Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — البقرة 2:267 – آل عمران 3:35

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. البقرة 2:267
  2. البقرة 2:268
  3. البقرة 2:269
  4. البقرة 2:270
  5. البقرة 2:271
  6. البقرة 2:272
  7. البقرة 2:273
  8. البقرة 2:274
  9. البقرة 2:275
  10. البقرة 2:276
  11. البقرة 2:277
  12. البقرة 2:278
  13. البقرة 2:279
  14. البقرة 2:280
  15. البقرة 2:281
  16. البقرة 2:282
  17. البقرة 2:283
  18. البقرة 2:284
  19. البقرة 2:285
  20. البقرة 2:286
  21. آل عمران 3:1
  22. آل عمران 3:2
  23. آل عمران 3:3
  24. آل عمران 3:4
  25. آل عمران 3:5
  26. آل عمران 3:6
  27. آل عمران 3:7
  28. آل عمران 3:8
  29. آل عمران 3:9
  30. آل عمران 3:10
  31. آل عمران 3:11
  32. آل عمران 3:12
  33. آل عمران 3:13
  34. آل عمران 3:14
  35. آل عمران 3:15
  36. آل عمران 3:16
  37. آل عمران 3:17
  38. آل عمران 3:18
  39. آل عمران 3:19
  40. آل عمران 3:20
  41. آل عمران 3:21
  42. آل عمران 3:22
  43. آل عمران 3:23
  44. آل عمران 3:24
  45. آل عمران 3:25
  46. آل عمران 3:26
  47. آل عمران 3:27
  48. آل عمران 3:28
  49. آل عمران 3:29
  50. آل عمران 3:30
  51. آل عمران 3:31
  52. آل عمران 3:32
  53. آل عمران 3:33
  54. آل عمران 3:34
  55. آل عمران 3:35

البقرة 2:267

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ﴾ أيْ جِيادِ أوْ حَلالِ صفحة 39 ﴿ما كَسَبْتُمْ﴾ أيِ الَّذِي كَسَبْتُمُوهُ أوْ كَسْبِكم أيْ مَكْسُوبِكم مِنَ النَّقْدِ وعُرُوضِ التِّجارَةِ والمَواشِي. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في ﴿طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾: مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي مِنَ الحَبِّ والتَّمْرِ وكُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِ زَكاةٌ، والجُمْلَةُ لِبَيانِ حالِ ما يُنْفَقُ مِنهُ إثْرَ بَيانِ أصْلِ الإنْفاقِ وكَيْفِيَّتِهِ وأعادَ (مِن) في المَعْطُوفِ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ نَوْعٌ مُسْتَقِلٌّ، أوْ لِلتَّأْكِيدِ ولَعَلَّهُ أوْلى، وتَرْكُ ذِكْرِ الطَّيِّباتِ لِعِلْمِهِ مِمّا قَبْلَهُ، وقِيلَ: لِعِلْمِهِ مِمّا بَعْدُ، وبَعْضٌ جَعَلَ (ما) عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ. ﴿ولا تَيَمَّمُوا﴾ أيْ تَقْصِدُوا وأصْلُهُ تَتَيَمَّمُوا بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا إمّا الأُولى وإمّا الثّانِيَةُ عَلى الخِلافِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (ولا تَأمَّمُوا)، وابْنُ عَبّاسٍ (تُيَمَّمُوا) بِضَمِّ التّاءِ، والكُلُّ بِمَعْنى، ﴿الخَبِيثَ﴾ أيِ الرَّدِيءَ وهو كالطَّيِّبِ مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ الَّتِي لا تُذْكَرُ مَوْصُوفاتُها ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْخَبِيثِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِ (تُنْفِقُونَ) والتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ، والجُمْلَةُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ ﴿تَيَمَّمُوا﴾ أيْ لا تَقْصِدُوا الخَبِيثَ قاصِرِينَ الإنْفاقَ عَلَيْهِ، أوْ مِنَ الخَبِيثِ أيْ مُخْتَصًّا بِهِ الإنْفاقُ، وأيًّا ما كانَ لا يَرِدْ أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الخَبِيثِ الصَّرْفَ فَقَطْ مَعَ أنَّ المَخْلُوطَ أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّ التَّخْصِيصَ لِتَوْبِيخِهِمْ بِما كانُوا يَتَعاطَوْنَ مِن إنْفاقِ الخَبِيثِ خاصَّةً. فَعَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: سَألْتُ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: نَزَلَتْ في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، كانَ الرَّجُلُ يَعْمِدُ إلى التَّمْرِ فَيَصْرِمُهُ فَيَعْزِلُ الجَيِّدَ ناحِيَةً فَإذا جاءَ صاحِبُ الصَّدَقَةِ أعْطاهُ مِنَ الرَّدِيءِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ (اَلْخَبِيثِ)، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المالِ الَّذِي في ضِمْنِ القِسْمَيْنِ، أوْ لِما أخْرَجْنا، وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ الرَّداءَةَ فِيهِ أكْثَرُ وكَذا الحُرْمَةُ لِتَفاوُتِ أصْنافِهِ ومَجالِبِهِ، و﴿تُنْفِقُونَ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ المَذْكُورِ أيْ ولا تَقْصِدُوا الخَبِيثَ كائِنًا مِنَ المالِ أوْ مِمّا أخْرَجْنا لَكم مُنْفِقِينَ إيّاهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ حالٌ عَلى كُلِّ حالٍ مِن ضَمِيرِ ﴿تُنْفِقُونَ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أوْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ إلّا وقْتَ إغْماضِكم أوْ إلّا بِإغْماضِكم فِيهِ والإغْماضُ كالغَمْضِ إطْباقُ الجَفْنِ لِما يَعْرِضُ مِنَ النَّوْمِ، وقَدِ اُسْتُعِيرَ هُنا كَما قالَ الرّاغِبُ لِلتَّغافُلِ والتَّساهُلِ، وقِيلَ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ ولا يَخْلُو عَنْ تَساهُلٍ وتَغافُلٍ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا وهو الأكْثَرُ ولازِمًا مِثْلَ أغْضى عَنْ كَذا، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأمْرَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا أيْ أبْصارَكُمْ، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ التّاءِ وإسْكانِ العَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (تُغَمِّضُوا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وعَنْهُ أيْضًا (تَغْمُضُوا) بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِها مَعَ فَتْحِ التّاءِ، وقَرَأ قَتادَةُ (تُغْمَضُوا) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ تُحْمَلُوا عَلى الإغْماضِ أيْ تُوجَدُوا مُغْمِضِينَ وكِلا المَعْنَيَيْنِ مِمّا أثْبَتَهُ الحُفّاظُ ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، والمُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ في مَوْضِعِ الجَرِّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجَوِّزُ أنْ تَقَعَ أنْ وما في حَيِّزِها حالًا، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ (أنْ) هُنا شَرْطِيَّةٌ لِأنَّ مَعْناهُ إنْ أغْمَضْتُمْ أخَذْتُمْ، ويَنْبَغِي أنْ يُغْمِضَ طَرَفٌ القَبُولَ عَنْهُ، ومِنَ البَعِيدِ في الآيَةِ ما قِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ ثُمَّ اُسْتُؤْنِفَ فَقِيلَ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ والحالُ أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ إلّا إنْ أغْمَضْتُمْ فِيهِ ومَآلُهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمِنهُ تُنْفِقُونَ الخ، وهو عَلى بُعْدِهِ خِلافُ التَّفاسِيرِ المَأْثُورَةِ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم. صفحة 40 ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ نَفَقاتِكم وإنَّما أمَرَكم بِها لِانْتِفاعِكُمْ، وفي الأمْرِ بِأنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِ عِلْمِهِمْ بِهِ تَوْبِيخٌ لَهم عَلى ما يَصْنَعُونَ مِن إعْطاءِ الخَبِيثِ وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ الجَهْلِ بِشَأْنِهِ عَنْ شَأْنِهِ ﴿حَمِيدٌ﴾ [ 267 ] أيْ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ عَلى نِعَمِهِ، ومِن جُمْلَةِ الحَمْدِ اللّائِقِ بِجَلالِهِ تَحَرِّي إنْفاقِ الطَّيِّبِ مِمّا أنْعَمَ بِهِ، وقِيلَ: حامِدٌ بِقَبُولِ الجَيِّدِ والإثابَةِ عَلَيْهِ. واحْتُجَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ زَكاةِ قَلِيلِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ وكَثِيرُهُ حَتّى البَقْلُ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ مَن زَرَعَ في أرْضٍ اِكْتَراها فالزَّكاةُ عَلَيْهِ لا عَلى رَبِّ الأرْضِ لِأنَّ ﴿أخْرَجْنا لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَلى الزّارِعِ وعَلى أنَّ صاحِبَ الحَقِّ لا يُجْبَرُ عَلى أخْذِ المَعِيبِ بَلْ لَهُ الرَّدُّ وأخْذُ سَلِيمِ بَدَلِهِ.

البقرة 2:268

﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سَبَبِ تَيَمُّمِ الخَبِيثِ في الإنْفاقِ وتَوْهِينِ شَأْنِهِ، والوَعْدُ في أصْلِ وضْعِهِ لُغَةٌ شائِعٌ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وأمّا في الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ فالوَعْدُ في الخَيْرِ والإيعادُ في الشَّرِّ حَتّى يَحْمِلُوا خِلافَهُ عَلى المَجازِ والتَّهَكُّمِ، وقَدِ اُسْتُعْمِلَ هُنا في الشَّرِّ نَظَرًا إلى أصْلِ الوَضْعِ لِأنَّ الفَقْرَ مِمّا يَراهُ الإنْسانُ شَرًّا، ولِهَذا يُخَوِّفُ الشَّيْطانُ بِهِ المُتَصَدِّقِينَ فَيَقُولُ لَهُمْ: لا تُنْفِقُوا الجَيِّدَ مِن أمْوالِكم وأنَّ عاقِبَةَ إنْفاقِكم أنْ تَفْتَقِرُوا، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ وعْدًا مَعَ أنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الإخْبارُ بِما سَيَكُونُ مِن جِهَةِ المُخْبِرِ والشَّيْطانِ لَمْ يُضِفْ مَجِيءَ الفَقْرِ إلى جِهَتِهِ لِلْإيذانِ بِمُبالَغَةِ اللَّعِينِ في الإخْبارِ بِتَحَقُّقِ مَجِيئِهِ كَأنَّهُ نَزَّلَهُ في تَقَرُّرِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ أفْعالِهِ الواقِعَةِ حَسَبَ إرادَتِهِ، أوْ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ وعْدِهِ تَعالى عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ اِسْتِعْمالَ الوَعْدِ هُنا في الخَيْرِ حَسَبَ الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ، والمُرادُ أنَّ ما يُخَوِّفُكم بِهِ هو وعْدُ الخَيْرِ لِأنَّ الفَقْرَ لِلْإنْفاقِ أجَلُّ خَيْرٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ بِمَراحِلَ عَنْ مَذاقِ التَّنْزِيلِ، وقُرِئَ الفَقْرُ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ وبِفَتْحَتَيْنِ وضَمَّتَيْنِ وكُلُّها لُغاتٌ في الفَقْرِ وأصْلُهُ كَسْرُ فَقارِ الظَّهْرِ. ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ أيِ الخَصْلَةِ الفَحْشاءِ وهي البُخْلُ وتَرْكُ الصَّدَقاتِ والعَرَبُ تُسَمِّي البَخِيلَ فاحِشًا قالَ كَعْبٌ: أخِي يا أخِي (لا فاحِشًا) عِنْدَ بَيْتِهِ ولا ورِعٌ عِنْدَ اللِّقاءِ هَيُوبُ والمُرادُ بِالأمْرِ بِذَلِكَ الإغْراءُ والحَثُّ عَلَيْهِ فَفي الكَلامِ اِسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَحْشاءِ سائِرُ المَعاصِي وحَمْلُها عَلى الزِّنا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنهُ؛ وجُوِّزَ أنَّ تَكُونَ بِمَعْنى الكَلِمَةِ السَّيِّئَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِلْأُولى وقُدِّمَ وعْدُ الشَّيْطانِ عَلى أمْرِهِ لِأنَّهُ بِالوَعْدِ يَحْصُلُ الِاطْمِئْنانُ إلَيْهِ فَإذا اِطْمَأنَّ إلَيْهِ وخافَ الفَقْرَ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِالأمْرِ إذْ فِيهِ اِسْتِعْلاءٌ عَلى المَأْمُورِ. ﴿واللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ في الإنْفاقِ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ ﴿مَغْفِرَةً﴾ لِذُنُوبِكُمْ، وعَنْ قَتادَةَ لِفَحْشائِكُمْ، والتَّنْوِينُ فِيها لِلتَّفْخِيمِ وكَذا وصْفُها بِقَوْلِهِ تَعالى: (مِنهُ) فَهو مُؤَكِّدٌ لِفَخامَتِها، وفِيهِ تَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ ضِمْنًا مِنَ الوَعْدِ كَما عَلِمْتَ مُبالَغَةً في تَوْهِينِ أمْرِ الشَّيْطانِ ﴿وفَضْلا﴾ أيْ رِزْقًا وخَلَفًا وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَتَكُونُ المَغْفِرَةُ إشارَةً إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ، وهَذا إشارَةٌ إلى مَنافِعِ الدُّنْيا. وفي الحَدِيثِ:«ما مِن يَوْمٍ يُصْبِحُ فِيهِ العِبادُ إلّا مَلِكانِ يَنْزِلانِ يَقُولُ أحَدَهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ويَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» وقَدَّمَ مَنافِعَ الآخِرَةِ لِأنَّها أهَمُّ عِنْدَ المُصَدِّقِ بِها، وقِيلَ: المَغْفِرَةُ والفَضْلُ كِلاهُما في الآخِرَةِ وتَقْدِيمُ الأوَّلِ حِينَئِذٍ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ ولِكَوْنِ رَفْعِ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ، وفي الآيَةِ ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ وحَذَفَ صِفَةَ الثّانِي لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْها. ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ بِالرَّحْمَةِ والفَضْلِ ﴿عَلِيمٌ﴾ [ 268 ] بِما تُنْفِقُونَهُ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى:

البقرة 2:269

صفحة 41 ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّها المَعْرِفَةُ بِالقُرْآنِ ناسِخِهِ ومَنسُوخِهِ ومُتَشابِهِهِ ومُحْكَمِهِ ومُقَدَّمِهِ ومُؤَخَّرِهِ وحَلالِهِ وحَرامِهِ وأمْثالِهِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: الفِقْهُ في القُرْآنِ، ومِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ، وما رَوى اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّها النُّبُوَّةُ يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ عَلى هَذا لِما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ ثُلْثَ القُرْآنِ أُعْطِيَ ثُلْثَ النُّبُوَّةِ، ومَن قَرَأ نِصْفَ القُرْآنِ أُعْطِيَ نِصْفَ النُّبُوَّةِ، ومَن قَرَأ ثُلْثَيْهِ أُعْطِيَ ثُلْثَيِ النُّبُوَّةِ، ومَن قَرَأ القُرْآنَ كُلَّهُ أُعْطِيَ كُلَّ النُّبُوَّةِ، ويُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ اِقْرَأْ وارْقَ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً حَتّى يُنْجِزَ ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ، فَيُقالُ لَهُ اِقْبِضْ فَيَقْبِضُ، فَيُقالُ لَهُ هَلْ تَدْرِي ما في يَدَيْكَ؟ فَإذا في يَدِهِ اليُمْنى الخُلْدُ وفي الأُخْرى النَّعِيمُ» ولَيْسَ المُرادُ مِنَ القِراءَةِ في هَذا الخَبَرِ مُجَرَّدَها إذْ ذَلِكَ مِمّا يَشْتَرِكُ فِيهِ البَرُّ والفاجِرُ، ولَكِنَّ المُرادَ قِراءَةٌ بِفِقْهٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ ”اَلْحِكْمَةُ قِراءَةُ القُرْآنِ والفِكْرَةُ فِيهِ“ وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّها القُرْآنُ والعِلْمُ والفِقْهُ، وفي أُخْرى العِلْمُ الَّذِي تَعْظُمُ مَنفَعَتُهُ وتَجِلُّ فائِدَتُهُ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّها المَعْرِفَةُ بِاَللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو عُثْمانَ: هي نُورٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الوَسْواسِ والإلْهامِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وفي «اَلْبَحْرِ» أنَّ فِيها تِسْعَةً وعِشْرِينَ قَوْلًا لِأهْلِ العِلْمِ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، وعَدَّ بَعْضُهُمِ الأكْثَرَ مِنها اِصْطِلاحًا واقْتِصارًا عَلى ما رَآهُ القائِلُ فَرْدًا مُهِمًّا مِنَ الحِكْمَةِ وإلّا فَهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ مِنَ الإحْكامِ وهو الإتْقانُ في عِلْمٍ أوْ عَمَلٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِيها كُلِّها، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها فُسِّرَتْ في القُرْآنِ بِأرْبَعَةِ أوْجُهٍ، فَتارَةً بِمَواعِظِ القُرْآنِ، وأُخْرى بِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الأسْرارِ، ومَرَّةً بِالعِلْمِ والفَهْمِ، وأُخْرى بِالنُّبُوَّةِ. قِيلَ: ولَعَلَّ الأنْسَبَ بِالمَقامِ ما يَنْتَظِمُ الأحْكامُ المُبَيِّنَةُ في تَضاعِيفِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أحَدِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ، ومَعْنى إيتائِها تَبْيِينُها والتَّوْفِيقُ لِلْعَمَلِ بِها أيْ تَبْيِينُها ويُوَفِّقُ لِلْعِلْمِ والعَمَلِ بِها. ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ أنْ يُؤْتِيَها إيّاهُ بِمُوجِبِ سِعَةِ فَضْلِهِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ كَما آتاكم ما بَيَّنَهُ في ضِمْنِ الآيِ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ مَنافِعِكم فاغْتَنَمُوها وسارِعُوا إلى العَمَلِ بِها ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ إمّا لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ فَضِيلَةِ مَن نالَ الحِكْمَةَ بِقِطَعِ النَّظَرِ عَنِ الفاعِلِ وإمّا لِتُعَيِّنِ الفاعِلِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ هَذا المَظْهَرِ ولِهَذا قُدِّمَ مِن قَبْلُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ يُؤْتِي عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وجَعَلَ مَن الشَّرْطِيَّةَ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا أوْ مُبْتَدَأً والعائِدُ مَحْذُوفٌ، ويُؤَيِّدُ الثّانِي قِراءَةُ الأعْمَشِ (ومَن يُؤْتَهُ الحِكْمَةَ). ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا﴾ عَظِيمًا ﴿كَثِيرًا﴾ إذْ قَدْ جُمِعَ لَهُ خَيْرُ الدّارَيْنِ. أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لُقْمانَ قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِمُجالَسَةِ العُلَماءِ واسْمَعْ كَلامَ الحُكَماءِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي القَلْبَ المَيِّتَ بِنُورِ الحِكْمَةِ كَما يُحْيِي الأرْضَ المَيْتَةَ بِوابِلِ المَطَرُ» وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا حَسَدَ إلّا في اِثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ تَعالى مالًا فَسَلَّطَهُ عَلى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ تَعالى الحِكْمَةَ فَهو يَقْضِي بِها ويُعَلِّمُها» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى العِبادَ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُمَيِّزُ العُلَماءَ فَيَقُولُ: يا مَعْشَرَ العُلَماءِ إنِّي لَمْ أضَعْ فِيكم عِلْمِي لِأُعَذِّبَكُمُ اِذْهَبُوا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» وفي رِوايَةٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ الحَكَمِ «أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: «إنِّي لَمْ أجْعَلْ عِلْمِي وحُكْمِي فِيكم إلّا وأنا أُرِيدُ أنْ صفحة 42 أغْفِرَ لَكم عَلى ما كانَ مِنكم ولا أُبالِي».» وهَذا بِالنِّسْبَةِ إلى حَمَلَةِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي جاءَ بِهِ حَكِيمُ الأنْبِياءِ ونَبِيُّ الحُكَماءِ حَضْرَةُ خاتَمِ الرِّسالَةِ ومُحَدِّدُ جِهاتِ العَدالَةِ والبَسالَةِ ﷺ لا ما ذَهَبَ إلَيْهِ جالِينُوسُ ودِيمُقْراطِيسُ وأفْلاطُونُ وأرُسْطالِيسُ ومَن مَشى عَلى آثارِهِمْ واعْتَكَفَ في رِواقِ أفْكارِهِمْ فَإنَّ الجَهْلَ أوْلى بِكَثِيرٍ مِمّا ذَهَبُوا إلَيْهِ وأسْلَمَ بِمَراتِبَ مِمّا عَوَّلُوا عَلَيْهِ حَتّى إنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ نَهَوْا عَنِ النَّظَرِ في كُتُبِهِمْ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اِسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في جَوامِعَ كَتَبَها مِنَ التَّوْراةِ لِيَقْرَأها ويَزْدادَ بِها عِلْمًا إلى عِلْمِهِ فَغَضِبَ ولَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وقالَ: ”لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اِتِّباعِي“ وفي رِوايَةٍ ”يَكْفِيكم كِتابُ اللَّهِ تَعالى“» ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ ﷺ لَمْ يُبِحِ اِسْتِعْمالَ الكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى هُدى ونُورًا في وقْتٍ كانَتْ فِيهِ أنْوارُ النُّبُوَّةِ ساطِعَةً وسَحائِبُ الشُّبَهِ والشُّكُوكِ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ مُنْقَشِعَةً فَكَيْفَ يُباحُ الِاشْتِغالُ بِما وضَعَهُ المُتَخَبِّطُونَ مِن فَلاسِفَةِ اليُونانِ إفْكًا وزُورًا في وقْتٍ كَثُرَتْ فِيهِ الظُّنُونُ وعَظُمَتْ فِيهِ الأوْهامُ وعادَ الإسْلامُ فِيهِ غَرِيبًا، وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى غِنًى عَمّا سِواهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن مَيَّزَ القِشْرَ مِنَ اللَّبابِ والخَطَأ مِنَ الصَّوابِ. ﴿وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ [ 269 ] أيْ ما يَتَّعِظُ أوْ ما يَتَفَكَّرُ في الآياتِ إلّا ذَوُو العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الوَهْمِ وظُلْمِ اِتِّباعِ الهَوى وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أُوتُوا الحِكْمَةَ ولِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِمَدْحِهِمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ أوِ اِعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: أنَّها اِشْتَمَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ إنْفاقاتٍ مُتَفاضِلَةٍ، الأوَّلُ: الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهو إنْفاقٌ في عالَمِ المُلْكِ عَنْ مَقامِ تَجَلِّي الأفْعالِ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الخ، والثّانِي: الإنْفاقُ عَنْ مَقامِ مُشاهِدَةِ الصِّفاتِ وهو الإنْفاقُ لِطَلَبِ رِضا اللَّهِ تَعالى، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى:﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ ومِن تَمْثِيلِهِ بِجَنَّةٍ يُعْلَمُ مِقْدارُ فَضْلِهِ عَلى الأوَّلِ المُمَثِّلِ بِحَبَّةٍ، ولَعَلَّ فَضْلَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ كَفَضْلِ الجَنَّةِ عَلى الحَبَّةِ، ومِمّا يَزِيدُ في الفَرْقِ أنَّ الجَنَّةَ مَعَ إيتاءِ أُكُلِها تَبْقى بِحالِها بِخِلافِ الحَبَّةِ، ولِتَأْكِيدِ الإشارَةِ إلى اِرْتِفاعِ رُتْبَةِ هَذا الإنْفاقِ عَلى الأوَّلِ أتى بِالرَّبْوَةِ وهي المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، والثّالِثُ: الإنْفاقُ بِاَللَّهِ تَعالى وهو عَنْ مَقامِ شُهُودِ الذّاتِ وهو إنْفاقُ النَّفْسِ بَعْدَ تَزَكِّيها وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ والنَّفْسُ مُكْتَسِبَةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وجَزاءُ الإنْفاقِ الأوَّلِ الإضْعافُ إلى سَبْعِمِائَةٍ وتَزِيدُ لِأنَّ يَدَ الطُّولِ طَوِيلَةٌ، وجَزاءُ الثّانِي الجَنَّةُ الصِّفاتِيَّةُ المُثْمِرَةُ لِلْإضْعافِ؛ وجَزاءُ الثّالِثِ الحِكْمَةُ اللّازِمَةُ لِلْوُجُودِ المَوْهُوبِ بَعْدَ البَذْلِ وهي الخَيْرُ العَظِيمُ الكَثِيرُ لِأنَّها أخَصُّ صِفاتِهِ تَعالى، وصاحِبُ هَذا الإنْفاقِ لا يَزالُ يُنْفِقُ مِنَ الحِكَمِ الإلَهِيَّةِ والعُلُومِ اللَّدُنْيَّةِ لِارْتِفاعِ البَيْنِ وشُهُودِ العَيْنِ وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ في أثْناءِ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإنْفاقَ يُبْطِلُهُ المَنُّ والأذى لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ مَحْمُودًا لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: كَوْنُهُ مُوافِقًا لِلْأمْرِ وهو حالٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وكَوْنُهُ مُزِيلًا لِرَذائِلِ البُخْلِ وهو حالٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُنْفِقِ نَفْسِهِ، وكَوْنُهُ نافِعًا مُرِيحًا وهو حالٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُسْتَحِقِّ، فَإذا مَنَّ صاحِبُهُ وآذى فَقَدْ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى وأتى بِما يُنافِي راحَةَ المُسْتَحِقِّ ونَفْعِهِ وظَهَرَتْ نَفْسُهُ بِالِاسْتِطالَةِ والِاعْتِدادِ والعَجَبِ والِاحْتِجابِ بِفِعْلِها ورُؤْيَةِ النِّعْمَةِ مِنها لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّها رَذائِلُ أرْدَأُ مِنَ البُخْلِ ولِهَذا كانَ القَوْلُ الجَمِيلُ خَيْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ المَتْبُوعَةِ بِالأذى بَلْ لا نِسْبَةَ.

البقرة 2:270

﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ قَلِيلَةٍ أوْ كَثِيرَةٍ سِرًّا أوْ عَلانِيَةً في حَقٍّ أوْ باطِلٍ، فالآيَةُ بَيانٌ لِحُكْمٍ كُلِّيٍّ شامِلٍ صفحة 43 لِجَمِيعِ أفْرادِ النَّفَقاتِ أوْ ما في حُكْمِها إثْرَ بَيانِ حُكْمِ ما كانَ مِنها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِالمالِ أوْ بِالأفْعالِ بِشَرْطٍ أوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ في طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ، والنُّذُرُ عَقْدُ القَلْبِ عَلى شَيْءٍ والتِزامُهُ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ، قِيلَ: وأصْلُهُ الخَوْفُ لِأنَّ الشَّخْصَ يَعْقِدُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ خَوْفَ التَّقْصِيرِ أوْ خَوْفَ وُقُوعِ أمْرٍ خَطِيرٍ ومِنهُ نَذْرُ الدَّمِ وهو العَقْدُ عَلى سَفْكِهِ لِلْخَوْفِ مِن مَضَرَّةِ صاحِبِهِ قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: هَمْ (يَنْذُرُونَ دَمِي) وأنْ ذُرُ إنْ لَقِيتْ بِأنْ أشُدّا وفِعْلُهُ كَ ضَرَبَ ونَصَرَ، وعَنْ يُونُسَ فِيما حَكاهُ الأخْفَشُ تَقُولُ العَرَبُ: نَذَرَ عَلى نَفْسِهِ نَذْرًا ونَذَرْتُ مالِي فَأنا أنْذُرُهُ نَذْرًا ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ كِنايَةً عَنْ مُجازاتِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ وإلّا فَهو مَعْلُومٌ، والفاءُ داخِلَةٌ في الجَوابِ إنْ كانَتْ (ما) شُرْطِيَّةً، وصِلَةٌ في الخَبَرِ إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ مَعَ أنَّ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ مُتَعَدِّدٌ لِاتِّحادِ المَرْجِعِ بِناءً عَلى كَوْنِ العَطْفِ بِكَلِمَةِ أوْ وهي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ التَّوْحِيدَ بِاعْتِبارِ المَذْكُورِ وكَأنَّهُ لَمْ يَعْتَبَرِ المَذْكُورَ لِاعْتِبارِ المَرْجِعِ النَّفَقَةَ والنَّذْرَ المَذْكُورَيْنِ دُونَ المَصْدَرَيْنِ المَفْهُومَيْنِ مِن فِعْلَيْهِما وهُما المُتَعاطِفانِ بِ أوْ دُونَهُما، وعَلى تَسْلِيمِ أنَّ عَطْفَ الفِعْلَيْنِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَطْفِهِما لا يَنْبَغِي اِعْتِبارُهُما أيْضًا لِأنَّ الضَّمِيرَ مُذَكَّرٌ قَطْعًا وهُما مُذَكَّرٌ ومُؤَنَّثٌ، واعْتِبارُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ تَرْجِيحٌ بِلا مُرَجَّحٍ ولا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّ مِثْلَ هَذا الضَّمِيرِ قَدْ يُعْتَبَرُ فِيهِ حالَ المُقَدَّمِ مُراعاةً لِلْأوَّلِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ وقَدْ يُعْتَبَرُ فِيهِ حالَ المُؤَخَّرِ مُراعاةً لِلْقُرْبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وكُلٌّ مِنهُما سائِغٌ شائِعٌ في الفَصِيحِ وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الثّانِي إنِ اُعْتُبِرَ المَذْكُورُ صَرِيحًا، والتِزامُ التَّأْوِيلِ في جَمِيعِ ما ورَدَ تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنى عَنْهُ كَما لا يَخْفى، نَعَمْ جُوِّزَ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلى (ما) لَكِنْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ. ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ الواضِعِينَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها الَّتِي يَحِقُّ أنْ تُوضَعَ فِيها فَيَشْمَلُ المُنْفِقِينَ بِالرِّياءِ والمَنِّ والأذى والمُتَحَرِّينَ لِلْخَبِيثِ في الإنْفاقِ والمُنْفِقِينَ في باطِلٍ والنّاذِرِينَ في مَعْصِيَةٍ والمُمْتَنِعِينَ عَنْ أداءِ ما نَذَرُوا في حَقٍّ والباخِلِينَ بِالصَّدَقَةِ مِمّا آتاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن فَضْلِهِ، وخَصَّهم أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ بِالمُنْفِقِينَ بِالمَنِّ والأذى والرِّياءِ والمُبَذِّرِينَ في المَعْصِيَةِ؛ ومُقاتِلٌ بِالمُشْرِكِينَ، ولَعَلَّ التَّعْمِيمَ أوْلى. ﴿مِن أنْصارٍ﴾ [ 270 ] أيْ أعْوانٍ يَنْصُرُونَهُ مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى لا شَفاعَةَ ولا مُدافَعَةَ وهو جَمْعُ نَصِيرٍ كَحَبِيبٍ وأحْبابٍ أوْ ناصِرٍ كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، والإتْيانُ بِهِ جَمْعًا عَلى طَرِيقِ المُقابَلَةِ فَلا يَرِدُ أنَّ نَفْيَ الأنْصارِ لا يُفِيدُ نَفْيَ النّاصِرِ وهو المُرادُ. والقَوْلُ بِأنَّ هَذا إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ إذا جُعِلَتْ (مِن) زائِدَةً ولَكَ أنْ تَجْعَلَها تَبْعِيضِيَّةً أيْ شَيْءٌ مِنَ الأنْصارِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما [لا] يَخْفى، والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلْوَعِيدِ المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ مَضْمُونُ ما قَبْلَهُ، ونَفْيُ أنْ يَكُونَ لِلظّالِمِ عَلى رَأْيِ مُقاتِلٍ ناصِرٌ مُطْلَقًا ظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أخْذِ المَظالِمِ عامًّا أوْ خاصًّا بِما قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ فَيَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّ الآيَةَ خارِجَةٌ مَخْرَجَ التَّرْهِيبِ لِما أنَّ العاصِيَ غَيْرُ المُشْرِكِ كَيْفَ ما كانَتْ مَعْصِيَتُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ ناصِرٌ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ النُّذُرِ والوَفاءِ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً وإلّا فَلا وفاءَ، فَقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ الحُصَيْنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النَّذْرُ نَذْرانِ فَما كانَ مِن نَذْرٍ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى وفِيهِ الوَفاءُ وما كانَ مِن نَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ لِلشَّيْطانِ ولا وفاءَ فِيهِ، ويُكَفِّرُهُ ما يُكَفِّرُ اليَمِينَ» وتَفْصِيلُ الكَلامِ في النَّذْرِ يَأْتِي بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

البقرة 2:271

﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ أيْ تُظْهِرُوا إعْطاءَها، قالَ الكَلْبِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ الآيَةَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ صفحة 44 أصَدَقَةُ السِّرِّ أفْضَلُ أمْ صَدَقَةُ العَلانِيَةِ؟ فَنَزَلَتْ،» فالجُمْلَةُ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِبَعْضِ ما أجْمَلَ في الشَّرْطِيَّةِ وبَيانٌ لَهُ، ولِذَلِكَ تَرَكَ العَطْفَ بَيْنَهُما، والمُرادُ مِنَ الصَّدَقاتِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ صَدَقاتُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: الصَّدَقاتُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: العُمُومُ، ﴿فَنِعِمّا هِيَ﴾ الفاءُ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، ونِعْمَ فِعْلُ ماضٍ، و(ما) كَما قالَ اِبْنُ جِنِّيٍّ: نَكِرَةٌ تامَّةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى أنَّها تَمْيِيزٌ وهي مُبْتَدَأٌ عائِدٌ لِلصَّدَقاتِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إبْداؤُها أوْ لا حَذْفَ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ (هِيَ)، والرّابِطُ العُمُومُ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وحَفْصٌ بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ لِلِاتِّباعِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُكِّنَ ثُمَّ كُسِرَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ عَلى الأصْلِ كَعَلِمَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ وأبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ، ورُوِيَ عَنْهُمُ: الإسْكانُ أيْضًا، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وحَكاهُ لُغَةً، والجُمْهُورُ عَلى اِخْتِيارِ الِاخْتِلاسِ عَلى الإسْكانِ حَتّى جَعَلَهُ بَعْضُهم مِن وهْمِ الرُّواةِ، ومِمَّنْ أنْكَرَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والفارِسِيُّ لِأنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ. ﴿وإنْ تُخْفُوها﴾ أيْ تُسِرُّوها والضَّمِيرُ المَنصُوبُ إمّا لِلصَّدَقاتِ مُطْلَقًا وإمّا إلَيْها لَفْظًا لا مَعْنى، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّدَقاتِ المُبْداةِ المَفْرُوضَةِ وبِالمُخْفاةِ المُتَطَوَّعِ بِها فَيَكُونُ مِن بابِ عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ أيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ، وفي جَمْعِ الإبْداءِ والإخْفاءِ مِن أنْواعِ البَدِيعِ الطِّباقُ اللَّفْظِيُّ كَما أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ الطِّباقُ المَعْنَوِيُّ لِأنَّهُ لا يُؤْتِي الصَّدَقاتِ إلّا الأغْنِياءُ، قِيلَ: ولَعَلَّ التَّصْرِيحَ بِإيتائِها الفُقَراءَ مَعَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ في الإبْداءِ أيْضًا لِما أنَّ الإخْفاءَ مَظِنَّةُ الِالتِباسِ والِاشْتِباهِ فَإنَّ الغَنِيَّ رُبَّما يَدَّعِي الفَقْرَ ويُقْدُمُ عَلى قَبُولِ الصَّدَقَةِ سِرًّا ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ النّاسِ، وتَخْصِيصُ الفُقَراءِ بِالذِّكْرِ اِهْتِمامًا بِشَأْنِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ المُبْداةَ لَمّا كانَتِ الزَّكاةَ لَمْ يُذْكَرْ فِيها الفُقَراءُ لِأنَّ مَصْرِفَها غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِهِمْ، والمُخْفاةَ لَمّا كانَتِ التَّطَوُّعَ بُيِّنَ أنَّ مَصارِفَها الفُقَراءُ فَقَطْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ المُبْداةَ زَكاةٌ والمُخْفاةَ تَطَوُّعٌ لا نُسَلِّمُ أنَّ مَصارِفَ الثّانِيَةِ الفُقَراءُ فَقَطْ ودُونَ إثْباتِ ذَلِكَ المَوْتِ الأحْمَرِ وكَأنَّهُ لِهَذا فَسَّرَ بَعْضُهُمِ الفُقَراءَ بِالمَصارِفِ. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ فالإخْفاءُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الإبْداءِ، وخَيْرٌ لَكم مِن جُمْلَةِ الخُيُورِ، والأوَّلُ هو الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ والأحادِيثُ في أفْضَلِيَّةِ الإخْفاءِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى. أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ أبا ذَرٍّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟ قالَ: «صَدَقَةُ سِرٍّ إلى فَقِيرٍ أوْ جَهْدٌ مِن مُقِلٍّ» ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ»، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مَرْفُوعًا: «”إنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ“،» وأخْرَجَ البُخارِيُّ: «”سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعالى في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ إلى أنْ قالَ ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ“،» والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأفْضَلِيَّةَ فِيما إذا كانَ كُلٌّ مِن صَدَقَتَيِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ تَطَوُّعًا مِمَّنْ لَمْ يُعْرَفْ بِمالٍ وإلّا فَإبْداءُ الفَرْضِ لِغَيْرِهِ أفْضَلُ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ وكَذا الإظْهارُ أفْضَلُ لِمَن يُقْتَدى بِهِ وأمْنِ نَفْسِهِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «صَدَقَةُ السِّرِّ في التَّطَوُّعِ تَفَضُلُ عَلى عَلانِيَتِها سَبْعِينَ ضِعْفًا وصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتُها أفْضَلُ مِن سِرِّها بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا» وكَذَلِكَ جَمِيعُ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ في الأشْياءِ كُلِّها. ﴿ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ واَللَّهُ يُكَفِّرُ أوِ الإخْفاءُ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ الصَّدَقاتِ لا يُكَفَّرُ بِها جَمِيعُ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ اِبْنِ عَيّاشٍ ويَعْقُوبَ (نُكَفِّرُ) بِالنُّونِ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ أوِ اِسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ صفحة 45 أيْ ونَحْنُ نُكَفِّرُ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ، والفِعْلُ نَفْسُهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ (ما) بَعْدَ الفاءِ لِأنَّهُ وحْدَهُ مَرْفُوعٌ لِأنَّ الفاءَ الرّابِطَةَ مانِعَةٌ مِن جَزْمِهِ لِئَلّا يَتَعَدَّدَ الرّابِطُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (نُكَفِّرْ) بِالنُّونِ مَجْزُومًا بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ الفاءِ مَعَ ما بَعْدَها لِأنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، واسْتَشْكَلُهُ البَدْرُ الدَّمامِينِيُّ بِأنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ الفاءَ، و(ما) دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ جَزْمٍ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الجُمْلَةَ لا تَكُونُ ذاتَ مَحَلٍّ مِنَ الإعْرابِ إلّا إذا كانَتْ واقِعَةً مَوْقِعَ المُفْرَدِ ولَيْسَ هَذا مِن مَحالِّ المُفْرَدِ حَتّى تَكُونَ الجُمْلَةُ واقِعَةُ ذاتَ مَحَلٍّ مِنَ الإعْرابِ وذَلِكَ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إنَّما يَكُونُ جُمْلَةً ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا فالمَوْضِعُ لِلْجُمْلَةِ بِالأصالَةِ وادَّعى أنَّ جَزْمَ الفِعْلِ لَيْسَ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ وإنَّما هو لِكَوْنِهِ مُضارِعًا وقَعَ صَدْرَ جُمْلَةٍ مَعْطُوفَةٍ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ الجازِمِ وهي لَوْ صُدِّرَتْ بِمُضارِعٍ كانَ مَجْزُومًا فَأُعْطِيَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ حُكْمَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها وهو جَزَمَ صَدْرَها إذا كانَ فِعْلًا مُضارِعًا ويُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالعِنايَةِ فَتَدَبَّرْ. وقُرِئَ (وتُكَفِّرُ) بِالتّاءِ مَرْفُوعًا ومَجْزُومًا عَلى حَسَبِ ما عَلِمَتْ والفِعْلُ لِلصَّدَقاتِ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ في صَدَقاتِكم مِنَ الإبْداءِ والإخْفاءِ ﴿خَبِيرٌ﴾ [ 271 ] عالِمٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ، فَفي الجُمْلَةِ تَرْغِيبٌ في الإعْلانِ والإسْرارِ وإنِ اِخْتَلَفا في الأفْضَلِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مُساقًا لِلتَّرْغِيبِ في الثّانِي لِقُرْبِهِ ولِكَوْنِ الخِبْرَةِ بِالإبْداءِ لَيْسَ فِيها كَثِيرُ مَدْحٍ.

البقرة 2:272

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ أيْ لا يَجِبُ عَلَيْكَ أيُّها الرَّسُولُ أنْ تَجْعَلَ هَؤُلاءِ المَأْمُورِينَ بِتِلْكَ المَحاسِنِ المَنهِيِّينَ عَنْ هاتِيكَ الرَّذائِلِ مَهْدِيِّينَ إلى الِائْتِمارِ والِانْتِهاءِ إنْ أنْتَ إلّا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ ما عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي﴾ بِهِدايَتِهِ الخاصَّةِ المُوصِلَةِ إلى المَطْلُوبِ قَطْعًا ﴿مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ مِنهُمْ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ جِيءَ بِها عَلى طَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وتَوْجِيهِهِ إلى سَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ مَعَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ فِيما بَيْنَ الخِطاباتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأُولَئِكَ المُكُلَّفِينَ مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى الِامْتِثالِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحَسَنُ وأبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى رُجُوعِ ضَمِيرِ ﴿هُداهُمْ﴾ إلى المُخاطَبِينَ في تِلْكَ الآياتِ السّابِقَةِ، واَلَّذِي يَسْتَدْعِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ رُجُوعُهُ إلى الكُفّارِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَأْمُرُنا أنْ لا نَتَصَدَّقَ إلّا عَلى أهْلِ الإسْلامِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»» وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: كانَ أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ لَهم أنْسِباءُ وقَرابَةٌ وكانُوا يَتَّقُونَ أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ ويُرِيدُونَهم أنْ يُسَلِّمُوا فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَصَدَّقُوا إلّا عَلى أهْلِ دِينِكم ”فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾» أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدى مَن خالَفَكَ حَتّى تَمْنَعَهُمُ الصَّدَقَةَ لِأجْلِ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ وحِينَئِذٍ لا اِلْتِفاتَ، وإنَّما هُناكَ تَلْوِينُ الخِطابِ فَقَطْ، والآيَةُ حَثٌّ عَلى الصَّدَقَةِ أيْضًا ولَكِنْ بِوَجْهٍ آخَرَ، والِارْتِباطُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ ظاهِرٌ، وجَعْلُها مُرْتَبِطَةً بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ إشارَةً إلى قِسْمٍ آخَرَ مِنَ النّاسِ لَمْ يُؤْتَها لَيْسَ بِشَيْءٍ. ﴿وما تُنْفِقُوا﴾ في وُجُوهِ البِرِّ ﴿مِن خَيْرٍ﴾ أيْ مالٍ ﴿فَلأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ فَهو لِأنْفُسِكم لا يَنْتَفِعُ بِهِ في الآخِرَةِ غَيْرُكم فَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ ولا تُبْطِلُوهُ بِالمَنِّ والأذى ورِئاءِ النّاسِ، أوْ فَلا تَمْنَعُوهُ عَنِ الفُقَراءِ كَيْفَ كانُوا فَإنَّ نَفْعَكم بِهِ دِينِيٌّ ونَفْعُ الكافِرِ مِنهم دُنْيَوِيٌّ، و(ما) شَرْطِيَّةٌ جازِمَةٌ لِتُنْفِقُوا مُنْتَصِبَةٌ بِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِاسْمِ الشَّرْطِ مُبَيِّنَةٌ ومُخَصِّصَةٌ لَهُ. ﴿وما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ صفحة 46 اِسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ وأعَمِّ الأحْوالِ أيْ ما تُنْفِقُونَ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا لِهَذا السَّبَبِ، أوْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في هَذِهِ الحالِ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها عَلى مَعْنى: وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّما يَكُونُ لَكم لا عَلَيْكم إذا كانَ حالُكم أنْ لا تُنْفِقُوا إلّا لِأجْلِ طَلَبِ وجْهِ اللَّهِ تَعالى، أوْ إلّا طالِبِينَ وجْهَهُ سُبْحانَهُ لا مُؤْذِينَ ولا مانِّينَ ولا مُرائِينَ ولا مُتَيَمِّمِينَ الخَبِيثَ، أوْ عَلى مَعْنى: لَيْسَتْ نَفَقَتُكم إلّا لِكَذا أوْ حالَ كَذا فَما بالُكم تَمُنُّونَ بِها وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ أوْ تَمْنَعُونَها فُقَراءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ نَفْيٌ بِمَعْنى النَّهْيِ أيْ لا تُنْفِقُوا إلّا كَذا، وإقْحامُ الوَجْهِ لِلتَّعْظِيمِ ودَفْعِ الشَّرِكَةِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ فَعَلْتُهُ لِوَجْهِ زَيْدٍ كانَ أجَلَّ مِن قَوْلِكَ: فَعَلْتُهُ لَهُ لِأنَّ وجْهَ الشَّيْءِ أشْرَفُ ما فِيهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى عَبَّرَ بِهِ عَنِ الشَّرَفِ مُطْلَقًا، وأيْضًا قَوْلُ القائِلِ: فَعَلْتُ هَذا الفِعْلَ لِفُلانٍ يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ وأنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ لَهُ ولِغَيْرِهِ، ومَتى قالَ: فَعَلْتُهُ لِوَجْهِهِ اِنْقَطَعَ عِرْقُ الشَّرِكَةِ عُرْفًا، وجَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الخُلُقِ بِمَعْنى الذّاتِ وبَعْضُهم حَمَلَهُ هُنا عَلى الرِّضا وجَعَلَ الآيَةَ عَلى حَدِّ اِبْتِغاءَ مَرْضات اللَّهِ تَعالى، والسَّلَفُ بَعْدَ أنْ نَزَّهُوا فَوَّضُوا كَعادَتِهِمْ في المُتَشابِهِ. ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ أيْ تُعْطُونَ جَزاءَهُ وافِرًا وافِيًا كَما تُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ التَّفْعِيلِ في الآخِرَةِ حَسْبَما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ مِن قَبْلُ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم عُذْرٌ في مُخالَفَةِ الأمْرِ المُشارِ إلَيْهِ في الإنْفاقِ، فالجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلشُّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ ولَيْسَ بِتَأْكِيدٍ صِرْفٍ وإلّا لَفُصِلَتْ ولَكِنَّها تَضَمَّنَتْ ذَلِكَ مِن كَوْنِ سِياقِها لِلِاسْتِدْلالِ عَلى قُبْحِ تَرْكِ ذَلِكَ الأمْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَمُنُّ أوْ يُقَصِّرُ فِيما يَرْجِعُ إلَيْهِ نَفْعُهُ، أوْ كَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِيما لَهُ عَوَضٌ وزِيادَةٌ، وهي بِهَذا الِاعْتِبارِ أمْرٌ مُسْتَقِلٌّ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى يُوَفِّرُ عَلَيْكم خَلَفَهُ في الدُّنْيا ولا يُنْقِصُ بِهِ مِن مالِكم شَيْءٌ اِسْتِجابَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ: «“ اللَّهُمَّ اِجْعَلْ لِمُنْفِقٍ خَلَفًا ولِمُمْسِكٍ تَلَفًا» والتَّوْفِيَةُ إكْمالُ الشَّيْءِ وإنَّما حَسُنَ مَعَها (إلَيْكُمْ) لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّأْدِيَةِ، وإسْنادُها إلى (ما) مَجازِيٌّ وحَقِيقَتُهُ ما سَمِعْتَ. والآيَةُ -بِناءً عَلى سَبَبِ النُّزُولِ- دَلِيلٌ عَلى جَوازِ دَفْعِ الصَّدَقَةِ لِلْكافِرِ وهو في غَيْرِ الواجِبَةِ أمْرٌ مُقَرَّرٌ، وأمّا الواجِبَةُ الَّتِي لِلْإمامِ أخْذُها كالزَّكاةِ فَلا يَجُوزُ، وأمّا غَيْرُها كَصَدَقَةِ الفِطْرِ والنَّذْرِ والكَفّارَةِ فَفِيهِ اِخْتِلافٌ، والإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يُجَوِّزُهُ، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ يُؤَيِّدُهُ إذِ الأسِيرُ في دارِ الإسْلامِ لا يَكُونُ إلّا مُشْرِكًا. ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [ 272 ] أيْ لا تَنْقُصُونَ شَيْئًا مِمّا وعَدْتُمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿إلَيْكُمْ﴾ والعامِلُ (يُوَفَّ).

البقرة 2:273

﴿لِلْفُقَراءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ ولِهَذا، حُذِفَ أيِ اِعْمَدُوا لِلْفُقَراءِ أوِ اِجْعَلُوا ما تُنْفِقُونَهُ لِلْفُقَراءِ أوْ صَدَقاتِكم لِلْفُقَراءِ، والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿، وما تُنْفِقُوا﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ اِعْتِراضٌ، أيْ وما تُنْفِقُوا لِلْفُقَراءِ. ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ حَبَسَهُمُ الجِهادُ أوِ العَمَلُ في مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى يُوَفَّ إلَيْكم ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لِاشْتِغالِهِمْ بِذَلِكَ ﴿ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ أيْ مَشْيًا فِيها وذَهابًا لِلتَّكَسُّبِ والتِّجارَةِ وهم أهْلُ الصِّفَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: وكانُوا نَحْوًا مِن ثَلاثِمِائَةٍ ويَزِيدُونَ ويَنْقُصُونَ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ يَسْكُنُونَ سَقِيفَةَ المَسْجِدِ يَسْتَغْرِقُونَ أوْقاتَهم بِالتَّعَلُّمِ والجِهادِ وكانُوا يَخْرُجُونَ في كُلِّ سِرِّيَّةٍ يَبْعَثُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ هم قَوْمٌ أصابَتْهُمُ الجِراحاتُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَصارُوا زَمْنى فَجَعَلَ لَهم في أمْوالِ المُسْلِمِينَ صفحة 47 حَقًّا؛ ولَعَلَّ المَقْصُودَ في الرِّوايَتَيْنِ بَيانُ بَعْضِ أفْرادِ هَذا المَفْهُومِ ودُخُولُهُ فِيهِ إذْ ذاكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا لا الحَصْرُ إذْ هَذا الحُكْمُ باقٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ. ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾ أيْ يَظُنُّهم ﴿الجاهِلُ﴾ الَّذِي لا خِبْرَةَ لَهُ بِحالِهِمْ ﴿أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أيْ مِن أجْلِ تَعَفُّفِهِمْ عَلى المَسْألَةِ فَمِن لِلتَّعْلِيلِ وأتى بِها لِفَقْدِ شَرْطٍ مِن شُرُوطِ النَّصْبِ وهو اِتِّحادُ الفاعِلِ، وقِيلَ: لِابْتِداءِ الغايَةِ والمَعْنى إنَّ حُسْبانَ الجاهِلِ غِناهم نَشَأ مِن تَعَفُّفِهِمْ، والتَّعَفُّفُ تَرْكُ الشَّيْءِ والإعْراضُ عَنْهُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَعاطِيهِ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ اِخْتِصارًا كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وحالُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَحالِ سابِقَتِها. ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ تَعْرِفُ فَقْرَهم واضْطِرارَهم بِالعَلامَةِ الظّاهِرَةِ عَلَيْهِمْ كالتَّخَشُّعِ والجُهْدِ ورَثاثَةِ الحالِ. أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا صَلّى بِالنّاسِ تَخِرُّ رِجالٌ مِن قِيامِهِمْ في صَلاتِهِمْ لِما بِهِمْ مِنَ الخَصاصَةِ وهم أهْلُ الصِّفَةِ حَتّى يَقُولَ الأعْرابُ إنَّ هَؤُلاءِ مَجانِينُ»». وأخْرَجَ هو أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «كانَ مِن أهْلِ الصِّفَةِ سَبْعُونَ رَجُلًا لَيْسَ لِواحِدٍ مِنهم رِداءٌ» والخِطابَ لِلرَّسُولِ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ مُبالَغَةً في بَيانِ وُضُوحِ فَقْرِهِمْ، ووَزْنُ سِيَّما عِفَّلا لِأنَّها مِنَ الوَسْمِ بِمَعْنى السِّمَةُ نُقِلَتِ الفاءُ إلى مَوْضِعِ العَيْنِ وقُلِبَتْ ياءً لِوُقُوعِها بَعْدَ كَسْرَةٍ. ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ أيْ إلْحاحًا وهو أنْ يُلازِمَ المَسْؤُولَ حَتّى يُعْطِيَهُ مِن قَوْلِهِمْ ألْحَفَنِي مِن فَضْلِ لِحافِهِ أيْ أعْطانِي مِن فَضْلِ ما عِنْدَهُ، وقِيلَ: سُمِّيَ الإلْحاحُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُغَطِّي القَلْبَ كَما يُغَطِّي اللِّحافُ مَن تَحْتَهُ، ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ فَإنَّهُ كَنَوْعٍ مِنَ السُّؤالِ أوْ عَلى الحالِ أيْ مُلْحِفِينَ، والمَعْنى أنَّهم لا يَسْألُونَ أصْلًا وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأكْثَرُ أرْبابِ المَعانِي، وعَلَيْهِ يَكُونُ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا لِأمْرَيْنِ عَلى حَدِّ قَوْلِ الأعْشى: لا يَغْمِزُ السّاقُ مِن أيْنَ ومِن وصَبٍ ولا يَغَصُّ عَلى شُرْسُوفَةِ الصِّغَرِ واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ القَيْدُ لازِمًا لِلْمُقَيَّدِ أوْ كاللّازِمِ حَتّى يَلْزَمَ مِن نَفْيِهِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ إذِ الإلْحافُ لَيْسَ لازِمًا لِلسُّؤالِ ولا كَلازِمِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مُسَلَّمٌ إنْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ ما يَقْتَضِيهِ وهو كَذَلِكَ هُنا لِأنَّ التَّعَفُّفَ حَتّى يَظُنُّوا أغْنِياءَ يَقْتَضِي عَدَمَ السُّؤالِ رَأْسًا، وأيْضًا ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ مُؤَيِّدٌ لِذَلِكَ إذْ لَوْ سَألُوا لَعَرَفُوا بِالسُّؤالِ واسْتَغْنى عَنِ العِرْفانِ بِالسِّيما، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهم لا يَسْألُونَ وإنْ سَألُوا عَنْ ضَرُورَةٍ لَمْ يُلِحُّوا، ومِنَ النّاسِ مِن جَعَلَ المَنصُوبَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِلنَّفْيِ أيْ يَتْرُكُونَ السُّؤالَ إلْحاحًا أيْ مُلِحِّينَ في التَّرْكِ وهو كَما تَرى. ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [ 273 ] فَيُجازِيكم بِهِ وهو تَرْغِيبٌ في الإنْفاقِ لا سِيَّما عَلى هَؤُلاءِ، أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ واللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ إنَّما المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾» وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ مُراعاةٌ لِلْفَواصِلِ أوْ إيماءٌ لِلْمُبالَغَةِ.

البقرة 2:274

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ أيْ يُعَمِّمُونَ الأوْقاتِ والأحْوالَ بِالخَيْرِ والصَّدَقَةِ، فالمُرادُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ جَمِيعُ الأوْقاتِ كَما أنَّ المُرادَ بِما بَعْدَهُ جَمِيعُ الأحْوالِ، وقَدَّمَ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ والسِّرِّ عَلى العَلانِيَةِ لِلْإيذانِ بِمِزْيَةِ الإخْفاءِ عَلى الإظْهارِ، وانْتِصابُ (سِرًّا وعَلانِيَةً) عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُسِرِّينَ صفحة 48 ومُعْلِنِينَ، أوْ عَلى أنَّهُما حالانِ مِن ضَمِيرِ الإنْفاقِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، أوْ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْفاقًا سِرًّا، والباءُ بِمَعْنى فِي، واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ، فَأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ فَأنْفَقَ بِاللَّيْلِ دِرْهَمًا وبِالنَّهارِ دِرْهَمًا، وسِرًّا دِرْهَمًا وعَلانِيَةً دِرْهَمًا، وفي رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: ”فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما حَمَلَكَ عَلى هَذا؟ قالَ: حَمَلَنِي أنِ اِسْتَوْجَبَ عَلى اللَّهُ تَعالى الَّذِي وعَدَنِي، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألا إنَّ ذَلِكَ لَكَ“». وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ المُسَيَّبِ أنَّ الآيَةَ كُلَّها في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في نَفَقَتِهِمْ في جَيْشِ العُسْرَةِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والواحِدِيُّ مِن طَرِيقِ حَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ الخ: هُمُ الَّذِينَ يَعْلِفُونَ الخَيْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهو قَوْلُ أبِي أُمامَةَ وأبِي الدَّرْداءِ ومَكْحُولٌ والأوْزاعِيُّ ورَباحُ بْنُ يَزِيدَ ولا يَأْبى ذَلِكَ ذِكْرُ السِّرِّ والعَلانِيَةِ كَما لا يَخْفى، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَصَدَّقَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ؛ عَشَرَةٌ بِاللَّيْلِ وعَشَرَةٌ بِالنَّهارِ وعَشَرَةٌ بِالسِّرِّ وعَشَرَةٌ بِالعَلانِيَةِ، وتَعَقَّبَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ بِأنَّ حَدِيثَ تَصَدَّقَهُ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ رَواهُ اِبْنُ عَساكِرَ في «تارِيخِهِ» عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وخَبَرُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، وكَأنَّ مَنِ اِدَّعى ذَلِكَ فَهِمَهُ مِمّا أخْرَجَهُ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ إسْحَقَ قالَ: لِما قُبِضَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ واسْتُخْلِفَ عُمَرُ خَطَبَ النّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ إنْ بَعْضَ الطَّمَعِ فَقْرٌ وإنَّ بَعْضَ اليَأْسِ غِنًى، وإنَّكم تَجْمَعُونَ مالًا تَأْكُلُونَ وتُؤَمِّلُونَ ما لا تُدْرِكُونَ، واعْلَمُوا أنَّ بَعْضًا مِنَ الشُّحِّ شُعْبَةٌ مِنَ النِّفاقِ فَأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم فَأيْنَ أصْحابُ هَذِهِ الآيَةِ وقَرَأ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّها لا دَلالَةَ فِيها عَلى المُدَّعِي ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ المَخْبُوءُ لَهم في خَزائِنِ الفَضْلِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ والفاءُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ المَوْصُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها، وقِيلَ: لِلْعَطْفِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ ومِنهُمُ الَّذِينَ الخ، ولِذَلِكَ جُوِّزَ الوَقْفُ عَلى عَلانِيَةٍ. ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [ 274 ] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ والإشارَةُ في الآياتِ ظاهِرَةٌ.

البقرة 2:275

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ أيْ يَأْخُذُونَهُ فَيَعُمُّ سائِرَ أنْواعِ الِانْتِفاعِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالأكْلِ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما قُصِدَ بِهِ، والرِّبا في الأصْلِ الزِّيادَةُ مِن قَوْلِهِمْ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا زادَ، وفي الشَّرْعِ عِبارَةً عَنْ فَضْلِ مالٍ لا يُقابِلُهُ عِوَضٍ في مُعاوَضَةِ مالٍ بِمالٍ وإنَّما يُكْتَبُ بِالواوِ كالصَّلاةِ لِلتَّفْخِيمِ عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ وزِيدَتِ الألْفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ فَصارَ اللَّفْظُ بِهِ عَلى طِبْقِ المَعْنى في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مُشْتَمِلًا عَلى زِيادَةٍ غَيْرِ مُسْتَحَقَّةٍ، فَأخَذَ لَفْظُ الرِّبا الحَرْفَ الزّائِدَ وهو الألْفُ بِسَبَبِ اللَّفْظِ الَّذِي يُشابِهُهُ وهو واوُ الجَمْعِ حَيْثُ زِيدَتْ فِيهِ الألْفُ كَما يَأْخُذُ مَعْنى لَفْظِ الرِّبا بِمُشابَهَتِهِ مَعْنى لَفْظِ البَيْعِ لِاشْتِمالِ المَعْنَيَيْنِ عَلى مُعاوَضَةِ المالِ بِالمالِ بِالرِّضا، وإنْ كانَ أحَدُ العِوَضَيْنِ أزِيدَ، وقِيلَ: الكِتابَةُ بِالواوِ والألِفِ لِأنَّ لِلَّفْظِ نَصِيبًا مِنهُما، وإنَّما لَمْ تَكْتُبِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ بِهِما لِئَلّا يَكُونُ في مَظِنَّةِ الِالتِباسِ بِالجَمْعِ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهم تَعَلَّمُوا الخَطَّ مِن أهْلِ الحَيْرَةِ وهم نَبَطٌ لُغَتُهم رَبُوا بِواوٍ ساكِنَةٍ فَكُتِبَ كَذَلِكَ، وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ كِتابَتَهُ وكَذا تَثْنِيَتُهُ بِالياءِ لِأجْلِ الكَسْرَةِ الَّتِي في أوَّلِهِ، قالَ أبُو البَقاءِ: وهو خَطَأٌ عِنْدِنا. ﴿لا يَقُومُونَ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ وبِهِ قُرِئَ كَما في «اَلدُّرِّ المَنثُورِ» صفحة 49 ﴿إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ إلّا قِيامًا كَقِيامِ المُتَخَبِّطِ المَصْرُوعِ في الدُّنْيا، والتَّخَبُّطُ تَفَعُّلٌ بِمَعْنى فَعْلٍ وأصْلُهُ ضَرْبٌ مُتَوالٍ عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ كُلِّ ضَرْبٍ غَيْرِ مَحْمُودٍ، وقِيامُ المُرابِي يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الآثارُ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إيّاكَ والذُّنُوبَ الَّتِي لا تُغْفَرُ، الغُلُولُ فَمَن غَلَّ شَيْئًا أتى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأكْلُ الرِّبا فَمِن أكْلِ الرِّبا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مَجْنُونًا يَتَخَبَّطُ ”ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ،» وهو مِمّا لا يُحِيلُهُ العَقْلُ ولا يَمْنَعُهُ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ عَلامَةً لَهُ يُعْرَفُ بِها يَوْمَ الجَمْعِ الأعْظَمِ عُقُوبَةً لَهُ كَما جَعَلَ لِبَعْضِ المُطِيعِينَ أمارَةً تَلِيقُ بِهِ يُعْرَفُ بِها كَرامَةً لَهُ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثارِ الوُضُوءِ وإلى هَذا ذَهَبَ اِبْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ تَشْبِيهُ المُرابِي في حِرْصِهِ وتَحَرُّكِهِ في اِكْتِسابِهِ في الدُّنْيا بِالمُتَخَبِّطِ المَصْرُوعِ كَما يُقالُ لِمَن يُسْرِعُ بِحَرَكاتٍ مُخْتَلِفَةٍ: قَدْ جُنَّ، ولا يَخْفى أنَّهُ مُصادَمَةٌ لِما عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن غَيْرِ داعٍ سِوى الِاسْتِبْعادِ الَّذِي لا يُعْتَبَرُ في مِثْلِ هَذِهِ المَقاماتِ. ﴿مِنَ المَسِّ﴾ أيِ الجُنُونِ، يُقالُ: مُسَّ الرَّجُلُ فَهو مَمْسُوسٌ إذا جُنَّ وأصْلُهُ اللَّمْسُ بِاليَدِ وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَمَسُّ الرَّجُلَ وأخْلاطُهُ مُسْتَعِدَّةٌ لِلْفَسادِ فَتَفْسَدُ ويَحْدُثُ الجُنُونُ، وهَذا لا يُنافِي ما ذَكَرَهُ الأطِبّاءُ مِن أنَّ ذَلِكَ مِن غَلَبَةِ مُرَّةِ السَّوْداءِ لِأنَّ ما ذَكَرُوهُ سَبَبٌ قَرِيبٌ وما تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ سَبَبٌ بَعِيدٌ ولَيْسَ بِمُطَّرِدٍ أيْضًا بَلْ ولا مُنْعَكِسٍ فَقَدْ يَحْصُلُ مَسٌّ ولا يَحْصُلُ جُنُونٌ كَما إذا كانَ المِزاجُ قَوِيًّا وقَدْ يَحْصُلُ جُنُونٌ ولَمْ يَحْصُلْ مَسٌّ كَما إذا فَسَدَ المِزاجُ مِن دُونِ عُرُوضِ أجْنَبِيٍّ، والجُنُونُ الحاصِلُ بِالمَسِّ قَدْ يَقَعُ أحْيانًا، ولَهُ عِنْدُ أهْلِ الحاذِقِينَ أماراتٌ يَعْرِفُونَهُ بِها، وقَدْ يَدْخُلُ في بَعْضِ الأجْسادِ عَلى بَعْضِ الكَيْفِيّاتِ رِيحٌ مُتَعَفِّنٌ تَعَلَّقَتْ بِهِ رُوحٌ خَبِيثَةٌ تُناسِبُهُ فَيَحْدُثُ الجُنُونُ أيْضًا عَلى أتَمِّ وجْهٍ ورُبَّما اِسْتَوْلى ذَلِكَ البُخارُ عَلى الحَواسِّ وعَطَّلَها، واسْتَقَلَّتْ تِلْكَ الرُّوحُ الخَبِيثَةُ بِالتَّصَرُّفِ فَتَتَكَلَّمُ وتَبْطِشُ وتَسْعى بِآلاتِ ذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي قامَتْ بِهِ مِن غَيْرِ شُعُورٍ لِلشَّخْصِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، وهَذا كالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ الَّذِي يَكادُ يُعَدُّ مُنْكِرُهُ مُكابِرًا مُنْكِرًا لِلْمُشاهَداتِ. وقالَ المُعْتَزِلَةُ والقَفّالُ مِنَ الشّافِعِيَّةِ: إنَّ كَوْنَ الصَّرَعِ والجُنُونِ مِنَ الشَّيْطانِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ الآيَةَ و(ما) هُنا وارِدٌ عَلى ما يَزْعُمُهُ العَرَبُ ويَعْتَقِدُونَهُ مِن أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُ الإنْسانَ فَيُصْرَعُ وأنَّ الجِنِّيَّ يَمَسُّهُ فَيَخْتَلِطُ عَقْلُهُ ولَيْسَ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ هو مِن تَخَبُّطِ الشَّيْطانِ بِقائِلِهِ ومِن زَعَماتِهِ المَرْدُودَةِ بِقَواطِعِ الشَّرْعِ، فَقَدْ ورَدَ «“ ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا يَمَسُّهُ الشَّيْطانُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا ”وفي بَعْضِ الطُّرُقِ: «إلّا طَعَنَ الشَّيْطانُ في خاصِرَتِهِ»» ومِن ذَلِكَ يَسْتَهِلُّ صارِخًا إلّا مَرْيَمَ وابْنَها لِقَوْلِ أُمِّها: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وقَوْلُهُ ﷺ: «“ كُفُّوا صِبْيانَكم أوَّلَ العَشاءِ فَإنَّهُ وقْتُ اِنْتِشارِ الشَّياطِينِ» وقَدْ ”ورَدَ في حَدِيثِ المَفْقُودِ الَّذِي اِخْتَطَفَتْهُ الشَّياطِينُ ورَدَّتْهُ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ حَدَثَ مِن شَأْنِهِ مَعَهم قالَ: ««فَجاءَنِي طائِرٌ كَأنَّهُ جَمَلٌ قَبَعْثَرِيٌّ فاحْتَمَلَنِي عَلى خافِيَةٍ مِن خَوافِيهِ“» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ، وفي «لُقَطِ المَرْجانِ في أحْكامِ الجانِّ» كَثِيرٌ مِنها، واعْتِقادُ السَّلَفِ وأهْلِ السُّنَّةِ أنَّ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ أُمُورٌ حَقِيقِيَّةٌ واقِعَةٌ كَما أخْبَرَ الشَّرْعُ عَنْها، والتِزامُ تَأْوِيلِها كُلِّها يَسْتَلْزِمُ خَبْطًا طَوِيلًا لا يَمِيلُ إلَيْهِ إلّا المُعْتَزِلَةُ ومَن حَذا حَذْوَهم وبِذَلِكَ ونَحْوِهِ خَرَجُوا عَنْ قَواعِدِ الشَّرْعِ القَوِيمِ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفِكُونَ، والآيَةُ الَّتِي ذَكَرُوها في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى مُدَعّاهم لا تَدُلُّ عَلَيْهِ إذِ السُّلْطانُ المَنفِيُّ فِيها إنَّما صفحة 50 هُوَ القَهْرُ والإلْجاءُ إلى مُتابَعَتِهِ لا التَّعَرُّضُ لِلْإيذاءِ والتَّصَدِّي لِما يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ الهَلاكُ، ومَن تَتَبَّعَ الأخْبارَ النَّبَوِيَّةَ وجَدَ الكَثِيرَ مِنها قاطِعًا بِجَوازِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطانِ بَلْ وُقُوعِهِ بِالفِعْلِ، وخَبَرُ ««اَلطّاعُونُ مِن وخْزِ أعْدائِكُمُ الجِنِّ»» صَرِيحٌ في ذَلِكَ، وقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ مَشايِخِنا المُتَأخِّرِينَ عَلى نَحْوِ ما حَمَلْنا عَلَيْهِ مَسْألَةَ التَّخَبُّطِ والمَسِّ حَيْثُ قالَ: إنَّ الهَواءَ إذا تَعَفَّنَ تَعَفُّنًا مَخْصُوصًا مُسْتَعِدًّا لِلْخَلْطِ والتَّكْوِينِ تَنْفَرِزُ مِنهُ وتَنْحازُ أجْزاءٌ سَمِيَّةٌ باقِيَةٌ عَلى هَوائِيَّتِها أوْ مُنْقَلِبَةٌ بِأجْزاءٍ نارِيَّةٍ مُحْرِقَةٍ فَيَتَعَلَّقُ بِها رُوحٌ خَبِيثَةٌ تُناسِبُها في الشَّرارَةِ وذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الجِنِّ فَإنَّها عَلى ما عُرِفَ في الكَلامِ أجْسامٌ حَيَّةٌ لا تُرى؛ إمّا الغالِبُ عَلَيْها الهَوائِيَّةُ أوِ النّارِيَّةُ، ولَها أنْواعٌ عُقَلاءُ وغَيْرُ عُقَلاءَ تَتَوالَدُ وتَتَكَوَّنُ، فَإذا نَزَلَ واحِدٌ مِنها طَبْعًا أوْ إرادَةً عَلى شَخْصٍ أوْ نَفَذَ في مَنافِذِهِ، أوْ ضَرَبَ وطَعَنَ نَفْسَهُ بِهِ يَحْصُلُ فِيهِ بِحَسَبِ ما في ذَلِكَ الشَّرِّ مِنَ القُوَّةِ السَّمِيَّةِ وما في الشَّخْصِ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لِلتَّأثُّرِ مِنهُ كَما هو مُقْتَضى الأسْبابِ العادِيَّةِ في المُسَبِّباتِ ألَمٌ شَدِيدٌ مُهْلِكٌ غالِبًا مَظْهَرٌ لِلدَّمامِيلِ والبَثَراتِ في الأكْثَرِ بِسَبَبِ إفْسادِهِ لِلْمِزاجِ المُسْتَعِدِّ، وبِهَذا يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الأقْوالِ في هَذا البابِ وهو تَحْقِيقٌ حَسَنٌ لَمْ نَجِدْهُ لِغَيْرِهِ كَما لَمْ نَجِدْ ما حَقَّقْناهُ في شَأْنِ اِلْمَسِّ لِأحَدٍ سِوانا فَلْيُحْفَظْ. والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِناءً عَلى أنَّ ما قَبْلَ (إلّا) يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا كانَ ظَرْفًا كَما في «اَلدُّرِّ المَصُونِ» أيْ لا يَقُومُونَ مِن جِهَةِ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ بِسَبَبِ أكْلِهِمُ الرِّبا أوْ بِ (يَقُومُ) أوْ بِ (يَتَخَبَّطُهُ) . (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى الأكْلِ أوْ إلى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ ﴿بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أرادُوا نَظْمَهُما في سِلْكٍ واحِدٍ لِإفْضائِهِما إلى الرِّبْحِ فَحَيْثُ حَلَّ بَيْعٌ ما قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ بِدِرْهَمَيْنِ حَلَّ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ إلّا أنَّهم جَعَلُوا الرِّبا أصْلًا في الحِلِّ وشَبَّهُوا البَيْعَ بِهِ رَوْمًا لِلْمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ: ومُهِمُّهُ مُغْبَرَّةٌ أرْجاؤُهُ كَأنَّ (لَوْنَ أرْضِهِ سَماؤُهُ) وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ غَيْرَ مَقْلُوبٍ بِناءً عَلى ما فَهِمُوهُ أنَّ البَيْعَ إنَّما حَلَّ لِأجْلِ الكَسْبِ والفائِدَةِ وذَلِكَ في الرِّبا مُتَحَقِّقٌ وفي غَيْرِهِ مَوْهُومٌ. ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ وإنْكارًا لِتَسْوِيتِهِمْ، وحاصِلُهُ أنَّ ما ذَكَرْتُمْ قِياسٌ فاسِدُ الوَضْعِ لِأنَّهُ مُعارِضٌ لِلنَّصِّ فَهو مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ عَلى أنَّ بَيْنَ البابَيْنِ فَرْقًا، وهو أنَّ مَن باعَ ثَوْبًا يُساوِي دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَقَدْ جُعِلَ الثَّوْبُ مُقابِلًا لِدِرْهَمَيْنِ فَلا شَيْءَ مِنهُما إلّا وهو في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الثَّوْبِ، وأمّا إذا باعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَقَدْ أخَذَ الدِّرْهَمَ الزّائِدَ بِغَيْرِ عِوَضٍ ولا يُمْكِنُ جَعْلُ الإمْهالِ عِوَضًا إذِ الإمْهالُ لَيْسَ بِمالٍ حَتّى يَكُونَ في مُقابَلَةِ المالِ، وقِيلَ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ أحَدَ الدِّرْهَمَيْنِ في الثّانِي ضائِعٌ حَتْمًا وفي الأوَّلِ مُنْجَبِرٌ بِمِساسِ الحاجَةِ إلى السِّلْعَةِ أوْ بِتَوَقُّعِ رَواجِها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ الكُفّارِ إنْكارًا لِلشَّرِيعَةِ ورَدًّا لَها أيْ مِثْلَ هَذا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ المُتَماثِلاتِ لا يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَهي حِينَئِذٍ حالِيَّةٌ، وفِيها قَدُّ مَقْدِرَةٍ ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ البَيْعِ والرِّبا في كُلِّ بَيْعٍ وفي كُلِّ رِبا إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ البُيُوعِ وإحْلالِ بَعْضِ الرِّبا، وقِيلَ: هُما مُجْمَلانِ فَلا يُقْدَمُ عَلى تَحْلِيلِ بَيْعٍ ولا تَحْرِيمِ رِبًا إلّا بِبَيانٍ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مِن آخِرِ ما أُنْزِلَ آيَةُ الرِّبا وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ قَبْلَ أنْ يُفَسِّرَها لَنا فَدَعَوا الرِّبا والرِّيبَةَ. ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ أيْ فَمَن بَلَغَهُ وعْظٌ وزَجْرٌ كالنَّهْيِ عَنِ الرِّبا واسْتِحْلالِهِ، و(مَن) صفحة 51 شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، و﴿مَوْعِظَةٌ﴾ فاعِلُ جاءَ وسَقَطَتِ التّاءُ لِلْفَصْلِ وكَوْنِ التَّأْنِيثِ مَجازِيًّا مَعَ ما في المَوْعِظَةِ مَعْنًى مِنَ التَّذْكِيرِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ (جاءَتْهُ) بِإلْحاقِ التّاءِ، ﴿مِن رَبِّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (جاءَهُ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَوْعِظَةٍ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِها وفي ذِكْرِ الرَّبِّ تَأْنِيسٌ لِقَبُولِ المَوْعِظَةِ إذْ فِيهِ إشْعارٌ بِإصْلاحِ عَبْدِهِ و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ وحُذِفَ المُضافُ، ﴿فانْتَهى﴾ عُطِفَ عَلى ﴿جاءَهُ﴾ أيْ فاتَّعِظْ بِلا تَراخٍ وتَبِعَ النَّهْيَ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ أخْذُهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ لا يُسْتَرَدُّ مِنهُ، وهَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ الباقِرِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: المُرادُ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ فِيما تَقَدَّمَ لَهُ أخَذُهُ مِنَ الرِّبا قَبْلُ، والفاءُ إمّا لِلْجَوابِ أوْ صِلَةٌ في الخَبَرِ، و(ما) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالظَّرْفِ إنْ جُعِلَتْ (مَن) مَوْصُولَةً، وبِالِابْتِداءِ إنْ جُعِلَتْ شَرْطِيَّةً عَلى رَأْيِ مَن يَشْتَرِطُ الِاعْتِمادَ، وكَوْنُ المَرْفُوعِ اِسْمُ حَدَثٍ، ومَن لا يَشْتَرِطُهُما يُجَوِّزُ كَوْنَهُ فاعِلَ الظَّرْفِ ﴿وأمْرُهُ﴾ أيِ المُنْتَهى بَعْدَ التَّحْرِيمِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ إنْ شاءَ عَصَمَهُ مِنَ الرِّبا فَلَمْ يَفْعَلْ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهُ يُجازِيهِ عَلى اِنْتِهائِهِ إنْ كانَ عَنْ قَبُولِ المَوْعِظَةِ وصِدْقِ النِّيَّةِ أوْ يَحْكُمُ في شَأْنِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِما شاءَ لا اِعْتِراضَ لَكم عَلَيْهِ. ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ لِما سَلَفَ أوْ لِلرِّبا وكِلاهُما خِلافُ الظّاهِرِ. ﴿ومَن عادَ﴾ أيْ رَجَعَ إلى ما سَلَفَ ذِكْرُهُ مِن فِعْلِ الرِّبا واعْتِقادِ جَوازِهِ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِ بِقِياسِهِ عَلى البَيْعِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن عادَ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ مُلازِمُوها ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [ 275 ] أيْ ماكِثُونَ أبَدًا لِكَفْرِهِمْ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ مُتَعَلِّقُ عادَ الرِّبا فاسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَخْلِيدِ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ وعَلى ما ذَكَرَنا وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ لا يَبْقى لِلِاسْتِدْلالِ بِها مُساغٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الخُلُودَ لَوْ جُعِلَ جَزاءً لِلِاسْتِحْلالِ بَقِيَ جَزاءُ مُرْتَكِبِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ اِسْتِحْلالٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ أصْلًا لا عِبارَةً ولا إشارَةً مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ الأهَمُّ بِخِلافِ ما لَوْ جُعِلَ ذَلِكَ جَزاءَ أصْلِ الفِعْلِ فَإنَّ المَقْصُودَ يَكُونُ مَذْكُورًا صَرِيحًا مَعَ إفادَتِهِ جَزاءَ الِاسْتِحْلالِ وأنَّهُ أمْرٌ فَوْقَ الخُلُودِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ما يُكَفِّرُ مُسْتَحِلَّهُ لا يَكُونُ إلّا مِن كَبائِرِ المُحَرَّماتِ وجَزاؤُها مَعْلُومٌ ولِذا لَمْ يُنَبَّهُ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الجَوابِ: إنَّ جَعْلَ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الأكْلِ كانَ الجَزاءُ القِيامَ المَذْكُورَ مِنَ القُبُورِ إلى المَوْقِفِ وكَفى بِهِ نَكالًا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ حامِلَهم عَلى الأكْلِ كانَ هَذا القَوْلُ فَأشْعَرَ الوَصْفُ أوَّلًا أنَّ الوَعِيدَ بِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مُوجِبَ اِجْتِرائِهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ وعِيدُ كُلِّ آكِلٍ سَواءً كانَ حامِلُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ القَوْلُ أوْ لا. وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن عادَ﴾ فَهو في القائِلِ المُعْتَقِدِ وإنَّ جُعِلَ إشارَةً إلى القِيامِ المَذْكُورِ فالجَزاءُ ما يُفْهَمُ مِن ضَمِّ الفِعْلِ إلى القَوْلِ فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ في التَّعْذِيبِ لَمْ يَحْسُنْ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ، والقَوْلُ بِأنَّ المُتَعَلِّقَ الرِّبا والآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّغْلِيظِ خِلافُ الظّاهِرِ، فَتَدَبَّرْ.

البقرة 2:276

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ أيْ يُذْهِبُ بَرَكَتَهُ ويُهْلِكُ المالَ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ، أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جُرَيْجٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنِ الرِّبا وإنْ كَثُرَ فَعاقِبَتُهُ تَصِيرُ إلى قِلٍّ،» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: سَمِعْنا أنَّهُ لا يَأْتِي عَلى صاحِبِ الرِّبا أرْبَعُونَ سَنَةً حَتّى يُمْحَقَ، ولَعَلَّ هَذا مَخْرَجُ الغالِبِ، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ هَذا المَحْقَ في الآخِرَةِ بِأنْ يَبْطُلَ ما يَكُونُ مِنهُ مِمّا يُتَوَقَّعُ نَفْعُهُ فَلا يَبْقى صفحة 52 لِأهْلِهِ مِنهُ شَيْءٌ ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ يُزِيدُها ويُضاعِفُ ثَوابَها ويُكْثِرُ المالَ الَّذِي أُخْرِجَتْ مِنهُ الصَّدَقَةُ. أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى إلّا طَيِّبًا، فَإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُها بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيها لِصاحِبِها كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلْوَهُ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ ”،» وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ مِثْلَ ذَلِكَ، والنُّكْتَةُ في الآيَةِ أنَّ المُرَبِّيَ إنَّما يَطْلُبُ في الرِّبا زِيادَةً في المالِ ومانِعُ الصَّدَقَةِ إنَّما يَمْنَعُها لِطَلَبِ زِيادَةِ المالِ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الرِّبا سَبَبُ النُّقْصانِ دُونَ النَّماءِ وأنَّ الصَّدَقَةَ سَبَبُ النَّماءِ دُونَ النُّقْصانِ كَذا قِيلَ وجَعَلُوهُ وجْهًا لِتَعْقِيبِ آياتِ الإنْفاقِ بِآيَةِ الرِّبا. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ﴾ لا يَرْتَضِي ﴿كُلَّ كَفّارٍ﴾ مُتَمَسِّكٍ بِالكُفْرِ مُقِيمٍ عَلَيْهِ مُعْتادٍ لَهُ ﴿أثِيمٍ﴾ [ 276 ] مُنْهَمِكٍ في اِرْتِكابِهِ، والآيَةُ لِعُمُومِ السَّلْبِ لا لِسَلْبِ العُمُومِ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ واحِدٍ وواحِدٍ، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُبالَغَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى فَظاعَةِ آكِلِ الرِّبا ومُسْتَحِلِّهِ، وقَدْ ورَدَ في شَأْنِ الرِّبا وحْدَهُ ما ورَدَ فَكَيْفَ حالُهُ مَعَ الِاسْتِحْلالِ؟ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ. فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“ دِرْهَمٌ رِبًا أشَدُّ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن سِتٍّ وثَلاثِينَ زَنْيَةً» وقالَ: «مَن نَبَتَ لَحْمُهُ مِن سُحْتٍ فالنّارُ أوْلى بِهِ،» وأخْرَجَ اِبْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ الرِّبا سَبْعُونَ بابًا أدْناها مِثْلُ أنْ يَقَعَ الرَّجُلُ عَلى أُمِّهِ وإنَّ أرْبى الرِّبا اِسْتِطالَةُ المَرْءِ في عِرْضِ أخِيهِ“،» وأخْرَجَ جَمِيلُ بْنُ دَرّاجٍ عَنِ الإمامِيَّةِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «دِرْهَمٌ رِبًا أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن سَبْعِينَ زَنْيَةً كُلُّها بِذاتِ مَحْرَمٍ في بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ». وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: «”لَعَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الرِّبا خَمْسَةً آكِلَهُ ومُوكِلَهُ وشاهِدَيْهِ وكاتِبَهُ“».

البقرة 2:277

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِما وجَبَ الإيمانُ بِهِ ﴿وعَمِلُوا﴾ الأعْمالَ ﴿الصّالِحاتِ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ تَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ مَعَ اِنْدِراجِهِما في الأعْمالِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ فَضْلِهِما، فَإنَّ الأُولى: أعْظَمُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والثّانِيَةَ: أفْضَلُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ المَوْعُودُ لَهم حالَ كَوْنِهِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وفي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ مَزِيدُ لُطْفٍ وتَشْرِيفٍ ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [ 277 ] لِوُفُورِ حَظِّهِمْ.

البقرة 2:278

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الظّاهِرِ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ قُوا أنْفُسَكم عِقابَهُ ﴿وذَرُوا﴾ أيِ اُتْرُكُوا ﴿ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ لَكم عِنْدَ النّاسِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [ 278 ] عَنْ صَمِيمِ القَلْبِ فَإنَّ دَلِيلَهُ اِمْتِثالُ ما أُمِرْتُمْ بِهِ وهو شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ ثِقَةً بِما قَبْلَهُ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ (بَقِيَ)، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِ (بَقِيَ) وقَرَأ الحَسَنُ بَقى بِقَلْبِ الياءِ ألِفًا عَلى لُغَةِ طَيِّئٍ، والآيَةُ كَما قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اِبْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ورَجُلٍ مِن بَنِي المُغِيرَةِ كانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسَلِّفانِ في الرِّبا إلى ناسٍ مِن ثَقِيفٍ مِن بَنِي عَمْرَةَ وهم بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهُما أمْوالٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الرِّبا فَتَرَكُوها حِينَ نَزَلَتْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفٍ الثَّقَفِيِّ ومَسْعُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ يالِيلَ بْنِ عَمْرٍو ورَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو وحَبِيبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وكُلُّهم أُخْوَةٌ وهُمُ الطّالِبُونَ، والمَطْلُوبُونَ صفحة 53 بَنُو المُغِيرَةِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ وكانُوا يُدايِنُونَ بَنِي المُغِيرَةِ في الجاهِلِيَّةِ بِالرِّبا وكانَ النَّبِيُّ ﷺ صالَحَ ثَقِيفًا فَطَلَبُوا رِباهم إلى بَنِي المُغِيرَةِ وكانَ مالًا عَظِيمًا فَقالَ بَنُو المُغِيرَةِ: واَللَّهِ لا نُعْطِي الرِّبا في الإسْلامِ وقَدْ وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ عَنِ المُسْلِمِينَ فَعَرَّفُوا شَأْنَهم مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ ويُقالُ عِتابَ بْنَ أُسَيْدٍ، فَكَتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ يَطْلُبُونَ رِباهم عِنْدَ بَنِي المُغِيرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنْ أعْرِضْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ فَإنْ فَعَلُوا فَلَهم رُؤُوسُ أمْوالِهِمْ وإنْ أبَوْا فَآذِنْهم بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾».

البقرة 2:279

﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاتِّقاءِ وتَرْكِ البَقايا إمّا مَعَ إنْكارِ حُرْمَتِهِ وإمّا مَعَ الِاعْتِرافِ ﴿فَأْذَنُوا﴾ أيْ فَأيْقَنُوا، وبِذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهو كَحَرْبِ المُرْتَدِّينَ عَلى الأوَّلِ وكَحَرْبِ البُغاةِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: لا حَرْبٌ حَقِيقَةٌ وإنَّما هو تَهْدِيدٌ وتَخْوِيفٌ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى الأوَّلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ اِبْنِ عَيّاشٍ (فَآذِنُوا) بِالمَدِّ أيْ فَأعْلِمُوا بِها أنْفُسَكم أوْ بَعْضَكم بَعْضًا أوْ غَيْرَكُمْ، وهَذا مُسْتَلْزِمٌ لِعِلْمِهِمْ بِالحَرْبِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وتَنْكِيرُ حَرْبٍ لِلتَّعْظِيمِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ بِحَرْبِ اللَّهِ تَعالى بِالإضافَةِ، أخْرَجَ أبُو يَعْلى عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَ ثَقِيفٌ لا يَدَيْ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ. ﴿وإنْ تُبْتُمْ﴾ عَمّا يُوجِبُ الحَرْبَ ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ تَأْخُذُونَها لا غَيْرَ ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾ غُرَماءَكم بِأخْذِ الزِّيادَةِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ [ 279 ] أنْتُمْ مَن قَبْلَهم بِالنَّقْصِ مِن رَأْسِ المالِ أوْ بِهِ وبِنَحْوِ المَطْلِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ لا تَظْلِمُونَ الأوَّلَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والثّانِي بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى عَكْسِ القِراءَةِ الأُولى، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ وهو الظّاهِرُ، وإمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَكُمْ) والعامِلُ ما تَضَمَّنَهُ الجارُّ مِنَ الِاسْتِقْرارِ لِوُقُوعِهِ خَبَرًا وهو رَأْيُ الأخْفَشِ، ومِن ضَرُورَةِ تَعْلِيقِ هَذا الحُكْمِ بِتَوْبَتِهِمْ عَدَمُ ثُبُوتِهِ عِنْدَ عَدَمِها لِأنَّ عَدَمَها إنْ كانَ مَعَ إنْكارِ الحُرْمَةِ فَهُمُ المُرْتَدُونَ ومالَهُمُ المَكْسُوبُ في حالِ الرِّدَّةِ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكَذا سائِرُ أمْوالِهِمْ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعِنْدَنا هو لِوَرَثَتِهِمْ ولا شَيْءَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وإنْ كانَ مَعَ الِاعْتِرافِ فَإنْ كانَ لَهم شَوْكَةٌ فَهم عَلى شَرَفِ القَتْلِ لَمْ يَكَدْ تَسْلَمُ لَهم رُؤُوسُهم فَكَيْفَ بِرُؤُوسِ أمْوالِهِمْ وإلّا فَكَذَلِكَ عِنْدَ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مَن كانَ مُقِيمًا عَلى الرِّبا لا يَنْزِعُ عَنْهُ فَحَقٌّ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَتِيبَهُ فَإنْ نَزَعَ وإلّا ضُرِبَ عُنُقُهُ، ومِثْلُهُ عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأمّا عِنْدَ غَيْرِهِما فَهم مَحْبُوسُونَ إلى أنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهم ولا يُمَكَّنُونَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ رَأْسًا فَما لَمْ يَتُوبُوا لَمْ يُسَلَّمْ لَهم شَيْءٌ مِن أمْوالِهِمْ بَلْ إنَّما يُسَلَّمُ بِمَوْتِهِمْ لِوَرَثَتِهِمْ، قالَ المَوْلى أبُو السُّعُودِ وغَيْرُهُ: واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُمْتَنِعَ عَنْ أداءِ الدَّيْنِ مَعَ القُدْرَةِ ظالِمٌ يُعاقَبُ بِالحَبْسِ وغَيْرِهِ وقَدْ فَصَّلَ ذَلِكَ الفُقَهاءُ أتَمَّ تَفْصِيلٍ.

البقرة 2:280

﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أيْ إنْ وقَعَ المَطْلُوبُ ذا إعْسارٍ لِضِيقِ حالٍ مِن جِهَةِ عَدَمِ المالِ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ، وجَوَّزُ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً، و(ذُو) اِسْمُها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ لَكم عَلَيْهِ حَقٌّ أوْ غَرِيمًا أوْ مِن غُرَمائِكُمْ، وقَرَأ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (ذا عُسْرَةٍ)، وقُرِئَ (ومَن كانَ ذا عُسْرَةٍ) وعَلى القِراءَتَيْنِ (كانَ) ناقِصَةٌ واسْمُها ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ فِيها يَعُودُ لِلْغَرِيمِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ، والآيَةُ نَزَلَتْ كَما قالَ الكَلْبِيُّ: حِينَ قالَتْ بَنُو المُغِيرَةِ لِبَنِي عَمْرِو صفحة 54 بْنِ عُمَيْرٍ: نَحْنُ اليَوْمَ أهْلُ عُسْرَةٍ فَأخِّرُونا إلى أنْ تُدْرَكَ الثَّمَرَةُ فَأبَوْا أنْ يُؤَخِّرُوهم. ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ ونَظِرَةٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فَعَلَيْكم نَظِرَةٌ أوْ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ فَتَجِبُ نَظِرَةٌ، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فالأمْرُ، أوْ فالواجِبُ نَظِرَةٌ، والنَّظِرَةُ كالنَّظْرَةِ بِسُكُونِ الظّاءِ الِانْتِظارُ، والمُرادُ بِهِ الإمْهالُ والتَّأْخِيرُ، وقَرَأ عَطاءٌ (فَناظِرُهُ) بِإضافَةِ ناظِرٍ إلى ضَمِيرِ ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ أيْ فالمُسْتَحَقُّ ناظِرُهُ أيْ مُنْتَظِرِهِ ومُمْهِلِهِ وصاحِبُ نَظْرَتِهِ عَلى طَرِيقِ لِابْنٍ وتامِرٍ، وعَنْهُ أيْضًا (فَناظِرْهُ) أمْرًا مِنَ المُفاعَلَةِ، أيْ فَسامِحْهُ بِالنَّظِرَةِ ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ أيْ إلى وقْتٍ أوْ وُجُودِ يَسارٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ ونافِعٌ (مَيْسُرَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ وهُما لُغَتانِ كَمُشْرِقَةٍ ومُشْرُقَةٍ، وقُرِئَ بِهِما مُضافَيْنِ بِحَذْفِ التّاءِ وإقامَةِ الإضافَةِ مَقامَها فانْدَفَعَ ما أُورِدَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِأنَّ مَفْعُلًا بِالضَّمِّ مَعْدُومٌ أوْ، شاذٌّ وحاصِلُهُ أنَّها مَفْعُلَةٌ لا مَفْعُلٌ، وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّهُ مَعْدُومٌ في الآحادِ وهَذا جَمْعُ مَيْسُرَةٍ كَما قِيلَ في مَكْرَمٍ جَمْعِ مَكْرُمَةٍ، وقِيلَ: أصْلُهُ مَيْسُورَةٌ فَخُفِّفَتْ بِحَذْفِ الواوِ بِدَلالَةِ الضَّمَّةِ عَلَيْها. ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الصّادِ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَصَدَّقُوا فَقُلِبَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ صادًا وأُدْغِمَتْ أيْ وتَصَدُّقُكم عَلى مُعْسِرِي غُرَمائِكم بِرُؤُوسِ أمْوالِكم كُلًّا أوْ بَعْضًا ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ أكْثَرُ ثَوابًا مِنَ الإنْظارِ، أوْ خَيْرٌ مِمّا تَأْخُذُونَهُ لِنَفادِ ذَلِكَ وبَقاءِ هَذا. أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: النَّظِرَةُ واجِبَةٌ وخَيْرُ اللَّهِ تَعالى الصَّدَقَةُ عَلى النَّظِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّصَدُّقِ الإنْظارُ لِما أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ الحُصَيْنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَ لَهُ عَلى رَجُلٍ حَقٌّ فَأخَّرَهُ كانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ» وضَعَّفَهُ الإمامُ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْمَأْثُورِ بِأنَّ وُجُوبَ الإنْظارِ ثَبَتَ بِالآيَةِ الأُولى فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى فائِدَةٍ زائِدَةٍ وبِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لا يَلِيقُ بِالواجِبِ بَلْ بِالمَندُوبِ. واسْتَدَلَّ بِإطْلاقِ الآيَةِ مَن قالَ بِوُجُوبِ إنْظارِ المُعْسِرِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ الدَّيْنُ دَيْنُ رَبًا أمْ لا وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والحَسَنُ والضَّحّاكُ وأئِمَّةُ أهْلِ البَيْتِ، وذَهَبَ شُرَيْحٌ وإبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في رِوايَةٍ عَنْهُ إلى أنَّهُ لا يَجِبُ إلّا في دَيْنِ الرِّبا خاصَّةً وتَأوَّلُوا الآيَةَ عَلى ذَلِكَ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [ 280 ] جَوابُ (إنَّ) مَحْذُوفٌ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم عَمِلْتُمُوهُ وفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلى الفِعْلِ.

البقرة 2:281

﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ يَوْمُ المَوْتِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ كَما أنَّ تَعْلِيقَ الِاتِّقاءِ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ عَمّا فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي تَجْعَلُ الوِلْدانَ شَيْبًا ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الرَّجْعِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِنَ الرُّجُوعِ والأوَّلُ أدْخَلُ كَما قِيلَ: في التَّهْوِيلِ، وقُرِئَ (يُرْجَعُونَ) عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، وقَرَأ أُبَيٌّ (تُصَيَّرُونَ) وعَبْدُ اللَّهِ (تُرَدُّونَ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ حُكْمِهِ وفَصْلِهِ ﴿ثُمَّ تُوَفّى﴾ أيْ تُعْطى كَمَلًا ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ كَسَبَتْ خَيْرًا أوْ شَرًّا ﴿ما كَسَبَتْ﴾ أيْ جَزاءُ ذَلِكَ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، والكَسْبُ العَمَلُ كَيْفَ كانَ كَما نَطَقَتْ بِهِ اللُّغَةُ ودَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ، وكَسْبُ الأشْعَرِيِّ لا يَشْعُرُ بِهِ سِوى الأشاعِرَةُ. ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [ 281 ] جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ وجُمِعَ بِاعْتِبارِ المَعْنى، وأعادَ الضَّمِيرَ أوَّلًا مُفْرَدًا اِعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، وقَدَّمَ اِعْتِبارَ اللَّفْظِ لِأنَّهُ الأصْلُ ولِأنَّ اِعْتِبارَ المَعْنى وقَعَ رَأْسَ فاصِلَةٍ فَكانَ تَأْخِيرُهُ أحْسَنَ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنِ الجَمْعَ أنْسَبُ بِما يَكُونُ في يَوْمِهِ كَما أنَّ الإفْرادَ أوْلى فِيما إذا كانَ قَبْلَهُ. أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ آيَةَ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ الخ آخَرُ صفحة 55 ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ، واخْتُلِفَ في مُدَّةِ بَقائِهِ بَعْدَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقِيلَ: تِسْعُ لَيالٍ، وقِيلَ: سَبْعَةُ أيّامٍ، وقِيلَ: ثَلاثُ ساعاتٍ، وقِيلَ: أحَدٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، وقِيلَ: أحَدٌ وثَمانُونَ يَوْمًا ثُمَّ ماتَ بِنَفْسِي هو حَيًّا ومَيِّتًا ﷺ. رُوِيَ أنَّهُ قالَ: «اِجْعَلُوها بَيْنَ آيَةِ الرِّبا وآيَةِ الدَّيْنِ»، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ ﷺ قالَ: «جاءَنِي جِبْرائِيلُ فَقالَ: اِجْعَلُوها عَلى رَأْسِ مِائَتَيْنِ وثَمانِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ» ولا يُعارِضُ الرِّوايَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في أنَّ هَذِهِ آخَرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ”آخِرُ آيَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ ﷺ آيَةُ الرِّبا“، ومِثْلُهُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ اِبْنِ المُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ كَما قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ الكِرْباسِيُّ أنَّ المُرادَ مِن هَذا أنَّ آخِرَ ما نَزَلَ مِنَ الآياتِ في البُيُوعِ آيَةُ الرِّبا، أوْ أنَّ المُرادَ إنَّ ذَلِكَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ كَما يُصَرِّحُ بِهِ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِإنْظارِ المُعْسِرِ وتَأْجِيلِهِ عَقَّبَهُ بِبَيانِ أحْكامِ الحُقُوقِ المُؤاجَلِةِ وعُقُودِ المُدايَنَةِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:

البقرة 2:282

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاَللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ مِنهُ ﴿إذا تَدايَنْتُمْ﴾ أيْ تَعامَلْتُمْ ودايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿بِدَيْنٍ﴾ فائِدَةُ ذِكْرِهِ تَخْلِيصُ المُشْتَرِكِ ودَفْعُ الإيهامِ نَصْرًا لِأنَّ (تَدايَنْتُمْ) يَجِيءُ بِمَعْنى تَعامَلْتُمْ بِدَيْنٍ، وبِمَعْنى تَجازَيْتُمْ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ السِّياقَ يَرْفَعُهُ لِأنَّ الكَلامَ في النُّصُوصِيَّةِ عَلى أنَّ السِّياقَ قَدْ لا يَتَنَبَّهُ لَهُ إلّا الفَطِنُ، وقِيلَ: ذُكِرَ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ إذْ لَوْلاهُ لَقِيلَ: فاكْتُبُوا الدَّيْنَ فَلَمْ يَكُنِ النَّظْمُ بِذَلِكَ الحُسْنِ عِنْدَ ذِي الذَّوْقِ العارِفِ بِأسالِيبِ الكَلامِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ التَّدايُنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مِن بابِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ الدَّيْنَ لا يُرادُ بِهِ المَصْدَرُ بَلْ هو أحَدُ العِوَضَيْنِ ولا دَلالَةَ لِلتَّدايُنِ عَلَيْهِ إلّا مِن حَيْثُ السِّياقُ ولا يُكْتَفى بِهِ في مَعْرِضِ البَيانِ لا سِيَّما وهو مَلْبَسٌ، وقِيلَ: ذُكِرَ لِأنَّهُ أبْيَنُ لِتَنْوِيعِ الدَّيْنِ إلى مُؤَجَّلٍ وحالٍّ لِما في التَّنْكِيرِ مِنَ الشُّيُوعِ والتَّبْعِيضِ لَمّا خُصَّ بِالغايَةِ ولَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاحْتَمَلَ أنَّ الدَّيْنَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ ﴿إلى أجَلٍ﴾ أيْ وقْتٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِ (تَدايَنْتُمْ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلدَّيْنِ أيْ مُؤَخَّرٍ أوْ مُؤَجَّلٍ إلى أجَلٍ ﴿مُسَمًّى﴾ بِالأيّامِ أوِ الأشْهُرِ أوْ نَظائِرِهُما مِمّا يُفِيدُ العِلْمَ ويَرْفَعُ الجَهالَةَ لا بِنَحْوِ الحَصادِ لِئَلّا يَعُودَ عَلى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ أيِ الدَّيْنَ بِأجَلِهِ لِأنَّهُ أرْفَقُ وأوْثَقُ؛ والجُمْهُورُ عَلى اِسْتِحْبابِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ والآيَةُ عِنْدَ بَعْضٍ ظاهِرَةٌ في أنَّ كُلِّ دَيْنٍ حُكْمُهُ ذَلِكَ، وابْنُ عَبّاسٍ يَخُصُّ الدَّيْنَ بِالسَّلَمِ فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أشْهَدُ أنَّ السَّلَفَ المَضْمُونَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى أنَّ اللَّهَ تَعالى أجَّلَهُ وأذِنَ فِيهِ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، واسْتَدَلَّ الإمامُ مالِكٌ بِها عَلى جَوازِ تَأْجِيلِ القَرْضِ. ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الكِتابَةِ المَأْمُورِ بِها وتَعْيِينِ مَن يَتَوَلّاها إثْرَ الأمْرِ بِها إجْمالًا، ومَفْعُولُ يَكْتُبُ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِاِنْفِهامِهِ أوْ لِلْقَصْدِ إلى إيقاعِ نَفْسِ الفِعْلِ، والتَّقْيِيدُ بِالظَّرْفِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي لِلْكاتِبِ أنْ لا يَنْفَرِدَ بِهِ أحَدُ المُتَعامِلِينَ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْكاتِبِ أيْ لِيَكُنِ الكاتِبُ مِن شَأْنِهِ التَّسْوِيَةُ وعَدَمُ المَيْلِ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ بِزِيادَةٍ أوْ نَقْصٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِكاتِبٍ أوْ بِفِعْلِهِ، والمُرادُ أمَرَ المُتَدايِنِينَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ بِكِتابَةِ عَدْلٍ فَقِيهِ دِينٍ حَتّى يَكُونَ ما يَكْتُبُهُ مَوْثُوقًا بِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، فالكَلامُ كَما قالَ الطِّيبِيُّ مَسُوقٌ لِمَعْنًى، ومُدْمَجٌ فِيهِ آخَرُ بِإشارَةِ النَّصِّ وهو اِشْتِراطُ الفَقاهَةِ في الكاتِبِ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى التَّسْوِيَةِ في الأُمُورِ صفحة 56 الخَطِرَةِ إلّا مَن كانَ فَقِيهًا، ولِهَذا اِسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَكْتُبُ الوَثائِقَ إلّا عارِفٌ بِها عَدْلٌ مَأْمُونٌ، ومَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَجِبُ عَلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ مَنعُهُ لِئَلّا يَقَعَ الفَسادُ ويَكْثُرَ النِّزاعُ واَللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ. ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ أيْ لا يَمْتَنِعُ أحَدٌ مِنَ الكُتّابِ المَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ ﴿أنْ يَكْتُبَ﴾ بَيْنَ المُتَدايِنِينَ كِتابَ الدَّيْنِ ﴿كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ أيْ لِأجْلِ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن كِتابَةِ الوَثائِقِ وتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِ يَكْتُبُ والكَلامُ عَلى حَدِّ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ تَعالى ﴿إلَيْكَ﴾ أيْ لا يَأْبَ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلى النّاسِ بِكِتابَتِهِ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَفَضَّلَ عَلَيْهِ ومَيَّزَهُ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الكافُ بِأنْ يَكْتُبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ حالٍ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، والتَّقْدِيرُ أنْ يَكْتُبَ كِتابَةً مِثْلَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى أوْ أنْ يَكْتُبَهُ أيِ الكُتُبَ مِثْلَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى وبَيَّنَهُ لَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِالعَدْلِ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ والفاءُ غَيْرُ مانِعَةٍ كَما في ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ لِأنَّها صِلَةٌ في المَعْنى، والأمْرُ بِالكِتابَةِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الأداءِ مِنها عَلى الأوَّلِ لِلتَّأْكِيدِ، واحْتِيجَ إلَيْهِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لَيْسَ أمْرًا بِضِدِّهِ صَرِيحًا عَلى الأصَحِّ فَأكَّدَهُ بِذِكْرِهِ صَرِيحًا اِعْتِناءً بِشَأْنِ الكِتابَةِ، ومِن هَذا ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ ومِن فُرُوضِ الكِفايَةِ، ولَكِنَّ الأمْرَ لَمّا كانَ لَنا لا عَلَيْنا صُرِفَ عَنْ ذَلِكَ لِئَلّا يَعُودَ ما تَقَدَّمَ في مَسْألَةِ جَهالَةِ الأجَلِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَلا تَأْكِيدَ وإنَّما هو أمْرٌ بِالكِتابَةِ المُقَيَّدَةِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الِامْتِناعِ مِنَ المُطْلَقَةِ وهَذا لا يُفِيدُ التَّأْكِيدَ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الِامْتِناعِ عَنِ المُطْلَقِ لا يَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالمُقَيَّدِ لِيَكُونَ ذِكْرُهُ بَعْدَهُ تَأْكِيدًا، وادَّعاهُ بَعْضُهم لِأنَّهُ إذا كانَ الِامْتِناعُ عَنْ مُطْلَقِ الكِتابَةِ مَنهِيًّا فَلِأنْ يَكُونَ الِامْتِناعُ عَنِ الكِتابَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَنهِيًّا بِطَرِيقِ الأوْلى، والنَّهْيُ عَنِ الِامْتِناعِ عَنِ الكِتابَةِ الشَّرْعِيَّةِ أمْرٌ بِها فَيَكُونُ الأمْرُ بِالكِتابَةِ - الشَّرْعِيَّةِ صَرِيحًا لِلتَّوْكِيدِ، وأيْضًا إذا ورَدَ مُطْلَقٌ ومُقَيَّدٌ والحادِثَةُ واحِدَةٌ يُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ سَواءٌ تَقَدَّمَ المُطْلَقُ أوْ تَأخَّرَ فَكَما حُمِلَ الأمْرُ بِمُطْلَقِ الكِتابَةِ في الوَجْهِ الأوَّلِ عَلى الكِتابَةِ المُقَيَّدَةِ لِيُفِيدَ التَّأْكِيدَ، فَلِمَ لَمْ يُحْمَلِ النَّهْيُ عَنِ الِامْتِناعِ عَنْ مُطْلَقِ الكِتابَةِ عَلى الكِتابَةِ المُقَيَّدَةِ لِلتَّأْكِيدِ، وهَلِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ إلّا تَحَكُّمٌ بَحْتٌ كَما لا يَخْفى؟! و(ما) قِيلَ: إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً وعَلَيْهِما فالضَّمِيرُ لَها، وعَلى الأوَّلَيْنِ لِلْكاتِبِ؛ وقَدَّرَ بَعْضُهم عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِعِلْمِ كِتابَةِ الوَثائِقِ فافْهَمْ. ﴿ولْيُمْلِلِ﴾ مِنَ الإمْلالِ بِمَعْنى الإلْقاءِ عَلى الكاتِبِ ما يَكْتُبُهُ وفِعْلُهُ أمْلَلْتُ، وقَدْ يُبَدَّلُ أحَدُ المُضاعَفَيْنِ ياءً ويَتْبَعُهُ المَصْدَرُ فِيهِ وتُبَدَّلُ هَمْزَةً لِتَطَرُّفِها بَعْدَ ألْفٍ زائِدَةٍ فَيُقالُ: إمْلاءٌ، فَهو والإمْلالُ بِمَعْنًى، أيْ: ولْيَكُنِ المُلْقى عَلى الكاتِبِ ما يَكْتُبُهُ مِنَ الدَّيْنِ ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ وهو المَطْلُوبُ لِأنَّهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ هو المُقِرُّ لا غَيْرُهُ وانْفِهامُ الحَصْرِ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ فَإنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ والأصْلُ عَدَمُ عِلَّةٍ أُخْرى ﴿ولْيَتَّقِ﴾ أيِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ﴿اللَّهَ رَبَّهُ﴾ جَمَعَ بَيْنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ والوَصْفِ الجَمِيلِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلى التَّقْوى بِذِكْرِ ما يُشْعِرُ بِالجَلالِ والجَمالِ ﴿ولا يَبْخَسْ﴾ أيْ لا يُنْقِصْ (مِنهُ) أيْ مِنَ الحَقِّ الَّذِي يُمْلِيهِ عَلى الكاتِبِ ﴿شَيْئًا﴾ وإنْ كانَ حَقِيرًا، وقُرِئَ (شَيًا) بِطَرْحِ الهَمْزَةِ (وشَيًّا) بِالتَّشْدِيدِ. وهَذا هو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ (يَتَّقِ) لِلْكاتِبِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ضَمِيرَ (يَبْخَسْ) لِمَن عَلَيْهِ الحَقُّ إذْ هو الَّذِي يُتَوَقَّعُ مِنهُ البَخْسُ خاصَّةً، وأمّا الكاتِبُ فَيُتَوَقَّعُ مِنهُ الزِّيادَةُ كَما يَتَوَقَّعُ مِنهُ النَّقْصُ فَلَوْ أُرِيدَ نَهْيُهُ لَنَهى صفحة 57 عَنْ كِلَيْهِما، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ أمَرَ بِالعَدْلِ وإرْجاعِ كُلٍّ مِنهُما لِكُلٍّ مِنهُما تَفْكِيكٌ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وإنَّما شَدَّدَ في تَكْلِيفِ المُمْلِي حَيْثُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الأمْرِ بِالِاتِّقاءِ والنَّهْيِ عَنِ البَخْسِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّواعِي إلى المَنهِيِّ عَنْهُ فَإنَّ الإنْسانَ مَجْبُولٌ عَلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ ما أمْكَنَ. وفِي (مِنهُ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ (يَبْخَسْ) و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ فَلَمّا قُدِّمَتْ عَلَيْهِ نُصِبَتْ حالًا، و(شَيْئًا) إمّا مَفْعُولٌ بِهِ وإمّا مَصْدَرٌ. ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ صَرَّحَ بِذَلِكَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ الكَشْفِ لا لِأنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ لِغَيْرِهِ، وعَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ وجَبَ و(اَلْحَقُّ) فاعِلٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عَلَيْهِ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا و﴿الحَقُّ﴾ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اِسْمِيَّةً، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ لِأنَّها صِلَةُ المَوْصُولِ ﴿سَفِيهًا﴾ أيْ عاجِزًا أحْمَقَ قالَهُ اِبْنُ زَيْدٍ، أوْ جاهِلًا بِالإمْلالِ قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ مُبَذِّرًا لِمالِهِ ومُفْسِدًا لِدِينِهِ قالَهُ الشّافِعِيُّ ﴿أوْ ضَعِيفًا﴾ أيْ صَبِيًّا، أوْ شَيْخًا خَرِفًا، ﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُفْرَدٍ هو خَبَرٌ (كانَ) لِتَأْوِيلِها بِالمُفْرِدِ أيْ أوْ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِلْإمْلاءِ بِنَفْسِهِ لِخَرَسٍ، كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْ لِما هو أعَمُّ مِنهُ ومِنَ الجَهْلِ بِاللُّغَةِ وسائِرِ العَوارِضِ المانِعَةِ، والضَّمِيرُ البارِزُ تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (أنْ يُمِلَّ) وفائِدَةُ التَّوْكِيدِ بِهِ رَفْعُ المَجازِ الَّذِي كانَ يَحْتَمِلُهُ إسْنادُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ والتَّنْصِيصُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ فاعِلٌ لِ (يُمِلَّ) وتَغْيِيرَ الأُسْلُوبِ اِعْتِناءٌ بِشَأْنِ النَّفْيِ، ولا يَخْفى حُسْنُ الإدْغامِ هُنا والفَكُّ فِيما تَقَدَّمَ، ومِثْلُهُ الفَكُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ﴾ أيْ مُتَوَلِّي أمْرِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ خُصُوصُ الوَلِيِّ الشَّرْعِيِّ فَيَشْمَلُ القِيَمَ والوَكِيلَ والمُتَرْجِمَ، والإقْرارُ عَنِ الغَيْرِ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مَقْبُولٌ، وفَرْقٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإقْرارِ عَلى الغَيْرِ فاعْرِفْهُ ﴿بِالعَدْلِ﴾ بَيْنَ صاحِبِ الحَقِّ والمَوْلى عَلَيْهِ فَلا يَزِيدُ ولا يُنْقِصُ ولَمْ يُكَلَّفْ بِعَيْنِ ما كُلِّفَ بِهِ مِن غَيْرِ الحَقِّ لِأنَّهُ يُتَوَقَّعُ مِنهُ الزِّيادَةُ كَما يُتَوَقَّعُ مِنهُ البَخْسُ. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَصِيُّ ذِمِّيًّا ولا فاسِقًا، وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا أوِ اِمْرَأةً، لِأنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ في الأوْلِياءِ إلّا العَدالَةُ، ذَكَرَهُ اِبْنُ الفَرَسِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. ومِنَ النّاسِ مَنِ اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾، ﴿ولا يَأْبَ﴾ عَلى وُجُوبِ الكِتابَةِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ والجُبّائِيُّ والرُّمّانِيُّ، إلّا أنَّهم قالُوا: إنَّها واجِبَةٌ عَلى الكِفايَةِ، وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الحَسَنِ، وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: واجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُبَ إذا أُمِرَ، وقِيلَ: هي مَندُوبَةٌ، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّها كانَتْ واجِبَةً ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ. ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ أيِ اُطْلُبُوهُما لِيَتَحَمَّلا الشَّهادَةَ عَلى ما جَرى بَيْنَكُما، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ السِّينُ والتّاءُ زائِدَتَيْنِ أيِ اِشْهَدُوا؛ وفي اِخْتِيارِ صِيغَةِ المُبالَغَةِ إيماءٌ إلى طَلَبِ مَن تَكَرَّرَتْ مِنهُ الشَّهادَةُ فَهو عالِمٌ بِمَوْقِعِها مُقْتَدِرٌ عَلى أدائِها وكَأنَّ فِيهِ رَمْزًا إلى العَدالَةِ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنَ الشَّخْصِ عِنْدَ الحُكّامِ إلّا وهو مَقْبُولٌ عِنْدَهم ولَعَلَّهُ لَمْ يَقُلْ رَجُلَيْنِ لِذَلِكَ، والأمْرُ لِلنَّدْبِ أوْ لِلْوُجُوبِ عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (اسْتَشْهِدُوا) و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِشَهِيدَيْنِ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُصَدَّرِ بِهِمُ الآيَةُ، وفي ذِكْرِ الرِّجالِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ دَلالَةٌ عَلى اِشْتِراطِ الإسْلامِ والبُلُوغِ والذُّكُورَةِ في الشّاهِدَيْنِ والحُرِّيَّةِ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الرِّجالِ الكامِلُونَ والأرِقّاءِ بِمَنزِلَةِ البَهائِمِ، وأيْضًا خِطاباتُ الشَّرْعِ لا تَنْتَظِمُ العَبِيدَ بِطَرِيقِ العِبارَةِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، وذَهَبَ الإمامِيَّةُ إلى عَدَمِ اِشْتِراطِ الحُرِّيَّةِ في قَبُولِ الشَّهادَةِ، وإنَّما صفحة 58 الشَّرْطُ فِيهِ عِنْدَهُمُ الإسْلامُ والعَدالَةُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ شُرَيْحٌ وابْنُ سِيرِينَ وأبُو ثَوْرٍ وعُثْمانُ البَتِّيُّ وهو خِلافُ المَرْوِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ شَهادَةَ العَبْدِ في شَيْءٍ ولَمْ تَتَعَرَّضْ الآيَةُ لِشَهادَةِ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وأجازَ ذَلِكَ قِياسًا الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وإنِ اِخْتَلَفَتْ مِلَلُهم. ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا﴾ أيِ الشَّهِيدانِ ﴿رَجُلَيْنِ﴾ أيْ لَمْ يُقْصَدْ إشْهادُهُما ولَوْ كانا مَوْجُودَيْنِ والحُكْمُ مِن قَبِيلِ نَفْيِ العُمُومِ لا عُمُومِ النَّفْيِ وإلّا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ واِمْرَأتانِ، أوْ فَرَجُلٌ واِمْرَأتانِ يَشْهَدُونَ أوْ يَكُفُّونَ، أوْ فالشّاهِدُ رَجُلٌ واِمْرَأتانِ، أوْ فَلْيُسْتَشْهَدْ رَجُلٌ واِمْرَأتانِ، أوْ فَلْيَكُنْ رَجُلٌ واِمْرَأتانِ شُهُودًا، وإنْ جُعِلَتْ يَكُنْ تامَّةً اُسْتُغْنِيَ عَنْ تَقْدِيرِ شُهُودٍ، وكِفايَةُ الرَّجُلِ والمَرْأتَيْنِ في الشَّهادَةِ فِيما عَدا الحُدُودِ والقِصاصِ عِنْدَنا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ في الأمْوالِ خاصَّةً لا في غَيْرِها كَعَقْدِ النِّكاحِ، وقالَ مالِكٌ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ أُولَئِكَ في الحُدُودِ ولا القِصاصِ ولا الوَلاءِ ولا الإحْصانِ، وتَجُوزُ في الوِكالَةِ والوَصِيَّةِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها عِتْقٌ، وأمّا قَبُولُ شَهادَةِ النِّساءِ مُفْرَداتٍ فَقَدْ قالُوا بِهِ في الوِلادَةِ والبَكارَةِ والِاسْتِهْلالِ وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ مِمّا بُيِّنَ في الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ، وقُرِئَ (واِمْرَأْتانِ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِاجْتِماعِ المُتَحَرِّكاتِ. ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ (رَجُلٌ واِمْرَأتانِ) أيْ كائِنُونَ مِمَّنْ تَرْضَوْنَهُمْ، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ هُنا مَعَ تَحَقُّقِ اِعْتِبارِهِ في كُلِّ شَهِيدٍ لِقِلَّةِ اِتِّصافِ النِّساءِ بِهِ فَلا يُرَدُّ ما في «اَلْبَحْرِ» مِن أنَّ جَعْلَهُ صِفَةً لِلْمَذْكُورِ يُشْعِرُ بِانْتِفاءِ هَذا الوَصْفِ عَنْ شَهِيدَيْنِ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِشَهِيدَيْنِ وضُعِّفَ بِالفَصْلِ الواقِعِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن رِجالِكم بِتَكْرِيرِ العامِلِ وضُعِّفَ بِالفَصْلِ أيْضًا، واخْتارَ أبُو حَيّانَ تَعَلُّقَهُ بِ (اسْتَشْهِدُوا) لِيَكُونَ قَيْدًا في الجَمِيعِ ويَلْزَمَهُ الفَصْلُ بَيْنَ اِشْتِراطِ المَرْأتَيْنِ وتَعْلِيلِهِ وهو كَما تَرى، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: لِلْحُكّامِ ولَمْ يَقُلْ مِنَ المَرْضِيِينَ لِإفْهامِهِ اِشْتِراطَ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ ولا طَرِيقَ لَنا إلى مَعْرِفَتِهِ فَإنَّ لَنا الظّاهِرُ واَللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى السَّرائِرَ. ﴿مِنَ الشُّهَداءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ أيْ مِمَّنْ تَرْضَوْنَهم حالَ كَوْنِهِمْ كائِنِينَ بَعْضُ الشُّهَداءِ لِعِلْمِكم بِعَدالَتِهِمْ، وإدْراجُ النِّساءِ في الجَمْعِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ. ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ بَيانٌ لِحِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الحُكْمِ واشْتِراطِ العُدَدِ في النِّساءِ أيْ شُرِعَ ذَلِكَ إرادَةَ أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى إنْ ضَلَّتْ إحْداهُما لِما أنَّ النِّسْيانَ غالِبٌ عَلى طَبْعِ النِّساءِ لِكَثْرَةِ الرُّطُوبَةِ في أمْزِجَتِهِنَّ، وقُدِّرَتِ الإرادَةُ لِما أنَّ قَيْدَ الطَّلَبِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا لِلْآمِرِ وباعِثًا عَلَيْهِ، ولَيْسَ هو هُنا إلّا إرادَةَ اللَّهِ تَعالى لِلْقَطْعِ بِأنَّ الضَّلالَ والتَّذْكِيرَ بَعْدَهُ لَيْسَ هو الباعِثُ عَلى الأمْرِ بَلْ إرادَةُ ذَلِكَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ النِّسْيانَ وعَدَمَ الِاهْتِداءِ لِلشَّهادَةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بِالإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ سِيَّما وقَدْ أُمِرَ بِالِاسْتِشْهادِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الإرادَةَ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالضَّلالِ نَفْسِهِ أعْنِي عَدَمَ الِاهْتِداءِ لِلشَّهادَةِ بَلْ بِالضَّلالِ المُرَتَّبِ عَلَيْهِ الإذْكارُ، ومِن قَواعِدِهِمْ أنَّ القَيْدَ هو مَصَبُّ الغَرَضِ فَصارَ كَأنَّهُ عَلَّقَ الإرادَةَ بِالإذْكارِ المُسَبِّبِ عَنِ الضَّلالِ والمُرَتَّبِ عَلَيْهِ فَيَؤُولُ التَّعْلِيلُ إلى ما ذَكَرْنا، وهَذا أوْلى مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ في الجَوابِ مِن أنَّ المُرادَ مِنَ الضَّلالِ الإذْكارُ لِأنَّ الضَّلالَ سَبَبٌ لِلْإذْكارِ فَأُطْلِقَ السَّبَبُ وأُرِيدَ المُسَبِّبَ لِظُهُورِ أنَّهُ لا يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ مَعْنًى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ قِيلَ: والنُّكْتَةُ في إيثارِ ﴿أنْ تَضِلَّ﴾ الخ عَلى أنْ تُذَكِّرَ إنْ ضَلَّتِ الإيماءُ إلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ الإذْكارِ بِحَيْثُ صارَ صفحة 59 ما هو مَكْرُوهٌ كَأنَّهُ مَطْلُوبٌ لِأجْلِهِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مُفْضِيًا إلَيْهِ، و(إحْداهُما) الثّانِيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ فاعِلَ (تُذَكِّرَ) ولَيْسَ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إذْ لَيْسَتِ المُذَكِّرَةُ هي النّاسِيَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا لِ (تُذَكِّرَ) والأُخْرى فاعِلًا ولَيْسَ مِن قَبِيلِ ضَرَبَ مُوسى عِيسى كَما وُهِمَ حَتّى يَتَعَيَّنَ الأوَّلُ بَلْ مِن قَبِيلِ أرْضَعَتِ الصُّغْرى الكُبْرى لِأنَّ سَبْقَ إحْداهُما بِعُنْوانِ نِسْبَةِ الضَّلالِ رافِعٌ لِلضَّلالِ، والسَّبَبُ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ التَّنْبِيهُ عَلى الِاهْتِمامِ بِتَذْكِيرِ الضّالِّ ولِهَذا كَما قِيلَ عُدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الظّاهِرِ لِأنَّ التَّقْدِيمَ حِينَئِذٍ لا يُنَبِّهُ عَلى الِاهْتِمامِ كَما يُنَبِّهُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ الظّاهِرِ الَّذِي لَوْ أُخِّرَ لَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ سِوى وضْعِهِ مَوْضِعَهُ الأصْلِيَّ. وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ العُدُولَ عَنْ فَتُذَكِّرُها الأُخْرى وهي قِراءَةُ اِبْنِ مَسْعُودٍ كَما رَواهُ الأعْمَشُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِتَأْكِيدِ الإبْهامِ والمُبالَغَةِ في الِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ اِخْتِصاصِ الضَّلالِ بِإحْداهُما بِعَيْنِها والتَّذْكِيرِ بِالأُخْرى، وأبْعَدَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ المَغْرِبِيُّ في هَذا المَقامِ فَجَعَلَ ضَمِيرَ (إحْداهُما) الأُولى راجِعًا إلى الشَّهادَتَيْنِ، وضَمِيرَ (إحْداهُما) الأُخْرى إلى المَرْأتَيْنِ فالمَعْنى أنْ تَضِلَّ إحْدى الشَّهادَتَيْنِ، أيْ تَضِيعَ بِالنِّسْيانِ فَتُذَكِّرَ إحْدى المَرْأتَيْنِ الأُخْرى مِنهُما وأيَّدَهُ الطَّبَرْسِيُّ بِأنَّهُ لا يُسَمّى ناسِي الشَّهادَةِ ضالًّا، وإنَّما يُقالُ: ضَلَّتِ الشَّهادَةُ إذا ضاعَتْ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ”ضَلُّوا عَنّا“ أيْ ضاعُوا مِنّا، وعَلَيْهِ يَكُونُ الكَلامُ عارِيًا عَنْ شائِبَةِ تَوَهُّمِ الإضْمارِ في مَقامِ الإظْهارِ رَأْسًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لا يَكُونُ لِإحْداهُما أُخْرى في الكَلامِ مَعَ حُصُولِ التَّفْكِيكِ وعَدَمِ الِانْتِظامِ، وما ذُكِرَ في التَّأْيِيدِ يُنْبِئُ عَنْ قِلَّةِ الِاطِّلاعِ عَلى اللُّغَةِ، فَفي «نِهايَةِ اِبْنِ الأثِيرِ» وغَيْرِها إطْلاقُ الضّالِّ عَلى النّاسِي، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ في الآيَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ والرَّبِيعِ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ، ويَقْرُبُ هَذا في الغَرابَةِ مِمّا قِيلَ: إنَّهُ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ وهو ما حُكِيَ عَنِ اِبْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ مَعْنى ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ الخ فَتَجْعَلَ إحْداهُما الأُخْرى ذَكَرًا، يَعْنِي أنَّهُما إذا اِجْتَمَعَتا كانَتا بِمَنزِلَةِ الذَّكَرِ، فَإنَّ فِيهِ قُصُورًا مِن جِهَةِ المَعْنى واللَّفْظُ لِأنَّ التَّذْكِيرَ في مُقابَلَةِ النِّسْيانِ مَعْنًى مَكْشُوفٌ وغَرَضٌ بَيِّنٌ، ورِعايَةُ العَدَدِ لِأنَّ النِّسْوَةَ مَحَلُّ النِّسْيانِ كَذَلِكَ، ولِأنَّ جَعْلَها ذَكَرًا مَجازٌ عَنْ إقامَتِها مَقامَ الذَّكَرِ ثُمَّ تَجُوزُ ثانِيًا لِأنَّهُما القائِمَتانِ مَقامَهُ فَلَمْ تُجْعَلْ إحْداهُما الأُخْرى قائِمَةً مَقامَهُ -وبَعْدَ التَّجَوُّزِ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ- لِأنَّ الِاحْتِياجَ إلى اِقْتِرانِ ذَكَرٍ البَتَّةَ مَعَهُما. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ﴾ يُنْبِئانِ عَنْ قُصُورِهِما عَنْ ذَلِكَ أيْضًا والتِزامِ تَوْجِيهِ مِثْلِ ذَلِكَ، وعَرْضُهُ في سُوقِ القَبُولِ لا يُعَدُّ فَضْلًا بَلْ هو عِنْدَ أرْبابِ الذَّوْقِ عَيْنُ الفُضُولِ، ولَقَدْ رَأيْتُ في «طِرازِ المَجالِسِ» أنَّ الخَفاجِيَّ سَألَ قاضِيَ القُضاةِ شِهابَ الدِّينِ الغَزْنَوِيَّ عَنْ سِرِّ تَكْرارِ (إحْدى) مُعَرِّضًا بِما ذَكَرَهُ المَغْرِبِيُّ، فَقالَ: يا رَأْسَ أهْلِ العُلُومِ السّادَةِ البَرَرَهْ ومَن نَداهُ عَلى كُلِّ الوَرى نَشَرَهْ ما سِرُّ تَكْرارِ إحْدى دُونَ تَذَكُّرِها ∗∗∗ في آيَةٍ لِذَوِي الأشْهادِ في البَقَرَهْ وظاهِرُ الحالِ إيجازُ الضَّمِيرِ عَلى ∗∗∗ تَكْرارِ (إحْداهُما) لَوْ أنَّهُ ذَكَرَهْ وحَمْلُ الإحْدى عَلى نَفْسِ الشَّهادَةِ في ∗∗∗ أوْلاهُما لَيْسَ مَرْضِيًّا لَدى المَهَرَهْ فَغُصْ بِفِكْرِكَ لِاسْتِخْراجِ جَوْهَرِهِ ∗∗∗ مِن بَحْرِ عِلْمِكَ ثُمَّ اِبْعَثْ لَنا دُرَرَهْ فَأجابَ القاضِي صفحة 60 يا مَن فَوائِدُهُ بِالعِلْمِ مُنْتَشِرَهْ ∗∗∗ ومِن فَضائِلِهِ في الكَوْنِ مُشْتَهِرَهْ يا مَن تَفَرَّدَ في كَشْفِ العُلُومِ لَقَدْ ∗∗∗ وافى سُؤالُكَ والأسْرارُ مُسْتَتِرَهْ (تَضِلُّ إحْداهُما) فالقَوْلُ مُحْتَمَلٌ ∗∗∗ كِلَيْهِما فَهي لِلْإظْهارِ مُفْتَقِرَهْ ولَوْ أتى بِضَمِيرٍ كانَ مُقْتَضِيًا ∗∗∗ تَعْيِينَ واحِدَةٍ لِلْحُكْمِ مُعْتَبِرَهْ ومَن رَدَدْتُمْ عَلَيْهِ الحَلَّ فَهو كَما ∗∗∗ أشَرْتُمْ لَيْسَ مَرْضِيًّا لِمَن سَبَرَهْ هَذا الَّذِي سَمَحَ الذِّهْنُ الكَلِيلُ بِهِ ∗∗∗ واَللَّهُ أعْلَمُ في الفَحْوى بِما ذَكَرَهْ وقُرِئَ ﴿أنْ تَضِلَّ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والتَّأْنِيثِ، وقُرِئَ (فَتُذاكِرَ) وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ (فَتُذْكِرْ) بِسُكُونِ الذّالِ وكَسْرِ الكافِ، وحَمْزَةُ (إنْ تَضِلَّ) عَلى الشَّرْطِ فَتُذَكِّرُ بِالرَّفْعِ وعَلى ذَلِكَ فالفِعْلُ مَجْزُومٌ والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والفاءُ في الجَزاءِ قِيلَ: لِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ وهو ضَمِيرُ القِصَّةِ أوِ الشَّهادَةِ، وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ لِأنَّ الجَزاءَ إذا كانَ مُضارِعًا مُثْبَتًا يَجُوزُ فِيهِ الفاءُ وتَرْكُهُ، وقِيلَ: الأوْجَهُ أنْ يُقَدَّرَ المُبْتَدَأُ ضَمِيرُ الذّاكِرَةِ و(إحْداهُما) بَدَلٌ عَنْهُ أوْ عَنِ الضَّمِيرِ في (تُذَكِّرَ) وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الأوْجَهُ مِن هَذا كُلِّهِ تَقْدِيرُ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ أيْ فَهُما تُذَكِّرُ إحْداهُما الأُخْرى وعَلَيْهِ كَلامُ كَثِيرٍ مِنَ المُعْرِبِينَ، والقائِلُونَ عَنْ ذَلِكَ تَفَرَّقُوا لَمّا رَأوْا تَنْظِيرَ الزَّمَخْشَرِيِّ قِراءَةَ الرَّفْعِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ ولَمْ يَتَفَطَّنُوا بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو مِن جِهَةِ تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ بَعْدَ الفاءِ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ لا مِن جِهَةِ خُصُوصِ الضَّمِيرِ إفْرادًا وتَثْنِيَةً واَللَّهُ تَعالى المُلْهِمُ لِلرَّشادِ، فَتَدَبَّرْ. ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ لِأداءِ الشَّهادَةِ أوْ لِتَحَمُّلِها وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وخَصَّ ذَلِكَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ بِالأوَّلِ وهو الظّاهِرُ لِعَدَمِ اِحْتِياجِهِ إلى اِرْتِكابِ المَجازِ إلّا أنَّ المَرْوِيَّ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ كانَ الرَّجُلُ يَطُوفُ في القَوْمِ الكَثِيرِ فَيَدْعُوهم إلى الشَّهادَةِ فَلا يَتْبَعُهُ أحَدٌ مِنهم فَإنَّ ظاهِرَهُ يَسْتَدْعِي القَوْلَ بِمَجازِ المُشارَفَةِ، و(ما) صِلَةٌ وهي قاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ بَعْدَ إذا. ﴿ولا تَسْأمُوا﴾ أيْ تَمَلُّوا أوْ تَضْجَرُوا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: سَئِمْتُ تَكالِيفَ الحَياةِ ومَن يَعِشْ ∗∗∗ ثَمانِينَ حَوْلًا لا أبا لَكَ يَسْأمِ ﴿أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ أيِ الدَّيْنَ أوِ (اَلْحَقَّ) أوِ الكِتابَ المُشْعِرَ بِهِ الفِعْلُ والمُنْسَبِكُ مَفْعُولٌ بِهِ لِ (تَسْأمُوا) ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ السَّأمِ الكَسَلِ إلّا أنَّهُ كَنّى بِهِ عَنْهُ لِأنَّهُ وقَعَ في القُرْآنِ صِفَةً لِلْمُنافِقِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ ولِذا وقَعَ في الحَدِيثِ: «”لا يَقُولُ المُؤْمِنُ كَسِلْتُ وإنَّما يَقُولُ ثَقُلْتُ“». وقُرِئَ (ولا يَسْأمُوا أنْ يَكْتُبُوهُ) بِالياءِ فِيهِما. ﴿صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا﴾ حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ عَلى كُلِّ حالٍ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا مُجْمَلًا أوْ مُفَصَّلًا، وقِيلَ: مَنصُوبانِ عَلى أنَّهُما خَبَرا كانَ المُضْمَرَةِ وقُدِّمَ الصَّغِيرُ عَلى الكَبِيرِ اِهْتِمامًا بِهِ وانْتِقالًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى. ﴿إلى أجَلِهِ﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ في تَكْتُبُوهُ أيْ مُسْتَقِرًّا في ذِمَّةِ المَدِينِ إلى وقْتِ حُلُولِهِ الَّذِي أقَرَّ بِهِ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِ (تَكْتُبُوهُ) لِعَدَمِ اِسْتِمْرارِ الكِتابَةِ إلى الأجَلِ إذْ هي مِمّا يَنْقَضِي في زَمَنٍ يَسِيرٍ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الكُتُبِ وهو الأقْرَبُ أوِ الإشْهادُ وهو الأبْعَدُ أوْ جَمِيعُ ما ذُكِرَ وهو الأحْسَنُ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿أقْسَطُ﴾ أيْ أعْدَلُ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ سُبْحانَهُ ﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ أثْبَتُ لَها وأعْوَنُ عَلى إقامَتِها وأدائِها وهُما مَبْنِيّانِ مِن أقْسَطَ وأقامَ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ فَإنَّهُ يُجِيزُ بِناءَ أفْعَلَ مِنَ الأفْعالِ مِن غَيْرِ شُذُوذٍ، وقِيلَ: مِن قاسِطٍ بِمَعْنى ذِي قِسْطٍ وقَوِيمٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: قَسَطَ يَكُونُ بِمَعْنى جارَ وعَدَلَ، وأقْسَطَ صفحة 61 بِمَعْنى عَدَلَ لا غَيْرَ حَكاهُ اِبْنُ القَطّاعِ وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ في أقْسَطَ وقِيلَ: هو مِن قَسُطَ بِوَزْنِ كَرُمَ بِمَعْنى صارَ ذا قِسْطٍ أيْ عَدْلٍ، وإنَّما صَحَّتِ الواوُ في أقْوَمَ ولَمْ يَقُلْ أقامَ، لِأنَّها لَمْ تُقْلَبْ في فِعْلِ التَّعَجُّبِ نَحْوَ ما أقْوَمَهُ لِجُمُودِهِ إذْ هو لا يَتَصَرَّفُ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ يُناسِبُهُ مَعْنًى فَحُمِلَ عَلَيْهِ ﴿وأدْنى ألا تَرْتابُوا﴾ أيْ أقْرَبَ إلى اِنْتِفاءِ رَيْبِكم وشَكِّكم في جِنْسِ الدَّيْنِ وقَدْرِهِ وأجَلِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قِيلَ: وهَذا حِكْمَةُ خَلْقِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، والكِرامُ الكاتِبِينَ مَعَ أنَّهُ الغَنِيُّ الكامِلُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ تَعْلِيمًا لِلْعِبادِ وإرْشادًا لِلْحُكّامِ، وحَرْفُ الجَرِّ مُقَدَّرٌ هُنا وهو (إلى) كَما سَمِعْتَ وقِيلَ: اللّامُ، وقِيلَ: مِن، وقِيلَ فِي، ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ. ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ﴾ اِسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ الأمْرِ بِالكِتابَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ إلى هُنا جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ أيْ لَكِنْ وقْتَ كَوْنِ تَدايِنِكم أوْ تِجارَتِكم تِجارَةً حاضِرَةً بِحُضُورِ البَدَلَيْنِ تُدِيرُونَها بَيْنَكم بِتَعاطِيها يَدًا بِيَدٍ كَذا قِيلَ. وفي «اَلدُّرِّ المَصُونِ» يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اِسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِنَ الِاسْتِشْهادِ فَيَكُونُ قَدْ أُمِرَ بِالِاسْتِشْهادِ في كُلِّ حالٍ إلّا في حالِ حُضُورِ التِّجارَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ اِسْتِثْناءٌ مِن هَذا وذاكَ وهو مُنْقَطِعٌ أيْضًا، أيْ: لَكِنَّ التِّجارَةَ الحاضِرَةَ يَجُوزُ فِيها عَدَمُ الِاسْتِشْهادِ والكِتابَةِ؛ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ولَعَلَّ الأوَّلُ أوْلى، ونَصَبَ عاصِمٌ (تِجارَةً) عَلى أنَّها خَبَرُ (تَكُونُ) واسْمُها مُسْتَتِرٌ فِيها يَعُودُ إلى التِّجارَةِ، كَما قالَ الفَرّاءُ وعَوْدُ الضَّمِيرِ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً جارٍ في فَصِيحِ الكَلامِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَعُودُ إلى المُدايَنَةِ والمُعامَلَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ، وعَلَيْهِ فالتِّجارَةُ مَصْدَرٌ لِئَلّا يَلْزَمَ الإخْبارُ عَنِ المَعْنى بِالعَيْنِ، ورَفَعَها الباقُونَ عَلى أنَّها اِسْمُ ﴿تَكُونَ﴾ والخَبَرُ جُمْلَةُ ﴿تُدِيرُونَها﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿تَكُونَ﴾ تامَّةً، فَجُمْلَةُ ﴿تُدِيرُونَها﴾ صِفَةٌ. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها﴾ أيْ فَلا مَضَرَّةَ عَلَيْكم أوْ لا إثْمَ في عَدَمِ كِتابَتِكم لَها لِبُعْدِ ذَلِكَ عَنِ التَّنازُعِ والنِّسْيانِ، أوْ لِأنَّ في تَكْلِيفِكُمُ الكِتابَةَ حِينَئِذٍ مَشَقَّةً جِدًّا وإدْخالُ الفاءِ لِلْإيذانِ بِتَعَلُّقِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها. ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ أيْ هَذا التَّبايُعَ المَذْكُورَ أوْ مُطْلَقًا ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ نَهْيٌ عَنِ المُضارَّةِ، والفِعْلُ يَحْتَمِلُ البِناءَ لِلْفاعِلِ والبِناءَ لِلْمَفْعُولِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِراءَةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (ولا يُضارِرْ) بِالفَكِّ والكَسْرِ، وقِراءَةُ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالفَكِّ والفَتْحِ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: نُهِيَ الكاتِبُ والشّاهِدُ عَنْ تَرْكِ الإجابَةِ إلى ما يُطْلَبُ مِنهُما وعَنِ التَّحْرِيفِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وعَلى الثّانِي: النَّهْيُ عَنِ الضِّرارِ بِهِما بِأنْ يُعَجَّلا عَنْ مُهِمٍّ أوْ لا يُعْطى الكاتِبُ حَقَّهُ مِنَ الجُعْلِ أوْ يَحْمِلَ الشّاهِدُ مَؤُونَةَ المَجِيءِ مِن بَلَدٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ الخ كانَ أحَدُهم يَجِيءُ إلى الكاتِبِ فَيَقُولُ: اُكْتُبْ لِي فَيَقُولُ: إنِّي مَشْغُولٌ أوْ لِي حاجَةٌ فانْطَلِقْ إلى غَيْرِي، فَيُلْزِمُهُ ويَقُولُ: إنَّكَ قَدْ أُمِرْتَ أنْ تَكْتُبَ لِي فَلا يَدَعُهُ ويُضارُّهُ بِذَلِكَ، وهو يَجِدُ غَيْرَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ وحَمَلَ بَعْضِهِمُ الصِّيغَةَ عَلى المَعْنَيَيْنِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ الحَسَنُ ولا (يُضارِّ) بِالكَسْرِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نَفْيٌ بِمَعْنى النَّهْيِ. ﴿وإنْ تَفْعَلُوا﴾ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ الضِّرارِ أوْ مِنهُ ومِن غَيْرِهِ وبَعِيدٌ وُقُوعُهُ مِنكم ﴿فَإنَّهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الفِعْلَ ﴿فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أيْ خُرُوجٌ عَنْ طاعَةٍ مُتَلَبَّسٌ بِكُمْ، وجُوِّزَ كَوْنُ الباءِ لِلظَّرْفِيَّةِ، قِيلَ: وهو أبْلَغُ إذْ جَعَلُوا مَحَلًّا لِلْفِسْقِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أحْكامَهُ المُتَضَمِّنَةَ لِمَصالِحِكم ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [ 282 ] فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكم وهو مُجازِيكم بِذَلِكَ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كَرَّرَ سُبْحانَهُ الِاسْمَ الجَلِيلَ في الجُمَلِ الثَّلاثِ وقَدِ اِسْتَكْرَهُوا مِثْلَ قَوْلِهِ: صفحة 62 فَما لِلنَّوى جُذَّ النَّوى قُطِعَ النَّوى ∗∗∗ حَتّى قِيلَ: سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شاةٌ تَأْكُلُ نَواهُ؟ أُجِيبَ بِأنَّ التَّكْرِيرَ مِنهُ المُسْتَحْسَنُ ومِنهُ المُسْتَقْبَحُ، فالمُسْتَحْسَنُ كُلُّ تَكْرِيرٍ يَقَعُ عَلى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ أوِ التَّحْقِيرِ في جُمَلٍ مُتَوالِياتٍ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، والمُسْتَقْبَحُ هو أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ أوْ في جُمَلٍ بِمَعْنًى، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ التَّعْظِيمُ والتَّحْقِيرُ، وما في البَيْتِ مِنَ القِسْمِ الثّانِي لِأنَّ جُذَّ النَّوى قُطِعَ النَّوى فِيهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وما في الآيَةِ دُرَّةُ تاجِ القِسْمِ الأوَّلِ، لِأنَّ ”اتَّقُوا اللَّهَ“ حَثٌّ عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ وعْدٌ بِإنْعامِهِ سُبْحانَهُ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، ومِن هُنا عَلِمْتَ وجْهَ العَطْفِ فِيها مِنَ اِخْتِلافِها في الظّاهِرِ خَبَرًا وإنْشاءً، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ الجُمْلَةِ الوُسْطى حالًا مِن فاعِلِ ”اتَّقُوا“ أيِ اِتَّقَوُا اللَّهَ مَضْمُونًا لَكُمُ التَّعْلِيمُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، والأوْلى ما قَدَّمَنا لِقِلَّةِ اِقْتِرانِ الفِعْلِ المُضارِعِ المُثْبَتِ الواقِعِ حالًا بِالواوِ.

البقرة 2:283

﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ أيْ مُسافِرِينَ فَفِيهِ اِسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ تَمَكُّنَهم في السَّفَرِ بِتَمَكُّنِ الرّاكِبِ مِن مَرْكُوبِهِ ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا﴾ يَكْتُبُ لَكم حَسْبَما بُيِّنَ قَبْلُ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ أوْ حالٌ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ (كُتُبًا)، والحَسَنُ وابْنُ عَبّاسٍ (كُتّابًا) جَمْعُ كاتِبٍ ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أيْ فاَلَّذِي يُسْتَوْثَقُ بِهِ أوْ فَعَلَيْكم أوْ فَلْيُؤْخَذْ أوْ فالمَشْرُوعُ رِهانٌ وهو جَمْعُ رَهْنٍ وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المَرْهُونِ مِن بابِ إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى اِسْمِ المَفْعُولِ ولَيْسَ هَذا التَّعْلِيقُ لِاشْتِراطِ السَّفَرِ وعَدَمِ الكاتِبِ في شَرْعِيَّةِ الِارْتِهانِ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَهَنَ دِرْعَهُ في المَدِينَةِ مِن يَهُودِيٍّ عَلى ثَلاثِينَ صاعًا مِن شَعِيرٍ» كَما في البُخارِيِّ بَلْ لِإقامَةِ التَّوَثُّقِ بِالِارْتِهانِ مَقامَ التَّوَثُّقِ بِالكَتَبَةِ في السَّفَرِ الَّذِي هو مَظِنَّةُ إعْوازِها، وأخَذَ مُجاهِدٌ بِظاهِرِ الآيَةِ فَذَهَبَ إلى أنَّ الرَّهْنَ لا يَجُوزُ إلّا في السَّفَرِ وكَذا الضَّحّاكُ فَذَهَبَ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ في السَّفَرِ إلّا عِنْدَ فَقْدِ الكاتِبِ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِحالِ الشّاهِدِ لِما أنَّهُ في حُكْمِ الكاتِبِ تَوَثُّقًا وإعْوازًا، والجُمْهُورُ عَلى وُجُوبِ القَبْضِ في تَمامِ الرَّهْنِ، وذَهَبَ مالِكٌ إلى أنَّهُ يَتِمُّ بِالإيجابِ والقَبُولِ ويَلْزَمُ الرّاهِنَ بِالعَقْدِ تَسْلِيمُهُ ويُشْتَرَطُ عِنْدَهُ بَقاؤُهُ في يَدِ المُرْتَهِنِ حَتّى لَوْ عادَ إلى يَدِ الرّاهِنِ بِأنْ أوْدَعَهُ المُرْتَهِنُ إيّاهُ أوْ أعادَهُ لَهُ إعادَةً مُطْلَقَةً فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الرَّهْنِ فَلَوْ قامَ الغُرَماءُ وهو بِيَدِ الرّاهِنِ عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مَثَلًا كانَ أُسْوَةً لِلْغُرَماءِ فِيهِ وكَأنَّهُ إنَّما ذَهَبَ إلى ذَلِكَ لِما في الرَّهْنِ مِنَ اِقْتِضاءِ الدَّوامِ أنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: فالخُبْزُ واللَّحْمُ لَهُنَّ راهِنُ وقَهْوَةٌ راوُوقُها ساكِبُ وفِي التَّعْبِيرِ بِمَقْبُوضَةٍ دُونَ تَقْبِضُونَها إيماءٌ إلى الِاكْتِفاءِ بِقَبْضِ الوَكِيلِ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى قَبْضِ المُرْتَهِنِ نَفْسِهِ وقُرِئَ (فَرُهُنٌ) كَسُقُفٍ وهو جَمْعُ رَهْنٍ أيْضًا، وقُرِئَ بِسُكُونِ الهاءِ تَخْفِيفًا. ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ بَعْضُ الدّائِنِينَ بَعْضَ المَدْيُونِينَ بِحُسْنِ ظَنِّهِ سَفَرًا أوْ حَضَرًا فَلَمْ يَتَوَثَّقْ بِالكِتابَةِ والشُّهُودِ والرَّهْنِ، وقَرَأ أُبَيٌّ (فَإنْ أُومِنَ) أيْ آمَنُهُ النّاسُ ووَصَفُوا المَدْيُونَ بِالأمانَةِ والوَفاءِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّوَثُّقِ مِن مِثْلِهِ، و﴿بَعْضًا﴾ عَلى هَذا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ كَما قِيلَ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ وهو المَدْيُونُ وعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ العُنْوانِ لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِلْإعْلامِ ولِحَمْلِهِ عَلى الأداءِ ﴿أمانَتَهُ﴾ أيْ دَيْنَهُ، والضَّمِيرُ لِرَبِّ الدَّيْنِ أوْ لِلْمَدْيُونِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ، والأمانَةُ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى الدَّيْنِ الَّذِي في الذِّمَّةِ وإنَّما سُمِّيَ أمانَةً وهو مَضْمُونٌ لِائْتِمانِهِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الِارْتِهانِ بِهِ. صفحة 63 وقُرِئَ (اَلَّذِيتُمِنَ) بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وعَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ (اَلَّذِتُّمِنَ) بِإدْغامِ الياءِ في التّاءِ، وقِيلَ: هو خَطَأٌ لِأنَّ المُنْقَلِبَةَ عَنِ الهَمْزَةِ في حُكْمِها فَلا يُدْغَمُ، ورُدَّ بِأنَّهُ مَسْمُوعٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ نَقَلَ اِبْنُ مالِكٍ جَوازَهُ لِأنَّهُ قالَ: إنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى السَّماعِ، ومِنهُ قِراءَةُ اِبْنُ مُحَيْصِنٍ (اُتُّمِنَ) ونَقَلَ الصّاغانِيُّ أنَّ القَوْلَ بِجَوازِهِ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، ووَرَدَ مِثْلُهُ في كَلامِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وهي مِنَ الفُصَحاءِ المَشْهُودِ لَهُمْ، فَفي البُخارِيِّ عَنْها: «كانَ ﷺ يَأْمُرُنِي فَأتَّزِرُ ”،» فالمُخْطِئُ مُخْطِئٌ ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في الخِيانَةِ وإنْكارِ الحَقِّ، وفي الجَمْعِ بَيْنَ عُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ وصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّحْذِيرِ ما لا يَخْفى، وقَدْ أمَرَ سُبْحانَهُ بِالتَّقْوى عِنْدَ الوَفاءِ حَسْبَما أمَرَ بِها عِنْدَ الإقْرارِ تَعْظِيمًا لِحُقُوقِ العِبادِ وتَحْذِيرًا عَمّا يُوجِبُ وُقُوعَ الفَسادِ. ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ أيْ لا تُخْفُوها بِالِامْتِناعِ عَنْ أدائِها إذا دُعِيتُمْ إلَيْها وهو خِطابٌ لِلشُّهُودِ المُؤْمِنِينَ كَما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِ وجَعَلَهُ خِطابًا لِلْمَدْيُونِينَ عَلى مَعْنى لا تَكْتُمُوا شَهادَتَكم عَلى أنْفُسِكم بِأنْ تُقِرُّوا بِالحَقِّ عِنْدَ المُعامَلَةِ، أوْ لا تَحْتالُوا بِإبْطالِ شَهادَةِ الشُّهُودِ عَلَيْكم بِالجَرْحِ ونَحْوِهِ عِنْدَ المُرافَعَةِ خِلافَ الظّاهِرِ المَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ، وقُرِئَ (يَكْتُمُوا) عَلى الغَيْبَةِ. ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) راجِعٌ إلى (مَن) وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: إنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، و(آثِمٌ) خَبَرُ (إنَّ) وقَلْبُهُ فاعِلٌ لَهُ لِاعْتِمادِهِ ولا يَجِيءُ هَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الضَّمِيرَ لِلشَّأْنِ لِأنَّهُ لا يُفَسَّرُ إلّا بِالجُمْلَةِ والوَصْفِ مَعَ مَرْفُوعِهِ لَيْسَ بِجُمْلَةٍ عِنْدِ البَصْرِيِّ، والكُوفِيُّ يُجِيزُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَلْبُهُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ) وعَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ وأنْ يَكُونَ لِمَن وقِيلَ: (آثِمٌ) خَبَرُ (إنَّ) وفِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ إنَّهُ وقَلْبُهُ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: (آثِمٌ) مُبْتَدَأٌ و(قَلْبُهُ) فاعِلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ)، وهَذا جائِزٌ عِنْدَ الفَرّاءِ مِنَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ مِنَ البَصْرِيِّينَ وجُمْهُورُ النُّحاةِ لا يُجَوِّزُونَهُ وأضافَ الآثِمَ إلى القَلْبِ مَعَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: (فَإنَّهُ آثِمٌ) لَتَمَّ المَعْنى مَعَ الِاخْتِصارِ، لِأنَّ الآثِمَ بِالكِتْمانِ وهو مِمّا يَقَعُ بِالقَلْبِ وإسْنادِ الفِعْلِ بِالجارِحَةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِها أبْلَغُ، ألّا تَراكَ تَقُولُ إذا أرَدْتَ التَّوْكِيدَ هَذا مِمّا أبْصَرَتْهُ عَيْنِي ومِمّا سَمِعَتْهُ أُذُنِي ومِمّا عَرَفَهُ قَلْبِي؟ ولِأنَّ الإثْمَ وإنْ كانَ مَنسُوبًا إلى جُمْلَةِ الشَّخْصِ لَكِنَّهُ اُعْتُبِرَ الإسْنادُ إلى هَذا الجُزْءِ المَخْصُوصِ مُتَجَوِّزًا بِهِ عَنِ الكُلِّ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأجْزاءِ ورَئِيسُها، وفِعْلُهُ أعْظَمُ مِن أفْعالِ سائِرِ الجَوارِحِ، فَيَكُونُ في الكَلامِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الكِتْمانَ مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: أسْنَدَ الإثْمَ إلى القَلْبِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ كِتْمانَ الشَّهادَةِ مِنَ الآثامِ المُتَعَلِّقَةِ بِاللِّسانِ فَقَطْ ولِيُعْلَمْ أنَّ القَلْبَ أصْلُ مُتَعَلِّقِهِ ومَعْدِنُ اِقْتِرافِهِ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أثَرَ الكِتْمانِ يَظْهَرُ في قَلْبِهِ كَما جاءَ في الخَبَرِ: «“ إذا أذْنَبَ العَبْدُ يَحْدُثُ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ وكُلَّما أذْنَبَ زادَ ذَلِكَ حَتّى يَسْوَدَّ ذَلِكَ بِتَمامِهِ»، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ يَفْسُدُ قَلْبُهُ فَيَفْسُدُ بَدَنُهُ كُلُّهُ، فَقَدْ ورَدَ «”إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ“،» والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ (قَلْبَهُ) بِالنَّصْبِ عَلى التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ. و(آثِمٌ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ بَدَلًا مِنَ اِسْمِ إنَّ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وبَعْضُهم كَوْنَهُ تَمْيِيزًا واسْتَبْعَدَهُ أبُو البَقاءِ، وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ أيْ جَعَلَهُ آثِمًا. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن كِتْمانِ الشَّهادَةِ وأدائِها عَلى وجْهِها وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿عَلِيمٌ﴾ [ 283 ] فَيُجازِيكم بِذَلِكَ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

البقرة 2:284

صفحة 64 ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مِنَ الأُمُورِ الدّاخِلَةِ في حَقِيقَتِهِما والخارِجَةِ عَنْهُما كَيْفَ كانَتْ أيْ كُلُّها مِلْكٌ لَهُ تَعالى ومُخْتَصَّةٌ بِهِ فَلَهُ أنْ يُلْزِمَ مَن شاءَ مِن مَمْلُوكاتِهِ بِما شاءَ مِن تَكْلِيفاتِهِ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنَّ يَقُولَ المالُ مالِي أتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ شِئْتُ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ كالدَّلِيلِ لِما قَبْلَها ﴿وإنْ تُبْدُوا﴾ أيْ تُظْهِرُوا لِلنّاسِ ﴿ما في أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ ما حَصَلَ فِيها حُصُولًا أصْلِيًّا بِحَيْثُ يُوجِبُ اِتِّصافَها بِهِ كالمَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ كالحَسَدِ والكِبْرِ والعَجَبِ والكُفْرانِ وكِتْمانِ الشَّهادَةِ ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ بِأنْ لا تُظْهِرُوهُ. ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ أيْ يُجازِيكم بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا تَصَوُّرُ المَعاصِي والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ فَهو لِعَدَمِ إيجابِهِ اِتِّصافَ النَّفْسِ بِهِ لا يُعاقَبُ عَلَيْهِ ما لَمْ يُوجَدْ في الأعْيانِ، وإلى هَذا الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَتَكَلَّمْ» أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعاقِبُ أُمَّتِي عَلى تَصَوُّرِ المَعْصِيَةِ وإنَّما يُعاقِبُ عَلى عَمَلِها، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الحَدِيثِ والآيَةِ خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَ ذَلِكَ ووَقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ لِدَفْعِهِ. ولا يُشْكِلُ عَلى هَذا أنَّهم قالُوا: إذا وصَلَ التَّصَوُّرُ إلى حَدِّ التَّصْمِيمِ والعَزْمِ يُؤاخَذُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ لِأنّا نَقُولُ: المُؤاخَذَةُ بِالحَقِيقَةِ عَلى تَصْمِيمِ العَزْمِ عَلى إيقاعِ المَعْصِيَةِ في الأعْيانِ وهو أيْضًا مِنَ الكَيْفِيّاتِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي تَلْحَقُ بِالمَلَكاتِ ولا كَذَلِكَ سائِرُ ما يَحْدُثُ في النَّفْسِ ونَظَمَهُ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ: مَراتِبُ القَصْدِ خَمْسٌ هاجِسٌ ذَكَرُوا فَخاطِرٌ فَحَدِيثُ النَّفْسِ فاسْتَمِعا يَلِيهِ هَمٌّ فَعَزْمٌ كُلُّها رُفِعَتْ ∗∗∗ سِوى الأخِيرِ فَفِيهِ الأخْذُ قَدْ وقَعا فالآيَةُ عَلى ما قَرَّرَنا مُحْكَمَةٌ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّها مَنسُوخَةٌ مُحْتَجًّا بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ الآيَةَ اِشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَثَوا عَلى الرَّكْبِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ الصَّلاةَ والصَّوْمَ والجِهادَ والصَّدَقَةَ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةَ ولا نُطِيقُها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكُمْ: سَمِعْنا وعَصَيْنا؟ بَلْ قُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ ”، فَلَمّا اِقْتَرَأها القَوْمُ وزَلَّتْ بِها ألْسِنَتُهم أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في إثْرِها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ الآيَةَ فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَها اللَّهُ تَعالى فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ الخ،» وصَحَّ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ مَرْوانَ الأصْغَرِ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [قالَ] أحْسَبُهُ اِبْنَ عُمَرَ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَةِ وذَلِكَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِوَجْهٍ، ويَكُونُ الحَدِيثُ إخْبارًا عَمّا كانَ بَعْدَ النَّسْخِ. واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّ النَّسْخَ مُخْتَصٌّ بِالإنْشاءِ ولا يَجْرِي في الخَبَرِ والآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي ومِن هُنا قالَ الطَّبَرْسِيُّ وأخْطَأ أنَّ الرِّواياتِ في النَّسْخِ كُلُّها ضَعِيفَةٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ النُّسَخَ لَمْ يَتَوَجَّهْ إلى مَدْلُولِ الخَبَرِ نَفْسِهِ سَواءٌ قُلْنا إنَّهُ مِمّا يَتَغَيَّرُ كَإيمانِ زَيْدٍ وكُفْرِ عَمْرٍو أمْ لا كَوُجُودِ الصّانِعِ وحُدُوثِ العالِمِ بَلْ إنَّ النَّهْيَ المَفْهُومَ مِنهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الصَّحابَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ««كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةَ ولا نُطِيقُها»» فَإنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّهم فَهِمُوا مِنَ الآيَةِ تَكْلِيفًا، والحُكْمُ الشَّرْعِيُّ المَفْهُومُ مِنَ صفحة 65 الخَبَرِ يَجُوزُ نَسْخُهُ بِالِاتِّفاقِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ العَضُدِ وغَيْرِهِ. وبَعْضُ مَنِ اِدَّعى أنَّ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ وتَوَقَّفَ في قَبُولِ هَذا الجَوابِ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ النَّسْخِ البَيانُ وإيضاحُ المُرادِ مَجازًا كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يُحْمَلُ ﴿ما في أنْفُسِكُمْ﴾ عَلى ما يَعُمُّ الوَساوِسَ الضَّرُورِيَّةَ وهو يَسْتَلْزِمُ التَّكْلِيفَ بِما لَيْسَ في الوُسْعِ واَللَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّهُ عَلى بُعْدِهِ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ ﷺ أقَرَّ الصَّحابَةَ عَلى ما فَهِمُوهُ وهو بِمَعْزِلٍ عَنْ مُرادِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَهم مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الِاضْطِرابِ والوَجَلِ الَّذِي جَثَوا بِسَبَبِهِ عَلى الرَّكْبِ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَلى بُعْدٍ بِأنَّهُ لا مَحْذُورَ في هَذا اللّازِمِ ويَلْتَزِمُ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ إقْرارِهِ ﷺ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ فَسَّرَ الرُّؤْيا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ، والسَّلامُ وقالَ: «“ أخْطَأْتُ أمْ أصَبْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ لَهُ ﷺ: أصَبْتَ بَعْضَها وأخْطَأْتَ بَعْضَها» ولَمْ يُبَيِّنْ لَهُ فِيما أصابَ وفِيما أخْطَأ لِأمْرٍ ما، ولَعَلَّهُ هُنا اِبْتِلاؤُهم وأنْ يُمَحِّصَ ما في صُدُورِهِمْ وهَذا عَلى العِلّاتِ أوْلى مِن حَمْلِ النَّسْخِ عَلى التَّخْصِيصِ لِاسْتِلْزامِهِ مَعَ ما فِيهِ وُقُوعَ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ إنْ تُعْلِنُوا ما في أنْفُسِكم مِنَ السُّوءِ، أوْ لَمْ تُعْلِنُوهُ بِأنْ تَأْتُوا بِهِ خُفْيَةً يُعاقِبْكُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ويَؤُولُ إلى قَوْلِنا إنْ تُدْخِلُوا الأعْمالَ السَّيِّئَةَ في الوُجُودِ ظاهِرًا أوْ خُفْيَةً يُحاسِبْكم بِها اللَّهُ تَعالى، أوْ إنْ تُظْهِرُوا ما في أنْفُسِكم مِن كِتْمانِ الشَّهادَةِ بِأنْ تَقُولُوا لِرَبِّ الشَّهادَةِ عِنْدَنا شَهادَةٌ ولَكِنْ نَكْتُمُها ولا نُؤَدِّيها لَكَ عِنْدَ الحُكّامِ، أوْ تُخْفُوهُ بِأنْ تَقُولُوا لَهُ لَيْسَ في عِلْمِنا خَبَرُ ما تُرِيدُ أنْ نَشْهَدَ بِهِ وأنْتُمْ كاذِبُونَ في ذَلِكَ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ وأُيِّدَ هَذا بِما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ قالَ: نَزَلَتْ في الشَّهادَةِ، وقِيلَ: الآيَةُ عَلى ظاهِرِها، و﴿ما في أنْفُسِكُمْ﴾ عَلى عُمُومِهِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَواطِرِ إلّا أنَّ مَعْنى ﴿يُحاسِبْكُمْ﴾ يُخْبِرْكم بِهِ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ عُدُّوا مِن جُمْلَةِ مَعْنى الحَسِيبِ العَلِيمِ، وجَمِيعُ هَذِهِ الأقْوالِ لا تَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، فَتَدَبَّرْ. وارْجِعْ إلى ذِهْنِكَ فَلا أخالُكَ تَجِدُ فَوْقَ ما ذَكَرْناهُ أوْ مِثْلَهُ في كِتابٍ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ، وأمّا تَقْدِيمُ الإبْداءِ عَلى الإخْفاءِ عَلى عَكْسِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ فَلَمّا قِيلَ: إنَّ المُعَلَّقَ بِما في أنْفُسِهِمْ هُنا المُحاسَبَةُ والأصْلُ فِيها الأعْمالُ البادِيَةُ، وأمّا العِلْمُ فَتَعَلُّقُهُ بِها كَتَعَلُّقِهِ بِالأعْمالِ الخافِيَةِ ولا يَخْتَلِفُ الحالُ عَلَيْهِ تَعالى بَيْنَ الأشْياءِ البارِزَةِ والكامِنَةِ بَلْ لا كامِنَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ خَلا أنَّ مَرْتَبَةَ الإخْفاءِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ الإبْداءِ [إذْ] ما مِن شَيْءٍ يَبْدُو إلّا وهو أوْ مُبادِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ مُضْمَرٌ في النَّفْسِ فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ. ﴿فَيَغْفِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ فَهو يَغْفِرُ بِفَضْلِهِ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِن عِبادِهِ ﴿ويُعَذِّبُ﴾ بِعَدْلِهِ. ﴿مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ مِن عِبادِهِ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ لِتَقَدُّمِ رَحْمَتِهِ عَلى غَضَبِهِ، وقَرَأ غَيْرُ اِبْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ويَعْقُوبَ بِجَزْمِ الفِعْلَيْنِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِنَصْبِهِما بِإضْمارِ أنْ وتَكُونُ هي وما في حَيِّزِها بِتَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ مِنَ الفِعْلِ السّابِقِ، والتَّقْدِيرُ تَكُنْ مُحاسَبَةٌ فَغُفْرانٌ وعَذابٌ، ومِنَ القَواعِدِ المُطَّرِدَةِ أنَّهُ إذا وقَعَ بَعْدَ جَزاءِ الشَّرْطِ فِعْلٌ بَعْدَ واوٍ أوْ فاءٍ جاءَ فِيهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ وقَدْ أشارَ لَها اِبْنُ مالِكٍ: والفِعْلُ مِن بَعْدِ الجَزا إنْ يَقْتَرِنْ ∗∗∗ بِالفاءِ أوِ الواوِ بِتَثْلِيثٍ قَمِن صفحة 66 وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ يَغْفِرُ ويُعَذِّبُ بِالجَزْمِ بِغَيْرِ فاءٍ، ووَجْهُهُ عِنْدَ القائِلِ بِجَوازِ تَعَدُّدِ الجَزاءِ كالخَبَرِ ظاهِرٌ، وأمّا عِنْدُ غَيْرِهِ فالجَزْمُ عَلى أنَّهُما بَدَلٌ مِن ﴿يُحاسِبْكُمْ﴾ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ أوِ الِاشْتِمالِ، فَإنَّ كُلًّا مِنَ المَغْفِرَةِ والتَّعْذِيبِ بَعْضٌ مِنَ الحِسابِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِ (يُحاسِبْكُمْ) ومُطْلَقُ الحِسابِ جامِعٌ لَهُما فَإنِ اُعْتُبِرَ جَمْعُهُ لَهُما عَلى طَرِيقِ اِشْتِمالِ الكُلِّ عَلى الأجْزاءِ يَكُونُ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ وإنِ اُعْتُبِرَ عَلى طَرِيقِ الشُّمُولِ كَشُمُولِ الكُلِّيِّ لِأفْرادِهِ يَكُونُ بَدَلَ اِشْتِمالٍ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِ (يُحاسِبْكُمْ) مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ فالبَدَلُ بَدَلُ اِشْتِمالٍ كَأُحِبُّ زَيْدًا عِلْمَهُ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُجازاةُ فالبَدَلُ بَدَلُ بَعْضٍ كَ ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى تَعَيُّنِ الِاشْتِمالِ، قالَ: ووُقُوعُهُ في الأفْعالِ صَحِيحٌ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى جِنْسٍ تَحْتَهُ أنْواعٌ يَشْتَمِلُ عَلَيْها ولِذَلِكَ إذا وقَعَ عَلَيْهِ النَّفْيُ اِنْتَفَتْ جَمِيعُ أنْواعِ ذَلِكَ الجِنْسِ، وأمّا بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ فَلا يُمْكِنُ في الفِعْلِ إذِ الفِعْلُ لا يَقْبَلُ التَّجَزِّي فَلا يُقالُ فِيهِ لَهُ كُلٌّ وبَعْضٌ إلّا بِمَجازٍ بَعِيدٍ، واعْتَرَضَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِظاهِرٍ لِأنَّ الكُلِّيَّةَ والبَعْضِيَّةَ صادِقَتانِ عَلى الجِنْسِ ونَوْعِهِ فَإنَّ الجِنْسَ كُلٌّ والنَّوْعَ بَعْضٌ فالصَّحِيحُ وُقُوعُ النَّوْعَيْنِ في الفِعْلِ وقَدْ قِيلَ بِهِما في قَوْلِهِ: مَتى تَأْتِنا تَلْمُمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ فَإنَّهم جَعَلُوا الإلْمامَ بَدَلًا مِنَ الإتْيانِ؛ إمّا بَدَلُ بَعْضٍ لِأنَّهُ إتْيانٌ لا تَوَقُّفٌ فِيهِ فَهو بَعْضُهُ، أوِ اِشْتِمالٍ لِأنَّهُ نُزُولٌ خَفِيفٌ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو إدْغامُ الرّاءِ في اللّامِ، وطَعَنَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في الطَّعْنِ في القِراءاتِ السَّبْعِ إذا لَمْ تَكُنْ عَلى قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ ومِن قَواعِدِهِمْ أنَّ الرّاءَ لا تُدْغَمُ إلّا في الرّاءِ لِما فِيها مِنَ التَّكْرارِ الفائِتِ بِالإدْغامِ في اللّامِ وقَدْ يُجابُ بِأنَّ القِراءاتِ السَّبْعَ مُتَواتِرَةٌ والنَّقْلَ بِالمُتَواتِرِ إثْباتٌ عِلْمِيٌّ، وقَوْلُ النُّحاةِ نَفْيٌ ظَنِّيٌّ ولَوْ سُلِّمَ عَدَمُ التَّواتُرِ فَأقَلُّ الأمْرِ أنْ تَثْبُتَ لُغَةً بِنَقْلِ العُدُولِ وتُرَجَّحَ بِكَوْنِهِ إثْباتًا، ونُقِلَ إدْغامُ الرّاءِ في اللّامِ عَنْ أبِي عَمْرٍو مِنَ الشُّهْرَةِ والوُضُوحِ بِحَيْثُ لا مَدْفَعَ لَهُ، ومِمَّنْ رَوى ذَلِكَ عَنْهُ أبُو مُحَمَّدٍ اليَزِيدِيُّ وهو إمامٌ في النَّحْوِ إمامٌ في القِراءاتِ إمامٌ في اللُّغاتِ، ووَجْهُهُ مِن حَيْثُ التَّعْلِيلُ ما بَيْنَهُما مِن شِدَّةِ التَّقارُبِ حَتّى كَأنَّهُما مَثَلانِ بِدَلِيلِ لُزُومِ إدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ في اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ إلّا أنَّهُ لَمَحَ تَكْرارَ الرّاءِ فَلَمْ يَجْعَلْ إدْغامَهُ في اللّامِ لازِمًا عَلى أنَّ مَنعَ إدْغامِ الرّاءِ في اللّامِ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقَدْ أجازَهُ الكُوفِيُّونَ وحَكَوْهُ سَماعًا، مِنهُمُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وأبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ، ولِسانُ العَرَبِ لَيْسَ مَحْصُورًا فِيما نَقَلَهُ البَصْرِيُّونَ فَقَطْ، والقُرّاءُ مِنَ الكُوفِيِّينَ لَيْسُوا بِمُنْحَطِّينَ عَنْ قُرّاءِ البَصْرَةِ وقَدْ أجازُوهُ عَنِ العَرَبِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ والرُّجُوعُ فِيهِ إلى عِلْمِهِمْ ونَقْلِهِمْ إذْ مَن عَلِمَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَعْلَمْ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ 284 ] تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ فَإنَّ كَمالَ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ مُوجِبٌ لِقُدْرَتِهِ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ المُحاسَبَةِ وما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِنَ المَغْفِرَةِ والتَّعْذِيبِ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ في نَفْيِ وُجُوبِ التَّعْذِيبِ حَيْثُ عُلِّقَ بِالمَشِيئَةِ واحْتِمالِ أنَّ تِلْكَ المَشِيئَةَ واجِبَةٌ كَمَن يَشاءُ صَلاةَ الفَرْضِ فَإنَّهُ لا يَقْتَضِي عَدَمَ الوُجُوبِ خِلافَ الظّاهِرِ.

البقرة 2:285

﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ الواضِحَةِ البُرْهانِ فَرْضَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، والطَّلاقَ والحَيْضَ والإيلاءَ والجِهادَ، وقِصَصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والدَّيْنَ والرِّبا، خَتَمَها بِهَذا تَعْظِيمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ وأتْباعِهِ، وتَأْكِيدًا وفَذْلَكَةً لِجَمِيعِ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِن قَبْلُ، وقَدْ شَهِدَ سُبْحانَهُ وتَعالى هُنا لِمَن تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ بِكَمالِ الإيمانِ وحُسْنِ الطّاعَةِ واتِّصافِهِمْ بِذَلِكَ بِالفِعْلِ، وذِكْرُهُ ﷺ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ مَعَ ذِكْرِهِ هُناكَ صفحة 67 بِطَرِيقِ الخِطابِ لِما أنَّ حَقَّ الشَّهادَةِ الباقِيَةِ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ أنْ لا يُخاطَبَ بِها المَشْهُودُ لَهُ ولَمْ يَتَعَرَّضْ سُبْحانَهُ هَهُنا لِبَيانِ فَوْزِهِمْ بِمَطالِبِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حَكى عَنْهم مِنَ الدَّعَواتِ الآتِيَةِ إيذانًا بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ لا سِيَّما بَعْدَ ما نَصَّ عَلَيْهِ فِيما سَلَفَ، وإيرادُهُ ﷺ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ دُونَ تَعَرُّضٍ لِاسْمِهِ الشَّرِيفِ تَعْظِيمٌ لَهُ وتَمْهِيدٌ لِما يُذْكَرُ بَعْدَهُ. أخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «وحُقَّ لَهُ أنْ يُؤْمِنَ»» وفي رِوايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ وهي شاهِدٌ لِحَدِيثِ أنَسٍ ««فَيَنْجَبِرُ اِنْقِطاعُهُ ويَحِقُّ لَهُ أنْ يُؤْمِنَ»». ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها، والمُرادُ إيمانُهُ بِذَلِكَ إيمانًا تَفْصِيلِيًّا، وأجْمَلَهُ إجْلالًا لِمَحَلِّهِ ﷺ وإشْعارًا بِأنَّ تَعَلُّقَ إيمانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَفاصِيلِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ وإحاطَتَهُ بِجَمِيعِ ما اِنْطَوى عَلَيْهِ مِمّا لا يَكْتَنِهُ كُنْهَهُ ولا تَصِلُ الأفْكارُ وإنْ حَلَّقَتْ إلَيْهِ قَدْ بَلَغَ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ اُسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ واكْتُفِيَ عَنْ بَيانِهِ، وفي تَقْدِيمِ الِانْتِهاءِ عَلى الِابْتِداءِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ ما لا يَخْفى مِنَ التَّعْظِيمِ لِقَدْرِهِ الشَّرِيفِ والتَّنْوِيهِ بِرِفْعَةِ مَحَلِّهِ المُنِيفِ، ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الرَّسُولِ مَرْفُوعًا بِالفاعِلِيَّةِ فَيُوقَفُ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في «اَلْمَصاحِفِ» عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قَرَأ (وآمَنَ المُؤْمِنُونَ) وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ؛ وسَوَّغَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ كَوْنُها في تَقْدِيرِ الإضافَةِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، و(كُلٌّ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و(آمَنَ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ والرّابِطُ مُقَدَّرٌ ولا يَجُوزُ كَوْنُ (كُلٌّ) تَأْكِيدًا لِأنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّهُ لا يَكُونُ تَأْكِيدًا لِلْمَعْرِفَةِ إلّا إذا أُضِيفَ لَفْظًا إلى ضَمِيرِها، ورُجِحَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّهُ أقَضى لِحَقِّ البَلاغَةِ وأوْلى في التَّلَقِّي بِالقَبُولِ لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ حِينَئِذٍ يَكُونُ أصْلًا في حُكْمِ الإيمانِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، والمُؤْمِنُونَ تابِعُونَ لَهُ ويا فَخْرُهم بِذَلِكَ، ويَلْزَمُ عَلى الوَجْهِ في الثّانِي أنَّ حُكْمَ المُؤْمِنِينَ أقْوى مِن حُكْمِ الرَّسُولِ ﷺ لِكَوْنِ جُمْلَتِهِمْ اِسْمِيَّةً ومُؤَكَّدَةً، وعُورِضَ بِأنَّ في الثّانِي إيذانًا بِتَعْظِيمِ الرَّسُولِ ﷺ وتَأْكِيدًا لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ إيمانِهِ ﷺ المَبْنِيِّ عَلى المُشاهَدَةِ والعِيانِ وبَيْنَ إيمانِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ النّاشِئِ عَنِ الحُجَّةِ والبُرْهانِ مِنَ التَّفاوُتِ البَيِّنِ والفَرْقُ الواضِحُ كَأنَّهُما مُخْتَلِفانِ مِن كُلِّ وجْهٍ حَتّى في هَيْئَةِ التَّرْكِيبِ؛ ويَلْزَمُ عَلى الأوَّلِ: أنَّهُ إنْ حُمِلَ كُلٌّ مِنَ الإيمانَيْنِ عَلى ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ ﷺ مِن حَيْثُ الذّاتُ ومِن حَيْثُ التَّعَلُّقُ اِسْتَحالَ إسْنادُهُما إلى غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وضاعَ التَّكْرِيرُ، وإنْ حُمِلَ عَلى ما يَلِيقُ بِشَأْنِ آحادِ الأُمَّةِ كانَ ذَلِكَ حَطًّا لِرُتْبَتِهِ العَلِيَّةِ وإذا حُمِلا عَلى ما يَلِيقُ بِكُلٍّ واحِدٍ مِمّا نُسِبا إلَيْهِ ذاتًا وتَعَلُّقًا بِأنْ يُحْمَلا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ عَلى الإيمانِ العِيانِيِّ المُتَعَلِّقِ بِجَمِيعِ التَّفاصِيلِ وبِالنِّسْبَةِ إلى آحادِ الأُمَّةِ عَلى الإيمانِ المُكْتَسَبِ مِن مِشْكاتِهِ ﷺ واللّائِقِ بِحالِهِمْ مِنَ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ كانَ اِعْتِسافًا بَيِّنًا يُنَزَّهُ عَنْهُ التَّنْزِيلُ والشُّبْهَةُ، الَّتِي ظُنَّتْ مُعارَضَةٌ مَدْفُوعَةٌ بِأنَّ الإتْيانَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ تَكْرارِ الإسْنادِ المُقَوِّي لِلْحُكْمِ لِما في الحُكْمِ بِإيمانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى الوَجْهِ الآتِي مِن نَوْعِ خَفاءٍ مُحْوَجٌ لِذَلِكَ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في (آمَنَ) مَعَ رُجُوعِهِ إلى كُلِّ المُؤْمِنِينَ لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ إيمانِ كُلِّ فَرْدٍ فَرُدَّ مِنهم مِن غَيْرِ اِعْتِبارِ الِاجْتِماعِ كَما اِعْتُبِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ وهو أبْعَدُ عَنِ التَّقْلِيدِ الَّذِي هو إنْ لَمْ يَجْرَحْ خَدَشَ، أيْ كُلُّ واحِدٍ صفحة 68 مِنهم عَلى حِيالِهِ آمِنٌ. ﴿بِاللَّهِ﴾ أيْ صَدَّقَ بِهِ وبِصِفاتِهِ ونَفى التَّشْبِيهَ عَنْهُ وتَنْزِيهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِكِبْرِيائِهِ مِن نَحْوِ الشَّرِيكِ في الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ومَلائِكَتِهِ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهم مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ، مِن شَأْنِهِمُ التَّوَسُّطُ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ الرُّسُلِ بِإنْزالِ الكُتُبِ وإلْقاءِ الوَحْيِ، ولِهَذا ذُكِرُوا في النَّظْمِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ مِن حَيْثُ مَجِيئُهُما مِنهُ تَعالى عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِشَأْنِ كُلٍّ مِنهُما، ويَلْزَمُ الإيمانُ التَّفْصِيلِيُّ فِيما عُلِمَ تَفْصِيلًا مِن كُلٍّ مِن ذَلِكَ والإجْمالِيُّ فِيما عُلِمَ إجْمالًا، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ هَهُنا الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ﴾ الخ لِانْدِراجِهِ في الإيمانِ بِكُتُبِهِ والثَّوانِي كَثِيرًا ما يُخْتَصَرُ فِيها. وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (وكِتابُهُ) بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ بِحَمْلِ الإضافَةِ عَلى العَهْدِ أوْ يُرادُ الجِنْسُ فَلا يُخْتَصُّ بِهِ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ إمامُ الحَرَمَيْنِ واَلزَّمَخْشَرِيُّ، ورُوِيَ عَنِ الإمامِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اِسْتِغْراقَ المُفْرَدِ أشْمَلُ مِنَ اِسْتِغْراقِ الجَمْعِ لِأنَّ المُفْرِدَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الآحادِ اِبْتِداءً فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنهُ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا بِخِلافِ الجَمْعِ فَإنَّهُ يَسْتَغْرِقُ الجُمُوعَ أوَّلًا وبِالذّاتِ ثُمَّ يَسْرِي إلى الآحادِ وهَذا المَبْحَثُ مِن مُعْضِلاتِ عِلْمِ المَعانِي وقَدْ فُرِغَ مِن تَحْقِيقِهِ هُناكَ. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مُسْنَدٍ إلى ضَمِيرِ (كُلٌّ) مُراعًى فِيهِ اللَّفْظُ فَيُفْرَدُ أوِ المَعْنى فَيُجْمَعُ، ولَعَلَّهُ أوْلى والجُمْلَةُ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ (آمَنَ) أوْ مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِ (كُلٌّ) أيْ يَقُولُونَ، أوْ يَقُولُ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ رُسُلِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ نُؤْمِنَ بِبَعْضٍ ونَكْفُرَ بِبَعْضٍ كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابَيْنِ بَلْ نُؤْمِنَ بِهِمْ جَمِيعًا ونُصَدِّقَ بِصِحَّةِ رِسالَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم وقَيَّدُوا إيمانَهم بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْصِيصًا عَلى مُخالَفَةِ أُولَئِكَ المُفَرِّقِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِإظْهارِ الإيمانِ بِما كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ. ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ القائِلِينَ هم آحادُ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً إذْ يَبْعُدُ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ ﷺ أنْ يَقُولَ لا أُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وهو يُرِيدُ إظْهارَ إيمانِهِ بِرِسالَةِ نَفْسِهِ وتَصْدِيقِهِ في دَعْواها، ومَنِ اِعْتَبَرَ إدْراجَ الرَّسُولِ في (كُلٌّ) واسْتَبْعَدَ هَذا قالَ بِالتَّغْلِيبِ هَهُنا، ومَن لَمْ يَسْتَبْعِدْ إذْ كانَ ﷺ يَأْتِي بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ كَما يَأْتِي بِها سائِرُ النّاسِ أوْ يُبَدِّلُ العِلْمَ فِيها بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لَمْ يَحْتَجْ إلى القَوْلِ بِالتَّغْلِيبِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الكُتُبِ لِاسْتِلْزامِ المَذْكُورِ إيّاهُ وإنَّما لَمْ يَعْكِسْ مَعَ تَحَقُّقِ التَّلازُمِ لِما أنَّ الأصْلَ في تَفْرِيقِ المُفَرِّقِينَ هو الرِّسْلُ، وكُفْرُهم بِالكُتُبِ مُتَفَرِّعٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِهِمْ، وإيثارُ إظْهارِ الرُّسُلِ عَلى الإضْمارِ الواقِعِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ إمّا لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ اِنْدِراجِ المَلائِكَةِ ولَوْ عَلى بُعْدٍ في الحُكْمِ وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَأْسٌ إلّا أنَّهُ لَيْسَ في التَّعَرُّضِ لَهُ كَثِيرُ جَدْوى، إذْ لا مُزاحِمَ في الظّاهِرِ، وإنْ كانَ فَقَلِيلٌ أوْ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ أوْ لِلْإيماءِ إلى عُنْوانِهِ لِأنَّ المُعْتَبَرَ عَدَمُ التَّفْرِيقِ مِن حَيْثُ الرِّسالَةُ دُونَ سائِرِ الحَيْثِيّاتِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ (لا يُفَرِّقُ) بِالياءِ عَلى لَفْظِ (كُلٌّ) وقُرِئَ (لا يُفَرِّقُونَ) حَمْلًا عَلى مَعْناهُ، والجُمْلَةُ نَفْسُها حِينَئِذٍ حالٌ أوْ خَبَرٌ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في القَوْلِ المُقَدَّرِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ هُنا، والكَلامُ عَلى (أحَدٍ) وإدْخالُ (بَيْنَ) عَلَيْهِ قَدْ سَبَقَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ . ﴿وقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى (آمَنَ) والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى وهو حِكايَةٌ لِامْتِثالِهِمُ الأوامِرَ والنَّواهِيَ إثْرَ حِكايَةِ إيمانِهِمْ ﴿سَمِعْنا﴾ أيْ أجَبْنا وهو المَعْنى صفحة 69 العُرْفِيُّ لِلسَّمْعِ ﴿وأطَعْنا﴾ وقَبِلْنا عَنْ طَوْعِ ما دَعَوْتَنا إلَيْهِ في الأوامِرِ والنَّواهِي، وقِيلَ: (سَمِعْنا) ما جاءَنا مِنَ الحَقِّ وتَيَقَّنّا بِصِحَّتِهِ، و(أطَعْنا) ما فِيهِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ أيِ اِغْفِرْ غُفْرانَكَ ما يُنْقِصُ حُظُوظَنا لَدَيْكَ، أوْ نَسْألُكَ غُفْرانَكَ ذَلِكَ، فَغُفْرانٌ مَصْدَرٌ إمّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى لِما في الثّانِي مِن تَقْدِيرِ الفِعْلِ الخاصِّ المَحُوجِ إلى اِعْتِبارِ القَرِينَةِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ السَّمْعِ عَلى الطّاعَةِ لِتَقَدُّمِ العامِّ عَلى الخاصِّ، أوْ لِأنَّ التَّكْلِيفَ طَرِيقُهُ السَّمْعُ والطّاعَةُ بَعْدَهُ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِهِما عَلى طَلَبِ الغُفْرانِ لِما أنَّ تَقَدُّمَ الوَسِيلَةِ عَلى المَسْؤُولِ أقْرَبُ إلى الإجابَةِ والقَبُولِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ قَدْ تَقَدَّمَ سِرُّهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [ 285 ] أيِ الرُّجُوعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، والجُمْلَةُ قِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ فَمِنكَ المَبْدَأُ وإلَيْكَ المَصِيرُ وهي تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ لِلْحاجَةِ إلى المَغْفِرَةِ وفِيها إقْرارٌ بِالمَعادِ الَّذِي لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ قَبْلُ.

البقرة 2:286

﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ إخْبارًا مِنهُ تَعالى بَعْدَ تَلَقِّيهِمْ لِتَكالِيفِهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والقَبُولِ بِما لَهُ عَلَيْهِمْ في ضِمْنِ التَّكْلِيفِ مِن مَحاسِنِ آثارِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ اِبْتِداءً لا بَعْدَ السُّؤالِ كَما سَيَجِيئُ والتَّكْلِيفُ إلْزامُ ما فِيهِ كُلْفَةٌ ومَشَقَّةٌ، والوُسْعُ ما تَسَعُهُ قُدْرَةُ الإنْسانِ أوْ ما يَسْهُلُ عَلَيْهِ مِنَ المَقْدُورِ وهو ما دُونُ مَدى طاقَتِهِ أيْ سُنَّتِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا مِنَ النُّفُوسِ إلّا ما تُطِيقُ وإلّا ما هو دُونَ ذَلِكَ كَما في سائِرِ ما كَلَّفَنا بِهِ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ مَثَلًا فَإنَّهُ كَلَّفَنا خَمْسَ صَلَواتٍ والطّاقَةُ تَسَعُ سِتًّا وزِيادَةً، وكَلَّفَنا صَوْمَ رَمَضانَ والطّاقَةُ تَسَعُ شَعْبانَ مَعَهُ وفَعَلَ ذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ ورَحْمَةً بِالعِبادِ أوْ كَرامَةً ومِنَّةً عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ خاصَّةً. وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ (وُسَعَها) بِفَتْحِ السِّينِ، والآيَةُ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ لا عَلى اِمْتِناعِهِ، أمّا عَلى الأوَّلِ: فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِي: فَبِطَرِيقِ الأوْلى، وقِيلَ: إنَّها عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الخِطابَ حِينَئِذٍ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا دَلِيلَ فِيها عَلى اِمْتِناعِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ كَما وُهِمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ بَعْضُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ ورُبَّما يَأْتِيكَ ما يَنْفَعُكَ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ جُمْلَةٌ أُخْرى مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِلتَّرْغِيبِ والمُحافَظَةِ عَلى مَواجِبِ التَّكْلِيفِ والتَّحْذِيرِ عَنِ الإخْلالِ بِها بِبَيانِ أنَّ تَكْلِيفَ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ مُقارَنَتِهِ لِنِعْمَةِ التَّخْفِيفِ والتَّيْسِيرِ يَتَضَمَّنُ مُراعاتَهُ مَنفَعَةً زائِدَةً وأنَّها تَعُودُ إلَيْها لا إلى غَيْرِها ويَسْتَتْبِعُ الإخْلالَ بِها مَضَرَّةٌ تَحِيقُ بِها لا بِغَيْرِها فَإنَّ اِخْتِصاصَ مَنفَعَةِ الفِعْلِ بِفاعِلِهِ مَن أقْوى الدَّواعِي إلى تَحْصِيلِهِ، واقْتِصارُ مَضَرَّتِهِ عَلَيْهِ مِن أشَدِّ الزَّواجِرِ عَنْ مُباشَرَتِهِ، قالَهُ المَوْلى مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ قُدِّسَ سِرُّهُ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الجُمْلَتانِ في حَيِّزِ القَوْلِ ويَكُونُ ذَلِكَ حِكايَةً لِلْأقْوالِ المُتَفَرِّقَةِ غَيْرِ المَعْطُوفَةِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ويَكُونُ مَدْحًا لَهم بِأنَّهم شَكَرُوا اللَّهَ تَعالى في تَكْلِيفِهِ حَيْثُ يَرَوْنَهُ بِأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ وُسْعِهِمْ وبِأنَّهم يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْتَفِعُ بِعَمَلِهِمُ الخَيْرَ بَلْ هو لَهم ولا يَتَضَرَّرُ بِعَمَلِهِمُ الشَّرَّ بَلْ هو عَلَيْهِمْ ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ مِن جِهَةٍ قَرِيبٌ مِن أُخْرى، والضَّمِيرُ في (لَها) لِلنَّفْسِ العامَّةِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو ثَوابٌ في الأوَّلِ وعِقابٌ في الآخِرِ، ومُبَيِّنُ (ما) الأُولى: الخَيْرُ لِدَلالَةِ اللّامِ الدّالَّةِ عَلى النَّفْعِ عَلَيْهِ، ومُبَيِّنُ (ما) الثّانِيَةِ: الشَّرُّ لِدَلالَةِ عَلى الدّالَّةِ عَلى الضُّرِّ عَلَيْهِ، وإيرادُ الِاكْتِسابِ في جانِبِ الأخِيرِ لِما فِيهِ مِن زِيادَةِ المَعْنى وهو الِاعْتِمالُ، والشَّرُّ تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وتَنْجَذِبُ إلَيْهِ فَكانَتْ أجَدَّ في تَحْصِيلِهِ، صفحة 70 فَفِيهِ إشارَةٌ إلى ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ ذَلِكَ في الخَيْرِ اِسْتَعْمِلِ الصِّيغَةَ المُجَرَّدَةَ عَنِ الِاعْتِمالِ. ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ بَقِيَّةِ دَعَواتِهِمْ إثْرَ بَيانِ سِرِّ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: اِسْتِيفاءٌ لِحِكايَةِ الأقْوالِ، وفي «اَلْبَحْرِ» وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ الأمْرِ، أيْ قُولُوا في دُعائِكم ذَلِكَ فَهو تَعْلِيمٌ مِنهُ تَعالى لِعِبادِهِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ والطَّلَبِ مِنهُ وهَذا مِن غايَةِ الكَرَمِ ونِهايَةِ الإحْسانِ يُعَلِّمُهُمُ الطَّلَبَ لِيُعْطِيَهم ويُرْشِدَهم لِلسُّؤالِ لِيُثِيبَهُمْ، ولِذَلِكَ قِيلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ: لَوْ لَمْ تُرِدْ نَيْلَ ما أرْجُو وأطْلُبُهُ مِن فَيْضِ جُودِكَ ما عَلَّمْتَنِي الطَّلَبا والمُؤاخَذَةُ المُعاقَبَةُ، وفاعَلَ هُنا بِمَعْنى فَعَلَ، وقِيلَ: المُفاعَلَةُ عَلى بابِها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُؤاخِذُ المُذْنِبَ بِالعُقُوبَةِ، والمُذْنِبُ كَأنَّهُ يُؤاخِذُ رَبَّهُ بِالمُطالَبَةِ بِالعَفْوِ إذْ لا يَجِدُ مَن يُخَلِّصُهُ مِن عَذابِهِ سِواهُ فَلِذَلِكَ يَتَمَسَّكُ العَبْدُ عِنْدَ الخَوْفِ مِنهُ بِهِ فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ بِلَفْظِ المُؤاخَذَةِ ولا يَخْفى فَسادُ هَذا إلّا بِتَكَلُّفٍ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنَ النِّسْيانِ والخَطَأِ عَلى وُجُوهٍ، الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الأوَّلِ التُّرْكُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ولَمْ أكُ عِنْدَ الجُودِ لِلْجُودِ قالِيا ∗∗∗ ولا كُنْتُ يَوْمَ الرَّوْعِ لِلطَّعْنِ ناسِيا والمُرادُ مِنَ الثّانِي العِصْيانُ لِأنَّ المَعاصِيَ تُوصَفُ بِالخَطَأِ الَّذِي هو ضِدُّ الصَّوابِ وإنْ كانَ فاعِلُها (مُتَعَمِّدًا) كَأنَّهُ قِيلَ: رَبَّنا لا تُعاقِبْنا عَلى تَرْكِ الواجِباتِ وفِعْلِ المَنهِيّاتِ، الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُما ما هُما مُسَبَّبانِ عَنْهُ مِنَ التَّفْرِيطِ والإغْفالِ إذْ قَلَّما يَتَّفِقانِ إلّا عَنْ تَقْصِيرٍ سابِقٍ، فالمَعْنى لا تُؤاخِذْنا بِذَلِكَ التَّقْصِيرِ. الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهِما أنْفُسَهُما مِن حَيْثُ تَرَتُّبُهُما عَلى ما ذَكَرَ، أوْ مُطْلَقًا إذْ لا اِمْتِناعَ في المُؤاخَذَةِ بِهِما عَقْلًا فَإنَّ المَعاصِيَ كالسُّمُومِ فَكَما أنَّ تَناوُلَها ولَوْ سَهْوًا أوْ خَطَأً مُؤَدٍّ إلى الهَلاكِ فَتَعاطِي المَعاصِي أيْضًا لا يَبْعُدُ أنْ يُفْضِيَ إلى العِقابِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَزِيمَةٍ ولَكِنَّهُ تَعالى وعَدَ التَّجاوُزَ عَنْهُ رَحْمَةً مِنهُ وفَضْلًا، فَيَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ الإنْسانُ بِهِ اِسْتِدامَةً واعْتِدادًا بِالنِّعْمَةِ فِيهِ‘ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ ﷺ فِيما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ، وقالَ النَّوَوِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما أُكْرِهُوا عَلَيْهِ ”،» وأوْرَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ لا يُتِمُّ عَلى مَذْهَبِ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ مِن أنَّ التَّكْلِيفَ بِغَيْرِ المَقْدُورِ غَيْرُ جائِزٍ عَقْلًا مِنهُ تَعالى إذْ لا يَكُونُ تَرْكُ المُؤاخَذَةِ عَلى الخَطَأِ والنِّسْيانِ حِينَئِذٍ فَضْلًا يُسْتَدامُ ونِعْمَةً يُعْتَدُّ بِها. ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ أيْ عِبْئًا ثَقِيلًا يَأْصِرُ صاحِبَهُ، أيْ يَحْبِسُهُ مَكانَهُ، والمُرادُ بِهِ التَّكالِيفُ الشّاقَّةُ، وقِيلَ: الإصْرُ الذَّنْبُ الَّذِي لا تَوْبَةَ لَهُ فالمَعْنى اِعْصِمْنا مِنَ اِقْتِرافِهِ، وقُرِئَ (آصارًا) عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ أُبَيٌّ (ولا تُحَمِّلْ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ حَمْلًا مِثْلَ حَمْلِكَ إيّاهُ عَلى مَن قَبْلَنا، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ (إصْرًا) أيْ إصْرًا مِثْلَ الإصْرِ الَّذِي حَمَلْتَهُ عَلى مَن قَبْلَنا وهو ما كُلَّفَهُ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَتْلِ النَّفْسِ في التَّوْبَةِ أوْ في القِصاصِ لِأنَّهُ كانَ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ في شَرِيعَتِهِمْ، وقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ مِنَ الثِّيابِ ونَحْوِها وقِيلَ: مِنَ البَدَنِ، وصَرْفِ رُبْعِ المالِ في الزَّكاةِ. ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ اِسْتِعْفاءٌ عَنِ العُقُوباتِ الَّتِي لا تُطاقُ بَعْدَ الِاسْتِعْفاءِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْها، والتَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِ ذَلِكَ بِالتَّحْمِيلِ مَجازٌ بِاعْتِبارِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ طَلَبًا لِما هو أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ لِتَخْصِيصِهِ بِالتَّشْبِيهِ إلّا أنَّهُ صَوَّرَ فِيهِ الإصْرَ بِصُورَةٍ ما لا يُسْتَطاعُ مُبالَغَةً، وقِيلَ: هو اِسْتِعْفاءٌ عَنِ التَّكْلِيفِ بِما لا تَفِي بِهِ القُدْرَةُ البَشَرِيَّةُ حَقِيقَةً فَتَكُونُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى جَوازِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ وإلّا لَما سُئِلَ التَّخَلُّصَ عَنْهُ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، والتَّشْدِيدُ هَهُنا صفحة 71 لِمُجَرَّدِ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ لِمَفْعُولٍ ثانٍ دُونَ التَّكْثِيرِ. ﴿واعْفُ عَنّا﴾ أيِ اُمْحُ آثارَ ذُنُوبِنا بِتَرْكِ العُقُوبَةِ ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ بِسَتْرِ القَبِيحِ وإظْهارِ الجَمِيلِ ﴿وارْحَمْنا﴾ وتَعَطَّفْ عَلَيْنا بِما يُوجِبُ المَزِيدَ، وقِيلَ: ﴿واعْفُ عَنّا﴾ مِنَ الأفْعالِ ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ مِنَ الأقْوالِ ﴿وارْحَمْنا﴾ بِثِقَلِ المِيزانِ، وقِيلَ: ﴿واعْفُ عَنّا﴾ في سَكَراتِ المَوْتِ ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ في ظُلْمَةِ القُبُورِ ﴿وارْحَمْنا﴾ في أهْوالِ يَوْمِ النُّشُورِ، قالَ أبُو حَيّانَ: ولَمْ يَأْتِ في هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ بِلَفْظِ رَبَّنا لِأنَّها نَتائِجُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الجُمَلِ الَّتِي اُفْتُتِحَتْ بِذَلِكَ فَجاءَ (فاعْفُ عَنّا) مُقابِلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنا﴾، ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾، ﴿وارْحَمْنا﴾ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ لِأنَّ مِن آثارِ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِالنِّسْيانِ والخَطَأِ العَفْوَ، ومِن آثارِ عَدَمِ حَمْلِ الإصْرِ عَلَيْهِمُ المَغْفِرَةَ، ومِن آثارِ عَدَمِ تَحْمِيلِ ما لا يُطاقُ الرَّحْمَةَ، ولا يَخْفى حَسَنُ التَّرْتِيبِ. ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ أيْ مالِكُنا وسَيِّدُنا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتَوَلِّي الأمْرِ، وأصْلُهُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ الفاعِلُ، وإذا ذُكِرَ المَوْلى والسَّيِّدُ وجَبَ في الِاسْتِعْمالِ تَقْدِيمُ المَوْلى فَيُقالُ: مَوْلانا وسَيِّدُنا كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ: وإنَّ صَخْرًا لَمَوْلانا وسَيِّدُنا ∗∗∗ وإنَّ صَخْرًا إذا أشْتَوْا لَنَحّارُ وخَطَّئُوا مَن قالَ: سَيِّدُنا ومَوْلانا بِتَقْدِيمِ السَّيِّدِ عَلى المَوْلى كَما قالَهُ اِبْنُ أيْبَكَ، ولِي فِيهِ تَرَدُّدٌ، قِيلَ: والجُمْلَةُ عَلى مَعْنى القَوْلِ أيْ قُولُوا أنْتَ مَوْلانا ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [ 286 ] أيِ الأعْداءِ في الدِّينِ المُحارِبِينَ لَنا أوْ مُطْلَقِ الكَفَرَةِ، وأتى بِالفاءِ إيذانًا بِالسَّبَبِيَّةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كانَ مَوْلاهم ومالِكَهم ومُدَبِّرَ أُمُورِهِمْ تَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ دَعَوْهُ بِأنْ يَنْصُرَهم عَلى أعْدائِهِمْ فَهو كَقَوْلِكَ أنْتَ الجَوادُ فَتَكَرَّمْ عَلَيَّ وأنْتَ البَطَلُ فاحْمِ الجارَ. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في هَذِهِ الآياتِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ أيِ العَوالِمِ الرُّوحانِيَّةِ كُلِّها وما اِسْتَتَرَ في أسْتارِ غِيُوبِهِ وخَزائِنِ عِلْمِهِ ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ والظَّواهِرِ المُشاهَدَةِ الَّتِي هي مَظاهِرُ الأسْماءِ والأفْعالِ. ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ يَشْهَدْهُ بِأسْمائِهِ وظَواهِرِهِ فَيُحاسِبْكم بِهِ وإنْ تُخْفُوهُ يَشْهَدْهُ بِصِفاتِهِ وبَواطِنِهِ ويُحاسِبْكم بِهِ، ﴿فَيَغْفِرُ﴾ لَكم ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ لِتَوْحِيدِهِ وقُوَّةِ يَقِينِهِ وعُرُوضِ سَيِّئاتِهِ وعَدَمِ رُسُوخِها في ذاتِهِ ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ لِفَسادِ اِعْتِقادِهِ ووُجُودِ شَكِّهِ، أوْ رُسُوخِ سَيِّئاتِهِ في نَفْسِهِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِأنَّ بِهِ ظُهُورَ كُلِّ ظاهِرٍ وبُطُونَ كُلِّ باطِنٍ فَيَقْدِرُ عَلى المَغْفِرَةِ والتَّعْذِيبِ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ الكامِلُ الأكْمَلُ ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ صَدَّقَهُ بِقَبُولِهِ والتَّخَلُّقِ بِهِ فَقَدْ كانَ خُلُقُهُ ﷺ القُرْآنَ والتَّرَقِّيَ بِمَعانِيهِ والتَّحَقُّقَ بِهِ ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وحْدَهُ مُشاهَدَةً حِينَ لَمْ يَرَوْا في الوُجُودِ سِواهُ ﴿ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ حِينَ رُجُوعِهِمْ إلى مُشاهَدَتِهِمْ، تِلْكَ الكَثْرَةُ مَظاهِرُ لِلْوَحْدَةِ، يَقُولُونَ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ بِرَدِّ بَعْضٍ وقَبُولِ بَعْضٍ لِمُشاهَدَةِ الحَقِّ فِيهِمْ بِالحَقِّ ﴿وقالُوا سَمِعْنا﴾ أجَبْنا رَبَّنا في كُتُبِهِ ورُسُلِهِ ونُزُولِ مَلائِكَتِهِ واسْتَقَمْنا في سَيْرِنا ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ أيِ اِغْفِرْ وُجُوداتِنا وصِفاتِنا واسْتُرْ ذَلِكَ بِوُجُودِكَ وصِفاتِكَ فَمِنكَ المَبْدَأُ ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ بِالفَناءِ فِيكَ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَضِيقُ بِهِ طَوْقُها واسْتِعْدادُها مِنَ التَّجَلِّياتِ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ مِنَ الخَيْرِ والكِمالاتِ والكُشُوفِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِاعْتِمالٍ أوْ بِغَيْرِ اِعْتِمالٍ ﴿وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ وتَوَجَّهَتْ إلَيْهِ بِالقَصْدِ مِنَ السُّوءِ. ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا﴾ عَهْدَكَ بِمَيْلِنا إلى ظُلْمَةِ الطَّبِيعَةِ ﴿أوْ أخْطَأْنا﴾ بِالعَمَلِ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ اللّائِقِ لِحَضْرَتِكَ ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ وهو عِبْءُ الصِّفاتِ والأفْعالِ الحابِسَةِ لِلْقُلُوبِ مِن صفحة 72 مُعايَنَةِ الغُيُوبِ ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ مِنَ المُحْتَجِبِينَ بِظَواهِرِ الأفْعالِ أوْ بَواطِنِ الصِّفاتِ. ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ مِن ثِقَلِ الهِجْرانِ والحِرْمانِ عَنْ وِصالِكَ ومُشاهَدَةِ جَمالِكِ بِحَجْبِ جَلالِكَ ﴿واعْفُ عَنّا﴾ سَيِّئاتِ أفْعالِنا وصِفاتِنا فَإنَّها سَيِّئاتٌ حَجَبَتْنا عَنْكَ وحَرَمَتْنا بَرَدَ وِصالِكَ ولَذَّةَ رِضْوانِكَ ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ ذُنُوبَ وجُودِنا فَإنَّهُ أكْبَرُ الكَبائِرِ ﴿وارْحَمْنا﴾ بِالوُجُودِ المَوْهُوبِ بَعْدَ الفَناءِ ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ أيْ سَيِّدُنا ومُتَوَلِّي أُمُورِنا لِأنّا مَظاهِرُكَ وآثارُ قُدْرَتِكَ ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ مِن قُوى نُفُوسِنا الأمّارَةِ وصِفاتِها وجُنُودِ شَياطِينِ أوْهامِنا المَحْجُوبِينَ عَنْكَ الحاجِبِينَ إيّانا لِكَفْرِهِمْ وظُلْمَتِهِمْ. هَذا وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ واَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ اِبْنِ عَبّاسٍ: «“لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَقَرَأها ﷺ قِيلَ لَهُ عَقِيبَ كُلِّ كَلِمَةٍ (قَدْ فَعَلْتُ)”،» وأخْرَجَ أبُو سَعِيدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ: «“أنَّ جِبْرِيلَ لَمّا جاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ ومَعَهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ وقَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ بَعْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ (لَكَ ذَلِكَ) حَتّى فَرَغَ مِنها”،» وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ: «“أنَّ جِبْرِيلَ لَقَّنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ خاتِمَةِ البَقَرَةِ (آمِينَ)»، وأخْرَجَ الأئِمَّةُ السِّتَّةُ في «كُتُبِهِمْ» عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن قَرَأ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ ”،» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ إنِ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ فَأنْزَلَ مِنهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِما سُورَةَ البَقَرَةِ ولا يُقْرَآنِ في دارٍ ثَلاثَ لَيالٍ فَيَقْرَبُها شَيْطانٌ ”،» وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «“ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى آيَتَيْنِ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ كَتَبَهُما الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بِألْفَيْ عامٍ مَن قَرَأهُما بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ أجْزَأتاهُ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ،» وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «اَلشُّعَبِ» عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”إنَّ اللَّهَ خَتَمَ سُورَةَ البَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أعْطانِيهِما مِن كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ العَرْشِ فَتَعَلَّمُوهُما وعَلِّمُوهُما نِساءَكم وأبْناءَكم فَإنَّهُما صَلاةٌ وقُرْآنٌ ودُعاءٌ“،» وفي رِوايَةِ أبِي عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ ”أنَّهُنَّ قُرْآنٌ وأنَّهُنَّ دُعاءٌ وأنَّهُنَّ يُدْخِلْنَ الجَنَّةَ وأنَّهُنَّ يُرْضِينَ الرَّحْمَنَ“، وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والدّارِمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كِلاهُما قالَ: ”ما كُنْتُ أرى أحَدًا يَعْقِلُ يَنامُ حَتّى يَقْرَأ هَؤُلاءِ الآياتِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ“، والآثارُ في فَضْلِها كَثِيرَةٌ وفِيما ذَكَرْنا كِفايَةٌ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى. اللَّهُمَّ اِجْعَلْ لَنا مِن إجابَةِ هَذِهِ الدَّعَواتِ أوْفَرَ نَصِيبٍ، ووُفِّقْنا لِلْعَمَلِ الصّالِحِ والقَوْلِ المُصِيبِ، واجْعَلِ القُرْآنَ رَبِيعَ قُلُوبِنا وجَلاءَ أسْماعِنا ونُزْهَةَ أرْواحِنا، ويَسِّرْ لَنا إتْمامَ ما قَصَدْناهُ، ولا تَجْعَلُ لَنا مانِعًا عَمّا بِتَوْفِيقِكَ أرَدْناهُ، وصَلِّ وسَلِّمْ عَلى خَلِيفَتِكَ الأعْظَمِ وكَنْزِكَ المُطَلْسِمِ، وعَلى آلِهِ الواقِفِينَ عَلى أسْرارِ كِتابِكَ، وأصْحابِهِ الفائِزِينَ بِحُكْمِ خِطابِكَ ما اِرْتاحَتْ رُوحٌ وحَصَلَ لَقارِعٍ بابَ جُودِكَ فُتُوحٌ. صفحة 73 سُورَةُ آلِ عِمْرانَ وهِي مِائَتا آيَةٍ، أخْرَجَ اِبْنُ الضَّرِيسِ والنَّحّاسُ والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رِضى اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، واسْمُها في التَّوْراةِ كَما رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ طِيبَةُ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَسْمِيَتُها، والبَقَرَةِ الزَّهْراوانِ وتُسَمّى الأمانَ والكَنْزَ والمَعْنِيَّةَ والمُجادَلَةَ وسُورَةَ الِاسْتِغْفارِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِتِلْكَ السُّورَةِ أنَّ كَثِيرًا مِن مُجْمِلاتِها تَشْرَحُ بِما في هَذِهِ السُّورَةِ، وأنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ بِمَنزِلَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ وهَذِهِ بِمَنزِلَةِ الشُّبْهَةِ ولِهَذا تَكَرَّرَ فِيها ما يَتَعَلَّقُ بِالمَقْصُودِ الَّذِي هو بَيانُ حَقِّيَّةِ الكِتابِ مِن إنْزالِ الكِتابِ وتَصْدِيقِهِ لِلْكُتُبِ قَبْلَهُ والهُدى إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وتَكَرَّرَتْ آيَةُ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ﴾ بِكَمالِها ولِذَلِكَ ذَكَرَ في هَذِهِ ما هو تالٍ لِما ذَكَرَ في تِلْكَ أوْ لازِمٌ لَهُ، فَذَكَرَ هُناكَ خَلْقَ النّاسِ وذَكَرَ هُنا تَصْوِيرَهم في الأرْحامِ، وذَكَرَ هُناكَ مَبْدَأ خَلْقِ آدَمَ وذَكَرَ هُنا مَبْدَأ أوْلادِهِ، وألْطَفُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ اِفْتَتَحَ البَقَرَةَ بِقِصَّةِ آدَمَ وخَلْقِهِ مِن تُرابٍ ولا أُمَّ وذَكَرَ في هَذِهِ نَظِيرَهُ في الخَلْقِ مِن غَيْرِ أبٍ وهو عِيسى ولِذَلِكَ ضَرَبَ لَهُ المَثَلَ بِآدَمَ، واخْتُصَّتِ البَقَرَةُ بِآدَمَ لِأنَّها أوَّلُ السُّوَرِ وهو أوَّلُ في الوُجُودِ وسابِقٌ ولِأنَّها الأصْلُ وهَذِهِ كالفَرْعِ والتَّتِمَّةِ لَها فاخْتُصَّتْ بِالأغْرَبِ ولِأنَّها خِطابٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ قالُوا في مَرْيَمَ ما قالُوا وأنْكَرُوا وُجُودَ ولَدٍ بِلا أبٍ فَفُوتِحُوا بِقِصَّةِ آدَمَ لِتَثْبُتَ في أذْهانِهِمْ فَلا تَأْتِي قِصَّةُ عِيسى إلّا وقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهم ما يَشْهَدُ لَها مِن جِنْسِها، ولِأنَّ قِصَّةَ عِيسى قِيسَتْ عَلى قِصَّةِ آدَمَ والمَقِيسُ عَلَيْهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِتَتِمَّ الحُجَّةَ بِالقِياسِ فَكانَتْ قِصَّةُ آدَمَ والسُّورَةُ الَّتِي هي فِيها جَدِيرَةً بِالتَّقْدِيمِ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن وُجُوهِ التَّلازُمِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّهُ قالَ في البَقَرَةِ في صِفَةِ النّارِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ مَعَ اِفْتِتاحِها بِذِكْرِ المُتَّقِينَ والكافِرِينَ مَعًا، وقالَ في آخِرِ هَذِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَكَأنَّ السُّورَتَيْنِ بِمَنزِلَةِ سُورَةٍ واحِدَةٍ ومِمّا يُقَوِّي المُناسِبَةَ والتَّلازُمَ بَيْنَهُما أنَّ خاتِمَةَ هَذِهِ مُناسَبَةٌ لِفاتِحَةِ تِلْكَ لِأنَّ الأُولى اُفْتُتِحَتْ بِذِكْرِ المُتَّقِينَ وأنَّهُمُ المُفْلِحُونَ وخُتِمَتْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وافْتُتِحَتِ الأُولى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ وخُتِمَتْ آلِ عِمْرانَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ وقَدْ ورَدَ «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لَمّا نَزَّلَ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ الآيَةَ: يا مُحَمَّدُ اِفْتَقَرَ رَبُّكَ يَسْألُ عِبادَهُ القَرْضَ فَنَزَّلَ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾» وهَذا مِمّا يُقَوِّي التَّلازُمَ أيْضًا، ومِثْلُهُ أنَّهُ وقَعَ في البَقَرَةِ حِكايَةُ قَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ، وهُنا ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مَنَّ أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

آل عمران 3:1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ 2 ] قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ والبُرْجُمِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِسُكُونِ المِيمِ وقَطْعِ الهَمْزَةِ ولا إشْكالَ فِيها، لِأنَّ طَرِيقَ التَّلَفُّظِ فِيما لا تَكُونُ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدَةً كَ (ص) ولا مُوازِنَةً المُفْرَدِ كَ (حم) حَسْبَما ذُكِرَ في «اَلْكِتابِ» الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةُ الإعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءٌ جُعِلَتْ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ وإنْ لَزِمَها اِلْتِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ قَطْعًا، ولِذا ضُعِّفَتْ قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ بِكَسْرِ المِيمِ، والجُمْهُورُ يَفْتَحُونَ المِيمَ ويَطْرَحُونَ الهَمْزَةَ مِنَ الِاسْمِ الكَرِيمِ، قِيلَ: صفحة 74 وإنَّما فُتِحَتْ لِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها لِيَدُلَّ عَلى أنَّها في حُكْمِ الثّابِتِ لِأنَّها أُسْقِطَتْ لِلتَّخْفِيفِ لا لِلدَّرَجِ فَإنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ، كَقَوْلِهِ: (واحِدِ اِثْنانِ) لا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ ولِذَلِكَ لَمْ تُحَرَّكْ في لامٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وفي «اَلْبَحْرِ» إنَّهُ ضَعِيفٌ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَّعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ وما يَسْقُطُ لا تُلْقى حَرَكَتُهُ كَما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَوْلُهُمْ: إنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ وحَرَكَتُها حَرَكَةُ الإلْقاءِ مُخالِفٌ لِإجْماعِ العَرَبِ، والنُّحاةُ أنَّهُ لا يُوقَفُ عَلى مُتَحَرِّكٍ البَتَّةَ سَواءٌ في ذَلِكَ حَرَكَةُ الإعْرابِ والبِناءِ والنَّقْلِ والتِقاءِ السّاكِنَيْنِ والحِكايَةِ والِاتِّباعِ، فَلا يَجُوزُ في ”قَدْ أفْلَحَ“ إذا حُذِفَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الدّالِ أنْ تَقِفَ عَلى دالِ (قَدْ) بِالفَتْحَةِ بَلْ تُسَكِّنَها قَوْلًا واحِدًا، وأمّا تَنْظِيرُهم بِ (واحِدِ اِثْنانِ) بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ فَإنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أنَّهم يَشُمُّونَ آخِرَ واحِدٍ لِتَمَكُّنِهِ ولَمْ يُحْكَ الكَسْرُ لُغَةً فَإنْ صَحَّ الكَسْرُ فَلَيْسَ واحِدٌ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ كَما زَعَمُوا، ولا حَرَكَتُهُ حَرَكَةَ نَقْلٍ مِن هَمْزَةِ الوَصْلِ ولَكِنَّهُ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِمُ: اِثْنانِ، فالتَقى ساكِنانِ دالُ واحِدٍ وثاءٌ اِثْنَيْنِ فَكُسِرَتِ الدّالُ لِالتِقائِهِما وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّها لا تَثْبُتُ في الوَصْلِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ ولِذَلِكَ لَمْ يُحَرَّكْ في لامٍ، فَجَوابُهُ أنَّ الَّذِي قالَ: إنَّ الحَرَكَةَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لَمْ يُرِدْ بِهِما اِلْتِقاءَ الياءِ والمِيمِ مِن (ألم) في الوَقْفِ بَلْ أرادَ المِيمَ الأخِيرَ مِن (ألم) ولامَ التَّعْرِيفِ، فَهو كالتِقاءِ نُونِ مَن ولامِ الرَّجُلِ إذا قُلْتَ (مَنِ الرَّجُلُ؟) عَلى أنَّ في قَوْلِهِمْ تَدافُعًا فَإنَّ سُكُونَ آخِرِ المِيمِ إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ عَلَيْها وإلْقاءَ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَصْلِ، ونِيَّةُ الوَصْلِ تُوجِبُ حَذْفَ الهَمْزَةِ، ونِيَّةُ الوَقْفِ عَلى ما قَبْلَها تُوجِبُ ثَباتَها وقَطْعَها، وهَذا مُتَناقِضٌ، ولِذا قالَ الجارَبَرْدِيُّ: الوَجْهُ ما قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والكَثِيرُ مِنَ النُّحاةِ أنَّ تَحْرِيكَ المِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ واخْتِيارُ الفَتْحِ لِخِفَّتِهِ ولِلْمُحافَظَةِ عَلى تَفْخِيمِ الِاسْمِ الجَلِيلِ، واخْتارَ ذَلِكَ اِبْنُ الحاجِبِ وادَّعى أنَّ في مَذْهَبِ الفَرّاءِ حَمْلًا عَلى الضَّعِيفِ لِأنَّ إجْراءَ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في اللُّغَةِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَئِنْ سُلِّمَ فَغَيْرُ ناهِضٍ لِأنَّهُ قَوّى فِيما المَطْلُوبُ مِنهُ الخِفَّةُ كَثَلاثَةٍ أرْبَعَةٍ وهَهُنا الِاحْتِياجُ إلى التَّخْفِيفِ أمَسُّ ولِهَذا جَعَلُوهُ مِن مُوجِباتِ الفَتْحِ، وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأسْماءَ مِن قَبِيلِ المُعْرَباتِ وسُكُونُها سُكُونُ وقْفٍ لا بِناءٍ وحَقُّها أنْ يُوقَفَ عَلَيْها، و(الم) رَأْسُ آيَةٍ ثُمَّ إنْ جُعِلَتِ اِسْمَ السُّورَةِ فالوَقْفُ عَلَيْها لِأنَّها كَلامٌ تامٌّ وإنْ جُعِلَتْ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ لِأسْماءِ الحُرُوفِ إمّا قَرْعًا لِلْعَصا أوْ مُقَدِّمَةً لِدَلائِلَ الإعْجازِ فالواجِبُ أيْضًا القَطْعُ والِابْتِداءُ بِما بَعْدَها تَفْرِقَةً بَيْنِها وبَيْنَ الكَلامِ المُسْتَقِلِّ المُفِيدِ بِنَفْسِهِ فَإذَنِ القَوْلُ بِنَقْلِ الحَرَكَةِ هو المَقْبُولُ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِإبْقاءِ أثَرَ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ لِلتَّخْفِيفِ المُؤَذِنِ بِالِابْتِداءِ والوَقْفِ ولا كَذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ الحَرَكَةَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحَيْثُ كانَتْ حَرَكَةُ المِيمِ لِغَيْرِها كانَتْ في حُكْمِ الوَقْفِ عَلى السُّكُونِ دُونَ الحَرَكَةِ كَما تُوُهِّمَ لِئَلّا يَلْزَمَ المُحَذَّرُ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في هَذا المَقامِ مُضْطَرِبٌ فَفي «اَلْكَشّافِ» اِخْتارَ مَذْهَبَ الفَرّاءِ، وفي «اَلْمُفَصَّلِ» اِخْتارَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ: مَبْنِيٌّ عَلى الِاجْتِهادِ، والثّانِيَ: عَلى التَّقْلِيدِ والنَّقْلِ، لِما في «اَلْكِتابِ» لِأنَّ «اَلْمُفَصَّلَ» مُخْتَصَرُهُ، فَتَدَبَّرْ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالفَواتِحِ مِن حَيْثُ الإعْرابُ وغَيْرُهُ، وفِيهِ كِفايَةٌ لِمَن أخَذَتِ العِنايَةُ بِيَدِهِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ لا غَيْرَ، و﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَهُ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَيُّ القَيُّومُ لا غَيْرَ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مِنَ الخَبَرِ الأوَّلِ أوْ هو الخَبَرُ وما قَبْلَهُ اِعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْمُ الكَرِيمُ، أوْ حالٌ مِنهُ عَلى رَأْيِ مَن يَرى صِحَّةَ ذَلِكَ وأيًّا ما كانَ فَهو كالدَّلِيلِ صفحة 75 عَلى اِخْتِصاصِ اِسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا «”إنَّ اِسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ في ثَلاثِ سُوَرٍ سُورَةِ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ وطَهَ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: فالتَمَسْتُها فَوَجَدْتُ في البَقَرَةِ [255] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وفي آلِ عِمْرانَ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وفي طَهَ [111] ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾» وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ وعَلْقَمَةُ (اَلْحَيُّ القَيّامُ) وهَذا رَدٌّ عَلى النَّصارى الزّاعِمِينَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَبًّا، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قالَ: ««قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وفْدُ نَجْرانَ وكانُوا سِتِّينَ راكِبًا فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنهم أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ والعاقِبُ وعَبْدُ المَسِيحِ والأيْهَمُ السَّيِّدُ وهو مِنَ النَّصْرانِيَّةِ عَلى دِينِ المَلِكِ مَعَ اِخْتِلافِ أمْرِهِمْ يَقُولُونَ: هو اللَّهُ تَعالى، ويَقُولُونَ: هو ولَدُ اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، كَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرانِيَّةِ، وهم يَحْتَجُّونَ لِقَوْلِهِمْ يَقُولُونَ: هو اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ كانَ يُحْيِي المَوْتى ويُبْرِئُ الأسْقامَ ويُخْبِرُ بِالغُيُوبِ ويَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا، ويَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ إنَّهُ ولَدُ اللَّهِ تَعالى: بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ يَعْلَمُ وقَدْ تَكَلَّمَ في المَهْدِ وصَنَعَ ما لَمْ يَصْنَعْهُ أحَدٌ مِن ولَدِ آدَمَ قَبْلَهُ، ويَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ فَعَلْنا وأمَرْنا وخَلَقْنا وقَضَيْنا فَلَوْ كانَ واحِدًا ما قالَ إلّا فَعَلْتُ وأمَرْتُ وخَلَقْتُ وقَضَيْتُ، ولَكِنَّهُ هو وعِيسى ومَرْيَمَ، فَفي كُلِّ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ نَزَلَ القُرْآنُ وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ فِيهِ قَوْلَهم فَلَمّا كَلَّمَهُ الحَبْرانِ وهُما العاقِبُ والسَّيِّدُ كَما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ والرَّبِيعِ عَنْ أنَسٍ قالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أسْلِما قالا: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، قالَ: كَذَبْتُما مَنَعَكُما مِنَ الإسْلامِ دُعاؤُكُما لِلَّهِ تَعالى ولَدًا وعِبادَتُكُما الصَّلِيبَ وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ؟ قالا: فَمَن أبُوهُ يا مُحَمَّدُ؟ وصَمَتَ فَلَمْ يُجِبْ شَيْئًا“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ واخْتِلافِ أمْرِهِمْ كُلِّهِ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها، فافْتَتَحَ السُّورَةَ بِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ مِمّا قالُوا وتَوْحِيدِهِ إيّاها بِالخَلْقِ والأمْرِ لا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ ما اِبْتَدَعُوا مِنَ الكُفْرِ وجَعَلُوا مَعَهُ مِنَ الأنْدادِ، واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ في صاحِبِهِمْ لِيُعَرِّفَهم بِذَلِكَ ضَلالَتَهم فَقالَ: ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾» أيْ لَيْسَ مَعَكَ غَيْرُهُ شَرِيكٌ في أمْرِهِ الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ وقَدْ ماتَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِمْ: (اَلْقَيُّومُ) القائِمُ عَلى سُلْطانِهِ لا يَزُولُ وقَدْ زالَ عِيسى. وفِي رِوايَةِ اِبْنِ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: «”إنِ النَّصارى أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَخاصَمُوهُ في عِيسى اِبْنِ مَرْيَمَ وقالُوا لَهُ: مَن أبُوهُ؟ وقالُوا عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ والبُهْتانَ فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ ولَدٌ إلّا وهو يُشْبِهُ أباهُ؟ قالُوا: بَلى قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا حَيٌّ لا يَمُوتُ وأنَّ عِيسى يَأْتِي عَلَيْهِ الفَناءُ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا قَيِّمٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ ويَحْفَظُهُ ويَرْزُقُهُ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسى مِن ذَلِكَ شَيْئًا؟ قالُوا: لا قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسى مِن ذَلِكَ شَيْئًا إلّا ما عَلِمَ؟ قالُوا: لا، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا صَوَّرَ عِيسى في الرَّحِمِ كَيْفَ شاءَ وأنَّ رَبَّنا لا يَأْكُلُ الطَّعامَ ولا يَشْرَبُ الشَّرابَ ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَما تَحْمِلُ المَرْأةُ ثُمَّ وضَعَتْهُ كَما تَضَعُ المَرْأةُ ولَدَها ثُمَّ غُذِّيَ كَما يُغَذّى الصَّبِيُّ ثُمَّ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَشْرَبُ الشَّرابَ ويُحْدِثُ الحَدَثَ ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا كَما زَعَمْتُمْ؟ فَعَرَفُوا ثُمَّ أبَوْا إلّا جُحُودًا، فَأنْزَلَ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾“».

آل عمران 3:2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ 2 ] قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ والبُرْجُمِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِسُكُونِ المِيمِ وقَطْعِ الهَمْزَةِ ولا إشْكالَ فِيها، لِأنَّ طَرِيقَ التَّلَفُّظِ فِيما لا تَكُونُ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدَةً كَ (ص) ولا مُوازِنَةً المُفْرَدِ كَ (حم) حَسْبَما ذُكِرَ في «اَلْكِتابِ» الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةُ الإعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءٌ جُعِلَتْ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ وإنْ لَزِمَها اِلْتِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ قَطْعًا، ولِذا ضُعِّفَتْ قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ بِكَسْرِ المِيمِ، والجُمْهُورُ يَفْتَحُونَ المِيمَ ويَطْرَحُونَ الهَمْزَةَ مِنَ الِاسْمِ الكَرِيمِ، قِيلَ: صفحة 74 وإنَّما فُتِحَتْ لِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها لِيَدُلَّ عَلى أنَّها في حُكْمِ الثّابِتِ لِأنَّها أُسْقِطَتْ لِلتَّخْفِيفِ لا لِلدَّرَجِ فَإنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ، كَقَوْلِهِ: (واحِدِ اِثْنانِ) لا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ ولِذَلِكَ لَمْ تُحَرَّكْ في لامٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وفي «اَلْبَحْرِ» إنَّهُ ضَعِيفٌ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَّعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ وما يَسْقُطُ لا تُلْقى حَرَكَتُهُ كَما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَوْلُهُمْ: إنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ وحَرَكَتُها حَرَكَةُ الإلْقاءِ مُخالِفٌ لِإجْماعِ العَرَبِ، والنُّحاةُ أنَّهُ لا يُوقَفُ عَلى مُتَحَرِّكٍ البَتَّةَ سَواءٌ في ذَلِكَ حَرَكَةُ الإعْرابِ والبِناءِ والنَّقْلِ والتِقاءِ السّاكِنَيْنِ والحِكايَةِ والِاتِّباعِ، فَلا يَجُوزُ في ”قَدْ أفْلَحَ“ إذا حُذِفَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الدّالِ أنْ تَقِفَ عَلى دالِ (قَدْ) بِالفَتْحَةِ بَلْ تُسَكِّنَها قَوْلًا واحِدًا، وأمّا تَنْظِيرُهم بِ (واحِدِ اِثْنانِ) بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ فَإنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أنَّهم يَشُمُّونَ آخِرَ واحِدٍ لِتَمَكُّنِهِ ولَمْ يُحْكَ الكَسْرُ لُغَةً فَإنْ صَحَّ الكَسْرُ فَلَيْسَ واحِدٌ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ كَما زَعَمُوا، ولا حَرَكَتُهُ حَرَكَةَ نَقْلٍ مِن هَمْزَةِ الوَصْلِ ولَكِنَّهُ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِمُ: اِثْنانِ، فالتَقى ساكِنانِ دالُ واحِدٍ وثاءٌ اِثْنَيْنِ فَكُسِرَتِ الدّالُ لِالتِقائِهِما وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّها لا تَثْبُتُ في الوَصْلِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ ولِذَلِكَ لَمْ يُحَرَّكْ في لامٍ، فَجَوابُهُ أنَّ الَّذِي قالَ: إنَّ الحَرَكَةَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لَمْ يُرِدْ بِهِما اِلْتِقاءَ الياءِ والمِيمِ مِن (ألم) في الوَقْفِ بَلْ أرادَ المِيمَ الأخِيرَ مِن (ألم) ولامَ التَّعْرِيفِ، فَهو كالتِقاءِ نُونِ مَن ولامِ الرَّجُلِ إذا قُلْتَ (مَنِ الرَّجُلُ؟) عَلى أنَّ في قَوْلِهِمْ تَدافُعًا فَإنَّ سُكُونَ آخِرِ المِيمِ إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ عَلَيْها وإلْقاءَ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَصْلِ، ونِيَّةُ الوَصْلِ تُوجِبُ حَذْفَ الهَمْزَةِ، ونِيَّةُ الوَقْفِ عَلى ما قَبْلَها تُوجِبُ ثَباتَها وقَطْعَها، وهَذا مُتَناقِضٌ، ولِذا قالَ الجارَبَرْدِيُّ: الوَجْهُ ما قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والكَثِيرُ مِنَ النُّحاةِ أنَّ تَحْرِيكَ المِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ واخْتِيارُ الفَتْحِ لِخِفَّتِهِ ولِلْمُحافَظَةِ عَلى تَفْخِيمِ الِاسْمِ الجَلِيلِ، واخْتارَ ذَلِكَ اِبْنُ الحاجِبِ وادَّعى أنَّ في مَذْهَبِ الفَرّاءِ حَمْلًا عَلى الضَّعِيفِ لِأنَّ إجْراءَ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في اللُّغَةِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَئِنْ سُلِّمَ فَغَيْرُ ناهِضٍ لِأنَّهُ قَوّى فِيما المَطْلُوبُ مِنهُ الخِفَّةُ كَثَلاثَةٍ أرْبَعَةٍ وهَهُنا الِاحْتِياجُ إلى التَّخْفِيفِ أمَسُّ ولِهَذا جَعَلُوهُ مِن مُوجِباتِ الفَتْحِ، وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأسْماءَ مِن قَبِيلِ المُعْرَباتِ وسُكُونُها سُكُونُ وقْفٍ لا بِناءٍ وحَقُّها أنْ يُوقَفَ عَلَيْها، و(الم) رَأْسُ آيَةٍ ثُمَّ إنْ جُعِلَتِ اِسْمَ السُّورَةِ فالوَقْفُ عَلَيْها لِأنَّها كَلامٌ تامٌّ وإنْ جُعِلَتْ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ لِأسْماءِ الحُرُوفِ إمّا قَرْعًا لِلْعَصا أوْ مُقَدِّمَةً لِدَلائِلَ الإعْجازِ فالواجِبُ أيْضًا القَطْعُ والِابْتِداءُ بِما بَعْدَها تَفْرِقَةً بَيْنِها وبَيْنَ الكَلامِ المُسْتَقِلِّ المُفِيدِ بِنَفْسِهِ فَإذَنِ القَوْلُ بِنَقْلِ الحَرَكَةِ هو المَقْبُولُ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِإبْقاءِ أثَرَ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ لِلتَّخْفِيفِ المُؤَذِنِ بِالِابْتِداءِ والوَقْفِ ولا كَذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ الحَرَكَةَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحَيْثُ كانَتْ حَرَكَةُ المِيمِ لِغَيْرِها كانَتْ في حُكْمِ الوَقْفِ عَلى السُّكُونِ دُونَ الحَرَكَةِ كَما تُوُهِّمَ لِئَلّا يَلْزَمَ المُحَذَّرُ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في هَذا المَقامِ مُضْطَرِبٌ فَفي «اَلْكَشّافِ» اِخْتارَ مَذْهَبَ الفَرّاءِ، وفي «اَلْمُفَصَّلِ» اِخْتارَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ: مَبْنِيٌّ عَلى الِاجْتِهادِ، والثّانِيَ: عَلى التَّقْلِيدِ والنَّقْلِ، لِما في «اَلْكِتابِ» لِأنَّ «اَلْمُفَصَّلَ» مُخْتَصَرُهُ، فَتَدَبَّرْ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالفَواتِحِ مِن حَيْثُ الإعْرابُ وغَيْرُهُ، وفِيهِ كِفايَةٌ لِمَن أخَذَتِ العِنايَةُ بِيَدِهِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ لا غَيْرَ، و﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَهُ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَيُّ القَيُّومُ لا غَيْرَ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مِنَ الخَبَرِ الأوَّلِ أوْ هو الخَبَرُ وما قَبْلَهُ اِعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْمُ الكَرِيمُ، أوْ حالٌ مِنهُ عَلى رَأْيِ مَن يَرى صِحَّةَ ذَلِكَ وأيًّا ما كانَ فَهو كالدَّلِيلِ صفحة 75 عَلى اِخْتِصاصِ اِسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا «”إنَّ اِسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ في ثَلاثِ سُوَرٍ سُورَةِ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ وطَهَ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: فالتَمَسْتُها فَوَجَدْتُ في البَقَرَةِ [255] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وفي آلِ عِمْرانَ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وفي طَهَ [111] ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾» وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ وعَلْقَمَةُ (اَلْحَيُّ القَيّامُ) وهَذا رَدٌّ عَلى النَّصارى الزّاعِمِينَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَبًّا، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قالَ: ««قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وفْدُ نَجْرانَ وكانُوا سِتِّينَ راكِبًا فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنهم أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ والعاقِبُ وعَبْدُ المَسِيحِ والأيْهَمُ السَّيِّدُ وهو مِنَ النَّصْرانِيَّةِ عَلى دِينِ المَلِكِ مَعَ اِخْتِلافِ أمْرِهِمْ يَقُولُونَ: هو اللَّهُ تَعالى، ويَقُولُونَ: هو ولَدُ اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، كَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرانِيَّةِ، وهم يَحْتَجُّونَ لِقَوْلِهِمْ يَقُولُونَ: هو اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ كانَ يُحْيِي المَوْتى ويُبْرِئُ الأسْقامَ ويُخْبِرُ بِالغُيُوبِ ويَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا، ويَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ إنَّهُ ولَدُ اللَّهِ تَعالى: بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ يَعْلَمُ وقَدْ تَكَلَّمَ في المَهْدِ وصَنَعَ ما لَمْ يَصْنَعْهُ أحَدٌ مِن ولَدِ آدَمَ قَبْلَهُ، ويَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ فَعَلْنا وأمَرْنا وخَلَقْنا وقَضَيْنا فَلَوْ كانَ واحِدًا ما قالَ إلّا فَعَلْتُ وأمَرْتُ وخَلَقْتُ وقَضَيْتُ، ولَكِنَّهُ هو وعِيسى ومَرْيَمَ، فَفي كُلِّ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ نَزَلَ القُرْآنُ وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ فِيهِ قَوْلَهم فَلَمّا كَلَّمَهُ الحَبْرانِ وهُما العاقِبُ والسَّيِّدُ كَما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ والرَّبِيعِ عَنْ أنَسٍ قالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أسْلِما قالا: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، قالَ: كَذَبْتُما مَنَعَكُما مِنَ الإسْلامِ دُعاؤُكُما لِلَّهِ تَعالى ولَدًا وعِبادَتُكُما الصَّلِيبَ وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ؟ قالا: فَمَن أبُوهُ يا مُحَمَّدُ؟ وصَمَتَ فَلَمْ يُجِبْ شَيْئًا“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ واخْتِلافِ أمْرِهِمْ كُلِّهِ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها، فافْتَتَحَ السُّورَةَ بِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ مِمّا قالُوا وتَوْحِيدِهِ إيّاها بِالخَلْقِ والأمْرِ لا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ ما اِبْتَدَعُوا مِنَ الكُفْرِ وجَعَلُوا مَعَهُ مِنَ الأنْدادِ، واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ في صاحِبِهِمْ لِيُعَرِّفَهم بِذَلِكَ ضَلالَتَهم فَقالَ: ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾» أيْ لَيْسَ مَعَكَ غَيْرُهُ شَرِيكٌ في أمْرِهِ الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ وقَدْ ماتَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِمْ: (اَلْقَيُّومُ) القائِمُ عَلى سُلْطانِهِ لا يَزُولُ وقَدْ زالَ عِيسى. وفِي رِوايَةِ اِبْنِ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: «”إنِ النَّصارى أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَخاصَمُوهُ في عِيسى اِبْنِ مَرْيَمَ وقالُوا لَهُ: مَن أبُوهُ؟ وقالُوا عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ والبُهْتانَ فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ ولَدٌ إلّا وهو يُشْبِهُ أباهُ؟ قالُوا: بَلى قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا حَيٌّ لا يَمُوتُ وأنَّ عِيسى يَأْتِي عَلَيْهِ الفَناءُ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا قَيِّمٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ ويَحْفَظُهُ ويَرْزُقُهُ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسى مِن ذَلِكَ شَيْئًا؟ قالُوا: لا قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسى مِن ذَلِكَ شَيْئًا إلّا ما عَلِمَ؟ قالُوا: لا، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا صَوَّرَ عِيسى في الرَّحِمِ كَيْفَ شاءَ وأنَّ رَبَّنا لا يَأْكُلُ الطَّعامَ ولا يَشْرَبُ الشَّرابَ ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَما تَحْمِلُ المَرْأةُ ثُمَّ وضَعَتْهُ كَما تَضَعُ المَرْأةُ ولَدَها ثُمَّ غُذِّيَ كَما يُغَذّى الصَّبِيُّ ثُمَّ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَشْرَبُ الشَّرابَ ويُحْدِثُ الحَدَثَ ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا كَما زَعَمْتُمْ؟ فَعَرَفُوا ثُمَّ أبَوْا إلّا جُحُودًا، فَأنْزَلَ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾“».

آل عمران 3:3

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ القُرْآنَ الجامِعَ لِلْأُصُولِ والفُرُوعِ ولِما كانَ وما يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِاسْمِ الجِنْسِ إيذانٌ بِتَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في الِانْطِواءِ عَلى كَمالاتِ صفحة 76 الجِنْسِ كَأنَّهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اِسْمُ الكِتابِ دُونَ ما عَداهُ كَما يُلَوِّحُ إلَيْهِ التَّصْرِيحُ بِاسْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفي الإتْيانِ بِالظَّرْفِ وتَقْدِيمِهِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ واخْتِيارِ ضَمِيرِ الخِطابِ وإيثارِ (عَلى) إلى ما لا يَخْفى مِن تَعْظِيمِهِ ﷺ والتَّنْوِيهِ بِرِفْعَةِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ هي الخَبَرُ، وما قَبْلُ كُلُّهُ اِعْتِراضٌ أوْ حالٌ، و﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ نَزَلَ بِالتَّخْفِيفِ ورَفَعَ الكِتابَ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ (مِن عِنْدِهِ)، ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالصِّدْقِ في أخْبارِهِ أوْ بِالعَدْلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرّاغِبُ أوْ بِما يُحَقِّقُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الحُجَجِ القَطْعِيَّةِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ أوْ مُحِقًّا، وفي «اَلْبَحْرِ» يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ بِسَبَبِ إثْباتِ الحَقِّ ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ إثْرَ حالٍ أوْ بَدَلٍ مِن مَوْضِعِ الحالِ الأوَّلِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في المَجْرُورِ وعَلى كُلِّ حالٍ فَهي حالٌ مُؤَكَّدَةٌ ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيِ الكُتُبِ السّالِفَةِ والظَّرْفِ مَفْعُولُ (مُصَدِّقًا) واللّامُ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ، وكَيْفِيَّةُ تَصْدِيقِهِ لِما تَقَدَّمَ تَقَدَّمَتْ. ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [ 3 ] ذَكَرَهُما تَعْيِينًا (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) وتَبْيِينًا لِرِفْعَةِ مَحَلِّهِ بِذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلُ وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدُ ولَمْ يُذْكَرِ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ فِيهِما لِأنَّ الكَلامَ في الكِتابَيْنِ لا فِيمَن نَزَلا عَلَيْهِ، والتَّعْبِيرُ بِ (أنْزَلَ) فِيهِما لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُما إلّا نُزُولٌ واحِدٌ وهَذا بِخِلافِ القُرْآنِ فَإنَّ لَهُ نُزُولَيْنِ، نُزُولًا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى بَيْتِ العِزَّةِ مِن سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً واحِدَةً، ونُزُولًا مِن ذَلِكَ إلَيْهِ ﷺ مُنَجَّمًا في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً عَلى المَشْهُورِ، ولِهَذا يُقالُ فِيهِ: نَزَّلَ وأنْزَلَ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ نَزَّلَ يَقْتَضِي التَّدْرِيجَ وأنْزَلَ يَقْتَضِي الإنْزالَ الدَّفْعِيَ إذْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ حَيْثُ قَرَنَ نُزِّلَ بِكَوْنِهِ جُمْلَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِهَذا المَقامِ أنَّ التَّدْرِيجَ لَيْسَ هو التَّكْثِيرُ بَلِ الفِعْلُ شَيْئًا فَشَيْئًا كَما في تَسَلْسُلٍ، والألْفاظُ لا بُدَّ فِيها مِن ذَلِكَ، فَصِيغَةُ (نَزَّلَ) تَدُلُّ عَلَيْهِ، والإنْزالُ مُطْلَقٌ لَكِنَّهُ إذا قامَتِ القَرِينَةُ يُرادُ بِالتَّدْرِيجِ التَّنْجِيمُ، وبِالإنْزالِ الَّذِي قَدْ قُوبِلَ بِهِ خِلافُهُ، أوِ المُطْلَقُ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ. واخْتُلِفَ في اِشْتِقاقِ «اَلتَّوْراةِ» و«اَلْإنْجِيلِ» فَقِيلَ: اِشْتِقاقُ الأوَّلِ مِن ورى الزِّنادُ إذا قَدَحَ فَظَهَرَ مِنهُ النّارُ لِأنَّها ضِياءٌ ونُورٌ بِالنِّسْبَةِ لِما عَدا القُرْآنِ تَجْلُو ظُلْمَةَ الضَّلالِ، وقِيلَ مِن ورى في كَلامٍ إذا عَرَّضَ لِأنَّ فِيها رُمُوزًا كَثِيرَةً وتَلْوِيحاتٍ جَلِيلَةً، ووَزْنُها عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ فَوْعَلَةٌ كَصَوْمَعَةٍ، وأصْلُهُ (ووْرِيةٌ) بِواوَيْنِ فَأُبْدِلَتِ الأُولى تاءً وتَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَقُلِبَتْ ألِفًا فَصارَتْ تَوْراةً وكُتِبَتْ بِالياءِ تَنْبِيهًا عَلى الأصْلِ ولِذَلِكَ أُمِيلَتْ، وقالَ الفَرّاءُ: وزْنُها تَفْعِلَةٌ بِكَسْرِ العَيْنِ فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فُتْحَةً وقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا وفُعِلَ ذَلِكَ تَخْفِيفًا كَما قالُوا في تَوْصِيَةٍ تَوْصاةٌ، واعْتَرَضَهُ البَصْرِيُّونَ بِأنَّ هَذا البِناءَ قَلِيلٌ وبِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ زِيادَةُ التّاءِ أوَّلًا وهي لا تُزادُ كَذَلِكَ إلّا في مَواضِعَ لَيْسَ هَذا مِنها، وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ إلى أنَّ وزْنَها تَفْعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا، وقِيلَ: اِشْتِقاقُ الثّانِي مِنَ النَّجْلِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ النَّجِيلُ لِما يَنْبُتُ فِيهِ، ويُطْلَقُ عَلى الوالِدِ والوَلَدِ وهو أعْرَفُ فَهو ضِدٌّ كَما قالَهُ الزَّجّاجُ وهو مِن نَجَلَ بِمَعْنى ظَهَرَ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وظاهِرٌ مِنهُ أوْ مِنَ التَّوْراةِ، وقِيلَ: مِنَ النَّجَلِ وهو التَّوْسِعَةُ، ومِنهُ عَيْنٌ نَجْلاءُ لِسِعَتِها لِأنَّ فِيهِ تَوْسِعَةً ما لَمْ تَكُنْ في التَّوْراةِ إذْ حَلَّلَ فِيهِ بَعْضَ ما حَرَّمَ فِيها، وقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنَ التَّناجُلِ وهو التَّنازُعُ يُقالُ تَناجَلَ النّاسُ إذا تَنازَعُوا وسُمِّيَ صفحة 77 بِهِ لِكَثْرَةِ التَّنازُعِ فِيهِ كَذا قِيلَ ولا يَخْفى أنَّ أمْرَ الِاشْتِقاقِ والوَزْنِ عَلى تَقْدِيرِ عَرَبِيَّةِ اللَّفْظَيْنِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُما أعْجَمِيّانِ أوَّلُهُما عِبْرانِيٌّ والآخَرُ سُرْيانِيٌّ وهو الظّاهِرُ فَلا مَعْنى لَهُ عَلى الحَقِيقَةِ لِأنَّ الِاشْتِقاقَ مِن ألْفاظٍ أُخَرَ أعْجَمِيَّةٍ مِمّا لا مَجالَ لِإثْباتِهِ، ومِن ألْفاظٍ عَرَبِيَّةٍ كَما سُمِعَتِ اِسْتِنْتاجٌ لِلضَّبِّ مِنَ الحُوتِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ بَعْدَ التَّعْرِيبِ أجْرَوْهُ مَجْرى أبْنِيَتِهِمْ في الزِّيادَةِ والأصالَةِ وفَرَضُوا لَهُ أصْلًا لِيَتَعَرَّفَ ذَلِكَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما قَبْلُ، والِاسْتِدْلالُ عَلى عَرَبِيَّتِهِما بِدُخُولِ اللّامِ لِأنَّ دُخُولَها في الأعْلامِ العَجَمِيَّةِ مَحَلُّ نَظَرٍ لِأنَّهم ألْزَمُوا بَعْضَ الأعْلامِ الأعْجَمِيَّةِ الألِفَ واللّامَ عَلامَةً لِلتَّعْرِيفِ كَما في الإسْكَنْدَرِيَّةِ فَإنَّأبا زَكَرِيّا التَّبْرِيزِيَّ قالَ: إنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ بِدُونِها مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى أعْجَمِيَّتِهِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أعْجَمِيَّةَ «اَلْإنْجِيلِ» ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وإفْعِيلٌ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِ.

آل عمران 3:4

﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿وأنْزَلَ﴾ أيْ أنْزَلَهُما مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الكِتابِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِكَ والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في البَيانِ كَذا قالُوا بِرُمَّتِهِمْ، وأنا أقُولُ التَّصْرِيحُ بِهِ لِلرَّمْزِ إلى أنَّ إنْزالَهُما مُتَضَمِّنٌ لِلْإرْهاصِ لِبَعْثَتِهِ ﷺ حَيْثُ قَيَّدَ الإنْزالَ المُقَيَّدَ بِمَن قَبْلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ أيْ أنْزَلَهُما كَذَلِكَ لِأجْلِ هِدايَةِ النّاسِ الَّذِينَ أُنْزِلا عَلَيْهِمْ إلى الحَقِّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الإيمانُ بِهِ ﷺ واتِّباعُهُ حَيْثُ يَبْعَثُ لِما اِشْتَمَلَتا عَلَيْهِ مِنَ البِشارَةِ بِهِ والحَثِّ عَلى طاعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والهِدايَةِ بِهِما بَعْدَ نَسْخِ أحْكامِهِما بِالقُرْآنِ إنَّما هي مِن هَذا الوَجْهِ لا غَيْرَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِما أيْضًا فِيما عَدا الشَّرائِعِ المَنسُوخَةِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُصَدِّقُها القُرْآنُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الهِدايَةَ إذْ ذاكَ بِالقُرْآنِ المُصَدِّقِ لا بِهِما كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (هُدًى) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُما والإفْرادُ لِما أنَّهُ مَصْدَرٌ جَعَلا نَفْسَ الهُدى مُبالَغَةً أوْ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ أيْ ذَوِي هُدًى، وجَعْلُهُ حالًا مِن ”الكِتابِ“ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتَكَبَ فِيهِ. ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ القُرْآنُ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَأحَلَّ فِيهِ حَلالَهُ وحَرَّمَ حَرامَهُ وشَرَعَ شَرائِعَهُ وحَدَّ حُدُودَهُ وفَرائِضَهُ وبَيَّنَ بَيانَهُ وأمَرَ بِطاعَتِهِ ونَهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وذَكَرَ بِهَذا العُنْوانِ بَعْدَ ذِكْرِهِ بِاسْمِ الجِنْسِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ ورَفْعًا لِمَكانِهِ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ الفاصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيما اِخْتَلَفَ فِيهِ الأحْزابُ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، وأُيِّدَ هَذا بِأنَّ صَدْرَ السُّورَةِ كَما قَدَّمْنا نَزَلَتْ في مُحاجَّةِ النَّصارى لِلنَّبِيِّ ﷺ في أمْرِ أخِيهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِالفُرْقانِ بَعْضَ القُرْآنِ ولَمْ يُكْتَفَ بِانْدِراجِهِ في ضِمْنِ الكُلِّ اِعْتِناءً بِهِ، ومِثْلُ هَذا القَوْلِ ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ المُرادَ بِهِ كُلُّ آيَةٍ مُحْكَمَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَبَّرَ عَنْها بِوَصْفٍ شامِلٍ لِما ذَكَرَ مِنها وما لَمْ يَذْكُرْ عَلى طَرِيقِ التَّتْمِيمِ بِالتَّعْمِيمِ إثْرَ تَخْصِيصِ بَعْضِ مَشاهِيرِها بِالذِّكْرِ، وقِيلَ: نَفْسُ الكُتُبِ المَذْكُورَةِ أُعِيدَ ذِكْرُها بِوَصْفٍ خاصٍّ لَمْ يُذْكَرْ فِيما سَبَقَ عَلى طَرِيقِ العَطْفِ بِتَكْرِيرِ لَفْظِ الإنْزالِ تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الزَّبُورُ وتَقْدِيمُ الإنْجِيلِ عَلَيْهِ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنْهُ نُزُولًا لِقُوَّةِ مُناسَبَتِهِ لِلتَّوْراةِ في الِاشْتِمالِ عَلى الأحْكامِ وشُيُوعِ اِقْتِرانِهِما في الذِّكْرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الزَّبُورَ مَواعِظُ فَلَيْسَ فِيهِ ما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِنَ الأحْكامِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَواعِظَ لِما فِيها مِنَ الزَّجْرِ والتَّرْغِيبِ فارِقَةٌ أيْضًا ولِخَفاءِ الفَرْقِ فِيها خُصَّتْ بِالتَّوْصِيفِ بِهِ، وأُورِدُ عَلَيْهِ بِأنَّ ذِكْرَ الوَصْفِ دُونَ المَوْصُوفِ يَقْتَضِي شُهْرَتَهُ بِهِ حَتّى يُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ مَوْصُوفِهِ والخَفاءُ إنَّما يَقْتَضِي إثْباتَ الوَصْفِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المُعْجِزاتُ المَقْرُونَةُ بِإنْزالِ الكُتُبِ المَذْكُورَةِ الفارِقَةِ بَيْنَ المُحِقِّ صفحة 78 والمُبْطِلِ، وعَلى أيٌّ تَقْدِيرٍ كانَ فَهو مَصْدَرٌ في الأصْلِ كالغُفْرانِ أُطْلِقَ عَلى الفاعِلِ مُبالَغَةً. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ لِلْعَهْدِ إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِن آياتِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ فَتُصَدِّقَ الآياتُ عَلى ما يَتَحَقَّقُ في ضِمْنِ ما تَقَدَّمَ وعَلى غَيْرِهِ كالمُعْجِزاتِ، وأضافَها إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ تَعْيِينًا لِحَيْثِيَّةِ كُفْرِهِمْ وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ وتَأْكِيدًا لِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا مَن تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ أوْ أهْلُ الكِتابَيْنِ أوْ جِنْسُ الكَفَرَةِ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَدْخُلُ أُولَئِكَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ اِبْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ العَذابُ بِالظَّرْفِ والتَّنْكِيرِ لِلتَّفْخِيمِ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُقَدَّرُ قَدْرَهُ وهو مَناطُ الحَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ، والتَّعْلِيقُ بِالمَوْصُولِ الَّذِي هو في حُكْمِ المُشْتَقِّ يُشْعِرُ بِالعِلِيَّةِ وهو مَعْنى تَضَمَّنَهُ الشَّرْطُ وتَرَكَ فِيهِ الفاءَ لِظُهُورِهِ فَهو أبْلَغُ إذا اِقْتَضاهُ المَقامُ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أيْ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ [ 4 ] اِفْتِعالٌ مِنَ النِّقْمَةِ وهي السَّطْوَةُ والتَّسَلُّطُ، يُقالُ: اِنْتَقَمَ مِنهُ إذا عاقَبَهُ بِجِنايَتِهِ، ومُجَرَّدُهُ نَقِمَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ وجَعَلَهُ بَعْضُهم بِمَعْنى كَرِهَ لا غَيْرَ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، واخْتارَ هَذا التَّرْكِيبَ عَلى مُنْتَقِمٍ مَعَ اِخْتِصارِهِ لِأنَّهُ أبْلَغَ مِنهُ إذْ لا يُقالُ صاحِبُ سَيْفٍ إلّا لِمَن يُكْثِرُ القَتْلَ لا لِمَن مَعَهُ السَّيْفُ مُطْلَقًا، والجُمْلَةُ اِعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِلْوَعِيدِ مُؤَكِّدٌ لَهُ.

آل عمران 3:5

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [ 5 ] اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سِعَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ ما في العالَمِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ إيمانُ مَن آمَنَ وكُفْرُ مَن كَفَرَ إثْرَ بَيانِ كَمالِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ عِزَّتِهِ وفي بَيانِ ذَلِكَ تَرْبِيَةٌ لِلْوَعِيدِ وإشارَةٌ إلى دَلِيلِ كَوْنِهِ حَيًّا وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوُقُوفَ عَلى بَعْضِ المُغَيَّباتِ كَما وقَعَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَعْزِلٍ مِن بُلُوغِ رُتْبَةِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ الأرْضِ والسَّماءِ العالَمُ بِأسْرِهِ، وجَعَلَهُ الكَثِيرُ مَجازًا مِن إطْلاقِ الجُزْءِ وإرادَةِ الكُلِّ، ومَن قالَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ في (كُلٍّ) كُلٌّ وجُزْءٌ بِناءً عَلى اِشْتِراطِ التَّرْكِيبِ الحَقِيقِيِّ وزَوالِ ذَلِكَ الكُلِّ بِزَوالِ ذَلِكَ الجُزْءِ جَعْلَ المَذْكُورِ كِنايَةً لا مَجازًا، وتَقْدِيمُ الأرْضِ عَلى السَّماءِ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ أحْوالِ أهْلِها واهْتِمامًا بِما يُشِيرُ إلى وعِيدِ ذَوِي الضَّلالَةِ مِنهم ولِيَكُونَ ذِكْرُ السَّماءِ بَعْدُ مِن بابِ العُرُوجِ، قِيلَ: ولِذا وُسِّطَ حَرْفُ النَّفْيِ بَيْنَهُما، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ خَبَرٌ لِأنَّ، وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ وكَلِمَةُ في مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ مُؤَكِّدَةٌ لِعُمُومِهِ المُسْتَفادِ مِن وُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما كائِنٌ في العالَمِ بِأسْرِهِ كَيْفَما كانَتِ الظَّرْفِيَّةُ، والتَّعْبِيرُ بِعَدَمِ الخَفاءِ أبْلَغُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالعِلْمِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِ(يَخْفى) .

آل عمران 3:6

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى الصَّحِيحِ ناطِقَةٌ بِبَعْضِ أحْكامِ قَيُّومِيَّتِهِ تَعالى مُشِيرَةٌ إلى تَقْرِيرِ عِلْمِهِ مَعَ زِيادَةِ بَيانٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالأشْياءِ قَبْلَ وُجُودِها، والتَّصْوِيرُ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى صُورَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها، والصُّورَةُ هَيْئَةٌ يَكُونُ عَلَيْها الشَّيْءُ بِالتَّأْلِيفِ، والأرْحامُ جَمْعُ رَحِمٍ وهي مَعْلُومَةٌ وكَأنَّها أُخِذَتْ مِنَ الرَّحْمَةِ لِأنَّها مِمّا يَتَراحَمُ بِها ويَتَعاطَفُ، وكَلِمَةُ (فِي) مُتَعَلِّقَةٌ بِ (يُصَوِّرُ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ يُصَوِّرُكم وأنْتُمْ في الأرْحامِ مُضَغٌ، و(كَيْفَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ يَشاءُ وهو حالٌ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَشاءُ تَصْوِيرَكُمْ، وقِيلَ: (كَيْفَ) ظَرْفٌ لِ (يَشاءُ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: يُصَوِّرُكم عَلى مَشِيئَتِهِ أيْ مُرِيدًا إنْ كانَ الحالُ مِنَ الفاعِلِ أوْ يُصَوِّرُكم مُتَقَلِّبِينَ عَلى مَشِيئَتِهِ تابِعِينَ لَها في قَبُولِ الأحْوالِ المُتَغايِرَةِ مِن كَوْنِكم نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ وثُمَّ، وفي الِاتِّصافِ بِالصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ مِنَ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ والحُسْنِ صفحة 79 والقُبْحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بُطْلانِ زَعْمِ مَن زَعَمَ رُبُوبِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ تَقَلُّبِهِ في الأطْوارِ ودَوْرِهِ في فَلَكِ هَذِهِ الأدْوارِ حَسْبَما شاءَهُ المَلِكُ القَهّارُ ورَكاكَةِ عُقُولِهِمْ ما لا يَخْفى، وقَرَأ طاوُسٌ (تَصَوَّرَكُمْ) عَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّفَعُّلِ أيِ اِتَّخَذَ صُوَرَكم لِنَفْسِهِ وعِبادَتِهِ فَهو مِن بابِ تَوَسَّدَ التُّرابَ أيِ اِتَّخَذَهُ وسادَةً فَما قِيلَ: كَأنَّهُ مِن تَصَوَّرْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنى تَوَهَّمْتُ صُورَتَهُ فالتَّصْدِيقُ أنَّهُ تَوَهُّمٌ مَحْضٌ. ﴿لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [ 6 ] كَرَّرَ الجُمْلَةَ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى وانْحِصارِها فِيهِ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها ومُبالَغَةً في الرَّدِّ عَلى مَنِ اِدَّعى إلَهِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وناسَبَ مَجِيئُها بَعْدَ الوَصْفَيْنِ السّابِقَيْنِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ إذْ مَن هَذانَ الوَصْفانِ لَهُ هو المُتَّصِفُ بِالأُلُوهِيَّةِ لا غَيْرُهُ ثُمَّ أتى بِوَصْفِ العِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ النَّظِيرِ أوِ التَّناهِي في القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِأنَّ خَلْقَهم عَلى ما ذَكَرَ مِنَ النَّمَطِ البَدِيعِ أثَرٌ مِن آثارِ ذَلِكَ.

آل عمران 3:7

﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ اِسْتِئْنافٌ لِإبْطالِ شُبَهِ الوَفْدِ وإخْوانِهِمُ النّاشِئَةِ عَمّا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ في نَعْتِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إثْرَ بَيانِ اِخْتِصاصِ الرُّبُوبِيَّةِ ومَناطِها بِهِ سُبْحانَهُ، قِيلَ: إنَّ الوَفْدَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى ورُوحٌ مِنهُ؟ قالَ: بَلى قالُوا: فَحَسْبُنا ذَلِكَ (فَنَعى سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ زَيْغَهُمْ) وفِتْنَتَهم وبَيَّنَ أنَّ الكِتابَ مُؤَسَّسٌ عَلى أُصُولٍ رَصِينَةٍ وفُرُوعٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَيْها ناطِقَةٍ بِالحَقِّ قاضِيَةٍ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، كَذا قِيلَ ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا الأثَرَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ أثَرٌ في ”الصِّحاحِ“ ولا سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في غَيْرِها، وقُصارى ما وُجِدَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الآتِي الوَفْدُ، وفِيهِ أنَّ الأثَرَ بِعَيْنِهِ أخْرَجَهُ في «اَلدُّرِّ المَنثُورِ» عَنْ أبِي حاتِمٍ وابْنِ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ وعَنْ بَعْضِهِمْ: «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وذَلِكَ حِينَ مَرَّ أبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ (فَجاءَ رَجُلٌ مِن يَهُودَ لِرَسُولِ) اللَّهِ ﷺ وهو يَتْلُو فاتِحَةَ سُورَةِ البَقَرَةِ [1-2] ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ فَأتى أخاهُ حَيِيَّ بْنَ أخْطَبَ في رِجالٍ مِن يَهُودَ فَقالَ: أتَعْلَمُونَ واَللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَتْلُو فِيما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ فَقالَ: أنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قالَ: نَعَمْ فَمَشى حَتّى وافى أُولَئِكَ النَّفَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ألَمْ يَذْكُرْ أنَّكَ تَتْلُو فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ ؟ فَقالَ: بَلى فَقالَ: لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى قَبْلَكَ أنْبِياءَ ما نَعْلَمُهُ بَيَّنَ لِنَبِيٍّ مِنهم ما مُدَّةُ مُلْكِهِ وما أجَلُ أُمَّتِهِ غَيْرَكُ، الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ فَهَذِهِ إحْدى وسَبْعُونَ سَنَةً هَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟ قالَ: نَعَمْ (المص) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ والصّادُ تِسْعُونَ فَهَذِهِ مِائَةٌ وإحْدى وسِتُّونَ سَنَةً هَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟ قالَ: نَعَمْ (الر) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ هَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟ قالَ: بَلى (المر) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، ثُمَّ قالَ: لَقَدْ لَبَسَ عَلَيْنا أمْرُكَ حَتّى ما نَدْرِي أقَلِيلًا أعْطَيْتَ أمْ كَثِيرًا، ثُمَّ قالَ: قُومُوا ثُمَّ قالَ أبُو ياسِرٍ لِأخِيهِ ومَن مَعَهُ: وما يُدْرِيكم لَعَلَّهُ لَقَدْ جَمَعَ هَذا كُلَّهُ لِمُحَمَّدٍ؟ فَقالُوا: لَقَدْ تَشابَهَ عَلَيْنا أمْرُهُ»». وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ البُخارِيُّ في «اَلتّارِيخِ» وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلّا أنَّ فِيهِ فَيَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ فِيهِمْ وهو مُؤْذِنٌ بِعَدَمِ الجَزْمِ بِذَلِكَ ومَعَ هَذا يُبْعِدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن رِوايَةِ «إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ في شَأْنِ أُولَئِكَ الوَفْدِ مِن مَصْدَرِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً» وعَلى تَقْدِيرِ الإغْماضِ عَنْ هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجْهُ اِتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ في المُتَشابِهِ خَفاءً كَما أنَّ تَصْوِيرَ ما في الأرْحامِ كَذَلِكَ أوْ أنَّ في هَذِهِ تَصْوِيرَ الرُّوحِ بِالعِلْمِ وتَكْمِيلَهُ بِهِ وفِيما قَبْلَها تَصْوِيرُ الجَسَدِ وتَسْوِيَتُهُ فَلَمّا أنَّ في كُلٍّ مِنهُما تَصْوِيرًا وتَكْمِيلًا في الجُمْلَةِ ناسَبَ صفحة 80 ذِكْرَهُ مَعَهُ، ولَمّا أنَّ بَيْنَ التَّصْوِيرِ الحَقِيقِيِّ الجُسْمانِيِّ واَلَّذِي لَيْسَ هو كَذَلِكَ مِنَ الرُّوحانِيِّ مِنَ التَّفاوُتِ والتَّبايُنِ تُرِكَ العَطْفُ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنهُ آياتٌ﴾ الظَّرْفُ فِيهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(آياتٌ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أوْ بِالعَكْسِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ: بِأنَّهُ الأوْفَقُ بِقَواعِدِ الصِّناعَةِ، والثّانِي: بِأنَّهُ أدْخَلُ في جَزالَةِ المَعْنى إذِ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ اِنْقِسامُ الكِتابِ إلى القِسْمَيْنِ المَعْهُودَيْنِ لا كَوْنُهُما مِنَ الكِتابِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكِتابِ أيْ هو الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ كائِنًا عَلى هَذِهِ الحالَةِ أيْ مُنْقَسِمًا إلى مُحْكَمٍ وغَيْرِهِ، أوِ الظَّرْفُ وحْدَهُ حالٌ و(آياتٌ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ ﴿مُحْكَماتٌ﴾ صِفَةُ (آياتٌ) أيْ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ مَحْكَمَةُ العِبارَةِ مَحْفُوظَةٌ مِنَ الِاحْتِمالِ والِاشْتِباهِ ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ أيْ أصْلُهُ والعُمْدَةُ فِيهِ يُرَدُّ إلَيْها غَيْرُها، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ جامِعٍ يَكُونُ مَرْجِعًا أما والجُمْلَةُ إمّا صِفَةٌ لِما قَبْلَها أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وإنَّما أفْرَدَ الأُمَّ مَعَ أنَّ الآياتِ مُتَعَدِّدَةٌ لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ أصْلِيَّةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها أوْ بَيانُ أنَّ الكُلَّ بِمَنزِلَةِ آيَةٍ واحِدَةٍ ”وأُخَرُ“ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى (آياتٌ) أيْ وآياتٌ أُخَرُ وهي كَما قالَ الرَّضِيُّ: جَمْعُ أُخْرى الَّتِي هي مُؤَنَّثُ آخَرَ ومَعْناهُ في الأصْلِ أشَدُّ تَأخُّرًا فَمَعْنى جاءَنِي زَيْدٌ ورَجُلٌ آخَرُ جاءَنِي زَيْدٌ ورَجُلٌ أشَدُّ تَأخُّرًا مِنهُ في مَعْنًى مِنَ المَعانِي، ثُمَّ نُقِلَ إلى مَعْنى غَيْرِهِ فَمَعْنى رَجُلٌ آخَرُ رَجُلٌ غَيْرُ زَيْدٍ ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما هو مِن جِنْسِ المَذْكُورِ أوَّلًا، فَلا يُقالُ: جاءَنِي زَيْدٌ وحِمارٌ آخَرُ ولا اِمْرَأةٌ أُخْرى، ولَمّا خَرَجَ عَنْ مَعْنى التَّفْضِيلِ اُسْتُعْمِلَ مِن دُونِ لَوازِمِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، أعْنِي مِن والإضافَةَ واللّامَ وطُوبِقَ بِالمُجَرَّدِ عَنِ اللّامِ والإضافَةِ ما هو لَهُ نَحْوَ: رَجُلانِ آخَرانِ ورِجالٌ آخَرُونَ واِمْرَأةٌ أُخْرى واِمْرَأتانِ أُخْرَيانِ ونِسْوَةٌ أُخَرُ. وذَهَبَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِأنَّهُ وصْفٌ مَعْدُولٌ عَنِ الآخَرِ، قالُوا: لِأنَّ الأصْلَ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ أنْ لا يُجْمَعَ إلّا مَقْرُونًا بِالألِفِ واللّامِ كالكِبَرِ والصِّغَرِ فَعُدِلَ عَنْ أصْلِهِ وأُعْطِيَ مِنَ الجَمْعِيَّةِ مُجَرَّدًا ما لا يُعْطى غَيْرُهُ إلّا مَقْرُونًا، وقِيلَ: الدَّلِيلُ عَلى عَدْلِ (أُخَرَ) أنَّهُ لَوْ كانَ مَعَ مِنَ المُقَدَّرَةِ كَما في (اَللَّهُ أكْبَرُ) لَلَزِمَ أنْ يُقالَ بِنِسْوَةٍ آخَرَ عَلى وزْنِ أفْعَلَ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ ما دامَ بِمِن ظاهِرَةٍ أوْ مُقَدَّرَةٍ لا يَجُوزُ مُطابَقَتُهُ لِمَن هو لَهُ بَلْ يَجِبُ إفْرادُهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ الإضافَةِ لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ لا يُحْذَفُ إلّا مَعَ بِناءِ المُضافِ، أوْ مَعَ سادٍّ مَسَدَّ المُضافِ إلَيْهِ، أوْ مَعَ دَلالَةِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ تابِعُ المُضافِ أخْذًا مِنَ اِسْتِقْراءِ كَلامِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ اللّامَ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً كَسُحَرَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ في المَعْدُولِ عَنْ شَيْءٍ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ مِن كُلِّ وجْهٍ وإنَّما يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَدْ أُخْرِجَ عَمّا يَسْتَحِقُّهُ وما هو القِياسُ فِيهِ إلى صِيغَةٍ أُخْرى، نَعَمْ قَدْ تُقْصَدُ إرادَةُ تَعْرِيفِهِ بَعْدَ النَّقْلِ إمّا بِألِفٍ ولامٍ يُضْمَنُ مَعْناها فَيُبْنى، أوْ إمّا بِعِلْمِيَّةٍ كَما في سُحَرَ فَيُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ، ولَمّا لَمْ يُقْصَدُ في (أُخَرُ) إرادَةُ الألِفِ واللّامِ أُعْرِبَ، ولا يَصِحُّ إرادَةُ العَلَمِيَّةِ لِأنَّها تُضادُّ الوَصْفِيَّةَ المَقْصُودَةَ مِنهُ. وقالَ اِبْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ آخَرَ مَن، وزَعَمَ اِبْنُ مالِكٍ أنَّهُ التَّحْقِيقُ، وظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ اِخْتِيارُهُ واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ. ووَصَفَ (أُخَرُ) بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مُتَشابِهاتٌ﴾ وهي في الحَقِيقَةِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ مُحْتَمِلاتٌ لِمَعانٍ مُتَشابِهاتٍ لا يَمْتازُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ في اِسْتِحْقاقِ الإرادَةِ ولا يَتَّضِحُ الأمْرُ إلّا بِالنَّظَرِ الدَّقِيقِ، وعَدَمُ الِاتِّضاحِ قَدْ يَكُونُ لِلِاشْتِراكِ أوْ لِلْإجْمالِ، أوْ لِأنَّ ظاهِرَهُ التَّشْبِيهُ فالمُتَشابِهُ في الحَقِيقَةِ وصْفٌ لِتِلْكَ المَعانِي وصَفَ بِهِ الآياتِ عَلى طَرِيقَةِ وصْفِ الدّالِّ بِما هو وصْفٌ لِلْمَدْلُولِ فَسَقَطَ ما قِيلَ: إنَّ واحِدَ مُتَشابِهاتٍ مُتَشابِهَةٌ، صفحة 81 وواحِدَ (أُخَرَ) أُخْرى، والواحِدُ هُنا لا يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ بِهَذا الواحِدِ فَلا يُقالُ: أُخْرى مُتَشابِهَةٌ إلّا أنْ يَكُونَ بَعْضُ الواحِدَةِ يُشْبِهُ بَعْضًا ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ وإنَّما المَعْنى أنَّ كُلَّ آيَةٍ تُشْبِهُ آيَةً أُخْرى، فَكَيْفَ صَحَّ وصْفُ الجَمْعِ بِهَذا الجَمْعِ ولَمْ يَصِحَّ وصْفُ مُفْرَدِهِ بِمُفْرَدِهِ؟! ولا حاجَةَ إلى ما تُكُلِّفَ في الجَوابِ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ صِحَّةِ وصْفِ المُثَنّى والمَجْمُوعِ صِحَّةُ بَسْطِ مُفْرَداتِ الأوْصافِ عَلى أفْرادِ المَوْصُوفاتِ كَما أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الإسْنادِ إلَيْهِما صِحَّةُ إسْنادِهِ إلى كُلِّ واحِدٍ كَما في ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ إذِ الرَّجُلُ لا يَقْتَتِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ مِن شَأْنِ الأُمُورِ المُتَشابِهَةِ أنْ يَعْجِزَ العَقْلُ عَنِ التَّمْيِيزِ بِها سُمِّيَ كُلُّ ما لا يَهْتَدِي العَقْلُ إلَيْهِ مُتَشابِهًا وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسَبَبِ التَّشابُهِ كَما أنَّ المُشْكِلَ في الأصْلِ ما دَخَلَ في أشْكالِهِ وأمْثالِهِ ولَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ غامِضٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ غُمُوضُهُ مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُتَشابِهُ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَمّا لا يَتَّضِحُ مَعْناهُ مَثَلًا فَيَكُونُ السُّؤالُ مُغالَطَةً غَيْرَ وارِدَةٍ رَأْسًا وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ هو مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ وعَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ. وتَقْسِيمُ الكِتابِ إلَيْهِما مِن تَقْسِيمِ الكُلِّ إلى أجْزائِهِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ ولامُهُ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ، وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُرادَ بِالكِتابِ الثّانِي المُضافُ إلَيْهِ أُمُّ الأوَّلِ الواقِعِ مُقَسَّمًا كَما يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ إعادَةُ الشَّيْءِ مَعْرِفَةٌ ويَكُونُ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ اِعْتِناءً بِشَأْنِ المُظْهَرِ وتَفْخِيمًا لَهُ والإضافَةُ عَلى مَعْنى في كَما في واحِدِ العَشَرَةِ فَلا يَلْزَمُ كَوْنُ الشَّيْءِ أصْلًا لِنَفْسِهِ لِأنَّ المَعْنى عَلى أنَّ الآياتِ المُحْكَماتِ الَّتِي هي جُزْءٌ مِمّا بَيْنُ الدَّفَّتَيْنِ أصْلٌ فِيما بَيْنُ الدَّفَّتَيْنِ يَرْجِعُ إلَيْهِ المُتَشابِهِ مِنهُ، واعْتِبارُ ظَرْفِيَّةِ الكُلِّ لِلْجُزْءِ يَدْفَعُ تَوَهُّمَ لُزُومِ ظَرْفِيَّةِ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ وهَذا أوْلى مِنَ القَوْلِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ بِأنْ يُقالَ التَّقْدِيرُ أمُّ بَعْضِ الكِتابِ، فَإنَّهُ وإنْ بَقِيَ فِيهِ الكِتابُ عَلى حالِهِ إلّا أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَإنَّهُ كالقُرْآنِ يُطْلَقُ عَلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ المَجْمُوعِ وبَيْنَ كُلِّ بَعْضٍ مِنهُ لَهُ بِهِ نَوْعُ اِخْتِصاصٍ كَما بُيِّنَ في الأُصُولِ، ويُرادُ مِن هَذا الجِنْسِ ما هو في ضِمْنِ الآياتِ المُتَشابِهاتِ فاللّامُ حِينَئِذٍ لِلْجِنْسِ والإضافَةُ عَلى مَعْنى اللّامِ ولا يُعارِضُهُ حَدِيثُ الإعادَةِ إذْ هو أصْلٌ كَثِيرًا ما يُعْدَلُ عَنْهُ ولا يُتَوَهَّمُ مِنهُ كَوْنُ الشَّيْءِ أُمًّا لِنَفْسِهِ أصْلًا ولا أنَّ المَقامَ مَقامُ الإضْمارِ لِيُحْتاجَ إلى الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ، وبَعْضُ فُضَلاءِ العَصْرِ العاصِرِينَ حُمَيّا العِلْمِ مِن كَرَمِ أذْهانِهِمِ الكَرِيمَةِ أحْسَنَ عَصْرٍ جَوَّزَ كَوْنَ الإضافِيَّةِ لامِيَّةً، و(اَلْكِتابِ) المُضافُ إلَيْهِ هو الكِتابُ الأوَّلُ بِعَيْنِهِ ولَيْسَ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وما يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ مِن كَوْنِ الشَّيْءِ أُمًّا لِنَفْسِهِ وأصْلًا لَها لا يَضُرُّ لِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ فَإنَّ أُمُومَتَهُ لِغَيْرِهِ مِنَ المُتَشابِهِ بِاعْتِبارِ رَدِّهِ إلَيْهِ وإرْجاعِهِ لَهُ وأُمُومَتِهِ لِنَفْسِهِ بِاعْتِبارِ عَدَمِ اِحْتِياجِهِ لِظُهُورِ مَعْناهُ إلى شَيْءٍ سِوى نَفْسِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الأُمَّ إنْ كانَتْ في كِلا الِاعْتِبارَيْنِ حَقِيقَةً لَزِمَ اِسْتِعْمالُ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ وإنْ كانَتْ في كِلَيْهِما مَجازًا لَزِمَ الجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ، وإنْ كانَتْ حَقِيقَةً في الأصْلِ بِاعْتِبارِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ غَيْرُهُ كَما يُفْهَمُ مِن بَعْضِ عِباراتِهِمْ مَجازًا في الأصْلِ بِمَعْنى المُسْتَغْنِي عَنْ غَيْرِهِ لَزِمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ ولا مَخْلَصَ عَنْ ذَلِكَ إلّا بِارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ، هَذا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْسِيمُ إلى القِسْمَيْنِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ مِن تَقْسِيمِ الكُلِّيِّ إلى جُزْئِيّاتِهِ فَ (ألْ) في الكِتابِ لِلْجِنْسِ أوَّلًا وآخِرًا إلّا أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ في الأوَّلِ الماهِيَّةُ مِن حَيْثُ هي كَما هو الأمْرُ المَعْرُوفُ في مِثْلِ هَذا التَّقْسِيمِ، وفي الثّانِي الماهِيَّةُ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِها في ضِمْنِ بَعْضِ الأفْرادِ وهو المُتَشابِهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الثّانِي أيْضًا مَجْمُوعُ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ والكَلامُ فِيهِ حِينَئِذٍ عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ، قِيلَ: وقُصارى ما يَلْزَمُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ بَعْدَ تَحَمُّلِ القَوْلِ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ صِدْقُ الكِتابِ عَلى الأبْعاضِ وهو صفحة 82 مِمّا لا يَتَحاشى مِنهُ بَلْ هو غَرَضُ مَن فَسَّرَ الكِتابَ بِالقَدْرِ المُشْتَرَكِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالعِنايَةِ، فَتَدَبَّرْ. وذَهَبَ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ إلى أنَّ المُحْكَمَ الواضِحَ الدَّلالَةِ الظّاهِرَ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ، والمُتَشابِهَ الخَفِيَّ الَّذِي لا يُدْرَكُ مَعْناهُ عَقْلًا ولا نَقْلًا وهو ما اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ كَقِيامِ السّاعَةِ والحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ؛ وقِيلَ: المُحْكَمُ الفَرائِضِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، والمُتَشابِهُ القِصَصِ والأمْثالِ، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ اِبْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ المُحْكَماتُ ناسِخُهُ وحَلالُهُ وحَرامُهُ وحُدُودُهُ وفَرائِضُهُ، والمُتَشابِهاتُ ما يُؤْمَنُ بِهِ ولا يُعْمَلُ بِهِ، وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ المُحْكَماتُ ما فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ وما سِوى ذَلِكَ مُتَشابِهٌ، وأخْرَجَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ المُحْكَماتُ ما لَمْ يُنْسَخْ والمُتَشابِهاتُ ما قَدْ نُسِخَ، وقالَ الماوَرْدِيُّ: المُحْكَمُ ما كانَ مَعْقُولُ المَعْنى، والمُتَشابِهُ بِخِلافِهِ كَأعْدادِ الصَّلَواتِ واخْتِصاصِ الصِّيامِ بِرَمَضانَ دُونَ شَعْبانَ، وقِيلَ: المُحْكَمُ ما لَمْ يَتَكَرَّرْ ألْفاظُهُ، والمُتَشابِهُ ما يُقابِلُهُ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا الخِلافُ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ هُنا وإلّا فَقَدَ يُطْلَقُ المُحْكَمُ بِمَعْنى المُتْقَنِ النَّظْمِ، والمُتَشابِهُ عَلى ما يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في البَلاغَةِ، وهُما بِهَذا المَعْنى يُطْلَقانِ عَلى جَمِيعِ القُرْآنِ، وعَلى ذَلِكَ خَرَجَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ . ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أيْ عُدُولٌ عَنِ الحَقِّ ومَيْلٌ عَنْهُ إلى الأهْواءِ، وقالَ الرّاغِبُ: ((اَلزَّيْغُ المَيْلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ)) وزاغَ وزالَ ومالَ مُتَقارِبَةٌ لَكِنْ زاغَ لا يُقالُ إلّا فِيما كانَ عَنْ حَقٍّ إلى باطِلٍ ومَصْدَرُهُ زَيْغٌ وزَيْغُوغَةٌ وزَيَغانٌ وزُيُوغٌ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ نَصارى نَجْرانَ أوِ اليَهُودُ وإلَيْهِ ذَهَبَ اِبْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: مُنْكِرُو البَعْثِ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ، وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَلى أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُمُ الخَوارِجُ، وظاهِرُ اللَّفْظِ العُمُومُ لِسائِرِ مَن زاغَ عَنِ الحَقِّ فَلْيُحْمَلْ ما ذُكِرَ عَلى بَيانِ بَعْضِ ما صَدَّقَ عَلَيْهِ العامُّ دُونَ التَّخْصِيصِ، وفي جَعْلِ قُلُوبِهِمْ مَقَرًّا لِلزَّيْغِ مُبالَغَةٌ في عُدُولِهِمْ عَنْ سُنَنِ الرَّشادِ وإصْرارِهِمْ عَلى الشَّرِّ والفَسادِ. وزَيْغٌ مُبْتَدَأٌ أوْ فاعِلٌ ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ أيْ يَتَعَلَّقُونَ بِذَلِكَ وحْدَهُ بِأنْ لا يَنْظُرُوا إلى ما يُطابِقُهُ مِنَ المُحْكَمِ ويَرُدُّوهُ إلَيْهِ وهو إمّا بِأخْذِ ظاهِرِهِ غَيْرِ المُرادِ لَهُ تَعالى أوْ أخْذِ أحَدِ بُطُونِهِ الباطِلَةِ، وحِينَئِذٍ يَضْرِبُونَ القُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ويُظْهِرُونَ التَّناقُضَ بَيْنَ مَعانِيهِ إلْحادًا مِنهم وكُفْرًا ويَحْمِلُونَ لَفْظَهُ عَلى أحَدِ مُحْتَمِلاتِهِ الَّتِي تُوافِقُ أغْراضَهُمُ الفاسِدَةَ في ذَلِكَ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أيْ طَلَبَ أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّشْكِيكِ والتَّلْبِيسِ ومُناقَضَةِ المُحْكَمِ بِالمُتَشابِهِ كَما نُقِلَ عَنِ الواقِدِيِّ، وطَلَبَ أنْ يُؤَوِّلُوهُ حَسْبَما يَشْتَهُونَ، فالإضافَةُ في ﴿تَأْوِيلِهِ﴾ لِلْعَهْدِ أيْ بِتَأْوِيلٍ مَخْصُوصٍ وهو ما لَمْ يُوافِقِ المُحْكَمَ بَلْ ما كانَ مُوافِقًا لِلتَّشَهِّي. والتَّأْوِيلُ التَّفْسِيرُ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقالَ الرّاغِبُ: ((إنَّهُ مِنَ الأوَّلِ وهو الرُّجُوعُ إلى الأصْلِ ومِنهُ المَوْئِلُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وذَلِكَ هو رَدُّ الشَّيْءِ إلى الغايَةِ المُرادَةِ مِنهُ عِلْمًا كانَ أوْ فِعْلًا، ومِنَ الأوَّلِ ما ذُكِرَ هُنا، ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ: ولِلنَّوى قَبْلَ يَوْمِ البَيْنِ تَأْوِيلُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أيْ بَيانُهُ الَّذِي هو غايَتُهُ المَقْصُودَةُ مِنهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ قِيلَ: أحْسَنُ تَرْجَمَةً ومَعْنًى، وقِيلَ: أحْسَنُ ثَوابًا في الآخِرَةِ)) اِنْتَهى. وجُوِّزَ في هاتَيْنِ الطَّلِبَتَيْنِ أنْ تَكُونا عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ بِأنْ يَكُونَ ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ طَلِبَةَ بَعْضٍ، وابْتِغاءَ التَّأْوِيلِ صفحة 83 حَسَبَ التَّشَهِّي طَلِبَةَ آخَرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاتِّباعُ لِمَجْمُوعِ الطَّلِبَتَيْنِ وهو الخَلِيقُ بِالمُعانِدِ لِأنَّهُ لِقُوَّةِ عِنادِهِ ومَزِيدِ فَسادِهِ يَتَشَبَّثُ بِهِما مَعًا وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما عَلى التَّعاقُبِ وهو المُناسِبُ بِحالِ الجاهِلِ لِأنَّهُ مُتَحَيِّرٌ تارَةً يَتْبِعُ ظاهِرَهُ وتارَةً يُؤَوِّلُهُ بِما يَشْتَهِيهِ لِكَوْنِهِ في قَبْضَةِ هَواهُ يَتْبَعُهُ كُلَّما دَعاهُ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الفِتْنَةَ عَلى المالِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ سَمّاهُ فِتْنَةً في مَواضِعَ مِن كَلامِهِ ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مُدَّعًى ودَلِيلًا، وفي تَعْلِيلِ الِاتِّباعِ بِابْتِغاءِ تَأْوِيلِهِ دُونَ نَفْسِ (تَأْوِيلِهِ) وتَجْرِيدِ التَّأْوِيلِ عَنِ الوَصْفِ بِالصِّحَّةِ والحَقِّيَّةِ إيذانٌ بِأنَّهم لَيْسُوا مِنَ التَّأْوِيلِ في عِيرٍ ولا نَفِيرٍ ولا قُبَيْلٍ ولا دُبَيْرٍ، وأنَّ ما يَتَّبِعُونَهُ لَيْسَ بِتَأْوِيلٍ أصْلًا لا أنَّهُ تَأْوِيلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ قَدْ يُعْذَرُ صاحِبُهُ. ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَتَّبِعُونَ) بِاعْتِبارِ العِلَّةِ الأخِيرَةِ أيْ يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ لِابْتِغاءِ تَأْوِيلِهِ، والحالُ أنَّ التَّأْوِيلَ المُطابِقَ لِلْواقِعِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ بِالعِلْمِ والإضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى مَخْصُوصٌ بِهِ سُبْحانَهُ وبِمَن وفَّقَهُ عَزَّ شَأْنُهُ مِن عِبادِهِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ أيِ الَّذِينَ ثَبَتُوا وتَمَكَّنُوا فِيهِ ولَمْ يَتَزَلْزَلُوا في مَزالِّ الأقْدامِ ومَداحِضِ الأفْهامِ دُونَهم حَيْثُ إنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ تِلْكَ الرُّتْبَةِ هَذا ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ في تَفْسِيرِ الرّاسِخِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الأزْدِيِّ قالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنِ مالِكٍ يَقُولُ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ فَقالَ: مَن صَدَقَ حَدِيثُهُ وبَرَّ في يَمِينِهِ وعَفَّ بَطْنُهُ وفَرْجُهُ فَذَلِكَ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ» ولَعَلَّ ذَلِكَ بَيانُ عَلامَتِهِمْ وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالعِلْمِ العِلْمُ الشَّرْعِيُّ المُقْتَبَسُ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ فَإنَّ أهْلَهُ هُمُ المَمْدُوحُونَ. ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُوَضِّحٌ لِحالِ الرّاسِخِينَ ولِهَذا فُصِّلَ، والنُّحاةُ يُقَدِّرُونَ لَهُ مُبْتَدَأً دائِمًا أيْ هم يَقُولُونَ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ ولَمْ يُعْرَفْ وجْهُ اِلْتِزامِهِمْ لِذَلِكَ فَلْيُنْظَرْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرّاسِخِينَ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى المُتَشابِهِ وعَدَمُ التَّعْرِيضِ لِإيمانِهِمْ بِالمُحْكِمِ لِظُهُورِهِ وإنْ رَجَعَ إلى الكِتابِ فَلَهُ وجْهٌ أيْضًا لِأنَّ مَآلَهُ كُلٌّ مِن أجْزاءِ الكِتابِ أوْ جُزْئِيّاتِهِ وذَلِكَ لا يَخْلُو عَنِ الأمْرَيْنِ، ثُمَّ هَذا القَوْلُ وإنْ لَمْ يَخُصَّ الرّاسِخِينَ لَكِنَّ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مُقْتَضى الإيمانِ بِهِ أنْ لا يُسْلَكَ فِيهِ طَرِيقٌ لا يَلِيقُ مِن تَأْوِيلِهِ عَلى ما مَرَّ فَكَأنَّ غَيْرَهم لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ مِن تَمامِ مَقُولِهِمْ مُؤِكِّدٌ لِما قَبْلَهُ ومُقَرِّرٌ لَهُ، أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُ ومِنَ المُحْكَمِ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِن مُتَشابِهِهِ ومُحْكَمِهِ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِهِ تَعالى لا مُخالَفَةَ بَيْنِهِما، وفي التَّعْبِيرِ بِالرَّبِّ إشارَةٌ إلى سِرِّ إنْزالِ المُتَشابِهِ، والحِكْمَةُ فِيهِ لِما أنَّهُ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى التَّرْبِيَةِ والنَّظَرِ في المَصْلَحَةِ والإيصالِ إلى مَعارِجِ الكَمالِ أوَّلًا فَأوَّلًا، وقَدْ قالُوا: إنَّما أُنْزِلَ المُتَشابِهُ لِذَلِكَ لِيَظْهَرَ فَضْلُ العُلَماءِ ويَزْدادَ حِرْصُهم عَلى الِاجْتِهادِ في تَدَبُّرِهِ وتَحْصِيلِ العُلُومِ الَّتِي نِيطَ بِها اِسْتِنْباطُ ما أُرِيدَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ الحَقِيقِيَّةِ فَيَنالُوا بِذَلِكَ وبِإتْعابِ القَرائِحِ واسْتِخْراجِ المَقاصِدِ الرّائِقَةِ والمَعانِي اللّائِقَةِ المَدارِجِ العالِيَةِ ويَعْرُجُوا بِالتَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُحْكَمِ إلى رَفْرَفِ الإيقانِ وعَرْشِ الِاطْمِئْنانِ ويَفُوزُوا بِالمَشاهِدِ السّامِيَةِ وحِينَئِذٍ يَنْكَشِفُ لَهُمُ الحِجابُ ويَطِيبُ لَهُمُ المَقامُ في رِياضِ الصَّوابِ، وذَلِكَ مِنَ التَّرْبِيَةِ والإرْشادِ أقْصى غايَةٍ ونِهايَةٍ في رِعايَةِ المَصْلَحَةِ لَيْسَ وراءَها نِهايَةٌ. ﴿وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ [ 7 ] عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَقُولُونَ﴾ سِيقَ مِن جِهَتِهِ تَعالى مَدْحًا لِلرّاسِخِينَ بِجَوْدَةِ الذِّهْنِ وحُسْنِ النَّظَرِ لِما أنَّهم قَدْ تَجَرَّدَتْ عُقُولُهم عَمّا يَغْشاها مِنَ الرُّكُونِ إلى الأهْواءِ الزّائِغَةِ المُكَدِّرَةِ لَها واسْتَعَدُّوا إلى الِاهْتِداءِ إلى مَعالِمِ الحَقِّ والعُرُوجِ إلى مَعارِجِ الصِّدْقِ، ولِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ صفحة 84 الضَّمِيرِ هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى (اَلرّاسِخُونَ) وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ وسائِرُ مَن فَسَّرَ المُتَشابِهَ بِما لَمْ يَتَّضِحْ مَعْناهُ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى ﴿إلا اللَّهُ﴾ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الحَنَفِيَّةُ القائِلُونَ بِأنَّ المُتَشابِهَ ما اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، فالرّاسِخُونَ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُونَ﴾ خَبَرٌ عَنْهُ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِوُجُوهٍ: أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّهُ لَوْ أُرِيدُ بَيانُ حَظِّ الرّاسِخِينَ مُقابِلًا لِبَيانِ حَظِّ الزّائِغِينَ لَكانَ المُناسِبُ أنْ يُقالَ وأمّا الرّاسِخُونَ فَيَقُولُونَ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ لا فائِدَةَ حِينَئِذٍ في قَيْدِ الرُّسُوخِ بَلْ هَذا حُكْمُ العالَمِينَ كُلِّهِمْ، وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّهُ لا يَنْحَصِرُ حِينَئِذٍ الكِتابُ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ عَلى ما هو مُقْتَضى ظاهِرِ العِبارَةِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ (ومِنهُ مُتَشابِهاتٌ) لِأنَّ ما لا يَكُونُ مُتَّضِحَ المَعْنى ويَهْتَدِي العُلَماءُ إلى تَأْوِيلِهِ ورَدِّهِ إلى المُحْكَمِ لا يَكُونُ مُحْكَمًا ولا مُتَشابِهًا بِالمَعْنى المَذْكُورِ وهو كَثِيرٌ جِدًّا، وأمّا رابِعًا: فَلِأنَّ المُحْكَمَ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ أُمَّ الكِتابِ بِمَعْنى رُجُوعِ المُتَشابِهِ إلَيْهِ إذْ لا رُجُوعَ إلَيْهِ فِيما اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ كَعَدَدِ الزَّبانِيَةِ مَثَلًا، وأمّا خامِسًا: فَلِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّهُ ﷺ دَعا لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: ”اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ“» ولَوْ كانَ التَّأْوِيلُ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى لَما كانَ لِلدُّعاءِ مَعْنًى، وأمّا سادِسًا: فَلِأنَّ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَقُولُ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، وأمّا سابِعًا: فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَ الرّاسِخِينَ بِالتَّذَكُّرِ في هَذا المَقامِ وهو يُشْعِرُ بِأنَّ لَهُمُ الحَظَّ الأوْفَرَ مِن مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وأمّا ثامِنًا: فَلِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُخاطِبَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ بِما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِهِ. والقَوْلُ بِأنَّ أمّا لِلتَّفْصِيلِ فَلا بُدَّ في مُقابَلَةِ الحُكْمِ عَلى الزّائِغِينَ مِن حُكْمٍ عَلى الرّاسِخِينَ لِيَتَحَقَّقَ التَّفْصِيلُ، غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ حُذِفَتْ أمّا والفاءُ، وبِأنَّ الآيَةَ مِن قَبِيلِ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ والتَّفْرِيقِ، فالجَمْعُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ والتَّقْسِيمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ والتَّفْرِيقُ في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الخ فَلا بُدَّ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ مِن حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالمُحْكَمِ وهو أنَّ الرّاسِخِينَ يَتْبَعُونَهُ ويُرْجِعُونَ المُتَشابِهَ إلَيْهِ عَلى ما هو مَضْمُونُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ الخ مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّ كَوْنَ أمّا لِلتَّفْصِيلِ أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ ولَوْ سُلِّمَ فَلَيْسَ ذِكْرُ المُقابِلِ في اللَّفْظِ بِلازِمٍ. ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ بِأنَّ الآيَةَ مِن قَبِيلِ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ والتَّفْرِيقِ فَذِكْرُ المُقابِلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ أوِ الحالِ، أعْنِي: (يَقُولُونَ) الخ كافٍ في ذَلِكَ، ورُجِّحَ الثّانِي بِأنَّهُ مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والتّابِعِينَ وأتْباعِهِمْ خُصُوصًا أهْلَ السُّنَّةِ، وهو أصَحُّ الرِّواياتِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَمْ يَذْهَبْ إلى القَوْلِ الأوَّلِ إلّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الأكْثَرِينَ كَما نَصَّ عَلَيْهِ اِبْنُ السَّمْعانِيِّ وغَيْرُهُ ويَدُ اللَّهِ تَعالى مَعَ الجَماعَةِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ: الأوَّلُ: ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في «تَفْسِيرِهِ» والحاكِمُ في «مُسْتَدْرَكِهِ» عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ ويَقُولُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ آمَنّا بِهِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ لِأنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ وإنْ لَمْ تَثْبُتْ بِها القِراءَةُ فَأقَلُّ دَرَجاتِها أنْ تَكُونَ خَبَرًا بِإسْنادٍ صَحِيحٍ إلى تُرْجُمانِ القُرْآنِ فَيُقَدَّمُ كَلامُهُ عَلى مَن دُونِهِ، وحَكى الفَرّاءُ أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أيْضًا ويَقُولُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي داوُدَ في «اَلْمَصاحِفِ» مِن طَرِيقِ الأعْمَشِ قالَ في قِراءَةِ اِبْنِ مَسْعُودٍ وإنْ تَأْوِيلُهُ إلّا عِنْدَ اللَّهِ ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ . الثّانِي: ما أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في «اَلْكَبِيرِ» عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا أخافُ عَلى أُمَّتِي إلّا ثَلاثَ خِلالٍ أنْ يَكْثُرَ لَهُمُ المالُ فَيَتَحاسَدُوا فَيَقْتَتِلُوا، وأنْ يُفْتَحَ لَهُمُ الكِتابُ فَيَأْخُذُهُ المُؤْمِنُ يَبْتَغِي تَأْوِيلَهُ وما يَبْتَغِي تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى ”». الحَدِيثُ الثّالِثُ: ما أخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ صفحة 85 ﷺ أنَّهُ قالَ: «“ إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ لِيُكَذِّبَ بَعْضُهُ بَعْضًا فَما عَرَفْتُمْ مِنهُ فاعْمَلُوا بِهِ وما تَشابَهَ فَآمِنُوا بِهِ ”». الرّابِعُ: ما أخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“ الكِتابُ الأوَّلُ يَنْزِلُ مِن بابٍ واحِدٍ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ ونُزِّلَ القُرْآنُ مِن سَبْعَةِ أبْوابٍ عَلى سَبْعَةٍ: زاجِرٍ وآمِرٍ وحَلّالٍ وحَرامٍ ومُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ وأمْثالٍ، فَأحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ وافْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ وانْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ واعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِ واعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ وآمِنُوا بِمُتَشابِهِهِ، وقُولُوا: آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ”،» وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «اَلشُّعَبِ» نَحْوَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. الخامِسُ: ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «“ أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى أرْبَعَةِ أحْرُفٍ حَلالٍ وحَرامٍ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِجَهالَتِهِ، وتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ العُلَماءُ، ومُتَشابِهٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ومَنِ اِدَّعى عِلْمَهُ سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو كاذِبٌ ”». إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ المُتَشابِهَ مِمّا لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنْ كُلًّا مِنَ الوَقْفِ والوَصْلِ جائِزٌ ولِكُلٍّ مِنهُما وجْهٌ وجِيهٌ وبَيَّنَ ذَلِكَ الرّاغِبُ بِأنَّ القُرْآنَ عِنْدَ اِعْتِبارِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: مُحْكَمٌ عَلى الإطْلاقِ، ومُتَشابِهٌ عَلى الإطْلاقِ، ومُحْكَمٌ مِن وجْهٍ مُتَشابِهٌ مِن وجْهٍ، فالمُتَشابِهُ في الجُمْلَةِ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: مُتَشابِهٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ فَقَطْ، ومِن جِهَةِ المَعْنى، ومِن جِهَتِهِما مَعًا، فالأوَّلُ ضَرْبانِ: أحَدُهُما يَرْجِعُ إلى الألْفاظِ المُفْرَدَةِ، أمّا مِن جِهَةِ الغَرابَةِ نَحْوَ الأبِ ويَزُفُّونَ، أوِ الِاشْتِراكِ كاليَدِ والعَيْنِ، وثانِيهِما يَرْجِعُ إلى جُمْلَةِ الكَلامِ المُرَكَّبِ وذَلِكَ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: ضَرْبٌ لِاخْتِصارِ الكَلامِ نَحْوَ ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾، وضَرْبٌ لِبَسْطِهِ نَحْوَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ كانَ أظْهَرَ لِلسّامِعِ، وضَرْبٌ لِنَظْمِ الكَلامِ نَحْوَ ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ إذْ تَقْدِيرُهُ أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، والمُتَشابِهُ مِن جِهَةِ المَعْنى أوْصافُ اللَّهِ تَعالى وأوْصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ لا تَتَصَوَّرُ لَنا إذْ لا يَحْصُلُ في نُفُوسِنا صُورَةُ ما لَمْ نُحِسَّهُ أوْ لَيْسَ مِن جِنْسِهِ، والمُتَشابِهُ مِن جِهَتِهِما خَمْسَةُ أضْرُبٍ: الأوَّلُ: مِن جِهَةِ الكَمِّيَّةِ كالعُمُومِ والخُصُوصِ نَحْوَ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ . والثّانِي: مِن جِهَةِ الكَيْفِيَّةِ كالوُجُوبِ والنَّدْبِ في نَحْوِ ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ . والثّالِثُ: مِن جِهَةِ الزَّمانِ كالنّاسِخِ والمَنسُوخِ نَحْوَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ . والرّابِعُ: مِن جِهَةِ المَكانِ والأُمُورِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ نَحْوَ ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ و﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾، فَإنَّ مَن لا يَعْرِفُ عادَتَهم في الجاهِلِيَّةِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ هَذِهِ. والخامِسُ: مِن جِهَةِ الشُّرُوطِ الَّتِي يَصِحُّ بِها الفِعْلُ ويَفْسُدُ كَشَرْطِ الصَّلاةِ والنِّكاحِ. ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ إذا تُصُوِّرَتْ عُلِمَ أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ المُتَشابِهِ لا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ التَّقاسِيمِ؛ ثُمَّ جَمِيعُ المُتَشابِهِ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: ضَرْبٌ لا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ عَلَيْهِ كَوَقْتِ السّاعَةِ وخُرُوجِ الدّابَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِسْمٌ لِلْإنْسانِ سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَتِهِ كالألْفاظِ الغَرِيبَةِ والأحْكامِ الغَلِقَةِ، وضَرْبٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ بَعْضُ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ ويَخْفى عَلى مَن دُونَهُمْ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «“ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ جَوازُ الأمْرَيْنِ الوَقْفِ عَلى ﴿إلا اللَّهُ﴾ والوَقْفِ عَلى ﴿الرّاسِخُونَ﴾ . وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّحْقِيقِ: الحَقُّ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالمُتَشابِهِ ما لا سَبِيلَ إلَيْهِ لِلْمَخْلُوقِ فالحَقُّ الوَقْفُ عَلى ﴿إلا اللَّهُ﴾ وإنْ أُرِيدَ ما لا يَتَّضِحُ بِحَيْثُ يَتَناوَلُ المُجْمَلَ ونَحْوَهُ فالحَقُّ العَطْفُ ويَجُوزُ الوَقْفُ أيْضًا، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ جَمِيعَهُ أوْ لا يَعْلَمُهُ بِالكُنْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وأمّا إذا فُسِّرَ بِما دَلَّ القاطِعُ أيِ النَّصُّ النَّقْلِيُّ أوِ الدَّلِيلُ الجازِمُ العَقْلِيُّ عَلى أنَّ ظاهِرَهُ غَيْرُ مُرادٍ ولَمْ يَقُمْ صفحة 86 دَلِيلٌ عَلى ما هو المُرادُ فَفِيهِ مَذْهَبانِ: فَمِنهم مَن يُجَوِّزُ الخَوْضَ فِيهِ وتَأْوِيلَهُ بِما يَرْجِعُ إلى الجادَّةِ في مَثَلِهِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُ الوَقْفُ وعَدَمُهُ، ومِنهم مَن يَمْنَعُ الخَوْضَ فِيهِ فَيَمْتَنِعُ تَأْوِيلُهُ ويَجِبُ الوَقْفُ عِنْدَهُ. والذّاهِبُونَ إلى الوَقْفِ مِنَ السّادَةِ الحَنَفِيَّةِ أجابُوا عَمّا ذَكَرَهُ غَيْرُهم في تَرْجِيحِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنَ الوُجُوهِ: فَعَنِ الأوَّلِ: بِأنَّهُ أُرِيدَ بَيانُ حَظِّ الرّاسِخِينَ مُقابِلًا لِبَيانِ حَظِّ الزّائِغِينَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ وأمّا الرّاسِخُونَ مُبالِغَةً في الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الرّاسِخِينَ حَيْثُ لَمْ يَسْلُكْ بِهِمْ سَبِيلَ المُعادَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ لِهَؤُلاءِ الزّائِغِينَ وصِينُوا عَنْ أنْ يُذْكَرُوا مَعَهم كَما يُذْكَرُ المُتَقابِلانِ في الأغْلَبِ في مِثْلِ هَذِهِ المَقاماتِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ والطّاغُوتُ أوْلِياءُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ولا الَّذِينَ آمَنُوا ولِيُّهُمُ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ تَعالى ورِعايَةً لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ. وعَنِ الثّانِي: بِأنَّ فائِدَةَ قَيْدِ الرُّسُوخِ المُبالَغَةُ في قَصْرِ عِلْمِ تَأْوِيلِ المُتَشابِهِ عَلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ إذا لَمْ يَعْلَمُوهُ هم كَما يُشْعِرُ بِهِ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ فَغَيْرُهم أوْلى بِعَدَمِ العِلْمِ فَلَمْ يَبْقَ عالِمٌ بِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى. وعَنِ الثّالِثِ: بِأنَّهُ يَلْتَزِمُ القَوْلَ بَعْدَ الحَصْرِ، وفي «اَلْإتْقانِ» أنَّ بَعْضًا قالَ: إنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ في الشَّيْئَيْنِ إذْ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن طُرُقِهِ ولَوْلا ذَلِكَ لَأشْكَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ لِأنَّ المُحْكَمَ لا تَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلى البَيانِ، والمُتَشابِهَ لا يُرْجى بَيانُهُ فَما هَذا الَّذِي يُبَيِّنُهُ النَّبِيُّ ﷺ؟ وعَنِ الرّابِعِ: بِالتِزامِ أنَّ إضافَةَ أمٍّ إلى (اَلْكِتابِ) عَلى مَعْنى فِي، والمُحْكَمُ أمٌّ في (اَلْكِتابِ) ولَكِنْ لا لِلْمُتَشابِهِ الَّذِي اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ بَلْ هو أمٌّ وأصْلٌ في فَهْمِ العِباداتِ الشَّرْعِيَّةِ كَوُجُوبِ مَعْرِفَتِهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وامْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ، وعَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ بِأنَّ الإضافَةَ لامِيَّةٌ يَلْتَزِمُ الأُمُومَةَ لِلْكِتابِ بِاعْتِبارِ بَعْضِهِ وهو الواسِطَةُ بَيْنَ القِسْمَيْنِ لِأنَّ مُتَّضِحَ الدَّلالَةِ كَثِيرًا ما يُرْجَعُ إلَيْهِ في خَفِيِّها مِمّا لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ الِاسْتِئْثارِ. وعَنِ الخامِسِ: بِأنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي دَعا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابْنِ عَبّاسٍ لا يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلى تَأْوِيلِ ما اُخْتُصَّ عِلْمُهُ بِهِ تَعالى بَلْ يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى تَفْسِيرِ ما يَخْفى تَفْسِيرُهُ مِنَ القِسْمِ المُتَرَدِّدِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما الرّاغِبُ كَما ذَكَرَهُ. وعَنِ السّادِسِ: بِأنَّ الرِّوايَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ» مُعارَضَةً بِما هو أصَحُّ مِنها بِدَرَجاتٍ فَتَسْقُطُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ اِعْتِبارِها يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مُرادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أيِ المُتَشابِهَ في الجُمْلَةِ حَسْبَما دَعا لِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذا وإنْ قِيلَ: إنَّهُ مُتَشابِهٌ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ واسِطَةٌ بَيْنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ بِالمَعْنى المُرادِ. وعَنِ السّابِعِ: بِأنَّ مَدْحَ الرّاسِخِينَ بِالتَّذَكُّرِ لَيْسَ لِأنَّ لَهم حَظًّا في مَعْرِفَتِهِ بَلْ لِأنَّهُمُ اِتَّعَظُوا فَخالَفُوا هَواهم ووَقَفُوا عِنْدَ ما حَدَّ لَهم مَوْلاهم ولَمْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَ الزّائِغِينَ ولَمْ يَخُوضُوا مَعَ الخائِضِينَ، ويُمْكِنْ عَلى بُعْدٍ أنْ يُرادَ بِالتَّذَكُّرِ الِانْتِفاعُ مَجازًا أيْ إنَّ الرّاسِخِينَ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ حَيْثُ يُؤْمِنُونَ بِهِ لِخُلُوصِ عُقُولِهِمْ عَنْ غِشاوَةِ الهَوى كَما أنَّهم آمَنُوا بِالغَيْبِ وهَذا بِخِلافِ الزّائِغِينَ حَيْثُ صارَ المُتَشابِهُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ ووَبالًا لَهم إذْ ضَلُّوا فِيهِ كَثِيرًا وأضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ مِن قَبْلُ فِيما ضَرَبَهُ مِنَ المَثَلِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾ . وعَنِ الثّامِنِ: بِأنَّهُ لا بُعْدَ في أنْ يُخاطِبَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ بِما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِابْتِلاءِ كَما اِبْتَلى سُبْحانَهُ عِبادَهُ بِتَكالِيفَ كَثِيرَةٍ وعِباداتٍ وفِيرَةٍ لَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ حَقِيقَةَ السِّرِّ فِيها، والسِّرُّ في هَذا الِابْتِلاءِ قَصُّ جَناحِ العَقْلِ وكَسْرُ سُورَةِ الفِكْرِ وإذْهابُ عُجْبِ طاوُسِ النَّفْسِ لِيَتَوَجَّهَ القَلْبُ بِشَراشِرِهِ تُجاهَ كَعْبَةِ العُبُودِيَّةِ ويَخْضَعُ تَحْتَ سُرادِقاتِ الرُّبُوبِيَّةِ ويَعْتَرِفُ بِالقُصُورِ ويُقِرُّ بِالعَجْزِ عَنِ الوُصُولِ إلى ما في هاتِيكَ القُصُورِ وفي صفحة 87 ذَلِكَ غايَةُ التَّرْبِيَةِ ونِهايَةُ المَصْلَحَةِ هَذا إذا أُرِيدَ بِما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِهِ ما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنهم إلى مَعْرِفَتِهِ مِن طَرِيقِ الفِكْرِ، وأمّا إذا أُرِيدَ ما لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَتْ عَلى الإجْمالِ أوِ التَّفْصِيلِ بِالوَحْيِ أوْ بِالإلْهامِ لِنَبِيٍّ أوْ لِوَلِيٍّ فَوُجُودُ مِثْلِ هَذا المُخاطَبِ بِهِ في القُرْآنِ في حَيِّزِ المَنعِ، ولَعَلَّ القائِلَ بِكَوْنِ المُتَشابِهُ مِمّا اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ لا يَمْنَعُ تَعْلِيمَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِواسِطَةِ الوَحْيِ مَثَلًا ولا إلْقاءَهُ في رُوعِ الوَلِيِّ الكامِلِ مُفَصَّلًا لَكِنْ لا يَصِلُ إلى دَرَجَةِ الإحاطَةِ كَعِلْمِ اللَّهِ تَعالى وإنْ لَمْ يَكُنْ مُفَصَّلًا فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ مُجْمَلًا، ومَنعُ هَذا وذاكَ مِمّا لا يَكادُ يَقُولُ بِهِ مَن يَعْرِفُ رُتْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ ورُتْبَةَ أوْلِياءِ أُمَّتِهِ الكامِلِينَ وإنَّما المَنعُ مِنَ الإحاطَةِ ومِن مَعْرِفَتِهِ عَلى سَبِيلِ النَّظَرِ والفِكْرِ وهو الطَّرِيقُ المُعْتادُ والسَّبِيلُ المَسْلُوكُ في مَعْرِفَةِ المُشْكِلاتِ واسْتِحْصالِ النَّظَرِيّاتِ ولِتَبادُرِ هَذا المَعْنى مَن يَعْلَمُ إذا أُسْنِدَ إلى الرّاسِخِينَ مَنَعَ إسْنادَهُ إلَيْهِمْ، ومَتى أُرِيدُ مِنهُ العِلْمُ لا مِن طَرِيقِ الفِكْرِ صَحَّ الإسْنادُ وجازَ العَطْفُ ولَكِنْ دُونَ تَوَهُّمِ هَذِهِ الإرادَةِ مِن ظاهِرِ الكَلامِ خَرْطَ القَتادِ، فَلِهَذا شاعَ القَوْلُ بِعَدَمِ العَطْفِ وكانَ القَوْلُ بِهِ أسَلْمَ. ويُؤَيِّدُ ما قُلْنا ما ذَكَرَهُ الإمامُ الشَّعْرانِيُّ قالَ: أخْبَرَنِي شَيْخُنا عَلِيٌّ الخَوّاصُ قُدِّسَ سِرُّهُ إنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَعُهُ عَلى مَعانِي سُورَةِ الفاتِحَةِ فَخَرَّجَ مِنها مِائَتَيْ ألْفِ عَلَمٍ وأرْبَعِينَ ألْفَ عَلَمٍ وتِسْعَمِائَةٍ وتِسْعِينَ عَلَمًا، وكانَ يَقُولُ: لا يُسَمّى عالِمًا أيْ عِنْدِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى إلّا مَن عَرَفَ كُلَّ لَفْظٍ جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، وقالَ في «اَلْكَشْفِ» في نَحْوِ (ق)، (ص)، (حم)، (طس): لَعَلَّ إدْراكَ ما تَحْتَهُ عِنْدَ أهْلِهِ كَإدْراكِنا لِلْأوَّلِيّاتِ ولا يُسْتَبْعَدُ، فَفَيْضُ البارِي عَمَّ نَوالُهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ؛ واسْتِعْدادُ الإنْسانِ الكامِلِ عَنِ القَبُولِ غَيْرُ مَحْسُورٍ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْ إجْمالًا بِأنَّ وراءَ مُدْرَكاتِ الفِكْرَةِ ومَبادِيها طَوْرًا أوْ أطْوارًا حَظُّ العَقْلِ مِنها حَظُّ الحِسِّ مِنَ المَعْقُولاتِ فَهو غَيْرُ مُتَخَلِّصٍ عَنْ مَضِيقِ التَّعْطِيلِ أوِ التَّشْبِيهِ وإنْ لَمْ يَتَدارَكْ حالَهُ بَقِيَ بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ في هَذا التِّيهِ، ولِتَتَحَقَّقَ مِن هَذا أنَّ المَراتِبَ مُخْتَلِفَةٌ وأنَّ الإحاطَةَ عَلى الحَقائِقِ الإلَهِيَّةِ كَما هي مُسْتَحِيلَةٌ إلّا لِلْبارِي جَلَّ ذِكْرُهُ وأنَّهُ لا بُدَّ لِلْعارِفِ وإنْ وصَلَ إلى أعْلى المَراتِبِ أنْ يَبْقى لَهُ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ غَيْبًا وهو مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَقُولُ الرّاسِخُونَ فِيهِ: ﴿آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فَهَذا ما يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ كَيْ لا يُلْحِدَ. ثُمَّ اِعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ جَعَلَ الصِّفاتِ النَّقْلِيَّةَ مِنَ الِاسْتِواءِ واليَدِ والقَدَمِ والنُّزُولِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا والضَّحِكِ والتَّعَجُّبِ وأمْثالِها مِنَ المُتَشابِهِ، ومَذْهَبُ السَّلَفِ والأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أعْيانِهِمْ كَما أبانَتْ عَنْ حالِهِ ”الإبانَةُ“ أنَّها صِفاتٌ ثابِتَةٌ وراءَ العَقْلِ ما كُلِّفْنا إلّا اِعْتِقادَ ثُبُوتِها مَعَ اِعْتِقادِ عَدَمِ التَّجْسِيمِ والتَّشْبِيهِ لِئَلّا يُضادَّ النَّقْلُ العَقْلَ، وذَهَبَ الخَلَفُ إلى تَأْوِيلِها وتَعْيِينِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنها فَيَقُولُونَ: الِاسْتِواءُ مَثَلًا بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ والغَلَبَةِ، وذَلِكَ أثَرٌ مِن آثارِ بَعْضِ الصِّفاتِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى عِنْدَهم وراءَها صِفَةٌ حَتّى اِدَّعى السُّكُوتِيُّ ولَيْتَهُ سَكَتَ أنَّ ما وراءَ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ إذْ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِهِ مُحالٌ وكُلُّ ما لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِهِ مُحالٌ لا يَكُونُ واجِبًا، واَللَّهُ تَعالى لا يَتَّصِفُ إلّا بِواجِبٍ، وذَكَرَ الشَّعْرانِيُّ في «اَلدُّرَرِ المَنثُورَةِ» أنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أسْلَمُ وأحْكَمُ إذِ المُؤَوِّلُ اِنْتَقَلَ عَنْ شَرْحِ الِاسْتِواءِ الجُسْمانِيِّ عَلى العَرْشِ المَكانِيِّ بِالتَّنْزِيهِ عَنْهُ إلى التَّشْبِيهِ السُّلْطانِيِّ الحادِثِ وهو الِاسْتِيلاءُ عَلى المَكانِ فَهو اِنْتِقالٌ عَنِ التَّشْبِيهِ بِمُحْدَثٍ ما إلى التَّشْبِيهِ بِمُحْدَثٍ آخَرَ فَما بَلَغَ عَقْلُهُ في التَّنْزِيهِ مَبْلَغَ الشَّرْعِ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ألّا تَرى أنَّهُ اِسْتَشْهَدَ في التَّنْزِيهِ العَقْلِيِّ في الِاسْتِواءِ بِقَوْلِ شاعِرٍ: صفحة 88 قَدِ اِسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ حَرْبٍ ودَمٍ مُهْراقُ وأيْنَ اِسْتِواءُ بِشْرٍ عَلى العِراقِ مِنَ اِسْتِواءِ الرَّحْمَنِ عَلى العَرْشِ، ونِهايَةُ الأمْرِ يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ اِسْتِيلاءٌ يَلِيقُ بِشَأْنِ الرَّحْمَنِ جَلَّ شَأْنُهُ فَلْيَقُلْ مَن أوَّلَ الأمْرَ قَبْلَ تَحَمُّلِ مُؤْنَةِ هَذا التَّأْوِيلِ اِسْتِواءٌ يَلِيقُ بِشَأْنِ مَن عَزَّ شَأْنُهُ وتَعالى عَنْ إدْراكِ العُقُولِ سُلْطانُهُ، وهَذا ألْيَقُ بِالأدَبِ وأوْفَقُ بِكَمالِ العُبُودِيَّةِ وعَلَيْهِ دَرَجَ صَدْرُ الأُمَّةِ وساداتُها وإيّاها اِخْتارَ أئِمَّةُ الفُقَهاءِ وقاداتُها وإلَيْها دَعا أئِمَّةُ الحَدِيثِ في القَدِيمِ والحَدِيثِ حَتّى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ اللَّكائِيُّ: اِتَّفَقَ الفُقَهاءُ كُلُّهم مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ عَلى الإيمانِ بِالصِّفاتِ مِن غَيْرِ تَفْسِيرٍ ولا تَشْبِيهٍ، ووُرِدَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ صُبَيْغٌ قَدِمَ المَدِينَةَ فَجَعَلَ يَسْألُ عَنْ مُتَشابِهِ القُرْآنِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَدْ أعَدَّ لَهُ عَراجِينَ النَّخْلِ فَقالَ: مَن أنْتَ؟ فَقالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ صُبَيْغٌ فَأخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِن تِلْكَ العَراجِينِ فَضَرَبَهُ حَتّى أدْمى رَأْسَهُ، وفي رِوايَةٍ فَضَرَبَهُ بِالجَرِيدِ حَتّى تَرَكَ ظَهْرَهُ دُبُرَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى بَرِئَ ثُمَّ عادَ إلَيْهِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى بَرِئَ فَدَعا بِهِ لِيَعُودَ، فَقالَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ قِتْلَتِي فاقْتُلْنِي قَتْلًا جَمِيلًا، فَأذِنَ لَهُ إلى أرْضِهِ وكَتَبَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنْ لا يُجالِسَهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ. لا يُقالُ إنْ تُرِكَتْ أمْثالُ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ عَلى ظَواهِرِها دَلَّتْ عَلى التَّجْسِيمِ، وإنْ لَمْ تُرَدْ ظَواهِرُها فَقَدْ أُوِّلَتْ لِأنَّ التَّأْوِيلَ عَلى ما قالُوا: إخْراجُ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ، لِأنّا نَقُولُ: نَخْتارُ الشِّقَّ الثّانِي ولا نُسَلِّمُ أنَّ التَّأْوِيلَ إخْراجُ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ مُطْلَقًا بَلْ إخْراجُهُ إلى مَعْنًى مُعَيَّنٍ مَعْلُومٍ كَما يُقالُ الِاسْتِواءُ مَثَلًا بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ عَلى أنَّ لِلتَّأْوِيلِ مَعْنَيَيْنِ مَشْهُورَيْنِ لا يُصَدَّقُ شَيْءٌ مِنهُما عَلى نَفْيِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لِلْمُرادِ، أحَدُهُما: تَرْجَمَةُ الشَّيْءِ وتَفْسِيرُهُ المُوَضِّحُ لَهُ، وثانِيهِما: بَيانُ حَقِيقَتِهِ وإبْرازُها إمّا بِالعِلْمِ أوْ بِالعَقْلِ، فَإنَّ مَن قالَ: بَعْدَ التَّنْزِيهِ لا أدْرِي مِن هَذِهِ المُتَشابِهاتِ سِوى أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ بِها نَفْسَهُ وأرادَ مِنها مَعْنًى لائِقًا بِجَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ، ولا أعْرِفُ ذَلِكَ المَعْنى لَمْ يُقَلْ في حَقِّهِ أنَّهُ تَرْجَمَ وأوْضَحَ ولا بَيَّنَ الحَقِيقَةَ وأبْرَزَ المُرادَ حَتّى يُقالَ إنَّهُ أوَّلَ، ومَن أمْعَنَ النَّظَرَ في مَأْخَذِ التَّأْوِيلِ لَمْ يَشُكَّ في صِحَّةِ ما قُلْنا. نَعَمْ ذَهَبَتْ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلى إبْقاءِ نَحْوِ المَذْكُوراتِ عَلى ظَواهِرِها إلّا أنَّهم يَنْفُونَ لَوازِمَها المُنْقَدِحَةَ لِلذِّهْنِ المُوجِبَةَ لِنِسْبَةِ النَّقْصِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ ويَقُولُونَ: إنَّما هي لَوازِمُ لا يَصِحُّ اِنْفِكاكُها عَنْ مَلْزُوماتِها في صِفاتِنا الحادِثَةِ، وأمّا في صِفاتِ مَن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلَيْسَتْ بِلَوازِمَ في الحَقِيقَةِ لِيَكُونَ القَوْلُ بِانْفِكاكِها سَفْسَطَةً، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ، وكَأنَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ ظَنًّا مِنهم أنَّ قَوْلَ الآخَرِينَ مِنَ السَّلَفِ تَأْوِيلٌ، والرّاسِخُونَ في العِلْمِ لا يَذْهَبُونَ إلَيْهِ، أوْ أنَّهم وجَدُوا بَعْضَ الآثارِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ مِثْلَ ما حَكى مُقاتِلٌ والكَلْبِيٌّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في ”اسْتَوى“ أنَّهُ بِمَعْنى اِسْتَقَرَّ، وما أخْرَجَهُ أبُو القاسِمِ مِن طَرِيقِ قُرَّةَ بْنِ خالِدٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ أنَّها قالَتِ: الكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ والِاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ والإقْرارُ بِهِ مِنَ الإيمانِ والجُحُودِ بِهِ كُفْرٌ. وقَرِيبٌ مِن هَذا القَوْلِ ما يُصَرِّحُ بِهِ كَلامُ كَثِيرٍ مِن ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ فَإنَّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ تُجْرى عَلى ظَواهِرِها مَعَ القَوْلِ بِالتَّنْزِيهِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ حَيْثُ إنَّ وُجُودَ الحَقِّ تَعالى شَأْنُهُ لا تُقَيِّدُهُ الأكْوانُ وإنْ تَجَلّى فِيما شاءَ مِنها إذْ لَهُ كَمالُ الإطْلاقِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ، ولا يَخْفى أنَّ إجْراءَ المُتَشابِهاتِ عَلى ظاهِرِها مَعَ التَّنْزِيهِ اللّائِقِ بِجَلالِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ طَوْرٌ مِمّا وراءَ طَوْرِ العَقْلِ وبَحْرٌ لا يَسْبَحُ فِيهِ إلّا مَن فازَ بِقُرْبِ النَّوافِلِ. وذَكَرَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّدْقِيقِ أنَّ العَقْلَ سَبِيلُهُ في العِلْمِ بِالصِّفاتِ الثَّمانِيَةِ المَشْهُورَةِ كَعِلْمِهِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي يَدَّعِي الخَلَفُ رُجُوعَها إلَيْها إذا أحَدَّ النَّظَرَ، فَقَدْ قامَ البُرْهانُ وشاهِدُ العِيانِ عَلى عَدَمِ المُماثَلَةِ ذاتًا وصِفاتٍ أيْضًا صفحة 89 لَكِنَّ صِفاتَهُ المُتَعالِيَةَ وأسْماءَهُ الحُسْنى قِسْمانِ، قَسَمٌ يُناسِبُ ما عِنْدَنا مِنَ الصِّفاتِ نَوْعَ مُناسَبَةٍ وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً، ولا يُقالُ: فَلا بُدَّ فِيهِ في أفْهامِنا مَعاشِرَ النّاقِصِينَ مِن أنْ يُسَمّى بِتِلْكَ الأسْماءِ المُشْتَهِرَةِ عِنْدَنا فَيُسَمّى عَلَمًا مَثَلًا لا دَواةً ولا قَلَمًا وقِسْمٌ لَيْسَ كَذَلِكَ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «”أوِ اِسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ“،» فَقَدْ يَذْكُرُ لَهُ أسْماءً مُشَوِّقَةً لِأنَّ مِنهُ ما لِلْإنْسانِ الكامِلِ مِنهُ نَصِيبٌ بِطْرِيقِ التَّخَلُّقِ والتَّحَقُّقِ فَيَذْكُرُ تارَةً اليَدَ والنُّزُولَ والقَدَمَ ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المُخَيَّلاتِ مَعَ العِلْمِ البُرْهانِيِّ والشُّهُودِ الوِجْدانِيِّ بِتَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ كُلِّ كَمالٍ يَتَصَوَّرُهُ الإنْسانُ ويُحِيطُ بِهِ فَضْلًا عَنِ النُّقْصانِ، فَيَعْلَمُ أنَّهُ أشارَ إلى ذَلِكَ القَسَمِ الَّذِي عَلِمَ بِالإجْمالِ، ويَتَوَجَّهُ إذْ ذاكَ بِكُلِّيَّتِهِ شَطْرَ كَعْبَةِ الجَلالِ والجَمالِ فَيُفاضُ عَلَيْهِ مِن يَنْبُوعِ الكَمالِ ما يَسْتَأْنِسُ عِنْدَهُ ويَنْكَشِفُ لَهُ جَلِيَّةُ الحالِ، وإذْ لَيْسَ لَهُ مُناسِبَةٌ بِما عِنْدَنا لا تُوجَدُ عِبارَةٌ يُتَرْجِمُ عَنْها إلّا عَلى سَبِيلِ الخَيالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بُقُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”مَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى كَلَّ لِسانُهُ“،» وأُخْرى بَيَّنَ مَقْصِدَ الكُلِّ ومَن أحَبَّهُ سُبْحانَهُ ما يُصانُ عَنْ تُهْمَةِ إدْراكِ الأغْيارِ مِن نَحْوِ تِلْكَ الفَواتِحِ، ولَعَلَّ إدْراكَها عِنْدَ أهْلِها كَإدْراكِ الأوَّلِيّاتِ إلّا أنَّهُ لا إحاطَةَ بَلْ لا بُدَّ مِن بَقاءِ شَيْءٍ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وعَلى هَذا أيْضًا الألْيَقُ أنْ يُوقَفَ لِأنَّهُ شِعارُ مَن لَنا فِيهِمُ الأُسْوَةُ الحَسَنَةُ مَعَ ظُهُورِ وجْهِهِ لَكِنْ لا تُجْعَلُ الآيَةُ حُجَّةً عَلى مَن تَأوَّلَ نَحْوَ ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ مَثَلًا إذْ لا يُسَلَّمُ أنَّهُ داخِلٌ في ذَلِكَ المُتَشابِهِ والحَمْلُ عَلى المَجازِ الشّائِعِ في كَلامِ العَرَبِ والكِنايَةِ البالِغَةِ في الشُّهْرَةِ مَبْلَغَ الحَقِيقَةِ أظْهَرُ مِنَ الحَمْلِ عَلى مَعْنى مَجْهُولٍ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ: إنَّ تَصْوِيرَ العَظَمَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ دالٌّ عَلى أنَّ العَقْلَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِإدْراكِها وأنَّها أجَلُّ مِن أنْ تُحِيطَ بِها العُقُولُ، فالكُنْهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ ويَجِبُ الإيمانُ بِهِ كانَ حَسَنًا، وجَمْعًا بَيْنَ ما عَلَيْهِ السَّلَفُ ومَشى عَلَيْهِ الخَلَفُ وهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ كَيْلا يَلْزَمَ اِزْدِراءٌ بِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ كَما فَعَلَ اِبْنُ القَيِّمِ، حَتّى قالَ: لامُ الأشْعَرِيَّةِ كَنُونِ اليَهُودِيَّةِ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ، وعَلى هَذا يَجِبُ أنْ يُفَسَّرَ المُتَشابِهُ في الآيَةِ بِما يَعُمُّ القِسْمَيْنِ، والمُحْكَمُ (أُمٌّ) يُرْجَعُ إلَيْهِ في تَمْيِيزِ القِسْمَيْنِ أحَدُهُما: فَرْعُهُ الإيمانِيُّ، والثّانِي: فَرْعُهُ الإيقانِيُّ، وابْنُ دَقِيقِ العِيدِ تَوَسَّطَ في مَسْألَةِ التَّأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ ما قالَهُ هَذا المُدَقَّقَ أخِيرًا مِنَ المُتَشابِهِ، فَقالَ: إذا كانَ التَّأْوِيلُ قَرِيبًا مِن لِسانِ العَرَبِ لَمْ يُنْكَرْ أوْ بَعِيدًا تَوَقَّفْنا عَنْهُ وآمَنّا بِمَعْناهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ مَعَ التَّنْزِيهِ وما كانَ مَعْناهُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ ظاهِرًا مَعْهُودًا مِن تَخاطُبِ العَرَبِ قُلْنا بِهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ فَنَحْمِلُهُ عَلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى وما يَجِبُ لَهُ فَلْيُفْهَمْ هَذا المَقامُ فَكَمْ زَلَّتْ فِيهِ أقْوامٌ بَعْدَ أقْوامٍ.

آل عمران 3:8

﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ مَقالَةِ الرّاسِخِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى التَّعْلِيمِ، أيْ قُولُوا: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا عَنْ نَهْجِ الحَقِّ إلى اِتِّباعِ المُتَشابِهِ بِتَأْوِيلٍ لا تَرْتَضِيهِ بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا إلى مَعالِمِ الحَقِّ مِنَ التَّفْوِيضِ في المُتَشابِهِ أوِ الإيمانِ بِالقَسَمَيْنِ أوِ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ، ويَؤُولُ المَعْنى إلى لا تُضِلَّنا بَعْدَ الهِدايَةِ لِأنَّ زَيْغَ القُلُوبِ في مُقابَلَةِ الهِدايَةِ ومُقابَلَةَ الهِدايَةِ الإضْلالُ، وصِحَّةُ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ في أفْعالِ العِبادِ ظاهِرَةٌ، والمُعْتَزِلَةِ يُؤَوِّلُونَ ذَلِكَ بِنَحْوِ لا تُبْلِنا بِبَلايا تَزِيغُ بِسَبَبِها قُلُوبُنا ولا تَمْنَعْنا ألِطافَكَ بَعْدَ أنْ لَطَفْتَ بِنا، وإنَّما دَعَوْا بِذَلِكَ أوْ أُمِرُوا بِالدُّعاءِ بِهِ لِأنَّ القُلُوبَ لا تَتَقَلَّبُ، فَفي «اَلصَّحِيحِ» عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا ما يَدْعُو ”يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أكْثَرَ ما تَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ؟ فَقالَ: لَيْسَ مِن قَلْبٍ إلّا وهو بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ إنْ شاءَ أنْ يُقِيمَهُ أقامَهُ وإنْ شاءَ أنْ يُزِيغَهُ أزاغَهُ“». صفحة 90 وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّما الإيمانُ بِمَنزِلَةِ القَمِيصِ مَرَّةً تَتَقَمَّصُهُ ومَرَّةً تَنْزِعُهُ» والرِّواياتُ بِمَعْنى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وهي تَدُلُّ عَلى جَوازِ عُرُوضِ الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِطُرُوءِ الشَّكِّ مَثَلًا والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى، وفي كَلامِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي عَطّافٍ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يَقُولُ أيْ رَبِّ لا أزْنِيَنَّ أيْ رَبِّ لا أسْرِقَنَّ أيْ رَبِّ لا أكْفُرَنَّ، قِيلَ لَهُ: أوَ تَخافُ؟ قالَ: آمَنتُ بِمُحَرِّفِ القُلُوبِ، ثَلاثًا. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ إذا لَقِيَنِي قالَ: اِجْلِسْ يا عُوَيْمِرُ فَلْنُؤْمِن ساعَةً فَنَجْلِسُ فَنَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى عَلى ما يَشاءُ، ثُمَّ قالَ: يا عُوَيْمِرُ هَذِهِ مَجالِسُ الإيمانِ إنَّ مَثَلَ الإيمانِ ومَثَلَكَ كَمَثَلِ قَمِيصِكَ بَيْنا أنْتَ قَدْ نَزَعْتَهُ إذْ لَبِسْتَهُ وبَيْنا أنْتَ قَدْ لَبِسْتَهُ إذْ نَزَعْتَهُ، يا عُوَيْمِرُ لَلْقَلْبُ أسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنَ القِدْرِ إذا اِسْتَجْمَعَتْ غَلَيانًا». وعَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ «لَيَأْتِيَنَّ عَلى الرَّجُلِ أحايِينُ وما في جِلْدِهِ مَوْضِعُ إبْرَةٍ مِنَ النِّفاقِ ولَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ أحايِينُ وما في جِلْدِهِ مَوْضِعُ إبْرَةٍ مِن إيمانٍ». وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى الإيمانِ الغَيْرِ الكامِلِ وما رَجَعَ مَن رَجَعَ إلّا مِنَ الطَّرِيقِ، وأمّا بَعْدَ حُصُولِ الإيمانِ الكامِلِ والتَّصْدِيقِ الجازِمِ والعِلْمِ الثّابِتِ المُطابِقِ فَلا يُتَصَوَّرُ رَجْعَةٌ وكُفْرٌ أصْلًا لِئَلّا يَلْزَمَ اِنْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ والتُزِمَ تَأْوِيلُ جَمِيعِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا القَوْلَ مِمّا يَكادُ يَجُرُّ إلى الأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى والتِزامِ تَأْوِيلِ النُّصُوصِ لِشُبْهَةٍ اِخْتَلَجَتْ في الصَّدْرِ هي أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ في التَّحْقِيقِ مِمّا لا يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ كَما لا يَخْفى، فَتَدَبَّرْ. و(بَعْدَ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيهِ (تُزِغْ)، و(إذْ) مُضافٌ إلَيْهِ وهي مُتَصَرِّفَةٌ كَما ذَكَرَهُ أجِلَّةُ النَّحْوِيِّينَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةِ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى بَعْدَ هِدايَتِنا فَمِمّا ذَكَرَهُ الحَوْفِيُّ في «إعْرابِ القُرْآنِ» ولَمْ يُرَ لِغَيْرِهِ، والمَذْكُورُ في النَّحْوِ أنَّها تَكُونُ حَرْفَ تَعْلِيلٍ فَتُؤَوَّلُ مَعَ ما بَعْدَها بِالمَصْدَرِ نَحْوَ ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أيْ لِظُلْمِكم فَإنْ كانَ أُخِذَ مِن هَذا فَهو كَما تَرى، وقُرِئَ (لا تُزِغْ) بِالياءِ والتّاءِ ورَفْعِ (اَلْقُلُوبِ). ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ﴾ كِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِ (هَبْ) وتَقْدِيمُ الأوَّلِ اِعْتِناءً بِهِ وتَشْوِيقًا إلى الثّانِي، ويَجُوزُ تَعَلُّقُ الثّانِي بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أيْ كائِنَةً مِن لَدُنْكَ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ المَجازِيَّةِ، و(لَدُنْ) ظَرْفٌ، وهي لِأوَّلِ غايَةِ زَمانٍ أوْ مَكانٍ أوْ غَيْرِهِما مِنَ الذَّواتِ نَحْوَ مِن لَدُنْ زَيْدٍ ولَيْسَتْ مُرادِفَةً لِ (عِنْدَ) بَلْ قَدْ تَكُونُ بِمَعْناها، وبَعْضُهم يُقَيِّدُها بِظَرْفِ المَكانِ وهي مُلازِمَةٌ لِلْإضافَةِ فَلا تَنْفَكُّ عَنْها بِحالٍ، فَتارَةً تُضافُ إلى المُفْرَدِ، وتارَةً إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ أوِ الفِعْلِيَّةِ، وقَلَّما تَخْلُو عَنْ (مِن)، وفِيها لُغَتانِ، الإعْرابُ وهي لُغَةُ قَيْسٍ، والبِناءُ وهي اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ وسَبَبُهُ شَبَهُها بِالحَرْفِ في لُزُومِ اِسْتِعْمالِ واحِدٍ وامْتِناعِ الإخْبارِ بِها بِخِلافِ عِنْدَ، ولَدَيَّ فَإنَّهُما لا يَلْزَمانِ اِسْتِعْمالًا واحِدًا إذْ يَكُونانِ فَضْلَةً وعُمْدَةً وغايَةً وغَيْرَ غايَةٍ، قِيلَ: ولِقُوَّةِ هَذا الشَّبَهِ لا تُعْرَبُ إذا أُضِيفَتْ في المَشْهُورِ، واللُّغَتانِ المَذْكُورَتانِ مِنَ الإعْرابِ والبِناءِ مُخْتَصّانِ بِ (لَدُنْ) المَفْتُوحَةِ اللّامِ المَضْمُومَةِ الدّالِ الواقِعِ آخِرَها نُونٌ، وأمّا بَقِيَّةُ لُغاتِها فَإنَّها فِيها مَبْنِيَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ العَرَبِ وفِيها لُغاتٌ المَشْهُورَةُ مِنها ما تَقَدَّمَ و(لَدُنْ) بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها و(لَدُنْ) بِفَتْحِ اللّامِ وضَمِّها مَعَ سُكُونِ الدّالِ و(لَدُنْ) بِفَتْحِ اللّامِ وضَمِّ الدّالِ وبِإبْدالِ الدّالِ تاءً ساكِنَةً، ومَتى أُضِيفَتِ المَحْذُوفَةُ النُّونِ إلى ضَمِيرٍ وجَبَ رَدُّ النُّونِ. ﴿رَحْمَةً﴾ مَفْعُولٌ لِ (هَبْ) وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ الإحْسانُ والإنْعامُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: الإنْعامُ المَخْصُوصُ وهو التَّوْفِيقُ لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ، وفي سُؤالِ ذَلِكَ بِلَفْظِ الهِبَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى تَفَضُّلٌ مَحْضٌ مِن غَيْرِ شائِبَةٍ وُجُوبٌ عَلَيْهِ عِزَّ شَأْنُهُ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ صفحة 91 الصَّرِيحِ لِلتَّشْوِيقِ. ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [ 8 ] تَعْلِيلٌ لِلسُّؤالِ أوْ لِإعْطاءِ المَسْؤُولِ، و(أنْتَ) إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ فَصْلٌ أوْ تَأْكِيدٌ لِاسْمِ إنَّ وحُذِفَ المَعْمُولُ لِإفادَةِ العُمُومِ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُبالَغَةِ عَلى فَعّالٍ قِيلَ: لِمُناسَبَةِ رُؤُوسِ الآيِ.

آل عمران 3:9

﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ﴾ المُكُلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿لِيَوْمٍ﴾ أيْ لِحِسابِ يَوْمٍ، أوْ لِجَزاءِ يَوْمٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ تَهْوِيلًا لِما يَقَعُ فِيهِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى أيْ جامِعُهم في القُبُورِ إلى يَوْمٍ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَرْتابَ في وُقُوعِهِ ووُقُوعِ ما فِيهِ مِنَ الحَشْرِ والحِسابِ والجَزاءِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْحُكْمِ أيْ لا رَيْبَ في هَذا الحُكْمِ، فالجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ صِفَةٌ لِيَوْمٍ، وعَلى الثّانِي لِتَأْكِيدِ الحُكْمِ، ومَقْصُودُهم مِن هَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ عَرْضُ كَمالِ اِفْتِقارِهِمْ إلى الرَّحْمَةِ وأنَّها المَقْصِدُ الأسْنى عِنْدَهُمْ، والتَّأْكِيدُ لِإظْهارِ ما هم عَلَيْهِ مِن كَمالِ الطُّمَأْنِينَةِ وقُوَّةِ اليَقِينِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ لِمَزِيدِ الرَّغْبَةِ في اِسْتِنْزالِ طائِرِ الإجابَةِ، وقُرِئَ (جامِعٌ النّاسِ) بِالتَّنْوِينِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [ 9 ] تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ أوْ لِانْتِفاءِ الرَّيْبِ، وقِيلَ: تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ لِلْحُكْمِ السّابِقِ وإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ الِالتِفاتِ لِلْإشارَةِ إلى تَعْظِيمِ المَوْعُودِ والإجْلالِ النّاشِئِ مِن ذِكْرِ اليَوْمِ المَهِيبِ الهائِلِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْإخْلافِ؛ وهَذا بِخِلافِ ما في آخِرِ السُّورَةِ حَيْثُ أتى بِلَفْظِ الخِطابِ فِيهِ لِما أنَّ مَقامَهُ مَقامُ طَلَبِ الإنْعامِ، وقالَ الكَرْخِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ ما هُنا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ اِتِّصالًا لَفْظِيًّا فَقَطْ وما في الآخِرَةِ مُتَّصِلٌ اِتِّصالًا مَعْنَوِيًّا ولَفْظِيًّا لِتَقَدُّمِ لَفْظِ الوَعْدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِهِ تَعالى لِتَقْرِيرِ قَوْلِ الرّاسِخِينَ لا مِن كَلامِ الرّاسِخِينَ فَلا اِلْتِفاتَ حِينَئِذٍ، قالَ السَّفاقِسِيُّ: وهو الظّاهِرُ. و(اَلْمِيعادَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الحَدَثِ لا بِمَعْنى الزَّمانِ والمَكانِ وهو اللّائِقُ بِمَفْعُولِيَّةِ يُخْلِفُ وياؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، واسْتَدَلَّ بِها الوَعِيدِيَّةِ عَلى وُجُوبِ العِقابِ لِلْعاصِي عَلَيْهِ تَعالى وإلّا يَلْزَمُ الخُلْفُ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ وعِيدَ الفُسّاقِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ بِدَلائِلَ مُنْفَصِلَةٍ كَما هو مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ وِفاقًا؛ وقِيلَ: هو إنْشاءٌ فَلا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ في تَخَلُّفِهِ، وقِيلَ: ما في الآيَةِ لَيْسَ مَحَلًّا لِلنِّزاعِ لِأنَّ المِيعادَ فِيهِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الوَعْدِ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ خُلْفِ الوَعْدِ عَدَمُ خُلْفِ الوَعِيدِ لِأنَّ الأوَّلَ مُقْتَضى الكَرَمِ كَما قالَ: وإنِّي إذا أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي واعْتُرِضَ بِأنَّ الوَعِيدَ الَّذِي هو مَحَلُّ النِّزاعِ داخِلٌ تَحْتِ الوَعْدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الدُّخُولَ، والآيَةُ مِن بابِ التَّهَكُّمِ فَهي عَلى حَدِّ ”فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ“ واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ كَوْنَ الخُلْفِ في الإيعادِ مُقْتَضى الكَرَمِ لا يَجُوزُ الخُلْفُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ صِحَّةُ أنْ يُسَمّى اللَّهُ تَعالى مُكَذِّبَ نَفْسِهِ وهو مِمّا لا يُقَدِمُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِما تَرْكُهُ أصْوَبُ مِن ذِكْرِهِ فالحَقُّ الرُّجُوعُ إلى الجَوابِ الأوَّلِ. * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿الم﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ، وذَكَرَ بَعْضُ ساداتِنا فِيهِ أنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إلى كُلِّ الوُجُودِ مِن حَيْثُ هو كُلٌّ لِأنَّ (أ) إشارَةٌ إلى الذّاتِ الَّذِي هو أوَّلُ الوُجُودِ وهو مَرْتَبَةُ الإطْلاقِ، و(ل) إلى العَقْلِ المُسَمّى بِجِبْرِيلَ الَّذِي هو وسَطُ الوُجُودِ الَّذِي يَسْتَفِيضُ مِنَ المَبْدَأِ ويَفِيضُ إلى المُنْتَهى، و(م) إلى مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي هو آخِرُ الوُجُودِ، وبِهِ تَتِمُّ دائِرَتُهُ ولِهَذا كانَ الخَتْمُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ (ل) رُكِّبَتْ مِن ألِفَيْنِ أيْ وُضِعَتْ بِإزاءِ الذّاتِ مَعَ صِفَةِ العِلْمِ اللَّذَيْنِ هُما عالَمانِ مِنَ العَوالِمِ الثَّلاثَةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي أشَرْنا صفحة 92 إلَيْها فَهو اِسْمٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأمّا (م) فَهي إشارَةٌ إلى الذّاتِ مَعَ جَمِيعِ الصِّفاتِ والأفْعالِ الَّتِي اِحْتَجَبَتْ بِها في صُورَةِ المُحَمَّدِيَّةِ الَّتِي هي اِسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُها إلّا مَن يَعْرِفُها، ألا تَرى أنَّ (أ) الَّتِي هي لِصُورَةِ الذّاتِ كَيْفَ اِحْتَجَبَتْ فِيها فَإنَّ المِيمَ فِيها الياءُ وفي الياءِ ألِفٌ ولِتَضَمُّنِ (الم) الإشارَةَ إلى مَراتِبِ الوُجُودِ والحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ ناسَبَ أنْ تُفْتَتَحَ بِها هَذِهِ الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ لِلرَّدِّ عَلى النَّصارى الَّذِينَ أخْطَأُوا في التَّوْحِيدِ ولَمْ يَعْرِفُوهُ عَلى وجْهِهِ، ولِهَذا أرْدَفَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إذْ لا مَوْجُودَ في سائِرِ العَوالِمِ حَقِيقَةً إلّا هو إذْ لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى جَلَّ جَلالُهُ ﴿الحَيُّ﴾ أيِ المُتَّصِفُ بِالحَياةِ الكامِلَةِ عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِذاتِهِ ﴿القَيُّومُ﴾ القائِمُ بِتَدْبِيرِ الأعْيانِ الثّابِتَةِ بِظُهُورِهِ فِيها حَسَبَ اِسْتِعْدادِها الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ وهو العِلْمُ المُفِيدُ لِمَقامِ الجَمْعِ وهو التَّوْحِيدُ الَّذِي تَفْنى فِيهِ الكَثْرَةُ ولا يُشاهَدُ فِيهِ التَّعَدُّدُ مُتَلَبِّسًا ﴿بِالحَقِّ﴾ وهو الثّابِتُ الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ تَغَيُّرٌ في ذاتِهِ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ الأوَّلِ الأزَلِيِّ السّابِقِ المَعْلُومِ في العَهْدِ الأوَّلِ المَخْزُونِ في غَيْبِ الِاسْتِعْدادِ ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ إلى مَعالِمِ التَّوْحِيدِ ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ وهو التَّوْحِيدُ التَّفْصِيلِيُّ الَّذِي هو الحَقُّ بِاعْتِبارِ الفَرْقِ وهو مَنشَأُ الِاسْتِقامَةِ ومَبْدَأُ الدَّعْوَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ اِحْتَجَبُوا عَنْ هَذَيْنَ التَّوْحِيدَيْنِ بِالمَظاهِرِ والأكْوانِ ورُؤْيَةِ الأغْيارِ ولَمْ يُؤْمِنُوا ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَعالى الدّالَّةِ عَلى أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ رُتْبَةَ الإطْلاقِ ولَهُ الظُّهُورَ والتَّجَلِّيَ بِما شاءَ ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ في البُعْدِ والحِرْمانِ عَنْ حَظائِرِ العِرْفانِ، ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ قاهِرٌ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ شَدِيدٌ بِمُقْتَضى صِفاتِهِ الجَلالِيَّةِ. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ في أرْحامِ الوُجُودِ ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ لِأنَّكُمُ المَظاهِرُ لِأسْمائِهِ والمَجْلى لِذاتِهِ ﴿لا إلَهَ﴾ في الوُجُودِ ﴿إلا هو العَزِيزُ﴾ القاهِرُ لِلْأعْيانِ الثّابِتَةِ فَلا تُشَمُّ رائِحَةُ الوُجُودِ بِنَفْسِها أبَدًا، ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يُظْهَرُها بِوُجُودِهِ الحَقِّ ويَتَجَلّى بِها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ مُتَنَوِّعًا في الظُّهُورِ ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ أُحْكِمَتْ مِن أنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْها الِاحْتِمالُ والِاشْتِباهُ فَلا تَحْتَمِلُ إلّا مَعْنًى واحِدًا ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ والأصْلُ ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَأكْثَرَ ويَقَعُ فِيها الِاشْتِباهُ، وذَلِكَ أنَّ الحَقَّ تَعالى لَهُ وجْهٌ واحِدٌ وهو المُطْلَقُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ لا يَحْتَمِلُ التَّكَثُّرَ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ ولَهُ وُجُوهٌ مُتَكَثِّرَةٌ بِحَسَبِ المَرايا والمَظاهِرِ، بِها يَقَعُ الِاشْتِباهُ فَوَرَدَ التَّنْزِيلُ كَذَلِكَ ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أيْ مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِالكَثْرَةِ عَنِ الوَحْدَةِ ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ﴿إلا اللَّهُ﴾ ويَعْلَمُهُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ الَّذِينَ لَمْ يَحْتَجِبُوا بِأحَدِ الأمْرَيْنِ عَنِ الآخَرِ بِعِلْمِهِ الَّذِي مَنَحُوهُ بِواسِطَةِ قُرْبِ النَّوافِلِ لا بِالعِلْمِ الفِكْرِيِّ الحاصِلِ بِواسِطَةِ الأقْيِسَةِ المَنطِقِيَّةِ، وبِهَذا يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الوَقْفِ عَلى ﴿إلا اللَّهُ﴾ والوَقْفِ عَلى ﴿الرّاسِخُونَ﴾ . ﴿وما يَذَّكَّرُ﴾ بِذَلِكَ العِلْمِ الواحِدِ المُفَصَّلِ في التَّفاصِيلِ المُتَشابِهَةِ المُتَكَثِّرَةِ ﴿إلا أُولُو الألْبابِ﴾ الَّذِينَ صَفَتْ عُقُولُهم بِنُورِ الهِدايَةِ وتَجَرَّدَتْ عَنْ قِشْرِ الهَوى والعادَةِ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ بِالنَّظَرِ إلى الأكْوانِ والِاحْتِجابِ بِها عَنْ مُكَوِّنِها ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ بِنُورِكَ إلى صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ ومُشاهَدَتِكَ في مَراتِبِ الوُجُودِ والمَرايا المُتَعَدِّدَةِ ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ خاصَّةً تَمْحُو صِفاتِنا بِصِفاتِكَ وظُلُماتِنا بِأنْوارِكَ ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ المُعْطِي لِلْقَوابِلِ حَسَبَ القابِلِيّاتِ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ﴾ عَلى اِخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهو يَوْمُ الجَمْعِ الَّذِي هو الوُصُولُ إلى مَقامِ الوَحْدَةِ عِنْدَ كَشْفِ اِلْغَطا وطُلُوعِ شَمْسِ العِيانِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ لِتَظْهَرَ صِفاتُهُ الجَمالِيَّةُ والجَلالِيَّةُ ولِذَلِكَ خَلَقَ الخَلْقَ وتَجَلّى لِلْأعْيانِ فَأظْهَرَها كَيْفَ شاءَ. هَذا ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانِهِ الدِّينَ الحَقَّ والتَّوْحِيدَ وذَكَرَ أحْوالَ الكُتُبِ النّاطِقَةِ بِهِ صفحة 93 وشَرَحَ حالَ القُرْآنِ العَظِيمِ وكَيْفِيَّةَ إيمانِ الرّاسِخِينَ بِهِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِبَيانِ حالِ مَن كَفَرَ بِهِ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ:

آل عمران 3:10

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِمْ جِنْسُ الكَفَرَةِ الشّامِلُ لِجَمِيعِ الأصْنافِ، وقِيلَ: وفْدُ نَجْرانَ، أوِ اليَهُودُ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وحُكِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أيْ لَنْ تَنْفَعَهُمْ، وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ وسُكُونِ الياءِ وهو مِنَ الجِدِّ في اِسْتِثْقالِ الحَرَكَةِ عَلى حُرُوفِ اللِّينِ، ﴿أمْوالُهُمْ﴾ الَّتِي أعَدُّوها لِدَفْعِ المَضارِّ وجَلْبِ المَصالِحِ ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ الَّذِينَ يَتَناصَرُونَ بِهِمْ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ ويُعَوِّلُونَ عَلَيْهِمْ في المُلِمّاتِ المُدْلَهِمَّةِ، وتَأْخِيرُهم عَنِ الأمْوالِ مَعَ تَوْسِيطِ حَرْفِ النَّفْيِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ إمّا لِعَراقَتِهِمْ في كَشْفِ الكُرُوبِ أوْ لِأنَّ الأمْوالَ أوَّلُ عِدَّةٍ يُفْزَعُ إلَيْها عِنْدَ نُزُولِ الخُطُوبِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن عَذابِهِ تَعالى فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ كَما قالَ المُبَرِّدُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَيْئًا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِما في (أغْنى) مِن مَعْنى الدَّفْعِ و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ إلّا أنَّها قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فَصارَتْ حالًا، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا بِناءً عَلى أنَّ مَعْنى أغْنى عَنْهُ كَفاهُ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (مِن) هُنا بِمَعْنى عِنْدَ وهو ضَعِيفٌ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي بَدَلِيَّةٌ مِثْلَها في قَوْلِهِ: فَلَيْتَ لَنا (مِن) ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةٌ باتَتْ عَلى طَهَيانِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «ولا يَنْفَعُ ذا الجِدِّ مِنكَ الجِدُّ» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ والمَعْنى لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم بَدَلَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ بَدَلَ طاعَتِهِ سُبْحانَهُ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ، ونَفى ذَلِكَ سُبْحانَهُ مَعَ أنَّ اِحْتِمالَ سَدِّ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ مَسَدَّ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مِمّا يَبْعُدُ بَلْ لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالٍ حَتّى يَتَصَدّى لِنَفْيِهِ - إشارَةً إلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قَدْ ألْهَتْهم أمْوالُهم وأوْلادُهم عَنِ اللَّهِ تَعالى والنَّظَرِ فِيما يَنْبَغِي لَهُ إلى حَيْثُ يُخَيَّلُ لِلرّائِي أنَّهم مِمَّنْ يُعْتَقَدُ أنَّها تَسُدُّ مَسَدَّ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ. وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ واعْتُرِضَ بِأنَّ أكْثَرَ النُّحاةِ كَما في «اَلْبَحْرِ» يُنْكِرُونَ إثْباتَ البَدَلِيَّةِ لِمَن، مَعَ أنَّ الأوَّلَ هو الألْيَقُ في الظّاهِرِ بِتَهْوِيلِ أمْرِ الكَفَرَةِ والأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ [ 10 ] كَذا بِما بَعُدَ. والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ الحَطَبُ أيْ أُولَئِكَ المُتَّصِفُونَ بِالكُفْرِ المُبْعَدُونَ عَنْ عِزِّ الحُضُورِ حَطَبُ النّارِ الَّتِي تُسَعَّرُ بِهِمْ لِكُفْرِهِمْ، وقِيلَ: الوَقُودُ بِالفَتْحِ لُغَةً في الوُقُودِ بِالضَّمِّ وبِهِ قَرَأ الحَسَنُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإيقادِ فَيُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافٌ أيْ أهْلُ وقُودِها، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الأمْرِ وتُقَرِّرِهِ، أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقِيقَةَ حالِهِمْ ذَلِكَ وأنَّهم في حالِ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا وقُودَ النّارِ بِأعْيانِهِمْ، وهي إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرَّرَةٌ لِعَدَمِ الإغْناءِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى الواقِعَةِ خَبَرًا لِأنَّ، و(هُمْ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا.

آل عمران 3:11

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الدَّأْبُ العادَةُ والشَّأْنُ، وأصْلُهُ مِن دَأبَ في الشَّيْءِ دَأْبًا ودُءُوبًا إذا اِجْتَهَدَ فِيهِ وبالَغَ أيْ حالُ هَؤُلاءِ في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ كَحالِ آلِ فِرْعَوْنَ فالجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُنْفَصِلَةٌ عَمّا قَبْلَها مُسْتَأْنَفَةٌ اِسْتِئْنافًا بَيانِيًّا بِتَقْدِيرِ ما سَبَبُ هَذا عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ ﴿تُغْنِيَ﴾ أيْ إغْناءً كائِنًا كَعَدَمِ إغْناءٍ، صفحة 94 أوْ بِوَقُودٍ أيْ تُوقَدُ بِهِمْ كَما تُوقَدُ بِأُولَئِكَ ولا يَخْفى ما في الوَجْهَيْنِ أمّا الأوَّلُ: فَقَدْ قالَ فِيهِ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ، و(أُولَئِكَ) الخ إذا قُدِّرَتْ مَعْطُوفَةً، فَإنْ قُدِّرَتِ اِسْتِئْنافِيَّةً وهو بَعِيدٌ جازَ. وأمّا الثّانِي: فَقَدِ اِعْتَرَضَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّ الوَقُودَ عَلى المَشْهُورِ الأظْهَرِ فِيهِ اِسْمٌ لِما يُوقَدُ بِهِ وإذا كانَ اِسْمًا فَلا عَمَلَ لَهُ، فَإنْ قِيلَ إنَّهُ مَصْدَرٌ كَما في قِراءَةِ الحَسَنِ صَحَّ لَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ وأُورِدَ عَلَيْهِما مَعًا أنَّهُما خِلافُ الظّاهِرِ لِأنَّ المَذْكُورَ في تَفْسِيرِ الدَّأْبِ إنَّما هو التَّكْذِيبُ والأخْذُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَمِ الإغْناءِ لا سِيَّما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ (مَن) بَدَلِيَّةً ولا لِإيقادِ النّارِ، فَلْيُفْهَمْ. ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهم كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ فالضَّمِيرُ لِآلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: لِلَّذِينِ كَفَرُوا، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ مُعاصِرُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، والمُرادُ بِالآياتِ إمّا المَتْلُوَّةُ في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى أوِ العَلاماتُ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وصِدْقِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلَ بِهِمْ أيْ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَجِدُوا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى مَحِيصًا، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿كَذَّبُوا﴾ الخ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ﴿آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ بِإضْمارِ قَدْ، ويَجُوزُ عَلى بُعْدٍ أنْ تَكُونَ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ عَنِ (اَلَّذِينَ)، والِالتِفاتُ لِلتَّكَلُّمِ أوَّلًا: في آياتِنا لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإلى الغَيْبَةِ، ثانِيًا: بِإظْهارِ الجَلالَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِها أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِها غَيْرَ تائِبِينَ، والمُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ عَلى الأوَّلِ: التَّكْذِيبُ بِالآياتِ المُتَعَدِّدَةِ، وجِيءَ بِالسَّبَبِيَّةِ تَأْكِيدًا لِما تُفِيدُهُ الفاءُ، وعَلى الثّانِي: سائِرُ الذُّنُوبِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ لَهم ذُنُوبًا أُخَرَ، وأصْلُ الذَّنْبِ التِّلْوُ والتّابِعُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الجَرِيمَةِ لِأنَّها يَتْلُو أيْ يَتْبَعُ عِقابُها فاعِلَها ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [ 11 ] ولِمَن كَفَرَ بِآياتِهِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الأخْذِ.

آل عمران 3:12

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّ يَهُودَ أهْلِ المَدِينَةِ قالُوا لَمّا هَزَمَ اللَّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: هَذا واَللَّهِ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي بَشَّرَنا بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَجِدُهُ في كِتابِنا بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ وأنَّهُ لا يُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، وأرادُوا تَصْدِيقَهُ واتِّباعَهُ ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تُعَجِّلُوا حَتّى تَنْظُرُوا إلى وقْعَةٍ لَهُ أُخْرى فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ ونُكِبَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَكَوْا وقالُوا: لا واَللَّهِ ما هو بِهِ، وغَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقاءُ فَلَمْ يُسَلِّمُوا، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ فَنَقَضُوا ذَلِكَ العَهْدَ وانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في سِتِّينَ راكِبًا إلى أهْلِ مَكَّةَ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ فَوافَقُوهم وأجْمَعُوا أمْرَهم وقالُوا: لَتَكُونَنَّ كَلِمَتُنا واحِدَةً ثُمَّ رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ». وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ إسْحاقَ والبَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا: «”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا أصابَ ما أصابَ مِن بَدْرٍ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ وقالَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما أصابَ قُرَيْشًا فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ لا يَغُرُّنَّكَ مِن نَفْسِكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ كانُوا أغْمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ إنَّكَ واَللَّهِ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ وأنَّكَ لَمْ تَكُنْ مِثْلَنا“، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾». فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ اليَهُودُ، والسِّينُ لِقُرْبِ الوُقُوعِ أيْ تَغْلِبُونَ عَنْ قَرِيبٍ وأُرِيدَ مِنهُ في الدُّنْيا، وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ رَسُولَهُ ﷺ صفحة 95 فَقَتَلَ كَما قِيلَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ في يَوْمٍ واحِدٍ سِتُّمِائَةٍ جَمَعَهم في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ وأمَرَ السَّيّافَ بِضَرْبِ أعْناقِهِمْ وأمَرَ بِحَفْرِ حُفَيْرَةٍ ورَمْيِهِمْ فِيها وأجْلى بَنِي النَّضِيرِ وفَتَحَ خَيْبَرَ وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ وهَذا مِن أوْضَحِ شَواهِدِ النُّبُوَّةِ. ﴿وتُحْشَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ والمُرادُ في الآخِرَةِ ﴿إلى جَهَنَّمَ﴾ وهي غايَةُ حَشْرِهِمْ ومُنْتَهاهُ فَإلى عَلى مَعْناها المُتَبادِرِ، وقِيلَ: بِمَعْنى فِي، والمَعْنى أنَّهم يُجْمَعُونَ فِيها، والآيَةُ كالتَّوْكِيدِ لِما قَبْلَها فَإنَّ الغَلَبَةَ تَحْصُلُ بِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، والحَشْرُ إلى جَهَنَّمَ مَبْدَأُ كَوْنِهِمْ وقُودًا لَها، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ عاصِمٍ (سَيُغْلَبُونَ ويُحْشَرُونَ) بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ، وفُرِّقَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ بِأنَّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ تاءِ الخِطابِ أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم مِن عِنْدِ نَفْسِهِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ حَتّى لَوْ كَذَّبُوا كانَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلَيْهِ، وعَلى تَقْدِيرِ ياءِ الغَيْبَةِ أمَرَهُ بِأنْ يُؤَدِّيَ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الحُكْمِ بِأنَّهم سَيُغْلَبُونَ بِحَيْثُ لَوْ كَذَّبُوا كانَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ [ 12 ] إمّا مِن تَمامِ ما يُقالُ لَهم أوِ اِسْتِئْنافٌ لِتَهْوِيلِ جَهَنَّمَ وتَفْظِيعِ حالِ أهْلِها، ومِهادٌ كَفِراشٍ لَفْظًا ومَعْنًى، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مُقَدَّرٌ وهو جَهَنَّمُ، أوْ ما مَهَّدُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.

آل عمران 3:13

﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ وتَحْقِيقِهِ والخِطابُ لِلْيَهُودِ أيْضًا، واخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وذَهَبَ إلَيْهِ البَلْخِيُّ، أيْ قَدْ كانَ لَكم أيُّها اليَهُودُ المُغْتَرُّونَ بِعَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ (آيَةٌ) أيْ عَلامَةٌ عَظِيمَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ ما أقُولُ لَكم أنَّكم سَتُغْلَبُونَ ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أيْ فِرْقَتَيْنِ أوْ جَماعَتَيْنِ مِنَ النّاسِ كانَتِ المَغْلُوبَةُ مِنهُما مُدِلَّةً بِكَثْرَتِها مُعْجَبَةً بِعِزَّتِها فَأصابَها ما أصابَها ﴿التَقَتا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَهي في أعْلى دَرَجاتِ الإيمانِ ولَمْ يَقُلْ مُؤْمِنَةً مَدْحًا لَهم بِما يَلِيقُ بِالمَقامِ ورَمْزًا إلى الِاعْتِدادِ بِقِتالِهِمْ، وقُرِئَ يُقاتِلُ عَلى تَأْوِيلِ الفِئَةِ بِالقَوْمِ أوِ الفَرِيقِ ﴿وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ بِاَللَّهِ تَعالى فَهي أبْعَدُ مِن أنْ تَقاتُلَ في سَبِيلِهِ وإنَّما لَمْ تُوصَفْ بِما يُقابِلُ صِفَةَ الفِئَةِ الأُولى إسْقاطًا لِقِتالِهِمْ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ وإيذانًا بِأنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّوْا لَهُ لِما عَراهم مِنَ الهَيْبَةِ والوَجَلِ. و(كانَ) ناقِصَةٌ وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُعْرِبِينَ و(آيَةٌ) اِسْمُها وتَرْكُ التَّأْنِيثِ في الفِعْلِ لِأنَّ المَرْفُوعَ غَيْرُ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ ولِأنَّهُ مَفْصُولٌ ولِأنَّ الآيَةَ والدَّلِيلَ بِمَعْنًى، وفي الخَبَرِ وجْهانِ: أحَدُهُما (لَكُمْ)، و﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ نَعْتٌ لِآيَةٍ، والثّانِي أنَّ الخَبَرَ هو هَذا النَّعْتُ و(لَكُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِ (كانَ) عَلى رَأْيِ مَن يَرى ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (لَكُمْ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ وقَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا أنَّ وصْفَ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَ عَلَيْها كانَ حالًا و(اِلْتَقَتا) في حَيِّزِ الجَرِّ نَعْتٌ لِفِئَتَيْنِ، و(فِئَةٌ) خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ إحْداهُما فِئَةٌ وأُخْرى نَعْتٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ وفِئَةٌ أُخْرى والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما في الفِئَتَيْنِ مِنَ الآيَةِ، وقِيلَ: فِئَةٌ وما عُطِفَ عَلَيْها بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿التَقَتا﴾ وما بَعْدَهُما صِفَةٌ فَلا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ عائِدٍ إلى المُبْدَلِ مِنهُ مُسَوِّغٍ لِوَصْفِ البَدَلِ بِالجُمْلَةِ العارِيَةِ عَنْ ضَمِيرً، أيْ فِئَةٌ مِنهُما تُقاتِلُ الخ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُما خَبَرٌ أيْ فِئَةٌ مِنهُما تُقاتِلُ الخ فِئَةً أُخْرى كافِرَةً، وقِيلَ: كُلٌّ مِنهُما مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ مِنهُما فِئَةٌ الخ، وقُرِئَ (وأُخْرى كافِرَةً) بِالنَّصْبِ فِيهِما وهو عَلى المَدْحِ في الأُولى والذَّمِّ في الثّانِيةِ، وقِيلَ: عَلى الِاخْتِصاصِ، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المَنصُوبَ عَلَيْهِ لا يَكُونُ نَكِرَةً، وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلَ لَمْ يَعْنِ الِاخْتِصاصَ المُبَوَّبَ لَهُ في النَّحْوِ كَما في «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» وإنَّما عَنى النَّصْبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ لائِقٍ، وأهْلُ البَيانِ يُسَمُّونَ هَذا النَّحْوَ اِخْتِصاصًا كَما قالَهُ الحَلَبِيُّ، صفحة 96 وجُوِّزَ أنْ يَكُونا حالَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: اِلْتَقَتا مُؤْمِنَةً وكافِرَةً، وفِئَةٌ وأُخْرى عَلى هَذا تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ فِيهِما عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (فِئَتَيْنِ) بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ والضَّمِيرُ العائِدُ إلى المُبْدَلِ مِنهُ مُقَدَّرٌ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ ويُسَمّى بَدَلًا تَفْصِيلِيًّا كَما في قَوْلِهِ: وكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ورِجْلٍ رَماها صائِبُ الحِدْثانِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ صِفَةٌ لِلْفِئَةِ الأخِيرَةِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ الآيَةِ. والمُرادُ كَما قالَ السُّدِّيُّ: تَرى الفِئَةُ الأخِيرَةُ الكافِرَةُ الفِئَةَ الأُولى المُؤْمِنَةَ مِثْلَ عَدَدِ الرّائِينَ وقَدْ كانُوا تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ مُقاتِلًا كُلُّهم شاكُو السِّلاحِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ مَسْعُودٍ كانُوا ألْفًا وسَقْفَ بَيْتٍ حَلَّهم ورَبَطَهم عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وفِيهِمْ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ ورُؤَساءِ الضَّلالِ أبُو جَهْلٍ وأبُو سُفْيانَ وغَيْرُهُما، ومِنَ الإبِلِ والخَيْلِ سَبْعُمِائَةِ بَعِيرٍ ومِائَةُ فَرَسٍ، رَوى مُحَمَّدُ بْنُ الفُراتِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أوْسٍ أنَّهُ قالَ: أسَرَ المُشْرِكُونَ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَألُوهُ كَمْ كُنْتُمْ؟ قالَ: ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، قالُوا: ما كُنّا نَراكم إلّا تَضْعُفُونَ عَلَيْنا وأرادُوا ألْفًا وتِسْعَمِائَةٍ وهو المُرادُ مِن ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ﴾ وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ يَحْتَمِلُ إرادَةَ ثَلاثَةِ أمْثالِهِمْ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: عِنْدِي ألْفٌ وأحْتاجُ إلى مِثْلَيْها فَإنَّما تُرِيدُ إلى ألْفَيْنِ مُضافَيْنِ إلَيْها لا بَدَلًا مِنها فَهم كانُوا يَرَوْنَهم ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ، وأنْكَرَ هَذا الوَجْهَ الزَّجّاجُ لِمُخالَفَتِهِ لِظاهِرِ الكَلامِ، أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ المَرْئِيِّينَ أيْ سِتَّمِائَةٍ ونَيِّفًا وعِشْرِينَ حَيْثُ كانَ عُدَّةُ المُرْسَلِينَ سَبْعَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ ومِائَتَيْنِ وسِتَّةً وثَلاثِينَ مِنَ الأنْصارِ، وكانَ صاحِبُ لِواءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُهاجِرِينَ عَلِيًّا الكَرّارَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وصاحِبُ رايَةِ الأنْصارِ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ، وكانَ مَعَهم مِنَ الإبِلِ سَبْعُونَ بَعِيرًا، ومِنَ الخَيْلِ فَرَسانَ فَرَسٌ لِلْمِقْدادِ بْنِ عَمْرٍو، وفَرَسٌ لِمَرْثَدِ بْنِ أبِي مَرْثَدٍ، ومِنَ السِّلاحِ سِتُّ أدْرُعٍ وثَمانِيَةُ سُيُوفٍ، وكانَ أكْثَرُهم رَجّالَةً، واسْتُشْهِدَ مِنهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا سِتَّةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وثَمانِيَةٌ مِنَ الأنْصارِ، وقَدْ مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ، وإنَّما أراهُمُ اللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ مَعَ أنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ لِيَهابُوهم ويَجْبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وهو نَوْعٌ مِنَ التَّأْيِيدِ والمَدَدِ المَعْنَوِيِّ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ تَدانِي الفِئَتَيْنِ بَعْدَ أنْ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى في أعْيُنِهِمْ عِنْدَ التَّرائِي لِيَجْتَرِءُوا عَلَيْهِمْ ولا يَرْهَبُوا فَيَهْرُبُوا حَيْثُ يَنْفَعُ الهَرَبُ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ المُرادَ تَرى الفِئَةُ المُؤْمِنَةُ الفِئَةَ الكافِرَةَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ لِيَثْبُتُوا ويَطْمَئِنُّوا بِالنَّصْرِ المَوْعُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ . قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مَوْلانا مُفْتِيَ الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ: والأوَّلُ: هو أوْلى لِأنَّ رُؤْيَةَ المِثْلَيْنِ غَيْرُ مُتَعَيَّنَةٍ مِن جانِبِ المُؤْمِنِينَ بَلْ وقَدْ وقَعَتْ رُؤْيَةُ المِثْلِ بَلْ أقَلُّ مِنهُ أيْضًا فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ اِبْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يَضْعُفُونَ عَلَيْنا ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ فَلَمّا رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًا واحِدًا ثُمَّ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أيْضًا في أعْيُنِهِمْ حَتّى رَأوْهم عَدَدًا يَسِيرًا أقَلَّ مِن أنْفُسِهِمْ قالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تَراهم سَبْعِينَ؟ قالَ: أراهم مِائَةً فَأسَرْنا مِنهم رَجُلًا فَقُلْنا كَمْ كُنْتُمْ؟ قالَ: ألْفًا، فَلَوْ أُرِيدَ رُؤْيَةَ المُؤْمِنِينَ المُشْرِكِينَ أقَلَّ مِن عَدَدِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ كَما في الأنْفالِ لَكانَتْ رُؤْيَتُهم إيّاهم أقَلَّ مِن أنْفُسِهِمْ أحَقَّ بِالذِّكْرِ في كَوْنِها آيَةً مِن رُؤْيَتِهِمْ مِثْلَيْهِمْ عَلى أنَّ إبانَةَ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ لِلْكَفَرَةِ بِإراءَتِهِمُ القَلِيلَ كَثِيرًا والضَّعِيفَ قَوِيًّا وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أدْخَلُ في كَوْنِها آيَةً لَهم وحُجَّةً عَلَيْهِمْ وأقْرَبُ إلى اِعْتِرافِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُخالَطَتِهِمْ لِلْكَفَرَةِ المُشاهِدِينَ لِلْحالِ، وكَذا تَعَلُّقُ الفِعْلِ بِالفاعِلِ أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالمَفْعُولِ فَجُعِلَ أقْرَبُ المَذْكُورَيْنِ السّابِقَيْنِ فاعِلًا وأبْعَدُهُما مَفْعُولًا سَواءٌ جَعْلُ الجُمْلَةِ صِفَةً أوْ مُسْتَأْنَفَةً أوْلى مِنَ العَكْسِ، اِنْتَهى. صفحة 97 ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ مِن طَرَفِ الجُمْهُورِ الذّاهِبِينَ إلى أنَّ المُرادَ رُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ المُشْرِكِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ رُؤْيَتَهم إيّاهم أقَلَّ مِن أنْفُسِهِمْ أحَقُّ بِالذِّكْرِ في كَوْنِها آيَةً مِن رُؤْيَتِهِمْ مِثْلَيْهِمْ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ الآيَةُ والعَلامَةُ لِلْيَهُودِ عَلى أنَّهم سَيُغْلَبُونَ قِتالَ المُؤْمِنِينَ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وغَلَبَتَهم عَلَيْهِمْ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ العادِيِّ لِلْجُبْنِ وهو رُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ إيّاهم أكْثَرَ مِن أنْفُسِهِمْ وأوْفَرَ مِن عَدَدِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ تَحَقَّقُوا قِتالَ المُسْلِمِينَ لَكم وغَلَبَتَهم عَلَيْكم ولا تَغْتَرُّوا بِعِلْمِهِمْ بِقِلَّتِهِمْ وكَثْرَتِكم فَإنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى قِتالِ مَن يَرَوْنَهُ أكْثَرَ مِنهم عَدَدًا ولا يَجْبُنُونَ ولا يَهابُونَ ويَنْتَصِرُونَ فَما ذاكَ إلّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَلَأ قُلُوبَهم إيمانًا وشِدَّةً عَلى مَن خالَفَهم وأحاطَهم بِتَأْيِيدِهِ ونَصْرِهِ ووَعَدَهُمُ الوَعْدَ الجَمِيلَ. لا يُقالُ: إنَّ الأوْفَقَ لِهَذا الغَرَضِ أنْ يَرى المُؤْمِنُونَ المُشْرِكِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن كَوْنِ المُشْرِكِينَ ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ أوْ يَرَوْنَهم أكْثَرَ مِن ذَلِكَ لِأنَّ إقْدامَهم حِينَئِذٍ عَلى قِتالِهِمْ أدَلُّ عَلى سَبَبِ الغَلَبَةِ عَلى اليَهُودِ لِأنّا نَقُولُ: نَعَمْ، الأمْرُ كَما ذَكَرَ إلّا أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِوَفائِها بِالمَقْصُودِ مَعَ تَضَمُّنِها مَدْحَ المُؤْمِنِينَ بِالثَّباتِ النّاشِئِ مِن قُوَّةِ الإيمانِ بِالنَّصْرِ المَوْعُودِ آخِرًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ اُخْتِيرَتْ عَلى ما لَيْسَ فِيها إلّا أمْرٌ واحِدٌ غَيْرَ مُتَضَمِّنٍ لِذَلِكَ المَدْحِ المَخْصُوصِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى اِلْتِزامِ كَوْنِ التَّثْنِيَةِ مَجازًا عَنِ التَّكْثِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ ولا إلى القَوْلِ بِأنَّ ضَمِيرَ ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الفِئَةِ الأخِيرَةِ أيْ تَرى الفِئَةُ المُؤْمِنَةُ الفِئَةَ الكافِرَةَ مِثْلَيْ عَدَدِ الفِئَةِ الكافِرَةِ أعْنِي قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ وإنْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ البَعْضُ ويُرَدُّ أيْضًا عَلى قَوْلِهِ: عَلى أنَّ إبانَةً الخ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ الإراءَةَ نَفْسَها كانَتْ هي الآيَةَ أنَّ إراءَةَ القَلِيلِ كَثِيرًا لَمْ تَقَعْ لِلْيَهُودِ المُخاطَبِينَ بِصَدْرِ الآيَةِ لِتَكُونَ إبانَةَ آثارِ قُدْرَتِهِ تَعالى بِذَلِكَ أدْخَلَ في كَوْنِها آيَةً لَهم وحُجَّةً عَلَيْهِمْ، وكَوْنُ ذَلِكَ أقْرَبَ لِاعْتِرافِهِمْ لِكَثْرَةِ مُخالَطَتِهِمُ الكَفَرَةَ الرّائِينَ يَتَوَقَّفُ عَلى أنَّ الرّائِينَ قَدْ أخْبَرُوهم بِذَلِكَ وأنَّهم صَدَّقُوا بِهِ ولَمْ يَحْمِلُوهُ عَلى أنَّهُ خُيِّلَ لَهم لِخَوْفِهِمْ بِسَبَبِ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالحَرْبِ والخائِفُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّ أشْجارَ البَيْداءِ شُجْعانٌ شاكِيَةٌ وأُسْدٌ ضارِيَةٌ، وإثْباتُ كُلٍّ مِن هَذِهِ الأُمُورِ صَعْبٌ عَلى أنَّ فِيما رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ اليَهُودَ قالُوا لَهُ ﷺ بَعْدَ تِلْكَ الواقِعَةِ: لا يَغُرُّنَّكَ أنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا أغْمارًا لا عِلْمَ لَهم بِالحَرْبِ فَأصَبْتَ مِنهم فُرْصَةً ولَئِنْ قاتَلْتَنا لَعَلِمْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ، ما يُشْعِرُ في الجُمْلَةِ بِأنَّهم لَوْ أخْبَرُوهم بِذَلِكَ وصَدَّقُوا لَحَمَلُوهُ عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا، وما ذُكِرَ مِن أنَّ تَعَلُّقَ الفِعْلِ بِالفاعِلِ أشَدُّ الخ، فَمُسَلَّمٌ إلّا أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَسْتَدْعِي أوْلَوِيَّةَ جَعْلِ أوَّلِ المَذْكُورَيْنِ السّابِقَيْنِ فاعِلًا وأبْعَدِهِما مَفْعُولًا مِنَ العَكْسِ مُطْلَقًا بَلْ ذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنْ في العَكْسِ مَعْنًى لَطِيفٌ تَحْسُنُ مُراعاتُهُ نَظَرًا لِلْمَقامِ، وهُنا قَدْ كانَ ذَلِكَ لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ مَدْحُ الفِئَةِ الأُولى بِالمُقاتِلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وعُدِلَ عَنْ مَدْحِهِمْ بِالإيمانِ الَّذِي هو الأساسُ إلَيْهِ ولا شَكَّ أنَّ مُقاتَلَتَهم لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم أكْثَرَ مِن أنْفُسِهِمْ ومِثْلَيْهِمْ أمْدَحُ وأمْدَحُ كَما لا يَخْفى. وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ (تَرَوْنَهُمْ) بِالتّاءِ واسْتُشْكِلَتْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخِطابِ لِلْيَهُودِ بِأنَّهم لَمْ يَرَوُا المُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ ولا مِثْلَيِ الكافِرِينَ ولَمْ يَرَوُا الكافِرِينَ أيْضًا مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ ولا مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهم رَأوُا المُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ أوْ مِثْلَيِ الكافِرِينَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ حَيْثُ نَزَلَتْ رُؤْيَةُ المُشْرِكِينَ مَنزِلَةَ رُؤْيَتِهِمْ لِما بَيْنَهم مِنَ الِاتِّحادِ في الكُفْرِ والِاتِّفاقِ في الكَلِمَةِ لا سِيَّما بَعْدَ ما وقَعَ بَيْنَهم بِواسِطَةِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ مِنَ العَهْدِ والمِيثاقِ فَأسْنُدِتِ الرُّؤْيَةُ إلَيْهِمْ مُبالَغَةً في البَيانِ وتَحْقِيقًا لِعَرُوضِ مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ لَهُمْ،، وكَذا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهم رَأوْا حَقِيقَةَ الكافِرِينَ مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ، صفحة 98 وتُحْمَلُ الرُّؤْيَةُ عَلى العِلْمِ والِاعْتِقادِ النّاشِئِ عَنِ الشُّهْرَةِ والتَّواتُرِ ويُلْتَزَمُ كَوْنُ الآيَةِ لَهم قِتالَ المُؤْمِنِينَ الكافِرِينَ وغَلَبَةَ الأوَّلِينَ الآخَرِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ أكْثَرَ مِنهم إلّا أنَّهُ اُقْتُصِرَ عَلى أقَلِّ اللّازِمِ ويُعْلَمُ مِنهُ كَوْنُ قِتالِ المُؤْمِنِينَ وغَلَبَتِهِمْ عَلى الفِئَةِ الكافِرَةِ مَعَ كَوْنِها ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ المَعْلُومِ لَهم أيْضًا آيَةً مِن بابِ أوْلى. ولِما في هَذَيْنَ الجَوابَيْنِ كَيْفَما كانَ اِلْتَزِمْ بَعْضُهم كَوْنَ الخِطابِ مِن أوَّلِ الأمْرِ لِلْمُشْرِكِينَ لِيَتَّضِحَ أمْرُ هَذِهِ القِراءَةِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ خِطابًا لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ الأمْرِ بِناءً عَلى أنَّ الوَعِيدَ كانَ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ ولا مَعْنى لِلِاسْتِدْلالِ بِها قَبْلَ وُقُوعِها، وجَعْلُ ذَلِكَ داخِلًا في مَفْعُولِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ. وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الخِطابَ في قِراءَةِ نافِعٍ لِلْمُؤْمِنِينَ والتَزَمَ كَوْنَ الخِطابِ السّابِقِ لَهم أيْضًا عَلى أنَّهُ اِبْتِداءُ خِطابٍ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِما سَبَقَ الوَعْدُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِجَمِيعِ الكَفَرَةِ، وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّحْقِيقِ: القَوْلُ بِأنَّ الخِطابَ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ واليَهُودِ ومُشْرِكِي مَكَّةَ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ لِئَلّا يُقْتَطَعَ الكَلامُ ويَقَعُ التَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ الخ مَوْقِعَ المِسْكِ في الخِتامِ، ثُمَّ إنَّ مَن عَدَّ التَّعْبِيرَ عَنْ جَماعَةٍ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ مَعَ التَّعْبِيرِ بَعْدُ عَنِ البَعْضِ بِطَرِيقٍ آخَرَ يُخالِفُهُ مِنها مِنَ الِالتِفاتِ، قالَ بِوُجُودِهِ في الآيَةِ عَلى بَعْضِ اِحْتِمالاتِها، ومَن لَمْ يُعِدَّ ذَلِكَ مِنهُ كَما هو الظّاهِرُ أنْكَرَ الِالتِفاتَ فِيها، وبِهَذا يُجْمَعُ بَيْنَ أقْوالِ النّاظِرِينَ في الآيَةِ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ واخْتِلافِهِمْ في وُجُودِ الِالتِفاتِ وعَدَمِهِ فِيها، فَأمْعِنِ النَّظَرَ فَإنَّهُ لِمِثْلِ هَذا المَبْحَثِ كُلِّهِ يُدَّخَرُ. وقَرَأ اِبْنُ مُصَرِّفٍ (يُرَوْنَهُمْ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِالياءِ والتّاءِ أيْ يُرِيهِمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ. ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ (يَرَوْنَهُمْ) عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها بَصَرِيَّةٍ فَ (مِثْلَيْهِمْ) حِينَئِذٍ حالٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا تَشْبِيهِيًّا عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها عِلْمِيَّةً اِعْتِقادِيَّةً أيْ رَأْيًا مِثْلَ رَأْيِ العَيْنِ فَ (مِثْلَيْهِمْ) حِينَئِذٍ مَفْعُولٌ ثانٍ، وقِيلَ: إنَّ (رَأْيَ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ في رَأْيِ العَيْنِ ﴿واللَّهُ﴾ المُتَّصِفُ بِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ ﴿يُؤَيِّدُ﴾ أيْ يُقَوِّي ﴿بِنَصْرِهِ﴾ أيْ بِعَوْنِهِ، وقِيلَ: بِحُجَّتِهِ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ ﴿مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُؤَيِّدَهُ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ كَما أيَّدَ الفِئَةَ المُقاتِلَةَ في سَبِيلِهِ وهو مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ مِنَ النَّصْرِ، وقِيلَ: مِن تِلْكَ الرُّؤْيَةِ ﴿لَعِبْرَةً﴾ أيِ اِتِّعاظًا ودَلالَةً، وهي فِعْلَةٌ مِنَ العُبُورِ كالرِّكْبَةِ والجِلْسَةِ وهو التَّجاوُزُ، ومِنهُ عَبَرْتُ النَّهْرَ وسُمِّيَ الِاتِّعاظُ عِبْرَةً لِأنَّ المُتَّعِظَ يَعْبُرُ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ ومِنَ الهَلاكِ إلى النَّجاةِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ عِبْرَةً عَظِيمَةً كائِنَةً ﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ [ 13 ] جَمْعُ بَصَرٍ بِمَعْنى بَصِيرَةٍ مَجازًا أوْ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ أيْ لِذَوِي العُقُولِ والبَصائِرِ أوْ لِمَن أبْصَرَهم ورَآهم بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مِن تَمامِ الكَلامِ الدّاخِلِ تَحْتَ القَوْلِ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ وإمّا وارِدَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَصْدِيقًا لِمَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

آل عمران 3:14

﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِلتَّنْفِيرِ عَنِ الحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي كَثِيرًا ما يَقَعُ القِتالُ بِسَبَبِها إثْرَ بَيانِ حالِ الكَفَرَةِ والتَّنْصِيصِ عَلى عَدَمِ نَفْعِ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ لَهم وقَدْ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِذَلِكَ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ الجِنْسُ، ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ أيِ المُشْتَهَياتُ وجَعْلُها نَفْسَ الشَّهَواتِ إشارَةٌ إلى ما رَكَزَ في الطِّباعِ مِن مَحَبَّتِها والحِرْصِ عَلَيْها حَتّى كَأنَّهم يَشْتَهُونَ اِشْتِهاءَها كَما قِيلَ لِمَرِيضٍ: ما تَشْتَهِي؟ فَقالَ: أشْتَهِي أنْ أشْتَهِيَ، أوْ تَنْبِيهًا عَلى خِسَّتِها لِأنَّ الشَّهَواتِ خَسِيسَةٌ عِنْدَ الحُكَماءِ صفحة 99 والعُقَلاءِ فَفي ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنْها وتَرْغِيبٌ فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والمُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى كَما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ الشَّيْطانُ، واَللَّهُ زَيَّنَها لَهم لِأنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا أذَمَّ لَها مِن خالِقِها، وفي «اَلِانْتِصافِ» ((اَلتَّزْيِينُ لِلشَّهَواتِ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ خَلْقُ حُبِّها في القُلُوبِ وهو بِهَذا المَعْنى مُضافٌ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً لِأنَّهُ لا خالِقَ إلّا هُوَ، ويُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الحَضُّ عَلى تَعاطِي الشَّهَواتِ المَحْظُورَةِ فَتَزْيِينُها بِالمَعْنى الثّانِي مُضافٌ إلى الشَّيْطانِ تَنْزِيلًا لِوَسْوَسَتِهِ وتَحْسِينِهِ مَنزِلَةَ الأمْرِ بِها والحَضِّ عَلى تَعاطِيها، وكَلامُ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى التَّزَيُّنِ بِالمَعْنى الثّانِي لا بِالمَعْنى الأوَّلِ فَإنَّهُ يَتَحاشى أنْ يُنْسَبَ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِهِ)) والإسْنادُ في كُلٍّ حَقِيقَةٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، ومَن قالَ: الظّاهِرُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ أقْدِمْنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلَيْكَ، إذْ لا إقْدامَ هُنا بَلْ قُدُومٌ مَحْضٌ، أثْبَتَ لَهُ مُقْدِمًا لِلْمُبالِغَةِ، والمُرادُ أنَّ الشَّهَواتِ زُيِّنَتْ في أعْيُنِهِمْ لِنُقْصانِهِمْ ولا زِينَةَ لَها في الحَقِيقَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُزَيِّنٌ إلّا أنَّهُ أثْبَتَ مُزَيِّنًا مُبالَغَةً في الزِّينَةِ وتَنْزِيلًا لِسَبَبِ الزِّينَةِ مَنزِلَةَ الفاعِلِ فَقَدْ تَعَسَّفَ وتَصَلَّفَ، ومَن قالَ: المُزَيِّنُ في الحَقِيقَةِ هو الشَّيْطانُ لِأنَّ التَّزْيِينَ صِفَةٌ تَقُومُ بِهِ، والقائِلُ بِأنَّهُ هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ الخالِقُ لِلْأفْعالِ والدَّواعِي مُخْطِئٌ في الدَّعْوى وغَيْرُ مُصِيبٍ في الدَّلِيلِ فالمُخْطِئُ اِبْنُ أُخْتِ خالَتِهِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ (زَيَّنَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ (حُبَّ) . ﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ (اَلشَّهَواتِ) وهي مُفَسِّرَةٌ لَها في المَعْنى، وقِيلَ: (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ وقَدَّمَ النِّساءَ لِعَراقَتِهِنَّ في مَعْنى الشَّهْوَةِ وهُنَّ حَبائِلُ الشَّيْطانِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ عَلى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ» ويُقالُ: فِيهِنَّ فِتْنَتانِ قَطْعُ الرَّحِمِ وجَمْعُ المالِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، وثَنّى بِالبَنِينَ لِأنَّهم مِن ثَمَراتِ النِّساءِ في الفِتَنِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ» ويُقالُ فِيهِمْ فِتْنَةٌ واحِدَةٌ وهي جُمَعُ المالِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ البَناتِ لِعَدَمِ الِاطِّرادِ في حُبِّهِنَّ، وقِيلَ: إنَّ البَنِينَ تَشْمَلُهُنَّ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ. ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ جَمْعُ قِنْطارٍ وهو المالُ الكَثِيرُ كَما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ، وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”القِنْطارُ اِثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ“،» وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”القِنْطارُ ألْفَ أُوقِيَّةٍ“،» وفي رِوايَةِ اِبْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: القِنْطارُ ألْفُ دِينارٍ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”القِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَّةٍ ومِائَتا دِينارٍ“،» وعَنْ مُعاذٍ: ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما اِثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ وألْفُ دِينارٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ: ألْفٌ ومِائَتا دِينارٍ، ومِنَ الفِضَّةِ ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ، وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: مَلْءُ جِلْدِ الثَّوْرِ ذَهَبًا، وعَنْ مُجاهِدٍ: سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ، وعَنِ اِبْنِ المُسَيِّبِ: ثَمانُونَ ألْفًا، وعَنْ أبِي صالِحٍ: مِائَةُ رِطْلٍ، وعَنْ قَتادَةَ قالَ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ القِنْطارَ مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ أوْ ثَمانُونَ ألْفًا مِنَ الوَرَقِ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفَ مِثْقالٍ، والمِثْقالُ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا، وقِيلَ: القِنْطارُ عِنْدَ العَرَبِ وزْنٌ لا يُحَدُّ، وقِيلَ: ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِن مالٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ الأوْلى كَما قِيلَ: ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ: ويُحْمَلُ التَّنْصِيصُ عَلى المِقْدارِ المُعَيَّنِ في هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لا التَّخْصِيصِ والكَثْرَةُ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الِاعْتِباراتِ والإضافاتِ. واخْتُلِفَ في وزْنِهِ فَقِيلَ: فِعْلالٌ، وقِيلَ: فِنْعالٌ: فالنُّونُ عَلى الأوَّلِ أصْلِيَّةٌ وعَلى الثّانِي زائِدَةٌ، ولَفْظُ المُقَنْطَرَةِ مَأْخُوذٌ مِنهُ، ومِن عادَةِ العَرَبِ أنْ يَصْفُوا الشَّيْءَ بِما يُشْتَقُّ مِنهُ لِلْمُبالَغَةِ كَظِلٍّ ظَلِيلٍ وهو كَثِيرٌ صفحة 100 فِي وزْنِ فاعِلٍ ويَرِدُ في المَفْعُولِ كَ ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ و﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المُضَعَّفَةُ، وخَصَّها بَعْضُهم بِتِسْعَةِ قَناطِيرَ، وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المُحْكَمَةُ المُحَصَّنَةُ مِن قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ إذا عَقَدْتَهُ وأحْكَمْتَهُ، وقِيلَ: المَضْرُوبَةُ دَنانِيرُ أوْ دَراهِمُ، وقِيلَ: المُنَضَّدَةُ الَّتِي بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ: المَدْفُونَةُ المَكْنُوزَةُ. ﴿مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ بَيانٌ لِلْقَناطِيرِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنها، والذَّهَبُ مُؤَنَّثٌ يُقالُ: هي الذَّهَبُ الحَمْراءُ ولِذَلِكَ يُصَغَّرُ عَلى ذُهَيْبَةٍ، وقالَ الفَرّاءُ: ورُبَّما ذُكِّرَ، ويُقالُ في جَمْعِهِ: أذْهابٌ وذُهُوبٌ وذُهْبانٌ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ في المَعْنى لِذَهَبَةٍ واشْتِقاقُهُ مِنَ الذَّهابِ، والفِضَّةُ تُجْمَعُ عَلى فِضَضٍ واشْتِقاقُهُ مَنِ اِنْفَضَّ الشَّيْءُ إذا تَفَرَّقَ ﴿والخَيْلِ﴾ عَطْفٌ عَلى (اَلنِّساءِ) أوِ (اَلْقَناطِيرِ) لا عَلى (اَلذَّهَبِ والفِضَّةِ) لِأنَّها لا تُسَمّى قِنْطارًا، وواحِدُهُ خائِلٌ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الخُيَلاءِ مِثْلَ طائِرٍ وطَيْرٍ، وقالَ قَوْمٌ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ بَلْ هو اِسْمُ جَمْعٍ واحِدُهُ فَرَسٌ ولَفْظُهُ لَفْظُ المَصْدَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن خَيْلٍ ﴿المُسَوَّمَةِ﴾ أيِ الرّاعِيَةِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ فَهي مِن سَوَّمَ ماشَيْتَهُ إذا أرْسَلَها في المَرْعى، أوِ المُطَهَّمَةِ الحِسانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ فَهي مِنَ السِّيما بِمَعْنى الحُسْنِ، أوِ المُعَلَّمَةِ ذاتِ الغُرَّةِ والتَّحْجِيلِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ فَهي مِنَ السِّمَةِ أوِ السُّومَةِ بِمَعْنى العَلامَةِ. ﴿والأنْعامِ﴾ أيِ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِنُعُومَةِ مَشْيِها ولِينِهِ، والنَّعَمُ مُخْتَصَّةٌ بِالإبِلِ ﴿والحَرْثِ﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ أيِ المَزْرُوعِ سَواءٌ كانَ حُبُوبًا أمْ بَقْلًا أمْ ثَمَرًا. (ذَلِكَ) أيْ ما زُيِّنَ لَهم مِنَ المَذْكُورِ ولِهَذا ذُكِّرَ وأُفْرِدَ اِسْمُ الإشارَةِ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ وإفْرادِهِ وهو ﴿مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ أيّامًا قَلائِلَ ثُمَّ يَزُولُ عَنْ صاحِبِهِ ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ [ 14 ] أيِ المَرْجِعِ الحَسَنِ فالمَآبُ مَفْعَلٌ مِن آبَ يَؤُوبُ أيْ رَجَعَ وأصْلُهُ مَأْوَبٌ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ قَبْلَها ثُمَّ قُلِبَتْ ألِفًا وهو اِسْمُ مَصْدَرٍ ويَقَعُ اِسْمَ مَكانٍ وزَمانٍ والمَصْدَرُ أوْبٌ وإيابٌ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: (حُسْنُ المَآبِ) حُسْنُ المُنْقَلَبِ وهي الجَنَّةُ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ وتَفْخِيمٌ ومَزِيدُ اِعْتِناءٍ بِالتَّرْغِيبِ فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والتَّزْهِيدِ في مَلاذِ الدُّنْيا السَّرِيعَةِ الزَّوالِ، ومِن غَرِيبِ ما اُسْتُنْبِطَ مِنَ الآيَةِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وُجُوبُ الزَّكاةِ في الخَيْلِ السّائِمَةِ لِذِكْرِها مَعَ ما تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ أوِ النَّفَقَةُ، والثّانِي: النِّساءُ والبَنُونَ ولا يَخْفى ما فِيهِ.

آل عمران 3:15

﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ تَقْرِيرٌ وتَثْبِيتٌ لِما فُهِمَ مِمّا قَبْلُ مِن أنَّ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِن مُسْتَلِذّاتِ الدُّنْيا، والمُرادُ مِنَ الإنْباءِ الإخْبارُ و﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ النِّساءِ وما مَعَهُ، والقُرّاءُ فِيما إذا اِجْتَمَعَ هَمْزَتانِ أُولاهُما مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَضْمُومَةٌ كَما هُنا وكَما في سُورَةِ ص [8] ﴿أأُنْزِلَ﴾ وسُورَةِ القَمَرِ [25] ﴿أأُلْقِيَ﴾ عَلى خَمْسِ مَراتِبَ: إحْداها: مَرْتَبَةُ قالُونَ وهي تَسْهِيلُ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ وإدْخالُ ألِفٍ بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ. الثّانِيَةُ: مَرْتَبَةُ ورْشٍ وابْنِ كَثِيرٍ وهي تَسْهِيلُ الثّانِيَةِ أيْضًا بَيْنَ بَيْنَ مِن غَيْرِ إدْخالٍ ألِفٍ بَيْنَهُما. الثّالِثَةُ: مَرْتَبَةُ الكُوفِيِّينَ وابْنِ ذَكْوانَ عَنِ اِبْنِ عامِرٍ وهي تَحْقِيقُ الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ. الرّابِعَةُ: مَرْتَبَةُ هِشامٍ وهي أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: التَّحْقِيقُ وعَدَمُ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، الوَجْهُ الثّانِي: التَّحْقِيقُ وإدْخالُ ألِفٍ بَيْنَهُما في السُّوَرِ الثَّلاثِ، الوَجْهُ الثّالِثُ: صفحة 101 التَّفْرِقَةُ بَيْنَ السُّوَرِ فَيُحِقِّقُ ويُقَصِّرُ هُنا ويَمُدُّ في الأخِيرَتَيْنِ. الخامِسَةُ: مَرْتَبَةُ أبِي عَمْرٍو وهي تَسْهِيلُ الثّانِيَةِ مَعَ إدْخالِ الألِفِ وعَدَمِهِ، والظَّرْفُ الأوَّلُ: مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ، والثّانِي: مُتَعَلِّقٌ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً كَما قالَ أبُو البَقاءِ لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ تَكُونَ الجَنَّةُ وما فِيها مِمّا رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا لَمّا زَهِدُوا عَنْهُ مِنَ الأمْوالِ ونَحْوِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ الخَيْرِ المُبْهَمِ عَلى أنَّ ﴿لِلَّذِينَ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و﴿جَنّاتٌ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، و﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِلِاسْتِقْرارِ وكَوْنُهُ صِفَةً لِلْجَنّاتِ في الأصْلِ قُدِّمَ فانْتَصَبَ حالًا مِنها، وفي ذِكْرِ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ الجَنّاتِ ورِفْعَةِ شَأْنِها، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَّقِينَ إيذانٌ بِمَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ، والمُرادُ مِنهُمُ المُتَبَتِّلُونَ إلَيْهِ تَعالى المُعْرِضُونَ عَمَّنْ سِواهُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ الأوْصافُ الآتِيَةُ وتَعْلِيقُ حُصُولِ الجَنّاتِ وما يَأْتِي بَعْدُ بِهَذا العُنْوانِ لِلتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِهِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِخَيْرٍ أيْضًا أوْ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٍ لَهُ، و(جَنّاتٌ) حِينَئِذٍ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هي جَنّاتٌ والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِ (خَيْرٍ) و(عِنْدَ رَبِّهِمْ) حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالفِعْلِ عَلى مَعْنى ثَبُتَ تَقْواهم عِنْدَهُ شَهادَةً لَهم بِالإخْلاصِ، وجازَ أنْ يُجْعَلَ خَبَرًا مُقَدَّمًا فَلا يَحْتاجُ إلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُقالُ: عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الثَّوابُ ولا يُقالُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الجَنَّةُ، وبِذَلِكَ يُصَرِّحُ كَلامُ السَّعْدِ وغَيْرِهِ وفي النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ، وقُرِئَ (جَنّاتٍ) بِكَسْرِ التّاءِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَجْرُورٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن لَفْظِ خَيْرٍ، وثانِيهُما: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ (أعْنِي مَثَلًا) أوِ البَدَلِيَّةِ مِن مَحَلِّ بِخَيْرٍ. ﴿تَجْرِي﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ أوِ الجَرِّ صِفَةٌ لِجَنّاتٍ عَلى القِراءَتَيْنِ ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ تَقَدَّمَ ما فِيهِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في (لِلَّذِينَ) والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الهاءِ في تَحْتِها أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في اِتَّقَوْا ولا يَخْفى ما فِيهِ. ﴿وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ مُنَزَّهَةٌ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ النِّساءِ خَلْقًا وخُلُقًا، والعَطْفُ عَلى جَنّاتٍ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ وأمّا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ لَهم في الكَلامِ ﴿ورِضْوانٌ﴾ أيْ رِضًا عَظِيمٌ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ التَّنْوِينُ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ وقِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ فَإنَّهُ بِالكَسْرِ بِالِاتِّفاقِ، وقِيلَ: المَكْسُورُ اِسْمٌ والمَضْمُومُ مَصْدَرٌ، وهو قَوْلٌ لا ثَبْتَ لَهُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِرِضْوانٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [ 15 ] أيْ خَبِيرٌ بِهِمْ وبِأحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَيُثِيبُ المُحْسِنَ فَضْلًا ويُعاقِبُ المُسِيءَ عَدْلًا، أوْ خَبِيرٌ بِأحْوالِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا فَلِذَلِكَ أعَدَّ لَهم ما أعَدَّ، فالعِبادُ عَلى الأوَّلِ: عامَّ؛ وعَلى الثّانِي: خاصٌّ. وقَدْ بَدَأ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلًا بِذِكْرِ المَقَرِّ وهو الجَنّاتُ، ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ ما يَحْصُلُ بِهِ الأُنْسُ التّامُّ وهو الأزْواجُ المُطَهَّرَةُ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِذِكْرِ ما هو الإكْسِيرُ الأعْظَمُ والرُّوحُ لِفُؤادِ الوالِهِ المُغْرَمِ وهو رِضا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّهُ سُبْحانَهُ ”يَسْألُ أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ ما لَنا لا نَرْضى يا رَبُّ وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ فَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ ألا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ يا رَبُّ وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا“».

آل عمران 3:16

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ مَن صفحة 102 أُولَئِكَ المُتَّقُونَ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ الخ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، وأنْ يَكُونَ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّهُ تابِعٌ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ نَعْتًا أوْ بَدَلًا، أوِ العِبادُ كَذَلِكَ، واعْتُرِضَ كَوْنُهُ نَعْتًا لِلْعِبادِ بِأنَّ فِيهِ تَخْصِيصَ الإبْصارِ بِبَعْضِ العِبادِ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ التَّخْصِيصَ لا يُوهِمُ الِاخْتِصاصَ لِظُهُورِ الأمْرِ بَلْ يُفِيدُ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ ورِفْعَةِ مَكانِهِمْ، واعْتُرِضَ أيْضًا كَوْنُهُ تابِعًا لِلْمُتَّقِينَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لا سِيَّما إذا جُعِلَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِخَيْرٍ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِهَذا الفَصْلِ كَما لا بَأْسَ بِالفَصْلِ بَيْنَ المَمْدُوحِ والمَدْحِ إذِ الصِّفَةُ المادِحَةُ المَقْطُوعَةُ تابِعَةٌ في المَعْنى ولِهَذا يَلْزَمُ حَذْفُ النّاصِبِ أوِ المُبْتَدَأِ لِئَلّا يَخْرُجُ الكَلامُ عَنْ صُورَةِ التَّبَعِيَّةِ فالفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وسائِرِ التَّوابِعِ في قُبْحِ الفَصْلِ وعَدَمِهِ خَفِيٌّ لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ نَبِيلٍ، وفِيهِ أنَّ قِياسَ التَّبَعِيَّةِ لَفْظًا ومَعْنًى عَلى التَّبَعِيَّةِ مَعْنًى فَقَطْ مِمّا لا يَنْبَغِي مِن جاهِلٍ فَضْلًا عَنْ عالِمٍ فاضِلٍ، والتِزامُ حَذْفِ النّاصِبِ أوِ المُبْتَدَأِ في صُورَةِ القَطْعِ لِلْمَدْحِ أوْ لِلذَّمِّ قَدْ يُقالُ: إنَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الإخْبارِ، والمَقْصُودُ الإنْشاءُ لا لِئَلّا يَخْرُجُ الكَلامُ عَنْ صُورَةِ التَّبَعِيَّةِ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِإظْهارِ أنَّ إيمانَهم ناشِئٌ مِن وُفُورِ الرَّغْبَةِ وكَمالِ النَّشاطِ، وفي تَرْتِيبِ طَلَبِ المَغْفِرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [ 16 ] عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ دَلِيلٌ عَلى كِفايَتِهِ في اِسْتِحْقاقِ المَغْفِرَةِ والوِقايَةِ مِنَ النّارِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى الطّاعاتِ، والمُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ الكَبائِرُ والصَّغائِرُ.

آل عمران 3:17

﴿الصّابِرِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا صِفَةً لِلَّذِينِ إنْ جَعَلْتَهُ في مَوْضِعِ جَرٍّ أوْ نَصْبٍ وإذا جَعَلْتَهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ كانَ هَذا مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والمُرادُ بِالصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والصَّبْرُ عَنْ مَحارِمِهِ قالَهُ قَتادَةُ، وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ يُشْعِرُ بِالعُمُومِ فَيَشْمَلُ الصَّبْرَ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ، ﴿والصّادِقِينَ﴾ في نِيّاتِهِمْ وأقْوالِهِمْ سِرًّا وعَلانِيَةً وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا ﴿والقانِتِينَ﴾ أيِ المُطِيعِينَ قالَهُ اِبْنُ جُبَيْرٍ، أوِ المُداوِمِينَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوِ القائِمَيْنِ بِالواجِباتِ قالَهُ القاضِي، ﴿والمُنْفِقِينَ﴾ مِن أمْوالِهِمْ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى قالَهُ اِبْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [ 17 ] قالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ وغَيْرُهُما: أيِ المُصَلِّينَ بِالأسْحارِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ صَلاةَ الصُّبْحِ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلاةً ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ أسَحَرَنا؟ فَيَقُولُ: لا، فَيُعاوِدُ الصَّلاةَ فَإذا قالَ: نَعَمْ، قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى ويَدْعُو حَتّى يُصْبِحَ، وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «”أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالأسْحارِ سَبْعِينَ اِسْتِغْفارَةً“،» ورَوى الرِّضا عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ مَنِ اِسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعالى في وقْتِ السَّحَرِ سَبْعِينَ مَرَّةً فَهو مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ» والباءُ في بِالأسْحارِ بِمَعْنى فِي، وهي جَمْعُ سَحَرٍ بِفَتْحِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِها سُمِّيَتْ أواخِرَ اللَّيالِي بِذَلِكَ لِما فِيها مِنَ الخَفاءِ كالسَّحَرِ لِلشَّيْءِ الخَفِيِّ، وقالَ بَعْضُهُمِ: السَّحَرُ مِن ثُلْثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ. وتَخْصِيصُ الأسْحارِ بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيها أقْرَبُ إلى الإجابَةِ إذِ العِبادَةُ حِينَئِذٍ أشَقُّ والنَّفْسُ أصْفى والرُّوعُ أجْمَعُ، وفي «اَلصَّحِيحِ»: «”أنَّهُ تَعالى وتَنَزَّهَ عَنْ سِماتِ الحُدُوثِ يَنْزِلُ إلى سَماءِ الدُّنْيا في ثُلْثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبُ لَهُ، مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيهِ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرُ لَهُ، فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَطْلُعَ الفَجْرُ“،» وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وأحْمَدُ عَنْ سَعِيدٍ الجَرِيرِيِّ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ صفحة 103 عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ أيُّ اللَّيْلِ أفْضَلُ قالَ: يا داوُدُ ما أدْرِي سِوى أنَّ العَرْشَ يَهْتَزُّ في السَّحَرِ». وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ إمّا لِأنَّ المَوْصُوفَ بِها مُتَعَدِّدٌ وإمّا لِلدَّلالَةِ عَلى اِسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها وكَمالِهِمْ فِيها، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: لا نَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ في الصِّفَةِ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ رَدَّهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّ عُلَماءَ البَيانِ عَلِمُوهُ وهم هم. * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ السّالِكِينَ إلى مَقْصِدِ الكُلِّ (آيَةٌ) دالَّةٌ عَلى كَمالِكم وبُلُوغِكم إلى ذُرْوَةِ التَّوْحِيدِ ﴿فِي فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ لِلْحَرْبِ (فِئَةٌ) مِنهُما وهي فِئَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي هي جُنْدُ اللَّهِ تَعالى ﴿تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وطَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿وأُخْرى﴾ مِنهُما وهي جُنُودُ النَّفْسِ وأعْوانُ الشَّيْطانِ ﴿كافِرَةٌ﴾ ساتِرَةٌ لِلْحَقِّ مَحْجُوبَةٌ عَنْ حَظائِرِ الصِّدْقِ، تَرى الفِئَةُ الأخِيرَةُ الفِئَةَ الأُولى لِحَوَلِ عَيْنِ بَصِيرَتِها ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ عِنْدَ الِالتِقاءِ في مَعْرَكَةِ البَدَنِ رُؤْيَةً مَكْشُوفَةً ظاهِرَةً لا خَفاءَ فِيها مِثْلَ رُؤْيَةِ العَيْنِ، وذَلِكَ لِتَأْيِيدِ الفِئَةِ المُؤْمِنَةِ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والإشْراقاتِ الجَبَرُوتِيَّةِ، وخِذْلانِ الفِئَةِ الكافِرَةِ بِما اِسْتَوْلى عَلَيْها مِن تَراكُمِ ظُلُماتِ الطَّبِيعَةِ وذُلِّ البُعْدِ عَنِ الحَضْرَةِ ﴿واللَّهُ﴾ تَعالى ﴿يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ تَأْيِيدَهُ لِقَبُولِ اِسْتِعْدادِهِ لِذَلِكَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ التَّأْيِيدِ ﴿لَعِبْرَةً﴾ أيِ اِعْتِبارًا أوْ أمْرًا يُعْتَبَرُ بِهِ في الوُصُولِ إلى حَيْثُ المَأْمُولُ لِلْمُسْتَبْصِرِينَ الفاتِحِينَ أعْيُنَ بَصائِرِهِمْ لِمُشاهَدَةِ الأنْوارِ الأزَلِيَّةِ في آفاقِ المَظاهِرِ الإلَهِيَّةِ. ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ بِسَبَبِ ما فِيهِمْ مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ والغِشاوَةِ الطَّبِيعِيَّةِ والغَواشِي البَدَنِيَّةِ ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ وهي النُّفُوسُ ﴿والبَنِينَ﴾ وهي الخَيالاتُ المُتَوَلِّدَةُ مِنها النّاشِئَةُ عَنْها ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ وهي العُلُومُ المُتَداوَلَةُ وغَيْرُ المُتَداوَلَةِ، أوِ الأُصُولُ والفُرُوعُ ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ وهي مَراكِبُ الهَوى وأفْراسُ اللَّهْوِ ﴿والأنْعامِ﴾ وهي رَواحِلُ جَمْعِ الحُطامِ وأسْبابُ جَلْبِ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿والحَرْثِ﴾ وهو زَرْعُ الحِرْصِ وطُولُ الأمَلِ ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الزّائِلُ عَمّا قَلِيلٍ بِالرُّجُوعِ إلى المَبْدَأِ الأصْلِيِّ والمَوْطِنِ القَدِيمِ. ولَكَ أنْ تُبْقِيَ هَذِهِ المَذْكُوراتِ عَلى ظَواهِرِها فَإنَّ النُّفُوسَ المُنْغَمِسَةَ في أوْحالِ الطَّبِيعَةِ لَها مَيْلٌ كُلِّيٌّ إلى ذَلِكَ أيْضًا ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ المَذْكُورِ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ النَّظَرَ إلى الأغْيارِ ﴿جَنّاتٌ﴾ جَنَّةُ يَقِينٍ وجَنَّةُ مُكاشَفَةٍ وجَنَّةُ مُشاهَدَةٍ وجَنَّةُ رِضًا وجَنَّةٌ لا أقُولُها وهي الَّتِي فِيها ما لا عَيْنَ رَأتْ ولا أُذُنَ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ولَيْسَ في تِلْكَ الجَنَّةِ عِنْدَ العارِفِينَ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أنْهارُ التَّجَلِّياتِ المُتْرَعَةِ بِماءِ الغُيُوبِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ بِبَقائِهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ ﴿وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ وهي الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ عَنْ أدْناسِ الطَّبِيعَةِ المَقْصُورَةِ في خِيامِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ في تَقَلُّبِ أرْواحِهِمْ في عالَمِ المَلَكُوتِ، مُحْتَرِقاتٍ مِن سَطَواتِ أنْوارِ الجَبَرُوتِ حُبًّا لِجِوارِهِ وشَوْقًا إلى لِقائِهِ يُجازِيها بِقَدْرِ هُمُومِها في طَلَبِ وجْهِهِ الأزَلِيِّ وجَمالِهِ الأبَدِيِّ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ بِأنْوارِ أفْعالِكَ وصِفاتِكَ ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ذُنُوبَ وُجُوداتِنا بِذاتِكَ ﴿وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ نارِ الحِرْمانِ ووُجُودِ البَقِيَّةِ ﴿الصّابِرِينَ﴾ عَلى مَضَضِ المُجاهَدَةِ والرِّياضَةِ ﴿والصّادِقِينَ﴾ في المَحَبَّةِ والإرادَةِ ﴿والقانِتِينَ﴾ في السُّلُوكِ إلَيْهِ ﴿والمُنْفِقِينَ﴾ ما عَداهُ فِيهِ ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ﴾ مِن ذُنُوبِ تَلَوُّناتِهِمْ وتَعَيُّناتِهِمْ في أسْحارِ التَّجَلِّياتِ، ويُقالُ: (اَلصّابِرِينَ) الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى الطَّلَبِ ولَمْ يَحْتَشِمُوا مِنَ التَّعَبِ وهَجَرُوا كُلَّ راحَةٍ وطَرَبٍ فَصَبَرُوا عَلى البَلْوى ورَفَضُوا الشَّكْوى حَتّى وصَلُوا إلى المَوْلى ولَمْ يَقْطَعْهم شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا والعُقْبى، (والصّادِقِينَ) الَّذِينَ صَدَقُوا في الطَّلَبِ فَوَرَدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَشَهِدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَوَجَدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَفُقِدُوا، فَحالُهم قَصْدٌ ثُمَّ وُرُودٌ ثُمَّ شُهُودٌ ثُمَّ وُجُودٌ ثُمَّ خُمُودٌ، (والقانِتِينَ) الَّذِينَ لازَمُوا البابَ صفحة 104 وداوَمُوا عَلى تَجَرُّعِ الِاكْتِئابِ وتَرْكِ المَحابِّ إلى أنْ تَحَقَّقُوا بِالِاقْتِرابِ، (والمُنْفِقِينَ) الَّذِينَ جادُوا بِنُفُوسِهِمْ مِن حَيْثُ الأعْمالُ ثُمَّ جادُوا بِمَيْسُورِهِمْ مِنَ الأمْوالِ ثُمَّ جادُوا بِقُلُوبِهِمْ لِصِدْقِ الأحْوالِ ثُمَّ جادُوا بِكُلِّ حَظٍّ لَهم في العاجِلِ والآجِلِ اِسْتِهْلاكًا في أنْوارِ الوِصالِ (والمُسْتَغْفِرِينَ) هُمُ الَّذِينَ يَسْتَغْفِرُونَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ إذا رَجَعُوا إلى الصَّحْوِ وقْتَ نُزُولِ الرَّبِّ إلى السَّماءِ الدُّنْيا وإشْراقِ أنْوارِ جَمالِهِ عَلى آفاقِ النَّفْسِ ونِدائِهِ «هَلْ مِن سائِلٍ هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِن كَذا هَلْ مِن كَذا» ثُمَّ لَمّا مَدَحَ سُبْحانَهُ أحْبابَهُ أرْبابَ الدِّينِ وذَمَّ أعْداءَهُ الكافِرِينَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ الدِّينِ الحَقِّ والعُرْوَةِ الوُثْقى عَلى أتَمِّ وجْهٍ وآكِدِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ:

آل عمران 3:18

﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: «لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ قَدِمَ عَلَيْهِ حَبْرانِ مِن أحْبارِ أهْلِ الشّامِ فَلَمّا أبْصَرا المَدِينَةَ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ما أشْبَهَ هَذِهِ المَدِينَةُ بِصِفَةِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَلَمّا دَخَلا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرَفاهُ بِالصِّفَةِ والنَّعْتِ فَقالا لَهُ: أنْتَ مُحَمَّدٌ؟ قالَ: نَعَمْ، قالا. أنْتَ أحْمَدُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالا: إنّا نَسْألُكَ عَنْ شَهادَةٍ فَإنْ أنْتَ أخْبَرْتَنا بِها آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلانِي، فَقالا لَهُ: أخْبِرْنا عَنْ أعْظَمِ شَهادَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ وأسْلَما»، وقِيلَ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ لَمّا حاجُّوا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ ما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ مِنَ الآثارِ، ويَمِيلُ إلَيْهِ كَلامُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى لَمّا تَرَكُوا اِسْمَ الإسْلامِ وتَسَمَّوْا بِاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا: دِينُنا أفْضَلُ مِن دِينِكَ فَنَزَلَتْ. والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ (شَهِدَ) بِلَفْظِ الماضِي وفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنَّهُ“ عَلى مَعْنى بِأنَّهُ أوْ عَلى أنَّهُ، وقُرِئَ إنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ إمّا بِإجْراءِ (شَهِدَ) مَجْرى قالَ، وإمّا بِجَعْلِ الجُمْلَةِ اِعْتِراضًا وإيقاعِ الفِعْلِ عَلى ﴿إنَّ الدِّينَ﴾ الخ عَلى قِراءَةِ مَن يَفْتَحُ الهَمْزَةَ كَما سَتَراهُ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، وقُرِئَ (شُهَداءَ لِلَّهِ) بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ شَهِيدٍ كَظُرَفاءَ في جَمْعِ ظَرِيفٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ كَشُعَراءَ في جَمْعِ شاعِرٍ، والنَّصْبُ إمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المَذْكُورَيْنِ وإمّا عَلى المَدْحِ، والرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ومَآلُهُ المَدْحُ أيْ هم شُهَداءُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ في الوَجْهَيْنِ مَجْرُورٌ بِاللّامِ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وقُرِئَ (شُهَداءُ اللَّهِ) بِالرَّفْعِ والإضافَةِ. وفي (شَهِدَ) مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى اِسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ سُبْحانَهُ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بَلْ وسائِرِ كِمالاتِهِ بِأفْعالِهِ الخاصَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ وما نَصَّبَهُ مِنَ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ وبِما أوْحى مِن آياتِهِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ كَسُورَةِ الإخْلاصِ وآيَةِ الكُرْسِيِّ وغَيْرِهِما، فَشَبَّهَ سُبْحانِهِ تِلْكَ الدَّلالَةَ الواضِحَةَ بِشَهادَةِ الشّاهِدِ في البَيانِ والكَشْفِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لَفْظُ المُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبِّهِ ثُمَّ سَرَتِ الِاسْتِعارَةُ مِنَ المَصْدَرِ إلى الفِعْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ تَبَعِيٌّ لِما أنَّ البَيانَ لازِمٌ لِلشَّهادَةِ، وقَدْ ذُكِرَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَنِ المَلْزُومِ وأُرِيدَ بِهِ اللّازِمُ، وهَذا الحَمْلُ ضَرُورِيٌّ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ دُونَ القِراءَةِ الشّاذَّةِ. ﴿والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ ولا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن حَمْلِ الشَّهادَةِ عَلى مَعْنًى مَجازِيٍّ شامِلٍ لِما يُسْنَدُ إلى هَذَيْنَ الجَمْعَيْنِ بِطَرِيقِ عُمُومِ المَجازِ أيْ أقَرَّ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ وآمَنَ العُلَماءُ بِهِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ، وبَعْضُهم قَدَّرَ في كُلٍّ مِنَ المَعْطُوفَيْنِ لَفْظَ (شَهِدَ) مُرادًا مِنهُ ما يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِعُمُومِ المَجازِ أوْلى مِنهُ، قِيلَ: والمُرادُ بِأُولُو العِلْمِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، صفحة 105 وقِيلَ: عُلَماءُ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: جَمِيعُ عُلَماءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَرَفُوا وحْدانِيَّتَهُ تَعالى بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ والحُجَجِ الباهِرَةِ، وقَدَّمَ المَلائِكَةَ لِأنَّ فِيهِمْ مَن هو واسِطَةٌ لِإفادَةِ العِلْمِ لِذَوِيهِ، وقِيلَ: لِأنَّ عِلْمَهم كُلَّهُ ضَرُورِيٌّ بِخِلافِ البَشَرِ فَإنَّ عِلْمَهم ضَرُورِيٌّ واكْتِسابِيٌّ، ثُمَّ إنَّ اِرْتِفاعَ هَذَيْنِ المَرْفُوعَيْنِ عَلى ما شَذَّ مِنَ القِراءَةِ عَلى الِابْتِدائِيَّةِ والخَبَرِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، أيْ: والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ شُهَداءُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في شُهَداءَ وصَحَّ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ يُؤَدِّي إلى تَقْيِيدِ حالِ المَذْكُورِينَ بِشَهادَةِ المَلائِكَةِ وأُولُو العِلْمَ ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ كَما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ بَيانٌ لِكَمالِهِ تَعالى في أفْعالِهِ إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ في ذاتِهِ، واَلْقِسْطُ العَدْلُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ مُقِيمًا بِالعَدْلِ، وفي اِنْتِصابِ ﴿قائِمًا﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا لازِمَةً مِن فاعِلِ (شَهِدَ) ويَجُوزُ إفْرادُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالحالِ دُونَ المَعْطُوفِ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ أوْ لَفْظِيَّةٌ، ومِنهُ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ وأُخِّرَتِ الحالُ عَنِ المَعْطُوفَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِما وقُرْبِ مَنزِلَتِهِما، والمُسارَعَةُ إلى إقامَةِ شُهُودِ التَّوْحِيدِ اِعْتِناءً بِشَأْنِهِ ولَعَلَّهُ السِّرُّ في تَقْدِيمِهِ عَلى المَعْطُوفَيْنِ مَعَ الإيذانِ بِأصالَتِهِ تَعالى في الشَّهادَةِ بِهِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وهو وإنْ كانَ مَعْرُوفًا في المَعْرِفَةِ لَكِنَّهُ ثابِتٌ في غَيْرِها أيْضًا. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ وصْفًا لِاسْمِ لا المَبْنِيِّ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّهم إنَّما يَتَّسِعُونَ بِالفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِفاصِلٍ لَيْسَ أجْنَبِيًّا مِن كُلِّ وجْهٍ، والمَعْطُوفُ عَلى فاعِلِ (شَهِدَ) أجْنَبِيٌّ مِمّا هو في صِلَةِ أنَّ لَفْظًا ومَعْنًى، وبِأنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِالحالِ فَيَنْبَغِي عَلى هَذا أنْ يُرْفَعَ حَمْلًا عَلى مَحَلِّ اِسْمِ لا رَفْعًا لِلِالتِباسِ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ العِلْمِ، أيْ: وأُولُو المَعْرِفَةِ قائِمًا بِالقِسْطِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ. الخامِسُ: ولَعَلَّهُ الأوْجَهُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الجُمْلَةِ أيْ تَفَرَّدَ أوْ أحَقَّهُ لِأنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، ولا يَضُرُّ تَخَلُّلُ المَعْطُوفَيْنِ هُنا بِخِلافِهِ في الصِّفَةِ لِأنَّ الحالَ المُؤَكِّدَةَ في هَذا القِسْمِ جارِيَةٌ مَجْرى جُمْلَةٍ مُفَسِّرَةٍ نَوْعَ تَفْسِيرٍ فَناسَبَ أنْ يُقَدَّمَ المَعْطُوفانِ لِأنَّ المَشْهُودَ بِهِ واحِدٌ فَهو نَوْعٌ مِن تَأْكِيدِهِ تُمِّمَ بِالحالِ المُفَسِّرَةِ وعَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِيَّةِ لِلْعِلْمِ لا يَنْدَرِجُ في المَشْهُودِ بِهِ وعَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ يَحْتَمِلُ الِانْدِراجَ وعَدَمَهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ يَنْدَرِجُ لا مَحالَةَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (اَلْقائِمُ بِالقِسْطِ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وكَوْنُهُ بَدَلًا مِن (هُوَ) لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ ( قَيِّمًا بِالقِسْطِ) . ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَعْرِفَةِ أدِلَّتِهِ لِأنَّ تَثْبِيتَ المُدَّعى إنَّما يَكُونُ بِالدَّلِيلِ، والِاعْتِناءُ بِهِ يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ بِأدِلَّتِهِ ولِيَنْبَنِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [ 18 ] فَيُعْلَمُ أنَّهُ المَنعُوتُ بِهِما، وقِيلَ: لا تَكْرارَ لِأنَّ الأوَّلَ شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، والثّانِي شَهادَةُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ، وهو ظاهِرٌ عِنْدَ مَن يَرْفَعُ المَلائِكَةَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، ووَجْهُ التَّرْتِيبِ تَقَدَّمَ العِلْمُ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي يُفْهِمُها (اَلْعَزِيزُ) عَلى العِلْمِ بِحِكْمَتِهِ تَعالى الَّتِي يُؤْذِنُ بِها (اَلْحَكِيمُ) وجَعَلَ بَعْضُهُمُ (اَلْعَزِيزُ) ناظِرًا إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ و(اَلْحَكِيمُ) ناظِرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ ورَفْعُهُما عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوِ البَدَلِيَّةِ مِن (هُوَ) أوِ الوَصْفِيَّةِ لَهُ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ مِن جَوازِ وصْفِ ضَمِيرِ الغائِبِ، وجَعْلُهُما نَعْتًا لِفاعِلِ (شَهِدَ) بَعِيدٌ. وقَدْ رُوِيَ في فَضْلِ الآيَةِ أخْبارٌ؛ أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ مَرْفُوعًا: «”لَمّا نَزَلَتْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾، وآيَةُ الكُرْسِيِّ، و﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾، صفحة 106 و﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلى ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَعَلَّقْنَ بِالعَرْشِ وقُلْنَ: أتُنْزِلُنا عَلى قَوْمٍ يَعْمَلُونَ بِمَعاصِيكَ؟ فَقالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي وارْتِفاعِ مَكانِي لا يَتْلُوكُنَّ عَبْدٌ عِنْدَ دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ إلّا غَفَرْتُ لَهُ ما كانَ فِيهِ وأسْكَنْتُهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ ونَظَرْتُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وقَضَيْتُ لَهُ سَبْعِينَ حاجَةً أدْناها المَغْفِرَةُ“». وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ والخَطِيبُ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ غالِبٍ القَطّانِ قالَ: ««أتَيْتُ الكُوفَةَ فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الأعْمَشِ فَلَمّا كانَ لَيْلَةً أرَدْتُ أنْ أنْحَدِرَ قامَ فَتَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ فَمَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ الخ، فَقالَ: وأنا أشْهَدُ بِما شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وأسْتَوْدِعُ اللَّهَ تَعالى هَذِهِ الشَّهادَةَ وهي لِي ودِيعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى قالَها مِرارًا، فَقُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيها شَيْئًا فَسَألْتُهُ، فَقالَ: حَدَّثَنِي أبُو وائِلِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يُجاءُ بِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ عَهْدًا وأنا أحَقُّ مَن وفى بِالعَهْدِ أدْخِلُوا عَبْدِي الجَنَّةَ“،» ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «أنَّهُ كانَ حَوْلَ المَدِينَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ خَرَرْنَ سُجَّدًا لِلْكَعْبَةِ».

آل عمران 3:19

﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ وقَعَتْ تَأْكِيدًا لِلْأُولى، وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ لِلْحَصْرِ أيْ لا دِينَ مَرْضِيَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى سِوى الإسْلامِ وهو عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ «شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَعالى والإقْرارُ بِما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وهو دِينُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي شَرَعَ لِنَفْسِهِ وبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ أوْلِياؤُهُ لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ ولا يُجْزى إلّا بِهِ». ورَوى عَلِيُّ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في خُطْبَةٍ لَهُ لَأنْسُبَنَّ الإسْلامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْها أحَدٌ قَبْلِي، الإسْلامُ هو التَّسْلِيمُ، والتَّسْلِيمُ هو اليَقِينُ، واليَقِينُ هو التَّصْدِيقُ، والتَّصْدِيقُ هو الإقْرارُ، والإقْرارُ هو الأداءُ، والأداءُ هو العَمَلُ، ثُمَّ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ أخَذَ دِينَهُ عَنْ رَبِّهِ ولَمْ يَأْخُذْهُ عَنْ رَأْيِهِ إنَّ المُؤْمِنَ مَن يُعْرَفُ إيمانُهُ في عَمَلِهِ وإنَّ الكافِرَ يُعْرَفُ كُفْرُهُ بِإنْكارِهِ أيُّها النّاسُ دِينَكم دِينَكم فَإنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الحَسَنَةِ في غَيْرِهِ إنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ تُغْفَرُ وإنَّ الحَسَنَةَ في غَيْرِهِ لا تُقْبَلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ (إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ لَلْإسْلامُ)، والكِسائِيُّ (أنَّ الدِّينَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ إنْ فُسِّرَ الإسْلامُ بِالإيمانِ وأُرِيدَ بِهِ الإقْرارُ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى والتَّصْدِيقُ بِها الَّذِي هو الجُزْءُ الأعْظَمُ وكَذا إنْ فُسِّرَ بِالتَّصْدِيقِ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِمّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لِأنَّ ذَلِكَ عَيْنُ الشَّهادَةِ بِما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُها فَهي عَيْنُهُ مَآلًا، وأمّا إذا فُسِّرَ بِالشَّرِيعَةِ فالبَدَلُ بَدَلُ اِشْتِمالٍ لِأنَّ الشَّرِيعَةَ شامِلَةٌ لِلْإيمانِ والإقْرارِ بِالوَحْدانِيَّةِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِعِلْمِ الأحْكامِ وادَّعى أوْلَوِيَّةَ هَذا الشَّقِّ نَظَرًا لِسِياقِ الكَلامِ مُسْتَدِلًّا بِأنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ عِلْمُ الأُصُولِ بِالعِنْدِيَّةِ لِأنَّها أُمُورٌ بِحَسَبِ نَفْسِ الأمْرِ لا تَدُورُ عَلى الِاعْتِبارِ ولِهَذا تَتَّحِدُ فِيها الأدْيانُ الحَقَّةُ كُلُّها، وقُيِّدَ كَوْنُ الدِّينِ الإسْلامَ بِالعِنْدِيَّةِ لِأنَّ الشَّرائِعَ دائِرَةٌ عَلى اِعْتِبارِ الشّارِعِ ولِهَذا تُغَيَّرُ وتُبَدَّلُ بِحَسَبَ المَصالِحِ والأوْقاتِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، أوْ عَلى أنْ (شَهِدَ) واقِعٌ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ قِراءَةِ (إنَّهُ) بِالكَسْرِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، و(عِنْدَ) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ الثُّبُوتُ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ الجُمْلَةُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ خاصٍّ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ يُقَدَّرُ مَعْرِفَةً وقَعَ صِفَةً لِلدِّينِ أيْ إنَّ الدِّينَ المَرْضِيَّ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا في الدِّينِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ هَذا الحُكْمُ ثابِتٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأرى الكُلَّ لَيْسَ بِشَيْءٍ أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ خِلافَ القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ في الظُّرُوفِ إذا وقَعَتْ بَعْدَ النَّكِراتِ، وأمّا الثّانِي: صفحة 107 فَلِأنَّ المَشْهُورَ أنْ (إنَّ) لا تَعْمَلُ في الحالِ، وأمّا الثّالِثُ: فَلِأنَّهُ لا وجْهَ لِلتَّعَلُّقِ بِلَفْظِ (اَلدِّينِ) إلّا أنْ يُكْتَفى بِأنَّهُ في الأصْلِ بِمَعْنى الجَزاءِ، وأمّا الرّابِعُ: فَلِأنَّ التَّكَلُّفَ فِيهِ المُسْتَغْنى عَنْهُ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، هَذا وقَدِ اُخْتُلِفَ في إطْلاقِ الإسْلامِ عَلى غَيْرِ ما جاءَ بِهِ نَبِيُّنا ﷺ، والأكْثَرُونَ عَلى الإطْلاقِ وأظُنُّ أنَّهُ بَعْدَ تَحْرِيرِ النِّزاعِ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ اِخْتِلافٌ. ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ واخْتَلَفُوا فِيما عَهِدَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ، قالَ: «إنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما حَضَرَهُ المَوْتُ دَعا سَبْعِينَ حَبْرًا مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ فاسْتَوْدَعَهُمُ التَّوْراةَ وجَعَلَهم أُمَناءَ عَلَيْها واسْتَخْلَفَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ فَلَمّا مَضى القَرْنُ الأوَّلُ والثّانِي والثّالِثُ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَهم وهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن أبْناءِ السَّبْعِينَ حَتّى أهَراقُوا بَيْنَهُمُ الدِّماءَ ووَقَعَ الشَّرُّ طَلَبًا لِسُلْطانِ الدُّنْيا ومُلْكِها وخَزائِنِها وزُخْرُفِها فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ جَبابِرَتَهُمْ»، وقِيلَ: النَّصارى واخْتَلَفُوا في التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ اليَهُودُ والنَّصارى، وبِالكِتابِ الجِنْسُ، واخْتَلَفُوا في التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: في نُبُوَّتِهِ ﷺ، وقِيلَ: في الإيمانِ بِالأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ ما يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ، واَلَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ الإسْلامُ كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ زِيادَةُ تَقْبِيحٍ لَهم فَإنَّ الِاخْتِلافَ بَعْدَ إتْيانِ الكِتابِ أقْبَحُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ زِيادَةٌ أُخْرى فَإنَّ الِاخْتِلافَ بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ أزِيدُ في القَباحَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوْ أعَمِّ الأوْقاتِ، والمُرادُ مِن مَجِيءِ العِلْمِ التَّمَكُّنُ مِنهُ لِسُطُوعِ بَراهِينِهِ، أوِ المُرادُ مِنهُ حُصُولُ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ لَهم بِالفِعْلِ ولَمْ يَقُلْ عَلِمُوا مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ إشارَةً إلى أنَّهُ عِلْمٌ بِسَبَبِ الوَحْيِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ زِيادَةُ تَشْنِيعٍ، والِاسْمُ المَنصُوبُ مَفْعُولٌ لَهُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (ما) و(إلّا) مِن ثُبُوتِ الِاخْتِلافِ بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ كَما تَقُولُ ما ضَرَبْتُ إلّا اِبْنِي تَأْدِيبًا، فَلا دَلالَةَ لِلْكَلامِ عَلى حَصْرِ الباعِثِ، وادَّعاهُ بَعْضُهم أيْ إنَّ الباعِثَ لَهم عَلى الِاخْتِلافِ هو البَغْيُ والحَسَدُ لا الشُّبْهَةُ وخَفاءُ الأمْرِ، ولَعَلَّ اِنْفِهامُ ذَلِكَ مِنَ المَقامِ أوْ مِنَ الكَلامِ بِناءً عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ أيْ ما اِخْتَلَفُوا في وقْتٍ لِغَرَضٍ إلّا بَعْدَ العِلْمِ لِغَرَضِ البَغِيِّ، كَما تَقُولُ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا أيْ ما ضَرَبَ أحَدٌ أحَدًا إلّا زِيدٌ عَمْرًا. ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِها حُجَجَهُ، وقِيلَ: التَّوْراةُ، وقِيلَ: هي والإنْجِيلُ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: آياتُهُ النّاطِقَةُ بِأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، والظّاهِرُ العُمُومُ أيْ أيَّةُ آيَةٍ كانَتْ، والمُرادُ بِمَن أيْضًا أعَمُّ مِنَ المُخْتَلِفِينَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، ولَكَ أنْ تَخُصَّهُ بِهِمْ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [ 19 ] قائِمٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ عِلَّةً لَهُ، أيْ: ومَن يَكْفُرْ يُعاقِبْهُ اللَّهُ تَعالى ويُجازِهِ عَنْ قَرِيبٍ، فَإنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ يَأْتِي حِسابُهُ عَنْ قَرِيبٍ أوْ يَتِمُّ ذَلِكَ بِسُرْعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ سُرْعَةَ الحِسابِ تَقْتَضِي إحاطَةَ العِلْمِ والقُدْرَةِ فَتُفِيدُ الجُمْلَةُ الوَعِيدَ، وبِاعْتِبارِهِ يَنْتَظِمُ الشَّرْطُ والجَزاءُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرٍ، ولَعَلَّهُ أوْلى وأدَقُّ نَظَرًا. وفي إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ تَرْبِيَةٌ لِلْمَهابَةِ وإدْخالُ الرَّوْعَةِ، وفي تَرْتِيبِ العِقابِ عَلى مُطْلَقِ الكُفْرِ إثْرَ بَيانِ حالِ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ إيذانٌ بِشِدَّةِ عِقابِهِمْ.

آل عمران 3:20

﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ أيْ جادَلُوكَ في الدِّينِ بَعْدَ أنْ أقَمْتَ الحُجَجَ، والضَّمِيرَ لِلَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لِجَمِيعِ النّاسِ، وقِيلَ: وفْدُ نَصارى نَجْرانَ؛ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ أيْ أخْلَصْتُ صفحة 108 وخَضَعْتُ بِقَلْبِي وقالَبِي لِلَّهِ لا أُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الجِدالَ مَعَهم لَيْسَ في مَوْقِعِهِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ في أمْرٍ خَفِيٍّ واَلَّذِي جادَلُوا بِهِ أمْرٌ مَكْشُوفٌ، وحُكْمُ حالِهِ مَعْرُوفٌ وهو الدِّينُ القَوِيمُ فَلا تَكُونُ المُحاجَّةُ والمُجادَلَةُ إلّا مُكابَرَةً، وحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا القَوْلُ إعْراضًا عَنْ مُجادَلَتِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحاجَّةٌ وبَيانُهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الصّانِعِ وكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا القَوْلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الكُلِّ فَأنا مُسْتَمْسِكٌ بِهَذا القَدْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وداعِي الخَلْقِ إلَيْهِ، وإنَّما الخِلافُ في أُمُورٍ وراءَ ذَلِكَ فاليَهُودُ يَدْعُونَ التَّشْبِيهَ والجِسْمِيَّةَ، والنَّصارى يَدْعُونَ إلَهِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمُشْرِكُونَ يَدْعُونَ وُجُوبَ عِبادَةِ الأوْثانِ فَهَؤُلاءِ هُمُ المُدَّعُونَ فَعَلَيْهِمُ الإثْباتَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ الآيَةَ في هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ نازَعُوكَ يا مُحَمَّدُ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ فَقُلْ: أنا مُتَمَسِّكٌ بِطَرِيقِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ كانَ مُحِقًّا في قَوْلِهِ صادِقًا في دِينِهِ فَيَكُونُ مِن بابِ التَّمَسُّكِ بِالإلْزاماتِ وداخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ولَعَلَّ القَوْلَ بِالإعْراضِ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى سُوءِ حالِهِمْ وحَطِّ مِقْدارِهِمْ، وعَبَّرَ عَنِ الجُمْلَةِ -بِالوَجْهِ- لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ ومَظْهَرُ القُوى والمَشاعِرِ ومَجْمَعُ مُعْظَمِ ما يَقَعُ بِهِ العِبادَةُ وبِهِ يَحْصُلُ التَّوَجُّهُ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وفَتَحَ الياءَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وسَكَّنَها الباقُونَ. ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في ﴿أسْلَمْتُ﴾ وحَسُنَ لِلْفَصْلِ، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وأُورِدُ عَلَيْهِما أنَّهُما يَقْتَضِيانِ اِشْتِراكَهم مَعَهُ ﷺ في إسْلامِ وجْهِهِ ولَيْسَ المَعْنى: أسْلَمْتُ وجْهِي وهم أسْلَمُوا وُجُوهَهم إذْ لا يَصِحُّ -أكَلْتُ رَغِيفًا وزَيْدًا، وقَدْ أكَلَ كُلٌّ مِنهُما رَغِيفًا، فالواجِبُ أنْ يَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومَنِ اِتَّبَعَنِ كَذَلِكَ، أوْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الجَلالَةِ وإسْلامِهِ ﷺ لِمَنِ اِتَّبَعَهُ بِالحِفْظِ والنَّصِيحَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ فَهْمَ المَعْنى وعَدَمَ الإلْباسِ يُسَوِّغُ كِلا الأمْرَيْنِ ويَسْتَغْنِي بِذَلِكَ عَنْ مَئُونَةِ الحَذْفِ وتَكَلُّفِ خِلافِ الظّاهِرِ جِدًّا، وأثْبَتَ الياءَ في (اِتَّبَعَنِي) عَلى الأصْلِ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ، وحَذَفَها الباقُونَ، وحَذْفُها أحْسَنُ لِمُوافَقَةِ خَطِّ المُصْحَفِ، وقَدْ جاءَ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا كَقَوْلِ الأعْشى: فَهَلْ يَمْنَعُنِي اِرْتِيادِي البِلا دَ مِن حَذَرَ المَوْتِ أنْ (يَأْتِينِ) ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، والمَعْنى فَإنْ حاجَّكَ أهْلُ الكِتابِ فَقابِلْهم بِذَلِكَ فَإنْ أجْدى فَعَمِّمِ الدَّعْوَةَ وقُلْ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ مُتَّبِعِينَ لِي كَما فَعَلَ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهُ قَدْ جاءَكم مِنَ الآياتِ ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ أمْ أنْتُمْ عَلى كُفْرِكم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وإصْرارِكم عَلى العِنادِ، وهَذا كَما تَقُولُ -إذا لَخَّصْتَ لِسائِلٍ مَسْألَةً ولَمْ تَدَعْ مِن طُرُقِ البَيانِ مَسْلَكًا إلّا سَلَكْتَهُ -فَهَلْ فَهِمْتَها؟ عَلى طُرُزِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ إثْرَ تَفْصِيلِ الصَّوارِفِ عَنْ تَعاطِي ما حُرِّمَ تَعاطِيهِ، وفي ذَلِكَ تَعْيِيرٌ لَهم بِالمُعانِدَةِ وقِلَّةِ الإنْصافِ وتَوْبِيخٌ بِالبَلادَةِ وجُمُودِ القَرِيحَةِ، والكَثِيرُونَ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ وفي ضِمْنِهِ الأمْرُ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِرِعايَةِ التَّقابُلِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، والمُرادُ مِنَ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. ﴿فَإنْ أسْلَمُوا﴾ أيِ اِتَّصَفُوا بِالإسْلامِ والدِّينِ الحَقِّ ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى الخُرُوجِ أيِ اِهْتَدَوْا خارِجِينَ مِنَ الضَّلالِ كَذا قِيلَ، وبَعْضٌ يُفَسِّرُ الِاهْتِداءَ بِاللّازِمِ وهو النَّفْعُ أيْ فَقَدْ نَفَعُوا أنْفُسَهم قالُوا: وسَبَبُ صفحة 109 إخْراجِهِ عَنْ ظاهِرِهِ أنَّ الإسْلامَ عَيْنُ الِاهْتِداءِ فَإنْ فُسِّرَ عَلى الأصْلِ اِتَّحَدَ الشَّرْطُ والجَزاءُ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ. ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ ولَمْ يَقْبَلُوا ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ قائِمٌ مَقامَ الجَوابِ، أيْ لا يَضُرُّكَ شَيْئًا إذْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ أدَّيْتَهُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ وأبْلَغِهِ، وهَذا قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ فَهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [ 20 ] تَذْيِيلٌ فِيهِ وعْدٌ عَلى الإسْلامِ ووَعِيدٌ عَلى التَّوَلِّي عَنْهُ.

آل عمران 3:21

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيَّةِ آيَةٍ كانَتْ، ويَدْخُلُ فِيهِمُ الكافِرُونَ بِالآياتِ النّاطِقَةِ بِحَقِّيَّةِ الإسْلامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ ﷺ إذْ لا مَعْنى لِإنْذارِ الماضِينَ، قالَ القُطْبُ: وإسْنادُ القَتْلِ إلَيْهِمْ ولَمْ يَصْدُرْ مِنهم قَتْلٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَمّا كانَتْ طَرِيقَةَ أسْلافِهِمْ صَحَّتْ إضافَتُها إلَيْهِمْ إذْ صُنْعُ الأبِ قَدْ يُضافُ إلى الِابْنِ لا سِيَّما إذا كانَ راضِيًا بِهِ، الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن شَأْنِهِمُ القَتْلُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مانِعٌ، والتَّقْيِيدُ بِغَيْرِ حَقٍّ لِما تَقَدَّمَ، وتُرِكَتْ ألْ هُنا دُونَ ما سَبَقَ لِتَفاوُتِ مَخْرَجِ الجُمْلَتَيْنِ وقَدْ مَرَّ ما يَنْفَعُكَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَتَذَكَّرْ، وقَرَأ الحَسَنُ (يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ). ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ الفِعْلِ لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ القَتْلَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ أوْ بِاخْتِلافِهِما في الوَقْتِ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ”أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ؟ قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ ﷺ: يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا أوَّلَ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ وسَبْعُونَ رَجُلًا مِن عِبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى“،» وقَرَأ حَمْزَةُ (ويُقاتِلُونَ الَّذِينَ) وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (وقاتَلُوا) وقَرَأ أُبَيٌّ (ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ) . ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ خَبَرُ (إنَّ) [ 21 ] ودَخَلَتِ الفاءُ فِيهِ لِتَضَمُّنِ الِاسْمِ مَعْنى الشَّرْطِ ولا يَمْنَعُ النّاسِخُ الَّذِي لَمْ يُغَيِّرْ مَعْنى الِابْتِداءِ مِنَ الدُّخُولِ ومَتى غَيَّرَ كَ لِيتَ ولَعَلَّ اِمْتَنَعَ ذَلِكَ إجْماعًا، وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ يَمْنَعانِهِ عِنْدَ النُّسَخِ مُطْلَقًا فالخَبَرُ عِنْدَهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ .

آل عمران 3:22

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ وجُمْلَةُ ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بِالفاءِ كَما في قَوْلِكَ: زِيدٌ فافْهَمْ رَجُلٌ صالِحٌ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ في قَوْلِهِ: فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلَّ ما قُدِرا ومَن لَمْ يَفْهَمْ هَذا قالَ: إنَّ الفاءَ جَزائِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ، والتَّقْدِيرُ زَيْدٌ رَجُلٌ صالِحٌ؛ وإذا قُلْنا لَكَ ذَلِكَ فافْهَمْ وعَلى الأوَّلِ هو اِسْتِئْنافٌ، و﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وما فِيهِ مِنَ البُعْدِ عَلى المَشْهُورِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في فَظاعَةِ الحالِ، والمَوْصُولُ خَبَرُهُ أيْ أُولَئِكَ المُتَّصِفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ الَّذِينَ بَطَلَتْ أعْمالُهم وسَقَطَتْ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ وخَلَتْ عَنِ الثَّمَرَةِ في الدُّنْيا حَيْثُ لَمْ تُحْقَنُ دِماؤُهم وأمْوالُهم ولَمْ يَسْتَحِقُّوا بِها مَدْحًا وثَناءً وفي الآخِرَةِ حَيْثُ لَمْ تَدْفَعْ عَنْهُمُ العَذابَ ولَمْ يَنالُوا بِسَبَبِها الثَّوابَ، وهَذا شامِلٌ لِلْأعْمالِ المُتَوَقِّفَةِ عَلى النِّيَّةِ ولِغَيْرِها. ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ العَمَلَ الغَيْرَ المُتَوَقِّفِ عَلى النِّيَّةِ كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ يَنْتَفِعُ بِهِ الكافِرُ في الآخِرَةِ ولا يَحْبِطُ بِالكُفْرِ، فالمُرادُ بِالأعْمالِ هُنا ما كانَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، وإنْ أُرِيدَ ما يَشْمَلُ القِسْمَيْنِ اُلْتُزِمَ كَوْنُ هَذا صفحة 110 الحُكْمِ مَخْصُوصًا بِطائِفَةٍ مِنَ الكُفّارِ وهُمُ المَوْصُوفُونَ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ وفِيهِ تَأمُّلٌ. ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [ 22 ] يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ في أحَدِ الدّارَيْنِ، وجُمِعَ النّاصِرُ لِرِعايَةِ ما وقَعَ في مُقابَلَتِهِ لا لِنَفْيِ تَعَدُّدِ الأنْصارِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم وقَدْ يُدَّعى أنَّ مَجِيءَ الجَمْعِ هُنا أحْسَنُ مِن مَجِيءِ المُفْرَدِ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، والمُرادُ مِنَ اِنْتِفاءِ النّاصِرِينَ اِنْتِفاءُ ما يَتَرَتَّبُ عَلى النَّصْرِ مِنَ المَنافِعِ والفَوائِدِ وإذا اِنْتَفَتْ مِن جَمْعٍ فانْتِفاؤُها مِن واحِدٍ أوْلى، ثُمَّ إنَّ هَذا الحُكْمَ وإنْ كانَ عامًّا لِسائِرِ الكُفّارِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ إلّا أنَّ لَهُ هُنا مَوْقِعًا حَيْثُ إنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ وُصِفُوا بِأنَّهم يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ وهم ناصِرُو الحَقِّ، عَلى ما أشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ، ولا يُوجَدُ فِيهِمْ ناصِرٌ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ قَتْلِ أُولَئِكَ الكِرامِ فَقُوبِلُوا لِذَلِكَ بِعَذابٍ لا ناصِرَ لَهم مِنهُ ولا مُعْيِنَ لَهم فِيهِ. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ في الآيَةِ مُقابَلَةَ ثَلاثَةِ أشْياءَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ؛ الكُفْرِ بِالعَذابِ، وقَتْلِ الأنْبِياءِ بِحَبْطِ الأعْمالِ، وقَتْلِ الآمِرِينَ [بِالقِسْطِ] بِانْتِفاءِ النّاصِرِ وهو كَما تَرى.

آل عمران 3:23

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ تَعْجِيبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِن حالِ أهْلِ الكِتابِ وأنَّهم إذا عَضَّتْهُمُ الحُجَّةُ فَرُّوا إلى الضَّجَّةِ وأعْرَضُوا عَنِ المَحَجَّةِ، وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن أنَّ الِاخْتِلافَ إنَّما كانَ بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَنْوِيرٌ لِنَفِيَ النّاصِرِ لَهم حَيْثُ يَصِيرُونَ مَغْلُوبِينَ عِنْدَ تَحْكِيمِ كِتابِهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ اليَهُودُ، وبِالنَّصِيبِ الحَظُّ، و(مِن) إمّا لِلتَّبْعِيضِ وإمّا لِلْبَيانِ عَلى مَعْنى (نَصِيبًا) هو الكِتابُ، أوْ نَصِيبًا مِنهُ لِأنَّ الوُصُولَ إلى كُنْهِ كَلامِهِ تَعالى مُتَعَذِّرٌ فَإنْ جُعِلَ بَيانًا كانَ المُرادُ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِمْ وإنْ جُعِلَ تَبْعِيضًا كانَ المُرادُ هِدايَتَهم إلى فَهْمِ ما فِيهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ اللّامُ في (اَلْكِتابِ) لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ التَّوْراةُ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ - والتَّنْوِينُ لِلتَّكْثِيرِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ في (اَلْكِتابِ) لِلْعَهْدِ والمُرادُ بِهِ اللَّوْحُ، وأنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ؛ وعَلَيْهِ -اَلنَّصِيبُ- التَّوْراةُ، و(مِن) لِلِابْتِداءِ في الأوَّلِ ويَحْتَمِلُها، والتَّبْعِيضُ في الثّانِي، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ أيْضًا كَذَلِكَ، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرٍ أنْ يُرادَ -بِالنَّصِيبِ- ما حَصَلَ لَهم مِنَ العِلْمِ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ مَقامُ المُبالِغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ تَعْيِيرَهم بِتَمَرُّدِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ بِالنَّصِيبِ الحَقِيرِ عَنْ مُتابَعَةِ مَن لَهُ عِلْمٌ لا يُوازِنُهُ عُلُومُ المُرْسَلِينَ كُلِّهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَمّا أُوتُوهُ بِالنَّصِيبِ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ اِخْتِصاصِهِ بِهِمْ وكَوْنِهِ حَقًّا مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والعَمَلُ بِمُوجِبِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَحَلِّ التَّعْجِيبِ، وإمّا حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، والمُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ التَّوْراةُ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإيجابِ الإجابَةِ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ المُراجَعَةِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وغَيْرُهُ. وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ إسْحَقَ وجَماعَةٌ عَنْهُ قالَ: «”دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ المِدْراسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ فَدَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو والحَرَثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ، قالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَهَلُمّا إلى التَّوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ، فَأبَيا عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ“». وفي «اَلْبَحْرِ»: «”زَنى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِاِمْرَأةٍ ولَمْ يَكُنْ بَعْدُ في دِينِنا الرَّجْمُ فَتَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَخْفِيفًا عَلى الزّانِيَيْنِ لِشَرَفِهِما، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّما صفحة 111 أحْكَمُ بِكِتابِكم فَأنْكَرُوا الرَّجْمَ فَجِيءَ بِالتَّوْراةِ فَوَضَعَ حَبْرَهُمُ اِبْنُ صُورِيّا يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: جاوَزَها يا رَسُولَ اللَّهِ فَأظْهَرَها فَرُجِما فَغَضِبَتِ اليَهُودُ فَنَزَلَتْ“». وهُوَ المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ - وحُكِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا - وذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ إلى أنَّ المُرادَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى القُرْآنُ دَعَوْا إلَيْهِ لِأنَّ ما فِيهِ مُوافِقٌ لِما في التَّوْراةِ مِن أُصُولِ الدِّيانَةِ وأرْكانِ الشَّرِيعَةِ والصِّفَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتِ البِشارَةُ بِها أوْ لِأنَّهم لا يَشُكُّونَ في أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلُ عَلى خاتَمِ رُسُلِهِ. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ قِيلَ: أيْ لِيَفْصِلَ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ بَيْنَ الَّذِينَ أُوتُوا -وهُمُ اليَهُودُ - وبَيْنَ الدّاعِي لَهم - وهو النَّبِيُّ ﷺ في أمْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ في حُكْمِ الرَّجْمِ، أوْ في شَأْنِ الإسْلامِ، أوْ بَيْنَ مَن أسْلَمَ مِنهم ومَن لَمْ يُسْلِمْ حَيْثُ وقَعَ بَيْنَهُمُ اِخْتِلافٌ في الدِّينِ الحَقِّ، وعَلى هَذا -وهُوَ المَرْضِيُّ عِنْدَ البَعْضِ وإنْ لَمْ يُوافِقْ سَبَبَ النُّزُولِ- ورُبَّما أُحْوِجَ إلى اِرْتِكابِ مَجازٍ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الدّاعِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وقُرِئَ (لِيُحْكَمَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى أبِي حَنِيفَةَ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (يُدْعَوْنَ)، و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، وفِيهِ اِسْتِبْعادُ تَوَلِّيهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، و﴿مِنهُمْ﴾ صِفَةٌ لِفَرِيقٍ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهَذا الفَرِيقِ أكْثَرُهم عِلْمًا لِيُعْلَمَ تَوَلِّي سائِرِهِمْ مِن بابِ الأوْلى، قِيلَ: وهَذا سَبَبُ العُدُولِ عَنْ -ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ- وقِيلَ: الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا، ووَجْهُ العُدُولِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، فَتَدَبَّرْ. ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ [ 23 ] جُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً مَعْطُوفَةً عَلى الصِّفَةِ قَبْلَها فالواوُ لِلْعَطْفِ، وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مِنهُمْ) أوْ مِن (فَرِيقٌ) لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ، فالواوُ حِينَئِذٍ لِلْحالِ وهي إمّا مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ التَّوَلِّيَ والإعْراضَ بِمَعْنًى، وإمّا مُبَيِّنَةٌ لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْهِما بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الدّاعِي والإعْراضَ عَنِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ أوِ التَّوَلِّيَ بِالبَدَنِ والإعْراضَ بِالقَلْبِ، أوِ الأوَّلُ كانَ مِنَ العُلَماءِ، والثّانِي مِن أتْباعِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ لَها مَحَلٍّ مِنَ الإعْرابِ بِأنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا أوْ مُعْتَرِضَةً، والمُرادُ وهم قَوْمٌ دَيْدَنُهُمِ الإعْراضُ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الجُمْلَةَ بِهَذا مَعَ اِعْتِبارِ الحالِيَّةِ ولَعَلَّهُ رَأى أنَّهُ لا يُمْنَعُ عَنْها.

آل عمران 3:24

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ وهو مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ أيْ حاصِلٌ لَهم بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي رَسَخَ اِعْتِقادُهم لَهُ وهَوَّنُوا بِهِ الخُطُوبَ ولَمْ يُبالُوا مَعَهُ بِارْتِكابِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، والمُرادُ بِالأيّامِ المَعْدُوداتِ أيّامُ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وجاءَ هُنا ﴿مَعْدُوداتٍ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ دُونَ ما في البَقَرَةِ [80] فَإنَّهُ ﴿مَعْدُودَةً﴾ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ تَفَنُّنًا في التَّعْبِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ لِغَيْرِ العاقِلِ يَجُوزُ أنْ يُعامَلَ مُعامَلَةَ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ تارَةً ومُعامَلَةَ جَمْعِ الإناثِ أُخْرى، فَيُقالُ: هَذِهِ جِبالٌ راسِيَةٌ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: راسِياتٌ، وجِمالٌ ماشِيَةٌ وإنْ شِئْتَ: ماشِياتٌ، وخُصَّ الجَمْعُ هُنا لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القِلَّةِ كَمَوْصُوفِهِ وذَلِكَ ألْيَقُ بِمَقامِ التَّعْجِيبِ والتَّشْنِيعِ. ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ﴾ أيْ أطْمَعَهم في غَيْرِ مَطْمَعٍ وخَدَعَهم ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [ 24 ] أيِ اِفْتِراؤُهم وكَذِبُهم أوِ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ الخ، قالَهُ مُجاهِدٌ أوْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ مِمّا يَشْمَلُ ذَلِكَ ونَحْوَهُ مِن قَوْلِهِمْ: «إنَّ آباءَنا الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَنا وإنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ يَعْقُوبَ أنْ لا يُعَذِّبَ أبْناءَهُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِ (يَفْتَرُونَ) واعْتَرَضَهُ الخَطِيبُ بِأنَّ ما بَعْدَ المَوْصُولِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ؛ وأُجِيبَ بِالتَّوَسُّعِ.

آل عمران 3:25

﴿فَكَيْفَ﴾ اِسْتِعْظامٌ وتَهْوِيلٌ وهَدْمٌ لِما اِسْتَنَدُوا إلَيْهِ، وكَلِمَةُ الِاسْتِفْهامِ صفحة 112 فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ أيْ كَيْفَ تَكُونُ حالُهم أوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ أوْ كَيْفَ يَكُونُونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ كَيْفَ حالُهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جَمَعْناهُمْ﴾ ظَرْفٌ مَحْضٌ مِن غَيْرِ تَضْمِينِ شَرْطٍ والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في (كَيْفَ) إنْ قُدِّرَ أنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ كانَ العامِلُ في (إذا) ذَلِكَ المُقَدَّرَ، أيْ كَيْفَ حالُهم في وقْتِ جَمْعِهِمْ ﴿لِيَوْمٍ﴾ أيْ في يَوْمٍ أوْ لِجَزاءِ يَوْمٍ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ في وُقُوعِهِ ووُقُوعِ ما فِيهِ، رُوِيَ أنَّهُ أوَّلُ رايَةٍ تُرْفَعُ لِأهْلِ المَوْقِفِ مِن راياتِ الكُفّارِ رايَةُ اليَهُودِ فَيَفْضَحُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِمْ إلى النّارِ. ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أيْ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والمُرادُ جَزاءُ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ المَكْسُوبُ مَقامَ جَزائِهِ إيذانًا بِكَمالِ الِاتِّصالِ والتَّلازُمِ بَيْنَهُما حَتّى كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [ 25 ] شَيْئًا فَلا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِهِمْ ولا يُزادُونَ في عَذابِهِمْ بَلْ يُعْطِي كُلٌّ مِنهم مِقْدارَ ما كَسَبَهُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى كُلِّ إنْسانٍ المُشْعِرِ بِهِ كُلُّ نَفْسٍ، وكُلٌّ يَجُوزُ مُراعاةُ مَعْناهُ فَيُجْمَعُ ضَمِيرُهُ ووَجْهُ التَّذْكِيرِ ظاهِرٌ.

آل عمران 3:26

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ تَأْكِيدٌ لِما تُشْعِرُ بِهِ الآيَةُ السّابِقَةُ مِن مَزِيدِ عَظَمَتِهِ تَعالى وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ؛ وفِيهِ أيْضًا إفْحامٌ لِمَن كَذَّبَ النَّبِيَّ ﷺ ورَدَّ عَلَيْهِ لاسِيَّما المُنافِقِينَ الَّذِينَ هم أسْوَأُ حالًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وبِشارَةٌ لَهُ ﷺ بِالغَلَبَةِ الحِسِّيَّةِ عَلى مَن خالَفَهُ كَغَلَبَتِهِ بِالحُجَّةِ عَلى مَن جادَلَهُ، وبِهَذا تَنْتَظِمُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِما قَبْلَها. رَوى الواحِدِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّهُ لَمّا اِفْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وعَدَ أُمَّتِهِ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ، قالَتِ المُنافِقُونَ واليَهُودُ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ مِن أيْنَ لِمُحَمَّدٍ مُلْكُ فارِسَ والرُّومِ هم أعَزُّ وأمْنَعُ مِن ذَلِكَ ألَمْ يَكْفِ مُحَمَّدًا مَكَّةُ والمَدِينَةُ حَتّى يَطْمَعَ في مُلْكِ فارِسَ والرُّومِ؟! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ». ورَوى أبُو الحَسَنِ الثَّعالِبِيُّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي عَنْ أبِيهِ قالَ: «”خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَنْدَقَ عامَ الأحْزابِ ثُمَّ قَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أرْبَعِينَ ذِراعًا قالَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ: كُنْتُ أنا وسَلْمانُ الفارِسِيُّ وحُذَيْفَةُ والنُّعْمانُ بْنُ مُقَرِّنٍ المُزَنِيُّ وسِتَّةٌ مِنَ الأنْصارِ في أرْبَعِينَ ذِراعًا فَحَفَرْنا، فَأخْرَجَ اللَّهُ تَعالى مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ صَخْرَةً مُدَوَّرَةً كَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا، فَقُلْنا: يا سَلْمانُ اِرْقِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأخْبِرْهُ خَبَرَ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَإمّا أنْ نَعْدِلَ عَنْها أوْ يَأْمُرُنا فِيها بِأمْرِهِ فَإنّا لا نُحِبُّ أنْ نُجاوِزَ خَطَّهُ، قالَ: فَرَقِيَ سَلْمانُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو ضارِبٌ عَلَيْهِ قُبَّةً تُرْكِيَّةً، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَتْ صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مُدَوَّرَةٌ مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ وكَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا حَتّى ما يَحْتَكُّ فِيها قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ فَمُرْنا فِيها بِأمْرٍ فَإنّا لا نُحِبُّ أنْ نُجاوِزَ خَطَّكَ، فَهَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ سَلْمانَ الخَنْدَقَ والتِّسْعَةُ عَلى شَفِيرِ الخَنْدَقِ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ فَضَرَبَها ضَرْبَةً صَدَعَها وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَّتَيْها حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ وكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَكْبِيرَ فَتْحٍ فَكَبَّرَ المُسْلِمُونَ ثُمَّ ضَرَبَها ﷺ الثّانِيَةَ فَبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَّتَيْها حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ وكَبَّرَ ﷺ تَكْبِيرَ فَتْحٍ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ ثُمَّ ضَرَبَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الثّالِثَةَ فَكَسَرَها وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ كَذَلِكَ فَكَبَّرَ ﷺ تَكْبِيرَ فَتْحٍ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ وأخَذَ بِيَدِ سَلْمانَ ورَقِيَ، فَقالَ: سَلْمانُ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأيْتُ شَيْئًا صفحة 113 ما رَأيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ فالتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى القَوْمِ، فَقالَ: رَأيْتُمْ ما يَقُولُ سَلْمانُ؟ قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الأُولى فَبَرَقَ لِي الَّذِي رَأيْتُمْ أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورَ الحَيْرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها ثُمَّ ضَرَبْتُ الثّانِيَةَ فَبَرَقَ لِي الَّذِي رَأيْتُمْ أضاءَتْ لِي مِنها القُصُورَ الحُمْرَ مِن أرْضِ الرُّومِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثّالِثَةَ فَبَرَقَ لِي الَّذِي رَأيْتُمْ أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورَ صَنْعاءَ كَأنَّها أنْيابُ الكَلامِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها فَأبْشِرُوا فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ، وقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ مَوْعِدَ صِدْقٍ وعَدَنا النَّصْرَ بَعْدَ الحَفْرِ، فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ ويَعِدُكُمُ الباطِلَ ويُخْبِرُكم أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحَيْرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى وأنَّها تُفْتَحُ لَكم وأنْتُمْ إنَّما تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ مِنَ الفَرَقِ لا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَبْرُزُوا لِلْقِتالِ“، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى القُرْآنَ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ الخ». وأصْلُ (اَللَّهُمَّ) يا اللَّهُ فَحُذِفَتْ (يا) وعُوِّضَ عَنْها المِيمُ وأُوثِرَتْ لِقُرْبِها مِنَ الواوِ الَّتِي هي حَرْفُ عِلَّةٍ، وشُدِّدَتْ لِكَوْنِها عِوَضًا عَنْ حَرْفَيْنِ، وجَمْعُها مَعَ يا كَما في قَوْلِهِ: إنِّي إذا ما حَدَثٌ ألَمّا أقُولُ يا اللَّهُمَّ يا اللَّهُمّا شاذٌّ، وهَذا مِن خَصائِصِ الِاسْمِ الجَلِيلِ كَعَدَمِ حَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ مِنهُ مِن غَيْرِ مِيمٍ، ودُخُولِهِ عَلَيْهِ مَعَ حَرْفِ التَّعْرِيفِ وقَطْعِ هَمْزَتِهِ، ودُخُولِ تاءِ القَسَمِ عَلَيْهِ، واللّامِ في القَسَمِ التَّعَجُّبِيِّ نَحْوَ لَلَّهُ لا يُؤَخِّرُ الأجَلَ، ودُخُولِ اَيْمُنُ ويَمِينٍ عَلَيْهِ في القَسَمِ أيْضًا، ومِيمٍ في م اللَّهِ، ووُقُوعِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ خَلَفًا عَنْ حَرْفِ القَسَمِ نَحْوَ أللَّهِ، وحَرْفِ التَّنْبِيهِ في نَحْوِ لاها اللَّهِ ذا وغَيْرِ ذَلِكَ، فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ كُلُّ شَأْنِهِ غَرِيبٌ، وزَعَمَ الكُوفِيُّونَ أنَّ أصْلَهُ يا اللَّهَ آمَنّا بِخَيْرٍ أيْ أقَصَدْنا بِهِ فَخُفِّفَ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ ومُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وهَمْزَتِهِ، ويَجُوزُ الجَمْعُ عِنْدَهم بَيْنَ يا والمِيمِ بِلا بَأْسٍ ولا يَخْفى ما فِيهِ، ويَقْتَضِي أنْ لا يَلِيَ هَذِهِ الكَلِمَةَ أمْرٌ دُعائِيٌّ آخَرُ إلّا بِتَكَلُّفِ الإبْدالِ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ أوِ العَطْفِ عَلَيْهِ بِإسْقاطِ حَرْفِ العَطْفِ وألْ في المُلْكِ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ. و(اَلْمُلْكِ) بِالضَّمِّ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّحْقِيقِ نِسْبَةً بَيْنَ مَن قامَ بِهِ ومَن تَعَلَّقَ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالغَيْرِ تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ التّامِّ المُقْتَضِي اِسْتِغْناءَ المُتَصَرِّفِ وافْتِقارَ المُتَصَرِّفِ فِيهِ ولِهَذا لَمْ يَصِحَّ عَلى الإطْلاقِ إلّا لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وهو أخَصُّ مِنَ المِلْكِ بِالكَسْرِ لِأنَّهُ تَعَلُّقٌ بِاسْتِيلاءٍ مَعَ ضَبْطٍ وتَمَكُّنٍ مِنَ التَّصَرُّفِ في المَوْضُوعِ اللُّغَوِيِّ وبِزِيادَةِ كَوْنِهِ حَقًّا في الشَّرْعِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى اِسْتِغْناءٍ وافْتِقارٍ، فَمالِكُ المُلْكِ هو المَلِكُ الحَقِيقِيُّ المُتَصَرِّفُ بِما شاءَ كَيْفَ شاءَ إيجادًا وإعْدامًا إحْياءً وإماتَةً وتَعْذِيبًا وإثابَةً مِن غَيْرِ مُشارِكٍ ولا مُمانِعٍ، ولِهَذا لا يُقالُ: مَلِكُ المُلْكِ إلّا عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ، وحَمْلُ (اَلْمُلْكِ) عَلى هَذا المَعْنى أوْفَقُ بِمَقامِ المَدْحِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ النُّبُوَّةُ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: المالُ والعَبِيدُ، وقِيلَ: الدُّنْيا والآخِرَةُ. وانْتِصابُ ﴿مالِكَ﴾ عَلى الوَصْفِيَّةِ عِنْدَ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ وسِيبَوَيْهِ يُوجِبُ كَوْنَهُ نِداءً ثانِيًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ (اَللَّهُمَّ) لِأنَّهُ لِاتِّصالِ المِيمِ بِهِ أشْبَهَ أسْماءَ الأصْواتِ وهي لا تُوصَفُ، ونُقِضَ دَلِيلُ سِيبَوَيْهِ بِسِيبَوَيْهِ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ فِيهِ اِسْمُ صَوْتٍ يُوصَفُ، وأُجِيبَ بِأنَّ اِسْمَ الصَّوْتِ تَرَكَّبَ مَعَهُ وصارَ كَبَعْضِ حُرُوفِ الكَلِمَةِ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ، ومِن هُنا قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ عِنْدِي أصَحُّ لِأنَّهُ لَيْسَ في الأسْماءِ المَوْصُوفَةِ شَيْءٌ عَلى حَدِّ اللَّهُمَّ ولِذَلِكَ خالَفَ سائِرَ الأسْماءِ ودَخَلَ في حَيِّزِ ما لا يُوصَفُ نَحْوَ حَيْهَلَ فَإنَّهُما صارا بِمَنزِلَةِ صَوْتٍ مَضْمُومٍ إلى اِسْمٍ فَلَمْ يُوصَفْ، والعَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ صفحة 114 عَلى هَذا، وأُيِّدَ أيْضًا بِأنَّ وُقُوعَ خُلْفِ حَرْفِ النِّداءِ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ كَوُقُوعِ حَرْفِ النِّداءِ بَيْنَهُما فَلَوْ جازَ الوَصْفُ لَكانَ مَكانُ الخُلْفِ بَعْدَهُ. ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبَعْضِ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ مالِكِيَّةُ المُلْكِ، وجُوِّزَ جَعْلُها حالًا مِنَ المُنادى وفي اِنْتِصابِ الحالِ عَنْهُ خِلافٌ، وصُحِّحَ الجَوازُ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحالُ تَأْتِي مِنهُ كَما تَأْتِي مِنَ الفاعِلِ، وجَعْلُ الجُمْلَةِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ أنْتَ تُؤْتِي، وإنِ اِخْتارَهُ أبُو البَقاءِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ نَفْعٍ ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿تُؤْتِي﴾ وحُكْمُهُ حُكْمُهُ، ومَفْعُولُ ﴿تَشاءُ﴾ في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ أيْ مَن تَشاءُ إيتاءَهُ إيّاهُ ومِمَّنْ تَشاءُ نَزْعَهُ مِنهُ، و(اَلْمُلْكَ) الثّالِثُ هو الثّانِي واللّامُ فِيهِما لِلْجِنْسِ أوِ العَهْدِ ولَيْسا هُما عَيْنُ الأوَّلِ، لِأنَّ الأوَّلَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ حَقِيقِيٌّ عامَّ ومَمْلُوكِيَّتُهُ حَقِيقِيَّةٌ والآخَرانِ مَجازِيّانِ خاصّانِ ونِسْبَتُهُما إلى صاحِبِهِما مَجازِيَّةٌ، واعْتَبَرَ بَعْضُهم في التَّفْرِقَةِ كَوْنَ المُرادِ مِنَ الأوَّلِ الجَمِيعَ ومِنَ الآخِرَيْنَ البَعْضَ، ضَرُورَةَ أنَّ المُؤْتى لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الجَمِيعَ والمَنزُوعُ هو ذاكَ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ مُعادَةٌ، ويُرادُ بِها -إنْ لَمْ يَمْنَعْ مانِعٌ- عَيْنُ الأوَّلِ ولِأنَّهُ إذا لَمْ يُمْكِنُ إيتاءُ الكُلِّ لَمْ يُمْكِنْ نَزْعُ الكُلِّ لِأنَّ الثّانِي مَسْبُوقٌ بِالأوَّلِ. ومِنَ النّاسِ مِن حَمَلَ (اَلْمُلْكَ) هُنا عَلى النُّبُوَّةِ ومَعْنى نَزْعِها هُنا نَقْلُها مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ أيْ تُؤْتِي النُّبُوَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ وتَنْقُلُها مِنهم إلى العَرَبِ، وقِيلَ: المَعْنى تُعْطِي أسْبابَ الدُّنْيا مُحَمَّدًا ﷺ وأُمَّتَهُ وتَسْلُبُها مِنَ الرُّومِ وفارِسَ، فَلا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تُفْتَحَ بِلادُهم ويَمْلِكُ ما في أيْدِيهِمُ المُسْلِمُونَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وقِيلَ: تَنْزِعُهُ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ. ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ أنْ تُعِزَّهُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما بِالنَّصْرِ والتَّوْفِيقِ ﴿وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ أنْ تُذِلَّهُ في إحْداهُما أوْ فِيهِما مِن غَيْرِ مُمانِعَةِ الغَيْرِ، وقِيلَ: المُرادُ تُعِزُّ مُحَمَّدًا ﷺ وأصْحابَهُ بِأنْ تُدْخِلَهم مَكَّةَ ظاهِرِينَ وتُذِلُّ أبا جَهْلٍ وأضْغاثَ الشِّرْكِ بِالقَتْلِ والإلْقاءِ في القَلِيبِ، وقالَ عَطاءٌ: تُعِزُّ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ وتُذِلُّ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: تُعِزُّ المُؤْمِنِينَ بِالظَّفْرِ والغَنِيمَةِ وتُذِلُّ اليَهُودَ بِالقَتْلِ والجِزْيَةِ، وقِيلَ: تُعِزُّ بِالإخْلاصِ وتُذِلُّ بِالرِّياءِ، وقِيلَ: تُعِزُّ الأحْبابَ بِالجَنَّةِ والرُّؤْيَةِ وتُذِلُّ الأعْداءَ بِالنّارِ والحِجابِ؛ وقِيلَ: تُعِزُّ بِالقَناعَةِ والرِّضا وتُذِلُّ بِالحِرْصِ والطَّمَعِ وقِيلَ وقِيلَ، ويَنْبَغِي حَمْلُ سائِرِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لِأنَّهُ لا مُخَصَّصَ في الآيَةِ، و”تُعِزُّ“ مُضارِعُ أعَزَّ ضِدُّ أذَلَّ، والمُجَرَّدُ مِنَ الهَمْزَةِ مِنهُ عَزَّ ومُضارِعُهُ يُعِزُّ بِكَسْرِ العَيْنِ، ومِنهُ ما في دُعاءِ قُنُوتِ الشّافِعِيَّةِ، ولَهُ اِسْتِعْمالانِ آخَرانِ الضَّمُّ والفَتْحُ، وقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ بِقَوْلِهِ: يا قارِئًا كُتُبَ الآدابِ كُنْ يَقِظًا ∗∗∗ وحَرِّرِ الفَرْقَ في الأفْعالِ تَحْرِيرا (عَزَّ) المُضاعَفُ يَأْتِي في مُضارِعِهِ ∗∗∗ تَثْلِيثُ عَيْنٍ بِفَرْقٍ جاءَ مَشْهُورا فَما كَقَلَّ وضِدُّ (اَلذُّلِّ) مَعَ عِظَمٍ ∗∗∗ كَذا كَرُمْتَ عَلَيْنا جاءَ مَكْسُورا وما كَعَزَّ عَلَيْنا الحالُ أيْ صَعُبَتْ ∗∗∗ فافْتَحْ مُضارِعَهُ إنْ كُنْتَ نِحْرِيرا وهَذِهِ الخَمْسَةُ الأفْعالُ لازِمَةٌ ∗∗∗ واضْمُمْ مُضارِعَ فَعَلَ لَيْسَ مَقْصُورا (عَزَزْتَ) زَيْدًا بِمَعْنى قَدْ غَلَبْتَ كَذا ∗∗∗ أعَنْتَهُ فَكِلا ذا جاءَ مَأْثُورا وقِيلَ: إذا كُنْتَ في ذِكْرِ القُنُوتِ ولا ∗∗∗ (يَعِزُّ) يا رَبِّ مَن عادَيْتَ مَكْسُورا واشْكُرْ لِأهْلِ عُلُومِ الشَّرْعِ إذْ شَرَحُوا ∗∗∗ لَكَ الصَّوابَ وأبْدَوْا فِيهِ تَذْكِيرا ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وأجْراها بَعْضُهم عَلى طُرُزِ ما قَبْلَها، وتَعْرِيفُ الخَيْرِ لِلتَّعْمِيمِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ صفحة 115 لِلتَّخْصِيصِ أيْ: بِيَدِكَ الَّتِي لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها وبِقُدْرَتِكَ الَّتِي لا يُقَدَّرُ قَدْرُها الخَيْرُ كُلُّهُ تَتَصَرَّفُ بِهِ أنْتَ وحْدَكَ حَسَبَ مَشِيئَتِكَ لا يَتَصَرَّفُ بِهِ أحَدٌ غَيْرُكُ ولا يَمْلِكُهُ أحَدٌ سِواكَ، وإنَّما خَصَّ الخَيْرَ بِالذِّكْرِ تَعْلِيمًا لِمُراعاةِ الأدَبِ وإلّا فَذِكْرُ الإعْزازِ والإذْلالِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ كِلاهُما بِيَدِهِ سُبْحانَهُ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى المَسُوقُ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ وتَحْقِيقِهِ. ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ 26 ] فَلا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ، وقِيلَ: إنَّما اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَمّا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ ما آتى اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ مِنَ البِشارَةِ بِالفُتُوحِ وتَرادُفِ الخَيْراتِ، وقِيلَ: لَمّا أنَّ الأشْياءَ بِاعْتِبارِ الشَّرِّ وعَدَمِهِ تَنْقَسِمُ إلى خَمْسَةِ أقْسامٍ: الأوَّلُ: ما لا شَرَّ فِيهِ أصْلًا، والثّانِي: ما يَغْلِبُ خَيْرُهُ عَلى شَرِّهِ، والثّالِثُ: ما يَكُونُ شَرًّا مَحْضًا، والرّابِعُ: ما يَكُونُ شَرُّهُ غالِبًا عَلى خَيْرِهِ، والخامِسُ: ما يَتَساوى الخَيْرُ والشَّرُّ فِيهِ. والمَوْجُودُ مِن هَذِهِ الأقْسامِ في العالَمِ القِسْمُ الأوَّلُ والثّانِي، والشَّرُّ الَّذِي فِيهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ بَلْ إنَّما قَضاهُ اللَّهُ تَعالى لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وهو وسِيلَةٌ إلى خَيْرٍ أعْظَمَ وأعَمَّ نَفْعًا؛ والشَّرُّ اليَسِيرُ مَتى كانَ وسِيلَةً إلى الخَيْرِ الكَثِيرِ كانَ اِرْتِكابُهُ مَصْلَحَةً تَقْتَضِيها الحِكْمَةُ ولا يَأْباها الكَرَمُ المُطْلَقُ، ألا تَرى أنَّ الفَصْدَ والحِجامَةَ وشُرْبَ الدَّواءِ الكَرِيهِ وقَطْعَ السِّلْعَةِ ونَحْوِها مِنَ الأُمُورِ المُؤْلِمَةِ لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى حُصُولِ الصِّحَّةِ يَحْسُنُ اِرْتِكابُهُ في مُقْتَضى الحِكْمَةِ ويُعَدُّ خَيْرًا لا شَرًّا وصِحَّةً لا مَرَضًا، وكُلُّ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى بِما نَراهُ شَرًّا مِن هَذا القَبِيلِ، ولِهَذا ورَدَ في الحَدِيثِ: «”لا تَتَّهِمُ اللَّهَ تَعالى عَلى نَفْسِكَ“،» ووَرَدَ: «”لا تَكْرَهُوا الفِتَنَ فَإنَّ فِيها حَصادَ المُنافِقِينَ“،» وجاءَ: «”لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخِفْتُ عَلَيْكم ما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ العُجْبَ العُجْبَ“،» ومِن هُنا قِيلَ: يا مَن إفْسادُهُ صَلاحٌ فَما قَدَّرَ مِنَ المَفاسِدِ لِتَضَمُّنِهِ المَصالِحَ العَظِيمَةَ اِغْتَفِرْ ذَلِكَ القَدْرَ اليَسِيرَ في جَنْبِها لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلَيْها وما أدّى إلى الخَيْرِ فَهو خَيْرٌ فَكُلُّ شَرٍّ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِكَوْنِهِ لَمْ يُقْصَدْ بِالذّاتِ لِأنَّ أحْكامَ القَضاءِ والقَدَرِ كَما قالُوا جارِيَةٌ عَلى سُنَنِ ما اِتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرائِعُ كُلُّها مِنَ النَّظَرِ إلى جَلْبِ المَصالِحِ وذَبِّ المَفاسِدِ بَلْ بِالعَرْضِ لِما يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الخَيْرِ الأعْظَمِ والنَّفْعِ الأتَمِّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ أنَّهُ خَيْرٌ فَدَخَلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ فَلِذا اِقْتَصَرَ عَلى الخَيْرِ عَلى وجْهٍ أنَّهُ شامِلٌ لِما قَصَدَ أصْلًا ولِما وقَعَ اِسْتِلْزامًا، وهَذا مِن بابِ لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ، وقَدْ دَرَجَ حُكَماءُ الإسْلامِ عَلَيْهِ ولا يُعْبَأُ بِمَن وجَّهَ سِهامَ الطَّعْنِ إلَيْهِ، وفي «شَرْحِ الهَياكِلِ» أنَّ الشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ وصادِرٌ بِالتَّبَعِ، لِما أنَّ بَعْضَ ما يَتَضَمَّنُ الخَيْراتِ الكَثِيرَةَ قَدْ يَسْتَلْزِمُ الشَّرَّ القَلِيلَ فَكانَ تَرْكُ الخَيْراتِ الكَثِيرَةِ لِأجْلِ ذَلِكَ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرًّا كَثِيرًا، فَصَدَرَ عَنْكَ ذَلِكَ الخَيْرُ فَلَزِمَهُ حُصُولُ ذَلِكَ الشَّرِّ وهو مِن حَيْثُ صُدُورُهُ عَنْكَ خَيْرٌ إذْ عَدَمُ صُدُورِهِ شَرٌّ لِتَضَمُّنِهِ فَواتَ ذَلِكَ الخَيْرِ فَأنْتَ المُنَزَّهُ عَنِ الفَحْشاءِ مَعَ أنَّهُ لا يَجْرِي في مُلْكِكَ إلّا ما تَشاءُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ القَوْلِ بِوُجُوبِ الأصْلَحِ، ولا يُنافِيهِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ إذْ لا يَفْعَلُ ما يُسْألُ عَنْهُ كَرَمًا وحِكْمَةً وُجُودًا ومِنَّةً «ولَوِ اِطَّلَعْتُمْ عَلى الغَيْبِ لاخْتَرْتُمُ الواقِعَ».

آل عمران 3:27

﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ الوُلُوجُ في الأصْلِ الدُّخُولُ، والإيلاجُ الإدْخالُ، واسْتُعِيرَ لِزِيادَةِ زَمانِ النَّهارِ في اللَّيْلِ وعَكْسِهِ بِحَسَبِ المَطالِعِ والمَغارِبِ في أكْثَرِ البُلْدانِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ ولا يَضُرُّ تَساوِي اللَّيْلِ والنَّهارِ دائِمًا عِنْدَ خَطِّ الِاسْتِواءِ لِأنَّهُ يَكْفِي الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ فِيهِما في الأغْلَبِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ بِإيلاجِ أحَدِهِما في الآخَرِ إيجادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَقِيبَ الآخَرِ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى اللَّفْظِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الظّاهِرُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَيْلُ التَّكْوِيرِ ونَهارُهُ وهُما المَشْهُورانِ عِنْدَ العامَّةِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ ظاهِرَ القَوْلِ، ووَراءَ ذَلِكَ أيّامُ السَّلْخِ الَّتِي يَعْرِفُها العارِفُونَ وأيّامُ الإيلاجِ الشَّأْنِيَّةِ الَّتِي يَعْقِلُها العُلَماءُ الحُكَماءُ. صفحة 116 وبَيانُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاخْتِصارِ أنَّ اليَوْمَ عَلى ما ذَكَرَهُ القَوْمُ الإلَهِيُّونَ عِبارَةٌ عَنْ دَوْرَةٍ واحِدَةٍ مِن دَوْراتِ فَلَكِ الكَواكِبِ، وهو مِنَ النَّطْحِ إلى النَّطْحِ ومِنَ الشَّرْطَيْنِ إلى الشَّرْطَيْنِ ومِنَ البُطَيْنِ إلى البُطَيْنِ وهَكَذا إلى آخِرِ المَنازِلِ، ومِن دَرَجَةِ المَنزِلَةِ ودَقِيقَتِها إلى دَرَجَةِ المَنزِلَةِ ودَقِيقَتِها، وأخْفى مِن ذَلِكَ إلى أقْصى ما يُمْكِنُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ وما مِن يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ العامَّةِ وهي مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ أوْ مِن غُرُوبِها إلى غُرُوبِها أوْ مِنَ اِسْتِوائِها إلى اِسْتِوائِها أوْ ما بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما بَيْنَ ذَلِكَ إلّا وفِيهِ نِهايَةُ ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ يَوْمًا فاليَوْمُ طُولُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ دَرَجَةً لِأنَّهُ يَظْهَرُ فِيهِ الفَلَكُ كُلُّهُ وتَعُمُّهُ الحَرَكَةُ وهَذا هو اليَوْمُ الجُسْمانِيُّ، وفِيهِ اليَوْمُ الرُّوحانِيُّ فِيهِ تَأْخُذُ العُقُولُ مَعارِفَها والبَصائِرُ مَشاهِدَها والأرْواحُ أسْرارَها كَما تَأْخُذُ الأجْسامُ في هَذا اليَوْمِ الجُسْمانِيِّ أغْذِيَتَها وزِيادَتَها ونُمُوَّها وصِحَّتَها وسَقَمَها وحَياتَها ومَوْتَها، فالأيّامُ مِن جِهَةِ أحْكامِها الظّاهِرَةِ في العالَمِ المُنْبَعِثَةِ مِنَ القُوَّةِ الفَعّالَةِ لِلنَّفْسِ الكُلِّيَّةِ سَبْعَةٌ مِن يَوْمِ الأحَدِ إلى آخِرِهِ ولِهَذِهِ الأيّامِ أيّامٌ رُوحانِيَّةٌ لَها أحْكامٌ في الأرْواحِ والعُقُولِ تَنْبَعِثُ مِنَ القُوَّةِ العَلّامَةِ لِلْحَقِّ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ وهو الكَلِمَةُ الإلَهِيَّةُ، وعَلى هَذِهِ السَّبْعَةِ الدَّوّارَةِ يَدُورُ فَلَكُ البَحْثِ، فَنَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى في المَشْهُودِ مِنَ الأيّامِ المَحْسُوسَةِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارِ عَلى اللَّيْلَ﴾ وأبانَ عَنْ حَقِيقَتَيْنِ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ بَعْدَ هَذا فَقالَ في آيَةِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ فَهَذِهِ أنْبَأتْ أنَّ اللَّيْلَ أصْلٌ والنَّهارُ كانَ غَيْبًا فِيهِ ثُمَّ سُلِخَ، ولَيْسَ مَعْنى السَّلْخِ مَعْنى التَّكْوِيرِ فَلا بُدَّ أنْ يُعْرَفَ لَيْلُ كُلِّ نَهارٍ مِن غَيْرِهِ حَتّى يُنْسَبَ كُلُّ ثَوْبٍ إلى لابِسِهِ ويُرَدُّ كُلُّ فَرْعٍ إلى أصْلِهِ، ويَلْحَقُ كُلُّ اِبْنٍ بِأبِيهِ، وقالَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كاشِفًا عَنْ حَقِيقَةٍ أُخْرى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ فَجَعَلَ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ نِكاحًا مَعْنَوِيًّا لَمّا كانَتِ الأشْياءُ تَتَوَلَّدُ مِنهُما مَعًا وأكَّدَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ ولِهَذا كانَ كُلٌّ مِنهُما مُولِجًا ومُولَجًا فِيهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ أصْلٌ وبَعْلٌ فَكُلَّما تَوَلَّدُ في النَّهارِ فَأُمُّهُ النَّهارُ وأبُوهُ اللَّيْلُ وكُلَّما تَوَلَّدَ في اللَّيْلِ فَأُمُّهُ اللَّيْلُ وأبُوهُ النَّهارُ، فَلَيْسَ إذًا حُكْمُ الإيلاجِ حُكْمَ السَّلْخِ، فَإنَّ السَّلْخَ إنَّما هو في وقْتِ أنْ يَرْجِعَ النَّهارُ مِن كَوْنِهِ مُولِجًا ومُولَجًا فِيهِ، واللَّيْلُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ ذَكَرَ السَّلْخَ الواحِدَ ولَمْ يَذْكُرِ السَّلْخَ الآخَرَ مِن أجْلِ الظّاهِرِ والباطِنِ والغَيْبِ والشَّهادَةِ والرُّوحِ والجِسْمِ والحَرْفِ والمَعْنى وشِبْهِ ذَلِكَ، فالإيلاجُ رُوحٌ كُلُّهُ والتَّكْوِيرُ جِسْمُ هَذا الرُّوحِ الإيلاجِيِّ، ولِهَذا كَرَّرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ في الإيلاجِ كَما كَرَّرَهُما في التَّكْوِيرِ هَذا في عالَمِ الجِسْمِ وهَذا في عالَمِ الرُّوحِ، فَتَكْوِيرُ النَّهارِ لِإيلاجِ اللَّيْلِ وتَكْوِيرُ اللَّيْلِ لِإيلاجِ النَّهارِ، وجاءَ السَّلْخُ واحِدًا لِلظّاهِرِ لِأرْبابِهِ. وقَدِ اِخْتَلَفَ العَجَمُ والعَرَبُ في أصالَةِ، أيُّ المُكَوَّرَيْنِ عَلى الآخَرِ، فالعَجَمُ يُقَدِّمُونَ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وزَمانُهم شَمْسِيٌّ فَلَيْلَةُ السَّبْتِ عِنْدَهم مَثَلًا اللَّيْلَةُ الَّتِي تَكُونُ صَبِيحَتُها يَوْمَ الأحَدِ وهَكَذا، والعَرَبُ يُقَدِّمُونَ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ وزَمانُهم قَمَرِيٌّ ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ فَلَيْلَةُ الجُمْعَةِ عِنْدَهم مَثَلًا هي اللَّيْلَةُ الَّتِي يَكُونُ صَبِيحَتُها يَوْمَ الجُمْعَةِ وهم أقْرَبُ مِنَ العَجَمِ إلى العِلْمِ فَإنَّهُ يُعَضِّدُهُمُ السَّلْخُ في هَذا النَّظَرِ غَيْرَ أنَّهم لَمْ يَعْرِفُوا الحُكْمَ فَنَسَبُوا اللَّيْلَةَ إلى غَيْرِ يَوْمِها كَما فَعَلَ أصْحابُ الشَّمْسِ وذَلِكَ لِأنَّ عَوامَّهم لا يَعْرِفُونَ إلّا أيّامَ التَّكْوِيرِ، والعارِفُونَ مِن أهْلِ هَذِهِ الدَّوْلَةِ ووَرَثَةِ الأنْبِياءِ يَعْلَمُونَ ما وراءَ ذَلِكَ مِن أيّامِ السَّلْخِ وأيّامِ الإيلاجِ الشَّأْنِيِّ. ولَمّا كانَتِ الأيّامُ شَيْئًا وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهم ظاهِرٌ وباطِنٌ وغَيْبٌ وشَهادَةٌ ورُوحٌ وجِسْمٌ ومُلْكٌ ومَلَكُوتٌ ولَطِيفٌ وكَثِيفٌ، قالُوا: إنَّ اليَوْمَ نَهارٌ ولَيْلٌ في مُقابَلَةِ باطِنٍ وظاهِرٍ، والأيّامُ سَبْعَةٌ، ولِكُلِّ يَوْمٍ نَهارٌ ولَيْلٌ مِن جِنْسِهِ، والنَّهارُ ظِلُّ ذَلِكَ اللَّيْلِ وعَلى صُورَتِهِ لِأنَّهُ أصْلُهُ المُدْرَجُ هو فِيهِ المُنْسَلِخُ هو مِنهُ بِالنَّفْخَةِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ أطْلَقَ سُبْحانَهُ في آيَةِ السَّلْخِ ولَمْ يُبَيِّنْ أيَّ نَهارٍ سُلِخَ مِن أيَّةِ لَيْلَةٍ ولَمْ يَقُلْ لَيْلَةَ كَذا سَلَخَ مِنها نَهارَ كَذا لِيَعْقِلُها مَن ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى رُشْدَهُ فَيَنالُ صفحة 117 فَصْلَ الخِطابِ، فَعَلى المَفْهُومِ مِنَ اللِّسانِ العَرَبِيِّ بِالحِسابِ القَمَرِيِّ، أيْ لَيْلَةُ الأحَدِ سَلَخَ اللَّهُ تَعالى مِنها نَهارَ الأرْبِعاءِ وسَلَخَ مِن لَيْلَةِ الإثْنَيْنِ نَهارَ الخَمِيسِ، ومِن لَيْلَةِ الثُّلاثاءِ نَهارَ الجُمْعَةِ، ومِن لَيْلَةِ الأرْبِعاءِ نَهارَ السَّبْتِ، ومِن لَيْلَةِ الخَمِيسِ نَهارَ الأحَدِ، ومِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ نَهارَ الإثْنَيْنِ، ومِن لَيْلَةِ السَّبْتِ نَهارَ الثُّلاثاءِ، فَجَعَلَ سُبْحانَهُ بَيْنَ كُلِّ لَيْلَةٍ ونَهارِها المَسْلُوخِ مِنها ثَلاثَ لَيالٍ وثَلاثَةَ نَهاراتٍ فَكانَتْ سِتَّةً وهي نَشْأتُكَ ذاتُ الجِهاتِ، فاللَّيالِي مِنها لِلتَّحْتِ والشَّمالِ والخَلْفِ، والنَّهاراتُ مِنها لِلْفَوْقِ واليَمِينِ والأمامِ، فَلا يَكُونُ الإنْسانُ نَهارًا ونُورًا تُشْرِقُ شَمْسُهُ وتُشْرِقُ بِهِ أرْضُهُ حَتّى يَنْسَلِخَ مِن لَيْلِ شَهْوَتِهِ ولا يُقْبَلُ عَلى مَن لا يَقْبَلُ الجِهاتِ حَتّى يَبْعُدَ عَنْ جِهاتِ هَيْكَلِهِ، وإنَّما نَسَبُوا هَذِهِ النِّسْبَةَ مِن جِهَةِ الِاشْتِراكِ في الشَّأْنِ الظّاهِرِ لِسَتْرِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ عَلى يَدِ المُوكَلِينَ بِالسّاعاتِ، وفي اليَوْمِ الإيلاجِيِّ الشَّأْنِيِّ يَعْتَبِرُونَ لَيْلًا ونَهارًا أيْضًا وهو عِنْدَهم أرْبَعٌ وعِشْرُونَ ساعَةً قَدِ اِتَّحَدَ فِيها الشَّأْنُ فَلَمْ يَنْبَعِثْ فِيها إلّا مَعْنًى واحِدٌ ويَتَنَوَّعْ في المَوْجُوداتِ بِحَسَبِ اِسْتِعْداداتِها، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ في شُؤُونٍ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ الظّاهِرِ بِاخْتِلافِ القَوابِلِ وتَكَثُّرِ الأشْخاصِ، فَإذا ساعاتُ ذَلِكَ اليَوْمِ تَحْتَ حُكْمٍ واحِدٍ ونَظَرٍ والٍ واحِدٍ قَدْ ولّاهُ مَن لا يَكُونُ في مُلْكِهِ إلّا ما يَشاءُ، وتَوَلّاهُ وخَصَّهُ بِتِلْكَ الحَرَكَةِ وجَعَلَهُ أمِيرًا في ذَلِكَ، والمُتَصَرِّفُ الحَقِيقِيُّ هو اللَّهُ تَعالى لا هو مِن حَيْثُ هُوَ، فاليَوْمُ الشَّأْنِيُّ ما كانَتْ ساعاتُهُ كُلُّها سَواءً، ومَتى اِخْتَلَفَتْ فَلَيْسَ بِيَوْمٍ واحِدٍ ولا يُوجَدُ هَذا في أيّامِ التَّكْوِيرِ وكَذا في أيّامِ السَّلْخِ إلّا قَلِيلًا فَطَلَبْنا ذَلِكَ في الأيّامِ الإيلاجِيَّةِ فَوَجَدْناهُ مُسْتَوْفًى فِيهِ، وقَدْ أرْسَلَ سُبْحانَهُ آيَةَ الإيلاجِ ولَمْ يَقُلْ: يُولِجُ اللَّيْلَ الَّذِي صَبِيحَتُهُ الأحَدُ في الأحَدِ ولا النَّهارَ الَّذِي مَساؤُهُ لَيْلَةُ الإثْنَيْنِ في الإثْنَيْنِ فَإذًا لا يُلْتَزَمُ أنَّ لَيْلَةَ الأحَدِ هي لَيْلَةُ الكُوَرِ ولا لَيْلَةُ السَّلْخِ، وإنَّما يُطْلَبُ وحْدانِيَّةُ اليَوْمِ مِن أجْلِ أحَدِيَّةِ الشَّأْنِ، فَلا يُنْظَرُ إلّا إلى اِتِّحادِ السّاعاتِ، والحاكِمُ المَوْلى مِن قِبَلِ المَوْلى فَلَيْلَةُ الأحَدِ الإيلاجِيِّ مُرَكَّبَةٌ مِنَ السّاعَةِ الأُولى مِن لَيْلَةِ الخَمِيسِ، والثّانِيَةِ مِنها، والثّالِثَةِ مِن يَوْمِ الخَمِيسِ، والعاشِرَةِ مِنها، والخامِسَةِ مِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، والثّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنها، والسّابِعَةِ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ، والثّامِنَةِ مِن لَيْلَةِ السَّبْتِ، والتّاسِعَةِ مِنها، والرّابِعَةِ مِن يَوْمِ السَّبْتِ، واَلْحادِيَةَ عَشْرَةَ مِنهُ، والسّادِسَةِ مِن لَيْلَةِ الأحَدِ، فَهَذِهِ ساعاتُ لَيْلِهِ. وأمّا ساعاتُ نَهارِهِ مِن أيّامِ التَّكْوِيرِ فالأُولى مِن يَوْمِ الأحَدِ، والثّامِنَةُ والثّالِثَةُ مِن يَوْمِ الإثْنَيْنِ، والعاشِرَةُ مِنهُ، والخامِسَةُ مِن يَوْمِ الإثْنَيْنِ، والثّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنهُ، والسّابِعَةُ مِن لَيْلَةِ الثُّلاثاءِ، والثّانِيَةُ مِن يَوْمِ الثُّلاثاءِ، والتّاسِعَةُ مِنهُ، والرّابِعَةُ مِن لَيْلَةِ الأرْبِعاءِ، واَلْحادِيَةَ عَشْرَةَ مِنها، والسّادِسَةُ مِن يَوْمِ الأرْبِعاءَ، فَهَذِهِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ساعَةً ظاهِرَةً كالشَّمْسِ لِيَوْمِ الأحَدِ الإيلاجِيِّ الشَّأْنِيِّ كُلُّها كَنَفْسً واحِدَةٍ لِأنَّها مِن مَعْدِنٍ واحِدٍ، وهَكَذا تَقُولُ في سائِرِ الأيّامِ حَتّى تَكْمُلَ سَبْعَةَ أيّامٍ مُتَمَيِّزَةٍ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، مُولَجَةٌ بَعْضُها في بَعْضٍ، نَهارُها في لَيْلِها، ولَيْلُها في نَهارِها لِحِكْمَةِ التَّوالُدِ والتَّناسُلِ، وذَلِكَ كَسَرَيانِ الحُكْمِ الواحِدِ في الأيّامِ، ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن أيّامِ التَّكْوِيرِ. وقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ الشَّأْنَ في كُلِّ يَوْمٍ في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ «بِالشَّأْنِ الإلَهِيِّ»، ولَعَلِّي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أذْكُرُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ وهَذِهِ الأيّامُ أيْضًا غَيْرُ يَوْمِ المَثَلِ، وهو عُمْرُ الدُّنْيا، ويَوْمُ الرَّبِّ، ويَوْمُ المَعارِجِ، ويَوْمُ القَمَرِ، ويَوْمُ الشَّمْسِ، ويَوْمُ زُحَلَ، ويَوْمُ الحَمَلِ، ولِكُلِّ كَوْكَبٍ مِنَ السَّيّاراتِ والبُرُوجِ يَوْمٌ، وقَدْ ذُكِرَ كُلُّ ذَلِكَ في «اَلْفُتُوحاتِ»، وإنَّما تَعَرَّضْنا لِهَذا المِقْدارِ وإنَّ كانَ الِاسْتِقْصاءُ في بَيانِ مَشْرَبِ القَوْمِ لَيْسَ بِدَعًا في هَذا الكِتابِ تَعْلِيمًا لِبَعْضِ طَلَبَةِ العِلْمِ ما اللَّيْلُ والنَّهارُ إذْ قَدْ ظَنُّوا لِجَهْلِهِمْ بِسَبَبِ بَحْثٍ جَرى بِنا الظُّنُونَ، وفي هَذا كِفايَةٌ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ فَحَمْدًا لَكَ اللَّهُمَّ عَلى ما عَلَّمْتَ ولَكَ الشُّكْرُ عَلى ما أنْعَمْتَ. صفحة 118 ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أيْ تَكُونُ الحَيَواناتُ مِن مَوادِّها أوْ مِنَ النُّطْفَةِ، وعَلَيْهِ اِبْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وخَلْقٌ كَثِيرٌ ﴿وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ النُّطْفَةِ مِنَ الحَيَواناتِ، كَما قالَ عامَّةُ السَّلَفِ. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ فَقَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ، فَقالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وقَبَضَ بِالأُخْرى قَبْضَةً فَجاءَ فِيها كُلُّ رَدِيءٍ، فَقالَ هَؤُلاءِ أهْلُ النّارِ ولا أُبالِي، فَخَلَطَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ فَيُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ والمُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ“ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الآيَةَ،» وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ ورُوِيَ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ، فالحَيُّ والمَيِّتُ مَجازِيّانِ، وعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ الأُولى لا يَخْفى، والقائِلُونَ بِعُمُومِ المَجازِ قالُوا: المُرادُ تُخْرِجُ الحَيَواناتِ مِنَ النُّطَفِ، والنُّطَفَ مِنَ الحَيَواناتِ، والنَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ، والنَّواةَ مِنَ النَّخْلَةِ، والطَّيِّبَ مِنَ الخَبِيثِ، والخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، والعالِمَ مِنَ الجاهِلِ، والجاهِلَ مِنَ العالِمِ، والذَّكِيَّ مِنَ البَلِيدِ، والبَلِيدَ مِنَ الذَّكِيِّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ولا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ أنْ يَكُونَ إخْراجُ كُلِّ حَيٍّ مِن مَيِّتٍ وكُلِّ مَيِّتٍ مِن حَيٍّ لِيَلْزَمَ التَّسَلْسُلُ في جانِبِ المُبْدِئِ إذْ غايَةُ ما تُفْهِمُهُ الآيَةُ أنَّ لِلَّهِ تَعالى هَذِهِ الصِّفَةَ، وأمّا أنَّهُ لا يَخْلُقُ شَيْئًا إلّا مِن شَيْءٍ فَلا، كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ المَيْتِ بِالتَّخْفِيفِ في المَوْضِعَيْنِ. ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [ 27 ] الظَّرْفُ في مَحَلِّ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ تَرْزُقُ مَن تَشاءُ غَيْرَ مُحاسِبٍ لَهُ، أوْ مِنَ الفاعِلِ، أيْ تَرْزُقُهُ غَيْرَ مُحاسِبٍ لَهُ، أوْ غَيْرَ مُضَيِّقٍ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ أيْ رِزْقًا غَيْرَ قَلِيلٍ، وفي ذِكْرِ هَذِهِ الأفْعالِ العَظِيمَةِ الَّتِي تُحَيِّرُ العُقُولَ ونِسْبَتِها إلَيْهِ تَعالى دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَنْزِعَ المُلْكَ مِنَ العَجَمِ ويُذِلَّهم ويُؤْتِيَهُ العَرَبَ ويُعِزَّهُمْ، بَلْ هو أهْوَنُ عَلَيْهِ مِن كُلِّ هَيِّنٍ. هَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُشِيرُ إلى فَضْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «”شَكَوْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنًا كانَ عَلَيَّ فَقالَ: يا مُعاذُ أتُحِبُّ أنْ يُقْضى دَيْنُكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكِ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكِ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمُهُما تُعْطِي مِنهُما مَن تَشاءُ وتَمْنَعُ مِنهُما مَن تَشاءُ اِقْضِ عَنِّي دَيْنِي فَلَوْ كانَ عَلَيْكَ مَلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أدّى عَنْكَ“،» وفي رِوايَةٍ لِلطَّبَرانِيِّ، الآيَةَ بِتَمامِها. * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ أبانَ بِدَلائِلِ الآفاقِ والأنْفُسِ أنَّهُ لا إلَهَ في الوُجُودِ سِواهُ، أوْ شَهِدَ بِذاتِهِ في مَقامِ الجَمْعِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، حَيْثُ لا شاهِدَ ولا مَشْهُودَ غَيْرُهُ، وشَهِدَ المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ بِذَلِكَ وهي شَهادَةُ مَظاهِرِهِ سُبْحانَهُ في مَقامِ التَّفْصِيلِ، ومِنَ القَوْمِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الشَّهادَتَيْنِ بِأنَّ شَهادَةَ المَلائِكَةِ مِن حَيْثُ اليَقِينُ وشَهادَةُ أُولِي العِلْمِ مِن حَيْثُ المُشاهَدَةَ، وأيْضًا قالُوا: شَهادَةُ المَلائِكَةِ مِن رُؤْيَةِ الأفْعالِ وشَهادَةُ أُولِي العِلْمِ مِن رُؤْيَةِ الصِّفاتِ، وقِيلَ: شَهادَةُ المَلائِكَةِ مِن رُؤْيَةِ العَظَمَةِ، ولِذا يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الخَوْفُ، وشَهادَةُ العُلَماءِ مِن رُؤْيَةِ الجَمالِ، ولِذا يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الرَّجاءُ، وشَهادَةُ العُلَماءِ مُتَفاوِتَةٌ فَشَهادَةُ بَعْضٍ مِنَ الحالاتِ، وشَهادَةُ آخَرِينَ مِنَ المَقاماتِ، وشَهادَةُ طائِفَةٍ مِنَ المُكاشَفاتِ، وشَهادَةُ فِرْقَةٍ مِنَ المُشاهَداتِ؛ وخَواصُّ أهْلِ العِلْمِ يَشْهَدُونَ بِهِ لَهُ بِنَعْتِ إدْراكِ القِدَمِ وبُرُوزِ نُورِ التَّوْحِيدِ مِن جَمالِ الوَحْدانِيَّةِ، فَشَهادَتُهم مُسْتَغْرِقَةٌ في شَهادَةِ الحَقِّ لِأنَّهم في مَحَلِّ المَحْوِ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ أيْ مُقِيمًا لِلْعَدْلِ بِإعْطاءِ كُلٍّ مِنَ الظُّهُورِ ما هو لَهُ بِحَسَبِ الِاسْتِعْدادِ صفحة 119 فَيَتَجَلّى عَلَيْهِ عَلى قَدْرِ دُعائِهِ ﴿لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ﴾ فَلا يَصِلُ أحَدٌ إلى مَعْرِفَةِ كُنْهِهِ وكُنْهِ مَعْرِفَتِهِ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يُدَبِّرُ كُلَّ شَيْءٍ فَيُعْطِيهِ مِن مَراتِبِ التَّوْحِيدِ ما يُطِيقُ. ﴿إنَّ الدِّينَ﴾ المَرْضِيَّ ﴿عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ وهو المَقامُ الإبْراهِيمِيُّ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ نَفْسِي وجُمْلَتِي وانْخَلَعْتُ عَنْ آنِيَتِي لِلَّهِ تَعالى فَفَنِيتُ فِيهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ عَنِ الدِّينِ والسّاتِرُونَ لِلْحَقِّ بِالمَيْلِ مَعَ الشَّهَواتِ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ الدّاعِينَ إلى التَّوْحِيدِ وهُمُ العِبادُ والواصِلُونَ الكامِلُونَ ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ﴾ وهو نَفْيُ الأغْيارِ وقَصْرُ الوُجُودِ الحَقِّ عَلى اللَّهِ تَعالى ﴿مِنَ النّاسِ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشارَ بِاَلَّذِينِ كَفَرُوا إلى قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ وبِالنَّبِيِّينَ إلى أنْبِياءِ القُلُوبِ المُشْرِفَةِ بِوَحْيِ إلْهامِ الغُيُوبِ، وبِالآمِرِينَ بِالقِسْطِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي هي مِن جُنُودِ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمْ، فَبَشِّرْ أُولَئِكَ الكافِرِينَ ﴿بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو عَذابِ الحِجابِ والبُعْدِ عَنْ حَضْرَةِ رَبِّ الأرْبابِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ﴾ أيْ بَطَلَتْ وانْحَطَّتْ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ ﴿أعْمالُهُمْ﴾ لِعَدَمِ شَرْطِها وهو التَّوْحِيدُ ﴿فِي الدُّنْيا﴾ وهي عالَمُ الشَّهادَةِ ﴿والآخِرَةِ﴾ وهي عالَمُ الغَيْبِ ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ لِسُوءِ حَظِّهِمْ وقِلَّةِ اِسْتِعْدادِهِمْ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ كَعُلَماءِ السُّوءِ وأحْبارِ الضَّلالِ ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ النّاطِقِ بِمَقامِ الجَمْعِ والفَرْقِ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ وبَيْنَ المُوَحِّدِينَ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ لِفَرْطِ حِجابِهِمْ واغْتِرارِهِمْ بِما أُوتُوا ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ نارُ البُعْدِ ﴿إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ أيْ قَلِيلَةً يَسِيرَةً ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ﴾ الَّذِي هم عَلَيْهِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ القَضايا والأقْيِسَةِ الَّتِي جاءَتْ بِها عُقُولُهُمُ المَشُوبَةُ بِظُلُماتِ الوَهْمِ والخَيالِ. ﴿فَكَيْفَ﴾ يَكُونُ حالُهم ﴿إذا جَمَعْناهُمْ﴾ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ في صَحْراءِ الشُّكُوكِ وتَمْزِيقِ سِباعِ الأوْهامِ لَهم ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ الكُبْرى الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ الحَقُّ لِمُنْكِرِهِ، ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ صالِحَةٍ وطالِحَةٍ ﴿ما كَسَبَتْ﴾ بِواسِطَةِ اِسْتِعْدادِها ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ جَزاءَ ذَلِكَ. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ أيِ المُلْكِ المُتَصَرِّفِ في مَظاهِرِكِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ ولا مُدافِعٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ وهو مَنِ اِخْتَرْتَهُ لِلرِّياسَةِ الباطِنَةِ وجَعَلْتَهُ مُتَصَرِّفًا بِإرادَتِكَ وقُدْرَتِكَ ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ بِأنْ تَنْقُلَهُ إلى غَيْرِهِ بِاسْتِيفاءِ مُدَّةِ إقامَتِهِ في عالَمِ الأجْسامِ وتَكْمِيلِ النَّشْأةِ، أوْ تَحْرِمَ مَن تَشاءُ عَنْ إيتاءِ ذَلِكَ المُلْكِ لِظُلْمِهِ المانِعِ لَهُ مِن أنْ يَنالَ عَهْدَكَ أوْ يُمْنَحَ رِفْدَكَ ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ بِإلْقاءِ نُورٍ مِن أنْوارِ عِزَّتِكَ عَلَيْهِ، فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴿وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ بِسَلْبِ لِباسِ عِزَّتِكَ عَنْهُ فَيَبْقى ذَلِيلًا ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ كُلُّهُ وأنْتَ القادِرُ مُطْلَقًا تُعْطِي عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِكَ وتَتَجَلّى طِبْقَ إرادَتِكَ وتَمْنَحُ بِقَدْرِ قابِلِيَّةِ مَظاهِرِكَ. ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ تُدْخِلُ ظُلْمَةَ النَّفْسِ في نُورِ القَلْبِ فَيُظْلِمُ ﴿وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ وتُدْخِلُ نُورَ القَلْبِ في ظُلْمَةِ النَّفْسِ فَتَسْتَنِيرُ وتَخْلِطُهُما مَعًا مَعَ بُعْدِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُما ﴿وتُخْرِجُ﴾ حَيَّ القَلْبِ مِن مَيِّتِ النَّفْسِ ومَيِّتَ النَّفْسِ مِن حَيِّ القَلْبِ، أوْ تُخْرِجُ حَيَّ العِلْمِ مِن مَيِّتِ الجَهْلِ ومَيِّتَ الجَهْلِ مِن حَيِّ العِلْمِ ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ﴾ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ أوْ مِن إحْداهُما فَقَطْ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ إذْ لا حَجْرَ عَلَيْكَ. هَذا ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ إعْطاءَ المُلْكِ والإعْزازِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، نَبَّهَ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوالُوا أعْداءَ اللَّهِ تَعالى لِقَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ جاهِلِيَّةٍ أوْ نَحْوِهِما، أوْ أنْ لا يَسْتَظْهِرُوا بِهِمْ لِأنَّهُ تَعالى هو المُعِزُّ والقادِرُ المُطْلَقُ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا:

آل عمران 3:28

﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: كانَ الحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو. وكَهْمَسُ بْنُ أبِي الحَقِيقِ وقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ والكُلُّ مِنَ اليَهُودِ يُباطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ فَقالَ رَفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعِيدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ: اِجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ واحْذَرُوا صفحة 120 لُزُومَهم ومُباطَنَتَهم لا يَفْتِنُوكم عَنْ دِينِكم فَأبى أُولَئِكَ النَّفَرُ إلّا مُباطَنَتَهم ومُلازَمَتَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، كانُوا يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ ويَأْتُونَهم بِالأخْبارِ ويَرْجُونَ أنْ يَكُونَ لَهُمُ الظَّفْرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ فِعْلِهِمْ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ «أنَّها نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ الأنْصارِيِّ وكانَ بَدْرِيًّا نَقِيبًا وكانَ لَهُ حُلَفاءُ مِنَ اليَهُودِ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الأحْزابِ قالَعُبادَةُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ مَعِي خَمْسَمِائَةٍ مِنَ اليَهُودِ وقَدْ رَأيْتُ أنْ يَخْرُجُوا مَعِي فَأسْتَظْهِرُ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ الخ». والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِلا النّاهِيَةِ، وأجازَ الكِسائِيُّ فِيهِ الرَّفْعَ عَلى الخَبَرِ والمَعْنى عَلى النَّهْيِ أيْضًا وهو مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ فَأوْلِياءُ مَفْعُولٌ ثانٍ أوْ حالٌ، وهو جَمْعُ ولِيٍّ بِمَعْنى المُوالِي مِنَ الوَلْيِ وهو القُرْبُ، والمُرادُ لا يُراعُوا أُمُورًا كانَتْ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُراعُوا ما هم عَلَيْهِ الآنَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الإسْلامُ مِن بُغْضٍ وحُبٍّ شَرْعِيَّيْنِ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِما، وإنَّما قَيَّدْنا بِذَلِكَ لَمّا قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ لِقَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ قَدِيمَةٍ أوْ جَدِيدَةٍ خارِجَةٌ عَنِ الِاخْتِيارِ مَعْفُوَّةٌ ساقِطَةٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ. وحَمْلُ المُوالاةِ عَلى ما يَعُمُّ الِاسْتِعانَةَ بِهِمْ في الغَزْوِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ ومَذْهَبُنا وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ يَجُوزُ ويَرْضَخُ لَهم لَكِنْ إنَّما يُسْتَعانُ بِهِمْ عَلى قِتالِ المُشْرِكِينَ لا البُغاةِ عَلى ما صَرَّحُوا بِهِ، وما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبَدْرٍ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مُشْرِكٌ كانَ ذا جَراءَةٍ ونَجْدَةٍ فَفَرِحَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ رَأوْهُ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: اِرْجِعْ فَلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» فَمَنسُوخٌ «بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ اِسْتَعانَ بِيَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ ورَضَخَ لَهم واسْتَعانَ بِصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ في هَوازِنَ،» وذَكَرَ بَعْضُهم جَوازَ الِاسْتِعانَةِ بِشَرْطِ الحاجَةِ والوُثُوقِ، أمّا بِدُونِهِما فَلا تَجُوزُ وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ خَبَرُ عائِشَةَ، وكَذا ما رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في سَبَبِ النُّزُولِ وبِهِ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ أدِلَّةِ المَنعِ وأدِلَّةِ الجَوازِ عَلى أنَّ بَعْضَ المُحَقِّقِينَ ذَكَرَ أنَّ الِاسْتِعانَةَ المَنهِيَّ عَنْها إنَّما هي اِسْتِعانَةُ الذَّلِيلِ بِالعَزِيزِ وأمّا إذا كانَتْ مِن بابِ اِسْتِعانَةِ العَزِيزِ بِالذَّلِيلِ فَقَدْ أُذِنَ لَنا بِها، ومِن ذَلِكَ اِتِّخاذُ الكُفّارِ عَبِيدًا وخَدَمًا ونِكاحُ الكِتابِيّاتِ مِنهم وهو كَلامٌ حَسَنٌ كَما لا يَخْفى. ومِنَ النّاسِ مَنِ اِسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُهم عُمّالًا ولا اِسْتِخْدامُهم في أُمُورِ الدِّيوانِ وغَيْرِهِ، وكَذا أدْخَلُوا في المُوالاةِ المَنهِيِّ عَنْها السَّلامَ والتَّعْظِيمِ والدُّعاءَ بِالكُنْيَةِ والتَّوْقِيرِ بِالمَجالِسِ، وفي «فَتاوى العَلّامَةِ اِبْنِ حَجَرٍ» جَوازُ القِيامِ في المَجْلِسِ لِأهْلِ الذِّمَّةِ وعَدَّ ذَلِكَ مِن بابِ البِرِّ والإحْسانِ المَأْذُونِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهُ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ولَعَلَّ الصَّحِيحَ أنَّ كُلَّ ما عَدَّهُ العُرْفُ تَعْظِيمًا وحَسِبَهُ المُسْلِمُونَ مُوالاةً فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ ولَوْ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ لا سِيَّما إذا أوْقَعَ شَيْئًا في قُلُوبِ ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ، ولا أرى القِيامَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ في المَجْلِسِ إلّا مِنَ الأُمُورِ المَحْظُورَةِ لِأنَّ دَلالَتَهُ عَلى التَّعْظِيمِ قَوِيَّةٌ وجَعْلَهُ مِنَ الإحْسانِ لا أراهُ مِنَ الإحْسانِ، كَما لا يَخْفى. ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أيْ مُتَجاوِزِينَ المُؤْمِنِينَ إلى الكافِرِينَ اِسْتِقْلالًا أوِ اِشْتِراكًا ولا مَفْهُومَ لِهَذا الظَّرْفِ إمّا لِأنَّهُ ورَدَ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ والَوُا الكُفّارَ دُونَ المُؤْمِنِينَ فَهو لِبَيانِ الواقِعِ أوْ لِأنَّ ذِكْرَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الحَقِيقَ بِالمُوالاةِ هُمُ المُؤْمِنُونَ وفي مُوالاتِهِمْ مَندُوحَةٌ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ، وكَوْنُ هَذِهِ النُّكْتَةِ تَقْتَضِي أنْ يُقالَ مَعَ وُجُودِ المُؤْمِنِينَ دُونَ ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ في حَيِّزِ المَنعِ وكَوْنُهُ إشارَةً إلى أنَّ وِلايَتَهم لا تُجامِعُ وِلايَةَ المُؤْمِنِينَ في غايَةِ الخَفاءِ، صفحة 121 وقِيلَ: الظَّرْفُ في حَيِّزِ الصِّفَةِ لِأوْلِياءَ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الِاتِّخاذِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ لا تَجْعَلُوا اِبْتِداءَ الوِلايَةِ مِن مَكانٍ دُونَ مَكانِ المُؤْمِنِينَ. ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ الِاتِّخاذَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالفِعْلِ، كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِلِاخْتِصارِ أوْ لِإيهامِ الِاسْتِهْجانِ بِذِكْرِهِ، و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، و﴿يَفْعَلْ﴾ فِعْلُ الشَّرْطِ، وجَوابُهُ ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مِن وِلايَتِهِ، أوْ مِن دِينِهِ، والظَّرْفُ الأوَّلُ حالٌ مِن (شَيْءٍ) والثّانِي خَبَرُ لَيْسَ، وتَنْوِينُ (شَيْءٍ) لِلتَّحْقِيرِ أيْ لَيْسَ في شَيْءٍ يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اِسْمُ الوِلايَةِ أوِ الدِّينِ لِأنَّ مُوالاةَ المُتَضادَّيْنِ مِمّا لا تَكادُ تَدْخُلُ خَيْمَةَ الوُقُوعِ، ولِهَذا قِيلَ: تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعازِبِ وقِيلَ أيْضًا: إذا والى صَدِيقُكَ مَن تُعادِي ∗∗∗ فَقَدْ عاداكَ وانْقَطَعَ الكَلامُ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا﴾ عَلى صِيغَةِ الخِطابِ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والعامِلُ فِيهِ فِعْلُ النَّهْيِ مُعْتَبِرًا فِيهِ الخِطابَ أيْ لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ اِتِّقائِكُمْ، وقِيلَ: اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُ الكافِرَ ولِيًّا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِلتَّقِيَّةِ (مِنهُمْ) أيْ مِن جِهَتِهِمْ؛ ومِن لِلِابْتِداءِ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُقاةً﴾ لِأنَّهُ نَعْتُ النَّكِرَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْها، والمُرادُ بِالتُّقاةِ ما يُتَّقى مِنهُ وتَكُونُ بِمَعْنى اِتِّقاءٍ وهو الشّائِعُ، فَعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ لِ (تَتَّقُوا)، وعَلى الثّانِي: مَفْعُولًا مُطْلَقًا لَهُ، و(مِنهُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وتَعَدّى بِمِن لِأنَّهُ بِمَعْنى خافَ، وخافَ يُتَعَدّى بِها نَحْوَ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ و﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ، وتُرِكَ المَفْعُولُ الآخَرُ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ ضَرَرًا ونَحْوَهُ، وأصْلُ تُقاةٍ وُقَيَةٌ بِواوٍ مَضْمُومَةٍ وياءٍ مُتَحَرِّكَةٍ بَعْدَ القافِ المَفْتُوحَةِ فَأُبْدِلَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ تاءً كَتُجاهٍ وأُبْدِلَتِ الياءُ المُتَحَرِّكَةُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها ووَزْنُهُ فُعَلَةٌ كَتُخَمَةٍ وتُؤَدَةٍ وهو في المَصادِرِ غَيْرُ مَقِيسٍ وإنَّما المَقِيسُ اِتِّقاءٌ كاقْتِداءٍ، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ وقَتادَةُ (تَقِيَّةً) بِالياءِ المُشَدَّدَةِ ووَزْنُها فَعِيلَةٌ والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ أيْضًا. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ التَّقِيَّةِ وعَرَّفُوها بِمُحافَظَةِ النَّفْسِ أوِ العِرْضِ أوِ المالِ مِن شَرِّ الأعْداءِ، والعَدُوُّ قِسْمانِ: الأوَّلُ: مَن كانَتْ عَداوَتُهُ مَبْنِيَّةً عَلى اِخْتِلافِ الدِّينِ كالكافِرِ والمُسْلِمِ، والثّانِي: مَن كانَتْ عَداوَتُهُ مَبْنِيَّةً عَلى أغْراضٍ دُنْيَوِيَّةٍ كالمالِ والمَتاعِ والمُلْكِ والإمارَةِ، ومِن هُنا صارَتِ التَّقِيَّةُ قِسْمَيْنِ: أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فالحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِيهِ أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وقَعَ في مَحَلٍّ لا يُمْكِنُ لَهُ أنْ يُظْهِرَ دِينَهُ لِتَعَرُّضِ المُخالِفِينَ وجَبَ عَلَيْهِ الهِجْرَةُ إلى مَحَلٍّ يَقْدِرُ فِيهِ عَلى إظْهارِ دِينِهِ، ولا يَجُوزُ لَهُ أصْلًا أنْ يَبْقى هُناكَ ويُخْفِيَ دِينَهُ ويَتَشَبَّثَ بِعُذْرِ الِاسْتِضْعافِ فَإنَّ أرْضَ اللَّهِ تَعالى واسِعَةٌ، نَعَمْ إنْ كانَ مِمَّنْ لَهم عُذْرٌ شَرْعِيٌّ في تَرْكِ الهِجْرَةِ كالصِّبْيانِ والنِّساءِ والعُمْيانِ والمَحْبُوسِينَ واَلَّذِينَ يُخَوِّفُهُمُ المُخالِفُونَ بِالقَتْلِ أوْ قَتْلِ الأوْلادِ أوِ الآباءِ أوِ الأُمَّهاتِ تَخْوِيفًا يُظَنُّ مَعَهُ إيقاعُ ما خَوَّفُوا بِهِ غالِبًا، سَواءٌ كانَ هَذا القَتْلُ بِضَرْبِ العُنُقِ أوْ بِحَبْسِ القُوتِ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ المُكْثُ مَعَ المُخالِفِ والمُوافِقَةِ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ويَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْعى في الحِيلَةِ لِلْخُرُوجِ والفِرارِ بِدِينِهِ ولَوْ كانَ التَّخْوِيفُ بِفَواتِ المَنفَعَةِ أوْ بِلُحُوقِ المَشَقَّةِ الَّتِي يُمْكِنُهُ تَحَمُّلُها كالحَبْسِ مَعَ القُوتِ والضَّرْبِ القَلِيلِ الغَيْرِ المُهْلِكِ لا يَجُوزُ لَهُ مُوافَقَتُهم. وفِي صُورَةِ الجَوازِ أيْضًا مُوافَقَتُهم رُخْصَةٌ وإظْهارُ مَذْهَبِهِ عَزِيمَةٌ فَلَوْ تَلِفَتْ نَفْسُهُ لِذَلِكَ فَإنَّهُ شَهِيدٌ قَطْعًا، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّها رُخْصَةٌ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: صفحة 122 «”أنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ أخَذَ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لِأحَدِهِما: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ، ثُمَّ دَعا بِالآخَرِ فَقالَ لَهُ: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ:، نَعَمْ فَقالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: إنِّي أصَمُّ، قالَها ثَلاثًا، وفي كُلٍّ يُجِيبُهُ بِأنِّي أصَمُّ فَضَرَبَ عُنُقَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أمّا هَذا المَقْتُولُ فَقَدْ مَضى عَلى صِدْقِهِ ويَقِينِهِ وأُخِذَ بِفَضْلِهِ فَهَنِيئًا لَهُ، وأمّا الآخَرُ فَقَدْ رَخَّصَهُ اللَّهُ تَعالى فَلا تَبِعَةَ عَلَيْهِ“». وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَقَدِ اِخْتَلَفَ العُلَماءُ في وُجُوبِ الهِجْرَةِ وعَدَمِهِ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ وبِدَلِيلِ النَّهْيِ عَنْ إضاعَةِ المالِ، وقالَ قَوْمٌ: لا تَجِبُ، إذِ الهِجْرَةُ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ مَصْلَحَةٌ مِنَ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا يَعُودُ مِن تَرْكِها نُقْصانٌ في الدِّينِ لِاتِّحادِ المِلَّةِ وعَدُوُّهُ القَوِيُّ المُؤْمِنُ لا يَتَعَرَّضُ لَهُ بِالسُّوءِ مِن حَيْثُ هو مُؤْمِنٌ، وقالَ بَعْضُهُمِ: الحَقُّ أنَّ الهِجْرَةَ هُنا قَدْ تَجِبُ أيْضًا إذا خافَ هَلاكَ نَفْسِهِ أوْ أقارِبِهِ أوْ هَتْكَ حُرْمَتِهِ بِالإفْراطِ، ولَكِنْ لَيْسَتْ عِبادَةً وقُرْبَةً حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْها الثَّوابُ فَإنَّ وُجُوبَها لِمَحْضِ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ لِذَلِكَ المُهاجِرِ لا لِإصْلاحِ الدِّينِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْها الثَّوابُ ولَيْسَ كُلُّ واجِبٍ يُثابُ عَلَيْهِ لِأنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ كُلَّ واجِبٍ لا يَكُونُ عِبادَةً بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الواجِباتِ ما لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوابٌ كالأكْلِ عِنْدَ شِدَّةِ المَجاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَضَرّاتِ المَعْلُومَةِ أوِ المَظْنُونَةِ في المَرَضِ، وعَنْ تَناوُلِ السُّمُومِ في حالِ الصِّحَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الهِجْرَةِ أيْضًا مِن هَذا القَبِيلِ ولَيْسَتْ هي كالهِجْرَةِ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ لِتَكُونَ مُسْتَوْجَبَةً بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِثَوابِ الآخِرَةِ. وعَدَّ قَوْمٌ مِن بابِ التَّقِيَّةِ مُداراةَ الكُفّارِ والفَسَقَةِ والظَّلَمَةِ وإلانَةَ الكَلامِ لَهم والتَّبَسُّمَ في وُجُوهِهِمْ والِانْبِساطَ مَعَهم وإعْطاءَهم لِكَفِّ أذاهم وقَطْعِ لِسانِهِمْ وصِيانَةِ العِرْضِ مِنهم ولا يُعَدُّ ذَلِكَ مِن بابِ المُوالاةِ المَنهِيِّ عَنْها بَلْ هي سُنَّةٌ وأمْرٌ مَشْرُوعٌ، فَقَدْ رَوى الدَّيْلَمِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي بِمُداراةِ النّاسِ كَما أمَرَنِي بِإقامَةِ الفَرائِضِ“،» وفي رِوايَةٍ: «”بُعِثْتُ بِالمُداراةِ“،» وفي «اَلْجامِعِ»: «”سَيَأْتِيكم رَكْبٌ مُبْغِضُونَ فَإذا جاءُوكم فَرَحِّبُوا بِهِمْ“،» ورَوى اِبْنُ أبِي الدُّنْيا: «”رَأْسُ العَقْلِ بَعْدَ الإيمانِ بِاَللَّهِ تَعالى مُداراةُ النّاسِ“،» وفي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ: «”رَأسُ العَقْلِ المُداراةُ“،» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ: «”مُداراةُ النّاسِ صَدَقَةٌ“،» وفي رِوايَةٍ لَهُ: «”ما وقى بِهِ المُؤْمِنُ عِرْضَهُ فَهو صَدَقَةٌ“،» وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ: «”مَن عاشَ مُدارِيًا ماتَ شَهِيدًا قُوا بِأمْوالِكم أعْراضِكم ولِيُصانِعْ أحَدُكم بِلِسانِهِ عَنْ دِينِهِ“،» وعَنْ بُرْدَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «”اِسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنا عِنْدَهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِئْسَ اِبْنُ العَشِيرَةِ أوْ أخُو العَشِيرَةِ ثُمَّ أذِنَ لَهُ فَألانَ لَهُ القَوْلَ فَلَمّا خَرَجَ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ ما قُلْتَ ثُمَّ ألَنْتَ لَهُ القَوْلَ؟ فَقالَ: يا عائِشَةُ إنَّ مِن أشَرِّ النّاسِ مَن يَتْرُكُهُ النّاسُ أوْ يَدَعُهُ النّاسُ اِتِّقاءَ فُحْشِهِ“». وفِي «اَلْبُخارِيِّ» عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: ”إنّا لَنُكَشِّرُ في وُجُوهِ أقْوامٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنُهم“، وفي رِوايَةِ الكُشْمَيْهَنِيِّ: ”وإنَّ قُلُوبَنا لَتَقْلِيهِمْ“، وفي رِوايَةِ اِبْنِ أبِي الدُّنْيا وإبْراهِيمَ الحَرَمِيِّ بِزِيادَةٍ: ”ونَضْحَكُ إلَيْهِمْ“، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ لَكِنْ لا تَنْبَغِي المُداراةُ إلى حَيْثُ يُخْدَشُ الدِّينُ ويُرْتَكَبُ المُنْكَرُ وتُسِيءُ الظُّنُونُ. ووَراءَ هَذا التَّحْقِيقِ قَوْلانِ لِفِئَتَيْنِ مُتَبايِنَتَيْنِ مِنَ النّاسِ وهُمُ الخَوارِجُ والشِّيعَةُ، أمّا الخَوارِجُ فَذَهَبُوا إلى أنَّهُ لا تَجُوزُ التَّقِيَّةُ بِحالٍ ولا يُراعى المالُ وحِفْظُ النَّفْسِ والعِرْضِ في مُقابَلَةِ الدِّينِ أصْلًا ولَهم تَشْدِيداتٌ في هَذا البابِ عَجِيبَةٌ مِنها أنَّ أحَدًا لَوْ كانَ يُصَلِّي وجاءَ سارِقٌ أوْ غاصِبٌ لِيَسْرِقَ أوْ يَغْصِبَ مالَهُ الخَطِيرَ لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُها، وطَعَنُوا عَلى بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ صَحابِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يُحافِظُ فَرَسَهُ صفحة 123 فِي صِلاتِهِ كَيْ لا يَهْرُبَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا المَذْهَبَ مِنَ التَّفْرِيطِ بِمَكانٍ، وأمّا الشِّيعَةُ فَكَلامُهم مُضْطَرِبٌ في هَذا المَقامِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها جائِزَةٌ في الأقْوالِ كُلِّها عِنْدَ الضَّرُورَةِ ورُبَّما وجَبَتْ فِيها لِضَرْبٍ مِنَ اللُّطْفِ والِاسْتِصْلاحِ ولا تَجُوزُ في الأفْعالِ كَقَتْلِ المُؤْمِنِ ولا فِيما يُعْلَمُ أوْ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ إفْسادٌ في الدِّينِ؛ وقالَ المُفِيدُ: إنَّها قَدْ تَجِبُ أحْيانًا وقَدْ يَكُونُ فِعْلُها في وقْتٍ أفْضَلَ مِن تَرْكِها وقَدْ يَكُونُ تَرْكُها أفْضَلَ مِن فِعْلِها، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ: إنَّ ظاهِرَ الرِّواياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّها واجِبَةٌ عِنْدَ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّها واجِبَةٌ عِنْدَ الخَوْفِ عَلى المالِ أيْضًا ومُسْتَحَبَّةٌ لِصِيانَةِ العِرْضِ حَتّى يُسَنَّ لِمَنِ اِجْتَمَعَ مَعَ أهْلِ السُّنَّةِ أنْ يُوافِقَهم في صَلاتِهِمْ وصِيامِهِمْ وسائِرِ ما يَدِينُونَ بِهِ، ورَوَوْا عَنْ بَعْضِ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ: «مَن صَلّى وراءَ سُنِّيٍّ تَقِيَّةً فَكَأنَّما صَلّى وراءَ نَبِيٍّ»، وفي وُجُوبِ قَضاءِ تِلْكَ الصَّلاةِ عِنْدَهم خِلافٌ، وكَذا في وُجُوبِ قَضاءِ الصَّوْمِ عَلى مَن أفْطَرَ تَقِيَّةً حَيْثُ لا يَحُلُّ الإفْطارُ قَوْلانِ أيْضًا، وفي أفْضَلِيَّةِ التَّقِيَّةِ مِن سُنِّيٍّ واحِدٍ صِيانَةً لِمَذْهَبِ الشِّيعَةِ عَنِ الطَّعْنِ خِلافٌ أيْضًا، وأفْتى كَثِيرٌ مِنهم بِالأفْضَلِيَّةِ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى جَوازِ بَلْ وُجُوبِ إظْهارِ الكُفْرِ لِأدْنى مَخافَةٍ أوْ طَمَعٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ الإفْراطِ بِمَكانٍ، وحَمَّلُوا أكْثَرَ أفْعالِ الأئِمَّةِ مِمّا يُوافِقُ مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ ويَقُومُ بِهِ الدَّلِيلُ عَلى رَدِّ مَذْهَبِ الشِّيعَةِ عَلى التَّقِيَّةِ وجَعَلُوا هَذا أصْلًا أصِيلًا عِنْدَهم وأسَّسُوا عَلَيْهِ دِينَهم وهو الشّائِعُ الآنَ فِيما بَيْنَهم حَتّى نَسَبُوا ذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ وجُلُّ غَرَضِهِمْ مِن ذَلِكَ إبْطالُ خِلافَةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ويَأْبى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ. فَفِي كُتُبِهِمْ ما يُبْطِلُ كَوْنَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وبَنِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَوِي تَقِيَّةٍ بَلْ ويُبْطِلُ أيْضًا فَضْلَها الَّذِي زَعَمُوهُ، فَفي كِتابِ «نَهْجِ البَلاغَةِ» الَّذِي هو أصَحُّ الكُتُبِ بَعْدَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى في زَعْمِهِمْ: أنَّ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، قالَ: عَلامَةُ الإيمانِ إيثارُكَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلى الكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ، وأيْنَ هَذا مِن تَفْسِيرِهِمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ بِأكْثَرِكم تَقِيَّةً؟! وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: إنِّي واَللَّهِ لَوْ لَقِيتُهم واحِدًا وهم طِلاعُ الأرْضِ كُلِّها ما بالَيْتُ ولا اِسْتَوْحَشْتُ وإنِّي مِن ضَلالَتِهِمُ الَّتِي هم فِيها والهُدى الَّذِي أنا عَلَيْهِ لَعَلى بَصِيرَةٍ مِن نَفْسِي ويَقِينٍ مِن رَبِّي وإلى لِقاءِ اللَّهِ تَعالى وحُسْنِ ثَوابِهِ لَمُنْتَظِرٌ راجٍ. وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأمِيرَ لَمْ يَخَفْ وهو مُنْفَرِدٌ مِن حَرْبِ الأعْداءِ وهم جُمُوعٌ، ومِثْلُهُ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَتَأتّى فِيما فِيهِ هَدْمُ الدِّينِ. ورَوى العَيّاشِيُّ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أعْيُنٍ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أنَّهُ قالَ: تَوَضَّأ رَجُلٌ ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَجاءَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَوَجَأ عَلى رَقَبَتِهِ فَقالَ: ويْلُكَ تُصَلِّي وأنْتَ عَلى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَقالَ: أمَرَنِي عُمَرُ، فَأخَذَ بِيَدِهِ فانْتَهى إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اُنْظُرْ ما يَقُولُ هَذا عَنْكَ ورَفَعَ صَوْتَهُ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقالَ عُمَرُ: أنا أمَرْتُهُ بِذَلِكَ فانْظُرْ كَيْفَ رَفَعَ الصَّوْتَ وأنْكَرَ ولَمْ يَتَأقَّ. ورَوى الرّاوَنْدِيُّ شارِحُ «نَهْجِ البَلاغَةِ» ومُعْتَقِدُ الشِّيعَةِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ أنَّ عَلِيًّا بَلَغَهُ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ ذَكَرَ شِيعَتَهُ فاسْتَقْبَلَهُ في بَعْضِ طُرُقاتِ بَساتِينِ المَدِينَةِ وفي يَدِ عَلِيٍّ قَوْسٌ فَقالَ: يا عُمَرُ بَلَغَنِي عَنْكَ ذِكْرَكَ لِشِيعَتِي، فَقالَ: أرْبَعٌ عَلى صَلْعَتِكَ، فَقالَ عَلِيٌّ إنَّكَ هَهُنا ثُمَّ رَمى بِالقَوْسِ عَلى الأرْضِ فَإذا هي ثُعْبانٌ كالبَعِيرِ فاغِرًا فاهُ، وقَدْ أقْبَلَ نَحْوَ عُمَرَ لِيَبْتَلِعَهُ، فَقالَ عُمَرُ: اللَّهَ اللَّهَ يا أبا الحَسَنِ لا عُدْتُّ بَعْدَها في شَيْءٍ فَجَعَلَ يَتَضَرَّعُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى الثُّعْبانِ فَعادَتِ القَوْسُ كَما كانَتْ فَمَضى عُمَرُ إلى بَيْتِهِ، قالَ سَلْمانُ: فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ دَعانِي عَلِيٌّ فَقالَ: سِرْ إلى عُمَرَ فَإنَّهُ حُمِلَ إلَيْهِ مالٌ مِن ناحِيَةِ المَشْرِقِ وقَدْ عَزَمَ أنْ يُخَبِّئَهُ فَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ عَلِيٌّ: أخْرِجْ ما حُمِلَ إلَيْكَ مِنَ المَشْرِقِ فَفَرِّقْهُ عَلى مَن هو لَهم ولا، تُخَبِّهِ فَأفْضَحَكَ قالَ سَلْمانُ: فَمَضَيْتُ إلَيْهِ وأدَّيْتُ الرِّسالَةَ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ أمْرِ صاحِبِكَ مِن أيْنَ صفحة 124 عَلِمَ بِهِ؟ فَقُلْتُ وهَلْ يَخْفى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذا؟ فَقالَ: يا سَلْمانُ اِقْبَلْ عَنِّي ما أقُولُ لَكَ ما عَلِيٌّ إلّا ساحِرٌ، وإنِّي لِمُسْتَيْقِنٌ بِكَ والصَّوابُ أنْ تُفارِقَهُ وتَصِيرُ مِن جُمْلَتِنا، قُلْتُ: لَيْسَ كَما قُلْتَ لَكِنَّهُ ورِثَ مِن أسْرارِ النُّبُوَّةِ ما قَدْ رَأيْتَ مِنهُ وعِنْدَهُ أكْثَرُ مِن هَذا، قالَ: اِرْجِعْ إلَيْهِ فَقُلِ: السَّمْعُ والطّاعَةُ لِأمْرِكَ فَرَجَعْتُ إلى عَلِيٍّ، فَقالَ: أُحَدِّثُكَ عَمّا جَرى بَيْنَكُما، فَقُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ مِنِّي فَتَكَلَّمَ بِما جَرى بَيْنَنا، ثُمَّ قالَ: إنَّ رُعْبَ الثُّعْبانِ في قَلْبِهِ إلى أنْ يَمُوتَ، وفي هَذِهِ الرِّوايَةِ ضَرْبُ عُنُقِ التَّقِيَّةِ أيْضًا إذْ صاحِبُ هَذِهِ القَوْسِ تُغْنِيهِ قَوْسُهُ عَنْها ولا تَحُوجُهُ أنْ يُزَوِّجَ اِبْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ مِن عُمَرَ خَوْفًا مِنهُ وتَقِيَّةً. ورَوى الكُلَيْنِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: «إنِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ كِتابًا فَقالَ جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ هَذِهِ وصَّيْتُكَ إلى النُّجَباءِ فَقالَ: ومَنِ النُّجَباءُ يا جِبْرِيلُ؟ فَقالَ: عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ووَلَدُهُ وكانَ عَلى الكِتابِ خَواتِمُ مِن ذَهَبٍ فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى عَلِيٍّ وأمَرَهُ أنْ يَفُكَّ خاتَمًا مِنهُ فَيَعْمَلُ بِما فِيهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى الحَسَنِ فَفَكَّ مِنهُ خاتَمًا فَعَمِلَ بِما فِيهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى الحُسَيْنِ فَفَكَّ خاتَمًا فَوَجَدَ فِيهِ أنِ اُخْرُجْ بِقَوْمِكَ إلى الشَّهادَةِ فَلا شَهادَةَ لَهم إلّا مَعَكَ واشْتَرِ نَفْسَكَ لِلَّهِ تَعالى فَفَعَلَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ فَفَكَّ خاتَمًا فَوَجَدَ فِيهِ أنِ اُطْرُقْ واصْمُتْ والزَمْ مَنزِلَكَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ فَفَعَلَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى اِبْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَفَكَّ خاتَمًا فَوَجَدَ فِيهِ حَدِّثِ النّاسَ وأفْتِهِمْ وانْشُرْ عُلُومَ أهْلِ بَيْتِكَ وصَدِّقْ آباءَكَ الصّالِحِينَ ولا تَخافَنَّ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى فَإنَّهُ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ عَلَيْكَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى جَعْفَرٍ الصّادِقِ فَفَكَّ خاتَمًا فَوَجَدَ فِيهِ حَدِّثِ النّاسَ وافْتِهِمْ ولا تَخافَنَّ إلّا اللَّهَ تَعالى وانْشُرْ عُلُومَ أهْلِ بَيْتِكَ وصَدِّقْ آباءَكَ الصّالِحِينَ فَإنَّكَ في حِرْزٍ وأمانٍ فَفَعَلَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى مُوسى وهَكَذا إلى المَهْدِيِّ». ورَواهُ مِن طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ مُعاذٍ أيْضًا عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ، وفي الخاتَمِ الخامِسِ: وقُلِ الحَقَّ في الأمْنِ والخَوْفِ ولا تَخْشَ إلّا اللَّهَ تَعالى، وهَذِهِ الرِّوايَةُ أيْضًا صَرِيحَةٌ بِأنَّ أُولَئِكَ الكِرامَ لَيْسَ دِينُهُمِ التَّقِيَّةَ كَما تَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ. ورَوى سَلِيمُ بْنُ قَيْسٍ الهِلالِيُّ الشِّيعِيُّ مِن خَبَرٍ طَوِيلٍ أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قالَ: لَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومالَ النّاسُ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَبايَعُوهُ حَمَلَتْ فاطِمَةُ وأخَذَتْ بِيَدِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ ولَمْ تَدَعْ أحَدًا مِن أهْلِ بَدْرٍ وأهْلِ السّابِقَةِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إلّا ناشَدَتْهُمُ اللَّهَ تَعالى حَقِّي ودَعَوَتْهم إلى نُصْرَتِي، فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي مِن جَمِيعِ النّاسِ إلّا أرْبَعَةٌ: الزُّبَيْرُ وسَلْمانُ وأبُو ذَرٍّ والمِقْدادُ، وهَذِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقِيَّةَ لَمْ تَكُنْ واجِبَةً عَلى الإمامِ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ عِنْدَ مَن بايَعَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيهِ ما فِيهِ. وفِي «كِتابِ أبانَ بْنِ عَيّاشٍ» أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَعَثَ إلى عَلِيٍّ قُنْفُذًا حِينَ بايَعَهُ النّاسُ ولَمْ يُبايِعْهُ عَلِيٌّ، وقالَ: اِنْطَلِقْ إلى عَلِيٍّ وقُلْ لَهُ أجِبْ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فانْطَلَقَ فَبَلَّغَهُ، فَقالَ لَهُ: ما أسْرَعَ ما كَذَبْتُمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وارْتَدَدْتُمْ واَللَّهِ ما اِسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرِي، وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ لَمّا يُجِبْ عَلى غَضَبِ عُمَرَ وأضْرَمَ النّارَ بِبابِ عَلِيٍّ وأحْرَقَهُ ودَخَلَ فاسْتَقْبَلَتْهُ فاطِمَةُ وصاحَتْ يا أبَتاهُ ويا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ عُمَرُ السَّيْفَ وهو في غِمْدِهِ فَوَجَأ بِهِ جَنْبَها المُبارَكَ ورَفَعَ السَّوْطَ فَضَرَبَ بِهِ ضِرْعَها فَصاحَتْ يا أبَتاهُ فَأخَذَ عَلِيٌّ بِتَلابِيبِ عُمَرَ وهَزَّهُ ووَجَأ أنْفَهُ ورَقَبَتَهُ، وفِيهِ أيْضًا أنَّ عُمَرَ قالَ لِعَلِيٍّ: بايِعْ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إنْ لَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ؟ قالَ: إذًا واَللَّهِ تَعالى لَأضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، قالَ: كَذَبْتَ واَللَّهِ يا اِبْنِ صُهاكَ لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ أنْتَ ألْأمُ وأضْعَفُ مِن ذَلِكَ، فَهَذِهِ الرِّواياتُ تَدُلُّ صَرِيحًا أنَّ التَّقِيَّةَ بِمَراحِلَ عَنْ ذَلِكَ الإمامِ إذْ لا مَعْنى لِهَذِهِ المُناقَشَةِ والمُسابَّةِ مَعَ وُجُوبِ التَّقِيَّةِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قالَ لِعُمَرَ: يا مَغْرُورُ إنِّي أراكَ في الدُّنْيا قَتِيلًا بِجِراحَةٍ مِن عِنْدِ أُمِّ مَعْمَرٍ تَحْكُمُ عَلَيْهِ جَوْرًا فَيَقْتُلُكَ ويَدْخُلُ بِذَلِكَ الجَنانَ عَلى رَغْمٍ مِنكَ. صفحة 125 ورَوِيَ أيْضًا أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ مَرَّةً: إنَّ لَكَ ولِصاحِبِكَ الَّذِي قُمْتَ مَقامَهُ هَتْكًا وصَلْبًا تَخْرُجانِ مِن جِوارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتُصْلَبانِ عَلى شَجَرَةٍ يابِسَةٍ فَتُورِقُ فَيُفْتَتَنُ بِذَلِكَ مَن والاكُما ثُمَّ يُؤْتى بِالنّارِ الَّتِي أُضْرِمَتْ لِإبْراهِيمَ ويَأْتِي جُرْجِيسُ ودانْيالُ وكُلُّ نَبِيٍّ وصِدِّيقٍ فَتُصْلَبانِ فِيها فَتُحْرَقانِ وتَصِيرانِ رَمادًا ثُمَّ تَأْتِي رِيحٌ فَتَنْسِفُكُما في اليَمِّ نَسْفًا، فانْظُرْ بِاَللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ مَن يَرْوِي هَذِهِ الأكاذِيبَ عَنِ الإمامِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ هَلْ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَقُولَ بِنِسْبَةِ التَّقِيَّةِ إلَيْهِ سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى، هَذا العَجَبُ العُجابُ والدّاءُ العُضالُ. ومِمّا يَرُدُّ قَوْلَهم أيْضًا أنَّ التَّقِيَّةَ لا تَكُونُ إلّا لِخَوْفٍ، والخَوْفُ قِسْمانِ: الأوَّلُ: الخَوْفُ عَلى النَّفْسِ وهو مُنْتَفٍ في حَقِّ حَضَراتِ الأئِمَّةِ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مَوْتَهُمُ الطَّبِيعِيَّ بِاخْتِيارِهِمْ كَما أثْبَتَ هَذِهِ المَسْألَةَ الكُلَيْنِيُّ في «اَلْكافِي»، وعَقَدَ لَها بابًا وأجْمَعَ عَلَيْها سائِرُ الإمامِيَّةِ، وثانِيهُما: أنَّ الأئِمَّةَ يَكُونُ لَهم عِلْمٌ بِما كانَ وما يَكُونُ فَهم يَعْلَمُونَ آجالَهم وكَيْفِيّاتِ مَوْتِهِمْ وأوْقاتَهُ بِالتَّفْصِيلِ والتَّخْصِيصِ فَقَبْلَ وقْتِهِ لا يَخافُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ويَتَأقَّوْنَ في دِينِهِمْ ويَغُرُّونَ عَوامَّ المُؤْمِنِينَ، القِسْمُ الثّانِي: خَوْفُ المَشَقَّةِ والإيذاءِ البَدَنِيِّ والسَّبِّ والشَّتْمِ وهَتْكِ الحُرْمَةِ ولا شَكَّ أنَّ تَحَمُّلَ هَذِهِ الأُمُورِ والصَّبْرَ عَلَيْها وظِيفَةُ الصُّلَحاءِ فَقَدْ كانُوا يَتَحَمَّلُونَ البَلاءَ دائِمًا في اِمْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى ورُبَّما قابَلُوا السَّلاطِينَ الجَبابِرَةَ، وأهْلُ البَيْتِ النَّبَوِيِّ أوْلى بِتَحَمُّلِ الشَّدائِدِ في نُصْرَةِ دَيْنِ جَدِّهِمْ ﷺ. وأيْضًا لَوْ كانَتِ التَّقِيَّةُ واجِبَةً لَمْ يَتَوَقَّفْ إمامُ الأئِمَّةِ عَنْ بَيْعَةِ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ أشْهُرٍ وماذا مَنَعَهُ مِن أداءِ الواجِبِ أوَّلَ وهْلَةٍ. ومِمّا يَرُدُّ قَوْلَهم في نِسْبَةِ التَّقِيَّةِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالمَعْنى الَّذِي أرادَهُ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِن النّاسِ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، نَعَمْ لَوْ أرادُوا بِالتَّقِيَّةِ المُداراةَ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها لَكانَ لِنِسْبَتِها إلى الأنْبِياءِ والأئِمَّةِ وجْهٌ، وهَذا أحَدُ مَحْمَلَيْنِ لِما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: التَّقِيَّةُ جائِزَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والثّانِي: حَمْلُ التَّقِيَّةِ عَلى ظاهِرِها وكَوْنُها جائِزَةً إنَّما هو عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. ومِنَ النّاسِ مَن أوْجَبَ نَوْعًا مِنَ التَّقِيَّةِ خاصًّا بِخَواصِّ المُؤْمِنِينَ وهو حِفْظُ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ عَنِ الإفْشاءِ لِلْأغْيارِ المُوجِبِ لِمَفاسِدَ كُلِّيَّةٍ فَتَراهم مَتى سُئِلُوا عَنْ سِرٍّ أبْهَمُوهُ وتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَوْ عُرِضَ عَلى العامَّةِ بَلْ وعَلى عُلَمائِهِمْ ما فَهِمُوهُ، وأفْرَغُوهُ بِقَوالِبَ لا يَفْهَمُ المُرادَ مِنها إلّا مَن حَسى مِن كَأْسِهِمْ أوْ تَعَطَّرَتْ أرْجاءُ فُؤادِهِ مِن عَبِيرِ عَنْبَرِ أنْفاسِهِمْ، وهَذا وإنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ضَلالُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ وانْجَرَّ إلى الطَّعْنِ بِأُولَئِكَ السّادَةِ الأكْياسِ حَتّى رَمى الكَثِيرَ مِنهم بِالزَّنْدَقَةِ وأفْتى بِقَتْلِهِمْ مَن سَمِعَ كَلامَهم وما حَقَّقَهُ إلّا أنَّهم رَأوْا هَذا دُونَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإفْشاءِ مِنَ المَفاسِدِ الَّتِي تَعُمُّ الأرْضَ: وحَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ وكَتْمُ الأسْرارِ عَنْ أهْلِها فِيهِ فَواتُ خَيْرٍ عَظِيمٍ ومُوجِبٌ لِعَذابٍ ألِيمٍ، وقَدْ يُقالُ: لَيْسَ هَذا مِن بابِ التَّقِيَّةِ في شَيْءٍ إلّا أنَّ القَوْمَ تَكَلَّمُوا بِما طَفَحَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ وظَهَرَ عَلى عَلانِيَتِهِمْ وكانَتِ المَعانِي المُرادَةُ لَهم بِحَيْثُ تَضِيقُ عَنْها العِبارَةُ ولا يَحُومُ حَوْلَ حِماها سِوى الإشارَةِ، ومَن حَذا حَذْوَهم واقْتَفى في التَّجَرُّدِ إثْرَهم فَهِمَ ما قالُوا وتَحَقَّقَ ما إلَيْهِ مالُوا، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ذَكَرَهُ الشَّعَرانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في «اَلدُّرَرُ المَنثُورَةُ في بَيانِ زُبْدَةِ العُلُومِ المَشْهُورَةِ» مِمّا نَصُّهُ، وأمّا زُبْدَةُ عِلْمِ التَّصَوُّفِ الَّذِي وضَعَ القَوْمَ فِيهِ رَسائِلَهم فَهو نَتِيجَةُ العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ فَمَن عَمِلَ بِما عَلِمَ تَكَلَّمَ كَما تَكَلَّمُوا وصارَ جَمِيعُ ما قالُوهُ بَعْضَ ما عِنْدَهُ لِأنَّهُ كُلَّما تَرَقّى العَبْدُ في بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى دَقَّ كَلامِهِ عَلى الأفْهامِ حَتّى قالَ بَعْضُهم لِشَيْخِهِ: إنَّ كَلامَ أخِي فُلانٍ يَدِقُّ عَلَيَّ فَهْمُهُ فَقالَ: لِأنَّ لَكَ قَمِيصَيْنِ ولَهُ قَمِيصٌ واحِدٌ فَهو أعْلى مَرْتَبَةً مِنكَ، وهَذا هو الَّذِي دَعا صفحة 126 الفُقَهاءُ ونَحْوُهم مِن أهْلِ الحِجابِ إلى تَسْمِيَةِ عِلْمِ الصُّوفِيَّةِ بِعِلْمِ الباطِنِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِباطِنٍ إذِ الباطِنُ إنَّما هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى وأمّا جَمِيعُ ما عَلِمَهُ الخَلْقُ عَلى اِخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ فَهو مِن عِلْمِ الظّاهِرِ لِأنَّهُ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ فاعْلَمْ ذَلِكَ، اِنْتَهى. فَعَلى هَذا، الإنْكارُ عَلى القَوْمِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ. ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أيْ عِقابَ نَفْسِهِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ مُشْعِرٌ بِتَناهِي المَنهِيِّ عَنْهُ في القُبْحِ حَيْثُ عَلَّقَ التَّحْذِيرَ بِنَفْسِهِ. وإطْلاقُ النَّفْسِ عَلَيْهِ تَعالى بِالمَعْنى الَّذِي أرادَهُ جائِزٌ مِن غَيْرِ مُشاكَلَةٍ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: النَّفْسُ بِمَعْنى الذّاتِ وجَوازُ إطْلاقِهِ حِينَئِذٍ بِلا مُشاكَلَةٍ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ بِعَدَمِ الجَوازِ وإنْ أُرِيدَ بِهِ الذّاتُ إلّا مُشاكَلَةً. ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [ 28 ] أيِ المَرْجِعُ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، قِيلَ: والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلى حُكْمِهِ أوْ جَزائِهِ ولَيْسَ بِاللّازِمِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومُحَقِّقٌ لِوُقُوعِهِ حَتْمًا.

آل عمران 3:29

﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ﴾ أيْ تَسُرُّوا ما في قُلُوبِكم مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها وِلايَةُ الكُفّارِ، وإنَّما ذَكَرَ الصَّدْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ القَلْبِ ﴿أوْ تُبْدُوهُ﴾ أيْ تُظْهِرُوهُ فِيما بَيْنَكم. ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ فَيُؤاخِذُكم بِهِ عِنْدَ مَصِيرِكم إلَيْهِ ولا يَنْفَعُكم إخْفاؤُهُ، وتَقْدِيمُ الإخْفاءِ عَلى الإبْداءِ قَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى سِرِّهِ، ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مِن إيرادِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ تَأْكِيدًا لَهُ وتَقْرِيرًا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ 29 ] إثْباتٌ لِصِفَةِ القُدْرَةِ بَعْدَ إثْباتِ صِفَةِ العِلْمِ وبِذَلِكَ يَكْمُلُ وجْهُ التَّحْذِيرِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ لِأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ مُحِيطٍ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها وقُدْرَةٍ ذاتِيَّةٍ شامِلَةٍ لَلْمَقْدُوراتِ بِأسْرِها فَلا تَجْسُرُوا عَلى عِصْيانِهِ ومُوالاةِ أعْدائِهِ إذْ ما مِن مَعْصِيَةٍ خَفِيَّةٍ كانَتْ أوْ ظاهِرَةٍ إلّا وهو مُطَّلِعٌ عَلَيْها وقادِرٌ عَلى العِقابِ بِها، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِما عَلِمْتَ.

آل عمران 3:30

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِنَ النُّفُوسِ المُكَلَّفَةِ ﴿ما عَمِلَتْ﴾ في الدُّنْيا ﴿مِن خَيْرٍ﴾ وإنْ كانَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴿مُحْضَرًا﴾ لَدَيْها مُشاهَدًا في الصُّحُفِ، وقِيلَ: ظاهِرًا في صُوَرٍ، وقِيلَ: تَجِدُ جَزاءَ أعْمالِها مُحْضَرًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لَيْسَ في حاضِرًا وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (تَجِدُ)، ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ما عَمِلَتْ﴾ و﴿مُحْضَرًا﴾ مَحْضَرٌ فِيهِ مَعْنًى إلّا أنَّهُ خُصَّ بِالذِّكْرِ في الخَيْرِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ الخَيْرِ مُرادًا بِالذّاتِ وكَوْنِ إحْضارِ الشَّرِّ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ، وتَقْدِيرُ ﴿مُحْضَرًا﴾ في النَّظْمِ وحَذْفُهُ لِلِاقْتِصارِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في الأوَّلِ مِمّا قالَهُ الأكْثَرُونَ ويَكُونُ مِنَ العَطْفِ عَلى المَفْعُولَيْنِ وهو جائِزٌ كَما في «اَلدُّرِّ المَصُونِ» ولَمْ يَجْعَلُوهُ مِن قَبِيلِ عَلِمْتُ زَيْدًا فاضِلًا وعَمْرًا، وهو لَيْسَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ بَلْ مِن قَبِيلِ زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو وهو مِمّا حُذِفَ فِيهِ الخَبَرُ، كَما صَرَّحُوا بِهِ فَيَلْزَمُ الِاقْتِصارُ ضَرُورَةً، والفَرْقُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والمَفْعُولِ في هَذا البابِ وهْمٌ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (تَجِدُ) بِمَعْنى تُصِيبُ فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ، و﴿مُحْضَرًا﴾ حالٌ، ﴿تَوَدُّ﴾ أيْ تَتَمَنّى وهو عامِلٌ في الظَّرْفِ أيْ تَتَمَنّى يَوْمَ ذَلِكَ، ﴿لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ﴾ أيْ بَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿أمَدًا بَعِيدًا﴾، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ (ما عَمِلَتْ) لِقُرْبِهِ ولِأنَّ اليَوْمَ أُحْضِرَ فِيهِ الخَيْرُ والشَّرُّ والمُتَمَنِّي بَعْدَ الشَّرِّ لا ما فِيهِ مُطْلَقًا فَلا يَحْسُنُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ اليَوْمَ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ في «اَلْبَحْرِ»، صفحة 127 ورُدَّ بِأنَّهُ أبْلَغَ لِأنَّهُ يَوَدُّ البُعْدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اليَوْمِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ لِئَلّا يُرى ما فِيهِ مِنَ السُّوءِ. واَلْأمَدُ غايَةُ الشَّيْءِ ومُنْتَهاهُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأبَدِ أنَّ الأبَدَ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، والأمَدُ مُدَّةٌ لَها حَدٌّ مَجْهُولٌ والمُرادُ هُنا الغايَةُ الطَّوِيلَةُ، وقِيلَ: مِقْدارُ العُمْرِ، وقِيلَ: قَدْرُ ما يُذْهَبُ بِهِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالأمَدِ البَعِيدِ المَسافَةُ البَعِيدَةُ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، فالتَّمَنِّي هُنا مِن قَبِيلِ التَّمَنِّي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ وهَذا الَّذِي ذُكِرَ في نَظْمِ الآيَةِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ الظّاهِرُ في بادِئِ الرَّأْيِ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرٍ اِخْتَلَفَ النُّحاةُ في جَوازِهِ وهو كَوْنُ الفاعِلِ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى ما اِتَّصَلَ بِهِ مَعْمُولُ الفِعْلِ المُتَقَدِّمُ نَحْوَ غُلامُ هِنْدٍ ضَرَبَتْ هِيَ، والآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ عَلى ذَلِكَ التَّخْرِيجِ لِأنَّ الفاعِلَ بِ (يَوَدُّ) عائِدٌ عَلى شَيْءٍ اِتَّصَلَ بِمَعْمُولِ (يَوَدُّ) وهو يَوْمٌ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى ﴿تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾، والتَّقْدِيرُ: تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ يَوْمَ وِجْدانِها ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ مُحْضَرًا لَوْ أنَّ بَيْنَها الخ؛ وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ عَلى جَوازِ ذَلِكَ وهو الصَّحِيحُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: أجْلُ المَرْءِ يَسْتَحِثُّ ولا يَدْ رِي إذا يَبْتَغِي حُصُولَ الأمانِي أيِ المَرْءُ في وقْتِ اِبْتِغائِهِ حُصُولَ الأمانِي يَسْتَحِثُّ أجْلُهُ ولا يَدْرِي، والفَرّاءُ والأخْفَشُ وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ عَلى عَدَمِ الجَوازِ لِأنَّ هَذا المَعْمُولَ فَضْلَةٌ فَيَجُوزُ الِاسْتِغْناءُ عَنْهُ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى ما اِتَّصَلَ بِهِ يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَلْزَمُ ذِكْرُ المَعْمُولِ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ الفاعِلُ عَلى ما اِتَّصَلَ بِهِ ولا يَخْفى وهَنُهُ. وفِي الآيَةِ أوْجُهٌ أُخَرُ: مِنها: أنَّ ناصِبَ الظَّرْفِ ﴿قَدِيرٌ﴾، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ تَقْيِيدُ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهُ إذْ قَدِرَ في مِثْلِهِ عُلِمَ قُدْرَتُهُ في غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى. ومِنها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالمَصِيرِ أوْ بِالذِّكْرِ أوْ بِ (يُحَذِّرُكُمْ) مُقَدَّرًا فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ أوْ بِالعِقابِ المُضافِ الَّذِي أشْعَرَ بِهِ كَلامُ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وصَرَّحُوا بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِنَحْوِ اُذْكُرُوا يَجُوزُ في ﴿ما عَمِلَتْ﴾ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿تَوَدُّ﴾ وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (ما) الأُولى، وجُمْلَةُ ﴿تَوَدُّ﴾ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّ سائِلًا قالَ حِينَ أُمِرُوا بِذِكْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ: فَماذا يَكُونُ إذْ ذاكَ؟ فَقِيلَ: ﴿تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها﴾ الخ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ (تَجِدُ) أيِ اُذْكُرُوا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ مُحْضَرًا، وأدَّتْ تَباعُدَ ما بَيَّنَها وبَيْنَهُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿عَمِلَتْ﴾ لِقُرْبِهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الوِدادَ إنَّما هو وقْتُ وِجْدانِ العَمَلِ حاضِرًا في الآخِرَةِ لا وقْتُ العَمَلِ في الدُّنْيا، والحالِيَّةُ مِن ضَمِيرِ ﴿عَمِلَتْ﴾ تَقْتَضِيهِ فَلا وجْهَ لَها، وأُجِيبَ بِأنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى مَعْنى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ كَذا مُقَدَّرًا وِدادُهُ، أيْ حالَ كَوْنِهِ ثابِتًا في قَدَرِنا وِدادَهُ، فالوِدادُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُقارِنًا لِلْعَمَلِ إلّا أنَّ كَوْنَ الوِدادِ ثابِتًا في قَدَرِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ مُقارِنٌ لَهُ، وهَذا مِثْلَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ﴿عَمِلَتْ﴾ يَلْزَمُ تَخْصِيصُ العَمَلِ، والمَقامُ لا يُناسِبُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ القَصْدُ التَّخْصِيصَ بَلْ بَيانَ سُوءِ حالِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ ولا بَأْسَ بِهِ، وجَوَّزَ أيْضًا أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (ما) في ”ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ“ [ 30 ] شَرْطِيَّةً وإلى ذَلِكَ مالَ السَّفاقِسِيُّ ورَفَعَ ﴿تَوَدُّ﴾ لَيْسَ بِمانِعٍ لِأنَّهُ إذا كانَ الشَّرْطُ ماضِيًا والجَزاءُ مُضارِعًا جازَ في الجَزاءِ الرَّفْعُ والجَزْمُ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ إنِ الشَّرْطِيَّةَ وأسْماءِ الشَّرْطِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ رَفْعَ المُضارِعِ في الجَزاءِ شاذٌّ كَرَفْعِهِ في الشَّرْطِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ المُبَرِّدُ وشَهِدَ بِهِ الِاسْتِعْمالُ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ إلّا في قَوْلِ زُهَيْرٍ: (وإنْ) أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِيَ ولا حَرِمُ صفحة 128 فَلا يُسْتَسْهَلُ تَخْرِيجُ القِراءَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها عَلَيْهِ، نَعَمْ لا بَأْسَ بِتَخْرِيجِ الشَّواذِّ كَقِراءَةِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ بِرَفْعِ يُدْرِكُ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الشُّذُوذَ، وقَدْ ذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ الرَّفْعَ مَسْمُوعٌ كَثِيرًا في لِسانِ العَرَبِ حَتّى اِدَّعى بَعْضُ المَغارِبَةِ أنَّهُ أحْسَنُ مِنَ الجَزْمِ، وبَيْتُ زُهَيْرٍ مِثْلُهُ قَوْلُ أبِي صَخْرٍ: ولا بِاَلَّذِي إنْ بانَ مِنهُ حَبِيبُهُ ∗∗∗ يَقُولُ ويُخْفِي الصَّبْرَ إنِّي لَجازِعُ وقَوْلُ الآخَرِ: إنْ يُسْألُوا الخَيْرَ يُعْطُوهُ وإنْ خُبِرُوا ∗∗∗ في الجَهْدِ أُدْرِكُ مِنهم طِيبَ أخْبارِ بِرَفْعِ أُدْرِكُ وهو مُضارِعٌ وقَعَ جَوابَ الشَّرْطِ، وقَوْلُهُ: وإنْ بَعُدُوا لا يَأْمَنُونَ اِقْتِرابَهُ ∗∗∗ تَشَوُّفَ أهْلِ الغائِبِ المُتَنَظِّرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وفي «اَلْبَحْرِ»: إنْ ضَعْفَ تَخْرِيجِ الرَّفْعِ عَلى ذَلِكَ لَيْسَ بِذَلِكَ لِما عَلِمْتَ ولَكِنْ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ما في الآيَةِ جَزاءً لِما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ النِّيَّةَ في المَرْفُوعِ التَّقْدِيمُ ويَكُونُ إذْ ذاكَ دَلِيلًا عَلى الجَوابِ لا نَفْسَ الجَوابِ وحِينَئِذٍ يُؤَدِّي إلى تَقْدِيمِ المُضْمَرِ عَلى ظاهِرِهِ في غَيْرِ الأبْوابِ المُسْتَثْناةِ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ وبَيْنَهُ عائِدٌ عَلى اِسْمِ الشَّرْطِ وهو (ما) فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، ورَدَّهُ السَّفاقِسِيُّ بِأنّا لَوْ تَنَزَّلْنا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ أيْضًا لَأنَّ الجُمْلَةَ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِ الشَّرْطِ يَلْزَمُ تَأْخِيرُها وإنْ كانَتْ مُتَقَدِّمَةً في النِّيَّةِ ألا تَرى أنَّ الفاعِلَ إذا اِشْتَمَلَ عَلى ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَفْعُولِ يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الأكْثَرِ، وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ في النِّيَّةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ودَّتْ وعَلَيْها يَرْتَفِعُ مانِعُ الِارْتِفاعِ بِالإجْماعِ وتَصِحُّ الشَّرْطِيَّةُ إلّا أنَّ العَلّامَةَ الثّانِي قالَ: إنَّ في الصِّحَّةِ كَلامًا لِأنَّ الجُمْلَةَ عَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ حالٌ أوْ عَطْفٌ عَلى (تَجِدُ) والشُّرْطِيَّةُ لا تَقَعُ حالًا ولا مُضافًا إلَيْها الظَّرْفُ فَلا يَبْقَ إلّا عَطْفُها عَلى اُذْكُرُوا وهو بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُخِلُّ بِالمَعْنى وهو كَوْنُ هَذِهِ الحالَةِ والوِدادَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولا مَحِيصَ سِوى جَعْلُها حالًا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ وهي ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ودَّتْ، ولا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّهم أعْرَبُوا أنَّ الوَصْلِيَّةَ مَعَ جُمْلَتِها عَلى الحالِيَّةِ ولَمْ يَنُصَّ النُّحاةُ عَلى مَنعِ الإضافَةِ إلَيْها، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ: إنَّ المَوْصُولِيَّةَ أوْفَقُ بِقِراءَةِ العامَّةِ وأجْرى عَلى سُنَنِ الِاسْتِقامَةِ لِأنَّهُ كَلامٌ كَحِكايَةِ الحالِ الكائِنَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى ما يُفِيدُ الوُقُوعَ ولا كَذَلِكَ الشَّرْطِيَّةُ عَلى أنَّها تُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ ولا عَمَلَ سُوءٍ في اِسْتِقْبالِ ذَلِكَ اليَوْمِ وهَذا لا يَنْفِي الصِّحَّةَ لِأنَّها وإنْ لَمْ تَدُلَّ عَلى الوُقُوعِ لا تُنافِيهِ، وحَدِيثُ الِاسْتِقْبالِ يَدْفَعُهُ تَقْدِيرُ وما كانَ عَمِلَتْ كَما في نَظائِرَ لَهُ، فَتَدَبَّرْ وافْهَمْ فَعَلَّكَ لا يَقْطَعُكَ عَنِ اِخْتِيارِ المَوْصُولِيَّةِ شَيْءٌ. ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ قِيلَ: ذِكْرُهُ أوَّلًا لِلْمَنعِ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ وهُنا حَثًّا عَلى عَمَلِ الخَيْرِ والمَنعِ مِن عَمَلِ السُّوءِ مُطْلَقًا. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿تَوَدُّ﴾ أيْ تَهابُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ ومِنَ العَمَلِ السَّيْءِ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ بِإظْهارِ قَهّارِيَّتِهِ وهو مِمّا لا يَكادُ يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ الكِتابُ العَزِيزُ عَلَيْهِ، وأهْوَنُ مِنهُ عَطْفُهُ عَلى (تَجِدُ) والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِ (اُذْكُرُوا) أيِ اُذْكُرُوا ذَلِكَ اليَوْمَ واذْكُرُوا يَوْمَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ بِإظْهارِ كِبْرِيائِهِ وقَهّارِيَّتِهِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ تَكْرارٌ لِما سَبَقَ وإعادَةٌ لَهُ لَكِنْ لا لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ بَلْ لِإفادَةِ ما يُفِيدُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ مِن أنَّ تَحْذِيرَهُ تَعالى نَفْسَهُ مِن رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ لِلْعِبادِ لِأنَّهم إذا عَرَفُوهُ وحَذَرُوهُ جَرَّهم ذَلِكَ إلى طَلَبِ رِضاهُ واجْتِنابِ سَخَطِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ، أوْ مِن أنَّ تَحْذِيرَهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى تَناسِي صِفَةِ الرَّحْمَةِ بَلْ هو مُتَحَقِّقٌ مَعَ تَحَقُّقِها أيْضًا. صفحة 129 فالجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ وعَلى الثّانِي حالٌ، وإلى الأوَّلِ يُشِيرُ كَلامُ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وألْ في العِبادِ لِلِاسْتِغْراقِ وتَكْرِيرِ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإذْهابِ الغَفْلَةِ بِتَوَجُّهِ الذِّهْنِ إلى هَذا الحُكْمِ أتَمَّ تَوَجُّهٍ.

آل عمران 3:31

﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ ذَهَبَ عامَّةُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّ المَحَبَّةَ نَوْعٌ مِنَ الإرادَةِ وهي لا تَتَعَلَّقُ حَقِيقَةً إلّا بِالمَعانِي والمَنافِعِ فَيَسْتَحِيلُ تَعَلُّقُها بِذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ فَهي هُنا بِمَعْنى إرادَةِ العَبْدِ اِخْتِصاصَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ وذَلِكَ إمّا مِن بابِ إطْلاقِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ أوْ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ بِأنْ شَبَّهَ إرادَةَ العَبْدِ ذَلِكَ ورَغْبَتَهُ فِيهِ بِمَيْلِ قَلْبِ المُحِبِّ إلى المَحْبُوبِ مَيْلًا لا يُلْتَفَتُ مَعَهُ إلّا إلَيْهِ أوْ مِن بابِ مَجازِ النَّقْصِ أيْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى أوْ ثَوابَهُ فاتَّبَعُونِي فِيما آمُرُكم بِهِ وأنْهاكم عَنْهُ كَذا قِيلَ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ العارِفِينَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فَإنَّهم قالُوا: المَحَبَّةُ تَتَعَلَّقُ حَقِيقَةً بِذاتِ اللَّهِ تَعالى ويَنْبَغِي لِلْكامِلِ أنْ يُحِبَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لِذاتِهِ وأمّا مَحَبَّةُ ثَوابِهِ فَدَرَجَةٌ نازِلَةٌ، قالَ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في «اَلْإحْياءِ»: ((اَلْحُبُّ عِبارَةٌ عَنْ مَيْلِ الطَّبْعِ إلى الشَّيْءِ المُلِذِّ فَإنْ تَأكَّدَ ذَلِكَ المَيْلُ وقَوِيَ يُسَمّى عِشْقًا، والبُغْضُ عِبارَةٌ عَنْ نَفْرَةِ الطَّبْعِ عَنِ المُؤْلِمِ المُتْعِبِ فَإذا قَوِيَ سُمِّيَ مَقْتًا، ولا يُظَنَّ أنَّ الحُبَّ مَقْصُورٌ عَلى مُدْرَكاتِ الحَواسِّ الخَمْسِ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُدْرِكُ بِالحَواسِّ ولا يَتَمَثَّلُ بِالخَيالِ فَلا يُحِبُّ، لِأنَّهُ ﷺ سَمّى الصَّلاةَ قُرَّةَ عَيْنٍ وجَعَلَها أبْلَغَ المَحْبُوباتِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ لِلْحَواسِّ الخَمْسِ فِيها حَظٌّ بَلْ حِسٌّ سادِسٌ مَظِنَّتُهُ القَلْبُ والبَصِيرَةُ الباطِنَةُ أقْوى مِنَ البَصَرِ الظّاهِرِ، والقَلْبُ أشَدُّ إدْراكًا مِنَ العَيْنِ وجَمالُ المَعانِي المُدْرَكَةِ بِالعَقْلِ أعْظَمُ مِن جَمالِ الصُّوَرِ الظّاهِرَةِ لِلْأبْصارِ، فَتَكُونُ لا مَحالَةَ لَذَّةُ القُلُوبِ بِما تُدْرِكُهُ مِنَ الأُمُورِ الشَّرِيفَةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي تَجِلُّ أنْ تُدْرِكَها الحَواسُّ أتَمَّ وأبْلَغَ فَيَكُونُ مَيْلُ الطَّبْعِ السَّلِيمِ والعَقْلِ الصَّحِيحِ إلَيْهِ أقْوى، ولا مَعْنى لِلْحُبِّ إلّا المَيْلُ إلى ما في إدْراكِهِ لَذَّةٌ فَلا يُنْكِرُ إذًا حُبَّ اللَّهِ تَعالى إلّا مَن قَعَدَ بِهِ القُصُورُ في دَرَجِ البَهائِمِ فَلَمْ يُجِزْ إدْراكَهُ الحَواسَّ أصْلًا))، نَعَمْ هَذا الحُبُّ يَسْتَلْزِمُ الطّاعَةَ كَما قالَ الوَرّاقُ: تَعْصِي الإلَهَ وأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ هَذا لَعَمْرِي في القِياسِ بَدِيعُ لَوْ كانَ حُبُّكَ صادِقًا لَأطَعْتَهُ ∗∗∗ إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ والقَوْلُ بِأنَّ المَحَبَّةَ تَقْتَضِي الجِنْسِيَّةَ بَيْنَ المُحِبِّ والمَحْبُوبِ فَلا يُمْكِنُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِاَللَّهِ تَعالى ساقِطٌ مِنَ القَوْلِ لِأنَّها قَدْ تَتَعَلَّقُ بِالأعْراضِ بِلا شُبْهَةٍ ولا جِنْسِيَّةٍ بَيْنَ العَرَضِ والجَوْهَرِ. ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ جَوابُ الأمْرِ وهو رَأْيُ الخَلِيلِ، وأكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ، أيْ إنْ تَتْبَعُونِي يُحْبِبْكم أيْ يُقَرِّبْكُمْ، رَواهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وقِيلَ: يَرْضَ عَنْكُمْ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالمَحَبَّةِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ، وجَعَلَ بَعْضُهم نِسْبَةَ المُحِبَّةِ لِلَّهِ تَعالى مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. ﴿ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ يَتَجاوَزُ لَكم عَنْها ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ 31 ] أيْ لِمَن تَحَبَّبَ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ وتَقَرَّبَ إلَيْهِ بِاتِّباعِ نَبِيِّهِ ﷺ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مَعَ زِيادَةِ وعْدِ الرَّحْمَةِ، ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ الإضْمارِ لِما مَرَّ ولِلْإشْعارِ بِاسْتِتْباعِ وصْفِ الأُلُوهِيَّةِ لِلْمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وقُرِئَ (تُحِبُّونِي)، و(يُحِبَّكُمْ)، و(يُحْبِبْكُمْ) مِن حَبَّهُ يُحِبُّهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: أُحِبُّ أبا ثَرْوانَ مِن حُبِّ تَمْرِهِ ∗∗∗ وأعْلَمُ أنَّ الرِّفْقَ بِالجارِ أرْفَقُ وواللَّهِ لَوْلا تَمْرُهُ ما حَبَبْتُهُ ∗∗∗ ولا كانَ أدْنى مِن عَبِيدٍ ومَشْرِقِ صفحة 130 ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها كَما قالَ الطِّيبِيُّ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا عَظَّمَ ذاتَهُ وبَيَّنَ جَلالَةِ سُلْطانِهِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ الخ تَعَلَّقَ قَلْبُ العَبْدِ المُؤْمِنِ بِمَوْلًى عَظِيمِ الشَّأْنِ ذِي المُلْكِ والمَلَكُوتِ والجَلالِ والجَبَرُوتِ، ثُمَّ لَمّا ثَنّى بِنَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ أعْدائِهِ وحَذَّرَ عَنْ ذَلِكَ غايَةَ التَّحْذِيرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ الخ؛ ونَبَّهَ عَلى اِسْتِئْصالِ تِلْكَ المُوالاةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ﴾ الآيَةَ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ زادَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ أقْصى غايَتَهُ فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ لِيُشِيرَ إلى طَرِيقِ الوُصُولِ إلى هَذا المَوْلى جَلَّ وعَلا فَكَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: بِأيِّ شَيْءٍ يُنالُ كَمالُ المُحِبَّةِ ومُوالاةُ الرَّبِّ؟ فَقِيلَ: بَعْدَ قَطْعِ مُوالاةِ أعْدائِنا تُنالُ تِلْكَ الدَّرَجَةُ بِالتَّوَجُّهِ إلى مُتابَعَةِ حَبِيبِنا إذْ كُلُّ طَرِيقٍ سِوى طَرِيقِهِ مَسْدُودٌ وكُلُّ عَمَلٍ سِوى ما أذِنَ بِهِ مَرْدُودٌ. واخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها فَقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: «زَعَمَ أقْوامٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهم يُحِبُّونَ اللَّهَ تَعالى فَقالُوا يا مُحَمَّدُ: إنّا نُحِبُّ رَبَّنا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««وقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى قُرَيْشٍ في المَسْجِدِ الحَرامِ وقَدْ نَصَبُوا أصْنامَهم وعَلَّقُوا عَلَيْها بَيْضَ النَّعامِ وجَعَلُوا في آذانِها الشُّنُوفُ وهم يَسْجُدُونَ لَها، فَقالَ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ خالَفْتُمْ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ، ولَقَدْ كانا عَلى الإسْلامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: يا مُحَمَّدُ إنَّما نَعْبُدُ هَذِهِ حُبًّا لِلَّهِ تَعالى لِتُقَرِّبَنا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ زُلْفى، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ﴾ الخ،» وفي رِوايَةِ أبِي صالِحٍ ««إنَّ اليَهُودَ لَمّا قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ فَلَمّا نَزَلَتْ عَرَضَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى اليَهُودِ فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوها»،» ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّما نُعَظِّمُ المَسِيحَ ونَعْبُدُهُ حُبًّا لِلَّهِ تَعالى وتَعْظِيمًا لَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ»، يُرْوى أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طاعَتَهُ كَطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ويَأْمُرُنا أنْ نُحِبَّهُ كَما أحَبَّ النَّصارى عِيسى فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى:

آل عمران 3:32

﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ أيْ في جَمِيعِ الأوامِرِ والنَّواهِي ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الأمْرُ السّابِقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَعْيِينِ حَيْثِيَّةِ الإطاعَةِ والإشْعارِ بِعِلَّتِها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى رَدِّ شُبْهَةِ المُنافِقِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم مُتابَعَتِي لا لِما يَقُولُ النَّصارى في عِيسى بَلْ لِكَوْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا أوْ تَعَرَّضُوا عَلى أنْ تَكُونَ إحْدى التّائَيْنِ مَحْذُوفَةً فَيَكُونُ حِينَئِذٍ داخِلًا في حَيِّزِ المَقُولِ، وفي تَرْكِ ذِكْرِ اِحْتِمالِ الإطاعَةِ تَلْوِيحٌ إلى أنَّها غَيْرُ مُحْتَمَلَةٍ مِنهم ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [ 32 ] أيْ لا يُقَرِّبُهم أوْ لا يَرْضى عَنْهم بَلْ يُبْعِدُهم عَنْ جُوارِ قُدْسِهِ وحَظائِرِ عِزِّهِ ويَسْخَطُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ رِضاهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ مِنَ الكافِرِينَ مَن تَوَلّى، ولَمْ يُعَبِّرْ بِضَمِيرِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّوالِيَ عَنِ الطّاعَةِ كُفْرٌ وبِأنَّ مَحَبَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ مَخْصُوصَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّ نَفْيَها عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُسْتَلْزِمَ لِنَفْيِها عَنْ سائِرِهِمْ لِاشْتِراكِ العِلَّةِ يَقْتَضِي الحَصْرَ في ضِدِّهِمْ.

آل عمران 3:33

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [ 33 ] رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ وإسْحَقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَحْنُ عَلى دِينِهِمْ فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: إنَّ نَصارى نَجْرانَ لَمّا غَلَوْا في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَعَلُوهُ اِبْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ واِتَّخَذُوهُ إلَهًا نَزَلَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ وإعْلامًا لَهم بِأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ البَشَرِ المُنْتَقِلِينَ في الأطْوارِ المُسْتَحِيلَةِ عَلى الإلَهِ وهَذا وجْهُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلَها. صفحة 131 وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في وجْهِ المُناسَبَةِ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وأنَّ اِخْتِلافَ أهْلِ الكِتابَيْنِ فِيهِ إنَّما هو لِلْبَغْيِ والحَسَدِ وأنَّ الفَوْزَ بِرِضْوانِهِ ومَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ مَنُوطٌ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ وطاعَتِهِ شَرَعَ في تَحْقِيقِ رِسالَتِهِ وأنَّهُ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ القَدِيمَةِ فَبَدَأ بِبَيانِ جَلالَةِ أقْدارِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْبَعُهُ ذِكْرَ مَبْدَأِ عِيسى وأُمِّهِ وكَيْفِيَّةَ دَعْوَتِهِ النّاسَ إلى الإيمانِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وإبْطالًا لِما عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في شَأْنِهِما ثُمَّ بَيَّنَ بُطْلانَ مُحاجَّتِهِمْ في إبْراهِيمَ وادِّعائِهِمُ الِانْتِماءَ إلى مِلَّتِهِ ونَزَّهَ ساحَتَهُ العَلِيَّةَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ ثُمَّ نَصَّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ دُعاةٌ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ، وأنَّ أُمَمَهم قاطِبَةً مَأْمُورُونَ بِالإيمانِ بِمَن جاءَهم مِن رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لِما مَعَهم تَحْقِيقًا لِوُجُوبِ الإيمانِ بِالرَّسُولِ ﷺ، وتَحَتُّمُ الطّاعَةِ لَهُ حَسْبَما يَأْتِي تَفْصِيلُهُ اِنْتَهى وهو وجْهٌ وجِيهٌ. وبَدَأ بِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ أوَّلُ النَّوْعِ، وثَنّى بِنُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ آدَمُ الأصْغَرُ والأبُ الثّانِي ولَيْسَ أحَدٌ عَلى وجْهِ البَسِيطَةِ إلّا مِن نَسْلِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ وذَكَرَ آلَ إبْراهِيمَ لِتَرْغِيبِ المُعْتَرِفِينَ بِاصْطِفائِهِمْ في الإيمانِ بِنُبُوَّةٍ واسِطَةِ قِلادَتِهِمْ واسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ الِاعْتِرافِ بِاصْطِفائِهِ بِواسِطَةِ كَوْنِهِ مِن زُمْرَتِهِمْ، وذَكَرَ آلَ عِمْرانَ مَعَ اِنْدِراجِهِمْ في الآلِ الأوَّلِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَمالِ رُسُوخِ الِاخْتِلافِ في شَأْنِهِ وهَذا هو الدّاعِي إلى إضافَةِ الآلِ في الأخِيرَيْنِ دُونَ الأوَّلَيْنِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآلِ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى النَّفْسِ، أيِ اِصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وإبْراهِيمَ وعِمْرانَ، وذَكَرَ الآلَ فِيهِما اِعْتِناءً بِشَأْنِهِما ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ كَما قالَ مُقاتِلٌ: إسْماعِيلُ وإسْحَقُ ويَعْقُوبُ والأسْباطُ، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم مَن كانَ عَلى دِينِهِ كَآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ في أحَدِ الإطْلاقاتِ، والمُرادُ بِآلِ عِمْرانَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمُّهُ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ، قالَهُ الحَسَنُ ووَهْبٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَعِمْرانُ حِينَئِذٍ هو عِمْرانُ بْنُ يَصْهَرَ أبُو مُوسى قالَهُ مُقاتِلٌ وبَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفٌ وثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ والظّاهِرُ هو القَوْلُ الأوَّلُ لِأنَّ السُّورَةَ تُسَمّى آلَ عِمْرانَ ولَمْ تُشْرَحْ قِصَّةُ عِيسى ومَرْيَمَ في سُورَةٍ أبْسَطَ مِن شَرْحِها في هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا مُوسى وهارُونُ فَلَمْ يُذْكَرْ مِن قِصَّتِهِما فِيها طَرَفٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عِمْرانَ المَذْكُورَ هو أبُو مَرْيَمَ، وأيْضًا يُرَجَّحُ كَوْنُ المُرادِ بِهِ أبا مَرْيَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ اِصْطِفاءَها بَعْدُ ونَصَّ عَلَيْهِ وأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ الخ، والظّاهِرُ أنَّهُ شَرَحَ لِكَيْفِيَّةِ الِاصْطِفاءِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآلَ عِمْرانَ﴾ فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ تَكْرارِ الِاسْمِ في جُمْلَتَيْنِ فَيَسْبِقُ الذِّهْنُ إلى أنَّ الثّانِي هو الأوَّلُ نَحْوَ أُكْرِمُ زَيْدًا إنَّ زَيْدًا رَجُلٌ فاضِلٌ، وإذا كانَ المُرادِ بِالثّانِي غَيْرَ الأوَّلِ كانَ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى السّامِعِ، وتَرْجِيحُ القَوْلِ الأخِيرِ بِأنَّ مُوسى يُقْرَنُ بِإبْراهِيمَ في الذِّكْرِ لَيْسَ في القُوَّةِ كَمُرَجِّحِ الأوَّلِ كَما لا يَخْفى. والِاصْطِفاءُ الِاخْتِيارُ، وأصْلُهُ أخْذُ صَفْوَةِ الشَّيْءِ كالِاسْتِصْفاءِ، ولِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّفْضِيلِ عُدِّيَ بِعَلى، والمُرادُ بِالعالَمِينَ أهْلُ زَمانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أيِ اِصْطَفى كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَلى عالِمِي زَمانِهِ، ويَدْخُلُ المُلْكُ في ذَلِكَ، والتَّأْوِيلُ خِلافُ الأصْلِ، ومِن هُنا اَسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أفْضَلِيَّةِ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ، ووَجْهُ الِاصْطِفاءِ في جَمِيعِ الرُّسُلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّهم بِالنُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ وما يَلِيقُ بِها مِنَ المَلَكاتِ الرُّوحانِيَّةِ والكِمالاتِ الجُسْمانِيَّةِ حَتّى إنَّهُمُ اِمْتازُوا كَما قِيلَ عَلى سائِرِ الخَلْقِ خَلْقًا وخُلُقًا، وجُعِلُوا خَزائِنَ أسْرارِ اللَّهِ تَعالى ومَظْهَرَ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ومَحَلَّ تَجَلِّيهِ الخاصِّ صفحة 132 مِن عِبادِهِ ومَهْبِطَ وحْيِهِ ومَبْلَغَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وهَذا ظاهِرٌ في المُصْطَفَيْنَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ مِنَ الرُّسُلِ، وأمّا مَرْيَمُ فَلَها الحَظُّ الأوْفَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ، وقِيلَ: اِصْطَفى آدَمَ بِأنْ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ وعَلَّمَهُ الأسْماءَ وأسْجَدَ لَهُ المَلائِكَةَ وأسْكَنَهُ جِوارَهُ، واصْطَفى نُوحًا بِأنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ والخالاتِ وسائِرِ ذَوِي المَحارِمِ وأنَّهُ أبُ النّاسِ بَعْدَآدَمَ وبِاسْتِجابَةِ دَعْوَتِهِ في حَقِّ الكَفَرَةِ والمُؤْمِنِينَ، واصْطَفى آلَ إبْراهِيمَ بِأنْ جَعَلَ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ والكِتابَ، ويَكْفِيهِمْ فَخْرًا أنَّ سَيِّدَ الأصْفِياءِ مِنهُمْ، واصْطَفى عِيسى وأُمَّهُ بِأنَّ جَعَلَهُما آيَةً لِلْعالَمِينَ. وإنْ أُرِيدَ بِآلِ عِمْرانَ مُوسى وهارُونُ فَوَجْهُ اِصْطِفاءِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَكْلِيمُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ وكِتابَةُ التَّوْراةِ لَهُ بِيَدِهِ، ووَجْهُ اِصْطِفاءِ هارُونَ جَعْلُهُ وزِيرًا لِأخِيهِ، وأمّا اِصْطِفاءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَمَفْهُومٌ بِطْرِيقِ الأوْلى، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِلْإيذانِ بِالغِنى عَنْهُ لِكَمالِ شُهْرَةِ أمْرِهِ بِالخُلَّةِ وكَوْنِهِ شَيْخَ الأنْبِياءِ وقُدْوَةَ المُرْسَلِينَ، وأمّا اِصْطِفاءُ نَبِيِّنا ﷺ فَيُفْهَمُ مِن دُخُولِهِ في آلِ إبْراهِيمَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ويَنْضَمُّ إلَيْهِ أنَّ سِياقَ هَذا المَبْحَثِ لِأجْلِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَيانُ وجْهِ المُناسِبَةِ في كَلامِ شَيْخِ الإسْلامِ، ورُوِيَ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ أنَّهم يَقْرَءُونَ (وآلَ مُحَمَّدٍ عَلى العالَمِينَ) وعَلى ذَلِكَ لا سُؤالَ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ مُحَمَّدٌ ﷺ جُعِلَ كَأنَّهُ كُلُّ الآلِ مُبالَغَةً في مَدْحِهِ، وفِيهِ أنَّ نَبِيَّنا وإنْ كانَ في نَفْسِ الأمْرِ بِمَنزِلَةِ الأنْبِياءِ كُلِّهِمْ فَضْلًا عَنْ آلِ إبْراهِيمَ فَقَطْ إلّا أنَّ هَذِهِ الإرادَةَ هُنا بَعِيدَةٌ، ويُشْبِهُ ذَلِكَ في البُعْدِ بَلْ يَزِيدُ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم في الآيَةِ أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِمُتابَعَتِهِ ﷺ وإطاعَتِهِ، وجَعَلَ إطاعَتَهُ ومُتابَعَتَهُ سَبَبًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمْ، وعَدَمَ إطاعَتِهِ سَبَبًا لِسَخَطِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلْبِ مَحَبَّتِهِ عَنْهُمْ، أكَّدَ ذَلِكَ بِتَعْقِيبِهِ بِما هو عادَةُ اللَّهِ تَعالى مِنَ اِصْطِفاءِ أنْبِيائِهِ عَلى مُخالِفِيهِمْ وقِمْعِهِمْ وتَذْلِيلِهِمْ وإعْدامِهِمْ لَهم تَخْوِيفًا لِهَؤُلاءِ المُتَمَرِّدِينَ عَنْ مُتابَعَتِهِ ﷺ فَذَكَرَ اِصْطِفاءَ آدَمَ عَلى العالَمِ الأعْلى، فَإنَّهُ رَجَّحَهُ عَلى سائِرِ المَلائِكَةِ وجَعَلَهم ساجِدِينَ لَهُ وجَعَلَ الشَّيْطانَ في لَعْنَةٍ لِتَمَرُّدِهِ، واصْطِفاءَ نُوحٍ عَلى العالَمِ مَعَ نِهايَةِ كَثْرَتِهِمْ فَأهْلَكَهم بِالطُّوفانِ وحَفِظَ نُوحًا وأتْباعَهُ، واصْطِفاءَ آلِ إبْراهِيمَ عَلى العالَمِ مَعَ أنَّ العالَمَ كانُوا كافِرِينَ فَجَعَلَ دِينَهم شائِعًا وذَلَّلَ مُخالِفِيهِمْ، واصْطِفاءَ مُوسى وهارُونَ عَلى العالَمِ فَجَعَلَ السَّحَرَةَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ مَغْلُوبِينَ لَهُما وفِرْعَوْنَ مَعَ عَظَمَتِهِ وغَلَبَةِ جُنُودِهِ مَغْلُوبًا وأهْلَكَهُمْ، ولِذا خَصَّ آدَمَ بِالذِّكْرِ ونُوحًا والآلِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ إبْراهِيمَ ونَبِيَّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِما وسَلَّمَ إذْ إبْراهِيمُ لَمْ يَغْلِبْ، وهَذا الكَلامُ لِبَيانِ أنَّ نَبِيَّنا ﷺ سَيَغْلِبُ ولَيْسَ المُرادُ الِاصْطِفاءَ بِالنُّبُوَّةِ حَتّى يَخْفى وجْهُ التَّخْصِيصِ، وبِهَذا ظَهَرَ ضَعْفُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى فَضْلِهِمْ عَلى المَلائِكَةِ، اِنْتَهى. وفِيهِ أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الِاصْطِفاءِ الِاجْتِباءُ والِاخْتِيارُ لا النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ عَلى أنَّ المَقامَ بِمَراحِلَ عَنْ هَذا الحَمْلِ، وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ فَسَرَّ الِاصْطِفاءِ هُنا بِالِاخْتِيارِ لِلرِّسالَةِ ومِثْلُهُ فِيما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ، وأيْضًا حَمْلُ آلِ عِمْرانَ عَلى مُوسى وهارُونَ مِمّا لا يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ كَما عَلِمْتَ، وكَأنَّ القائِلَ لَمّا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ إجْراءُ الِاصْطِفاءِ بِالمَعْنى الَّذِي أرادَهُ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمِّهِ اُضْطُرَّ إلى الحَمْلِ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ غَنِيَّةٌ عَنِ الوُلُوجِ في مِثْلِ هَذِهِ المَضايِقِ.

آل عمران 3:34

﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ نُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الآلِينَ أوِ الحالِيَّةِ مِنهُما، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن (نُوحٍ) وما بَعْدَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (آدَمَ) و(ما) عَطْفٌ عَلَيْهِ ورَدَّهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ آدَمَ لَيْسَ بِذُرِّيَّةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ مِن أنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الآباءِ والأبْناءِ لِأنَّهُ مِنَ الذَّرْءِ بِمَعْنى الخَلْقِ، والأبُ صفحة 133 ذُرِئَ مِنهُ الوَلَدُ، والوَلَدُ ذُرِئَ مِنَ الأبِ إلّا أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ النَّسْلُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّهم ذُرِّيَّةٌ واحِدَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ البَعْضُ مِنَ البَعْضِ في النَّسَبِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِكَوْنِهِمْ ذُرِّيَّةً، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ في النِّيَّةِ والعَمَلِ والإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ، و(مِن) عَلى الأوَّلِ: اِبْتِدائِيَّةٌ والِاسْتِمالَةُ تَقْرِيبِيَّةٌ وعَلى الثّانِي: اِتِّصالِيَّةٌ والِاسْتِمالَةُ بُرْهانِيَّةٌ، وقِيلَ: هي اِتِّصالِيَّةٌ فِيهِما ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِأقْوالِ العِبادِ ﴿عَلِيمٌ﴾ [ 34 ] بِأفْعالِهِمْ وما تُكِنُّهُ صُدُورُهم فَيَصْطَفِي مَن يَشاءُ مِنهُمْ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

آل عمران 3:35

﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ تَقْرِيرٌ لِلِاصْطِفاءِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ، والظَّرْفُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيِ اُذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِها، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِما قَبْلَهُ، وهو ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّنازُلِ أوِ السَّمِيعُ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ لِتَوَسُّعِهِمْ في الظُّرُوفِ، وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِمَعْنى الِاصْطِفاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِ (اِصْطَفى) المَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: واصْطَفى آلَ عِمْرانَ، ﴿إذْ قالَتِ﴾ الخ، فَكانَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ عَلى الجَمَلِ لا المُفْرَداتِ عَلى المُفْرَداتِ لِيَلْزَمُ كَوْنُ اِصْطِفاءِ الكُلِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ. واِمْرَأةُ عِمْرانَ هي حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذا كَما رَواهُ إسْحَقُ بْنُ بِشْرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وهي جَدَّةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ لَها أُخْتٌ اِسْمُها إيشاعُ تَزَوَّجَها زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هي أمُّ يَحْيى، فَعِيسى اِبْنُ بِنْتِ خالَةِ يَحْيى كَما ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الإخْبارِيِّينَ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في حَدِيثِ المِعْراجِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «”فَإذا أنا بِابْنَيِ الخالَةِ عِيسى اِبْنِ مَرْيَمَ، ويَحْيى بْنِ زَكَرِيّا“،» وأجابَ صاحِبُ «اَلتَّقْرِيبِ» بِأنَّ الحَدِيثَ مُخْرَجٌ عَلى المَجازِ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يُطْلِقُ الرَّجُلُ اِسْمَ الخالَةِ عَلى بِنْتِ خالَتِهِ لِكَرامَتِها عَلَيْهِ، والغَرَضُ أنَّ بَيْنَهُما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ هَذِهِ الجِهَةَ مِنَ القَرابَةِ وهي جِهَةٌ الخُؤُولَةِ، وقِيلَ: كانَتْ إيشاعُ أُخْتَ حَنَّةَ مِنَ الأُمِّ وأُخْتَ مَرْيَمَ مِنَ الأبِ عَلى أنَّ عِمْرانَ نَكَحَ أوَّلًا أمَّ حَنَّةَ فَوَلَدَتْ لَهُ إيشاعَ ثُمَّ نَكَحَ حَنَّةَ بِناءً عَلى حَلِّ نِكاحِ الرَّبائِبِ في شَرِيعَتِهِمْ فَوَلَدَتْ مَرْيَمَ فَكانَتْ إيشاعُ أُخْتَ مَرْيَمَ مِنَ الأبِ وخالَتَها مِنَ الأُمِّ لِأنَّها أُخْتُ حَنَّةَ مِنَ الأُمِّ، وفِيهِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ مِن أنَّ إيشاعَ وحَنَّةَ بِنْتا فاقُوذا عَلى أنَّهُ بَعِيدٌ لِعَدَمِ الرِّوايَةِ في الأمْرَيْنِ. أخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ حَنَّةَ اِمْرَأةَ عِمْرانَ كانَتْ حُبِسَتْ عَنِ الوَلَدِ والمَحِيضِ فَبَيْنا هي ذاتَ يَوْمٍ في ظِلِّ شَجَرَةٍ إذْ نَظَرَتْ إلى طَيْرٍ يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ فَدَعَتِ اللَّهَ تَعالى أنْ يَهَبَ لَها ذَكَرًا فَحاضَتْ مِن ساعَتِها فَلَمّا طَهُرَتْ أتاها زَوْجُها فَلَمّا أيْقَنَتْ بِالوَلَدِ، قالَتْ: لَئِنْ نَجّانِي اللَّهُ تَعالى ووَضَعْتُ ما في بَطْنِي لَأجْعَلَنَّهُ مُحَرَّرًا ولَمْ يَكُنْ يُحَرَّرُ في ذَلِكَ الزَّمانِ إلّا الغِلْمانُ، فَقالَ لَها زَوْجُها: أرَأيْتَ إنْ كانَ ما في بَطْنِكَ أُنْثى والأُنْثى عَوْرَةٌ فَكَيْفَ تَصْنَعِينَ؟ فاغْتَمَّتْ لِذَلِكَ فَقالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ وهَذا في الحَقِيقَةِ اِسْتِدْعاءٌ لِلْوَلَدِ الذَّكَرِ لِعَدَمِ قَبُولِ الأُنْثى فَيَكُونُ المَعْنى: رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي فاجْعَلْهُ ذَكَرًا عَلى حَدِّ أعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي. وجَعَلَهُ بَعْضُ الأئِمَّةِ تَأْكِيدًا لِنَذْرِها وإخْراجًا لَهُ عَنْ صُورَةِ التَّعْلِيقِ إلى هَيْئَةِ التَّنْجِيزِ، واللّامُ مِن (لَكَ) لِلتَّعْلِيلِ، والمُرادُ لِخِدْمَةِ بَيْتِكَ والمُحَرَّرُ مَن لا يَعْمَلُ لِلدُّنْيا ولا يَتَزَوَّجُ ويَتَفَرَّغُ لِعَمَلِ الآخِرَةِ ويَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى ويَكُونُ في خِدْمَةِ الكَنِيسَةِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ صفحة 134 رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ مُجاهِدٌ: المُحَرَّرُ الخادِمُ لِلْبَيْعَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ الخالِصُ الَّذِي لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أرادَتْ عَتِيقًا خالِصًا لِطاعَتِكَ لا أصْرِفُهُ في حَوائِجِي، وعَلى كُلٍّ هو مِنَ الحُرِّيَّةِ وهي ضَرْبانِ أنْ لا يَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ السِّبِّيِّ وأنْ لا تَتَمَلَّكَهُ الأخْلاقُ الرَّدِيئَةُ والرَّذائِلُ الدُّنْيَوِيَّةُ. وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن (ما)، والعامِلُ فِيهِ ﴿نَذَرْتُ﴾؛ وقِيلَ: مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الجارِّ والمَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ حِينَئِذٍ الِاسْتِقْرارُ ولا يَخْفى رُجْحانُ الوَجْهِ الأوَّلِ، والحالُ إمّا مُقَدَّرَةٌ أوْ مُصاحِبَةٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يُنْصَبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ تَحْرِيرًا لِأنَّهُ بِمَعْنى النَّذْرُ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلْإيذانِ بِوُفُورِ الرَّغْبَةِ في مَضْمُونِها، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الوَلَدِ بِما لِإبْهامِ أمْرِهِ وقُصُورِهِ عَنْ دَرَجَةِ العُقَلاءِ، والتَّقَبُّلُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الرِّضا وأصْلُهُ المُقابَلَةُ بِالجَزاءِ وتَقَبَّلْ هُنا بِمَعْنى اِقْبَلْ. ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ﴾ لِسائِرِ المَسْمُوعاتِ فَتَسْمَعُ دُعائِي ﴿العَلِيمُ﴾ [ 35 ] بِما كانَ ويَكُونُ فَتَعْلَمُ نِيَّتِي وهو تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعاءِ القَبُولِ مِن حَيْثُ إنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِصِحَّةِ نِيَّتِها وإخْلاصِها مُسْتَدْعٍ لِذَلِكَ تَفَضُّلًا وإحْسانًا، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِغَرَضِ قُوَّةِ يَقِينِها بِمَضْمُونِها وقِصَرِ صِفَتَيِ السَّمْعِ والعِلْمِ عَلَيْهِ تَعالى لِغَرَضِ اِخْتِصاصِ دُعائِها وانْقِطاعِ حَبْلِ رَجائِها عَمّا عَداهُ سُبْحانَهُ بِالكُلِّيَّةِ مُبالَغَةً في الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وتَقْدِيمُ صِفَةِ السَّمْعِ لِأنَّ مُتَعَلِّقاتِها وإنْ كانَتْ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ إلّا أنَّها لَيْسَتْ كَمُتَعَلِّقاتِ صِفَةِ العِلْمِ في الكَثْرَةِ.