Tafsir Al-Alusi — البقرة 2:221 – البقرة 2:266
المحتويات
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:223
- البقرة 2:224
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
- البقرة 2:227
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:231
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:250
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
البقرة 2:221
﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ رَوى الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعَثَ رَجُلًا مِن غِنى، يُقالُ لَهُ: مَرْثَدُ بْنُ أبِي مَرْثَدٍ حَلِيفًا لِبَنِي هاشِمٍ إلى مَكَّةَ؛ لِيُخْرِجَ أُناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِها أسْرى، فَلَمّا قَدِمَها سَمِعَتْ بِهِ امِرْأةٌ يُقالُ لَها: عَناقٌ، وكانَتْ خَلِيلَةً لَهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسْلَّمَ أعْرَضَ عَنْها، فَأتَتْهُ فَقالَتْ: ويَحُكَ يا مَرْثَدُ، ألا تَخْلُو؟ فَقالَ لَها: إنَّ الإسْلامَ قَدْ حالَ بَيْنِي وبَيْنَكِ وحَرَّمَهُ عَلَيْنا، ولَكِنْ إنْ شِئْتِ تَزَوَّجْتُكِ؟ فَقالَتْ: نَعَمْ، فَقالَ: إذا رَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - اسْتَأْذَنْتُهُ في ذَلِكَ ثُمَّ تَزَوَّجْتُكِ، فَقالَتْ لَهُ: أبِي تَتَبَرَّمُ؟ ثُمَّ اسْتَعانَتْ عَلَيْهِ فَضَرَبُوهُ ضَرْبًا وجِيعًا، ثُمَّ خَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَلَمّا قَضى
صفحة 118
حاجَتَهُ بِمَكَّةَ انْصَرَفَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - راجِعًا، وأعْلَمَهُ الَّذِي كانَ مِن أمْرِهِ وأمْرِ عَناقٍ، وما لَقِيَ بِسَبَبِها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَحِلُّ أنْ أتَزَوَّجَها ؟ - وفي رِوايَةٍ: أنَّها تُعْجِبُنِي – فَنَزَلَتْ”،» وتَعَقَّبَ ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ بِأنَّ هَذا لَيْسَ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما هو سَبَبٌ في نُزُولِ آيَةِ النُّورِ ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ ورَوى السُّدِّيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ، وكانَتْ لَهُ أمَةً سَوْداءَ، وأنَّهُ غَضِبَ عَلَيْها، فَلَطَمَها، ثُمَّ أنَّهُ فَزِعَ، فَأتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَأخْبَرَهُ خَبَرَها، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -:“ما هي يا عَبْدَ اللهِ؟ فَقالَ: هي - يا رَسُولَ اللَّهِ - تَصُومُ وتُصَلِّي وتُحْسِنُ الوُضُوءَ وتَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُهُ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللهِ، هي مُؤْمِنَةٌ، قالَ عَبْدُ اللهِ: فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا لَأُعْتِقَنَّها ولَأتَزَوَّجَنَّها، فَفَعَلَ، فَطَعَنَ عَلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: أنَكَحَ أمَةً؟ وكانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَنْكِحُوا إلى المُشْرِكِينَ ويَنْكِحُوهم رَغْبَةً في أنْسابِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا﴾ الآيَةَ”». وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ وبِضَمِّها، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الأعْمَشِ؛ أيْ: لا تَتَزَوَّجُوهُنَّ أوْ لا تُزَوِّجُوهُنَّ مِنَ المُسْلِمِينَ، وحَمَلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ (المُشْرِكاتِ) عَلى ما عَدا الكِتابِيّاتِ، فَيَجُوزُ نِكاحُ الكِتابِيّاتِ عِنْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ و﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ؛ وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: المُرادُ بِالمُشْرِكاتِ مُشْرِكاتِ العَرَبِ الَّتِي لَيْسَ لَهُنَّ كِتابٌ، وعَنْ حَمّادٍ قالَ: سَألْتُ إبْراهِيمَ عَنْ تَزْوِيجِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ، فَقُلْتُ: ألَيْسَ اللَّهُ – تَعالى - يَقُولُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ ؟ فَقالَ: إنَّما ذَلِكَ المَجُوسِيّاتُ وأهْلُ الأوْثانِ، وذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّها تَعُمُّ الكِتابِيّاتِ، قِيلَ: لِأنَّ مَن جَحَدَ نُبُوَّةَ نَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقَدْ أنْكَرَ مُعْجِزَتَهُ وأضافَها إلى غَيْرِهِ – تَعالى -، وهَذا هو الشِّرْكُ بِعَيْنِهِ، ولِأنَّ الشِّرْكَ وقَعَ في مُقابَلَةِ الإيمانِ فِيما بَعْدُ، ولِأنَّهُ - تَعالى - أطْلَقَ الشِّرْكَ عَلى أهْلِ الكِتابِ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، كانَ إذا سُئِلَ عَنْ نِكاحِ الرِّجْلِ النَّصْرانِيَّةَ أوِ اليَهُودِيَّةَ؟ قالَ: حَرَّمَ اللَّهُ - تَعالى - المُشْرِكاتِ عَلى المُسْلِمِينَ، ولا أعْرِفُ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ أعْظَمَ مِن أنْ تَقُولَ المَرْأةُ: رَبُّها عِيسى أوْ عَبَدٌ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى، وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامِيَّةُ وبَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ، وجَعَلُوا آيَةَ المائِدَةِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مَنسُوخَةً بِهَذِهِ الآيَةِ نَسْخَ الخاصِّ بِالعامِّ، وتِلْكَ وإنْ تَأخَّرَتْ تِلاوَةً مُقَدَّمَةٌ نُزُولًا، والإطْباقُ عَلى أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ لَمْ يُنْسَخْ مِنها شَيْءٌ مَمْنُوعٌ، فَفي الإتْقانِ: ومِنَ المائِدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ مَنسُوخٌ بِإباحَةِ القِتالِ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ والمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ العَمَلُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ نُسِخَتْ بِما في المائِدَةِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، أنَّهُ قالَ في ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ نَسَخَ مِن ذَلِكَ نِكاحَ نِساءِ أهْلِ الكِتابِ، أحَلَّهُنَّ لِلْمُسْلِمِينَ وحَرَّمَ المُسْلِماتِ عَلى رِجالِهِمْ، وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الحَنَفِيَّةُ والشّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ بِالتَّخْصِيصِ دُونَ النَّسْخِ، ومَبْنى الخِلافِ أنَّ قَصْرَ العامِّ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ تَخْصِيصٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - ونُسِخَ عِنْدَنا.
﴿ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وتَرْغِيبٌ في مُواصَلَةِ المُؤْمِناتِ، صُدِّرَ بِلامِ الِابْتِداءِ الشَّبِيهَةِ بِلامِ القَسَمِ في إفادَةِ التَّأْكِيدِ، مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى الِانْزِجارِ، وأصْلُ (أمَةٍ) (أمُوَ) حُذِفَتْ لامُها عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وعُوِّضَ عَنْها هاءُ التَّأْنِيثِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ لامَها واوٌ رُجُوعُها في الجَمْعِ؛ كَقَوْلِهِ:
صفحة 119
أمّا الإماءُ فَلا يَدْعُونَنِي ولَدا إذا تَداعى بَنُو الأمْوانِ بِالعارِوَظُهُورُها في المَصْدَرِ يُقالُ: هي أمَةٌ بَيِّنَةُ الأُمُوَّةِ وأقَرَّتْ لَهُ بِالأُمُوَّةِ، وهَلْ وزَنُها فُعْلَةُ - بِسُكُونِ العَيْنِ - أوْ فُعَلَةُ – بِفَتْحِها -؟ قَوْلانِ، اخْتارَ الأكْثَرُونَ ثانِيهِما، وتُجْمَعُ عَلى (آمَّ)، وهو في الِاسْتِعْمالِ دُونَ إماءٍ، وأصْلُهُ (أأمُو) - بِهَمْزَتَيْنِ - الأُولى مَفْتُوحَةٌ زائِدَةٌ، والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ هي فاءُ الكَلِمَةِ، فَوَقَعَتِ الواوُ طَرَفًا مَضْمُومًا ما قَبْلَها في اسْمٍ مُعْرَبٍ، ولا نَظِيرَ لَهُ، فَقُلِبَتْ ياءً والضَّمَّةُ قَبْلَها كَسْرَةٌ لِتَصِحَّ الياءُ، فَصارَ الِاسْمُ مِن قَبِيلِ (غازٍ وقاضٍ) ثُمَّ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ ألِفًا لِسُكُونِها بَعْدَ هَمْزَةٍ أُخْرى مَفْتُوحَةٍ، فَصارا (آمَّ) وإعْرابُهُ كَقاضٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالأمَةِ ما تُقابِلُ الحُرَّةَ، وسَبَبُ النُّزُولِ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ العَيْبُ عَلى مَن تَزَوَّجَ الأمَةَ والتَّرْغِيبُ في نِكاحِ حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ، فَفي الآيَةِ تَفْضِيلُ الأمَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى المُشْرِكَةِ مُطْلَقًا - ولَوْ حُرَّةً - ويُعْلَمُ مِنهُ تَفْضِيلُ الحُرَّةِ عَلَيْها بِالطَّرِيقِ الأُولى، ثُمَّ إنَّ التَّفْضِيلَ يَقْتَضِي أنَّ في الشَّرِكَةِ خَيْرًا، فَإمّا أنْ يُرادَ بِالخَيْرِ الِانْتِفاعُ الدُّنْيَوِيُّ، وهو مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُما، أوْ يَكُونُ عَلى حَدِّ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِـ(الأمَةِ) المَرْأةَ حُرَّةً كانَتْ أوْ مَمْلُوكَةً، فَإنَّ النّاسَ كُلَّهم عَبِيدُ اللهِ - تَعالى - وإماؤُهُ، ولا تُحْمَلُ عَلى الرَّقِيقَةِ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المَوْصُوفِ في مُشْرِكَةٍ فَإنْ قَدَّرَ (أمَةً) بِقَرِينَةِ السِّياقِ لَمْ يَفِدْ خَيْرِيَّةُ الأمَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ، وإنْ قَدَّرَ (حُرَّةً) أوِ (امِرْأةً) كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، والمَذْكُورُ في سَبَبِ النُّزُولِ التَّزَوُّجُ (بِالأمَةِ) بَعْدَ عِتْقِها. و(الأمَةُ) بَعْدَ العِتْقِ حُرَّةٌ، ولا يُطْلَقُ عَلَيْها (أمَةً) بِاعْتِبارِ مَجازِ الكَوْنِ، والحَقُّ أنَّ (الأمَةَ) بِمَعْنى (الرَّقِيقَةِ) كَما هو المُتَبادَرُ، وأنَّ المَوْصُوفَ المُقَدَّرَ لِـ مُشْرِكَةٍ عامٌّ، وكَوْنُهُ خِلافُ الظّاهِرِ خِلافَ الظّاهِرِ.
وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ هو مُشْتَرَكُ الإلْزامِ، ولَعَلَّ ارْتِكابَ ذَلِكَ آخِرًا أهْوَنُ مِنَ ارْتِكابِهِ أوَّلَ وهْلَةٍ؛ إذْ هو مِن قَبِيلِ نَزْعِ الخُفِّ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الماءِ- وما في سَبَبِ النُّزُولِ مُؤَيَّدٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ - وقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّ عَبْدَ اللهِ نَكَحَ أمَةً - إنْ حَقًّا وإنْ كَذِبًا - فالمَعْنى ﴿ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ مَعَ ما فِيها مِن خَساسَةِ الرِّقِّ وقِلَّةِ الخَطَرِ ﴿خَيْرٌ﴾ مِمّا اتَّصَفَتْ بِالشِّرْكِ مَعَ مالِها مِن شَرَفِ الحُرِّيَّةِ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ لِجَمالِها ومالِها وسائِرِ ما يُوجِبُ الرَّغْبَةَ فِيها، أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «“لا تَنْكِحُوا النِّساءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسى حُسْنُهُنَّ أنْ يُرْدِيهِنَّ، ولا تَنْكِحُوهُنَّ عَلى أمْوالِهِنَّ، فَعَسى أمْوالُهُنَّ أنْ تُطْغِيهِنَّ، وانْكِحُوهُنَّ عَلى الدِّينِ، فَلَأمَةٌ سَوْداءُ خَرْماءُ ذاتُ دِينٍ أفْضَلُ”،» وأخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «“تُنْكَحُ المَرْأةُ لِأرْبَعٍ؛ لِمالِها ولِحَسَبِها ولِجَمالِها ولِدِينِها، فاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَداكَ» والواوُ لِلْحالِ - ولَوْ لِمُجَرَّدِ الفَرْضِ - مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذا لا تَحْتاجُ إلى الجَزاءِ والتَّقْدِيرِ مَفْرُوضًا إعْجابُها لَكِنْ بِالحُسْنِ ونَحْوِهِ، وقالَ الجِرْمِيُّ: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: لَمْ تُعْجِبْكُمْ، ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ، وقالَ الرِّضى: إنَّها اعْتِراضِيَّةٌ تَقَعُ في وسَطِ الكَلامِ وآخِرِهِ، وعَلى التَّقادِيرِ إثْباتُ الحُكْمِ في نَقِيضِ الشَّرْطِ بِطَرِيقِ الأوْلى لِيَثْبُتَ في جَمِيعِ التَّقادِيرِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى جَوازِ نِكاحِ (الأمَةِ المُؤْمِنَةِ) مَعَ وُجُودِ طُولِ الحُرَّةِ، واعْتَرَضَهُ الكِيا بِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ نِكاحُ الإماءِ، وإنَّما ذَلِكَ لِلتَّنْفِيرِ عَنْ نِكاحِ الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا بِطِباعِهِمْ نافِرِينَ عَنْ نِكاحِ (الأمَةِ) فَقِيلَ لَهُمْ: إذا نَفَرْتُمْ عَنِ الأمَةِ فالمُشْرِكَةُ أوْلى - وفِيهِ تَأمُّلٌ - وفي البَحْرِ: أنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ نِكاحُ (الأمَةِ) الكافِرَةِ
صفحة 120
كِتابِيَّةً أوْ غَيْرَها؛ وأمّا وطْؤُها بِمِلْكِ اليَمِينِ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا.
﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لا تُزَوِّجُوا الكُفّارَ مِنَ المُؤْمِناتِ، سَواءٌ كانَ الكافِرُ كِتابِيًّا أوْ غَيْرَهُ، وسَواءٌ كانَتِ المُؤْمِنَةُ أمَةً أوْ حُرَّةً، فَـ تُنْكِحُوا بِضَمِّ التّاءِ لا غَيْرَ، ولا يُمْكِنُ الفَتْحُ وإلّا لَوَجَبَ: ولا يَنْكِحْنَ المُشْرِكِينَ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى اعْتِبارِ الوَلِيِّ في النِّكاحِ مُطْلَقًا، وهو خِلافُ مَذْهَبِنا، وفي دَلالَةِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ خَفاءٌ؛ لِأنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنْ إيقاعِ هَذا الفِعْلِ والتَّمْكِينُ مِنهُ، وكُلُّ المُسْلِمِينَ أوْلِياءٌ في ذَلِكَ.
﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ مَعَ ما فِيهِ مِن ذُلِّ المَمْلُوكِيَّةِ ﴿خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ مَعَ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن عِزِّ المالِكِيَّةِ ﴿ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ بِما فِيهِ مِن دَواعِي الرَّغْبَةِ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: المَذْكُورِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ أيِ: الكُفْرِ المُؤَدِّي إلَيْها إمّا بِالقَوْلِ أوْ بِالمَحَبَّةِ والمُخالَطَةِ فَلا تَلِيقُ مُناكَحَتُهُمْ، فَإنْ قِيلَ: كَما أنَّ الكُفّارَ يَدْعُونَ المُؤْمِنِينَ إلى النّارِ كَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ يَدْعُونَهم إلى الجَنَّةِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، أُجِيبُ بَأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَذِرًا عَمّا يَضُرُّهُ في الآخِرَةِ، وأنْ لا يَحُومَ حَوْلَ حِمى ذَلِكَ ويَتَجَنَّبُ عَمّا فِيهِ الِاحْتِمالُ، مَعَ أنَّ النَّفْسَ والشَّيْطانَ يُعاوِنانِ عَلى ما يُؤَدِّي إلى النّارِ، وقَدْ ألِفَتِ الطِّباعُ في الجاهِلِيَّةِ ذَلِكَ - قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - والجُمْلَةُ .. إلَخْ مُعَلِّلَةٌ لِخَيْرِيَّةِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴿واللَّهُ يَدْعُو﴾ بِواسِطَةِ المُؤْمِنِينَ مَن يُقارِبُهم ﴿إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ﴾ أيْ: إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ والعَمَلِ الصّالِحِ المُوَصِّلِينَ إلَيْهِما، وتَقْدِيمُ الجَنَّةِ عَلى المَغْفِرَةِ مَعَ قَوْلِهِمُ: التَّخْلِيَةُ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ عَلى التَّحْلِيَةِ لِرِعايَةِ مُقابَلَةِ النّارِ ابْتِداءً ﴿بِإذْنِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَدْعُو أيْ: يَدْعُو إلى ذَلِكَ مُتَلَبِّسًا بِتَوْفِيقِهِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ إرْشادُ المُؤْمِنِينَ لِمُقارِبِيهِمْ إلى الخَيْرِ، فَهم أحِقّاءُ بِالمُواصَلَةِ.
﴿ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ 221﴾ لِكَيْ يَتَّعِظُوا أوْ يَسْتَحْضِرُوا مَعْلُوماتِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ - تَعالى - مَرْكُوزَةٌ في العُقُولِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلنُّصْحِ والإرْشادِ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ عاطِفَةٌ، وفُصِلَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ بِـ يَتَفَكَّرُونَ؛ لِأنَّها كانَتْ لِبَيانِ الأحْكامِ والمَصالِحِ والمَنافِعِ والرَّغْبَةِ فِيها الَّتِي هي مَحِلُّ تَصَرُّفِ العَقْلِ والتَّبْيِينِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَناسَبَ التَّفَكُّرَ، وهَذِهِ الآيَةُ بِـ يَتَذَكَّرُونَ؛ لِأنَّها تَذْيِيلٌ لِلْإخْبارِ بِالدَّعْوَةِ إلى الجَنَّةِ والنّارَ الَّتِي لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِها إلّا النَّقْلُ والتَّبْيِينُ لِجَمِيعِ النّاسِ فَناسَبَ التَّذَكُّرَ.
ومِنَ النّاسِ مَن قَدَّرَ في الآيَةِ مُضافًا؛ أيْ فَرِيقُ اللَّهِ أوْ أوْلِياؤُهُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ تَشْرِيفًا لَهُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الضَّمِيرَ في المَعْطُوفِ عَلى الخَبَرِ لِلَّهِ - تَعالى - فَيَلْزَمُ التَّفْكِيكُ مَعَ عَدَمِ الدّاعِي لِذَلِكَ، وأُجِيبُ بِأنَّ الدّاعِيَ كَوَّنَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُعَلِّلَةً لِلْخَيْرِيَّةِ السّابِقَةِ ولا يَظْهَرُ التَّعْلِيلُ بِدُونِ التَّقْدِيرِ، وكَذا لا تَظْهَرُ المُلاءَمَةُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: بِإذْنِهِ بِدُونِ ذَلِكَ، فَإنَّ تَقْيِيدَ دَعَوْتِهِ - تَعالى - بِإذْنِهِ لَيْسَ فِيهِ حِينَئِذٍ كَثِيرُ فائِدَةٍ بِأيِّ تَفْسِيرٍ فُسِّرَ (الإذْنُ) وأمْرُ التَّفْكِيكِ سَهْلٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ إقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَ المُضافِ لِلتَّشْرِيفِ بِجَعْلِ فِعْلِ الأوَّلِ فِعْلًا لِلثّانِي صُورَةً فَتَتَناسَبُ الضَّمائِرُ - كُما في الكَشْفِ ولا يَخْفى ما فِيهِ - وعَلى العِلّاتِ هو أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ المُرادَ ( واللَّهُ يَدْعُو ) عَلى لِسانِ رَسُولِهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى ذَلِكَ فَتَجِبُ إجابَتُهُ بِتَزْوِيجِ أوْلِيائِهِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ مُسْتَدْعِيًا لِاتِّحادِ المَرْجِعِ في الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ خَبَرًا، لَكِنْ يَفُوتُ التَّعْلِيلُ وحُسْنُ المُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ وكَذا لَطافَةُ التَّقْيِيدِ كَما لا يَخْفى.
البقرة 2:222
﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ-: «أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا
صفحة 121
حاضَتِ المَرْأةُ مِنهم أخْرَجُوها مِنَ البَيْتِ ولَمْ يُؤاكِلُوها ولَمْ يُشارِبُوها ولَمْ يُجامِعُوها في البُيُوتِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: جامِعُوهُنَّ في البُيُوتِ، واصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ”». وعَنِ السُّدِّيِّ: إنَّ الَّذِي سَألَ عَنْ ذَلِكَ ثابِتُ بْنُ الدَّحْداحِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن مِثْلِها، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لَهُ أنَّهُ لَمّا نَهى عَنْ مُناكَحَةِ الكُفّارِ ورَغَّبَ في مُناكَحَةِ أهْلِ الإيمانِ بَيَّنَ حُكْمًا عَظِيمًا مِن أحْكامِ النِّكاحِ، وهو حُكْمُ النِّكاحِ في الحَيْضِ، ولَعَلَّ حِكايَةَ هَذِهِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ بِالعَطْفِ لِوُقُوعِ الكُلِّ في وقْتٍ واحِدٍ عُرْفِيٌّ، وهو وقْتُ السُّؤالِ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَجْمَعُونَ لَكَ بَيْنَ السُّؤالِ عَنْهُما والسُّؤالِ عَنْ كَذا وكَذا؛ وحِكايَةُ ما عَداها بِغَيْرِ عَطْفٍ لِكَوْنِها كانَتْ في أوْقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَكانَ كُلُّ واحِدٍ سُؤالًا مُبْتَدَأً، ولَمْ يُقْصَدِ الجَمْعُ بَيْنَهُما بَلِ الإخْبارُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ عَلى حِدَةٍ، فَلِهَذا لَمْ يُورِدِ الواوَ بَيْنَها، وقالَ صاحِبُ الِانْتِصافِ في بَيانِ العَطْفِ والتَّرْكِ: إنَّ أوَّلَ المَعْطُوفاتِ عَيَّنَ الأوَّلَ مِنَ المُجَرَّدَةِ، ولَكِنْ وقَعَ جَوابُهُ أوَّلًا بِالمَصْرِفِ لِأنَّهُ الأهَمُّ، وإنْ كانَ المَسْؤُولُ عَنْهُ إنَّما هو المُنْفَقُ لا جِهَةُ مَصْرِفِهِ ثُمَّ لَمّا لَمْ يَكُنْ في الجَوابِ الأوَّلِ تَصْرِيحٌ بِالمَسْؤُولِ عَنْهُ أُعِيدَ السُّؤالُ لِيُجابُوا عَنِ المَسْؤُولِ عَنْهُ صَرِيحًا، وهو العَفْوُ الفاضِلُ فَتَعَيَّنَ إذا عَطَفَهُ لِيَرْتَبِطَ بِالأوَّلِ، وأمّا السُّؤالُ الثّانِي مِنَ المَقْرُونَةِ فَقَدْ وقَعَ عَنْ أحْوالِ اليَتامى، وهَلْ يَجُوزُ مُخالَطَتُهم في النَّفَقَةِ والسُّكْنى، فَكانَ لَهُ مُناسَبَةٌ مَعَ النَّفَقَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهم إذا خالَطُوهم أنْفَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلِذا عَطَفَ عَلى سُؤالِ الإنْفاقِ، وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ فَلَمّا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى اعْتِزالِ الحَيْضِ ناسَبَ عَطْفَهُ عَلى ما قَبْلَهُ لِما فِيهِ مِن بَيانِ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنَ اعْتِزالِ اليَتامى، وإذا اعْتُبِرَتِ الأسْئِلَةُ المُجَرَّدَةُ مِنَ الواوِ لَمْ تَجِدْ بَيْنَها مُداناةً ولا مُناسَبَةً ألْبَتَّةَ؛ إذِ الأوَّلُ مِنها عَنِ النَّفَقَةِ والثّانِي عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ والثّالِثُ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وبَيْنَها مِنَ التَّبايُنِ والتَّقاطُعِ ما لا يَخْفى، فَذُكِرَتْ كَذَلِكَ مُرْسَلَةً مُتَقاطِعَةً غَيْرَ مَرْبُوطَةٍ بَعْضَها بِبَعْضٍ، وهَذا مِن بَدائِعِ البَيانِ الَّذِي لا تَجِدُهُ إلّا في الكِتابِ العَزِيزِ.
ولا أرى القَلْبَ يَطْمَئِنُّ بِهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خُبْرًا بِما ذَكَرْناهُ فَتَدَبَّرْ، والمَحِيضُ كَما قالَ الزَّجّاجُ - وعَلَيْهِ الكَثِيرُ-: مَصْدَرُ حاضَتِ المَرْأةُ تَحِيضُ حَيْضًا ومَحاضًا فَهو كالمَجِيءِ والمَبِيتِ، وأصْلُهُ السَّيَلانُ، يُقالُ: حاضَ السَّيْلُ وفاضَ، قالَ الأزْهَرِيُّ: ومِنهُ قِيلَ: لِلْحَوْضِ حَوْضٌ؛ لِأنَّ الماءَ يَحِيضُ إلَيْهِ؛ أيْ يَسِيلُ، والعَرَبُ تُدْخِلُ الواوَ عَلى الياءِ؛ لِأنَّهُما مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وقِيلَ: إنَّهُ هُنا اسْمُ مَكانٍ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - . وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: أنَّهُ إذا كانَ الفِعْلُ مِن ذَواتِ الثَّلاثَةِ نَحْوَ كالَ يَكِيلُ، وحاضَ يَحِيضُ، فاسْمُ المَكانِ مِنهُ مَكْسُورٌ، والمَصْدَرُ مِنهُ مَفْتُوحٌ، وحَكى غَيْرُهُ عَنْ غَيْرِهِ التَّخْيِيرَ في مِثْلِهِ، بَلْ قِيلَ: إنَّ الكَسْرَ والفَتْحَ جائِزانِ في اسْمِ الزَّمانِ والمَكانِ والمَصْدَرِ وعَلى ما نُسِبَ لِلتُّرْجُمانِ، واخْتارَهُ الإمامُ يَحْتاجُ إلى الحَذْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو أذًى﴾ أيْ: مَوْضِعِ أذى، وكَذا يَحْتاجُ إلى اعْتِبارِ الزَّمانِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ لِرَكاكَةِ قَوْلِنا: فاعْتَزِلُوا في مَوْضِعِ الحَيْضِ، وإنِ اخْتارَهُ الإمامُ، وقالَ: إنَّ المَعْنى: اعْتَزِلُوا مَواضِعَ الحَيْضِ، والأذى مَصْدَرُ مِن أذاهُ يُؤْذِيهِ إذًا وإذاءً، ولا يُقالُ في المَشْهُورِ: إيذاءً، وحَمْلُهُ عَلى المَحِيضِ لِلْمُبالَغَةِ، والمَعْنى المَقْصُودُ مِنهُ المُسْتَقْذَرُ، وبِهِ فَسَّرَهُ قَتادَةُ، واسْتُعْمِلَ فِيهِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، والمُرادُ مِنَ اعْتِزالِ النِّساءِ اجْتِنابُ مُجامَعَتِهِنَّ كَما يَفْهَمُهُ آخِرَ الآيَةِ، وإنَّما أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الذّاتِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ؛ بِحَيْثُ لا يُتَوَهَّمُ غَيْرُهُ أصْلًا، وقَدْ يُقالُ: لا وضْعَ، وحَدِيثُ الإعادَةِ أغْلَبِيٌ بَلْ يُعْتَبَرُ ما أشَرْنا إلى اعْتِبارِهِ فِيما أشَرْنا
صفحة 122
إلى عَدَمِ اعْتِبارِهِ لِضِعْفِ النِّسْبَةِ، وقُوَّةِ الدّاعِي إلى التَّقْدِيرِ وعَدَمُهُ أوْلى، وإنَّما وُصِفَ بِأنَّهُ أذًى ورُتِّبَ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِالفاءِ ولَمْ يَكْتَفِ في الجَوابِ بِالأمْرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ العِلَّةُ، والحُكْمُ المُعَلَّلُ أوْقَعُ في النَّفْسِ.
﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْحُكْمِ السّابِقِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالِاعْتِزالِ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ القُرْبانِ وبِالعَكْسِ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنهُما مُقَرَّرًا وإنْ تَغايَرا بِالمَفْهُومِ، فَلِذا عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، وفِيهِ بَيانٌ لِغايَتِهِ، فَإنَّ تَقْيِيدَ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فِي المَحِيضِ﴾ وتُرَتُّبَهُ عَلى كَوْنِهِ أذًى يُفِيدُ تَخْصِيصَ الحُرْمَةِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، ويُفْهَمُ مِنهُ عَقْلًا انْقِطاعُها بَعْدَهُ، ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ صَرِيحًا بِخِلافِ ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ والغايَةُ انْقِطاعُ الدَّمِ عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، فَإنْ كانَ الِانْقِطاعُ لِأكْثَرِ مُدَّةِ الحَيْضِ حَلَّ القُرْبانُ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطاعِ، وإنْ كانَ لِأقَلَّ مِنها لَمْ يَحِلَّ إلّا بِالِاغْتِسالِ أوْ ما هو في حُكْمِهِ مِن مُضِيِّ وقْتِ صَلاةٍ، وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ هي الِاغْتِسالُ بَعْدَ الِانْقِطاعِ، قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحًا قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وعاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ: (يَطِّهَّرْنَ) بِالتَّشْدِيدِ أيْ (يَتَطَهَّرْنَ)، والمُرادُ بِهِ يَغْتَسِلْنَ، لا لِأنَّ الِاغْتِسالَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلتَّطْهِيرِ كَما يُوهِمُهُ بَعْضُ عِباراتِهِمْ؛ لِأنَّ اسْتِعْمالَهُ فِيما عَدا الِاغْتِسالَ شائِعٌ في الكَلامِ المَجِيدِ والأحادِيثِ عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، بَلْ لِأنَّ صِيغَةَ المُبالَغَةِ يُسْتَفادُ مِنها الطَّهارَةُ الكامِلَةُ، والطَّهارَةُ الكامِلَةُ لِلنِّساءِ عَنِ المَحِيضِ هو الِاغْتِسالُ، فَلَمّا دَلَّتْ قِراءَةُ التَّشْدِيدِ عَلى أنَّ غايَةَ حُرْمَةِ القُرْبانِ هو الِاغْتِسالُ، والأصْلُ في القِراءاتِ التَّوافُقُ، حُمِلَتْ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ عَلَيْها، بَلْ قَدْ يُدَّعى أنَّ الطُّهْرَ يَدُلُّ عَلى الِاغْتِسالِ أيْضًا بِحَسَبَ اللُّغَةِ، فَفي القامُوسِ: طَهُرَتِ المَرْأةُ انْقَطَعَ دَمُها واغْتَسَلَتْ مِنَ الحَيْضِ كَتَطَهَّرَتْ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ يَدُلُّ التِزامًا عَلى أنَّ الغايَةَ هي الِاغْتِسالُ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي تَأخُّرَ جَوازِ الإتْيانِ عَنِ الغُسْلِ، فَهو يُقَوِّي كَوْنَ المُرادِ بِقِراءَةِ التَّخْفِيفِ الغُسْلَ لا الِانْقِطاعَ، ورُبَّما يَكُونُ قَرِينَةً عَلى التَّجَوُّزِ في الطُّهْرِ بِحَمْلِهِ عَلى الِاغْتِسالِ إنْ لَمْ يَسْلَمْ ما تَقَدَّمَ، وعَلى فَرْضِ عَدَمِ تَسْلِيمِ هَذا وذاكَ، والرُّجُوعِ إلى القَوْلِ بِأنَّ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ مِنَ الطُّهْرِ وهو حَقِيقَةٌ في انْقِطاعِ الدَّمِ لا غَيْرَ ولا تَجُوزُ ولا قَرِينَةٌ، وقِراءَةُ التَّشْدِيدِ مِنَ التَّطَهُّرِ، ويُسْتَفادُ مِنهُ الِاغْتِسالُ، يُقالُ أيْضًا في وجْهِ الجَمْعِ كَما في الكَشْفِ: إنَّ القِراءَةَ بِالتَّشْدِيدِ لِبَيانِ الغايَةِ الكامِلَةِ وبِالتَّخْفِيفِ لِبَيانِ النّاقِصَةِ، وحَتّى في الأفْعالِ نَظِيرٌ إلى في أنَّهُ لا يَقْتَضِي دُخُولَ ما بَعْدَها، فَتَكُونُ الكامِلَةَ ألْبَتَّةَ، وبَيانُهُ أنَّ الغايَةَ الكامِلَةَ ما يَكُونُ غايَةً بِجَمِيعِ أجْزائِهِ وهي الخارِجَةُ عَنِ المُغَيّا، والنّاقِصَةُ ما تَكُونُ غايَةً بِاعْتِبارِ آخِرِها وحَتّى الدّاخِلَةُ عَلى الأسْماءِ تَقْتَضِي دُخُولَ ما بَعْدَها لَوْلا الغايَةُ والدّاخِلَةُ عَلى الأفْعالِ مِثْلَ إلى لا تَقْتَضِي كَوْنَ ما بَعْدَها جُزْءًا لِما قَبِلَها، فانْقِطاعُ الدَّمِ غايَةٌ لِلْحُرْمَةِ بِاعْتِبارِ آخِرِهِ، فَيَكُونُ وقْتُ الِانْقِطاعِ داخِلًا فِيها والِاغْتِسالُ غايَةً لَها بِاعْتِبارِ أوَّلِهِ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ، ولَعَلَّ فائِدَةَ بَيانِ الغايَتَيْنِ بَيانُ مَراتِبِ حُرْمَةِ القُرْبانِ، فَإنَّها أشَدُّ قَبْلَ الِانْقِطاعِ مِمّا بَعْدَهُ، ولَمّا رَأى ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ أنَّ هَهُنا قِراءَتَيْنِ التَّخْفِيفَ والتَّشْدِيدَ، وأنَّ مُؤَدّى الأُولى انْتِهاءُ الحُرْمَةِ العارِضَةِ عَلى الحِلِّ بِانْقِطاعِ الدَّمِ مُطْلَقًا، فَإذا انْتَهَتِ الحُرْمَةُ العارِضَةُ حَلَّتْ بِالضَّرُورَةِ، وإنَّ مُؤَدّى الثّانِيَةِ عَدَمُ انْتِهائِها عِنْدَهُ بَلْ بَعْدَ الِاغْتِسالِ، ورَأوْا أنَّ الطُّهْرَ إذا نُسِبَ إلى المَرْأةِ لا يَدُلُّ عَلى الِاغْتِسالِ لُغَةً، بَلْ مَعْناهُ فِيها انْقِطاعُ الدَّمِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وفي تاجِ البَيْهَقِيِّ: طَهُرَتْ خِلافَ طَمَثَتْ، وفي شَمْسِ العُلُومِ: امِرْأةٌ طاهِرٌ بِغَيْرِ (هاءٍ) انْقَطَعَ دَمُها، وفي الأساسِ: امِرْأةٌ طاهِرٌ ونِساءٌ طَواهِرُ طَهُرْنَ مِنَ الحَيْضِ، ولا يُعارِضُ ذَلِكَ ما في القامُوسِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلِاسْتِعْمالِ - ولَوْ مَجازًا - عَلى ما هو طَرِيقَتُهُ في كَثِيرٍ مِنَ الألْفاظِ، وأنَّ الحَمْلَ عَلى الِاغْتِسالِ مَجازًا مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَهُ مِمّا لا يَصِحُّ، واعْتِبارُ ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ قَرِينَةٌ - بِناءً عَلى ما ذَكَرُوا - لَيْسَ بِشَيْءٍ، وما ذَكَرُوهُ في وجْهِ
صفحة 123
الدَّلالَةِ مِنَ الِاقْتِضاءِ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأنَّ الفاءَ الدّاخِلَةَ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي لا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ شَرْطًا كالجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي، ومَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ ولَوْ سَلِمَ فاللّازِمُ تَأخُّرُ جَوازِ الإتْيانِ عَنِ الغُسْلِ في الجُمْلَةِ لا مُطْلَقًا، حَتّى يَكُونَ قَرِينَةً عَلى أنَّ المُرادَ بِقِراءَةِ التَّخْفِيفِ أيْضًا الغُسْلُ، وأنَّ القَوْلَ بِأنَّ إحْدى الغايَتَيْنِ داخِلَةٌ في الحُكْمِ، والأُخْرى خارِجَةٌ خِلافَ المُتَبادَرِ احْتاجُوا لِلْجَمْعِ بِجَعْلِ كُلٍّ مِنهُما آيَةً مُسْتَقِلَّةً، فَحَمَلُوا الأوْلى عَلى الِانْقِطاعِ بِأكْثَرِ المُدَّةِ، والثّانِيَةَ لِتَمامِ العادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ أكْثَرَ مُدَّةِ الحَيْضِ، كَما حَمَلَ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ قِراءَةَ النَّصْبِ والجَرِّ في (أرْجُلِكُمْ) عَلى حالَةِ التَّخْفِيفِ وعَدَمِهِ وهو المُناسِبُ؛ لِأنَّ في تَوَقُّفِ قُرْبانِها في الِانْقِطاعِ لِلْأكْثَرِ عَلى الغُسْلِ إنْزالَها حائِضًا حُكْمًا، وهو مُنافٍ لِحُكْمِ الشَّرْعِ لِوُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَيْها المُسْتَلْزِمِ لِإنْزالِهِ إيّاها طاهِرًا حُكْمًا بِخِلافِ تَمامِ العِدَّةِ، فَإنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَقْطَعْ عَلَيْها بِالطُّهْرِ بَلْ يَجُوزُ الحَيْضُ بَعْدَهُ، ولِذا لَوْ زادَتْ ولَمْ يُجاوِزِ العَشَرَةَ كانَ الكُلُّ حَيْضًا بِالِاتِّفاقِ، بَقِيَ أنَّ مُقْتَضى الثّانِيَةِ ثُبُوتُ الحُرْمَةِ قَبْلَ الغُسْلِ، فَرَفْعُ الحُرْمَةِ قَبْلَهُ بِمُضِيِّ أوَّلِ وقْتِ الصَّلاةِ - أعْنِي أدْناهُ الواقِعَ آخِرًا - واعْتِبارُ الغُسْلِ حُكْمًا عَلى ما قالُوا مُعارِضَةُ النَّصِّ بِالمَعْنى، والجَوابُ أنَّ القِراءَةَ الثّانِيَةَ خُصَّ مِنها صُورَةُ الِانْقِطاعِ لِلْعَشَرَةِ بِقِراءَةِ التَّخْفِيفِ، فَجازَ أنْ يَخُصَّ ثانِيًا بِالمَعْنى كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ولا يَخْفى ما في مَذْهَبِ الإمامِ مِنَ التَّيْسِيرِ والِاحْتِياطِ لا يَخْفى، وحُكِيَ عَنِ الأوْزاعِيِّ: أنَّ حِلَّ الإتْيانِ مَوْقُوفٌ عَلى التَّطَهُّرِ، وفَسَّرَهُ بِغَسْلِ مَوْضِعِ الحَيْضِ، وقَدْ يُقالُ لِتَنْقِيَةِ المَحَلِّ تَطْهِيرٌ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها-: «“أنَّ امْرَأةً سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ غُسْلِها مِنَ المَحِيضِ، فَأمَرَها قَبْلَ أنْ تَغْتَسِلَ قالَ: خُذِي فُرْصَةً مِن مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِها، قالَتْ: كَيْفَ أتَطَهَّرُ بِها؟ قالَ: تَطَهَّرِي بِها، قالَتْ: كَيْفَ؟ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي بِها، فاجْتَذَبْتُها، فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِها أثَرَ الدَّمِ”،» وذَهَبَ طاوُوسٌ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: أنَّ غَسْلَ المَوْضِعِ مَعَ الوُضُوءِ كافٍ في حِلِّ الإتْيانِ - وإلَيْهِ ذَهَبَ الإمامِيَّةُ - ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ طِهارَةً كامِلَةً لِلنِّساءِ، وإنَّما هي طِهارَةٌ كامِلَةٌ لِأعْضائِهِنَّ، وهو خِلافُ المُتَبادَرِ في الآيَةِ، وإنَّما المُتَبادَرُ هو الأوَّلُ، وما في الحَدِيثِ، وإنْ كانَ أمْرًا بِالتَّطَهُّرِ لِتِلْكَ المَرْأةِ، لَكِنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المُبالَغَةُ في تَطْهِيرِ المَوْضِعِ، إلّا أنَّهُ لِأمْرٍ ما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وإطْلاقُ التَّطْهِيرِ عَلى تَنْقِيَةِ المَحَلِّ مِمّا لا نُنْكِرُهُ، وإنَّما نُنْكِرُ إطْلاقَ (يَطْهُرْنَ) عَلى مَن طَهَّرْنَ مَواضِعَ حَيْضِهِنَّ ودُونَ إثْباتِهِ حَيْضُ الرِّجالِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ الِاسْتِمْتاعُ بِالحائِضِ بِما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ وإنَّما يَحْرُمُ الوَطْءُ، وسُئِلَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: ما يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنَ امْرَأتِهِ إذا كانَتْ حائِضًا؟ قالَتْ: كُلُّ شَيْءٍ إلّا الجِماعَ. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى حُرْمَةِ الِاسْتِمْتاعِ بِما بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ اسْتِدْلالًا بِما أخْرَجَهُ مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: «“أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ماذا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأتِي وهي حائِضٌ؟ فَقالَ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: لِتَشُدَّ عَلَيْها إزارَها ثُمَّ شَأْنُكَ بِأعْلاها”». وكَأنَّهُ مِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ في الجُمْلَةِ، ولِهَذا ورَدَ فِيما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ: والتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أفْضَلُ، والأمْرُ في الآيَةِ لِلْإباحَةِ عَلى حَدِّ ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ فَفِيها إباحَةُ الإتْيانِ لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ المَكانِ الَّذِي أمَرَكُمُ اللَّهُ – تَعالى - بِتَجَنُّبِهِ لِعارِضِ الأذى، وهو الفَرْجُ، ولا تَعْدُوا غَيْرَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ الَّتِي يَحِلُّ فِيها أنْ تَقْرَبَ المَرْأةَ، ولا تَقْرَبُوهُنَّ مِن حَيْثُ لا يَحِلُّ كَما إذا كُنَّ صائِماتٍ أوْ مُحْرِماتٍ أوْ مُعْتَكِفاتٍ، وأُيِّدَ بِأنَّهُ لَوْ أرادَ الفَرْجَ لَكانَتْ
صفحة 124
فِي ( أظْهَرَ فِيهِ مِن ) مِن؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِمَعْنى الجِماعِ يُتَعَدّى بِها غالِبًا لا بِمِن، ولَعَلَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ عِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ مِمّا عَسى يَنْدُرُ مِنهم مِنِ ارْتِكابِ بَعْضِ الذُّنُوبِ كالإتْيانِ في الحَيْضِ المُورِثِ لِلْجُذامِ في الوَلَدِ كَما ورَدَ في الخَبَرِ، والمُسْتَدْعِي عِقابَ اللَّهِ – تَعالى -، فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «“مَن أتى حائِضًا فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ» -”وهو جارٍ مَجْرى التَّرْهِيبِ، فَلا يُعارِضُ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «“جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: "يا رَسُولَ اللَّهِ، أصَبْتُ امْرَأتِي وهي حائِضٌ، فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُعْتِقَ نَسَمَةً» وقِيمَةُ النَّسَمَةِ حِينَئِذٍ دِينارٌ، وهَذا إذا كانَ الإتْيانُ في أوَّلِ الحَيْضِ والدَّمُ أحْمَرُ، أمّا إذا كانَ في آخِرِهِ والدَّمُ أصْفَرُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَتَصَدَّقَ بِنِصْفِ دِينارٍ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ.
﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ 222﴾ أيِ: المُتَنَزَّهِينَ عَنِ الفَواحِشِ والأقْذارِ كَمُجامَعَةِ الحائِضِ والإتْيانِ لا مِن حَيْثُ أمَرَ اللَّهُ – تَعالى -، وحَمْلُ التَّطَهُّرِ عَلى التَّنَزُّهِ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ، وهو مَجازٍ عَلى ما في الأساسِ وشَمْسِ العُلُومِ، وعَنْ عَطاءٍ: حَمْلُهُ عَلى التَّطَهُّرِ بِالماءِ، والجُمْلَتانِ تَذْيِيلٌ مُسْتَقِلٌّ لِما تَقَدَّمَ.
البقرة 2:223
﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أخْرَجَ البُخارِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ جابِرٍ قالَ: ”كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ إذا أتى الرَّجُلُ امْرَأتَهُ مِن خَلْفِها في قُبُلِها ثُمَّ حَمَلَتْ جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَنَزَلَتْ“ والحَرْثُ إلْقاءُ البِذْرِ في الأرْضِ، وهو غَيْرُ الزَّرْعِ؛ لِأنَّهُ إنْباتُهُ يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الحَرْثُ الزَّرْعُ والحارِثُ الزّارِعُ، وعَلى كُلٍّ تَقْدِيرٌ هو خَبَرٌ عَمّا قَبْلَهُ، إمّا بِحَذْفِ المُضافِ أيْ مَواضِعِ حَرْثٍ، أوِ التَّجَوُّزِ والتَّشْبِيهِ البَلِيغِ؛ أيْ كَمَواضِعَ ذَلِكَ، وتَشْبِيهُهُنَّ بِتِلْكَ المَواضِعِ مُتَفَرِّعٌ عَلى تَشْبِيهِ النُّطَفِ بِالبُذُورِ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما مادَّةٌ لِما يَحْصُلُ مِنهُ ولا يَحْسُنُ بِدُونِهِ، فَهو تَشْبِيهٌ يُكَنّى بِهِ عَنْ تَشْبِيهٍ آخَرَ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أيْ: ما هو كالحَرْثِ، فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَبْقى الحَرْثُ عَلى حَقِيقَتِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ، شَبَّهَ حالَ إتْيانِهِمُ النِّساءَ في المَأْتِيِّ بِحالِ إتْيانِهِمُ المَحارِثَ في عَدَمِ الِاخْتِصاصِ بِجِهَةٍ دُونَ جِهَةٍ، ثُمَّ أطْلَقَ لَفْظَ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْفَقُ لِتَفْرِيعِ حُكْمِ الإتْيانِ عَلى تَشْبِيهِهِنَّ بِالحَرْثِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ مِن حَيْثُ المُتَعَلِّقِ، والفاءُ جَزائِيَّةٌ، وما قَبْلَها عِلَّةٌ لِما بَعْدَها، وقُدِّمَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ العِلَّةِ، ولِيَحْصُلَ الحُكْمُ مُعَلَّلًا فَيَكُونَ أوْقَعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَجْمُوعُ كالبَيانِ لِما تَقَدَّمَ، والفاءَ لِلْعَطْفِ، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ جائِزٌ بِعاطِفٍ سِوى الواوِ.
﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ: مِن أيْنَ شِئْتُمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: كَيْفَ شِئْتُمْ، وقالَ الضَّحّاكُ: مَتى شِئْتُمْ، ومَجِيءُ أنّى بِمَعْنى أيْنَ وكَيْفَ ومَتى مِمّا أثْبَتَهُ الجَمُّ الغَفِيرُ، وتَلْزَمُها عَلى الأوَّلِ (مَن) ظاهِرَةٌ أوْ مُقَدَّرَةٌ، وهي شَرْطِيَّةٌ حُذِفَ جَوابُها لِدَلالَةِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ عَلَيْهِ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَها هُنا بِمَعْزِلٍ بِمَعْنى مِن أيْنَ، أيْ: مِن أيِّ جِهَةٍ لِيَدْخُلَ فِيهِ بَيانُ النُّزُولِ، والقَوْلُ بِأنَّ الآيَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ دَلِيلًا عَلى جَوازِ الإتْيانِ مِنَ الإدْبارِ ناشِئٌ مِن عَدَمِ التَّدَبُّرِ في أنَّ (مَن) لازِمَةٌ إذْ ذاكَ، فَيَصِيرُ المَعْنى مِن أيِّ مَكانٍ لا في أيِّ مَكانٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسْتَفادُ حِينَئِذٍ تَعْمِيمَ الجِهاتِ مِنَ القُدّامِ والخَلْفِ والفَوْقِ والتَّحْتِ واليَمِينِ والشَّمالِ لا تَعْمِيمَ مَواضِعِ الإتْيانِ، فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ لِمَن جَوَّزَ إتْيانَ المَرْأةِ في دُبُرِها كابْنِ عُمَرَ، والأخْبارُ عَنْهُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ، والرِّواياتُ عَنْهُ بِخِلافِها عَلى خِلافِها، وكابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ وعَبْدِ اللهِ بْنِ القاسِمِ حَتّى قالَ فِيما أخْرَجَهُ الطَّحاوِيُّ عَنْهُ: ما أدْرَكْتُ أحَدًا أُفْتَدى بِهِ في دِينِي يَشُكُّ في أنَّهُ حَلالٌ، وكَمالِكِ بْنِ أنَسٍ، حَتّى أخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ أبِي سُلَيْمانَ الجَوْزَجانِيِّ، أنَّهُ سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ:
صفحة 125
السّاعَةَ غَسَلْتُ رَأْسَ ذَكَرِي مِنهُ، وكَبَعْضِ الإمامِيَّةِ: لا كُلُّهم كَما يَظُنُّهُ بَعْضُ النّاسِ مِمَّنْ لا خِبْرَةَ لَهُ بِمَذْهَبِهِمْ، وكَسُحْنُونٍ: مِنَ المالِكِيَّةِ، والباقِي مِن أصْحابِ مالِكٍ يُنْكِرُونَ رِوايَةَ الحِلِّ عَنْهُ ولا يَقُولُونَ بِهِ، ويا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى الجَوازِ مَعَ ما ذَكَرْناهُ فِيها، ومَعَ قِيامِ الِاحْتِمالِ كَيْفَ يَنْتَهِضُ الِاسْتِدْلالُ لا سِيَّما، وقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ وُجُوبِ الِاعْتِزالِ في المَحِيضِ، وعَلَّلَ بِأنَّهُ أذًى مُسْتَقْذَرٌ تَنْفُرُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ عَنْهُ، وهو يَقْتَضِي وُجُوبَ الِاعْتِزالِ عَنِ الإتْيانِ في الإدْبارِ لِاشْتِراكِ العِلَّةِ، ولا يُقاسُ ما في المَحاشِ مِنَ الفُضْلَةِ بِدَمِ الِاسْتِحاضَةِ، ومَن قاسَ فَقَدْ أخْطَأتِ اسْتُهُ الحُفْرَةَ لِظُهُورٍ الِاسْتِقْذارِ، والنَّفْرَةُ مِمّا في المَحاشِ دُونَ دَمِ الِاسْتِحاضَةِ، وهو دَمُ انْفِجارِ العِرْقِ كَدَمِ الجُرْحِ، وعَلى فَرْضِ تَسْلِيمِ أنَّ أنّى تَدُلُّ عَلى تَعْمِيمِ مَواضِعِ الإتْيانِ - كَما هو الشّائِعُ - يُجابُ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِمَواضِعِ الحَرْثِ يَدْفَعُ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: بَيْنا أنا ومُجاهِدٌ جالِسانِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -؛ إذْ أتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: ألا تَشْفِيَنِي مِن آيَةِ المَحِيضِ؟ قالَ: بَلى، فَقَرَأ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ إلى ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن حَيْثُ جاءَ الدَّمُ مِن ثَمَّ أُمِرْتَ أنْ تَأْتِيَ، فَقالَ: كَيْفَ بِالآيَةِ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ فَقالَ: ويْحُكَ، وفي الدُّبُرِ مِن حَرْثٍ؟ لَوْ كانَ ما تَقُولُ حَقًّا لَكانَ المَحِيضُ مَنسُوخًا إذا شُغِلَ مِن هَهُنا جِئْتَ مِن هَهُنا، ولَكِنْ أنّى شِئْتُمْ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وما قِيلَ: مِن أنَّهُ لَوْ كانَ في الآيَةِ تَعْيِينُ الفَرَجِ لِكَوْنِهِ مَوْضِعَ الحَرْثِ لَلَزِمَ تَحْرِيمُ الوَطْءِ بَيْنَ السّاقَيْنِ وفي الأعْكانِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مَوْضِعَ حَرْثٍ كالمَحاشِ مَدْفُوعٌ بِأنَّ الأُمَناءَ فِيما عَدا الضِّمامَيْنِ لا يُعَدُّ في العُرْفِ جِماعًا ووَطْئًا، واللَّهُ - تَعالى - قَدْ حَرَّمَ الوَطْءَ والجِماعَ في غَيْرِ مَوْضِعِ الحَرْثِ لا الِاسْتِمْناءَ، فَحُرْمَةُ الِاسْتِمْناءِ بَيْنَ السّاقَيْنِ وفي الأعْكانِ لَمْ تُعْلَمْ مِنَ الآيَةِ إلّا أنْ يُعَدَّ ذَلِكَ إيتاءً وجِماعًا وأنّى بِهِ، ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن هَذا، وبِهِ يُعْلَمُ ما في مُناظَرَةِ الإمامِ الشّافِعِيِّ والإمامِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عَبْدِ الحَكَمِ: أنَّ الشّافِعِيَّ ناظَرَ مُحَمَّدًا في هَذِهِ المَسْألَةِ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِ ابْنُ الحَسَنِ بِأنَّ الحَرْثَ إنَّما يَكُونُ في الفَرْجِ، فَقالَ لَهُ: أفَيَكُونُ ما سِوى الفَرَجِ مُحَرَّمًا فَألْتَزِمُهُ؟ فَقالَ: أرَأيْتَ لَوْ وطِئَها بَيْنَ ساقَيْها أوْ في أعْكانِها أوَفِي ذَلِكَ حَرْثٌ؟ قالَ: لا، قالَ: أفَيَحْرُمُ؟ قالَ: لا، قالَ: فَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِما لا تَقُولُ بِهِ، وكَأنَّهُ مِن هُنا قالَ الشّافِعِيُّ، فِيما حَكاهُ عَنْهُ الطَّحاوِيُّ والحاكِمُ والخَطِيبُ، لَمّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ: ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في تَحْلِيلِهِ ولا تَحْرِيمِهِ شَيْءٌ، والقِياسُ أنَّهُ حَلالٌ، وهَذا خِلافُ ما نَعْرِفُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، فَإنَّ رِوايَةَ التَّحْرِيمِ عَنْهُ مَشْهُورَةٌ، فَلَعَلَّهُ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ في القَدِيمِ، ورَجَعَ عَنْهُ في الجَدِيدِ لِما صَحَّ عِنْدَهُ مِنَ الإخْبارِ أوْ ظَهَرَ لَهُ مِنَ الآيَةِ ﴿وقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾ ما يَصْلُحُ لِلتَّقْدِيمِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، ومِنهُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الجِماعِ وطَلَبِ الوَلَدِ المُؤْمِنِ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”لَوْ أنَّ أحَدَكم إذا أتى أهْلَهُ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنا الشَّيْطانَ وجَنِّبِ الشَّيْطانَ ما رَزَقَتْنا، فَقَضى بَيْنَهُما ولَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطانُ أبَدًا“،» وصَحَّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”إذا ماتَ الإنْسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ؛ صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، وعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، ووَلَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ“،» وعَنْ عَطاءٍ: تَخْصِيصُ المَفْعُولِ بِالتَّسْمِيَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: بِالدُّعاءِ عِنْدَ الجِماعِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: بِطَلَبِ الوَلَدِ، وعَنْ آخَرِينَ: بِتَزَوُّجِ العَفائِفِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ.
﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ بِالبَعْثِ فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم فَتَزَوَّدُوا ما يَنْفَعُكُمْ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِحَذْفِ مُضافٍ أوْ بِدُونِهِ ورُجُوعُهُ إلى ما قَدَّمْتُمْ أوْ إلى الجَزاءِ المَفْهُومِ مِنهُ بَعِيدٌ، والأوامِرُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ وفائِدَتُها الإرْشادُ العامُّ بَعْدَ الإرْشادِ الخاصِّ، وكَوْنُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مَبْنِيَّةً لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ
صفحة 126
المَعْطُوفُ عَلَيْها كَذَلِكَ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ 223﴾ الَّذِينَ تَلَقَّوْا ما خُوطِبُوا بِهِ بِالقَبُولِ والِامْتِثالِ بِما لا تُحِيطُ بِهِ عِبارَةٌ مِنَ الكَرامَةِ والنَّعِيمِ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكامِلِينَ في الإيمانِ بِناءً عَلى أنَّ الخِطاباتِ السّابِقَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ لَهم كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ (وبَشِّرْهُمْ)، فَلَمّا وضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ عُلِمَ أنَّ المُرادَ غَيْرُ السّابِقِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الكامِلُونَ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العُدُولُ إلى الظّاهِرِ لِلدَّلالَةِ عَلى العِلْيَةِ، ولِكَوْنِهِ فاصِلَةً، فَلا يَتِمُّ ما ذَكَرَهُ، والواوُ لِلْعَطْفِ، وبَشِّرِ عَطْفٌ عَلى (قُلْ) المَذْكُورُ سابِقًا أوْ عَلى ( قُلْ ) مُقَدَّرَةً قَبْلَ (قَدِّمُوا) وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى المَذْكُورَةِ. ومِن بابِ الإشارَةِ: يَسْألُونَكَ عَنْ خَمْرِ الهَوى وحُبِّ الدُّنْيا ومَيْسِرِ احْتِيالِ النَّفْسِ بِواسِطَةِ قِداحِها الَّتِي هي حَواسُّها العَشَرَةُ المُودَعَةُ في رَبابَةِ البَدَنِ لِنَيْلِ شَيْءٍ مِن جَزُورِ اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، قُلْ فِيهِما إثْمُ الحِجابِ والبُعْدُ عَنِ الحَضْرَةِ ومَنافِعُ لِلنّاسِ في بابِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ اللَّذَّةِ النَّفْسانِيَّةِ والفَرَحِ بِالذُّهُولِ عَنِ المَعايِبِ والخَطَراتِ المُشَوَّشَةِ والهُمُومِ المُكَدِّرَةِ، وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما؛ لِأنَّ فَواتَ الوِصالِ في حَضائِرِ الجَمالِ لا يُقابِلُهُ شَيْءٌ، ولا يَقُومُ مَقامَهُ ( وِصالُ سُعْدى ولا مَيٌّ ) ولَفَرْقٌ عِنْدَ الأبْرارِ بَيْنَ السُّكْرِ مِنَ المُدِيرِ والسُّكْرِ مِنَ المُدارِ: وأسْكَرَ القَوْمَ وُرُودُ كَأْسٍ وكانَ سَكْرى مِنَ المُدِيرِ وهَذا هو السُّكْرُ الحَلالُ لَكِنَّهُ فَوْقَ عالَمِ التَّكْلِيفِ، ووَراءَ هَذا العالَمِ الكَثِيفِ وهو سُكْرُ أرْواحٍ لا أشْباحٍ، وسُكْرُ رِضْوانٍ لا حَمِيّا دِنانٍ: وما مَلَّ ساقِيها ولا مَلَّ شارِبٌ عَقارَ لِحاظٍ كَأْسُها يُسْكِرُ اللُّبّا ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ وهو ما سِوى الحَقِّ مِنَ الكَوْنَيْنِ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ المُنَزَّلَةِ مِن سَماءِ الأرْواحِ ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَقْطَعُونَ بِوادِيهِما بِأجْنِحَةِ السَّيْرِ والسُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ وهو غَلَبَةُ دَواعِي الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ والحاجاتِ الإنْسانِيَّةِ ﴿قُلْ هو أذًى﴾ تَنْفُرُ القُلُوبُ الصّافِيَةُ عَنْهُ، فاعْتَزِلُوا بِقُلُوبِكم نِساءَ النُّفُوسِ في مَحِيضِ غَلَباتِ الهَوى حَتّى يَطْهُرْنَ ويَفْرُغْنَ مِن قَضاءِ الحَوائِجِ الضَّرُورِيَّةِ، فَإذا تَطَهَّرْنَ بِماءِ الإنابَةِ ورَجَعْنَ إلى الحَضْرَةِ في طَلَبِ القُرْبَةِ، فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ؛ أيْ عِنْدَ ظُهُورِ شَواهِدِ الحَقِّ لِزَهُوقِ باطِلِ النَّفْسِ واضْمِحْلالِ هَواها، ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ عَنْ أوْصافِ الوُجُودِ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ بِنُورِ المَعْرِفَةِ عَنْ غُبارِ الكائِناتِ، أوْ يُحِبُّ التَّوّابِينَ مِن سُؤالاتِهِمْ، ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ مِن إرادَتِهِمْ نِساءَكُمْ، وهي النُّفُوسُ الَّتِي غَدَتْ لِباسًا لَكم وغَدَوْتُمْ لِباسًا لَهُنَّ مَوْضِعَ حَرْثِكم لِلْآخِرَةِ، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ مَتى شِئْتُمُ الحِراثَةَ لِمَعادِكُمْ، ﴿وقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾ ما يَنْفَعُها ويُكْمِلُ نَشْأتَها، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ مِنَ النَّظَرِ إلى ما سِواهُ، ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ بِالفَناءِ فِيهِ إذا اتَّقَيْتُمْ، ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ بِما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
البقرة 2:224
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ”أنَّها نَزَلَتْ في الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - لَمّا حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ ابْنِ خالَتِهِ، وكانَ مِنَ الفُقَراءِ المُهاجِرِينَ، لِما وقَعَ في إفْكِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها -“، وقالَ الكَلْبِيُّ: ”نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ حِينَ حَلَفَ عَلى خَتْنِهِ بَشِيرِ بْنِ النُّعْمانِ أنْ لا يَدْخُلَ عَلَيْهِ أبَدًا ولا يُكَلِّمَهُ ولا يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ، بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ طَلَّقَها وأرادَ الرُّجُوعَ إلَيْها والصُّلْحَ مَعَها، والعُرْضَةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالقَبْضَةِ والغُرْفَةِ، وهي هُنا مَن عَرَضَ الشَّيْءَ مِن بابِ نَصَرَ أوْ ضَرَبَ، جَعَلَهُ مُعْتَرِضًا أوْ مِن عَرَضَهُ لِلْبَيْعِ عَرْضًا مِن بابِ ضَرَبَ إذا قَدَّمَهُ لِذَلِكَ، ونَصَبَهُ
صفحة 127
لَهُ، والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ حاجِزًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ وتَرَكْتُوهُ مَن أنْواعِ الخَيْرِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالأيْمانِ الأُمُورَ المَحْلُوفِ عَلَيْها، وعَبَّرَ عَنْها بِالأيْمانِ لِتَعَلُّقِها بِها، أوْ لِأنَّ اليَمِينَ بِمَعْنى الحَلِفِ، تَقُولُ: حَلَفْتُ يَمِينًا كَما تَقُولُ حَلَفْتُ حَلِفًا، فَسُمِّيَ المَفْعُولُ بِالمَصْدَرِ، كَما في قَوْلِهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ: «“مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ولْيَفْعَلِ الَّذِي هو خَيْرٌ"،» وقِيلَ: (عَلى) في الحَدِيثِ زائِدَةٌ لِتَضْمَنَ مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِأيْمانِكُمْ، وهو في غَيْرِ الأعْلامِ كَثِيرٌ وفِيها أكْثَرُ، وقِيلَ: بَدَلٌ وضُعِّفَ بِأنَّ المُبْدَلَ مِنهُ لا يَكُونُ مَقْصُودًا بِالنِّسْبَةِ، بَلْ تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ لِلْبَدَلِ، وهَهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، واللّامُ صِلَةُ عُرْضَةً، وفِيها مَعْنى الِاعْتِراضِ، أوْ بِـ تَجْعَلُوا، والأوَّلُ أوْلى، وإنْ كانَ المَآلُ واحِدًا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الأيْمانُ عَلى حَقِيقَتِها، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وأنْ تَبَرُّوا في تَقْدِيرِ (لِأنَّ)، ويَكُونُ صِلَةً لِلْفِعْلِ أوْ لِـ عُرْضَةً، والمَعْنى: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ - تَعالى - حاجِزًا لِأجْلِ حَلِفِكم بِهِ عَنِ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ، وعَلى الثّانِي: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ نَصْبًا لِأيْمانِكم فَتَبْتَذِلُوهُ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ في كُلِّ حَقٍّ وباطِلٍ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ نَوْعَ جُرْأةٍ عَلى اللَّهِ - تَعالى -، وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها -، وبِهِ قالَ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ ورَوَتْهُ الإمامِيَّةُ عَنِ الأئِمَّةِ الطّاهِرِيِنَ، ويَكُونُ ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ عِلَّةً لِلنَّهْيِ عَلى مَعْنى: أُنْهِيكم عَنْهُ طَلَبُ بِرِّكم وتَقْواكم وإصْلاحِكُمْ؛ إذِ الحَلّافُ مُجْتَرِئٌ عَلى اللَّهِ - تَعالى – والمُجْتَرِئُ عَلَيْهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ويَؤُوَّلُ إلى لا تُكْثِرُوا الحَلِفَ بِاللَّهِ – تَعالى - لِتَكُونُوا بارِّينَ مُتَّقِينَ، ويَعْتَمِدَ عَلَيْكُمُ النّاسُ، فَتُصْلِحُوا بَيْنَهُمْ، وتَقْدِيرُ الطَّلَبِ ونَحْوِهِ لازِمٌ إنْ كانَ أنْ تَبَرُّوا في مَوْضِعِ النَّصْبِ لِيَتَحَقَّقَ شَرْطُ حَذْفِ اللّامِ وهو المُقارَنَةُ؛ لِأنَّ المُقارَنَةَ لِلنَّهْيِ لَيْسَ هو البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحَ بَلْ طَلَبَها، وإنْ كانَ في مَوْضِعِ الجَرِّ بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَ حَرْفِ الجَرِّ مِن أنْ وإنْ قِياسِيٌّ فَلَيْسَ بِلازِمٍ، وإنَّما قَدَّرُوهُ لِتَوْضِيحِ المَعْنى، والمُرادُ بِهِ طَلَبُ اللَّهِ - تَعالى - لا طَلَبُ العَبْدِ، وإنْ أُرِيدَ ذَلِكَ كانَ عِلَّةً لِلْكَفِّ المُسْتَفادِ مِنَ النَّهْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُفُّوا أنْفُسَكم مِن جَعْلِهِ - سُبْحانَهُ – عُرْضَةً، وطَلَبُ العَبْدِ صالِحٌ لِلْكَفِّ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِأقْوالِكم وأيْمانِكم ﴿عَلِيمٌ 224﴾ بِأحْوالِكم ونِيّاتِكُمْ، فَحافِظُوا عَلى ما كُلِّفْتُمُوهُ، ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ - تَعالى - لَمّا أمَرَهم بِالتَّقْوى نَهاهم عَنِ ابْتِذالِ اسْمِهِ المُنافِي لَها أوْ نَهاهم عَنْ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ العَظِيمُ حاجِزًا لَها ومانِعًا مِنها.
البقرة 2:225
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ اللَّغْوُ السّاقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ مِن كَلامٍ وغَيْرِهِ، ولَغْوُ اليَمِينِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - ما سِيقَ لَهُ اللِّسانُ، وما في حُكْمِهِ مِمّا لَمْ يُقْصَدْ مِنهُ اليَمِينُ؛ كَقَوْلِ العَرَبِ: لا واللَّهِ، لا بِاللَّهِ، لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، وهو المُرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِما في أكْثَرِ الرِّواياتِ، والمَعْنى: لا يُؤاخِذُكم أصْلًا بِما لا قَصْدَ لَكم فِيهِ مِنَ الأيْمانِ.
﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أيْ: بِما قَصَدْتُمْ مِنَ الأيْمانِ وواطَأتْ فِيها قُلُوبُكم ألْسِنَتَكُمْ، ولا يُعارِضُ هَذِهِ الآيَةَ ما في المائِدَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكُمُ بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ إلَخْ، بِناءً عَلى أنَّ مُقْتَضى هَذِهِ المُؤاخَذَةِ بِالغَمُوسِ؛ لِأنَّها مَن كَسْبِ القَلْبِ، وتِلْكَ تَقْتَضِي عَدَمَها؛ لِأنَّ اللَّغْوَ فِيها خِلافُ المَعْقُودَةِ، وهي ما يُحْلَفُ فِيها عَلى أمْرٍ في المُسْتَقْبَلِ أنْ يُفْعَلَ، ولا يُفْعَلُ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ فَيَتَناوَلُ الغَمُوسَ، وهو الحَلِفُ عَلى أمْرٍ ماضٍ مُتَعَمِّدَ الكَذِبَ فِيهِ، ولُغُوِيَّتِهِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ البِرِّ فِيهِ الَّذِي هو فائِدَةُ اليَمِينِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأنَّ الشّافِعِيَّ حَمَلَ ﴿بِما عَقَّدْتُمُ﴾ عَلى كَسْبِ القَلْبِ مَن عَقَدْتُ عَلى كَذا عَزَمْتُ عَلَيْهِ، ولَمْ يَعْكِسْ؛ لِأنَّ العَقْدَ مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ عَقْدَ القَلْبِ، ويَحْتَمِلُ رَبْطَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، والكَسْبُ مُفَسَّرٌ، ومِنَ القَواعِدِ حَمْلُ المُجْمَلِ عَلى المُفَسَّرِ، وإذا حُمِلَ عَلَيْهِ شَمِلَ الغَمُوسَ، وكانَ اللَّغْوُ
صفحة 128
ما لا قَصْدَ فِيهِ لا خِلافَ المَعْقُودَةِ؛ إذْ (لا) مَعْقُودَةٌ، فَتَتَّحِدُ الآيَتانِ في المُؤاخَذَةِ عَلى الغَمُوسِ وعَدَمِ المُؤاخَذَةِ عَلى اللَّغْوِ، إلّا أنَّهُ إنْ كانَ لِلْفِعْلِ المَنفِيِّ عُمُومٌ كانَ في الآيَتَيْنِ نَفْيُ المُؤاخَذَةِ فِيما لا قَصْدَ فِيهِ بِالعُقُوبَةِ والكَفّارَةِ، وإثْباتُ المُؤاخَذَةِ في الجُمْلَةِ بِهِما أوْ بِإحْداهُما فِيما فِيهِ قَصْدٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمُومُ حَمْلِ المُؤاخَذَةِ المُطْلَقَةِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُؤاخَذَةِ المُقَيَّدَةِ بِالكُفّارِ في آيَةِ المائِدَةِ، بِناءً عَلى اتِّحادِ الحادِثَةِ والحُكْمِ وسَوْقُ الآيَةِ لِبَيانِ الكَفّارَةِ، فَلا تَكْرارَ، وأُيِّدَ العُمُومُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ، «أنَّهُ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ”مَرَّ بِقَوْمٍ يَنْتَصِلُونَ ومَعَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ، فَرَمى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ: أصَبْتُ واللَّهِ، أخْطَأْتُ واللَّهِ، فَقالَ الَّذِي مَعَهُ: حَنَثَ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: كَلّا أيْمانُ الرُّماةِ لَغْوٌ لا كَفّارَةَ فِيها ولا عُقُوبَةَ“،» وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ اللَّغْوَ هُنا ما لا قَصْدَ فِيهِ إلى الكَذِبِ بِأنْ لا يَكُونَ فِيهِ قَصْدٌ أوْ يَكُونَ بِظَنِّ الصِّدْقِ، وحَمْلُ المُؤاخَذَةِ عَلى الأُخْرَوِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّ دارَ المُؤاخَذَةِ هي الآخِرَةُ، وأنَّ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى الكامِلِ وقُرِنَتْ هَذِهِ المُؤاخَذَةُ بِالكَسْبِ؛ إذْ لا عِبْرَةَ لِلْقَصْدِ وعَدَمِهِ في وُجُوبِ الكَفّاراتِ الَّتِي هي مُؤاخِذاتٌ دُنْيَوِيَّةٌ، لا شَكَّ أنَّهُ بِمُجَرَّدِ اليَمِينِ بِدُونِ الحِنْثِ لا تَتَحَقَّقُ المُؤاخَذَةُ الأُخْرَوِيَّةُ في المَعْقُودَةِ، فَلا يُمْكِنُ إجْراءُ ما كَسَبَتْ عَلى عُمُومِهِ، فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِهِ بِالغَمُوسِ، فَيَتَحَصَّلُ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُؤاخَذَةُ الأُخْرَوِيَّةُ في الغَمُوسِ دُونَ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي هي الكَفّارَةُ، وفِيهِ خِلافُ الشّافِعِيِّ وعَدَمُ المُؤاخَذَةِ الأُخْرَوِيَّةِ فِيما عَداها مِمّا فِيهِ قَصْدٌ بِظَنِّ الصِّدْقِ، ومِمّا لا قَصْدَ فِيهِ أصْلًا - وفِيهِ وفاقُ الشّافِعِيِّ - وحَمْلُ المُؤاخَذَةِ في آيَةِ المائِدَةِ عَلى الدُّنْيَوِيَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ فِيها: ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾ إلَخْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما عَقَّدْتُمُ﴾ عَلى المَعْقُودَةِ؛ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ (العَقْدِ) رَبْطِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وهو ظاهِرٌ في (المَعْقُودَةِ) فالمُرادُ (بِاللَّغْوِ) في تِلْكَ الآيَةِ ما عَداها مِنَ الغَمُوسِ وغَيْرِهِ، فَيَتَحَصَّلُ مِنها عَدَمُ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ (بِالكَفّارَةِ) عَلى غَيْرِ المَعْقُودَةِ، وهي الغَمُوسُ والمُؤاخَذَةُ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ - كَما عُلِمَ مِن آيَةِ البَقَرَةِ - والحَلِفُ بِلا قَصْدٍ أوْ بِهِ مَعَ ظَنِّ الصِّدْقِ لِغَيْرِ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِما في الآخِرَةِ كَما عُلِمَ مِنها أيْضًا، والمُؤاخَذَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ عَلى المَعْقُودَةِ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ حُكْمُها في الآخِرَةِ مِنَ الآيَتَيْنِ لِظُهُورِهِ مَن تُرَتُّبِ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِ - فَلا تَدافُعٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ عِنْدَهُ أيْضًا - لِأنَ مُقْتَضى الأُولى تَحَقُّقُ المُؤاخَذَةِ الأُخْرَوِيَّةِ في الغَمُوسِ، ومُقْتَضى الثّانِيَةِ عَدَمُ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِيهِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ ما في (الهِدايَةِ) وشاعَ في كُتُبِ الأصْحابِ عَنِ الإمامِ؛ حَيْثُ قالَ: إنَّ الأيْمانَ عَلى ثَلاثَةٍ أضْرُبٍ؛ يَمِينِ الغَمُوسِ، ويَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ، ويَمِينِ لَغْوٍ، وبَيَّنَ حُكْمِ كُلٍّ، وفُسِّرَ الأخِيرُ بِأنْ يَحْلِفَ عَلى ماضٍ وهو يَظُنُّ - كُما قالَ - والأمْرُ بِخِلافِهِ، وثَبَتَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - وغَيْرِهِ - لَيْسَ بِشَيْءٍ - لَوْ كانَ المَقْصُودُ بِما في التَّفْسِيرِ (الحَصْرَ) لا التَّمْثِيلَ لِلَّغْوٍ؛ لِأنَّ اللّائِقَ بِالنَّظْمِ أنْ يَكُونَ ( ما كَسَبَتْ ) مُقابِلًا لِلَّغْوِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ بَيْنَهُما، وبِقَصْدِ (الحَصْرِ) يَبْقى اليَمِينُ الَّذِي لا قَصْدَ مَعَهُ واسِطَةً بَيْنَهُما غَيْرَ مَعْلُومِ الِاسْمِ ولا الرَّسْمِ، وهو مِمّا لا يَكادُ يَكُونُ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ فَلْيَتَدَبَّرْ، فَإنَّهُ مِمّا فاتَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ.
وذَهَبَ مَسْرُوقٌ إلى أنَّ (اللَّغْوَ) هو الحَلِفُ عَلى المَعاصِي وبَرُّهُ تَرْكُ ذَلِكَ الفِعْلِ ولا كَفّارَةَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وطاوُوسٍ: أنَّهُ اليَمِينُ في حالِ الغَضَبِ فَلا كَفّارَةَ فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَغْوُ اليَمِينِ أنْ تُحَرِّمَ ما أحَلَّ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْكَ بِأنْ تَقُولَ: مالِي عَلَيَّ حَرامٌ إنْ فَعَلْتُ كَذا مَثَلًا - وبِهَذا أخَذَ مالِكٌ إلّا في الزَّوْجَةِ - وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، قالَ: هو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أعْمى اللَّهُ بَصَرِي إنْ لَمْ أفْعَلْ كَذا، وكَقَوْلِهِ: هو مُشْرِكٌ، هو كافِرٌ إنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذا، فَلا يُؤاخَذُ بِهِ حَتّى يَكُونَ مِن قَلْبِهِ، وقِيلَ: لَغْوُ اليَمِينِ يَمِينُ المُكْرَهِ - حَكاهُ ابْنُ الفَرَسِ ولَمْ يُرَ مُسْنَدًا - هَذا ولَمْ يُعْطَفْ قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 129
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ﴾ الآيَةَ عَلى ما قَبْلَهُ لِاخْتِلافِها خَبَرًا وإنْشاءً، وإنْ كانا مُتَشارِكَيْنِ في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما بَيانًا لِحُكْمِ الأيْمانِ.
﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْكم بِاللَّغْوِ ﴿حَلِيمٌ 225﴾ حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ بِالمُؤاخَذَةِ عَلى يَمِينِ الجَدِّ؛ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، وفائِدَتُهُ الِامْتِنانُ عَلى المُؤْمِنِينَ وشُمُولُ الإحْسانِ لَهُمْ، (والحَلِيمُ) مِن (حَلُمَ بِالضَّمِّ يَحْلُمُ) إذا أمْهَلَ بِتَأْخِيرِ العِقابِ، وأصْلُ (الحِلْمِ) الأناةُ، وأمّا حِلْمُ الأدِيمِ فَبِالكَسْرِ يَحْلَمُ بِالفَتْحِ إذا فَسَدَ، وأمّا حَلَمَ أيْ رَأى في نَوْمِهِ – فَبِالفَتْحِ - ومَصْدَرُ الأوَّلِ (الحِلْمِ) بِالكَسْرِ ومَصْدَرُ الثّانِي (الحَلْمِ) بِفَتْحِ اللّامِ ومَصْدَرُ الثّالِثِ (الحُلُمُ) بِضَمِّ الحاءِ مَعَ ضَمِّ اللّامِ وسُكُونِها.
البقرة 2:226
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ الإيلاءُ - كَما قالَ الرّاغِبُ - الحَلِفُ الَّذِي يَقْتَضِي النَّقِيصَةَ في الأمْرِ الَّذِي يَحْلِفُ فِيهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ أيْ: باطِلًا ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ وصارَ في الشَّرْعِ عِبارَةً عَنِ الحَلِفِ المانِعِ عَنْ جِماعِ المَرْأةِ، فَـ يُؤْلُونَ أيْ: يَحْلِفُونَ، و مِن نِسائِهِمْ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ مِن إقامَةِ العَيْنِ مَقامَ الفِعْلِ المَقْصُودِ مِنهُ لِلْمُبالَغَةِ، وعُدِّيَ القَسَمُ عَلى المُجامَعَةِ بِـ مِن لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى البُعْدِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُبْعِدُونَ مِن نِسائِهِمْ مُولِينَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الفِعْلَ يَتَعَدّى بِـ (مِن) و(عَلى)، ونَقَلَ أبُو البَقاءِ عَنْ بَعْضِهِمْ مِن أهْلِ اللُّغَةِ تَعْدِيَتَهُ بِـ (مِن) وقِيلَ بِها بِمَعْنى (عَلى)، وقِيلَ: بِمَعْنى (فِي)، وقِيلَ: زائِدَةٌ، وجُوِّزَ جَعْلُ الجارِّ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا؛ أيِ: اسْتَقَرَّ لَهم مِن نِسائِهِمْ ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ وقُرِئَ (ألْوًا مِن نِسائِهِمْ) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (لِلَّذِينِ يُقْسِمُونَ) وهو المُرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ والتَّوَقُّفُ، وأُضِيفَ إلى الظَّرْفِ عَلى الِاتِّساعِ، وإجْراءُ المَفْعُولِ فِيهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، والمَعْنى عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو مُبْتَدَأٌ ما قَبْلَهُ خَبَرُهُ أوْ فاعِلٌ لِلظَّرْفِ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأخْفَشُ مِن جَوازِ عَمَلِهِ وإنْ لَمْ يُعْتَمَدْ، والجُمْلَةُ - عَلى التَّقْدِيرَيْنِ - بِمَنزِلَةِ الِاسْتِثْناءِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ فَإنَّ (الإيلاءَ) لِكَوْنِ أحَدِ الأمْرَيْنِ لازِمًا لَهُ الكَفّارَةُ عَلى تَقْدِيرِ الحِنْثِ مِن غَيْرِ إثْمٍ، والطَّلاقُ عَلى تَقْدِيرِ البِرِّ مُخالِفٌ لِسائِرِ الأيْمانِ المَكْتُوبَةِ؛ حَيْثُ يَتَعَيَّنُ فِيها (المُؤاخَذَةُ) بِهِما أوْ بِأحَدِهِما عِنْدَ الشّافِعِيِّ، (والمُؤاخَذَةُ) الأُخْرَوِيَّةُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا الإيلاءَ، فَإنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ ما ذَكَرَ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما قَبْلِها، وبَعْدَ أنْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى: (إنَّ لِلْمُوَلِينَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ) بَيَّنَ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ أيْ: رَجَعُوا في المُدَّةِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 226﴾ لِما حَدَثَ مِنهم مَنَ اليَمِينِ عَلى الظُّلْمِ وعَقْدِ القَلْبِ عَلى ذَلِكَ الحِنْثِ، أوْ بِسَبَبِ الفَيْئَةِ والكَفّارَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَإنْ فاءُوا فِيهِنَّ).
البقرة 2:227
﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ أيْ: صَمَّمُوا قَصْدَهُ بِأنْ لَمْ يَفِيئُوا واسْتَمَرُّوا عَلى الإيلاءِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِإيلائِهِمُ الَّذِي صارَ مِنهم طَلاقًا بائِنًا بِمُضِيِّ العِدَّةِ ﴿عَلِيمٌ 227﴾ بِغَرَضِهِمْ مِن هَذا الإيلاءِ، فَيُجازِيهِمْ عَلى وفْقِ نِيّاتِهِمْ، وهَذا ما حَمَلَ عَلَيْهِ الحَنَفِيَّةُ هَذِهِ الآيَةَ، فَإنَّهم قالُوا: الإيلاءُ مِنَ المَرْأةِ أنْ يَقُولَ: واللَّهِ لا أقْرَبُكِ (أرْبَعَةَ أشْهُرٍ) فَصاعِدًا عَلى التَّقْيِيدِ بِالأشْهُرِ، أوْ لا أقْرَبُكِ عَلى الإطْلاقِ، ولا يَكُونُ فِيما دُونَ ذَلِكَ عِنْدَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ خِلافًا لِلظّاهِرِيَّةِ والنَّخْعِيَّةِ وقَتادَةَ وحَمّادٍ وابْنِ أبِي حَمّادٍ وإسْحاقَ؛ حَيْثُ يَصِيرُ عِنْدَهم مُولِيًا في قَلِيلِ المَدَّةِ وكَثِيرِها، وحُكْمُهُ إنْ فاءَ إلَيْها في المُدَّةِ بِالوَطْءِ إنْ أمْكَنَ، أوْ بِالقَوْلِ إنَّ عَجَزَ عَنْهُ صَحَّ الفَيْءُ وحَنَثَ القادِرُ ولَزِمَتْهُ كَفّارَةُ اليَمِينِ ولا كَفارَّةَ عَلى العاجِزِ، وإنْ مَضَتِ الأرْبَعَةُ بانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ مِن غَيْرِ مُطالَبَةِ المَرْأةِ إيقاعَ الزَّوْجِ
صفحة 130
أوِ الحُكْمَ، وقالَتِ الشّافِعِيَّةُ: لا إيلاءَ إلّا في أكْثَرَ مِن (أرْبَعَةِ أشْهُرٍ) فَلَوْ قالَ: واللَّهِ لا أقْرَبُكِ (أرْبَعَةَ أشْهُرٍ) لا يَكُونُ إيلاءً شَرْعًا عِنْدَهُمْ، ولا يَتَرَتَّبُ حُكْمُهُ عَلَيْهِ، بَلْ هو يَمِينٌ كَسائِرِ الأيْمانِ، إنْ حَنِثَ كَفَّرَ، وإنْ بَرِّ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، ولِلْمُولِي التَّلَبُّثُ في هَذِهِ المُدَّةِ، فَلا يُطالِبُ بِفَيْءٍ ولا طَلاقٍ، فَإنْ فاءَ في اليَمِينِ بِالحِنْثِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِلْمُولِي إثْمُ حِنْثِهِ إذا كَفَّرَ كَما في (الجَدِيدِ)، أوْ ما تَوَخّى بِالإيلاءِ مِن ضِرارِ المَرْأةِ ونَحْوِهِ بِالفَيْئَةِ الَّتِي هي كالتَّوْبَةِ وإنْ عَزَمَ الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لِطَلاقِهِ عَلِيمٌ بِنِيَّتِهِ، وإذا مَضَتِ المُدَّةُ ولِمَ يَفِئْ ولَمْ يُطَلِّقْ طُولِبَ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، فَإنْ أبى عَنْهُما طَلَّقَ عَلَيْهِ الحاكِمُ، وأُيِّدَ كَوْنُ مُدَّتِهِ أكْثَرَ مِن (أرْبَعَةِ أشْهُرٍ) بِأنَّ (الفاءَ) في الآيَةِ لِلتَّعْقِيبِ، فَتَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ الإيلاءِ مِنَ الفَيْئَةِ والطَّلاقِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْدَ مُضِيِّ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَلا يَكُونُ الإيلاءُ في هَذِهِ المُدَّةِ إيلاءً شَرْعًا لِانْتِفاءِ حُكْمِهِ - وبِذَلِكَ اعْتَرَضُوا عَلى الحَنَفِيَّةِ - واعْتَرَضُوا عَلَيْهِمْ أيْضًا بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلى الطَّلاقِ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ، لَزِمَ وُقُوعُ الطَّلاقِ مِن غَيْرِ مُوقِعٍ، وإنَّ النَّصَّ يُشِيرُ إلى أنَّهُ مَسْمُوعٌ، فَلَوْ بانَتْ مِن غَيْرِ طَلاقٍ لا يَكُونُ هَهُنا شَيْءٌ مَسْمُوعٌ، وأُجِيبُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ (الفاءَ) لِلتَّعْقِيبِ في الذِّكْرِ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ المَسْمُوعَ ما يُقارِنُ ذَلِكَ التَّرْكَ مِنَ المُقاوَلَةِ والمُجادَلَةِ وحَدِيثِ النَّفْسِ بِهِ كَما يَسْمَعُ وسْوَسَةَ الشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ بِما اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ أوِ الإيلاءِ الَّذِي صارَ طَلاقًا بائِنًا بِالمُضِيِّ، وهَذا أنْسَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ حَيْثُ اكْتَفى بِمُجَرَّدِ العَزْمِ بِخِلافِ ما قالَتْهُ الشّافِعِيَّةُ مِن أنَّهُ يَحْتاجُ إلى الطَّلاقِ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ، فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ، وبُعْدُهُ لا يَحْتاجُ إلى عَزَمُوا أوْ يَحْتاجُ إلى جَعْلِ (عَزْمِ الطَّلاقِ) كِنايَةً عَنْهُ، فَما قِيلَ: مِن أنَّ الآيَةَ بِصَرِيحِها مَعَ الشّافِعِيِّ لَيْسَ في مَحِلِّهِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو حَنِيفَةَ وكَثِيرٌ مِنَ الإمامِيَّةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -، قالَ: الإيلاءُ إيلاءانِ؛ إيلاءٌ في الغَضَبِ، وإيلاءٌ في الرِّضا؛ فَأمّا الإيلاءُ في الغَضَبِ، فَإذا مَضَتْ (أرْبَعَةُ أشْهُرٍ) فَقَدْ بانَتْ مِنهُ، وأمّا ما كانَ في الرِّضا فَلا يُؤاخَذُ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، قالَ: أتى رَجُلٌ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ: إنِّي حَلَفْتُ أنْ لا آتِيَ امَرْأتِي سَنَتَيْنِ، فَقالَ: ما أراكَ إلّا قَدْ آلَيْتَ، قالَ: إنَّما حَلَفْتُ مِن أجْلِ أنَّها تُرْضِعُ ولَدِي، قالَ: فَلا إذًا. ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ: ما أعْلَمُ الإيلاءَ إلّا في الغَضَبِ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ وإنَّما الفَيْءُ مِنَ الغَضَبِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، واسْتُدِلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ الإيلاءِ مِنَ الكافِرِ، وبِأيِّ يَمِينٍ كانَ، ومِن غَيْرِ الدُّخُولِ بِها، والصَّغِيرَةِ، والخَصِيِّ، وأنَّ العَبْدَ تُضْرَبُ لَهُ (الأرْبَعَةُ أشْهُرٍ) كالحُرِّ. واسْتُدِلَّ بِتَخْصِيصِ هَذا الحُكْمِ بِالمُولِي عَلى أنَّ مَن تَرَكَ الوَطْءَ ضِرارًا بِلا يَمِينٍ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها -، أنَّها قالَتْ وهي تَعِظُ خالِدَ بْنَ سَعِيدٍ المَخْزُومِيَّ، وقَدْ بَلَغَها أنَّهُ هَجَرَ امْرَأتْهُ: إيّاكَ يا خالِدُ، وطُولَ الهَجْرِ، فَإنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ ما جَعَلَ اللَّهُ - تَعالى - لِلْمُولِي مِنَ الأجَلِ مَحْمُولٌ عَلى إرادَةِ العَطْفِ ولِلتَّحْذِيرِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالإيلاءِ.
البقرة 2:228
﴿والمُطَلَّقاتُ﴾ أيْ: ذَواتِ الأقْراءِ مِنَ الحَرائِرِ المَدْخُولِ بِهِنَّ لِما قَدْ بُيَّنَ في الآياتِ والأخْبارِ أنْ لا عِدَّةَ عَلى غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، وأنَّ عِدَّةَ مَن لا تَحِيضُ لِصِغَرٍ أوْ كِبَرٍ أوْ حَمْلٍ بِالأشْهُرِ ووَضْعِ الحَمْلِ، وأنَّ عِدَّةَ الأمَةِ قُرْآنِ أوْ شَهْرانِ، (فَألْ) لَيْسَتْ لِلِاسْتِغْراقِ؛ لِأنَّهُ هَهُنا مُتَعَذِّرٌ لِما بُيِّنَ، فَتُحْمَلُ عَلى الجِنْسِ كَما في (لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ)، ويُرادُ مِنهُ ما ذُكِرَ بِقَرِينَةِ الحُكْمِ، وهَذا مَذْهَبُ ساداتِنا الحَنَفِيَّةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ المُسْتَقِلَّ غَيْرَ المَوْصُولِ عِنْدَهم ناسِخٌ لِلْعامِّ، والنُّسَخُ إنَّما يَصِحُّ إذا ثَبَتَ عُمُومُ الحُكْمِ السّابِقِ - ولا عُمُومَ هَهُنا - وقالَ الشّافِعِيَّةُ: إنَّ (المُطَلَّقاتِ) عامٌّ، وقَدْ خَصَّ البَعْضَ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ غَيْرِ مَوْصُولٍ، واعْتَرَضُهُ الإمامُ بِأنَّ التَّخْصِيصَ إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ الباقِي
صفحة 131
تَحْتَ العامِّ أكْثَرَ، وهَهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنِهِ مِمّا لا شاهِدَ لَهُ، فَإنَّ المَذْكُورَ في كُتُبِ الأُصُولِ أنَّ العامَّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلى أنْ يَبْقى تَحْتَهُ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ مَعْنى الجَمْعِ؛ لِئَلّا يَلْزَمُ إبْطالَ الصِّيغَةِ فَلْيَفْهَمْ.
﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ أيْ: يَنْتَظِرْنَ، وهو خَبَرٌ قُصِدَ مِنهُ الأمْرُ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، فَلا يَحْتاجُ في وُقُوعِهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ إلى التَّأْوِيلِ عَلى رَأْيِ مَن لَمْ يُجَوِّزْ وُقُوعَ الإنْشاءِ خَبَرًا مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ خَبَرِيَّةٌ بِمَعْنى الأمْرِ؛ أيْ: لِيَتَرَبَّصِ (المُطَلَّقاتُ) ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِلتَّأْكِيدِ بِدَلالَتِهِ عَلى التَّحْقِيقِ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الخَبَرِ الصِّدْقُ والكَذِبُ احْتِمالٌ عَقْلِيٌّ، والإشْعارُ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُسارِعَ إلى امْتِثالِهِ؛ حَيْثُ أُقِيمَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الوُقُوعِ مَقامَ الدّالِّ عَلى الطَّلَبِ، وفي ذِكْرِهِ مُتَأخِّرًا عَنِ المُبْتَدَأِ فَضْلُ تَأْكِيدٍ لِما فِيهِ مِن إفادَةِ التَّقْوى عَلى أحَدِ الطَّرِيقَيْنِ المَنقُولَيْنِ عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ والسَّكّاكِيِّ، وقُيِّدَ (التَّرَبُّصُ) هُنا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿بِأنْفُسِهِنَّ﴾ وتَرَكَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ لِتَحْرِيضِ النِّساءِ عَلى (التَّرَبُّصِ)؛ لِأنَّ (الباءَ) لِلتَّعْدِيَةِ فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ أنْ يَقْمَعْنَ أنْفُسَهُنَّ ويَحْمِلْنَها عَلى الِانْتِظارِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِكَوْنِهِنَّ ماثِلاتٍ إلى الرِّجالِ، وذَلِكَ مِمّا يَسْتَنْكِفْنَ مِنهُ، فَإذا سَمِعْنَ هَذا تَرَبَّصْنَ، وهَذا بِخِلافِ الآيَةِ السّابِقَةِ، فَإنَّ المَأْمُورَ فِيها (بِالتَّرَبُّصِ) الأزْواجُ، وهم وإنْ كانُوا طامِحِينَ إلى النِّساءِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُمُ اسْتِنْكافٌ مِنهُ، فَذِكْرُ (الأنْفُسِ) فِيها لا يُفِيدُ تَحْرِيضَهم عَلى التَّرَبُّصِ ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِ لِكَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ المُدَّةِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ (التَّرَبُّصَ) مُتَعَدٍّ، قالَ تَعالى: ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَتَرَبَّصْنَ التَّزَوُّجَ، وفي حَذْفِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُنَّ يَتْرُكْنَ التَّزَوُّجَ في هَذِهِ المُدَّةِ بِحَيْثُ لا يَتَلَفَّظْنَ بِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ يَتَرَبَّصْنَ مُضِيَّها، (والقُرُوءُ) جَمْعُ قُرْءٍ بِالفَتْحِ والضَّمِّ، والأوَّلُ أفْصَحُ، وهو يُطْلَقُ لِلْحَيْضِ؛ لِما أخْرَجَ النَّسائِيُّ وأبُو داوُدَ والدّارَقُطْنِيُّ: «”أنَّ فاطِمَةَ ابْنَةَ أبِي حُبَيْشٍ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي امْرَأةٌ أُسْتَحاضُ، فَلا أطْهُرُ، أفَأدَعُ الصَّلاةَ؟ فَقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: لا، دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكَ“،» ويُطْلَقُ لِلطُّهْرِ الفاصِلِ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ كَما في ظاهِرِ قَوْلِ الأعْشى:
أفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ تَشُدُّ لِأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا
مُورِثَةً مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا
أيْ: أطْهارِهِنَّ؛ لِأنَّها وقْتُ الِاسْتِمْتاعِ ولا جِماعَ في الحَيْضِ في الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، وأصْلُهُ الِانْتِقالُ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ لِاسْتِلْزامِهِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ الرّاغِبُ: إنَّ الطّاهِرَ الَّتِي لَمْ تَرَ الدَّمَ لا يُقالُ لَها ذاتَ قُرْءٍ والحائِضُ الَّتِي اسْتَمَرَّ لَها الدَّمُ لا يُقالُ لَها ذَلِكَ أيْضًا، والمُرادُ بِالقُرْءِ في الآيَةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ الِانْتِقالُ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ في قَوْلٍ قَوِيٍّ لَهُ، أوِ الطُّهْرُ المُنْتَقَلُ مِنهُ كَما في المَشْهُورِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وخَلْقٍ كَثِيرٍ لا الحَيْضُ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِمَعْقُولٍ ومَنقُولٍ؛ أمّا الأوَّلُ فَهو أنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِدَّةِ بَراءَةُ الرَّحِمِ مِن ماءِ الزَّوْجِ السّابِقِ، والمُعَرِّفُ لِبَراءَةِ الرَّحِمِ هو الِانْتِقالُ إلى الحَيْضِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى انْفِتاحِ فَمِ الرَّحِمِ، فَلا يَكُونُ فِيهِ العُلُوقُ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ انْسِدادَ فَمِ الرَّحِمِ عادَةً دُونَ الحَيْضِ، فَإنَّ الِانْتِقالَ مِنَ الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ يَدُلُّ عَلى انْسِدادِ فَمِ الرَّحِمِ، وهو مَظَنَّةُ العُلُوقِ، فَإذا جاءَ بَعْدَهُ الحَيْضُ عُلِمَ عَدَمُ انْسِدادِهِ. وأمّا الثّانِي فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ واللّامُ لِلتَّأْقِيتِ والتَّخْصِيصِ بِالوَقْتِ، فَيُفِيدُ أنَّ مَدْخُولَهُ وقْتٌ لِما قَبْلَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ و﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ فَيُفِيدُ أنَّ العِدَّةَ وقْتُ الطَّلاقِ والطَّلاقُ
صفحة 132
فِي الحَيْضِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ؛ لِما أخْرَجَ الشَّيْخانِ «أنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وهي حائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَتَغَيَّظَ، ثُمَّ قالَ: ”مُرْهُ فَلْيُراجِعْها، ثُمَّ لِيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ، ثُمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بَعْدُ، وإنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ - تَعالى - أنْ يُطَلَّقَ لَها النِّساءُ“،» وهو أحَدُ الأدِلَّةِ أيْضًا عَلى أنَّ العِدَّةَ بِالأطْهارِ، وذَهَبَ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ إلى أنَّ المُرادَ بِالقُرْءِ الحَيْضُ، وهو المُرْوَيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ وجَمٍّ غَفِيرٍ، وكَوْنُ الِانْتِقالِ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ هو المُعَرِّفُ لِلْبَراءَةِ إذا سَلَّمَ مُعارِضٌ، بِأنَّ سَيَلانَ الدَّمِ هو السَّبَبُ لِلْبَراءَةِ المَقْصُودَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ اعْتِبارَ المُعَرَّفِ أوْلى مِنَ اعْتِبارِ السَّبَبِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المُكابَرَةِ في شَيْءٍ، عَلى أنَّ المُهِمَّ في مِثْلِ هَذِهِ المَباحِثِ الأدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ، وفِيما ذَكَرُوهُ مِنها بِحْثٌ؛ لِأنَّ لامَ التَّوْقِيتِ لا تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَدْخُولُها ظَرْفًا لِما قَبْلَها، فَفي الرِّضى أنَّ اللّامَ في نَحْوِ جِئْتُكَ لِغُرَّةِ كَذا هي المُفِيدَةُ لِلِاخْتِصاصِ الَّذِي هو أصْلُها، والِاخْتِصاصُ هَهُنا عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: إمّا أنْ يَخْتَصَّ الفِعْلُ بِالزَّمانِ بِوُقُوعِهِ فِيهِ نَحْوَ كَتَبْتُهُ لِغُرَّةِ كَذا، أوْ يَخْتَصُّ بِهِ لِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ نَحْوَ لِلَيْلَةٍ خِلْتُ، أوِ اخْتَصَّ بِهِ لِوُقُوعِهِ قَبْلَهُ نَحْوَ لِلَيْلَةٍ بَقِيتُ، فَمَعَ الإطْلاقِ يَكُونُ الِاخْتِصاصُ لِوُقُوعِهِ فِيهِ، ومَعَ قَرِينَةٍ نَحْوَ خِلْتُ يَكُونُ لِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ، ومَعَ قَرِينَةٍ نَحْوَ بَقِيتُ لِوُقُوعِهِ قَبْلَهُ انْتَهى. وفِيما نَحْنُ فِيهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ التَّطْلِيقَ يَكُونُ قَبْلَ العِدَّةِ لا مُقارِنًا لَها، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: (فِي قَبْلِ عِدَّتِهِنَّ)، فَفي الصِّحاحِ: القَبْلُ والقَبُلُ نَقِيضُ الدَّبْرِ والدُّبُرِ، ووَقَعَ السَّهْمُ بِقُبُلِ الهَدَفِ وبِدُبِرِهِ، وقُدَّ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ ودُبُرٍ؛ أيْ: مِن مُقَدَّمِهِ ومُؤَخَّرِهِ، ويُقالُ: أنْزِلُ بِقُبُلِ هَذا الجَبَلِ – أيْ: بِسَفْحِهِ – فَمَعْنى: (فِي قَبْلِ عِدَّتِهِنَّ) في مُقَدَّمِ عِدَّتِهِنَّ وأمامَها - كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الأمْثِلَةِ - وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ قَبْلَ الشَّيْءِ أوَّلُهُ يَرْجِعُ إلى هَذا أيْضًا، وعَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ الرُّجُوعِ يَرْجِعُ المُقَدَّمُ عَلى الأوَّلِ بِالتَّبادُرِ وكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ والتَّأْيِيدِ يَحْصُلُ بِذَلِكَ المِقْدارِ، والحَدِيثُ الَّذِي أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مُسْلِمٌ، لَكِنَّ جَعْلَهُ دَلِيلًا عَلى أنَّ (العِدَّةَ) هي الأطْهارُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى جَعْلِ الإشارَةِ لِلْحالَةِ الَّتِي هي الطُّهْرُ، ولا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَإنَّ (اللّامَ) فِي: (يُطَلَّقُ لَها النِّساءُ) كاللّامِ في لِعِدَّتِهِنَّ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (فِي) وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى (قَبْلَ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ الحَيْضَ، وأنَّثَ اسْمَ الإشارَةِ مُراعاةً لِلْخَبَرِ كالضَّمِيرِ إذا وقَعَ بَيْنَ مَرْجِعٍ مُذَكَّرٍ وخَبَرٍ مُؤَنَّثٍ، فَإنَّ الأوْلى عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ مُراعاةُ الخَبَرِ؛ إذْ ما مَضى فاتَ، والمَعْنى: فَتِلْكَ الحِيَضُ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ - تَعالى - أنْ يُطَلَّقَ قَبْلَها النِّساءُ - لا أنْ يُطَلَّقَ فِيها النِّساءُ – كَما فَهِمَهُ ابْنُ عُمَرَ وأوْقَعَ الطَّلاقَ فِيهِ، وقَوْلُ الخَطّابِيُّ: الأقْراءُ الَّتِي تَعْتَدُّ بِها المُطَلَّقَةُ الأطْهارُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ (فَتِلْكَ العِدَّةُ بَعْدَ الطُّهْرِ) مُجابٌ عَنْهُ، بِأنَّ ذِكْرَهُ بَعْدَ الطُّهْرِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُشارًا إلَيْهِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الطُّهْرِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الحَيْضَ المَحْفُوفَ بِالطُّهْرِ يَكُونُ عِدَّةً، وحِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ ذِكْرُ الطُّهْرِ الثّانِي إلى نُكْتَةٍ، وهي أنَّهُ إذا راجَعَها في الطُّهْرِ الأوَّلِ بِالجِماعِ لَمْ يَكُنْ طَلاقُها فِيهِ لِلسُّنَّةِ، فَيَحْتاجُ لِلطُّهْرِ الثّانِي لِيَصِحَّ فِيهِ إيقاعُ الطَّلاقِ السُّنِّيِّ، وأنْ لا يَكُونَ الرَّجْعَةُ لِغَرَضِ الطَّلاقِ فَقَطْ، وأنْ يَكُونَ كالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ بِاسْتِبْدالِ حالِهِ، وأنْ يُطَوِّلَ مَقامَهُ مَعَها، فَلَعَلَّهُ يُجامِعُها، فَيَذَهْبُ ما في نَفْسِها مِن سَبَبِ الطَّلاقِ، فَيُمْسِكُها هَذا ما يَرْجِعُ إلى الدَّفْعِ، وأمّا الِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّ (القُرْءَ) الحَيْضُ فَهو ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ، وعِدَّتُها حَيْضَتانِ“،» فَصَرَّحَ بِأنَّ عِدَّةَ الأمَةِ حَيْضَتانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحُرَّةِ والأمَةِ بِاعْتِبارِ مِقْدارِ العِدَّةِ لا في جِنْسِها، فَيَلْتَحِقُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ لِلْإجْمالِ الكائِنِ بِالِاشْتِراكِ بَيانًا، وكَوْنُهُ لا يُقاوَمُ، ما أخْرَجَهُ
صفحة 133
الشَّيْخانِ في قِصَّةِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ تَعالى عَنْهُما – لِضَعْفِهِ؛ لِأنَّ فِيهِ مُظاهِرًا، ولَمْ يُعْرَفْ لَهُ سِواهُ، لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، أمّا أوَّلًا فَلِما عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ الحَدِيثَ لَيْسَ بِنَصٍّ في المُدَّعِي، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ تَعْلِيلَ تَضْعِيفِ مَظاهِرٍ غَيْرِ ظاهِرٍ، فَإنَّ ابْنَ عَدِيٍّ أخْرَجَ لَهُ حَدِيثًا آخَرَ ووَثَّقَهُ ابْنُ حِبّانَ، وقالَ الحاكِمُ: ومَظاهِرٌ شَيْخٌ مِن أهْلِ البَصْرَةِ ولَمْ يَذْكُرْهُ أحَدٌ مِن مُتَقَدِّمِي مَشايِخِنا بِجُرْحٍ، فَإذًا إنْ لَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ صَحِيحًا كانَ حَسَنًا، ومِمّا يُصَحِّحُ الحَدِيثَ عَمَلُ العُلَماءِ عَلى وفْقِهِ، قالَ التِّرْمِذِيُّ عُقَيْبَ رِوايَتِهِ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، والعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحابِ الرَّسُولِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وغَيْرِهِمْ، وفي الدّارَقُطْنِيِّ قالَ القاسِمُ وسالِمٌ: وعَمِلَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وقالَ مالِكٌ: شُهْرَةُ الحَدِيثِ تُغْنِي عَنْ سَنَدِهِ، كَذا في الفَتْحِ، ومِن أصْحابِنا مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ القُرْءِ الطُّهْرَ لَزِمَ إبْطالُ مُوجِبِ الخاصِّ؛ أعْنِي لَفْظَ (ثَلاثَةٍ)، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ العِدَّةُ طُهْرَيْنِ، وبَعْضَ الثّالِثِ في الطَّلاقِ المَشْهُورِ، ولا يَخْفى أنَّهُ كَأمْثالِهِ في هَذا المَقامِ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّدَبُّرِ فِيما قالَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، فَلِهَذا اعْتَرَضُوا بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ القُرْءَ الِانْتِقالَ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، أوِ الطُّهْرَ المُنْتَقَلَ مِنهُ لا الطُّهْرَ الفاصِلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ، والِانْتِقالُ المَذْكُورُ أوِ الطُّهْرُ المُنْتَقَلُ مِنهُ تامٌّ عَلى أنْ كَوْنَ الثَّلاثَةِ اسْمًا لِعَدَدٍ كامِلٍ غَيْرِ مُسَلَّمٍ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّهُ إذا شَرَعَ في الثّالِثِ ساغَ الإطْلاقُ، ألا تَراهم يَقُولُونَ: هو ابْنُ ثَلاثِ سِنِينَ وإنْ لَمْ تَكْمُلِ الثّالِثَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الزّائِدَ جُعِلَ فَرْدًا مَجازًا، ثُمَّ أطْلَقَ عَلى المَجْمُوعِ اسْمَ العَدَدِ الكامِلِ، ومِنَ الشّافِعِيَّةِ مَن جَعَلَ القُرْءَ اسْمًا لِلْحَيْضِ الَّذِي يَحْتَوِشُهُ دَمانِ، وجُعِلَ إطْلاقُهُ عَلى بَعْضِ الطُّهْرِ وكُلِّهِ كَإطْلاقِ الماءِ والعَسَلِ، قالُوا: والِاشْتِقاقُ مُرْشِدٌ إلى مَعْنى الضَّمِّ والِاجْتِماعِ، وهَذا الطُّهْرُ يَحْصُلُ فِيهِ اجْتِماعُ الدَّمِ في الرَّحِمِ، وبَعْضُهُ وكُلُّهُ في الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ عَلى السَّواءِ - وأطالُوا الكَلامَ في ذَلِكَ - والإمامِيَّةُ وافَقُوهم فِيهِ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِرِواياتِهِمْ عَنِ الأئِمَّةِ، والرِّوايَةُ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في هَذا البابِ مُخْتَلِفَةٌ، وبِالجُمْلَةِ كَلامُ الشّافِعِيَّةِ في هَذا المَقامِ قَوِيٌّ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ بِأطْرافِ كَلامِهِمْ، واسْتَقْرَأ ما قالُوهُ وتَأمَّلَ ما دَفَعُوا بِهِ أدِلَّةَ مُخالِفِيهِمْ، وفي الكَشْفِ بَعْضُ الكَشْفِ وما في الكَشّافِ غَيْرُ شافٍ لِبُغْيَتِنا، وهَذا المِقْدارُ يَكْفِي أُنْمُوذَجًا.
هَذا وكانَ القِياسُ ذِكْرَ القُرْءِ بِصِيغَةِ القِلَّةِ الَّتِي هي الأقْراءُ، ولَكِنَّهم يَتَوَسَّعُونَ في ذَلِكَ، فَيَسْتَعْمِلُونَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البِناءَيْنِ مَكانَ الآخَرِ، ولَعَلَّ النُّكْتَةَ المُرَجِّحَةَ لِاخْتِيارِهِ هَهُنا، أنَّ المُرادَ بِالمُطَلَّقاتِ هَهُنا جَمِيعُ المُطَلَّقاتِ ذَواتِ الأقْراءِ الحَرائِرِ، وجَمِيعُها مُتَجاوِزٌ فَوْقَ العَشَرَةِ، فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها ثَلاثَةُ أقْراءٍ، فَيَحْصُلُ في الأقْراءِ الكَثْرَةُ فَحَسُنَ أنْ يَسْتَعْمِلَ جَمْعَ الكَثْرَةِ في تَمْيِيزِ الثَّلاثَةِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، وهَذا كَما اسْتَعْمَلَ (أنْفُسَهُنَّ) مَكانَ (نُفُوسِهِنَّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الطَّلاقَ يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ عَلى القِلَّةِ.
﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ: الحَمْلُ والحَيْضُ؛ أيْ: لا يَحِلُّ لَها إنْ كانَتْ حامِلًا أنْ تَكْتُمَ حَمْلَها، ولا إنْ كانَتْ حائِضًا أنْ تَكْتُمَ حَيْضَها، فَتَقُولُ وهي حائِضٌ: قَدْ طَهُرْتُ، وكُنَّ يَفْعَلْنَ الأوَّلَ؛ لِئَلّا يُنْتَظَرَ لِأجْلِ طَلاقِها أنْ تَضَعَ، ولِئَلّا يُشْفِقُ الرَّجُلُ عَلى الوَلَدِ، فَيَتْرُكَ تَسْرِيحَها، والثّانِي اسْتِعْجالًا لِمُضِيِّ العِدَّةِ وإبْطالًا لِحَقِّ الرَّجْعَةِ، وهَذا القَوْلُ هو المَرْوِيُّ عَنِ الصّادِقِ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِمْ، والقَوْلُ بِأنَّ الحَيْضَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ في الرَّحِمِ، بَلْ هو خارِجٌ عَنْهُ، فَلا يَصِحُّ حَمْلُ (ما) عَلى عُمُومِها، بَلْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُها عَلى الوَلَدِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، مَدْفُوعٌ بِأنَّ ذاتَ الدَّمِ وإنْ كانَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ في الرَّحِمِ، لَكِنَّ الِاتِّصافَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا، إنَّما يَحْصُلُ لَهُ فِيهِ، وما قِيلَ: إنَّ الكَلامَ في المُطَلَّقاتِ ذَواتِ الأقْراءِ، فَلا يَحْتَمِلُ خَلْقَ الوَلَدِ في أرْحامِهِنَّ، فَيَجِبُ حَمْلُ ما عَلى الحَيْضِ، كَما حُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، فَمَدْفُوعٌ أيْضًا بِأنَّ تَخْصِيصَ العامِ
صفحة 134
وتَقْيِيدُهُ بِدَلِيلٍ خارِجِيٍّ لا يَقْتَضِي اعْتِبارَ ذَلِكَ التَّخْصِيصِ أوِ التَّقْيِيدِ في الرّاجِعِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ قَوْلَهُما يُقْبَلُ فِيما خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - في أرْحامِهِنَّ؛ إذْ لَوْلا قَبُولُ ذَلِكَ لَما كانَ فائِدَةً في تَحْرِيمِ كِتْمانِهِنَّ، قالَ ابْنُ الفَرَسِ: وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في جَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِالفَرْجِ مِن بَكارَةٍ وثُيُوبَةٍ وعَيْبٍ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - في أرْحامِهِنَّ، فَيَجِبُ أنْ يَصْدُقْنَ فِيهِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ.
﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ شَرْطٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( لا يَحِلُّ ) لَكِنْ لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ التَّقْيِيدَ حَتّى لَوْ لَمْ يُؤْمِنَّ كالكِتابِيّاتِ - حَلَّ لَهُنَّ الكِتْمانُ - بَلْ بَيانَ مُنافاةِ الكِتْمانِ لِلْإيمانِ وتَهْوِيلَ شَأْنِهِ في قُلُوبِهِنَّ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مُتَعارَفَةٌ يُقالُ: إنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَلا تُؤْذِ أباكَ، وقِيلَ: إنَّهُ شَرْطُ جَزائِهِ مَحْذُوفٌ – أيْ: فَلا يَكْتُمْنَ - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( لا يَحِلُّ ) عِلَّةٌ لَهُ أُقِيمَ مَقامَهُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: (إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لا يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ؛ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُنَّ)، وفِيهِ: (أنْ لا يَكْتُمْنَ المُقَدَّرَ) إنْ كانَ نَهْيًا يَلْزَمُ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وإنْ كانَ نَفْيًا يَكُونُ مَفادُ الكَلامِ تَعْلِيقَ عَدَمِ وُقُوعِ الكِتْمانِ في المُسْتَقْبَلِ بِأيْمانِهِمْ في الزَّمانِ الماضِي، وهو كَما تَرى.
﴿وبُعُولَتُهُنَّ﴾ أيْ: أزْواجِ المُطَلَّقاتِ جَمْعُ (بَعْلٍ) كَعَمٍّ وعُمُومَةٍ، وفَحْلٍ وفُحُولَةٍ، والهاءُ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِتَأْنِيثِ الجَماعَةِ، والأمْثِلَةُ سَماعِيَّةٌ لا قِياسِيَّةٌ، ولا يُقالُ: كَعْبٌ وكُعُوبَةٌ، قالَهُ الزَّجّاحُ، وفي القامُوسِ: البَعْلُ الزَّوْجُ، والأُنْثى بَعْلٌ وبَعْلَةٌ، والرَّبُّ والسَّيِّدُ والمالِكُ والنَّخْلَةُ الَّتِي لا تُسْقى أوْ تُسْقى بِماءِ المَطَرِ، وقالَ الرّاغِبُ: البَعْلُ النَّخْلُ الشّارِبُ بِعُرُوقِهِ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الزَّوْجِ لِإقامَتِهِ عَلى الزَّوْجَةِ لِلْمَعْنى المَخْصُوصِ، وقِيلَ: باعَلَها جامَعَها، وبُعِلُ الرَّجُلُ إذا دُهِشَ فَأقامَ كَأنَّهُ النَّخْلُ الَّذِي لا يَبْرَحُ، فَفي اخْتِيارِ لَفْظِ (البُعُولَةِ) إشارَةٌ إلى أنَّ أصْلَ الرَّجْعَةِ بِالمُجامَعَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (البُعُولَةُ) مَصْدَرًا نُعِتَ بِهِ مِن قَوْلِكَ: بَعْلٌ حَسَنُ البُعُولَةِ؛ أيِ: العَشَرَةِ مَعَ الزَّوْجَةِ، أوْ أُقِيمَ مَقامَ المُضافِ المَحْذُوفِ؛ أيْ: وأهْلِ (بُعُولَتِهِنَّ ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ إلى النِّكاحِ والرَّجْعَةِ إلَيْهِنَّ، وهَذا إذا كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا لِلْآيَةِ بَعْدَها، فالضَّمِيرُ بَعْدَ اعْتِبارِ القَيْدِ أخَصُّ مِنَ المَرْجُوعِ إلَيْهِ، ولا امْتِناعَ فِيهِ كَما إذا كُرِّرَ الظّاهِرُ، وقِيلَ: بُعُولَةُ المُطَلَّقاتِ ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وخُصِّصَ بِالرَّجْعِيِّ، وأحَقُّ هَهُنا بِمَعْنى حَقِيقٍ، عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِلْمُبالَغَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِلْبُعُولَةِ حَقُّ الرَّجْعَةِ؛ أيْ: حَقٍّ مَحْبُوبٍ عِنْدَ اللهِ – تَعالى - بِخِلافِ الطَّلاقِ فَإنَّهُ مَبْغُوضٌ، ولِذا ورَدَ لِلتَّنْفِيرِ عَنْهُ: ”أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ - تَعالى - الطَّلاقُ“، وإنَّما لَمْ يَبْقَ عَلى مَعْناهُ مِنَ المُشارَكَةِ والزِّيادَةِ؛ إذْ لا حَقَّ لِلزَّوْجَةِ في الرَّجْعَةِ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ أُبَيُّ: (بِرِدَّتِهِنَّ ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أيْ: زَمانِ التَّرَبُّصِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ أحَقُّ أوْ بِرَدِّهِنَّ.
﴿إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾ أيْ: إنْ أرادَ البُعُولَةُ بِالرَّجْعَةِ إصْلاحًا لِما بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ، ولَمْ يُرِيدُوا الإضْرارَ بِتَطْوِيلِ العِدَّةِ عَلَيْهِنَّ مَثَلًا، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّعْلِيقِ اشْتِراطَ جَوازِ الرَّجْعَةِ بِإرادَةِ الإصْلاحِ حَتّى لَوْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ ذَلِكَ لا تَجُوزُ لِلْإجْماعِ عَلى جَوازِها مُطْلَقًا، بَلِ المُرادُ تَحْرِيضُهم عَلى قَصْدِ الإصْلاحِ؛ حَيْثُ جُعِلَ كَأنَّهُ مَنُوطٌ بِهِ يَنْتَفِي بِانْتِفائِهِ.
﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ فِيهِ صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ، ولا يَخْفى لُطْفُهُ فِيما بَيْنَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ؛ حَيْثُ حُذِفَ في الأوَّلِ بِقَرِينَةِ الثّانِي، وفي الثّانِي بِقَرِينَةِ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَهُنَّ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الَّذِي لَهم عَلَيْهِنَّ، والمُرادُ (بِالمُماثَلَةِ) المُماثَلَةُ في الوُجُوبِ، لا في جِنْسِ الفِعْلِ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ إذا غَسَلَتْ ثِيابَهُ أوْ خَبَزَتْ لَهُ أنْ يَفْعَلَ لَها مِثْلَ ذَلِكَ، ولَكِنْ يُقابِلُهُ بِما يَلِيقُ بِالرِّجالِ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ
صفحة 135
عَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”ألا إنَّ لَكم عَلى نِسائِكم حَقًّا، ولِنِسائِكم عَلَيْكم حَقًّا، فَأمّا حَقُّكم عَلى نِسائِكم فَلا يُوَطِئْنَ فُرُشَكم مَن تَكْرَهُونَ، ولا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكم مَن تَكْرَهُونَ، ألا وحَقُّهُنَّ عَلَيْكم أنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِنَّ في كِسْوَتِهِنَّ وطَعامِهِنَّ“،» وأخْرَجَ وكِيعٌ وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، قالَ: ”إنِّي لَأُحِبُّ أنْ أتَزَيَّنَ لِلْمَرْأةِ كَما أُحِبُّ أنْ تَتَزَيَّنَ المَرْأةُ لِي؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿ولَهُنَّ﴾ الآيَةَ“، وجَعَلُوا مِمّا يَجِبُ لَهُنَّ عَدَمَ العَجَلَةِ إذا جامَعَ حَتّى تَقْضِيَ حاجَتَها، والمَجْرُورُ الأخِيرُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، وقِيلَ: صِفَةٌ لِـ مِثْلُ وهي لا تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ.
﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ زِيادَةٌ في الحَقِّ؛ لِأنَّ حُقُوقَهم في أنْفُسِهِنَّ، فَقَدْ ورَدَ أنَّ النِّكاحَ كالرِّقِّ أوْ شَرَفِ فَضِيلَةٍ؛ لِأنَّهم قُوّامٌ عَلَيْهِنَّ وحُرّاسٌ لَهُنَّ، يُشارِكُوهُنَّ في غَرَضِ الزَّواجِ مِنَ التَّلَذُّذِ وانْتِظامِ مَصالِحِ المَعاشِ، ويُخَصُّونَ بِشَرَفٍ يَحْصُلُ لَهم لِأجْلِ الرِّعايَةِ والإنْفاقِ عَلَيْهِنَّ. والدَّرَجَةُ - في الأصْلِ – المَرْقاةُ، ويُقالُ فِيها: (دُرَجَةٌ) كَهُمَزَةٍ، وقالَ الرّاغِبُ: الدَّرَجَةُ نَحْوَ المَنزِلَةِ لَكِنْ تُقالُ إذا اعْتُبِرَتْ بِالصُّعُودِ دُونَ الِامْتِدادِ عَلى البَسِيطِ، كَدَرَجَةِ السَّطْحِ والسُّلَّمِ، ويُعَبَّرُ بِها عَنِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، ومِنهُ الآيَةُ فَهي عَلى التَّوْجِيهَيْنِ مَجازٌ، وفي الكَشْفِ: إنَّ أصْلَ التَّرْكِيبِ لِمَعْنى الأناةِ والتَّقارُبِ عَلى مَهْلٍ مِن دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا حَبا، وكَذَلِكَ الشَّيْخُ والمُقَيَّدُ لِتُقارِبِ خَطْوُهُما، والدَّرْجَةُ الَّتِي يُرْتَقى عَلَيْها؛ لِأنَّ الصُّعُودَ لَيْسَ في السُّهُولَةِ كالِانْحِدارِ والمَشْيِ عَلى مُسْتَوٍ، فَلا بُدَّ مِن تَدَرُّجٍ، والدَّرَجُ المَواضِعُ الَّتِي يَمُرُّ عَلَيْها السَّيْلُ شَيْئًا فَشَيْئًا، ومِنهُ التَّدَرُّجُ في الأُمُورِ، والِاسْتِدْراجُ مِنَ اللَّهِ، والدَّرَكَةُ هي الدَّرَجَةُ بِعَيْنِها لَكِنْ في الِانْحِدارِ، والرِّجالُ جَمْعُ رَجُلٍ، وأصْلُ البابِ القُوَّةُ والغَلَبَةُ، وأتى بِالمُظْهَرِ بَدَلَ المُضْمَرِ لِلتَّنْوِيهِ بِذِكْرِ الرُّجُولِيَّةِ الَّتِي بِها ظَهَرَتِ المِزْيَّةُ لِلرِّجالِ عَلى النِّساءِ، ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ مِمَّنْ خالَفَ الأحْكامَ ﴿حَكِيمٌ 228﴾ عالِمٌ بِعَواقِبِ الأُمُورِ والمَصالِحِ الَّتِي شَرَعَ ما شَرَعَ لَها، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ.
البقرة 2:229
﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ إشارَةٌ إلى الطَّلاقِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وهو الرَّجْعِيُّ، وهو بِمَعْنى التَّطْلِيقِ الَّذِي هو فِعْلُ الرَّجُلِ - كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ - لِأنَّهُ المَوْصُوفُ بِالوَحْدَةِ والتَّعَدُّدِ دُونَ ما هو وصْفُ المَرْأةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ذِكْرُ ما هو مِن فِعْلِ الرَّجُلِ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: بِالرَّجْعَةِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ: إطْلاقٍ مُصاحِبٍ لَهُ مِن جَبْرِ الخاطِرِ وأداءِ الحُقُوقِ، وذَلِكَ إمّا بِأنْ لا يُراجِعَها حَتّى تَبِينَ، أوْ يُطَلِّقَها الثّالِثَةَ - وهو المَأْثُورُ - فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي رَزِينٍ الأسَدِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إنِّي أسْمَعُ اللَّهَ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ فَأيْنَ الثّالِثَةُ؟ فَقالَ: ”التَّسْرِيحُ بِإحْسانٍ هو الثّالِثَةُ“؛» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى (مَرَّتانِ) اثْنَتانِ، ويُؤَيِّدُ العَهْدَ (كالفاءِ) في الشِّقِّ الأوَّلِ، فَإنَّ ظاهِرَها التَّعْقِيبُ بِلا مُهْلَةٍ، وحُكْمُ الشَّيْءِ يَعْقُبُهُ بِلا فَصْلٍ، وهَذا هو الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ الآيَةَ، ولَعَلَّهُ ألْيَقُ بِالنَّظْمِ؛ حَيْثُ قَدْ أنْجَزَ ذِكْرَ اليَمِينِ إلى ذِكْرِ الإيلاءِ الَّذِي هو طَلاقٌ، ثُمَّ أنْجَزَ ذَلِكَ إلى ذَكَرِ حُكْمِ (المُطَلَّقاتِ) مِنَ العِدَّةِ والرَّجْعَةِ، ثُمَّ أنْجَرَ ذَلِكَ إلى ذِكْرِ أحْكامِ الطَّلاقِ المُعَقِّبِ لِلرَّجْعَةِ، ثُمَّ أنْجَرَ ذَلِكَ إلى بَيانِ الخُلْعِ والطَّلاقِ الثّالِثَةِ - وأوْفَقَ بِسَبَبِ النُّزُولِ - فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ والتِّرْمِذِيُّ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - وغَيْرُهم عَنْ عُرْوَةَ، قالَ: ”كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها كانَ ذَلِكَ لَهُ، وإنْ طَلَّقَها
صفحة 136
ألْفَ مَرَّةٍ، فَعَمَدَ رَجُلٌ إلى امْرَأتِهِ فَطَلَّقَها حَتّى إذا ما شارَفَتِ انْقِضاءَ عَدَّتِها ارْتَجَعَها ثُمَّ طَلَّقَها؛ ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لا آوِيكِ إلَيَّ ولا تَخْلِينَ أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ“، والَّذِي دَعاهم إلى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إنَّ جَمْعَ الطَّلَقاتِ الثَّلاثِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وأنَّهُ لا سُنَّةَ في التَّفْرِيقِ كَما في تُحْفَتِهِمْ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ «بِأنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلانِيَّ لَمّا لاعَنَ امْرَأتَهُ طَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِحُرْمَتِها عَلَيْهِ» رَواهُ الشَّيْخانِ، فَلَوْ حَرُمَ لَنَهاهُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ أوْقَعَهُ مُعْتَقِدًا بَقاءَ الزَّوْجِيَّةِ، ومَعَ اعْتِقادِها يَحْرُمُ الجَمْعُ عِنْدَ المُخالِفِ، ومَعَ الحُرْمَةِ يَجِبُ الإنْكارُ عَلى العالِمِ وتَعْلِيمُ الجاهِلِ، ولَمْ يُوجَدا، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا حُرْمَةَ، وبِأنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ وأفْتى بِهِ آخَرُونَ، وقالَ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ: إنَّ الجَمْعَ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ والثَّلاثِ بِدْعَةٌ، وإنَّما السُّنَّةُ التَّفْرِيقُ؛ لِما رُوِيَ في حَدِيثِ «ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: ”إنَّما السُّنَّةُ أنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبالًا، فَتُطَلِّقُها لِكُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً“،» فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ السُّنَّةِ أنَّهُ يَسْتَعْقِبُ الثَّوابَ لِكَوْنِهِ أمْرًا مُباحًا في نَفْسِهِ لا مَندُوبًا، بَلْ كَوْنِهِ مِنَ الطَّرِيقَةِ المَسْلُوكَةِ في الدِّينِ - أعْنِي ما لا يَسْتَوْجِبُ عِقابًا - وقَدْ حَصَرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى التَّفْرِيقِ، فَعُلِمَ أنَّ ما عَداهُ مِنَ الجَمْعِ، والطَّلاقِ في الحَيْضِ بِدْعَةٌ - أيْ مُوجِبِ لِاسْتِحْقاقِ العِقابِ - وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ: إنَّ الحَدِيثَ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمْعَ الطَّلْقَتَيْنِ أوِ الطَّلَقاتِ في طُهْرٍ واحِدٍ لَيْسَ سُنَّةً، وأمّا إنَّهُ بِدْعَةٌ فَلا لِثُبُوتِ الواسِطَةِ عِنْدَ المُخالِفِ، ووَجْهُ الدَّفْعِ ظاهِرٌ كَما لا يَخْفى. وفي الهِدايَةِ: وقالَ الشّافِعِيُّ: كُلُّ الطَّلاقِ مُباحٌ؛ لِأنَّهُ تَصَرُّفٌ مَشْرُوعٌ حَتّى يُسْتَفادَ بِهِ الحُكْمُ، المَشْرُوعِيَّةُ لا تُجامِعُ الحَظْرَ بِخِلافِ الطَّلاقِ في الحَيْضِ؛ لِأنَّ المُحَرَّمَ تَطْوِيلُ العِدَّةِ عَلَيْها لا الطَّلاقُ، ولَنا أنَّ الأصْلَ في الطَّلاقِ هو الحَظْرُ لِما فِيهِ مِن قَطْعِ النِّكاحِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ المَصالِحُ الدِّينِيَّةُ والدُّنْيَوِيَّةُ والإباحَةُ لِلْحاجَةِ إلى الخَلاصِ، ولا حاجَةَ إلى الجَمْعِ بَيْنَ الثَّلاثِ، وهي في المَفْرِقِ عَلى (الأطْهارِ) ثابِتَةٌ نَظَرًا إلى دَلِيلِها، والحاجَةُ في نَفْسِها باقِيَةٌ، فَأمْكَنَ تَصْوِيرُ الدَّلِيلِ عَلَيْها، والمَشْرُوعِيَّةُ في ذاتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ إزالَةُ الرِّقِّ لا يُنافِي الحَظْرَ لِمَعْنًى في غَيْرِهِ - وهو ما ذَكَرْناهُ – انْتَهى. ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ المُخالِفَ مُعَمِّمٌ - لا مُقَسِّمٌ - وإذا قُلْنا: إنَّهُ مُقَسِّمٌ بِناءً عَلى ما في كُتُبِ بَعْضِ مَذْهَبِهِ، فَغايَةُ ما أثْبَتَ أنَّ الجَمْعَ خِلافُ الأوْلى مِنَ التَّفْرِيقِ عَلى الأقْراءِ أوِ الأشْهَرِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ تَقْسِيمَ أبِي القاسِمِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - غَيْرُ تَقْسِيمِهِ، وأُجِيبُ عَمّا في خَبَرِ عُوَيْمِرٍ بِأنَّها واقِعَةٌ حالًا - فَلَعَلَّها مِنَ المُسْتَثْنَياتِ - لِما أنَّ مَقامَ اللِّعانِ ضَيِّقٌ فَيُغْتَفَرُ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، ويُعْذَرُ فِيهِ الغَيُورُ؛ وإعْمالُ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إهْمالِ أحَدِهِما، وحَمَلُوا الآيَةَ عَلى أنَّ المُرادَ التَّطْلِيقُ الشَّرْعِيُّ تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلى التَّفْرِيقِ؛ لِما أنَّ وظِيفَةَ الشّارِعِ بَيانُ الأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، واللّامُ لَيْسَتْ نَصًّا في العَهْدِ، بَلِ الظّاهِرُ مِنها الجِنْسُ، وأيْضًا تَقْيِيدُ الطَّلاقِ بِالرَّجْعِيِّ يَدَعُ ذِكْرَ الرَّجْعَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ تَكْرارًا، إلّا أنْ يُقالَ المَطْلُوبُ هَهُنا الحُكْمُ المُرَدَّدُ بَيْنَ الإمْساكِ والتَّسْرِيحِ، وأيْضًا لا يُعْلَمُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ حُكْمُ الطَّلاقِ الواحِدِ إلّا بِدَلالَةِ النَّصِّ، وهَذا الوَجْهُ مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ عَنْ تَوَهُّمِ التَّكْرارِ ودَلالَتِهِ عَلى حُكْمِ الطَّلاقِ الواحِدِ بِالعِبارَةِ، يُفِيدُ حُكْمًا زائِدًا، وهو التَّفْرِيقُ، ودَلالَةُ الآيَةِ حِينَئِذٍ عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ ظاهِرَةٌ، إذا كانَ مَعْنى (مَرَّتَيْنِ) مُجَرَّدَ التَّنَكُّرِ يَرُدُّونَ التَّثْنِيَةَ عَلى حَدِّ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ: كَرَّةٍ بَعْدَ كَرَّةٍ، لا كَرَّتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، إلّا أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إخْراجَ التَّثْنِيَةِ عَنْ مَعْناها الظّاهِرِ، وكَذا إخْراجُ (الفاءِ) أيْضًا، وجَعْلُ ما بَعْدَها حُكْمًا مُبْتَدَأً وتَخْيِيرًا مُطْلَقًا عُقَيْبَ تَعْلِيمِهِمْ كَيْفِيَّةَ التَّطْلِيقِ، ولَيْسَ مُرَتَّبًا عَلى الأوَّلِ ضَرُورَةً أنَّ التَّفْرِيقَ المُطْلَقَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أحَدُ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ بِالثَّلاثِ لا يَجُوزُ بَعْدَهُ الإمْساكُ ولا التَّسْرِيحُ، وتُحْمَلُ (الفاءُ) حِينَئِذٍ عَلى التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ؛ أيْ: إذا عَلِمْتُمْ كَيْفِيَّةَ الطَّلاقِ فاعْلَمُوا أنَّ حُكْمَهُ الإمْساكُ أوِ التَّسْرِيحُ
صفحة 137
فالإمْساكُ في الرَّجْعِيِّ والتَّسْرِيحُ في غَيْرِهِ، وإذا كانَ مَعْنى (مَرَّتَيْنِ) التَّفْرِيقَ مَعَ التَّثْنِيَةِ كَما قالَ بِهِ المُحَقِّقُونَ - بِناءً عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الثّانِي، ظاهِرٌ في الأوَّلِ؛ إذْ لا يُقالُ لِمَن دَفَعَ إلى آخَرَ دِرْهَمَيْنِ مَرَّةً واحِدَةً، أنَّهُ أعْطاهُ مَرَّتَيْنِ حَتّى يُفَرَّقَ بَيْنَهُما، وكَذا لِمَن طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثِنْتَيْنِ دُفْعَةً أنَّهُ طَلَّقَ مَرَّتَيْنِ - انْدَفَعَ حَدِيثُ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ في التَّثْنِيَةِ كَما هو ظاهِرٌ، وفِيما بَعْدَها أيْضًا لِصِحَّةِ التَّرَتُّبِ، ويَكُونُ عَدَمُ جَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ مُسْتَفادًا مِن (مَرَّتانِ) الدّالَّةِ عَلى التَّفْرِيقِ والتَّثْنِيَةِ، وعَدَمُ الجَمْعِ بَيْنَ الثّالِثَةِ مُسْتَفادًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ﴾ حَيْثُ رُتِّبَ عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ قِيلَ: إنَّهُ مُسْتَفادٌ مِن دَلالَةِ النَّصِّ هَذا، ثُمَّ مَن أوْجَبَ التَّفْرِيقَ ذَهَبَ إلى أنَّهُ لَوْ طَلَّقَ غَيْرَ مُفَرِّقٍ وقَعَ طَلاقُهُ، وكانَ عاصِيًا، وخالَفَ في ذَلِكَ الإمامِيَّةُ وبَعْضٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ - كالشَّيْخِ أحْمَدَ بْنِ تَيْمِيَةَ ومَنِ اتَّبَعَهُ - قالُوا: لَوْ طَلَّقَ ثَلاثًا بِلَفْظٍ واحِدٍ لا يَقَعُ إلّا واحِدَةً احْتِجاجًا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقِياسًا عَلى شَهاداتِ اللِّعانِ ورَمْيِ الجَمَراتِ، فَإنَّهُ لَوْ أتى بِالأرْبَعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ لا تُعَدُّ لَهُ أرْبَعًا بِالإجْماعِ، وكَذا لَوْ رَمى بِسَبْعِ حَصَياتٍ دُفْعَةً واحِدَةً لَمْ يُجْزِهِ إجْماعًا، ومِثْلُ ذَلِكَ ما لَوْ حَلَفَ لَيُصَلِّيَنَّ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ألْفَ مَرَّةٍ، فَقالَ: صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى النَّبِيِّ، صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ألْفَ مَرَّةٍ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ بارًّا ما لَمْ يَأْتِ بِآحادِ الألْفِ، وتَمَسُّكًا بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، قالَ: «كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأبِي بَكْرٍ وسَنَتَيْنِ مِن خِلافَةِ عُمَرَ واحِدَةً، فَقالَ عُمَرُ: إنَّ النّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا في أمْرٍ كانَتْ لَهم فِيهِ أناةٌ فَلَوْ أمْضَيْناهُ عَلَيْهِمْ، فَأمْضاهُ”».
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ ما لَوْ طَلَّقَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَقَعُ إلّا واحِدَةً أيْضًا؛ لِما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «“طَلَّقَ رُكانَةُ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَحَزِنَ عَلَيْها حُزْنًا شَدِيدًا، فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: كَيْفَ طَلَّقْتَها؟ قالَ: طَلَّقْتُها ثَلاثًا، قالَ: في مَجْلِسٍ واحِدٍ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَإنَّما تِلْكَ واحِدَةٌ فَأرْجِعْها إنْ شِئْتَ فَراجِعْها”،» والَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الحَقِّ اليَوْمَ خِلافُ ذَلِكَ كُلِّهِ.
والجَوابُ عَنْ الِاحْتِجاجِ بِالآيَةِ أنَّها كَما عَلِمْتَ لَيْسَتْ نَصًّا في المَقْصُودِ، وأمّا الحَدِيثُ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ جَماعَةٌ؛ قالَ السُّبْكِيُّ: وأحْسَنُ الأجْوِبَةِ إنَّهُ فِيمَن يَعْرِفُ اللَّفْظَ، فَكانُوا أوَّلًا يُصَدَّقُونَ في إرادَةِ التَّأْكِيدِ لِدِيانَتِهِمْ، فَلَمّا كَثُرَتِ الأخْلاطُ فِيهِمُ اقْتَضَتِ المَصْلَحَةُ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ وإيقاعَ الثَّلاثِ، واعْتَرَضَهُ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ قائِلًا: إنَّهُ عَجِيبٌ، فَإنَّ صَرِيحَ مَذْهَبِنا تَصْدِيقُ مُرِيدِ التَّأْكِيدِ بِشَرْطِهِ، وإنْ بَلَغَ في الفِسْقِ ما بَلَغَ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: أنَّ أحْسَنَها أنَّهم كانُوا يَعْتادُونَهُ طَلْقَةً، ثُمَّ في زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - اسْتَعْجَلُوا وصارُوا يُوقِعُونَهُ ثَلاثًا، فَعامَلَهم بِقَضِيَّتِهِ، وأوْقَعَ الثَّلاثَ عَلَيْهِمْ، فَهو إخْبارٌ عَنِ اخْتِلافِ عادَةِ النّاسِ لا عَنْ تَغْيِيرِ حُكْمٍ في مَسْألَةٍ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ لِلظّاهِرِ المُتَبادَرِ مِن كَلامِ عُمَرَ، لا سِيَّما مَعَ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: الثَّلاثُ إلَخْ، فَهو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لا جَوابٌ حَسَنٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أحْسَنَ، ثُمَّ قالَ: والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يُجابَ بِأنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - لَمّا اسْتَشارَ النّاسَ عَلِمَ فِيهِ ناسِخًا لِما وقَعَ قَبْلُ، فَعَمِلَ بِقَضِيَّتِهِ، وذَلِكَ النّاسِخُ؛ إمّا خَبَرٌ بَلَغَهُ أوْ إجْماعٌ، وهو لا يَكُونُ إلّا عَنْ نَصٍّ، ومِن ثَمَّ أطْبَقَ عُلَماءُ الأُمَّةِ عَلَيْهِ، وإخْبارُ ابْنِ عَبّاسٍ لِبَيانِ أنَّ النّاسِخَ إنَّما عُرِفَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ مِن وفاتِهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - انْتَهى، وأنا أقُولُ الطَّلاقُ الثَّلاثُ في كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى المُدَّعِي ظاهِرًا، ويُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ ظاهِرًا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَنْهُ، إذا قالَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا بِفَمٍ واحِدَةٍ، فَهي واحِدَةٌ، وحِينَئِذٍ يُجابُ بِالنَّسْخِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ في مَجْلِسٍ واحِدٍ مِثْلَ أنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ، ويُحْمَلُ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَلى هَذا بِأنْ
صفحة 138
يَكُونَ ثَلاثًا مُتَعَلِّقًا (بِقالَ) لا صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: طَلاقًا ثَلاثًا، ولا تَمْيِيزَ لِلْإبْهامِ الَّذِي في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، وبِفَمٍ واحِدَةٍ مَعْناهُ مُتَتابِعًا، وحِينَئِذٍ يُوافِقُ الخَبَرُ بِظاهِرِهِ أهْلَ القَوْلِ الأخِيرِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ هَذا في الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإنَّهُ كَذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا واحِدَةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ -؛ لِأنَّ البَيْنُونَةَ وقَعَتْ بِالتَّطْلِيقَةِ الأُولى فَصادَفَتْها الثّانِيَةُ وهي مُبانَةٌ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ طاوُوسٍ، «أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ: أبُو الصَّهْباءِ كانَ كَثِيرَ السُّؤالِ لابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوها واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأبِي بَكْرٍ وصَدْرًا مِن إمارَةِ عُمَرَ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلى، كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوها واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأبِي بَكْرٍ وصَدْرًا مِن إمارَةِ عُمَرَ، فَلَمّا رَأى النّاسَ قَدْ تَتايَعُوا فِيها قالَ: أجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ،» وهَذِهِ مَسْألَةٌ اجْتِهادِيَّةٌ كانَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يُرْوَ في الصَّحِيحِ أنَّها رُفِعَتْ إلَيْهِ، فَقالَ فِيها شَيْئًا، ولَعَلَّها كانَتْ تَقَعُ في المَواضِعِ النّائِيَةِ في آخِرِ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَيَجْتَهِدُ فِيها مَن أُوتِيَ عَلِمًا فَيَجْعَلُها واحِدَةً، ولَيْسَ في كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - تَصْرِيحٌ بِأنَّ الجاعِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، بَلْ في قَوْلِهِ: (جَعَلُوها واحِدَةً) إشارَةٌ إلى ما قُلْنا، وعُمَرُ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - بَعْدَ مُضِيِّ أيّامٍ مِن خِلافَتِهِ ظَهَرَ لَهُ بِالِاجْتِهادِ أنَّ الأوْلى القَوْلُ بِوُقُوعٍ الثَّلاثِ، لَكِنَّهُ خِلافُ مَذْهَبِنا، وهو مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ حَتّى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي عَيّاشٍ، أنَّهُ كانَ جالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وعاصِمِ بْنِ عُمَرَ، فَجاءَهُما مُحَمَّدُ بْنُ أبِي إياسِ بْنِ البُكَيْرِ، فَقالَ: إنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ البادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها، فَماذا تَرَيانِ؟ فَقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إنَّ هَذا الأمْرَ ما لَنا فِيهِ قَوْلٌ، اذْهَبْ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، فَإنِّي تَرَكْتُهُما عِنْدَ عائِشَةَ، فاسْألْهُما، فَذَهَبَ فَسَألَهُما، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِأبِي هُرَيْرَةَ: أفْتِهِ يا أبا هُرَيْرَةَ، فَقَدْ جاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: الواحِدَةُ تُبِينُها والثَّلاثَةُ تُحَرِّمُها حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وإنْ حَمَلْتَ الثَّلاثَ في هَذا الخَبَرِ عَلى ما كانَ بِلَفْظٍ واحِدٍ؛ لِئَلّا يُخالِفَ مَذْهَبَ الإمامِ، فَإنَّ عِنْدَهُ إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ الغَيْرَ المَدْخُولِ بِها ثَلاثًا بِلَفْظٍ واحِدٍ وقَعْنَ عَلَيْها؛ لِأنَّ الواقِعَ مَصْدَرٌ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ مَعْناهُ طَلاقًا بائِنًا، فَلَمْ يَكُنْ أنْتِ طالِقٌ إيقاعًا عَلى حِدَةٍ، فَيَقَعْنَ جُمْلَةً، كانَ هَذا الخَبَرُ مُعارِضًا؛ لِما رَواهُ مُسْلِمٌ مُؤَيِّدًا لِلنَّسْخِ كالخَبَرِ الَّذِي أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ، قالَ: «كانَتْ عائِشَةُ الخَثْعَمِيَّةُ عِنْدَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - فَقالَ لَها: قُتِلَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - قالَتْ: لِتَهِنَكَ الخِلافَةُ، قالَ: يُقْتَلُ عَلِيٌّ وتُظْهِرِينَ الشَّماتَةَ، اذْهَبِي فَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، قالَ: فَتَلَفَّعَتْ بِثِيابِها وقَعَدَتْ حَتّى قَضَتْ عِدَّتَها، فَبَعَثَ إلَيْها بِبَقِيَّةٍ بَقِيَتْ لَها مِن صَداقِها وعَشَرَةَ آلافٍ صَدَقَةً، فَلَمّا جاءَها الرَّسُولُ قالَتْ: مَتاعٌ قَلِيلٌ مِن حَبِيبٍ مُفارِقٍ، فَلَمّا بَلَغَهُ قَوْلُها بَكى، ثُمَّ قالَ: لَوْلا أنِّي سَمِعْتُ جَدِّي أوْ حَدَّثَنِي أبِي، أنَّهُ سَمِعَ جَدِّي يَقُولُ:“أيُّما رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا عِنْدَ الأقْراءِ أوْ ثَلاثًا مُبْهَمَةً لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ لَراجَعْتُها”،» وما أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: «قُلْتُ لِفاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: حَدِّثِينِي عَنْ طَلاقِكِ، قالَتْ:“طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلاثًا وهو خارِجٌ إلى اليَمَنِ، فَأجازَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -”،» وأمّا حَدِيثُ رُكانَةَ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَلى أنْحاءٍ، والَّذِي صَحَّ ما أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ: «“أنَّ رُكانَةَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ألْبَتَّةَ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ، وقالَ: واللَّهِ ما أرَدْتُ
صفحة 139
إلّا واحِدَةً، فَقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: واللَّهِ ما أرَدْتَ إلّا واحِدَةً؟ فَقالَ رَكانَةُ: واللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا واحِدَةً، قالَ: هو ما أرَدْتَ، فَرَدَّها عَلَيْهِ”،» وهَذا لا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِتِلْكَ الدَّعْوى؛ لِأنَّ الطَّلاقَ فِيهِ كِنايَةٌ ونِيَّةٌ العَدَدُ فِيها مُعْتَبَرَةٌ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الثَّلاثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَوْ أرادَ ما زادَ عَلى الواحِدَةِ وقَعَ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِحْلافِ فائِدَةٌ، والقِياسُ عَلى شَهاداتِ اللِّعانِ ورَمْيِ الجَمَراتِ قِياسٌ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لا يُمْكِنُ الِاكْتِفاءُ بِبَعْضِ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، ويُمْكِنُ الِاكْتِفاءُ بِبَعْضِ وحَداتِ الثَّلاثِ في الطَّلاقِ، وتَحْصُلُ بِهِ البَيْنُونَةُ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ، ويَتِمُّ الغَرَضُ إجْماعًا، ولِعِظَمِ أمْرِ اللِّعانِ لَمْ يُكْتَفَ فِيهِ إلّا بِالإتْيانِ بِالشَّهاداتِ واحِدَةً واحِدَةً مُؤَكَّداتٍ بِالأيْمانِ مَقْرُونَةٍ خامِسَتُها بِاللَّعْنِ في جانِبِ الرَّجُلِ لَوْ كانَ كاذِبًا وفي جانِبِها بِالغَضَبِ لَوْ كانَ صادِقًا، فَلَعَلَّ الرُّجُوعَ أوِ الإقْرارَ يَقَعُ في البَيْنِ، فَيَحْصُلُ السَّتْرُ أوْ يُقامُ الحَدُّ ويُكَفَّرُ الذَّنْبُ، وأيْضًا الشَّهاداتُ الأرْبَعُ مِنَ الرَّجُلِ مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ الشُّهُودِ الأرْبَعَةِ المَطْلُوبَةِ في رَمْيِ المُحْصَناتِ مَعَ زِيادَةٍ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ إلَخْ، فَكَما أنَّ شَهادَةَ الشُّهُودِ مُتَعَدِّدَةٌ لا يَكْفِي فِيها اللَّفْظُ الواحِدُ كَذَلِكَ المُنَزَّلُ مَنزِلِتَها، ورَمْيُ الجَمَراتِ وتَسْبِيعُها أمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ وسِرُّهُ خَفِيٌّ فَيُحْتاطُ لَهُ ويُتَّبَعُ المَأْثُورُ فِيهِ حَذْوَ القِذَةِ بِالقِذَةِ، وبابُ الطَّلاقِ لَيْسَ كَهَذَيْنِ البابَيْنِ عَلى أنَّ مِنَ الِاحْتِياطِ فِيهِ أنْ نُوقِعَهُ ثَلاثًا بِلَفْظٍ واحِدٍ، ومَجْلِسٍ واحِدٍ، ولا نُلْغِيَ فِيهِ لَفْظَ الثَّلاثِ الَّتِي لَمْ يَقْصِدْ بِها إلّا إيقاعَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، وما ذُكِرَ في مَسْألَةِ الحَلِفَ عَلى أنْ لا يُصَلِّيَنَّ ألْفَ مَرَّةٍ مِن أنَّهُ لا يَبَرُّ ما لَمْ يَأْتِ بِآحادِ الألْفِ، فَأمْرٌ اقْتِضاهُ القَصْدُ والعُرْفُ، وذَلِكَ وراءَ ما نَحْنُ فِيهِ كَما لا يَخْفى، ولِهَذا ورَدَ عَنْ أهْلِ البَيْتِ ما يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ بَسّامٍ الصَّيْرَفِيِّ، قالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: مَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا بِجَهالَةٍ أوْ عِلْمٍ فَقَدْ بَرِئَتْ، وعَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ الأحْمَسِ قالَ: قُلْتُ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - يَزْعُمُونَ أنَّ مَن طَلَّقَ ثَلاثًا بِجَهالَةٍ رُدَّ إلى السُّنَّةِ يَجْعَلُونَهُ واحِدَةً يَرْوُونَها عَنْكُمْ؟ قالَ: مَعاذَ اللَّهِ، ما هَذا مِن قَوْلِنا مَن طَلَّقَ ثَلاثًا فَهو كَما قالَ، وقَدْ سَمِعْتَ ما رُوِّيناهُ عَنِ الحَسَنِ، وما أخَذَ بِهِ الإمامِيَّةُ يَرْوُونَهُ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مِمّا لا ثَبَتَ لَهُ، والأمْرُ عَلى خِلافِهِ، وقَدِ افْتَراهُ عَلى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - شَيْخٌ بِالكُوفَةِ، وقَدْ أقَرَّ بِالِافْتِراءِ لَدى الأعْمَشِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - فَلْيَحْفَظْ ما تَلَوْناهُ، فَإنِّي لا أظُنُّكَ تَجِدُهُ مَسْطُورًا في كِتابٍ.
﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا﴾ في مُقابَلَةِ الطَّلاقِ ﴿مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أيْ: مِنَ الصَّدَقاتِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُنافٍ لِلْإحْسانِ، ومِثْلُها في الحُكْمِ سائِرُ أمْوالِهِنَّ، إلّا أنَّ التَّخْصِيصَ إمّا لِرِعايَةِ العادَةِ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ عَدَمَ حَلِّ الأخْذِ مِمّا عَدا ذَلِكَ مِن بابِ الأوْلى، والجارُّ والمَجْرُورُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ أوْ حالًا مِن شَيْئًا؛ لِأنَّهُ لَوْ أُخِّرَ عَنْهُ كانَ صِفَةً لَهُ، والتَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ، والخِطابُ مَعَ الحُكّامِ، وإسْنادُ الأخْذِ والإيتاءِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُمُ الآمِرُونَ بِهِما عِنْدَ التَّرافُعِ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ فِيهِ تَشْوِيشًا لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَخافا﴾ أيِ: الزَّوْجانِ كِلاهُما أوْ أحَدُهُما ﴿ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ بِتَرْكِ إقامَةِ مَواجِبِ الزَّوْجِيَّةِ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ مَعَهُ؛ لِأنَّ المُعَبَّرَ عَنْهُ في الخِطابِ الأزْواجُ فَقَطْ، وفي الغَيْبَةِ الأزْواجُ والزَّوْجاتُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الِالتِفاتِ؛ إذْ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ المُعَبِّرُ عَنْهُ في الطَّرِيقَيْنِ واحِدًا، وأيْنَ هَذا الشَّرْطُ؟ نَعَمْ لِهَذا القِيلِ وجْهُ صِحَّةٍ لَكِنَّها لا تُسْمِنُ ولا تُغْنِي، وهو أنَّ الِاسْتِثْناءَ لِما كانَ بَعْدَ مُضِيِّ جُمْلَةِ الخِطابِ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوِ الأوْقاتِ
صفحة 140
أوِ المَفْعُولِ لَهُ، عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الخَوْفِ جازَ تَغْيِيرُ الكَلامِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ لِنُكْتَةٍ، وهي أنْ لا يُخاطَبَ مُؤْمِنٌ بِالخَوْفِ مِن عَدَمِ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ، وقُرِئَ: (تَخافا) و(تُقِيما) بِتاءِ الخِطابِ وعَلَيْها يَهُونُ الأمْرُ، فَإنَّ في ذَلِكَ حِينَئِذٍ تَغْلِيبَ المُخاطَبِينَ عَلى الزَّوْجاتِ الغائِباتِ، والتَّعْبِيرُ بِالتَّثْنِيَةِ بِاعْتِبارِ الفَرِيقَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ: (يَخافا) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وإبْدالِ (أنْ) بِصِلَتِهِ مِن - ألِفِ الضَّمِيرِ - بَدَلَ اشْتِمالٍ كَقَوْلِكَ: خِيفَ زَيْدٌ تَرْكُهُ ( حُدُودُ اللَّهِ ) ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ: (إلّا أنْ يَخافُوا) وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَدّى (خافَ) إلى مَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما: أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ، والآخَرُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ فَمَوْضِعُ (أنْ) جُرِّ بِالجارِّ المُقَدَّرِ، أوْ نُصِبَ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ ورَدَّهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ النَّحْوِيُّونَ حِينَ عَدُّوا ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وأصْلُ أحَدِهِما بِحَرْفِ الجَرِّ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: (إلّا أنْ يَظُنّا)، وهو يُؤَيِّدُ تَفْسِيرِ الظَّنِّ بِالخَوْفِ ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ خِطابٌ لِلْحُكّامِ لا غَيْرَ؛ لِئَلّا يَلْزَمَ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ قَبْلَ مُضِيِّ الجُمْلَةِ ﴿ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ الَّتِي حَدَّها لَهم.
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ أيِ: الزَّوْجَيْنِ، وهَذا قائِمٌ مَقامَ الجَوابِ؛ أيْ: فَمُرُوهُما، فَإنَّهُ لا جُناحَ ﴿فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ نَفْسَها واخْتَلَعَتْ لا عَلى الزَّوْجِ في أخْذِهِ ولا عَلَيْها في إعْطائِهِ إيّاهُ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ سُئِلَ، هَلْ كانَ لِلْخُلْعِ أصْلٌ؟ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - يَقُولُ: إنَّ أوَّلَ خُلْعٍ كانَ في الإسْلامِ في أُخْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ امْرَأةِ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ“أنَّها أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا يَجْمَعُ رَأْسِي ورَأْسَهُ شَيْءٌ أبَدًا، إنِّي رَفَعْتُ جانِبَ الخِباءِ فَرَأيْتُهُ أقْبَلَ في عِدَّةٍ، فَإذا هو أشَدُّهم سَوادًا وأقْصَرُهم قامَةً وأقْبَحُهم وجْهًا، قالَ زَوْجُها: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أعْطَيْتُها أفْضَلَ مالِي حَدِيقَةً لِي، فَإنْ رَدَّتْ عَلَيَّ حَدِيقَتِي، قالَ: ما تَقُولِينَ؟ قالَتْ: نَعَمْ، وإنْ شاءَ زِدْتُهُ، قالَ: فَفَرَّقَ بَيْنَهُما”،» وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ:“أنَّ المَرْأةَ اسْمُها جَمِيلَةُ وأنَّها بِنْتُ عَبْدِ اللهِ المُنافِقِ”، وهو الَّذِي رَجَّحَهُ الحُفّاظُ، وكَوْنُ اسْمِها زَيْنَبَ جاءَ مِن طَرِيقٍ الدّارَقُطْنِيِّ، قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: فَلَعَلَّ لَها اسْمَيْنِ أوْ أحَدُهُما لَقَبٌ وإلّا فَجَمِيلَةُ أصَحُّ، وقَدْ وقَعَ في حَدِيثٍ آخَرَ أخْرَجَهُ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو داوُدَ، أنَّ اسْمَ امْرَأةِ ثابِتٍ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، قالَ الحافِظُ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُما قَضِيَّتانِ وقَعَتا لَهُ في امْرَأتَيْنِ لِشُهْرَةِ الحَدِيثَيْنِ، وصِحَّةِ الطَّرِيقَيْنِ واخْتِلافِ السِّياقَيْنِ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما حُدَّ مِنَ الأحْكامِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ إلى هُنا، فالجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِذَلِكَ أُورِدَتْ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلَيْها.
﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾ بِالمُخالَفَةِ والرَّفْضِ ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ 229﴾ تَذْيِيلٌ لِلْمُبالِغَةِ في التَّهْدِيدِ والواوُ لِلِاعْتِراضِ، وفي إيقاعِ الظّاهِرِ مَوْقِعَ المُضْمَرِ ما لا يَخْفى مِن إدْخالِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخُلْعَ لا يَجُوزُ مِن غَيْرِ كَراهَةٍ وشِقاقٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ الحِلِّ الَّذِي هو حُكْمُ العَقْدِ في جَمِيعِ الأحْوالِ إلّا حالَ الشِّقاقِ يَدُلُّ عَلى فَسادِ العَقْدِ وعَدَمِ جَوازِهِ ظاهِرًا إلّا أنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ، وعَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِجَمِيعِ ما ساقَ الزَّوْجُ إلَيْها فَضْلًا عَنِ الزّائِدِ؛ لِأنَّ (مَن) في ﴿مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ، فَيَكُونُ مَفادُ الِاسْتِثْناءِ حِلَّ أخْذِ شَيْءٍ مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ حِينَ الخَوْفِ، وأمّا كَلِمَةُ (ما) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فِيما افْتَدَتْ﴾ فَلَيْسَتْ ظاهِرَةً في العُمُومِ حَتّى يُنافِيَ ظُهُورَ الآيَةِ في الحُكْمِ المَذْكُورِ، بَلْ فاءُ التَّفْسِيرِ في ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّهُ بَيانٌ لِلْحُكْمِ المَفْهُومِ بِطَرِيقِ المُخالَفَةِ عَنْ الِاسْتِثْناءِ، وفائِدَتُهُ التَّنْصِيصُ عَلى الحُكْمِ ونَفْيِ الجُناحِ في هَذا العَقْدِ، فَإنَّ ثُبُوتَ الحِلِّ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ قَدْ يُجامِعُ الجُناحَ بِأنْ يَكُونَ مَعَ الكَراهَةِ، نَعَمْ تَحْتَمِلُ العُمُومَ، فَلا تَكُونُ نَصًّا في عَدَمِ جَوازِ
صفحة 141
الخُلْعِ بِجَمِيعِ ما يُساقُ، ولِهَذا قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: اخْلَعْها ولَوْ بِقُرْطِها، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ ثَوْبانَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“أيُّما امْرَأةٍ سَألَتْ زَوْجَها الطَّلاقَ مِن غَيْرِ ما بَأْسٍ فَحَرامٌ عَلَيْها رائِحَةُ الجَنَّةِ”،» وقالَ: «“المُخْتَلِعاتُ هي المُنافِقاتُ» ويُؤَيِّدُ الثّانِي ما رُوِيَ مِن بَعْضِ الطُّرُقِ «أنَّهُ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لِجَمِيلَةَ: ”أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ فَقالَتْ: أرُدُّها وأزِيدُ عَلَيْها، فَقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أمّا الزّائِدُ فَلا“،» وهَذا وإنْ دَلَّ عَلى نَفْيِ الزِّيادَةِ دُونَ جَمِيعِ المَهْرِ إلّا أنَّهُ يُسْتَفادُ مِنهُ، أنَّ فِيما افْتَدَتْ بِهِ لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ ما يُسْتَفادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ وهو البَعْضُ، وأكْثَرُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ الخُلْعَ بِلا شِقاقٍ وبِجَمِيعِ ما ساقَ مَكْرُوهٌ، ولَكِنَّهُ نافِذٌ؛ لِأنَّ أرْكانَ العَقْدِ مِنَ الإيجابِ والقَبُولِ وأهْلِيَّةِ العاقِدَيْنِ مَعَ التَّراضِي مُتَحَقِّقٌ، والنَّهْيُ لِأمْرٍ مُقارِنٍ كالبَيْعِ وقْتَ النِّداءِ، وهو لا يُنافِي الجَوازَ، وعَلى أنَّهُ يَصِحُّ بِلَفْظِ المَفاداتِ؛ لِأنَّهُ – تَعالى - سَمّى الِاخْتِلاعَ افْتِداءً، واخْتُلِفَ في أنَّهُ إذا جَرى بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلاقِ فَسْخٌ أوْ طَلاقٌ، ومَن جَعَلَهُ فَسْخًا احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ فَإنَّ تَعْقِيبَهُ لِلْخُلْعِ بَعْدَ ذِكْرِ الطَّلْقَتَيْنِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ طَلْقَةً رابِعَةً لَوْ كانَ الخُلْعُ طَلاقًا، والأظْهَرُ أنَّهُ طَلاقٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أصْحابُنا، وهو قَوْلٌ لِلشّافِعِيَّةِ؛ لِأنَّهُ فُرْقَةٌ بِاخْتِيارِ الزَّوْجِ فَهو كالطَّلاقِ بِالعِوَضِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ.
البقرة 2:230
﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ لا مُتَعَلِّقًا بِآيَةِ الخُلْعِ لِيُلْزِمَ المَحْذُورَ، ويَكُونُ ذِكْرُ الخَلْعِ اعْتِراضًا لِبَيانِ أنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ مَجّانًا تارَةً وبِعِوَضٍ أُخْرى، والمَعْنى فَإنْ طَلَّقَها بَعْدَ الثِّنْتَيْنِ أوْ بَعْدَ الطَّلاقِ المَوْصُوفِ بِما تَقَدَّمَ.
﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ التَّطْلِيقِ ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أيْ: تَتَزَوَّجُ زَوْجًا غَيْرَهُ ويُجامِعُها، فَلا يَكْفِي مُجَرَّدُ العَقْدِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ المُسَيِّبِ وخَطَّؤُهُ؛ لِأنَّ العَقْدَ فُهِمَ مِن زَوْجًا، والجِماعَ مِن تَنْكِحُ، وبِتَقْدِيرِ عَدَمِ الفَهْمِ، وحَمْلُ النِّكاحِ عَلى العَقْدِ تَكُونُ الآيَةُ مُطْلَقَةً إلّا أنَّ السُّنَّةَ قَيَّدَتْها، فَقَدْ أخْرَجَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وجَماعَةٌ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها -، قالَتْ: «جاءَتِ امْرَأةُ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالَتْ: إنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، فَتَزَوَّجَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ وما مَعَهُ الأمْثَلُ هُدْبَةَ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ، لا حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ”،» وعَنْ عِكْرِمَةَ:“إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في هَذِهِ المَرْأةِ، واسْمُها عائِشَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتِيكٍ، وكانَ نَزَلَ فِيها ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ”، فَيُجامِعُها، فَإنْ طَلَّقَها بَعْدَ ما جامَعَها، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النّاكِحَ الثّانِيَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ زَوْجًا، فَلَوْ كانَتْ أمَةً وطُلِّقَتْ ألْبَتَّةَ، ثُمَّ وطِئَها سَيِّدُها لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ، وعَلى أنَّهُ لَوِ اشْتَراها الزَّوْجُ مِن سَيِّدِها أوْ وهَبَها سَيِّدُها لَهُ بَعْدَ أنْ بَتَّ طَلاقَها، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وطْؤُها في الصُّورَتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وعَلى أنَّ الوَلِيَّ لَيْسَ شَرْطًا في النِّكاحِ؛ لِأنَّهُ أضافَ العَقْدَ إلَيْها، والحِكْمَةُ في هَذا الحُكْمِ رَدْعُ الزَّوْجِ عَنِ التَّسَرُّعِ إلى الطَّلاقِ؛ لِأنَّهُ إذا عُلِمَ أنَّهُ إذا بَتَّ الطَّلاقَ لا تَحِلُّ لَهُ حَتّى يُجامِعَها رَجُلٌ آخَرُ، ولَعَلَّهُ عَدُّوهُ ارْتَدَعَ عَنْ أنْ يُطَلِّقَها ألْبَتَّةَ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ جائِزًا شَرْعًا، لَكِنْ تَنْفِرُ عَنْهُ الطِّباعُ وتَأْباهُ غَيْرَةُ الرِّجالِ، والنِّكاحُ بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ فاسِدٌ عِنْدَ مالِكٍ وأحْمَدَ والثَّوْرِيِّ والظّاهِرِيَّةِ وكَثِيرِينَ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“ألا أُخْبِرُكم بِالتَّيْسِ المُسْتَعارِ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: هو المُحَلِّلُ، لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلُ لَهُ» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، قالَ: لا أُوتى بِمُحَلِّلٍ ولا مُحَلَّلٍ لَهُ إلّا رَجَمْتُهُما"، والبَيْهَقِيُّ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ أنَّ عُثْمانَ
صفحة 142
- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: رُفِعَ إلَيْهِ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأةً لِيُحَلِّلها لِزَوْجِها فَفَرَّقَ بَيْنَهُما، وقالَ: لا تَرْجِعُ إلَيْهِ إلّا بِنِكاحِ رَغْبَةٍ غَيْرِ دُلْسَةٍ، وعِنْدَنا هو مَكْرُوهٌ. والحَدِيثُ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ النِّكاحِ؛ لِما أنَّ المَنعَ عَنِ العَقْدِ لا يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ، وفي تَسْمِيَةِ ذَلِكَ مُحَلِّلًا ما يَقْتَضِي الصِّحَّةَ؛ لِأنَّها سَبَبُ الحِلِّ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الحَدِيثَ عَلى مَنِ اتَّخَذَهُ تَكَسُّبًا أوْ عَلى ما إذا شَرَطَ التَّحْلِيلَ في صُلْبِ العَقْدِ لا عَلى مَن أضْمَرَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَرْتَبَةِ، بَلْ قِيلَ: إنَّ فاعِلَ ذَلِكَ مَأْجُورٌ ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ الزَّوْجُ الثّانِي ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ أيْ: عَلى الزَّوْجِ الأوَّلِ والمَرْأةِ ﴿أنْ يَتَراجَعا﴾ أنْ يَرْجِعَ كُلٌّ مِنهُما إلى صاحِبِهِ بِالزَّواجِ بَعْدَ مُضِيِّ العِدَّةِ ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ إنْ كانَ في ظَنِّهِما أنَّهُما يُقِيمانِ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي حَدَّها اللَّهُ - تَعالى - وشَرَعَها، وتَفْسِيرُ الظَّنِّ بِالعِلْمِ هَهُنا قِيلَ: غَيْرُ صَحِيحٌ لَفْظًا، أمّا مَعْنى فَلِأنَّهُ لا يَعْلَمُ ما في المُسْتَقْبَلِ يَقِينًا في الأكْثَرِ، وأمّا لَفْظا فَلِأنَّ أنِ المَصْدَرِيَّةَ لِلتَّوَقُّعِ وهو يُنافِي العِلْمَ، ورُدَّ بِأنَّ المُسْتَقْبَلَ قَدْ يُعْلَمُ ويُتَيَقَّنُ في بَعْضِ الأُمُورِ وهو يَكْفِي لِلصِّحَّةِ، وبِأنَّ سِيبَوَيْهِ أجازَ - وهو شَيْخُ العَرَبِيَّةِ - ما عَلِمْتُ إلّا أنْ يَقُومَ زَيْدٌ والمُخالِفُ لَهُ فِيهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، ولا يَخْفى أنَّ الِاعْتِراضَ الأوَّلَ فِيما نَحْنُ فِيهِ مِمّا لا يُجْدِي نَفْعًا؛ لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ وإنْ كانَ قَدْ يُعْلَمُ في بَعْضِ الأُمُورِ إلّا أنَّ ما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، ولَيْسَ المُراجَعَةُ مَرْبُوطَةً بِالعِلْمِ، بَلِ الظَّنُّ يَكْفِي فِيها، ﴿وتِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ إلى هُنا ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ: أحْكامِهِ المُعَيَّنَةِ المَحْمِيَّةِ مِنَ التَّعَرُّضِ لَها بِالتَّغْيِيرِ والمُخالَفَةِ ﴿يُبَيِّنُها﴾ بِهَذا البَيانِ اللّائِقِ، أوْ سـيُبَيِّنُها بِناءً عَلى أنْ بَعْضَها يَلْحَقُهُ زِيادَةُ كَشْفٍ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُهُ في مِثْلِ ذَلِكَ، أوْ حالٌ مِن حُدُودُ اللَّهِ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ، وقُرِئَ (نُبَيِّنُها) بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 230﴾ أيْ: يَفْهَمُونَ ويَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى العِلْمِ، فَهو لِلتَّحْرِيضِ عَلى العَمَلِ - كَما قِيلَ - أوْ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالبَيانِ، أوْ لِأنَّ ما سَيَلْحَقُ بَعْضَ الحُدُودِ مِنهُ لا يَعْقِلُهُ إلّا الرّاسِخُونَ، أوْ لِيُخْرِجَ غَيْرَ المُكَلَّفِينَ.
البقرة 2:231
﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيْ: آخِرِ عِدَّتِهِنَّ، فَهو مَجازٌ مِن قَبِيلِ اسْتِعْمالِ الكُلِّ في الجُزْءِ إنْ قُلْنا: إنَّ الأجَلَ حَقِيقَةٌ في جَمِيعِ المُدَّةِ - كَما يُفْهِمُهُ كَلامُ الصِّحاحِ - وهو الدّائِرُ في كَلامِ الفُقَهاءِ، ونَقْلُ الأزْهَرِيِّ عَنِ اللَّيْثِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الجُزْءِ الأخِيرِ، وكِلا الِاسْتِعْمالَيْنِ ثابِتٌ في الكِتابِ الكَرِيمِ، فَإنْ كانَ مِن بابِ الِاشْتِراكِ فَذاكَ، وإلّا فالتَّجَوُّزُ مِنَ الكُلِّ إلى الجُزْءِ الأخِيرِ أقْوى مِنَ العَكْسِ، (والبُلُوغُ) في الأصْلِ الوُصُولُ وقَدْ يُقالُ لِلدُّنُوِّ مِنهُ - وهو المُرادُ في الآيَةِ - وهو إمّا مِن مَجازِ المُشارَفَةِ أوْ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِلْمُتَقارِبِ الوُقُوعِ بِالواقِعِ لِيَصِحَّ أنْ يُرَتِّبَ عَلَيْهِ.
﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إذْ لا إمْساكَ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ؛ لِأنَّها حِينَئِذٍ غَيْرُ زَوْجَةٍ لَهُ ولا في عِدَّتِهِ، فَلا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها، و(الإمْساكُ) مَجازٌ عَنِ المُراجَعَةِ؛ لِأنَّها سَبَبُهُ، و(التَّسْرِيحُ) بِمَعْنى الإطْلاقِ وهو مَجازٌ عَنِ التَّرْكِ، والمَعْنى: (فَراجِعُوهُنَّ) مِن غَيْرِ (ضِرارٍ) أوْ خَلُّوهُنَّ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ مِن غَيْرِ تَطْوِيلٍ، وهَذا إعادَةٌ لِلْحُكْمِ في صُورَةِ بُلُوغِهِنَّ أجْلَهُنَّ اعْتِناءً لِشَأْنِهِ ومُبالَغَةً في إيجابِ المُخالَفَةِ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ (الإمْساكَ بِالمَعْرُوفِ) عَلى عَقْدِ النِّكاحِ وتَجْدِيدِهِ مَعَ حُسْنِ المُعاشَرَةِ، و(التَّسْرِيحُ بِالمَعْرُوفِ) عَلى تَرْكِ العَضْلِ عَنِ التَّزَوُّجِ بِآخَرَ، وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِالمَجازِ في بَلَغْنَ ولا يَخْفى بَعْدَهُ عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ يُدْعى ثابِتَ بْنَ يَسارٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، حَتّى إذا انْقَضَتْ
صفحة 143
عِدَّتُها إلّا يَوْمَيْنِ أوْ ثَلاثَةً راجَعَها ثُمَّ طَلَّقَها، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِها حَتّى مَضَتْ لَها تِسْعَةُ أشْهُرٍ يُضارُّها، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ (بِالإمْساكِ بِالمَعْرُوفِ) وتَوْضِيحًا لِمَعْناهُ، وهو أدَلُّ مِنهُ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ، وأصْرَحُ في الزَّجْرِ عَمّا كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ، وضِرارًا نُصِبَ عَلى العِلِّيَّةِ أوِ الحالِيَّةِ؛ أيْ: لا تُرْجِعُوهُنَّ لِلْمُضارَّةِ أوْ مُضارِّينَ، ومُتَعَلِّقُ النَّهْيِ القَيْدُ، (واللّامُ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ضِرارًا أيْ: لِتَظْلِمُوهُنَّ بِالإلْجاءِ إلى الِافْتِداءِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ (الضِّرارَ) ظُلْمٌ، و(الِاعْتِداءُ) مِثْلُهُ، فَيُؤَوَّلُ إلى ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ﴾ ظُلْمًا لِتَظْلِمُوا، وهو كَما تَرى، وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ (بِالضِّرارِ) تَطْوِيلُ المُدَّةِ، (وبِالِاعْتِداءِ) الإلْجاءُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تُمْسِكُوهُنَّ بِالتَّطْوِيلِ لِتُلْجِئُوهُنَّ إلى الِاخْتِلاعِ والظُّلْمِ قَدْ يُقْصَدُ لِيُؤَدِّيَ إلى ظُلْمٍ آخَرَ، والمَشْهُورُ أنَّ هَذا الوَجْهَ مُتَعَيِّنٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في ضِرارًا ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ هَذا عِلَّةً لِما كانَ هو لَهُ؛ إذِ المَفْعُولُ لَهُ لا يَتَعَدَّدُ إلّا بِالعَطْفِ، أوْ عَلى البَدَلِ - وهو غَيْرُ مُمْكِنٍ لِاخْتِلافِ الإعْرابِ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، وجَوَّزَ تَعَلُّقُهُ بِالفِعْلِ مُطْلَقًا إذا جُعِلَتِ (اللّامُ) لِلْعاقِبَةِ، ولا ضَرَرَ في تَعَدِّي الفِعْلِ إلى عِلَّةٍ وعاقِبَةٍ لِاخْتِلافِهِما، وإنْ كانَتِ (اللّامُ) حَقِيقَةً فِيهِما عَلى رَأْيِ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المَذْكُورُ وما فِيهِ مِنَ البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ والفَسادِ ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ، أوْ بِأنْ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ مَنافِعَ الدِّينِ مِنَ الثَّوابِ الحاصِلِ عَلى حُسْنِ المُعاشَرَةِ، ومَنافِعَ الدُّنْيا مِن عَدَمِ رَغْبَةِ النِّساءِ بِهِ بَعْدُ لِاشْتِهارِهِ بِهَذا الفِعْلِ القَبِيحِ، ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ﴾ المُنْطَوِيَةَ عَلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في أمْرِ النِّساءِ أوْ جَمِيعَ آياتِهِ، وهَذِهِ داخِلَةٌ فِيها ﴿هُزُوًا﴾ مَهْزُوءًا بِها بِأنْ تُعْرِضُوا عَنْها، وتَتَهاوَنُوا في المُحافَظَةِ عَلَيْها لِقِلَّةِ اكْتِراثِكم بِالنِّساءِ وعَدَمِ مُبالاتِكم بِهِنَّ، وهَذا نَهْيٌ أُرِيدَ بِهِ الأمْرُ بِضِدِّهِ؛ أيْ: جِدُّوا في الأخْذِ بِها والعَمَلِ بِما فِيها وارْعَوْها حَقَّ رِعايَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عُمْرَةَ وابْنُ مَرَدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، قالَ: ”كانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ ثُمَّ يَقُولُ: لَعِبْتُ ويُعْتِقُ، ثُمَّ يَقُولُ: لَعِبْتُ فَنَزَلَتْ“، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”ثَلاثٌ هَزْلُهُنَّ جَدٌّ؛ النِّكاحُ، والطَّلاقُ، والرَّجْعَةُ“،» وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ: ”ثَلاثٌ اللّاعِبُ فِيها كالجادِّ؛ النِّكاحُ، والطَّلاقُ، والعَتاقُ“، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ”أرْبَعٌ مُقْفَلاتٌ؛ النَّذْرُ، والطَّلاقُ، والعِتْقُ، والنِّكاحُ“.
﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: قابِلُوها بِالشُّكْرِ والقِيامِ بِحُقُوقِها، (والنِّعْمَةُ): إمّا عامَّةٌ فَعَطَفَ ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ عَلَيْها مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وإمّا أنْ تُخَصَّ بِالإسْلامِ ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وخُصّا بِالذِّكْرِ لِيُناسِبَ ما سَبَقَهُ، ولِيَدُلَّ عَلى أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإمْساكِ إضْرارًا مِن سُنَنِ الجاهِلِيَّةِ المُخالِفَةِ، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: جِدُّوا في العَمَلِ بِالآياتِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ، أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ شُكْرُ النِّعْمَةِ فَقُومُوا بِحَقِّهِ، ويَكُونُ العَطْفُ تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ؛ لِأنَّ الإسْلامَ ونُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَشْمَلانِ إنْزالَ الكِتابِ والسَّنَةِ - وهو قَرِيبٌ مِن عَطْفِ التَّفْسِيرِ - ولا بَأْسَ أنْ يُسَمّى عَطْفَ التَّقْرِيرِ، قِيلَ: ولَوْ عَمَّمَ النِّعْمَةَ لَمْ يَحْسُنْ مَوْقِعُهُ هَذا الحُسْنَ، ولا يَخْفى أنَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ، والظَّرْفُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن نِعْمَةٍ أوْ صِفَةٍ لَها عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ الصِّلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِها إنْ أُرِيدَ بِها الإنْعامُ؛ لِأنَّها اسْمُ مَصْدَرٍ كَنَباتٍ مَن أنْبَتَ ولا يَقْدَحُ في عَمَلِهِ (تاءُ التَّأْنِيثِ)؛ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْها، كَما في قَوْلِهِ:
صفحة 144
فَلَوْلا رَجاءُ النَّصْرِ مِنكَ وهَيْبَةُ عِقابِكَ قَدْ كانُوا لَنا كالمَوارِدِ
والظَّرْفُ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وأتى بِهِ تَنْبِيهًا لِلْمَأْمُورِينَ وتَشْرِيفًا لَهُمْ، و(ما) مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها مِنَ الصِّلَةِ، و(مِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ﴾ بَيانِيَّةٌ، والمُرادُ بِهِما القُرْآنُ الجامِعُ لِلْعُنْوانَيْنِ، أوِ القُرْآنُ والسُّنَّةُ، والإفْرادُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ الِانْدِراجِ في المَذْكُورِ إظْهارًا لِلْفَضْلِ وإيماءً إلى أنَّ الشَّرَفَ وصَلَ إلى غايَةٍ لا يُمْكِنُ مَعَها الِانْدِراجُ، وذاكَ مِن قَبِيلِ
فَإنْ تُفِقِ الأنامُ وأنْتَ مِنهم ∗∗∗ فَإنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزالِ
﴿يَعِظُكم بِهِ﴾ أيْ: (بِما أنْزَلَ) حالٌ مِن فاعِلٍ (أنْزَلَ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أوْ مِنهُما مَعًا، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (ما) مُبْتَدَأً، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ، ومِنَ الكِتابِ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّعْلِيلِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أوامِرِهِ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 231﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، فَلْيَحْذَرْ مِن جَزائِهِ وعِقابِهِ، أوْ أنَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَأْمُرُ إلّا بِما فِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ فَلا تُخالِفُوهُ، وفي هَذا العَطْفِ ما يُؤَكِّدُ الأوامِرَ والأحْكامَ السّابِقَةَ، ولَيْسَ هَذا مِنَ التَّأْكِيدِ المُقْتَضِي لِلْفَصْلِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إعادَةٌ لِمَفْهُومِ المُؤَكَّدِ ولا مُتَّحِدًا مَعَهُ.
البقرة 2:232
﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيِ: انْقَضَّتْ عِدَّتُهُنَّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾ أيْ: لا تَمْنَعُوهُنَّ ذَلِكَ، وأصْلُ العَضَلِ الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ، ومِنهُ عَضَّلَتِ الدَّجاجَةُ بِالتَّشْدِيدِ إذا نَشِبَتْ بَيْضَتُها ولَمْ تَخْرُجْ، والفِعْلُ مُثَلَّثُ العَيْنِ، واخْتُلِفَ في الخِطابِ فَقِيلَ - واخْتارَهُ الإمامُ - أنَّهُ لِلْأزْواجِ المُطَلِّقِينَ؛ حَيْثُ كانُوا يَعْضِلُونَ مُطَلَّقاتِهِمْ بَعْدَ مُضِيِّ العِدَّةِ، ولا يَدَعُونَهُنَّ يَتَزَوَّجْنَ ظُلْمًا وقَسْرًا لِحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِأنْ يَدُسَّ إلى مَن يَخْطُبُهُنَّ ما يُخِيفُهُ أوْ يَنْسُبُ إلَيْهِنَّ ما يُنَفِّرُ الرَّجُلَ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ، وعَلَيْهِ يَحْمِلُ الأزْواجَ عَلى مَن يُرِدْنَ أنْ يَتَزَوَّجْنَهُ، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ ما يُئُولُ إلَيْهِ، وقِيلَ: واخْتارَهُ القاضِي، إنَّهُ لِلْأوْلِياءِ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وأبُو داوُدَ وخَلْقٌ كَثِيرٌ مِن طُرُقٍ شَتّى عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ، قالَ: ”كانَتْ لِي أُخْتٌ فَأتانِي ابْنُ عَمٍّ لِي فَأنْكَحْتُها إيّاهُ، فَكانَتْ عِنْدَهُ ما كانَتْ، ثُمَّ طَلَّقَها تَطْلِيقَةً ولَمْ يُراجِعْها حَتّى انْقَضَتِ العِدَّةُ فَهَوِيَها وهَوَتْهُ، ثُمَّ خَطَبَها مَعَ الخُطّابِ، فَقُلْتُ لَهُ: يا لُكَعُ، أكْرَمْتُكَ بِها وزَوَّجْتُكَها فَطَلَّقْتَها ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُها، واللَّهِ لا تَرْجِعُ إلَيْكَ أبَدًا، وكانَ رَجُلًا لا بَأْسَ بِهِ، وكانَتِ المَرْأةُ تُرِيدُ أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ، فَعَلِمَ اللَّهُ - تَعالى - حاجَتَهُ إلَيْها وحاجَتَها إلى بَعْلِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - هَذِهِ الآيَةَ، قالَ: فَفِيَّ نَزَلَتْ، فَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وأنْكَحْتُها إيّاهُ“، وفي لَفْظٍ: فَلَمّا سَمِعَها مَعْقِلٌ قالَ: سَمْعًا لِرَبِّي وطاعَةً، ثُمَّ دَعاهُ، فَقالَ: أُزَوِّجُكَ وأُكْرِمُكَ، وعَلَيْهِ يَحْمِلُ الأزْواجُ عَلى الَّذِينَ كانُوا أزْواجًا وخِطابُ التَّطْلِيقِ حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَتَوَجَّهَ لِما تَوَجَّهَ لَهُ هَذا الخِطابُ، ويَكُونُ نِسْبَةَ التَّطْلِيقِ لِلْأوْلِياءِ بِاعْتِبارِ التَّسَبُّبِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّصَدِّي لِلْعَضَلِ، وإمّا أنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ لِلْأزْواجِ المُطَلِّقِينَ، ويُتَحَمَّلُ تَشْتِيتُ الضَّمائِرِ اتِّكالًا عَلى ظُهُورِ المَعْنى، وقِيلَ - واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ -: إنَّهُ لِجَمِيعِ النّاسِ، فَيَتَناوَلُ عَضْلَ الأزْواجِ والأوْلِياءِ جَمِيعًا، ويَسْلَمُ مِنَ انْتِشارِ ضَمِيرَيِ الخِطابِ والتَّفْرِيقِ بَيْنَ الإسْنادَيْنِ مَعَ المُطابَقَةِ لِسَبَبِ النُّزُولِ، وفِيهِ تَهْوِيلُ أمْرِ العَضْلِ بِأنَّ مِن حَقِّ الأوْلِياءِ أنْ لا يَحُومُوا حَوْلَهُ وحَقُّ النّاسِ كافَّةً أنْ يَنْصُرُوا المَظْلُومَ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الخِطاباتِ السّابِقَةَ
صفحة 145
كَذَلِكَ، وذَكَرَ أنَّ المُباشَرَةَ لِتَوَقُّفِها عَلى الشُّرُوطِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ تَوَزَّعَتْ بِحَسْبِها، كَما إذا قِيلَ لِجَماعَةٍ مَعْدُودَةٍ أوْ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ: أدُّوا الزَّكاةَ وزَوِّجُوا الأكْفاءَ وامْنَعُوا الظَّلَمَةَ كانَ الكُلُّ مُخاطَبِينَ والتَّوَزُّعُ عَلى ما مَرَّ، هَذا ولَيْسَ في الآيَةِ عَلى أيِّ وجْهٍ حُمِلَتْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأةِ أنْ تُزَوِّجَ نَفْسَها كَما وُهِمَ، ونَهْيُ الأوْلِياءِ عَنِ العَضْلِ لَيْسَ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ النِّكاحِ عَلى رِضاهُمْ، بَلْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُنَّ؛ لِأنَّهُنَّ وإنْ قَدَرْنَ عَلى تَزْوِيجِ أنْفُسِهِنَّ شَرْعًا، لَكِنَّهُنَّ يَحْتَرِزْنَ عَنْ ذَلِكَ مَخافَةَ اللَّوْمِ والقَطِيعَةِ أوْ مَخافَةَ البَطْشِ بِهِنَّ، وفي إسْنادِ النِّكاحِ إلَيْهِنَّ إيماءٌ إلى عَدَمِ التَّوَقُّفِ والإلْزامِ المُجازِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وجَوَّزَ في ﴿أنْ يَنْكِحْنَ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ قَبْلَهُ، والثّانِي أنْ يَكُونَ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، والمَحَلُّ إمّا نَصْبٌ أوْ جَرٌّ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ ﴿إذا تَراضَوْا﴾ ظَرْفٌ (لِلا تَعْضُلُوا) والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ والتَّقْيِيدِ بِهِ؛ لِأنَّهُ المُعْتادُ لا لِتَجْوِيزِ المَنعِ قَبْلَ تَمامِ التَّراضِي، وقِيلَ: ظَرْفٌ (لِأنْ يَنْكِحْنَ)، وقَوْلُهُ تَعالى: بَيْنَهم ظَرْفٌ لِلتَّراضِي مُفِيدٌ لِرُسُوخِهِ واسْتِحْكامِهِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: بِما لا يَكُونُ مُسْتَنْكَرًا شَرْعًا ومُرُوءَةً، والباءُ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿تَراضَوْا﴾ أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: تَراضِيًا كائِنًا بِالمَعْرُوفِ وإمّا بِـ(تَراضَوْا) أوْ بِـ(يَنْكِحْنَ)، وفي التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ إشْعارٌ بِأنَّ المَنعَ مِنَ التَّزَوُّجِ بِغَيْرِ كُفْءٍ أوْ بِما دُونَ مَهْرِ المِثْلِ لَيْسَ مِن بابِ العَضْلِ، ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما فُصِلَ، والخِطابُ لِلْجَمْعِ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلِ أوْ لِكُلِّ واحِدٍ واحِدٍ أوْ أنَّ الكافَ تَدُلُّ عَلى خِطابٍ قُطِعَ فِيهِ النَّظَرُ عَنِ المُخاطَبِ وحْدَةً وتَذْكِيرًا وغَيْرَهُما.
والمَقْصُودُ الدَّلالَةُ عَلى حُضُورِ المُشارِ إلَيْهِ عِنْدَ مَن خُوطِبَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الحاضِرِ والمُنْقَضِي الغائِبِ أوْ لِلرَّسُولِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيُطابِقَ ما في سُورَةِ الطَّلاقِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ أمْرٌ لا يَكادُ يَتَصَوَّرُهُ كُلُّ أحَدٍ، بَلْ لا بُدَّ لِتَصَوُّرِ ذَلِكَ مِن مُؤَيَّدٍ مِن عِنْدِ اللهِ - تَعالى - ﴿يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ المُسارِعُ إلى الِامْتِثالِ إجْلالًا لِلَّهِ - تَعالى - وخَوْفًا مِن عِقابِهِ، ومِنكم إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ(كانَ) عَلى رَأْيِ مَن يَرى ذَلِكَ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ يُؤْمِنُ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: الِاتِّعاظِ بِهِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ ﴿أزْكى لَكُمْ﴾ أيْ: أعْظَمَ بِرْكَةً ونَفْعًا، ﴿وأطْهَرُ﴾ أيْ: أكْثَرَ تَطْهِيرًا مِن دَنَسِ الآثامِ، وحَذَفَ (لَكُمُ) اكْتِفاءً بِما في سابِقِهِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أطْهَرُ لَكم ولَهم لِما يُخْشى عَلى الزَّوْجَيْنِ مِنَ الرِّيبَةِ بِسَبَبِ العَلاقَةِ بَيْنَهُما، ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ 232﴾ ذَلِكَ، فَلا رَأْيٌ إلّا الِاتِّباعُ، ويُحْتَمَلُ تَعْمِيمُ المَفْعُولِ في المَوْضِعَيْنِ، ويَدْخُلُ فِيهِ المَذْكُورُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفائِدَةُ الجُمْلَةِ الحَثُّ عَلى الِامْتِثالِ.
البقرة 2:233
﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ أمْرٌ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الخَبَرِ مُبالَغَةً، ومَعْناهُ النَّدْبُ أوِ الوُجُوبُ إنْ خُصَّ بِما إذا لَمْ يَرْتَضِعِ الصَّبِيُّ إلّا مِن أُمِّهِ أوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ ظِئْرٌ أوْ عَجَزَ الوالِدُ عَنْ الِاسْتِئْجارِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُنَّ بِالعُنْوانِ المَذْكُورِ لِاسْتِعْطافِهِنَّ نَحْوَ أوْلادِهِنَّ، والحُكْمُ عامٌّ لِلْمُطَلَّقاتِ وغَيْرِهِنَّ كَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، وخَصَّهُ بَعْضُهم بِالوالِداتِ المُطَلَّقاتِ، وهو المُرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عُقَيْبَ آياتِ الطَّلاقِ، فَكانَتْ مِن تَتِمَّتِها، وإنَّما أتَمَّها بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا حَصَلَتِ الفُرْقَةُ رُبَّما يَحْصُلُ التَّعادِي والتَّباغُضُ، وهو يَحْمِلُ المَرْأةَ غالِبًا عَلى إيذاءِ الوَلَدِ نِكايَةً بِالمُطَلِّقِ وإيذاءً لَهُ، ورُبَّما رَغِبَتْ في التَّزَوُّجِ بِآخَرَ، وهو كَثِيرًا ما يَسْتَدْعِي إهْمالَ أمْرِ الطِّفْلِ وعَدَمَ مُراعاتِهِ، فَلا جَرَمَ أمْرُهُنَّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ بِرِعايَةِ جانِبِهِ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ، والثّانِي أنَّ إيجابَ
صفحة 146
الرِّزْقِ والكِسْوَةَ فِيما بَعْدُ لِلْمُرْضِعاتِ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ؛ إذْ لَوْ كانَتِ الزَّوْجِيَّةُ باقِيَةً لَوَجَبَ عَلى الزَّوْجِ ذَلِكَ بِسَبَبِ الزَّوْجِيَّةِ لا الرِّضاعِ، وقالَ الواحِدِيُّ: الأوْلى أنْ يُخَصَّ بِالوالِداتِ حالَ بَقاءِ النِّكاحِ؛ لِأنَّ المُطَلَّقَةَ لا تَسْتَحِقُّ الكِسْوَةَ، وإنَّما تَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ، ولا يَخْفى أنَّ الحَمْلَ عَلى العُمُومِ أوْلى، ولا يَفُوتُ الغَرَضُ مِنَ التَّعْقِيبِ، وإيجابُ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ لِلْمُرْضِعاتِ لا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ؛ لِأنَّهُ بِاعْتِبارِ البَعْضِ عَلى أنَّهُ عَلى ما قِيلَ: لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لِلرِّضاعِ، ومَن قالَ: إنَّهُ لَهُ جَعَلَ ذَلِكَ أُجْرَةً لَهُنَّ، إلّا أنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ بِها وعَبَّرَ بِمَصْرِفِها الغالِبِ حَثًّا عَلى إعْطائِها نَفْسِها لِذَلِكَ أوْ إعْطاءِ ما تَصْرِفُ لِأجْلِهِ، فَتَدَبَّرْ.
﴿حَوْلَيْنِ﴾ أيْ: عامَيْنِ، والتَّرْكِيبُ يَدُورُ عَلى الِانْقِلابِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، و﴿كامِلَيْنِ﴾ صِفَتُهُ، ووُصِفَ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِبَيانِ أنَّ التَّقْدِيرَ تَحْقِيقِيٌّ لا تَقْرِيبِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلى المُسامَحَةِ المُعْتادَةِ ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ بَيانٌ لِلْمُتَوَجِّهِ عَلَيْهِ الحُكْمُ، والجارُّ في مَثَلِهِ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: ذَلِكَ لِمَن أرادَ إتْمامَ الرَّضاعَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ يُرْضِعْنَ فَإنَّ الأبَ يَجِبُ عَلَيْهِ الإرْضاعُ كالنَّفَقَةِ لِلْأُمِّ والأُمُّ تُرْضِعُ لَهُ، وكَوْنُ الرَّضاعِ واجِبًا عَلى الأبِ لا يُنافِي أمْرَهُنَّ؛ لِأنَّهُ لِلنَّدْبِ، أوْ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ أيْضًا في الصُّوَرِ السّابِقَةِ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أقْصى مُدَّةِ الإرْضاعِ حَوْلانِ، ولا يُعْتَدُّ بِهِ بَعْدَهُما، فَلا يُعْطى حُكْمُهُ، وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْقُصَ عَنْهُما، وقُرِئَ ( أنْ يُتِمَّ ) بِالرَّفْعِ، واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِهِ، فَقِيلَ: حُمِلَتْ (أنِ) المَصْدَرِيَّةُ عَلى ما أُخْتِها في الإهْمالِ، كَما حُمِلَتْ أُخْتُها عَلَيْها في الإعْمالِ في قَوْلِهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «كَما تَكُونُوا يُوَلّى عَلَيْكُمْ» عَلى رَأْيٍ، وقِيلَ: أنْ يُتِمُّوا بِضَمِيرِ الجَمْعِ، بِاعْتِبارِ مَعْنى (مِن)، وسَقَطَتِ الواوُ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَتَبِعَها الرَّسْمُ.
﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ﴾ أيِ: الوالِدِ، فَإنَّ الوَلَدَ يُولَدُ لَهُ ويُنْسَبُ إلَيْهِ، ولَمْ يُعَبِّرْ بِهِ، مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ لِلدَّلالَةِ عَلى عِلَّةِ الوُجُوبِ، بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِانْتِسابِ المُشِيرَةِ إلَيْهِ اللّامُ، وتُسَمّى هَذِهِ الإشارَةُ إدْماجًا عِنْدَ أهْلِ البَدِيعِ وإشارَةَ النَّصِّ عِنْدَنا، وقِيلَ: عَبَّرَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الوالِدَ قَدْ لا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ، وإنَّما تَلْزَمُ المَوْلُودُ لَهُ، كَما إذا كانَتْ تَحْتَهُ أمَةٌ فَأتَتْ بِوَلَدٍ، فَإنَّ نَفَقَتَهُ عَلى مالِكِ الأُمِّ؛ لِأنَّهُ المَوْلُودُ لَهُ دُونَ الوالِدِ، وفِيهِ بَعْدٌ؛ لِأنَّ المَوْلُودَ لَهُ لا يَتَناوَلُ الوالِدَ والسَّيِّدَ تَناوُلًا واحِدًا، وحُكْمُ العَبِيدِ دَخِيلٌ في البَيِّنِ.
﴿رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ أيْ: إيصالِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ؛ أيِ: الوالِداتِ أُجْرَةً لَهُنَّ، واسْتِئْجارُ الأُمِّ جائِزٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وعِنْدَنا لا يَجُوزُ ما دامَتْ في النِّكاحِ أوِ العِدَّةِ بِالمَعْرُوفِ أيْ: بِلا إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ، أوْ حَسْبَ ما يَراهُ الحاكِمُ ويَفِي بِهِ وِسْعُهُ.
﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها﴾ تَعْلِيلٌ لِإيجابِ المُؤْمِنِ بِالمَعْرُوفِ أوْ تَفْسِيرٌ لِلْمَعْرُوفِ، ولِهَذا فَصْلٌ، وهو نَصَّ عَلى أنَّهُ - تَعالى - لا يُكَلِّفُ العَبْدَ بِما لا يُطِيقُهُ، ولا يَنْفِي الجَوازَ والإمْكانَ الذّاتِيَّ، فَلا يَنْتَهِضُ حُجَّةً لِلْمُعْتَزِلَةِ، ونَصْبُ وُسْعَها عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لــ تُكَلَّفُ، وقُرِئَ: (ولا تَكَلَّفُ) بِفَتْحِ التّاءِ، و(لا نُكَلِّفُ) بِالنُّونِ.
﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ تَفْصِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِن سابِقِهِ وتَقْرِيبٌ لَهُ إلى الفَهْمِ، وهو الدّاعِي لِلْفَصْلِ، والمُضارَّةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الضَّرَرِ، والمُفاعَلَةُ إمّا مَقْصُودَةٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: تُضارَّ والِدَةٌ زَوْجَها بِسَبَبِ ولَدِها، وهو أنْ تُعَنِّفَ بِهِ، وتَطْلُبَ ما لَيْسَ بِعَدْلٍ مِنَ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ، وأنْ تُشْغِلَ قَلْبَهُ بِالتَّفْرِيطِ في شَأْنِ الوَلَدِ، وأنْ تَقُولَ بَعْدَ أنْ ألِفَها الصَّبِيُّ اطْلُبْ لَهُ ظِئْرًا مَثَلًا، ولا يُضارُّ مَوْلُودٌ لَهُ امْرَأتَهُ بِسَبَبِ ولَدِهِ؛ بِأنْ يَمْنَعَها شَيْئًا مِمّا وجَبَ عَلَيْهِ مِن رِزْقِها وكِسْوَتِها، أوْ يَأْخُذُ الصَّبِيَّ مِنها وهي تُرِيدُ إرْضاعَهُ أوْ يُكْرِهُها عَلى الإرْضاعِ، وإمّا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، والمَعْنى
صفحة 147
لا يَضُرُّ واحِدٌ مِنهُما الآخَرَ بِسَبَبِ الوَلَدِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: (لا تُضارُّ) بِالرَّفْعِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِمّا قَبْلَها، وقَرَأ الحَسَنُ: (تُضارِّ) بِالكَسْرِ، وأصْلُهُ تُضارِّ مَكْسُورُ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجَوَّزَ فَتْحَها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ: (ولا تُضارَرْ)، (ولا تُضارِرْ) بِالجَزْمِ وفَتْحِ الرّاءِ الأُولى وكَسْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ يَكُونُ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَلْحَقَ بِها الضِّرارُ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ، وأنْ يَلْحَقَ الضِّرارُ بِالزَّوْجِ مِن قِبَلِها بِسَبَبِ الوَلَدِ، والباءُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ سَبَبِيَّةٌ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (فاعَلَ) بِمَعْنى (فَعَلَ) والباءُ سَيْفٌ خَطِيبٌ، ويَكُونُ المَعْنى: لا تَضُرُّ والِدَةٌ ولَدَها بِأنْ تُسِيءَ غِذاءَهُ وتَعَهُّدَهُ وتُفَرِّطَ فِيما يَنْبَغِي لَهُ وتَدْفَعُهُ إلى الأبِ بَعْدَما ألِفَها، ولا يَضُرُّ الوالِدُ ولَدَهُ بِأنْ يَنْزِعَهُ مِن يَدِها أوْ يُقَصِّرَ في حَقِّها فَتُقَصِّرَ هي في حَقِّهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ: (لا تُضارْ) بِالسُّكُونِ مَعَ التَّشْدِيدِ عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ، وعَنِ الأعْرَجِ: (لا تُضارْ) بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، وهو مِن ضارَّ يُضِيرُ، ونَوى الوَقْفَ كَما نَواهُ الأوَّلُ، وإلّا لَكانَ القِياسُ حَذْفَ الألِفِ، وعَنْ كاتِبِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ-: (لا تُضْرِرِ)، والتَّعْبِيرُ بِالوَلَدِ في المَوْضِعَيْنِ، وإضافَتُهُ إلَيْها تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى لِلِاسْتِعْطافِ، والإشارَةُ إلى ما هو كالعِلَّةِ في النَّهْيِ، ولِذا أقامَ المُظْهَرَ مَقامَ المُضْمَرِ، ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ ما رَواهُ الإمامِيَّةُ عَنِ السَّيِّدَيْنِ الصّادِقِ والباقِرِ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: أنَّ المَعْنى (لا تُضارَّ) والِدَةٌ بِتَرْكِ جِماعِها خَوْفَ الحَمْلِ لِأجْلِ ولَدِها الرَّضِيعِ، (ولا يُضارَّ) مَوْلُودٌ لَهُ بِمَنعِهِ عَنِ الجِماعِ كَذَلِكَ لِأجْلِ ولَدِهِ، وحِينَئِذٍ تَتَعَيَّنُ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ الفِعْلانِ مَبْنِيَّيْنِ لِلْمَفْعُولِ، ولا يَظْهَرُ وجْهٌ لَطِيفٌ لِلتَّعْبِيرِ بِالوَلَدِ في المَوْضِعَيْنِ، وتَخْرُجُ الآيَةُ عَمّا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، وبَعِيدٌ عَنِ الباقِرِ والصّادِقِ الإقْدامُ عَلى ما زَعَمَهُ هَذا الرّاوِي الكاذِبُ.
﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ﴾ إلَخْ وما بَيْنَهُما تَعْلِيلٌ أوْ تَفْسِيرٌ مُعْتَرِضٌ، والمُرادُ بِالوارِثِ وارِثُ الوَلَدِ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُ ما وجَبَ عَلى الأبِ مِنَ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ بِالمَعْرُوفِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ مالٌ، وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنْ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ وإبْراهِيمَ والشَّعْبِيِّ وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ وخَلْقٍ كَثِيرٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ (ألْ) كالعِوَضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ الضَّمِيرِ ورُجُوعَ الضَّمِيرِ لِأقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو الأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، وخَصَّ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ هَذا الوارِثَ بِمَن كانَ ذا رَحِمِ مُحَرَّمٍ مِنَ الصَّبِيِّ، وبِهِ قالَ حَمّادٌ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: (وعَلى الوارِثِ ذِي الرَّحِمِ المُحَرَّمِ مِثْلُ ذَلِكَ)، وقِيلَ: عَصَباتُهُ، وبِهِ قالَ أبُو زَيْدٍ، ويُرَوى عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - ما يُؤَيِّدُهُ، وقالَ الشّافِعِيُّ: المُرادُ وارِثُ الأبِ، وهو الصَّبِيُّ؛ أيْ: مُؤَنِ الصَّبِيِّ مِن مالِهِ إذا ماتَ الأبُ، واعْتُرِضُ أنَّ هَذا الحَمْلَ يَأْباهُ أنَّهُ لا يَخُصُّ كَوْنَ المُؤْنَةِ في مالِهِ إذا ماتَ الأبُ، بَلْ إذا كانَ لَهُ مالٌ لَمْ يَجِبْ عَلى الأبِ أُجْرَةُ الإرْضاعِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ عَلى الصَّبِيِّ وأُجْرَةُ الإرْضاعِ مِن مالِ الصَّبِيِّ بِحُكْمِ الوِلايَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: المُرادُ الباقِي مِنَ الأبَوَيْنِ، وقَدْ جاءَ الوارِثُ بِمَعْنى الباقِي كَما في قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِسَمْعِي وبَصْرِي، واجْعَلْهُما الوارِثَ مِنِّي“،» قِيلَ: وهَذا يُوافِقُ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ؛ إذْ لا نَفَقَةَ عِنْدَهُ فِيما عَدا الوِلادِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ البَحْثِ؛ لِأنَّ (مِن) إنْ كانَتْ لِلْبَيانِ لَزِمَ التَّكْرارُ أوِ الرَّكاكَةُ أوِ ارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ، وإنْ كانَتْ لِلِابْتِداءِ كانَ المَعْنى الباقِي غَيْرَ الأبَوَيْنِ، وهو يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ العَصَباتِ أوْ ذَوِي الأرْحامِ الَّذِينَ لَيْسَتْ قَرابَتُهم قَرابَةَ الوِلادِ، وكَوْنُ ذَلِكَ مُوافِقًا لِمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ إنَّما يَتَأتّى إذا تَعَيَّنَ كَوْنُ الباقِي ذَوِي قَرابَةِ الوِلادِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يُفِيدُهُ كَما لا يَخْفى.
﴿فَإنْ أرادا﴾ أيِ: الوالِدانِ ﴿فِصالا﴾ أيْ: فِطامًا لِلْوَلَدِ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ، وهو المُرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وأهْلِ البَيْتِ، وقِيلَ: قَبْلَهُما أوْ بَعْدَهُما، وهو مُرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ هَذا تَفْصِيلًا لِفائِدَةِ ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ﴾ وبَيانًا لِحُكْمِ إرادَةِ عَدَمِ الإتْمامِ، والتَّنْكِيرُ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ (فِصالٌ) غَيْرُ مُعْتادٍ، وعَلى الثّانِي تَوْسِعَةً في الزِّيادَةِ والتَّقْلِيلِ في مُدَّةِ
صفحة 148
الرَّضاعَةِ بَعْدَ التَّحْدِيدِ والتَّنْكِيرِ لِلتَّعْمِيمِ، ويَجُوزُ عَلى القَوْلَيْنِ أنْ يَكُونَ لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِهِ نَظَرًا لِلصَّبِيِّ لِما فِيهِ مِن مُفارَقَةِ المَأْلُوفِ ﴿عَنْ تَراضٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، وإنْ كانَ كَوْنًا خاصًّا؛ أيْ صادِرًا ﴿عَنْ تَراضٍ﴾ وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ أرادَ مِنهُما؛ أيِ: الوالِدَيْنِ، لا مِن أحَدِهِما فَقَطْ لِاحْتِمالِ إقْدامِهِ عَلى ما يَضُرُّ الوَلَدَ، بِأنْ تَمَلَّ الأُمُّ أوْ يَبْخَلَ الأبُ ﴿وتَشاوُرٍ﴾ في شَأْنِ الوَلَدِ وتَفَحُّصِ أحْوالِهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّوْرِ، وهو اجْتِناءُ العَسَلِ، وكَذا المُشاوَرَةُ والمَشُورَةُ، والمُرادُ مِن ذَلِكَ اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ.
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ في ذَلِكَ، وإنَّما اعْتَبَرَ رِضا المَرْأةِ، مَعَ أنَّ ولِيَّ الوَلَدِ هو الأبُ، وصَلاحُهُ مَنُوطٌ بِنَظَرِهِ مُراعاةً لِصَلاحِ الطِّفْلِ؛ لِأنَّ الوالِدَةَ لِكَمالِ شَفَقَتِها عَلى الصَّبِيِّ رُبَّما تَرى ما فِيهِ المَصْلَحَةُ لَهُ ﴿وإنْ أرَدْتُمْ﴾ خِطابٌ لِلْآباءِ هَزًّا لَهم لِلِامْتِثالِ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاتِّفاقِ عَلى عَدَمِ الفِطامِ ﴿أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ بِحَذْفِ المَفْعُولِ الأوَّلِ اسْتِغْناءً عَنْهُ؛ أيْ: تَسْتَرْضِعُوا المَراضِعَ أوْلادَكُمْ، مِن أرْضَعَتِ المَرْأةُ طِفْلًا واسْتَرْضَعْتُها إيّاهُ؛ كَقَوْلِكَ: أنْجَحَ اللَّهُ - تَعالى - حاجَتِي واسْتَنْجَحْتُها إيّاهُ، وقَدْ صَرَّحَ الإمامُ الكِرْمانِيُّ بِأنَّ الِاسْتِفْعالَ قَدْ جاءَ لِطَلَبِ المَزِيدِ كالِاسْتِنْجاءِ لِطَلَبِ الإنْجاءِ والِاسْتِعْتابِ لِطَلَبِ الإعْتابِ، وصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ أيْضًا، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ مِن رَضَعَ بِمَعْنى أرْضَعَ، ولَمْ يَجْعَلْ مِنَ الأوَّلِ أوَّلَ الأمْرِ لِعَدَمِ وُجُودِهِ في كَلامِهِمْ، فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، وقِيلَ: إنَّ (اسْتَرْضَعَ) إنَّما يَتَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ، يُقالُ: (اسْتَرْضَعَتِ) المَرْأةُ لِلصَّبِيِّ، والمُرادُ أنْ (تَسْتَرْضِعُوا) المَراضِعَ (لِأوْلادِكُمْ) فَحُذِفَ الجارُّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ أيْ: كالُوا لَهم ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: في ذَلِكَ، واسْتَدَلَّ بِالإطْلاقِ عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ أنْ يَسْتَرْضِعَ لِلْوَلَدِ ويَمْنَعَ الزَّوْجَةَ مِنَ الإرْضاعِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيَّةِ، وعِنْدَنا أنَّ الأُمَّ أحَقُّ بِرَضاعِ ولَدِها، وأنَّهُ لَيْسَ لِلْأبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ غَيْرَها إذا رَضِيَتْ أنْ تُرْضِعَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ وبِهِ يُخَصَّصُ هَذا الإطْلاقُ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ شِهابٍ ﴿إذا سَلَّمْتُمْ﴾ إلى المَراضِعِ ﴿ما آتَيْتُمْ﴾ أيْ: ضَمِنتُمْ والتَزَمْتُمْ أوْ أرَدْتُّمْ إتْيانَهُ؛ لِئَلّا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (أتَيْتُمْ) مِن أتى إلَيْهِ إحْسانًا إذا فَعَلَهُ، وشَيْبانُ عَنْ عاصِمٍ: (أُوتِيتُمْ) أيْ: ما آتاكُمُ اللَّهُ - تَعالى - وأقْدَرَكم عَلَيْهِ مِنَ الأُجْرَةِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَلَّمْتُمْ؛ أيْ بِالوَجْهِ المُتَعارَفِ المُسْتَحْسَنِ شَرْعًا، وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ آتَيْتُمْ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِهِ أوْ فاعِلِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلُهُ، ولَيْسَ التَّسْلِيمُ شَرْطًا لِرَفْعِ الإثْمِ، بَلْ هو الأوْلى والأصْلَحُ لِلطِّفْلِ، فَشَبَّهَ ما هو مِن شَرائِطِ الأوَّلِيَّةِ بِما هو مِن شَرائِطِ الصِّحَّةِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ عِبارَتُهُ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا؛ لِأنَّ نَفْيَ الإثْمِ بِتَسْلِيمِ الأُجْرَةِ مُطْلَقًا غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِتَقْدِيمِها عَلَيْهِ؛ يَعْنِي: لا جُناحَ عَلَيْكم في الِاسْتِرْضاعِ لَوْ لَمْ تَأْثَمُوا بِالتَّعَدِّي في الأُجْرَةِ وتَظْلِمُوا الأجِيرَ، وفِيهِ تَأمُّلٌ؛ لَأنَّ الإثْمَ إذا لَمْ يُسَلَّمُ بَعْدُ إنَّما هو بِالتَّعَدِّي، والِاسْتِرْضاعُ كانَ قَبْلُ خالِيًا عَمّا يُوجِبُ الإثْمَ، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في شَأْنِ مُراعاةِ الأحْكامِ، ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 233﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم فَيُجازِيكم عَلَيْها، وفي إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ تَرْبِيَةٌ لِلْمَهابَةِ، وفي الآيَةِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى.
البقرة 2:234
﴿والَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ أيْ: تُقْبَضُ أرْواحُهُمْ، فَإنَّ التَّوَفِّيَ هو القَبْضُ، يُقالُ: تَوَفَّيْتُ مالِي مِن فُلانٍ واسْتَوْفَيْتُهُ مِنهُ؛ أيْ: قَبَضْتُهُ وأخَذْتُهُ، وقَرَأ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فِيما رَواهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْهُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: (يَتَوَفَّوْنَ)
صفحة 149
بِفَتْحِ (الياءِ) أيْ: يَسْتَوْفُونَ آجالَهُمْ، فَعَلى هَذا يُقالُ لِلْمَيِّتِ مُتَوَفًّى بِمَعْنى مُسْتَوْفٍ لِحَياتِهِ، واسْتُشْكِلَ بِما حُكِيَ أنَّ أبا الأسْوَدِ كانَ خَلْفَ جِنازَةٍ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: مَنِ المُتَوَفِّي؟ بِكَسْرِ الفاءِ، فَقالَ: اللَّهُ – تَعالى -، وكانَ هَذا أحَدَ الأسْبابِ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى أنْ أمَرَهُ بِوَضْعِ كِتابِ النَّحْوِ، وأجابَ السَّكّاكِيُّ بِأنَّ سَبَبَ التَّخْطِئَةِ أنَّ السّائِلَ كانَ مِمَّنْ لَمَّ يَعْرِفْ وجْهَ صِحَّتَهُ، فَلَمْ يَصْلُحْ لِلْخِطابِ بِهِ ﴿مِنكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن مَرْفُوعٍ يُتَوَفَّوْنَ، و(مِن) تَحْتَمِلُ التَّبْعِيضَ وبَيانَ الجِنْسِ والخِطابُ لِكافَّةِ النّاسِ بِتَلْوِينِ الخِطابِ، ﴿ويَذَرُونَ﴾ أيْ: يَتْرُكُونَ، ويُسْتَعْمَلُ مِنهُ الأمْرُ، ولا يُسْتَعْمَلُ اسْمُ الفاعِلِ ولا اسْمُ المَفْعُولِ، وجاءَ الماضِي عَلى شُذُوذِ ﴿أزْواجًا﴾ أيْ: نِساءً لَهم.
﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ لَهم أوْ بَعْدَهُمْ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِقِلَّةِ الإضْمارِ، وبِما في اللّامِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ العِدَّةَ حَقُّ المُتَوَفّى، وقِيلَ: خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: أزْواجُهم يَتَرَبَّصْنَ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (الَّذِينَ)، وبَعْضُ البَصْرِيِّينَ قَدَّرَ مُضافًا في صَدْرِ الكَلامِ؛ أيْ: أزْواجِ الَّذِينَ وهُنَّ نِساؤُهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَبْقى لِـ ( يَذَرُونَ أزْواجًا ) فائِدَةً جَدِيدَةً يُعْتَدُّ بِها، ويُرْوى عَنْ سِيبَوَيْهِ: إنَّ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم حُكْمُ الَّذِينَ إلَخْ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ جُمْلَةُ (يَتَرَبَّصْنَ) بَيانًا لِذَلِكَ الحُكْمِ وفِيهِ كَثْرَةُ الحَذْفِ، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ و(يَتَرَبَّصْنَ) خَبَرُهُ، والرّابِطُ حاصِلٌ بِمُجَرَّدِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى الأزْواجِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَتَرَبَّصُ الأزْواجُ اللّاتِي تَرَكُوهُنَّ، وقَدْ أجازَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ، ولَوْلا أنَّ الجُمْهُورَ عَلى مَنعِهِ لَكانَ مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ لَعَلَّ ذَلِكَ العَدَدَ لِسِرِّ تَفَرُّدِ اللَّهِ - تَعالى - بِعِلْمِهِ أوْ عِلْمِهِ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَعَلَّ المُقْتَضِي لِذَلِكَ أنَّ الجَنِينَ في غالِبِ الأمْرِ يَتَحَرَّكُ لِثَلاثَةِ أشْهُرٍ إنْ كانَ ذَكَرًا ولِأرْبَعَةٍ إنْ كانَ أُنْثى فاعْتُبِرَ أقْصى الأجَلَيْنِ، وزِيدَ عَلَيْهِ العَشَرَةُ اسْتِظْهارًا؛ إذْ رُبَّما تَضْعُفُ حَرَكَتُهُ في المُبادِي فَلا يُحِسُّ بِها مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُنافاةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «”إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ - تَعالى - مَلَكًا بِأرْبَعِ كَلِماتٍ، فَيَكْتُبُ عَمَلَهُ وأجَلَهُ ورِزْقَهُ وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ“؛» لِأنَّ ظاهِرَهُ أنَّ نَفْخَ الرُّوحِ بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ مُطْلَقًا، لا يَرْوِي الغَلِيلَ ولا يَشْفِي العَلِيلَ، وتَأْنِّيثُ العَشْرِ قِيلَ: لِأنَّ التَّمْيِيزَ المَحْذُوفَ هو اللَّيالِي، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ رَبِيعَةُ ويَحْيى بْنُ سَعِيدٍ، وقِيلَ: بَلْ هو بِاعْتِبارِ اللَّيالِي؛ لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ، ولِذَلِكَ لا يَسْتَعْمِلُونَ التَّذْكِيرَ في مِثْلِهِ ذَهابًا إلى الأيّامَ حَتّى إنَّهم يَقُولُونَ - كَما حَكى الفَرّاءُ - صُمْنا عَشْرًا مِن شَهْرِ رَمَضانَ، مَعَ أنَّ الصَّوْمَ إنَّما يَكُونُ في الأيّامِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا﴾ ثُمَّ ( إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا ) وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ قاعِدَةَ تَذْكِيرِ العَدَدِ وتَأْنِيثِهِ إنَّما هي إذا ذُكِّرَ المَعْدُودُ، وأمّا عِنْدَ حَذْفِهِ، فَيَجُوزُ الَأمْرانِ مُطْلَقًا، ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قِيلَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ العِدَّةِ عَلى المُتَوَفّى عَنْها، سَواءٌ كانَ مَدْخُولًا بِها أوْ لا، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - إلى أنَّهُ لا عِدَّةَ لِلثّانِيَةِ، وهو مَحْجُوجٌ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَما تَرى، وشَمِلَتِ الآيَةُ المُسْلِمَةَ والكِتابِيَّةَ وذاتَ الأقْراءِ والمُسْتَحاضَةَ والآيِسَةَ والصَّغِيرَةَ والحُرَّةَ والأمَةَ، كَما قالَهُ الأصَمُّ، والحامِلَ وغَيْرَها، لَكِنَّ القِياسَ اقْتَضى تَنْصِيفَ المُدَّةِ لِلْأمَةِ، والإجْماعُ خَصَّ الحامِلَ عَنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها تَعْتَدُّ بِأقْصى الأجَلَيْنِ احْتِياطًا، وهو لا يُنافِي الإجْماعَ، بَلْ فِيهِ عَمَلٌ بِمُقْتَضى الآيَتَيْنِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِها عَلى أنَّ العِدَّةَ مِنَ المَوْتِ؛ حَيْثُ عَلِقَتْ عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَبْلُغْها مَوْتُ الزَّوْجِ إلّا بَعْدَ مُضِيِّ العِدَّةِ حُكِمَ بِانْقِضائِها، وهو
صفحة 150
الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لا عِلْمَ لَها يَكْفِي في انْقِضاءِ عَدَّتِها هَذِهِ المُدَّةَ، وقِيلَ: إنَّها ما لَمْ تَعْلَمْ بِوَفاةِ زَوْجِها لا تَنْقَضِي عِدَّتُها بِهَذِهِ الأيّامِ؛ لِما رُوِيَ: ”امْرَأةُ المَفْقُودِ امِرْأتُهُ حَتّى يَأْتِيَها تَبَيُّنُ مَوْتِهِ أوْ طَلاقُهُ“، ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيِ: انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها القادِرُونَ عَلَيْهِنَّ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، وقِيلَ: لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ مِمّا حَرُمَ عَلَيْهِنَّ في العِدَّةِ، وفي التَّقْيِيدِ إشارَةٌ إلى عِلَّةِ النَّهْيِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: بِالوَجْهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ الشَّرْعُ ولا يُنْكِرُهُ، وقُيِّدَ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لَوْ فَعَلْنَ خِلافَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَكْفُّوهُنَّ، فَإنْ قَصَّرُوا أثِمُوا ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ 234﴾ فَلا تَعْمَلُوا خِلافَ ما أُمْرِتُمْ بِهِ؛ والظّاهِرُ: أنَّ المُخاطَبَ بِهِ هو المُخاطَبُ في سابِقِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْقادِرِينَ مِنَ الأوْلِياءِ والأزْواجِ، فَيَكُونُ فِيهِ تَغْلِيبانِ؛ الخِطابُ عَلى الغَيْبَةِ، والذُّكُورُ عَلى الإناثِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ لِلطّائِفَتَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعْدًا ووَعْيًا لَهُما.
البقرة 2:235
﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها الرِّجالُ المُبْتَغُونَ لِلزَّواجِ ﴿فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ بِأنْ يَقُولَ أحَدُكُمْ؛ كَما رَوى البُخارِيُّ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: إنِّي أُرِيدُ التَّزَوُّجَ، وإنِّي لَأُحِبُّ امْرَأةً مِن أمْرِها وأمْرِها، وإنَّ مِن شَأْنِي النِّساءَ، ولَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - كَتَبَ لِي امْرَأةً صالِحَةً، أوْ يَذْكُرُ لِلْمَرْأةِ فَضْلَهُ وشَرَفَهُ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ”دَخَلَ عَلى أُمِّ سَلَمَةَ، وقَدْ كانَتْ عِنْدَ ابْنِ عَمِّها أبِي سَلَمَةَ، فَتُوُفِّيَ عَنْها، فَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ لَها مَنزِلَتَهُ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - وهو مُتَحامِلٌ عَلى يَدِهِ، حَتّى أثَّرَ الحَصِيرُ في يَدِهِ مِن شِدَّةِ تَحامُلِهِ عَلَيْها، وكانَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا لَها“،» والتَّعْرِيضُ في الأصْلِ إمالَةُ الكَلامِ عَنْ نَهْجِهِ إلى عَرَضٍ مِنهُ وجانِبٍ، واسْتُعْمِلَ في أنْ تَذْكُرَ شَيْئًا مَقْصُودًا في الجُمْلَةِ بِلَفْظِهِ الحَقِيقِيِّ أوِ المَجازِيِّ أوِ الكِنائِيِّ؛ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ الشَّيْءِ عَلى شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يُذْكَرْ في الكَلامِ، مِثْلَ أنْ تَذْكُرَ المَجِيءَ لِلتَّسْلِيمِ بِلَفْظِهِ؛ لِيَدُلَّ عَلى التَّقاضِي وطَلَبِ العَطاءِ، وهو غَيْرُ الكِنايَةِ؛ لِأنَّها أنْ تَذْكُرَ مَعْنًى مَقْصُودًا بِلَفْظٍ آخَرَ يُوضَعُ لَهُ، لَكِنِ اسْتُعْمِلَ في المَوْضُوعِ - لا عَلى وجْهِ القَصْدِ - بَلْ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى الشَّيْءِ المَقْصُودِ، فَطَوِيلُ النِّجادِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ، لَكِنْ لا يَكُونُ المَقْصُودُ بِالإثْباتِ، بَلْ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى طُولِ القامَةِ، وقَرَّرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ بَيْنَهُما عُمُومًا مِن وجْهٍ، فَمِثْلُ قَوْلِ المُحْتاجِ: جِئْتُكَ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ كِنايَةٌ وتَعْرِيضٌ، ومِثْلُ: زَيْدٌ طَوِيلُ النِّجادِ - كِنايَةٌ لا تَعْرِيضٌ، ومِثْلُ قَوْلِكَ في عَرَضِ مَن يُؤْذِيكَ ولَيْسَ المُخاطَبَ آذَيْتَنِي فَسَتَعْرِفُ، تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ المُؤْذِي لا كِنايَةٌ، والمَشْهُورُ: تَسْمِيَةُ التَّعْرِيضِ تَلْوِيحًا؛ لِأنَّهُ يَلُوحُ مِنهُ ما تُرِيدُهُ، وعَدْوًا جَعَلَ السَّكّاكِيُّ لَهُ اسْمًا لِلْكِنايَةِ البَعِيدَةِ لِكَثْرَةِ الوَسائِطِ، مِثْلَ: كَثِيرِ الرَّمادِ لِلْمِضْيافِ اصْطِلاحًا جَدِيدًا، وفي الكَشْفِ: وقَدْ يَتَّفِقُ عارِضٌ يَجْعَلُ الكِنايَةَ في حُكْمِ المُصَرَّحِ بِهِ، كَما في الِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ وبَسْطِ اليَدِ، ويَجْعَلُ الِالتِفاتَ في التَّعْرِيضِ نَحْوَ المُعَرِّضِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ فَلا يَنْتَهِضُ نَقْضًا عَلى الأصْلِ، و(الخِطْبَةُ) بِكَسْرِ الخاءِ قِيلَ: الذِّكْرُ الَّذِي يُسْتَدْعى بِهِ إلى عَقْدِ النِّكاحِ أخْذًا مِنَ الخِطابِ، وهو تَوْجِيهُ الكَلامِ لِلْإفْهامِ، وبِضَمِّها الوَعْظُ المُتَّسِقُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّأْلِيفِ، وقِيلَ: إنَّهُما اسْمُ الحالَةِ غَيْرَ أنَّ المَضْمُومَةَ خُصَّتْ بِالمَوْعِظَةِ، والمَكْسُورَةَ بِطَلَبِ المَرْأةِ والتِماسِ نِكاحِها، و(ألْ) في النِّساءِ لِلْعَهْدِ، والمَعْهُوداتُ هي الأزْواجُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ ولا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى الِاسْتِغْراقِ؛ لِأنَّ مِنَ النِّساءِ مَن يَحْرُمُ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهِنَّ في العِدَّةِ، كالرَّجْعِيّاتِ والبائِناتِ في قَوْلٍ، والأظْهَرُ عِنْدَ
صفحة 151
الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - جَوازُهُ في عِدَّتِهِنَّ قِياسًا عَلى مُعْتَدّاتِ الوَفاةِ، لا يُقالُ: كانَ يَنْبَغِي أنْ تُقَدَّمَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾؛ لِأنَّ ما فِيها مِن أحْكامِ النِّساءِ قَبْلَ البُلُوغِ إلى الأجَلِ؛ لِأنّا نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، بَلْ هي مِن أحْكامِ الرِّجالِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِنَّ، فَكانَ المُناسِبُ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَ الفَراغِ مِن أحْكامِهِنَّ قَبْلَ البُلُوغِ مِنَ الأجَلِ وبَعْدَهُ، واسْتَدَلَّ الكِيا بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ الحَدِّ بِالتَّعْرِيضِ في القَذْفِ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - جَعَلَ حُكْمَهُ مُخالِفًا لِحُكْمِ التَّصْرِيحِ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ: ”مَن عَرَّضَ عَرَّضْنا، ومَن مَشى عَلى الكَلا ألْقَيْناهُ في النَّهْرِ“ واسْتُدِلَّ بِها عَلى جَوازِ نِكاحِ الحامِلِ مِنَ الزِّنا؛ إذْ لا عِدَّةَ لَها، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: أسْرَرْتُمْ في قُلُوبِكم مِن نِكاحِهِنَّ بَعْدَ مُضِيِّ عَدَّتِهِنَّ، ولَمْ تُصَرِّحُوا بِذَلِكَ لَهُنَّ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ولا تَصْبِرُونَ عَلى السُّكُوتِ عَنْهُنَّ وعَنْ إظْهارِ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ، فَلِهَذا رَخَّصَ لَكم ما رَخَّصَ، وفِيهِ نَوْعٌ ما مِنَ التَّوْبِيخِ.
﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ اسْتِدْراكٌ عَنْ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أيْ: فاذْكُرُوهُنَّ ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ نِكاحًا، بَلِ اكْتَفُوا بِما رَخَّصَ لَكُمْ، وجَوازُ أنْ يَكُونَ اسْتِدْراكًا عَنْ ( لا جَناحَ ) فَإنَّهُ في مَعْنى (عَرِّضُوا بِخِطْبَتِهِنَّ) أوْ أكِنُّوا في أنْفُسِكُمْ، ولَكِنْ إلَخْ، وحَمْلُهُ عَلى الِاسْتِدْراكِ عَلى ما عِنْدَهُ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، وإرادَةُ النِّكاحِ مِنَ السِّرِّ بِواسِطَةِ إرادَةِ الوَطْءِ مِنهُ؛ إذْ قَدْ تَعارَفَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يُسَرُّ، ومِنهُ قَوْلُ امَرِئِ القَيْسِ:
ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي كَبِرْتُ ∗∗∗ وأنْ لا يُحْسِنُ السِّرَّ أمْثالِي
وإرادَةُ العَقْدِ مِن ذَلِكَ لِما بَيْنَهُما مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ، ولَمْ يُجْعَلْ مِن أوَّلِ الأمْرِ عِبارَةً عَنِ العَقْدِ؛ لِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُما في الظّاهِرِ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ (السِّرَّ) هُنا الجِماعُ، وتَوَهُّمُ الرُّخْصَةِ حِينَئِذٍ في المَحْظُورِ الَّذِي هو التَّصْرِيحُ (بِالنِّكاحِ) مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالٍ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا: أنَّهُ العَهْدُ عَلى الِامْتِناعِ عَنِ التَّزَوُّجِ بِالغَيْرِ، وهو عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وجُوِّزَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أيْ: ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ في السِّرِّ، عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المُواعَدَةُ بِما يُسْتَهْجَنُ.
﴿إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ وهو التَّعْرِيضُ الَّذِي عُرِفَ تَجْوِيزُهُ، والمُسْتَثْنى مِنهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّهْيُ؛ أيْ: ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ نِكاحًا مُواعَدَةً ما إلّا مُواعَدَةً مَعْرُوفَةً، أوْ إلّا مُواعَدَةً بِقَوْلٍ مَعْرُوفٍ، أوْ لا تَقُولُوا في وعْدِ الجِماعِ أوْ طَلَبِ الِامْتِناعِ عَنِ الغَيْرِ إلّا قَوْلَكم ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ، وفي الكَلامِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَصْرِيحٌ بِما فُهِمَ مِن ( ولا جُناحَ ) عَلى وجْهٍ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ الرَّفْعُ، وهو نَوْعٌ مِنَ الطَّرْدِ - والعَكَسُ حَسَنٌ - وعَلى الأخِيرَيْنِ تَأْسِيسٌ لِمَعْنى، رُبَّما يُعْلَمُ بِطَرِيقِ المُقايَسَةِ؛ إذْ حَمَلُوا (التَّعْرِيضَ) فِيهِما عَلى (التَّعْرِيضِ) بِالوَعْدِ لَها أوِ الطَّلَبِ مِنها، وهو غَيْرُ (التَّعْرِيضِ) السّابِقِ؛ لِأنَّهُ بِنَفْسِ (الخِطْبَةِ) وإذا أُرِيدَ الوَجْهُ الرّابِعُ وهو الأخِيرُ مِنَ الأوْجُهِ السّابِقَةِ احْتَمَلَ الِاسْتِثْناءُ الِاتِّصالَ والِانْقِطاعَ، والِانْقِطاعُ في المَعْنى أظْهَرُ عَلى مَعْنى ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ بِالمُسْتَهْجَنِ ولَكِنْ واعِدُوهُنَّ بِقَوْلٍ مَعْرُوفٍ لا يُسْتَحْيا مِنهُ في المُجاهَرَةِ مِن حُسْنِ المُعاشَرَةِ والثَّباتِ إنْ وقَعَ النِّكاحُ، وبَعْضٌ قالَ بِذَلِكَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مِن سِرًّا وضُعِّفَ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى كَوْنِ التَّعْرِيضِ مَوْعُودًا، وجَعْلُهُ مِن قَبِيلِ ( إلّا مَن ظُلِمَ ) يَأْبى أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنهُ، بَلْ مِن أصْلِ الحُكْمِ.
﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ أيْ: لا تَقْصِدُوا قَصْدًا جازِمًا عَقْدَ ( عُقْدَةِ النِّكاحِ ) وفي النَّهْيِ عَنْ مُقَدِّمَةِ الشَّيْءِ نَهْيٌ
صفحة 152
عَنِ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ، وصَحَّ تَعَلُّقُ النَّهْيِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأفْعالِ الباطِنَةِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ الِاخْتِيارِ، ولِذا يُثابُ عَلى النِّيَّةِ، والمُرادُ بِهِ العَزْمُ المُقارَنُ؛ لِأنَّ مَن قالَ: لا تَعْزِمْ عَلى السَّفَرِ في صَفَرٍ مَثَلًا لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ عَزْمٍ فِيهِ مُتَأخِّرِ الفِعْلِ إلى رَبِيعٍ، وذَلِكَ لِأنَّ القَصْدَ الجازِمَ حَقُّهُ المُقارَنَةُ، وتَقْدِيرُ المُضافِ لِصِحَّةِ التَّعَلُّقِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَلى الفِعْلِ، و(العُقْدَةُ) لَيْسَتْ بِهِ؛ لِأنَّها مَوْضِعُ العَقْدِ، وهو ما يَعْقِدُ عَلَيْهِ ولَمْ يُقَدِّرْهُ بَعْضُهُمْ، وجَعَلَ الإضافَةَ بَيانِيَّةً، فالعُقْدَةُ حِينَئِذٍ نَفْسُ النِّكاحِ وهو فِعْلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ هي مَفْعُولٌ بِهِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا عَلى أنَّ مَعْنى (لا تَعْزِمُوا) لا تَعْقِدُوا، فَهو عَلى حَدِّ (قَعَدْتُ جُلُوسًا) وأنَّ الإضافَةَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَقْطَعُوا ولا تُبْرِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْ نَفْسِ الفِعْلِ، لا عَنْ قَصْدِهِ كَما في الأوَّلِ، وبِهَذا يَنْحَطُّ عَنْهُ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ العَزْمَ عَلى القَطْعِ ضِدَّ الوَصْلِ، وجَعَلَ المَعْنى: لا تَقْطَعُوا عُقْدَةَ نِكاحِ الزَّوْجِ المُتَوَفّى بِعَقْدِ نِكاحٍ آخَرَ ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أصْلًا، وفِيهِ بَحْثٌ؛ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ مَجِيءَ العَزْمِ بِمَعْنى القَطْعِ ضِدَّ الوَصْلِ في اللُّغَةِ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: حَقِيقَةُ العَزْمِ القَطْعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”لا صِيامَ لِمَن لَمْ يَعْزِمِ الصِّيامَ مِنَ اللَّيْلِ“،» ورُوِيَ: ”لَمْ يُبَيِّتْ“ لَيْسَ بِنَصٍّ في ذَلِكَ، بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ حَمْلُهُ؛ إذِ الدَّلِيلُ لا يُساعِدُهُ؛ إذْ لا خَفاءَ في أنَّ المُرادَ بِعَزْمِ الصَّوْمِ لَيْسَ قَطْعَهُ بِمَعْنى الفَكِّ، بَلِ الجَزْمَ وقَطْعَ التَّرَدُّدِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ لا مَعْنى لِلنَّهْيِ عَنْ قَطْعِ عُقْدَةِ نِكاحِ الزَّوْجِ الأوَّلِ حَتّى يُنْهى عَنْهُ؛ إذْ لا تَنْقَطِعُ عُقْدَةُ نِكاحِ المُتَوَفّى بِعَقْدِ نِكاحٍ آخَرَ؛ لِأنَّ الثّانِي لَغْوٌ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ المُرادَ لا تَفُكُّوا عُقْدَةَ نِكاحِكم ولا تَقْطَعُوها، ونَفْيُ القَطْعِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْيِ التَّحْصِيلِ، فَإنَّ تَحْصِيلَ الثَّمَرَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ بِالقَطْعِ، وهَذا كَما تَرى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ أيْ يَنْتَهِي ما كَتَبَ وفَرَضَ مِنَ العِدَّةِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مِنَ العَزْمِ عَلى ما لا يَجُوزُ أوْ مِن ذَواتِ الصُّدُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ ﴿فاحْذَرُوهُ﴾ ولا تَعْزِمُوا عَلَيْهِ أوِ (احْذَرُوهُ) بِالِاجْتِنابِ عَنِ العَزْمِ ابْتِداءً أوْ إقْلاعًا عَنْهُ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يَغْفِرُ لِمَن يُقْلِعُ عَنْ عَزْمِهِ أوْ ذَنْبِهِ خَشْيَةً مِنهُ ﴿حَلِيمٌ 235﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ، فَلا يُتَوَهَّمُ مِن تَأْخِيرِها أنَّ ما نُهِيَ عَنْهُ لا يَسْتَتْبِعُ المُؤاخَذَةَ وإعادَةَ العامِلِ اعْتِناءً بِشَأْنِ الحُكْمِ، ولا يَخْفى ما في الجُمْلَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ - تَبارَكَ اسْمُهُ - .
البقرة 2:236
﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا تَبِعَةَ مِن مَهْرٍ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: مِن وِزْرٍ؛ لِأنَّهُ لا بِدْعَةَ في الطَّلاقِ قَبْلَ المَسِيسِ ولَوْ كانَ في الحَيْضِ، وقِيلَ: كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَثِيرًا ما يَنْهى عَنِ الطَّلاقِ، فَظُنَّ أنَّ فِيهِ جُناحًا، فَنَفى ذَلِكَ ﴿إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أيْ: غَيْرِ ماسِّينَ لَهُنَّ أوْ مُدَّةَ عَدَمِ المَسِّ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَماسُّوهُنَّ) والأعْمَشُ: (مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ)، وعَبْدُ اللهِ: (مِن قَبْلِ أنْ تُجامِعُوهُنَّ)، ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أيْ: (حَتّى تَفْرِضُوا) أوْ (إلّا أنْ تَفْرِضُوا) عَلى ما في شُرُوحِ الكِتابِ، وفَرِيضَةً فَعَيْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، والتّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الاسْمِيَّةِ، فَصارَ بِمَعْنى المَهْرِ فَلا تَجُوزُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، ولَيْسَ بِالجَيِّدِ، والمَعْنى: إنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلى المُطَلِّقِ بِمُطالَبَةِ المَهْرِ أصْلًا إذا كانَ الطَّلاقُ قَبْلَ المَسِيسِ عَلى كُلِّ حالٍ، إلّا في حالِ الفَرْضِ، فَإنَّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ نِصْفَ المُسَمّى كَما سَيُصَرَّحُ بِهِ، وفي حالِ عَدَمِ تَسْمِيَتِهِ عَلَيْهِ المُتْعَةُ لا نِصْفَ مَهْرِ المِثْلِ، وأمّا إذا كانَ
صفحة 153
بَعْدَ المِساسِ، فَعَلَيْهِ في صُورَةِ التَّسْمِيَةِ تَمامُ المُسَمّى، وفي صُورَةِ عَدَمِها تَمامُ مَهْرِ المِثْلِ؛ هَذِهِ أرْبَعُ صُوَرٍ لِلْمُطَلَّقَةِ نَفَتِ الآيَةُ بِمَنطُوقِها الوُجُوبَ في بَعْضِها، واقْتَضى مَفْهُومُها الوُجُوبَ في الجُمْلَةِ في البَعْضِ الآخَرِ، قِيلَ: وهَهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ، وهو أنَّ ما بَعْدَ أوِ الَّتِي بِمَعْنى حَتّى الَّتِي بِمَعْنى إلى نِهايَةٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَقَوْلُكَ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي، مَعْناهُ أنَّ اللُّزُومَ يَنْتَهِي إلى الإعْطاءِ، فَعَلى قِياسِهِ يَكُونُ فَرْضُ الفَرِيضَةِ نِهايَةَ عَدَمِ المِساسِ لا عَدَمَ الجُناحِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ ما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ، وهو مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ، فَهو مَعْنًى مُقَيَّدٌ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْتُمْ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ بِغَيْرِ جُناحٍ وتَبِعَةٍ إلّا إذا (فُرِضَتِ الفَرِيضَةُ) فَيَكُونُ الجُناحُ؛ لِأنَّ المُقَيَّدَ في المَعْنى يَنْتَهِي بِرَفْعِ قَيْدِهِ فَتَأمَّلْ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ كَلِمَةَ (أوْ) عاطِفَةً لِمَدْخُولِها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الفِعْلِ المَجْزُومِ، و(لَمْ) حِينَئِذٍ لِنَفْيِ أحَدِ الأمْرَيْنِ لا بِعَيْنِهِ، وهو نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيُفِيدُ العُمُومَ؛ أيْ: ما لَمْ يَكُنْ مِنكم مَسِيسٌ، ولا فَرْضٌ عَلى حَدٍّ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ واعْتَرَضَهُ القُطْبُ بِأنَّهُ يُوهِمُ تَقْدِيرَ حَرْفِ النَّفْيِ، فَيَصِيرُ (ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ) و(ما لَمْ تَفْرِضُوا) فَيَكُونُ الشَّرْطُ حِينَئِذٍ أحَدَ النَّفْيَيْنِ لا نَفْيَ أحَدِ الأمْرَيْنِ، فَيَلْزَمُ أنْ لا يَجِبَ المَهْرُ إذا عُدِمَ المَسِيسُ ووُجِدَ الفَرْضُ أوْ عُدِمَ الفَرْضُ ووُجِدَ المَسِيسُ، ولا يَخْفى أنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ، ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ عَلى رَأْيٍ.
﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ أيْ: مَلِّكُوهُنَّ ما يَتَمَتَّعْنَ بِهِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ يُسَمّى مُتْعَةً، وهو عَطْفٌ عَلى ما هو جَزاءٌ في المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَلا جُناحَ ومَتِّعُوهُنَّ، وعَطْفُ الطَّلَبِيِّ عَلى الخَبَرِيِّ عَلى ما في الكَشْفِ؛ لِأنَّ الجَزاءَ جامِعُ جَعْلِهِما كالمُفْرِدِينَ؛ أيِ الحُكْمِ هَذا وذاكَ، أوْ لِأنَّ المَعْنى فَلا جُناحَ وواجِبٌ هَذا أوْ فَلا تَعْزِمُوا ذَلِكَ ومَتِّعُوهُنَّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ عَطْفَ القَصَّةِ عَلى القَصَّةِ، وأنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بِالواوِ وارِدًا لِبَيانِ ما يَجِبُ لِلْمُطَلَّقاتِ المَذْكُوراتِ عَلى أزْواجِهِنَّ بَعْدَ التَّطْلِيقِ، والعَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَطَلِّقُوهُنَّ ومَتِّعُوهُنَّ يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ؛ إذْ لا مَعْنى لِقَوْلِنا: إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ إلّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ المَعْطُوفَ، والحِكْمَةُ في إعْطاءِ المُتْعَةِ جَبْرُ إيحاشِ الطَّلاقِ، والظّاهِرُ فِيها عَدَمُ التَّقْدِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ أيْ: عَلى كُلٍّ مِنهُما مِقْدارُ ما يُطِيقُهُ ويَلِيقُ بِهِ كائِنًا ما كانَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: ”مُتْعَةُ الطَّلاقِ أعْلاها الخادِمُ، ودُونَ ذَلِكَ الوَرِقُ، ودُونَ ذَلِكَ الكِسْوَةُ“، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: ”أدْنى ما يَكُونُ مِنَ المُتْعَةِ ثَلاثُونَ دِرْهَمًا“، وقالَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ: هي دِرْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفَةٌ عَلى حَسَبِ الحالِ، إلّا أنْ يَقِلَّ مَهْرُ مِثْلِها مِن ذَلِكَ، فَلَها الأقَلُّ مَن نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ، ومِنَ المُتْعَةِ ولا يَنْتَقِصُ مِن خَمْسَةِ دَراهِمَ، والمُوسِعُ مَن يَكُونُ ذا سَعَةٍ وغِنًى مِن أوْسَعَ الرَّجُلُ إذا كَثُرَ مالُهُ واتَّسَعَتْ حالُهُ، و(المُقْتِرُ) مَن يَكُونُ ضَيِّقَ الحالِ مِن (أقْتَرَ) إذا افْتَقَرَ وقَلَّ ما في يَدِهِ وأصْلُ البابِ الإقْلال،ُ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُبَيِّنَةٌ لِمِقْدارِ حالِ المُتْعَةِ بِالنَّظَرِ إلى حالِ المُطَلِّقِ - إيسارًا وإقْتارًا - والجُمْهُورُ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( مَتِّعُوهُنَّ )، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ أيْ مِنكُمْ، ومَن جَعَلَ الألِفَ واللّامَ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ؛ أيْ: عَلى مُوسِعِكم إلَخْ اسْتَغْنى عَنِ القَوْلِ بِالحَذْفِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا أبا بَكْرٍ وابْنَ ذَكْوانَ: (قَدَرُهُ) بِفَتْحِ الدّالِ، والباقُونَ بِإسْكانِها، وهُما لُغَتانِ فِيهِ، وقِيلَ: (القَدْرُ) بِالتَّسْكِينِ الطّاقَةُ وبِالتَّحْرِيكِ المِقْدارُ، وقُرِئَ: (قَدْرَهُ) بِالنَّصْبِ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى مَتِّعُوهُنَّ إلَخْ لِيُؤَدِّ كُلٌّ مِنكم قَدْرَ وُسْعِهِ، قالَ أبُو البَقاءِ: وأجْوَدُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَأوْجِبُوا عَلى المُوسِعِ قَدْرَهُ، ﴿مَتاعًا﴾ اسْمُ مَصْدَرٍ أُجْرِيَ مَجْراهُ أيْ تَمْتِيعًا ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالوَجْهِ الَّذِي يُسْتَحْسَنُ، وهو في مَحَلِّ الصِّفَةِ
صفحة 154
لِـ مَتاعًا وحَقًّا أيْ: ثابِتًا، صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا؛ أيْ: حَقٍّ ذَلِكَ ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنّاصِبِ لِلْمَصْدَرِ، أوْ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً، والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ: مَن شَأْنُهُمُ الإحْسانُ، أوِ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إلى أنْفُسِهِمْ؛ بِالمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، أوْ إلى المُطَلَّقاتِ بِالتَّمْتِيعِ، وإنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ؛ اعْتِبارًا لِلْمُشارَفَةِ تَرْغِيبًا وتَحْرِيضًا
وقالَ الإمامُ مالِكٌ: المُحْسِنُونَ المُتَطَوِّعُونَ، وبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ عَلى اسْتِحْبابِ المُتْعَةِ، وجَعَلَهُ قَرِينَةً صارِفَةً لِلْأمْرِ إلى النَّدْبِ، وعِنْدَنا هي واجِبَةٌ لِلْمُطَلَّقاتِ في الآيَةِ، مُسْتَحَبَّةٌ لِسائِرِ المُطَلَّقاتِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: هي واجِبَةٌ لِكُلِّ زَوْجَةٍ مُطَلَّقَةٍ؛ إذا كانَ الفِراقُ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ، إلّا الَّتِي سَمّى لَها وطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، ولَمّا لَمْ يُساعِدْهُ مَفْهُومُ الآيَةِ ولَمْ يُعْتَبَرِ العُمُومُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ لِأنَّهُ يَحْمِلُ المُطْلَقَ عَلى المُقَيَّدِ، قالَ بِالقِياسِ وجَعَلَهُ مُقَدَّمًا عَلى المَفْهُومِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الحُجَجِ القَطْعِيَّةِ دُونَهُ، وأُجِيبُ عَمّا قالَهُ مالِكٌ بِمَنعِ قَصْرِ المُحْسِنِ عَلى المُتَطَوِّعِ، بَلْ هو أعَمُّ مِنهُ، ومِنَ القائِمِ بِالواجِباتِ، فَلا يُنافِي الوُجُوبَ، فَلا يَكُونُ صارِفًا لِلْأمْرِ عَنْهُ مَعَ ما انْضَمَّ مِن لَفْظِ ( حَقًّا ).
البقرة 2:237
﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ بَيانٌ لِحُكْمِ الَّتِي سُمِّيَ لَها مَهْرٌ وطُلِّقَتْ قَبْلَ المَسِيسِ، وجُمْلَةُ ( وقَدْ ) إلَخْ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ ( طَلَّقْتُمُوهُنَّ )، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، ونَفْسُ الفَرْضِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ أوْ لِلْمَفْعُولِ، وإنْ لَمْ يُقارَنْ حالَةَ التَّطْلِيقِ، لَكِنَّ اتِّصافَ المُطْلَقِ بِالفارِضِيَّةِ فِيما سَبَقَ مِمّا لا رَيْبَ في مُقارَنَتِهِ لَها، وكَذا الحالُ في اتِّصافِ المُطَلَّقَةِ بِكَوْنِها مَفْرُوضًا فِيما سَبَقَ ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ أيْ: فَلَهُنَّ نِصْفُ ما قَدَّرْتُمْ وسَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مِنَ المَهْرِ، أوْ فالواجِبُ عَلَيْكم ذَلِكَ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ المَنفِيَّ في الصُّورَةِ السّابِقَةِ إنَّما هو تَبِعَةُ المَهْرِ، وقُرِئَ: فَنِصْفَ بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى: فَأدَّوْا نِصْفَ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ حُكْمِ التَّسْمِيَةِ مَعَ أنَّها الأصْلُ في العَقْدِ، والأكْثَرُ في الوُقُوعِ، مِن بابِ التَّدَرُّجِ في الأحْكامِ، وذِكْرِ الأشَقِّ فالأشَقِّ، والقَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ لَمّا أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ نَزَلَتْ في «أنْصارِيٍّ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي حَنِيفَةَ، وكانَتْ مُفَوَّضَةً فَطَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ بِها، فَتَخاصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ لَهُ _ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ _: ”أمْتَعْتَها؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ عِنْدِي شَيْءٌ، قالَ: مَتِّعْها بِقَلَنْسُوَتِكَ»“ مِمّا لا أراهُ شَيْئًا، عَلى أنَّ في هَذا الخَبَرِ مَقالًا حَتّى قالَ الحافِظُ ولِيُّ الدِّينِ العِراقِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ؛ أيْ: فَلَهُنَّ نِصْفُ المَفْرُوضِ، مُعَيَّنًا في كُلِّ حالٍ إلّا حالَ عَفْوِهِنَّ؛ أيِ: المُطَلَّقاتِ المَذْكُوراتِ، فَإنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ بَعْدَ وُجُوبِهِ، والصِّيغَةُ في حَدِّ ذاتِها تَحْتَمِلُ التَّذْكِيرَ والتَّأْنِيثَ، والفَرْقُ بِالِاعْتِبارِ، فَإنَّ الواوَ في الأُولى ضَمِيرٌ والنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ، وفي الثّانِيَةِ لامُ الفِعْلِ والنُّونُ ضَمِيرٌ والفِعْلُ مَبْنِيٌّ؛ ولِذَلِكَ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ أنْ هُنا مَعَ أنَّها ناصِبَةٌ لا مُخَفَّفَةٌ؛ بِدَلِيلِ عَطْفِ المَنصُوبِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ بِسُكُونِ الواوِ فَهو عَلى حَدِّ
أبى اللَّهُ أنْ أسْمُو بِأُمٍّ ولا أبٍ
﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وهو الزَّوْجُ المالِكُ لِعَقْدِ النِّكاحِ وحَلِّهِ، وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ _ ﷺ _ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وبِهِ قالَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم _ ومَعْنى عَفْوِهِ: تَرْكُهُ تَكَرُّمًا ما يَعُودُ إلَيْهِ مِن نِصْفِ المَهْرِ الَّذِي ساقَهُ كامِلًا، عَلى ما هو المُعْتادُ، أوْ إعْطاؤُهُ تَمامَ المَهْرِ المَفْرُوضِ قَبْلُ بَعْدَ الطَّلاقِ، كَما فَسَّرَهُ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ عَفْوًا مِن بابِ المُشاكَلَةِ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِالزِّيادَةِ والفَضْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ وقَوْلِ زُهَيْرٍ:
صفحة 155
حَزْمًا وبِرًّا لِلْإلَهِ وشِيمَةً تَعْفُو عَلى خُلُقِ المُسِيءِ المُفْسِدِ
فَمَرْجِعُ الِاسْتِثْناءِ حِينَئِذٍ إلى مَنعِ الزِّيادَةِ في المُسْتَثْنى مِنهُ، كَما أنَّهُ في الصُّورَةِ الأوْلى إلْى مَنعِ النُّقْصانِ فِيهِ؛ أيْ: فَلَهُنَّ هَذا المِقْدارُ بِلا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ في جَمِيعِ الأحْوالِ، إلّا في حالِ عَفْوِهِنَّ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إذْ ذاكَ لَهُنَّ القَدْرُ المَذْكُورُ، بَلْ يَنْتَفِي أوْ يَنْحَطُّ، أوْ في حالِ عَفْوِ الزَّوْجِ فَإنَّهُ وقْتَئِذٍ تَكُونُ لَهُنَّ الزِّيادَةُ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ الأوَّلِ في فَنِصْفُ غَيْرِ مُلاحَظٍ فِيهِ الوُجُوبُ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَلا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِكَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا؛ لِأنَّ في صُورَةِ عَفْوِ الزَّوْجِ لا يُتَصَوَّرُ الوُجُوبُ عَلَيْهِ، كَذا قِيلَ فَلْيَتَدَبَّرْ، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، وعَلْقَمَةُ، والزُّهْرِيُّ، والشّافِعِيُّ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ في قَوْلِهِ القَدِيمِ إلى أنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ هو الوَلِيُّ الَّذِي لا تُنْكَحُ المَرْأةُ إلّا بِإذْنِهِ، فَإنَّ لَهُ العَفْوَ عَنِ المَهْرِ إذا كانَتِ المَنكُوحَةُ صَغِيرَةً في رَأْيِ البَعْضِ، ومُطْلَقًا في رَأْيِ الآخَرِينَ وإنْ أبَتْ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو المَأْثُورُ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ فَإنَّ إسْقاطَ حَقِّ الغَيْرِ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ التَّقْوى، وهَذا خِطابٌ لِلرِّجالِ والنِّساءِ جَمِيعًا، وغَلَبَ المُذَكَّرُ لِشَرَفِهِ وكَذا فِيما بَعْدُ، واللّامُ لِلتَّعْدِيَةِ، ومِن قَواعِدِهِمُ الَّتِي قَلَّ مَن يَضْبِطُها أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ وكَذا فِعْلَ التَّعَجُّبِ يَتَعَدّى بِالحَرْفِ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُهُ؛ كَـ: أزْهَدُ فِيهِ مِن كَذا، وإنْ كانَ مِن مُتَعَدٍّ في الأصْلِ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ يُفْهَمُ عِلْمًا أوْ جَهْلًا تَعَدّى بِالباءِ؛ كَـ: أعْلَمُ بِالفِقْهِ، وأجْهَلُ بِالنَّحْوِ، وإنْ كانَ لا يُفْهَمُ ذَلِكَ تَعَدّى بِاللّامِ؛ كَـ: أنْتَ أضْرَبُ لِعَمْرٍو، إلّا في بابِ الحُبِّ والبُغْضِ، فَإنَّهُ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِفِي؛ كَـ: هو أحَبُّ في بَكْرٍ، وأبْعَضُ في عَمْرٍو، وإلى الفاعِلِ المَعْنَوِيِّ بِإلى؛ كَـ: زَيْدٌ أحَبُّ إلى خالِدٍ مِن بِشْرٍ، أوْ أبْغَضُ إلَيْهِ مِنهُ، وقُرِئَ: وأنْ يَعْفُوا بِالياءِ ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، المَقْصُودُ مِنها الأمْرُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ أيْ: لا تَتْرُكُوا أنْ يَتَفَضَّلَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كالشَّيْءِ المَنسِيِّ، والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ ( تَنْسَوُا )، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الفَضْلِ، وحَمْلُ الفَضْلِ عَلى الزِّيادَةِ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ الضَّعْفِ، وقِيلَ: إنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْفَضْلِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، والفَضْلُ بِمَعْنى الإحْسانِ؛ أيْ: لا تَنْسَوُا الإحْسانَ الكائِنَ بَيْنَكم مِن قَبْلُ، ولْيَكُنْ مِنكم عَلى ذِكْرٍ حَتّى يُرَغَّبَ كُلٌّ في العَفْوِ مُقابَلَةً لِإحْسانِ صاحِبِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ عَلى ما فِيهِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنْ لا إحْسانَ في الغالِبِ بَيْنَ المَرْأةِ وزَوْجِها قَبْلَ الدُّخُولِ، وقَرَأ عَلِيٌّ _ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ _: ولا تَناسَوْا، وبَعْضُهُمْ: ولا تَنْسُوا؛ بِسُكُونِ الواوِ
﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَلا يَكادُ يَضِيعُ ما عَمِلْتُمْ.
البقرة 2:238
﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ أيْ: داوِمُوا عَلى أدائِها لِأوْقاتِها مِن غَيْرِ إخْلالٍ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ المُفِيدَةُ لِلْمُبالَغَةِ، ولَعَلَّ الأمْرَ بِها عَقِيبَ الحَضِّ عَلى العَفْوِ والنَّهْيِ عَنْ تَرْكِ الفَضْلِ؛ لِأنَّها تُهَيِّئُ النَّفْسَ لِفَواضِلِ المَلَكاتِ لِكَوْنِها النّاهِيَةَ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، أوْ لِيُجْمَعَ بَيْنَ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِهِ، وقِيلَ: أُمِرَ بِها في خِلالِ بَيانِ ما تَعَلَّقَ بِالأزْواجِ والأوْلادِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المُتَشابِكَةِ؛ إيذانًا بِأنَّها حَقِيقَةٌ بِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِها، والمُثابَرَةِ عَلَيْها مِن غَيْرِ اشْتِغالٍ عَنْها بِشَأْنِ أُولَئِكَ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَشْغَلَنَّكُمُ التَّعَلُّقُ بِالنِّساءِ وأحْوالِهِنَّ، وتَوَجَّهُوا إلى مَوْلاكم بِالمُحافَظَةِ عَلى ما هو عِمادُ الدِّينِ ومِعْراجُ المُؤْمِنِينَ ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ أيِ: المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَها، أوِ الفُضْلى مِنها، وعَلى الأوَّلِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الصَّلَواتِ خَمْسٌ
صفحة 156
بِلا زِيادَةٍ دُونَ الثّانِي، وفي تَعْيِينِها أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّها الظُّهْرُ؛ لِأنَّها تُفْعَلُ في وسَطِ النَّهارِ، الثّانِي: أنَّها العَصْرُ؛ لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ النَّهارِ وصَلاتَيِ اللَّيْلِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، والحَسَنِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وخَلْقٍ كَثِيرٍ، وعَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، والثّالِثُ: أنَّها المَغْرِبُ، وعَلَيْهِ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ؛ لِأنَّها وسَطٌ في الطُّولِ والقَصْرِ، والرّابِعُ: أنَّها صَلاةُ العِشاءِ؛ لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيْنِ لا يُقْصَرانِ، والخامِسُ: أنَّها الفَجْرُ؛ لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ولِأنَّها صَلاةٌ لا تُجْمَعُ مَعَ غَيْرِها، فَهي مُنْفَرِدَةٌ بَيْنَ مُجْتَمَعَيْنِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُعاذٍ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، واخْتارَهُ الشّافِعِيُّ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ نَفْسَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِها صَلاةُ الوَتْرِ، وقِيلَ: الضُّحى، وقِيلَ: عِيدُ الفِطْرِ، وقِيلَ: عِيدُ الأضْحى، وقِيلَ: صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: صَلاةُ الجُمْعَةِ، وقِيلَ: الجَماعَةُ، وقِيلَ: صَلاةُ الخَوْفِ، وقِيلَ وقِيلَ ...
والأكْثَرُونَ صَحَّحُوا أنَّها صَلاةُ العَصْرِ؛ لِما أخْرَجَ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ _ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ _ أنَّهُ _ ﷺ _ قالَ يَوْمَ الأحْزابِ: «شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى؛ صَلاةِ العَصْرِ، مَلَأ اللَّهُ تَعالى بُيُوتَهم نارًا» وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها تَقَعُ في وقْتِ اشْتِغالِ النّاسِ، لا سِيَّما العَرَبُ، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: والَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ مِن بَيْنِ هَذِهِ الأقْوالِ أنَّها الظُّهْرُ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ سائِرَ الأقْوالِ لَيْسَ لَها مُسْتَنَدٌ يَقِفُ لَهُ العَجْلانُ سِوى القَوْلِ بِأنَّها صَلاةُ العَصْرِ، والأحادِيثُ الوارِدَةُ بِأنَّها هي قِسْمانِ: مَرْفُوعَةٌ ومَوْقُوفَةٌ، والمَوْقُوفَةُ لا يُحْتَجُّ بِها؛ لِأنَّها أقْوالُ صَحابَةٍ عارَضَها صَحابَةٌ آخَرِينَ أنَّها غَيْرُها، وقَوْلُ الصَّحابِيِّ لا يُحْتَجُّ بِهِ إذا عارَضَهُ قَوْلُ صَحابِيٍّ آخَرَ قَطْعًا، وإنَّما جَرى الخِلافُ في الِاحْتِجاجِ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ المُعارَضَةِ، وأمّا المَرْفُوعَةُ فَغالِبُها لا يَخْلُو إسْنادُهُ عَنْ مَقالٍ، والسّالِمُ مِنَ المَقالِ قِسْمانِ: مُخْتَصَرٌ بِلَفْظِ الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ، ومُطَوَّلٌ فِيهِ قِصَّةٌ وقَعَ في ضِمْنِها هَذِهِ الجُمْلَةُ، والمُخْتَصَرُ مَأْخُوذٌ مِنَ المُطَوَّلِ؛ اخْتَصَرَهُ بَعْضُ الرُّواةِ فَوُهِمَ في اخْتِصارِهِ عَلى ما سَتَسْمَعُ، والأحادِيثُ المُطَوَّلَةُ كُلُّها لا تَخْلُو مِنَ احْتِمالٍ فَلا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِها، فَقَوْلُهُ مِن حَدِيثِمُسْلِمٍ: «شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى؛ صَلاةِ العَصْرِ» فِيهِ احْتِمالانِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لَفْظُ صَلاةِ العَصْرِ لَيْسَ مَرْفُوعًا، بَلْ مُدْرَجٌ في الحَدِيثِ؛ أدْرَجَهُ بَعْضُ الرُّواةِ تَفْسِيرًا مِنهُ، كَما وقَعَ ذَلِكَ كَثِيرًا في أحادِيثَ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ _ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ _ بِلَفْظِ: «حَبَسُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ» يَعْنِي: العَصْرَ، الثّانِي: عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُدْرَجٍ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ نَسَقٍ عَلى حَذْفِ العاطِفِ، لا بَيانًا ولا بَدَلًا، والتَّقْدِيرُ: شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى وصَلاةِ العَصْرِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ لَمْ يُشْغَلْ يَوْمَ الأحْزابِ عَنْ صَلاةِ العَصْرِ فَقَطْ، بَلْ شُغِلَ عَنِ الظُّهْرِ والعَصْرِ مَعًا، كَما ورَدَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى، فَكَأنَّهُ أرادَ بِالصَّلاةِ الوُسْطى الظُّهْرَ، وعَطَفَ عَلَيْها العَصْرَ، ومَعَ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ لا يَتَأتّى الِاسْتِدْلالُ بِالحَدِيثِ، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ أقْوى لِلرِّوايَةِ المُشارِ إلَيْها، ويُؤَيِّدُهُ مِن خارِجٍ أنَّهُ لَوْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ تَفْسِيرًا أنَّها العَصْرُ؛ لَوَقَفَ الصَّحابَةُ عِنْدَهُ ولَمْ يَخْتَلِفُوا، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ _ ﷺ _ مُخْتَلِفِينَ في الصَّلاةِ الوُسْطى هَكَّذا؛ وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ، ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاحْتِمالَيْنِ فالحَدِيثُ مَعارَضٌ بِالحَدِيثِ المَرْفُوعِ أنَّها الظُّهْرُ، وإذا تَعارَضَ الحَدِيثانِ ولَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ طُلِبَ التَّرْجِيحُ، وقَدْ ذَكَرَ الأُصُولِيُّونَ أنَّ مِنَ المُرَجِّحاتِ أنْ يُذْكَرَ السَّبَبُ، والحَدِيثُ الوارِدُ في أنَّها الظُّهْرُ مُبَيَّنٌ فِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ، ومُساقٌ لِذِكْرِها بِطَرِيقِ القَصْدِ بِخِلافِ حَدِيثِ ”شَغَلُونا“ إلَخْ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وهو ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهاجِرَةِ، ولَمْ تَكُنْ صَلاةٌ أشُدُّ عَلى الصَّحابَةِ مِنها، فَنَزَلَتْ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾» وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ زَيْدٍ أيْضًا: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ _
صفحة 157
صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ كانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَجِيرِ، فَلا يَكُونُ وراءَهُ إلّا الصَّفُّ والصَّفّانِ، والنّاسُ في قائِلَتِهِمْ وتِجارَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ إلَخْ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _: ”لَيَنْتَهِيَنَّ رِجالٌ أوْ لَأُحْرِقَنَّ بُيُوتَهم»“ ويُؤَكِّدُ كَوْنَها غَيْرَ العَصْرِ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن طُرُقٍ، «عَنْ أبِي يُونُسَ مَوْلى عائِشَةَ، قالَ: أمَرَتْنِي عائِشَةُ أنْ أكْتُبَ لَها مُصْحَفًا، فَأمْلَتْ عَلَيَّ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ وصَلاةِ العَصْرِ وقالَتْ: سَمِعْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _» والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وأخْرَجَ مالِكٌ وغَيْرُهُ مِن طُرُقٍ أيْضًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ رافِعٍ، قالَ: كُنْتُ أكْتُبُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ فَأمْلَتْ عَلَيَّ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ وصَلاةِ العَصْرِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رافِعٍ أنَّهُ كَتَبَ لِأُمِّ سَلَمَةَ مُصْحَفًا، فَأمْلَتْ عَلَيْهِ مِثْلَ ما أمْلَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما _ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي رافِعٍ مَوْلى حَفْصَةَ، قالَ: كَتَبْتُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ، فَقالَتِ: اكْتُبْ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ وصَلاةِ العَصْرِ، فَلَقِيتْ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقالَ: هو كَما قالَتْ، أوَ لَيْسَ أشْغَلُ ما نَكُونُ عِنْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ في عَمَلِنا ونَواضِحِنا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّحابَةَ فَهِمُوا مِن هَذِهِ القِراءَةِ أنَّها الظُّهْرُ، هَذا وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، وأبِي بَكْرِ الوَرّاقِ: أنَّها إحْدى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، ولَمْ يُعَيِّنْها اللَّهُ تَعالى، وأخْفاها في جُمْلَةِ الصَّلَواتِ المَكْتُوبَةِ؛ لِيُحافِظُوا عَلى جَمِيعِها، كَما أخْفى لَيْلَةَ القَدْرِ في لَيالِي شَهْرِ رَمَضانَ، واسْمَهُ الأعْظَمَ في جَمِيعِ الأسْماءِ، وساعَةَ الإجابَةِ في ساعاتِ الجُمُعَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلِيٌّ: (الصَّلاةَ الوُسْطى)، ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ: والصَّلاةَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ، وقَرَأ نافِعٌ: الوُصْطى بِالصّادِ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: في الصَّلاةِ ﴿قانِتِينَ﴾ أيْ: مُطِيعِينَ كَما هو أصْلُ مَعْنى القُنُوتِ عِنْدَ بَعْضٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ أوْ ذاكِرِينَ لَهُ تَعالى في القِيامِ بِناءً عَلى أنَّ القُنُوتَ هو الذِّكْرُ فِيهِ، وقِيلَ: خاشِعِينَ، وقِيلَ: مُكَمِّلِينَ الطّاعَةَ ومُتَمِّيها عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِمّا يَنْبَغِي فِيها، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: مِنَ القُنُوتِ طُولُ الرُّكُوعِ، وغَضُّ البَصَرِ، والخُشُوعُ، وأنْ لا يَلْتَفِتَ، وأنْ لا يُقَلِّبَ الحَصى، ولا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ، ولا يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِأمْرٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وفَسَّرَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ بِـ: ساكِتِينَ؛ لِما أخْرَجَ هو ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وجَماعَةٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، قالَ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ في الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مِنّا صاحِبَهُ وهو إلى جَنْبِهِ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ، ونُهِينا عَنِ الكَلامِ،» ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ في المَقْصُودِ، ولَعَلَّ الأوْضَحَ مِنهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ وهو يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمّا قَضى الصَّلاةَ قالَ: ”إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أنْ أرُدَّ عَلَيْكَ السَّلامَ إلّا أنّا أُمِرْنا أنْ نَقُومَ قانِتِينَ، لا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ»“، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: المُرادُ بِهِ القُنُوتُ في الصُّبْحِ، وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ أوْ بِما بَعْدَهُ.
البقرة 2:239
﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ ﴿فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾ حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ في جَوابِ الشَّرْطِ؛ أيْ: فَصَلُّوا راجِلِينَ أوْ راكِبِينَ، والأوَّلُ جَمْعُ راجِلٍ، وهو الماشِي عَلى رِجْلَيْهِ، ورَجُلٌ بِفَتْحٍ فَضَمٍّ أوْ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ بِمَعْناهُ، وقِيلَ: الرّاجِلُ الكائِنُ عَلى رِجْلَيْهِ واقِفًا أوْ ماشِيًا، واسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ بِظاهِرِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الصَّلاةِ حالَ المُسايَفَةِ
صفحة 158
وإنْ لَمْ يَكُنِ الوُقُوفُ، وذَهَبَ إمامُنا إلى أنَّ المَشْيَ وكَذا القِتالَ يُبْطِلُها، وإذا أدّى الأمْرُ إلى ذَلِكَ؛ أخَّرَها ثُمَّ صَلّاها آمِنًا، فَقَدْ أخْرَجَ الشّافِعِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ قالَ: «حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ذَهَبَ هَوِيُّ مِنَ اللَّيْلِ حَتّى كُفِينا القِتالُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ بِلالًا فَأمَرَ فَأقامَ الظُّهْرَ فَصَلّاها كَما كانَ يُصَلِّي، ثُمَّ أقامَ العَصْرَ فَصَلّاها كَذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ المَغْرِبَ فَصَلّاها كَذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ العِشاءَ فَصَلّاها كَذَلِكَ، وفي لَفْظٍ: فَصَلّى كُلَّ صَلاةٍ ما كانَ يُصَلِّيها في وقْتِها،» وقَدْ كانَتْ صَلاةُ الخَوْفِ مَشْرُوعَةً قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها نَزَلَتْ في ذاتِ الرِّقاعِ وهي قَبْلَ الخَنْدَقِ، كَما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ السِّيَرِ، وأُجِيبُ بِمَنعِ أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ مُطْلَقًا ولَوْ شَدِيدًا شُرِّعَتْ قَبْلَ الخَنْدَقِ؛ لِيُسْتَدَلَّ بِما وقَعَ فِيهِ مِنَ التَّأْخِيرِ، ويُجْعَلَ ناسِخًا لِما في الآيَةِ كَما قِيلَ، والمَشْرُوعُ في ذاتِ الرِّقاعِ قَبْلَ صَلاةِ الخَوْفِ غَيْرِ الشَّدِيدِ، وهي الَّتِي نَزَلَتْ فِيها ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ لا صَلاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ المُبَيَّنَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والنِّزاعُ إنَّما هو فِيها، وهي لَمْ تُشَرَّعْ قَبْلَ الخَنْدَقِ بَلْ بَعْدَهُ وفِيهِ كانَ الخَوْفُ شَدِيدًا فَلا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ، وقَدْ أجابَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ بِأنّا سَلَّمْنا جَمِيعَ ذَلِكَ إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في جَوازِ الصَّلاةِ مَعَ المَشْيِ أوِ المُسايَفَةِ، إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرّاجِلُ فِيها بِمَعْنى: الواقِفِ عَلى رِجْلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ قُوبِلَ بِالرّاكِبِ، وقَدْ عُلِمَ مِن خارِجٍ وُجُوبُ عَدَمِ الإخْلالِ في الصَّلاةِ، وهَذا إخْلالٌ كُلِّيٌّ لا يُحْتَمَلُ فِيها؛ لِإخْراجِهِ لَها عَنْ ماهِيَّتِها بِالكُلِّيَّةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ إذا أنْصَفْتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ صَرِيحَةٌ مَعَ الشّافِعِيَّةِ؛ لَسَبْقِ وقُومُوا والدِّينُ يُسْرٌ لا عُسْرَ، والمَقاماتُ مُخْتَلِفَةٌ، والمَيْسُورُ لا يَسْقُطُ بِالمَعْسُورِ، وما لا يُدْرَكُ لا يُتْرَكُ، فَلْيُفْهَمْ، وقُرِئَ: رُجالًا، بِضَمِّ الرّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ، وبِضَمِّها مَعَ التَّشْدِيدِ، وقُرِئَ: فَرَجُلًا أيْضًا، ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ وزالَ خَوْفُكُمْ، وعَنْ مُجاهِدٍ: إذا خَرَجْتُمْ مِن دارِ السَّفَرِ إلى دارِ الإقامَةِ، ولَعَلَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: فَصَلُّوا صَلاةَ الأمْنِ، كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وعَبَّرَ عَنْها بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ أرْكانِها، وقِيلَ: المُرادُ اشْكُرُوهُ عَلى الأمْنِ، وبَعْضُهم أوْجَبَ الإعادَةَ، وفَسَّرَ هَذا بِأعِيدُوا الصَّلاةَ، وهو مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ، ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾ أيْ: ذِكْرًا مِثْلَ ما عَلَّمَكم مِنَ الشَّرائِعِ، وكَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ حالَتَيِ الأمْنِ والخَوْفِ، أوْ شُكْرًا يُوازِي ذَلِكَ، و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةٌ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ مَفْعُولُ ( عَلَّمَكم )، وزادَ ( تَكُونُوا )؛ لِيُفِيدَ النَّظْمَ، ووَقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِدُونِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ فَقِيلَ: الفائِدَةُ في ذِكْرِ المَفْعُولِ فِيهِ، وإنْ كانَ الإنْسانُ لا يَعْلَمُ إلّا ما لَمْ يَعْلَمِ، التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ حالَةِ الجَهْلِ الَّتِي انْتَقَلَ عَنْها، فَإنَّهُ أوْضَحُ في الِامْتِنانِ، وفي إيرادِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى؛ بِأنَّ المُفِيدَ لِمَشْكُوكُيَّةِ وُقُوعِ الخَوْفِ ونُدْرَتِهِ، وتَصْدِيرِ الثّانِيَةِ بِـ ( إذا ) المُنْبِئَةُ عَنْ تَحَقُّقِ وُقُوعِ الأمْنِ وكَثْرَتِهِ، مَعَ الإيجازِ في جَوابِ الأُولى، والإطْنابِ في جَوابِ الثّانِيَةِ المَبْنِيَّيْنِ عَلى تَنْزِيلِ مَقامِ وُقُوعِ المَأْمُورِ بِهِ فِيهِما مَنزِلَةَ مَقامِ وُقُوعِ الأمْرِ تَنْزِيلًا مُسْتَدْعِيًا لِإجْراءِ مُقْتَضى المَقامِ الأوَّلِ في كُلٍّ مِنهُما مَجْرى مُقْتَضى المَقامِ الثّانِي؛ مِنَ الجَزالَةِ والِاعْتِبارِ، كَما قِيلَ، ما فِيهِ عِبْرَةٌ لِذَوِي الأبْصارِ.
البقرة 2:240
﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ عَوْدٌ إلى بَيانِ بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُفَصَّلَةِ فِيما سَبَقَ، وفي يُتَوَفَّوْنَ مَجازُ المَشارِقَةِ ﴿وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، عَنْ عاصِمٍ: بِنَصْبِ وصِيَّةٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: لِيُوصُوا أوْ يُوصُونَ وصِيَّةً، أوْ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، أوْ
صفحة 159
أُلْزِمُوا وصِيَّةً، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: كَتَبَ عَلَيْكُمُ الوَصِيَّةَ لِأزْواجِكم ﴿مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾ مَكانٌ ( والَّذِينَ ) إلَخْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بِتَقْدِيرِ: لِيَصِحَّ الحَمْلُ؛ أيْ: ووَصِيَّةُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ، أوْ حُكْمُهم وصِيَّةٌ، أوْ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أهْلُ وصِيَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نائِبَ فاعِلِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأً لِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ؛ أيْ: كُتِبَ عَلَيْهِمْ، أوْ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ، وقَرَأ أُبَيٌّ: مَتاعٌ لِأزْواجِهِمْ، ورُوِيَ عَنْهُ: فَمَتاعٌ بِالفاءِ
﴿مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾ نُصِبَ بِـ ( يُوصُونَ ) إنْ أضْمَرْتَهُ، ويَكُونُ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ، وإلّا فَـ ( بِالوَصِيَّةِ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى التَّوْصِيَةِ، وبِـ ( مَتاعٍ ) عَلى قِراءَةِ أُبَيٌّ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَّمَتُّعِ ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ بَدَلٌ مِنهُ؛ بَدَلُ اشْتِمالٍ إنِ اعْتُبِرَ اللُّزُومُ بَيْنَ التَّمَتُّعِ إلى الحَوْلِ وبَيْنَ غَيْرِ الإخْراجِ، وبَدَلُ الكُلِّ بِحَسَبِ الذّاتِ، فَإنَّهُما مُتَّحِدانِ بِالذّاتِ ومُتَغايِرانِ بِالوَصْفِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ البَدَلِ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ إلى غَيْرِ تَقْدِيرِهِ ﴿مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾ مَتاعٌ ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ وإلّا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ ( مَتاعًا ) مُفَسَّرٌ بِالإنْفاقِ، وغَيْرَ إخْراجٍ عِبارَةٌ عَنِ الإسْكانِ، ولَيْسَ مَدْلُولُهُ مَدْلُولَ الأوَّلِ، ولا جُزْأهُ، ولا مُلابِسًا لَهُ، فَيَكُونُ بَدَلَ غَلَطٍ، وهو لا يَصِحُّ في الكَلامِ المَجِيدِ، فَيَتَعَيَّنُ التَّقْدِيرُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ إبْدالَ الخاصِّ مِنَ العامِّ، وهو مِن قَبِيلِ إبْدالِ الكُلِّ مِنَ الجُزْءِ؛ نَحْوَ: رَأيْتُ القَمَرَ فَلَكَهُ، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ، كَما صَرَّحَ بِهِ صاحِبُ المِفْتاحِ، وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ( مَتاعًا ) مُفَسَّرٌ بِالإنْفاقِ فَقَطْ، بَلِ المَتاعُ عامٌّ شامِلٌ لِلْإنْفاقِ والإسْكانِ جَمِيعًا، فَيَكُونُ ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ عِبارَةً عَنِ الإسْكانِ الَّذِي هو بَعْضٌ مِن ( مَتاعًا ) فَيَكُونُ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا؛ لِأنَّ الوَصِيَّةَ بِأنْ يُمَتَّعْنَ حَوْلًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ لا يَخْرُجْنَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَخْرُجْنَ ( غَيْرَ إخْراجٍ)، ويَكُونُ تَأْكِيدًا لِنَفْيِ الإخْراجِ الدّالِّ عَلَيْهِ ( لا يَخْرُجْنَ )، فَيُؤَوَّلُ إلى قَوْلِكَ: لا يَخْرُجْنَ لا يَخْرُجْنَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن ( أزْواجِهِمْ )، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها حالٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ إذْ لا مَعْنى لِتَقْيِيدِ الإيصاءِ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الحالَةِ، وأنَّها مُقَدَّرَةٌ؛ لِأنَّ مَعْنى نَفْيِ الإخْراجِ إلى الحَوْلِ لَيْسَ مُقارِنًا لِلْإيصاءِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، وأنْ يَكُونَ صِفَةَ مَتاعٍ، أوْ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى: يَجِبُ عَلى الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أنْ يُوصُوا قَبْلَ أنْ يَحْتَضِرُوا لِأزْواجِهِمْ؛ بِأنْ يُمَتَّعْنَ بَعْدَهم حَوْلًا بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى، وكانَ ذَلِكَ عَلى الصَّحِيحِ في أوَّلِ الإسْلامِ، ثُمَّ نُسِخَتِ المُدَّةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ وهو وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا في التِّلاوَةِ؛ فَهو مُتَأخِّرٌ في النُّزُولِ، وكَذا النَّفَقَةُ بِتَوْرِيثِهِنَّ الرُّبُعَ أوِ الثُّمُنَ، واخْتُلِفَ في سُقُوطِ السُّكْنى وعَدَمِهِ، والَّذِي عَلَيْهِ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ الأُوَلُ، وحُجَّتُهم أنَّ مالَ الزَّوْجِ صارَ مِيراثًا لِلْوارِثِ وانْقَطَعَ مُلْكُهُ بِالمَوْتِ، وذَهَبَ الشّافِعِيَّةُ إلى الثّانِي؛ لِقَوْلِهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _: ”امْكُثِي في بَيْتِكِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجْلَهُ“ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لَها السُّكْنى في مالِ الزَّوْجِ، والكَلامُ فِيهِ ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ بَعْدَ الحَوْلِ ومُضِيِّ العِدَّةِ، وقِيلَ: في الأثْناءِ بِاخْتِيارِهِنَّ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ يا أوْلِياءَ المَيِّتِ، أوْ أيُّها الأئِمَّةُ
﴿فِي ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ﴾ لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ؛ كالتَّطَيُّبِ، والتَّزَيُّنِ، وتَرْكِ الحِدادِ، والتَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ، أوْ في تَرْكِ مَنعِهِنَّ مِنَ الخُرُوجِ، أوْ قَطْعِ النَّفَقَةِ عَنْهُنَّ، فَلا نَصَّ في الآيَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ مُلازَمَةُ مَسْكَنِ الزَّوْجِ والحِدادِ عَلَيْهِ، وإنَّما كُنَّ مُخَيَّراتٍ بَيْنَ المُلازَمَةِ وأخْذِ النَّفَقَةِ، وبَيْنَ الخُرُوجِ وتَرْكِها ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، يَنْتَقِمُ مِمَّنْ خالَفَ أمْرَهُ في الإيصاءِ وإنْفاذِ الوَصِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُراعِي
صفحة 160
فِي أحْكامِهِ مَصالِحَ عِبادِهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُمْتَثَلَ أمْرُهُ ونَهْيُهُ
البقرة 2:241
﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ﴾ سَواءٌ كُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ أوْ لا ﴿مَتاعٌ﴾ أيْ: مُطْلَقُ المُتْعَةِ الشّامِلَةِ الواجِبَةِ والمُسْتَحَبَّةِ، وأوْجَبَها سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ، والزُّهْرِيُّ لِلْكُلِّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَتاعِ نَفَقَةُ العِدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ لِلْعَهْدِ؛ أيِ: المُطَلَّقاتِ المَذْكُوراتِ في الآيَةِ السّابِقَةِ، وهُنَّ غَيْرُ المَمْسُوساتِ وغَيْرِ المَفْرُوضِ لَهُنَّ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّصْرِيحُ بِما هو أظْهَرُ في الوُجُوبِ، وهَذا هو الأوْفَقُ بِمَذْهَبِنا، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ قالَ رَجُلٌ: إنْ أحْسَنْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أفْعَلْ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى القَوْلِ بِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ مُخَصَّصَةٌ بِمَفْهُومِها مَنطُوقَ هَذِهِ الآيَةِ المُعَمَّمَةِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى ذَلِكَ، ولا إلى القَوْلِ بِنَسْخِ هَذِهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ المُسَيِّبِ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الإمامِيَّةِ ﴿بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلِ ذَلِكَ البَيانِ الواضِحِ لِلْأحْكامِ السّابِقَةِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ الدّالَّةَ عَلى ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ؛ مَعاشًا ومَعادًا ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تُكْمَلَ عُقُولُكُمْ، أوْ لِكَيْ تَصْرِفُوا عُقُولَكم إلَيْها، أوْ لِكَيْ تَفْهَمُوا ما أُرِيدَ مِنها.
البقرة 2:242
﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ﴾ سَواءٌ كُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ أوْ لا ﴿مَتاعٌ﴾ أيْ: مُطْلَقُ المُتْعَةِ الشّامِلَةِ الواجِبَةِ والمُسْتَحَبَّةِ، وأوْجَبَها سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ، والزُّهْرِيُّ لِلْكُلِّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَتاعِ نَفَقَةُ العِدَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ لِلْعَهْدِ؛ أيِ: المُطَلَّقاتِ المَذْكُوراتِ في الآيَةِ السّابِقَةِ، وهُنَّ غَيْرُ المَمْسُوساتِ وغَيْرِ المَفْرُوضِ لَهُنَّ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّصْرِيحُ بِما هو أظْهَرُ في الوُجُوبِ، وهَذا هو الأوْفَقُ بِمَذْهَبِنا، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ قالَ رَجُلٌ: إنْ أحْسَنْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أفْعَلْ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى القَوْلِ بِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ مُخَصَّصَةٌ بِمَفْهُومِها مَنطُوقَ هَذِهِ الآيَةِ المُعَمَّمَةِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى ذَلِكَ، ولا إلى القَوْلِ بِنَسْخِ هَذِهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ المُسَيِّبِ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الإمامِيَّةِ ﴿بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلِ ذَلِكَ البَيانِ الواضِحِ لِلْأحْكامِ السّابِقَةِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ الدّالَّةَ عَلى ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ؛ مَعاشًا ومَعادًا ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تُكْمَلَ عُقُولُكُمْ، أوْ لِكَيْ تَصْرِفُوا عُقُولَكم إلَيْها، أوْ لِكَيْ تَفْهَمُوا ما أُرِيدَ مِنها.
البقرة 2:243
﴿ألَمْ تَرَ﴾ هَذِهِ الكَلِمَةُ قَدْ تُذْكَرُ لِمَن تَقَدَّمَ عِلْمُهُ فَتَكُونُ لِلتَّعَجُّبِ والتَّقْرِيرِ والتَّذْكِيرِ لِمَن عَلِمَ بِما يَأْتِي، كالأحْبارِ وأهْلِ التَّوارِيخِ، وقَدْ تُذْكَرُ لِمَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ فَتَكُونُ لِتَعْرِيفِهِ وتَعْجِيبِهِ، وقَدِ اشْتُهِرَتْ في ذَلِكَ حَتّى أُجْرِيَتْ مَجْرى المَثَلِ في هَذا البابِ؛ بِأنْ شَبَّهَ حالَ مَن لَمْ يَرَ الشَّيْءَ بِحالِ مَن رَآهُ في أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَخْفى عَلَيْهِ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتَعَجَّبَ مِنهُ، ثُمَّ أجْرى الكَلامَ مَعَهُ كَما يُجْرِي مَعَ مَن رَأى؛ قَصْدًا إلى المُبالَغَةِ في شُهْرَتِهِ وعَراقَتِهِ في التَّعَجُّبِ، والرُّؤْيَةُ إمّا بِمَعْنى الإبْصارِ مَجازًا عَنِ النَّظَرِ، وفائِدَةُ التَّجَوُّزِ الحَثُّ عَلى الِاعْتِبارِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ اخْتِيارِيٌّ دُونَ الإدْراكِ الَّذِي بَعْدَهُ، وإمّا بِمَعْنى الإدْراكِ القَلْبِيِّ مُتَضَمِّنًا مَعْنى الوُصُولِ والِانْتِهاءِ؛ ولِهَذا تَعَدَّتْ بِإلى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى الَّذِينَ﴾ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ الفِعْلَ مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنْ لَمّا اسْتُعِيرَ لِمَعْنى ( ألَمْ تَنْظُرْ )؛ عُدِّيَ تَعْدِيَتُهُ بِإلى، وفائِدَةُ اسْتِفادَتِهِ أنَّ النَّظَرَ قَدْ يَتَعَدّى عَنِ الرُّؤْيَةِ، فَإذا أُرِيدَ الحَثُّ عَلى نَظَرٍ ناتِجٍ لا مَحالَةَ لَها اسْتُعِيرَتْ لَهُ، وقَلَّما اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في غَيْرِ التَّقْرِيرِ، فَلا يُقالُ رَأيْتُ إلى كَذا، انْتَهى، وقَدْ يَتَعَدّى اللَّفْظُ عَلى هَذا المَعْنى بِنَفْسِهِ، وقَلَّ مَن نَبَّهَ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا وجَدْتُ بِها طِيبًا ولَمْ تَتَطَيَّبِ،
والمُرادُ بِالمَوْصُولِ أهْلُ قَرْيَةٍ، يُقالُ لَها: داوَرْدانُ قُرْبُ واسِطَ ﴿خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ فارِّينَ مِنَ الطّاعُونِ، أوْ مِنَ الجِهادِ؛ حَيْثُ دُعُوا إلَيْهِ ﴿وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ﴾ وكانُوا فَوْقَ عَشَرَةِ آلافٍ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ الأكْثَرُ؛ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُقالُ عَشَرَةُ أُلُوفٍ ولا تِسْعَةُ أُلُوفٍ وهَكَذا، وإنَّما يُقالُ آلافٌ، فَقَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: إنَّهم كانُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، وابْنِ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ: أنَّهم أرْبَعَةُ آلافٍ، ومُقاتِلٍ، والكَلْبِيِّ: إنَّهم ثَمانِيَةُ آلافٍ، وأبِي صالِحٍ: إنَّهم تِسْعَةُ آلافٍ، وأبِي رَءُوفٍ: إنَّهم عَشَرَةُ آلافٍ، لا يُساعِدُهُ هَذا الِاسْتِعْمالُ، والقائِلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ اخْتَلَفُوا؛ فَقِيلَ: كانُوا بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ أنَّهم أرْبَعُونَ ألْفًا، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّهم سَبْعُونَ ألْفًا، ولا أرى لِهَذا الخِلافِ ثَمَرَةً بَعْدَ القَوْلِ بِالكَثْرَةِ، وإلى ذَلِكَ يَمِيلُ كَلامُ الضِّحّاكِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ: أنَّ المُرادَ خَرَجُوا مُؤْتَلِفِي القُلُوبِ ولَمْ يَخْرُجُوا عَنْ تَباغُضٍ، فَجَعَلَهُ جَمْعَ
صفحة 161
آلِفٍ مِثْلِ قاعِدٍ وقُعُودٍ، وشاهِدٍ وشُهُودٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ اعْتِبارٍ؛ إذْ وُرُودُ المَوْتِ دُفْعَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ عَلى جَمْعٍ عَظِيمٍ أبْلَغُ في الِاعْتِبارِ، وأمّا وُقُوعُهُ عَلى قَوْمٍ بَيْنَهم أُلْفَةٌ فَهو كَوُقُوعِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، ومِثْلُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ إلْفُهم وحُبُّهم لِدِيارِهِمْ أوْ لِحَياتِهِمُ الدُّنْيا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى إمّا ظاهِرُهُ، وإمّا مَجازٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِمَوْتِهِمْ دُفْعَةً، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِإماتَتِهِ تَعالى إيّاهم مِيتَةَ نَفْسٍ واحِدَةٍ في أقْرَبِ وقْتٍ وأدْناهُ، وأسْرَعِ زَمانٍ وأوْحاهُ، بِأمْرٍ مُطاعٍ، لِمَأْمُورٍ مُطِيعٍ، وقِيلَ: ناداهم مَلَكٌ بِذَلِكَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ المُنادِيَ مَلَكانِ، وإنَّما أُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى تَخْوِيفًا وتَهْوِيلًا ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ؛ أيْ: فَماتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ، قِيلَ: وإنَّما حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ؛ لِاسْتِحالَةِ تَخَلُّفِ مُرادِهِ تَعالى عَنْ إرادَتِهِ الكَوْنِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ( قالَ ) لَمّا أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الإماتَةِ، والمَشْهُورُ أنَّهم بَقُوا مَوْتى مُدَّةً حَتّى تَفَرَّقَتْ عِظامُهُمْ، فَمَرَّ بِهِمْ حِزْقِيلُ الشَّهِيرُ بِابْنِ العَجُوزِ خَلِيفَةُ كالِبِ بْنِ يُوفَنّا خَلِيفَةِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وقِيلَ: شَمْعُونُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ وقالَ وهْبٌ: إنَّهُ شَمُوئِيلُ، وهو ذُو الكِفْلِ، وقِيلَ: يُوشَعُ نَفْسُهُ، فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا لِكَثْرَةِ ما يَرى مِنهُمْ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ نادِ أيَّتُها العِظامُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكم أنْ تَجْتَمِعِي، فاجْتَمَعَتْ حَتّى التَزَقَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَصارَتْ أجْسادًا مِن عِظامٍ، لا لَحْمَ ولا دَمَ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ نادِ أيَّتُها الأجْسامُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكِ أنْ تَكْتَسِيَ لَحْمًا، فاكْتَسَتْ لَحْمًا، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ نادِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكِ تَقُومِي، فَبُعِثُوا أحْياءً، يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، والرِّواياتُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ
والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يَرَوْا في هَذا المَوْتِ مِنَ الأهْوالِ والأحْوالِ ما يَصِيرُ بِها مَعارِفُهم ضَرُورِيَّةً، ويَمْنَعُ مِن صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بَعْدَ الإحْياءِ، كَما في الآخِرَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أنَّهم رَأوْا ما يَراهُ المَوْتى، إلّا أنَّهم أُنْسَوْهُ بَعْدَ العَوْدَةِ، والقادِرُ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ قادِرٌ عَلى الإنْساءِ، وسُبْحانَ مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا يُشْكِلُ مَوْتُ هَؤُلاءِ في الدُّنْيا مَرَّتَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَنِ اسْتِيفاءِ آجالٍ _ كَما قالَ مُجاهِدٌ _ وإنَّما هو مَوْتُ عُقُوبَةٍ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ بِمَوْتٍ، وأيْضًا هو مِن خَوارِقِ العاداتِ، فَلا يَرُدُّ نَقْضًا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ مَوْتًا كالمَوْتِ الَّذِي يَكُونُ وراءَهُ الحَياةُ لِلنُّشُورِ، وإنَّما هو نَوْعُ انْقِطاعِ تَعَلُّقِ الرُّوحِ عَنِ الجَسَدِ؛ بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ التَّغَيُّرُ والفَسادُ، وهو فَوْقَ داءِ السَّكْتَةِ والإغْماءِ الشَّدِيدِ، حَتّى لا يَشُكَّ الرّائِي الحاذِقُ لَوْ رَآهُ بِانْقِطاعِ التَّعَلُّقِ أصْلًا، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ بَقِيَ تَعَلُّقٌ ما، لَكِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ الحَياةِ المَعْلُومَةِ لَدَيْنا، ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ يَعُودُ بِالآخِرَةِ إلى انْقِسامِ المَوْتِ، أوْ إلى أنَّ إطْلاقَ المَوْتِ عَلى ما ذُكِرَ مَجازٌ، وكِلا الأمْرَيْنِ في القَلْبِ مِنهُما شَيْءٌ بَلْ أشْياءُ
وقَدْ ذَهَبَ إلى مِثْلِهِ ابْنُ الرّاوَنْدِيُّ في جَمِيعِ الأمْواتِ، فَقالَ: إنَّ الأرْواحَ لا تُفارِقُ الأبْدانَ أصْلًا، وإنَّما يَحْدُثُ في الأبْدانِ عَوارِضُ وعِلَلٌ، يَحْدُثُ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ مِنها، كَما يَحْدُثُ لِلْمَجْذُومِينَ والرُّوحُ كامِنَةٌ في الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ أيْنَما كانَتْ؛ لِكَوْنِها عُرْيَةً عَنِ الإحْساسِ والإدْراكِ، وهو مَذْهَبٌ تَحْكُمُ الضَّرُورَةُ بِرَدِّهِ _ عافانا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ عَنِ اعْتِقادِ مِثْلِهِ _ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ جَمِيعًا؛ أمّا أُولَئِكَ؛ فَقَدْ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا فَيَفُوزُوا بِالسَّعادَةِ، وأمّا الَّذِينَ سَمِعُوا؛ فَقَدْ هَداهم إلى الِاعْتِبارِ، وهَذا كالتَّعْلِيلِ لِما تَقَدَّمَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ اسْتِدْراكٌ مِمّا تَضَمَّنَهُ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَشْكُرُوا فَضْلَهُ، ولَكِنَّ إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالشُّكْرِ الِاسْتِبْصارُ والِاعْتِبارُ، ولا يَخْفى بَعْدَهُ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِمَزِيدِ التَّشْنِيعِ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ جُمَلًا مِنَ الأحْكامِ
صفحة 162
التَّكْلِيفِيَّةِ مُشْتَمِلَةً عَلى ذِكْرِ شَيْءٍ مِن أحْكامِ المَوْتى؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى الإحْياءِ والبَعْثِ؛ لِلْمُجازاةِ واسْتِنْهاضًا لِلْعَزائِمِ عَلى العَمَلِ لِلْمَعادِ، والوَفاءِ بِالحُقُوقِ، والصَّبْرِ عَلى المَشاقِّ،
وقِيلَ: وجْهُ المُناسِبَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾؛ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ؛ لِأنَّها مِن عَظِيمِ آياتِهِ، وبَدائِعِ قُدْرَتِهِ، وقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ لِما فِيها مِن تَشْجِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، والتَّعَرُّضِ لِلشَّهادَةِ، والحَثِّ عَلى التَّوَكُّلِ، والِاسْتِسْلامِ لِلْقَضاءِ؛ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى:
البقرة 2:244
﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو عَطْفٌ في المَعْنى عَلى ﴿،ألَمْ تَرَ﴾؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى انْظُرُوا وتَفَكَّرُوا، والسُّورَةُ الكَرِيمَةُ لِكَوْنِها سَنامَ القُرْآنِ؛ ذَكَرَ فِيها كُلِّيّاتِ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ؛ مِنَ الصِّيامِ، والحَجِّ، والصَّلاةِ، والجِهادِ عَلى نَمَطٍ عَجِيبٍ، مُسْتَطْرِدًا تارَةً؛ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِها يَكُرُّ عَلَيْها كُلَّما وُجِدَ مَجالٌ، ومَقْصُودًا أُخْرى؛ دَلالَةً عَلى أنَّ المُؤْمِنَ المُخْلِصَ لا يَنْبَغِي أنْ يَشْغَلَهُ حالٌ عَنْ حالٍ، وإنَّ المَصالِحَ الدُّنْيَوِيَّةَ ذَرائِعُ إلى الفَراغَةِ لِلْمَشاغِلِ الأُخْرَوِيَّةِ، والجِهادُ لَمّا كانَ ذُرْوَةَ سَنامِ الدِّينِ، وكانَ مِن أشَقِّ التَّكالِيفِ؛ حَرَّضَهم عَلَيْهِ مِن طُرُقٍ شَتّى، مُبْتَدِئًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُنْتَهِيًا إلى هَذا المَقالِ الكَرِيمِ، مُخْتَتِمًا بِذِكْرِ الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ لِلتَّتْمِيمِ _ قالَهُ في الكَشْفِ _ وجُوِّزَ في العَطْفِ وُجُوهٌ أُخَرُ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، يُعَيِّنُهُ ما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فاشْكُرُوا فَضْلَهُ بِالِاعْتِبارِ بِما قُصَّ عَلَيْكُمْ، وقاتِلُوا في سَبِيلِهِ؛ لِما عَلِمْتُمْ أنَّ الفِرارَ لا يُنْجِي مِنَ الحِمامِ، وأنَّ المُقَدَّرَ لا يُمْحى، فَإنْ كانَ قَدْ حانَ الأجَلُ؛ فَمَوْتٌ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى خَيْرُ سَبِيلٍ، وإلّا فَنَصْرٌ وثَوابٌ، الثّانِي: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِنَ القِصَّةِ؛ أيِ: اثْبُتُوا ولا تَهْرَبُوا كَما هَرَبَ هَؤُلاءِ، وقاتِلُوا، الثّالِثُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ إلى ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِلِقاءِ العَدُوِّ، وما جاءَ جاءَ كالِاعْتِراضِ، الرّابِعُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( قالَ لَهُمُ اللَّهُ ) والخِطابُ لِمَن أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى، وهو كَما تَرى ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُهُ المُتَخَلِّفُ عَنِ الجِهادِ؛ مِن تَنْفِيرِ الغَيْرِ عَنْهُ، وما يَقُولُهُ السّابِقُ إلَيْهِ؛ مِن تَرْغِيبٍ فِيهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يُضْمِرُهُ هَذا وذَلِكَ؛ مِنَ الأغْراضِ والبَواعِثِ، فَيُجازِي كُلًّا حَسَبَ عَمَلِهِ ونِيَّتِهِ.
البقرة 2:245
﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ ( مَنِ ) اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ بِالِابْتِداءِ، و( ذا ) خَبَرُهُ، و( الَّذِي ) صِفَةٌ لَهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( مَن ذا ) بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ؛ مِثْلَ: ما تَكُونُ، ماذا كَذَلِكَ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ( ما ) أشَدَّ إبْهامًا مِن ( مَن )، وإقْراضُ اللَّهِ تَعالى مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ العاجِلِ؛ طَلَبًا لِلثَّوابِ الآجِلِ، والمُرادُ هَهُنا: إمّا الجِهادُ المُشْتَمِلُ عَلى بَذْلِ النَّفْسِ والمالِ، وإمّا مُطَلَّقُ العَمَلِ الصّالِحِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا يَخْفى انْتِظامُ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها ﴿قَرْضًا﴾ إمّا مَصْدَرٌ بِمَعْنى إقْراضًا، فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وإمّا بِمَعْنى المَفْعُولِ، فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَسَنًا﴾ صِفَةٌ لَهُ عَلى الوَجْهَيْنِ، وجِهَةُ الحُسْنِ عَلى الأوَّلِ الخُلُوصُ مَثَلًا، وعَلى الثّانِي الحِلُّ والطِّيبُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ القَرْضُ الحَسَنُ: المُجاهَدَةُ والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وعَلَيْهِ يَلْتَئِمُ النَّظْمُ أتَمَّ التِئامٍ، ﴿فَيُضاعِفَهُ﴾ أيِ: القَرْضَ ﴿لَهُ﴾ وجَعْلُهُ مُضاعَفًا مَجازٌ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ المُضاعَفَةِ، وجُوِّزَ تَقْدِيرُ مُضافٍ؛ أيْ: فَيُضاعِفُ جَزاءَهُ، وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ لَيْسَتْ عَلى بابِها، إذْ لا مُشارَكَةَ، وإنَّما اخْتِيرَتْ لِلْمُبالَغَةِ المُشِيرَةِ إلَيْها المُغالَبَةُ
وقَرَأ عاصِمٌ بِالنَّصْبِ، وفِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَصْدَرِ يَقْرِضُ في المَعْنى؛ أيْ: مَن ذا الَّذِي يَكُونُ مِنهُ قَرْضٌ، فَمُضاعَفَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ جَوابًا لِاسْتِفْهامٍ مَعْنًى أيْضًا؛ لِأنَّ المُسْتَفْهَمَ
صفحة 163
عَنْهُ وإنْ كانَ المُقْرِضَ في اللَّفْظِ؛ إلّا أنَّهُ في المَعْنى الإقْراضُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُقْرِضُ اللَّهَ تَعالى أحَدٌ فَيُضاعِفَهُ، وهَذا ما اخْتارَهُ أبُو البَقاءِ، ولَمْ يُجَوِّزْ أنْ يَكُونَ جَوابَ الِاسْتِفْهامِ في اللَّفْظِ؛ لِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ فِيهِ المُقْرِضُ لا القَرْضَ، ولا عَطَفَهُ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي هو ( قَرْضًا )، كَما يُعْطَفُ الفِعْلُ عَلى المَصْدَرِ بِإضْمارِ أنْ؛ لِأمْرَيْنِ عَلى ما قِيلَ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَرْضًا هُنا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، وهو لا يُقَدَّرُ بِأنْ والفِعْلِ، والثّانِي: إنَّ عَطْفَهُ عَلَيْهِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِـ ( يُقْرِضُ )، ولا يَصِحُّ هَذا؛ لِأنَّ المُضاعَفَةَ لَيْسَتْ مَقْرُوضَةً، وإنَّما هي فِعْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: يُضَعِّفُهُ بِالرَّفْعِ والتَّشْدِيدِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ: يُضْعِفَهُ بِالنَّصْبِ، ﴿أضْعافًا﴾ جَمْعُ ضِعْفٍ، وهو مِثْلُ الشَّيْءِ في المِقْدارِ إذا زِيدَ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ، والمَصْدَرُ الإضْعافُ أوِ المُضاعَفَةُ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ في ( يُضاعِفَهُ )، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا عَلى المَعْنى بِأنْ تَضْمَنَ المُضاعَفَةُ مَعْنى التَّصْيِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يُعْتَبَرَ واقِعًا مَوْقِعَ المَصْدَرِ، فَيَنْتَصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ حِينَئِذٍ، وإنَّما جُمِعَ والمَصادِرُ لا تُثَنّى ولا تُجْمَعُ؛ لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلْحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ هي لِقَصْدِ الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ، والمُرادُ بِهِ أيْضًا إذْ ذاكَ الحَقِيقَةُ، لَكِنَّها تُقْصَدُ مِن حَيْثُ وُجُودِها في ضِمْنِ أنْواعِها الدّاخِلَةِ تَحْتَها ﴿كَثِيرَةً﴾ لا يَعْلَمُ قَدْرَها إلّا اللَّهُ تَعالى، وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النِّهْدِيِّ، قالَ: «بَلَغَنِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيَكْتُبُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفَ حَسَنَةٍ، فَحَجَجْتُ ذَلِكَ العامَ ولَمْ أكُنْ أُرِيدُ أنْ أحُجَّ إلّا لِلِقائِهِ في هَذا الحَدِيثِ، فَلَقِيتُ أبا هُرَيْرَةَ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: لَيْسَ هَذا قُلْتُ ولَمْ يَحْفَظِ الَّذِي حَدَّثَكَ، إنَّما قُلْتُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيُعْطِي العَبْدَ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَيْ ألْفَ حَسَنَةٍ، ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: أوَ لَيْسَ تَجِدُونَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فالكَثِيرُ عِنْدَهُ تَعالى أكْثَرُ مِن ألْفَيْ ألْفٍ وألْفَيْ ألْفٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُضاعِفُ الحَسَنَةَ ألْفَيْ ألْفَيْ حَسَنَةٍ“» ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ أيْ: يُقَتِّرُ عَلى بَعْضٍ، ويُوَسِّعُ عَلى بَعْضٍ، أوْ يُقَتِّرُ تارَةً، ويُوَسِّعُ أُخْرى حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، الَّتِي قَدْ دَقَّ سِرُّها، وجَلَّ قَدْرُها، وإذا عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو القابِضُ والباسِطُ، وأنَّ ما عِنْدَكم إنَّما هو مِن بَسْطِهِ وعَطائِهِ؛ فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ، فَأقْرِضُوهُ وأنْفِقُوا مِمّا وسَّعَ عَلَيْكم بَدَلَ تَوْسِعَتِهِ وإعْطائِهِ، ولا تَعْكِسُوا بِأنْ تَبْخَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ، فَيُعامِلَكم مِثْلَ مُعامَلَتِكم في التَّعْكِيسِ، بِأنْ يَقْبِضَ ويُقَتِّرَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ ما وسَّعَ عَلَيْكُمْ، وأقْدَرَكم عَلى الإنْفاقِ، وعَنْ قَتادَةَ، والأصَمِّ، والزَّجّاجِ: أنَّ المَعْنى يَقْبِضُ الصَّدَقاتِ، ويَبْسُطُ الجَزاءَ عَلَيْها، فالكَلامُ كالتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ لِما قَبْلَهُ، ووَجْهُ تَأْخِيرِ البَسْطِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، ووَجْهُ تَأْخِيرِهِ عَلى الأوَّلِ الإيماءُ إلى أنَّهُ يَعْقُبُ القَبْضَ في الوُجُودِ تَسْلِيَةً لِلْفُقَراءِ، وقُرِئَ: يَبْصُطُ
﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْتُمْ.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ أنَّ الصَّلَواتِ خَمْسٌ؛ صَلاةُ السِّرِّ بِشُهُودِهِ مَقامَ الغَيْبِ، وصَلاةُ النَّفْسِ بِخُمُودِها عَنْ دَواعِي الرَّيْبِ، وصَلاةُ القَلْبِ بِمُراقَبَتِهِ أنْوارَ الكَشْفِ، وصَلاةُ الرُّوحِ بِمُشاهَدَةِ الوَصْلِ، وصَلاةُ البَدَنِ بِحِفْظِ الحَواسِّ وإقامَةِ الحُدُودِ، فالمَعْنى: حافِظُوا عَلى هَذِهِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، والصَّلاةِ الوُسْطى الَّتِي هي صَلاةُ القَلْبِ الَّتِي شَرْطُها الطَّهارَةُ عَنِ المَيْلِ إلى السِّوى، وحَقِيقَتُها التَّوَجُّهُ إلى المَوْلى؛ ولِهَذا تَبْطُلُ بِالخَطَراتِ والِانْحِرافِ عَنْ كَعْبَةِ الذّاتِ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ قانِتِينَ؛ أيْ: مُطِيعِينَ لَهُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ بِدَفْعِ الخَواطِرِ ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ صَدَماتِ الجَلالِ حالَ سَفَرِكم إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَصَّلُوا راجِلِينَ في بَيْداءِ
صفحة 164
المَسِيرِ، سائِرِينَ عَلى أقْدامِ الصِّدْقِ، أوْ راكِبِينَ عَلى مَطايا العَزْمِ، ولا يَصُدَّنَّكُمُ الخَوْفُ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ السَّفَرِ إلى الوَطَنِ الأصْلِيِّ بِكَشْفِ الحِجابِ؛ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: فَصَّلُوا لَهُ بِكُلِّيَّتِكم حَتّى تَفْنَوْا فِيهِ، أوْ فَإذا أمِنتُمْ بِالرُّجُوعِ إلى البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ؛ فاذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى؛ لِحُصُولِ الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ حِينَئِذٍ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلا ذِكْرَ، إذْ لا امْتِيازَ ولا تَفْضِيلَ، وقَدْ قِيلَ لِلْمَجْنُونِ: أتُحِبُّ لَيْلى؟ فَقالَ: ومَن لَيْلى؟! أنا لَيْلى، وقالَ بَعْضُهُمْ:
أنا مَن أهْوى ومَن أهْوى أنا نَحْنُ رُوحانِ حَلَّلْنا بَدَنا
فَإذا أبْصَرْتَنِي أبْصَرْتَهُ ∗∗∗ وإذا أبْصَرْتَهُ أبْصَرْتَنا
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ أيْ: أوْطانِهِمُ المَأْلُوفَةِ، ومَقارِّ نُفُوسِهِمُ المَعْهُودَةِ، ومَقاماتِهِمْ ومَراتِبِهِمْ مِنَ الدُّنْيا، وما رَكَنُوا إلَيْها بِدَواعِي الهَوى، وهم قَوْمٌ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ، أوْ مُتَحابُّونَ مُتَألِّفُونَ في اللَّهِ تَعالى؛ حَذَرَ مَوْتِ الجَهْلِ والِانْقِطاعِ عَنِ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ، والوُقُوعِ في المَهاوِي الطَّبِيعِيَّةِ ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ أيْ: أمَرَهم بِالمَوْتِ الِاخْتِيارِيِّ، أوْ أماتَهم عَنْ ذَواتِهِمْ بِالتَّجَلِّي الذّاتِيِّ، حَتّى فَنُوا فِيهِ ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ العِلْمِيَّةِ، أوْ بِهِ بِالوُجُودِ الحَقّانِيِّ، والبَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ عَلى سائِرِ النّاسِ؛ بِتَهْيِئَةِ أسْبابِ إرْشادِهِمْ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ لِمَزِيدِ غَفْلَتِهِمْ عَمّا يُرادُ بِهِمْ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ النَّفْسَ والشَّيْطانَ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ هَواجِسَ نُفُوسِ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما في قُلُوبِهِمْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ ويَبْذُلُ نَفْسَهُ لَهُ بَذْلًا خالِصًا عَنِ الشَّرِكَةِ ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ بِظُهُورِ نُعُوتِ جَمالِهِ وجَلالِهِ فِيهِ ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ﴾ أرْواحَ المُوَحِّدِينَ بِقَبْضَتِهِ الجَبَرُوتِيَّةِ في نُورِ الأزَلِيَّةِ، ﴿ويَبْسُطُ﴾ أسْرارَ العارِفِينَ مِن قَبْضَةِ الكِبْرِياءِ، ويَنْشُرُها في مُشاهَدَةِ ثَناءِ الأبَدِيَّةِ، ويُقالُ: القَبْضُ سِرُّهُ، والبَسْطُ كَشْفُهُ، وقِيلَ: القَبْضُ لِلْمُرِيدِينَ، والبَسْطُ لِلْمُرادِينَ، أوِ الأوَّلُ لِلْمُشْتاقِينَ، والثّانِي لِلْعارِفِينَ، والمَشْهُورُ أنَّ القَبْضَ والبَسْطَ حالَتانِ بَعْدَ تَرَقِّي العَبْدِ عَنْ حالَةِ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فالقَبْضُ لِلْعارِفِ كالخَوْفِ لِلْمُسْتَأْمِنِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الخَوْفَ والرَّجاءَ يَتَعَلَّقانِ بِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ مَكْرُوهٍ أوْ مَحْبُوبٍ، والقَبْضُ والبَسْطُ بِأمْرٍ حاضِرٍ في الوَقْتِ، يَغْلِبُ عَلى قَلْبِ العارِفِ مِن وارِدٍ غَيْبِيٍّ، وكانَ الأوَّلُ مِن آثارِ الجَلالِ، والثّانِي مِن آثارِ الجَمالِ
البقرة 2:246
﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ المَلَأُ مِنَ القَوْمِ: وُجُوهُهم وأشْرافُهُمْ، وهو اسْمٌ لِلْجَماعَةِ، لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وأصْلُ البابِ الِاجْتِماعُ فِيما لا يَحْتَمِلُ المَزِيدَ، وإنَّما سُمِّيَ الأشْرافُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ هَيْبَتَهم تَمْلَأُ الصُّدُورَ، أوْ لِأنَّهم يَتَمالَئُونَ؛ أيْ: يَتَعاوَنُونَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، و( مِن ) لِلتَّبْعِيضِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وقَعَ حالًا مِنَ المَلَإ ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ أيْ: مِن بَعْدِ وفاتِهِ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ و( مِن ) لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ما قَبْلَهُ، ولا يَضُرُّ اتِّحادُ الحَرْفَيْنِ لَفْظًا؛ لِاخْتِلافِهِما مَعْنًى ﴿إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو أشْمَوِيلُ بْنُ حَنَّةَ بْنِ العاقِرِ، وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّهُ شَمْعُونُ، وقالَ قَتادَةُ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ لِمَكانِ مَن بَعُدَ مِن قَبْلُ، وهي ظاهِرَةٌ في الِاتِّصالِ، ورَدَّ بِأنْ يُوشَعَ هَذا فَتى مُوسى _ عَلَيْهِما السَّلامُ _ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ داوُدَ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ، والِاتِّصالُ غَيْرُ لازِمٍ، و( إذْ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ؛ أيْ: ( ألَمْ تَرَ ) قِصَّةَ المَلَإ أوْ حَدِيثَهم حِينَ قالُوا: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ أيْ: أقِمْ لَنا أمِيرًا، وأصْلُ البَعْثِ إرْسالُ المَبْعُوثِ مِنَ المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقِهِ، يُقالُ: بُعِثَ البَعِيرُ مِن مَبْرَكِهِ: إذا أثارَهُ، وبَعَثْتَهُ في السَّيْرِ: إذا هَيَّجْتَهُ، وبَعَثَ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ: إذا أحْياهُ، وضُرِبَ البَعْثُ عَلى الجُنْدِ: إذا أُمِرُوا بِالِارْتِحالِ
صفحة 165
﴿نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مَجْذُومٌ بِالأمْرِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ أيِ: ابْعَثْهُ لَنا مُقَدِّرِينَ القِتالَ، أوْ مُسْتَأْنِفٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا تَفْعَلُونَ مَعَ المَلِكِ؟ فَأُجِيبَ: نُقاتِلُ، وقُرِئَ: يُقاتِلْ بِالياءِ مَجْزُومًا ومَرْفُوعًا عَلى الجَوابِ لِلْأمْرِ والوَصْفِ لِـ ( مَلِكًا )، وسَبَبُ طَلَبِهِمْ ذَلِكَ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ: أنَّهُ لَمّا ماتَ مُوسى خَلَفَهُ يُوشَعُ؛ لِيُقِيمَ فِيهِمْ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، ويَحْكُمَ بِالتَّوْراةِ، ثُمَّ خَلَفَهُ كالِبُ كَذَلِكَ، ثُمَّ حِزْقِيلُ كَذَلِكَ، ثُمَّ إلْياسُ كَذَلِكَ، ثُمَّ اليَسَعُ كَذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهم عَدُوٌّ وهُمُ العَمالِقَةُ قَوْمُ جالُوتَ، وكانُوا سُكّانَ بَحْرِ الرُّومِ بَيْنَ مِصْرَ وفِلَسْطِينَ، وظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وغَلَبُوا عَلى كَثِيرٍ مِن بِلادِهِمْ، وأسَرُوا مِن أبْناءِ مُلُوكِهِمْ أرْبَعَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ، وضَرَبُوا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ، وأخَذُوا تَوْراتَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ لَهم نَبِيٌّ إذْ ذاكَ يُدَبِّرُ أمْرَهُمْ، وكانَ سِبْطُ النُّبُوَّةِ قَدْ هَلَكُوا إلّا امْرَأةً حُبْلى، فَوَلَدَتْ غُلامًا فَسَمَّتْهُ أشْمَوِيلَ، ومَعْناهُ: إسْماعِيلُ، وقِيلَ: شَمْعُونُ، فَلَمّا كَبِرَ سَلَّمَتْهُ التَّوْراةَ وتَعَلَّمَها في بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَفَلَهُ شَيْخٌ مِن عُلَمائِهِمْ، فَلَمّا كَبِرَ نَبَّأهُ اللَّهُ تَعالى، وأرْسَلَهُ إلَيْهِمْ، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا؛ فابْعَثْ لَنا مَلِكًا الآيَةَ، وكانَ قِوامُ أمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بِالِاجْتِماعِ عَلى المُلُوكِ، وطاعَةِ أنْبِيائِهِمْ، وكانَ المَلِكُ هو الَّذِي يَسِيرُ بِالجُمُوعِ، والنَّبِيُّ هو الَّذِي يُقِيمُ أمْرَهُ، ويُرْشِدُهُ، ويُشِيرُ عَلَيْهِ ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا﴾ عَسى مِنَ النَّواسِخِ، وخَبَرُها ( أنْ لا تُقاتِلُوا ) وفُصِلَ بِالشَّرْطِ اعْتِناءً بِهِ، والمَعْنى: هَلْ قارَبْتُمْ أنْ لا تُقاتِلُوا كَما أتَوَقَّعُهُ مِنكُمْ، والمُرادُ: تَقْرِيرُ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ وتَثْبِيتُهُ عَلى ما قِيلَ، واعْتُرِضَ بِأنْ عَسَيْتُمْ أنْ لا تُقاتِلُوا مَعْناهُ: تَوَقُّعُ عَدَمِ القِتالِ، و( هَلْ ) لا يُسْتَفْهَمُ بِها إلّا عَمّا دَخَلَتْهُ، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَنِ التَّوَقُّعِ لا المُتَوَقَّعِ، ولا يَلْزَمُ مِن تَقْرِيرِ الِاسْتِفْهامِ أنَّ المُتَوَقَّعَ ثابِتٌ، بَلْ إنَّ التَّوَقُّعَ كائِنٌ، وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ؟! وأُجِيبُ بِأنَّ الِاسْتِفْهامَ دَخَلَ عَلى جُمْلَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى تَوَقُّعٍ ومُتَوَقَّعٍ، ولا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ لا يُسْتَفْهَمُ عَنْ تَوَقُّعِهِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عَنِ المُتَوَقَّعِ، ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ؛ كانَ المُرادُ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ، وقِيلَ: لَمّا كانَتْ عَسى لِإنْشاءِ التَّوَقُّعِ، ولا تَخْرُجُ عَنْهُ؛ جُعِلَ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ مُتَوَجِّهًا إلى المُتَوَقَّعِ، وهو الخَبَرُ الَّذِي هو مَحَلُّ الفائِدَةِ، فَقَرَّرَهُ وثَبَّتَهُ، وكَوْنُ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ يَلِي الهَمْزَةَ لَيْسَ أمْرًا كُلِّيًّا، وقِيلَ: إنَّ عَسى لَيْسَتْ مِنَ النَّواسِخِ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ مَعْنى قارَبَ، وأنَّ وما بَعْدَها مَفْعُولٌ لَها، وهَذا مَعْنى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّها خَبَرٌ لا إنْشاءَ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِدُخُولِ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْها، ووُقُوعِها خَبَرًا في قَوْلِهِ:
لا تُكْثِرَنْ إنِّي عَسَيْتُ صائِمًا
ولا يَخْفى ما فِيهِ، وإنَّما ذُكِرَ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ كِتابَةُ القِتالِ دُونَ ما التَمَسُوهُ، مَعَ أنَّهُ أظْهَرُ تَعَلُّقًا بِكَلامِهِمْ؛ مُبالَغَةً في بَيانِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْهُ، فَإنَّهم إذا لَمْ يُقاتِلُوا عِنْدَ فَرْضِيَّةِ القِتالِ عَلَيْهِمْ، بِإيجابِ اللَّهِ تَعالى؛ فَلَأنْ لا يُقاتِلُوا عِنْدَ عَدَمِ فَرْضِيَّتِهِ أوْلى، ولِأنَّ ما ذَكَرُوهُ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ سَبَبَ تَخَلُّفِهِمْ هو المَبْعُوثُ، لا نَفْسَ القِتالِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أقامَ هَذا مَقامَ ذَلِكَ؛ إيماءً إلى أنَّ ذَلِكَ البَعْثَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ القِتالُ إذا وقَعَ فَإنَّما يَقَعُ عَلى وجْهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لِلْفَرْضِيَّةِ، وقُرِئَ: عَسِيتُمْ بِكَسْرِ السِّينِ، وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، ﴿قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما الدّاعِي لَنا إلى أنْ لا نُقاتِلَ؟ أيْ: إلى تَرْكِ القِتالِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( لَنا )، أوْ بِهِ نَفْسِهِ، وهو خَبَرٌ عَنْ ( ما )، ودَخَلَتِ الواوُ لِتَدُلَّ عَلى رَبْطِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ حُذِفَتْ لَجازَ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ، قالَهُ أبُو البَقاءِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى مَحْذُوفٍ؛ كَأنَّهم قالُوا: عَدَمُ القِتالِ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ مِنّا، وما لَنا أنْ لا نُقاتِلَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ تَحاشِيًا عَنْ مُشافَهَةِ نَبِيِّهِمْ بِما هو ظاهِرٌ في رَدِّ كَلامِهِ، والشّائِعُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ: ما لَنا نَفْعَلُ أوْ لا نَفْعَلُ، عَلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ، ولَمّا مَنَعَ مِن ذَلِكَ هُنا أنَّ المَصْدَرِيَّةَ إذْ لا تُوافِقُهُ التُزِمَ فِيهِ ما التُزِمَ،والأخْفَشٌ ادَّعى
صفحة 166
زِيادَةَ ( أنْ ) وأنَّ العَمَلَ لا يُنافِيها، والجُمْلَةُ نَصْبٌ عَلى الحالِ، كَما في الشّائِعِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ الواوِ، ويُؤَوَّلُ إلى: ما لَنا ولِأنْ لا نُقاتِلَ؛ كَقَوْلِكَ: إيّاكَ وأنْ تَتَكَلَّمَ، وقَدْ يُقالُ: إيّاكَ أنْ تَتَكَلَّمَ، والمَعْنى عَلى الواوِ، وقِيلَ: إنَّ ما هُنا نافِيَةٌ؛ أيْ: لَيْسَ لَنا تَرْكُ القِتالِ ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ ( نُقاتِلَ ) والغَرَضُ الإخْبارُ بِأنَّهم يُقاتِلُونَ لا مَحالَةَ، إذْ قَدْ عَرَضَ لَهم ما يُوجِبُ المُقاتَلَةَ إيجابًا قَوِيًّا، وهو الإخْراجُ عَنِ الأوْطانِ، والِاغْتِرابُ مِنَ الأهْلِ والأوْلادِ، وإفْرادُ الأبْناءِ بِالذِّكْرِ؛ لِمَزِيدِ تَقْوِيَةِ أسْبابِ القِتالِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الدِّيارِ، وفِيهِ حَذْفُ مُضافٍ عِنْدَ أبِي البَقاءِ؛ أيْ: ومِن بَيْنِ أبْنائِنا، وقِيلَ: لا حَذْفَ، والعَطْفُ عَلى حَدِّ
عَلَّقْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وفِي الكَلامِ إسْنادُ ما لِلْبَعْضِ لا لِلْكُلِّ، إذِ المُخْرَجُ بَعْضُهم لا كُلُّهُمْ
﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ بَعْدَ سُؤالِ النَّبِيِّ وبَعْثِ المَلِكِ؛ ﴿تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا وضَيَّعُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنْ لا في ابْتِداءِ الأمْرِ، بَلْ بَعْدَ مُشاهَدَةِ كَثْرَةِ العَدُوِّ وشَوْكَتِهِ، كَما سَيَجِيءُ، وإنَّما ذُكِرَ هَهُنا مَآلُ أمْرِهِمْ إجْمالًا؛ إظْهارًا لِما بَيْنَ قَوْلِهِمْ وفِعْلِهِمْ مِنَ التَّنافِي والتَّبايُنِ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ وهُمُ الَّذِينَ جاوَزُوا النَّهْرَ، وكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشْرَةَ عِدَّةَ أهْلِ بَدْرٍ، عَلى ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، عَنِ البَراءِ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ والقِلَّةُ إضافِيَّةٌ، فَلا يَرِدُ وصْفُ هَذا العَدَدِ أحْيانًا بِأنَّهُ جَمٌّ غَفِيرٌ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ومِنهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالتَّوَلِّي عَنِ القِتالِ وتَرْكِ الجِهادَ، وتَنافَتْ أقْوالُهم وأفْعالُهُمْ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أُرِيدَ مِنها الوَعِيدُ عَلى ذَلِكَ.
البقرة 2:247
﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ شُرُوعٌ في التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ؛ أيْ: قالَ بَعْدَ أنْ أُوحِيَ لَهم ما أُوحِيَ ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ يُدَبِّرُ أمْرَكُمْ، وتُصْدِرُونَ عَنْ رَأْيِهِ في القِتالِ، و( طالُوتَ ) فِيهِ قَوْلانِ؛ أظْهَرُهُما: أنَّهُ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ عِبْرِيٌّ كَداوُدَ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وقِيلَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنَ الطُّولِ، وأصْلُهُ: طَوَلُوتٌ كَرَهَبُوتٍ ورَحَمُوتٍ؛ فَقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ومُنِعَ صَرْفُهُ حِينَئِذٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِ، وأمّا ادِّعاءُ العَدْلِ عَنْ طَوِيلٍ والقَوْلُ بِأنَّهُ عِبْرانِيٌّ وافَقَ العَرَبِيَّ؛ فَتَكَلُّفٌ، و( مَلِكًا ) حالٌ مِن ( طالُوتَ )، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ نَبِيَّهم لَمّا دَعا رَبَّهُ أنْ يُمَلِّكَهم أتى بِعَصا يُقاسُ بِها مَن يُمَلَّكُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُساوِها إلّا طالُوتُ، وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أنَّهُ لَمّا دَعا اللَّهَ تَعالى؛ قالَ لَهُ: انْظُرِ القَرْنَ الَّذِي فِيهِ الدُّهْنُ في بَيْتِكَ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْكَ رَجُلٌ فَنَشَّ الدُّهْنَ الَّذِي فِيهِ فَهو مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ، فادْهِنْ رَأْسَهُ مِنهُ، ومَلِّكْهُ عَلَيْهِمْ، فَأقامَ يَنْتَظِرُ مَتى يَدْخُلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ، وكانَ طالُوتُ رَجُلًا دَبّاغًا يَعْمَلُ الأُدُمَ، وقِيلَ: كانَ سَقّاءً، وكانَ مِن سِبْطِ بِنْيامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نُبُوَّةٌ ولا مُلْكٌ، فَخَرَجَ طالُوتُ في ابْتِغاءِ دابَّةٍ لَهُ ضَلَّتْ، ومَعَهُ غُلامٌ، فَمَرّا بِبَيْتِ النَّبِيِّ، فَقالَ غُلامُ طالُوتَ لَهُ: لَوْ دَخَلْتَ بِنا عَلى هَذا النَّبِيِّ فَسَألْناهُ عَنْ أمْرِ دابَّتِنا؛ فَيُرْشِدَنا ويَدْعُوَ لَنا فِيها بِخَيْرٍ، فَقالَ طالُوتُ: ما بِما قُلْتَ مِن بَأْسٍ، فَدَخَلا عَلَيْهِ، فَبَيْنَما هو عِنْدَهُ يَذْكُرُ لَهُ شَأْنَ دابَّتِهِ، ويَسْألُهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُ إذْ نَشَّ الدُّهْنَ الَّذِي في القَرْنِ، فَقامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ فَأخَذَهُ، ثُمَّ قالَ لِطالُوتَ: قَرِّبْ رَأْسَكَ، فَقَرَّبَهُ فَدَهَنَهُ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: أنْتَ مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي أمَرَنِي اللَّهُ تَعالى أنْ أُمَلِّكَكَ عَلَيْهِمْ، فَجَلَسَ عِنْدَهُ وقالَ النّاسُ: مُلِّكَ طالُوتُ، فَأتَتْ عُظَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيَّهم مُسْتَغْرِبِينِ ذَلِكَ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ ولا المُلْكِ
﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ أيْ: مِن أيْنَ يَكُونُ، أوْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ؟ والِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيٌّ أوْ لِلتَّعَجُّبِ،
صفحة 167
لا لِتَكْذِيبِ نَبِيِّهِمْ، والإنْكارِ عَلَيْهِ في رَأْيٍ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ المُلْكِ، و( يَكُونُ ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ النّاقِصَةَ، فَيَكُونَ الخَبَرُ ( لَهُ )، و( عَلَيْنا ) حالٌ مِنَ المُلْكِ، أوِ الخَبَرُ ( عَلَيْنا )، و( لَهُ ) حالٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التّامَّةَ، فَيَكُونَ ( لَهُ ) مُتَعَلِّقًا بِها، و(عَلَيْنا ) حالٌ ﴿ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ الواوُ الأُولى حالِيَّةٌ، والثّانِيَةُ عاطِفَةٌ جامِعَةٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ؛ أيْ: كَيْفَ يَتَمَلَّكُ عَلَيْنا؟ والحالُ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ التَّمَلُّكَ؛ لِوُجُودِ مَن هو أحَقُّ مِنهُ، ولِعَدَمِ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المُلْكُ مِنَ المالِ، أوْ لِعَدَمِ ما يَجْبُرُ نَقْصَهُ لَوْ كانَ، ويُلْحِقُهُ بِالأشْرافِ عُرْفًا مِن ذَلِكَ، وأصْلُ سَعَةٍ وُسْعَةٌ بِالواوِ، وحُذِفَتْ لِحَذْفِها مِن ( يَسَعُ )، وكانَ حَقُّ الفِعْلِ كَسْرَ السِّينِ فِيهِ؛ لِيَتَأتّى الحَذْفُ كَما في ( يَعِدُ )، وإنَّما ارْتُكِبَ الفَتْحُ لِحَرْفِ الحَلْقِ، فَهو عارِضٌ؛ ولِذا أُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الكَسْرَةِ؛ ولِذَلِكَ الفَتْحِ فُتِحَتِ السِّينُ في المَصْدَرِ، ولَمْ تُكْسَرْ كَما كُسِرَتْ عَيْنُ عِدَةٍ
﴿قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأبْلَغِ وجْهٍ وأكْمَلِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْتَبْعِدُوا تَمَلُّكَهُ عَلَيْكم لِفَقْرِهِ وانْحِطاطِ نَسَبِهِ عَنْكُمْ؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ مَلاكَ الأمْرِ هو اصْطِفاءُ اللَّهِ تَعالى، وقَدِ اصْطَفاهُ واخْتارَهُ وهو سُبْحانُهُ أعْلَمُ بِالمَصالِحِ لَكُمْ، وأما ثانِيًا: فَلِأنَّ العُمْدَةَ وُفُورُ العِلْمِ؛ لِيُتَمَكَّنَ بِهِ مِن مَعْرِفَةِ الأُمُورِ السِّياسِيَّةِ، وجَسامَةُ البَدَنِ؛ لِيَكُونَ أعْظَمَ خَطَرًا في القُلُوبِ، وأقْوى عَلى كِفاحِ الأعْداءِ، ومُكابَدَةِ الحُرُوبِ، لا ما ذَكَرْتُمْ، وقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِحَظٍّ وافِرٍ مِنهُما، وأما ثالِثًا: فَلِأنَّهُ تَعالى مالِكُ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ، ولِلْمالِكِ أنْ يُمَكِّنَ مَن شاءَ مِنَ التَّصَرُّفِ في مُلْكِهِ بِإذْنِهِ، وأما رابِعًا: فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ واسِعُ الفَضْلِ، يُوَسِّعُ عَلى الفَقِيرِ فَيُغْنِيَهِ، عَلِيمٌ بِما يَلِيقُ بِالمُلْكِ مِنَ النَّسِيبِ وغَيْرِهِ، وفي تَقْدِيمِ البَسْطَةِ في العِلْمِ عَلى البَسْطَةِ في الجِسْمِ إيماءٌ إلى أنَّ الفَضائِلَ النَّفْسانِيَّةَ أعْلى وأشْرَفُ مِنَ الفَضائِلِ الجُسْمانِيَّةِ، بَلْ يَكادُ لا يَكُونُ بَيْنَهُما نِسْبَةٌ، لا سِيَّما ضَخامَةُ الجِسْمِ؛ ولِهَذا حَمَلَ بَعْضُهُمُ البَسْطَةَ فِيهِ هُنا عَلى الجَمالِ أوِ القُوَّةِ، لا عَلى المِقْدارِ كَطُولِ القامَةِ، كَما قِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ القائِمَ كانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتّى يَنالَ رَأْسَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ كَمالًا لَكانَ أحَقُّ الخَلْقِ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ _ ﷺ _، مَعَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ رَبْعَةً مِنَ الرِّجالِ،» ولَعَلَّ ذِكْرَ ذَلِكَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ تَزِيدُ المَلِكَ المَطْلُوبَ لِقِتالِ العَمالِقَةِ حُسْنًا؛ لِأنَّهم كانُوا ضِخامًا ذَوِي بَسْطَةٍ في الأجْسامِ، وكانَ ظِلُّ مَلِكِهِمْ جالُوتَ مِيلًا عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ، لا أنَّها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي عُمْدَةٌ في المُلُوكِ مِن حَيْثُ هُمْ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَحَقَّقَ أنَّ المَرْءَ بِأصْغَرَيْهِ لا بِكِبَرِ جِسْمِهِ وطُولِ بُرْدَيْهِ
وفِي اخْتِيارِ واسِعٌ وعَلِيمٌ في الإخْبارِ عَنْهُ تَعالى هُنا مَن حُسْنِ المُناسِبَةِ لِبَسْطَةِ الجِسْمِ، وكَثْرَةِ العِلْمِ ما تَهْتَشُّ لَهُ الخَواطِرُ، لا سِيَّما عَلى ما يَتَبادَرُ مِن بَسْطَةِ الجِسْمِ، وقِدَمِ الوَصْفِ الأوَّلِ، مَعَ أنَّ ما يُناسِبُهُ ظاهِرًا مُؤَخَّرٌ؛ لِأنَّ لَهُ مُناسَبَةَ مَعْنًى لِأوَّلِ الأخْبارِ؛ إذِ الِاصْطِفاءُ مِن سِعَةِ الفَضْلِ أيْضًا، ولِأنَّ ( عَلِيمٌ ) أوْفَقُ بِالفَواصِلِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ
البقرة 2:248
﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مِثْلِهِ مِمّا تَقَدَّمَ، وكانَ تَوْسِيطُ ما تَقَدَّمَ بَيْنَهُما؛ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ اتِّصالِ أحَدِهِما بِالآخَرِ، وتَخَلُّلِ كَلامٍ مِن جِهَةِ المُخاطَبِينَ، مُتَفَرِّعٍ عَلى السّابِقِ، مُسْتَتْبَعٍ لِلْأحَقِّ، ورِواياتُ القَصّاصِ مُتَظافِرَةٌ عَلى أنَّهم قالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ما آيَةُ مُلْكِهِ واصْطِفائِهِ عَلَيْنا؟ فَقالَ: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ ولَمّا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهم ذَلِكَ مَذْكُورًا لِيَقَعَ هَذا جَوابًا لَهُ صَراحَةً؛ أعادَ الفاعِلَ لِيُغايِرَ ما عُلِمَ صَراحَةً كَوْنُهُ جَوابًا، وإنَّما لَمْ يُجْرِ ذَلِكَ المَجْرى بِأنْ يَذْكُرَ مَقُولَهُمْ، ويَكُونَ هَذا جَوابًا لَهُ، ويَكْتَفِيَ بِالإضْمارِ كَما اكْتَفى بِهِ أوَّلًا؛ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ لِلنَّبِيِّ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ لَهُ، وبَيانِهِ لَهم ما اسْتَفْهَمُوا عَنْهُ، مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حَتّى يُجابَ؛ لِأنَّ لَهُ شَبَهًا تامًّا بِالتَّعَنُّتِ حِينَئِذٍ، وإنْ عُدَّ مِن بابِ
صفحة 168
السُّؤالِ لِتَقْوِيَةِ العِلْمِ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا مُؤْمِنِينَ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ما يَقْتَضِي أنَّهم لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِهِ حِينَئِذٍ، فَعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ هَذا النَّبِيَّ كانَ قَدْ كَفَلَهُ شَيْخٌ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَبْعَثَهُ نَبِيًّا؛ أتاهُ جِبْرِيلُ وهو غُلامٌ نائِمٌ إلى جَنْبِ الشَّيْخِ، وكانَ لا يَأْمَنُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَدَعاهُ بِلَحْنِ الشَّيْخِ، فَقامَ فَزِعًا إلى الشَّيْخِ، فَقالَ: يا أبَتاهُ، دَعَوْتَنِي؟ فَكَرِهَ الشَّيْخُ أنْ يَقُولَ لا فَيَفْزَعَ، فَقالَ: يا بُنَيَّ، ارْجِعْ فَنَمْ، فَرَجَعَ فَنامَ، فَدَعاهُ الثّانِيَةَ فَأتاهُ الغُلامُ أيْضًا، فَقالَ: دَعَوْتَنِي؟ فَقالَ: ارْجِعْ فَنَمْ، فَإنْ دَعَوْتُكَ الثّالِثَةَ فَلا تُجِبْنِي، فَلَمّا كانَتِ الثّالِثَةُ ظَهَرَ لَهُجِبْرِيلُ، فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ إلى قَوْمِكَ فَبَلِّغْهم رِسالَةَ رَبِّكَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا، فَلَمّا أتاهم كَذَّبُوهُ، وقالُوا: اسْتَعْجَلْتَ بِالنُّبُوَّةِ ولَمْ يَأْنِ لَكَ، وقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فابْعَثْ لَنا مَلِكًا، ثُمَّ جَرى ما جَرى، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ فَقالُوا: ما كُنْتَ قَطُّ أكْذَبَ مِنكَ السّاعَةَ، واعْتَرَضُوا وأُجِيبُوا، ثُمَّ قالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَأْتِنا بِآيَةٍ أنَّ هَذا مَلِكٌ، فَقالَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ المُصَرَّحُ بِهِ في الآيَةِ، وكَذا الطَّلَبُ المَرْمُوزُ إلَيْهِ فِيها صادِرًا عَنْ إنْكارٍ، وعَدَمِ إيقانٍ، ووَجْهُ تَرْكِ ذِكْرِ سُؤالِهِمْ حِينَئِذٍ إنْ كانَ الإشارَةُ إلى أنَّ مِن شَأْنِ الأنْبِياءِ الإتْيانَ بِالآياتِ، وإنْ لَمْ تُطْلَبْ مِنهُمْ؛ جَلْيًا لِلشّارِدِ، وتَقْيِيدًا لِلْوارِدِ، ولِيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا هُدًى، والتّابُوتُ الصُّنْدُوقُ، وهو فَعْلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ، وهو الرُّجُوعُ لِما أنَّهُ لا يَزالُ يَرْجِعُ إلَيْهِ ما يَخْرُجُ مِنهُ، وصاحِبُهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِيما يَحْتاجُهُ مِن مُودِعاتِهِ، فَتاؤُهُ مَزِيدَةٌ كَتاءِ مَلَكُوتٍ، وأصْلُهُ تَوْبُوتٌ؛ فَقُلِبَتِ الواوُ ألْفًا ولَيْسَ بِفاعُولٍ، مِنَ التَّبْتِ؛ لِقِلَّةِ ما كانَ فاؤُهُ ولامُهُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ كَسَلِسٍ وقَلِقٍ، وقُرِئَ: تابُوهٌ بِالهاءِ وهي لُغَةُ الأنْصارِ، والأوْلى لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي الَّتِي أمَرَ عُثْمانُ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ بِكِتابَتِها في الإمامِ، حِينَ تَرافَعَ لَدَيْهِ في ذَلِكَ زَيْدٌ وأبانُ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ ووَزْنُهُ حِينَئِذٍ عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فاعُولٌ؛ لِأنَّ شُبْهَةَ الِاشْتِقاقِ لا تُعارِضُ زِيادَةَ الهاءِ وعَدَمِ النَّظِيرِ، وأمّا جَعْلُ الهاءِ بَدَلًا مِنَ التّاءِ لِاجْتِماعِهِما في الهَمْسِ، وأنَّهُما مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإبْدالَ في غَيْرِ تاءِ التَّأْنِيثِ لَيْسَ بِثَبْتٍ، وذَهَب الجَوْهَرِيُّ إلى أنَّ التّاءَ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ، وأصْلُهُ عِنْدَهُ تابُوَةٌ مِثْلَ تَرْقُوَةٍ، فَلَمّا سُكِّنَتِ الواوُ انْقَلَبَتْ هاءُ التَّأْنِيثِ تاءً، والمُرادُ بِهِ صُنْدُوقٌ كانَ يَتَبَرَّكُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، فَذَهَبَ مِنهم واخْتُلِفَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ؛ فَقالَ أرْبابُ الأخْبارِ: هو صُنْدُوقٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى آدَمَ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ فِيهِ تَماثِيلُ الأنْبِياءِ جَمِيعِهِمْ، وكانَ مِن عُودِ الشِّمْشاذِ، نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ، ولَمْ يَزَلْ يَنْتَقِلُ مِن كِرِيمٍ إلى كِرِيمٍ حَتّى وصَلَ إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ إلى بَنِيهِ، ثُمَّ وثُمَّ إلى أنْ فَسَدَ بَنُو إسْرائِيلَ وعَصَوْا بَعْدَ مُوسى _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ العَمالِقَةَ، فَأخَذُوهُ مِنهم فَجَعَلُوهُ في مَوْضِعِ البَوْلِ والغائِطِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُمَلِّكَ طالُوتَ؛ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ البَلاءَ حَتّى أنَّ كُلَّ مَن أحْدَثَ عِنْدِهِ ابْتُلِيَ بِالبَواسِيرِ، وهَلَكَتْ مِن بِلادِهِمْ خَمْسُ مَدائِنَ، فَعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ اسْتِهانَتِهِمْ بِهِ، فَأخْرَجُوهُ وجَعَلُوهُ عَلى ثَوْرَيْنِ فَأقْبَلا يَسِيرانِ، وقَدْ وكَّلَ اللَّهُ تَعالى بِهِما أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ يَسُوقُونَهُما، حَتّى أتَوْا مَنزِلَ طالُوتَ
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ أنَّهُ صُنْدُوقُ التَّوْراةِ، وكانَ قَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ سُخْطًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا عَصَوْا بَعْدَ وفاةِ مُوسى _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ فَلَمّا طُلِبَتِ الآيَةُ أتى مِنَ السَّماءِ، والمَلائِكَةُ يَحْفَظُونَهُ، وبَنُو إسْرائِيلَ يُشاهِدُونَ ذَلِكَ حَتّى أنْزَلُوهُ في بَيْتِ طالُوتَ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ أنَّهُ التّابُوتُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى أُمِّ مُوسى، فَوَضَعَتْهُ فِيهِ وألْقَتْهُ في البَحْرِ، وكانَ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ إلى أنْ فَسَدُوا، فَجَعَلُوا يَسْتَخِفُّونَ بِهِ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أنْ كانَ ما كانَ، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ، وأقْرَبُ الأقْوالِ الَّتِي رَأيْتُها أنَّهُ صُنْدُوقُ التَّوْراةِ، تَغَلَّبَتْ عَلَيْهِ العَمالِقَةُ حَتّى رَدَّهُ اللَّهُ تَعالى، وأبْعَدُها أنَّهُ صُنْدُوقٌ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ عَلى آدَمَ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ وكانَ
صفحة 169
يَتَحاكَمُ النّاسُ إلَيْهِ بَعْدَ مُوسى _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ إذا اخْتَلَفُوا، فَيَحْكُمُ بَيْنَهم ويَتَكَلَّمُ مَعَهم إلى أنْ فَسَدُوا، فَأخَذَهُ العَمالِقَةُ، ولَمْ أرَ حَدِيثًا صَحِيحًا مَرْفُوعًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ يَفْتَحُ قُفْلَ هَذا الصُّنْدُوقِ، ولا فِكْرًا كَذَلِكَ ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ في إتْيانِهِ سُكُونٌ لَكم وطُمَأْنِينَةٌ، فالسَّكِينَةُ مَصْدَرٌ حِينَئِذٍ، أوْ فِيهِ نَفْسِهِ ما تَسْكُنُونَ إلَيْهِ، وهو التَّوْراةُ، وقِيلَ: _ ولَيْسَ بِالصَّحِيحِ كَما قالَهُ الرّاغِبُ _ صُورَةٌ كانَتْ فِيهِ مِن زَبَرْجَدٍ أوْ ياقُوتٍ، لَها رَأْسٌ وذَنَبٌ كَرَأْسِ الهِرَّةِ وذَنَبِها، وجَناحانِ فَتَئِنُّ فَيُزَفُّ التّابُوتُ نَحْوَ العَدُوِّ وهم يَمْضُونَ مَعَهُ، فَإذا اسْتَقَرَّ ثَبَتُوا وسَكَنُوا ونَزَلَ النَّصْرُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ أيْ: مِن سُكَيْناتِ رَبِّكُمْ
﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ هي رُضاضُ الألْواحِ، وثِيابُ مُوسى، وعِمامَةُ هارُونَ، وطَسْتٌ مِن ذَهَبٍ، كانَتْ تُغْسَلُ بِهِ قُلُوبُ الأنْبِياءِ، وكَلِمَةُ الفَرَجِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ السَّمَواتِ السَّبْعِ ورَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وآلُهُما أتْباعُهُما أوْ أنْفُسُهُما أوْ أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهم أبْناءُ عَمِّهِما ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ حالٌ مِنَ التّابُوتِ، والحَمْلُ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ عَلى حَدِّ
حَمَل زَيْدٌ مَتاعِي إلى مَكَّةَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن إتْيانِ التّابُوتِ، فَهو مِن كَلامِ النَّبِيِّ لِقَوْمِهِ، أوْ إلى نَقْلِ القِصَّةِ وحِكايَتِها، فَهو ابْتِداءُ خِطابٍ مِنهُ تَعالى لِلنَّبِيِّ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجِيءَ بِهِ قَبْل تَمامِ القِصَّةِ؛ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ، وإفْرادُ حَرْفِ الخِطابِ مَعَ تَعَدُّدِ المُخاطِبِينَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ بِتَأْوِيلِ الفَرِيقِ ونَحْوِهِ ﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً كائِنَةً لَكُمْ، دالَّةً عَلى جَعْلِ طالُوتَ مَلِكًا عَلَيْكُمْ، أوْ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ حَيْثُ أخْبَرَ بِما أخْبَرَ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِنَ البَشَرِ، ولا أخْذٍ مِن كِتابٍ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مُصَدِّقِينَ بِتَمْلِيكِهِ عَلَيْكُمْ، أوْ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ، و( إنْ ) شَرْطِيَّةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى ما قَبْلَهُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ حَقِيقَةَ الشَّرْطِيَّةِ إذا كانَ المُخاطَبُ مَن تَحَقَّقَ إيمانُهُ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى إذْ.
البقرة 2:249
﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ أيِ: انْفَصَلَ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ مُصاحِبًا لَهم لِقِتالِ العَمالِقَةِ، وأصْلُهُ فَصْلُ نَفْسِهِ عَنْهُ، ولَمّا اتَّحَدَ فاعِلُهُ ومَفْعُولُهُ شاعَ اسْتِعْمالُهُ مَحْذُوفَ المَفْعُولِ حَتّى نَزَلَ مَنزِلَةَ القاصِرِ كانْفَصَلَ، وقِيلَ: فَصَّلَ فُصُولًا، وجُوِّزَ كَوْنُهُ أصْلًا بِرَأْسِهِ، مُمْتازًا مِنَ المُتَعَدِّي بِمَصْدَرِهِ؛ كَوَقَفَ وُقُوفًا، ووَقَّفَهُ وقْفًا، وصَدَّ عَنْهُ صُدُودًا، أوْ صَدَّهُ صَدًّا، وهو بابٌ مَشْهُورٌ، والجُنُودُ: الأعْوانُ والأنْصارُ، جَمْعُ جُنْدٍ، وفِيهِ مَعْنى الجَمْعِ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: لا يَخْرُجُ مَعِي رَجُلٌ بَنى بِناءً لَمْ يَفْرَغْ مِنهُ، ولا تاجِرٌ مُشْتَغِلٌ بِالتِّجارَةِ، ولا مُتَزَوِّجٌ بِامْرَأةٍ لَمْ يَبْنِ عَلَيْها، ولا أبْتَغِي إلّا الشّابَّ النَّشِيطَ الفارِغَ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِمَّنِ اخْتارَهُ ثَمانُونَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا، فَسَلَكُوا مَفازَةً فَسَألُوا نَهْرًا ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ أيْ: مُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يُرِيدُ أنْ يَخْتَبِرَكُمْ؛ لِيَظْهَرَ لِلْعِيانِ الصّادِقُ مِنكم والكاذِبُ ﴿بِنَهَرٍ﴾ بِفَتْحِ الهاءِ، وقُرِئَ بِسُكُونِها وهي لُغَةٌ فِيهِ، وكانَ ذَلِكَ نَهْرَ فِلَسْطِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ وعَنْ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ: أنَّهُ نَهَرٌ بَيْنَ فِلَسْطِينَ والأُرْدُنِ ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ أيِ: ابْتَدَأ شُرْبَهُ لِمَزِيدِ عَطَشِهِ مِن نَفْسِ النَّهْرِ؛ بِأنْ كَرَعَ لِأنَّهُ الشُّرْبُ مِنهُ حَقِيقَةٌ، وهَذا كَثِيرًا ما يَفْعَلُهُ العَطْشانُ المُشْرِفُ عَلى الهَلاكِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: فَمَن شَرِبَ مِن مائِهِ مُطْلَقًا ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أيْ: مِن أشْياعِي، أوْ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِي، ومُتَّحِدٍ مَعِي، فَمِنَ اتِّصالِيَّةٌ وهي غَيْرُ التَّبْعِيضِيَّةِ عِنْدَ بَعْضٍ، وكَأنَّها بَيانِيَّةٌ عِنْدَهُ، وعَيَّنَها عِنْدَ آخَرِينَ
صفحة 170
﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: مَن لَمْ يَذُقْهُ؛ مِن طَعِمَ الشَّيْءَ: إذا ذاقَهُ مَأْكُولًا كانَ أوْ مَشْرُوبًا، حَكاهُ الأزْهَرِيُّ، عَنِ اللَّيْثِ، وذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ أنَّ الطَّعْمَ ما يُؤَدِّيهِ الذَّوْقُ، ولَيْسَ هو نَفْسَ الذَّوْقِ، فَمَن فَسَّرَهُ بِهِ عَلى هَذا؛ فَقَدَ تَوَسَّعَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ اسْتِعْمالُ طَعِمَ الماءَ بِمَعْنى ذاقَ طَعْمَهُ مُسْتَفِيضٌ لا يُعابُ اسْتِعْمالُهُ لَدى العَرَبِ العَرْباءِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا وأمّا اسْتِعْمالُهُ بِمَعْنى شَرِبَهُ واتَّخَذَهُ طَعامًا فَقَبِيحٌ، إلّا أنْ يَقْتَضِيَهُ المَقامُ، كَما في حَدِيثِ زَمْزَمَ:”طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ“ فَإنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّها تُغَذِّي بِخِلافِ سائِرِ المِياهِ، ولا يَخْدِشُ هَذا ما حُكِيَ أنَّ خالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيَّ قالَ عَلى مِنبَرِ الكُوفَةِ وقَدْ خَرَجَ عَلَيْهِ المُغِيرَةُ بْنُ سَعِيدٍ: أطْعِمُونِي ماءً، فَعابَتْ عَلَيْهِ العَرَبُ ذَلِكَ وهَجَوْهُ بِهِ وحَمَلُوهُ عَلى شِدَّةِ جَزَعِهِ، وقِيلَ فِيهِ:
بَلِ المَنابِرُ مِن خَوْفٍ ومِن وهَلٍ واسْتَطْعَمَ الماءَ لَمّا جَدَّ في الهَرَبِ
وألْحَنُ النّاسِ كُلُّ النّاسِ قاطِبَةً ∗∗∗ وكانَ يَوْلَعُ بِالتَّشْدِيقِ بِالخُطَبِ
لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما عِيبَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْ جَزَعٍ، فَكانَ مَظِنَّةَ الوَهْمِ وعَدَمِ قَصْدِ المَعْنى الصَّحِيحِ، وإلّا فَوُقُوعُ مِثْلِهِ في كَلامِهِمْ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُشَكَّ فِيهِ، وإنَّما عَلِمَ طالُوتُ أنَّ مَن شَرِبَ عَصاهُ، ومَن لَمْ يَطْعَمْ أطاعَهُ، بِواسِطَةِ الوَحْيِ إلى نَبِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّما لَمْ يُخْبِرْهُمُ النَّبِيُّ نَفْسُهُ بِتِلْكَ، بَلْ ألْقاهُ إلى طالُوتَ فَأخْبَرَ بِهِ، كَأنَّهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ لِيَكُونَ لَهُ وقْعٌ في قُلُوبِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِواسِطَةِ وحْيٍ إلَيْهِ، بِناءً عَلى أنَّهُ نُبِّئَ بَعْدَ أنْ مُلِّكَ، وهو قَوْلٌ لا ثَبْتَ لَهُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالفِراسَةِ والإلْهامِ بَعِيدٌ ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ ضَمِيرِهِ في الخَبَرِ، فَإنَّ فُسِّرَ الشُّرْبُ بِالكُرُوعِ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا وإلّا كانَ مُتَّصِلًا، وفائِدَةُ تَقْدِيمِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ الإيذانُ بِأنَّها مِن تَتِمَّةِ الأُولى، وأنَّ الغَرَضَ مِنها تَأْكِيدُها وتَتْمِيمُها؛ نَهْيًا عَنِ الكُرُوعِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وإفادَةَ أنَّ المُغْتَرِفَ لَيْسَ بِذائِقٍ حُكْمًا، فَيُؤَكِّدُ تَرْخِيصَ الِاغْتِرافِ، ولَوْ أُخِّرَتْ لَمْ تُفِدْ هَذِهِ الفَوائِدَ، ولاخْتَلَّ النَّظْمُ لِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ إذْ ذاكَ عَلى أنَّ المُغْتَرِفَ مُتَّحِدٌ مَعَهُ، ودَلالَةِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ بِمَفْهُومِها عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُتَحَدٍّ مَعَهُ، ولا يَصِحُّ في الِاسْتِثْناءِ أنْ يَكُونَ مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ الرّاجِعَيْنِ إلى المَوْصُولَيْنِ في الصِّلَةِ؛ لِلْفَصْلِ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ حِينَئِذٍ بِالخَبَرِ، وأداءُ المَعْنى في الأوَّلِ إلى أنَّ المُجْتَرِئَ في الشُّرْبِ بِغُرْفَةٍ واحِدَةٍ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِهِ مُتَّحِدًا مَعَهُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: والَّذِينَ شَرِبُوا كُلُّهم إلّا المُغْتَرِفَ لَيْسَ مِنِّي، ولا يَصِحُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي، أوِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِ في الخَبَرِ خِلافًا لِلْبَعْضِ، إذْ لا فَرْقَ لِأدائِهِ إلى أنَّ المُجْتَرِئَ المَذْكُورَ مُخْرَجٌ مِن حُكْمِ الِاتِّحادِ مَعَهُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: والَّذِينَ لَمْ يَذُوقُوهُ فَإنَّهم كُلَّهم إلّا المُغْتَرِفَ مِنهم مُتَّصِلُونَ بِي مُتَّحِدُونَ مَعِي، ولَيْسَ بِالمُرادِ أصْلًا، والغُرْفَةُ ما يُغْرَفُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأهْلُ المَدِينَةِ: غَرْفَةً بِفَتْحِ الغَيْنِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ، وقِيلَ: الغُرْفَةُ والغَرْفَةُ مَصْدَرانِ، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِاغْتَرَفَ، أوْ بِغُرْفَةٍ في قَوْلٍ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: فابْتُلُوا بِهِ فَشَرِبُوا، والمُرادُ إمّا كَرَعُوا وهو المُتَبادَرُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ أوْ أفْرَطُوا في الشُّرْبِ إلّا قَلِيلًا مِنهم لَمْ يَكْرَعُوا، أوْ لَمْ يُفَرِّطُوا في الشُّرْبِ، بَلِ اقْتَصَرُوا عَلى الغَرْفَةِ بِاليَدِ، وكانَتْ تَكْفِيهِمْ لِشُرْبِهِمْ وإداوَتِهِمْ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما _ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا أنَّ مَن شَرِبَ
صفحة 171
لَمْ يَزْدَدْ إلّا عَطَشًا، وفي رِوايَةٍ: إنَّ الَّذِينَ شَرِبُوا اسْوَدَّتْ شِفاهُهُمْ، وغَلَبَهُمُ العَطَشُ، وكانَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ المُعْجِزَةِ لِذَلِكَ النَّبِيِّ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأعْمَشُ: إلّا قَلِيلٌ بِالرَّفْعِ، وجَعَلُوهُ مِنَ المَيْلِ إلى جانِبِ المَعْنى، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ في قُوَّةٍ أنْ يُقالَ: فَلَمْ يُطِيعُوهُ، فَحَقَّ أنْ يَرِدَ المُسْتَثْنى مَرْفُوعًا؛ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقَ:
وعَضُّ زَمانٌ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
فَإنَّ قَوْلَهُ: لَمْ يَدْعُ في حُكْمِ لَمْ يَبْقَ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، وجَوَّزَ في المُوجِبِ وجْهَيْنِ: النَّصْبَ وهو الأفْصَحُ، والإتْباعُ لِما قَبْلَهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأوْرَدَ لَهُ قَوْلَهُ: وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾ أيِ: النَّهْرَ وتَخَطّاهُ ﴿هُوَ﴾ أيْ: طالُوتُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ المُؤَكَّدِ بِالمُنْفَصِلِ، والمُرادُ بِهِمُ القَلِيلُونَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ؛ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ، وإيماءً إلى أنَّ مِن عَداهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الإيمانِ ﴿مَعَهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاوَزَ لا بِآمَنُوا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ ( الَّذِينَ )، بِناءً عَلى أنَّ الواوَ لِلْحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: ( فَلَمّا جاوَزَهُ ) والحالُ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا كائِنُونَ ( مَعَهُ )
﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ أيْ: لا قُدْرَةَ لَنا بِمُحارَبَتِهِمْ ومُقاوَمَتِهِمْ، فَضْلًا عَنِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ، وجالُوتُ كَطالُوتَ، والقائِلُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضٍ، وهو إظْهارُ ضَعْفٍ لا نُكُوصَ، لَمّا شاهَدُوا مِنَ الأعْداءِ ما شاهَدُوا مِنَ الكَثْرَةِ والشِّدَّةِ؛ قِيلَ: كانُوا مِائَةَ ألْفِ مُقاتِلٍ شاكِي السِّلاحِ، وقِيلَ: ثَلاثَمِائَةِ ألْفٍ ﴿قالَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ لِذَلِكَ البَعْضِ، وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أيْ: يَتَيَقَّنُونَ ﴿أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ بِالبَعْثِ والرُّجُوعِ إلى ما عِنْدَهُ، وهُمُ الخُلَّصُ مِن أُولَئِكَ، والأعْلَوْنَ إيمانًا فَلا يُنافِي وصْفُهم بِذَلِكَ إيمانَ الباقِينَ، فَإنَّ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ مُتَفاوِتَةٌ، ويُحْتَمَلُ إبْقاءُ الظَّنِّ عَلى مَعْناهُ، والمُرادُ: يَظُنُّونَ أنَّهم يَسْتَشْهِدُونَ عَمّا قَرِيبٌ، ويَلْقَوْنَ اللَّهَ تَعالى، وقِيلَ: المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً، وضَمِيرُ ( قالُوا ) لِلْمُنْخَزِلِينَ عَنْهُمْ، كَأنَّهم قالُوا ذَلِكَ اعْتِذارًا عَنِ التَّخَلُّفِ والنَّهْرِ بَيْنَهُما، ولا يَخْفى بَعْدَهُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ، ولَمْ يَكُنِ المُنْخَزِلُونَ إذْ ذاكَ مَعَهُمْ، وأيْضًا أيُّ حاجَةٍ إلى إبْداءِ العُذْرِ عَنِ التَّخَلُّفِ، مَعَ ما سَبَقَ مِن طالُوتَ أنَّ الكارِعِينَ لَيْسُوا مِنهُ في شَيْءٍ، فَلَوْ لَمْ يَنْخَزِلُوا لَمُنِعُوا مِنَ الذَّهابِ ( مَعَهُ ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ النّاسِ وجَماعَةٍ؛ مِن فَأوْتَ رَأْسَهُ إذا شَقَقْتَهُ، أوْ مِن فاءَ إلَيْهِ إذا رَجَعَ، وأصْلُها عَلى الأوَّلِ فِيوَةٌ؛ فَحُذِفَتْ لامُها فَوَزْنُها فِعَةٌ، وأصْلُها عَلى الثّانِي فِيئَةٌ؛ فَحُذِفَتْ عَيْنُها فَوَزْنُها فِلَةٌ، و( كَمْ ) هُنا خَبَرِيَّةٌ، ومَعْناها كَثِيرٌ، و( مِن ) زائِدَةٌ، و( فِئَةٍ ) تَمْيِيزٌ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( مِن فِئَةٍ ) في مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِـ ( كَمْ ) كَما تَقُولُ: عِنْدِي مِائَةٌ مِن دِرْهَمٍ ودِينارٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ كَمِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، ولَعَلَّهُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، ونُقِلَ عَنِ الرِّضى أنَّ ( مِن ) لا تَدْخُلُ بَعْدَ ( كَمِ ) الِاسْتِفْهامِيَّةِ، فالقَوْلُ بِالخَبَرِيَّةِ أوْلى ﴿قَلِيلَةٍ﴾ نَعْتٌ لِفِئَةٍ عَلى لَفْظِها ﴿غَلَبَتْ﴾ أيْ: قَهَرَتْ عِنْدَ المُحارَبَةِ ﴿فِئَةً كَثِيرَةً﴾ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها
﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِحُكْمِهِ وتَيْسِيرِهِ، ولَمْ يَقُولُوا أطاقَتْ حَسْبَما وقَعَ في كَلامِ أصْحابِهِمْ؛ مُبالَغَةً في تَشْجِيعِهِمْ، وتَسْكِينِ قُلُوبِهِمْ، وإذا حُمِلَ التَّنْوِينُ في ( فِئَةٍ ) الأُولى لِلتَّحْقِيرِ، وفي ( فِئَةً ) الثّانِيَةَ لِلتَّعْظِيمِ؛ كانَ أبْلَغَ في التَّشْجِيعِ، وأكْمَلَ في التَّسْكِينِ، وقَدْ ورَدَ مِثْلُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ:
صفحة 172
لَهُ حاجِبٌ عَنْ كُلِّ أمْرٍ يَشِينُهُ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ عَنْ طالِبِ العُرْفِ حاجِبُ
وهَذا كَما تَرى ناشِئٌ مِن كَمالِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وتَصْدِيقِهِمْ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعْجِزُهُ إحْياءُ المَوْتى، كَما لا يُعْجِزُهُ إماتَةُ الأحْياءِ، فَضْلًا عَنْ نُصْرَةِ الضُّعَفاءِ، فَلا رَيْبَ في أنَّ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِمّا لَهُ كَمالُ مُلاءَمَةٍ لِلْحُكْمِ الوارِدِ عَلى المَوْصُولِ، لا سِيَّما وقَدْ أخَذَ فِيهِ إذْنَ اللَّهِ تَعالى وحُكْمَهُ، ومَن لا يُؤْمِنُ بِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى؛ لا يَكادُ يَقْرَبُ مِن هَذا القَيْدِ قَيْدَ شِبْرٍ، فانْدَفَعَ بِهَذا ما قالَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ: مِن أنَّ هَذا الجَوابَ كَما تَرى ناشِئٌ مِن كَمالِ ثِقَتِهِمْ بِنَصْرِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ، ولا دَخْلَ في ذَلِكَ لِظَنِّ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى بِالبَعْثِ، ولا لِتُوقِّعِ ثَوابِهِ _ عَزَّ شَأْنُهُ _ ولا رَيْبَ في أنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَدارًا لِلْحُكْمِ الوارِدِ عَلى المَوْصُولِ، ولا أقَلَّ مِن أنَّ يَكُونَ وصْفًا مُلائِمًا لَهُ، فَإنَّ المُلاءَمَةَ عَلى ما جادَ بِهِ هَذا الذِّهْنُ الكَلِيلُ حَصَلَتْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، فَلا حاجَةَ في تَحْصِيلِها إلى ما ذَكَرَهُ _ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى _ بَعْدُ؛ مِن إخْراجِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ الشّائِعِ اسْتِعْمالُهُ فِيهِ إلى يَوْمِ مُلاقاتِهِ تَعالى، وحَمْلِ مُلاقاتِهِ سُبْحانَهُ عَلى مُلاقاةِ نَصْرِهِ تَعالى وتَأْيِيدِهِ، وجَعْلِ التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ عَنْهُ مُبالَغَةً، فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِعْمالِ ذَلِكَ في جَمِيعِ الكِتابِ المَجِيدِ، ولَيْسَ هو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ المُرادُ مِنهُ المَعِيَّةُ بِالنَّصْرِ والإحْسانِ؛ لِأنَّهُ في سائِرِ القُرْآنِ مَأْلُوفٌ اسْتِعْمالُهُ في مِثْلِ ذَلِكَ، كَما لا يَخْفى، وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الأعْلَيْنَ؛ أُتِيَ بِهِ تَكْمِيلًا لِلتَّشْجِيعِ، وتَرْغِيبًا بِالصَّبْرِ، بِالإشارَةِ إلى ما فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى، جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِكَلامِهِمْ، ودُعاءً لِلسّامِعِينَ إلى مِثْلِ حالِ هَؤُلاءِ، المُشِيرُ إلَيْها مَقالُهم.
البقرة 2:250
﴿ولَمّا بَرَزُوا﴾ أيْ: ظَهَرَ طالُوتُ ومَن مَعَهُ، وصارُوا في بِرازٍ مِنَ الأرْضِ؛ وهو ما انْكَشَفَ مِنها واسْتَوى ﴿لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ أيْ: لِمُحارَبَتِهِمْ وقِتالِهِمْ ﴿قالُوا﴾ جَمِيعًا بَعْدَ أنْ قَوِيَتْ قُلُوبُ الضُّعَفاءِ، مُتَضَرِّعِينَ إلى اللَّهِ تَعالى مُتَبَرِّئِينَ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ
﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ أيْ: صُبَّ ذَلِكَ عَلَيْنا، ووَفِّقْنا لَهُ، والمُرادُ بِهِ: حَبْسُ النَّفْسِ لِلْقِتالِ ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ أيْ: هَبْ لَنا كَمالَ القُوَّةِ والرُّسُوخِ عِنْدَ المُقارَعَةِ؛ بِحَيْثُ لا تَتَزَلْزَلُ، ولَيْسَ المُرادُ بِتَثْبِيتِ الأقْدامِ مُجَرَّدَ تَقَرُّرِها في حَيِّزٍ واحِدٍ، إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ كَثِيرُ جَدْوى ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: أعِنّا عَلَيْهِمْ بِقَهْرِهِمْ وهَزْمِهِمْ، ووَضَعَ ( الكافِرِينَ ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى جالُوتَ وجُنُودِهِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، وفي هَذا الدُّعاءِ مِنَ اللَّطافَةِ وحُسْنِ الأُسْلُوبِ والنِّكاتِ ما لا يَخْفى؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ فِيهِ التَّوَسُّلَ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ فِيهِ الإفْراغَ، وهو يُؤْذِنُ بِالكَثْرَةِ، وفِيهِ جَعْلُ الصَّبْرِ بِمَنزِلَةِ الماءِ المُنْصَبِّ عَلَيْهِمْ؛ لِثَلْجِ صُدُورِهِمْ، وإغْنائِهِمْ عَنِ الماءِ الَّذِي مُنِعُوا عَنْهُ، وأما ثالِثًا: فَلِأنَّ فِيهِ التَّعْبِيرَ بِعَلى المُشْعِرَ بِجَعْلِ ذَلِكَ كالظَّرْفِ، وجَعْلِهِمْ كالمَظْرُوفِينَ، وأمّا رابِعًا: فَلِأنَّ فِيهِ تَنْكِيرَ ( صَبْرًا ) المُفْصِحَ عَنِ التَّفْخِيمِ، وأمّا خامِسًا: فَلِأنَّ في الطَّلَبِ الثّانِي وهو تَثْبِيتُ الأقْدامِ ما يُرَشِّحُ جَعْلَ الصَّبْرِ بِمَنزِلَةِ الماءِ في الطَّلَبِ الأوَّلِ؛ إذْ مَصابُّ الماءِ مَزالِقُ، فَيُحْتاجُ فِيها إلى التَّثْبِيتِ، وأمّا سادِسًا: فَلِأنَّ فِيهِ حُسْنَ التَّرْتِيبِ؛ حَيْثُ طَلَبُوا أوَّلًا: إفْراغَ الصَّبْرِ عَلى قُلُوبِهِمْ عِنْدَ اللِّقاءِ، وثانِيًا: ثَباتَ القَدَمِ والقُوَّةِ عَلى مُقاوَمَةِ العَدُوِّ، حَيْثُ إنّ الصَّبْرَ قَدْ يَحْصُلُ لِمَن لا مُقاوَمَةَ لَهُ، وثالِثًا: العُمْدَةُ والمَقْصُودُ مِنَ المُحارَبَةِ وهو النُّصْرَةُ عَلى الخَصْمِ، حَيْثُ إنّ الشَّجاعَةَ بِدُونِ النُّصْرَةِ طَرِيقٌ عَتَبَتُهُ عَنِ النَّفْعِ خارِجَةٌ، وقِيلَ: إنَّما طَلَبُوا أوَّلًا: إفْراغَ الصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ مَلاكُ الأمْرِ، وثانِيًا: التَّثْبِيتَ؛ لِأنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، وثالِثًا: النَّصْرَ؛ لِأنَّهُ الغايَةُ القُصْوى، واعْتَرَضَ
صفحة 173
هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي حِينَئِذٍ التَّعْبِيرَ بِالفاءِ؛ لِأنَّها الَّتِي تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، وأُجِيبُ بِأنَّ الواوَ أبْلَغُ؛ لِأنَّهُ عَوْلٌ في التَّرْتِيبِ عَلى الذِّهْنِ، الَّذِي هو أعْدَلُ شاهِدٍ، كَما ذَكَرَ السَّكّاكِيُّ.
البقرة 2:251
﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ أيْ: كَسَرُوهم وغَلَبُوهُمْ، والفاءُ فِيهِ فَصِيحَةٌ؛ أيِ: اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُمْ، فَصَبَرُوا وثُبِّتُوا ونُصِرُوا فَهَزَمُوهم ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ انْهِزامَهُمْ، ويُأوَّلُ إلى نَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، والباءُ إمّا لِلِاسْتِعانَةِ والسَّبَبِيَّةِ، وإمّا لِلْمُصاحَبَةِ ﴿وقَتَلَ داوُدُ﴾ هو ابْنُ إيشا ﴿جالُوتَ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: لَمّا بَرَزَ طالُوتُ لِجالُوتَ؛ قالَ جالُوتُ: أبْرِزُوا إلَيَّ مَن يُقاتِلُنِي، فَإنْ قَتَلَنِي فَلَكم مُلْكِي، وإنْ قَتَلْتُهُ فَلِي مُلْكُكُمْ، فَأُتِيَ بِداوُدَ إلى طالُوتَ فَقاضاهُ إنْ قَتَلَهُ أنْ يُنْكِحَهُ ابْنَتَهُ، وأنْ يُحَكِّمَهُ في مالِهِ، فَألْبَسَهُ طالُوتُ سِلاحًا، فَكَرِهَ داوُدُ أنْ يُقاتِلَهُ بِسِلاحٍ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى إنْ لَمْ يَنْصُرْنِي عَلَيْهِ؛ لَمْ يُغْنِ السِّلاحُ شَيْئًا، فَخَرَجَ إلَيْهِ بِالمِقْلاعِ ومِخْلاةٍ فِيها أحْجارٌ، ثُمَّ بَرَزَ لَهُ فَقالَ لَهُ جالُوتُ: أنْتَ تُقاتِلُنِي؟ قالَ داوُدُ: نَعَمْ، قالَ: ويْلَكَ، ما خَرَجْتَ إلّا كَما تَخْرُجُ إلى الكَلْبِ بِالمِقْلاعِ والحِجارَةِ، لَأُبَدِّدَنَّ لَحْمَكَ ولَأُطْعِمَنَّهُ اليَوْمَ لِلطَّيْرِ والسِّباعِ، فَقالَ لَهُ داوُدُ: بَلْ أنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى، شَرٌّ مِنَ الكَلْبِ، فَأخَذَ داوُدُ حَجَرًا فَرَماهُ بِالمِقْلاعِ، فَأصابَتْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ حَتّى قَعَدَتْ في دِماغِهِ، فَصَرَخَ جالُوتُ وانْهَزَمَ مَن مَعَهُ واحْتَزَّ رَأسَهُ ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ في بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ما قَتَلَ جالُوتَ وهَلَكَ طالُوتُ، وذَلِكَ أنَّ طالُوتَ كَما رُوِيَ في بَعْضِ الأخْبارِ: لَمّا رَجَعَ وفّى بِالشَّرْطِ، فَأنْكَحَ داوُدَ ابْنَتَهُ وأجْرى خاتَمَهُ في مُلْكِهِ، فَمالَ النّاسُ إلى داوُدَ وأحَبُّوهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ طالُوتُ؛ وجَدَ في نَفْسِهِ وحَسَدَهُ، فَأرادَ قَتْلَهُ فَعَلِمَ بِهِ داوُدُ، فَسَجّى لَهُ زِقَّ خَمْرٍ في مَضْجَعِهِ، فَدَخَلَ طالُوتُ إلى مَنامِ داوُدَ وقَدْ هَرَبَ داوُدُ فَضَرَبَ الزِّقَّ ضَرْبَةً فَخَرَقَهُ، فَسالَ الخَمْرُ مِنهُ، فَقالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى داوُدَ ما كانَ أكْثَرَ شُرْبِهِ لِلْخَمْرِ، ثُمَّ إنَّ داوُدَ أتاهُ مِنَ القابِلَةِ في بَيْتِهِ وهو نائِمٌ، فَوَضَعَ سَهْمَيْنِ عِنْدَ رَأْسِهِ وعِنْدَ رِجْلَيْهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ سَهْمَيْنِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ طالُوتُ بَصُرَ بِالسِّهامِ فَعَرَفَها، فَقالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى داوُدَ هو خَيْرٌ مِنِّي ظَفِرْتُ بِهِ فَقَتَلْتُهُ، وظَفِرَ بِي فَكَفَّ عَنِّي، ثُمَّ إنَّهُ رَكِبَ يَوْمًا فَوَجَدَهُ يَمْشِي في البَرِّيَّةِ، وطالُوتُ عَلى فَرَسٍ فَقالَ: اليَوْمَ أقْتُلُ داوُدَ، وكانَ داوُدُ إذا فَزِعَ لا يُدْرَكُ، فَرَكَضَ عَلى أثَرِهِ طالُوتُ فَفَزِعَ داوُدُ فاشْتَدَّ فَدَخَلَ غارًا، وأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى العَنْكَبُوتِ، فَضَرَبَتْ عَلَيْهِ بَيْتًا، فَلَمّا انْتَهى طالُوتُ إلْى الغارِ ونَظَرَ إلى بِناءِ العَنْكَبُوتِ؛ قالَ: لَوْ كانَ دَخَلَ هَهُنا لَخَرَقَ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ فَرَجَعَ، وجَعَلَ العُلَماءُ والعِبادُ يَطْعَنُونَ عَلَيْهِ؛ بِما فَعَلَ مَعَ داوُدَ، وجَعَلَ هو يَقْتُلُ العُلَماءَ وسائِرَ مَن يَنْهاهُ عَنْ قَتْلِ داوُدَ حَتّى قَتَلَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، ثُمَّ إنّهُ نَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ وخَلّى المُلْكَ، وكانَ لَهُ عَشَرَةُ بَنِينَ فَأخَذَهم وخَرَجَ يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى؛ كَفّارَةً لِما فَعَلَ حَتّى قُتِلَ هو وبَنُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فاجْتَمَعَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى داوُدَ ومَلَّكُوهُ أمْرَهُمْ، فَهَذا إيتاءُ المُلْكِ ﴿والحِكْمَةَ﴾ المُرادُ بِها: النُّبُوَّةُ، ولَمْ يَجْتَمِعِ المُلْكُ والنُّبُوَّةُ لِأحَدٍ قَبْلَهُ، بَلْ كانَتِ النُّبُوَّةُ في سِبْطٍ، والمُلْكُ في سِبْطٍ، وهَذا بَعْدَ مَوْتِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وكانَ مَوْتُهُ قَبْلَ طالُوتَ، وذِكْرُ الحِكْمَةِ بَعْدَ المُلْكِ؛ لِأنَّها كانَتْ بَعْدَهُ وُقُوعًا، أوْ لِلتَّرَقِّي مِن ذِكْرِ الأدْنى إلى ذِكْرِ الأعْلى ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ كَصَنْعَةِ اللَّبُوسِ، ومَنطِقِ الطَّيْرِ، وكَلامِ الدَّوابِّ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَوْدُهُ إلى داوُدَ _ كَما قالَ السَّمِينُ _ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ ما عَلَّمَهُ تَعالى لَهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالٍ، ولا يَقَعُ في أُمْنِيَةِ بَشَرٍ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِن طَلَبِهِ ومَشِيئَتِهِ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ﴾ وهم أهْلُ الشُّرُورِ في الدُّنْيا، أوْ في الدِّينِ، أوْ في مَجْمُوعِهِما ﴿بِبَعْضٍ﴾ آخَرَ مِنهُمْ، يَرُدُّهم عَمّا هم عَلَيْهِ بِما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القَتْلِ، كَما في القِصَّةِ المَحْكِيَّةِ أوْ غَيْرِهِ
صفحة 174
وقَرَأ نافِعٌ هُنا وفي الحَجِّ: دِفاعُ، عَلى أنَّ صِيغَةَ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ وبَطَلَتْ مَنافِعُها، وتَعَطَّلَتْ مَصالِحُها مِنَ الحَرْثِ والنَّسْلِ وسائِر ما يُصْلِحُ الأرْضَ ويُعَمِّرُها، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْ فَسادِ أهْلِها، وعُمُومِ الشَّرِّ فِيهِمْ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى فَضِيلَةِ المُلْكِ، وأنَّهُ لَوْلاهُ ما اسْتَتَبَّ أمْرُ العالَمِ؛ ولِهَذا قِيلَ: الدِّينُ والمُلْكُ تَوْأمانِ، فَفي ارْتِفاعِ أحَدِهِما ارْتِفاعُ الآخَرِ؛ لِأنَّ الدِّينَ أُسٌّ، والمُلْكُ حارِسٌ، وما لا أُسَّ لَهُ فَمَهْدُومٌ، وما لا حارِسَ لَهُ فَضائِعٌ
﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ﴾ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ كافَّةً، وهَذا إشارَةٌ إلى قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ، مُؤَلَّفٍ مِن وضْعِ نَقِيضِ المُقَدَّمِ مُنْتِجٍ لِنَقِيضِ التّالِي، خَلا أنَّهُ قَدْ وُضِعَ مَوْضِعُهُ ما يَسْتَتْبِعُهُ ويَسْتَوْجِبُهُ؛ أعْنِي: كَوْنَهُ تَعالى ذا فَضْلٍ عَلى العالِمَيْنِ؛ إيذانًا بِأنَّهُ تَعالى يَتَفَضَّلُ في ذَلِكَ الدَّفْعِ مِن غَيْرِ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وأنَّ فَضْلَهُ تَعالى غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِيهِ، بَلْ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ فَضْلِهِ العَظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّهُ تَعالى يَدْفَعُ فَسادَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَلا تَفْسَدُ الأرْضُ، ويَنْتَظِمُ بِهِ مَصالِحُ العالَمِ، ويَنْصَلِحُ أحْوالُ الأُمَمِ، قالَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ _ قُدِّسَ سِرُّهُ
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِقَوْلِ المَنطِقِيِّينَ أنَّ المُتَّصِلَةَ يُنْتِجُ اسْتِثْناءُ عَيْنِ مُقَدَّمِها عَيْنَ تالِّيها؛ لِاسْتِلْزامِ وُجُودِ المَلْزُومِ وُجُودَ اللّازِمِ، واسْتِثْناءُ نَقِيضِ تالِّيها نَقِيضَ المُقَدَّمِ؛ لِاسْتِلْزامِ عَدَمِ اللّازِمِ وعَدَمِ المَلْزُومِ، ولا يَنْعَكِسُ فَلا يُنْتِجُ اسْتِثْناءُ عَيْنِ التّالِي عَيْنَ المُقَدَّمِ، ولا نَقِيضَ المُقَدَّمِ نَقِيضَ التّالِي؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ التّالِي أعَمَّ مِنَ المُقَدَّمُ، فَلا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ اللّازِمِ وُجُودُ المَلْزُومِ، ولا مِن عَدَمِ المَلْزُومِ عَدَمُ اللّازِم، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِاعْتِبارِ الهَيْئَةِ، وقَدْ يَسْتَلْزِمُهُ بِواسِطَةِ خُصُوصِيَّةِ مادَّةِ المُساواةِ، وقَدْ صَرَّحَ ابْنُ سِينا في الفُصُولِ بِأنَّ المُلازَمَةَ إذا كانَتْ مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَما بَيْنَ العِلَّةِ والمَعْلُولِ؛ يَنْتُجُ اسْتِثْناءُ كُلٍّ مِنَ المُقَدَّمِ، والتّالِي عَيْنُ الآخَرِ، ونَقِيضُهُ نَقِيضُ الآخَرِ، وفي تَعْلِيلِ القَوْمِ أيْضًا إشارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ قالُوا بِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللّازِمُ أعَمَّ، وكَأنَّ في عِبارَةِ المَوْلى إشارَةً إلى أنَّ المُلازَمَةَ في الشَّرْطِيَّةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، حَيْثُ قالَ: مُنْتِجٌ، ولَمْ يَقُلْ يُنْتِجُ
وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ الِاطِّرادِ، بَلْ إذا كانَ نَقِيضُ المُقَدَّمِ أعَمَّ مِن نَقِيضِ التّالِي، وأمّا إذا كانَ نَقِيضُهُ بِعَكْسِ هَذا _ كَما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وأمْثالِها _ فَإنَّهُ يُنْتِجُ التّالِي، وذَلِكَ أنَّ الدَّفْعَ المَذْكُورَ لَمّا كانَ مَلْزُومًا لِعَدَمِ فَسادِ الأرْضِ؛ كانَتِ المُلازَمَةُ ثابِتَةً بَيْنَهُما؛ لِأنَّ وُجُودَ المَلْزُومِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ اللّازِمِ، كَما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وادِّعاءُ أنَّ المُلازَمَةَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ هُنا كَما زَعَمَهُ المُجِيبُ الأوَّلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلِ اللّازِمُ هَهُنا أعَمُّ مِنَ المَلْزُومِ، كَما لا يَخْفى عَلى ذِي رَوِيَّةٍ، وكَوْنُ عِبارَةِ المَوْلى مُشِيرَةً إلى أنَّ المُلازَمَةَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ في حَيِّزِ المَنعِ وما ذَكَرَهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَما لا يَخْفى فافْهَمْ وتَدَبَّرْ، فَإنَّ نَظَرَ المَوْلى دَقِيقٌ.
البقرة 2:252
﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن حَدِيثِ الأُلُوفِ ومَوْتِهِمْ، وإحْيائِهِمْ، وتَمْلِيكِ طالُوتَ، وإظْهارِهِ بِالآيَةِ، وإهْلاكِ الجَبابِرَةِ عَلى يَدِ صَبِيٍّ، وما فِيهِ مِنَ البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، وفِيهِ بُعْدٌ، والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ: بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ إمّا حالٌ مِنَ الآياتِ، والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ، وإمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ﴿بِالحَقِّ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( نَتْلُوها ) أيْ: مُتَلَبِّسَةً بِاليَقِينِ الَّذِي لا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِن أهْلِ الكُتّابِ وأرْبابِ التَّوارِيخِ، لِما يَجِدُونَها مُوافَقَةً لِما عِنْدَهُمْ، أوْ لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتابَ فِيهِ، أوْ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: نَتْلُوها عَلَيْكَ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ والصَّوابِ، وهو مَعَنا أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ وهو مَعَكَ
صفحة 175
﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ حَيْثُ تُخْبِرُ بِتِلْكَ الآياتِ، وقَصَصِ القُرُونِ الماضِيَةِ، وأخْبارِها عَلى ما هي عَلَيْهِ، مِن غَيْرِ مُطالِعَةِ كِتابٍ، ولا اجْتِماعٍ بِأحَدٍ يُخْبِرُ بِذَلِكَ، ووَجْهُ مُناسَبَةِ هَذِهِ القِصَّةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِتالِ في سَبِيلِهِ وكانَ قَدْ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ قِصَّةَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ حَذَرَ المَوْتِ إمّا بِالطّاعُونِ أوِ القِتالِ عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ والتَّثْبِيتِ لِلْمُؤْمِنِينَ والإعْلامِ أنَّهُ لا يُنْجِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ؛ أرْدَفَ ذَلِكَ بِأنَّ القِتالَ كانَ مَطْلُوبًا مَشْرُوعًا في الأُمَمِ السّابِقَةِ، فَلَيْسَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي خُصِصْتُمْ بِها؛ لِأنَّ ما وقَعَ فِيهِ الِاشْتِراكُ كانَتِ النَّفْسُ أمْيَلَ لِقَبُولِهِ مِنَ التَّكْلِيفِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الِانْفِرادُ.
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في هَذِهِ الآياتِ ( ﴿ألَمْ تَرَ إلى﴾ ) مَلَإ القُوى ( ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ) البَدَنِ ( ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ ) القَلْبِ ( ﴿إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ﴾ ) عُقُولِهِمُ: ( ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ) وطَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ بِواسِطَةِ أمْرِهِ وإرْشادِهِ ( ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا﴾ ) أيْ: إنِّي أتَوَقَّعُ مِنكم عَدَمَ المُقاتَلَةِ؛ لِانْغِماسِكم في أوْحالِ الطَّبِيعَةِ ( ﴿قالُوا: وما لَنا ألا نُقاتِلَ﴾ ) في طَرِيقِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى ( ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا﴾ ) مِن دِيارِ اسْتِعْداداتِنا الأصْلِيَّةِ الَّتِي لَمْ نَزَلْ بِالحَنِينِ إلَيْها، واغْتَرَبْنا عَنْ أبْناءِ كَمالاتِنا اللّاتِي لَمْ نَبْرَحْ عَنْ مَزِيدِ البُكاءِ عَلَيْها ( ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ ) لِعَدُوِّهِمُ الَّذِي تَسَبَّبَ لَهُمُ الِاغْتِرابَ، وأحَلَّ بِهِمُ العَجَبَ العُجابَ؛ ( ﴿تَوَلَّوْا﴾ )، وأعْرَضُوا عَنْ مُقاتَلَتِهِ، وانْتَظَمُوا في سِلْكِ شِيعَتِهِ، ( ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ ) وهُمُ القُوى المُسْتَعِدَّةُ ( ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ) الَّذِينَ نَقَصُوا حُظُوظَهم ( ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ: إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ﴾ ) الرُّوحَ الإنْسانِيَّ ( ﴿مَلِكًا﴾ ) مُتَوَّجًا بِتاجِ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، جالِسًا عَلى كِسْرى التَّدْبِيراتِ الصَّمَدانِيَّةِ؛ ( ﴿قالُوا﴾ ) لِاحْتِجابِهِمْ بِحِجابِ الأنانِيَّةِ، وغَفْلَتِهِمْ عَنِ العُلُومِ الحَقّانِيَّةِ: كَيْفَ يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا مَعَ انْحِطاطِ مَرْتَبَتِهِ بِتَنزُّلِهِ إلى عالَمِ الكَثافَةِ مِن عالَمِهِ الأصْلِيِّ، ولَيْسَ فِيهِ مُشابَهَةٌ لَنا، ( ﴿ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ )؛ لِاشْتِراكِنا في عالَمِنا، ومُشابِهَةِ بَعْضِنا بَعْضًا، وشَبِيهُ الشَّيْءِ مَيّالٌ إلَيْهِ، قَرِيبُ اتِّباعِهِ لَهُ
ولِكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ مِن جِنْسِهِ
( ﴿ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً﴾ ) مِن مالِ التَّصَرُّفِ، إذْ لا يُتَصَرَّفُ إلّا بِالواسِطَةِ؟ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اخْتارَهُ عَلَيْكُمْ؛ لِبَساطَتِهِ وتَرَكُّبِكُمْ، وزادَهُ سَعَةً في العِلْمِ الإلَهِيِّ، وقُوَّةً في الذّاتِ النُّورانِيِّ، ( ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ ) فَيُدَبِّرُهُ بِإذْنِهِ ( ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ ) لِسَعَةِ الإطْلاقِ، ( ﴿عَلِيمٌ﴾ ) بِالحِكَمِ الَّتِي تَقْتَضِي الظُّهُورَ، والتَّجَلِّيَ بِمَظاهِرِ الأسْماءِ ( ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ ) عَلَيْكم وخِلافَتِهِ مِن قِبَلِ الرَّبِّ فِيكم ( ﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ ) تابُوتُ الصَّدْرِ، ( ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ ) أيْ: طُمَأْنِينَةٌ ( ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ ) وهي الطُّمَأْنِينَةُ بِالإيمانِ، والأُنْسِ بِاللَّهِ تَعالى ( ﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى﴾ ) القَلْبُ ( ﴿وآلُ هارُونَ﴾ ) السِّرُّ، وهي مِنَ التَّوْحِيدِ، وعَصا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، الَّتِي تَلْقَفُ عَظِيمَ سِحْرِ صِفاتِ النَّفْسِ، وطِسْتِ تَجَلِّي الأنْوارِ، الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ قُلُوبُ الأنْبِياءِ، وشَيْءٍ مِن تَوْراةِ الإلْهاماتِ، تَحْمِلُهُ مَلائِكَةُ الِاسْتِعْداداتِ لَدى طالُوتَ الرُّوحِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُسَلَّمُ لَهُ الخِلافَةُ، ويَنْقادُ لَهُ جَمِيعُ أسْباطِ صِفاتِ الإنْسانِ، ( فَلِما فَصَلَ طالُوتُ وجُنُودُهُ ) مِن وزِيرِ العَقْلِ، ومُشِيرِ القَلْبِ، ومُدَبِّرِ الأفْهامِ، ونِظامِ الحَواسِّ؛ ( ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ ) الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ، المُتْرَعِ بِمِياهِ الشَّهَواتِ، ( ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ )، وكَرَعَ مُفْرِطًا في الرَّيِّ؛ فَلَيْسَ مِن أشْياعِي الَّذِينَ هم مِن عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، وأهْلِ مُكاشَفاتِ الصِّفاتِ، ( ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ ) ويَذُقْهُ؛ فَإنَّهُ مِن سُكّانِ حَظائِرِ القُدْسِ، وحُضّارِ جِلْوَةِ عَرائِسِ مِنَصَّةِ الأُنْسِ، ( ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ )، وقَنِعَ مِن ذَلِكَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، ولِاحْتِياجٍ مِن غَيْرِ حِرْصٍ وانْهِماكٍ ( ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ ) وكَرَعُوا وانْهَمَكُوا فِيهِ ( ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ ) وهُمُ المُتَنَزِّهُونَ عَنِ الأقْذارِ الطَّبِيعِيَّةِ، المُتَقَدِّسُونَ عَنْ مَلابِسِها، المُتَجَرِّدُونَ عَنْ غَواشِيها، وقَلِيلٌ ما هُمْ، فَلَمّا جاوَزَ طالُوتُ الرُّوحُ نَهَرَ الطَّبِيعَةِ وعَبَرَهُ ( ﴿هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) مِنَ القَلْبِ والعَقْلِ والمُلْكِ وغَيْرِهِمْ مِنَ اتِّباعِ الرُّوحِ مَعَهُ؛ قالَ بَعْضُهم وهُمُ الضُّعَفاءُ الَّذِينَ
صفحة 176
لَمْ يَصِلُوا إلى مَقامِ التَّمْكِينَ: ( ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ﴾ ) بِمُحارَبَةِ جالُوتَ النَّفْسِ وأعْوانِهِ؛ لِعَراقَتِهِمْ بِالخُدَعِ والدَّسائِسِ، ( ﴿قالَ الَّذِينَ﴾ ) يَتَيَقَّنُونَ ( ﴿أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ ) بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ: ( ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً﴾ ) وقَهَرَتْها، حَتّى أذْهَبَتْ كَثْرَتَها ( ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ) وتَيْسِيرِهِ، ( ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ) بِالتَّجَلِّي الخاصِّ لَهُمْ، ( فَلَمّا بَرَزُوا ) لِحَرْبِ جالُوتَ وجُنُودِهِ؛ تَبَرَّءُوا مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وقالُوا: ( ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ ) واسْتِقامَةً، ( ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ ) في مَيادِينِ الجِهادِ، حَتّى لا نَرْجِعَ القَهْقَرى مِن بَعْدُ، ( ﴿وانْصُرْنا عَلى﴾ ) أعْدائِنا الَّذِينَ سَتَرُوا الحَقَّ، وهُمُ النَّفْسُ الأمّارَةُ وصِفاتُها، ( ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ ) وكَسَرُوهم ( ﴿بِإذْنِ اللَّهِ، وقَتَلَ داوُدُ﴾ ) القَلْبُ ( ﴿جالُوتَ﴾ ) النَّفْسَ، ووَصَلُوا كُلُّهم إلى مَقامِ التَّمْكِينِ، فَلا يَخْشَوْنَ الرَّجْعَةَ والرِّدَّةَ، وكانَ قَدْ رَماهُ بِحَجَرِ التَّسْلِيمِ، في مِقْلاعِ الرِّضا، بِيَدِ تَرْكِ الِالتِفاتِ إلى السِّوى، فَأصابَ ذَلِكَ دِماغَ هَواهُ، فَخَرَّ صَرِيعًا، فَأتى اللَّهُ تَعالى داوُدَ مُلْكَ الخِلافَةِ، وحِكْمَةَ الإلْهاماتِ، ( ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ ) مِن صَنْعَةِ لَبُوسِ الحُرُوبِ، ومَنطِقِ طُيُورِ الوارِداتِ، وتَسْبِيحِ جِبالِ الأبْدانِ، ( ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ﴾ ) كَأرْبابِ الطَّلَبِ ( ﴿بِبَعْضٍ﴾ ) كالمَشايِخِ الواصِلِينَ؛ لَفَسَدَتْ أرْضُ اسْتِعْداداتِهِمُ المَخْلُوقَةُ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، عِنْدَ اسْتِيلاءِ جالُوتَ النَّفْسِ، ( ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ )، ومَن فَضْلِهِ: تَحْرِيكُ سِلْسِلَةِ طَلَبِ الطّالِبِينَ، وإلْهامِ أسْرارِهِمْ إرادَةَ المَشايِخِ الكامِلِينَ، وتَوْفِيقِهِمْ لِلتَّمَسُّكِ بِذَيْلِ تَرْبِيَتِهِمْ، والتَّشَبُّثِ بِأهْدابِ سِيرَتِهِمْ، فَسُبْحانَهُ مِن جَوادٍ لا يَبْخَلُ، ومُتَفَضِّلٍ عَلى مَن سَألَ ومَن لَمْ يَسْألْ.
البقرة 2:253
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُشْعِرٌ بِالتَّرَقِّي كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ وأفْضَلِهِمْ فَضْلًا، والإشارَةُ لِجَماعَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ كَما قِيلَ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ، واللّامُ لِلِاسْتِغْراقِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجَماعَةِ المَعْلُومَةِ لَهُ ﷺ أوِ المَذْكُورَةِ قَصَصُها في السُّورَةِ، واللّامُ لِلْعَهْدِ، واخْتِيارُ جَمْعِ التَّكْسِيرِ لِقُرْبِ جَمْعِ التَّصْحِيحِ ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ بِأنْ خَصَصْنا بَعْضَهم بِمَنقَبَةٍ لَيْسَتْ تِلْكَ المَنقَبَةُ لِلْبَعْضِ الآخَرِ، وقِيلَ: المُرادُ التَّفْضِيلُ بِالشَّرائِعِ فَمِنهم مَن شَرَعَ ومِنهم مَن لَمْ يَشْرَعْ، وقِيلَ: هو تَفْضِيلٌ بِالدَّرَجاتِ الأُخْرَوِيَّةِ ولا يَخْفى ما في كُلٍّ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ فَإنَّهُ تَفْصِيلٌ لِلتَّفْضِيلِ المَذْكُورِ إجْمالًا، والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن ﴿فَضَّلْنا﴾ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فالتَّعْرِيفُ عَهْدِيٌّ، أوْ كُلُّ مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ رِضًا بِلا واسِطَةٍ، وهم آدَمُ كَما ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ومُوسى وهو الشَّهِيرُ بِذَلِكَ، ونَبِيُّنا ﷺ وهو المَخْصُوصُ بِمَقامِ قابٍ والفائِزُ بِعَرائِسِ خِطابِ ما تَعَرَّضَ بِالتَّعْرِيضِ لَها الخِطابُ، وقُرِئَ ( كَلَّمَ اللَّهَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ (كالَمَ اللَّهُ) مِنَ المُكالَمَةِ، قِيلَ وفي إيرادِ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ تَرْبِيَةٌ لِلْمَهابَةِ ورَمْزٌ إلى ما بَيْنَ التَّكَلُّمِ والرَّفْعِ وبَيْنَ ما سَبَقَ مِن مُطْلَقِ التَّفْضِيلِ وما لَحِقَ مِن إيتاءِ البَيِّناتِ والتَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ مِنَ التَّفاوُتِ.
﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ أيْ ومِنهم مَن رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ بِمَراتِبَ مُتَباعِدَةٍ ومِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِتَرْبِيَةِ ما بَيْنَهم مِنَ اِخْتِلافِ الحالِ في دَرَجاتِ الشَّرَفِ، والمُرادُ بِبَعْضِهِمْ هُنا النَّبِيُّ ﷺ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإخْبارُ بِكَوْنِهِ ﷺ مِنهم فَإنَّهُ قَدْ خُصَّ بِمَزايا تَقِفُ دُونَها الأمانِيُّ حَسْرى. وامْتازَ بِخَواصَّ عِلْمِيَّةٍ وعَمَلِيَّةٍ لا يَسْتَطِيعُ لِسانُ الدَّهْرِ لَها حَصْرًا. ورَقِيَ أعْلامَ فَضْلٍ رُفِعَتْ لَهُ عَلى كَواهِلِهِ الأعْلامُ وطَأْطَأتْ لَهُ رُؤُوسُ شُرُفاتِ الشَّرَفِ فَقَبِلَتْ مِنهُ الأقْدامَ، فَهو المَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ والمَنعُوتُ بِالخُلُقِ العَظِيمِ بَيْنَ المُرْسَلِينَ والمُنَزَّلُ عَلَيْهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ والمُؤَيَّدُ دِينُهُ المُؤَبَّدُ بِالمُعْجِزاتِ المُسْتَمِرَّةِ الباهِرَةِ والفائِزُ بِالمَقامِ المَحْمُودِ والشَّفاعَةِ العُظْمى في الآخِرَةِ، والإبْهامُ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ ولِلْإشْعارِ بِأنَّهُ العَلَمُ الفَرْدُ الغَنِيُّ عَنِ التَّعْيِينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ إبْراهِيمُ حَيْثُ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِمَقامِ الخُلَّةِ الَّتِي هي أعَلى المَراتِبِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: إدْرِيسُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾، وقِيلَ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وفِيهِ كَما في «اَلْكَشْفِ» أنَّهُ لا يُلائِمُ ذَوْقَ المَقامِ الَّذِي فِيهِ الكَلامُ البَتَّةَ، وكَذا الكَلامُ عِنْدِي في سابِقِهِ إذِ الرِّفْعَةُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ والمَقامُ يَقْتَضِي المَجازَ كَما لا يَخْفى،
صفحة 3
و(دَرَجاتٍ) قِيلَ: حالٌ مِن (بَعْضِهِمْ) عَلى مَعْنى ذا دَرَجاتٍ، وقِيلَ: اِنْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّ الدَّرَجَةَ بِمَعْنى الرِّفْعَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ورَفَعْنا بَعْضَهم رَفَعاتٍ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ عَلى، أوْ إلى، أوْ في دَرَجاتٍ، فَلَمّا حَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ وُصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِرَفْعِ عَلى أنَّهُ ضِمْنَ مَعْنى بَلَغَ، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلُ اِشْتِمالٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ أيِ الآياتِ الباهِراتِ والمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ كَإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى والإخْبارِ بِما يَأْكُلُونَ ويَدَّخِرُونَ، أوِ الإنْجِيلَ، أوْ كُلَّ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ، وفي ذِكْرِ ذَلِكَ في مَقامِ التَّفْضِيلِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ، وهَذا يَقْتَضِي أفْضَلِيَّةَ نَبِيِّنا ﷺ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ إذْ لَهُ مِن قِداحِ ذَلِكَ المُعَلّى والرَّقِيبُ.
﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وإفْرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذُكِرَ لِرَدِّ ما بَيْنَ أهْلِ الكِتابَيْنِ في شَأْنِهِ مِنَ التَّفْرِيطِ والإفْراطِ، والآيَةُ ناطِقَةٌ بِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَفاوِتَةٌ الأقْدارُ فَيَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ولَكِنْ بِقاطِعٍ لِأنَّ الظَّنَّ في الِاعْتِقادِيّاتِ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا.
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ جاءُوا مِن بَعْدِ كُلِّ رَسُولٍ كَما يَقْتَضِيهِ المَعْنى لا جَمِيعِ الرُّسُلِ كَما هو ظاهِرُ اللَّفْظِ مِنَ الأُمَمِ المُخْتَلِفَةِ، أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ اِقْتِتالِهِمْ ما اِقْتَتَلُوا بِأنْ جَعَلَهم مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ واتِّباعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِهِ فَمَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِكَوْنِهِ مَضْمُونَ الجَزاءِ عَلى القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ، ومَن قَدَّرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ هُدى النّاسِ جَمِيعًا ما اِقْتَتَلَ الخ، وعَدَلَ عَمّا تَقْتَضِيهِ القاعِدَةُ ظَنًّا بِأنَّ هَذا العَدَمَ لا يَحْتاجُ إلى مَشِيئَةٍ وإرادَةٍ بَلْ يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالوُجُودِ، لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ﴾ مِن جِهَةِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وهُمُ الرُّسُلُ، والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ اِقْتَتَلَ وقِيلَ: بَدَلٌ مِن نَظِيرِهِ مِمّا قَبْلَهُ ﴿البَيِّناتِ﴾ أيِ المُعْجِزاتُ الباهِرَةُ والآياتُ الظّاهِرَةُ الدّالَّةُ عَلى حَقِّيَّةِ الحَقِّ المُوجِبَةُ لِلِاتِّباعِ الزّاجِرَةُ عَنِ الإعْراضِ المُؤَدِّي إلى الِاقْتِتالِ.
﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ اِسْتِدْراكُ مَنِ الشَّرْطِيَّةِ أُشِيرُ بِهِ إلى قِياسٍ اِسْتِثْنائِيٍّ مُؤَلَّفٍ مِن وضْعٍ نَقِيضٍ مُقَدَّمُها مُنْتِجٌ لِنَقِيضِ تالِيها إلّا أنَّهُ قَدْ وُضِعَ فِيهِ الِاخْتِلافُ مَوْضِعَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الِاقْتِتالَ ناشِئٌ مِن قِبَلِهِمْ وسُوءِ اِخْتِيارِهِمْ لا مِن جِهَتِهِ تَعالى اِبْتِداءً كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ عَدَمَ اِقْتِتالِهِمْ لِأنَّهُمُ اِخْتَلَفُوا اِخْتِلافًا فاحِشًا.
﴿فَمِنهم مَن آمَنَ﴾ أيْ بِما جاءَتْ بِهِ أُولَئِكَ الرُّسُلُ وثَبَتَ عَلى إيمانِهِ وعَمِلَ بِمُوجِبِهِ، وهَذا بَيانٌ لِلِاخْتِلافِ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ ﴿ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ بِذَلِكَ كُفْرًا لا اِرْعِواءَ لَهُ عَنْهُ فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ عَدَمَ مَشِيئَتِهِ لِعَدَمِ اِقْتِتالِهِمْ فاقْتَتَلُوا بِمُوجِبِ ما اِقْتَضَتْهُ أحْوالُهم.
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ عَدَمَ اِقْتِتالِهِمْ بَعْدَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ أيْضًا مِنَ الِاخْتِلافِ المُسْتَتْبِعِ لِلْقِتالِ عادَةً ﴿ما اقْتَتَلُوا﴾ وما رَفَعُوا رَأْسَ التَّطاوُلِ والتَّعادِي لِما أنَّ الكُلَّ بِيَدِ قَهْرِهِ، فالتَّكْرِيرُ لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ كَما ظُنَّ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اِخْتِلافَهم ذَلِكَ لَيْسَ مُوجِبًا لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِعَدَمِ اِقْتِتالِهِمْ كَما يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن وضْعِهِ في الِاسْتِدْراكِ مَوْضِعَهُ بَلْ هو سُبْحانَهُ مُخْتارٌ في ذَلِكَ حَتّى لَوْ شاءَ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمَ اِقْتِتالِهِمْ ما اِقْتَتَلُوا كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ [ 253 ] حَسْبَما يُرِيدُ مِن غَيْرِ أنْ يُوجِبَهُ عَلَيْهِ مُوجِبٌ أوْ يَمْنَعَهُ عَنْهُ مانِعٌ كَذا قَرَّرَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ قُدِّسَ سِرُّهُ وهو مِنَ الحَسَنِ بِمَكانٍ، إلّا أنَّهُ قَدِ اِعْتَرَضَهُ العَلّامَةُ عَبْدُ الباقِي البُغْدادِيُّ في «تَفْسِيرِهِ» بِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في نَظِيرِ هَذا القِياسِ، وذَكَرَ أنَّهُ خِلافُ اِسْتِعْمالِ (لَوْ) عِنْدَ أرْبابِ العَرَبِيَّةِ وأرْبابِ الِاسْتِدْلالِ
صفحة 4
ولَعَلَّ الجَوابَ عَنْ هَذا هو الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ مَعَ أدْنى تَغْيِيرٍ فَلا تَغْفُلْ، وما ذَكَرَهُ مِن تَوْجِيهِ التَّكْرِيرِ مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ فِيما أعْلَمُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، إلّا أنَّ وراءَهُ سِرًّا خَصَّ مِنهُ كَما ذَكَرَهُ صاحِبُ «اَلِانْتِصافِ» وهو أنَّ العَرَبَ مَتّى بَنَتْ أوَّلَ كَلامِها عَلى مَقْصِدٍ ثُمَّ اِعْتَرَضَها مَقْصِدٌ آخَرُ وأرادَتِ الرُّجُوعَ إلى الأوَّلِ قَصَدَتْ ذِكْرَهُ إمّا بِتِلْكَ العِبارَةِ أوْ بِقَرِيبٍ مِنها، وذَلِكَ عِنْدَهم مَهِيعٌ مِنَ الفَصاحَةِ مَسْلُوكٌ وطَرِيقٌ مُعْتَدٌّ، وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى مَواضِعُ مِن ذَلِكَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا النَّمَطِ فَإنَّهُ لِما صَدَرَ الكَلامُ بِأنَّ اِقْتِتالَهم كانَ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ ثُمَّ لَمّا طالَ الكَلامُ وأُرِيدَ بَيانُ أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى كَما نَفَذَتْ في هَذا الأمْرِ الخاصِّ وهو اِقْتِتالُ هَؤُلاءِ فَهي نافِذَةٌ في كُلِّ فِعْلٍ واقِعٍ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ طَرَأ ذِكْرُ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِالِاقْتِتالِ لِتُلُوِّهِ عُمُومَ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ لِيَتَناسَبَ الكَلامُ ويُقْرَنَ كُلٌّ بِشَكْلِهِ، وهَذا سِرٌّ يَنْشَرِحُ لِبَيانِهِ الصَّدْرُ ويَرْتاحُ (بِهِ) السِّرُّ، ولَعَلَّهُ أحْسَنُ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ الأوَّلَ بِلا واسِطَةٍ والثّانِي بِواسِطَةِ المُؤْمِنِينَ أوْ بِالعَكْسِ، هَذا وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَوادِثَ تابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى خَيْرًا كانَتْ أوْ شَرًّا إيمانًا أوْ كُفْرًا.
البقرة 2:254
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ قِيلَ: أرادَ بِهِ الفَرْضَ كالزَّكاةِ دُونَ النَّفْلِ لِأنَّ الأمْرَ حَقِيقَةٌ في الوُجُوبِ ولِاقْتِرانِ الوَعِيدِ بِهِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: يَدْخُلُ فِيهِ الفَرْضُ والنَّفْلُ وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ واخْتارَهُ البَلْخِيُّ، وجَعَلَ الأمْرَ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ ولَيْسَ فِيما بَعْدُ سِوى الإخْبارِ بِأهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وشَدائِدِها تَرْغِيبًا في الإنْفاقِ ولَيْسَ فِيهِ وعِيدٌ عَلى تَرْكِهِ لِيَتَعَيَّنَ الوُجُوبُ، وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ بِهِ الإنْفاقُ في الجِهادِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَذْكُورٌ بَعْدَ الأمْرِ بِالجِهادِ مَعْنًى، وبِذَلِكَ تَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها ولا يَخْفى أنَّ هَذا الدَّلِيلَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُسْمَعَ لِأنَّ الِارْتِباطَ عَلى تَقْدِيرِ العُمُومِ حاصِلٌ أيْضًا بِدُخُولِ الإنْفاقِ المَذْكُورِ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وكَذا عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الفَرْضِ لِأنَّ الإنْفاقَ في الجِهادِ قَدْ يَكُونُ فَرْضًا إذا تَوَقَّفَ الفَرْضُ عَلَيْهِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها والتَّعَرُّضُ لِوُصُولِهِ مِنهُ تَعالى لِلْحَثِّ عَلى الإنْفاقِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ﴾ أيْ لا مَوَدَّةٌ ولا صَداقَةٌ ﴿ولا شَفاعَةٌ﴾ أيْ لِأحَدٍ إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ الرَّحْمَنُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى وأرادَ بِذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ مِن وصْفِهِ بِما ذَكَرَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ فِيهِ عَلى تَحْصِيلِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّ مَن في ذِمَّتِهِ حَقٌّ مَثَلًا إمّا أنْ يَأْخُذَ بِالبَيْعِ ما يُؤَدِّيهِ بِهِ وإمّا أنْ يُعِينَهُ أصْدِقاؤُهُ وإمّا أنْ يَلْتَجِئَ إلى مَن يَشْفَعُ لَهُ في حَطِّهِ والكُلٌّ مُنْتَفٍ ولا مُسْتَعانَ إلّا بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ أُخْتُها ولا ضَيْرَ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما إذِ الأُولى: تَبْعِيضِيَّةٌ وهَذِهِ لِابْتِداءِ الغايَةِ وإنَّما رُفِعَتْ هَذِهِ المَنفِيّاتُ الثَّلاثَةُ مَعَ أنَّ المَقامَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ والمُناسِبُ لَهُ الفَتْحُ لِأنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ هَلْ بِيعٌ فِيهِ أوْ خُلَّةٌ أوْ شَفاعَةٌ والبَيْعُ وأخَواهُ فِيهِ مَرْفُوعَةٌ فَناسَبَ رَفْعَها في الجَوابِ مَعَ حُصُولِ العُمُومِ في الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِمَثابَةِ العُمُومِ الحاصِلِ عَلى تَقْدِيرِ الفَتْحِ، وقَدْ فَتَحَها اِبْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ عَلى الأصْلِ في ذِكْرِ ما هو نَصٌّ في العُمُومِ كَذا قالُوا، ولَعَلَّ الأوْجُهَ القَوْلُ بِأنَّ الرَّفْعَ لِضَعْفِ العُمُومِ في غالِبِها وهو الخُلَّةُ والشَّفاعَةُ لِلِاسْتِثْناءِ الواقِعِ في بَعْضِ الآياتِ، والمَغْلُوبُ مُنْقادٌ لِحُكْمِ الغالِبِ، وأمّا ما قالُوهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ ما بَعْدَ (يَوْمٍ) جُمْلَةٌ وقَعَتْ بَعْدَ نَكِرَةٍ فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مَقْطُوعَةٍ ولا يُقَدَّرُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ إذا لَمْ يَكُنْ قَطْعُ سُؤالٍ قَطْعًا، واعْتِبارُ كَوْنِ
صفحة 5
النَّكِرَةِ مَوْصُوفَةً بِما يُفْهِمُهُ التَّنْوِينُ مِنَ التَّعْظِيمِ فَتُقَدَّرُ الجُمْلَةُ صِفَةً مَقْطُوعَةً تَحْقِيقًا لِذَلِكَ وتَقْرِيرًا لَهُ فَيَصِحُّ تَقْدِيرُ السُّؤالِ حِينَئِذٍ مِمّا لا يَكادُ يَقْبَلُهُ الذِّهْنُ السَّلِيمُ.
﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [ 254 ] أيِ المُسْتَحِقُّونَ لِإطْلاقِ هَذا الوَصْفِ عَلَيْهِمْ لِتَناهِي ظُلْمِهِمْ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ فالمُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ مُوفُونَ والكافِرُونَ الخ، والمُرادُ بِهِمْ تارِكُو الإنْفاقِ رَأْسًا، وعَبَّرَ عَنِ التّارِكِ بِالكافِرِ تَغْلِيظًا حَيْثُ شَبَّهَ فِعْلَهُ وهو تَرْكُ الإنْفاقِ بِالكُفْرِ، أوْ جَعَلَ مُشارَفَةً عَلَيْهِ، أوْ عَبَّرَ بِالمَلْزُومِ عَنِ اللّازِمِ فَهو إمّا اِسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ مَجازُ مُشارَفَةٍ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوْ كِنايَةٌ ومِثْلُ ذَلِكَ وضْعُ ﴿مَن كَفَرَ﴾ مَوْضِعَ مَن لَمْ يَحُجَّ آخِرَ آيَةِ الحَجِّ، وبَعْضُهم لَمْ يَتَجَوَّزْ بِالكُفْرِ، وقالَ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً، وفائِدَةُ الإخْبارِ حِينَئِذٍ الإشارَةُ إلى أنَّ نَفْيَ تِلْكَ الأشْياءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وأنَّ ذَلِكَ لا يُعَدُّ مِنّا ظُلْمًا لَهم لِأنَّهم هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمُ المُتَسَبِّبُونَ لِذَلِكَ.
البقرة 2:255
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والمُرادُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ لا غَيْرَ، قِيلَ: ولِلنّاسِ في رَفْعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ وكَذا في الِاسْمِ الكَرِيمِ إذا حَلَّ مَحَلَّهُ أقْوالٌ خَمْسَةٌ: قَوْلانِ مُعْتَبِرانِ، وثَلاثَةٌ لا مُعَوَّلَ عَلَيْها، فالقَوْلانِ المُعْتَبِرانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى البَدَلِيَّةِ، وثانِيهُما: أنْ يَكُونَ عَلى الخَبَرِيَّةِ والأوَّلُ هو الجارِي عَلى ألْسِنَةِ المُعْرِبِينَ وهو رَأْيُ اِبْنِ مالِكٍ، وعَلَيْهِ إمّا أنْ يُقَدَّرَ لِلْأخِيرِ أوْ لا، والقائِلُونَ بِالتَّقْدِيرِ اِخْتَلَفُوا؛ فَمِن مُقَدِّرٍ أمْرًا عامًّا كالوُجُودِ والإمْكانِ؛ ومِن مُقَدِّرٍ أمْرًا خاصًّا كَلَنا ولِلْخَلْقِ، واعْتُرِضَ تَقْدِيرُ العامِّ بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أحَدُ المَحْذُورَيْنِ إمّا عَدَمُ إثْباتِ الوُجُودِ بِالفِعْلِ لِلَّهِ تَعالى شَأْنَهُ وإمّا عَدَمُ تَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ إمْكانِ الشَّرِكَةِ، وكَذا تَقْدِيرُ الخاصِّ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ أوْ فِيهِ خَفاءٌ، ويُمْكِنُ الجَوابُ بِاخْتِيارِ تَقْدِيرِهِ عامًّا ولا مَحْذُورَ، أمّا عَلى تَقْدِيرِ الوُجُودِ فَلِأنَّ نَفْيَ الوُجُودِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الإمْكانِ إذْ لَوِ اِتَّصَفَ فَرْدٌ آخَرُ بِوُجُوبِ الوُجُودِ لَوَجَدَ ضَرُورَةً فَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ عُلِمَ عَدَمُ اِتِّصافِهِ بِهِ وما لَمْ يَتَّصِفْ بِوُجُوبِ الوُجُودِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ لِاسْتِحالَةِ الِانْقِلابِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ الإمْكانِ فَلِأنّا نَقُولُ قَدْ ظَهَرَ أنَّ إمْكانَ اِتِّصافِ شَيْءٍ بِوُجُوبِ الوُجُودِ يَسْتَلْزِمُ اِتِّصافَهُ بِالفِعْلِ بِالضَّرُورَةِ فَإذا اُسْتُفِيدَ إمْكانُهُ يُسْتَفادُ وجُودُهُ أيْضًا إذْ كُلَّما لَمْ يُوجَدْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ عَلى أنَّهُ قَدْ ذَكَرَ غَيْرَ واحِدٍ أنَّ نَفْيَ وُجُودِ إلَهٍ غَيْرِهِ تَعالى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْتَبَةً مِنَ التَّوْحِيدِ يُناطُ بِها الإسْلامُ ويُكْتَفى بِها مِن أكْثَرِ العَوامِّ، وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا نَفْيَ إمْكانِهِ سِيَّما مَعَ الغَفْلَةِ وعَدَمِ الشُّعُورِ بِهِ فَلا يَضُرُّ عَدَمُ دَلالَةِ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ إيجابَ النَّفْيِ جاءَ والآلِهَةُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى مَوْجُودَةٌ، وقَدْ قامَتْ عِبادَتُها عَلى ساقٍ، وعَكَفَ عَلَيْها المُشْرِكُونَ في سائِرِ الآفاقِ، فَأمُرِ النّاسُ بِنَفْيِ وجُودِها مِن حَيْثُ إنَّها آلِهَةً حَقَّةً، ولَوْ كانَ إذْ ذاكَ قَوْمٌ يَقُولُونَ بِإمْكانِ وُجُودِ إلَهٍ حَقٍّ غَيْرِهِ تَعالى لَكِنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ أصْلًا لَأمَرُوا بِنَفْيِ ذَلِكَ الإمْكانِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ المَتانَةِ بِمَكانٍ، ويُمْكِنُ الجَوابُ بِاخْتِيارِ تَقْدِيرِهِ خاصًّا بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ الخاصُّ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ والمُقامُ قَرِينَةً واضِحَةً عَلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ التَّعَدُّدِ لا بِالإمْكانِ ولا بِالفِعْلِ لِجَوازِ وُجُودِ إلَهٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وبِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ إمّا نَفْيُ المُسْتَحِقِّ غَيْرَهُ تَعالى بِالفِعْلِ أوِ الإمْكانِ، والأوَّلُ: لا يَنْفِي الإمْكانَ، والثّانِي: لا يَدُلُّ عَلى اِسْتِحْقاقِهِ تَعالى بِالفِعْلِ، وأُجِيبَ بِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِأنَّ وُجُوبَ الوُجُودِ مَبْدَأُ جَمِيعِ الكِمالاتِ فَلا رَيْبَ أنَّهُ يُوجِبُ اِسْتِحْقاقَ التَّعْظِيمِ والتَّبْجِيلِ ولا مَعْنى لِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ سِواهُ فَإذا لَمْ يَسْتَحِقَّ غَيْرُهُ تَعالى لِلْعِبادَةِ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ تَعالى وإلّا لاسْتَحَقَّ العِبادَةَ قَطْعًا وإذا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أيْضًا عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ فَثَبَتَ أنَّ نَفْيَ الِاسْتِحْقاقِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ التَّعَدُّدِ مُطْلَقًا، والقائِلُونَ بِعَدَمِ
صفحة 6
تَقْدِيرِ الخَبَرِ ذَهَبَ الأكْثَرُ مِنهم إلى أنَّ (لا) هَذِهِ لا خَبَرَ لَها، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ اِنْتِفاءُ الحُكْمِ والعَقْدِ وهو باطِلٌ قَطْعًا ضَرُورَةَ اِقْتِضاءِ التَّوْحِيدِ ذَلِكَ، وأُجِيبَ بِأنَّ القَوْلَ بِعَدَمِ الِاحْتِياجِ لا يُخْرِجُ المُرَكَّبَ مِن لا واسْمِها عَنِ العَقْدِ لِأنَّ مَعْناهُ اِنْتَفى هَذا الجِنْسَ مِن غَيْرِ هَذا الفَرْدِ وإلّا عِنْدَ هَؤُلاءِ بِمَعْنى غَيْرِ تابِعَةٌ لِمَحَلِّ اِسْمِ (لا) وظَهَرَ إعْرابُها فِيما بَعْدَها ولا مَجالَ لِجَعْلِها لِلِاسْتِثْناءِ إذْ لَوْ كانَتْ لَهُ لَما أفادَ الكَلامُ التَّوْحِيدَ لَأنَّ حاصِلَهُ حِينَئِذٍ أنَّ هَذا الجِنْسَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ دُخُولِ هَذا الفَرْدِ فِيهِ مُنْتَفٍ فَيُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ اِنْتِفاءِ أفْرادِ غَيْرِ خارِجٍ عَنْها ذَلِكَ وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّوْحِيدِ كَما لا يَخْفى.
واسْتُشْكِلَ الإبْدالُ مِن جِهَتَيْنِ، الأوَّلِ: أنَّهُ بَدَلٌ بَعْضٌ ولا ضَمِيرَ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ وهو شَرْطٌ فِيهِ، الثّانِي: أنَّ بَيْنَهُما مُخالَفَةً فَإنَّ البَدَلَ مُوجَبٌ والمُبْدَلَ مِنهُ مَنفِيٌّ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ: بِأنَّ (إلّا) تُغْنِي عَنِ الضَّمِيرِ لِإفْهامِها البَعْضِيَّةَ، وعَنِ الثّانِي: بِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الأوَّلِ في عَمَلِ العامِلِ، وتَخالُفُهُما في الإيجابِ والنَّفْيِ لا يَمْنَعُ البَدَلِيَّةَ عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنَّ البَدَلَ في الِاسْتِثْناءِ عَلى حِدَةٍ لَمْ يَبْعُدْ. والثّانِي: مِنَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ وهو القَوْلُ بِخَبَرِيَّةِ ما بَعْدَ (إلّا) ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ وضُعِّفَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَمَلُ (لا) في المَعارِفِ وهي لا تَعْمَلُ فِيها وبِأنَّ اِسْمَها عامٌّ وما بَعْدَ (إلّا) خاصٌّ فَكَيْفَ يَكُونُ خَبَرًا، وقَدْ قالُوا: بِامْتِناعِ الحَيَوانِ إنْسانًا، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ: بِأنَّ (لا) لا عَمَلَ لَها في الخَبَرِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ وأنَّهُ حِينَ دُخُولِها مَرْفُوعٌ بِما كانَ مَرْفُوعًا بِهِ قَبْلُ فَلَمْ يَلْزَمْ عَمَلُها في المَعْرِفَةِ وهو كَما تَرى، وعَنِ الثّانِي: بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ في التَّرْكِيبِ قَدْ أخْبَرَ بِالخاصِّ عَنِ العامِّ إذِ العُمُومُ مَنفِيٌّ والكَلامُ مَسُوقُ العُمُومِ، والتَّخْصِيصُ بِواحِدٍ مِن أفْرادِ ما دَلَّ عَلَيْهِ العامُّ وفِيهِ ما فِيهِ.
وأمّا الأقْوالُ الثَّلاثَةُ الَّتِي لا يُعَوَّلُ عَلَيْها فَأوَّلُها: أنَّ (إلّا) لَيْسَتْ أداةَ اِسْتِثْناءٍ وإنَّما هي بِمَعْنى غَيْرٍ وهي مَعَ اِسْمِهِ تَعالى شَأْنُهُ صِفَةٌ لا اِسْمُ لا بِاعْتِبارِ المَحَلِّ، والتَّقْدِيرُ لا إلَهَ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى في الوُجُودِ، وثانِيها: وقَدْ نُسِبَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنْ لا إلَهَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ و(إلّا) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ، والأصْلُ هو أوِ اللَّهُ إلَهٌ، فَلَمّا أُرِيدَ قَصْرُ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ قُدِّمَ الخَبَرُ وقُرِنَ المُبْتَدَأُ بِإلّا إذِ المَقْصُورُ عَلَيْهِ هو الَّذِي يَلِي (إلّا) والمَقْصُورُ هو الواقِعُ في سِياقِ النَّفْيِ، والمُبْتَدَأُ إذا اِقْتُرِنَ بِإلّا وجَبَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلَيْهِ كَما قُرِّرَ في مَوْضِعِهِ، وثالِثُها: أنَّ ما بَعْدَ (إلّا) مَرْفُوعٌ بِإلَهٍ كَما هو حالُ المُبْتَدَأِ إذا كانَ وصْفًا لِأنَّ إلَهًا بِمَعْنى مَأْلُوهٍ فَيَكُونُ قائِمًا مَقامَ الفاعِلِ وِسادًّا مَسَدَّ الخَبَرِ كَما في ما مَضْرُوبِ العُمْرانِ، ويُرَدُّ عَلى الأوَّلِ: أنَّ فِيهِ خَلَلًا مِن جِهَةِ المَعْنى لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلِمَةِ أمْرانِ نَفْيُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى وإثْباتُها لَهُ سُبْحانَهُ وهَذا إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ (إلّا) فِيها لِلِاسْتِثْناءِ إذْ يُسْتَفادُ النَّفْيُ والإثْباتُ حِينَئِذٍ بِالمَنطُوقِ، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى غَيْرٍ فَلا يُفِيدُ الكَلامُ بِمَنطُوقِهِ إلّا نَفْيَ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى، وأمّا إثْباتُها لَهُ عَزَّ اِسْمُهُ فَلا يُسْتَفادُ مِنَ التَّرْكِيبِ واسْتِفادَتُهُ مِنَ المَفْهُومِ لا تَكادُ تُقْبَلُ لِأنَّهُ إنْ كانَ مَفْهُومُ لَقَبٍ فَلا عِبْرَةَ بِهِ ولَوْ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ إذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ إلّا الدَّقّاقُ وبَعْضُ الحَنابِلَةِ، وإنْ كانَ مَفْهُومُ صِفَةٍ فَمِنَ البَيِّنِ أنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، ويُرَدُّ عَلى الثّانِي: أنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمَحُّلِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَبْنِيًّا مَعَ (لا) وهي لا يُبْنى مَعَها إلّا المُبْتَدَأُ، وأيْضًا لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ لَمْ يَكُنْ لِنَصْبِ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ (إلّا) في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ وجْهٌ، وقَدْ جَوَّزَهُ فِيهِ جَماعَةٌ، وعَلى الثّالِثِ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ إلَهًا وصْفٌ وإلّا لَوَجَبَ إعْرابُهُ وتَنْوِينُهُ ولا قائِلَ بِهِ.
هَذا ولِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَوْدَةٌ بَعْدَ عَوْدَةٍ إلى ما في هَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ مِنَ الكَلامِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَيُّ﴾ سَبْعَةُ أوْجُهٍ مِن وُجُوهِ الإعْرابِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلَفْظِ الجَلالَةِ، الثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَيُّ، الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾، الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ
صفحة 7
بَدَلًا مِن (هُوَ) وحْدَهُ، الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿لا تَأْخُذُهُ﴾، السّادِسُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ (اَللَّهِ)، السّابِعُ أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ لِاخْتِصاصِهِ بِالنَّعْتِ، وفي أصْلِهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ أصْلَهُ حَيِّي بِ يائَيْنِ مِن حَيَّ يَحَيُّ، والثّانِي: أنَّهُ حَيِوَ فَقُلِبَتِ الواوُ المُتَطَرِّفَةُ المُنْكَسِرُ ما قَبْلَها ياءً، ولِذَلِكَ كَتَبُوا الحَياةَ بِواوٍ في رَسْمِ المُصْحَفِ تَنْبِيهًا عَلى هَذا الأصْلِ، ويُؤَيِّدُهُ الحَيَوانُ لِظُهُورِ هَذا الأصْلِ فِيهِ، ووَزْنُهُ قِيلَ: فَعِلَ وقِيلَ: فَيْعِلَ فَخُفِّفَ كَمَيْتٍ في مَيِّتٍ.
والحَياةُ عِنْدَ الطَّبِيعِيِّ القُوَّةُ التّابِعَةُ لِلِاعْتِدالِ النَّوْعِيِّ الَّتِي تَفِيضُ عَنْها سائِرُ القُوى الحَيَوانِيَّةِ أوْ قُوَّةُ التَّغْذِيَةِ أوْ قُوَّةُ الحِسِّ أوْ قُوَّةٌ تَقْتَضِي الحِسَّ والحَرَكَةَ، والكُلُّ مِمّا يَمْتَنِعُ اِتِّصافُ اللَّهِ تَعالى بِهِ لِأنَّهُ مِن صِفاتِ الجُسْمانِيّاتِ فَهي فِيهِ سُبْحانَهُ صِفَةٌ مَوْجُودَةٌ حَقِيقِيَّةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَها ولا تُعْلَمُ حَقِيقَتُها كَسائِرِ صِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ زائِدَةٌ عَلى مَجْمُوعِ العِلْمِ والقُدْرَةِ ولَيْسَتْ نَفْسَ الذّاتِ حَقِيقَةً ولا ثابِتَةً لا مَوْجُودَةً ولا مَعْدُومَةً كَما قِيلَ بِكُلٍّ فالحَيُّ ذاتٌ قامَتْ بِهِ تِلْكَ الصِّفَةُ، وفَسَّرَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ ((بِأنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ ويَقْدِرَ، واعْتَرَضَهُ الإمامُ بِأنَّ هَذا القَدْرَ حاصِلٌ لِجَمِيعِ الحَيَواناتِ فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَمْدَحَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ بِصِفَةٍ يُشارِكُهُ بِها أخَسُّ الحَيَواناتِ؟ ثُمَّ قالَ واَلَّذِي عِنْدِي في هَذا البابِ أنَّ الحَيَّ في أصْلِ اللُّغَةِ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ نَفْسِ هَذِهِ الصِّحَّةِ بَلْ كُلُّ شَيْءٍ كانَ كامِلًا في جِنْسِهِ يُسَمّى حَيًّا ألا يُرى أنَّ عِمارَةَ الأرْضِ الخَرِبَةِ تُسَمّى إحْياءَ المَواتِ، والصِّفَةُ المُسَمّاةُ في عُرْفِ المُتَكَلِّمِينَ حَياةً إنَّما سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها كَمالُ الجِسْمِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلا جَرَمَ سُمِّيَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ حَياةً، وكَمالُ حالِ الأشْجارِ أنَّ تَكُونَ مُورِقَةً خَضِرَةً فَلا جَرَمَ سُمِّيَتْ هَذِهِ الحالُ حَياةً فالمَفْهُومُ الأصْلِيُّ مِنَ الحَيِّ كَوْنُهُ واقِعًا عَلى أكْمَلِ أحْوالِهِ وصِفاتِهِ وإذا كانَ كَذَلِكَ زالَ الإشْكالُ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ الحَيِّ هو الكامِلُ ولَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَيَّدًا دَلَّ عَلى أنَّهُ كامِلٌ عَلى الإطْلاقِ، والكامِلُ كَذَلِكَ مَن لا يَكُونُ قابِلًا لِلْعَدَمِ لا في ذاتِهِ ولا في صِفاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ ولا في صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ والإضافِيَّةِ)) اِنْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ قَوْلَهُ: إنَّ الحَيَّ بِمَعْنى الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ ويَقْدِرَ مِمّا يَشْتَرِكُ بِهِ سائِرُ الحَيَواناتِ فَلا يَحْسُنُ أنْ يَمْدَحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَفْسَهُ في غايَةِ السُّقُوطِ لِأنَّهُ إنْ أرادَ الِاشْتِراكَ في إطْلاقِ اللَّفْظِ فَلَيْسَ الحَيُّ وحْدَهُ كَذَلِكَ بَلِ السَّمِيعُ والبَصِيرُ أيْضًا مِثْلُهُ في الإطْلاقِ عَلى أخَسِّ الحَيَواناتِ، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى بِهِما نَفْسَهُ ولَمْ يَسْتَشْكِلْ ذَلِكَ أهْلُ السُّنَّةِ، وإنْ أرادَ الِاشْتِراكَ في الحَقِيقَةِ فَمَعاذَ اللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ إذِ الِاشْتِراكُ فِيها مُسْتَحِيلٌ بَيْنَ التُّرابِ ورَبِّ الأرْبابِ، وبَيْنَ الأزَلِيِّ والزّائِلِ، ومَتى قُلْتَ إنَّ الِاشْتِراكَ في إطْلاقِ اللَّفْظِ يُوجِبُ ذَلِكَ الِاشْتِراكَ حَقِيقَةً، ولا مَناصَ عَنْهُ إلّا بِالحَمْلِ عَلى المَجازِ لَزِمَكَ مِثْلُ ذَلِكَ في سائِرِ الصِّفاتِ ولا قائِلَ بِهِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، وأما ثانِيًا: فَلِأنَّ كَوْنَ الحَياةِ في اللُّغَةِ بِمَعْنى الكَمالِ مِمّا لَمْ يَثْبُتْ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ اللُّغَةِ أصْلًا وإنَّما الثّابِتُ فِيها غَيْرُ ذَلِكَ ووَصْفُ الجَماداتِ بِها إنَّما هو عَلى سَبِيلِ المَجازِ دُونَ الحَقِيقَةِ كَما وهَمَ، فَإنْ قالَ: إنَّها مَجازٌ في اللَّهِ تَعالى أيْضًا بِذَلِكَ المَعْنى عادَ الإشْكالُ بِحُصُولِ الِاشْتِراكِ في الكَمالِ مَعَ الجَماداتِ فَضْلًا عَنِ الحَيَوانِ، فَإنْ قالَ: كَمالُ كُلِّ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهِ قُلْنا: فَحَياةُ كُلِّ حَيٍّ حَقِيقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهِ، ولَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ، وكَأنِّي بِكَ تَفْهَمُ مِن كَلامِي المَيْلَ إلى مَذْهَبِ السَّلَفِ في مِثْلِ هَذِهِ المَواطِنِ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ فَهْمَ القَوْمِ كُلَّ القَوْمِ.
ويا حَبَّذا هِنْدٌ وأرْضٌ بِها هِنْدُ
واَلزَّمَخْشَرِيُّ فَسَّرَ الحَيَّ بِالباقِي الَّذِي لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَوْتِ والفَناءِ وجَعَلُوا ذَلِكَ مِنهُ تَفْسِيرًا بِما هو المُتَعارَفُ مِن كَلامِ العَرَبِ وأرى أنَّ في القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، ولَعَلِّي مِن وراءِ المَنعِ لِذَلِكَ، نَعَمْ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ الَّذِي لا يَمُوتُ وهو لَيْسَ بِنَصٍّ في المُدَّعى.
﴿القَيُّومُ﴾ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ لِلْقِيامِ وأصْلُهُ قَيْوُومٌ عَلى فَيْعُولٍ فاجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً
صفحة 8
وأُدْغِمَتْ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعُولًا وإلّا لَكانَ قَوُومًا لِأنَّهُ واوِيٌّ، ويَجُوزُ فِيهِ قَيّامُ وقَيِّمٌ وبِهِما قُرِئَ، ورُوِيَ أوَّلُهُما عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقُرِئَ (اَلْقائِمَ) و(اَلْقَيُّومَ) بِالنَّصْبِ ومَعْناهُ كَما قالَ الضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ: الدّائِمُ الوُجُودِ، وقِيلَ: القائِمُ بِذاتِهِ، وقِيلَ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ مِن إنْشائِهِمُ اِبْتِداءً وإيصالِ أرْزاقِهِمْ إلَيْهِمْ وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ وقِيلَ: هو العالِمُ بِالأُمُورِ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَقُومُ بِالكِتابِ أيْ يَعْلَمُ ما فِيهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو الدّائِمُ القَيّامُ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ يُقالُ: قامَ كَذا أيْ دامَ وقامَ بِكَذا أيْ حَفِظَهُ، والقَيُّومُ القائِمُ الحافِظُ لِكُلِّ شَيْءٍ والمُعْطِي لَهُ ما بِهِ قِوامُهُ، والظّاهِرُ مِنهُ أنَّ القِيامَ بِمَعْنى الدَّوامِ ثُمَّ يَصِيرُ بِالتَّعْدِيَةِ بِمَعْنى الإدامَةِ وهو الحِفْظُ فَأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ المُبالَغَةَ لَيْسَتْ مِن أسْبابِ التَّعْدِيَةِ فَإذا عُرِّيَ القَيُّومُ عَنْ أداتِها كانَ بِمَعْنى اللّازِمِ فَلا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِالحافِظِ ثُمَّ إنَّ المُبالِغَةَ في الحِفْظِ كَيْفَ تُفِيدُ إعْطاءَ ما بِهِ القِوامُ، ولَعَلَّهُ مِن حَيْثُ إنَّ الِاسْتِقْلالَ بِالحِفْظِ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وأوْرَدَ عَلى تَفْسِيرِهِ بِنَحْوِ القائِمِ بِذاتِهِ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَيُّومِ السَّماواتِ والأرْضِ الوارِدِ في الأدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ واجِبُ السَّماواتِ والأرْضِ وهو كَما تَرى، فالظّاهِرُ أنَّهُ فِيهِ بِمَعْنًى آخَرَ مِمّا يَلِيقُ إذْ لا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِنَوْعِ تَمَحُّلٍ.
وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ القَيُّومَ هو اِسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ، وفَسَّرَهُ هَؤُلاءِ بِأنَّهُ القائِمُ بِذاتِهِ والمُقَوِّمُ لِغَيْرِهِ، وفَسَّرُوا القِيامَ بِالذّاتِ بِوُجُوبِ الوُجُودِ المُسْتَلْزِمِ لِجَمِيعِ الكِمالاتِ والتَّنَزُّهِ عَنْ سائِرِ وُجُوهِ النَّقْصِ وجَعَلُوا التَّقْوِيمَ لِلْغَيْرِ مُتَضَمِّنًا جَمِيعَ الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ فَصَحَّ لَهُمُ القَوْلُ بِذَلِكَ وأغْرَبُ الأقْوالِ أنَّهُ لَفْظٌ سُرْيانِيٌّ ومَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ الَّذِي لا يَنامُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ حِينَئِذٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ السِّنَةُ بِكَسْرِ أوَّلِهِ فُتُورٌ يَتَقَدَّمُ النَّوْمَ ولَيْسَ بِنَوْمٍ لِقَوْلِ عَدِيِّ بْنِ الرِّقاعِ:
وسِنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ∗∗∗ في عَيْنِهِ (سِنَةٌ) ولَيْسَ بِنائِمِ
والنَّوْمُ بَدِيهِيُّ التَّصَوُّرِ يَعْرِضُ لِلْحَيَوانِ مِنَ اِسْتِرْخاءِ أعْصابِ الدِّماغِ مِن رُطُوباتِ الأبْخِرَةِ المُتَصاعِدَةِ بِحَيْثُ تَقِفُ الحَواسُّ الظّاهِرَةُ عَنِ الإحْساسِ رَأْسًا، وزَعَمَ السُّيُوطِيُّ في بَعْضِ «رَسائِلِهِ» أنَّ سَبَبَهُ شَمَّ هَواءٍ يَهُبُّ مِن تَحْتِ العَرْشِ، ولَعَلَّهُ أرادَ تَصاعُدَ الأبْخِرَةِ مِنَ المَعِدَةِ تَحْتَ القَلْبِ الَّذِي هو عَرْشُ الرُّوحِ وإلّا فَلا أعْقِلُهُ، وتَقْدِيمُ السِّنَةِ عَلَيْهِ وقِياسُ المُبالَغَةِ يَقْتَضِي التَّأْخِيرَ مُراعاةً لِلتَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ فَلِتَقَدُّمِها عَلى النَّوْمِ في الخارِجِ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ في اللَّفْظِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى طَرِيقِ التَّتْمِيمِ وهو أبْلَغُ لِما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ إذْ نَفِيُ السِّنَةِ يَقْتَضِي نَفْيَ النَّوْمِ ضِمْنًا فَإذا نُفِيَ ثانِيًا كانَ أبْلَغَ، ورُدَّ بِأنَّهُ إنَّما هو عَلى أُسْلُوبِ الإحاطَةِ والإحْصاءِ وهو مُتَعَيَّنٌ فِيهِ مُراعاةُ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ والِابْتِداءِ مِنَ الأخَفِّ فالأخَفِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ ولِهَذا تَوَسَّطَتْ كَلِمَةُ (لا) تَنْصِيصًا عَلى الإحاطَةِ وشُمُولِ النَّفْيِ لِكُلٍّ مِنهُما، وقِيلَ: إنَّ تَأْخِيرَ النَّوْمِ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ ولا يَخْفى أنَّهُ مِن ضِيقِ العَطَنِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: هَذا كُلُّهُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ إذا أُخِذَ الأخْذُ بِمَعْنى العُرُوضِ والِاعْتِراءِ، وأمّا لَوْ أخَذَ بِمَعْنى القَهْرِ والغَلَبَةِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ فالتَّرْتِيبُ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ إذْ يَكُونُ المَعْنى لا تَغْلِبُهُ السِّنَةُ ولا النَّوْمُ الَّذِي هو أكْثَرُ غَلَبَةً مِنها.
والجُمْلَةُ نَفْيٌ لِلتَّشْبِيهِ وتَنْزِيهٌ لَهُ تَعالى أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ مِنَ الأحْياءِ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن ذَلِكَ فَكَيْفَ تُشابِهُهُ، وفِيها تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِ تَعالى حَيًّا قَيُّومًا لِأنَّ النَّوْمَ آفَةٌ تُنافِي دَوامَ الحَياةِ وبَقاءَها وصِفاتُهُ تَعالى قَدِيمَةٌ لا زَوالَ لَها ولِأنَّ مَن يَعْتَرِيهِ النَّوْمُ والغَلَبَةُ لا يَكُونُ واجِبَ الوُجُودِ دائِمَهُ ولا عالِمًا مُسْتَمِرَّ العِلْمِ ولا حافِظًا قَوِيَّ الحِفْظِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ
صفحة 9
رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى هَلْ يَنامُ رَبُّكَ؟ قالَ: اِتَّقَوُا اللَّهَ تَعالى فَناداهُ رَبُّهُ يا مُوسى سَألُوكَ هَلْ يَنامُ رَبُّكَ فَخُذْ زُجاجَتَيْنِ في يَدَيْكَ فَقُمِ اللَّيْلَ فَفَعَلَ مُوسى فَلَمّا ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ ثُلْثٌ نَعَسَ فَوَقَعَ لِرُكْبَتَيْهِ ثُمَّ اِنْتَعَشَ فَضَبَطَهُما حَتّى إذا كانَ آخِرَ اللَّيْلِ نَعَسَ فَسَقَطَتْ الزُّجاجَتانِ فانْكَسَرَتا فَقالَ: يا مُوسى لَوْ كُنْتُ أنامُ لَسَقَطَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَهَلَكْنَ كَما هَلَكَتِ الزُّجاجَتانِ في يَدَيْكَ» ولِما فِيها مِنَ التَّأْكِيدِ كاَلَّذِي بَعْدَها تُرِكَ العاطِفُ فِيها وهي إمّا اِسْتِئْنافِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وإمّا حالٌ مُؤَكَّدَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿القَيُّومُ﴾، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا عَنِ الحَيِّ أوْ عَنِ الِاسْمِ الجَلِيلِ.
﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَيُّومِيَّتِهِ تَعالى واحْتِجاجٌ عَلى تَفَرُّدِهِ في الإلَهِيَّةِ، والمُرادُ بِما فِيهِما ما هو أعَمُّ مِن أجْزائِهِما الدّاخِلَةِ فِيهِما ومِنَ الأُمُورِ الخارِجَةِ عَنْهُما المُتَمَكِّنَةِ فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ فَيُعْلَمُ مِنَ الآيَةِ نَفْيُ كَوْنِ الشَّمْسِ والقَمَرِ وسائِرِ النُّجُومِ والمَلائِكَةِ والأصْنامِ والطَّواغِيتِ آلِهَةً مُسْتَحِقَّةً لِلْعِبادَةِ.
﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ اِسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ ولِذا دَخَلَتْ (إلّا) والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ كِبْرِياءِ شَأْنِهِ تَعالى وأنَّهُ لا أحَدَ يُساوِيهِ أوْ يُدانِيهِ بِحَيْثُ يَسْتَقِلُّ أنْ يَدْفَعَ ما يُرِيدُهُ دَفْعًا عَلى وجْهِ الشَّفاعَةِ والِاسْتِكانَةِ والخُضُوعِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَقِلَّ بِدَفْعِهِ عِنادًا أوْ مُناصَبَةً وعَداوَةً وفي ذَلِكَ تَأْيِيسٌ لِلْكُفّارِ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّ آلِهَتَهم شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ أمْرَ الدُّنْيا ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ أمْرَ الآخِرَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُما، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةُ عَكْسُ ذَلِكَ، وقِيلَ: يَعْلَمُ ما كانَ قَبْلَهم وما كانَ بَعْدَهُمْ، وقِيلَ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وما خَلْفَهم مِمّا فَعَلُوهُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: ما يُدْرِكُونَهُ وما لا يُدْرِكُونَهُ أوْ ما يُحِسُّونَهُ ويَعْقِلُونَهُ والكُلُّ مُحْتَمَلٌ، ووَجْهُ الإطْلاقِ فِيهِ ظاهِرٌ، وضَمِيرُ الجَمْعِ يَعُودُ عَلى ما في ﴿ما في السَّماواتِ﴾ الخ إلّا أنَّهُ غَلَّبَ مَن يَعْقِلُ عَلى غَيْرِهِ، وقِيلَ: لِلْعُقَلاءِ في ضِمْنِهِ فَلا تَغْلِيبَ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿مَن ذا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ خاصَّةً، والعِلْمُ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم كِنايَةٌ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، والجُمْلَةُ إمّا اِسْتِئْنافٌ أوْ خَبَرٌ عَمّا قَبْلُ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَشْفَعُ) أوْ مِنَ المَجْرُورِ في (بِإذْنِهِ).
﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ أيْ مَعْلُومِهِ كَقَوْلِهِمُ: اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لَنا عِلْمَكَ فِينا، والإحاطَةُ بِالشَّيْءِ عِلْمًا عِلْمُهُ كَما هو عَلى الحَقِيقَةِ، والمَعْنى لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ كُنْهَ شَيْءٍ ما مِن مَعْلُوماتِهِ تَعالى ﴿إلا بِما شاءَ﴾ أنْ يَعْلَمَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ (مِن عِلْمِهِ) مَعْلُومُهُ الخاصُّ وهو كُلُّ ما في الغَيْبِ ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ﴾ وعُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما قَبْلَها لِمُغايَرَتِها لَهُ لِأنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ وهَذِهِ تُفِيدُ أنَّهُ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ ومَجْمُوعُهُما دالٌّ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالعِلْمِ الذّاتِيِّ الَّذِي هو مِن أُصُولِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَتَّصِفَ الإلَهُ تَعالى شَأْنُهُ بِها بِالفِعْلِ.
﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الكُرْسِيُّ جِسْمٌ بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ مُحِيطٌ بِالسَّماواتِ السَّبْعِ، وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: لَوْ أنَّ السَّماواتَ السَّبْعَ والأرْضِينَ السَّبْعَ بُسِطْنَ ثُمَّ وُصِلْنَ بَعْضُهُنَّ إلى بَعْضِ ما كُنَّ في سِعَتِهِ أيِ الكُرْسِيِّ إلّا بِمَنزِلَةِ الحَلْقَةِ في المَفازَةِ وهو غَيْرُ العَرْشِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الكُرْسِيِّ فَقالَ: ”يا أبا ذَرٍّ ما السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُونَ السَّبْعُ عِنْدَ الكُرْسِيِّ إلّا كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ بِأرْضِ فَلاةٍ وأنَّ فَضْلَ العَرْشِ عَلى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الفَلاةِ عَلى تِلْكَ الحَلْقَةِ“» وفي رِوايَةِ الدّارَقُطْنِيِّ والخَطِيبِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما
صفحة 10
قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ الخ «قالَ: كُرْسِيُّهُ مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ والعَرْشُ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ» وقِيلَ: هو العَرْشُ نَفْسُهُ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الحَسَنِ، وقِيلَ: قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: تَدْبِيرُهُ، وقِيلَ: مَلَكٌ مِن مَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: مَجازٌ عَنِ العِلْمِ مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَكانِهِ لِأنَّ الكُرْسِيَّ مَكانُ العالَمِ الَّذِي فِيهِ العِلْمُ فَيَكُونُ مَكانًا لِلْعِلْمِ بِتَبَعِيَّتِهِ لِأنَّ العَرْضَ يَتْبَعُ المَحَلَّ في التَّحَيُّزِ حَتّى ذَهَبُوا إلى أنَّهُ مَعْنى قِيامِ العَرْضِ بِالمَحَلِّ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: عَنِ المُلْكِ أخْذًا مِن كُرْسِيِّ المُلْكِ، وقِيلَ: أصْلُ الكُرْسِيِّ ما يُجْلَسُ عَلَيْهِ ولا يُفَضَّلُ عَنْ مَقْعَدِ القاعِدِ.
والكَلامُ مَساقٌ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِعَظَمَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ وسِعَةِ سُلْطانِهِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ قاطِبَةً، فَفي الكَلامِ اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ولَيْسَ ثَمَّةَ كُرْسِيٍّ ولا قاعِدٌ ولا قُعُودٌ وهَذا الَّذِي اِخْتارَهُ الجَمُّ الغَفِيرُ مِنَ الخَلَفِ فِرارًا مِن تَوَهُّمِ التَّجْسِيمِ، وحَمَلُوا الأحادِيثَ الَّتِي ظاهِرُها حَمْلُ الكُرْسِيِّ عَلى الجِسْمِ المُحِيطِ عَلى مَثَلِ ذَلِكَ لا سِيَّما الأحادِيثِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ القِدَمِ كَما قَدَّمْنا، وكالحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، الكُرْسِيُّ: مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ ولَهُ أطِيطٌ كَأطِيطِ الرَّحْلِ؛ وفي رِوايَةٍ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «لَهُ أطِيطٌ كَأطِيطِ الرَّحْلِ الجَدِيدِ إذا رَكِبَ عَلَيْهِ مَن يَثْقُلُهُ ما يَفْضُلُ مِنهُ أرْبَعُ أصابِعَ ”،» وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ وأمْثالَهُ لَيْسَ بِالدّاعِي القَوِيِّ لِنَفْيِ الكُرْسِيِّ بِالكُلِّيَّةِ فالحَقُّ أنَّهُ ثابِتٌ كَما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ وتَوَهُّمُ التَّجْسِيمِ لا يُعْبَأُ بِهِ وإلّا لَلَزِمَ نَفْيُ الكَثِيرِ مِنَ الصِّفاتِ وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ اِتِّباعِ الشّارِعِ والتَّسْلِيمِ لَهُ، وأكْثَرُ السَّلَفِ الصّالِحِ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وفَوَّضُوا عِلْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ القَوْلِ بِغايَةِ التَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ لَهُ تَعالى شَأْنُهُ.
والقائِلُونَ بِالمَظاهِرِ مِن ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم لَمْ يُشْكِلْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن أمْثالِ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ مِنهم أنَّ الكُرْسِيَّ عِبارَةٌ عَنْ تَجَلِّي جُمْلَةُ الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ فَهو مَظْهَرٌ إلَهِيٌّ ومَحَلُّ نُفُوذِ الأمْرِ والنَّهْيِ والإيجادِ والإعْدامِ المُعَبَّرِ عَنْهُما بِالقَدَمَيْنِ، وقَدْ وسِعَ السَّماواتِ والأرْضَ وُسْعَ وُجُودِ عَيْنِي ووُسْعَ حُكْمِي لِأنَّ وجُودِهِما المُقَيَّدَ مِن آثارِ الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ الَّتِي هو مَظْهَرٌ لَها ولَيْسَتِ القَدَمانِ في الأحادِيثِ عِبارَةً عَنْ قَدَمَيِ الرِّجْلَيْنِ ومَحَلِّ النَّعْلَيْنِ تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولا «اَلْأطِيطُ» عِبارَةً عَمّا تَسْمَعُهُ وتَفْهَمُهُ في الشّاهِدِ بَلْ هو -إنْ لَمْ تُفَوِّضْ عِلْمَهُ إلى العَلِيمِ الخَبِيرِ- إشارَةٌ إلى بُرُوزِ الأشْياءِ المُتَضادَّةِ أوِ اِجْتِماعِها في ذَلِكَ المَظْهَرِ الَّذِي هو مَنشَأُ التَّفْصِيلِ والإبْهامِ ومَحَلُّ الإيجادِ والإعْدامِ ومَرْكَزُ الضُّرِّ والنَّفْعِ والتَّفْرِيقِ والجَمْعِ، ومَعْنى ما يَفْضُلُ مِنهُ إلّا أرْبَعَ أصابِعَ إنْ كانَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى الرَّحْلِ ظاهِرٌ وإنْ كانَ راجِعًا إلى الكُرْسِيِّ فَهو إشارَةٌ إلى وُجُودِ حَضَراتٍ هي مَظاهِرُ لِبَعْضِ الأسْماءِ لَمْ تَبْرُزْ إلى عالَمِ الحِسِّ ولا يُمْكِنْ أنْ يَراها إلّا مَن وُلِدَ مَرَّتَيْنِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الأصابِعِ الأرْبَعِ ما تَعْرِفُهُ مِن نَفْسِكَ، ولِلْعارِفِينَ في هَذا المَقامِ كَلامٌ غَيْرُ هَذا، ولَعَلَّنا نُشِيرُ إلى بَعْضٍ مِنهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ المَشْهُورُ أنَّ الياءَ في الكُرْسِيِّ لِغَيْرِ النَّسَبِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الكِرْسِ وهو الجَمْعُ ومِنهُ الكُرّاسَةُ لِلصَّحائِفِ الجامِعَةِ لِلْعِلْمِ، وقِيلَ: كَأنَّهُ مَنسُوبٌ إلى الكَرِسِ بِالكَسْرِ وهو المُلَبَّدُ وجَمْعُهُ كَراسِيُّ كَبُخْتِيُّ وبَخاتِيُّ وفِيهِ لُغَتانِ ضَمُّ كافِهِ وهي المَشْهُورَةُ وكَسْرُها لِلْإتْباعِ والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ الواوِ والعَيْنِ، وكَسْرِ السِّينِ في ﴿وسِعَ﴾ عَلى أنَّهُ فَعِلَ والكُرْسِيُّ فاعِلُهُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ السِّينِ مَعَ كَسْرِ الواوِ كَعِلْمٍ في عَلِمَ، وبِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ السِّينِ ورَفْعِ العَيْنِ مَعَ جَرِّ كُرْسِيِّهِ ورَفْعِ السَّماواتِ فَهو حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ مُضافٌ إلى ما بَعْدَهُ و(اَلسَّماواتُ والأرْضُ) خَبَرُهُ.
﴿ولا يَئُودُهُ﴾ أيْ لا يُثْقِلُهُ كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الأوْدِ بِمَعْنى الِاعْوِجاجِ لِأنَّ الثَّقِيلَ يَمِيلُ لَهُ ما تَحْتَهُ، وماضِيهُ آدَ؛ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: الكُرْسِيُّ.
﴿حِفْظُهُما﴾
صفحة 11
أيِ السَّماواتِ والأرْضِ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ ما فِيهِما لِما أنَّ حِفْظَهُما مُسْتَتْبِعٌ لِحِفْظِهِ، وخَصَّهُما بِالذِّكْرِ دُونَ الكُرْسِيِّ لِأنَّ حِفْظَهُما هو المُشاهَدُ المَحْسُوسُ، والقَوْلُ بِالِاسْتِخْدامِ لِيَدْخُلَ هو والعَرْشُ وغَيْرُهُما مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى بِعِيدٌ ﴿وهُوَ العَلِيُّ﴾ أيِ المُتَعالِي عَنِ الأشْباهِ والأنْدادِ والأمْثالِ والأضْدادِ وعَنْ أماراتِ النَّقْصِ ودَلالاتِ الحُدُوثِ، وقِيلَ: هو مِنَ العُلُوِّ الَّذِي هو بِمَعْنى القُدْرَةِ والسُّلْطانُ والمُلْكِ وعُلُوِّ الشَّأْنِ والقَهْرِ والِاعْتِلاءِ والجَلالِ والكِبْرِياءِ ﴿العَظِيمُ﴾ [ 255 ] ذُو العَظَمَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ بِالإضافَةِ إلَيْهِ حَقِيرٌ.
ولَمّا جُلِّيَتْ عَلى مِنَصَّةِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَرائِسُ المَسائِلِ الإلَهِيَّةِ وأشْرَقَتْ عَلى صَفَحاتِها أنْوارُ الصِّفاتِ العَلِيَّةِ حَيْثُ جَمَعَتْ أُصُولَ الصِّفاتِ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والحَياةِ والعِلْمِ والمُلْكِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ، واشْتَمَلَتْ عَلى سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فِيها اِسْمُ اللَّهِ تَعالى ظاهِرٌ في بَعْضِها ومُسْتَتِرٌ في البَعْضِ ونَطَقَتْ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ مَوْجُودٌ مُنْفَرِدٌ في أُلُوهِيَّتِهِ حَيٌّ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ مُوجِدٌ لِغَيْرِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّحَيُّزِ والحُلُولِ مُبَرَّأٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والفُتُورِ لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأشْباحِ ولا يَحِلُّ بِساحَةِ جَلالِهِ ما يَعْرِضُ لِلنُّفُوسِ والأرْواحِ، مالِكُ المُلْكِ والمَلَكُوتَ ومُبْدِعُ الأُصُولِ والفُرُوعِ ذُو البَطْشِ الشَّدِيدِ العالِمُ وحْدَهُ بِجَلِيِّ الأشْياءِ وخَفِيِّها وكُلِّيِّها وجُزْئِيِّها واسِعُ المُلْكِ والقُدْرَةِ لِكُلِّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُمْلَكَ ويُقْدَرَ عَلَيْهِ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ شاقٌّ ولا يَثْقُلُ شَيْءٌ لَدَيْهِ مُتَعالٍ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ عَظِيمٌ لا يَسْتَطِيعُ طَيْرُ الفِكْرِ أنْ يَحُومَ في بَيْداءَ صِفاتٌ قامَتْ بِهِ تَفَرَّدَتْ بِقَلائِدِ فَضْلٍ خَلَتْ عَنْها أجْيادٌ أخَواتُها الجِيادُ وجَواهِرُ خَواصٍّ تَتَهادى بِها بَيْنَ أتْرابِها ولا كَما تَتَهادى لُبْنى وسُعادُ.
أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وغَيْرُهُما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «“ إنَّ أعْظَمَ آيَةٍ في القُرْآنِ آيَةُ الكُرْسِيِّ» وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ مَرْفُوعًا «مَن قَرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ حُفِظَ إلى الصَّلاةِ الأُخْرى ولا يُحافِظُ عَلَيْها إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ» وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهَ أنَّهُ قالَ: ««لَوْ تَعْلَمُونَ ما فِيها لَما تَرَكْتُمُوها عَلى حالٍ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”أُعْطِيتُ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُؤْتِها نَبِيٌّ قَبْلِي“» والأخْبارُ في فَضْلِها كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ إلّا أنَّ بَعْضَها مِمّا لا أصْلَ لَهُ كَخَبَرِ ««مَن قَرَأها بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا يَكْتُبُ مِن حَسَناتِهِ ويَمْحُو مِن سَيِّئاتِهِ إلى الغَدِ مِن تِلْكَ السّاعَةِ»،» وبَعْضَها مُنْكَرٌ جِدًّا كَخَبَرِ ««إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اِقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَإنَّهُ مَن يَقْرَؤُها في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ أجْعَلُ لَهُ قَلْبَ الشّاكِرِينَ ولِسانَ الذّاكِرِينَ وثَوابَ المُنِيبِينَ وأعْمالَ الصِّدِّيقِينَ»».
ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ الأحادِيثِ في هَذا البابِ حُجَّةٌ لِمَن قالَ: إنَّ بَعْضَ القُرْآنِ قَدْ يُفَضَّلُ عَلى غَيْرِهِ وفِيهِ خِلافٌ فَمَنَعَهُ بَعْضُهم كالأشْعَرِيِّ والباقِلّانِيِّ وغَيْرِهِما لِاقْتِضائِهِ نَقْصَ المَفْضُولِ وكَلامُ اللَّهِ تَعالى لا نَقْصَ فِيهِ، وأوَّلُوا أعْظَمَ بِعَظِيمٍ وأفْضَلَ بِفاضِلٍ، وأجازَهُإسْحَقُ بْنُ راهَوَيْهِ وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ والمُتَكَلِّمِينَ وهو المُخْتارُ ويَرْجِعُ إلى عِظَمِ أجْرِ قارِئِهِ ولِلَّهِ تَعالى أنْ يَخُصَّ ما شاءَ بِما شاءَ لِما شاءَ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الكافِرِينَ هُمُ الظّالِمُونَ ناسَبَ أنْ يُنَبِّهَهم جَلَّ شَأْنُهُ عَلى العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي هي مَحْضُ التَّوْحِيدِ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ المُرْسَلُونَ عَلى اِخْتِلافِ دَرَجاتِهِمْ وتَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ بِما أيْنَعَتْ مِن ذَلِكَ رِياضُهُ وتَدَفَّقَتْ حِياضُهُ وصَدَحَ عَنْدَلِيبُهُ وصَدَعَ عَلى مَنابِرِ البَيانِ خَطِيبُهُ فَلِلَّهِ الحَمْدُ عَلى ما أوْضَحَ الحُجَّةَ وأزالَ الغُبارَ عَنْ وجْهِ المَحَجَّةِ.
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾ أيْ أسْرارُهُ وأنْوارُهُ ورُمُوزُهُ وإشاراتُهُ ﴿نَتْلُوها﴾ بِلِسانِ الوَحْيِ ﴿عَلَيْكَ﴾ مُلابَسَةً لِلْحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ تَغْيِيرٌ ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ الَّذِينَ عَبَرُوا هَذِهِ المَقاماتِ
صفحة 12
وصَحَّ لَهم صَفاءُ الأوْقاتِ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ بِمُقْتَضى اِسْتِعْلاءِ أنْوارِ اِسْتِعْداداتِهِمْ ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ عِنْدَ تَجَلِّيهِ عَلى طَوْرِ قَلْبِهِ وفي وادِي سِرِّهِ ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ بِفَنائِهِ عَنْ ظُلْمَةِ الوُجُودِ بِالكُلِّيَّةِ وبَقائِهِ في حَضْرَةِ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ وبُلُوغِهِ مَقامَ قابِ قَوْسَيْنِ وظَفْرِهِ بِكَنْزٍ فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى مِن أسْرارِهِمُ النَّشْأتَيْنِ حَتّى عادَ وهو نُورُ الأنْوارِ والمَظْهَرُ الأعْظَمُ عِنْدَ ذَوِي الأبْصارِ ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ والآياتِ الباهِراتِ مِن إحْياءِ أمْواتِ القُلُوبِ والأخْبارِ عَمّا يُدَّخَرُ في خَزائِنِ الأسْرارِ مِنَ الغُيُوبِ ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ الَّذِي هو رُوحُ الأرْواحِ المُنَزَّهُ عَنِ النَّقائِصِ الكَوْنِيَّةِ والمُقَدَّسُ عَنِ الصِّفاتِ الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ﴾ جاءُوا ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ بِسُيُوفِ الهَوى ونِبالِ الضَّلالِ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ﴾ مِن أنْوارِ الفِطْرَةِ وإرْشادِ الرُّسُلِ الآياتُ الواضِحاتُ ﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ حَسْبَما اِقْتَضاهُ اِسْتِعْدادُهُمُ الأزَلِيُّ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ﴾ بِما جاءَ بِهِ الوَحْيُ ﴿ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ عَنِ اِخْتِلافٍ بِأنْ يَتَّحِدَ اِسْتِعْدادُهم ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ ولا يُرِيدُ إلّا ما في العِلْمِ وما كانَ فِيهِ سِوى هَذا الِاخْتِلافِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ بِبَذْلِ الأرْواحِ وإرْشادِ العِبادِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ القِيامَةِ الكُبْرى ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ ولا تُبَدَّلُ صِفَةٌ بِصِفَةٍ فَلا يَحْصُلُ تَكْمِيلُ النَّشْأةِ ﴿ولا خُلَّةٌ﴾ لِظُهُورِ الحَقائِقِ ﴿ولا شَفاعَةٌ﴾ لِلتَّجَلِّي الجَلالِيِّ.
﴿والكافِرُونَ هُمُ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِنَقْصِ حُظُوظِها وما ظَلَمْناهم إذْ لَمْ نَقْضِ عَلَيْهِمْ سِوى ما اِقْتَضاهُ اِسْتِعْدادُهُمُ غَيْرُ المَجْعُولِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ﴾ في الوُجُودِ العِلْمِيِّ ﴿إلا هو الحَيُّ﴾ الَّذِي حَياتُهُ عَيْنُ ذاتِهِ وكُلُّ ما هو حَيٌّ لَمْ يَحْيَ إلّا بِحَياتِهِ ﴿القَيُّومُ﴾ الَّذِي يَقُومُ بِنَفْسِهِ ويُقَوِّمُ كُلَّ ما يَقُومُ بِهِ، وقِيلَ: الحَيُّ الَّذِي ألْبَسَ حَياتَهُ أسْرارَ المُوَحِّدِينَ فَوَحَّدُوا بِهِ، والقَيُّومُ الَّذِي رَبّى بِتَجَلِّي الصِّفاتِ وكَشْفِ الذّاتِ أرْواحَ العارِفِينَ فَفَنُوا في ذاتِهِ واحْتَرَقُوا بِنُورِ كِبْرِيائِهِ.
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ بَيانٌ لِقَيُّومِيَّتِهِ وإشارَةٌ إلى أنَّ حَياتَهُ عَيْنُ ذاتِهِ لَهُ ما في سَماواتِ الأرْواحِ وأرْضِ الأشْباحِ فَلا يَتَحَرَّكُ مُتَحَرِّكٌ ولا يَسْكُنُ ساكِنٌ ولا يَخْطُرُ خاطِرٌ في بَرٍّ أوْ بَحْرٍ وسِرٍّ أوْ جَهْرٍ إلّا بِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وعِلْمِهِ ومَشِيئَتِهِ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ إذْ كُلُّهم لَهُ ومِنهُ وإلَيْهِ وبِهِ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الخَطَراتِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِنَ العَثَراتِ، أوْ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ المَقاماتِ وما خَلْفَهم مِنَ الحالاتِ، أوْ يَعْلَمُ مِنهم ما قَبْلَ إيجادِهِمْ مِن كَمِّيَّةِ اِسْتِعْدادِهِمْ وما بَعْدَ إنْشائِهِمْ مِنَ العَمَلِ بِمُقْتَضى ذَلِكَ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن﴾ مَعْلُوماتِهِ الَّتِي هي مَظاهِرُ أسْمائِهِ ﴿إلا بِما شاءَ﴾ كَما يَحْصُلُ لِأهْلِ القُلُوبِ مِن مُعايَناتِ أسْرارِ الغُيُوبِ وإذا تَقاصَرَتِ الفُهُومُ عَنِ الإحاطَةِ بِشَيْءٍ مِن مَعْلُوماتِهِ فَأيُّ طَمَعٍ لَها في الإحاطَةِ بِذاتِهِ هَيْهاتَ هَيْهاتَ أنّى لِخُفّاشٍ الفَهْمُ أنْ يَفْتَحَ عَيْنَهُ في شَمْسِ هاتِيكَ الذّاتِ؟ ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ الَّذِي هو قَلْبُ العارِفِ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ لِأنَّهُ مَعْدِنُ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ والعِلْمِ اللَّدُنِيِّ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ ولا حَدَّ، ومِن هُنا قالَ أبُو يَزِيدٍ البَسْطامِيُّ: لَوْ وقَعَ العالَمُ ومِقْدارُ ما فِيهِ ألْفُ ألْفِ مَرَّةٍ في زاوِيَةٍ مِن زَوايا قَلْبِ العارِفِ ما أحَسَّ بِهِ، وقِيلَ: كُرْسِيُّهُ عالَمُ المَلَكُوتِ وهو مَطافُ أرْواحِ العارِفِينَ لِجَلالِ الجَبَرُوتِ ﴿ولا يَئُودُهُ﴾ ولا يُثْقِلُهُ ﴿حِفْظُهُما﴾ في ذَلِكَ الكُرْسِيِّ لِأنَّهُما غَيْرُ مَوْجُودِينَ بِدُونِهِ ﴿وهُوَ العَلِيُّ﴾ الشَّأْنِ الَّذِي لا تُقَيِّدُهُ الأكْوانُ ﴿العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا مُنْتَهى لِعَظَمَتِهِ ولا يُتَصَوَّرُ كُنْهَ ذاتِهِ لِإطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ.
البقرة 2:256
﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿خالِدُونَ﴾ مِن بَقِيَّةِ آيَةِ الكُرْسِيِّ، والحَقُّ أنَّها لَيْسَتْ مِنها بَلْ هي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ جِيءَ بِها إثْرَ بَيانِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الإكْراهُ في الدِّينِ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ إلْزامُ الغَيْرِ فِعْلًا لا يَرى فِيهِ خَيْرًا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ والدِّينُ خَيْرٌ كُلُّهُ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا خَبَرٌ بِاعْتِبارِ
صفحة 13
الحَقِيقَةِ ونَفْسِ الأمْرِ وأمّا ما يَظْهَرُ بِخِلافِهِ فَلَيْسَ إكْراهًا حَقِيقِيًّا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ إخْبارًا في مَعْنى النَّهْيِ أيْ لا تُكْرِهُوا في الدِّينِ وتُجْبِرُوا عَلَيْهِ وهو حِينَئِذٍ إمّا عامٌّ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ وهو المَحْكِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ زَيْدٍ وسُلَيْمانَ بْنِ مُوسى، أوْ مَخْصُوصٌ بِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ قَبِلُوا الجِزْيَةَ وهو المَحْكِيُّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وفي سَبَبِ النُّزُولِ ما يُؤَيِّدُهُ فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ««أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ يُقالُ لَهُ الحَصِينُ كانَ لَهُ اِبْنانِ نَصْرانِيّانِ وكانَ هو رَجُلًا مُسْلِمًا فَقالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ألا أسْتَكْرِهُهُما فَإنَّهُما قَدْ أبَيا إلّا النَّصْرانِيَّةَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ذَلِكَ»». و(أل) في (اَلدِّينِ) لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ أيْ دِينُ اللَّهِ وهو مِلَّةُ الإسْلامِ، وفاعِلُ الإكْراهِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرِ غَيْرِهِ تَعالى، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ لَيْسَ في الدِّينِ إكْراهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وقَسْرٌ بَلْ مَبْنى الأمْرِ عَلى التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَلَ الِابْتِلاءُ ولَبَطَلَ الِامْتِحانُ فالآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ القَفّالُ.
﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ تَعْلِيلٌ صُدِّرَ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَضْمُونِهِ أيْ قَدْ تَمَيَّزَ بِما ذَكَرَ مِن نُعُوتِهِ تَعالى الَّتِي يَمْتَنِعُ تَوَهُّمُ اِشْتِراكِ الغَيْرِ في شَيْءٍ مِنها، الإيمانُ مِنَ الكُفْرِ والصَّوابُ مِنَ الخَطَأِ، والرُّشْدُ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ عَلى المَشْهُورِ مَصْدَرُ رَشَدَ بِفَتْحِ الشِّينِ يَرْشُدُ بِضَمِّها، ويُقْرَأُ بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ، وفِعْلُهُ رَشِدَ يَرْشَدُ مِثْلَ عَلِمَ يَعْلَمُ وهو نَقِيضُ الغَيِّ وأصْلُهُ سُلُوكُ طَرِيقِ الهَلاكِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو كالجَهْلِ إلّا أنَّ الجَهْلَ يُقالُ اِعْتِبارًا بِالِاعْتِقادِ، والغَيَّ اِعْتِبارًا بِالأفْعالِ، ولِهَذا قِيلَ: زَوالُ الجَهْلِ بِالعِلْمِ، وزَوالُ الغَيِّ بِالرُّشْدِ، ويُقالُ لِمَن أصابَ: رَشِدَ، ولِمَن أخْطَأ غَوى، ويُقالُ لِمَن خابَ: غَوى أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُهُ:
ومَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدُ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوِ لَمْ يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ (لائِمًا)
﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ أيِ الشَّيْطانِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ والحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ أنَّهُ الكاهِنُ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ السّاحِرُ، وعَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وعَنْ بَعْضِهِمُ الأصْنامُ، والأوْلى أنْ يُقالَ بِعُمُومِهِ سائِرُ ما يَطْغى، ويُجْعَلُ الِاقْتِصارُ عَلى بَعْضٍ في تِلْكَ الأقْوالِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ كالجَبَرُوتِ والمَلَكُوتِ، واخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في الأصْلِ ولِذَلِكَ يُوَحَّدُ ويُذَكَّرُ كَسائِرِ المَصادِرِ الواقِعَةِ عَلى الأعْيانِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفارِسِيُّ وقِيلَ: هو اِسْمُ جِنْسٍ مُفْرَدٌ فَلِذَلِكَ لَزِمَ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ وإلَيْهِ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وقِيلَ: هو جَمْعٌ وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ وقَدْ يُؤَنَّثُ ضَمِيرُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ وهو تَأْنِيثٌ اِعْتِبارِيٌّ واشْتِقاقُهُ مَن طَغى يَطْغى أوْ طَغى يَطْغُو، ومَصْدَرُ الأوَّلِ: الطُّغْيانُ والثّانِي: الطُّغْوانُ، وأصْلُهُ عَلى الأوَّلِ: طَغْيُوتٌ، وعَلى الثّانِي: طَغْوُوتٌ فَقُدِّمَتِ اللّامُ وأُخِّرَتِ العَيْنُ فَتَحَرَّكَ حَرْفُ العِلَّةِ وانْفَتَحَ ما قَبْلَهُ فَقُلِبَ ألِفًا فَوَزْنُهُ مِن قَبْلُ فَعْلُوتٌ والآنَ فَلْعُوتٌ، وقَدَّمَ ذِكْرَ الكُفْرِ بِالطّاغُوتِ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ بِاَللَّهِ تَعالى اِهْتِمامًا بِوُجُوبِ التَّخْلِيَةِ أوْ مُراعاةً لِلتَّرْتِيبِ الواقِعِيِّ أوْ لِلِاتِّصالِ بِلَفْظِ الغَيِّ.
﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ يُصَدِّقُ بِهِ طِبْقَ ما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ أيْ بالَغَ في التَّمَسُّكِ حَتّى كَأنَّهُ وهو مُتَلَبِّسٌ بِهِ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ الزِّيادَةَ فِيهِ والثَّباتَ عَلَيْهِ ﴿بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ وهي الإيمانُ قالَهُ مُجاهِدٌ أوِ القُرْآنُ قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ أوْ كَلِمَةُ
صفحة 14
الإخْلاصِ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ أوِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ أوِ السَّبَبُ المُوصِلُ إلى رِضا اللَّهِ تَعالى أوِ العَهْدُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في (اَلْعُرْوَةِ) اِسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ و(اِسْتَمْسَكَ) تَرْشِيحٌ لَها أوِ اِسْتِعارَةٌ أُخْرى تَبَعِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ تَمْثِيلًا مَبْنِيًّا عَلى تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ العَقْلِيَّةِ المُنْتَزَعَةِ مِن مُلازَمَةِ الحَقِّ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ أصْلًا لِثُبُوتِهِ بِالبَراهِينِ النَّيِّرَةِ القَطْعِيَّةِ بِالهَيْئَةِ الحِسِّيَّةِ المُنْتَزَعَةِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالحَبْلِ المُحْكَمِ المَأْمُونِ اِنْقِطاعُهُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمُفْرِداتِ، واخْتارَ ذَلِكَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وجَعْلُ العُرْوَةِ مُسْتَعارَةً لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ المُؤَدِّي لِلِاعْتِقادِ الحَقِّ كَما قِيلَ لَيْسَ بِالحَسَنِ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في حَيِّزِ الشَّرْطِ أصْلًا ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ أيْ لا اِنْقِطاعَ لَها؛ والِانْفِصامُ والِانْقِصامُ لُغَتانِ وبِالفاءِ أفْصَحُ كَما قالَ الفَرّاءُ وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما بِأنَّ الأوَّلَ: اِنْكِسارٌ بِغَيْرِ بَيْنُونَةٍ، والثّانِي: اِنْكِسارٌ بِها وحِينَئِذٍ يَكُونُ اِنْتِفاءُ الثّانِي مَعْلُومًا مِن نَفْيِ الأوَّلِ بِالأوْلَوِيَّةِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن وثاقَةِ العُرْوَةِ وإمّا حالٌ مِنَ (اَلْعُرْوَةِ)، والعامِلُ (اِسْتَمْسَكَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (اَلْوُثْقى) لِأنَّها لِلتَّفْضِيلِ تَأْنِيثُ الأوْثَقِ، و(لَها) في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ بِالأقْوالِ ﴿عَلِيمٌ﴾ [ 256 ] بِالعَزائِمِ والعَقائِدِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ حامِلٌ عَلى الإيمانِ رادِعٌ عَنِ الكُفْرِ والنِّفاقِ لِما فِيها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، قِيلَ: وفِيها أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا بُدَّ في الإيمانِ مِنَ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ.
البقرة 2:257
﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ مُعِينُهم أوْ مُحِبُّهم أوْ مُتَوَلِّي أُمُورِهِمْ والمُرادُ بِهِمْ مَن أرادَ الإيمانَ أوْ ثَبَتَ في عِلْمِهِ تَعالى إيمانُهُ أوْ آمَنَ بِالفِعْلِ ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ بِهِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ وهو تَفْسِيرٌ لِلْوِلايَةِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ كَوْنَهُ جُمْلَةً أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ولِيُّ﴾، ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ التّابِعَةِ لِلْكُفْرِ أوْ ظُلُماتِ المَعاصِي أوِ الشُّبَهِ كَيْفَ كانَتْ، ﴿إلى النُّورِ﴾ أيْ نُورِ الإيمانِ أوْ نُورِ الطّاعاتِ أوْ نُورِ الإيقانِ بِمَراتِبِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ فَسَّرَ الإخْراجَ هُنا بِالمَنعِ فالمَعْنى يَمْنَعُهم عَنْ أنْ يَدْخُلُوا في شَيْءٍ مِنَ الظُّلُماتِ واقْتَصَرَ الواقِدِيُّ في تَفْسِيرِ الظُّلُماتِ والنُّورِ عَلى ذِكْرِ الكُفْرِ والإيمانِ وحَمْلِ كُلِّ ما في القُرْآنِ عَلى ذَلِكَ سِوى ما في الأنْعامِ [1] مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِما هُناكَ اللَّيْلَ والنَّهارَ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ الظُّلُماتُ عَلى المَعْنى الَّذِي يَعُمُّ سائِرَ أنْواعِها ويُحْمَلُ النُّورُ أيْضًا عَلى ما يَعُمُّ سائِرَ أنْواعِهِ، ويُجْعَلُ في مُقابَلَةِ كُلِّ ظُلْمَةٍ مَخْرَجٌ مِنها نُورٌ مُخْرَجٌ إلَيْهِ حَتّى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيُخْرِجُ مَن شاءَ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إلى نُورِ العِيانِ، ومِن ظُلْمَةِ الوَحْشَةِ إلى نُورِ الوَصْلَةِ، ومِن ظُلْمَةِ عالَمِ الأشْباحِ إلى نُورِ عالَمِ الأرْواحِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ «مِمّا لا، ولا» وأفْرَدَ النُّورَ لِوَحْدَةِ الحَقِّ كَما أنَّ جَمْعَ الظُّلُماتِ لِتَعَدُّدِ فُنُونِ الضَّلالِ، أوْ أنَّ الأوَّلَ: إيماءٌ إلى القِلَّةِ، والثّانِي: إلى الكَثْرَةِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أرادُوا الكُفْرَ أوْ ثَبَتَ كُفْرُهم في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ أوْ كَفَرُوا بِالفِعْلِ ﴿أوْلِياؤُهُمُ﴾ حَقِيقَةً أوْ فِيما عِنْدَهم ﴿الطّاغُوتُ﴾ أيِ الشَّياطِينُ أوِ الأصْنامُ أوْ سائِرُ المُضِلِّينَ عَنْ طُرُقِ الحَقِّ، والمَوْصُولِ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ، و(أوْلِياؤُهُمْ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و(اَلطّاغُوتُ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ والجُمْلَةُ الحاصِلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، قِيلَ: ولَعَلَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ وضْعِ الطّاغُوتِ في مُقابَلَةِ الِاسْمِ الجَلِيلِ ولِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِتَكْرِيرِ الإسْنادِ مَعَ الإيماءِ إلى التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِن كُلِّ وجْهٍ حَتّى مِن جِهَةِ التَّعْبِيرِ أيْضًا، وقُرِئَ (اَلطَّواغِيتُ) عَلى الجَمْعِ وصَحَّ جَمْعُهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مَصْدَرٌ لِأنَّهُ صارَ اِسْمًا لِما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى.
﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ بِالوَساوِسِ وإلْقاءِ الشُّبَهِ أوْ بِكَوْنِهِمْ بِحالَةٍ جَرَّتْ اِعْتِقادَهم فِيهِمُ النَّفْعَ والضُّرَّ وأنَّهم يُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ تَعالى زُلْفى، والتَّعْبِيرُ
صفحة 15
عَنْهم بِضَمِيرِ العُقَلاءِ إمّا لِأنَّهم مِنهم حَقِيقَةً أوِ اِدِّعاءً ونِسْبَةُ الإخْراجِ إلَيْهِمْ مَجازٌ مِن بابِ النِّسْبَةِ إلى السَّبَبِ فَلا يَأْبى تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ تَعالى بِذَلِكَ ﴿مِنَ النُّورِ﴾ أيِ الفِطْرِيِّ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ النّاسُ كافَّةً، أوْ نُورِ البَيِّناتِ المُتَتابِعَةِ الَّتِي يُشاهِدُونَها بِتَنْزِيلٍ تُمَكِّنُهم مِنَ الِاسْتِضاءَةِ بِها مَنزِلَةَ نَفْسِها فَلا يَرِدُ أنَّهم مَتى كانُوا في نُورٍ لِيَخْرُجُوا مِنهُ، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِلْمُقابَلَةِ، وقِيلَ: إنَّ الإخْراجَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَنعِ وهو لا يَقْتَضِي سابِقِيَّةِ الدُّخُولِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ اِرْتَدُّوا فَلا شَكَّ في أنَّهم حِينَئِذٍ أُخْرِجُوا مِنَ النُّورِ الَّذِي كانُوا فِيهِ وهو نُورُ الإيمانِ ﴿إلى الظُّلُماتِ﴾ وهي ظُلُماتُ الكُفْرِ والِانْهِماكِ في الغَيِّ وعَدَمِ الِارْعِواءِ والِاهْتِداءِ بِما يَتْرى مِنَ الآياتِ ويُتْلى، والجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِوِلايَةِ الطّاغُوتِ فالِانْفِصالُ لِكَمالِ الِاتِّصالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا كَما مَرَّ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اِتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ القَبائِحِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى الكُفّارِ وأوْلِيائِهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ، ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ مُلابِسُوها ومُلازِمُوها لِعِظَمِ ما هم عَلَيْهِ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [ 257 ] ماكِثُونَ أبَدًا، وفي هَذا وعْدٌ وتَحْذِيرٌ لِلْكافِرِينَ، ولَعَلَّ عَدَمَ مُقابَلَتِهِ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ كَما قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِتَعْظِيمِهِمْ وأنَّ أمْرَهم غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى البَيانِ وأنَّ شَأْنَهم أعْلى مِن مُقابَلَةِ هَؤُلاءِ، أوْ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم لا تَفِي بِبَيانِهِ العِبارَةُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (ولِيُّ المُؤْمِنِينَ) دَلَّ عَلى الوَعْدِ وكَفى بِهِ.
البقرة 2:258
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ بَيانٌ لِتَسْدِيدِ المُؤْمِنِينَ إذْ كانَ ولِيَّهم وخِذْلانِ غَيْرِهِمْ ولِذا لَمْ يَعْطِفْ، واهْتَمَّ بِبَيانِهِ لِأنَّ مُنْكِرِي وِلايَتِهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ كَثِيرُونَ، وقِيلَ: اِسْتِشْهادٌ عَلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ الكَفَرَةَ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ وتَقْرِيرٌ لَهم كَما أنَّ ما بَعْدَهُ اِسْتِشْهادٌ عَلى وِلايَتِهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ وتَقْرِيرٌ لَها، وبَدَأ بِهِ لِرِعايَةِ الِاقْتِرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَدْلُولِهِ ولِاسْتِقْلالِهِ بِأمْرٍ عَجِيبٍ حَقِيقٍ بِأنْ يُصَدِّرَ بِهِ المَقالَ وهو اِجْتِراؤُهُ عَلى المُحاجَّةِ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وما أتى بِهِ في أثْنائِها مِنَ العَظَمَةِ المُنادِيَةِ بِكَمالِ حَماقَتِهِ، ولِأنَّ فِيما بَعْدَهُ تَعْدادًا وتَفْصِيلًا يُورِثُ تَقْدِيمُهُ اِنْتِشارَ النَّظْمِ عَلى أنَّهُ قَدْ أُشِيرَ في تَضاعِيفِهِ إلى هِدايَتِهِ تَعالى أيْضًا بِواسِطَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ ما يُحْكى عَنْهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ وادِّحاضِ حُجَّةِ الكافِرِينَ مِن آثارِ وِلايَتِهِ تَعالى ولا يَخْفى ما فِيهِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لِإنْكارِ النَّفْيِ وتَقْرِيرِ المَنفِيِّ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ في الكَلامِ مَعْنى التَّعَجُّبِ أيْ ألَمْ تَنْظُرْ، أوْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى قِصَّةِ هَذا الكافِرِ الَّذِي لَسْتُ بِوَلِيٍّ لَهُ كَيْفَ تَصَدّى لِمُحاجَّةِ مَن تَكَفَّلْتَ بِنُصْرَتِهِ وأخْبَرْتَ بِأنِّي ولِيٌّ لَهُ ولِمَن كانَ مِن شِيعَتِهِ أيْ قَدْ تَحَقَّقَتْ رُؤْيَةُ هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ وتَقَرَّرَتْ بِناءً عَلى أنَّ الأمْرَ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ فَلْتَكُنْ في الغايَةِ القُصْوى مِن تَحَقُّقِ ما ذَكَرْتُهُ لَكَ مِن وِلايَتِي لِلْمُؤْمِنِينَ وعَدَمِها لِلْكافِرِينَ ولْتَطِبْ نَفْسُكَ أيُّها الحَبِيبُ وأبْشِرْ بِالنَّصْرِ فَقَدْ نَصَرْتُ الخَلِيلَ، وأيْنَ مَقامُ الخَلِيلِ مِنَ الحَبِيبِ، وخَذَلْتُ رَأْسَ الطّاغِينَ فَكَيْفَ بِالأذْنابِ الأرْذَلِينَ
والمُرادُ بِالمَوْصُولِ نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ سَنْجارِيبَ وهو أوَّلُ مَن تَجَبَّرَ وادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، كَما قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ وإنَّما أطْلَقَ عَلى ما وقَعَ لَفْظَ المُحاجَّةِ وإنْ كانَتْ مُجادَلَةً بِالباطِلِ لِإيرادِها مَوْرِدَها، واخْتُلِفَ في وقْتِها فَقِيلَ: عِنْدَ كَسْرِ الأصْنامِ وقَبْلَ إلْقائِهِ في النّارِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ وقِيلَ: بَعْدَ إلْقائِهِ في النّارِ وجَعْلِها عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا وهو المَرْوِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَشْرِيفٌ لَهُ وإيذانٌ
صفحة 16
مِن أوَّلِ الأمْرِ بِتَأْيِيدِ ولَيِّهِ لَهُ في المُحاجَّةِ فَإنَّ التَّرْبِيَةَ نَوْعٌ مِنَ الوِلايَةِ.
﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ أيْ لِأنْ آتاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ اللّامِ وهو مُطَّرِدٌ في أنْ وإنْ، ولَيْسَ هُناكَ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ مَنصُوبٌ لِعَدَمِ اِتِّحادِ الفاعِلِ، والتَّعْلِيلُ فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا أنَّ إيتاءِ المُلْكِ حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ أوْرَثَهُ الكِبْرَ والبَطَرَ فَنَشَأتِ المُحاجَّةُ عَنْهُما، وإمّا أنَّهُ مِن بابِ العَكْسِ في الكَلامِ بِمَعْنى أنَّهُ وضَعَ المُحاجَّةَ مَوْضِعَ الشُّكْرِ إذْ كانَ مِن حَقِّهِ أنْ يَشْكُرَ عَلى ذَلِكَ، فَعَلى الأوَّلِ: العِلَّةُ تَحْقِيقِيَّةٌ، وعَلى الثّانِي: تَهَكُّمِيَّةٌ كَما تَقُولُ: عادانِي فُلانٌ لِأنِّي أحَسَنْتُ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿آتاهُ﴾ الخ واقِعًا مَوْقِعَ الظَّرْفِ بِدُونِ تَقْدِيرٍ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ حاجَّ وقْتَ أنْ آتاهُ اللَّهُ، وأُورِدُ عَلَيْهِ أنَّ المُحاجَّةَ لَمْ تَقَعْ وقْتَ إيتاءِ المُلْكِ بَلِ الإيتاءُ سابِقٌ عَلَيْها، وبِأنَّ النُّحاةَ نَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَقُومُ مَقامَ الظَّرْفِ الزَّمانِيِّ إلّا المَصْدَرَ الصَّرِيحَ بِلَفْظِهِ كَ جِئْتُ خُفُوقَ النَّجْمِ وصِياحَ الدِّيكِ ولا يَجُوزُ إنْ خَفَقَ وإنْ صاحَ.
وأُجِيبَ بِاعْتِبارِ الوَقْتِ مُمْتَدًّا، وبِأنَّ النَّصَّ مَعارَضٌ بِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ تَنُوبُ عَنِ الزَّمانِ ولَيْسَتْ بِمَصْدَرٍ صَرِيحٍ، واَلَّذِي جَوَّزَ ذَلِكَ اِبْنُ جِنِّيٍّ والصَّفّارُ في «شَرْحِ الكِتابِ»، والحَقُّ أنَّ التَّعْلِيلَ لِما أمْكَنَ وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ خالٍ عَمّا يُقالُ لا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْهُ لا سِيَّما وتَقْدِيرُ المُضافِ مَعَ القَوْلِ بِالِامْتِدادِ والتِزامِ قَوْلِ اِبْنِ جِنِّيٍّ والصَّفّارِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِكَلامِ الجُمْهُورِ في غايَةٍ مِنَ التَّعَسُّفِ.
والآيَةُ حُجَّةٌ عَلى مَن مَنَعَ إيتاءَ اللَّهِ المُلْكَ لِكافِرٍ وحَمَلَها عَلى إيتاءِ اللَّهِ تَعالى ما غَلَبَ بِهِ وتَسَلَّطَ مِنَ المالِ والخُدّامِ والأتْباعِ، أوْ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مَلَّكَهُ اِمْتِحانًا لِعِبادِهِ كَما فَعَلَ المانِعُ القائِلُ بِوُجُوبِ رِعايَةِ الأصْلَحِ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ مَن لَهُ مُسْكَةٌ مِنَ الإنْصافِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا مَعْنى لِإيتاءِ المُلْكِ والتَّسْلِيطِ إلّا إيتاءَ الأسْبابِ ولَوْ سَلَّمَ فَفي إيتاءِ الأسْبابِ يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ ولَوْ سَلَّمَ فَما مِن قَبِيحٍ إلّا ويُمْكِنُ أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كالِامْتِحانِ، ولِقُوَّةِ هَذا الِاعْتِراضِ اِلْتَزَمَ بَعْضُهم جَعْلَ ضَمِيرِ ﴿آتاهُ﴾ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ وهو المَحْكِيُّ عَنْ أبِي قاسِمٍ البَلْخِيُّ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ وخِلافُ التَّفْسِيرِ المَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ، والواقِعُ مَعَ هَذا يُكَذِّبُهُ إذْ لَيْسَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ مُلْكٌ ولا تَصَرُّفٌ ولا نُفُوذُ أمْرٍ.
وذَهَبَ بَعْضُ الإمامِيَّةِ إلى أنَّ المُلْكَ الَّذِي لا يُؤْتِيهِ اللَّهُ لِلْكافِرِ هو ما كانَ بِتَمْلِيكِ الأمْرِ والنَّهْيِ، وإيجابِ الطّاعَةِ عَلى الخُلُقِ، وأمّا ما كانَ بِالغَلَبَةِ وسِعَةِ المالِ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ قَهْرًا كَمُلْكِ نَمْرُوذُ فَهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ أوْ تَكُونُ فِيهِ كَلِمَتانِ، والقَوْلُ بِأنَّ هَذا المارِدُ أُعْطِيَ المُلْكَ بِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ خارِجٌ عَنِ الإنْصافِ بَلِ الَّذِي أُوتِيَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا أنَّهُ قَدْ عُورِضَ في مُلْكِهِ وغُولِبَ عَلى ما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ إلى أنْ قَضى اللَّهُ تَعالى ما قَضى ومَضى مَن مَضى ولِلْباطِلِ جَوْلَةٌ ثُمَّ يَزُولُ، وهو كَلامٌ أقْرَبُ ما يَكُونُ إلى الصَّوابِ لَكِنِّي أشُمُّ مِنهُ رِيحَ الضَّلالِ، ويَلُوحُ لِي أنَّهُ تَعْرِيضٌ بِالأصْحابِ واَللَّهُ تَعالى يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورِ وفي العُدُولِ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في هَذا المَقامِ ما لا يَخْفى.
﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ ظَرْفٌ لِ حاجَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (آتاهُ) بِناءً عَلى القَوْلِ الَّذِي عَلِمْتَ، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الظَّرْفَيْنِ مُخْتَلِفانِ إذْ وقْتُ إيتائِهِ المُلْكَ لَيْسَ وقْتَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ فَإنَّهُ عَلى ما رُوِيَ قالَهُ بَعْدَ أنْ سُجِنَ لِكَسْرِهِ الأصْنامَ وإثْرَ قَوْلِ نَمْرُوذَ لَهُ وقَدْ كانَ أُوتِيَ قَبْلُ المُلْكَ: مَن رَبُّكَ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ؟ وأجابَ السَّفاقِسِيُّ بِالتَّجَوُّزِ في ﴿آتاهُ﴾ وعَدَمِ إرادَةِ اِبْتِداءِ الإتْيانِ مِنهُ بَلْ زَمانُ المُلْكِ وهو مُمْتَدٌّ يَسَعُ قَوْلَيْنِ بَلْ أقْوالًا، واعْتَرَضَ أبُو البَقاءِ أيْضًا بِأنَّ المَصْدَرَ غَيْرُ الظَّرْفِ فَلَوْ كانَ
صفحة 17
بَدَلًا لَكانَ غَلَطًا إلّا أنْ يُجْعَلَ (إذْ) بِمَعْنى أنْ المَصْدَرِيَّةِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ، وقالَ الحَلَبِيُّ: وهَذا بِناءً مِنهُ عَلى أنَّ إنَّ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ ولَيْسَتْ واقِعَةً مَوْقِعَ الظَّرْفِ أمّا إذا كانَتْ واقِعَةً مَوْقِعَهُ فَلا يَكُونُ بَدَلَ غَلَطٍ بَلْ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وفِيهِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿آتاهُ﴾ بَدَلَ اِشْتِمالٍ، واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ مَوْقِعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ إلّا أنْ يُجْعَلَ اِسْتِئْنافًا جَوابَ سُؤالٍ، وجَعْلُهُ بِمَنزِلَةِ المَرْئِيِّ يَأْبى ذَلِكَ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ أنا﴾ الخ، ويُقَدَّرُ السُّؤالُ قَبْلَ ﴿إذْ قالَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ حاجَّ إبْراهِيمُ؟ فَأُجِيبَ بِما أُجِيبَ، ولا يَخْفى أنَّ الإباءَ هو الإباءُ، فالأوْلى القَوْلُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ هَذا القَوْلَ بَيانٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حاجَّ﴾، و﴿رَبِّيَ﴾ بِفَتْحِ الياءِ، وقُرِئَ بِحَذْفِها، وأرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ يَخْلُقُ الحَياةَ والمَوْتَ في الأجْسادِ، وأرادَ اللَّعِينُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلَيْنِ فَقَتَلَ أحَدَهُما وتَرَكَ الآخَرَ وقالَ ما قالَ، ولَمّا كانَ هَذا بِمَعْزِلٍ عَنِ المَقْصُودِ وكانَ بُطْلانُهُ مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ والتَّعَرُّضُ لِإبْطالِ مِثْلِ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ الحاصِلِ أعْرَضَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ إبْطالِهِ وأتى بِدَلِيلٍ آخَرَ أظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ.
﴿قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ اِنْتِقالِ المُجادِلِ مِن حُجَّةٍ إلى أُخْرى أوْضَحَ مِنها، وهي مَسْألَةٌ مُتَنازَعٌ فِيها، وحَمْلُ ذَلِكَ عَلى هَذا أحَدُ طَرِيقَيْنِ مَشْهُورَيْنِ في الآيَةِ، وثانِيهُما أنَّ الِانْتِقالَ إنَّما هو في المِثالِ كَأنَّهُ قالَ: رَبِّي الَّذِي يُوجِدُ المُمْكِناتِ ويُعْدِمُها وأتى بِالإحْياءِ والإماتَةِ مِثالًا فَلَمّا اِعْتَرَضَ جاءَ بِمِثالٍ أجْلى دَفْعًا لِلْمُشاغِبَةِ، قالَ الإمامُ: ((والإشْكالُ عَلَيْهِما مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ صاحِبَ الشُّبْهَةِ إذا ذَكَرَ الشُّبْهَةَ ووَقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في الأسْماعِ وجَبَ عَلى المُحِقِّ القادِرِ عَلى ذِكْرِ الجَوابِ أنْ يَذْكُرَ الجَوابَ في الحالِ إزالَةً لِلتَّلْبِيسِ والجَهْلِ عَنِ العُقُولِ، فَلَمّا طَعَنَ المارِدُ في الدَّلِيلِ [اَلْأوَّلِ] أوْ في المِثالِ الأوَّلِ بِتِلْكَ الشُّبْهَةِ كانَ الِاشْتِغالُ بِإزالَتِها واجِبًا مَضِيقًا فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالمَعْصُومِ تَرْكُهُ والِانْتِقالُ إلى شَيْءٍ آخَرَ؟ والثّانِي: أنَّهُ لَمّا أوْرَدَ المُبْطِلُ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ تَرْكُ المُحِقِّ الكَلامَ عَلَيْهِ والتَّنْبِيهَ عَلى ضَعْفِهِ مِمّا يُوجِبُ سُقُوطَ وقْعِ الرَّسُولِ وحَقارَةِ شَأْنِهِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ وإنْ كانَ [يَحْسُنُ] الِانْتِقالُ مِن دَلِيلٍ إلى آخَرَ أوْ مِن مِثالٍ إلى غَيْرِهِ لَكِنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُنْتَقَلُ إلَيْهِ أوْضَحَ وأقْرَبَ وهَهُنا لَيْسَ [اَلْأمْرُ] كَذَلِكَ لِأنَّ جِنْسَ الحَياةِ لا قُدْرَةَ لِلْخَلْقِ عَلَيْهِ، وأمّا جِنْسَ تَحْرِيكِ الأجْسامِ فَلِلْخَلْقِ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ فَلا يَبْعُدُ [فِي العَقْلِ] وُجُودُ مَلِكٍ عَظِيمِ الجُثَّةِ يَكُونُ مُحَرِّكًا لِلسَّماواتِ فَعَلى هَذا [اَلتَّقْدِيرِ] الِاسْتِدْلالُ بِالإماتَةِ والإحْياءُ أظْهَرُ وأقْوى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ المَعْصُومِ أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الدَّلِيلِ الأوْضَحِ إلى الدَّلِيلِ الخَفِيِّ؟
والرّابِعُ: أنَّ المارِدَ لَمّا لَمْ يَسْتَحِ مِن مُعارَضَةِ الإحْياءِ والإماتَةِ الصّادِرَيْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالقَتْلِ والتَّخْلِيَةِ فَكَيْفَ يُؤْمَنُ مِنهُ عِنْدَ الِانْتِقالِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ أنْ يَقُولَ بَلْ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ مِنِّي فَإنْ كانَ لَكَ إلَهٌ فَقُلْ لَهُ حَتّى يُطْلِعَها مِنَ المَغْرِبِ وعِنْدَ ذَلِكَ اِلْتَزَمَ المُحَقِّقُونَ أنَّهُ لَوْ أوْرَدَ هَذا السُّؤالَ لَكانَ [مِن] الواجِبِ أنْ يُطْلِعَها مِنَ المَغْرِبِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِإظْهارِ فَسادِ سُؤالِهِ في الإحْياءِ والإماتَةِ أسْهَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ اِلْتِزامِ هَذا الِاطِّلاعِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنَّ يَحْصُلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ يَكُونُ الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ هو هَذا الطُّلُوعُ لا الطُّلُوعُ الأوَّلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ ضائِعًا كَما صارَ الأوَّلُ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَما الَّذِي حَمَلَ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى تَرْكِ الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ الرَّكِيكِ وتَمَسَّكَ بِدَلِيلٍ لا يُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ إلّا بِالتِزامِ اِطِّلاعِ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ وبِتَقْدِيرِ ذَلِكَ يَضِيعُ الدَّلِيلُ الثّانِي كَما ضاعَ
صفحة 18
الأوَّلُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ اِلْتِزامَ هَذِهِ المَحْذُوراتِ لا تَلِيقُ بِأقَلِّ النّاسِ عِلْمًا فَضْلًا عَنْ أفْضَلِ العُلَماءِ وأعْلَمِ الفُضَلاءِ.
فالحَقُّ أنَّ هَذا لَيْسَ دَلِيلًا آخَرَ ولا مِثالًا بَلْ هو مِن تَتِمَّةِ الدَّلِيلِ الأوَّلِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا اِحْتَجَّ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالإماتَةِ والإحْياءِ أوْرَدَ الخِصْمُ عَلَيْهِ سُؤالًا وهو أنَّكَ إنِ اِدَّعَيْتَ الإحْياءَ والإماتَةَ بِلا واسِطَةٍ فَذَلِكَ لا تَجِدُ إلى إثْباتِهِ سَبِيلًا وإنِ اِدَّعَيْتَ حُصُولَهُما بِواسِطَةِ حَرَكاتِ الأفْلاكِ فَنَظِيرُهُ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ حاصِلٌ لِلْبَشَرِ فَأجابَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ الإحْياءَ والإماتَةَ وإنْ حَصَلا بِواسِطَةِ حَرَكاتِ الأفْلاكِ لَكِنَّ تِلْكَ الحَرَكاتِ حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ لا يَقْدَحُ في كَوْنِ الإحْياءِ والإماتَةِ مِنهُ بِخِلافِ الخَلْقِ فَإنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى تَحْرِيكِ الأفْلاكِ فَلا جَرَمَ لا يَكُونُ الإحْياءُ والإماتَةُ صادِرَيْنِ مِنهُمْ، ومَتى حُمِلَتِ الآيَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ مِنَ المَحْذُوراتِ عَلَيْهِ)) اِنْتَهى.
ولا يَخْفى ما فِيهِ؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ الشُّبْهَةَ إذا كانَتْ في غايَةِ السُّقُوطِ ونِهايَةِ البَطَلانِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى حالُها ولا يُغْرِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلَهًا لَمْ يَمْتَنِعِ الإعْراضُ عَنْها إلى ما هو بَعِيدٌ عَنِ التَّمْوِيهِ دَفْعًا لِلشَّغَبِ وتَحْصِيلًا لِما هو المَقْصُودُ مِن غَيْرِ كَثِيرِ تَعَبٍ، ولا يُوجِبُ ذَلِكَ سُقُوطَ وقْعٍ ولا حَقارَةَ شَأْنٍ وأيُّ تَلْبِيسٍ يَحْصُلُ مِن هَذِهِ الشُّبْهَةِ لِلْعُقُولِ حَتّى يَكُونَ الِاشْتِغالُ بِإزالَتِها واجِبًا مُضَيِّقًا فَيُخِلَّ تَرْكَهُ بِالمَعْصُومِ عَلى أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ ما اِنْتَقَلَ حَتّى بَيَّنَ لِلْمارِدِ فَسادَ قَوْلِهِ حَيْثُ قالَ لَهُ: إنَّكَ أحْيَيْتَ الحَيَّ ولَمْ تُحْيِ المَيِّتَ، وعَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ لَهُ: أحْيِ مَن قَتَلْتَهُ إنْ كُنْتَ صادِقًا لَكِنْ لَمْ يَقُصَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الإلْزامَ عَلَيْنا في الكِتابِ اِكْتِفاءً بِظُهُورِ الفَسادِ جِدًّا، وأما ثانِيًا: فَلِأنَّهُ مِنَ الواضِحِ أنَّ المُنْتَقَلَ إلَيْهِ أوْضَحُ في المَقْصُودِ مِنَ المُنْتَقَلِ عَنْهُ ويَكادُ القَوْلُ بِعَكْسِهِ يَكُونُ مُكابَرَةً، وما ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ لا يَخْفى ما فِيهِ، وأما ثالِثًا: فَلِأنَّ ما ذَكَرَهُ رابِعًا يُرَدُّ أيْضًا عَلى الوَجْهِ الَّذِي اِخْتارَهُ إذْ لا يُؤْمَنُ المارِدُ مِن أنْ يَقُولَ لَوْ كانَتْ حَرَكاتُ الأفْلاكِ مِن رَبِّكَ فَقُلْ لَهُ حَتّى يُطْلِعَها مِنَ المَغْرِبِ فَما هو الجَوابُ هُنا هو الجَوابُ وقَدْ أجابُوا عَنْ عَدَمِ قَوْلِ اللَّعِينِ ذَلِكَ بِأنَّ المُحاجَّةَ كانَتْ بَعْدَ خَلاصِهِ مِنَ النّارِ فَعُلِمَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى الإتْيانِ بِالشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها فَسَكَتَ، أوْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْساهُ ذَلِكَ نُصْرَةً لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ضَعِيفٌ بَلِ الجَوابُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اِسْتَدَلَّ بِأنَّهُ لا بُدَّ لِلْحَرَكَةِ المَخْصُوصَةِ والمُتَحَرِّكِ بِها مِن مُحَرِّكٍ لِأنَّ حاجَةَ المُتَحَرِّكِ في الحَرَكَةِ إلى المُحَرِّكِ بَدِيهِيَّةٌ، وبَدِيهِيٌّ أنَّهُ لَيْسَ بِنَمْرُوذَ فَقالَ: هو ذا رَبِّي فَإنِ اِدَّعَيْتَ أنَّكَ الَّذِي تَفْعَلُ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ وهَذا لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ السُّؤالُ بِوَجْهٍ إذْ لَوِ اِدَّعى أنَّ الحَرَكَةَ بِنَفْسِها مَعَ أنَّها مَسْبُوقَةٌ بِالغَيْرِ ولَوْ بِآحادِ الحَرَكاتِ كانَ مَنعُ البَدِيهِيِّ ولَوِ اِدَّعى أنَّهُ الفاعِلُ مَعَ ظُهُورِ اِسْتِحالَتِهِ أُلْزِمَ بِالتَّغْيِيرِ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ فَلا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِفاعِلٍ يَأْتِي بِها مِنَ المَشْرِقِ، والمُدَّعِي أنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ هو الرَّبُّ، وأما رابِعًا: فَلِأنَّ ما اِخْتارَهُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِوَجْهٍ، ولَيْسَ في كَلامِ الكافِرِ سِوى دَعْواهُ الإحْياءَ والإماتَةَ ولَمْ يُسْتَشْعَرْ مِنها بَحْثُ تَوَسُّطِ حَرَكاتِ الأفْلاكِ ولَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلى أثَرٍ لِيُجابَ بِأنَّ تِلْكَ الحَرَكاتِ أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا يَقْدَحُ تَوَسُّطُها في كَوْنِ الإحْياءِ والإماتَةِ مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن هَذا ولَعَلَّ الأظْهَرَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن أنَّ المارِدَ لَمّا كانَ مُجَوِّزًا لِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ لَمْ يَكُنْ مُدَّعِيًا أنَّهُ إلَهُ العالَمِ ولَوِ اِدَّعاهُ لَجُنِّنَ عَلى نَحْوٍ مِن مَذْهَبِ الصّابِئَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ إلى الكَواكِبِ التَّدْبِيرَ والأفْعالَ مِنَ الإيجادِ وغَيْرِهِ مَنسُوبَةً إلَيْهِنَّ، فَجَوَّزَ أنْ يَكُونَ في الأرْضِ أيْضًا مَن يُفَوِّضُ إلَيْهِ إمّا قَوْلًا بِالحُلُولِ أوْ لِاكْتِساءِ خَواصَّ فَلَكِيَّةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ أرادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُنَبِّهَ عَلى قُصُورِهِ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ وفَسادِ رَأْيِهِ مِن جِهَةِ عِلْمِهِ الضَّرُورِيِّ بِأنَّهُ مَوْلُودٌ أُحْدِثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ
صفحة 19
وأنَّ مَن لا وُجُودَ لَهُ في نَفْسِهِ لا يُمْكِنُهُ الإيجادُ الَّذِي هو إفاضَةُ الوُجُودِ البَتَّةَ ضَرُورَةَ اِحْتِياجِهِ إلى المُوجِدِ اِبْتِداءً ودَوامًا وهَذا كافٍ في إبْطالِ دَعْوى اللَّعِينِ فَلَمْ يُعَمِّمِ الدَّعْوى في تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ عَلى أنَّهُ لَوَّحَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الإيجادِ والإعْدامِ نَوْعَيْنِ هُما الإحْياءُ والإماتَةُ، والقادِرُ عَلى إيجادِ كُلِّ مُمْكِنٍ وإعْدامِهِ يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنِ المُمْكِناتِ واحِدًا مِن كُلِّ الوُجُوهِ لِأنَّ التَّعَدُّدَ يُوجِبُ الإمْكانَ والِافْتِقارَ كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ في مَحَلِّهِ، فَعارَضَهُ اللَّعِينُ بِما أوْهَمَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُمْكِنُ لِاسْتِغْنائِهِ عَنِ الفاعِلِ في البَقاءِ كَما عِنْدَ بَعْضِ القاصِرِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ مُفَوِّضًا إلَيْهِ بَعْدَ إيجادِهِ ما يَسْتَقِلُّ بِإيجادِ الغَيْرِ وتَدْبِيرِ الغَيْرِ، وهَذا قَدْ خَفِيَ عَلى الأذْكِياءِ فَضْلًا عَنِ الأغْبِياءِ، وقالَ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ وأُبْدِي فَعَلَيْهِ مُشِيرًا إلى أنَّ لِلدَّوامِ حُكْمَ الِابْتِداءِ في طَرَفِ الإحْياءِ وهو في ذَلِكَ مُناقِضٌ نَفْسَهُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ التَّدْبِيرُ مُفَوَّضًا إلى غَيْرِ البارِي ولَمْ يَكُنْ مُسْتَغْنِيًا عَنِ المُوجِدِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وإلّا فَلَيْسَ العَفْوُ إحْياءً إنْ سَلَّمَ أنَّ القَتْلَ إماتَةٌ فَألْزَمَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ القادِرَ لا يَفْتَرِقُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ الدَّوامُ والِابْتِداءُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها أنْتَ مِنَ المَغْرِبِ مُنَبِّهًا عَلى المُناقَضَةِ المَذْكُورَةِ مُصَرِّحًا بِأنَّهُ غالَطَ في إسْنادِ الفِعْلِ دَوامًا إلى غَيْرِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ اِبْتِداءً مُظْهِرًا لَدى السّامِعِينَ ما كانَ عَسى أنْ يَغْبى عَلى البَعْضِ فَهَذا كَلامٌ وارِدٌ عَلى الخَطابَةِ والبُرْهانُ يَتَلَقّاهُ المُواجِهُ بِهِ طَوْعًا أوْ كُرْهًا بِالإذْعانِ لَيْسَ فِيهِ مَجالٌ لِلِاعْتِراضِ سَلِيمٌ عَنِ العِراضِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المَجْمُوعُ دَلِيلًا واحِدًا ولَيْسَ مِنَ الِانْتِفالِ إلى دَلِيلٍ آخَرَ لِما فِيهِ مِنَ القِيلِ والقالِ، ولا مِنَ العُدُولِ إلى مِثالٍ أوْضَحَ حَتّى يُقالَ كَأنَّهُ قِيلَ: رَبِّي الَّذِي يُوجِدُ المُمْكِناتِ، وأتى بِالإحْياءِ والإماتَةِ مِثالًا، فَلَمّا اِعْتَرَضَ جاءَ بِآخَرَ أجْلى دَفْعًا لِلْمُشاغِبَةِ لِأنَّهُ مَعَ أنَّ فِيهِ ما في الأوَّلِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الكَلامَ لَمْ يُسَقْ هَذا المَساقَ كَما لا يَخْفى هَذا واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ كِتابِهِ المَجِيدِ فَتَدَبَّرْ.
وإنَّما أتى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ بِالِاسْمِ الكَرِيمِ ولَمْ يُؤْتِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ كَما أتى بِها في الجُمْلَةِ الأُولى بِأنْ يُقالَ: إنَّ رَبِّي لِيَكُونَ في مُقابَلَةِ أنا في ذَلِكَ القَوْلِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِذَلِكَ المارِدِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَفِيهِ تَرَقٍّ عَمّا في تِلْكَ الجُمْلَةِ كالتَّرَقِّي مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ وهو في هَذا المَقامِ حَسَنُ التَّأْكِيدِ بِأنَّ والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ والفاءُ الأُولى لِلْإيذانِ بِتَعَلُّقِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها، والمَعْنى إذا اِدَّعَيْتَ الإحْياءَ والإماتَةَ لِلَّهِ تَعالى وأخْطَأْتَ أنْتَ في الفَهْمِ أوْ غالَطْتَ فَمُرِيحُ البالِ ومُزِيحُ الِالتِباسِ والإشْكالِ (إنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ) الخ.
والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ و(مِن) في المَوْضِعَيْنِ لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَقَدَّمَها مِنَ الفِعْلِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أيْ مُسَخَّرَةٌ أوْ مُنْقادَةٌ.
﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ أيْ غُلِبَ وصارَ مَبْهُوتًا مُنْقَطِعًا عَنِ الكَلامِ مُتَحَيِّرًا لِاسْتِيلاءِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ (بَهُتَ) بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ الهاءِ و(بَهِتَ) بِفَتْحِ الأوْلى وكَسْرِ الثّانِيَةِ وهُما لُغَتانِ والفِعْلُ فِيهِما لازِمٌ و(بَهَتَ) بِفَتْحِهِما فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لازِمًا أيْضًا و(اَلَّذِي) فاعِلُهُ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا وفاعِلُهُ ضَمِيرُ (إبْراهِيمَ) و(اَلَّذِي) مَفْعُولُهُ، أيْ فَغَلَبَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الكافِرَ وأسْكَتَهُ‘ وإيرادُ الكُفْرِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، قالَ إلْكِيا: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ المُحاجَّةِ في الدِّينِ وإنَّ كانَتْ مُحاجَّةُ هَذا الكافِرِ كُفْرًا.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [ 258 ] أيْ إلى مَناهِجِ الحَقِّ كَما هَدى أوْلِياءَهُ، وقِيلَ: لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ.
البقرة 2:259
﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى سابِقِهِ والكافُ إمّا اِسْمِيَّةٌ بِمَعْنى مِثْلَ مَعْمُولَةٌ لِ أرَأيْتَ مَحْذُوفًا أيْ أوْ أرَأيْتَ مِثْلَ الَّذِي مَرَّ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وأبُو عَلِيٍّ وأكْثَرُ
صفحة 20
النَّحْوِيِّينَ وحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿ألَمْ تَرَ﴾ عَلَيْهِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ مِثالَ هَذا النَّظْمِ كَثِيرًا ما يُحْذَفُ مِنهُ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ:
قالَ لَها كِلابُها أسْرِعِي كاليَوْمِ (مَطْلُوبًا ولا طالِبا)
وجِيءَ بِهَذِهِ الكافِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعَدُّدِ الشَّواهِدِ وعَدَمِ اِنْحِصارِها فِيما ذُكِرَ كَما في قَوْلِكَ الفِعْلِ الماضِي مِثْلَ: نَصَرَ، وتَخْصِيصُ هَذا بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: لِأنَّ مُنْكِرَ الإحْياءِ كَثِيرٌ، والجاهِلَ بِكَيْفِيَّتِهِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى بِخِلافِ مُدَّعِي الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأخْفَشُ أيْ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ أوِ الَّذِي مَرَّ الخ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ تَرَ كاَلَّذِي حاجَّ أوْ كاَلَّذِي مَرَّ وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَهُ جَوابًا لِمُعارَضَةِ ذَلِكَ الكافِرِ، وتَقْدِيرُهُ وإنْ كُنْتَ تُحْيِي فَأحْيِ كَإحْياءِ الَّذِي مَرَّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ لِلْفَصْلِ وكَثْرَةِ التَّقْدِيرِ، وإنَّما لَمْ تُجْعَلِ الكافُ أصْلِيَّةً والعَطْفُ عَلى ”الَّذِي“ نَفْسُهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ لِاسْتِلْزامِهِ دُخُولَ (إلى) عَلى الكافِ، وفِيهِ إشْكالٌ لِأنَّها إنْ كانَتْ حَرْفِيَّةً فَظاهِرٌ وإنْ كانَتِ اِسْمِيَّةً فَلِأنَّها مُشَبَّهَةٌ بِالحَرْفِ في عَدَمِ التَّصَرُّفِ لا يَدْخُلُ عَلَيْها مِنَ الحُرُوفِ إلّا ما ثَبَتَ في كَلامِهِمْ، وهو عَنْ وذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ أيْضًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ كُلًّا مِن لَفْظِ (ألَمْ تَرَ) و(أرَأيْتَ) مُسْتَعْمِلٌ لِقَصْدِ التَّعَجُّبِ إلّا أنَّ الأوَّلَ: تَعَلَّقَ بِالمُتَعَجَّبِ مِنهُ فَيُقالُ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي صَنَعَ كَذا بِمَعْنى اُنْظُرْ إلَيْهِ فَتَعَجَّبْ مِن حالِهِ، والثّانِي: بِمِثْلِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ فَيُقالُ أرَأيْتَ مِثْلَ الَّذِي صَنَعَ كَذا بِمَعْنى أنَّهُ مِنَ الغَرابَةِ بِحَيْثُ لا يُرى لَهُ مِثْلٌ ولا يَصِحُّ ألَمْ تَرَ إلى مَثَلِهِ إذْ يَكُونُ المَعْنى اُنْظُرْ إلى المِثْلِ وتَعَجَّبْ مِنَ الَّذِي صَنَعَ، ولِذا لَمْ يَسْتَقِمْ عَطْفُكَ ”الَّذِي مَرَّ“ عَلى ﴿الَّذِي حاجَّ﴾ ويُحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ في المَعْطُوفِ بِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ أيْ أرَأيْتَ كاَلَّذِي مَرَّ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ أوْ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ نَظَرًا إلى أنَّهُ في مَعْنى أرَأيْتَ كاَلَّذِي حاجَّ فَيَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ عَدَمَ الِاسْتِقامَةِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ اِمْتِناعِ دُخُولِ (إلى) عَلى الكافِ بَلْ لَوْ قُلْتَ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ أوْ مِثْلِ الَّذِي مَرَّ فَعَدَمُ الِاسْتِقامَةِ بِحالِهِ عِنْدَ مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأسالِيبِ الكَلامِ، وإنَّ هَذا لَيْسَ مِن زِيادَةِ الكافِ في شَيْءٍ بَلْ لا بُدَّ في التَّعَجُّبِ بِكَلِمَةِ (أرَأيْتَ) مِن إثْباتٍ كافٍ، أوْ ما في مَعْناهُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ فَإنَّ (ألَمْ تَرَ) يُسْتَعْمَلُ لِلتَّعَجُّبِ مَعَ التَّشْبِيهِ في كَلامِ العَرَبِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ سِيبَوَيْهِ، و(أرَأيْتَ) كَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ بِدُونِ الكافِ أوْ ما في مَعْناهُ، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ وكَيْفَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما بِأنَّ الأوَّلَ تَعَلَّقَ بِالمُتَعَجَّبِ مِنهُ، وفي الثّانِي بِمِثْلِهِ، والمِثْلِيَّةُ إنَّما جاءَتْ مِن ذِكْرِ الكافِ ولَوْ ذُكِرَتْ في الأوَّلِ لَكانَ مِثْلَهُ بِلا فَرْقٍ، فَهَذا مُصادَرَةٌ عَلى المَطْلُوبِ فَلَيْسَ إلّا ما ذُكِرَ أوَّلًا سِوى أنَّ تَقْدِيرَ (أرَأيْتَ) مَعَ الكافِ أوْلى لِأنَّ اِسْتِعْمالَهُ مَعَها أكْثَرُ فَتَدَبَّرْ.
و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ أوْ لِلتَّفْصِيلِ والمارُّ هو عَزِيزُ بْنُ شَرْخِيا، كَما أخْرَجَهُ الحاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وإسْحاقَ بْنِ بِشْرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والرَّبِيعُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وخَلْقٌ كَثِيرٌ، وقِيلَ: هو أرْمِيا بْنُ خَلْقِيا مِن سِبْطِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ وهْبٌ، وقِيلَ: هو الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ واحِدٌ، وأنَّ أرْمِيا هو الخَضِرُ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: شِعْيا، وقِيلَ: غُلامُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ المارُّ رَجُلًا كافِرًا بِالبَعْثِ وأُيِّدَ بِنَظْمِهِ مَعَ نَمْرُوذَ في سِلْكٍ واحِدٍ حَيْثُ سِيقَ الكَلامُ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِما، وبِأنَّ كَلِمَةَ الِاسْتِبْعادِ في هَذا المَقامِ تُشْعِرُ بِالإنْكارِ ظاهِرًا ولَيْسَتْ هي فِيهِ مِثْلَها في ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ و﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ وعُورِضَ بِما بَيْنَ قِصَّتِهِ وقِصَّةِ إبْراهِيمَ الآتِيَةِ بُعْدٌ مِنَ التَّناسُبِ المَعْنَوِيِّ فَإنَّ كِلَيْهِما طَلَبا
صفحة 21
مُعايَنَةَ الإحْياءِ مَعَ أنَّ ما جَرى لَهُ في القِصَّةِ مِمّا يَبْعُدُ أنْ يَجْرِيَ مَعَ كافِرٍ - وإذا اِنْضَمَّ إلى ذَلِكَ تَحَرِّيهِ الظّاهِرُ في الِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ في القَوْلِ الصّادِرِ قَبْلَ التَّبْيِينِ المُوجِبِ لِإيمانِهِ عَلى زَعْمِ مَن يَدَّعِي كُفْرَهُ - قَوّى المُعارِضَ جِدًّا، وإنْ قُلْنا: بِأنَّ دَلالَةَ الِانْتِظامِ في سِلْكِ نَمْرُوذَ عَلى الإيمانِ أحَقُّ لِيَنْطَبِقَ عَلى التَّفْصِيلِ المُقَدَّمِ في ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخ حَسَبَ ما أشَرْنا إلَيْهِ في القِيلِ قَبْلُ، لَمْ يَكَدْ يُتَوَهَّمُ القَوْلُ بِالكَفْرِ كَما لا يَخْفى، والقَرْيَةُ قالَ اِبْنُ زَيْدٍ: هي الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: دَيْرُ سابِرابادَ، وقالَ السُّدِّيُّ: دَيْرُ سَلْما باذَ، وقِيلَ: دَيْرُ هِرَقْلَ، وقِيلَ: المُؤْتَفِكَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةُ العِنَبِ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والرَّبِيعُ ووَهْبٌ: هي بَيْتُ المَقْدِسِ، وكانَ قَدْ خَرَّبَها بُخْتَنَصَّرُ وهَذا هو الأشْهَرُ، واشْتِقاقُها مِنَ القُرى وهو الجَمْعُ.
﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى سُقُوفِها بِأنْ سَقَطَ السَّقْفُ أوَّلًا ثُمَّ تَهَدَّمَتِ الجُدْرانُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى خالِيَةٌ عَنْ أهْلِها ثابِتَةٌ عَلى عُرُوشِها أيْ إنَّ بُيُوتَها قائِمَةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِخاوِيَةٍ، وعَلى الثّانِي بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرِ لَهِيَ، والجُمْلَةُ قِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (مَرَّ) وقِيلَ: مِن (قَرْيَةٍ) ويَجِيءُ الحالُ مِنَ النَّكِرَةِ عَلى القِلَّةِ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَها، ويُبْعِدُهُ تَوَسُّطُ الواوِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ بَدَلًا مِن ﴿قَرْيَةٍ﴾ بِإعادَةِ الجارِّ وكَوْنِهِ صِفَةً لَها، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ﴾ إمّا حالٌ مِنَ العُرُوشِ أوْ مِنَ القَرْيَةِ أوْ مِن ها والعامِلُ مَعْنى الإضافَةِ والكُلُّ مِمّا لا يَنْبَغِي حَمْلُ التَّنْزِيلِ عَلَيْهِ.
(قالَ) في نَفْسِهِ أوْ بِلِسانِهِ ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ المُشارُ إلَيْهِ إمّا نَفْسُ القَرْيَةِ بِدُونِ تَقْدِيرٍ كَما هو الظّاهِرُ، فالإحْياءُ والإماتَةُ مَجازانِ عَنِ العِمارَةِ والخَرابِ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ أصْحابِ هَذِهِ القَرْيَةِ فالإحْياءُ والإماتَةُ عَلى حَقِيقَتِها، وإمّا عِظامُ القَرْيَةِ البالِيَةُ وجُثَثُهُمُ المُتَفَرِّقَةُ، والسِّياقُ دالٌّ عَلى ذَلِكَ، والإحْياءُ والإماتَةُ عَلى حالِهِما أيْضًا، فَعَلى القَوْلِ بِالمَجازِ يَكُونُ هَذا القَوْلُ عَلى سَبِيلِ التَّلَهُّفِ والتَّشَوُّقِ إلى عِمارَةِ تِلْكَ القَرْيَةِ لَكِنْ مَعَ اِسْتِشْعارِ اليَأْسِ عَنْها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأوْكَدِهِ ولِذا أراهُ اللَّهُ تَعالى أبْعَدَ الأمْرَيْنِ في نَفْسِهِ ثُمَّ في غَيْرِهِ، ثُمَّ أراهُ ما اِسْتَبْعَدَهُ صَرِيحًا مُبالَغَةً في إزاحَةِ ما عَسى يَخْتَلِجُ في خُلْدِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ اِعْتِرافًا بِالعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الإحْياءِ، واسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ المُحْيِي إذا قُلْنا: إنَّ القائِلَ كانَ مُؤْمِنًا، وإنْكارًا لِلْقُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ إنْ كانَ كافِرًا، ورُجِّحَ أوَّلُ الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ في المُشارِ إلَيْهِ بِأنَّ إرادَةَ إحْياءٍ لِأهْلٍ أوْ عِظامِهِمْ يَأْباهُ التَّعَرُّضُ لِحالِ القَرْيَةِ دُونَ حالٍ مِن ذِكْرٍ والِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ مَوْتِهِمْ دُونَ كَوْنِهِمْ تُرابًا أوْ عِظامًا نَخِرَةً مَعَ كَوْنِهِ أدْخَلَ في الِاسْتِبْعادِ لِشَدَّةِ مُبايَنَتِهِ لِلْحَياةِ، وغايَةُ بُعْدِهِ عَنْ قَبُولِها عَلى أنَّهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ إرادَتُهُ تَعالى بِإحْيائِهِمْ كَما تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ تَعالى بِعِمارَتِها ومُعايَنَةِ المارِّ لَها كَما سَتَسْمَعُهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّ الِاسْتِبْعادَ ناشِئٌ مِن جِهَتِهِ لا مِن جِهَةِ الفاعِلِ، و﴿أنّى﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ إنْ كانَتْ بِمَعْنى مَتى، وعَلى الحالِيَّةِ مِن هَذِهِ إنْ كانَتْ بِمَعْنى كَيْفَ، والعامِلُ فِيهِ عَلى أيِّ حالٍ ﴿يُحْيِي﴾ .
﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ﴾ أيْ فَألْبَثَهُ مَيِّتًا مِائَةَ عامٍ ولا بُدَّ مِنَ اِعْتِبارِ هَذا التَّضْمِينِ لِأنَّ الإماتَةَ بِمَعْنى إخْراجِ الرُّوحِ وسَلْبِ الحَياةِ مِمّا لا تَمْتَدُّ، والعامُ السَّنَةُ مِنَ العَوْمِ وهو السِّباحَةُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الشَّمْسَ تَعُومُ في جَمِيعِ بُرُوجِها ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أيْ أحْياهُ مِن بَعَثْتُ النّاقَةَ إذا أقَمْتُها مِن مَكانِها، ولَعَلَّ إيثارَهُ عَلى أحْياهُ لِلدَّلالَةِ عَلى سُرْعَتِهِ وسُهُولَةِ
صفحة 22
تَأتِّيهِ عَلى البارِي عَزَّ اِسْمُهُ، ولِلْإيذانِ بِأنَّهُ قامَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ ماتَ عاقِلًا فاهِمًا مُسْتَعِدًّا لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ عِمارَةِ القَرْيَةِ، فَفي «اَلْبَحْرِ» أنَّهُ لَمّا مَرَّ لَهُ سَبْعُونَ سَنَةً مِن مَوْتِهِ وقَدْ مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ السِّباعِ والطَّيْرِ ومَنَعَ العُيُونَ أنْ تَراهُ أرْسَلَ مَلَكًا إلى مَلِكٍ عَظِيمٍ مِن مُلُوكِ فارِسٍ يُقالُ لَهُ: كَوْسَكُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكَ أنْ تَنْفِرَ بِقَوْمِكَ فَتُعَمِّرَ بَيْتَ المَقْدِسِ وإيلِيّا وأرْضِها حَتّى تَعُودَ أحْسَنَ مِمّا كانَتْ فانْتَدَبَ المَلِكُ في ثَلاثَةِ آلافِ قَهْرَمانٍ مَعَ كُلِّ قَهْرَمانٍ ألْفُ عامِلٍ وجَعَلُوا يُعَمِّرُونَها وأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى بُخْتَنَصَّرَ بِبَعُوضَةٍ دَخَلَتْ دِماغَهُ ونَجّى اللَّهُ تَعالى مَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ورَدَّهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَعَمَّرُوها ثَلاثِينَ سَنَةً وكَثَرُوا حَتّى كانُوا كَأحْسَنِ ما كانُوا عَلَيْهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ أحْياهُ اللَّهُ تَعالى.
(قالَ) اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ لِيَظْهَرَ لَهُ العَجْزُ عَنِ الإحاطَةِ بِشُؤُونِ اللَّهِ تَعالى عَلى أتَمِّ وجْهٍ وتَنْحَسِمُ مادَّةُ اِسْتِبْعادِهِ بِالمَرَّةِ و(كَمْ) نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ومُمَيِّزُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمْ وقْتًا والنّاصِبُ لَهُ ﴿لَبِثْتَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: هاتِفٌ مِنَ السَّماءِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ، وقِيلَ: نَبِيٌّ، وقِيلَ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ شاهَدَهُ يَوْمَ ماتَ وعَمَّرَ إلى حِينِ إحْيائِهِ فَيَكُونُ الإسْنادُ إلَيْهِ تَعالى مَجازًا ﴿قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالَهُ بِناءً عَلى التَّقْرِيبِ والتَّخْمِينِ أوِ اِسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ لُبْثِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ ماتَ ضُحًى وبُعِثَ بَعْدَ المِائَةِ قَبْلِ الغُرُوبِ فَقالَ قَبْلَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ: ﴿يَوْمًا﴾ ثُمَّ اِلْتَفَّتْ فَرَأى بَقِيَّةً مِنها فَقالَ: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عَلى الإضْرابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِلْجَزْمِ بِتَمامِ اليَوْمِ ولَوْ بِناءً عَلى حُسْبانِ الغُرُوبِ لِتَحَقُّقِ النُّقْصانِ مِن أوَّلِهِ.
﴿قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ ما لَبِثْتَ ذَلِكَ القَدْرَ بَلْ هَذا المِقْدارَ ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ﴾ قِيلَ: كانَ طَعامُهُ عِنَبًا أوْ تِينًا وشَرابُهُ عَصِيرًا أوْ لَبَنًا ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أيْ لَمْ يَتَغَيَّرْ في هَذِهِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السَّنَةِ وفي لامِها اِخْتِلافٌ، فَقِيلَ: هاءٌ بِدَلِيلِ سانَهْتُ فُلانًا فَهو مَجْزُومٌ بِسُكُونِ الهاءِ، وقِيلَ: واوٌ بِدَلِيلِ الجَمْعِ عَلى سَنَواتٍ فَهو مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الآخِرِ، والهاءُ هاءُ سَكْتٍ ثَبَتَتْ في الوَقْفِ وفي الوَصْلِ لِإجْرائِهِ مَجْراهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّسَنُّهُ عِبارَةً عَنْ مُضِيِّ السِّنِينَ كَما هو الأصْلُ ويَكُونُ عَدَمُ التَّسَنُّهِ كِنايَةً عَنْ بَقائِهِ عَلى حالِهِ غَضًّا طَرِيًّا غَيْرَ مُتَكَرِّجٍ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَمْ يَتَسَنَّنْ ومِنهُ الحَمَأُ المَسْنُونُ أيِ الطِّينُ المُتَغَيِّرُ، ومَتى اِجْتَمَعَتْ ثَلاثَةُ حُرُوفٍ مُتَجانِسَةٍ يُقْلَبُ أحَدُها حَرْفَ عِلَّةٍ كَما قالُوا في تَظَنَّنْتُ: تَظَنَّيْتُ، وفي تَقَضَّضْتُ: تَقَضَّيْتُ، وقَدْ أُبْدِلَتْ هُنا النُّونُ الأخِيرَةُ في رَأْيٍ ياءً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الياءُ ألِفًا، ثُمَّ حُذِفَتْ لِلْجازِمِ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ حالٌ، وقَدْ جاءَ مِثْلُها بِغَيْرِ واوٍ خِلافًا لِمَن تَرَدَّدَ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ و﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وصاحِبُها إمّا الطَّعامُ والشَّرابُ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ لِإجْرائِهِما مَجْرى الواحِدِ كالغِذاءِ، وإمّا الأخِيرُ واكْتُفِيَ بِدَلالَةِ حالِهِ عَلى حالِ الأوَّلِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (وهَذا شُرْبُكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) وقَرَأ أُبَيٌّ لَمْ يَسَّنَّهْ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ واسْتُشْكِلَ تَفَرُّعِ ﴿فانْظُرْ﴾ عَلى لُبْثِ المِائَةِ بِالفاءِ وهو يَقْتَضِي التَّغَيُّرَ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُفَرَّعَ عَلَيْهِ لَيْسَ لُبْثَ المِائَةِ بَلْ لُبْثَ المِائَةِ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ في جِسْمِهِ حَتّى ظَنَّهُ زَمانًا قَلِيلًا فَفُرِّعَ عَلَيْهِ ما هو أظْهَرُ مِنهُ وهو عَدَمُ تَغَيُّرِ الطَّعامِ والشَّرابِ وبَقاءُ الحَيَوانِ حَيًّا مِن غَيْرِ غِذاءٍ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ إنْ حَصَلَ لَكَ عَدَمُ طُمَأْنِينَةٍ في أمْرِ البَعْثِ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ السَّرِيعِ التَّغَيُّرُ حَتّى تَعْرِفَ أنَّ مَن لَمْ يُغَيِّرْهُ يَقْدِرُ عَلى البَعْثِ.
وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ كَيْفَ نَخَرَتْ عِظامُهُ وتَفَرَّقَتْ أوْصالُهُ وهَذا
صفحة 23
هُوَ الظّاهِرُ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الحالِ وأوْفَقُ بِما بَعْدَهُ، وكَوْنُ المُرادِ اُنْظُرْ إلَيْهِ سالِمًا في مَكانِهِ كَما رَبَطْتَهُ حَفِظْناهُ بِلا ماءٍ وعَلَفٍ كَما حَفِظْنا الطَّعامَ والشَّرابَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ولا يُساعِدُهُ المَأْثُورُ، ﴿ولِنَجْعَلَكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ أيْ وفَعَلْنا ذَلِكَ لِنَجْعَلَكَ، ومِنهم مَن قَدَّرَهُ مُتَأخِّرًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ والواوُ زائِدَةٌ وعَلى تَقْدِيرِهِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَبِثْتَ﴾ أوْ عَلى مُقَدَّرٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِتُعايِنَ ما اَسْتَبْعَدْتَ أوْ لِتُهْدى ولِنَجْعَلَكَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى (قالَ) فَفِيهِ اِلْتِفاتٌ، (آيَةً) أيْ عِبْرَةً أوْ مُرْشِدًا ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ جِنْسِهِمْ أوْ مَن بَقِيَ مِن قَوْمِهِ أوْ لِلْمَوْجُودِينَ في هَذا القَرْنِ بِأنْ يُشاهِدُوكَ وأنْتَ مِن أهْلِ القُرُونِ الخالِيَةِ ويَأْخُذُوا عَنْكَ ما اِنْطَوى عَنْهم مُنْذُ أحْقابٍ مِن عِلْمِ التَّوْراةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ اللُّبْثِ المَدِيدِ ولِذَلِكَ قُرِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأمْرِ بِالنَّظَرِ إلى حِمارِهِ.
﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾ أيْ عِظامِ الحِمارِ كَما قالَهُ السُّدِّيُّ وكَرَّرَ الأمْرَ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ أوَّلًا هو النَّظَرُ إلَيْها مِن حَيْثُ الدَّلالَةُ عَلى المُكْثِ المَدِيدِ، وثانِيًا: هو النَّظَرُ إلَيْها مِن حَيْثُ تَعْتَرِيها الحَياةُ ومَبادِيها، وقِيلَ: عِظامُ أمْواتِ أهْلِ القَرْيَةِ، وعَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ والرَّبِيعِ: عِظامُ نَفْسِهِ قالُوا: أوَّلُ ما أحْيا اللَّهُ تَعالى مِنهُ عَيْناهُ وسائِرُ جَسَدِهِ مَيِّتٌ وعِظامُهُ نَخِرَةٌ فَأمَرَ بِالنَّظَرِ إلَيْها، وقِيلَ: عِظامُهُ وعِظامُ حِمارِهِ والكُلُّ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ بِالزّايِ المُعْجَمَةِ مِنَ الإنْشازِ وهو الرَّفْعُ أيْ كَيْفَ نَرْفَعُها مِنَ الأرْضِ فَنَرُدُّها إلى أماكِنِها مِنَ الجَسَدِ، وقالَ الكِسائِيُّ: نُلَيِّنُها ونُعَظِّمُها، وقَرَأ أُبِيٌّ (نُنْشِيها)، وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (نُنْشِرُها) مَن أنْشَرَ اللَّهُ تَعالى المَوْتى أحْياها ولَعَلَّ المُرادَ بِالإحْياءِ ما تَقَدَّمَ لا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ أيْ نَسْتُرُها بِهِ كَما نَسْتُرُ الجَسَدَ بِاللِّباسِ، وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ (نَنْشُرُها) بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الشِّينِ والرّاءِ وهو حِينَئِذٍ مِنَ النَّشْرِ ضِدُّ الطَّيِّ كَما قالَ الفَرّاءُ فالمَعْنى كَيْفَ نُبَسِّطُها، والجُمْلَةُ قِيلَ: إمّا حالٌ مِنَ العِظامِ، أيْ وانْظُرْ إلَيْها مُرَكَّبَةً مَكْسُوَّةً لَحْمًا، أوْ بَدَلُ اِشْتِمالٍ، أيْ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفِيَّةَ إنْشازِها وبَسْطِ اللَّحْمِ عَلَيْها، واعْتُرِضَتِ الحالِيَّةُ بِأنَّ الجُمْلَةَ اِسْتِفْهامِيَّةٌ وهي لا تَقَعُ حالًا، وأُجِيبَ بِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَيْسَ حَقِيقَتَهُ فَما المانِعُ مِنَ الحالِيَّةِ، ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِكَيْفِيَّةِ نَفْخِ الرُّوحِ كَما قِيلَ لِما أنَّها مِمّا لا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ بَيانَها، وفي بَعْضِ الآثارِ إنَّ مَلَكًا نادى العِظامَ فَأجابَتْ وأقْبَلَتْ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ ثُمَّ ألْبَسَها العُرُوقَ والعَصَبَ ثُمَّ كَساها اللَّحْمَ ثُمَّ أنْبَتَ عَلَيْها الجِلْدَ والشَّعْرَ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَقامَ الحِمارُ رافِعًا رَأْسَهُ وأُذُنَيْهِ إلى السَّماءِ ناهِقًا.
﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ أيِ اِتَّضَحَ اِتِّضاحًا تامًّا لَهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ مِن كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ بِمَبادِيهِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ الأمْرُ المَذْكُورُ وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ تَحَقُّقِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ الذِّكْرِ ولِلْإشْعارِ بِسُرْعَةِ وُقُوعِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأنْشَرَها اللَّهُ تَعالى وكَساها لَحْمًا فَنَظَرَ إلَيْها فَتَبَيَّنَ لَهُ كَيْفِيَّتُهُ، فَلَمّا تَبَيَّنَ ذَلِكَ ﴿قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ ومِن جُمْلَتِهِ ما شُوهِدَ ﴿قَدِيرٌ﴾ [ 259 ] وقِيلَ: فاعِلُ (تَبَيَّنَ) مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ مَفْعُولُ (أعْلَمُ) فالكَلامُ مِن بابِ التَّنازُعِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وأُورِدُ عَلَيْهِ أنَّ شَرْطَ التَّنازُعِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ اِشْتِراكُ العامِلَيْنِ بِعَطْفٍ ونَحْوِهِ بِحَيْثُ يَرْتَبِطانِ فَلا يَجُوزُ ضَرَبَنِي أهَنْتُ زَيْدًا قِيلَ: ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْهُ إلّا اِبْنُ عُصْفُورٍ، وقَدْ صَرَّحَ بِذاتِ الفَنِّ بِخِلافِهِ كَأبِي عَلِيٍّ وغَيْرِهِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُخَصَّ بِالعَطْفِ إذْ هو جارٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ و(لَمّا) رابِطَةٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ فَيَكْفِي مِثْلُهُ في
صفحة 24
الرَّبْطِ وإنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اِسْتَحْسَنَ أنْ يَجْعَلَ مِن بابِ ما يَكُونُ المُرادُ بِالفِعْلِ نَفْسَ وُقُوعِهِ لا التَّلَبُّسَ بِالفاعِلِ فَكانَ مَعْناهُ فَلَمّا حَصَلَ لَهُ التَّبَيُّنُ قالَ أعْلَمُ الخ، ويُساعِدُهُ قِراءَةُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ نَظَرًا إلى أنَّ أصْلَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ بَلْ إنَّما تَبَدَّلَ بِالعِيانِ وصْفُهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ إنَّما قالَ ما قالَ بِناءً عَلى الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ واسْتِعْظامًا لِلْأمْرِ، وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ (قِيلَ اِعْلَمْ) عَلى وجْهِ الأمْرِ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿قالَ أعْلَمُ﴾ ويَقُولُ: لَمْ يَكُنْ بِأفْضَلَ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾ وبِذَلِكَ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والآمِرُ هو اللَّهُ تَعالى أوِ النَّبِيُّ أوِ المَلَكُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ هو نَفْسُهُ عَلى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ مُبَكِّتًا لَها مُوَبِّخًا عَلى ما اِعْتَراها مِن ذَلِكَ الِاسْتِبْعادِ.
يُرْوى أنَّهُ بَعْدَ هَذا القَوْلِ قامَ فَرَكِبَ حِمارَهُ حَتّى أتى مَحَلَّتَهُ فَأنْكَرَهُ النّاسُ وأنْكَرَهم وأنْكَرَ مَنازِلَهم فانْطَلَقَ عَلى وهْمٍ مِنهم حَتّى أتى مَنزِلَهُ فَإذا هو بِعَجُوزٍ عَمْياءَ مُقْعَدَةٍ قَدْ أتى عَلَيْها مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً كانَتْ أمَةً لَهُ وكانَ قَدْ خَرَجَ عُزَيْرٌ وهي بِنْتُ عِشْرِينَ سَنَةً فَقالَ لَها: يا هَذِهِ أهَذا مَنزِلُ عُزَيْرٍ؟ قالَتْ: نَعَمْ وبَكَتْ وقالَتْ: ما رَأيْتُ أحَدًا مُنْذُ كَذا وكَذا سَنَةٍ يَذْكُرُ عُزَيْرًا وقَدْ نَسِيَهُ النّاسُ، قالَ: فَإنِّي أنا عُزَيْرٌ، قالَتْ: سُبْحانَ اللَّهُ فَإنَّ عُزَيْرًا قَدْ فَقَدْناهُ مُنْذُ مِائَةٍ سَنَةٍ فَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ قالَ: فَإنِّي عُزَيْرٌ كانَ اللَّهُ تَعالى أماتَنِي مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَنِي قالَتْ: فَإنَّ عُزَيْرًا كانَ رَجُلًا مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ يَدْعُو لِلْمَرِيضِ ولِصاحِبِ البَلاءِ بِالعافِيَةِ والشِّفاءِ فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي حَتّى أراكَ فَإنْ كُنْتَ عُزَيْرًا عَرَفْتُكَ فَدَعا رَبَّهَ ومَسَحَ يَدَهُ عَلى عَيْنَيْها فَصَحَّتا وأخَذَ بِيَدِها فَقالَ: قُومِي بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَأطْلَقَ اللَّهُ تَعالى رِجْلَيْها فَقامَتْ صَحِيحَةً كَأنَّما نَشِطَتْ مِن عِقالٍ فَنَظَرَتْ فَقالَتْ: أشْهَدُ أنَّكَ عُزَيْرٌ فانْطَلَقَتْ إلى مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وأنْدِيَتِهِمْ ومَجالِسِهِمْ، وابْنُ العُزَيْرِ شَيْخٌ اِبْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وثَمانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً وبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ في المَجْلِسِ فَنادَتْهم فَقالَتْ: هَذا عُزَيْرٌ قَدْ جاءَكم فَكَذَّبُوها فَقالَتْ: أنا فُلانَةٌ مَوْلاتُكم دَعا إلى رَبِّهِ فَرَدَّ عَلَيَّ بَصَرِي وأطْلَقَ رِجْلَيَّ، وزَعَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ أماتَهُ مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَهُ فَنَهَضَ النّاسُ فَأقْبَلُوا عَلَيْهِ فَنَظَرُوا إلَيْهِ فَقالَ اِبْنُهُ: كانَتْ لِأبِي شامَةٌ سَوْداءُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَكَشَفَ عَنْ كَتِفَيْهِ فَإذا هو عُزَيْرٌ فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِينا أحَدٌ حَفِظَ التَّوْراةَ فِيما حَدَّثَنا غَيْرُ عُزَيْرٍ وقَدْ حَرَقَ بُخْتَنَصَّرُ التَّوْراةَ ولَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ إلّا ما حَفِظَتِ الرِّجالُ فاكْتُبْها لَنا وكانَ أبُوهُ قَدْ دَفَنَ التَّوْراةَ أيّامَ بُخْتَنَصَّرَ في مَوْضِعٍ لَمْ يَعْرِفْهُ غَيْرُ عُزَيْرٍ فانْطَلَقَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ فَحَفَرَهُ فاسْتَخْرَجَ التَّوْراةَ وكانَ قَدْ عَفِنَ الوَرَقُ ودَرَسَ الكِتابُ فَجَلَسَ في ظِلِّ شَجَرَةٍ وبَنُو إسْرائِيلَ حَوْلَهُ فَنَزَلَ مِنَ السَّماءِ شِهابانِ حَتّى دَخَلا جَوْفَهُ فَتَذَّكَّرُ التَّوْراةَ فَجَدَّدَها لِبَنِي إسْرائِيلَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قَرَأها عَلَيْهِمْ حِينَ طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ مِن غَيْرِ أنْ يَخْرِمَ مِنها حَرْفًا، فَقالَ رَجُلٌ مِن أوْلادِ المَسْبِيِّينَ مِمّا ورَدَ بَيْتُ المَقْدِسِ بَعْدَ مَهْلِكِ بُخْتَنَصَّرَ: حَدَّثَنِي أبِي عَنْ جَدِّي أنَّهُ دُفِنَ التَّوْراةُ يَوْمَ سَبْيِنا في خابِيَةٍ في كَرْمٍ فَإنْ أرَيْتُمُونِي كَرْمَ جَدِّي أخْرَجْتُها لَكم فَذَهَبُوا إلى كَرْمِ جَدِّهِ فَفَتَّشُوها فَوَجَدُوها فَعارَضُوها بِما أمْلى عَلَيْهِمْ عُزَيْرٌ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ فَما اِخْتَلَفا في حَرْفٍ واحِدٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ والتَّأْوِيلِ في الآياتِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ هو الهُدى المُسْتَفادُ مِنَ النُّورِ القَلْبِيِّ اللّازِمِ لِلْفِطْرَةِ وهو لا مَدْخَلَ لِلْإكْراهِ فِيهِ ﴿قَدْ تَبَيَّنَ﴾ ووَضَحَ ﴿الرُّشْدُ﴾ الَّذِي هو طَرِيقُ الوَحْدَةِ وتَمَيَّزَ ﴿مِنَ الغَيِّ﴾ الَّذِي هو النَّظَرُ إلى الأغْيارِ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ وهو ما سِوى اللَّهِ تَعالى ﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ إيمانًا حَقِيقِيًّا شُهُودِيًّا ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ الَّتِي هي الوَحْدَةُ الذّاتِيَّةُ ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ في نَفْسِها
صفحة 25
لِأنَّها المُوافِقَةُ لِما في نَفْسِ الأمْرِ، والمُمْكِناتُ والشُّؤُونُ داخِلَةٌ في دائِرَتِها غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ عَنْها ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ قَوْلَ كُلِّ ذِي دِينٍ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيَّتِهِ ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَيْسَ ولِيٌّ سِواهُ ولا ناصِرٌ ولا مُعِينٌ لَهم غَيْرُهُ ﴿يُخْرِجُهم مِنَ﴾ ظُلُماتِ النَّفْسِ وشُبَهِ الخَيالِ والوَهْمِ إلى نُورِ اليَقِينِ والهِدايَةِ وفَضاءِ عالَمِ الأرْواحِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالمَيْلِ إلى الأغْيارِ ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ الَّذِي حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ﴿يُخْرِجُونَهم مِنَ﴾ نُورِ الِاسْتِعْدادِ والهِدايَةِ الفِطْرِيَّةِ إلى ظُلُماتِ صِفاتِ النَّفْسِ والشُّكُوكِ والشُّبَهاتِ ﴿أُولَئِكَ﴾ المُبْعِدُونَ عَنِ الحَضْرَةِ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ الطَّبِيعِيَّةِ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾، ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ وهو نَمْرُوذُ النَّفْسُ الأمّارَةُ المُجادِلَةُ لِإبْراهِيمَ الرُّوحِ القُدْسِيَّةِ الَّتِي أُلْقِيَتْ في نارِ الطَّبِيعَةِ فَعادَتْ عَلَيْها بَرْدًا وسَلامًا، أوْ نَمْرُوذُ الجَبّارُ وإبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ الَّذِي هو عالَمُ القُوى البَدَنِيَّةِ ومُلْكُ هَذِهِ الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ الرُّوحُ أوْ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ ﴿رَبِّيَ﴾ أيْ مَن غُذِّيتُ بِبَيانِ أنْوارِهِ أوْ إيجادِهِ وهِدايَتِهِ ﴿الَّذِي يُحْيِي﴾ مَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ ﴿ويُمِيتُ﴾ مَن أعْرَضَ عَنْهُ، أوْ يَحْيى ويُمِيتُ الإحْياءَ والإماتَةَ المَعْهُودَتَيْنِ (قالَ) نَمْرُوذُ النَّفْسُ الأمّارَةُ أوِ الجَبّارُ ﴿أنا أُحْيِي﴾ بَعْضَ القُوى بِصَرْفِها في مَيادِينِ اللَّذّاتِ واسْتِنْشاقِ رِيحِ الشَّهَواتِ ﴿وأُمِيتُ﴾ بَعْضَها بِتَعْطِيلِهِ عَنْ ذَلِكَ بُرْهَةً، أوْ أُحْيِيَ بِالعَفْوِ وأُمِيتُ بِالقَتْلِ، ﴿قالَ إبْراهِيمُ﴾ الرُّوحُ أوِ الخَلِيلُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي﴾ بِشَمْسِ العِرْفانِ مِن مَشْرِقِها وهو جانِبُ المَبْدَأِ الفَيّاضِ ﴿فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ أيْ أظْهِرْها بَعْدَ غُرُوبِها وحَيْلُولَةِ أرْضِ الوُجُودِ بَيْنَكَ وبَيْنَها، أوْ أنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِشَمْسِ الرُّوحِ مِن مَشْرِقِها وهو مَبْدَأُها الأصْلِيُّ فَتُشْرِقُ أنْوارُها عَلى صَفَحاتِ البَدَنِ فَأْتِ بِها بَعْدَما غَرَبَتْ أيْ فَأرْجِعْها إلى مَن قَتَلْتَهُ وأُمَّتَهُ، وعَلى هَذا يَكُونُ مِن تَتِمَّةِ الأوَّلِ ﴿فَبُهِتَ﴾ وغُلِبَ ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ وهو النَّفْسُ الأمّارَةُ المُدَّعِيَةُ لِلرُّبُوبِيَّةِ عَلى عَرْشِ البَدَنِ أوْ نَمْرُوذُ اللَّعِينُ ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ﴾ وهو العَقْلُ الإنْسانِيُّ ﴿عَلى قَرْيَةٍ﴾ القَلْبُ الَّذِي هو البَيْتُ المُقَدَّسُ، أوْ هو عُزَيْرٌ النَّبِيُّ وكانَ قَدِمَ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ قَبْلَ التَّجَلِّي بِاسْمِهِ تَعالى المُحْيِي ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ﴾ خالِيَةٌ مِنَ التَّجَلِّياتِ النّافِعَةِ، ثابِتَةٌ ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ صُوَرِها أوْ ساقِطَةٌ مُنْهَدِمَةٌ لِضَعْفِ أُسِّ الِاسْتِعْدادِ عَلى عُرُوشِ العَزائِمِ (قالَ) لِذُهُولِهِ عَنِ النَّظَرِ إلى الحَقائِقِ (أنّى) مَتى أوْ كَيْفَ ﴿يُحْيِي هَذِهِ﴾ القَرْيَةَ ﴿اللَّهُ﴾ الجامِعُ لِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ بِداءِ الجَهْلِ والِالتِفاتِ إلى السِّوى ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ﴾ أبْقاهُ جاهِلًا ﴿مِائَةَ عامٍ﴾ أيْ مُدَّةً طَوِيلَةً، وقِيلَ: هي عِبارَةٌ في الأصْلِ عَنْ ثَمانِيَةِ أعْوامٍ وأرْبَعَةِ أشْهُرٍ أوْ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ وطَلَبَ مِنهُ الوُقُوفَ عَلى مُدَّةِ اللُّبْثِ فَما ظَنَّها إلّا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ اِسْتِصْغارًا لِمُدَّةِ اللُّبْثِ في مَوْتِ الجَهْلِ المُنْقَضِيَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، أوْ أماتَهُ بِالمَوْتِ الإرادِيِّ في إحْدى المُدَدِ المَذْكُورَةِ فَتَكُونُ المُدَّةُ زَمانَ رِياضَتِهِ وسُلُوكِهِ ومُجاهَدَتِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، أوْ أماتَهُ حَتْفَ أنْفِهِ بِالمَوْتِ الطَّبِيعِيِّ ثُمَّ بَعَثَهُ بِالإحْياءِ، قالَ: بَلْ لَبِثْتَ في الحَقِيقَةِ مِائَةَ عامٍ.
﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ﴾ وكانَ التِّينَ أوِ العِنَبَ، والأوَّلُ: إشارَةٌ إلى المُدْرَكاتِ الكُلِّيَّةِ لِكَوْنِهِ لُبًّا كُلِّهِ وكَوْنِ الجُزْئِيّاتِ فِيهِ بِالقُوَّةِ كالحَبّاتِ الَّتِي في التِّينِ، والثّانِي: إشارَةٌ إلى الجُزْئِيّاتِ لِبَقاءِ اللَّواحِقِ المادِّيَّةِ مَعَها في الإدْراكِ كالقِشْرِ والعَجَمِ ﴿وشَرابِكَ﴾ وكانَ عَصِيرَ العِنَبِ أوِ اللَّبَنِ، والأوَّلُ: إشارَةٌ إلى العِشْقِ والإرادَةِ وعُلُومِ المَعارِفِ والحَقائِقِ، والثّانِي: إشارَةٌ إلى العِلْمِ النّافِعِ كالشَّرائِعِ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أيْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَمّا كانَ في الأوَّلِ بِحَسَبِ الفِطْرِ مُودَعًا فِيكَ، فَإنَّ العُلُومَ مَخْزُونَةٌ في كُلِّ نَفْسٍ بِحَسَبِ اِسْتِعْدادِهِ والنّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وإنْ حُجِبَتْ بِالمَوادِّ وخَفِيَتْ مُدَّةً بِالتَّقَلُّبِ في البَرازِخِ وظُلُماتِها لَمْ تَبْطُلْ ولَمْ تَتَغَيَّرْ عَنْ حالِها حَتّى إذا رُفِعَ الحِجابُ ظَهَرَتْ كَما كانَتْ ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ وهو القالَبُ الحامِلُ لِلْقَلْبِ أوْ
صفحة 26
المَعْنى الظّاهِرُ ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً﴾ أيْ دَلِيلًا ﴿لِلنّاسِ﴾ بَعَثْناكَ ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾ مِنَ القُوى ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ ونَرْفَعُها عَنْ أرْضِ الطَّبِيعَةِ ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ وهو العِرْفانُ الَّذِي يَكُونُ لِباسًا لَها، وعَبَّرَ عَنْهُ بِاللَّحْمِ لِنُمُوِّهِ وزِيادَتِهِ كُلَّما تَغَذَّتِ الرُّوحُ بِأطْعِمَةِ الشُّهُودِ وأشْرِبَةِ الوِصالِ، والمَعْنى الظّاهِرُ ظاهِرٌ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ﴾ ووَضَحَ (لَهُ) ذَلِكَ ﴿قالَ أعْلَمُ﴾ عِلْمًا مُسْتَمِرًّا ﴿أنّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ ومِن جُمْلَتِهِ ما كانَ ﴿قَدِيرٌ﴾ لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ ولا يُعْجِزُهُ.
البقرة 2:260
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ بَيانٌ لِتَسْدِيدِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ بَيانٍ، ولِمُغايَرَتِهِ لِما تَقَدَّمَ كَما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ الأُسْلُوبِ والظَّرْفِ مُنْتَصِبٌ إمّا بِمُضْمَرٍ صَرَّحَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾ وإيجابُ ذِكْرِ الوَقْتِ إيجابٌ لِذِكْرِ ما فِيهِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ وإمّا –بِقالِ- الآتِي وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ، (رَبِّ) كَلِمَةُ اِسْتِعْطافٍ شَرَعَ ذِكْرُها قَبْلَ الدُّعاءِ مُبالَغَةً في اِسْتِدْعاءِ الإجابَةِ ﴿أرِنِي﴾ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ المُتَعَدِّيَةِ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ إلى مَفْعُولَيْنِ فالباءُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ في مَحَلِّ مَفْعُولِهِ الثّانِي المُعَلَّقِ عَنْهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أكْثَرُ المُعْرِبِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ البَصْرِيَّةَ لا تُعَلِّقُ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما ذَكَرَهُ بَعْضُ النُّحاةِ، ورَدَّهُ اِبْنُ هِشامٍ بِأنَّهُ سَمِعَ تَعْلِيقَها، وفي «شَرْحِ التَّوْضِيحِ» يَجُوزُ كَوْنُها عِلْمِيَّةً، ومِنَ النّاسِ مَن لَمْ يَجْعَلْ ما هُنا مِنَ التَّعْلِيقِ في شَيْءٍ وجَعَلَ كَلِمَةَ (كَيْفَ) الخ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ هو المَفْعُولُ كَما قالَهُ اِبْنُ مالِكٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ .
ثُمَّ الِاسْتِفْهامُ بِكَيْفَ إنَّما هو سُؤالٌ عَنْ شَيْءٍ مُتَقَرِّرِ الوُجُودِ عِنْدَ السّائِلِ والمَسْؤُولِ، فالِاسْتِفْهامُ هُنا عَنْ هَيْئَةِ الإحْياءِ المُتَقَرِّرِ عِنْدَ السّائِلِ أيْ بَصِّرْنِي كَيْفِيَّةَ إحْيائِكَ لِلْمَوْتى وإنَّما سَألَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَنْتَقِلَ مِن مَرْتَبَةِ عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ، وفي الخَبَرِ «لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ» وكانَ ذَلِكَ حِينَ رَأى جِيفَةً تُمَزِّقُها سِباعُ البَرِّ والبَحْرِ والهَواءِ، قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ أهْلِ البَيْتِ، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المَلَكَ بَشَّرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اِتَّخَذَهُ خَلِيلًا وأنَّهُ يُجِيبُ دَعْوَتَهُ ويَحْيى المَوْتى بِدُعائِهِ فَسَألَ لِذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ أنَّ سَبَبَ السُّؤالِ مُنازَعَةُ النَّمْرُوذِ إيّاهُ في الإحْياءِ حَيْثُ رَدَّ عَلَيْهِ لَمّا زَعَمَ أنَّ العَفْوَ إحْياءٌ وتَوَعَّدَهُ بِالقَتْلِ إنْ لَمْ يُحْيِ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ بِحَيْثُ يُشاهِدُهُ فَدَعا حِينَئِذٍ.
(قالَ) اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ والضَّمِيرُ لِلرَّبِّ ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ ألَمْ تَعْلَمْ ولَمْ تُؤْمِن بِأنِّي قادِرٌ عَلى الإحْياءِ كَيْفَ أشاءُ حَتّى تَسْألَنِي عَنْهُ أوْ بِأنِّي قَدِ اِتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا، أوْ بِأنَّ الجَبّارَ لا يَقْتُلُكَ (قالَ) أيْ إبْراهِيمُ (بَلى) آمَنتُ بِذَلِكَ ﴿ولَكِنْ﴾ سَألْتُ ﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾ أيْ يَسْكُنُ ﴿قَلْبِي﴾ بِمُضامَّةِ الأعْيانِ إلى الإيمانِ والإيقانِ بِأنَّكَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، أوْ: لِيَطْمَئِنَ قَلْبِي بِالخُلَّةِ أوْ بِأنَّ الجَبّارَ لا يَقْتُلُنِي، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يَعُودُ نَقْصٌ عَلى إبْراهِيمَ مِن هَذا السُّؤالِ ولا يُنافِي مَنصِبَ النُّبُوَّةِ أصْلًا.
ولِلنّاسِ ولُوعٌ بِالسُّؤالِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ وما ذُكِرَ هو المَشْهُورُ فِيها ويُعْجِبُنِي ما حَرَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في هَذا المَقامِ وبَسَطَهُ في الذَّبِّ عَنِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ، وهو أنَّ السُّؤالَ لَمْ يَكُنْ عَنْ شَكٍّ في أمْرٍ دِينِيٍّ والعِياذُ بِاَللَّهِ ولَكِنَّهُ سُؤالٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ لِيُحِيطَ عِلْمًا بِها، وكَيْفِيَّةُ الإحْياءِ لا يُشْتَرَطُ في الإيمانِ الإحاطَةُ بِصُورَتِها، فالخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ عِلْمَ ما لا يَتَوَقَّفُ الإيمانُ عَلى عِلْمِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُرُودُ السُّؤالِ بِصِيغَةِ (كَيْفَ) ومَوْضُوعُها السُّؤالُ عَنِ الحالِ، ونَظِيرُ هَذا أنْ يَقُولَ القائِلُ: كَيْفَ يَحْكُمُ زَيْدٌ في النّاسِ فَهو لا يَشُكُّ أنَّهُ يَحْكُمُ فِيهِمْ ولَكِنَّهُ سَألَ عَنْ كَيْفِيَّةِ حُكْمِهِ المَعْلُومِ ثُبُوتُهُ ولَوْ كانَ سائِلًا عَنْ
صفحة 27
ثُبُوتِ ذَلِكَ لَقالَ أيَحْكُمُ زَيْدٌ في النّاسِ ولَمّا كانَ الوَهْمُ قَدْ يَتَلاعَبُ بِبَعْضِ الخَواطِرِ فَتُنْسَبُ إلى إبْراهِيمَ وحاشاهُ شَكًّا مِن هَذِهِ الآيَةِ قَطْعُ النَّبِيِّ ﷺ دابِرَ هَذا الوَهْمِ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» أيْ ونَحْنُ لَمْ نَشُكَّ فَلِأنْ لا يَشُكَّ إبْراهِيمُ أحْرى، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَعَ أفْعَلُ جاءَ هُنا لِنَفْيِ المَعْنى عَنِ الحَبِيبِ والخَلِيلِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ لا شَكَّ عِنْدِنا جَمِيعًا، ومِن هَذا البابِ ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ أيْ لا خَيْرَ في الفَرِيقَيْنِ، وإنَّما جاءَ التَّقْرِيرُ بَعْدُ لِأنَّ تِلْكَ الصِّيغَةَ وإنْ كانَتْ تُسْتَعْمَلُ ظاهِرًا في السُّؤالِ عَنِ الكَيْفِيَّةِ كَما عَلِمْتَ إلّا أنَّها قَدْ تُسْتَعْمَلُ أيْضًا في الِاسْتِعْجازِ كَما إذا اِدَّعى مُدَّعٍ أنَّهُ يَحْمِلُ ثِقْلًا مِنَ الأثْقالِ وأنْتَ جازِمٌ بِعَجْزِهِ عَنْ حَمْلِهِ فَتَقُولُ لَهُ: أرِنِي كَيْفَ تَحْمِلُ هَذا وتُرِيدُ أنَّكَ عاجِزٌ عَنْ حَمْلِهِ فَأرادَ سُبْحانَهُ لَمّا عَلِمَ بَراءَةَ الخَلِيلِ عَنِ الحَوْمِ حَوْلَ حِمى هَذا المَعْنى أنْ يُنْطِقَهُ في الجَوابِ بِما يَدْفَعُ عَنْهُ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ اللَّفْظِيَّ في العِبارَةِ الأُولى لِيَكُونَ إيمانُهُ مُخْلِصًا بِعِبارَةٍ تَنُصُّ عَلَيْهِ بِفَهْمِها كُلُّ مَن يَسْمَعُها فَهْمًا لا يَتَخالَجُهُ فِيهِ شَكٌّ، ومَعْنى الطُّمَأْنِينَةُ حِينَئِذٍ سُكُونُ القَلْبِ عَنِ الجَوَلانِ في كَيْفِيّاتِ الإحْياءِ المُحْتَمَلَةِ بِظُهُورِ التَّصْوِيرِ المُشاهَدِ، وعَدَمُ حُصُولِ هَذِهِ الطُّمَأْنِينَةُ قَبْلُ لا يُنافِي حُصُولَ الإيمانِ بِالقُدْرَةِ عَلى الإحْياءِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، ولا أرى رُؤْيَةَ الكَيْفِيَّةِ زادَتْ في إيمانِهِ المَطْلُوبِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا وإنَّما أفادَتْ أمْرًا لا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، ومِن هُنا تَعْلَمُ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمْ يُثْبِتْ لِنَفْسِهِ مَرْتَبَةً في الإيمانِ أعْلى مِن مَرْتَبَةِ الخَلِيلِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: لَوْ كُشِفَ لِيَ الغِطاءُ ما اِزْدَدْتُ يَقِينًا كَما ظَنَّهُ جَهَلَةُ الشِّيعَةِ.
وكَثِيرٌ مِن أصْحابِنا لَمّا لَمْ يَقِفْ عَلى ما حَرَّرْنا تَجَشَّمَ لِدَفْعِ ما عَسى أنْ يَتَوَهَّمَ مِن كَلامَيِ الخَلِيلِ والأمِيرِ مِن أفْضَلِيَّةِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، فَبَعْضٌ دَفَعَهُ بِأنَّ اليَقِينَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَطْرَأ عَلَيْهِ الجُحُودُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ والطُّمَأْنِينَةُ لا يُتَصَوَّرُ طُرُوءُ ذَلِكَ عَلَيْها ونُسِبَ هَذا لِحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، وبَعْضٌ قَرَّرَ في دَفْعِهِ أنَّ مَقامَ النُّبُوَّةِ مُغايِرٌ لِمَقامِ الصِّدِّيقِيَّةِ، فَلِمَقامِ النُّبُوَّةِ طُمَأْنِينَةٌ وعَدَمُ طُمَأْنِينَتِهِ بِحَسَبِهِ، ولِمَقامِ الصِّدِّيقِيَّةِ طُمَأْنِينَةٌ وعَدَمُ طُمَأْنِينَتِهِ بِحَسَبِهِ أيْضًا، وطُمَأْنِينَةُ مَقامِ النُّبُوَّةِ كانَتْ لِخاتَمِ النَّبِيِّينَ ﷺ كَما كَشَفَ عَنْها بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ عَلى ما يَعْرِفُهُ أهْلُ الذَّوْقِ مِنَ الآيَةِ وكانَ الِاسْتِعْدادُ مِن إبْراهِيمَ وكَذا مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ مُتَوَجِّهًا إلى اِبْتِغاءِ تِلْكَ الطُّمَأْنِينَةِ كَما أبانا عَنْ أنْفُسِهِما بِ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ و﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ وطُمَأْنِينَةُ مَقامِ الصِّدِّيقِيَّةِ كانَتْ لِلصِّدِّيقِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما أبْدى عَنْ نَفْسِهِ إمامُ الصِّدِّيقِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِقَوْلِهِ: «لَوْ كَشَفَ» الخ، وكانَ الِاسْتِعْدادُ في صِدِّيقِي سائِرِ الأنْبِياءِ مُتَوَجِّهًا إلى اِبْتِغاءِ تِلْكَ الطُّمَأْنِينَةِ فَثَبَتَتِ الفَضِيلَةُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سائِرِ إخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِيَّةُ عَلى سائِرِ الصِّدِّيقِينَ مِن أُمَمِهِمْ ولَمْ يَثْبُتْ لِصِدِّيقِيهِ لِوِجْدانِهِمْ طُمَأْنِينَتَهُمِ الفَضِيلَةَ عَلى الأنْبِياءِ عِنْدَ فِقْدانِهِمْ طُمَأْنِينَتَهم لِأنَّ ما فَقَدُوهُ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ غَيْرُ ما وجَدَهُ الصِّدِّيقُونَ مِنها لِأنَّهم إنَّما يَفْقِدُونَ الطُّمَأْنِينَةَ اللّائِقَةَ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ والصِّدِّيقُونَ لَمْ يَجِدُوا مِثْلَ تِلْكَ الطُّمَأْنِينَةِ وإنَّما وجَدُوا طُمَأْنِينَةً لائِقَةً بِمَقامِ الصِّدِّيقِينَ ولَوْ رَضِيَ النَّبِيُّونَ بِمِثْلِهِ لَكانَ حاصِلًا لَهم وأجَلَّ مِن ذَلِكَ بِعِدَّةِ مَراتِبَ، ولَقَدِ اِعْتَرَفَ الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذا التَّخَلُّفِ حِينَ بَلَغَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: إنِّي لِأسْهُوَ فَقالَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ سَهْوَ مُحَمَّدٍ ﷺ، إذْ عَلِمَ أنَّ ما يَعُدُّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ سَهْوًا فَوْقَ أعْلى يَقْظانِ الصِّدِّيقِ، إذْ حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ وحَسَناتُ المُقَرَّبِينَ سَيِّئاتُ النَّبِيِّينَ، وهَذا أوْلى مِمّا سَبَقَ.
وبَعْضٌ مِنَ المُتَصَوِّفَةِ كَجَهَلَةِ الشِّيعَةِ اِلْتَزَمُوا ظاهِرَ كُلٍّ مِنَ الكَلامَيْنِ وزَعَمُوا أنَّ أوْلِياءَ هَذِهِ الأُمَّةِ وصِدِّيقِيهِمْ أعْلى كَعْبًا مِنَ الأنْبِياءِ ولَوْ نالُوا مَقامَ الصِّدِّيقِيَّةِ
صفحة 28
مُحْتَجِّينَ بِما رُوِيَ عَنِ الإمامِ الرَّبّانِيِّ سَيِّدِي وسَنَدِي عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ: يا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ الفَرْقُ بَيْنَنا وبَيْنَكم بِالألْقابِ وأُوتِينا ما لَمْ تُؤْتَوْهُ، وبِبَعْضِ عِباراتٍ لِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ يَنْطِقُ بِذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اِلْتِزامَ ذَلِكَ والقَوْلَ بِهِ خَرْقٌ لِإجْماعِ المُسْلِمِينَ ومُصادِمٌ لِلْأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ عَلى أفْضَلِيَّةِ الأنْبِياءِ عَلى سائِرِ الخَلْقِ أجْمَعِينَ، ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ كُفْرًا بَلْ قَدْ قِيلَ بِهِ، وما رُوِيَ عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ قُدِّسَ سِرُّهُ فَمِمّا لَمْ يَثْبُتْ نَقْلُهُ عَنْهُ في كِتابٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وما يُعْزى إلى الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ فَتُعارِضُهُ عِباراتٌ لَهُ أُخَرُ مِثْلَ قَوْلِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ وهو الَّذِي تُعْلَمُ تَرْجَمَتُهُ لِنَفْسِهِ وعَدُّهُ إيّاها مِن أكْبَرِ الصِّدِّيقِينَ بَلْ خاتَمِ الوِلايَةِ الخاصَّةِ والمَقامِ المُحَمَّدِيِّ: فُتِحَ لِي قَدْرُ خُرْمِ إبْرَةٍ مِن مَقامِ النُّبُوَّةِ تَجَلِيًّا لا دُخُولًا فَكِدْتُ أحْتَرِقُ، وبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ما نُقِلَ عَمَّنْ نَقَلَ والقَوْلُ بِعَدَمِ قُوَّةِ المُعارِضِ لَنا أنْ نَقُولَ: إنْ ذَلِكَ القَوْلَ صَدَرَ عَنِ القائِلِ عِنْدَ فَنائِهِ في الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ والذّاتِ الأحْمَدِيَّةِ فاللِّسانُ حِينَئِذٍ لِسانُها والقَوْلُ قَوْلُها ولَمْ يَصْدُرْ ذَلِكَ مِنهُ حِينَ رُؤْيَةِ نَفْسِهِ، والوُقُوفِ عِنْدَ رُتْبَتِهِ، وهَذا غَيْرُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشِّيعَةُ وبَعِيدٌ عَنْهُ بِمَراحِلَ، ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَحْقِيقِهِ بِأتَمَّ مِن هَذا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَخَزائِنُ الفِكَرِ ولِلَّهِ الحَمْدُ مَمْلُوءَةٌ، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ.
هَذا وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ المُرادَ بِالطُّمَأْنِينَةِ هُنا العِلْمُ الَّذِي لا مَجالَ لِلتَّشْكِيكِ فِيهِ وهو عِلْمُ الضَّرُورَةِ المُخالِفُ لِعِلْمِ الِاسْتِدْلالِ حَيْثُ يَجُوزُ مَعَهُ ذَلِكَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ العِلْمَ المَوْقُوفَ عَلى سَبَبٍ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَشْكِيكٌ ما دامَ سَبَبُهُ مَذْكُورًا في نَفْسِ العالَمِ وإنَّما الَّذِي قَبِلَ التَّشْكِيكَ قَبُولًا مُطْلَقًا هو الِاعْتِقادُ وإنْ كانَ صَحِيحًا وسَبَبُهُ باقٍ في الذِّكْرِ وبِهَذا يَنْحَطُّ الِاعْتِقادُ الصَّحِيحُ عَنِ العِلْمِ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى تَفْسِيرِ العِلْمِ بِأنَّهُ صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ عَلى ما ذَكَرَهُ اِبْنُ الحاجِبِ في «مُخْتَصَرِهِ» وقَدْ قِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ فَتَدَبَّرْ.
واللّامُ في ﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾ لامُ كَيْ والفِعْلُ مَنصُوبٌ بَعْدَها بِإضْمارِ أنْ، ولَيْسَ بِمَبْنِيٍّ كَما زَلِقَ السَّمِينُ ومُتَعَلِّقُ اللّامِ مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا حُذِفَ ما مِنهُ الِاسْتِدْراكُ، وقِيلَ: المُتَعَلِّقُ ﴿أرِنِي﴾ ولا أراهُ شَيْئًا، والماضِي لِلْفِعْلِ اِطْمَأنَّ عَلى وزْنِ اِقْشَعَرَّ، واخْتُلِفَ هَلْ هو مَقْلُوبٌ أمْ لا؟ فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مَقْلُوبٌ مَنِ اِطْأمَنَّ فالطّاءُ فاءُ الكَلِمَةِ والهَمْزَةُ عَيْنُها والمِيمُ لامُها فَقُدِّمَتِ اللّامُ الَّتِي هي المِيمُ عَلى العَيْنِ وهي الهَمْزَةُ فَوَزَنُهُ اِفْلَعَلَّ، ومَذْهَبُ الجَرْمِيِّ أنَّهُ غَيْرُ مَقْلُوبٍ وكَأنَّهُ يَقُولُ اِطْأمَنَّ واطْمَأنَّ مادَّتانِ مُسْتَقِلَّتانِ ومَصْدَرُهُ الطُّمْأنِينَةُ بِسُكُونِ المِيمِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقِيلَ: طُمانِينَةٌ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ وهو عَلى غَيْرِ قِياسِ المَصادِرِ عِنْدَ الجَمِيعِ إذْ قِياسُ اِطْمَأنَّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُهُ عَلى الِاطْمِئْنانِ، وقُرِئَ (أرْنِي) بِسُكُونِ الرّاءِ.
﴿قالَ﴾ أيِ الرَّبُّ ﴿فَخُذْ﴾ الفاءُ لِجَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْ أرَدْتَ ذَلِكَ فَخُذْ ﴿أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ المَشْهُورُ أنَّهُ اِسْمُ جَمْعٍ كَرَكْبٍ وسِفْرٍ، وقِيلَ: بَلْ هو جَمْعُ طائِرٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو الحَسَنِ، وقِيلَ: بَلْ هو مُخَفَّفٌ مِن طَيِّرٍ بِالتَّشْدِيدِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: هو في الأصْلِ مَصْدَرُ طارَ يَطِيرُ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ هَذا الجِنْسُ وأُلْحِقَتِ التّاءُ في عَدَدِهِ لِاعْتِبارِهِ مُذَكَّرًا واسْمُ الجِنْسِ لِما لا يَعْقِلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِما قَبْلَهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِ خُذْ، والمَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها الغُرْنُوقُ والطّاوُوسُ والدِّيكُ والحَمامَةُ، وعَنْ مُجاهِدٍ بَدَلُ الغُرْنُوقِ الغُرابُ، وفي رِوايَةٍ بَدَلُ الحَمامَةِ بَطَّةٌ، وفي رِوايَةٍ نَسْرٌ، وتَخْصِيصُ الطَّيْرِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الإنْسانِ بِاعْتِبارِ طَلَبِهِ المَعاشَ والمَسْكَنَ ولِذَلِكَ وقَعَ في الحَدِيثِ: «”لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلى اللَّهِ تَعالى حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكم كَما تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِماصًا وتَرُوحُ بِطانًا“،» ولِأنَّهُ أجْمَعُ لِخَواصِّ الحَيَوانِ ولِسُهُولَةِ تَأتِّي ما يُفْعَلُ بِهِ مِنَ التَّجْزِئَةِ والتَّفْرِقَةِ ولِما فِيهِ مِن مَزِيدِ أجْزاءٍ مِنَ الرِّيشِ فَفي إحْيائِها مَزِيدُ ظُهُورِ القُدْرَةِ
صفحة 29
ولِأنَّ مَن صِفَتِهِ الطَّيَرانَ في السَّماءِ وكانَ مِن هِمَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَيْلُ إلى جِهَةِ العُلُوِّ والوُصُولُ إلى المَلَكُوتِ فَكانَتْ مُعْجِزَتُهُ مُشاكِلَةٌ لِهِمَّتِهِ.
﴿فَصُرْهُنَّ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ الصّادِ، والباقُونَ بِضَمِّها مَعَ التَّخْفِيفِ مِن صارَهُ يَصُورُهُ ويَصِيرُهُ لُغَتانِ بِمَعْنى قَطْعَهُ أوْ أمالَهُ لِأنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُما كَما ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، والكَسْرُ بِمَعْنى القَطْعِ فَقَطْ، وقِيلَ: الكَسْرُ بِمَعْنى القَطْعِ، والضَّمُّ بِمَعْنى الإمالَةِ، وعَنِ الفَرّاءِ: إنَّ صارَهُ مَقْلُوبُ صَراهُ عَنْ كَذا قَطْعَهُ، والصَّحِيحُ أنَّهُ عَرَبِيٌّ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ نَبَطِيٌّ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ حَبَشِيٌّ، وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ رُومِيٌّ، فَإنْ كانَ المُرادُ أمِلْهُنَّ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وإنْ كانَ المُرادُ فَقَطِّعْهُنَّ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِ خُذْ بِاعْتِبارِ تَضْمِينِهِ مَعْنى الضَّمِّ، واخْتارَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ المُضْمَرِ أيْ فَقَطِّعْهُنَّ مُقَرَّبَةً مُمالَةً إلَيْكَ وزَعَمَ اِبْنُ هِشامٍ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الجارِ بِ صُرْهُنَّ مُطْلَقًا إنْ لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ، أيْ إلى نَفْسِكَ مُحْتَجًّا بِأنَّهُ لا يَتَعَدّى فِعْلٌ غَيْرُ عِلْمِيٍّ عامِلٍ في ضَمِيرٍ مُتَّصِلٍ إلى المُنْفَصِلِ، ورُدَّ بِأنَّهُ إنَّما يُمْنَعُ إذا كانَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ أمّا المُتَعَدِّي بِحَرْفٍ فَهو جائِزٌ كَما صَرَّحَ بِهِ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ.
وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (فَصُرَّهُنَّ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مَعَ ضَمِّ الصّادِ وكَسْرِها مِن صَرَّهُ إذا جَمَعَهُ، والرّاءُ إمّا مَضْمُومَةٌ لِلِاتِّباعِ أوْ مَفْتُوحَةٌ لِلتَّخْفِيفِ أوْ مَكْسُورَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وعَنْهُ أيْضًا (فَصَرِّهُنَّ) مِنَ التَّصْرِيَةِ بِفَتْحِ الصّادِ وكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ وأصْلُها تَصْرِرَةٌ فَأُبْدِلَ أحَدُ أحْرُفِ التَّضْعِيفِ ياءً وهي في الأصْلِ مِن صَرَيْتَ الشّاةَ إذا لَمْ تَحْلِبْها أيّامًا حَتّى يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ في ضَرْعِها ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ في مُجَرَّدِ مَعْنى الجَمْعِ، أيِ اِجْمَعْهُنَّ وضُمَّهُنَّ إلَيْكَ لِتَتَأمَّلَها وتَعْرِفَ شَأْنَها مُفَصَّلَةً حَتّى تَعْلَمَ بَعْدَ الإحْياءِ أنَّ جُزْءًا مِن أجْزائِها لَمْ يَنْتَقِلْ مِن مَوْضِعِهِ الأوَّلِ أصْلًا.
﴿ثُمَّ اجْعَلْ﴾ أيْ ألْقِ، أوْ صَيِّرْ بَعْدَ ذَبْحِهِنَّ وخَلْطِ لُحُومِهِنَّ ورِيشِهِنَّ ودِمائِهِنَّ كَما قالَهُ قَتادَةُ ﴿عَلى كُلِّ جَبَلٍ﴾ يُمْكِنُكَ الوَضْعُ عَلَيْهِ ولَمْ يُعَيِّنْ لَهُ ذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكُ، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ: أنَّ الجِبالَ كانَتْ أرْبَعَةً، وعَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ والسُّدِّيِّ أنَّها كانَتْ سَبْعَةً، وعَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّها كانَتْ عَشْرَةً ﴿مِنهُنَّ﴾ أيْ مِن تِلْكَ الطَّيْرِ ﴿جُزْءًا﴾ أيْ قِطْعَةً وبَعْضًا رُبْعًا أوْ سُبْعًا أوْ عُشْرًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ وقُرِئَ (جُزُءًا) بِضَمَّتَيْنِ و(جُزًّا) بِطَرْحِ هَمْزَتِهِ تَخْفِيفًا ثُمَّ تَشْدِيدِهِ عِنْدَ الوَقْفِ ثُمَّ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وهو مَفْعُولٌ لِ اِجْعَلْ والجارّانِ قَبْلَهُ مُتَعَلِّقانِ بِالفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى كُلٍّ مَفْعُولًا ثانِيًا لَهُ إنْ كانَ بِمَعْنى صَيِّرْ، و﴿مِنهُنَّ﴾ حالٌ مِن ﴿جُزْءًا﴾ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ قُدِّمَتْ عَلَيْها.
﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ أيْ نادِهِنَّ، أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نادى أيَّتُها العِظامُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ والعُرُوقُ المُتَقَطِّعَةُ اِجْتَمِعِي يَرُدُّ اللَّهُ تَعالى فِيكُنَّ أرْواحَكُنَّ فَوَثَبَ العَظْمُ إلى العَظْمِ وطارَتِ الرِّيشَةُ إلى الرِّيشَةِ وجَرى الدَّمُ إلى الدَّمِ حَتّى رَجَعَ إلى كُلِّ طائِرٍ دَمُهُ ولَحْمُهُ ورِيشُهُ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى إبْراهِيمَ إنَّكَ سَألْتَنِي كَيْفَ أُحْيِ المَوْتى وأنِّي خَلَقْتُ الأرْضَ وجَعَلْتُ فِيها أرْبَعَةَ أرْواحٍ: الشَّمالِ والصِّبا والجَنُوبِ والدَّبُورِ حَتّى إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نَفَخَ نافِخٌ في الصُّورِ فَيَجْتَمِعُ مَن في الأرْضِ مِنَ القَتْلى والمَوْتى كَما اِجْتَمَعَتْ أرْبَعَةُ أطْيارٍ مِن أرْبَعَةِ جِبالٍ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ دَعاهُنَّ بِاسْمِ إلَهِ إبْراهِيمَ تَعالَيْنَ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ دُعاءَ الجَمادِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ دُعاءِ التَّكْوِينِ، وقِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَطِّعْهُنَّ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِن كُلٍّ واحِدٍ مِنهُنَّ جُزْءًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِيهِنَّ فَإذا أحْياهُنَّ فادْعُهُنَّ.
صفحة 30
﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ فالدُّعاءُ إنَّما وقَعَ بَعْدَ الإحْياءِ، ولا يَخْفى أنَّ الآثارَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ لا تُساعِدُهُ، وأعْظَمُ مِنهُ فَسادًا ما قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ طَيْرًا حَيًّا ثُمَّ دَعاها فَجاءَتْ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُبْطِلُ فائِدَةَ الطَّلَبِ ويُعارِضُ الأخْبارَ الصَّحِيحَةَ فَإنَّ أكْثَرَها ناطِقٌ بِأنَّهُ دَعاها مَيِّتَةً مُتَفَرِّقَةَ الأجْزاءِ، وفي بَعْضِها أنَّ رُؤُوسَهُنَّ كانَتْ بِيَدِهِ فَلَمّا دَعاهُنَّ جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِنهُنَّ يَأْتِي إلى صاحِبِهِ حَتّى صارَتْ جُثَثًا ثُمَّ أقْبَلْنَ إلى رُؤُوسِهِنَّ فانْضَمَّتْ كُلُّ جُثَّةٍ إلى رَأْسِها فَعادَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ، و(سَعْيًا) حالٌ مِن فاعِلِ يَأْتِينَكَ أيْ ساعِياتٍ مُسْرِعاتٍ، أوْ ذَواتِ سَعْيٍ طَيَرانًا أوْ مَشْيًا، وقِيلَ: إطْلاقُ السَّعْيِ عَلى الطَّيَرانِ مَجازٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ كَ قَعَدْتُ جُلُوسًا.
ومِنَ الغَرِيبِ ما نُقِلَ عَنِ النَّضِرِ بْنِ شُمَيْلٍ قالَ: سَألْتُ الخَلِيلَ بْنَ أحْمَدَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ هَلْ يُقالُ الطّائِرُ إذا طارَ سَعى؟ فَقالَ: لا، قُلْتُ: فَما مَعْناهُ؟ قالَ: مَعْناهُ: يَأْتِينَكَ وأنْتَ تَسْعى سَعْيًا وهو مِنَ التَّكَلُّفِ الغَيْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ بِمَكانٍ وإنَّما اِقْتَصَرَ سُبْحانَهُ عَلى حِكايَةِ أوامِرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِامْتِثالِ خَلِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا لِما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ الَّتِي عَلِمْتَ النَّزْرَ مِنها لِلْإيذانِ بِأنَّ تَرَتُّبَ تِلْكَ الأُمُورِ عَلى الأوامِرِ الجَلِيلَةِ واسْتِحالَةَ تَخَلُّفِها عَنْها مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ لَهُ إلى الذِّكْرِ أصْلًا، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِمّا اِقْتَضاهُ ظاهِرُ الكَلامِ وأنَّ الأوامِرَ فِيهِ مِثْلُها في قَوْلِكَ لِمَن لا يَعْرِفُ تَرْكِيبَ الحِبْرِ مَثَلًا: خُذْ كَذا وكَذا وأمْكِنْهُما سَحْقًا وألْقِ عَلَيْهِما كَذا وكَذا وضَعْ ذَلِكَ في الشَّمْسِ مُدَّةَ أيّامٍ ثُمَّ اِسْتَعْمِلْهُ تَجِدْهُ حِبْرًا جَيِّدًا فَإنَّهُ لا يَقْتَضِي الِامْتِثالَ إذْ كانَ الغَرَضُ مُجَرَّدَ تَعْلِيمٍ.
والرُّؤْيَةُ هُنا عِلْمِيَّةٌ كَما نُقِلَ عَنْ «شَرْحِ التَّوْضِيحِ»، وإبْراهِيمُ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ التّامُّ بِمُجَرَّدِ وصْفِ الكَيْفِيَّةِ واطْمَأنَّ قَلْبُهُ وسَكَنَ لُبُّهُ، ولِهَذا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى ما تَرَتَّبَ عَلى هَذِهِ الأوامِرِ مِن هاتِيكَ الأُمُورِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلِامْتِثالِ ولَمْ يَعْبَأْ بِالإيماءِ إلَيْهِ بِقالٍ أوْ حالٍ، ومالَ إلى هَذا القَوْلِ أبُو مُسْلِمٍ فَأنْكَرَ القِصَّةَ أيْضًا، وقالَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا طَلَبَ إحْياءَ المَوْتى مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ وأراهُ مِثالًا مَحْسُوسًا قَرُبَ الأمْرُ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِ (صُرْهُنَّ) أمِلْهُنَّ ومَرِّنْهُنَّ عَلى الإجابَةِ، أيْ عَوِّدِ الطُّيُورَ الأرْبَعَةَ بِحَيْثُ إذا دَعَوْتَها أجابَتْكَ حالَ الحَياةِ، والغَرَضُ مِنهُ ذِكْرُ مِثالٍ مَحْسُوسٍ لِعَوْدِ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ عَلى سَبِيلِ السُّهُولَةِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ إجْماعِ المُسْلِمِينَ وضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ لا يَرْكَنُ إلَيْهِ أرْبابُ الدِّينِ وعُدُولٌ عَمّا يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ المُؤَيِّدُ بِالأخْبارِ الصَّحِيحَةِ والآثارِ الرَّجِيحَةِ إلى ما تَمُجُّهُ الأسْماعُ ولا يَدْعُو إلَيْهِ داعٍ فالحَقُّ اِتِّباعُ الجَماعَةِ ويَدُ اللَّهِ تَعالى مَعَهم.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ لِمَن ذَهَبَ إلى أنَّ إحْياءَ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِجَمْعِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ وإرْسالِ الرُّوحِ إلَيْها بَعْدَ تَرْكِيبِها ولَيْسَ هو مِن بابِ إعادَةِ المَعْدُومِ الصِّرْفِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ الكَيْفِيَّةَ بِالتَّفْرِيقِ ثُمَّ الجَمْعِ وإعادَةِ الرُّوحِ ولَمْ يَعْدَمْ هُناكَ سِوى الجُزْءِ الصُّورِيِّ والهَيْئَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ دُونَ الأجْزاءِ المادِّيَّةِ، واحْتَجَّ بِها بَعْضُهم أيْضًا عَلى أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ حَيًّا قادِرًا عَلى السَّعْيِ والعَدْوِ.
وقالَ القاضِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البِنْيَةِ حَيْثُ أوْجَبَ التَّقْطِيعُ بُطْلانَ الحَياةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ حُصُولَ المُقارَنَةِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ المُقارَنَةِ، والِانْفِكاكِ في بَعْضِ الأحْوالِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُقارَنَةَ حَيْثُ حَصَلَتْ ما كانَتْ واجِبَةً، ولَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ فَهْمِ النِّداءِ لِتِلْكَ الأجْزاءِ كانَتْ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ وفِيهِ تَأمُّلٌ.
والمَشْهُورُ أنَّها حُجَّةٌ عَلى مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الإيمانَ لا يَزِيدُ
صفحة 31
ولا يَنْقُصُ وهي ظاهِرَةٌ في أنَّهُ يَزِيدُ في الكَيْفِ وإنْ كانَ لا يَزِيدُ في الكَمِّ لَكِنَّ المُكَلَّفَ بِهِ هو الجَزْمُ الحاصِلُ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ ويُسَمِّيهِ البَعْضُ عِلْمَ اليَقِينِ، لا الجَزْمُ الكائِنُ بِالمُشاهَدَةِ المُسَمّى بِعَيْنِ اليَقِينِ، فَإنَّ في التَّكْلِيفِ بِهِ حَرَجًا في الدِّينِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى زِيادَةِ الإيمانِ ونَقْصِهِ بِناءً عَلى الوَجْهِ الَّذِي أشَرْنا إلى اِخْتِيارِهِ تَرَدُّدًا كَما لا يَخْفى؛ وفِيها أيْضًا دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُمْنِ الضَّراعَةِ في الدُّعاءِ وحُسْنِ الأدَبِ في السُّؤالِ حَيْثُ أراهُ سُبْحانَهُ ما سَألَهُ في الحالِ عَلى أيْسَرِ ما يَكُونُ مِنَ الوُجُوهِ، وأرى عُزَيْرًا عَلَيْهِ السَّلامُ ما أراهُ بَعْدَما أماتَهُ مِائَةَ عامٍ.
﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ [ 260 ] ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ في أفْعالِهِ فَلَيْسَ بِناءُ أفْعالِهِ عَلى الأسْبابِ العادِيَّةِ لِعَجْزِهِ عَنْ خَرْقِ العاداتِ بَلْ لِكَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِلْحِكَمِ والمَصالِحِ، حُكِيَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا وفى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما سَألَ قالَ لَهُ: يا إبْراهِيمُ نَحْنُ أرَيْناكَ كَيْفَ نُحْيِ المَوْتى فَأرِنا أنْتَ كَيْفَ تُمِيتُ الأحْياءَ مُشِيرًا إلى ما سَيَأْمُرُهُ بِهِ مِن ذَبْحِ ولَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو مِن بابِ الِانْبِساطِ مَعَ الخَلِيلِ، ودائِرَةُ الخُلَّةِ واسِعَةٌ إلّا أنَّ حُفّاظَ المُحَدِّثِينَ لَمْ يَذْكُرُوا هَذا الخَبَرَ ولَيْسَ لَهُ رِوايَةٌ في «كُتُبِ الأحادِيثِ» أصْلًا.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ أيْ مَوْتى القُلُوبِ بِداءِ الجَهْلِ ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ أيْ ألَمْ تَعْلَمْ ذَلِكَ عِلْمًا يَقِينِيًّا ﴿قالَ بَلى﴾ أعْلَمُ ذَلِكَ.
ولَكِنْ لِلْعِيانِ لَطِيفُ مَعْنًى لَهُ سَألَ المُشاهَدَةَ الخَلِيلُ
وهُوَ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ الَّذِي هو عَرْشُكَ ﴿قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ إشارَةً إلى طُيُورِ الباطِنِ الَّتِي في قَفَصِ الجِسْمِ، وهي أرْبَعَةٌ مِن أطْيارِ الغَيْبِ والعَقْلِ والقَلْبِ والنَّفْسِ والرُّوحِ ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ أيْ ضُمَّهُنَّ واذْبَحْهُنَّ، فاذْبَحْ طَيْرَ العَقْلِ بِسِكِّينِ المَحَبَّةِ عَلى بابِ المَلَكُوتِ، واذْبَحْ طَيْرَ القَلْبِ بِسِكِّينِ الشَّوْقِ عَلى بابِ الجَبَرُوتِ، واذْبَحْ طَيْرَ النَّفْسِ بِسِكِّينِ العِشْقِ في مَيادِينِ الفَرْدانِيَّةِ، واذْبَحْ طَيْرَ الرُّوحِ بِسِكِّينِ العَجْزِ في تِيهِ عَزَّةِ أسْرارِ الرَّبّانِيَّةِ ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ فاجْعَلِ العَقْلَ عَلى جَبَلِ العَظَمَةِ، حَتّى يَتَراكَمَ عَلَيْهِ أنْوارُ سَلْطَنَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فَيَصِيرُ مَوْصُوفًا بِها لِيُدْرِكَنِي بِي بَعْدَ فَنائِهِ فِيَّ، واجْعَلِ القَلْبَ عَلى جَبَلِ الكِبْرِياءِ حَتّى أُلْبِسَهُ سَناءً قُدْسِيًّا فَيَتِيهُ في بَيْداءِ التَّفَكُّرِ مَنعُوتًا بِصَرْفِ نُورِ المَحَبَّةِ، واجْعَلِ النَّفْسَ عَلى جَبَلِ العِزَّةِ حَتّى أُلْبِسَها نُورَ العَظَمَةِ لِتَصِيرَ مُطْمَئِنَّةً عِنْدَ جَرَيانِ رُبُوبِيَّتِي عَلَيْها فَلا تُنازِعُنِي في العُبُودِيَّةِ ولا تَطْلُبُ أوْصافَ الرُّبُوبِيَّةِ، واجْعَلِ الرُّوحَ عَلى جَبَلِ جَمالِ الأزَلِ حَتّى أُلْبِسَها نُورَ النُّورِ وعِزَّ العِزِّ وقُدْسَ القُدْسِ لِتَكُونَ مُنْبَسِطَةً في السُّكْرِ مُطْمَئِنَّةً في الصَّحْوِ عاشِقَةً في الِانْبِساطِ راسِخَةً في التَّجَلِّياتِ.
﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ ونادِهِنَّ بِصَوْتِ سِرِّ العِشْقِ ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ إلى مَحْضِ العُبُودِيَّةِ بِجَمالِ الأُحْدِيَّةِ ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ يُعِزُّكَ بِعِرْفانِكَ هَذِهِ المَعانِي واطِّلاعِكَ عَلى صِفاتِهِ القَدِيمَةِ ﴿حَكِيمٌ﴾ في ظُهُورِهِ بِغَرائِبِ التَّجَلِّي لِأسْرارِ باطِنِكَ، وقَدْ يُقالُ: أشارَ سُبْحانَهُ بِالأرْبَعَةِ مِنَ الطَّيْرِ إلى القُوى الأرْبَعَةِ الَّتِي تَمْنَعُ العَبْدَ عَنْ مَقامِ العِيانِ وشُهُودِ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ، ووَقَعَ في أثَرٍ أنَّها كانَتْ طاوُوسًا ودِيكًا وغُرابًا وحَمامَةً، ولَعَلَّ الطّاوُوسَ إشارَةٌ إلى العَجَبِ، والِدَيْكَ إلى الشَّهْوَةِ، والغُرابَ إلى الحِرْصِ، والحَمامَةَ إلى حُبِّ الدُّنْيا لِإلْفِها الوَكْرَ والبُرْجَ، وفي أثَرٍ بَدَلُ الحَمامَةِ بَطَّةٌ، وفي آخَرَ نَسْرٌ، وكانَ الأوَّلُ: إشارَةً إلى الشَّرَهِ الغالِبِ، والثّانِي: إلى طُولِ الأمَلِ، ومَعْنى ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ حِينَئِذٍ ضُمَّهُنَّ وأمِلْهُنَّ إلَيْكَ بِضَبْطِها ومَنعِها عَنِ الخُرُوجِ إلى طَلَبِ لَذّاتِها والنُّزُوعِ إلى مَأْلُوفاتِها، وفي الأثَرِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ بِأنْ يَذْبَحَها ويَنْتِفَ رِيشَها ويَخْلِطَ لُحُومَها ودِماءَها بِالدَّقِّ ويَحْفَظَ رُؤُوسِها عِنْدَهُ أيْ يَمْنَعَها عَنْ أفْعالِها ويُزِيلَ هَيْئاتِها عَنِ النَّفْسِ ويَقْمَعَ دَواعِيَها وطَبائِعَها وعادَتِها بِالرِّياضَةِ
صفحة 32
ويُبْقِيَ أُصُولِها فِيهِ ثُمَّ أُمِرَ أنْ يَجْعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ الَّتِي بِحَضْرَتِهِ وهي العَناصِرُ الأرْبَعَةُ الَّتِي هي أرْكانُ بَدَنِهِ جُزْءًا مِنهُنَّ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ بِقَمْعِها وإماتَتِها حَتّى لا يَبْقى إلّا أُصُولُها المَرْكُوزَةُ في الوُجُودِ والمَوادُّ المُعَدَّةُ في طَبائِعِ العَناصِرِ الَّتِي هي فِيهِ، وفي رِوايَةٍ أنَّ الجِبالَ كانَتْ سَبْعَةً فَعَلى هَذا يُشِيرُ بِها إلى الأعْضاءِ السَّبْعَةِ الَّتِي هي أجْزاءُ البَدَنِ، وفي أُخْرى أنَّها كانَتْ عَشَرَةً وعَلَيْها رُبَّما تَكُونُ إشارَةً إلى الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وأشارَ سُبْحانَهُ بِالأمْرِ بِالدُّعاءِ إلى أنَّهُ إذا كانَتْ هاتِيكَ الصِّفاتُ حَيَّةً بِحَياتِها كانَتْ غَيْرَ مُنْقادَةٍ وحْشِيَّةً مُمْتَنِعَةً عَنْ قَبُولِ الأمْرِ فَإذا قُتِلَتْ كانَتْ حَيَّةً بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ المَوْهُومَةِ بَعْدَ الفَناءِ والمَحْوِ وهي حَياةُ العَبْدِ وعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ مُطِيعَةً مُنْقادَةً مَتى دُعِيَتْ أتَتْ سَعْيًا وامْتَثَلَتْ طَوْعًا وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ.
البقرة 2:261
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في وُجُوهِ الخَيْراتِ الشّامِلَةِ لِلْجِهادِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ الإنْفاقُ في الجِهادِ لِأنَّهُ الَّذِي يُضاعِفُ هَذِهِ الأضْعافَ، وأمّا الإنْفاقُ في غَيْرِهِ فَلا يُضاعِفُ كَذَلِكَ وإنَّما تَجْزِي الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ قَبْلَهُ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ أيْ مَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أوْ مَثَلُهم كَمَثَلِ باذِرِ حَبَّةٍ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ التَّمْثِيلُ، والحَبَّةُ واحِدَةُ الحَبِّ وهو ما يُزْرَعُ لِلِاقْتِياتِ وأكْثَرُ إطْلاقِهِ عَلى البُرِّ، وبَذْرُ ما لا يُقْتاتُ بِهِ مِنَ البَقْلِ حِبَّةٌ بِالكَسْرِ، ﴿أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ أيْ أخْرَجَتْ تِلْكَ الحَبَّةُ ساقًا تَشَعَّبَ مِنهُ سَبْعُ شُعَبٍ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها سُنْبُلَةٌ.
﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ كَما نَرى ذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ الحَبِّ في الأراضِي المُغَلَّةِ بَلْ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، والسُّنْبُلَةُ عَلى وزْنِ فُنْعُلَةٍ، فالنُّونُ زائِدَةٌ لِقَوْلِهِمْ أسْبَلَ الزَّرْعُ بِمَعْنى سَنْبَلَ إذا صارَ فِيهِ السُّنْبُلُ، وقِيلَ: وزْنُهُ فُعْلُلَةٌ فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ والأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وإسْنادُ الإنْباتِ إلى الحَبَّةِ مَجازٌ لِأنَّها سَبَبٌ لِلْإنْباتِ والمُنْبِتُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا التَّمْثِيلُ تَصْوِيرٌ لِلْإضْعافِ كَأنَّها حاضِرَةً بَيْنَ يَدَيِ النّاظِرِ فَهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
﴿واللَّهُ يُضاعِفُ﴾ هَذِهِ المُضاعَفَةَ أوْ فَوْقَها إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، واقْتَصَرَ بَعْضٌ عَلى الأوَّلِ، وبَعْضٌ عَلى الثّانِي، والتَّعْمِيمُ أتَمُّ نَفْعًا ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ المُنْفِقِينَ عَلى حَسَبِ حالِهِمْ مِنَ الإخْلاصِ والتَّعَبِ وإيقاعِ الإنْفاقِ في أحْسَنِ مَواقِعِهِ، أخْرَجَ اِبْنُ ماجَهْ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي الدَّرْداءِ وأبِي هُرَيْرَةَ وعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وأبِي أُمامَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كُلِّهِمْ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «”مَن أرْسَلَ بِنَفَقَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وأقامَ في بَيْتِهِ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ ومَن غَزا بِنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وأنْفَقَ في وجْهِهِ ذَلِكَ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ“ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ،» وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: «إنَّ غُزاةَ المُنْفِقِينَ قَدْ خَبَّأ اللَّهُ تَعالى لَهم مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ ما يَنْقَطِعُ عَنْهُ عَلَمُ العِبادِ».
﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ لا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ مِنَ الزِّيادَةِ [ 261 ] ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيَّةِ المُنْفِقِ وسائِرِ أحْوالِهِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ المارِّ عَلى القَرْيَةِ وقِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانا مِن أدَلِّ دَلِيلٍ عَلى البَعْثِ ذَكَرَ ما يَنْتَفِعُ بِهِ يَوْمَ البَعْثِ وما يَجِدُ جَزاءَهُ هُناكَ وهو الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى كَما أعْقَبَ قِصَّةَ ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وكَما عَقَّبَ قَتْلَ داوُدَ جالُوتَ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ الخ.
صفحة 33
وفِي ذِكْرِهِ الحَبَّةَ في التَّمْثِيلِ هُنا إشارَةٌ أيْضًا إلى البَعْثِ وعَظِيمِ القُدْرَةِ إذْ مَن كانَ قادِرًا عَلى أنْ يُخْرِجَ مِن حَبَّةٍ واحِدَةٍ في الأرْضِ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُخْرِجَ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ بِجامِعٍ اِشْتَرَكا فِيهِ مِنَ التَّغْذِيَةِ والنُّمُوِّ.
البقرة 2:262
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اِسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ الَّذِي بَيَّنَ فَضْلَهُ.
﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا﴾ أيْ إنْفاقِهِمْ أوْ ما أنْفَقُوهُ ﴿مَنًّا﴾ عَلى المُنْفَقِ عَلَيْهِ ﴿ولا أذًى﴾ أيْ لَهُ، والمَنُّ عَبْدُ الإحْسانِ وهو في الأصْلِ القَطْعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: (حَبْلٌ مَنِينٌ) أيْ ضَعِيفٌ وقَدْ يُطْلَقُ عَلى النِّعْمَةِ لِأنَّ المُنْعِمَ يَقْطَعُ مِن مالِهِ قِطْعَةً لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، والأذى التَّطاوُلُ والتَّفاخُرُ عَلى المُنْفَقِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ إنْفاقِهِ، وإنَّما قُدِّمَ المَنُّ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ وتَوْسِيطِ كَلِمَةِ (لا) لِشُمُولِ النَّفْيِ لِاتِّباعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، و(ثُمَّ) لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى في الرُّتْبَةِ والبُعْدِ بَيْنَهُما في الدَّرَجَةِ، وقَدِ اُسْتُعِيرَتْ مِن مَعْناها الأصْلِيِّ وهو تَباعُدُ الأزْمِنَةِ لِذَلِكَ وهَذا هو المَشْهُورُ في أمْثالِ هَذِهِ المَقاماتِ.
وذَكَرَ في «اَلِانْتِصافِ» وجْهًا آخَرَ في ذَلِكَ ((وهُوَ الدَّلالَةُ عَلى دَوامِ الفِعْلِ المَعْطُوفِ بِها وإرْخاءِ الطُّولِ في اِسْتِصْحابِهِ وعَلى هَذا لا تَخْرُجُ عَنِ الإشْعارِ بِبُعْدِ الزَّمَنِ ولَكِنَّ مَعْناها الأصْلِيَّ تَراخِي زَمَنِ وُقُوعِ الفِعْلِ وحُدُوثِهِ ومَعْناها المُسْتَعارَ لَهُ دَوامُ وُجُودِ الفِعْلِ وتَراخِي زَمَنِ بَقائِهِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ”ثُمَّ اسْتَقامُوا“ أيْ داوَمُوا عَلى الِاسْتِقامَةِ دَوامًا مُتَراخِيًا مُمْتَدَّ الأمَدِ، وتِلْكَ الِاسْتِقامَةُ هي المُعْتَبَرَةُ لا ما هو مُنْقَطِعٌ إلى ضِدِّهِ مِنَ الحَيْدِ إلى الهَوى والشَّهَواتِ، وكَذَلِكَ ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ﴾ الخ، أيْ يَدُومُونَ عَلى تَناسِي الإحْسانِ وعَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِهِ والِامْتِنانِ لَيْسُوا بِتارِكِيهِ في أزْمِنَةٍ ثُمَّ يَثُوبُونَ إلى الإيذاءِ وتَقْلِيدِ المَنِّ، وبِسَبَبِهِ مِثْلُهُ يَقَعُ في السِّينِ نَحْوُ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ إذْ لَيْسَ لِتَأخُّرِ الهِدايَةِ مَعْنًى فَيُحْمَلُ عَلى دَوامِ الهِدايَةِ الحاصِلَةِ لَهُ وتَراخِي بَقائِها وتَمادِي أمَدِها)) وهو كَلامٌ حَسَنٌ ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا ذَكَرُوهُ لِأنَّهُ أبْقى لِلْحَقِيقَةِ وأقْرَبُ لِلْوَضْعِ عَلى أحْسَنِ طَرِيقَةٍ.
والآيَةُ كَما أخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ -والعُهْدَةُ عَلَيْهِ- نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أمّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَإنَّهُ «جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ صَدَقَةً، فَقالَ: كانَ عِنْدِي ثَمانِيَةُ آلافِ دِرْهَمٍ فَأمْسَكْتُ مِنها لِنَفْسِي وعِيالِي أرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وأرْبَعَةُ آلافٍ أُقْرِضُها رَبِّي فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ وفِيما أعْطَيْتَ“،» وأمّا عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: عَلَيَّ جِهازُ مَن لا جِهازَ لَهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَجَهَّزَ المُسْلِمِينَ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها وتَصَدَّقَ بِرُومَةِ رَكِيَّةٍ كانَتْ لَهُ عَلى المُسْلِمِينَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو لِعُثْمانَ ويَقُولُ: ”يا رَبِّ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيتُ عَنْهُ فارْضَ عَنْهُ فَما زالَ رافِعًا يَدَيْهِ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾» الخ.
﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ حَسْبَما وعَدَ لَهم في ضَمِيرِ التَّمْثِيلِ وهو جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ وتَقْيِيدِ الأجْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: لَهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّشْرِيفِ ما لا يَخْفى وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُدْخِلَ الفاءَ في حَيِّزِ المَوْصُولِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ كَما في قَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إيهامًا بِأنَّ هَؤُلاءِ المُنْفِقِينَ مُسْتَحِقُّونَ لِلْأجْرِ لِذَواتِهِمْ وما رَكَزَ في نُفُوسِهِمْ مِن نِيَّةِ الخَيْرِ لا لِوَصْفِ الإنْفاقِ فَإنَّ الِاسْتِحْقاقَ بِهِ اِسْتِحْقاقٌ وصْفِيٌّ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ دَقِيقٌ لا يُهْتَدى إلَيْهِ إلّا بِتَوْفِيقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَخْلِيَةُ الخَبَرِ عَنِ الفاءِ المُفِيدَةِ لِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها لِلْإيذانِ بِأنَّ
صفحة 34
تَرْتِيبَ الأجْرِ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ اِتِّباعِ المَنِّ والأذى أمْرٌ بَيِّنٌ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِالسَّبَبِيَّةِ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [ 262 ] المُرادُ بَيانُ دَوامِ اِنْتِفائِهِما لا بَيانُ اِنْتِفاءِ دَوامِهِما وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها.
البقرة 2:263
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أيْ كَلامٌ جَمِيلٌ يُرَدُّ بِهِ السّائِلُ مِثْلَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، يَرْزُقُكَ اللَّهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أُعْطِيكَ بَعْدَ هَذا ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ أيْ سَتْرٌ لِما وقَعَ مِنَ السّائِلِ مِنَ الإلْحافِ في المَسْألَةِ وغَيْرِهِ مِمّا يَثْقُلُ عَلى المَسْؤُولِ وصَفْحٌ عَنْهُ ﴿خَيْرٌ﴾ لِلسّائِلِ ﴿مِن صَدَقَةٍ﴾ عَلَيْهِ ﴿يَتْبَعُها﴾ مِنَ المُتَصَدِّقِ ﴿أذًى﴾ لَهُ لِكَوْنِها مَشُوبَةً بِضَرَرِ ما يَتْبَعُها، وخُلُوصِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الضَّرَرِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَغْفِرَةِ مَغْفِرَةُ اللَّهِ تَعالى لِلْمَسْؤُولِ بِسَبَبِ تَحَمُّلِهِ ما يَكْرَهُ مِنَ السّائِلِ، أوْ مَغْفِرَةُ السّائِلِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ مِن رَدِّ المَسْؤُولِ خَيْرٌ لِلْمَسْؤُولِ مِن تِلْكَ الصَّدَقَةِ، وفِيهِ أنَّ الأنْسَبَ أنْ يَكُونَ المُفَضِّلُ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ في هَذا المَقامِ كِلاهُما صِفَتَيْ شَخْصٍ واحِدٍ وعَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلى أنَّ اِعْتِبارَ الخَيْرِيَّةِ فِيهِما يُؤَدِّي إلى أنْ يَكُونَ في القِصَّةِ المَوْصُوفَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ خَيْرٌ في الجُمْلَةِ مَعَ بُطْلانِها بِالمَرَّةِ، وجَعْلُ الكَلامِ مِن بابِ هو خَيْرٌ مِن لا شَيْءَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِاعْتِبارِ تَرْكِ اِتِّباعِ المَنِّ والأذى، وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ المَنُّ لِأنَّ الأذى يَشْمَلُهُ وغَيْرَهُ، وذِكْرُهُ فِيما تَقَدَّمَ اِهْتِمامًا بِهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ وعُسْرِ تَحَفُّظِهِمْ عَنْهُ، وصَحَّ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ في الأوَّلِ: لِاخْتِصاصِها بِالوَصْفِ، وفي الثّانِي: بِالعَطْفِ أوْ بِالصِّفَةِ المُقَدَّرَةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ المَعْطُوفَ تابِعٌ لا يَفْتَقِرُ إلى مُسَوِّغٍ.
﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنْ صَدَقاتِ العِبادِ وإنَّما أمَرَهم بِها لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ إلَيْهِمْ أوْ عَنِ الصَّدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى فَلا يَقْبَلُها، أوْ غَنِيٌّ لا يُحْوِجُ الفُقَراءَ إلى تَحَمُّلِ مَؤُونَةِ المَنِّ والأذى ويَرْزُقُهم مِن جِهَةٍ أُخْرى ﴿حَلِيمٌ﴾ [ 263 ] فَلا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ عَلى المَنِّ والإيذاءِ لا أنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَها بِسَبَبِهِما، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ مُقَرِّرَةٌ لِاعْتِبارِ الخَيْرِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى السّائِلِ قَطْعًا.
البقرة 2:264
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ إثْرَ بَيانِ ما بَيَّنَ بِطْرِيقِ الغَيْبَةِ البالِغَةِ في إيجابِ العَمَلِ بِمُوجِبِ النَّهْيِ ولِذَلِكَ ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ أيْ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما لِأنَّ النَّفْيَ أحَقُّ بِالعُمُومِ وأدَلُّ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالمَنِّ المَنُّ عَلى الفَقِيرِ كَما تَقَدَّمَ وهو المَشْهُورُ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المُرادُ بِهِ المَنُّ عَلى اللَّهِ تَعالى، وبِالأذى الأذى لِلْفَقِيرِ، واسْتَشْكَلَ اِبْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ ظاهِرَها يَسْتَدْعِي أنَّ أجْرَ الصَّدَقَةِ يَبْطُلُ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ ولا يُمْكِنُ تَوَجُّهُ الإبْطالِ بِذَلِكَ إلى نَفْسِ الصَّدَقَةِ لِأنَّها قَدْ ثَبَتَتْ في الواقِعِ فَلا يُعْقَلُ إبْطالُها؛ ومِنَ العَقِيدَةِ أنَّ السَّيِّئاتِ لا تُبْطِلُ الحَسَناتِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، والآيَةُ أحَدُ مُتَمَسَّكاتِهِمْ، وأُجِيبَ بِأنَّ الصَّدَقَةَ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى مِن صاحِبُها أنَّهُ يَمُنُّ ويُؤْذِي لا تُقْبَلُ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَلُ لِلْمَلَكِ عَلامَةً فَلا يَكْتُبُها، والإبْطالُ المُتَنازَعُ فِيهِ إنَّما هو في عَمَلٍ صَحِيحٍ وقَعَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في حَيِّزِ القَبُولِ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَمَعْنى ﴿لا تُبْطِلُوا﴾ حِينَئِذٍ لا تَأْتُوا بِهَذا العَمَلِ باطِلًا كَذا قالُوا، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ فِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لَهُ بِناءً عَلى أنَّ ﴿كالَّذِي﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ إمّا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ لا تُبْطِلُوها إبْطالًا كَإبْطالِ الَّذِي الخ، وإمّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿لا تُبْطِلُوا﴾ أيْ لا تُبْطِلُوها مُشابِهِينَ الَّذِي يُنْفِقُ أيِ الَّذِي يُبْطِلُ إنْفاقَهُ بِالرِّياءِ، ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّ المُرائِيَ بِالإجْماعِ
صفحة 35
لَمْ يَأْتِ بِالعَمَلِ مَقْبُولًا صَحِيحًا، وإنَّما أتى بِهِ باطِلًا مَرْدُودًا، وقَدْ وقَعَ التَّشْبِيهُ في البَيِّنِ فَتَدَبَّرْ.
وانْتِصابُ (رِياءَ) إمّا عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِ (يُنْفِقُ) أيْ لِأجْلِ رِيائِهِمْ؛ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ يُنْفِقُ مالَهُ مُرائِيًا، وجَعَلَهُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْفاقًا رِياءَ النّاسِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ جَعْلُ الجارِّ حالًا مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ لِأنَّهُ لا يَتَمَشّى إلّا عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، وأصْلُ رِياءٍ رِئاءٌ فالهَمْزَةُ الأُولى عَيْنُ الكَلِمَةِ والثّانِيَةُ بَدَلٌ مِن ياءٍ هي لامٌ لِأنَّها وقَعَتْ طَرَفًا بَعْدَ ألْفٍ زائِدَةٍ، ويَجُوزُ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ الأُولى بِأنْ تُقْلَبَ ياءً فِرارًا مِن ثِقَلِ الهَمْزَةِ بَعْدَ الكَسْرَةِ، وقَدْ قَرَأ بِهِ الخُزاعِيُّ والشُّمُونِيُّ وغَيْرُهُما، والمُفاعَلَةُ في فِعْلِهِ عِنْدَ السَّمِينِ عَلى بابِها لِأنَّ المُرائِيَ يُرِي النّاسَ أعْمالَهُ والنّاسَ يُرُونَهُ الثَّناءَ عَلَيْهِ والتَّعْظِيمَ لَهُ؛ والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ ما يَشْمَلُ المُؤْمِنَ والكافِرَ كَما قِيلَ، وغالِبُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ المُنافِقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ حَتّى يَرْجُوَ ثَوابًا أوْ يَخْشى عِقابًا.
﴿فَمَثَلُهُ﴾ أيِ المُرائِي في الإنْفاقِ، والفاءُ لِرَبْطِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ أيْ حَجَرٍ كَبِيرٍ أمْلَسَ وهو جَمْعُ صَفْوانَةٍ أوْ صَفاءٍ أوِ اِسْمُ جِنْسٍ ورُجِّحَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ مُفْرَدًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنهُ ﴿فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ أيْ مَطَرٌ شَدِيدُ الوَقْعِ، والضَّمِيرُ لِلصَّفْوانِ وقِيلَ: لِلتُّرابِ.
﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أيْ أمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الغُبارِ أصْلًا، وهَذا التَّشْبِيهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَرَّقًا فالنّافِقُ المُنافِقُ كالحَجَرِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ ونَفَقَتِهِ كالتُّرابِ لِرَجاءِ النَّفْعِ مِنهُما بِالأجْرِ والإنْباتِ، ورِياؤُهُ كالوابِلِ المُذْهَبِ لَهُ سَرِيعًا الضّارِّ مِن حَيْثُ يُظَنُّ النَّفْعُ ولَوْ جُعِلَ مُرَكَّبًا لَصَحَّ، وقِيلَ: إنَّهُ هو الوَجْهُ، والأوَّلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ لا يَجِدُونَ ثَوابَ شَيْءٍ مِمّا أنْفَقُوا رِياءً ولا يَنْتَفِعُونَ بِهِ قَطْعًا، والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ أوِ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ فَقِيلَ: لا يَقْدِرُونَ، وجَعْلُها حالًا مِنَ (اَلَّذِي) كَما قالَ السَّمِينُ مَهْزُولٌ مِنَ القَوْلِ كَما لا يَخْفى، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ المَعْنى بَعْدَ ما رُوعِيَ لَفْظُهُ إذْ هو صِفَةٌ لِمُفْرَدٍ لَفْظًا مَجْمُوعٍ مَعْنًى كالجَمْعِ والفَرِيقِ، أوْ هو مُسْتَعْمَلٌ لِلْجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ عَلى رَأْيٍ، وقَوْلِهِ:
إنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجِ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ
وقِيلَ: إنَّ مَن واَلَّذِي يَتَعاقَبانِ فَعُومِلَ هُنا مُعامَلَتَهُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ورُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى (اَلَّذِينَ آمَنُوا) مِن قِبَلِ الِالتِفاتِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [ 264 ] إلى ما يَنْفَعُهُمْ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الرِّياءِ والمَنِّ والأذى عَلى الإنْفاقِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ ولا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَجْتَنِبُوها.
البقرة 2:265
﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيْ لِطَلَبِ رِضاهُ أوْ طالِبِينَ لَهُ، ﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ ولِتَثْبِيتِ أوْ مُثْبِتِينَ بَعْضَ أنْفُسِهِمْ عَلى الإيمانِ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِمْ: هَزَّ مِن
صفحة 36
عَطْفَيْهِ وحَرَّكَ مِن نَشاطِهِ فَإنَّ لِلنَّفْسِ قُوًى بَعْضُها مَبْدَأُ بَذْلِ المالِ، وبَعْضُها مَبْدَأُ بَذْلِ الرُّوحِ، فَمَن سَخَّرَ قُوَّةَ بَذْلِ المالِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ، ومَن سَخَّرَ قُوَّةَ بَذْلِ المالِ وقُوَّةَ بَذْلِ الرُّوحِ فَقَدْ ثَبَّتَ كُلَّ نَفْسٍ، وقَدْ يُجْعَلُ مَفْعُولُ (تَثْبِيتًا) مَحْذُوفًا أيْ تَثْبِيتًا لِلْإسْلامِ وتَحْقِيقًا لِلْجَزاءِ مِن أصْلِ أنْفُسِهِمْ وقُلُوبِهِمْ، فَمِنِ اِبْتِدائِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ أنَّها صادِقَةُ الإيمانِ مُخْلِصَةٌ فِيهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مُجاهِدٍ (وتَبْيِينًا مِن أنْفُسِهِمْ)، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مِن) بِمَعْنى اللّامِ والمَعْنى تَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجِبائِيُّ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حِكْمَةَ الإنْفاقِ لِلْمُنْفِقِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ البُخْلِ وحُبُّ المالِ الَّذِي هو الدّاءُ العُضالُ والرَّأْسُ لِكُلِّ خَطِيئَةٍ.
﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ أيْ بُسْتانٍ بِنَشْزٍ مِنَ الأرْضِ، والمُرادُ تَشْبِيهُ نَفَقَةِ هَؤُلاءِ في الزَّكاءِ بِهَذِهِ الجَنَّةِ، واعْتُبِرَ كَوْنُها في رَبْوَةٍ لِأنَّ أشْجارَ الرُّبى تَكُونُ أحْسَنَ مَنظَرًا وأزْكى ثَمَرًا لِلَطافَةِ هَوائِها وعَدَمِ كَثافَتِهِ بِرُكُودِهِ. وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِرَبْوَةٍ بِالفَتْحِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ، وابْنُ عَبّاسٍ بِالكَسْرِ، وقُرِئَ رُباوَةٌ وكُلُّها لُغاتٌ، وقُرِئَ (كَمَثَلِ حَبَّةٍ) بِالحاءِ والباءِ ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ مَطَرٌ شَدِيدٌ ﴿فَأتَتْ﴾ أيْ أعْطَتْ صاحِبَها أوِ النّاسَ، ونِسْبَةُ الإيتاءِ إلَيْها مَجازٌ ﴿أُكُلَها﴾ بِالضَّمِّ الشَّيْءُ المَأْكُولُ والمُرادُ ثَمَرُها وأُضِيفَ إلَيْها لِأنَّها مَحَلُّهُ أوْ سَبَبُهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِسُكُونِ الكافِ تَخْفِيفًا ”ضِعْفَيْنِ“ أيْ ضِعْفًا بَعْدَ ضِعْفٍ فالتَّثْنِيَةُ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ في سائِرِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ما أصابَها مِنَ الوابِلِ، أوْ أرْبَعَةَ أمْثالِهِ بِناءً عَلى الخِلافِ في أنَّ الضِّعْفَ هَلْ هو المِثْلُ أوِ المِثْلانِ، وقِيلَ: المُرادُ تَأْتِي أُكُلَها مَرَّتَيْنِ في سَنَةٍ واحِدَةٍ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن أُكُلَها أيْ مُضاعَفًا ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أيْ فَيُصِيبُها، أوْ فاَلَّذِي يُصِيبُها طَلٌّ أوْ فَطَلٌّ يَكْفِيها، والمُرادُ أنَّ خَيْرَها لا يُخْلِفُ عَلى كُلِّ حالٍ لِجَوْدَتِها وكَرَمِ مَنبَتِها ولَطافَةِ هَوائِها، واَلطَّلُّ الرَّذاذُ مِنَ المَطَرِ وهو اللَّيِّنُ مِنهُ.
وحاصِلُ هَذا التَّشْبِيهِ أنَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا تَضِيعُ بِحالٍ وإنْ كانَتْ تَتَفاوَتُ بِحَسَبِ تَفاوُتِ ما يُقارِنُها مِنَ الإخْلاصِ والتَّعَبِ وحُبِّ المالِ والإيصالِ إلى الأحْوَجِ التَّقِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُناكَ تَشْبِيهُ حالِ النَّفَقَةِ النّامِيَةِ لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى الزّاكِيَةِ عَنِ الأدْناسِ لِأنَّها لِلتَّثْبِيتِ النّاشِئِ عَنْ يَنْبُوعِ الصِّدْقِ والإخْلاصِ بِحالِ جَنَّةٍ نامِيَةٍ زاكِيَةٍ بِسَبَبِ الرَّبْوَةِ، وأحَدُ الأمْرَيْنِ الوابِلُ والطَّلُّ، والجامِعُ النُّمُوُّ المَقْرُونِ بِالزُّكاءِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، وهَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ العَقْلِيِّ ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ تَشْبِيهَ حالِ أُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِالجَنَّةِ عَلى الرَّبْوَةِ ونَفَقَتِهِمِ القَلِيلَةِ والكَثِيرَةِ بِالوابِلِ والطَّلِّ؛ فَكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَطَرَيْنِ يُضْعِفُ أكْلَ تِلْكَ الجَنَّةِ فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهم جَلَتْ أوْ قَلَّتَ بَعْدَ أنْ يُطْلَبَ بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى زاكِيَةً زائِدَةً في زُلْفاهم وحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ، كَذا قِيلَ وهو مُحْتَمَلٌ لِأنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ حِينَئِذٍ مِنَ المُفَرَّقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُرَكَّبِ، والكَلامُ مَساقٌ لِلْإرْشادِ إلى اِنْتِزاعِ وجْهِ الشَّبَهِ وطَرِيقِ التَّرْكِيبِ، والفَرْقُ إذْ ذاكَ بِأنَّ الحالَ لِلنَّفَقَةِ في الأوَّلِ ولِلْمُنْفِقِ في الثّانِي.
والحاصِلُ أنَّ حالَهم في إنْتاجِ القِلِّ والكُثْرِ مِنهُمُ الأضْعافُ لِأُجُورِهِمْ كَحالِ الجَنَّةِ في إنْتاجِ الوابِلِ والطَّلِّ الواصِلَيْنِ إلَيْها الإضْعافِ لِأثْمارِها، واخْتارَ بَعْضُهُمِ الأوَّلَ، وأبى آخَرُونَ الثّانِي فافْهَمْ.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [ 265 ] فَيُجازِي كُلًّا مِنَ المُخْلِصِ والمُرائِي بِما هو أعْلَمُ بِهِ، فَفي الجُمْلَةِ تَرْغِيبٌ لِلْأوَّلِ، وتَرْهِيبٌ لِلثّانِي مَعَ ما فِيها مِنَ الإشارَةِ
صفحة 37
إلى الحَطِّ عَلى الأخِيرِ حَيْثُ قَصَدَ بِعَمَلِهِ رُؤْيَةَ مَن لا تُغْنِي رُؤْيَتُهُ شَيْئًا وتَرْكَ وجْهِ البَصِيرِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي تُغْنِي وتُفْقِرُ رُؤْيَتُهُ عَزَّ شَأْنُهُ.
البقرة 2:266
﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ أيْ أيُحِبُّ أحَدُكُمْ، وكَذَلِكَ قَرَأ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في رِوايَةٍ عَنْهُ والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ ﴿أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ وقُرِئَ جَنّاتٌ ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ كائِنَةٌ مِن هَذَيْنَ الجِنْسَيْنِ النَّفِيسَيْنِ عَلى مَعْنى أنَّهُما الرُّكْنُ والأصْلُ فِيها لا عَلى أنْ لا يَكُونَ فِيها غَيْرُهُما، والنَّخِيلُ قِيلَ: اِسْمُ جَمْعٍ، وقِيلَ: جَمْعُ نَخْلٍ وهو اِسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ، وأعْنابٌ جَمْعُ عِنَبَةٍ ويُقالُ عَنْباءُ فَلا يَنْصَرِفُ لِألِفِ التَّأْنِيثِ المَمْدُودَةِ وحَيْثُ جاءَ في القُرْآنِ ذِكْرُ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ فَإنَّما يَنُصُّ عَلى النَّخْلِ دُونَ ثَمَرَتِها وعَلى ثَمَرَةِ الكَرْمِ دُونَ شَجَرَتِها ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ النَّخْلَةَ كُلُّها مَنافِعُ ونَعِمَتِ العَمّاتُ، هي أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها، وأعْظَمُ مَنافِعِ الكَرْمِ ثَمَرَتُهُ دُونَ سائِرِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ ولَمْ أجِدْهُ في كِتابٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: أتَكْفُرُونَ بِي وأنا خالِقُ العِنَبِ، والجَنَّةُ تُطْلَقُ عَلى الأشْجارِ المُلْتَفَّةِ المُتَكاثِفَةِ، وعَلى الأرْضِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها، والأوَّلُ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إذْ عَلى الثّانِي يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها وكَذا يُحْتاجُ إلى جَعْلِ إسْنادِ الِاحْتِراقِ إلَيْها فِيما سَيَأْتِي مَجازِيًّا؛ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةُ (جَنَّةٍ) أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ حالٌ مِنها لِوَصْفِها بِالجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلُ.
﴿لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ الظَّرْفُ الأوَّلُ: في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ، والثّانِي: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ، والثّالِثُ: نَعْتٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ رِزْقٍ أوْ ثَمَرٍ كائِنٍ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ، وجُوِّزَ زِيادَةُ (مِن) عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى القَوْلِ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَيْسَ المُرادُ بِالثَّمَراتِ العُمُومَ بَلْ إنَّما هو الكَثِيرُ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ المُرادِ مِنَ الثَّمَراتِ المَنافِعَ، وهَذا يَجْعَلُ ذِكْرَ ذَيْنِكَ الجِنْسَيْنِ لِعَدَمِ اِحْتِواءِ الجَنَّةِ عَلى ما سِواهُما، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا مِن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ لِلتَّتْمِيمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿وأصابَهُ الكِبَرُ﴾ أيْ أثَرٌ فِيهِ عُلُوُّ السِّنِّ والشَّيْخُوخَةُ وهو أبْلَغُ مِن كِبَرٍ، والواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ قَدْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَوَدُّ أيْ أيَوَدُّ أحَدُكم ذَلِكَ في هَذِهِ الحالِ الَّتِي هي مَظِنَّةُ شِدَّةِ الحاجَةِ إلى مَنافِعِ تِلْكَ الجَنَّةِ ومُؤْنَةِ العَجْزِ عَنْ تَدارُكِ أسْبابِ المَعاشِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ ووَضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُضارِعِ كَما قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ أُوِّلَ المُضارِعُ بِالماضِي، أيْ لَوْ كانَتْ لَهُ جَنَّةً وأصابَهُ الكِبَرُ، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي دُخُولَ الإصابَةِ في حَيِّزِ التَّمَنِّي ﴿وأصابَهُ الكِبَرُ﴾ لا يَتَمَنّاها أحَدٌ، والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وارِدٍ لِما أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلْإنْكارِ فَهو يُنْكِرُ الجَمْعَ بَيْنَهُما ولا يَخْفى ما فِيهِ.
﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أصابَهُ، أيْ أصابَهُ الكِبَرُ، والحالُ أنَّ لَهُ صِبْيَةً ضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى الكَسْبِ وتَرْتِيبِ مَعاشِهِ ومَعاشِهِمْ، والضُّعَفاءُ جَمْعُ ضَعِيفٍ كَشُرَكاءَ جَمْعِ شَرِيكٍ، وتَرْكُ التَّعْبِيرِ بِصِغارٍ مَعَ مُقابَلَةِ الكِبَرِ لِأنَّهُ أنْسَبَ كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ ضِعافٌ ﴿فَأصابَها إعْصارٌ﴾ أيْ رِيحٌ تَسْتَدِيرُ عَلى نَفْسِها وتَكُونُ مِثْلَ المَنارَةِ وتُسَمّى الزَّوْبَعَةَ وهي قَدْ تَكُونُ هابِطَةً وقَدْ تَكُونُ صاعِدَةً، خِلافًا لِما يُفْهِمُهُ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ مِن تَخْصِيصِها بِالثّانِيَةِ، وسَبَبُ الأُولى: أنَّهُ إذا اِنْفَصَلَ رِيحٌ مِن سَحابَةٍ وقَصَدَتِ النُّزُولَ فَعارَضَها في طَرِيقِ نُزُولِها قِطْعَةٌ مِنَ السَّحابِ وصَدْمَتْها مِن تَحْتِها ودَفَعَها مِن فَوْقِها سائِرُ الرِّياحِ بَقِيَتْ ما بَيْنَ دافِعَيْنِ دافِعٍ مِنَ العُلُوِّ ودافِعٍ مِنَ السُّفْلِ، فَيَعْرِضُ مِنَ الدَّفْعَيْنِ المُتَمانِعَيْنِ أنْ تَسْتَدِيرَ ورُبَّما
صفحة 38
زادَها تَعَوُّجُ المَنافِذِ تَلَوِّيًا كَما يَعْرِضُ لِلشَّعْرِ أنْ لا يَتَجَعَّدَ بِسَبَبِ اِلْتِواءِ مَسامِّهِ، وسَبَبُ الثّانِيَةِ: أنَّ المادَّةَ الرِّيحِيَّةَ إذا وصَلَتْ إلى الأرْضِ وقَرَعَتْها قَرْعًا عَنِيفًا ثُمَّ أثْبَتَتْ فَقَلَبَتْها رِيحٌ أُخْرى مِن جِهَتِها اِلْتَوَتْ واسْتَدارَتْ وقَدْ تَحْدُثُ أيْضًا مِن تَلاقِي رِيحَيْنِ شَدِيدَتَيْنِ ورُبَّما بَلَغَتْ قُوَّتُها إلى حَيْثُ تَقْلَعُ الأشْجارَ وتَخْطِفُ المَراكِبَ مِنَ البَحْرِ، وعَلامَةُ النّازِلَةِ أنْ تَكُونَ لَفائِفًا تَصْعَدُ وتَنْزِلُ مَعًا كالرّاقِصِ، وعَلامَةُ الصّاعِدَةِ أنْ لا يُرى لِلَفائِفِها إلّا الصُّعُودُ وقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنهُما بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ ظاهِرٍ ورُبَّما اِشْتَمَلَ دَوْرُ الزَّوْبَعَةِ عَلى بُخارٍ مُشْتَعِلٍ قَوِيٍّ فَيَكُونُ نارًا تَدُورُ أيْضًا، ولِتَعْيِينِ هَذا النَّوْعُ وُصِفَ الإعْصارُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فِيهِ نارٌ﴾ وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ لِاعْتِبارِ التَّذْكِيرِ فِيهِ وإنَّما سُمِّيَ ذَلِكَ الهَواءُ إعْصارًا لِأنَّهُ يَلْتَفُّ كَما يَلْتَفُّ الثَّوْبُ المَعْصُورُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَعْصِرُ السَّحابَ أوْ يَعْصِرُ الأجْسامَ المارَّ بِها، والتَّنْوِينُ في النّارِ لِلتَّعْظِيمِ ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ الإعْصارَ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ مُطْلَقًا وأنَّ المُرادَ مِنَ النّارِ السَّمُومُ وذَكَرَ سُبْحانَهُ الإعْصارَ ووَصَفَهُ بِما ذَكَرَ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ النّارِ كَأنْ يُقالَ فَأصابَها نارٌ ﴿فاحْتَرَقَتْ﴾ لِما في تِلْكَ الجُمْلَةِ مِنَ البَلاغَةِ ما فِيها لِمَن دَقَّقَ النَّظَرَ، والفِعْلُ المَقْرُونُ بِالفاءِ عُطِفَ عَلى ﴿أصابَها﴾ وقِيلَ: عَلى مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ أيْ فَأحْرَقَها فاحْتَرَقَتْ، وهَذا كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ تَمْثِيلُ حالِ مَن يُنْفِقُ ويَضُمُّ إلى إنْفاقِهِ ما يُحْبِطُهُ في الحَسْرَةِ والأسَفِ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ واشْتَدَّتْ حاجَتُهُ إلى ذَلِكَ ووَجَدَهُ هَباءً مَنثُورًا بِحالِ مَن هَذا شَأْنُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما وجَدْتُ أحَدًا يَشْفِينِي عَنْها قَوْلُهُ تَعالى: (أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ) الخ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنِّي أجِدُ في نَفْسِي مِنها فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَلِمَ تُحَقِّرُ نَفْسَكَ؟! فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَذا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَكُونَ عُمْرَهُ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الخَيْرِ وأهْلِ السَّعادَةِ حَتّى إذا كَبُرَ سِنُّهُ وقَرُبَ أجْلُهُ ورَقَّ عَظْمُهُ وكانَ أحْوَجَ إلى ما يَكُونُ أنْ يَخْتِمَ عَمَلَهُ بِخَيْرِ عَمَلٍ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ فَأفْسَدَ عَمَلَهُ فَأحْرَقَهُ، قالَ: فَوَقَعَتْ عَلى قَلْبِ عُمَرَ وأعْجَبَتْهُ.
وفِي رِوايَةِ البُخارِيِّ والحاكِمِ وابْنِ جَرِيرٍ وجَماعَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قالَ: قالَ عُمَرُ يَوْمًا لِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: فِيمَ تُرَوْنَ [بِضَمِّ أوَّلِهِ] هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ الخ؟ قالُوا: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ فَغَضِبَ عُمَرُ فَقالَ: قُولُوا نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ عُمَرُ: يا اِبْنِ أخِي قُلْ ولا تُحَقِّرْ نَفْسَكَ قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ضِرِبَتْ لِرَجُلٍ غَنِيٍّ عَمِلَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ فَعَمِلَ بِالمَعاصِي حَتّى أغْرَقَ أعْمالَهُ، قِيلَ: وهَذا أحْسَنُ مِن أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِمَن يُبْطِلُ صَدَقَتَهُ بِالمَنِّ والأذى والرِّياءِ، وفُصِلَ عَنْهُ لِاتِّصالِهِ بِما ذُكِرَ بَعْدَهُ أيْضًا لِأنَّ ذَلِكَ لا عَمَلَ لَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ لَهُ عَمَلًا يُجازى عَلَيْهِ بِحَسَبِ ظاهِرِ حالِهِ وظَنِّهِ وهو يَكْفِي لِلتَّمْثِيلِ المَذْكُورِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يَدْفَعُ أحْسَنِيَّةَ ذَلِكَ لا سِيَّما وقَدْ قالَهُ تُرْجُمانُ القُرْآنِ وارْتَضاهُ الأمِيرُ المُحَدِّثُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الواضِحِ الجارِي في الظُّهُورِ مَجْرى الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ [ 266 ] أيْ كَيْ تَتَفَكَّرُوا فِيها وتَعْتَبِرُوا بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ العِبَرِ وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها، أوْ لَعَلَّكم تُعْمِلُونَ أفْكارَكم فِيما يَفْنى ويَضْمَحِلُّ مِنَ الدُّنْيا وفِيما هو باقٍ لَكم في الأُخْرى فَتَزْهَدُونَ في الدُّنْيا وتُنْفِقُونَ مِمّا آتاكُمُ اللَّهُ تَعالى مِنها وتَرْغَبُونَ في الآخِرَةِ ولا تَفْعَلُونَ ما يُحْزِنُكم فِيها.