Tafsir Al-Alusi — آل عمران 3:36 – آل عمران 3:96
المحتويات
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
آل عمران 3:36
﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ الضَّمِيرُ -لَمّا- ولَمّا عَلِمَ المُتَكَلِّمُ أنَّ مَدْلُولَها مُؤَنَّثٌ جازَ لَهُ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ وإنْ كانَ اللَّفْظُ مُذَكَّرًا، وأمّا التَّأْنِيثُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ فَلَيْسَ بِاعْتِبارِ العِلْمِ بَلْ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ ضَمِيرٍ وقَعَ بَيْنَ مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ هُما عِبارَتانِ عَنْ مَدْلُولٍ واحِدٍ جازَ فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ نَحْوَ: الكَلامُ يُسَمّى جُمْلَةً، و﴿أُنْثى﴾ حالٌ بِمَنزِلَةِ الخَبَرِ فَأنَّثَ العائِدُ إلى (ما) نَظَرًا إلى الحالِ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَبِرَ فِيهِ مَعْنى الأُنُوثَةِ لِيَلْزِمُ اللَّغْوُ أوْ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِمُؤَنَّثٍ لَفْظِيٍّ يَصْلُحُ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ كالنَّفْسِ والحَبْلَةِ والنَّسَمَةِ، فَلا يُشْكِلُ التَّأْنِيثُ ولا يَلْغُو ﴿أُنْثى﴾ بَلْ هي حالَةٌ مُبَيَّنَةٌ كَذا قِيلَ، ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، فالحَقُّ أنَّ الضَّمِيرَ لِ (ما في بَطْنِي) والتَّأْنِيثُ في الأوَّلِ لِما أنَّ المَقامَ يَسْتَدْعِي ظُهُورَ أُنُوثَتِهِ واعْتِبارَهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ إذْ عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ جَوابُ (لَمّا) لا عَلى وضْعِ ولَدٍ ما، والتَّأْنِيثُ في الثّانِي لِلْمُسارَعَةِ إلى عَرْضِ ما دَهَمَها مِن خَيْبَةِ الرَّجاءِ وانْقِطاعِ حَبْلِ الأمَلِ، و﴿أُنْثى﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ولَيْسَ الغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ الإخْبارَ لِأنَّهُ إمّا لِلْفائِدَةِ أوْ لِلازِمِها، وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى مُحِيطٌ بِهِما بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّجَسُّرِ والتَّحَزُّنِ، وقَدْ قالَ الإمامُ المَرْزُوقِيُّ: إنَّهُ قَدْ يَرِدُ الخَبَرُ صُورَةً لِأغْراضٍ سِوى الإخْبارِ، كَما في قَوْلِهِ:
قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ (يُصِيبُنِي سَهْمِي)
فَإنَّ هَذا الكَلامَ تَحَزُّنٌ وتَفَجُّعٌ ولَيْسَ بِإخْبارٍ، وحاصِلُ المَعْنى هُنا عَلى ما قَرَّرَ فَلَمّا وضَعَتْ بِنْتًا تَحَسَّرَتْ إلى مَوْلاها وتَفَجَّعَتْ إذْ خابَ مِنها رَجاها وعَلى هَذا لا إشْكالَ أصْلًا في التَّأْنِيثِ ولا في الجَزاءِ نَفْسِهِ، ولا في تَرَتُّبِهِ عَلى الشَّرْطِ، وما قِيلَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فائِدَةُ هَذا الكَلامِ التَّحْقِيرَ لِلْمُحَرَّرِ اِسْتِجْلابًا لِلْقَبُولِ، لِأنَّهُ مَن تَواضَعَ لِلَّهِ تَعالى رَفَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَمُسْتَحْقَرٌ مِنَ القَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما ذَكَرْنا؛ والتَّأْكِيدُ هُنا قِيلَ: لِلرَّدِّ عَلى اِعْتِقادِها الباطِلِ ورُبَّما أنَّهُ يَعُودُ إلى الِاعْتِناءِ والمُبالَغَةِ في التَّحَسُّرِ الَّذِي قَصَدَتْهُ، والرَّمْزُ إلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ قَلْبٍ كَسِيرٍ وفُؤادٍ
صفحة 135
بِقُيُودِ الحِرْمانِ أسِيرٍ.
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ لَيْسَ المُرادُ الرَّدَّ عَلَيْها في إخْبارِها بِما هو سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِهِ كَما يَتَراءى مِنَ السِّياقِ بَلِ الجُمْلَةُ اِعْتِراضِيَّةٌ سِيقَتْ لِتَعْظِيمِ المَوْلُودِ الَّذِي وضَعَتْهُ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ والتَّجْهِيلِ لَها بِقَدَرِهِ، أيْ واَللَّهُ أعْلَمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي وضَعَتْهُ وما عَلِقَ بِهِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ ودَقائِقِ الأسْرارِ وواضِحِ الآياتِ، وهي غافِلَةٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، و(ما) عَلى هَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ المَوْضُوعَةِ، قِيلَ: والإتْيانُ بِها دُونَ مَن يُلائِمُ التَّجْهِيلَ فَإنَّها كَثِيرًا ما يُؤْتى بِها لِما يُجْهَلُ بِهِ، وجَعَلَها عِبارَةً عَنِ الواضِعَةِ، أيْ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِشَأْنٍ أُمِّ مَرْيَمَ حِينَ تَحَسُّرِها وتَحَزُّنِها مِن تَوَهُّمِ خَيْبَةِ رَجاها، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الوَلِيِّ إلى اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، إذْ لَها مَرْتَبَةٌ عُظْمى وتَحْرِيرُها تَحْرِيرٌ لا يُوجَدُ مِنهُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، وجَزالَةُ النَّظْمِ تَأْباهُ.
وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿بِما وضَعَتْ﴾ عَلى خِطابِ اللَّهِ تَعالى لَها، والمُرادُ بِهِ تَعْظِيمُ شَأْنِ المَوْضُوعِ أيْضًا أيْ إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ ما وضَعْتِهِ وما أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ.
وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ (بِما وضَعْتُ) عَلى أنَّهُ مِن كَلامِها، قالَتْهُ اِعْتِذارًا إلى اللَّهِ تَعالى حَيْثُ وضَعَتْ مَوْلُودًا لا يَصْلُحُ لِلْغَرَضِ، أوْ تَسْلِيَةً لِنَفْسِها أيْ ولَعَلَّ لِلَّهِ تَعالى في ذَلِكَ سِرًّا وحِكْمَةً ولَعَلَّ هَذِهِ الأُنْثى خَيْرٌ مِنَ الذَّكَرِ فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ لِنَفْيِ العِلْمِ لا لِلتَّجْهِيلِ لِأنَّ العَبْدَ يَنْظُرُ إلى ظاهِرِ الحالِ ولا يَقِفُ عَلى ما في خِلالِهِ مِنَ الأسْرارِ، وحَمْلُ قِراءَةِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى هَذا المَعْنى بِجَعْلِ الخِطابِ مِنها لِنَفْسِها في غايَةِ البُعْدِ، ووَضُعِ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُخاطَبِ إظْهارًا لِغايَةِ الإجْلالِ.
﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ اِعْتِراضٌ آخَرُ مُبَيِّنٌ لِما اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ الأوَّلُ مِنَ التَّعْظِيمِ ولَيْسَ بَيانًا لِمَنطُوقِهِ حَتّى يَلْحَقَ بِعَطْفِ البَيانِ المُمْتَنِعِ فِيهِ العَطْفُ، واللّامُ في الذَّكَرِ والأُنْثى لِلْعَهْدِ، أمّا الَّتِي في الأُنْثى فَلِسَبْقِ ذِكْرِها صَرِيحًا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ وأمّا الَّتِي في الذَّكَرِ فَلِقَوْلِها: ﴿إنِّي نَذَرْتُ﴾ الخ، إذْ هو الَّذِي طَلَبَتْهُ والتَّحْرِيرُ لا يَكُونُ إلّا لِلذَّكَرِ، وسُمِّيَ هَذا العَهْدَ التَّقْدِيرِيَّ وهو غَيْرُ الذِّهْنِيِّ لِأنَّ قَوْلَها: ﴿ما في بَطْنِي﴾ صالِحٌ لِلصِّنْفَيْنِ، وقَوْلُها: ﴿مُحَرَّرًا﴾ تَمَنٍّ لِأنْ يَكُونَ ذَكَرًا فَأُشِيرَ إلى ما في البَطْنِ حَسَبَ رَجائِها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِها فَيَكُونُ مُرادُها نَفْيَ مُماثَلَةِ الذَّكَرِ لِلْأُنْثى، فاللّامُ لِلْجِنْسِ كَما هو الظّاهِرُ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ خُصُوصَ ذَكَرٍ وأُنْثى، بَلْ إنَّ المُرادَ أنَّ هَذا الجِنْسَ لَيْسَ كَهَذا الجِنْسِ، وأُورِدُ عَلَيْهِ أنَّ قِياسَ كَوْنِ ذَلِكَ مِن قَوْلِها أنْ يَكُونَ، ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَّكَرِ فَإنَّ مَقْصُودَها تَنْقِيصُ الأُنْثى بِالنِّسْبَةِ إلى الذَّكَرِ، والعادَةُ في مَثَلِهِ أنْ يُنْفى عَنِ النّاقِصِ شِبْهُهُ بِالكامِلِ لا العَكْسُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ جارٍ عَلى ما هو العادَةُ في مِثْلِهِ أيْضًا لِأنَّ مُرادَ أُمِّ مَرْيَمَ لَيْسَ تَفْضِيلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى بَلِ العَكْسُ، تَعْظِيمًا لِعَطِيَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَطْلُوبِها، أيْ ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي هو مَطْلُوبِي كالأُنْثى الَّتِي وهَبَها اللَّهُ تَعالى لِي عِلْمًا مِنها بِأنَّ ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ خَيْرٌ مِمّا يُرِيدُهُ العَبْدُ وفِيهِ نَظَرٌ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ اللّامَ في الذَّكَرِ والأُنْثى عَلى هَذا يَكُونُ لِلْعَهْدِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ يُنافِي التَّحَسُّرَ والتَّحَزُّنَ المُسْتَفادَ مِن قَوْلِها: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ فَإنَّ تَحَزُّنَها ذَلِكَ إنَّما هو لِتَرْجِيحِها الذَّكَرَ عَلى الأُنْثى، والمَفْهُومُ مِن هَذا الجَوابِ تَرْجِيحُها الأُنْثى عَلى الذَّكَرِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُحْمَلَ قَوْلُها ذَلِكَ عَلى تَسْلِيَةِ نَفْسِها بَعْدَ ما تَحَزَّنَتْ عَلى هِبَةِ الأُنْثى بَدَلَ الذَّكَرِ الَّذِي كانَتْ طَلَبَتْهُ، إلّا أنَّهُ تَبْقى مُخالَفَةُ الظّاهِرِ عَلى ما هِيَ، فالأوْلى في الجَوابِ عَدَمُ الخُرُوجِ عَمّا هو الظّاهِرُ والبَحْثُ فِيما اِقْتَضَتْهُ العادَةُ، فَقَدْ قالَ في «اَلِانْتِصافَ» بَعْدَ نَقْلِ الإيرادِ وذِكْرِ القاعِدَةِ: وقَدْ وجَدْتُ الأمْرَ في ذَلِكَ مُخْتَلِفًا فَلَمْ يَثْبُتْ لِي تَعَيُّنُ ما قالُوهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ فَنَفى عَنِ الكامِلِ شِبْهَ النّاقِصِ لِأنَّ الكَمالَ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ ثابِتٌ بِالنِّسْبَةِ إلى عُمُومِ النِّساءِ وعَلى ذَلِكَ جاءَتْ عِبارَةُ اِمْرَأةِ عِمْرانَ، ومِنهُ أيْضًا ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ اِنْتَهى.
صفحة 136
وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ إذا دَخَلَ نَفْيٌ بِلا أوْ غَيْرِها، أوْ ما في مَعْناهُ عَلى تَشْبِيهٍ مُصَرَّحٍ بِأرْكانِهِ، أوْ بِبَعْضِها اِحْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ تَفْضِيلِ المُشَبَّهِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ لا يُشَبَّهُ بِكَذا لِأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ فِيهِ أوْلى وأقْوى كَقَوْلِكَ لَيْسَ زَيْدٌ كَحاتِمٍ في الجُودِ، ويُحْتَمَلُ عَكْسُهُ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ لا يُشَبَّهُ بِهِ لِبُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَهُما كَقَوْلِ العَرَبِ ماءٌ ولا كَصِداءٍ، ومَرْعًى ولا كالسَّعْدانِ، وفَتًى ولا كَمالِكٍ، وقَوْلِهِ:
طَرَفُ الخَيالِ ولا كَلَيْلَةِ مُدْلِجٍ
ووَقَعَ في «شُرُوحِ المَقاماتِ» وغَيْرِها أنَّ العَرَبَ لَمْ تَسْتَعْمِلِ النَّفْيَ بِلا عَلى هَذا الوَجْهِ إلّا لِلْمَعْنى الثّانِي وأنَّ اِسْتِعْمالَهُ لِتَفْضِيلِ المُشَبَّهِ مِن كَلامِ المُوَلِّدِينَ حَتّى اِعْتَرَضُوا عَلى قَوْلِ الحَرِيرِيِّ في قَوْلِهِ:
غَدَوْتَ ولا اِغْتِداءَ الغُرابِ
وعِيبٌ قَوْلُ صاحِبِ «اَلتَّلْوِيحِ» في خُطْبَتِهِ: نالَ حَظًّا مِنَ الِاشْتِهارِ ولا اِشْتِهارَ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهارِ، ومَبْنى الِاعْتِراضِ عَلى هَذا، ولَعَلَّهُ لَيْسَ بِلازِمٍ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ «اَلِانْتِصافِ» بِما أوْرَدَ مِنَ الآياتِ، ومِمّا أوْرَدَهُ الثَّعالِبِيُّ مِن خِلافِهِ أيْضًا في كِتابِهِ «اَلْمُنْتَخَبِ» فُلانٌ حَسَنٌ ولا القَمَرَ، وجَوادٌ ولا المَطَرَ عَلى أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ ما ذَكَرُوهُ فالمَعانِي لا حَجْرَ فِيها عَلى أنَّ ما ورَدَ في النَّفْيِ بِلا المُعْتَرِضَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ لا في كُلِّ نَفْيٍ اِنْتَهى. وهو كَما قالَ: مِن نَفائِسِ المَعانِي الَّتِي يَنْبَغِي حِفْظُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ المَنصُوبَةِ المَحَلِّ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْقَوْلِ وما بَيْنَهُما كَما عَلِمْتَ اِعْتِراضٌ بِجُمْلَتَيْنِ غَيْرِ مَحْكِيَّتَيْنِ الثّانِيَةُ مِن تَتِمَّةِ الأُولى مَعْنًى عَلى ما بُيِّنَ، ولِهَذا أجْراهُ البَعْضُ مَجْرى الِاعْتِراضِ في الِاعْتِراضِ فَجَعَلَهُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى:﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بَيْنَ كَلامَيْ أُمِّ مَرْيَمَ وكَلامِ مُتَكَلِّمٍ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ كَلامَيْ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ، وأُجِيبَ بِأنَّ كَلامَ أُمِّ مَرْيَمَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى نَقْلًا عَنْ أُمِّ مَرْيَمَ ولا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ كَلامُهُ تَعالى اِعْتِراضًا بَيْنَ كَلامَيْها اللَّذَيْنِ هُما مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى نَقْلًا عَنْها، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا تَكُونَ تانِكَ الجُمْلَتانِ مِن كَلامِ أُمِّ مَرْيَمَ، أمّا إذا كانَتا مِن كَلامِها بِناءً عَلى ما سَبَقَ مِنَ القِراءَةِ والِاحْتِمالِ فَلا اِعْتِراضَ.
قِيلَ: والغَرَضُ مِن عَرْضِ التَّسْمِيَةِ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ تَعالى واسْتِدْعاءُ العِصْمَةِ لَها فَإنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمْ بِمَعْنى العابِدَةِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ إذْ مُجَرَّدُ ذِكْرِ تَسْمِيَتِها مَرْيَمَ لا يَكادُ يَكُونُ مُقَرِّبًا لَها إلَيْهِ تَعالى لِأنَّ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ تَعالى إنَّما يَكُونُ بِسَبَبِ العِبادَةِ، ومُجَرَّدُ عَرْضِ التَّسْمِيَةِ لَيْسَ بِعِبادَةٍ فَكَيْفَ يَكُونُ مُقَرِّبًا، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ تَعالى بِحُبِّها لِلْعِبادَةِ الَّذِي أشْعَرَ بِهِ تَسْمِيَتُها بِنْتَها عابِدَةً، أوِ اِعْتِقادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُسْتَعاذٌ يُجِيرُ مَن يَسْتَعِيذُ بِهِ عَمّا يَخافُهُ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لا يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ بَلْ هي باقِيَةٌ أيْضًا لِأنَّ المُقَرَّبَ حِينَئِذٍ ما في القَلْبِ مِنَ الحُبِّ والِاعْتِقادِ لا عَرْضَ ذَلِكَ عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ إظْهارُ أنَّها غَيْرُ راجِعَةٍ عَنْ نِيَّتِها وإنْ كانَ ما وضَعَتْهُ أُنْثى وأنَّها وإنْ لَمْ تَكُنْ خَلِيقَةً بِسِدانَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَلْتَكُنْ مِنَ العابِداتِ فِيهِ، واسْتِقْلالُها بِالتَّسْمِيَةِ لِكَوْنِ أبِيها قَدْ ماتَ وأُمِّها حامِلٌ بِها، فَتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ يَعْنِي التَّسْمِيَةَ مِنِّي لا يُشارِكُنِي فِيها أبُوها.
قِيلَ: وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِيُتْمِها اِسْتِعْطافًا لَهُ تَعالى وجَعْلًا لِيُتْمِها شَفِيعًا لَها، والقَوْلُ بِأنَّ فائِدَةَ عَرْضِ تَسْمِيَتِها التَّحَسُّرَ والتَّحَزُّنَ أيْضًا أيْ إنِّي سَمَّيْتُها لا أبُوها لِعَدَمِ اِحْتِفالِهِ بِها والتِفاتِهِ إلَيْها لِكَراهَةِ الرِّجالِ في الغالِبِ البَناتِ، فَمَعَ أنَّهُ خِلافُ ما دَلَّ عَلَيْهِ أكْثَرُ الآثارِ ونَطَقَ بِهِ غالِبُ الأخْبارِ مِن مَوْتِ أبِيها وهي حامِلٌ يَجُرُّ إلى ما يَنْبَغِي أنْ تُنَزَّهَ عَنْهُ ساحَةُ الرَّجُلِ الصّالِحِ عِمْرانَ كَما لا يَخْفى.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في مَرْيَمَ وزْنًا ومَعْنًى، وقَدِ اِخْتارَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّها مُعْرَبَةُ مارِيَةَ بِمَعْنى جارِيَةٍ، ويَقْرُبُ أنْ يَكُونَ القَوْلَ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ تَسْمِيَةِ الأطْفالِ يَوْمَ الوِلادَةِ لا يَوْمَ السّابِعِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ بِإثْرِ الوَضْعِ، واسْتُدِلَّ بِتَغايُرِ المَفْعُولَيْنِ عَلى
صفحة 137
تَغايُرِ الِاسْمِ والمُسَمّى، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ فِيهِ.
﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”إنِّي سَمَّيْتُها“ وأتى هُنا بِخَبَرِ إنَّ فِعْلًا مُضارِعًا دَلالَةً عَلى طَلَبِها اِسْتِمْرارَ الِاسْتِعاذَةِ دُونَ اِنْقِطاعِها وهَذا بِخِلافِ (وضَعْتُها، وسَمَّيْتُها) حَيْثُ أتى بِالخَبَرَيْنِ ماضِيَيْنِ لِانْقِطاعِهِما وقَدَّمَ المُعاذَ بِهِ عَلى المَعْطُوفِ الآتِي اِهْتِمامًا بِهِ.
ومَعْنى ﴿أُعِيذُها بِكَ﴾ أمْنَعُها وأُجِيرُها بِحِفْظِكَ، وأصِلُ العَوْذِ كَما قالَ الرّاغِبُ: الِالتِجاءُ إلى الغَيْرِ والتَّعَلُّقُ بِهِ، يُقالُ: عاذَ فَلانٌ بِفُلانٍ إذا اِسْتَجارَ بِهِ، ومِنهُ أُخِذَتِ العَوْذَةُ وهي التَّمِيمَةُ والرُّقْيَةُ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ (إنِّيَ) بِفَتْحِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وكَذا في سائِرِ المَواضِعِ الَّتِي بَعْدَ الياءِ ألْفٌ مَضْمُومَةٌ إلّا في مَوْضِعَيْنِ: ﴿بِعَهْدِي﴾ و﴿آتُونِي أُفْرِغْ﴾ .
و”ذُرِّيَّتَها“ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، وفي التَّنْصِيصِ عَلى إعاذَتِها وإعاذَةِ ذُرِّيَّتِها رَمْزٌ إلى طَلَبِ بَقائِها حَيَّةً حَتّى تَكْبُرَ، وطَلَبٌ لِلتَّناسُلِ مِنها هَذا إذا أُرِيدَ بِالإعاذَةِ ﴿مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [ 36 ] أيِ المَطْرُودِ، وأصْلُ الرَّجْمِ الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ - الحِفْظَ مِن إغْوائِهِ المُوقِعِ في الخَطايا لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ البُلُوغِ إذْ لا تَكْلِيفَ قَبْلَهُ، وأمّا إذا أُرِيدَ مِنها الحِفْظُ مِنهُ مُطْلَقًا فَيُفْهَمُ طَلَبُ الأمْرَيْنِ مِنَ الأمْرِ الأخِيرِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ مِن مَسِّهِ صارِخًا إلّا مَرْيَمَ وابْنَها ”،» وفي بَعْضِ طُرُقِهِ أنَّهُ ضُرِبَ بَيْنَهُ وبَيْنَها حِجابٌ وأنَّ الشَّيْطانَ أرادَ أنْ يَطْعَنَ بِإصْبَعِهِ فَوَقَعَتِ الطَّعْنَةُ في الحِجابِ، وفي رِوايَةِ إسْحاقَ بْنِ بِشْرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ كُلُّ ولَدِ آدَمَ يَنالُ مِنهُ الشَّيْطانُ يَطْعَنُهُ حِينَ يَقَعُ بِالأرْضِ بِإصْبَعِهِ ولِهَذا يَسْتَهِلُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ وابْنِها فَإنَّهُ لَمْ يَصِلْ إبْلِيسُ إلَيْهِما».
وطَعَنَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ بِإصْبَعِ فِكْرِهِ في هَذِهِ الأخْبارِ بِأنَّها خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَدْعُو إلى الشَّرِّ مَن لَهُ تَمْيِيزٌ، ولِأنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا الفِعْلِ لَجازَ أنْ يُهْلِكَ الصّالِحِينَ، وأيْضًا لِمَ خَصَّ عِيسى وأُمَّهُ دُونَ سائِرِ الأنْبِياءِ؟ وأنَّهُ لَوْ وُجِدَ المَسُّ أوِ النَّخْسُ لَدامَ أثَرُهُ ولَيْسَ فَلَيْسَ، واَلزَّمَخْشَرِيُّ زَعَمَ أنَّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ أنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطانُ في إغْوائِهِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها فَإنَّهُما كانا مَعْصُومَيْنِ، وكَذَلِكَ كُلُّ مَن كانَ في صِفَتِهِما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ واسْتِهْلالُهُ صارِخًا مِن مَسِّهِ تَخْيِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأنَّهُ يَمَسُّهُ ويَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ ونَحْوَهُ مِنَ التَّخْيِيلِ قَوْلُ اِبْنِ الرُّومِيِّ:
لَمّا تُؤْذِنُ الدُّنْيا بِهِ مِن صُرُوفِها ∗∗∗ يَكُونُ بُكاءُ الطِّفْلِ ساعَةَ يُولَدُ
وأمّا حَقِيقَةُ النَّخْسِ والمَسِّ كَما يَتَوَهَّمُ أهْلُ الحَشْوِ فَكَلّا ولَوْ سُلِّطَ إبْلِيسُ عَلى النّاسِ يَنْخُسُهم لامْتَلَأتِ الدُّنْيا صُراخًا وعِياطًا مِمّا يَبْلُونا بِهِ مِن نَخْسِهِ، اِنْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ الأخْبارَ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ وأكْثَرُها مُدَوِّنٌ في «اَلصِّحاحِ» والأمْرُ لا اِمْتِناعَ فِيهِ، وقَدْ أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلْيُتَلَقَّ بِالقَبُولِ، والتَّخْيِيلُ الَّذِي رَكَنَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ المَسَّ بِاليَدِ رُبَّما يَصْلُحُ لِذَلِكَ أمّا الِاسْتِهْلالُ صارِخًا فَلا عَلى أنَّ أكْثَرَ الرِّواياتِ لا يَجْرِي فِيها مِثْلُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: لامْتَلَأتِ الدُّنْيا عِياطًا، قُلْنا: هي مَلِيئَةٌ فَما مِن مَوْلُودٍ إلّا يَصْرُخُ، ولا يَلْزَمُ مِن تَمَكُّنِهِ مِن تِلْكَ النَّخْسَةِ تَمَكُّنُهُ مِنها في جَمِيعِ الأوْقاتِ كَيْفَ وفي «اَلصَّحِيحِ»: «لَوْلا أنَّ المَلائِكَةَ يَحْفَظُونَكم لاحْتَوَشَتْكُمُ الشَّياطِينُ كَما يَحْتَوِشُ الذُّبابُ العَسَلَ» وفي رِوايَةٍ ««لاخْتَطَفَتْكُمُ الجِنُّ»» وفُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ في أحَدِ الوُجُوهِ بِهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ أيْضًا قَوْلُ القاضِي
صفحة 138
مِن أنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا الفِعْلِ لَجازَ أنْ يُهْلِكَ الصّالِحِينَ، وبَقاءُ الأثَرِ بَلْ وحُصُولُهُ أيْضًا لَيْسَ أمْرًا ضَرُورِيًّا لِلْمَسِّ ولا لِلنَّخْسِ والحَصْرُ بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ والِاقْتِصارُ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمِّهِ إيذانًا بِاسْتِجابَةِ دُعاءِ اِمْرَأةِ عِمْرانَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ لِيَتَوَجَّهَ أرْبابُ الحاجِّ إلى اللَّهِ تَعالى بِشَراشِرِهِمْ، أوْ يُقَدِّرُ لَهُ ما يُخَصِّصُهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَخْرُجُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ العُمُومِ فَلا يَلْزَمُ تَفْضِيلُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا المَعْنى، ويُؤَيِّدُهُ خُرُوجُ المُتَكَلِّمِ مِن عُمُومِ كَلامِهِ، وقَدْ قالَ بِهِ جَمْعٌ ويَشْهَدُ لَهُ ما رَوى الجَلالُ في «اَلْبَهْجَةِ السَّنِيَّةِ» عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ أشْرَقَتِ الأرْضُ نُورًا فَقالَ إبْلِيسُ: لَقَدْ وُلِدَ اللَّيْلَةَ ولَدٌ يُفْسِدُ عَلَيْنا أمْرَنا فَقالَتْ لَهُ جُنُودُهُ: لَوْ ذَهَبْتَ إلَيْهِ، فَجاءَهُ، فَرَكَضَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَقَعَ بِعَدَنَ، وهَذا أوْلى مِن إبْقاءِ العامِّ عَلى عُمُومِهِ.
والقَوْلُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ اِخْتِصاصُ عِيسى وأُمِّهِ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ دُونَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَلْزَمُ مِنهُ تَفْضِيلُهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذْ قَدْ يُوجَدُ في الفاضِلِ ما لا يُوجَدُ في الأفْضَلِ، وعَلى كِلا الأمْرَيْنِ الفاضِلِ والمَفْضُولِ لا إشْكالَ في الأخْبارِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، نَعَمْ قَدْ يُشْكِلُ عَلى ظاهِرِها أنَّ إعاذَةَ أُمِّ مَرْيَمَ كانَتْ بَعْدَ الوَضْعِ فَلا يَصِحُّ حَمْلُها عَلى الإعاذَةِ مِنَ المَسِّ الَّذِي يَكُونُ حِينَ الوِلادَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَسَّ لَيْسَ إلّا بِالِانْفِصالِ وهو الوَضْعُ ومَعَهُ الإعاذَةُ، غايَتُهُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالمُضارِعِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ لِقَصْدِ الِاسْتِمْرارِ، فَلْيُتَأمَّلْ.
والعَجَبُ مِن بَعْضِ أهْلِ السُّنَّةِ كَيْفَ يَتْبَعُ المُعْتَزِلَةَ في تَأْوِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ لِمُجَرَّدِ المَيْلِ إلى تُرَّهاتِ الفَلاسِفَةِ مَعَ أنَّ إبْقاءَها عَلى ظاهِرِها مِمّا لا يُرَنِّقُ لَهم شُرْبًا ولا يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ سِرْبًا، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِمَراضِيهِ ويَجْعَلَ مُسْتَقْبَلَ حالِنا خَيْرًا مِن ماضِيهِ.
آل عمران 3:37
﴿فَتَقَبَّلَها﴾ أيْ رَضِيَ بِمَرْيَمَ في النُّذُرِ مَكانَ الذَّكَرِ، فَفِيهِ تَشْبِيهُ النُّذُرِ بِالهَدِيَّةِ ورِضْوانِ اللَّهِ تَعالى بِالقَبُولِ ﴿رَبُّها﴾ أيْ رَبُّ مَرْيَمَ المُبَلِّغُ لَها إلى كَمالِها اللّائِقِ بِها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِاِمْرَأةِ عِمْرانَ بِدَلِيلِ أنَّها الَّتِي خاطَبَتْ ونادَتْ بِقَوْلِها: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها﴾ الخ، والأوَّلُ أوْلى ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ الباءُ مِثْلُها في كَتَبْتُ بِالقَلَمِ والقَبُولُ ما يُقْبَلُ بِهِ الشَّيْءُ كالسَّعُوطِ واللَّدُودِ ما يُسْعَطُ بِهِ ويُلَدُّ، أيْ تَقَبَّلَها بِوَجْهٍ حَسَنٍ تُقْبَلُ بِهِ النَّذائِرُ، وهو اِخْتِصاصُهُ سُبْحانَهُ إيّاها بِإقامَتِها مَقامَ الذَّكَرِ في النُّذُرِ ولَمْ يَقْبَلْ قَبْلَها أُنْثى، أوْ تَسَلَّمَها مِن أُمِّها عَقِبَ الوِلادَةِ قَبْلَ أنْ تَنْشَأ وتَصْلُحَ لِلسَّدانَةِ والخِدْمَةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا وضَعَتْها خَشِيَتْ حَنَّةُ أنْ لا تُقْبَلَ الأُنْثى مُحَرَّرَةً فَلَفَّتْها في الخِرْقَةِ ووَضَعَتْها في بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ القُرّاءِ فَتَساهَمَ القُرّاءُ عَلَيْها لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ أيُّهم يَأْخُذُها فَقالَ زَكَرِيّا وهو رَأْسُ الأحْبارِ: أنا آخُذُها وأنا أحَقُّهم بِها لِأنَّ خالَتَها عِنْدِي، فَقالَتِ القُرّاءُ: ولَكُنّا نَتَساهَمُ عَلَيْها فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ فَهو أحَقُّ بِها فَدَعَوا بِأقْلامِهِمُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها الوَحْيَ وجَمَعُوها في مَوْضِعٍ ثُمَّ غَطَّوْها، وقالَ زَكَرِيّا لِبَعْضٍ مِنَ الغِلْمانِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلْمَ مِمَّنْ في بَيْتِ المَقْدِسِ: أدْخِلْ يَدَكَ فَأخْرِجْ فَأدْخَلَ يَدَهُ فَأخْرَجَ قَلَمَ زَكَرِيّا فَقالُوا: لا نَرْضى ولَكِنْ نُلْقِي الأقْلامَ في الماءِ فَمَن خَرَجَ قَلَمُهُ في جَرْيَةِ الماءِ ثُمَّ اِرْتَفَعَ فَهو يَكْفُلُها فَألْقَوْا أقْلامَهم في نَهْرِ الأُرْدُنِ فارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيّا في جَرْيِ الماءِ، فَقالُوا: نَقْتَرِعُ الثّالِثَةَ فَمَن جَرى قَلَمُهُ مَعَ الماءِ فَهو يَكْفُلُها فَألْقَوْا أقْلامَهم فَجَرى قَلَمُ زَكَرِيّا مَعَ الماءِ وارْتَفَعَتْ أقْلامُهم في جَرْيَةِ الماءِ وقَبَضَها عِنْدَ ذَلِكَ زَكَرِيّا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ.
والقَبُولُ مَصْدَرٌ وهو مِنَ المَصادِرِ الشّاذَّةِ وهُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى رَضِيَ بِها مُتَلَبِّسَةً بِأمْرٍ ذِي قَبُولٍ ووَجْهٍ ذِي رِضًا، وهو ما يُقِيمُها مَقامَ الذُّكُورِ لِما اِخْتَصَّتْ بِهِ مِنَ الإكْرامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفَعَّلَ بِمَعْنى اِسْتَفْعَلَ كَ تَعَجَّلَ بِمَعْنى اِسْتَعْجَلَ والمَعْنى فاسْتَقْبَلَها رَبُّها وتَلَقّاها مِن أوَّلِ وهْلَةٍ مِن وِلادَتِها بِقَبُولٍ
صفحة 139
حَسَنٍ وأظْهَرَ الكَرامَةَ فِيها حِينَئِذٍ وفي المَثَلِ خُذِ الأمْرَ بِقَوابِلِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والقَبُولُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ السّابِقِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ أيْ قَبِلَها قَبُولًا حَسَنًا، وعُدِلَ عَنِ الظّاهِرِ لِلْإيذانِ بِمُقارَنَةِ التَّقَبُّلِ لِكَمالِ الرِّضا ومُوافَقَتِهِ لِلْعِنايَةِ الذّاتِيَّةِ فَإنَّ صِيغَةَ التَّفَعُّلِ مُشْعِرَةٌ بِحَسَبِ أصْلِ الوَضْعِ بِالتَّكَلُّفِ وكَوْنِ الفِعْلِ عَلى خِلافِ طَبْعِ الفاعِلِ وإنْ كانَ المُرادُ بِها في حَقِّهِ تَعالى ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن كَمالِ قُوَّةِ الفِعْلِ وكَثْرَتِهِ، ويُحْتَمَلُ عَلى بُعْدٍ بَعِيدٍ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ بِمَعْنى مَعَ، أيْ تَقَبَّلَ نَذْرَها مَعَ قَبُولٍ حَسَنٍ لِدُعاءِ أُمِّها في حَقِّها وحَقِّ ذُرِّيَّتِها حَيْثُ أعاذَهُما مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ مِن أوَّلِ الوِلادَةِ إلى خاتِمَةِ الحَياةِ.
﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ أيْ رَبّاها الرَّبُّ تَرْبِيَةً حَسَنَةً في عِبادَةٍ وطاعَةٍ لِرَبِّها قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ سَوّى خَلْقَها فَكانَتْ تَشُبُّ في يَوْمِ ما يَشُبُّ غَيْرُها في عامٍ، وقِيلَ: تَعَهَّدَها بِما يُصْلِحُها في سائِرِ أحْوالِها، فَفي الكَلامِ اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ فَإنَّ الزّارِعَ يَتَعَهَّدُ زَرْعَهُ بِسَقْيِهِ عِنْدَ الِاحْتِياجِ وحِمايَتِهِ عَنِ الآفاتِ وقَلْعِ ما يَخْنُقُهُ مِنَ النَّباتِ، و﴿نَباتًا﴾ هُنا مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ المَذْكُورِ وهو نائِبٌ عَنْ إنْباتٍ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَنَبَتَتْ نَباتًا، والنَّباتُ والنَّبْتُ بِمَعْنًى، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِما عَنِ النّابِتِ.
﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ وهو مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ ضَمَّها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وجَعَلَهُ كافِلًا لَها وضامِنًا لِمَصالِحِها عَلى ما ذُكِرَ في حَدِيثِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ تَعالى، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ وحْيٌ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وقَرَأ بِتَشْدِيدِ الفاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ، وقَصَرُوا ”زَكَرِيّا“ غَيْرَ عاصِمٍ في رِوايَةِ اِبْنِ عَيّاشٍ وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِ (كَفَّلَها) وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الفاءِ ومَدُّوا ”زَكَرِيّا“ ورَفَعُوهُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وفِيهِ لُغَتانِ أُخْرَيانِ إحْداهُما: زَكَرِيٌّ بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وثانِيَتُهُما: زَكَرَ بِغَيْرِ ياءٍ ومَنعِهِ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقِيلَ: لِألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَرَأ أُبَيٌّ (وأكْفَلَها)، وقَرَأ مُجاهِدٌ (فَتَقَبَّلَها رَبَّها وأنْبِتْها وكَفِّلْها) عَلى صِيغَةِ الدُّعاءِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ ونَصْبِ رَبِّها عَلى النِّداءِ، أيْ فاقْبَلْها يا رَبَّها ورَبِّها، واجْعَلْ زَكَرِيّا كافِلًا لَها، وقَدِ اِسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَها في جَمِيعِ ذَلِكَ، واَلَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ وشَهِدَتْ لَهُ الأخْبارُ أنَّ كَفالَةَ زَكَرِيّا كانَتْ مِن أوَّلِ أمْرِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ كَفَّلَها بَعْدَ أنْ فُطِمَتْ ونَبَتَتِ النَّباتَ الحَسَنَ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ.
﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ بَيانٌ لِقَبُولِها ولِهَذا لَمْ يُعْطَفْ، والمِحْرابُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما غُرْفَةٌ بُنِيَتْ لَها في بَيْتِ المَقْدِسِ وجُعِلَتْ بابَها في وسَطِ الحائِطِ وكانَتْ لا يُصْعَدُ عَلَيْها إلّا بِسُلَّمٍ مِثْلَ بابِ الكَعْبَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَسْجِدُ إذْ قَدْ كانَتْ مَساجِدُهم تُسَمّى المَحارِيبَ؛ وقِيلَ: أشْرَفُ مَواضِعِهِ ومُقَدَّمُها وهو مَقامُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ في رَأْيٍ، وأصْلُهُ مِفْعالٌ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَمِطْعانٍ فَسُمِّيَ بِهِ المَكانُ لِأنَّ المُحارِبِينَ نُفُوسَهم كَثِيرُونَ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَكُونُ اِسْمَ مَكانٍ وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ مَحِلَّ مُحارِبَةِ الشَّيْطانِ فِيهِ أوْ لِتَنافُسِ النّاسِ عَلَيْهِ، ولِبَعْضِ المَغارِبَةِ في المَدْحِ:
جَمَعَ الشُّجاعَةَ والخُشُوعَ لِرَبِّهِ ما أحْسَنَ المِحْرابَ في المِحْرابِ
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفاعِلِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِأمْرِها، ونَصْبُ ﴿المِحْرابَ﴾ عَلى التَّوَسُّعِ إذْ حَقُّ الفِعْلِ أنْ يَتَعَدّى بِ (فِي) أوْ بِ (إلى)، وإظْهارُ الفاعِلِ قِيلَ: لِفَصْلِ الجُمْلَةِ، و﴿كُلَّما﴾ ظَرْفُ عَلى أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، والزَّمانُ مَحْذُوفٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مَعْناها الوَقْتُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ والعامِلُ فِيها جَوابُها بِالِاتِّفاقِ لِأنَّ ما في حَيِّزِ المُضافِ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ ولا يَجْرِي فِيها الخِلافُ المَذْكُورُ في أسْماءِ الشَّرْطِ، ومِنَ النّاسِ مَن وهَمَ، فَقالَ: إنَّ ناصَبَهُ فِعْلُ
صفحة 140
الشَّرْطِ، وادَّعى أنَّهُ الأنْسَبُ مَعْنًى فَزادَ في الشَّطْرَنْجِ جَمَلًا، والمَعْنى كُلَّ زَمانٍ دَخَلَ عَلَيْها أوْ كُلَّ وقْتٍ دَخَلَ عَلَيْها فِيهِ.
﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ أيْ أصابَ ولَقِيَ بِحَضْرَتِها ذَلِكَ أوْ ذَلِكَ كائِنًا بِحَضْرَتِها، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: إنَّهُ كانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها غَيْرُهُ وإذا خَرَجَ أغْلَقَ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ فَكانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ فَعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ ذَلِكَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ واَلَّذِي عَلَيْهِ الجُلُّ أنَّ ذَلِكَ عُوِّضَ لَها عَنِ الرَّضاعَةِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّها لَمْ تَرْضَعْ ثَدْيًا قَطُّ، وقِيلَ: إنَّ هَذا كانَ بَعْدَ أنْ تَرَعْرَعَتْ، فَفي رِوايَةِ اِبْنِ بِشْرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اِسْتَأْجَرَ لَها ظِئْرًا فَلَمّا تَمَّ لَها حَوْلانِ فُطِمَتْ وتُرِكَتْ في المِحْرابِ وحْدَها وأغْلَقَتْ عَلَيْها البابَ ولَمْ يَتَعَهَّدْ أمْرَها سِواهُ».
﴿قالَ يا مَرْيَمُ﴾ اِسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ﴿أنّى لَكِ هَذا﴾ أيْ مِن أيْنَ لَكِ هَذا الرِّزْقُ الَّذِي لا يُشْبِهُ أرْزاقَ الدُّنْيا والأبْوابُ مُغْلَقَةٌ دُونَكِ، ومَجِيءُ (أنّى) بِمَعْنى مِن أيْنَ، أوْ كَيْفَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ، واسْتَشْهَدَ لِلْأوَّلِ بِقَوْلِهِ:
تَمَنّى بِوادِي الرَّمْثِ زَيْنَبَ ضَلَّةً ∗∗∗ فَكَيْفَ ومِن (أنّى) بِذِي الرَّمْثِ تَطْرُقُ
ولِلثّانِي بِقَوْلِهِ:
أنّى ومِن أيْنَ آبَكَ الطَّرَبُ ∗∗∗ مِن حَيْثُ لا صَبْوَةٌ ولا رِيَبُ
وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِن (أنّى) نَحْوَ حَذْفِ في مِنَ الظُّرُوفِ اللّازِمَةِ لِلظَّرْفِيَّةِ مِن نَحْوِ مَعَ وسَحَرٍ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا عُلِمَ في مَوْضِعٍ جازَ حَذْفُهُ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الظُّرُوفَ مَحَلُّ التَّوَسُّعِ لِكَثْرَةِ اِسْتِعْمالِهِمْ إيّاها وكُلُّ ظَرْفٍ يُسْتَعْمَلُ مَعَ حَرْفِ صِلَتِهِ الَّتِي يَكْثُرُ مَعَها اِسْتِعْمالُها لِأنَّ اِتِّصالَها بِمَظْرُوفِها بِتِلْكَ الحُرُوفِ فَجازَ حَذْفُها كَما جازَ حَذْفُ فِي، إلّا أنَّها لَمّا كانَتِ الأصْلَ لِوَضْعِها لِلظَّرْفِيَّةِ اِطَّرَدَ حَذْفُها مِنَ المُتَصَرِّفَةِ وغَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ، وغَيْرُها مِن صِلاتِ الظُّرُوفِ لا يُحْذَفُ إلّا مَعَ ما يَكْثُرُ مِن غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ حَطًّا لِرُتْبَتِها عَنْ رُتْبَةِ فِي، كَما في «اَلْكَشْفِ».
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ الكَرامَةِ لِلْأوْلِياءِ لِأنَّ مَرْيَمَ لا نُبُوَّةَ لَها عَلى المَشْهُورِ، وهَذا هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ، وخالَفَ في ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ، وأجابَ البَلْخِيُّ مِنهم عَنِ الآيَةِ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ إرْهاصًا وتَأْسِيسًا لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّهُ كانَ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَدَّ الأخِيرُ بِأنَّ اِشْتِباهَ الأمْرِ عَلَيْهِ يَأْبى ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الظّاهِرِ، وإلّا فَفي اِقْتِضاءِ هَذِهِ العِبارَةِ في نَفْسِ الأمْرِ الِاشْتِباهَ نَظَرٌ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِإظْهارِ ما فِيها مِنَ العَجَبِ بِتَكَلُّمِها ونَحْوِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ اِشْتِباهَ زَكَرِيّا في أنَّها مُعْجِزَةٌ لا يُنافِي كَوْنَها مُعْجِزَةً لِاشْتِباهِ أنَّهُ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِن بَساتِينِ الدُّنْيا لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.
﴿قالَتْ﴾ اِسْتِئْنافٌ كاَلَّذِي قَبْلَهُ ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: أرادَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِمّا رَزَقَنِيهِ هو لا بِواسِطَةِ البَشَرِ فَلا تَعْجَبْ ولا تَسْتَبْعِدْ، وقِيلَ: تَكَلَّمَتْ بِذَلِكَ صَغِيرَةً كَعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ جُمِعَ مَن تَكَلَّمَ كَذَلِكَ فَبَلَغُوا أحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، وقَدْ نَظَمَهُمُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ فَقالَ:
تَكَلَّمَ في المَهْدِ النَّبِيُّ (مُحَمَّدٌ) ∗∗∗ (ويَحْيى وعِيسى والخَلِيلُ ومَرْيَمُ)
ومِبْرى (جُرَيْجٍ) ثُمَّ (شاهِدُ يُوسُفَ) ∗∗∗ (وطِفْلٌ لِذِي الأُخْدُودِ) يَرْوِيهِ مُسْلِمُ
(وطِفْلٌ) عَلَيْهِ مَرَّ بِالأمَةِ الَّتِي ∗∗∗ يُقالُ لَها تَزْنِي ولا تَتَكَلَّمُ
وماشِطَةٌ في عَهْدِ فِرْعَوْنَ (طِفْلُها) ∗∗∗ وفي زَمَنِ الهادِي (اَلْمُبارَكُ) يَخْتِمُ
صفحة 141
﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ أنْ يَرْزُقَهُ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [ 37 ] تَقَدَّمَ مَعْناهُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّها مِن كَلامِ مَرْيَمَ فَحِينَئِذٍ تَكَوْنُ في مَحَلِّ النَّصْبِ داخِلَةً تَحْتَ القَوْلِ، وقالَ الطَّبَرَيُّ: إنَّها لَيْسَتْ مِن كَلامِها بَلْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى إخْبارًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى عَنْ جابِرٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أقامَ أيّامًا لَمْ يَطْعَمْ طَعامًا حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَطافَ في مَنازِلِ أزْواجِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ واحِدَةٍ مِنهُنَّ شَيْئًا فَأتى فاطِمَةَ فَقالَ: يا بُنَيَّةُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ آكُلُهُ فَإنِّي جائِعٌ؟ فَقالَتْ: لا واَللَّهِ، فَلَمّا خَرَجَ مِن عِنْدِها بَعَثَتْ إلَيْها جارَّةٌ لَها بِرَغِيفَيْنِ وقِطْعَةِ لَحْمٍ فَأخَذَتْهُ مِنها فَوَضَعَتْهُ في جَفْنَةٍ لَها، وقالَتْ: لَأُوثِرَنَّ بِهَذا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى نَفْسِي ومَن عِنْدِي وكانُوا جَمِيعًا مُحْتاجِينَ إلى شُبْعَةِ طَعامٍ، فَبَعَثَتْ حَسَنًا أوْ حُسَيْنًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ إلَيْها فَقالَتْ لَهُ: بِي أنْتَ وأُمِّي قَدْ أتى اللَّهُ تَعالى بِشَيْءٍ قَدْ خَبَّأْتُهُ لَكَ قالَ: هَلُمِّي يا بُنَيَّةُ بِالجَفْنَةِ فَكَشَفَتْ عَنِ الجَفْنَةِ فَإذا هي مَمْلُوءَةٌ خُبْزًا ولَحْمًا، فَلَمّا نَظَرَتْ إلَيْها بُهِتَتْ وعَرَفَتْ أنَّها بَرَكَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَحَمِدَتِ اللَّهَ تَعالى وقَدَّمَتْهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمّا رَآهُ حَمِدَ اللَّهَ تَعالى، وقالَ: مِن أيْنَ لَكَ هَذا يا بُنَيَّةُ؟ قالَتْ: يا أبَتِي هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ شَبِيهَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّها كانَتْ إذا رَزَقَها اللَّهُ تَعالى رِزْقًا فَسُئِلَتْ عَنْهُ قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ جَمَعَ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ وجَمَعَ أهْلَ بَيْتِهِ حَتّى شَبِعُوا وبَقِيَ الطَّعامُ كَما هو فَأوْسَعَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَلى جِيرانِها.»
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ نَهى عَنْ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ الكافِرِينَ لِعَدَمِ المُناسِبَةِ بَيْنَهم في الحَقِيقَةِ ولِفَرْقٍ بَيْنَ الظُّلْمَةِ والنُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ، والوِلايَةُ تَقْتَضِي المُناسَبَةَ ومَتى لَمْ تَحْصُلْ كانَتِ الوِلايَةُ عَنْ مَحْضِ رِياءٍ أوْ نِفاقٍ واَللَّهُ تَعالى لا يُحِبُّ المُرائِينَ ولا المُنافِقِينَ، ومِن هُنا نَهى أهْلُ اللَّهِ تَعالى المُرِيدِينَ عَنْ مُوالاةِ المُنْكِرِينَ لِأنَّ ظُلْمَةَ الإنْكارِ والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى تُحاكِي ظُلْمَةَ الكُفْرِ ورُبَّما تَراكَمَتْ فَسَدَّتْ طَرِيقَ الإيمانِ، ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ﴾ وِلايَةِ ﴿اللَّهِ﴾ تَعالى ﴿فِي شَيْءٍ﴾ مُعْتَدٍّ بِهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ نُورِيَّةٌ صافِيَةٌ يُناسِبُ بِها الحَضْرَةَ الإلَهِيَّةَ ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ المُوالاةُ ظاهِرًا، وهَذا بِالنِّسْبَةِ لِلضُّعَفاءِ وأمّا مَن قَوِيَ يَقِينُهُ فَلا يَخْشى إلّا اللَّهَ تَعالى ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أيْ يَدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ العِيانِيِّ لِئَلّا يَكُونَ خَوْفُكم مِن غَيْرِهِ ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ فَلا تَحْذَرُوا إلّا إيّاهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْخَواصِّ العارِفِينَ إذْ لا يَحْذَرُ نَفْسَهُ مَن لا يَعْرِفُهُ، وقَدْ حَذَّرَ مَن دُونَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ .
قالَ إبْراهِيمُ الخَوّاصُ: وعَلامَةُ الخَوْفِ في القَلْبِ دَوامُ المُراقَبَةِ وعَلامَةُ المُراقَبَةِ التَّفَقُّدُ لِلْأحْوالِ النّازِلَةِ ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ﴾ مِنَ المُوالاةِ ﴿أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ لِأنَّهُ مَعَ كُلِّ نَفَسٍ وخَطِرَةٍ ﴿ويَعْلَمُ ما فِي﴾ سَماواتِ الأرْواحِ وأرْضِ الأجْسامِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ ولا يُقَيِّدُهُ مَظْهَرٌ عَنْ مَظْهَرٍ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ لِأنَّ كُلَّ ما يَعْمَلُهُ الإنْسانُ أوْ يَقُولُهُ يَنْتَقِشُ مِنهُ أثَرٌ في نَفْسِهِ ويُسَطَّرُ في صَحائِفِ النُّفُوسِ السَّماوِيَّةِ إلّا أنَّهُ لِاشْتِغالِهِ بِالشَّواغِلِ الحِسِّيَّةِ والإدْراكاتِ الوَهْمِيَّةِ والخَيالِيَّةِ لا يَرى تِلْكَ النُّقُوشَ ولا يُبْصِرُ هاتِيكَ السُّطُورَ فَإذا تَجَرَّدَ عَنْ عالَمِ الكَثافَةِ بَصُرَ ورَأى وشاهَدَ ما بِهِ قَلَمُ الِاسْتِعْدادِ جَرى، فَإذا وجَدَ سُوءًا ﴿تَوَدُّ﴾ نَفْسُهُ وتَتَمَنّى ﴿لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ لِتُعَذِّبَها بِهِ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِئَلّا يَعْمَلُوا ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ عِقابَهُ ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ بِسائِرِهِمْ فَلِهَذا حَذَّرَهُمْ،
صفحة 142
أوْ بِمَنِ اِتَّصَفَ بِمَقامِ العُبُودِيَّةِ وانْقَطَعَ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ لِأنِّي سَيِّدُ المُحِبِّينَ ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ عِنْدَ العارِفِينَ اِحْتِراقُ القَلْبِ بِنِيرانِ الشَّوْقِ، ورَوْحُ الرُّوحِ بِلَذَّةِ العِشْقِ، واسْتِغْراقُ الحَواسِّ في بَحْرِ الأُنْسِ، وطَهارَةُ النَّفْسِ بِمِياهِ القُدْسِ، ورُؤْيَةُ الحَبِيبِ بِعَيْنِ الكُلِّ، وغَمْضُ عَيْنِ الكُلِّ عَنِ الكَوْنَيْنِ، وطَيَرانُ السِّرِّ في غَيْبِ الغَيْبِ، وتَخَلُّقُ المُحِبِّ بِخُلُقِ المَحْبُوبِ، وهَذا أصْلُ المَحَبَّةِ.
وأمّا فَرْعُها فَهو مُوافَقَةُ المَحْبُوبِ في جَمِيعِ ما يَرْضاهُ، وتَقَبُّلُ بَلائِهِ بِنَعْتِ الرِّضا والتَّسْلِيمُ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ بِشَرْطِ الوَفا، ومُتابَعَةُ سُنَّةِ المُصْطَفى ﷺ.
وأمّا آدابُها فالِانْقِطاعُ عَنِ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ المُباحَةِ، والسُّكُونُ في الخَلَواتِ والمُراقَباتِ، واسْتِنْشاقُ نَفَحاتِ الصِّفاتِ، والتَّواضُعُ والذُّلُّ في الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ:
مَساكِينُ أهْلِ العِشْقِ حَتّى قُبُورُهم عَلَيْها تُرابُ الذُّلِّ بَيْنَ المَقابِرِ
وهَذا لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ أنْ تَرى الرُّوحُ بِعَيْنِ السِّرِّ مُشاهَدَةَ الحَقِّ بِنَعْتِ الجَمالِ وحُسْنِ القِدَمِ لا بِنَعْتِ الآلاءِ والنِّعَمِ لِأنَّ المَحَبَّةَ مَتّى كانَتْ مِن تَوَلُّدِ رُؤْيَةِ النَّعْماءِ كانَتْ مَعْلُولَةً، وحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ ما لا عِلَّةَ فِيها بَيْنَ المُحِبِّ والحَبِيبِ سِوى ذاتِ الحَبِيبِ، ولِذا قالُوا: لا تَصِحُّ المَحَبَّةُ مِمَّنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ النّارِ والجَنَّةِ وبَيْنَ السُّرُورِ والمِحْنَةِ وبَيْنَ الفَرْضِ والسُّنَّةِ وبَيْنَ الِاعْتِواضِ والِاعْتِراضِ ولا تَصِحُّ إلّا مِمَّنْ نَسِيَ الكُلَّ واسْتَغْرَقَ في مُشاهَدَةِ المَحْبُوبِ وفَنِيَ فِيهِ:
خَلِيلَيَّ لَوْ أحْبَبْتُما لَعَلِمْتُما ∗∗∗ مَحَلَّ الهَوى مِن مُغْرَمِ القَلْبِ صَبِّهِ
تَذَكَّرْ والذِّكْرى تَشُوقُ وذُو الهَوى ∗∗∗ يَتُوقُ ومَن يَعْلَقْ بِهِ الحُبُّ يُصْبِهِ
غَرامٌ عَلى يَأْسِ الهَوى ورَجائِهِ ∗∗∗ وشَوْقٌ عَلى بُعْدِ المُرادِ وقُرْبِهِ
وقَدْ يُقالُ: المَحَبَّةُ ثَلاثَةُ أقْسامٍ، القِسْمُ الأوَّلُ: مَحَبَّةُ العَوامِّ وهي مُطالَعَةُ المِنَّةِ مِن رُؤْيَةِ إحْسانِ المُحْسِنِ، جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلى مَحَبَّةِ مَن أحْسَنَ إلَيْها وهو حُبٌّ يَتَغَيَّرُ وهو لِمُتابِعِي الأعْمالِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ أجْرًا عَلى ما يَعْمَلُونَ، وفِيهِ يَقُولُ أبُو الطَّيِّبِ:
وما أنا بِالباغِي عَلى الحُبِّ رِشْوَةً ∗∗∗ ضَعِيفُ هَوًى يُرْجى عَلَيْهِ ثَوابُ
القِسْمُ الثّانِي: مَحَبَّةُ الخَواصِّ المُتَّبِعِينَ لِلْأخْلاقِ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ إجْلالًا وإعْظامًا ولِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ، وإلى هَذا القَسَمِ أشارَ ﷺ بِقَوْلِهِ: «نَعِمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ ”،» وقالَتْ رابِعَةُ رَحِمَها اللَّهُ تَعالى:
أُحُبُّكَ حُبَّيْنِ حُبُّ الهَوى ∗∗∗ وحُبٌّ لِأنَّكَ أهْلٌ لِذاكا
وهَذا الحُبُّ لا يَتَغَيَّرُ إلى الأبَدِ لِبَقاءِ الجَمالِ والجَلالِ إلى السَّرْمَدِ.
القِسْمُ الثّالِثُ: مُحِبَّةُ خَواصِّ الخَواصِّ المُتَّبِعِينَ لِلْأحْوالِ وهي النّاشِئَةُ مِنَ الجَذْبَةِ الإلَهِيَّةِ في مَكامِنِ ««كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا»» وأهْلُ هَذِهِ المَحَبَّةِ هُمُ المُسْتَعِدُّونَ لِكَمالِ المَعْرِفَةِ، وحَقِيقَتُها أنْ يَفْنى المُحِبُّ بِسَطْوَتِها فَيَبْقى بِلا هو ورُبَّما بَقِيَ صاحِبُها حَيْرانَ سَكْرانَ لا هو حَيٌّ فَيُرْجى ولا مَيِّتٌ فَيُبْكى، وفي مِثْلِ ذَلِكَ قِيلَ:
يَقُولُونَ إنَّ الحُبَّ كالنّارِ في الحَشا ∗∗∗ ألا كَذَبُوا فالنّارُ تَذْكُو وتَخْمَدُ
وما هو إلّا جَذْوَةُ مَسٍّ عُودُها ∗∗∗ نَدًى فَهي لا تَذْكُو ولا تَتَوَقَّدُ
ويَكْفِي في شَرْحِ الحُبِّ لَفْظُهُ، فَإنَّهُ حاءٌ وباءٌ، والحاءُ مِن حُرُوفِ الحَلْقِ، والباءُ شَفَوِيَّةٌ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الهَوى ما لَمْ يَسْتَوْلِ عَلى قَلْبِهِ ولِسانِهِ وباطِنِهِ وظاهِرِهِ وسِرِّهِ وعَلَنِهِ لا يُقالُ لَهُ: حُبٌّ، وشَرْحُ ذاكَ يَطُولُ، وهَذِهِ مُحِبَّةُ العَبْدِ لِرَبِّهِ، وأمّا مَحَبَّةُ رَبِّهِ سُبْحانَهُ لَهُ فَمُخْتَلِفَةٌ أيْضًا، وإنْ صَدَرَتْ مِن مَحَلٍّ واحِدٍ فَتَعَلَّقَتْ بِالعَوامِّ مِن حَيْثُ
صفحة 143
الرَّحْمَةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: اِتَّبَعُونِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ يَخُصَّكُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ، وتَعَلَّقَتْ بِالخَواصِّ مِن حَيْثُ الفَضْلُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: اِتَّبَعُونِي بِمَكارِمِ الأخْلاقِ يَخُصَّكم بِتَجَلِّي صِفاتِ الجَمالِ، وتَعَلَّقَتْ بِخَواصِّ الخَواصِّ مِن حَيْثُ الجَذْبَةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: اِتَّبَعُونِي بِبَذْلِ الوُجُودِ يَخُصَّكم بِجَذْبِهِ لَكم إلى نَفْسِهِ، وهُناكَ يَرْتَفِعُ البَوْنُ مِنَ البَيْنِ، ويَظْهَرُ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ والقَطْرَةُ مِن هَذِهِ المَحَبَّةِ تُغْنِي عَنِ الغَدِيرِ:
وفِي سَكْرَةٍ مِنها ولَوْ عَمَّرَ ساعَةً ∗∗∗ تَرى الدَّهْرَ عَبْدًا طائِعًا ولَهُ الحُكْمُ
﴿ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ مَعاصِيَكُمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنكم عَلى خِلافِ المُتابَعَةِ ولا يُعاقِبُكم عَلَيْها، أوْ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم بِسَتْرِ ظُلْمَةِ صِفاتِكم بِأنْوارِ صِفاتِهِ، أوْ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَ وجُودِكم ويُثِيبُكم مَكانَهُ وجُودًا لا يَفْنى كَما قالَ: «“ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» الحَدِيثَ، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ يُكَفِّرُ خَطاياكم ويَمْحُو ذُنُوبَ صِفاتِكم ووُجُودِكم ﴿رَحِيمٌ﴾ يَهَبُ لَكم عِوَضَ ذاكَ حَسَناتٍ وصِفاتٍ ووُجُودًا حَقّانِيَّةً خَيْرًا مِن ذَلِكَ.
﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ فَإنَّ المُرِيدَ يَلْزَمُهُ مُتابَعَةُ المُرادِ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ فَإنْ أعْرَضُوا فَهم كُفّارٌ مُنْكِرُونَ مَحْجُوبُونَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ لِقُصُورِ اِسْتِعْدادِهِمْ عَنْ ظُهُورِ جَمالِهِ فِيهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ الِاصْطِفاءُ أعَمُّ مِنَ المَحَبَّةِ والخُلَّةِ فَيَشْمَلُ الأنْبِياءَ كُلَّهم وتَتَفاضَلُ فِيهِ مَراتِبُهم كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ فَأخَصُّ المَراتِبِ هو المَحَبَّةُ، وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ ثُمَّ الخُلَّةُ، وفي لَفْظِها إشارَةٌ إلى ذَلِكَ مِن طَرِيقِ مَخارِجِ الحُرُوفِ، وأعَمُّها الِاصْطِفاءُ، فاصْطَفى آدَمَ بِتَعْلِيمِ الصِّفاتِ وجَمْعِ اليَدَيْنِ وإسْجادِ الأكْوانِ لَهُ، ونُوحًا الَّذِي هو الأبُ الثّانِي بِتِلْكَ الأُبُوَّةِ وبِما كانَ لَهُ مَعَ قَوْمِهِ، واصْطَفى آلَ إبْراهِيمَ وهُمُ الأنْبِياءُ مِن ذُرِّيَّتِهِ بِظُهُورِ أنْوارِ تَجَلِّيهِ الخاصِّ عَلى آفاقِ وُجُودِهِمْ، وآلَ عِمْرانَ بِجَعْلِهِمْ آيَةً لِلْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ في الدِّينِ والحَقِيقَةِ إذِ الوِلادَةُ قِسْمانِ: صُورِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ، وكُلُّ نَبِيٍّ تَبِعَ نَبِيًّا في التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ وما يَتَعَلَّقُ بِالباطِنِ مِن أُصُولِ الدِّينِ فَهو ولَدُهُ كَأوْلادِ المَشايِخِ والوَلَدُ سِرُّ أبِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: آدَمُ هو الرُّوحُ في أوَّلِ مَقاماتِ ظُهُورِها، ونُوحٌ هو هي في مَقامِها الثّانِي مِن مَقاماتِ التَّنَزُّلِ، وإبْراهِيمُ هو القَلْبُ الَّذِي ألْقاهُ نَمْرُودُ النَّفْسِ في نِيرانِ الفِتَنِ ورَماهُ فِيها بِمَنجَنِيقِ الشَّهَواتِ، وآلُهُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ، وعِمْرانُ هو العَقْلُ الإمامُ في بَيْتِ مَقْدِسِ البَدَنِ، وآلُهُ التّابِعُونَ لَهُ في ذَلِكَ البَيْتِ المُقْتَدُونَ بِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ ذُرِّيَّةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِوَحْدَةِ المَوْرِدِ واتِّفاقِ المَشْرَبِ.
﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ عَنْ رِقِّ النَّفْسِ مُخْلِصًا في عِبادَتِكَ عَنِ المَيْلِ إلى السَّوِيِّ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قالَ الواسِطِيُّ: مَحْفُوظٌ عَنْ إدْراكِ الخَلْقِ ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ حَيْثُ سَقاها مِن مِياهِ القُدْرَةِ وأثْمَرَها شَجَرَةَ النُّبُوَّةِ ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ لِطِهارَةِ سِرِّهِ، وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ هو ما عَلِمْتَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الرِّزْقُ الرُّوحانِيُّ مِنَ المَعارِفِ والحَقائِقِ والعُلُومِ والحِكَمِ الفائِضَةِ عَلَيْها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إذِ الِاخْتِصاصُ بِالعِنْدِيَّةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الأرْزاقِ البَدَنِيَّةِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّهُ قالَ: رِزْقًا أيْ عِلْمًا، وقَدْ يُقالُ عَلى نَحْوِ الأوَّلِ لِيَتِمَّ تَطْبِيقُ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ وهي النَّفْسُ في أوَّلِ مَراتِبِ طاعَتِها لِعِمْرانَ العَقْلِ ﴿إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ وهو غُلامُ القَلْبِ ﴿مُحَرَّرًا﴾ لَيْسَ في رِقِّ شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعَتْها أُنْثى﴾ وهي نَفْسٌ أيْضًا إلّا أنَّها أكْمَلُ مِنها في المَرْتَبَةِ، والجِنْسُ يَلِدُ الجِنْسَ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ لِعِلْمِهِ أنَّهُ سَيَظْهَرُ مِن هَذِهِ الأُنْثى العَجَبُ العُجابُ، وغَيْرُهُ سُبْحانَهُ تَخْفى عَلَيْهِ الأسْرارُ ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ وهي العابِدَةُ
صفحة 144
﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وهو الشَّهَواتُ النَّفْسانِيَّةُ الحاجِبَةُ لِلنَّفْسِ القُدْسِيَّةِ عَنْ رِياضِ المَلَكُوتِ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ وهو اِخْتِصاصُهُ إيّاها بِإفاضَةِ أنْوارِهِ عَلَيْها ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ ورَقّاها فِيما تَكْمُلُ بِهِ نَشْأتُها تَرَقِّيًا حَسَنًا غَيْرَ مَشُوبٍ بِالعَوائِقِ والعَلائِقِ ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ الِاسْتِعْدادَ ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا﴾ وتَوَجَّهَ نَحْوَها في مِحْرابِ تَعَبُّدِها المَبْنِيِّ لَها في بَيْتِ مَقْدِسِ القَلْبِ ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ تَتَغَذّى بِهِ الأرْواحُ في عالَمِ المَلَكُوتِ ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾ الرِّزْقُ العَظِيمُ ﴿قالَتْ هُوَ﴾ مُفاضٌ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ مُنَزَّهٌ عَنِ الحَمْلِ بِيَدِ الأفْكارِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ الجامِعَ لِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ ويَفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن عِلْمِهِ حَسَبَ قابِلِيَّتِهِمْ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ وجَوادٍ كَرِيمٍ وهّابٍ.
آل عمران 3:38
﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ قِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ سِيقَتْ في أثْناءِ قِصَّةِ مَرْيَمَ لِكَمالِ الِارْتِباطِ مَعَ ما في إيرادِها مِن تَقْرِيرِ ما سِيقَتْ لَهُ، و(هُنا) ظَرْفُ مَكانٍ، واللّامُ لِلْبُعْدِ، والكافُ لِلْخِطابِ، أيْ في ذَلِكَ المَكانِ حَيْثُ هو قاعِدٌ عِنْدَ مَرْيَمَ في المِحْرابِ، وهي ظَرْفٌ مُلازِمٌ لِلظَّرْفِيَّةِ وقَدْ تُجَرُّ بِمِن وإلى؛ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها الزَّمانُ مَجازًا فَإنَّ (هُنا) وثُمَّ وحَيْثُ كَثِيرًا ما تُسْتَعارُ لَهُ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِ (دَعا) وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ (هُنا) هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْجِهَةِ والحالِ أيْ مِن تِلْكَ الحالِ دَعا زَكَرِيّا كَما تَقُولُ: مِن هَهُنا قُلْتُ كَذا، ومِن هُنالِكَ قُلْتُ كَذا، أيْ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ وتِلْكَ الجِهَةِ.
أخْرَجَ اِبْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا وجَدَ زَكَرِيّا عِنْدَ مَرْيَمَ ثَمَرَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ وثَمَرَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ يَأْتِيها بِهِ جِبْرِيلُ، قالَ لَها: أنّى لَكِ هَذا في غَيْرِ حِينِهِ. قالَتْ: هو رِزْقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَأْتِينِي بِهِ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَطَمِعَ زَكَرِيّا في الوَلَدِ فَقالَ: إنَّ الَّذِي أتى مَرْيَمَ بِهَذِهِ الفاكِهَةِ في غَيْرِ حِينِها لَقادِرٌ عَلى أنْ يُصْلِحَ لِي زَوْجَتِي ويَهَبَ لِي مِنها ولَدًا فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا رَبَّهُ، وذَلِكَ لِثَلاثِ لَيالٍ بَقَيْنَ مِنَ المُحَرَّمِ، قامَ زَكَرِيّا فاغْتَسَلَ ثُمَّ اِبْتَهَلَ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أطْمَعَهُ في الوَلَدِ فَدَعا مَعَ أنَّهُ كانَ شَيْخًا فانِيًا وكانَتِ اِمْرَأتُهُ عاقِرًا لِما أنَّ الحالَ نَبَّهَتْهُ عَلى جَوازِ وِلادَةِ العاقِرِ مِنَ الشَّيْخِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: ما أشارَ إلَيْهِ الأثَرُ مِن حَيْثُ أنَّ الوَلَدَ بِمَنزِلَةِ الثَّمَرِ والعُقْرَ بِمَنزِلَةِ غَيْرِ أوانِهِ، والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى تَقَبُّلَ أُنْثى مَكانَ الذَّكَرِ تَنَبَّهَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقُومَ الشَّيْخُ مَقامَ الشّابِّ والعاقِرُ مَقامَ النّاتِجِ، والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا رَأى تَقَبُّلَ الطِّفْلِ مَقامَ الكَبِيرِ لِلتَّحْرِيرِ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ، والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا رَأى تَكَلُّمَ مَرْيَمَ في غَيْرِ أوانِهِ تَنَبَّهَ لِجَوازِ أنْ تَلِدَ اِمْرَأتُهُ في غَيْرِ أوانِهِ، والخامِسُ: أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِن مَرْيَمَ ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَنَبَّهَ لِجَوازِ أنْ تَلِدَ مِن غَيْرِ اِسْتِعْدادٍ؛ ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ الخَدْشِ، وعَلى العِلّاتِ لَيْسَ ما رَأى فَقَطْ عِلَّةً مُوجِبَةً لِلْإقْبالِ عَلى الدُّعاءِ بَلْ كانَ جُزْءًا مِنَ العِلَّةِ التّامَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كَبِرُ سِنِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وضَعْفُ قُواهُ وخَوْفُ مَوالِيهِ حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
(قالَ) شَرْحٌ لِلدُّعاءِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ﴾ الجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِما قَبْلَهُما وجازَ لِاخْتِلافِ المَعْنى، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا أيْ أعْطِنِي مِن عِنْدِكَ ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أيْ مُبارَكَةً كَما قالَ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: صالِحَةٌ تَقِيَّةٌ نَقِيَّةُ العَمَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ الأخِيرُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ذُرِّيَّةٍ، وجاءَ الطَّلَبُ بِلَفْظِ الهِبَةِ لِأنَّ الهِبَةَ إحْسانٌ مَحْضٌ لَيْسَ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ وهو يُناسَبُ ما لا دَخْلَ فِيهِ لِلْوالِدِ لِكِبَرِ سِنِّهِ ولا لِلْوالِدَةِ لِكَوْنِها عاقِرَةً لا تَلِدُ فَكَأنَّهُ قالَ: أعْطِنِي ذُرِّيَّةً مِن غَيْرِ وسَطٍ مُعْتادٍ، والذُّرِّيَّةُ في المَشْهُورِ النَّسْلُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والذَّكَرِ والأُنْثى.
والمُرادُ هَهُنا ولَدٌ واحِدٌ؛ قالَ الفَرّاءُ: وأنَّثَ الطَّيِّبَةَ لِتَأْنِيثِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ والتَّأْنِيثُ والتَّذْكِيرُ تارَةً يَجِيئانِ عَلى اللَّفْظِ
صفحة 145
وأُخْرى عَلى المَعْنى وهَذا في أسْماءِ الأجْناسِ كَما في قَوْلِهِ:
أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى وأنْتَ خَلِيفَةُ ذاكَ الكَمالِ
بِخِلافِ الأعْلامِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: جاءَتْ طَلْحَةُ لِأنَّ اِسْمَ العَلَمِ لا يُفِيدُ إلّا ذَلِكَ الشَّخْصَ فَإذا كانَ مُذَكَّرًا لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلّا التَّذْكِيرُ.
﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [ 38 ] أرادَ كَثِيرَ الإجابَةِ لِمَن يَدْعُوكَ مِن خَلْقِكَ وهو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَحْرِيكٌ لِسِلْسِلَةِ الإجابَةِ، وفي ذَلِكَ اِقْتِداءٌ بِجَدِّهِ الأعْلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ قِيلَ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كَيْفِيَّةِ دُعائِهِ ثَلاثَ صِيَغٍ: إحْداها: هَذِهِ، والثّانِيَةُ: ﴿إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ الخ، والثّالِثَةُ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ الخ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الدُّعاءَ تَكَرَّرَ مِنهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ كُلَّ مَرَّةٍ بِصِيغَةٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ زَمانًا، ويُصَرِّحُ بِهِ ما نُقِلَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ بَيْنَهُما أرْبَعِينَ سَنَةً، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ الصِّيَغُ الثَّلاثُ حِكايَةً لِدُعاءٍ واحِدٍ مُرَّةً عَلى سَبِيلِ الإيجازِ، وتارَةً عَلى سَبِيلِ الإسْهابِ، وأُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّطِ، وهَذِهِ الحِكايَةُ في هَذِهِ الصِّيَغِ إنَّما هي بِالمَعْنى إذْ لَمْ يَكُنْ لِسانُهم عَرَبِيًّا؛ ولِهَذا ورَدَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ دَعا قالَ: يا رازِقُ مَرْيَمَ ثِمارَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وثِمارَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً، ولَمْ يَذْكُرْ في الدُّعاءِ يا رَبِّ، قِيلَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ دُعاءٌ واحِدٌ مُتَعَقِّبٌ بِالتَّبْشِيرِ العَطْفُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى:
آل عمران 3:39
﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ .
وظاهِرُ قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ في مَرْيَمَ: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ اِعْتِقابُ التَّبْشِيرِ الدُّعاءَ لا تَأخُّرُهُ عَنْهُ، وأثَرُ إنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ نَجِدْ لَهُ أثَرًا في ”الصِّحاحِ“، نَعَمْ رُبَّما تُشْعِرُ بَعْضُ الأخْبارِ المَوْقُوفَةِ أنَّ بَيْنَ الوِلادَةِ والتَّبْشِيرِ مُدَّةً كَما سَنُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ مِنَ المَلائِكَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ المُنادِي وحْدَهُ كَما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ وذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (فَناداهُ جِبْرِيلُ)، فالجَمْعُ هُنا مَجازٌ عَنِ الواحِدِ لِلتَّعْظِيمِ، أوْ يَكُونُ هَذا مِن إسْنادِ فِعْلِ البَعْضِ لِلْكُلِّ، وقِيلَ: الجَمْعُ فِيهِ مِثْلِهِ في قَوْلِكَ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ الدِّيباجَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَصِحُّ إذا أُرِيدَ واحِدٌ لا بِعَيْنِهِ، وهَهُنا أُرِيدُ المُعَيَّنُ فَلَعَلَّ ما تَقَدَّمَ أوْلى بِالإرادَةِ، وقِيلَ: الجَمْعُ عَلى حالِهِ والمُنادِي كانَ جُمْلَةً مِنَ المَلائِكَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (فَنادِيَهُ) بِالإمالَةِ والتَّذْكِيرِ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ذَكَرُوا المَلائِكَةَ ثُمَّ تَلا ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ وكانَ يَقْرَأُها فَناداهُ المَلائِكَةُ ويُذَكِّرُ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ كَذَلِكَ.
﴿وهُوَ قائِمٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ النِّداءِ مُقَرِّرَةٌ لِما أشارَتْ إلَيْهِ الفاءُ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصَلِّي﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿قائِمٌ﴾ أوْ حالٌ أُخْرى مِنَ المَفْعُولِ عَلى القَوْلِ بِجَوازِ تَعَدُّدِها مِن غَيْرِ عَطْفٍ ولا بَدَلِيَّةٍ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى مِثْلَ ذَلِكَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِقائِمٍ والمُرادُ بِالصَّلاةِ ذاتُ الأقْوالِ والأفْعالِ كَما هو الظّاهِرُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ ثابِتٍ، قالَ: الصَّلاةُ خِدْمَةُ اللَّهِ تَعالى في الأرْضِ، ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا أفْضَلَ مِنَ الصَّلاةِ ما قالَ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي﴾، وقِيلَ: المُرادُ بِها الدُّعاءُ والأوَّلُ يَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ في شَرِيعَتِهِمْ ﴿فِي المِحْرابِ﴾ أيْ في المَسْجِدِ، أوْ في مَوْقِفِ الإمامِ مِنهُ، أوْ في غُرْفَةِ مَرْيَمَ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ
صفحة 146
بِ (يُصَلِّي) أوْ بِ (قائِمٌ) عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿يُصَلِّي﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿قائِمٌ﴾ لِأنَّ العامِلَ فِيهِ وفي الحالِ شَيْءٌ واحِدٌ فَلا يَلْزَمُ الفَصْلُ بِالأجْنَبِيِّ كَما يَلْزَمُ عَلى التَّقادِيرِ الباقِيَةِ، كَذا قالُوا: واَلَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَسْألَةَ مِن بابِ التَّنازُعِ فَإنَّ كُلًّا مِن ﴿قائِمٌ﴾ و﴿يُصَلِّي﴾ يَصِحُّ أنْ يَتَسَلَّطَ عَلى ﴿فِي المِحْرابِ﴾ عَلى أيِّ وجْهٍ تَقَدَّمَ مِن وُجُوهِ الإعْرابِ، فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ اِعْلَمْ أنَّ الصَّلاةَ في المَحارِيبِ المَشْهُورَةِ المَوْجُودَةِ الآنَ في مَساجِدِ المُسْلِمِينَ قَدْ كَرِهَها جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وإبْراهِيمُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُما اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ وهي مِنَ البِدَعِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ في العَصْرِ الأوَّلِ، فَعَنْ أبِي مُوسى الجُهَنِيِّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ ما لَمْ يَتَّخِذُوا في مَساجِدِهِمْ مَذابِحَ كَمَذابِحِ النَّصارى ”،» وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «كانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقُولُونَ: إنَّ مِن أشْراطِ السّاعَةِ أنْ تُتَّخَذَ المَذابِحُ في المَساجِدِ»، وعَنِ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «“ اِتَّقُوا هَذِهِ المَذابِحَ» يَعْنِي المَحارِيبَ، والرِّواياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ولِلْإمامِ السُّيُوطِيُّ «رِسالَةً» مُسْتَقِلَّةً فِيها.
﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ أيْ بِأنَّ اللَّهَ، وبَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ المُطَّرِدِ في أنَّ، وإنْ يَجُوزَ في المُنْسَبِكِ اِعْتِبارُ النَّصْبِ واعْتِبارُ الجَرِّ، والأوَّلُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، والثّانِي: مَذْهَبُ الخَلِيلِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) وخُرِّجَ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، أوْ عَلى إجْراءِ النِّداءِ مَجْرى القَوْلِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يُبْشِرُكَ) مِنَ الإبْشارِ، وقَرَأ (يَبْشُرُكَ) مِنَ الثُّلاثِيِّ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعاذٍ الكُوفِيِّ قالَ: مَن قَرَأ (يُبَشِّرُ) مُثْقَلَةً فَإنَّهُ مِنَ البِشارَةِ، ومَن قَرَأ (يَبْشُرُ) مُخَفَّفَةً بِنَصْبِ الياءِ فَإنَّهُ مِنَ السُّرُورِ.
ويَحْيى اِسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ مَنقُولٌ مِنَ الفِعْلِ، والمانِعُ لَهُ مِنَ الصَّرْفِ عَلى الأوَّلِ العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ، وعَلى الثّانِي العَلَمِيَّةُ ووَزْنُ الفِعْلِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لا قاطِعَ لِمَنعِ صَرْفِهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا يَجْعَلُ العَلَمَ جُمْلَةً بِأنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرٌ كَما في قَوْلِهِ:
نُبِّئْتُ أخْوالِي بَنِي يَزِيدَ
لَيْسَ بِشَيْءٍ لِما في ذَلِكَ الِاحْتِمالِ مِنَ التَّكَلُّفِ المُسْتَغْنى عَنْهُ ما يَكادُ يَكُونُ دَلِيلًا قَطْعِيًّا لِلْقِطْعِ، والقائِلُونَ بِعَرَبِيَّتِهِ مِنهم مَن وجَّهَ تَسْمِيَتَهُ بِذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ومِنهم مَن وجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا قَلْبَهُ بِالإيمانِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقِيلَ: سُمِّيَ بِيَحْيى لِأنَّهُ عَلَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَسْتَشْهِدَ والشُّهَداءُ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَحْيا بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ اللَّتَيْنِ يُؤْتاهُما، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يُحْيِي بِهِ النّاسَ بِالهُدى، قالَ القُرْطُبِيُّ: ((كانَ اِسْمُهُ في الكِتابِ الأوَّلِ حَيًّا))، ورَأيْتُ في «إنْجِيلِ مَتّى» أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُدْعى يُوحَنّا المُعَمِّدانِيَّ لِما أنَّهُ كانَ يُعَمِّدُ النّاسَ في زَمانِهِ عَلى ما يَحْكِيهِ «كُتُبُ النَّصارى».
وجَمْعُ يَحْيى يَحْيُونَ رَفْعًا ويَحْيِينَ جَرًّا ونَصْبًا، وتَثْنِيَتُهُ كَذَلِكَ يَحْيَيانِ ويَحْيَيَيْنِ، ويُقالُ في النَّسَبِ إلَيْهِ يَحْيِيٌّ بِحَذْفِ الألِفِ ويَحْيَوِيٌّ بِقَلْبِها واوًا ويَحْياوِيٌّ بِزِيادَةِ ألْفٍ قَبْلَ الواوِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الألِفِ الأصْلِيَّةِ، وفي تَصْغِيرِهِ يُحَيِّىٌ، بِوَزْنِ فُعَيْعِلٍ قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: ويَنْبَغِي أنَّ يَكُونَ هَذا الكَلامُ إلى آخِرِهِ مَحْكِيًّا بِعِبارَةٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى مِنهاجِ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، كَما يُلَوِّحُ بِهِ مُراجَعَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجَوابِ إلَيْهِ تَعالى بِالذّاتِ لا بِواسِطَةِ المَلَكِ، والعُدُولُ عَنْ إسْنادِ التَّبْشِيرِ بِنُونِ العَظَمَةِ حَسْبَما وقَعَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، كَما في قَوْلِ الخُلَفاءِ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَرْسُمُ لَكَ كَذا، ولِلْإيذانِ بِأنَّ ما حُكِيَ هُناكَ مِنَ النِّداءِ والتَّبْشِيرِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المُحاوَرَةِ كانَ كُلُّ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَلَكِ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ مِنهُ سُبْحانَهُ لا بِالذّاتِ كَما هو المُتَبادِرُ وبِهَذا يَتَّضِحُ اِتِّحادُ المَعْنى في السُّورَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ، فَتَأمَّلِ، اِنْتَهى.
صفحة 147
وكانَ الدّاعِي إلى اِعْتِبارِ ما هُنا مَحْكِيًّا بِعِبارَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى ظُهُورُ عَدَمِ صِحَّةِ كَوْنِ ما في سُورَةِ مَرْيَمَ مِن عِبارَةِ المَلَكِ غَيْرَ مَحْكِيٍّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ الظّاهِرَ اِتِّحادُ الدُّعاءَيْنِ وإلّا فَما هُنا مِمّا لا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى ما ذُكِرَ لَوْلا ذَلِكَ، والمُلَوَّحُ غَيْرُ مُوجَبٍ كَما لا يَخْفى ولا بُدَّ في المَوْضِعَيْنِ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ كالوِلادَةِ إذِ التَّبْشِيرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ، ويَؤُولُ في المَعْنى إلى ما هُناكَ، أيْ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِوِلادَةِ غُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى.
﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ مِن (يَحْيى)، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعَلَيْهِ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ، وإنَّما سُمِّيَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَةِ كُنْ مِن دُونِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ عادِيٍّ فَشابَهَ البَدِيعِيّاتِ الَّتِي هي عالَمُ الأمْرِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِكَلِمَةٍ أيْ بِكَلِمَةٍ كائِنَةٍ مِنهُ تَعالى، وأُرِيدُ بِهَذا التَّصْدِيقِ الإيمانُ وهو أوَّلُ مَن آمَنَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وصَدَّقَ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى ورُوحٌ مِنهُ في المَشْهُورِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: «قالَتِ اِمْرَأةُ زَكَرِيّا لِمَرْيَمَ: إنِّي أجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَتَحَرَّكُ لِلَّذِي في بَطْنِكَ». وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ اِبْنِ جُرَيْجٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ يَحْيى وعِيسى اِبْنَيْ خالَةٍ وكانَتْ أُمُّ يَحْيى تَقُولُ لِمَرْيَمَ إنِّي أجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي في بَطْنِكَ»، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ لَهُ وكانَ أكْبَرَ مِن عِيسى بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، كَما قالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: بِثَلاثِ سِنِينَ، قِيلَ: وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَكُونُ بَيْنَ ولّادَةِ يَحْيى وبَيْنَ البِشارَةِ بِها زَمانٌ مَدِيدٌ لِأنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ وهي بِنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ بِنْتُ عَشْرِ سِنِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ دُعاءُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ زَمَنَ طُفُولِيَّةِ مَرْيَمَ قَبْلَ العَشْرِ أوِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ، ولَيْسَ في الآيَةِ سِوى ما يُشْعِرُ بِأنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَكَرَّرَ مِنهُ الدُّخُولُ عَلى مَرْيَمَ ومُشاهَدَتُهُ الرِّزْقَ لَدَيْها وسُؤالُهُ لَها وسَماعُهُ مِنها ذَلِكَ الجَوابَ اِشْتاقَ إلى الوَلَدِ فَدَعا بِما دَعا، وهَذا الدُّعاءُ كَما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في مَبادِئِ الأمْرِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في أواخِرِهِ قُبَيْلَ حَمْلِ مَرْيَمَ، وكَوْنُهُ في الأواخِرِ غَيْرَ بَعِيدٍ لِما أنَّ الرَّغْبَةَ حِينَئِذٍ أوْفَرُ حَيْثُ شاهَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَوامَ الأمْرِ وثَباتَهُ زَمَنَ الطُّفُولِيَّةِ وبَعْدَها، وهَذا قَلَّما يُوجَدُ في الأطْفالِ إذِ الكَثِيرُ مِنهم قَدْ يُلْقِي اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِهِ في صِغَرِهِ ما قَدْ يَكُونُ عَنْهُ بِمَراحِلَ في كِبَرِهِ، فَلَيْسَ عِنْدَنا ما يَدُلُّ صَرِيحًا عَلى أنَّ بَيْنَ الوِلادَةِ والتَّبْشِيرِ مُدَّةً مَدِيدَةً ولا بَيْنَ الدُّعاءِ والتَّبْشِيرِ أيْضًا، نَعَمْ عِنْدَنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ يَحْيى أكْبَرُ مِن عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ وهو مِمّا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ وغَيْرُهُمْ، فَفي «إنْجِيلِ مَتّى» ما يُصَرِّحُ بِأنَّهُ وُلِدَ قَبْلَهُ وقَتَلَهُ هِيرْدُوسُ قَبْلَ رَفْعِهِ وأنَّهُ عَمَّدَ المَسِيحَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْنى ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ بِكِتابٍ مِنهُ، والمُرادُ بِهِ الإنْجِيلُ وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ كَإطْلاقِها عَلى القَصِيدَةِ في قَوْلِهِمْ كَلِمَةُ الحُوَيْدِرَةِ لِلْعَيْنِيَّةِ المَعْرُوفَةِ بِالبَلاغَةِ.
﴿وسَيِّدًا﴾ عَطْفٌ عَلى (مُصَدِّقًا)، وفَسَّرَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ بِالكَرِيمِ، وقَتادَةُ بِالحَلِيمِ، والضَّحّاكُ بِالحَسَنِ الخُلُقِ، وسالِمٌ بِالتَّقِيِّ، وابْنُ زَيْدٍ بِالشَّرِيفِ، وابْنُ المُسَيِّبِ بِالفَقِيهِ العالِمِ، وأحْمَدُ بْنُ عاصِمٍ بِالرّاضِي بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، والخَلِيلُ بِالمُطاعِ الفائِقِ أقْرانَهُ، وأبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ بِالمُتَوَكِّلِ، واَلتِّرْمِذِيُّ بِالعَظِيمِ الهِمَّةِ، والثَّوْرِيُّ بِمَن لا يَحْسُدُ، وأبُو إسْحَقَ بِمَن يَفُوقُ بِالخَيْرِ قَوْمَهُ، وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ بِالمالِكِ الَّذِي تَجِبُ طاعَتُهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ، وكُلُّ ما فِيها مِنَ الأوْصافِ مِمّا يَصْلُحُ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها صِفاتُ كَمالٍ، وأحَقُّ النّاسِ بِصِفاتِ الكَمالِ النَّبِيُّونَ إلّا أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ أصْلَ مَعْنى السَّيِّدِ مَن يَسُودُ قَوْمَهُ يَكُونُ لَهُ أتْباعٌ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ فائِقٍ في دِينٍ أوْ دُنْيا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ هُنا الفائِقُ في الدِّينِ حَيْثُ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ أصْلًا كَما ورَدَ ذَلِكَ مِن طُرُقٍ عَدِيدَةٍ.
صفحة 148
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «كُلُّ اِبْنِ آدَمَ يَلْقى اللَّهَ بِذَنْبٍ قَدْ أذْنَبَهُ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ إنْ شاءَ أوْ يَرْحَمُهُ إلّا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا»، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ما هو أصْلُ مَعْناهُ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ ولَهُ أتْباعٌ مِنهُمْ، غايَةُ الأمْرِ أنَّ تِلْكَ رِياسَةٌ شَرْعِيَّةٌ، والإتْيانُ بِهِ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ نَبِيٌّ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ مِن أُمَّتِهِ كَما يُفْهِمُهُ ظاهِرًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ .
﴿وحَصُورًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ مَعَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ، وفي بَعْضِها إنَّهُ العِنِّينُ الَّذِي لا ذَكَرَ لَهُ يَتَأتّى بِهِ النِّكاحَ ولا يُنْزِلُ، ورَوى الحُفّاظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ ما مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كالأُنْمُلَةِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ كالقَذاةِ، وفي أُخْرى كالنَّواةِ، وفي بَعْضٍ كَهُدْبَةِ الثَّوْبِ، قِيلَ: والأصَحُّ الأوَّلُ إذِ العُنَّةُ عَيْبٌ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، وبِتَسْلِيمِ أنَّها لَيْسَتْ بِعَيْبٍ فَلا أقَلَّ أنَّها لَيْسَتْ بِصِفَةِ مَدْحٍ، والكَلامُ مَخْرِجُ المَدْحِ، وما أخْرَجَهُ الحافِظُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، والإشارَةُ إلى عَدَمِ اِنْتِفاعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما عِنْدَهُ لِعَدَمِ مَيْلِهِ لِلنِّكاحِ لِما أنَّهُ في شُغْلٍ شاغِلٍ عَنْ ذَلِكَ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ التَّبَتُّلَ لِنَوافِلِ العِباداتِ أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنِّكاحِ اِسْتِدْلالًا بِحالِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن ذَهَبَ إلى خِلافِهِ اِحْتَجَّ بِما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أرْبَعَةٌ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأمَّنَتِ المَلائِكَةُ، رَجُلٌ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى ذَكَرًا فَأنَّثَ نَفْسَهُ وتَشَبَّهَ بِالنِّساءِ، واِمْرَأةٌ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى أُنْثى فَتَذَكَّرَتْ وتَشَبَّهَتْ بِالرِّجالِ، واَلَّذِي يَضِلُّ الأعْمى، ورَجُلٌ حَصُورٌ ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَعالى حَصُورًا إلّا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا“،» وفي رِوايَةٍ ««لَعَنَ اللَّهُ تَعالى والمَلائِكَةُ رَجُلًا تَحَصَّرَ بَعْدَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا»،» ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالحَصُورِ المُبالَغُ في حَصْرِ النَّفْسِ وحَبْسِها عَنِ الشَّهَواتِ مَعَ القُدْرَةِ، وقَدْ كانَ حالُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا كَذَلِكَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ مَوْقُوفًا وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مَرْفُوعًا: «”أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ في صِباهُ بِصِبْيانٍ يَلْعَبُونَ فَدَعُوهُ إلى اللَّعِبِ فَقالَ: ما لِلَّعِبِ خُلِقْتُ“».
﴿ونَبِيًّا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما عُدِّدَ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [ 39 ] أيْ ناشِئًا مِنهم أوْ مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ فَ (مِن) عَلى الأوَّلِ لِلِابْتِداءِ، وعَلى الثّانِي لِلتَّبْعِيضِ، قِيلَ: ومَعْناهُ عَلى الأوَّلِ ذُو نَسَبٍ، وعَلى الثّانِي مَعْصُومٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَلْغُو ذِكْرُهُ بَعْدَ (نَبِيًّا)، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ مِنَ الصَّلاحِ ما فَوْقَ الصَّلاحِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ البَتَّةَ مِن أقاصِي مَراتِبِهِ وعَلَيْهِ مَبْنى دُعاءِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قَبْلُ.
آل عمران 3:40
﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ الخ، وخاطَبَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ سُبْحانَهُ ولَمْ يُخاطِبِ المَلَكَ المُنادِيَ طَرْحًا لِلْوَسائِطِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ وجِدًّا في التَّبَتُّلِ، و(أنّى) بِمَعْنى كَيْفَ، أوْ مِن أيْنَ، وكانَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تامَّةً وفاعِلُها ﴿غُلامٌ﴾ و(أنّى) واللّامُ مُتَعَلِّقانِ بِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً و(لِي) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٌ وقَعَ حالًا لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، وفي الخَبَرِ حِينَئِذٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: (أنّى) لِأنَّها بِمَعْنى كَيْفَ، أوْ مِن أيْنَ، والثّانِي: أنَّ الخَبَرَ الجارَّ، و(أنّى) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وفي التَّنْصِيصِ عَلى ذِكْرِ الغُلامِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ أُخْبِرَ بِهِ عِنْدَ التَّبْشِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ .
﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ حالٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، أيْ أدْرَكَنِي الكِبَرُ وأثَّرَ
صفحة 149
فِيَّ، وأُسْنِدَ البُلُوغُ إلى الكِبَرِ تَوَسُّعًا في الكَلامِ كَأنَّ الكِبَرَ طالِبٌ لَهُ وهو المَطْلُوبُ، رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ بُشِّرَ بِالوَلَدِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً وكانَتِ اِمْرَأتُهُ بِنْتَ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: كانَ لَهُ مِنَ العُمْرِ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: اِثْنَتانِ وتِسْعُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وثَمانُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وسَبْعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: سِتُّونَ.
﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْضًا إمّا مِن ياءِ (لِي) أوْ ياءِ ﴿بَلَغَنِيَ﴾ والعاقِرُ العَقِيمُ الَّتِي لا تَلِدُ مِنَ العُقْرِ وهو القَطْعُ لِأنَّها ذاتُ عُقْرٍ مِنَ الأوْلادِ، وصِيغَةُ فاعِلٍ فِيهِ لِلنَّسَبِ وهو في المَعْنى مَفْعُولٌ أيْ مَعْقُورَةٌ، ولِذَلِكَ لَمْ تَلْحَقُ تاءُ التَّأْنِيثِ، قالَهُ أبُو البَقاءِ، وكانَتِ الجُمْلَةُ الأُولى فِعْلِيَّةً لِأنَّ الكِبَرَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا ولَمْ يَكُنْ وصْفًا لازِمًا، وكانَتْ الثّانِيَةُ اِسْمِيَّةً لِأنَّ كَوْنَها عاقِرًا وصْفٌ لازِمٌ لَها ولَيْسَ أمْرًا طارِئًا عَلَيْها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ سَبْقِ دُعائِهِ بِذَلِكَ وقُوَّةِ يَقِينِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ لاسِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الشَّواهِدَ السّالِفَةَ اِسْتِفْسارًا عَنْ كَيْفِيَّةِ حُصُولِ الوَلَدِ أيُعْطاهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الشَّيْبِ ونِكاحِ اِمْرَأةٍ عاقِرٍ أمْ يَتَغَيَّرُ الحالُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ الأمْرُ؛ أيُعْطى الوَلَدَ مِنَ اِمْرَأتِهِ العَجُوزِ أمْ مِنَ اِمْرَأةٍ أُخْرى شابَّةٍ فَقالَ ما قالَ، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْظامِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّعَجُّبِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عِنْدَ ظُهُورِ آيَةٍ عَظِيمَةٍ كَمَن يَقُولُ لِغَيْرِهِ: كَيْفَ سَمَحَتْ نَفْسُكَ بِإخْراجِ ذَلِكَ المُلْكِ النَّفِيسِ مِن يَدِكَ؟! تَعَجُّبًا مِن جُودِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَشَّرَتْهُ بِيَحْيى لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ يُرْزَقُ الوَلَدَ مِن جِهَةِ التَّبَنِّي؛ أوْ مِن صُلْبِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ الكَلامَ لِيَزُولَ هَذا الِاحْتِمالُ، وقِيلَ: إنَّ العَبْدَ إذا كانَ في غايَةِ الِاشْتِياقِ إلى شَيْءٍ وطَلَبَهُ مِنَ السَّيِّدِ ووَعَدَهُ السَّيِّدُ بِإعْطائِهِ رُبَّما تَكَلَّمَ بِما يَسْتَدْعِي إعادَةَ الجَوابِ لِيَلْتَذَّ بِالإعادَةِ وتَسْكُنَ نَفْسُهُ بِسَماعِ تِلْكَ الإجابَةِ مَرَّةً أُخْرى، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا مِن هَذا البابِ، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ اِسْتِبْعادًا مِن حَيْثُ العادَةُ لِأنَّهُ لَمّا دَعا كانَ شابًّا ولَمّا أُجِيبَ كانَ شَيْخًا بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً أوْ سِتِّينَ سَنَةً، كَما حُكِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وكانَ قَدْ نَسِيَ دُعاءَهُ ولا يَخْفى ما في أكْثَرِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ البُعْدِ.
وأبْعَدُ مِنها ما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ سَماعِ البِشارَةِ، فَقالَ: إنَّ هَذا الصَّوْتَ مِنَ الشَّيْطانِ وقَدْ سَخِرَ مِنكَ فاشْتَبَهَ الأمْرُ عَلَيْهِ، فَقالَ: رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ وكانَ مَقْصُودُهُ مِن ذَلِكَ أنْ يُرِيَهُ اللَّهُ تَعالى آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ مِنَ الوَحْيِ لا مِنَ الشَّيْطانِ، ومِثْلُهُ ما رَوى اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: ”أتاهُ الشَّيْطانُ فَأرادَ أنْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَقالَ: هَلْ تَدْرِي مَن ناداكَ؟ قالَ: نَعَمْ، نادانِي مَلائِكَةُ رَبِّي، قالَ: بَلْ ذَلِكَ الشَّيْطانُ، ولَوْ كانَ هَذا مِن رَبِّكَ لَأخْفاهُ إلَيْكَ كَما أخْفَيْتَ نِداءَكَ، فَقالَ: رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي الخ“.
واعْتَرَضَهُ القاضِي وغَيْرُهُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَشْتَبِهَ كَلامُ المَلائِكَةِ بِكَلامِ الشَّيْطانِ عِنْدَ الوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، إذْ لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لارْتَفَعَ الوُثُوقُ عَنْ كُلِّ الشَّرائِعِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا قامَتِ المُعْجِزاتُ عَلى صِدْقِ الوَحْيِ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ فَلا جَرَمَ يَحْصُلُ الوُثُوقُ هُناكَ بِأنَّ الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ المَلَكِ ولا يَدْخُلُ الشَّيْطانُ فِيهِ، وأمّا فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ الدُّنْيا والوَلَدِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِها فَرُبَّما لَمْ يَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِالمُعْجِزِ، فَلا جَرَمَ بَقِيَ اِحْتِمالِ كَوْنِ ذَلِكَ الكَلامِ مِنَ الشَّيْطانِ ولِهَذا رَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يُزِيلَ عَنْ خاطِرِهِ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاعْتِراضَ ذَكَرٌ والجَوابُ أُنْثى، ولَعَلَّ هَذا المَبْحَثَ يَأْتِيكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مُسْتَوْفًى عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآيَةَ.
وبِالجُمْلَةِ القَوْلُ بِاشْتِباهِ الأمْرِ عَلى زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ في غايَةِ البُعْدِ لا سِيَّما وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ
صفحة 150
عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ”إنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مُشافَهَةً فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيى“.
(قالَ) أيِ الرَّبُّ، والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ عَلى طُرُزِ ما مَرَّ ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [ 40 ] أيْ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ أنْ يَفْعَلَهُ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ فِعْلًا مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ العَجِيبِ والصُّنْعِ البَدِيعِ الَّذِي هو خَلْقُ الوَلَدِ مَعَ الحالَةِ الَّتِي يُسْتَبْعَدُ مَعَها الخَلْقُ بِحَسَبِ العادَةِ، فالكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ لِذَلِكَ المَصْدَرِ، وقَدَّمَ الجارَّ لِإفادَةِ القَصْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو أدْنى مِنَ المُشارِ إلَيْهِ واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً لِتَأْكِيدِ الفَخامَةِ المُشْعِرِ بِها اِسْمُ الإشارَةِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن قَبْلُ في نَظِيرِهِ، ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أوْجُهًا أُخَرُ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ مَعْرِفَةً أيْ يَفْعَلُ الفِعْلَ كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ، الثّانِي: أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و”اللَّهُ“ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أيْ كَهَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانًا لِذَلِكَ الشَّأْنِ المُبْهَمِ، الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ﴿كَذَلِكَ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانًا أيْضًا، الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المَذْكُورِ مِن حالِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ عَلى أيِّ حالٍ يَكُونُ لِي الغُلامُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَما أنْتَ يَكُونُ الغُلامُ لَكَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَها كَذا قالُوا، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ الأوْجُهِ مِنَ البُعْدِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ التَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ رَوْمًا لِلتَّعْظِيمِ.
آل عمران 3:41
﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى العُلُوقِ وإنَّما سَألَها اِسْتِعْجالًا لِلسُّرُورِ قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ لِيَتَلَقّى تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ حِينَ حُصُولِها ولا يُؤَخِّرُ حَتّى تَظْهَرَ ظُهُورًا مُعْتادًا، ولَعَلَّ هَذا هو الأنْسَبُ بِحالِ أمْثالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّهُ سَألَ الآيَةَ لِيَتَحَقَّقَ أنَّ تِلْكَ البِشارَةَ مِنهُ تَعالى لا مِنَ الشَّيْطانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما: (آيَةً)، وثانِيهُما: (لِي)، والتَّقْدِيمُ لِأنَّهُ المُسَوِّغُ لِكَوْنِ (آيَةً) مُبْتَدَأً عِنْدَ الِانْحِلالِ، وإمّا بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو (آيَةً) و(لِي) حِينَئِذٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن (آيَةً) لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ عَنْها كانَ صِفَةً لَها، وصِفَةُ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَتْ عَلَيْها أُعْرِبَتْ حالًا مِنها كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ، وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ والتَّشْوِيقِ لِما بَعْدَهُ.
﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى تَكْلِيمِهِمْ مِن غَيْرِ آفَةٍ وهو الأنْسَبُ بِكَوْنِهِ آيَةً والأوْفَقُ لِما في سُورَةِ مَرْيَمَ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُعْتَمِرٍ قالَ: ”رَبا لِسانُهُ في فِيهِ حَتّى مَلَأهُ فَمَنَعَهُ الكَلامُ“، والآيَةُ فِيهِ عَدَمُ مَنعِهِ مِنَ الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ عَدَمُ التَّكْلِيمِ اِضْطِرارِيٌّ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ اِخْتِيارِيٌّ، والمَعْنى آيَتُكَ أنْ تَصِيرَ مَأْمُورًا بِعَدَمِ التَّكَلُّمِ إلّا بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ هُنا، وعَلَيْهِ وعَلى القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِن عَدَمِ التَّكْلِيمِ ظاهِرُهُ فَقَطْ وهو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الصِّيامِ لِأنَّهم كانُوا إذْ ذاكَ إذا صامُوا لَمْ يُكَلِّمُوا أحَدًا وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَطاءٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ومَعَ هَذا يَتَوَقَّفُ قَبُولُهُ عَلى تَوْقِيفٍ، وإنَّما خَصَّ تَكْلِيمَ النّاسِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنَ التَّكَلُّمِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ مُتَوالِيَةٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ المُرادُ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لَيالِي ثَلاثَةِ أيّامٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ﴾ والحَقُّ أنَّ الآيَةَ كانَتْ عَدَمَ التَّكْلِيمِ سِتَّةَ أفْرادٍ إلّا أنَّهُ اِقْتَصَرَ تارَةً عَلى ذِكْرِ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِنها وأُخْرى عَلى ثَلاثِ لَيالٍ، وجَعَلَ ما لَمْ يَذْكُرْ في كُلٍّ تَبَعًا لِما ذَكَرَ، قِيلَ: وإنَّما قَدَّمَ التَّعْبِيرَ بِالأيّامِ لِأنَّ يَوْمَ كُلِّ لَيْلَةٍ
صفحة 151
قَبْلَها في حِسابِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، وكَوْنَهُ بَعْدَها إنَّما هو عِنْدَ العَرَبِ خاصَّةً كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ آيَةَ اللَّيالِي مُتَقَدِّمَةٌ نُزُولًا لِأنَّ السُّورَةَ الَّتِي هي فِيها مَكِّيَّةٌ والسُّورَةَ الَّتِي فِيها آيَةُ الأيّامِ مَدَنِيَّةٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ أوَّلُ ظُهُورِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلًا ويَكُونُ اليَوْمُ تَبَعًا لِلَّيْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَلى ما يَقْتَضِيهِ حِسابُ العَرَبِ، فَتَدَبَّرْ.
فالبَحْثُ مُحْتاجٌ إلى تَحْرِيرٍ بَعْدُ، وإنَّما جُعِلَ عَقْلُ اللِّسانِ آيَةَ العُلُوقِ لِتَخْلُصَ المُدَّةُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وشُكِرِهِ قَضاءً لِحَقِّ النِّعْمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: آيَةُ حُصُولِ النِّعْمَةِ أنْ تُمْنَعَ عَنِ الكَلامِ إلّا بِشُكْرِها، وأحْسَنُ الجَوابِ عَلى ما قِيلَ ما أُخِذَ مِنَ السُّؤالِ كَما قِيلَ لِأبِي تَمّامٍ لِمَ تَقُولُ ما لا نَفْهَمُ؟ فَقالَ: لِمَ لا نَفْهَمُ ما يُقالُ؟ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ سُؤالَ الآيَةِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ لِتَلَقِّي النِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ، ولَعَلَّ دَلالَةَ كَلامِهِ عَلى ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَقامِ وإلّا فَفي ذَلِكَ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ حَبْسَ لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن بابِ العُقُوبَةِ حَيْثُ طَلَبَ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ لَهُ بِالبِشارَةِ ولَعَلَّ الجِنايَةَ حِينَئِذٍ مِن بابِ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتِ المُقَرَّبِينَ ومَعَ هَذا حُسْنُ الظَّنِّ يَمِيلُ إلى الأوَّلِ، ومَذْهَبُ قَتادَةَ لا آمَنُ عَلى الأقْدامِ الضَّعِيفَةِ.
﴿إلا رَمْزًا﴾ أيْ إيماءً، وأصْلُهُ التَّحَرُّكُ، يُقالُ: اِرْتَمَزَ أيْ تَحَرَّكَ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ الرّامُوزُ، وأخْرَجَ الطِّيبِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنِ الرَّمْزِ فَقالَ: الإشارَةُ بِاليَدِ والوَحْيُ بِالرَّأْسِ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ أما، سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
ما في السَّماءِ مِنَ الرَّحْمَنِ (مُرْتَمَزُ) إلّا إلَيْهِ وما في الأرْضِ مِن وزَرُ
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الرَّمْزَ هُنا كانَ تَحْرِيكَ الشَّفَتَيْنِ، وقِيلَ: الكِتابَةُ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِالمِسْبَحَةِ، وقِيلَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، وقِيلَ: كُلُّ ما أوْجَبَ اِضْطِرابًا في الفَهْمِ كانَ رَمْزًا، وهو اِسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِناءً عَلى أنَّ الرَّمْزَ الإشارَةُ والإفْهامُ مِن دُونِ كَلامٍ وهو حِينَئِذٍ لَيْسَ مِن قَبِيلِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَلامِ ما فُهِمَ مِنهُ المُرادُ، ولا رَيْبَ في كَوْنِ الرَّمْزِ مِن ذاكَ القَبِيلِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ خِلافُ الظّاهِرِ ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ اِسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا في الدُّنْيا أصْلًا إذْ ما مِنَ اِسْتِثْناءٍ إلّا ويُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُهُ مُتَّصِلًا ولا قائِلَ بِهِ، وتَعَقَّبَ اِبْنُ الشَّجَرِيِّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ هُنا مُطْلَقًا، وادَّعى أنَّ ﴿رَمْزًا﴾ مَفْعُولٌ بِهِ مُنْتَصِبٌ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الخافِضِ، والأصْلُ أنْ لا تُكَلِّمَ النّاسَ إلّا بِرَمْزٍ، فالعامِلُ الَّذِي قَبْلَ (إلّا) مُفَرَّغٌ في هَذا النَّحْوِ لِلْعَمَلِ فِيما بَعْدَها بِدَلِيلِ أنَّكَ لَوْ حَذَفْتَ (إلّا) وحَرْفَ النَّفْيِ اِسْتَقامَ الكَلامُ، تَقُولُ في نَحْوِ ما لَقِيتُ إلّا زَيْدًا لَقِيتُ زَيْدًا، وفي ما خَرَجَ إلّا زَيْدٌ خَرَجَ زَيْدٌ، وكَذا لَوْ قُلْتَ: آيَتُكُ أنْ تُكَلِّمَ النّاسِ رَمْزًا، اِسْتَقامَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ، فَلَوْ قُلْتَ: لَيْسَ القَوْمُ في الدّارِ إلّا زَيْدًا أوْ إلّا زِيدٌ ثُمَّ حَذَفْتَ النَّفْيَ، وإلّا فَقُلْتَ: القَوْمُ في الدّارِ زَيْدًا أوْ زَيْدٌ، لَمْ يَسْتَقِمْ، فَكَذا المُنْقَطِعُ نَحْوُ: ما خَرَجَ القَوْمُ إلّا حِمارًا، لَوْ قُلْتَ: خَرَجَ القَوْمُ حِمارًا لَمْ يَسْتَقِمْ، قالَهُ السَّفاقِسِيُّ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ (إلّا رُمُزًا) بِضَمَّتَيْنِ، جَمْعُ رُمُوزٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ، وقُرِئَ (رَمَزًا) بِفُتْحَتَيْنِ جَمْعُ رامِزٍ كَخادِمٍ وخَدَمٍ وهو مِن نادِرِ الجَمْعِ وعَلى القِراءَتَيْنِ يَكُونُ حالًا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا أيْ مُتَرامِزَيْنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
مَتى ما تَلْقَنِي (فَرْدَيْنِ) تَرْجُفُ ∗∗∗ رَوانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُسْتَطارا
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (إلّا رُمُزًا) عَلى قِراءَةِ الضَّمِّ مَصْدَرًا، وجَعَلَهُ مُسَكَّنَ المِيمِ في الأصْلِ والضَّمُّ عارِضٌ لِلِاتِّباعِ كاليُسْرِ واليُسُرِ، وعَلَيْهِ لا يَخْتَلِفُ إعْرابُهُ، فافْهَمْ.
﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أيْ في أيّامِ الحَبْسَةِ شُكْرًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ
صفحة 152
كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ مُطْلَقًا لا في خُصُوصِ تِلْكَ الأيّامِ، وأنْ يَكُونَ في جَمِيعِ أيّامِ الحَمْلِ لِتَعُودَ بَرَكاتُهُ إلَيْهِ، والمُنْساقُ إلى الذِّهْنِ هو الأوَّلُ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ لِلْغَرَضِ مِنها، واسْتُشْكِلَ العَطْفُ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ، والثّانِي: عَطْفُ المُؤَكِّدِ عَلى المُؤَكَّدِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيِ اُشْكُرْ واذْكُرْ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُجْعَلَ الأمْرُ بِمَعْنى الخَبَرِ عَطْفًا عَلى (لا تُكَلِّمَ) فَيَكُونُ في تَقْدِيرِ: أنْ لا تُكَلِّمَ وتَذْكُرَ رَبَّكَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ﴿كَثِيرًا﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ زَمانٍ كَذَلِكَ أيْ ذِكْرًا كَثِيرًا وزَمانًا كَثِيرًا.
﴿وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ﴾ وهو مِنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: مِنَ العَصْرِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ، ﴿والإبْكارِ﴾ [ 41 ] أيْ وقْتِهِ وهو مِنَ الفَجْرِ إلى الضُّحى، وإنَّما قُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ الإبْكارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مَصْدَرٌ لا وقْتٌ فَلا تَحْسُنُ المُقابَلَةُ كَذا قِيلَ؛ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ العَشِيَّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ الوَقْتِ المَخْصُوصِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ، واَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْظَمُ أنَّهُ مَصْدَرٌ أيْضًا عَلى فَعِيلٍ لا جَمْعٌ‘ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الجَوْهَرِيِّ فافْهَمْ؛ وقُرِئَ (والأبْكارِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَهو حِينَئِذٍ جَمْعُ بَكَرٍ كَسَحَرٍ لَفْظًا ومَعْنًى وهو نادِرُ الِاسْتِعْمالِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ بِدَلِيلِ تَقْيِيدِهِ بِالوَقْتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ وقِيلَ: الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ كَما أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ الذِّكْرُ القَلْبِيُّ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا تَكْرارَ في ذِكْرِ التَّسْبِيحِ مَعَ الذِّكْرِ، وألْ في الوَقْتَيْنِ لِلْعُمُومِ، وأبْعَدُ مِن جَعْلِها لِلْعَهْدِ أيْ عَشِيِّ تِلْكَ الأيّامِ الثَّلاثَةِ وأبْكارِها، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، ولَيْسَ مِن بابِ التَّنازُعِ في المَشْهُورِ، وجَوَّزَهُ بَعْضُهم فَيَكُونُ الأمْرُ بِالذِّكْرِ مُقَيَّدًا بِهَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ أيْضًا، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَقْيِيدَهُ بِالكَثْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ، وفِيهِ بُعْدٌ تَسْلِيمُ أنَّهُ مُقَيَّدٌ بِهِ فَقَطْ أنَّ الكَثْرَةَ أخَصُّ مِنَ التَّكْرارِ.
هَذا ومِن بابِ البُطُونِ في الآياتِ أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ شَيْخًا مُرْشِدًا لِلنّاسِ فَلَمّا رَأى ما رَأى أيْ تَحَرَّكَتْ غَيْرَةُ النُّبُوَّةِ فَطَلَبَ مِن رَبِّهِ ولَدًا حَقِيقِيًّا يَقُومُ مَقامَهُ في تَرْبِيَةِ النّاسِ وهِدايَتِهِمْ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أيْ مُطَهَّرَةً مِن لَوَثِ الِاشْتِغالِ بِالسِّوى مُنْفَرِدَةً عَنْ إراداتِها مُقَدَّسَةً مِن شَهَواتِها ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ﴾ عَلى ساقِ الخِدْمَةِ ﴿يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ وهو مَحِلُّ المُراقَبَةِ ومُحارِبَةِ النَّفْسِ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ مَن شاهَدَ الحَقَّ في جَمالِ نُبُوَّتِهِ يَحْيا قَلْبُهُ مِن مَوْتِ الفَتْرَةِ، أوْ لِأنَّهُ هو يَحْيا بِالنُّبُوَّةِ والشَّهادَةِ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وهو ما يَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ عَلى القُلُوبِ المُقَدَّسَةِ ﴿وسَيِّدًا﴾ وهو الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ نُورُ هَيْبَةِ عِزَّةِ الحَقِّ، وقالَ الصّادِقُ: هو المُبايِنُ لِلْخَلْقِ وصْفًا وحالًا وخَلْقًا؛ وقالَ الجُنَيْدُ: هو الَّذِي جادَ بِالكَوْنَيْنِ طَلَبًا لِرَبِّهِ، وقالَ اِبْنُ عَطاءٍ: هو المُتَحَقِّقُ بِحَقِيقَةِ الحَقِّ، وقالَ اِبْنُ مَنصُورٍ: هو مَن خَلا عَنْ أوْصافِ البَشَرِيَّةِ وحَلى بِنُعُوتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: هو مَنِ اِسْتَوَتْ أحْوالُهُ عِنْدَ المَنعِ والإعْطاءِ والرَّدِّ والقَبُولِ ﴿وحَصُورًا﴾ وهو الَّذِي حُصِرَ ومُنِعَ عَنْ جَمِيعِ الشَّهَواتِ وعُصِمَ بِالعِصْمَةِ الأزَلِيَّةِ، وقالَ الإسْكَنْدَرانِيُّ: هو المُنَزَّهُ عَنِ الأكْوانِ وما فِيها ﴿ونَبِيًّا﴾ أيْ مُرْتَفَعُ القَدْرِ بِهُبُوطِ الوَحْيِ عَلَيْهِ ومَعْدُودًا ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهم أهْلُ الصَّفِّ الأوَّلِ مِن صُفُوفِ الأرْواحِ المُجَنَّدَةِ المُشاهِدَةِ لِلْحَقِّ في مَرايا الخَلْقِ.
﴿قالَ﴾ اِسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ والحالُ ”قَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ“ وهو أحَدُ المَوانِعِ العادِيَّةِ ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ وهو مانِعٌ آخَرُ ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ عَلى العُلُوقِ لِأشْكُرَكَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ إذْ شُكْرُ المُنْعِمِ واجِبٌ وبِهِ تَدُومُ المَواهِبُ الإلَهِيَّةُ.
صفحة 153
﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ بِأنْ يُحْصَرَ لِسانُكَ عَنْ مُحادَثَتِهِمْ لِيَتَجَرَّدَ سِرُّكَ لِرَبِّكَ ويَكُونُ ظاهِرُكَ وباطِنُكَ مَشْغُولًا بِهِ ﴿إلا رَمْزًا﴾ تَدْفَعُ بِهِ ضِيقَ القَلْبِ عِنْدَ الحاجَةِ، وحَقِيقَةُ الرَّمْزِ عِنْدَ العارِفِينَ تَعْرِيضُ السِّرِّ إلى السِّرِّ وإعْلامُ الخاطِرِ لِلْخاطِرِ بِنَعْتِ تَحَرِّيكِ سِلْسِلَةِ المُواصَلَةِ بَيْنَ المُخاطِبِ والمُخاطَبِ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ بِتَخْلِيصِ النِّيَّةِ عَنِ الخَطِراتِ وجَمْعِ الهُمُومِ بِنَعْتِ تَصْفِيَةِ السِّرِّ في المُناجاةِ وتَحَيُّرِ الرُّوحِ في المُشاهَداتِ ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَنِ الشَّرِكَةِ في الوُجُودِ ﴿بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ بِالفَناءِ والبَقاءِ.
وإنْ أرَدْتَ تَطْبِيقَ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ، فَتَقُولُ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا﴾ الِاسْتِعْدادَ ﴿رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ وهي النَّفْسُ الطّاهِرَةُ المُقَدَّسَةُ عَنِ النَّقائِصِ ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ مِمَّنْ صَدَقَ في الطَّلَبِ ﴿فَنادَتْهُ﴾ مَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿وهُوَ قائِمٌ﴾ مُنْتَهِضٌ لِتَكْمِيلِ النَّشْأةِ ﴿يُصَلِّي﴾ ويَدْعُو في مِحْرابِ التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى المُفِيضِ عَلى القَوابِلِ بِحَسَبِ القابِلِيّاتِ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ وهو الرُّوحُ الحَيُّ بِرُوحِ الحَقِّ والصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وهي ما تُلْقِيها مَلائِكَةُ الإلْهامِ مِن قِبَلِ الفَيّاضِ المُطْلَقِ ﴿وسَيِّدًا﴾ لَمْ تَمْلِكْهُ الشَّهَواتُ النَّفْسانِيَّةُ ﴿وحَصُورًا﴾ أيْ مُبالِغًا في الِامْتِناعِ عَنِ اللَّذائِذِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ونَبِيًّا﴾ بِما يَتَلَقّاهُ مِن عالَمِ المَلَكُوتِ ومَعْدُودًا ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لَهاتِيكَ الحَضْرَةِ القائِمِينَ بِحُقُوقِ الحَقِّ والخَلْقِ لِاتِّصافِهِ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ.
﴿قالَ رَبِّ أنّى﴾ أيْ كَيْفَ ﴿يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ وضَعْفُ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ ﴿وامْرَأتِي﴾ وهي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ ﴿عاقِرٌ﴾ عَقِيمٌ عَنْ وِلادَةِ مِثْلِ هَذا الغُلامِ إذْ لا تَلِدُ الحَيَّةُ إلّا حَيِيَّةً ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ في غَرابَةِ الشَّأْنِ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي يَسْتَبْعِدُها مَن قَيَّدَهُ النَّظَرُ إلى المَأْلُوفاتِ، وبَقِيَ أسِيرًا في سَجْنِ العاداتِ ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ عَلى ذَلِكَ لِأشْكُرَكَ مُسْتَمْطِرًا زِيادَةَ نِعَمِكَ الَّتِي لا مُنْتَهى لَها ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ وهم ما يَأْنَسُ بِهِ مِنَ اللَّذائِذِ المُباحَةِ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ وهي يَوْمُ الفَناءِ بِالأفْعالِ ويَوْمُ الفَناءِ بِالصِّفاتِ ويَوْمُ الفَناءِ بِالذّاتِ ﴿إلا رَمْزًا﴾ أيْ قَدْرًا يَسِيرًا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ الَّذِي رَبّاكَ حَتّى أوْصَلَكَ إلى هَذِهِ الغايَةِ ﴿كَثِيرًا﴾ حَيْثُ مَنَّ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ كَثِيرٍ ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَنْ نَقائِصِ التَّقَيُّدِ بِالمَظاهِرِ ﴿بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أيْ وقْتَيِ الصَّحْوِ والمَحْوِ.
وبَعْضُ المُلْتَزِمِينَ لِذِكْرِ البُطُونِ ذَكَرَ في تَطْبِيقِ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ أنَّ القُوى البَدَنِيَّةَ اِمْرَأةَ عِمْرانَ الرُّوحَ نَذَرَتْ ما في قُوَّتِها مِنَ النَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ فَوَضَعَتْ أُنْثى النَّفْسِ فَكَفَّلَها زَكَرِيّا الفِكْرُ فَدَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا مِحْرابَ الدِّماغِ فَوَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا مِنَ المَعانِي الحَدْسِيَّةِ الَّتِي اِنْكَشَفَتْ لَها بِصَفائِها فَهُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا الفِكْرُ بِتَرْكِيبِ تِلْكَ المَعانِي واسْتَوْهَبَ ولَدًا مُقَدَّسًا مِن لَوَثِ الطَّبِيعَةِ فَسَمِعَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ فَنادَتْهُ مَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ وهو قائِمٌ في أمْرِهِ بِتَرْكِيبِ المَعْلُوماتِ يُناجِي رَبَّهُ بِاسْتِنْزالِ الأنْوارِ في مِحْرابِ الدِّماغِ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ العَقْلِ مُصَدِّقًا بِعِيسى القَلْبِ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِتَقَدُّسِهِ عَنْ عالَمِ الأجْرامِ ﴿وسَيِّدًا﴾ لِجَمِيعِ أصْنافِ القُوى ﴿وحَصُورًا﴾ عَنْ مُباشَرَةِ الطَّبِيعَةِ ﴿ونَبِيًّا﴾ بِالإخْبارِ عَنِ المَعارِفِ والحَقائِقِ وتَعْلِيمِ الأخْلاقِ ومُنْتَظِمًا في سِلْكِ الصّالِحِينَ وهُمُ المُجَرَّداتُ ومُقَرَّبُو الحَضْرَةِ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ﴾ ذَلِكَ ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ﴾ كِبَرُ مُنْتَهى الطَّوْرِ ﴿وامْرَأتِي﴾ وهي طَبِيعَةُ الرُّوحِ النَّفْسانِيَّةِ ﴿عاقِرٌ﴾ بِالنُّورِ المُجَرَّدِ فَطَلَبَ لِذَلِكَ عَلامَةً فَقِيلَ لَهُ: عَلامَةُ ذَلِكَ الإمْساكُ عَنْ مُكالَمَةِ القُوى البَدَنِيَّةِ في تَحْصِيلِ مَآرِبِهِمْ مَنِ اللَّذائِذِ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ كُلَّ يَوْمٍ عَقْدٌ تامٌّ مِن أطْوارِ العُمْرِ وهو عَشْرُ سِنِينَ (إلّا) بِالإشارَةِ الخَفِيَّةِ، وأُمِرَ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ الأيّامِ الَّتِي هي مَعَ العَشْرِ الأُوَلِ الَّتِي هي سِنُّ التَّمَيُّزِ أرْبَعُونَ سَنَةً
صفحة 154
اِنْتَهى، وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْتُهُ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْتُهُ عَلى ضَعْفِي أوْلى مِنهُ، وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ وبُطُونُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا تُحْصى.
آل عمران 3:42
﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ تَتِمَّةٌ لِشَرْحِ أحْكامِ اِصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ، ووَقَعَتْ قِصَّةُ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ في البَيْنِ لِما فِيها مِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ الِاصْطِفاءَ، و(إذْ) في المَشْهُورِ مَنصُوبٌ بِالذِّكْرِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وبَيْنَهُما كَمالُ المُناسَبَةِ لِأنَّ تِلْكَ مَسُوقَةٌ أوَّلًا وبِالذّاتِ لِشَرْحِ حالِ الأُمِّ وهَذِهِ لِشَرْحِ حالِ البِنْتِ، والمُرادُ مِنَ المَلائِكَةِ رَئِيسُهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والكَلامُ هُنا كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الظَّرْفِ مَعْطُوفًا عَلى الظَّرْفِ السّابِقِ وناصِبِهِ ناصِبَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والمُرادُ: اُذْكُرْ أيْضًا مِن شَواهِدِ اِصْطِفاءِ أُولَئِكَ الكِرامِ وقْتَ قَوْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ أيِ اِخْتارَكِ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَطَفَ بِكِ ومَيَّزَكِ عَلى كُلِّ مُحَرَّرٍ وخَصَّكِ بِالكَراماتِ السَّنِيَّةِ، والتَّأْكِيدُ اِعْتِناءٌ بِشَأْنِ الخَبَرِ، وقَوْلُ المَلائِكَةِ لَها ذَلِكَ كانَ شِفاهًا عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ ونَطَقَتْ بِهِ الظَّواهِرُ، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَقْتَضِي تَكَرُّرَ هَذا القَوْلِ مِنَ المَلائِكَةِ لَها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قالَ: كانَتْ مَرْيَمُ حَبِيسًا في الكَنِيسَةِ ومَعَها فِيها غُلامٌ اِسْمُهُ يُوسُفُ وقَدْ كانَ أُمُّهُ وأبُوهُ جَعَلاهُ نَذِيرًا حَبِيسًا فَكانا في الكَنِيسَةِ جَمِيعًا وكانَتْ مَرْيَمُ إذا نَفِدَ ماؤُها وماءُ يُوسُفَ أخَذا قُلَّتَيْهِما فانْطَلَقا إلى المَغارَةِ الَّتِي فِيها الماءُ فَيَمْلَآنِ ثُمَّ يَرْجِعانِ، والمَلائِكَةُ في ذَلِكَ مُقْبِلَةٌ عَلى مَرْيَمَ بِالبِشارَةِ ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ الآيَةَ، فَإذا سَمِعَ ذَلِكَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: إنَّ لِابْنَةِ عِمْرانَ لَشَأْنًا، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ألْهَمُوها ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ القَوْلِ بِالإلْهامِ وإسْنادَهُ لِلْمَلائِكَةِ خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ كانَ لا مَنعَ مِن أنْ يَكُونَ بِواسِطَتِهِمْ أيْضًا عَلى أنَّهُ قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ خَبَرٌ أصْلًا، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ التَّكْلِيمُ مِن بابِ الكَرامَةِ الَّتِي يَمُنُّ بِها اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى خَواصِّ عِبادِهِ، ومَن أنْكَرَها زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ إرْهاصٌ وتَأْسِيسٌ لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مُعْجِزَةٌ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأُورِدُ عَلى الأوَّلِ أنَّ الإرْهاصَ في المَشْهُورِ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى دَعْوى النُّبُوَّةِ ما يُشْبِهُ المُعْجِزَةَ كَإظْلالِ الغَمامِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَكَلُّمِ الحَجَرِ مَعَهُ، وهَذا بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي وُقُوعَ الخارِقِ عَلى يَدِ النَّبِيِّ لَكِنْ قَبْلَ أنْ يُنَبَّأ لا عَلى يَدِ غَيْرِهِ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُدْفَعَ بِالعِنايَةِ؛ وأُورِدُ عَلى الثّانِي بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ لَمْ يَقَعِ الكَلامُ مَعَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَقْتَرِنْ ذَلِكَ بِالتَّحَدِّي أيْضًا فَكَيْفَ يَكُونُ مُعْجِزَةً لَهُ.
واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى نُبُوَّةِ مَرْيَمَ لِأنَّ تَكْلِيمَ المَلائِكَةِ يَقْتَضِيها، ومَنَعَهُ اللَّقانِيُّ بِأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ كَلَّمُوا مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ إجْماعًا فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم كَلَّمُوا رَجُلًا خَرَجَ لِزِيارَةِ أخٍ لَهُ في اللَّهِ تَعالى وأخْبَرُوهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُحِبُّهُ كَحُبِّهِ لِأخِيهِ فِيهِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِنُبُوَّتِهِ، وادَّعى أنَّ مَن تَوَهَّمَ أنَّ النُّبُوَّةَ مُجَرَّدُ الوَحْيِ ومُكالَمَةِ المَلَكِ فَقَدْ حادَ عَنِ الصَّوابِ.
ومِنَ النّاسِ مَنِ اِسْتَدَلَّ عَلى عَدَمِ اِسْتِنْباءِ النِّساءِ بِالإجْماعِ وبُقُولِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ حِكايَةَ الإجْماعِ في غايَةِ الغَرابَةِ فَإنَّ الخِلافَ في نُبُوَّةِ نِسْوَةٍ كَحَوّاءَ وآسِيَةَ وأُمِّ مُوسى وسارَّةَ وهاجَرَ ومَرْيَمَ مَوْجُودٌ خُصُوصًا مَرْيَمَ فَإنَّ القَوْلَ بِنُبُوَّتِها شَهِيرٌ، بَلْ مالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ في «اَلْحَلَبِيّاتِ»، وابْنُ السَّيِّدِ إلى تَرْجِيحِهِ، وذَكَرَ أنَّ ذِكْرَها مَعَ الأنْبِياءِ في سُورَتِهِمْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ لِذَلِكَ.
وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ لا يَصِحُّ لِأنَّ المَذْكُورَ فِيها الإرْسالُ وهو أخَصُّ مِنَ الِاسْتِنْباءِ عَلى الصَّحِيحِ المَشْهُورِ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الأخَصِّ نَفْيُ الأعَمِّ، فافْهَمْ.
﴿وطَهَّرَكِ﴾ أيْ مِنَ الأدْناسِ والأقْذارِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنِّساءِ
صفحة 155
مِثْلَ الحَيْضِ والنِّفاسِ حَتّى صِرْتِ صالِحَةً لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ طَهَّرَكِ بِالإيمانِ عَنِ الكُفْرِ وبِالطّاعَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: نَزَّهَكِ عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والطِّباعِ الرَّدِيئَةِ، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ أيْ طَهَّرَكِ مِنَ الأقْذارِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ والقَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ.
﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ [ 42 ] يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهَذا الِاصْطِفاءِ غَيْرُ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ وهو ما كانَ آخِرًا مِن هِبَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَها مِن غَيْرِ أبٍ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ النِّساءِ، وجَعَلَها وإيّاهُ آيَةً لِلْعالِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأوَّلُ وكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ وتَبْيِينِ مَنِ اِصْطَفاها عَلَيْهِنَّ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ تَقْدِيمُ حِكايَةِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى حِكايَةِ بِشارَتِها بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلِاسْتِقْلالِ بِالتَّذَكُّرِ ولَهُ نَظائِرُ قَدْ مَرَّ بَعْضُها، وعَلى الثّانِي لا إشْكالَ في التَّرْتِيبِ وتَكُونُ حِكْمَةُ تَقَدُّمِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى البِشارَةِ الإشارَةَ إلى كَوْنِها عَلَيْها السَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ مُسْتَعِدَّةً لِفَيَضانِ الرُّوحِ عَلَيْها بِما هي عَلَيْهِ مِنَ التَّبَتُّلِ والِانْقِيادِ حَسَبَ الأمْرِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، كَما قالَ الإمامُ لِما أنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ.
والمُرادُ مِن نِساءِ العالَمِينَ قِيلَ: جَمِيعُ النِّساءِ في سائِرِ الأعْصارِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أفْضَلِيَّتِها عَلى فاطِمَةَ وخَدِيجَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ اِبْنُ عَساكِرَ في أحَدِ الطُّرُقِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، ثُمَّ فاطِمَةُ، ثُمَّ خَدِيجَةُ، ثُمَّ آسِيَةُ اِمْرَأةُ فِرْعَوْنَ ”،» وبِما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مَكْحُولٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ نِساءُ قُرَيْشٍ أحَناهُ عَلى ولَدٍ في صِغَرِهِ وأرْعاهُ عَلى بَعْلٍ في ذاتِ يَدِهِ ولَوْ عَلِمْتُ أنَّ مَرْيَمَ اِبْنَةَ عِمْرانَ رَكِبَتْ بَعِيرًا ما فَضَّلْتُ عَلَيْها أحَدًا»، وبِما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى أبِيها وعَلَيْها وسَلَّمَ أنَّها قالَتْ: «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ إلّا مَرْيَمَ البَتُولَ ”».
وقِيلَ: المُرادُ نِساءُ عالَمِها فَلا يَلْزَمُ مِنهُ أفْضَلِيَّتُها عَلى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «“ أرْبَعُ نِسْوَةٍ ساداتُ عالَمِهِنَّ، مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ وأفْضَلُهُنَّ عالَمًا فاطِمَةُ ”،» وما رَواهُ الحَرْثُ بْنُ أُسامَةَ في «مُسْنَدِهِ» بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ «“مَرْيَمُ خَيْرُ نِساءِ عالَمِها» وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو المَشْهُورُ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ.
واَلَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ فاطِمَةَ البَتُولَ أفْضَلُ النِّساءِ المُتَقَدِّماتِ والمُتَأخِّراتِ مِن حَيْثُ إنَّها بِضْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ ومِن حَيْثِيّاتٍ أُخَرَ أيْضًا، ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ الأخْبارُ السّابِقَةُ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِها أفْضَلِيَّةُ غَيْرِها عَلَيْها مِن بَعْضِ الجِهاتِ وبِحَيْثِيَّةٍ مِنَ الحَيْثِيّاتِ وبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الآثارِ وهَذا سائِغٌ عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ أيْضًا إذِ البِضْعِيَّةُ مِن رُوحِ الوُجُودِ وسَيِّدُ كُلِّ مَوْجُودٍ لا أراها تُقابَلُ بِشَيْءٍ.
وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ
ومِن هُنا يُعْلَمُ أفْضَلِيَّتُها عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها الذّاهِبُ إلى خِلافِها الكَثِيرُ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ ﷺ: «”خُذُوا ثُلْثَيْ دِينِكم عَنِ الحُمَيْراءِ“،» وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ: «”فَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ“،» وبِأنَّ عائِشَةَ يَوْمَ القِيامَةِ في الجَنَّةِ مَعَ زَوْجِها رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفاطِمَةُ يَوْمَئِذٍ فِيها مَعَ زَوْجِها عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وفَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ مَقامِ النَّبِيِّ ﷺ ومَقامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ ما في هَذا الِاسْتِدْلالِ وأنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ عَلى أفْضَلِيَّةِ الحُمَيْراءِ عَلى الزَّهْراءِ؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ
صفحة 156
قُصارى ما في الحَدِيثِ الأوَّلِ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إثْباتُ أنَّها عالِمَةٌ إلى حَيْثُ يُؤْخَذُ مِنها ثُلْثا الدِّينِ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ العِلْمِ المُماثِلِ لِعِلْمِها عَنْ بِضْعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِعِلْمِهِ ﷺ أنَّها لا تَبْقى بَعْدَهُ زَمَنًا مُعْتَدًّا بِهِ يُمْكِنُ أخْذُ الدِّينِ مِنها فِيهِ لَمْ يَقُلْ فِيها ذَلِكَ، ولَوْ عَلِمَ لَرُبَّما قالَ: خُذُوا كُلَّ دِينِكم عَنِ الزَّهْراءِ، وعَدَمُ هَذا القَوْلِ في حَقِّ مَن دَلَّ العَقْلُ والنَّقْلُ عَلى عِلْمِهِ لا يَدُلُّ عَلى مَفْضُولِيَّتِهِ وإلّا لَكانَتْ عائِشَةُ أفْضَلَ مِن أبِيها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ في الدِّينِ إلّا قَلِيلٌ لِقِلَّةِ لُبْثِهِ وكَثْرَةِ غائِلَتِهِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمُ الثِّقْلَيْنِ كِتابَ اللَّهِ تَعالى وعِتْرَتِي لا يَفْتَرِقانِ حَتّى يَرِدا عَلى الحَوْضِ“،» يَقُومُ مَقامَ ذَلِكَ الخَبَرِ وزِيادَةً، كَما لا يَخْفى كَيْفَ لا وفاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها سَيِّدَةُ تِلْكَ العِتْرَةِ؟!.
وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ الحَدِيثَ الثّانِيَ مَعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى أفْضَلِيَّةِ غَيْرِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَلَيْها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ قالَ: «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلى نِساءِ أُمَّتِي كَما فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ“،» بَلْ هَذا الحَدِيثُ أظْهَرُ في الأفْضَلِيَّةِ وأكْمَلُ في المَدْحِ عِنْدَ مَنِ اِنْجابَ عَنْ عَيْنِ بَصِيرَتِهِ عَيْنُ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ لِأنَّ ذَلِكَ الخَبَرَ وإنْ كانَ ظاهِرًا في الأفْضَلِيَّةِ لَكِنَّهُ قِيلَ ولَوْ عَلى بُعْدٍ: إنَّ ألْ في النِّساءِ فِيهِ لِلْعَهْدِ؛ والمُرادُ بِها الأزْواجُ الطّاهِراتُ المَوْجُوداتُ حِينَ الإخْبارِ ولَمْ يَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ في هَذا الحَدِيثِ.
وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ الدَّلِيلَ الثّالِثَ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ سائِرُ زَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ أفْضَلَ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ مَقامَهم بِلا رَيْبٍ لَيْسَ كَمَقامِ صاحِبِ المَقامِ المَحْمُودِ ﷺ فَلَوْ كانَتِ الشَّرِكَةُ في المَنزِلِ مُسْتَدْعِيَةً لِلْأفْضَلِيَّةِ لَزِمَ ذَلِكَ قَطْعًا ولا قائِلَ بِهِ.
وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ الَّذِي يَدُورُ في خَلَدِي أنَّ أفْضَلَ النِّساءِ فاطِمَةُ ثُمَّ أُمُّها ثُمَّ عائِشَةُ، بَلْ لَوْ قالَ قائِلٌ إنَّ سائِرَ بَناتِ النَّبِيِّ ﷺ أفْضَلُ مِن عائِشَةَ لا أرى عَلَيْهِ بَأْسًا؛ وعِنْدِي بَيْنَ مَرْيَمَ وفاطِمَةَ تَوَقُّفٌ نَظَرًا لِلْأفْضَلِيَّةِ المُطْلَقَةِ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى الحَيْثِيَّةِ فَقَدْ عَلِمْتَ ما أمِيلُ إلَيْهِ، وقَدْ سُئِلَ الإمامُ السُّبْكِيُّ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ: الَّذِي نَخْتارُهُ ونَدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ أفْضَلُ ثُمَّ أُمَّها ثُمَّ عائِشَةَ، ووافَقَهُ في ذَلِكَ البُلْقَيْنِيُّ وقَدْ صَحَّحَ اِبْنُ العِمادِ أنَّ خَدِيجَةَ أيْضًا أفْضَلُ مِن عائِشَةَ لِما ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِعائِشَةَ حِينَ قالَتْ: «”قَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا مِنها، فَقالَ لَها: لا واَللَّهِ ما رَزَقَنِي اللَّهُ تَعالى خَيْرًا مِنها، آمَنَتْ بِي حِينَ كَذَّبَنِي النّاسُ وأعْطَتْنِي مالَها حِينَ حَرَمَنِي النّاسُ“،» وأُيِّدَ هَذا بِأنَّ عائِشَةَ أقْرَأها السَّلامَ النَّبِيُّ ﷺ مِن جِبْرِيلَ، وخَدِيجَةَ أقْرَأها السَّلامَ جِبْرِيلُ مِن رَبِّها، وبَعْضُهم لَمّا رَأى تَعارُضَ الأدِلَّةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَوَقَّفَ فِيها وإلى التَّوَقُّفِ مالَ القاضِي أبُو جَعْفَرٍ الأسْتَرُوشَنِيُّ مِنّا، وذَهَبَ اِبْنُ جَماعَةَ إلى أنَّهُ المَذْهَبُ الأسْلَمُ.
وأشْكَلُ ما في هَذا البابِ حَدِيثُ الثَّرِيدِ ولَعَلَّ كَثْرَةَ الأخْبارِ النّاطِقَةِ بِخِلافِهِ تُهَوِّنُ تَأْوِيلَهُ، وتَأْوِيلُ واحِدٍ لِكَثِيرٍ أهْوَنُ مِن تَأْوِيلِ كَثِيرٍ لِواحِدٍ، واَللَّهُ تَعالى هو الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
آل عمران 3:43
﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن مَقُولِ المَلائِكَةِ أيْضًا وصَّوْها بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أخْبَرُوها بِعُلُوِّ دَرَجَتِها وكَمالِ قُرْبِها إلى اللَّهِ تَعالى لِئَلّا تَفْتُرَ ولا تَغْفُلَ عَنِ العِبادَةِ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْإشارَةِ إلى الِاعْتِناءِ بِما يَرِدُ بَعْدُ، كَأنَّهُ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ.
والقُنُوتُ إطالَةُ القِيامِ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ إدامَةُ الطّاعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الرّاغِبُ، أوِ الإخْلاصُ في العِبادَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أوْ أصْلُ القِيامِ في الصَّلاةِ، قالَهُ بَعْضُهُمْ، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ
صفحة 157
وُجُوبِ اِمْتِثالِ الأوامِرِ.
﴿واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [ 43 ] يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ الأمْرَ بِالصَّلاةِ إلّا أنَّهُ أمَرَ سُبْحانَهُ بِها بِذِكْرِ أرْكانِها مُبالَغَةً في إيجابِ المُحافَظَةِ عَلَيْها لِما أنَّ في ذِكْرِ الشَّيْءِ تَفْصِيلًا تَقْرِيرًا لَيْسَ في الإجْمالِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ السُّجُودِ عَلى الرُّكُوعِ لِأنَّهُ كَذَلِكَ في صَلاتِهِمْ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أفْضَلُ أرْكانِ الصَّلاةِ وأقْصى مَراتِبِ الخُضُوعِ، وفي الخَبَرِ: «”أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ“،» أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الواوَ لا تُوجِبِ التَّرْتِيبَ أوْ لِيَقْتَرِنَ ”ارْكَعِي“ بِالرّاكِعِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَن لَيْسَ في صَلاتِهِمْ رُكُوعٌ لَيْسُوا مُصَلِّينَ، وكُلٌّ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ القِيامَ لَيْسَ أفْضَلَ مِنَ السُّجُودِ كَما نُقِلَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ خِطابَ القُرْآنِ مَعَ مَن يَعْلَمُ لُغَةَ العَرَبِ لا مَعَ مَن يَتَعَلَّمُ مِنهُ اللُّغَةَ، وأمّا الثّالِثُ: فَلِأنَّ تَمامِيَّتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلى بَيانِ وجْهِ أنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ بِالسّاجِدِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لا سَجْدَةَ في صِلاتِهِ لَيْسَ مِنَ المُصَلِّينَ؟ وكَأنَّ وجْهَ ذَلِكَ ما يُسْتَفادُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ قالَ: ((ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في زَمانِها مَن كانَ يَقُومُ ويَسْجُدُ في صَلاتِهِ ولا يَرْكَعُ، وفِيهِ مَن يَرْكَعُ، فَأُمِرَتْ بِأنْ تَرْكَعَ مَعَ الرّاكِعِينَ ولا تَكُونَ مَعَ مَن لا يَرْكَعُ))، فالنُّكْتَةُ في التَّعْبِيرِ ما جُعِلَتْ نُكْتَةً في ذِكْرِ ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ واعْتَرَضَهُ أيْضًا بَعْضُهم بِأنَّهُ إذا قُدِّمَ الرُّكُوعُ، وقِيلَ: (وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ واسْجُدِي) يَحْصُلُ ذَلِكَ المَقْصُودُ، ولا مَدْخَلَ لِلتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ في إفادَةِ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ وحْدَهُ الصَّلاةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ والتَّعْبِيرُ عَنِ الصَّلاةِ بِذَلِكَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالجُزْءِ عَنِ الكُلِّ، ويُرادُ بِالرُّكُوعِ الخُشُوعُ والتَّواضُعُ وكَأنَّ أمْرَها بِذَلِكَ حِفْظًا لَها مِنَ الوُقُوعِ في مَهاوِي التَّكَبُّرِ والِاسْتِعْلاءِ بِما لَها مِن عُلُوِّ الدَّرَجَةِ، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الأوْزاعِيِّ، قالَ: «كانَتْ تَقُومُ حَتّى يَسِيلَ القَيْحُ مِن قَدَمَيْها» وما أخْرَجَهُ اِبْنُ عَساكِرَ في الآيَةِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، قالَ: «كانَتْ مَرْيَمُ تُصَلِّي حَتّى تَوَرَّمَ قَدَماها».
والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ فائِدَةَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ الإرْشادُ إلى صَلاةِ الجَماعَةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَلى أنَّ نُكْتَةَ التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ في المَقامِ دُونَ واسْجُدِي مَعَ السّاجِدِينَ الإشارَةُ إلى أنَّ مَن أدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَ الإمامِ فَقَدْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ، وعُورِضَ بِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: واسْجُدِي مَعَ السّاجِدِينَ لَرُبَّما كانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن أدْرَكَ السُّجُودَ مَعَ الإمامِ فَقَدْ أدْرَكَ الجَماعَةَ، ولَعَلَّ هَذِهِ الإشارَةَ أوْلى مِنَ الأُولى في هَذا المَقامِ، واسْتِلْزامُ ذَلِكَ أنَّ مَن أدْرَكَ ما بَعْدَ السُّجُودِ مَعَهُ لا يُدْرِكُ الجَماعَةَ في حَيِّزِ المَنعِ، ولا يَخْفى أنَّ المُعارِضَ والمُعارَضَ لَيْسا بِشَيْءٍ عِنْدَ المُنْصِفِينَ، وأحْسَنُ مِنهُما ما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ «اَلْكَشّافِ»، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (مَعَ) مَجازٌ عَنِ المُوافَقَةِ في الفِعْلِ فَقَطْ دُونَ اِجْتِماعٍ، أيِ اِفْعَلِي كَفِعْلِ الرّاكِعِينَ وإنْ لَمْ تُوقِعِي الصَّلاةَ مَعَهُمْ، قالَ: لِأنَّها كانَتْ تُصَلِّي في مِحْرابِها، وأيْضًا أنَّها كانَتْ شابَّةً وصَلاةُ الشَّوابِّ في الجَماعَةِ مَكْرُوهَةٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ اِرْتِكابٌ لِلتَّجَوُّزِ الَّذِي هو خِلافُ الأصْلِ مِن غَيْرِ داعٍ، وكَوْنُها كانَتْ تُصَلِّي في مِحْرابِها أحْيانًا مُسَلَّمٌ لَكِنْ لا يَدُلُّ عَلى المُدَّعى، ودائِمًا مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وبِفَرْضِهِ لا يَدُلُّ عَلى المُدَّعى أيْضًا لِجَوازِ اِقْتِدائِها وهي في المِحْرابِ، وكَراهَةُ صَلاةِ الشّابَّةِ في الجَماعَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَنا ثُبُوتُها في شَرْعِ مَن قَبْلَنا، عَلى أنَّ الماتُرِيدِيَّ نَفى كَراهَةَ صَلاةِ مَرْيَمَ في الجَماعَةِ وإنْ كانَتْ شابَّةً، وقُلْنا بِكَراهَةِ صَلاةِ الشَّوابِّ في شَرْعِهِمْ أيْضًا، وعَلَّلَهُ بِكَوْنِ القَوْمِ الَّذِينَ كانَتْ تُصَلِّي مَعَهم كانُوا ذَوِي قَرابَةٍ مِنها ورَحِمٍ، ولِذَلِكَ اِخْتَصَمُوا في ضَمِّها وإمْساكِها، ورُبَّما يُعَلَّلُ بِعَدَمِ خَشْيَةِ الفِتْنَةِ وإنْ كانُوا أجانِبَ، ويَسْتَأْنِسُ لِهَذا بِذَهابِها مَعَ يُوسُفَ لِمَلْءِ القُلَّةِ في المَغارَةِ، ولَعَلَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَرْكَعُ مَعَهم مِن هَذا القَبِيلِ، وإنْ قُلْنا: إنَّها تَقْتَدِي وهي في مِحْرابِها إمّا وحْدَها أوْ مَعَ نِسْوَةٍ زالَ الإشْكالُ.
وجاءَ ﴿مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ دُونَ الرّاكِعاتِ
صفحة 158
لِأنَّ هَذا الجَمْعَ أعَمُّ إذْ يَشْمَلُ الرِّجالَ والنِّساءَ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، ولِمُناسَبَةِ رُؤُوسِ الآيِ، ولِأنَّ الِاقْتِداءَ بِالرِّجالِ أفْضَلُ إنْ قُلْنا: إنَّها مَأْمُورَةٌ بِصَلاةِ الجَماعَةِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ في التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ مَدْحًا ضِمْنِيًّا لِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ ولَمْ يُقَيِّدِ الأمْرَيْنِ الأخِيرَيْنِ بِما قَيَّدَ بِهِ الأمْرَ الأوَّلَ اِكْتِفاءً بِالتَّقْيِيدِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: ((إنَّ تَجْرِيدَ الأمْرِ بِالرُّكْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ عَمّا قَيَّدَ بِهِ الأوَّلَ لِما أنَّ المُرادَ تَقْيِيدُ الأمْرِ بِالصَّلاةِ بِذَلِكَ، وقَدْ فَعَلَ حَيْثُ قَيَّدَ بِهِ الرُّكْنَ الأوَّلَ مِنها))، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى لِأنَّهُ مُطَّرِدٌ عَلى سائِرِ الأقْوالِ في القُنُوتِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي داوُدَ في «اَلْمَصاحِفِ» عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (وارْكَعِي واسْجُدِي في السّاجِدِينَ).
آل عمران 3:44
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن تِلْكَ الأخْبارِ البَدِيعَةِ الشَّأْنِ المُرْتَقِيَةِ مِنَ الغَرابَةِ إلى أعْلى مَكانٍ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ مِن أخْبارِ ما غابَ عَنْكَ وعَنْ قَوْمِكَ مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِالوَحْيِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ المَقامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى، والإيحاءُ إلْقاءُ المَعْنى إلى الغَيْرِ عَلى وجْهٍ خَفِيٍّ، ويَكُونُ بِمَعْنى إرْسالِ المَلَكِ إلى الأنْبِياءِ، وبِمَعْنى الإلْهامِ، والضَّمِيرُ في نُوحِيهِ عائِدٌ إلى ذَلِكَ في المَشْهُورِ، واسْتُحْسِنَ عُودُهُ إلى الغَيْبِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَشْمَلُ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَصَصِ وما لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنها بِخِلافِ ما إذا عادَ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يُوهِمُ الِاخْتِصاصَ بِما مَضى، وجُوِّزَ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ قَبْلَها، و﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِ (نُوحِيهِ) أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ أيْ: نُوحِيهِ حالَ كَوْنِهِ بَعْضَ أنْباءِ الغَيْبِ، وجَعْلُهُ حالًا مِنَ المُبْتَدَأِ رَأْيُ البَعْضِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكَ فَيَكُونُ (ذَلِكَ) خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنهُ، وهو وجْهٌ مَرْذُولٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ كَلامُ المَلِكِ الجَلِيلِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ عِنْدَ قَوْمٍ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوَحْيَ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ.
﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ عِنْدِ المُتَنازِعِينَ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ تَحْقِيقُ كَوْنِ الأخْبارَ بِما ذُكِرَ عَنْ وحْيٍ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِمُنْكِرِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ رَسُولَنا أخْبَرَكم بِما لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالعَقْلِ مَعَ اِعْتِرافِكم بِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ ولَمْ يَقْرَأْهُ في كِتابٍ، وتُنْكِرُونَ أنَّهُ وحْيٌ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ هَذا ما يَحْتاجُ إلى النَّفْيِ سِوى المُشاهَدَةِ الَّتِي هي أظْهَرُ الأُمُورِ اِنْتِفاءً لِاسْتِحالَتِها المَعْلُومَةِ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ، ونَبَّهَ عَلى ثُبُوتِ قِصَّةِ مَرْيَمَ مَعَ أنَّ ما عُلِمَ بِالوَحْيِ قِصَّةُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا لِما أنَّ تِلْكَ هي المَقْصُودَةُ بِالأخْبارِ أوَّلًا، وإنَّما جاءَتِ القِصَّةُ الأُخْرى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ ولِانْدِراجِ بَعْضِ قِصَّةِ زَكَرِيّا في ذِكْرِ مَن تَكَفَّلَ فَما خَلَتِ الجُمْلَةُ عَنْ تَنْبِيهٍ عَلى قِصَّتِهِ في الجُمْلَةِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ تَعْجِيبُ اللَّهِ سُبْحانُهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن شِدَّةِ حِرْصِ القَوْمِ عَلى كَفالَةِ مَرْيَمَ والقِيامِ بِأمْرِها، وسِيقَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِاصْطِفائِها عَلَيْها السَّلامُ، ويُبْعِدُ هَذا الفَصْلَ بَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ، ومَعَ هَذا هو أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ مِنها التَّعْجِيبُ مِن تَدافُعِهِمْ لِكَفالَتِها لِشَدَّةِ الحالِ ومَزِيدِ الحاجَةِ الَّتِي لَحِقَتْهم حَتّى وفَّقَ لَها خَيْرَ الكُفَلاءِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ يَكادُ يَكُونُ هَذا غَيْرَ صَحِيحٍ دِرايَةً ورِوايَةً، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يُشْكِلُ نَفْيُ المُشاهَدَةِ مَعَ ظُهُورِ اِنْتِفائِها عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ.
﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ أيْ يَرْمُونَها ويَطْرَحُونَها لِلِاقْتِراعِ، والأقْلامُ جَمْعُ قَلَمٍ وهي الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ
صفحة 159
بِها التَّوْراةَ واخْتارُوها تَبَرُّكًا بِها، وقِيلَ: هي السِّهامُ مِنَ النُّشّابِ وهي القِداحُ، وحَكى الكازَرُونِيُّ أنَّها كانَتْ مِن نُحاسٍ وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَلْمِ بِمَعْنى القَطْعِ، ومِنهُ قُلامَةُ الظُّفْرِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ كَيْفِيَّةِ الرَّمْيِ وفي عِدَّةِ الأقْلامِ خِلافٌ، وعَنِ الباقِرِ أنَّها كانَتْ سِتَّةً، والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِلِاسْتِقْرارِ العامِلِ في ﴿لَدَيْهِمْ﴾ وجَعْلُهُ ظَرْفًا لِ (كانَ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الأوَّلِ، وجَعْلُهُ اِبْتِداءَ اِسْتِفْهامٍ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى، ولَمّا لَمْ يَصْلُحْ ﴿يُلْقُونَ﴾ لِلتَّعَلُّقِ بِالِاسْتِفْهامِ لَزِمَ أنْ يُقَدَّرَ ما يَرْتَبِطُ بِهِ النِّظامُ، فَذَكَرَ الجُلُّ لَهُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يُقَدَّرَ: يَنْظُرُونَ أيُّهم يَكْفُلُ وحَيْثُ كانَ النَّظَرُ مِمّا يُؤَدِّي إلى الإدْراكِ جازَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِاسْمِ الِاسْتِفْهامِ كالأفْعالِ القَلْبِيَّةِ كَما صَرَّحَ بِهِ اِبْنُ الحاجِبِ وابْنُ مالِكٍ في «اَلتَّسْهِيلِ»، وثانِيها: أنْ يُقَدَّرَ: لِيَعْلَمُوا أيُّهم يَكْفُلُ، وعَلى الأوَّلِ الجُمْلَةُ حالٌ مِمّا قَبْلَها، وعَلى الثّانِي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ، ولا يَخْفى أنَّ الإلْقاءَ سَبَبٌ لِنَفْسِ العِلْمِ لَكِنَّهُ سَبَبٌ بَعِيدٌ، والقَرِيبُ هو النَّظَرُ إلى ما اِرْتَفَعَ مِنَ الأقْلامِ، وثالِثُها: أنْ يُقَدَّرَ يَقُولُونَ أوْ لِيَقُولُوا أيُّهُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ يُعْتَدُّ بِها في تَقْدِيرِ يَقُولُونَ ولا يَنْساقُ المَعْنى إلَيْهِ بَلْ هو مُجَرَّدُ إصْلاحٍ لَفْظِيٍّ لِمَوْقِعِ ﴿أيُّهُمْ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّهُ مُفِيدٌ، ويَنْساقُ المَعْنى إلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَوْلِ القَوْلُ لِلْبَيانِ والتَّعْيِينِ، واعْتُرِضَ أيْضًا تَقْدِيرُ القَوْلِ مَقْرُونًا بِلامِ التَّعْلِيلِ بِأنَّ هَذا التَّعْلِيلَ هُنا مِمّا لا مَعْنى لَهُ، وأُجِيبَ بِتَأْوِيلِهِ كَما أُوِّلَ في سابِقِهِ، وقِيلَ: يُؤَوَّلُ بِالحُكْمِ، أيْ: لِيَقُولُوا ولِيَحْكُمُوا أيُّهُمِ الخ، والسَّكّاكِيُّ يُقَدِّرُ هَهُنا يَنْظُرُونَ لِيَعْلَمُوا، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِمُراعاةِ المَعْنى واللَّفْظِ، وإلّا فَتَقْدِيرُ النَّظَرِ أوِ العِلْمِ يُغْنِي عَنِ الآخَرِ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ لَمْ يُقَدِّرْ شَيْئًا أصْلًا وجَعَلَ ﴿أيُّهُمْ﴾ بَدَلًا عَنْ ضَمِيرِ الجَمْعِ، أيْ يُلْقِي كُلَّ مَن يَقْصِدُ الكَفالَةَ وتَتَأتّى مِنهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ التَّكَلُّفِ بِمَكانٍ.
﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ 44 ] في شَأْنِها تَنافُسًا عَلى كَفالَتِها وكانَ هَذا الِاخْتِصامُ بَعْدَ الِاقْتِراعِ في رَأْيٍ، وقَبْلَهُ في آخَرَ، وتَكْرِيرُ ”ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ“ مَعَ تَحَقُّقِ المَقْصُودِ بِعَطْفِ ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى ﴿إذْ يُلْقُونَ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن عَدَمِ الحُضُورِ عِنْدَ الإلْقاءِ، وعَدَمِ الحُضُورِ عِنْدَ الِاخْتِصامِ مُسْتَقِلٌّ بِالشَّهادَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ لا سِيَّما عَلى الرَّأْيِ الثّانِي في وقْتِ الِاخْتِصامِ لِأنَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.
واخْتُلِفَ في وقْتِ هَذا الِاقْتِراعِ والتَّشاحِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما، وهو المَشْهُورُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ كانَ حِينَ وِلادَتِها وحَمْلِ أُمِّها لَها إلى الكَنِيسَةِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن قَبْلُ، وثانِيهُما: أنَّهُ كانَ وقْتَ كِبَرِها وعَجْزِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ تَرْبِيَتِها، وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ، وأوْهَنُ مِنهُ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الِاقْتِراعَ وقَعَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةٌ في الصِّغَرِ وأُخْرى في الكِبَرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ القُرْعَةَ لَها دَخْلٌ في تَمْيِيزِ الحُقُوقِ، ورُوِيَ عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما تَقارَعَ قَوْمٌ فَفَوَّضُوا أمْرَهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا خَرَجَ سَهْمُ المُحِقِّ، وقالَ أيُّ قَضِيَّةٍ أعْدَلَ مِنَ القَضِيَّةِ إذا فُوِّضَ الأمْرُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ وقالَ الباقِرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أوَّلُ مَن سُوهِمَ عَلَيْهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ثُمَّ تَلا ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ .
آل عمران 3:45
﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَشْهُورِ، والقَوْلُ شَفاهِيٌّ كَما رَواهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ، و(إذْ) المُضافَةُ إلى ما بَعْدَها بَدَلٌ مِن نَظِيرَتِها السّابِقَةِ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: بَدَلُ اِشْتِمالٍ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ إذِ الجُمْلَةُ الفاصِلَةُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلُ مِنهُ اِعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا
صفحة 160
لِما سَبَقَ، وتَنْبِيهًا عَلى اِسْتِقْلالِهِ وكَوْنِهِ حَقِيقِيًّا بِأنْ يُعَدَّ عَلى حِيالِهِ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ، قالُوا: وتُرِكَ العَطْفُ بِناءً عَلى اِتِّحادِ المُخاطَبِ والمُخاطِبِ وإيذانًا بِتَقارُنِ الخِطابَيْنِ أوْ تَقارُبِهِما في الزَّمانِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الظَّرْفَ مَنصُوبًا بِ (اُذْكُرْ) مُقَدَّرًا، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِ (يَخْتَصِمُونَ) وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن (إذْ) المُضافَةِ إلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ زَمَنَ الِاخْتِصامِ قَبْلَ زَمَنِ البِشارَةِ بِمُدَّةٍ فَلا تَصِحُّ هَذِهِ البَدَلِيَّةُ، والتِزامُ أنَّهُ بَدَلٌ غَلَطٌ إذْ لا يَقَعُ في فَصِيحِ الكَلامِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُعْتَبَرُ زَمانٌ مُمْتَدٌّ يَقَعُ الِاخْتِصامُ في بَعْضِهِ والبِشارَةُ في بَعْضٍ آخَرَ وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُما في زَمانٍ واحِدٍ كَما يُقالُ وقَعَ القِتالُ والصُّلْحُ في سَنَةٍ واحِدَةٍ مَعَ أنَّ القِتالَ واقِعٌ في أوَّلِها مَثَلًا والصُّلْحُ في آخِرِها، قِيلَ: ولا يُحْتاجُ إلى هَذا عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي مِمّا ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّها عَلَيْها السَّلامُ كانَتْ عاقِلَةً في حالِ الصِّغَرِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها ورَدَتْ عَلَيْها البُشْرى إذْ ذاكَ، وفِيهِ بَعْدٌ بَلِ الآثارُ ناطِقَةٌ بِخِلافِهِ.
﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ كَلِمَةُ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِكَلِمَةٍ وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلى مَن أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ خُلِقَ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أبٍ بَلْ بِواسِطَةِ كُنْ فَقَطْ عَلى خِلافِ أفْرادِ بَنِي آدَمَ فَكانَ تَأْثِيرُ الكَلِمَةِ في حَقِّهِ أظْهَرَ وأكْمَلَ فَهو كَقَوْلِكَ لِمَن غَلَبَ عَلَيْهِ الجُودُ مَثَلًا: مَحْضُ الجُودِ، وعَلى ذَلِكَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وأيَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقِيلَ: أطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ بِهِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ، فَفي «اَلتَّوْراةِ» في الفَصْلِ العِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ الخامِسِ: أقْبَلَ اللَّهُ تَعالى مِن سِينا وتَجَلّى مِن ساعِيرَ وظَهَرَ مِن جِبالِ فارانَ، وسِينا جَبَلُ التَّجَلِّي لِمُوسى وساعِيرُ جَبَلُ بَيْتِ المَقْدِسِ وكانَ عِيسى يَتَعَبَّدُ فِيهِ وفارانُ جَبَلُ مَكَّةَ، وكانَ مُتَحَنَّثَ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ ﷺ، وهَذا كَقَوْلِ مَن يُخْبِرُ بِالأمْرِ إذا خَرَجَ مُوافِقًا لِما أخْبَرَ بِهِ: قَدْ جاءَ كَلامِي، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي بِهِ كَما يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ.
ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الكَلِمَةَ بِمَعْنى البِشارَةِ كَأنَّهُ قِيلَ بِبِشارَةٍ مِنهُ ويُبْعِدُهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ ولَعَلَّهُ يُرَجِّحُ أوَّلَ الأقْوالِ كَما يُرَجِّحُهُ عَدَمُ اِطِّرادِ الأقْوالِ الأُخَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لازِمًا في مِثْلِ ذَلِكَ، وفي ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ هُنا مِنَ القِراءاتِ مِثْلُ ما فِيها، فِيما تَقَدَّمَ.
﴿اسْمُهُ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكَلِمَةِ وذِكْرُهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى لِكَوْنِها عِبارَةً عَنْ مُذَكَّرٍ و(اسْمُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿المَسِيحُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: (عِيسى) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا، أوْ عَطْفَ بَيانٍ، أوْ تَوْكِيدًا بِالمُرادِفِ كَما أشارَ إلَيْهِ الدَّنُوشَرِيُّ، أوْ خَبَرًا آخَرَ، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارٍ أعْنِي مَدْحًا، وحَذْفُ المُبْتَدَأِ والفِعْلِ، قِيلَ: عَلى سَبِيلِ الجَوازِ ومُقْتَضى ما ذَكَرُوهُ في النَّعْتِ المَقْطُوعِ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَنصُوبًا يُلْتَزَمُ القَوْلُ بِالقَطْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ومَن جَعَلَ هَذِهِ الثَّلاثَةَ أخْبارًا عَنِ المُبْتَدَأِ أوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ الِاسْمَ في الحَقِيقَةِ عِيسى والمَسِيحَ لَقَبٌ و(ابْنُ) صِفَةٌ، فَكَيْفَ جُعِلَتِ الثَّلاثَةُ خَبَرًا عَنْهُ؟! وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالِاسْمِ مَعْناهُ المُصْطَلَحُ وهو العَلَمُ مُطْلَقًا ولَيْسَ هو بِمَعْنًى مُقابِلِ اللَّقَبِ بَلْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ، وأنَّ إضافَتَهُ تُفِيدُ العُمُومَ لِأنَّ إضافَةَ اِسْمِ الجِنْسِ قَدْ يُقْصَدُ بِها الِاسْتِغْراقُ، وأنَّ إطْلاقَهُ عَلى اِبْنِ مَرْيَمَ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْمِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو السِّمَةُ والعَلامَةُ المُمَيِّزَةُ لا العَلَمُ،
صفحة 161
ولا مانِعَ حِينَئِذٍ مِن جَعْلِ مَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ خَبَرًا إذِ التَّمْيِيزُ بِذَلِكَ أشَدُّ مِنَ التَّمْيِيزِ بِكُلِّ واحِدٍ فَيَؤُولُ المَعْنى إلى قَوْلِكَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ ويُمَيَّزُ بِهِ عَمّا سِواهُ مَجْمُوعُ الثَّلاثَةِ، وبِهَذا كَما في «اَلِانْتِصافِ»: ((خَلاصٌ مِن إشْكالٍ يُورِدُونَهُ فَيَقُولُونَ: ﴿المَسِيحُ﴾ في الآيَةِ إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّسْمِيَةُ وهو الظّاهِرُ فَما مَوْقِعُ ﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ والتَّسْمِيَةُ لا تُوصَفُ بِالنُّبُوَّةِ؟! وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ لَمْ يَلْتَئِمْ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اسْمُهُ﴾ ووَجْهُ الخَلاصِ ظاهِرٌ، ولِعَدَمِ ظُهُورِ هَذا التَّوْجِيهِ لِبَعْضِهِمُ اِلْتُزِمَ الخَلاصُ مِن ذَلِكَ بِأنَّ المَسِيحَ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمُهُ﴾ والمُرادُ التَّسْمِيَةُ، وأمّا ﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فَخَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هُوَ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُسَمّى بِالتَّسْمِيَةِ المَذْكُورَةِ مُنْقَطِعًا عَنْ ”المَسِيحُ“ )).
والمَشْهُورُ أنَّ المَسِيحَ لَقَبُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو لَهُ مِنَ الألْقابِ المُشَرِّفَةِ كالفارُوقِ، وأصْلُهُ بِالعِبْرِيَّةِ مَشِيحا ومَعْناهُ المُبارَكُ، وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ: الصِّدِّيقُ، وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: المَلِكُ، وعِيسى مُعْرَبُ أيْشُوعَ، ومَعْناهُ السَّيِّدُ، وعَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ المَسِيحَ مُشْتَقٌّ مِنَ المَسْحِ، واخْتَلَفُوا في وجْهِ إطْلاقِهِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقِيلَ: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبِرْكَةِ واليُمْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ عَيْنَ الأكْمَهِ فَيُبْصِرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ بِيَدِهِ إلّا بَرِئَ، ورَواهُ عَطاءٌ والضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الجُبّائِيُّ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ بِدُهْنِ زَيْتٍ بُورِكَ فِيهِ، وكانَتِ الأنْبِياءُ تَتَمَسَّحُ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ جِبْرِيلَ مَسَحَهُ بِجَناحَيْهِ وقْتَ الوِلادَةِ لِيَكُونَ عَوْذَةً مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ حِينَ مَسَحَ اللَّهُ تَعالى ظَهْرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذَرّاتِ ذُرِّيَّتِهِ لَمْ يَرُدَّهُ إلى مَقامِهِ كَما فَعَلَ بِباقِي الذَّرّاتِ بَلْ حَفِظَهُ عِنْدَهُ حَتّى ألْقاهُ إلى مَرْيَمَ فَكانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ اِسْمُ المَسِيحِ أيِ المَمْسُوحِ وقِيلَ وقِيلَ.
وهَذِهِ الأقْوالُ تُشْعِرُ بِأنَّ اللَّفْظَ عَرَبِيٌّ لا عِبْرِيٌّ، وكَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ عَلى الثّانِي، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وعَلَيْهِ لا اِشْتِقاقَ لِأنَّهُ لا يَجْرِي عَلى الحَقِيقَةِ في الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، وفي «اَلْكَشْفِ»: أنَّ الظّاهِرَ فِيهِ الِاشْتِقاقُ لِأنَّهُ عَرَبِيٌّ دَخَلَ عَلَيْهِ خَواصِّ كَلامِهِمْ جُعِلَ لَقَبَ تَشْرِيفٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كالخَلِيلِ لِإبْراهِيمَ، وجَعْلُهُ مُعْرَبًا ثُمَّ إجْراؤُهُ مَجْرى الصِّفاتِ في إدْخالِ اللّامِ لِأنَّهُ في كَلامِهِمْ بِمَعْنى الوَصْفِ خِلافُ الظّاهِرِ.
ومِنَ النّاسِ مَنِ اِدَّعى أنَّ دُخُولَ اللّامِ لا يُنافِي العُجْمَةَ فَإنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والإسْكَنْدَرَ لَمْ تُسْمَعْ إلّا مَقْرُونَةً بِها مَعَ أنَّها أعْجَمِيَّةٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يُنافِي أظَهْرِيَّةَ كَوْنِ مَحَلِّ النِّزاعِ عَرَبِيًّا، نَعَمْ قِيلَ في عِيسى: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العِيسِ وأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ في لَوْنِهِ عِيسٌ أيْ بَياضٌ تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ خَبَرُ «كَأنَّما خَرَجَ مِن دِيماسٍ»، إلّا أنَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِيهِ أنَّهُ لا اِشْتِقاقَ لَهُ، وأنَّ القائِلَ بِهِ كالرّاقِمِ عَلى الماءِ، وهَذا الخِلافُ إنَّما هو في هَذا المَسِيحِ، وأمّا المَسِيحُ الدَّجّالُ فَعَرَبِيٌّ إجْماعًا وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مُسِحَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، أوْ لِأنَّهُ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ يَقْطَعُها في المُدَّةِ القَلِيلَةِ، وفَرَّقَ النَّخْعِيُّ بَيْنَ لَقَبِ رُوحِ اللَّهِ وعَدُوِّهِ بِأنَّ الأوَّلَ: بِفَتْحِ المِيمِ والتَّخْفِيفِ، والثّانِي: بِكَسْرِ المِيمِ وتَشْدِيدِ السِّينِ كَشِرِّيرٍ، وأنْكَرَهُ غَيْرُهُ وهو المَعْرُوفُ.
ثُمَّ القائِلُونَ بِاللَّقَبِيَّةِ في الآيَةِ وكَوْنِ عِيسى بَدَلًا مَثَلًا خَصَّ الكَثِيرُ مِنهم مَنعَ تَقْدِيمِ اللَّقَبِ عَلى الِاسْمِ بِما إذا لَمْ يَكُنْ أشْهَرَ مِنهُ حَقِيقَةً أوِ اِدِّعاءً أمّا إذا كانَ أشْهَرَ كَما هُنا، فَإنَّهُ يَجُوزُ التَّقْدِيمُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ اِبْنُ الأنْبارِيِّ ولا يُخْتَصُّ بِغَيْرِ الفَصِيحِ كَما فِيما إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، والمَشْهُورُ فِيما إذا كانَ الِاسْمُ واللَّقَبُ مُفْرَدَيْنِ إضافَةُ الأوَّلِ لِلثّانِي، وفي «اَلْمُفَصَّلِ» تَعَيُّنُها، وصَنِيعُ سِيبَوَيْهِ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ، ومَن جَوَّزَ التَّبَعِيَّةَ اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِمْ: هَذا يَحْيى عَيْنانِ إذْ لَوْ أُضِيفَ لَقِيلَ عَيْنَيْنِ، وحَمْلُهُ عَلى لُغَةِ مَن يُلْزِمُ المُثَنّى الألْفَ يَرُدُّهُ أنَّ الرِّوايَةَ بِضَمِّ النُّونِ ولَوْ كانَتِ الرِّوايَةُ بِالكَسْرِ لَأمْكَنَ ذَلِكَ الحَمْلُ فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ، وكَذا
صفحة 162
لَوْ كانَتْ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ يُمْكِنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ اللَّقَبُ مَجْرُورًا بِالإضافَةِ إلّا أنَّ الفَتْحَةَ فِيهِ نائِبَةٌ عَنِ الكَسْرَةِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُسَمّى بِهِ يَجُوزُ أنْ يُعْرَبَ كَما لا يَنْصَرِفُ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قُصارى ما يُثْبِتُهُ هَذا الِاسْتِدْلالُ الوُرُودُ في هَذا الجُزْئِيِّ، وأمّا أنَّهُ يُثْبِتُ الِاطِّرادَ فَلا، ولَعَلَّ المانِعَ إنَّما يَمْنَعُ ذَلِكَ، ويَدَّعِي أنَّ المُطَّرِدَ هو الإضافَةُ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ لا يَمْنَعَ مِنها مانِعٌ فَلا تَجُوزُ فِيما إذا قارَنَتْ ألِ الوَضْعَ لِمَنعِها عَنْ ذَلِكَ فَلا يُقالُ: الحَرْثُ كَرَزٍ بِالإضافَةِ، وكَذا إذا كانَ اللَّقَبُ وصْفًا في الأصْلِ نَحْوَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ اِبْنُ الحاجِبِ في «شَرْحِ المُفَصَّلِ» لِأنَّ المَوْصُوفَ لا يُضافُ إلى صِفَتِهِ في المَشْهُورِ.
ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ المَسِيحَ صِفَةٌ في العَرَبِيَّةِ ومَعَ هَذا في المَسْألَةِ خِلافُ اِبْنِ هِشامٍ فَإنَّهُ يُجَوِّزُ الإضافَةَ في هَذا القِسْمِ أيْضًا وتَمامُ البَحْثِ في «كُتُبِنا النَّحْوِيَّةِ»، فَلْيُفْهَمْ.
وإنَّما قِيلَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ لَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ ولَوْ كانَ لَهُ أبٌ لَنُسِبَ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى تَفْضِيلِ الأُمِّ أيْضًا، وقِيلَ: إنَّ في ذَلِكَ رَدًّا لِلنَّصارى، وأبْعَدُ مَنِ اِدَّعى أنَّ هَذِهِ الإضافَةَ لِمَدْحِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ الكَلامَ حِينَئِذٍ في قُوَّةِ اِبْنِ عابِدَةَ، هَذا واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ (ابْنُ) في الآيَةِ يُكْتَبُ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ بِناءً عَلى وُقُوعِهِ صِفَةً بَيْنَ عَلَمَيْنِ، إذِ القاعِدَةُ أنَّهُ مَتى وقَعَ كَذَلِكَ لَمْ تُكْتَبْ هَمْزَتُهُ بَلْ تُحْذَفُ في الخَطِّ تَبَعًا لِحَذْفِها في اللَّفْظِ لِكَثْرَةِ اِسْتِعْمالِهِ كَذَلِكَ ومَتى تَقَدَّمَهُ عَلَمٌ لَكِنْ أُضِيفَ إلى غَيْرِ عَلَمٍ كَزَيْدِ اِبْنِ السُّلْطانِ أوْ تَقَدَّمَهُ غَيْرُ عَلَمٍ، وأُضِيفُ إلى عَلَمٍ كالسُّلْطانِ اِبْنِ زَيْدٍ أوْ وقَعَ بَيْنَ ما لَيْسا عَلَمَيْنِ كَزَيْدٍ العاقِلِ اِبْنِ الأمِيرِ عَمْرٍو كُتِبَتِ الألِفُ ولَمْ تُحْذَفْ في الخَطِّ في جَمِيعِ تِلْكَ الصُّوَرِ، والكُتّابُ كَثِيرًا ما يُخْطِئُونَ في ذَلِكَ فَيَحْذِفُونَ الهَمْزَةَ مِنهُ في الكِتابَةِ أيْنَما وقَعَ، وقَدْ نَصَّ عَلى خَطَئِهِمْ في ذَلِكَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ.
ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الرَّسْمَ يُرَجِّحُ التَّبَعِيَّةَ، نَعَمْ في كَوْنِ ذَلِكَ مُطَّرِدًا فِيما إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ عَلَمَ الأُمِّ خِلافٌ، واَلَّذِي أخْتارُهُ الحَذْفُ أيْضًا إذا كانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا.
﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ الوَجِيهُ ذُو الجاهِ والشَّرَفِ والقَدْرِ، وقِيلَ: الكَرِيمُ عَلى مَن يَسْألُهُ فَلا يَرُدُّ لِكَرَمِ وجْهِهِ عِنْدَهُ خِلافَ مَن يَبْذُلُ وجْهَهُ لِلْمَسْألَةِ فَيَرُدُّ، ووَجاهَتُهُ في الدُّنْيا بِالنُّبُوَّةِ والتَّقَدُّمِ عَلى النّاسِ، وفي الآخِرَةِ بِقَبُولِ شَفاعَتِهِ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ، وقِيلَ: وجاهَتُهُ في الدُّنْيا بِقَبُولِ دُعائِهِ بِإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ مُبَرَّءًا مِنَ العُيُوبِ الَّتِي اِفْتَراها اليَهُودُ عَلَيْهِ، وفي الآخِرَةِ ما تَقَدَّمَ، ولَيْسَتِ الوَجاهَةُ بِمَعْنى الهَيْئَةِ والبِزَّةِ لِيُقالَ: كَيْفَ كانَ وجِيهًا في الدُّنْيا مَعَ أنَّ اليَهُودَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ عامَلُوهُ بِما عامَلُوهُ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ لا تَقْدَحُ تِلْكَ المُعامَلَةُ فِيهِ كَما لا تَقْدَحُ عَلى التَّقادِيرِ الأُوَلِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ.
ونَصْبُ ﴿وجِيهًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ”كَلِمَةٍ“، وسَوَّغَ مَجِيءَ الحالِ مِنها مَعَ أنَّها نَكِرَةٌ وصْفُها بِما بَعْدَها، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ وجُعِلَتِ الحالُ مَقَدَّرَةً لِأنَّ الوَجاهَةَ كانَتْ بَعْدَ البِشارَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الحالَ مِن (عِيسى) وقالَ أبُو البَقاءِ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ وكَذا لا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِن ﴿المَسِيحُ﴾ أوْ مِن ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لِأنَّها أخْبارٌ، والعامِلُ فِيها الِابْتِداءُ أوِ المُبْتَدَأُ أوْ هُما ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ يَعْمَلُ في الحالِ، وكَذا لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ في اِسْمِهِ لِلْفَصْلِ الواقِعِ بَيْنَهُما ولِعَدَمِ العامِلِ في الحالِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ.
﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [ 45 ] أيْ عِنْدِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى رَفْعِهِ إلى السَّماءِ وصُحْبَتِهِ المَلائِكَةَ، وقِيلَ: مِنَ المُقَرَّبِينَ مِنَ النّاسِ بِالقَبُولِ والإجابَةِ وهو مَعْطُوفٌ
صفحة 163
عَلى ﴿وجِيهًا﴾ أيْ ومُقَرَّبًا مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِينَ.
آل عمران 3:46
﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ عَطْفٌ عَلى الحالِ الأُولى أيْضًا، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لِتَأْوِيلِهِ بِهِ سائِغٌ شائِعٌ، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ والظَّرْفُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ ولَمْ يُجْعَلْ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِهِ مَعَ صِحَّتِهِ لِعَطْفِ ﴿وكَهْلا﴾ عَلَيْهِ، والمُرادُ يُكَلِّمُهم حالَ كَوْنِهِ طِفْلًا وكَهْلًا، والمَقْصُودُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الكَلامِ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ وحالِ الكُهُولَةِ، وإلّا فالكَلامُ في الثّانِي لَيْسَ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ فِيهِ غَرابَةٌ، وعَلى هَذا فالمَجْمُوعُ حالٌ لا كُلٌّ عَلى الِاسْتِقْلالِ، وقِيلَ: إنَّ كُلًّا مِنهُما حالٌ، والثّانِي: تَبْشِيرٌ بِبُلُوغِ سِنِّ الكُهُولَةِ وتَحْدِيدٌ لِعُمْرِهِ، والمَهْدُ مَقَرُّ الصَّبِيِّ في رِضاعِهِ وأصْلُهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ وكانَ كَلامُهُ في المَهْدِ ساعَةً واحِدَةً بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا، ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى بَلَغَ أوانَ الكَلامِ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانَ يَتَكَلَّمُ دائِمًا وكانَ كَلامُهُ فِيهِ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّتِهِ وإرْهاصًا لَها عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اِبْنُ الإخْشِيدِ وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إخْبارًا عَمّا يَؤُولُ إلَيْهِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ سُبْحانَهُ أكْمَلَ عَقْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ وأوْحى إلَيْهِ بِما تَكَلَّمَ بِهِ مَقْرُونًا بِالنُّبُوَّةِ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَرامَةً لِمَرْيَمَ دالَّةً عَلى طَهارَتِها وبَراءَةِ ساحَتِها مِمّا نَسَبَهُ أهْلُ الإفْكِ إلَيْها، والقَوْلُ: بِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ لَها بَعِيدٌ وإنْ قُلْنا بِنُبُوَّتِها.
وزَعَمَتِ النَّصارى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ ولَمْ يَنْطِقْ بِبَراءَةِ أُمِّهِ صَغِيرًا بَلْ أقامَ ثَلاثِينَ سَنَةً واليَهُودُ تَقْذِفُ أُمَّهُ بِيُوسُفَ النَّجّارِ وهَذا مِن أكْبَرِ فَضائِحِهِمِ الصّادِحَةِ بِرَدِّ ما هم عَلَيْهِ مِن دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا تَنَقُّلُهُ في الأطْوارِ المُخْتَلِفَةِ المُتَنافِيَةِ لِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، واعْتَرَضُوا بِأنَّ كَلامَهُ في المَهْدِ مِن أعْجَبِ الأُمُورِ فَلَوْ كانَ لِنَقْلٍ ولَوْ نُقِلَ لَكانَ النَّصارى أوْلى النّاسِ بِمَعْرِفَتِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الحاضِرِينَ إذْ ذاكَ لَمْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ التَّواتُرِ، ولَمّا نَقَلُوا كُذِّبُوا فَسَكَتُوا، وبَقِيَ الأمْرُ مَكْتُومًا إلى أنْ نَطَقَ القُرْآنُ بِهِ، وهَذا قَرِيبٌ عَلى قَوْلِ اِبْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ وعَلى القَوْلِ الآخَرِ وهو أنَّهُ بَقِيَ يَتَكَلَّمُ يُقالُ: إنَّ النّاسَ اِشْتَغَلُوا بَعْدُ بِنَقْلِ ما هو أعْجَبُ مِن ذَلِكَ مِن أحْوالِهِ كَإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ والإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ والخَلْقِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ حَتّى لَمْ يُذْكَرِ التَّكَلُّمَ مِنهم إلّا النَّزْرَ ولا زالَ الأمْرُ بِقِلَّةٍ حَتّى لَمْ يَبْقَ مُخْبِرٌ عَنْ ذَلِكَ وبَقِيَ مَكْتُومًا إلى أنْ أظْهَرَهُ القُرْآنُ، وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لَكَ أنْ تَقُولَ لا نُسَلِّمُ إجْماعَ النَّصارى عَلى عَدَمِ تَكَلُّمِهِ في المَهْدِ، وظاهِرُ الأخْبارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُها يُشِيرُ إلى أنَّ بَعْضَهم قائِلٌ بِذَلِكَ، وبِفَرْضِ إجْماعِهِمْ نِهايَةَ ما يَلْزَمُ الِاسْتِبْعادُ وهو بَعْدَ إخْبارِ الصّادِقِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ عِنْدَ مَن رَسَخَ إيمانُهُ وقَوِيَ إيقانُهُ، وكَمْ أجْمَعَ أهْلُ الكِتابَيْنِ عَلى أشْياءَ نَطَقَ القُرْآنُ الحَقُّ بِخِلافِها والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ، ولَعَلَّ مَرامَهم مِن ذَلِكَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ .
والكَهْلُ ما بَيْنَ الشّابِّ والشَّيْخِ، ومِنهُ اِكْتَهَلَ النَّبْتُ إذا طالَ وقَوِيَ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ اِبْنَ آدَمَ ما دامَ في الرَّحِمِ فَهو جَنِينٌ، فَإذا وُلِدَ فَهو ولِيدٌ؛ ثُمَّ ما دامَ يَرْضَعُ فَهو رَضِيعٌ، ثُمَّ إذا قَطَعَ اللَّبَنَ فَهو فَطِيمٌ، ثُمَّ إذا دَبَّ ونَما فَهو دارِجٌ، فَإذا بَلَغَ خَمْسَةَ أشْبارٍ فَهو خُماسِيٌّ، فَإذا سَقَطَتْ رَواضِعُهُ فَهو مَثْغُورٌ، فَإذا نَبَتَتْ أسْنانُهُ فَهو مُثْغِرٌ بِالتّاءِ والثّاءِ كَما قالَ أبُو عَمْرٍو فَإذا قارَبَ عَشْرَ سِنِينَ أوْ جاوَزَها فَهو مُتَرَعْرِعٌ وناشِئٌ؛ فَإذا كانَ يَبْلُغُ الحُلْمَ أوْ بَلَغَهُ فَهو يافِعٌ ومُراهِقٌ، فَإذا اِحْتَلَمَ واجْتَمَعَتْ قُوَّتُهُ فَهو حَزَوَّرٌ، واسْمُهُ في جَمِيعِ هَذِهِ الأحْوالِ غُلامٌ فَإذا اِخْضَرَّ شارِبُهُ وأخَذَ عِذارُهُ يَسِيلُ قِيلَ: قَدْ بَقَلَ وجْهُهُ، فَإذا صارَ ذا فَتاءٍ فَهو فَتًى وشارِخٌ، فَإذا اِجْتَمَعَتْ لِحْيَتُهُ وبَلَغَ غايَةَ شَبابِهِ فَهو مُجْتِمَعٌ، ثُمَّ ما دامَ بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ فَهو شابٌّ ثُمَّ كَهْلٌ إلى أنْ يَسْتَوْفِيَ السِّتِّينَ، ويُقالُ لِمَن لاحَتْ فِيهِ أماراتُ الكِبَرِ وخَطَّهُ الشَّيْبُ، ثُمَّ يُقالُ شابَ، ثُمَّ شَمِطَ، ثُمَّ شاخَ، ثُمَّ كَبُرَ، ثُمَّ هَرِمَ،
صفحة 164
ثُمَّ دَلَفَ، ثُمَّ خَرِفَ، ثُمَّ اِهْتَرَّ، ومَحا ظِلُّهُ إذا ماتَ، وهَذا التَّرْتِيبُ إنَّما هو في الذُّكُورِ، وأمّا في الإناثِ فَيُقالُ لِلْأُنْثى ما دامَتْ صَغِيرَةً طِفْلَةٌ، ثُمَّ ولِيدَةٌ إذا تَحَرَّكَتْ، ثُمَّ كاعِبٌ إذا كَعَبَ ثَدْيُها، ثُمَّ ناهِدٌ، ثُمَّ مُعْصِرٌ إذا أدْرَكَتْ، ثُمَّ عانِسٌ إذا اِرْتَفَعَتْ عَنْ حَدِّ الإعْصارِ، ثُمَّ خَوْدٌ إذا تَوَسَّطَتِ الشَّبابَ، ثُمَّ مُسَلِّفٌ إذا جاوَزَتِ الأرْبَعِينَ، ثُمَّ نَصَفٌ إذا كانَتْ بَيْنَ الشَّبابِ والتَّعْجِيزِ، ثُمَّ شَهْلَةٌ كَهْلَةٌ إذا وجَدَتْ مِنَ الكِبَرِ وفِيها بَقِيَّةٌ وجَلَدٌ، ثُمَّ شَهْرَبَةٌ إذا عَجَزَتْ وفِيها تَماسُكٌ، ثُمَّ حَيْزَبُونٌ إذا صارَتْ عالِيَةَ السِّنِّ ناقِصَةَ العَقْلِ، ثُمَّ قَلْعَمٌ ولِطْلِطٌ إذا اِنْحَنى قَدُّها وسَقَطَتْ أسْنانُها.
وعَلى ما ذُكِرَ في سِنِّ الكُهُولَةِ يُرادُ بِتَكْلِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَهْلًا تَكْلِيمُهُ لَهم كَذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ وبُلُوغِهِ ذَلِكَ السَّنَّ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وغَيْرُهُما: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُفِعَ إلى السَّماءِ وهو اِبْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وأنَّهُ سَيَنْزِلُ إلى الأرْضِ ويَبْقى حَيًّا فِيها أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً» كَما رَواهُ اِبْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ، قالَ: قَدْ كَلَّمَهم عِيسى في المَهْدِ وسَيُكَلِّمُهم إذا قُتِلَ الدَّجّالُ وهو يَوْمَئِذٍ كَهْلٌ.
﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ [ 46 ] أيْ ومَعْدُودًا في عِدادِهِمْ وهو مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ.
آل عمران 3:47
﴿قالَتْ﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ مِنها حِينَ قالَتْ لَها المَلائِكَةُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مَجازِيًّا والمُرادُ التَّعَجُّبُ مِن ذَلِكَ والِاسْتِبْعادُ العادِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا عَلى مَعْنى أنَّهُ يَكُونُ بِتَزَوُّجٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اِسْتِفْهامًا عَنْ أنَّهُ مِن أيِّ شَخْصٍ يَكُونُ، وإعْرابُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى نَحْوِ إعْرابِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ في قِصَّةِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِما مَرَّ ومُقَوِّيَةٌ لَهُ، والمَسِيسُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ وهَذا نَفْيٌ عامٌّ لِلتَّزَوُّجِ وغَيْرِهِ، والبَشَرُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، والتَّنْكِيرُ لِلْعُمُومِ، والمُرادُ عُمُومُ النَّفْيِ لا نَفْيُ العُمُومِ، وسُمِّيَ بَشَرًا لِظُهُورِ بَشَرَتِهِ أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى باشَرَ أباهُ وخَلَقَهُ بِيَدَيْهِ.
(قالَ) اِسْتِئْنافٌ كَسابِقِهِ، والفاعِلُ ضَمِيرُ الرَّبِّ والمَلَكُ حَكى لَها المَقُولَ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ إمّا بِلا تَغْيِيرٍ فَيَكُونُ فِيهِ اِلْتِفاتٌ، وإمّا بِتَغْيِيرٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَها ذَلِكَ بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ، والأوَّلُ: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُكَلِّمْ غَيْرَ الأنْبِياءِ بَلْ غَيْرَ خاصَّتِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: القائِلُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ ذِكْرُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَهُ، وحَمْلُ ﴿قالَتْ رَبِّ﴾ فِيما تَقَدَّمَ عَلى ذَلِكَ أبْعَدُ بِعِيدٍ، وقَدْ مَرَّ عَلَيْكَ الكَلامُ في مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ خَلا أنَّ التَّعْبِيرَ هُنا بِ يَخْلُقُ وهُناكَ بِ يَفْعَلُ لِاخْتِلافِ القِصَّتَيْنِ في الغَرابَةِ فَإنَّ الثّانِيَةَ أغْرَبُ، فالخَلْقُ المُنْبِئُ عَنِ الِاخْتِراعِ أنْسَبُ بِها ولِهَذا عَقَّبَهُ بِبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أرادَ شَيْئًا، فالأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ، والقَضاءُ في الأصْلِ الأحْكامُ، وأُطْلِقَ عَلى الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ القَطْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِإيجادِ المَعْدُومِ وإعْدامِ المَوْجُودِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإيجابِها ما تَعَلَّقَتْ بِهِ البَتَّةَ ويُطْلَقُ عَلى الأمْرِ، ومِنهُ ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ .
﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ 47 ] أيْ فَهو يَكُونُ أيْ يَحْدُثُ، وهَذا عِنْدَ الأكْثَرِينَ تَمْثِيلٌ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ في مُرادِهِ بِأمْرِ المُطاعِ لِلْمُطِيعِ في حُصُولِ المَأْمُورِ مِن غَيْرِ اِمْتِناعٍ وتَوَقُّفٍ وافْتِقارٍ إلى مُزاوَلَةِ عَمَلٍ واسْتِعْمالِ آلَةٍ، فالمُمَثِّلُ الشَّيْءُ المُكَوِّنُ بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ عَمَلٍ وآلَةٍ، والمُمَثَّلُ بِهِ أمْرُ الآمِرِ
صفحة 165
المُطاعِ لِمَأْمُورٍ بِهِ مُطِيعٍ عَلى الفَوْرِ، وهَذا اللَّفْظُ مُسْتَعارٌ لِذَلِكَ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِأنْ يُرادَ تَعَلُّقَ الكَلامِ النَّفْسِيِّ بِالشَّيْءِ الحادِثِ عَلى أنَّ كَيْفِيَّةَ الخَلْقِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ المُرادُ مِن هَذا الجَوابِ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعْجِزُهُ أنْ يَخْلُقَ ولَدًا بِلا أبٍ لِأنَّهُ أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ والقُدْرَةِ كَيْفَ لا وكَثِيرًا ما نُشاهِدُ حُدُوثَ كَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ عَلى سَبِيلِ التَّوَلُّدِ كَحُدُوثِ الفَأْرِ عَنِ المَدَرِ والحَيّاتِ عَنِ الشَّعْرِ المُتَعَفِّنِ والعَقارِبِ عَنِ البادُورَجِ والذُّبابِ عَنِ الباقِلاءِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ غايَتُهُ الِاسْتِبْعادُ، وهو لا يُوجِبُ ظَنًّا فَضْلًا عَنْ عِلْمٍ، وبَعْدَ إخْبارِ الصّادِقِ عَنْ وُجُودِ ذَلِكَ المُمْكِنِ يَجِبُ القَطْعُ بِصِحَّتِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ المادَّةَ فِيما عُدَّ ونَحْوُهُ مَوْجُودَةٌ وبَعْدَ وُجُودِها لا رَيْبَ في الإمْكانِ دُونَ ما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّ مادَّةَ الآدَمِيِّ مَنِيّانِ ولَيْسَ هُناكَ إلّا مَنِيٌّ واحِدٌ أوْ لا مَنِيٌّ أصْلًا فَكَيْفَ يُمْكِنُ الخَلْقُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا عَلى مَذْهَبِنا فَلِأنَّ الإيجادَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى سَبْقِ المادَّةِ وإلّا لِتَسَلْسُلِ الأمْرِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُنْكِرِينَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنِيُّ الأُنْثى بِنَفْسِهِ أوْ بِما يَنْضَمُّ إلَيْهِ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى بِحالَةٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مادَّةً، وقُصارى ما يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِبْعادُ وهو لا يُجْدِي نَفْعًا في أمْثالِ هَذِهِ المَقاماتِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقِيمَ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ المَنِيِّ مَقامَ المَنِيِّ، وأيُّ مُحالٍ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ، ألّا تَرى كَيْفَ أُقِيمَ التُّرابُ مَقامَ المَنِيِّ في أصْلِ النَّوْعِ ودَعْوى أنَّ الإقامَةَ مَشْرُوطَةٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الغَيْرِ خارِجَ الرَّحِمِ، وأمّا الإقامَةُ في الرَّحِمِ فَمِمّا لا إمْكانَ لَها غَيْرَ بَيِّنَةٍ ولا مُبَيِّنَةٍ بَلِ العَقْلُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في الإمْكانِ وإنَّما يُفَرِّقُ بَيْنَهُما في مُوافَقَةِ العادَةِ وعَدَمِها وهو أمْرٌ وراءَ ما نَحْنُ فِيهِ.
ومِنَ النّاسِ مَن بَيَّنَ هَذا المَطْلَبَ بِأنَّ التَّخَيُّلاتِ الذِّهْنِيَّةَ كَثِيرًا ما تَكُونُ أسْبابًا لِحُدُوثِ الحَوادِثِ كَتَصَوُّرِ حُضُورِ المُنافِي لِلْغَضَبِ وكَتَصَوُّرِ السُّقُوطِ بِحُصُولِ السُّقُوطِ لِلْماشِي عَلى جِذْعٍ مَمْدُودٍ فَوْقَ فَضاءٍ بِخِلافِهِ لَوْ كانَ عَلى قَرارٍ مِنَ الأرْضِ، وقَدْ جَعَلَتِ الفَلاسِفَةُ هَذا كالأصْلِ في بَيانِ جَوازِ المُعْجِزاتِ والكَراماتِ، فَما المانِعُ أنْ يُقالَ: إنَّها لَمّا تَخَيَّلَتْ صُورَةَ جِبْرِيلَ كَفى ذَلِكَ في عُلُوقِ الوَلَدِ في رَحِمِها لِأنَّ مَنِيَّ الرَّجُلِ لَيْسَ إلّا لِأجْلِ العَقْدِ فَإذا حَصَلَ الِانْعِقادُ لِمَنِيِّ المَرْأةِ بِوَجْهٍ آخَرَ أمْكَنَ عُلُوقُ الوَلَدِ، اِنْتَهى.
ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَعُودُ بِالنَّقْصِ لِحَضْرَةِ البَتُولِ وأنَّها لَتُنَزِّهُ ساحَتَها عَنْ مَثَلِ هَذا التَّخَيُّلِ كَما لا يَخْفى، وفي جَوابِ هَذِهِ الطّاهِرَةِ لِيُوسُفَ النَّجّارِ ما يُؤَيِّدُ ما قُلْناهُ، فَقَدْ أخْرَجَ إسْحَقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا اِسْتَقَرَّ حَمْلُ مَرْيَمَ وبَشَّرَها جِبْرِيلُ وثِقَتْ بِكَرامَةِ اللَّهِ تَعالى واطْمَأنَّتْ وطابَتْ نَفْسًا، وأوَّلُ مَنِ اِطَّلَعَ عَلى حَمْلِها اِبْنُ خالٍ لَها يُقالُ لَهُ يُوسُفُ، واهْتَمَّ لِذَلِكَ وأحْزَنَهُ وخَشِيَ البَلِيَّةَ مِنهُ لِأنَّهُ كانَ يَخْدِمُها فَلَمّا رَأى تَغَيُّرَ لَوْنِها وكَبِرَ بَطْنِها عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقالَ مُعَرِّضًا لَها: هَلْ يَكُونُ زَرْعٌ مِن غَيْرِ بَذْرٍ؟! قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قالَتْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ البَذْرَ الأوَّلَ مِن غَيْرِ نَباتٍ وأنْبَتَ الزَّرْعَ الأوَّلَ مِن غَيْرِ بَذْرٍ، ولَعَلَّكَ تَقُولُ: لِمَ يَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَ الزَّرْعَ الأوَّلَ إلّا بِالبَذْرِ؟ ولَعَلَّكَ تَقُولُ: لَوْلا أنِ اِسْتَعانَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالبَذْرِ لَغَلَّبَهُ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى أنْ يَخْلُقَهُ ولا يُنْبِتَهُ؟ قالَ يُوسُفُ: أعُوذُ بِاَللَّهِ أنْ أقُولَ ذَلِكَ قَدْ صَدَّقْتُ وقُلْتُ بِالنُّورِ والحُكْمِ، وكَما قَدَرَ أنْ يَخْلُقَ الزَّرْعَ الأوَّلَ ويُنْبِتَهُ مِن غَيْرِ بَذْرٍ يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ زَرْعًا مِن غَيْرِ بَذْرٍ فَأخْبِرِينِي هَلْ يَنْبُتُ الشَّجَرُ مِن غَيْرِ ماءٍ ولا مَطَرٍ؟ قالَتْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ لِلْبِذْرِ والماءِ والمَطَرِ والشَّجَرِ خالِقًا واحِدًا فَلَعَلَّكَ تَقُولُ: لَوْلا الماءُ والمَطَرُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى أنْ يُنْبِتَ الشَّجَرَ؟ قالَ أعُوذُ بِاَللَّهِ تَعالى أنْ أقُولَ ذَلِكَ قَدْ صَدَقْتِ، فَأخْبِرِينِي خَبَرَكِ، قالَتْ: بَشَّرَنِي اللَّهُ تَعالى بِكَلِمَةٍ مِنهُ اِسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ فَعَلِمَ يُوسُفُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِسَبَبِ خَيْرٍ أرادَهُ بِمَرْيَمَ فَسَكَتَ عَنْها فَلَمْ تَزَلْ عَلى ذَلِكَ حَتّى ضَرَبَها الطَّلْقُ فَنُودِيَتْ أنِ اُخْرُجِي مِن
صفحة 166
المِحْرابِ فَخَرَجَتْ.
آل عمران 3:48
﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ ويُعَلِّمُ ذَلِكَ المَوْلُودَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِالكَلِمَةِ الكِتابَ ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ طُولُ الفَصْلِ، لِأنَّهُ اِعْتِراضٌ لا يَضُرُّ مِثْلُهُ، أوْ عَلى ﴿يَخْلُقُ﴾ أيْ كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويُعَلِّمُهُ أوْ عَلى ”يُكَلِّمُ“ فَتَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرُ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مُكَلِّمًا النّاسَ ومُعَلِّمًا الكِتابَ أوْ عَلى ﴿وجِيهًا﴾، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لَيْسَتْ داخِلَةً في حَيِّزِ قَوْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والواوُ تَكُونُ لِلِاسْتِئْنافِ وتَقَعُ في اِبْتِداءِ الكَلامِ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ فَلا حاجَةَ كَما قالَ الشِّهابُ إلى التَّأْوِيلِ بِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ سابِقَةٍ وهي ﴿وإذْ قالَتِ﴾ الخ ولا إلى مُقَدَّرَةٍ، ولا إشْكالَ في العَطْفِ كَما قالَ النِّحْرِيرُ، وكَذا لا يُدَّعى أنَّ الواوَ زائِدَةٌ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، فَهَذِهِ أوْجَهٌ مِنَ الإعْرابِ مُخْتَلِفَةٌ بِالأوْلَوِيَّةِ، وأغْرَبُ ما رَأيْتُهُ ما نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ العَطْفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ بَلْ لا يَكادُ يَسْتَطِيبُهُ مَن سَلِمَ لَهُ ذَوْقُهُ.
و﴿الكِتابَ﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ أيْ يُعَلِّمُهُ الخَطَّ بِاليَدِ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ اِبْنُ جُرَيْجٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أعْطى اللَّهُ تَعالى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعَةَ أجْزاءٍ مِنَ الخَطِّ وأعْطى سائِرَ النّاسِ جُزْءًا واحِدًا، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بَعْضُ الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سِوى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِثْلَ الزَّبُورِ وغَيْرِهِ، وذَهَبَ كَثِيرُونَ إلى أنَّ ألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ والمُرادُ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إلّا أنَّ المَأْثُورَ هو الأوَّلُ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الجِنْسُ لَكِنْ في ضِمْنِ فَرْدَيْنِ هُما التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وتُجْعَلُ الواوُ فِيما بَعْدُ زائِدَةً مُقْحَمَةً، وما بَعْدَها بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ مِنَ الهَذَيانِ بِمَكانٍ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وعاصِمٌ ويَعْقُوبٌ وسَهْلٌ (ويُعَلِّمُهُ) بِالياءِ، والباقُونَ بِالنُّونِ، قِيلَ: وعَلى ذَلِكَ لا يَحْسُنُ بَعْضُ تِلْكَ الوُجُوهِ إلّا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِعِيسى ويَقُولُ: نُعَلِّمُهُ، أوْ وجِيهًا ومَقُولًا فِيهِ نُعَلِّمُهُ الكِتابَ.
﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ الفِقْهَ وعِلْمَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: جَمِيعُ ما عَلَّمَهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وقِيلَ: سُنَنُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: الصَّوابُ في القَوْلِ والعَمَلِ، وقِيلَ: إتْقانُ العُلُومِ العَقْلِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ.
﴿والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [ 48 ] أُفْرِدا بِالذِّكْرِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ ما يَشْمَلُهُما لِوُفُورِ فَضْلِهِما وسُمُوِّ شَأْوِهِما عَلى غَيْرِهِما، وتَعْلِيمُهُ ذَلِكَ قِيلَ: بِالإلْهامِ، وقِيلَ: بِالوَحْيِ، وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ لِلتَّعَلُّمِ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَرَعْرَعَ، وفي رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ لَمّا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ أسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إلى المُعَلِّمِ، لَكِنِ الرِّواياتُ مُتَضافِرَةً أنَّهُ جَعَلَ يَسْألُ المُعَلِّمَ كُلَّما ذَكَرَ لَهُ شَيْئًا عَمّا هو بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يَنْبِضَ فِيهِ بِبِنْتِ شَفَةٍ، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ أنَّ عِلْمَهُ مَحْضُ مَوْهِبَةٍ إلَهِيَّةٍ وعَطِيَّةٍ رَبّانِيَّةٍ، وذِكْرُ الإنْجِيلِ لِكَوْنِهِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ مُتَحَقِّقًا لَدَيْهِمْ أنَّهُ سَيَنْزِلُ.
آل عمران 3:49
﴿ورَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَجُرُّ إلَيْهِ المَعْنى مَعْطُوفًا عَلى ”يُعَلِّمُهُ“ أيْ ونَجْعَلُهُ رَسُولًا وهو الَّذِي اِخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْمُولٍ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى يُعَلِّمُهُ، أيْ ويَقُولُ عِيسى أُرْسِلْتُ رَسُولًا، ولا يَخْفى أنَّ عَطْفَ هَذا القَوْلِ عَلى ”يُعَلِّمُهُ“ إذا كانَ مُسْتَأْنَفًا مِمّا لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ بَأْسٍ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِهِ عَلى ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ أوْ ﴿يَخْلُقُ﴾ فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ أوْ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَقُولُعِيسى كَذا، وفِيهِ العَطْفُ عَلى الخَبَرِ ولا رابِطَ بَيْنَهُما إلّا بِتَكَلُّفٍ عَظِيمٍ، وفي «اَلْبَحْرِ»: إنَّ هَذا الوَجْهَ مُطْلَقًا ضَعِيفٌ إذْ فِيهِ إضْمارُ شَيْئَيْنِ القَوْلُ ومَعْمُولُهُ، والِاسْتِغْناءُ عَنْهُما بِاسْمٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ؛ واخْتارَ بَعْضُهم عَطْفَهُ عَلى الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ مُضَمَّنًا مَعْنى
صفحة 167
النُّطْقِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُها في حُكْمِ الغَيْبَةِ مَعَ كَوْنِ هَذا في حُكْمِ التَّكَلُّمِ إذْ يَكُونُ المَعْنى حالَ كَوْنِهِ وجِيهًا ورَسُولًا ناطِقًا بِكَذا، والرَّسُولُ عَلى سائِرِ التَّقادِيرِ صِفَةٌ كَشَكُورٍ وصَبُورٍ، وفَعُولٌ هُنا بِمَعْنى مُفْعِلٌ، واحْتِمالٌ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قالَ أبُو البَقاءِ مِثْلَهُ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
أبْلِغْ أبا سَلْمى (رَسُولًا) تَرُوعُهُ
ويُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى ”الكِتابَ“ أيْ، ويُعَلِّمُهُ رِسالَةً - بَعِيدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ المُتَبادِرَ الوَصْفِيَّةُ لا المَصْدَرِيَّةُ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ تَعْلِيمَ الرِّسالَةِ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ في كَلامِهِمْ، والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِ (رَسُولًا) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، أيْ رَسُولًا كائِنًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ كُلِّهِمْ، قِيلَ: وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِخُصُوصِ بَعْثَتِهِ، أوْ لِلرَّدِّ عَلى مَن زَعَمَ مِنَ اليَهُودِ أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى غَيْرِهِمْ.
ولِي في نِسْبَةِ هَذا الزَّعْمِ لِبَعْضِ اليَهُودِ تَرَدُّدٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الكُتُبِ المَشْهُورَةِ واَلَّذِي رَأيْناهُ فِيها أنَّهم في عِيسى الَّذِي قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا مِن أمْرِهِ ما قَصَّ فِرْقَتانِ: فِرْقَةٌ تَرْمِيهِ وحاشاهُ بِأفْظَعِ ما رَمَتْ بِهِ أُمَّةٌ نَبِيَّها وهم أكْثَرُ اليَهُودِ، وفِرْقَةٌ يُقالُ لَهُمُ (اَلْعَنانِيَّةُ أصْحابُ عَنانَ بْنِ داوُدَ رَأْسِ الجالُوتِ يُصَدِّقُونَهُ في مَواعِظِهِ وإشاراتِهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ لَمْ يُخالِفِ التَّوْراةَ البَتَّةَ بَلْ قَرَّرَها ودَعا النّاسَ إلَيْها، وإنَّهُ مِنَ المُسْتَجِيبِينَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن بَنِي إسْرائِيلَ المُتَعَبِّدِينَ ولَيْسَ بِرَسُولٍ ولا نَبِيٍّ، ويَقُولُونَ: إنَّ سائِرَ اليَهُودِ ظَلَمُوهُ حَيْثُ كَذَّبُوهُ أوَّلًا ولَمْ يَعْرِفُوا مُدَّعاهُ وقَتَلُوهُ آخَرًا ولَمْ يَعْرِفُوا مَرامَهُ ومَغْزاهُ) نَعَمْ مِنَ اليَهُودِ فِرْقَةٌ يُقالُ لَهُمُ العِيسَوِيَّةُ أصْحابُ أبِي عِيسى إسْحَقَ بْنِ يَعْقُوبَ الأصْفَهانِيِّ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُهم (بِعَرْقِيدَ الوَهِيمِ) يَزْعُمُونَ: أنَّ لِلَّهِ تَعالى رَسُولًا بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُسَمّى المَسِيحُ إلّا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ ويَدَّعُونَ أنَّ لَهُ خَمْسَةً مِنَ الرُّسُلِ يَأْتُونَ قَبْلَهُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وأنَّ صاحِبَهم هَذا، أحَدُ رُسُلِهِ وكُلٌّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ بَعِيدٌ عَمّا اِدَّعاهُ صاحِبُ القِيلِ بِمَراحِلَ ولَعَلَّهُ وجَدَ ما يُوافِقُ دَعْواهُ، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ.
هَذا واخْتُلِفَ في زَمَنِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقِيلَ: في الصِّبا وهو اِبْنُ ثَلاثِ سِنِينَ، وفي «اَلْبَحْرِ»: أنَّ الوَحْيَ أتاهُ بَعْدَ البُلُوغِ وهو اِبْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ، قِيلَ: وثَلاثَةَ أشْهُرٍ وثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رُفِعَ إلى السَّماءِ وهو القَوْلُ المَشْهُورُ، وفِيهِ أنَّ أوَّلَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ يُوسُفُ، وقِيلَ: مُوسى وآخِرُهم عِيسى عَلى سائِرِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ، وقَرَأ اليَزِيدِيُّ (ورَسُولٍ) بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (كَلِمَةٍ) أيْ يُبَشِّرُكَ بِكَلِمَةٍ وبِرَسُولٍ.
﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِ (رَسُولًا) لِما فِيهِ مِن مَعْنى النُّطْقِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مَعْمُولًا لِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ (رَسُولًا) أيْ رَسُولًا ناطِقًا أوْ مُخْبِرًا بِأنِّي، وكَوْنُهُ بَدَلًا مِن (رَسُولًا) إذا جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا أيْ ونُعَلِّمُهُ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى تَقْدِيرِ المَصْدَرِيَّةِ أيْضًا، أيْ هو أنِّي، فالمُنْسَبِكُ إمّا في مَحَلِّ جَرٍّ أوْ نَصْبٍ أوْ رَفْعٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِآيَةٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُحْتَجًّا أوْ مُتَلَبِّسًا بِآيَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِ (جِئْتُكُمْ) والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ دُونَ الوَحْدَةِ لِظُهُورِ ما يُنافِيها، وقُرِئَ (بِآياتٍ).
﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِآيَةٍ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِ (جِئْتُ)، و(مِن) في التَّقْدِيرَيْنِ لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ لِما سَيَأْتِي مِنَ الأوامِرِ، أوْ لِأنَّ وصْفَ الرُّبُوبِيَّةِ يُناسِبُ حالَ الإرْسالِ إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أوْ مِن (آيَةٍ) أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ أيْ أعْنِي، أوْ مَرْفُوعٌ عَلى
صفحة 168
أنَّهُ خَبَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: هي أنِّي الخ؛ وقَرَأ نافِعٌ (إنِّي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمُرادُ بِالخَلْقِ التَّصْوِيرُ والإبْرازُ عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ لا الإيجادُ مِنَ العَدَمِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ذِكْرُ المادَّةِ، والهَيْئَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُهَيَّأِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وقِيلَ: إنَّها اِسْمٌ لِحالِ الشَّيْءِ ولَيْسَتْ مَصْدَرًا وإنَّما المَصْدَرُ الهَيْءُ والتَّهَيُّؤُ فَهي عَلى الأوَّلِ: جَوْهَرٌ، وعَلى الثّانِي: عَرَضٌ، وفَسَّرُوها بِالكَيْفِيَّةِ الحاصِلَةِ مِن إحاطَةِ الحَدِّ الواحِدِ أوِ الحُدُودِ بِالجِسْمِ، والمَعْنى أنِّي أُقَدِّرُ لِأجْلِ تَحْصِيلِ إيمانِكم ودَفْعِ تَكْذِيبِكم إيّايَ مِنَ الطِّينِ شَيْئًا مِثْلَ الطَّيْرِ المُهَيَّأِ أوْ هَيْئَةً كائِنَةً كَهَيْئَتِهِ، والكافُ إمّا اِسْمٌ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو الحَسَنِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ (أخْلُقُ) أوْ نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ لَهُ، وإمّا حَرْفٌ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا أيْضًا لَمّا وقَعَ هو نَعْتًا لَهُ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْمِيَّةِ.
وقَرَأ يَزِيدٌ وحَمْزَةُ (كَهَيَّةِ) بِتَشْدِيدِ الياءِ، وكانَ اِبْنُ المُقْسِمِ يَقُولُ: بَلَغَنِي أنَّ خَلَفًا يَقُولُ: إنَّ حَمْزَةَ يَتْرُكُ الهَمْزَةَ ويُحَرِّكُ الياءَ بِحَرَكَتِها، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ويَعْقُوبٌ (اَلطّائِرِ) ومِثْلُهُ في المائِدَةِ.
﴿فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ لِلْهَيْئَةِ المُقَدَّرَةِ في نَظْمِ الكَلامِ لَكِنْ بِمَعْنى الشَّيْءِ المُهَيَّأِ لا بِمَعْنى العَرَضِ القائِمِ بِهِ، إذْ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحَلًّا لِلنَّفْخِ، وذُكِرَ الضَّمِيرُ هُنا مُراعاةً لِلْمَعْنى كَما أُنِّثَ في المائِدَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ، قِيلَ: وصَحَّ هَذا لِعَدَمِ الإلْباسِ، ووَقَعَ في كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْكافِ بِناءً عَلى أنَّها اِسْمٌ، ويَعُودُ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ إلى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى المَوْصُوفِ بِها، واعْتَرَضَهُ اِبْنُ هِشامٍ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَما زَعَمُوا لِسُمِعَ في الكَلامِ مَرَرْتُ بِ كالأسَدِ وبَعْضُهم بِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلَيْها غَيْرُ مَعْهُودٍ، وقُرِئَ فِيها.
﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ حَيًّا طَيّارًا كَسائِرِ الطُّيُورِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ (فَتَكُونُ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ، ويَعْقُوبٌ وأبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ (طائِرًا) .
﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (يَكُونُ) أوْ بِ (طِيرًا) والمُرادُ بِأمْرِ اللَّهِ، وأشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ إحْياءَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَكِنْ بِسَبَبِ النَّفْخِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِخُصُوصِيَّةٍ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهي تَكَوُّنُهُ مِن نَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو رُوحٌ مَحْضٌ كَما قِيلَ بَلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الإحْياءَ بِنَفْخِ أيِّ شَخْصٍ كانَ لَكانَ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ ولا اِسْتِعْصاءٍ، قِيلَ: وفي هَذِهِ المُعْجِزَةِ مُناسِبَةٌ لِخَلْقِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، واخْتُلِفَ هَلْ كانَ ذَلِكَ بِطَلَبٍ واقْتِراحٍ أمْ لا؟ فَذَهَبَ المُعْظَمُ إلى الأوَّلِ، قالُوا: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ طَلَبُوا مِنهُ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ جَرْيًا عَلى عادَتِهِمْ مَعَ أنْبِيائِهِمْ أنْ يَخْلُقَ لَهم خُفّاشًا فَلَمّا فَعَلَ قالُوا: ساحِرٌ، وإنَّما طَلَبُوا هَذا النَّوْعَ دُونَ غَيْرِهِ لِأنَّهُ أكْمَلُ الطَّيْرِ خَلْقًا وأبْلَغُ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ لِأنَّ لَهُ نابًا وأسْنانًا، ويَحِيضُ ويَلِدُ ويَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، ولَهُ آذانٌ وثَدْيٌ وضَرْعٌ ويَخْرُجُ مِنهُ اللَّبَنُ، ويَرى ضاحِكًا كَما يَضْحَكُ الإنْسانُ، ولا يُبْصِرُ في ضَوْءِ النَّهارِ، ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وإنَّما يَرى في ساعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ساعَةً وبَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ساعَةً قَبْلَ أنْ يُسْفِرَ جِدًّا، والمَشْهُورُ أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ، وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، قالَ وهْبٌ: كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ عَنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى بِلا واسِطَةٍ، وقِيلَ: خَلَقَ أنْواعًا مِنَ الطَّيْرِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ إسْحَقَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ جَلَسَ يَوْمًا مَعَ غِلْمانٍ مِنَ الكِتابِ فَأخَذَ طِينًا، ثُمَّ قالَ: أجْعَلُ لَكم مِن هَذا الطِّينِ طائِرًا؟ قالُوا: أوَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ بِإذْنِ رَبِّي، ثُمَّ هَيَّأهُ حَتّى إذا جَعَلَهُ في هَيْئَةِ الطّائِرِ نَفَخَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: كُنْ طائِرًا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَخَرَجَ يَطِيرُ مِن بَيْنِ كَفَّيْهِ، وخَرَجَ الغِلْمانُ بِذَلِكَ مِن أمْرِهِ فَذَكَرُوهُ لِمُعَلِّمِهِمْ وأفْشَوْهُ في النّاسِ.
﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أخْلُقُ﴾ فَهو
صفحة 169
داخِلٌ في حَيِّزِ (إنِّي) والأكْمَهُ هو الَّذِي وُلِدَ أعْمى، أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنْهُ أنَّهُ المَمْسُوحُ العَيْنِ الَّذِي لَمْ يُشَقُّ بَصَرُهُ ولَمْ يُخْلَقْ لَهُ حَدَقَةٌ، قِيلَ ولَمْ يَكُنْ في صَدْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ أكْمَهُ بِهَذا المَعْنى غَيْرَ قَتادَةَ بْنِ دِعامَةَ السُّدُوسِيِّ صاحِبِ «اَلتَّفْسِيرِ»، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ الأعْمَشُ، أيْ: أُخَلِّصُ الأكْمَهَ مِنَ الكَمَهِ.
﴿والأبْرَصَ﴾ وهو الَّذِي بِهِ الوَضَحُ المَعْرُوفُ، وتَخْصِيصُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لِأنَّهُما أمْرانِ مُعْضِلانِ أعْجَزا الأطِبّاءَ، وكانُوا في غايَةِ الحَذاقَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ في زَمَنِهِ، ولِهَذا أراهُمُ اللَّهُ تَعالى المُعْجِزَةَ مَن جِنْسِ الطِّبِّ كَما أرى قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُعْجِزَةَ بِالعَصا واليَدِ البَيْضاءِ حَيْثُ كانَ الغالِبُ عَلَيْهِمُ السِّحْرَ، والعَرَبُ المُعْجِزَةَ بِالقُرْآنِ حَيْثُ كانَ الغالِبُ عَلَيْهِمْ عَصْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ البَلاغَةَ، والِاقْتِصارُ عَلى هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُما فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْرَأ أيْضًا غَيْرَهُما، ورُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ رُبَّما اِجْتَمَعَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَرْضى خَمْسُونَ ألْفًا مَن أطاقَ مِنهم أنْ يَبْلُغَهُ بَلَغَهُ، ومَن لَمْ يُطِقْ ذَلِكَ مِنهم أتاهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَمَشى إلَيْهِ، وكانَ يُداوِيهِمْ بِالدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى بِشَرْطِ الإيمانِ وكانَ دُعاؤُهُ الَّذِي يَدْعُو بِهِ لِلْمَرْضى والزَّمْنى والعُمْيانِ والمَجانِينِ وغَيْرِهِمْ: "اَللَّهُمَّ أنْتَ إلَهُ مَن في السَّماءِ وإلَهُ مَن في الأرْضِ لا إلَهَ فِيهِما غَيْرُكَ، وأنْتَ جَبّارُ مَن في السَّماءِ وجَبّارُ مَن في الأرْضِ لا جَبّارَ فِيهِما غَيْرُكَ، وأنْتَ مَلِكُ مَن في السَّماءِ ومَلِكُ مَن في الأرْضِ لا مَلِكَ فِيهِما غَيْرُكَ، قُدْرَتُكَ في الأرْضِ كَقُدْرَتِكَ في السَّماءِ وسُلْطانُكَ في الأرْضِ كَسُلْطانِكَ في السَّماءِ أسْألُكَ بِاسْمِكَ الكَرِيمِ ووَجْهِكَ المُنِيرِ ومُلْكِكَ القَدِيمِ، إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، ومِن خَواصِّ هَذا الدُّعاءِ كَما قالَ وهْبٌ أنَّهُ إذا قُرِئَ عَلى الفَزِعِ والمَجْنُونِ وكُتِبَ لَهُ وسُقِيَ مِنهُ نَفَعَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى خَبَرِ (إنِّي)، وقُيِّدَ الإحْياءُ بِالإذْنِ كَما فُعِلَ في الأوَّلِ لِأنَّهُ خارِقٌ عَظِيمٌ يَكادُ يُتَوَهَّمُ مِنهُ أُلُوهِيَّةُ فاعِلِهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسِ أفْعالِ البَشَرِ وكانَ إحْياؤُهُ بِالدُّعاءِ وكانَ دُعاؤُهُ يا حَيُّ يا قَيُّومُ، وخَبَرُ ««إنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُحْيِي المَوْتى صَلّى رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ في الأُولى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾، وفي الثّانِيَةِ: تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، فَإذا فَرَغَ مَدَحَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ دَعا بِسَبْعَةِ أسْماءٍ: يا قَدِيمُ، يا خَفِيُّ، يا دائِمُ، يا فَرْدُ، يا وِتْرُ، يا أحَدُ، يا صَمَدُ»» قالَ البَيْهَقِيُّ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُحْيِي مَيِّتًا ضَرَبَ بِعَصاهُ المَيِّتَ أوِ القَبْرَ أوِ الجُمْجُمَةَ فَيَحْيا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ويُكَلِّمُهُ ويَمُوتُ سَرِيعًا.
وأخْرَجَ مُحْيِي السُّنَّةِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قَدْ أحْيا عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعَةَ أنْفُسٍ: عازِرَ، وابْنَ العَجُوزِ، وابْنَةَ العاشِرِ، وِسامَ بْنَ نُوحٍ، فَأما عازِرٌ فَكانَ صَدِيقًا لَهُ فَأرْسَلَتْ أُخْتُهُ إلى عِيسى أنَّ أخاكَ عازِرَ ماتَ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عازِرَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ فَأتاهُ هو وأصْحابُهُ فَوَجَدُوهُ قَدْ ماتَ مُنْذُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَقالَ لِأُخْتِهِ: اِنْطَلِقِي بِنا إلى قَبْرِهِ فانْطَلَقَتْ مَعَهم إلى قَبْرِهِ فَدَعا اللَّهَ تَعالى عِيسى فَقامَ عازِرُ ووَدَكُهُ يَقْطُرُ فَخَرَجَ مِن قَبْرِهِ، وبَقِيَ زَمانًا ووُلِدَ لَهُ، وأمّا اِبْنُ العَجُوزِ فَمَرَّ بِهِ مَيِّتًا عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سَرِيرٍ يُحْمَلُ فَدَعا اللَّهَ تَعالى عِيسى فَجَلَسَ عَلى سَرِيرِهِ ونَزَلَ عَنْ أعْناقِ الرِّجالِ ولَبِسَ ثِيابَهُ وحَمَلَ السَّرِيرَ عَلى عُنُقِهِ ورَجَعَ إلى أهْلِهِ فَبَقِيَ زَمانًا ووُلِدَ لَهُ، وأمّا اِبْنَةُ العاشِرِ فَكانَ أبُوها رَجُلًا يَأْخُذُ العُشُورَ ماتَتْ لَهُ بِنْتُ الأمْسِ فَدَعا اللَّهَ تَعالى وأحْياها وبَقِيَتْ زَمانًا ووُلِدَ لَها، وأمّا سامُ بْنُ نُوحٍ فَإنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ إلى قَبْرِهِ فَدَعا بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمِ فَخَرَجَ مِن قَبْرِهِ وقَدْ شابَ نِصْفُ رَأْسِهِ خَوْفًا مِن قِيامِ السّاعَةِ ولَمْ يَكُونُوا يَشِيبُونَ في ذَلِكَ الزَّمانِ فَقالَ: أقَدْ قامَتِ السّاعَةُ؟
صفحة 170
قالَ: لا، ولَكِنْ دَعَوْتُكَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمِ ثُمَّ قالَ لَهُ: مُتْ، قالَ: بِشَرْطِ أنْ يُعِيذَنِي اللَّهُ تَعالى مِن سَكَراتِ المَوْتِ فَدَعا اللَّهَ تَعالى لَهُ فَفَعَلَ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ إحْياءَهُ سامًا كانَ بَعْدَ قَوْلِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّكَ تُحْيِي مَن كانَ قَرِيبَ العَهْدِ مِنَ المَوْتِ ولَعَلَّهم لَمْ يَمُوتُوا بَلْ أصابَتْهم سَكْتَةٌ فَأحْيِ لَنا سامَ بْنِ نُوحٍ فَأحْياهُ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَوْتِهِ أكْثَرُ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ، فَقالَ لِلْقَوْمِ: صَدِّقُوهُ فَإنَّهُ نَبِيٌّ فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَذَّبَهُ آخَرُونَ، فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ فَأرِنا آيَةً فَنَبَّأهم بِما يَأْكُلُونَ وما يَدَّخِرُونَ، وقَدْ ورَدَ أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحْيا اِبْنَ مَلِكٍ لِيَسْتَخْلِفَهُ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وأحْيا خَشْفًا وشاةً وبَقَرَةً، ولَفْظُ ﴿المَوْتى﴾ يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ.
﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ (ما) في المَوْضِعَيْنِ مَوْصُولَةٌ، أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ تَأْكُلُونَهُ وتَدَّخِرُونَهُ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ ولَيْسَ مِن بابِ التَّنازُعِ، والِادِّخارُ الخَبْءُ، وأصْلُ تَدَّخِرُونَ تَذْتَخِرُونَ بِذالٍ مُعْجَمَةٍ فَتاءٍ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ ذالًا ثُمَّ أُبْدِلَتِ الذّالُ دالًا وأُدْغِمَتْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقْلِبُ التّاءَ دالًا ويُدْغِمُ، وقَدْ كانَ هَذا الإخْبارُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وإحْيائِهِ المَوْتى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ، وقِيلَ: قَبْلُ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ قالَ: كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو غُلامٌ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ يَقُولُ لِأحَدِهِمْ: تُرِيدُ أنْ أُخْبِرَكَ ما خَبَّأتْ لَكَ أُمُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيَقُولُ: خَبَّأتْ لَكَ كَذا وكَذا، فَيَذْهَبُ الغُلامُ مِنهم إلى أُمِّهِ، فَيَقُولُ لَها: أطْعِمِينِي ما خَبَّأْتِ لِي، فَتَقُولُ: وأيُّ شَيْءٍ خَبَّأْتُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: كَذا وكَذا، فَتَقُولُ: مَن أخْبَرَكَ؟! فَيَقُولُ: عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ، فَقالُوا: واَللَّهِ لَإنْ تَرَكْتُمْ هَؤُلاءِ الصِّبْيانَ مَعَ عِيسى لَيُفْسِدَنَّهم فَجَمَعُوهم في بَيْتٍ وأغْلَقُوهُ عَلَيْهِمْ فَخَرَجَ عِيسى يَلْتَمِسُهم فَلَمْ يَجِدْهم حَتّى سَمِعَ ضَوْضاهم في بَيْتٍ فَسَألَ عَنْهُمْ، فَقالَ: ما هَؤُلاءِ أكانَ هَؤُلاءِ الصِّبْيانَ؟ قالُوا: لا، إنَّما هي قِرَدَةٌ وخَنازِيرُ، قالَ: اللَّهُمَّ اِجْعَلْهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، فَكانُوا كَذَلِكَ، وذَهَبَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ نُزُولِ المائِدَةِ وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ مِنَ المائِدَةِ ﴿وما تَدَّخِرُونَ﴾ مِنها، وكانَ أخَذَ عَلَيْهِمْ في المائِدَةِ حِينَ نَزَلَتْ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَدَّخِرُوا فادَّخَرُوا وخانُوا فَجُعِلُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ وعَلى سائِرِ التَّقادِيرِ، فالمُرادُ الإخْبارُ بِخُصُوصِيَّةِ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ كَما يُشْعِرُ بِهِ الظّاهِرُ، وقِيلَ: المُرادُ الإخْبارُ بِالمَغِيباتِ إلّا أنَّهُ قَدِ اِقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ أمْرَيْنِ مِنها، ولَعَلَّ وجْهَ تَخْصِيصِ الإخْبارِ بِأحْوالِهِمْ لِتَيَقُّنِهِمْ بِها فَلا يَبْقى لَهم شُبْهَةٌ، والسِّرُّ في ذِكْرِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِخُصُوصِهِما أنَّ غالِبَ سَعْيِ الإنْسانِ وصَرْفِ ذِهْنِهِ لِتَحْصِيلِ الأكْلِ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ والِادِّخارِ الَّذِي يَطْمَئِنُّ بِهِ أكْثَرُ القُلُوبِ ويَسْكُنُ مِنهُ غالِبُ النُّفُوسِ، فَلْيُفْهَمْ.
وقُرِئَ (تَذْخَرُونَ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ والتَّخْفِيفِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورِ مِنَ الخَوارِقِ الأرْبَعَةِ العَظِيمَةِ، وهَذا مِن كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى سِيقَ لِلتَّوْبِيخِ ﴿لآيَةً﴾ أيْ جِنْسَها، وقُرِئَ لَآياتٍ، (لَكُمْ) دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ الرِّسالَةِ دَلالَةً واضِحَةً حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِتَخَلُّلِ آلاتٍ وتَوَسُّطِ أسْبابٍ عادِيَّةٍ كَما يَفْعَلُهُ الأطِبّاءُ والمُنَجِّمُونَ.
ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ عِلْمَ الجَفْرِ وعِلْمَ الفَلَكِ ونَحْوَهُما لَمّا كانَتْ مَقْرُونَةً بِأُصُولٍ وضَوابِطَ لا يُقالُ عَنْها إنَّها عِلْمُ غَيْبٍ أبَدًا، إذْ عِلْمُ الغَيْبِ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا عَنِ المَوادِّ والوَسائِطِ الكَوْنِيَّةِ، وهَذِهِ العُلُومُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ
صفحة 171
لِأنَّها مُرَتَّبَةٌ عَلى قَواعِدَ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ أهْلِها لَوْلاها ما عُلِمَتْ تِلْكَ العُلُومُ، ولَيْسَ ذَلِكَ كالعِلْمِ بِالوَحْيِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ بَلِ اللَّهُ تَعالى يَخْتَصُّ بِهِ مَن يَشاءُ، وكَذا العِلْمُ بِالإلْهامِ فَإنَّهُ لا مادَّةَ لَهُ إلّا المَوْهِبَةُ الإلَهِيَّةُ والمِنحَةُ الأزَلِيَّةُ، عَلى أنَّ بَعْضَهم ذَهَبَ إلى أنَّ تِلْكَ العُلُومَ لا يَحْصُلُ بِها العَلَمُ المُقابِلُ لِلظَّنِّ بَلْ نِهايَةُ ما يَحْصُلُ الظَّنُّ الغالِبُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ عِلْمِ الغَيْبِ بَوْنٌ بَعِيدٌ، وسَيَأْتِي لِهَذا تَتِمَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [ 49 ] فِيهِ مَجازُ المُشارَفَةِ أيْ إنْ كُنْتُمْ مُوَفَّقِينَ لِلْإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَحْذُوفٌ، أيِ اِنْتَفَعْتُمْ بِذَلِكَ.
آل عمران 3:50
﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عَطْفُ إمّا عَلى المُضْمَرِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِآيَةٍ﴾ أيْ قَدْ جِئْتُكم مُحْتَجًّا أوْ مُتَلَبِّسًا بِآيَةٍ الخ ومُصَدِّقًا لِما الخ، وإمّا عَلى ”رَسُولًا“ وفِيهِ مَعْنى النُّطْقِ مِثْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أيْ وجِئْتُكم مُصَدِّقًا الخ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ التَّوْراةِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ، أوِ الظَّرْفُ نَفْسُهُ لِقِيامِهِ مَقامَ الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (ما) فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ ”مُصَدِّقًا“ ومَعْنى تَصْدِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّوْراةِ الإيمانُ بِأنَّ جَمِيعَ ما فِيها حِكْمَةٌ وصَوابٌ، وقِيلَ: إنَّ تَصْدِيقَهُ لَها مَجِيئُهُ رَسُولًا طِبْقَ ما بَشَّرَتْ بِهِ ﴿ولأُحِلَّ لَكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِمُقَدَّرٍ بَعْدَ الواوِ أيْ وجِئْتُكم لِأُحِلَّ، فَهو مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿بِآيَةٍ﴾ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى لِأُظْهِرَ لَكم آيَةً ولِأُحِلَّ فَلا يَرِدُ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُ المَفْعُولِ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ”مُصَدِّقًا“ ويُلْتَزَمُ التَّأْوِيلُ بِما يَجْعَلُهُما مِن بابٍ واحِدٍ، وإنْ كانَ الأوَّلُ حالًا، والثّانِي مَفْعُولًا لَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: جِئْتُكم لِأُصَدِّقَ ولِأُحِلَّ، وقِيلَ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ جِئْتُكم فِيها كُلِّها إذْ لا يُعْطَفُ نَوْعٌ مِنَ المَعْمُولاتِ عَلى نَوْعٍ آخَرَ.
﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّهُ قالَ: كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألِينَ مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِما فِيما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لُحُومُ الإبِلِ والثُّرُوبِ فَأحَلَّها لَهم عَلى لِسانِ عِيسى وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ شُحُومُ الإبِلِ فَأُحِلَّتْ لَهم فِيما جاءَ بِهِ عِيسى، وفي أشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وفي أشْياءَ مِنَ الطَّيْرِ مِمّا لا صِيصِيَةَ لَهُ، وفي أشْياءَ أُخَرَ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيها، فَجاءَ عِيسى بِالتَّخْفِيفِ مِنهُ في «اَلْإنْجِيلِ»، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ «اَلْإنْجِيلَ» مُشْتَمِلٌ عَلى أحْكامٍ تُغايِرُ ما في «اَلتَّوْراةِ» وأنَّ شَرِيعَةَ عِيسى نَسَخَتْ بَعْضَ شَرِيعَةِ مُوسى، ولا يَخِلُّ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ فَإنَّ النَّسْخَ بَيانٌ لِانْتِهاءِ زَمانِ الحُكْمِ الأوَّلِ لا رَفْعَ وإبْطالَ كَما تَقَرَّرَ، وهَذا مِثْلُ نَسْخِ القُرْآنِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ «اَلْإنْجِيلَ» لَمْ يَخُصَّ أحْكامًا ولا حَوى حَلالًا وحَرامًا ولَكِنَّهُ رُمُوزٌ وأمْثالٌ ومَواعِظُ وزَواجِرُ، وما سِوى ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ فَمُحالَةٌ عَلى «اَلتَّوْراةِ»، وإلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنْسَخْ شَيْئًا مِمّا في «اَلتَّوْراةِ»، وكانَ يَسْبِتُ ويُصَلِّي نَحْوَ البَيْتِ المُقَدَّسِ، ويُحَرِّمُ لَحْمَ الخِنْزِيرِ، ويَقُولُ بِالخِتانِ إلّا أنَّ النَّصارى غَيَّرُوا ذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِهِ فاِتَّخَذُوا يَوْمَ الأحَدِ بَدَلَ يَوْمِ السَّبْتِ لِما أنَّهُ أوَّلُ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ ومَبْدَأُ الفَيْضِ، وصَلُّوا نَحْوَ المَشْرِقِ لِما تَقَدَّمَ، وحَمَلُوا الخِتانَ عَلى خِتانِ القَلْبِ وقَطْعِهِ عَنِ العَلائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ والعَوائِقِ عَنِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ وأحَلُّوا لَحْمَ الخِنْزِيرِ، مَعَ أنَّ مُرْقُسَ حَكى في «إنْجِيلِهِ» أنَّ المَسِيحَ أتْلَفَ الخِنْزِيرَ وغَرَّقَ مِنهُ في البَحْرِ قَطِيعًا كَبِيرًا وقالَ لِتَلامِذَتِهِ: لا تُعْطُوا القُدْسَ الكِلابَ ولا تُلْقُوا جَواهِرَكم قُدّامَ الخَنازِيرِ فَقَرَنَها بِالكِلابِ، وسَبَبُ ذَلِكَ زَعْمُهم أنَّ بُطْرُسَ رَأى في
صفحة 172
النَّوْمِ صَحِيفَةً نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، وفِيها صُوَرُ الحَيَواناتِ وصُورَةُ الخِنْزِيرِ، وقِيلَ لَهُ: يا بُطْرُسُ كُلْ مِنها ما أحْبَبْتَ ونُسِبَ هَذا القَوْلُ إلى وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والذّاهِبُونَ إلَيْهِ أوَّلُوا الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ ما حَرَّمَهُ عُلَماؤُهم تَشَهِّيًا أوْ خَطَأً في الِاجْتِهادِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في «اَلْإنْجِيلِ»: ما جِئْتُ لِأُبْطِلَ التَّوْراةَ بَلْ جِئْتُ لِأُكْمِلَها.
ولا يَخْفى أنَّ تَأْوِيلَ الآيَةِ بِما أوَّلُوهُ بِهِ بِعِيدٌ في نَفْسِهِ، ويَزِيدُهُ بُعْدًا أنَّهُ قُرِئَ (حَرَّمَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ ما ﴿بَيْنَ يَدَيَّ﴾ أوِ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ أيْضًا (حَرُمَ) بِوَزْنِ كَرُمَ، وأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِن كَلامِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُنافِي النَّسْخَ لِما عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ بِإبْطالٍ وإنَّما هو بَيانٌ لِانْتِهاءِ الحُكْمِ الأوَّلِ، ومَعْنى التَّكْمِيلِ ضَمُّ السِّياسَةِ الباطِنَةِ الَّتِي جاءَ بِها إلى السِّياسَةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما قِيلَ، أوْ نَسْخُ بَعْضِ أحْكامِ التَّوْراةِ بِأحْكامٍ هي أوْفَقُ بِالحِكْمَةِ وأوْلى بِالمَصْلَحَةِ وأنْسَبُ بِالزَّمانِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُ المَسِيحِ حُجَّةً لِلْأوَّلِينَ لا عَلَيْهِمْ، ولَعَلَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي العِرْفانِ.
﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في نَظِيرِهِ، وقُرِئَ (بِآياتٍ)، ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في عَدَمِ قَبُولِ ما جِئْتُكم بِهِ ﴿وأطِيعُونِ﴾ [ 50 ] فِيما آمُرُكم بِهِ وأنْهاكم [عَنْهُ] بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
آل عمران 3:51
﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [ 51 ] بَيانٌ لِلْآيَةِ المَأْتِيِّ بِها عَلى مَعْنى هي قَوْلِي: إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ، ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مِمّا أجْمَعَ الرُّسُلُ عَلى حَقِّيَّتِهِ ودَعَوُا النّاسَ إلَيْهِ كانَ آيَةً دالَّةً عَلى رِسالَتِهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالآيَةِ عَلى هَذا المُعْجِزَةَ لِيَرِدَ أنَّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ قَدْ يَصْدُرُ عَنْ بَعْضِ العَوامِّ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ النُّبُوَّةِ بِالمُعْجِزَةِ كانَ هَذا القَوْلُ لِكَوْنِهِ طَرِيقَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلامَةً لِنُبُوَّتِهِ تَطْمَئِنُّ بِهِ النُّفُوسُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الآيَةِ المُعْجِزَةُ عَلى طُرُزِ ما مَرَّ، ويُقالُ: إنَّ حُصُولَ المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ والِاهْتِداءِ لِلطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ في الِاعْتِقاداتِ والعِباداتِ عَمَّنْ نَشَأ بَيْنَ قَوْمٍ غَيَّرُوا دِينَهم وحَرَّفُوا كُتُبَ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلَةَ وقَتَلُوا أنْبِياءَهم ولَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تَعَلَّمَ مِن بَقايا أخْبارِهِمْ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ وخَوارِقِ العاداتِ، أوْ يُقالُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في التَّوْراةِ إذا جاءَكم شَخْصٌ مِن نَعْتِهِ كَذا وكَذا يَدْعُوكم إلى كَيْتَ وكَيْتَ فاتَّبَعُوهُ فَإنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْكُمْ، فَإذا قالَ: أنا الَّذِي ذَكَّرْتُ بِكَذا وكَذا مِنَ النُّعُوتِ كانَ مِن أعْظَمِ الخَوارِقِ، وقُرِئَ (أنَّ اللَّهَ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ عَلى أنَّ المُنْسَبِكَ بَدَلٌ مِن (آيَةٍ) أوْ أنَّ المَعْنى: جِئْتُكم بِآيَةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ الخ، ومِثْلُ هَذا مُحْتَمَلٌ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ أيْضًا لَكِنْ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ اِعْتِراضًا.
وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿جِئْتُكُمْ﴾ الأُولى وكُرِّرَتْ لِيَتَعَلَّقَ بِها مَعْنى زائِدٌ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي﴾ أوْ لِلِاسْتِيعابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ بَعْدَ أُخْرى مِمّا ذَكَرْتُ لَكم مِن خَلْقِ الطَّيْرِ وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ والإحْياءِ والإنْباءِ بِالمَخْفِيّاتِ ومِن وِلادَتِي بِغَيْرِ أبٍ ومِن كَلامِي في المَهْدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والكَلامُ الأوَّلُ: لِتَمْهِيدِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، والثّانِي: لِتَقْرِيبِها إلى الحُكْمِ وهو إيجابُ حُكْمِ تَقْوى اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِالفاءِ في ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا جِئْتُكم بِالمُعْجِزاتِ الباهِراتِ والآياتِ الظّاهِراتِ فاتَّقُوا اللَّهَ الخ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ الخ اِبْتِداءَ كَلامٍ وشُرُوعًا في الدَّعْوَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلٍ مُجْمَلٍ، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ المُؤَكَّدَةَ بِأنَّ لِلْإشارَةِ إلى اِسْتِكْمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالِاعْتِقادِ الحَقِّ الَّذِي غايَتُهُ التَّوْحِيدُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى اِسْتِكْمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَإنَّهُ مُلازِمَةُ الطّاعَةِ الَّتِي هي الإتْيانُ بِالأوامِرِ والِانْتِهاءُ عَنِ المَناهِي.
صفحة 173
وتَعْقِيبُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ بِبَيانِ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ، والعَمَلُ الصّالِحُ هو الطَّرِيقُ المَشْهُودُ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ، ومَعْنى قِراءَةِ الفَتْحِ عَلى ما ذُكِرَ لِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ الخ، والإشارَةُ إمّا إلى مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، أوْ إلى الأمْرِ الثّانِي المَعْلُولِ لِلْأمْرِ الأوَّلِ، والتَّنْوِينُ إمّا لِلتَّعْظِيمِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ وجُمْلَةُ (هَذا) الخ عَلى ما قِيلَ: اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المُتَقَضِّي لِلدَّعْوَةِ.
هَذا والإشارَةُ في هَذِهِ الآياتِ ظاهِرَةٌ كالعِبارَةِ: سِوى أنَّ تَطْبِيقَ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، فَنَقُولُ: قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ أيْ مَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ لِمَرْيَمَ النَّفْسِ الطّاهِرَةِ الزَّكِيَّةِ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ لِكَمالِ اِسْتِعْدادِكِ ووُفُورِ قابِلِيَّتِكِ ﴿وطَهَّرَكِ﴾ عَنِ الرَّذائِلِ والأخْلاقِ الرِّدْيَةِ ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ﴾ النُّفُوسِ الشَّهْوانِيَّةِ المُتَدَرِّعَةِ بِجِلْبابِ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ داوِمِي عَلى الطّاعَةِ لَهُ بِالِائْتِمارِ بِما أمَرَ والِانْزِجارِ عَمّا نَهى ﴿واسْجُدِي﴾ في مَساجِدِ الذُّلِّ ﴿وارْكَعِي﴾ في مَحارِيبِ الخَدُوعِ مَعَ الخاضِعِينَ فَإنَّ في ذَلِكَ إقامَةَ مَراسِمِ العُبُودِيَّةِ وأداءَ حُقُوقِ الرُّبُوبِيَّةِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:
ويَحْسُنُ إظْهارُ التَّجَلُّدِ لِلْعِدا ويَقْبُحُ إلّا العَجْزَ عِنْدَ الحَبائِبِ
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ مِن أخْبارِ غَيْبِ وُجُودِكَ ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ يا نَبِيَّ الرُّوحِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ لَدى القُوى الرُّوحانِيَّةِ والنَّفْسانِيَّةِ، والمُرادُ ما كُنْتَ مُلْتَفِتًا إلَيْهِمْ بَلْ كُنْتَ في شُغْلٍ شاغِلٍ عَنْهم ﴿إذْ يُلْقُونَ﴾ أقْلامَ اِسْتِعْداداتِهِمِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها صُحُفَ أحْوالِهِمْ وتَوْراةَ أطْوارِهِمْ ويَطْرَحُونَها في بَحْرِ التَّدْبِيرِ ﴿أيُّهم يَكْفُلُ﴾ ويُدَبِّرُ ﴿مَرْيَمَ﴾ النَّفْسَ بِحَسَبِ رَأْيِهِ ومُقْتَضى طَبْعِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَقامِ الصَّدْرِ الَّذِي هو مَحَلُّ اِخْتِصامِ القُوى في طَلَبِ الرِّياسَةِ قَبْلَ الرِّياضَةِ وفي حالِها ﴿إذْ قالَتِ﴾ مَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ حِينَ غَلَبَتْ ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ بِمُقْتَضى التَّوْجِيهِ إلَيْهِ ﴿بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ جامِعَةٍ لِحُرُوفِ الأكْوانِ وهو القَلْبُ المُحِيطُ بِالعَوالِمِ ﴿اسْمُهُ المَسِيحُ﴾ لِأنَّهُ يَمْسَحُكِ بِالنُّورِ، أوْ لِأنَّهُ مُسِحَ بِهِ ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا﴾ لِتَدْبِيرِهِ أمْرَ المَعاشِ فَيُطِيعُهُ إنْسُ القُوى الظّاهِرَةِ وجِنُّ القُوى الباطِنَةِ، ووَجِيهًا في الآخِرَةِ لِقِيامِهِ بِتَدْبِيرِ المَعادِ فَيُطِيعُهُ مَلَكُوتُ سَماءِ الأرْواحِ، أوْ شَرِيفًا مَرْفُوعًا في الدُّنْيا، وهي عِبارَةٌ عَنْ تَجَلِّي الأفْعالِ، وفي الآخِرَةِ، وهي عِبارَةٌ عَنْ تَجَلِّي الأسْماءِ ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيِ المَعْدُودِينَ مِن جُمْلَةِ مُقَرَّبِي الحَضْرَةِ القابِلَيْنِ لِتَجْلِي الذّاتِ، وفي الخَبَرِ: «ما وسِعَتْنِي أرْضِي ولا سَمائِي ولَكِنْ وسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ».
﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ﴾ بِما يُرْشِدُهم في مَهْدِ البَدَنِ وقْتَ تَغَذِّيهِ بِلِبانِ السُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ ﴿وكَهْلا﴾ بالِغًا طَوْرَ شَيْخِ الرُّوحِ وواصِلًا وسَطَ الطَّرِيقِ ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ مِثْلُ هَذا ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ وهو تَعَجُّبٌ مِن وِلادَتِها ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَرْبِيَةِ مُعَلِّمٍ بِشْرِيٍّ لِما أنَّ العادَةَ جَرَتْ بِأنَّ الوُصُولَ إلى المَقاماتِ العَلِيَّةِ إنَّما هو بِواسِطَةِ شَيْخٍ مُرْشِدٍ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ ويَدْفَعُ الآفاتِ، وقَدْ شاعَ أنَّ الإنْسانَ مَتى سَلَكَ بِنَفْسِهِ ضَلَّ أوْ لَمْ يَفُزْ بِكَثِيرٍ، ومِن كَلامِهِمُ الشَّجَرَةُ الَّتِي تَنْبُتُ بِنَفْسِها لا تُثْمِرُ.
﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ فَلَهُ أنْ يَصْطَفِيَ مَن شاءَ مِن غَيْرِ تَرْبِيَةِ مُرَبٍّ ولا إرْشادِ مُرْشِدٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ الجَذْبَةِ الإلَهِيَّةِ، وهَذا شَأْنُ المُرادِينَ وبَعْضِ المُرِيدِينَ:
رُبَّ شَخْصٍ تَقُودُهُ الأقْدارُ ∗∗∗ لِلْمَعالِي وما لِذاكَ اِخْتِيارُ
غافِلٌ والسَّعادَةُ اِحْتَضَنَتْهُ ∗∗∗ وهو عَنْها مُسْتَوْحِشٌ نَفّارُ
﴿ويُعَلِّمُهُ﴾ بِالتَّعْلِيمِ الإلَهِيِّ الغَنِيِّ عَمّا يَعْهَدُ مِنَ الوَسائِطِ كِتابُ العُلُومِ المَعْقُولَةِ وحُكْمُ الشَّرائِعِ ومَعارِفُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ مِن تَوْراةِ الظّاهِرِ وإنْجِيلِ الباطِنِ، ويَجْعَلُهُ ”رَسُولًا إلى“ الرُّوحانِيِّينَ مِن ﴿بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الرُّوحِ، قائِلًا:
صفحة 174
﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مِن عالَمِ الغَيْبِ ﴿بِآيَةٍ﴾ عَظِيمَةٍ وهي ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكُمْ﴾ بِالتَّرْبِيَةِ مِن طِينِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ ﴿كَهَيْئَةِ﴾ الطّائِرِ إلى جَنابِ القُدْسِ بِجَناحَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ ﴿فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ بِنَفْثِ العِلْمِ الإلَهِيِّ ونَفْسِ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ أيْ نَفْسًا حَيَّةً طائِرَةً في فَضاءِ الجَمالِ والجَلالِ إلى رِياضِ جَنابِ الحَقِّ سُبْحانَهُ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ أيِ الأعْمى المَحْجُوبِ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ عَنْ رُؤْيَةِ نُورِ الأنْوارِ ﴿والأبْرَصَ﴾ المُبْتَلى بِأمْراضِ الرَّذائِلِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ الَّتِي أوْجَبَتْ مُخالَفَةَ لَوْنِ بَشَرَتِهِ الفِطْرِيَّةِ ﴿وأُحْيِي﴾ مَوْتى الجَهْلِ بِحَياةِ العِلْمِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ أيْ تَتَناوَلُونَ مِنَ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ ﴿وما تَدَّخِرُونَ﴾ في بُيُوتِ نِيّاتِكم مِنَ الآمالِ الَّتِي هي كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ ﴿لآيَةً لَكُمْ﴾ نافِعَةً ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ﴾ تَوْراةِ الظّاهِرِ فَإنَّهُ أحَدُ المَظاهِرِ ﴿ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بِسَبَبِ عِنادِكم وقَصْرِكُمُ الحَقَّ عَلى بَعْضِ مَظاهِرِهِ، وأُشِيرَ بِذَلِكَ إلى عِلْمِ الباطِنِ، والمُرادُ مِنَ البَعْضِ إمّا الكُلُّ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ وإمّا ظاهِرُ مَعْناهُ فَيَكُونُ إشارَةً إلى أنَّ مِنَ الباطِنِ ما يَحْرُمُ كَشْفُهُ، فَقَدْ قالَ مَوْلانا زَيْنُ العابِدِينَ:
ورُبَّ جَوْهَرِ عَلَمٍ لَوْ أبُوحُ بِهِ ∗∗∗ لَقِيلَ لِي: أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنا
ولا اِسْتَحَلَّ أُناسٌ مُسْلِمُونَ دَمِي ∗∗∗ يَرَوْنَ أقْبَحَ ما يَأْتُونَهُ حَسَنا
وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا أبُو حَسَنٍ ∗∗∗ إلى الحُسَيْنِ وأوْصى قَبْلَهُ الحَسَنا
﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ بَعْدَ أُخْرى ﴿مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَتِي ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما فِيهِ كَمالُ نَشْأتِكم ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ فَهو الَّذِي يُوصِلُكم إلى ما فِيهِ كَمالِكم ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ بِالذُّلِّ والِانْكِسارِ والوُقُوفِ عَلى بابِهِ بِالعَجْزِ والِافْتِقارِ، وامْتَثِلُوا أمْرَهُ ونَهْيَهُ ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ يُوصِلُكم إلَيْهِ ويُفِدُ بِكم عَلَيْهِ.
آل عمران 3:52
﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَآلِ أحْوالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلَّهُ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ شَرْحًا لِطَرَفٍ مِنها داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ولا يَكُونُ ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، ولا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ ويَكُونُ المَحْذُوفُ هُناكَ فَجاءَ عِيسى كَما بَشَّرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمُ الآيَةَ، والفاءُ هُنا مُفْصِحَةٌ بِمِثْلِ المُقَدَّرِ هُناكَ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي، وأصْلُ الإحْساسِ الإدْراكُ بِإحْدى الحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ وقَدِ اُسْتُعِيرَ هُنا اِسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلْعِلْمِ بِلا شُبْهَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ ذَلِكَ مِن بابِ ذِكْرِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ، والدّاعِي لِذَلِكَ أنَّ الكُفْرَ مِمّا لا يُحَسُّ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ إحْساسُ آثارِ الكُفْرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ مِنَ الكُفْرِ إصْرارُهم عَلَيْهِ وعُتُوُّهم فِيهِ مَعَ العَزِيمَةِ عَلى إيقاعِ مَكْرُوهٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَقِيَ مِنَ اليَهُودِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى شَدائِدَ كَثِيرَةً.
أخْرَجَ إسْحَقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «كانَ اليَهُودُ يَجْتَمِعُونَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَسْتَهْزِءُونَ بِهِ ويَقُولُونَ لَهُ: يا عِيسى ما أكَلَ فُلانٌ البارِحَةَ وما اِدَّخَرَ في بَيْتِهِ لِغَدٍ؟! فَيُخْبِرُهم ويَسْخَرُونَ مِنهُ حَتّى طالَ ذَلِكَ بِهِ وبِهِمْ، وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لَهُ قَرارٌ ولا مَوْضِعٌ يُعْرَفُ، إنَّما هو سائِحٌ في الأرْضِ، فَمَرَّ ذاتَ يَوْمٍ بِاِمْرَأةٍ قاعِدَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهي تَبْكِي فَسَألَها، فَقالَتْ: ماتَتِ اِبْنَةٌ لِي لَمْ يَكُنْ لِي ولَدٌ غَيْرُها فَصَلّى عِيسى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نادى يا فُلانَةُ قُومِي بِإذْنِ الرَّحْمَنِ فاخْرُجِي فَتَحَرَّكَ القَبْرُ، ثُمَّ نادى الثّانِيَةَ فانْصَدَعَ القَبْرُ، ثُمَّ نادى الثّالِثَةَ فَخَرَجَتْ وهي تَنْفُضُ رَأْسَها مِنَ التُّرابِ فَقالَتْ: يا أُمّاهُ ما حَمَلَكِ عَلى أنْ أذُوقَ كَرْبَ المَوْتِ مَرَّتَيْنِ؟ يا أُمّاهُ اِصْبِرِي واحْتَسِبِي فَلا حاجَةَ لِي في الدُّنْيا، يا رُوحَ اللَّهِ سَلْ رَبِّي أنْ يَرُدَّنِي إلى الآخِرَةِ وأنْ يُهَوِّنَ عَلَيَّ كَرْبَ المَوْتِ،
صفحة 175
فَدَعا رَبَّهُ فَقَبَضَها إلَيْهِ فاسْتَوَتْ عَلَيْها الأرْضُ فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودُ فازْدادُوا عَلَيْهِ غَضَبًا»، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم أرادُوا قَتْلَهُ ولِذَلِكَ اِسْتَنْصَرَ قَوْمَهُ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقٌ بِ (أحَسَّ) أيِ اِبْتَدَأ الإحْساسُ مِن جِهَتِهِمْ؛ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الكُفْرِ أيْ لَمّا أحَسَّ الكُفْرَ حالَ كَوْنِهِ صادِرًا مِنهم.
﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ المَقُولُ لَهُمُ الحَوارِيُّونَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ آيَةُ الصَّفِّ [14] ﴿كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ﴾ الآيَةَ، وكَوْنُهُ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذِ الآيَةُ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في المُدَّعى إذْ يَكْفِي في تَحَقُّقِ الِانْقِسامِ بُلُوغُ الدَّعْوَةِ إلى الجَمِيعِ، والأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ كالأشْرافِ جَمْعُ شَرِيفٍ، وقالَ قَوْمٌ: هو جَمْعُ نَصْرٍ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ فِيهِ مُضافٌ أيْ مِن صاحِبِ نَصْرِي، أوْ تَجْعَلُهُ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الياءِ وهي مَفْعُولٌ بِهِ مَعْنًى، والمَعْنى مَن يَنْصُرُنِي حالَ كَوْنِي مُلْتَجِئًا إلى اللَّهِ تَعالى أوْ ذاهِبًا إلى اللَّهِ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْصارِي مُضَمَّنًا مَعْنى الإضافَةِ أيْ مِنَ الَّذِينَ يُضِيفُونَ أنْفُسَهم إلى اللَّهِ في نَصْرِي.
وفِي «اَلْكَشّافِ» في تَفْسِيرِ سُورَةِ الصَّفِّ ما حاصِلُهُ مِمّا يُخالِفُ ما ذَكَرَهُ هُنا أنَّ إضافَةَ أنْصارٍ لِلْياءِ إضافَةُ مُلابَسَةٍ، أيْ مِن حِزْبِي ومُشارِكِي في تَوَجُّهِي لِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى لِيُطابِقَ جَوابَهُمُ الآتِيَ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مَن يَنْصُرُنِي مَعَ اللَّهِ لِعَدَمِ المُطابَقَةِ، وفِيهِ أنَّ عَدَمَ المُطابَقَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، إذْ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعالى في الجَوابِ لَيْسَتْ عَلى ظاهِرِها بَلْ لا بُدَّ مِن تَجَوُّزٍ، أوْ إضْمارٍ في نَصْرِهِمْ لِلَّهِ تَعالى، ويُضْمَرُ ما تَحْصُلُ بِهِ المُطابَقَةُ، نَعَمْ كَوْنُ (إلى) بِمَعْنى مَعَ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ ذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّها إنَّما تَكُونُ كَذَلِكَ إذا ضُمَّ شَيْءٌ إلى آخَرَ، نَحْوَ: الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ أيْ إذا ضَمَمْتَهُ إلَيْهِ صارَ إبِلًا، ألا تَراكَ تَقُولُ قَدِمَ زَيْدٌ ومَعَهُ مالٌ، ولا تَقُولُ: وإلَيْهِ وكَذا نَظائِرُهُ فالسّالِمُ عَنْ هَذا الحَمْلِ مِنَ التَّفاسِيرِ مَعَ اِشْتِمالِهِ عَلى قِلَّةِ الإضْمارِ أوْلى، ومِن هُنا اِخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ إلى بِمَعْنى اللّامِ، وآخَرُونَ كَوْنَها بِمَعْنى في.
وقالَ في «اَلْكَشْفِ»: لَعَلَّ الأشْبَهَ في مَعْنى الآيَةِ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى مَن يَنْصُرُنِي مُنْهِيًا نَصْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى كَما يَقْتَضِيهِ حَرْفُ الِانْتِهاءِ دُونَ تَضْمِينٍ، كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنهم أنْ يَنْصُرُوهُ لِلَّهِ تَعالى لا لِغَرَضٍ آخَرَ، مُدْمِجًا أنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى في نُصْرَةِ رَسُولِهِ، وجَوابُهُمُ المَحْكِيُّ عَنْهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ شَدِيدُ الطِّباقِ لَهُ كَأنَّهم قالُوا: نَحْنُ ناصِرُوكَ لِأنَّهُ نَصْرُ اللَّهِ تَعالى لِلْغَرَضِ الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ، ولَوْ قالُوا مَكانَهُ: نَحْنُ أنْصارُكَ لَما وقَعَ هَذا المَوْقِعَ، اِنْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ جَعْلَ (إلى) بِمَعْنى اللّامِ، أوْ في التَّعْلِيلِيَّتَيْنِ يَحْصُلُ طِلْبَةُ المَسِيحِ الَّتِي أُشِيرُ إلَيْها عَلى وجْهٍ لَعَلَّهُ أقَلُّ تَكَلُّفًا مِمّا ذَكَرَ، وكَأنَّ اِخْتِيارَ ذَلِكَ لِما قالَهُ الزَّجّاجُ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ الحُرُوفِ مِن حُرُوفِ المَعانِي بِمَعْنى الآخَرِ لَكِنَّ الحَرْفَيْنِ قَدْ يَتَقارَبانِ في الفائِدَةِ فَيَظُنُّ الضَّعِيفُ العِلْمِ بِاللُّغَةِ أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ ولَيْسَ بِذَلِكَ، فَلْيُفْهَمْ.
و(اَلْحَوارِيُّونَ) جَمْعُ حَوارِيٍّ، يُقالُ: فُلانٌ حَوارِيُّ فُلانٍ أيْ خاصَّتُهُ مِن أصْحابِهِ وناصِرِهِ، ولَيْسَ الحَوارِيُّ جَمْعًا كَكَراسِيَّ عَلى ما وُهِمَ بَلْ هو مُفْرَدٌ مُنْصَرِفٌ كَما صَرَّحَ بِهِ المُحَقِّقُونَ، وذَكَرَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ أنَّهُ مُفْرَدٌ وألِفُهُ مِن تَغْيِيراتِ النِّسَبِ؛ وفِيهِ أنَّ الألِفَ إذا زِيدَتْ في النِّسْبَةِ وغُيِّرَتْ بِها تُخَفَّفُ الياءُ في الأفْصَحِ في أمْثالِهِ، والحَوارِيُّ بِخِلافِهِ لِأنَّ تَخْفِيفَ يائِهِ شاذٌّ كَما صَرَّحُوا بِهِ، وبِهِ قُرِئَ في الآيَةِ، وأصْلُهُ مِنَ التَّحْوِيرِ أيِ التَّبْيِيضِ، ومِنهُ الخُبْزُ الحَوارِيُّ الَّذِي نَخَلَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ والحَوارِيّاتُ لِلْحَضَرِيّاتِ نِساءُ المُدُنِ والقُرى لِما أنَّهُ يَغْلِبُ فِيهِنَّ البَياضُ لِعَدَمِ البُرُوزِ لِلشَّمْسِ، ويُطْلَقُ الحَوارِيُّ عَلى القَصّارِ أيْضًا لِأنَّهُ
صفحة 176
يُبَيِّضُ الثِّيابَ وهو بِلُغَةِ النَّبَطِ هُوّارِيٌّ بِضَمِّ الهاءِ وتَشْدِيدِ الواوِ وفَتْحِ الرّاءِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ تَسْمِيَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ وهو المَرْوِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُبَيِّضُونَ الثِّيابَ لِلنّاسِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ وجَماعَةٍ، وقِيلَ: لِنَقاءِ قُلُوبِهِمْ وطَهارَةِ أخْلاقِهِمْ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ قَتادَةَ، وفي تَعْيِينِ أنَّهم مِن أيِّ الطَّوائِفِ مِنَ النّاسِ خِلافٌ أيْضًا، فَقِيلَ: قَوْمٌ كانُوا يَصْطادُونَ السَّمَكَ فِيهِمْ يَعْقُوبُ وشَمْعُونُ ويُوحَنّا، فَمَرَّ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُمْ: أنْتُمْ تَصِيدُونَ السَّمَكَ فَإنِ اِتَّبَعْتُمُونِي صِرْتُمْ بِحَيْثُ تَصِيدُونَ النّاسَ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ؟ فَقالُوا لَهُ مَن أنْتَ؟ قالَ: عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ فَطَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ، وكانَ شَمْعُونُ قَدْ رَمى شَبَكَتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَما اِصْطادَ شَيْئًا، فَأمَرَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإلْقائِها في الماءِ مَرَّةً أُخْرى فَفَعَلَ فاصْطادَ ما مَلَأ سَفِينَتَيْنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ آمَنُوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هُمُ اِثْنا عَشَرَ رَجُلًا، أوْ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ مِن سائِرِ النّاسِ اِتْبَعُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا إذا جاعُوا قالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ جُعْنا فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلى الأرْضِ فَيَخْرُجُ لِكُلٍّ واحِدٍ رَغِيفانِ، وإذا عَطِشُوا قالُوا: عَطِشْنا فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلى الأرْضِ فَيَخْرُجُ الماءُ فَيَشْرَبُونَ، فَقالُوا: مَن أفْضَلُ مِنّا إذا شِئْنا أطْعَمْتَنا وإذا شِئْنا أسْقَيْتَنا وقَدْ آمَنّا بِكَ؟ فَقالَ: أفْضَلُ مِنكم مَن يَعْمَلُ بِيَدِهِ ويَأْكُلُ مِن كَسْبِهِ فَصارُوا يَغْسِلُونَ الثِّيابَ بِالكِراءِ ويَأْكُلُونَ.
وقِيلَ: إنَّ واحِدًا مِنَ المُلُوكِ صَنَعَ طَعامًا وجَمَعَ النّاسَ عَلَيْهِ وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى قَصْعَةٍ فَكانَتِ القَصْعَةُ لا تَنْقُصُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ المَلِكُ مَعَ أقارِبِهِ فَقالُوا لَهُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ، فَقالَ المَلِكُ: إنِّي تارِكٌ مُلْكِي ومُتَّبِعُكَ فَتَبِعَهُ مَعَ أقارِبِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الحَوارِيُّونَ، وقِيلَ: إنَّ أمَّهُ دَفَعَتْهُ إلى صَبّاغٍ فَكانَ إذا أرادَ أنْ يُعَلِّمَهُ شَيْئًا وجَدَهُ أعْلَمَ بِهِ مِنهُ فَغابَ الصَّبّاغُ يَوْمًا لَمُهِمٍّ، وقالَ لَهُ: هَهُنا ثِيابٌ مُخْتَلِفَةٌ وقَدْ جَعَلْتُ عَلى كُلٍّ مِنها عَلامَةً فاصْبُغْها بِتِلْكَ الألْوانِ فَطَبَخَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَبًّا واحِدًا وجَعَلَ الجَمِيعَ فِيهِ، وقالَ: كُونِي بِإذْنِ اللَّهِ كَما أُرِيدُ، فَرَجَعَ الصَّبّاغُ فَأخْبَرَهُ بِما فَعَلَ، فَقالَ: أفْسَدْتَ عَلَيَّ الثِّيابَ، قالَ: قُمْ فانْظُرْ، فَكانَ يُخْرِجُ ثَوْبًا أحْمَرَ وثَوْبًا أخْضَرَ وثَوْبًا أصْفَرَ كَما كانَ يُرِيدُ فَتَعَجَّبَ الحاضِرُونَ مِنهُ وآمَنُوا بِهِ وكانُوا الحَوارِيِّينَ.
ونَقَلَ جَمْعٌ عَنِ القَفّالِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم مِنَ المُلُوكِ، وبَعْضُهم مِنَ الصَّيّادِينَ، وبَعْضُهم مِنَ القَصّارِينَ، وبَعْضُهم مِنَ الصَّبّاغِينَ، وبَعْضُهم مِن سائِرِ النّاسِ، وسُمُّوا جَمِيعًا بِالحَوارِيِينَ لِأنَّهم كانُوا أنْصارَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمُخْلِصِينَ في مَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ، والِاشْتِقاقُ كَيْفَ كانُوا هو الِاشْتِقاقُ، ومَأْخَذُهُ إمّا أنْ يُؤْخَذَ حَقِيقِيًّا وإمّا أنْ يُؤْخَذَ مَجازِيًّا، وهو الأوْفَقُ بِشَأْنِ أُولَئِكَ الأنْصارِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن حارَ بِمَعْنى رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ وكَأنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى.
ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الحَوارِيَّ بِالمُجاهِدِ فَإنْ أُرِيدَ بِالجِهادِ ما هو المُتَبادِرُ مِنهُ أشْكَلَ ذَلِكَ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ بِهِ؛ وادَّعاهُ بَعْضُهم مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في المَقْصُودِ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالتَّأْيِيدِ التَّأْيِيدُ بِالحُجَّةِ وإعْلاءُ الكَلِمَةِ، وإنْ أُرِيدَ بِالجِهادِ جِهادُ النَّفْسِ بِتَجْرِيعِها مَرائِرَ التَّكالِيفِ لَمْ يُشْكِلْ ذَلِكَ.
نَعَمْ اُسْتُشْكِلَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِالقِتالِ فَما مَعْنى طَلَبَهُ الأنْصارَ؟ وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّ اليَهُودَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ اِسْتَنْصَرَ لِلْحِمايَةِ مِنهم كَما قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ ولَمْ يَسْتَنْصِرْ لِلْقِتالِ مَعَهم عَلى الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ، وهَذا هو الَّذِي لَمْ يُؤْمَرُ بِهِ لا ذَلِكَ بَلْ رُبَّما يُدَّعى أنَّ ذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ لِوُجُوبِ المُحافَظَةِ
صفحة 177
عَلى حِفْظِ النَّفْسِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ لَمّا طَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ قالَ لِلْحَوارِيِّينَ: أيُّكم يُحِبُّ أنْ يَكُونَ رَفِيقِي في الجَنَّةِ عَلى أنْ يَلْقى فِيهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ مَكانِي؟ فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وفي بَعْضِ الأناجِيلِ أنَّ اليَهُودَ لَمّا أخَذُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَلَّ شَمْعُونُ سَيْفَهُ فَضَرَبَ بِهِ عَبْدًا كانَ فِيهِمْ لِرَجُلٍ مِنَ الأحْبارِ عَظِيمٍ فَرَمى بِأُذُنِهِ، فَقالَ لَهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: حَسْبُكَ، ثُمَّ أدْنى أُذُنَ العَبْدِ فَرَدَّها إلى مَوْضِعِها فَصارَتْ كَما كانَتْ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ طَلَبُ النُّصْرَةِ لِلتَّمْكِينِ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ ولِتَمْيِيزِ المُوافِقِ مِنَ المُخالِفِ وذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي الأمْرَ بِالجِهادِ كَما أمَرَ نَبِيُّنا رُوحُ جَسَدِ الوُجُودِ ﷺ، وهو الظّاهِرُ لِمَن أنْصَفَ، والمُرادُ مِن أنْصارِ اللَّهِ أنْصارُ دِينِهِ ورَسُولِهِ وأعْوانِهِما عَلى ما هو المَشْهُورُ.
﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ مُسْتَنَدٌ لِتِلْكَ الدَّعْوى جارِيَةٌ مَجْرى العِلَّةِ لَها ﴿واشْهَدْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿آمَنّا﴾ ولا يَضُرُّ اِخْتِلافُهُما إنْشائِيَّةً وإخْبارِيَّةً لِما تَحَقَّقَ في مَحَلِّهِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿آمَنّا﴾ لِإنْشاءِ الإيمانِ أيْضًا فَلا اِخْتِلافَ ﴿بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [ 52 ] أيْ مُنْقادُونَ لِما تُرِيدُهُ مِنّا ويَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا نُصْرَتُهم لَهُ، أوْ بِأنَّ دِينَنا الإسْلامُ الَّذِي هو دِينُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِكَ فَهو إقْرارٌ مَعْنًى بِنُبُوَّةِ مَن قَبْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا طَلَبٌ مِنهم شَهادَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَشْهَدُ الرُّسُلُ لِقَوْمِهِمْ وعَلَيْهِمْ إيذانًا كَما قالَ الكَرْخِيُّ بِأنَّ مَرْمى غَرَضِهِمِ السَّعادَةُ الأُخْرَوِيَّةُ، وجاءَ في المائِدَةِ [111] ﴿بِأنَّنا﴾ لِأنَّ ما فِيها كَما قِيلَ أوَّلُ كَلامِ الحَوارِيِّينَ فَجاءَ عَلى الأصْلِ، وما هُنا تَكْرارٌ لَهُ بِالمَعْنى فَناسَبَ فِيهِ التَّخْفِيفَ، لِأنَّ كُلًّا مِنَ التَّخْفِيفِ والتَّكْرارِ فَرْعٌ، والفَرْعُ بِالفَرْعِ أوْلى.
آل عمران 3:53
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ عَرْضٌ لِحالِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى بَعْدَ عَرْضِها عَلى رَسُولِهِ اِسْتِمْطارًا لِسَحائِبِ إجابَةِ دُعائِهِمُ الآتِي، وقِيلَ: مُبالَغَةٌ في إظْهارِ أمْرِهِمْ ﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ أيِ اِمْتَثَلْنا ما أتى بِهِ مِنكَ إلَيْنا ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [ 53 ] أيْ مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ، لِأنَّهم يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ لَهم بِالصِّدْقِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ورَوى أبُو صالِحٍ عَنْهُ أنَّهم مَن آمَنَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ مِن ﴿الشّاهِدِينَ﴾ الأنْبِياءُ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ لِأُمَّتِهِ وعَلَيْها، وقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ الصّادِقُونَ، وقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الشّاهِدُونَ لِلْأنْبِياءِ بِالتَّصْدِيقِ، وقِيلَ: أرادُوا مَعَ المُسْتَغْرِقِينَ في شُهُودِ جَلالِكَ بِحَيْثُ لا نُبالِي بِما يَصِلُ إلَيْنا مِنَ المَشاقِّ والآلامِ فَيَسْهُلُ عَلَيْنا الوَفاءُ بِما اِلْتَزَمْنا مِن نُصْرَةِ رَسُولِكَ، وقِيلَ: أرادُوا اُكْتُبْ ذِكْرَنا في زُمْرَةِ مَن شَهِدَ حَضْرَتَكَ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ولا يَخْفى ما في هَذا الأخِيرِ مِنَ التَّكَلُّفِ، والمَعْنى عَلى ما عَداهُ أدْخِلْنا في عِدادِ أُولَئِكَ، أوْ في عِدادِ أتْباعِهِمْ، قِيلَ: وعَبَّرُوا عَنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ بِهِمْ بِلَفْظِ ﴿فاكْتُبْنا﴾ إذْ كانَتِ الكِتابَةُ تُقَيِّدُ وتَضْبُطُ ما يُحْتاجُ إلى تَحْقِيقِهِ وعِلْمِهِ في ثانِي حالٍ، وقِيلَ: المُرادُ اِجْعَلْ ذَلِكَ وقَدِّرْهُ في صَحائِفِ الأزَلِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الكِتابَةَ كِنايَةً عَنْ تَثْبِيتِهِمْ عَلى الإيمانِ في الخاتِمَةِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ(اُكْتُبْنا) .
آل عمران 3:54
﴿ومَكَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ، إذْ وكَّلُوا بِهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً ﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ بِأنْ ألْقى شِبْهَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى غَيْرِهِ فَصُلِبَ ورَفَعَهُ إلَيْهِ، قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أرادَ مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ قَتْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ خَوْخَةً وفِيها كُوَّةٌ فَرَفَعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكُوَّةِ إلى السَّماءِ، فَقالَ المَلِكُ لِرَجُلٍ مِنهم خَبِيثٍ: اُدْخُلْ عَلَيْهِ فاقْتُلْهُ فَدَخَلَ الخَوْخَةَ فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجَ إلى أصْحابِهِ يُخْبِرُهم
صفحة 178
أنَّهُ لَيْسَ في البَيْتِ، فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ وظَنُّوا أنَّهُ عِيسى، وقالَ وهْبٌ: أسَرُوهُ ونَصَبُوا خَشَبَةً لِيَصْلُبُوهُ فَأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ فَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، فَأخَذُوا رَجُلًا يُقالُ لَهُ يَهُودا وهو الَّذِي دَلَّهم عَلى عِيسى، وذَلِكَ أنَّ عِيسى جَمَعَ الحَوارِيِّينَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وأوْصاهُمْ، ثُمَّ قالَ لِيَكْفُرَنَّ بِي أحَدُكم قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ فَيَبِيعُنِي بِدَراهِمَ يَسِيرَةٍ، فَخَرَجُوا وتَفَرَّقُوا وكانَتِ اليَهُودُ تَطْلُبُهُ فَأتى أحَدُ الحَوارِيِّينَ إلَيْهِمْ، وقالَ: ما تَجْعَلُونَ لِي إنْ دَلَلْتُكم عَلَيْهِ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا فَأخَذَها ودَلَّهم عَلَيْهِ، فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأُدْخِلَ البَيْتَ ورُفِعَ وقالَ: أنا الَّذِي دَلَلْتُكم عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِهِ وصَلَبُوهُ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ عِيسى، فَلَمّا صُلِبَ شِبْهُ عِيسى وأتى عَلى ذَلِكَ سَبْعَةُ أيّامٍ قالَ اللَّهُ تَعالى لِعِيسى: اِهْبِطْ عَلى مَرْيَمَ ثُمَّ لِتَجْمَعْ لَكَ الحَوارِيِّينَ وبُثَّهم في الأرْضِ دُعاةً، فَهَبَطَ عَلَيْها واشْتَعَلَ الجَبَلُ نُورًا فَجَمَعَتْ لَهُ الحَوارِيِّينَ فَبَثَّهم في الأرْضِ دُعاةً ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وتِلْكَ اللَّيْلَةُ هي اللَّيْلَةُ الَّتِي تَدَخَّنَ فِيها النَّصارى فَلَمّا أصْبَحَ الحَوارِيُّونَ قَصَدَ كُلٌّ مِنهم بَلْدَةَ مَن أرْسَلَهُ عِيسى إلَيْهِمْ.
ورُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ اليَهُودَ لَمّا عَزَمُوا عَلى قَتْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ اِجْتَمَعَ الحَوارِيُّونَ في غُرْفَةٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ المَسِيحُ مِن مِشْكاةِ الغُرْفَةِ فَأخْبَرَ بِهِمْ إبْلِيسُ جَمْعَ اليَهُودِ فَرَكِبَ مِنهم أرْبَعَةُ آلافِ رَجُلٍ فَأخَذُوا بابَ الغُرْفَةِ، فَقالَ المَسِيحُ لِلْحَوارِيِّينَ: أيُّكم يَخْرُجُ ويُقْتَلُ ويَكُونُ مَعِي في الجَنَّةِ؟ فَقالَ واحِدٌ مِنهُمْ: أنا يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَألْقى عَلَيْهِ مُدَرَّعَةً مِن صُوفٍ وعِمامَةً مِن صُوفٍ وناوَلَهُ عُكّازَهُ وألْقى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجَ عَلى اليَهُودِ فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، وأمّا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَساهُ اللَّهُ النُّورَ وقَطَعَ عَنْهُ شَهْوَةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ ورَفَعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ أصْحابَهُ لَمّا رَأوْا ذَلِكَ تَفَرَّقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ اللَّهُ تَعالى فِينا فَصَعِدَ إلى السَّماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: كانَ فِينا اِبْنُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى مِنهُمْ: كانَ فِينا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَهُ إلَيْهِ وهَؤُلاءِ هُمُ المُسْلِمُونَ، فَتَظاهَرَتْ عَلَيْهِمُ الفِرْقَتانِ الكافِرَتانِ فَقَتَلُوهم فَلَمْ يَزَلِ الإسْلامُ مُنْدَرِسَ الآثارِ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ.
ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ إسْحَقَ أنَّ اليَهُودَ عَذَّبُوا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَقُوا مِنهُمُ الجَهْدَ فَبَلَغَ ذَلِكَ مِلْكُ الرُّومِ وكانَ مِلْكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ واسْمُهُ داوُدُ بْنُ نُوذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِمَّنْ تَحْتَ أمْرِكَ كانَ يُخْبِرُهم أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى وأراهم إحْياءَ المَوْتى وإبْراءَ الأكْمَهِ والأبْرَصِ فَعَلَ وفَعَلَ، فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ ذَلِكَ ما خَلَّيْتُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إلى الحَوارِيِّينَ فانْتَزَعَهم مِن أيْدِيهِمْ وسَألَهم عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرُوهُ فَبايَعَهم عَلى دِينِهِمْ وأنْزَلَ المَصْلُوبَ فَغَيَّبَهُ وأخَذَ الخَشَبَةَ فَأكْرَمَها ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ فَقَتَلَ مِنهم خَلْقًا عَظِيمًا، ومِنهُ ظَهَرَ أصْلُ النَّصْرانِيَّةِ في الرُّومِ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ مَلِكٌ آخَرُ يُقالُ لَهُ طِيطُوسُ وغَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَحْوٍ مَن أرْبَعِينَ سَنَةً فَقَتَلَ وسَبى ولَمْ يَتْرُكْ في بَيْتِ المَقْدِسِ حَجَرًا عَلى حَجَرٍ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ إلى الحِجازِ.
هَذا وأصْلُ المَكْرِ قِيلَ: الشَّرُّ، ومِنهُ: مَكَرَ اللَّيْلُ إذا أظْلَمَ، وقِيلَ: الِالتِفاتُ ومِنهُ المُكُورُ لِضَرْبٍ مِنَ الشَّجَرِ ذِي اِلْتِفاتٍ، واحِدُهُ مَكْرٌ، والمَمْكُورَةُ مِنَ النِّساءِ لِلْمُلْتَفَّةِ الخَلْقِ مَطْوِيَّتِهِ وفَسَّرَهُ البَعْضُ بِصَرْفِ الغَيْرِ عَمّا يَقْصِدُهُ بِحِيلَةٍ، وآخَرُونَ بِاخْتِداعِ الشَّخْصِ لِإيقاعِهِ في الضَّرَرِ، وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الحِيلَةِ بِأنَّها قَدْ تَكُونُ لِإظْهارِ ما يَعْسُرُ مِنَ الفِعْلِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى الإضْرارِ، والمَكْرُ حِيلَةٌ عَلى الشَّخْصِ تُوقِعُهُ في مِثْلِ الوَهْقِ، وقالُوا: لا يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى إلّا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مَعْناهُ وغَيْرُ مُحْتاجٍ إلى حِيلَةٍ فَلا يُقالُ اِبْتِداءً مَكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ العَضُدُ وجَماعَةٌ وخالَفَهُمُ الأبْهَرِيُّ وغَيْرُهُ؛ فَجَوَّزُوا الإطْلاقَ بِلا مُشاكَلَةٍ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 179
﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ نُسِبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ اِبْتِداءً.
ونُقِلَ عَنِ الإمامِ أنَّ المَكْرَ إيصالُ المَكْرُوهِ إلى الغَيْرِ عَلى وجْهٍ يَخْفى فِيهِ، وأنَّهُ يَجُوزُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى حَقِيقَةً، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ وهو لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عَلَيْهِ تَعالى، وفي الحَدِيثِ: «”اللَّهُمَّ اُمْكُرْ لِي ولا تَمْكُرْ بِي“،» ومَن ذَهَبَ إلى عَدَمِ الإطْلاقِ إلّا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ أجابَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ ونَحْوِها بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ، فالأوْلى القَوْلُ بِصِحَّةِ الإطْلاقِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اِبْتِداءً بِالمَعْنى اللّائِقِ بِجَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [ 54 ] أيْ أقْواهم مَكْرًا وأشَدُّهُمْ، أوْ أنَّ مَكْرَهُ أحْسَنُ وأوْقَعُ في مَحَلِّهِ لِبُعْدِهِ عَنِ الظُّلْمِ فَإنَّهُ يَبْعُدُ المُشاكَلَةُ.
آل عمران 3:55
﴿إذْ قالَ اللَّهُ﴾ ظَرْفٌ لِمَكْرٍ أوْ لِمَحْذُوفٍ نَحْوَ وقَعَ ذَلِكَ ولَوْ قُدِّرَ أذْكُرُ كَما في أمْثالِهِ لَمْ يَبْعُدْ، وتَعَلُّقُهُ بِالماكِرِينَ بَعِيدٌ إذْ لا يَظْهَرُ وجْهٌ حَسَنٌ لِتَقْيِيدِ قُوَّةِ مَكْرِهِ تَعالى بِهَذا الوَقْتِ.
﴿يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ، أيْ: رافِعُكَ إلَيَّ ومُتَوَفِّيكَ، وهَذا أحَدُ تَأْوِيلاتٍ اِقْتَضاها مُخالَفَةُ ظاهِرِ الآيَةِ لِلْمَشْهُورِ المُصَرَّحِ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى، وفي قَوْلِهِ ﷺ: «”إنَّ عِيسى لَمْ يَمُتْ وإنَّهُ راجِعٌ إلَيْكم قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ“،» وثانِيها: أنَّ المُرادَ إنِّي مُسْتَوْفٍ أجْلَكَ ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ لا أُسَلِّطُ عَلَيْكَ مَن يَقْتُلُكَ، فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ عِصْمَتِهِ مِنَ الأعْداءِ وما هم بِصَدَدِهِ مِنَ الفَتْكِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ اِسْتِيفاءِ اللَّهِ تَعالى أجْلَهُ ومَوْتِهِ حَتْفَ أنْفِهِ ذَلِكَ، وثالِثُها: أنَّ المُرادَ قابِضُكَ ومُسْتَوْفٍ شَخْصَكَ مِنَ الأرْضِ مِن تَوَفّى المالَ بِمَعْنى اِسْتَوْفاهُ وقَبَضَهُ، ورابِعُها: أنَّ المُرادَ بِالوَفاةِ هُنا النَّوْمُ لِأنَّهُما أخَوانِ ويُطْلَقُ كُلٌّ مِنهُما عَلى الآخَرِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ وهو نائِمٌ رِفْقًا بِهِ، وحُكِيَ هَذا القَوْلُ واَلَّذِي قَبْلَهُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ، وخامِسُها: أنَّ المُرادَ أجْعَلُكَ كالمُتَوَفّى لِأنَّهُ بِالرَّفْعِ يُشْبِهُهُ، وسادِسُها: أنَّ المُرادَ آخُذُكَ وافِيًا بِرُوحِكَ وبَدَنِكَ فَيَكُونُ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ كالمُفَسِّرِ لِما قَبْلَهُ، وسابِعُها: أنَّ المُرادَ بِالوَفاةِ مَوْتُ القُوى الشَّهْوانِيَّةِ العائِقَةِ عَنْ إيصالِهِ بِالمَلَكُوتِ، وثامِنُها: أنَّ المُرادَ مُسْتَقْبِلٌ عَمَلَكَ، ولا يَخْلُو أكْثَرُ هَذِهِ الأوْجُهِ عَنْ بُعْدٍ لا سِيَّما الأخِيرُ.
وقِيلَ: الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى ظاهِرِها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبٍ، أنَّهُ قالَ: تَوَفّى اللَّهُ تَعالى عِيسى اِبْنَ مَرْيَمَ ثَلاثَ ساعاتٍ مِنَ النَّهارِ حَتّى رَفَعَهُ إلَيْهِ، وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَفّى عِيسى سَبْعَ ساعاتٍ ثُمَّ أحْياهُ، وأنَّ مَرْيَمَ حَمَلَتْ بِهِ ولَها ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وأنَّهُ رُفِعَ وهو اِبْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ، وأنَّ أُمَّهُ بَقِيَتْ بَعْدَ رَفْعِهِ سِتَّ سِنِينَ، ووَرَدَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والصَّحِيحُ كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَهُ مِن غَيْرِ وفاةٍ ولا، نَوْمٍ وهو اِخْتِيارُ الطَّبَرِيِّ، والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وحِكايَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَفّاهُ سَبْعَ ساعاتٍ ذَكَرَ اِبْنُ إسْحَقَ أنَّها مِن زَعْمِ النَّصارى، ولَهم في هَذا المَقامِ كَلامٌ تَقْشَعِرُّ مِنهُ الجُلُودُ، ويَزْعُمُونَ أنَّهُ في الإنْجِيلِ وحاشا اللَّهِ ما هو إلّا اِفْتِراءٌ وبُهْتانٌ عَظِيمٌ، ولا بَأْسَ بِنَقْلِهِ ورَدِّهِ فَإنَّ في ذَلِكَ رَدَّ دَعْواهم فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الرُّبُوبِيَّةَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَنَقُولُ:
قالُوا: بَيْنَما المَسِيحُ مَعَ تَلامِيذِهِ جالِسٌ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ لِثَلاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِن شَهْرِ نِيسانَ إذْ جاءَ يَهُودا الأسْخَرْيُوطِيُّ أحَدُ الِاثْنَيْ عَشَرَ ومَعَهُ جَماعَةٌ مَعَهُمُ السُّيُوفُ والعِصِيُّ مِن عِنْدِ رُؤَساءِ الكَهَنَةِ ومَشايِخِ الشَّعْبِ، وقَدْ قالَ لَهم يَهُودا: الرَّجُلُ الَّذِي أقْبَلَ هو فَأمْسِكُوهُ، فَلَمّا رَأى يَهُودا المَسِيحَ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُعَلِّمُ ثُمَّ أمْسَكُوهُ، فَقالَ يَسُوعُ: مِثْلَ ما يُفْعَلُ بِاللُّصُوصِ خَرَجْتُمْ لِي بِالسُّيُوفِ والعِصِيِّ وأنا عِنْدُكم في الهَيْكَلِ كُلَّ يَوْمٍ أُعَلِّمُ فَلَمْ تَتَعَرَّضُوا لِي لَكِنَّ
صفحة 180
هَذِهِ ساعَةُ سُلْطانِ الظَّلَمَةِ فَذَهَبُوا بِهِ إلى رَئِيسِ الكَهَنَةِ حَيْثُ تَجْتَمِعُ الشُّيُوخُ وتَبِعَهُ بُطْرُسَ مِن بَعِيدٍ ودَخَلَ مَعَهُ الدّارَ لَيْلًا وجَلَسَ ناحِيَةً مِنها مُتَنَكِّرًا لِيَرى ما يَؤُولُ أمْرُهُ إلَيْهِ فالتَمَسَ المَشايِخُ عَلى يَسُوعَ شَهادَةً يَقْتُلُونَهُ بِها فَجاءَ جَماعَةٌ مِن شُهُودِ الزُّورِ فَشَهِدَ مِنهُمُ اِثْنانِ أنَّ يَسُوعَ قالَ: أنا أقْدِرُ أنْ أنْقُضَ هَيْكَلَ اللَّهِ تَعالى وأبْنِيَهُ في ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَقالَ لَهُ الرَّئِيسُ: ما تُجِيبُ عَنْ نَفْسِكَ بِشَيْءٍ؟ فَسَكَتَ يَسُوعُ فَأقْسَمَ عَلَيْهِ رَئِيسُ الكَهَنَةِ بِاَللَّهِ الحَيِّ أنْتَ المَسِيحُ؟ فَقالَ أنْتَ قُلْتَ ذاكَ وأنا أقُولُ لَكم مِنَ الآنِ لا تَرَوْنَ اِبْنَ الإنْسانِ حَتّى تَرَوْهُ جالِسًا عَنْ يَمِينِ القُوَّةِ وآتِيًا في سَحابِ السَّماءِ وأنَّ ناسًا مِنَ القِيامِ هَهُنا لا يَذُوقُونَ المَوْتَ حَتّى يَرَوْنَ اِبْنَ الإنْسانِ آتِيًا في مَلَكُوتِهِ، فَلَمّا سَمِعَ رَئِيسُ الكَهَنَةِ ذَلِكَ شَقَّ ثِيابَهُ وقالَ: ما حاجَتُنا إلى شَهادَةِ يَهُودا قَدْ سَمِعْتُمْ ماذا تَرَوْنَ في أمْرِهِ؟ فَقالُوا: هَذا مُسْتَوْجِبٌ المَوْتَ، فَحِينَئِذٍ بَصَقُوا في وجْهِ البَعِيدِ ولَطَمُوهُ وضَرَبُوهُ وهَزَأُوا بِهِ وجَعَلُوا يَلْطِمُونَهُ ويَقُولُونَ: بَيِّنْ لَنا مَن لَطَمَكَ ولَمّا كانَ مِنَ الغَدِ أسْلَمُوهُ لِفِيلاطِسَ القائِدِ، فَتَصايَحَ الشَّعْبُ بِأسْرِهِ -يُصْلَبُ يُصْلَبُ- فَتَحَرَّجَ فِيلاطِسُ مِن قَتْلِهِ، وقالَ: أيُّ شَرٍّ فَعَلَ هَذا فَقالَ الشُّيُوخُ: دَمُهُ عَلَيْهِمْ وعَلى أوْلادِهِمْ فَحِينَئِذٍ ساقَهُ جُنْدُ القائِدِ إلى الأبَرُوطُورِيُّونَ فاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الشَّعْبُ ونَزَعُوهُ ثِيابَهُ وألْبَسُوهُ لِباسًا أحْمَرَ وضَفَّرُوا إكْلِيلًا مِنَ الشَّوْكِ وتَرَكُوهُ عَلى رَأْسِهِ وجَعَلُوا في يَدِهِ قَصَبَةً ثُمَّ جَثَوا عَلى رَكُبِهِمْ يَهْزَأُونَ بِهِ ويَقُولُونَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مَلِكَ اليَهُودِ وشَرَعُوا يَبْصُقُونَ عَلَيْهِ ويَضْرِبُونَهُ في رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبُوا بِهِ وهو يَحْمِلُ صَلِيبَهُ إلى مَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِالجُمْجُمَةِ فَصَلَبُوهُ وسَمَّرُوا يَدَيْهِ عَلى الخَشَبَةِ، فَسَألَهم شَرْبَةَ ماءٍ فَأعْطَوْهُ خَلًّا مُضافًا بِمُرٍّ فَذاقَهُ ولَمْ يَسُغْهُ وجَلَسَ الشَّرْطَ فاقْتَسَمُوا ثِيابَهُ بَيْنَهم بِالقُرْعَةِ وجَعَلُوا عِنْدَ رَأْسِهِ لَوْحًا مَكْتُوبًا هَذا يَسُوغُ مَلِكُ اليَهُودِ اِسْتِهْزاءً بِهِ، ثُمَّ جاءُوا بِلِصَّيْنِ فَجَعَلُوهُما عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ تَحْقِيرًا لَهُ وكانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ لَهُ: يا ناقِضَ الهَيْكَلِ وبانِيهِ في ثَلاثَةِ أيّامٍ خَلِّصْ نَفْسَكَ، وإنْ كُنْتَ اِبْنَ اللَّهِ كَما تَقُولُ اِنْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ، وقالَ اليَهُودُ: هَذا يَزْعُمُ أنَّهُ خَلَصَ غَيْرَهُ فَكَيْفَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى خَلاصِ نَفْسِهِ إنْ كانَ مُتَوَكِّلًا عَلى اللَّهِ تَعالى فَهو يُنْجِيهِ مِمّا هو فِيهِ؟ ولَمّا كانَ سِتَّ ساعاتٍ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ وهو عَلى الصَّلِيبِ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ (آلوي آلوي إيما صاصا) أيْ إلَهِي إلَهِي لِمَ تَرَكْتَنِي وخَذَلْتَنِي وأخَذَ اليَهُودُ إسْفَنْجَةً فِيها خَلٌّ ورَفَعَها أحَدُهم عَلى قَصَبَةٍ وسَقاهُ، وقالَ آخَرُ: دَعُوهُ حَتّى نَرى مَن يُخَلِّصُهُ فَصَرَخَ يَسُوعُ وأمالَ رَأْسَهُ وأسْلَمَ الرُّوحَ وانْشَقَّ حِجابُ الهَيْكَلِ وانْشَقَّتِ الصُّخُورُ وتَفَتَّحَتِ القُبُورُ وقامَ كَثِيرٌ مِنَ القِدِّيسِينَ مِن قُبُورِهِمْ ودَخَلُوا المَدِينَةَ المُقَدَّسَةَ وظَهَرُوا لِلنّاسِ، ولَمّا كانَ المَساءُ جاءَ رَجُلٌ مِن ألْزامِهِ يُسَمّى يُوسُفُ بِلَفائِفَ نَقِيَّةٍ وتَرَكَهُ في قَبْرٍ كانَ قَدْ نَحَتَهُ في صَخْرَةٍ ثُمَّ جَعَلَ عَلى بابِ القَبْرِ حَجَرًا عَظِيمًا وجاءَ مَشايِخُ اليَهُودِ مِنَ الغَدِ الَّذِي بَعْدَ الجُمْعَةِ إلى فِيلاطِسَ القائِدِ، فَقالُوا: يا سَيِّدِي ذَكَرْنا أنَّ ذاكَ الضّالَّ كانَ قَدْ ذَكَرَ لِتَلامِيذِهِ أنا أقُومُ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ فَلَوْ أمَرْتَ مَن يَحْرُسُ القَبْرَ حَتّى تَمْضِيَ المُدَّةُ كَيْ لا تَأْتِيَ تَلامِيذُهُ ويَسْرِقُوهُ ثُمَّ يُشِيعُوا في الشَّعْبِ أنَّهُ قامَ فَتَكُونُ الضَّلالَةُ الثّانِيَةُ شَرًّا مِنَ الأُولى فَقالَ لَهُمُ القائِدُ: اِذْهَبُوا وسُدُّوا عَلَيْهِ واحْرُسُوهُ كَما تُرِيدُونَ فَمَضَوْا وفَعَلُوا ما أرادُوا، وفي عَشِيَّةِ يَوْمِ السَّبْتِ جاءَتْ مَرْيَمُ المَجْدُلانِيَّةُ ومَرْيَمُ رَفِيقَتُها لِيَنْظُرْنَ إلى القَبْرِ.
وفِي «إنْجِيلِ مُرْقُصَ»: إنَّما جاءَتْ مَرْيَمُ يَوْمَ الأحَدِ بِغَلَسٍ، وإذا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ بِرَجَّةٍ عَظِيمَةٍ فَألْقى الحَجَرَ عَنِ القَبْرِ وجَلَسَ عِنْدَهُ وعَلَيْهِ ثِيابٌ بِيضٌ كالبَرْقِ فَكادَ الحَرَسُ أنْ يَمُوتُوا مِن هَيْبَتِهِ ثُمَّ قالَ لِلنِّسْوَةِ: لا تَخافا قَدْ عَلِمْتُ أنَّكُما جِئْتُما تَطْلُبانِ يَسُوعَ المَصْلُوبَ لَيْسَ هو هَهُنا إنَّهُ قَدْ قامَ، تَعالَيْنَ اُنْظُرْنَ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ الرَّبُّ واذْهَبا وقُولا لِتَلامِيذِهِ إنَّهُ سَبَقَكم إلى الخَلِيلِ فَمَضَتا وأخْبَرَتا التَّلامِيذَ ودَخَلَ الحُرّاسُ وأخْبَرُوا رُؤَساءَ الكَهَنَةِ الخَبَرَ
صفحة 181
فَقالُوا: لا تَنْطِقُوا بِهَذا ورَشُّوهم بِفِضَّةٍ عَلى كِتْمانِ القَضِيَّةِ فَقَبِلُوا ذَلِكَ مِنهم وأشاعُوا أنَّ التَّلامِيذَ جاءُوا وسَرَقُوهُ ومَهَّدَتِ المَشايِخُ عُذْرَهم عِنْدَ القائِدِ ومَضَتِ الأحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا إلى الخَلِيلِ وقَدْ شَكَّ بَعْضُهُمْ، وجاءَ لَهم يَسُوعُ وكَلَّمَهم وقالَ لَهُمُ: اِذْهَبُوا فَعَمِّدُوا كُلَّ الأُمَمِ وعَلِّمُوهم ما أُوصِيكم بِهِ، وهو ذا أنا مَعَكم إلى اِنْقِضاءِ الدَّهْرِ، اِنْتَهى.
وهَهُنا أُمُورٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ يُقالُ لِلنَّصارى: ما اِدَّعَيْتُمُوهُ مِن قَتْلِ المَسِيحِ وصَلْبِهِ أتَنْقِلُونَهُ تَواتُرًا أوْ آحادًا، فَإنْ زَعَمُوا أنَّهُ آحادٌ لَمْ تَتِمَّ بِذَلِكَ حُجَّةٌ ولَمْ يَثْبُتِ العِلْمُ، إذِ الآحادُ لَمْ يُؤْمَن عَلَيْهِمُ السَّهْوُ والغَفْلَةُ والتَّواطُؤُ عَلى الكَذِبِ، وإذا كانَ الآحادُ يَعْرِضُ لَهم ذَلِكَ فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِمْ في القَطْعِيّاتِ؟! وإنْ عَزَوْا ذَلِكَ إلى التَّواتُرِ، قُلْنا لَهُمْ: أحَدُ شُرُوطِ التَّواتُرِ اِسْتِواءُ الطَّرَفَيْنِ فِيهِ والواسِطَةِ بِأنْ يَكُونَ الإخْبارُ في كُلِّ طَبَقَةٍ مِمَّنْ لا يُمْكِنُ مُواطَأتُهُ عَلى الكَذِبِ فَإنْ زَعَمْتُمْ أنَّ خَبَرَ قَتْلِ المَسِيحِ كَذَلِكَ، أكَذَّبْتُمْ نُصُوصَ الإنْجِيلِ الَّذِي بِأيْدِيكم إذْ قالَ نَقَلَتْهُ الَّذِينَ دَوَّنُوهُ لَكم وعَلَيْهِ مُعَوَّلُكم: إنَّ المَأْخُوذَ لِلْقَتْلِ كانَ في شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ مِن تَلامِذَتِهِ فَلَمّا قُبِضَ عَلَيْهِ هَرَبُوا بِأسْرِهِمْ ولَمْ يَتْبَعْهُ سِوى بُطْرُسَ مِن بَعِيدٍ، فَلَمّا دَخَلَ الدّارَ حَيْثُ اِجْتَمَعُوا نَظَرَتْ جارِيَةٌ مِنهم إلَيْهِ فَعَرَفَتْهُ فَقالَتْ: هَذا كانَ مَعَ يَسُوعَ فَحَلِفَ أنَّهُ لا يَعْرِفُ يَسُوعَ ولا يَقُولُ بِقَوْلِهِ وخادَعَهم حَتّى تَرَكُوهُ وذَهَبَ، ولَمْ يَكَدْ يَذْهَبُ، وأنَّ شابًّا آخَرَ تَبِعَهُ وعَلَيْهِ إزارٌ فَتَعَلَّقُوا بِهِ فَتَرَكَ إزارَهُ بِأيْدِيهِمْ وذَهَبَ عُرْيانًا، فَهَؤُلاءِ أصْحابُهُ وأتْباعُهُ لَمْ يَحْضُرْ أحَدٌ مِنهم بِشَهادَةِ الإنْجِيلِ، وأمّا أعْداؤُهُ اليَهُودُ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنَّهم حَضَرُوا الأمْرَ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهم بَلَغُوا عَدَدَ التَّواتُرِ بَلْ كانُوا آحادًا وهم أعْداءٌ يُمْكِنُ تَواطُؤُهم عَلى الكَذِبِ عَلى عَدُوِّهِمْ إيهامًا مِنهم أنَّهم ظَفِرُوا بِهِ وبَلَغُوا مِنهُ أمانِيَّهُمْ، فانْخَرَمَ شَرْطُ التَّواتُرِ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ رُؤَساءَ الكَهَنَةِ فِيما زَعَمْتُمْ رَشَوُا الحُرّاسَ فَلا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ العِصابَةُ مِنَ اليَهُودِ صَلَبُوا شَخْصًا مِن أصْحابِ يَسُوعَ وأوْهَمُوا النّاسَ أنَّهُ المَسِيحُ لِتَتِمَّ لَهم أغْراضُهم عَلى أنَّ الأخْبارِيِّينَ ذَكَرُوا أنَّ بُخْتَنَصَّرَ قَتَلَ عُلَماءَ اليَهُودِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها لِأنَّهم حَرَّفُوا التَّوْراةَ وزادُوا فِيها ونَقَصُوا حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا شِرْذِمَةٌ، فالمُخْبِرُونَ لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ التَّواتُرِ في الطَّبَقَةِ الوُسْطى أيْضًا.
الثّانِي: أنَّ في هَذا الفَصْلِ ما تَحْكُمُ البَداهَةُ بِكَذِبِهِ، وما تَضْحَكُ الثَّكْلى مِنهُ، وما يُبْعِدُهُ العَقْلُ مِثْلَ قَوْلِهِ لِلْكَهَنَةِ: إنَّكم مِنَ الآنِ ما تُرُونَ اِبْنَ الإنْسانِ يُرِيدُونَ بِالإنْسانِ الرَّبَّ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ لَمْ يَرِدْ إطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ في كِتابٍ، وقَوْلُهُ: إنَّ ناسًا مِنَ القِيامِ هَهُنا الخ، فَإنَّهُ لَمْ يُرَ أحَدٌ مِنَ القِيامِ هُناكَ قَبْلَ مَوْتَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ آتِيًا في مَلَكُوتِهِ، وقَوْلُ المَلَكِ لِلنِّسْوَةِ: تَعالَيْنَ فانْظُرْنَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي كانَ فِيهِ الرَّبُّ، فَإنَّهُ يُقالُ فِيهِ: أرَبٌّ يُقْبِرُ وإلَهٌ يُلْحِدُ، أُفٌّ لِتُرابٍ يُغْشِيَ وجْهَ هَذا الإلَهِ، وتَبًّا لِكَفَنٍ سَتَرَ مَحاسِنَهُ، وعَجَبًا لِلسَّماءِ كَيْفَ لَمْ تُبَدَّ وهو سامِكُها ولِلْأرْضِ لَمْ تُمَدَّ وهو ماسِكُها ولِلْبِحارِ كَيْفَ لَمْ تُغَضَّ وهو مُجْرِيها ولِلْجِبالِ كَيْفَ لَمْ تُسَرَّ وهو مُرْسِيها ولِلْحَيَوانِ كَيْفَ لَمْ يُصْعَقْ وهو مُشْبِعُهُ ولِلْكَوْنِ كَيْفَ لَمْ يُمْحَقْ وهو مُبْدِعُهُ، سُبْحانَ اللَّهِ كَيْفَ اِسْتَقامَ الوُجُودُ والرَّبُّ في اللُّحُودِ، وكَيْفَ ثَبَتَ العالَمُ عَلى نِظامٍ والإلَهُ في الرِّغامِ، إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ عَلى المُصِيبَةِ بِهَذا الرَّبِّ والرَّزِيَّةِ بِهَذا الإلَهِ لَقَدْ ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، وعَدَمَهُ لا أبا لَكَ قَوْمُهُ؟
وقَوْلُهُ: إلَهِي إلَهِي لِمَ خَذَلْتَنِي، فَإنَّهُ يُنافِي الرِّضا بِمُرِّ القَضاءِ، ويُناقِضُ التَّسْلِيمَ لِأحْكامِ الحَكِيمِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالصّالِحِينَ فَضْلًا عَنِ المُرْسَلِينَ عَلى أنَّهُ يُبْطِلُ دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي تَزْعُمُونَها والأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَعْتَقِدُونَها.
وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ قامَ كَثِيرٌ مِنَ القِدِّيسِينَ مِن قُبُورِهِمُ الخ، فَإنَّهُ كَذِبٌ صَرِيحٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ صَحِيحًا لَأطْبَقَ النّاسُ عَلى نَقْلِهِ ولَزالَ الشَّكُّ عَنْ تِلْكَ الجُمُوعِ في أمْرِ يَسُوعَ.
وقَوْلُهُمْ: مَضَتِ الأحَدَ عَشَرَ
صفحة 182
تِلْمِيذًا إلى الخَلِيلِ الخ، فَإنَّهُ قَدِ اِنْطَفَأ فِيهِ سِراجُ التِّلْمِيذِ الثّانِيَ عَشَرَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُ المَسِيحِ: ويْلٌ لِمَن يُسَلِّمُ اِبْنَ الإنْسانِ مَعَ أنَّ يَسُوعَ بِزَعْمِكم قالَ لِتَلامِيذِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وفِيهِمْ يَهُودا الأسْخَرْيُوطِيُّ الَّذِي أسْلَمَهُ لِلْقَتْلِ: إنَّكم سَتَجْلِسُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى اِثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ اِثْنَيْ عَشَرَ سِبْطَ بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُمْ: إنَّهم سَألَهم شَرْبَةَ ماءٍ فَإنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ الإنْجِيلَ مُصَرِّحٌ بِأنَّ المَسِيحَ كانَ يَطْوِي أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً ومِثْلُهُ لا يَجْزَعُ مِن فِراقِ الماءِ ساعَةً لا سِيَّما وقَدْ كانَ يَقُولُ لِتَلامِيذِهِ: إنَّ لِي طَعامًا لا تَعْرِفُونَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: إنَّ ما ذَكَرُوا مِن قِيامِ المَسِيحِ مِن قَبْرِهِ لَيْلَةَ السَّبْتِ مَعَ صَلْبِهِ يَوْمَ الجُمْعَةِ مُخالِفٌ لِما رَواهُ «مَتّى في إنْجِيلِهِ» فَإنَّهُ قالَ فِيهِ: سَألَ اليَهُودُ المَسِيحَ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَقالَ: الجِيلُ الشِّرِّيرُ الفاسِقُ يَطْلُبُ آيَةً فَلا يُعْطى إلّا آيَةَ يُونِيانَ النَّبِيِّ يَعْنِي يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وثَلاثَ لَيالٍ، وكَذَلِكَ اِبْنُ الإنْسانِ يُقِيمُ في بَطْنِ الأرْضِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وثَلاثَ لَيالٍ.
الرّابِعُ: أنَّ في هَذِهِ القِصَّةِ ما يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ المَصْلُوبَ هو الشِّبْهُ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى حُمى المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الصَّلْبِ، كَما سَيَتَّضِحُ لَكَ مَعَ زِيادَةِ تَحْقِيقٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ .
هَذا وإنَّما أُكِّدَ الحُكْمُ السّابِقُ اِعْتِناءً بِهِ، أوْ لِأنَّ تَسَلُّطَ الكَفّارِ عَلَيْهِ جَعَلَ المَقامَ مَقامَ اِعْتِقادِ أنَّهم يَقْتُلُونَهُ، وأرادَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ رافِعُكَ إلى سَمائِي، وقِيلَ: إلى كَرامَتِي، وعَلى كُلٍّ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ البارِئَ سُبْحانَهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ في جِهَةٍ، وفي رَفْعِهِ إلى أيِّ سَماءٍ خِلافٌ، واَلَّذِي اِخْتارَهُ الكَثِيرُ مِنَ العارِفِينَ أنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَهو فِيها يُسَبِّحُ مَعَ المَلائِكَةِ ثُمَّ يُهْبِطُهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ظُهُورِ الدَّجّالِ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وفي الخازِنِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا رَفَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ كَساهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ وقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ فَطارَ مَعَ المَلائِكَةِ فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ، وصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا أرْضِيًّا سَماوِيًّا.
وأوْرَدَ بَعْضُ النّاسِ هَهُنا إشْكالاتٍ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ أيَّدَهُ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ ثُمَّ إنَّ طَرَفَ جَناحٍ مِن أجْنِحَةِ جِبْرِيلَ كانَ يَكْفِي لِلْعالَمِ فَكَيْفَ لَمْ يَكْفِ في مَنعِ أُولَئِكَ اليَهُودِ عَنْهُ؟ وأيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ فَكَيْفَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إماتَتِهِمْ ودَفْعِ شَوْكَتِهِمْ أوْ عَلى إسْقامِهِمْ وإلْقاءِ الزَّمانَةِ والفَلَجِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَصِيرُوا عاجِزِينَ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ؟ وأيْضًا لَمّا خَلَّصَهُ مِنَ الأعْداءِ بِأنْ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ فَما الفائِدَةُ في إلْقاءِ شِبْهِهِ عَلى الغَيْرِ؟
وأُجِيبَ عَنِ الكُلِّ بِأنَّ بِناءَ التَّكْلِيفِ عَلى الِاخْتِيارِ، ولَوْ أقْدَرَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ أوْ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى دَفْعِ الأعْداءِ أوْ رَفْعِهِ مِن غَيْرِ إلْقاءِ شِبْهِهِ إلى السَّماءِ لَبَلَغَتْ مُعْجِزَتُهُ إلى حَدِّ الإلْجاءِ، والقَوْلُ بِأنَّ فَتْحَ بابِ إلْقاءِ الشُّبَهِ يُوجِبُ اِرْتِفاعَ الأمانِ عَنِ المَحْسُوساتِ وأنَّهُ يُفْضِي إلى سُقُوطِ الشَّرائِعِ وإبْطالِ التَّواتُرِ، وأيْضًا أنَّ في ذَلِكَ الإلْقاءِ تَمْوِيهًا وتَخْلِيطًا وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ إلْقاءَ شِبْهِ شَخْصٍ عَلى آخَرَ وإنْ كانَ مُمْكِنًا في نَفْسِهِ إلّا أنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإلْقاءِ واسْتِقْلالُ كُلٍّ مِنَ الحَيَوانِ بِصُورَتِهِ الَّتِي هي لَهُ، نَعَمْ لَوْ أخْبَرَ الصّادِقُ بِإلْقاءِ صُورَةِ شَخْصٍ عَلى آخَرَ قُلْنا بِهِ واعْتَقَدْناهُ، فَحِينَئِذٍ لا يَرْتَفِعُ الأمانُ عَنِ المَحْسُوساتِ بَلْ هي باقِيَةٌ عَلى الأصْلِ فِيها فِيما لَمْ يُخْبِرِ الصّادِقُ بِخِلافِهِ عَلى أنَّ إبْطالَ التَّواتُرِ بِفَتْحِ هَذا البابِ مَمْنُوعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ في الخَبَرِ أنْ يَكُونَ عَنْ أمْرٍ ثابِتٍ في نَفْسِ الأمْرِ بَلْ يَكْفِي فِيهِ كَوْنُهُ عَنْ أمْرٍ مَحْسُوسٍ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ التَّمْوِيهَ والتَّلْبِيسَ إنْ كانَ عَلى الأعْداءِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِالحِكْمَةِ، وإنْ كانَتِ النَّجاةُ مِمّا تُمْكِنُ بِدُونِ الإلْقاءِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ عَلى أوْلِيائِهِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ في الإلْقاءِ تَمْوِيهًا لِأنَّهم كانُوا عارِفِينَ يَقِينًا بِأنَّ المَطْلُوبَ الشِّبْهُ لا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما سَتَعْرِفُهُ إنْ شاءَ
صفحة 183
اللَّهُ تَعالى.
والقَوْلُ بِأنَّ المَطْلُوبَ قَدْ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّهُ بَقِيَ حَيًّا زَمانًا طَوِيلًا فَلَوْلا أنَّهُ كانَ عِيسى لَأظْهَرَ الجَزَعَ وعَرَّفَ نَفْسَهُ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لاشْتُهِرَ وتَواتَرَ، لَيْسَ بِشَيْءٍ أيْضًا، أما أوَّلًا: فَلِأنَّ دَعْوى تَواتُرِ بَقاءِ المَصْلُوبِ حَيًّا زَمانًا طَوِيلًا مِمّا لَمْ يُثْبِتُها بِرِهانٌ والثّابِتُ أنَّ المَصْلُوبَ إنَّما صُلِبَ في السّاعَةِ الثّانِيَةِ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ وماتَ في السّاعَةِ السّادِسَةِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ وأُنْزِلَ ودُفِنَ، ومِقْدارُ أرْبَعِ ساعاتٍ لا يُعَدُّ زَمانًا طَوِيلًا كَما لا يَخْفى، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ عَدَمَ تَعْرِيفِ المَصْلُوبِ نَفْسَهُ إمّا لِأنَّهُ أدْرَكَتْهُ دَهْشَةٌ مَنَعَتْهُ مِنَ البَيانِ والإيضاحِ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ عَلى لِسانِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ صَوْنًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُفْصِحَ الرَّجُلُ عَنْ أمْرِهِ، أوْ لِأنَّهُ لِصِدِّيقِيَّتِهِ آثَرَ المَسِيحُ بِنَفْسِهِ وفَعَلَ ذَلِكَ بِعَهْدِ عَهْدِهِ إلَيْهِ رَغْبَةً في الشَّهادَةِ، ولِهَذا ورّى في الجَوابِ الَّذِي نَقَلَتْهُ النَّصارى في القِصَّةِ وقَدْ وعَدَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ التَّلامِيذَ عَلى ما نَقَلُوا قَبْلُ بِقَوْلِهِمْ لَوْ دَفَعْنا إلى المَوْتِ مَعَكَ لَمُتْنا والشِّبْهُ مِن جُمْلَتِهِمْ فَوَفّى بِما وعَدَ مِن نَفْسِهِ عَلى عادَةِ الصِّدِّيقِينَ مِن أصْحابِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهو مِن رِجالٍ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ الشَّبَهَ كانَ مِنَ الأعْداءِ لا مِنَ الأوْلِياءِ رُوِيَ أنَّهُ جَعَلَ يَقُولُ لِلْيَهُودِ عِنْدَ الصَّلْبِ: لَسْتُالمَسِيحَ وإنَّما أنا صاحِبُكم لَكِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ ولَمْ يُلْتَفَتْ إلى قَوْلِهِ وصَلَبُوهُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَتَواتَرَ لا يَخْفى ما فِيهِ لِمَن أحاطَ بِما ذَكَرْناهُ خَبَرًا، فَتَأمَّلْ.
﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَطْهِيرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَبْعِيدِهِ مِنهم بِالرَّفْعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِنَجاتِهِ مِمّا قَصَدُوا فِعْلَهُ بِهِ مِنَ القَتْلِ، وفي الأوَّلِ: جَعَلَهم كَأنَّهم نَجاسَةً، وفي الثّانِي: جَعَلَ فِعْلَهم كَذَلِكَ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ وإلى الثّانِي ذَهَبَ الجُبّائِيُّ.
والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ اليَهُودُ، وأتى بِالظّاهِرِ عَلى ما قِيلَ دُونَ الضَّمِيرِ إشارَةً إلى عِلَّةِ النَّجاسَةِ وهي الكُفْرُ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ وكُفّارُ قَوْمِهِ.
﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ وخَلْقٌ كَثِيرٌ: هم أهْلُ الإسْلامِ اِتَّبَعُوهُ عَلى مِلَّتِهِ وفِطْرَتِهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ اليَهُودُ أوْ سائِرُ مَن شَمَلَهُ هَذا المَفْهُومُ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يَعْلُونَهم بِالحُجَّةِ أوِ السَّيْفِ في غالِبِ الأمْرِ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ النَّصارى، ومِنَ الثّانِي اليَهُودُ وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ النَّصارى فَوْقَ اليَهُودِ فَلَيْسَ بَلَدٌ فِيهِ أحَدٌ مِنَ النَّصارى إلّا وهم فَوْقَ اليَهُودِ في شَرْقِ الدُّنْيا وغَرْبِها، وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِنَ الِاتِّباعِ مُجَرَّدَ الِادِّعاءِ والمَحَبَّةِ ولا يَضُرُّ في غَلَبَتِهِمْ عَلى اليَهُودِ غَلَبَةُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وإذا أُرِيدَ بِالِاتِّباعِ ما يَشْمَلُ اِتِّباعَ المُسْلِمِينَ، وهَذا الِاتِّباعُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالمُتَّبِعِينَ ما يَشْمَلُ المُسْلِمِينَ والنَّصارى مُطْلَقًا مَن آمَنَ بِهِ قَبْلَ مَجِيءِ نَبِيِّنا ﷺ ونَسْخِ شَرِيعَتِهِ، ومَن آمَنَ بِزَعْمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ يُرادُ مِنَ الِاتِّباعِ الِاتِّباعُ بِالمَعْنى الأوَّلِ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ المُتَّبِعِينَ المُسْلِمُونَ والقِسْمُ الأوَّلُ مِنَ النَّصارى، وتَخْصِيصُ المُتَّبِعِينَ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وحَمْلُ الِاتِّباعِ عَلى المَجِيءِ بَعْدُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ الكِتابُ الكَرِيمُ كَجَعْلِ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأنَّ الوَقْفَ عَلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالجَعْلِ أوْ بِالِاسْتِقْرارِ المُقَدَّرِ في الظَّرْفِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ يَنْتَهِي حِينَئِذٍ ويَتَخَلَّصُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الذِّلَّةِ بَلِ المُرادُ أنَّ المُتَّبِعِينَ يَعْلُونَهم إلى تِلْكَ الغايَةِ، فَأمّا بَعْدُها فَيَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى ما يُرِيدُ.
ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الفَوْقِيَّةَ عَلى العُلُوِّ الرُّتْبِيِّ، والفَوْقِيَّةُ بِحَسَبِ الشَّرَفِ، وجَعْلُ التَّقْيِيدِ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِلتَّأْيِيدِ
صفحة 184
كَما في قَوْلِهِمْ ما دامَتِ السَّماءُ، وما دارَ الفَلَكُ، بِناءً عَلى ظَنِّ أنَّ عَدَمَ اِنْتِهاءِ عُلُوِّ المُؤْمِنِينَ وذِلَّةِ الكافِرِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ مُوجِبٌ لِهَذا الجَعْلِ ولَيْسَ بِذَلِكَ.
﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ مَصِيرِكم بَعْدَ يَوْمِ القِيامَةِ ورُجُوعِكُمْ، والضَّمِيرُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والطّائِفَتَيْنِ، وفِيهِ تَغْلِيبٌ عَلى الأظْهَرِ، و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِمَنِ اِتَّبَعَ وكَفَرَ فَقَطْ، وفِيهِ اِلْتِفاتٌ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ إرادَةِ إيصالِ الثَّوابِ والعِقابِ لِدَلالَةِ الخِطابِ عَلى الِاعْتِناءِ.
﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ فَأقْضِي بَيْنَكم إثْرَ رُجُوعِكم إلَيَّ ومَصِيرِكم بَيْنَ يَدَيَّ ﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [ 55 ] مِن أُمُورِ الدِّينِ، أوْ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وقُدِّمَ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ.
آل عمران 3:56
﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأحْكُمُ﴾ وتَفْصِيلٌ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّقْسِيمِ بَعْدَ الجَمْعِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الحُكْمَ مُرَتَّبٌ عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ في القِيامَةِ لا مَحالَةَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِالعَذابِ المُقَيَّدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ ؟ وأُجِيبَ بِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ التَّأْبِيدُ وعَدَمُ الِانْقِطاعِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الدُّنْيا والآخِرَةِ، الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ مَفْهُومُهُما اللُّغَوِيُّ أيِ الأوَّلُ والآخِرُ، ويَكُونُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنِ الدَّوامِ وهَذا أبْعَدُ مِنَ الأوَّلِ جِدًّا، الثّالِثُ: ما ذَكَرَ صاحِبُ «اَلْكَشْفِ» مِن أنَّ المَرْجِعَ أعَمُّ مِنَ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةُ الفَوْقِيَّةِ لا غايَةُ الجَعْلِ، والرُّجُوعُ مُتَراخٍ عَنِ الجَعْلِ وهو غَيْرُ مَحْدُودٍ عَلى وزانِ قَوْلِكَ: سَأُعِيرُكَ سُكْنى هَذا البَيْتِ إلى شَهْرٍ ثُمَّ أخْلَعُ عَلَيْكَ بِثَوْبٍ مِن شَأْنِهِ كَذا وكَذا، فَإنَّهُ يَلْزَمُ تَأخُّرُ الخَلْعِ عَنِ الإعارَةِ لا الخَلْعِ، وعَلى هَذا تَوْفِيَةُ الأجْرِ لِغُنْمِ الدّارِينَ، ولا يَخْفى أنَّ في لَفْظِ ﴿كُنْتُمْ﴾ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بَعْضُ نُبُوَّةٍ عَنْ هَذا المَعْنى، وأنَّ المَعْنى أحْكَمُ بَيْنِكم في الآخِرَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ في الدُّنْيا، الرّابِعُ: أنَّ العَذابَ في الدُّنْيا هو الفَوْقِيَّةُ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى أضُمُّ إلى عَذابِ الفَوْقِيَّةِ السّابِقَةِ عَذابَ الآخِرَةِ، قالَ في «اَلْكَشْفِ»: وفِيهِ تَقابَلٌ حَسَنٌ وأنَّ هَذِهِ الفَوْقِيَّةَ مُقَدِّمَةُ عَذابٍ الآخِرَةِ ومُؤَكِّدَتُهُ، وإدْماجُ أنَّها فَوْقِيَّةٌ عَدْلٌ لا تَسَلَّطُ وُجُودٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ جِدًّا إذْ مَعْنى أُعَذِّبُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَيْسَ إلّا أنِّي أفْعَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ اِتِّخاذَ الكُلِّ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِاِتِّخاذِ كُلِّ جُزْءٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَفْعَلَ في الآخِرَةِ تَعْذِيبَ الدّارَيْنِ بِأنْ يَفْعَلَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ وقَدْ فَعَلَ في الدُّنْيا عَذابَ الدُّنْيا، فَيَكُونُ تَمامُ العَذابَيْنِ في الآخِرَةِ، الخامِسُ: أنَّ (فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِشَدِيدٍ، تَشْدِيدًا لِأمْرِ الشِّدَّةِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.
والأوْلى مِن هَذا كُلِّهِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يُحْمَلَ مَعْنى (ثُمَّ) عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ والتَّرَقِّي مِن كَلامٍ إلى آخَرَ لا عَلى التَّراخِي في الزَّمانِ، فَحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ رُجُوعُهم إلى اللَّهِ تَعالى مُتَأخِّرًا عَنِ الجَعْلِ في الزَّمانِ سَواءٌ كانَ قَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةً لِلْجَعْلِ أوِ الفَوْقِيَّةِ فَلا مَحْذُورَ، ثُمَّ إنَّ المُرادَ بِالعَذابِ في الدُّنْيا إذْلالُهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ وأخْذِ الجِزْيَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ومَن لَمْ يَفْعَلْ مَعَهُ شَيْءٌ مِن وُجُوهِ الإذْلالِ فَهو عَلى وجَلٍ، إذْ يُعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يَطْلُبُهُ وكَفى بِذَلِكَ عَذابًا، وبِالعَذابِ في الآخِرَةِ عِقابُ الأبَدِ في النّارِ.
﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [ 56 ] أيْ أعْوانٍ يَدْفَعُونَ عَنْهم عَذابَ اللَّهِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ كَما قالَ مَوْلانا مُفْتِي الرُّومِ لِمُقابَلَةِ ضَمِيرِ الجَمْعِ أيْ لَيْسَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم ناصِرٌ واحِدٌ.
صفحة 185
آل عمران 3:57
﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيانٌ لِحالِ القِسْمِ الثّانِي، وبَدَأ بِقِسْمِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِأنَّ ذِكْرَ ما قَبْلَهُ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَهم أوَّلُ ما يَتَبادَرُ مِنهُ في بادِئِ النَّظَرِ التَّهْدِيدُ فَناسَبَ البُداءَةَ بِهِمْ، ولِأنَّهم أقْرَبُ في الذِّكْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولِكَوْنِ الكَلامِ مَعَ اليَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أيْ فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ويُتَمِّمُ جَزاءَ أعْمالِهِمِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ ويُعْطِيهِمْ ثَوابَ ذَلِكَ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَوْفِيَةَ الأُجُورِ هي قِسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ، والظّاهِرُ أنَّها أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وعَلَّقَ التَّوْفِيَةَ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ولَمْ يُعَلَّقِ العَذابَ بِسِوى الكُفْرِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ في الإيمانِ ودُعاءً إلَيْها وإيذانًا بِعِظَمٍ قُبْحِ الكُفْرِ، وقَرَأ حَفْصٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (فَيُوَفِّيهِمْ) بِياءِ الغَيْبَةِ، وزادَ رُوَيْسٌ ضَمَّ الهاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، ولَعَلَّ وجْهَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى الإيذانُ بِأنَّ تَوْفِيَةَ الأجْرِ مِمّا لا يَقْتَضِي لَها نَصْبُ نَفْسٍ لِأنَّها مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ ولا كَذَلِكَ العَذابُ، والمَوْصُولُ في الآيَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدُ الفاءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما ذُكِرَ، ومَوْضِعُ المَحْذُوفِ بَعْدَ الصِّلَةِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَ المَوْصُولِ لِأنَّ أمّا لا يَلِيها الفِعْلُ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [ 57 ] أيْ لا يُرِيدُ تَعْظِيمَهم ولا يَرْحَمُهم ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، أوِ المُرادُ يُبْغِضُهم عَلى ما هو الشّائِعُ في مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلُ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ.
آل عمران 3:58
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإتْيانُ بِما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ وبَعْدَ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ أيْ نَسْرُدُهُ ونَذْكُرُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، والمُرادُ تَلَوْناهُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ اِسْتِحْضارًا لِلصُّورَةِ الحاصِلَةِ اِعْتِناءً بِها، وقِيلَ: يُمْكِنُ الحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ قِصَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَفْرَغْ مِنها بَعْدُ ﴿مِنَ الآياتِ﴾ أيِ الحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِكَ إذْ أعْلَمَتْهم بِما لا يُعْلِمُهُ إلّا قارِئُ كِتابٍ، أوْ مُعَلِّمٌ ولَسْتَ بِواحِدٍ مِنهُما، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّكَ قَدْ عَرَفْتَهُ مِن طَرِيقِ الوَحْيِ ﴿والذِّكْرِ﴾ أيِ القُرْآنِ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وتَفْسِيرُهُ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى الأوَّلِ، وابْتِدائِيَّةٌ عَلى الثّانِي وحَمْلُها عَلى البَيانِ وإرادَةُ بَعْضِ مَخْصُوصٍ مِنَ القُرْآنِ بِعِيدٌ، ﴿الحَكِيمِ﴾ [ 58 ] أيِ المُحْكِمُ المُتْقِنُ نَظْمَهُ، أوِ المَمْنُوعُ مِنَ الباطِلِ، أوْ صاحِبُ الحِكْمَةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ اِسْتِعْمالُهُ لِما صَدَرَ عَنْهُ مِمّا اِشْتَمَلَ عَلى حِكْمَتِهِ؛ إمّا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ في لَفْظِ حَكِيمٍ، أوِ الإسْنادِ المَجازِيِّ بِأنْ أسْنَدَ لِلذِّكْرِ ما هو لِسَبَبِهِ وصاحِبِهِ، وجَعْلُهُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ التَّخْيِيلِيَّةِ بِأنْ شَبَّهَ القُرْآنَ بِناطِقٍ بِالحِكْمَةِ وأثْبَتَ لَهُ الوَصْفَ بِحَكِيمٍ تَخْيِيلًا - مُحْوَجٌ إلى تَكَلُّفٍ مَشْهُورٍ في دَفْعِ شُبْهَةٍ ذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ حِينَئِذٍ، فَتَأمَّلْ.
وجُوِّزَ في الآيَةِ أوْجَهٌ مِنَ الإعْرابِ، الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ، و﴿نَتْلُوهُ﴾ خَبَرُهُ، و﴿عَلَيْكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، و﴿مِنَ الآياتِ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ هو الخَبَرُ وما بَيْنَهُما حالٌ مِنَ اِسْمِ الإشارَةِ عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ لا الجارُّ والمَجْرُورُ، قِيلَ: لِأنَّ الحالَ لا يَتَقَدَّمُ العامِلَ المَعْنَوِيَّ، الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، و﴿نَتْلُوهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (ذَلِكَ) و﴿مِنَ الآياتِ﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ، الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ (ذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ نَتْلُو فَيَكُونُ ﴿مِنَ الآياتِ﴾ حالًا مِنَ الهاءِ أيْضًا.
آل عمران 3:59
﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾
صفحة 186
ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ: «”أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مالَكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا؟ قالَ: ما أقُولُ؟ قالُوا: تَقُولُ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، قالَ: أجَلْ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى العَذْراءِ البَتُولِ فَغَضِبُوا وقالُوا: هَلْ رَأيْتَ إنْسانًا قَطُّ مِن غَيْرِ أبٍ فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأرِنا مِثْلَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ“». وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «اَلدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ يَسُوعَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلى أهْلِ نَجْرانَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ (طس) (سُلَيْمانَ) (بِسْمِ إلَهِ إبْراهِيمَ وإسْحَقَ ويَعْقُوبَ) مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى أُسْقُفِ نَجْرانَ وأهْلِ نَجْرانَ إنْ أسْلَمْتُمْ فَإنِّي أحْمَدُ اللَّهَ إلَيْكم إلَهَ إبْراهِيمَ وإسْحَقَ ويَعْقُوبَ، أمّا بَعْدُ فَإنِّي أدْعُوكم إلى عِبادَةِ اللَّهِ مِن عِبادَةِ العِبادِ وأدْعُوكم إلى وِلايَةِ اللَّهِ مِن وِلايَةِ العِبادِ، فَإنْ أبَيْتُمْ فالجِزْيَةُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَقَدَ آذَنْتُكم بِحَرْبٍ، والسَّلامُ“، فَلَمّا قَرَأ الأُسْقُفُ الكِتابَ فَظِعَ بِهِ وذُعِرَ ذُعْرًا شَدِيدًا فَبَعَثَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ نَجْرانَ يُقالُ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ وداعَةَ فَدَفَعَ إلَيْهِ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأهُ، فَقالَ لَهُ الأُسْقُفُ: ما رَأْيُكَ؟ فَقالَ شُرَحْبِيلُ: قَدْ عَلِمْتُ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ في ذُرِّيَّةِ إسْمَعِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَما يُؤْمَنُ أنَّ يَكُونَ هَذا الرَّجُلُ نَبِيًّا ولَيْسَ لِي في النُّبُوَّةِ رَأْيٌ، لَوْ كانَ أمْرٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا أشَرْتُ عَلَيْكَ فِيهِ وجَهَدْتُ لَكَ، فَبَعَثَ الأُسْقُفُ إلى واحِدٍ بَعْدَ واحِدٍ مِن أهْلِ نَجْرانَ فَكُلُّهم قالَ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ، فاجْتَمَعَ رَأْيُهم عَلى أنْ يَبْعَثُوا شُرَحْبِيلَ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ وحَيّارَ بْنَ قَنَصٍ فَيَأْتُونَهم بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فانْطَلَقَ الوَفْدُ حَتّى أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهم وسَألُوهُ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وبِهِمُ المَسْألَةُ حَتّى قالُوا: ما تَقُولُ في عِيسى اِبْنِ مَرْيَمَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ يَوْمِي هَذا فَأقِيمُوا حَتّى أُخْبِرَكم بِما يُقالُ لِي في عِيسى صُبْحَ الغَداةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ فَأبَوْا أنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ فَلَمّا أصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَدَ بَعْدَ ما أخْبَرَهُمُ الخَبَرَ أقْبَلَ مُشْتَمِلًا عَلى الحَسَنِ والحُسَيْنِ في خَمِيلَةٍ لَهُ وفاطِمَةُ تَمْشِي عِنْدَ ظَهْرِهِ لِلْمُلاعَنَةِ، ولَهُ يَوْمَئِذٍ عِدَّةُ نِسْوَةٍ، فَقالَ شُرَحْبِيلُ لِصاحِبَيْهِ: إنِّي أرى أمْرًا ثَقِيلًا إنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَتَلاعَناهُ لا يَبْقى عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مِنّا شَعْرٌ ولا ظُفْرٌ إلّا هَلَكَ، فَقالا لَهُ: ما رَأْيُكَ؟ فَقالَ: رَأْيِي أنْ أحْكُمَهُ فَإنِّي أرى رَجُلًا لا يَحْكُمُ شَطَطًا أبَدًا، فَقالا لَهُ: أنْتَ وذاكَ، فَتَلَقّى شُرَحْبِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ خَيْرًا مِن مُلاعَنَتِكَ قالَ: وما هُوَ؟ قالَ: حُكْمُكَ اليَوْمَ إلى اللَّيْلِ ولَيْلُكَ إلى الصَّباحِ فَما حَكَمْتَ فِينا فَهو جائِزٌ فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُلاعِنْهم وصالَحَهم عَلى الجِزْيَةِ».
ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، والمَثَلُ هُنا لَيْسَ هو المَثَلَ المُسْتَعْمَلَ في التَّشْبِيهِ، والكافُ زائِدَةٌ كَما قِيلَ بِهِ بَلْ بِمَعْنى الحالِ والصِّفَةِ العَجِيبَةِ، أيْ: إنَّ صِفَةَ عِيسى ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في تَقْدِيرِهِ وحُكْمِهِ، أوْ فِيما غابَ عَنْكم ولَمْ تَطَّلِعُوا عَلى كُنْهِهِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ فِيما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ أيْ كَصِفَتِهِ وحالِهِ العَجِيبَةِ الَّتِي لا يَرْتابُ فِيها مُرْتابٌ.
﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ جُمْلَةٌ اِبْتِدائِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ بِاعْتِبارِ أنَّ في كُلٍّ الخُرُوجَ عَنِ العادَةِ وعَدَمَ اِسْتِكْمالِ الطَّرَفَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جِيءَ بِها لِبَيانِ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ أغْرَبُ وأخْرَقُ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أقْطَعَ لِلْخِصْمِ وأحْسَمَ لِمادَّةِ شُبْهَتِهِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِآدَمَ، والمَعْنى اِبْتَدَأ خَلْقَ قالَبِهِ مِن هَذا الجِنْسِ.
﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ 59 ] أيْ صِرْ بَشَرًا فَصارَ، فالتَّراخِي عَلى هَذا زَمانِيٌّ إذْ بَيْنَ إنْشائِهِ مِمّا ذَكَرَ وإيجادِ الرُّوحِ فِيهِ وتَصْيِيرِهِ لَحْمًا ودَمًا زَمانٌ طَوِيلٌ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ خَلَقَ قالَبَهُ بَقِيَ مُلْقًى
صفحة 187
عَلى بابِ الجَنَّةِ أرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ تُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ؛ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ المُضِيِّ لِتَصْوِيرِ ذَلِكَ الأمْرِ الكامِلِ بِصُورَةِ المُشاهَدِ الَّذِي يَقَعُ الآنَ إيذانًا بِأنَّهُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَغْرَبَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِما أنَّ الكَوْنَ مُسْتَقْبَلٌ بِالنَّظَرِ إلى ما قَبْلَهُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الإخْبارِ لا في المُخْبَرِ بِهِ، وحَمَلُوا الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ، ولا يَضُرُّ تَقَدُّمُ القَوْلِ عَلى الخَلْقِ في هَذا التَّرْتِيبِ والتَّراخِي كَما لا يَخْفى، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عائِدٌ عَلى عِيسى لَيْسَ بِشَيْءٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّفْكِيكِ الَّذِي لا داعِيَ إلَيْهِ ولا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ.
قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ اِحْتَجَّ عَلى النَّصارى وأثْبَتَ جَوازَ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أبٍ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَلَقَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن نُطْفَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِجَعْلِها قابِلَةً لِذَلِكَ ومُسْتَعِدَّةً لَهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ خُلِقَ مِنَ الهَواءِ كَما خُلِقَ آدَمُ مِنَ التُّرابِ مِمّا لا مُسْتَنَدَ لَهُ مِن عَقْلٍ ولا نَقْلٍ و﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ أصْلًا.
آل عمران 3:60
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، وهو راجِعٌ إلى البَيانِ والقَصَصِ المَذْكُورِ سابِقًا، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿الحَقُّ﴾ مُبْتَدَأً، و﴿مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرَهُ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ المَقْصُودَ الدَّلالَةُ عَلى كَوْنِ عِيسى مَخْلُوقًا كَآدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ هو ”الحَقُّ“ لا ما يَزْعُمُهُ النَّصارى، وتَطْبِيقُ كَوْنِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا عَلى هَذا المَعْنى لا يَتَأتّى إلّا بِتَكَلُّفِ إرادَةِ أنَّ كُلَّ حَقٍّ أوْ جِنْسِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِن جُمْلَتِهِ هَذا الشَّأْنُ أوْ حِمْلُ اللّامِ عَلى العَهْدِ بِإرادَةِ ”الحَقِّ“ المَذْكُورِ، ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِنَ اللَّطافَةِ الظّاهِرَةِ.
﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [ 60 ] خِطابٌ لَهُ ﷺ، ولا يَضُرُّ فِيهِ اِسْتِحالَةُ وُقُوعِ الِامْتِراءِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بَلْ قَدْ ذَكَرُوا في هَذا الأُسْلُوبِ فائِدَتَيْنِ؛ إحْداهُما: أنَّهُ ﷺ إذا سَمِعَ مِثْلَ هَذا الخِطابِ تَحَرَّكَتْ مِنهُ الأرْيَحِيَّةُ فَيَزْدادُ في الثَّباتِ عَلى اليَقِينِ نُورًا عَلى نُورٍ وثانِيَتُهُما: أنَّ السّامِعَ يَتَنَبَّهُ بِهَذا الخِطابِ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ فَيَنْزِعُ ويَنْزَجِرُ عَمّا يُورِثُ الِامْتِراءَ لِأنَّهُ ﷺ مَعَ جَلالَتِهِ الَّتِي لا تَصِلُ إلَيْها الأمانِيُّ إذا خُوطِبَ بِمِثْلِهِ فَما يَظُنُّ بِغَيْرِهِ فَفي ذَلِكَ زِيادَةُ ثَباتٍ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ ولُطْفٌ بِغَيْرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ ويَصْلُحُ لِلْخِطابِ.
آل عمران 3:61
﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ أيْ جادَلَكَ وخاصَمَكَ مِن وفْدِ نَصارى نَجْرانَ إذْ هُمُ المُتَصَدُّونَ لِذَلِكَ (فِيهِ) أيْ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ وصاحِبُ القِصَّةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْحَقِّ المُتَقَدِّمِ لِقُرْبِهِ وعَدَمِ بُعْدِ المَعْنى ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ﴾ أيِ الآياتِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ، وإطْلاقُ العِلْمِ عَلَيْها إمّا حَقِيقَةٌ لِأنَّها كَما قِيلَ: نَوْعٌ مِنهُ، وإمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ ذِكْرُ المُحاجَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأدِلَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ الأخِيرُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿جاءَكَ﴾ الرّاجِعِ إلى (ما) المَوْصُولَةِ، و(مِن) مِن ذَلِكَ تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ.
(فَقُلْ) أيْ لِمَن حاجَّكَ ﴿تَعالَوْا﴾ أيْ أقْبِلُوا بِالرَّأْيِ والعَزِيمَةِ، وأصْلُهُ طَلَبُ الإقْبالِ إلى مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في مُجَرَّدِ طَلَبِ المَجِيءِ ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ أيْ يَدْعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم أبْناءَهُ ونِساءَهُ ونَفْسَهُ لِلْمُباهَلَةِ، وفي تَقْدِيمِ مَن قُدِّمَ عَلى النَّفْسِ في المُباهَلَةِ مَعَ أنَّها مِن مَظانِّ
صفحة 188
التَّلَفِ والرَّجُلُ يُخاطِرُ لَهم بِنَفْسِهِ إيذانًا بِكَمالِ أمْنِهِ ﷺ وكَمالِ يَقِينِهِ في إحاطَةِ حَفْظِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، ولِذَلِكَ -مَعَ رِعايَةِ الأصْلِ في الصِّيغَةِ فَإنَّ غَيْرَ المُتَكَلِّمِ تَبَعٌ لَهُ في الإسْنادِ- قَدَّمَ ﷺ جانِبَهُ عَلى جانِبِ المُخاطَبِينَ.
﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أيْ نَتَباهَلْ، فالِافْتِعالُ هُنا بِمَعْنى المُفاعَلَةِ، وافْتَعَلَ وتَفاعَلَ أخَوانِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كاشْتَوَرَ وتَشاوَرَ، واجْتَوَرَ وتَجاوَرَ، والأصْلُ في البُهْلَةِ بِالضَّمِّ والفَتْحِ فِيهِ كَما قِيلَ اللَّعْنَةُ، والدُّعاءُ بِها، ثُمَّ شاعَتْ في مُطْلَقِ الدُّعاءِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَبْتَهِلُ إلى اللَّهِ تَعالى في حاجَتِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: بَهْلُ الشَّيْءِ والبَعِيرِ إهْمالُهُ وتَخْلِيَتُهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ في الِاسْتِرْسالِ في الدُّعاءِ سَواءٌ كانَ لَعْنًا أوْ لا، إلّا أنَّهُ هُنا يُفَسَّرُ بِاللَّعْنِ لِأنَّهُ المُرادُ الواقِعُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ [ 61 ] أيْ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (نَبْتَهِلْ) مُفَسِّرٌ لِلْمُرادِ مِنهُ، أيْ نَقُولُ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ، أوِ اللَّهُمَّ اِلْعَنِ الكاذِبِينَ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ: «”أنَّ العاقِبَ والسَّيِّدَ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُلاعِنَهُما فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لا تُلاعِنْهُ فَواَللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيًّا فَلاعَنَنا لا نُفْلِحُ نَحْنُ ولا عَقْبُنا مِن بَعْدِنا، فَقالُوا لَهُ: نُعْطِيكَ ما سَألْتَ فابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا أمِينًا، فَقالَ: قُمْ يا أبا عُبَيْدَةَ، فَلَمّا قامَ قالَ هَذا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ“».
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «اَلدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ عَطاءٍ والضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: ««أنَّ ثَمانِيَةً مِن أساقِفَةِ أهْلِ نَجْرانَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهُمُ العاقِبُ والسَّيِّدُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ الآيَةَ، فَقالُوا: أخِّرْنا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَذَهَبُوا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فاسْتَشارُوهُمْ، فَأشارُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصالِحُوهُ ولا يُلاعِنُوهُ، وقالُوا: هو النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في التَّوْراةِ فَصالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلى ألْفِ حُلَّةٍ في صَفَرَ وألْفٍ في رَجَبَ ودَراهِمَ»،» ورُوِيَ أنَّهم صالَحُوهُ عَلى أنْ يُعْطُوهُ في كُلِّ عامٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ وثَلاثًا وثَلاثِينَ دِرْعًا وثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَعِيرًا وأرْبَعًا وثَلاثِينَ فَرَسًا.
وأخْرَجَ في «اَلدَّلائِلِ» أيْضًا مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: ««أنَّ وفْدَ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ مِنهُمُ السَّيِّدُ وهو الكَبِيرُ والعاقِبُ وهو الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ وصاحِبُ رَأْيِهِمْ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أسْلِما، قالا: أسْلَمْنا، قالَ: ما أسْلَمْتُما، قالا: بَلى قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، قالَ: كَذَبْتُما يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ فِيكُما؛ عِبادَتُكُما الصَّلِيبَ، وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ، وزَعْمُكُما أنَّ لِلَّهِ ولَدًا، ونَزَلَ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ الآيَةَ، فَلَمّا قَرَأها عَلَيْهِمْ، قالُوا: ما نَعْرِفُ ما تَقُولُ، ونَزَلَ ﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ الآيَةَ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أمَرَنِي إنْ لَمْ تَقْبَلُوا هَذا أنْ أُباهِلَكُمْ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ بَلْ نَرْجِعُ فَنَنْظُرُ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ، فَخَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ وتَصادَقُوا فِيما بَيْنَهُمْ، قالَ السَّيِّدُ لِلْعاقِبِ: قَدْ واَللَّهِ عَلِمْتُمْ أنَّ الرَّجُلَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَئِنْ لاعَنْتُمُوهُ أنَّهُ لِاسْتِئْصالِكُمْ، وما لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ، فَبَقِيَ كَبِيرُهم ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، فَإنْ أنْتُمْ لَنْ تَتْبَعُوهُ وأبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم فَوادِعُوهُ وارْجِعُوا إلى بِلادِكم وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ومَعَهُ عَلِيٌّ والحَسَنُ والحُسَيْنُ وفاطِمَةُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنْ أنا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا أنْتُمْ، فَأبَوْا أنْ يُلاعِنُوهُ، وصالَحُوهُ عَلى الجِزْيَةِ»».
وعَنِ الشَّعْبِيِّ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لَقَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرانَ حَتّى الطَّيْرُ عَلى الشَّجَرِ لَوْ تَمُّوا عَلى المُلاعَنَةِ“،» وعَنْ جابِرٍ: «”واَلَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَوْ فَعَلا لَأمْطَرَ الوادِي عَلَيْهِما نارًا“،» ورُوِيَ «أنَّ أُسْقُفَ نَجْرانَ «لَما رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا ومَعَهُ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، قالَ: يا مَعْشَرَ
صفحة 189
النَّصارى: إنِّي لَأرى وُجُوهًا لَوْ سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِن مَكانِهِ لَأزالَهُ فَلا تُباهِلُوا وتَهْلَكُوا»».
هَذا وإنَّما ضَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى النَّفْسِ الأبْناءَ والنِّساءَ مَعَ أنَّ القَصْدَ مِنَ المُباهَلَةِ تَبَيُّنُ الصّادِقِ مِنَ الكاذِبِ وهو يَخْتَصُّ بِهِ وبِمَن يُباهِلُهُ لِأنَّ ذَلِكَ أتَمَّ في الدَّلالَةِ عَلى ثِقَتِهِ بِحالِهِ واسْتِيقانِهِ بِصِدْقِهِ، وأكْمَلَ نِكايَةً بِالعَدُوِّ وأوْفَرَ إضْرارًا بِهِ لَوْ تَمَّتِ المُباهَلَةُ.
وفِي هَذِهِ القِصَّةِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ وإلّا لَما اِمْتَنَعُوا عَنْ مُباهَلَتِهِ، ودَلالَتُها عَلى فَضْلِ آلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ مِمّا لا يَمْتَرِي فِيها مُؤْمِنٌ، والنَّصْبُ جازِمُ الإيمانِ.
واسْتَدَلَّ بِها الشِّيعَةُ عَلى أوْلَوِيَّةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِالخِلافَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِناءً عَلى رِوايَةِ مَجِيءِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ووَجْهِ أنَّ المُرادَ حِينَئِذٍ بِأبْنائِنا الحَسَنُ والحُسَيْنُ وبِنِسائِنا فاطِمَةُ وبِأنْفُسِنا الأمِيرُ وإذا صارَ نَفْسَ الرَّسُولِ، وظاهِرٌ أنَّ المَعْنى الحَقِيقِيَّ مُسْتَحِيلٌ تَعَيُّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُساواةَ، ومَن كانَ مُساوِيًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهو أفْضَلُ وأوْلى بِالتَّصَرُّفِ مِن غَيْرِهِ، ولا مَعْنى لِلْخَلِيفَةِ إلّا ذَلِكَ.
وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ، أمّا أوَّلًا: فَبِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ بِأنْفُسِنا الأمِيرُ، بَلِ المُرادُ نَفْسُهُ الشَّرِيفَةُ ﷺ، ويُجْعَلُ الأمِيرُ داخِلًا في الأبْناءِ، وفي العُرْفِ يُعَدُّ الخَتَنُ اِبْنًا مِن غَيْرِ رِيبَةٍ، ويُلْتَزَمُ عُمُومُ المَجازِ إنْ قُلْنا: إنَّ إطْلاقَ الِابْنِ عَلى اِبْنِ البِنْتِ حَقِيقَةٌ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُجازٌ لَمْ يُحْتَجْ إلى القَوْلِ بِعُمُومِهِ، وكانَ إطْلاقُهُ عَلى الأمِيرِ وابْنَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى حَدٍّ سَواءٍ في المَجازِيَّةِ، وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ وغَيْرِهِ مِن عُلَمائِهِمْ إنَّ إرادَةَ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ مِن ”أنْفُسَنا“ لا تَجُوزُ لِوُجُودِ (نَدْعُ) والشَّخْصُ لا يَدْعُو نَفْسَهُ هَذَيانًا مِنَ القَوْلِ، إذْ قَدْ شاعَ وذاعَ في القَدِيمِ والحَدِيثِ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلى كَذا، ودَعَوْتُ نَفْسِي إلى كَذا، وطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، وأمَرْتُ نَفْسِي وشاوَرْتُها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعْمالاتِ الصَّحِيحَةِ الواقِعَةِ في كَلامِ البُلَغاءِ، فَيَكُونُ حاصِلُ (نَدْعُ أنْفُسَنا) نُحْضِرُ أنْفُسَنا، وأيُّ مَحْذُورٍ في ذَلِكَ عَلى أنّا لَوْ قَرَّرْنا الأمِيرَ مِن قِبَلِ النَّبِيِّ ﷺ لَمِصْداقُ أنْفُسِنا فَمَن نُقَرِّرُهُ مِن قِبَلِ الكُفّارِ مَعَ أنَّهم مُشْتَرِكُونَ في صِيغَةِ (نَدْعُ) إذْ لا مَعْنى لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم وأبْناءَهم ونِساءَهم بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿تَعالَوْا﴾ كَما لا يَخْفى.
وأمّا ثانِيًا: فَبِأنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ بِأنْفُسِنا الأمِيرُ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ مِنَ النَّفْسِ ذاتُ الشَّخْصِ إذْ قَدْ جاءَ لَفْظُ النَّفْسِ بِمَعْنى القَرِيبِ والشَّرِيكِ في الدِّينِ والمِلَّةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾، ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾، ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ فَلَعَلَّهُ لَمّا كانَ لِلْأمِيرِ اِتِّصالٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ في النَّسَبِ والمُصاهَرَةِ واتِّحادٌ في الدِّينِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالنَّفْسِ، وحِينَئِذٍ لا تَلْزَمُ المُساواةُ الَّتِي هي عِمادُ اِسْتِدْلالِهِمْ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مُساواتَهُ في جَمِيعِ الصِّفاتِ يَلْزَمُ الِاشْتِراكُ في النُّبُوَّةِ والخاتَمِيَّةِ والبَعْثَةِ إلى كافَّةِ الخَلْقِ ونَحْوُ ذَلِكَ، وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ لِأنَّ التّابِعَ دُونَ المَتْبُوعِ، ولَوْ كانَ المُرادُ المُساواةَ في البَعْضِ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَضُ لِأنَّ المُساواةَ في بَعْضِ صِفاتِ الأفْضَلِ والأوْلى بِالتَّصَرُّفِ لا تَجْعَلُ مَن هي لَهُ أفْضَلُ وأوْلى بِالتَّصَرُّفِ بِالضَّرُورَةِ، وأمّا ثالِثًا: فَبِأنَّ ذَلِكَ لَوْ دَلَّ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ كَما زَعَمُوا لَزِمَ كَوْنُ الأمِيرِ إمامًا في زَمَنِهِ ﷺ وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ وإنْ قُيِّدَ بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ فَمَعَ أنَّ التَّقْيِيدَ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ في اللَّفْظِ لا يَكُونُ مُفِيدًا لِلْمُدَّعى إذْ هو غَيْرُ مُتَنازَعٍ فِيهِ، لِأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ إمامَتَهُ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا الدَّلِيلُ قائِمًا في مَحَلِّ النِّزاعِ، ولِضَعْفِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ في هَذا المَطْلَبِ، بَلْ عَدَمُ صِحَّتِهِ كالِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى أفْضَلِيَّةِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِزَعْمِ ثُبُوتِ مُساواتِهِ لِلْأفْضَلِ مِنهم فِيهِ لَمْ يُقِمْهُ مُحَقِّقُو الشِّيعَةِ عَلى أكْثَرَ
صفحة 190
مِن دَعْوى كَوْنِ الأمِيرِ والبَتُولِ والحُسَيْنِ أعِزَّةً عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما صَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ المُشْهِدِيُّ في كِتابِهِ «إظْهارُ الحَقِّ» .
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ واَلتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ، قالَ: «”لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ﴾ الخ، دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وفاطِمَةَ وحَسَنًا وحُسَيْنًا فَقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلِي“،» وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن دُعائِهِ ﷺ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ المُتَناسِبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم هو المَشْهُورُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ لَدى المُحْدَثِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: ««أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ بِأبِي بَكْرٍ ووَلَدِهِ وبِعُمَرَ ووَلَدِهِ وبِعُثْمانَ ووَلَدِهِ وبِعَلِيٍّ ووَلَدِهِ»،» وهَذا خِلافُ ما رَواهُ الجُمْهُورُ.
واسْتَدَلَّ اِبْنُ أبِي عِلّانَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ القِصَّةِ أيْضًا عَلى أنَّ الحَسَنَيْنِ كانا مُكُلَّفَيْنِ في تِلْكَ الحالِ لِأنَّ المُباهَلَةَ لا تَجُوزُ إلّا مَعَ البالِغِينَ، وذَهَبَ الإمامِيَّةُ إلى أنَّها يُشْتَرَطُ فِيها كَمالُ العَقْلِ والتَّمْيِيزُ، وحُصُولُ ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى البُلُوغِ فَقَدْ يَحْصُلُ كَمالٌ قَبْلَهُ رُبَّما يَزِيدُ عَلى كَمالِ البالِغِينَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الحَسَنانِ إذْ ذاكَ غَيْرَ بالِغَيْنِ إلّا أنَّهُما في سِنٍّ لا يَمْتَنِعُ مَعَها أنْ يَكُونا كامِلَيِ العَقْلِ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَخْرُقَ اللَّهُ تَعالى العاداتِ لِأُولَئِكَ السّاداتِ ويَخُصَّهم بِما لا يُشارِكُهم فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَلَوْ صَحَّ أنَّ كَمالَ العَقْلِ غَيْرُ مُعْتادٍ في تِلْكَ السِّنِّ لَجازَ ذَلِكَ فِيهِمْ إبانَةً لَهم عَمَّنْ سِواهم ودَلالَةً عَلى مَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِمْ بِهِ، وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ لا تُحْصى خَصائِصُهم.
وذَهَبَ النَّواصِبُ إلى أنَّ المُباهَلَةَ جائِزَةٌ لِإظْهارِ الحَقِّ إلى اليَوْمِ إلّا أنَّهُ يُمْنَعُ فِيها أنْ يَحْضُرَ الأوْلادُ والنِّساءُ، وزَعَمُوا -رَفَعَهُمِ اللَّهُ تَعالى لا قَدْرًا وحَطَّهم ولا حَطَّ عَنْهم وِزْرًا- أنَّ ما وقَعَ مِنهُ ﷺ كانَ لِمُجَرَّدِ إلْزامِ الخِصْمِ وتَبْكِيتِهِ، وأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى فَضْلِ أُولَئِكَ الكِرامِ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الزَّعْمَ ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ، وأثَرٌ مِن مَسِّ الشَّيْطانِ.
ولَيْسَ يَصِحُّ في الأذْهانِ شَيْءٌ إذا اِحْتاجَ النَّهارُ إلى دَلِيلٍ
ومَن ذَهَبَ إلى جَوازِ المُباهَلَةِ اليَوْمَ عَلى طُرُزِ ما صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اِسْتَدَلَّ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ آخَرَ شَيْءٌ فَدَعاهُ إلى المُباهَلَةِ، وقَرَأ الآيَةَ ورَفَعَ يَدَيْهِ فاسْتَقْبَلَ الرُّكْنَ وكَأنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى كَيْفِيَّةِ الِابْتِهالِ وأنَّ الأيْدِيَ تُرْفَعُ فِيهِ، وفِيما أخْرَجَهُ الحاكِمُ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ وأنَّها تُرْفَعُ حَذْوَ المَناكِبِ.
آل عمران 3:62
﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ المَذْكُورَ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ جُمْلَةٌ اِسْمِيَّةٌ خَبَرُ (إنَّ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَ فَصْلٍ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، و(اَلْقَصَصُ) هو الخَبَرُ، وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ القَصْرَ الإضافِيَّ كَما يُفِيدُهُ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ و(اَلْحَقُّ) صِفَةُ القِصَصِ وهو المَقْصُودُ بِالإفادَةِ، أيْ إنَّ هَذا هو الحَقُّ لا ما يَدَّعِيهِ النَّصارى مِن كَوْنِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَهًا وابْنَ اللَّهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُهُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَصْرِ والتَّأْكِيدِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ ما يُفِيدُ ذَلِكَ، وإنْ كانَ كَما هُنا فَهو لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ ولَعَلَّهُ الأوْجُهُ، واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، والأصْلُ فِيها أنْ تَدْخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ إلّا أنَّهم يُزَحْلِقُونَها إلى الخَبَرِ لِئَلّا يَتَوالى حَرْفا تَأْكِيدٍ، وإذا جازَ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ كانَ دُخُولُها عَلى الفَصْلِ أجْوَزَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ، فافْهَمْ.
و(اَلْقَصَصُ) عَلى ما في «اَلْبَحْرِ» مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: قَصَّ فُلانٌ الحَدِيثَ يَقُصُّهُ قَصًّا وقَصَصًا؛ وأصْلُهُ تَتَبُّعُ الأثَرِ، يُقالُ:
صفحة 191
خَرَجَ فُلانٌ يَقُصُّ أثَرَ فُلانٍ، أيْ يَتَتَبِّعُهُ لِيَعْرِفَ أيْنَ ذَهَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أيْ تَتَبَّعِي أثَرَهُ، وكَذَلِكَ القاصُّ في الكَلامِ لِأنَّهُ يَتَتَبَّعُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ يَتَتَبَّعُ المَعانِيَ لِيُورِدَها، وهو هُنا فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ المَقْصُوصُ الحَقُّ، وقُرِئَ (لَهْوَ) بِسُكُونِ الهاءِ.
﴿وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ﴾ رَدٌّ عَلى النَّصارى في تَثْلِيثِهِمْ، وكَذا فِيهِ رَدٌّ عَلى سائِرِ الثَّنَوِيَّةِ، و(مِن) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما هو شَأْنُ الصِّلاتِ، وقَدْ فَهِمَ أهْلُ اللِّسانِ كَما قالَ الشِّهابُ أنَّها لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المَفْهُومِ مِنَ النَّكِرَةِ المَنفِيَّةِ لِاخْتِصاصِها بِذَلِكَ في الأكْثَرِ، وقَدْ تَوَقَّفَ مُحِبُّ الدِّينِ في وجْهِ إفادَةِ الكَلِماتِ المَزِيدَةِ لِلتَّأْكِيدِ بِأيْ طَرِيقٍ هي فَإنَّها لَيْسَتْ وضْعِيَّةً، وأجابَ بِأنَّها ذَوْقِيَّةٌ يَعْرِفُها أهْلُ اللِّسانِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا حَوالَةٌ عَلى مَجْهُولٍ فَلا تُفِيدُ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّها وضْعِيَّةٌ لَكِنَّهُ مِن بابِ الوَضْعِ النَّوْعِيِّ، فَتَدَبَّرْ.
﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ﴾ أيِ الغالِبُ غَلَبَةً تامَّةً، أوِ القادِرً قُدْرَةً كَذَلِكَ، أوِ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ [ 62 ] أيِ المُتْقَنُ فِيما صَنَعَ، أوِ المُحِيطُ بِالمَعْلُوماتِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَقْصُودُ مِنها أيْضًا قَصْرُ الإلَهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى رَدًّا عَلى النَّصارى، أيْ قَصْرُ إفْرادٍ، فالفَصْلُ والتَّعْرِيفُ هُنا كالفَصْلِ والتَّعْرِيفِ هُناكَ فَما قِيلَ: إنَّهُما لَيْسا لِلْحَصْرِ، إذِ الغالِبُ عَلى الأغْيارِ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا فَيَلْغُو القَصْرُ فِيهِ إلّا أنْ يُجْعَلَ قَصْرَ قَلْبٍ، والمَقامُ لا يُلائِمُهُ مِمّا لا عِصامَ لَهُ كَما لا يَخْفى.
آل عمران 3:63
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ اِتِّباعِكَ وتَصْدِيقِكَ بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ ماضِيًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وحُذِفَتْ مِنهُ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وأصْلُهُ تَتَوَلَّوْا ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [ 63 ] أيْ بِهِمْ أوْ بِكُمْ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ في الظّاهِرِ لَكِنَّ المَعْنى عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى عِلْمِهِ بِالمُفْسِدِينَ مِن مُعاقَبَتِهِ لَهُمْ، فالكَلامُ لِلْوَعِيدِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْجَزاءِ والعُقابِ وهي الإفْسادُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى أنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِهَؤُلاءِ المُجادِلِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وبِأنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى مُباهَلَتِكَ لِمَعْرِفَتِهِمْ نُبُوَّتَكَ وثُبُوتَ رِسالَتِكَ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا أيْضًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ قائِمَةٌ مَقامَ الجَوابِ إلى أنَّهُ لَيْسَ الجَزاءُ والعِقابُ، والكَلامُ مُنْساقٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿فَلَمّا أحَسَّ﴾ أيْ شاهَدَ ﴿عِيسى﴾ بِواسِطَةِ النُّورِ الإلَهِيِّ المُشْرِقِ عَلَيْهِ ﴿مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ أيْ ظُلْمَتَهُ، أوْ نَفْسَهُ، فَإنَّ المَعانِيَ تَظْهَرُ لِلْكُمَّلِ عَلى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ بِاخْتِلافِها فَيَرَوْنَها.
وحُكِيَ عَنِ البازِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ يَأْتِيانِي فَيُخْبِرانِي بِما يَحْدُثُ فِيهِما، وعَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّهُ يُشاهِدُ أعْمالَ العِبادِ كَيْفَ تَصْعَدُ إلى السَّماءِ، ويَرى البَلاءَ النّازِلَ مِنها.
﴿قالَ مَن أنْصارِي﴾ في حالِ دَعْوَتِي ﴿إلى اللَّهِ﴾ سُبْحانَهُ بِأنْ يَلْتَفِتَ إلى الِاشْتِغالِ بِتَكْمِيلِ نَفْسِهِ وتَهْذِيبِ أخْلاقِها حَتّى يَصْلُحَ لِتَرْبِيَةِ النّاقِصِينَ فَيَنْصُرُنِي ويُعِينُنِي في تَكْمِيلِ النّاقِصِ وإرْشادِ الضّالِّ ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ المُبَيِّضُونَ ثِيابَ وجُودِهِمْ بِمِياهِ العِبادَةِ ومِطْرَقَةِ المُجاهَدَةِ وشَمْسِ المُراقَبَةِ ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيْ أعْوانُ الفانِينَ فِيهِ الباقِينَ بِهِ، ومِنهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الإيمانَ الكامِلَ ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِأمْرِكَ حَيْثُ إنَّهُ أمْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ وهو ما نَوَّرَتْ بِهِ قُلُوبَ أصْفِيائِكَ مِن عُلُومِ غَيْبِكَ ﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ فِيما أظْهَرَ مِن أوامِرِكَ ونَواهِيكَ رَجاءَ أنْ يُوصِلَنا ذَلِكَ إلى مَحَبَّتِكَ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ مَعَ مَن يَشْهَدُكَ ولا يَشْهَدُ مَعَكَ سِواكَ، أوِ الحاضِرِينَ لَكَ المُراقَبِينَ لِأمْرِكَ ﴿ومَكَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ، واحْتالُوا مَعَ أهْلِ اللَّهِ بِتَدْبِيرِ النَّفْسِ، فَكانَ مَكْرُهم مَكْرَ الحَقِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ المُزَيِّنُ ذَلِكَ لَهُمْ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ فَهو الماكِرُ
صفحة 192
فِي الحَقِيقَةِ، وهَذا مَعْنى ﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ عِنْدَ بَعْضٍ، والأوْلى القَوْلُ بِاخْتِلافِ المَكْرَيْنِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الفَرْقِ، وقَدْ سُئِلَ بَعْضُهم كَيْفَ يَمْكُرُ اللَّهُ؟ فَصاحَ وقالَ: لا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ وأنْشَأ يَقُولُ:
فَدَيْتُكَ قَدْ جُبِلْتُ عَلى هَواكا ونَفْسِي لا تُنازِعُنِي سِواكا
أُحِبُّكَ لا بِبَعْضِي بَلْ بِكُلِّي ∗∗∗ وإنْ لَمْ يُبْقِ حُبُّكَ لِي حِراكا
ويَقْبُحُ مَن سِواكَ الفِعْلُ عِنْدِي ∗∗∗ وتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنكَ ذاكا
﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ عَنْ رَسْمِ الحُدُوثِيَّةِ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ بِنَعْتِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِشَغْلِ سِرِّكَ عَنْ مُطالَعَةِ الأغْيارِ، أوْ مُتَوَفِّيكَ عَنْكَ، وقابِضُكَ مِنكَ، ورافِعُكَ عَنْ نُعُوتِ البَشَرِيَّةِ، ومُطَهِّرُكَ مِن إرادَتِكَ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ وعَلِمَ أنَّهم بَعَثُوا مَن يَقْتُلُهُ قالَ لِلْحَوارِيِّينَ: إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكُمُ السَّماوِيِّ، أيْ مُتَّصِلٌ بِرُوحِ القُدُسِ ومُتَطَهِّرٌ مِن عَلاقَةِ عالَمِ الرِّجْسِ فَأمُدُّكم بِالفَيْضِ كَيْ تُسْتَجابَ دَعْوَتُكُمُ الخَلْقَ بَعْدِي، فَشُبِّهَ لِلْقَوْمِ صُورَةٌ جَسَدانِيَّةٌ هي مَظْهَرُ عِيسى رُوحِ اللَّهِ تَعالى بِصُورَةِ حَقِيقَةِ عِيسى فَظَنُّوها هو فَصَلَبُوها ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَهُ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ الَّتِي هي فَلَكُ الشَّمْسِ، وحِكْمَةُ رَفْعِهِ إلى ذَلِكَ أنَّ رُوحانِيَّتَهُ عِبارَةٌ عَنْ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُشارِكُهُ المَسِيحُ في سِرِّ النَّفْخِ، ومَن قالَ: إنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا بَيَّنَ الحِكْمَةَ بِأنَّ إفاضَةَ رُوحِهِ كانَتْ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ رُوحانِيَّةِ فَلَكِ القَمَرِ، وبِأنَّ القَمَرَ في السَّماءِ الدُّنْيا وهو آيَةٌ لَيْلِيَّةٌ تُناسِبُ عِلْمَ الباطِنِ الَّذِي أُوتِيَهُ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ولَمْ يَعْتَبِرِ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمُ القَوْلَ: بِأنَّهُ يَدُورُ حَوْلَ العَرْشِ لِأنَّ ذَلِكَ مَقامُ النِّهايَةِ في الكَمالِ، ولِهَذا لَمْ يُعَرِّجْ إلَيْهِ سِوى صاحِبُ المَقامِ المَحْمُودِ ﷺ الجامِعُ بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ في أنَّ كُلًّا مِنهُما خارِقٌ لِلْعادَةِ خارِجٌ عَنْ دائِرَتِها وإنِ اِفْتَرَقا في أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلا ذَكَرٍ بَلْ مِن نُطْفَةِ أُنْثى فَقَطْ كانَ في بَعْضِها قُوَّةُ العَقْدِ وفي البَعْضِ الآخَرِ قُوَّةُ الِانْعِقادِ كَسائِرِ النُّطَفِ المُرَكَّبَةِ مِن مَنِيَّيْنِ في أحَدِهِما القُوَّةُ العاقِدَةُ وفي الأُخْرى المُنْعَقِدَةُ، وأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلا ذَكَرٍ ولا أُنْثى ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ أيْ صَوَّرَ قالَبَهُ مِن ذَلِكَ ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ إشارَةً إلى نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وكَوْنِهِ مِن عالَمِ الأمْرِ نَظَرًا إلى رُوحِهِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي لَمْ تَرْتَكِضُ في رَحِمٍ ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ﴾ أيِ الحَقِّ، أوْ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحُجَجِ الباطِلَةِ ﴿فَقُلْ تَعالَوْا﴾ الخ أيْ فادْعُهُ إلى المُباهَلَةِ بِالهَيْئَةِ المَذْكُورَةِ.
قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: اِعْلَمْ أنَّ لِمُباهَلَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَأْثِيرًا عَظِيمًا سَبَبُهُ اِتِّصالُ نُفُوسِهِمْ بِرُوحِ القُدُسِ وتَأْيِيدُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِهِ وهو المُؤَثِّرُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى في العالَمِ العُنْصُرِيِّ فَيَكُونُ اِنْفِعالُ العالَمِ العُنْصُرِيِّ مِنهُ كانْفِعالِ أبْدانِنا مِن رُوحِنا بِالعَوارِضِ الوارِدَةِ عَلَيْهِ كالغَضَبِ والخَوْفِ والفِكْرِ في أحْوالِ المَعْشُوقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وانْفِعالُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مِنهُ كانْفِعالِ حَواسِّنا وسائِرِ قُوانا مِن عَوارِضِ أرْواحِنا، فَإذا اِتَّصَلَ نَفْسٌ قُدْسِيٌّ بِهِ، أوْ بِبَعْضِ أرْواحِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ والنُّفُوسِ المَلَكُوتِيَّةِ كانَ تَأْثِيرُها في العالَمِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ الِاتِّصالِيِّ تَأْثِيرَ ما يَتَّصِلُ بِهِ فَيَنْفَعِلُ أجْرامُ العَناصِرِ والنُّفُوسِ النّاقِصَةِ الإنْسانِيَّةِ مِنهُ بِما أرادَ حَسَبَ ذَلِكَ الِاتِّصالِ ولِذا اِنْفَعَلَتْ نُفُوسُ النَّصارى مِن نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالخَوْفِ وأحْجَمَتْ عَنِ المُباهَلَةِ وطَلَبَتِ المُوادَعَةَ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ اِنْتَهى.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ تَأْثِيرًا لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ حَسَبَ اِخْتِلافِ مَراتِبِ النُّفُوسِ وتَفاوُتِ مَراتِبِ التَّوَجُّهاتِ إلى عامِّ التَّجَرُّدِ، وفِيهِ كَلامٌ طَوِيلٌ ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَحْقِيقِهِ، هَذا وتَطْبِيقُ ما في الآفاقِ عَلى
صفحة 193
ما في الأنْفُسِ ظاهِرٌ لِمَن أحاطَ خَبَرًا بِما قَدَّمْناهُ في الآياتِ الأُوَلِ، واَللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
آل عمران 3:64
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ نَزَلَتْ في وفْدِ نَصارى نَجْرانَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّها نَزَلَتْ في يَهُودِ المَدِينَةِ، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِعُمُومِهِ ﴿تَعالَوْا﴾ أيْ هَلُمُّوا ﴿إلى كَلِمَةٍ﴾ أيْ كَلامٍ، كَما قالَ الزَّجّاجُ، وإطْلاقُها عَلى ذَلِكَ في كَلامِهِمْ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ، وعَلاقَتُهُ تَجُوزُ إطْلاقُها عَلى المُرَكَّبِ النّاقِصِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بِالِاسْتِقْراءِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ وقُرِئَ (كِلْمَةً) بِكَسْرِ الكافِ وإسْكانِ اللّامِ عَلى التَّخْفِيفِ والنَّقْلِ ﴿سَواءٍ﴾ أيْ عَدْلٍ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ وقَتادَةُ، وقِيلَ: إنَّ سَواءً مَصْدَرٌ بِمَعْنى مُسْتَوِيَةٍ، أيْ لا يَخْتَلِفُ فِيها التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، أوْ لا اِخْتِلافَ فِيها بِكُلِّ الشَّرائِعِ، وهو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ (كَلِمَةٍ) وقُرِئَ بِنَصْبِهِ عَلى المَصْدَرِ.
﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَواءٍ ﴿ألا نَعْبُدَ﴾ أيْ نَحْنُ وأنْتُمْ ﴿إلا اللَّهَ﴾ بِأنْ نُوَحِّدَهُ بِالعِبادَةِ ونُخْلِصَ فِيها، وفي مَوْضِعِ (أنْ) وما بَعْدَها وجْهانِ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ، الأوَّلُ: الجَرُّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿كَلِمَةٍ﴾، والثّانِي: الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ، أيْ هي أنْ لا نَعْبُدُ إلّا اللَّهَ، ولَوْلا عَمَلُ (أنْ) لَجازَ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عَلى ﴿سَواءٍ﴾ ثُمَّ اُسْتُؤْنِفَ فَقِيلَ: ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ﴾، فالظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(أنْ) وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ﴿ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ عَلى مَعْنى لا نَجْعَلُ غَيْرَهُ شَرِيكًا لَهُ في اِسْتِحْقاقِ العِبادَةِ ولا نَراهُ أهْلًا لِأنْ يُعْبَدَ، وبِهَذا المَعْنى يَكُونُ الكَلامُ تَأْسِيسًا، والظّاهِرُ أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ إلّا أنَّ التَّأْسِيسَ أكْثَرُ فائِدَةً، وقِيلَ: المُرادُ لا نَشْرُكُ بِهِ شَيْئًا مِنَ الشِّرْكِ وهو بَعِيدٌ جِدًّا.
﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ لا يُطِيعُ بَعْضُنا بَعْضًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ اِبْنُ جُرَيْجٍ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ مِن حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «”أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ: ما كُنّا نَعْبُدُهم يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ ﷺ: أما كانُوا يُحَلِّلُونَ لَكم ويُحَرِّمُونَ فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هو ذاكَ“،» قِيلَ: وإلى هَذا أشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ هَذا الِاتِّخاذَ هو سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقِيلَ: هو مِثْلُ اِعْتِقادِ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ أنَّهُ اِبْنُ اللَّهِ، واعْتِقادُ النَّصارى في المَسِيحِ نَحْوُ ذَلِكَ، وضَمِيرُ نا عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِلنّاسِ لا لِلْمُمْكِنِ وإنْ أمْكَنَ حَتّى يَشْمَلَ الأصْنامَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَعْبُدُوها.
وفِي التَّعْبِيرِ بِالبَعْضِ نُكْتَةٌ وهي الإشارَةُ إلى أنَّهم بَعْضٌ مِن جِنْسِنا فَكَيْفَ يَكُونُونَ أرْبابًا؟! فَإنْ قُلْتَ: إنَّ المُخاطَبِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا البَعْضَ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ بَلِ اِتَّخَذُوهم آلِهَةً مَعَهُ سُبْحانَهُ، أُجِيبَ: بِأنَّهُ أُرِيدَ مِن دُونِ اللَّهِ وحْدَهُ، أوْ يُقالُ: بِأنَّهُ أتى بِذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الشِّرْكَ لا يُجامِعُ الِاعْتِرافَ بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى عَقْلًا، قالَهُ بَعْضُهُمْ، ولِلنَّصارى -سَوَّدَ اللَّهُ تَعالى حَظَّهُمْ- الحَظُّ الأوْفَرُ مِن هَذِهِ المَنهِيّاتِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ فِرَقِهِمْ وتَفْصِيلُ كُفْرِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [ 64 ] المُرادُ فَإنْ تَوَلَّوْا عَنْ مُوافَقَتِكم فِيما ذُكِرَ مِمّا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الكُتُبُ والرُّسُلُ بَعْدَ عَرْضِهِ عَلَيْهِمْ، فاعْلَمُوا أنَّهم لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وإنَّما أبَوْا عِنادًا فَقُولُوا
صفحة 194
لَهُمْ: أنْصَفُوا واعْتَرِفُوا بِأنّا عَلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو تَعْجِيزٌ لَهم أوْ هو تَعْرِيضٌ بِهِمْ، لِأنَّهم إذا شَهِدُوا بِالإسْلامِ لَهم فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا لَسْنا كَذَلِكَ، وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ: المُرادُ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: إنّا لا نَتَحاشى عَنِ الإسْلامِ ولا نُبالِي بِأحَدٍ في هَذا الأمْرِ فاشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ فَإنّا لا نُخْفِي إسْلامَنا كَما أنَّكم تَخافُونَ وتُخْفُونَ كُفْرَكم ولا تَعْتَرِفُونَ بِهِ لِعَدَمِ وُثُوقِكم بِنَصْرِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانَ الكَلامُ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ لَأنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الَّذِينَ يَخافُونَ فَيُخْفُونَ، وأمّا هَؤُلاءِ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِما هم عَلَيْهِ كَيْفَ كانَ فَلا يَحْسُنُ هَذا الكَلامُ فِيهِمْ، و﴿تَوَلَّوْا﴾ هُنا ماضٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ تَتَوَلَّوْا لِفَسادِ المَعْنى لِأنَّ ﴿فَقُولُوا﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، (وتَتَوَلَّوْا) خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَبْقى في الكَلامِ جَوابٌ.
آل عمران 3:65
﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى ﴿لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ أيْ تُنازِعُونَ وتُجادِلُونَ فِيهِ ويَدَّعِي كُلٌّ مِنكم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى دِينِهِ، أخْرَجَ اِبْنُ إسْحَقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ««اِجْتَمَعَتْ نَصارى نَجْرانَ وأحْبارُ يَهُودَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنازَعُوا عِنْدَهُ، فَقالَتِ الأحْبارُ: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا نَصْرانِيًّا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ»،» والظَّرْفُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وكَذا الثّانِي، وما اِسْتِفْهامِيَّةٌ، والغَرَضُ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ عِنْدَ السَّمِينِ، وحُذِفَتْ ألِفُها لَمّا دَخَلَ الجارُّ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ المَوْصُولَةِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ دِينِ إبْراهِيمَ أوْ شَرِيعَتِهِ لِأنَّ الذَّواتَ لا مُجادَلَةَ فِيها ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ﴾ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والإنْجِيلُ﴾ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إلا مِن بَعْدِهِ﴾ حَيْثُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ خَمْسُمِائَةٍ وخَمْسٌ وسِتُّونَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعُمِائَةٍ، وقِيلَ: ألْفُ سَنَةٍ، وبَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ألْفٌ وتِسْعُمِائَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقِيلَ: ألْفا سَنَةٍ، وهُناكَ أقْوالٌ أُخَرُ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [ 65 ] الهَمْزَةُ داخِلَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ هو المَعْطُوفُ عَلَيْهِ بِالعاطِفِ المَذْكُورِ عَلى رَأْيٍ، أيْ ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم أوْ أتَقُولُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ بُطْلانَهُ، وهَذا تَجْهِيلٌ لَهم في تِلْكَ الدَّعْوى وتَحْمِيقٌ، وهو ظاهِرٌ إنْ كانُوا قَدِ اِدَّعَوْا كَما قالَ الشِّهابُ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم حَقِيقَةٌ، وإنْ كانَ مُدَعّاهم أنَّ دِينَ إبْراهِيمَ يُوافِقُ دِينَ مُوسى أوْ دِينَ عِيسى فَهو يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ بِهَذا المَعْنى، فَتَجْهِيلُهم ونَفْيُ العَقْلِ عَنْهم بِنُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بَعْدَهُ مُشْكِلٌ إلّا أنْ يُدَعّى بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التَّوْراةَ، ولا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ الإنْجِيلَ بَلْ كانا يَؤْمُرانِ بِتَبْلِيغِ صُحُفِ إبْراهِيمَ، كَذا قِيلَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يُشْفِي الغَلِيلَ إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أيُّ مانِعٍ مِنَ اِتِّحادِ الشَّرِيعَةِ مَعَ إنْزالِ هَذَيْنَ الكِتابَيْنِ لِغَرَضٍ آخَرَ غَيْرَ بَيانِ شَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلى أنَّ الصُّحُفَ لَمْ تَكُنْ مُشْتَمِلَةً عَلى الأحْكامِ بَلْ كانَتْ أمْثالًا ومَواعِظَ كَما جاءَ في الحَدِيثِ، ثُمَّ ما قالَهُ الشِّهابُ، وإنْ كانَ وجْهُ التَّجْهِيلِ عَلَيْهِ ظاهِرًا، إلّا أنَّ صُدُورَ تِلْكَ الدَّعْوى مِن أهْلِ الكِتابِ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا بِهَذِهِ المَثابَةِ مِنَ الجَهالَةِ، وفِيهِمْ أحْبارُ اليَهُودِ ووَفْدُ نَجْرانَ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الأخِيرَيْنِ كانَتْ لَهم شِدَّةٌ في البَحْثِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَرَثِ الزُّبَيْدِيِّ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «”لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أهْلِ نَجْرانَ حِجابًا فَلا أراهم ولا يَرَوْنِي“،» مِن شِدَّةِ ما كانُوا يُمارُونَ النَّبِيَّ ﷺ اللَّهُمَّ
صفحة 195
إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْمى بَصائِرَهم في هَذِهِ الدَّعْوى لِيَكُونُوا ضِحْكَةً لِأطْفالِ المُؤْمِنِينَ، أوْ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والعِنادِ لِيَغِيظَ كُلٌّ مِنهم صاحِبَهُ؛ أوْ لِيُوهِمُوا بَعْضَ المُؤْمِنِينَ ظَنًّا مِنهم أنَّهم لِكَوْنِهِمْ أُمِّيِّينَ غَيْرَ مُطَّلِعِينَ عَلى تَوارِيخِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ يُزَلْزِلُهم مِثْلَ ذَلِكَ فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى، أوْ أنَّ القَوْمَ في حَدِّ ذاتِهِمْ جَهَلَةٌ لا يَعْلَمُونَ وإنْ كانُوا أهْلَ كِتابٍ، وما ذَكَرَهُ اِبْنُ الحَرْثِ لا يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِمْ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ مُرادَ اليَهُودِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَهُودِيًّا أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلى حَدِّ ما يَقُولُهُ المُسْلِمُونَ في سائِرِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِنَبِيِّنا ﷺ قَبْلَ بَعْثَتِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَبْشِيرُهم بِهِ، وأنَّ مُرادَ النَّصارى بِقَوْلِهِمْ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ نَصْرانِيًّا نَحْوُ ذَلِكَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ ومِن شَأْنِ المُتَأخِّرِ أنَّ يَشْتَمِلَ عَلى أخْبارِ المُتَقَدِّمِ لا سِيَّما مِثْلُ هَذا الأمْرِ المُهِمِّ والمَفْخَرِ العَظِيمِ والمِنَّةِ الكُبْرى، أفَلا تَعْقِلُونَ ما فِيهِما لِتَعْلَمُوا خُلُوَّهُما عَنِ الإخْبارِ بِيَهُودِيَّتِهِ ونَصْرانِيَّتِهِ اللَّتَيْنِ زَعَمْتُمُوهُما، ثُمَّ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى حَماقَتِهِمْ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا:
آل عمران 3:66
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الحَمْقى ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ كَأمْرِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ وهو أمْرُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ لا ذِكْرَ لِدِينِهِ في كِتابِكُمْ، أوْ لا تَعَرُّضَ لِكَوْنِهِ آمَنَ بِمُوسى وعِيسى قَبْلَ بَعْثَتَيْهِما أصْلًا، ولَيْسَ المُرادُ وصْفَهم بِالعِلْمِ حَقِيقَةً وإنَّما المُرادُ هَبْ أنَّكم تُحاجُّونَ فِيما تَدَّعُونَ عِلْمَهُ عَلى ما يَلُوحُ لَكم مِن خِلالِ عِباراتِ كِتابِكم وإشاراتِهِ في زَعْمِكم فَكَيْفَ تُحاجُّونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ ولا ذِكْرَ ولا رَمْزَ لَهُ في كِتابِكُمُ البَتَّةَ؟! و(ها) حَرْفُ تَنْبِيهٍ، واطَّرَدَ دُخُولُها عَلى المُبْتَدَأِ إذا كانَ خَبَرُهُ اِسْمَ إشارَةٍ، نَحْوَ ها أنا ذا وكُرِّرَتْ هُنا لِلتَّأْكِيدِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ أنَّ الأصْلَ أأنْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ عِنْدَهُ التَّعَجُّبُ مِن جَهالَتِهِمْ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ إبْدالُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ هاءً في كَلامِهِمْ إلّا في بَيْتٍ نادِرٍ، ثُمَّ الفَصْلُ بَيْنَ الهاءِ المُبْدَلَةِ وهَمْزَةِ (أنْتُمْ) لا يُناسِبُ، لِأنَّهُ إنَّما يُفْصَلُ لِاسْتِثْقالِ اِجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ، وهُنا قَدْ زالَ الِاسْتِثْقالُ بِإبْدالِ الأُولى هاءً، والإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ والتَّنْقِيصِ، ومِنها فُهِمَ الوَصْفُ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ فائِدَةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿حاجَجْتُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى، وقِيلَ: إنَّها حالِيَّةٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَقَعُ الحالُ مَوْقِعَها كَثِيرًا نَحْوَ ها أنا ذا قائِمًا وهَذِهِ الحالُ لازِمَةً؛ وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ خَبَرٌ عَنْ (أنْتُمْ) و﴿هَؤُلاءِ﴾ مُنادًى حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، وقِيلَ: ﴿هَؤُلاءِ﴾ بِمَعْنى الَّذِينَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وجُمْلَةُ ﴿حاجَجْتُمْ﴾ صِلَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ، وقُرّاؤُهم يَقْرَءُونَ ﴿ها أنْتُمْ﴾ بِالمَدِّ والهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ إلّا بِقَدْرِ خُرُوجِ الألِفِ السّاكِنِ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ بِالهَمْزِ والقَصْرِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ بِالمَدِّ دُونَ الهَمْزِ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ حالَ إبْراهِيمَ وما كانَ عَلَيْهِ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [ 66 ] ذَلِكَ، ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ المَفْعُولَ عامًّا، ويَدْخُلَ المَذْكُورُ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِنَفِيِ العِلْمِ عَنْهم في شَأْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ صَرَّحَ بِما نَطَقَ بِهِ البُرْهانُ المُقَرَّرُ فَقالَ سُبْحانَهُ:
آل عمران 3:67
﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ كَما قالَتِ اليَهُودُ ﴿ولا نَصْرانِيًّا﴾ كَما قالَتِ النَّصارى ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا﴾ أيْ مائِلًا عَنِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ ﴿مُسْلِمًا﴾ أيْ مُنْقادًا لِطاعَةِ الحَقِّ، أوْ مُوَحِّدًا، لِأنَّ الإسْلامَ يَرِدُ بِمَعْنى التَّوْحِيدِ أيْضًا؛ قِيلَ: ويَنْصُرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [ 67 ] أيْ عَبَدَةِ الأصْنامِ كالعَرَبِ الَّذِي كانُوا يَدَّعُونَ
صفحة 196
أنَّهم عَلى دِينِهِ، أوْ سائِرِ المُشْرِكِينَ لِيَعُمَّ أيْضًا عَبَدَةَ النّارِ كالمَجُوسِ، وعَبَدَةَ الكَواكِبِ كالصّابِئَةِ، وقِيلَ: أرادَ بِهِمُ اليَهُودَ والنَّصارى لِقَوْلِ اليَهُودِ: عُزَيْرٌ اِبْنُ اللَّهِ، وقَوْلِ النَّصارى: المَسِيحُ اِبْنُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأصِلُ الكَلامِ وما كانَ مِنكُمْ، إلّا أنَّهُ وضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِلتَّعْرِيضِ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَها، وتَفْسِيرُ الإسْلامِ بِما ذُكِرَ هو ما اِخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ وادَّعَوْا أنَّهُ لا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالدِّينِ المُحَمَّدِيِّ لِأنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ بَعْدَهُ بِكَثِيرٍ فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْلِمًا؟ فَيَكُونُ كادِّعائِهِمْ تَهَوُّدَهُ وتَنَصُّرَهُ المَرْدُودِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ فَيَرِدُ عَلَيْهِ ما ورَدَ عَلَيْهِمْ، ويَشْتَرِكُ الإلْزامُ بَيْنَهُما، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِذَلِكَ، وأجابَ عَنِ اِشْتِراكِ الإلْزامِ بِأنَّ القُرْآنَ أخْبَرَ بِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ مُسْلِمًا ولَيْسَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا فَظَهَرَ الفَرْقُ.
قالَ العَلّامَةُ النَّيْسابُورِيُّ: فَإنْ قِيلَ: قَوْلُكُمْ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى دِينِ الإسْلامِ إنْ أرَدْتُمْ بِهِ المُوافَقَةَ في الأُصُولِ فَلَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِدِينِ الإسْلامِ، وإنْ أرَدْتُمْ في الفُرُوعِ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ نَبِيُّنا ﷺ صاحِبَ شَرِيعَةٍ بَلْ مُقَرِّرًا لِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، قِيلَ: يُخْتارُ الأوَّلُ، والِاخْتِصاصُ ثابِتٌ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى مُخالِفُونَ لِلْأُصُولِ في زَمانِنا لِقَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ وإشْراكِ عُزَيْرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، أوِ الثّانِي، ولا يَلْزَمُ ما ذُكِرَ لِجَوازِ أنَّهُ تَعالى نَسَخَ تِلْكَ الفُرُوعَ بِشَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ نَسَخَ نَبِيُّنا ﷺ شَرْعَ مُوسى بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي هي مُوافِقَةٌ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مَعَ مُوافَقَةِ شَرْعِهِ شَرْعَ إبْراهِيمَ في مُعْظَمِ الفُرُوعِ، اِنْتَهى.
ولا يَخْفى ما في الجَوابِ عَلى الِاخْتِيارِ الثّانِي مِن مَزِيدِ البُعْدِ بَلْ عَدَمِ الصِّحَّةِ، لِأنَّ نَسْخَ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ بِشَرِيعَةِ مُوسى، ثُمَّ نَسْخَ شَرِيعَةِ مُوسى بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُوافِقَةِ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ لا يَجْعَلُ نَبِيُّنا صاحِبَ شَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ يُقالُ لَهُ أيْضًا: إنَّهُ مُقَرِّرٌ لِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ وهو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا مُوافَقَةُ جَمِيعِ فُرُوعِ شَرِيعَتِنا لِجَمِيعِ فُرُوعِ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ مِمّا لا يُمْكِنُ بِوَجْهٍ أصْلًا إذْ مِن جُمْلَةِ فُرُوعِ شَرِيعَتِنا فَرْضِيَّةُ قِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلى غَيْرِ نَبِيِّنا ﷺ بِالبَدِيهَةِ، ونَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
ومُوافَقَةُ المُعْظَمِ في حَيِّزِ المَنعِ ودُونَ إثْباتِها الشَّمُّ الرّاسِياتُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ لَيْسَ بِالدَّلِيلِ عَلى المُوافَقَةِ في الفُرُوعِ إذِ المِلَّةُ فِيهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّوْحِيدِ أوْ عَنْهُ وعَنِ الأخْلاقِ كالهُدى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ .
واعْتَرَضَ الشِّهابُ عَلى الجَوابِ عَلى الِاخْتِيارِ الأوَّلِ بِالبُعْدِ كاعْتِراضِهِ عَلى الجَوابِ عَلى الِاخْتِيارِ الثّانِي بِمُجَرَّدِهِ أيْضًا، وذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ عُدُولِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ عَمّا يَقْتَضِيهِ كَلامُ هَذا العَلّامَةِ مِن أنَّ المُرادَ بِكَوْنِ إبْراهِيمَ مُسْلِمًا أنَّهُ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ إلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُنْقادٌ بِحَمْلِ الإسْلامِ عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ، وادَّعى أنَّهُ سالِمٌ مِنَ القَدْحِ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ أخْذَ الإسْلامِ لُغَوِيًّا لا يُناسِبُ بَحْثَ الأدْيانِ والكَلامَ فِيهِ، فَلا يَخْلُو هَذا الوَجْهُ عَنْ بُعْدٍ، ولَعَلَّهُ لا يُقَصِّرُ عَمّا اِدَّعاهُ مِن بُعْدِ الجَوابِ الأوَّلِ كَما لا يَخْفى عَلى صاحِبِ الذَّوْقِ السَّلِيمِ.
هَذا وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، ولَعَلَّهُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ وهو أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمّا تَنازَعُوا فَقالَتِ اليَهُودُ إبْراهِيمُ مِنّا، وقالَتِ النَّصارى إنَّهُ مِنّا أرادَتْ كُلُّ طائِفَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ عَلى ما هو عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الحالِ وهو حالٌ مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ نَبِيُّهم في نَفْسِ الأمْرِ مُوافِقٌ لَهُ زَعْمًا عَلى مَعْنى مُوافَقَةِ الأُصُولِ لِلْأُصُولِ،
صفحة 197
أوِ المُوافَقَةُ فِيما يُعَدُّ في العُرْفِ مُوافَقَةً ولَوْ لَمْ تَكُنْ في المُعْظَمِ ولَيْسَتْ هَذِهِ الدَّعْوى مِنَ البُطْلانِ بِحَيْثُ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ، ولَيْسا مُشْتَمِلَيْنِ عَلى ذَلِكَ، وهو مِنَ الحَرِيِّ بِالذِّكْرِ لَوْ كانَ، ثُمَّ أشارَ سُبْحانَهُ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الحَماقَةِ عَلى وجْهٍ أتَمَّ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما أشارَ أوَّلًا فَقالَ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ أيْ مِنَ الطّائِفَةِ اليَهُودِيَّةِ المُخالِفَةِ لِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿ولا نَصْرانِيًّا﴾ أيْ مِنَ الطّائِفَةِ النَّصْرانِيَّةِ المُخالِفَةِ لِما جاءَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ أيْ عَلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ دِينٌ مَرْضِيٌّ سِواهُ، وهو دِينُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ أُولَئِكَ اليَهُودَ والنَّصارى لَيْسُوا مِنَ الدِّينِ في شَيْءٍ لِمُخالَفَتِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ لِما عَلَيْهِ النَّبِيّانِ بَلِ الأنْبِياءُ، ثُمَّ أشارَ إلى سَبَبِ ذَلِكَ بِما عَرَّضَ بِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُسْلِمُ -كَما قالَ الجَصّاصُ وأشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ مِرارًا- المُؤْمِنَ ولَوْ مِن غَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ خِلافًا لِلسُّيُوطِيِّ في زَعْمِهِ أنَّ الإسْلامَ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الأُمَّةِ هَذا ما عِنْدِي في هَذا المَقامِ، فَتَدَبَّرْ، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اِتِّساعٌ.
آل عمران 3:68
﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ أوْلى أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِن ولِيَهُ يَلِيهِ ولْيًا، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ لِأنَّ فاءَهُ واوٌ، فَلا تَكُونُ لامُهُ واوًا، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ ما فاؤُهُ ولامُهُ واوانِ إلّا واوٌ، وأصْلُ مَعْناهُ أقْرَبُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «”لِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ“،» ويَكُونُ بِمَعْنى أحَقَّ كَما تَقُولُ: العالِمُ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ، وهو المُرادُ هُنا، أيْ أقْرَبَ النّاسِ وأخَصَّهم بِإبْراهِيمَ ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أيْ كانُوا عَلى شَرِيعَتِهِ في زَمانِهِ، أوِ اِتَّبَعُوهُ مُطْلَقًا، فالعَطْفُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهَذا النَّبِيُّ﴾ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ قَبْلَهُ الَّذِي هو خَبَرُ (إنَّ)، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ لَلَّذِينِ اِتَّبَعُوا إبْراهِيمَ واتَّبَعُوا هَذا النَّبِيَّ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى إبْراهِيمَ أيْ إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ، وهَذا النَّبِيُّ لِلَّذِينِ اِتَّبَعُوهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُثَنّى ضَمِيرُ ﴿اتَّبَعُوهُ﴾ ويُقالُ اِتَّبَعُوهُما، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مِن بابِ ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ إلّا أنَّ فِيهِ عَلى ما قِيلَ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ إنْ كانَ عَطْفًا عَلى الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ أيْضًا، وإنْ كانَ عَطْفًا عَلى هَذا النَّبِيِّ فَلا فائِدَةَ فِيهِ إلّا أنْ يُدَّعى أنَّها لِلتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِمْ، وأمّا اِلْتِزامُ أنَّهُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ حِينَئِذٍ فَهو كَما تَرى، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ المُتَّبِعِينَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في زَمانِهِ أوْلى النّاسِ بِهِ ظاهِرٌ، وكَوْنَ نَبِيِّنا ﷺ أوْلاهم بِهِ لِمُوافَقَةِ شَرِيعَتِهِ لِلشَّرِيعَةِ الإبْراهِيمِيَّةِ أكْثَرُ مِن مُوافَقَةِ شَرائِعِ سائِرِ المُرْسَلِينَ لَها، وكَوْنَ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ كَذَلِكَ لِتَبَعِيَّتِهِمْ نَبِيَّهم فِيما جاءَ بِهِ ومِنهُ المُوافِقُ.
﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ [ 68 ] يَنْصُرُهم ويُجازِيهِمْ بِالحُسْنى كَما هو شَأْنُ الوَلِيِّ، ولَمْ يَقُلْ ولِيُّهم تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَكُونُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ولِيًّا لِعِبادِهِ وهو الإيمانُ بِناءً عَلى أنَّ التَّعْلِيقَ بِالمُشْتَقِّ يَقْتَضِي عَلَيْهِ مَبْدَأ الِاشْتِقاقِ، ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ ثُبُوتُ الحُكْمِ لِلنَّبِيِّ بِدَلالَةِ النَّصِّ، قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، «قالَ رُؤَساءُ اليَهُودِ: واَللَّهِ يا مُحَمَّدُ لَقَدْ عَلِمْتُ أنا أوْلى بِدِينِ إبْراهِيمَ مِنكَ ومِن غَيْرِكَ وأنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا وما بِكَ إلّا الحَسَدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى
صفحة 198
هَذِهِ الآيَةَ،» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: ”حَدَّثَنِي اِبْنُ غَنْمٍ «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ إلى النَّجاشِيِّ أدْرَكَهم عَمْرُو بْنُ العاصِ وعِمارَةُ بْنُ أبِي مَعِيطٍ فَأرادُوا عُنَّتَهم والبَغْيَ عَلَيْهِمْ فَقَدِمُوا عَلى النَّجاشِيِّ وأخْبَرُوهُ أنَّ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْكَ مِن أهْلِ مَكَّةَ يُرِيدُونَ أنْ يَخْبِلُوا عَلَيْكَ مُلْكَكَ ويُفْسِدُوا عَلَيْكَ أرْضَكَ ويَشْتُمُوا رَبَّكَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّجاشِيُّ فَلَمّا أنْ أتَوْهُ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ ما يَقُولُ صاحِباكم هَذانِ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ وعِمارَةَ بْنِ أبِي مَعِيطٍ يَزْعُمانِ أنَما جِئْتُمْ لِتَخْبِلُوا عَلَيَّ مُلْكِي وتُفْسِدُوا عَلَيَّ أرْضِي، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ وحَمْزَةُ: إنْ شِئْتُمْ خَلُّوا بَيْنَ أحَدِنا وبَيْنَ النَّجاشِيِّ فَلْيُكَلِّمْهُ أيُّنا أحْدَثُكم سِنًّا، فَإنْ كانَ صَوابًا فاَللَّهُ يَأْتِي بِهِ، وإنْ كانَ أمْرًا غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُمْ رَجُلٌ شابٌّ لَكم في ذَلِكَ عُذْرٌ، فَجَمَعَ النَّجاشِيُّ قِسِّيسِيهِ ورَهْبانِيَّتَهُ وتَراجِمَتَهُ ثُمَّ سَألَهم أرَأيْتُكم صاحِبَكم هَذا الَّذِي مِن عِنْدِهِ جِئْتُمْ ما يَقُولُ لَكم وما يَأْمُرُكم بِهِ وما يَنْهاكم عَنْهُ هَلْ لَهُ كِتابٌ يَقْرَؤُهُ؟ قالُوا: نَعَمْ، هَذا الرَّجُلُ يَقْرَأُ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وما قَدْ سَمِعَ مِنهُ ويَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَأْمُرُ بِحُسْنِ المُجاوَرَةِ، ويَأْمُرُ بِاليَتِيمِ، ويَأْمُرُ بِأنْ يُعْبَدَ اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ ولا يُعْبَدُ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ، فَقَرَأ عَلَيْهِ سُورَةُ الرُّومِ والعَنْكَبُوتِ وأصْحابِ الكَهْفِ ومَرْيَمَ، فَلَمّا أنْ ذَكَرَ عِيسى في القُرْآنِ أرادَ عَمْرٌو أنْ يُغْضِبَهُ عَلَيْهِمْ، قالَ: واَللَّهِ إنَّهم يَشْتُمُونَ عِيسى ويَسُبُّونَهُ، قالَ النَّجاشِيُّ: ما يَقُولُ صاحِبُكم في عِيسى، قالَ يَقُولُ: إنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، فَأخَذَ النَّجاشِيُّ نَفْثَةً مِن سِواكِهِ قَدْرَ ما يَقْذى العَيْنُ فَحَلَفَ ما زادَ المَسِيحُ عَلى ما يَقُولُ صاحِبُكم بِما يَزِنُ ذَلِكَ القَذى في يَدِهِ مِن نَفْثَةِ سِواكِهِ فَأبْشِرُوا ولا تَخافُوا فَلا (دهونة) يَعْنِي بِلِسانِ الحَبَشَةِ اللَّوْمَ عَلى حِزْبِ إبْراهِيمَ، قالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ: ما حِزْبُ إبْراهِيمَ؟ قالَ: هَؤُلاءِ الرَّهْطُ وصاحِبُهُمُ الَّذِي جاءُوا مِن عِنْدِهِ ومَنِ اِتَّبَعَهُمْ، فَأُنْزِلَتْ ذَلِكَ اليَوْمَ في خُصُومَتِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِالمَدِينَةِ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ“».
آل عمران 3:69
﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ المَشْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ دَعا اليَهُودُ حُذَيْفَةَ وعَمّارًا ومُعاذًا إلى اليَهُودِيَّةِ، فالمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ الفَرِيقَيْنِ، والآيَةُ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ دُعاةً إلى الضَّلالَةِ إثْرَ بَيانِ أنَّهم ضالُّونَ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: ”كُلُّ شَيْءٍ في آلِ عِمْرانَ مِن ذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ فَهو في النَّصارى“، ولَعَلَّهُ جارٍ مَجْرى الغالِبِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والطّائِفَةُ رُؤَساؤُهم وأحْبارُهُمْ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ، والطّائِفَةُ جَمِيعُ أهْلِ الكِتابِ وفِيهِ بُعْدٌ، و(لَوْ) بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةَ، والمُنْسَبِكُ مَفْعُولُ وُدَّ وجُوِّزَ إقْرارُها عَلى وضْعِها، ومَفْعُولُ ودَّ مَحْذُوفٌ، وكَذا جَوابُ (لَوْ)، والتَّقْدِيرُ: ودَّتْ إضْلالَكم لَوْ يُضِلُّونَكم لَسُرُّوا بِذَلِكَ، ومَعْنى ﴿يُضِلُّونَكُمْ﴾ يَرُدُّونَكم إلى كُفْرِكُمْ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ أوْ يُهْلِكُونَكُمْ، قالَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، أوْ يُوقِعُونَكم في الضَّلالِ ويُلْقُونَ إلَيْكم ما يُشَكِّكُونَكم بِهِ في دِينِكُمْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.
﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الإهْلاكِ مِنَ الإضْلالِ أنَّهم ما يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم لِاسْتِحْقاقِهِمْ بِإيثارِهِمْ إهْلاكَ المُؤْمِنِينَ سَخَطَ اللَّهِ تَعالى وغَضَبَهُ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ الإيقاعَ في الضَّلالِ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ لِأنَّ القَوْمَ ضالُّونَ فَيُؤَدِّي إلى جَعْلِ الضّالِّ ضالًّا، فَيُقالُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإضْلالِ ما يَعُودُ مِن وبالِهِ إمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ الِاسْتِعارَةِ، أيْ ما يَتَخَطّاهُمُ الإضْلالُ ولا يَعُودُ وبالُهُ إلّا إلَيْهِمْ لِما أنَّهم يُضاعَفُ بِهِ عَذابُهُمْ، أوِ المُرادُ بِأنْفُسِهِمْ أمْثالُهُمُ المُجانِسُونَ لَهُمْ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: الإخْبارُ بِالغَيْبِ فَهو اِسْتِعارَةٌ أوْ تَشْبِيهٌ بِتَقْدِيرِ أمْثالِ أنْفُسِهِمْ، إذْ لَمْ يَتَهَوَّدْ مُسْلِمٌ، ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى
صفحة 199
إضْلالِهِمْ أنْفُسَهم إصْرارُهم عَلى الضَّلالِ بِما سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ اِتِّباعِ الهُدى بِإيضاحِ الحُجَجِ، ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.
﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ [ 69 ] أيْ، وما يَفْطَنُونَ بِكَوْنِ الإضْلالِ مُخْتَصًّا بِهِمْ لِما اِعْتَرى قُلُوبَهم مِنَ الغِشاوَةِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقِيلَ: وما يَشْعُرُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْلِمُ المُؤْمِنِينَ بِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ، وفي نَفْيِ الشُّعُورِ عَنْهم مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ.
آل عمران 3:70
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [ 70 ] أيْ لِمَ تَكْفُرُونَ بِما يُتْلى عَلَيْكم مِن آياتِ القُرْآنِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها ووُجُوبِ الإقْرارِ بِها مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقِيلَ: المُرادُ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِما في كُتُبِكم مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ الحُجَجَ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ، أوْ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِما في كُتُبِكم مِن أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وأنْتُمْ تُشاهِدُونَ ذَلِكَ، أوْ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِالحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ مُدَّعِي الرِّسالَةِ أوْ أنْتُمْ تَشْهَدُونَ إذا خَلَوْتُمْ بِصِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ، أوْ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ جَمِيعًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَقِّيَّتَها بِلا شُبْهَةٍ بِمَنزِلَةِ عِلْمِ المُشاهَدَةِ.
آل عمران 3:71
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ أيْ تَسْتُرُونَهُ بِهِ، أوْ تَخْلِطُونَهُ بِهِ، والباءُ صِلَةٌ، وفي المُرادِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ تَحْرِيفُهُمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ، وثانِيها: أنَّ المُرادَ إظْهارُهُمِ الإسْلامَ وإبْطانُهُمُ النِّفاقَ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وثالِثُها: أنَّ المُرادَ الإيمانُ بِمُوسى وعِيسى والكَفْرُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورابِعُها أنَّ المُرادَ ما يَعْلَمُونَهُ في قُلُوبِهِمْ مِن حَقِّيَّةِ رِسالَتِهِ ﷺ وما يُظْهِرُونَهُ مِن تَكْذِيبِهِ، عَنْ أبِي عَلِيٍّ وأبِي مُسْلِمٍ، وقُرِئَ (تُلَبِّسُونَ) بِالتَّشْدِيدِ وهو بِمَعْنى المُخَفَّفِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ (تَلْبَسُونَ) وهو مِن لَبِسْتُ الثَّوْبَ، والباءُ بِمَعْنى مَعَ، والمُرادُ مِنَ اللَّبْسِ الِاتِّصافُ بِالشَّيْءِ والتَّلَبُّسُ بِهِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ فِيما رَواهُ البُخارِيُّ في «اَلصَّحِيحِ» عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «”المُتَشَبِّعُ بِما لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ“».
﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وما وجَدْتُمُوهُ في كُتُبِكم مِن نَعْتِهِ والبِشارَةِ بِهِ ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [ 71 ] أنَّهُ حَقٌّ، وقِيلَ: تَعْلَمُونَ الأُمُورَ الَّتِي يَصِحُّ بِها التَّكْلِيفُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
آل عمران 3:72
﴿وقالَتْ طائِفَةٌ﴾ أيْ جَماعَةٌ وسُمِّيَتْ بِها لِأنَّهُ يُسَوّى بِها حَلْقَةً يُطافُ حَوْلَها ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ اليَهُودِ لِبَعْضِهِمْ ﴿آمِنُوا﴾ أيْ أظْهِرُوا الإيمانَ ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابُهُ ﴿وجْهَ النَّهارِ﴾ أيْ أوَّلَهُ، كَما في قَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيادٍ:
مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا (بِوَجْهِ نَهارِ)
وسُمِّيَ وجْهًا لِأنَّهُ أوَّلُ ما يُواجِهُكَ مِنهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كالوَجْهِ في أنَّهُ أعْلاهُ وأشْرَفُ ما فِيهِ، وذَكَرَ الثَّعالِبِيُّ أنَّهُ في ذَلِكَ اِسْتِعارَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴿واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [ 72 ] بِسَبَبِ هَذا الفِعْلِ عَنِ اِعْتِقادِهِمْ حَقِّيَّةَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، قالَ الحَسُنُ والسُّدِّيُّ: ”تَواطَأ اِثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن أحْبارِ يَهُودِ خَبِيرَ وقُرى عُرَيْنَةَ، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اُدْخُلُوا في دِينِ مُحَمَّدٍ أوَّلَ النَّهارِ بِاللِّسانِ دُونَ الِاعْتِقادِ واكْفُرُوا آخِرَ النَّهارِ وقُولُوا إنّا نَظَرْنا في كُتُبِنا وشاوَرْنا عُلَماءَنا فَوَجَدْنا مُحَمَّدًا لَيْسَ بِذاكَ وظَهَرَ لَنا كَذِبُهُ وبُطْلانُ دِينِهِ فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ شَكَّ
صفحة 200
أصْحابُهُ في دِينِهِمْ، فَقالُوا: إنَّهم أهْلُ الكِتابِ وهم أعْلَمُ بِهِ فَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ إلى دِينِكُمْ“، وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَ هَذا في شَأْنِ القِبْلَةِ لَمّا حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ، فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ لِأصْحابِهِ: آمِنُوا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مِن أمْرِ الكَعْبَةِ وصَلُّوا إلَيْها أوَّلَ النَّهارِ وارْجِعُوا إلى قِبْلَتِكم آخِرَهُ لَعَلَّهم يَشُكُّونَ، والتَّعْبِيرُ بِما أُنْزِلَ بِناءً عَلى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ وإلّا فَهم يُكَذِّبُونَ ولا يُصَدِّقُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ شَيْئًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ أمْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، وأمّا اِمْتِثالُ الأمْرِ مِنَ المَأْمُورِ فَمَسْكُوتٌ عَنْ بَيانِ وُقُوعِهِ وعَدَمِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ.
آل عمران 3:73
﴿ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ في نَظْمِ الآيَةِ ومَعْناها أوْجُهٌ لَخَّصَها الشِّهابُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ:
أحَدُها: أنَّ التَّقْدِيرَ: ولا تُؤْمِنُوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ وهُمُ المُسْلِمُونَ أُوتُوا كِتابًا سَماوِيًّا كالتَّوْراةِ ونَبِيًّا مُرْسَلًا كَمُوسى وبِأنْ يُحاجُّوكم ويَغْلِبُوكم بِالحُجَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا لِاتِّباعِكُمْ، وحاصِلُهُ أنَّهم نَهَوْهم عَنْ إظْهارِ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ لِلْمُسْلِمِينَ لِئَلّا يَزْدادُوا تَصَلُّبًا ولِمُشْرِكِي العَرَبِ لِئَلّا يَبْعَثُهم عَلى الإسْلامِ وأتى بِ أوْ عَلى وزانِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ وهو أبْلَغُ، والحَمْلُ عَلى مَعْنى حَتّى صَحِيحٌ مَرْجُوحٌ، وأتى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقِهِ.
وفائِدَةُ الِاعْتِراضِ الإشارَةُ إلى أنَّ كَيْدَهم غَيْرُ ضارٍّ لِمَن لَطَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، أوْ زِيادَةُ التَّصَلُّبِ فِيهِ، ويُفِيدُ أيْضًا أنَّ الهُدى هُداهُ فَهو الَّذِي يَتَوَلّى ظُهُورَهُ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ فالمُرادُ بِالإيمانِ إظْهارُهُ كَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوِ الإقْرارُ اللِّسانِيُّ كَما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، والمُرادُ مِنَ التّابِعِينَ المُتَصَلِّبُ مِنهُمْ، وإلّا وقَعَ ما فَرُّوا مِنهُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ: ولا تُؤْمِنُوا هَذا الإيمانَ الظّاهِرَ الَّذِي أتَيْتُمْ بِهِ وجْهَ النَّهارِ إلّا لِمَن كانَ تابِعًا لِدِينِكم أوَّلًا، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهُمْ، أيْ لِأجْلِ رُجُوعِهِمْ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَهم أهَمَّ وأوْقَعَ، وهم فِيهِ أرْغَبُ وأطْمَعُ، وعِنْدَ هَذا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ أيْ فَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُؤْتى﴾ الخ عَلى هَذا مُعَلِّلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ لِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ولِما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الغَلَبَةِ بِالحُجَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ دَبَّرْتُمْ ما دَبَّرْتُمْ، وحاصِلُهُ أنَّ داعِيَكم إلَيْهِ لَيْسَ إلّا الحَسَدُ، وإنَّما أتى بِ أوْ تَنْبِيهًا عَلى اِسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ في غَيْظِهِمْ وحَمْلِهِمْ عَلى الحَسَدِ حَتّى دَبَّرُوا ما دَبَّرُوا، ولَوْ أتى بِالواوِ لَمْ تَقَعْ هَذا المَوْقِعَ لِلْعِلْمِ بِلُزُومِ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِأنَّهُ إذا كانَ ما أُوتُوا حَقًّا غَلَبُوا يَوْمَ القِيامَةِ مُخالِفَهم لا مَحالَةَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، وأمّا أوْ فَتُشْعِرُ بِأنَّ كُلًّا مُسْتَقِلٌّ في الباعِثِيَّةِ عَلى الحَسَدِ والِاحْتِشادِ في التَّدْبِيرِ، والحَمْلُ عَلى مَعْنى حَتّى لَيْسَ لَهُ مَوْقِعٌ يُرَوِّعُ السّامِعَ وإنْ كانَ وجْهًا ظاهِرًا.
ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ اِبْنِ كَثِيرٍ (أأنْ يُؤْتى) بِزِيادَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِلدَّلالَةِ عَلى اِنْقِطاعِهِ عَنِ الفِعْلِ واسْتِقْلالِهِ بِالإنْكارِ، وفِيهِ تَقْيِيدُ الإيمانِ بِالصّادِرِ أوَّلَ النَّهارِ بِقَرِينَةِ إنَّ الكَلامَ فِيهِ، وتَخْصِيصُ مَن تَبِعَ بِمُسْلِمِيهِمْ بِقَرِينَةِ المُضِيِّ فَإنَّ غَيْرَهم مُتِّبِعٌ دِينَهُمُ الآنَ أيْضًا، وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ﴿أنْ يُؤْتى﴾ الخ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لَهم هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ، ومَعْناهُ أكَّدَ عَلَيْهِمْ أنَّ الهُدى ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى مِن إيتاءِ الكِتابِ غَيْرَكُمْ، وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ أنْ يَمْتَعِضُوا مِن أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وقُلْ لَأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ وكِدْتُمْ ما كِدْتُمْ.
وثالِثُها: أنْ يُقَرَّرَ ولا تُؤْمِنُوا عَلى ما قُرِّرَ عَلَيْهِ الثّانِي، ويُجْعَلَ ﴿أنْ يُؤْتى﴾ خَبَرَ (إنَّ) و﴿هُدى اللَّهِ﴾ بَدَلًا مِنَ اِسْمِها، وأوْ بِمَعْنى حَتّى عَلى أنَّها غايَةٌ سَبَبِيَّةٌ، وحِينَئِذٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَخُصَّ عِنْدَ رَبِّكم بِيَوْمِ القِيامَةِ بَلْ بِالمُحاجَّةِ الحَقَّةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في البَقَرَةِ، ولَوْ حُمِلَتْ عَلى العَطْفِ لَمْ يَلْتَئِمِ الكَلامُ.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن﴾
صفحة 201
الخ باقِيًا عَلى إطْلاقِهِ، أيْ واكْفُرُوا آخِرَهُ واسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ ولا تُقِرُّوا لِأحَدٍ إلّا لِمَن هو عَلى دِينِكم وهو مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الطّائِفَةِ، ويَكُونُ ﴿قُلْ إنَّ الهُدى﴾ الخ أمْرًا لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ في جَوابِهِمْ، عَلى مَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ فَلا تُنْكِرُوا أنْ يُؤْتى حَتّى تُحاجُّوا، وقَرِينَةُ الإضْمارِ إنَّ ﴿ولا تُؤْمِنُوا﴾ الخ تَقْرِيرٌ عَلى اليَهُودِيَّةِ، وأنَّهُ لا دِينَ يُساوِيها، فَإذا أُمِرَ ﷺ أنْ يُجِيبَهم عُلِمَ أنَّ ما أنْكَرُوهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ وأنَّهُ كائِنٌ، وحَمْلُ أوْ عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ حِينَئِذٍ أيْضًا حَسَنٌ، لِأنَّهُ تَأْيِيدٌ لِلْإيتاءِ وتَعْرِيضٌ بِأنَّ مَن أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتُوا هُمُ الغالِبُونَ، وقُرِئَ (إنْ يُؤْتى) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، أيْ قُولُوا لَهم ما يُؤْتى، وهو خِطابٌ لِمَن أسْلَمَ مِنهم رَجاءَ العَوْدِ، والمَعْنى لا إيتاءَ ولا مُحاجَّةَ فَأوْ بِمَعْنى حَتّى، وقُدِّرَ قُولُوا تَوْضِيحًا وبَيانًا لِأنَّهُ لَيْسَ اِسْتِئْنافًا تَعْلِيلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى﴾ الخ اِعْتِراضٌ ذُكِرَ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ كَلامُهم لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِ فَسادِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، وأرْجَحُ الأوْجُهِ الثّانِي لِتَأْيِيدِهِ بِقِراءَةِ اِبْنِ كَثِيرٍ، وأنَّهُ أفْيَدُ مِنَ الأوَّلِ وأقَلُّ تَكَلُّفًا مِن باقِي الأوْجُهِ، وأقْرَبُ إلى المَساقِ، اِنْتَهى.
وأقُولُ: ما ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الرّابِعِ مِن تَقْرِيرٍ فَلا تُنْكِرُوا أنْ يُؤْتى الخ، هو قَوْلُ قَتادَةَ والرَّبِيعِ والجُبّائِيِّ لَكِنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا أوْ بِمَعْنى حَتّى، وهو أحَدُ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما، وكَذا القَوْلُ بِإبْدالِ أنْ يُؤْتى مِنَ الهُدى قَوْلُ السُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ إلّا أنَّهم قَدَّرُوا لا بَيْنَ أنْ ويُؤْتى، واعْتَرَضَ عَلَيْهِما أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ بِأنْ لا لَيْسَتْ مِمّا تُحْذَفُ هَهُنا، والتَزَمَ تَقْدِيرَ مُضافٍ شاعَ تَقْدِيرُهُ في أمْثالِ ذَلِكَ وهو كَراهَةُ، والمَعْنى إنَّ الهُدى كَراهَةُ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أيْ مِمَّنْ خالَفَ دِينَ الإسْلامِ لِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ، فَهُدى اللَّهِ تَعالى بَعِيدٌ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، ولا يَخْفى أنَّهُ مَعْنى مُتَوَعِّرٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ ما قالَهُ قَوْمٌ مِن أنْ ﴿أنْ يُؤْتى﴾ الخ تَفْسِيرٌ لِلْهُدى، وأنَّ المُؤْتى هو الشَّرْعُ، وأنَّ ﴿أوْ يُحاجُّوكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أُوتِيتُمْ﴾، وأنَّ ما يُحاجُّ بِهِ العَقْلُ، وأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ أنَّ هُدى اللَّهِ تَعالى ما شَرَعَ أوْ ما عَهِدَ بِهِ في العَقْلِ، ومِنَ النّاسِ مِن جَعْلَ الكَلامَ مِن أوَّلِ الآيَةِ إلى آخِرِها مِنَ اللَّهِ تَعالى خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَ: والتَّقْدِيرُ ولا تُؤْمِنُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم وهو دِينُ الإسْلامِ ولا تُصَدِّقُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الدِّينِ فَلا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّكم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا شَرِيعَةَ بَعْدَ شَرِيعَتِكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولا تُصَدِّقُوا بِأنْ يَكُونَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلَيْكم عِنْدَ رَبِّكم لِأنَّ دِينَكم خَيْرُ الأدْيانِ.
وجَعْلُ ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ اِعْتِراضًا لِلتَّأْكِيدِ وتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، واخْتِيارُ البَعْضِ لَهُ والِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ بِما قالَهُ الضَّحّاكُ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنّا نَحُجُّ عِنْدَ رَبِّنا مَن خالَفَنا في دِينِنا فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَهم أنَّهم هُمُ المُدْحَضُونَ المَغْلُوبُونَ وأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الغالِبُونَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ هَذا البَيانَ لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ هَذا الحَمْلُ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ مِن ﴿يُحاجُّوكُمْ﴾ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ عائِدٌ إلى (أحَدٌ) لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، إذِ المُرادُ بِهِ غَيْرُ أتْباعِهِمْ.
واسْتَشْكَلَ اِبْنُ المُنِيرِ قَطْعَ ﴿أنْ يُؤْتى﴾ عَنْ ﴿لا تُؤْمِنُوا﴾ عَلى ما في بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ وُقُوعُ (أحَدٍ) في الواجِبِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ هُنا إنْكارٌ، واسْتِفْهامُ الإنْكارِ في مِثْلِهِ إثْباتٌ إذْ حاصِلُهُ أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ووَبَّخَهم عَلى ما وقَعَ مِنهم وهو إخْفاءُ الإيمانِ بِأنَّ النُّبُوَّةَ لا تَخُصُّ بَنِي إسْرائِيلَ لِأجْلِ العِلَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ فَهو إثْباتٌ مُحَقَّقٌ، ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رُوعِيَتْ صِيغَةُ الِاسْتِفْهامِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ حَقِيقَتَهُ فَحَسُنَ دُخُولُ (أحَدٍ) في سِياقِهِ لِذَلِكَ وفِيهِ تَأمُّلٌ، فَتَأمَّلْ وتَدَبَّرْ، فَقَدْ قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن مُشْكِلاتِ القُرْآنِ وأصْعَبِهِ تَفْسِيرًا.
﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما زَعَمُوهُ بِأوْضَحِ حُجَّةٍ، والمُرادُ مِنَ الفَضْلِ الإسْلامُ، قالَهُ اِبْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ غَيْرُهُ: النُّبُوَّةُ،
صفحة 202
وقِيلَ: الحُجَجُ الَّتِي أُوتِيَها النَّبِيُّ ﷺ والمُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: نِعَمُ الدِّينِ والدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يُناسِبُ المَقامَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن عِبادِهِ ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ رَحْمَةً، وقِيلَ: واسْعُ القُدْرَةِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴿عَلِيمٌ﴾ [ 73 ] بِمَصالِحِ العِبادِ، وقِيلَ: يَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.
آل عمران 3:74
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ قالَ الحَسَنُ: هي النُّبُوَّةُ، وقالَ اِبْنُ جُرَيْجٍ: الإسْلامُ والقُرْآنُ، وقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ هو وكَثْرَةُ الذِّكْرِ لِلَّهِ تَعالى، والباءُ داخِلَةٌ عَلى المَقْصُورِ وتَدْخُلُ عَلى المَقْصُورِ عَلَيْهِ، وقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ:
والباءُ بَعْدَ الِاخْتِصاصِ يَكْثُرُ دُخُولُها عَلى الَّذِي قَدْ قَصَّرُوا
وعَكْسُهُ مُسْتَعْمَلٌ وجَيِّدُ ∗∗∗ ذَكَرَهُ الحَبْرُ الإمامُ السَّيِّدُ
﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ قالَ اِبْنُ جُبَيْرٍ: [ 74 ] يَعْنِي الوافِرِ.
آل عمران 3:75
﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ نَوْعٍ آخَرَ مِن مَعايِبِهِمْ، و﴿تَأْمَنهُ﴾ مِن أمِنتُهُ بِمَعْنى اِئْتَمَنتُهُ، والباءُ قِيلَ: بِمَعْنى عَلى، وقِيلَ: بِمَعْنى فِي، أيْ في حِفْظِ قِنْطارٍ والقِنْطارُ تَقَدَّمَ قِنْطارٌ مِنَ الكَلامِ فِيهِ يُرْوى أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ اِسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا فَأدّاهُ إلَيْهِ، ﴿ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ كَفِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ اِسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ آخَرُ دِينارًا فَجَحَدَهُ، وقِيلَ: المَأْمُونُ عَلى الكَثِيرِ النَّصارى إذِ الغالِبُ فِيهِمُ الأمانَةُ، والخائِنُونَ في القَلِيلِ اليَهُودُ إذِ الغالِبُ عَلَيْهِمُ الخِيانَةُ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عِكْرِمَةَ.
والدِّينارُ لَفْظٌ أعْجَمِيٌّ وياؤُهُ بَدَلٌ عَنْ نُونٍ وأصْلُهُ دِنّارٌ فَأُبْدِلَ أوَّلُ المِثْلَيْنِ ياءً لِوُقُوعِهِ بَعْدَ كَسْرَةٍ، ويَدُلُّ عَلى الأصْلِ جَمْعُهُ عَلى دَنانِيرَ فَإنَّ الجَمْعَ يَرُدُّ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهو في المَشْهُورِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا والقِيراطُ ثَلاثُ حَبّاتٍ مِن وسَطِ الشَّعِيرِ فَمَجْمُوعُهُ اِثْنَتانِ وسَبْعُونَ حَبَّةً، قالُوا: ولَمْ يَخْتَلِفْ جاهِلِيَّةً ولا إسْلامًا، ومِنَ الغَرِيبِ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ الدِّينارُ دِينارًا لِأنَّهُ دِينٌ ونارٌ، ومَعْناهُ أنَّ مَن أخَذَهُ بِحَقِّهِ فَهو دِينُهُ، ومَن أخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ فَلَهُ النّارُ، ولَعَلَّهُ إبْداءُ إشارَةٍ مِن هَذا اللَّفْظِ لا أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى مالِكِ دِرْهَمٍ مِن عَقْلٍ فَضْلًا عَنْ مالِكِ دِينارٍ، وقُرِئَ (يُؤَدِّهِ) بِكَسْرِ الهاءِ مَعَ وصْلِها بِياءٍ في اللَّفْظِ وبِالكَسْرِ مِن غَيْرِ ياءٍ، وبِالإسْكانِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وبِضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ في اللَّفْظِ وبِضَمِّها مِن غَيْرِ واوٍ.
﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ اِسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوِ الأوْقاتِ، أيْ: لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا في حالِ دَوامِ قِيامِكَ، أوْ في وقْتِ دَوامِ قِيامِكَ، والقِيامُ مَجازٌ عَنِ المُبالَغَةِ في المُطالَبَةِ، وفَسَّرَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالإلْحاحِ، والسُّدِّيُّ بِالمُلازَمَةِ والِاجْتِماعِ مَعَهُ، والحَسَنُ بِالمُلازَمَةِ والتَّقاضِي، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ دالِ (دُمْتَ) فَهو عِنْدُهم كَ (قُلْتَ)، وقُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ فَهو حِينَئِذٍ عَلى وزانِ (خِفْتَ) وهو لُغَةٌ، والمُضارِعُ عَلى اللُّغَةِ الأُولى: (يَدُومُ) كَ (يَقُومُ)، وعَلى الثّانِيَةِ: (يَدامُ) كَ (يَخافُ) .
(ذَلِكَ) أيْ تَرْكُ الأداءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لا يُؤَدِّهِ﴾، ﴿بِأنَّهم قالُوا﴾ ضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى (مَن) في ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ﴾ وجُمِعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْنا فِيما أصَبْناهُ مِن أمْوالِ العَرَبِ عِتابٌ وذَمٌّ،
صفحة 203
أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ قالَ: بايَعَ اليَهُودُ رِجالًا مِنَ المُسْلِمِينَ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا أسْلَمُوا تَقاضَوْهم عَنْ بَيُوعِهِمْ، فَقالُوا: لَيْسَ عَلَيْنا أمانَةٌ ولا قَضاءٌ لَكم عِنْدَنا لِأنَّكم تَرَكْتُمْ دِينَكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ وادَّعَوْا أنَّهم وجَدُوا ذَلِكَ في كِتابِهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [ 75 ] أيْ أنَّهم كاذِبُونَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: الأمْوالُ كُلُّها كانَتْ لَنا فَما في أيْدِي العَرَبِ مِنها فَهو لَنا وأنَّهم ظَلَمُونا وغَصَبُونا فَلا إثْمَ عَلَيْنا في أخْذِ أمْوالِنا مِنهُمْ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”كَذِبُ أعْداءُ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ، إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ“،» والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ يَقُولُونَ، والمُرادُ يَفْتَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿الكَذِبَ﴾ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، ولَمْ يُجَوِّزْ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِهِ لِأنَّ الصِّلَةَ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ، وأجازَهُ غَيْرُهُ لِأنَّهُ كالظَّرْفِ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ.
آل عمران 3:76
﴿بَلى﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، وإيجابٌ لِما نَفَوْهُ، والمَعْنى بَلى عَلَيْهِمْ في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [ 76 ] اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها (بَلى) حَيْثُ أفادَتْ بِمَفْهُومِها المُخالِفِ ذَمَّ مَن لَمْ يَفِ بِالحُقُوقِ مُطْلَقًا فَيَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، و(مَن) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ شَرْطِيَّةٌ، و﴿أوْفى﴾ فِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: إثْباتُ الهَمْزَةِ، وحَذْفُها مَعَ تَخْفِيفِ الفاءِ، وتَشْدِيدُها، والضَّمِيرُ في عَهْدِهِ عائِدٌ عَلى (مَن) وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ فَهو عَلى الأوَّلِ: مَصْدَرٌ مُضافٌ لِفاعِلِهِ، وعَلى الثّانِي: مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ أوْ لِفاعِلِهِ ولا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى (مَن) مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، فَإمّا أنْ يُقامَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ في الرَّبْطِ إنْ كانَ ﴿المُتَّقِينَ﴾ مِن ﴿أوْفى﴾ وإمّا أنْ يُجْعَلَ عُمُومُهُ وشُمُولُهُ رابِطًا إنْ كانَ ﴿المُتَّقِينَ﴾ عامًّا؛ وإنَّما وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ عَلى الأوَّلِ تَسْجِيلًا عَلى المُوفِينَ بِالعَهْدِ بِالتَّقْوى وإشارَةً إلى عِلَّةِ الحُكْمِ ومُراعاةً لِرُؤُوسِ الآيِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِقُوَّةِ الرَّبْطِ فِيهِ، وقالَ اِبْنُ هِشامٍ: الظّاهِرُ أنَّهُ لا عُمُومَ وأنَّ ﴿المُتَّقِينَ﴾ مُساوٍ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجَوابُ لَفْظًا أوْ مَعْنًى مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يُحِبُّهُ اللَّهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ الخ، واعْتَرَضَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: الظّاهِرُ أنَّهُ لا عُمُومَ في حَيِّزِ المَنعِ فَإنَّ ضَمِيرَ ﴿بِعَهْدِهِ﴾ إذا كانَ لِلَّهِ فالِالتِفاتُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الظّاهِرِ لِإفادَةِ العُمُومِ كَما هو المَعْهُودُ في أمْثالِهِ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.
آل عمران 3:77
﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أخْرَجَ السِّتَّةُ وغَيْرُهم عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ هو فِيها فاجِرٌ لِيَقْطَعَ بِها مالَ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ، فَقالَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فِيَّ واَللَّهِ كانَ ذَلِكَ، كانَ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألَكَ بَيِّنَةٌ؟ قُلْتُ: لا فَقالَ لِلْيَهُودِيِّ: اِحْلِفْ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إذًا يَحْلِفُ فَيَذْهَبُ مالِي فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾“ الخ،» وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى أنَّ رَجُلًا أقامَ سِلْعَةً لَهُ في السُّوقِ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ لَقَدْ أعْطى بِها ما لَمْ يُعْطَهُ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ قالَ: «”كانَ بَيْنَ اِمْرِئِ القَيْسِ ورَجُلٍ مِن حَضْرَمَوْتَ
صفحة 204
خُصُومَةٌ فارْتَفَعا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لِلْحَضْرَمِيِّ: بَيِّنَتُكَ وإلّا فَيَمِينُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ حَلَفَ ذَهَبَ بِأرْضِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِها حَقَّ أخِيهِ لَقِيَ اللَّهَ تَعالى وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ، فَقالَ اِمْرُؤُ القَيْسِ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما لِمَن تَرَكَها وهو يَعْلَمُ أنَّها حَقٌّ؟ قالَ: الجَنَّةُ، قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ تَرَكْتُها، فَنَزَلَتْ"،» وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي رافِعٍ ولُبابَةَ بْنِ أبِي الحُقَيْقِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ حَرَّفُوا التَّوْراةَ وبَدَّلُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحُكْمَ الأماناتِ وغَيْرِهِما وأخَذُوا عَلى ذَلِكَ رَشْوَةً، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ ولا مانِعَ مِن تَعَدُّدِ سَبَبِ النُّزُولِ كَما حَقَّقُوهُ.
والمُرادُ بِ (يَشْتَرُونَ) يَسْتَبْدِلُونَ، وبِالعَهْدِ أمْرُ اللَّهِ تَعالى وما يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ، وقِيلَ: ما عَهِدَهُ إلى اليَهُودِ في التَّوْراةِ مِن أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: ما في عَقْلِ الإنْسانِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الباطِلِ والِانْقِيادِ إلى الحَقِّ، و(بِالأيْمانِ) الأيْمانُ الكاذِبَةُ، وبِالثَّمَنِ القَلِيلِ الأعْواضُ النَّزِرَةُ أوِ الرِّشا، ووَصْفُ ذَلِكَ بِالقِلَّةِ لِقِلَّتِهِ في جَنْبِ ما يَفُوتُهم مِنَ الثَّوابِ ويَحْصُلُ لَهم مِنَ العِقابِ.
﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ﴾ أيْ لا نَصِيبَ لَهم مِن نَعِيمِها بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِبْدالِ ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ بِما يَسُرُّهم بَلْ بِما يَسُوؤُهم وقْتَ الحِسابِ لَهُمْ، قالَهُ الجُبّائِيُّ، أوْ لا يُكَلِّمُهم بِشَيْءٍ أصْلًا وتَكُونُ المُحاسَبَةُ بِكَلامِ المَلائِكَةِ لَهم بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمُ اِسْتِهانَةً بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، واسْتُظْهِرَ أنْ يَكُونَ هَذا كِنايَةً عَنْ غَضَبِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ.
﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ لا يَعْطِفُ عَلَيْهِمْ ولا يَرْحَمُهم كَما يَقُولُ القائِلُ اُنْظُرْ إلَيَّ يُرِيدُ اِرْحَمْنِي، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَجازًا عَنِ الِاسْتِهانَةِ بِهِمْ والسَّخَطِ عَلَيْهِمْ، وفَرَّقَ بَيْنَ اِسْتِعْمالِهِ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ المُفَسِّرُ بِتَقْلِيبِ الحَدَقَةِ وفِيمَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأنَّ أصْلَهُ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ الكِنايَةُ لِأنَّ مَنِ اِعْتَدَّ بِالإنْسانِ اِلْتَفَتَ إلَيْهِ وأعارَهُ نَظَرَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ عِبارَةً عَنِ الِاعْتِدادِ والإحْسانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَظَرٌ، ثُمَّ جاءَ فِيمَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مُجَرِّدًا لِمَعْنى الإحْسانِ مَجازًا عَمّا وقَعَ كِنايَةً عَنْهُ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ، وفي «اَلْكَشْفِ» إنَّ في هَذا تَصْرِيحًا بِأنَّ الكِنايَةَ يُعْتَبَرُ فِيها صُلُوحُ إرادَةِ الحَقِيقَةِ وإنْ لَمْ تَرِدْ، وأنَّ الكِناياتِ قَدْ تَشْتَهِرُ حَتّى لا تَبْقى تِلْكَ الجِهَةُ مَلْحُوظَةً وحِينَئِذٍ تَلْحَقُ بِالمَجازِ ولا تُجْعَلُ مَجازًا إلّا بَعْدَ الشُّهْرَةِ لِأنَّ جِهَةَ الِانْتِقالِ إلى المَعْنى المَجازِيِّ أوَّلًا غَيْرُ واضِحَةٍ بِخِلافِ المَعْنى المُكَنّى عَنْهُ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُخالَفَةِ بَيْنَ قَوْلَيِ الزَّمَخْشَرِيِّ في جَعْلِ بَسْطِ اليَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ مَجازًا عَنِ الجُودِ تارَةً وكِنايَةً أُخْرى إذْ حاصِلُهُ أنَّهُ إنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ المانِعِ الخارِجِيِّ كانَ كِنايَةً ثُمَّ أُلْحِقَ بِالمَجازِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ كِنايَةٌ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ قَبْلَ الإلْحاقِ ومَجازٌ بَعْدَهُ، فَلا تَناقُضَ بَيْنَهم كَما تَوَهَّمُوهُ، فَتَدَبَّرْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلَيْنِ وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْوَعِيدِ.
﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ ولا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أزْكِياءُ ولا يُسَمِّيهِمْ بِذَلِكَ بَلْ يَحْكُمُ بِأنَّهم كَفَرَةٌ فَجَرَةٌ، قالَهُ القاضِي، وقالَ الجُبّائِيُّ: لا يُنْزِلُهم مَنزِلَةَ الأزْكِياءِ، وقِيلَ: لا يُطَهِّرُهم عَنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ والأوْزارِ بِالمَغْفِرَةِ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [ 77 ] أيْ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ في القِيامَةِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ اِكْتِفاءً بِالأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ في الدُّنْيا بِالإهانَةِ وضَرْبِ الجِزْيَةِ بِناءً عَلى أنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ.
آل عمران 3:78
﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا﴾ أيْ إنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ الخائِنِينَ لِجَماعَةٍ ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ أيْ يُحَرِّفُونَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: أصْلُ اللَّيِّ الفَتْلُ مِن قَوْلِكَ: لَوَيْتُ يَدَهُ إذا فَتَلْتُها، ومِنهُ لَوَيْتُ الغَرِيمَ إذا مَطَلْتُهُ
صفحة 205
حَقَّهُ، قالَ الشّاعِرُ:
تُطِيلِينَ لَيّانِي وأنْتِ (مَلِيَّةٌ) وأُحْسِنُ يا ذاتَ الوِشاحِ التَّقاضِيا
وفِي الخَبَرِ: «”لَيُّ الواجِدِ ظُلْمٌ“،» فالمَعْنى يَفْتِلُونَ ألْسِنَتَهم في القِراءَةِ بِالتَّحْرِيفِ في الحَرَكاتِ ونَحْوِها تَغْيِيرًا يَتَغَيَّرُ بِهِ المَعْنى ويَرْجِعُ هَذا في الآخِرَةِ إلى ما قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ يُمِيلُونَ الألْسِنَةَ بِمُشابِهِ الكِتابِ، والألْسِنَةُ جَمْعُ لِسانٍ، وذَكَرَ اِبْنُ الشِّحْنَةِ أنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ونُقِلَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ مَن أنَّثَهُ جَمَعَهُ عَلى ألْسُنٍ، ومَن ذَكَّرَهُ جَمَعَهُ عَلى ألْسِنَةٍ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: اللِّسانُ بِعَيْنِهِ لَمْ أسْمَعْهُ مِنَ العَرَبِ إلّا مُذَكَّرًا ولا يَخْفى أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي؛ والباءُ صِلَةٌ أوْ لِلْآلَةِ أوْ لِلظَّرْفِيَّةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنَ الألْسِنَةِ أيْ مُلْتَبِسَةٌ بِالكِتابِ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ (يُلَوُّونَ) بِالتَّشْدِيدِ فَهو عَلى حَدِّ ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾، وعَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ كَثِيرٍ (يَلُونَ) عَلى قَلْبِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً ثُمَّ تَخْفِيفِها بِحَذْفِها وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى السّاكِنِ قَبْلَها كَذا قِيلَ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَوْ نُقِلَتْ ضَمَّةُ الواوِ لِما قَبْلَها فُحِذَفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَفى في التَّوْجِيهِ فَأيُّ حاجَةٍ إلى قَلْبِ الواوِ هَمْزَةً، ورُدَّ بِأنَّهُ فُعِلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلى القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ بِخِلافِ نَقْلِ حَرَكَةِ الواوِ ثُمَّ حَذْفِها عَلى ما عُرِفَ في التَّصْرِيفِ، ونَظَرَ فِيهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ الواوَ المَضْمُومَةَ إنَّما تُبَدَّلُ هَمْزَةً إذا كانَتْ ضَمَّتُها أصْلِيَّةً فَهو مُخالِفٌ لِلْقِياسِ أيْضًا، نَعَمْ قُرِئَ (يَلْؤُونَ) بِالهَمْزِ في الشَّواذِّ وهو يُؤَيِّدُهُ، وعَلى كُلٍّ فَفِيهِ اِجْتِماعُ إعْلالَيْنِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، وأمّا جَعْلُهُ مِنَ الوَلْيِ بِمَعْنى القُرْبِ أيْ يُقَرِّبُونَ ألْسِنَتَهم بِمَيْلِها إلى المُحَرَّفِ فَبَعِيدٌ مِنَ الصَّحِيحِ قَرِيبٌ إلى المُحَرَّفِ.
﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ لِتَظُنُّوا أيُّها المُسْلِمُونَ أنَّ المُحَرَّفَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِاللَّيِّ أوِ المُشابِهَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلَ عَلى بَعْضِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقُرِئَ (لِيَحْسَبُوهُ) بِالياءِ والضَّمِيرُ أيْضًا لِلْمُسْلِمِينَ، ﴿وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ ولَكِنَّهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ ويَزْعُمُونَ صَرِيحًا غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِالتَّوْرِيَةِ والتَّعْرِيضِ أنَّ المُحَرَّفَ أوِ المُشابِهَ نازِلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ ولَيْسَ هو نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واَلْواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ في الخَبَرِ، وفي جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ﴾ الخ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ الَّذِي قَبْلَها ولَيْسَ الغَرَضُ التَّأْكِيدَ فَقَطْ وإلّا لَما تَوَجَّهَ العَطْفُ بَلِ التَّشْنِيعُ أيْضًا بِأنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ التَّعْرِيضِ حَتّى اِرْتَكَبُوا هَذا التَّصْرِيحَ وبِهَذا حَصَلَتِ المُغايَرَةُ المُقْتَضِيَةُ لِلْعَطْفِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ ما قَدِمُوا عَلَيْهِ.
((واسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وإلّا صَدَقَ أُولَئِكَ المُحَرِّفُونَ بِقَوْلِهِمْ ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ تَعالى لَكِنَّ اللَّهَ (ورَدَّ) بِأنَّ القَوْمَ ما اِدَّعَوْا أنَّ التَّحْرِيفَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وبِخَلْقِهِ وإنَّما اِدَّعَوْا أنَّ المُحَرَّفَ مَنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ [هُوَ] حُكْمٌ مِن أحْكامِهِ فَتَوَّجَهُ [اَلتَّكْذِيبُ] تَكْذِيبُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم إلى هَذا الَّذِي زَعَمُوا)). والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ بِالنَّفْيِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ نُزُولُهُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وهو أخَصُّ مِن كَوْنِهِ مِن فِعْلِهِ وخَلْقِهِ، ونَفْيُ الخاصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ العامِّ فَلا يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهم لا لِلَّهِ تَعالى.
﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيْ في نِسْبَتِهِمْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى تَعْرِيضًا وتَصْرِيحًا ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ [ 78 ] أنَّهم كاذِبُونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وهو تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما اِفْتَرَوْهُ عَنْ عَمْدٍ لا خَطَأٍ، وقِيلَ: يَعْلَمُونَ ما عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ مِنَ العِقابِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى جَمِيعًا، وذَلِكَ أنَّهم حَرَّفُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وألْحَقُوا بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ما لَيْسَ مِنهُ، ورَوى غَيْرُ واحِدٍ أنَّها في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ، وهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ
صفحة 206
ومالِكٌ وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وأبُو ياسِرٍ وشُعْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الشّاعِرُ غَيَّرُوا ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ.
واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ المُحَرَّفَ هَلْ كانَ يُكْتَبُ في التَّوْراةِ أمْ لا؟ فَذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ في التَّوْراةِ سِوى كَلامِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ تَحْرِيفَ اليَهُودِ لَمْ يَكُنْ إلّا تَغْيِيرًا وقْتَ القِراءَةِ أوْ تَأْوِيلًا باطِلًا لِلنُّصُوصِ، وأمّا أنَّهم يَكْتُبُونَ ما يَرُومُونَ في التَّوْراةِ عَلى تَعَدُّدِ نُسَخِها فَلا، واحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كَما أنْزَلَهُما اللَّهُ تَعالى لَمْ يُغَيَّرْ مِنهُما حَرْفٌ ولَكِنَّهم يَضِلُّونَ بِالتَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ وكُتُبٍ كانُوا يَكْتُبُونَها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَقُولُونَ: إنْ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَأمّا كُتُبُ اللَّهِ تَعالى فَإنَّها مَحْفُوظَةٌ لا تُحَوَّلُ، وبِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ لِلْيَهُودِ إلْزامًا لَهُمْ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهم يَمْتَنِعُونَ عَنْ ذَلِكَ فَلَوْ كانَتْ مُغَيَّرَةً إلى ما يُوافِقُ مَرامَهم ما اِمْتَنَعُوا بَلْ وما كانَ يَقُولُ لَهم ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ يَعُودُ عَلى مَطْلَبِهِ الشَّرِيفِ بِالإبْطالِ.
وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهم بَدَّلُوا وكَتَبُوا ذَلِكَ في نَفْسِ كِتابِهِمْ واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِكَثِيرٍ مِنَ الظَّواهِرِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ تَعَدُّدُ النُّسَخِ إمّا لِاحْتِمالِ التَّواطُؤِ أوْ فِعْلُ ذَلِكَ في البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وكَذا لا يَمْنَعُ مِنهُ قَوْلُ الرَّسُولِ لَهم ذَلِكَ لِاحْتِمالِ عِلْمِهِ ﷺ بِبَقاءِ بَعْضِ ما يَفِي بِغَرَضِهِ سالِمًا عَنِ التَّغْيِيرِ إمّا لِجَهْلِهِمْ بِوَجْهِ دَلالَتِهِ، أوْ لَصَرْفِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَنْ تَغْيِيرِهِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ فَهو عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ عَنْهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا عَنِ اِجْتِهادٍ، أوْ ناشِئًا عَنْ عَدَمِ اِسْتِقْراءٍ تامٍّ، ومِمّا يُؤَيِّدُ وُقُوعَ التَّغْيِيرِ في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وأنَّها لَمْ تَبْقَ كَيَوْمِ نَزَلَتْ - وُقُوعُ التَّناقُضِ في الأناجِيلِ وتَعارُضُها وتَكاذُبُها وتَهافُتُها ومُصادَمَتُها بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَإنَّها أرْبَعَةُ أناجِيلَ: الأوَّلُ: «إنْجِيلُ مَتّى» وهو مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الحَوارِيِّينَ، وإنْجِيلُهُ بِاللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ كَتَبَهُ بِأرْضِ فِلَسْطِينَ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ إلى السَّماءِ بِثَمانِي سِنِينَ، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ ثَمانِيَةٌ وسِتُّونَ إصْحاحًا، والثّانِي: «إنْجِيلُ مُرْقُسَ» وهو مِنَ السَّبْعِينَ، وكَتَبَ إنْجِيلَهُ بِاللُّغَةِ الفِرِنْجِيَّةِ بِمَدِينَةٍ رُومِيَّةٍ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ إصْحاحًا، والثّالِثُ: «إنْجِيلُ لُوقا» وهو مِنَ السَّبْعِينَ أيْضًا، كَتَبَ إنْجِيلَهُ بِاللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ بِمَدِينَةِ الإسْكَنْدَرِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ ثَلاثَةٌ وثَمانُونَ إصْحاحًا، والرّابِعُ: «إنْجِيلُ يُوحَنّا» وهو حَبِيبُ المَسِيحِ، كَتَبَ إنْجِيلَهُ بِمَدِينَةِ إقْسِسَ مِن بِلادِ رُومِيَّةَ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ بِثَلاثِينَ سَنَةً، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ في النُّسَخِ القِبْطِيَّةِ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ إصْحاحًا.
وقَدْ تَضَمَّنَ كُلُّ إنْجِيلٍ مِنَ الحِكاياتِ والقِصَصِ ما أغْفَلَهُ الآخَرُ، واشْتَمَلَ عَلى أُمُورٍ وأشْياءَ قَدِ اِشْتَمَلَ الآخَرُ عَلى نَقِيضِها أوْ ما يُخالِفُها، وفِيها ما تَحْكُمُ الضَّرُورَةُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى أصْلًا، فَمِن ذَلِكَ أنَّ مَتّى ذَكَرَ أنَّ المَسِيحَ صُلِبَ وصُلِبَ مَعَهُ لِصّانِ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ، وأنَّهُما جَمِيعًا كانا يَهْزَآنِ بِالمَسِيحِ مَعَ اليَهُودِ ويُعَيِّرانِهِ، وذَكَرَ لُوقا خِلافَ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ أحَدَهُما كانَ يَهْزَأُ بِهِ والآخَرَ يَقُولُ لَهُ: أما تَتَّقِي اللَّهَ تَعالى أمّا نَحْنُ فَقَدَ جُوزِينا وأمّا هَذا فَلَمْ يَعْمَلْ قَبِيحًا، ثُمَّ قالَ لِلْمَسِيحِ: يا سَيِّدِي اُذْكُرْنِي في مَلَكُوتِكَ، فَقالَ: حَقًّا إنَّكَ تَكُونُ مَعِي اليَوْمَ في الفِرْدَوْسِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا يَؤُولُ إلى التَّناقُضِ فَإنَّ اللِّصَّيْنِ عِنْدَ مَتّى كافِرانِ وعِنْدَ لُوقا أحَدُهُما مُؤْمِنٌ والآخَرُ كافِرٌ، وأغْفَلَ هَذِهِ القِصَّةَ مُرْقُسُ ويُوحَنّا.
ومِنهُ أنَّ لُوقا ذَكَرَ أنَّهُ قالَ يَسُوعُ: إنَّ اِبْنَ الإنْسانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ نُفُوسَ النّاسِ ولَكِنْ لِيُحْيِيَ، وخالَفَهُ أصْحابُهُ وقالُوا بَلْ قالَ: إنَّ اِبْنَ الإنْسانِ لَمْ يَأْتِ لِيُلْقِيَ عَلى الأرْضِ سَلامَةً لَكِنْ سَيْفًا ويُضْرِمُ فِيها نارًا، ولا شَكَّ أنَّ هَذا تَناقُضٌ، أحَدُهُما: يَقُولُ جاءَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، والآخَرُ يَقُولُ: جاءَ نِقْمَةً عَلى الخَلائِقِ أجْمَعِينَ.
ومِن ذَلِكَ أنَّ مَتى قالَ: قالَ يَسُوعُ لِلتَّلامِيذِ الِاثْنَيْ عَشَرَ: أنْتُمُ الَّذِينَ تَكُونُونَ في الزَّمَنِ الآتِي جُلُوسًا عَلى اِثْنَيْ عَشَرَ
صفحة 207
كُرْسِيًّا تَدِينُونَ اِثْنَيْ عَشَرَ سِبْطَ إسْرائِيلَ فَشَهِدَ لِلْكُلِّ بِالفَوْزِ والبِرِّ عامَّةً في القِيامَةِ ثُمَّ نَقَضَ ذَلِكَ مَتّى وغَيْرُهُ وقالَ: مَضى واحِدٌ مِنَ التَّلامِيذِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وهو يَهُوذا صاحِبُ صُنْدُوقِ الصَّدَقَةِ فارْتَشى عَلى يَسُوعَ بِثَلاثِينَ دِرْهَمًا وجاءَ بِالشُّرَطِيِّ فَسَلَّمَ إلَيْهِمْ يَسُوعَ فَقالَ يَسُوعُ: الوَيْلُ لَهُ خَيْرٌ لَهُ أنْ لا يُولَدُ، ومِنهُ أنَّ مَتّى أيْضًا ذَكَرَ أنَّهُ لَمّا حُمِلَ يَسُوعُ إلى فِيلاطِسَ القائِدِ قالَ: أيُّ شَرٍّ فَعَلَ هَذا فَصَرَخَ اليَهُودُ وقالُوا: يُصْلَبُ يُصْلَبُ، فَلَمّا رَأى عَزْمَهم وأنَّهُ لا يَنْفَعُ فِيهِمْ أخَذَ ماءً وغَسَلَ يَدَيْهِ، وقالَ: أنا بَرِيءٌ مِن دَمِ هَذا الصِّدِّيقِ وأنْتُمْ أبْصَرُ، وأكْذَبَ يُوحَنّا ذَلِكَ فَقالَ: لَمّا حُمِلَ يَسُوعُ إلَيْهِ قالَ لِلْيَهُودِ: ما تُرِيدُونَ؟ قالُوا: يُصْلَبُ، فَضَرَبَ يَسُوعَ ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَيْهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ، فَإذا وقَعَ هَذا التَّغْيِيرُ والتَّحْرِيفُ في أُصُولِ القَوْمِ ومُتَقَدِّمِيهِمْ فَما ظَنُّكَ في فُرُوعِهِمْ ومُتَأخِّرِيهِمْ.
وإذا كانَ في الأنابِيبِ حَيْفٌ ∗∗∗ وقَعَ الطَّيْشُ في صُدُورِ الصِّعادِ
ويا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَنَبَّهَ اِبْنُ مُنَبِّهٍ لِهَذا أمْ لَمْ يَتَنَبَّهْ فَقالَ: إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كَما أنْزَلَهُما اللَّهُ تَعالى سُبْحانَ اللَّهِ هَذا مِنَ العَجَبِ العُجابِ؟!.
آل عمران 3:79
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهُ﴾ تَنْزِيهٌ لِأنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إثْرَ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ نِسْبَةِ ما اِفْتَراهُ أهْلُ الكِتابِ إلَيْهِ، وقِيلَ: تَكْذِيبٌ ورَدٌّ عَلى عَبَدَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحَقَ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «”قالَ أبُو رافِعٍ القُرَظِيُّ حِينَ اِجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودَعاهم إلى الإسْلامِ: أتُرِيدُ يا مُحَمَّدُ أنْ نَعْبُدَكَ كَما تَعْبُدُ النَّصارى عِيسى اِبْنَ مَرْيَمَ؟ فَقالَ رَجُلٌ مِن أهْلِ نَجْرانَ نَصْرانِيٌّ يُقالُ لَهُ الرَّئِيسُ: أوَ ذاكَ تُرِيدُ مِنّا يا مُحَمَّدُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ أوْ نَأْمُرَ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ ما بِذَلِكَ بَعَثَنِي ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي ”فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ». وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: «“ بَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ؟ قالَ: لا ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى" فَنَزَلَتْ». وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، قالَ: «كانَ ناسٌ مِن يَهُودَ يَتَعَبَّدُونَ النّاسَ مِن دُونِ رَبِّهِمْ بِتَحْرِيفِهِمْ كِتابَ اللَّهِ تَعالى عَنْ مَوْضِعِهِ فَقالَ: ما كانَ لِبَشَرٍ» الخ. والمَعْنى ما يَصِحُّ، وقِيلَ: ما يَنْبَغِي، وقِيلَ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ، وعَبَّرَ بِالبَشَرِ إيذانًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ البَشَرِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْأمْرِ الَّذِي أسْنَدَهُ الكَفَرَةُ إلى أُولَئِكَ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والجارُّ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِ كانَ والمُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ بَعْدَ اِسْمِها، ولا بُدَّ لِاسْتِقامَةِ المَعْنى مِن مُلاحَظَةِ العَطْفِ إذْ لَوْ سُكِتَ عَنْهُ لَمْ يَصِحَّ لَأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ آتى كَثِيرًا مِنَ البَشَرِ الكِتابَ وأخَوَيْهِ، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى مَنصُوبِ أنْ بِ (ثُمَّ) تَعْظِيمًا لِهَذا القَوْلِ فَإنَّهُ إذا اِنْتَفى بَعْدَ مُهْلَةٍ كانَ اِنْتِفاؤُهُ بِدُونِها أوْلى وأحْرى فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا الإيتاءَ العَظِيمَ لا يُجامِعُ هَذا القَوْلَ أصْلًا وإنْ كانَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن هَذا الإنْعامِ، والحُكْمُ بِمَعْنى الحِكْمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها، والعِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ، قالَ القاضِيَ: وهو هُنا مِنَ العِبادَةِ ولَمْ يَقُلْ عَبِيدًا لِأنَّهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ وهي لا تَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ولِهَذا يُقالُ: هَؤُلاءِ عَبِيدُ زَيْدٍ، ولا يُقالُ: عِبادُهُ، والظَّرْفُ الَّذِي بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، أيْ عِبادًا كائِنِينَ لِي و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ ﴿عِبادًا﴾ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً ثانِيَةً وأنْ يَكُونَ حالًا لِتَخْصِيصِ النَّكِرَةِ بِالوَصْفِ، أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى إشْراكًا وإفْرادًا كَما قالَ الجُبّائِيُّ فَإنَّ التَّجاوُزَ مُتَحَقِّقٌ
صفحة 208
فِيهِما حَتْمًا، ثُمَّ إنَّ هَذا الإيتاءَ في الآيَةِ حَقِيقَةٌ عَلى الرِّوايَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مُجازٌ عَلى الرِّوايَةِ الأخِيرَةِ كَما لا يَخْفى.
﴿ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ إثْباتٌ لِما نَفى سابِقًا، وهو القَوْلُ المَنصُوبُ بِأنْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ لِذَلِكَ البَشَرِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ لَكِنْ يَقُولُ كُونُوا رَبّانِيِّينَ، فالفِعْلُ هُنا مَنصُوبٌ أيْضًا عَطْفًا عَلَيْهِ، وجُوِّزَ رَفْعُهُ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ في مَعْنى لا يَقُولُ، وقِيلَ: يَصِحُّ عَدَمُ تَقْدِيرِ القَوْلِ عَلى مَعْنى لا تَكُونُوا قائِلِينَ لِذَلِكَ، ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ وفَسَّرَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ الرَّبّانِيُّ بِالفَقِيهِ العالِمِ، وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ بِالعالِمِ الحَكِيمِ، وابْنُ جُبَيْرٍ بِالحَلِيمِ التَّقِيِّ، وابْنُ زَيْدٍ بِالمُدَبِّرِ أمْرَ النّاسِ، وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ وهو لَفْظٌ عَرَبِيٌّ لا سُرْيانِيٌّ عَلى الصَّحِيحِ، وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ العَرَبَ لا تَعْرِفُهُ [وإنَّما عَرَفَها الفُقَهاءُ وأهْلُ العِلْمِ]، وهو مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ كَإلَهِيٍّ، والألِفُ والنُّونُ يُزادانِ في النَّسَبِ لِلْمُبالَغَةِ كَثِيرًا كَلِحْيانِيٍّ لِعَظِيمِ اللِّحْيَةِ، والجُمّانِيِّ لِوافِرِ الجُمَّةِ، ورَقَبانِيٍّ بِمَعْنى غَلِيظِ الرَّقَبَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنسُوبٌ إلى رَبّانَ صِفَةٌ كَعَطْشانَ بِمَعْنى مُرَّبًى.
﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [ 79 ] الباءُ السَّبَبِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ كُونُوا أيْ كُونُوا كَذَلِكَ بِسَبَبِ مُثابَرَتِكم عَلى تَعْلِيمِكُمُ الكِتابَ ودِراسَتِكم لَهُ، والمَطْلُوبُ أنْ لا يَنْفَكَّ العِلْمُ عَنِ العَمَلِ، إذْ لا يُعْتَدُّ بِأحَدِهِما بِدُونِ الآخَرِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِرَبّانِيِّينَ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، والدِّراسَةُ التَّكْرارُ، يُقالُ: دَرَسَ الكِتابَ أيْ كَرَّرَهُ، وتُطْلَقُ عَلى القِراءَةِ، وتَكْرِيرُ ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ اِسْتِمْرارِ التَّعْلِيمِ واسْتِمْرارِ القِراءَةِ المُشْعِرِ بِهِ جَعْلُ خَبَرِ (كانَ) مُضارِعًا -بِالفَضْلِ وتَحْصِيلِ الرَّبّانِيَّةِ، وقَدَّمَ تَعْلِيمَ الكِتابِ عَلى دِراسَتِهِ لِوُفُورِ شَرَفِهِ عَلَيْها، أوْ لِأنَّ الخِطابَ الأوَّلَ: لِرُؤَسائِهِمْ، والثّانِيَ: لِمَن دُونَهُمْ، وقِيلَ: لِأنَّ مُتَعَلِّقَ التَّعْلِيمِ الكِتابُ بِمَعْنى القُرْآنِ، ومُتَعَلِّقُ الدِّراسَةِ الفِقْهُ، وفِيهِ بُعْدٌ بِعِيدٌ وإنْ أشْعَرَ بِهِ كَلامُ بَعْضِ السَّلَفِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ (تَعْلَمُونَ) بِمَعْنى عالِمِينَ، وقُرِئَ (تُدَرِّسُونَ) بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّدْرِيسِ، وتُدْرِسُونَ مِنَ الإدْراسِ بِمَعْناهُ، ومَجِيءُ أفْعَلَ بِمَعْنى فَعَّلَ كَثِيرٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أيْضًا بِهَذا المَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ تُدَرِّسُونَهُ لِلنّاسِ.
آل عمران 3:80
﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ قَرَأ اِبْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿ولا يَأْمُرَكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (يَقُولَ)، (ولا) إمّا مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ الشّائِعِ في الِاسْتِعْمالِ سِيَّما عِنْدَ طُولِ العَهْدِ وتَخَلُّلِ الفَصْلِ، والمَعْنى ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ويُرْسِلَهُ لِلدَّعْوَةِ إلى اِخْتِصاصِهِ بِالعِبادَةِ وتَرْكِ الأنْدادِ ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لَهُ ويَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، فَهو كَقَوْلِكَ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ أُكْرِمَهُ ثُمَّ يُهِينَنِي ولا يَسْتَخِفَّ بِي، وإمّا غَيْرُ زائِدَةٍ بِناءً عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ يَنْهى عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: أنَتَّخِذُكَ رَبًّا؟ قِيلَ لَهُمْ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَتَّخِذَهُ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِعِبادَتِهِ ويَنْهاهم عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، مَعَ أنَّ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْتَعْبِدَ شَخْصًا يَقُولُ لَهُ: يَنْبَغِي أنْ تَعْبُدَ أمْثالِي وأكْفائِي، وعَلى هَذا يَكُونُ المَقْصُودُ مِن عَدَمِ الأمْرِ النَّهْيَ، وإنْ كانَ أعَمَّ مِنهُ لِكَوْنِهِ أمَسَّ بِالمَقْصُودِ وأوْفَقَ لِلْواقِعِ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (ولا يَأْمُرُكُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويُحْتَمَلُ الحالِيَّةُ، وقِيلَ: والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ أظْهَرُ، ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ (ولَنْ يَأْمُرَكُمْ) ووَجَهَّتِ الأظْهَرِيَّةُ بِالخُلُوِّ عَنْ تَكَلُّفِ جَعْلِ عَدَمِ الأمْرِ بِمَعْنى النَّهْيِ، وبِأنَّ العَطْفَ يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَهُ عَلى (لَكِنْ) وكَذا الحالِيَّةُ أيْضًا.
صفحة 209
وقُرِئَ بِإسْكانِ الرّاءِ فِرارًا مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، وعَلى سائِرِ القِراءاتِ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدٌ عَلى بَشَرٍ، وجُوِّزَ عَوْدُهُ في بَعْضِها عَلى اللَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ الأمْرانِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ والِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، وكَوْنُ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ في أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ نَكِرَةً يَجْعَلُهُ عامًّا ﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [ 80 ] اِسْتَدَلَّ بِهِ الخَطِيبُ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ القائِلِينَ «أفَلا نَسْجُدُ لَكَ؟» بِناءً عَلى الظّاهِرِ، ووَجْهُ كَوْنِ الخِطابِ لِلْكَفّارِ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِأهْلِ الكِتابِ: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ مُسْتَعِدُّونَ لِلدِّينِ الحَقِّ إرْخاءً لِلْعِنانِ واسْتِدْراجًا، والقَوْلُ بِأنَّ كُلَّ مُصَدِّقٍ بِنَبِيِّهِ مُسْلِمٌ، ودَعْواهُ أنَّهُ أمَرَهُ نَبِيُّهُ بِما يُوجِبُ كُفْرَهُ دَعْوى أنَّهُ أمَرَهُ بِالكُفْرِ بَعْدَ إسْلامِهِ فَدَلالَةُ هَذا عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ ضَعِيفَةٌ في غايَةِ السُّقُوطِ، كَما لا يَخْفى.
آل عمران 3:81
﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُخاطَبٍ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أيِ اُذْكُرْ وقْتَ ذَلِكَ، واخْتارَ السَّمِينُ كَوْنَهُ مَعْمُولًا لِ (أقْرَرْتُمْ) الآتِي، وضَعَّفَهُ عَبْدُ الباقِي بِأنَّ خِطابَ ﴿أقْرَرْتُمْ﴾ بَعْدَ تَحَقُّقِ أخْذِ المِيثاقِ، وفِيهِ تَرَدُّدٌ، وعَطْفُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ كَما نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ بَعِيدٌ.
واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنَ الآيَةِ، فَقِيلَ: إنَّها عَلى ظاهِرِها ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، قالَ: ”لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ إلّا أخَذَ عَلَيْهِ العَهْدَ في مُحَمَّدٍ ﷺ، لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، ويَأْمُرُهُ فَيَأْخُذُ العَهْدَ عَلى قَوْمِهِ“ ثُمَّ تَلا الآيَةَ، وعَدَمُ ذِكْرِ الأُمَمِ فِيها حِينَئِذٍ إمّا لِأنَّهم مَعْلُومُونَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى أوْ لِأنَّهُ اِسْتَغْنى بِذِكْرِ النَّبِيِّينَ عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَفي الآيَةِ اِكْتِفاءٌ ولَيْسَ فِيها الجَمْعُ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ.
وقِيلَ: إنَّ إضافَةَ المِيثاقِ إلى النَّبِيِّينَ إضافَةٌ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ الَّذِي وثَّقَهُ النَّبِيُّونَ عَلى أُمَمِهِمْ وإلى هَذا ذَهَبَ اِبْنُ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ (وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَما آتَيْتُكُمْ) الخ، ونَحْنُ نَقْرَأُ ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ، وأشارَ بِذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى أنَّهُ لا تَناقُضَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ كَما تُوُهِّمَ حَتّى ظُنَّ أنَّ ذَلِكَ مَنشَأُ قَوْلِ مُجاهِدٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ أنَّ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ خَطَأٌ مِنَ الكِتابِ، وأنَّ الآيَةَ كَما قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لا يَصْلُحُ ذَلِكَ وحْدَهُ مَنشَأٌ وإلّا لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلا مُرَجِّحٍ بَلِ المَنشَأُ لِذَلِكَ إنْ صَحَّ، ولا أظُنُّ ما يُعْلَمُ بَعْدَ التَّأمُّلِ فِيما أسْلَفْناهُ في المُقَدِّماتِ وبَسَطْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في «اَلْأجْوِبَةُ العِراقِيَّةُ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ».
وقِيلَ: المُرادُ أُمَمُ النَّبِيِّينَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ وقِيلَ: المُضافُ المَحْذُوفُ أوْلادٌ، والمُرادُ بِهِمْ عَلى الصَّحِيحِ بَنُو إسْرائِيلَ لِكَثْرَةِ أوْلادِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، وأنَّ السِّياقَ في شَأْنِهِمْ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ المُشارِ إلَيْها، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقًا مِثْلَ مِيثاقِ النَّبِيِّينَ أيْ مِيثاقًا غَلِيظًا عَلى الأُمَمِ، ثُمَّ جَعَلَ مِيثاقَهم نَفْسَ مِيثاقِهِمْ بِحَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ مُبالَغَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ النَّبِيِّينَ بَنُو إسْرائِيلَ وسَمّاهم بِذَلِكَ تَهَكُّمًا لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ لِأنّا أهْلَ الكِتابِ والنَّبِيُّونَ كانُوا مِنّا، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَنِ اِئْتَمَنتَهُ عَلى شَيْءٍ فَخانَ فِيهِ ثُمَّ زَعَمَ الأمانَةَ: يا أمِينُ ماذا صَنَعْتَ بِأمانَتِي؟! وتَعَقَّبَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ لا قَرِينَةَ تُبَيِّنُ ذَلِكَ.
وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلَ بِهِ لَعَلَّهُ
صفحة 210
اَتَّخَذَ مَقالَهُمُ المَذْكُورَ قَرِينَةً حالِيَّةً، وقِيلَ: إنَّ الإضافَةَ لِلتَّعْلِيلِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النّاسِ لِأجْلِ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ الخ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا أيْضًا مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ، وقالَ الشِّهابُ: لَمْ نَرَ مَن ذَكَرَ أنَّ الإضافَةَ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ في غَيْرِ كَلامِ هَذا القائِلِ.
واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَوْلَ الأوَّلَ، وأخْذُ المِيثاقِ مِنَ النَّبِيِّينَ لَهُ ﷺ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ أنَّهم لا يُدْرِكُونَ وقْتَهُ لا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ لِما فِيهِ مَعَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ ﷺ والتَّفْخِيمِ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ والتَّنْوِيهِ بِالذِّكْرِ ما لا يَنْبَغِي إلّا لِذَلِكَ الجَنابِ، وتَعْظُمُ الفائِدَةُ إذا كانَ ذَلِكَ الأخْذُ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ لا في عالَمِ الذَّرِّ فَإنَّهُ بَعِيدٌ كَبُعْدِ ذَلِكَ الزَّمانِ كَما عَلَيْهِ البَعْضُ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأخْذِ المِيثاقِ مِنَ الأنْبِياءِ المُوجِبِ لِإيمانِ مَن أدْرَكَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم بِهِ ما أخْرَجَهُ أبُو يَعْلى عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا فَإمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ، وإمّا أنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وإنَّهُ واَللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا بَيْنَ أظْهُرِكم ما حَلَّ لَهُ إلّا أنْ يَتْبَعَنِي“،» وفي مَعْناهُ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ وهي تُؤَيِّدُ بِظاهِرِها ما قُلْنا، ومِن هُنا ذَهَبَ العارِفُونَ إلى أنَّهُ ﷺ هو النَّبِيُّ المُطْلَقُ والرَّسُولُ الحَقِيقِيُّ والمُشَرِّعُ الِاسْتِقْلالِيُّ، وأنَّ مَن سِواهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ ﷺ.
وهَذا وقَدْ عَدُّوا هَذِهِ الآيَةَ مِن مُشْكِلاتِ القُرْآنِ إعْرابًا وقَدْ غاصَ النَّحْوِيُّونَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ وشَقُّوا الشِّعْرَ فِيهِ، ولْنَذْكُرْ بَعْضَ الكَلامِ في ذَلِكَ، فَنَقُولُ: قالَ غَيْرُ واحِدٍ: اللّامُ في ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ والتَّخْفِيفِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأخْذِ المِيثاقِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِحْلافِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُسَهِّلُ تَفَهُّمَ الجَوابِ عَلى السّامِعِ، وعَرَّفَها النُّحاةُ كَما قالَ الشِّهابُ: بِأنَّها اللّامُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الشَّرْطِ سَواءٌ إنَّ وغَيْرُها لَكِنَّها غَلَبَتْ في إنَّ بَعْدَ تَقَدُّمِ القَسَمِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا لِتُؤْذِنَ أنَّ الجَوابَ لَهُ لا لِلشَّرْطِ كَقَوْلِكَ: لَئِنْ أكْرَمْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ، ولَوْ قُلْتَ: أُكْرِمُكَ، أوْ فَإنِّي أُكْرِمُكَ، أوْ ما أشْبَهَهُ مِمّا يُجابُ بِهِ الشَّرْطُ، لَمْ يَجُزْ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ اِبْنُ الحاجِبِ وخالَفَهُ الفَرّاءُ فِيهِ فَجَوَّزَ أنْ يُجابَ الشَّرْطُ مَعَ تَقَدُّمِ القَسَمِ عَلَيْهِ لَكِنَّ الأوَّلَ هو المُصَحَّحُ، وكَوْنُها يَجِبُ دُخُولُها عَلى الشَّرْطِ هو المَشْهُورُ وخالَفَ فِيهِ بَعْضُ النُّحاةِ، قالَ: يَجُوزُ دُخُولُها عَلى غَيْرِ الشَّرْطِ إمّا مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ مُشابَهَتِهِ لِلشَّرْطِ كَما المَوْصُولَةُ دُونَ الزّائِدَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ هُودٍ: إنَّهُ لا يَجِبُ دُخُولُها عَلى كَلِمِ المُجازاةِ، ونَقَلَهُ الأزْهَرِيُّ عَنِ الأخْفَشِ، وذَكَرَ أنَّ ثَعْلَبًا غَلَّطَهُ فِيهِ فالمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ.
وما شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ (آتَيْتُ) والمَفْعُولُ الثّانِي ضَمِيرُ المُخاطَبِ، و(مِن) بَيانٌ لِما واعْتُرِضَ بِأنَّ حَمْلَ (مِن) عَلى البَيانِ شائِعٌ بَعْدَ المَوْصُولَةِ، وأمّا بَعْدَ الشَّرْطِيَّةِ فَيَحْتاجُ إلى النَّقْلِ، ومِثْلُ ذَلِكَ القَوْلِ بِزِيادَتِها لِأنَّ زِيادَتَها بَعْدَ المَوْصُولَةِ أيْضًا كَزِيادَتِها بَعْدَ الشَّرْطِيَّةِ مُحْتاجٌ لِما ذُكِرَ، وأُجِيبَ بِأنَّ السَّمِينَ نَقَلَ ما يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ عِنْدَ الأئِمَّةِ، وفي «جَنْيِ الدّانِي»: ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ (مِن) تُزادُ بِالشُّرُوطِ في غَيْرِ بابِ التَّمْيِيزِ، وأمّا فِيهِ فَتُزادُ وإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ الشُّرُوطَ نَحْوَ لِلَّهِ دَرُّكَ مِن رَجُلٍ، ومِن هُنا قالَ مَوْلانا عَبْدُ الباقِي: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ ذُكِرَتْ لِبَيانِ (ما) الشَّرْطِيَّةِ، أوْ زائِدَةٌ داخِلَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ، و﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ جَوابُ القَسَمِ وحْدَهُ عَلى الصَّحِيحِ، ولِدَلالَتِهِ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ واتِّحادِ مَعْناهُما تَسامَحَ بَعْضُهم فَجَعَلَهُ سادًّا مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، ولَمْ يَرِدْ أنَّهُ جَوابُ القِسْمِ وجَوابُ الشَّرْطِ لِتَنافِيهِما مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ: لا مَحَلَّ لَهُ، والثّانِي: لَهُ مَحَلٌّ، والقَوْلُ بِأنَّ الجُمْلَةَ الواحِدَةَ قَدْ يُحْكَمُ عَلَيْها بِالأمْرَيْنِ بِاعْتِبارَيْنِ اِلْتِزامٌ لِما لا يَلْزَمُ، وجَوَّزُوا كَوْنَ (ما) مَوْصُولَةً واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلَيْها حِينَئِذٍ لامُ الِابْتِداءِ، ويُشْعِرُ كَلامُ البَعْضِ أنَّ اللّامَ بَعْدُ مُوَطِّئَةٌ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن جَوَّزَ دُخُولَ المُوَطِّئَةِ عَلى غَيْرِ الشَّرْطِ مِنَ النُّحاةِ كَما مَرَّ وهي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ
صفحة 211
إمّا مُقَدَّرٌ أوْ جُمْلَةُ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ مَعَ القَسَمِ المُقَدَّرِ، والكَلامُ في مِثْلِهِ شَهِيرٌ.
وأُورِدُ عَلَيْهِ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) إنْ عادَ عَلى المُبْتَدَأِ عَلى ما هو الظّاهِرُ كانَ المِيثاقُ هو إيمانَهم بِما آتاهُمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أخْذُ المِيثاقِ بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ ﷺ ونَصَّرَتْهُ، وإنْ عادَ عَلى الرَّسُولِ كالضَّمِيرِ الثّانِي المَنصُوبِ العائِدِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا دَفْعًا لِلُزُومِ التَّفْكِيكِ خَلَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي هي خَبَرٌ عَنِ العائِدِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ لَمّا كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى ما هو بِمَعْنى المُبْتَدَأِ المَوْصُولِ، ولِذَلِكَ اِسْتَغْنى عَنْ ضَمِيرِهِ فِيها مَعَ لُزُومِهِ في الصِّلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ في المَشْهُورِ وكانَ ضَمِيرُ (بِهِ) راجِعًا لِلرَّسُولِ مَعَ مُلاحَظَةِ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ القائِمُ مَقامَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى (ما) اِكْتَفى بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ عَنْ ضَمِيرٍ في خَبَرِها لِارْتِباطِ الكَلامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ الإمامِ السُّهَيْلِيِّ في «اَلرَّوْضِ الأُنُفِ»، ولا يَخْفى أنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مَبْنِيٌّ عَلى اِتِّحادِ ما أُوتُوهُ، وما هو مَعَهُمْ، وفي ذَلِكَ إشْكالٌ لِأنَّ آتَيْناكم وجاءَكم إنْ كانَ كِلاهُما مُسْتَقْبَلَيْنِ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِما آتَيْناكُمُ القُرْآنُ لِأنَّهُ الَّذِي يُؤْتُوهُ في المُسْتَقْبَلِ بِاعْتِبارِ إيتائِهِ لِلرَّسُولِ الَّذِي كُلِّفُوا بِاتِّباعِهِ وبِما مَعَهُمُ الكُتُبِ الَّتِي أُوتُوها، وحَمْلُهُ عَلى القُرْآنِ يَأْباهُ الذَّوْقُ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مَعَهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ لا يَظْهَرُ حُسْنٌ لِكَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِلْقُرْآنِ وهو لازِمٌ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وإنَّ كانا ماضِيَيْنِ ظَهَرَ الفَسادُ مِن جِهَةِ أنَّ هَذا الرَّسُولَ الَّذِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الإيمانَ بِهِ ونُصْرَتَهُ لَمْ يَجِئْ إذْ ذاكَ، وإنْ كانَ الفِعْلُ الأوَّلُ ماضِيًا، والثّانِي مُسْتَقْبَلًا جاءَ عَدَمُ التَّناسُبِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ وهُما ماضِيانِ لَفْظًا، وفِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ، ولَعَلَّ المُجِيبَ يَخْتارُ هَذا الشَّقَّ ويَتَحَمَّلُ هَذا البُعْدَ لِما أنَّ ثُمَّ مَعَ كَوْنِهِ لا يُعْبَأُ بِمِثْلِهِ لِضَعْفِهِ تُهَوِّنُ أمْرَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ كَوْنَ الخَبَرِ ﴿مِن كِتابٍ﴾ أيِ الَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ مِنَ الكِتابِ، وجَعَلَ النَّكِرَةَ هُنا كالمَعْرِفَةِ وسَوَّغَ كَوْنَ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ مِنَ المَعْطُوفِ مَحْذُوفًا أيْ جاءَكم بِهِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ شُرُوطِ حَذْفِ مِثْلَ هَذا الضَّمِيرِ عِنْدَ الجُمْهُورِ بَلْ مَعَ خَلَلٍ في المَعْنى لِأنَّ المُؤْتى كِتابُ كُلِّ نَبِيٍّ في زَمانِ بَعْثَتِهِ وشَرِيعَتِهِ؛ والجائِي بِهِ الرَّسُولُ هو القُرْآنُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لا كِتابُ كُلِّ نَبِيٍّ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ المُقَدَّرِ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ، وعَلى تَقْدِيرِ اِلْتِزامِ كَوْنِ المُؤْتى القُرْآنَ أيْضًا كَما يَقْتَضِيهِ حَمْلُ الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِقْبالِ يُرَدُّ أنَّهُ لا مَعْنى لِمَجِيءِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ بَعْدَ إيتائِهِمُ القُرْآنَ بِمُهْلَةٍ، والعَطْفُ بِ ثُمَّ كالنَّصِّ بِهَذا المَعْنى، وعَلى تَقْدِيرِ اِلْتِزامِ كَوْنِ الجائِي بِهِ الرَّسُولُ هو كِتابَ كُلِّ نَبِيٍّ بِنَوْعٍ مِنَ التَّكَلُّفِ يَكُونُ وصْفُ الرَّسُولِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم كالمُسْتَغْنِي عَنْهُ، فَتَدَبَّرْ.
وقَرَأ حَمْزَةُ (لِما آتَيْتُكُمْ) بِكَسْرِ اللّامِ عَلى أنْ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ واللّامُ جارَّةٌ أجَلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِ لَتُؤْمِنُنَّ، أيْ لِأجْلِ إيتائِي إيّاكم بَعْضَ الكِتابِ ثُمَّ مَجِيءِ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لَهُ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ إعْمالُ (ما) بَعْدَ لامِ القَسَمِ فِيما قَبْلَها وهو لا يَجُوزُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَإنَّ ظاهِرَ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ يُشْعِرُ بِجَوازِهِ ولَعَلَّ مَن يَمْنَعُهُ يَخُصُّهُ بِما إذا لَمْ يَكُنِ المَعْمُولُ المُتَقَدِّمُ ظَرْفًا لِأنَّ ذاكَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، نَعَمِ الأوْلى حَسْمًا لِلنِّزاعِ تَعَلُّقُهُ بِ أُقْسِمُ المَحْذُوفِ، وجُوِّزَ أنَّ تَكُونَ (ما) في هَذِهِ القِراءَةِ مَوْصُولَةً أيْضًا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ أخَذَ.
ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ (لَمّا آتَيْتُكُمْ) بِالتَّشْدِيدِ، وفِيها اِحْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى حِينَ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ خِلافًا لِسِيبَوَيْهِ، وجَوابُها مُقَدَّرٌ مِن جِنْسِ جَوابِ القَسَمِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، أيْ لَمّا آتَيْتُكم بَعْضَ الكِتابِ والحِكْمَةِ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ وجَبَ عَلَيْكُمُ الإيمانُ بِهِ ونُصْرَتُهُ، وقَدَّرَهُ اِبْنُ عَطِيَّةَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَها أيْ لَمّا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الحالِ رُؤَساءَ النّاسِ وأماثِلِهِمْ أُخِذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقُ، وكَذا وقَعَ في «تَفْسِيرِ الزَّجّاجِ»، ومَآلُ مَعْناها التَّعْلِيلُ، الثّانِي: أنَّ أصْلَها مِن (ما) فَأُبْدِلَتِ
صفحة 212
النُّونُ مِيمًا لِمُشابَهَتِها إيّاها فَتَوالَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ الثّانِيَةُ لِضَعْفِها بِكَوْنِها بَدَلًا وحُصُولِ التَّكْرِيرِ بِها، ورَجَّحَهُ أبُو حَيّانَ في «اَلْبَحْرِ».
وزَعَمَ اِبْنُ جِنِّيٍّ أنَّها الأوْلى، ونَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ، و(مِن) إمّا مَزِيدَةٌ في الإيجابِ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وإمّا تَعْلِيلِيَّةٌ عَلى ما اِخْتارَهُ اِبْنُ جِنِّيٍّ، قِيلَ: وهو الأصَحُّ لِاتِّضاحِ المَعْنى عَلَيْهِ ومُوافَقَتِهِ لِقِراءَةِ التَّخْفِيفِ، واللّامُ إمّا زائِدَةٌ أوْ مُوَطِّئَةٌ بِناءً عَلى عَدَمِ اِشْتِراطِ دُخُولِها عَلى أداةِ الشَّرْطِ.
وقَرَأ نافِعٌ (آتَيْناكُمْ) عَلى لَفْظِ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ، والباقُونَ (آتَيْتُكُمْ) عَلى التَّوْحِيدِ، ولِكُلٍّ مِنَ القِراءَتَيْنِ حُسْنٌ مِن جِهَةٍ، فافْهَمْ ذاكَ، فَبَعِيدٌ أنْ تَظْفَرَ بِمِثْلِهِ يَداكَ.
(قالَ) أيِ اللَّهُ تَعالى لِلنَّبِيِّينَ وهو بَيانٌ لَأخْذِ المِيثاقِ، أوْ مَقُولٌ بَعْدَهُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿أقْرَرْتُمْ﴾ بِذَلِكَ المَذْكُورِ ﴿وأخَذْتُمْ﴾ أيْ قَبِلْتُمْ عَلى حَدِّ ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾، وقِيلَ: مَعْناهُ هَلْ أخَذْتُمْ ﴿عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ عَلى الأُمَمِ، والإصْرُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ العَهْدُ، كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ، وأصْلُهُ مِنَ الإصارِ وهو ما يُعْقَدُ بِهِ ويُشَدُّ، وكَأنَّهُ إنَّما سُمِّي العَهْدُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو إمّا لُغَةٌ فِيهِ كَ عُبْرٍ وعُبَّرٍ في قَوْلِهِمْ ناقَةٌ عُبْرُ أسْفارٍ أوْ هو بِالضَّمِّ جَمْعُ إصارٍ اُسْتُعِيرَ لِلْعَهْدِ، وجُمِعَ إمّا لِتَعَدُّدِ المُعاهِدِينَ وهو الظّاهِرُ أوْ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿قالُوا﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿أقْرَرْنا﴾، وكانَ الظّاهِرُ في الجَوابِ أقْرَرْنا عَلى ذَلِكَ إصْرَكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الثّانِيَ اِكْتِفاءً بِالأوَّلِ، (قالَ) أيِ اللَّهُ تَعالى لَهم ﴿فاشْهَدُوا﴾ أيْ فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِذَلِكَ الإقْرارِ، فاعْتَبَرَ المُقِرَّ بَعْضًا والشّاهِدَ بَعْضًا آخَرَ، لِئَلّا يَتَّحِدُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ والشّاهِدُ، وقِيلَ: الخِطابُ فِيهِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَطْ أُمِرُوا بِالشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقِيلَ: لِلْمَلائِكَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ ونُسِبَ إلى سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [ 81 ] أيْ عَلى إقْرارِكم وتَشاهُدِكم عَلى ما يَقْتَضِيهِ المَعْنى لِأنَّهُ لا بُدَّ في الشَّهادَةِ مِن مَشْهُودٍ عَلَيْهِ. وهُنا ما ذَكَرْناهُ لِلْمَقامِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ اِعْلَمُوا وأنا مَعَكم أعْلَمُ.
وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فِيهِ تَوْكِيدٌ وتَحْذِيرٌ عَظِيمٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ أنا و﴿مَعَكُمْ﴾ حالٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿فاشْهَدُوا﴾ .
آل عمران 3:82
﴿فَمَن تَوَلّى﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ونُصْرَتِهِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ المِيثاقِ والإقْرارِ والتَّوْكِيدِ بِالشَّهادَةِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى (مَن) مُراعًى مَعْناهُ كَما رُوعِيَ مِن قَبْلُ لَفْظُها ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [ 82 ] أيِ الخارِجُونَ في الكُفْرِ إلى أفْحَشِ مَراتِبِهِ، والمَشْهُورُ عَدَمُ دُخُولِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حُكْمِ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ، أوْ ما هي في حُكْمِها لِأنَّهم أجَلُّ قَدْرًا مِن أنْ يُتَصَوَّرَ في حَقِّهِمْ ثُبُوتُ المُقَدَّمِ لِيَتَّصِفُوا، وحاشاهم بِما تَضَمَّنَهُ التّالِي بَلْ هَذا الحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى أتْباعِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ العُمُومَ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ .
آل عمران 3:83
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ ذَكَرَ الواحِدِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ «”اِخْتَصَمَ أهْلُ الكِتابَيْنِ إلى رَسُولِ اللَّهِ
صفحة 213
ﷺ فِيما اِخْتَلَفُوا بَيْنَهم مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ فِرْقَةٍ زَعَمَتْ أنَّها أوْلى بِدِينِهِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: كِلًا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ فَغَضِبُوا وقالُوا: واَللَّهِ ما نَرْضى بِقَضائِكَ ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» والجُمْلَةُ في النَّظْمِ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وقِيلَ: عَلى الجَزاءِ فَقَطْ، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ مُغْتَفَرٌ هُنا عِنْدَ المانِعِينَ، والهَمْزَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلْإنْكارِ، وقِيلَ: إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ أيَتَوَلَّوْنَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، قالَ اِبْنُ هِشامٍ: والأوَّلُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَزَمَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَواضِعَ، وجَوَّزَ الثّانِيَ في بَعْضٍ ويُضَعِّفُهُ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وأنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، أمّا الأوَّلُ: فَلِدَعْوى حَذْفِ الجُمْلَةِ فَإنْ قُوبِلَ بِتَقْدِيمِ بَعْضِ المَعْطُوفِ فَقَدْ يُقالُ إنَّهُ أسْهَلُ مِنهُ لِأنَّ المُتَجَوِّزَ فِيهِ عَلى قَوْلِهِمْ أقَلُّ لَفْظًا مَعَ أنَّ في هَذا التَّجَوُّزِ تَنْبِيهًا عَلى أصالَةِ شَيْءٍ في شَيْءٍ، أيْ أصالَةِ الهَمْزَةِ في التَّصَدُّرِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ في نَحْوِ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ اِنْتَهى.
وتَعَقَّبَهُ الشَّمْسُ بْنُ الصّائِغِ بِأنَّهُ أيُّ مانِعٍ مِن تَقْدِيرِ ألا مُدَبِّرٌ لِلْمَوْجُوداتِ فَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المَقْصُودِ بِهِ تَقْرِيرَ ثُبُوتِ الصّانِعِ، والمَعْنى أيَنْتَفِي المُدَبِّرُ، فَلا أحَدَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، لا يُمْكِنُ ذَلِكَ، بَلِ المُدَبِّرُ مَوْجُودٌ فالقائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ هو وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ البَدْرِ اِبْنِ الدَّمامِينِيِّ أهم ضالُّونَ فَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ، وجَعْلُهُ الهَمْزَةَ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ وعَلى العِلّاتِ يُوشِكُ أنَّ يَكُونَ التَّفْصِيلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أوْلى بِأنْ يُقالَ: إنِ اِنْساقَ ذَلِكَ المُقَدَّرُ لِلذِّهْنِ قِيلَ: بِالتَّقْدِيرِ، وإلّا قِيلَ: بِما قالَهُ الجَماعَةُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ لا لِلْحَصْرِ كَما تُوُهِّمَ لِأنَّ المُنْكَرَ اِتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ رَبًّا ولَوْ مَعَهُ، ودَعْوى أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ دِينَ غَيْرِ اللَّهِ لا يُجامِعُ دِينَهُ في الطَّلَبِ، فالتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ - والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ أيْ أيَخُصُّونَ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ بِالطَّلَبِ - تَكَلُّفٌ، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ تَعْلِيلَ التَّقْدِيمِ بِما تَقَدَّمَ لا تَحْقِيقَ فِيهِ لِأنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ لا يَتَوَجَّهُ إلى الذَّواتِ، وإنَّما يَتَوَجَّهُ إلى الأفْعالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فاَلَّذِي أنْكَرَ إنَّما هو الِابْتِغاءُ الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾، وإنَّما جاءَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ مِن بابِ الِاتِّساعِ، ولِشَبَهِ ﴿يَبْغُونَ﴾ بِالفاصِلَةِ لا تَحْقِيقَ فِيهِ عِنْدَ ذَوِي التَّحْقِيقِ لِأنّا لَمْ نَدَّعِ تَوَجُّهَ الإنْكارِ إلى الذَّواتِ، كَما لا يَخْفى.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ لِحَفْصٍ ويَعْقُوبُ يَبْغُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى مَعْنى أتَتَوَلَّوْنَ أوْ أتَفْسُقُونَ وتَكْفُرُونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ اِلْتِفاتٌ فَعِنْدَهُ لا تَقْدِيرَ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّقْدِيرِ يَجِيءُ قَصْدُ الإنْكارِ فِيما أُشِيرَ إلَيْهِ ولا يُنافِيهِ لِأنَّهُ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ.
﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ أيْ كَيْفَ يَبْغُونَ ويَطْلُبُونَ غَيْرَ دِينِهِ، والحالَةُ هَذِهِ ﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ طائِعِينَ وكارِهِينَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ لِأنَّهُ أسْلَمَ بِمَعْنى اِنْقادَ وأطاعَ قِيلَ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ ظاهِرٌ في ﴿طَوْعًا﴾ لِمُوافَقَةِ مَعْناهُ ما قَبْلَهُ لا في ”كَرْهًا“ والقَوْلُ بِأنْ يُغْتَفَرَ في الثَّوانِي ما لا يُغْتَفَرُ في الأوائِلِ غَيْرُ نافِعٍ، وقَدْ يُدْفَعُ بِأنَّ الكُرْهَ فِيهِ اِنْقِيادٌ أيْضًا، والطَّوْعُ مَصْدَرُ طاعَ يَطُوعُ، كالإطاعَةِ مَصْدَرُ أطاعَ يُطِيعُ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُما، وقِيلَ: طاعَهُ يَطُوعُهُ اِنْقادَ لَهُ، وأطاعَهُ يُطِيعُهُ بِمَعْنى مَضى لِأمْرِهِ، وطاوَعَهُ بِمَعْنى وافَقَهُ.
وفِي مَعْنى الآيَةِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الإسْلامِ بِالطَّوْعِ الإسْلامُ النّاشِئُ عَنِ العِلْمِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ حاصِلًا لِلِاسْتِدْلالِ كَما في الكَثِيرِ مِنّا، أوْ بِدُونِ اِسْتِدْلالٍ وإعْمالِ فِكْرٍ كَما في المَلائِكَةِ ومِنَ الإسْلامِ بِالكُرْهِ ما كانَ حاصِلًا بِالسَّيْفِ ومُعايَنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ اِنْقادُوا لَهُ تَعالى مُخْتارِينَ لِأمْرِهِ كالمَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ ومُسَخَّرِينَ لِإرادَتِهِ كالكَفَرَةِ فَإنَّهم مُسَخَّرُونَ لِإرادَةِ كُفْرِهِمْ
صفحة 214
إذْ لا يَقَعُ ما لا يُرِيدُهُ تَعالى، وهَذا لا يُنافِي عَلى ما قِيلَ: الجُزْءُ الِاخْتِيارِيُّ حَتّى لا يَكُونَ لَهُمُ اِخْتِيارٌ في الجُمْلَةِ فَيَكُونُ قَوْلًا بِمَذْهَبِ الجَبْرِيَّةِ، ولا يَسْتَدْعِي عَدَمَ تَوَجُّهِ تَعْذِيبِهِمْ عَلى الكُفْرِ ولا عَدَمَ الفَرْقِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بِناءً عَلى أنَّ الجَمِيعَ لا يَفْعَلُونَ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ كَما وُهِمَ.
الثّالِثُ: ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ أنَّ الإسْلامَ طَوْعًا هو الِانْقِيادُ والِامْتِثالُ لِما أمَرَ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ مُعارَضَةِ ظُلْمَةٍ نَفْسانِيَّةٍ وحَيْلُولَةُ حُجُبِ الأنانِيَّةِ، والإسْلامُ كَرْهًا هو الِانْقِيادُ مَعَ تَوَسُّطِ المُعارَضاتِ والوَساوِسِ وحَيْلُولَةُ الحُجُبِ والتَّعَلُّقُ بِالوَسائِطِ، والأوَّلُ: مِثْلَ إسْلامِ المَلائِكَةِ وبَعْضِ مَن في الأرْضِ مِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ، والثّانِي: مِثْلَ إسْلامِ الكَثِيرِ مِمَّنْ تُقَلِّبُهُ الشُّكُوكُ جَنْبًا إلى جَنْبٍ حَتّى غَدا يَقُولُ:
لِقَدْ طُفْتُ في تِلْكَ المَعاهِدِ كُلِّها وسَرَّحْتُ طَرَفِي بَيْنَ تِلْكَ المَعالِمِ
فَلَمْ أرَ إلّا واضِعًا كَفَّ حائِرٍ ∗∗∗ عَلى ذَقَنٍ أوْ قارِعًا سِنِّ نادِمِ
والكُفّارُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهم أثْبَتُوا صانِعًا أيْضًا إلّا أنَّ ظَلَمَةَ أنْفُسِهِمْ حالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الوُقُوفِ عَلى الحَقِّ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ آدَمِيٍّ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى رَبِّي وأنا عَبْدُهُ، فَمَن أشْرَكَ في عِبادَتِهِ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ كَرْهًا، ومَن أخْلَصَ لِلَّهِ تَعالى العُبُودِيَّةَ فَهو الَّذِي أسْلَمَ طَوْعًا، وقَرَأ الأعْمَشُ (كُرْهًا) بِالضَّمِّ.
﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [ 83 ] أيْ إلى جَزائِهِ تَصِيرُونَ عَلى المَشْهُورِ فَبادِرُوا إلى دِينِهِ، ولا تُخالِفُوا الإسْلامَ، وجَوَّزُوا في الجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِلْإخْبارِ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّهْدِيدِ، وأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ولَهُ أسْلَمَ﴾ فَهي حالِيَّةٌ أيْضًا، وقَرَأ عاصِمٌ بِياءِ الغِيبَةِ، والضَّمِيرُ لِمَن أوْ لِمَن عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿يَبْغُونَ﴾ فَإنْ قُرِئَ بِالخِطابِ فَهو اِلْتِفاتٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِالخِطابِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ لِمَن عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿يَبْغُونَ﴾ فَعَلى الغَيْبَةِ فِيهِ اِلْتِفاتٌ أيْضًا.
آل عمران 3:84
﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ والمُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ بِما ذَكَرَ، فَضَمِيرُ (آمَنّا) لِلنَّبِيِّ ﷺ والأُمَّةِ، وقالَ المَوْلى عَبْدُ الباقِي: لَمّا أخَذَ اللَّهُ تَعالى المِيثاقَ مِنَ النَّبِيِّينَ أنْفُسَهم أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَنْصُرُوهُ أمَرَ مُحَمَّدًا أيْضًا ﷺ أنْ يُؤْمِنَ بِالأنْبِياءِ المُؤْمِنِينَ بِهِ وبِكُتُبِهِمْ فَيَكُونُ ﴿آمَنّا﴾ في مَوْضِعِ آمَنتَ لِتَعْظِيمِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ، أوْ لَمّا عَهِدَ مَعَ النَّبِيِّينَ وأُمَمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا أمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمَّتَهُ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ وبِكُتُبِهِمْ.
والحاصِلُ أخْذُ المِيثاقِ مِنَ الجانِبَيْنِ عَلى الإيمانِ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ ولَمْ يَتَعَرَّضْ هُنا لِحِكْمَةِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ إمّا لِأنَّ الإيمانَ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ إيمانٌ بِما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ شَرِيعَتَهم مَنسُوخَةٌ في زَمَنِ هَذا النَّبِيِّ ﷺ وكِلاهُما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الحِكْمَةِ بِمَعْنى الشَّرِيعَةِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم إذْ لا مَجالَ بِوَجْهٍ لِنُصْرَةِ السَّلَفِ، ويُؤَيِّدُ دَعْوى أخْذِ المِيثاقِ مِنَ الجانِبَيْنِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ طاوُسَ أنَّهُ قالَ: أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَ النَّبِيِّينَ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا.
﴿وما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ وهو القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ ﷺ أوَّلًا وعَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ تَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، ومِن هُنا أتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ الإنْزالُ عَلَيْهِ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وحْدَهُ، ولَكِنْ نُسِبَ إلى الجَمْعِ ما هو مَنسُوبٌ لِواحِدٍ مِنهُ مَجازًا عَلى ما قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النُّونُ نُونَ العَظَمَةِ لا ضَمِيرَ الجَماعَةِ،
صفحة 215
وعُدِّيَ الإنْزالُ هُنا بِ عَلى وفي البَقَرَةِ بِ إلى لِأنَّهُ لَهُ جِهَةُ عُلُوٍّ بِاعْتِبارِ اِبْتِدائِهِ وانْتِهاءً بِاعْتِبارِ آخِرِهِ، وقَدْ جُعِلَ الخِطابُ هُنا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَناسَبَهُ الِاسْتِعْلاءُ وهُناكَ لِلْعُمُومِ فَناسَبَ الِانْتِهاءَ، كَذا قِيلَ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا﴾ والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المُعَدّى بِ إلى والمُعَدّى بِعَلى إلّا بِالِاعْتِبارِ، فَإنِ اِعْتَبَرْتَ مَبْدَأهُ عَدَّيْتَهُ بِ عَلى لِأنَّهُ فَوْقانِيٌّ، وإنِ اِعْتَبَرْتَ اِنْتِهاءَهُ إلى مَن هو لَهُ عَدَّيْتَهُ بِ إلى، ويُلاحَظُ أحَدُ الِاعْتِبارَيْنِ تارَةً والآخَرُ أُخْرى تَفَنُّنًا بِالعِبارَةِ، وفَرَّقَ الرّاغِبُ بِأنَّ ما كانَ واصِلًا مِنَ المَلَأِ الأعْلى بِلا واسِطَةٍ كانَ لَفْظٌ عَلى المُخْتَصِّ بِالعُلُوِّ أوْلى بِهِ، وما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ لَفْظٌ إلى المُخْتَصِّ بِالإيصالِ أوْلى بِهِ، وقِيلَ: أنْزَلَ عَلَيْهِ يُحْمَلُ عَلى أمْرِ المَنزَلِ عَلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، وأنْزَلَ إلَيْهِ يُحْمَلُ عَلى ما خَصَّ بِهِ نَفْسَهُ لِأنَّ إلَيْهِ اِنْتِهاءَ الإنْزالِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.
﴿وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ قِيلَ: خَصَّ هَؤُلاءِ الكِرامَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِمْ وكُتُبِهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الصُّحُفُ كَما هو الظّاهِرُ وقَدَّمَ المَنزَلُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى المَنزَلِ عَلَيْهِمْ إمّا لِتَعْظِيمِهِ والِاعْتِناءِ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ المُعَرِّفُ لَهُ ومَعْرِفَةُ المُعَرِّفِ تَتَقَدَّمُ عَلى مَعْرِفَةِ المُعَرَّفِ، والأسْباطُ الأحْفادُ لا أوْلادُ البَناتِ، والمُرادُ بِهِمْ عَلى رَأْيِ أبْناءِ يَعْقُوبَ الِاثْنا عَشَرَ وذَرارِيُّهُمْ، ولَيْسَ كُلُّهم أبْناءً خِلافًا لِزاعِمِهِ، ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ المُعْجِزاتِ كَما يُشْعِرُ بِهِ إيثارُ الإيتاءِ عَلى الإنْزالِ الخاصِّ بِالكِتابِ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالكِتابَيْنِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الكِتابَيْنِ، وتَخْصِيصُ هَذَيْنَ النَّبِيَّيْنِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿والنَّبِيُّونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿مُوسى وعِيسى﴾ أيْ وبِما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ عَلى تَعَدُّدِ أفْرادِهِمْ واخْتِلافِ أسْمائِهِمْ، ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (أُوتِيَ)، وفي التَّعْبِيرِ بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِمْ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ.
﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ أيْ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ كَما فَعَلَ اليَهُودُ والنَّصارى، والتَّفْرِيقُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كالتَّفْضِيلِ جائِزٌ، ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [ 84 ] أيْ مُسْتَسْلِمُونَ بِالطّاعَةِ والِانْقِيادِ في جَمِيعِ ما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ، أوْ مُخْلِصُونَ لَهُ في العِبادَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَدْرَكَةً بَعْدَ جُمْلَةِ الإيمانِ كَما هو ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّ أهْلَ المِلَلِ المُخالِفَةِ لِلْإسْلامِ كانُوا كُلُّهم يُقِرُّونَ بِالإيمانِ ولَمْ يَكُونُوا يُقِرُّونَ بِلَفْظَةِ الإسْلامِ فَلِهَذا أرْدَفَ تِلْكَ الجُمْلَةَ بِهَذِهِ.
آل عمران 3:85
﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ اِرْتَدُّوا وكانُوا اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وخَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ وأتَوْا مَكَّةَ كُفّارًا، مِنهُمُ الحَرْثُ بْنُ سُوَيْدٍ الأنْصارِيُّ، والإسْلامُ قِيلَ: التَّوْحِيدُ والِانْقِيادُ، وقِيلَ: شَرِيعَةُ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن تَحَرّى بَعْدَ مَبْعَثِهِ ﷺ غَيْرَ شَرِيعَتِهِ فَهو غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهُ، وقَبُولُ الشَّيْءِ هو الرِّضا بِهِ وإثابَةُ فاعِلِهِ عَلَيْهِ، وانْتِصابُ (دِينًا) عَلى التَّمْيِيزِ مِن (غَيْرَ) وهي مَفْعُولُ (يَبْتَغِ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (دِينًا) مَفْعُولُ (يَبْتَغِ) و(غَيْرَ) صِفَةٌ قُدِّمَتْ فَصارَتْ حالًا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن ﴿غَيْرَ الإسْلامِ﴾ والجُمْهُورُ عَلى إظْهارِ الغَيْنَيْنِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الِادِّغامُ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ كَسْرَةَ الغَيْنِ الأُولى تَدُلُّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
﴿وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [ 85 ] إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ فَتَكُونُ في مَحَلِّ جَزْمٍ، وإمّا في مَحَلِّ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ فَتَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، و﴿فِي الآخِرَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ أيْ وهو خاسِرٌ في الآخِرَةِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالخاسِرِينَ عَلى
صفحة 216
أنَّ الألِفَ واللّامَ لَيْسَتْ مَوْصُولَةً بَلْ هي حَرْفُ تَعْرِيفٍ، والخُسْرانُ في الآخِرَةِ هو حِرْمانُ الثَّوابِ وحُصُولُ العِقابِ، وقِيلَ: أصْلُ الخُسْرانِ ذَهابُ رَأْسِ المالِ، والمُرادُ بِهِ هُنا تَضْيِيعُ ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ المُشارِ إلَيْها في حَدِيثِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وعَدَمُ الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ وظُهُورُهُ بِتَحَقُّقِ ضِدِّهِ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ والتَّعْبِيرُ بِالخاسِرِينَ أبْلَغُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِخاسِرٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما قَبْلُ وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولِذا تُرِكَ مَفْعُولُهُ، والمَعْنى وهو مِن جُمْلَةِ الواقِعِينَ في الخُسْرانِ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الإسْلامُ إذْ لَوْ كانَ غَيْرُهُ لَمْ يُقْبَلْ، واللّازِمُ باطِلٌ بِالضَّرُورَةِ فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ يَنْفِي قَبُولَ كُلِّ دِينٍ يُبايِنُ دِينَ الإسْلامِ والإيمانِ، وإنْ كانَ ﴿غَيْرَ الإسْلامِ﴾ لَكِنَّهُ لا يُغايِرُ دِينَ الإسْلامِ بَلْ هو هو بِحَسَبِ الذّاتِ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المُغايَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ يَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُما أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ الأُولى عَلى العُرْفِ الشَّرْعِيِّ، والثّانِيَةُ عَلى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ.
آل عمران 3:86
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى رَأوْا نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ في كِتابِهِمْ وأقَرُّوا وشَهِدُوا أنَّهُ حَقٌّ، فَلَمّا بُعِثَ مَن غَيْرِهِمْ حَسَدُوا العَرَبَ عَلى ذَلِكَ فَأنْكَرُوهُ وكَفَرُوا بَعْدَ إقْرارِهِمْ حَسَدًا لِلْعَرَبِ حِينَ بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هم أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ والحَرْثُ بْنُ سُوَيْدٍ في اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ ولَحِقُوا بِقُرَيْشٍ ثُمَّ كَتَبُوا إلى أهْلِهِمْ هَلْ لَنا مِن تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَلى هَذا، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ اِسْتِبْعادُ أنْ يَهْدِيَهم أيْ يَدُلَّهم دَلالَةً مُوَصِّلَةً لا مُطْلَقَ الدَّلالَةِ، قالَهُ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى كَيْفَ يَسَلُكُ بِهِمْ سَبِيلَ المَهْدِيِّينَ بِالإثابَةِ لَهم والثَّناءِ عَلَيْهِمْ وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ عَلى طَرِيقِ التَّبْعِيدِ كَما يُقالُ: كَيْفَ أهْدِيكَ إلى الطَّرِيقِ وقَدْ تَرَكْتَهُ، أيْ لا طَرِيقَ يَهْدِيهِمْ بِهِ إلى الإيمانِ إلّا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي هَداهم بِهِ، وقَدْ تَرَكُوهُ ولا طَرِيقَ غَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ كَيْفَ يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ ويُثِيبُهم والحالُ ما تَرى؟!
﴿وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ (حَقٌّ) لا شَكَّ في رِسالَتِهِ ﴿وجاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ البَراهِينُ والحُجَجُ النّاطِقَةُ بِحَقِّيَّةِ ما يَدَّعِيهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: ما في كُتُبِهِمْ مِنَ البِشارَةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿وشَهِدُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ما في إيمانِهِمْ مِن مَعْنى الفِعْلِ لِأنَّهُ بِمَعْنى آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى المَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ﴾ لا عَلى التَّوَهُّمِ كَما تُوُهِّمَ؛ واخْتارَ بَعْضُهم تَأْوِيلَ المَعْطُوفِ لِيَصِحَّ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ الصَّرِيحِ قَبْلَهُ بِأنْ يُقَدَّرَ مَعَهُ أنِ المَصْدَرِيَّةُ، أيْ: وإنْ شَهِدُوا، أيْ وشَهادَتُهم عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ
وإلى هَذا ذَهَبُ الرّاغِبُ وأبُو البَقاءِ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى ﴿كَفَرُوا﴾ وفَسادُ المَعْنى يَدْفَعُهُ أنَّ العَطْفَ لا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فَلْيَكُنِ المُنْكَرُ الشَّهادَةَ المُقارَنَةَ بِالكُفْرِ أوِ المُتَقَدِّمَةَ عَلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الظّاهِرَ تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ بِما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ وشَهادَتُهم هَذِهِ لَمْ تَكُنْ بَعْدَ إيمانِهِمْ بَلْ مَعَهُ أوْ قَبْلَهُ؛ وأُجِيبَ بِالمَنعِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ تَقْيِيدُ
صفحة 217
المَعْطُوفِ بِما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ولَوْ قُصِدَ ذَلِكَ لَأُخِّرَ، وقِيلَ: يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ العَطْفِ أنَّهم لَيْسُوا جامِعِينَ بَيْنَ الشَّهادَةِ والكُفْرِ، وأُجِيبَ بِالمَنعِ بَلْ هم جامِعُونَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعًا، ومِنَ النّاسِ مِن جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿كَفَرُوا﴾ ولَمْ يَتَكَلَّفْ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وزُعِمَ أنَّ ذَلِكَ في المُنافِقِينَ وهو خِلافُ المَنقُولِ والمَعْقُولِ، والأكْثَرُونَ مِنَ المُحَقِّقِينَ عَلى اِخْتِيارِ الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿كَفَرُوا﴾ وقَدْ مَعَهُ مُقَدَّرَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ يَهْدِي لِأنَّهُ يَهْدِي مَن شَهِدَ أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وعَلَيْهِ وعَلى تَقْدِيرِ العَطْفِ عَلى الإيمانِ اُسْتُدِلَّ عَلى أنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ خارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الإيمانِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ «اَلْمُغايِرَةَ» بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأنَّ الحالِيَّةَ تَقْتَضِي التَّقْيِيدَ، ولَوْ كانَ الإقْرارُ داخِلًا في حَقِيقَةِ الإيمانِ لَخَلا ذِكْرُهُ عَنِ الفائِدَةِ، ولَوْ كانَ عَيْنَهُ يَلْزَمُ تَقْيِيدُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ الإيمانِ الإيمانُ بِاَللَّهِ، ومِنَ الشَّهادَةِ المَذْكُورَةِ الإيمانُ بِرَسُولِهِ ﷺ، والأمْرُ حِينَئِذٍ واضِحٌ، فَتَدَبَّرْ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [ 86 ] أيِ الكافِرِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالإخْلالِ بِالنَّظَرِ ووَضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَكَيْفَ مَن جاءَهُ الحَقُّ وعَرَفَهُ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهُ؛ ويَجُوزُ حَمْلُ الظُّلْمِ مُطْلَقِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الكَفْرُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ اِعْتِراضِيَّةٌ أوْ حالِيَّةٌ.
آل عمران 3:87
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُونَ المُتَّصِفُونَ بِأشْنَعِ الصِّفاتِ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ أيْ جَزاءُ فِعْلِهِمْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [ 87 ] خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، وهو وخَبَرُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، قِيلَ: وهَذا يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِهِمْ، ومَفْهُومُهُ يَنْفِي جَوازَ لَعْنِ غَيْرِهِمْ، ولَعَلَّ الفَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ حَتّى خَصَّ اللَّعْنَ بِهِمْ أنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ مَمْنُوعُونَ بِسَبَبِ خَباثَةِ ذَواتِهِمْ وقُبْحِ اِسْتِعْدادِهِمْ مِنَ الهُدى آيِسُونَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ غَيْرِهِمْ، والخِلافُ في لَعْنِ أقْوامٍ بِأعْيانِهِمْ مِمَّنْ ورَدَ لَعْنُ أنْواعِهِمْ كَشارِبِ خَمْرٍ مُعَيَّنٍ مَثَلًا مَشْهُورٌ، والنَّوَوِيُّ عَلى جَوازِهِ اِسْتِدْلالًا بِما ورَدَ «أنَّهُ ﷺ مَرَّ بِحِمارٍ وُسِمَ في وجْهِهِ فَقالَ: ”لَعَنَ اللَّهُ تَعالى مَن فَعَلَ هَذا“،» وبِما صَحَّ أنَّ المَلائِكَةَ تَلْعَنُ مَن خَرَجَتْ مِن بَيْتِها بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِها، وأُجِيبَ بِأنَّ اللَّعْنَ هُناكَ لِلْجِنْسِ الدّاخِلِ فِيهِ الشَّخْصِ أيْضًا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ كَتَأْوِيلِ إنَّ وراكِبِها بِذَلِكَ والِاحْتِياطُ لا يَخْفى، والمُرادُ مِنَ النّاسِ إمّا المُؤْمِنُونَ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ، أوِ المُطْلَقُ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَلْعَنُ مَن لَمْ يَتَّبِعِ الحَقَّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ مُتَّبِعٍ بِناءً عَلى زَعْمِهِ.
آل عمران 3:88
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّعْنَةِ أوْ لِلْعُقُوبَةِ أوْ لِلنّارِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ اِكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللَّعْنَةِ عَلَيْها ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [ 88 ] أيْ لا يُمْهَلُونَ ولا يُؤَخَّرُ عَنْهُمُ العَذابُ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ آخَرَ، أوْ لا يُنْظَرُ إلَيْهِمْ ولا يُعْتَدُّ بِهِمْ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
آل عمران 3:89
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ الكُفْرِ الَّذِي اِرْتَكَبُوهُ بَعْدَ الإيمانِ ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ دَخَلُوا في الصَّلاحِ بِناءً عَلى أنَّ الفِعْلَ لازِمٌ مِن قَبِيلِ أصْبَحُوا أيْ دَخَلُوا في الصَّباحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ أصْلَحُوا ما أفْسَدُوا، فَفِيهِ إشارَةٌ كَما قِيلَ إلى أنَّ مُجَرَّدَ النَّدَمِ عَلى ما مَضى مِنَ الِارْتِدادِ والعَزْمَ عَلى تَرْكِهِ في الِاسْتِقْبالِ غَيْرُ كافٍ، لِما أخَلُّوا بِهِ مِنَ الحُقُوقِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مُجَرَّدَ التَّوْبَةِ يُوجِبُ تَخْفِيفَ العَذابِ ونَظَرَ الحَقِّ إلَيْهِمْ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ تَقْيِيدًا بَلْ بَيانًا لِأنْ يُصْلِحَ ما فَسَدَ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِوارِدٍ لِأنَّ مُجَرَّدَ النَّدَمِ والعَزْمِ
صفحة 218
عَلى تَرْكِ الكُفْرِ في المُسْتَقْبَلِ لا يُخْرِجُهُ مِنهُ فَهو بَيانٌ لِلتَّوْبَةِ المُعْتَدُّ بِها، فالمَآلُ واحِدٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ 89 ] أيْ فَيَغْفِرُ كُفْرَهم ويُثِيبُهُمْ، وقِيلَ: ﴿غَفُورٌ﴾ لَهم في الدُّنْيا بِالسَّتْرِ عَلى قَبائِحِهِمْ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِمْ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ عَنْهم ولا يَخْفى بُعْدُهُ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ.
آل عمران 3:90
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ قالَ عَطاءٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإنْجِيلِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ وكُتُبِهِمْ، ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ، وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا بِالإصْرارِ والعِنادِ والصَّدِّ عَنِ السَّبِيلِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الحَسَنِ، وقِيلَ: في أصْحابِ الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ فَإنَّهُ لَمّا رَجَعَ قالُوا: نُقِيمُ بِمَكَّةَ عَلى الكُفْرِ ما بَدا لَنا فَمَتى أرَدْنا الرَّجْعَةَ رَجَعْنا فَيَنْزِلُ فِينا ما نَزَلَ في الحَرْثِ، وقِيلَ: في قَوْمٍ مِن أصْحابِهِ مِمَّنْ كانَ يَكْفُرُ ثُمَّ يُراجِعُ الإسْلامَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ، و﴿كُفْرًا﴾ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ فاعِلٍ، والدّالُ الأُولى في ﴿ازْدادُوا﴾ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ لِوُقُوعِها بَعْدَ الزّايِ.
﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والجُبّائِيُّ: لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدُ حُضُورِ المَوْتِ والمُعايَنَةِ وعِنْدَ ذَلِكَ لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الكافِرِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِأنَّها لَمْ تَكُنْ عَنْ قَلْبٍ، وإنَّما كانَتْ نِفاقًا، وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَبِيلِ:
ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
أيْ لا تَوْبَةَ لَهم حَتّى تُقْبَلَ لِأنَّهم لَمْ يُوَفَّقُوا لَها، فَهو مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ، كَما قالَ العَلّامَةُ دُونَ المَجازِ حَيْثُ أُرِيدَ بِالكَلامِ مَعْناهُ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى المَلْزُومِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يُنافِي هَذا ما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ وتَقَرَّرَ في الشَّرْعِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ لَمْ تَكُنْ عَنِ الكُفْرِ وإنَّما هي عَنْ ذُنُوبٍ كانُوا يَفْعَلُونَها مَعَهُ فَتابُوا عَنْها مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ والنَّصارى كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا بِذُنُوبٍ أذْنَبُوها ثُمَّ ذَهَبُوا يَتُوبُونَ مِن تِلْكَ الذُّنُوبِ في كُفْرِهِمْ فَلَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُمْ، ولَوْ كانُوا عَلى الهُدى قُبِلَتْ ولَكِنَّهم عَلى ضَلالَةٍ، وتَجِيءُ عَلى هَذا مَسْألَةُ تَكْلِيفِ الكافِرِ بِالفُرُوعِ وقَدْ بُسِطَ الكَلامُ عَلَيْها في الأُصُولِ.
﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ [ 90 ] عَطْفٌ إمّا عَلى خَبَرِ (إنَّ) فَمَحَلُّها الرَّفْعُ، وإمّا عَلى (إنَّ) مَعَ اِسْمِها فَلا مَحَلَّ لَها، و﴿الضّالُّونَ﴾ المُخْطِئُونَ طَرِيقَ الحَقِّ والنَّجاةِ، وقِيلَ: الهالِكُونَ المُعَذَّبُونَ، والحَصْرُ بِاعْتِبارِ أنَّهم كامِلُونَ في الضَّلالِ فَلا يُنافِي وُجُودَ الضَّلالِ في غَيْرِهِمْ أيْضًا.
آل عمران 3:91
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ أيْ عَلى كُفْرِهِمْ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ﴾ مِن مَشْرِقِها إلى مَغْرِبِها ﴿ذَهَبًا﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَرَأ الأعْمَشُ (ذَهَبٌ) بِالرَّفْعِ، وخَرَجَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (مِلْءُ) أوْ عَطْفِ البَيانِ أوِ الخَبَرِ لِمَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ وصْفٍ لِيَحْسُنَ البَدَلُ ولا دَلالَةَ عَلَيْهِ ولَمْ يُعْهَدْ بَيانُ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ، وجَعْلُهُ خَبَرًا إنَّما يَحْسُنُ إذا جُعِلَتِ الجُمْلَةُ صِفَةً أوْ حالًا ولا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ، ومِلْءُ الشَّيْءِ بِالكَسْرِ مِقْدارُ ما يَمْلَؤُهُ، وأمّا مَلْءٌ بِالفَتْحِ فَهو مَصْدَرُ مَلَأهُ مَلْأً، وأمّا المُلاءَةُ بِالضَّمِّ والمَدِّ فَهي المِلْحَفَةُ.
وهَهُنا سُؤالٌ مَشْهُورٌ وهو أنَّهُ لِمَ دَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ (إنَّ) هُنا ولَمْ تَدْخُلْ في الآيَةِ السّابِقَةِ مَعَ أنَّ الآيَتَيْنِ سَواءٌ في صِحَّةِ إدْخالِ الفاءِ لِتَصَوُّرِ السَّبَبِيَّةِ ظاهِرًا؟ وأجابَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ الصِّلَةَ في الآيَةِ الأُولى الكُفْرُ وازْدِيادُهُ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَدَمُ قَبُولِ التَّوْبَةِ بَلْ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى
صفحة 219
المَوْتِ عَلَيْهِ إذْ لَوْ وقَعَتْ عَلى ما يَنْبَغِي لَقُبِلَتْ بِخِلافِ المَوْتِ عَلى الكَفَرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ لَوْ قالَ: مَن جاءَنِي لَهُ دِرْهَمٌ كانَ إقْرارًا بِخِلافِ ما لَوْ قَرَنَهُ بِالفاءِ كَما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ الفُقَهاءِ ولا يَرِدُ أنْ تَرَتُّبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ دَلِيلٌ عَلى السَّبَبِيَّةِ لِأنّا لا نُسَلَّمُ لُزُومَهُ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِالمَوْصُولِ قَدْ يَكُونُ لِأغْراضٍ كالإيماءِ إلى تَحَقُّقِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ:
إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ دُونَها غُولُ
وقَدْ فُصِّلَ ذَلِكَ في المَعانِي؛ وقُرِئَ (فَلَنْ يَقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءَ الأرْضِ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى ونَصْبِ مِلْءٍ، و(مِلْءَ الأرْضِ) بِتَخْفِيفِ الهَمْزَتَيْنِ.
﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ قالَ اِبْنُ المُنِيرِ في «اَلِانْتِصافِ»: إنَّ هَذِهِ الواوَ المُصاحِبَةَ لِلشَّرْطِ تَسْتَدْعِي شَرْطًا آخَرَ تَعْطِفُ عَلَيْهِ الشَّرْطَ المُقْتَرِنَةَ بِهِ ضَرُورَةٌ، والعادَةُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَنطُوقُ بِهِ مُنَبِّهًا عَلى المَسْكُوتِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الأوْلى، مِثالُهُ قَوْلُكَ: أُكْرِمُ زَيْدًا ولَوْ أساءَ فَهَذِهِ الواوُ عَطَفَتِ المَذْكُورَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أُكْرِمُ زَيْدًا لَوْ أحْسَنَ ولَوْ أساءَ، إلّا أنَّكَ نَبَّهْتَ بِإيجابِ إكْرامِهِ وإنْ أساءَ عَلى أنَّ إكْرامَهُ إنْ أحْسَنَ بِطْرِيقِ الأوْلى؛ ومِنهُ ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ - واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - لَوْ كانَ الحَقُّ عَلى غَيْرِكم ولَوْ كانَ عَلَيْكم ولَكِنَّهُ ذَكَرَ ما هو أعْسَرُ عَلَيْهِمْ فَأوْجَبَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما كانَ أسْهَلَ أوْلى بِالوُجُوبِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُخالَفَةً لِهَذا النَّمَطِ مِنَ الِاسْتِعْمالِ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ يَقْتَضِي شَرْطًا آخَرَ مَحْذُوفًا يَكُونُ هَذا المَذْكُورُ مُنَبِّهًا عَلَيْهِ بِطْرِيقِ الأوْلى، والحالَةُ المَذْكُورَةُ أعْنِي حالَةَ اِفْتِدائِهِمْ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا هي أجْدَرُ الحالاتِ بِقَبُولِ الفِدْيَةِ، ولَيْسَ وراءَها حالَةٌ أُخْرى تَكُونُ أوْلى بِالقَبُولِ مِنها خاضَ المُفَسِّرُونَ بِتَأْوِيلِها فَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، حاصِلُ الأوَّلِ: أنَّ عَدَمَ قَبُولِ مِلْءِ الأرْضِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ فِدْيَةٍ ما لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّ القَبُولَ يُرادُ لِلْخَلاصِ وإنَّما عَدَلَ تَصْوِيرًا لِلتَّكْثِيرِ لِأنَّهُ الغايَةُ الَّتِي لا مَطْمَحَ وراءَها في العُرْفِ، وفي الضَّمِيرِ يُرادُ ﴿مِلْءُ الأرْضِ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ فَيَصِيرُ المَعْنى لا تُقْبَلُ مِنهُ فِدْيَةٌ ولَوِ اِفْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، فَفي الأوَّلِ نَظَرٌ إلى العُمُومِ وسَدُّهُ مَسَدَّ فِدْيَةٍ ما، وفي الثّانِي إلى الحَقِيقَةِ أوْ لِكَثْرَةِ المُبالَغَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى القِيامِ مَقامَها، وحاصِلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ ولَوِ اِفْتَدى بِمِثْلِهِ مَعَهُ كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى، ولِأنَّهُ عُلِمَ أنَّ الأوَّلَ فِدْيَةٌ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُقْبَلُ مِلْءُ الأرْضِ فِدْيَةً ولَوْ ضُوعِفَ، ويَرْجِعُ هَذا إلى جَعْلِ الباءِ بِمَعْنى مَعَ وتَقْدِيرِ مِثْلٍ بَعْدَهُ أيْ مَعَ مِثْلِهِ، وحاصِلُ الثّالِثِ: أنَّهُ يُقَدَّرُ وصْفٌ يُعَيِّنُهُ المُساقُ مِن نَحْوٍ كانَ مُتَصَدِّقًا بِهِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الشَّرْطُ المَذْكُورُ مِن قَبْلُ ما يُقْصَدُ بِهِ تَأْكِيدُ الحُكْمِ السّابِقِ بَلْ يَكُونُ شَرْطًا مَحْذُوفَ الجَوابِ ويَكُونُ المَعْنى لا يُقْبَلُ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَوْ تَصَدَّقَ ولَوِ اِفْتَدى بِهِ أيْضًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، وضَمِيرُ (بِهِ) لِلْمالِ مِن غَيْرِ اِعْتِبارِ وصْفِ التَّصَدُّقِ، فالكَلامُ مِن قَبِيلِ: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ وعِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، اِنْتَهى.
ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ الخَفاءِ والتَّكَلُّفِ، وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّ الواوَ زائِدَةٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ في الشَّواذِّ بِدُونِها، وكَذا القَوْلُ: بِأنَّ (لَوْ) لَيْسَتْ وصْلِيَّةً بَلْ شَرْطِيَّةً، والجَوابُ ما بَعْدُ أوْ هو سادٌّ مَسَدَّهُ، وذَكَرَ اِبْنُ المُنِيرِ في الجَوابِ مُدَّعِيًا أنَّ تَطْبِيقَ الآيَةِ عَلَيْهِ أسْهَلُ وأقْرَبُ بَلِ اِدَّعى أنَّهُ مِنَ السَّهْلِ المُمْتَنِعِ أنَّ قَبُولَ الفِدْيَةِ الَّتِي هي مَلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا تَكُونُ عَلى أحْوالٍ، تارَةً تُؤْخَذُ قَهْرًا كَأخْذِ الدِّيَةِ، وكَرَّةً يَقُولُ المُفْتَدِي: أنا أفْدِي نَفْسِي بِكَذا ولا يَفْعَلُ، وأُخْرى يَقُولُ ذَلِكَ والفِدْيَةُ عَتِيدَةٌ ويُسَلِّمُها لِمَن يُؤَمِّلُ قَبُولَها مِنهُ، فالمَذْكُورُ في الآيَةِ أبْلَغُ الأحْوالِ وأجْدَرُها بِالقَبُولِ، وهي أنْ يَفْتَدِيَ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا اِفْتِداءً مُحَقَّقًا بِأنْ
صفحة 220
يَقْدِرَ عَلى هَذا الأمْرِ العَظِيمِ ويُسَلِّمَهُ اِخْتِيارًا، ومَعَ ذَلِكَ لا يُقْبَلُ مِنهُ فَلَأنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: أبْذُلُ المالَ وأقْدِرُ عَلَيْهِ، أوْ ما يَجْرِي هَذا المَجْرى بِطَرِيقِ الأوْلى، فَتَكُونُ الواوُ والحالَةُ هَذِهِ عَلى بابِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ثَمَّ أحْوالًا أُخَرَ لا يَقَعُ فِيها القَبُولُ بِطَرِيقِ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى مُصَرِّحٌ بِذَلِكَ، والمُرادُ بِهِ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهم مِنَ الوَعِيدِ وإلّا فَقَدَ عُلِمَ أنَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ أفْلَسَ مِنَ اِبْنِ المُذَلَّقِ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُكَ: لا أبِيعُكَ هَذا الثَّوْبَ بِألْفِ دِينارٍ ولَوْ سَلَّمْتَها إلَيَّ في يَدِي، اِنْتَهى، وقَرِيبٌ مِنهُ ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ قائِلًا: إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذا التَّرْكِيبُ ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ مَن ماتَ كافِرًا لا يُقْبَلُ مِنهُ ما يَمْلَأُ الأرْضَ مِن ذَهَبٍ عَلى كُلِّ حالٍ يَقْصِدُها ولَوْ في حالِ اِفْتِدائِهِ مِنَ العَذابِ لِأنَّ حالَةَ الِافْتِداءِ لا يَمْتَنُّ فِيها المُفْتَدِي عَلى المُفْتَدى مِنهُ، إذْ هي حالَةُ قَهْرٍ مِنَ المُفْتَدى مِنهُ، وقَدْ قَرَّرْنا في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ (لَوْ) تَأْتِي مُنَبِّهَةً عَلى أنَّ ما قَبْلَها جاءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ وما بَعْدَها جاءَ تَنْصِيصًا عَلى الحالَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لا تَنْدَرِجُ فِيما قَبْلَها كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ“،» و«”رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ“،» كَأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتى بِها لِأنَّ كَوْنَ السّائِلِ عَلى فَرَسٍ يُشْعِرُ بِغِناهُ فَلا يُناسِبُ أنْ يُعْطى، وكَذَلِكَ الظِّلْفُ المُحْرَقُ لا غِناءَ فِيهِ فَكانَ يُناسَبُ أنْ لا يُرَدَّ السّائِلُ بِهِ، وكَذَلِكَ حالَةُ الِافْتِداءِ يُناسِبُ أنْ يُقْبَلَ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَكِنَّهُ لا يُقْبَلُ، ونَظِيرُهُ ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يُصَدِّقَهم عَلى كُلِّ حالٍ حَتّى في حالَةِ صِدْقِهِمْ وهي الحالَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّقُوا فِيها ولَوْ لِتَعْمِيمِ النَّفْيِ والتَّأْكِيدِ لَهُ.
هَذا وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وابْنُ جَرِيرٍ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”يُجاءُ بِالكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ لَهُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقالُ: لَقَدْ سُئِلْتَ ما هو أيْسَرُ مِن ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾“».
﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ اِسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرٌ، ولِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ رَفَعَ الفاعِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لَهُمْ) خَبَرًا مُقَدَّمًا، و﴿عَذابٌ﴾ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ اِسْمِ الإشارَةِ، والأوَّلُ أحْسَنُ، وفي تَعْقِيبِ ما ذُكِرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ والإقْناطِ، لِأنَّ مَن لا يُقْبَلُ مِنهُ الفِداءُ رُبَّما يُعْفى عَنْهُ تَكَرُّمًا ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [ 91 ] في دَفْعِ العَذابِ أوْ تَخْفِيفِهِ، و(مِن) مَزِيدَةٌ بَعْدَ النَّفْيِ لِلِاسْتِغْراقِ وتُزادُ بَعْدَهُ سَواءٌ دَخَلَتْ عَلى مُفْرَدٍ أوْ جَمْعٍ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُفْرَدِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ لِمُراعاةِ الضَّمِيرِ، وفِيها تَوافُقُ الفَواصِلِ، والمُرادُ لَيْسَ لِواحِدٍ مِنهم ناصِرٌ واحِدٌ.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ وهي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وتَرْكُ اِتِّباعِ الهَوى والمَيْلُ إلى السِّوى، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ نَبِيٌّ ولا كِتابٌ قَطُّ.
﴿ما كانَ إبْراهِيمُ﴾ الخَلِيلُ ﴿يَهُودِيًّا﴾ مُتَعَلِّقًا بِالتَّشْبِيهِ ﴿ولا نَصْرانِيًّا﴾ قائِلًا بِالتَّثْلِيثِ ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنِ الكَوْنِ بِرُؤْيَةِ المُكَوَّنِ ﴿مُسْلِمًا﴾ مُنْقادًا عِنْدَ جَرَيانِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ، أوْ ذاهِبًا إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ المُصْطَفَوْنَ القائِلُونَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ بِشَرْطِ التَّجَرُّدِ عَنِ الكَوْنَيْنِ ومَنعِ النُّفُوسِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى العالَمِينَ، فَإنَّ الخَلِيلَ لَمّا بَلَغَ حَضْرَةَ القُدْسِ زاغَ بَصَرُهُ عَنْ عَرائِسِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ، فَقالَ ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ .
صفحة 221
﴿وهَذا النَّبِيُّ﴾ العَظِيمُ يَعْنِي مُحَمَّدًا عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّسَلُّمِ أوْلى أيْضًا بِمُتابَعَةِ أبِيهِ الخَلِيلِ وسُلُوكِ مَنهَجِهِ الجَلِيلِ لِأنَّهُ زُبْدَةُ مَخِيضِ مَحَبَّتِهِ وخُلاصَةُ حَقِيقَةِ فِطْرَتِهِ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِهِ ﷺ وأشْرَقَتْ عَلَيْهِمْ أنْوارُهُ وأيْنَعَتْ في رِياضِ قُلُوبِهِمْ أسْرارُهُ، ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ كافَّةً يَحْفَظُهم عَنْ آفاتِ القَهْرِ ويُدْخِلُهم في قِبابِ العِصْمَةِ ويُبِيحُ لَهم دِيارَ الكَرامَةِ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ جَعَلَهُ أهْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ كَما قالَ بِذَلِكَ بَعْضُ أهْلِ الظّاهِرِ أيْ لا تُفْشُوا أسْرارَ الحَقِّ إلّا إلى أهْلِهِ ولا تُقِرُّوا بِمَعانِي الحَقِيقَةِ لِلْمَحْجُوبِينَ مِنَ النّاسِ فَيَقَعُونَ فِيكم ويَقْصِدُونَ سَفْكَ دِمائِكُمْ، ﴿قُلْ إنَّ الهُدى﴾ أعْنِي ﴿هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ مِن عِلْمِ الباطِنِ، (أوْ) مِثْلَ ما ﴿يُحاجُّوكُمْ﴾ بِهِ في زَعْمِهِمْ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ وهو عِلْمُ الظّاهِرِ.
وحاصِلُ المَعْنى (إنَّ الهُدى) الجَمْعُ بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وأمّا الِاقْتِصارُ عَلى عِلْمِ الظّاهِرِ وإنْكارِ الباطِنِ فَلَيْسَ بِهُدًى، ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ فَيَتَصَرَّفُ بِهِ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ التّابِعَةِ لِعِلْمِهِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ في أزَلِ الآزالِ، ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فَكَيْفَ يَتَقَيَّدُ بِالقُيُودِ بَلْ يَتَجَلّى حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في المَظاهِرِ لِأهْلِ الشُّهُودِ، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ الخاصَّةِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ وهي المَعْرِفَةُ بِهِ وهي فَوْقَ مُكاشَفَةِ غَيْبِ المَلَكُوتِ ومُشاهَدَةِ سِرِّ الجَبَرُوتِ، ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ الَّذِي لا يُكْتَنَهُ، ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ﴾ وهو عَهْدُ الرُّوحِ بِنَعْتِ الكَشْفِ وعَهْدُ القَلْبِ بِتَلَقِّي الخِطابِ وعَهْدُ العَقْلِ بِامْتِثالِ الأوامِرِ والنَّواهِي، ﴿واتَّقى﴾ مِن خَطِراتِ النُّفُوسِ وطَوارِقِ الشَّهَواتِ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ فَهو بالِغٌ مَقامَ حَقِيقَةِ المَحَبَّةِ، ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى مَن مالَ إلى خُضْرَةِ الدُّنْيا وآثَرَها عَلى مُشاهَدَةِ حَضْرَةِ المَوْلى، وزَيَّنَ ظاهِرَهُ بِعِبادَةِ المُقَرَّبِينَ ومَزَجَها بِحُبِّ الرِّياسَةِ، فَذَلِكَ الَّذِي سَقَطَ عَنْ رُؤْيَةِ اللِّقاءِ ومُخاطَبَةِ الحَقِّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهُ﴾ لِأنَّ الِاسْتِنْباءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الفَناءِ في التَّوْحِيدِ فَمَن مَحا اللَّهُ تَعالى بَشَرِيَّتَهُ بِإفْنائِهِ عَنْ نَفْسِهِ وأثابَهُ وُجُودًا نُورانِيًّا حَقِّيًّا قابِلًا لِلْكِتابِ والحِكْمَةِ العَقْلِيَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يَدْعُوَ إلى نَفْسِهِ إذِ الدّاعِي إلَيْها لا يَكُونُ إلّا مَحْجُوبًا بِها، وبَيْنَ الأمْرَيْنِ تَناقُضٌ، ولَكِنْ يَقُولُ: ﴿كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ أيْ مَنسُوبِينَ إلى الرَّبِّ، والمُرادُ عابِدِينَ مُرْتاضِينَ بِالعِلْمِ والعَمَلِ والمُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ لِتَغْلِبَ عَلى أسْرارِكم أنْوارُ الرَّبِّ.
ولَهم في الرَّبّانِيِّ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ، فَقالَ الشِّبْلِيُّ: الرَّبّانِيُّ الَّذِي لا يَأْخُذُ العُلُومَ إلّا مِنَ الرَّبِّ ولا يَرْجِعُ في شَيْءٍ إلّا إلَيْهِ، وقالَ سَهْلٌ: الرَّبّانِيُّ الَّذِي لا يَخْتارُ عَلى رَبِّهِ حالًا، وقالَ القاسِمُ: هو المُتَخَلِّقُ بِأخْلاقِ الرَّبِّ عِلْمًا وحُكْمًا، وقِيلَ: هو الَّذِي مُحِقَ في وُجُودِهِ ومُحِقَ عَنْ شُهُودِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا تُؤَثِّرُ فِيهِ تَصارِيفُ الأقْدارِ عَلى اِخْتِلافِها، وقِيلَ وقِيلَ، وكُلُّ الأقْوالِ تَرِدُ مِن مَنهَلٍ واحِدٍ.
﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ فَإنَّها بَعْضُ مَظاهِرِهِ وهو سُبْحانُهُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ أيَأْمُرُكم بِالِاحْتِجابِ بِرُؤْيَةِ الأشْكالِ والنَّظَرِ إلى الأمْثالِ بَعْدَ أنْ لاحَ في أسْرارِكم أنْوارُ التَّوْحِيدِ وطَلَعَتْ في قُلُوبِكم شُمُوسُ التَّفْرِيدِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآيَةَ، فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أخَذَ العَهْدَ مِن نُوّابِ الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ في الأزَلِ بِالِانْقِيادِ والطّاعَةِ والإيمانِ بِها، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ الصَّفِّ الأوَّلِ ورِجالَ الحَضْرَةِ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقَ التَّعارُفِ بَيْنَهم وإقامَةِ الدِّينِ وعَدَمِ التَّفَرُّقِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ودَعْوَةِ الخَلْقِ إلى التَّوْحِيدِ وتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِاَللَّهِ تَعالى وطاعَةِ النَّبِيِّ وتَعْرِيفِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِأُمَمِهِمْ، وهَذا غَيْرُ المِيثاقِ العامِّ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الخ.
صفحة 222
﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدَ ما عَلِمَ عَهْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ النَّبِيِّينَ وتَبْلِيغِ الأنْبِياءِ إلَيْهِ ما عُهِدَ إلَيْهِمْ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ الخارِجُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى ولا دِينَ غَيْرُهُ مُعْتَدًّا بِهِ في الحَقِيقَةِ إلّا تَوَهُّمًا، ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مِن في عالَمِ الأرْواحِ وعالَمِ النُّفُوسِ، أوْ مِن في عالَمِ المَلَكُوتِ وعالَمِ المُلْكِ ﴿طَوْعًا﴾ بِاخْتِيارِهِ وشُعُورِهِ ﴿وكَرْهًا﴾ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي ولا يَدْرِي أنَّهُ لا يَدْرِي بِسَبَبِ اِحْتِجابِهِ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ، ولِهَذا سَقَطَ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ في العاقِبَةِ حِينَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ﴾ وهو التَّوْحِيدُ ﴿دِينًا﴾ لَهُ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ لِعَدَمِ وُصُولِهِ إلى الحَقِّ لِمَكانِ الحِجابِ ﴿وهُوَ في الآخِرَةِ﴾ ويَوْمَ القِيامَةِ الكُبْرى ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ الآيَةَ، اِسْتِبْعادٌ لِهِدايَةِ مَن فَطَرَهُ اللَّهُ عَلى غَيْرِ اِسْتِعْدادِ المَعْرِفَةِ، وحُكِمَ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ في سابِقِ الأزَلِ فَإنَّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ اِسْتِعْدادٌ لَمْ يَقَعْ في أنْوارِ التَّجَلِّي، ومَن خاضَ في بَحْرِ القَهْرِ ولَزِمَ قَعْرَ بُعْدِ البُعْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إلى ساحِلِ قُرْبِ القُرْبِ، واَللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ:
إذا المَرْءُ لَمْ يُخْلَقْ سَعِيدًا تَحَيَّرَتْ ظُنُونُ مُرَبِّيهِ وخابَ المُؤْمَلُ
فَمُوسى الَّذِي رَبّاهُ جِبْرِيلُ كافِرٌ ∗∗∗ ومُوسى الَّذِي رَبّاهُ فِرْعَوْنُ مُرْسَلُ
هَذا واَللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
آل عمران 3:92
﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ويُقْبَلُ مِنهم إثْرَ بَيانِ ما لا يَنْفَعُ الكُفّارَ ولا يُقْبَلُ مِنهُمْ، وتَنالُ مِن نالَ نَيْلًا إذا أصابَ ووَجَدَ، ويُقالُ: نالَ العِلْمَ إذا وصَلَ إلَيْهِ واتَّصَفَ بِهِ، والبِرُّ الإحْسانُ وكَمالُ الخَيْرِ، وبَعْضُهم يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَيْرِ بِأنَّ البِرَّ هو النَّفْعُ الواصِلُ إلى الغَيْرِ مَعَ القَصْدِ إلى ذَلِكَ، والخَيْرَ هو النَّفْعُ مُطْلَقًا وإنْ وقَعَ سَهْوًا، وضِدُّ البِرِّ العُقُوقُ، وضِدُّ الخَيْرِ الشَّرُّ، وألْ فِيهِ إمّا لِلْجِنْسِ والحَقِيقَةِ، والمُرادُ لَنْ تَكُونُوا أبْرارًا حَتّى تُنْفِقُوا، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وإمّا لِتَعْرِيفِ العَهْدِ، والمُرادُ لَنْ تُصِيبُوا بِرَّ اللَّهِ تَعالى يا أهْلَ طاعَتِهِ حَتّى تُنْفِقُوا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُقاتِلٌ وعَطاءُ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرَ البِرِّ بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مَسْرُوقٍ والسُّدِّيِّ وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لَنْ تَنالُوا ثَوابَ البِرِّ، وحَتّى بِمَعْنى إلى، ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (بَعْضَ ما تُحِبُّونَ)، وقِيلَ: بَيانِيَّةٌ، وعَلَيْهِ أيْضًا لا تَخالُفَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى، و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وجَعْلُها مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ جائِزٌ عَلى رَأْيِ أبِي عَلِيٍّ.
وفِي المُرادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِمّا تُحِبُّونَ﴾ أقْوالٌ؛ فَقِيلَ: المالُ، وكَنّى بِذَلِكَ عَنْهُ لِأنَّ جَمِيعَ النّاسِ يُحِبُّونَهُ، وقِيلَ: نَفائِسُ الأمْوالِ وكَرائِمُها، وقِيلَ: ما يَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ مِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي يُحِبُّها الإنْسانُ ويَهْواها، والإنْفاقُ عَلى هَذا مَجازٌ، وعَلى الأوَّلَيْنِ حَقِيقَةٌ، وكانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إذا أحَبُّوا شَيْئًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ واَلتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ الأنْصارِ نَخْلًا بِالمَدِينَةِ وكانَ أحَبُّ أمْوالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحاءَ وكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِن ماءٍ فِيها طَيِّبٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ قالَ أبُو طَلْحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بَيْرُحاءَ وإنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ تَعالى أرْجُو بِرَّها وذُخْرَها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَخٍ بَخٍ، ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَها أبُو طَلْحَةَ
صفحة 223
فِي أقارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ ”،» وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ: «“فَجَعَلَها بَيْنَ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ”». وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قالَ: «“ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ يُقالُ لَها (سَبَلُ)، لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنها، فَقالَ: هي صَدَقَةٌ فَقَبِلَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وحَمَلَ عَلَيْها اِبْنَهُ أُسامَةَ فَرَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ في وجْهِ زَيْدٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَبِلَها مِنكَ». وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ، قالَ: ”حَضَرَتْنِي هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾ الخ، فَذَكَرْتُ ما أعْطانِي اللَّهُ تَعالى فَلَمْ أجِدْ أحَبَّ إلَيَّ مِن مَرْجانَةَ جارِيَةٍ لِي رُومِيَّةٍ، فَقُلْتُ هي حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَلَوْ أنِّي أعُودُ في شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ تَعالى لَنَكَحْتُها فَأنْكَحْتُها نافِعًا“ . وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ نافِعٍ قالَ: ”كانَ اِبْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَشْتَرِي السُّكَّرَ يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَنَقُولُ لَهُ: لَوِ اِشْتَرَيْتَ لَهم بِثَمَنِهِ طَعامًا كانَ أنْفَعَ لَهم مِن هَذا، فَيَقُولُ: أنا أعْرِفُ الَّذِي تَقُولُونَ ولَكِنْ سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ وأنَّ اِبْنَ عُمَرَ يُحِبُّ السُّكَّرَ“.
وظاهِرُ هَذِهِ الأخْبارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْفاقَ في الآيَةِ يَعُمُّ المُسْتَحَبَّ، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِهِ إخْراجُ الزَّكاةِ الواجِبَةِ وما فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى في الأمْوالِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُخْرِجُوا زَكاةَ أمْوالِكُمْ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن (ما تُحِبُّونَ) المالُ لا كَرائِمُهُ، فَقَوْلُ النَّيْسابُورِيِّ: إنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى المُزَكِّي أنْ يُخْرِجَ أشْرَفَ أمْوالِهِ وأكْرَمَها، ناشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّأمُّلِ، ولَوْ تَأمَّلَ ما اَعْتَرَضَ عَلى تُرْجُمانِ القُرْآنِ وحَبْرِ الأُمَّةِ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، وضُعِّفَ بِأنَّ إيجابَ الزَّكاةِ لا يُنافِي التَّرْغِيبَ في بَذْلِ المَحْبُوبِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.
واسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّ ظاهِرَها يَسْتَدْعِي أنَّ الفَقِيرَ الَّذِي لَمْ يُنْفِقُ طُولَ عُمْرِهِ مِمّا يُحِبُّهُ لِعَدَمِ إمْكانِهِ لا يَكُونُ بارًّا أوْ لا يَنالُهُ بِرُّ اللَّهِ تَعالى بِأهْلِ طاعَتِهِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأُجِيبَ بِأنَّ الكَلامَ خارِجٌ مَخْرَجَ الحَثِّ عَلى الإنْفاقِ وهو مُقَيَّدٌ بِالإمْكانِ وإنَّما أُطْلِقَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ، وقِيلَ: الأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَنْ تَنالُوا البِرَّ الكامِلَ الواقِعَ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ، والفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يُنْفِقْ طُولَ عُمْرِهِ لا يَبْعُدُ القَوْلُ بِأنَّهُ لا يَكُونُ بارًّا كامِلًا ولا يَنالُهُ بِرُّ اللَّهِ تَعالى الكامِلُ بِأهْلِ طاعَتِهِ، وقِيلَ: الأوْلى مِن هَذا الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ: لَنْ تَنالُوا البِرَّ عَلى الإنْفاقِ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ.
وحاصِلُهُ أنَّ الإنْفاقَ مِنَ المَحْبُوبِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَيْلُ البِرِّ وأنَّ الإنْفاقَ مِمّا عَداهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَيْلُ البِرِّ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى حَصْرِ تَرَتُّبِ البِرِّ عَلى الإنْفاقِ مِنَ المَحْبُوبِ ونَفْيِ تَرَتُّبِ البِرِّ عَلى فِعْلٍ آخَرَ مِنَ الأفْعالِ المَأْمُورِ بِها، وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الفَقِيرُ الغَيْرُ المُنْفِقِ بارًّا أوْ نائِلًا بِرَّ اللَّهِ تَعالى بِأهْلِ طاعَتِهِ مِن جِهَةٍ أُخْرى، ورُبَّما تَسْتَدْعِي أفْعالُهُ الخالِيَةُ عَنْ إنْفاقِ المالِ مِنَ البِرِّ ما هو أكْمَلُ وأوْفَرُ مِمّا يَسْتَدْعِيهِ الإنْفاقُ المُجَرَّدُ مِنهُ؛ ويَنْجَرُّ الكَلامُ إلى مَسْألَةِ تَفْضِيلِ الفَقِيرِ الصّابِرِ عَلى الغَنِيِّ الشّاكِرِ، وهي مَسْألَةٌ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ قَدْ أُلِّفَتْ فِيها الرَّسائِلُ.
﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُنْفِقُونَهُ مِنَ الأشْياءِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ تُنْفِقُوا طَيِّبٍ تُحِبُّونَهُ، أوْ خَبِيثٍ تَكْرَهُونَهُ، فَ (مِن) عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِاسْمِ الشَّرْطِ، وعَلى الثّانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [ 92 ] تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ واقِعٌ مَوْقِعَهُ، أيْ فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ، فَإنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِكُلِّ ما تُنْفِقُونَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُهُ مَوْجُودًا عَلى الحَدِّ الَّذِي تَفْعَلُونَهُ مِن حُسْنِ النِّيَّةِ وقُبْحِها، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وفي الآيَةِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، قِيلَ: وفِيها إشارَةٌ إلى الحَثِّ عَلى إخْفاءِ الصَّدَقَةِ.
آل عمران 3:93
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾
رَوى الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ «أنَّهُ حِينَ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أنا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ قالَتِ اليَهُودُ: كَيْفَ وأنْتَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كانَ ذَلِكَ حَلالًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَحْنُ نُحِلُّهُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: كُلُّ شَيْءٍ أصْبَحْنا اليَوْمَ نُحَرِّمُهُ فَإنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ حَتّى انْتَهى إلَيْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ تَكْذِيبًا لَهم» . والطَّعامُ بِمَعْنى المَطْعُومِ، ويُرادُ بِهِ هُنا المَطْعُوماتُ مُطْلَقًا أوِ المَأْكُولاتِ، وهو لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا مَنعُوتًا بِهِ مَعْنًى يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ وهو الأصْلُ المُطَّرِدُ، فَلا يُنافِيهِ قَوْلُ الرَّضِيِّ: إنَّهُ يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ ورَجُلانِ عَدْلانِ لِأنَّهُ رِعايَةٌ لِجانِبِ المَعْنى، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ يَجْعَلُ كُلًّا لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّ الِاسْتِغْراقَ شَأْنُ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ، والحِلُّ مَصْدَرٌ أيْضًا أُرِيدَ مِنهُ حَلالًا، والمُرادُ الإخْبارُ عَنْ أكْلِ الطَّعامِ بِكَوْنِهِ حَلالًا لا نَفْسَ الطَّعامِ لِأنَّ الحِلَّ كالحُرْمَةِ مِمّا لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ ولا يُقَدَّرُ نَحْوَ الإنْفاقِ، وإنْ صَحَّ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ الحِلِّ ورُبَّما تَوَهَّمَ بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ لِأنَّهُ خِلافُ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ.
و( إسْرائِيلُ ) هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أنَّ مَلِكًا سَمّاهُ بِذَلِكَ بَعْدَ أنْ صَرَعَهُ وضَرَبَ عَلى فَخِذِهِ.
﴿إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: حَرَّمَ لُحُومَ الأنْعامِ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَرَّمَ زائِدَتَيِ الكَبِدِ والكُلْيَتَيْنِ والشَّحْمِ إلّا ما كانَ عَلى الظَّهْرِ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ حَرَّمَ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، وسَبَبُ تَحْرِيمِ ذَلِكَ كَما في الحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بِهِ عِرْقُ النَّسا فَنَذَرَ إنْ شُفِيَ لَمْ يَأْكُلْ أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ وكانَ ذَلِكَ أحَبَّ إلَيْهِ، وفي رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أنَّهُ كانَ بِهِ ذَلِكَ الدّاءُ فَأكَلَ مِن لُحُومِ الإبِلِ فَباتَ بِلَيْلَةٍ يَزْقُو فَحَلَفَ أنْ لا يَأْكُلَهُ أبَدًا، وقِيلَ: حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ تَعَبُّدًا وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنَّ يُجِيزَ لَهُ فَحَرَّمَ سُبْحانَهُ عَلى ولَدِهِ ذَلِكَ، ونُسِبَ هَذا إلى الحَسَنِ، وقِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَهُ وكَفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ كَما يُحَرِّمُ المُسْتَظْهِرُ في دِينِهِ مِنَ الزُّهّادِ اللَّذائِذَ عَلى نَفْسِهِ.
وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ التَّحْرِيمَ كانَ بِنَصٍّ ورَدَ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضٌ: كانَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهادٍ ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ، وبِهِ اسْتُدِلَّ عَلى جَوازِهِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والِاسْتِغْناءُ مُتَّصِلٌ لِأنَّ المُرادَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ أنَّهُ حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ وعَلى أوْلادِهِ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ ولَكِنْ حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْهِمْ وصَحَّحَ الأوَّلَ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانَ حِلا﴾ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بِالِاسْتِثْناءِ إذْ هو فَصْلٌ جائِزٌ، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ وأبِي الحَسَنِ في جَوازِ أنْ يَعْمَلَ ما قَبْلُ إلّا فِيما بَعْدَها إذا كانَ ظَرْفًا أوْ جارًّا أوْ مَجْرُورًا أوْ حالًا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِحُرِّمَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ إذْ هو مِنَ الإخْبارِ بِالواضِحِ المَعْلُومِ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ فِيهِ، واعْتَذَرَ عَنْهُ بِأنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ بَيانُ أنَّ التَّحْرِيمَ مُقَدَّمٌ عَلَيْها، وأنَّ التَّوْراةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مُحَرَّماتٍ أُخَرَ حَدَثَتْ عَلَيْهِمْ حَرَجًا وتَضْيِيقًا، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ كانَ حَلًّا
صفحة 3
﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ في جَوابِ سُؤالٍ نَشَأ مِن سابِقِ المُسْتَثْنى كَأنَّهُ قِيلَ: مَتى كانَ حِلًّا ؟ فَأُجِيبَ بِهِ، والَّذِي دَعاهُ إلى ذَلِكَ عَدَمُ ظُهُورِ فائِدَةِ تَقْيِيدِ التَّحْرِيمِ ولُزُومِ قَصْرِ الصِّفَةِ قَبْلَ تَمامِها عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ قَيْدًا لِلْحِلِّ.
ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمَعْنى عَلى الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ الطَّعامِ ما عَدا المُسْتَثْنى كانَ حَلالًا لِبَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ مُشْتَمِلَةً عَلى تَحْرِيمِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ لِلْيَهُودِ في دَعْواهُمُ البَراءَةَ فِيما نَعى عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( وعَلى الَّذِينَ هادَوْا حَرَمنا 0 الآيَتَيْنِ، وتَبْكِيتٌ لَهم في مَنعِ النَّسَخِ ضَرُورَةَ أنَّ تَحْرِيمَ ما كانَ حَلالًا لا يَكُونُ إلّا بِهِ، ودَفْعَ الطَّعْنِ في دَعْوى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُوافَقَتَهُ لِأبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ.
وذَهَبَ السُّدِّيُّ إلى أنَّهُ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ عِنْدَ نُزُولِ التَّوْراةِ إلّا ما كانَ يُحَرِّمُونَهُ قَبْلَ نُزُولِها اقْتِداءً بِأبِيهِمْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: لَمْ يُحِرِّمْ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ في التَّوْراةِ، وأنَّما حَرَّمَهُ بَعْدَها بِظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَتْ ذَنْبًا عَظِيمًا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ طَعامًا طَيِّبًا وصَبَّ عَلَيْهِمْ رِجْزًا، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ لَمْ يُحِرِّمِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ في التَّوْراةِ ولا بَعْدَها، وإنَّما هو شَيْءٌ حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمُ اتِّباعًا لِأبِيهِمْ، وإضافَةُ تَحْرِيمِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مَجازٌ وهَذا في غايَةِ البُعْدِ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُحاجَّهم بِكِتابِهِمُ النّاطِقِ بِصِحَّةِ ما يَقُولُ في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وإظْهارُ اسْمِ التَّوْراةِ لِكَوْنِ الجُمْلَةِ كَلامًا مَعَ اليَهُودِ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في دَعْواكم، شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلُهُ عَلَيْهِ أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها، رُوِيَ أنَّهم لَمْ يَجْسُرُوا عَلى الإتْيانِ بِها فَبُهِتُوا وأُلْقِمُوا حَجَرًا.
وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ عَلِمَ بِأنَّ ما في التَّوْراةِ يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِمْ وهو لَمْ يَقْرَأْها ولا غَيْرَها مِن زُبُرِ الأوَّلِينَ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ وحْيٍ.
آل عمران 3:94
﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيِ اخْتَرَعَ ذَلِكَ بِزَعْمِهِ أنَّ التَّحْرِيمَ كانَ عَلى الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ. ( فَمَن ) عِبارَةٌ عَنْ أُولَئِكَ اليَهُودِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عامَّةً ويَدْخُلُونَ حِينَئِذٍ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلُ الِافْتِراءِ قَطْعُ الأدِيمِ يُقالُ: فَرى الأدِيمَ يَفْرِيهِ فَرْيًا إذا قَطَعَهُ، واسْتُعْمِلَ في الِابْتِداعِ والِاخْتِلاقِ، والجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً وأنْ تَكُونَ مَنصُوبَةَ المَحَلِّ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ( فَأْتُوا ) فَتَدْخُلُ تَحْتَ القَوْلِ، ومَن؛ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وقَدْ رُوعِيَ لَفْظُها ومَعْناها ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ أمْرُهم بِما ذُكِرَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن قِيامِ الحُجَّةِ وظُهُورِ البَيِّنَةِ.
( ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ) أيِ المُفْتَرُونَ المُبْعَدُونَ عَنْ عِزِّ القُرْبِ ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِفِعْلِ ما أوْجَبَ العِقابَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ ولِأشْياعِهِمْ بِإضْلالِهِمْ لَهم بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى الباطِلِ وعَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإنَّما قُيِّدَ بِالبُعْدِيَّةِ مَعَ أنَّهُ يَسْتَحِقُّ الوَعِيدَ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ وفي كُلِّ حالٍ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمال القُبْحِ، وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّهُ إنَّما يُؤاخِذُ بِهِ بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ومَن كَذَبَ فِيما لَيْسَ بِمَحْجُوجٍ فِيهِ فَهو بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ الوَعِيدَ بِكَذِبِهِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، ثُمَّ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ الأكْلَ إنْفاقٌ مِمّا يُحِبُّ لَكِنْ عَلى نَفْسِهِ، وإلى ذَلِكَ أشارَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ مُحاجَّتُهم في مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ مِمّا أنْكَرُوا عَلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْلُ لُحُومِ الإبِلِ وادَّعَوْا أنَّهُ خِلافُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ناسَبَ أنْ يَذْكُرَ رَدَّ دَعْواهم ذَلِكَ عَقِيبَ تِلْكَ المُحاجَّةِ.
آل عمران 3:95
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أيْ ظَهَرَ وثَبَتَ صِدْقُهُ في أنَّ
صفحة 4
﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ﴾ وقِيلَ: في أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ دِينَهُ الإسْلامُ، وقِيلَ: في كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ، ويَدْخُلُ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا وفِيهِ كَما قِيلَ: تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمُ الصَّرِيحِ ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وهي دِينُ الإسْلامِ فَإنَّكم غَيْرُ مُتَّبِعِينَ مِلَّتَهُ كَما تَزْعُمُونَ، وقِيلَ: اتَّبِعُوا مِثْلَ مِلَّتِهِ حَتّى تَخَلَّصُوا عَنِ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي اضْطَرَّتْكم إلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ والتَّشْدِيدِ عَلى أنْفُسِكم، وقِيلَ: اتَّبِعُوا مِلَّتَهُ في اسْتِباحَةِ أكْلِ لُحُومِ الإبِلِ وشُرْبِ ألْبانِها مِمّا كانَ حِلًّا لَهُ ( ﴿حَنِيفًا﴾ ) أيْ مائِلًا عَنْ سائِرِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، أوْ مُسْتَقِيمًا عَلى ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الدِّينِ الحَقِّ في حَجِّهِ ونُسُكِهِ ومَأْكَلِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . أيْ في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أصْلًا وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشِرْكِ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.
آل عمران 3:96
﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: بَيْتُ المَقْدِسِ أعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ لِأنَّهُ مُهاجَرُ الأنْبِياءِ ولِأنَّهُ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: بَلِ الكَعْبَةُ أعْظَمُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ إلى ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾» .
ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، ووَجْهُ رَبْطِها بِما قَبْلَها أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ الكَفَرَةَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ومِن مَلَّتِهِ تَعْظِيمُ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى الحَرامِ، فَناسَبَ ذِكْرَ البَيْتِ وفَضْلَهَ وحُرْمَتَهُ لِذَلِكَ، وقِيلَ: وجْهُ المُناسِبَةِ أنَّ هَذِهِ شُبْهَةٌ ثانِيَةٌ ادَّعُوها فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيها كَما أكْذَبَهم في سابِقَتِها، والمَعْنى إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِعِبادَةِ النّاسِ رَبَّهم أيْ هُيِّئَ وجُعِلَ مُتَعَبَّدًا؛ والواضِعُ هو اللَّهُ تَعالى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ ( وضَعَ ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ سُبْحانَهُ صَرِيحًا في الآيَةِ بِناءً عَلى أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، واحْتِمالُ عَوْدِهِ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِاشْتِهارِهِ بِبِناءِ البَيْتِ خِلافُ الظّاهِرِ، وجُمْلَةُ ( وُضِعَ ) في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّها صِفَةُ ( بَيْتٍ ) و( لِلنّاسِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ واللّامُ فِيهِ لِلْعِلَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ خَبَرُ إنَّ واللّامُ مُزَحْلَقَةٌ، وأخْبَرَ بِالمَعْرِفَةِ عَنِ النَّكِرَةِ لِتَخْصِيصِها، وهَذا في بابِ إنَّ، و– بَكَّةُ - لُغَةٌ في مَكَّةَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، والباءُ والمِيمُ تَعْقُبُ إحْداهُما الأُخْرى كَثِيرًا، ومِنهُ نَمِيطٌ ونَبِيطٌ، ولازِمٌ ولازِبٌ، وراتِبٌ وراتِمٌ، وقِيلَ: هُما مُتَغايِرانِ؛ فَبَكَّةُ مَوْضِعُ المَسْجِدِ، ومَكَّةُ البَلَدُ بِأسْرِها، وأصْلُها مِنَ البَكِّ بِمَعْنى الزَّحْمِ، يُقالُ بَكَّهُ يَبُكُّهُ بَكًّا إذا زَحَمَهُ، وتَباكَّ النّاسُ إذا ازْدَحَمُوا، وكَأنَّها إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِازْدِحامِ الحَجِيجِ فِيها، وقِيلَ: بِمَعْنى الدَّقِّ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَدَقِّ أعْناقِ الجَبابِرَةِ إذا أرادُوها بِسُوءٍ، وإذْلالِهِمْ فِيها، ولِذا تَراهم في الطَّوافِ كَآحادِ النّاسِ، ولَوْ أمْكَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن تَخْلِيَةِ المَطافِ لَفَعَلُوا؛ وقِيلَ: إنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن بَكَأتِ النّاقَةُ أوِ الشّاةُ إذا قَلَّ لَبَنُها، وكَأنَّها إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مائِها وخِصْبِها، قِيلَ: ومِن هُنا سُمِّيَتِ البَلَدُ مَكَّةَ أيْضًا أخْذًا لَها مِن أمْتَكَ الفَصِيلُ ما في الضَّرْعِ إذا امْتَصَّهُ ولَمْ يُبْقِ فِيهِ مِنَ اللَّبَنِ شَيْئًا، وقِيلَ: هي مِن مَكَّهُ اللَّهُ تَعالى إذا اسْتَقْصاهُ بِالهَلاكِ، ثُمَّ المُرادُ بِالأوَّلِيَّةِ الأوَّلِيَّةُ بِحَسَبِ الزَّمانِ، وقِيلَ: بِحَسَبِ الشَّرَفِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ فَقالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، ثُمَّ بَيْتُ المَقْدِسِ. فَقِيلَ: كَمْ بَيْنَهُما ؟ فَقالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً» . واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ بانِيَ المَسْجِدِ الحَرامِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبانِيَ الأقْصى داوُدُ ثُمَّ ابْنُهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِما السَّلامُ، ورَفَعَ قُبَّتَهُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، وبَيْنَ بِناءِ إبْراهِيمَ وبِنائِهِما مُدَّةٌ تَزِيدُ عَلى الأرْبَعِينَ بِأمْثالِها،
صفحة 5
وأُجِيبَ بِأنَّ الوَضْعَ غَيْرُ البِناءِ، والسُّؤالُ عَنْ مُدَّةِ ما بَيْنَ وضَعَيْهِما لا عَنْ مُدَّةِ ما بَيْنَ بِناءَيْهِما، فَيُحْتَمَلُ أنَّ واضِعَ الأقْصى بَعْضُ الأنْبِياءِ قَبْلَ داوُدَ وابْنِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ ثُمَّ بَنَياهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ولا بُدَّ مِن هَذا التَّأْوِيلِ - قالَهُ الطَّحاوِيُّ - وأجابَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنَ الوَضْعِ البِناءُ بِأنَّ بانِيَ المَسْجِدِ الحَرامِ والمَسْجِدِ الأقْصى هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ بَنى الأقْصى بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن بِنائِهِ المَسْجِدَ الحَرامَ، وادَّعى فَهْمَ ذَلِكَ مِنَ الحَدِيثِ فَتَدَبَّرْ.
ووَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ أوَّلَ مَن بَنى البَيْتَ المَلائِكَةُ وقَدْ بَنَوْهُ قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِألْفَيْ عامٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وحُكِيَ أنَّ بِناءَ المَلائِكَةِ لَهُ كانَ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ ثُمَّ بَناهُ آدَمُ ثُمَّ شِيثُ ثُمَّ إبْراهِيمُ ثُمَّ العَمالِقَةُ ثُمَّ جُرْهُمُ ثُمَّ قُصَيٌّ ثُمَّ قُرَيْشٌ ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ثُمَّ الحَجّاجُ، واسْتَمَرَّ بِناءُ الحَجّاجِ إلى الآنِ إلّا في المِيزابِ والبابِ والعَتَبَةِ، ووَقَعَ التَّرْمِيمُ في الجِدارِ والسَّقْفِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجُدِّدَ فِيهِ الرُّخامُ وقِيلَ: إنَّهُ نَزَلَ مَعَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ ثُمَّ رُفِعَ بَعْدَ مَوْتِهِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: بُنِيَ قَبْلَهُ ورُفِعَ في الطُّوفانِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وقِيلَ: الرّابِعَةِ، وذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ الأخْبارِ أنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِهِ، وقَدْ أسْلَفْنا لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْ. ( ﴿مُبارَكًا﴾ ) أيْ كَثِيرُ الخَيْرِ لِما أنَّهُ يُضاعَفُ فِيهِ ثَوابُ العِبادَةِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يُغْفَرُ فِيهِ الذُّنُوبُ لِمَن حَجَّهُ وطافَ بِهِ واعْتَكَفَ عِنْدَهُ.
وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَرَكَتُهُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقِيلَ: بَرَكَتُهُ دَوامُ العِبادَةِ فِيهِ ولُزُومُها، وقَدْ جاءَتِ البَرَكَةُ بِمَعْنَيَيْنِ: النُّمُوُّ وهو الشّائِعُ، والثُّبُوتُ ومِنهُ البَرَكَةُ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها والبَرَكُ الصَّدْرُ لِثُبُوتِ الحِفْظِ فِيهِ، وتَبارَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِمَعْنى ثَبَتَ ولَمْ يَزُلْ، ووَجَّهَ الكَرْمانِيُّ كَوْنَهُ مُبارَكًا بِأنَّ الكَعْبَةَ كالنُّقْطَةِ وصُفُوفَ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْها في الصَّلَواتِ كالدَّوائِرِ المُحِيطَةِ بِالمَرْكَزِ، ولا شَكَّ أنَّ فِيهِمْ أشْخاصًا أرْواحُهم عُلْوِيَّةٌ وقُلُوبُهم قُدْسِيَّةٌ وأسْرارُهم نُورانِيَّةٌ وضَمائِرُهم رَبّانِيَّةٌ، ومَن كانَ في المَسْجِدِ الحَرامِ يَتَّصِلُ أنْوارُ تِلْكَ الأرْواحِ الصّافِيَةِ المُقَدَّسَةِ بِنُورِ رُوحِهِ فَتَزْدادُ الأنْوارُ الآلِهِيَّةُ في قَلْبِهِ وهَذا غايَةُ البَرَكَةِ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ كُرَيَّةٌ، وكُلُّ آنٍ يُفْرَضُ فَهو صُبْحٌ لِقَوْمٍ ظُهْرٌ لِثانٍ عَصْرٌ لِثالِثٍ وهَلُمَّ جَرّا، فَلَيْسَتِ الكَعْبَةُ مُنْفَكَّةً قَطُّ عَنْ تَوَجُّهِ قَوْمٍ إلَيْها لِأداءِ الفَرائِضِ فَهو دائِمًا كَذَلِكَ، والمَنصُوبُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ صِلَةً.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( وُضِعَ ﴿وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ [96]: أيْ هادٍ لَهم إلى الجَنَّةِ الَّتِي أرادَها سُبْحانَهُ أوْ هادٍ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِما فِيهِ مِنَ الآياتِ العَجِيبَةِ كَما قالَ تَعالى: