِنَ الأنْسابِ والمَحابِّ، والِاتِّفاقِ عَلى الدِّينِ، والِاتِّباعِ والِاسْتِتْباعِ، وقُرِئَ ( تَقَطَّعَتْ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ و( تَقَطَّعَ ) جاءَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا.

البقرة 2:167

﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ أيْ: لَوْ ثَبَتَ لَنا عَوْدَةٌ ورُجُوعٌ إلى الدُّنْيا. ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المَتْبُوعِينَ، ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا حَتّى يُطِيعُوا اللَّهَ - تَعالى - فَيَتَبَرَّءُوا مِن مَتْبُوعِيهِمْ في الآخِرَةِ إذا حُشِرُوا جَمِيعًا مِثْلَ تَبَرُّؤِ المَتْبُوعِينَ مِنهُمْ، مُجازاةً لَهم بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ؛ أيْ: كَما جُعِلُوا بِالتَّبَرِّي غائِظِينَ مُتَحَيِّرِينَ عَلى مُتابَعَتِهِمْ نَجْعَلُهم أيْضًا بِالتَّبَرِّي غائِظِينَ مُتَحَيِّرِينَ عَلى ما حَصَلَ لَنا بِتَرْكِ مُتابَعَتِهِمْ، ولِذا لَمْ يَتَبَرَّءُوا مِنهم قَبْلَ تَمَنِّي الرُّجُوعِ؛ لِأنَّهُ يَغِيظُ المَتْبُوعِينَ؛ حَيْثُ تَبَرُّءُوا مِنَ الأتْباعِ أوْ لا، ومِن هُنا يَظْهَرُ وجْهُ القِراءَةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ لِأنَّ تَبَرُّؤَ الأتْباعِ مِنَ المَتْبُوعِينَ بِالآخِرَةِ بِالِانْفِصالِ عَنْهم بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهم عَدَمُ نَفْعِهِمْ، وذَلِكَ لا يَغِيظُ المَتْبُوعِينَ لِاشْتِغالِ كُلٍّ مِنهم بِما يُقاسِيهِ، فَلِذا تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِيَتَبَرَّءُوا مِنهم تَبَرُّؤًا يَغِيظُهم. وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَما تَبَرَّءُوا﴾ فَلا يَقْتَضِي إلّا وُقُوعَ التَّبَرُّؤِ مِنَ المَتْبُوعِينَ، وهو مَنصُوصٌ في آيَةٍ أُخْرى، ولا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَذْكُورًا فِيما سَبَقَ، وقِيلَ: إنَّ الأتْباعَ بَعْدَ أنْ ( تَبَرَّءُوا ) مِنَ المَتْبُوعِينَ يَوْمَ القِيامَةِ تَمَنَّوُا الكَرَّةَ إلى الدُّنْيا مَعَ مَتْبُوعِيهِمْ لِيَتَبَرَّءُوا مِنهم فِيها ويَخْذِلُوهُمْ، فَيَجْتَمِعُ لَهم ذُلُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَحْتاجُ هَذا التَّوْجِيهُ إلى اعْتِبارِ التَّغْلِيبِ في (لَنا) أيْ: لَنا ولَهُمْ؛ إذِ التَّبَرُّؤُ في الدُّنْيا إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا رَجَعَ كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِما بَعْدَهُ، والمُشارُ إلَيْهِ الإراءُ المَفْهُومُ مِن ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾ أيْ: كَإراءِ العَذابِ المُتَلَبِّسِ بِظُهُورِ ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ﴾ والتَّبَرِّيَ، وتَقَطُّعَ الأسْبابِ، وتَمَنِّيَ الرَّجْعَةِ. ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ المَصْدَرَ المَفْهُومَ مِمّا بَعْدُ، والكافُ مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْضًا؛ أيْ ذَلِكَ الإراءُ الفَظِيعُ يُرِيهِمْ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ، وبَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ وخُلُودِ عَذابِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا، كَأنَّهُ لَمّا بُولِغَ في وعِيدِهِمْ وتَفْظِيعِ عَذابِهِمْ كانَ مَحَلٌّ أنْ يَتَرَدَّدَ السّامِعُ ويَسْألَ هَلْ لَهم سِوى ذَلِكَ مِنَ العَذابِ أمْ تَمَّ؟ فَأُجِيبَ بِما تَرى، و(حَسَرات) أيْ: نَدَماتٍ، وهو مَفْعُولٌ ثالِثٌ لِيَرى إنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةً، وحالٌ مِن (أعْمالِهِمْ) إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً، ومَعْنى رُؤْيَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ (أعْمالهمْ) السَّيِّئَةَ يَوْمَ القِيامَةِ (حَسَرات) رُؤْيَتُها مَسْطُورَةً في كِتابٍ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةَ إلّا أحْصاها وتَيَقُّنُ الجَزاءِ عَلَيْها، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْدَمُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى، وعَلّيَهمْ صِفَةُ حَسَرات وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِها عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: تَفْرِيطُهُمْ؛ لِأنَّ ( حَسَرَ ) يَتَعَدّى بِـ ( عَلى ) واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ 167﴾ المُتَبادِرُ في أمْثالِهِ حَصْرُ النَّفْيِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ نَحْوَ ﴿وما أنا صفحة 37 بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى عَدَمِ خُلُودِ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ الدّاخِلِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ في النّارِ، وإذا أُرِيدَ مِنَ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) الكُفّارُ مُطْلَقًا دُونَ المُشْرِكِينَ فَقَطْ كانَ الحَصْرُ حَقِيقِيًّا، ويَكُونُ المَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في الوَعِيدِ بِأنَّهُ لا يُشارِكُهم في الخُلُودِ غَيْرُهُمْ، فَإنَّ الشَّرِكَةَ تُهَوِّنُ العُقُوباتِ، وقِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ أصْلِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ اللّائِقُ بِمَقامِ الوَعِيدِ لا حَصْرَ النَّفْيِ؛ إذْ لَيْسَ المَقامُ مَقامَ تَرَدُّدٍ ونِزاعٍ في أنَّ الخارِجَ هم أوْ غَيْرُهم عَلى الشَّرِكَةِ أوْ الِانْفِرادِ، وإنْ كانَ صَحِيحًا بِالنَّظَرِ إلى العُصاةِ، إلّا أنَّهُ غُيِّرَ إلى ما تَرى إفادَةً لِلْمُبالِغَةِ في الخُلُودِ والإقْناطِ عَنِ الخَلاصِ، والرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا، وزِيادَةُ ( الباءِ ) وإخْراجُ ذَواتِهِمْ مِن عِدادِ الخارِجِينَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا لَمْ يُعْتَبَرْ في الحَصْرِ حالُ المُخاطَبِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ ما يُقالُ، سِوى أنَّ ظَواهِرَ بَعْضِ الآياتِ تَقْتَضِي عَدَمَ إرادَةِ الحَصْرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ فَلَيْسَ القَوْلُ بِعَدَمِ الحَصْرِ نَصًّا في الِاعْتِزالِ كَما وُهِمَ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿إنَّ الصَّفا﴾ أيِ: الرُّوحَ الصّافِيَةَ عَنْ دَرَنِ المُخالَفاتِ ﴿والمَرْوَةَ﴾ أيِ: النَّفْسَ القائِمَةَ بِخِدْمَةِ مَوْلاها مِن إعْلامِ دِينِ اللَّهِ ومَناسِكِهِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، فَمَن بَلَغَ مَقامَ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ، ودَخَلَ بَيْتَ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ بِالفَناءِ عَنِ السِّوى أوْ زارَ الحَضْرَةَ بِتَوْحِيدِ الصِّفاتِ واتَّزَرَ بِأنْوارِ الجَلالِ والجَمالِ، فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ ﴿أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ ويَرْجِعَ إلى مَقامِهِما بِالوُجُودِ المَوْهُوبِ بَعْدَ التَّمْكِينِ المَطْلُوبِ، ومَن تَبَرَّعَ خَيْرًا بِالتَّعْلِيمِ والنَّصِيحَةِ وإرْشادِ المُسْتَرْشِدِينَ، فَإنَّ اللَّهَ يَشْكُرُ عَمَلَهُ ويَعْلَمُ جَزاءَهُ، ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ ما أفَضْنا عَلَيْهِمْ مِن أنْوارِ المَعارِفِ وهُدى الأحْوالِ ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي﴾ كِتابِ عُقُولِهِمُ المُنَوَّرَةِ بِنُورِ المُتابَعَةِ أُولَئِكَ يُبْعِدُهُمُ اللَّهُ - تَعالى - ويَحْجُبُهم عَنْهُ ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ مِنَ المَلَأِ الأعْلى، فَلا يَمُدُّونَهُمْ، ومِنَ المُسْتَعِدِّينَ فَلا يَصْحَبُونَهُمْ، ﴿إلا الَّذِينَ﴾ رَجَعُوا إلى اللَّهِ - تَعالى - وعَلِمُوا أنَّ ما هم فِيهِ ابْتِلاءٌ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ -، وأصْلَحُوا أحْوالَهم بِالرِّياضَةِ، وأظْهَرُوا ما احْتَجِبُ عَنْهم بِصِدْقِ المُعامَلَةِ، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أقْبَلُ تَوْبَتَهم ﴿وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ . ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واحْتَجَبُوا عَنِ الحَقِّ، وبَقُوا عَلى احْتِجابِهِمْ حَتّى زالَ اسْتِعْدادُهم وانْطَفَأ نُورُ فِطْرَتِهِمْ أُولَئِكَ اسْتَحَقَّوُا الطَّرْدَ والبُعْدَ عَنِ الحَقِّ وعالَمِ المَلَكُوتِ، خالِدِينَ في ذَلِكَ ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ لِرُسُوخِ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لَهُ فِيهِمْ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ لِلُزُومِ تِلْكَ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ إيّاهُمْ، ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ بِالذّاتِ لا شَيْءَ في الوُجُودِ غَيْرُهُ، فَأنّى يُعْبَدُ سِواهُ، وهو العَدَمُ البَحْتُ، إنَّ في إيجادِ سَمَواتِ الأرْواحِ وأرْضِ النُّفُوسِ واخْتِلافِ النُّورِ والظُّلْمَةِ بَيْنَهُما، وفُلْكِ البَدَنِ الَّتِي تَجْرِي في بَحْرِ الِاسْتِعْدادِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ في كَسْبِ كَمالاتِهِمْ، وتَكْمِيلِ نَشْأتِهِمْ، وما أنْزَلَ اللَّهُ مِن سَماءِ الأرْواحِ مِن ماءِ العِلْمِ، فَأحْيا بِهِ أرْضَ النُّفُوسِ بَعْدَ مَوْتِها بِالجَهْلِ، وبَثَّ فِيها القُوى الحَيَوانِيَّةَ، وفَرَّقَ في أفْلاكِها سَيّاراتِ عالَمِ المَلَكُوتِ، وتَصْرِيفِ رِياحِ النَّفَحاتِ المُحَرِّكَةِ لِأغْصانِ أشْجارِ الشَّوْقِ في رِياضِ القُلُوبِ وسَحابِ التَّجَلِّياتِ المُسَخَّرِ بَيْنَ سَماءِ الرُّوحِ وأرْضِ النَّفْسِ، لِيُمْطِرَ قَطَراتِ الخِطابِ عَلى نِيرانِ الألْبابِ، لِتَسْكُنَ ساعَةً مِنَ الِاحْتِراقِ بِالتِهابِ نارِ الوَجْدِ لَآياتٍ ودَلائِلَ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بِالعَقْلِ المُنَوَّرِ بِالأنْوارِ القُدْسِيَّةِ المُجَرَّدِ عَنْ شَوائِبِ الوَهْمِ، ﴿ومِنَ النّاسِ مَن﴾ يَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ أشْياءَ مَنَعَتْهُ عَنْ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ ويَمِيلُونَ إلَيْهِمْ كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ، ويُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ - سُبْحانَهُ -؛ لِأنَّهم لَمْ يَذُوقُوا لَذَّةَ مَحَبَّتِهِ، ولَمْ يَرَوْا نُورَ مُشاهَدَتِهِ وحَقائِقِ وصْلِهِ وقُرْبِهِ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانَ الكامِلَ ﴿أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّهم مُسْتَغْرِقُونَ بِمُشاهَدَتِهِ هائِمُونَ بِلَذِيذِ خِطابِهِ مِن عَهْدِ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ لا يَلْتَفِتُونَ إلى سِواهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَهَيْهاتَ أنْ صفحة 38 يَزُولَ حُبُّهُمْ، أوْ يَمِيلَ إلى الأغْيارِ لُبُّهُمْ، وهم أحَبُّوهُ بِحُبِّهِ، وصارَتْ قُلُوبُهم عَرْشَ تَجَلِّياتِهِ وقُرْبِهِ. ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وأشْرَكُوا مَن هو في الحَقِيقَةِ لا شَيْءَ ولا حَيَّ ولا لَيَّ في وقْتِ رُؤْيَتِهِمْ عَذابَ الِاحْتِجابِ عَنْ رَبِّ الأرْبابِ، وأنَّ القُدْرَةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، ولَيْسَ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي ألْهَتْهم عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، لَنَدِمُوا وتَحَسَّرُوا؛ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدُوا وجْهَ اللَّهِ - تَعالى - ولَمْ يَطْلُبُوهُ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَرَّأُ الأتْباعُ مِنَ المَتْبُوعِينَ وقَدْ رَأوْا عَذابَ الحِرْمانِ وتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا، وتَمَنَّوْا ما لا يُمْكِنُ بِحالٍ وبَقُوا بِحَسْرَةٍ وعَذابٍ، وكَذا يَكُونُ حالُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ الصّافِيَةِ لِلْقُوى النَّفْسانِيَّةِ التّابِعَةِ لَها في تَحْصِيلِ لَذّاتِها، وطُوبى لِلْمُتَحابِّينَ في اللَّهِ - تَعالى عَزَّ شَأْنُهُ - .

البقرة 2:168

﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا﴾ نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامَ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- وقِيلَ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ؛ حَيْثُ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لَحْمَ الإبِلِ لَمّا كانَ حَرامًا في دِينِ اليَهُودِ، وقِيلَ: في قَوْمٍ مِن ثَقِيفٍ، وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وخُزاعَةَ، وبَنِي مُدْلِجٍ؛ حَيْثُ حَرَّمُوا التَّمْرَ والأقِطَ عَلى أنْفُسِهِمْ، و(حَلالًا) إمّا مَفْعُولُ (كَلُّوا) أوْ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ؛ أيْ: كُلُوهُ حالَ كَوْنِهِ حَلالًا، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ؛ أيْ: أكْلًا حَلالًا. ومِن عَلى التَّقْدِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِيَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِـ ( كُلُوا ) وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِـ (كلوا) أوْ حالًا مِن (حَلّالًا) وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ، وأنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً، بَلْ هي مُتَعَيِّنَةٌ كَما في الكَشْفِ عَلى مَذْهَبِ مَن جَعَلَ الأصْلَ في الأشْياءِ الإباحَةَ، وأنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً بِناءً عَلى ما ارْتَضاهُ الرِّضِيُّ مِن أنَّ التَّبْعِيضِيَّةَ في الأصْلِ ابْتِدائِيَّةٌ، إلّا أنَّهُ يَكُونُ هُناكَ شَيْءٌ ظاهِرٌ أوْ مُقَدَّرٌ هو بَعْضُ المَجْرُورِ بِـ ( مِن ) ولا يَلْزَمُ صِحَّةُ إقامَةِ لَفْظِ البَعْضِ مَقامَها، والعَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ مَنَعَ كَوْنَها تَبْعِيضِيَّةً عَلى هَذا التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّها في مَوْقِعِ المَفْعُولِ بِهِ حِينَئِذٍ، والفِعْلُ لا يَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ وهو مَبْنِيٌّ، عَلى ما في التَّسْهِيلِ وغَيْرِهِ، أنَّ التَّبْعِيضَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِـ ( مِن ) وعَلامَتُهُ صِحَّةُ إقامَةِ لَفْظِ البَعْضِ مَقامَها، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ فِيما إذا كانَ الأكْلُ لِقِوامِ البِنْيَةِ ولِلنَّدْبِ، كَما إذا كانَ لِمُؤانَسَةِ الضَّيْفِ ولِلْإباحَةِ فِيما عَدا ذَلِكَ، ( ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها ): أنَّهُ – سُبْحانَهُ - لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ ودَلائِلَهُ وما لِلتّائِبِينَ والعاصِينَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إنْعامِهِ وشُمُولِ رَحْمَتِهِ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الكُفْرَ لا يُؤَثِّرُ في قَطْعِ الإنْعامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (طَيِّبًا) صِفَةٌ (حَلالًا) ومَعْناهُ كَما قالَ الإمامُ مالِكٌ ما يَجِدُهُ فَمُ الشَّرْعِ لَذِيذًا لا يَعافُهُ ولا يَكْرَهُهُ، أوْ تَراهُ عَيْنُهُ طاهِرًا عَنْ دَنَسٍ الشُّبْهَةِ، وفائِدَةُ وصْفِ الحَلالِ بِهِ تَعْمِيمُ الحُكْمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ لِيَحْصُلَ الرَّدُّ عَلى مَن حَرَّمَ بَعْضَ الحَلالاتِ، فَإنَّ النَّكِرَةَ المَوْصُوفَةَ بِصِفَةٍ عامَّةٍ تَعُمُّ بِخِلافِ غَيْرِ المَوْصُوفَةِ، وقالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: المُرادُ بِهِ ما تَسْتَطِيبُهُ الشَّهْوَةُ المُسْتَقِيمَةُ النّاشِئَةُ مِنَ المِزاجِ الصَّحِيحِ، ورُدَّ بِأنَّ ما لا تَسْتَطِيبُهُ إمّا حَلالٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ فَلا مَنعَ، وإلّا خَرَجَ بِقَيْدِ الحَلالِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالحَلالِ ما نَصَّ الشّارِعُ عَلى حِلِّهِ وبِهَذا ما لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ ولَكِنَّهُ مِمّا يَسْتَلِذُّ ويَشْتَهِيهِ الطَّبْعُ المُسْتَقى ولَمْ يَكُنْ في الشَّرْعِ ما يَدُلُّ عَلى حُرْمَتِهِ كَإسْكارٍ وضَرَرٍ، والأوْلى نَظَرًا لِلْمَقامِ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ لِلِاحْتِرازِ عَمّا تَسْتَطِيبُهُ الشَّهْوَةُ الفاسِدَةُ، بَلْ لِكَوْنِهِ مُعْتَبَرًا في مَفْهُومِهِ؛ إذْ لا يُقالُ الطَّيِّبُ واللَّذِيذُ إلّا عَلى ما تَسْتَلِذُّهُ الشَّهْوَةُ المُسْتَقِيمَةُ، وتَكُونُ فائِدَةُ التَّوْصِيفِ حِينَئِذٍ التَّنْصِيصُ عَلى إباحَةِ ما حَرَّمُوهُ، والقَوْلُ بِأنَّ في الآيَةِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ إشارَةً إلى النَّهْيِ عَنِ الأكْلِ عَلى امْتِلاءِ المَعِدَةِ والشَّهْوَةِ الكاذِبَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَطِيبُ؛ لِأنَّ الطَّعامَ اللَّذِيذَ المَأْكُولَ كَذَلِكَ مِمّا تَسْتَطِيبُهُ الشَّهْوَةُ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ مَأْكُولًا بِالشَّهْوَةِ المُسْتَقِيمَةِ، وبَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بُعْدٌ بَعِيدٌ، كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ صفحة 39 عَلى أنَّ مَن حَرَّمَ طَعامًا مَثَلًا فَهو لاغٍ ولا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ، وفِيهِ خَفاءٌ لا يَخْفى ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: آثارَهُ - كَما حُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ - أوْ أعْمالَهُ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أوْ خَطاياهُ - كَما نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ - وحاصِلُ المَعْنى: لا تَعْتَقِدُوا بِهِ وتَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَتُحَرِّمُوا الحَلالَ وتُحَلِّلُوا الحَرامَ، وعَنِ الصّادِقِ: ”مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ الحَلِفُ بِالطَّلاقِ والنُّذُورُ في المَعاصِي، وكُلُّ يَمِينٍ بِغَيْرِ اللَّهِ - تَعالى –“ وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ بِتَسْكِينِ الطّاءِ، وهُما لُغَتانِ في جَمْعِ ( خُطْوَةٍ ) وهي ما بَيْنَ قَدَمَيِ الماشِي، وقَرَأ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِضَمَّتَيْنِ وهَمْزَةٍ، وفي تَوْجِيهِها وجْهانِ؛ الأوَّلُ: ما قِيلَ: إنَّ الهَمْزَةَ أصْلِيَّةٌ مِنَ ( الخَطَأِ ) بِمَعْنى ( الخَطِيئَةِ )، والثّانِي: إنَّ الواوَ قُلِبَتْ هَمْزَةً؛ لِأنَّ الواوَ المَضْمُومَةَ تُقْلَبُ لَها، نَحْوَ ( أُجُوهٍ )، وهَذِهِ لَمّا جاوَرَتِ الضَّمَّةَ جُعِلَتْ كَأنَّها عَلَيْها، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، وعَنْ أبِي السِّمالِ، أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحَتَيْنِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ ( خُطْوَةٍ ) وهي المَرَّةُ مِنَ الخَطْوِ. ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ 168﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، و(مُبِين) مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ وظَهَرَ؛ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ عِنْدَ ذَوِي البَصِيرَةِ، وإنْ كانَ يُظْهِرُ الوَلايَةَ لِمَن يُغْوِيهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ولِيًّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ تَحِيَّتِهِمُ السَّيْفُ، وقِيلَ: ( أبانَ ) بِمَعْنى أظْهَرَ؛ أيْ: مُظْهِرُ العَداوَةَ، والأوَّلُ ألْيَقُ بِمَقامِ التَّعْلِيلِ.

البقرة 2:169

﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ عَداوَتِهِ وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ شَرِّهِ وإفْسادِهِ وانْحِصارِ مُعامَلَتِهِ مَعَهم في ذَلِكَ، أوْ عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ بِضَمٍّ، وكُلُّ مَن هَذا شَأْنُهُ فَهو عَدُوٌّ مُبِينٌ، أوْ عِلَّةٌ لِلْأصْلِ بِضَمٍّ، وكُلُّ مَن هَذا شَأْنُهُ لا يُتَّبَعُ فَيَكُونُ الحُكْمُ مُعَلَّلًا بِعِلَّتَيْنِ ( العَداوَةِ ) والأمْرِ بِما ذُكِرَ، ولَيْسَ الأمْرُ عَلى حَقِيقَتِهِ لا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ يُنافِي ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الأمْرِ العُلُوُّ كَما هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وإلّا فَمُجَرَّدُ الِاسْتِعْلاءِ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهُ سُلْطانٌ، وعَلى أنْ يَكُونَ ( عِبادِي ) لِعُمُومِ الكُلِّ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْناءِ، وعَلى أنَّ الخِطابَ في (يَأْمُرُكُمْ) لِجَمِيعِ النّاسِ لا لِلْمُتَّبِعِينَ فَقَطْ، ولا مُنافاةَ أيْضًا، بَلْ لِأنّا نَجِدُ مِن أنْفُسِنا أنَّهُ لا طَلَبَ مِنهُ لِلْفِعْلِ مِنّا، ولَيْسَ إلّا التَّزْيِينَ والبَعْثَ، فَهو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِذَلِكَ، ويَتْبَعُها الرَّمْزُ إلى أنَّ المُخاطَبِينَ بِمَنزِلَةِ المَأْمُورِينَ المُنْقادِينَ لَهُ، وفِيهِ تَسْفِيهُ رَأْيِهِمْ وتَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، ولا يُرَدُّ أنَّهُ إذا كانَ الأمْرُ بِمَعْنى التَّزْيِينِ، فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: يَأْمُرُ لَكُمْ، وإنْ كانَ بِمَعْنى البَعْثِ، فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: يَأْمُرُكم عَلى السُّوءِ أوْ لِلسُّوءِ؛ إذِ المَذْكُورُ لَفْظُ الأمْرِ، فَلا بُدَّ مِن رِعايَةِ طَرِيقِ اسْتِعْمالِهِ، و(السُّوءِ) في الأصْلِ مَصْدَرُ ساءَهُ يَسُوءُهُ سُوءًا أوْ مُساءَةً إذا أحْزَنَهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جَمِيعِ المَعاصِي، سَواءٌ كانَتْ قَوْلًا أوْ فِعْلًا أوْ عَقْدًا لِاشْتِراكِ كُلِّها في أنَّها تَسُوءُ صاحِبَها، ﴿والفَحْشاءِ﴾ أقْبَحُ أنْواعِها وأعْظَمُها مُساءَةً، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ (السُّوءَ) ما لا حَدَّ فِيهِ، و(الفَحْشاء) ما فِيهِ حَدٌّ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى، وهو ما أنْكَرَهُ العَقْلُ، وحُكِمَ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وعاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ واسْتَقْبَحَهُ الشَّرْعُ، والعَطْفُ حِينَئِذٍ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الوَصْفَيْنِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الحَقِيقَتَيْنِ، فَإنَّ ذَلِكَ سُوءٌ لِاغْتِمامِ العاقِلِ، وفَحْشاءٌ بِاسْتِقْباحِهِ إيّاهُ، ولَعَلَّ الدّاعِيَ إلى هَذا القَوْلِ، أنَّهُ - سُبْحانَهُ - سَمّى جَمِيعَ المَعاصِيَ والفَواحِشَ سَيِّئَةً في قَوْلِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ و﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ و﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ وسَمّى جَمِيعَ المَعاصِيَ بِالفَواحِشِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: سَلَّمْنا، ولَكِنَّ السَّيِّئَةَ والفاحِشَةَ إذا اجْتَمَعا افْتَرَقا، وإذا افْتَرَقا اجْتَمَعا، فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ 169﴾ عَطْفٌ عَلى سابِقِهِ؛ أيْ: ويَأْمُرُكُمُ الشَّيْطانُ بِأنْ تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِأنَّهُ حَرَّمَ هَذا وأحَلَّ هَذا أوْ بِذَلِكَ، وبِأنَّهُ أمَرَ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ ورَضِيَ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإفْسادِ، صفحة 40 والتَّنْصِيصُ عَلى الأمْرِ بِالتَّقَوُّلِ مَعَ دُخُولِهِ فِيما سَبَقَ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ، ومَفْعُولُ العِلْمِ مَحْذُوفٌ أيْ: ما لا تَعْلَمُونَ، الإذْنُ فِيهِ مِنهُ - تَعالى -، والتَّحْذِيرُ عَنْ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّحْذِيرِ عَنِ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِما يَعْلَمُونَ عَدَمَ الإذْنِ فِيهِ، كَما هو حالُ كَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتِلْزامًا ظاهِرًا، وظاهِرُ الآيَةِ المَنعُ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ رَأْسًا؛ لِأنَّ الظَّنَّ مُقابِلٌ لِلْعِلْمِ لُغَةً وعُرْفًا، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ أنَّ المُجْتَهِدَ يَعْمَلُ بِمُقْتَضى ظَنِّهِ الحاصِلِ عِنْدَهُ مِنَ النُّصُوصِ، فَكَيْفَ يُسَوَّغُ اتِّباعُهُ لِلْمُقَلِّدِ؟! وأُجِيبَ بِأنَّ الحُكْمَ المَظْنُونَ لِلْمُجْتَهِدِ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ الدَّلِيلُ القاطِعُ، وهو الإجْماعُ، وكُلُّ حُكْمٍ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ قَطْعًا عُلِمَ قَطْعًا بِأنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى: وإلّا لَمْ يَجِبِ العَمَلُ بِهِ قَطْعًا، وكُلُّ ما عُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ - تَعالى - فَهو مَعْلُومٌ قَطْعًا، فالحُكْمُ المَظْنُونُ لِلْمُجْتَهِدِ مَعْلُومٌ قَطْعًا، وخُلاصَتُهُ أنَّ الظَّنَّ كافٍ في طَرِيقِ تَحْصِيلِهِ ثُمَّ بِواسِطَةِ الإجْماعِ عَلى وُجُوبِ العَمَلِ صارَ المَظْنُونُ مَعْلُومًا، وانْقَلَبَ الظَّنُّ عِلْمًا، فَتَقْلِيدُ المُجْتَهِدِ لَيْسَ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ في شَيْءٍ، وزَعْمُ ذَلِكَ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ وتَحْقِيقِهِ في الأُصُولِ.

البقرة 2:170

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ والعُدُولُ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وحَقِّهِمْ لَيْسُوا أهْلًا لِلْخِطابِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُصْرَفَ عَنْهم إلى مَن يَعْقِلُهُ، وفِيهِ مِنَ النِّداءِ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ عَلى ضَلالَتِهِمْ ما لَيْسَ إذا خُوطِبُوا بِذَلِكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرُوا بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ لَمّا دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى مَن يَتَّخِذُ أوْ إلى المَفْهُومِ مِن أنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النُّزُولَ في حَقِّ اليَهُودِ أوِ المُشْرِكِينَ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الضَّمِيرِ بِهِمْ، وقَدْ شاعَ أنَّ عُمُومَ المَرْجِعِ لا يَقْتَضِي عُمُومَ الضَّمِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ عَلى أنَّ نَظْمَ القُرْآنِ الكَرِيمِ يَأْبى هَذا القِيلَ، والمَوْصُولُ إمّا عامٌّ لِسائِرِ الأحْكامِ الحَقَّةِ المُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى -، وإمّا خاصٌّ بِما يَقْتَضِيهِ المَقامُ ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ: وجَدْناهم عَلَيْهِ، والظَّرْفُ إمّا حالٌ مِن آبائِنا، وألْفَيْنا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، وإمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ مُقَدَّمٌ عَلى الأوَّلِ. ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ 170﴾ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لَوْ كانَ آباؤُهم جَهَلَةً لا يَتَفَكَّرُونَ في أمْرِ الدِّينِ، ولا يَهْتَدُونَ إلى الحَقِّ لاتَّبَعُوهُمْ، والواوُ لِلْحالِ أوْ لِلْعَطْفِ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ إمّا حالٌ عَنْ ضَمِيرِ (قالُوا) أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ مَضْمُونِ تِلْكَ الجُمْلَةِ، وهو التِزامُهم الِاتِّباعَ عَلى تَقْدِيرٍ يُنافِيهِ، وهو كَوْنُهم غَيْرَ عاقِلِينَ ولا مُهْتَدِينَ المُسْتَلْزَمُ لِالتِزامِهِمْ الِاتِّباعَ عَلى أيِّ حالٍ كانُوا مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ، وعِلْمٍ بِكَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ أوْ مُبْطِلِينَ، وهو التَّقْلِيدُ المَذْمُومُ، ويَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ الإنْكارِ التَّعْجِيبُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا عَنْ ضَمِيرِ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ أيْ: أيَتَّبِعُونَهم في حالِ فَرْضِهِمْ غَيْرَ عاقِلِينَ ولا مُهْتَدِينَ، وأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: يَتَّبِعُونَهم لَوْ لَمْ يَكُونُوا غَيْرَ عاقِلِينَ، ولَوْ كانُوا غَيْرَ عاقِلِينَ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وإلى الثّانِي الجُرْمِيُّ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ لا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِحَذْفِ الجَزاءِ، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى لِما فِيهِ مِنَ التَّحَرُّزِ عَنْ كَثْرَةِ الحَذْفِ وإبْقاءِ ( لَوْ ) عَلى مَعْناها المَشْهُورِ، والهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى أصْلِها - وهو إيلاءُ المَسْؤُولِ عَنْهُ - وكَوْنُ المَعْنى يَدُورُ عَلى العَطْفِ عَلى المَحْذُوفِ في أمْثالِ ذَلِكَ في سائِرِ اللُّغاتِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ، واخْتارَ الرَّضِيُّ أنَّ ( الواوَ ) الدّاخِلَةَ عَلى كَلِمَةِ الشَّرْطِ في مِثْلِ هَذا اعْتِراضِيَّةٌ، وعُنِيَ بِالجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ ما يَتَوَسَّطُ بَيْنَ أجْزاءِ الكَلامِ، أوْ يَجِيءُ آخِرُهُ مُتَعَلِّقًا بِهِ مَعْنًى مُسْتَأْنِفًا لَفْظًا، قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ صفحة 41 عَلى المَنعِ مِنَ التَّقْلِيدِ لِمَن قَدَرَ عَلى النَّظَرِ، وأمّا اتِّباعُ الغَيْرِ في الدِّينِ بَعْدَ العِلْمِ بِدَلِيلٍ ما إنَّهُ مُحِقٌّ فاتِّباعٌ في الحَقِيقَةِ لِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى - ولَيْسَ مِنَ التَّقْلِيدِ المَذْمُومِ في شَيْءٍ - وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .

البقرة 2:171

﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ وارِدَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، والجامِعُ أنَّ الأُولى لِبَيانِ حالِ الكُفّارِ، وهَذِهِ تَمْثِيلٌ لَها، وفِيها مُضافٌ مَحْذُوفٌ إمّا مِن جانِبِ المُشَبَّهِ أوِ المُشَبَّهِ بِهِ؛ أيْ: مَثَلُ داعِي الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ،أوْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَمَثَلِ بَهائِمِ الَّذِي يَنْعِقُ، ووُضِعَ المَظْهَرُ - وهو المَوْصُولُ - مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وهو البَهائِمُ؛ لِيَتْمَكَّنَ مِن إجْراءِ الصِّفَةِ الَّتِي هي وجْهُ الشَّبَهِ عَلَيْهِ، وحاصِلُ المَعْنى عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أنَّ الكَفَرَةَ لِانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ وإخْلادِهِمْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ لا يُلْقُونَ أذْهانَهم إلى ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولا يَتَأمَّلُونَ فِيما يُقَرَّرُ مَعَهُمْ، فَهم في ذَلِكَ كالبَهائِمِ الَّتِي يُنْعَقُ عَلَيْها وهي لا تَسْمَعُ إلّا جَرَسَ النَّغَمَةِ ودَوِيَّ الصَّوْتِ، وقِيلَ: المُرادُ تَمْثِيلُهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ جاهِلِينَ بِحَقِيقَتِها بِالبَهائِمِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْهَمُ ما تَحْتَهُ، أوْ تَمْثِيلُهم في دُعائِهِمُ الأصْنامَ بِالنّاعِقِ في نَعْقِهِ، وهَذا يُغْنِي عَنِ الإضْمارِ لَكِنْ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا دُعاءً ونِداءً﴾؛ لِأنَّ الأصْنامَ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، فَلا دَخْلَ لِلِاسْتِثْناءِ في التَّشْبِيهِ إلّا أنْ يُجْعَلَ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ ويَلْتَزِمُ كَوْنَ مَجْمُوعِ ﴿لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الفَهْمِ والِاسْتِجابَةِ، والنَّعِيقُ التَّتابُعُ في التَّصْوِيتِ عَلى البَهائِمِ لِلزَّجْرِ، ويُقالُ: نَعَقَ الغُرابُ نُعاقًا ونَعِيقًا إذا صَوَّتَ مِن غَيْرِ أنْ يَمُدَّ عُنُقَهُ ويُحَرِّكَها، ونَغَقَ بِالغَيْنِ بِمَعْناهُ، فَإذا مَدَّ عُنُقَهُ وحَرَّكَها ثُمَّ صاحَ قِيلَ: نَعَبَ بِالياءِ، والدُّعاءُ والنِّداءُ بِمَعْنًى، وقِيلَ: إنَّ الدُّعاءَ ما يُسْمَعُ، والنِّداءَ قَدْ يُسْمَعُ وقَدْ لا يُسْمَعُ، وقِيلَ: إنَّ الدُّعاءَ لِلْقَرِيبِ والنِّداءَ لِلْبَعِيدِ. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ رُفِعَ عَلى الذَّمِّ؛ إذْ فِيهِ مَعْنى الوَصْفِ مَعَ مانِعٍ لَفْظِيٍّ مِنَ الوَصْفِ بِهِ ﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ 171﴾ أيْ: لا يُدْرِكُونَ شَيْئًا لِفُقْدانِ الحَواسِّ الثَّلاثَةِ، وقَدْ قِيلَ: مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدْ فَقَدَ عِلْمًا، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ العَقْلِ الغَرِيزِيِّ بِاعْتِبارِ انْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ - كَما قِيلَ بِهِ - لِعَدَمِ صِحَّةِ تَرَتُّبِهِ بِالفاءِ عَلى ما قَبْلَهُ.

البقرة 2:172

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: مُسْتَلَذّاتِهِ أوْ مِن حَلالِهِ، والآيَةُ إمّا أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ مِن طَلَبِ الطَّيِّباتِ وعَدَمِ التَّوَسُّعِ في تَناوُلِ ما رُزِقُوا مِنَ الحَلالِ، وذا لَمْ يُسْتَفَدْ مِنَ الأمْرِ السّابِقِ، وإمّا أمْرٌ لَهم عَلى طِبْقِ ما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ فائِدَةَ تَخْصِيصِهِمْ بَعْدَ التَّعْمِيمِ تَشْرِيفُهم بِالخِطابِ، وتَمْهِيدٌ لِطَلَبِ الشُّكْرِ، و(كُلُوا) لِعُمُومِ جَمِيعِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ دَلالَةً وعِبارَةً ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ 172﴾ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِطَلَبِ الشُّكْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واشْكُرُوا لَهُ؛ لِأنَّكم تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ، وتَخْصِيصُكم إيّاهُ بِالعِبادَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّكم تُرِيدُونَ عِبادَةً كامِلَةً تَلِيقُ بِكِبْرِيائِهِ، وهي لا تَتِمُّ إلّا بِالشُّكْرِ؛ لِأنَّهُ مِن أجَلِّ العِباداتِ - ولِذا جُعِلَ نِصْفَ الإيمانِ - ووَرَدَ مِن حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «”إنِّي والإنْسُ والجِنُّ في نَبَأٍ عَظِيمٍ، أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي“،» والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ إنْ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ، أوْ إنْ أرَدْتُمْ عِبادَتَهُ، مُنْحَطٌّ مِنَ القَوْلِ.

البقرة 2:173

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ أيْ: أكْلَها والِانْتِفاعَ بِها، وأضافَ الحُرْمَةَ إلى العَيْنِ - مَعَ أنَّ الحُرْمَةَ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هي مِن صِفاتِ فِعْلِ المُكَلَّفِ، ولَيْسَتْ مِمّا تَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ - إشارَةً إلى حُرْمَةِ التَّصَرُّفِ في المَيْتَةِ، وهي الَّتِي ماتَتْ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ شَرْعِيَّةٍ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ بِأخْصَرِ طَرِيقٍ وأوْكَدِهِ؛ حَيْثُ جَعَلَ العَيْنَ غَيْرَ قابِلَةٍ لِتَعَلُّقِ فِعْلِ المُكَلَّفِ بِها إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ كالتَّصَرُّفِ بِالمَدْبُوغِ وألْحَقَ بِـ (المَيِّتَة) ما أُبِينَ مِن حَيٍّ لِلْحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ صفحة 42 أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي واقِدٍ اللِّيثِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «ما قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وهي حَيَّةٌ فَهي مَيْتَةٌ”،» وخَرَجَ عَنْها السَّمَكُ والجَرادُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - مَرْفُوعًا: «“أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ؛ السَّمَكُ والجَرادُ، والكَبِدُ والطِّحالُ» ولِلْعُرْفِ أيْضًا فَإنَّهُ إذا قالَ القائِلُ: أكَلَ فُلانٌ المَيْتَةَ لَمْ يَسْبِقِ الوَهْمُ إلَيْهِما، نَعَمْ حَرَّمَ بَعْضُهم مَيْتَةَ السَّمَكِ الطّافِي وما ماتَ مِنَ الجَرادِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المالِكِيَّةِ، واسْتُدِلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ الأجِنَّةِ، وتَحْرِيمِ ما لا نَفْسَ لَهُ سائِلَةً، خِلافًا لِمَن أباحَهُ مِنَ المالِكِيَّةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( المَيِّتَةُ ) مُشَدِّدَةً، ﴿والدَّمَ﴾ قُيِّدَ في سُورَةِ الأنْعامِ بِالمَسْفُوحِ وسَيَأْتِي، واسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ عَلى تَحْرِيمِ نَجاسَةِ دَمِ الحُوتِ، وما لا نَفْسَ لَهُ تَسِيلُ. ﴿ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ خُصَّ اللَّحْمُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ بَقِيَّةَ أجْزائِهِ أيْضًا حَرامٌ خِلافًا لِلظّاهِرِيَّةِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ مِنَ الحَيَوانِ وسائِرِ أجْزائِهِ كالتّابِعِ لَهُ، وقِيلَ: خُصَّ اللَّحْمُ لِيَدُلَّ عَلى تَحْرِيمِ عَيْنِهِ ذُكِّيَ أوْ لَمْ يُذَكَّ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، ولَعَلَّ السِّرَّ في إقْحامِ لَفْظِ اللَّحْمِ هُنا إظْهارُ حُرْمَةِ ما اسْتَطْيَبُوهُ وفَضَّلُوهُ عَلى سائِرِ اللُّحُومِ واسْتَعْظَمُوا وُقُوعَ تَحْرِيمِهِ، واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِعُمُومِ الخِنْزِيرِ عَلى حُرْمَةِ خِنْزِيرِ البَحْرِ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: لا بَأْسَ بِهِ، ورُوِيَ عَنِ الإمامِ مالِكٍ، أنَّهُ قالَ لَهُ شَخْصٌ: ما تَقُولُ في خِنْزِيرِ البَحْرِ؟ فَقالَ: حَرامٌ، ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ لَهُ: ما تَقُولُ في حَيَوانٍ في البَحْرِ عَلى صُورَةِ الخِنْزِيرِ؟ فَقالَ: حَلالٌ، فَقِيلَ لَهُ فِيَ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ الخِنْزِيرَ ولَمْ يُحَرِّمْ ما هو عَلى صُورَتِهِ، والسُّؤالُ مُخْتَلِفٌ في الصُّورَتَيْنِ. ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما وقَعَ مُتَلَبِّسًا بِهِ؛ أيْ: بِذَبْحِهِ الصَّوْتُ لِغَيْرِ اللَّهِ - تَعالى - وأصْلُ الإهْلالِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ رُؤْيَةُ الهِلالِ، لَكِنْ لَمّا جَرَتِ العادَةُ أنْ يُرْفَعَ الصَّوْتُ بِالتَّكْبِيرِ إذا رُؤِيَ سُمِّي بِذَلِكَ إهْلالًا، ثُمَّ قِيلَ لِرَفْعِ الصَّوْتِ وإنْ كانَ بِغَيْرِهِ، والمُرادُ بِغَيْرِ اللَّهِ - تَعالى - الصَّنَمُ وغَيْرُهُ كَما هو الظّاهِرُ، وذَهَبَ عَطاءٌ ومَكْحُولٌ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ إلى تَخْصِيصِ الغَيْرِ بِالأوَّلِ، وأباحُوا ذَبِيحَةَ النَّصْرانِيِّ إذا سُمِّيَ عَلَيْها بِاسْمِ المَسِيحِ، وهَذا خِلافُ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الأئِمَّةُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وإنَّما قَدِمَ بِهِ هُنا؛ لِأنَّهُ أمَسُّ بِالفِعْلِ وأُخِّرَ في مَواضِعَ أُخَرَ نَظَرًا لِلْمَقْصُودِ فِيها مِن ذِكْرِ المُسْتَنْكَرِ، وهو الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - . ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾ بِالِاسْتِتارِ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ بِأنْ يَنْفَرِدَ بِتَناوُلِهِ فَيَهْلِكَ الآخَرُ، ﴿ولا عادٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزٍ ما يَسُدُّ الرَّمَقَ والجُوعَ، وهو ظاهِرٌ في تَحْرِيمِ الشِّبَعِ، وهو مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ، فَعَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: ”لا يَأْكُلُ المُضْطَرُّ مِنَ المَيْتَةِ إلّا قَدْرُ ما يُمْسِكُ رَمَقَهُ؛ لِأنَّ الإباحَةَ لِلِاضْطِرارِ، وقَدِ انْدَفَعَ بِهِ“، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العِبْرِيُّ: يَأْكُلُ مِنها قَدْرَ ما يَسُدُّ جَوْعَتَهُ؛ وخالَفَ في ذَلِكَ الإمامُ مالِكٌ فَقالَ: يَأْكُلُ مِنها حَتّى يَشْبَعَ ويَتَزَوَّدَ، فَإنْ وجَدَ غِنًى عَنْها طَرَحَها، ونُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ المُرادَ غَيْر باغٍ عَلى الوالِي ولا عاد بِقَطْعِ الطَّرِيقِ وجَعَلَ مِن ذَلِكَ السَّفَرِ في مَعْصِيَةٍ، فالعاصِي في سَفَرِهِ لا يُباحُ لَهُ الأكْلُ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أيْضًا، وهو خِلافُ مَذْهَبِنا، ويَحْتاجُ حُكْمُ الرُّخْصَةِ عَلى هَذا إلى التَّقْيِيدِ بِأنَّ لا يَكُونَ زائِدًا عَلى قَدْرِ الضَّرُورَةِ مِن خارِجٍ، واسْتَدِلُّ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى جَوازِ أكْلِ المُضْطَرِّ مَيْتَةَ الخِنْزِيرِ والآدَمِيِّ، خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ، وقَرَأ أهْلُ الحِجازِ والشّامِ والكِسائِيُّ ( فَمَنُ اضْطُرَّ ) بِضَمِّ النُّونِ، وأبُو جَعْفَرٍ مِنهم بِكَسْرِ الطّاءِ مَنِ ( اضْطِرَّ ) . ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: في تَناوُلِهِ، بَلْ رُبَّما يَأْثَمُ بِتَرْكِ التَّناوُلِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 137﴾ فَلِذا أسْقَطَ الحُرْمَةَ في تَناوُلِهِ ورَخَّصَ، وقِيلَ: الحُرْمَةُ باقِيَةٌ إلّا أنَّهُ سَقَطَ الإثْمُ عَنِ المُضْطَرِّ وغُفِرَ لَهُ لِاضْطِرارِهِ كَما هو الظّاهِرُ مِن تَقْيِيدِ الإثْمِ بِـ ( عَلَيْهِ )، واسْتُدِلَّ لِلْأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ حَيْثُ اسْتُثْنِيَ مِنَ الحُرْمَةِ، صفحة 43 ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ قَصْرَ الحُرْمَةِ عَلى ما ذُكِرَ مُطْلَقًا كَما هو الظّاهِرُ حَتّى يَرِدَ مَنعُ الحَصْرِ بِحُرْمَةِ أشْياءَ لَمْ تَذْكُرْ، بَلْ مُقَيَّدٌ بِما اعْتَقَدُوهُ حَلالًا بِقَرِينَةِ أنَّهم كانُوا يَسْتَحِلُّونَ ما ذُكِرَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكم ما ذُكِرَ مِن جِهَةِ ما اسْتَحْلَلْتُمُوهُ لِأشْياءَ أُخَرَ، والمَقْصُودُ مِن قَصْرِ الحُرْمَةِ عَلى ما ذَكَرُوهُ اعْتِقادُهم حِلِّيَتَهُ بِأبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَيَكُونُ قَصْرَ قَلْبٍ إلّا أنَّ الجُزْءَ الثّانِيَ لَيْسَ لِرَدِّ اعْتِقادِ الحُرْمَةِ؛ إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا حُرْمَةَ شَيْءٍ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ، بَلْ تَأْكِيدُ الجُزْءِ الأوَّلِ، والخِطابُ لِلنّاسِ بِاعْتِبارِ دُخُولِ المُشْرِكِينَ فِيهِمْ، فَيَكُونُ مُفادُ الآيَةِ الزَّجْرَ عَنْ تَحْلِيلِ المُحَرَّماتِ، كَما أنَّ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا﴾ زَجْرٌ عَنْ تَحْرِيمِ الحَلالاتِ، أوِ المُرادُ قَصْرُ حُرْمَةِ ما ذُكِرَ عَلى حالِ الِاخْتِيارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ( إنَّما حَرُمَ عَلَيْكم ) هَذِهِ الأشْياءُ ما لَمْ تَضْطَرُّوا إلَيْها، والأنْسَبُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَكُونَ مَحَطُّ الفائِدَةِ هو القَيْدُ حَيْثُ كانُوا مُعْتَقِدِينَ لِحُرْمَةِ هَذِهِ الأُمُورِ، وفائِدَةُ الحُكْمِ التَّرْخِيصُ بَعْدَ التَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ بِطَلَبِ الحَلالِ الطَّيِّبِ، أوْ تَشْرِيفُهم بِالِامْتِنانِ بِهَذا التَّرْخِيصِ بَعْدَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِإباحَةِ المُسْتَلَذّاتِ، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ الحَصْرِ رَدُّ المُشْرِكِينَ في تَحْرِيمِهِمْ ما أحَلَّهُ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَحِيرَةَ والوَصِيلَةِ والحامِ وأمْثالِها لِأكْلِهِمْ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، فَكَأنَّهم قالُوا: تِلْكَ حُرِّمَتْ عَلَيْنا، ولَكِنَّ هَذِهِ أُحِلَّتْ لَنا، فَقِيلَ: ما حُرِّمَتْ إلّا هَذِهِ - فَهو إذًا إضافِيٌّ - وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ قَصْرُ إفْرادٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما حَرَّمَهُ المُؤْمِنُونَ مَعَ المَذْكُوراتِ مِنَ المُسْتَلَذّاتِ، وفِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَعْتَقِدُوا حُرْمَةَ المُسْتَلَذّاتِ، بَلْ حَرَّمُوها عَلى أنْفُسِهِمْ لِما سَمِعُوا مِن شَدائِدِ المُحاسَبَةِ والسُّؤالِ عَنِ النِّعَمِ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ فَلْيُتَدَبَّرْ.

البقرة 2:174

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ المُشْتَمِلِ عَلى فُنُونِ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْكامُ المُحَلَّلاتِ والمُحَرَّماتِ، والآيَةُ نَزَلَتْ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في عُلَماءِ اليَهُودِ كانُوا يُصِيبُونَ مِن سَفَلَتِهِمْ هَدايا، وكانُوا يَرْجُونَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ المَبْعُوثُ مِنهُمْ، فَلَمّا بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ كَتَمُوا وغَيَّرُوا صِفَتَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَتّى لا يُتَّبَعَ، فَتَزُولُ رِياسَتُهم وتَنْقَطِعُ هَداياهم. ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ﴾ أيْ: يَأْخُذُونَ بَدَلَهُ في نَفْسِ الأمْرِ والضَّمِيرُ – لِلْكِتابِ - أوْ لِما أُنْزِلَ أوْ لِلْكِتْمانِ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: عِوَضًا حَقِيرًا. ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ إمّا في الحالِ - كَما هو أصْلُ المُضارِعِ- لِأنَّهم أكَلُوا ما يَتَلَبَّسُ بِـ النّار وهو ( الرِّشا ) لكَوْنِها عُقُوبَةً لَها، فَيَكُونُ في الآيَةِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنَّ شَبَّهَ الهَيْئَةَ الحاصِلَةَ مِن أكْلِهِمْ ما يَتَلَبَّسُ بِالنّارِ بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن ( أكْلِهِمُ النّارَ ) مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلى ( أكْلِ ) كُلٍّ مِنهُما مِن تَقَطُّعِ الأمْعاءِ والألَمِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الآخَرِ، فاسْتُعْمِلَ لَفْظُ المُشَبَّهِ بِهِ في المُشَبَّهِ، وإمّا في المَآلِ؛ أيْ: لا يَأْكُلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا النّار فالنّارُ في الِاحْتِمالَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وقِيلَ: إنَّها مَجازٌ عَنِ ( الرِّشا ) إذا أُرِيدَ الحالُ، والعَلاقَةُ السَّبَبِيَّةُ والمُسَبَّبِيَّةُ وحَقِيقَةٌ إذا أُرِيدَ المَآلُ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ هو الألْيَقُ بِمَقامِ الوَعِيدِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ أيْ: ما يَأْكُلُونَ شَيْئًا حاصِلًا في بُطُونِهِمْ إلّا النّار إذِ الحُصُولُ في ( البَطْنِ ) لَيْسَ مُقارَنًا لِلْأكْلِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَنْدَفِعُ ضَعْفُ تَقْدِيمِ الحالِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَأْكُلُونَ والمُرادُ في طَرِيقِ بُطُونهمْ كَما اخْتارَهُ أبُو البَقاءِ والتَّقْيِيدُ ( بِالبُطُونِ ) لِإفادَةِ ( المَلْءِ ) لا لِلتَّأْكِيدِ كَما قِيلَ بِهِ، والظَّرْفِيَّةُ بِلَفْظَةِ ( في ) وإنْ لَمْ تَقْتَضِ اسْتِيعابَ المَظْرُوفِ الظَّرْفَ، لَكِنَّهُ شاعَ اسْتِعْمالُ ظَرْفِيَّةِ ( البَطْنِ ) في الِاسْتِيعابِ كَما شاعَ ظَرْفِيَّةُ بَعْضِهِ في عَدَمِهِ كَقَوْلِهِ: صفحة 44 كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعْفُوافَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: كَلامَ رَحْمَةٍ، كَما قالَ الحَسَنُ، فَلا يُنافِي سُؤالَهُ - سُبْحانَهُ - إيّاهُمْ، وقِيلَ: ﴿لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ أصْلًا لِمَزِيدِ غَضَبِهِ - جَلَّ جَلالُهُ - عَلَيْهِمْ، والسُّؤالُ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ. ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: لا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ الذُّنُوبِ، أوْ يُثْنِي عَلَيْهِمْ. ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ 174﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ، وقَدْ جاءَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مُرَتَّبَةً بِحَسَبِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اشْتِراءَهم بِذَلِكَ ( الثَّمَنَ القَلِيلَ ) وكانَ كِنايَةً عَنْ مَطامِعِهِمُ الخَبِيثَةِ الفانِيَةِ بَدَأ أوَّلًا في الخَبَرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ ثُمَّ قابَلَ ( كِتْمانُهُمُ الحَقَّ ) وعَدَمَ التَّكَلُّمِ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ تَعالى، وابْتَنى عَلى ( كِتْمانِهِمْ واشْتِرائِهِمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ثَمَنًا قَلِيلًا ) أنَّهم شُهُودُ زُورٍ وأحْبارُ سُوءٍ آذَوْا بِهَذِهِ الشَّهادَةِ الباطِلَةِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وآلَمُوهُ، فَقُوبِلُوا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وبَدَأ أوَّلًا بِما يُقابِلُ فَرْدًا فَرْدًا، وثانِيًا بِما يُقابِلُ المَجْمُوعَ.

البقرة 2:175

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ بِسَبَبِ كِتْمانِهِمُ الحَقَّ لِلْمَطامِعِ الدَّنِيَّةِ، والأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ في الدُّنْيا ﴿والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ في الآخِرَةِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ، فَإنَّهُ لَمّا عَظُمَ وعِيدُ الكاتِمِينَ كانَ مَظِنَّةً أنْ يُسْألَ عَنْ سَبَبِ عِظَمِ وعِيدِهِمْ، فَقِيلَ: إنَّهم بِسَبَبِ الكِتْمانِ خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ، وإمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرِ لِأنَّ، والجُمْلَةُ الأُولى لِبَيانِ شِدَّةِ وعِيدِهِمْ، وهَذِهِ لِبَيانِ شَناعَةِ كِتْمانِهِمْ. ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ أيْ: ما أشَدَّ صَبْرَهُمْ، وهو تَعْجِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ ارْتِكابِهِمْ مُوجِباتِها مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، وإلّا فَأيُّ صَبْرٍ لَهُمْ، و(ما) في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ قِيلَ: نَكِرَةٌ تامَّةٌ - وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ - وقِيلَ: اسْتِفْهامِيَّةٌ ضُمِّنَتْ مَعْنى التَّعَجُّبِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأخْفَشُ، وحُكِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وهي عَلى هَذِهِ الأقْوالِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ خَبَرُها، أوْ خَبَرُها مَحْذُوفٌ إنْ كانَتْ صِفَةً أوْ صِلَةً، وتَمامُ الكَلامِ في كُتُبِ النَّحْوِ.

البقرة 2:176

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: مَجْمُوعُ ما ذُكِرَ مِن أكْلِ النّارِ، وعَدَمِ التَّكْلِيمِ والتَّزْكِيَةِ والعَذابِ المُرَتَّبِ عَلى الكِتْمانِ. ﴿بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى نُزُل القُرْآنَ أوِ التَّوْراةَ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ البُطْلانِ أصْلًا فَرَفَضُوهُ، بِالتَّكْذِيبِ أوِ الكِتْمانِ. ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ أيْ: في جِنْسِهِ، بِأنْ آمَنُوا بِبَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ - تَعالى - وكَفَرُوا بِبَعْضٍ أوْ في التَّوْراةِ، ومَعْنى اخْتَلَفُوا تَخَلَّفُوا عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ فِيها، أوْ جَعَلُوا ما بَدَّلُوهُ خَلَفًا عَمّا فِيها، أوْ في القُرْآنِ واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ سِحْرٌ، وبَعْضِهِمْ إنَّهُ شِعْرٌ، وبَعْضِهِمْ إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ. ﴿لَفِي شِقاقٍ﴾ أيْ: خِلافٍ. ﴿بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ مُوجِبٍ لِأشَدِّ العَذابِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ. ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ( الواوَ ) لِلْحالِ والسَّبَبِيَّةُ المُتَقَدِّمَةُ راجِعَةٌ إلَيْها والتَّذْيِيلُ أُدْخِلَ في الذَّمِّ كَما لا يَخْفى.

البقرة 2:177

﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ (البِرُّ ) اسْمٌ جامِعٌ لِأنْواعِ الخَيْرِ والطّاعاتِ المُقَرِّبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى - والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ - والمُرادُ مِن ﴿قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ السِّمَتانِ المُعَيَّنانِ، فَإنَّ اليَهُودَ تُصَلِّي قِبَلَ المَغْرِبِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ مِن أُفُقِ مَكَّةَ، والنَّصارى قِبَلَ المَشْرِقِ، والآيَةُ صفحة 45 نَزَلَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ؛ حَيْثُ أكْثَرُوا الخَوْضَ في أمْرِ القِبْلَةِ، وادَّعى كُلُّ طائِفَةٍ حَصْرَ ( البِرِّ ) عَلى قِبْلَتِهِ رَدًّا عَلى الآخَرِ، فَرَدَّ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِنَفْيِ جِنْسِ ( البِرِّ ) عَنْ قِبْلَتِهِمْ؛ لِأنَّها مَنسُوخَةٌ، فَتَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ لِإفادَةِ عُمُومِ النَّفْيِ - لا لِلْقَصْرِ - إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ نَفْيَ القَصْرِ أوْ قَصْرَ النَّفْيِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ عامًّا لَهم ولِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ، فَإنَّ الكَلامَ في أمْرِ القِبْلَةِ وطَعْنِهِمْ في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ كانَ أساسُ الكَلامِ إلى هَذا القَطْعِ، فَجُعِلَ خاتِمَةً كُلِّيَّةً أجْمَلَ فِيها ما فُصِّلَ. والمُرادُ مِن ذِكْرِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ التَّعْمِيمُ - لا تَعْيِينُ السِّمَتَيْنِ - وتَعْرِيفُ البَرّ حِينَئِذٍ إمّا لِلْجِنْسِ فَيُفِيدُ القَصْرَ، والمَقْصُودُ نَفْيُ اخْتِصاصِ البَرّ بِشَأْنِ القِبْلَةِ مُطْلَقًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحالُ مِن كَثْرَةِ الِاشْتِغالِ والِاهْتِمامِ بِذَلِكَ والذُّهُولِ عَمّا سِواهُ، وإمّا لِلْعَهْدِ؛ أيْ: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ العَظِيمَ الَّذِي أكْثَرْتُمُ الخَوْضَ فِيهِ وذَهَلْتُمْ عَمّا سِواهُ ذَلِكَ، وقَدَّمَ ( المَشْرِقَ ) عَلى ( المَغْرِبِ ) مَعَ تَأخُّرِ زَمانِ المِلَّةِ النَّصْرانِيَّةِ رِعايَةً لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّرْتِيبِ المُتَفَرِّعِ عَلى تَرْتِيبِ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ ( البِرَّ ) بِالنَّصْبِ والباقُونَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ الأُولى أنْ يَكُونَ خَبَرًا مُقَدَّمًا، كَما في قَوْلِهِ: سَلِي إنْ جَهِلَتِ النّاسُ عَنّا وعَنْهُ مُفَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ أعْرَفُ مِنَ المُحَلّى بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ الضَّمِيرَ مِن حَيْثُ أنَّهُ لا يُوصَفُ ولا يُوصَفُ بِهِ، والأعْرَفُ أحَقُّ بِالِاسْمِيَّةِ، ولِأنَّ في الِاسْمِ طَوْلًا، فَلَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ المَعْهُودُ لَفاتَ تَجاوُبُ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، ووَجْهُ الثّانِيَةِ أنَّ في كُلِّ فَرِيقٍ يَدَّعِي أنَّ البِرَّ هَذا، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الرَّدُّ مُوافِقًا لِدَعْواهُمْ، وما ذَلِكَ إلّا بِكَوْنِ البِرِّ اسْمًا كَما يُفْصِحُ عَنْهُ جَعْلُهُ مُخْبَرًا عَنْهُ في الِاسْتِدْراكِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ( لَيْسَ البِرَّ ) بِالنَّصْبِ، بِأنْ تُوَلُّوا بِالباءِ ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ بَعْدَ بَيانِ بُطْلانِ الباطِلِ، و( ال ) في ( البِرِّ ) إمّا لِلْجِنْسِ فَيَكُونُ القَصْرُ ادِّعائِيًّا لِكَمالِ ذَلِكَ الجِنْسِ في هَذا الفَرْدِ، وإمّا لِلْعَهْدِ؛ أيْ: ما يَنْبَغِي أنْ يُهْتَمَّ بِهِ ويُعْتَنى بِشَأْنِهِ ويُجَدُّ في تَحْصِيلِهِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ( بِرُّ مَن آمَنَ )؛ إذْ لا يُخْبَرُ بِالجُثَّةِ عَنِ المَعْنى، ويَجُوزُ أنْ لا يُرْتَكَبَ الحَذْفُ ويُجْعَلَ المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أوْ يُقالُ بِإطْلاقِ ( البِرِّ ) عَلى البارِّ مُبالَغَةً، والأوَّلُ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ وأحْسَنُ في نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ كَنَزْعِ الخُفِّ عِنْدَ الوُصُولِ إلى الماءِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِن كَوْنِ ذِي البِرِّ مَن آمَنَ إفادَةُ أنَّ البِرَّ إيمانُهُ، فَيَئُولُ إلى الأوَّلِ، والمُرادُ بِهَذا الإيمانِ إيمانٌ خالٍ عَنْ شائِبَةِ الإشْراكِ لا كَإيمانِ اليَهُودِ والنَّصارى، القائِلِينَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ( ولَكِنْ ) بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ بَعْضُهُمُ ( البارَّ ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيِ: المَعادُ الَّذِي يَقُولُ بِهِ المُسْلِمُونَ وما يَتْبَعُهُ عِنْدَهُمْ، ﴿والمَلائِكَةِ﴾ أيْ: وآمَنَ بِهِمْ وصَدَّقَ بِأنَّهم عِبادٌ مُكَرَّمُونَ لا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ ولا أُنُوثَةٍ، ومِنهُمُ المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَهُ - تَعالى - وبَيْنَ أنْبِيائِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِإلْقاءِ الوَحْيِ وإنْزالِ الكُتُبِ، ﴿والكِتابِ﴾ أيْ: جِنْسِهِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّ البِرَّ الإيمانُ بِجَمِيعِها، وهو الظّاهِرُ المُوافِقُ لِقَرِينِهِ، ولِما ورَدَ في الحَدِيثِ: «أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ”،» أوِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالدَّعْوَةِ والكامِلُ الَّذِي يَسْتَأْهِلُ أنْ يُسَمّى كِتابًا، والإيمانُ بِهِ الإيمانُ بِجَمِيعِ الكُتُبِ؛ لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وقِيلَ: التَّوْراةُ، ويُبْعِدُهُ عَدَمُ ظُهُورِ القَرِينَةِ المُخَصِّصَةِ لَها، وأنَّ الإيمانَ بِها لا يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِالجَمِيعِ إلّا بِاعْتِبارِ اسْتِلْزامِهِ الإيمانَ بِالقُرْآنِ، والإيمانُ بِالكُتُبِ أنْ يُؤْمِنَ بِأنَّها كَلامُ الرَّبِّ - جَلَّ شَأْنُهُ - مُنَزَّهَةً عَنِ الحُدُوثِ مُنَزَّلَةً عَلى ذَوِيها ظاهِرَةً لَدَيْهِمْ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ مِنَ اللُّغاتِ، ﴿والنَّبِيِّينَ﴾ أيْ: جَمِيعِهِمْ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابَيْنِ، والإيمانُ بِهِمْ أنْ يُصَدَّقَ بِأنَّهم مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ وأنَّهم أشْرَفُ النّاسِ صفحة 46 حَسَبًا ونَسَبًا، وأنْ لَيْسَ فِيهِمْ وصْمَةٌ ولا عَيْبٌ مُنَفِّرٌ، ويُعْتَقَدَ أنَّ سَيِّدَهم وخاتَمَهم مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنَّ شَرِيعَتَهُ ناسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، والتَّمَسُّكُ بِها لازِمٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( آتى ) والضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِلْمالِ؛ أيْ: أعْطى المالَ كائِنًا عَلى حُبِّ المالِ، والتَّقْيِيدُ لِبَيانِ أفْضَلِ أنْواعِ الصَّدَقَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“أفْضَلُ الصَّدَقَةِ أنْ تَصَّدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ، تَأمُلُ البَقاءَ وتَخْشى الفَقْرَ، ولا تُمْهِلْ حَتّى إذا بَلَغَتْ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذا لِفُلانٍ كَذا، ألا وقَدْ كانَ لِفُلانٍ”؛» وفي هَذا إيذانٌ بِأنَّ دَرَجاتِ الثَّوابِ تَتَفاوَتُ حَسَبَ تَفاوُتِ المَراتِبِ في الحُبِّ، حَتّى إنَّ صَدَقَةَ الفَقِيرِ والبَخِيلِ أفْضَلُ مِن صَدَقَةِ الغَنِيِّ والكَرِيمِ، إلّا أنْ يَكُونا أحَبَّ لِلْمالِ مِنهُما، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ – عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «“أفْضَلُ الأعْمالِ أحَمَزُها”،» وجُوِّزَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلَّهِ - تَعالى - أوْ لِلْمَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، والتَّقْيِيدُ حِينَئِذٍ لِلتَّكْمِيلِ، وبَيانُ اعْتِبارِ الإخْلاصِ أوْ طِيبِ النَّفْسِ في الصَّدَقَةِ ودَفْعُ كَوْنِ إيتاءِ المالِ مُطْلَقًا بِرًّا، والأوَّلُ هو المَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ، ولَعَلَّهُ المَرْوِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ﴿ذَوِي القُرْبى﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ (آتى) قُدِّمَ عَلَيْهِ مَفْعُولُهُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ، أوْ لِأنَّ فِيهِ مَعَ ( ما ) عَطْفٌ عَلَيْهِ طَوْلًا لَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ لَفاتَ تَجاوُبُ الأطْرافِ، وهو الَّذِي اقْتَضى تَقْدِيمَ الحالِ أيْضًا، وقِيلَ: هو المَفْعُولُ الثّانِي، والمُرادُ بِـ ﴿ذَوِي القُرْبى﴾ ذَوُو قَرابَةِ المُعْطِي، لَكِنِ المَحاوِيجُ مِنهم لا مُطْلَقًا لِدَلالَةِ سَوْقِ الكَلامِ، وعَدَّ مَصارِفَ الزَّكاةِ عَلى أنَّ المُرادَ الخَيْرُ والصَّدَقَةُ، وإيتاءُ الأغْنِياءِ هِبَةٌ لا صَدَقَةٌ، وقَدَّمَ هَذا الصِّنْفَ؛ لِأنَّ ( إيتاءَهم ) أهَمُّ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «“أفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلى ذِي الرَّحِمِ الكاشِحِ”،» وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ سَلْمانَ بْنِ عامِرٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“الصَّدَقَةُ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وعَلى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتانِ؛ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ”». ﴿واليَتامى﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿ذَوِي القُرْبى﴾ وقِيلَ: عَلى القُرْبى؛ إذْ لا يَصِحُّ إيصالُ المالِ إلى مَن لا يَعْقِلُ، فالمُعْطِي حِينَئِذٍ كافِلُهم لِأجْلِهِمْ، وفِيهِ ما لا يَخْفى. ﴿والمَساكِينَ﴾: جَمْعُ ( مِسْكِينٍ ) وهو الدّائِمُ السُّكُونِ لِما أنَّ الحاجَةَ أسْكَنَتْهُ بِحَيْثُ لا حِراكَ بِهِ، أوْ دائِمُ السُّكُونِ والِالتِجاءِ إلى النّاسِ، وتَخْصِيصُهُ بِمَن لا شَيْءَ لَهُ أوْ بِمَن لا يَمْلِكُ ما يَقَعُ مَوْقِعًا مِن حاجَتِهِ خارِجٌ عَنْ مَفْهُومِهِ. ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ أيِ: المُسافِرِ، كَما قالَهُ مُجاهِدٌ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُلازَمَتِهِ الطَّرِيقَ في السَّفَرِ، أوْ لِأنَّ الطَّرِيقَ تُبْرِزُهُ، فَكَأنَّها ولَدَتْهُ، وكَأنَّ إفْرادَهُ لِانْفِرادِهِ عَنْ أحْبابِهِ ووَطَنِهِ وأصْحابِهِ، فَهو أبَدًا يَتُوقُ إلى الجَمْعِ، ويَشْتاقُ إلى الرَّبْعِ، والكَرِيمُ يَحِنُّ إلى وطَنِهِ حَنِينَ الشّارِفِ إلى عَطَنِهِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ أبْناءِ السَّبِيلِ، والمُعْطِي تَعارَفَ غالِبًا يُهَوِّنُ أمْرَ الإعْطاءِ، ويُرَغِّبُ فِيهِ أفْرادَهم لِيُهَوِّنَ أمْرَ إعْطائِهِمْ، ولِيُشِيرَ إلى أنَّهم وإنْ كانُوا جَمْعًا يَنْبَغِي أنْ يُعْتَبَرُوا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، فَلا يَضْجَرُ مِن إعْطائِهِمْ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ وبُعْدِ مَنفَعَتِهِمْ فَلْيُفْهَمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ الضَّيْفُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالمُسْلِمِينَ والسّائِلِينَ؛ أيِ الطّالِبِينَ لِلطَّعامِ سَواءٌ كانُوا أغْنِياءَ إلّا أنَّ ما عِنْدَهم لا يَكْفِي لِحاجَتِهِمْ، أوْ فُقَراءً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“لِلسّائِلِ حَقٌّ، وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ”،» فَإنَّ الجائِيَ عَلى فَرَسٍ يَكُونُ في الغالِبِ غَنِيًّا، وقِيلَ: أرادَ المَساكِينَ صفحة 47 الَّذِينَ يَسْألُونَ فَتُعْرَفُ حالُهم بِسُؤالِهِمْ، ﴿والمَساكِينَ﴾ السّابِقُ ذِكْرُهُمُ الَّذِينَ لا يَسْألُونَ وتُعْرَفُ حاجَتُهم بِحالِهِمْ، وإنْ كانَ ظاهِرُهُمُ الغِنى وعَلَيْهِ يَكُونُ التَّقْيِيدُ في الحَدِيثِ لِتَأْكِيدِ رِعايَةِ حَقِّ السّائِلِ وتَحْقِيقِ أنَّ السُّؤالَ سَبَبٌ لِلِاسْتِحْقاقِ، وإنْ فُرِضَ وجُودُهُ مِنَ الغِنى كالقَرابَةِ واليُتْمِ. ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ آتِى أيْ: آتى المالَ في تَخْلِيصِ الرِّقابِ وفِكاكِها بِمُعاوَنَةِ المُكاتِبِينَ، أوْ فَكِّ الأُسارى، أوِ ابْتِياعِ الرِّقابِ لِعِتْقِها، و( الرَّقَبَةُ ) مَجازٌ عَنِ الشَّخْصِ، وإيرادُ كَلِمَةِ ( في ) لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُعْطى لِهَؤُلاءِ مَصْرُوفٌ في تَخْلِيصِهِمْ لا يَمْلِكُونَهُ كَما في المَصارِفِ الأُخَرَ، ﴿وأقامَ الصَّلاةَ﴾ عَطْفٌ عَلى صِلَةِ مَن والمُرادُ بِالصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ كالزَّكاةِ في ﴿وآتى الزَّكاةَ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِما مَرَّ مِن إيتاءِ المالِ نَوافِلُ الصَّدَقاتِ، وقُدِّمَتْ عَلى الفَرِيضَةِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلَيْها، أوْ حُقُوقٌ كانَتْ في المالِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ سِوى الزَّكاةِ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“فِي المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - نَحْوَ ذَلِكَ، واخْتُلِفَ هَلْ بَقِيَ هَذا الحَقُّ أمْ لا؟ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى الثّانِي، واسْتَدَلُّوا بِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَرْفُوعًا -: «نَسَخَ الأضْحى كُلَّ ذَبْحٍ، ورَمَضانُ كُلَّ صَوْمٍ، وغُسْلُ الجَنابة كُلَّ غُسْلٍ، والزَّكاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ”». وقالَ جَماعَةٌ بِالأوَّلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ولِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «“لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ مَن باتَ شَبِعًا وجارُهُ طاوٍ إلى جَنْبِهِ» ولِلْإجْماعِ عَلى أنَّهُ إذا انْتَهَتِ الحاجَةُ إلى الضَّرُورَةِ وجَبَ عَلى النّاسِ أنْ يُعْطُوا مِقْدارَ دَفْعِ الضَّرُورَةِ وإنْ لَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ واجِبَةً عَلَيْهِمْ، ولَوِ امْتَنَعُوا عَنِ الأداءِ جازَ الأخْذُ مِنهُمْ، وأجابُوا عَنِ الحَدِيثِ بِأنَّهُ غَرِيبٌ مُعارَضٌ، وفي إسْنادِهِ المُسَيِّبُ بْنُ شُرَيْكٍ - وهو لَيْسَ بِالقَوِيِّ عِنْدَهم - وبِأنَّ المُرادَ أنَّ الزَّكاةَ نَسَخَتْ كُلَّ صَدَقَةٍ مُقْدَّرَةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِما مَرَّ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ أيْضًا ولا تَكْرارَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِمّا تَقَدَّمَ بَيانُ مَصارِفِها، ومِن هَذا بَيانُ أدائِها والحَثُّ عَلَيْها، وتَرَكَ ذِكْرَ بَعْضِ المَصارِفِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ أبْوابِ الخَيْرِ دُونَ الحَصْرِ، وقَدَّمَ بَيانَ المَصْرِفِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ، فَإنَّ الصَّدَقَةَ إنَّما تُعْتَبَرُ إذا كانَتْ في مَصْرِفِها ومَحَلِّها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ وعَلى هَذا يَتَعَيَّنُ أنْ يُرادَ بِالسّائِلِينَ الفُقَراءُ ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ( مَن آمَنَ ) ولَمْ يَقُلْ: ( وأوْفى ) كَما قَبْلَهُ إشارَةً إلى وُجُوبِ اسْتِقْرارِ الوَفاءِ، وقِيلَ: رَمْزًا إلى أنَّهُ أمْرٌ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ، وقِيلَ: إيذانًا بِمُغايَرَتِهِ لِما سَبَقَ، فَإنَّهُ مِن حُقُوقِ اللَّهِ - تَعالى - والسّابِقُ مِن حُقُوقِ النّاسِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالعَهْدِ ما لا يُحَلِّلُ حَرامًا ولا يُحَرِّمُ حَلالًا مِنَ العُهُودِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَ النّاسِ، والظّاهِرُ حَمْلُ العَهْدِ عَلى ما يَشْمَلُ حُقُوقَ الحَقِّ وحُقُوقَ الخَلْقِ، وحَذْفُ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِذَلِكَ، والتَّقْيِيدُ بِالظَّرْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَتَأخَّرُ إيفاؤُهم بِالعَهْدِ عَنْ وقْتِ المُعاهَدَةِ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى عَدَمِ كَوْنِ العَهْدِ مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ، ولَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ كَما قِيلَ بِهِ. ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، بِتَقْدِيرِ ( أخُصُّ أوْ أمْدَحُ ) وغُيِّرَ سَبْكُهُ عَمّا قَبْلَهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ ومَزِيَّتِهِ عَلى سائِرِ الأعْمالِ، حَتّى كَأنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأوَّلِ، ومَجِيءُ القَطْعِ في العَطْفِ مِمّا أثْبَتَهُ الأئِمَّةُ الأعْلامُ، ووَقَعَ في الكِتابِ أيْضًا واسْتَحْسَنَهُ الأجِلَّةُ، وجَعَلُوهُ أبْلَغَ مِنَ الإتْباعِ، وقَدْ جاءَ في النَّكِرَةِ أيْضًا كَقَوْلِ الهُذَلِيِّ: ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطَّلْ ∗∗∗ وشُعْثًا مَراضِيعَ مِثْلَ السَّعالِي صفحة 48 والبَأْساء البُؤْسِ والفَقْرِ، والضَّرّاء السُّقْمِ والوَجَعِ، وهُما مَصْدَرانِ بُنِيا عَلى ( فَعْلاءَ )، ولَيْسَ لَهُما أفْعَلُ؛ لِأنَّ أفْعَلَ وفَعْلاءَ في الصِّفاتِ والنُّعُوتِ، ولَمْ يَأْتِيا في الأسْماءِ الَّتِي لَيْسَتْ بِنُعُوتٍ، وقُرِئَ: ( والصّابِرُونَ ) كَما قُرِئَ: ( والمُوفِينَ ). ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ أيْ: وقْتَ القِتالِ وجِهادِ العَدُوِّ، وهَذا مِن بابِ التَّرَقِّي في الصَّبْرِ مِنَ الشَّدِيدِ إلى الأشَدِّ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ عَلى المَرَضِ فَوْقَ الصَّبْرِ عَلى الفَقْرِ، والصَّبْرَ عَلى القِتالِ فَوْقَ الصَّبْرِ عَلى المَرَضِ، وعَدّى الصَّبْرَ عَلى الأوَّلَيْنِ بِـ ( في )؛ لِأنَّهُ يُعَدُّ الإنْسانُ مِنَ المَمْدُوحِينَ إذا صَبَرَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا إذا صارَ الفَقْرُ والمَرَضُ كالظَّرْفِ لَهُ، وأمّا إذا أصاباهُ وقْتًا ما وصَبَرَ فَلَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ كَثِيرٌ؛ إذْ أكْثَرُ النّاسِ كَذَلِكَ، وأتى بِـ ( حِينَ ) في الأخِيرِ؛ لِأنَّ القِتالَ حالَةٌ لا تَكادُ تَدُومُ في أغْلَبِ الأوْقاتِ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في إيمانِهِمْ أوْ طَلَبِ البِرِّ. ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ 177﴾: عَذابَ اللَّهِ - تَعالى - بِتَجَنُّبِ مَعاصِيهِ وامْتِثالِ أوامِرِهِ، وأتى بِخَبَرِ ( أُولَئِكَ ) الأُولى مَوْصُولًا بِفِعْلٍ ماضٍ؛ إيذانًا بِتَحَقُّقِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وإنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ مِنهم واسْتَقَرَّ، وغايَرَ في خَبَرِ الثّانِيَةِ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُتَجَدِّدٍ، بَلْ صارَ كالسَّجِيَّةِ لَهُمْ، وأيْضًا لَوْ أتى بِهِ عَلى طِبْقِ سابِقِهِ لَما حَسُنَ وُقُوعُهُ فاصِلَةً، هَذا والآيَةُ كَما تَرى مُشْتَمِلَةٌ عَلى خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً، وتَرْجِعُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ فالخَمْسَةُ الأُولى مِنها تَتَعَلَّقُ بِالكَمالاتِ الإنْسانِيَّةِ الَّتِي هي مِن قَبِيلِ صِحَّةِ الِاعْتِقادِ، وآخِرُها قَوْلُهُ: ﴿والنَّبِيِّينَ﴾ وافْتَتَحَها بِالإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنَّهُما إشارَةٌ إلى المَبْدَأِ والمَعادِ اللَّذَيْنِ هُما المَشْرِقُ والمَغْرِبُ في الحَقِيقَةِ، فَيَلْتَئِمُ مَعَ ما نَفاهُ أوَّلًا غايَةَ الِالتِئامِ، والسِّتَّةُ الَّتِي بَعْدَها تَتَعَلَّقُ بِالكَمالاتِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي هي مِن قَبِيلِ حُسْنِ مُعاشَرَةِ العِبادِ وأوَّلُها ﴿وآتى المالَ﴾ وآخِرُها ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ والأرْبَعَةُ الأخِيرَةُ تَتَعَلَّقُ بِالكَمالاتِ الإنْسانِيَّةِ الَّتِي هي مِن قَبِيلِ تَهْذِيبِ النَّفْسِ وأوَّلُها ﴿وأقامَ الصَّلاةَ﴾ وآخِرُها ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ ولَعَمْرِي مَن عَمِلَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ، ونالَ أقْصى مَراتِبِ الإيقانِ. ومِن بابِ التَّأْوِيلِ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ﴾ مَشْرِقِ عالَمِ الأرْواحِ ومَغْرِبِ عالَمِ الأجْسادِ، فَإنَّ ذَلِكَ تَقَيُّدٌ واحْتِجابٌ، ﴿ولَكِنَّ البِرَّ﴾ بِرُّ المُوَحِّدِ الَّذِي آمَنَ بِاللَّهِ والمَعادِ في مَقامِ الجَمْعِ، وشاهَدَ الجَمْعَ في تَفاصِيلِ الكَثْرَةِ، ولَمْ يَحْتَجِبْ بِالجَمْعِ عَنِ التَّفْصِيلِ الَّذِي هو باطِنُ عالَمِ المَلائِكَةِ وظاهِرُ عالَمِ النَّبِيِّينَ، والكِتابُ الجامِعُ بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ، (وآتى) العِلْمَ الَّذِي هو مالُ القَلْبِ، مَعَ كَوْنِهِ مَحْبُوبًا ( ذَوِي قُرْبى ) القُوى الرُّوحانِيَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ، ( ويَتامى ) القُوى النَّفْسانِيَّةِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ الأبِ الحَقِيقِيِّ، وهو نُورُ الرُّوحِ، ( ومَساكِينِ ) القُوى الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ دائِمَةَ السُّكُونِ إلى تُرابِ البَدَنِ، ( وأبْناءِ السَّبِيلِ ) السّالِكِينَ إلى مَنازِلِ الحَقِّ، ( والسّائِلِينَ ) الطّالِبِينَ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِمْ ما يَكُونُ غِذاءً لِأرْواحِهِمْ، وفي ( فَكِّ رِقابِ ) عَبَدَةُ الدُّنْيا وأُسَراءُ الشَّهَواتِ بِالوَعْظِ والإرْشادِ، ( وأقامَ صَلاةَ ) الحُضُورِ، ( وآتى ) ما يُزَكِّي نَفْسَهُ بِنَفْيِ الخَواطِرِ ومَحْوِ الصِّفاتِ، ( والمُوفُونَ ) بِعَهْدِ الأزَلِ بِتَرْكِ المُعارَضَةِ في العُبُودِيَّةِ والإعْراضِ عَمّا سِوى الحَقِّ في مَقامِ المَعْرِفَةِ، ( والصّابِرِينَ ) في بَأْساءِ الِافْتِقارِ إلى اللَّهِ – تَعالى - دائِمًا، ( وضَرّاءِ ) كَسْرِ النَّفْسِ، ( وحِينَ بَأْسِ ) مُحارَبَةِ العَدُوِّ الأعْظَمِ، ( ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ ) اللَّهَ - تَعالى - في السَّيْرِ إلَيْهِ وبَذْلِ الوُجُودِ، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ عَنِ الشِّرْكِ المُنَزَّهُونَ عَنْ سائِرِ الرَّذائِلِ.

البقرة 2:178

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلى وجْهِ التَّلافِي لِما فَرَطَ مِنَ المُخِلِّينَ، بِما تَقَدَّمَ مِن قَواعِدِ الدِّينِ، الَّتِي يُبْنى عَلَيْها أمْرُ المَعاشِ والمَعادِ، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أيْ: فُرِضَ وأُلْزِمَ عِنْدَ مُطالَبَةِ صاحِبِ الحَقِّ، فَلا يُضَرُّ فِيهِ قُدْرَةُ الوَلِيِّ عَلى العَفْوِ، فَإنَّ الوُجُوبَ إنَّما اعْتُبِرَ بِالنِّسْبَةِ إلى الحُكّامِ أوِ القاتِلِينَ، وأصْلُ الكِتابَةِ الخَطُّ، ثُمَّ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الإلْزامِ، صفحة 49 وكَلِمَةُ ( عَلى ) صَرِيحَةٌ في ذَلِكَ. ﴿القِصاصُ في القَتْلى﴾ أيْ: بِسَبَبِهِمْ عَلى حَدِّ «”إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْها“،» وقِيلَ: عَدّى القَصّاصَ بِـ ( في ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى المُساواةِ؛ إذْ مَعْناهُ أنْ يُفْعَلَ بِالإنْسانِ مِثْلَ ما فَعَلَ، ومِنهُ سُمِّيَ المِقَصُّ مِقَصًّا لِتُعادُلِ جانِبَيْهِ، والقِصَّةُ قِصَّةٌ؛ لِأنَّ الحِكايَةَ تُساوِي المَحْكِيَّ، والقَصّاصُ قَصّاصًا؛ لِأنَّهُ يَذْكُرُ مِثْلَ أخْبارِ النّاسِ، و﴿القَتْلى﴾ جَمْعُ قَتِيلٍ كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وقُرِئَ: ( كَتَبَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، و( القِصاصَ ) بِالنَّصْبِ، ولَيْسَ في إضْمارِ المُتَعَيِّنِ المُتَقَرِّرِ قَبْلَ ذِكْرِهِ إضْمارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ. ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها؛ أيِ: الحُرُّ يُقْتَصُّ بِالحُرِّ، وقِيلَ: مَأْخُوذٌ بِهِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِن أحْياءِ العَرَبِ دِماءٌ، وكانَ لِأحَدِهِما طَوْلٌ عَلى الآخَرِ، فَأقْسَمُوا لَنَقْتُلَنَّ الحُرَّ مِنهم بِالعَبْدِ والذَّكَرَ بِالأُنْثى، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ، فَأمَرَهم أنْ يَتَباوَءُوا، فالآيَةُ كَما تَدُلُّ عَلى أنْ لا يُقْتَلَ العَبْدُ بِالحُرِّ والأُنْثى بِالذَّكَرِ؛ لِأنَّ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ إنَّما يُعْتَبَرُ إذا لَمْ يُعْلَمْ نَفْيُهُ بِمَفْهُومِ المُوافَقَةِ، وقَدْ عُلِمَ مِن قَتْلِ العَبْدِ بِالعَبْدِ وقَتْلِ الأُنْثى بِالأُنْثى، أنَّهُ يُقْتَلُ العَبْدُ بِالحُرِّ والأُنْثى بِالذَّكَرِ بِطَرِيقِ الأوْلى كَذَلِكَ لا تَدُلُّ عَلى أنْ لا يُقْتَلَ الحُرُّ بِالعَبْدِ والذَّكَرُ بِالأُنْثى؛ لِأنَّ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ كَما هو مَشْرُوطٌ بِذَلِكَ الشَّرْطِ مَشْرُوطٌ بِأنْ لا يَكُونَ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ أُخْرى، والحَدِيثُ بَيْنَ الفائِدَةِ وهو المَنعُ مِنَ التَّعَدِّي وإثْباتُ المُساواةِ بَيْنَ حُرٍّ وحُرٍّ وعَبْدٍ وعَبْدٍ، فَمَنَعَ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ قَتْلَ الحُرِّ بِالعَبْدِ، سَواءٌ كانَ عَبْدَهُ أوْ عَبْدَ غَيْرِهِ لَيْسَ لِلْآيَةِ بَلْ لِلسُّنَّةِ والإجْماعِ والقِياسِ؛ أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «”أنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ فَجَلَدَهُ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ونَفاهُ سَنَةً ولَمْ يَقُدْهُ بِهِ“،» وأخْرَجَ أيْضًا أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – قالَ: «”مِنَ السُّنَّةِ أنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِذِي عَهْدٍ ولا حُرٌّ بِعَبْدٍ“،» وأمّا الثّانِي فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - كانا لا يَقْتُلانِ الحُرَّ بِالعَبْدِ بَيْنَ أظْهُرِ الصَّحابَةِ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِما أحَدٌ مِنهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ لَمْ تَأْخُذْهم في اللَّهِ - تَعالى - لَوْمَةُ لائِمٍ، وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّهُ لا قِصاصَ في الأطْرافِ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ بِالِاتِّفاقِ، فَيُقاسُ القَتْلُ عَلَيْهِ، وعِنْدَ إمامِنا الأعْظَمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهُمْ“،» ولِأنَّ القِصاصَ يَعْتَمِدُ المُساواةَ في العِصْمَةِ، وهي بِالدِّينِ أوْ بِالدّارِ، وهُما سِيّانِ فِيهِما، والتَّفاضُلُ في الأنْفُسِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِدَلِيلِ أنَّ الجَماعَةَ لَوْ قَتَلُوا واحِدًا قُتِلُوا بِهِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وشَرِيعَةُ مَن قَبْلَنا إذا قُصَّتْ عَلَيْنا مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى نَسْخِها، فالعَمَلُ بِها واجِبٌ عَلى أنَّها شَرِيعَةٌ لَنا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُخالِفُ؛ لِأنَّ ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ رِعايَةَ التَّسْوِيَةِ في ( الحُرِّيَّةِ والعَبْدِيَّةِ ) مُعْتَبَرَةٌ، وإيجابُ ( القِصاصِ ) عَلى ( الحُرِّ ) بِقَتْلِ ( العَبْدِ ) إهْمالٌ لِرِعايَةِ التَّسْوِيَةِ في ذَلِكَ المَعْنى، ومُقْتَضى هَذا أنْ لا يُقْتَلَ العَبْد إلّا بِالعَبْدِ ولا تُقْتَلَ الأُنْثى إلّا بِالأُنْثى إلّا أنَّ المُخالِفَ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ، وخالَفَ الظّاهِرَ لِلْقِياسِ والإجْماعِ، ومَن سَلَّمَ هَذا مِنّا ادَّعى نَسْخَ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؛ لِأنَّهُ لِعُمُومِهِ نَسْخُ اشْتِراطِ المُساواةِ في الحُرِّيَّةِ والذُّكُورَةِ المُسْتَفادَةِ مِنها، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ والشَّعْبِيِّ والنَّخْعِيِّ والثَّوْرِيِّ صفحة 50 وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الآيَةَ حِكايَةُ ما في التَّوْراةِ، وحُجِّيَّةُ حِكايَةِ شَرْعِ مَن قَبْلَنا مَشْرُوطَةٌ بِأنْ لا يَظْهَرَ ناسِخُهُ، كَما صَرَّحُوا بِهِ، وهو يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ لا يُوجَدَ في القُرْآنِ ما يُخالِفُ المَحْكِيَّ؛ إذْ لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ كانَ ناسِخًا لَهُ؛ لِتَأخُّرِهِ عَنْهُ، فَتَكُونُ الحِكايَةُ حِكايَةَ المَنسُوخِ، ولا تَكُونُ حُجَّةً فَضْلًا عَنْ أنْ تَكُونَ ناسِخًا، وبَعْدَ تَسْلِيمِ الدَّلالَةِ يُوجَدُ النّاسِخُ كَما لا يَخْفى هَذا، وذَهَبَ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ والمالِكِيَّةُ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إلّا القِصاصُ، ولا يَأْخُذُ الدِّيَةَ إلّا بِرِضا القاتِلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - ذَكَرَ في الخَطَأِ الدِّيَةَ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ القِصاصُ فِيما هو ضِدُّ الخَطَأِ وهو العَمْدُ، ولَمّا تَعَيَّنَ بِالعَمْدِ يَعْدِلُ عَنْهُ؛ لِئَلّا يُلْزَمَ الزِّيادَةَ عَلى النَّصِّ بِالرَّأْيِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَنطُوقَ النَّصِّ وُجُوبُ رِعايَةِ المُساواةِ في القَوْدِ، وهو لا يَقْتَضِي وُجُوبَ أصْلِ القَوْدِ، وأُجِيبَ بِأنَّ القِصاصَ وهو القَوْدُ بِطَرِيقِ المُساواةِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُما، ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ أيْ: ما يُسَمّى شَيْئًا مِنَ العَفْوِ والتَّجاوُزِ، ولَوْ أقَلَّ قَلِيلٍ، فالمَصْدَرُ المُبْهَمُ في حُكْمِ المَوْصُوفِ، فَيَجُوزُ نِيابَتُهُ عَنِ الفاعِلِ، ولَهُ مَفْعُولٌ بِهِ، ومِن أخِيهِ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالفِعْلِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن شَيْءٍ، وفي إقامَةَ شَيْءٍ مَقامَ الفاعِلِ عَلى إشْعارٍ بِأنَّ بَعْضَ العَفْوِ كَأنْ يُعْفى عَنْ بَعْضِ الدَّمِ أوْ يَعْفُوَ عَنْهُ بَعْضُ الوَرَثَةِ كالعَفْوِ التّامِّ في إسْقاطِ القِصاصِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَجَزَّأُ، والمُرادُ بِالأخِ ولِيُّ الدَّمِ سَمّاهُ أخًا اسْتِعْطافًا بِتَذْكِيرِ أُخُوَّةِ البَشَرِيَّةِ والدِّينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَقْتُولُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: مِن دَمِ أخِيهِ، وسَمّاهُ أخا القاتِلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أُخُوَّةَ الإسْلامِ بَيْنَهُما لا تَنْقَطِعُ بِالقَتْلِ، وعَفِيّ تَعَدّى إلى الجانِي وإلى الجِنايَةِ بِـ ( عْنَ )، يُقالُ: عَفَوْتُ عَنْ زَيْدٍ وعَنْ ذَنْبِهِ، وإذا عُدِّيَتْ إلى الذَّنْبِ مُرادًا، سَواءٌ كانَ مَذْكُورًا أوْ لا، كَما في الآيَةِ عُدِّيَ إلى الجانِي ( بِاللّامِ )؛ لِأنَّ التَّجاوُزَ عَنِ الأوَّلِ والنَّفْعَ لِلثّانِي، فالقَصْدُ هُنا إلى التَّجاوُزِ عَنِ الجِنايَةِ، إلّا أنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَها؛ لِأنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِ الجانِي، وقَدَّرَ بَعْضُهم ( عَنْ ) هَذِهِ داخِلَةً عَلى شَيْءٍ، لَكِنْ لَمّا حُذِفَتِ ارْتَفَعَ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الفاعِلِ، وهو مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ المَقْصُورِ عَلى السَّماعِ، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ عَفِيّ بِتَرَكَ، فَهو حِينَئِذٍ مُتَعَدٍّ، أُقِيمَ مَفْعُولُهُ مَقامَ فاعِلِهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ( عَفا ) الشَّيْءَ بِمَعْنى تَرَكَهَ، وإنَّما الثّابِتُ أعْفاهُ، ورُدَّ بِأنَّهُ ورَدَ، ونَقَلَهُ أئِمَّةُ اللُّغَةِ المُعَوَّلِ عَلَيْهِمْ في هَذا الشَّأْنِ، وهو - وإنْ لَمْ يَشْتَهِرْ - إلّا أنَّ إسْنادَ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ إلى المَفْعُولِ الَّذِي هو الأصْلُ يُرَجِّحُ اعْتِبارَهُ، ويَجْعَلُهُ أوْلى مِنَ المَشْهُورِ، لِما أنَّ فِيهِ إسْنادَ المَجْهُولِ لِلْمَصْدَرِ، وهو خِلافُ الأصْلِ، والقَوْلُ بِأنَّ شَيْء مَرْفُوعٌ بِتَرْكِ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَفِيّ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ اعْتِبارِ مَعْنى العَفْوِ لا حاجَةَ إلى مَعْنى التَّرْكِ، بَلْ هو رَكِيكٌ كَما لا يَخْفى ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ أيْ: فَلْيُكَنِ اتِّباعٌ، أوْ فالأمْرُ اتِّباعٌ، والمُرادُ وصِيَّةُ العافِي بِأنْ لا يُشَدِّدُ في طَلَبِ الدِّيَةِ عَلى المَعْفُوِّ لَهُ ويُنْظِرَهُ إنْ كانَ مُعْسِرًا، ولا يُطالِبَهُ بِالزِّيادَةِ عَلَيْها، والمَعْفُوِ بِأنْ لا يَمْطُلَ العافِيَ فِيها، ولا يَبْخَسَ مِنها ويَدْفَعُها عِنْدَ الإمْكانِ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: المُرادُ فَعَلى المَعْفُوِّ لَهُ الِاتِّباعُ والأداءُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ مَن عَلى تَقْدِيرِ مَوْصُولِيَّتِها، وجَوابُ الشَّرْطِ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطِيَّتِها، ورُبَّما يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ مُقْتَضى العَمْدِ القِصاصُ وحْدَهُ؛ حَيْثُ رُتِّبَ الأمْرُ بِأداءِ الدِّيَةِ عَلى العَفْوِ المُرَتَّبِ عَلى وُجُوبِ القِصاصِ، واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى أنَّ الدِّيَةَ أحَدُ مُقْتَضى العَمْدِ، وإلّا لَما رُتِّبَ الأمْرُ بِأداءِ الدِّيَةِ عَلى مُطْلَقِ العَفْوِ الشّامِلِ لِلْعَفْوِ عَنْ كُلِّ الدَّمِ وبَعْضِهِ، بَلْ يُشْتَرَطُ رِضا القاتِلِ وتَقْيِيدُهُ بِالبَعْضِ، واعْتَرُضَ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ التَّنْوِينُ في شَيْءٍ لِلْإبْهامِ؛ أيْ شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ أيُّ شَيْءٍ كانَ كَكُلِّهِ أوْ بَعْضِهِ، أمّا لَوْ كانَ لِلتَّقْلِيلِ فَلا؛ إذْ يَكُونُ الأمْرُ بِالأداءِ مُرَتَّبًا عَلى بَعْضِ العَفْوِ، ولا شَكَّ أنَّهُ إذا تَحَقَّقَ عَنِ الدَّمِ يَصِيرُ صفحة 51 الباقِي مالًا، وإنْ لَمْ يَرْضَ القاتِلُ، وأيْضًا الآيَةُ نَزَلَتْ في الصُّلْحِ، وهو المُوافِقُ لِلْأُمِّ، فَإنَّ عَفا إذا اسْتُعْمِلَتْ بِها كانَ مَعْناها البَدَلُ؛ أيْ فَمَن أُعْطِيَ لَهُ مِن جِهَةِ أخِيهِ المَقْتُولِ شَيْءٌ مِنَ المالِ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ، فَلِمَن أعْطى وهو الوَلِيُّ مُطالَبَةُ البَدَلِ عَنْ مُجامَلَةٍ وحُسْنِ مُعامَلَةٍ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها نَزَلَتْ في ( العَفْوِ ) كَما هو ظاهِرُ اللَّفْظِ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الحُكْمُ المَذْكُورُ في ضِمْنِ بَيانِ العَفْوِ والدِّيَةِ ﴿تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ لِما في شَرْعِيَّةِ العَفْوِ تَسْهِيلٌ عَلى القاتِلِ، وفي شَرْعِيَّةِ ( الدِّيَةِ ) نَفْعٌ لِأوْلِياءِ المَقْتُولِ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ ( كَتَبَ ) عَلى اليَهُودِ ( القِصاصُ ) وحْدَهُ، وعَلى النَّصارى ( العَفْوُ ) مُطْلَقًا، وخَيَّرَ هَذِهِ الأُمَّةَ بَيْنَ الثَّلاثِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ وتَنْزِيلًا لِلْحُكْمِ عَلى حَسَبِ المَنازِلِ، وعَلى هَذا يَكُونُ ﴿فَمَن تَصَدَّقَ﴾ بَيانًا لِحُكْمِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ بَعْدَ حِكايَةِ حُكْمٍ كانَ في التَّوْراةِ، ولَيْسَ داخِلًا تَحْتَ الحِكايَةِ. ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: تَجاوَزَ ما شُرِّعَ بِأنْ قَتَلَ غَيْرَ القاتِلِ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الحُكْمِ، أوْ قَتَلَ القاتِلَ بَعْدَ ( العَفْوِ ) وأخْذِ الدِّيَةِ ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ 178﴾ أيْ: نَوْعٌ مِنَ العَذابِ مُؤْلِمٌ، والمُتَبادِرُ أنَّهُ في الآخِرَةِ، والمَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ في الدُّنْيا بِأنْ يُقْتَلَ لا مَحالَةَ، ولا يُقْبَلُ مِنهُ دِيَةٌ لِما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: «”لا أُعافِي أحَدًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ“».

البقرة 2:179

﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الِانْقِيادِ لِحُكْمِ القَصّاصِ لِكَوْنِهِ شاقًّا لِلنَّفْسِ، وهو كَلامٌ في غايَةِ البَلاغَةِ، وكانَ أوْجَزُ كَلامٍ عِنْدَهم في هَذا المَعْنى: ( القَتْلُ أنْفى القَتْلَ ) وفُضِّلَ هَذا الكَلامُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: قِلَّةُ الحُرُوفِ، فَإنَّ المَلْفُوظَ هُنا عَشَرَةُ أحْرُفٍ، إذا لَمْ يُعْتَبَرِ التَّنْوِينُ حَرْفًا عَلى حِدَةٍ، وهُناكَ أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا، الثّانِي: الِاطِّرادُ؛ إذْ في كُلِّ قِصاصٍ حَياةٌ، ولَيْسَ كُلُّ قَتْلٍ أنْفى لِلْقَتْلِ، فَإنَّ القَتْلَ ظُلْمًا أدْعى لِلْقَتْلِ، الثّالِثُ: ما في تَنْوِينِ حَياة مِنَ النَّوْعِيَّةِ أوِ التَّعْظِيمِ. الرّابِعُ: صَنْعَةُ الطِّباقِ بَيْنَ ( القِصاصِ والحَياةِ ) فَإنَّ ( القِصاصَ ) تَفْوِيتُ الحَياةِ، فَهو مُقابِلُها. الخامِسُ: النَّصُّ عَلى ما هو المَطْلُوبُ بِالذّاتِ - أعْنِي الحَياةَ - فَإنَّ نَفْيَ القَتْلِ إنَّما يُطْلَبُ لَها لا لِذاتِهِ. السّادِسُ: الغَرابَةُ مِن حَيْثُ جَعْلُ الشَّيْءِ فِيهِ حاصِلًا في ضِدِّهِ، ومِن جِهَةِ أنَّ المَظْرُوفَ إذا حَواهُ الظَّرْفُ صانَهُ عَنِ التَّفَرُّقِ، فَكانَ ( القِصاصُ ) فِيما نَحْنُ فِيهِ يَحْمِي الحَياةَ مِنَ الآفاتِ. السّابِعُ: الخُلُوُّ عَنِ التَّكْرارِ مَعَ التَّقارُبِ، فَإنَّهُ لا يَخْلُو عَنِ اسْتِبْشاعِ، ولا يُعَدُّ رَدُّ العَجْزِ عَلى الصَّدْرِ حَتّى يَكُونَ مُحَسَّنًا. الثّامِنُ: عُذُوبَةُ اللَّفْظِ وسَلاسَتُهُ؛ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما في قَوْلِهِمْ مِن تَوالِي الأسْبابِ الخَفِيفَةِ؛ إذْ لَيْسَ في قَوْلِهِمْ: حَرْفانِ مُتَحَرِّكانِ عَلى التَّوالِي إلّا في مَوْضِعٍ واحِدٍ، ولا شَكَّ أنَّهُ يُنْقِصُ مِن سَلاسَةِ اللَّفْظِ وجَرَيانِهِ عَلى اللِّسانِ، وأيْضًا الخُرُوجُ مِنَ الفاءِ إلى اللّامِ، أعْدَلُ مِنَ الخُرُوجِ مِنَ اللّامِ إلى الهَمْزَةِ لِبُعْدِ الهَمْزَةِ مِنَ اللّامِ، وكَذَلِكَ الخُرُوجُ مِنَ الصّادِ إلى الحاءِ، أعْدَلُ مِنَ الخُرُوجِ مِنَ الألِفِ إلى اللّامِ. التّاسِعُ: عَدَمُ الِاحْتِياجِ إلى الحَيْثِيَّةِ، وقَوْلُهُمْ: يَحْتاجُ إلَيْها. العاشِرُ: تَعْرِيفُ القِصاصِ بِلامِ الجِنْسِ الدّالَّةِ عَلى حَقِيقَةِ هَذا الحُكْمِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ( الضَّرْبِ والجَرْحِ والقَتْلِ ) وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهم لا يَشْمَلُهُ. الحادِي عَشَرَ: خُلُوُّهُ مِن أفْعَلَ المُوهِمُ أنَّ في التَّرْكِ نَفْيًا لِلْقَتْلِ أيْضًا. الثّانِي عَشَرَ: اشْتِمالُهُ عَلى ما يَصْلُحُ لِلْقِتالِ، وهو الحَياةُ بِخِلافِ قَوْلِهِمْ، فَإنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى نَفْيٍ اكْتَنَفَهُ قَتْلانِ، وإنَّهُ لَمِمّا يَلِيقُ بِهِمُ. الثّالِثَ عَشَرَ: خُلُوُّهُ عَمّا يُوهِمُهُ ظاهِرُ قَوْلِهِمْ مِن كَوْنَ الشَّيْءِ سَبَبًا لِانْتِفاءِ نَفْسِهِ، وهو مُحالٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَسُبْحانَ مَن عَلَتْ كَلِمَتُهُ وبَهَرَتْ آيَتُهُ، ثُمَّ المُرادُ بِـ الحَياة إمّا الدُّنْيَوِيَّةُ، وهو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ في صفحة 52 شَرْعِ ( القِصاصِ ) والعِلْمِ بِهِ يُرَوِّعُ القاتِلَ عَنِ القَتْلِ، فَيَكُونُ سَبَبَ ( حَياةِ ) نَفْسَيْنِ في هَذِهِ النَّشْأةِ، ولِأنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ غَيْرَ القاتِلِ، والجَماعَةَ بِالواحِدِ، فَتَثُورُ الفِتْنَةُ بَيْنَهُمْ، وتَقُومُ حَرْبُ البَسُوسِ عَلى ساقٍ، فَإذا اقْتُصَّ مِنَ القاتِلِ سَلِمَ الباقُونَ، ويَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، ويَلْزَمُ عَلى الأوَّلِ الإضْمارُ، وعَلى الثّانِي التَّخْصِيصُ، وأمّا الحَياةُ الأُخْرَوِيَّةُ بِناءً عَلى أنَّ القاتِلَ إذا اقْتُصَّ مِنهُ في الدُّنْيا لَمْ يُؤاخَذْ بِحَقِّ المَقْتُولِ في الآخِرَةِ، وعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ خاصًّا بِالقاتِلِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ والظَّرْفانِ إمّا خَبَرانِ لِـ حَياة أوْ أحَدُهُما خَبَرٌ والآخَرُ صِلَةٌ لَهُ، أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ: ( في القَصَصِ ) وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، والمُرادُ مِنَ المَقْصُوصِ هَذا الحُكْمُ بِخُصُوصِهِ، أوِ القُرْآنُ مُطْلَقًا، وحِينَئِذٍ يُرادُ بِالحَياةِ حَياةُ القُلُوبِ لا حَياةُ الأجْسادِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ( القَصَصِ ) مَصْدَرًا بِمَعْنى ( القِصاصِ )، فَتَبْقى ( الحَياةُ ) عَلى حالِها. ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ يا ذَوِي العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوْبِ الهَوى، وإنَّما خَصَّهم بِالنِّداءِ مَعَ أنَّ الخِطابَ السّابِقَ عامٌّ؛ لِأنَّهم أهْلُ التَّأمُّلِ في حِكْمَةِ ( القِصاصِ ) مِنَ اسْتِبْقاءِ الأرْواحِ وحِفْظِ النُّفُوسِ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الحُكْمَ مَخْصُوصٌ بِالبالِغِينَ دُونَ الصِّبْيانِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ 179﴾ رَبَّكم بِاجْتِنابِ مَعاصِيهِ المُفْضِيَةِ إلى العَذابِ أوِ القَتْلِ بِالخَوْفِ مِنَ ( القِصاصِ ) وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وزَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -، والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأوَّلِ الكَلامِ.

البقرة 2:180

﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ بَيانُ حُكْمٍ آخَرَ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ، وفَصْلُهُ عَمّا سَبَقَ لِلدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ حُكْمًا مُسْتَقِلًّا، كَما فَصَلَ اللّاحِقَ لِذَلِكَ، ولَمْ يُصَدِّرْهُ بِـ يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لِقُرْبِ العَهْدِ بِالتَّنْبِيهِ مَعَ مُلابَسَتِهِ بِالسّابِقِ في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مُتَعَلِّقًا بِالأمْواتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ شاقًّا لَمْ يُصَدِّرْهُ كَما صَدَرَ الشّاقُّ تَنْشِيطًا لِفِعْلِهِ، والمُرادُ مِن ( حُضُورِ المَوْتِ ) حُضُورُ أسْبابِهِ، وظُهُورُ أماراتِهِ مِنَ العِلَلِ والأمْراضِ المُخَوِّفَةِ، أوْ حُضُورُهُ نَفْسِهِ ودُنُوُّهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ كَمالِ تَمَكُّنِ الفاعِلِ عِنْدَ النَّفْسِ وقْتَ وُرُودِهِ عَلَيْها. ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أيْ: مالًا، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ومُجاهِدٌ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِكَوْنِهِ كَثِيرًا؛ إذْ لا يُقالُ في العُرْفِ لِلْمالِ: (خَيَّرا) إلّا إذا كانَ كَثِيرًا، كَما لا يُقالُ: فُلانٌ ذُو مالٍ، إلّا إذا كانَ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وجَماعَةٌ عَنْ عُرْوَةَ، أنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - دَخَلَ عَلى مَوْلًى لَهُ في المَوْتِ ولَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ أوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقالَ: ألا أُوصِي؟ قالَ: لا، إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ ولَيْسَ لَكَ كَثِيرُ مالٍ، فَدَعْ مالَكَ لِوَرَثَتِكَ. وما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنَّ رَجُلًا قالَ لَها: أُرِيدُ أنْ أُوصِيَ، قالَتْ: كَمْ مالُكَ؟ قالَ: ثَلاثَةُ آلافٍ، قالَتْ: كَمْ عِيالُكَ؟ قالَ: أرْبَعَةٌ، قالَتْ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وهَذا شَيْءٌ يَسِيرٌ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ فَهو أفْضَلُ، والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الكَثْرَةَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِمِقْدارٍ، بَلْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ حالِ الرَّجُلِ، فَإنَّهُ بِمِقْدارٍ مِنَ المالِ يُوصَفُ رَجُلٌ بِالغِنى ولا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ لِكَثْرَةِ العِيالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - تَقْدِيرُها، فَقَدَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ: ”مَن لَمْ يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينارًا لَمْ يُتْرَكْ خَيْرًا“، ومَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ أنَّ ( الوَصِيَّةَ ) مَشْرُوعَةٌ مِمّا قَلَّ أوْ كَثُرَ، فالخَيْرُ عِنْدَهُ المالُ مُطْلَقًا، وهو أحَدُ إطْلاقاتِهِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَهُ إيذانًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُوصى بِهِ حَلالًا طَيِّبًا لا خَبِيثًا؛ لِأنَّ الخَبِيثَ يَجِبُ رَدُّهُ إلى أرْبابِهِ ويَأْثَمُ بِـ ( الوَصِيَّةِ ) فِيهِ. ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾: مَرْفُوعٌ بِـ كُتُب وفي الرَّضِيِّ إذا كانَ الظّاهِرُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ مُنْفَصِلًا، فَتَرْكُ صفحة 53 العَلامَةِ أحْسَنُ إظْهارًا لِفَضْلِ الحَقِيقِيِّ عَلى غَيْرِهِ، ولِهَذا اخْتِيرَ هُنا تَذْكِيرُ الفِعْلِ، والوَصِيَّة اسْمٌ مِن أوْصى يُوصِي، وفي القامُوسِ أوْصاهُ ووَصّاهُ تَوْصِيَةً عَهِدَ إلَيْهِ، والِاسْمُ الوِصايَةُ و( الوَصِيَّةُ ) وهي المُوصى بِهِ أيْضًا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِها، فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِها بِأنَّ مَعَ الفِعْلِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، أوْ بِالمَصْدَرِ بِناءً عَلى تَحْقِيقِ الرَّضِيِّ مِن أنَّ عَمَلَ المَصْدَرِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَأْوِيلِهِ، وهو الرّاجِحُ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ الرّاجِحَ في بَدَلِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النّائِبُ عَلَيْكم والوَصِيَّة خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما المَكْتُوبُ؟ فَقِيلَ: هو الوَصِيَّةُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ( كُتِبَ عَلَيْكم ) وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿لِلْوالِدَيْنِ﴾ والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ بِإضْمارِ الفاءِ؛ لِأنَّ الِاسْمِيَّةَ إذا كانَتْ جَزاءً لا بُدَّ فِيها مِنها، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مَرْفُوعَةٌ بِـ كُتِبَ أوْ عَلَيْكم وحْدَهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ، ورُدَّ بِأنَّ إضْمارَ الفاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، كَما قالَ الخَلِيلُ، والعامِلُ في (إذا) مَعْنى (كُتُب) والظَّرْفُ قُيِّدَ لِلْإيجابِ مِن حَيْثُ الحُدُوثُ والوُقُوعُ، والمَعْنى تَوَجُّهُ خِطابِ اللَّهِ - تَعالى - عَلَيْكم ومُقْتَضى كِتابَتِهِ إذا حُضِّرَ وغُيِّرَ إلى ما تَرى لِيُنَظَّمَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ مَكْتُوبٌ في الأزَلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العامِلُ الوَصِيَّةَ، وهي وإنْ كانَتِ اسْمًا، إلّا أنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِالمَصْدَرِ أوْ بِأنْ والفِعْلِ، والظَّرْفُ مِمّا يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ لَهُ شَأْنًا لَيْسَ لِغَيْرِهِ لِتَنْزِيلِهِ مِنَ الشَّيْءِ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ لِوُقُوعِهِ فِيهِ، وعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْهُ، ولِهَذا تُوُسِّعَ في الظُّرُوفِ ما لَمْ يُتَوَسَّعْ في غَيْرِها، ولَيْسَ كُلُّ مُؤَوَّلٍ بِشَيْءِ حُكْمُهُ حُكْمُ ما أُوِّلَ بِهِ، وقَدْ كَثُرَ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ في الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ تَكَلُّفٌ، ولا يُرَدُّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أنَّ الوَصِيَّةَ واجِبَةٌ عَلى ( مَن حَضَرَهُ المَوْتُ ) لا عَلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ حُضُورِ أحَدِهِمُ المَوْتُ؛ لِأنَّ أحَدَكم يُفِيدُ العُمُومَ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ، فَمَعْنى ( إذا حُضِّرَ أحَدكم ) إذا حَضَرَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وإنَّما زِيدَ لَفْظُ أحَد لِلتَّنْصِيصِ عَلى كَوْنِها فَرْضَ عَيْنٍ لا كِفايَةٍ كَما في ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ والقَوْلُ بِأنَّ الوَصِيَّةَ لَمْ تُفْرَضْ عَلى ( مَن حَضَرَهُ المَوْتُ ) فَقَطْ بَلْ عَلَيْهِ بِأنْ يُوصِي، وعَلى الغَيْرِ بِأنْ يَحْفَظَ ولا يُبَدِّلَ، ولِهَذا قالَ: عَلَيْكم وقالَ: أحَدكم؛ لِأنَّ المَوْتَ يَحْضُرُ أحَدَ المُخاطَبِينَ بِالِافْتِراضِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ حِفْظَ الوَصِيَّةِ إنَّما يُفْرَضُ عَلى البَعْضِ بَعْدَ الوَصِيَّةِ لا وقْتَ الِاحْتِضارِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: فَرْضُ عَلَيْكم حَفِظَ الوَصِيَّةَ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾، ولِأنَّ إرادَةَ الإيصاءِ وحِفْظَهُ مِنَ الوَصِيَّةِ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ( إذا ) شَرْطِيَّةٌ وجَوابُ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ ( إذا حُضِّرَ أحَدكم المَوْت ) فَلْيُوصِ إنْ تَرَكَ خَيْرًا فَلْيُوصِ، فَحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلُ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، وحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي لِدَلالَةِ الشَّرْطِ الأوَّلِ وجَوابِهِ عَلَيْهِ، والشَّرْطُ الثّانِي عِنْدَ صاحِبِ التَّسْهِيلِ مُقَيِّدٌ لِلْأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ تارِكًا لِلْخَيْرِ فَلْيُوصِ، ومَجْمُوعُ الشَّرْطَيْنِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ كُتُب وفاعِلِهِ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإيصاءِ قَبْلُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا الوَجْهَ مَعَ غَنائِهِ عَنْ تَكَلُّفِ تَصْحِيحِ الظَّرْفِيَّةِ وزِيادَةِ لَفْظِ أحَد أنْسَبُ بِالبَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ؛ حَيْثُ ورَدَ الحُكْمُ أوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ مُفَصَّلًا ووَقَعَ الِاعْتِراضُ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الوَصِيَّةِ الواجِبَةِ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ ما في ذَلِكَ مِن كَثْرَةِ الحَذْفِ المُهَوِّنَةِ لِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنَّ هَذا الحُكْمَ كانَ في بَدْءِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ المَوارِيثِ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وقَتادَةُ وشُرَيْحٌ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُمْ، وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَطَبَهم عَلى راحِلَتِهِ، فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ قَدْ قَسَمَ لِكُلِّ إنْسانٍ نَصِيبَهُ مِنَ المِيراثِ، فَلا تَجُوزُ لِوارِثٍ وصِيَّةٌ“،» وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ في خُطْبَتِهِ يَقُولُ: ”إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ“،» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأحادِيثُ لِتَلَقِّي الأُمَّةِ لَها بِالقَبُولِ انْتَظَمَتْ في سِلْكِ المُتَواتِرِ صفحة 54 فِي صِحَّةِ النَّسْخِ بِها عِنْدَ أئِمَّتِنا - قَدَّسَ اللَّهُ أسْرارَهم - بَلْ قالَ البَعْضُ: إنَّها مِنَ المُتَواتِرِ، وأنَّ التَّواتُرَ قَدْ يَكُونُ بِنَقْلِ مَن لا يُتَصَوَّرُ تَواطُؤُهم عَلى الكَذِبِ، وقَدْ يَكُونُ بِفِعْلِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا عَمِلُوا بِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ مِنهُمْ، عَلى أنَّ النَّسْخَ في الحَقِيقَةِ بِآيَةِ المَوارِيثِ والأحادِيثُ مُبَيِّنَةٌ لِجِهَةِ نَسْخِها، وبَيَّنَ فَخْرُ الإسْلامِ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ آيَةِ الوَصِيَّةِ بِالِاتِّفاقِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ فَرُتِّبَ المِيراثُ عَلى ( وصِيَّةٍ ) مُنْكَرَةً، ( والوَصِيَّةُ ) الأُولى كانَتْ مَعْهُودَةً، فَلَوْ كانَتْ تِلْكَ ( الوَصِيَّةُ ) باقِيَةً لَوَجَبَ تَرْتِيبُهُ عَلى المَعْهُودِ، فَلَمّا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ورُتِّبَ عَلى المُطْلَقِ دَلَّ عَلى نَسْخِ الوَصِيَّةِ المُقَيَّدَةِ؛ لِأنَّ الإطْلاقَ بَعْدَ التَّقْيِيدِ نَسْخٌ كَما أنَّ التَّقْيِيدَ بَعْدَ الإطْلاقِ كَذَلِكَ لِتَغايُرِ المَعْنَيَيْنِ. والثّانِي: أنَّ النَّسْخَ نَوْعانِ؛ أحَدُهُما ابْتِداءٌ بَعْدَ انْتِهاءٍ مَحْضٍ، والثّانِي: بِطَرِيقِ الحَوالَةِ مِن مَحَلٍّ إلى آخَرَ كَما في نَسْخِ القِبْلَةِ، وهَذا مِن قَبِيلِ الثّانِي؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - فَرَضَ الإيصاءَ في الأقْرَبِينَ إلى العِبادِ، بِشَرْطِ أنْ يُراعُوا الحُدُودَ، ويُبَيِّنُوا حَقَّ كُلِّ قَرِيبٍ بِحَسَبِ قَرابَتِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، ثُمَّ لَمّا كانَ المُوصِي قَدْ لا يُحْسِنُ التَّدْبِيرَ في مِقْدارِ ما يُوصِي لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، ورُبَّما كانَ يَقْصِدُ المُضارَّةَ تَوَلّى بِنَفْسِهِ بَيانَ ذَلِكَ الحَقِّ عَلى وجْهٍ تُيُقِّنَ بِهِ أنَّهُ الصَّوابُ، وأنَّ فِيهِ الحِكْمَةَ البالِغَةَ، وقَصَرَهُ عَلى حُدُودٍ لازِمَةٍ مِنَ السُّدْسِ والثُّلُثِ والنِّصْفِ والثُّمُنِ لا يُمْكِنُ تَغَيُّرُها، فَتَحَوَّلَ مِن جِهَةِ الإيصاءِ إلى المِيراثِ، فَقالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ أيِ: الَّذِي فَوَّضَ إلَيْكم تَوَلّى شَأْنَهُ بِنَفْسِهِ؛ إذْ عَجَزْتُمْ عَنْ مَقادِيرِهِ لِجَهْلِكُمْ، ولَمّا بَيَّنَ بِنَفْسِهِ ذَلِكَ الحَقَّ بِعَيْنِهِ انْتَهى حُكْمُ تِلْكَ الوَصِيَّةِ لِحُصُولِ المَقْصُودِ بِأقْوى الطُّرُقِ كَمَن أمَرَهُ غَيْرُهُ بِإعْتاقِ عَبْدِهِ ثُمَّ أعْتَقَهُ بِنَفْسِهِ، فَإنَّهُ بِذَلِكَ انْتَهى حُكْمُ الوَكالَةِ، وإلى ذَلِكَ تُشِيرُ الأحادِيثُ لِما أنَّ ( الفاءَ ) تَدُلُّ عَلى سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، فَما قِيلَ: إنَّ مِن أنَّ آيَةَ المَوارِيثِ لا تُعارِضُ هَذا الحُكْمَ بَلْ تُحَقِّقُهُ مِن حَيْثُ تَدُلُّ عَلى تَقْدِيمِ الوَصِيَّةِ مُطْلَقًا، والأحادِيثُ مِنَ الآحادِ، وتَلَقِّي الأُمَّةِ لَها بِالقَبُولِ لا تُلْحِقُها بِالمُتَواتِرِ، ولَعَلَّهُ احْتَرَزَ عَنِ النَّسْخِ مَن فَسَّرَ الوَصِيَّةَ بِما أوْصى بِهِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن تَوْرِيثِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ أوْ بِإيصاءِ المُحْتَضِرِ لَهم بِتَوْفِيرِ ما أوْصى بِهِ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْهِمْ عَلى ما فِيهِ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، وكَذا ما قِيلَ: مِن أنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوارِثِ كانَتْ واجِبَةً بِهَذِهِ الآيَةِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لِأنْصِبائِهِمْ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ بَيانًا لِلْأنْصِباءِ بِلَفْظِ الإيصاءِ، فُهِمَ مِنها بِتَنْبِيهِ النَّبِيِّ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّ المُرادَ مِنهُ هَذِهِ الوَصِيَّةُ الَّتِي كانَتْ واجِبَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - أوْصى بِنَفْسِهِ تِلْكَ الوَصِيَّةَ، ولَمْ يُفَوِّضْها إلَيْكُمْ، فَقامَ المِيراثُ مَقامَ الوَصِيَّةِ، فَكانَ هَذا مَعْنى النَّسْخِ، لا أنَّ فِيها دَلالَةً عَلى رَفْعِ ذَلِكَ الحُكْمِ؛ لِأنَّ كَوْنَ آيَةِ المَوارِيثِ رافِعَةً لِذَلِكَ الحُكْمِ مُبَيِّنَةً لِانْتِهائِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُشْتَبَهَ عَلى أحَدٍ، ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِالنَّسْخِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ وُجُوبَها صارَ مَنسُوخًا في حَقِّ الأقارِبِ الَّذِينَ يَرِثُونَ، وبَقِيَ في حَقِّ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ مِنَ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، كَأنَّ يَكُونُوا كافِرِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مَن لَمْ يُوصِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِذَوِي قَرابَتِهِ مِمَّنْ لا يَرِثُ فَقَدْ خَتَمَ عَمَلَهُ بِمَعْصِيَةٍ. ومِنهم مَن قالَ: إنَّ الوُجُوبَ صارَ مَنسُوخًا في حَقِّ الكافَّةِ، وهي مُسْتَحَبَّةٌ في حَقِّ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ، واسْتَدَلَّ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الأقْرَبِينَ لا يَتَناوَلُ الوالِدَيْنِ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ. ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ 108﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْحَدَثِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كُتُب وعامِلُهُ إمّا كُتُب أوْ ( حُقَّ ) مَحْذُوفًا؛ أيْ: حُقَّ ذَلِكَ حَقًّا، فَهو عَلى طَرْزِ قَعَدْتُ جُلُوسًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ كُتُبٍ عَلَيْكم وإنِ اعْتُبِرَ إنْشاءً، فَيَكُونُ عَلى طَرْزِ ( لَهُ عَلَيَّ ألْفٌ ) عُرْفًا، وجَعَلَهُ صِفَةً صفحة 55 لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ إيصاءً، حَقًّا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ( عَلى المُتَّقِينَ ) صِفَةٌ لَهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ عَلى المُخْتارِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمَصْدَرِ؛ لِأنَّ المَفْعُولَ المُطْلَقَ يَعْمَلُ نِيابَةً عَنِ الفِعْلِ، والمُرادُ بِـ المُتَّقِينَ المُؤْمِنُونُ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُحافَظَةَ عَلى الوَصِيَّةِ والقِيامَ بِها مِن شَعائِرِ المُتَّقِينَ الخائِفِينَ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - .

البقرة 2:181

﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ أيْ: غَيَّرَ الإيصاءَ مِن شاهِدٍ ووَصِيٍّ، وتَغْيِيرُ كُلٍّ مِنهُما إمّا بِإنْكارِ الوَصِيَّةِ مِن أصْلِها أوْ بِالنَّقْصِ فِيها، أوْ بِتَبَدُّلِ صِفَتِها أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وجَعَلَ الشّافِعِيَّةُ مِنَ التَّبْدِيلِ عُمُومَ وصِيَّتِهِ مَن أوْصى إلَيْهِ بِشَيْءٍ خاصٍّ، فالمُوصِي بِشَيْءٍ خاصٍّ لا يَكُونُ وصِيًّا في غَيْرِهِ عِنْدَهُمْ، ويَكُونُ عِنْدَنا، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّبْدِيلِ في شَيْءٍ، ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ أيْ: عَلِمَهُ وتَحَقَّقَ لَدَيْهِ، وكَنّى بِالسَّماعِ عَنِ العِلْمِ؛ لِأنَّهُ طَرِيقُ حُصُولِهِ، ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أيْ: فَما إثْمُ الإيصاءِ المُبْدَلِ أوِ التَّبْدِيلِ، والأوَّلُ رِعايَةً لِجانِبِ اللَّفْظِ، والثّانِي رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى، إلّا عَلى مُبَدِّلِيهِ لا عَلى المُوصِي؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ خالَفُوا الشَّرْعَ وخانُوا، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى عِلِّيَةِ التَّبْدِيلِ لِلْإثْمِ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ مُراعاةً لِمَعْنى ( مَن )، وفِيهِ إشْعارٌ بِشُمُولِ الإثْمِ لِجَمِيعِ الأفْرادِ. ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 181﴾ فَيَسْمَعُ أقْوالَ المُبَدِّلِينَ والمُوصِينَ، ويَعْلَمُ بِنِيّاتِهِمْ، فَيُجازِيهِمْ عَلى وُفْقِها، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْمُبَدِّلِينَ ووَعْدٌ لِلْمُوصِينَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الفَرْضَ يَسْقُطُ عَنِ المُوصِي بِنَفْسِ الوَصِيَّةِ، ولا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ إنْ لَمْ يَعْمَلْ بِها، وعَلى أنَّ مَن كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأوْصى بِقَضائِهِ يَسْلَمُ مِن تَبِعَتِهِ في الآخِرَةِ، وإنْ تَرَكَ الوَصِيُّ والوارِثُ قَضاءَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ألْكِيا، والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ المَدْيُونَ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ مُطْلَقًا ولا يُحْبَسُ في قَبْرِهِ، كَما يَقُولُهُ النّاسُ، أمّا إذا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا وماتَ مُعْسِرًا فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ بَقِيَ حَيًّا لا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ إعْسارِهِ، سِوى نَظِرَةٍ إلى مَيْسَرَةٍ، فَمُؤاخَذَتُهُ وحَبْسُهُ في قَبْرِهِ بَعْدَ ذَهابِهِ إلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، مِمّا لا يَكادُ يُعْقَلُ، وأمّا إذا تَرَكَ شَيْئًا وعَلِمَ الوارِثُ بِالدَّيْنِ أوْ بِرِهْنٍ عَلَيْهِ بِهِ كانَ هو المُطالَبُ بِأدائِهِ والمُلْزَمُ بِوَفائِهِ، فَإذا لَمْ يُؤَدِّ ولَمْ يَفِ أُوخِذَ هو لا مَن ماتَ وتَرَكَ ما يُوَفّى مِنهُ دَيْنُهُ كُلًّا أوْ بَعْضًا، فَإنَّ مُؤاخَذَةَ مَن يَقُولُ يا رَبِّ تَرَكْتُ ما يَفِي ولَمْ يَفِ عَنِّي مَن أوْجَبْتَ عَلَيْهِ الوَفاءَ بَعْدِي، ولَوْ أمْهَلَتَنِي لَوَفَّيْتُ مِمّا يُنافِي الحِكْمَةَ ولا تَقْتَضِيهِ الرَّحْمَةُ، نَعَمِ المُؤاخَذَةُ مَعْقُولَةٌ فِيمَنِ اسْتَدانَ لِحَرامٍ، وصَرَفَ المالَ في غَيْرِ رِضا المَلِكِ العَلّامِ، وما ورَدَ في الأحادِيثِ مَحْمُولٌ عَلى هَذا أوْ نَحْوِهِ، وأخْذُ ذَلِكَ مُطْلَقًا مِمّا لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ السَّلِيمُ والذِّهْنُ المُسْتَقِيمُ.

البقرة 2:182

﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ الجَنَفُ مَصْدَرُ جَنِفَ كَفَرِحَ مُطْلَقُ المَيْلِ والجَوْرِ، والمُرادُ بِهِ المَيْلُ في الوَصِيَّةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِالإثْمِ، فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ بِالقَصْدِ، ومَعْنى خافَ تَوَقَّعَ وعَلِمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: إذا مِتُّ فادْفِنِّي إلى جَنْبِ كَرْمَةٍ تَرْوِي عِظامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُها ولا تَدْفِنَنِّي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقَها وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ الخَوْفَ حالَةٌ تَعْتَرِي عِنْدَ انْقِباضٍ مِن شَرٍّ مُتَوَقَّعٍ، فَلِتِلْكَ المُلابَسَةِ اسْتُعْمِلَ في التَّوَقُّعِ، وهو قَدْ يَكُونُ مَظْنُونَ الوُقُوعِ، وقَدْ يَكُونُ مَعْلُومُهُ، فاسْتُعْمِلَ فِيهِما بِمَرْتَبَةٍ ثانِيَةٍ، ولِأنَّ الأوَّلَ أكْثَرُ كانَ اسْتِعْمالُهُ فِيهِ أظْهَرَ، ثُمَّ أصْلُهُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في الظَّنِّ والعِلْمِ بِالمَحْذُورِ، وقَدْ يَتَّسِعُ في إطْلاقِهِ عَلى المُطْلَقِ، وإنَّما حُمِلَ عَلى المَجازِ هُنا؛ لِأنَّهُ لا مَعْنًى لِلْخَوْفِ مِنَ المَيْلِ والإثْمِ بَعْدَ وُقُوعِ الإيصاءِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرُ حَفْصٍ ويَعْقُوبَ: ( مِن مُوَصٍّ ) بِالتَّشْدِيدِ والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ المُوصى لَهم مِنَ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِإجْرائِهِمْ عَلى نَهْجِ الشَّرْعِ، وقِيلَ: المُرادُ فِعْلُ ما فِيهِ الصَّلاحُ بَيْنَ المُوصِي والمُوصى لَهُ، بِأنْ يَأْمُرَ بِالعَدْلِ والرُّجُوعِ عَنِ الزِّيادَةِ، وكَوْنِها لِلْأغْنِياءِ صفحة 56 وعَلَيْهِ لا يُرادُ الصُّلْحُ المُرَتَّبُ عَلى الشِّقاقِ، فَإنَّ المُوصِي والمُوصى لَهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُما شِقاقٌ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في ذَلِكَ التَّبْدِيلِ؛ لِأنَّهُ تَبْدِيلٌ باطِلٌ إلى حَقٍّ بِخِلافِ السّابِقِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ إذا أوْصى بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لا تَبْطُلُ الوَصِيَّةُ كُلُّها خِلافًا لِزاعِمِهِ، وإنَّما يَبْطُلُ مِنها ما زادَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمْ يُبْطِلِ الوَصِيَّةَ جُمْلَةً بِالجَوْرِ فِيها، بَلْ جَعَلَ فِيها الوَجْهَ الأصْلَحَ، ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 182﴾ تَذْيِيلٌ أتى بِهِ لِلْوَعْدِ بِالثَّوابِ لِلْمُصْلِحِ عَلى إصْلاحِهِ وذِكْرِ المَغْفِرَةِ، مَعَ أنَّ الإصْلاحَ مِنَ الطّاعاتِ، وهي إنَّما تَلِيقُ مِن فِعْلِ ما لا يَجُوزُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الإثْمِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ المَغْفِرَةُ، ولِذَلِكَ حَسُنَ ذِكْرُها، وفائِدَتُها التَّنْبِيهُ عَلى الأعْلى بِما دُونَهُ، يَعْنِي أنَّهُ - تَعالى - غَفُورٌ لِلْآثامِ، فَلِأنْ يَكُونَ رَحِيمًا مَن أطاعَهُ مِن بابِ الأوْلى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُها وعْدًا لِلْمُصْلِحِ بِمَغْفِرَةِ ما يَفْرُطُ مِنهُ في الإصْلاحِ؛ إذْ رُبَّما يَحْتاجُ فِيهِ إلى أقْوالٍ كاذِبَةٍ وأفْعالٍ تَرْكُها أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ غَفُورٌ لِلْجَنَفِ والإثْمِ الَّذِي وقَعَ مِنَ المُوصِي بِواسِطَةِ إصْلاحِ الوَصِيِّ وصِيَّتَهُ، أوْ غَفُورٌ لِلْمُوصِي بِما حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الخَطَأِ والعَمَلِ إذْ رَجَعَ إلى الحَقِّ، أوْ غَفُورٌ لِلْمُصْلِحِ بِواسِطَةِ إصْلاحِهِ بِأنْ يَكُونَ الإصْلاحُ مُكَفِّرًا لِسَيِّئاتِهِ والكُلُّ بَعِيدٌ.

البقرة 2:183

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ بَيانٌ لِحُكْمٍ آخَرَ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ مَعَ بُعْدِ العَهْدِ، والصِّيام كالصَّوْمِ مَصْدَرُ صامَ، وهو لُغَةً الإمْساكُ، ومِنهُ يُقالُ لِلصَّمْتِ صَوْمٌ؛ لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الكَلامِ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: كُلُّ شَيْءٍ تَمْكُثُ حَرَكَتُهُ فَقَدْ صامَ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ - صائِمَةٍ تَحْتَ العِجاجِ - وأُخْرى تَعُلُكُ اللُّجَما فَصامَتِ الرِّيحِ رَكَدَتْ، وصامَتِ الشَّمْسُ إذا اسْتَوَتْ في مُنْتَصَفِ النَّهارِ، وشَرْعًا إمْساكٌ عَنْ أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ في زَمانٍ مَخْصُوصٍ مِمَّنْ هو عَلى صِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ، ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيِ: الأنْبِياءِ والأُمَمِ مِن لَدُنْ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى يَوْمِنا كَما هو ظاهِرُ عُمُومِ المَوْصُولِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهم أهْلُ الكِتابِ. وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ والشَّعْبِيِّ أنَّهُمُ النَّصارى. وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ وتَرْغِيبُ فِيهِ وتَطْيِيبٌ لِأنْفُسِ المُخاطَبِينَ فِيهِ، فَإنَّ الأُمُورَ الشّاقَّةَ إذا عَمَّتْ طابَتْ، والمُرادُ بِالمُماثَلَةِ إمّا المُماثَلَةُ في أصْلِ الوُجُوبِ وعَلَيْهِ أبُو مُسْلِمٍ والجِبّائِيُّ، وإمّا في الوَقْتِ والمِقْدارِ، بِناءً عَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ فُرِضَ عَلَيْهِمْ صَوْمُ رَمَضانَ، فَتَرَكَهُ اليَهُودُ إلى صَوْمِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ زَعَمُوا أنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي أُغْرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، وزادَ فِيهِ النَّصارى يَوْمًا قَبْلُ ويَوْمًا بَعْدُ احْتِياطًا، حَتّى بَلَغُوا فِيهِ خَمْسِينَ يَوْمًا، فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ في الحَرِّ، فَنَقَلُوهُ إلى زَمَنِ نُزُولِ الشَّمْسِ بُرْجَ الحَمَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ حَنْظَلَةَ والنَّحّاسُ والطَّبَرانِيُّ «عَنْ مُغَفَّلِ بْنِ حَنْظَلَةَ مَرْفُوعًا: كانَ عَلى النَّصارى صَوْمُ شَهْرِ رَمَضانَ فَمَرِضَ مَلِكُهُمْ، فَقالُوا: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ تَعالى لَنَزِيدَنَّ عَشْرًا، ثُمَّ كانَ آخَرُ فَأكَلَ لَحْمًا فَأُوِجِعَ فُوهُ، فَقالُوا: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ لَنَزِيدَنَّ سَبْعَةً، ثُمَّ كانَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ آخَرُ، فَقالَ: ما نَدَعُ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ أيّامٍ شَيْئًا أنْ نُتِمَّها ونَجْعَلَ صَوْمَنا في الرَّبِيعِ فَفَعَلَ فَصارَتْ خَمْسِينَ يَوْمًا». وفي كَما خَمْسَةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها: أنَّ مَحِلَّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُتِبَ كَتْبًا، مِثْلَ ما كُتِبَ. الثّانِي: أنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبِ حالٍ مِنَ المَصْدَرِ المَعْرِفَةِ؛ أيْ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ الكَتْبَ، مُشَبَّهًا بِما كُتِبَ، و( ما ) عَلى الوَجْهَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مِن لَفْظِ الصِّيامِ؛ أيْ: صَوْمًا مُماثِلًا لِلصَّوْمِ المَكْتُوبِ عَلى مَن قَبْلَكُمُ. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصِّيامِ؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُماثِلًا لِما كُتِبَ، و( ما ) عَلى الوَجْهَيْنِ مَوْصُولَةٌ. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلصِّيامِ بِناءً عَلى أنَّ المُعَرَّفَ ( بِألِ ) الجِنْسِيَّةِ صفحة 57 قَرِيبٌ مِنَ النَّكِرَةِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ 183﴾ أيْ: كَيْ تَحْذَرُوا المَعاصِيَ، فَإنَّ الصَّوْمَ يُعْقِمُ الشَّهْوَةَ الَّتِي هي أُمُّها أوْ يَكْسِرُها، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”يا مَعْشَرَ الشَّبابِ، مَنِ اسْتَطاعَ مِنكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّ لَهُ وِجاءً“،» ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدِّرَ المَفْعُولُ الإخْلالَ بِأدائِهِ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الكَلامُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (كُتِبَ) مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى التَّشْبِيهِ، وعَلى الثّانِي بِالنَّظَرِ إلَيْهِ؛ أيْ: كُتِبَ عَلَيْكم مِثْلُ ما كُتِبَ عَلى الأوَّلِينَ لِكَيْ ( تَتَّقُوا ) الإخْلالَ بِأدائِهِ بَعْدَ العِلْمِ بِأصالَتِهِ وقِدَمِهِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أعْلَمْتُكُمُ الحُكْمَ المَذْكُورَ لِذَلِكَ، كَما قِيلَ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُنَزَلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ أيْ: لِكَيْ تَصِلُوا بِذَلِكَ إلى رُتْبَةِ التَّقْوى.

البقرة 2:184

﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ أيْ: مُعَيَّناتٍ بِالعَدِّ أوْ قَلِيلاتٍ؛ لِأنَّ القَلِيلَ يَسْهُلُ عَدُّهُ فَيُعَدُّ، والكَثِيرُ يُؤْخَذُ جُزافًا. قالَ مُقاتِلٌ: كُلُّ ( مَعْدُوداتٍ ) في القُرْآنِ أوْ ( مَعْدُودَةٍ ) دُونَ الأرْبَعِينَ، ولا يُقالُ ذَلِكَ لِما زادَ، والمُرادُ بِهَذِهِ الأيّامِ إمّا رَمَضانُ، واخْتارَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو مُسْلِمٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأكْثَرُ المُحَقِّقِينَ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، فَيَكُونُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ أخْبَرَ أوَّلًا أنَّهُ كَتَبَ عَلَيْنا الصِّيامَ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فَزالَ بَعْضُ الإبْهامِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ مِن قائِلٍ -: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ تَوْطِينًا لِلنَّفْسِ عَلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَكانَ ذِكْرُ المَرِيضِ والمُسافِرِ تَكْرارًا، وأُجِيبَ بِأنَّهُ كانَ في الِابْتِداءِ صَوْمُ رَمَضانَ واجِبًا عَلى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِدْيَةِ، فَحِينَ نُسِخَ التَّخْيِيرُ، وصارَ واجِبًا عَلى التَّعْيِينِ كانَ مَظِنَّةً أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ هَذا الحُكْمَ يَعُمُّ الكُلَّ حَتّى يَكُونَ المَرِيضُ والمُسافِرُ فِيهِ كالمُقِيمِ والصَّحِيحِ، فَأُعِيدَ حُكْمُهُما، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ رُخْصَتَهُما باقِيَةٌ بِحالِها لَمْ تَتَغَيَّرْ كَما تَغَيَّرَ حُكْمُ المُقِيمِ والصَّحِيحِ، وأمّا ما وجَبَ صَوْمُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ، وهو ثَلاثَةُ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وهي أيّامُ البِيضِ، عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أوْ ثَلاثَةٌ مِن كُلِّ شَهْرٍ، ويَوْمُ عاشُوراءَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، واتَّفَقَ أهْلُ هَذا القَوْلِ عَلى أنَّ هَذا الواجِبَ قَدْ نُسِخَ بِصَوْمِ رَمَضانَ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ فَرْضِيَّتَهُ إنَّما ثَبَتَتْ بِما في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ كانَ قَدْ عُمِلَ بِذَلِكَ الحُكْمِ مُدَّةً مَدِيدَةً - كَما قِيلَ بِهِ - فَكَيْفَ يَكُونُ النّاسِخُ مُتَّصِلًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ عُمِلَ بِهِ لا يَصِحُّ النَّسْخُ؛ إذْ لا نَسْخَ قَبْلَ العَمَلِ، وأُجِيبَ أمّا عَلى اخْتِيارِ الأوَّلِ، فَبِأنَّ الِاتِّصالَ في التِّلاوَةِ لا يَدُلُّ عَلى الِاتِّصالِ في النُّزُولِ، وأمّا عَلى اخْتِيارِ الثّانِي، فَبِأنَّ الأصَحَّ جَوازُ النَّسْخِ قَبْلَ العَمَلِ فَتَدَبَّرْ. وانْتِصابُ (أيّامًا) لَيْسَ بِالصِّيامِ كَما قِيلَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، بَلْ بِمُضْمَرٍ، دَلَّ هو عَلَيْهِ - أعْنِي صُومُوا - إمّا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوِ المَفْعُولِيَّةِ اتِّساعًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُسْتَفادُ مِن كافِ التَّشْبِيهِ، وفِيهِ بَيانٌ لِوَجْهِ المُماثَلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامَ مُماثِلًا لِصِيامِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم في كَوْنِهِ ( أيّامًا مَعْدُودات ) أيِ: المُماثَلَةُ واقِعَةٌ بَيْنَ الصِّيامَيْنِ مِن هَذا الوَجْهِ، وهو تَعَلُّقُ كُلٍّ مِنهُما بِمُدَّةٍ غَيْرِ مُتَطاوِلَةٍ، فالكَلامُ مِن قَبِيلِ زَيْدٌ كَعَمْرٍو فِقْهًا، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ كُتُبٍ عَلى الِاتِّساعِ، ورَدُّهُ في البَحْرِ بِأنَّ الِاتِّساعَ مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ وُقُوعِهِ ظَرْفًا لِـ كُتُبِ وذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ مَحَلُّ الفِعْلِ، والكِتابَةُ لَيْسَتْ واقِعَةً في الأيّامِ، وإنَّما الواقِعُ فِيها مُتَعَلِّقُها وهو الصِّيامُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَكْفِي لِلظَّرْفِيَّةِ ظَرْفِيَّةُ المُتَعَلِّقِ، كَما في ( يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ) وبِأنَّ مَعْنى (كُتُبٍ) فُرِضَ، وفَرْضِيَّةُ الصِّيامِ واقِعَةٌ في الأيّامِ ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ مَرَضًا يَعْسُرُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ مَعَهُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما بَعْدُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ وعَلَيْهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ، وذَهَبَ ابْنُ سِيرِينَ وعَطاءٌ والبُخارِيُّ إلى أنَّ المُرَخَّصَ مُطْلَقُ صفحة 58 المَرَضِ عَمَلًا بِإطْلاقِ اللَّفْظِ، وحُكِيَ أنَّهم دَخَلُوا عَلى ابْنِ سِيرِينَ في رَمَضانَ وهو يَأْكُلُ فاعْتَلَّ بِوَجَعِ إصْبَعِهِ، وهو قَوْلٌ لِلشّافِعِيَّةِ. ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾: أوْ راكِبُ سَفَرٍ مُسْتَعْلٍ عَلَيْهِ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ، بِأنِ اشْتَغَلَ بِهِ قَبْلَ الفَجْرِ، فَفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مَن سافَرَ في أثْناءِ اليَوْمِ لَمْ يُفْطِرْ، ولِهَذا المَعْنى أُوثِرَ عَلى ( مُسافِرًا )، واسْتُدِلَّ بِإطْلاقِ السَّفَرِ عَلى أنَّ القَصِيرَ وسَفَرَ المَعْصِيَةِ مُرَخِّصٌ لِلْإفْطارِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى تَقْيِيدِهِ بِالمُباحِ وما يَلْزَمُهُ العُسْرُ غالِبًا، وهو السَّفَرُ إلى المَسافَةِ المُقَدَّرَةِ في الشَّرْعِ. ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صَوْمُ عِدَّةِ أيّامِ المَرَضِ والسَّفَرِ مِن أيّامٍ أُخَرَ إنْ أفْطَرَ، وحُذِفَ الشَّرْطُ والمُضافانِ لِلْعِلْمِ بِهِما، أمّا الشَّرْطُ فَلِأنَّ المَرِيضَ والمُسافِرَ داخِلانِ في الخِطابِ العامِّ، فَدَلَّ عَلى وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِما، فَلَوْ لَمْ يَتَقَيَّدِ الحُكْمُ هُنا بِهِ لَزِمَ أنْ يَصِيرَ المَرَضُ والسَّفَرُ اللَّذانِ هُما مِن مُوجِباتِ اليُسْرِ شَرْعًا وعَقْلًا مُوجِبَيْنِ لِلْعُسْرِ، وأمّا المُضافُ الأوَّلُ، فَلِأنَّ الكَلامَ في الصَّوْمِ ووُجُوبِهِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ( مَن كانَ مَرِيضًا أوْ مُسافِرًا فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ ) أيْ: أيّامٌ مَعْدُودَةٌ، مَوْصُوفَةٌ بِأنَّها مِن أيّامٍ أُخَرَ، عُلِمَ أنَّ المُرادَ مَعْدُودَةٌ بِعَدَدِ أيّامِ المَرَضِ والسَّفَرِ، واسْتُغْنِيَ عَنِ الإضافَةِ، وهَذا الإفْطارُ مَشْرُوعٌ عَلى سَبِيلِ الرُّخْصَةِ، فالمَرِيضُ والمُسافِرُ إنْ شاءا صاما وإنْ شاءا أفْطَرا، كَما عَلَيْهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ، إلّا أنَّ الإمامَ أبا حَنِيفَةَ ومالِكًا قالا: الصَّوْمُ أحَبُّ، والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وْالأوْزاعِيُّ قالُوا: الفِطْرُ أحَبُّ، ومَذْهَبُ الظّاهِرِيَّةِ وُجُوبُ الإفْطارِ، وأنَّهُما إذا صاما لا يَصِحُّ صَوْمُهُما؛ لِأنَّهُ قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ وجَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وبِهِ قالَ الإمامِيَّةُ، وأطالُوا بِالِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ بِما رَوَوْهُ عَنْ أهْلِ البَيْتِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ القَضاءِ مُتَتابِعًا ومُتَفَرِّقًا، وأنَّهُ لَيْسَ عَلى الفَوْرِ، خِلافًا لِداوُدَ، وعَلى أنَّ مَن أفْطَرَ رَمَضانَ كُلَّهُ قَضى ( أيّامًا مَعْدُودَةً )، فَلَوْ كانَ تامًّا لَمْ يُجْزِهِ شَهْرٌ ناقِصٌ أوْ ناقِصًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَهْرٌ كامِلٌ خِلافًا لِمَن خالَفَ في الصُّورَتَيْنِ، واحْتَجَّ بِها أيْضًا مَن قالَ: لا فِدْيَةَ مَعَ القَضاءِ، وكَذا مَن قالَ: إنَّ المُسافِرَ إذا أقامَ والمَرِيضَ إذا شُفِيَ أثْناءَ النَّهارِ لَمْ يَلْزَمْهُما الإمْساكُ بَقِيَّتَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ – تَعالى - إنَّما أوْجَبَ عِدَّةً مِن أيّامٍ أُخَرَ وهُما قَدْ أفْطَرا، فَحُكْمُ الإفْطارِ باقٍ لَهُما، ومِن حُكْمِهِ أنْ لا يَجِبَ أكْثَرُ مِن يَوْمٍ، ولَوْ أمَرْناهُ بِالإمْساكِ ثُمَّ القَضاءِ لَأوْجَبْنا بَدَلَ اليَوْمِ أكْثَرَ مِنهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقُرِئَ ( فَعِدَّةً ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَلْيَصُمْ عِدَّةً، ومَن قَدَّرَ الشَّرْطَ هُناكَ قَدَّرَهُ هُنا، ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أيْ: وعَلى المُطِيقِينَ لِلصِّيامِ إنْ أفْطَرُوا ﴿فِدْيَةٌ﴾ أيْ: إعْطاؤُها. ﴿طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ هي قَدْرُ ما يَأْكُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ، وهي نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعٌ مِن غَيْرِهِ عِنْدَ أهْلِ العِراقِ، ومُدٌّ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ لِكُلِّ يَوْمٍ، وكانَ ذَلِكَ في بَدْءِ الإسْلامِ، لِما أنَّهُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ، وما كانُوا مُتَعَوِّدِينَ لَهُ، فاشْتَدُّ عَلَيْهِمْ، فَرُخِّصَ لَهم في الإفْطارِ والفِدْيَةِ، أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ وآخَرُونَ «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ كانَ مَن شاءَ مِنّا صامَ، ومَن شاءَ أفْطَرَ، ويُفْتَدى فِعْلُ ذَلِكَ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها فَنَسَخَتْها ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾» وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: ( يُطَيِّقُونَهُ ) بِضَمِّ الياءِ الأُولى وتَشْدِيدِ الياءِ الثّانِيَةِ، ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: ( يُطَّيِّقُونَهُ ) بِتَشْدِيدِ الطّاءِ والياءِ الثّانِيَةِ، وكِلْتا القِراءَتَيْنِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِي لِلْفاعِلِ، عَلى أنَّ أصْلَهُما: ( يُطَيْوِقُونَهُ ) ( ويَتَطَيْوَقُونَهُ ) مِن فَيْعَلَ وتَفَيْعَلَ، لا مِن فَعَلَ وتَفَعَّلَ، وإلّا لَكانَ بِالواوِ دُونَ الياءِ؛ لِأنَّهُ مِن طَوَّقَ وهو واوِيٌّ، وقَدْ جُعِلَتِ الواوُ ياءً فِيهِما، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ، ومَعْناهُما ( يَتَكَلَّفُونَهُ )، وعائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها -: ( يُطَوِّقُونَهُ ) بِصِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مِنَ التَّفْعِيلِ؛ أيْ: يُكَلِّفُونَهُ أوْ يُقَلِّدُونَهُ مِنَ الطَّوْقِ بِمَعْنى الطّاقَةِ أوِ القِلادَةِ، ورُوِيَتِ الثَّلاثُ صفحة 59 عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أيْضًا، وعَنْهُ ( يَتَطَوَّقُونَهُ ) بِمَعْنى يَتَكَلَّفُونَهُ أوْ يَتَقَلَّدُونَهُ ويُطَوِّقُونَهُ - بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ - وذَهَبَ إلى عَدَمِ النَّسْخِ، كَما رَواهُ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما، وقالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الشَّيْخِ الكَبِيرِ الهَرِمِ والعَجُوزِ الكَبِيرَةِ الهَرِمَةِ. ومِنَ النّاسِ مَن لَمْ يَقُلْ بِالنَّسْخِ أيْضًا عَلى القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ، وفَسَّرَها بِـ ( يَصُومُونَهُ جَهْدَهم وطاقَتَهم )، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ( الوُسْعَ ) اسْمٌ لِلْقُدْرَةِ عَلى الشَّيْءِ عَلى وجْهِ السُّهُولَةِ، ( والطّاقَةُ ) اسْمٌ لِلْقُدْرَةِ مَعَ الشِّدَّةِ والمَشَقَّةِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: ( وعَلى الَّذِينَ ) يَصُومُونَهُ مَعَ الشِّدَّةِ والمَشَقَّةِ، فَيَشْمَلُ نَحْوَ الحُبْلى والمُرْضِعِ أيْضًا، وعَلى أنَّهُ مِن أطاقَ الفِعْلَ بَلَغَ غايَةَ طَوْقِهِ أوْ فَرَغَ طَوْقُهُ فِيهِ، وجازَ أنْ تَكُونَ ( الهَمْزَةُ ) لِلسَّلْبِ، كَأنَّهُ سَلَبَ طاقَتَهُ بِأنْ كَلَّفَ نَفْسَهُ المَجْهُودَ، فَسَلَبَ طاقَتَهُ عِنْدَ تَمامِهِ، ويَكُونُ مُبالَغَةً في بَذْلِ المَجْهُودِ؛ لِأنَّهُ مُشارِفٌ لِزَوالِ ذَلِكَ - كَما في الكَشْفِ - والحَقُّ أنَّ كُلًّا مِنَ القِراءاتِ يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى ما يَحْتَمِلُ النَّسْخَ، وعَلى ما لا يَحْتَمِلُهُ، ولِكُلٍّ ذَهَبَ بَعْضٌ، ورُوِيَ عَنْ حَفْصَةَ أنَّها قَرَأتْ: ( وعَلى الَّذِينَ لا يُطِيقُونَهُ )، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِإضافَةِ ( فِدْيَةٍ ) إلى ( الطَّعامِ )، وجَمْعِ ( المِسْكِينِ )، والإضافَةُ حِينَئِذٍ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ كَخاتَمِ فِضَّةٍ؛ لِأنَّ طَعامَ المِسْكِينِ يَكُونُ فِدْيَةً وغَيْرَها، وجَمَعَ المِسْكِينِ؛ لِأنَّهُ جُمِعَ في ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ فَقابَلَ الجَمْعَ بِالجَمْعِ، ولَمْ يَجْمَعْ فِدْيَةً؛ لِأنَّها مَصْدَرٌ، والتّاءُ فِيها لِلتَّأْنِيثِ لا لِلْمَرَّةِ، ولِأنَّهُ لَمّا أضافَها إلى مُضافٍ إلى الجَمْعِ، فُهِمَ مِنها الجَمْعُ. ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ بِأنْ زادَ عَلى القَدْرِ المَذْكُورِ في ( الفِدْيَةِ )، قالَ مُجاهِدٌ: أوْ زادَ عَلى عَدَدِ مَن يَلْزَمُهُ إطْعامُهُ، فَيُطْعِمُ مِسْكِينَيْنِ فَصاعِدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ جَمَعَ بَيْنَ الإطْعامِ والصَّوْمِ، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أيِ: التَّطَوُّعُ أوِ الخَيْرُ الَّذِي تَطَوَّعَهُ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الخَيْرَ الأوَّلَ مَصْدَرُ خِرْتَ يا رَجُلَ وأنْتَ خائِرٌ أيْ حَسَنٌ، والخَيْرُ الثّانِي اسْمُ تَفْضِيلٍ، فَيُفِيدُ الحَمْلَ أيْضًا بِلا مِرْيَةَ، وإرْجاعُ الضَّمِيرِ إلى ( مَن ) أيْ: فالمُتَطَوِّعُ خَيْرٌ مِن غَيْرِهِ لِأجْلِ التَّطَوُّعِ لا يَخْفى بَعْدَهُ، ﴿وأنْ تَصُومُوا﴾ أيْ: أيُّها المُطِيقُونَ المُقِيمُونَ الأصِحّاءُ، أوِ المُطَوَّقُونَ مِنَ الشُّيُوخِ والعَجائِزِ، أوِ المُرَخِّصُونَ في الإفْطارِ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، والمَرْضى والمُسافِرِينَ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ جَبْرًا لِكُلْفَةِ الصَّوْمِ بِلَذَّةِ المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: ( والصِّيامُ ). ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الفِدْيَةِ أوْ تَطَوُّعِ الخَيْرِ عَلى الأوَّلِينَ، أوْ مِنهُما ومِنَ التَّأْخِيرِ لِلْقَضاءِ عَلى الأخِيرِ، ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 184﴾ ما في الصَّوْمِ مِنَ الفَضِيلَةِ، وجَوابُ ( إنَّ ) مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِظُهُورِهِ؛ أيِ: اخْتَرْتُمُوهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلِمْتُمْ أنَّ الصَّوْمَ خَيْر لَكم مِن ذَلِكَ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِخَيْرِيَّةِ الصَّوْمِ، وعَلى الأوَّلِ تَأْسِيسًا.

البقرة 2:185

﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولُ بَعْدَهُ، ويَكُونُ ذِكْرُ الجُمْلَةِ مُقَدِّمَةً لِفَرْضِيَّةِ صَوْمِهِ بِذِكْرِ فَضْلِهِ، أوْ ﴿فَمَن شَهِدَ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِالمَوْصُولِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكُمُ الوَقْتُ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ فِيهِ، أوِ المَكْتُوبُ شَهْرُ رَمَضانَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الصِّيامِ بَدَلَ كُلٍّ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ، وما تَخَلَّلَ بَيْنَهُما مِنَ الفَصْلِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كَتَبَ) لَفْظًا أوْ مَعْنًى، فَلَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مُطْلَقًا، وإنِ اعْتَبَرْتَهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ اسْتَغْنَيْتَ عَنِ التَّقْدِيرِ، إلّا أنَّ كَوْنَ الحُكْمِ السّابِقِ - وهو فَرْضِيَّةُ الصَّوْمِ - مَقْصُودًا بِالذّاتِ، وعَدَمُ كَوْنِ ذِكْرِ المُبْدَلِ مِنهُ مُشَوِّقًا إلى ذِكْرِ البَدَلِ يُبْعِدُ ذَلِكَ، وقُرِئَ ( شَهْرَ ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِـ ( صُومُوا ) مَحْذُوفًا، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولُ ﴿وأنْ تَصُومُوا﴾ وفِيهِ لُزُومُ الفَصْلِ بَيْنَ أجْزاءِ المَصْدَرِيَّةِ صفحة 60 بِالخَبَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ( تَعْلَمُونَ ) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: شَرَفَ شَهْرِ رَمَضانَ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ، والمُرادُ ( إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) نَفْسَ الشَّهْرِ ولا تَشُكُّونَ فِيهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الصَّوْمَ لا يَنْبَغِي مَعَ الشَّكِّ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، والشَّهْرُ المُدَّةُ المُعَيَّنَةُ الَّتِي ابْتِداؤُها رُؤْيَةُ الهِلالِ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أشْهُرٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى شُهُورٍ، وأصْلُهُ مِن شَهَرَ الشَّيْءَ أظْهَرَهُ، وهو لِكَوْنِهِ مِيقاتًا لِلْعِباداتِ والمُعامَلاتِ، صارَ مَشْهُورًا بَيْنَ النّاسِ، ورَمَضان مَصْدَرُ رَمِضَ - بِكَسْرِ العَيْنِ - إذا احْتَرَقَ، وفي شَمْسِ العُلُومِ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيها الأفْعالُ فَعَلانُ - بِفَتْحِ الفاءِ والعَيْنِ - وأكْثَرُ ما يَجِيءُ بِمَعْنى المَجِيءِ والذَّهابِ والِاضْطِرابِ - كالخَفَقانِ والعَسَلانِ واللَّمَعانِ - وقَدْ جاءَ لِغَيْرِ المَجِيءِ والذَّهابِ كَما في ( شَنَأْتُهُ شَنَآنًا إذا بَغَضْتُهُ ) فَما في البَحْرِ مِن أنَّ كَوْنَهُ مَصْدَرًا يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، فَإنَّ فَعَلانًا لَيْسَ مَصْدَرَ فِعْلِ اللّازِمِ، فَإنْ جاءَ شَيْءٌ مِنهُ كانَ شاذًّا، فالأوْلى أنْ يَكُونَ مُرْتَجَلًا لا مَنقُولًا ناشِئٌ عَنْ قِلَّةِ الِاطِّلاعِ، والخَلِيلُ يَقُولُ: إنَّهُ مِنَ الرَّمْضِ - مُسَكَّنَ المِيمِ - وهو مَطَرٌ يَأْتِي قَبْلَ الخَرِيفِ يُطَهِّرُ وجْهُ الأرْضِ عَنِ الغُبارِ، وقَدْ جُعِلَ مَجْمُوعُ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ عَلَمًا لِلشَّهْرِ المَعْلُومِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَحْسُنْ إضافَةُ ( شَهْرٍ ) إلَيْهِ كَما لا يَحْسُنُ ( إنْسانُ زَيْدٍ ) وإنَّما تَصِحُّ إضافَةُ العامِّ إلى الخاصِّ إذا اشْتُهِرَ كَوْنُ الخاصِّ مِن أفْرادِهِ، ولِهَذا لَمْ يُسْمَعْ شَهْرُ رَجَبٍ وشَهْرُ شَعْبانَ، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ أطْبَقُوا عَلى أنَّ العَلَمَ في ثَلاثَةِ أشْهُرٍ مَجْمُوعُ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ شَهْرُ رَمَضانَ، وشَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلِ وشَهْرُ رَبِيعٍ الثّانِي، وفي البَواقِي لا يُضافُ شَهْرٌ إلَيْهِ، وقَدْ نَظَّمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ: ولا تُضِفْ شَهْرًا إلى اسْمِ شَهْرِ إلّا لِما أوَّلُهُ ( الرّا ) فادْرِ واسْتَثْنِ مِنها رَجَبًا فَيَمْتَنِعْ لِأنَّهُ فِيما رَوَوْهُ ما سُمِعْثُمَّ في الإضافَةِ يُعْتَبَرُ في أسْبابِ مَنعِ الصَّرْفِ وامْتِناعِ ( اللّامِ ) ووُجُوبِها حالَ المُضافِ إلَيْهِ، فَيَمْتَنِعُ في مِثْلِ ( شَهْرُ رَمَضانَ ) وابْنُ دايَةَ مِنَ الصَّرْفِ ودُخُولُ ( اللّامِ ) ويُنْصَرُ في مِثْلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ وابْنِ عَبّاسٍ، ويَجِبُ ( اللّامُ ) في مِثْلِ امْرِئِ القَيْسِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ جُزْءًا حالَ تَحْلِيَتِهِ بِاللّامِ، ويَجُوزُ في مِثْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، أمّا دُخُولُهُ فَلِلَمْحِ الأصْلِ، وأمّا عَدَمُهُ فَلِتَجَرُّدِهِ في الأصْلِ، وعَلى هَذا فَنَحْوُ مَن صامَ رَمَضانَ مِن حَذْفِ جُزْءِ العَلَمِ لِعَدَمِ الإلْباسِ، كَذا قِيلَ، وفِيهِ بَحْثٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ إضافَةَ العامِّ إلى الخاصِّ مَرْجِعُها إلى الذَّوْقِ، ولِهَذا تَحْسُنُ تارَةً كَشَجَرِ الأراكِ، وتَقْبُحُ أُخْرى كَإنْسانِ زَيْدٍ، وقُبْحُها في ( شَهْرِ رَمَضانَ ) لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن تَغَيَّرَ ذَوْقُهُ مِن أثَرِ الصَّوْمِ، وأمّا ثانِيًا فَإنَّ قَوْلَهُمْ: لَمْ يُسْمَعْ شَهْرُ رَجَبٍ إلَخْ مِمّا سُمِعَ بَيْنَ المُتَأخِّرِينَ - ولا أصْلَ لَهُ - فَفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ جَوازُ إضافَةِ ( شَهْرٍ ) إلى جَمِيعِ أسْماءِ الشُّهُورِ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، فادِّعاءُ الإطْباقِ غَيْرُ مُطَبَّقٍ عَلَيْهِ، ومَنشَأُ غَلَطِ المُتَأخِّرِينَ ما في أدَبِ الكاتِبِ، مِن أنَّهُ اصْطِلاحُ الكُتّابِ، قالَ: لِأنَّهم لَمّا وضَعُوا التّارِيخَ في زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وجَعَلُوا أوَّلَ السَّنَةِ المُحَرَّمَ، فَكانُوا لا يَكْتُبُونَ في تَوارِيخِهِمْ شَهْرًا إلّا مَعَ رَمَضانَ والرَّبِيعَيْنِ، فَهو أمْرٌ اصْطِلاحِيٌّ، لا وضْعِيٌّ لُغَوِيٌّ، ووَجْهُهُ في رَمَضانَ مُوافَقَةُ القُرْآنِ، وفي رَبِيعٍ الفَصْلُ عَنِ الفَصْلِ، ولِذا صَحَّحَ سِيبَوَيْهِ جَوازَ إضافَةِ الشَّهْرِ إلى جَمِيعِ أسْماءِ الشُّهُورِ، وفَرَّقَ بَيْنَ ذِكْرِهِ وعَدَمِهِ بِأنَّهُ حَيْثُ ذُكِرَ لَمْ يُفِدِ العُمُومَ، وحَيْثُ حُذِفَ أفادَهُ، وعَلَيْهِ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ ( إنْسانِ زَيْدٍ ) و( شَهْرِ رَمَضانَ ) ولا يُغَمُّ هِلالُ ذَلِكَ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ( ثُمَّ ) في الإضافَةِ إلَخْ، مِمّا صَرَّحَ النُّحاةُ بِخِلافِهِ، فَإنَّ ابْنَ دايَةَ سَمِعَ مَنعَهُ وصَرْفَهُ كَقَوْلِهِ: صفحة 61 ولَمّا رَأيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دايَةَ وعَشَّشَ في وكْرَيْهِ جاشَ لَهُ صَدْرِي قالُوا: ولِكُلٍّ وجْهٌ، أمّا عَدَمُ الصَّرْفِ فَلِصَيْرُورَةِ الكَلِمَتَيْنِ بِالتَّرْكِيبِ كَلِمَةً بِالتَّسْمِيَةِ، فَكانَ كَطَلْحَةَ مُفْرَدًا وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، وأمّا الصَّرْفُ فَلِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ في أصْلِهِ اسْمُ جِنْسٍ - والمُضافُ كَذَلِكَ - وكُلٌّ مِنهُما بِانْفِرادِهِ لَيْسَ بِعَلَمٍ، وإنَّما العَلَمُ مَجْمُوعُهُما، فَلا يُؤَثِّرُ التَّعْرِيفُ فِيهِ؛ ولا يَكُونُ لِمَنعِ الصَّرْفِ مَدْخَلٌ فَلْيُحْفَظْ، وبِالجُمْلَةِ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّ ( رَمَضانَ ) وحْدَهُ عَلَمٌ، وهو عَلَمُ جِنْسٍ لِما عَلِمْتَ، ومَنَعَ بَعْضُهم أنْ يُقالَ: ( رَمَضانُ ) بِدُونِ ( شَهْرٍ ) لِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَدِيٍّ والبَيْهَقِيُّ والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا: «لا تَقُولُوا: رَمَضانَ، فَإنَّ رَمَضانَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - تَعالى -، ولَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضانَ» وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، والصَّحِيحُ الجَوازُ، فَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ في الصَّحِيحِ، والِاحْتِياطُ لا يَخْفى، وإنَّما سُمِّيَ الشَّهْرُ بِهِ؛ لِأنَّ الذُّنُوبَ تَرْمِضُ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، ورَوى ذَلِكَ أنَسٌ وعائِشَةُ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقِيلَ: لِوُقُوعِهِ أيّامَ رَمَضِ الحَرِّ؛ حَيْثُ نَقَلُوا أسْماءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ، وكانَ اسْمُهُ قَبْلُ ناتِقًا، ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُبَيِّنٌ لِما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وجْهُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، وإلّا فَهَذا الِاسْمُ قَبْلَ فَرْضِيَّةِ الصِّيامِ بِكَثِيرٍ عَلى ما هو الظّاهِرُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ أيِ: ابْتُدِئَ فِيهِ إنْزِالُهُ، وكانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ القَدْرِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وابْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ، أنَّهُ نَزَلَ فِيهِ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ نَزَلَ مُنَجَّمًا إلى الأرْضِ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أُنْزِلَ في شَأْنِهِ القُرْآنُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «”نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ، والإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ“،» ولَمّا كانَ بَيْنَ الصَّوْمِ ونُزُولِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ مُناسِبَةٌ عَظِيمَةٌ، كانَ هَذا الشَّهْرُ المُخْتَصُّ بِنُزُولِها مُخْتَصًّا بِالصَّوْمِ الَّذِي هو نَوْعٌ عَظِيمٌ مِن آياتِ العُبُودِيَّةِ، وسَبَبٌ قَوِيٌّ في إزالَةِ العَلائِقِ البَشَرِيَّةِ المانِعَةِ عَنْ إشْراقِ الأنْوارِ الصَّمَدِيَّةِ. ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ حالانِ لازِمانِ مِنَ القُرْآنِ والعامِلُ فِيهِما ( أنْزَلَ )؛ أيْ: أنْزَلَ وهو هِدايَةٌ لِلنّاسِ بِإعْجازِهِ المُخْتَصِّ بِهِ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ التَّنْكِيرُ، وآياتٌ واضِحاتٌ مِن جُمْلَةِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ، والفارِقَةُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِاشْتِمالِها عَلى المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ جَعْلُهُ بَيِّناتٍ مِنها، فَهو هادٍ بِواسِطَةِ أمْرَيْنِ مُخْتَصٍّ وغَيْرِ مُخْتَصٍّ، فالهُدى لَيْسَ مُكَرَّرًا، وقِيلَ: مُكَرَّرٌ تَنْوِيهًا وتَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وتَأْكِيدًا لِمَعْنى الهِدايَةِ فِيهِ، كَما تَقُولُ عالِمٌ نِحْرِيرٌ. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ( مِن ) شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، ( والفاءُ ) إمّا جَوابُ الشَّرْطِ، أوْ زائِدَةٌ في الخَبَرِ، ومِنكم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في شَهِدَ والتَّقْيِيدُ بِهِ لِإخْراجِ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، وشَهِدَ مِنَ الشُّهُودِ والتَّرْكِيبِ يَدُلُّ عَلى الحُضُورِ، إمّا ذاتًا أوْ عِلْمًا، وقَدْ قِيلَ: بِكُلٍّ مِنهُما هُنا، والشَّهْر عَلى الأوَّلِ مَفْعُولٌ فِيهِ والمَفْعُولُ بِهِ مَتْرُوكٌ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِهِ، فَتَقْدِيرُ البَلَدِ أوِ المُصِرِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى الثّانِي مَفْعُولٌ بِهِ بِحَذْفِ المُضافِ؛ أيْ هِلالُ الشَّهْرِ، ( وألْ ) فِيهِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِلْعَهْدِ ووُضِعَ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّعْظِيمِ، ونُصِبَ الضَّمِيرُ المُتَّصِلُ في ( يَصُمْهُ ) عَلى الِاتِّساعِ؛ لِأنَّ صامَ لازِمٌ، والمَعْنى: فَمَن حَضَرَ في الشَّهْرِ ولَمْ يَكُنْ مُسافِرًا فَلْيَصُمْ فِيهِ، أوْ مَن عَلِمَ هِلالَ الشَّهْرِ وتَيَقَّنَ بِهِ فَلْيَصُمْ، ومُفادُ الآيَةِ عَلى هَذا عَدَمُ وُجُوبِ صفحة 62 الصَّوْمِ عَلى مَن شَكَّ في الهِلالِ، وإنَّما قُدِرَ المُضافُ؛ لِأنَّ شُهُودَ الشَّهْرِ بِتَمامِهِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ انْقِضائِهِ، ولا مَعْنًى لِتَرَتُّبِ وُجُوبِ الصَّوْمِ فِيهِ بَعْدَ انْقِضائِهِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ مُخَصَّصًا بِالنَّظَرِ إلى المَرِيضِ والمُسافِرِ كِلَيْهِما، وعَلى الأوَّلِ مُخَصَّصٌ بِالنَّظَرِ إلى الأوَّلِ دُونَ الثّانِي، وتَكْرِيرُهُ حِينَئِذٍ لِذَلِكَ التَّخْصِيصِ أوْ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ نَسْخُهُ كَما نُسِخَ قَرِينُهُ، والأوَّلُ كَما قِيلَ عَلى رَأْيِ مَن شَرَطَ في المُخَصَّصِ أنْ يَكُونَ مُتَراخِيًا مَوْصُولًا، والثّانِي عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ كَوْنَهُ مُتَقَدِّمًا، وهَذا بِجَعْلِ المُخَصَّصِ هو الآيَةُ السّابِقَةُ، و( ما ) هُنا لِمُجَرَّدِ دَفْعِ التَّوَهُّمِ ورُجِّحَ المَعْنى الأوَّلُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ بِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى التَّقْدِيرِ، وبِأنَّ الفاءَ في ﴿فَمَن شَهِدَ﴾ عَلَيْهِ وقَعَتْ في مَخْرِها مُفَصِّلَةً لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ مِن وُجُوبِ التَّعْظِيمِ المُسْتَفادِ مِمّا في أثَرِهِ عَلى كُلِّ مَن أدْرَكَهُ ومُدْرِكُهُ إمّا حاضِرٌ أوْ مُسافِرٌ، فَمَن كانَ حاضِرًا فَحُكْمُهُ كَذا إلَخْ، ولا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ مَن عَلِمَ الهِلالَ فَلْيَصُمْ، ﴿ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ فَلْيَقْضِ لِدُخُولِ القِسْمِ الثّانِي في الأوَّلِ، والعاطِفُ التَّفْصِيلِيُّ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ بَيْنَهُما كَذا قِيلَ، لَكِنَّ ذِكْرَ المَرِيضِ يُقَوِّي كَوْنَهُ مُخَصَّصًا لِدُخُولِهِ فِيمَن شَهِدَ عَلى الوَجْهَيْنِ، ولِذا ذَهَبَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ الشَّهْرَ مَفْعُولٌ بِهِ، فالفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلتَّعْقِيبِ لا لِلتَّفْصِيلِ. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بِهَذا التَّرْخِيصِ ﴿بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ لِغايَةِ رَأْفَتِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ، واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنَ العَبْدِ ما لا يُرِيدُهُ اللَّهُ - تَعالى -، وذَلِكَ لِأنَّ المَرِيضَ والمُسافِرَ إذا صاما حَتّى أجْهَدَهُما الصَّوْمُ فَقَدْ فَعَلا خِلافَ ما أرادَ اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّيْسِيرَ ولَمْ يَقَعْ مُرادُهُ، ورُدَّ بِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - أرادَ التَّيْسِيرَ وعَدَمَ التَّعْسِيرِ في حَقِّهِما بِإباحَةِ الفِطْرِ، وقَدْ حَصَلَ بِمُجَرَّدِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ، وفي البَحْرِ تَفْسِيرُ الإرادَةِ هُنا بِالطَّلَبِ، وفِيهِ أنَّهُ التِزامٌ لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ مِن أنَّ إرادَتَهُ - تَعالى - لِأفْعالِ العِبادِ عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ، وأنَّهُ - تَعالى - ما طَلَبَ مِنّا اليُسْرَ بَلْ شَرَعَهَ لَنا، وتَفْسِيرُ اليُسْرِ بِما يَسَّرَ بَعِيدٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( اليُسْرَ ) ( والعُسْرَ ) بِضَمَّتَيْنِ. ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ 185﴾ عَلَّلَ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ إلَخْ؛ أيْ: وشَرَعَ لَكم جُمْلَةَ ما ذُكِرَ مِن أمْرِ الشّاهِدِ بِصَوْمِ الشَّهْرِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وأمَرَ المُرَخَّصَ لَهُ بِالقَضاءِ كَيْفَما كانَ مُتَواتِرًا أوْ مُتَفَرِّقًا، وبِمُراعاةِ عِدَّةِ ما أفْطَرَهُ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ فِيهِ المُسْتَفادَيْنِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ ومِنَ التَّرْخِيصِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: فَعِدَّة إلَخْ لتكملوا إلَخْ، والأوَّلُ عِلَّةُ الأمْرِ بِمُراعاةِ عِدَّةِ الشَّهْرِ بِالأداءِ في حالِ شُهُودِ الشَّهْرِ، وبِالقَضاءِ في حالِ الإفْطارِ بِالعُذْرِ، فَيَكُونُ عِلَّةً لِمُعَلَّلَيْنِ؛ أيْ: أمَرْناكم بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ لِتُكْمِلُوا عِدَّةَ الشَّهْرِ بِالأداءِ والقَضاءِ، فَتُحَصِّلُوا خَيْراتِهِ، ولا يَفُوتُكم شَيْءٌ مِن بَرَكاتِهِ نَقُصَتْ أيّامُهُ أوْ كَمُلَتْ ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ عِلَّةُ الأمْرِ بِالقَضاءِ وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عِلَّةُ التَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلْإشارَةِ إلى هَذا المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ المَرْجُوِّ لِقُوَّةِ الأسْبابِ المَتَآخِذَةِ في حُصُولِهِ، وهو ظُهُورُ كَوْنِ التَّرْخِيصِ نِعْمَةً، والمُخاطَبُ مُوقِنٌ بِكَمالِ رَأْفَتِهِ وكَرَمِهِ مَعَ عَدَمِ فَواتِ بَرَكاتِ الشَّهْرِ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ اللَّفِّ لَطِيفُ المَسْلَكِ، قَلَّما يُهْتَدى إلَيْهِ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ تَرْكُ الواوِ لِكَوْنِها عِلَلًا لِما سَبَقَ، ولِذا قالَ: مَن لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الكَمالِ أنَّها زائِدَةٌ أوْ عاطِفَةٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ ووَجْهُ اخْتِيارِهِ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِما فِيهِ مِن مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالأحْكامِ السّابِقَةِ مَعَ عَدَمِ التَّكَلُّفِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ المُقَدَّرَ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى ما سَبَقَ إجْمالًا يَكُونُ ما سَبَقَ قَرِينَةً عَلَيْهِ مَعَ بَقاءِ التَّعْلِيلِ صفحة 63 بِحالِهِ، ولِكَوْنِهِ مُغايِرًا لَهُ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ، وفي ذِكْرِ الأحْكامِ تَفْصِيلًا أوَّلًا، وإجْمالًا ثانِيًا، وتَعْلِيلِها مِن غَيْرِ تَعْيِينِ ثِقَةٍ عَلى فَهْمِ السّامِعِ بِأنْ يُلاحِظَها مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ويَرُدَّ كُلَّ عِلَّةٍ إلى ما يَلِيقُ بِهِ ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عِلَلًا لِأفْعالٍ مُقَدَّرَةٍ كُلُّ فِعْلٍ مَعَ عِلَّةٍ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ أوْجَبَ عَلَيْكم عِدَّةَ أيّامٍ أُخَرَ ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ عَلَّمَكم كَيْفِيَّةَ القَضاءِ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ رَخَّصَكَمُ في الإفْطارِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها مَعْطُوفَةً عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ؛ أيْ لِيَسْهُلَ عَلَيْكم أوْ لِتَعْلَمُوا ما تَعْمَلُونَ ﴿ولِتُكْمِلُوا﴾ إلَخْ، وجُعِلَتِ المَجْمُوعُ عِلَّةً لِلْأحْكامِ السّابِقَةِ إمّا بِاعْتِبارِ أنْفُسِها أوْ بِاعْتِبارِ الإعْلامِ بِها، فَقَوْلُهُ: لِيَسْهُلَ أوْ لِتَعْلَمُوا عِلَّةً لِما سَبَقَ بِاعْتِبارِ الإعْلامِ وما بَعْدَهُ عِلَّةً لِلْأحْكامِ المَذْكُورَةِ كَما مَرَّ، ولَكَ أنْ لا تُقَدِّرَ شَيْئًا أصْلًا، وتَجْعَلَ العَطْفَ عَلى اليُسْرِ؛ أيْ: ويُرِيدُ بِكم لِتُكْمِلُوا إلَخْ، واللّامُ زائِدَةٌ مُقَدَّرَةٌ بَعْدَها أنْ وزِيدَتْ، كَما قِيلَ: بَعْدَ فِعْلِ الإرادَةِ تَأْكِيدًا لَهُ لِما فِيها مِن مَعْنى الإرادَةِ في قَوْلِكَ جِئْتُكَ لِإكْرامِكَ، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى أنَّ كَما في الرَّضِيِّ إلّا أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عَطْفًا عَلى (يُرِيدُ)؛ إذْ لا مَعْنًى لِقَوْلِنا: يُرِيدُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ التَّفْكِيكُ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ وهو بَعِيدٌ، ولِاسْتِلْزامِ هَذا الوَجْهِ ذَلِكَ وكَثْرَةِ الحَذْفِ في بَعْضِ الوُجُوهِ السّابِقَةِ وخَفاءِ بَعْضِها عَدَلَ بَعْضُهم عَنِ الجَمِيعِ، وجَعَلَ الكَلامَ مِنَ المَيْلِ مَعَ المَعْنى؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ عِلَّةٌ لِلتَّرْخِيصِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: رَخَّصَ لَكم في ذَلِكَ لِإرادَتِهِ بِكُمُ اليُسْرَ دُونَ ولِتُكْمِلُوا إلَخْ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما هو الألْيَقُ بِشَأْنِ الكِتابِ العَظِيمِ، والمُرادُ مِنَ التَّكْبِيرِ الحَمْدُ والثَّناءُ مَجازًا؛ لِكَوْنِهِ فَرْدًا مِنهُ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَلى، واعْتِبارِ التَّضْمِينِ؛ أيْ: لِتُكَبِّرُوا حامِدِينَ لَيْسَ بِمُعْتَبِرٍ؛ لِأنَّ الحَمْدَ نَفْسُ التَّكْبِيرِ، ولِكَوْنِهِ عَلى هَذا عِبادَةً قَوْلِيَّةً ناسَبَ أنْ يُعَلَّلَ بِهِ الأمْرُ بِالقَضاءِ الَّذِي هو نِعْمَةٌ قَوْلِيَّةٌ أيْضًا، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، أنَّ المُرادَ بِهِ التَّكْبِيرُ يَوْمَ العِيدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الإهْلالِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ”حَقٌّ عَلى المُسْلِمِينَ إذا نَظَرُوا إلى هِلالِ شَوّالٍ أنْ يُكَبِّرُوا اللَّهَ - تَعالى - حَتّى يَفْرُغُوا مِن عِيدِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾“ وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ لا يُلائِمُ تَعْلِيلَ الأحْكامِ السّابِقَةِ، و(ما) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ أيِ الَّذِي هَداكُمُوهُ أوْ هَداكم إلَيْهِ، والمُرادُ مِنَ الشُّكْرِ ما هو أعَمُّ مِنَ الثَّناءِ، ولِذا ناسَبَ أنْ يُجْعَلَ طَلَبُهُ تَعْلِيلًا لِلتَّرْخِيصِ الَّذِي هو نِعْمَةٌ فِعْلِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( ولِتُكَمِّلُوا ) بِالتَّشْدِيدِ.

البقرة 2:186

﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي﴾ في تَلْوِينِ الخِطابِ، مَعَ تَوْجِيهِهِ لِسَيِّدٍ ذَوِي الألْبابِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما لا يَخْفى مِنَ التَّشْرِيفِ ورَفْعِ المَحَلِّ ﴿عَنِّي﴾ أيْ: عَنْ قُرْبِي وبُعْدِي؛ إذْ لَيْسَ السُّؤالُ عَنْ ذاتِهِ – تَعالى - ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم ذَلِكَ بِأنْ تُخْبِرَ عَنِ القُرْبِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، ولا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ؛ إذْ بِدُونِهِ لا يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّرْطِ، ولَمْ يُصَرَّحْ بِالمُقَدَّرِ كَما في أمْثالِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ - تَعالى - تَكَفَّلَ جَوابَهم ولَمْ يَكِلْهم إلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ لُطْفِهِ، والقُرْبُ حَقِيقَةً في القُرْبِ المَكانِيِّ المُنَزَّهِ عَنْهُ - تَعالى -، فَهو اسْتِعارَةٌ لِعِلْمِهِ - تَعالى - بِأفْعالِ العِبادِ وأقْوالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سائِرِ أحْوالِهِمْ، وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ عَنْ أُبَيٍّ، قالَ: «قالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ أمْ بِعِيدٌ فَنُنادِيهِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾» دَلِيلٌ لِلْقُرْبِ وتَقْرِيرٌ لَهُ، فالقَطْعُ لِكَمالِ الِاتِّصالِ، وفِيهِ وعْدُ الدّاعِي بِالإجابَةِ في الجُمْلَةِ عَلى ما تُشِيرُ إلَيْهِ كَلِمَةُ ( إذا ) لا كُلِّيًّا، فَلا حاجَةَ إلى التَّقْيِيدِ بِالمَشِيئَةِ المُؤْذَنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ ولا إلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ إجابَةَ الدَّعْوَةِ غَيْرُ قَضاءِ الحاجَةِ؛ لِأنَّها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: لَبَّيْكَ يا عَبْدِي، وهو مَوْعُودٌ مَوْجُودٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ يَدْعُو، ولا صفحة 64 إلى تَخْصِيصِ الدَّعْوَةِ بِما لَيْسَ فِيها إثْمٌ ولا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، أوِ الدّاعِي بِالمُطِيعِ المُخْبِتِ، نَعَمْ كَوْنُهُ كَذَلِكَ أرْجى لِلْإجابَةِ لا سِيَّما في الأزْمِنَةِ المَخْصُوصَةِ، والأمْكِنَةِ المَعْلُومَةِ، والكَيْفِيَّةِ المَشْهُورَةِ، ومَعَ هَذا قَدْ تَتَخَلَّفُ الإجابَةُ مُطْلَقًا، وقَدْ تَتَخَلَّفُ إلى بَدَلٍ، فَفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيها إثْمٌ ولا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - إحْدى ثَلاثٍ؛ إمّا أنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وإمّا أنْ يَدَّخِرَ لَهُ، وإمّا أنْ يَكُفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَها» وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أيْ: فَلْيَطْلُبُوا إجابَتِي لَهم إذا دَعَوْنِي، أوْ فَلْيُجِيبُوا لِي إذا دَعَوْتُهم لِلْإيمانِ والطّاعَةِ كَما أنِّي أُجِيبُهم إذا دَعَوْنِي لِحَوائِجِهِمْ، واسْتَجابَ وأجابَ واحِدٌ، ومَعْناهُ قَطْعُ مَسْألَتِهِ بِتَبْلِيغِهِ مُرادَهُ مِنَ الجَوْبِ بِمَعْنى القَطْعِ، وهَذا ما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ولا يُغْنِي عَنْهُ ﴿ولْيُؤْمِنُوا بِي﴾؛ لِأنَّهُ أمْرٌ بِالثَّباتِ والمُداوَمَةِ عَلى الإيمانِ ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ 186﴾ أيْ: يَهْتَدُونَ لِمَصالِحِ دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، وأصْلُ البابِ إصابَةُ الخَيْرِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها، ولَمّا أمَرَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِصَوْمِ الشَّهْرِ ومُراعاةِ العِدَّةِ، وحَثَّهم عَلى القِيامِ بِوَظائِفِ التَّكْبِيرِ والشُّكْرِ، عَقَّبَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ - تَعالى - خَبِيرٌ بِأفْعالِهِمْ، سَمِيعٌ لِأقْوالِهِمْ، مُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، تَأْكِيدًا لَهُ وحَثًّا عَلَيْهِ، أوْ أنَّهُ لَمّا نَسَخَ الأحْكامَ في الصَّوْمِ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ بِحالِ العِبادِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، ونِهايَةِ لُطْفِهِ بِهِمْ في أثْناءِ نَسْخِ الأحْكامِ تَمْكِينًا لَهم في الإيمانِ، وتَقْرِيرًا لَهم عَلى الِاسْتِجابَةِ؛ لِأنَّ مَقامَ النَّسْخِ مِن مَظانِّ الوَسْوَسَةِ والتَّزَلْزُلِ، فالجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ مَعْنًى؛ أحَدُهُما ما تَقَدَّمَ.

البقرة 2:187

والثّانِي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ أخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: «كانَ النّاسُ في رَمَضانَ إذا صامَ الرَّجُلُ فَنامَ، حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعامُ والشَّرابُ والنِّساءُ حَتّى يُفْطِرَ مِنَ الغَدِ، فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِن عِنْدِ النَّبِيِّ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذاتَ لَيْلَةٍ وقَدْ سَمَرَ عِنْدَهُ، فَوَجَدَ امْرَأتَهُ قَدْ نامَتْ، فَأيْقَظَها وأرادَها، فَقالَتْ: إنِّي قَدْ نِمْتُ، فَقالَ: ما نِمْتِ؟ ثُمَّ وقَعَ بِها، وصَنَعَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَغَدا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرَهُ فَنَزَلَتْ». وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - بَيْنَما هو نائِمٌ؛ إذْ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ فَأتى أهْلَهُ، ثُمَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أعْتَذِرُ إلى اللَّهِ - تَعالى - وإلَيْكَ مِن نَفْسِي هَذِهِ الخاطِئَةَ، فَإنَّها زُيِّنَتْ لِي، فَواقَعْتُ أهْلِي، هَلْ تَجِدُ لِي مِن رُخْصَةٍ؟ قالَ: ”لَمْ تَكُنْ حَقِيقًا بِذَلِكَ يا عُمَرُ“ فَلَمّا بَلَغَ بَيْتَهُ أرْسَلَ إلَيْهِ، فَأنْبَأهُ بِعُذْرِهِ في آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وأمَرَ اللَّهُ - تَعالى - رَسُولَهُ أنْ يَضَعَها في المِائَةِ الوُسْطى مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، فَقالَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ إلَخْ،» و﴿لَيْلَةَ الصِّيامِ﴾ اللَّيْلَةُ الَّتِي يُصْبِحُ مِنها صائِمًا، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، والمُرادُ بِها الجِنْسُ، وناصِبُها ﴿الرَّفَثُ﴾ المَذْكُورُ أوِ المَحْذُوفُ الدّالُّ هو عَلَيْهِ، بِناءً عَلى أنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ مُتَقَدِّمًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لأحل لِأنَّ إحْلالَ الرَّفَثِ في لَيْلَةِ الصِّيامِ وإحْلالَ الرَّفَثِ الَّذِي فِيها مُتَلازِمانِ، والرَّفَث مِن رَفَثَ في كَلامِهِ وأرْفَثَ وتَرْفُثُ أفْحَشُ وأفْصَحُ بِما يُكَنّى عَنْهُ، والمُرادُ بِهِ هُنا الجِماعُ؛ لِأنَّهُ لا يَكادُ يَخْلُو مِنَ الإفْصاحِ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ أنْشَدَ، وهو مُحْرِمٌ: وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسا إنْ صَدَقَ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسا فَقِيلَ لَهُ: أرَفَثْتَ؟ فَقالَ: إنَّما الرَّفَثُ ما كانَ عِنْدَ النِّساءِ، فالرَّفَثُ فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا وأنْ يَكُونَ فِعْلًا، والأصْلُ فِيهِ أنْ يَتَعَدّى ( بِالباءِ ) وعُدِّيَ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ، ولَمْ يَجْعَلْ مِن أوَّلِ الأمْرِ كِنايَةً عَنْهُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هو صفحة 65 الجِماعُ، فَقَصُرَتِ المَسافَةُ، وإيثارُهُ هَهُنا عَلى ما كَنّى بِهِ عَنْهُ في جَمِيعِ القُرْآنِ مِنَ التَّغْشِيَةِ والمُباشَرَةِ واللَّمْسِ والدُّخُولِ ونَحْوِها، اسْتِقْباحًا لِما وُجِدَ مِنهم قَبْلَ الإباحَةِ، ولِذا سَمّاهُ اخْتِيانًا فِيما بَعْدُ، والنِّساءُ جَمْعُ نِسْوَةٍ، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، أوْ جَمْعُ امِرْأةٍ عَلى غَيْرِ اللَّفْظِ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِلِاخْتِصاصِ؛ إذْ لا يَحِلُّ الإفْضاءُ إلّا لِمَنِ اخْتُصَّ بِالمُفْضِي، إمّا بِتَزْوِيجٍ أوْ مِلْكٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ( الرُّفُوثُ ). ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ أيْ: هُنَّ سَكَنٌ لَكم وأنْتُمْ سَكَنٌ لَهُنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ حِينَ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، وأنْشَدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَمّا قالَ لَهُ هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قَوْلَ الذِّبْيانِيِّ: إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى عِطْفَهُ تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكانَتْ لِباسا ولَمّا كانَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ يَتَعانَقانِ ويَشْتَمِلُ كُلٌّ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ، شُبِّهَ كَلُّ واحِدٍ بِالنَّظَرِ إلى صاحِبِهِ بِاللِّباسِ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسْتُرُ صاحِبَهُ ويَمْنَعُهُ عَنِ الفُجُورِ، وقَدْ جاءَ في الخَبَرِ: «”مَن تَزَوَّجَ فَقَدْ أحْرَزَ ثُلُثَيْ دِينِهِ“،» والجُمْلَتانِ مُسْتَأْنِفَتانِ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا، والبَيانِيُّ يَأْباهُ الذَّوْقُ، ومَضْمُونُهُما بَيانٌ لِسَبَبِ الحُكْمِ السّابِقِ، وهو قِلَّةُ الصَّبْرِ عَنْهُنَّ كَما يُسْتَفادُ مِنَ الأُولى، وصُعُوبَةُ اجْتِنابِهِنَّ كَما تُفِيدُهُ الثّانِيَةُ، ولِظُهُورِ احْتِياجِ الرَّجُلِ إلَيْهِنَّ وقِلَّةِ صَبْرِهِ قُدِّمَ الأوْلى، وفي الخَبَرِ: «”لا خَيْرَ في النِّساءِ ولا صَبْرَ عَنْهُنَّ، يَغْلِبْنَ كَرِيمًا ويَغْلِبُهُنَّ لَئِيمٌ، وأُحِبُّ أنْ أكُونَ كِرِيمًا مَغْلُوبًا، ولا أُحِبُّ أنْ أكُونَ لَئِيمًا غالِبًا“». ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: أحَلَّ إلَخْ وبَيْنَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، أعْنِي ﴿فالآنَ﴾ إلَخْ؛ لِبَيانِ حالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى ما فَرَطَ مِنهم قَبْلَ الإحْلالِ، ومَعْنى عُلِمَ تَعَلَّقَ عِلْمُهُ، و( الِاخْتِيانُ ) تَحَرُّكُ شَهْوَةِ الإنْسانِ لِتَحَرِّي الخِيانَةِ أوِ الخِيانَةُ البَلِيغَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: تُنْقِصُونَ أنْفُسَكم تَنْقِيصًا تامًّا بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ وتَنْقِيصِ حَظِّها مِنَ الثَّوابِ، ويُؤَوَّلُ إلى مَعْنى: تَظْلِمُونَها بِذَلِكَ، والمُرادُ الِاسْتِمْرارُ عَلَيْهِ فِيما مَضى قَبْلَ إخْبارِهِمْ بِالحالِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَتا الماضِي والمُضارِعِ، وهو مُتَعَلِّقُ العِلْمِ، وما تُفْهِمُهُ الصِّيغَةُ الأُولى مِن تَقَدُّمِ كَوْنِهِمْ عَلى الخِيانَةِ عَلى العِلْمِ يَأْبى حَمْلَهُ عَلى الأزَلِيِّ الذّاهِبِ إلَيْهِ البَعْضُ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ( عِلْمِ ) والفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ، والمُرادُ قَبْلَ تَوْبَتِكم حِينَ تُبْتُمْ عَنِ المَحْظُورِ الَّذِي ارْتَكَبْتُمُوهُ، ﴿وعَفا عَنْكُمْ﴾ أيْ: مَحا أثَرَهُ عَنْكم وأزالَ تَحْرِيمَهُ، وقِيلَ: الأوَّلُ لِإزالَةِ التَّحْرِيمِ، وهَذا لِغُفْرانِ الخَطِيئَةِ، ﴿فالآنَ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ نَظَرًا إلى ما هو المَقْصُودُ مِنَ الإحْلالِ، وهو إزالَةُ التَّحْرِيمِ؛ أيْ: حِينَ نَسَخَ عَنْكم تَحْرِيمَ القُرْبانِ، وهو لَيْلَةُ الصِّيامِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الغايَةُ الآتِيَةُ، فَإنَّها غايَةٌ لِلْأوامِرِ الأرْبَعَةِ الَّتِي هَذا ظَرْفُها، والحُضُورُ المَفْهُومُ مِنهُ بِالنَّظَرِ إلى فِعْلِ نَسْخِ التَّحْرِيمِ، ولَيْسَ حاضِرًا بِالنَّظَرِ إلى الخِطابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿باشِرُوهُنَّ﴾، وقِيلَ: إنَّهُ وإنْ كانَ حَقِيقَةً في الوَقْتِ الحاضِرِ، إلّا أنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى المُسْتَقْبَلِ القَرِيبِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ الحاضِرِ، وهو المُرادُ هُنا أوْ إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ والتَّقْدِيرُ قَدْ أبَحْنا لَكم مُباشَرَتَهُنَّ، وأصْلُ المُباشَرَةِ إلْزاقُ البَشَرَةِ بِالبَشَرَةِ، وأُطْلِقَتْ عَلى الجِماعِ لِلُزُومِها لَها. ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيِ: اطْلُبُوا ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لَكم في اللَّوْحِ مِنَ الوَلَدِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وغَيْرِهِمْ، والمُرادُ الدُّعاءُ بِطَلَبِ ذَلِكَ بِأنْ يَقُولُوا: اللَّهُمَّ ارْزُقْنا ما كَتَبْتَ لَنا، وهَذا لا يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلُّ واحِدٍ أنَّهُ قُدِّرَ لَهُ ولَدٌ، وقِيلَ: المُرادُ ما قَدَّرَهُ لِجِنْسِكم والتَّعْبِيرُ بِـ ما نَظَرًا إلى الوَصْفِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُباشِرَ يَنْبَغِي أنْ يَتَحَرّى بِالنِّكاحِ حِفْظَ النَّسْلِ - لا قَضاءَ الشَّهْوَةِ فَقَطْ - لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَعَلَ لَنا شَهْوَةَ الجِماعِ لِبَقاءِ نَوْعِنا إلى صفحة 66 غايَةٍ كَما جَعَلَ لَنا شَهْوَةَ الطَّعامِ لِبَقاءِ أشْخاصِنا إلى غايَةٍ، ومُجَرَّدُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا لِلْبَهائِمِ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا الطَّلَبَ كِنايَةً عَنِ النَّهْيِ عَنِ العَزْلِ، أوْ عَنْ إتْيانِ المَحاشِّ، وبَعْضٌ فَسَّرَ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ ما كُتِبَ بِما سَنَّ وشَرِّعَ مِن صَبِّ الماءِ في مَحَلِّهِ؛ أيِ: اطْلُبُوا ذَلِكَ دُونَ العَزْلِ والإتْيانِ المَذْكُورَيْنِ - والمَشْهُورُ حُرْمَتُهُما - أمّا الأوَّلُ فالمَذْكُورُ في الكُتُبِ فِيهِ أنَّهُ لا يَعْزِلُ الرَّجُلُ عَنِ الحُرَّةِ بِغَيْرِ رِضاها، وعَنِ الأمَةِ المَنكُوحَةِ بِغَيْرِ رِضاها أوْ رِضا سَيِّدِها عَلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ الإمامِ وصاحِبَيْهِ، ولا بَأْسَ بِالعَزْلِ عَنْ أمَتِهِ بِغَيْرِ رِضاها؛ إذْ لا حَقَّ لَها. وأمّا الثّانِي فَسَيَأْتِي بَسْطُ الكَلامِ فِيهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - . ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أيْضًا، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ: ( ابْتَغُوا ) الرُّخْصَةَ ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ﴾ تَعالى لَكم فَإنَّ اللَّهَ - تَعالى - يُحِبُّ أنْ تُؤْتى رُخَصُهُ، كَما يُحِبُّ أنْ تُؤْتى عَزائِمُهُ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - كَيْفَ تُقْرَأُ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ابْتَغَوُا﴾ أوِ ( اتْبَعُوا ) ؟ فَقالَ: أيُّهُما شِئْتَ، وعَلَيْكَ بِالقِراءَةِ الأُولى، ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ اللَّيْلَ كُلَّهُ، ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ﴾ أيْ: يَظْهَرَ. ﴿لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ﴾ وهو أوَّلُ ما يَبْدُو مِنَ الفَجْرِ الصّادِقِ المُعْتَرِضِ في الأُفُقِ قَبْلَ انْتِشارِهِ، وحَمْلُهُ عَلى الفَجْرِ الكاذِبِ المُسْتَطِيلِ المُمْتَدِّ كَذَنَبِ السِّرْحانِ، وهْمٌ ﴿مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ وهو ما يَمْتَدُّ مَعَ بَياضِ الفَجْرِ مِن ظُلْمَةِ آخِرِ اللَّيْلِ. ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ بَيانٌ لِأوَّلِ الخَيْطَيْنِ، ومِنهُ يَتَبَيَّنُ الثّانِي، وخَصَّهُ بِالبَيانِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، وقِيلَ: بَيانٌ لَهُما بِناءً عَلى أنَّ ( الفَجْرَ ) عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِهِما لِقَوْلِ الطّائِيِّ: وأزْرَقُ الفَجْرِ يَبْدُو ∗∗∗ قَبْلَ أبْيَضِهِ فَهُوَ عَلى وِزانِ قَوْلِكَ: حَتّى يَتَبَيَّنَ العالِمُ مِنَ الجاهِلِ مِنَ القَوْمِ، وبِهَذا البَيانِ خَرَجَ الخَيْطانِ عَنْ الِاسْتِعارَةِ إلى التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ شَرْطَها عِنْدَهم تَناسِيهِ بِالكُلِّيَّةِ، وادِّعاءُ أنَّ المُشَبَّهَ هو المُشَبَّهُ بِهِ لَوْلا القَرِينَةُ والبَيانُ يُنادِي عَلى أنَّ المُرادَ مِثْلُ هَذا الخَيْطِ وهَذا الخَيْطِ؛ إذْ هُما لا يَحْتاجانِ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِن تَبْعِيضِيَّةً؛ لِأنَّ ما يَبْدُو جُزْءٌ مِنَ ( الفَجْرِ ) كَما أنَّهُ فَجْرٌ بِناءً عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الكُلِّ والجُزْءِ، ومِنَ الأُولى قِيلَ: لِابْتِداءِ لِلْغايَةِ، وفِيهِ أنَّ الفِعْلَ المُتَعَدِّيَ بِها يَكُونُ مُمْتَدًّا أوْ أصْلًا لِلشَّيْءِ المُمْتَدِّ، وعَلامَتُها أنْ يَحْسُنَ في مُقابَلَتِها إلى أوْ ما يُفِيدُ مُفادَها، وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، فالظّاهِرُ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يَتَبَيَّنُ بِتَضْمِينِ مَعْنى التَّمَيُّزِ، والمَعْنى: حَتّى يَتَّضِحَ لَكُمُ الفَجْرُ مُتَمَيِّزًا عَنْ غَبَشِ اللَّيْلِ، فالغايَةُ إباحَةُ ما تَقَدَّمَ. ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ﴾ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ ويُمَيَّزَ بَيْنَهُما، ومِن هَذا وجْهُ عَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِـ ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ الفَجْرُ، أوْ ﴿يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾؛ لِأنَّ تَبَيُّنَ الفَجْرِ لَهُ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ، فَيَصِيرُ الحُكْمُ مُجْمَلًا مُحْتاجًا إلى البَيانِ، وما أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ إلَخْ، ولَمْ يُنْزَلْ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَكانَ رِجالٌ إذا أرادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهم في رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ، فَلا يَزالُ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - بَعْدُ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾، فَعَلِمُوا إنَّما يَعْنِي اللَّيْلَ والنَّهارَ، فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلى أنَّ الآيَةَ قَبْلُ مُحْتاجَةٌ إلى البَيانِ بِحَيْثُ لا يُفْهَمُ مِنها المَقْصُودُ إلّا بِهِ، وأنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ جائِزٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الخَيْطانِ مُشْتَهِرَيْنِ في المُرادِ مِنهُما، إلّا أنَّهُ صَرَّحَ بِالبَيانِ لِما التَبَسَ عَلى بَعْضِهِمْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وصَفَ مَن لَمْ يَفْهَمِ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ قَبْلَ التَّصْرِيحِ بِالبَلادَةِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ مَوْقُوفًا عَلى البَيانِ لاسْتَوى فِيهِ الذَّكِيُّ والبَلِيدُ، فَقَدْ أخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صفحة 67 ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ إلَخْ عَمَدْتُ إلى عِقالَيْنِ أحَدُهُما أسْوَدُ والآخَرُ أبْيَضُ، فَجَعَلْتُهُما تَحْتَ وِسادَتِي، فَجَعَلْتُ أنْظُرُ إلَيْهِما، فَلا يَتَبَيَّنُ لِيَ الأبْيَضُ مِنَ الأسْوَدِ، فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَقالَ: ”إنَّ وِسادَكَ إذًا لَعَرِيضٌ، إنَّما ذاكَ بَياضُ النَّهارِ مِن سَوادِ اللَّيْلِ“ وفي رِوايَةٍ: ”إنَّكَ لَعَرِيضُ القَفا“،» وقِيلَ: إنَّ نُزُولَ الآيَةِ كانَ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضانَ - وهي مُبْهَمَةٌ - والبَيانُ ضَرُورِيٌّ، إلّا أنَّهُ تَأخَّرَ عَنْ وقْتِ الخِطابِ لا عَنْ وقْتِ الحاجَةِ، وهو لا يَضُرُّ، ولا يَخْفى ما فِيهِ. وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ هَذا مِن بابِ النَّسْخِ، ألا تَرى أنَّ الصَّحابَةَ عَمِلُوا بِظاهِرِ ما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، ثُمَّ صارَ مَجازًا بِالبَيانِ، ويَرُدُّهُ عَلى ما فِيهِ أنَّ النَّسْخَ يَكُونُ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ ولَمْ يُعْهَدْ نَسْخٌ هَكَذا، وفي هَذِهِ الأوامِرِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالكِتابِ، بَلْ عَلى وُقُوعِهِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ الحُكْمَ المَنسُوخَ مِن حُرْمَةِ الوِقاعِ والأكْلِ والشُّرْبِ كانَتْ ثابِتَةً بِالسُّنَّةِ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْها، وأحِلُّ أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّهُ نَسْخٌ بِلا بَدَلٍ وهو مُخْتَلَفٌ فِيهِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى صِحَّةِ صَوْمِ الجُنُبِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن إباحَةِ المُباشَرَةِ إلى تَبَيُّنِ الفَجْرِ إباحَتُها في آخِرِ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ اللَّيْلِ مُتَّصِلٍ بِالصُّبْحِ، فَإذا وقَعَتْ كَذَلِكَ أصْبَحَ الشَّخْصُ جُنُبًا، فَإنْ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ لَمّا جازَتِ المُباشَرَةُ؛ لِأنَّ الجَنابَةَ لازِمَةٌ لَها ومُنافِي اللّازِمِ مُنافٍ لِلْمَلْزُومِ، ولا يَرِدُ خُرُوجُ المَنِيِّ بَعْدَ الصُّبْحِ بِالجِماعِ الحاصِلِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَفْسُدُ الصَّوْمُ لِكَوْنِهِ مُكَمِّلَ الجِماعِ فَهو جِماعٌ واقِعٌ في الصُّبْحِ، ولَيْسَ بِلازِمٍ لِلْجِماعِ كالجَنابَةِ، وخالَفَ في ذَلِكَ بَعْضُهم ومَنَعَ الصِّحَّةَ زاعِمًا أنَّ الغايَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها، واحْتَجَّ بِآثارٍ صَحَّ لَدى المُحَدِّثِينَ خِلافُها. واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا عَلى جَوازِ الأكْلِ مَثَلًا لِمَن شَكَّ في طُلُوعِ الفَجْرِ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - أباحَ ما أباحَ مُغَيًّا بِتَبَيُّنِهِ، ولا تَبَيُّنَ مَعَ الشَّكِّ خِلافًا لِمالِكٍ. ومُجاهِدٍ بِها عَلى عَدَمِ القَضاءِ والحالُ هَذِهِ إذا بانَ أنَّهُ أكَلَ بَعْدَ الفَجْرِ؛ لِأنَّهُ أكَلَ في وقْتٍ أُذِنَ لَهُ فِيهِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنصُورٍ مِثْلَهُ، ولَيْسَ بِالمَنصُورِ، والأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - عَلى أنَّ أوَّلَ النَّهارِ الشَّرْعِيِّ طُلُوعُ الفَجْرِ، فَلا يَجُوزُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنَ المَحْظُوراتِ بَعْدَهُ، وخالَفَ في ذَلِكَ الأعْمَشُ ولا يَتْبَعُهُ إلّا الأعْمى، فَزَعَمَ أنَّ أوَّلَهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ كالنَّهارِ العُرْفِيِّ، وجَوَّزَ فِعْلَ المَحْظُوراتِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وكَذا الإمامِيَّةُ، وحَمَلَ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ عَلى التَّبْعِيضِ وإرادَةِ الجُزْءِ الأخِيرِ مِنهُ، والَّذِي دَعاهُ لِذَلِكَ خَبَرُ صَلاةِ النَّهارِ عَجْماءُ، وصَلاةُ الفَجْرِ لَيْسَتْ بِها فَهي في اللَّيْلِ، وأيَّدَهُ بَعْضُهم بِأنَّ شَوْبَ الظُّلْمَةِ بِالضِّياءِ، كَما أنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ اللَّيْلِيَّةِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَ مِنها قَبْلَ طُلُوعِها وتُساوِي طَرَفَيِ الشَّيْءِ، مِمّا يُسْتَحْسَنُ في الحِكْمَةِ وإلى البَدْءِ يَكُونُ العَوْدُ، وفِيهِ أنَّ النَّهارَ في الخَبَرِ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالمَعْنى العُرْفِيِّ، ولَوْ أرادَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في هَذا الحُكْمِ لَقالَ: كُلُوا واشْرَبُوا إلى النَّهارِ ثُمَّ أتَمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأوْفَقُ مِمّا عَدَلَ إلَيْهِ، فَحَيْثُ لَمْ يَفْعَلْ فُهِمَ أنَّ الأمْرَ مَرْبُوطٌ بِالفَجْرِ لا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ، سَواءٌ عُدَّ ذَلِكَ نَهارًا أمْ لا، وما ذُكِرَ مِنَ اسْتِحْسانِ تَساوِي طَرَفَيِ الشَّيْءِ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ، في هَذا البابِ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ بِأنَّ جَعْلَ أوَّلِ النَّهارِ كَأوَّلِ اللَّيْلِ وهُما مُتَقابِلانِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ الصّانِعِ الحَكِيمِ وإلى الِانْتِهاءِ غايَةَ الإتْمامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصِّيامِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ولا يَجُوزُ جَعْلُهُ غايَةً لِلْإيجابِ لِعَدَمِ امْتِدادِهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى نَفْيِ كَوْنِ اللَّيْلِ مَحَلَّ الصَّوْمِ، وأنْ يَكُونَ صَوْمُ اليَوْمَيْنِ صَوْمَةً واحِدَةً، وقَدِ اسْتَنْبَطَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنها حُرْمَةَ الوِصالِ كَما قِيلَ، فَقَدْ رَوى أحْمَدُ مِن طَرِيقِ «لَيْلى امْرَأةِ بَشِيرِ بْنِ الخَصاصِيَةِ، قالَتْ: أرَدْتُ أنْ أصُومَ يَوْمَيْنِ مُواصَلَةً، فَمَنَعَنِي بَشِيرٌ، وقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَهى عَنْهُ، وقالَ: يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّصارى، ولَكِنْ صُومُوا كَما أمَرَكُمُ اللَّهُ - تَعالى -،» و﴿أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ فَإذا كانَ اللَّيْلُ فَأفْطِرُوا، ولا تُدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الصَّوْمُ حَتّى يَتَخَلَّلَ الإفْطارُ خِلافًا لِزاعِمِهِ، صفحة 68 نَعَمِ اسْتُدِلَّ بِها عَلى صِحَّةِ نِيَّةِ رَمَضانَ في النَّهارِ، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا﴾ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿باشِرُوهُنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ﴾ وكَلِمَةُ ثُمَّ للتَّراخِي والتَّعْقِيبِ بِمُهْلَةٍ، ( واللّامُ ) في ( الصِّيام ) لِلْعَهْدِ عَلى ما هو الأصْلُ، فَيَكُونُ مُفادُ ﴿ثُمَّ أتِمُّوا﴾ إلَخْ الأمْرَ بِإتْمامِ الصِّيامِ المَعْهُودِ؛ أيِ الإمْساكُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالغايَةِ، سَواءٌ فُسِّرَ بِإتْيانِهِ تامًّا، أوْ بِتَصْيِيرِهِ كَذَلِكَ مُتَراخِيًا عَنِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ المُنْقَضِيَةِ بِطُلُوعِ الفَجْرِ، تَحْقِيقًا لِمَعْنى ثُمَّ فَصارَتْ نِيَّةُ الصَّوْمِ بَعْدَ مُضِيِّ جُزْءٍ مِنَ الفَجْرِ؛ لِأنَّ قَصْدَ الفِعْلِ إنَّما يَلْزَمُنا حِينَ تَوَجُّهِ الخِطابِ، وتَوَجُّهُهُ بِالإتْمامِ بَعْدَ الفَجْرِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ الجُزْءِ الَّذِي هو غايَةٌ لِانْقِضاءِ اللَّيْلِ لِمَعْنى التَّراخِي، واللَّيْلُ لا يَنْقَضِي إلّا مُتَّصِلًا بِجُزْءٍ مِنَ الفَجْرِ، فَتَكُونُ النِّيَّةُ بَعْدَ مُضِيِّ جُزْءِ الفَجْرِ الَّذِي بِهِ انْقَطَعَ اللَّيْلُ، وحَصَلَ فِيهِ الإمْساكُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالغايَةِ، فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ وجَبَ وُجُوبَ النِّيَّةِ بَعْدَ المُضِيِّ، أُجِيبَ بِأنَّ تَرْكَ ذَلِكَ بِالإجْماعِ، وبِأنَّ إعْمالَ الدَّلِيلَيْنِ - ولَوْ بِوَجْهٍ - أوْلى مِن إهْمالِ أحَدِهِما، فَلَوْ قُلْنا بِوُجُوبِ النِّيَّةِ كَذَلِكَ عَمَلًا بِالآيَةِ بَطَلَ العَمَلُ بِخَبَرِ: «”لا صِيامَ لِمَن لَمْ يَنْوِ الصِّيامَ مِنَ اللَّيْلِ“،» ولَوْ قُلْنا بِاشْتِراطِ النِّيَّةِ قَبْلَهُ عَمَلًا بِالخَبَرِ بَطَلَ العَمَلُ بِالآيَةِ، فَقُلْنا بِالجَوازِ عَمَلًا بِهِما، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى الآَيَةِ - عَلى ما ذُكِرَ - الوُجُوبُ وخَبَرُ الواحِدِ لا يُعارِضُها، أُجِيبَ بِأنَّها مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ بِالإجْماعِ، فَلَمْ تَبْقَ قاطِعَةً، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ بَيانًا لَها، ولِبَعْضِ الأصْحابِ تَقْرِيرُ الِاسْتِدْلالِ بِوَجْهٍ آخَرَ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أقَلُّ مُؤْنَةً فَتَدَبَّرْ. وزَعَمَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ التَّبْيِيتِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ثُمَّ أتِمُّوا﴾ صَيِّرُوهُ تامًّا بَعْدَ الِانْفِجارِ، وهو يَقْتَضِي الشُّرُوعَ فِيهِ قَبْلَهُ، وما ذاكَ إلّا بِالنِّيَّةِ؛ إذْ لا وُجُوبَ لِلْإمْساكِ قَبْلُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ. ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ أيْ: مُعْتَكِفُونَ فِيها، والِاعْتِكافُ في اللُّغَةِ الِاحْتِباسُ واللُّزُومُ مُطْلَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: فَباتَتْ بَناتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكَّفا عُكُوفَ بَواكِي حَوْلَهُنَّ صَرِيعُ وفي الشَّرْعِ لُبْثٌ مَخْصُوصٌ، والنَّهْيُ عُطِفَ عَلى أوَّلِ الأوامِرِ، والمُباشَرَةُ فِيهِ كالمُباشِرَةِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُرادَ بِها الجِماعُ، إلّا أنَّهُ لَزِمَ مِن إباحَةِ الجِماعِ إباحَةُ اللَّمْسِ والقُبْلَةِ وغَيْرِهِما بِخِلافِ النَّهْيِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيُ عَنِ الجِماعِ النَّهْيَ عَنْهُما، فَهُما إمّا مُباحانِ اتِّفاقًا بِأنْ يَكُونا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وإمّا حَرامانِ بِأنْ يَكُونا بِها، ”يَبْطُلُ الِاعْتِكافُ ما لَمْ يُنْزِلْ“، وصَحَّحَ مُعْظَمُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ البُطْلانَ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ ( المُباشَرَةِ ) مُلاقاةُ البَشْرَتَيْنِ، فَفي الآيَةِ مَنعٌ عَنْ مُطْلَقِ المُباشَرَةِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، فَقَدْ «كانَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - تُرَجِّلُ رَأْسَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهو مُعْتَكِفٌ،» وفي تَقْيِيدِ الِاعْتِكافِ بِالمَساجِدِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ إلّا في المَسْجِدِ؛ إذْ لَوْ جازَ شَرْعًا في غَيْرِهِ لَجازَ في البَيْتِ، وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، ويَخْتَصُّ بِالمَسْجِدِ الجامِعِ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ. ورُوِيَ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَسْجِدٍ لَهُ إمامٌ ومُؤَذِّنٌ راتِبٌ، وقالَ حُذَيْفَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: يَخْتَصُّ بِالمَساجِدِ الثَّلاثِ، وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - لا يَجُوزُ إلّا في المَسْجِدِ الحَرامِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ: لا يَجُوزُ إلّا فِيهِ أوْ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ يَصِحُّ في جَمِيعِ المَساجِدِ مُطْلَقًا، بِناءً عَلى عُمُومِ اللَّفْظِ، وعَدَمِ اعْتِبارِ أنَّ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى الكامِلِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى صِحَّةِ اعْتِكافِ المَرْأةِ في غَيْرِ المَسْجِدِ بِناءً عَلى أنَّها لا تَدْخُلُ في خِطابِ الرِّجالِ، وعَلى اشْتِراطِ الصَّوْمِ في الِاعْتِكافِ؛ لِأنَّهُ قَصَرَ الخِطابَ عَلى الصّائِمِينَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الصَّوْمُ مِن شَرْطِهِ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ مَعْنًى، وهو المَرْوِيُّ عَنْ نافِعٍ مَوْلى ابْنِ عُمَرَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وعَلى أنَّهُ لا يَكْفِي فِيهِ أقَلُّ مِن يَوْمٍ - كَما أنَّ الصَّوْمَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ - والشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ صفحة 69 تَعالى عَنْهُ - لا يَشْتَرِطُ يَوْمًا ولا صَوْمًا، لِما أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «”لَيْسَ عَلى المُعْتَكِفِ صِيامٌ إلّا أنْ يَجْعَلَهُ عَلى نَفْسِهِ“،» ومِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - رِوايَتانِ أخْرَجَهُما ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقَيْنِ إحْداهُما الِاشْتِراطُ وثانِيَتُهُما عَدَمُهُ، وعَلى أنَّ المُعْتَكِفَ إذا خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ فَباشَرَ خارِجًا جازَ؛ لِأنَّهُ حَصَرَ المَنعَ مِنَ المُباشَرَةِ حالَ كَوْنِهِ فِيهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى: ( لا تُباشِرُوهُنَّ ) حالَ ما يُقالُ لَكُمْ: إنَّكم ﴿عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ ومَن خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ لِقَضاءِ الحاجَةِ فاعْتِكافُهُ باقٍ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْتَكِفُ فَيَخْرُجُ إلى امِرْأتِهِ فَيُباشِرُها ثُمَّ يَرْجِعُ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا عَلى أنَّ الوَطْءَ يُفْسِدُ الِاعْتِكافَ؛ لِأنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ، وهو في العِباداتِ يُوجِبُ الفَسادَ، وفِيهِ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هُنا المُباشَرَةُ حالَ الِاعْتِكافَ، وهو لَيْسَ مِنَ العِباداتِ، لا يُقالُ: إذا وقَعَ أمْرٌ مَنهِيٌّ عَنْهُ في العِبادَةِ، كالجِماعِ في الِاعْتِكافِ، كانَتْ تِلْكَ العِبادَةُ مَنهِيَّةً بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى المَنهِيِّ ومُقارَنَتِها إيّاهُ؛ إذْ يُقالُ: فَرْقٌ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ مَنهِيًّا عَنْهُ بِاعْتِبارِ ما يُقارِنُهُ، وبَيْنَ كَوْنِ المُقارِنِ مَنهِيًّا في ذَلِكَ الشَّيْءِ والكَلامُ في الأوَّلِ، وما نَحْنُ فِيهِ مِن قَبِيلِ الثّانِي، ﴿تِلْكَ﴾ أيِ: الأحْكامُ السِّتَّةُ المَذْكُورَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى إيجابِ وتَحْرِيمِ وإباحَةِ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيْ: حاجِزَةٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ كَيْلا يُدانِيَ الباطِلَ، والنَّهْيُ عَنِ القُرْبِ مِن تِلْكَ الحُدُودِ الَّتِي هي الأحْكامُ كِنايَةً عَنِ النَّهْيِ عَنْ قُرْبِ الباطِلِ؛ لِكَوْنِ الأوَّلِ لازِمًا لِلثّانِي، وهو أبْلَغُ مِن لا تعتدوها؛ لِأنَّهُ نَهى عَنْ قُرْبِ الباطِلِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الَّتِي هي أبْلَغُ مِنَ الصَّرِيحِ، وذَلِكَ نَهْيٌ عَنِ الوُقُوعِ في الباطِلِ بِطَرِيقِ الصَّرِيحِ، وعَلى هَذا لا يَشْكُلُ ( لا تَقرِّبُوها ) في تِلْكَ الأحْكامِ، مَعَ اشْتِمالِها عَلى ما سَمِعْتَ، ولا وُقُوعَ ﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾، وفي آيَةٍ أُخْرى؛ إذْ قَدْ حَصَلَ الجَمْعُ، وصَحَّ ( لا تُقَرِّبُوها ) في الكُلِّ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ( حُدُود اللَّهِ ) تَعالى مَحارِمُهُ ومَناهِيهِ؛ إمّا لِأنَّ الأوامِرَ السّابِقَةَ تَسْتَلْزِمُ النَّواهِيَ لِكَوْنِها مُغَيّاةً بِالغايَةِ، وإمّا لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ﴾ وأمْثالُهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى ( لا تُقَرِّبُوها ) لا تَتَعَرَّضُوا لَها بِالتَّغْيِيرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الأحْكامِ - ولا يَخْفى ما في الوَجْهَيْنِ مِنَ التَّكْلِيفِ – والقَوْلُ بِأنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ، ( والحَدُّ ) إمّا بِمَعْنى المَنعِ أوْ بِمَعْنى الحاجِزِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى تِلْكَ الأحْكامُ مَمْنُوعاتُ اللَّهِ - تَعالى - عَنِ الغَيْرِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أنْ يَحْكُمَ بِشَيْءٍ، ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ أيْ: لا تَحْكُمُوا عَلى أنْفُسِكم أوْ عَلى عِبادِهِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم بِشَيْءٍ، فَإنَّ الحُكْمَ لِلَّهِ - تَعالى عَزَّ شَأْنُهُ -، وعَلى الثّانِي يُرِيدُ أنَّ تِلْكَ الأحْكامَ حُدُودٌ حاجِزَةٌ بَيْنَ الأُلُوهِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، فالإلَهُ يَحْكُمُ والعِبادُ تَنْقادُ، فَلا تَقْرَبُوا الأحْكامَ؛ لِئَلّا تَكُونُوا مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ تَعالى، لا يَكادُ يُعْرَضُ عَلى ذِي لُبٍّ فَيَرْتَضِيهِ، وهو بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنِ المَقْصُودِ كَما لا يَخْفى. ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ التَّبْيِينِ الواقِعِ في أحْكامِ الصَّوْمِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ إمّا مُطْلَقًا أوِ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى سائِرِ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها ﴿لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ 187﴾ مُخالَفَةَ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِتَقْرِيرِ الأحْكامِ السّابِقَةِ والتَّرْغِيبِ إلى امْتِثالِها، بِأنَّها شُرِعَتْ لِأجْلِ تَقْواكم.

البقرة 2:188

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الصِّيامَ وما فِيهِ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَنِ الأكْلِ الحَرامِ المُفْضِي إلى عَدَمِ قَبُولِ عِبادَتِهِ مِن صِيامِهِ واعْتِكافِهِ، فَقالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ والمُرادُ مِنَ الأكْلِ ما يَعُمُّ الأخْذَ والِاسْتِيلاءَ، وعَبَّرَ بِهِ صفحة 70 لِأنَّهُ أهَمُّ الحَوائِجِ - وبِهِ يَحْصُلُ إتْلافُ المالِ غالِبًا - والمَعْنى لا يَأْكُلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ، فَهو عَلى حَدِّ ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ ولَيْسَ مِن تَقْسِيمِ الجَمْعِ عَلى الجَمْعِ كَما فِي: رَكِبُوا دَوابَّهُمْ، حَتّى يَكُونَ مَعْناهُ لا يَأْكُلُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم مالَ نَفْسِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (بَيْنَكُمْ) فَإنَّهُ بِمَعْنى الواسِطَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ما يُضافُ إلَيْهِ مُنْقَسِمًا إلى طَرَفَيْنِ بِكَوْنِ الأكْلِ والمالِ حالَ الأكْلِ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُما، وذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى المَعْنى المَذْكُورِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَأْكُلُوا كالجارِّ والمَجْرُورِ بَعْدَهُ، أوْ بِمَحْذُوفِ حالٍ مِنَ الأمْوالِ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ الباطِلِ الحَرامُ؛ كالسَّرِقَةِ، والغَصْبِ، وكُلُّ ما لَمْ يَأْذَنْ بِأخْذِهِ الشَّرْعُ. ﴿وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ عَطْفٌ عَلى تَأْكُلُوا، فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ مِثْلُهُ مَجْزُومٌ بِما جُزِمَ بِهِ، وجُوِّزَ نَصْبُهُ بِأنْ مُضْمَرَةً، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ وإنْ كانَ لِلنَّهْيِ عَنِ الجَمْعِ، إلّا أنَّهُ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ مَنهِيًّا عَنْهُ، والإدْلاءُ في الأصْلِ إرْسالُ الحَبْلِ في البِئْرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّوَصُّلِ إلى الشَّيْءِ أوِ الإلْقاءِ، والباءُ صِلَةُ الإدْلاءِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً والضَّمِيرُ المَجْرُورُ ( لِلْأمْوالِ )؛ أيْ: لا تَتَوَصَّلُوا، أوْ لا تُلْقُوا بِحُكُومَتِها، والخُصُومَةُ فِيها إلى الحُكّامِ، وقِيلَ: لا تُلْقُوا بَعْضَها إلى حُكّامِ السُّوءِ عَلى وجْهِ الرِّشْوَةِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: ( ولا تُدِلُّوا ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ بِالتَّحاكُمِ والرَّفْعِ إلَيْهِمْ. ﴿فَرِيقًا﴾ قِطْعَةً وجُمْلَةً ﴿مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما يُوجِبُ إثْمًا كَشَهادَةِ الزُّورِ واليَمِينِ الفاجِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ؛ أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالإثْمِ والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( تأكلوا ) وعَلى الثّانِي حالٌ مِن فاعِلِهِ، وكَذَلِكَ ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ 188﴾ ومَفْعُولُ العِلْمِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: تَعْلَمُونَ أنَّكم مُبْطِلُونَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهُ مُبْطِلٌ، وحَكَمَ لَهُ الحاكِمُ بِأخْذِ مالٍ، فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا، «أنَّ عَبْدانَ بْنَ أشْوَعَ الحَضْرَمِيَّ، وامْرُؤَ القَيْسِ بْنَ عابِسٍ اخْتَصَما في أرْضٍ، ولَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَحْلِفَ امُرُؤُ القَيْسِ فَهَمَّ بِهِ، فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ فارْتَدَعَ عَنِ اليَمِينِ وسَلَّمَ الأرْضَ فَنَزَلَتْ». واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ حُكْمَ القاضِي لا يَنْفُذُ باطِنًا، فَلا يَحِلُّ بِهِ الأخْذُ في الواقِعِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فَأقْضِيَ لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ مِنهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِن حَقِّ أخِيهِ، فَلا يَأْخُذَنَّهُ، فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ“». وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلى أنَّ الحاكِمَ إذا حَكَمَ بِبَيِّنَةٍ بِعَقْدٍ أوْ فَسْخِ عَقْدٍ مِمّا يَصِحُّ أنْ يُبْتَدَأ، فَهو نافِذٌ ظاهِرًا وباطِنًا، ويَكُونُ كَعَقْدٍ عَقْداهُ بَيْنَهُما، وإنْ كانَ الشُّهُودُ زُورًا، كَما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا خَطَبَ امْرَأةً هو دُونَها فَأبَتْ، فادَّعى عِنْدَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ تَزَوَّجَها، وأقامَ شاهِدَيْنِ، فَقالَتِ المَرْأةُ: لَمْ أتَزَوَّجْهُ، وطَلَبَتْ عَقْدَ النِّكاحِ، فَقالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: قَدْ زَوَّجَكِ الشّاهِدانِ، وذَهَبَ فِيمَنِ ادَّعى حَقًّا في يَدَيْ رَجُلٍ، وأقامَ بَيِّنَةً تَقْتَضِي أنَّهُ لَهُ، وحَكَمَ بِذَلِكَ الحاكِمُ أنَّهُ لا يُباحُ لَهُ أخْذُهُ، وإنَّ حُكْمَ الحاكِمِ لا يُبِيحُ لَهُ ما كانَ قَبْلُ مَحْظُورًا عَلَيْهِ، وحُمِلَ الحَدِيثُ عَلى ذَلِكَ، والآيَةُ لَيْسَتْ نَصًّا في مُدَّعِي مُخالِفِيهِ؛ لِأنَّهم إنْ أرادُوا أنَّها دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ النُّفُوذِ مُطْلَقًا فَمَمْنُوعٌ، وإنْ أرادُوا أنَّها دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ النُّفُوذِ في الجُمْلَةِ فَمُسَلَّمٌ، ولا نِزاعَ فِيهِ؛ لِأنَّ الإمامَ الأعْظَمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَقُولُ بِذَلِكَ، ولَكِنْ فِيما سَمِعْتُ، والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ في الفُرُوعِ والأُصُولِ، ولَها تَفْصِيلٌ في أدَبِ القاضِي، فارْجِعْ إلَيْهِ.

البقرة 2:189

صفحة 71 ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنَ غُنْمٍ قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو ويَطْلُعُ دَقِيقًا مِثْلَ الخَيْطِ ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَعْظُمَ ويَسْتَوِيَ ويَسْتَدِيرَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ ويَدِقُّ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ لا يَكُونُ عَلى حالٍ واحِدٍ فَنَزَلَتْ،» وفي رِوايَةٍ «أنَّ مُعاذًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اليَهُودَ يُكْثِرُونَ مَسْألَتَنا عَنِ الأهِلَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ». فَيُرادُ بِالجَمْعِ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى ما فَوْقَ الواحِدِ أوْ يُنْزِلُ الحاضِرُونَ المُتَرَقِّبُونَ لِلْجَوابِ مَنزِلَةَ السّائِلِ، وظاهِرُهُ المُتَبادِرُ عَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ، بِناءً عَلى أنَّ سُؤالَ اليَهُودِ مِن بَعْضِ أصْحابِهِ بِمَنزِلَةِ السُّؤالِ مِنهُ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إذْ هو طَرِيقُ عِلْمِهِمْ، ومُسْتَمَدُّ فَيْضِهِمْ، والأهِلَّة جَمْعُ هِلالٍ، واشْتِقاقُهُ مِنِ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ إذا بَكى وصاحَ حِينَ يُولَدُ، ومِنهُ أهْلُ القَوْمِ بِالحَجِّ إذا رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَّلْبِيَةِ، وسُمِّيَ بِهِ القَمَرَ في لَيْلَتَيْنِ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ أوْ في ثَلاثٍ أوْ حَتّى يَحْجُرَ، وتَحْجِيرُهُ أنْ يَسْتَدِيرَ بِخَطٍّ دَقِيقٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأصْمَعِيُّ، أوْ حَتّى يُبْهِرَ ضَوْءُهُ سَوادَ اللَّيْلِ، وغَيّا ذَلِكَ بَعْضُهم بِسَبْعِ لَيالٍ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ حِينَ يَرى يُهِلُّ النّاسُ بِذِكْرِهِ أوْ بِالتَّكْبِيرِ، ولِهَذا يُقالُ: أهَلَّ الهَلالُ واسْتُهِلَّ ولا يُقالُ هَلَّ، والسُّؤالُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَنِ الغايَةِ والحِكْمَةِ، وأنْ يَكُونَ عَنِ السَّبَبِ والعِلَّةِ، ولا نَصَّ في الآيَةِ، والخَبَرُ عَلى أحَدِهِما، أمّا المَلْفُوظُ مِنَ الآيَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا المَحْذُوفُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُقَدِّرَ ما سَبَبُ اخْتِلافِها، وأنْ يُقَدِّرَ ما حِكْمَتَهُ، وهي وإنْ كانَتْ في الظّاهِرِ سُؤالًا عَنِ التَّعَدُّدِ، إلّا أنَّها في الحَقِيقَةِ مُتَضَمِّنَةً لِلسُّؤالِ عَنِ اخْتِلافِ التَّشَكُّلاتِ النُّورِيَّةِ؛ لِأنَّ التَّعَدُّدَ يَتْبَعُ اخْتِلافَها إذْ لَوْ كانَ الهِلالُ عَلى شَكْلٍ واحِدٍ لا يَحْصُلُ التَّعَدُّدُ كَما لا يَخْفى، وأمّا الخَبَرُ فَلِأنَّ ما فِيهِ يُسْألُ بِها عَنِ الجِنْسِ وحَقِيقَتِهِ، فالمَسْؤُولُ حِينَئِذٍ حَقِيقَةُ أمْرِ الهَلالِ وشَأْنِهِ حالَ اخْتِلافِ تَشَكُّلاتِهِ النُّورِيَّةِ، ثُمَّ عَوْدِهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ الأمْرُ المَسْؤُولُ عَنْ حَقِيقَتِهِ يَحْتَمِلُ ذَيْنَكَ الأمْرَيْنِ بِلا رَيْبٍ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الجَوابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ مُطابِقًا مُبَيِّنًا لِلْحِكْمَةِ الظّاهِرَةِ اللّائِقَةِ بِشَأْنِ التَّبْلِيغِ العامِّ، المُذَكِّرَةُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ - تَعالى - ومَزِيدُ رَأْفَتِهِ - سُبْحانَهُ -، وهي أنْ يَكُونَ مَعالِمُ لِلنّاسِ يُوَقِّتُونَ بِها أُمُورَهُمُ الدُّنْيَوِيَّةَ، ويَعْلَمُونَ أوْقاتَ زُرُوعِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ ومَعالِمَ لِلْعِباداتِ المُوَقَّتَةِ يُعْرَفُ بِها أوْقاتُها؛ كالصِّيامِ والإفْطارِ، وخُصُوصًا الحَجَّ، فَإنَّ الوَقْتَ مُراعًى فِيهِ أداءً وقَضاءً، ولَوْ كانَ الهِلالُ مُدَوَّرًا كالشَّمْسِ أوْ مُلازِمًا حالَةً واحِدَةً لَمْ يَكَدْ يَتَيَسَّرُ التَّوْقِيتُ بِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الحِكْمَةَ الباطِنَةَ لِذَلِكَ، مِثْلَ كَوْنِ اخْتِلافِ تَشَكُّلاتِهِ سَبَبًا عادِيًّا أوْ جَعْلِيًّا لِاخْتِلافِ أحْوالِ المَوالِيدِ العُنْصُرِيَّةِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ؛ لِأنَّهُ مِمّا لَمَّ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، ويُسَمّى القَوْلُ بِالمُوجَبِ، وهو تَلَقِّي السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَطَلَّبُ بِتَنْزِيلِ سُؤالِهِ مَنزِلَةَ غَيْرِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الأوْلى بِحالِهِ، واخْتارَهُ السَّكّاكِيُّ وجَماعَةٌ، فَيَكُونُ في هَذا الجَوابِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأوْلى عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ السُّؤالِ أنْ يَسْألُوا عَنِ الحِكْمَةِ لا عَنِ السَّبَبِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ صَلاحُ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، والنَّبِيُّ إنَّما بُعِثَ لِبَيانِ ذَلِكَ، لا لِأنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - لَيْسُوا مِمَّنْ يَطَّلِعُ عَلى دَقائِقِ عِلْمِ الهَيْئَةِ المَوْقُوفَةِ عَلى الأرْصادِ والأدِلَّةِ الفَلْسَفِيَّةِ كَما وُهِمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِهِ في حَقِّ أُولَئِكَ المَشّائِينَ في رِكابِ النُّبُوَّةِ، والمُرْتاضِينَ في رُواقِ الفُتُوَّةِ والفائِزِينَ بِإشْراقِ الأنْوارِ، والمُطَّلِعِينَ بِأرْصادِ قُلُوبِهِمْ عَلى دَقائِقِ الأسْرارِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ نَقْصًا مِن قَدْرِهِمْ، إلّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ الِاخْتِلافِ ما بُيِّنَ في عِلْمِ الهَيْئَةِ مِن بَعْدِ القَمَرِ عَنِ الشَّمْسِ وقُرْبِهِ إلَيْها، وهو باطِلٌ عِنْدَ أهْلِ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أُمُورٍ لَمْ يَثْبُتْ جَزْمًا شَيْءٌ مِنها، غايَةُ الأمْرِ أنَّ الفَلاسِفَةَ الأُوَلَ تَخَيَّلُوها مُوافِقَةً لِما أبْدَعَهُ الحَكِيمُ المُطْلَقُ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ مَوْلانا الشَّيْخِ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في فُتُوحاتِهِ، ومِمّا يُنادِي عَلى أنَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مُجَرَّدُ تَخَيُّلٍ صفحة 72 لا تَأْباهُ الحِكْمَةُ، ولَيْسَ مُطابِقًا لِما في نَفْسِ الأمْرِ أنَّ المُتَأخِّرِينَ مِمّا انْتَظَمَ في سِلْكِ الفَلاسِفَةِ كَهِرْشِلِ الحَكِيمِ وأتْباعِهِ أصْحابِ الرَّصْدِ والزَّيْجِ الجَدِيدِ تَخَيَّلُوا خِلافَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأوَّلُونَ في أمْرِ الهَيْئَةِ، وقالُوا بِأنَّ الشَّمْسَ مَرْكَزٌ والأرْضُ وكَذا النُّجُومُ دائِرَةٌ حَوْلَها وبَنَوْا حُكْمَ الكُسُوفِ والخُسُوفِ ونَحْوِهِ عَلى ذَلِكَ، وبَرْهَنُوا عَلَيْهِ ورَدُّوا مُخالِفِيهِ، ولَمْ يَتَخَلَّفْ شَيْءٌ مِن أحْكامِهِمْ في هَذا البابِ، بَلْ يَقَعُ حَسْبَما يَقَعُ ما يَقُولُهُ الأوَّلُونَ مَبْنِيًّا عَلى زَعْمِهِمْ، فَحَيْثُ اتُّفِقَتِ الأحْكامُ مَعَ اخْتِلافِ المَبْنَيَيْنِ وتَضادِّ المَشائَيْنِ، ورَدِّ أحَدِ الزَّعْمَيْنِ بِالآخَرِ ارْتَفَعَ الوُثُوقُ بِكِلا المَذْهَبَيْنِ، ووَجَبَ الرُّجُوعُ إلى العِلْمِ المُقْتَبَسِ مِن مِشْكاةِ الرِّسالَةِ والمُنْقَدِحِ مِن أنْوارِ شَمْسِ السِّيادَةِ والبَسالَةِ، والِاعْتِمادِ عَلى ما قالَهُ الشّارِعُ الأعْظَمُ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ إمْعانِ النَّظَرِ فِيهِ، وحَمْلِهِ عَلى أحْسَنِ مَعانِيهِ، وإذا أمْكَنَ الجَمْعُ بَيْنَ ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ كَيْفَ كانُوا مِمّا يَقْبَلُهُ العَقْلُ وبَيْنَ ما يَقُولُهُ سَيِّدُ الحُكَماءِ ونُورُ أهْلِ الأرْضِ والسَّماءِ، فَلا بَأْسَ بِهِ، بَلْ هو الألْيَقُ الأحْرى في دَفْعِ الشُّكُوكِ الَّتِي كَثِيرًا ما تَعْرِضُ لِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ، وإذا لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْكَ بِما دارَتْ عَلَيْهِ أفْلاكُ الشَّرْعِ وتَنَزَّلَتْ بِهِ أمْلاكُ الحَقِّ. إذا قالَتْ حَذامُ فَصَدِّقُوها فَإنَّ القَوْلَ ما قالَتْ حَذامُ وسَيَأْتِي تَتِمَّةٌ لِهَذا المَبْحَثِ - إنَّ شاءَ اللَّهُ تَعالى -، والمَواقِيت جَمْعُ مِيقاتٍ صِيغَةُ آلَةٍ؛ أيْ ما يُعْرَفُ بِهِ الوَقْتُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُدَّةِ والزَّمانِ - عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ - أنَّ المُدَّةَ المُطْلَقَةَ امْتِدادُ حَرَكَةِ الفَلَكِ في الظّاهِرِ مِن مَبْدَئِها إلى مُنْتَهاها، والزَّمانَ مُدَّةٌ مَقْسُومَةٌ إلى السِّنِينَ والشُّهُورِ والأيّامِ والسّاعاتِ، والوَقْتَ الزَّمانُ المُقَدَّرُ والمُعَيَّنُ، وقُرِئَ بِإدْغامِ نُونِ عَنْ في الأهِلَّةِ بَعْدَ النَّقْلِ والحَذْفِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ الإحْرامِ بِالحَجِّ في كُلِّ السَّنَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ بَلْ رُبَّما يُسْتَدَلُّ بِها عَلى خِلافِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يُحْتَجْ إلى الهِلالِ في الحَجِّ، وإنَّما احْتِيجَ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ خاصًّا بِأشْهُرٍ مَعْلُومَةٍ مُحْتاجَةٍ في تَمْيِيزِها عَنْ غَيْرِها إلَيْهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ في بَيانِ حُكْمِ الصِّيامِ، وذِكْرُ شَهْرِ رَمَضانَ وبَحْثُ الأهِلَّة يُلائِمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الصَّوْمَ مَقْرُونٌ بِرُؤْيَةِ الهِلالِ، وكَذا الإفْطارُ، ولِهَذا قالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» هَذا. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ، أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ قَوانِينَ جَلِيلَةً مِن قَوانِينِ العَدالَةِ، فَمِنها القِصاصُ الَّذِي فُرِضَ لِإزالَةِ عُدْوانِ القُوَّةِ السَّبُعِيَّةِ، وهو ظِلٌّ مِن ظِلالِ عَدْلِهِ، فَإذا تَصَرَّفَ في عَبْدِهِ بِإفْنائِهِ وقَتْلِهِ بِسَيْفِ حُبِّهِ عَوَّضَهُ عَنْ حُرِّ رُوحِهِ رُوحًا، وعَنْ عَبْدِ قَلْبِهِ قَلْبًا، وعَنْ أُنْثى نَفْسِهِ نَفْسًا، فَإنَّهُ كَما ( كَتَبَ القِصاصَ ) في قَتْلاكم ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ في قَتْلاهُ، فَفي بَعْضِ الآثارِ مِن طُرُقِ القَوْمِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَقُولُ: مَن أحَبَّنِي قَتَلْتُهُ، ومَن قَتَلْتُهُ فَأنا دِيَتُهُ، ولَكم في مُقاصَّةِ اللَّهِ - تَعالى - إيّاكم بِما ذُكِرَ حَياةٌ عَظِيمَةٌ، لا مَوْتَ بَعْدَها يا أُولِي العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ قِشْرِ الأوْهامِ وغَواشِي التَّعَيُّناتِ والإجْرامِ؛ لِكَيْ تَتَّقُوا تَرْكَهُ أوْ شِرْكَ وجُودِكُمْ، ومِنها الوَصِيَّةُ الَّتِي هي قانُونٌ آخَرُ فُرِضَ لِإزالَةِ نُقْصانِ القُوَّةِ المَلَكِيَّةِ وقُصُورِها عَمّا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ، ووَصِيَّةُ أهْلِ اللَّهِ تَعالى - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمُ - المُحافَظَةُ عَلى عَهْدِ الأزَلِ بِتَرْكِ ما سِوى الحَقِّ، ومِنها ( الصِّيامُ )، وهو قانُونٌ فُرِضَ لِإزالَةِ تَسَلُّطِ القُوى البَهِيمِيَّةِ، وهو عِنْدَ أهْلِ الحَقِيقَةِ الإمْساكُ عَنْ كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ وحَرَكَةٍ لَيْسَ بِالحَقِّ لِلْحَقِّ، و( الأيّامُ المَعْدُودَةُ ) هي أيّامُ الدُّنْيا الَّتِي سَتَنْقَرِضُ عَنْ قَرِيبٍ، فاجْعَلْها كُلَّها أيّامَ صَوْمِكَ، واجْعَلْ فِطْرَكَ في عِيدِ لِقاءِ اللَّهِ - تَعالى -، وشَهْرُ رَمَضانَ هو وقْتُ احْتِراقِ النَّفْسِ واضْمِحْلالِها بِأنْوارِ تَجَلِّياتِ القُرْبِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ، وهو العِلْمُ الإجْمالِيُّ الجامِعُ هِدايَةً لِلنّاسِ إلى الوَحْدَةِ بِاعْتِبارِ الجَمْعِ، ودَلائِلُ مُفَصَّلَةٌ مِنَ الجَمْعِ، والفَرْقُ: فَمَن حَضَرَ مِنكم ذَلِكَ الوَقْتَ صفحة 73 وبَلَغَ مَقامَ الشُّهُودِ فَلْيُمْسِكْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إلّا لَهُ وبِهِ وفِيهِ ومِنهُ وإلَيْهِ، ومَن كانَ مُبْتَلًى بِأمْراضِ القَلْبِ والحُجُبِ النَّفْسانِيَّةِ المانِعَةِ عَنِ الشُّهُودِ، ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ وتَوَجَّهَ إلى ذَلِكَ المَقامِ، فَعَلَيْهِ مَراتِبُ أُخَرُ يَقْطَعُها حَتّى يَصِلَ إلَيْهِ، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ والوُصُولُ إلى مَقامِ التَّوْحِيدِ والِاقْتِدارِ بِقُدْرَتِهِ، ﴿ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ وتَكَلُّفَ الأفْعالِ بِالنَّفْسِ الضَّعِيفَةِ، ﴿ولِتُكْمِلُوا﴾ عِدَّةَ المَراتِبِ ولِتُعَظِّمُوا اللَّهَ - تَعالى - عَلى هِدايَتِهِ لَكم إلى مَقامِ الجَمْعِ، ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ بِالِاسْتِقامَةِ، ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي﴾ المُخْتَصُّونَ بِي المُنْقَطِعُونَ إلَيَّ عَنْ مَعْرِفَتِي، ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ مِنهم بِلا أيْنَ ولا بَيْنَ ولا إجْماعَ ولا افْتِراقَ، ﴿أُجِيبُ﴾ مَن يَدْعُونِي بِلِسانِ الحالِ، والِاسْتِعْدادِ بِإعْطائِهِ ما اقْتَضى حالُهُ، واسْتِعْدادُهُ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ بِتَصْفِيَةِ اسْتِعْدادِهِمْ، ولِيُشاهِدُونِي عِنْدَ التَّصْفِيَةِ حِينَ أتَجَلّى في مَرايا قُلُوبِهِمْ لِكَيْ يَسْتَقِيمُوا في مَقامِ الطُّمَأْنِينَةِ وحَقائِقِ التَّمْكِينِ. ولَمّا كانَ لِلْإنْسانِ تَلَوُّناتٌ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأسْماءِ، فَتارَةً يَكُونُ بِحُكْمِ غَلَباتِ الصِّفاتِ الرُّوحانِيَّةِ في نَهارِ الوارِداتِ الرَّبّانِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَصُومُ عَنِ الحُظُوظِ الإنْسانِيَّةِ، وتارَةً يَكُونُ بِحُكْمِ الدَّواعِي والحاجاتِ البَشَرِيَّةِ مَرْدُودًا بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ إلى ظُلُماتِ الصِّفاتِ الحَيَوانِيَّةِ، وهَذا وقْتُ الغَفْلَةِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ ذَلِكَ الإمْساكَ، أباحَ لَهُ التَّنَزُّلَ بَعْضَ الأحايِينِ إلى مُقارَنَةِ النُّفُوسِ، وهو الرَّفَثُ إلى النِّساءِ، وعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ أيْ: لا صَبْرَ لَكم عَنْها بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ لِكَوْنِها تُلابِسُكم وكَوْنِكم تُلابِسُونَهُنَّ بِالتَّعَلُّقِ الضَّرُورِيِّ، ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ وتُنْقِصُونَها حُظُوظَها الباقِيَةَ بِاسْتِراقِ تِلْكَ الحُظُوظِ الفانِيَةِ في أزْمِنَةِ السُّلُوكِ والرِّياضَةِ، فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ، ﴿فالآنَ﴾ أيْ وقْتَ الِاسْتِقامَةِ والتَّمْكِينِ حالَ البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، ﴿باشِرُوهُنَّ﴾ بِقَدْرِ الحاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ، ﴿وابْتَغُوا﴾ بِقُوَّةِ هَذِهِ المُباشَرَةِ ﴿ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ مِنَ التَّقْوى والتَّمَكُّنِ عَلى تَوْفِيرِ حُقُوقِ الِاسْتِقامَةِ والوُصُولِ إلى المَقاماتِ العَقْلِيَّةِ، ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ في لَيالِي الصَّحْوِ حَتّى يَظْهَرَ لَكم بَوادِرُ الحُضُورِ ولَوامِعُهُ، وتَغْلِبُ آثارُهُ وأنْوارُهُ عَلى سَوادِ الغَفْلَةِ وظُلْمَتِها، ثُمَّ كُونُوا عَلى الإمْساكِ الحَقِيقِيِّ بِالحُضُورِ مَعَ الحَقِّ، حَتّى يَأْتِيَ زَمانُ الغَفْلَةِ الأُخْرى، فَإنَّ لِكُلِّ حاضِرٍ سَهْمًا مِنها، ولَوْلا ذَلِكَ لَتَعَطَّلَتْ مَصالِحُ المَعاشِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِخَبَرِ: ”لِي مَعَ اللَّهِ وقْتٌ لا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولِي وقْتٌ مَعَ حَفْصَةَ وزَيْنَبَ“، ولا تُقارِبُوهُنَّ حالَ اعْتِكافِكم وحُضُورِكم في مَقاماتِ القُرْبَةِ والأُنْسِ ومَساجِدِ القُلُوبِ، ولا تَأْكُلُوا أمْوالَ مَعارِفِكم بَيْنَكم بِباطِلِ شَهَواتِ النَّفْسِ، وتُرْسِلُوا بِها إلى حُكّامِ النُّفُوسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ لِتَأْكُلُوا الطّائِفَةَ مِن أمْوالِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ بِالظُّلْمِ لِصَرْفِكم إيّاها في مَلاذِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ إثْمٌ ووَضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ وهي الطَّوالِعُ القَلْبِيَّةُ عِنْدَ إشْراقِ نُورِ الرُّوحِ عَلَيْها ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ﴾ لِلسّالِكِينَ يُعْرَفُ بِها أوْقاتُ وُجُوبِ المُعامَلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ وعَزِيمَةُ السُّلُوكِ وطَوافُ بَيْتِ القَلْبِ، والوُقُوفُ في عَرَفَةَ العِرْفانِ، والسَّعْيُ مِن صَفْوَةِ الصَّفا ومَرْوَةِ المَرْوَةِ، وقِيلَ: ﴿الأهِلَّةِ﴾ لِلزّاهِدِينَ مَواقِيتُ أوْرادِهِمْ، ولِلصِّدِّيقِينَ مَواقِيتُ مُراقَباتِهِمْ، والغالِبُ عَلى الأوَّلِينَ القِيامُ بِظَواهِرِ الشَّرِيعَةِ، وعَلى الآخَرِينَ القِيامُ بِأحْكامِ الحَقِيقَةِ، فَإنْ تَجَلّى عَلَيْهِمْ بِوَصْفِ الجَلالِ طاشُوا، وإنْ تَجَلّى عَلَيْهِمْ بِوَصْفِ الجَمالِ عاشُوا، فَهم بَيْنَ جَلالٍ وجَمالٍ وخُضُوعٍ ودَلالٍ، نَفَعَنا اللَّهُ - تَعالى - بِهِمْ، وأفاضَ عَلَيْنا مِن بَرَكاتِهِمْ، ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبُخارِيُّ عَنِ البَراءِ، قالَ: كانُوا إذا أحْرَمُوا في الجاهِلِيَّةِ أتَوُا البَيْتَ مِن ظَهْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَيْسَ البِرُّ﴾ الآيَةَ، وكَأنَّهم كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الدُّخُولِ مِنَ البابِ مِن أجْلِ سَقْفِ البابِ أنْ يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّماءِ، كَما صَرَّحَ بِهِ الزُّهْرِيُّ في رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ صفحة 74 عَنْهُ - ويَعُدُّونَ فِعْلَهم ذَلِكَ بِرًّا - فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَيْسَ بِبِرٍّ ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ أيْ: بِرُّ مَنِ اتَّقى المَحارِمَ والشَّهَواتِ، أوْ لَكِنَّ ذا البَرِّ أوِ البارَّ مَن اتَّقى والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ النَّفْيِ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَقُولِ ( قُلْ ) فَلا بُدَّ مِنَ الجامِعِ بَيْنَهُما، فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم سَألُوا عَنِ الأمْرَيْنِ كَيْفَ ما اتُّفِقَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما في الجَوابِ، بِناءً عَلى الِاجْتِماعِ الِاتِّفاقِيِّ في السُّؤالِ، والأمْرُ الثّانِي مُقَدَّرٌ، إلّا أنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَهُ إيجازًا واكْتِفاءً بِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ، وإيذانًا بِأنَّ هَذا الأمْرَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ، فَيُحْتاجُ إلى السُّؤالِ عَنْهُ، أوْ يُقالُ: إنَّ السُّؤالَ واقِعٌ ﴿عَنِ الأهِلَّةِ﴾ فَقَطْ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ إمّا عَلى الحَقِيقَةِ مَذْكُورٌ لِلِاسْتِطْرادِ؛ حَيْثُ ذَكَرَ مَواقِيتَ الحَجِّ، والمَذْكُورُ أيْضًا مِن أفْعالِهِمْ فِيهِ إلّا الخَمْسَ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اللّائِقَ بِحالِهِمْ أنْ يَسْألُوا عَنْ أمْثالِ هَذا الأمْرِ، ولا يَتَعَرَّضُوا بِما لا يُهِمُّهم عَنْ أمْرِ الأهِلَّة وإمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ حالَهم في سُؤالِهِمْ عَمّا لا يَهُمُّ، وتَرْكُ المُهِمِّ بِحالٍ مِن تَرْكِ البابِ، وأتى مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعْكِيسِهِمُ الأمْرَ في هَذا السُّؤالِ، فالمَعْنى ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ﴾ تَعْكِسُوا مَسائِلَكم ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ ذَلِكَ ولَمْ يُجْبِرْ عَلى مِثْلِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ( يَسْألُونَك ) والجامِعُ بَيْنَهُما أنَّ الأوَّلَ قَوْلٌ لا يَنْبَغِي، والثّانِيَ فِعْلٌ لا يَنْبَغِي وقْعًا مِنَ الأنْصارِ عَلى ما تَحْكِيهِ بَعْضُ الرِّواياتِ. ﴿وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ إذْ لَيْسَ في العُدُولِ بِرٌّ، وباشِرُوا الأُمُورَ عَنْ وُجُوهِها، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿ولَيْسَ البِرُّ﴾ إمّا لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ ( ولا تَأْتُوا البُيُوت مَنَّ ظهورها ) أوْ لِكَوْنِهِ مَقُولَ القَوْلِ، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ جائِزٌ فِيما لَهُ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ سِيَّما بَعْدَ القَوْلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وكَثِيرٌ بِكَسْرِ باءِ ( البِيُوتِ ) حَيْثُما وقَعَ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في تَغْيِيرِ أحْكامِهِ، كَإتْيانِ البُيُوتِ مِن أبْوابِها، والسُّؤالِ عَمّا لا يَعْنِي، ومِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ المُودَعَةِ في مَصْنُوعاتِهِ - تَعالى - بَعْدَ العِلْمِ، بِأنَّهُ أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، أوْ في جَمِيعِ أُمُورِكم. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ 189﴾ أيْ: لِكَيْ تَفُوزُوا بِالمَطْلُوبِ مِنَ الهُدى والبِرِّ، فَإنَّ مَن اتَّقى اللَّهَ - تَعالى - تَفَجَّرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ، وانْكَشَفَتْ لَهُ دَقائِقُ الأسْرارِ حَسَبَ تَقْواهُ.

البقرة 2:190

﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: جاهِدُوا لِإعْزازِ دِينِ اللَّهِ - تَعالى - وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، فالسَّبِيلُ بِمَعْنًى مُسْتَعارٍ لِدِينِ اللَّهِ - تَعالى - وكَلِمَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَتَوَصَّلُ المُؤْمِنُ بِهِ إلى مَرْضاتِهِ - تَعالى -، والظَّرْفِيَّةُ الَّتِي هي مَدْلُولَةٌ في تَرْشِيحٍ لِلِاسْتِعارَةِ، ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أيْ: يُناجِزُونَكُمُ القِتالَ مِنَ الكَفّارِ، وكانَ هَذا عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ، قَبْلَ أنْ أُمِرُوا بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً، المُناجِزِينَ والمُحاجِزِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ تَعْمِيمًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ المُسْتَفادِ مِن هَذا الأمْرِ، مُقَرِّرًا لِمَنطُوقِهِ، ناسِخًا لِمَفْهُومِهِ؛ أيْ: لا تُقاتِلُوا المُحاجِزِينَ، وكَذا المَنطُوقُ في النَّهْيِ الآتِي، فَإنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُشْتَمِلٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ قِتالِهِمْ أيْضًا، وقِيلَ: مَعْناهُ الَّذِينَ يُناصِبُونَكُمُ القِتالَ، ويُتَوَقَّعُ مِنهم ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ المَشايِخِ والصِّبْيانِ والنِّساءِ والرُّهْبانِ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُخَصَّصَةً لِعُمُومِ ذَلِكَ الأمْرِ، مُخْرِجَةً لِمَن لَمْ يُتَوَقَّعْ مِنهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ ما يَعُمُّ سائِرَ الكُفّارِ، فَإنَّهم بِصَدَدِ قِتالِ المُسْلِمِينَ وقَصْدُهُ فَهم في حُكْمِ المُقاتِلَةِ قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنِ البَيْتِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وصالَحُوهُ عَلى أنْ يَرْجِعَ عامَهُ القابِلَ، ويُخَلُّوا لَهُ مَكَّةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَيَطُوفُ بِالبَيْتِ ويَفْعَلُ ما شاءَ، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابُهُ لِعُمْرَةِ القَضاءِ، وخافُوا أنْ لا تَفِيَ صفحة 75 لَهم قُرَيْشٌ بِذَلِكَ، وأنْ يَصُدُّوهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ويُقاتِلُوهُمْ، وكَرِهَ أصْحابُهُ قِتالَهم في الشَّهْرِ الحَرامِ في الحَرَمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - الآيَةَ،» وجَعَلَ ما يُفْهَمُ مِنَ الأثَرِ - وجْهًا رابِعًا في المُرادِ بِالمَوْصُولِ بِأنْ يُقالَ المُرادُ بِهِ مَن يَتَصَدّى مِنَ المُشْرِكِينَ لِلْقِتالِ في الحَرَمِ وفي الشَّهْرِ الحَرامِ كَما فَعَلَ البَعْضُ - بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَقْتَضِي خُصُوصَ الحُكْمِ، ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ أيْ: لا تَقْتُلُوا النِّساءَ والصِّبْيانَ والشَّيْخَ الكَبِيرَ ولا مَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلَمَ وكَفَّ يَدَهُ، فَإنْ فَعَلْتُمْ فَقَدِ اعْتَدَيْتُمْ، رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ( أوْ لا تَعْتَدُوا ) بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كابْتِداءِ القِتالِ أوْ قِتالِ المُعاهِدِ أوِ المُفاجَأةِ بِهِ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ أوْ قَتْلِ مَن نُهِيتُمْ عَنْ قَتْلِهِ قالَهُ بَعْضُهُمْ، وأُيِّدَ بِأنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ يُفِيدُ العُمُومَ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ 190﴾ أيِ المُتَجاوِزِينَ ما حُدَّ لَهُمْ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، ومَحَبَّتُهُ تَعالى لِعِبادِهِ في المَشْهُورِ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ الخَيْرِ والثَّوابِ لَهُمْ، ولا واسِطَةَ بَيْنَ المَحَبَّةِ والبُغْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - وذَلِكَ بِخِلافِ مَحَبَّةِ الإنْسانِ وبُغْضِهِ، فَإنَّ بَيْنَهُما واسِطَةً، وهي عَدَمُهُما.

البقرة 2:191

﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: وجَدْتُمُوهم كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - حِينَ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ حَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: فَإمّا يَثْقَفَنَّ بَنِي لُوَيٍّ جَذِيمَةُ إنَّ قَتْلَهُمُ دَواءُ وأصْلُ الثَّقَفِ الحَذَقُ في إدْراكِ الشَّيْءِ، عَمَلًا كانَ أوْ عِلْمًا، ويُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في مُطْلَقِ الإدْراكِ، والفِعْلُ مِنهُ ثَقَفَ كَكَرَمَ وفَرِحَ، ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ: مَكَّةَ، وقَدْ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ عامَ الفَتْحِ، وهَذا الأمْرُ مَعْطُوفٌ عَلى سابِقِهِ، والمُرادُ: افْعَلُوا كُلَّ ما يَتَيَسَّرُ لَكم مِن هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، فانْدَفَعَ ما قِيلَ: إنَّ الأمْرَ بِالإخْراجِ لا يُجامِعُ الأمْرَ بِالقَتْلِ، فَإنَّ القَتْلَ والإخْراجَ لا يَجْتَمِعانِ، ولا حاجَةَ إلى ما تُكُلِّفَ مِن أنَّ المُرادَ إخْراجُ مَن دَخَلَ في الأمانِ أوْ وجَدُوهُ بِالأمانِ، كَما لا يَخْفى، ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيْ: شِرْكُهم في الحَرَمِ أشَدُّ قُبْحًا، فَلا تُبالُوا بِقِتالِهِمْ فِيهِ؛ لِأنَّهُ ارْتِكابُ القَبِيحِ لِدَفْعِ الأقْبَحِ، فَهو مُرَخَّصٌ لَكم ويُكَفَّرُ عَنْكُمْ، أوِ المِحْنَةُ الَّتِي يَفْتَتِنُ بِها الإنْسانُ كالإخْراجِ مِنَ الوَطَنِ المُحَبَّبِ لِلطِّباعِ السَّلِيمَةِ أصْعَبُ مِنَ القَتْلِ؛ لِدَوامِ تَعَبِها وتَألُّمِ النَّفْسِ بِها، ومِن هُنا قِيلَ: لَقَتْلٌ بِحَدِّ سَيْفٍ أهْوَنُ مَوْقِعًا عَلى النَّفْسِ مِن قَتْلٍ بِحَدِّ فِراقِوا لْجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ مِن بابِ التَّكَمُّلِ والِاحْتِراسِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( واقْتِلُوهم ) إلَخْ عَنْ تَوَهُّمِ أنَّ القِتالَ في الحَرَمِ قَبِيحٌ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِهِ، وعَلى الثّانِي تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأخْرِجُوهُمْ﴾ إلَخْ لِبَيانِ حالِ الإخْراجِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، وأصْلُ الفِتْنَةِ عَرْضُ الذَّهَبِ عَلى النّارِ لِاسْتِخْلاصِهِ مِنَ الغِشِّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الِابْتِلاءِ والعَذابِ والصَّدِّ عَنْ دِينِ اللَّهِ والشِّرْكِ بِهِ، وبِالأخِيرِ فَسَّرَها أبُو العالِيَةِ في الآيَةِ. ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَبْدَءُوا القِتالَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ الشَّرِيفِ حَتّى يَكُونَ هُمُ الَّذِينَ يُبْدَءُونَ، فالنَّهْيُ عَنِ المُقاتَلَةِ الَّتِي هي فِعْلُ اثْنَيْنَ بِاعْتِبارِ نَهْيِهِمْ عَنْ الِابْتِداءِ بِها الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِها، وكَذا كَوْنُها غايَةً بِاعْتِبارِ المُفاتَحَةِ؛ لِئَلّا يَلْزَمَ كَوْنُ الشَّيْءِ غايَةً لِنَفْسِهِ. ﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ نَفْيٌ لِلْحَرَجِ عَنِ القِتالِ في الحَرَمِ الَّذِي خافَ مِنهُ المُسْلِمُونَ وكَرِهُوهُ؛ أيْ: إنْ قاتَلُوكم هُناكَ فَلا تُبالُوا بِقِتالِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ هَتَكُوا الحُرْمَةَ، وأنْتُمْ في قِتالِهِمْ دافِعُونَ القَتْلَ عَنْ أنْفُسِكُمْ، وكانَ الظّاهِرُ الإتْيانُ بِأمْرِ المُفاعَلَةِ، إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى أمْرِ فِعْلِ بِشارَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ؛ أيْ: هم مِنَ الخِذْلانِ وعَدَمِ النَّصْرِ بِحَيْثُ صفحة 76 أُمِرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( ولا تَقْتُلُوهم حَتّى يَقْتُلُوكم فَإنْ قَتَلُوكم فاقْتُلُوهم ) واعْتَرَضَ الأعْمَشُ عَلى حَمْزَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ، فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ قِراءَتَكَ إذا صارَ الرَّجُلُ مَقْتُولًا، فَبَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ يَصِيرُ قاتِلًا لِغَيْرِهِ؟ فَقالَ حَمْزَةُ: إنَّ العَرَبَ إذا قَتَلَ مِنهم رَجُلٌ قالُوا: قَتَلْنا، وإذا ضَرَبَ مِنهُمُ الرَّجُلُ، قالُوا: ضَرَبْنا، وحاصِلُهُ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ المُضافِ إلى المَفْعُولِ، وهو لَفْظُ بَعْضٍ، فَلا يَلْزَمُ كَوْنَ المَقْتُولِ قاتِلًا، وأمّا إسْنادُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ فَمَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الفِعْلَ الواقِعَ مِنَ البَعْضِ بِرِضا البَعْضِ الآخَرِ يُسْنَدُ إلى الكُلِّ عَلى التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ، فَلا حاجَةَ فِيهِ إلى التَّقْدِيرِ، ولِذا اكْتَفى الأعْمَشُ في السُّؤالِ بِجانِبِ المَفْعُولِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ولا تَقْتُلُوهم ) جازَ عَلى حَقِيقَةٍ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى السَّلْبِ الكُلِّيِّ؛ أيْ: لا يَقْتُلُ واحِدٌ مِنكم واحِدًا مِنهم حَتّى يَقَعَ مِنهم قَتْلُ بَعْضِهِمْ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّأْوِيلَ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ القِراءَةِ، ولا حاجَةَ إلَيْهِ في ( لا تُقاتِلُوهم )؛ لِأنَّ المَعْنى: لا تُفاتِحُوهُمْ، والمُفاتَحَةُ لا تَكُونُ إلّا بِشُرُوعِ البَعْضِ بِقِتالِ البَعْضِ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقَدْ خَفِيَ عَلى بَعْضِ النّاظِرِينَ فَتَدَبَّرْ. ﴿كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ 191﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ؛ أيْ: يُفْعَلُ بِهِمْ مِثْلَ ما فَعَلُوا، و( الكافِرِينَ ) إمّا مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، أوِ المُرادُ مِنهُ الجِنْسُ، ويَدْخُلُ المَذْكُورُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجارُّ في المَشْهُورِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وما بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، واخْتارَ أبُو البَقاءِ أنَّ الكافَ بِمَعْنى مِثْلَ مُبْتَدَأٍ وجَزاءٌ خَبَرُهُ؛ إذْ لا وجْهَ لِلتَّقْدِيمِ.

البقرة 2:192

﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الكُفْرِ بِالتَّوْبَةِ مِنهُ، كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ، أوْ عَنْهُ وعَنِ القِتالِ كَما قِيلَ: لِقَرِينَةِ ذِكْرِ الأمْرَيْنِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 192﴾ فَيَغْفِرُ لَهم ما قَدْ سَلَفَ، واسْتُدِلَّ بِهِ في البَحْرِ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ قاتِلِ العَمْدِ؛ إذْ كانَ الكُفْرُ أعْظَمَ مَأْثَمًا مِنَ القَتْلِ، وقَدْ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنهُ،

البقرة 2:193

﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قاتَلُوا الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ) والأوَّلُ مَسُوقٌ لِوُجُوبِ أصْلِ القِتالِ، وهَذا لِبَيانِ غايَتِهِ، والمُرادُ مِنَ ( الفِتْنَةِ ) الشِّرْكُ عَلى ما هو المَأْثُورُ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لَيْسَ في حَقِّهِمْ إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾، ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ أيْ: خالِصًا لَهُ كَما يُشْعِرُ بِهِ اللّامُ، ولَمْ يَجِئْ هُنا كَلِمَةُ كُلِّهِ، كَما في آيَةِ الأنْفالِ؛ لِأنَّ ما هُنا في مُشْرِكِي العَرَبِ، وما هُناكَ في الكُفّارِ عُمُومًا، فَناسَبَ العُمُومُ هُناكَ وتَرْكُهُ هُنا، ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الغايَةِ، فالمُتَعَلِّقُ الشِّرْكُ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، ﴿فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ 193﴾ عِلَّةً لِلْجَزاءِ المَحْذُوفِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ، والتَّقْدِيرُ ( فَإنَّ انتهوا ) وأسْلَمُوا فَلا تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ( العُدْوانَ عَلى الظّالِمِينَ ) والمُنْتَهُونَ لَيْسُوا بِظالِمِينَ، والمُرادُ نَفْيُ الحُسْنِ والجَوازِ لا نَفْيَ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ ( العُدْوانَ ) واقِعٌ عَلى غَيْرِ الظّالِمِينَ، والمُرادُ مِنَ ( العُدْوانِ ) العُقُوبَةُ بِالقَتْلِ، وسُمِّيَ القَتْلُ عُدْوانًا مِن حَيْثُ كانَ عُقُوبَةً (لِلْعُدْوانِ) وهو الظُّلْمُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ وحَسُنَ ذَلِكَ لِازْدِواجِ الكَلامِ والمُزاوَجَةُ هُنا مَعْنَوِيَّةٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ سُمِّيَ جَزاءُ الظُّلْمِ ظُلْمًا؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ عَدْلًا مِنَ المُجازِي، لَكِنَّهُ ظُلْمٌ في حَقِّ الظّالِمِ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ ظُلْمٌ بِالسَّبَبِ لِإلْحاقِ هَذا الجَزاءِ بِهِ، وقِيلَ: لا حَذْفَ، والمَذْكُورُ هو الجَزاءُ عَلى مَعْنى فَلا تَعْتَدُوا عَلى المُنْتَهِينَ إمّا بِجَعْلِ ﴿فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾ بِمَعْنى: ( فَلا عُدْوانَ عَلى غَيْرِ الظّالِمِينَ ) المُكَنّى بِهِ عَنِ المُنْتَهِينَ، أوْ جَعْلِ اخْتِصاصِ العُدْوانِ بِالظّالِمِينَ، كِنايَةً عَنْ عَدَمِ جَوازِ العُدْوانِ عَلى غَيْرِهِمْ، وهُمُ المُنْتَهُونَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَصِيرُ الحُكْمُ الثُّبُوتِيُّ المُسْتَفادُ مِنَ القَصْرِ زائِدًا، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي يَصِيرُ المُكَنّى عَنْهُ مِنَ المُكَنّى بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ هو الجَزاءُ صفحة 77 ومَعْنى ( الظّالِمِينَ ) المُتَجاوِزِينَ عَنْ حَدِّ حُكْمِ القِتالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الشِّرْكِ ﴿فَلا عُدْوانَ إلا عَلى﴾ المُتَجاوِزِينَ عَمّا حَدَّهُ اللَّهُ - تَعالى - لِلْقِتالِ، وهُمُ المُتَعَرِّضُونَ لِلْمُنْتَهِينَ، ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّكم إنْ تَعَرَّضْتُمْ لِلْمُتَّقِينَ صِرْتُمْ ظالِمِينَ، وتَنْعَكِسُ الحالُ عَلَيْكُمْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ قِتالِ المُنْتَهِينَ ما لا يَخْفى، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذا المَعْنى يَسْتَدْعِي حَذْفَ الجَزاءِ، وجَعْلَ المَذْكُورِ عِلَّةً لَهُ عَلى مَعْنى ( فَإنَّ انتهوا ) فَلا تَتَعَرَّضُوهُمْ؛ لِئَلّا تَكُونُوا ظالِمِينَ، فَيُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْكم مَن يَعْدُوا عَلَيْكُمْ؛ لِأنَّ (العُدْوانَ) لا يَكُونُ ﴿إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾ أوْ فَإنَّ انتهوا يُسَلِّطُ عَلَيْكم مَن يَعْدُوا عَلَيْكم عَلى تَقْدِيرِ تَعَرُّضِكم لَهم لِصَيْرُورَتِكم ظالِمِينَ بِذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ.

البقرة 2:194

﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامُ﴾ قاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي القِعْدَةِ قِتالًا خَفِيفًا بِالرَّمْيِ بِالسِّهامِ والحِجارَةِ، فاتَّفَقَ خُرُوجُهم لِعُمْرَةِ القَضاءِ فِيهِ، فَكَرِهُوا أنْ يُقاتِلُوهم لِحُرْمَتِهِ، فَقِيلَ: هَذا ( الشَّهْرُ الحَرامُ ) بِذَلِكَ، وهَتْكُهُ بِهَتْكِهِ، فَلا تُبالُوا بِهِ، ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ أيِ: الأُمُورُ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُحافَظَ عَلَيْها ذَواتُ ( قِصاصٍ ) أوْ مُقاصَّةٍ، وهو مُتَضَمِّنٌ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الحُكْمِ السّابِقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُبالُوا بِدُخُولِكم عَلَيْهِ عَنْوَةً، وهَتْكُ حُرْمَةِ هَذا الشَّهْرِ ابْتِداءً بِالغَلَبَةِ، فَإنَّ ( الحُرُماتِ ) يَجْرِي فِيها ( القِصاصُ ) فالصَّدُ قِصاصُهُ العَنْوَةُ، ﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَهُ، وهو أخَصُّ مُفادًا مِنهُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَشْمَلُ ما إذا هَتَكَ حُرْمَةَ الإحْرامِ والصَّيْدِ والحَشِيشِ مَثَلًا بِخِلافِ هَذا، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامُ﴾ ولا يُنافِي ذَلِكَ فَذْلَكِيَّتَهُ مَعْطُوفًا ( بِالفاءِ ) والأمْرُ لِلْإباحَةِ؛ إذِ العَفْوُ جائِزٌ، ومَن تَحْتَمِلُ الشَّرْطِيَّةَ والمَوْصُولِيَّةَ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ ( الفاءُ ) صِلَةً في الخَبَرِ، ( والباءُ ) تُحَتِّمُ الزِّيادَةَ وعَدَمَها، واسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ القاتِلَ يُقْتَلُ بِمِثْلِ ما قَتَلَ بِهِ مِن مُحَدَّدٍ، أوْ خَنْقٍ، أوْ حَرْقٍ، أوْ تَجْوِيعٍ، أوْ تَغْرِيقٍ، حَتّى لَوْ ألْقاهُ في ماءٍ عَذْبٍ لَمْ يُلْقَ في ماءٍ مِلْحٍ، واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا عَلى أنَّ مَن غَصَبَ شَيْئًا وأتْلَفَهُ يَلْزَمُهُ رَدُّ مِثْلِهِ، ثُمَّ إنَّ المَثَلَ قَدْ يَكُونُ مِن طَرِيقِ الصُّورَةِ، كَما في ذَواتِ الأمْثالِ، وقَدْ يَكُونُ مِن طَرِيقِ المَعْنى كالقِيَمِ فِيما لا مِثْلَ لَهُ، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الِانْتِصارِ لِأنْفُسِكم وتَرْكِ الِاعْتِداءِ بِما لَمْ يُرَخِّصْ لَكم فِيهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ 194﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قاتَلُوا ) أيْ: ولْيَكُنْ مِنكم إنْفاقٌ ما في سَبِيلِهِ ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ بِتَرْكِ الغَزْوِ والإنْفاقِ فِيهِ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِما تَأْكِيدًا لَهُما، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ أبِي عِمْرانَ، قالَ: «كُنّا بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَخَرَجَ صَفٌّ عَظِيمٌ مِنَ الرُّومِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ حَتّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَقالَ النّاسُ: ألْقى بِيَدَيْهِ إلى التَّهْلُكَةِ، فَقامَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ فَقالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّكم تُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذا التَّأْوِيلَ، وإنَّما نَزَلَتْ فِينا - مَعاشِرَ الأنْصارِ -، إنّا لَمّا أعَزَّ اللَّهُ - تَعالى - دِينَهُ وكَثُرَ ناصِرُوهُ قالَ بَعْضُنا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: إنَّ أمْوالَنا قَدْ ضاعَتْ، وإنَّ اللَّهَ - تَعالى - قَدْ أعَزَّ الإسْلامَ، وكَثُرَ ناصِرُوهُ، فَلَوْ أقَمْنا في أمْوالِنا فَأصْلَحْنا ما ضاعَ مِنها، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - عَلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما يَرُدُّ عَلَيْنا ما قُلْنا».

البقرة 2:195

﴿وأنْفِقُوا﴾ إلَخْ، فَكانَتِ ( التَّهْلُكَةُ ) الإقامَةُ في الأمْوالِ وإصْلاحُها وتَرْكُ الغَزْوِ. وقالَ الجِبّائِيُّ: ( التَّهْلُكَةُ ) الإسْرافُ في الإنْفاقِ، فالمُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ عَنْهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالإنْفاقِ؛ تَحَرِّيًا لِلطَّرِيقِ الوَسَطِ صفحة 78 بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ فِيهِ، ورَوى البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّها البُخْلُ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ المُؤَبَّدِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مُؤَكِّدًا لِلْأمْرِ السّابِقِ، واخْتارَ البَلْخِيُّ أنَّها اقْتِحامُ الحَرْبِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، وإيقاعُ النَّفْسِ في الخَطَرِ والهَلاكِ، فَيَكُونُ الكَلامُ مُتَعَلِّقًا بِـ قاتَلُوا نَهْيًا عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في الشَّجاعَةِ، وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وجَماعَةٌ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ هو الرَّجُلُ يَلْقى العَدُوَّ فَيُقاتِلُ حَتّى يُقْتَلَ، قالَ: لا، ولَكِنْ هو الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُلْقِي بِيَدَيْهِ فَيَقُولُ: لا يَغْفِرُ اللَّهُ - تَعالى - لِي أبَدًا، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ، وعَلَيْهِ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهو في غايَةِ البُعْدِ، ولَمْ أرَ مَن صَحَّحَ الخَبَرَ عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - سِوى الحاكِمِ، وتَصْحِيحُهُ يُوثَقُ بِهِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ العُمُومُ والإلْقاءُ تَصْيِيرُ الشَّيْءِ إلى جِهَةِ السُّفْلِ وأُلْقِيَ عَلَيْهِ مَسْألَةٌ مَجازٌ، ويُقالُ لِكُلِّ مَن أخَذَ في عَمَلٍ ألْقى يَدَيْهِ إلَيْهِ وفِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ في الشَّمْسِ: حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها وعُدِّيَ ( بِإلى ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ أوِ الإنْهاءِ، ( والباءُ ) مَزِيدَةٌ في المَفْعُولِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّهْيِ؛ لِأنَّ ( ألْقى ) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما في ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ﴾ وزِيادَتُها في المَفْعُولِ لا تَنْقاسُ، والمُرادُ بِالأيْدِي الأنْفُسُ مَجازًا، وعَبَّرَ بِها عَنْها؛ لِأنَّ أكْثَرَ ظُهُورِ أفْعالِها بِها، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً، والأيْدِي بِمَعْناها، والمَعْنى لا تَجْعَلُوا التَّهْلُكَة آخِذَةً بِأيْدِيكم قابِضَةً إيّاها، وأنْ تَكُونَ غَيْرَ مَزِيدَةٍ، ( والأيْدِي ) أيْضًا عَلى حَقِيقَتِها، ويَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا؛ أيْ: لا تُلْقُوا بِأيْدِيكم أنْفُسَكم إلى ﴿التَّهْلُكَةِ﴾ وفائِدَةُ ذِكْرِ ( الأيْدِي ) حِينَئِذٍ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنِ الإلْقاءِ إلَيْها بِالقَصْدِ والِاخْتِيارِ، والتَّهْلُكَة مَصْدَرٌ كالهَلَكِ والهَلاكِ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ مَصْدَرٌ عَلى تَفْعُلَةٍ ( بِضَمِّ العَيْنِ ) إلّا هَذا في المَشْهُورِ، وحَكى سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ: ( تَضُرَّةٌ وتَسُرَّةٌ ) أيْضًا بِمَعْنى الضَّرَرِ والسُّرُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أصْلُها ( تَهْلِكَةً بِكَسْرِ اللّامِ ) مَصْدَرُ هَلَكَ مُشَدَّدًا كالتَّجْرِبَةِ والتَّبْصِرَةِ، فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ ضَمَّةً، وفِيهِ أنَّ مَجِيءَ تَفْعِلَةٍ بِالكَسْرِ مِن فِعْلِ المُشَدَّدِ الصَّحِيحِ الغَيْرِ المَهْمُوزِ شاذٌّ، والقِياسُ تَفْعِيلٌ، وإبْدالُ الكَسْرَةِ بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ في غايَةِ الشُّذُوذِ، وتَمْثِيلُهُ بِالجُوارِ مَضْمُومِ الجِيمِ في جِوارٍ مَكْسُورِها لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا في الإبْدالِ، لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بِناءُ المَصْدَرِ فِيهِ عَلى فُعالٍ مَضْمُومِ الفاءِ شُذُوذًا، يُؤَيِّدُهُ ما في الصِّحاحِ جاوَرْتُهُ مُجاوَرَةً وجِوارًا وجُوارًا، والكَسْرُ أفْصَحُ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ ( التَّهْلُكَةِ ) والهَلاكِ، بِأنَّ الأوَّلَ ما يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، والثّانِي ما لا يُمْكِنُ، وقِيلَ: الهَلاكُ مَصْدَرٌ، و( التَّهْلُكَةُ ) نَفْسُ الشَّيْءِ المُهْلِكِ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ المَشْهُورِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ الإقْدامِ عَلى ما يُخافُ مِنهُ تَلَفُ النَّفْسِ، وجَوازِ الصُّلْحِ مَعَ الكُفّارِ والبُغاةِ إذا خافَ الإمامُ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى المُسْلِمِينَ ﴿وأحْسِنُوا﴾ أيْ: بِالعَوْدِ عَلى المُحْتاجِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: أحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعالى، وأحْسَنُوا في أعْمالِكم بِامْتِثالِ الطّاعاتِ، ولَعَلَّهُ أوْلى. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ 195﴾ ويُثِيبُهم.

البقرة 2:196

﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أيِ: اجْعَلُوهُما تامَّيْنِ إذا تَصَدَّيْتُمْ لِأدائِهِما لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعالى - فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أكْثَرِ مِن وُجُوبِ الإتْمامِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِما، وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الحَنَفِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - فَإنَّ إفْسادَ الحَجِّ والعُمْرَةِ مُطْلَقًا يُوجِبُ المُضِيَّ في بَقِيَّةِ الأفْعالِ والقَضاءِ، ولا تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الأصْلِ، والقَوْلُ بِالدَّلالَةِ بِناءً عَلى أنَّ الأمْرَ بِالإتْمامِ مُطْلَقًا يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ صفحة 79 بِالأداءِ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ المُطْلَقُ إلّا بِهِ، فَهو واجِبٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالإتْمامِ يَقْتَضِي سابِقِيَّةَ الشُّرُوعِ، فَيَكُونُ الأمْرُ بِالإتْمامِ مُقَيَّدًا بِالشُّرُوعِ، وادِّعاءُ أنَّ المَعْنى ائْتُوا بِهِما حالَ كَوْنِهِما تامَّيْنِ مُسْتَجْمِعِي الشَّرائِطِ والأرْكانِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِهِما؛ لِأنَّ الأمْرَ ظاهِرٌ فِيهِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ: ( وأقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ ) لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وبِتَقْدِيرِ قَبُولِهِ في مَقامِ الِاسْتِدْلالِ يُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ الوُجُوبُ المُسْتَفادُ مِنَ الأمْرِ فِيهِ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ - أعْنِي تامَّيْنِ - لا إلى أصْلِ الإتْيانِ، كَما في قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «بِيعُوا سَواءً بِسَواءٍ”؛» وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ الأمْرَ في القِراءَةِ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ المُشْتَرِكِ بَيْنَ الواجِبِ والمَندُوبِ - أعْنِي طَلَبَ الفِعْلِ - والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ الأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى اسْتِحْبابِ العُمْرَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ ماجَهْ، أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «“الحَجُّ جِهادٌ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ”،» وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ جابِرٍ، «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنِ العُمْرَةِ، أواجِبَةٌ هِيَ؟ قالَ:“لا، وأنْ تَعْتَمِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ”،» ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صاحِبَ هَذِهِ القِراءَةِ قالَ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ:“الحَجُّ فَرِيضَةٌ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ”، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنْهُ أيْضًا، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَقُولُ: واللَّهِ لَوْلا التَّحَرُّجُ أنِّي لَمْ أسْمَعْ فِيها مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَيْئًا لَقُلْتُ: إنَّ العُمْرَةَ واجِبَةٌ مِثْلُ الحَجِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَمْ يَجْعَلِ الأمْرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها لِلْوُجُوبِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئًا فِيهِ، ولَعَلَّهُ سَمِعَ ما يُخالِفُهُ، ولِهَذا جَزَمَ في الرِّوايَةِ الأُولى عَنْهُ بِفَرْضِيَّةِ الحَجِّ واسْتِحْبابِ العُمْرَةِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ حَمَلَ الأمْرَ في قِراءَتِهِ عَلى القَدْرِ المُشْتَرِكِ الَّذِي قُلْناهُ لا غَيْرَ، بِناءً عَلى امْتِناعِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، وعَدَمُ جَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ والمِيلُ إلى عَدَمِ تَقْدِيرِ فِعْلٍ مُوافِقٍ لِلْمَذْكُورِ يُرادُ بِهِ النَّدْبُ، نَعَمْ لا يُعَدُّ ما ذُكِرَ صارِفًا إلّا إذا ثَبَتَ كَوْنُهُ قَبْلَ الآيَةِ، أمّا إذا ثَبَتَ كَوْنُهُ بَعْدَها، فَلا لِأنَّهُ يُلْزِمُ نَسْخَ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ لِما أنَّ الأمْرَ ظاهِرٌ في الوُجُوبِ، ولَيْسَ مُجْمَلًا في مَعانِيهِ عَلى الصَّحِيحِ، حَتّى يُحْمَلَ الخَبَرُ عَلى تَأْخِيرِ البَيانِ - عَلى ما وُهِمَ – والقَوْلُ بِأنَّ أحادِيثَ النَّدْبِ سابِقَةٌ، ولا تَصْرِفُ الأمْرَ عَنْ ظاهِرِهِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ناسِخًا لَها سَهْوٍ ظاهِرٍ؛ لِأنَّ الأحادِيثَ نَصٌّ في الِاسْتِحْبابِ، والقُرْآنُ ظاهِرٌ في الوُجُوبِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الظّاهِرُ ناسِخًا لِلنَّصِّ، والحالُ أنَّ النَّصَّ مُقَدَّمٌ عَلى الظّاهِرِ عِنْدَ التَّعارُضِ. ثُمَّ إنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ - وإنْ لَمْ يَكُنْ مُبْطِلًا لِأصْلِ التَّأْيِيدِ إلّا أنَّهُ يُضَعِّفُهُ جِدًّا - وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى اسْتِحْبابِ العُمْرَةِ مُعارَضَةٌ بِما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِها مِنها، فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“إنَّ الحَجَّ والعُمْرَةَ فَرِيضَتانِ، لا يَضُرُّكَ بِأيِّهِما بَدَأْتَ”،» وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِعُمَرَ: إنِّي وجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ، أهْلَلْتُ بِهِما جَمِيعًا، فَقالَ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ،» فَإنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإهْلالَ بِهِما طَرِيقَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِما حَكاهُ الصَّحابِيُّ مِن سُنَنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَكُونُ اسْتِدْلالًا بِالحَدِيثِ الفِعْلِيِّ الَّذِي رَواهُ الصَّحابِيُّ، والقَوْلُ بِأنَّ أهْلَلْتُ بِهِما، جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: وجَدْتُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوُجُوبُ بِسَبَبِ الإهْلالِ بِهِما، فَلا يَدُلُّ الحَدِيثُ عَلى الوُجُوبِ ابْتِداءً لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنِفَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما فَعَلْتَ؟ فَقالَ: أهْلَلْتُ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الوِجْدانَ سَبَبُ الإهْلالِ دُونَ العَكْسِ؛ لِأنَّ مَقْصُودَ السّائِلِ السُّؤالُ عَنْ صِحَّةِ إهْلالِهِ بِهِما، فَكَيْفَ يَقُولُ: وجَدْتُهُما مَكْتُوبَيْنِ؛ لِأنِّي أهْلَلْتُ بِهِما، فَإنَّهُ إنَّما يَصِحُّ عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ بِصِحَّةِ إهْلالِهِ بِهِما، وجَوابُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِمَعْزِلٍ عَنْ وُجُوبِ الإتْمامِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الشُّرُوعِ صفحة 80 فِي الشَّيْءِ مُوجِبًا لِإتْمامِهِ، لا يُقالُ فِيهِ أنَّهُ طَرِيقَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَلْ يُقالُ في أداءِ المَناسِكِ والعِباداتِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما وقَعَ في بَعْضِ الرِّواياتِ ( فَأهْلَلْتُ ) بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى التَّرَتُّبِ، وما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مُعارَضٌ بِما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ القَوْلِ بِالوُجُوبِ، وبِذَلِكَ قالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -، وكانَ يَقْرَأُ: ( وأقِيمُوا ) أيْضًا كَما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، وكَذا ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ - انْتَهى، والإنْصافُ تَسْلِيمُ تَعارُضِ الأخْبارِ، وقَدْ أخَذَ كُلٌّ مِنَ الأئِمَّةِ بِما صَحَّ عِنْدَهُ، والمَسْألَةُ مِنَ الفُرُوعِ، والِاخْتِلافُ في أمْثالِها رَحْمَةٌ وإنَّ الحَقَّ أنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا لِلشّافِعِيَّةِ ومَن وافَقَهم كالإمامِيَّةِ عَلَيْنا، ولَيْسَ فِيها عِنْدَ التَّحْقِيقِ أكْثَرُ مِن بَيانِ وُجُوبِ إتْمامِ أفْعالِهِما عِنْدَ التَّصَدِّي لِأدائِهِما، وإرْشادِ النّاسِ إلى تَدارُكِ ما عَسى يَعْتَرِيهِمْ مِنَ العَوارِضِ المُخِلَّةِ بِذَلِكَ مِنَ الإحْصارِ ونَحْوِهِ، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِحالِهِما مِنَ الوُجُوبِ وعَدَمِهِ، ووُجُوبُ الحَجِّ مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ ومَنِ ادَّعى مِنَ المُخالِفِينَ أنَّهُ دَلِيلٌ لَهُ، فَقَدْ رَكِبَ شَطَطًا وقالَ غَلَطًا كَما لا يَخْفى عَلى مَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - إتْمامُ الحَجِّ والعُمْرَةِ لِلَّهِ أنْ تُحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، ومِثْلُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - مِن إتْمامِهِما أنْ يُفْرِدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ، وأنْ يَعْتَمِرَ في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ، وقِيلَ: إتْمامُهُما أنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلالًا، وقِيلَ: أنْ تُحْدِثَ لِكُلٍّ مِنهُما سَفَرًا، وقِيلَ: أنْ تَخْرُجَ قاصِدًا لَهُما لا لِتِجارَةٍ ونَحْوِها، وقُرِئَ: ( إلى البَيْتِ ولِلْبَيْتِ )، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والثّانِي عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ مُقابِلٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: هَذا إنْ قَدَرْتُمْ عَلى إتْمامِهِما والإحْصارُ والحَصْرُ كِلاهُما في أصْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنى المَنعِ مُطْلَقًا، ولَيْسَ الحَصْرُ مُخْتَصًّا بِما يَكُونُ مِنَ العَدُوِّ، والإحْصارُ بِما يَكُونُ مِنَ المَرَضِ، والخَوْفُ - كَما تَوَهَّمَ الزَّجّاجُ - مِن كَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِما كَذَلِكَ، فَإنَّهُ قَدْ يَشِيعُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ المَوْضُوعِ لِلْمَعْنى العامِّ في بَعْضِ أفْرادِهِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ يُقالُ: حَصَرَهُ العَدُوُّ وأحْصَرَهُ كَصَدَّهُ وأصَدَّهُ، فَلَوْ كانَتِ النِّسْبَةُ إلى العَدُوِّ مُعْتَبَرَةٌ في مَفْهُومِ الحَصْرِ لَكانَ التَّصْرِيحُ بِالإسْنادِ إلَيْهِ تَكْرارًا، ولَوْ كانَتِ النِّسْبَةُ إلى المَرَضِ ونَحْوِهِ مُعْتَبَرَةٌ في مَفْهُومِ الإحْصارِ، لَكانَ إسْنادُهُ إلى العَدُوِّ مَجازًا، وكِلاهُما خِلافُ الأصْلِ، والمُرادُ مِنَ الإحْصارِ هُنا حَصْرُ العَدُوِّ عِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ - رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى - لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ فَإنَّ الأمْنَ لُغَةً في مُقابَلَةِ الخَوْفِ ولِنُزُولِهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، ولِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ العَدُوِّ، فَقَيَّدَ إطْلاقَ الآيَةِ، وهو أعْلَمُ بِمَواقِعِ التَّنْزِيلِ. وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ ما يَعُمُّ كُلَّ مَنعٍ مِن عَدُوٍّ ومَرَضٍ وغَيْرِهِما، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو:“مَن كُسِرَ أوْ عَرِجَ، فَعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابَلٍ”. ورَوى الطَّحاوِيُّ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ: أهَلَّ رَجُلٌ بِعُمْرَةٍ، يُقالُ لَهُ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ: فَلُسِعَ فَبَيْنا هو صَرِيعٌ في الطَّرِيقِ؛ إذْ طَلَعَ عَلَيْهِ رَكْبٌ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَسَألُوهُ فَقالَ:“ابْعَثُوا بِالهَدْيِ، واجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَهُ يَوْمَ أمارَةٍ، فَإذا كانَ ذَلِكَ فَلْيُحِلَّ”وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ:“لا إحْصارَ إلّا مِن مَرَضٍ أوْ عَدُوٍّ أوْ أمْرٍ حابِسٍ”، ورَوى البُخارِيُّ مِثْلَهُ عَنْهُ، وقالَ عُرْوَةُ: كُلُّ شَيْءٍ حَبَسَ المُحْرِمَ فَهو إحْصارٌ. وما اسْتَدَلَّ بِهِ الخَصْمُ مُجابٌ عَنْهُ، أمّا الأوَّلُ فَسَتَعْلَمُ ما فِيهِ، وأمّا الثّانِي فَإنَّهُ لا عِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ، والحَمْلُ عَلى أنَّهُ لِلتَّأْيِيدِ يَأْبى عَنْهُ ذِكْرُهُ بِاللّامِ اسْتِقْلالًا، والقَوْلُ بِأنَّ أحصرتم لَيْسَ عامًّا؛ إذِ الفِعْلُ المُثْبَتُ لا عُمُومَ لَهُ، فَلا يُرادُ إلّا ما ورَدَ فِيهِ، وهو حَبْسُ العَدُوِّ بِالِاتِّفاقِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ عامًّا لَكِنَّهُ مُطْلَقٌ، فَيَجْرِي عَلى إطْلاقِهِ، وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ حُجِّيَّةِ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ صفحة 81 - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في أمْثالِ ذَلِكَ مُعارَضٌ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، أنَّهُ قالَ: يَقُولُ:“مَن أحْرَمَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ حُبِسَ عَنِ البَيْتِ بِمَرَضٍ يُجْهِدُهُ أوْ عَدُوٍّ يَحْبِسُهُ، فَعَلَيْهِ ذَبْحُ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ”، فَكَما خَصَّصَ في الرِّوايَةِ الأُوَلى عَمَّمَ في هَذِهِ، وهو أعْلَمُ بِمَواقِعِ التَّنْزِيلِ والقَوْلُ - بِأنَّ حَدِيثَ الحَجّاجِ ضَعِيفٌ - ضَعِيفٌ؛ إذْ لَهُ طُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ في السُّنَنِ، وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ أنَّ عِكْرِمَةَ سَألَ العَبّاسَ وأبا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عَنْ ذَلِكَ، فَقالا: صَدَقَ، وحَمَلَهُ عَلى ما إذا اشْتَرَطَ المُحْرِمُ الإحْلالَ عِنْدَ عُرُوضِ المانِعِ مِنَ المَرَضِ لَهُ وقْتَ النِّيَّةِ؛ «لِقَوْلِهِ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِضُباعَةَ:“حُجِّي واشْتَرِطِي، وقَوْلِي: اللَّهُمَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» لا يَتَمَشّى عَلى ما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الحَنَفِيَّةِ مِن أنَّ المُطْلَقَ يَجْرِي عَلى إطْلاقِهِ، إلّا إذا اتَّحَدَ الحادِثَةُ والحُكْمُ وكانَ الإطْلاقُ والتَّقْيِيدُ في الحُكْمِ؛ إذْ ما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى. ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ أيْ: فَعَلَيْكم، أوْ فالواجِبُ، أوْ فاهْدُوا ما اسْتَيْسَرَ؛ أيْ تَيَسَّرَ، فَهو كَصَعُبَ واسْتُصْعِبَ، ولَيْسَتِ السِّينُ لِلطَّلَبِ، والهَدْي مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ؛ أيِ: المَهْدِيُّ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى الفَرْدِ والجَمْعِ أوْ جَمْعُ هَدِيَّةٍ ( كَجَدْيٍ وجَدِيَّةٍ )، وقُرِئَ: ( هَدِيٍّ ) بِالتَّشْدِيدِ جَمْعُ هَدِيَّةٍ ( كَمَطِيٍّ ومَطِيَّةٍ )، وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، والمَعْنى أنَّ المُحْرِمَ إذا أُحْصِرَ وأرادَ أنْ يَتَحَلَّلَ تَحَلَّلَ بِذَبْحِ هَدْيٍ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ مِن بَدَنَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: وما عَظُمَ فَهو أفْضَلُ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ خَصَّ الهَدْيَ بِبَقَرَةٍ أوْ جَزُورٍ، فَقِيلَ لَهُ: أوَما يَكْفِيهِ شاةٌ؟ فَقالَ: لا، ويَذْبَحُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ عِنْدَ الأكْثَرِ؛ لِأنَّهُ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَبَحَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ بِها وهي مِنَ الحِلِّ، وعِنْدَنا يَبْعَثُ مَن أُحْصِرَ بِهِ ويَجْعَلُ لِلْمَبْعُوثِ بِيَدِهِ يَوْمَ أمارَةٍ، فَإذا جاءَ اليَوْمُ وغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ ذُبِحَ تَحَلَّلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فَإنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ كِنايَةً عَنِ الحِلِّ الَّذِي يَحْصُلُ بِالتَّقْصِيرِ بِالنِّسْبَةِ لِلنِّساءِ، والخِطابُ لِلْمُحْصَرِينَ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، والهَدْيُ الثّانِي عَيْنُ الأوَّلِ كَما هو الظّاهِرُ؛ أيْ: لا تُحِلُّوا حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ الهَدْيَ المَبْعُوثَ إلى الحَرَمِ بَلَغَ مَكانَهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُنْحَرَ فِيهِ، وهو الحَرَمُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ . ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ وما رُوِيَ مِن ذَبْحِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في الحُدَيْبِيَةِ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ كَوْنَهُ ذَبَحَ في الحِلِّ غَيْرَ مُسَلَّمٍ، والحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّ مَحْصَرَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ في طَرِيقِ الحُدَيْبِيَةِ أسْفَلَ مَكَّةَ، والحُدَيْبِيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِالحَرَمِ، والذَّبْحُ وقَعَ في الطَّرَفِ المُتَّصِلِ الَّذِي نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ ما قالَهُ مالِكٌ وبَيْنَ ما رَوى الزُّهْرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَحَرَ في الحَرَمِ،» وكَوْنِ الرِّوايَةِ عَنْهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ في حَيِّزِ المَنعِ، وحَمَلَ الأوَّلُونَ بُلُوغَ الهَدْيِ مَحِلَّهُ عَلى ذَبْحِهِ حَيْثُ يَحِلُّ ذَبْحُهُ فِيهِ حِلًّا كانَ أوْ حَرَمًا، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، إلّا أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ العِلْمِ كَما في السّابِقِ، واسْتُدِلَّ بِاقْتِصارِهِ عَلى الهَدْيِ في مَقامِ البَيانِ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ القَضاءِ، وعِنْدَنا يَجِبُ القَضاءُ لِقَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ الَّتِي أُحْصِرُوا فِيها، وكانَتْ تُسَمّى عُمْرَةُ القَضاءِ، والمَقامُ مَقامُ بَيانِ طَرِيقِ خُرُوجِ المُحْصَرِ عَنِ الإحْرامِ لا مَقامَ بَيانِ كُلِّ ما يَجِبُ عَلَيْهِ ولَمْ يُعْلَمْ مِنَ الآيَةِ حُكْمُ غَيْرِ المُحْصَرِ عِبارَةً كَما عُلِمَ حُكْمُ المُحْصَرِ مِن عَدَمِ جَوازِ الحِلِّ لَهُ قَبْلَ بُلُوغِ الهَدْيِ، ويُسْتَفادُ ذَلِكَ بِدَلالَةِ النَّصِّ، وجُعِلَ الخِطابُ عامًّا لِلْمُحْصَرِ وغَيْرِهِ بِناءً عَلى عَطْفِ ولا تُحَلِّقُوا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: وأتَمُّوا لا عَلى فَما اسَتُيَسَّرُ يَقْتَضِي بَتْرَ النَّظْمِ؛ لِأنَّ فَإذا أمِنتُمْ عَطْفٌ عَلى فَإنَّ أحُصِرْتُمْ كَما لا يَخْفى، ( والمَحِلُّ ) بِالكَسْرِ مِن حَدِّ ضَرَبَ يُطْلَقُ لِلْمَكانِ كَما هو الظّاهِرُ في الآيَةِ، ولِلزَّمانِ - كَما يُقالُ - مَحِلُّ الدِّينِ لِوَقْتِ حُلُولِهِ وانْقِضاءِ أجَلِهِ. ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ يَحْتاجُ لِلْحَلْقِ، وهو مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَحْلِقُوا﴾ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ. صفحة 82 ﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ مِن جِراحَةٍ وقَمْلٍ وصُداعٍ، ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ إنْ حَلَقَ. ﴿مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ بَيانٌ لِجِنْسِ الفِدْيَةِ، وأمّا قَدْرُها فَقَدْ أخْرَجَ في المَصابِيحِ «عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ بِهِ وهو بِالحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ وهو مُحْرِمٌ وهو يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ والقَمْلُ يَتَهافَتُ عَلى وجْهِهِ، فَقالَ: ”أيُؤْذِيكَ هَوامُّكَ؟“ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ”فاحْلِقْ رَأْسَكَ، وأطْعِمْ فَرْقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَساكِينَ - والفَرْقُ ثَلاثَةُ آصُعٍ - أوْ صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ أوِ انْسُكْ نَسِيكَةً“،» وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ والتِّرْمِذِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: ”ما كُنْتُ أرى أنَّ الجُهْدَ بَلَغَ بِكَ هَذا، أما تَجِدُ شاةً؟“ فَقالَ: لا، قالَ: ”صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن طَعامٍ، واحْلِقْ رَأْسَكَ“،» وقَدْ بَيَّنَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ ما يُطْعَمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ مَحَلَّ الفِدْيَةِ، والظّاهِرُ العُمُومُ في المَواضِعِ كُلِّها كَما قالَهُ ابْنُ الفَرَسِ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ. ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ مِنَ الأمْنِ ضِدُّ الخَوْفِ، أوِ الأمَنَةُ زَوالُهُ، فَعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ، فَإذا كُنْتُمْ في أمْنٍ وسَعَةٍ ولَمْ تَكُونُوا خائِفِينَ، وعَلى الثّانِي: فَإذا زالَ عَنْكم خَوْفُ الإحْصارِ، ويُفْهَمُ مِنهُ حُكْمُ مَن كانَ آمِنًا ابْتِداءً بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى أحُصِرْتُمْ مُفِيدَةٌ لِلتَّعْقِيبِ، سَواءٌ أُرِيدَ حَصْرُ العَدُوِّ أوْ كُلُّ مَنعٍ في الوُجُودِ، ويُقالُ لِلْمَرِيضِ إذا زالَ مَرَضُهُ وبَرِئَ: أمِنَ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - مِن طَرِيقِ إبْراهِيمَ، فَيَضْعُفُ اسْتِدْلالُ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ بِالآيَةِ عَلى ما ذَهَبا إلَيْهِ. ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ الفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ ( إذا ) ( والباءُ ) ( وإلى ) صِلَةُ التَّمَتُّعِ، والمَعْنى: فَمَنِ اسْتَمْتَعَ وانْتَفَعَ بِالتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِالعُمْرَةِ إلى وقْتِ الحَجِّ؛ أيْ: قَبْلَ الِانْتِفاعِ بِالحَجِّ في أشْهُرِهِ، وقِيلَ: الباءُ سَبَبِيَّةٌ ومُتَعَلِّقُ التَّمَتُّعِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِشَيْءٍ مِن مَحْذُوراتِ الإحْرامِ، ولَمْ يُعَيِّنْهُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِتَعْيِينِهِ، والمَعْنى: ومَنِ اسْتَمْتَعَ بِسَبَبِ أوانِ العُمْرَةِ والتَّحَلُّلِ مِنها بِاسْتِباحَةِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ إلى أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ، وفِيهِ صَرْفُ التَّمَتُّعِ عَنِ المَعْنى الشَّرْعِيِّ إلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ، والثّانِي هو الِانْتِفاعُ مُطْلَقًا، والأوَّلُ هو أنْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ ويَأْتِي بِمَناسِكِها، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالحَجِّ مِن جَوْفِ مَكَّةَ، ويَأْتِي بِأعْمالِهِ ويُقابِلُهُ القُرْآنُ، وهو أنْ يَحْرِمَ بِهِما مَعًا، ويَأْتِيَ بِمَناسِكِ الحَجِّ، فَيُدْخِلُ فِيها مَناسِكَ العُمْرَةِ والإفْرادَ، وهو أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ، وبَعْدَ الفَراغِ مِنهُ بِالعُمْرَةِ، ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ الفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ مِن أيْ: فَعَلَيْهِ دَمٌ اسَتُيْسِرَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ التَّمَتُّعِ، فَهو دَمُ جُبْرانٍ؛ لِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ أنْ يُحْرِمَ لِلْحَجِّ مِنَ المِيقاتِ، فَلَمّا أحْرَمَ لا مِنَ المِيقاتِ أوْرَثَ ذَلِكَ خِلالًا فِيهِ، فَجَبَرَ بِهَذا الدَّمِ، ومِن ثَمَّ لا يَجِبُ عَلى المَكِّيِّ ومَن في حُكْمِهِ، ويَذْبَحُهُ إذا أحْرَمَ بِالحَجِّ، ولا يَجُوزُ قَبْلَ الإحْرامِ، ولا يَتَعَيَّنُ لَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ ولا يَأْكُلُ مِنهُ، وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّهُ دَمُ نُسُكٍ كَدَمِ القارِنِ؛ لِأنَّهُ وجَبَ عَلَيْهِ شُكْرًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، فَهو كالأُضْحِيَّةِ، ويُذْبَحُ يَوْمَ النَّحْرِ، ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيِ: الهَدْيَ، وهو عَطْفٌ عَلى ( فَإذا أمَّنْتُمْ ) . ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامٌ، وقُرِئَ: ( فَصِيامَ ) بِالنَّصْبِ؛ أيْ: فَلْيَصُمْ، وظَرْفُ الصَّوْمِ مَحْذُوفٌ؛ إذْ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن أعْمالِ الحَجِّ ظَرْفًا لَهُ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: المُرادُ في وقْتِ الحَجِّ مُطْلَقًا، لَكِنْ بَيْنَ الإحْرامَيْنِ إحْرامِ الحَجِّ وإحْرامِ العُمْرَةِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّحَلُّلِ عَنْهُما، فَيَشْمَلُ ما إذا وقَعَ قَبْلَ إحْرامِ الحَجِّ، سَواءٌ تَحَلَّلَ مِنَ العُمْرَةِ أوْ لا، وما وقَعَ بَعْدَهُ بِدَلِيلِ أنَّهُ إذا قَدَرَ عَلى الهَدْيِ بَعْدَ صَوْمِ الثَّلاثَةِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ، وجَبَ عَلَيْهِ الذَّبْحُ، ولَوْ قَدَرَ صفحة 83 عَلَيْهِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ لِحُصُولِ المَقْصِدِ بِالصَّوْمِ وهو التَّحَلُّلُ، وقالَ الشّافِعِيُّ: المُرادُ وقْتُ أداءِ الحَجِّ، وهو أيّامُ الِاشْتِغالِ بِهِ بَعْدَ الإحْرامِ وقَبْلَ التَّحَلُّلِ، ولا يَجُوزُ الصَّوْمُ عِنْدَهُ قَبْلَ إحْرامِ الحَجِّ، والأحَبُّ أنْ يَصُومَ سابِعَ ذِي الحِجَّةِ وثامِنَهُ وتاسِعَهُ؛ لِأنَّهُ غايَةُ ما يُمْكِنُ في التَّأْخِيرِ لِاحْتِمالِ القُدْرَةِ عَلى الأصْلِ وهو الهَدْيُ، ولا يَجُوزُ يَوْمَ النَّحْرِ وأيّامَ التَّشْرِيقِ لِكَوْنِ الصَّوْمِ مَنهِيًّا فِيها، وجَوَّزَ بَعْضُهم صَوْمَ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ احْتِجاجًا بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلتَّمَتُّعِ إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ ولَمْ يَصُمْ حَتّى فاتَهُ أيّامُ العَشْرِ أنْ يَصُومَ أيّامَ التَّشْرِيقِ مَكانَها،» وأخْرَجَ مالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذافَةَ، فَنادى في أيّامِ التَّشْرِيقِ، فَقالَ: ”إنَّ هَذِهِ أيّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللَّهِ – تَعالى - إلّا مَن كانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِن هَدْيٍ“» وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ مِثْلَهُ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ وجَماعَةٌ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: لَمْ يُرَخِّصْ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في أيّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يُصَمْنَ إلّا لِمُتَمَتِّعٍ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا،» وبِذَلِكَ أخَذَ الإمامُ مالِكٌ، ولَعَلَّ ساداتِنا الحَنَفِيَّةَ عَوَّلُوا عَلى أحادِيثِ النَّهْيِ، وقالُوا: إذا فاتَهُ الصَّوْمُ حَتّى أتى يَوْمُ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ إلّا الدَّمُ، ولا يَقْضِيهِ بَعْدَ أيّامِ التَّشْرِيقِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ، والإبْدالُ لا تَنْصِبُ إلّا شَرْعًا، والنَّصُّ خَصَّهُ بِوَقْتِ الحَجِّ، وجَوازُ الدَّمِ عَلى الأصْلِ؛ وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ أمَرَ في مِثْلِهِ بِذَبْحِ الشّاةِ. ﴿وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ أيْ: فَرَغْتُمْ ونَفَرْتُمْ مِن أعْمالِهِ، فَذُكِرَ الرُّجُوعُ وأُرِيدَ سَبَبُهُ، أوِ المَعْنى إذا رَجَعْتُمْ مِن مِنًى، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَلى ما هو الأصَحُّ عِنْدَ مُعْظَمِ أصْحابِهِ: إذا رَجَعْتُمْ إلى أهْلِيكُمْ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ”إذا رَجَعْتُمْ إلى أمْصارِكُمْ“، وأنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ أظْهَرُ في هَذا المَعْنى، وحُكْمُ ناوِي الإقامَةِ بِمَكَّةَ تَوَطُّنًا حُكْمُ الرّاجِعِ إلى وطَنِهِ؛ لِأنَّ الشَّرْعَ أقامَ مَوْضِعَ الإقامَةِ مَقامَ الوَطَنِ، ( وفي البَحْرِ ) المُرادُ بِالرُّجُوعِ إلى الأهْلِ الشُّرُوعُ فِيهِ - عِنْدَ بَعْضٍ - والفَراغُ بِالوُصُولِ إلَيْهِمْ - عِنْدَ آخَرِينَ - وفي الكَلامِ التِفاتٌ، وحُمِلَ عَلى مَعْنى بَعْدَ الحَمْلِ عَلى لَفْظِهِ في إفْرادِهِ وغَيْبَتِهِ، وقُرِئَ: ( سَبْعَةً ) بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ( ثَلاثَة أيّامٍ )؛ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ اتِّساعًا، ومَن لَمْ يُجَوِّزْهُ قَدَّرَ ( وصُومُوا ) وعَلَيْهِ أبُو حَيّانَ. ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ الإشارَةُ إلى ( الثَّلاثَةِ والسَّبْعَةِ ) ومُمَيَّزُ العَدَدِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ أيّامٍ، وإثْباتُ ( التّاءِ ) في العَدَدِ مَعَ حَذْفِ المُمَيَّزِ أحْسَنُ الِاسْتِعْمالَيْنِ، وفائِدَةُ الفَذْلَكَةِ أنْ لا يُتَوَهَّمَ أنَّ ( الواوَ ) بِمَعْنى أوِ التَّخْيِيرِيَّةِ، وقَدْ نَصَّ السِّيرافِيُّ في شَرْحِ الكِتابِ عَلى مَجِيئِها لِذَلِكَ، ولَيْسَ تَقَدُّمُ الأمْرِ الصَّرِيحِ شَرْطًا فِيهِ، بَلِ الخَبَرُ الَّذِي هو بِمَعْنى الأمْرِ كَذَلِكَ، وإنْ يَنْدَفِعِ التَّوَهُّمُ البَعِيدُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ في مُقَدِّمَةِ إعْجازِ القُرْآنِ، وأنْ يُعْلَمَ العَدَدُ جُمْلَةً - كَما عُلِمَ تَفْصِيلًا - فَيُحاطُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ فَيَتَأكَّدُ العِلْمُ، ومِن أمْثالِهِمْ: ( عِلْمانِ خَيْرٌ مِن عِلْمٍ ) لا سِيَّما وأكْثَرُ العَرَبِ لا يُحْسِنُ الحِسابَ، فاللّائِقُ بِالخِطابِ العامِّيِّ الَّذِي يَفْهَمُ بِهِ الخاصُّ والعامُّ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الطَّبْعِ، لا أهْلَ الِارْتِياضِ بِالعِلْمِ أنْ يَكُونَ بِتَكْرارِ الكَلامِ وزِيادَةِ الإفْهامِ، والإيذانُ بِأنَّ المُرادَ ( بِالسَّبْعَةِ ) العَدَدُ دُونَ الكَثْرَةِ، فَإنَّها تُسْتَعْمَلُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، فَإنْ قُلْتَ: ما الحِكْمَةُ في كَوْنِها كَذَلِكَ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَفْرِيقِها المُسْتَدْعِي لِما ذُكِرَ؟ أُجِيبَ بِأنَّها لَمّا كانَتْ بَدَلًا عَنِ ( الهَدْيِ ) والبَدَلُ يَكُونُ في مَحَلِّ المُبْدَلِ مِنهُ غالِبًا جُعِلَ الثَّلاثَةُ بَدَلًا عَنْهُ في زَمَنِ الحَجِّ، وزِيدَ عَلَيْها السَّبْعَةُ عِلاوَةً لِتُعادِلَهُ مِن غَيْرِ نَقْصٍ في الثَّوابِ؛ لِأنَّ الفِدْيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى التَّيْسِيرِ، صفحة 84 ولَمْ يَجْعَلِ ( السَّبْعَةَ ) فِيهِ لِمَشَقَّةِ الصَّوْمِ في الحَجِّ، ولِلْإشارَةِ إلى هَذا التَّعادُلِ وُصِفَتِ ( العَشَرَةُ ) بِأنَّها كامِلَة فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ في وُقُوعِها بَدَلًا مِنَ الهَدْيِ وقِيلَ: إنَّها صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ تُفِيدُ زِيادَةَ التَّوْصِيَةِ بِصِيامِها، وأنْ لا يُتَهاوَنَ بِها، ولا يُنْقُصَ مِن عَدَدِها، كَأنَّهُ قِيلَ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، فَراعُوا كَمالَها ولا تُنْقِصُوها، وقِيلَ: إنَّها صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ كَمالَ العَشَرَةِ، فَإنَّها عَدَدٌ كَمُلَ فِيهِ خَواصُّ الأعْدادِ، فَإنَّ الواحِدَ مُبْتَدَأُ العَدَدِ، والِاثْنَيِنِ أوَّلُ العَدَدِ، والثَّلاثَةَ أوَّلُ عَدَدٍ فَرْدٍ، والأرْبَعَةَ أوَّلُ عَدَدٍ مَجْذُورٍ، والخَمْسَةَ أوَّلُ عَدَدٍ دائِرٍ، والسِّتَّةَ أوَّلُ عَدَدٍ تامٍّ، والسَّبْعَةَ عَدَدٌ أوَّلٌ، والثَّمانِيَةَ أوَّلُ عَدَدِ زَوْجِ الزَّوْجِ، والتِّسْعَةَ أوَّلُ عَدَدٍ مُثَلَّثٍ، والعَشَرَةَ نَفْسَها يَنْتَهِي إلَيْها العَدَدُ، فَإنَّ كُلَّ عَدَدٍ بَعْدَها مُرَكَّبٌ مِنها، ومِمّا قَبْلَها قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. وذَكَرَ الإمامُ لِهَذِهِ الفَذْلَكَةِ مَعَ الوَصْفِ عَشَرَةَ أوْجُهٍ - لَكِنَّها عَشْرَةٌ غَيْرُ كامِلَةٍ - ولَوْلا مَزِيدُ التَّطْوِيلِ لَذَكَرْتُها بِما لَها وعَلَيْها. ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى التَّمَتُّعِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إذْ لا مُتْعَةَ ولا قُرْآنَ لِحاضِرِي المَسْجِدِ؛ لِأنَّ شَرْعَهُما لِلتَّرَفُّهِ بِإسْقاطِ أحَدِ السَّفْرَتَيْنِ، وهَذا في حَقِّ الآفاقِيِّ لا في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ ومَن في حُكْمِهِمْ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: إنَّها إشارَةٌ إلى الأقْرَبِ، وهو الحُكْمُ المَذْكُورُ - أعْنِي: لُزُومَ الهَدْيِ أوْ بَدَلُهُ عَلى المُتَمَتِّعِ - وإنَّما يَلْزَمُ ذَلِكَ إذا كانَ المُتَمَتِّعُ آفاقِيًّا؛ لِأنَّ الواجِبَ أنْ يُحْرِمَ عَنِ الحَجِّ مِنَ المِيقاتِ، فَلَمّا أحْرَمَ مِنَ المِيقاتِ عَنِ العُمْرَةِ ثُمَّ أحْرَمَ عَنِ الحَجِّ لا مِنَ المِيقاتِ، فَقَدْ حَصَلَ هُناكَ الخَلَلُ، فَجُعِلَ مَجْبُورًا بِالدَّمِ، والمَكِّيُّ لا يَجِبَ إحْرامُهُ مِنَ المِيقاتِ، فَإقْدامُهُ عَلى التَّمَتُّعِ لا يُوقِعُ خَلَلًا في حَجِّهِ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ الهَدْيُ ولا بَدَلُهُ، ويَرُدُّهُ أنَّهُ لَوْ كانَتِ الإشارَةُ لِلْهَدْيِ والصَّوْمِ لَأتى ( بِعَلى ) دُونَ اللّامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِأنَّ الهَدْيَ وبَدَلَهُ واجِبٌ عَلى المُتَمَتِّعِ، والواجِبُ يُسْتَعَمْلَ ( بِعَلى ) لا ( بِاللّامِ )، وكَوْنُ اللّامِ واقِعَةً مَوْقِعَ عَلى كَما قِيلَ بِهِ فِي: ”اشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ“ خِلافُ الظّاهِرِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ مَن كانَ مِنَ الحَرَمِ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، ومَن كانَ مَسْكَنُهُ وراءَ المِيقاتِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأهْلُ الحِلِّ عِنْدَ طاوُسٍ، وغَيْرُ أهْلِ مَكَّةَ عِنْدَ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والحاضِرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ضِدُّ المُسافِرِ، وعَلى الوُجُوهِ الأُخَرِ بِمَعْنى الشّاهِدِ غَيْرِ الغائِبِ، والمُرادُ مِن حُضُورِ الأهْلِ حُضُورُ المُحْرِمِ، وعَبَّرَ بِهِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلى الرَّجُلِ كَما قِيلَ: أنْ يَسْكُنَ حَيْثُ أهْلُهُ ساكِنُونَ، ولِلْمَسْجِدِ الحَرامِ إطْلاقانِ؛ أحَدُهُما نَفْسُ المَسْجِدِ، والثّانِي الحَرَمُ كُلُّهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إنَّما أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الحَرَمِ لا مِنَ المَسْجِدِ، وعَلى إرادَةِ المَعْنى الأخِيرِ في الآيَةِ هُنا أكْثَرُ أئِمَّةِ الدِّينِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ كَما يُسْتَفادُ مِن تَرْكِ المَفْعُولِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الحَجُّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وبِهِ يَتِمُّ الِانْتِظامُ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ 196﴾ لِمَن لَمْ يَتَّقِهِ؛ أيِ: اسْتَحْضِرُوا ذَلِكَ لِتَمْتَنِعُوا عَنِ العِصْيانِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وإضافَةُ شَدِيدٍ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى مَرْفُوعِها.

البقرة 2:197

﴿الحَجُّ أشْهُرٌ﴾ أيْ: وقْتُهُ ذَلِكَ، وبِهِ يَصِحُّ الحَمْلُ، وقِيلَ: ذُو أشْهُرٍ أوْ حَجُّ أشْهَرٍ، وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ، ويُجْعَلُ الحَجُّ الَّذِي هو فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ عَيْنَ الزَّمانِ مُبالَغَةً، ولا يَخْفى أنَّ المَقْصِدَ بَيانُ وقْتِ الحَجِّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، فالتَّنْصِيصُ عَلَيْهِ أوْلى، ومَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿مَعْلُوماتٌ﴾ مَعْرُوفاتٍ عِنْدَ النّاسِ، وهي شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ عِنْدَنا، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ وابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ صفحة 85 - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -، وأُيِّدَ بِأنَّ يَوْمَ النَّحْرِ وقْتٌ لِرُكْنٍ مِن أرْكانِ الحَجِّ - وهو طَوافُ الزِّيارَةِ - وبِأنَّهُ فَسَّرَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وعِنْدَ مالِكٍ الشَّهْرانِ الأوَّلانِ وذُو الحِجَّةِ كُلُّهُ عَمَلًا بِظاهِرِ لَفْظِ الأشْهُرِ، ولِأنَّ أيّامَ النَّحْرِ يُفْعَلُ فِيها بَعْضُ أعْمالِ الحَجِّ مِن طَوافِ الزِّيارَةِ، والحَلْقِ، ورَمْيِ الجِمارِ، والمَرْأةُ إذا حاضَتْ تُؤَخِّرُ الطَّوافَ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ إلى انْقِضاءِ أيّامِهِ بَعْدَ العَشَرَةِ، ولِأنَّهُ يَجُوزُ - كَما قِيلَ - تَأْخِيرُ طَوافِ الزِّيارَةِ إلى آخِرِ الشَّهْرِ - عَلى ما رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ - ولِأنَّ ظَواهِرَ الأخْبارِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والخَطِيبُ وغَيْرُهُما بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – ”عَدَّ الثَّلاثَةَ أشْهُرٍ الحَجَّ“،» وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِثْلَ ذَلِكَ. وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: الشَّهْرانِ الأوَّلانِ وتِسْعُ ذِي الحِجَّةِ بِلَيْلَةِ النَّحْرِ؛ لِأنَّ الحَجَّ يَفُوتُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ، والعِبادَةُ لا تَكُونُ فائِتَةً مَعَ بَقاءِ وقْتِها، قالَهُ الرّازِيُّ، وفِيهِ أنَّ فَوْتَهُ بِفَوْتِ رُكْنِهِ الأعْظَمِ - وهو الوُقُوفُ - لا بِفَوْتِ وقْتِهِ مُطْلَقًا، ومَدارُ الخِلافِ أنَّ المُرادَ بِوَقْتِهِ وقْتُ مَناسِكِهِ وأعْمالِهِ مِن غَيْرِ كَراهَةٍ وما لا يَحْسُنُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ المَناسِكِ مُطْلَقًا - أوْ وقْتَ إحْرامِهِ - والشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَلى الأخِيرِ، والإحْرامُ لا يَصِحُّ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِعَدَمِ إمْكانِ الأداءِ، وإنْ جازَ أداءُ بَعْضِ أعْمالِ الحَجِّ في أيّامِ النَّحْرِ، ومالكٌ عَلى الثّانِي، فَإنَّهُ - عَلى ما قِيلَ - كَرِهَ الِاعْتِمارَ في بَقِيَّةِ ذِي الحِجَّةِ؛ لِما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كانَ يُخَوِّفُ النّاسَ بِالدُّرَّةِ ويَنْهاهم عَنْ ذَلِكَ فِيهِنَّ، وأنَّ ابْنَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ لِرَجُلٍ: إنْ أطْعَتَنِي انْتَظَرْتَ حَتّى إذا هَلَّ المُحْرِمُ خَرَجْتَ إلى ذاتِ عِرْقٍ فَأهْلَلْتَ مِنها بِعُمْرَةٍ. والإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى الأوَّلِ لِكَوْنِ العاشِرِ وقْتًا لِأداءِ الرَّمْيِ والحَلْقِ وغَيْرِهِما، وغَيْرُها مِن بَقِيَّةِ أيّامِ النَّحْرِ - وإنْ كانَ وقْتًا لِذَلِكَ أيْضًا - إلّا أنَّهُ خَصَّصَ بِالعَشْرِ؛ اقْتِضاءً لِما رُوِيَ في الآثارِ مِن ذِكْرِ العَشْرِ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ المُرادَ الوَقْتُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ المُكَلَّفُ مِنَ الفَراغِ عَنْ مَناسِكِهِ، بِحَيْثُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وهو اليَوْمُ العاشِرُ وما سِواهُ مِن بَقِيَّةِ أيّامِ النَّحْرِ، فَلِلتَّيْسِيرِ في أداءِ الطَّوافِ، ولِتَكْمِيلِ الرَّمْيِ، والأشْهُر مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، إلّا أنَّهُ تُجُوِّزَ في بَعْضِ أفْرادِهِ، فَإنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةُ أفْرادٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، فَجَعَلَ بَعْضَ مَن فَرَدَ فَرْدًا ثُمَّ جُمِعَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ فِيما فَوْقَ الواحِدِ بِعَلاقَةِ الِاجْتِماعِ، ولَيْسَ مِنَ الجَمْعِ حَقِيقَةً بِناءً عَلى المَذْهَبِ المَرْجُوعِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى اثْنَيْنَ فَقَطْ، أوْ ثَلاثَةٍ - لا عَلى اثْنَيْنِ - وبَعْضِ ثالِثٍ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ اثْنانِ والثّالِثُ في حُكْمِ العَدَمِ، في حُكْمِ العَدَمِ، وقِيلَ: المُرادُ ثَلاثَةٌ، ولا تَجُوزُ في بَعْضِ الأفْرادِ؛ لِأنَّ أسْماءَ الظُّرُوفِ تُطْلَقُ عَلى بَعْضِها حَقِيقَةً؛ لِأنَّها عَلى مَعْنى ( في ) فَيُقالُ: رَأيْتُهُ في سَنَةِ كَذا أوْ شَهْرِ كَذا أوْ يَوْمِ كَذا، وأنْتَ قَدْ رَأيْتَهُ في ساعَةٍ مِن ذَلِكَ - ولَعَلَّهُ قَرِيبٌ إلى الحَقِّ - وصِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ في غَيْرِ العُقَلاءِ تَجِيءُ بِالألِفِ والتّاءِ، ﴿فَمَن فَرَضَ﴾ أيْ: ألْزَمَ نَفْسَهُ ﴿فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ بِالإحْرامِ، ويَصِيرُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ لِكَوْنِ الإحْرامِ التِزامُ الكَفِّ عَنِ المَحْظُوراتِ، فَيَصِيرُ شارِعًا فِيهِ بِمُجَرَّدِها كالصَّوْمِ، وعِنْدَنا لا، بَلْ لا بُدَّ مِن مُقارَنَةِ التَّلْبِيَةِ؛ لِأنَّهُ عُقِدَ عَلى الأداءِ، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرٍ كَما في تَحْرِيمَةِ الصَّلاةِ، ولَمّا كانَ بابُ الحَجِّ أوْسَعُ مِن بابِ الصَّلاةِ كَفى ذِكْرٌ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ سِوى التَّلْبِيَةِ - فارِسِيًّا كانَ أوْ عَرَبِيًّا - وفِعْلُ كَذَلِكَ مِن سَوْقِ ( الهَدْيِ ) أوْ تَقْلِيدِهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإحْرامُ بِالحَجِّ إلّا في تِلْكَ الأشْهُرِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعَطاءٌ وغَيْرُهُما؛ إذْ لَوْ جازَ في غَيْرِها - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَنَفِيَّةُ- لَما كانَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فِيهِنَّ ) فائِدَةٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ فائِدَةَ ذِكْرِ فِيهِنَّ كَوْنُها وقْتًا لِأعْمالِهِ مِن غَيْرِ كَراهِيَةٍ، فَلا يُسْتَفادُ مِنهُ عَدَمُ جَوازِ صفحة 86 الإحْرامِ قَبْلَهُ، فَلَوْ قُدِّمَ الإحْرامُ انْعَقَدَ حَجًّا مَعَ الكَراهَةِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالعُمْرَةِ، ومَدارُ الخِلافِ أنَّهُ رُكْنٌ عِنْدَهُ وشَرْطٌ عِنْدَنا، فَأشْبَهَ الطَّهارَةَ في جَوازِ التَّقْدِيمِ عَلى الوَقْتِ، والكَراهَةُ جاءَتْ لِلشُّبْهَةِ، فَعَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ إلّا في أشْهُرِ الحَجِّ“،» ﴿فَلا رَفَثَ﴾ أيْ: لا جِماعَ، أوْ لا فُحْشَ مِنَ الكَلامِ ﴿ولا فُسُوقَ﴾ ولا خُرُوجَ عَنْ حُدُودِ الشَّرْعِ بِارْتِكابِ المَحْظُوراتِ، وقِيلَ: بِالسِّبابِ والتَّنابُزِ بِالألْقابِ، ﴿ولا جِدالَ﴾ ولا خِصامَ مَعَ الخَدَمِ والرُّفْقَةِ. ﴿فِي الحَجِّ﴾ أيْ: في أيّامِهِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ زِيارَةَ البَيْتِ المُعَظَّمِ والتَّقَرُّبَ بِها إلى اللَّهِ - تَعالى - مِن مُوجِباتِ تَرْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ المُدَنَّسَةِ لِمَن قَصَدَ السَّيْرَ والسُّلُوكَ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، وإيثارُ النَّفْيِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ، والدَّلالَةِ عَلى أنَّها حَقِيقَةٌ بِأنْ لا تَكُونَ، فَإنَّ ما كانَ مُنْكَرًا مُسْتَقْبَحًا في نَفْسِهِ مَنهِيًّا عَنْهُ مُطْلَقًا، فَهو لِلْمُحْرِمِ بِأشْرَفَ العِباداتِ وأشَقِّها أنْكَرُ وأقْبَحُ، كَلُبْسِ الحَرِيرِ في الصَّلاةِ وتَحْسِينِ الصَّوْتِ بِحَيْثُ تَخْرُجُ الحُرُوفُ عَنْ هَيْئاتِها في القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( الأوَّلِينَ ) بِالرَّفْعِ حَمْلًا لَهُما عَلى مَعْنى النَّهْيِ؛ أيْ: لا يَكُونَنَّ رَفَثَ ولا فُسُوقَ والثّالِثُ بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى الإخْبارِ بِانْتِفاءِ الخِلافِ في الحَجِّ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَقِفُ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ وسائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، وبَعْدَ ما أُمِرَ الكُلُّ بِالوُقُوفِ في عَرَفَةَ ارْتَفَعَ الخِلافُ فَأُخْبِرَ بِهِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ فِيهِنَّ ووَجْهُهُ لا يَخْفى. ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ بِتَأْوِيلِ الأمْرِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَلا رَفَثَ﴾ أيْ: لا تَرْفُثُوا وافْعَلُوا الخَيْراتِ - وفِيهِ التِفاتٌ - وحَثٌّ عَلى الخَيْرِ عَقِيبَ النَّهْيِ عَنِ الشَّرِّ لِيُسْتَبْدَلَ بِهِ، ولِهَذا خَصَّ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ، مَعَ أنَّهُ - تَعالى - عالِمٌ بِجَمِيعِ ما يَفْعَلُونَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والمُرادُ مِنَ (العِلْمِ) إمّا ظاهِرُهُ، فَيُقَدَّرُ بَعْدَ الفِعْلِ فَيُثِيبُ عَلَيْهِ، وإمّا المُجازاةُ مَجازًا ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ أخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ، ثُمَّ يَقْدَمُونَ فَيَسْألُونَ النّاسَ، فَنَزَلَتْ، فالتَّزَوُّدُ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وهو اتِّخاذُ الطَّعامِ لِلسَّفَرِ، والتقوى بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ - وهو الِاتِّقاءُ مِنَ السُّؤالِ - وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ اتَّخِذُوا التَّقْوى زادَكم لِمَعادِكم فَإنَّها خَيْرُ زادٍ، فَمَفْعُولُ تُزَوِّدُوا مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ خَبَرِ ( إنَّ ) وهو التَّقْوى بِالمَعْنى الشَّرْعِيِّ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُحْمَلَ خَيْر الزّادِ عَلى التَّقْوى فَإنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ والمُسْنَدَ إذا كانا مَعْرِفَتَيْنِ يُجْعَلُ ما هو مَطْلُوبُ الإثْباتِ مُسْنَدًا، والمَطْلُوبُ هُنا إثْباتُ خَيْر الزّادِ لِلتَّقْوى؛ لِكَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى تَزَوُّدِها، إلّا أنَّهُ أخْرَجَ الكَلامَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ المَعْنى إنَّ الشَّيْءَ الَّذِي بَلَغَكم أنَّهُ خَيْرُ الزّادِ وأنْتُمْ تَطْلُبُونَ نَعْتَهُ هو التَّقْوى فَيُفِيدُ اتِّحادَ خَيْر الزّادِ بِها ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيْ: أخْلَصُوا لِيَ التَّقْوى، فَإنَّ مُقْتَضى العَقْلِ الخالِصِ عَنِ الشَّوائِبِ ذَلِكَ، ولَيْسَ فِيهِ عَلى هَذا شائِبَةُ تَكْرارٍ مَعَ سابِقِهِ؛ لِأنَّهُ حَثَّ عَلى الإخْلاصِ بَعْدَ الحَثِّ عَلى التَّقْوى.

البقرة 2:198

﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ: حَرَجٌ في ﴿أنْ تَبْتَغُوا﴾ أيْ: تَطْلُبُوا ﴿فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: رِزْقًا مِنهُ - تَعالى - بِالرِّبْحِ بِالتِّجارَةِ في مَواسِمِ الحَجِّ، أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «كانَتْ عُكاظُ ومِجَنَّةُ وذُو المَجازِ أسْواقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَتَأْثَّمُوا أنْ يَتَّجِرُوا في المَوْسِمِ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - صفحة 87 عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ،» واسْتُدِلَّ بِها عَلى إباحَةِ التِّجارَةِ والإجارَةِ وسائِرِ أنْواعِ المَكاسِبِ في الحَجِّ، وإنَّ ذَلِكَ لا يُحْبِطُ أجْرًا ولا يُنْقِصُ ثَوابًا، ووَجْهُ الِارْتِباطِ أنَّهُ - تَعالى - لَمّا نَهى عَنِ الجِدالِ في الحَجِّ كانَ مَظِنَّةً لِلنَّهْيِ عَنِ التِّجارَةِ فِيهِ أيْضًا لِكَوْنِها مُفْضِيَةً في الأغْلَبِ إلى النِّزاعِ في قِلَّةِ القِيمَةِ وكَثْرَتِها، فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حُكْمِها، وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى المَنعِ عَنْها في الحَجِّ، وحَمَلَ الآيَةَ عَلى ما بَعْدَ الحَجِّ، وقالَ المُرادُ: واتَّقُونِ في كُلِّ أفْعالِ الحَجِّ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ إلَخْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ وزَيَّفَ بِأنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى مَحَلِّ الشُّبْهَةِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى ما لا شُبْهَةَ فِيهِ، ومَحَلُّ الِاشْتِباهِ هو التِّجارَةُ في زَمانِ الحَجِّ، وأمّا بَعْدَ الفَراغِ فَنَفْيُ الجُناحِ مَعْلُومٌ وقِياسُ الحَجِّ عَلى الصَّلاةِ فاسِدٌ، فَإنَّ الصَّلاةَ أعْمالُها مُتَّصِلَةٌ، فَلا يَحِلُّ في أثْنائِها التَّشاغُلُ بِغَيْرِها، وأعْمالُ الحَجِّ مُتَفَرِّقَةٌ تَحْتَمِلُ التِّجارَةَ في أثْنائِها، وأيْضًا الآثارُ لا تُساعِدُ ما قالَهُ، فَقَدْ سَمِعْتَ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي أُمامَةَ التَّيْمِيِّ، قالَ «سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: إنّا قَوْمٌ نُكْرِي في هَذا الوَجْهِ، وإنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ لا حَجَّ لَنا، قالَ: ألَسْتُمْ تُلَبُّونَ؟ ألَسْتُمْ تَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ؟ ألَسْتُمْ ألَسْتُمْ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَ: إنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَمّا سَألْتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ حَتّى نَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ الآيَةَ فَدَعاهُ، فَتَلا عَلَيْهِ حِينَ نَزَلَتْ، وقالَ: ”أنْتُمُ الحُجّاجُ“» وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - يَقْرَأُ فِيما أخْرَجَهُ البُخارِي وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنْهُ ”لَيْسَ عَلَيْكم جَناحَ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم في مَواسِمِ الحَجِّ“، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأيْضًا الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ ظاهِرَةٌ في أنَّ هَذِهِ الإفاضَةَ حَصَلَتْ عَقِيبَ ابْتِغاءِ الفَضْلِ، وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ المُرادَ وُقُوعُ التِّجارَةِ في زَمانِ الحَجِّ، نَعَمْ قالَ بَعْضُهُمْ: إذا كانَ الدّاعِي لِلْخُرُوجِ إلى الحَجِّ هو التِّجارَةُ، أوْ كانَتْ جُزْءَ العِلَّةِ أضَرَّ ذَلِكَ بِالحَجِّ؛ لِأنَّهُ يُنافِي الإخْلاصَ لِلَّهِ - تَعالى – بِهِ ولَيْسَ بِالعَبْدِ وأفَضْتُمْ مِنَ الإفاضَةِ مِن فاضَ الماءُ إذا سالَ مُنْصَبًّا، وأفَضْتُهُ أسَلْتُهُ، والهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، ومَفْعُولُهُ مِمّا التُزِمَ حَذْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وأصْلُهُ ( أفْيَضْتُمْ ) فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ ( الياءِ ) إلى ( الفاءِ ) قَبْلَهُ فَتَحَرَّكَتِ ( الياءُ ) في الأصْلِ، وانْفَتَحَ ما قَبْلَها الآنَ، فَقُلِبَتِ الفاءُ ثُمَّ حُذِفَتْ، والمَعْنى هُنا فَإذا دَفَعْتُمْ أنْفُسَكم بِكَثْرَةٍ مِن عَرَفاتٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، وعَرَفات مَوْضِعٌ بِمِنًى، وهي اسْمٌ في لَفْظِ الجَمْعِ فَلا تُجْمَعُ، قالَ الفَرّاءُ: ولا واحِدَ لَهُ بِصِحَّةٍ، وقَوْلُ النّاسِ: نَزَلْنا عَرَفَةَ شَبِيهٌ بِمُوَلَّدٍ - ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ - واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِخَبَرِ: «”الحَجُّ عَرَفَةُ“،» وأُجِيبَ بِأنَّ عَرَفَةَ فِيهِ اسْمٌ لِلْيَوْمِ التّاسِعِ مِن ذِي الحِجَّةِ، كَما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ والبَغَوِيُّ والكِرْمانِيُّ، والَّذِي أُنْكِرُهُ اسْتِعْمالَهُ في المَكانِ، فالِاعْتِراضُ ناشِئٌ مِن عَدَمِ فَهْمِ المُرادِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ عَرَفَةَ وعَلَيْهِ صاحِبُ شَمْسِ العُلُومِ، والتَّعَدُّدُ حِينَئِذٍ بِاعْتِبارِ تَسْمِيَةِ كُلِّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ المَكانِ عَرَفَةَ كَقَوْلِهِمْ: جَبَّ مَذاكِيرَهُ، فَلا يَرُدُّ ما قالَهُ العَلّامَةُ، مِن أنَّهُ لَوْ سَلِمَ كَوْنُ عَرَفَةَ عَرَبِيًّا مَحْضًا، فَعَرَفَةُ وعَرَفاتٌ مَدْلُولُهُما واحِدٌ، ولَيْسَ ثَمَّةَ أماكِنُ مُتَعَدِّدَةٌ كُلٌّ مِنها عَرَفَةُ لِتُجْمَعَ عَلى عَرَفاتٍ، وإنَّما نُوِّنَ وكُسِرَ مَعَ أنَّ فِيهِ العَلَمِيَّةَ والتَّأْنِيثَ؛ لِأنَّ تَنْوِينَ جَمْعِ المُؤَنَّثِ في مُقابَلَةِ نُونِ جَمْعِ المُذَكَّرِ، فَإنَّ النُّونَ في جَمْعِ المُذَكَّرِ قائِمٌ مَقامَ التَّنْوِينِ الَّذِي في الواحِدِ في المَعْنى الجامِعِ لِأقْسامِ التَّنْوِينِ، وهو كَوْنُهُ عَلامَةَ تَمامِ الِاسْمِ فَقَطْ، ولَيْسَ في النُّونِ شَيْءٌ مِن مَعانِي الأقْسامِ لِلتَّنْوِينِ، فَكَذا التَّنْوِينُ في جَمْعِ المُؤَنَّثِ عَلامَةٌ لِتَمامِ الِاسْمِ فَقَطْ، ولَيْسَ فِيها أيْضًا شَيْءٌ مِن تِلْكَ المَعانِي سِوى المَقابَلَةِ، ولَيْسَ المَمْنُوعُ مِن غَيْرِ المُنْصَرِفِ هَذا التَّنْوِينَ، بَلْ تَنْوِينَ التَّمْكِينِ؛ لِأنَّهُ الدّالُّ عَلى عَدَمِ مُشابَهَةِ الِاسْمِ بِالفِعْلِ، وأنَّ ذَهابَ الكَسْرَةِ عَلى المَذْهَبِ المَرْضِيِّ تَبَعٌ لِذَهابِ التَّنْوِينِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ لِعَدَمِ الصَّرْفِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ قالَهُ الجُمْهُورَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما نُوِّنَ وكُسِرَ؛ لِأنَّهُ مُنْصَرِفٌ لِعَدَمِ الفَرْعِيَّتَيْنِ المُعْتَبَرَتَيْنِ؛ إذِ التَّأْنِيثُ صفحة 88 المُعْتَبَرُ مَعَ العَلَمِيَّةِ في مَنعِ الصَّرْفِ، إمّا أنْ يَكُونَ بِالتّاءِ المَذْكُورَةِ، وهي لَيْسَتْ تاءَ تَأْنِيثٍ بَلْ عَلامَةَ الجَمْعِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِتاءٍ مُقَدَّرَةٍ كَما في زَيْنَبَ، واخْتِصاصُ هَذِهِ التّاءِ بِجَمْعِ المُؤَنَّثِ يَأْبى تَقْدِيرَ تاءٍ لِكَوْنِهِ بِمَنزِلَةِ الجَمْعِ بَيْنَ عَلامَتَيْ تَأْنِيثٍ، فَهَذِهِ التّاءُ كَتاءِ بِنْتٍ لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، بَلْ عِوَضٌ عَنِ الواوِ المَحْذُوفَةِ، واخْتُصَّتْ بِالمُؤَنَّثِ، فَمَنَعَتْ تَقْدِيرَ التّاءِ، فَعَلى هَذا لَوْ سُمِّيَ بِمُسْلِماتٍ وبِنْتٍ مُؤَنَّثٌ كانَ مُنْصَرِفًا، وقَوْلُ ابْنِ الحاجِبِ: إنَّ هَذا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا سُمِّيَ بِذَلِكَ مَنعُ صَرْفِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ الِاقْتِضاءُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وكَذا ما قالَهُ عِصامُ الدِّينِ مِن أنَّ التَّأْنِيثَ لِمَنعِ الصَّرْفِ لا يَسْتَدْعِي قُوَّةً، ألا يَرى أنَّ طَلْحَةَ يُعْتَبَرُ تَأْنِيثُهُ لِمَنعِ الصَّرْفِ، ولا يُعْتَبَرُ لِتَأْنِيثِ ضَمِيرٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ بِناءَ الِاسْتِدْلالِ لَيْسَ عَلى اعْتِبارِ القُوَّةِ والضَّعْفِ، بَلْ عَلى عَدَمِ تَحَقُّقِ التَّأْنِيثِ، نَعَمْ يَرُدُّ ما أوْرَدَهُ الرَّضِيُّ مِن أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَأْنِيثٌ لَما التَزَمَ تَأْنِيثَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِ، ويُجابُ بِأنَّ اخْتِصاصَ هَذا الوَزْنِ بِالمُؤَنَّثِ يَكْفِي لِإرْجاعِ الضَّمِيرِ، ولا يَلْزَمُ فِيهِ وُجُودُ التّاءِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا، وإنَّما سُمِّيَ هَذا المَكانُ المَخْصُوصُ بِلَفْظٍ يُنْبِئُ عَنِ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّهُ نَعْتٌ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَعَرَّفَهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أوْ لِأنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَدُورُ بِهِ في المَشاعِرِ، فَلَمّا رَآهُ قالَ: قَدْ عَرَفْتُ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أوْ لِأنَّ آدَمَ وحَوّاءَ اجْتَمَعا فِيهِ فَتَعارَفا، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، أوْ لِأنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِآدَمَ فِيهِ: اعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ واعْرِفْ مَناسِكَكَ، قالَهُ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعُلُوِّهِ وارْتِفاعِهِ، ومِنهُ عُرْفُ الدِّيكِ، واخْتِيرَ الجَمْعُ لِلتَّسْمِيَةِ مُبالَغَةً فِيما ذُكِرَ مِن وُجُوهِها، كَأنَّهُ عَرَفاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وهي مِنَ الأسْماءِ المُرْتَجَلَةِ قَطْعًا عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وعَرَفَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنها وأنْ تَكُونَ مَنقُولَةً مِن جَمْعِ عارِفٍ ولا جَزْمَ بِالنَّقْلِ؛ إذْ لا دَلِيلَ عَلى جَعْلِها جَمْعَ عارِفٍ، والأصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ، ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بِالتَّلْبِيَةِ والتَّهْلِيلِ والدُّعاءِ، وقِيلَ: بِصَلاةِ العِشاءَيْنِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، ولا ذِكْرَ واجِبٌ ﴿عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ إلّا الصَّلاةُ، والمَشْهُورُ أنَّ المَشْعَرَ مُزْدَلِفَةٌ كُلُّها، فَقَدْ أخْرَجَ وكِيعٌ وسُفْيانُ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَشْعَرِ الحَرامِ، فَسَكَتَ حَتّى إذا هَبَطَتْ أيْدِي الرَّواحِلِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَ: هَذا المَشْعَرُ الحَرامُ وأُيِّدَ بِأنَّ الفاءَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذِّكْرَ عِنْدَ المَشْعَرِ يَحْصُلُ عَقِيبَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ، وما ذاكَ إلّا بِالبَيْتُوتَةِ بِالمُزْدَلِفَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّهُ جَبَلٌ يَقِفُ عَلَيْهِ الإمامُ في المُزْدَلِفَةِ ويُسَمّى قُزَحٌ، وخَصَّ اللَّهُ - تَعالى - الذِّكْرَ عِنْدَهُ مَعَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ في جَمِيعِ ( المُزْدَلِفَةِ )؛ لِأنَّها كُلَّها مَوْقِفٌ إلّا وادِي مُحَسِّرٍ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ الصَّحِيحَةُ لِمَزِيدِ فَضْلِهِ وشَرَفِهِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ما بَيْنَ جَبَلَيْ مُزْدَلِفَةَ، فَهو المَشْعَرُ الحَرام ومِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -، وإنَّما سُمِّيَ ( مَشْعَرًا )؛ لِأنَّهُ مَعْلَمُ العِبادَةِ، ووُصِفَ ( بِالحَرامِ ) لِحُرْمَتِهِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ اذكروا أوْ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِن فاعِلِهِ ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ أيْ: كَما عَلَّمَكُمُ المَناسِكَ والتَّشْبِيهُ لِبَيانِ الحالِ وإفادَةِ التَّقْيِيدِ؛ أيِ: اذْكُرُوهُ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِ ولا تَعْدِلُوا عَنْهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مُطْلَقُ الهِدايَةِ ومُفادُ التَّشْبِيهِ التَّسْوِيَةُ في الحُسْنِ والكَمالِ؛ أيِ: اذَكَّرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا كَما هَداكم هِدايَةً حَسَنَةً إلى المَناسِكِ وغَيْرِها. و( ما ) عَلى المَعْنَيَيْنِ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَمَحَلُّ ﴿كَما هَداكُمْ﴾ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِحَذْفِ المَوْصُوفِ؛ أيْ: ذِكْرًا مُماثِلًا لِهِدايَتِكُمْ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ كافَّةً، فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمَقْصُودُ مِنَ الكافِ مُجَرَّدُ تَشْبِيهِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالجُمْلَةِ، ولِذا لا تَطْلُبُ عامِلًا تُفْضِي بِمَعْناهُ إلى مَدْخُولِها، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ ( الكافَ ) لِلتَّعْلِيلِ، وأنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ لا غَيْرَ؛ أيِ: ( اذْكُرُوهُ ) وعَظِّمُوهُ لِأجْلِ هِدايَتِهِ السّابِقَةِ مِنهُ - تَعالى – لَكم. ﴿وإنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: وإنَّكم كُنْتُمْ فَخُفِّفَتْ ( إنَّ ) وحُذِفَ الِاسْمُ وأُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ ولَزِمَ ( اللّامُ ) فِيما بَعْدَها، وقِيلَ: إنَّ ( إنَّ ) صفحة 89 نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى ( إلّا ). ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ: الهُدى، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿لَمِنَ الضّالِّينَ 198﴾ ولَمْ يُعَلِّقُوهُ بِهِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ ( الِ ) المَوْصُولَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها وفِيهِ تَأمُّلٌ، والمُرادُ مِنَ الضَّلالِ الجَهْلُ بِالإيمانِ ومَراسِمِ الطّاعاتِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: ( اذْكُرُوهُ ) الآنَ؛ إذْ لا يُعْتَبَرُ ذِكْرُكُمُ السّابِقُ المُخالِفُ لِما هَداكم؛ لِأنَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ، وحَمْلُهُ عَلى الحالِ تَوَهُّمٌ بَعِيدٌ عَنِ المَرامِ.

البقرة 2:199

﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ أيْ: مِن عَرَفَةَ لا مِنَ المُزْدَلِفَةِ، والخِطابُ عامٌّ، والمَقْصُودُ إبْطالُ ما كانَ عَلَيْهِ الحِمْسُ مِنَ الوُقُوفِ بِجَمْعٍ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ دِينَها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وكانُوا يُسَمُّونَ الحِمْسُ، وكانَتْ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ - تَعالى - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفُ بِها ثُمَّ يَفِيضُ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ الآيَةَ،» ومَعْناها ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ أيُّها الحُجّاجُ مِن مَكانٍ أفاضَ جِنْسُ النّاسِ مِنهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهو عَرَفَةُ لا مِن مُزْدَلِفَةَ، وجَعْلُ الضَّمِيرِ عِبارَةً عَنِ الحِمْسِ يَلْزَمُ مِنهُ بَتْرُ النَّظْمِ؛ إذِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ واللّاحِقَةُ كُلُّها عامَّةٌ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ التَّعْرِيضَ كانَتْ في قُوَّةٍ، ثُمَّ لا تُفِيضُوا مِنَ المُزْدَلِفَةِ، وأتى بِـ ( ثُمَّ ) إيذانًا بِالتَّفاوُتِ بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ في الرُّتْبَةِ، بِأنَّ إحْداهُما صَوابٌ والأُخْرى خَطَأٌ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ أنَّ التَّفاوُتَ إنَّما يُعْتَبَرُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ لا بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وما دَخَلَهُ حَرْفُ النَّفْيِ مِنَ المَعْطُوفِ؛ لِأنَّ الحَصْرَ مَمْنُوعٌ، وكَذا لا يَضُرُّ انْفِهامُ التَّفاوُتِ مِن كَوْنِ أحَدِهِما مَأْمُورًا بِهِ، والآخَرِ مَنهِيًّا عَنْهُ كَيْفَما كانَ العَطْفُ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّ كَلِمَةَ ( ثُمَّ ) تُؤْذِنُ بِذَلِكَ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَعَلُّقِ الأمْرِ والنَّهْيِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ( فاذكروا ) ويُعْتَبَرُ التَّفاوُتُ بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ أيْضًا كَما في السّابِقِ بِلا تَفاوُتٍ، وبَعْضُهم جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أفِيضُوا إلى مِنًى، ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ إلَخْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كالقَوْلِ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ ( لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم، ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ، فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكَرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرام، واستغفروا ) وإذْ أُرِيدَ بِالمُفاضِ مِنهُ المُزْدَلِفَةُ وبِالمُفاضِ إلَيْهِ مِنًى - كَما قالَ الجِبّائِيُّ - بَقِيَتْ كَلِمَةُ ( ثُمَّ ) عَلى ظاهِرِها؛ لِأنَّ الإفاضَةَ إلى مِنًى بَعِيدَةٌ عَنِ الإفاضَةِ مِن ( عَرَفاتٍ )؛ لِأنَّ الحاجَّ إذا أفاضُوا مِنها عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ يَجِيئُونَ إلى المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ النَّحْرِ ويَبِيتُونَ بِها، فَإذا طَلَعَ الفَجْرُ وصَلَّوْا بِغَلَسٍ ذَهَبُوا إلى قُزَحٍ فَيَرْقَوْنَ فَوْقَهُ أوْ يَقِفُونَ بِالقُرْبِ مِنهُ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ إلى وادِي مُحَسِّرٍ، ثُمَّ مِنهُ إلى مِنًى، والخِطابُ عَلى هَذا عامٌّ بِلا شُبْهَةَ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ الجِنْسُ كَما هو الظّاهِرُ؛ أيْ: مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ كُلُّهم قَدِيمًا وحَدِيثًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسُمِّيَ ناسًا؛ لِأنَّهُ كانَ إمامًا لِلنّاسِ، وقِيلَ: المُرادُ هو وبَنُوهُ، وقُرِئَ: ( النّاسِ ) بِالكَسْرِ؛ أيِ: النّاسِي، والمُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّهِ: ﴿فَنَسِيَ﴾ وكَلِمَةُ ثُمَّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلْإشارَةِ إلى بَعْدِ ما بَيْنَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ والمُخالَفَةِ عَنْها، بِناءً عَلى أنَّ مَعْنى ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ عَلَيْها ثُمَّ لا تُخالِفُوا عَنْها لِكَوْنِها شَرْعًا قَدِيمًا، كَذا قِيلَ فَلْيُتَدَبَّرْ. ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ مِن جاهِلِيَّتِكم في تَغْيِيرِ المَناسِكِ ونَحْوِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ ﴿رَحِيمٌ 199﴾ بِهِمْ مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ.

البقرة 2:200

﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ أيْ: أدَّيْتُمْ عِباداتِكُمُ الحَجِّيَّةِ وفَرَغْتُمْ مِنها ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ أيْ: كَما كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهم عِنْدَ فَراغِ حَجِّكم بِالمَفاخِرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَجْلِسُونَ بَعْدَ الحَجِّ، فَيَذْكُرُونَ أيّامَ آبائِهِمْ وما يَعُدُّونَ مِن أنْسابِهِمْ يَوْمَهم أجْمَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - ذَلِكَ ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ إمّا مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ صفحة 90 عَلى الذِّكْرِ، بِجَعْلِ الذِّكْرِ ذاكِرًا عَلى المَجازِ، والمَعْنى: واذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ كَذِكْرٍ أشَدَّ مِنهُ وأبْلَغَ، أوْ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ المُجَوِّزِينَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الخافِضِ في السَّعَةِ بِمَعْنى ( أوْ كَذِكْرِ قَوْمٍ أشَدِّ مِنكم ذِكْرًا ) وإمّا مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى آباءَكم وذَكَرا مِن فِعْلِ المَبْنِي لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى ( أوْ كَذِكْرِكم أشَدَّ مَذْكُورِيَّةً مِن آبائِكم ) أوْ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ أيْ: لِيَكُنْ ذِكْرُكُمُ اللَّهَ - تَعالى - أشَدَّ مِن ذِكْرِكم آباءَكُمْ، أوْ كُونُوا أشَدَّ ذِكْرًا لِلَّهِ - تَعالى - مِنكم لِآبائِكم كَذا قِيلَ، واخْتارَ في البَحْرِ أنْ يَكُونَ أشَدّ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن ذَكَرا المَنصُوبِ بِـ اذكروا؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ عَنْهُ لَكانَ صِفَةً لَهُ وحَسُنَ تَأخُّرُ ذِكْرًا؛ لِأنَّهُ كالفاصِلَةِ ولِزَوالِ قَلَقِ التَّكْرارِ؛ إذْ لَوْ قُدِّمَ لَكانَ التَّرْكِيبُ: ( فاذْكَرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم )، أوِ ( اذْكُرُوا ذِكْرًا أشَدَّ)، وفِيهِ أنَّ الظّاهِرَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يُقالَ: أوْ أشْدُ بِدُونِ ذِكْرًا بِأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كَذِكْرِكم صِفَةً لِلذِّكْرِ المُقَدَّرِ، وأنَّ المَطْلُوبَ الذِّكْرُ المَوْصُوفُ بِالأشَدِّيَّةِ لا طَلَبُهُ حالَ الأشَدِّيَّةِ. ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ لِلْحَثِّ والإكْثارِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ - تَعالى - وطَلَبِ ما عِنْدَهُ، وفِيها تَفْصِيلٌ لِلذّاكِرِينَ مُطْلَقًا حُجّاجًا أوْ غَيْرُهُمْ، كَما هو الظّاهِرُ إلى مُقِلٍّ لا يَطْلُبُ بِذِكْرِ اللَّهِ - تَعالى - إلّا الدُّنْيا، ومُكْثِرٍ يَطْلُبُ خَيْرَ الدّارَيْنِ، وما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ عِبادَتَنا لِذاتِهِ - تَعالى - فارِغَةٌ مِنَ الأغْراضِ والأعْراضِ جَهْلٌ عَظِيمٌ، رُبَّما يَجُرُّ إلى الكُفْرِ، كَما قالَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - لِأنَّ عَدَمَ التَّعْلِيلِ في الأفْعالِ مُخْتَصٌّ بِذاتِهِ - تَعالى - عَلى أنَّ البَعْضَ قائِلٌ بِأنَّ أفْعالَهُ - سُبْحانَهُ - أيْضًا مُعَلَّلَةٌ بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، نَعَمْ إنَّ عِبادَتَهُ - تَعالى - قَدْ تَكُونُ لِطَلَبِ الرِّضا لا لِخَوْفِ مَكْرُوهٍ أوْ لِنِيلِ مَحْبُوبٍ، لَكِنَّ ذا مِن أجْلِ حَسَناتِ الأُخْرى يَطْلُبُهُ خُلَّصُ عِبادِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ وقَرَنَ - سُبْحانَهُ - الذِّكْرَ بِالدُّعاءِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُعْتَبَرَ مِنَ الذِّكْرِ ما يَكُونُ عَنْ قَلْبٍ حاضِرٍ وتَوَجُّهٍ باطِنٍ، كَما هو حالُ الدّاعِي حِينَ طَلَبِ حاجَةٍ لا مُجَرَّدَ التَّفَوُّهِ والنُّطْقِ بِهِ، وذَهَبَ الإمامُ وأبُو حَيّانَ إلى أنَّ التَّفْصِيلَ لِلدّاعِينَ المَأْمُورِينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ المَناسِكِ، وبَدَأ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ مِفْتاحًا لِلْإجابَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ - جَلَّ شَأْنُهُ - أنَّهم يَنْقَسِمُونَ في سُؤالِ اللَّهِ - تَعالى - إلى مَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ حُبُّ الدُّنْيا، فَلا يَدْعُو إلّا بِها، ومَن يَدْعُو بِصَلاحِ حالِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفي الآيَةِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ حَطًّا لِطالِبِ الدُّنْيا عَنْ ساحَةِ عِزِّ الحُضُورِ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ هو المُناسِبُ لِإبْقاءِ النّاسِ عَلى عُمُومِهِ، والمُطابِقُ لِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ﴾ إلَخْ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي﴾ نَعَمْ، سَبَبُ النُّزُولِ، كُما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما طائِفَةٌ مِنَ الأعْرابِ يَجِيئُونَ إلى المَوْقِفِ فَيَطْلُبُونَ الدُّنْيا، وطائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَجِيئُونَهُ فَيَطْلُبُونَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وهَذا لا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ أيِ: اجْعَلْ كُلَّ إيتائِنا ومِنحَتِنا فِيها، فالمَفْعُولُ الثّانِي مَتْرُوكٌ، ونَزَلَ الفِعْلُ بِالقِياسِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ذَهابًا إلى عُمُومِ الفِعْلِ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هِمَّتَهُ مَقْصُورَةٌ عَلى مَطالِبِ الدُّنْيا. ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ 200﴾ إخْبارٌ مِنهُ - تَعالى - بِبَيانِ حالِ هَذا الصِّنْفِ في الآخِرَةِ؛ يَعْنِي أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ فِيها ولا حَظَّ، و( الخَلاقُ ) مِن خَلِقَ بِهِ إذا لاقَ، أوْ مِنَ الخَلْقِ كَأنَّهُ الأمْرُ الَّذِي خُلِقَ لَهُ وقُدِّرَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ بَيانٌ لِحالِ ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَهي تَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ ضِمْنًا مِن سابِقِهِ، تَقْرِيرًا لَهُ وتَأْكِيدًا؛ أيْ: لَيْسَ لَهُ في الدُّنْيا طَلَبُ خَلاقٍ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ طَلَبٌ في الآخِرَةِ لِلْخَلّاقِ؛ لِيُقالَ: إنَّ هَذا حُكْمُ كُلِّ أحَدٍ؛ إذْ لا طَلَبَ في الآخِرَةِ، وإنَّما فِيها الحَظُّ والحِرْمانُ، ويُجابُ بِمَنعِ عَدَمِ الطَّلَبِ؛ إذِ المُؤْمِنُونَ يَطْلُبُونَ زِيادَةَ الدَّرَجاتِ والكافِرُونَ الخَلاصَ مِن شِدَّةِ العَذابِ، ومِن صِلَةٌ، وله خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ صفحة 91 بِما تَعَلَّقَ بِهِ أوْ حالٌ مِمّا بَعْدَهُ.

البقرة 2:201

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ يَعْنِي: العافِيَةَ والكَفافَ، قالَهُ قَتادَةُ، أوِ المَرْأةَ الصّالِحَةَ، قالَهُ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أوِ العِلْمَ والعِبادَةَ قالَهُ الحَسَنُ، أوِ المالَ الصّالِحَ قالَهُ السُّدِّيُّ، أوِ الأوْلادَ الأبْرارَ، أوْ ثْناءَ الخَلْقِ قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، أوِ الصِّحَّةَ والكِفايَةَ والنُّصْرَةَ عَلى الأعْداءِ والفَهْمَ في كِتابِ اللَّهِ - تَعالى -، أوْ صُحْبَةَ الصّالِحِينَ قالَهُ جَعْفَرٌ، والظّاهِرُ أنَّ الحَسَنَةَ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً في الإثْباتِ، وهي لا تَعُمُّ إلّا أنَّها مُطْلَقَةٌ، فَتَنْصَرِفُ إلى الكامِلِ والحَسَنَةُ الكامِلَةُ في الدُّنْيا ما يَشْمَلُ جَمِيعَ حَسَناتِها، وهو تَوْفِيقُ الخَيْرِ وبَيانُها بِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ لَيْسَ مِن بابِ تَعْيِينِ المُرادِ؛ إذْ لا دَلالَةَ لِلْمُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ أصْلًا، وإنَّما هو مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ فَقَدْ قِيلَ هي الجَنَّةُ، وقِيلَ: السَّلامَةُ مِن هَوْلِ المَوْقِفِ وسُوءِ الحِسابِ، وقِيلَ: الحُورُ العِينُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -، وقِيلَ: لَذَّةُ الرُّؤْيَةِ، وقِيلَ وقِيلَ ...، والظّاهِرُ الإطْلاقُ وإرادَةُ الكامِلِ وهو الرَّحْمَةُ والإحْسانُ، ﴿وقِنا عَذابَ النّارِ 102﴾ أيِ: احْفَظْنا مِنهُ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ، واجْعَلْنا مِمَّنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن غَيْرِ عَذابٍ، وقالَ الحَسَنُ: احْفَظْنا مِنَ الشَّهَواتِ والذُّنُوبِ المُؤَدِّيَةِ إلى عَذابِ النّارِ، وقالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: عَذابُ النّارِ المَرْأةُ السُّوءُ - أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِنها - وهو عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، وقَدْ كانَ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أكْثَرُ دَعْوَةً يَدْعُو بِها هَذِهِ الدَّعْوَةُ كَما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «”إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - دَعا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ قَدْ صارَ مِثْلَ الفَرْخِ المَنتُوفِ، فَقالَ لَهُ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ - تَعالى – بِشَيْءٍ؟ قالَ: نَعَمْ كُنْتُ أقُولُ اللَّهُمَّ ما كُنْتَ مُعاقِبِي بِهِ في الآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي في الدُّنْيا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: سُبْحانَ اللَّهِ إذًا لا تُطِيقُ ذَلِكَ، ولا تَسْتَطِيعُهُ، فَهَلّا قُلْتَ: رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ، ودَعا لَهُ“ فَشَفاهُ اللَّهُ - تَعالى -» .

البقرة 2:202

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي والجُمْلَةُ في مُقابَلَةِ ( وما لَهم في الآخِرَةِ مِن خَلّاق ) والتَّعْبِيرُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اتِّصافَهم بِما سَبَقَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ، ولِذا تَرَكَ العَطْفَ هَهُنا لِكَوْنِهِ كالنَّتِيجَةِ لِما قَبْلَهُ، قِيلَ: وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى كِلا الفَرِيقَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، فالتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ عَلى الأوَّلِ لِلتَّفْخِيمِ وعَلى الثّانِي لِلتَّنْوِيعِ؛ أيْ لِكُلٍّ مِنهم نَصِيبٌ مِن جِنْسِ ما كَسَبُوا، أوْ مِن أجْلِهِ، أوْ مِمّا دَعَوْا بِهِ نُعْطِيهِمْ مِنهُ ما قَدَّرْناهُ، و( مِن ) إمّا لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلِابْتِداءِ، والمَبْدَئِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ الأجَلِيَّةِ عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ، وفي الآيَةِ عَلى الِاحْتِمالِ الثّالِثِ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بِغَيْرِ لَفْظِ السّابِقِ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ مِن ( رَبِّنا آتِنا ) الدُّعاءُ لا الكَسْبُ إلّا أنَّهُ يُسَمّى كَسْبًا؛ لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ، وقُرِئَ: ( مِمّا اكْتَسَبُوا ). ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ 202﴾ يُحاسِبُ العِبادَ عَلى كَثْرَتِهِمْ في قَدْرِ نِصْفِ نَهارٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ورُوِيَ: بِمِقْدارِ فَواقِ ناقَةٍ، ورُوِيَ بِمِقْدارِ لَمْحَةِ البَصَرِ، أوْ يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ ويُحاسِبَ النّاسَ فَبادِرُوا إلى الطّاعاتِ واكْتِسابِ الحَسَناتِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ إلَخْ، والمُحاسَبَةُ إمّا عَلى حَقِيقَتِها كَما هو قَوْلُ أهْلِ الحَقِّ، مِن أنَّ النُّصُوصَ عَلى ظاهِرِها ما لَمْ يَصْرِفْ عَنْها صارِفٌ، أوْ مَجازٌ عَنْ خَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ فِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ وجَزائِها كَمًّا وكَيْفًا، أوْ مُجازاتِهِمْ عَلَيْها هَذا. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا﴾ بُيُوتَ قُلُوبِكم مِن طَرَفِ حَواسِّكم ومَعْلُوماتِكُمُ البَدَنِيَّةِ المَأْخُوذَةِ مِنَ المَشاعِرِ، فَإنَّها ظُهُورُ القُلُوبِ الَّتِي تَلِي البَدَنَ، ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ شَواغِلَ صفحة 92 الحَواسِّ وهَواجِسَ الخَيالِ ووَساوِسَ النَّفْسِ الأمّارَةِ وأْتُوا هاتِيكَ البُيُوتَ ﴿مِن أبْوابِها﴾ الَّتِي تَلِي الرُّوحَ، ويَدْخُلُ مِنها الحَقُّ، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ عَنْ رُؤْيَةِ تَقْواكم لَعَلَّكم تَفُوزُونَ بِهِ، ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ مِن قُوى نُفُوسِكم ودَواعِي بَشَرِيَّتَكُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ هو الجِهادُ الأكْبَرُ، ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ بِإهْمالِها والوُقُوفِ مَعَ حُظُوظِها، أوْ تَتَجاوَزُوا في القِتالِ إلى أنْ تُضْعِفُوا البَدَنَ عَنِ القِيامِ بِمَراسِمَ الطّاعَةِ، ووَظائِفِ العُبُودِيَّةِ، ( فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِنَ التُّخَمِ ) . ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ الواقِفِينَ مَعَ نُفُوسِهِمْ أوِ المُتَجاوِزِينَ ظِلَّ الوَحْدَةِ وهو العَدالَةُ ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ؛ أيِ: امْنَعُوا هاتِيكَ القُوى عَنْ شَمِّ لَذائِذِ الشَّهَواتِ والهَوى حَيْثُ كانُوا ﴿وأخْرِجُوهُمْ﴾ عَنْ مَكَّةَ الصَّدْرِ كَما أخْرَجُوكم عَنْها، واسْتَنْزَلُوكم إلى بُقْعَةِ النَّفْسِ، وحالُوا بَيْنَكم وبَيْنَ مَقَرِّ القَلْبِ وفِتْنَتِهِمُ الَّتِي هي عِبادَةُ الهَوى والسُّجُودِ لِأصْنامِ اللَّذّاتِ أشَدُّ مِنَ الإماتَةِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ بَلاؤُكم عِنْدَ اسْتِيلاءِ النَّفْسِ أشَدُّ عَلَيْكم مِنَ القَتْلِ الَّذِي هو مَحْوُ الِاسْتِعْدادِ وطَمْسِ الغَرائِزِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن ألَمِ الفِراقِ عَنْ حَضْرَةِ القُدْسِ الَّذِي لا يَتَناهى، ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وهو مَقامُ القَلْبِ إذا وافَقُوكم في تَوَجُّهِكم حَتّى يُنازِعُوكم في مَطالِبِكم ويَجُرُّوكم عَنْ دِينِ الحَقِّ، ويَدْعُوكم إلى عِبادَةِ عِجْلِ النَّظَرِ إلى الأغْيارِ، فَإنْ نازَعُوكم فاقْتِلُوهم بِسَيْفِ الصِّدْقِ واقْطَعُوا مادَّةَ تِلْكَ الِدَواعِي ﴿كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ السّاتِرِينَ لِلْحَقِّ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنْ نِزاعِهِمْ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقاتِلُوهم عَلى دَوامِ الرِّعايَةِ وصِدْقِ العُبُودِيَّةِ ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ولا يَحْصُلُ التِفاتٌ إلى السِّوى ﴿ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ بِتَوَجُّهِ الجَمْعِ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ والذّاتِ المُقَدَّسِ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ﴾ إلّا عَلى المُجاوِزِينَ لِلْحُدُودِ ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ﴾ الَّذِي قامَتْ بِهِ النَّفْسُ لِحُقُوقِها ﴿بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ الَّذِي هو وقْتُ حُضُورِكم ومُراقَبَتِكم ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فَلا تُبالُوا بِهَتْكِ حُرْمَتِها ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما مَعَكم مِنَ العُلُومِ بِالعَمَلِ بِهِ والإرْشادِ ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى﴾ تَهْلُكَةِ التَّفْرِيطِ ﴿وأحْسِنُوا﴾ بِأنْ تَكُونُوا مُشاهِدِينَ رَبَّكم في سائِرِ أعْمالِكم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُشاهِدِينَ لَهُ، ﴿وأتِمُّوا﴾ حَجَّ تَوْحِيدِ الذّاتِ وعُمْرَةَ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ لِلَّهِ، بِإتْمامِ جَمِيعِ المَقاماتِ والأحْوالِ، ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ بِمَنعِ أعْداءِ النُّفُوسِ أوْ مَرَضِ الفُتُورِ، فَجاهِدُوا في اللَّهِ بِسَوْقِ هُدى النَّفْسِ وذَبْحِها بِفَناءِ كَعْبَةِ القَلْبِ، ولِاخْتِلافِ النُّفُوسِ في الِاسْتِعْدادِ قالَ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ﴾ ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ ولا تُزِيلُوا آثارَ الطَّبِيعَةِ وتَخْتارُوا فَراغَ الخاطِرِ حَتّى يَبْلُغَ هَدْيُ النَّفْسِ مَحِلَّهُ، فَحِينَئِذٍ تَأْمَنُونَ مِنَ التَّشْوِيشِ وتَكَدُّرِ الصَّفاءِ، ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ ضَعِيفَ الِاسْتِعْدادِ ﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ أيْ: مُبْتَلًى بِالتَّعَلُّقاتِ، ولَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ السُّلُوكُ عَلى ما يَنْبَغِي، فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ مِن إمْساكٍ عَنْ بَعْضِ لَذّاتِهِ وشَواغِلِهِ، أوْ فِعْلِ بِرٍّ أوْ رِياضَةٍ تَقْمَعُ بَعْضَ القُوى، ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ مِنَ المانِعِ المُحْصِرِ، فَمَن تَمَتَّعَ بِذَوْقِ تَجَلِّي الصِّفاتِ، مُتَوَسِّلًا بِهِ إلى حَجِّ تَجَلِّي الذّاتِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ما أمْكَنَ مِنَ الهَدْيِ بِحَسَبِ حالِهِ، ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ لِضَعْفِ نَفْسِهِ وانْقِهارِها ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ الإمْساكُ عَنْ أفْعالِ القُوى الَّتِي هي الأُصُولُ القَوِيَّةُ في وقْتِ التَّجَلِّي والِاسْتِغْراقُ في الجَمْعِ والفَناءُ، وهي العَقْلُ والوَهْمُ والمُتَخَيَّلَةُ ﴿وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ إلى مَقامِ التَّفْصِيلِ والكَثْرَةِ، وهي الحَواسُّ الخَمْسَةُ الظّاهِرَةُ والغَضَبُ والشَّهْوَةُ؛ لِتَكُونَ عِنْدَ الِاسْتِقامَةِ في الأشْياءِ بِاللَّهِ – عَزَّ وجَلَّ - ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ مُوجِبَةٌ لِأفاعِيلَ عَجِيبَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى أسْرارٍ غَرِيبَةٍ ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ مِنَ الكامِلِينَ الحاضِرِينَ مَقامَ الوَحْدَةِ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ لا يُخاطَبُونَ ولا يُعاتَبُونَ، ومَن وصَلَ فَقَدِ اسْتَراحَ ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ وهي مُدَّةُ الحَياةِ الفانِيَةِ أوْ مِن وقْتِ بُلُوغِ الحُلُمِ إلى الأرْبَعِينَ كَما قالَ في البَقَرَةِ: ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ . ومِن هُنا قِيلَ: الصُّوفِيُّ بَعْدَ الأرْبَعِينَ بارِدٌ، نَعَمِ العَمَشُ خَيْرٌ مِنَ العَمى والقَلِيلُ خَيْرٌ مِنَ الحِرْمانِ، ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ عَلى نَفْسِهِ بِالعَزِيمَةِ، فَلا رَفَثَ؛ أيْ: فَلا يَمِلْ إلى الدُّنْيا وزِينَتِها، ﴿ولا فُسُوقَ﴾ ولا يُخْرِجُ القُوَّةَ الغَضَبِيَّةَ عَنْ طاعَةِ القَلْبِ، بَلْ صفحة 93 لا يَخْرُجُ عَنِ الوَقْتِ ولا يَدْخُلُ فِيما يُورِثُ المَقْتَ ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ أيْ: ولا يُنازِعُ أحَدًا في مَقامِ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ - تَعالى -؛ إذِ الكُلُّ مِنهُ وإلَيْهِ، ومَن نازَعَهُ في شَيْءٍ يَنْبَغِي أنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ ويُسَلِّمَ عَلَيْهِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ وما تَفْعَلُوا مِن فَضِيلَةٍ في تَرْكِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ويُثِيبُكم عَلَيْهِ، وتَزَوَّدُوا مِنَ الفَضائِلِ الَّتِي يَلْزَمُها الِاجْتِنابُ عَنِ الرَّذائِلِ ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ وتَمامُها بِنَفْيِ السِّوى ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ العَقْلِ الخالِصِ عَنْ شَوْبِ الوَهْمِ وقِشْرِ المادَّةِ اتِّقاءُ اللَّهَ - تَعالى - لَيْسَ عَلَيْكم حَرَجٌ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلى الكَثْرَةِ أنْ تَطْلُبُوا رِفْقًا لِأنْفُسِكم عَلى مُقْتَضى ما حَدَّهُ المَظْهَرُ الأعْظَمُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإذا دَفَعْتُمْ أنْفُسَكم مِن عَرَفاتِ المَعْرِفَةِ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ أيْ: شاهِدُوا جَمالَهُ - سُبْحانَهُ - عِنْدَ السِّرِّ الرُّوحِيِّ المُسَمّى بِالخَفِيِّ، وسُمِّيَ مَشْعَرًا؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الشُّعُورِ بِالجَمالِ، ووُوصِفَ بِالحَرامِ؛ لِأنَّهُ مُحَرَّمٌ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ الغَيْرُ ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ إلى ذِكْرِهِ في المَراتِبِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾ الوُصُولِ إلى عَرَفاتِ المَعْرِفَةِ والوُقُوفِ بِها ﴿لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ عَنْ هَذِهِ الأذْكارِ في طَلَبِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ إلى ظَواهِرِ العِباداتِ ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ﴾ سائِرُ النّاسِ إلَيْها، وكُونُوا كَأحَدِهِمْ، فَإنَّ النِّهايَةَ الرُّجُوعُ إلى البِدايَةِ أوْ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِأجْلِ أداءِ الحُقُوقِ والشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالإرْشادِ والتَّعْلِيمِ ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ فَقَدْ كانَ الشّارِعُ الأعْظَمُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَغانُ عَلى قَلْبِهِ ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ - تَعالى - في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً، ومَن أنْتَ يا مِسْكِينُ بَعْدَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ وفَرَغْتُمْ مِنَ الحَجِّ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ قَبْلَ السُّلُوكِ ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾؛ لِأنَّ المَبْدَأ الحَقِيقِيَّ: فَكُونُوا مَشْغُولِينَ بِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ ذاتُهُ - سُبْحانَهُ - فَمِنَ النّاسِ مَن لا يَطْلُبُ إلّا الدُّنْيا ولا يَعْبُدُ إلّا لِأجْلِها وما لَهُ في مَقامِ الفَناءِ مِن نَصِيبٍ لِقُصُورِ هِمَّتِهِ واكْتِسابِهِ الظُّلْمَةَ المُنافِيَةَ لِلنُّورِ، ومِنهم مَن يَطْلُبُ خَيْرَ الدّارَيْنِ، ويَحْتَرِزُ عَنْ الِاحْتِجابِ بِالظِّمَةِ والتَّعْذِيبِ بِنِيرانِ الطَّبِيعَةِ ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ مِن حُظُوظِ الآخِرَةِ والأنْوارِ الباهِرَةِ واللَّذّاتِ الباقِيَةِ والمَراتِبِ العالِيَةِ، ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ .

البقرة 2:203

﴿واذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: كَبِّرُوهُ إدْبارَ الصَّلَواتِ، وعِنْدَ ذَبْحِ القَرابِينَ، ورَمْيِ الجِمارِ وغَيْرِها. ﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ وهي ثَلاثَةُ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وهو المَرْوِيُّ في المَشْهُورِ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّها أرْبَعَةُ أيّامٍ بِضَمِّ يَوْمِ النَّحْرِ إلَيْها، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِلتَّخْصِيصِ بِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ إلَخْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فاقْتَضى ذَلِكَ إخْراجَ يَوْمِ النَّحْرِ مِنَ الأيّامِ، ومَنِ اعْتَبَرَ العَطْفَ والتَّعْقِيبَ، وجَعَلَ بَعْضَ يَوْمٍ يَوْمًا اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى ابْتِداءِ التَّكْبِيرِ خَلْفَ الصَّلاةِ مِن ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، واسْتَدَلَّ بِعُمُومِها مَن قالَ: يُكَبِّرُ خَلْفَ النَّوافِلِ واسْتُشْكِلَ وصْفُ أيّامٍ بِمَعْدُوداتٍ؛ لِأنَّ أيّامًا جَمْعُ يَوْمٍ، وهو مُذَكَّرٌ، ومَعْدُودات واحِدُها مَعْدُودَةٌ، وهو مُؤَنَّثٌ، فَكَيْفَ تَقَعُ صِفَةٌ لَهُ، فالظّاهِرُ مَعْدُودَةٌ، ووَصْفُ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ بِالمُفْرَدِ المُؤَنَّثِ جائِزٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْدُوداتٍ جَمْعُ مَعْدُودٍ لا مَعْدُودَةٍ، وكَثِيرًا ما يُجْمَعُ المُذَكَّرُ جَمْعَ المُؤَنَّثِ كَحَمّاماتٍ وسِجِلّاتٍ، وقِيلَ: إنَّهُ قَدَّرَ اليَوْمَ مُؤَنَّثًا بِاعْتِبارِ ساعاتِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها في كُلِّ سَنَةٍ مَعْدُودَةٌ، وفي السِّنِينَ مَعْدُوداتٌ، فَهي جَمْعُ مَعْدُودَةٍ حَقِيقَةً، ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ أيْ: عَجِلَ في النَّفْرِ أوِ اسْتَعْجَلَ النَّفْرَ مِن مِنًى، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ عَجِلَ واسْتَعْجَلَ يَجِيئانِ مُطاوِعَيْنِ بِمَعْنى عَجِلَ، يُقالُ: تَعَجَّلَ في الأمْرِ واسْتَعْجَلَ، ومُتَعَدِّيَيْنِ يُقالُ: تَعَجَّلَ الذَّهابَ، والمُطاوَعَةُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن تَأخَّرَ﴾ كَما هي كَذَلِكَ في قَوْلِهِ: صفحة 94 قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ لِأجْلِ المُتَأنِّي، وذَهَبَ بَعْضُ أرْبابِ التَّحْقِيقِ إلى تَرْجِيحِ التَّعَدِّي؛ لِأنَّ المُرادَ بَيانُ أُمُورِ ( العَجَلِ ) لا التَّعْجِيلُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: لِأنَّ اللّازِمَ يَسْتَدْعِي تَقْدِيرَ (فِي) فَيَلْزَمُ تَعَلُّقَ حَرْفَيْ جَرِّ أحَدِهِما المُقَدَّرِ والثّانِي ( في يَوْمَيْنِ ) بِالفِعْلِ، وذا لا يَجُوزُ، واليَوْمانِ يَوْمُ القَرِّ ويَوْمُ الرُّءُوسِ واليَوْمُ الَّذِي بَعْدَهُ، والمُرادُ: فَمَن نَفَرَ في ثانِي أيّامِ التَّشْرِيقِ قَبْلَ الغُرُوبِ، وبَعْدَ رَمْيِ الجِمارِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، وقَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنَ اليَوْمِ الثّالِثِ إذا فَرَغَ مِن رَمْيِ الجِمارِ عِنْدَنا، والنَّفْرُ في أوَّلِ يَوْمٍ مِنها لا يَجُوزُ، فَظَرْفِيَّةُ ( اليَوْمَيْنِ ) لَهُ عَلى التَّوَسُّعِ بِاعْتِبارِ أنَّ الِاسْتِعْدادَ لَهُ في اليَوْمِ الأوَّلِ، والقَوْلُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ في أحَدِ ﴿يَوْمَيْنِ﴾ إلّا أنَّهُ مُجْمَلٌ فُسِّرَ بِاليَوْمِ الثّانِي، أوْ في آخِرِ يَوْمَيْنِ خُرُوجٌ عَنْ مَذاقِ النَّظَرِ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ بِاسْتِعْجالِهِ ﴿ومَن تَأخَّرَ﴾ في النَّفَرِ حَتّى رَمى في اليَوْمِ الثّالِثِ قَبْلَ الزَّوالِ أوْ بَعْدَهُ عِنْدَنا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ بَعْدَهُ فَقَطْ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ بِما صَنَعَ مِنَ التَّأخُّرِ، والمُرادُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ ( التَّعَجُّلِ والتَّأخُّرِ ) ولا يَقْدَحُ فِيهِ أفْضَلِيَّةُ الثّانِي خِلافًا لِصاحِبِ الإنْصافِ، وإنَّما ورَدَ بِنَفْيِ الإثْمِ تَصْرِيحًا بِالرَّدِّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا مُخْتَلِفِينَ فِيهِ، فَمِن مُؤَثِّمٍ لِلْمُعَجِّلِ، ومُؤَثِّمٍ لِلْمُتَأخِّرِ ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، واللّامُ إمّا لِلتَّعْلِيلِ أوْ لِلِاخْتِصاصِ؛ أيْ ذَلِكَ لِتَخْيِيرِ المَذْكُورِ بِقَرِينَةِ القُرْبِ لِأجْلِ المُتَّقِي؛ لِئَلّا يَتَضَرَّرَ بِتَرْكِ ما يَقْصِدُهُ مِنَ ( التَّعْجِيلِ والتَّأخُّرِ )؛ لِأنَّهُ حَذِرٌ مُتَحَرِّزٌ عَمّا يُرِيبُهُ، أوْ ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن أحْكامِ الحَجِّ مُطْلَقًا نَظَرًا إلى عَدَمِ المُخَصِّصِ القَطْعِيِّ، وإنْ كانَتْ عامَّةً لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ مُخْتَصَّةً بِالمُتَّقِي؛ لِأنَّهُ الحاجُّ عَلى الحَقِيقَةِ، والمُنْتَفِعُ بِها، والمُرادُ مِنَ ( التَّقْوى ) عَلى التَّقْدِيرَيْنِ التَّجَنُّبُ عَمّا يُؤْثِمُ مِن ( فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ ) ولا يَجُوزُ حَمْلُها عَلى التَّجَنُّبِ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ الخِطابَ في جَمِيعِ ما سَبَقَ لِلْمُؤْمِنِينَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحاجَّ إذا اتَّقى في أداءِ حُدُودِ الحَجِّ وفَرائِضِهِ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ كُلُّها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: إنَّ النّاسَ يَتَأوَّلُونَها عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِها، وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِكُمُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها العَزْمُ لِتَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُغْتَنِمِينَ بِالأحْكامِ المَذْكُورَةِ، أوِ احْذَرُوا الإخْلالَ بِما ذُكِرَ مِن أُمُورِ الحَجِّ ﴿واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ 203﴾ لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِكم بَعْدَ الإحْياءِ والبَعْثِ، وأصْلُ ( الحَشْرِ ) الجَمْعُ وضَمُّ المُفَرَّقِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى ومُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ بِهِ، فَإنَّ مَن عَلِمَ بِالحَشْرِ والمُحاسَبَةِ والجَزاءِ كانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّواعِي لَهُ إلى مُلازَمَةِ التَّقْوى، وقَدَّمَ إلَيْهِ لِلِاعْتِناءِ بِمَن يَكُونُ الحَشْرُ إلَيْهِ ولِتُواخِيَ الفَواصِلَ.

البقرة 2:204

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( ومِن النّاسِ مَن يَقُولُ ) والجامِعُ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا ساقَ بَيانَ أحْكامِ الحَجِّ إلى بَيانِ انْقِسامِ النّاسِ في الذِّكْرِ والدُّعاءِ في تِلْكَ المَناسِكِ إلى الكافِرِ والمُؤْمِنِ تَمَّمَهُ - سُبْحانَهُ - بِبَيانِ قِسْمَيْنِ آخَرَيْنِ ( المُنافِقِ والمُخْلِصِ ) وأصْلُ ( التَّعَجُّبِ ) حَيْرَةٌ تَعْرِضُ لِلْإنْسانِ لِجَهْلِهِ بِسَبَبِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ، وهو هُنا مَجازٌ عَمّا يَلْزَمُهُ مِنَ الرَّوْقِ والعَظَمَةِ، فَإنَّ الأمْرَ الغَرِيبَ المَجْهُولَ يَسْتَطْيِبُهُ الطَّبْعُ ويَعْظُمُ وقْعُهُ في القُلُوبِ، ولَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ لِعَدَمِ الجَهْلِ بِالسَّبَبِ - أعْنِي الفَصاحَةَ والحَلاوَةَ -؛ فالمَعْنى: ومِنهم مَن يَرُوقُكَ ويَعْظُمُ في نَفْسِكَ ما يَقُولُهُ. ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: في أُمُورِ الدُّنْيا وأسْبابِ المَعاشِ - سَواءٌ كانَتْ عائِدَةً إلَيْهِ أمْ لا - فالمُرادُ مِنَ الحَياةِ ما بِهِ الحَياةُ والتَّعَيُّشُ، صفحة 95 أوْ في مَعْنى ( الدُّنْيا ) فَإنَّها مُرادَةٌ مِنَ ادِّعاءِ المُحِبَّةِ وإظْهارِ الإيمانِ، ( فالحَياةُ الدُّنْيا ) عَلى مَعْناها، وجَعْلُهُ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ في عُنْوانِ المَباحِثِ الفَصْلُ الأوَّلُ في كَذا والكَلامُ في كَذا؛ أيِ: المَقْصُودُ مِنهُ ذَلِكَ، ولا حَذْفَ في شَيْءٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ عَلى ما وُهِمَ، وتَكُونُ الظَّرْفِيَّةُ حِينَئِذٍ تَقْدِيرِيَّةً، كَما في قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «فِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ”؛» أيْ: في قَتْلِها، فالسَّبَبُ الَّذِي هو القَتْلُ مُتَضَمِّنُ الدِّيَةِ تَضَمُّنَ الظَّرْفِ لِلْمَظْرُوفِ، وهَذِهِ هي الَّتِي يُقالُ لَها: إنَّها سَبَبِيَّةٌ كَذا في الرَّضِيِّ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُ المَجْرُورِ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ؛ أيْ: يُعْجِبُكَ في الدُّنْيا قَوْلُهُ لِفَصاحَتِهِ وطَراوَةِ ألْفاظِهِ، ولا يُعْجِبُكَ في الآخِرَةِ لِما يَعْتَرِيهِ مِنَ الدَّهْشَةِ واللُّكْنَةِ أوْ لِأنَّهُ يُؤْذَنُ لَهُ في الكَلامِ، فَلا يَتَكَلَّمُ حَتّى يُعْجِبَكَ، والآيَةُ كَما قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في «الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ الثَّقَفِيُّ حُلَيْفِ بْنِي زُهْرَةَ، أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – في المَدِينَةِ، فَأظْهَرَ لَهُ الإسْلامَ، وأعْجَبَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَلِكَ مِنهُ، وقالَ: إنَّما جِئْتُ أُرِيدُ الإسْلامَ، واللَّهُ - تَعالى - يَعْلَمُ إنِّي لَصادِقٌ، ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمَرَّ بِزَرْعٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وحُمْرٍ، فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وعَقَرَ الحُمْرَ». وقِيلَ: في المُنافِقِينَ كافَّةً ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أيْ: بِحَسَبِ ادِّعائِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ: يَعْلَمُ أنَّ ما قَلْبِي مُوافِقٌ لِما في لِسانِي، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُعْجِبُكَ﴾ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ، وقُرِئَ: ( ويَشْهَدُ اللَّهُ ) بِالرَّفْعِ، فالمُرادُ بِما في قَلْبِهِ ما فِيهِ حَقِيقَةً، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -، واللَّهُ يَشْهَدُ عَلى ما في قَلْبِهِ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ( عَلى ) لِكَوْنِ المَشْهُودِ بِهِ مُضِرًّا لَهُ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اعْتِراضِيَّةٌ. ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ 204﴾ أيْ: شَدِيدُ المُخاصَمَةِ في الباطِلِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ مُهَلْهَلٍ: إنَّ تَحْتَ الحِجارِ حَزْمًا وجُورًا وخَصِيمًا ألَدَّ ذا مِقْلاقِ فَألَدُّ صِفَةٌ كَأحْمَرَ، بِدَلِيلِ جَمْعِهِ عَلى ( لُدٍّ ) ومَجِيءِ مُؤَنَّثِهِ ( لَدِّاءُ ) لا أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، والإضافَةُ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى فاعِلِها كَحُسْنِ الوَجْهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، وجَعَلَها بَعْضُهم بِمَعْنى ( في ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ التَّقْدِيرِيَّةِ؛ أيْ شَدِيدٌ في المُخاصَمَةِ، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الخَلِيلِ: أنَّ ( ألَدَّ ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ وخِصامُهُ ألَدُّ الخِصامِ، أوْ ألَدُّ ذَوِي الخِصامِ، أوْ يُجْعَلُ وهو راجِعٌ إلى الخِصامِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ عَلى بُعْدٍ، أوْ يُقالُ الخِصامُ جَمْعُ خَصْمٍ كَبَحْرٍ وبِحارٍ وصَعْبٍ وصِعابٍ، فالمَعْنى أشَدُّ الخُصُومِ خُصُومَةً، والإضافَةُ فِيهِ لِلِاخْتِصاصِ، كَما في أحْسَنِ النّاسِ وجْهًا، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ شِدَّةَ المُخاصَمَةِ مَذْمُومَةٌ، وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“أبْغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ - تَعالى - الألَدُّ الخَصْمِ» وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: ”كَفى بِرَبِّكَ إثْمًا أنْ لا تَزالَ مُمارِيًا، وكَفى بِكَ ظالِمًا أنْ لا تَزالَ مُخاصِمًا، وكَفى بِكَ كاذِبًا أنْ لا تَزالَ مُحَدِّثًا إلّا حَدِيثٌ في ذاتِ اللَّهِ – عَزَّ وجَلَّ –“ وشِدَّةُ الخُصُومَةِ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم يُحِبُّونَ الدُّنْيا فَيُكْثِرُونَ الخِصامَ عَلَيْها.

البقرة 2:205

﴿وإذا تَوَلّى﴾ أيْ: أدْبَرَ وأعْرَضَ قالَهُ الحَسَنُ، أوْ إذا غَلَبَ وصارَ والِيًا، قالَهُ الضَّحِّاكُ. ﴿سَعى﴾ أيْ: أسْرَعَ في المَشْيِ أوْ عَمِلَ ﴿فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ ما أمْكَنَهُ. ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ كَما فَعَلَهُ الأخْنَسُ، أوْ كَما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ بِالقَتْلِ والإتْلافِ، أوْ بِالظُّلْمِ الَّذِي يَمْنَعُ اللَّهُ - تَعالى - بِشُؤْمِهِ القَطْرَ، والحَرْث الزَّرْعُ والنَّسْل كُلُّ ذاتِ رُوحٍ يُقالُ يَنْسِلُ نُسُولًا إذا خَرَجَ فَسَقَطَ، ومِنهُ نَسَلَ وبَرَ البَعِيرِ أوْ رِيشَ الطّائِرِ، وسُمِّيَ العَقِبُ مِنَ الوَلَدِ نَسْلًا لِخُرُوجِهِ مِن ظَهْرِ أبِيهِ وبَطْنِ أُمِّهِ، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ صفحة 96 أنَّ الحَرْثَ هُنا النِّساءُ والنَّسْل الأوْلادُ، وعَنِ الصّادِقِ: أنَّ الحَرْثَ في هَذا المَوْضِعِ الدِّينُ والنَّسْلَ النّاسُ، وقُرِئَ: ( ويَهْلِكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ ) عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْحَرْثِ والنَّسْلِ، والرَّفْعُ لِلْعَطْفِ عَلى سَعى وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ اللّامِ، وهي لُغَةُ: أبى يَأْبى، ورُوِيَ عَنْهُ: ( ويُهْلَكُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ 205﴾ لا يَرْضى بِهِ، فاحْذَرُوا غَضَبَهُ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لِلْوَعِيدِ، واكْتَفى فِيها عَلى ( الفَسادِ ) لِانْطِوائِهِ عَلى الثّانِي؛ لِكَوْنِهِ مِن عِطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ، ولا يَرِدُ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - مُفْسِدٌ لِلْأشْياءِ قَبْلَ الإفْسادِ، فَكَيْفَ حَكَمَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: الإفْسادُ - كَما قِيلَ في الحَقِيقَةِ - إخْراجُ الشَّيْءِ عَنْ حالَةٍ مَحْمُودَةٍ، لا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في فِعْلِهِ - تَعالى - ولا هو آمِرٌ بِهِ، وما نَراهُ مِن فِعْلِهِ جَلَّ وعَلا إفْسادًا فَهو بِالإضافَةِ إلَيْنا، وأمّا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ – تَعالى - فَكُلُّهُ صَلاحٌ، وأمّا أمْرُهُ بِإهْلاكِ الحَيَوانِ مَثَلًا لِأكْلِهِ فَلِإصْلاحِ الإنْسانِ الَّذِي هو زُبْدَةُ هَذا العالَمِ، وأمّا إماتَتُهُ فَأحَدُ أسْبابِ حَياتِهِ الأبَدِيَّةِ ورُجُوعِهِ إلى وطَنِهِ الأصْلِيِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما عَسى أنْ تَحْتاجَهُ هُنا.

البقرة 2:206

﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ في فِعْلِكَ ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ﴾ أيِ: احْتَوَتْ عَلَيْهِ وأحاطَتْ بِهِ، وصارَ كالمَأْخُوذِ بِها، والعِزَّة في الأصْلِ خِلافُ الذُّلِّ، وأُرِيدَ بِها الأنَفَةُ والحَمِيَّةُ مَجازًا، ﴿بِالإثْمِ﴾ أيْ: مَصْحُوبًا أوْ مَصْحُوبَةً بِهِ، أوْ بِسَبَبِ إثْمِهِ السّابِقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أخَذَ ) مِنَ الأخْذِ بِمَعْنى الأسْرِ، ومِنهُ الأخِيذُ لِلْأسِيرِ؛ أيْ: جَعَلَتْهُ ( العِزَّةُ ) وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ أسِيرًا بِقَيْدِ الإثْمِ لا يَتَخَلَّصُ مِنهُ، ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ؛ أيْ: كافِيهِ جَهَنَّمُ، وقِيلَ: جَهَنَّمُ فاعِلٌ لِـ حَسِبَهُ سادَّ مَسَدَّ خَبَرِهِ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ وقَوِيَ لِاعْتِمادِهِ عَلى ( الفاءِ ) الرّابِطَةِ لِلْجُمْلَةِ بِما قَبْلَها، وقِيلَ: ( حَسْبُ ) اسْمُ فِعْلٍ ماضٍ بِمَعْنى ( كَفى ) وفِيهِ نَظَرٌ، وجَهَنَّم عَلَمٌ لِدارِ العِقابِ أوْ لِطَبَقَةٍ مِن طَبَقاتِها مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، وهي مِنَ المُلْحَقِ بِالخُماسِيِّ بِزِيادَةِ الحَرْفِ الثّالِثِ ووَزْنُهُ فَعَنْلَلُ، وفي البَحْرِ إنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن قَوْلِهِمْ: رَكِيَّةٌ جِهْنامٌ - إذا كانَتْ بَعِيدَةَ القَعْرِ - وكِلاهُما مِنَ الجَهْمِ، وهي الكَراهِيَةُ والغِلَظُ، ووَزْنُها فَعَنْلُ، ولا يُلْتَفَتُ لِمَن قالَ: وزَنُها فَعَنْلَلُ كَعَرَنْدَسِ، وأنَّ فَعَنْلا مَفْقُودٌ لِوُجُودِ فَعَنْلٍ نَحْوَ دُونَكَ وخِفْنَكَ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: إنَّها فارِسِيٌّ، وأصْلُها كَهِنامَ فَعُرِّبَتْ - بِإبْدالِ الكافِ جِيمًا وإسْقاطِ الألِفِ - والمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ حِينَئِذٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ 206﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ وتَعَيُّنِهِ، والمِهاد الفِراشُ، وقِيلَ: ما يُوطِئُ لِلْجَنْبِ، والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلتَّهَكُّمِ، وفي الآيَةِ ذَمٌّ لِمَن يَغْضَبُ إذا قِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ ولِهَذا قالَ العُلَماءُ: إذا قالَ الخَصْمُ لِلْقاضِيَ: اعْدِلْ ونَحْوَهُ لَهُ أنْ يُعَزِّرَهُ، وإذا قالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ لا يُعَزِّرُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ”إنَّ مِن أكْبَرِ الذَّنْبِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِأخِيهِ: اتَّقِ اللَّهَ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ“.

البقرة 2:207

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أيْ: يَبِيعُها بِبَذْلِها في الجِهادِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في سَرِيَّةِ الرَّجِيعِ، أوْ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي الخَلِيلِ، قالَ: سَمِعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إنْسانًا يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فاسْتَرْجَعَ، وقالَ: قامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلَ. ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَلَبًا لِرِضاهُ، فَـ ابتغاء مَفْعُولٌ لَهُ، ومَرِضات مَصْدَرٌ بُنِيَ - كَما في البَحْرِ - عَلى التّاءِ كَمَدْعاةٍ، والقِياسُ تَجْرِيدُهُ مِنها، وكُتِبَ في المُصْحَفِ بِالتّاءِ، ووَقَفَ عَلَيْهِ بِالتّاءِ والهاءِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، صفحة 97 فَقَدْ أخْرَجَ جَماعَةٌ «أنَّ صُهَيْبًا أقْبَلَ مُهاجِرًا نَحْوَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَنْ راحِلَتِهِ، ونَثَرَ ما في كِنانَتِهِ، وأخَذَ قَوْسَهُ، ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي مِن أرْماكم رَجُلًا، وايْمُ اللَّهِ لا تَصِلُونَ إلَيَّ حَتّى أرْمِيَ بِما في كِنانَتِي، ثُمَّ أضْرَبَ بِسَيْفِي ما بَقِيَ في يَدِي مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ افْعَلُوا ما شِئْتُمْ، فَقالُوا: دُلَّنا عَلى بَيْتِكَ ومالِكَ بِمَكَّةَ ونُخْلِي عَنْكَ، وعاهَدُوهُ إنْ دَلَّهم أنْ يَدَعُوهُ فَفَعَلَ، فَلَمّا قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ”أبا يَحْيى، رَبِحَ البَيْعُ رَبِحَ البَيْعُ“ وتَلا لَهُ الآيَةَ». وعَلى هَذا يَكُونُ الشِّراءُ عَلى ظاهِرِهِ بِمَعْنى الِاشْتِراءِ. وفِي الكَواشِي أنَّها نَزَلَتْ في الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ وصاحِبِهِ المِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ لَمّا «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”مَن يُنْزِلْ خُبَيْبًا عَنْ خَشَبَتِهِ فَلَهُ الجَنَّةُ“، فَقالَ: أنا وصاحِبِي المِقْدادُ، وكانَ خُبَيْبٌ قَدْ صَلَبَهُ أهْلُ مَكَّةَ». وقالَ الإمامِيَّةُ وبَعْضٌ مِنّا: إنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - حِينَ اسْتَخْلَفَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى فِراشِهِ بِمَكَّةَ لَمّا خَرَجَ إلى الغارِ، وعَلى هَذا يُرْتَكَبُ في الشِّراءِ مِثْلُ ما ارْتُكِبَ أوَّلًا ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ 207﴾ أيِ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ أرْشَدَهم لِما فِيهِ رِضاهُ، وجَعَلَ النَّعِيمَ الدّائِمَ جَزاءَ العَمَلِ المُنْقَطِعِ، وأثابَ عَلى شِراءِ مِلْكِهِ بِمِلْكِهِ.

البقرة 2:208

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -وآمَنُوا بِشَرائِعِهِ وشَرائِعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَعَظَّمُوا السَّبْتَ وكَرِهُوا لَحْمانَ الإبِلِ وألْبانِها بَعْدَ ما أسْلَمُوا، فَأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ، فَقالُوا: إنّا نَقْوى عَلى هَذا وهَذا، وقالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: إنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ - تَعالى - فَدَعْنا فَلْنَعْمَلْ بِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - هَذِهِ الآيَةَ،» فالخِطابُ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، والسُّلَّم بِمَعْنى الإسْلامِ، وكافَّة في الأصْلِ صِفَةٌ مِن كَفَّ بِمَعْنى مَنَعَ، اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى الجُمْلَةِ بِعَلاقَةِ أنَّها مانِعَةً لِلْأجْزاءِ عَنِ التَّفَرُّقِ، والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ أوْ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ كَعامَّةٍ وخاصَّةٍ وقاطِبَةٍ أوْ لِلْمُبالَغَةِ، واخْتارَ الطِّيبِيُّ الأوَّلَ مُدَّعِيًا أنَّ القَوْلَ بِالأخِيرَيْنِ خُرُوجٌ عَنِ الأصْلِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، والشُّمُولُ المُسْتَفادُ مِنهُ شُمُولُ الكُلِّ لِلْأجْزاءِ لا الكُلِّيِّ لِجُزْئِيّاتِهِ ولا الأعَمِّ مِنهُما، ولا يَخْتَصُّ بِمَن يَعْقِلُ، ولا بِكَوْنِهِ حالًا ولا نَكِرَةً خِلافًا لِابْنِ هِشامٍ - ولَيْسَ لَهُ في ذَلِكَ ثَبْتٌ - وهو هُنا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( ادْخَلُوا ) والمَعْنى ادْخُلُوا في الإسْلامِ بِكُلِّيَّتِكُمْ، ولا تَدَعُوا شَيْئًا مِن ظاهِرِكم وباطِنِكم إلّا والإسْلامُ يَسْتَوْعِبُهُ، بِحَيْثُ لا يَبْقى مَكانٌ لِغَيْرِهِ مِن شَرِيعَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ، والسِّلْم بِمَعْنى الِاسْتِسْلامِ والطّاعَةِ عَلى ما هو الأصْلُ فِيهِ، وكافَّة حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْضًا؛ أيِ: اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ - تَعالى - وأطِيعُوهُ جُمْلَةً واتْرُكُوا النِّفاقَ وآمِنُوا ظاهِرًا وباطِنًا، وقِيلَ: الخِطابُ لِكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ زَعَمُوا الإيمانَ بِشَرِيعَتِهِمْ، والمُرادُ مِنَ السِّلْمِ جَمِيعُ الشَّرائِعِ بِذِكْرِ الخاصِّ وإرادَةِ العامِّ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ الإسْلامَ شَرِيعَةُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وحَمْلُ ( اللّامِ ) عَلى الِاسْتِغْراقِ، وكافَّة حالٌ مِنَ السُّلَّمِ والمَعْنى: ادْخُلُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِشَرِيعَةٍ واحِدَةٍ في الشَّرائِعِ كُلِّها، ولا تُفَرِّقُوا بَيْنَها، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ الخُلَّصِ، والمُرادُ مِنَ السُّلَّمِ شُعَبُ الإسْلامِ، وكافَّة حالٌ مِنهُ، والمَعْنى: ادْخَلُوا أيُّها المُسْلِمُونَ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في شُعَبِ الإيمانِ كُلِّها، ولا تَخَلَّوْا بِشَيْءٍ مِن أحْكامِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ في هَذا الوَجْهِ: المُرادُ مِنَ ( السِّلْمِ ) الإسْلامُ، والمَقْصُودُ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ، وفِيهِ: أنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ بِالدُّخُولِ فِيهِ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، وهَذا ما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن سِتَّةَ عَشَرَ احْتِمالًا في الآيَةِ حاصِلَةٌ مِن ضَرْبِ صفحة 98 احْتِمالَيِ السُّلَّم في احْتِمالَيْ كافَّة وضَرْبِ المَجْمُوعِ في احْتِمالاتِ الخِطابِ، ومَبْنى ذَلِكَ عَلى أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ كافَّةً لِإحاطَةِ الأجْزاءِ، والثّانِي أنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ في الكَلامِ القَيْدُ كَما هو المُقَرَّرُ عِنْدَ البُلَغاءِ، ونَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ، وإذا اعْتُبِرَتِ احْتِمالُ الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ والظّاهِرِ مَعًا، كَما في قَوْلِهِ: خَرَجْتُ بِها نَمْشِي تَجُرُّ وراءَنا عَلى أثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ بَلَغَتْ الِاحْتِمالاتُ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ، ولا يَخْفى ما هو الأوْفَقُ مِنها بِسَبَبِ النُّزُولِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ: ( السَّلْمِ ) بِفَتْحِ السِّينِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ. ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ بِمُخالَفَةِ ما أُمِرْتُمْ بِهِ، أوْ بِالتَّفَرُّقِ في جُمْلَتِكُمْ، أوْ بِالتَّفْرِيقِ بِالشَّرائِعِ أوِ الشُّعَبِ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ 208﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ أوْ مَظْهَرٌ لَها، وهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ والِانْتِهاءِ.

البقرة 2:209

﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ أيْ: مِلْتُمْ عَنِ الدُّخُولِ ﴿فِي السِّلْمِ﴾ وتَنَحَّيْتُمْ، وأصْلُهُ السُّقُوطُ، وأُرِيدَ بِهِ ما ذُكِرَ مَجازًا. ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الحُجَجُ الظّاهِرَةُ عَلى أنَّهُ الحَقُّ، أوْ آياتُ الكِتابِ النّاطِقَةُ بِذَلِكَ المُوجِبَةُ لِلدُّخُولِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنَ الِانْتِقامِ مِنكم. ﴿حَكِيمٌ 209﴾ لا يَتْرُكُ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن مُؤاخَذَةِ المُجْرِمِينَ.

البقرة 2:210

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى النَّفْيِ، والضَّمِيرُ لِلْمَوْصُولِ السّابِقِ إنْ أُرِيدَ بِهِ المُنافِقُونَ أوْ أهْلُ الكِتابِ، أوْ إلى مَن يُعْجِبُك إنْ أُرِيدَ بِهِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ أوِ المُسْلِمُونَ. ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بِالمَعْنى اللّائِقِ بِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - مُنَزَّهًا عَنْ مُشابَهَةِ المُحْدَثاتِ والتَّقَيُّدِ بِصِفاتِ المُمْكِناتِ. ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جَمْعُ ظُلَّةٍ كَقُلَّةٍ وكَقُلَلٍ، وهي ما أظَلَّكَ، وقُرِئَ ظِلالٌ كَقِلالٍ. ﴿مِنَ الغَمامِ﴾ أيِ: السَّحابِ أوِ الأبْيَضِ مِنهُ. ﴿والمَلائِكَةُ﴾ يَأْتُونَ، وقُرِئَ: ( والمَلائِكَةِ ) بِالجَرِّ عَطْفٌ عَلى ظُلَلٍ أوِ الغَمامِ؛ والمُرادُ مَعَ المَلائِكَةِ. أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”يَجْمَعُ اللَّهُ - تَعالى - الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قِيامًا، شاخِصَةً أبْصارُهم إلى السَّماءِ، يَنْظُرُونَ فَصْلَ القَضاءِ، ويَنْزِلُ اللَّهُ - تَعالى - في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ مِنَ العَرْشِ إلى الكُرْسِيِّ“». وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: يَهْبِطُ حِينَ يَهْبِطُ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ سَبْعُونَ ألْفَ حِجابٍ، مِنها النُّورُ والظُّلْمَةُ والماءُ، فَيُصَوِّتُ الماءُ في تِلْكَ العَظَمَةِ صَوْتًا تَنْخَلِعُ لَهُ القُلُوبُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: أنَّ مِنَ الغَمامِ ظُلَلًا، يَأْتِي اللَّهُ - تَعالى - فِيها مَحْفُوفاتٍ بِالمَلائِكَةِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: ( إلّا أنَّ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ في ظُلَلٍ ) ومِنَ النّاسِ مَن قَدَّرَ في أمْثالِ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ مَحْذُوفًا، فَقالَ: في الآيَةِ الإسْنادُ مَجازِيٌّ، والمُرادُ يَأْتِيهِمْ أمْرُ اللَّهِ - تَعالى - وبَأْسُهُ أوْ حَقِيقِيٌّ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: يَأْتِيهِمُ اللَّهُ - تَعالى - بِبَأْسِهِ، وحُذِفَ المَأْتِيُّ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنْ اللَّهَ عَزِيز حَكِيم ) فَإنَّ العِزَّةَ والحِكْمَةَ تَدُلُّ عَلى الِانْتِقامِ بِحَقٍّ، وهو البَأْسُ والعَذابُ، وذَكَرَ المَلائِكَةَ؛ لِأنَّهُمُ الواسِطَةُ في إتْيانِ أمْرِهِ أوِ الآتُونَ عَلى الحَقِيقَةِ، ويَكُونُ ذِكْرُ اللَّهِ – تَعالى - حِينَئِذٍ تَمْهِيدًا لِذِكْرِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى وجْهٍ، وخُصَّ الغَمامُ بِمَحَلِّيَّةِ العَذابِ؛ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ، فَإذا جاءَ مِنهُ العَذابُ كانَ أفْظَعَ؛ لِأنَّ الشَّرَّ إذا جاءَ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ كانَ أصْعَبَ، فَكَيْفَ إذا جاءَ مِن حَيْثُ يُحْتَسَبُ الخَيْرُ، ولا يَخْفى أنَّ مَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - أنْ يَظْهَرَ بِما شاءَ وكَيْفَ شاءَ ومَتى شاءَ، وأنَّهُ في حالِ ظُهُورِهِ باقٍ عَلى إطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّقَيُّدِ مُبَرَّأٌ عَنِ التَّعَدُّدِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ وأرْبابُ القُلُوبِ صفحة 99 مِن ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم - لَمْ يَحْتَجْ إلى هَذِهِ الكُلْفاتِ، ولَمْ يَحُمْ حَوْلَ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: أُتِمَّ أمْرُ العِبادِ وحِسابُهُمْ، فَأُثِيبَ الطّائِعُ وعُوقِبَ العاصِي، وأتَمَّ أمْرَ إهْلاكِهِمْ وفَرَغَ مِنهُ، وهو عَطْفٌ عَلى ( هَلْ يَنْظُرُونَ )؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ مَعْنًى ووُضِعَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِدُنُوِّ وتَيَقُّنِ وُقُوعِهِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: ( وقَضاءُ الأمْرِ ) عَطْفًا عَلى المَلائِكَةِ. ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ 120﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّأْكِيدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإلى اللَّهِ تَرْجِعُ الأُمُورُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الحِسابُ أوِ الإهْلاكُ، وعَلى قِراءَةِ مُعاذٍ عَطْفٌ عَلى ( هَلْ يَنْظُرُونَ ) أيْ: لا يَنْظُرُونَ إلّا الإتْيانَ، وأمْرُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى -، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ: ( تُرْجَعُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، عَلى أنَّهُ مِنَ الرَّجْعِ، وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِالتَّأْنِيثِ غَيْرُ يَعْقُوبَ عَلى أنَّهُ مِنَ الرُّجُوعِ، وقُرِئَ أيْضًا بِالتَّذْكِيرِ وبِناءِ المَفْعُولِ.

البقرة 2:211

﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ –صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما هو الأصْلُ في الخِطابِ أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنهُ السُّؤالُ، والمُرادُ بِهَذا السُّؤالِ تَقْرِيعُهم وتَوْبِيخُهم عَلى طُغْيانِهِمْ وجُحُودِهِمُ الحَقَّ بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ لا أنْ يُجِيبُوا فَيُعْلَمُ مِن جَوابِهِمْ كَما إذا أرادَ واحِدٌ مِنّا تَوْبِيخَ أحَدٍ يَقُولُ لِمَن حَضَرَ: سَلْهُ كَمْ أنْعَمْتُ عَلَيْهِ، ورَبْطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلى ما قِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في ( هَلْ يَنْظُرُونَ ) إنْ كانَ لِأهْلِ الكِتابِ فَهي كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ لِمَن يُعْجِبُك فَهي بَيانٌ لِحالِ المُعانِدِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ بَيانِ حالِ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ، ﴿كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: عَلامَةٍ ظاهِرَةٍ، وهي المُعْجِزاتُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ، وتَخْصِيصُ إيتاءِ المُعْجِزاتِ بِأهْلِ الكِتابِ مَعَ عُمُومِهِ لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهم أعْلَمُ مِن غَيْرِهِمْ بِالمُعْجِزاتِ وكَيْفِيَّةِ دَلالَتِها عَلى الصِّدْقِ؛ لِعِلْمِهِمْ بِمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ السّابِقَةِ، وقَدْ يُرادُ بِالآيَةِ مَعْناها المُتَعارَفُ، وهو طائِفَةٌ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ، وبَيِّنَةٌ مِن بانَ المُتَعَدِّي، فالسُّؤالُ عَلى إيتاءِ الآياتِ المُتَضَمِّنَةُ لِنَعْتِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَحْقِيقِ نُبُوَّتِهِ والتَّصْدِيقِ بِما جاءَ بِهِ. و(كَمْ) إمّا خَبَرِيَّةٌ والمَسْؤُولُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مَبْنِيَّةٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ التَّقْرِيعَ، كَأنَّهُ قِيلَ: سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ طُغْيانِهِمْ وجُحُودِهِمْ لِلْحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ فَقَدْ آتيناهم آياتٍ كَثِيرَةً بَيِّنَةً، وزَعَمَ لُزُومَ انْقِطاعِ الجُمْلَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وهم كَما تَرى، وإمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ سَلْ وقِيلَ: في مَوْضِعِ المَصْدَرِ؛ أيْ: سَلْهم هَذا السُّؤالَ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: سَلْهم قائِلًا كم آتَيْناهُمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ بِمَعْنى حَمْلِ المُخاطَبِ عَلى الإقْرارِ، وقِيلَ: بِمَعْنى التَّحْقِيقِ والتَّثْبِيتِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَعْنى التَّقْرِيعِ الِاسْتِنْكارُ والِاسْتِبْعادُ، وهو لا يُجامِعُ التَّحْقِيقَ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّقْرِيعَ إنَّما هو عَلى جُحُودِهِمُ الحَقَّ وإنْكارِهِ المُجامِعَ لِإيتاءِ الآياتِ لا عَلى الإيتاءِ حَتّى يُفارِقَهُ، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ آتينا ولَيْسَ مِنَ الِاشْتِغالِ كَما وُهِمَ، أوِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ عَلى حَذْفِ العائِدِ، والتَّقْدِيرُ: ( آتَيْناهُمُوما ) أوْ ( آتَيْناهم إيّاها )، وهو ضَعِيفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وآيَة تَمْيِيزٌ، ومَن صِلَةٌ أُتِيَ بِها لِلْفَصْلِ بَيْنَ كَوْنِ آيَة مَفْعُولا لِـ ( آتَيْنا ) وكَوْنُها مُمَيِّزَةً لِـ كَمْ ويَجِبُ الإتْيانُ بِها في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، فَقَدْ قالَ الرَّضِيُّ: وإذا كانَ الفَصْلُ بَيْنَ كَمِ الخَبَرِيَّةِ ومُمَيِّزِها بِفِعْلٍ مُتَعَدٍّ وجَبَ الإتْيانُ بِمَن؛ لِئَلّا يَلْتَبِسَ المُمَيَّزُ بِمَفْعُولِ ذَلِكَ المُتَعَدِّي، نَحْوَ ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ﴾ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ وحالُ ( كَمْ ) الِاسْتِفْهامِيَّةِ المَجْرُورُ مُمَيِّزُها مَعَ الفَصْلِ كَحالِ ( كَمِ ) الخَبَرِيَّةِ في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا انْتَهى، وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ أنْكَرَ زِيادَةَ ( مِن ) في مُمَيِّزِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وهو مَحْمُولٌ عَلى الزِّيادَةِ بِلا فَصْلٍ لا مُطْلَقًا، فَلا تَنافِي بَيْنَ كَلامَيْهِ، ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: آياتِهِ، فَإنَّها سَبَبُ الهُدى الَّذِي هو أجَلُّ النِّعَمِ، وفِيهِ وُضِعَ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بِغَيْرِ لَفْظِهِ السّابِقِ لِتَعْظِيمِ الآياتِ، وتَبْدِيلُها تَحْرِيفُها وتَأْوِيلُها الزّائِغُ، أوْ جَعْلُها سَبَبًا لِلضَّلالَةِ وازْدِيادِ صفحة 100 الرِّجْسِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا حَذْفَ في الآيَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِن ( نِعْمَة ) والمَفْعُولُ الثّانِي لِـ يُبَدَّلُ والتَّقْدِيرُ: ومَن يُبَدِّلْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ تَرْتِيبُ جَوابِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ: ( ومَن يُبْدِلْ ) بِالتَّخْفِيفِ، ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ أيْ: وصَلَتْهُ وتَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِها، وفائِدَةُ هَذِهِ الزِّيادَةِ، وإنْ كانَ تَبْدِيلُ الآياتِ مُطْلَقًا مَذْمُومًا، التَّعْرِيضَ بِأنَّهم بَدَّلُوها بَعْدَ ما عَقَلُوها، وفِيهِ تَقْبِيحٌ عَظِيمٌ لَهُمْ، ونَعْيٌ عَلى شَناعَةِ حالِهِمْ، واسْتِدْلالٌ عَلى اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الشَّدِيدَ؛ حَيْثُ بَدَّلُوا بَعْدَ المَعْرِفَةِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما يَتَراءى مِن أنَّ التَّبْدِيلَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ المَجِيءِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِهِ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ 211﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ أُقِيمَ مَقامَهُ، والتَّقْدِيرُ: ومَن يُبَدِّلُ نِعْمَةَ اللَّهِ عاقَبَهُ أشَدَّ عُقُوبَةٍ؛ لِأنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو الجَوابُ بِتَقْدِيرِ الضَّمِيرِ؛ أيْ: شَدِيدُ العِقابِ لَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.

البقرة 2:212

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: أُوجِدَتْ حَسَنَةً وجُعِلَتْ مَحْبُوبَةً في قُلُوبِهِمْ، فَتَهافَتُوا عَلَيْها تَهافُتَ الفِراشِ عَلى النّارِ، وأعْرَضُوا عَمّا سِواها، ولِذا أعْرَضَ أهْلُ الكِتابِ عَنِ الآياتِ وبَدَّلُوها، وفاعِلُ التَّزْيِينِ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةً هو اللَّهُ - تَعالى -، وإنْ فُسِّرَ بِالتَّحْسِينِ بِالقَوْلِ ونَحْوِهِ مِنَ الوَسْوَسَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ كانَ فاعِلُ ذَلِكَ هو الشَّيْطانُ، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِمَعْنَيَيْنِ، والتَّزْيِينُ حَقِيقَةً فِيهِما عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ. ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المَوْصُولُ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ كَصُهَيْبٍ وبِلالٍ وعَمّارٍ؛ أيْ: يَسْتَهْزِءُونَ بِهِمْ عَلى رَفْضِهِمُ الدُّنْيا وإقْبالِهِمْ عَلى العُقْبى، ومَن لِلتَّعْدِيَةِ، وتُفِيدُ مَعْنى الِابْتِداءِ، كَأنَّهم جَعَلُوا لِفَقْرِهِمْ ورَثاثَةِ حالِهِمْ مَنشَأً لِلسُّخْرِيَةِ، وقَدْ يُعَدّى السَّخْرُ بِالباءِ، إلّا أنَّها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، والعَطْفُ عَلى زَيْن وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، ( ويُسَخِّرُونَ ) خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: وهم يَسْخَرُونَ، والآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، بُسِطَتْ لَهُمُ الدُّنْيا، وكانُوا يَسْخَرُونَ مِن فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَبِيًّا لاتَّبَعَهُ أشْرافُنا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقِيلَ: نَزَلَتْ في ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وقِيلَ: في رُؤَساءِ اليَهُودِ، ومِن بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وقَيْنُقاعَ، سَخِرُوا مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ. وعَنْ عَطاءٍ: لا مانِعَ مِن نُزُولِها في جَمِيعِهِمْ. ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِعَيْنِهِمْ، وآثَرَ التَّعْبِيرَ بِهِ مَدْحًا لَهم بِالتَّقْوى وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ العُمُومُ، ويَدْخُلُ هَؤُلاءِ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ مَكانًا؛ لِأنَّهم في عِلِّيِّينَ، وأُولَئِكَ في أسْفَلِ السّافِلِينَ، أوْ مَكانَةً؛ لِأنَّهم في أوْجِ الكَرامَةِ، وهم في حَضِيضِ الذُّلِّ والمَهانَةِ، أوْ لِأنَّهم يَتَطاوَلُونَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ، فَيَسْخَرُونَ مِنهم كَما سَخِرُوا مِنهم في الدُّنْيا، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ مَضْمُونِها، وفي ذَلِكَ مِن تَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى، ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ﴾ في الآخِرَةِ ﴿مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ 212﴾ أيْ: بِلا نِهايَةٍ لِما يُعْطِيهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: هَذا الرِّزْقُ في الدُّنْيا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَمَلُّكِ المُؤْمِنِينَ المُسْتَهْزَأِ بِهِمْ أمْوالَ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في الدّارَيْنِ، فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِكِلا الحُكْمَيْنِ.

البقرة 2:213

﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُتَّفِقِينَ عَلى التَّوْحِيدِ مُقِرِّينَ بِالعُبُودِيَّةِ حِينَ أخَذَ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْهِمُ العَهْدَ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أوْ بَيْنَ آدَمَ وإدْرِيسَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -، بِناءً عَلى ما في رَوْضَةِ الأحْبابِ، أنَّ النّاسَ في زَمانِ آدَمَ كانُوا مُوَحِّدِينَ مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِ، بِحَيْثُ يُصافِحُونَ المَلائِكَةَ، إلّا قَلِيلٌ مِن قابِيلٍ ومُتابِعِيهِ إلى زَمَنِ رَفْعِ إدْرِيسَ، أوْ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى ما رَوى البَزّارُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - صفحة 101 أنَّهُ كانَ بَيْنَهُما عَشَرَةُ قُرُونٍ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ، أوْ بَعْدَ الطُّوفانِ؛ إذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ سِوى ثَمانِينَ رَجُلًا وامْرَأةٍ ثُمَّ ماتُوا إلّا نُوحًا وبَنِيهِ حامَ وسامَ ويافِثَ وأزْواجَهُمْ، وكانُوا كُلُّهم عَلى دِينِ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فالِاسْتِغْراقُ عَلى الأوَّلِ والأخِيرِ حَقِيقِيٌّ، وعَلى الثّانِي والثّالِثِ ادْعائِيٌّ بِجَعْلِ القَلِيلِ في حُكْمِ العَدَمِ، وقِيلَ: مُتَّفِقِينَ عَلى الجَهالَةِ والكُفْرِ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، أنَّهم كانُوا كُفّارًا، وذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى أنْ بُعِثَ نُوحٌ، أوْ بَعْدَ مَوْتِ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى أنْ بُعِثَ هُودٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ أيْ: فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ .... إلَخْ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، وإنَّما حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى ما يُذْكَرُ عَقِبَهُ. ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ مَن آمَنَ بِالثَّوابِ. ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ مَن كَفَرَ بِالعَذابِ - وهم كَثِيرُونَ -، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ «عَنْ أبِي ذَرٍّ، أنَّهُ سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: كَمِ الأنْبِياءُ؟ قالَ: ”مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا“، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ؟ قالَ: ”ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ جَمٌّ غَفِيرٌ“» ولا يُعارِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ﴾ الآيَةَ، لِما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى -، والجَمْعانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ مِنَ النَّبِيِّينَ، والظّاهِرُ أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، والقَوْلُ بِأنَّها حالٌ مُقارِنَةٌ خِلافَ الظّاهِرِ. ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ اللّامُ لِلْجِنْسِ، ومَعَهم حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ (الكِتابِ) فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ولَيْسَ مَنصُوبًا بِـ(أنْزَلَ)، والمَعْنى: أنْزَلَ جِنْسَ الكِتابِ مُقَدِّرًا مُقارَنَتَهُ ومُصاحَبَتَهُ لِلنَّبِيِّينَ؛ حَيْثُ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَأْخُذُ الأحْكامَ إمّا مِن كِتابٍ يَخُصُّهُ أوْ مِن كِتابٍ مِن قَبْلِهِ، والكُتُبُ المُنَزَّلَةُ مِائَةٌ وأرْبَعَةٌ في المَشْهُورِ؛ أُنْزِلَ عَلى آدَمَ عَشْرُ صَحائِفَ، وعَلى شِيثَ ثَلاثُونَ، وعَلى إدْرِيسَ خَمْسُونَ، وعَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشَرَةٌ، والتَّوْراةُ، والإنْجِيلُ، والزَّبُورُ، والفُرْقانُ، وجُوِّزَ كَوْنُ (اللّامِ) لِلْعَهْدِ وضَمِيرِ (مَعَهُمْ) لِلنَّبِيِّينَ بِاعْتِبارِ البَعْضِ؛ أيْ: أنْزَلَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِن بَعْضِ النَّبِيِّينَ كِتابَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الرِّكَّةِ. ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ أنْزَلَ أوْ حالٌ مِنَ الكِتابَ أيْ: مُتَلَبِّسًا شاهِدًا بِهِ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ عِلَّةٌ لِلْإنْزالِ المَذْكُورِ أوَّلَهُ ولِلْبَعْثِ، وهَذا البَعْثُ المُعَلَّلُ هو المُتَأخِّرُ عَنِ الِاخْتِلافِ، فَلا يَضُرُّ تَقَدُّمُ بِعْثَةِ آدَمَ وشِيثَ وإدْرِيسَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِناءً عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ السّابِقَةِ، و(الحُكْمُ) بِمَعْنى الفَصْلِ بِقَرِينَةٍ تَعَلَّقَ (بَيْنَ) بِهِ، ولَوْ كانَ بِمَعْنى (القَضاءِ) لَتَعَدّى بِـ ( عَلى )، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الجَحْدَرَيِّ فِيما رَواهُ عَنْهُ مَكِّيُّ ( لِنَحْكُمَ ) بِنُونِ العَظَمَةِ أوْ إلى النَّبِيِّ وأفْرَدَ الفِعْلَ؛ لِأنَّ الحاكِمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ النَّبِيِّينَ، وجَوَّزَ رُجُوعَهُ إلى (الكِتابِ) والإسْنادُ حِينَئِذٍ مَجازِيٌّ بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ ما بِهِ الفَصْلُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ الأظْهَرُ؛ إذْ لا بُدَّ في عَوْدِهِ إلى اللَّهِ - تَعالى - مَن تُكَلِّفٍ في المَعْنى؛ أيْ: يَظْهَرُ حُكْمُهُ، وإلى النَّبِيِّ مَن تَكَلُّفٍ في اللَّفْظِ؛ حَيْثُ لَمَّ يُقِلُّ (لِيَحْكُمُوا)، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ ما فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ المَذْكُورُونَ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ. ﴿فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: في الحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ بِناءً عَلى أنَّ وحْدَةَ الأُمَّةِ بِالِاتِّفاقِ عَلى الحَقِّ، وإذا فُسِّرَتِ الوَحْدَةُ بِالِاتِّفاقِ عَلى الجَهالَةِ والكُفْرِ يَكُونُ الِاخْتِلافُ مَجازًا عَنْ الِالتِباسِ والِاشْتِباهِ اللّازِمِ لَهُ، والمَعْنى فِيما التَبَسَ عَلَيْهِمْ ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أيْ: في الحَقِّ بِأنْ أنْكَرُوهُ وعانَدُوهُ أوْ في الكِتابِ المُنَزَّلِ مُتَلَبِّسًا بِهِ، بِأنْ حَرَّفُوهُ وأوَّلُوهُ بِتَأْوِيلاتٍ زائِغَةٍ والواوُ حالِيَّةٌ. ﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أيِ: الكِتابِ المُنَزَّلِ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ وإزاحَةِ الشِّقاقِ؛ أيْ: عَكَسُوا الأمْرَ حَيْثُ جَعَلُوا ما أُنْزِلَ مُزِيحًا لِلِاخْتِلافِ سَبَبًا لِرُسُوخِهِ واسْتِحْكامِهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ السُّؤالُ بِأنَّهُ صفحة 102 لَمّا لَمْ يَكُنْ الِاخْتِلافُ إلّا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوهُ - فالِاخْتِلافُ لا يَكُونُ سابِقًا عَلى البَعْثَةِ - وحاصِلُهُ أنَّ المُرادَ هَهُنا اسْتِحْكامُ الِاخْتِلافِ واشْتِدادُهُ، وعَبَّرَ عَنِ (الإنْزالِ) بِالإيتاءِ؛ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى كَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الوُقُوفِ عَلى ما فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَإنَّ (الإنْزالَ) لا يُفِيدُ ذَلِكَ، وقِيلَ: عَبَّرَ بِهِ لِيَخْتَصَّ المَوْصُولُ بِأرْبابِ العِلْمِ والدِّراسَةِ مِن أُولَئِكَ المُخْتَلِفِينَ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ شَناعَةِ فِعْلِهِمْ، ولِأنَّ غَيْرَهم تَبَعٌ لَهم ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيْ: رَسَخَتْ في عُقُولِهِمُ الحُجَجُ الظّاهِرَةُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ، و مِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ اخْتَلَفُوا مَحْذُوفًا، والحَصْرُ عَلى تَسْلِيمِ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مُسْتَفادًا مِنَ المَقامِ أوْ مِن حَذْفِ الفِعْلِ، ووُقُوعُ الظَّرْفِ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ لَفْظًا، أوْ مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ مُؤَخَّرًا - وفي الدُّرِّ المَصُونِ تَجْوِيزُ تَعَلُّقِهِ بِما اخْتُلِفَ قَبْلَهُ - ولا يَمْنَعُ مِنهُ إلّا كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ، ولِلنُّحاةِ في هَذا المَقامِ كَلامٌ مُحَصِّلُهُ أنَّ اسْتِثْناءَ شَيْئَيْنِ بِأداةٍ واحِدَةٍ بِلا عَطْفٍ غَيْرُ جائِزٍ مُطْلَقًا عِنْدَ الأكْثَرِينَ، لا عَلى وجْهِ البَدَلِ ولا غَيْرِهِ - ويَجُوزُ عِنْدَ جَماعَةٍ مُطْلَقًا - وفَصْلُ بَعْضِهِمْ إنْ كانَ المُسْتَثْنى مِنهُ مَذْكُورًا مَعَ كُلٍّ مِنَ المُسْتَثْنَيَيْنِ وهُما بَدَلانِ جازَ - وإلّا فَلا - واسْتَدَلَّ مَن أجازَ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ فَإنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ المُسْتَثْنى أصْلًا، والتَّقْدِيرُ: ما نَراك اتَّبَعَكَ أحَدٌ في حالٍ إلّا أراذِلُنا في بادِيَ الرَّأْيِ وأجابَ مَن لَمْ يُجَوِّزْ بِأنَّ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيِ: اتَّبَعُوا وبِأنَّ الظَّرْفَ يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ، فَيَجُوزُ فِيهِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ، قالَهُ الرِّضى، وهو مَبْنى الِاخْتِلافِ في الآيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( مِن ) و( البَغْيُ ) الظُّلْمُ أوِ الحَسَدُ، وبَيْنَهم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفِ صِفَةِ بَغْيًا وفِيهِ إشارَةٌ - عَلى ما أرى - إلى أنَّ هَذا ( البَغْيَ ) قَدْ باضَ وفَرَخَ عِنْدَهُمْ، فَهو يَحُومُ عَلَيْهِمْ ويَدُورُ بَيْنَهم لا طَمَعَ لَهُ في غَيْرِهِمْ، ولا مَلْجَأ لَهُ سِواهُمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَمَكُّنِهِمْ في ذَلِكَ، وبُلُوغِهِمُ الغايَةَ القُصْوى فِيهِ - وهو فائِدَةُ التَّوْصِيفِ بِالظَّرْفِ - وقِيلَ: أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ البَغْيَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهم وأنَّ كُلَّهم سُفْلٌ، ومَنشَأُ ذَلِكَ مُزِيدُ حِرْصِهِمْ في الدُّنْيا وتَكالُبِهِمْ عَلَيْها، ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِأمْرِهِ أوْ بِتَوْفِيقِهِ وتَيْسِيرِهِ، و(مِن) بَيانٍ (لِما) والمُرادُ لِلْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ؛ فالضَّمِيرُ عامٌّ شامِلٌ لِلْمُخْتَلِفِينَ السّابِقِينَ واللّاحِقِينَ، ولَيْسَ راجِعًا إلى الَّذِينَ أُوتُوهُ كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ، والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ عُمُومُ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ السّابِقَيْنِ عَلى اخْتِلافِ أهْلِ الكِتابِ واللّاحِقِينَ بَعْدَ اخْتِلافِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ ( الَّذِينَ آمَنُوا ) أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، والضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا لِلَّذِينِ أُوتُوهُ أيِ الكِتابِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، قالَ: اخْتَلَفُوا في يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَأخَذَ اليَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ، والنَّصارى يَوْمَ الأحَدِ فَهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، واخْتَلَفُوا في القِبْلَةِ، فاسْتَقْبَلَتِ النَّصارى المَشْرِقَ واليَهُودُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْقِبْلَةِ، واخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ، فَمِنهم مَن يَرْكَعُ ولا يَسْجُدُ، ومِنهم مَن يَسْجُدُ ولا يَرْكَعُ، ومِنهم مَن يُصَلِّي وهو يَتَكَلَّمُ، ومِنهم مَن يُصَلِّي وهو يَمْشِي، فَهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في الصِّيامِ، فَمِنهم مَن يَصُومُ النَّهارَ واللَّيْلَ، ومِنهم مَن يَصُومُ عَنْ بَعْضِ الطَّعامِ، فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فَقالَتِ اليَهُودُ: كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: كانَ نَصْرانِيًّا، وجَعَلَهُ اللَّهُ - تَعالى - حَنِيفًا مُسْلِمًا فَهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ. واخْتَلَفُوا في عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ صفحة 103 والسَّلامُ -، فَكَذَّبَتْ بِهِ اليَهُودُ، وقالُوا لِأُمِّهِ بُهْتانًا عَظِيمًا، وجَعَلَتْهُ النَّصارى إلَهًا ووَلَدًا، وجَعَلَهُ اللَّهُ - تَعالى - رُوحَهُ وكَلِمَتَهُ، فَهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، وقِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ لِيَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ). ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ 123﴾ وهو طَرِيقُ الحَقِّ الَّذِي لا يَضِلُّ سالِكُهُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

البقرة 2:214

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ حِينَ أصابَ المُسْلِمِينَ ما أصابَهم مِنَ الجُهْدِ والشِّدَّةِ والخَوْفِ والبَرْدِ وسُوءِ العَيْشِ وأنْواعِ الأذى، حَتّى بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ، وقِيلَ: في غَزْوَةِ أُحُدٍ، وقالَ عَطاءٌ: «لَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابُهُ المَدِينَةَ اشْتَدَّ الضُّرُّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم خَرَجُوا بِغَيْرِ مالٍ وتَرَكُوا دِيارَهم وأمْوالَهم بِيَدِ المُشْرِكِينَ، وآثَرُوا رِضا اللَّهِ - تَعالى - ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وأظْهَرَتِ اليَهُودُ العَداوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وأسَرَّ قَوْمٌ مِنَ الأغْنِياءِ النِّفاقَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ،» والخِطابُ إمّا لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، أوْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَهُمْ، ونِسْبَةُ (الحُسْبانِ) إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إمّا لِأنَّهُ لَمّا كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ الشَّرِيفُ مِن شَدائِدِ المُشْرِكِينَ نَزَلَ مَنزِلَةَ مَن يُحْسَبُ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ بِدُونِ تَحَمُّلِ المَكارِهِ، وإمّا عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ؛ كَما في قَوْلِهِ – سُبْحانَهُ -: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ، والهَمْزَةُ المُقَدَّرَةُ لِإنْكارِ ذَلِكَ الحُسْبانَ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ، وقِيلَ: مُتَّصِلَةٌ بِتَقْدِيرٍ مُعادِلٍ، وقِيلَ: مُنْقَطِعَةٌ بِدُونِ تَقْدِيرٍ، وفي الكَلامِ التِفاتٌ، إلّا إنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ – سُبْحانَهُ -: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ كَلامٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ الأُمَمِ السّابِقَةِ والقُرُونِ الخالِيَةِ، وعَلى ذِكْرِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ وما لَقُوا مِنهم مَنَ الشَّدائِدِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ تَشْجِيعًا لِلرَّسُولِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ والصَّبْرِ عَلى أذى المُشْرِكِينَ أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، فَكانُوا مِن هَذا الوَجْهِ مُرادِينَ غائِبِينَ، ويُؤَيِّدُهُ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ، فَإذا قِيلَ: بَعْدَ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ كانَ نَقْلًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، أوْ لِأنَّ الكَلامَ الأوَّلَ تَعْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِعَدَمِ التَّثَبُّتِ والصَّبْرِ عَلى أذى المُشْرِكِينَ، فَكَأنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَ: كانَ مِن حَقِّ المُؤْمِنِينَ التَّشْجِيعُ والصَّبْرُ تَأسِّيًا بِمَن قَبْلَهُمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والإمامُ أحْمَدُ «عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ قالَ: شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لَنا، ألا تَدْعُو اللَّهَ - تَعالى - لَنا؟ فَقالَ: ”إنَّ مَن كانَ قَبْلَكم كانَ أحَدُهم يُوضَعُ المِنشارَ عَلى مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَتَخْلُصُ إلى قَدَمَيْهِ، لا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُمَشَّطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما بَيْنَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، لا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ“، ثُمَّ قالَ: ”واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذا الأمْرُ حَتّى يَسِيرَ الرّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَ مَوْتَ، لا يَخافُ إلّا اللَّهَ – تَعالى -، والذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكم تَسْتَعْجِلُونَ“» وهَذا هو المُضْرَبُ عَنْهُ بِـ(بَلِ) الَّتِي تَضَمَّنَتْها أمْ أيْ دَعْ ذَلِكَ (أحَسِبُوا أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ) فَتَرَكَ هَذا إلى الخِطابِ، وحَصَلَ الِالتِفاتُ مَعْنًى، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ وجْهُ رَبْطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، وقِيلَ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا قالَ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وكانَ المُرادُ بِـ (الصِّراطِ) الحَقَّ الَّذِي يُفْضِي اتِّباعُهُ إلى دُخُولِ الجَنَّةِ بَيْدَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِاحْتِمالِ الشَّدائِدِ والتَّكْلِيفِ. ﴿ولَمّا يَأْتِكُمْ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها نَصْبٌ عَلى الحالِ؛ أيْ غَيْرِ آتِيكُمْ، ولَمّا جازِمَةٌ كَـ (لَمْ) وفُرِّقَ بَيْنَهُما في كُتُبِ النَّحْوِ، والمَشْهُورُ أنَّها بَسِيطَةٌ، وقِيلَ: مُرَكَّبَةٌ مِن (لَمْ) و(ما) النّافِيَةِ، وهي نَظِيرَةُ ( قَدْ ) في أنَّ الفِعْلَ المَذْكُورَ بَعْدَها مُنْتَظَرُ الوُقُوعِ. صفحة 104 ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ مَثَلِهِمْ وحالِهِمُ العَجِيبَةِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والَّذِينَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيِ: المُؤْمِنِينَ، و( مِن قَبْلِكم ) مُتَعَلِّقٌ بِـ خَلَوْا وهو كالتَّأْكِيدِ لِما يُفْهَمُ مِنهُ. ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ بَيانٌ لِلْمَثَلِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، سَواءٌ قُدِّرَ كَيْفَ ذَلِكَ المَثَلُ أوْ لا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ).﴿وزُلْزِلُوا﴾ أيْ: أُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا بِأنْواعِ البَلاءِ. ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أيِ: انْتَهى أمْرُهم مِنَ البَلاءِ إلى حَيْثُ اضْطُرُّوا إلى أنْ ﴿يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ وهو أعْلَمُ النّاسِ بِما يَلِيقُ بِهِ – تَعالى -، وما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، والمُؤْمِنُونَ المُقْتَدُونَ بِآثارِهِ، المُهْتَدُونَ بِأنْوارِهِ ﴿مَتى﴾ يَأْتِي ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ طَلَبًا وتَمَنِّيًا لَهُ، واسْتِطالَةً لِمُدَّةِ الشِّدَّةِ - لا شَكًّا وارْتِيابًا - والمُرادُ مِنَ ( الرَّسُولُ ) الجِنْسُ لا واحِدٌ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: هو اليَسَعُ، وقِيلَ: شَعْياءُ، وقِيلَ: أشْعِياءُ، وعَلى التَّعْيِينِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ ( الَّذِينَ خَلَوْا ) قَوْمًا بِأعْيانِهِمْ - وهم أتْباعُ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ - وقَرَأ نافِعٌ: (يَقُولُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، ومَعَهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ يَقُولَ أيْ أنَّهم صاحَبُوهُ في هَذا القَوْلِ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ آمَنُوا أيْ: وافَقُوهُ في الإيمانِ. ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ 224﴾ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: فَقِيلَ لَهم حِينَئِذٍ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِأنْفُسِهِمْ بِإسْعافِهِمْ بِمَرامِهِمْ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ المُناسِبَةِ لِما قَبْلَها، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ والتَّأْكِيدُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِها وتَقْرِيرِهِ ما لا يَخْفى، واخْتِيارُ حِكايَةِ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ، لِما أنَّها في حُكْمِ إنْشاءِ الوَعْدِ لِلرَّسُولِ، والِاقْتِصارُ عَلى حِكايَتِها دُونَ حِكايَةِ النَّصْرِ مَعَ تَحَقُّقِهِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ، وقِيلَ: لَمّا كانَ السُّؤالُ بِـ (مَتى) يُشِيرُ إلى اسْتِعْلامِ القُرْبِ تَضَمَّنَ الجَوابُ القُرْبَ، واكْتُفِيَ بِهِ لِيَكُونَ الجَوابُ طِبْقَ السُّؤالِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا وارِدًا مِن جِهَتِهِ - تَعالى - عِنْدَ الحِكايَةِ عَلى نَهْجِ الِاعْتِراضِ، لا وارِدًا عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ، والقَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَقُولُ الرَّسُولِ، و﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ - تَعالى - مَقُولُ مَن مَعَهُ عَلى طَرِيقِ اللَّفِّ والنَّشْرِ الغَيْرِ المُرَتَّبِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا لَفْظًا فَلِأنَّهُ لا يَحْسُنُ تَعاطُفُ القائِلِينَ دُونَ المَقُولِينَ، وأمّا مَعْنًى فَلِأنَّهُ لا يُحْسُنُ ذِكْرُ قَوْلِ الرَّسُولِ ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ في الغايَةِ الَّتِي قُصِدَ بِها بَيانُ تَناهِي الأمْرِ في الشِّدَّةِ، والقَوْلُ بِأنَّ تَرْكَ العَطْفِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مَقُولٌ لِواحِدٍ مِنهُما، واحْتِرازٍ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ المَجْمُوعِ مَقُولٌ واحِدٌ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الرَّسُولَ قالَ لَهم في جَوابِهِمْ، وبِأنَّ مَنصِبَ الرِّسالَةِ يَسْتَدْعِي تَنْزِيهَ الرَّسُولِ عَنِ التَّزَلْزُلِ، لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا تُرِكَ العَطْفُ لا يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَكَيْفَ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِ كُلٍّ مَقُولًا لِواحِدٍ مِنهُما، ولا نَأْمَنُ وراءَ مَنعِ كَوْنِ مَنصِبِ الرِّسالَةِ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ التَّنْزِيهَ، ولَيْسَ التَّزَلْزُلُ والِانْزِعاجُ أعْظَمَ مِنَ الخَوْفِ، وقَدْ عُرِّيَ الرُّسُلُ - صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ - كَما يُصَرِّحُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ، وفي الآيَةِ رَمَزٌ إلى أنَّ الوُصُولَ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ يَتَيَسَّرُ إلّا بِرَفْضِ اللَّذّاتِ ومُكابَدَةِ المَشاقِّ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ خَبَرُ: «”حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ“،» وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مالِكٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”إنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَيُجَرِّبُ أحَدَكم بِالبَلاءِ - وهو أعْلَمُ بِهِ - كَما يُجَرِّبُ أحَدُكم ذَهَبَهُ بِالنّارِ، فَمِنهم مَن يَخْرُجُ كالذَّهَبِ الإبْرِيزِ، فَذَلِكَ الَّذِي نَجّاهُ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ السَّيِّئاتِ، ومِنهم مَن يَخْرُجُ كالذَّهَبِ الأسْوَدِ، فَذَلِكَ الَّذِي قَدِ افْتُتِنَ“». * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَدَّعِي المَحَبَّةَ ويَتَكَلَّمُ في دَقائِقِ الأسْرارِ، ويُظْهِرُ خَصائِصَ الأحْوالِ، وهو في مَقامِ النَّفْسِ الأمّارَةِ صفحة 105 ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ مِنَ المَعارِفِ والإخْلاصِ بِزَعْمِهِ، ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ شَدِيدُ الخُصُومَةِ لِأهْلِ اللَّهِ - تَعالى - في نَفْسِ الأمْرِ، ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ عَلى ضُعَفاءِ المُرِيدِينَ، ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ﴾ ويَحْصُدُ بِمِنجَلِ تَمْوِيهاتِهِ زَرْعَ الإيمانِ النّابِتَ في رِياضِ قُلُوبِ السّالِكِينَ ويَقْطَعُ نَسْلَ المُرْشِدِينَ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ فَكَيْفَ يَدَّعِي هَذا الكاذِبُ مَحَبَّةَ اللَّهِ - تَعالى - ويَرْتَكِبُ ما لا يُحِبُّهُ ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ حَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ - حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ - عَلى الإثْمِ لُجاجًا، وحُبًّا لِظُهُورِ نَفْسِهِ، وزَعْمًا مِنهُ أنَّهُ أعْلَمُ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِن ناصِحِهِ ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: يَكْفِيهِ حَبْسُهُ في سِجِّينِ الطَّبِيعَةِ وظُلُماتِها، وهَذِهِ صِفَةُ أكْثَرِ أرْبابِ الرُّسُومِ الَّذِينَ حُجِبُوا عَنْ إدْراكِ الحَقائِقِ بِما مَعَهم مِنَ العُلُومِ، ﴿ومِنَ النّاسِ مَن﴾ يَبْذُلُ نَفْسَهُ في سُلُوكِ سَبِيلِ اللَّهِ طَلَبًا لِرِضاهُ، ولا يَلْتَفِتُ إلى القالِ والقِيلِ، ولا يَغْلُو لَدَيْهِ في طَلَبِ مَوْلاهُ جَلِيلٌ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ﴾ وتَسْلِيمُ الوُجُودِ لِلَّهِ – تَعالى - والخُمُودُ تَحْتَ مَجارِي القُدْرَةِ لَكم وعَلَيْكم كافَّةً، فَإنْ زَلَلْتُمْ عَنْ مَقامِ التَّسْلِيمِ والرِّضا بِالقَضاءِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكم دَلائِلُ تَجَلِّياتِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ - تَعالى - عَزِيزٌ غالِبٌ يَقْهَرُكُمْ، حَكِيمٌ لا يَقْهَرُ إلّا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ إلّا أنْ يَتَجَلّى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ صِفاتِ قَهْرِيَّةٍ مِن جُمْلَةِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ وصُوَرِ مَلائِكَةِ القُوى السَّماوِيَّةِ، ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ بِوُصُولِ كُلٍّ إلى ما سَبَقَ لَهُ في الأزَلِ. ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ بِالفَناءِ. ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ عَلى الفِطْرَةِ ودِينِ الحَقِّ في عالَمِ الإجْمالِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في النَّشْأةِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ طَبائِعِهِمْ وغَلَبَةِ صِفاتِ نُفُوسِهِمْ واحْتِجابِ كُلٍّ بِمادَّةِ بَدَنِهِ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ لِيَدْعُوَهم مِنَ الخِلافِ إلى الوِفاقِ، ومِنَ الكَثْرَةِ إلى الوَحْدَةِ، ومِنَ العَداوَةِ إلى المَحَبَّةِ، ( فَتَفَرَّقُوا ) وتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ وتَمَيَّزُوا، فالسُّفْلِيُّونَ ازْدادُوا خِلافًا وعِنادًا، والعُلْوِيُّونَ هَداهُمُ اللَّهُ - تَعالى - إلى الحَقِّ وسَلَكُوا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ. ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا﴾ جَنَّةَ المُشاهَدَةِ ومَجالِسَ الأُنْسِ بِنُورِ المُكاشَفَةِ ﴿ولَمّا يَأْتِكُمْ﴾ حالُ السّالِكِينَ قَبْلَكم ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ بَأْساءُ الفَقْرِ وضَرّاءُ المُجاهَدَةِ وكَسْرُ النَّفْسِ بِالعِبادَةِ حَتّى تَضَجَّرُوا مِن طُولِ مُدَّةِ الحِجابِ وعِيلَ صَبْرُهم عَنْ مُشاهَدَةِ الجَمالِ وطَلَبُوا نَصْرَ اللَّهِ - تَعالى - بِالتَّجَلِّي، فَأُجِيبُوا: إذا بَلَغَ السَّيْلُ الرُّبى، وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ﴾ بِرَفْعِ الحِجابِ وظُهُورِ آثارِ الجَمالِ ﴿قَرِيبٌ﴾ مِمَّنْ بَذَلَ نَفْسَهُ وصَرَفَ عَنْ غَيْرِ مَوْلاهُ حُسْنَهُ، وتَحَمَّلَ المَشاقَّ وذَبَحَ الشَّهَواتِ بِسَيْفِ الأشْواقِ: ومَن لَمْ يَمُتْ في حُبِّهِ لَمْ يَعِشْ بِهِوَدُونَ اجْتِناءِ النَّحْلِ ما جَنَتِ النَّحْلُ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: «”كانَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ شَيْخًا كَبِيرًا ذا مالٍ كَثِيرٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِماذا نَتَصَدَّقُ وعَلى مَن نُنْفِقُ؟ فَنَزَلَتْ“،» وفي رِوايَةِ عَطاءٍ عَنْهُ: لا، إنَّها نَزَلَتْ في «رَجُلٍ أتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: ”إنَّ لِي دِينارًا، فَقالَ: أنْفِقْهُ عَلى نَفْسِكَ، فَقالَ: إنَّ لِي دِينارَيْنِ، فَقالَ: أنْفِقْهُما عَلى أهْلِكَ، فَقالَ: إنَّ لِي ثَلاثَةً، فَقالَ: أنْفِقْها عَلى خادِمِكَ، فَقالَ: إنَّ لِي أرْبَعَةً، فَقالَ: أنْفِقْها عَلى والِدَيْكَ، فَقالَ: إنَّ لِي خَمْسَةً، فَقالَ: أنْفِقْها عَلى قَرابَتِكَ، فَقالَ: إنَّ لِي سِتَّةً، فَقالَ: أنْفِقْها في سَبِيلِ اللَّهِ – تَعالى -»“. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «”سَألَ المُؤْمِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيْنَ يَضَعُونَ أمْوالَهُمْ؟ فَنَزَلَتْ“».

البقرة 2:215

﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُنْفَقِ، فَأجابَ بِبَيانِ المَصْرِفِ صَرِيحًا؛ لِأنَّهُ أهَمُّ، فَإنَّ اعْتِدادَ النَّفَقَةِ بِاعْتِبارِهِ، وأشارَ إجْمالًا إلى بَيانِ المُنْفَقِ، فَإنَّ ﴿مِن صفحة 106 خَيْرٍ﴾ يَتَضَمَّنُ كَوْنَهُ حَلالًا؛ إذْ لا يُسَمّى ما عَداهُ خَيْرًا، وإنَّما تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، ولَيْسَ في السُّؤالِ ما يَقْتَضِيهِ؛ لِأنَّ السُّؤالَ لِلتَّعَلُّمِ لا لِلْجَدَلِ، وحَقُّ المُعَلِّمِ فِيهِ أنْ يَكُونَ كَطَبِيبٍ رَفِيقٍ يَتَحَرّى ما فِيهِ الشِّفاءَ طَلَبَهُ المَرِيضُ أمْ لَمْ يَطْلُبْهُ، ولَمّا كانَتْ حاجَتُهم إلى مَن يُنْفِقُ عَلَيْهِ كَحاجَتِهِمْ إلى ما يُنْفَقُ بَيَّنَ الأمْرَيْنِ، وهَذا كَمَن بِهِ صَفْراءُ فاسْتَأْذَنَ طَبِيبًا في أكْلِ العَسَلِ، فَقالَ: كُلْهُ مَعَ الخَلِّ، فالكَلامُ إذًا مِن أُسْلُوبِ الحَكِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ ذِكْرَ المَصْرِفِ أيْضًا كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوايَةُ الأُولى في سَبَبِ النُّزُولِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ في الآيَةِ لِلْإيجازِ في النَّظْمِ تَعْوِيلًا عَلى الجَوابِ، فَتَكُونُ الآيَةُ جَوابًا لِأمْرَيْنِ مَسْؤُولٍ عَنْهُما، والِاقْتِصارُ في بَيانِ المُنْفَقِ عَلى الإجْمالِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلتَّفْصِيلِ، كَما في بَيانِ المَصْرِفِ لِلْإشارَةِ إلى كَوْنِ الثّانِي أهَمَّ، وهَلْ تَخْرُجُ الآيَةُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِها مِن أُسْلُوبِ الحَكِيمِ أمْ لا؟ قَوْلانِ أُشْهَرُهُما الثّانِي؛ حَيْثُ أُجِيبَ عَنِ المَتْرُوكِ صَرِيحًا وعَنِ المَذْكُورِ تَبَعًا، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ في التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: في الزَّكاةِ، واسْتَدَلَّ بِها مَن أباحَ صَرْفَها لِلْوالِدَيْنِ، وفِيهِ أنَّ عُمُومَ خَيْرٍ مِمّا يُنافِي في كَوْنِها في الزَّكاةِ؛ لِأنَّ الفَرْضَ فِيها قَدْرٌ مُعَيَّنٌ بِالإجْماعِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ - سُبْحانَهُ - لِلسّائِلِينَ، و( الرِّقابِ ) إمّا اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في المَواضِعِ الأُخَرِ، وإمّا بِناءً عَلى دُخُولِهِمْ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ فَإنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ واقِعٌ في أيِّ مَصْرِفٍ كانَ وما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ تَفْعَلُوا والفِعْلُ أعَمُّ مِنَ الإنْفاقِ، وأتى بِما يَعُمُّ تَأْكِيدًا لِلْخاصِّ الواقِعِ في الجَوابِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ 215﴾ يَعْلَمُ كُنْهَهُ كَما يُشِيرُ بِهِ صِيغَةُ (فَعِيلٍ) مَعَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ مَعْناها الكِنائِيِّ؛ إذِ المُرادُ مِنها تَوْفِيَةُ الثَّوابِ، وقِيلَ: إنَّها دَلِيلُ الجَوابِ، ولَيْسَتْ بِهِ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبِلَها هو أنَّ الصَّبْرَ عَلى النَّفَقَةِ وبَذْلَ المالِ مِن أعْظَمِ ما تَحَلّى بِهِ المُؤْمِنُ، وهو مَن أقْوى الأسْبابِ المُوصِلَةِ إلى الجَنَّةِ حَتّى ورَدَ: «”الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ“».

البقرة 2:216

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ أيْ: قِتالِ الكَفّارِ، وهو فَرْضُ عَيْنٍ إنْ دَخَلُوا بِلادَنا، وفَرْضُ كِفايَةٍ إنْ كانُوا بِبِلادِهِمْ، وقُرِئَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ونَصْبِ (القِتالِ)، وقُرِئَ أيْضًا: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القَتْلُ) أيْ: قَتْلِ الكَفَرَةِ. ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى كُتِبَ وعَطْفُ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ جائِزٌ كَما نُصَّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ حالٌ ورَدَ بِأنَّ الحالَ المُؤَكِّدَةَ لا تَجِيءُ بِالواوِ والمُنْتَقِلَةُ لا فائِدَةَ فِيها، (والكُرْهُ) بِالضَّمِّ كَـ(الكَرْهِ) بِالفَتْحِ، وبِهِما قُرِئَ: (الكَراهَةُ)، وقِيلَ: المَفْتُوحُ المَشَقَّةُ الَّتِي تَنالُ الإنْسانَ مِن خارِجٍ والمَضْمُومُ ما يَنالُهُ مِن ذاتِهِ، وقِيلَ: المَفْتُوحُ اسْمٌ بِمَعْنى الإكْراهِ والمَضْمُومُ بِمَعْنى (الكَراهَةِ)، وعَلى كُلٍّ حالٌ، فَإنْ كانَ مَصْدَرًا فَمُؤَوَّلٌ أوْ مَحْمُولٌ عَلى المُبالَغَةِ أوْ هو صِفَةٌ كَـ(خُبْزٍ مَخْبُوزٍ)، وإنْ كانَ بِمَعْنى الإكْراهِ، وحُمِلَ عَلى الكُرْهِ عَلَيْهِ، فَهو عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ كَأنَّهم أُكْرِهُوا عَلَيْهِ لِشَدَّتِهِ وعِظَمِ مَشَقَّتِهِ ثُمَّ كَوْنُ القَتْلِ مَكْرُوهًا لا يُنافِي الإيمانَ؛ لِأنَّ تِلْكَ الكَراهِيَةَ طَبِيعِيَّةٌ لِما فِيهِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وإفْناءِ البَدَنِ وتَلَفِ المالِ، وهي لا تُنافِي الرِّضا بِما كُلِّفَ بِهِ كالمَرِيضِ الشّارِبِ لِلدَّواءِ البَشِعِ يَكْرَهُهُ لِما فِيهِ مِنَ البَشاعَةِ ويَرْضى بِهِ مِن جِهَةٍ أُخْرى. ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وهو جَمِيعُ ما كُلِّفُوا بِهِ، فَإنَّ الطَّبْعَ يَكْرَهُهُ، وهو مَناطُ صَلاحِهِمْ، ومِنهُ القِتالُ، فَإنَّ فِيهِ الظَّفْرَ والغَنِيمَةَ والشَّهادَةَ الَّتِي هي السَّبَبُ الأعْظَمُ لِلْفَوْزِ بِغايَةِ الكَرامَةِ. ﴿وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهو جَمِيعُ ما نُهُوا عَنْهُ، فَإنَّ النَّفْسَ تُحِبُّهُ وتَهْواهُ وهو يُفْضِي بِها إلى صفحة 107 الرَّدى، ومِن ذَلِكَ تَرْكُ قِتالِ الأعْداءِ، فَإنَّ فِيهِ الذُّلَّ وضَعْفَ الأمْرِ وسَبْيَ الذَّرارِي ونَهْبَ الأمْوالِ ومِلْكَ البِلادِ وحِرْمانَ الحَظِّ الأوْفَرِ مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، والجُمْلَتانِ الِاسْمِيَّتانِ حالانِ مِنَ النَّكِرَةِ وهو قَلِيلٌ، ونَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى جَوازِهِ كَما في البَحْرِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونا صِفَةً لَها وساغَ دُخُولُ الواوِ لِما أنَّ صُورَةَ الجُمْلَةِ هُنا كَصُورَتِها إذا كانَتْ حالًا. ﴿وعَسى﴾ الأُولى لِلْإشْفاقِ والثّانِيَةُ لِلتَّرَجِّي عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ، وإنَّما ذَكَرَ عَسى الدّالَّةَ عَلى عَدَمِ القَطْعِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ إذا ارْتاضَتْ وصَفَتِ انْعَكَسَ عَلَيْها الأمْرُ الحاصِلُ لَها قَبْلَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مَحْبُوبُها مَكْرُوهًا ومَكْرُوهَها مَحْبُوبًا، فَلَمّا كانَتْ قابِلَةً بِالِارْتِياضِ لِمِثْلِ هَذا الِانْعِكاسِ لَمْ يَقْطَعْ بِأنَّها تَكْرَهُ ما هو خَيْرٌ لَها وتُحِبُّ ما هو شَرٌّ لَها، فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ إنَّها هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْقِيقِ كَما في سائِرِ القُرْآنِ، ما عَدا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ . ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكم وما هو شَرٌّ لَكم وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلْإيجازِ. ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ 216﴾ ذَلِكَ فَبادِرُوا إلى ما يَأْمُرُكم بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُكم إلّا بِما عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا لَكُمْ، وانْتَهُوا عَمّا نَهاكم عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يَنْهاكم إلّا عَمّا هو شَرٌّ لَكُمْ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ فِيها الجِهادَ، وهو بَذْلُ النَّفْسِ الَّذِي هو فَوْقَ بَذْلِ المالِ.

البقرة 2:217

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ رُومانَ عَنْ عُرْوَةَ، قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ، وهو ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى نَخْلَةَ، فَقالَ: كُنْ بِها حَتّى تَأْتِيَنا بِخَبَرٍ مِن أخْبارِ قُرَيْشٍ ولَمْ يَأْمُرْهُ بِقِتالٍ، وذَلِكَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وكَتَبَ لَهُ كِتابًا قَبْلَ أنْ يُعَلِّمَهُ أيْنَ يَسِيرُ، فَقالَ: اخْرُجْ أنْتَ وأصْحابُكَ حَتّى إذا سِرْتَ يَوْمَيْنِ فافْتَحْ كِتابَكَ، وانْظُرْ فِيهِ فَما أمَرْتُكَ بِهِ فامْضِ لَهُ، ولا تَسْتَكْرِهْ أحَدًا مِن أصْحابِكَ عَلى الذَّهابِ مَعَكَ، فَلَمّا سارَ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الكِتابَ، فَإذا فِيهِ: ”أنِ امْضِ حَتّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ فَأْتِنا مِن أخْبارِ قُرَيْشٍ، بِما اتَّصَلَ إلَيْكَ مِنهُمْ“ فَقالَ لِأصْحابِهِ - وكانُوا ثَمانِيَةً - حِينَ قَرَأ الكِتابَ: سَمْعًا وطاعَةً، مَن كانَ مِنكم لَهُ رَغْبَةٌ في الشَّهادَةِ، فَلْيَنْطَلِقْ مَعِي، فَإنِّي ماضٍ لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، ومَن كَرِهَ ذَلِكَ مِنكم فَلْيَرْجِعْ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَدْ نَهانِي أنْ أسْتَكْرِهَ مِنكم أحَدًا، فَمَضى مَعَهُ القَوْمُ حَتّى إذا كانُوا بِبَخْرانَ أضَلَّ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ بَعِيرًا لَهُما كانا يَعْتَقِبانِهِ، فَتَخَلَّفا عَلَيْهِ يَطْلُبانِهِ، ومَضى القَوْمُ حَتّى نَزَلُوا نَخْلَةَ، فَمَرَّ بِهِمْ عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ والحَكَمُ بْنُ كَيْسانَ وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُغِيرَةِ ونَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَعَهم تِجارَةٌ قَدْ مَرُّوا بِها مِنَ الطّائِفِ أدُمٌ وزَبِيبٌ، فَلَمّا رَآهُمُ القَوْمُ أشْرَفَ لَهم واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وكانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَلَما رَأوْهُ حَلِيقًا قالُوا: عُمّارُ لَيْسَ عَلَيْكم مِنهم بَأْسٌ، وأْتَمَرَ القَوْمُ بِهِمْ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وكانَ آخِرَ يَوْمٍ مِن جُمادى، فَقالُوا: لَئِنْ قَتَلْتُمُوهم إنَّكم لَتَقْتُلُونَهم في (الشَّهْرِ الحَرامِ)، ولَئِنْ تَرَكْتُمُوهم لَيَدْخُلُنَّ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ - مَكَّةَ الحَرامَ - فَلَيَتَمَنَّعَنَّ مِنكُمْ، فَأجْمَعَ القَوْمُ عَلى قَتْلِهِمْ، فَرَمى واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السَّهْمِيُّ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، واسْتَأْسَرَ عُثْمانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ والحَكَمَ بْنَ كَيْسانَ، وأفْلَتَ نَوْفَلٌ وأعْجَزَهم واسْتاقُوا العِيرَ فَقَدِمُوا بِها عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ لَهُمْ: واللَّهِ ما أمَرْتُكم بِقِتالٍ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَأوْقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الأسِيرَيْنِ والعِيرَ، فَلَمْ يَأْخُذْ مِنها شَيْئًا، فَلَمّا قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما قالَ سُقِطَ في أيْدِيهِمْ، وظَنُّوا أنْ قَدْ هَلَكُوا وعَنَّفَهم إخْوانُهم مِنَ المُسْلِمِينَ، وقالَتْ قُرَيْشٌ - حِينَ بَلَغَهم أمْرُ هَؤُلاءِ -: قَدْ سَفَكَ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الدَّمَ الحَرامَ، وأخَذَ المالَ وأسَرَ الرِّجالَ، واسْتَحَلَّ الشَّهْرَ الحَرامَ فَنَزَلَتْ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - صفحة 108 العِيرَ وفَدى الأسِيرَيْنِ”،» وفي سِيرَةِ ابْنِ سَيِّدِ النّاسِ: إنَّ ذَلِكَ في رَجَبَ، وأنَّهم لَقُوا أُولَئِكَ في آخِرِ يَوْمٍ مِنهُ، وفي رِوايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ: «“أنَّهُ لَمّا بَلَغَ كُفّارَ قُرَيْشٍ تِلْكَ الفِعْلَةُ رَكِبَ وفْدٌ مِنهم حَتّى قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالُوا: أيَحِلُّ القِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - الآيَةَ”،» ومِن هُنا قِيلَ: السّائِلُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، وأُيِّدَ بِأنَّ ما سَيَأْتِي مِن ذِكْرِ الصَّدِّ والكُفْرِ والإخْراجِ أكْبَرُ شاهِدِ صِدْقٍ عَلى ذَلِكَ؛ لِيَكُونَ تَعْرِيضًا بِهِمْ مُوافِقًا لِتَعْرِيضِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، واخْتارَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّ السّائِلِينَ هُمُ المُسْلِمُونَ، قالُوا: وأكْثَرُ الرِّواياتِ تَقْتَضِيهِ، ولَيْسَ الشّاهِدُ مُفْصِحًا بِالمَقْصُودِ، والمُرادُ مِنَ الشَّهْرِ الحَرامِ رَجَبُ أوْ جُمادى فَـ(أْل) فِيهِ لِلْعَهْدِ، والكَثِيرُ والأظْهَرُ أنَّها لِلْجِنْسِ، فَيُرادُ بِهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ، وهي ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبُ، وسُمِّيَتْ (حُرُمًا) لِتَحْرِيمِ القِتالِ فِيها، والمَعْنى يَسْألُونَكَ - أيِ - المُسْلِمُونَ أوِ الكُفّارُ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ عَلى أنَّ قِتالٍ فِيهِ بَدَلُ اشْتِمالِ مِنَ الشَّهْرِ؛ لِما أنَّ الأوَّلَ غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ مُشَوِّقٌ إلى الثّانِي مُلابِسٌ لَهُ بِغَيْرِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ، ولِما كانَ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةً أوْ عامِلَةً صَحَّ إبْدالُها مِنَ المَعْرِفَةِ عَلى أنَّ وُجُوبَ التَّوْصِيفِ إنَّما هو في بَدَلِ الكُلِّ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرِّضى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ: (عَنْ قِتالٍ)، وهو أيْضًا بَدَلُ اشْتِمالٍ إلّا أنَّهُ بِتَكْرِيرِ العامِلِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: (قَتْلٍ فِيهِ)، وكَذا في ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمِ وزْرًا، وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِحُرْمَةِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وأنَّ ما اعْتُقِدَ مِنَ اسْتِحْلالِهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - القِتالَ فِيهِ باطِلٌ، وما وقَعَ مِن أصْحابِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ مِن بابِ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ، وهو مَعْفُوٌّ عَنْهُ - بَلْ مَنِ اجْتَهَدَ وأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ - كَما في الحَدِيثِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ – سُبْحانَهُ -: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالأشْهُرِ الحُرُمِ أشْهَرٌ مُعَيَّنَةٌ أُبِيحَ لِلْمُشْرِكِينَ السِّياحَةُ فِيها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ ولَيْسَ المُرادُ بِها الأشْهُرَ الحُرُمَ مِن كُلِّ سَنَةٍ، فالتَّقْيِيدُ بِها يُفِيدُ أنَّ قَتْلَهم بَعْدَ انْسِلاخِها مَأْمُورٌ بِهِ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ، وهو نَسْخُ الخاصِّ بِالعامِّ، وساداتُنا الحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ بِهِ، وأمّا الشّافِعِيَّةُ فَيَقُولُونَ: إنَّ الخاصَّ سَواءٌ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى العامِّ أوْ مُتَأخِّرًا عَنْهُ مُخَصَّصٌ لَهُ؛ لِكَوْنِ العامِّ عِنْدَهم ظَنِّيًّا، والظَّنِّيُّ لا يُعارِضُ القَطْعِيَّ، وقالَ الإمامُ: الَّذِي عِنْدِي أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ القِتالِ مُطْلَقًا في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ لِأنَّ القِتالَ فِيها نَكِرَةٌ في حَيِّزٍ مُثْبَتٍ فَلا تَعُمُّ، فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى القَوْلِ بِالنَّسْخِ، واعْتُرِضَ بِأنَّها عامَّةٌ لِكَوْنِها مَوْصُوفَةً بِوَصْفٍ عامٍّ أوْ بِقَرِينَةِ المَقامِ، ولَوْ سُلِّمَ فَقِتالُ المُشْرِكِينَ مُرادٌ قَطْعًا؛ لِأنَّ قِتالَ المُسْلِمِينَ حَرامٌ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالأشْهُرِ الحُرُمِ، وفِيهِ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّها مَوْصُوفَةٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الجارُّ ظَرْفًا لَغْوًا، ولَوْ سُلِّمَ عُمُومُ الوَصْفِ، بَلْ هو مُخَصَّصٌ لَها بِالقِتالِ الواقِعِ في الشَّهْرِ الحَرامِ المُعَيَّنِ، والوَصْفُ المُفِيدُ لِلْعُمُومِ هو الوَصْفُ المُساوِي عُمُومُهُ عُمُومَ الجِنْسِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾، وقَوْلِ الشّاعِرِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ وكَوْنُ الأصْلِ مُطابَقَةُ الجَوابِ لِلسُّؤالِ قَرِينَةٌ عَلى الخُصُوصِ، وكَوْنُ المُرادِ قِتالَ المُشْرِكِينَ عَلى عُمُومِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ في القِتالِ المَخْصُوصِ ولَوْ سُلِّمَ عُمُومُها في السُّؤالِ، فَلا نُسَلِّمُ عُمُومَها في الجَوابِ، بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ أنَّ النَّكِرَةَ المَذْكُورَةَ إذا أُعِيدَ ذِكْرُها يُعادُ مُعَرَّفًا؛ نَحْوَ: سَألَتْنِي عَنْ رَجُلٍ والرَّجُلُ كَذا وكَذا، فَفي تَنْكِيرِها هُنا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ كُلَّ قِتالٍ حُكْمُهُ هَذا، فَإنَّ قِتالَ النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ هَذا حُكْمُهُ، فَقَدْ «قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -:“أُحِلَّتْ لِيَ ساعَةٌ مِن نَهارٍ» وحُرْمَةُ قِتالِ المُسْلِمِينَ مُطْلَقًا لا يَخْفى ما فِيهِ؛ لِأنَّ قِتالَ أهْلِ البَغْيِ يَحِلُّ وهم مُسْلِمُونَ، فالإنْصافُ أنَّ القَوْلَ بِالنَّسْخِ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ، نَعَمْ هو مُمْكِنٌ وبِهِ قالَ تُرْجُمانُ القُرْآنِ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، كَما رَواهُ عَنْهُ الضَّحّاكُ، وأخْرَجَ صفحة 109 ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: هَذا شَيْءٌ مَنسُوخٌ، ولا بَأْسَ بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وخالَفَ عَطاءً في ذَلِكَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى ما يَحِلُّ لِلنّاسِ أنْ يَغْزُوا في الحَرَمِ ولا في الشَّهْرِ الحَرامِ، إلّا أنْ يُقاتَلُوا فِيهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ حُكْمًا مُسْتَمِرًّا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والأُمَّةُ اليَوْمَ عَلى خِلافِهِ في سائِرِ الأمْصارِ. ﴿وصَدٌّ﴾ أيْ: مَنعٍ وصَرْفٍ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو (الإسْلامُ) قالَهُ مُقاتِلٌ، أوِ (الحَجُّ) قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ، أوِ (الهِجْرَةُ) كَما قِيلَ، أوْ (سائِرُ ما يُوصِلُ العَبْدَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الطّاعاتِ)، فالإضافَةُ إمّا لِلْعَهْدِ أوْ لِلْجِنْسِ، ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ أيْ: بِاللَّهِ أوْ بِسَبِيلِهِ، ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ اخْتارَ أبُو حَيّانَ عَطْفَهُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وإنْ لَمْ يَعُدِ الجارُّ، وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ ويُونُسُ والأخْفَشُ وأبُو عَلِيٍّ، وهو شائِعٌ في لِسانِ العَرَبِ نَظْمًا ونَثْرًا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْكُفْرِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ، وهو لازِمٌ مِنَ العَطْفِ، وفِيهِ بَحْثٌ؛ إذِ الكُفْرُ قَدْ يُنْسَبُ إلى الأعْيانِ بِاعْتِبارِ الحُكْمِ المُتَعَلِّقِ بِها كَقَوْلِهِ تَعالى:﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ واخْتارَ القاضِي تَقْدِيرَ مُضافٍ مَعْطُوفٍ عَلى صَدٌّ أيْ: وصَدُّ المَسْجِدِ الحَرامِ عَنِ الطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ حَذْفَ المُضافِ وإبْقاءَ المُضافِ إلَيْهِ بِحالِهِ مَقْصُورٌ عَلى السَّماعِ، ورُدَّ بِمَنعِ الإطْلاقِ، فَفي التَّسْهِيلِ: إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ إثْرَ عاطِفٍ مُتَّصِلٍ بِهِ أوْ مَفْصُولٍ بِلا سَبْقٍ بِمُضافٍ مِثْلَ المَحْذُوفِ لَفْظًا ومَعْنًى، جازَ حَذْفُ المُضافِ وإبْقاءُ المُضافِ إلَيْهِ عَلى انْجِرارِهِ قِياسًا؛ نَحْوَ: (ما مِثْلَ زَيْدٍ وأبِيهِ يَقُولانِ ذَلِكَ)؛ أيْ: مِثْلَ أبِيهِ، ونَحْوَ: (ما كُلُّ سَوْداءَ تَمْرَةٌ ولا بَيْضاءَ شَحْمَةٌ)، وإذا انْتَفى واحِدٌ مِنَ الشُّرُوطِ كانَ مَقْصُورًا عَلى السَّماعِ، وفِيما نَحْنُ فِيهِ سَبَقَ إضافَةُ مِثْلِ ما حُذِفَ مِنهُ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيَّ عَطْفَهُ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، واعْتُرِضَ بِأنَّ عَطْفَ ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ عَلى وصَدٌّ مانِعٌ مِن ذَلِكَ؛ إذْ لا يُقَدَّمُ العَطْفُ عَلى المَوْصُولِ عَلى العَطْفِ عَلى الصِّلَةِ، وذُكِرَ لِصِحَّةِ ذَلِكَ وجْهانِ؛ أحَدُهُما أنَّ ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ في مَعْنى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فالعَطْفُ عَلى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أعْنِي كُفْرًا بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ، والفاصِلُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، ثانِيهِما أنَّ مَوْضِعَ ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ عَقِيبَ والمَسْجِدِ الحَرامِ إلّا أنَّهُ قُدِّمَ لِفَرْطِ العِنايَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ حَيْثُ كانَ مِن حَقِّ الكَلامِ: ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ كُفُوًا لَهُ. ولا يَخْفى أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ أُولى؛ لِأنَّ التَّقْدِيمَ لا يُزِيلُ مَحْذُورَ الفَصْلِ ويَزِيدُ مَحْذُورًا آخَرَ، واخْتارَ السَّجاوَنْدِيُّ العَطْفَ عَلى الشَّهْرِ الحَرامِ وضُعِّفَ بِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَسْألُوا عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، واخْتارَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الصَّدُّ؛ أيْ: ويَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وضُعِّفَ بِأنَّ حَذْفَ حَرْفِ الجَرِّ وبَقاءَ عَمَلِهِ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ إلّا في الشِّعْرِ، وقِيلَ: إنَّ الواوَ لِلْقَسَمِ وقَعَتْ في أثْناءِ الكَلامِ، وهو كَما تَرى. ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ﴾ وهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنُونَ، وإنَّما كانُوا أهْلَهُ؛ لِأنَّهُمُ القائِمُونَ بِحُقُوقِهِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهم يَصِيرُونَ أهْلَهُ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ خَبَرٌ لِلْأشْياءِ المَعْدُودَةِ مِن كَبائِرِ قُرَيْشٍ، و(أفْعَلُ) مَن يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ المَذْكُورُ والمُؤَنَّثُ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ مِمّا فَعَلَتْهُ السَّرِيَّةُ خَطَأً في الِاجْتِهادِ، ووُجُودُ أصْلِ الفِعْلِ في ذَلِكَ الفِعْلِ مَبْنِيٌّ عَلى الزَّعْمِ. ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ لِلتَّأْكِيدِ عُطِفَ عَلَيْهِ عَطْفَ الحُكْمِ الكُلِّيِّ عَلى الجُزْئِيِّ؛ أيْ: ما يُفْتَنُ بِهِ المُسْلِمُونَ ويُعَذَّبُونَ بِهِ لِيَكْفُرُوا ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِنَ القَتْلِ وما ذُكِرَ سابِقًا داخِلٌ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ الكُفْرُ، والكَلامُ كُبْرى لِصُغْرى صفحة 110 مَحْذُوفَةٌ، وقَدْ سِيقَ تَعْلِيلًا لِلْحُكْمِ السّابِقِ ﴿ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى يَسْألُونَكَ بِجامِعِ الِاتِّحادِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ إنْ كانَ السّائِلُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، أوْ مُعْتَرِضَةٌ إنْ كانَ السّائِلُونَ غَيْرَهُمْ، والمَقْصُودُ الإخْبارُ بِدَوامِ عَداوَةِ الكُفّارِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ تَحْذِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْهُمْ، وإيقاظًا لَهم إلى عَدَمِ المُبالاةِ بِمُوافَقَتِهِمْ في بَعْضِ الأُمُورِ، وحَتّى لِلتَّعْلِيلِ، والمَعْنى: لا يَزالُونَ يُعادُونَكم لِكَيْ يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، والتَّعْبِيرُ بِأنَّ لِاسْتِبْعادِ اسْتِطاعَتِهِمْ، وأنَّها لا تَجُوزُ إلّا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، كَما يُفْرَضُ المُحالُ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ التَّنْبِيهُ عَلى سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، وكَوْنُ دَوامِ عَداوَتِهِمْ فِعْلًا عَبَثًا لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الغَرَضُ، ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ(لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ)؛ إذْ لا مَعْنى لِدَوامِهِمْ عَلى العَداوَةِ إنِ اسْتَطاعُوها لَكِنَّها مُسْتَبْعَدَةٌ. وذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى أنَّ حَتّى لِلْغايَةِ، والتَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ حِينَئِذٍ لِإفادَةِ أنَّ الغايَةَ مُسْتَبْعَدَةُ الوُقُوعِ والتَّقْيِيدُ بِالغايَةِ المُمْتَنِعُ وُقُوعُها شائِعٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ وفِيهِ أنَّ اسْتِبْعادِ وُقُوعِ الغايَةِ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَدَمُ انْقِطاعِ العَداوَةِ، وقَدْ أفادَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والقَوْلُ بِالتَّأْكِيدِ غَيْرُ أكِيدٍ، نَعَمْ يُمْكِنُ الحَمْلُ عَلى الغايَةِ لَوْ أُرِيدَ مِنَ المُقاتَلَةِ مَعْناها الحَقِيقِيُّ، ويَكُونُ الشَّرْطُ مُتَعَلِّقًا بِـ(لا يَزالُونَ) فَيُفِيدُ التَّقْيِيدُ أنَّ تَرْكَهُمُ المُقاتِلَةَ في بَعْضِ الأوْقاتِ لِعَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ، إلّا أنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ يَكُونُ مُبْتَذَلًا كَما لا يَخْفى. ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ الحَقِّ بِإضْلالِهِمْ وإغْوائِهِمْ أوِ الخَوْفِ مِن عَداوَتِهِمْ ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ بِأنْ لَمْ يَرْجِعْ إلى الإسْلامِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتَّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الِارْتِدادِ والمَوْتِ عَلى الكُفْرِ وما فِيهِ مِنَ البُعْدِ؛ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ في الشَّرِّ والفَسادِ، والجَمْعُ والإفْرادُ نَظَرًا لِلَّفْظِ والمَعْنى ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: صارَتْ أعْمالُهُمُ الحَسَنَةُ الَّتِي عَمِلُوها في حالَةِ الإسْلامِ فاسِدَةً بِمَنزِلَةِ ما لَمْ تَكُنْ، قِيلَ: وأصْلُ الحَبَطِ فَسادٌ يَلْحَقُ الماشِيَةَ لِأكْلِ الحُباطِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ الكَلَأِ مُضِرٌّ، وفي النِّهايَةِ أحْبَطَ اللَّهُ - تَعالى - عَمَلَهُ أبْطَلَهُ، يُقالُ: حَبِطَ عَمَلُهُ وأحْبَطَ وأحْبَطَهُ غَيْرُهُ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: حَبِطَتِ الدّابَّةُ حَبَطا بِالتَّحْرِيكِ إذا أصابَتْ مَرْعًى طَيِّبًا فَأفْرَطَتْ في الأكْلِ حَتّى تَنْتَفِخَ فَتَمُوتَ، وقُرِئَ: (حَبَطَتْ) بِالفَتْحِ، وهو لُغَةٌ فِيهِ. ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ لِبُطْلانِ ما تَخَيَّلُوهُ وفَواتِ ما لِلْإسْلامِ مِنَ الفَوائِدِ في الأُولى وسُقُوطِ الثَّوابِ في الأُخْرى. ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ 227﴾ كَسائِرِ الكَفَرَةِ، ولا يُغْنِي عَنْهم إيمانُهُمُ السّابِقُ عَلى الرِّدَّةِ شَيْئًا، واسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الرِّدَّةَ لا تُحْبِطُ الأعْمالَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْها، وذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّها لَوْ أحْبَطَتْ مُطْلَقًا لَما كانَ لِلتَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ فائِدَةٌ، والقَوْلُ بِأنَّ فائِدَتَهُ أنَّ (إحْباطَ) جَمِيعِ الأعْمالِ حَتّى لا يَكُونَ لَهُ عَمَلٌ أصْلًا مَوْقُوفٌ عَلى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ، حَتّى لَوْ ماتَ مُؤْمِنًا (لا يُحْبِطُ) إيمانَهُ، ولا عَمَلٌ يُقارِنُهُ، وذَلِكَ لا يُنافِي إحْباطَ الأعْمالِ السّابِقَةِ عَلى الِارْتِدادِ بِمُجَرَّدٍ الِارْتِدادِ مِمّا لا يَعْنِي لَهُ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الأعْمالِ في الآيَةِ الأعْمالُ السّابِقَةُ عَلى الِارْتِدادِ؛ إذْ لا مَعْنى لِحُبُوطِ ما لَمْ يَفْعَلْ، فَحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى هَذا القَوْلُ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: بِناءً عَلى أنَّهُ جَعَلَ المَوْتَ عَلَيْها شَرْطًا في الإحْباطِ، وعِنْدَ انْتِفاءِ الشَّرْطِ يَنْتَفِي المَشْرُوطُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الشَّرْطَ النَّحْوِيَّ والتَّعْلِيقِيَّ لَيْسَ بِهَذا المَعْنى، بَلْ غايَتُهُ السَّبَبِيَّةُ والمَلْزُومِيَّةُ وانْتِفاءُ السَّبَبِ أوِ المَلْزُومِ لا يُوجِبُ انْتِفاءَ المُسَبِّبِ أوِ اللّازِمِ لِجَوازِ تَعَدُّدِ الأسْبابِ، ولَوْ كانَ شَرْطًا بِهَذا المَعْنى لَمْ يُتَصَوَّرِ اخْتِلافُ القَوْلِ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، وذَهَبَ إمامُنا أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - إلى أنَّ مُجَرَّدَ الِارْتِدادِ يُوجِبُ الإحْباطَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ وما اسْتَدَلَّ بِهِ الشّافِعِيُّ لَيْسَ صَرِيحًا في المَقْصُودِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ إذا صفحة 111 كانَتْ جُمْلَةُ ( وأُولَئِكَ ) إلَخْ تَذْيِيلًا مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وأمّا لَوْ كانَتْ مَعْطُوفَةً عَلى (الجَزاءِ) وكانَ مَجْمُوعُ الإحْباطِ والخُلُودِ في النّارِ مُرَتَّبًا عَلى المَوْتِ عَلى الرِّدَّةِ، فَلا نُسَلِّمُ تَمامِيَّتَهُ، ومَن زَعَمَ ذَلِكَ اعْتَرَضَ عَلى الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - بِأنَّ اللّازِمَ عَلَيْهِ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ، وأُجِيبَ بِأنَّ حَمْلَ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ مَشْرُوطٌ عِنْدَهُ بِكَوْنِ الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ في الحُكْمِ واتِّحادِ الحادِثَةِ، وما هُنا في السَّبَبِ، فَلا يَجُوزُ الحَمْلُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُطْلَقُ سَبَبًا كالمُقَيَّدِ، وثَمَرَةُ الخِلافِ عَلى ما قِيلَ تَظْهَرُ فِيمَن صَلّى ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَمَ، والوَقْتُ باقٍ، فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ عِنْدَ الإمامِ قَضاءُ الصَّلاةِ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ وكَذا الحَجِّ، واخْتَلَفَ الشّافِعِيُّونَ فِيمَن رَجَعَ إلى الإسْلامِ بَعْدَ الرِّدَّةِ، هَلْ يَرْجِعُ لَهُ عَمَلُهُ بِثَوابِهِ أمْ لا؟ فَذَهَبَ بَعْضٌ إلى الأوَّلِ فِيما عَدا الصُّحْبَةَ، فَإنَّها تَرْجِعُ مُجَرَّدَةً عَنِ الثَّوابِ، وذَهَبَ الجُلُّ إلى الثّانِي، وأنَّ أعْمالَهُ تَعُودُ بِلا ثَوابٍ، ولا فَرْقَ بَيْنَ الصُّحْبَةِ وغَيْرِها، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو المُعْتَمَدُ في المَذْهَبِ فافْهَمْ.

البقرة 2:218

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في (الكَبِيرِ) مِن حَدِيثِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أنَّها نَزَلَتْ في السَّرِيَّةِ، لِما ظُنَّ بِهِمْ أنَّهم إنْ سَلِمُوا مِنَ الإثْمِ فَلَيْسَ لَهم أجْرٌ. ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ أيْ: فارَقُوا أوْطانَهُمْ، وأصْلُهُ مِنَ الهَجْرِ ضِدَّ الوَصْلِ. ﴿وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِإعْلاءِ دِينِهِ، وإنَّما كُرِّرَ المَوْصُولُ، مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِما واحِدٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الهِجْرَةِ والجِهادِ، فَكَأنَّهُما وإنْ كانا مَشْرُوطَيْنِ بِالإيمانِ في الواقِعِ مُسْتَقِلّانِ في تَحَقُّقِ الرَّجاءِ، وقَدَّمَ الهِجْرَةَ عَلى الجِهادِ لِتَقَدُّمِها عَلَيْهِ في الوُقُوعِ تُقَدُّمَ الإيمانِ عَلَيْهِما. ﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ: يُؤَمِّلُونَ تَعَلُّقَ رَحْمَتِهِ - سُبْحانَهُ - بِهِمْ أوْ ثَوابِهِ عَلى أعْمالِهِمْ، ومِنها تِلْكَ الغُزاةُ في الشَّهْرِ الحَرامِ، واقْتَصَرَ البَعْضُ عَلَيْها بِناءً عَلى ما رَواهُ الزُّهْرِيُّ: ”أنَّهُ لَمّا فَرَّجَ اللَّهُ - تَعالى - عَنْ أهْلِ تِلْكَ السَّرِيَّةِ ما كانُوا فِيهِ مِن غَمٍّ، طَمِعُوا فِيما عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - مِن ثَوابِهِ، فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أنَطْمَعُ أنْ تَكُونَ غَزْوَةً نُعْطى فِيها أجَرَ المُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - هَذِهِ الآيَةَ“، ولا يَخْفى أنَّ العُمُومَ أعَمُّ نَفْعًا، وأثْبَتَ لَهُمُ الرَّجاءَ دُونَ الفَوْزِ بِالمَرْجُوِّ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُوجِبٍ؛ إذْ لا اسْتِحْقاقَ بِهِ، ولا يَدُلُّ دَلالَةً قَطْعِيَّةً عَلى تَحَقُّقِ الثَّوابِ؛ إذْ لا عَلاقَةَ عَقْلِيَّةً بَيْنَهُما، وإنَّما هو تَفَضُّلٌ مِنهُ – تَعالى - سِيَّما والعِبْرَةُ بِالخَواتِيمِ، فَلَعَلَّهُ يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يُوجِبُ الحُبُوطَ، ولَقَدْ وقَعَ ذَلِكَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى كَثِيرًا، فَلا يَنْبَغِي الِاتِّكالُ عَلى العَمَلِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 228﴾ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ وتَأْكِيدٌ لَهُ، ولَمْ يَذْكُرِ المَغْفِرَةَ فِيما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ رَجاءَ الرَّحْمَةِ يَدُلُّ عَلَيْها، وقَدَّمَ وصْفَ المَغْفِرَةِ لِأنَّ دَرْأ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ المَصالِحِ.

البقرة 2:219

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: ”نَزَلَتْ في «عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ ونَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالُوا: أفْتِنا في الخَمْرِ والمَيْسِرِ، فَإنَّهُما مَذْهَبَةٌ لِلْعَقْلِ ومَسْلَبَةٌ لِلْمالِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - هَذِهِ الآيَةَ“،» وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَدِمَ المَدِينَةَ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - هَذِهِ الآيَةَ”، فَقالَ قَوْمٌ: ما حَرُما عَلَيْنا، فَكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ إلى أنْ صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا، فَدَعا أُناسًا مِنَ الصَّحابَةِ وأتاهم بِخَمْرٍ فَشَرِبُوا وسَكِرُوا وحَضَرَتْ صَلاةُ المَغْرِبِ، فَقَدَّمُوا عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -، فَقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ إلَخْ بِحَذْفِ (لا) فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ فَقَلَّ مَن يَشْرَبُها، ثُمَّ اتَّخَذَ عُتْبانُ بْنُ مالِكٍ صَنِيعًا ودَعا رِجالًا مِنَ المُسْلِمِينَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وكانَ قَدْ شَوى لَهم رَأْسَ بَعِيرٍ فَأكَلُوا مِنهُ وشَرِبُوا الخَمْرَ، حَتّى أخَذَتْ مِنهُمْ، ثُمَّ إنَّهُمُ افْتَخَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ صفحة 112 وتَناشَدُوا الأشْعارَ، فَأنْشَدَ سَعْدٌ ما فِيهِ هِجاءُ الأنْصارِ وفَخْرٌ لِقَوْمِهِ، فَأخَذَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ لِحى البَعِيرِ، فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ سَعْدٍ فَشَجَّهُ مُوَضَّحَةً، فانْطَلَقَ سَعْدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وشَكا إلَيْهِ الأنْصارَ، فَقالَ:“اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا رَأْيَكَ في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ بِأيّامٍ، فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: انْتَهَيْنا يا رَبِّ» . وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: ”لَوْ وقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنها في بِئْرٍ، فَبُنِيَتْ في مَكانِها مَنارَةٌ لَمْ أُؤَذِّنْ عَلَيْها، ولَوْ وقَعَتْ في بَحْرٍ ثُمَّ جَفَّ، فَنَبَتَ فِيهِ الكَلَأُ لَمْ أرْعَهُ دابَّتِي“. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: ”لَوْ أدْخَلْتُ أُصْبُعِي فِيها لَمْ تَتْبَعْنِي“، وهَذا هو الإيمانُ والتُّقى حَقًّا. والخَمْرُ عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: الَّتِي مِن ماءِ العِنَبِ إذا غَلى واشْتَدَّ وقُذِفَ بِالزُّبْدِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُخَمِّرُ العَقْلَ؛ أيْ: تَسْتُرُهُ ومِنهُ خِمارُ المَرْأةِ لِسَتْرِهِ وجْهَها، والخامِرُ وهو مَن يَكْتُمُ الشَّهادَةَ، وقِيلَ: لِأنَّها تُغَطّى حَتّى تَشْتَدَّ، ومِنهُ: «خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ”؛» أيْ: غَطُّوها، وقِيلَ: لِأنَّها تُخالِطُ العَقْلَ، وخامَرَهُ داءٌ خالَطَهُ، وقِيلَ: لِأنَّها تُتْرَكُ حَتّى تُدْرَكَ، ومِنهُ اخْتَمَرَ العَجِينُ؛ أيْ: بَلَغَ إدْراكَهُ، وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وعَلَيْها فالخَمْرُ مَصْدَرٌ يُرادُ بِهِ اسْمَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَبْقى عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وذَهَبَ الإمامانِ إلى عَدَمِ اشْتِراطِ القَذْفِ، ويَكْفِي الِاشْتِدادُ؛ لِأنَّ المَعْنى المُحَرَّمَ يَحْصُلُ بِهِ، ولِلْإمامِ أنَّ الغَلَيانَ بِدايَةُ الشِّدَّةِ وكَمالُها بِقَذْفِ الزُّبْدِ وسُكُونِهِ؛ إذْ بِهِ يَتَمَيَّزُ الصّافِي مِنَ الكَدِرِ، وأحْكامُ الشَّرْعِ قَطْعِيَّةٌ فَتُناطُ بِالنِّهايَةِ كالحَدِّ وإكْفارِ المُسْتَحِلِّ وحُرْمَةِ البَيْعِ، وأخَذَ بَعْضُهم بِقَوْلِهِما في حُرْمَةِ الشُّرْبِ احْتِياطًا، ثُمَّ إطْلاقُ الخَمْرِ عَلى غَيْرِ ما ذُكِرَ مَجازٌ عِنْدَنا، وهو المَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: هو حَقِيقَةٌ في كُلِّ مُسْكِرٍ؛ لِما أخْرَجَ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ: «“كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ”». وأخْرَجَ أبُو داوُدَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وهو مِن خَمْسَةٍ؛ مِنَ العِنَبِ والتَّمْرِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ، و(الخَمْرُ) ما خامَرَ العَقْلَ، وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «“الخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، وأشارَ إلى الكَرْمِ والنَّخْلَةِ”». وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ:“حَرُمَتِ الخَمْرُ حِينَ حَرُمَتْ، وما يُتَّخَذُ مِن خَمْرِ الأعْنابِ إلّا قَلِيلٌ، وعامَّةُ خَمْرِنا البُسْرُ والتَّمْرُ”، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ كُلَّهُ بَيانُ الحُكْمِ، وتَعْلِيمُ أنَّ ما أسْكَرَ حَرامٌ كالخَمْرِ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَنصِبُ الإرْشادِ، لا تَعْلِيمُ اللُّغاتِ العَرَبِيَّةِ، سِيَّما والمُخاطِبُونَ في الغايَةِ القُصْوى مِن مَعْرِفَتِها، وما يُقالُ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن مُخامَرَةِ العَقْلِ، وهي مَوْجُودَةٌ في كُلِّ مُسْكِرٍ لا يَقْتَضِي العُمُومَ، ولا يُنافِي كَوْنَ الِاسْمِ خاصًّا فِيما تَقَدَّمَ، فَإنَّ النَّجْمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ، ثُمَّ هو اسْمٌّ خاصٌّ لِلنَّجْمِ المَعْرُوفِ، لا لِكُلِّ ما ظَهَرَ، وهَذا كَثِيرُ النَّظِيرِ، وتَوَسَّطَ بَعْضُهم فَقالَ: إنَّ (الخَمْرَ) حَقِيقَةٌ في لُغَةِ العَرَبِ في الَّتِي مِن ماءِ العِنَبِ إذا صارَ مُسْكِرًا، وإذا اسْتُعْمِلَ في غَيْرِهِ كانَ مَجازًا، إلّا أنَّ الشّارِعَ جَعَلَهُ حَقِيقَةً في كُلِّ مُسْكِرٍ شابَهَ مَوْضُوعَهُ اللُّغَوِيَّ، فَهو في ذَلِكَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ كالصَّلاةِ والصَّوْمِ والزَّكاةِ في مَعانِيها المَعْرُوفَةِ شَرْعًا، والخِلافُ قُوِيٌّ، ولِقُوَّتِهِ ووُقُوعِ الإجْماعِ عَلى تَسْمِيَةِ المُتَّخِذِ مِنَ العِنَبِ خَمْرًا دُونَ المُسْكِرِ مِن غَيْرِهِ أكْفَرُوا مُسْتَحِلَّ الأوَّلِ، ولَمْ يُكَفِّرُوا مُسْتَحِلَّ الثّانِي، بَلْ قالُوا: إنَّ عَيْنَ الأوَّلِ حَرامٌ غَيْرُ مَعْلُولٍ بِالسُّكْرِ ولا مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، ومَن أنْكَرَ حُرْمَةَ العَيْنِ وقالَ: إنَّ السُّكْرَ مِنهُ حَرامٌ؛ لِأنَّهُ بِهِ يَحْصُلُ الفَسادُ، فَقَدْ كَفَرَ لِجُحُودِهِ الكِتابَ؛ إذْ سَمّاهُ رِجْسًا فِيهِ، والرِّجْسُ مُحَرَّمُ العَيْنِ فَيَحْرُمُ كَثِيرُهُ وإنْ لَمْ يُسْكِرْ، وكَذا قَلِيلُهُ ولَوْ قَطْرَةٌ، ويُحَدُّ شارِبُهُ مُطْلَقًا، وفي الخَبَرِ: «“حَرُمَتِ الخَمْرُ لِعَيْنِها”، وفي رِوايَةٍ:“بِعَيْنِها قَلِيلِها وكَثِيرِها سَواءٌ”، والسُّكْرُ مِن كُلِّ شَرابٍ»، وقالُوا: إنَّ الطَّبْخَ لا يُؤَثِّرُ؛ لِأنَّهُ لِلْمَنعِ مِن ثُبُوتٍ الحُرْمَةِ، لا لِرَفْعِها بَعْدَ ثُبُوتِها، إلّا أنَّهُ لا يُحَدُّ فِيهِ ما لَمْ يُسْكَرْ مِنهُ، بِناءً عَلى أنَّ الحَدَّ صفحة 113 بِالقَلِيلِ النِّيِّئِ خاصَّةً - وهَذا قَدْ طُبِخَ - وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ فالعَصِيرُ إذا طُبِخَ حَتّى يَذْهَبَ أقَلُّ مِن ثُلْثَيْهِ وهو المَطْبُوخُ أدْنى طَبْخِهِ - ويُسَمّى الباذِقَ - والمُنَصَّفُ وهو ما ذَهَبَ نِصْفُهُ بِالطَّبْخِ، فَحَرامٌ عِنْدِنا إذا غَلى واشْتَدَّ وقُذِفَ بِالزُّبْدِ، أوْ إذا اشْتَدَّ عَلى الِاخْتِلافِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ وأكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ: إنَّهُ مُباحٌ؛ لِأنَّهُ مَشْرُوبٌ طَيِّبٌ ولَيْسَ بِخَمْرٍ، ولَنا أنَّهُ رَقِيقٌ مُلِدٌّ مُطْرِبٌ، ولِذا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الفُسّاقُ، فَيُحَرَّمُ شُرْبُهُ رَفَعًا لِلْفَسادِ المُتَعَلِّقِ بِهِ، وأمّا نَقِيعُ التَّمْرِ وهو السُّكْرُ - وهو النِّيِّئُ مِن ماءِ التَّمْرِ - فَحَرامٌ مَكْرُوهٌ، وقالَ شَرِيكٌ: إنَّهُ مُباحٌ لِلِامْتِنانِ ولا يَكُونُ بِالمُحَرَّمِ، ويَرُدُّهُ إجْماعُ الصَّحابَةِ، والآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى الِابْتِداءِ، كَما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ، وقِيلَ: أرادَ بِها التَّوْبِيخَ؛ أيْ: أتَتَّخِذُونَ ﴿مِنهُ سَكَرًا﴾ وتَدَّعُونَ ( رِزْقًا حَسَنًا ) وأمّا نَقِيعُ الزَّبِيبِ - وهو النِّيِّئُ مِن ماءِ الزَّبِيبِ، فَحَرامٌ إذا اشْتَدَّ وغَلى، وفِيهِ خِلافُ الأوْزاعِيِّ، ونَبِيذُ الزَّبِيبِ والتَّمْرِ إذا طُبِخَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أدْنى طَبْخَةٍ حَلالٌ، وإنِ اشْتَدَّ إذا شُرِبَ مِنهُ ما يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ لا يُسْكِرُ مِن غَيْرِ لَهْوٍ ولا طَرَبٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ والشّافِعِيِّ حَرامٌ، ونَبِيذُ العَسَلِ والتِّينِ والحِنْطَةِ والذُّرَةِ والشَّعِيرِ وعَصِيرُ العِنَبِ إذا طُبِخَ وذَهَبَ ثُلْثاهُ حَلالٌ عِنْدَ الإمامِ الأوَّلِ والثّانِي، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ والشّافِعِيِّ حَرامٌ أيْضًا، وأفْتى المُتَأخِّرُونَ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ في سائِرِ الأشْرِبَةِ، وذَكَرَ ابْنُ وهْبانَ أنَّهُ مُرْوِيٌّ عَنِ الكُلِّ، ونَظَمَ ذَلِكَ، فَقالَ: وفي عَصْرِنا فاخْتِيرَ حَدٌّ وأوْقَعُوا طَلاقًا لِمَن مِن مُسْكِرِ الحَبِّ يَسْكَرُ وعَنْ كُلِّهِمْ يُرْوى، وأفْتى مُحَمَّدٌ بِتَحْرِيمِ ما قَدْ – قَلَّ – وهو المُحَرَّرُ وعِنْدِي أنَّ الحَقَّ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ أنَّ الشَّرابَ المُتَّخَذَ مِمّا عَدّا العِنَبَ كَيْفَ كانَ وبِأيِّ اسْمٍ سُمِّيَ مَتى كانَ بِحَيْثُ يَسْكَرُ مَن لَمْ يَتَعَوَّدْهُ حَرامٌ، وقَلِيلُهُ كَكَثِيرِهِ، ويُحَدُّ شارِبُهُ ويَقَعُ طَلاقُهُ ونَجاسَتُهُ غَلِيظَةٌ. وفِي الصَّحِيحَيْنِ: «أنَّهُ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ النَّقِيعِ، وهو نَبِيذُ العَسَلِ، فَقالَ:“كُلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فَهو حَرامٌ”،» ورَوى أبُو داوُدَ: «“نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ ومُفْتِرٍ”،» وصَحَّ: «“ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ”،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «“ما أسْكَرَ الفِرْقُ مِنهُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنهُ حَرامٌ» والأحادِيثُ مُتَظافِرَةٌ عَلى ذَلِكَ، ولَعَمْرِي إنَّ اجْتِماعَ الفُسّاقِ في زَمانِنا عَلى شُرْبِ المُسْكِراتِ مِمّا عَدا (الخَمْرِ) ورَغْبَتَهم فِيها فَوْقَ اجْتِماعِهِمْ عَلى شُرْبِ (الخَمْرِ) ورَغْبَتِهِمْ فِيهِ بِكَثِيرٍ، وقَدْ وضَعُوا لَها أسْماءً كالعَنْبَرِيَّةِ والإكْسِيرِ ونَحْوِهِما ظَنًّا مِنهم أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ تُخْرِجُها مِنَ الحُرْمَةِ وتُبِيحُ شُرْبَها لِلْأُمَّةِ - وهَيْهاتَ هَيْهاتَ - الأمْرُ وراءَ ما يَظُنُّونَ، فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، نَعَمْ حُرْمَةُ هَذِهِ الأشْرِبَةِ دُونَ حُرْمَةِ الخَمْرِ حَتّى لا يُكَفَّرَ مُسْتَحَلُّها كَما قَدَّمْنا؛ لِأنَّها اجْتِهادِيَّةٌ، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى القَوْلِ بِالتَّكْفِيرِ لَمْ يَبْقَ في يَدِهِ مِنَ النّاسِ اليَوْمَ إلّا قَلِيلٌ. والمَيْسِرِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن (يَسَرَ) كالمَوْعِدِ والمَرْجِعِ، يُقالُ: يَسَرْتَهُ إذا قَمَرْتَهُ، واشْتِقاقُهُ إمّا مِنَ (اليُسْرِ)؛ لِأنَّهُ أخَذَ المالَ بِيُسْرٍ وسُهُولَةٍ، أوْ مِنَ اليَسارِ؛ لِأنَّهُ سُلِبَ لَهُ، وقِيلَ: مِن يَسَّرُوا الشَّيْءَ إذا اقْتَسَمُوهُ، وسُمِّيَ المُقامِرُ ياسِرًا؛ لِأنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الفِعْلِ يُجْزِئُ لَحْمَ الجَزُورِ، وقالَ الواحِدِيُّ: مِن يُسْرِ الشَّيْءِ إذا وجَبَ، والياسِرُ الواجِبُ بِسَبَبِ القَدَحِ، وصِفَتُهُ أنَّهُ كانَتْ لَهم عَشَرَةُ أقْداحٍ هي الأزْلامُ والأقْلامُ الفَذُّ والتَّوْأمُ والرَّقِيبُ والحِلْسُ والنّافِسُ والمُسْبِلُ والمُعْلّى والمَنِيحُ والسَّفِيحُ والوَغْدُ؛ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها نَصِيبٌ مَعْلُومٌ مِن جَزُورٍ يَنْحَرُونَها، ويُجَزِّءُونَها ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ إلّا الثَّلاثَةَ، وهو المَنِيحُ والسَّفِيحُ والوَغْدُ، لِلْفَذِّ سَهْمٌ، ولِلتَّوْأمِ سَهْمانِ، ولِلرَّقِيبِ ثَلاثَةٌ، ولِلْحِلْسِ أرْبَعَةٌ، ولِلنّافِسِ خَمْسَةٌ، ولِلْمُسْبِلِ سِتَّةٌ، ولِلْمُعْلّى سَبْعَةٌ يَجْعَلُونَها في الرَّبابَةِ - وهي خَرِيطَةٌ - ويَضَعُونَها عَلى يَدَيْ عَدْلٍ، ثُمَّ صفحة 114 يُجَلْجِلُها، ويُدْخِلُ يَدَهُ فَيَخْرُجُ بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ قَدَحًا مِنها، فَمَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِن ذَواتِ الأنْصِباءِ أخَذَ النَّصِيبَ المَوْسُومَ بِهِ ذَلِكَ القَدَحُ، ومَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِمّا لا نَصِيبَ لَهُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا وغَرِمَ ثَمَنَ الجَزُورِ كُلِّهِ مَعَ حِرْمانِهِ، وكانُوا يَدْفَعُونَ تِلْكَ الأنْصِباءَ إلى الفُقَراءِ ولا يَأْكُلُونَ مِنها، ويَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ ويَذُمُّونَ مَن لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ويُسَمُّونَهُ البَرِمَ. ونَقَلَ الأزْهَرِيُّ كَيْفِيَّةً أُخْرى لِذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرِ الوَغْدَ في الأسْماءِ بَلْ ذَكَرَ غَيْرَهُ، والَّذِي اعْتَمَدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وكَثِيرُونَ ما ذَكَرْناهُ، وقَدْ نَظَمَ بَعْضُهم هَذِهِ الأسْماءَ، فَقالَ: كُلُّ سِهامِ الياسِرِينَ عَشَرَهْ فَأوْدِعُوها صُحُفًا مُنَشَّرَهْ لَها فُرُوضٌ ولَها نَصِيبُ الفَذُّ والتَّوْأمُ والرَّقِيبُ والحِلْسُ يَتْلُوهُنَّ ثُمَّ النّافِسُ وبَعْدَهُ مُسْبِلُهُنَّ السّادِسُ ثُمَّ المُعلّى كاسْمِهِ المُعَلّى صاحِبُهُ في الياسِرِينَ الأعْلى والوَغْدُ والسَّفِيحُ والمَنِيح غُفْلٌ فَما فِيما يُرى رَبِيحُ وفي حُكْمِ ذَلِكَ جَمِيعُ أنْواعِ القِمارِ مِنَ النَّرْدِ والشَّطْرَنْجِ وغَيْرِهِما، حَتّى أدْخَلُوا فِيهِ لَعِبَ الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ والكِعابِ والقَرْعَةِ في غَيْرِ القِسْمَةِ وجَمِيعَ أنْواعِ المُخاطَرَةِ والرِّهانِ. وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ خَطَرٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ، ومَعْنى الآيَةِ يَسْألُونَكَ عَمّا في تَعاطِي هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، ودَلَّ عَلى التَّقْدِيرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما﴾ إذِ المُرادُ في تَعاطِيهِما بِلا رَيْبَ ﴿إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ مِن حَيْثُ إنَّ تَناوُلَهُما مُؤَدٍّ إلى ما يُوجِبُ الإثْمَ، وهو تَرْكُ المَأْمُورِ، وفِعْلُ المَحْظُورِ ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ مِنَ اللَّذَّةِ والفَرَحِ وهَضْمِ الطَّعامِ وتَصْفِيَةِ اللَّوْنِ وتَقْوِيَةِ الباهِ وتَشْجِيعِ الجَبانِ وتَسَخِّيَةِ البَخِيلِ وإعانَةِ الضَّعِيفِ، وهي باقِيَةٌ قَبْلَ التَّحْرِيمِ وبَعْدَهُ، وسَلْبُها بَعْدَ التَّحْرِيمِ مِمّا لا يُعْقَلُ ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وخَبَرُ: «ما جَعَلَ اللَّهُ - تَعالى - شِفاءَ أُمَّتِي فِيما حَرُمَ عَلَيْها» لا دَلِيلَ فِيهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ كَما لا يَخْفى. ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ أيِ: المَفاسِدِ الَّتِي تَنْشَأُ مِنها أعْظَمُ مِنَ المَنافِعِ المُتَوَقَّعَةِ فِيهِما، فَمِن مَفاسِدِ الخَمْرِ إزالَةُ العَقْلِ الَّذِي هو أشْرَفُ صِفاتِ الإنْسانِ، وإذا كانَتْ عَدْوَةً لِلْأشْرَفِ لَزِمَ أنْ تَكُونَ أخَسَّ الأُمُورِ؛ لِأنَّ العَقْلَ إنَّما سُمِّيَ عَقْلًا؛ لِأنَّهُ يَعْقِلُ - أيْ يَمْنَعُ صاحِبَهُ عَنِ القَبائِحِ الَّتِي يَمِيلُ إلَيْها بِطَبْعِهِ - فَإذا شَرِبَ زالَ ذَلِكَ العَقْلُ المانِعُ عَنِ القَبائِحِ وتَمَكَّنَ إلْفُها - وهو الطَّبْعُ - فارْتَكَبَها وأكْثَرَ مِنها، ورُبَّما كانَ ضِحْكَةً لِلصِّبْيانِ حَتّى يَرْتَدَّ إلَيْهِ عَقْلُهُ. ذَكَرابْنُ أبِي الدُّنْيا أنَّهُ مَرَّ بِسَكْرانٍ وهو يَبُولُ بِيَدِهِ ويَغْسِلُ بِهِ وجْهَهُ كَهَيْئَةِ المُتَوَضِّئِ، ويَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الإسْلامَ نُورًا والماءَ طَهُورًا. وعَنِ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ في الجاهِلِيَّةِ: ألا تَشْرَبُ الخَمْرَ، فَإنَّها تَزِيدُ في حَرارَتِكَ؟ فَقالَ: ما أنا بِآخِذٍ جَهْلِي بِيَدِي فَأُدْخِلَهُ جَوْفِي، ولا أرْضى أنْ أُصْبِحَ سَيِّدَ قَوْمٍ وأُمْسِيَ سَفِيهَهم. ومِنها صَدُّها عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ - تَعالى - وعَنِ الصَّلاةِ وإيقاعُها العَداوَةَ والبَغْضاءَ غالِبًا. ورُبَّما يَقَعُ القَتْلُ بَيْنَ الشّارِبِينَ في مَجْلِسِ الشُّرْبِ، ومِنها أنَّ الإنْسانَ إذا ألِفَها اشْتَدَّ مَيْلُهُ إلَيْها، وكادَ يَسْتَحِيلُ مُفارَقَتُهُ لَها وتَرْكُهُ إيّاها، ورُبَّما أوْرَثَتْ فِيهِ أمْراضًا كانَتْ سَبَبًا لِهَلاكِهِ، وقَدْ ذَكَرَ الأطِبّاءُ لَها مَضارَّ بَدَنِيَّةً كَثِيرَةً، كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ الطِّبِّ، وبِالجُمْلَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيها سِوى إزالَةِ العَقْلِ والخُرُوجِ عَنْ حَدِّ الِاسْتِقامَةِ لَكَفى، فَإنَّهُ إذا اخْتَلَّ العَقْلُ حَصَلَتِ الخَبائِثُ بِأسْرِها، ولِذَلِكَ قالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”اجْتَنِبُوا الخَمْرَ، فَإنَّها أُمُّ الخَبائِثِ“،» ولَمْ يَثْبُتْ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - شَرِبُوها في وقْتٍ أصْلًا، ومِن مَفاسِدِ (المَيْسِرِ) أنَّ فِيهِ أكْلَ الأمْوالِ بِالباطِلِ، وأنَّهُ يَدْعُو كَثِيرًا صفحة 115 مِنَ المُقامِرِينَ إلى السَّرِقَةِ وتَلَفِ النَّفْسِ وإضاعَةِ العِيالِ وارْتِكابِ الأُمُورِ القَبِيحَةِ والرَّذائِلِ الشَّنِيعَةِ والعَداوَةِ الكامِنَةِ والظّاهِرَةِ، وهَذا أمْرٌ مُشاهَدٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مَن أعْماهُ اللَّهُ تَعالى وأصَمَّهُ، ولِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى أعَظْمِيَّةِ المَفاسِدِ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّها هي المُحَرِّمَةُ لِلْخَمْرِ، فَإنَّ المَفْسَدَةَ إذا تَرَجَّحَتْ عَلى المَصْلَحَةِ اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ الفِعْلِ، وزادَ بَعْضُهم عَلى ذَلِكَ بِأنَّ فِيها الإخْبارَ بِأنَّ فِيها الإثْمَ الكَبِيرَ، والإثْمُ إمّا العِقابُ أوْ سَبَبُهُ، وكُلٌّ مِنهُما لا يُوصَفُ بِهِ إلّا المُحَرَّمُ، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في التَّحْرِيمِ كَما قالَ قَتادَةُ: إذْ لِلْقائِلِ أنْ يَقُولَ: الإثْمُ بِمَعْنى المَفْسَدَةِ، ولَيْسَ رُجْحانُ المُفْسِدَةِ مُقْتَضِيًا لِتَحْرِيمِ الفِعْلِ بَلْ لِرُجْحانِهِ، ومِن هُنا شَرِبَها كِبارُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بَعْدَ نُزُولِها، وقالُوا: إنَّما نَشْرَبُ ما يَنْفَعُنا، ولَمْ يَمْتَنِعُوا حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ المائِدَةِ، فَهي المُحَرِّمَةُ مِن وُجُوهٍ، كَما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى -، وقُرِئَ: (إثْمٌ كَثِيرٌ) بِالمُثَلَّثَةِ، وفي تَقْدِيمِ الإثْمِ ووَصْفِهِ بِالكِبَرِ أوِ الكَثْرَةِ وتَأْخِيرِ ذِكْرِ المَنافِعِ مَعَ تَخْصِيصِها بِالنّاسِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غَلَبَةِ الأوَّلِ ما لا يَخْفى، وقَرَأ أُبَيٌّ: (وإثْمُهُما أقْرَبُ مِن نَفْعِهِما). ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «”أنَّ نَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ أُمِرُوا بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ - تَعالى - أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالُوا: إنّا لا نَدْرِي ما هَذِهِ النَّفَقَةُ الَّتِي أُمِرْنا بِها في أمْوالِنا، فَما نُنْفِقُ مِنها؟ فَنَزَلَتْ“؛ وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُنْفِقُ الرَّجُلُ مالَهُ حَتّى ما يَجِدَ ما يَتَصَدَّقُ، ولا ما يَأْكُلُ حَتّى يُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ». وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ أبانَ عَنْ يَحْيى، أنَّهُ بَلَغَهُ «”أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لَنا أرِقّاءَ وأهْلِينَ، فَما نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ“،» وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى يَسْألُونَكَ قَبْلَها عَطْفُ القَصَّةِ عَلى القَصَّةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ كَنَظِيرَتِها، وكَأنَّهُ سُئِلَ أوَّلًا عَنِ المُنْفَقِ والمَصْرِفِ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ بِقَرِينَةِ الجَوابِ، فالمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنْ صِفَةِ ما يُنْفِقُونَهُ ﴿قُلِ العَفْوَ﴾ أيْ: صِفَتِهِ أنْ يَكُونَ عَفْوًا فَكَلِمَةُ ما لِلسُّؤالِ عَنِ الوَصْفِ كَما يُقالُ: ما زِيدُ؟ فَيُقالُ: كَرِيمٌ، إلّا إنَّهُ قَلِيلٌ في الِاسْتِعْمالِ، وأصْلُ العَفْوِ نَقِيضُ الجُهْدِ، ولِذا يُقالُ لِلْأرْضِ المُمَهَّدَةِ السَّهْلَةِ الوَطْءُ: عَفْوٌ، والمُرادُ بِهِ ما لا يَتَبَيَّنُ في الأمْوالِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: الفَضْلُ مِنَ العِيالِ، وعَنِ الحَسَنِ: ما لا يُجْهِدُ. أخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ“،» وأخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْهُ أيْضًا، أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما أبْقَتْ غِنى، واليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ، تَقُولُ المَرْأةُ: أنْفِقْ عَلَيَّ أوْ طَلِّقْنِي، ويَقُولُ مَمْلُوكُكَ: أنْفِقْ عَلَيَّ أوْ بِعْنِي، ويَقُولُ ولَدُكَ: إلى مَن تَكِلُنِي“،» وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ جابِرٍ، قالَ: «قَدِمَ أبُو حَصِينٍ السُّلَمِيُّ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الحَمامَةِ مِن ذَهَبٍ، فَقالَ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ، أصَبْتُ هَذِهِ مِن مَعْدِنٍ، فَخُذْها فَهي صَدَقَةٌ، ما أمْلِكُ غَيْرَها، فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، ثُمَّ أتاهُ مِن قِبَلِ رُكْنِهِ الأيْمَنِ، فَقالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أتاهُ مِن رُكْنِهِ الأيْسَرِ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أتاهُ مِن خَلْفِهِ، فَأخَذَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَحَذَفَهُ بِها، فَلَوْ أصابَتْهُ لَأوْجَعَتْهُ أوْ لَعَقَرَتْهُ، فَقالَ: يَأْتِي أحَدُكم بِما يَمْلِكُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ“». وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ عَلى أنَّ ( ماذا يُنْفِقُونَ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ الفِعْلِ، و(ماذا) مَفْعُولُ (يُنْفِقُونَ) لِيُطابِقَ الجَوابُ السُّؤالَ. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ: مِثْلِ ما بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أصْلَحُ مِنَ الجُهْدِ؛ لِأنَّهُ أبْقى لِلِبانِ وأكْثَرُ نَفْعًا في الآخِرَةِ، فالمُشارُ إلَيْهِ ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾ وإيرادُ صِيغَةِ البَعِيدِ مَعَ قُرْبِهِ لِكَوْنِهِ صفحة 116 مَعْنى مُتَقَدِّمَ الذِّكْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ إذْ لا مُخَصَّصٌ مَعَ كَوْنِ التَّعْمِيمِ أفْيَدُ، والقُرْبُ إنَّما يُرَجِّحُ القَرِيبَ عَلى ما سِواهُ فَقَطْ، وجَعْلُ المُشارِ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ عَلى ما فِيهِ لا يَخْفى بُعْدُهُ، والكافُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، واللّامُ في الآياتِ لِلْجِنْسِ؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكُمُ الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلى الأحْكامِ تَبْيِينًا مِثْلَ هَذا التَّبْيِينِ، إمّا بِإنْزالِها واضِحَةَ الدَّلالَةِ، أوْ بِإزالَةِ إجْمالِها بِآيَةٍ أُخْرى، أوْ بِبَيانٍ مِن قِبَلِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ ( كَذَلِكم ) عَلى طِبْقِ ( لَكم ) لَكِنَّهُ وُحِّدَ بِتَأْوِيلِ نَحْوِ القَبِيلَةِ أوِ الجَمْعِ مِمّا هو مُفْرَدُ اللَّفْظِ جَمْعُ المَعْنى رَوْمًا لِلتَّخْفِيفِ لِكَثْرَةِ لُحُوقِ عَلامَةِ الخِطابِ بِاسْمِ الإشارَةِ، وقِيلَ: إنَّ الإفْرادَ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ كُلُّ مَن يَتَلَقّى الكَلامَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وفِيهِ أنَّهُ يَلْزَمُ تَعَدُّدُ الخِطابِ في كَلامٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ عَطْفٍ، وذا لا يَجُوزُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرِّضى ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ 229﴾ أيْ: في الآياتِ، فَتَسْتَنْبِطُوا الأحْكامَ مِنها وتَفْهَمُوا المَصالِحَ والمَنافِعَ المَنُوطَةَ بِها، وبِهَذا التَّقْدِيرِ حَسُنَ كَوْنُ تَرْجِّي التَّفَكُّرِ غايَةً لِتَبْيِينِ الآياتِ.

البقرة 2:220

﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ: في أُمُورِهِما، فَتَأْخُذُونَ بِالأصْلَحِ مِنهُما، وتَجْتَنِبُونَ عَمّا يَضُرُّكم ولا يَنْفَعُكم أوْ يَضُرُّكم أكْثَرَ مِمّا يَنْفَعُكُمْ، والجارُّ بَعْدَ تَقْدِيرِ المُضافِ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَتَفَكَّرُونَ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِالأوَّلِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ يُبَيِّنُ أيْ: يُبَيِّنُ لَكُمُ الآياتِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ وقَدَّمَ التَّفَكُّرَ لِلِاهْتِمامِ، وفِيهِ أنَّهُ خِلافُ ظاهِرِ النَّظْمِ، مَعَ أنَّ تَرَجِّي أصْلِ التَّفَكُّرِ لَيْسَ غايَةً لِعُمُومِ التَّبْيِينِ، فَلا بُدَّ مِن عُمُومِ التَّفَكُّرِ، فَيَكُونُ المُرادُ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ في أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفي التَّكْرارِ رَكاكَةٌ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الآياتِ؛ أيْ: يُبَيِّنُها لَكم كائِنَةً فِيهِما؛ أيْ: مُبَيِّنَةٍ لِأحْوالِكُمُ المُتَعَلِّقَةِ بِهِما، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ومِنَ النّاسِ مَن لَمْ يُقَدِّرْ (لِيَتَفَكَّرُونَ) مُتَعَلِّقًا، وجَعَلَ المَذْكُورَ مُتَعَلِّقًا بِها؛ أيْ: بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لِتَتَفَكَّرُوا في الدُّنْيا وزَوالِها والآخِرَةِ وبَقائِها، فَتَعْلَمُوا فَضْلَ الآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا، وهو المُرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - وقَتادَةَ والحَسَنِ. ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن نَظِيرِهِ، أخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، قالَ: «”لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ و﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى﴾ الآيَةَ، انْطَلَقَ مَن كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ، فَعَزَلَ طَعامَهُ مِن طَعامِهِ وشَرابَهُ مِن شَرابِهِ، فَجَعَلَ يُفَضِّلُ لَهُ الشَّيْءَ مِن طَعامِهِ، فَيَحْبِسُ لَهُ حَتّى يَأْكُلَهُ أوْ يَفْسَدَ فَيَرْمِيَ بِهِ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فَنَزَلَتْ“،» والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنِ القِيامِ بِأمْرِ اليَتامى، أوِ التَّصَرُّفِ في أمْوالِهِمْ، أوْ عَنْ أمْرِهِمْ وكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَهم ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ أيْ: مُداخَلَتِهِمْ مُداخَلَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إصْلاحُهم أوْ إصْلاحُ أمْوالِهِمْ بِالتَّنْمِيَةِ والحِفْظِ خَيْرٌ مِن مُجانَبَتِهِمْ، وفي الِاحْتِمالِ الأوَّلِ إقامَةُ غايَةِ الشَّيْءِ مَقامَهُ. ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى سابِقِهِ، والمَقْصُودُ الحَثُّ عَلى المُخالَطَةِ المَشْرُوطَةِ بِالإصْلاحِ مُطْلَقًا؛ أيْ: إنْ تُخالِطُوهم في الطَّعامِ والشَّرابِ والمَسْكَنِ والمُصاهَرَةِ تُؤَدُّوا اللّائِقَ بِكُمْ؛ لِأنَّهم إخْوانُكم أيْ في الدِّينِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ: المُخالَطَةُ أنْ يَشْرَبَ مَن لَبَنِكَ وتَشْرَبَ مِن لَبَنِهِ، ويَأْكُلَ في قَصْعَتِكَ وتَأْكُلَ في قَصْعَتِهِ، ويَأْكُلَ مِن تَمْرَتِكَ وتَأْكُلَ مِن تَمْرَتِهِ، واخْتارَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّ المُرادَ بِالمُخالَطَةِ المُصاهَرَةُ، وأُيِّدَ بِما نَقَلَهُ الزَّجّاجُ أنَّهم كانُوا يَظْلِمُونَ اليَتامى فَيَتَزَوَّجُونَ مِنهُمُ العَشَرَةَ ويَأْكُلُونَ أمْوالَهُمْ، فَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ في أمْرِ اليَتامى تَشْدِيدًا خافُوا مَعَهُ التَّزَوُّجَ بِهِمْ صفحة 117 فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأعْلَمَهم – سُبْحانَهُ - أنَّ الإصْلاحَ لَهم خَيْرُ الأشْياءِ، وأنَّ مُخالَطَتَهم في التَّزْوِيجِ مَعَ تَحَرِّي الإصْلاحِ جائِزَةٌ، وبِأنَّ فِيهِ عَلى هَذا الوَجْهِ تَأْسِيسًا؛ إذِ المُخالَطَةُ بِالشَّرِكَةِ فُهِمَتْ مِمّا قَبِلَ، وبِأنَّ المُصاهَرَةَ مُخالَطَةٌ مَعَ اليَتِيمِ نَفْسِهِ بِخِلافِ ما عَداها، وبِأنَّ المُناسَبَةَ حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّها المَشْرُوطَةُ بِالإسْلامِ، فَإنَّ اليَتِيمَ إذا كانَ مُشْرِكًا يَجِبُ تَحَرِّي الإصْلاحَ في مُخالَطَتِهِ فِيما عَدا المُصاهَرَةَ، وبِأنَّهُ يَنْتَظِمُ عَلى ذَلِكَ النَّهْيِ الآتِي بِما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: المُخالَطَةُ المَندُوبَةُ إنَّما هي في اليَتامى الَّذِينَ هم إخْوانُكُمْ، فَإنْ كانَ اليَتِيمُ مِنَ المُشْرِكاتِ فَلا تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ ما نَقَلَهُ الزَّجّاجُ أضْعَفَ مِنَ الزُّجاجِ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتُ ذَلِكَ في أسْبابِ النُّزُولِ في كِتابٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والزَّجّاجُ وأمْثالُهُ لَيْسُوا مِن فُرْسانِ هَذا الشَّأْنِ، وبِأنَّ التَّأْسِيسَ لا يُنافِي الحَثَّ عَلى المُخالَطَةِ، لِما أنَّ القَوْمَ تَجَنَّبُوا عَنْها كُلَّ التَّجَنُّبِ، وأنَّ إطْلاقَ المُخالَطَةِ أظْهَرُ مِن تَخْصِيصِها بِخَلْطِ نَفْسِهِ، وأنَّ المُناسِبَةَ والِانْتِظامَ حاصِلانِ بِدُخُولِ المُصاهَرَةِ في مُطْلَقِ المُخالَطَةِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ﴾ في أُمُورِهِمْ بِالمُخالَطَةِ ﴿مِنَ المُصْلِحِ﴾ لَها بِها، فَيُجازِي كُلًّا حَسَبَ فِعْلِهِ أوْ نِيَّتِهِ، فَفي الآيَةِ وعِيدٌ، ووَعَدَهم وقَدَّمَ المُفْسِدَ اهْتِمامًا بِإدْخالِ الرَّوْعِ عَلَيْهِ و(ألْ) في المَوْضِعَيْنِ لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: لِلِاسْتِغْراقِ، ويَدْخُلُ المَعْهُودُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وكَلِمَةُ (مِن) لِلْفَضْلِ وضِمْنُ يَعْلَمُ مَعْنى يُمَيِّزُ، فَلِذا عَدّاهُ بِها. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ أيْ: لَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ، ولَمْ يُجَوِّزْ لَكم مُخالَطَتُهُمْ، أوْ لَجَعَلَ ما أصَبْتُمْ مِن أمْوالِ اليَتامى مُوبِقًا - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - وأصْلُ الإعْناتِ الحَمْلُ عَلى مَشَقَّةٍ لا تُطْلِقُ ثِقْلًا، ويُقالُ: عَنِتَ العَظْمُ عَنَتًا إذا أصابَهُ وهَنٌ أوْ كَسْرٌ بَعْدَ جَبْرٍ، وحَذْفُ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ لِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِكَمالِ لُطْفِهِ – سُبْحانَهُ - ورَحْمَتِهِ؛ حَيْثُ لَمْ يُعَلِّقْ مَشِيئَتَهُ بِما يَشُقُّ عَلَيْنا في اللَّفْظِ أيْضًا، وفي الجُمْلَةِ تَذْكِيرٌ بِإحْسانِهِ - تَعالى - عَلى أوْصِياءِ اليَتامى. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ لا يُعْجِزُهُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إعْناتُكم ﴿حَكِيمٌ 220﴾ فاعِلٌ لِأفْعالِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَتَّسِعُ لَهُ الطّاقَةُ الَّتِي هي أساسُ التَّكْلِيفِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ وتَأْكِيدٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حُكْمِ النَّفْيِ والإثْباتِ؛ أيْ: ولَوْ شاءَ لَأعَنْتَكم لِكَوْنِهِ غالِبًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ لِكَوْنِهِ حَكِيمًا، وفي الآيَةِ - كَما قالَ الكِيا - دَلِيلٌ لِمَن جَوَّزَ خَلْطَ مالِ الوَلِيِّ بِمالِ اليَتِيمِ والتَّصَرُّفَ فِيهِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ ودَفْعَهُ مُضارَبَةً إذا وافَقَ الإصْلاحَ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ في أحْكامِ الحَوادِثِ؛ لِأنَّ الإصْلاحَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ إنَّما يُعْلَمُ مِنَ الِاجْتِهادِ وغَلَبَةِ الظَّنِّ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ بِتَأْدِيبِ اليَتِيمِ وضَرْبِهِ بِالرِّفْقِ لِإصْلاحِهِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا ذَكَرَ السُّؤالَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وكانَ في تَرْكِها مُراعاةٌ لِتَنْمِيَةِ المالِ، ناسَبَ ذَلِكَ النَّظَرَ في حالِ اليَتِيمِ، فالجامِعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ في تَرْكِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ إصْلاحَ أحْوالِهِمْ أنْفُسَهُمْ، وفي النَّظَرِ في أحْوالِ اليَتامى إصْلاحًا لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هو عاجِزٌ أنْ يُصْلِحَ نَفْسَهُ، فَمَن تَرَكَ ذَلِكَ وفَعَلَ هَذا فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ النَّفْعِ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ.