Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — الأنعام 6:123 – الأعراف 7:43

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. الأنعام 6:123
  2. الأنعام 6:124
  3. الأنعام 6:125
  4. الأنعام 6:126
  5. الأنعام 6:127
  6. الأنعام 6:128
  7. الأنعام 6:129
  8. الأنعام 6:130
  9. الأنعام 6:131
  10. الأنعام 6:132
  11. الأنعام 6:133
  12. الأنعام 6:134
  13. الأنعام 6:135
  14. الأنعام 6:136
  15. الأنعام 6:137
  16. الأنعام 6:138
  17. الأنعام 6:139
  18. الأنعام 6:140
  19. الأنعام 6:141
  20. الأنعام 6:142
  21. الأنعام 6:143
  22. الأنعام 6:144
  23. الأنعام 6:145
  24. الأنعام 6:146
  25. الأنعام 6:147
  26. الأنعام 6:148
  27. الأنعام 6:149
  28. الأنعام 6:150
  29. الأنعام 6:151
  30. الأنعام 6:152
  31. الأنعام 6:153
  32. الأنعام 6:154
  33. الأنعام 6:155
  34. الأنعام 6:156
  35. الأنعام 6:157
  36. الأنعام 6:158
  37. الأنعام 6:159
  38. الأنعام 6:160
  39. الأنعام 6:161
  40. الأنعام 6:162
  41. الأنعام 6:163
  42. الأنعام 6:164
  43. الأنعام 6:165
  44. الأعراف 7:1
  45. الأعراف 7:2
  46. الأعراف 7:3
  47. الأعراف 7:4
  48. الأعراف 7:5
  49. الأعراف 7:6
  50. الأعراف 7:7
  51. الأعراف 7:8
  52. الأعراف 7:9
  53. الأعراف 7:10
  54. الأعراف 7:11
  55. الأعراف 7:12
  56. الأعراف 7:13
  57. الأعراف 7:14
  58. الأعراف 7:15
  59. الأعراف 7:16
  60. الأعراف 7:17
  61. الأعراف 7:18
  62. الأعراف 7:19
  63. الأعراف 7:20
  64. الأعراف 7:21
  65. الأعراف 7:22
  66. الأعراف 7:23
  67. الأعراف 7:24
  68. الأعراف 7:25
  69. الأعراف 7:26
  70. الأعراف 7:27
  71. الأعراف 7:28
  72. الأعراف 7:29
  73. الأعراف 7:30
  74. الأعراف 7:31
  75. الأعراف 7:32
  76. الأعراف 7:33
  77. الأعراف 7:34
  78. الأعراف 7:35
  79. الأعراف 7:36
  80. الأعراف 7:37
  81. الأعراف 7:38
  82. الأعراف 7:39
  83. الأعراف 7:40
  84. الأعراف 7:41
  85. الأعراف 7:42
  86. الأعراف 7:43

الأنعام 6:123

﴿وكَذَلِكَ﴾ قِيلَ أيْ كَما جَعَلْنا في مَكَّةَ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ﴿جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ مِن سائِرِ القُرى ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أوْ كَما جَعَلْنا أعْمالَ أهْلِ مَكَّةَ مُزَيَّنَةً لَهم جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ .. إلَخْ. وإلى الِاحْتِمالَيْنِ ذَهَبَ الإمامُ الرّازِيُّ وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ جَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ المُتَعَدِّيَةِ لِمَفْعُولَيْنِ واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِما فَقِيلَ: ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ و﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ بِالإضافَةِ هو الأوَّلُ وقِيلَ: ﴿أكابِرَ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ و﴿مُجْرِمِيها﴾ بَدَلٌ مِنهُ وقِيلَ: ﴿أكابِرَ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ و﴿مُجْرِمِيها﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ فَيَتَعَيَّنُ أنَّهُ المُبْتَدَأُ بِحَسَبِ الأصْلِ والتَّقْدِيرُ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرِمِيها أكابِرَ فَيَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورِ بِالفِعْلِ. واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ كَوْنُ ﴿مُجْرِمِيها﴾ بَدَلًا مِن ﴿أكابِرَ﴾ أوْ مَفْعُولًا بِأنَّهُ خَطَأٌ وذُهُولٌ عَنْ قاعِدَةٍ نَحْوِيَّةٍ وهي أنْ أفْعَلَ التَّفْضِيلَ يَلْزَمُ إفْرادُهُ وتَذْكِيرُهُ إذا كانَ بِمَن ظاهِرَةً أوْ مُقَدَّرَةً أوْ مُضافًا إلى نَكِرَةٍ سَواءٌ كانَ لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أوْ لِغَيْرِهِ فَإنْ طابَقَ ما هو لَهُ تَأْنِيثًا وجَمْعًا وتَثْنِيَةً لَزِمَهُ أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا الألِفُ واللّامُ أوِ الإضافَةُ إلى مَعْرِفَةٍ و﴿أكابِرَ﴾ في التَّخْرِيجَيْنِ باقٍ عَلى الجَمْعِيَّةِ وهو غَيْرُ مُعَرَّفٍ بِألْ ولا مُضافٍ لِمَعْرِفَةٍ وذَلِكَ لا يَجُوزُ وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ فَقالَ: إنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ أكابِرَ وأصاغِرَ أُجْرِيَ مَجْرى الأسْماءِ لِكَوْنِهِ بِمَعْنى الرُّؤَساءِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرّاغِبُ وما ذَكَرَهُ إنَّما هو إذا بَقِيَ عَلى مَعْناهُ الأصْلِيِّ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّهُ يُقالُ أكابِرَةُ كَما يُقالُ أحْمَرُ وأحامِرَةُ كَما قالَ: إنَّ الأحامِرَةَ الثَّلاثَ تَعَوَّلَتْ وإنْ رَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِن أهْلِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ أجازَ في جَمْعِ أفْضَلَ أفاضِلَةَ وفِيهِ نَظَرٌ وأمّا الجَوابُ بِأنَّهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ المَعْرِفَةِ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ أكابِرَ النّاسِ أوْ أكابِرَ أهْلِ القَرْيَةِ فَلا يَخْفى ضَعْفُهُ. اهـ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ الظَّرْفَ لَغْوٌ و﴿أكابِرَ﴾ أوَّلُ المَفْعُولَيْنِ مُضافٌ لِمُجْرِمِيها و﴿لِيَمْكُرُوا﴾ المَفْعُولُ الثّانِي. وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ جَعَلَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِالجَعْلِ التَّمْكِينُ بِمَعْنى الإقْرارِ في المَكانِ والإسْكانِ فِيهِ ومَفْعُولُهُ ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ بِالإضافَةِ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ احْتِمال الإضافَةِ لا يَجْرِي إلّا عَلى تَفْسِيرِ جَعَلْناهم بِمَكَّنّاهم ولا يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ دَغْدَغَةٍ وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي بَعْدَ سَرْدِ عِدَّةٍ مِنَ الأقْوالِ: والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الصّائِبُ أنَّ في كُلِّ قَرْيَةٍ لَغْوٌ و﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ و﴿لِيَمْكُرُوا﴾ هو الثّانِي ولا يَخْفى حُسْنُهُ بَيْدَ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى جَعْلِ الإشارَةِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ أُشِيرَ فِيما سَبَقَ إلَيْهِما وناقَشَ في ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ وادَّعى صفحة 20 أنَّ الأقْرَبَ جَعَلَ المُشارَ إلَيْهِ الكَفَرَةَ المَعْهُودِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِصِفاتِهِمْ والإفْرادُ بِاعْتِبارِ الفَرِيقِ أوِ المَذْكُورِ ومَحَلِّ الكافِ والنَّصْبُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ والأوَّلُ ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ والظَّرْفُ لَغْوٌ أيْ ومِثْلُ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ هم صَنادِيدُ مَكَّةَ ومُجْرِمِيها جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَها المُجْرِمِينَ أيْ جَعَلْناهم مُتَّصِفِينَ بِصِفاتِ المَذْكُورِينَ مُزَيَّنًا لَهم أعْمالُهم مُصِرِّينَ عَلى الباطِلِ مُجادِلِينَ بِهِ الحَقَّ لِيَمْكُرُوا فِيها أيْ لِيَفْعَلُوا المَكْرَ فِيها. اهـ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ. وتَخْصِيصُ الأكابِرِ لِأنَّهم أقْوى عَلى اسْتِتْباعِ النّاسِ والمَكْرِ بِهِمْ وقُرِئَ ( أكْبَرَ مُجْرِمِيها ) وهَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ﴾ اعْتِراضٌ عَلى سَبِيلِ الوَعْدِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ الماكِرِينَ أيْ وما يَحِيقُ غائِلَةُ مَكْرِهِمْ إلّا بِهِمْ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ (123) حالٌ مِن ضَمِيرِ يَمْكُرُونَ أيِ إنَّما يَمْكُرُونَ بِأنْفُسِهِمْ والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ أصْلًا بَلْ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَمْكُرُونَ بِغَيْرِهِمْ.

الأنعام 6:124

﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ حالِ مُجْرِمِي أهْلِ مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ بِطْرِيقِ التَّسْلِيَةِ حالَ غَيْرِهِمْ فَإنَّ العَظِيمَةَ المَنقُولَةَ إنَّما صَدَرَتْ عَنْهم لا عَنْ سائِرِ المُجْرِمِينَ أيْ وإذا جاءَتْهم آيَةٌ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حَتّى يُوحى إلَيْنا ويَأْتِيَنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُخْبِرَنا أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صادِقٌ كَما قالُوا ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ وعَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ مِثْلُهُ وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ ماعُلِّقَ بِإيتاءِ ما أُوتِيَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هو إيمانُهم بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِما أُنْزِلَ إلَيْهِ إيمانًا حَقِيقِيًّا كَما هو المُتَبادَرُ مِنهُ عِنْدَ الإطْلاقِ خَلا أنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يُحْمَلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ عَلى مُطْلَقِ الوَحْيِ ومُخاطَبَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ وأنْ يُصْرَفَ الرِّسالَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ عَنْ ظاهِرِها وتُحْمَلَ عَلى رِسالَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَجْهِ المَذْكُورِ ويُرادُ بِجَعْلِها تَبْلِيغُها إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ لا وضْعُها في مَوْضِعِها الَّذِي هو الرَّسُولُ لِيَتَأتّى كَوْنُهُ جَوابًا عَنِ اقْتِراحِهِمْ ورَدًّا لَهُ بِأنَّ كَوْنَ مَعْنى الِاقْتِراحِ لَنْ نُؤْمِنَ بِكَوْنِ تِلْكَ الآيَةِ نازِلَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى يَأْتِيَنا جِبْرِيلُ بِالذّاتِ عَيانًا كَما يَأْتِي الرُّسُلَ فَيُخْبِرُنا بِذَلِكَ ومَعْنى الرَّدِّ اللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يَلِيقُ بِإرْسالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إيذانًا بِأنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ التَّشْرِيفِ وفِيهِ مِنَ التَّمَحُّلِ ما لا يَخْفى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَمَحُّلَ في حَمْلِ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ عَلى مُطْلَقِ الوَحْيِ بَلْ في العُدُولِ عَنْ قَوْلٍ لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نَجْعَلَ رُسُلًا مَثَلًا إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ نَوْعَ تَأْيِيدٍ لِهَذا الحَمْلِ نَعَمْ صَرْفُ الرِّسالَةِ عَنْ ظاهِرِها وحَمْلُ الجَعْلِ عَلى التَّبْلِيغِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ مُطْلَقَ الوَحْيِ ومُخاطَبَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يَسْتَدْعِ تِلْكَ الرِّسالَةَ إلّا أنَّهُ قَرِيبٌ مِن مَنصِبِها فَيَصْلُحُ ما ذَكَرَ جَوابًا بِدُونِ حاجَةٍ إلى الصَّرْفِ والحَمْلِ المَذْكُورَيْنِ وفِيهِ ما فِيهِ وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ: زاحَمَنا بَنِي مَنافٍ في الشَّرَفِ حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ واللَّهِ لا نَرْضى بِهِ ولا نَتَّبِعُهُ أبَدًا حَتّى يَأْتِيَنا وحْيٌ صفحة 21 كَما يَأْتِيهِ وقالَ الضَّحّاكُ: سَألَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القَوْمِ أنْ يُخَصَّ بِالرِّسالَةِ والوَحْيِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قالَ الشَّيْخُ: ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ وإنْ كانَ مُناسِبًا لِلرَّدِّ المَذْكُورِ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُرادَ بِالإيمانِ المُعَلَّقِ بِإيتاءِ مِثْلِ ما أُوتِيَ الرُّسُلُ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِهِمْ بِرِسالَتِهِ ﷺ في الجُمْلَةِ مِن غَيْرِ شُمُولٍ لِكافَّةِ النّاسِ وأنْ يَكُونَ كَلِمَةُ حَتّى في قَوْلِ اللَّعِينِ حَتّى يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ .. إلَخْ. غايَةً لِعَدَمِ الرِّضى لا لِعَدَمِ الِاتِّباعِ فَإنَّهُ مُقَرَّرٌ عَلى تَقْدِيرَيْ إتْيانِ الوَحْيِ وعَدَمِهِ فالمَعْنى لَنْ نُؤْمِنَ بِرِسالَتِهِ أصْلًا حَتّى نُؤْتى نَحْنُ النُّبُوَّةَ مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ أوْ إيتاءً مِثْلَ إيتاءِ رُسُلِ اللَّهِ ولا يَخْفى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في كَلامِ اللَّعِينِ غايَةٌ أيْضًا عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ مُجَرَّدُ المُوافَقَةِ وفِعْلِ مِثْلِ ما يَفْعَلُهُ ﷺ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ لا قَفْوُ الأثَرِ بِالِائْتِمارِ عَلى أنَّ اللَّعِينَ إنَّما طَلَبَ إتْيانَ وحْيٍ كَما يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ ولَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا في طَلَبِ الِاسْتِقْلالِ المُنافِي لِلِاتِّباعِ. ولَعَلَّ مُرادَهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ المُشارَكَةُ في الشَّرَفِ بِحَيْثُ لا يَنْحَطُّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالكُلِّيَّةِ ويُمْكِنُ أنْ يَدَّعِيَ أيْضًا أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنهم أبا جَهْلٍ بِما يَقْتَضِيهِ مَنصِبُ الرِّسالَةِ لا يَأْبَوْنَ كَوْنَ الرَّسُولَيْنِ يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ويَلْزَمُ أحْدُهُما امْتِثالُ أمْرِ الآخَرِ واتِّباعُهُ وإنْكانَ مُشارِكًا لَهُ في أصْلِ الرِّسالَةِ فَلْيُفْهَمْ وقِيلَ: إنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أوْلى بِها مِنكَ لِأنِّي أكْبَرُ مِنكَ سِنًّا وأكْثَرُ مالًا ووَلَدًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وتَعَقَّبَهُ الشَّيْخُ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكَلامِهِمُ المَرْدُودِ إلّا أنْ يُرادَ بِالإيمانِ المُعَلَّقِ بِما ذُكِرَ مُجَرَّدُ الإيمانِ بِكَوْنِ الآيَةِ النّازِلَةِ وحْيًا صادِقًا لا الإيمانَ بِكَوْنِها نازِلَةً إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيَكُونُ المَعْنى وإذا جاءَتْهم آيَةٌ نازِلَةٌ إلى الرَّسُولِ قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ بِنُزُولِها مِن عِنْدِ اللَّهِ حَتّى يَكُونَ نُزُولُها إلَيْنا لا إلَيْهِ لِأنّا نَحْنُ المُسْتَحِقُّونَ دُونَهُ فَإنَّ مُلَخَّصَ مَعْنى قَوْلِهِ: لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا .. إلَخْ. لَوْ كانَ ماتَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ حَقًّا لَكُنْتُ أنا النَّبِيُّ لا أنْتَ وإذا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَيْسَتْ بِحَقٍّ ومَآلُهُ تَعْلِيقُ الإيمانِ بِحَقِّيَّةِ النُّبُوَّةِ بِكَوْنِ نَفْسِهِ نَبِيًّا. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إطْلاقَ النُّبُوَّةِ وقَوْلَهم ﴿رُسُلُ اللَّهِ﴾ لَيْسَ بَيْنَهُما كَمالُ المُلاءَمَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى فالحَقُّ سُقُوطُ هَذا القَوْلِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ وإنَّ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنَيْ جُرَيْجٍ لِما في تَطْبِيقِهِ عَلى ما في الآيَةِ مِن مَزِيدِ العِنايَةِ. و﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ حَتّى نُؤْتاهاإيتاءً مِثْلَ إيتاءِ رُسُلِ اللَّهِ وإضافَةُ الإيتاءِ إلَيْهِمْ مُنْكِرُونَ لِإيتائِه ِعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحَيْثُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يَعْلَمُ وقَدْ خَرَجَتْ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِتَصَرُّفِها ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ والجُمْلَةُ بَعْدَها كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ في كِتابِ الشِّعْرِ صِفَةٌ لَها وإضافَتُها إلى ما بَعْدَها حَيْثُ اسْتُعْمِلَتْ ظَرْفًا وقالَ الرَّضِيُّ: الأوْلى أنَّ حَيْثُ مُضافَةٌ ولا مانِعَ مِن إضافَتِها وهي اسْمٌ إلى الجُمْلَةِ وبُحِثَ فِيهِ ولا يَجُوزُ فِيها هُنا عِنْدَ الكَثِيرِ أنْ تَكُونَ مَجْرُورَةً بِالإضافَةِ لِأنَّ أفْعَلَ بَعْضُ ما يُضافُ إلَيْهِ ولا مَنصُوبَةً بِأفْعَلَ نَصْبَ الظَّرْفِ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالظَّرْفِ ومِمَّنْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ ابْنُ الصّائِغِ وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الثّانِيَ ورَدَّ ما عُلِّلَ بِهِ المَنعُ مِنهُ بَأنْ يَجُوزَ جَعْلُ تَقْيِيدِ عِلْمِهِ تَعالى بِالظَّرْفِ مَجازِيًّا بِاعْتِبارِ ما تَعَلَّقَ بِهِ بَلْ ذَلِكَ أوْلى مِن إخْراجِ حَيْثُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فَإنَّهُ إمّا نادِرٌ أوْ مُمْتَنِعٌ. وجُمْلَةُ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ﴾ .. إلَخْ. اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ والمَعْنى أنَّ مَنصِبَ الرِّسالَةِ لَيْسَ مِمّا يُنالُ بِما يَزْعُمُونَهُ مِن كَثْرَةِ المالِ وتَعاضُدِ الأسْبابِ والعَدَدِ وإنَّما يُنالُ بِفَضائِلَ نَفْسانِيَّةٍ ونَفْسٍ قُدْسِيَّةٍ أفاضَها اللَّهُ تَعالى بِمَحْضِ الكَرَمِ والجُودِ عَلى مَن صفحة 22 كَمُلَ اسْتِعْدادُهُ ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ تابِعٌ لِلِاسْتِعْدادِ الذّاتِيِّ وهو لا يَسْتَلْزِمُ الإيجابَ الَّذِي يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنْ شاءَ أعْطى ذَلِكَ وإنْ شاءَ أمْسَكَ وإنِ اسْتَعَدَّ المَحَلُّ وما في المَواقِفِ مِن أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في الإرْسالِ الِاسْتِعْدادُ الذّاتِيُّ بَلِ اللَّهُ تَعالى يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِعْدادِ الذّاتِيِّ المُوجِبِ فَقَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى أنْ يَبْعَثَ مِن كُلِّ قَوْمٍ أشْرَفَهم وأطْهَرَهم جِبِلَّةً وتَمامُ البَحْثِ في مَوْضِعِهِ. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( رِسالاتِهِ ) بِالجَمْعِ وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ يُسَنُّ الوَقْفُ عَلى رُسُلِ اللَّهِ وأنَّهُ يُسْتَجابُ الدُّعاءُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ولَمْ أرَ في ذَلِكَ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ ناعٍ عَلَيْهِمْ ما سَيَلْقَوْنَهُ مِن فُنُونِ الشَّرِّ بَعْدَ ما نَعى عَلَيْهِمْ حِرْمانَهم مِمّا أمَلُوهُ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّشْنِيعِ وقِيلَ: إشْعارًا بِعَلِيَّةِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ أيْ يُصِيبُهُمُ البَتَّةَ مَكانَ ما تَمَنَّوْهُ وعَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ مِن عِزِّ النُّبُوَّةِ وشَرَفِ الرِّسالَةِ ﴿صَغارٌ﴾ أيْ ذُلٌّ عَظِيمٌ وهَوانٌ بَعْدَ كِبْرِهِمْ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: مِن عِنْدِ اللَّهِ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ كَما قالَ الفَرّاءُ واعْتَرَضَهُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ أنْ تَقُولَ جِئْتُ عِنْدَ زَيْدٍ وأنْتَ تُرِيدُ مِن عِنْدِ زَيْدٍ وقِيلَ: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ في ضَمانِهِ سُبْحانَهُ أوْ ذَخِيرَةٌ لَهم عِنْدَهُ وهو جارٍ مَجْرى التَّهَكُّمِ كَما لا يَخْفى ﴿وعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ (124) أيْ بِسَبَبِ مَكْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ أوْ بِمُقابَلَتِهِ وحَيْثُ كانَ هَذا مِن أعْظَمِ مَوادِّ إجْرامِهِمْ صَرَّحَ بِسَبَبِهِ ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ﴾ أيْ يُعَرِّفَهُ طَرِيقَ الحَقِّ ويُوَفِّقَهُ لِلْإيمانِ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ المُرادُ بِهَدْيِهِ إلى الثَّوابِ أوْ إلى الجَنَّةِ أوْ يُثِيبُهُ عَلى الهُدى أوْ يَزِيدُهُ ذَلِكَ ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ فَيَتَّسِعُ لَهُ ويَنْفَسِحُ وهو مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ النَّفْسِ مُهَيَّأةً لِحُلُولِ الحَقِّ فِيها مَصَفّاةً عَمّا يَمْنَعُهُ ويُنافِيهِ كَما أشارَ إلَيْهِ ﷺ حِينَ «قِيلَ لَهُ: كَيْفَ الشَّرْحُ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: نُورٌ يُقْذَفُ في الصَّدْرِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ ويَنْفَسِحُ فَقِيلَ: هَلْ لِذَلِكَ مِن آيَةٍ يُعْرَفُ بِها يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ». ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾ أيْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَةَ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ وقِيلَ: المُرادُ يُضِلُّهُ عَنِ الثَّوابِ أوْ عَنِ الجَنَّةِ أوْ عَنْ زِيادَةِ الإيمانِ أوْ يَخْذُلُهُ ويُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُهُ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بِحَيْثُ يَنْبُو عَنْ قَبُولِ الحَقِّ فَلا يَكادُ يَكُونُ فِيهِ لِلْخَيْرِ مَنفَذٌ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ضِيقًا بِالتَّخْفِيفِ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( حَرِجًا ) بِكَسْرِ الرّاءِ أيْ شَدِيدُ الضِّيقِ والباقُونَ بِفَتْحِها وصْفًا بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ وأصْلُ مَعْنى الحَرَجِ كَما قالَ الرّاغِبُ مُجْتَمَعُ الشَّيْءِ ومِنهُ قِيلَ لِلضِّيقِ حَرَجٌ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أصْلُ مَعْناهُ شِدَّةُ الضِّيقِ فَإنَّ الحَرَجَةَ غَيْضَةٌ أشْجارُها مُلْتَفَّةٌ بِحَيْثُ يَصْعُبُ دُخُولُها. وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَرَأ ( حَرَجًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وقَرَأ بَعْضُ ما عِنْدَهُ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿حَرَجًا﴾ بِكَسْرِها فَقالَ عُمَرُ: أبْغُونِي رَجُلًا مِن كِنانَةَ واجْعَلُوهُ راعِيًا ولْيَكُنْ مُدْلِجِيًّا فَأتَوْهُ بِهِ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا فَتى ما الحَرَجَةُ فِيكم قالَ: الحَرَجَةُ فِينا الشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأشْجارِ الَّتِي لا تَصِلُ إلَيْها راعِيَةٌ ولا وحْشِيَّةٌ ولا شَيْءَ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الوَصْفِ أوْ وصْفٌ آخَرُ والمُرادُ المُبالَغَةُ في ضِيقِ صَدْرِهِ حَيْثُ شُبِّهَ بِمَن يُزاوِلُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما هو خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ صفحة 23 الِاسْتِطاعَةِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإيمانَ يَمْتَنِعُ مِنهُ كَما يَمْتَنِعُ مِنهُ الصُّعُودُ والِامْتِناعُ في ذَلِكَ عادِيٌّ وعَنِ الزَّجّاجِ مَعْناهُ كَأنَّما يَتَصاعَدُ إلى السَّماءِ نَبْوًا عَنِ الحَقِّ وتَباعُدًا في الهَرَبِ مِنهُ وأصْلُ يَصَّعَّدُ يَتَصَعَّدُ وقَدْ قُرِئَ بِهِ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( يَصْعَدُ ) وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( يَصّاعَدُ ) وأصْلُهُ أيْضًا يَتَصاعَدُ فَفُعِلَ بِهِ ما تَقَدَّمَ. ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ عَلى ما مَرَّ تَحْقِيقُهُ أوْ إشارَةٌ إلى الجَعْلِ السّابِقِ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ أيْ جَعْلُ الصَّدْرِ حَرَجًا عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ أيِ العَذابَ أوِ الخِذْلانَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الرِّجْسُ ما لا خَيْرَ فِيهِ وقالَ الرّاغِبُ: الرِّجْسُ الشَّيْءُ القَذِرُ وقالَ الزَّجّاجُ: هو اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ وأصْلُهُ عَلى ما قِيلَ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ ﴿عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (125) أيْ عَلَيْهِمْ ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِلتَّعْلِيلِ ﴿وهَذا﴾ أيْ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أوِ الإسْلامُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ ما سَبَقَ مِنَ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ كَما قِيلَ ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ أيْ طَرِيقُهُ الَّذِي ارْتَضاهُ أوْ عادَتُهُ وطَرِيقَتُهُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَتُهُ ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ مِنَ اللُّطْفِ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا زَيْغَ أوْ عادِلًا مُطَّرِدًا وهو إمّا حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِصاحِبِها وعامِلُها مَحْذُوفٌ وُجُوبًا مِثْلَ هَذا أبُوكَ عَطُوفًا أوْ مُؤَسِّسَةٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ أوْ ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ بَيَّنّاها مُفَصَّلَةً ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (126) أيْ يَتَذَكَّرُونَ ما في تَضاعِيفِها فَيَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ الحَوادِثِ بِقَضائِهِ سُبْحانَهُ وقَدَرِهِ وأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَكِيمٌ عادِلٌ في جَمِيعِ أفْعالِهِ وتَخْصِيصُ هَؤُلاءِ القَوْمِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ التَّفْصِيلِ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ ﴿دارُ السَّلامِ﴾ أيِ الجَنَّةُ كَما قالَ قَتادَةُ والسَّلامُ هو اللَّهُ تَعالى كَما قالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ وإضافَةُ الدّارِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِلتَّشْرِيفِ وقالَ الزَّجّاجُ والجُبّائِيُّ: ( السَّلامُ ) بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ دارُ السَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ والبَلايا وسائِرِ المَكارِهِ الَّتِي يَتَلَقّاها أهْلُ النّارِ وقِيلَ هو بِمَعْنى التَّسْلِيمِ أيْ دارٌ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ في ضَمانِهِ وتَكَفُّلِهِ التَّفَضُّلِيِّ أوْ ذَخِيرَةٌ لَهم عِنْدَهُ لا يَعْلَمُ كُنْهَ ذَلِكَ غَيْرُهُ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وقِيلَ صِفَةٌ لِقَوْمٍ ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ أيْ مُحِبُّهم أوْ ناصِرُهم ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (127) أيْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ أوْ مُتَوَلِّيهِمْ بِجَزائِها بِأنْ يَتَوَلّى إيصالَ الثَّوابِ إلَيْهِمْ. * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ لِتَفاوُتِ مَراتِبِ أرْواحِهِمْ في الصَّفاءِ والكُدُورَةِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والقُرْبِ والبُعْدِ ومِن هُنا قِيلَ والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءٌ وكُلَّما اشْتَدَّ التَّفاوُتُ اشْتَدَّتِ العَداوَةُ وزادَ الإيذاءُ النّاشِئُ مِنها ولِهَذا ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتُ وتُسَبِّبُ هَذِهِ العَداوَةُ مَزِيدَ التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ والإعْراضِ عَنِ المَلاذِّ والحِرْصِ عَلى الفَضِيلَةِ الَّتِي يُقْهَرُ بِها العَدُوُّ والِاحْتِرازِ عَمّا يُوشِكُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلطَّعْنِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولِتَصْغى﴾ أيْ تَمِيلُ إلَيْهِ ﴿أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ لِوُجُودِ المُناسَبَةِ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ بِمَحَبَّتِهِمْ إيّاهُ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ مِنَ اسْمِ التَّعاضُدِ والتَّظاهُرِ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ صفحة 24 أبْتَغِي حَكَمًا﴾ بَيْنِي وبَيْنَكم ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ﴾ المُعْجِزَ الجامِعَ مُفَصِّلًا فِيهِ الحَقَّ والباطِلَ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَهُ مَقالٌ لِقائِلٍ فَطَلَبُ ما سِواهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِعاقِلٍ ولا يَمِيلُ إلَيْهِ إلّا جاهِلٌ ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ تَمَّ قَضاؤُهُ في الأزَلِ بِما قَضى وقَدَّرَ ﴿صِدْقًا﴾ مُطابِقًا لِما يَقَعُ ﴿وعَدْلا﴾ مُناسِبًا لِلِاسْتِعْدادِ قِيلَ: صِدْقًا فِيما وعَدَ وعَدْلًا فِيما أوْعَدَ ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لِأنَّها عَلى طُرُزِ ما ثَبَتَ في عِلْمِهِ والِانْقِلابُ مُحالٌ ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ بِالرُّكُونِ إلى الدُّنْيا وعالَمِ النَّفْسِ والطَّبِيعَةِ ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِأنَّهم لا يَدْعُونَ إلّا لِلشَّهَواتِ المُبْعِدَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ لِكَوْنِهِمْ مَحْجُوبِينَ في مَقامِ النَّفْسِ بِالأوْهامِ والخَيالاتِ ﴿إلا الظَّنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ بِقِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ﴾ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الظّاهِرَةِ عَلى الجَوارِحِ ﴿وباطِنَهُ﴾ مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والعَزائِمِ الباطِلَةِ. وقالَ سَهْلٌ ظاهِرُ الإثْمِ المَعاصِي كَيْفَ كانَتْ وباطِنُهُ حُبُّها وقالَ الشِّبْلِيُّ ظاهِرُ الإثْمِ الغَفْلَةُ وباطِنُهُ نِسْيانُ مُطالَعَةِ السَّوابِقِ وقالَ بَعْضُهم ظاهِرُ الإثْمِ طَلَبُ الدُّنْيا وباطِنُهُ طَلَبُ الجَنَّةِ لِأنَّ الأمْرَيْنِ يَشْغَلانِ عَنِ الحَقِّ وكُلُّ ما يَشْغَلُ عَنْهُ سُبْحانَهُ فَهو إثْمٌ وقِيلَ: ظاهِرُ الإثْمِ حُظُوظُ النَّفْسِ وباطِنُهُ حُظُوظُ القَلْبِ وقِيلَ: ظاهِرُ الإثْمِ حَبُّ الدُّنْيا وباطِنُهُ حُبُّ الجاهِ وقِيلَ: ظاهِرُ الإثْمِ رُؤْيَةُ الأعْمالِ وباطِنُهُ سُكُونُ القَلْبِ إلى الأحْوالِ. ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ بِالظّاهِرِ عَنِ الباطِنِ ﴿لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ أيْ مِن يُوالِيهِمْ مِنَ المُنْكِرِينَ ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ بِما يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ الشُّبَهِ ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ وتَرَكْتُمْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ مِثْلُهم ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا﴾ بِالجَهْلِ وهَوى النَّفْسِ أوِ الِاحْتِجابِ بِصِفاتِها ﴿فَأحْيَيْناهُ﴾ بِالعِلْمِ ومَحَبَّةِ الحَقِّ أوْ كَشْفِ حُجُبِ صِفاتِهِ ﴿وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ مِن هِدايَتِنا وعِلْمِنا أوْ نُورًا مِن صِفاتِنا أوْ مَن كانَ مَيْتًا بِالمُجاهَداتِ فَأحْيَيْناهُ بِرُوحِ المُشاهَداتِ أوْ مَيْتًا بِشَهَواتِ النَّفْسِ فَأحْيَيْناهُ بِصَفاءِ القَلْبِ أوْ مَيْتًا بِرُؤْيَةِ الثَّوابِ فَأحْيَيْناهُ بِرُؤْيَةِ المَآبِ إلى الوَهّابِ وجَعَلْنا لَهُ نُورَ الفِراسَةِ أوِ الإرْشادِ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: المَعْنى أوَمَن كانَ مَيْتًا عَنّا فَأحْيَيْناهُ بِنا وجَعَلْناهُ إمامًا يَهْدِي بِنُورِ الإجابَةِ ويَرْجِعُ إلَيْهِ الضَّلالُ وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: أوَمَن كانَ مَيْتًا بِحَياةِ نَفْسِهِ ومَوْتِ قَلْبِهِ فَأحْيَيْناهُ بِإماتَةِ نَفْسِهِ وحَياةِ قَلْبِهِ وسَهَّلْنا عَلَيْهِ سُبُلَ التَّوْفِيقِ وكَحَّلْناهُ بِأنْوارِ القُرْبِ فَلا يَرى غَيْرَنا ولا يَلْتَفِتُ إلى سِوانا ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ أيْ ظُلُماتِ نَفْسِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ﴾ المَحْجُوبِينَ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فاحْتَجَبُوا بِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ كَمالِ العارِفِينَ حَسْبَما تَقَدَّمَ في جَعْلِ الأعْداءِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما في الأنْفُسِ أيْ وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ وُجُودَ الإنْسانِ الَّتِي هي البَدَنُ ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ مِن قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ لِيَمْكُرُوا فِيها بِإضْلالِ القَلْبِ ﴿وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ﴾ لِأنَّ عاقِبَةَ مَكْرِهِمْ راجِعٌ إلَيْهِمْ آفاقًا وأنْفُسًا ﴿وإذا جاءَتْهُمْ﴾ عَلى يَدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ مِنَ الرِّسالَةِ إلَيْهِمُ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ وذَلِكَ حَيْثُ خَزِينَةُ الِاسْتِعْدادِ عامِرَةٌ والنَّفْسُ قُدْسِيَّةٌ ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ بِاحْتِجابٍ عَنِ الحَقِّ ﴿صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ ذُلٌّ بِذَهابِ قَدْرِهِمْ حِينَ خَرابِأبْدانِهِمْ ﴿وعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ بِحِرْمانِهِمُ المُلائِمِ ووُصُولِ النّافِي إلَيْهِمْ في المَعادِ الجُسْمانِيِّ

الأنعام 6:125

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ﴾ إلَيْهِ ويُعَرِّفَهُ بِهِ ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ بِأنْ يَقْذِفَ فِيهِ نُورًا مِن أنْوارِهِ فَيُعَرِّفَهُ بِذَلِكَ ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا صفحة 25 حَرَجًا﴾ لا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ مِن أنْوارِ شَمْسِ العِرْفانِ ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ نَبْوًا وهَرَبًا عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ لِأنَّهُ خِلافُ اسْتِعْدادِهِ وقِيلَ: المَعْنى فَمَن يُرِدِ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهُ لِلتَّوْحِيدِ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِقَبُولِ نُورِ الحَقِّ وإسْلامِ الوُجُودِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِكَشْفِ حُجُبِ صِفاتِ نَفْسِهِ عَنْ وجْهِ قَلْبِهِ الَّذِي يَلِي النَّفْسَ فَيَنْفَسِحُ لِقَبُولِ نُورِ الحَقِّ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا بِاسْتِيلاءِ النَّفْسِ عَلَيْهِ وضَغْطِها لَهُ كَما يَصَّعَّدُ في سَماءِ رُوحِهِ مَعَ تِلْكَ الهَيْئاتِ البَدَنِيَّةِ المُظْلِمَةِ وذَلِكَ أمْرٌ مُحالٌ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ أيْ رِجْسُ التَّلَوُّثِ بِنَتَنِ الطَّبِيعَةِ ﴿عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ عَنِ الحَقِّ.

الأنعام 6:126

﴿وهَذا﴾ أيْ طَرِيقُ التَّوْحِيدِ أوِ الجَعْلُ ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ أيْ طَرِيقُهُ الَّذِي ارْتَضاهُ أوْ عادَتُهُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَتُهُ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ المَعارِفَ والحَقائِقَ المَرْكُوزَةَ في اسْتِعْدادِهِمْ.

الأنعام 6:127

﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هي ساحَةُ جَلالِهِ وحَضائِرُ قُدْسِ صِفاتِهِ ومَساقِطُ وُقُوعِ أنْوارِ جَمالِهِ المُنَزَّهَةِ عَنْ خَطَرِ الحِجابِ وعِلَّةِ المَتاعِبِ وطَرِيانِ العَذابِ وهو ولِيُّهم بِنَعْتِ رِعايَتِهِمْ وكَشْفِ جِمالِهِ لَهم أوْ ولِيُّهم يَحْفَظُهم عَنْ رُؤْيَةِ الغَيْرِ في البَيْنِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَهم دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ خَوْفٍ وآفَةٍ حَيْثُ يَكُونُ العَبْدُ فِيها في ظِلِّ الذّاتِ والصِّفاتِ ورِيفِ البَقاءِ بَعْدَ الفِناءِ والكَثِيرُ عَلى أنَّ السَّلامَ مِن أسْمائِهِ تَعالى فَما ظَنُّكَ بِدارٍ تُنْسَبُ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ. إذا نَزَلَتْ سَلْمى بِوادٍ فَماؤُهُ زُلالُ وسَلْسالٌ وأشْجارُهُ ورْدُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُدْخِلَنا هاتِيكَ الدّارِ بِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ المُخْتارِ ﷺ

الأنعام 6:128

﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ أيِ اذْكُرْ أوْ تَقُولُ أوْ كانَ ما لا يُذْكَرُ لِفَظاعَتِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِمُقَدَّرٍ أيْضًا أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ اليَوْمَ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِمَن يُحْشَرُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ وقِيلَ: لِلْكَفّارِ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورُوحٌ عَنْ يَعْقُوبَ ( يَحْشُرُ ) بِالياءِ والباقُونَ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ والمَعْشَرُ الجَماعَةُ أمْرُهم واحِدٌ وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الجَماعَةُ التّامَّةُ مِنَ القَوْمِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلى أصْنافِ الطَّوائِفِ ومِنهُ العَشَرَةُ لِأنَّها تَمامُ العِقْدِ والمُرادُ بِالجِنِّ أوْ بِمَعْشَرِهِمْ عَلى ما قِيلَ الشَّياطِينُ وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ الجِنَّ يُقالُ عَلى وجْهَيْنِ أحَدُهُما لِلرُّوحانِيِّينَ المُسْتَتِرِينَ عَنِ الحَواسِّ كُلِّها فَيَدْخُلُ فِيهِمُ المَلائِكَةُ والشَّياطِينُ وثانِيهِما لِلرُّوحانِيِّينَ مِمّا عَدا المَلائِكَةَ وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الرُّوحانِيِّينَ ثَلاثَةٌ أخْيارٌ وهُمُ المَلائِكَةُ وأشْرارٌ وهُمُ الشَّياطِينُ وأوْساطٌ فِيهِمْ أخْيارٌ وأشْرارٌ وأيًّاما كانَ فالمَقْصُودُ بِالنِّداءِ الأشْرارُ الَّذِينَ يُغْوُونَ النّاسَ فَإنَّهم أهْلُ الخِطابِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ أكْثَرْتُمْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٌ والزَّجّاجُ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ مِنهم بِأنْ جَعَلْتُمُوهم أتْباعَكم فَحُشِرُوا مَعَكم كَما يُقالُ: اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ وهَذا بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. قِيلَ: وإنَّما ذَكَرَ المَعْشَرَ في جانِبِ الجِنِّ دُونَ جانِبِ الإنْسِ لِما أنَّ الإغْواءَ كَثِيرًا ما يَقْتَضِي التَّظاهُرَ والتَّعاوُنَ وفي المَعْشَرِ نَوْعُ إيماءٍ إلَيْهِ ولا كَذَلِكَ الغَوى ﴿وقالَ أوْلِياؤُهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ أطاعُوهم واتَّبَعُوهم ﴿مِنَ الإنْسِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم مِنَ الإنْسِ أوْ كائِنِينَ مِنهم فَمِن إمّا لِبَيانِ الجِنْسِ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن أوْلِياءَ ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ أيِ انْتَفَعَ الإنْسُ بِالجِنِّ حَيْثُ دَلُّوهم عَلى الشَّهَواتِ وما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها صفحة 26 والجِنُّ بِالإنْسِ حَيْثُ اتَّخَذُوهم قادَةً ورُؤَساءَ واتَّبَعُوا أمْرَهم فَأدْخَلُوا عَلَيْهِمُ السُّرُورَ بِذَلِكَ. وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُرَيْجٍ والزَّجّاجِ وغَيْرِهِمْ أنَّ اسْتِمْتاعَ الإنْسِ بِهِمْ أنَّهم كانُوا إذا سافَرَ أحَدُهم وخافَ الجِنَّ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي واسْتِمْتاعَهم بِالإنْسِ اعْتِرافُهم بِأنَّهم قادِرُونَ عَلى إعاذَتِهِمْ وإجارَتِهِمْ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ المُرادَ بِاسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ طاعَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ومُوافَقَتُهُ لَهم وقالَ البَلْخِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِمْتاعُ مَقْصُورًا عَلى الإنْسِ فَيَكُونُ الإنْسُ قَدِ اسْتَمْتَعَ بَعْضُهم بِبَعْضِ الجِنِّ دُونَ الجِنِّ. ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ عَلى ماقالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ المَوْتُ والأوَّلُ أوْلى وإنَّما قالَ الأوْلِياءُ ما قالُوا اعْتِرافًا بِما فَعَلُوا مِن طاعَةِ الشَّياطِينِ واتِّباعِ الهَوى وتَكْذِيبِ البَعْثِ وإظْهارًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْها وتَحَسُّرًا عَلى حالِهِمْ واسْتِسْلامًا لِرَبِّهِمْ وإلّا فَفائِدَةُ الخَبَرِ ولازِمُها مِمّا لا تَحَقُّقَ لَهُ. قِيلَ: ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ الضّالِّينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُضِلِّينَ قَدِ أُفْحِمُوا بِالمَرَّةِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا. وقُرِئَ ( آجالَنا ) بِالجَمْعِ و( الَّذِي ) بِالتَّذْكِيرِ والإفْرادِ قالَأبُو عَلِيٍّ: هو جِنْسٌ أوْ وقَعَ الَّذِي مَوْقِعَ الَّتِي. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى حِينَئِذٍ فَقِيلَ قالَ: ﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أيْ مَنزِلُكم ومَحَلُّ إقامَتِكم أوْ ذاتُ ثَوائِكم عَلى أنَّ المَثْوى اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ والعامِلُ فِيها ( مَثْوى ) إنْ كانَ مَصْدَرًا وقَدَّرُوا عامِلًا أيْ يَبُوؤُونَ خالِدِينَ إنْ كانَ مَثْوى اسْمَ مَكانٍ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ العامِلَ في الحالِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مَعْنى الإضافَةِ ورَدُّوهُ بِأنَّ النِّسْبَةَ الإضافِيَّةَ لا تَعْمَلُ ولا يَصِحُّ أنْ تَنْصِبَ الحالَ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى قَوْمًا قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُسْلِمُونَ ويُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ ﷺ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَيْسَ مِنَ المَحْكِيِّ وأنَّ ما بِمَعْنى مَن ولا يَخْفى أنَّ اسْتِعْمالَ ما لِلْعُقَلاءِ قَلِيلٌ فَيَبْعُدُ ذَلِكَ كَما يَبْعُدُ شُمُولُ ما تَقَدَّمَ لِلْمُسْتَثْنى وقِيلَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ وقْتِيَّةٌ عَلى ما هو الظّاهِرُ والمُرادُ إلّا الوَقْتَ الَّذِينَ يُنْقَلُونَ فِيهِ إلى الزَّمْهَرِيرِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يَدْخُلُونَ وادِيًا مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ما يُمَيَّزُ بَيْنَ أوْصالِهِمْ مِن بَعْضٍ فَيَتَعاوُونَ ويَطْلُبُونَ الرَّدَّ إلى الجَحِيمِ ورُدَّ بِأنَّ فِيهِ صَرْفَ النّارِ مِن مَعْناها العِلْمِيِّ وهو دارُ العَذابِ إلى اللُّغَوِيِّ وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ إذا دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ المُعْتَرِضَ لا يُسَلِّمُ الضَّرُورَةَ غَيْرَ هَذا التَّأْوِيلِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَثْواكُمْ﴾ يَقْتَضِي ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَرِضُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وقِيلَ: إنَّ لَهم وقْتًا يَخْرُجُونَ فِيهِ مِن دارِ العَذابِ وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّهم يُفْتَحُ لَهم أبْوابُ الجَنَّةِ ويَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ فَإذا تَوَجَّهُوا لِلدُّخُولِ أُغْلِقَتْ في وُجُوهِهِمُ اسْتِهْزاءً بِهِمْ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ . وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظَواهِرَ الآياتِ صادِحَةٌ بِعَدَمِ تَخْفِيفِ العَذابِ عَنِ الكُفّارِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ وفي إخْراجِهِمْ هَذا تَخْفِيفٌ أيُّ تَخْفِيفٍ وإنْ كانَ بَعْدَهُ ما يَشِيبُ مِنهُ النَّواصِي ولَعَلَّ الخَبَرَ في ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ والمَشْهُورُ أنَّ المُرائِينَ يُدْنَوْنَ مِنَ الجَنَّةِ حَتّى إذا اسْتَنْشَقُوا رِيحَها ورَأوْا ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ فِيها نُودُوا أنِاصْرِفُوهم عَنْها لا نَصِيبَ لَهم فِيها الخَبَرُ بِتَمامِهِ وقَدْ قَدَّمْناهُ ويَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ إدْخالِهِمُ النّارَ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ الحَدِيثَ. وقِيلَ: المُسْتَثْنى زَمانُ إمْهالِهِمْ قَبْلَ الدُّخُولِ كَأنَّهُ قِيلَ النّارُ مَثْواكم أبَدًا إلّا ما أمْهَلَكم ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ صفحة 27 فِي الِاسْتِثْناءِ يُشْتَرَطُ اتِّحادُ زَمانِ المُخْرَجِ والمُخْرَجِ مِنهُ فَإذا قُلْتَ قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا فَإنَّ مَعْناهُ إلّا زَيْدًا ما قامَ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى إلّا زَيْدًا ما يَقُومُ في المُسْتَقْبَلِ وكَذَلِكَ سَأضْرِبُ القَوْمَ إلّا زَيْدًا مَعْناهُ إلّا زَيْدًا فَإنِّي لا أضْرِبُهُ في المُسْتَقْبَلِ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى إلّا زَيْدًا فَإنِّي ما ضَرَبْتُهُ وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا إذا لَمْ يَكُنِ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا أمّا إذا كانَ مُنْقَطِعًا فَإنَّهُ يَسُوغُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى فَإنَّهم ذاقُوها فَلَعَلَّ القائِلَ بِأنَّ المُسْتَثْنى زَمانُ إمْهالِهِمْ يَلْتَزِمُ انْقِطاعَ الِاسْتِثْناءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ ولا مَحْذُورَ فِيهِ مَعَ وُرُودِ مِثْلِهِ في القُرْآنِ وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى وجْهٍ لِطَيْفٍ إنَّما يَظْهَرُ بِالبَسْطِ فَقالَ: المُرادُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن زِيادَةِ العَذابِ ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ اسْتِقامَةِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قالَ ابْنُ المُنِيرِ: ونَحْنُ نُبَيِّنُهُ فَنَقُولُ: العَذابُ والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّعَلى دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ فَكَأنَّ المُرادَ أنَّهم مُخَلَّدُونَ في جِنْسِ العَذابِ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن زِيادَةٍ تَبْلُغُ الغايَةَ وتَنْتَهِي إلى أقْصى النِّهايَةِ حَتّى تَكادُ لِبُلُوغِها الغايَةَ ومُبايَنَتِها لِأنْواعِ العَذابِ في الشِّدَّةِ تُعَدُّ خارِجَةً عَنْهُ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ العَذابِ والشَّيْءُ إذا بَلَغَ الغايَةَ عِنْدَهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِالضِّدِّ كَما عَبَّرُوا عَنْ كَثْرَةِ الفِعْلِ بِرُبَّ وقَدْ وهُما مَوْضُوعانِ لِضِدِّ الكَثْرَةِ مِنَ القِلَّةِ وذَلِكَ أمْرٌ يُعْتادُ في لُغَةِ العَرَبِ وقَدْ حامَ أبُو الطَّيِّبِ حَوْلَهُ فَقالَ. ولَجُدْتَ حَتّى كِدْتَ تَبْخَلُ حائِلًا لِلْمُنْتَهى ومِنَ السُّرُورِ بُكاءُ فَكانَ هَؤُلاءِ إذا نُقِلُوا إلى غايَةِ العَذابِ ونِهايَةِ الشِّدَّةِ فَقَدْ وصَلُوا إلى الحَدِّ الَّذِي يَكادُ أنْ يَخْرُجَ عَنِ اسْمِ العَذابِ المُطْلَقِ حَتّى تَسُوغَ مُعامَلَتُهُ في التَّعْبِيرِ بِمُعامَلَةِ المُغايِرِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ إلّا بَعْدَ هَذا البَسْطِ وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما يُؤَيِّدُهُ. انْتَهى. ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مَعْذُوقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى رَفْعُ العَذابِ أيْ يُخَلَّدُونَ إلى أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ وفائِدَتُهُ إظْهارُ القُدْرَةِ والإذْعانِ بِأنَّ خُلُودَهم إنَّما كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ قَدْ شاءَهُ وكانَ مِنَ الجائِزِ العَقْلِيِّ في مَشِيئَتِهِ أنْ لا يُعَذِّبَهم ولَوْ عَذَّبَهم لا يُخَلِّدُهم وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأمْرٍ واجِبٍ عَلَيْهِ وإنَّما هو مُقْتَضى مَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِعَزَّ وجَلَّ وفي الآيَةِ عَلى هَذا دَفْعٌ في صُدُورِ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ تَخْلِيدَ الكَفّارِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ في العَقْلِ مُقْتَضى ذَلِكَ ولَعَلَّ هَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: المُرادُ المُبالَغَةُ في الخُلُودِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْتَفِي إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وهو مِمّا لا يَكُونُ مَعَ إيرادِهِ في صُورَةِ الخُرُوجِ وإطْماعِهِمْ في ذَلِكَ تَهَكُّمًا وتَشْدِيدًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ ومِن أفاضِلِ العَصْرِيِّينَ الأكابِرِمَنِ ادَّعى ذَلِكَ الوَجْهَ لَهُ وأنَّهُ قَدْ خَلَتْ عَنْهُ الدَّفاتِرُ وهو مَذْكُورٌ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ فَإنْ كانَ لا يَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ وإنْكانَ يَدْرِي فالمُصِيبَةُ أعْظَمُ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إلّا ما شاءَ رَبُّكَ ) . ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في التَّعْذِيبِ والإثابَةِ أوْ في كُلِّ أفْعالِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ (128) بِأحْوالِ الثَّقَلَيْنِ وأعْمالِهِمْ وبِما يَلِيقُ بِها مِنَ الجَزاءِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ ويَدْخُلُ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

الأنعام 6:129

﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ما سَبَقَ مِن تَمْكِينِ الجِنِّ مِنإغْواءِ الإنْسِ وإضْلالِهِمْ أوْ مِثْلُ ما سَبَقَ ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الإنْسِ ﴿بَعْضًا﴾ آخَرَ مِنهم أيْ نَجْعَلُهم بِحَيْثُ يَتَوَلَّوْنَهم ويَتَصَرَّفُونَ فِيهِمْ في الدُّنْيا بِالإغْواءِ والإضْلالِ وغَيْرِ ذَلِكَ واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الرَّعِيَّةَ إذا كانُوا ظالِمِينَ فاللَّهُ تَعالى يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ ظالِمًا مِثْلَهم وفي الحَدِيثِ «كَما تَكُونُوا يُوَلّى عَلَيْكم» أوِ المَعْنى نَجْعَلُ بَعْضَهم قُرَناءَ صفحة 28 بَعْضٍ في العَذابِ كَما كانُوا كَذَلِكَ في الدُّنْيا عِنْدَ اقْتِرافِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ كَما قِيلَ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (129) أيْ بِسَبَبِ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى كَسْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي

الأنعام 6:130

﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَكُونُ مِن تَوْبِيخِ المَعْشَرَيْنِ وتَقْرِيعِهِمْ بِتَفْرِيطِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِخاصَّةِ أنْفُسِهِمْ ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ في الدُّنْيا ﴿رُسُلٌ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كائِنَةٌ ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم لَكِنْ لا عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلُّ رَسُولٍ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأُمَمِ ولا عَلى أنَّ أُولَئِكَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن جِنْسِ الفَرِيقَيْنِ مَعًا بَلْ عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلَّ أُمَّةٍ رَسُولٌ خاصٌّ بِها وعَلى أنْ تَكُونَ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً إذِ المَشْهُورُ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الجِنِّ رُسُلٌ وأنْبِياءُ ونَظِيرُهُ في هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ فَإنَّهُما إنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. والفَرّاءُ قَدَّرَ هُنا مُضافًا لِذَلِكَ أيْ مِن أحَدِكم وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ بِالرُّسُلِ ما يَعُمُّ رُسُلَ الرُّسُلِ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجِنَّ اسْتَمَعُوا لِلْقُرْآنِ وأنْذَرُوا بِهِ قَوْمَهم فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ وعَنِ الضَّحّاكِ وغَيْرِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ لِلْجِنِّ رُسُلًا مِنهم وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّ رَسُولًا مِنهم يُسَمّى يُوسُفَ وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي إرْسالَ الرُّسُلِ إلى كُلٍّ مِنَ المَعْشَرَيْنِ مِن جِنْسِهِمْ وادَّعى بَعْضٌ قِيامَ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلى الجِنِّ رَسُولٌ مِنهم وإنَّما أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَنِ الإنْسِ وهَلْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بَعْثَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمْ لا الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الكَلْبِيُّ الثّانِي قالَ: كانَ الرُّسُلُ يُرْسَلُونَ إلى الإنْسِ حَتّى بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى الإنْسِ والجِنِّ ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ الَّتِي أوْحَيْتُها إلَيْهِمْ والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِرُسُلٍ مُحَقِّقَةٌ لِما هو المُرادُ مِن إرْسالِهِمْ مِنَ التَّبْلِيغِ والإنْذارِ وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّقَلَيْنِ ﴿ويُنْذِرُونَكُمْ﴾ أيْ يُخَوِّفُونَكم بِما في تَضاعِيفِها مِنَ القَوارِعِ ﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ يَوْمَ الحَشْرِ الَّذِي قَدْ عايَنُوا فِيهِ ما عايَنُوا ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ والمَقْصُودُ مِنهُ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ: كَيْفَ يَقُولُونَ وكَيْفَ يَعْتَرِفُونَ ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ أيْ بِإيتاءِ الرُّسُلِ وقَصِّهِمْ وإنْذارِهِمْ وبِمُقابَلَتِهِمْ إيّاهم بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما أدّاهم في الدُّنْيا إلى ارْتِكابِ القَبائِحِ الَّتِي ارْتَكَبُوها وألْجَأهم في الآخِرَةِ إلى الِاعْتِرافِ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ وذَمٌّ لَهم بِذَلِكَ وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ فَلا تَكْرارَ في الشَّهادَتَيْنِ أيْ واغْتَرُّوا في الدُّنْيا بِالحَياةِ الدَّنِيئَةِ واللَّذّاتِ الخَسِيسَةِ الفانِيَةِ وأعْرَضُوا عَنِ النَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واجْتَرَؤُوا عَلى ارْتِكابِ ما يَجُرُّهم إلى العَذابِ المُؤَبَّدِ الَّذِي أنْذَرُوهم إيّاهُ ﴿وشَهِدُوا﴾ في الآخِرَةِ ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا﴾ في الدُّنْيا ﴿كافِرِينَ﴾ (130) بِالآياتِ والنُّذُرِ واضْطُرُّوا إلى الِاسْتِسْلامِ لِأشَدِّ العَذابِ وفي ذَلِكَ مِن تَحَسُّرِهِمْ وتَحْذِيرِ السّامِعِينَ عَنْ مِثْلِ صَنِيعِهِمْ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

الأنعام 6:131

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى إتْيانِ الرُّسُلِ أوِ السُّؤالِ المَفْهُومِ مِن ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أوْ ما قُصَّ مِن أمْرِهِمْ أعْنِي شَهادَتَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ واسْتِيجابَ العَذابِ وهو إمّا مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أوْ خَبَرُهُقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ بِحَذْفِ اللّامِ عَلى أنَّ أنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها وإمّا مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كَخُذْوَفَعَلْنا ونَحْوِ ذَلِكَ وجُوِّزَ أنْ صفحة 29 يَكُونَ ( أنْ لَمْ ) .. إلَخْ. بَدَلًا مِنَ اسْمِ الإشارَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِمُهْلِكٍ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمٍ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ القُرى أوْ مُتَلَبِّسَةً بِظُلْمٍ أوْ حالًا مِن رَبِّكَ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في مُهْلِكَ والمُرادُ مُهْلِكَ أهْلِ القُرى إلّا أنَّهُ تَجَوَّزَ في النِّسْبَةِ أوْ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ولا يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ (131) لِأنَّ أصْلَهُ وهم غافِلُونَ فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ أُقِيمَ مَقامَ ضَمِيرِهِ. واعْتَرَضَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى جَعْلِ بِظُلْمٍ حالًا مِن رَبِّكَ أوْ مِن ضَمِيرِهِ بِأنَّهُ يَأْباهُ أنَّ غَفْلَةَ أهْلِها مَأْخُوذَةٌ في مَعْنى الظُّلْمِ وحَقِيقَتِهِ لا مَحالَةَ فَلا يَحْسُنُ تَقْيِيدُهُ بِالجُمْلَةِ بَعْدُ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ قَدْ يُتَصَوَّرُ الظُّلْمُ مَعَ عَدَمِ الغَفْلَةِ بِأنْ يَكُونَ حالَ التَّيَقُّظِ ومُقارِنَةَ الِانْقِيادِوَإنْ كانَ المُرادُ ها هُنا هو الإهْلاكَ حالَ الغَفْلَةِ فَفائِدَةُ التَّقْيِيدِ تَعْيِينُ المُرادِ ولا يَخْفى حُسْنُهُ ولا يَخْفى ما فِيهِ واخْتارَ قَدَّسَ سِرَّهُ مِنَ احْتِمالاتِ المُشارِ إلَيْهِ وأوْجُهَإعْرابِ اسْمِ الإشارَةِ الثّالِثِ مِن كُلٍّ قالَ: والمَعْنى ذَلِكَ ثابِتٌ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِسَبَبِ أيِّ ظُلْمٍ فَعَلَوْهُ مِن أفْرادِ الظُّلْمِ قَبْلَ أنْ يُنْهَوْا عَنْهُ ويُنَبَّهُوا عَلى بُطْلانِهِ بِرُسُلٍ وكِتابٍ وإنْقَضى بِهِ بَداهَةً العُقُولُ ويُنْذَرُوا عاقِبَةَ جِناياتِهِمْ أيْ لَوْلا انْتِفاءُ كَوْنِهِ تَعالى مُعَذِّبًا لَهم قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ لَما أمْكَنَ التَّوْبِيخُ بِما ذَكَرَ ولَما شَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ ولا اعْتَذَرُوا بِعَدَمِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ وإنَّما عَلَّلَ ما ذَكَرَ بِانْتِفاءِ التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي هو إهْلاكُ القُرى قَبْلَ الإنْذارِ مَعَ أنَّ التَّقْرِيبَ في تَعْلِيلِهِ بِانْتِفاءِ مُطْلَقِ التَّعْذِيبِ مِن غَيْرِ بَعْثِ الرُّسُلِ أتَمُّ عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ عَلى ما اخْتارَهُ أهْلُ السُّنَّةِ في مَعْناهُ لِبَيانِ كَما نَزاهَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى كِلا التَّعْذِيبَيْنِ مِن غَيْرِإنْذارٍ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ. ولا يَخْفى أنَّ لَمّا اخْتارَهُ وجْهًا وجِيهًا خَلا أنَّ قَوْلَهُ فِيما بَعْدُ: إنْ جَعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى إرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْذارِهِمْ وخَبَرَ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفًا كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ بِمَعْزِلٍ عَنْ مُقْتَضى المَقامِ مَمْنُوعٍ وعَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ والظّاهِرُ أنَّ انْتِفاءَ الإهْلاكِ قَبْلَ الإنْذارِ لا يَخْتَصُّ بِالإنْسِ بَلِ الجِنُّ أيْضًا لا يُهْلَكُونَ قَبْلَإنْذارِهِمْ وإنْلَمْ يَشِعْ إطْلاقُ أهْلِ القُرى عَلَيْهِمْ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَنا والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُعَذِّبَ قَبْلَ الإنْذارِ وقِيامِ الحُجَّةِ وبَنَوْهُ عَلى قاعِدَةِ الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ وأئِمَّتُنا يُثْبِتُونَ ذَلِكَ لَكِنَّهم لا يَجْعَلُونَهُ مَناطَ الحُكْمِ كَما زَعَمَ المُعْتَزِلَةُ

الأنعام 6:132

﴿ولِكُلٍّ﴾ مِنَ المُكَلَّفِينَ جِنًّا كانُوا أوِ إنْسًا ﴿دَرَجاتٌ﴾ أيْ مَراتِبُ فَيَتَناوَلُ الدَّرَكاتِ حَقِيقَةً أوْ تَغْلِيبًا ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ مِن أعْمالِهِمْ صالِحَةً كانَتْ أوْ سَيِّئَةً أوْ مِن أجْلِ أعْمالِهِمْ أوْ مِن جَزائِها فَمِن إمّا ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (132) فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ عَمَلُ عامِلٍ أوْ قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تَعْمَلُونَ ) بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ ولَوْ أُرِيدَ شُمُولُ ( يَعْمَلُونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ لِلْمُخاطَبِ بِأنْيُرادَ جَمِيعُ الخَلْقِ فَلا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِ تَغْلِيبِ الغائِبِ عَلى المُخاطَبِ سِوى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ صفحة 30 فِي كَلامِهِمْ

الأنعام 6:133

﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ أيْ لا غِنًى عَنْ كُلِّ شَيْءٍ كائِنًا ما كانَ إلّا هو سُبْحانَهُ فَلا احْتِياجَ لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ إلى العِبادِ ولا إلى عِبادَتِهِمْ ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اللُّطْفِ الجَزِيلِ والكَلامُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَوْلُهُسُبْحانَهُ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ و﴿الغَنِيُّ﴾ صِفَةٌ أيِ المَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ العامَّةِ فَيَتَرَحَّمُ عَلى العِبادِ بِالتَّكَلُّفِ تَكْمِيلًا لَهم ويُمْهِلُهم عَلى المَعاصِي إلى ما شاءَ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ماتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الإرْسالِ لَيْسَ لِنَفْعِهِ بَلْ لِتَرَحُّمِهِ عَلى العِبادِ وتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ ما بِهِ حاجَةٌ إلَيْكم أصْلًا إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها العُصاةُ أوْ أيُّها النّاسُ بِالإهْلاكِ وفي تَلْوِينِ الخِطابِ مِن تَشْدِيدِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى ﴿ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ﴾ أيْ ويُنْشِئُ مِن بَعْدِ إذْهابِكم ﴿ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ وإيثارُ ما عَلى مَن لِإظْهارِ كَمالِ الكِبْرِياءِ وإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ العُقَلاءِ ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (133) أيْ مِن نَسْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلى مِثْلِ صِفَتِكم وهم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أبْقاكم تَرَحُّمًا عَلَيْكم وما في ( كَما ) مَصْدَرِيَّةٌ ومُحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الوَصْفِيَّةِ لِمَصْدَرِ الفِعْلِ السّابِقِ أيْ ويُنْشِئُ إنْشاءً كَإنْشائِكم أوْ يَسْتَخْلِفُ اسْتِخْلافًا كائِنًا كَإنْشائِكم و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ وقِيلَ: هي بِمَعْنى البَدَلِ والشَّرْطِيَّةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الغِنى والرَّحْمَةِ

الأنعام 6:134

﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ أيِإنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِنَ القِيامَةِ والحِسابِ والعِقابِ والثَّوابِ وتَفاوُتِ الدَّرَجاتِ والدَّرَكاتِ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ و﴿ما﴾ اسْمُإنَّ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافَّةَ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿لآتٍ﴾ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ هو خَبَرُإنَّ والمُرادُ إنَّ ذَلِكَ لَواقِعٌ لا مَحالَةَ وإيثارُ آتٍ عَلى واقِعٍ لِبَيانِ كَمالِ سُرْعَةِ وُقُوعِهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ طالِبٍ حَثِيثٍ لا يَفُوتُهُ هارِبٌ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (134) أيْ جاعِلِي مَن طَلَبَكم عاجِزًا عَنْكم غَيْرَ قادِرٍ عَلى إدْراكِكم. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْنى وما أنْتُمْ بِسابِقِينَ وإيثارُ صِيغَةِ الفاعِلِ عَلى المُسْتَقْبَلِ لِلْإيذانِ بِقُرْبِ الإتْيانِ والدَّوامِ الَّذِي يُفِيدُهُ العُدُولُ عَنِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ مُتَوَجِّهٌ إلى النَّفْيِ فالمُرادُ دَوامُ انْتِفاءِ الإعْجازِ لا بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِ ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ الكَرِيمِ.

الأنعام 6:135

﴿قُلْ يا قَوْمِ﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُواجِهَ الكَفّارَ بِتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ وتَكْرِيرِ الوَعِيدِ ويُظْهِرَ لَهم ما هو عَلَيْهِ مِن غايَةِ التَّصَلُّبِ في الدِّينِ ونِهايَةِ الوُثُوقِ بِأمْرِهِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ أصْلًا إثْرَ ما بَيَّنَ لَهم حالَهم ومَآلَهم أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم عَلى أنَّ المَكانَةَ مَصْدَرُ مَكَّنَ إذْ تَمَكَّنَ أبْلَغُ التَّمَكُّنِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا بِمَعْنى المَكانِ كالمَقامِ والمَقامَةِ ومِن هُنا فَسَرَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ بِالنّاحِيَةِ وتَجَوَّزُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ مَن فَسَّرَهُ بِالحالَةِ أيِ اعْمَلُوا عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( مَكاناتِكم ) عَلى الجَمْعِ في كُلِّ القُرْآنِ وزَعَمَ الواحِدِيُّ أنَّ الوَجْهَ الإفْرادُ وفِيهِ نَظَرٌ والمَعْنى اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم ومُعاداتِكم لِي ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ عَلى مَكانَتِي أيْ ثابِتٌ عَلى الإسْلامِ وعَلى مُصابَرَتِكم. صفحة 31 والأمْرُ بِالتَّهْدِيدِ وإيرادُهُ بِصِيغَةِ الأمْرِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مُبالَغَةٌ في الوَعِيدِ كَأنَّ المُهَدِّدَ يُرِيدُ تَعْذِيبَهُ مَجْمِعًا عازِمًا عَلَيْهِ فَيَحْمِلُهُ بِالأمْرِ عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ وتَسْجِيلٌ بِأنَّ المُهَدِّدَ لا يَتَأتّى مِنهُ إلّا الشَّرُّ كالمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أنْ يَتَفَصّى عَنْهُ وجَعَلَ العَلّامَةُ الثّانِي ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَشْبِيهًا لِذَلِكَ المَعْنى بِالمَعْنى المَأْمُورِ بِهِ الواجِبِ الَّذِي لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيْ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ فَسَوْفَ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ والعِلْمُ عِرْفانِيٌّ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ ومَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُها ومَجْمُوعُهُما سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولِ العِلْمِ. والمُرادُ بِالدّارِ الدُّنْيا لا دارَ السَّلامِ كَما قِيلَ وبِالعاقِبَةِ العاقِبَةُ الحُسْنى أيْ عاقِبَةُ الخَيْرِ لِأنَّها الأصْلُ فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدُّنْيا مَزْرَعَةَ الآخِرَةِ وقَنْطَرَةَ المَجازِ إلَيْها وأرادَ مِن عِبادِهِ أعْمالَ الخَيْرِ لِيَنالُوا حُسْنَ الخاتِمَةِ. وأمّا عاقِبَةُ الشَّرِّ فَلا اعْتِدادَ بِها لِأنَّها مِن نَتائِجِ تَحْرِيفِ الفُجّارِ أيْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ الحُسْنى الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الدّارَ لَها ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً فَمَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولُ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ الَّذِي لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ وفِيهِ مَعَ الإنْذارِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّهْدِيدِ إنْصافٌ في المَقالِ وتَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ وُثُوقِ المُنْذِرِ بِأمْرِهِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَكُونُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ لِأنَّ تَأْنِيثَ العاقِبَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (135) أيْ لا يَظْفَرُوا بِمَطْلُوبِهِمْ وإنَّما وُضِعَ الظُّلْمُ مَوْضِعَ الكَفْرِ لِأنَّهُ أعَمُّ مِنهُ وهو أكْثَرُ فائِدَةً لِأنَّهُ إذا لَمْ يُفْلِحِ الظّالِمُ فَكَيْفَ الكافِرُ المُتَّصِفُ بِأعْظَمِ أفْرادِ الظُّلْمِ.

الأنعام 6:136

﴿وجَعَلُوا﴾ أيْ مُشْرِكُو العَرَبِ ﴿لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ﴾ أيْ خَلَقَ قالَ الرّاغِبُ: الذَّرْءُ إظْهارُ اللَّهِ تَعالى ما أبْدَعَهُ يُقالُ: ذَرَأ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ أيْ أوْجَدَ أشْخاصَهم وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الذَّرْءُ الخَلْقُ عَلى وجْهِ الِاخْتِراعِ وأصْلُهُ الظُّهُورُ ومِنهُ مُلِحٌّ ذَرانِيٌّ لِظُهُورِ بَياضِهِ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِجَعَلَ وما مَوْصُولَةٌ وجُمْلَةُ ذَرَأ صِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِذَرَأ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مِمّا مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَصِيبًا﴾ وأنْ يَكُونَ ﴿مِنَ الحَرْثِ﴾ حالًا أيْضًا مِن ما أوْ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ و﴿نَصِيبًا﴾ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مَفْعُولُ جَعَلَ وهو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا لِاثْنَيْنِ أوَّلُهُما ﴿مِمّا ذَرَأ﴾ عَلى أنَّ مِن تَبْعِيضِيَّةٌ وثانِيهِما ﴿نَصِيبًا﴾ وقِيلَ: الأمْرُ بِالعَكْسِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُ سَدادَ المَعْنى وأيًّا ما كانَ فَهَذا شُرُوعٌ في تَقْبِيحِ أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ بِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمُ الشَّنِيعَةِ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّهم كانُوا إذا حَرَثُوا حَرْثًا أوْ كانَتْ لَهم ثَمَرَةٌ جَعَلُوا لِلَّهِ تَعالى مِنهُ جُزْءًا وجُزْءًا لِلْوَثَنِ فَما كانَ مِن حَرْثٍ أوْ ثَمَرَةٍ أوْ شَيْءٍ مِن نَصِيبِ الأوْثانِ حَفِظُوهُ وأحْصَوْهُ فَإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِمّا سُمِّيَ لِلصَّمَدِ رَدُّوهُ إلى ما جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ وإنْ سَبَقَهُمُ الماءُ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ فَسَقى شَيْئًا مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ وإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنَ الحَرْثِ والثَّمَرَةِ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى فَسَقى ما سَمَّوْهُ لِلْوَثَنِ تَرَكُوهُ لِلْوَثَنِ وكانُوا يُحَرِّمُونَ مِن أنْعامِهِمُ البُحَيْرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامِيَ فَيَجْعَلُونَهُ لِلْأوْثانِ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُحَرِّمُونَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يُعَيِّنُونَ شَيْئًا مِن حَرْثٍ ونِتاجٍ لِلَّهِ تَعالى فَيَصْرِفُونَهُ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينِ وأشْياءَ مِنهُما لِآلِهَتِهِمْ فَيُنْفِقُونَ مِنها لِسَدَنَتِها صفحة 32 ويَذْبَحُونَ عِنْدَها فَإذا رَأوْا ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى زاكِيًا نامِيًا يَزِيدُ في نَفْسِهِ خَيْرًا رَجَعُوا فَجَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ وإذا زَكا ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ تَرَكُوهُ مُعْتَلِّينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى غَنِيٌّ وما ذاكَ إلّا لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ حَيْثُ أشْرَكُوا الخالِقَ القادِرَ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ثُمَّ رَجَّحُوهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأنْ جَعَلُوا الزّاكِيَ لَهُ واخْتارَ هَذِهِ الرِّوايَةَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. وأصْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وجَعَلُوا لِلَّهِ .. إلَخْ. ولِشُرَكائِهِمْ فَطُوِيَ ذِكْرُ الشُّرَكاءِ لِأنَّهُ عَلى ما قِيلَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ عِنْدَهم وأُشِيرَ إلى تَقْدِيرِهِ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ أيِ الأوْثانِ وسَمَّوْهم شُرَكاءَهم لِأنَّهم جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ فَهم شُرَكاؤُهم فِيها ويُحْتَمَلُ أنَّ الإضافَةَ لِأدْنى مُلابَسَةٍ حَيْثُ إنَّهم زَعَمُوا كَوْنَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ( بِزُعْمِهِمْ ) بِضَمِّ الزّايِ وهو لُغَةٌ فِيهِ وجاءَ الكَسْرُ أيْضًا فَهو مُثَلَّثٌ كالوِدِّ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ وإنَّما قُيِّدَ بِهِ الأوَّلُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ يُجْعَلُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ غَيْرَ مُسْتَتْبَعٍ لِشَيْءٍ مِنَ الثَّوابِ كالتَّطَوُّعاتِ الَّتِي يُبْتَغى بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اخْتَرَعُوهُ لَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الجَعْلِ ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ الثّانِي. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿هَذا لِلَّهِ﴾ مُجَرَّدُ زَعْمٍ مِنهم لا يَعْلَمُونَ بِمُقْتَضاهُ الَّذِي هو اخْتِصاصُهُ بِهِ تَعالى فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ بَيانٌ وتَفْصِيلٌ لَهُ أيْ فَما عَيَّنُوهُ لِشُرَكائِهِمْ لا يُصْرَفُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي يُصْرَفُ إلَيْها ما عَيَّنُوهُ لِلَّهِ تَعالى وما عَيَّنُوهُ لِلَّهِ تَعالى يُصْرَفُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي يُصْرَفُ إلَيْها ما عَيَّنُوهُ لِآلِهَتِهِمْ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (136) فِيما فَعَلُوا مِن إيثارِ مَخْلُوقٍ عاجِزٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ عَلى خالِقٍ قادِرٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعَمَلِهِمْ بِما لَمْ يُشْرَّعْ لَهم و( ساءَ ) يَجْرِي مَجْرى بِئْسَ فَما سَواءٌ كانَتْ مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً فاعِلٌ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ حُكْمُهم هَذا وقِيلَ: إنَّ ( ساءَ ) هُنا غَيْرُ الجارِيَةِ مَجْرى بِئْسَ فَلا تَحْتاجُ إلى مَخْصُوصٍ بِالذَّمِّ بَلْ إلى فاعِلٍ فَقَطْ فَإنَّ فاعِلَ الجارِيَةَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُعَرَّفًا بِاللّامِ أوْ مُضافًا في الأشْهَرِ واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

الأنعام 6:137

﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ وهو تَزْيِينُ الشِّرْكِ في قِسْمَةِ القُرُباتِ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ أوْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ المَعْهُودِ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ مُشْرِكِي العَرَبِ ﴿قَتْلَ أوْلادِهِمْ﴾ فَكانُوا يَئِدُونَ البَناتِ الصِّغارَ بِأنْ يَدْفِنُوهُنَّ أحْياءً وكانُوا في ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ فَرِيقَيْنِ أحَدُهُما يَقُولُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَألْحِقُوا البَناتِ بِاللَّهِ تَعالى فَهو أحَقُّ بِها والآخَرُ يَقْتُلُهُنَّ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وقِيلَ: خَشْيَةَ ذَلِكَ والعارِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ وقِيلَ: السَّبَبُ في قَتْلِ البَناتِ أنَّ النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ أغارَ عَلى قَوْمٍ فَسَبى نِساءَهم وكانَتْ فِيهِنَّ بِنْتُ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ ثُمَّ اصْطَلَحُوا فَأرادَتْ كُلُّ امْرْأةٍ مِنهُنَّ عَشِيرَتَها غَيْرَ ابْنَةِ قَيْسٍ فَإنَّها أرادَتْ مَن سَباها فَحَلَفَ قَيْسٌ لا تُولَدُ لَهُ بِنْتٌ إلّا وأدَها فَصارَ ذَلِكَ سُنَّةً فِيما بَيْنَهم وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَنْذِرُ أحَدُهم إذا بَلَغَ بَنُوهُ عَشْرَةً نُحِرَ واحِدٌ مِنهم كَما فَعَلَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ في قِصَّتِهِ المَشْهُورَةِ وإلَيْها أشارَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» وقَتْلَ مَفْعُولُ زَيَّنَ مُضافٌ إلى أوْلادِهِمْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ فاعِلٌ لَهُ والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ إمّا الجِنُّ أوِ السَّدَنَةُ ووُسِمُوا بِذَلِكَ لِأنَّهم شُرَكاءُ صفحة 33 فِي أمْوالِهِمْ كَما مَرَّ آنِفًا أوْ طاعَتُهم لَهُ كَما يُطاعُ الشَّرِيكُ لِلَّهِ عَزَّ اسْمُهُ ومَعْنى تَزْيِينِهِمْ لَهم ذَلِكَ تَحْسِينُهُ لَهم وحَثُّهم عَلَيْهِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( زُيِّنَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هو القَتْلُ ونُصِبَ الأوْلادُ وجُرَّ الشُّرَكاءُ بِإضافَةِ القَتْلِ إلَيْهِ مَفْصُولًا بَيْنَهُما بِمَفْعُولِهِ وعَقَّبَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ شَيْءٌ لَوْ كانَ في مَكانِ الضَّرُورِيّاتِ وهو الشِّعْرُ لَكانَ سَمِجًا مَرْدُودًا كَما سَمِجَ: وِرْدٌ زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَةَ فَكَيْفَ بِهِ في الكَلامِ المَنثُورِ فَكَيْفَ بِهِ في الكَلامِ المُعْجِزِ ثُمَّ قالَ: والَّذِي حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ المَصاحِفِ ﴿شُرَكائِهِمْ﴾ مَكْتُوبًا بِالياءِ ولَوْ قَرَأ بِجَرِّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ لِأنَّ الأوْلادَ شُرَكاؤُهم لَوَجَدَ في ذَلِكَ مَندُوحَةً عَنْ هَذا الِارْتِكابِ. اهـ. وقَدْ رَكِبَ في هَذا الكَلامِ عَمْياءَ وتاهَ في تَيْهاءَ فَقَدْ تَخَيَّلَ أنَّ القُرّاءَ أئِمَّةَ الوُجُوهِ السَّبْعَةَ اخْتارَ كُلٌّ مِنهم حَرْفًا قَرَأ بِهِ اجْتِهادًا لا نَقْلًا وسَماعًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الجَهَلَةِ فَلِذَلِكَ غَلِطَ ابْنُ عامِرٍ في قِراءَتِهِ هَذِهِ وأخَذَ يُبَيِّنُ مَنشَأ غَلَطِهِ وهَذا غَلَطٌ صَرِيحٌ يُخْشى مِنهُ الكَفْرُ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى فَإنَّ القِراءاتِ السَّبْعَةَ مُتَواتِرَةٌ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا عَنْ أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ ﷺ فَتَغْلِيطُ شَيْءٍ مِنها في مَعْنى تَغْلِيطِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ تَغْلِيطٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ نَعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ وقالَ أبُو حَيّانَ: عَجَبٌ لِعَجَمِيٍّ ضَعِيفٍ في النَّحْوِ يَرُدُّ عَلى عَرَبِيٍّ صَرِيحٍ مَحْضٍ قِراءَةً مُتَواتِرَةً نَظِيرُها في كَلامِ العَرَبِ في غَيْرِ ما بَيْتٍ وأعْجَبُ بِسُوءِ هَذا الرَّجُلِ بِالقُرّاءِ الأئِمَّةِ الَّذِينَ تَخَيَّرَتْهم هَذِهِ الأُمَّةُ لِنَقْلِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى شَرْقًا وغَرْبًا وقَدِ اعْتَمَدَ المُسْلِمُونَ عَلى نَقْلِهِمْ لِضَبْطِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ ودِيانَتِهِمْ. اهـ. وقَدْ شَنَّعَ عَلَيْهِ أيْضًا غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ ولَعَلَّ عُذْرَهُ في ذَلِكَ جَهْلُهُ بِعَلَمَيِ القِراءَةِ والأُصُولِ. وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لا يُفَرَّقُ بَيْنَ المُضافِ الَّذِي يَعْمَلُ وبَيْنَ غَيْرِهِ ومُحَقِّقُو النُّحاةِ قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَهُما بِأنَّ الثّانِيَ يُفْصَلُ فِيهِ بِالظَّرْفِ والأوَّلَ إذا كانَ مَصْدَرًا أوْ نَحْوَهُ يُفْصَلُ بِمَعْمُولِهِ مُطْلَقًا لِأنَّ إضافَتَهُ في نِيَّةِ الِانْفِصالِ ومَعْمُولَهُ مُؤَخَّرٌ رُتْبَةً فَفَصْلُهُ كَلا فَصْلٍ فَلِذا ساغَ ذَلِكَ فِيهِ ولَمْ يُخَصُّ بِالشِّعْرِ كَغَيْرِهِ ومِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ وخَطَّأ الزَّمَخْشَرِيَّ بِعَدَمِ التَّفْرِقَةِ وقالَ في كافِيَتِهِ: وظَرْفٌ أوْ شَبِيهُهُ قَدْ يَفْصِلُ جُزْأيْ إضافَةٍ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فَصْلانِ في اضْطِرارِ بَعْضِ الشِّعْرا وفي اخْتِيارٍ قَدْ أضافُوا المَصْدَرا لِفاعِلٍ مِن بَعْدِ مَفْعُولٍ حَجَزَ كَقَوْلِ بَعْضِ القائِلِينَ لِلرَّجَزِ بِفَرْكِ حَبِّ السُّنْبُلِ الكَنافِجِ ∗∗∗ بِالقاعِ فَرْكِ القُطْنِ المَحالِجِ وعُمْدَتِي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وكَمْ لَها مِن عاضِدٍ وناصِرٍ انْتَهى. وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ مُنافِيَةٌ لِقِياسِ العَرَبِيَّةِ لَوَجَبَ قَبُولُها أيْضًا بَعْدَ أنْ تَحَقَّقَ صِحَّةُ نَقْلِها كَما قُبِلَتْ أشْياءُ نافَتِ القِياسَ مَعَ أنَّ صِحَّةَ نَقْلِها دُونَ صِحَّةِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ بِكَثِيرٍ وما ألْطَفَ قَوْلِ الإمامِ عَلى ما حَكاهُ عَنْهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وكَثِيرٌ ما أرى النَّحْوِيِّينَ مُتَحَيِّرِينَ في تَقْرِيرِ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ فَإذا اسْتَشْهَدَ في تَقْرِيرِهِ بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ فَرِحُوا بِهِ وأنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهم لِأنَّهم إذا جَعَلُوا وُرُودَ ذَلِكَ البَيْتِ المَجْهُولِ عَلى وفْقِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ فَلَأنْ يَجْعَلُوا وُرُودَ القُرْآنِ بِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ كانَ أوْلى ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ ما في قَوْلِ السَّكّاكِيِّ: يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِغَيْرِ الظَّرْفِ ونَحْوَ قَوْلِهِ: بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ مَحْمُولٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ مِنَ الأوَّلِ ونَحْوَ قِراءَةِ مَن قَرَأ ( قَتْلَ صفحة 34 أوْلادِهِمْ شُرَكائِهِمْ ) لِاسْتِنادِها إلى الثِّقاتِ وكَثْرَةِ نَظائِرِها ومَن أرادَها فَعَلَيْهِ بِخَصائِصِ ابْنِ جِنِّيٍّ مَحْمُولَةً عِنْدِي عَلى حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ مِنَ الأوَّلِ وإضْمارِ المُضافِ في الثّانِي كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ ( واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ ) بِالجَرِّ أيْ عَرَضَ الآخِرَةِ وما ذَكَرْتُ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ إلّا أنَّ تَخْطِئَةَ الثِّقاتِ والفُصَحاءِ أبْعَدُ. اهـ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ بِبِناءِ ( زُيِّنَ ) لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ قَتْلُ وجَرِّ أوْلادِهِمْ ورَفْعِ شُرَكاؤُهم بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ زُيِّنَ كَما في قَوْلِهِ: لَبَّيْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تَطِيحُ الطَّوائِحُ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: زُيِّنَ لَهم قَتْلُ أوْلادِهِمْ مِن زَيَّنَهُ فَقِيلَ: زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهم ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أيْ لِيُهْلِكُوهم بِالإغْواءِ ﴿ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أيْ لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن دِينِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى زَلُّوا عَنْهُ إلى الشِّرْكِ أوْ دِينَهُمُ الَّذِي وجَبَ أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ وقِيلَ: المَعْنى لِيُوقِعُوهم في دِينٍ مُلْتَبِسٍ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ إنْ كانَ التَّزْيِينُ مِنَ الشَّياطِينِ لِأنَّ مَقْصُودَهم مِن إغْوائِهِمْ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ ولِلْعاقِبَةِ إنْ كانَ مِنَ السَّدَنَةِ إذْ لَيْسَ مَحَطُّ نَظَرِهِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ عاقِبَةٌ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ عَدَمَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ ما فَعَلَ المُشْرِكُونَ ما زُيِّنَ لَهم مِنَ القَتْلِ أوْ ما فَعَلَ الشُّرَكاءُ مِنَ التَّزْيِينِ أوِ الإرْداءِ واللَّبْسِ أوْ ما فَعَلَ الفَرِيقانِ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلى إجْراءِ الضَّمِيرِ المُفْرَدِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ (137) الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ ما كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فَدَعْهم وافْتِراءَهم أوْ ما يَفْتَرُونَهُ مِنَ الكَذِبِ ولا تُبالِ بِهِمْ فَإنَّ في ما يَشاءُ اللَّهُ تَعالى حِكَمًا بالِغَةً وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى

الأنعام 6:138

﴿وقالُوا﴾ حِكايَةٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ كُفْرِ أُولَئِكَ الكُفّارِ وقِيلَ: تَتِمَّةٌ لِما تَقَدَّمَ ﴿هَذِهِ﴾ أيْ ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ ﴿أنْعامٌ وحَرْثٌ﴾ أيْ زَرْعٌ ﴿حِجْرٌ﴾ أيْ مَمْنُوعٌ مِنها وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالذَّبْحِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والكَثِيرُ والذَّكَرُ والأُنْثى لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ ولِذَلِكَ وقَعَ صِفَةً لِأنْعامٍ وحَرْثٍ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ ( حُجْرٌ ) بِضَمِّ الحاءِ وقَرَأ أيْضًا بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وبِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ مَعًا ويَحْتَمِلُ في هَذا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالحُلْمِ أوْ أنْ يَكُونَ جَمْعًا كَسُقُفٍ ورُهُنٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( حِرْجٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ وتَقْدِيمِ الرّاءِ عَلى الجِيمِ أيْ ضِيقٌ وأصْلُهُ حَرِجٌ بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وقِيلَ: هو مَقْلُوبٌ مِن حَجَرٍ كَعَمِيقٍ ومُعِيقٍ ﴿لا يَطْعَمُها﴾ أيْ يَأْكُلُها ﴿إلا مَن نَشاءُ﴾ يَعْنُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ الرِّجالَ دُونَ النِّساءِ وقِيلَ: يَعْنُونَ ذَلِكَ وخَدَمَ الأوْثانِ والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِأنْعامٍ وحَرْثٍ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ قالُوا أيْ قالُوا ذَلِكَ مُتَلَبِّسِينَ بِزَعْمِهِمُ الباطِلِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ وأنْعامٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَذِهِ أنْعامٌ﴾ أيْ قالُوا مُشِيرِينَ إلى طائِفَةٍ مِن أنْعامِهِمْ وهَذِهِ أنْعامٌ وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ أوَّلًا إلى ما جُعِلَ لِآلِهَتِهِمُ السّابِقِ وما بَيْنَهُما كالِاعْتِراضِ وهَذا عَطْفٌ عَلى أنْعامٍ المُتَقَدِّمِ إدْخالُهُ فِيما تَقَدَّمَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ السَّوائِبُ ونَحْوُها وهي بِزَعْمِهِمْ تَعْتَقُ وتُعْفى لِأجَلِ الآلِهَةِ ﴿حُرِّمَتْ﴾ أيْ مُنِعَتْ ﴿ظُهُورُها﴾ فَلا تُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عَلَيْها صفحة 35 ﴿وأنْعامٌ﴾ أيْ وهَذِهِ أنْعامٌ عَلى ما مَرَّ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ صِفَةٌ لِأنْعامٍ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى تَعْيِينًا لِلْمَوْصُوفِ وتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ في رَأْيٍ لا أنَّهُ واقِعٌ في كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ كَنَظائِرِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْعامٌ ذُبِحَتْ عَلى الأصْنامِ فَإنَّها الَّتِي لا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها وإنَّما يُذْكَرُ عَلَيْها اسْمُ الأصْنامِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي وائِلٍ أنَّ المَعْنى لا يَحُجُّونَ عَلَيْها ولا يُلَبُّونَ. وعَنْ مُجاهِدٍ كانَتْ لَهم طائِفَةٌ مِن أنْعامِهِمْ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها ولا في شَيْءٍ مِن شَأْنِها لا إنْ رَكِبُوا ولا إنْ حَلَبُوا ولا ولا ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ونُصِبَ افْتِراءٌ عَلى المَصْدَرِ إمّا عَلى أنَّ قَوْلَهُمُ المَحْكِيَّ بِمَعْنى الِافْتِراءِ وإمّا عَلى تَقْدِيرِ عامِلٍ مِن لَفْظِهِ أيِ افْتَرَوُا افْتِراءً أوْ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ قالُوا أيْ مُفْتَرِينَ أوْ عَلى العِلَّةِ أيْ لِلِافْتِراءِ وهو بَعِيدٌ مَعْنًى و( عَلَيْهِ ) قِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا أوْ بِافْتِراءِ المُقَدَّرِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ وبِافْتِراءٍ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأخِيرَيْنِ ولا يَخْفى بُعْدُ تَعَلُّقِهِ بِقالُوا والَّذِي دَعاهُمُ إلَيْهِ ومَنَعَهم مِن تَعَلُّقِهِ بِالمَصْدَرِ عَلى ما قِيلَ إنَّ المَصْدَرَ إذا وقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لا يَعْمَلُ لِعَدَمِ تَقْدِيرِهِ بِأنْ والفِعْلِ وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ تَأْوِيلَهُ بِذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ لِتَعَلُّقِ الجارِّ بِهِ فَإنَّهُ مِمّا يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِافْتِراءٍ أيِ افْتِراءً كائِنًا عَلَيْهِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾ لا بُدَّ ﴿بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (138) أيْ بِسَبَبِهِ أوْ بَدَلَهُ وأُبْهِمَ الجَزاءُ لِلتَّهْوِيلِ

الأنعام 6:139

﴿وقالُوا﴾ حِكايَةً لِفَنٍّ آخَرَ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ يَعْنُونَ بِهِ أجِنَّةَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم يَعْنُونَ بِهِ الألْبانَ و( ما ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ أيْ حَلالٌ لَهم خاصَّةً لا يُشْرِكُهم فِيهِ أحَدٌ مِنَ الإناثِ والتّاءُ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ كَراوِيَةِ الشِّعْرِ أيْ كَثِيرُ الرِّوايَةِ لَهُ أوْ لِأنَّ الخالِصَةَ مَصْدَرٌ كَما قالَ الفَرّاءُ كالعافِيَةِ وقَعَ مَوْقِعَ الخالِصِ مُبالَغَةً أوْ بِتَقْدِيرِ ذُو وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ تَقُولُ: فُلانٌ خالِصَتِي أيْ ذُو خُلُوصِي قالَ الشّاعِرُ: كُنْتَ أمِينِي وكُنْتَ خالِصَتِي ولَيْسَ كُلُّ امْرِئٍ بِمُؤْتَمَنِ نَعَمْ قِيلَ: مَجِيءُ المَصْدَرِ بِوَزْنِ فاعِلٍ وفاعِلَةٍ قَلِيلٌ وقِيلَ: إنَّ التّاءَ لِلتَّأْنِيثِ بِناءً عَلى أنَّ ما عِبارَةٌ عَنِ الأجِنَّةِ. والتَّذْكِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ أيْ عَلى جِنْسِ أزْواجِنا وهُنَّ الإناثُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ بِأنَّ فِيهِ رِعايَةَ المَعْنى أوَّلًا واللَّفْظِ ثانِيًا وهو خِلافُ المَعْهُودِ في الكِتابِ الكَرِيمِ مِنَ العَكْسِ وادَّعى بَعْضٌ أنَّ لَهُ نَظائِرَ فِيهِ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ إذْ أنَّثَ فِيهِ ضَمِيرَ كُلُّ أوَّلًا مُراعاةً لِلْمَعْنى ثُمَّ ذَكَّرَ حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ وقِيلَ: إنَّ ما هُنا جارٍ عَلى المَعْهُودِ مِن رِعايَةِ اللَّفْظِ أوَّلًا لِأنَّ صِلَةَ ما جارٌّ ومَجْرُورٌ تَقْدِيرُ مُتَعَلِّقِهِ اسْتَقَرَّ لا اسْتَقَرَّتْ ولا وجْهَ لِذَلِكَ لِأنَّ المُتَعَلِّقَ والضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ فِيهِ لا يُعْلَمُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ حَتّى يَكُونَ مُراعاةً لِأحَدِ الجانِبَيْنِ والَّذِي يَقْتَضِيهِ الإنْصافُ أنَّ الحَمْلَ عَلى اللَّفْظِ بَعْدَ المَعْنى قَلِيلٌ وغَيْرَهُ أوْلى ما وُجِدَ إلَيْهِ سَبِيلٌ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ ارْتِكابَ خِلافِ المَعْهُودِ ها هُنا لا يَخْلُو عَنْ لُطْفٍ مَعْنَوِيٍّ ولَفْظِيٍّ أمّا الأوَّلُ فَمُوافَقَةُ صفحة 36 القَوْلِ لِلْفِعْلِ حَيْثُ أنَّ المَعْهُودَ مِن ذَوِي المُرُوءَةِ جَبْرُ قُلُوبِ الإناثِ لِضَعْفِهِنَّ ولِذا يُنْدَبُ لِلرَّجُلِ إذا أعْطى شَيْئًا لِوَلَدِهِ أنْ يَبْدَأ بِإناثِهِمْ وأمّا الثّانِي فَمُراعاةُ ما يُشْبِهُ الطِّباقَ بِوَجْهٍ بَيْنَ خالِصَةٍ وذُكُورِنا وبَيْنَ مُحَرَّمٍ وأزْواجِنا وهو كَما تَرى. ﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ أيْ ذَلِكَ حَلالٌ لِلذُّكُورِ مُحَرَّمٌ عَلى الإناثِ إنْ وُلِدَ حَيًّا وإنْ وُلِدَتْ مَيْتَةً ﴿فَهُمْ﴾ أيِ الذُّكُورُ والإناثُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ فِيما في بُطُونِ الأنْعامِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمَيْتَةِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِها ما يَعُمُّ الذَّكَرَ والأُنْثى غَلَّبَ الذَّكَرُ فَذَكَرَ الضَّمِيرَ كَما فَعَلَ فِيما قَبْلَهُ ﴿شُرَكاءُ﴾ يَأْكُلُونَ مِنها جَمِيعًا وهَذا الَّذِي ذَكَرَ في هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ إنَّما يَظْهَرُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ المَوْصُولِ وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي فِيهِ فَلا ولَعَلَّ الَّذِي يَقُولُ بِهِ يَقْرَأُ الآيَةَ بِإحْدى الأوْجُهِ الآتِيَةِ أوْ يَتَأوَّلُ الضَّمِيرُ وقَرَأ الأعْرَجُ وقَتادَةُ ( خالِصَةً ) بِالنَّصْبِ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ وخَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿لِذُكُورِنا﴾ وقالَ القُطْبُ الرّازِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ صِلَةً أيْ في حالِ خُلُوصِهِ مِنَ البُطُونِ أيْ خُرُوجِهِ حَيًّا والتَزَمَ جَعْلَها حالًا مُقَدَّرَةً ولَعَلَّهُ لَيْسَ بِاللّازِمِ ومَنَعَ غَيْرُ واحِدٍ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيما بَعْدَهُ أوْ مِن ذُكُورِنا نَفْسِهِ لِأنَّ الحالَ لا تَتَقَدَّمَ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ كالجارِّ والمَجْرُورِ واسْمِ الإشارَةِ وها التَّنْبِيهِ العامِلَةِ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِن مَعْنى الفِعْلِ ولا عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ كَما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ ( خالِصًا ) بِدُونِ تاءٍ مَعَ النَّصْبِ أيْضًا والكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما مَرَّ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ ( خالِصَةُ ) بِالرَّفْعِ والإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ما أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ( وإنْ تَكُنْ ) بِالتّاءِ مَيْتَةٌ بِالرَّفْعِ وابْنُ كَثِيرٍ يَكُنْ بِالياءِ ومَيْتَةٌ بِالرَّفْعِ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ تَكُنْ بِالتّاءِ كابْنِ عامِرٍ مَيْتَةً بِالنَّصْبِ. قالَ الإمامُ: وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ ألْحَقَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ لَمّا كانَ مُؤَنَّثًا في اللَّفْظِ ووَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّ مَيْتَةً اسْمُ يَكُنْ وخَبَرَهُ مُضْمَرٌ أيْ إنْ يَكُنْ لَهم أوْ هُناكَ مَيْتَةٌ وذُكِرَ لِأنَّ المَيْتَةَ في مَعْنى المَيِّتِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ يَلْحَقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الفاعِلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولا تَحْتاجُ كانَ إلى خَبَرٍ لِأنَّها بِمَعْنى وقَعَ وحَدَثَ ووَجْهُ القِراءَةِ الأخِيرَةِ أنَّ المَعْنى وإنْ تَكُنِ الأجِنَّةُ أوِ الأنْعامُ مَيْتَةً ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾ ولا بُدَّ ﴿وصْفَهُمْ﴾ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ وهو كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن بَلِيغِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: وصَفَ كَلامَهُ الكَذِبَ إذا كَذَبَ وعَيْنُهُ نِصْفُ السِّحْرِ أيْ ساحِرٌ وقَدُّهُ يَصِفُ الرَّشاقَةَ بِمَعْنى رَشِيقٍ مُبالَغَةً حَتّى كانَ مَن سَمِعَهُ أوْ رَآهُ وُصِفَ لَهُ ذَلِكَ بِما يَشْرَحُهُ لَهُ قالَ المَعَرِّيُّ. سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهَنٍ ∗∗∗ فَباتَ بِرامَةَ يَصِفُ المَلالا ونُصِبَ ﴿وصْفَهُمْ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ مَصْدَرِ يَجْزِيهِمْ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ أيْ جَزاءَ وصْفِهِمْ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ سَيَجْزِيهِمُ العِقابَ بِوَصْفِهِمْ أيْ بِسَبَبِهِ فَلَمّا سَقَطَ الباءُ نُصِبَ ( وصْفَهم ) . ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (139) تَعْلِيلٌ لِلْوَعْدِ بِالجَزاءِ فَإنَّ الحَكِيمَ العَلِيمَ بِما صَدَرَ عَنْهم لا يَكادُ يَتْرُكُ جَزاءَهُمُ الَّذِي هو مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى أوْلادِهِ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ وأنَّ ذَلِكَ الوَقْفَ يُفْسَخُ ولَوْ بَعْدَ مَوْتِ الواقِفِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ عَلى مَثَلِ ذَلِكَ صفحة 37 فِي الهِبَةِ وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: يَعْمِدُ أحَدُكم إلى المالِ فَيَجْعَلُهُ لِلذُّكُورِ مِن ولَدِهِ إنْ هَذا إلّا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾

الأنعام 6:140

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ وهُمُ العَرَبُ الَّذِينَ كانُوا يَقْتُلُونَ أوْلادَهم عَلى ما مَرَّ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يَئِدُ البَناتَ مِن رَبِيعَةَ ومُضَرَ أيْ هَلَكَتْ نُفُوسُهم بِاسْتِحْقاقِهِمْ عَلى ذَلِكَ العِقابَ أوْ ذَهَبَ دِينُهم وُدُنْياهم. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( قَتَّلُوا ) بِالتَّشْدِيدِ لِمَعْنى التَّكْثِيرِ أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ كَثِيرًا ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ لِخِفَّةِ عَقْلِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِصِفاتِ رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ ونُصِبَ ﴿سَفَهًا﴾ عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لَقَتَلُوا أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِهِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ ( سُفَهاءَ ) أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا صِفَةٌ أوْ حالٌ. ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِها ﴿افْتِراءً عَلى اللَّهِ﴾ نُصِبَ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ عُتُوِّهم وطُغْيانِهِمْ ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ عَنِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (140) إلَيْهِ وإنْ هُدُوا بِفُنُونِ الهِداياتِ أوْ ما كانُوا مُهْتَدِينَ مِنَ الأصْلِ والمُرادُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ الهِدايَةِ عَنْهم لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَقْتَضِي حُدُوثَ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فَأرْدَفَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الحالِ لِبَيانِ عَراقَتِهِمْ في الضَّلالِ وأنَّ ضَلالَهُمُ الحادِثَ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وصَرَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى ( ضَلُّوا ) عَلى الأوَّلِ واعْتِراضٌ عَلى الثّانِي وقَرَأ ابْنُ رَزِينٍ ( قَدْ ضَلُّوا قَبْلَ ذَلِكَ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ) .

الأنعام 6:141

﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ تَمْهِيدٌ لِما سَيَأْتِي مِن تَفْصِيلِ أحْوالِ الأنْعامِ وقالَ الإمامُ: إنَّهُ عَوْدٌ إلى ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ وهو إقامَةُ الدَّلائِلِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ أيْ وهو الَّذِي خَلَقَ وأظْهَرَ تِلْكَ الجَنّاتِ مِن غَيْرِ شَرِكَةٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ والمَعْرُوشاتُ مِنَ الكَرْمِ ما يُحْمَلُ عَلى العَرِيشِ وهو عِيدانٌ تُصْنَعُ كَهَيْئَةِ السَّقْفِ ويُوضَعُ الكَرْمُ عَلَيْها ﴿وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ وهي المُلْقَياتُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ الكَرْمِ أيْضًا وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المَعْرُوشاتِ وغَيْرَها كِلاهُما لِلْكَرْمِ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَعْرُوشَ ما يَحْتاجُ إلى أنْ يُتَّخَذَ لَهُ عَرِيشٌ يُحْمَلُ عَلَيْهِ فَيُمْسِكُهُ مِنَ الكَرْمِ وما يَجْرِي مَجْراهُ وغَيْرَ المَعْرُوشِ هو القائِمُ مِنَ الشَّجَرِ المُسْتَغْنِي بِاسْتِوائِهِ وقُوَّةِ ساقِهِ عَنِ التَّعْرِيشِ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْرُوشَ ما يَحْصُلُ في البَساتِينِ والعُمَراناتِ مِمّا يَغْرِسُهُ النّاسُ وغَيْرَ المَعْرُوشِ ما نَبَتَ في البَرارِي والجِبالِ وقِيلَ: المَعْرُوشُ العِنَبُ الَّذِي يُجْعَلُ لَهُ عَرِيشٌ وغَيْرُ المَعْرُوشِ كُلُّ ما يَنْبُتُ مُنْبَسِطًا عَلى وجْهِ الأرْضِ مِثْلَ القَرْعِ والبِطِّيخِ وقالَ عِصامُ الدِّينِ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالمَعْرُوشِ المَعْرُوشُ بِالطَّبْعِ كالأشْجارِ الَّتِي تَرْتَفِعُ وبِغَيْرِ المَعْرُوشِ ما يَنْبَسِطُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كالكَرْمِ ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ﴾ تَخْصِيصًا بَعْدَ التَّعْمِيمِ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْشَأهُما ﴿مُخْتَلِفًا﴾ في الهَيْئَةِ والكَيْفِيَّةِ ﴿أُكُلُهُ﴾ أيْ ثَمَرُهُ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنهُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ ﴿أُكُلُهُ﴾ بِسُكُونِ الكافِ وهو لُغَةٌ فِيهِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الرّاغِبِ والضَّمِيرُ إمّا أنْ يَرْجِعَ إلى أحَدِ المُتَعاطِفَيْنِ عَلى التَّعْيِينِ ويُعْلَمَ حُكْمُ الآخَرِ بِالمُقايَسَةِ إلَيْهِ أوْ إلى كُلِّ واحِدٍ عَلى البَدَلِ أوْ إلى الجَمِيعِ والضَّمِيرُ بِمَعْنى اسْمِ الإشارَةِ وعَنْ أبِي حَيّانَ أنَّ الضَّمِيرَ لا يَجُوزُ إفْرادُهُ مَعَ العَطْفِ بِالواوِ فالظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو ﴿الزَّرْعَ﴾ ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ حالُ النَّخْلِ لِدَلالَةِ هَذِهِ الحالِ عَلَيْها والتَّقْدِيرُ صفحة 38 والنَّخْلَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وجَوَّزَ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مُقَدَّرًا والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ ثَمَرُ جَنّاتٍ والحالُ المُشارُ إلَيْها عَلى كُلِّ حالٍ مُقَدَّرَةٌ إذْ لا اخْتِلافَ وقْتَ الإنْشاءِ. وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّها كَذَلِكَ إنْ لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ أيْ ثَمَرُ النَّخْلِ وحَبُّ الزَّرْعِ وحالٌ مُقارَنَةٌ إنْ قُدِّرَ. ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ أيْ أنْشَأهُما ﴿مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ أيْ يَتَشابَهُ بَعْضُ أفْرادِهِما في اللَّوْنِ أوِ الطَّعْمِ أوِ الهَيْئَةِ ولا يَتَشابَهُ في بَعْضِها وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: مُتَشابِهًا في المَنظَرِ وغَيْرَ مُتَشابِهٍ في المَطْعَمِ والنَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ ﴿كُلُوا﴾ أمْرُ إباحَةٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ ﴿مِن ثَمَرِهِ﴾ الكَلامُ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ عَلى طُرُزِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا ﴿إذا أثْمَرَ﴾ وإنْ لَمْ يَنْضَجْ ويَنِيعُ بَعْدُ فَفائِدَةُ التَّقْيِيدِ إباحَةُ الأكْلِ قَبْلَ الإدْراكِ وقِيلَ فائِدَتُهُ رُخْصَةُ المالِكِ في الأكْلِ مِنهُ قَبْلَ أداءِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى وهو اخْتِيارُ الجُبّائِيِّ وغَيْرِهِ. ﴿وآتُوا حَقَّهُ﴾ لِلَّذِي أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾ وهو عَلى ما في رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ العُشْرِ ونِصْفِ العُشْرِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وقَتادَةُ وطاوُسٌ وغَيْرُهم والظَّرْفُ قَيْدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِهَيْئَتِهِ مِنَ الوُجُوبِ لا لِما دَلَّ عَلَيْهِ بِمادَّتِهِ مِنَ الحَدَثِ إذْ لَيْسَ الأداءُ وقْتَ الحَصادِ والحَبُّ في سُنْبُلِهِ كَما يُفْهَمُ مِنَ الظّاهِرِ بَلْ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ والتَّصْفِيَةِ وادَّعى عَلِيُّ بْنُ عِيسى أنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ فَلا يَحْتاجُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْوِيلِ. وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ ما كانَ يُتَصَدَّقُ بِهِ يَوْمَ الحَصادِ بِطَرِيقِ الوُجُوبِ مِن غَيْرِ تَعْيِينِ المِقْدارِ ثُمَّ نُسِخَ بِالزَّكاةِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وغَيْرُهُما وقِيلَ: ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ لِأنَّها فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وأجابَ الإمامُ عَنْ ذَلِكَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الزَّكاةَ ما كانَتْ واجِبَةً في مَكَّةَ وكَوْنُ آياتِها مَدَنِيَّةً لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ أيْضًا وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ هَذا حَقٌّ في المالِ سِوى الزَّكاةِ وأخْرَجَ ابْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ إذا حَصَدْتَ فَحَضَرَكَ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم مِنَ السُّنْبُلِ فَإذا دُسْتَهُ فَحَضَرَكَ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم فَإذا ذَرَّيْتَهُ وجَمَعْتَهُ وعَرَفْتَ كَيْلَهُ فاعْزِلْ زَكاتَهُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حِصادِهِ ) بِكَسْرِ الحاءِ وهي لُغَةٌ فِيهِ وعَدَلَ عَنْ حَصْدِهِ وهو المَصْدَرُ المَشْهُورُ لِحَصْدٍ إلَيْهِ لِدَلالَتِهِ عَلى حَصْدٍ خاصٍّ وهو حَصْدُ الزَّرْعِ إذا انْتَهى وجاءَ زَمانُهُ كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ وأشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ أيْ لا تَتَجاوَزُوا الحَدَّ فَتَبْسُطُوا أيْدِيَكم كُلَّ البَسْطِ في الإعْطاءِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ جَذَّ نَخْلًا فَقالَ: لا يَأْتِيَنَّ اليَوْمَ أحَدٌ إلّا أطْعَمْتُهُ فَأطْعَمَ حَتّى أمْسى ولَيْسَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي العالِيَةِ. وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ في الأكْلِ قَبْلَ الحَصادِ كَيْلا يُؤَدِّيَ إلى بَخْسِ حَقِّ الفُقَراءِ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أنَّ المَعْنى لا تَمْنَعُوا الصَّدَقَةَ فَتَعْصُوا وقالَ الزُّهْرِيُّ: المَعْنى لا تُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى ويُرْوى نَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ أبُو قَيْسٍ ذَهَبًا فَأنْفَقَهُ رَجُلٌ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا ولَوْ أنْفَقَ دِرْهَمًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى كانَ مُسْرِفًا وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ لا تُشْرِكُوا الأصْنامَ في الحَرْثِ والأنْعامِ. والخِطابُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ لِأرْبابِ الأمْوالِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ الخِطابَ صفحة 39 لِلْوُلاةِ أيْ لا تَأْخُذُوا ما لَيْسَ لَكم بِحَقٍّ وتَضُرُّوا أرْبابَ الأمْوالِ واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ خِطابٌ لِلْجَمِيعِ مِن أرْبابِ الأمْوالِ والوُلاةِ أيْ لا يُسْرِفْ رَبُّ المالِ في الإعْطاءِ ولا الإمامُ في الأخْذِ والدَّفْعِ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ (141) بَلْ يَبْغُضُهم مِن حَيْثُ إسْرافِهِمْ ويُعَذِّبُهم عَلَيْهِ إنْ شاءَ جَلَّ شَأْنُهُ.

الأنعام 6:142

﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ حالِ الأنْعامِ وإبْطالِ ما تَقَوَّلُوا عَلى اللَّهِ تَعالى في شَأْنِها بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿جَنّاتٍ﴾ والجِهَةُ الجامِعَةُ إباحَةُ الِانْتِفاعِ بِهِما والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِإنْشاءٍ والحَمُولَةُ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ لا واحِدَ لَهُ كالرَّكُوبَةِ. والمُرادُ بِهِ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ مِنَ الأنْعامِ وبِالفَرْشِ ما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ ما يُفْرَشُ المَنسُوجُ مِن صُوفِهِ وشَعَرِهِ ووَبَرِهِ وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ ورُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وإلى الثّانِي ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وقِيلَ: الحَمُولَةُ لِلْكِبارِ الصّالِحَةِ لِلْحَمْلِ والفَرْشُ الصِّغارُ الدّانِيَةُ مِنَ الأرْضِ مِثْلُ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَكِنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ خَصَّ ذَلِكَ بِكِبارِ الإبِلِ وصِغارِها وهو إحْدى رِواياتٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وفي رِوايَةٍ أُخْرى الحَمُولَةُ الإبِلُ والخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ وكُلُّ شَيْءٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ والفَرْشُ الغَنَمُ ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ كُلُوا بَعْضَ ما رَزَقَكُمُ اللَّهُ تَعالى وهو الحَلالُ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ. والرِّزْقُ شامِلٌ لِلْحَلالِ والحَرامِ والمُعْتَزِلَةُ خَصُّوهُ بِالحَلالِ كَما تَقَدَّمَ أوائِلَ الكِتابِ وادَّعَوْا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أحَدُ أدِلَّتِهِمْ عَلى ذَلِكَ ورَكَّبُوا شَكْلًا مَنطِقِيًّا أجْزاؤُهُ سَهْلَةُ الحُصُولِ تَقْدِيرُهُ الحَرامُ لَيْسَ بِمَأْكُولٍ شَرْعًا وهو طاهِرٌ والرِّزْقُ ما يُؤْكَلُ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فالحَرامُ لَيْسَ بِرِزْقٍ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا إنَّما يُفِيدُ لَوْ صَدَقَ كُلُّ رِزْقٍ مَأْكُولٍ شَرْعًا والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ أمّا إذا كانَتْ تَبْعِيضِيَّةً فَظاهِرٌ وأمّا إنْ كانَتِ ابْتِدائِيَّةً فَلِأنَّهُ لَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى تَناوُلِ الجَمِيعِ وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ اسْتَحِلُّوا الأكْلَ مِمّا أعْطاكُمُ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ بِتَقْلِيدِ أسْلافِكُمُ المُجازِفِينَ في ذَلِكَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمُ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ طَرْقَهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِنهم بِإغْوائِهِ واسْتِتْباعِهِ إيّاهم ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (142) أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ فَقَدْ أخْرَجَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ وقالَ: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِن شَرِّهِ إنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. * * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ قائِلًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ أيِ القُوى النَّفْسانِيَّةُ ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ مِنَ الحَواسِّ والأعْضاءِ الظّاهِرَةِ أوْ مِنَ الصُّوَرِ الإنْسانِيَّةِ بِأنْ جَعَلْتُمُوهُمُ أتْباعَكم بِإغْوائِكم إيّاهم وتَزْيِينِ اللَّذائِذِ الجُسْمانِيَّةِ لَهم ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ وانْتَفَعَ كُلٌّ مِنّا في صُورَةِ الجَمْعِيَّةِ الإنْسانِيَّةِ بِالآخَرِ ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ بِالمَوْتِ أوِ المَعادِ عَلى أقْبَحِ الهَيْئاتِ وأسْوَأِ الأحْوالِ ﴿قالَ النّارُ﴾ أيْ نارُ الحِرْمانِ ووِجْدانُ الآلامِ ﴿مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ ولا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُ ولا يَعْلَمُ سُبْحانَهُ الشَّيْءَ إلّا عَلى ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ لا يُعَذِّبُكم إلّا بِهَيْئاتِ نُفُوسِكم عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِهاتِيكَ الهَيْئاتِ فَيُعَذِّبُ عَلى حَسَبِها ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ أيْ نَجْعَلُ بَعْضَهم ولِيَّ بَعْضٍ أوِ إلَيْهِ وقَرِينَهُ في العَذابِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ المَعاصِي حَسَبَ اسْتِعْدادِهِمْ. ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ وهي عِنْدَ كَثِيرٍ مِن أرْبابِ الإشارَةِ العُقُولِ وهي رُسُلٌ صفحة 40 خاصَّةٌ ذاتِيَّةٌ إلى ذَوِيِها مُصَحَّحَةٌ لِإرْسالِ الرُّسُلِ الآخَرِ وهي رُسُلٌ خارِجِيَّةٌ. وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ حَمَلَ الرَّسُولَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ عَلى العَقْلِ أيْضًا وهَذِهِ الأسْئِلَةُ عِنْدَ بَعْضِ المُؤَوِّلِينَ والأجْوِبَةُ والشَّهاداتُ كُلُّها بِلِسانِ الحالِ وإظْهارِ الأوْصافِ ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ أيِ الأبْدانِ أوِ القُلُوبِ ﴿بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ بَلْ يُنْبِهُّمْ بِالعَقْلِ وإرْشادِهِ إقامَةَ الحُجَّةِ ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾ مَراتِبُ في القُرْبِ والبُعْدِ ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ لِذاتِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ العامَّةِ الشّامِلَةِ فَخَلَقَ العِبادَ لِيَرْبَحُوا عَلَيْهِ لا لِيَرْبَحَ عَلَيْهِمْ والغَنِيُّ عِنْدَ الكَثِيرِ مُشِيرٌ إلى نَعْتِ الجَلالِ وذُو الرَّحْمَةِ إلى صِفَةِ الجَمالِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ لِغِناهُ الذّاتِيِّ عَنْكم ﴿ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ مِن أهْلِ طاعَتِهِ بِرَحْمَتِهِ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ جِهَتِكم مِنَ الِاسْتِعْدادِ ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ عَلى مَكانَتِي مِن ذَلِكَ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ﴾ في قُلُوبِ عِبادِهِ ﴿جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ كَكَرْمِ العِشْقِ والمَحَبَّةِ ﴿وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ وهي الصِّفاتُ الرُّوحانِيَّةُ الَّتِي جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلَيْها كالسَّخاءِ والوَفاءِ والعِفَّةِ والحِلْمِ والشَّجاعَةِ ﴿والنَّخْلَ﴾ أيْ نَخْلَ الإيمانِ ﴿والزَّرْعَ﴾ أيْ زَرْعَ إراداتِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿والزَّيْتُونَ﴾ أيْ زَيْتُونَ الإخْلاصِ ﴿والرُّمّانَ﴾ أيْ رُمّانَ شَجَرِ الإلْهامِ وقِيلَ: في كُلِّ غَيْرِ ذَلِكَ وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ وهو المُشاهَداتُ والمُكاشَفاتُ ﴿إذا أثْمَرَ وآتُوا﴾ المُرِيدِينَ ﴿حَقَّهُ﴾ وهو الإرْشادُ والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾ أوانَ وُصُولِكم فِيهِ إلى مَقامِ التَّمْكِينِ والِاسْتِقامَةِ ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ بِالكِتْمانِ عَنِ المُسْتَحِقِّينَ أوْ بِالشُّرُوعِ في الكَلامِ في غَيْرِ وقْتِهِ والدَّعْوَةِ قَبْلَ أوانِها ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ لا يَرْتَضِي فِعْلَهم ﴿ومِنَ الأنْعامِ﴾ أيْ قُوى الإنْسانِ ﴿حَمُولَةً﴾ ما هو مُسْتَعِدٌّ لِحَمْلِ الأمانَةِ وتَكالِيفِ الشَّرْعِ ﴿وفَرْشًا﴾ ما هو مُسْتَعِدٌّ لِإصْلاحِ القَلْبِ وقِيامِ البَشَرِيَّةِ ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ وهو مُخْتَلِفٌ فَرِزْقُ القَلْبِ هو التَّحْقِيقُ مِن حَيْثُ البُرْهانِ ورِزْقُ الرُّوحِ هو المَحَبَّةُ بِصِدْقِ التَّحَرُّزِ عَنِ الأكْوانِ ورِزْقُ السِّرِّ هو شُهُودُ العِرْفانِ بِلَحْظِ العِيانِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ بِالمَيْلِ إلى الشَّهَواتِ الفانِيَةِ والِاحْتِجابِ بِالسُّوى ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يُرِيدُ أنْ يَحْجُبَكم عَنْ مَوْلاكم واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِسُلُوكِ الرَّشادِ.

الأنعام 6:143

﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ الزَّوْجُ يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَرِينَيْنِ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى في الحَيَواناتِ المُتَزاوِجَةِ ويُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِهِما والمُرادُ بِهِ هُنا الأوَّلُ وإلّا كانَتْ أرْبَعَةً وإيرادُها بِهَذا العُنْوانِ وهَذا العَدَدِ أوْفَقُ لِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ و﴿ثَمانِيَةَ﴾ عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ بَدَلٌ مِن ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ مَنصُوبٌ بِما نَصَبَهُما وهو ظاهِرٌ عَلى تَفْسِيرِ الحَمُولَةِ والفَرْشِ بِما يَشْمَلُ الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ أمّا لَوْ خُصَّ ذَلِكَ بِالإبِلِ فَفِيهِ خَفاءٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وأنْشَأ ثَمانِيَةَ وأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جَنّاتٍ وحُذِفَ الفِعْلُ وحُرِفَ العَطْفُ وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ ووَجْهُهُ لا يَخْفى وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِكُلُوا الَّذِي قَبْلَهُ والتَّقْدِيرُ كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ وأنْ يَكُونَ حالًا مِن ما مُرادًا بِها الأنْعامُ ويُؤَوَّلُ بِنَحْوِ مُخْتَلِفَةٍ أوْ مُتَعَدِّدَةٍ لِيَكُونَ بَيانًا لِلْهَيْئَةِ وهو عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُ في الحالِ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا أوْ مُؤَوَّلًا بِهِ ظاهِرٌ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّهُ يَأْباهُ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِظُهُورِ أنَّهُ مَسُوقٌ لِتَوْضِيحِ حالِ الأنْعامِ بِتَفْصِيلِها أوَّلًا إلى حَمُولَةٍ وفَرْشٍ ثُمَّ تَفْصِيلُها إلى ثَمانِيَةِ أزْواجٍ حاصِلَةٍ مِن تَفْصِيلِ الأوَّلِ إلى الإبِلِ والبَقَرِ وتَفْصِيلِ الثّانِي إلى الضَّأْنِ والمَعْزِ ثُمَّ صفحة 41 تَفْصِيلِ كُلِّ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ إلى الذَّكَرِ والأُنْثى كُلُّ ذَلِكَ لِتَحْرِيرِ المَوادِّ الَّتِي تَقَوَّلُوا فِيها عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ثُمَّ تُبْكِيتُهم بِإظْهارِ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ في كُلِّ مادَّةٍ مِن تِلْكَ المَوادِّ بِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلَيْها مُفَصَّلَةً. انْتَهى. وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ عَلى مَعْنى زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الكَبْشِ والنَّعْجَةِ ونَصَبَ ﴿اثْنَيْنِ﴾ قِيلَ: عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ أوْ كُلٍّ مِن كُلٍّ إنْ لُوحِظَ العَطْفُ عَلَيْهِ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: الظّاهِرُ أنَّ ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأنْعامِ واثْنَيْنِ مِن ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ أوْ مِن ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ إنْ جَوَّزْنا أنْ يَكُونَ لِلْبَدَلِ بَدَلٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ البَدَلُ اثْنَيْنِ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ قُدِّمَتْ عَلَيْها. وقُرِئَ ( اثْنانِ ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ والجُمْلَةُ بَيانِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ والضَّأْنُ اسْمُ جِنْسٍ كالإبِلِ جَمْعُ ضَئِينٍ كَأمِيرٍ وكَعَبِيدٍ أوْ جَمْعُ ضائِنٍ كَتاجِرٍ وتُجُرٍ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو لُغَةٌ فِيهِ ﴿ومِنَ المَعْزِ﴾ زَوْجَيْنِ ﴿اثْنَيْنِ﴾ التَّيْسِ والعَنْزِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ العَيْنِ وهو جَمْعُ ماعِزٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ وحارِسٍ وحَرْسٍ وقَرَأ أُبَيٌّ ( ومِنَ المِعْزى ) وهو اسْمُ جَمْعِ مَعْزٍ وهَذِهِ الأزْواجُ الأرْبَعَةُ عَلى ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ تَفْصِيلٌ لِلْفَرْشِ قالَ: ولَعَلَّ تَقْدِيمَها في التَّفْصِيلِ مَعَ تَأخُّرٍ أصْلِها في الإجْمالِ لِكَوْنِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ عُرْضَةً لِلْأكْلِ الَّذِي هو مُعْظَمُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الحِلُّ والحُرْمَةُ وهو السِّرُّ في الِاقْتِصارِ عَلى الأمْرِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلِانْتِفاعِ بِالحَمْلِ والرُّكُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَرَّمُوهُ في السّائِبَةِ وأخَواتِها ومِنَ النّاسِ مِن عِلَلِ التَّقْدِيمِ بِأشْرَفِيَّةِ الغَنَمِ ولِهَذا رَعاها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو لا يُناسِبُ المَقامَ كَما لا يَخْفى ﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِعَجْزِهِمْ عَنِ الجَوابِ ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ ذَكَرَ الضَّأْنِ وذَكَرَ المَعْزِ ﴿حَرَّمَ﴾ اللَّهُ تَعالى ﴿أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ أُنْثى ذَيْنَكَ الصِّنْفَيْنِ ونَصَبَ الذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ بِحَرَّمَ ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ أمِ الَّذِي حَمَلَتْهُ إناثُ النَّوْعَيْنِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ أيْ أخْبِرُونِي بِأمْرٍ مَعْلُومٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ أوْ نَبِّئُونِي بِبَيِّنَةٍ مُتَلَبِّسَةٍ بِعِلْمٍ صادِرَةٍ عَنْهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (143) في دَعْوى التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والأمْرُ تَأْكِيدٌ لِلتَّبْكِيتِ وإظْهارُ الِانْقِطاعِ.

الأنعام 6:144

﴿ومِنَ الإبِلِ﴾ زَوْجَيْنِ ﴿اثْنَيْنِ﴾ الجَمَلِ والنّاقَةِ وهَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ والإبِلُ كَما قالَ الرّاغِبُ يَقَعُ في البُعْرانِ الكَثِيرَةِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ ويُجْمَعُ كَما في القامُوسِ عَلى آبالٍ والتَّصْغِيرُ أُبَيْلَةٌ. ﴿ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ هُما الثَّوْرُ وأُنْثاهُ ﴿قُلْ﴾ إفْحامًا لَهم في أمْرِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أيْضًا ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ اللَّهُ تَعالى مِنهُما ﴿أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ مِن ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ والمَعْنى كَما قالَ كَثِيرٌ مِن أجِلَةِ العُلَماءِ إنْكارٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ وإظْهارُ كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ وتَفْصِيلُ ما ذُكِرَ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ وما في بُطُونِها لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإيرادِ الإنْكارِ عَلى كُلِّ مادَّةٍ مِن صفحة 42 مَوادِّ افْتِرائِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ ذُكُورَ الأنْعامِ تارَةً وإناثَها تارَةً وأوْلادَها كَيْفَما كانَتْ تارَةً أُخْرى مُسْنَدِينَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنَّما لَمْ يَلِ المُنَكَّرَ وهو التَّحْرِيمُ الهَمْزَةُ والجارِي في الِاسْتِعْمالِ أنَّ ما نُكِّرَ ولِيَها لِأنَّ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغَ. وبَيانُهُ عَلى ما قالَهُ الكِسائِيُّ أنَّ إثْباتَ التَّحْرِيمِ يَسْتَلْزِمُ إثْباتَ مَحَلِّهِ لا مَحالَةَ فَإذا انْتَفى مَحَلُّهُ وهو المَوارِدُ الثَّلاثَةُ لَزِمَ انْتِفاءُ التَّحْرِيمِ عَلى وجْهٍ بُرْهانِيٍّ كَأنَّهُ وُضِعَ الكَلامُ مَوْضِعَ مَن سَلَّمَ أنَّ ذَلِكَ قَدْ كانَ ثُمَّ طالَبَهُ بِبَيانِ مَحَلٍّ كَيْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ ويَفْتَضِحَ عِنْدَ المُحاقَّةِ وإنَّما يُورِدُ سُبْحانَهُ الأمْرَ عَقِيبَ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ بِأنْ يُقالَ: قُلْ آلذُّكُورَ حَرَّمَ أمِ الإناثَ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الإناثِ لِما في التَّكْرِيرِ مِنَ المُبالَغَةِ أيْضًا في الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ. ونَقَلَ الإمامُ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُحَرِّمُونَ بَعْضَ الأنْعامِ فاحْتَجَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى إبْطالِ ذَلِكَ بِأنَّ لِلضَّأْنِ والمَعْزِ والإبِلِ والبَقَرِ ذَكَرًا وأُنْثى فَإنْ كانَ قَدْ حَرَّمَ سُبْحانَهُ مِنها الذَّكَرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ذُكُورِها حَرامًا وإنْ كانَ حَرَّمَ جَلَّ شَأْنُهُ الأُنْثى وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ إناثِها حَرامًا وإنْ كانَ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الإناثِ وجَبَ تَحْرِيمُ الأوْلادِ كُلِّها لِأنَّ الأرْحامَ تَشْتَمِلُ عَلى الذَّكَرِ والإناثِ. وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ هَذِهِ الأجْناسَ الأرْبَعَةَ مَحْصُورَةٌ في الذُّكُورِ والإناثِ إلّا أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ تَكُونَ عِلَّةَ تَحْرِيمِ ما حَكَمُوا بِتَحْرِيمِهِ مَحْصُورَةً في الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ بَلْ عِلَّةُ تَحْرِيمِها كَوْنُها بَحِيرَةً أوْ سائِبَةً أوْ وصِيلَةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِباراتِ كَما إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ ذَبْحَ بَعْضِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ الأكْلِ فَإذا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحَيَوانَ إنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ ذَكَرًا وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ وإنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ أُنْثى وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ أُنْثى ولَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا الكَلامُ لازِمًا عَلَيْهِ فَكَذا هو الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ثُمَّ ذَكَرَ في الآيَةِ وجْهَيْنِ مِن عِنْدِهِ وفِيما ذَكَرْنا غَنًى عَنْ نَقْلِهِما. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ مِنَ الِاثْنَيْنِ في الضَّأْنِ والمَعْزِ والبَقَرِ الأهْلِيِّ والوَحْشِيِّ وفي الإبِلِ العَرَبِيِّ والبُخْتِيِّ وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ وما رُوِيَ عَنْ لَيْثِ بْنِ سُلَيْمٍ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ: إنَّهُ المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَذِبٌ لا أصْلَ لَهُ وهو شَنْشَنَةٌ أعْرِفُها مِن أخْزَمَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْإفْحامِ والتَّبْكِيتِ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ والمُرادُ بَلْ أكُنْتُمْ حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ ﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أمَرَكم وألْزَمَكم ﴿بِهَذا﴾ التَّحْرِيمِ إذِ العِلْمُ بِذَلِكَ إمّا بِأنْ يَبْعَثَ سُبْحانَهُ رَسُولًا يُخْبِرُكم بِهِ وإمّا بِأنَّ تُشاهِدُوا اللَّهَ تَعالى وتَسْمَعُوا كَلامَهُ جَلَّ شَأْنُهُ فِيهِ والأوَّلُ مُنافٍ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ لِأنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِرَسُولٍ فَيَتَعَيَّنُ المُشاهَدَةُ والسَّماعُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم وذَلِكَ مُحالٌ فَفي هَذا ما لا يَخْفى مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَنُسِبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ تَحْرِيمُ ما لَمْ يُحَرِّمْ والمُرادُ بِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَمْرُو بْنُ لِحَيِّ بْنِ قَمِئَةَ الَّذِي بَحَّرَ البَحائِرَ وسَيَّبَ السَّوائِبَ وتَعَمَّدَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: كُبَراؤُهُمُ المُقَرِّرُونَ لِذَلِكَ وقِيلَ: الكُلُّ لِاشْتِراكِهِمْ في الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والمُرادُ فَأيُّ فَرِيقٍ أظْلَمُ مِمَّنْ .. إلَخْ. واعْتُرِضَ بِأنَّ قَيْدَ التَّعَمُّدِ مُعْتَبَرٌ في مَعْنى الِافْتِراءِ ومَن تابَعَ عَمْرًا مِنَ الكُبَراءِ يُحْتَمَلُ أنَّهُ أخْطَأ في تَقْلِيدِهِ فَلا يَكُونُ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ فَلا يَنْبَغِي تَفْسِيرُ المَوْصُولِ بِهِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ صفحة 43 ما بَعْدُ عَلى ما سَبَقَ مِن تَبْكِيتِهِمْ وإظْهارُ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ ونَصَبَ ﴿كَذِبًا﴾ قِيلَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ وجَعَلَهُ حالًا أيْ كَذِبًا جَوَّزَهُ بَعْضُ كُمَّلِ المُتَأخِّرِينَ وهو بَعِيدٌ لا خَطَأٌ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ. ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِافْتِراءِ بِغَيْرِ عِلْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( افْتَرى ) أيِ افْتَرى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ جاهِلًا بِصُدُورِ التَّحْرِيمِ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ وإنَّما وُصِفَ بِعَدَمِ العِلْمِ مَعَ أنَّ المُفْتَرِيَ عالِمٌ بِعَدَمِ الصُّدُورِ إيذانًا بِخُرُوجِهِ في الظُّلْمِ عَنِ الحُدُودِ والنِّهاياتِ فَإنَّ مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهُ جَلَّ جَلالُهُ مَعَ احْتِمالِ صُدُورِهِ إذا كانَ في تِلْكَ الغايَةِ مِنَ الظُّلْمِ فَما الظَّنُّ بِمَنِ افْتَرى وهو يَعْلَمُ عَدَمَ الصُّدُورِ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن فاعِلِ ( يَضِلُّ ) عَلى مَعْنى مُتَلَبِّسًا بِغَيْرِ عِلْمٍ بِما يُؤَدِّي بِهِ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ أنَّهُ عَمِلَ عَمَلَ القاصِدِ إضْلالَ النّاسِ مِن أجْلِ دُعائِهِمُ إلى ما فِيهِ الضَّلالُ وإنْ لَمْ يَقْصِدِ الإضْلالَ وكانَ جاهِلًا بِذَلِكَ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ وهو ظاهِرٌ في أنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ ولَهُ وجْهٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ ( النّاسِ ) وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ وأبْلَغُ في الذَّمِّ واسْتَدَلَّ القاضِي بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإضْلالَ عَنِ الدِّينِ مَذْمُومٌ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا ذَمَّ الإضْلالَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلّا تَحْرِيمُ المُباحِ فالَّذِي هو أعْظَمُ مِنهُ أوْلى بِالذَّمِّ وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما كانَ مَذْمُومًا مِنَ الخَلْقِ كانَ مَذْمُومًا مِنَ الخالِقِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (144) إلى طَرِيقِ الحَقِّ وقِيلَ: إلى دارِ الثَّوابِ لِاسْتِحْقاقِهِمُ العِقابَ واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ القاضِي بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ عَلى أُصُولِنا أيْضًا وقِيلَ: إلى ما فِيهِ صَلاحُهم عاجِلًا وآجِلًا وهو أتَمُّ فائِدَةً وأنْسَبُ بِحَذْفِ المَعْمُولِ ونَفْيُ الهِدايَةِ عَنِ الظّالِمِ يَسْتَدْعِي نَفْيَها عَنِ الأظْلَمِ مِن بابِ أوْلى.

الأنعام 6:145

﴿قُلْ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إلْزامِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وبَيانِ أنَّ ما يَتَقَوَّلُونَهُ في أمْرِ التَّحْرِيمِ افْتِراءٌ بَحْتٌ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ .. إلَخْ. كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الوُجُودِ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ طَرِيقَ التَّحْرِيمِ لَيْسَ إلّا التَّنْصِيصُ مِنَ اللَّهِ تَعالى دُونَ التَّشَهِّي والهَوى وتَنْبِيهٌ كَما قِيلَ عَلى أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الحِلُّ و﴿مُحَرَّمًا﴾ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ وقَدْ قامَ مَقامَهُ بَعْدَ حَذْفِهِ فَهو مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأجِدُ ومَفْعُولُهُ الثّانِي ﴿فِي ما أُوحِيَ﴾ قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ لا لِأنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ نَكِرَةٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ عامَّةٌ بِالنَّفْيِ فَلا يَجِبُ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ بِالظَّرْفِ ولَيْسَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا أيْ لا أجِدُ رَيْثَما تَصَفَّحْتُ ما أُوحِيَ إلَيَّ قُرْآنًا وغَيْرَهُ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنْ أُنْزِلَ إلَيَّ ( أُوحِيَ ) أوْ ما أُوحِيَ إلَيَّ مِنَ القُرْآنِ طَعامًا مُحَرَّمًا مِنَ المَطاعِمِ الَّتِي حَرَّمْتُمُوها ﴿عَلى طاعِمٍ﴾ أيِّ طاعِمٍ كانَ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ: ”( مُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا )“ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطْعَمُهُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِطاعِمٍ جِيءَ بِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿طائِرٍ يَطِيرُ﴾ قَطْعًا لِلْمَجازِ وقُرِئَ ( يُطَعِّمُهُ ) بِالتَّشْدِيدِ وكَسْرِ العَيْنِ والأصْلُ يَطَتَعَمَّهُ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً وأُدْغِمَتْ فِيها الأوْلى والمُرادُ بِالطَّعْمِ تَناوُلُ الغِذاءِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ طَعَمَ في الشَّرابِ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلَيْهِ والمُتَبادَرُ هُنا الأوَّلُ وقَدْ يُرادُ بِهِ مُطْلَقُ النَّفْعِ ومِنهُ ما في حَدِيثِ بَدْرٍ ما قَتَلْنا أحَدًا بِهِ طَعْمٌ ما قَتَلْنا الأعْجازَ صَلَعًا أيْ قَتَلْنا مَن لا مَنفَعَةَ لَهُ ولا اعْتِدادَ بِهِ وإرادَةُ هَذا المَعْنى هُنا بَعِيدٌ جِدًّا ولَمْ أرَ مَن قالَ بِهِ نَعَمْ قِيلَ: المُرادُ سائِرُ أنْواعِ التَّناوُلاتِ صفحة 44 مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولَعَلَّ إرادَةَ غَيْرِ الأكْلِ فِيهِ بِطَرِيقِ القِياسِ وكَذا حُمِلَ الطّاعِمُ عَلى الواجِدِ مِن قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ طاعِمٌ أيْ حَسَنُ الحالِ مَرْزُوقٌ وإبْقاءُ ( يَطْعَمُهُ ) عَلى ظاهِرِهِ أيْ عَلى واجِدٍ يَأْكُلُهُ فَلا يَكُونُ الوَصْفُ حِينَئِذٍ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ. ﴿إلا أنْ يَكُونَ﴾ ذَلِكَ الطَّعامُ أوِ الشَّيْءُ المُحَرَّمُ ﴿مَيْتَةً﴾ المُرادُ بِها ما لَمْ يُذْبَحْ ذَبْحًا شَرْعِيًّا فَيَتَناوَلُ المُنْخَنِقَةَ ونَحْوَها وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ ( تَكُونَ ) بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ﴿يَكُونَ مَيْتَةً﴾ بِالياءِ ورَفْعِ مَيْتَةٍ وأبُو جَعْفَرٍ يُشَدِّدُ أيْضًا عَلى أنَّ كانَ هي التّامَّةُ ﴿أوْ دَمًا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿مَيْتَةً﴾ أوْ عَلى ما في حَيِّزِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَسْفُوحًا﴾ أيْ مَصْبُوبًا سائِلًا كالدَّمِ في العُرُوقِ صِفَةٌ لَهُ خَرَجَ بِهِ الدَّمُ الجامِدُ كالكَبِدِ والطِّحالِ وفي الحَدِيثِ «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ السَّمَكُ والجَرادُ ودَمانِ الكَبِدُ والطِّحالُ» وقَدْ رُخِّصَ في دَمِ العُرُوقِ بَعْدَ الذَّبْحِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: لَوْلا هَذا القَيْدُ لاتَّبَعَ المُسْلِمُونَ مِنَ العُرُوقِ ما اتَّبَعَ اليَهُودُ. ﴿أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ﴾ أيِ اللَّحْمُ كَما قِيلَ لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ أوِ الخِنْزِيرُ لِأنَّهُ الأقْرَبُ ذِكْرًا وذُكِرَ اللَّحْمُ لِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنهُ فَإذا حَرُمَ فَغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى وقِيلَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ: الضَّمِيرُ لِكُلٍّ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ عَلى مَعْنى فَإنَّ المَذْكُورَ ﴿رِجْسٌ﴾ أيْ قَذِرٌ أوْ خَبِيثٌ مُخْبَثٌ ﴿أوْ فِسْقًا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ عَلى ما اخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُعْرِبِينَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِلْحُرْمَةِ ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُوَضِّحَةٌ وأصْلُ الإهْلالِ رَفْعُ الصَّوْتِ والمُرادُ الذَّبْحُ عَلى اسْمِ الأصْنامِ وإنَّما سُمِّيَ ذَلِكَ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في الفِسْقِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( فِسْقًا ) مَفْعُولًا لَهُ لِأُهِلَّ وهو عُطِفَ عَلى ( يَكُونَ ) و( بِهِ ) قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ المُسْتَكِنُ في ( يَكُونَ ) . قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذا إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا والنَّظْمُ عَلَيْهِ خارِجٌ عَنِ الفَصاحَةِ وغَيْرُ جائِزٍ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ( إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةٌ ) بِالرَّفْعِ لِأنَّ ضَمِيرَ ( بِهِ ) لَيْسَ لَهُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُتَكَلَّفَ لَهُ مَوْصُوفٌ مَحْذُوفٌ يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ أيْ شَيْءٌ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ الشُّعَراءِ. اهـ. وعَنى بِذَلِكَ كَما قالَ الحَلَبِيُّ إنَّهُ لا يُحْذَفُ المَوْصُوفُ والصِّفَةُ جُمْلَةً إلّا إذا كانَ في الكَلامِ مِنِ التَّبْعِيضِيَّةُ نَحْوَ مِنّا أقامَ ومِنّا ظَعَنَ أيْ فَرِيقٌ أقامَ وفَرِيقٌ ظَعَنَ فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن كانَ ضَرُورَةً كَقَوْلِهِ. تَرْمِي بِكَفِّي كانَ مِن أرَمى البَشَرِ أرادَ بِكَفَّيْ رَجُلٍ كانَ .. إلَخْ. وهَذا كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ رَأْيُ بَعْضٍ وأمّا غَيْرُهُ فَيَقُولُ: مَتى دَلَّ دَلِيلٌ عَلى المَوْصُوفِ حُذِفَ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ أنْ يَرى المُجَوِّزُ هَذا الرَّأْيَ ومَنَعَهُ مِن حَيْثُ رَفْعِ المَيْتَةِ كَما قالَ السَّفاقِسِيُّ فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى ما يَعُودُ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ النَّصْبِ والرَّفْعُ لا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ نَعَمِ الإعْرابُ الأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ أصابَتْهُ الضَّرُورَةُ الدّاعِيَةُ إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أيْ طالِبٍ ما لَيْسَ لَهُ طَلَبُهُ بِأنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِن مُضْطَرٍّ آخَرَ مِثْلِهِ وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: أيْ غَيْرُ مُتَناوِلٍ لِلَّذَّةِ وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ عَلى إمامٍ ﴿ولا عادٍ﴾ أيْ مُتَجاوِزٌ قَدْرَ صفحة 45 الضَّرُورَةِ ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (145) مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ وهَذا جَزاءُ الشَّرْطِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ لازِمِ مَعْناهُ وهو عَدَمُ المُؤاخَذَةِ وبَعْضُهم قالَ بِتَقْدِيرِ جَزاءٍ يَكُونُ هَذا تَعْلِيلًا لَهُ ولا حاجَةَ إلَيْهِ. ونُصِبَ ( غَيْرَ ) عَلى أنَّهُ حالٌ وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ ولَيْسَ التَّقْيِيدُ بِالحالِ الأُولى لِبَيانِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدِ القَيْدُ بِالمَعْنى السّابِقِ لَتَحَقَّقَتِ الحُرْمَةُ المَبْحُوثُ عَنْها بَلْ لِلتَّحْذِيرِ مِن حَرامٍ آخَرَ وهو أخْذُهُ حَقَّ مُضْطَرٍّ آخَرَ فَإنَّ مَن أخَذَ لَحْمَ مَيْتَةٍ مَثَلًا مِن مُضْطَرٍّ آخَرَ فَأكَلَهُ فَإنَّ حُرْمَتَهُ لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ لَحْمَ المَيْتَةِ بَلْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حَقًّا لِلْمُضْطَرِّ الآخَرِ وأمّا الحالُ الثّانِيَةُ فَلِتَحْقِيقِ زَوالِ الحُرْمَةِ المَبْحُوثِ عَنْها قَطْعًا فَإنَّ التَّجاوُزَ عَنِ القَدْرِ الَّذِي يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ حَرامٌ مِن حَيْثُ أنَّهُ لَحْمُ المَيْتَةِ. وفِي التَّعَرُّضِ لِوَصْفَيِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إيذانٌ بِأنَّ المَعْصِيَةَ باقِيَةٌ لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفُلْ واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّها حَصَرَتِ المُحَرَّماتِ مِنَ المَطْعُوَماتِ في أرْبَعَةٍ المَيْتَةِ والدَّمِ المَسْفُوحِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ والفِسْقِ الَّذِي أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِ ولا شَكَّ أنَّها أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى لا أجِدُ مُحَرَّمًا مِمّا كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَهُ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ اسْتِثْناءُ الأرْبَعَةِ مِنهُ مُنْقَطِعًا أيْ لا أجِدُ ما حَرَّمُوهُ لَكِنْ أجِدُ الأرْبَعَةَ مُحَرَّمَةً وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحَصْرِ والِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ لَيْسَ كالمُتَّصِلِ في الحَصْرِ كَما نَبَّهُوا عَلَيْهِ وهو مِمّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ. فَإنْ قُلْتَ: المُسْتَثْنى لَيْسَ مَيْتَةً بَلْ كَوْنُهُ مَيْتَةً وذَلِكَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الطَّعامِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا لا مَحالَةَ فَلا حاجَةَ إلى ذَلِكَ التَّقْيِيدِ قالَ القُطْبُ: نَعَمْ كَذَلِكَ إلّا أنَّ المَقْصُودَ إخْراجُ المَيْتَةِ مِنَ الطَّعامِ المُحَرَّمِ يَعْنِي لا أجِدُ مُحَرَّمًا إلّا المَيْتَةَ فَلَوْلا التَّقْيِيدُ كانَ في الحَقِيقَةِ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا ووَرَدَ الإشْكالُ وضَعُفَ ذَلِكَ الجَوابُ بِأوْجُهٍ مِنها أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وإنَّما تُفِيدُ الحَصْرَ وقالَ سُبْحانَهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وأمّا المُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ وغَيْرُهُما فَهي أقْسامُ المَيْتَةِ وإنَّما أُعِيدَتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم كانُوا يَحْكُمُونَ عَلَيْها بِالتَّحْلِيلِ فالآيَتانِ تَدُلّانِ عَلى أنْ لا مُحَرَّمَ إلّا لِأرْبَعَةٍ وحِينَئِذٍ يَجِبُ القَوْلُ بِدَلالَةِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها عَلى الحَصْرِ لِتُطابِقَ ذَلِكَ وأنْ لا تَقْيِيدَ مَعَ أنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّقْيِيدِ. وأُجِيبَ عَنِ الإشْكالِ بِأنَّ الآيَةَ إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ إلى تِلْكَ الغايَةِ مُحَرَّمًا غَيْرَ ما نُصَّ عَلَيْهِ فِيها وذَلِكَ لا يُنافِي وُرُودَ التَّحْرِيمِ في شَيْءٍ آخَرَ قِيلَ: وحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ أوْ أعَمِّ الأحْوالِ مُفَرَّغًا بِمَعْنى لا أجِدُ شَيْئًا مِنَ المَطاعِمِ مُحَرَّمًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أوْ حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في وقْتِ أوْ حالِ كَوْنِ الطَّعامِ أحَدَ الأرْبَعَةِ فَإنِّي أجِدُ حِينَئِذٍ مُحَرَّمًا فالمَصْدَرُ المُتَحَصَّلُ مِن أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ أوِ الهَيْئَةِ واعْتَرَضَ الإمامُ هَذا الجَوابَ بِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ مِنَ الآياتِ نَزَلَ بَعْدَ اسْتِقْرارِ الشَّرِيعَةِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها لَيْسَ إلّا حَصْرَ صفحة 46 المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأشْياءِ وبِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِمُقْتَضى ذَلِكَ حَصْرُ المُحَرَّماتِ في الأرْبَعَةِ كانَ هَذا اعْتِرافًا بِحِلِّ ما سِواها والقَوْلُ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ خامِسٍ يَكُونُ نَسْخًا ولا شَكَّ أنَّ مَدارَ الشَّرِيعَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ احْتِمالُ طَرِيّانِ النَّسْخِ مُعادِلًا لِاحْتِمالِ بَقاءِ الحُكْمِ عَلى ما كانَ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنَ النُّصُوصِ في إثْباتِ شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ كانَ ثابِتًا إلّا أنَّهُ زالَ وما قِيلَ في الِاسْتِثْناءِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ مِن أنْ والفِعْلِ لا يُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا يَقَعُ حالًا لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ وبَعْضُهم قالَ لِاتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ: إنَّ التَّقْدِيرَ إلّا المَوْصُوفَ بِأنْ يَكُونَ أحَدَ الأرْبَعَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿مُحَرَّمًا﴾ وفِيهِ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ وقِيلَ التَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ إلّا وُجُودَ مَيْتَةٍ والإضافَةُ فِيهِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيْ مَيْتَةٌ مَوْجُودَةٌ. وأُجِيبَ أيْضًا عَنِ الإشْكالِ بِأنَّ الآيَةَ وإنْ دَلَّتْ عَلى الحَصْرِ إلّا أنّا نُخَصِّصُها بِالإخْبارِ وتَعَقَّبَهُ الإمامُ أيْضًا بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن بابِ التَّخْصِيصِ بَلْ هو صَرِيحُ النَّسْخِ لِأنَّها لَمّا كانَ مَعْناها أنْ لا مُحَرَّمَ سِوى الأرْبَعَةِ فِإثْباتُ مُحَرَّمٍ آخَرَ قَوْلٌ بِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ وهو رَفْعٌ لِلْحَصْرِ ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ غَيْرُ جائِزٍ وأجابَ ذَلِكَ عَنِ القُطْبِ الرّازِيِّ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْحَصْرِ ها هُنا إلّا أنَّ الأرْبَعَةَ مُحَرَّمَةٌ وما عَداها لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وهَذا عامٌّ فَإثْباتُ مُحَرَّمٍ آخَرَ تَخْصِيصٌ لِهَذا العامِّ وتَخْصِيصُ العامِّ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ وقَدِ احْتَجَّ بِظاهِرِ الآيَةِ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ فَأباحُوا ما عَدا المَذْكُورَ فِيها فَمِن ذَلِكَ الحُمُرُ الأهْلِيَّةُ أخْرَجَ البُخارِيُّ «عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ فَقالَ: قَدْ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَكِنْ أبى ذَلِكَ البَحْرُ يَعْنِي ابْنَ عَبّاسٍ وقَرَأ ﴿قُلْ لا أجِدُ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ». وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ سُئِلَ عَنْ أكْلِ القُنْفُذِ فَقَرَأ الآيَةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها كانَتْ إذا سُئِلَتْ عَنْ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ قالَتْ ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ .. إلَخْ. وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ لَيْسَ مِنَ الدَّوابِّ شَيْءٌ حَرامٌ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ الآيَةَ وقَوّى الإمامُ الرّازِيُّ القَوْلَ بِالظّاهِرِ فَإنَّهُ قالَ بَعْدَ كَلامٍ فَثَبَتَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ قُوَّةُ هَذا الكَلامِ وصِحَّةُ هَذا المَذْهَبِ وهو الَّذِي كانَ يَقُولُ بِهِ مالِكُ بْنُ أنَسٍ ثُمَّ قالَ ومِنَ السُّؤالاتِ الصَّعْبَةِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَهاءِ خَصُّوا عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ بِما نُقِلَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «ما اسْتَخْبَثَتْهُ العَرَبُ فَهو حَرامٌ» وقَدْ عُلِمَ أنَّ الَّذِي تَسْتَخْبِثُهُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ فَسَيِّدُ العَرَبِ بَلْ سَيِّدُ العالِمِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَمّا رَآهم يَأْكُلُونَ الضَّبَّ قالَ: يَعافُهُ طَبْعِي» ولَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِتَحْرِيمِهِ وأمّا سائِرُ العَرَبِ فَفِيهِمْ مَن لا يَسْتَقْذِرُ شَيْئًا وقَدْ يَخْتَلِفُونَ في بَعْضِ الأشْياءِ فَيَسْتَقْذِرُها قَوْمٌ ويَسْتَطِيبُها آخَرُونَ فَعُلِمَ أنَّ أمْرَ الِاسْتِقْذارِ غَيْرُ مَضْبُوطٍ بَلْ هو مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ والأحْوالِ فَكَيْفَ يَجُوزُ نَسْخُ هَذا النَّصِّ القاطِعِ بِذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ضابِطٌ مُعَيَّنٌ ولا قانُونٌ مَعْلُومٌ. انْتَهى. ولا يَخْفى ما فِيهِ. واسْتَدَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ عَلى أنَّهُ إنَّما حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أكْلُها وأنَّ جِلْدَها يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ أخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «ماتَتْ شاةٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ أخَذْتُمْ مَسْكَها فَقالَتْ نَأْخُذُ مَسْكَ شاةٍ قَدْ ماتَتْ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ لا أجِدُ صفحة 47 فِي ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ وإنَّكم لا تَطْعَمُونَهُ أنْ تَدْبُغُوهُ تَنْتَفِعُوا بِهِ» . واسْتَدَلَّ الشّافِعِيَّةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ عَلى نَجاسَةِ الخِنْزِيرِ بِناءً عَلى عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى خِنْزِيرٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ

الأنعام 6:146

﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ أيِ اليَهُودُ خاصَّةً لا عَلى مَن عَداهم مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ أيْ لَيْسَ مُنْفَرِجِ الأصابِعِ كالإبِلِ والنَّعامِ والأوِزِّ والبَطِّ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جَرِيرٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ الإبِلُ فَقَطْ وقالَ الجُبّائِيُّ: يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ السِّباعِ والكِلابِ والسَّنانِيرِ وما يَصْطادُ بِظُفُرِهِ وعَنِ القُتَبِيِّ والبَلْخِيِّ أنَّهُ ذُو المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ وذُو الحافِرِ مِنَ الدَّوابِّ وسُمِّي الحافِرُ ظُفُرًا مَجازًا واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الإمامُ ولَعَلَّ المُسَبَّبَ عَنِ الظُّلْمِ هو تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ لِأنَّ البَعْضَ كانَ حَرامًا قَبْلَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ كُلُّ ذِي ظُفُرٍ حَلالٍ بِقَرِينَةِ ﴿حَرَّمْنا﴾ وهَذا كَما قِيلَ تَحْقِيقٌ لِما سَلَفَ مِن حَصْرِ المُحَرَّماتِ فِيما فَصَّلَ بِإبْطالِ ما يُخالِفُهُ مِن فِرْيَةِ اليَهُودِ وتَكْذِيبِهِمْ في ذَلِكَ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ حَتّى انْتَهى التَّحْرِيمُ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ذَلِكَ تَتْمِيمٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّ فِيهِ رَفْعٌ أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ حَرَّمَ البُحَيْرَةَ والسّائِبَةَ ونَحْوَهُما بِأنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى اليَهُودِ خاصَّةً غَضَبًا عَلَيْهِمْ: وقَرَأ الحَسَنُ ( ظِفْرٍ ) بِكَسْرِ الظّاءِ وسُكُونِ الفاءِ وقَرَأ أبُو السِّماكِ بِكَسْرِهِما وقُرِئَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ ( ظُفْرٍ ) بِضَمِّ الظّاءِ وسُكُونِ الفاءِ. ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لا لُحُومَهُما فَإنَّها باقِيَةٌ عَلى الحِلِّ والمُرادُ بِالشُّحُومِ ما يَكُونُ عَلى الأمْعاءِ والكِرْشِ مِنَ الشَّحْمِ الرَّقِيقِ وشُحُومُ الكُلى وقِيلَ: هو عامٌّ اسْتُثْنِيَ مِنهُ ما سَيَأْتِي و( مِنَ البَقَرِ ) مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمْنا بَعْدَهُ وكانَ يَكْفِي حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: الشُّحُومُ لَكِنَّهُ أُضِيفَ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ والتَّأْكِيدِ كَما يُقالُ: أخَذْتُ مِن زَيْدٍ مالَهُ وهو مُتَعارَفٌ في كَلامِهِمْ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وظاهِرُ صَنِيعِهِ اخْتِيارُهُ مَعَ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ أنَّ ( مِنَ البَقَرِ ) عُطِفَ عَلى ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ عَلى مَعْنى وبَعْضَ البَقَرِ وجَعَلَ ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ تَبْيِينًا لِلْمُحَرَّمِ مِن ذَلِكَ وحِينَئِذٍ الإضافَةُ لِلرَّبْطِ المُحْتاجِ إلَيْهِ. ﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ أيْ ما عَلِقَ بِظُهُورِهِما والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ مِنَ الشُّحُومِ وإلى الِانْقِطاعِ ذَهَبَ الإمامُ الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلَ شَحْمًا يَحْنَثُ بِشَحْمِ البَطْنِ فَقَطْ وخالَفَهُ في ذَلِكَ صاحِباهُ فَقالا يَحْنَثُ بِشَحْمِ الظَّهْرِ أيْضًا لِأنَّهُ شَحْمٌ وفِيهِ خاصِّيَّةُ الذَّوْبِ بِالنّارِ وأيَّدَ ذَلِكَ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ فِيهِ الِاتِّصالُ ولِلْإمامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً لِأنَّهُ يَنْشَأُ مِنَ الدَّمِ ويُسْتَعْمَلُ كاللَّحْمِ في اتِّخاذِ الطَّعامِ والقَلايا ويُؤْكَلُ كاللَّحْمِ ولا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِالشَّحْمِ ولِهَذا يَحْنَثُ بِأكْلِهِ لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وبائِعُهُ يُسَمّى لَحّامًا لا شَحّامًا والِاتِّصالُ وإنْ كانَ أصْلًا في الِاسْتِثْناءِ إلّا أنَّ هُنا ما يَدُلُّ عَلى الِانْقِطاعِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ الحَوايا﴾ فَإنَّهُ عُطِفَ عَلى المُسْتَثْنى ولَيْسَ بِشَحْمٍ بَلْ هو بِمَعْنى المَباعِرِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما أوِ المَرابِضِ وهي نَباتُ اللَّبَنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوِ المَصارِينُ والأمْعاءُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ ولِلْقائِلِ بِالِاتِّصالِ أنْ يَقُولَ العَطْفُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ شُحُومُ الحَوايا أوْ يُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِما حَمَلَهُ ( الحَوايا ) مِن شَحْمٍ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُفَسَّرَ ( الحَوايا ) بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الأمْعاءُ لِأنَّهُ مِن حَواهُ بِمَعْنى اشْتَمَلَ عَلَيْهِ فَيُطْلَقُ عَلى الشَّحْمِ المُلْتَفِّ صفحة 48 عَلى الأمْعاءِ وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ﴿ظُهُورُهُما﴾ وأنْ يَكُونَ عَلى ﴿شُحُومَهُما﴾ وحِينَئِذٍ يَكُونُ ما ذُكِرَ مُحَرَّمًا وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ وهو يَعْطِفُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ وهي شَحْمُ الإلْيَةِ لِاتِّصالِها بِالعُصْعُصِ وقِيلَ هو المُخُّ ولا يَقُولُ أحَدٌ إنَّهُ شَحْمٌ عَلَيْهِ ويَقُولُ بِتَحْرِيمِهِ أيْضًا و( الحَوايا ) قِيلَ جَمْعُ حاوِيَةٍ كَزاوِيَةٍ وزَوايا ووَزْنُهُ فَواعِلُ وأصْلُهُ حَواوى فَقُلِبَتِ الواوُ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ هَمْزَةً لِأنَّها ثانِي حَرْفَيْ لِينٍ اكْتَنَفا مَدَّةَ مَفاعِلَ ثُمَّ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ المَكْسُورَةُ ياءً ثُمَّ فُتِحَتْ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الياءِ فَقُلِبَتِ الياءُ الأخِيرَةُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها بَعْدَ فَتْحَةٍ فَصارَتْ حَوايا أوْ قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً مَفْتُوحَةً ثُمَّ الياءُ الأخِيرَةُ ألِفًا ثُمَّ الهَمْزَةُ ياءً لِوُقُوعِها بَيْنَ ألِفَيْنِ كَما فُعِلَ بِخَطايا وقِيلَ: جَمْعُ حاوِياءَ كَقاصِعاءَ وقَواصِعَ ووَزْنُهُ فَواعِلُ أيْضًا وإعْلالُهُ كَما عَلِمْتَ وقِيلَ: جَمْعُ حَوِيَّةٍ كَظَرِيفَةٍ وظَرائِفَ ووَزْنُهُ فَعائِلُ وأصْلُهُ حَوائِيُ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً مَفْتُوحَةً والياءُ الَّتِي هي لامٌ ألِفًا فَصارَ حَوايا. وجَوَّزَ الفارِسِيُّ أنْ يَكُونَ جَمْعًا لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ وقَدْ سُمِعَ في مُفْرَدِهِ أيْضًا و( أوْ ) بِمَعْنى الواوِ. وقالَ أبُو البَقاءِ لِتَفْصِيلِ مَذاهِبِهِمْ نَظِيرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: هي فِيما إذا كانَ العَطْفُ عَلى الشُّحُومِ لِلْإباحَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ كُلُّ هَؤُلاءِ أهْلٌ أنْ يُعْصى فاعْصِ هَذا أوِ اعْصِ هَذا و( أوْ ) بَلِيغَةٌ في هَذا المَعْنى لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ نُهِيتَ عَنْ طاعَتِهِما مَعًا فَإنْ أُطِيعَ زَيْدٌ عَلى حِدَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً فَإذا قُلْتَ لا تُطِعْ زَيْدًا أوْ عَمْرًا أوْ خالِدًا كانَ المَعْنى هَؤُلاءِ كُلُّهم أهْلٌ أنْ يُطاعَ فَلا تُطِعْ واحِدًا مِنهم ولا تُطِعِ الجَماعَةَ ومِنهُ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ أوِ الشَّعْبِيَّ فَلَيْسَ المَعْنى الأمْرَ بِمُجالَسَةِ واحِدٍ مِنهم بَلِ المَعْنى كُلُّهم أهْلٌ أنْ يُجالَسَ فَإنْ جالَسْتَ واحِدًا مِنهم فَأنْتَ مُصِيبٌ وإنْ جالَسْتَ الجَماعَةَ فَأنْتَ مُصِيبٌ واخْتارَهُ العَلّامَةُ الثّانِي وقالَ الوَجْهُ أنْ يُقالَ إنَّ كَلِمَةَ ( أوْ ) في العَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِن قَبِيلِ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ كَما في العَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ يَعْنِي أنَّها لِإفادَةِ التَّساوِي في الكُلِّ فَيَحْرُمُ الكُلُّ وتَحْقِيقُهُ أنَّ مَرْجِعَ التَّحْرِيمِ إلى النَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ لا تَأْكُلُوا أحَدَ الثَّلاثَةِ وهو مَعْنى العُمُومِ وهَذا مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِيما نُقِلَ عَنْهُ مِن أنَّ الجُمْلَةَ في حُكْمِ التَّحْرِيمِ فَوَجْهُ العَطْفِ بِحَرْفِ التَّخْيِيرِ أنَّها بَلِيغَةٌ بِهَذا المَعْنى ثُمَّ قالَ وبِهَذا يَتَبَيَّنُ فَسادُ ما يُتَوَهَّمُ أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ العَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ يَكُونُ المَعْنى حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما أوْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمُ الحَوايا أوْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ فَيَجُوزُ لَهم تَرْكُ أيِّها كانَ وأكْلُ الآخَرَيْنِ وادَّعى أنَّ الظّاهِرَ أنَّ مِثْلَ هَذا وإنْ كانَ جائِزًا فَلَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ أنْ يُحَرَّمَ أوْ يُحَلَّلَ واحِدٌ مُبْهَمٌ مِن أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ وإنَّما ذَلِكَ في الواجِبِ فَقَطْ وهَذِهِ الدَّعْوى مِنَ العَجَبِ فَإنَّ الحَرامَ المُخَيَّرَ والمُباحَ المُخَيَّرَ مِمّا صَرَّحَ بِهِ الفُقَهاءُ وأهْلُ الأُصُولِ قاطِبَةً ويَحْتاجُ إلى إمْعانِ نَظَرٍ فَلْيُمْعِنْ وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ في حاصِلِ كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ في أوْ هُنا أنَّكَ إذا عَطَفْتَ عَلى الشُّحُومِ دَخَلَتِ الثَّلاثَةُ تَحْتَ حُكْمِ النَّفْيِ فَيَحْرُمُ الكُلُّ سِوى ما اسْتُثْنِيَ مِنهُ وإذا عَطَفْتَ عَلى المُسْتَثْنى لَمْ يَحْرُمْ سِوى الشُّحُومِ و( أوْ ) عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِلْإباحَةِ وعَلى الثّانِي لِلتَّنْوِيعِ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَزاءِ أوِ التَّحْرِيمِ: فَهو عَلى الأوَّلِ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما بَعْدَهُ وعَلى الثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ أيْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ وجَزى يَتَعَدّى بِالباءِ وبِنَفْسِهِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ وما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مالِكٍ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يَنْتَصِبُ مُشارًا بِهِ إلى المَصْدَرِ إلّا ويُتْبَعُ بِالمَصْدَرِ نَحْوَ قُمْتُ هَذا القِيامَ وقَعَدْتُ ذَلِكَ القُعُودَ ولا يَجُوزُ قُمْتُ هَذا ولا قَعَدْتُ ذَلِكَ ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ والجَلَبِيُّ وصَحَّحا وُرُودَ اسْمِ الإشارَةِ مُشارًا بِهِ إلى المَصْدَرِ غَيْرَ مَتْبُوعٍ بِهِ. صفحة 49 وجُوِّزَ كَوْنُ ذَلِكَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ جَزَيْناهم إيّاهُ ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو قَتْلُهُمُ الأنْبِياءُ بِغَيْرِ حَقٍّ وأكْلُهُمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وكانُوا كُلَّما أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ عُوقِبُوا بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مِمّا أُحِلَّ لَهم وهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ويَدَّعُونَ أنَّها لَمْ تَزَلْ مُحَرَّمَةً عَلى الأُمَمِ وقِيلَ: المُرادُ بِبَغْيِهِمْ عَلى فُقَرائِهِمْ بِناءً عَلى ما نَقَلَ عَلِيُّ بْنُ إبْراهِيمَ في تَفْسِيرِهِ أنَّ مُلُوكَ بَنِيَ إسْرائِيلَ كانُوا يَمْنَعُونَ فُقَراءَهم مِن أكْلِ لُحُومِ الطَّيْرِ والشُّحُومِ فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِسَبَبِ هَذا المَنعِ وهو تابِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ أيْضًا ولا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ المَنعُ مِنَ الِانْتِفاعِ لِمَزِيدِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ وأنْ يَكُونَ لِجُرْمٍ مُتَقَدِّمٍ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ (146) في جَمِيعِ أخْبارِنا الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإخْبارُ بِالتَّحْرِيمِ وبِالبَغْيِ وعُدَّ مِنها واقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمُ الوَعْدُ والوَعِيدُ. وقَوّى الإمامُ بِهَذِهِ الآيَةِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ مالِكٌ وكَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ وهو القَوْلُ بِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ السّابِقَةِ مِن حِلِّ ما عَدا الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ فِيها وذَلِكَ أنَّهُ أوْجَبَ حَمْلَ الظُّفُرِ عَلى المِخْلَبِ لِبُعْدِ حَمْلِهِ عَلى الحافِرِ لِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ أنَّ الحافِرَ لا يَكادُ يُسَمّى ظُفُرًا والثّانِي أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ حَيَوانٍ لَهُ حافِرٌ وهو باطِلٌ لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الغَنَمَ والبَقَرَ مُباحانِ لَهم مَعَ حُصُولِ الحافِرِ لَهم وإذًا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى المِخْلَبِ والآيَةُ تُفِيدُ تَخْصِيصَ هَذِهِ الحُرْمَةِ بِاليَهُودِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ إفادَةُ التَّرْكِيبِ الحَصْرَ لُغَةً والثّانِي أنَّها لَوْ كانَتْ ثابِتَةً في حَقِّ الكُلِّ لَمْ يَبْقَ لِلِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِهِمْ فائِدَةٌ ووَجَبَ أنْ لا تَكُونَ السِّباعُ وذَواتُ المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ مُحَرَّمَةً عَلى المُسْلِمِينَ بَلْ يَكُونُ تَحْرِيمُها مُخْتَصًّا بِاليَهُودِ وحِينَئِذٍ فَما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ حَرَّمَ كُلَّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» ضَعِيفٌ لِأنَّهُ خَبَرٌ واحِدٌ عَلى خِلافِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَلا يَكُونُ مَقْبُولًا فَيَتَقَرَّرُ قَوْلُ الجَماعَةِ السّابِقُ وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ

الأنعام 6:147

﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ أيِ اليَهُودُ كَما قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ لِأنَّهم أقْرَبُ ذِكْرًا ولِذِكْرِ المُشْرِكِينَ بَعْدُ بِعُنْوانِ الإشْراكِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ إنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ في الحُكْمِ المَذْكُورِ وأصَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ ادِّعاءٍ قُدِّمَ التَّحْرِيمُ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم ﴿رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ﴾ عَظِيمَةٍ ﴿واسِعَةٍ﴾ لا يُؤاخِذُكم بِكُلِّ ما تَأْتُونَهُ مِنَ المَعاصِي ويُمْهِلُكم عَلى بَعْضِها ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ أيْ لا يُدْفَعُ عَذابُهُ بِالكُلِّيَّةِ ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ (147) فَلا تُنْكِرُوا ما وقَعَ مِنهُ تَعالى مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ الطَّيِّباتِ عَلَيْكم عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا وعَلى الثّانِي فَإنَّ كَذَّبَكَ المُشْرِكُونَ فِيما فُصِّلَ مِن أحْكامِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ فَقُلْ لَهم رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُعالِجُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى تَكْذِيبِكم فَلا تَغْتَرُّوا بِذَلِكَ فَإنَّهُ إمْهالٌ لا إهْمالٌ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ فَهو يَرْحَمُنِي بِتَوْفِيقٍ كَثِيرٍ لِتَصْدِيقِي فَلا يَضُرُّنِي تَكْذِيبُكم ويَضُرُّكم لِأنَّهُ لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ المُجْرِمِينَ المُكَذِّبِينَ أوْ سَيَرْحَمُنِي بِالِانْتِقامِ مِنكم ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْكم وفِيهِ بُعْدٌ وقِيلَ: المُرادُ ذُو رَحْمَةٍ لِلْمُطِيعِينَ وذُو بَأْسٍ شَدِيدٍ عَلى المُجْرِمِينَ فَأُقِيمَ مَقامَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يُرَدُّ﴾ .. إلَخْ. لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى إنْزالِ البَأْسِ عَلَيْهِمْ مَعَ الدَّلالَةِ أنَّهُ لاحِقٌ بِهِمُ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَصْرِفُهُ عَنْهم أصْلًا.

الأنعام 6:148

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ حِكايَةٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ والإخْبارُ قَبْلَ وُقُوعِهِ ثُمَّ وُقُوعُهُ حَسْبَما أُخْبِرُكُما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ تَعالى عِنْدَ وُقُوعِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ مِن صفحة 50 عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّ وُقُوعَ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ المُغَيَّباتِ مِن وُجُوهِ الإعْجازِ لِكَلامِهِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الإعْجازُ بِهِ فَقَطْ كَما في قَوْلٍ مُضَعَّفٍ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ إشْراكِنا وعَدَمَ تَحْرِيمِنا شَيْئًا ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ لَمْ يُرِيدُوا بِهَذا الكَلامِ الِاعْتِذارَ عَنِ ارْتِكابِ القَبِيحِ إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا قُبْحَ أفْعالِهِمْ وهي أفْعى لَهم بَلْ هم كَما نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ ﴿يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ وأنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِيُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ زُلْفى وأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما كانَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَما مُرادُهم بِذَلِكَ إلّا الِاحْتِجاجُ عَلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ حَقٌّ ومَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ المَشِيئَةَ والإرادَةَ تُساوِقُ الأمْرَ وتَسْتَلْزِمُ الرِّضا كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ فَيَكُونُ حاصِلُ كَلامِهِمْ إنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مِنَ الشِّرْكِ والتَّحْرِيمِ وغَيْرِهِما تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى وإرادَتُهُ وكُلُّ ما تَعَلَّقَ بِهِ مَشِيئَتُهُ سُبْحانَهُ وإرادَتُهُ فَهو مَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ فَيَنْتِجُ أنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مِنَ الشِّرْكِ والتَّحْرِيمِ مَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وبَعْدَ أنْ حَكى سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَنْهم رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ما كَذَبَ هَؤُلاءِ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهم أسْلافُهُمُ المُشْرِكُونَ وحاصِلُهُ أنَّ كَلامَهم يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقَدْ دَلَّتِ المُعْجِزَةُ عَلى صِدْقِهِمْ ولا يَخْفى أنَّ المُقَدِّمَةَ الأُولى لا تَكْذِيبَ فِيها نَفْسُها بَلْ هي مُتَضَمِّنَةٌ لِتَصْدِيقِ ما تَطابَقَ فِيهِ العَقْلُ والشَّرْعُ مِن كَوْنِ كُلِّ كائِنٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وامْتِناعِ أنْ يَجْرِيَ في مُلْكِهِ خِلافُ ما يَشاءُ فَمَنشَأُ التَّكْذِيبِ هو المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ لِأنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَدْعُونَهم إلى التَّوْحِيدِ ويَقُولُونَ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ دِينًا ولا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ فَيَكُونُ قَوْلُهم: إنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَهُ تَعالى تَكْذِيبٌ لِهَذا القَوْلِ وحَيْثُ كانَ فَسادُ هَذِهِ الحُجَّةِ بِاعْتِبارِ المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ تَعَيَّنَ أنَّها لَيْسَتْ بِصادِقَةٍ وحِينَئِذٍ يَصْدُقُ نَقِيضُها وهي أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ المَشِيئَةُ والإرادَةُ بِمَشْرُوعِ ومَرَضِيٍّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ بِناءً عَلى أنَّ الإرادَةَ لا تُساوِقُ الأمْرَ والرِّضا عَلى ما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ إذِ المَشِيئَةُ تُرَجِّحُ بَعْضَ المُمَكِناتِ عَلى بَعْضٍ مَأْمُورًا كانَ أوْ مَنهِيًّا حَسَنًا كانَ أوْ قَبِيحًا وعَلى هَذا فَلا حُجَّةَ في الآيَةِ لِلْمُعْتَزِلَةِ بَلْ قَدِ انْقَلَبَ الأمْرُ فَصارَتِ الآيَةُ حُجَّةً لَنا عَلَيْهِمْ لِأنَّهم لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ المَأْمُورِ والمُرادِ واعْتَقَدُوا كالمُشْرِكِينَ بِأنَّ كُلَّ مُرادٍ مَأْمُورٌ ومَرَضِيٌّ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ مَقْصُودُ المُشْرِكِينَ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ رَدُّ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ورَفْعُ البَعْثَةِ والتَّكْلِيفِ وهو المَذْكُورُ في كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ وحاصِلُهُ حِينَئِذٍ أنَّ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى يَجِبُ وما لَمْ يَشَأْ يَمْتَنِعُ وكُلُّ ما هَذا شَأْنُهُ فَلا يُكَلَّفُ بِهِ لِكَوْنِهِ مَشْرُوطًا بِالِاسْتِطاعَةِ فَيَنْتُجُ أنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ لَمْ نُكَلَّفْ بِتَرْكِهِ ولَمْ يُبْعَثْ لَهُ نَبِيٌّ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ هَذِهِ كَلِمَةُ صِدْقٍ أُرِيدَ بِها باطِلٌ لِأنَّهم أرادُوا بِها أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في دَعْواهُمُ البَعْثَةَ والتَّكْلِيفَ كاذِبُونَ وقَدْ ثَبَتَ صِدْقُهم بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ ولِكَوْنِ ذَلِكَ صِدْقًا أُرِيدَ بِهِ باطِلٌ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّكْذِيبِ ووُجُوبُ وُقُوعِ مُتَعَلِّقٍ بِالمَشِيئَةِ لا يُنافِي صِدْقَ دَعْوى البَعْثَةِ والتَّكْلِيفِ لِأنَّهُما لِإظْهارِ المَحَجَّةِ وإبْلاغِ الحُجَّةِ وسَيَأْتِي تَوْجِيهٌ آخَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا لِلْآيَةِ. وعُطِفَ ﴿آباؤُنا﴾ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ﴿أشْرَكْنا﴾ وساغَ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وإنْ لَمْ يُؤَكَّدِ الضَّمِيرُ لِأنَّهُ يَكْفِي عِنْدَهم أيُّ فاصِلٍ كانَ وقَدْ فُصِلَ بِلا ها هُنا والكُوفِيُّونَ لا يَشْتَرِطُونَ في ذَلِكَ شَيْئًا ويَسْتَدِلُّونَ بِما هُنا ولا يَعْتَبِرُونَ هَذا الفَصْلَ لِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتَقَدَّمَ حَرْفُ العَطْفِ لِيَدْفَعَ الهُجْنَةَ ولا يَكْفِيَ عِنْدَهُمُ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وتَوَقَّفَ أبُو عَلِيٍّ في كِفايَةِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَفْصِلْ صفحة 51 حَرْفُ العَطْفِ وادَّعى الإمامُ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرًا لِأنَّ النَّفْيَ لا يُصْرَفُ إلى ذَواتِ الآباءِ بَلْ يَجِبُ صَرْفُهُ إلى فِعْلٍ صَدَرَ مِنهم وذَلِكَ هو الإشْراكُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ ما أشْرَكْنا ولا أشْرَكَ آباؤُنا وحِينَئِذٍ فَلا إشْكالَ. ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أيْ نالُوا عَذابَنا الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ وفِيهِ عَلى ما قِيلَ إيماءٌ إلى أنَّ لَهم عَذابًا مُدَّخَرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ الذَّوْقَ أوَّلُ إدْراكِ الشَّيْءِ. ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ﴾ أيْ مِن أمْرٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ عَلى زَعْمِكم ﴿فَتُخْرِجُوهُ﴾ أيْ فَتُظْهِرُوهُ ﴿لَنا﴾ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأوْضَحِ بَيانٍ وقِيلَ: المُرادُ هَلْ لَكم مِنَ اعْتِقادٍ ثابِتٍ مُطابِقٍ فِيما ادَّعَيْتُمْ أنَّ الإشْراكَ وسائِرَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مَرْضِيٌّ لِلَّهِ تَعالى فَتُظْهِرُوهُ لَنا بِالبُرْهانِ وجَعَلَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ هَذا وما بَعْدَهُ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما اسْتَوْجَبُوا التَّوْبِيخَ عَلى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَهْزَؤُنَ بِالدِّينِ ويَبْغُونَ رَدَّ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَيْثُ قَرَعَ مَسامِعَهم مِن شَرائِعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَحِينَ طالَبُوهم بِالإسْلامِ والتِزامِ الأحْكامِ احْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِما أخَذُوهُ مِن كَلامِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ بِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهم ذِكْرَ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ عَقْدُهم كَيْفَ لا والإيمانُ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَرْعُ الإيمانِ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وهو عَنْهم مَناطُ العَيُّوقِ. ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ أيْ ما تَتَّبِعُونَ في ذَلِكَ ﴿إلا الظَّنَّ﴾ الباطِلَ الَّذِي لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا أوِ المُرادُ إنَّ عادَتَكم وجُلَّ أمْرِكم أنَّكم لا تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ ﴿وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ (148) تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في حُكْمِ اتِّباعِ الظَّنِّ عَلى التَّفْصِيلِ فَتَذْكَّرْ

الأنعام 6:149

﴿قُلْ فَلِلَّهِ﴾ خاصَّةً ﴿الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ أيِ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ عَلى الإثْباتِ أوْ بَلَغَ بِها صاحِبُها صِحَّةَ دَعَواهُ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ والمُرادُ بِها في المَشْهُورِ الكِتابُ والرَّسُولُ والبَيانُ وقالَ شَيْخُ مَشايِخِنا الكُورانِيُّ: ﴿الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ وأنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقَةٌ بِإظْهارِ ما اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُ المَعْلُومِ في نَفْسِهِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ جُودًا ورَحْمَةً لا وُجُوبًا وهي مِنَ الحَجِّ بِمَعْنى القَصْدِ كَأنَّها يُقْصَدُ بِها إثْباتُ الحُكْمِ وتَطَلُّبُهُ أوْ بِمَعْنى الغَلَبَةِ وهو المَشْهُورُ والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ إذا ظَهَرَ أنْ لا حُجَّةَ لَكم قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ ﴿فَلَوْ شاءَ﴾ هِدايَتَكم جَمِيعًا ﴿لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ (149) بِالتَّوْفِيقِ لَها والحَمْلِ عَلَيْها ولَكِنْ شاءَ هِدايَةَ البَعْضِ الصّارِفِينَ اخْتِيارَهم إلى سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ وضَلالَ آخَرِينَ صَرَفُوهُ إلى خِلافِ ذَلِكَ. وقالَ الكُورانِيُّ: المُرادُ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ إذْ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ لَكم هِدايَةً يَقْتَضِيها اسْتِعْدادُكم بَلِ المَعْلُومُ لَهُ عَدَمُ هِدايَتِكم وهو مُقْتَضى اسْتِعْدادِكُمُ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ ولا يُنافِي ما في صَدْرِ الآيَةِ لِما عَلِمْتَ مِن مُرادِهِمْ بِهِ وفائِدَةُ إرْسالِ الرُّسُلِ عَلى القَوْلِ بِالِاسْتِعْدادِ تَحْرِيكُ الدَّواعِيَ لِلْفِعْلِ والتَّرْكُ بِاخْتِيارِ المُكَلَّفِ النّاشِئِ مِن ذَلِكَ الِاسْتِعْدادِ وقَطْعُ اعْتِذارِ الظّالِمِينَ وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ مِن قَبْلُ فَتَذَكَّرْ وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ وجْهًا آخَرَ في تَوْجِيهِ ما في الآيَةِ وهو أنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِمُ إنَّما كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم مَسْلُوبُونَ اخْتِيارَهم وقُدْرَتَهم وأنَّ إشْراكَهم إنَّما صَدَرَ مِنهم عَلى وجْهِ الِاضْطِرارِ وزَعَمُوا أنَّهم يُقِيمُونَ الحُجَّةَ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهم في دَعْواهم عَدَمَ الِاخْتِيارِ لِأنْفُسِهِمْ وشُبْهَتُهم بِمَنِ اغْتَرَّ قَبْلَهم بِهَذا صفحة 52 الخَيالِ فَكَذَّبَ الرُّسُلَ وأشْرَكَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واعْتَمَدَ عَلى أنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ورامَ إفْحامَ الرُّسُلِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لا حُجَّةَ لَهم في ذَلِكَ وأنَّ الحُجَّةَ البالِغَةَ لَهُ جَلَّ وعَلا لا لَهم ثُمَّ أوْضَحَ سُبْحانَهُ أنَّ كُلَّ واقِعٍ واقِعٌ بِمَشِيئَتِهِ وأنَّهُ لَمْ يَشَأْ مِنهُمُ إلّا ما صَدَرَ عَنْهم وأنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ مِنهُمُ الهِدايَةَ لاهْتَدَوْا أجْمَعُونَ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنْ يَتَمَحَّضَ وجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ ويَتَخَلَّصَ عَقِيدَةُ نُفُوذِ المَشِيئَةِ وعُمُومُ تَعَلُّقِها بِكُلِّ كائِنٍ عَنِ الرَّدِّ ويَنْصَرِفَ الرَّدُّ إلى دَعْواهم سَلْبَ الِاخْتِيارِ لِأنْفُسِهِمْ وأنَّ إقامَتَهُمُ الحُجَّةَ بِذَلِكَ خاصَّةٌ وإذا تَدَبَّرْتَ الآيَةَ وجَدْتَ صَدْرَها دافِعًا بِصُدُورِ الجَبْرِيَّةِ وعَجْزَها مُعْجِزًا لِلْمُعْتَزِلَةِ إذِ الأوَّلُ مُثْبِتٌ أنَّ لِلْعَبْدِ اخْتِيارًا وقُدْرَةً عَلى وجْهٍ يَقْطَعُ حُجَّتَهُ وعُذْرَهُ في المُخالَفَةِ والعِصْيانِ والثّانِي مُثْبِتٌ نُفُوذَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى في العَبْدِ وأنَّ جَمِيعَ أفْعالِهِ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ وبِذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ البالِغَةُ لِأهْلِ السُّنَّةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. ووَجَّهَ القُطْبُ الآيَةَ بِأنَّ مُرادَهم رَدُّ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ شِرْكَنا وأرادَهُ مِنّا وأنْتُمْ تُخالِفُونَ إرادَتَهُ حَيْثُ تَدْعُونا إلى الإيمانِ فَوَبَّخَهم سُبْحانَهُ بِوُجُوهٍ عَدَّ مِنها قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ فَإنَّهُ بِتَقْدِيرِ الشَّرْطِ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَوْ شاءَ﴾ .. إلَخْ. بَدَلٌ مِنهُ عَلى سَبِيلِ البَيانِ أيْ لَوْ شاءَ لَدَلَّ كُلًّا مِنكم ومِن مُخالِفِيكم عَلى دِينِهِ فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ لَكانَ الإسْلامُ أيْضًا بِالمَشِيئَةِ فَيَجِبُ أنْ لا تَمْنَعُوا المُسْلِمِينَ مِنَ الإسْلامِ كَما وجَبَ بِزَعْمِكم أنْ لا يَمْنَعَكُمُ الأنْبِياءُ عَنِ الشِّرْكِ فَيَلْزَمَكم أنْ لا يَكُونَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ مُخالَفَةٌ ومُعاداةٌ بَلْ مُوافَقَةٌ ومُوالاةٌ ثُمَّ قالَ: ورُبَّما يُوَجَّهُ هَذا الِاحْتِجاجُ بِأنَّ ما خالَفَ مَذْهَبَكم مِنَ النِّحَلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَكم حَقًّا لِأنَّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فَيَلْزَمُ تَصْحِيحُ الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ وفِيهِ مَنعٌ لِأنَّ الصِّحَّةَ إنَّما تَكُونُ بِالجَرَيانِ عَلى مَنهَجِ الشَّرْعِ ولا يَلْزَمُ مِن تَعْلِيقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِشَيْءٍ جَرَيانُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ولا يَخْفى أنَّ التَّوْجِيهَ الأوَّلَ كَهَذا التَّوْجِيهِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ فَتَدَبَّرْ.

الأنعام 6:150

﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ أيْ أحْضِرُوهم لِلشَّهادَةِ وهو اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَصَرَّفُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ وفِعْلٌ يُؤَنَّثُ ويُثَنّى ويُجْمَعُ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما اشْتُهِرَ مِن أنَّ ما ذُكِرَ مِن خَصائِصِ الأفْعالِ. وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّ الضَّمائِرَ قَدْ تَتَّصِلُ بِالكَلِمَةِ وهي حَرْفٌ كَلَيْسَ أوِ اسْمُ فِعْلٍ كَهاتِ لِمُناسَبَتِها لِلْأفْعالِ وعَلى هَذا تَكُونُ ﴿هَلُمَّ﴾ اسْمَ فِعْلٍ مُطْلَقًا كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ وعَلَيْهِ الرَّضِيُّ حَيْثُ قالَ: وبَنُو تَمِيمٍ يَصْرِفُونَهُ فَيُذَكِّرُونَهُ ويُؤَنِّثُونَهُ ويَجْمَعُونَهُ نَظَرًا إلى أصْلِهِ وأصْلُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هالُمَّ مِن لَمَّ إذا قَصَدَ حُذِفَتِ الألِفُ لِتَقْدِيرِ السُّكُونِ في اللّامِ لِأنَّ أصْلَهُ ألْمَمَ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ هَلْ أُمَّ فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وحُذِفَتْ كَما هو القِياسُ واسْتُبْعِدَ بِأنَّ هَلْ لا تَدَخُلُ الأمْرَ ودُفِعَ بِما نَقَلَهُ الرَّضِيُّ عَنْهم مِن أنَّ أصْلَ هَلْ أُمَّ هَلّا أُمَّ وهَلّا كَلِمَةُ اسْتِعْجالٍ بِمَعْنى أسْرِعْ فَغُيِّرَ إلى هَلْ لِتَخْفِيفِ التَّرْكِيبِ ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى أحْضِرْ وائْتِ ولازِمًا بِمَعْنى أقْبِلْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ وهَمَ كُبَراؤُهُمُ الَّذِينَ أسَّسُوا ضَلالَهم والمَقْصُودُ مِن إحْضارِهِمْ تَفْضِيحُهم وإلْزامُهم وإظْهارُ أنْ لا مُتَمَسَّكَ لَهم كَمُقَلِّدِيهِمْ ولِذَلِكَ قُيِّدَ الشُّهَداءُ بِالإضافَةِ ووُصِفُوا بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم شُهَداءُ مُعَرَّفُونَ بِالشَّهادَةِ لَهم وبِنْصِرِ مَذْهَبِهِمْ وهَذا إشارَةٌ إلى ما حَرَّمُوهُ مِنَ الأنْعامِ عَلى ما حَكَتْهُ الآياتُ السّابِقَةُ. صفحة 53 وقالَ مُجاهِدٌ: إشارَةٌ إلى البَحائِرِ والسَّوائِبِ ﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ أيْ أُولَئِكَ الشُّهَداءُ المُعَرَّفُونَ بِالباطِلِ بَعْدَ ما حَضَرُوا بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أيْ فَلا تُصَدِّقْهم فَإنَّهُ كَذِبٌ بَحْتٌ وبَيَّنَ لَهم فَسادَهُ لِأنَّ تَسْلِيمَهُ مِنهم مُوافَقَةٌ لَهم في الشَّهادَةِ الباطِلَةِ والسُّكُوتُ قَدْ يُشْعِرُ بِالرِّضا وإرادَةُ هَذا المَعْنى مِن ( لا تَشْهَدْ ) إمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ مِن ذِكْرِ اللّازِمِ وإرادَةِ المَلْزُومِ لِأنَّ الشَّهادَةَ مِن لَوازِمِ التَّسْلِيمِ أوِ الكِنايَةِ أوْ هو مِن بابِ المُشاكَلَةِ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ ضَمِيرَ ﴿شَهِدُوا﴾ لِلْمُشْرِكِينَ أيْ فَإنْ لَمْ يَجِدُوا شاهِدًا يَشْهَدُ بِذَلِكَ فَشَهِدُوا بِأنْفُسِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فَلا تَشْهَدْ وهو في غايَةِ البُعْدِ وأبْعَدُ مِنهُ بَلْ هو لِلْفَسادِ أقْرَبُ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ هَلُمَّ شُهَداءَكم مِن غَيْرِكم فَإنْ لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ لِأنَّ غَيْرَ العَرَبِ لا يُحَرِّمُونَ ما ذُكِرَ وشَهِدُوا بِأنْفُسِهِمْ فَلا تَصْدِّقْهم ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ مُكَذِّبَ الآياتِ مُتَّبِعٌ الهَوى لا غَيْرَ وإنَّ مُتَّبِعَ الحُجَّةَ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا بِها والخِطابُ قِيلَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ وقِيلَ: لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ والمُرادُ أُمَّتُهُ. ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ كَعَبَدَةِ الأوْثانِ عُطِفَ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ عَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ مَعَ اتِّحادِ المَوْصُوفِ فَإنَّ مَن يُكَذِّبُ بِآياتِهِ تَعالى لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ وبِالعَكْسِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الأوَّلِ المُكَذِّبُونَ مَعَ الإقْرارِ بِالآخِرَةِ كَأهْلِ الكِتابَيْنِ وبِالمَوْصُولِ الثّانِي المُكَذِّبُونَ مَعَ إنْكارِ الآخِرَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (150) أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا أيْ شَرِيكًا فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ وقِيلَ: يَعْدِلُونَ بِأفْعالِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ ويَنْسُبُونَها إلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بِعِبادَتِهِمْ عَنْهُ تَعالى والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ والمَعْنى لا تَتَّبِعِ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِالآياتِ والكُفْرِ بِالآخِرَةِ والإشْراكِ بِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَدارَ النَّهْيِ الجَمْعُ المَذْكُورُ بَلْ عَلى أنَّ أُولَئِكَ جامِعُونَ لَها مُتَّصِفُونَ بِها وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( لا يُؤْمِنُونَ )

الأنعام 6:151

﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ أمْرٌ لَهُ ﷺ بَعْدَ ما ظَهَرَ بُطْلانُ ما ادَّعَوْا أنْ يُبَيِّنَ لَهم مِنَ المُحَرَّماتِ ما يَقْتَضِي الحالُ بَيانَهُ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ إيذانًا بِأنَّ حَقَّهُمُ الِاجْتِنابُ عَنْ هَذِهِ المُحَرَّماتِ وأمّا الأطْعِمَةُ المُحَرَّمَةُ فَقَدْ بُيِّنَتْ فِيما تَقَدَّمَ وتَعالَ أمْرٌ مِنَ التَّعالِي والأصْلُ فِيهِ أنْ يَقُولَ مَن هو في مَكانٍ عالٍ لِمَن هو أسْفَلَ مِنهُ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ بِالتَّعْمِيمِ واسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ المُقَيَّدِ في المُطْلَقِ مَجازًا ويَحْتَمِلُ هُنا كَما قِيلَ أنْ يَكُونَ عَلى الأصْلِ تَعْرِيضًا لَهم بِأنَّهم في حَضِيضِ الجَهْلِ ولَوْ سَمِعُوا ما يُقالُ لَهم تَرَقَّوْا إلى ذُرْوَةِ العِلْمِ وقُنَّةِ العِزِّ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أتْلُ﴾ جَوابُ الأمْرِ أيْ أنْ تَأْتُونِي أتْلُ وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ أقْرَأُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم أيِ الآياتُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْهِ أيْ تَحْرِيمِهِ والمُرادُ الآيَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ وهي في الِاحْتِمالَيْنِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأتْلُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِحَرَّمِ والجُمْلَةُ مَفْعُولُ ﴿أتْلُ﴾ لِأنَّ التِّلاوَةَ مِن بابِ القَوْلِ فَيَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ في الجُمْلَةِ بِناءً عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ مِن أنَّهُ تُحْكى الجُمْلَةُ بِكُلِّ ما تَضَمَّنَ مَعْنى القَوْلِ وغَيْرُهم يُقَدِّرُ في ذَلِكَ قائِلًا ونَحْوَهُ. والمَعْنى هُنا عَلى الِاسْتِفْهامِ تَعالَوْا أقُلْ لَكم وأُبَيِّنْ جَوابَ أيِّ شَيْءٍ حَرَّمَ رَبُّكم وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى صفحة 54 كُلِّ حالٍ بِحَرَّمَ وجُوِّزَ أنَّ يَتَعَلَّقَ بِأتْلُ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِمَقامِ الِاعْتِناءِ بِإيجابِ الِانْتِهاءِ عَنِ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَّةِ وهو السِّرُّ في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُ المَتْلُوِّ مُحَرَّمًا عَلى الكُلِّ كَما لا يَخْفى ﴿ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ أيْ مِنَ الإشْراكِ أوْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَشَيْئًا يَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ والمَفْعُولِيَّةَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في إعْرابِ ( أنْ لا ) وبَدَأ سُبْحانَهُ بِأمْرِ الشِّرْكِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المُحَرَّماتِ وأكْبَرُ الكَبائِرِ ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾ أيْ أحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا كامِلًا لا إساءَةَ مَعَهُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ البِرَّ بِهِما مَعَ اللُّطْفِ ولِينِ الجانِبِ فَلا يُغْلِظُ لَهُما في الجَوابِ ولا يَحُدُّ النَّظَرَ إلَيْهِما ولا يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَيْهِما بَلْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِما مِثْلَ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ تَذَلُّلًا لَهُما وثَنّى اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّكْلِيفِ لِأنَّ نِعْمَةَ الوالِدَيْنِ أعْظَمُ النِّعَمِ عَلى العَبْدِ بَعْدَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ في وُجُودِ الإنْسانِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ والمُؤَثِّرَ في الظّاهِرِ هو الأبَوانِ. وعَقَّبَ سُبْحانَهُ التَّكْلِيفَ المُتَعَلِّقَ بِالوالِدَيْنِ بِالتَّكْلِيفِ المُتَعَلِّقِ بِالأوْلادِ لِكَمالِ المُناسَبَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ بِالوَأْدِ ﴿مِن إمْلاقٍ﴾ مِن أجْلِ فَقْرٍ أوْ مِن خَشْيَتِهِ كَما قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ وقِيلَ: الخِطابُ في كُلِّ آيَةٍ لِصِنْفٍ ولَيْسَ خِطابًا واحِدًا فالمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن إمْلاقٍ﴾ مَنِ ابْتُلِيَ بِالفَقْرِ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ مَن لا فَقْرَ لَهُ ولَكِنْ يَخْشى وُقُوعَهُ في المُسْتَقْبَلِ ولِهَذا قَدَّمَ رِزْقَهم ها هُنا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ وقَدَّمَ رِزْقَ أوْلادِهِمْ في مَقامِ الخَشْيَةِ فَقِيلَ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ وهو كَلامٌ حَسَنٌ. وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ( نَحْنُ ) .. إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ وإبْطالِ سَبَبِيَّةِ ما اتَّخَذُوهُ سَبَبًا لِمُباشَرَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ وضَمانٌ مِنهُ تَعالى لِإرْزاقِهِمْ أيْ نَحْنُ نَرْزُقُ الفَرِيقَيْنِ لا أنْتُمْ فَلا تَقْدَمُوا عَلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ لِذَلِكَ. ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ أيِ الزِّنا والجَمْعُ إمّا لِلْمُبالَغَةِ أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مَن يَصْدُرُ عَنْهُ أوْ لِلْقَصْدِ إلى النَّهْيِ عَنِ الأنْواعِ ولِذا أُبْدِلَ مِنها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ مِنها عَلانِيَةً في الحَوانِيتِ كَما هو دَأْبُ أراذِلِهِمْ وما يُفْعَلُ سِرًّا بِاتِّخاذِ الأخْدانِ كَما هو عادَةُ أشْرافِهِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وقِيلَ: المُرادُ بِها المَعاصِي كُلُّها. وفِي المُرادِ بِما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ عَلى هَذا أقْوالٌ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْها واخْتارَ ذَلِكَ الإمامُ وجَماعَةٌ ورَجَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الأوَّلَ بِأنَّهُ الأوْفَقُ بِنَظْمِ المُتَعاطِفاتِ ووَجْهُ تَوْسِيطِ هَذا النَّهْيِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ والنَّهْيِ عَنِ القَتْلِ مُطْلَقًا عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّ الفَواحِشَ بِهَذا المَعْنى مَعَ كَوْنِها في نَفْسِها جِنايَةً عَظِيمَةً في حُكْمِ قَتْلِ الأوْلادِ فَإنَّ أوْلادَ الزِّنا في حُكْمِ الأمْواتِ وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أنَّهُ قالَ في حَقِّ العَزْلِ: ذاكَ وأْدٌ خَفِيٌّ» وعَلى القَوْلِ الآخَرِ لا يَظْهَرُ وجْهُ تَوْسِيطِ هَذا العامِّ بَيْنَ أفْرادِهِ ويَكُونُ تَوْسِيطُهُ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ وتَعْلِيقُ النَّهْيِ بِقُرْبانِها إمّا لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْها لِقُوَّةِ الدَّواعِي إلَيْها وإمّا لِأنَّ قُرْبانَها داعٍ إلى مُباشَرَتِها. ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ حَرَّمَ قَتْلَها بِأنْ عَصَمَها بِالإسْلامِ أوْ بِالعَهْدِ فَيَخْرُجُ الحَرْبِيُّ ويَدْخُلُ الذِّمِّيُّ فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن كَوْنِ المُرادِ بِالنَّفْسِ المَذْكُورَةِ النَّفْسَ المُؤْمِنَةَ لَيْسَ في مَحَلِّهِ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ اسْتِثْناءٌ صفحة 55 مُفَرَّغٌ مَن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا تَقْتُلُوها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ مُلابِسَتِكم بِالحَقِّ الَّذِي هو أمْرُ الشَّرْعِ بِقَتْلِها وذَلِكَ كَما رُوِيَ في الخَبَرِ بِالكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ وقَتْلِ النَّفْسِ المَعْصُومَةِ أوْ مِن أعَمِّ الأسْبابِ أيْ لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مَنِ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ وهو مِمّا في الخَبَرِ أوْ مِن أعَمِّ المَصادِرِ أيْ لا تَقْتُلُوها قَتْلًا إلّا قَتْلًا كائِنًا بِالحَقِّ وهو القَتْلُ بِأحَدِ المَذْكُوراتِ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ التَّكالِيفِ الخَمْسَةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ مِن بَيْنِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أيْ طَلَبَهُ مِنكم طَلَبًا مُؤَكَّدًا والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَجْدِيدًا لِلْعَهْدِ وتَأْكِيدًا لِإيجابِ المُحافَظَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ وقالَ الإمامُ: جِيءَ بِها لِتَقْرِيبِ القَبُولِ إلى القَلْبِ لِما فِيها مِنَ اللُّطْفِ والرَّحْمَةِ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ (151) أيْ تَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَكُمُ الَّتِي تَعْقِلُ نُفُوسَكم وتَحْبِسُها عَنْ مُباشَرَةِ القَبائِحِ المُحَرَّمَةِ.

الأنعام 6:152

﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالفِعْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ ما يُفْعَلُ بِمالِهِ كَحِفْظِهِ وتَثْمِيرِهِ وقِيلَ: المُرادُ لا تَقْرَبُوا مالَهُ إلّا وأنْتُمْ مُتَّصِفُونَ بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ في مَصْلَحَتِهِ فَمَن لَمْ يَجِدْ نَفْسَهُ عَلى أحْسَنِ الخِصالِ يَنْبَغِي أنْ لا يَقْرَبَهُ وفِيهِ بُعْدٌ والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ فَإنَّهُ غايَةٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ لا لِلنَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: احْفَظُوهُ حَتّى يَبْلُغَ فَإذا بَلَغَ فَسَلِّمُوهُ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ والأشُدُّ عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: هو مُفْرَدُ كَأنَّكَ ولَمْ يَأْتِ في المُفْرَداتِ عَلى هَذا الوَزْنِ غَيْرُهُما وقِيلَ: هو جَمْعُ شِدَّةٍ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ وقُدِّرَ فِيهِ زِيادَةُ الهاءِ لِكَثْرَةِ جَمْعِ فَعَلٍ عَلى أفْعُلٍ كَقَدَحٍ وأقْدُحٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ جَمْعُ شُدٍّ بِضَمِّ الشِّينِ كَوُدٍّ وأوُدٍّ وقِيلَ جَمْعُ شَدٍّ بِفَتْحِها وأيًّا ما كانَ فَهو مِنَ الشِّدَّةِ أيِ القُوَّةِ أوِ الِارْتِفاعِ مِن شَدَّ النَّهارُ إذا ارْتَفَعَ ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ. عَهْدِي بِهِ شَدُّ النَّهارِ كَأنَّما خَضَّبَ البَنانَ ورَأْسَهُ بِالعَظْلَمِ . والمُرادُ بِبُلُوغِ الأشُدِّ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ وجَماعَةٍ بُلُوغُ الحُلُمِ وقِيلَ: أنْ يَبْلُغَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وقالَ السُّدِّيُّ: أنْ يَبْلُغَ ثَلاثِينَ إلّا أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في زَمَنِ دَفْعِ مالِ اليَتِيمِ إلَيْهِ وأشْبَعْنا الكَلامَ في تَحْقِيقِ الحَقِّ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿وأوْفُوا﴾ أيْ أتِمُّوا ﴿الكَيْلَ﴾ أيِ المَكِيلَ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ ﴿والمِيزانَ﴾ كَذَلِكَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ مَكِيلَ الكَيْلِ ومَوْزُونَ المِيزانِ ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿أوْفُوا﴾ أيْ مُقْسِطِينَ وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ تامًّا ولَعَلَّ الإتْيانَ بِهَذِهِ الحالِ لِلتَّأْكِيدِ. وفِي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ فَإنْ قِيلَ: إيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ هو عَيْنُ القِسْطِ فَما الفائِدَةُ مِنَ التَّكْرِيرِ قُلْنا: أمْرُ اللَّهِ تَعالى المُعْطِي بِإيفاءِ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ وأمْرُ صاحِبِ الحَقِّ بِأخْذِ حَقِّهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ الزِّيادَةِ فَتَدَبَّرْ. ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَعْسُرُ عَلَيْها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها عَقِيبَ الأمْرِ بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ بِالعَدْلِ لِلتَّرْخِيصِ فِيما خَرَجَ عَنِ الطّاقَةِ لِما أنَّ في مُراعاةِ ذَلِكَ كَما هو حَرَجًا مَعَ كَثْرَةِ صفحة 56 وُقُوعِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَلَيْكم بِما في وُسْعِكم في هَذا الأمْرِ وما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْكم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جِيءَ بِها لِتَهْوِينِ أمْرِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْلِيفاتِ لِيُقْبِلُوا عَلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: جَمِيعُ ما كَلَّفْناكم بِهِ مُمْكِنٌ غَيْرُ شاقٍّ ونَحْنُ لا نُكَلِّفُ ما لا يُطاقُ ﴿وإذا قُلْتُمْ﴾ قَوْلًا في حُكُومَةٍ أوْ شَهادَةٍ أوْ نَحْوِهِما ﴿فاعْدِلُوا﴾ فِيهِ وقُولُوا الحَقَّ ﴿ولَوْ كانَ﴾ المَقُولُ لَهُ أوْ عَلَيْهِ ﴿ذا قُرْبى﴾ أيْ صاحِبَ قَرابَةٍ مِنكم ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ أيْ ما عَهِدَ إلَيْكم مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ أوْ أيِّ عَهْدٍ كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ مِن أيْمانِكم ونُذُورِكم والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ ما فُصِّلَ مِنَ التَّكالِيفِ الجَلِيلَةِ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أمَرَكم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ (152) ما في تَضاعِيفِهِ وتَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ( تَذَكَّرُونَ ) بِتَخْفِيفِ الذّالِ والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ في كُلِّ القُرْآنِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. وخُتِمَتِ الآيَةُ الأوْلى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ وهَذِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ وقَتْلِ الأوْلادِ وقُرْبانِ الزِّنا وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ غَيْرَ مُسْتَنْكِفِينَ ولا عاقِلِينَ قُبْحَها فَنَهاهم سُبْحانَهُ لَعَلَّهم يَعْقِلُونَ قُبْحَها فَيَسْتَنْكِفُوا عَنْها ويَتْرُكُوها وأمّا حِفْظُ أمْوالِ اليَتامى عَلَيْهِمْ وإيفاءُ الكَيْلِ والعَدْلُ في القَوْلِ والوَفاءُ بِالعَهْدِ فَكانُوا يَفْعَلُونَهُ ويَفْتَخِرُونَ بِالِاتِّصافِ بِهِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ لَعَلَّهم يَذْكُرُونَ إنْ عَرَضَ لَهم نِسْيانٌ قالَهُ القُطْبُ الرّازِيُّ: ثُمَّ قالَ فَإنْ قُلْتَ إحْسانُ الوالِدَيْنِ مِن قَبِيلِ الثّانِي أيْضًا فَكَيْفَ ذُكِرَ مِنَ الأوَّلِ قُلْتُ: أعْظَمُ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى ويَتْلُوها نِعْمَةُ الوالِدَيْنِ لِأنَّهُما المُؤَثِّرانِ في الظّاهِرِ ومِنهُما نِعْمَةُ التَّرْبِيَةِ والحِفْظِ عَنِ الهَلاكِ في وقْتِ الصِّغَرِ فَلَمّا نَهى عَنِ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى نَهى بَعْدَهُ عَنِ الكُفْرانِ في نِعْمَةِ الأبَوَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَرْتَكِبُوا الكُفْرانَ فَبِطَرِيقِ الأوْلى أنْ لا يَرْتَكِبُوا الكُفْرَ. وقالَ الإمامُ: السَّبَبُ في خَتْمِ كُلِّ آيَةٍ بِما خُتِمَتْ أنَّ التَّكالِيفَ الخَمْسَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ الأُولى ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ فَوَجَبَ تَعَقُّلُها وتَفَهُّمُها والتَّكالِيفَ الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورٌ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ لا بُدَّ فِيها مِنَ الِاجْتِهادِ والفِكْرِ الكَثِيرِ حَتّى يَقِفَ عَلى مَوْضِعِ الِاعْتِدالِ وهو التَّذَكُّرُ. انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ أكْثَرَ التَّكْلِيفاتِ الأُوَلِ أُدِّيَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ وهو في مَعْنى المَنعِ والمَرْءُ حَرِيصٌ عَلى ما مُنِعَ فَناسَبَ أنْ يُعَلَّلَ الإيصاءُ بِذَلِكَ بِما فِيهِ إيماءٌ إلى مَعْنى المَنعِ والحَبْسِ وهَذا بِخِلافِ التَّكْلِيفاتِ الأُخَرِ فَإنَّ أكْثَرَها قَدْ أُدِّيَ بِصِيغَةِ الأمْرِ ولَيْسَ المَنعُ فِيهِ ظاهِرًا كَما في النَّهْيِ فَيَكُونُ تَأْكِيدُ الطَّلَبِ والمُبالَغَةُ فِيهِ لِيَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ ويَتَذَكَّرَ إذا نَسِيَ فَلْيُتَدَبَّرْ.

الأنعام 6:153

﴿وأنَّ هَذا صِراطِي﴾ إشارَةٌ إلى شَرْعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ويُلائِمُهُ النَّهْيُ الآتِي وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما في الآيَتَيْنِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ وقِيلَ: إلى ما ذُكِرَ في السُّورَةِ فَإنَّ أكْثَرَها في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وبَيانِ الشَّرِيعَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( إنَّ ) بِالكَسْرِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ والباقُونَ بِهِ مُشَدَّدٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( صِراطِيَ ) بِفَتْحِ الياءِ وقُرِئَ ( وهَذا صِراطُ رَبِّكم ) ( وهَذا صِراطُ رَبِّكَ ) وإضافَةُ الصِّراطِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ الوَضْعِ وإلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَيْثُ السُّلُوكِ والدَّعْوَةِ صفحة 57 أيْ هَذا الصِّراطُ الَّذِي أسْلُكُهُ وأدْعُو إلَيْهِ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا اعْوِجاجَ فِيهِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ أيِ اقْتَفُوا أثَرَهُ واعْمَلُوا بِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ أيِ الضَّلالاتِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّها الأدْيانُ المُخْتَلِفَةُ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها البِدَعُ والشُّبُهاتُ ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ نُصِبَ في جَوابِ النَّهْيِ والأصْلُ ( تَتَفَرَّقَ ) فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ فَتُفَرِّقَكم حَسَبَ تَفَرُّقِها أيادِي سَبَأٍ فَهو كَما تَرى أبْلَغُ مِن تَفَرُّقِكم كَما قِيلَ مِن أنَّ ذَهَبَ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِصْحابِ أبْلَغُ مِن أذْهَبَهُ عَنْ سَبِيلِهِ أيْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا حَرَجَ لِما هو دِينُ الإسْلامِ وقِيلَ: هو اتِّباعُ الوَحْيِ واقْتِفاءُ البُرْهانِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ صِراطَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَيْنُ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى مُسْتَقِيمًا ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ الخَطِّ وعَنْ شِمالِهِ ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنها سَبِيلٌ إلّا عَلَيْهِ شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ ثُمَّ قَرَأ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ .. إلَخْ» . وإنَّما أُضِيفَ إلَيْهِ ﷺ أوَّلًا لِأنَّ ذَلِكَ أدْعى لِلِاتِّباعِ إذْ بِهِ يَتَّضِحُ كَوْنُهُ صِراطَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى اتِّباعِ السُّبُلِ ﴿وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ (153) عِقابَ اللَّهِ تَعالى بِالمُثابَرَةِ عَلى فِعْلِ ما أمَرَ بِهِ والِاسْتِمْرارِ عَلى الكَفِّ عَمّا نَهى عَنْهُ قالَ أبُو حَيّانَ: ولَمّا كانَ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الجامِعُ لِلتَّكالِيفِ وأمَرَ سُبْحانَهُ بِاتِّباعِهِ ونَهى عَنِ اتِّباعِ غَيْرِهِ مِنَ الطُّرُقِ خَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي اتِّقاءُ النّارِ إذْ مَنِ اتَّبَعَ صِراطَهُ نَجا النَّجاةَ الأبَدِيَّةَ وحَصَلَ عَلى السَّعادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ وكَرَّرَ سُبْحانَهُ الوَصِيَّةَ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ ويا لَها مِن وصِيَّةٍ ما أعْظَمَ شَأْنَها وأوْضَحَ بُرْهانَها. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى وصِيَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخاتَمِهِ فَلْيَقْرَأْ هَؤُلاءِ الآياتِ ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ إلى ﴿تَتَّقُونَ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أيُّكم يُبايِعُنِي عَلى هَؤُلاءِ الآياتِ الثَّلاثِ ثُمَّ تَلاهُنَّ إلى آخِرِهِنَّ ثُمَّ قالَ فَمَن وفّى بِهِنَّ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ومَنِ انْتَقَصَ مِنهُنَّ شَيْئًا فَأدْرَكَهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا كانَتْ عُقُوبَتَهُ ومَن أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ كانَ أمْرُهُ إلى اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أخَذَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ قالَ: سَمِعَ كَعْبٌ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ .. إلَخْ. فَقالَ: والَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ إنَّها لَأوَّلُ آيَةٍ في التَّوْراةِ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما هَذِهِ آياتٌ مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ وهُنَّ مُحَرَّماتٌ عَلى بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ وهُنَّ أُمُّ الكِتابِ مَن عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ ومَن تَرَكَهُنَّ دَخَلَ النّارَ. هَذا و( أنْ ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا تُشْرِكُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً قالَ العَلّامَةُ الثّانِي: وفي الِاحْتِمالَيْنِ إشْكالٌ فَإنَّها إنْ جُعِلَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ بَيانًا لِلْمُحَرَّمِ بَدَلًا مِن ما أوْ عائِدِهِ المَحْذُوفِ وظاهِرٌ أنَّ المُحَرَّمَ هو الإشْراكُ لا نَفْيُهُ وأنَّ الأوامِرَ بَعْدُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( لا تُشْرِكُوا ) وفِيهِ عَطْفُ الطَّلَبِيِّ عَلى الخَبَرِيِّ وجَعْلُ الواجِبِ المَأْمُورِ بِهِ مُحَرَّمًا فاحْتِيجَ إلى تَكَلُّفٍ كَجَعْلِ ( لا ) مَزِيدَةً وعَطْفِ الأوامِرِ عَلى المُحَرَّماتِ بِاعْتِبارِ حُرْمَةِ صفحة 58 أضْدادِها وتَضْمِينِ الخَبَرِ مَعْنى الطَّلَبِ وأمّا جَعْلُ ( لا ) ناهِيَةً واقِعَةً مَوْقِعَ الصِّلَةِ لِأنِ المَصْدَرِيَّةِ كَما جَوَّزَهُ سِيبَوَيْهِ إذْ عَمِلَ الجازِمُ في الفِعْلِ والنّاصِبُ في ( لا ) مَعَهُ فَما سَبِيلٌ إلَيْهِ هُنا لِأنَّ زِيادَةَ ( لا ) النّاهِيَةَ مِمّا لَمْ يُقُلْ بِهِ أحَدٌ ولَمْ يَرِدْ في كَلامٍ وإنْ جُعِلَتْ أنْ مُفَسِّرَةً و( لا ) ناهِيَةً والنَّواهِي بَيانٌ لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ تَوَجَّهَ إشْكالانِ أحَدُهُما عَطْفُ ( أنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا ) عَلى ( ألا تُشْرِكُوا ) مَعَ أنَّهُ لا مَعْنى لِعَطْفِهِ عَلى أنِ المُفَسِّرَةِ مَعَ الفِعْلِ وثانِيهِما عَطْفُ الأوامِرِ المَذْكُورَةِ فَإنَّها لا تَصْلُحُ بَيانًا لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ بَلِ الواجِباتِ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها مُفَسِّرَةً وعَطْفَ الأوامِرِ لِأنَّها مَعْنى نَواهٍ ولا سَبِيلَ حِينَئِذٍ لِجَعْلِها مَصْدَرِيَّةً مَوْصُولَةً بِالنَّهْيِ لِما عَلِمْتَ. وأجابَ عَنِ الإشْكالِ الأوَّلِ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي﴾ لَيْسَ عَطْفًا عَلى ( ألا تُشْرِكُوا ) بَلْ هو تَعْلِيلٌ لِلِاتِّباعِ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّبِعُوهُ عَلى حَذْفِ اللّامِ وجازَ عَوْدُ ضَمِيرِ ( اتَّبِعُوهُ ) إلى الصِّراطِ لِتَقَدُّمِهِ في اللَّفْظِ. فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ ( اتَّبِعُوهُ ) عَطْفًا عَلى ( لا تُشْرِكُوا ) ويَكُونُ التَّقْدِيرُ فاتَّبِعُوا صِراطِيَ لِأنَّهُ مُسْتَقِيمٌ وفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ حِرَفَيْ عَطْفِ الواوِ والفاءِ ولَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ وإنْ جُعِلَتِ الواوُ اسْتِئْنافِيَّةً اعْتِراضِيَّةً قُلْنا: وُرُودُ الواوِ مَعَ الفاءِ عِنْدَ تَقْدِيمِ المَعْمُولِ فَصْلًا بَيْنَهُما شائِعٌ في الكَلامِ مِثْلَ ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ فَإنْ أبَيْتَ الجَمْعَ البَتَّةَ ومَنَعْتَ زِيادَةَ الفاءِ فاجْعَلِ المَعْمُولَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ والمَذْكُورَ بِالفاءِ عَطْفا عَلَيْهِ مِثْلَ عَظِّمْ فَكَبِّرْ وادْعُوا اللَّهَ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ وآثَرُوهُ فاتَّبِعُوهُ. وعَنِ الإشْكالِ الثّانِي بِأنَّ عَطْفَ الأوامِرِ عَلى النَّواهِي الواقِعَةِ بَعْدَ أنِ المُفَسِّرَةِ لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ لا يَكُونُ مُحَرَّمًا دَلَّ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى أضْدادِها بِمَعْنى أنَّ الأوامِرَ كَأنَّها ذُكِرَتْ وقُصِدَ لَوازِمُها الَّتِي هي النَّهْيُ عَنِ الأضْدادِ حَتّى كَأنَّهُ قِيلَ: أتْلُو ما حَرَّمَ أنْ لا تُسِيؤُوا إلى الوالِدَيْنِ ولا تَبْخَسُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَتْرُكُوا العَدْلَ ولا تَنْكُثُوا العَهْدَ ومِثْلُ هَذا وإنْ لَمْ يَجُزْ بِحَسَبِ الأصْلِ لَكِنْ رُبَّما يَجُوزُ بِطَرِيقِ العَطْفِ وأمّا جَعْلُ الوَقْفِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( رَبُّكم ) وانْتِصابُ ( ألا تُشْرِكُوا ) بِعَلَيْكم يَعْنِي الزَمُوا تَرْكَ فَيَأْباهُ عَطْفُ الأوامِرِ إلّا أنْ تَجْعَلَ ( لا ) ناهِيَةً وأنِ المَصْدَرِيَّةَ مَوْصُولَةً بِالأوامِرِ والنَّواهِي وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الأوامِرِ مَعْطُوفَةً عَلى جَمِيعِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ ( لا ) فَإنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا عَلى ( تَعالَوْا ) ويَكُونُ ما بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ. واعْتُرِضَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى أضْدادِ الأوامِرِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا وألْغازٌ في المَعانِي ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: وأمّا عَطْفُ هَذِهِ الأوامِرِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحْدُهُما أنَّها مَعْطُوفَةٌ لا عَلى المَناهِي قَبْلَها فَيَلْزَمُ انْسِحابُ التَّحْرِيمِ عَلَيْها حَيْثُ كانَتْ في حَيِّزِ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ بَلْ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ﴾ أمَرَهم أوَّلًا بِأمْرٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ذِكْرُ مَناهٍ ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا بِأوامِرَ وهَذا مَعْنًى واضِحٌ والثّانِي أنْ تَكُونَ الأوامِرُ مَعْطُوفَةً عَلى المَناهِي داخِلَةً تَحْتَ حُكْمِ التَّفْسِيرِيَّةِ ويَصِحُّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ تَكُونُ أنْ مُفَسِّرَةً لَهُ ولِلْمَنطُوقِ قَبْلَهُ الَّذِي دَلَّ عَلى حَذْفِهِ والتَّقْدِيرُ وما أمَرَكم بِهِ فَحُذِفَ وما أمَرَكم بِهِ لِدَلالَةِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ مَعْنى ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ ما نَهاكم رَبُّكم عَنْهُ فالمَعْنى قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما نَهاكم عَنْهُ رَبُّكم وما أمَرَكم بِهِ وإذا كانَ التَّقْدِيرُ هَذا صَحَّ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِفِعْلِ النَّهْيِ الدّالِّ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ وفِعْلِ الأمْرِ المَحْذُوفِ ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أمَرْتُكَ أنْ لا تُكْرِمَ جاهِلًا وأكْرِمْ عالِمًا ويَجُوزُ عَطْفُ الأمْرِ عَلى النَّهْيِ صفحة 59 والنَّهْيِ عَلى الأمْرِ لِقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: لا تَهْلَكْ أسًى وتَجَمَّلْ ولا نَعْلَمُ في هَذا خِلافًا بِخِلافِ الجُمَلِ المُتَبايِنَةِ بِالخَبَرِ والِاسْتِفْهامِ والإنْشاءِ فَإنَّ في جَوازِ العَطْفِ فِيها خِلافًا مَشْهُورًا. اهـ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ عَلى تَعالَوْا في غايَةِ البُعْدِ ولا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ وما ذَكَرَهُ مِنَ الحَذْفِ وجَعْلِ التَّفْسِيرِ لِلْمَحْذُوفِ والمَنطُوقِ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ جَوازَ كَوْنِ ( ألا تُشْرِكُوا ) بِتَقْدِيرِ اللّامِ عَلى مَعْنى أُبَيِّنُ لَكُمُ الحَرامَ لِأنْ لا تُشْرِكُوا لِأنَّهم إذا حَرَّمُوا ما أحَلَّ اللَّهُ فَقَدْ جَعَلُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى في القَبُولِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وصارُوا بِذَلِكَ مُشْرِكِينَ ولا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى مِثْلِ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِلْوَصِيَّةِ وتَحْقِيقًا لَها وتَمْهِيدًا لِما تَعَقَّبَهُ مِن ذِكْرِ إنْزالِ القُرْآنِ المَجِيدِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ مَعْطُوفٍ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ تَصْدِيقًا لَهُ وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِهِ فَعَلْنا ذَلِكَ.

الأنعام 6:154

﴿ثُمَّ آتَيْنا﴾ .. إلَخْ. وإلى هَذا ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ وقِيلَ: عُطِفَ عَلى ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى مَعْنى التِّلاوَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ تَعالَوْا أتْلُ عَلَيْكم ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ثُمَّ اتْلُ عَلَيْهِمْ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: عُطِفَ عَلى ( قُلْ ) وفِيهِ حَذْفٌ أيْ قُلْ تَعالَوْا ثُمَّ قُلْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ. وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ واسْتَحْسَنَهُ المَغْرِبِيُّ أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَدَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ بِما جَعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ بِما آتى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكِتابِ والنُّبُوَّةِ وهو أيْضًا مِن ذُرِّيَّتِهِ والكُلُّ كَما تَرى وإنِ اخْتَلَفَ مَراتِبُهُ في الوَهَنِ وثُمَّ كَما قالَ الفَرّاءُ لِلتَّرْتِيبِ الإخْبارِيِّ كَما في نَحْوٍ بَلَغَنِي ما صَنَعْتُ اليَوْمَ ثُمَّ ما صَنَعْتُ اليَوْمَ أعْجَبُ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ثُمَّ تَقْتَضِي تَأخُّرَ الثّانِي عَنِ الأوَّلِ بِمُهْلَةٍ ولا مُهْلَةَ في الإخْبارَيْنِ فَلا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى أنَّها انْسَلَخَ عَنْها مَعْنى التَّرْتِيبِ أوْ أنَّهُ تَرْتِيبٌ رُتْبِيٌّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ أعْجَبُ في المِثالِ وهو هَنا ظاهِرٌ لِأنَّ إيتاءَ التَّوْراةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الأحْكامِ والمَنافِعِ الجَمَّةِ أعْظَمُ مِن هَذِهِ الوَصِيَّةِ المَشْهُورَةِ عَلى الألْسِنَةِ وبَعْضُهم وجَّهَ التَّرْتِيبَ الإخْبارِيَّ المُسْتَدْعِي لِتَأخُّرِ الثّانِي عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ الألْفاظَ المُنْقَضِيَةَ تُنَزَّلُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ وقِيلَ: إنَّهُ بِاعْتِبارِ تَوَسُّطِ جُمْلَةِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ ( ثُمَّ ) هُنا بِمَعْنى الواوِ وقَدْ جاءَ ذَلِكَ كَثِيرًا في الكِتابِ ﴿تَمامًا﴾ لِلْكَرامَةِ والنِّعْمَةِ وهو في مَوْقِعِ المَفْعُولِ لَهُ وجازَ حَذْفُ اللّامِ لِكَوْنِهِ في مَعْنى إتْمامًا وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِقَوْلِهِ ﴿آتَيْنا﴾ مِن مَعْناهُ لِأنَّ إيتاءَ الكِتابِ إتْمامٌ لِلنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أتْمَمْنا النِّعْمَةَ إتْمامًا فَهو كَنَباتًا في قَوْلِهِ تَعالى:﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ أيْ تامًّا ﴿عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ أيْ مَن أحْسَنَ القِيامَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ فالَّذِي لِلْجِنْسِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ( عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا ) وقِراءَةُ الحَسَنِ ( عَلى المُحْسِنِينَ ) وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ الَّذِي هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِ. إنَّ الَّذِي حانَتْ بِفُلْجَ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ وكَلامُ مُجاهِدٍ مُحْتَمِلٌ لِلْوَجْهَيْنِ أوْ عَلى الَّذِي أحْسَنَ تَبْلِيغُهُ وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ تَمامًا عَلى صفحة 60 ما أحْسَنَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ أجادَهُ مِنَ العِلْمِ والشَّرائِعِ أيْ زِيادَةً عَلى عَمَلِهِ عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ تَمامًا عَلى إحْسانِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وظاهِرُهُ أنَّ ( الَّذِي ) مَوْصُولٌ حَرْفِيٌّ وقَدْ قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ وضَمِيرُ أحْسَنَ حِينَئِذٍ لِلَّهِ تَعالى ومِثْلُهُ في ذَلِكَ ما نُقِلَ عَنِ الجُبّائِيِّ مِن أنَّ المُرادَ عَلى الَّذِي أحْسَنَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ النُّبُوَّةِ وغَيْرِها وكُلاهُما خِلافُ الظّاهِرِ وعَنِ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما زَعَمَهُ مِنِ اتِّصالِ الآيَةِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ( أحْسَنُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و( الَّذِي ) وصْفٌ لِلدِّينِ أوْ لِلْوَجْهِ يَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ أيْ تَمامًا عَلى الدِّينِ الَّذِي هو أحْسَنُ دِينٍ وأرْضاهُ أوْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تامًّا كامِلًا عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو أحْسَنُ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ والأحْسَنِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ وغَيْرِ ما عَلَيْهِ القُرْآنِ. ﴿وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ بَيانًا مُفَصِّلًا لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ لا اجْتِهادَ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خِلافًا لِمَن زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدْ ورَدَ مِثْلُهُ في صِفَةِ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ بِالمُكَلَّفِينَ والكَلامُ في هَذِهِ المَعْطُوفاتِ كالكَلامِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِنِ احْتِمالِ العِلِّيَّةِ والمَصْدَرِيَّةِ والحالِيَّةِ والظّاهِرُ اشْتِمالُ الكِتابِ عَلى التَّفْصِيلِ حَسْبَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى إلى أنَّ حَرْفَهُ أهَّلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمّا ألْقى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الألْواحَ بَقِيَ الهُدى والرَّحْمَةُ وذَهَبَ التَّفْصِيلُ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإيتاءِ الكِتابِ ولا يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الَّذِي بِناءً عَلى الجِنْسِيَّةِ أوْ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (154) بَلْ كانَ المُناسِبُ حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: لَعَلَّهم يُرْحَمُونَ مَثَلًا والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ قُدِّمَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ والمُرادُ مِنَ اللِّقاءِ قِيلَ الجَزاءُ وقِيلَ: الرُّجُوعُ إلى مُلْكِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وسُلْطانِهِ يَوْمَ لا يَمْلِكُ أحَدٌ سِواهُ شَيْئًا وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المَعْنى كَيْ يُؤْمِنُوا بِالبَعْثِ ويُصَدِّقُوا بِالثَّوابِ والعِقابِ.

الأنعام 6:155

﴿وهَذا﴾ الَّذِي تُلِيَتْ عَلَيْكم أوامِرُهُ ونَواهِيهِ أيِ القُرْآنُ ﴿كِتابٌ﴾ عَظِيمُ الشَّأْنِ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ بِواسِطَةِ الرُّوحِ الأمِينِ مُشْتَمِلًا عَلى فَوائِدِ الفُنُونِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي فُصِّلَتْ عَلَيْكم طائِفَةٌ مِنها والجُمْلَةُ صِفَةُ ﴿كِتابٌ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُبارَكٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الخَيْرِ دِينًا ودُنْيا صِفَةٌ أُخْرى وإنَّما قُدِّمَتِ الأُولى عَلَيْها مَعَ أنَّها غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مُنْكِرِي الإنْزالِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا وما قَبْلَهُ خَبَرَيْنِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أيْضًا والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ عِظَمَ شَأْنِ الكِتابِ في نَفْسِهِ وصِفَتِهِ مُوجِبٌ لِاتِّباعِهِ أيْ فاعْمَلُوا بِما فِيهِ أوِ امْتَثِلُوا أوامِرَهُ واتَّقُوا مُخالَفَتَهُ أوْ نَواهِيَهِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ (155) أيْ لِتُرْحَمُوا جَزاءَ ذَلِكَ وقِيلَ: المُرادُ اتُّقُوا عَلى رَجاءِ الرَّحْمَةِ أوِ اتَّقُوا لِيَكُونَ الغَرَضُ بِالتَّقْوى رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى.

الأنعام 6:156

﴿أنْ تَقُولُوا﴾ عِلَّةٌ لِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ( أنْزَلْنا ) المَذْكُورُ وهو العامِلُ فِيهِ لا المَذْكُورُ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ لِئَلّا يَلْزَمَ صفحة 61 الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ وهو بِتَقْدِيرِ لا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ أيْ لِأنْ لا تَقُولُوا وعَلى حَذْفِ المُضافِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أيْ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ( اتَّقُوا ) وعَلَيْهِ الفَرّاءُ وأنْ تَجْعَلَ اللّامَ المُقَدَّرَةَ لِلْعاقِبَةِ أيْ تَرَتَّبَ عَلى إنْزالِنا أحَدُ القَوْلَيْنِ تَرَتُّبَ الغايَةِ عَلى الفِعْلِ فَيَكُونُ تَوْبِيخًا لَهم عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ السَّعادَةِ والمُتَبادَرُ ما ذُكِرَ أوَّلًا أيْ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ لَوْ لَمْ نُنْزِلْهُ ﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ﴾ النّاطِقُ بِالأحْكامِ القاطِعُ لِلْحُجَّةِ ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ﴾ جَماعَتَيْنِ كائِنَتَيْنِ ﴿مِن قَبْلِنا﴾ وهُما كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ اليَهُودُ والنَّصارى وتَخْصِيصُ الإنْزالِ بِكِتابَيْهِما لِأنَّهُما اللَّذانِ اشْتَهَرا فِيما بَيْنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بِالِاشْتِمالِ عَلى الأحْكامِ. ﴿وإنْ كُنّا﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِن أنَّ واللّامُ الآتِيَةُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ وهي مُهْمَلَةٌ لِما حَقَّقَهُ النُّحاةُ مِن أنَّ أنِ المُخَفَّفَةَ إذا لَزِمَتِ اللّامَ في أحَدِ جُزْأيْها ووَلِيَها النّاسِخُ فَهي مُهْمَلَةٌ لا تَعْمَلُ في ظاهِرٍ ولا مُضْمَرٍ لا ثابِتٍ ولا مَحْذُوفٍ أيْ وأنَّهُ كُنّا ﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ أيْ قِراءَتِهِمْ ﴿لَغافِلِينَ﴾ (156) غَيْرُ مُلْتَفِتِينَ لا نَدْرِي ما هي لِأنَّها لَيْسَتْ بِلُغَتِنا فَلَمْ يُمْكِنّا أنْ نَتَلَقّى مِنها ما فِيهِ نَجاتُنا ولَعَلَّهم عُنُوا بِذَلِكَ التَّوْحِيدِ وقِيلَ: تِلْكَ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ .. إلَخْ. لِأنَّها عامَّةٌ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ لا تَخْتَلِفُ في عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ وعَلى هَذا حَمَلَ الآيَةَ شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ مَعْذِرَتَهم هَذِهِ مَعَ أنَّهم غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِما في الكِتابَيْنِ لِاشْتِمالِها عَلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ المُتَناوِلَةِ لِكافَّةِ الأُمَمِ كَما أنَّ قَطْعَ تِلْكَ المَعْذِرَةِ بِإنْزالِ القُرْآنِ لِاشْتِمالِهِ أيْضًا عَلَيْها لا عَلى سائِرِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ فَقَطْ.

الأنعام 6:157

﴿أوْ تَقُولُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿تَقُولُوا﴾ وقُرِئَ كِلاهُما بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ عَلى خِطابِ ﴿فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا﴾ ويَكُونُ الخِطابُ الآتِي بَعْدُ التِفاتًا أيْضًا ولا يَخْفى مَوْقِعُهُ قالَ القُطْبُ: إنَّهُ تَعالى خاطَبُهم أوَّلًا بِما خاطَبَهم ثُمَّ لَمّا وصَلَ إلى حِكايَةِ أقْوالِهِمُ الرَّدِيئَةِ أعْرَضَ عَنْهم وجَرى عَلى الغَيْبَةِ كَأنَّهم غائِبُونَ ثُمَّ لَمّا أرادَ سُبْحانَهُ تَوْبِيخَهم بَعْدُ خاطَبَهم فَهو التِفاتٌ في غايَةِ الحُسْنِ ﴿لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ﴾ كَما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأقْصى أوْ إلى ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ لِأنّا أجْوَدُ أذْهانًا وأثْقَبُ فَهْمًا ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ إمّا مُعَلَّلٌ بِهِ أوْ شَرْطٌ لَهُ أيْ لا تَعْتَذِرُوا بِذَلِكَ فَقَدْ جاءَكم .. إلَخْ. أوِ إنْ صَدَقْتُمْ فِيما تَعِدُونَ مِن أنْفُسِكم عَلى تَقْدِيرِ نُزُولِ الكِتابِ عَلَيْكم فَقَدْ حَصَلَ ما فَرَضْتُمْ وجاءَكم ﴿بَيِّنَةٌ﴾ حُجَّةٌ جَلِيلَةُ الشَّأْنِ واضِحَةٌ تَعْرِفُونَها لِظُهُورِها وكَوْنُها بِلِسانِكم كائِنَةً ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ عَلى أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ ﴿بَيِّنَةٌ﴾ ويَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِجاءَكم. وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِها الإضافِيِّ مَعَ الإشارَةِ إلى شَرَفِها الذّاتِيِّ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ ما لا يَخْفى مِن مَزِيدِ التَّأْكِيدِ لِإيجابِ الِاتِّباعِ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿بَيِّنَةٌ﴾ وتَنْوِينُهُما كَتَنْوِينِهِما لِلتَّفْخِيمِ والمُرادُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ القُرْآنُ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالبَيِّنَةِ أوَّلًا إيذانًا بِكَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِن دِراسَتِهِ وبِالهُدى والرَّحْمَةِ ثانِيًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةُ مِن هِدايَةِ النّاسِ ورَحْمَتِهِمْ بَلْ هو عَيْنُ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ فَإنْ قِيلَ البَيِّنَةُ والهُدى واحِدٌ فَما الفائِدَةُ في التَّكْرِيرِ قُلْنا: القُرْآنُ بَيِّنَةٌ فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وهو هُدًى فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وعَقْلًا فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الفائِدَةُ صَحَّ هَذِهِ العَطْفُ ولا يَخْفى ما فِيهِ. صفحة 62 ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ مَجِيءَ القُرْآنِ المَوْصُوفِ بِما تَقَدَّمَ مُوجِبٌ لِغايَةِ أظْلَمِيَّةِ مَن يُكَذِّبُهُ والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ أُولَئِكَ المُخاطَبُونَ ووُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ تَنْصِيصًا عَلى اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ وإسْقاطًا لَهم عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ وعَبَّرَ عَمّا جاءَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وقُرِئَ ( كَذَبَ ) بِالتَّخْفِيفِ والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ والثّانِي يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وهو الظّاهِرُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا والمَعْنى ( كَذَبَ ) ومَعَهُ آياتُ اللَّهِ تَعالى ﴿وصَدَفَ عَنْها﴾ أيْ أعْرَضَ غَيْرَ مُفَكِّرٍ فِيها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما أوْ صَرَفَ النّاسَ عَنْها فَجَمَعَ بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ والفِعْلُ عَلى الأوَّلِ لازِمٌ وعَلى الثّانِي مُتَعَدٍّ وهو الأكْثَرُ اسْتِعْمالًا ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا﴾ وعِيدٌ لَهم بِبَيانِ جَزاءِ إعْراضِهِمْ أوْ صَدِّهِمْ بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنهُ جَزاءُ تَكْذِيبِهِمْ ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَحْقِيقِ مَناطِ الجَزاءِ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أيِ العَذابَ السَّيِّئَ الشَّدِيدَ ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ (157) أيْ بِسَبَبِ ما كانُوا يَفْعَلُونَ الصَّدْفَ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ إجْراءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مِن عِلْيَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ.

الأنعام 6:158

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ بِإنْزالِ ما ذُكِرَ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى والإيذانِ بِأنَّ مِنَ الآياتِ ما لا فائِدَةَ لِلْإيمانِ عِنْدَهُ مُبالَغَةً في التَّبْلِيغِ والإنْذارِ وإزاحَةِ العِلَلِ والإعْذارِ و( هَلْ ) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وأنْكَرَ الرَّضِيُّ مَجِيئَها لِذَلِكَ وقالَ: إنَّها لِلتَّقْرِيرِ في الإثْباتِ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ والضَّمِيرُ لِكُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ. وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أيْ ما يَنْتَظِرُونَ ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ حَسْبَما أخْبَرَ وبِالمَعْنى الَّذِي أرادَ وإلى هَذا التَّفْسِيرِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ وقِيلَ: إتْيانُ المَلائِكَةِ لِإنْزالِ العَذابِ والخَسْفِ بِهِمْ وعَنِ الحَسَنِ إتْيانُ الرَّبِّ عَلى مَعْنى إتْيانِ أمْرِهِ بِالعَذابِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُرادُ يَأْتِي أمْرُ رَبِّكَ فِيهِمْ بِالقَتْلِ وقِيلَ: المُرادُ يَأْتِي كُلُّ آياتِهِ يَعْنِي آياتِ القِيامَةِ والهَلاكَ الكُلِّيَّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ مِن مَذْهَبِ السَّلَفِ عَدَمُ تَأْوِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ ونَحْوِهِ بَلْ تَفْوِيضُ المُرادِ مِنهُ إلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ مَعَ الجَزْمِ بِعَدَمِ إرادَةِ الظّاهِرِ ومِنهم مَن يُبْقِيهِ عَلى الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ يَدَّعِي أنَّ الإتْيانَ الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعالى لَيْسَ الإتْيانَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ الحادِثُ وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ يَقُولُ بِالظَّواهِرِ ويَنْفِي اللَّوازِمَ ويَدَّعِي أنَّها لَوازِمُ في الشّاهِدِ وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ. وجَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ حَمْلَ الكَلامِ عَلى الظّاهِرِ المُتَعارَفِ عِنْدَ النّاسِ والمَقْصُودُ مِنهُ حِكايَةُ مَذْهَبِ الكُفّارِ واعْتِقادُهم وعَلى ذَلِكَ اعْتَمَدَ الإمامُ وهو بَعِيدٌ أوْ باطِلٌ والمُرادُ بِالآياتِ عِنْدَ بَعْضِ أشْراطِ السّاعَةِ وهي عَلى ما يُسْتَفادُ مِنَ الأخْبارِ كَثِيرَةٌ وصَحَّ مِن طُرُقِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ قالَ: «أشْرَفَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن عِلْيَةٍ ونَحْنُ نَتَذاكَرُ فَقالَ: ما تُذاكِرُونَ قُلْنا: نَتَذاكَرُ السّاعَةَ قالَ: إنَّها لا تَقُومُ حَتّى تَرَوْا قَبْلَها عَشْرَ آياتٍ: الدُّخانُ والدَّجّالُ وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ويَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ والدّابَّةُ وطُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وثَلاثَةُ خُسُوفٍ: صفحة 63 خَسْفٌ بِالمَشْرِقِ وخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ وخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ وآخِرُ ذَلِكَ نارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنٍ أوِ اليَمَنِ تَطْرُدُ النّاسَ إلى المَحْشَرِ تَنْزِلُ مَعَهم إذا نَزَلُوا وتُقِيلُ مَعَهم إذا قالُوا» وبِبَعْضِها عَلى ما قِيلَ: الدَّجّالُ والدّابَّةُ وطُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وهو المُرادُ بِالبَعْضِ أيْضًا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ ورَوى مُسْلِمٌ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ما هو صَرِيحٌ في ذَلِكَ واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّ خُرُوجَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الدَّجّالِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْعُو النّاسَ إلى الإيمانِ ويَقْبَلُهُ مِنهم وفي زَمَنِهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ دُنْيَوِيٌّ وأُخْرَوِيٌّ وأُجِيبَ عَنْهُ بِما يَخْلُو عَنِ النَّظَرِ والحَقُّ أنَّ المُرادَ بِهَذا البَعْضِ الَّذِي لا يَنْفَعُ الإيمانُ عِنْدَهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها. فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها فَإذا طَلَعَتْ ورَآها النّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» بَلْ قَدْ رُوِيَ هَذا التَّعْيِينُ عَنْهُ ﷺ في غَيْرِ ما خَبَرٍ صَحِيحٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جُلَّةُ المُفَسِّرِينَ وما يُرْوى مِنَ الأخْبارِ الَّتِي ظاهِرُها المُنافاةُ لِذَلِكَ غَيْرُ مُنافٍ لَهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ وسَبَبُ عَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ إذا شُوهِدَ تَغَيُّرُ العالَمِ العُلْوِيِّ يَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ ويَرْتَفِعُ الإيمانُ بِالغَيْبِ وهو المُكَلَّفُ بِهِ فَيَكُونُ الإيمانُ حِينَئِذٍ كالإيمانِ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ ومُقْتَضى الإخْبارِ في هَذا المَطْلَبِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ الإيمانُ بَعْدَ ذَلِكَ أبَدًا لَكِنَّ الظّاهِرَ عَلى ما في الزَّواجِرِ قَبُولُ ما وقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَقْصِيرٍ كَمَن جُنَّ وأفاقَ بَعْدُ أوْ أسْلَمَ بِتَبَعِيَّةِ أبَوَيْهِ. وعَنِ البَلْقِينِيِّ أنَّهُ إذا تَراخى الحالُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ وطالَ العَهْدُ حَتّى نُسِيَ قُبِلَ الإيمانُ لِزَوالِ الآيَةِ المُلْجِئَةِ ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ وقَوْلُ العِراقِيِّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لا يَطُولُ العَهْدُ حَتّى يُنْسى غَيْرُ مُتَّجِهٍ لِما رَواهُ القُرْطُبِيُّ في تَذْكِرَتِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ونَقَلَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ أنَّ النّاسَ يَبْقُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً والكَلامُ عَنْ كَيْفِيَّةِ طُلُوعِها مِنَ المَغْرِبِ مُفَصَّلٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ وفي سُوقِ العَرُوسِ لِابْنِ الجَوْزِيِّ أنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيها ثُمَّ يُقالُ لَها: ارْجِعِي مِن مَطْلَعِكِ والمَشْهُورُ أنَّها تَطْلُعُ يَوْمًا واحِدًا مِنَ المَغْرِبِ فَتَسِيرُ إلى خَطِّ نِصْفِ النَّهارِ ثُمَّ تَرْجِعُ إلى المَغْرِبِ وتَطْلُعُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المَشْرِقِ كَعادَتِها قَبْلُ وخَبَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى صَرِيحٌ في ذَلِكَ والكُلُّ أمْرٌ مُمْكِنٌ واللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ورَوى البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ عَنْ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُطْلِعَ الشَّمْسَ مِن مَغْرِبِها أدارَها بِالقُطْبِ فَجَعَلَ مَشْرِقَها مَغْرِبَها ومَغْرِبَها مَشْرِقَها وأهْلُ الهَيْئَةِ ومَن وافَقَهم يَزْعُمُونَ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مُحالٌ ويَقُولُونَ: إنَّ الشَّمْسَ وغَيْرَها مِنَ الفَلَكِيّاتِ بَسِيطَةٌ لا تَخْتَلِفُ مُقْتَضَياتُها جِهَةً وحَرَكَةٌ وغَيْرَ ذَلِكَ ولا يَتَطَرَّقُ إلَيْها تَغْيِيرٌ عَمّا هي عَلَيْهِ وقَدْ بَنَوْا ذَلِكَ عَلى مِثْلِ شَفا جُرُفٍ هارٍ وقالَ الكَرْمانِيُّ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ قَواعِدِهِمْ لا امْتِناعَ في ذَلِكَ أيْضًا لِقَوْلِهِمْ بِجَوازِ انْطِباقِ مِنطَقَةِ فَلَكِ البُرُوجِ المُسَمّى بِفَلَكِ الثَّوابِتِ عَلى المُعَدَّلِ وهي مِنطَقَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ المُسَمّى بِفَلَكِ الأطْلَسِ بِحَيْثُ يَصِيرُ المَشْرِقُ مَغْرِبًا والمَغْرِبُ مَشْرِقًا. انْتَهى. وفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ بُعْدُ بَيانِ كَيْفِيَّةِ الِانْطِباقِ وما يَتْبَعُهُ ويَلْزَمُ مِنهُ عَلى ما في كُتُبِ مُحَقِّقِيهِمْ فَأقُولُ: قالَ في التَّذْكِرَةِ وشَرْحِها لِلسَّيِّدِ السَّنَدِ: المَيْلُ الكُلِّيُّ وهو غايَةُ التَّباعُدِ بَيْنَ مِنطَقَتَيِ صفحة 64 المُعَدَّلِ وفَلَكِ البُرُوجِ المَوْجُودُ بِالأرْصادِ القَدِيمَةِ والحَدِيثَةِ لَيْسَ شَيْئًا واحِدًا بَلْ كانَ ما وجَدَهُ القُدَماءُ أكْثَرَ مِمّا وجَدَهُ المُحْدَثُونَ وقَدْ يُظَنُّ أنَّ ما وجَدَهُ مَن هو أحْدَثُ زَمانًا كانَ أقَلَّ مِمّا وجَدَهُ مَن هو أقْدَمُ زَمانًا مَعَ أنَّ أكْثَرَ ما وجَدُوهُ لَمْ يَبْلُغْ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ جُزْءًا وأقَلُّهُ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ ثَلاثَةٍ وعِشْرِينَ جُزْءًا ونِصْفِ جُزْءٍ. ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ إنَّما هو بِسَبَبِ اخْتِلالِ الآلاتِ في اسْتِدارَتِها أوْ قِسْمَتِها أوْ نَصْبِها في حَقِيقَةِ نِصْفِ النَّهارِ لا بِسَبَبِ تَحَرُّكِ إحْدى المِنطَقَتَيْنِ إلى الأُخْرى وإلّا لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ عَلى نِظامٍ واحِدٍ ولَمْ يُوجَدْ كَذَلِكَ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ لَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُ الِاخْتِلافِ بِسَبَبِ التَّحَرُّكِ وعَدَمُ الِانْتِظامِ بِسَبَبِ الِاخْتِلالِ ولَمّا امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّقارُبُ بِحَرَكَةِ المُعَدَّلِ نَحْوَ مِنطَقَةِ البُرُوجِ إذْ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ تَخْتَلِفَ عُرُوضُ البُلْدانِ عَمّا هي عَلَيْهِ وأنْ يَكُونَ خَطُّ الِاسْتِواءِ في كُلِّ زَمانٍ مَكانًا آخَرَ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ مِنطَقَةَ البُرُوجِ تَتَحَرَّكُ في العَرْضِ فَتَقْرُبُ مِن مُعَدَّلِ النَّهارِ فَإنْ كانَ هَذا حَقًّا يَجِبُ أنْ يَثْبُتَ فَلَكًا آخَرَ يُحَرِّكُ فَلَكَ البُرُوجِ هَذِهِ الحَرَكَةَ ثُمَّ إنَّ المِنطَقَةَ إنْ تَحَرَّكَتْ في العَرْضِ أمْكَنَ أنْ تَتِمَّ الدَّوْرَةُ وأمْكَنَ أنْ لا تُتِمَّها بَلْ تَتَحَرَّكُ إلى غايَةٍ ما ثُمَّ تَعُودُ وتِلْكَ الغايَةُ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بَعْدَ انْطِباقِها عَلى مِنطَقَةِ المُعَدَّلِ مَرَّتَيْنِ أوْ حالَ انْطِباقِها الثّانِي أوْ فِيما بَيْنَ الِانْطِباقَيْنِ وذَلِكَ إمّا بَعْدَ قِطَعِ نِصْفِ دَوْرَتِها أوْ حالَ قَطْعِ النِّصْفِ أوْ قَبْلَهُ وإنْ لَمْ تَصِلْ إلى ما بَيْنَ الِانْطِباقَيْنِ فَإمّا أنْ تَعُودَ حالَ انْطِباقِها الأوَّلِ أوْ قَبْلَ ذَلِكَ وثَمانِيَةُ احْتِمالاتٍ عَقْلِيَّةٍ لا مَزِيدَ عَلَيْها وعَلى التَّقْدِيراتِ الخَمْسِ الأُوَلِ يَتَبادَلُ نِصْفا سَطْحِ فَلَكِ البُرُوجِ الشَّمالِيِّ والجَنُوبِيِّ فَيَصِيرُ نِصْفُ سَطْحِ فَلَكِ البُرُوجِ الَّذِي هو شَمالِيٌّ عَنِ المُعَدَّلِ جَنُوبًا عَنْهُ وبِالعَكْسِ مَعَ ما يَتْبَعُ النِّصْفَيْنِ مِنَ الأحْكامِ فَتَثْبُتُ أحْكامُ النِّصْفِ الشَّمالِيِّ لِلنِّصْفِ الجَنُوبِيِّ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ شَمالِيًّا وأحْكامُ الجَنُوبِيِّ لِلشَّمالِيِّ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ جَنُوبِيًّا وفي الثَّلاثَةِ الأُولى مِنها يَنْطَبِقُ كُلُّ واحِدٍ مِنها نِصْفَيْ مِنطَقَةِ البُرُوجِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن نِصْفَيْ مِنطَقَةِ المُعَدَّلِ وعَلى التَّقْدِيراتِ الباقِيَةِ بَعْدَ الخَمْسَةِ الأُولى لا يَتَبادَلُ غَيْرُ البَعْضِ مِنَ السَّطْحِ المَذْكُورِ وعَلى التَّقْدِيراتِ السَّبْعَةِ الأُولى يَنْطَبِقُ النِّصْفُ مِن مِنطَقَةِ فَلَكِ البُرُوجِ عَلى النِّصْفِ المُجاوِرِ لَهُ مِن مِنطَقَةِ المُعَدَّلِ وعِنْدَ كُلِّ انْطِباقٍ يَتَساوى اللَّيْلُ والنَّهارُ في جَمِيعِ البِقاعِ لِأنَّ مَدارَ الشَّمْسِ هو المُعَدَّلُ المُنَصَّفُ بِالآفاقِ القاطِعَةِ لَهُ وتَبْطُلُ فُصُولُ السَّنَةِ لِأنَّ بُعْدَ الشَّمْسِ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ يَكُونُ شَيْئًا واحِدًا هو مِقْدارُ عَرْضِ البَلَدِ ويَسْتَمِرُّ الحالُ عَلى هَذا إلى أنْ تَفْتَرِقَ المِنطَقَتانِ بِمِقْدارٍ يُحَسُّ بِهِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ الِانْطِباقِ وتَساوِي المَلَوَيْنِ وبُطْلانُ الفُصُولِ إلّا أنَّ الِارْتِفاعاتِ ومَقادِيرَ الأيّامِ واللَّيالِي لِأجْزاءَ بِعَيْنِها مِن فَلَكِ البُرُوجِ تَزِيدُ وتَنْقُصُ في بُقْعَةٍ بِعَيْنِها. انْتَهى مُلَخَّصًا. ولا يَخْفى أنَّهُ مِن لَوازِمِ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّبادُلِ النّاشِئِ عَنِ الِانْطِباقِ مَرَّتَيْنِ انْطِباقُ قُطْبِ البُرُوجِ الجَنُوبِيِّ عَلى قُطْبِ العالَمِ الشَّمالِيِّ وعَكْسُهُ وصَيْرُورَةُ بُرُوجِ الخَرِيفِ بُرُوجَ الرَّبِيعِ وعَكْسُهُ وبُرُوجُ الصَّيْفِ بُرُوجَ الشِّتاءِ وعَكْسُهُ وانْعِكاسُ تَوالِي البُرُوجِ إلى خِلافِهِ فَيَطْلُعُ الحُوتُ ثُمَّ الدَّلْوُ ثُمَّ الجَدْيُ وهَكَذا إلى الحَمَلِ وتَوافُقُ حَرَكَةِ ما حَرَكَتُهُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ولَيْسَ صَيْرُورَةُ المَشْرِقِ مَغْرِبًا والمَغْرِبِ مَشْرِقًا مِن لَوازِمِ الِانْطِباقِ المَذْكُورِ بَلْ لا يُتَصَوَّرُ أصْلًا نَعَمْ لَوْ كانَ المُدَّعى انْطِباقَ مِنطَقَةِ المُعَدَّلِ عَلى مِنطَقَةِ فَلَكِ البُرُوجِ بِحَيْثُ تَكُونُ الحَرَكَةُ لِلْمُعَدَّلِ نَحْوَ المِنطَقَةِ لِتَصَوُّرِ ما ذُكِرَ لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ السَّيِّدُ السَّنَدُ فِيما مَرَّ وقَدْ فَرَضَ عَدَمَ الِامْتِناعِ فَتَدَبَّرْ والِانْتِظارُ في الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى التَّمْثِيلِ المَبْنِيِّ عَلى تَشْبِيهِ حالِ صفحة 65 هَؤُلاءِ الكُفّارِ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والتَّمادِي عَلى العِنادِ إلى أنْ تَأْتِيَهم تِلْكَ الأُمُورُ الهائِلَةُ الَّتِي لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ عِنْدَ مُشاهَدَتِها البَتَّةَ بِحالِ مُنْتَظِرِينَ لَها وهَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنِ التَّفْسِيرِ بَعْدَ أنْ صَحَّتْ نِسْبَةُ بَعْضِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والبَعْضِ الآخَرِ إلى بَعْضِ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ولَيْسَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ ما يَأْباهُ ولا أنَّ المَقامَ إنَّما يُساعِدُ عَلى ما سِواهُ وقِيلَ: المُرادُ بِإتْيانِ المَلائِكَةِ وإتْيانِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ ما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ وبِقَوْلِهِ ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ وبِإتْيانِ بَعْضِ الآياتِ غَيْرُ ما ذُكِرَ كَما اقْتَرَحُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن عَظائِمِ الآياتِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها إيمانَهم وجُوِّزَ حَمْلُ بَعْضِ الآياتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ عَلى ما يَعُمُّ مُقْتَرَحاتِهِمْ وغَيْرَها مِنَ الدَّواهِي العِظامِ السّالِبَةِ لِلِاخْتِيارِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ التَّكْلِيفِ وهو كَلامٌ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِالدُّونِ ولَكِنْ إذا صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِيٌّ والتَّعْبِيرُ بِالبَعْضِ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ كَما أنَّ إضافَةَ الآياتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُنْبِئِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ لِذَلِكَ وإضافَتَهُ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلتَّشْرِيفِ وتَنْكِيرُ ﴿نَفْسًا﴾ لِلتَّعْمِيمِ وجُمْلَةُ ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ صِفَةٌ لَنَفْسًا فُصِلَ بَيْنَهُما بِالفاعِلِ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِ المَوْصُوفِ ولا ضَيْرَ فِيهِ لِأنَّهُ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ مِنهُ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ وجُوِّزَ كَوْنُها اسْتِئْنافِيَّةً و( يَوْمَ ) مَنصُوبٌ بِلا يَنْفَعُ وامْتِناعُ عَمَلِ ما بَعْدَ لا فِيما قَبْلَها إنَّما هو عِنْدَ وُقُوعِها جَوابَ القَسَمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَأْتِيهِمْ ) بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وقُرِئَ ( يَوْمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ هو الجُمْلَةُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ لا يَنْفَعُ فِيهِ وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وابْنُ سِيرِينَ ( لا تَنْفَعُ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ وخَرَّجَها ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى أنَّها مِن بابِ قُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ فالمُضافُ فِيهِ قَدِ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ شَبِيهًا بِما يُسْتَغْنى عَنْهُ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ التَّأْنِيثَ لِتَأْوِيلِ الإيمانِ بِالعَقِيدَةِ والمَعْرِفَةِ مِثْلَ جاءَتْهُ كِتابِي فاحْتَقَرَها عَلى مَعْنى الصَّحِيفَةِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿آمَنَتْ﴾ والكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى نَفْيِ التَّرْدِيدِ المُسْتَلْزِمِ لِلْعُمُومِ المُفِيدِ بِمَنطُوقِهِ لِاشْتِراطِ عَدَمِ النَّفْعِ بِعَدَمِ الأمْرَيْنِ مَعًا الإيمانُ المُقَدَّمُ والخَيْرُ المَكْسُوبُ فِيهِ وبِمَفْهُومِهِ لِاشْتِراطِ النَّفْعِ بِتَحَقُّقِ أحَدِهِما بِطْرِيقِ مَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الِانْفِصالِ الحَقِيقِيِّ والمَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا لَمْ يَصْدُرْ عَنْها مِن قِبَلِ الإيمانِ المُجَرَّدِ أوِ الخَيْرِ المَكْسُوبِ فِيهِ فَيَتَحَقَّقُ الخَيْرُ بِأيِّهِما كانَ حَسْبَما تَنْطِقُ بِهِ النُّصُوصُ الكَرِيمَةُ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: إنَّ التَّرْدِيدَ بَيْنَ النَّفْيَيْنِ المُرادُ نَفْيُ العُمُومِ لا عُمُومَ النَّفْيِ والمَعْنى أنَّهُ يَنْفَعُ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا غَيْرَ مُقَدِّمَةٍ إيمانَها أوْ مُقَدِّمَةً إيمانَها غَيْرَ كاسِبَةٍ فِيهِ خَيْرًا وهَذا صَرِيحٌ فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أنَّ الإيمانَ المُجَرَّدَ عَنِ العَمَلِ لا يُعْتَبَرُ ولا يَنْفَعُ صاحِبَهُ ولَمْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ كَما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ لِأنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ حالِيَّةٌ أوْ مَقالِيَّةٌ عَلى خِلافِهِ وهُنا قَدْ قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى خِلافِهِ فَإنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ عُمُومُ النَّفْيِ لُغِيَ ذِكْرُ اشْتِراطِ عَدَمِ النَّفْعِ بِالخُلُوِّ عَنْ كَسْبِ الخَيْرِ في الإيمانِ ضَرُورَةَ أنَّهُ إذا انْتَفى الإيمانُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ انْتَفى كَسْبُ الخَيْرِ فِيهِ قَطْعًا عَلى أنَّ المُوجِبَ لِلْخُلُودِ في النّارِ هو عَدَمُ الإيمانِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِعَدَمِ صفحة 66 كَسْبِ الخَيْرِ دَخْلٌ ما في ذَلِكَ أصْلًا فَيَكُونُ ذِكْرُهُ بِصَدَدِ بَيانِ ما يُوجِبُ الخُلُودَ لَغْوًا مِنَ الكَلامِ أيْضًا. وأجابَ شَيْخُ الإسْلامِ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ المَقْصُودَ بِوَصْفِ النَّفْسِ بِالعَدَمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مُجَرَّدُ بَيانِ إيجابِهِما لِلْخُلُودِ فِيها وعَدَمُ نَفْعِ الإيمانِ الحادِثِ في إنْجائِها عَنْهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ وإلّا لَكَفى في البَيانِ أنْ يُقالَ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها الحادِثُ بَلِ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن وصْفِها بِذَيْنِكَ العَدَمَيْنِ في أثْناءِ عَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ الحادِثِ تَحْقِيقُ أنَّ مُوجِبَ النَّفْعِ إحْدى مِلْكِيَّتِهِما أعْنِي الإيمانَ السّابِقَ والخَيْرَ المَكْسُوبَ فِيهِ لِما ذُكِرَ مِنَ الطَّرِيقَةِ والتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِهِما في ضِمْنِ التَّحْذِيرِ مِن تَرْكِهِما ولا سَبِيلَ إلى أنْ يُقالَ: كَما أنَّ عَدَمَ الأوَّلِ مُسْتَقِلٌّ في إيجابِ الخُلُودِ في النّارِ فَيَلْغُو ذِكْرُ عَدَمِ الثّانِي كَذَلِكَ وُجُودُ مُسْتَقِلٍّ في إيجابِ الخَلاصِ عَنْها فَيَكُونُ ذِكْرُ الثّانِي لَغْوًا لِما أنَّهُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ كَيْفَ لا والخُلُودُ فِيها أمْرٌ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَعَدُّدُ العِلَلِ وأمّا الخَلاصُ مِنها مَعَ دُخُولِ الجَنَّةِ فَلَهُ مَراتِبُ بَعْضُها مُتَرَتِّبٌ عَلى نَفْسِ الإيمانِ وبَعْضُها عَلى فُرُوعِهِ المُتَفاوِتَةِ كَمًّا وكَيْفًا. ولَمْ يَقْتَصِرْ إتْيانُ ما يُوجِبُ أصْلَ النَّفْعَ وهو الإيمانُ السّابِقُ مَعَ أنَّهُ المُقابِلُ بِما لا يُوجِبُهُ أصْلًا وهو الإيمانُ الحادِثُ بَلْ قُرِنَ بِهِ ما يُوجِبُ النَّفْعَ الزّائِدَ أيْضًا إرْشادًا إلى تَحَرِّيَ الأعْلى وتَنْبِيهًا عَلى كِفايَةِ الأدْنى وإقْناطًا لِلْكَفَرَةِ عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةُ مِن أعْمالِ البِرِّ الَّتِي عَمِلُوها في الكُفْرِ مِمّا هو مِن بابِ المَكارِمِ وأنَّ الإيمانَ الحادِثَ كَما لا يَنْفَعُهم وحْدَهُ لا يَنْفَعُهم بِانْضِمامِ أعْمالِهِمُ السّابِقَةُ واللّاحِقَةُ ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تَقُولَ: المَقْصُودُ بِوَصْفِ النَّفْسِ بِما ذُكِرَ مِنَ العَدَمَيْنِ التَّعْرِيضُ بِحالِ الكَفَرَةِ في تَمَرُّدِهِمْ وتَفْرِيطِهِمْ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ الواجِبَيْنِ عَلَيْهِمْ وإنْ كانَ وُجُوبُ أحَدِهِما مَنُوطًا بِالآخَرِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ) تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ طُغْيانِهِمْ وإيذانًا بِتَضاعُفِ عِقابِهِمْ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ . انْتَهى. ( وقِيلَ ) في دَفْعِ اللُّغَوِيَّةِ غَيْرُ ذَلِكَ وأجابَ بَعْضُهم عَنْ مُتَمَسَّكِ المُعْتَزِلَةِ بِأنَّ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما سُمِّيَ في عِلْمِ البَلاغَةِ بِاللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ولا كَسْبُها في إيمانِها خَيْرًا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ لَمْ تَكُنْ كَسَبَتْ خَيْرًا فاقْتَصَرَتْ لِلْعِلْمِ بِهِ وفِيهِ خَفاءٌ لا يَخْفى ومِثْلُهُ ما تَفَطَّنَ لَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وإنْ تَمَّ الكَلامُ بِهِ مِن غَيْرِ لَفٍّ ولا اعْتِبارِ اقْتِصارٍ وهو أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ إذا لَمْ يَحْصُلْ قَبْلُ ولا بِاعْتِبارِ العَمَلِ إذا لَمْ يُعْمَلْ قَبْلُ ونَفَعَ الإيمانُ بِاعْتِبارِ العَمَلِ أنْ يَصِيرَ سَبَبًا لِقَبُولِ العَمَلِ فَإنَّ العِبارَةَ لا تَحْتَمِلُهُ ولا يُفْهَمُ مِنها مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيرٍ في نَظْمِ الكَلامِ وقالَ مَوْلانا ابْنُ الكَمالِ: إنَّ المُرادَ بِالإيمانِ في الآيَةِ المُعَرَّفَةِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قِراءَةُ ( لا تَنْفَعُ ) بِالتّاءِ ويَكْسِبُ الخَيْرُ الإذْعانَ ونَحْنُ مَعاشِرَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ نَقُولُ بِما هو مُوجِبٌ النَّصَّ مِن أنَّ الإيمانَ النّافِعَ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ ولا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُخالِفِ لِأنَّ مَبْناها حَمْلُ الإيمانِ عَلى المَعْنى الِاصْطِلاحِيِّ المُخْتَرَعِ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ وتَخْصِيصُ الخَيْرِ بِما يَكُونُ بِالجَوارِحِ وكُلٌّ مِنهُما خِلافُ الأصْلِ والظّاهِرِ ولَوْ سُلِّمَ فَنَقُولُ: الإيمانُ النّافِعُ لا بُدَّ فِيهِ مِن أمْرَيْنِ الِاعْتِقادُ بِالقَلْبِ والإقْرارُ بِاللِّسانِ وقَدْ عُبِّرَ عَنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿آمَنَتْ﴾ وعَنِ الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَسَبَتْ﴾ فالكَسْبُ يَكُونُ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ ومِنها اللِّسانُ فَمَنطُوقُ الآيَةِ عَلى مَذْهَبِنا. انْتَهى. ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الألْفاظَ المُسْتَعْمَلَةَ في كَلامِ الشّارِعِ حَقائِقُ شَرْعِيَّةٌ يَتَبادَرُ مِنها ما عُلِمَ بِلا قَرِينَةٍ والإيمانُ وإنْ صَحَّ أنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هو تَصْدِيقُ القَلْبِ مُطْلَقًا وإنِ اسْتُعْمِلَ في التَّصْدِيقِ الخاصِّ إلّا صفحة 67 أنَّ المُتَبادَرَ مِنهُ هَذا التَّصْدِيقُ وحِينَئِذٍ فَكَلامُ هَذا العَلّامَةِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ وأجابَ القاضِي البَيْضاوِيُّ بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ بِأنَّ لِمَنِ اعْتَبَرَ الإيمانَ المُجَرَّدَ عَنِ العَمَلِ وقالَ بِأنَّهُ يَنْفَعُ صاحِبَهُ حَيْثُ يُخَلِّصُهُ عَنِ الخُلُودِ في النّارِ تَخْصِيصُ هَذا الحُكْمِ بِذَلِكَ أيْ أنَّ هَذا الحُكْمَ أعْنِي عَدَمَ نَفْعِ الإيمانِ المُجَرَّدِ لِصاحِبِهِ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ اليَوْمِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ فِيهِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ النَّفْعِ هو ما حَدَثَ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ نَفْعِ ما حَدَثَ فِيهِ عَدَمُ نَفْعِ الإيمانِ السّابِقِ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مُجَرَّدًا عَنِ العَمَلِ كَما قِيلَ لِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَخْصِيصِ الحُكْمِ في شَيْءٍ بَلْ هو تَخْصِيصُ المَحْكُومِ عَلَيْهِ قَدْ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى اشْتِمالِ الآيَةِ عَلى اللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ كَما أشَّرْنا إلَيْهِ ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ تَخْصِيصُ الحُكْمِ بِعَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ الحادِثِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِهِ أيْضًا ولا قائِلَ بِهِ إذْ هو لا يَنْفَعُ صاحِبَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ بِالِاتِّفاقِ ويُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأنَّ التَّخْصِيصَ في حُكْمِ عَدَمِ النَّفْعِ إنَّما يُلاحَظُ بِالنَّظَرِ إلى الإيمانِ المُجَرَّدِ وبِاعْتِبارِهِ فَقَطْ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ الإيمانُ الغَيْرُ السّابِقِ إلَيْهِ صاحِبَهُ فِيهِ ولا الإيمانُ الغَيْرُ المُكْتَسَبِ فِيهِ الخَيْرُ وإنْ نَفَعَ هو بِالآخِرَةِ إلّا أنَّ في هَذا تَخْصِيصًا في الحُكْمِ والمَحْكُومِ بِهِ فَتَأمَّلْ وبِأنَّ لَهُ أيْضًا صُرِفَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( كَسَبَتْ ) عَنْ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ( آمَنَتْ ) إلى عَطْفِهِ إلى ( لَمْ تَكُنْ ) لَكِنْ بَعْدَ جَعْلِ أوْ بِمَعْنى الواوِ وحَمْلِ الإيمانِ في ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها﴾ عَلى الإيمانِ الحادِثِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وإذا لَمْ يَنْفَعُ ذَلِكَ مَعَ كَسْبِ الخَيْرِ فِيهِ يُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ نَفْعِهِ بِدُونِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا الِاحْتِمالِ يَضُرُّ بِالِاسْتِدْلالِ ونَحْنُ بِصَدَدِ الطَّعْنِ بِاسْتِدْلالِهِمْ فَلا يَضُرُّنا أنَّ فِيهِ نَوْعَ بُعْدٍ ومِن عَجِيبِ ما وقَفْتُ عَلَيْهِ لِبَعْضِ فُضَلاءِ الرُّومِ في الجَوابِ أنَّ أوْ بِمَعْنى إلّا وبَعْدَها مُضارِعٌ مُقَدَّرٌ مِثْلُها في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ التّاسِعَةِ: فَواللَّهِ ما تَمَضْمَضَتْ مُقْلَتِي بِنَوْمِها ولا تَمَخَّضَتْ لَيْلَتِي عَنْ يَوْمِها أوْ ألْفَيْتُ أبا زَيْدٍ السُّرُوجِيَّ والأصْلُ أوْ يَكُونُ كَسَبَ أيْ إلّا أنْ يَكُونَ والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ المُبالَغَةُ في نَفْيِ النَّفْيِ بِتَعْلِيقِهِ بِالمُحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ . ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ في رَأْيٍ وقَوْلِ الشّاعِرِ. ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وحاصِلُ المَعْنى فِيما نَحْنُ فِيهِ إذا جاءَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ يَنْفَعُ الإيمانُ نَفْسًا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ إلّا أنْ تَكُونَ تِلْكَ النَّفْسُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ كَسَبَتْ في الإيمانِ خَيْرًا قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ وكَسْبُ الخَيْرِ في الإيمانِ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ لِلنَّفْسِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ قَبْلُ مُمْتَنِعٌ فالنَّفْعُ المَطْلُوبُ أوْلى بِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا وقَدْ أُجِيبَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِوُجُوهٍ أُخَرَ وحاصِلُ جَمِيعِ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ لِما فِيها مِنَ الِاحْتِمالاتِ لا تَكُونُ مُعارِضَةً لِلنُّصُوصِ القَطْعِيَّةِ المُتُونِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا يَشُوبُها مِثْلُ ذَلِكَ الصّادِحَةِ بِكِفايَةِ الإيمانِ المُجَرَّدِ عَنِ العَمَلِ في الإنْجاءِ مِنَ العَذابِ الخالِدِ ولَوْ بَعْدَ اللَّتِيا والَّتِي وبَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ أنَّ الخَيْرَ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ ويَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نَفْعُ الإيمانِ بِمُجَرَّدِ الخَيْرِ ولَوْ واحِدًا ولَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَهم فَإنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ داخِلَةٌ في الخَيْرِ عِنْدَهم. ﴿قُلِ﴾ لَهم بَعْدَ بَيانِ حَقِيقَةِ الحالِ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ ﴿انْتَظِرُوا﴾ ما تَنْتَظِرُونَهُ مِن إتْيانِ أحَدِ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (158) لِذَلِكَ وحِينَئِذٍ نَفُوزُ وتَهْلَكُونَ قِيلَ: في هَذا تَأْيِيدٌ لِكَوْنِ المُرادِ بِما يَنْتَظِرُونَهُ إتْيانَ مَلائِكَةِ العَذابِ أوِ إتْيانَ أمْرِهِ تَعالى بِهِ وعِدَةً ضِمْنِيَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِمُعايَنَتِهِمْ بِما يَحِيقُ صفحة 68 بِالكَفَرَةِ مِنَ العِقابِ ولَعَلَّ ذَلِكَ هو الَّذِي شاهَدُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ.

الأنعام 6:159

﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى أيْ بَدَّدُوا دَيْنَهم وبَعَّضُوهُ فَتَمَسَّكَ بِكُلِّ بَعْضٍ مِنهُ فِرْقَةٌ مِنهم وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( فارَقُوا ) بِالألِفِ أيْ بايَنُوا فَإنَّ تَرْكَ بَعْضِهِ وإنْ كانَ بِأْخْذِ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ تَرْكُ الكُلِّ أوْ مُفارَقَةٌ لَهُ ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ أيْ فِرَقًا تُشَيِّعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامًا وتَتْبَعُهُ أوْ تُقَوِّيهِ وتُظْهِرُ أمْرَهُ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً وافْتَرَقَتِ النَّصارى عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً وسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً» واسْتِثْناءُ الواحِدَةِ مِن فِرَقِ كُلٍّ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى العَصْرِ الماضِي قَبْلَ النَّسْخِ وأمّا بَعْدَهُ فالكُلُّ في الهاوِيَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أسْبابُ دُخُولِهِمْ ومِن غَرِيبِ ما وقَعَ أنَّ بَعْضَ مُتَعَصِّبِي الشِّيعَةِ الأمامِيَّةِ مِن أهْلِ زَمانِنا واسْمُهُ حَمَدٌ رَوى بَدَلَ إلّا واحِدَةً في هَذا الخَبَرِ إلّا فِرْقَةً وقالَ: إنَّ فِيهِ إشارَةً إلى نَجاةِ الشِّيعَةِ فَإنَّ عَدَدَ لَفْظِ فِرْقَةٍ بِالجُمَلِ وعَدَدَ لَفْظِ شِيعَةٍ سَواءٌ فَكَأنَّهُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إلّا الشِّيعَةَ والمَشْهُورُ بِهَذا العُنْوانِ هُمُ الشِّيعَةُ الإمامِيَّةُ فَقُلْتُ لَهُ بَعْدَ عِدَّةِ تَزْيِيفاتٍ لِكَلامِهِ: يَلْزَمُ هَذا النَّوْعُ مِنَ الإشارَةِ أنْ تَكُونَ كَلْبًا لِأنَّ عَدَدَ كَلْبٍ وعَدَدَ حَمَدٍ سَواءٌ فَأُلْقِمَ الكَلْبُ حَجَرًا. ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ أيْ مِنَ السُّؤالِ عَنْهم والبَحْثِ عَنْ تَفَرُّقِهِمْ أوْ مِن عِقابِهِمْ أوْ أنْتَ بَرِيءٌ مِنهم وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا وعْدًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالعِصْمَةِ عَنْهم أيْ لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ مِنَ الضَّرَرِ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ نُهِيَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِقِتالِهِمْ ثُمَّ نُسِخَ بِما في سُورَةِ بَراءَةٌ و( مِنهم ) في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّهُ صِفَةٌ نَكِرَةٌ قُدِّمَتْ عَلَيْها ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّفْيِ المَذْكُورِ أيْ هو يَتَوَلّى وحْدَهُ أمْرَ أُولاهم وآخِرَتِهِمْ ويُدَبِّرُهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وقِيلَ: المُفَرِّقُونَ أهْلُ البِدَعِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ فَقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ وابْنُ مَرْدُوَيْهَ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ .. إلَخْ. هم أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهم عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها يا عائِشُ إنَّ الَّذِينَ فارَقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا هم أصْحابُ البِدَعِ وأصْحابُ الأهْواءِ وأصْحابُ الضَّلالَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ لَيْسَ لَهم تَوْبَةٌ وأنا مِنهم بَرِيءٌ وهم مُنِّيَ بُرَآءُ» فَيَكُونُ الكَلامُ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ حالِ المُبْتَدِعِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ إشارَةً إلى أنَّهم لَيْسُوا مِنهم بِبَعِيدٍ ولَعَلَّ جُمْلَةَ ﴿إنَّما أمْرُهُمْ﴾ .. إلَخْ. عَلى هَذا لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ وإنَّما هي لِلْوَعِيدِ عَلى ما فَعَلُوا أيْ أنَّ رُجُوعَهُمُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (159) في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ بِالعِقابِ عَلَيْهِ

الأنعام 6:160

﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَقادِيرِ أجِزْيَةِ العامِلِينَ وقَدْ صُدِّرَ بِبَيانِ صفحة 69 أجِزْيَةِ المُحْسِنِينَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أضْدادِهِمْ أيْ مَن جاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالخَصْلَةِ الواحِدَةِ مِن خِصالِ الطّاعَةِ أيِّ خَصْلَةٍ كانَتْ وقِيلَ: التَّوْحِيدُ ونُسِبَ إلى الحَسَنِ ولَيْسَ بِالحَسَنِ ﴿فَلَهُ عَشْرُ﴾ حَسَناتٍ ﴿أمْثالِها﴾ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ يَعْقُوبُ ( عَشْرٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( أمْثالُها ) بِالرَّفْعِ عَلى الوَصْفِ وهَذا أقَلُّ ما وعَدَ مِنَ الأضْعافِ وقَدْ جاءَ الوَعْدُ بِسَبْعِينَ وسَبْعِمِائَةٍ وبِغَيْرِ حِسابٍ ولِذَلِكَ قِيلَ: المُرادُ بِالعَشْرِ الكَثْرَةُ لا الحَصْرُ في العَدَدِ الخاصِّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأعْرابِ خاصَّةً وأمّا المُهاجِرُونَ فالحَسَنَةُ مُضاعَفَةٌ لَهم سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ والظّاهِرُ العُمُومُ. وتَجْرِيدُ ﴿عَشْرُ﴾ مِنَ التّاءِ لِكَوْنِ المَعْدُودِ مُؤَنَّثًا كَما أشَرْنا إلَيْهِ لَكِنَّهُ حُذِفَ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ وقِيلَ: إنَّهُ المَذْكُورُ إلّا أنَّهُ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ كائِنًا مَن كانَ مِنَ العالَمِينَ ﴿فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ بِحُكْمِ الوَعْدِ واحِدَةً بِواحِدَةٍ وإيجابُ كُفْرِ ساعَةٍ عِقابُ الأبَدِ لِأنَّ الكافِرَ عَلى عَزْمِ أنَّهُ لَوْ عاشَ أبَدًا لَبَقِيَ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ أبَدًا ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ (160) بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ فَإنَّ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى لا يُعَدُّ ظُلْمًا إذْ لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُعَذِّبَ المُطِيعَ ويُثِيبَ العاصِيَ وقِيلَ: المَعْنى يُنْقَصُونَ في الحَسَناتِ مِن عَشْرِ أمْثالِها وفي السَّيِّئَةِ مِن مِثْلِها في مَقامِ الجَزاءِ. ومِنَ المُعْتَزِلَةِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ واخْتُلِفَ في تَقْرِيرِهِ فَقِيلَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أنَّ أحَدَ أدِلَّةِ الأشاعِرَةِ عَلى النَّفْيِ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُسْتَبِدٍّ في إيجادِ فِعْلِهِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ فَلا يَحْكُمُ العَقْلُ بِالِاسْتِقْلالِ عَلى تُرَتِّبُ الثَّوابِ والعِقابِ عَلَيْهِ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ .. إلَخْ. صَرِيحٌ في أنَّ العَبْدَ مُسْتَبِدٌّ مُخْتارٌ في فِعْلِهِ الحَسَنِ والقَبِيحِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ يَثْبُتُ الحُسْنُ والقُبْحُ العَقْلِيّانِ وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى اسْتِبْدادِ العَبْدِ غايَةَ ما فِيها أنَّها تَدُلُّ عَلى المُباشَرَةِ وهم لا يُنْكِرُونَها وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى فِعْلًا حَسَنًا ولَوْ كانَ حُسْنَ الأفْعالِ لِكَوْنِها مَأْمُورَةً أوْ مَأْذُونًا فِيها لَما كانَ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى حُسْنًا إذْ هو غَيْرُ مَأْمُورٍ ولا مَأْذُونٍ وأيْضًا لَوْ تَوَقَّفَ مَعْرِفَةُ الحُسْنِ والقُبْحِ عَلى وُرُودِ الشَّرْعِ لَما كانَتْ أفْعالُهُ تَعالى حَسَنَةً قَبْلَ الوُرُودِ وهو خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ. وأُجِيبَ أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنّا لا نَدَّعِي أنَّهُ لا حَسَنَ إلّا ما أمَرَ بِهِ أوْ أذِنَ في فِعْلِهِ حَتّى يُقالَ: يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أفْعالُ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ حَسَنَةٍ إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِها أوْ مَأْذُونًا فِيها بَلْ ما أمَرَ الشّارِعُ بِفِعْلِهِ أوْ أذِنَ فِيهِ فَهو حَسَنٌ ولا يَنْعَكِسُ كَنَفْسِهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ الفِعْلُ حَسَنًا بِاعْتِبارِ مُوافَقَةِ الغَرَضِ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالثَّناءِ عَلى فاعِلِهِ وبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى حَسَنًا سَواءً وافَقَ الغَرَضَ أوْ خالَفَ وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ وإنْ فُسِّرا بِوُرُودِ الشَّرْعِ بِالمَنعِ والإطْلاقِ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا حُسْنَ ولا قُبْحَ إلّا بِالشَّرْعِ حَتّى يَلْزَمَنا ذَلِكَ بَلِ الحُسْنُ والقُبْحُ أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ كَما عُرِفَ في مَوْضِعِهِ ولا يَلْزَمُ مِن تَحَقُّقِ مَعْنى الحُسْنِ والقُبْحِ بِغَيْرِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِالمَنعِ والإطْلاقِ أنْ يَكُونَ ذاتِيًّا لِلْأفْعالِ ولا يَخْفى عَلى المُطَّلِعِ أنَّ قَوْلَهم: لَوْ كانَ حَسَنَ الأفْعالِ .. إلَخْ. وقَوْلَهم: لَوْ تَوَقَّفَ مَعْرِفَةُ الحُسْنِ والقُبْحِ .. إلَخْ. شُبْهَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ مِن شُبَهٍ عَشَرَةٍ إلْزامِيَّةٍ ذَكَرَها الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ صفحة 70 وأنَّ كُلًّا مِنَ التَّقْرِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ لا يَخْلُو بَعْدُ عَنْ نَظَرٍ فَتَدَبَّرْ.

الأنعام 6:161

﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾ أمْرٌ لَهُ ﷺ بِأنْ يُبَيِّنَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي يَدَّعِي المُفَرِّقُونَ أنَّهم عَلَيْهِ وقَدْ فارَقُوهُ بِالكُلِّيَّةِ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُفَرِّقِينَ أوْ لِلنّاسِ كافَّةً: أرْشَدَنِي رَبِّي بِالوَحْيِ وبِما نُصِبَ في الآفاقِ والأنْفُسِ مِنَ الآياتِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُوَصِّلٍ إلى الحَقِّ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿دِينًا﴾ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ﴿إلى صِراطٍ﴾ إذِ المَعْنى فَهَدانِي صِراطًا نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أوْ مَفْعُولُ فِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ هَدانِي أوْ أعْطانِي أوْ عَرَّفَنِي دِينًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِلْمَذْكُورِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قِيَمًا﴾ مَصْدَرٌ كالصِّغَرِ والكِبَرِ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ذا قِيَمٍ والقِياسُ قِوَمًا كَعِوَضٍ وحِوَلٍ فاعِلٌ تَبَعًا لِإعْلالِ فِعْلِهِ أعْنِي قامَ كالقِيامِ وقَرَأ كَثِيرٌ ( قَيِّمًا ) وهو فَيْعَلٌ مِن قامَ أيْضًا كَسَيِّدٍ مِن سادَ وهو عَلى ما قِيلَ أبْلَغُ مِنَ المُسْتَقِيمِ بِاعْتِبارِ الهَيْئَةِ والمُسْتَقِيمُ أبْلَغُ مِنهُ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ المادَّةِ والهَيْئَةِ وقِيلَ: أبْلَغِيَّةُ المُسْتَقِيمِ لِأنَّ السِّينَ لِلطَّلَبِ فَتُفِيدُ طَلَبَ القِيامِ واقْتِضاءَهُ ولا فَرْقَ بَيْنَ القَيِّمِ والمُسْتَقِيمِ في أصْلِ المَعْنى عِنْدَ الكَثِيرِ وفَسَّرُوا القَيِّمَ بِالثّابِتِ المُقَوِّمِ لِأمْرِ المَعاشِ والمَعادِ وجَعَلُوا المُسْتَقِيمَ مِنِ اسْتَقامَ الأمْرُ بِمَعْنى ثَبُتَ وإلّا لا يَتَأتّى ما ذُكِرَ وقِيلَ: المُسْتَقِيمُ مُقابِلُ المُعْوَجِّ والقَيِّمُ الثّابِتُ الَّذِي لا يُنْسَخُ ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ نُصِبَ بِتَقْدِيرِ أعْنِي أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَدِينًا بِناءً عَلى جَوازٍ تَخالُفِ البَيانِ والمُبَيَّنِ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ أوْ مُخْلِصًا لِلَّهِ تَعالى في العِبادَةِ وهو حالٌ مِن إبْراهِيمَ وقَدْ أطْبَقُوا عَلى جَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا مِنهُ أوْ بِمَنزِلَةِ الجُزْءِ حَيْثُ يَصِحُّ قِيامُهُ مَقامَهُ والعامِلُ في هَذِهِ الحالِ هو العامِلُ في المُضافِ وقِيلَ: مَعْنى الإضافَةِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ المُشْعِرِ بِهِ حَرْفُ الجَرِّ وقَدْ تَقَوّى هَذا المَعْنى هُنا بِما بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ مِنَ الجُزْئِيَّةِ أوْ شِبْهِها. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ أعْنِي حَنِيفًا ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (161) اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا عَلَيْهِ المُبْطِلُونَ وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ وفِيهِ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أهْلِ مَكَّةَ القائِلِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ واليَهُودِ القائِلِينَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ والنَّصارى القائِلِينَ: عِيسى ابْنُ اللَّهِ

الأنعام 6:162

﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ أيْ جِنْسَها لِتَشْمَلَ المَفْرُوضَةَ وغَيْرَها وأُعِيدَ الأمْرُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ وقِيلَ: لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ وما سَبَقَ بِأُصُولِها ﴿ونُسُكِي﴾ أيْ عِبادَتِي كُلَّها كَما قالَ الزَّجّاجُ والجُبّائِيُّ وهو مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ بِهِ الذَّبِيحَةُ لِلْحَجِّ والعُمْرَةِ وعَنْ قَتادَةَ الأُضْحِيَةُ وجَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصَّلاةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ عَلى المَشْهُورِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الحَجُّ أيْ إنَّ صَلاتِي وحَجِّي ﴿ومَحْيايَ ومَماتِي﴾ أيْ ما يُقارِنُ حَياتِي ومَوْتِي مِنَ الإيمانِ والعَمَلَ الصّالِحَ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمَحْيا والمَماتِ ظاهِرَهُما والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (162) صفحة 71 إذِ المُرادُ بِهِ الخُلُوصُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وقِيلَ المُرادُ بِهِ نَظَرًا لِهَذا الِاحْتِمالِ أنَّ ذَلِكَ لَهُ تَعالى مُلْكًا وقُدْرَةً

الأنعام 6:163

﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ أيْ في عِبادَتِي أوْ فِيها وفي الإحْياءِ والإماتَةِ وقَرَأ نافِعٌ ( مَحْيايَ ) بِإسْكانِ الياءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وفي رِوايَةٍ أنَّهُ كَسَرَ الياءَ وعَلى الرِّوايَةِ الأُولى إنَّما جازَ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِنِيَّةِ الوَقْفِ وفِيهِ يَجُوزُ ذَلِكَ فَطَعَنَ بَعْضُهم في ذَلِكَ بِأنَّ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ وهو لا يَجُوزُ لَيْسَ في مَحَلِّهِ وقَدْ رَوى هَذِهِ القِراءَةَ عَنْ نافِعٍ جَماعَةٌ وما قِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ عَنْها وإنَّهُ لا يَحِلُّ لِأحَدٍ نَقْلُها عَنْهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. ﴿وبِذَلِكَ﴾ أيِ القَوْلِ أوِ الإخْلاصِ ﴿أُمِرْتُ﴾ لا بِشَيْءٍ غَيْرِهِ ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ (163) أيِ المُنْقادِينَ إلى امْتِثالِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وقِيلَ: المُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ والمُرادُ مُسْلِمِي أُمَّتِهِ كَما قِيلَ وهَذا شَأْنُ كُلِّ نَبِيٍّ بِالنِّسْبَةِ إلى أُمَّتِهِ وقِيلَ: هَذا إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى نُورِي» .

الأنعام 6:164

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ إنْكارٌ لِبُغْيَةِ غَيْرِهِ تَعالى رَبًّا لا لِبُغْيَةِ الرَّبِّ ولِهَذا قُدِّمَ المَفْعُولُ ولَيْسَ التَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ إذِ المَقْصُودُ أغَيْرَ اللَّهِ أطْلُبُ رَبًّا وأجْعَلُهُ شَرِيكًا لَهُ وعَلى تَقْدِيرِ الِاخْتِصاصِ لا يَكُونُ إشْراكًا لِلْغَيْرِ بَلْ تَوْحِيدٌ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالُ التَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ وذَكَرَ في رَدِّ دَعْوَتِهِ إلى الغَيْرِ رَدَّ الِاخْتِصاصِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إشْراكَ الغَيْرِ بُغْيَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ لا بُغْيَةَ لَهُ سُبْحانَهُ إلّا بِتَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ وما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغَ مِن أغَيْرَ اللَّهِ أعْبُدُ ونَحْوِهِ كَما لا يَخْفى ﴿وهُوَ﴾ سُبْحانُهُ ﴿رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ أيْ والحالُ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ يُرْوى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِمَ ذُكِرَ أيْ أنَّ ما كَسَبَتْهُ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ الخَطايا مَحْمُولٌ عَلَيْها لا عَلى غَيْرِها حَتّى يَصِحَّ قَوْلُكم وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ أيْ نَفْسٌ آثِمَةٌ ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ الأوَّلُ اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْيُكْتَبْ عَلَيْنا ما عَمِلْتُمْ مِنَ الخَطايا لا عَلَيْكم والثّانِي اتَّبِعُوا لِنَحْمِلَ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُتِبَ عَلَيْكم مِنَ الخَطايا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكْسِبُ﴾ .. إلَخْ. رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَزِرُ﴾ .. إلَخْ. رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الثّانِي وقِيلَ: إنَّ جَوابَ قَوْلِهِمْ هو الثّانِي وإنَّ الأوَّلَ مِن جُمْلَةِ الجَوابِ عَنْ دَعْواهم إلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ يَعْنِي لَوْ أجَبْتُكم إلى ما دَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أكُنْ مَعْذُورًا بِأنَّكم سَبَقْتُمُونِي إلَيْهِ وقَدْ فَعَلْتُهُ مُتابَعَةً لَكم ومُطاوَعَةً فَلا يُفِيدُنِي ذَلِكَ شَيْئًا ولا يُنْجِينِي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ كَسْبَ كُلِّ أحَدٍ وعَمَلَهُ عَلَيْهِ ورَجَّحَهُ بَعْضُهم عَلى الأوَّلِ بِأنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكُلِّ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ وتَشْدِيدِ الوَعِيدِ أيْ إلى مالِكِ أمْرِكم رُجُوعُكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (164) بِبَيانِ الرُّشْدِ مِنَ الغَيِّ وتَمْيِيزِ الحَيِّ مِنَ اللَّيِّ.

الأنعام 6:165

﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ أيْ يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا كُلَّما مَضى قَرْنٌ جاءَ قَرْنٌ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن عالِمٍ مُدَبِّرٍ وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ أوْ جَعَلَكم خُلَفاءَ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ تَتَصَرَّفُونَ صفحة 72 فِيها كَما قِيلَ والخِطابُ عَلَيْهِما عامٌّ وقِيلَ: الخِطابُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ أيْ جَعَلَكم خُلَفاءَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في الفَضْلِ والغِنى كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ ﴿دَرَجاتٍ﴾ كَثِيرَةً مُتَفاوِتَةً ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ أيْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيكم لِيَنْظُرَ ماذا تَعْمَلُونَ مِمّا يُرْضِيهِ وما لا يُرْضِيهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ تَجْرِيدُ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ إضافَةِ اسْمِ الرَّبِّ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِإبْرازِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ ﴿سَرِيعُ العِقابِ﴾ أيْ عِقابُهُ سُبْحانَهُ الأُخْرَوِيُّ سَرِيعُ الإتْيانِ لِمَن لَمْ يُراعِ حُقُوقَ ما آتاهُ لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ أوْ سَرِيعُ التَّمامِ عِنْدَ إرادَتِهِ لِتَعالِيَهُ سُبْحانَهُ عَنِ اسْتِعْمالِ المَبادِئِ والآلاتِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعِقابِ عِقابُ الدُّنْيا كالَّذِي يَعْقُبُ التَّقْصِيرَ مِنَ البُعْدِ عَنِ الفِطْرَةِ وقَساوَةِ القَلْبِ وغِشاوَةِ الأبْصارِ وصَمِّ الأسْماعِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (165) لِمَن راعى حُقُوقَ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى كَما يَنْبَغِي. وفِي جَعْلِ خَبَرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الوارِدَيْنِ عَلى بِناءِ المُبالَغَةِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِاللّامِ مَعَ جَعْلِ خَبَرِ الأُولى صِفَةً جارِيَةً عَلى غَيْرِ مَن هي لَهُ ما لا يَخْفى مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ بِالذّاتِ لا تَتَوَقَّفُ مَغْفِرَتُهُ ورَحْمَتُهُ عَلى شَيْءٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» مُبالِغٌ في ذَلِكَ فاعِلٌ لِلْعُقُوبَةِ بِالعَرَضِ وبَعْدَ صُدُورِ ذَنْبٍ مِنَ العَبْدِ يَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ وما ألْطَفَ افْتِتاحَ هَذِهِ السُّورَةِ بِالحَمْدِ وخَتْمَها بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَنا الحَظَّ الأوْفَرَ مِنهُما إنَّهُ ولِيُّ الإنْعامِ ولَهُ الحَمْدُ في كُلِّ ابْتِداءٍ وخِتامٍ. * * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ بِاللَّهِ تَعالى وأثْبَتُوا وُجُودًا غَيْرَ وُجُودِهِ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ تَعالى ﴿ما أشْرَكْنا﴾ بِهِ سُبْحانَهُ شَيْئًا ﴿ولا﴾ أشْرَكَ ﴿آباؤُنا﴾ مِن قَبْلِنا ﴿ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقالُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ لِتَكْذِيبِهِمْ وهو الحِجابُ ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ﴾ فَتُخْرِجُوهُ لَنا بِالبَيانِ ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ لِأنَّكم مَحْجُوبُونَ في مَقامِ النَّفْسِ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ فَلَيْسَ لَكم حُجَّةٌ بَلْ لِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ عَلَيْكم لِأنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُهُ في الأزَلِ ولا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إلّا عَلى ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِهِ فَلَوْ لَمْ تَكُونُوا في أنْفُسِكم مُشْرِكِينَ سَيِّئِي الِاسْتِعْدادِ لَما شاءَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنكم ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ إذْ لَيْسَ في اسْتِعْدادِكُمُ الأزَلِيِّ ذَلِكَ. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخَرَ لَعَلَّها غَيْرُ خَفِيَّةٍ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ فَإنَّ إثْباتَ مَوْجُودٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾ أيِ الرُّوحِ والقَلْبِ أحْسِنُوا ﴿إحْسانًا﴾ بِرِعايَةِ حُقُوقِهِما ﴿ولا تَقْتُلُوا﴾ أيْ تُهْلِكُوا ﴿أوْلادَكُمْ﴾ قُواكم بِاسْتِعْمالِها في غَيْرِ ما هي لَهُ ﴿مِن إمْلاقٍ﴾ أيْ مِن أجْلِ فَقْرِكم مِنَ الفَيْضِ الأقْدَسِ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ بِأنْ نُفِيضَ عَلَيْكم وعَلَيْهِمْ ما تَتَغَذَّوْنَ بِهِ مِنَ المَعارِفِ بِمِقْدارِ إذا تَوَجَّهْتُمْ إلَيْنا ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ الأعْمالَ الشَّنِيعَةَ ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ كَأفْعالِ الجَوارِحِ ﴿وما بَطَنَ﴾ كَأفْعالِ القَلْبِ ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ تَعالى قَتْلَها ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ إلّا بِسَبَبِهِ بِأنْ تُرِيدُوا تَوَجُّهَها إلَيْهِ أوْ إلّا قَتْلًا مُتَلَبِّسًا بِهِ وهو قَتْلُها إذا مالَتْ إلى السُّوى ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ أيْ ما أُعِدَّ لِيَتِيمِ القَلْبِ المُنْقَطِعِ عَنْ عَلائِقِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنَ المَعارِفِ الَّتِي هي وراءَ طَوْرِ العَقْلِ ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وهي التَّصْدِيقُ بِذَلِكَ إجْمالًا وعَدَمُ صفحة 73 إنْكارِهِ ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ فَيَقْوى عَلى قَبُولِ أنْواعِ التَّجَلِّياتِ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ لَكم أنْ تَقْرَبُوا ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن هاتِيكِ المَعارِفِ لِقُوَّةِ قُلُوبِكم وتَقَدُّسِ أرْواحِكم. ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ اليَتِيمَ إشارَةً إلى حَضْرَةِ الرِّسالَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كَما تَرى ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ﴾ أيْ كَيْلَ الشَّرْعِ بِمُراعاةِ الحُقُوقِ الظّاهِرَةِ ﴿والمِيزانَ﴾ أيْ مِيزانَ الحَقِيقَةِ بِمُراعاةِ الحُقُوقِ الباطِنَةِ ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ أيْ لا تَقُولُوا إلّا الحَقَّ ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ وهو التَّوْحِيدُ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ غَيْرَ مائِلٍ إلى اليَمِينِ والشِّمالِ ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ لِتَصِلُوا إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الَّتِي وصَفَها أهْلُ الِاحْتِجابِ ﴿فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَتَضِلُّوا ولا تَصِلُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ لَتَوَفِّيَ أرْواحَهم ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ بِالتَّجَلِّي الصُّورِيِّ يَوْمَ القِيامَةِ كَما صَحَّ في ذَلِكَ الحَدِيثِ ﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ وهو الكَشْفُ عَنْ ساقٍ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ وهو الكَشْفُ المَذْكُورُ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها﴾ حِينَئِذٍ لِانْقِطاعِ التَّكْلِيفِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ أهْواءً مُتَفَرِّقَةً كالَّذِينِ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ صِفاتُ النَّفْسِ ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ فِرَقًا مُخْتَلِفَةً بِحَسَبِ غَلَبَةِ تِلْكَ الأهْواءِ ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ إذْ هم أهْلُ التَّفْرِقَةِ والِاحْتِجابِ بِالكَثْرَةِ فَلا تَجْتَمِعُ هِمَمُهم ولا تَتَحِدُّ مَقاصِدُهم ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ في جَزاءِ تَفَرُّقِهِمْ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ عِنْدَ ظُهُورِ هَيْئاتِ أهْوائِهِمُ المُخْتَلِفَةِ المُتَفَرِّقَةِ ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ واتِّباعِ الهَوى ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السَّيِّئَةَ مِن مَقامِ النَّفْسِ وهي مَرْتَبَةُ الآحادِ والحَسَنَةَ أوَّلُ مَقاماتِها مَقامُ القَلْبِ وهي مَرْتَبَةُ العَشَراتِ وأقَلُّ مَراتِبِها عَشَرَةٌ وقَدْ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ إذا كانَتْ مِن مَقامِ الرُّوحِ أوْ مَقامِ السِّرِّ وهَذا هو السِّرُّ في تَفاوُتِ جَزاءِ الحَسَناتِ الَّتِي تُشِيرُ إلَيْهِ النُّصُوصُ ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو طَرِيقُ التَّوْحِيدِ الذّاتِيِّ ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ ثابِتًا لا تَنْسَخُهُ المِلَلُ والنِّحَلُ ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ الَّتِي أعْرِضُ بِها عَنِ السُّوى ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ فِيهِ شِرْكٌ ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ حُضُورِي وشُهُودِي بِالرُّوحِ ﴿ونُسُكِي﴾ تَقَرُّبِي بِالقَلْبِ ﴿ومَحْيايَ﴾ بِالحَقِّ ﴿ومَماتِي﴾ بِالنَّفْسِ ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لا نَصِيبَ لِأحَدٍ مِنِّي في ذَلِكَ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شَيْءٍ أصْلًا إذْ لا وُجُودَ سِواهُ ﴿وبِذَلِكَ﴾ الإخْلاصِ وعَدَمِ رُؤْيَةِ الغَيْرِ ﴿أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ المُنْقادِينَ لِلْفَناءِ فِيهِ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ فَأطْلُبُ مُسْتَحِيلًا ﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ وما سِواهُ بِاعْتِبارِ تَفاصِيلِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ مَرْبُوبٌ ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ إذْ كَسْبُ النَّفْسِ شِرْكٌ في أفْعالِهِ تَعالى وكُلُّ مَن أشْرَكَ فَوَبالُهُ عَلَيْهِ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ لِعَدَمِ تَجاوُزِ المَلائِكَةِ إلى غَيْرِ صاحِبِها ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ بِأنْ جَعَلَكم لَهُ مَظْهَرَ أسْمائِهِ ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ في تِلْكَ المَظْهَرِيَّةِ لِأنَّها حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ وهو مُتَفاوِتٌ ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ ويَظْهَرَ عِلْمُهُ بِمَن يَقُومُ بِرِعايَةِ ما آتاهُ وبِمَن لا يَقُومُ ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ لِمَن لَمْ يُراعِ ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن يُراعِي ذَلِكَ. نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِمِراضِيهِ ويَجْعَلَ مُسْتَقْبَلَ حالِنا خَيْرًا مِن ماضِيهِ.

الأعراف 7:1

صفحة 74 ( 7 سُورَةُ الأعْرافِ ) أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ حِبّانَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةَ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ إلى ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ مَدَنِيٌّ: وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَسْتَثْنِيا شَيْئًا وهي مِائَتانِ وخَمْسُ آياتٍ في البَصْرِيِّ والشّامِيِّ وسِتٌّ في المَدَنِيِّ والكُوفِيِّ فالمص وبَدَأكم تَعُودُونَ كُوفِيٌّ و﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بَصْرِيٌّ وشامِيٌّ و﴿ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ و﴿الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَدَنِيٌّ وكُلُّها مُحْكَمٌ وقِيلَ: إلّا مَوْضِعَيْنِ الأوَّلُ ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ فَإنَّهُ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ والثّانِي ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ فَإنَّهُ نُسِخَ بِها أيْضًا عِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ وادَّعى أيْضًا أنَّ ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ كَذَلِكَ وفِيما ذَكَرَ نَظَرٌ وسَيَأْتِي الكَلامُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها عَلى ما قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ لَمّا كانَتْ لِبَيانِ الخَلْقِ وفِيها ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ في بَيانِ القُرُونِ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ وأُشِيرَ إلى ذِكْرِ المُرْسَلِينَ وتَعْدادِ الكَثِيرِ مِنهم وكانَ ما ذُكِرَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ جِيءَ بِهَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَها مُشْتَمِلَةً عَلى شَرْحِهِ وتَفْصِيلِهِ فَبُسِطَ فِيها قِصَّةُ آدَمَ وفُصِّلَتْ قِصَصُ المُرْسَلِينَ وأُمَمُهم وكَيْفِيَّةُ هَلاكِهِمْ أكْمَلَ تَفْصِيلٍ ويَصْلُحُ هَذا أنْ يَكُونَ تَفْصِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ ولِهَذا صَدَّرَ السُّورَةَ بِخَلْقِ آدَمَ الَّذِي جَعَلَهُ في الأرْضِ خَلِيفَةً وقالَ سُبْحانَهُ في قِصَّةِ عادٍ: ﴿جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ وفي قِصَّةِ ثَمُودَ ﴿جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وهو كَلامٌ مُوجَزٌ وبَسَطَ سُبْحانَهُ هُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ .. إلَخْ. وأمّا وجْهُ ارْتِباطِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِآخِرِ الأُولى فَهو أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ﴾ وافْتَتَحَ هَذا الأمْرَ بِاتِّباعِ الكِتابِ وأيْضًا لِما تَقَدَّمَ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ في مُفْتَتَحِ هَذِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ إلَخْ وذَلِكَ في شَرْحِ التَّنْبِئَةِ المَذْكُورَةِ وأيْضًا لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ الآيَةَ وذَلِكَ لا يَظْهَرُ إلّا في المِيزانِ افْتَتَحَ هَذِهِ بِذِكْرِ الوَزْنِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ ثُمَّ ﴿مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ وهو مَن زادَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ ثُمَّ ﴿مَن خَفَّتْ﴾ وهو عَلى العَكْسِ ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدُ أصْحابَ الأعْرافِ وهم في أحَدِ الأقْوالِ مَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئِاتُهم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿المص﴾ سَبَقَ الكَلامُ في مِثْلِهِ وبَيانُ ما فِيهِ فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ خَلا أنَّهُ قِيلَ هُنا: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ المُصَوِّرُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأُفَصِّلُ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ وكَذا نَظائِرُهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وهو مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ مَعْناهُ أنا اللَّهُ الصّادِقُ وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّ الألِفَ واللّامَ مِنَ اللَّهِ والمِيمَ مِنَ الرَّحْمَنِ والصّادَ مِنَ الصَّمَدِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ ما مِن سُورَةٍ افْتُتِحَتْ بِالم إلّا وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى ثَلاثَةِ أُمُورٍ بَدْءُ الخَلْقِ والنِّهايَةُ الَّتِي هي المَعادُ والوَسَطُ الَّذِي هو المَعاشُ وإلَيْها الإشارَةُ بِالِاشْتِمالِ عَلى المَخارِجِ الثَّلاثَةِ الحَلْقِ واللِّسانِ والشَّفَتَيْنِ وزِيدَ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى ذَلِكَ الصّادُ لِما فِيها مِن ذِكْرِ شَرْحِ القِصَصِ وهو كَما تَرى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

الأعراف 7:2

صفحة 75 وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كِتابٌ﴾ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أوْ ذَلِكَ كِتابٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ مِن عِنْدِهِ تَعالى صِفَةٌ لَهُ مُشَرِّفَةٌ لِقَدْرِهِ وقَدْرِ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ ﷺ وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإيذانًا بِالِاسْتِغْناءِ عَنِ الصَّرِيحِ بِالفاعِلِ لِغايَةِ ظُهُورِ تَعَيُّنِهِ وهو السِّرُّ في تَرْكِ ذِكْرِ مَبْدَأِ الإنْزالِ والتَّوْصِيفُ بِالماضِي إنْ كانَ الكِتابُ عِبارَةً عَنِ القُرْآنِ عَنِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الكُلِّ والجُزْءِ ظاهِرٌ وإنْ كانَ المَجْمُوعُ فَلِتَحَقُّقِهِ جُعِلَ كالماضِي واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن وافَقَهُ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ هُنا السُّورَةُ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى إنْ قُلْنا: إنَّهُ لَمْ يُطْلَقْ عَلى البَعْضِ وإذا قُلْنا بِإطْلاقِهِ عَلى ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِمْ: ثَبَتَ هَذا الحُكْمُ بِالكِتابِ فالأمْرُ واضِحٌ ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ جَعْلَ ﴿كِتابٌ﴾ مُبْتَدَأً والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ عَلى مَعْنى كِتابٍ أيْ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّ هَذا خِلافُ الأصْلِ وحَذْفُ المُبْتَدَأِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ أيْ شَكٌّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ وأصْلُهُ الضِّيقُ واسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ مَجازٌ كَما في الأساسِ عَلاقَتُهُ اللُّزُومُ فَإنَّ الشّاكَّ يَعْتَرِيهِ ضِيقُ الصَّدْرِ كَما أنَّ المُتَيَقِّنَ يَعْتَرِيهِ انْشِراحُهُ وانْفِساحُهُ والقَرِينَةُ المانِعَةُ هو امْتِناعُ حَقِيقَةِ الحَرَجِ والضِّيقُ مِنَ الكِتابِ وإنْ جَوَّزْتُها فَهي كِنايَةٌ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو قَدْ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في ذَلِكَ كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ لَكِنْ في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ كَخَوْفِ عَدَمِ القَبُولِ والتَّكْذِيبِ فَإنَّهُ ﷺ كانَ يَخافُ قَوْمَهُ وتَكْذِيبَهم وإعْراضَهم عَنْهُ وأذاهم لَهُ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ ولِلْأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الخَوْفِ والخَوْفُ كَما يَقَعُ عَلى المَكْرُوهِ يَقَعُ عَلى سَبَبِهِ. وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى الحَرَجِ بِمَعْنى الشِّرْكِ مَعَ أنَّ المُرادَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ قِيلَ إمّا لِلْمُبالَغَةِ في تَنْزِيهِ ساحَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ الشَّكِّ فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مِمّا يُوهِمُ إمْكانَ صُدُورِ المَنهِيِّ عَنْهُ عَنِ المَنهِيِّ وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ فَإنَّ وُقُوعَ الشَّكِّ في صَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَبَبٌ لِاتِّصافِهِ وحاشاهُ بِهِ والنَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ نَهْيٌ عَنِ المُسَبَّبِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ ونَفْيٌ لَهُ بِالمَرَّةِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ لا أرَيَنَّكَ ها هُنا فَإنَّ النَّهْيَ هُناكَ وارِدٌ عَلى المُسَبَّبِ مُرادًا بِهِ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ فَيَكُونُ المَآلُ نَهْيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ تَعاطِي ما يُورِثُ الحَرَجَ فَتَأمَّلْ. انْتَهى. والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ المُرادَ نَهْيُ المُخاطَبِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْحَرَجِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وأنَّهُ مِن قَبِيلِ لا أرَيَنَّكَ ها هُنا في ذَلِكَ لِما أنَّ عَدَمَ كَوْنِ الحَرَجِ في صَدْرِهِ مِنَ لَوازِمِ عَدَمِ كَوْنِهِ مُتَعَرِّضًا لِلْحَرَجِ كَما أنَّ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ مِن لَوازِمِ عَدَمِ الكَوْنِ ها هُنا فالنّافِي لِكَوْنِهِ مِن قَبِيلِ ذَلِكَ إنْ أرادَ الفَرْقَ بَيْنَهُما بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ في أحَدِهِما النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ والمُرادُ المُسَبَّبُ وفي الآخَرِ بِالعَكْسِ فَلا ضَيْرَ فِيهِ ولِهَذا عَبَّرَ البَعْضُ بِاللُّزُومِ دُونَ السَّبَبِيَّةِ وإنْ أرادَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكِنايَةِ أصْلًا فَباطِلٌ نَعَمْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ المَجازِ والمَشْهُورُ أنَّ الدّاعِيَ لِهَذا التَّأْوِيلِ أنَّ الظّاهِرَ يَسْتَدْعِي نَهْيَ الحَرَجِ عَنِ الكَوْنِ في الصَّدْرِ والحَرَجُ مِمّا لا يُنْهى ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ فَلْيُفْهَمْ. والجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الحَرَجِ حَقِيقَةً كَما يَفْهَمُهُ كَلامُ الكَشّافِ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ المُبالاةِ بِالأعْداءِ وأيًّا ما كانَ فالتَّنْوِينُ في ﴿حَرَجٌ﴾ لِلتَّحْقِيرِ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أيْ حَرَجٌ كائِنٌ مِنهُ والفاءُ صفحة 76 تَحْتَمِلُ العَطْفَ إمّا عَلى مُقَدَّرٍ أيْ بِلُغَةِ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ .. إلَخْ. وإمّا عَلى ما قَبْلَهُ بِتَأْوِيلِ الخَبَرِ بِالإنْشاءِ أوْ عَكْسِهِ أيْ تَحَقَّقَ إنْزالُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلَيْكَ أوْ لا يَنْبَغِي لَكَ الحَرَجُ وتَحْتَمِلُ الجَوابَ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ .. إلَخْ. وقالَ الفَرّاءُ إنَّها اعْتِراضِيَّةٌ وقالَ بَعْضُ المَشايِخِ هي لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ أوِ الِانْتِهاءِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ إنْ كانَ المُرادُ لا يَكُنْ في صَدْرِكَ شَكٌّ ما في حَقِّيَّتِهِ فَإنَّهُ مِمّا يُوجِبُ انْتِفاءَ الشَّكِّ فِيما ذُكِرَ بِالكُلِّيَّةِ وحُصُولَ اليَقِينِ بِهِ قَطْعًا ولِتَرْتِيبِ ما ذُكِرَ عَلى الإخْبارِ بِذَلِكَ لا عَلى نَفْسِهِ إنْ كانَ المُرادُ لا يَكُنْ فِيهِ شَكٌّ في كَوْنِهِ كِتابًا مُنَزَّلًا إلَيْكَ ولِلتَّرْتِيبِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ أوْ عَلى الإخْبارِ بِهِ إذا كانَ المُرادُ لا يَكُنْ فِيكَ ضِيقُ صَدْرٍ مِن تَبْلِيغِهِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ أوْ أنْ تُقَصِّرَ في القِيامِ بِحَقِّهِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما مُوجِبٌ لِلْإقْدامِ عَلى التَّبْلِيغِ وزَوالِ الخَوْفِ قَطْعًا وإنْ كانَ إيجابُ الثّانِي بِواسِطَةِ الأوَّلِ ولا يَخْفى ما في أوْسَطِ هَذِهِ الشُّقُوقِ مِنَ النَّظَرِ فَتَدَبَّرْ. ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أيْ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ والفِعْلُ قِيلَ إمّا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ أنَّهُ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِإفادَةِ العُمُومِ وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ حُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما سَيَأْتِي عَلَيْهِ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأُنْزِلَ عِنْدَ الفَرّاءِ وجُمْلَةُ النَّهْيِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ العِلَّةِ ومَعْلُولِها وهو المَعْنى بِما نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ قِيلَ: وهَذا مِمّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ لَهُ فَإنَّ المُتَقَدِّمِينَ يَجْعَلُونَ الِاعْتِراضَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِتَخَلُّلِهِ بَيْنَ أجْزاءِ كَلامٍ واحِدٍ ولَيْسَ مُرادُهم أنَّ في الكَلامِ قَلْبًا ووَجْهُ التَّوْسِيطِ إمّا أنَّ التَّرْتِيبَ عَلى نَفْسِ الإنْزالِ لا عَلى الإنْزالِ لِلْإنْذارِ وإمّا رِعايَةَ الِاهْتِمامِ مَعَ ما في ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ مِنَ الإشارَةِ إلى كِفايَةِ كُلٍّ مِنَ الإنْزالِ والإنْذارِ في نَفْيِ الحَرَجِ أمّا كِفايَةُ الثّانِي فَظاهِرَةٌ لِأنَّ المُخَوِّفَ لا يَنْبَغِي أنْ يَخافَ مَن يُخَوِّفُهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الإنْذارِ عَلى ما يَجِبُ وأمّا كِفايَةُ الأوَّلِ فَلِأنَّ كَوْنَ الكِتابِ البالِغِ غايَةَ الكَمالِ مُنَزَّلًا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً بَيْنَ سائِرِ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ رَحِيبَ الصَّدْرِ غَيْرَ مُبالٍ بِالباطِلِ وأهْلِهِ وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُتَعَلِّقِ الخَبَرِ أيْ لا يَكُنِ الحَرَجُ مُسْتَقِرًّا في صَدْرِكَ لِأجَلِ الإنْذارِ وقِيلَ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ النَّهْيِ وهو الكَوْنُ بِناءً عَلى جَوازِ تَعَلُّقِ الجارِّ بَكانَ النّاقِصَةِ لِدَلالَتِها عَلى الحَدَثِ الصَّحِيحِ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِحَرَجٌ عَلى مَعْنى أنَّ الحَرَجَ لِلْإنْذارِ والضِّيقَ لَهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: إنَّهُ مَعْمُولٌ لِلطَّلَبِ أوِ المَطْلُوبِ أعْنِي انْتِفاءَ الحَرَجِ وهَذا أظْهَرُ لا لِلْمَنهِيِّ أيِ الفِعْلُ الدّاخِلُ عَلَيْهِ النَّهْيُ كَما قِيلَ لِفَسادِ المَعْنى وأطْلَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَلُّقَهُ بِالنَّهْيِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَتَأتّى عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِلْحَرَجِ لِأنَّ تَعْلِيلَ النَّهْيِ عَنِ الشَّكِّ بِما ذُكِرَ مِنَ الإنْذارِ والتَّذْكِيرِ مَعَ إيهامِهِ لِإمْكانِ صُدُورِهِ عَنْهُ ﷺ مُشْعِرٌ بِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ لَيْسَ بِمَحْذُورٍ لِذاتِهِ بَلْ لِإفْضائِهِ إلى فَواتِ الإنْذارِ والتَّذْكِيرِ لا أقَلَّ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مُعْظَمُ غائِلَتِهِ ولا رَيْبَ في فَسادِهِ وأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي فَإنَّما يَتَأتّى التَّعْلِيلُ بِالإنْذارِ لا بِتَذْكِيرِ المُؤْمِنِينَ إذْ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ خَوْفٍ حَتّى يُجْعَلَ غايَةً لِانْتِفائِهِ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ كَوْنَ النَّهْيِ عَنْهُ مَحْذُورًا لِذاتِهِ ظاهِرٌ ظُهُورَ نارِ القِرى لَيْلًا عَلى عَلَمٍ فَلا يَكادُ يُتَوَهَّمُ نَقِيضُهُ والقَوْلُ بِأنَّهُ لا أقَلَّ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مُعْظَمُ غائِلَتِهِ لا فَسادَ فِيهِ بِناءً عَلى ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ وإنْ كانَ بَعْضُ غَوائِلِهِ في نَفْسِ الأمْرِ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ وأنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِالإنْذارِ والتَّذْكِيرِ كَما سَيَتَّضِحُ لَكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَتَأتّى الِاعْتِراضُ نَظَرًا لِلتَّفْسِيرِ الثّانِي سَلَّمْنا أنَّها نَصٌّ لَكِنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ الآيَةَ ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (2) صفحة 77 نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلِهِ عَطْفًا عَلى ( تُنْذِرَ ) أيْ وتُذَكِّرَ المُؤْمِنِينَ تَذْكِيرًا ومَنعَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيما نُقِلَ عَنْهُ العَطْفَ بِالنَّصْبِ عَلى مَحَلِّ ﴿لِتُنْذِرَ﴾ مُعَلَّلًا بِأنَّ المَفْعُولَ لَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ وفاعِلُ المُعَلَّلِ واحِدًا حَتّى يَجُوزَ حَذْفُ اللّامِ مِنهُ. ويُمْكِنُ كَما في الكَشْفِ أنْ يُقالَ لا مَنعَ مِن أنْ يَكُونَ التَّذْكِيرُ فِعْلَ المُنْزِلِ الحَقِّ تَعالى إلّا أنَّهُ يَفُوتُ التَّقابُلُ بَيْنَ الإنْذارِ والتَّذْكِيرِ نَعَمْ يُحْتَمَلُ الجَرُّ بِالعَطْفِ عَلى المَحَلِّ أيْ لِلْإنْذارِ والتَّذْكِيرِ ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿كِتابٌ﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو ذِكْرى والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ الأوَّلَ مَعْناهُ أنَّ هَذا جامِعٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ كَوْنُهُ كِتابًا كامِلًا في شَأْنِهِ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ في حُسْنِ بَيانِهِ وكَوْنِهِ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ يُذَكِّرُهُمُ المَبْدَأ والمَعادَ والثّانِي يُفِيدُ أنَّ هَذا المُقَيَّدَ بِكَوْنِهِ كِتابًا مِن شَأْنِهِ كَيْتَ وكَيْتَ هو ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ويَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ فَيُفِيدُ اسْتِقْلالَهُ بِكُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ وهَذا أوْلى لَفْظًا ومَعْنًى وتَخْصِيصُ التَّذْكِيرِ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ أوْ لِلْإيذانِ بِاخْتِصاصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ. وتَقْدِيمُ الإنْذارِ لِأنَّهُ أهَمُّ بِحَسَبِ المَقامِ

الأعراف 7:3

﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ خِطابٌ لِكافَّةِ المُكَلَّفِينَ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الكِتابُ المُنَزَّلُ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ إلّا أنَّهُ وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ وجُعِلَ مُنَزَّلًا إلَيْهِمْ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِاتِّباعِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ الكِتابَ والسَّنَةَ فَلَيْسَ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ وإيثارُهُ لِفائِدَةِ التَّعْمِيمِ وتَشْمِيمٌ مِن أُسْلُوبِ قَوْلِ الأنْمارِيَّةِ هم كالحَلْقَةِ المُفْرَغَةِ لا يُدْرى أيْنَ طَرَفاها وتَتْمِيمٌ لِشَرْحِ الصَّدْرِ فَإنَّهُ لَمّا شَجَّعَ أمْرُ الجَمِيعِ بِاتِّباعِ جَمِيعِ ما يَرْسُمُهُ لِيَكُونَ أدْعى لِانْشِراحِ صَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ورَحْبَ ذِراعِهِ. ولا يَخْفى أنَّ هَذا الحَمْلَ بَعِيدٌ نَعَمْ يَعُمُّ السُّنَّةَ بِأقْسامِها الحُكْمُ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ لا بِطْرِيقِ العِبارَةِ و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأُنْزِلَ عَلى أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الصِّلَةِ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مَزِيدُ لُطْفٍ بِهِمْ وتَرْغِيبٌ لَهم في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ وتَأْكِيدٌ لِوُجُوبِهِ إثْرَ تَأْكِيدٍ ﴿ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى ( رَبِّكم ) والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ فِعْلِ النَّهْيِ أيْ لا تَتَّبِعُوا مُتَجاوِزِينَ رَبَّكُمُ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكم ما يَهْدِيكم إلى الحَقِّ ( أوْلِياءَ ) مِنَ الشَّياطِينِ والكُهّانِ بِأنْ تَقْبَلُوا مِنهم ما يُلْقُونَهُ إلَيْكم مِنَ الأباطِيلِ لِيُضِلُّوكم عَنِ الحَقِّ بَعْدَ إذْ جاءَكم ويَحْمِلُوكم عَلى البِدَعِ والأهْواءِ الزّائِغَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( أوْلِياءَ ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً أيْ أوْلِياءَ كائِنَةً غَيْرَهُ تَعالى وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالفِعْلِ قَبْلَهُ أيْ تَعْدِلُوا عَنْهُ سُبْحانَهُ إلى غَيْرِهِ ولَمّا كانَ اتِّباعُ ما أنْزَلَهُ سُبْحانَهُ جَلَّ وعَلا اتِّباعًا لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ عَقَّبَ الأمْرَ السّابِقَ بِهَذا النَّهْيِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لَمّا أُنْزِلَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ في أوْلِياءَ أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ ما أُنْزِلَ أباطِيلَ أوْلِياءَ وكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ دِينِ رَبِّكم دِينَ أوْلِياءَ وذَلِكَ التَّقْدِيرُ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ وصْفُ المُنْزَلِ بِكَوْنِهِ دُونَهم وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْمَصْدَرِ أيْ لا تَتَّبِعُوا أوْلِياءَ اتِّباعًا مِن دُونِ اتِّباعِكم ما أُنْزِلَ إلَيْكم وفِيهِ بُعْدٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ ( تَبْتَغُوا ) بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الِابْتِغاءِ ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ (3) أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَذَكَّرُونَ لا كَثِيرًا حَيْثُ لا تَتَأثَّرُونَ بِذَلِكَ ولا تَعْمَلُونَ بِمُوجِبِهِ وتَتْرُكُونَ الحَقَّ وتَتَّبِعُونَ غَيْرَهُ فَقَلِيلًا صفحة 78 نَعْتُ مَصْدَرٍ أوْ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أُقِيمَ مَقامَهُ ونَصَبَهُ بِالفِعْلِ بَعْدَهُ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ و( ما ) مَزِيدٌ لِتَأْكِيدِ القِلَّةِ لِأنَّها تُفِيدُها في نَحْوِ أكَلْتُ أكْلًا ما فَهي ها هُنا قِلَّةٌ عَلى قِلَّةٍ والظّاهِرُ مِنَ القِلَّةِ مَعْناها وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها العَدَمُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ وأُجِيزَ أنْ يَكُونَ قَلِيلًا نَعْتَ مَصْدَرٍ لِتَتَّبِعُوا أيِ اتِّباعًا قَلِيلًا قِيلَ: ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ لا مَعْنى حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( تَذَكَّرُونَ ) وأمّا النَّهْيُ عَنِ الِاتِّباعِ القَلِيلِ فَلا يَضُرُّ لِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ غَيْرُهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ تَتَّبِعُوا وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ فاعِلٌ لَهُ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ والنَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ جَمِيعًا واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَ مَعْناهُ وإنْ وُجِّهَ وأنْ يَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأٌ و( قَلِيلًا ) عَلى مَعْنى زَمانًا قَلِيلًا خَبَرُهُ وقِيلَ: إنَّ ما نافِيَةٌ و( قَلِيلًا ) مَعْمُولٌ لِما بَعْدَهُ والكُوفِيُّونَ يُجَوِّزُونَ عَمَلَ ما بَعْدَ ما النّافِيَةِ فِيما قَبْلَها والمَعْنى ما تَذَكَّرُونَ قَلِيلًا فَكَيْفَ تَذَكَّرُونَ كَثِيرًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ( تَذْكُرُونَ ) بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ وذالٍ مُخَفَّفَةٍ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( يَتَذَكَّرُونَ ) بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ ومُثَنّاةٍ فَوُقِيَّةٍ وذالٍ مُخَفَّفَةٍ وفي طَرِيقٍ شاذَّةٍ عَنْهُ بِتاءَيْنِ فَوْقِيَّتَيْنِ وقَرَأ الباقُونَ بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ وذالٍ مُشَدَّدَةٍ عَلى إدْغامِ التّاءِ المَهْمُوسَةِ في الذّالِ المَجْهُورَةِ والجُمْلَةُ عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مَسُوقٌ لِتَقْبِيحِ حالِ المُخاطَبِينَ والِالتِفاتُ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ سُوءِ حالِهِمْ في عَدَمِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ صَرْفُ الخِطابِ عَنْهم وحِكايَةُ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُباتَّةِ ولا حُجَّةَ في الآيَةِ لِنُفاةِ القِياسِ كَما لا يَخْفى.

الأعراف 7:4

﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ شُرُوعٌ في تَذْكِيرِهِمْ وإنْذارِهِمْ ما نَزَلَ بِمَن قَبْلَهم مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى وإصْرارِهِمْ عَلى أباطِيلِ أوْلِيائِهِمْ و( كَمْ ) خَبَرِيَّةٌ لِلتَّكْثِيرِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُها و﴿مِن﴾ سَيْفُ خَطِيبٍ و﴿قَرْيَةٍ﴾ تَمْيِيزٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّ ( كَمْ ) نَصْبًا عَلى الِاشْتِغالِ وضَمِيرُ ﴿أهْلَكْناها﴾ راجِعٌ إلى مَعْنى كَمْ فَإنَّ المَعْنى قُرًى كَثِيرَةٌ أهْلَكْناها والمُرادُ بِإهْلاكِها إرادَةُ إهْلاكِها مَجازًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ فَلا إشْكالَ في التَّعْقِيبِ الَّذِي تُفْهِمُهُ الفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ أيْ عَذابُنا واعْتَرَضَ هَذا الجَوابَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ بِأنَّ فِيهِ إشْكالًا أُصُولِيًّا وهو أنَّ الإرادَةَ إنْ كانَتْ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِها التَّنْجِيزِيِّ فَمَجِيءُ البَأْسِ مُقارِنٌ لَها لا مُتَعَقِّبٌ لَها وبَعْدَها وإنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَهي قَدِيمَةٌ فَإنْ كانَ البَأْسُ يَعْقُبُها لَزِمَ قِدَمُ العالَمِ وإنْ تَأخَّرَ عَنْها لَزِمَ العَطْفُ بِثُمَّ. وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ قَبْلَ الوُقُوعِ أيْ قَصَدْنا إهْلاكَها فَتَدَبَّرْ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالإهْلاكِ الخِذْلانُ وعَدَمُ التَّوْفِيقِ فَهو اسْتِعارَةٌ أوْ مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ اعْتِزالِيٌّ وأنَّ الصَّوابَ أنْ يُقالَ: مَعْناهُ خَلَقْنا في أهْلِها الفِسْقَ والمُخالَفَةَ فَجاءَها بَأْسُنا وقِيلَ: المُرادُ حُكْمُنا بِإهْلاكِها فَجاءَها وقِيلَ: الفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ نَحْوَ تَوَضَّأ فَغَسَلَ وجْهَهُ .. إلَخْ. وقِيلَ: إنَّ الفاءَ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ وقالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: إنَّ المُرادَ أهْلَكْناها هَلاكًا مِن غَيْرِ اسْتِئْصالٍ فَجاءَها هَلاكُ الِاسْتِئْصالِ وقالَ الفَرّاءُ: الفاءُ بِمَعْنى الواوِ أوِ المُرادُ فَظَهَرَ مَجِيءُ بَأْسِنا واشْتَهَرَ وقِيلَ: الكَلامُ عَلى القَلْبِ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ أهْلَكْناها ﴿بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ (4) فَجاءَها بَأْسُنا فالإهْلاكُ في الدُّنْيا ومَجِيءُ البَأْسِ صفحة 79 فِي الآخِرَةِ فَيَشْمَلُ الكَلامُ عَذابَ الدّارَيْنِ ويَأْباهُ ما بَعْدُ إباءً ظاهِرًا فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ في الدُّنْيا وقَدَّرَ غَيْرُ واحِدٍ في النَّظْمِ الكَرِيمِ مُضافًا أيْ فَجاءَ أهْلُها. وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الحَمْلَ عَلى الِاسْتِخْدامِ لِأنَّ القَرْيَةَ تُطْلَقُ عَلى أهْلِها مَجازًا ومِنَ النّاسِ مَن قَدَّرَ في الأوَّلِ المُضافَ أيْضًا مَعَ أنَّ القَرْيَةَ تَتَّصِفُ بِالهَلاكِ وهو الخَرابُ والبَياتُ في الأصْلِ مَصْدَرُ باتَ يَبِيتُ بَيْتًا وبِيتَةً وبَياتًا وبَيْتُوتَةً وذَكَرَ الرّاغِبُ: إنَّ البَياتَ وكَذا التَّبْيِيتُ قَصْدُ العَدُوِّ لَيْلًا وقالَ اللَّيْثُ: البَيْتُوتَةُ الدُّخُولُ في اللَّيْلِ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِهِ بِبائِتِينَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ واحْتِمالُ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لَهُ كَما زَعَمَ أبُو البَقاءِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وأوْ لِلتَّنْوِيعِ وما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى الحالِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا وأُضْمِرَتْ فِيهِ الواوُ كَما قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ لِوُضُوحِ المَعْنى ومِن أجْلِ أنْ أوْ حَرْفِ عَطْفٍ والواوِ كَذَلِكَ فاسْتَثْقَلُوا الجَمْعَ بَيْنَ حَرْفَيْنِ مِن حُرُوفِ العَطْفِ فَحَذَفُوا الثّانِي ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ أيْضًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ واوَ الحالِ مُغايِرَةٌ لِواوِ العَطْفِ بِكُلِّ حالٍ وهي قِسْمٌ مِن أقْسامِ الواوِ كَواوِ القَسَمِ بِدَلِيلِ أنَّها تَقَعُ حَيْثُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها حالًا وكَوْنُها لِلْعَطْفِ يَقْتَضِي أنْ لا تَقَعَ إلّا حَيْثُ يَكُونُ ما قَبْلَها حالًا حَتّى تَعْطِفَ حالًا عَلى حالٍ وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ هَذِهِ الواوَ لا بُدَّ أنْ تَمْتازَ عَنْ واوِ العَطْفِ بِمَزِيَّةٍ ألا تَراها تَصْحَبُ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ بَعْدَ الفِعْلِيَّةِ ولَوْ كانَتْ عاطِفَةً مُجَرَّدَةً لاسْتُقْبِحَ تَوَسُّطُها بَيْنَ المُتَغايِرَيْنِ أوْ لَكانَ الأفْصَحُ خِلافَهُ وحَيْثُ رَأيْناها تَتَوَسَّطُ والكَلامُ هو الأفْصَحُ أوِ المُتَعَيَّنُ عَلِمْنا امْتِيازَها عَنْ واوِ العَطْفِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلا غَرْوَ في اجْتِماعِهِما وإنْ كانَ فِيها مَعْنى العَطْفِ مُضافًا إلى تِلْكَ الخاصِّيَّةِ فَإمّا أنْ تَسْلُبَهُ حِينَئِذٍ لِغَناءِ العاطِفَةِ عَنْها أوْ تَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ وتُجامِعُ أوْ كَما تُجامِعُ الواوَ ولَكِنْ في الفَصِيحِ لِما فِيها مِن زِيادَةِ مَعْنى الِاسْتِدْراكِ وعَلى هَذا فالِاجْتِماعُ مُمْكِنٌ بِلا كَراهِيَةٍ فَلَوْ قُلْتَ: سَبِّحِ اللَّهَ تَعالى وأنْتَ راكِعٌ أوْ وأنْتَ ساجِدٌ لَكانَ فَصِيحًا لا خَبَثَ فِيهِ ولا كَراهَةَ خِلافًا لِأبِي حَيّانَ مُدَّعِيًا أنَّ النَّحْوِيِّينَ نَصُّوا عَلى أنَّ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ إذا دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ عَطْفٍ امْتَنَعَ دُخُولُ واوِ الحالِ عَلَيْها لِلْمُشابَهَةِ اللَّفْظِيَّةِ فالمِثالُ عَلى هَذا غَيْرُ صَحِيحٍ وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ هَذِهِ الواوَ واوُ العَطْفِ في الأصْلِ ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِلْحالِ لِما فِيها مِنَ الرَّبْطِ فَقَدْ خَرَجَتْ عَنِ العَطْفِ واسْتُعْمِلَتْ لِمَعْنًى آخَرَ لَكِنَّها أُعْطِيَتْ حُكْمَ أصْلِها في امْتِناعِ مُجامَعَتِها لِعاطِفٍ آخَرَ وعَلى هَذا يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ كَلامُ ذَيْنِكَ الإمامَيْنِ وهَذا مَذْهَبٌ لَهُما ولِمَنِ اتَّبَعَهُما. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: إنَّ الضَّمِيرَ هُنا مُغْنٍ عَنِ إضْمارِ الواوِ والِاكْتِفاءَ بِهِ غَيْرُ شاذٍّ كَما قِيلَ بَلْ هو أكْثَرُ مِن رَمْلِ يَبْرِينَ ومَها فِلَسْطِينَ وقَدْ نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ الرُّجُوعُ إلى هَذا القَوْلِ والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ وفِيها تَفْصِيلٌ فَفي البَدِيعِ الِاسْمِيَّةُ الحالِيَّةُ لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ مِن سَبَبِ ذِي الحالِ أوْ أجْنَبِيَّةً فَإنْ كانَتْ مِن سَبَبِهِ لَزِمَها العائِدُ والواوُ تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ وأبُوهُ مُنْطَلِقٌ وخَرَجَ عَمْرٌو ويَدُهُ عَلى رَأْسِهِ إلّا ما شَذَّ مِن قَوْلِهِمْ: كَلَّمْتُهُ فُوهُ إلى في وإنْ كانَتْ أجْنَبِيَّةً لَزِمَتْها الواوُ ونابَتْ عَنِ العائِدِ وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَهُما نَحْوَ قَدَمِ عَمْرٌو وبِشْرٌ قامَ إلَيْهِ وقَدْ جاءَتْ بِلا واوٍ ولا ضَمِيرٍ كَما في قَوْلِهِ. ثُمَّ انْتَصَيْنا جِبالَ الصَّفْدِ مُعْرِضَةً عَنِ اليَسارِ وعَنْ أيْمانِنا جُدَدُ فَإنَّ جِبالَ الصَّفْدِ مُعْرِضَةٌ حالٌ بِلا واوٍ ولا ضَمِيرٍ: وعَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ جَعَلَ ذَلِكَ عَلى قَسَمَيْنِ ما يَلَزَمُهُ الواوُ مُطْلَقًا وهو ما إذا صُدِّرَ بِضَمِيرِ ذِي الحالِ نَحْوَ جاءَ زَيْدٌ وهو يُسْرِعُ لِأنَّ إعادَةَ ضَمِيرِهِ تَقْتَضِي أنَّ صفحة 80 الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِئَلّا تَلْغُوَ الإعادَةُ فَإذا لَمْ يُقْصَدِ الِاسْتِئْنافُ فَلا بُدَّ مِنَ الواوِ وما عَداهُ تَلْزَمُهُ الواوُ في الفَصِيحِ إلّا عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ بِالمُفْرَدِ والتَّأْوِيلِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ تُتْرَكُ الواوُ جَوازًا وقِيلَ ولَمْ يَسْلَمْ: إنَّ الضّابِطَ في ذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ المُبْتَدَأُ ضَمِيرَ ذِي الحالِ تَجِبُ الواوُ وإلّا فَإنْ كانَ الضَّمِيرُ فِيما صُدِّرَ بِهِ الجُمْلَةُ سَواءً كانَ مُبْتَدَأً نَحْوَ فُوهٌ إلى في و﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ أوْ خَبَرًا نَحْوَ وجَدْتُهُ حاضِراهُ الجُودُ والكَرَمُ فَلا يُحْكَمُ بِضَعْفِهِ لِكَوْنِهِ الرّابِطَ في أوَّلِ الجُمْلَةِ وإلّا فَضَعِيفٌ قَلِيلٌ. وقالَ ابْنُ مالِكٍ وتَبِعَهُ ابْنُ هِشامٍ ونُقِلَ عَنِ السَّكّاكِيِّ: إنَّهُ إذا كانَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مُؤَكَّدَةً لَزِمَ الضَّمِيرُ وتُرِكَ الواوُ نَحْوَ هو الحَقُّ لا شُبْهَةَ فِيهِ و﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ واخْتارَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ المُصَحِّحَ لِوُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ هُنا حالًا مِن غَيْرِ واوٍ هو العاطِفُ إذْ يَقْتَضِي مُشارَكَةَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِما عُطِفَتْ عَلَيْهِ في الحالِيَّةِ فَيُسْتَغْنى عَنْ واوِ الحالِ كَما أنَّكَ تَعْطِفُ عَلى المُقْسَمِ بِهِ فَتُدْخِلُهُ في حُكْمِ القَسَمِ مِن غَيْرِ واوٍ نَحْوَ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ويُسْتَغْنى عَنْ تَكْرارِ حَرْفِ القَسَمِ بِنِيابَةِ العاطِفِ مَنابَهُ فَلْيُفْهَمْ أيًّا ما كانَ فَحاصِلُ المَعْنى أتاهم عَذابُنا تارَةً لَيْلًا كَقَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وتارَةً وقْتَ القَيْلُولَةِ كَقَوْمِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والقَيْلُولَةُ مِن قالَ يَقِيلُ فَهو قائِلٌ ويُقالُ قِيلًا وقائِلَةً ومَقالًا ومَقِيلًا وهي كَما في القامُوسِ نِصْفُ النَّهارِ أوْ هي الرّاحَةُ والدَّعَةُ نِصْفُ النَّهارِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَها نَوْمٌ كَما في النِّهايَةِ واسْتُدِلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ إذِ الجَنَّةُ لا نَوْمَ فِيها. وقالَ اللَّيْثُ: هي نَوْمَةُ نِصْفِ النَّهارِ ودَفَعَ الِاسْتِدْلالَ بِأنَّ ذَلِكَ مَجازٌ وإنَّما خُصَّ إنْزالُ العَذابِ عَلَيْهِمْ في هَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ لِما أنَّ نُزُولَ المَكْرُوهِ عِنْدَ الغَفْلَةِ والدَّعَةِ أفْظَعُ وحِكايَتَهُ لِلسّامِعِينَ أزْجَرُ وأرْدَعُ عَنِ الِاغْتِرارِ بِأسْبابِ الأمْنِ والرّاحَةِ وفي التَّعْبِيرِ في الحالِ الأُولى بِالمَصْدَرِ وجَعْلِها عَيْنَ البَياتِ وفي الحالِ الثّانِيَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُفِيدَةِ في المَشْهُورِ لِلثُّبُوتِ مَعَ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ المُفِيدِ لِلتَّقْوى ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ وكَذا في وصْفِ الكُلِّ بِوَصْفِ البَياتِ والقَيْلُولَةِ مَعَ أنَّ بَعْضَ المُهْلَكِينَ بِمَعْزِلٍ مِنهُما إيذانٌ بِكَمالِ الأمْنِ والغَفْلَةِ وفي هَذا ذَمٌّ لَهم بِالغَفْلَةِ عَمّا هم بِصَدَدِهِ وإنَّما خُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ عَلى ما قِيلَ وبُنِيَتِ الحالُ الثّانِيَةُ عَلى تَقْوى الحُكْمِ والدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ أمْرِهِمْ فِيما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ لِأنَّ القَيْلُولَةَ أظْهَرُ في إرادَةِ الدَّعَةِ وخَفْضِ العَيْشِ فَإنَّها مِن دَأبِ المُتْرَفِينَ والمُتَنَعِّمِينَ دُونَ مَنِ اعْتادَ الكَدْحَ والتَّعَبَ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم أرْبابُ أشَرٍ وبَطَرٍ.

الأعراف 7:5

﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ أيْ دُعاؤُهم واسْتِغاثَتُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ وقَوْلُ بَعْضِ العَرَبِ فِيما حَكاهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ اللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دَعْوى المُسْلِمِينَ أوِ ادِّعاءَهم كَما هو المَشْهُورُ في مَعْنى الدَّعْوى ﴿إذْ جاءَهم بَأْسُنا﴾ عَذابُنا وشاهَدُوا أماراتِهِ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ جَمِيعًا ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ (5) أيْ إلّا اعْتِرافُهم بِظُلْمِهِمْ فِيما كانُوا عَلَيْهِ وشَهادَتُهم بِبُطْلانِهِ تَحَسُّرًا أوْ نَدامَةً وطَمَعًا في الخَلاصِ وهَيْهاتَ ولا حِينَ نَجاةٍ وفي جَعْلِ هَذا الِاعْتِرافِ عَيْنَ ذَلِكَ مُبالَغَةً عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ و﴿دَعْواهُمْ﴾ يَجُوزُ فِيهِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ والخَبَرُ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ و﴿إلا أنْ قالُوا﴾ الِاسْمَ ورَجَّحَ الثّانِي بِأنَّ جَعْلَ الأعْرَفِ اسْمًا هو المَعْرُوفُ في كَلامِهِمْ والمَصْدَرُ هُنا يُشْبِهُ المُضْمَرَ لِأنَّهُ يُوصَفُ وهو أعْرَفُ مِنَ المُضافِ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الِاسْمَ والخَبَرَ إذا كانا مَعْرِفَتَيْنِ وإعْرابُهُما غَيْرَ صفحة 81 ظاهِرٍ يَجُوزُ تَقْدِيمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ القَرِينَةِ والقَرِينَةُ هُنا كَوْنُ الثّانِي أعْرَفَ وتَرْكُ التَّأْنِيثِ وأيْضًا ذاكَ إذا لَمْ يَكُنْ حَصْرٌ فَإنْ كانَ يُلاحَظُ ما يَقْتَضِيهِ ورَجَّحَ في الكَشْفِ الثّانِيَ بِأنَّهُ الوَجْهُ المُطابِقُ لِنَظائِرِهِ في القُرْآنِ. والمَعْنى عَلَيْهِ أشَدُّ مُلاءَمَةً لِأنَّ الفَرْضَ أنَّ قَوْلًا آخَرَ لَمْ يَقَعْ هَذا المَوْقِعَ فالمَقْصُودُ الحُكْمُ عَلى القَوْلِ المَخْصُوصِ بِأنَّهُ هو الدُّعاءُ وزِيدَ تَأْكِيدًا بِإدْخالِ أداةِ القَصْرِ ولَيْسَ مِنَ التَّقْدِيمِ في شَيْءٍ لِأنَّ حَقَّ المَقْصُورِ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ أبَدًا فَتَأمَّلْ وتَذَكَّرْ

الأعراف 7:6

﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ بَيانٌ كَما قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ لِعَذابِهِمُ الأُخْرَوِيِّ إثْرَ بَيانِ عَذابِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ خَلا أنَّهُ تَعَرَّضَ كَما قِيلَ لِبَيانِ مَبادِئِ أحْوالِ المُكَلَّفِينَ جَمِيعًا لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في التَّهْوِيلِ والفاءُ عِنْدَ البَعْضِ لِتَرْتِيبِ الأحْوالِ الأُخْرَوِيَّةِ عَلى الدُّنْيَوِيَّةِ ذِكْرًا حَسَبَ تَرَتُّبِها عَلَيْها وجُودًا وذَكَرَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ أنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ عَلى مَعْنى فَما كانَ دَعْواهم في الدُّنْيا إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا فَقَطَعْنا دابِرَهم ثُمَّ لَنَحْشُرَنَّهم فَلْنَسْألَنَّهم ووُضِعَ عَلى هَذا الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّقْرِيرِ. وقالَ في الكَشْفِ: لَعَلَّ الأوْجَهَ أنْ يُجْعَلَ هَذا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ( اتَّبِعُوا. ولا تَتَّبِعُوا ) ويُجْعَلُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ﴾ .. إلَخْ. مُعْتَرِضًا حَثًّا عَلى الِاعْتِبارِ بِحالِ السّابِقِينَ لِيَتَشَمَّرُوا في الِاتِّباعِ. اهـ. والأمْرُ عِنْدَ مَن جَعَلَ الكَلامَ السّابِقَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ وادَّعى أنَّ مَجِيءَ البَأْسِ في الآخِرَةِ سَهْلٌ كَما لا يَخْفى أيْ لَنَسْألَنَّ الأُمَمَ قاطِبَةً أوْ هَؤُلاءِ قائِلِينَ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ (6) ماذا أُجِيبُوا والمُرادُ مِن هَذا السُّؤالِ تَوْبِيخُ الكَفَرَةِ وتَقْرِيعُهم والمَنفِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ( يَوْمَ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ) سُؤالُ الِاسْتِعْلامِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ وجَمَعَ آخَرُونَ بَيْنَهُما بِأنَّ لِلْمُثْبَتِ مَوْقِفًا ولِلْمَنفِيِّ آخَرَ وقالَ الإمامُ: إنَّهم لا يُسْألُونَ عَنِ الأعْمالِ أيْ ما فَعَلْتُمْ ولَكِنْ يُسْألُونَ عَنِ الدَّواعِي الَّتِي دَعَتْهم إلى الأعْمالِ والصَّوارِفِ الَّتِي صَرَفَتْهم عَنْها أيْ لِمَ كانَ كَذا وقِيلَ: مَعْنى ﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ لا يُعاقَبُ بِذَنْبِهِ غَيْرُهُ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمُ الأنْبِياءُ ومِنَ المُرْسَلِينَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ بَلَّغُوهم رِسالاتِ رَبِّهِمْ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ فَرَقَدٍ وهو كَما تَرى وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّوْفِيقِ فَإنَّ المَنفِيَّ هو السُّؤالُ عَنِ الذَّنْبِ لا مُطْلَقَ السُّؤالِ ورُدَّ بِأنَّ عَدَمَ قَبُولِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِما ذَكَرْنا هو الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ الأخْبارُ وتَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ وفي القُرْآنِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ وتَخْصِيصُ سُؤالِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِما تَقَدَّمَ هو الَّذِي جَرى عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ يُقالُ لِلَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ: هَلْ بَلَّغَكُمُ الرُّسُلُ ويُقالُ: لِلْمُرْسَلِينَ ما رَدُّوا عَلَيْكم وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ القاسِمِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ أرْبَعِ خِصالٍ يَقُولُ رَبُّكَ ألَمْ أجْعَلْ لَكَ جَسَدًا فَفِيمَ أبْلَيْتَهُ ألَمْ أجْعَلْ لَكَ عِلْمًا فَفِيمَ عَمِلْتَ بِما عَلِمْتَ ألَمْ أجْعَلْ لَكَ مالًا فَفِيمَ أنْفَقْتَهُ في طاعَتِي أمْ في مَعْصِيَتِي ألَمْ أجْعَلْ لَكَ عُمُرًا فَفِيمَ أفْنَيْتَهُ وأخْرَجَ هو وغَيْرُهُ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قَرَأ ذَلِكَ فَقالَ الإمامُ: يُسْألُ عَنِ النّاسِ والرَّجُلُ يُسْألُ عَنْ أهْلِهِ والمَرْأةُ تُسْألُ عَنْ بَيْتِ زَوْجِها صفحة 82 والعَبْدُ يُسْألُ عَنْ مالِ سَيِّدِهِ ولَعَلَّ الظّاهِرَ أنَّ سُؤالَ كُلٍّ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ والمُرْسَلِينَ هُنا عَنْ أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِصاحِبِهِ ولا يَأْبى هَذا أنَّ المُكَلَّفِينَ يُسْألُونَ عَنْ أُمُورٍ أُخَرَ والمَواقِفُ يَوْمَ القِيامَةِ شَتّى ويَسْألُ السَّيِّدُ ذُو الجَلالِ عِبادَهُ فِيها عَنْ مَقاصِدَ عَدِيدَةٍ فَطُوبى لِمَن أخَذَ بِعَضُدِهِ السَّعْدَ فَأجابَ بِما يُنْجِيهِ.

الأعراف 7:7

﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ﴾ قِيلَ أيْ عَلى الرُّسُلِ حِينَ يَكِلُونَ الأمْرَ إلى عِلْمِهِ تَعالى ويَقُولُونَ ﴿لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ أوْ عَلَيْهِمْ وعَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ جَمِيعًا جَمِيعَ أحْوالِهِمْ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ كِتابُ أعْمالِهِمْ بِعِلْمٍ أيْ عالِمِينَ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ أوْ بِمَعْلُومِنا مِنهم والباءُ عَلى الأوَّلِ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِن فاعِلِ ( نَقُصُّ ) وعَلى الثّانِي الباءُ مُتَعَلِّقٌ بِنَقُصُّ ﴿وما كُنّا غائِبِينَ﴾ (7) عَنْهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ والمُرادُ الإحاطَةُ التّامَّةُ بِأحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِنها عَنْ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ والجُمْلَةُ إمّا حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُ.

الأعراف 7:8

﴿والوَزْنُ﴾ أيْ وزْنُ الأعْمالِ والتَّمْيِيزُ بَيْنَ الرّاجِحِ مِنها والخَفِيفِ والجَيِّدِ والرَّدِيءِ وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ﴾ صِفَتُهُ أيْ والوَزْنُ الحَقُّ الثّابِتُ يَوْمَ إذْ يَكُونُ السُّؤالُ والقَصُّ واخْتارَ هَذا بَعْضٌ مِنَ المُعْرِبِينَ وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ ( الحَقُّ ) خَبَرٌ و( يَوْمَئِذٍ ) ظَرْفٌ لِلْوَزْنِ لِئَلّا يَقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. ولَعَلَّ وجْهَ عَدَمِ اخْتِيارِ هَذا أنَّ فِيهِ إعْمالَ المَصْدَرِ المُعَرَّفِ وهو قَلِيلٌ وفي الكَشْفِ لَيْسَ المَعْنى عَلى أنَّ الوَزْنَ هو الحَقُّ بَلْ أنَّ الوَزْنَ الحَقَّ يَكُونُ يَوْمَئِذٍ ألا يُرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ وذَكَرَ الأصْفَهانِيُّ في شَرْحِ اللُّمْعِ لِابْنِ جِنِّيٍّ أنَّ ( الحَقُّ ) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ إلّا أنَّ الأوَّلَ رَجَّحَ جانِبَ المَعْنى ولَمْ يُبالِ بِالفَصْلِ بِالخَبَرِ لِاتِّحادِهِ مِن وجْهٍ بِالمُبْتَدَأِ لا سِيَّما والظَّرْفُ يَتَوَسَّعُ فِيهِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( الحَقُّ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذَلِكَ الوَزْنُ فَقِيلَ: هو الحَقُّ أيِ العَدْلُ السَّوِيُّ وأنْ يَكُونَ ( الوَزْنُ ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْضًا أيْ هَذا الوَزْنُ وهو كَما تَرى وقُرِئَ ( القِسْطَ ) والوَزْنُ كَما قالَ الرّاغِبُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الشَّيْءِ يُقالُ وزَنْتُهُ وزْنًا وزِنَةً والمُتَعارَفُ فِيهِ عِنْدَ العامَّةِ ما يُقَدَّرُ بِالقِسْطاسِ والقَبّانِ واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ والجُمْهُورُ كَما قالَ القاضِي عَلى أنَّ صَحائِفَ الأعْمالِ هي الَّتِي تُوزَنُ بِمِيزانٍ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ الخَلائِقُ إظْهارًا لِلْمَعْدَلَةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ كَما يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ فَتَعْتَرِفُ بِها ألْسِنَتُهم وجَوارِحُهم ولا تُعْرَضُ لَهم لِماهِيَّةِ هاتِيكَ الصَّحائِفِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَتِها. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لا يا رَبِّ فَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ فَتَخْرُجُ لَهُ بِطاقَةٌ فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ فَيُقالُ: إنَّكَ لا تُظْلَمُ فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ صفحة 83 والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ ولا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ» وهَذِهِ الشَّهادَةُ عَلى ما قالَهُ القُرْطُبِيُّ نَقْلًا عَنِ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ لَيْسَتْ شَهادَةَ التَّوْحِيدِ لِأنَّ مِن شَأْنِ المِيزانِ أنْ يُوضَعَ في إحْدى كِفَّتَيْهِ شَيْءٌ وفي الأُخْرى ضِدُّهُ فَتُوضَعُ الحَسَناتُ في كِفَّةٍ والسَّيِّئاتُ في كِفَّةٍ ومِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يُؤْتى لِعَبْدٍ واحِدٍ بِكُفْرٍ وإيمانٍ مَعًا فَيَسْتَحِيلُ أنْ تُوضَعَ شَهادَةُ التَّوْحِيدِ في المِيزانِ أمّا بَعْدَ الإيمانِ فَإنَّ النُّطْقَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ حَسَنَةٌ فَتُوضَعُ في المِيزانِ كَسائِرِ الحَسَناتِ وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا في الحَدِيثِ «إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً» دُونَ أنْ يَقُولَ سُبْحانَهُ إيمانًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هَذِهِ الكَلِمَةَ إذا كانَتْ آخِرَ كَلامِهِ في الدُّنْيا وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ ومُنِعَ لُزُومُ وضْعِ الضِّدِّ في الكِفَّةِ الأُخْرى لِيَلْزَمَ المُحالُ فَتَدَبَّرْ وجاءَ في خَبَرٍ آخَرَ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والنُّمَيْرِيُّ في كِتابِ الأعْلامِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أيْضًا قالَ «إنَّ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَوْقِفًا في فَسَحَ مِنَ العَرْشِ عَلَيْهِ ثَوْبانِ أخْضَرانِ كَأنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ يَنْظُرُ إلى مَن يَنْطَلِقُ بِهِ مِن ولَدِهِ إلى الجَنَّةِ ومَن يَنْطَلِقُ بِهِ إلى النّارِ فَبَيْنا آدَمُ عَلى ذَلِكَ إذْ يَنْظُرُ إلى رَجُلٍ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَنْطَلِقُ بِهِ إلى النّارِ فَيُنادِي آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يا أحْمَدُ يا أحْمَدُ فَيَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَبَّيْكَ يا أبا البَشَرِ فَيَقُولُ هَذا رَجُلٌ مِن أُمَّتِكَ يَنْطَلِقُ بِهِ إلى النّارِ قالَ ﷺ فَأشُدُّ المِئْزَرَ وأُسْرِعُ في أثَرِ المَلائِكَةِ فَأقُولُ: يا رُسُلَ رَبِّي قِفُوا فَيَقُولُونَ نَحْنُ الغِلاظُ الشِّدادُ الَّذِينَ لا نَعْصِي اللَّهَ تَعالى ما أمَرَنا ونَفْعَلُ ما نُؤْمَرُ فَإذا أيِسَ النَّبِيُّ ﷺ قَبَضَ عَلى لِحْيَتِهِ بِيَدِهِ اليُسْرى واسْتَقْبَلَ العَرْشَ بِوَجْهِهِ فَيَقُولُ يا رَبِّ قَدْ وعَدْتَنِي أنْ لا تُخْزِيَنِي في أُمَّتِي فَيَأْتِي النِّداءُ مِن قِبَلِ العَرْشِ أطِيعُوا مُحَمَّدًا ورُدُّوا هَذا العَبْدَ إلى المَقامِ فَيُخْرِجُ ﷺ بِطاقَةً بَيْضاءَ كالأُنْمُلَةِ فَيُلْقِيها في كِفَّةِ المِيزانِ اليُمْنى وهو يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ فَتَرْجُحُ الحَسَناتُ عَلى السَّيِّئاتِ فَيُنادِي المُنادِي سَعِدَ وسَعِدَ جَدُّهُ وثَقُلَتْ مَوازِينُهُ انْطَلِقُوا بِهِ إلى الجَنَّةِ فَيَقُولُ يا رُسُلَ رَبِّي قِفُوا حَتّى أسْألَ هَذا العَبْدَ الكَرِيمَ عَلى رَبِّهِ فَيَقُولُ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي ما أحْسَنَ وجْهَكَ وأحْسَنَ خُلُقَكَ مَن أنْتَ فَقَدَ أقَلْتَنِي عَثْرَتِي ورَحِمْتَ عَبْرَتِي فَيَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنا نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ وهَذِهِ صَلاتُكَ الَّتِي كُنْتَ تُصَلِّي عَلَيَّ وفَّيْتُكَها أحْوَجَ ما تَكُونُ إلَيْها». انْتَهى. ولَعَلَّ فِعْلَ مِثْلِ هَذا إذا صَحَّ الخَبَرُ مُبالَغَةٌ في إظْهارِ كَرامَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. وقِيلَ تُوزَنُ الأشْخاصُ واحْتَجُّوا لَهُ بِما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «إنَّهُ لَيُؤْتى العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ» ولا أدْرِي عَلى هَذا ما يُوضَعُ في الكِفَّةِ الأُخْرى في المِيزانِ إذا وُضِعَ المُذْنِبُ في إحْداهُما ووَضْعُ شَخْصٍ في مُقابَلَةِ شَخْصٍ لا أراهُ إلّا كَما تَرى والخَبَرُ لَيْسَ نَصًّا في الدَّعْوى كَما لا يَخْفى وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الأعْمالَ الظّاهِرَةَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَةٍ عَرَضِيَّةٍ تَظْهَرُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِصُورَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُناسِبَةً لَها في الحُسْنِ والقُبْحِ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وصَحَّحَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقالَ: إنَّ عَلَيْهِ الِاعْتِقادَ وفي الآثارِ ما يُؤَيِّدُهُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنِ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ يُجاءُ بِعَمَلِ الرَّجُلِ فَيُوضَعُ بِكِفَّةِ مِيزانِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَخِفُّ فَيُجاءُ بِشَيْءٍ أمْثالِ الغَمامِ فَيُوضَعُ في كِفَّةِ مِيزانِهِ فَيَرْجَحُهُ فَيُقالُ لَهُ أتَدْرِي ما هَذا فَيَقُولُ: لا فَيُقالُ لَهُ هَذا فَضْلُ العِلْمِ الَّذِي كُنْتَ تُعَلِّمُهُ النّاسَ وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ عَنْ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ بِمَعْناهُ. وقِيلَ: الوَزْنُ عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ السَّوِيِّ والحُكْمِ العادِلِ واسْتِعْمالُ لَفْظِ الوَزْنِ في هَذا المَعْنى شائِعٌ في اللُّغَةِ والعُرْفِ بِطْرِيقِ الكِنايَةِ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والأعْمَشُ والضَّحّاكُ وإلَيْهِ ذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلّا أنَّ مِنهم مَن جَوَّزَ صفحة 84 الوَزْنَ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ عَلَيْهِ عَقْلًا وإنْ لَمْ يَقْضِ بِثُبُوتِهِ كالعَلّافِ وبِشْرِ بْنِ المُعْتَمِرِ ومِنهم مَن أحالَهُ لِأنَّ الأعْمالَ أعْراضٌ وهي مِمّا لا تَبْقى ومِمّا لا يُمْكِنُ إعادَتُها لَكِنَّها أعْراضٌ والأعْراضُ يَمْتَنِعُ وزْنُها إذْ لا تُوصَفُ بِثِقَلٍ ولا خِفَّةٍ سَلَّمْنا إمْكانَ وزْنِها لَكِنْ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ إذِ المَقْصُودُ إنَّما هو العِلْمُ بِتَفاوُتِ الأعْمالِ واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذَلِكَ وما لا فائِدَةَ فِيهِ فَفِعْلُهُ قَبِيحٌ والرَّبُّ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ وجَوابُهُ يُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْنا. وفَسَّرَ هَؤُلاءِ المِيزانَ بِالعَدْلِ والإنْصافِ واعْتَرَضَ الآمِدِيُّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ المِيزانَ مَوْصُوفٌ بِالثِّقَلِ والخِفَّةِ والعَدْلُ والإنْصافُ يُوصَفانِ بِذَلِكَ وفي الأخْبارِ ما هو صَرِيحٌ في أنَّ المِيزانَ جُسْمانِيٌّ فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَلْمانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يُوضَعُ المِيزانُ يَوْمَ القِيامَةِ فَلَوْ وُزِنَ فِيهِ السَّمَواتُ والأرْضُ لَوَسِعَ فَتَقُولُ المَلائِكَةُ يا رَبِّ مَن يَزِنُ هَذا فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: مَن شِئْتُ مِن خَلْقِي فَتَقُولُ المَلائِكَةُ سُبْحانَكَ ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ» وفي رِوايَةِ ابْنِ المُبارَكِ واللّالَكائِيِّ عَنْهُ قالَ: «يُوضَعُ المِيزانُ ولَهُ كِفَّتانِ لَوْ وُضِعَ في إحْداهُما السَّمَواتُ والأرْضُ ومِن فِيهِنَّ لَوَسِعَهُ فَتَقُولُ المَلائِكَةُ مَن يَزِنُ هَذا». الحَدِيثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَلَقَ اللَّهُ تَعالى كِفَّتَيِ المِيزانِ مِثْلَ السَّمَواتِ والأرْضِ فَقالَتِ المَلائِكَةُ يا رَبَّنا مَن تَزِنُ بِهَذا فَقالَ أزِنُ بِهِ مَن شِئْتُ» وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَشَفَ عَنْ بَصَرِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَرَأى مِنَ المِيزانِ ما هالَهُ حَتّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَمّا أفاقَ قالَ: يا رَبِّ مَن يَمْلَأُ كِفَّةَ هَذا حَسَناتٍ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ يا داوُدُ إذا رَضِيتُ عَنْ عَبْدٍ مَلَأْتُها بِشِقِّ تَمْرَةٍ تَصَدَّقَ بِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً فالأوْلى كَما قالَ الزَّجّاجُ اتِّباعُ ما جاءَ في الأحادِيثِ ولا مُقْتَضى لِلْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ فَإنْ قِيلَ إنَّ المُكَلَّفَ يَوْمَ القِيامَةِ إمّا مُؤْمِنٌ بِأنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوْرِ فَيَكْفِيهِ حُكْمُهُ تَعالى بِكَيْفِيّاتِ الأعْمالِ وكَمِّيّاتِها وإمّا مُنْكِرٌ لَهُ فَلا يُسَلِّمُ حِينَئِذٍ أنَّ رُجْحانَ بَعْضِ الأعْمالِ عَلى بَعْضٍ لِخُصُوصِيّاتٍ راجِعَةٍ إلى ذَواتِ تِلْكَ الأعْمالِ بَلْ يُسْنِدُهُ إلى إظْهارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ فَما الفائِدَةُ في الوَزْنِ أُجِيبَ بِأنَّهُ يَنْكَشِفُ الحالُ يَوْمَئِذٍ وتَظْهَرُ جَمِيعُ الأشْياءِ بِحَقائِقِها عَلى ما هي عَلَيْهِ وبِأوْصافِها وأحْوالِها في أنْفُسِها مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ وغَيْرِ ذَلِكَ وتَنْخَلِعُ عَنِ الصُّوَرِ المُسْتَعارَةِ الَّتِي بِها ظَهَرَتْ في الدُّنْيا فَلا يَبْقى لِأحَدٍ مِمَّنْ يُشاهِدُها شُبْهَةٌ في أنَّها هي الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا بِعَيْنِها وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها قَدْ ظَهَرَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ المُسْتَتَّبِعَةِ لِصِفاتِهِ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ خِلافُ ذَلِكَ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْأحْكامِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الوَزْنِ والمَوازِينُ إمّا جَمْعُ مِيزانٍ وجَمْعُهُ مَعَ أنَّ المَشْهُورَ الصَّحِيحَ أنَّ المِيزانَ مُطْلَقًا واحِدٌ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأوْزانِ أوِ المَوْزُوناتِ وكَذا إذا قُلْنا بِأنَّ مِيزانَ كُلِّ شَخْصٍ واحِدٌ وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ كِفَّةُ مَوازِينِهِ وإمّا جَمْعُ مَوْزُونٍ وإضافَتُهُ لِلْعَهْدِ لِتَرَتُّبِ الفَلاحِ عَلى ذَلِكَ فالمُرادُ الحَسَناتُ والجَمْعُ عَلى هَذا ظاهِرٌ وكَذا لَوْ قُلْنا إنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ مِيزانًا ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والجَمْعِيَّةُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما أنَّ إفْرادَ ضَمِيرِ ( مَوازِينُهُ ) العائِدِ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ وهو مُبْتَدَأٌ و( هم ) إمّا ضَمِيرُ فَصْلٍ يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ الخَبَرِ والصِّفَةِ ويُؤَكِّدُ النِّسْبَةَ ويُفِيدُ اخْتِصاصَ المُسْنَدِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ و﴿المُفْلِحُونَ﴾ (8) أيِ الفائِزُونَ بِالنَّجاةِ والثَّوابِ صفحة 85 خَبَرٌ وإمّا مُبْتَدَأٌ ثانٍ و( المُفْلِحُونَ ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ وتَعْرِيفُ المُفْلِحِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ النّاسُ الَّذِينَ بَلَغَكَ أنَّهم مُفْلِحُونَ في الآخِرَةِ أوْ إشارَةٌ إلى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن حَقِيقَةِ المُفْلِحِينَ وخَصائِصِهِمْ.

الأعراف 7:9

﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَضْيِيعِ فِطْرَةِ الإسْلامِ الَّتِي ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلَيْها أوْ فِطْرَةِ الخَيْرِ الَّذِي هو أصْلُ الجِبِلَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ (9) مُتَعَلِّقٌ بِخَسِرُوا وما مَصْدَرِيَّةٌ و﴿بِآياتِنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَظْلِمُونَ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْفاصِلَةِ وعُدِّيَ الظُّلْمُ بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّكْذِيبِ أوِ الجُحُودِ والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الظُّلْمِ في الدُّنْيا وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ الوَزْنَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالمُسْلِمِينَ بَلِ الكُفّارُ أيْضًا تُوزَنُ أعْمالُهُمُ الَّتِي لا تَوَقُّفَ لَها عَلى الإسْلامِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَعْضُ وادَّعى القُرْطُبِيُّ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّهُ يُخَفَّفُ بِها عَذابُهم وإنْ لَمْ تَكُنْ راجِحَةً كَما ورَدَ في حَقِّ أبِي طالِبٍ وذَهَبَ الكَثِيرُ إلى أنَّ الوَزْنَ مُخْتَصٌّ بِالمُسْلِمِينَ وأمّا الكُفّارُ فَتُحْبَطُ أعْمالُهم كَيْفَما كانَتْ وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ ولا يُخَفَّفُ بِها عَنْهم مِنَ العَذابِ شَيْءٌ وما ورَدَ مِنَ التَّخْفِيفِ عَنِ أبِي طالِبٍ فَقَدْ قالَ السَّخاوِيُّ إنَّ المُعْتَمَدَ أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ وعَلى هَذا فَلا بُدَّ مِنَ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ في الآيَةِ وهي عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ساكِتَةٌ عَنْ بَيانِ حالِ مَن تَساوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ وهم أهْلُ الأعْرافِ عَلى قَوْلٍ ومِن هُنا اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى عَدَمِ وُجُودِ هَذا القِسْمِ ورُدَّ بِأنَّهُ قَدْ يُدْرَجُ في القِسْمِ الأوَّلِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعَسى مِنَ اللَّهِ تَعالى تَحْقِيقٌ كَما صَرَّحُوا بِهِ وفِيهِ نَظَرٌ

الأعراف 7:10

﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ تَرْغِيبٌ في قَبُولِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَذْكِيرِ النِّعَمِ إثْرَ تَرْغِيبٍ. وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الإنْذارِ فَإنَّهُ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ قُلِ اتَّبِعُوا وقُلْ واللَّهِ لَقَدْ مَكَّنّاكم والمَعْنى جَعَلْنا لَكم في الأرْضِ مَكانًا وقَرارًا. وقِيلَ: أقَدَرْناكم عَلى التَّصَرُّفِ فِيها فَهو حِينَئِذٍ كِنايَةٌ ورُجِّحَتْ هُنا الحَقِيقَةُ ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ أيْ ما تَعِيشُونَ بِهِ وتَحْيَوْنَ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ ونَحْوِها أوْ ما تَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى ذَلِكَ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ عاشَ يَعِيشُ وعِيشَةً ومَعاشًا ومَعِيشَةً بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ والجُمْهُورُ عَلى التَّصْرِيحِ بِالياءِ فِيها ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ مَعائِشَ بِالهَمْزَةِ وغَلَّطَهُ النَّحْوِيُّونَ ومِنهم سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُهْمَزُ عِنْدَهم بَعْدَ ألِفِ الجَمْعِ إلّا الياءُ الزّائِدَةُ كَصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ وأمّا مَعايِشُ فَياؤُهُ أصْلِيَّةٌ هي عَيْنُ الكَلِمَةِ لِأنَّها مِنَ العَيْشِ وبالَغَ أبُو عُثْمانَ فَقالَ إنَّ نافِعًا لَمْ يَكُنْ يَدْرِي بِالعَرَبِيَّةِ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ وإنْ كانَتْ شاذَّةً غَيْرَ مُتَواتِرَةٍ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الفُصَحاءِ الثِّقاتِ والعَرَبُ قَدْ تُشَبِّهُ الأصْلِيَّ بِالزّائِدِ لِكَوْنِهِ عَلى صُورَتِهِ وقَدْ سُمِعَ هَذا عَنْهم فِيما ذُكِرَ وفي مَصائِبَ ومَنائِرَ أيْضًا. وقالَ سِيبَوَيْهِ إنَّها غَلَطٌ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ الجادَّةِ والقِياسِ وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الغَلَطُ في كِتابَهِ بِهَذا المَعْنى والجَعْلُ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإبْداعِ وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الظَّرْفَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ المُنَكَّرِ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ وتَقْدِيمُها عَلى المَفْعُولِ مَعَ أنَّ حَقَّهُما التَّأْخِيرُ عَنْهُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِ المُقَدَّمِ صفحة 86 مُنْبِئًا عَنْ مَنفَعَةِ السّامِعِ تَبْقى مُتَرَقَّبَةً لِوُرُودِ المُؤَخَّرِ فَيَتَمَكَّنُ فِيها عِنْدَ الوُرُودِ فَضْلُ تَمَكُّنٍ وأمّا تَقْدِيمُ اللّامِ عَلى في فَلِما أنَّهُ المُنْبِئُ عَمّا ذَكَرَ مِنَ المَنفَعَةِ والِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ أتَمُّ والمُسارَعَةُ إلى ذِكْرِهِ أهَمُّ وقِيلَ: إنَّ الجَعْلَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما أحَدُ الظَّرْفَيْنِ عَلى أنَّهُ مُسْتَقِرُّ قُدِّمَ عَلى الأوَّلِ والظَّرْفُ إمّا لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِالجَعْلِ أوْ بِالمَحْذُوفِ الواقِعِ حالًا مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ كَما مَرَّ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ يُعْتَدُّ بِها في الإخْبارِ بِجَعْلِ المَعايِشِ حاصِلَةً لَهم أوْ حاصِلَةً في الأرْضِ ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ (10) تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَسِيمَةَ وهو تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ سُوءِ المُخاطَبِينَ وتَحْذِيرِهِمْ قالَ الطَّيِّبِيُّ: والتَّذْيِيلُ بِذَلِكَ لِأنَّ الشُّكْرَ مُناسِبٌ لِتَمْكِينِهِمْ في البِلادِ والتَّصَرُّفِ فِيها كَما أنَّ التَّذَكُّرَ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مُوافِقٌ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ اتِّباعِ دِينِ الحَقِّ ودِينِ الباطِلِ وبَقِيَّةُ الكَلامِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى طُرُزِ ما مَرَّ في نَظِيرِها فَتَذَكَّرْ.

الأعراف 7:11

﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى وتَأْخِيرُهُ عَنْ تَذْكِيرِ ما وقَعَ بَعْدَهُ مِن نِعْمَةِ التَّمَكُّنِ في الأرْضِ إمّا لِأنَّها فائِضَةٌ عَلى المُخاطَبِينَ بِالذّاتِ وهَذِهِ بِالواسِطَةُ وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما نِعْمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ والمُرادُ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَصْوِيرُهُ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ العَطْفِ الآتِي لَكِنْ لَمّا كانَ مَبْدَأٌ لِلْمُخاطَبِينَ جَعَلَ خَلْقَهُ خَلْقًا لَهم ونَزَلَ مُنْزِلَتَهُ فالتَّجَوُّزُ عَلى هَذا في ضَمِيرِ الجَمْعِ بِجَعْلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَجَمِيعِ الخَلْقِ لِتَفَرُّعِهِمْ عَنْهُ أوْ في الإسْنادِ إذْ أُسْنِدَ ما لِآدَمَ الَّذِي هو الأصْلُ والسَّبَبُ إلى ما تَفَرَّعَ عَنْهُ وتَسَبَّبَ. وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ وذَهَبَ الإمامُ إلى أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والمَعْنى خَلَقْنا أباكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ طِينًا غَيْرَ مُصَوَّرٍ ثُمَّ صَوَّرْناهُ أبْدَعَ تَصْوِيرٍ وأحْسَنَ تَقْوِيمٍ سارَ ذَلِكَ إلَيْكم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في الفِعْلِ والمُرادُ ابْتَدَأْنا خَلْقَكم ثُمَّ تَصْوِيرَكم بِأنْ خَلَقْنا آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناهُ ويَعُودُ هَذا إلى ابْتِداءِ خَلْقِ الجِنْسِ وابْتِداءُ خَلْقِ كُلِّ جِنْسٍ بِإيجادِ أوَّلِ أفْرادِهِ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ وعَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ يَظْهَرُ وجْهُ العَطْفِ بِثُمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ ( ثُمَّ ) هُنا بِمَعْنى الواوِ وتَعَقَّبَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّهُ خَطَأٌ لا يُجِيزُهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ولا مَن يُوثَقُ بِعِلْمِهِ لِأنَّ ثُمَّ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ لا غَيْرُهُ وإنَّما المَعْنى إنّا ابْتَدَأْنا خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناهُ أيْ هَذا أصْلُ خَلْقِكم ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ مِن أصْلِكم قُلْنا .. إلَخْ. وقِيلَ: إنَّ ( ثُمَّ ) لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ لا لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَوْجِيهٍ والمَعْنى خَلَقْناكم يا بَنِي آدَمَ مُضَغًا غَيْرَ مُصَوَّرَةٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم بِشَقِّ السَّمْعِ والبَصَرِ وسائِرِ الأعْضاءِ كَما رُوِيَ عَنْ يَمانٍ أوْ خَلَقْناكم في أصْلابِ الرِّجالِ ثُمَّ صَوَّرْناكم في أرْحامِ النِّساءِ كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ثُمَّ نُخْبِرُكم أنّا قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ .. إلَخْ. وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهم عَلِيُّ بْنُ عِيسى والقاضِي أبُو سَعِيدٍ السِّيرافِيُّ وغَيْرُهُما وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ تُحْمَلَ ( ثُمَّ ) عَلى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِأنَّ مَقامَ الِامْتِنانِ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّ كَوْنَ أبِيهِمْ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ أرْفَعُ دَرَجَةً مِن خَلْقِهِمْ وتَصْوِيرِهِمْ وفِيهِ تَلْوِيحٌ إلى شَرَفِ العِلْمِ وتَنْبِيهٌ لِلْمُخاطَبِينَ عَلى تَحْصِيلِ ما فازَ بِهِ أبُوهم مِن تِلْكَ الفَضِيلَةِ ومِن ثَمَّ عَقَّبَ في البَقَرَةِ الأمْرَ بِالسُّجُودِ مَسْألَةَ التَّحَدِّي بِالعِلْمِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والرَّبِيعِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى خَلَقْنا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ ثُمَّ قُلْنا .. إلَخْ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المُرادِ بِالمَلائِكَةِ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ وكَذا الكَلامُ في المُرادِ بِالسُّجُودِ. صفحة 87 وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يُقالَ: ثُمَّ أمَرْنا المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ كانَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ والواقِعُ بَعْدَ تَصْوِيرِهِ إنَّما هو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ وذَلِكَ لِتَعْيِينِ وقْتِ السَّجْدَةِ المَأْمُورِ بِها قَبْلُ والحاصِلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم أوَّلًا أمْرًا مُعَلَّقًا ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا أمْرًا مُنَجَّزًا مُطابِقًا لِلْأمْرِ السّابِقِ فَلِذا جَعَلَهُ حِكايَةً لَهُ وفي ذَلِكَ ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَسَجَدُوا﴾ أيِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ القَوْلِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ سَواءً قُلْنا إنَّ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ حَقِيقَةً أمْ لا أمّا عَلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّهُ لَمّا كانَ جِنِّيًّا مُفْرَدًا مَغْمُورًا بِأُلُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُتَّصِفًا بِغالِبِ صِفاتِهِمْ غُلِّبُوا عَلَيْهِ في ﴿فَسَجَدُوا﴾ ثُمَّ اسْتَثْنِيَ اسْتِثْناءَ واحِدٍ مِنهم وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ بِناءً عَلى أنَّهُ مِنَ الجِنِّ وأنَّهم لَيْسُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ ولا تَغْلِيبَ والأوَّلُ هو المُخْتارُ. وذِكْرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (11) أيْ مِمَّنْ سَجَدَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ عُلِمَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ عَدَمُ السُّجُودِ لِأنَّ المَعْلُومَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ عَدَمُ العُمُومِ لا عُمُومُ العَدَمِ والمُرادُ الثّانِي أيْ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ السُّجُودُ مُطْلَقًا لا مَعَهم ولا مُنْفَرِدًا وهَذا إنَّما يُفِيدُهُ التَّنْصِيصُ كَذا قِيلَ ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ التَّنْصِيصَ المَذْكُورَ يُفِيدُ عُمُومَ الأحْوالِ والأوْقاتِ فَلا يَتِمُّ ما ذُكِرَ وتَحْقِيقُ هَذا المَقامِ عَلى ما ذَكَرَهُ المَوْلى سَرِيُّ الدِّينِ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْمَ اخْتَلَفُوا في أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ أمْ لا فَقالَ الشّافِعِيُّ: نَعَمْ فَيَكُونُ نَقِيضُ الحُكْمِ ثابِتًا لِلْمُسْتَثْنى بِطَرِيقِ العِبارَةِ ويُوافِقُهُ ظاهِرُ عِبارَةِ الهِدايَةِ. وذَهَبَ طائِفَةٌ مِنَ الحَنَفِيَّةِ إلى أنَّهُ بِطَرِيقِ الإشارَةِ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ المُسْتَثْنى في حُكْمِ المَسْكُوتِ عَنْهُ وإنَّما يُسْتَفادُ الحُكْمُ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ واخْتارَ صاحِبُ البَحْرِ أنَّهُ مَنطُوقُ إشارَةٍ تارَةً وعِبارَةٍ أُخْرى. وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الجَوابِ: إنَّ المَقامَ لَمّا كانَ مَقامَ التَّسْجِيلِ عَلى إبْلِيسَ بِعَدَمِ السُّجُودِ والتَّشْهِيرِ والتَّوْبِيخِ بِتِلْكَ القَبِيحَةِ الهائِلَةِ كانَ خَلِيقًا بِالتَّصْرِيحِ جَدِيرًا بِالِاحْتِياطِ لِضَعْفِ التَّعْوِيلِ عَلى القَرِينَةِ لائِقًا بِكَمالِ الإيضاحِ والتَّقْرِيرِ فَعَدَلَ عَنْ طَرِيقِ الحَذْفِ وإنْ كانَ الكَلامُ دالًّا عَلى المَحْذُوفِ إلى مَنهَجِ الذِّكْرِ والتَّصْرِيحِ بِهِ وهَذا عَلى رَأْيِ الشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ ظاهِرٌ وإلَيْهِ أشارَ السَّرّاجُ الهِنْدِيُّ في مَباحِثِ الِاسْتِثْناءِ مِن شَرْحِ المُغْنِي وأمّا عَلى باقِي المَذاهِبِ فالأمْرُ أظْهَرُ لِأنَّ الحُكْمَ عَلى المُسْتَثْنى بِنَقِيضِ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ إمّا بِطْرِيقِ الإشارَةِ أوْ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ وعَلى كُلٍّ فالمَقامُ يَأْبى الِاكْتِفاءَ بِمِثْلِ ذَلِكَ ويَقْتَضِي التَّصْرِيحَ بِذِكْرِ الحُكْمِ. وادَّعى مَوْلانا ابْنُ الكَمالِ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ إنَّما جِيءَ بِها لِانْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ وأنَّهُ لَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا يَكُونُ الإتْيانُ بِها ضائِعًا لَأنَّ عَدَمَ كَوْنِ إبْلِيسَ مِنَ السّاجِدِينَ يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ عَلى تَقْدِيرِ اتِّصالِهِ ولا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن أحاطَ عِلْمًا بِما ذَكَرْنا واعْتَرَضَهُ البَعْضُ أيْضًا بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ يَكُونُ ذَلِكَ ضائِعًا أيْضًا بِناءً عَلى ما ظَنَّهُ فَإنَّ ثُبُوتَ نَقِيضِ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ لِلْمُسْتَثْنى غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالمُتَّصِلِ ولِذا لا نَراهم يَذْكُرُونَ مَعَ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعِ أيْضًا نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ إلّا قَلِيلًا ولَوْ تَمَّ ما ذَكَرَهُ لَوَجَبَ ذِكْرُ الخَبَرِ مَعَ كُلِّ مُنْقَطِعٍ فَلْيُفْهَمْ.

الأعراف 7:12

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْجَوابِ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ عَدَمِ سُجُودِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى صفحة 88 حِينَئِذٍ وبِهِ كَما قِيلَ يَظْهَرُ وجْهُ الِالتِفاتِ إلى الغِيبَةِ إذْ لا وجْهَ لِتَقْدِيرِ السُّؤالِ عَلى وجْهِ المُخاطَبَةِ وفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى هي الإشْعارُ بِعَدَمِ تَعَلُّقِ المَحْكِيِّ بِالمُخاطَبِينَ كَما في حِكايَةِ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ أيْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِإبْلِيسَ حِينَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ المَشْهُورُ أنَّ لا مَزِيدَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾ وقَدْ جاءَتْ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ أيْ لِيَعْلَمَ وهي في ذَلِكَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الفِعْلِ الَّذِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ وتَحْقِيقِهِ. واسْتُشْكِلَ بِأنَّها كَيْفَ تُؤَكِّدُ ثُبُوتَ الفِعْلِ مَعَ إيهامِ نَفْيِهِ قالَ الشِّهابُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّها لا تُؤَكِّدُهُ مُطْلَقًا بَلْ إذا صَحِبَ نَفْيًا مُقَدَّمًا أوْ مُؤَخَّرًا صَرِيحًا أوْ غَيْرَ صَرِيحٍ كَما في ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وكَما هُنا فَإنَّها تُؤَكِّدُ تَعَلُّقَ المَنعِ بِهِ ومِن هُنا قالُوا: إنَّها مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ المُوَبَّخَ عَلَيْهِ تَرْكُ السُّجُودِ وقِيلَ: إنَّها غَيْرُ زائِدَةٍ بِأنْ يَكُونَ المَنعُ مَجازًا عَنِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ فالمَعْنى ما اضْطَرَّكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ وجَعَلَهُ السَّكّاكِيُّ مَجازًا عَلى الحَمْلِ ولا قَرِينَةَ لِلْمَجازِ أيْ ما حَمَلَكَ ودَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ ولَيْسَ بَيْنَ الجَعْلَيْنِ كَثِيرُ فَرْقٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّضْمِينِ وقالَ الرّاغِبُ المَنعُ يُقالُ في ضِدِّ العَطِيَّةِ كَرَجُلٍ مانِعٍ ومَنّاعٍ أيْ بَخِيلٍ ويُقالُ في الحِمايَةِ ومِنهُ مَكانٌ مَنِيعٌ وقَدْ مَنَعَ وفُلانٌ ذُو مَنَعَةٍ أيْ عَزِيزٌ مُمْتَنِعٌ عَلى مَن يَرُومُهُ والمَنعُ في الآيَةِ مِنَ الثّانِي أيْ ما حَماكَ عَنْ عَدَمِ السُّجُودِ ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ بِالسُّجُودِ و( إذْ ) ظَرْفٌ لِتَسْجُدَ وهَذِهِ الآيَةُ أحَدُ أدِلَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ لِأنَّهُ ذَمٌّ عَلى تَرْكِ المُبادَرَةِ ولَوْلا أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ لَمْ يَتَوَجَّهِ الذَّمُّ عَلَيْهِ وكانَ لَهُ أنْ يُجِيبُ بِأنَّكَ ما أمَرْتَنِي بِالبِدارِ وسَوْفَ أسْجُدُ وأُجِيبَ بِأنَّ الفَوْرَ إنَّما هو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ولَيْسَ مِن صِيغَةِ الأمْرِ إلّا أنَّ بَعْضَهم مَنَعَ دَلالَةَ الفاءِ الجَزائِيَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ مِن غَيْرِ تَراخٍ وقالَ آخَرُونَ إنَّ الِاسْتِدْلالَ إنَّما هو بِتَرَتُّبِ اللَّوْمِ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ المُطْلَقِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ إذْ قُلْتُ فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَتَدَبَّرْ وفي حِكايَةِ التَّوْبِيخِ ها هُنا بِهَذِهِ العِبارَةِ وفي سُورَةِ الحِجْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ وفي سُورَةِ ص بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّعِينَ أدْمَجَ في مَعْصِيَةٍ واحِدَةٍ غَيْرَ واحِدَةٍ مِن هاتِيكَ المَعاصِي كافِيَةً في التَّوْبِيخِ وبُطْلانِ ما ارْتَكَبَهُ وقَدْ تُرِكَتْ حِكايَةُ التَّوْبِيخِ رَأْسًا في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ طَهَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحِكْمَةِ كُلٍّ. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما تَقَدَّمَ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ التَّوْبِيخِ كَأنَّهُ قِيلَ فَماذا قالَ اللَّعِينُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقِيلَ: قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ هو مِنَ الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ فَإنَّ الجَوابَ المُطابِقَ لِلسُّؤالِ مَنَعَنِي كَذا وهَذا جَوابٌ عَنْ أيِّكُما خَيْرٌ وفِيهِ دَعْوى شَيْءٍ بَيْنَ الِاسْتِلْزامِ لِلْمَقْصُودِ بِزَعْمِهِ ومُشْعِرٌ بِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ لا يَحْسُنُ أنْ يَسْجُدَ لِمَن دُونَهُ فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ فاللَّعِينُ أوَّلُ مَن أسَّسَ بُنْيانَ التَّكَبُّرِ واخْتَرَعَ القَوْلَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العِلِّيَّيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (12) تَعْلِيلٌ لِما ادَّعاهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِن فَضْلِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وحاصِلُهُ أنِّي مَخْلُوقٌ مِن عُنْصُرٍ أشْرَفَ مِن عُنْصُرِهِ لِأنَّ عُنْصُرِي عُلْوِيٌّ نَيِّرٌ قَوِيُّ التَّأْثِيرِ مُناسِبٌ لِمادَّةِ صفحة 89 الحَياةِ وعُنْصُرَهُ بِضِدِّ ذَلِكَ والمَخْلُوقُ مِنَ الأشْرَفِ أشْرَفُ لِأنَّ شَرَفَ الأصْلِ يُوجِبُ شَرَفَ الفَرْعِ فَأنا كَذَلِكَ والأشْرَفُ لا يَلِيقُ بِهِ الِانْقِيادُ لِمَن هو دُونَهُ وقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ فَإنَّ كَوْنَ النّارِ أشْرَفُ مِنَ التُّرابِ مَمْنُوعٌ فَإنَّ كُلَّ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ يَخْتَصُّ بِفَوائِدَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ وكُلٌّ مِنها ضَرُورِيٌّ في هَذِهِ النَّشْأةِ ولِكُلٍّ فَضِيلَةٌ في مَقامِهِ وحالِهِ فَتَرْجِيحُ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ تَطْوِيلٌ بِلا طائِلٍ عَلى مَن نَظَرَ إلى أنَّ الأرْضَ أكْثَرُ مَنافِعَ لِلْخَلْقِ لِأنَّها مُسْتَقَرُّهم وفِيها مَعايِشُهم وأنَّها مُتَّصِفَةٌ بِالرَّزانَةِ الَّتِي هي مِن مُقْتَضَياتِ الحِلْمِ والوَقارِ وإلى أنَّ النّارَ دُونَها في المَنافِعِ وأنَّها مُتَّصِفَةٌ بِالخِفَّةِ الَّتِي هي مِن مُقْتَضَياتِ الطَّيْشِ والِاسْتِكْبارِ والتَّرَفُعِ عُلِمَ ما في كَلامِ اللَّعِينِ وأيْضًا شَرَفُ الأصْلِ لا يُوجِبُ شَرَفَ الفَرْعِ. إنَّما الوَرْدُ مِنَ الشَّوْكِ ولا يَنْبُتُ النَّرْجِسُ إلّا مِن بَصَلِ ويَكْفِي في ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ الكافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ وأيْضًا قَدْ خَصَّ الشَّرَفَ بِما هو مِن جِهَةِ المادَّةِ والعُنْصُرِ مَعَ أنَّ الشَّيْءَ كَما يَشْرُفُ بِمادَّتِهِ وعُنْصُرِهِ يَشْرُفُ بِفاعِلِهِ وغايَتِهِ وصُورَتِهِ وهَذا الشَّرَفُ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَهُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ كَما قَصَّ سُبْحانَهُ لِما أوْدَعَهُ فِيهِ وأيْضًا أيُّ قُبْحٍ في خِدْمَةِ الفاضِلِ لِلْمَفْضُولِ تَواضُعًا وإسْقاطًا لِحَظِّ النَّفْسِ عَلى أنَّ الخِدْمَةَ في الحَقِيقَةِ إنَّما كانَتْ لِلَّهِ تَعالى وإلى هَذا أشارَ ظافِرٌ الإسْكَنْدَرِيُّ بِقَوْلِهِ. أنْتَ المُرادُ بِنَظْمِ كُلِّ قَصِيدَةٍ ∗∗∗ بُنِيَتْ عَلى الإفْهامِ في تَبْجِيلِهِ كَسُجُودِ أمَلاكِ السَّماءِ لِآدَمَ ∗∗∗ وسُجُودُهم لِلَّهِ في تَأْوِيلِهِ ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَوابَ مِنَ اللَّعِينِ كانَ مَعَ تَسْلِيمِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالسُّجُودِ وحِينَئِذٍ فَخَطَؤُهُ أظْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ إذْ يَعُودُ ذَلِكَ إلى الِاعْتِراضِ عَلى المالِكِ الحَكِيمِ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ أنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بَلْ أخْرَجَ نَفْسَهُ مِنَ العُمُومِ بِالقِياسِ واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِهَذا التَّوْبِيخِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ التَّخْصِيصِ بَلْ هو إبْطالٌ لِلنَّصِّ ورَفْعٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ وفِيهِ تَأمُّلٌ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيِهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: اسْجُدْ لِآدَمَ فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ» إلَخْ قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيِهِ قَرَنَهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ واسْتَدَلَّ بِهَذا ونَحْوِهِ مَن مَنَعَ القِياسَ مُطْلَقًا. وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ المَذْمُومَ هو القِياسُ والرَّأْيُ في مُقابَلَةِ النَّصِّ أوِ الَّذِي يُعْدَمُ فِيهِ شَرْطٌ مِنَ الشُّرُوطِ المُعْتَبَرَةِ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى الكَوْنِ والفَسادِ لِدَلالَتِها عَلى خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وإيجادِهِما وعَلى اسْتِحالَةِ الطِّينِ والنّارِ عَمّا كانا عَلَيْهِ مِنَ الطِّينِيَّةِ والنّارِ لِما تَرَكَّبَ مِنهُما ما تَرَكَّبَ وعَلى أنَّ إبْلِيسَ ونَحْوَهُ أجْسامٌ حادِثَةٌ لا أرْواحَ قَدِيمَةٌ قِيلَ: لَعَلَّ إضافَةَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الطِّينِ وخَلْقِهِ إلى النّارِ بِاعْتِبارِ الجُزْءِ الغالِبِ وإلّا فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الأجْسامَ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وبَعْضُ النّاسِ مِن وراءِ المَنعِ.

الأعراف 7:13

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما ظَهَرَ مِنهُ مِنَ صفحة 90 الباطِلِ وضَمِيرُ ﴿مِنها﴾ قِيلَ لِلْجَنَّةِ وكَوْنُهُ مِن سُكّانِها مَشْهُورٌ والمُرادُ بِها عِنْدَ بَعْضٍ الجَنَّةُ الَّتِي يَسْكُنُها المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها رَوْضَةٌ بِعَدْنٍ وفِيها خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ عَلى نَشَزٍ مِنَ الأرْضِ في قَوْلٍ وأصْلُ الهُبُوطِ الِانْحِدارُ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ كَما في هُبُوطِ الحَجَرِ وإذا اسْتُعْمِلَ في الإنْسانِ ونَحْوِهِ فَعَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ كَما قالَهُ الرّاغِبُ. ولَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُهم فِيهِ سِوى الِانْتِقالِ مِن شَرِيفٍ إلى ما دُونَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ والأمْرُ عَلَيْهِ واضِحٌ وإنْ لَمْ نَقُلْ: إنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ كانَتْ عَلى نَشَزٍ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ أيِ اخْرُجْ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُعَزَّزِينَ فَإنَّ الخُرُوجَ مِن زُمْرَتِهِمْ هُبُوطٌ وأيَّ هُبُوطٍ وفي سُورَةِ الحِجْرِ ﴿فاخْرُجْ مِنها﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلسَّماءِ وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ ورُدَّ بِأنَّ وسْوَسَتَهُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ بَعْدَ هَذا الطَّرْدِ فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ قَطْعًا ويَكُونُ وسْوَسَتُهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ النِّداءِ مِن بابِ الجَنَّةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ الجَنَّةَ أوْ زُمْرَةَ المَلائِكَةِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ الأُولى ومُعْظَمَ الثّانِيَةِ في السَّماءِ أوْ يُقالُ: إنَّ القِصَّةَ وقَعَتْ في الأرْضِ وكانَتِ الجَنَّةُ فِيها وبَعْدَ العِصْيانِ حُجِبَ اللَّعِينُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَقَرُّهُ ومَعْبَدُهُ ومَعْنى أمْرِهِ بِالخُرُوجِ مِنها أمْرُهُ بِقَطْعِ عَلائِقِهِ عَنْها واتِّخاذِها مَأْوًى لَهُ بَعْدُ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن غَصَبَ دارَكَ مَثَلًا عِنْدَ نَحْوِ القاضِي: اخْرُجْ مِن دارِي مَعَ أنَّهُ إذْ ذاكَ لَيْسَ فِيها تُرِيدُ لا تَدْخُلْها واقْطَعْ عَلائِقَكَ عَنْها وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأرْضِ. فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ أُخْرِجَ مِنها إلى الجَزائِرِ وأُمِرَ أنْ لا يَدْخُلَها إلّا خِفْيَةً ويُبْعِدُهُ أنَّهُ لا يَظْهَرُ لِلتَّخْصِيصِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾ أيْ فَما يَصِحُّ ولا يَسْتَقِيمُ ولا يَلِيقُ بِشَأْنِكَ ﴿أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ عَلى هَذا وجْهٌ إلّا عَلى بُعْدٍ. وأمّا عَلى الأوْجُهِ السّابِقَةِ فالوَجْهُ ظاهِرٌ وهو مَزِيدُ شَرافَةِ المُخْرَجِ مِنهُ وعُلُوُّ شَأْنِهِ وتَقَدُّسُ ساحَتِهِ ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّهُ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى جَوازِ التَّكَبُّرِ في غَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ ولا يَخْفى لَطافَةُ التَّعْبِيرِ بِهِ دُونَ الخُرُوجِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾ المُشِيرُ إلى ارْتِفاعِ عُنْصُرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ والتَّكَبُّرُ عَلى ما قِيلَ كالكِبْرِ وهو الحالَةُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الشَّخْصُ مِن إعْجابِهِ بِنَفْسِهِ وذَلِكَ أنْ يَرى نَفْسَهُ أكْبَرَ مِن غَيْرِهِ وأعْظَمَ والمُرادُ بِالتَّكَبُّرِ ها هُنا إمّا التَّكَبُّرُ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو أعْظَمُ التَّكَبُّرِ ويَكُونُ بِالِامْتِناعِ مِن قَبُولِ الحَقِّ والإذْعانِ لَهُ بِالعِبادَةِ. وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالمَعْصِيَةِ وإمّا التَّكَبُّرُ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِزَعْمِهِ أنَّهُ خَيْرٌ مِنهُ وأكْبَرُ قَدْرًا وقِيلَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِنهُ ومِنَ التَّكَبُّرِ عَلى المَلائِكَةِ حَيْثُ زَعَمَ أنَّ لَهُ خُصُوصِيَّةً مَيَّزَتْهُ عَلَيْهِمْ وأخْرَجَتْهُ مِن عُمُومِهِمْ وفِيهِ تَأمُّلٌ وزَعَمَ البَعْضُ أنَّ في الآيَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّكَبُّرَ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الجَنَّةِ فَكَما يُمْنَعُ مِنَ القَرارِ فِيها يُمْنَعُ مِن دُخُولِها بَعْدَ ذَلِكَ وأنَّهُ تَعالى إنَّما طَرَدَهُ لِتَكَبُّرِهِ لا لِمُجَرَّدِ عِصْيانِهِ وهو ظاهِرٌ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالاتِ كَما لا يَخْفى والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (13) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالخُرُوجِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لِتَكَبُّرِهِ أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى أوْلِيائِهِ لِتَكَبُّرِكَ. أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صفحة 91 «مَن تَواضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى ومَن تَكَبَّرَ وضَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» ومِن حَدِيثِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَن تَواضَعَ لِلَّهِ تَعالى رَفَعَ اللَّهُ تَعالى حِكْمَتَهُ وقالَ: انْتَعِشْ نَعَشَكَ اللَّهُ ومَن تَكَبَّرَ وعَدا طَوْرَهُ وهَصَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأرْضِ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأذِلّاءِ في الدُّنْيا بِالذَّمِّ واللَّعْنِ وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ بِسَبَبِ ما ارْتَكَبَهُ مِنَ المَعْصِيَةِ والتَّكَبُّرِ وإذْلالُ اللَّهِ تَعالى المُتَكَبِّرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أمْثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يَغْشاهُمُ الذُّلُّ مِن كُلِّ مَكانٍ يُساقُونَ إلى السَّجْنِ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ: بُولَسُ يُسْقَوْنَ مِن طِينَةِ الخَبالِ عُصارَةِ أهْلِ النّارِ» وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الصّاغِرَ بِالرّاضِي بِالذُّلِّ كَما هو المَشْهُورُ فِيهِ والمُرادُ وصْفُهُ بِأنَّهُ خَسِيسُ الطَّبْعِ دَنِيءٌ وأنَّهُ رَأى نَفْسَهُ أكْبَرَ مِن غَيْرِهِ ولَيْسَ بِالكَبِيرِ ولَقَدْ أبْدَعَ أبُو نُواسٍ بِقَوْلِهِ خِطابًا لَهُ. سَوْأةٌ بِالعَيْنِ أنْتَ اخْتَلَسْتَ النّاسَ غَيْظًا عَلَيْهِمْ أجَمْعِينا تِهْتَ لَمّا أمَرْتَ في سالِفِ الدَّهْـ ∗∗∗ رِ وفارَقْتَ زُمْرَةَ السّاجِدِينا عِنْدَما قُلْتَ لا أُطِيقُ سُجُودًا ∗∗∗ لِمِثالٍ خَلَقْتَهُ رَبِّ طِينا حَسَدًا إذْ خُلِقْتَ مِن مارِجِ النَّـ ∗∗∗ ارِ لِمَن كانَ مُبْتَدا العالَمِينا ثُمَّ صُيِّرْتَ في القِيادَةِ تَسْعى ∗∗∗ يا مُجِيرَ الزُّناةِ واللّائِطِينا ولَهُ أيْضًا مِن أبْياتٍ فِيهِ: تاهَ عَلى آدَمَ في سَجْدَةٍ ∗∗∗ وصارَ قَوّادًا لِذَرِّيَّتِهِ

الأعراف 7:14

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّعِينُ بَعْدَ ما سَمِعَ ما سَمِعَ فَقِيلَ: قالَ ﴿أنْظِرْنِي﴾ أيْ أمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (14) أيْ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتُهُ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وأرادَ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً في الإغْواءِ وأخْذِ الثَّأْرِ ونَجاةً مِنَ المَوْتِ إذْ لا مَوْتَ بَعْدَ البَعْثِ

الأعراف 7:15

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ (15) ظاهِرُهُ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ حَيْثُ وقَعَ في مُقابَلَةِ كَلامِهِ لَكِنْ في سُورَةِ الحِجْرِ و ﴿ص﴾ التَّقْيِيدُ بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنهُ فالمَشْهُورُ أنَّهُ يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى دُونَ يَوْمِ البَعْثِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمِ مَوْتٍ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ البَعْثِ ولا يَلْزَمُ أنْ لا يَمُوتَ فَلَعَلَّهُ يَمُوتُ أوَّلَ اليَوْمِ ويُبْعَثُ مَعَ الخَلْقِ في تَضاعِيفِهِ: وفي كِتابِ العَرائِسِ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّ إبْلِيسَ إنَّما يَذُوقُ طَعْمَ المَوْتِ يَوْمَ الحَشْرِ وذَكَرَ في كَيْفِيَّةِ مَوْتِهِ وقَبْضِ عِزْرائِيلَ رُوحَهُ ما يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ الفاضِلُ السَّفارِينِيُّ وقالَ في كِتابِهِ ( البُحُورُ الزّاخِرَةُ ) أخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ لا يَلْبَثُونَ يَعْنِي النّاسَ بَعْدَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها فَتَجِفُّ الأقْلامُ وتُطْوى الصُّحُفُ فَلا يُقْبَلُ مِن أحَدً تَوْبَةٌ ويَخِرُّ إبْلِيسُ ساجِدًا يُنادِي إلَهِي مُرْنِي أنْ أسْجُدَ لِمَن شِئْتَ وتَجْتَمِعُ إلَيْهِ الشَّياطِينُ فَتَقُولُ يا سَيِّدَنا إلى مَن تَفْزَعُ فَيَقُولُ: إنَّما سَألْتُ رَبِّي أنْ يُنْظِرَنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ فَأنْظَرَنِي إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ وقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها وهَذا يَوْمُ الوَقْتِ المَعْلُومِ وتَصِيرُ الشَّياطِينُ ظاهِرَةً في الأرْضِ حَتّى يَقُولَ الرَّجُلُ هَذا صفحة 92 قَرِينِي الَّذِي كانَ فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أخْزاهُ ولا يَزالُ إبْلِيسُ ساجِدًا باكِيًا حَتّى تَخْرُجَ الدّابَّةُ فَتَقْتُلُهُ وهو ساجِدٌ. انْتَهى. ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ المَعْلُومِ ما صَرَّحَ بِهِ اللَّعِينُ وهو قَبْلَ يَوْمِ النَّفْخَةِ الأُولى بِكَثِيرٍ وهَذا قَوْلٌ لَمْ نَرَ أحَدًا مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرَهُ وهو الَّذِي ارْتَضاهُ هَذا الفاضِلُ وقالَ: إنَّ الخَبَرَ في حُكْمِ المَرْفُوعِ لِأنَّهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ ولَيْسَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَكَعْبِ الأحْبارِ مِمَّنْ يَتَلَقّى مِن كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إنْ صَحَّتْ نِسْبَةُ هَذا الخَبَرِ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ يَنْبَغِي أنْ لا يُعْدَلَ إلى القَوْلِ بِما يُخالِفُهُ ولَكِنْ في صِحَّةِ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدِي تَرَدُّدٌ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ وقْتٌ يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى انْتِهاءَ أجَلِهِ فِيهِ وقَدْ أخْفى عَنّا وكَذا عَنِ اللَّعِينِ وأوْجَبَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ واسْتَدَلَّ لَهُ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّعِينَ كانَ مُكَلَّفًا والمُكَلَّفُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ أجَلَهُ لِأنَّهُ يُقْدِمُ عَلى المَعْصِيَةِ بِقَلْبٍ فارِغٍ حَتّى إذا قَرُبَ أجَلُهُ تابَ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وهَذا كالإغْراءِ عَلى المَعاصِي فَيَكُونُ قَبِيحًا وأُجِيبَ بِأنَّ مَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الطَّهارَةِ والعِصْمَةِ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي كَإبْلِيسَ وأشْياعِهِ فَإنَّ إعْلامَهُ بِوَقْتِ أجَلِهِ لا يَكُونُ إغْراءً عَلى المَعْصِيَةِ لِأنَّهُ لا يَتَفاوَتُ حالُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ والإعْلامِ وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ هَذِهِ إجابَةٌ لِدُعائِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ لِمَن قالَ: إنَّ دُعاءَ الكافِرِ قَدْ يُسْتَجابُ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الدَّبُّوسِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الفُقَهاءِ خِلافًا لِما نَقَلَهُ في البَزّازِيَّةِ عَنِ البَعْضِ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالُ: إنَّ دُعاءَ الكافِرِ مُسْتَجابٌ لِأنَّهُ لا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى لِيَدْعُوَهُ والفَتْوى عَلى الأوَّلِ لِلظّاهِرِ ولِقَوْلِهِ ﷺ: «دَعْوَةُ المَظْلُومِ مُسْتَجابَةٌ وإنْ كانَ كافِرًا» . وحَمْلُ الكُفْرِ عَلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ لا كُفْرانِ الدِّينِ خِلافُ الظّاهِرِ ولا يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِجابَةِ المَحَبَّةُ والإكْرامُ فَإنَّها قَدْ تَكُونُ لِلِاسْتِدْراجِ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الجُمْلَةُ إخْبارٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المَنظَرِينَ في قَضاءِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَرَتُّبٍ عَلى دُعائِهِ وادُّعِيَ أنَّ وُرُودَها اسْمِيَّةً مَعَ التَّعَرُّضِ لِشُمُولِ ما سَألَهُ اللَّعِينُ الآخَرِينَ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِأنَّ السّائِلَ تَبَعٌ لَهم في ذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ بِأنَّ الإنْظارَ المَذْكُورَ لَهم أزَلًا لا إنْشاءَ لِإنْظارٍ خاصٍّ بِهِ إجابَةً لِدُعائِهِ ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أيْضًا أنَّ اسْتِنْظارَهُ كانَ طَلَبًا لِتَأْخِيرِ المَوْتِ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ مِن جُمْلَتِهِمْ لا لِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما قِيلَ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ والحِكْمَةُ في إنْظارِهِ ذَلِكَ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ مَعَ ما هو عَلَيْهِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِنَ الإفْسادِ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُفَوَّضَ عِلْمُها إلى خالِقِ العِبادِ. وقَدْ ذَكَرَ الشِّهْرِسْتانِيُّ عَنْ شارِحِ الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ صُورَةَ مُناظَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ إبْلِيسَ بَعْدَ هَذِهِ الحادِثَةِ وقَدْ ذُكِرَتْ في التَّوْراةِ وهي أنَّ اللَّعِينَ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: إنِّي أُسَلِّمُ أنَّ لِي إلَهًا هو خالِقِي ومُوجِدِي وهو خالِقُ الخَلْقِ لَكِنْ لِي عَلى حُكْمِهِ أسْئِلَةٌ الأوَّلُ ما الحِكْمَةُ في الخَلْقِ لا سِيَّما وقَدْ كانَ عالِمًا أنَّ الكافِرَ لا يَسْتَوْجِبُ عِنْدَ خَلْقِهِ إلّا النّارَ الثّانِي ما الفائِدَةُ في التَّكْلِيفِ مَعَ أنَّهُ لا يَعُودُ إلَيْهِ مِنهُ نَفْعٌ ولا ضَرَرٌ وكُلُّ ما يَعُودُ إلى المُكَلَّفِينَ فَهو قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِهِ لَهم مِن غَيْرِ واسِطَةِ التَّكْلِيفِ الثّالِثُ هَبْ أنَّهُ كَلَّفَنِي بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ فَلِماذا كَلَّفَنِي بِالسُّجُودِلِآدَمَ الرّابِعُ لَمّا عَصَيْتُهُ في تَرْكِ السُّجُودِ فَلِمَ لَعَنَنِي وأوْجَبَ عِقابِي مَعَ أنَّهُ لا فائِدَةَ لَهُ ولا لِغَيْرِهِ فِيهِ ولِي فِيهِ أعْظَمُ الضَّرَرِ الخامِسُ أنَّهُ لَمّا فَعَلَ ذَلِكَ لِمَ سَلَّطَنِي عَلى أوْلادِهِ ومَكَّنَنِي مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمُ السّادِسُ لَمّا اسْتَمْهَلْتُهُ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ في ذَلِكَ فَلِمَ أمْهَلَنِي ومَعْلُومٌ أنَّ العالَمَ لَوْ كانَ خالِيًا مِنَ الشَّرِّ لَكانَ ذَلِكَ خَيْرًا قالَ شارِحُ الأناجِيلِ: فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ مِن سُرادِقِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ يا إبْلِيسُ أنْتَ ما عَرَفْتَنِي ولَوْ عَرَفْتَنِي لَعَلِمْتَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيَّ في شَيْءٍ مِن أفْعالِي فَإنِّي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا لا أُسْألُ عَمّا أفْعَلُ. انْتَهى. صفحة 93 وفِي السُّؤالِ السّادِسِ ما يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ في الجُمْلَةِ ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الشُّبَهاتِ يَصْعُبُ عَلى القائِلِينَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ الجَوابُ عَنْها بَلْ قالَ الإمامُ: إنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الخَلائِقِ وحَكَمُوا بِتَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ لَمْ يَجِدُوا مِن هَذِهِ الشُّبَهاتِ مُخَلِّصًا وكانَ الكُلُّ لازِمًا ويُعْجِبُنِي ما يُحْكى أنَّ سَيْفَ الدَّوْلَةِ بْنَ حَمَدانَ خَرَجَ يَوْمًا عَلى جَماعَتِهِ فَقالَ: قَدْ عَمِلْتُ بَيْتًا ما أحْسَبُ أنَّ أحَدًا يَعْمَلُ لَهُ ثانِيًا إلّا إنْ كانَ أبا فِراسٍ وكانَ أبُو فِراسٍ جالِسًا فَقِيلَ لَهُ: ما هو فَقالَ قَوْلِي. لَكَ جِسْمِي تُعِلُّهُ فَدَمِيَ لَمْ تَطُلْهُ فابْتَدَرَ أبُو فَراسٍ قائِلًا. قالَ إنْ كُنْتَ مالِكًا ∗∗∗ فَلِيَ الأمْرُ كُلُّهُ وعَلَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ إجابَتَهُ إلى اسْتِنْظارِهِ بِأنَّ في ذَلِكَ ابْتِلاءَ العِبادِ وفي مُخالَفَتِهِ أعْظَمَ الثَّوابِ وحُكْمُهُ حُكْمُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا مِن صُنُوفِ الزَّخارِفِ وأنْواعِ المَلاهِي والمَلاذِّ وما رَكَّبَ في الأنْفُسِ مِنَ الشَّهَواتِ لِيَمْتَحِنَ بِها عِبادَهُ وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ الثّانِي كَغَيْرِهِ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَعْلِيلِ أفْعالِهِ تَعالى بِالأغْراضِ وعَدَمُ إسْنادِ خَلْقِ القَبائِحِ والشُّرُورِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ حَقِيقَةَ الِابْتِلاءِ في حَقِّهِ تَعالى مَحالٌ ومَجازُهُ لا يَدْفَعُ السُّؤالَ ولِأنَّ ما في مُتابَعَتِهِ مِن ألِيمِ العِقابِ أضْعافُ ما في مُخالَفَتِهِ مِن عَظِيمِ الثَّوابِ بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الإنْظارُ والتَّمْكِينُ لَمْ يَكُنْ مِنَ العِبادِ إلّا الطّاعاتُ وتَرْكُ المَعاصِي فَلَمْ يَكُنْ إلّا الثَّوابُ كالمَلائِكَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ إلّا أنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ: والأوْلى أنْ لا يَخُوضَ العَبْدُ في أمْثالِ هَذِهِ الأسْرارِ ويُفَوِّضَ حَقِيقَتَها إلى الحَكِيمِ المُخْتارِ مِمّا نَقُولُ بِهِ لِأنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ عَلى أرْبابِ القالِ وأهْلِ الجِدالِ هَذا وإنَّما تَرَكَ التَّوْقِيتَ في هَذِهِ الآيَةِ ثِقَةً بِما وقَعَ في سُورَةِ الحِجْرِ و﴿ص﴾ كَما تَرَكَ ذِكْرَ النِّداءِ والفاءِ في الِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ فِيهِما. فَإنْ قُلْتَ: لا رَيْبَ في أنَّ الكَلامَ المَحْكِيَّ لَهُ عِنْدَ صُدُورِهِ عَنِ المُتَكَلِّمِ حالَةٌ مَخْصُوصَةٌ تَقْتَضِي وُرُودَهُ عَلى وجْهٍ خاصٍّ مِن وُجُوهِ النَّظْمِ بِحَيْثُ لَوْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ سَقَطَ الكَلامُ عَنْ رُتْبَةِ البَلاغَةِ البَتَّةَ فالكَلامُ الواحِدُ المَحْكِيُّ عَلى وُجُوهٍ شَتّى إنِ اقْتَضى الحالُ وُرُودَهُ عَلى وجْهٍ مُعَيَّنٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ الوارِدَةِ عِنْدَ تِلْكَ الحِكايَةِ فَذَلِكَ الوَجْهُ هو المُطابِقُ لِمُقْتَضى الحالِ والبالِغُ إلى رُتْبَةِ البَلاغَةِ دُونَ ماعَداهُ مِنَ الوُجُوهِ ونَقُولُ حِينَئِذٍ: لا يَخْفى أنَّ اسْتِنْظارَ اللَّعِينِ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ مَرَّةً واحِدَةً لا غَيْرَ فَمَقامُهُ أنِ اقْتَضى إظْهارَ الضَّراعَةِ وتَرْتِيبِ الِاسْتِنْظارِ عَلى ما حاقَ بِهِ مِنَ اللَّعْنِ والطَّرْدِ عَلى نَهْجِ اسْتِدْعاءِ الجَبْرِ في مُقابَلَةِ الكَسْرِ كَما هو المُتَبادَرُ مِن قَوْلِهِ: ( رَبِّ أنْظِرْنِي ) حَسْبَما حُكِيَ عَنْهُ في السُّورَتَيْنِ فَما حُكِيَ عَنْهُ ها هُنا يَكُونُ بِمَعْزِلٍ مِنَ المُطابَقَةِ لِمُقْتَضى الحالِ فَضْلًا عَنِ العُرُوجِ إلى مَعارِجِ الإعْجازِ. قُلْتُ: أجابَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ عَنْ هَذا السُّؤالِ بَعْدَ أنْ ساقَهُ بِأنَّ مَقامَ اسْتِنْظارِهِ مُقْتَضٍ لِما ذُكِرَ مِن إظْهارِ الضَّراعَةِ وتَرْتِيبِ الِاسْتِنْظارِ عَلى الحِرْمانِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ والرَّجْمِ وكَذا مَقامُ الإنْظارِ مُقْتَضٍ لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ بِالإنْظارِ عَلى الِاسْتِنْظارِ وقَدْ طُبِّقَ الكَلامُ عَلَيْهِ في تِينَكَ السُّورَتَيْنِ ووُفِّيَ كُلٌّ مِن مَقامَيِ الحِكايَةِ والمَحْكِيِّ جَمِيعًا حَظُّهُ وأمّا ها هُنا فَحَيْثُ اقْتَضى مَقامُ الحِكايَةِ مُجَرَّدَ الإخْبارِ بِالِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ سِيقَتِ الحِكايَةُ عَلى نَهْجِ الإيجازِ والِاخْتِصارِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَيْفِيَّةِ كُلٍّ مِنهُما عِنْدَ المُخاطَبَةِ والجَوابِ ولا يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ نَقْلًا لِلْكَلامِ عَلى ما هو عَلَيْهِ ولا مُطابِقًا لِمُقْتَضى المَقامِ فالَّذِي يَجِبُ اعْتِبارُهُ في نَقْلِ الكَلامِ إنَّما هو أصْلُ مَعْناهُ ونَفْسُ مَدْلُولِهِ وأمّا كَيْفِيَّةُ الإفادَةِ فَقَدْ تُراعى وقَدْ لا تُراعى حَسَبَ الِاقْتِضاءِ ولا يَقْدَحُ في أصْلِ الكَلامِ تَجْرِيدُهُ عَنْها صفحة 94 بَلْ تُراعى عِنْدَ نَقْلِهِ كَيْفِيّاتٌ لَمْ يُراعِها المُتَكَلِّمُ أصْلًا بَلْ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى مُراعاتِها وجَمِيعُ المَقالاتِ المَحْكِيَّةِ في الآياتِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ وإلّا لَما كانَ الكَثِيرُ مِنها مُعْجِزًا ومَلاكُ الأمْرِ في المُطابَقَةِ مَقامُ الحِكايَةِ وأمّا مَقامُ المَحْكِيِّ فَإنْ كانَ مُقْتَضاهُ مُوافِقًا لِذَلِكَ وُفِّي كُلٌّ مِنهُما حَقَّهُ كَما في السُّورَتَيْنِ وإلّا لا كَما فِيما هُنا فَلْيُفْهَمْ.

الأعراف 7:16

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَنَظائِرِهِ ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدُ عَلى الإنْظارِ والباءُ إمّا لِلْقَسَمِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ وما عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأُقْسِمُ وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَ اللّامِ وفِيهِ أنَّ لَها الصَّدْرَ عَلى الصَّحِيحِ فَلا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ما اسْتِفْهامِيَّةً لَمْ يُحْذَفْ ألِفُها وأنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِأغْوَيْتَنِي ولا يَخْفى ضَعْفُهُ والإغْواءُ خَلْقُ الغَيِّ وأصْلُ الغَيِّ الفَسادُ ومِنهُ غَوِيَ الفَصِيلُ وغَوى إذا بَشِمَ وفَسَدَتْ مَعِدَتُهُ وجاءَ بِمَعْنى الجَهْلِ مِنِ اعْتِقادٍ فاسِدٍ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ وبِمَعْنى الخَيْبَةِ كَما في قَوْلِهِ. فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوِ لا يُعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى العَذابِ مَجازًا بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ولا مانِعَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنْ يُرادَ بِالإغْواءِ هُنا خَلْقُ الغَيِّ بِمَعْنى الضَّلالِ أيْ بِما أضْلَلْتَنِي وهو المَرْوِيُّ عَنِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ونِسْبَةُ الإغْواءِ بِهَذا المَعْنى إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا يَقْتَضِيهِ عُمُومُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) والمُعْتَزِلَةُ يَأْبُونَ نِسْبَةَ مِثْلِ ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وقالُوا في هَذا تارَةً: إنَّهُ قَوْلٌ شَيْطانِيٌّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وأوَّلُوهُ أُخْرى بِأنَّ الإغْواءَ النِّسْبَةُ إلى الغَيِّ كَأكْفَرَهُ إذا نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ أوْ أنَّهُ بِمَعْنى إحْداثِ سَبَبِ الغَيِّ وإيقاعِهِ وهو الأمْرُ بِالسُّجُودِ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الغَيَّ هُنا بِمَعْنى الخَيْبَةِ أيْ بِما خَيَّبْتَهُ مِن رَحْمَتِكَ أوِ الهَلاكِ أيْ بِما أهْلَكْتَهُ بِلَعْنِكَ إيّاهُ وطَرْدِكَ لَهُ والَّذِي دَعاهم إلى هَذا كُلِّهِ عَدَمُ قَوْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وأنَّهُ سُبْحانَهُ لا خالِقَ غَيْرُهُ ولَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتّى طَعَنُوا بِأهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ بِذَلِكَ وما الظَّنُّ بِطائِفَةٍ تَرْضى لِنَفْسِها مِن خَفايا الشِّرْكِ بِما لَمْ يَسْبِقْ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ نَعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى التَّعَرُّضَ لِسَخَطِهِ نَعَمِ الإغْواءُ بِمَعْنى التَّرْغِيبِ بِما فِيهِ الغَوايَةُ والأمْرُ بِهِ كَما هو مُرادُ اللَّعِينِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ مِمّا لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ كَما لا يَخْفى ثُمَّ إنْ كانَتِ الباءُ لِلْقَسَمِ يَكُونُ المُقْسَمُ بِهِ صِفَةً مِن صِفاتِ الأفْعالِ وهو مِمّا يُقْسَمُ بِهِ في العُرْفِ وإنْ لَمْ تُجْرِ الفُقَهاءُ بِهِ أحْكامَ اليَمِينِ. ولَعَلَّ القَسَمَ وقَعَ مِنَ اللَّعِينِ بِهِما جَمِيعًا فَحَكى تارَةً قَسَمَهُ بِأحَدِهِما وأُخْرى بِالآخَرِ وإنْ كانَتْ سَبَبِيَّةً فالقَسَمُ بِالعِزَّةِ أيْ بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ لِأجْلِهِمْ أُقْسِمُ بِعِزَّتِكَ ﴿لأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ أيْ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتِهِ تَرَصُّدًا بِهِمْ كَما يَقْعُدُ القُطّاعُ لِلسّابِلَةِ ﴿صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ (16) المُوَصِّلَ إلى الجَنَّةِ وهو الحَقُّ الَّذِي فِيهِ رِضاكَ. أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سَبْرَةَ بْنِ الفاكِهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ في طُرُقِهِ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإسْلامِ فَقالَ أتُسْلِمُ وتَذَرَ دِينَكَ ودِينَ آبائِكَ فَعَصاهُ فَأسْلَمَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهِجْرَةِ فَقالَ: أتُهاجِرُ وتَذَرَ أرْضَكَ وسَماءَكَ وإنَّما مَثَلُ المُهاجِرِ كالفَرَسِ في طَوْلِهِ فَعَصاهُ فَهاجَرَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهادِ فَقالَ هو جَهْدُ النَّفْسِ والمالِ فَتُقاتِلُ فَتَقْتُلُ فَتُنْكَحُ المَرْأةُ ويُقَسَّمُ صفحة 95 المالُ فَعَصاهُ فَجاهَدَ ثُمَّ قالَ ﷺ فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ مِنهم فَماتَ أوْ وقَصَتْهُ دابَّتُهُ فَماتَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى أنَّ يَدْخُلَ الجَنَّةَ» ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ مِنهُ ﷺ عَلى هَذِهِ المَذْكُوراتِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِها والتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ قَدْرِها لِما أنَّ المَقامَ قَدِ اقْتَضى ذَلِكَ لا لِلْحَصْرِ ونَظِيرُ ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرِهِما مِن تَفْسِيرِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ والكَلامُ مِن بابِ الكِنايَةِ أوِ التَّمْثِيلِ ونُصِبَ ( الصِّراطَ ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَضْمِينِ أقْعُدَنَّ مَعْنى الزَّمَنِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ عَلى صِراطِكَ كَقَوْلِكَ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وجاءَ نَصْبُ ظَرْفِ المَكانِ المُخْتَصِّ عَلَيْها قَلِيلًا ومِن ذَلِكَ في المَشْهُورِ قَوْلُهُ. لَدُنْ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ

الأعراف 7:17

﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أيْ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي يُعْتادُ هُجُومُ العَدُوِّ مِنها والمُرادُ لَأُسَوِّلَنَّ لَهم ولَأُضِلَّنَّهم بِقَدْرِ الإمْكانِ إلّا أنَّهُ شَبَّهَ حالَ تَسْوِيلِهِ ووَسْوَسَتِهِ لَهم كَذَلِكَ بِحالٍ إتْيانِ العَدُوِّ لِمَن يُعادِيهِ مِن أيِّ جِهَةٍ أمْكَنَتْهُ ولِذا لَمْ يُذْكَرِ الفَوْقُ والتَّحْتُ إذْ لا إتْيانَ مِنهُما فالكَلامُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ و﴿لأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ عَلى ما قِيلَ تَرْشِيحٌ لَها وبَعْضُهم لَمْ يُخْرِجِ الكَلامَ عَلى التَّمْثِيلِ واعْتَذَرَ عَنْ تَرْكِ جِهَةِ الفَوْقِ بِأنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِنها وعَنْ تَرْكِ جِهَةِ التَّحْتِ بِأنَّ الإتْيانَ مِنها يُوحِشُ والِاعْتِذارُ عَنِ الأوَّلِ بِما ذُكِرَ أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ورُوِيَ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ والِاعْتِذارُ عَنِ الثّانِي نَسَبَهُ الطَّبَرْسِيُّ إلى الحَبْرِ أيْضًا ولا يَبْعُدُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمْثِيلًا أيْضًا ويَكُونُ الفَرْقُ بَيْنَ التَّوْجِيهَيْنِ بِأنَّ تَرْكَ هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ عَلى الأوَّلِ لِعَدَمِهِما في المُمَثَّلِ بِهِ وعَلى الثّانِي لِعَدَمِهِما في المُمَثَّلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ مِن قِبَلِ الآخِرَةِ لِأنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ آتِيَةٌ وما هو كَذَلِكَ كَأنَّهُ بَيْنَ الأيْدِي ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ الدُّنْيا لِأنَّها ماضِيَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخِرَةِ ولِأنَّها فانِيَةٌ مَتْرُوكَةٌ مُخَلَّفَةٌ ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وسَيِّئاتِهِمْ وتَفْسِيرُ الأيْمانِ بِالحَسَناتِ والشَّمائِلِ بِالسَّيِّئاتِ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ المَحْبُوبَ في جِهَةِ اليَمِينِ وغَيْرَهُ في جِهَةِ الشَّمالِ كَما قالَ: بُثَيْنُ أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحَ أمْ صَيَّرْتِنِي في شَمائِلِكِ وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ هو عِنْدَنا بِاليَمِينِ أيْ بِمَنزِلَةٍ حَسَنَةٍ وبِالشَّمالِ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ والكَلامُ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ مَجازاتٌ أوِ اسْتِعاراتٌ أوْ كِناياتٌ ونَظِيرُ هَذا ما قِيلَ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ مِن حَيْثُ يَعْلَمُونَ ويَقْدِرُونَ عَلى التَّحَرُّزِ عَنْهُ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ مِن حَيْثُ يَتَيَسَّرُ لَهم أنْ يَعْلَمُوا ويَتَحَرَّزُوا ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلُوا لِعَدَمِ تَيَقُّظِهِمْ واحْتِياطِهِمْ ومِن حَيْثُ لا يَتَيَسَّرُ لَهم ذَلِكَ وقالَ بَعْضُ حُكَماءِ الإسْلامِ: إنَّ في البَدَنِ قُوًى أرْبَعًا القُوَّةُ الخالِيَةُ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيها مِثْلُ المَحْسُوساتِ ومَوْضِعُها البَطْنُ المُقَدَّمُ مِنَ الدِّماغِ وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ والقُوَّةُ الوَهْمِيَّةِ الَّتِي تَحْكُمُ في غَيْرِ المَحْسُوساتِ بِالأحْكامِ المُناسِبَةِ لِلْمَحْسُوساتِ ومَحَلُّها البَطْنُ المُؤَخَّرُ مِنَ الدِّماغِ وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ والقُوَّةُ الشَّهْوانِيَّةُ ومَحَلُّها الكَبِدُ وهو عَنْ يَمِينِ الإنْسانِ وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ والقُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ ومَحَلُّها القَلْبُ الَّذِي هو في الشَّقِّ الأيْسَرِ وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ والشَّيْطانُ ما لَمْ يَسْتَعِنْ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القُوى لا يَقْدِرُ عَلى إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ وهَذا عِنْدِي نَوْعٌ مِنَ الإشارَةِ كَما لا يَخْفى وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وإنَّما عُدِّيَ الفِعْلُ إلى صفحة 96 الأوَّلَيْنِ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ لِأنَّهُ مِنهُما مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِمْ وإلى الآخَرَيْنِ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ فَإنَّ الآتِي مِنهُما كالمُنْحَرِفِ عَنْهُمُ المارِّ عَلى عَرَضِهِمْ ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: جَلَسْتُ عَنْ يَمِينِهِ وذَكَرَ القُطْبُ في بَيانِ وجْهِ ذَلِكَ ما بَناهُ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ حُكَماءِ الإسْلامِ وهو أنَّ مِن لِلِاتِّصالِ وعَنْ لِلِانْفِصالِ وأثَرُ الشَّيْطانِ في قُوَّتَيِ الدِّماغِ حُصُولُ العَقائِدِ الباطِلَةِ كالشِّرْكِ والتَّشْبِيهِ والتَّعْطِيلِ وهي مُرْتَسِمَةٌ في النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ مُتَّصِلَةٌ بِها وفي الشَّهْوَةِ والغَضَبِ حُصُولُ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ وهي تَنْفَصِلُ عَنِ النَّفْسِ وتَنْعَدِمُ فَلِهَذا أوْرَدَ في الجِهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ( مِنَ ) الِاتِّصالِيَّةِ وفي الأُخْرَيَيْنِ ( عَنِ ) الِانْفِصالِيَّةِ وقِيلَ: خَصَّ اليَمِينَ والشَّمالَ بِعْنَ لِأنَّ ثَمَّةَ مَلَكَيْنِ يَقْتَضِيانِ التَّجاوُزَ عَنْ ذَلِكَ وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ اللَّعِينَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَدْخُلَ في بَدَنِ ابْنِ آدَمَ ويُخالِطَهُ إذْ لَوْ أمْكَنَهُ ذَلِكَ لَذَكَرَهُ في بابِ المُبالَغَةِ وحَدِيثُ إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ اقْتَضى عَدَمَ الذِّكْرِ فَتَدَبَّرْ ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ (17) أيْ مُطِيعِينَ وإنَّما قالَ ذَلِكَ ظَنًّا كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي مُسْلِمٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ لَمّا رَأى أنَّ لِلنَّفْسِ تِسْعَ عَشْرَةَ قُوَّةً لِلْحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ والشَّهْوَةِ والغَضَبِ والقُوى السَّبْعِ النَّباتِيَّةِ الجاذِبَةِ والماسِكَةِ والهاضِمَةِ والدّافِعَةِ والغاذِيَةِ والنّامِيَةِ والمُوَلِّدَةِ وإنَّها بِأسْرِها تَدْعُو النَّفْسَ إلى عالَمِ الجِسْمِ وأنْ لَيْسَ هُناكَ ما يَدْعُو إلى عالَمِ الأرْواحِ إلّا قُوَّةٌ واحِدَةٌ وهي العُقَلُ وما يَصْنَعُ واحِدٌ مَعَ مُتَعَدِّدٍ. أرى ألْفَ بانٍ لا يَقُومُ بِهادِمٍ فَكَيْفَ بِبانٍ خَلْفَهُ ألْفُ هادِمِ وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَهُ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ وقِيلَ: إنَّهُ رَآهُ قَبْلَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. ووَجَدَ إمّا بِمَعْنى صادَفَ فَيَنْصِبُ مَفْعُولًا واحِدًا وهو ﴿أكْثَرَهُمْ﴾ وشاكِرِينَ حالٌ وإمّا بِمَعْنى عَلِمَ فَيَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما ﴿شاكِرِينَ﴾ والجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ وإنَّما لَمْ يُفَرِّعْها عَلى ما تَقَدَّمَ لِأنَّ مَضْمُونَها بِمُقْتَضى الجِبِلَّةِ أيْضًا لا بِمُجَرَّدِ إغْوائِهِ ووَجْهُ التَّعْبِيرِ بِالأكْثَرِ ظاهِرٌ

الأعراف 7:18

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ: ﴿اخْرُجْ مِنها﴾ أيْ مِنَ الجَنَّةِ أوْ زُمْرَةِ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ السَّماءِ الخِلافُ السّابِقُ ﴿مَذْءُومًا﴾ أيْ مَذْمُومًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوْ مُهانًا لَعِيِنًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وفِعْلُهُ ذَأمَ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ ( مَذُومًا ) بِذالٍ مَضْمُومَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ وفِيهِ احْتِمالانِ الأوَّلُ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِنَ المَهْمُوزِ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى السّاكِنِ ثُمَّ حَذْفِها والثّانِي أنْ يَكُونَ مِن ذامَ بِالألِفِ كَباعَ وكانَ قِياسُهُ عَلى هَذا مَذِيمٌ كَمَبِيعٍ إلّا أنَّهُ أُبْدِلَتِ الواوُ مِنَ الياءِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ مَكُولٌ مِن مَكِيلٍ مَعَ أنَّهُ مِنَ الكَيْلِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَدْحُورًا﴾ وهو مِنَ الدَّحْرِ بِمَعْنى الطَّرْدِ والإبْعادِ وجُوِّزَ في هَذا أنْ يَكُونَ صِفَةً واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ عَلى ما في الدُّرِّ المَصُونِ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ و( مَن ) شَرْطِيَّةٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ (18) جَوابُ القَسَمِ وهو سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ والخِلافُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ في مِثْلِ ذَلِكَ مَشْهُورٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ ومَن مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً صِلَتُها ( تَبِعَكَ ) والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ خَبَرٌ وقَرَأ عِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ لِمَن بِكَسْرِ اللّامِ فَقِيلَ إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالذَّأْمِ والدَّحْرِ عَلى التَّنازُعِ وإعْمالُ الثّانِي أيِ اخْرُجْ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأجْلِ اتِّباعِكَ وقِيلَ: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ صفحة 97 يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا أيْ لِمَنِ اتَّبَعَكَ هَذا الوَعِيدُ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لأمْلأنَّ﴾ .. إلَخْ. ولَعَلَّ ذَلِكَ مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِقَوْلِهِ إنَّ ( لَأمْلَأنَّ ) في مَحَلِّ المُبْتَدَأِ و( لَمَن تَبِعَكَ ) خَبَرُهُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ بَيانُ المَعْنى و( مِنكم ) بِمَعْنى مِنكَ ومِنهم فَغُلِّبَ في المُخاطَبِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَباتِ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ كانَتْ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنها الإكْرامَ والتَّشْرِيفَ بَلِ التَّعْذِيبُ والتَّعْنِيفُ وذَهَبَ الجُبّائِيُّ إلى أنَّها كانَتْ بِواسِطَةِ بَعْضِ المَلائِكَةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُكَلِّمُ الكافِرَ وفِيهِ نَظَرٌ. * * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿المص﴾ الألِفُ إشارَةٌ إلى الذّاتِ الأحَدِيَّةِ واللّامُ إلى الذّاتِ مَعَ صِفَةِ العِلْمِ والمِيمُ إلى مَعْنى مُحَمَّدٍ وهي حَقِيقَتُهُ والصّادُ إلى صُورَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ يُقالُ: الألِفُ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ والمِيمُ إلى المُلْكِ واللّامُ بَيْنَهُما واسِطَةٌ لِتَكُونَ بَيْنَهُما رابِطَةً والصّادُ لِكَوْنِهِ حَرْفًا كَرِيِّ الشَّكْلِ قابِلًا لِجَمِيعِ الأشْكالِ كَما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ وإنْ ظَهَرَ بِالأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ والصُّوَرِ المُتَعَدِّدَةِ أوَّلُهُ وآخِرُهُ سِواهُ ولا يَخْفى لُطْفُ افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الأحْرُفِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ قَدَّسَ سِرَّهُ في فُتُوحاتِهِ مِن أنَّ لِكُلٍّ مِنها ما عَدا الألِفَ الأعْرافُ وأمّا الألِفُ فَقْدٍ ذَكَرَ نَفْعَنا اللَّهُ تَعالى بِبَرَكاتِ عُلُومِهِ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الحُرُوفِ عِنْدَ مَن شَمَّ رائِحَةً مِنَ الحَقائِقِ لَكِنْ قَدْ سَمَّتْهُ العامَّةُ حَرْفًا فَإذا قالَ المُحَقِّقُ ذَلِكَ فَإنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ في العِبادَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ أيْ ضِيقٌ مِن حَمْلِهِ فَلا تَسَعُهُ لِعِظَمِهِ فَتَتَلاشى بِالفَناءِ والوَحْدَةِ والِاسْتِغْراقِ في عَيْنِ الجَمْعِ ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لِيُمْكِنَكَ الإنْذارُ والتَّذْكِيرُ إذْ بِالِاسْتِغْراقِ لا تَرى إلّا الحَقَّ فَلا يَتَأتّى مِنكَ ذَلِكَ ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ﴾ مِن قُرى القُلُوبِ ﴿أهْلَكْناها﴾ أفْسَدْنا اسْتِعْدادَها ﴿فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا﴾ أيْ بائِتِينَ عَلى فِراشِ الغَفْلَةِ في لَيْلِ الشَّبابِ ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ تَحْتَ ظِلالِ الأمَلِ في نَهارِ المَشِيبِ ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ هو عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ اعْتِبارُ الأعْمالِ وذَكَرُوا أنَّ لِسانَ مِيزانِ الحَقِّ هو صِفَةُ العَدْلِ وإحْدى كِفَّتَيْهِ هو عالَمُ الحِسِّ والكِفَّةُ الأُخْرى هو عالَمُ العَقْلِ فَمَن كانَتْ مَكاسِبُهُ مِنَ المَعْقُولاتِ الباقِيَةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ والأعْمالِ الخَيْرِيَّةِ المَقْرُونَةِ بِالنِّيَّةِ الصّادِقَةِ ثَقُلَتْ أيْ كانَتْ ذا قَدْرٍ وأفْلَحَ هو أيْ فازَ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ ومَن كانَتْ مُقْتَنَياتُهُ مِنَ المَحْسُوساتِ الفانِيَةِ واللَّذّاتِ والشَّهَواتِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ خَفَّتَ ولَمْ يُعْتَنَ بِها وخَسِرَ هو نَفْسَهُ لِحِرْمانِهِ النَّعِيمَ وهَلاكِهِ ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ إذْ جَعَلْناكم خُلَفاءَ فِيها ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ مُتَعَدِّدَةً دُونَ غَيْرِكم فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً واحِدَةً وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ فِيهِ مَلَكِيَّةٌ وحَيَوانِيَّةٌ وشَيْطانِيَّةٌ فَمَعِيشَةُ رُوحِهِ مَعِيشَةُ المَلَكِ ومَعِيشَةُ بَدَنِهِ مَعِيشَةُ الحَيَوانِ ومَعِيشَةُ نَفْسِهِ الأمارَّةِ مَعِيشَةُ الشَّيْطانِ ولَهُ مَعايِشُ غَيْرُ ذَلِكَ وهي مَعِيشَةُ القَلْبِ بِالشُّهُودِ ومَعِيشَةُ السِّرِّ بِالكُشُوفِ ومَعِيشَةُ سِرِّ السِّرِّ بِالوِصالِ ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ولَوْ شَكَرْتُمْ ما رَضِيتُمْ بِالدُّونِ. ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأْنا ذَلِكَ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَصْوِيرِهِ ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ فَإنَّهُ المُظْهِرُ الأعْظَمُ وفي الخَبَرِ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ وفي رِوايَةٍ عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿فَسَجَدُوا﴾ وانْقادُوا لِلْحَقِّ ﴿إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ لِنُقْصانِ بَصِيرَتِهِ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ أرادَ اللَّعِينُ أنَّهُ مِنَ الحَضْرَةِ الرُّوحانِيَّةِ وأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ كَذَلِكَ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها﴾ أيْ مِن تِلْكَ الحَضْرَةِ ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ لِأنَّ الكِبْرَ يُنافِيها ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ الأذِلّاءِ بِالمَيْلِ إلى مُقْتَضَياتِ النَّفْسِ صفحة 98 ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ قَسَمٌ بِما هو مِن صِفاتِ الأفْعالِ ولَمْ يَكُنْ مَحْجُوبًا عَنْها بَلْ كانَ مَحْجُوبًا عَنِ الذّاتِ الأحَدِيَّةِ ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ وهو طَرِيقُ التَّوْحِيدِ ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أيْ لَأجْتَهِدَنَّ في إضْلالِهِمْ وقَدْ تَقَدَّمَ ما قالَهُ حُكَماءُ الإسْلامِ في ذَلِكَ وفي تَأْوِيلاتِ النَّيْسابُورِيِّ كَلامٌ كَثِيرٌ فِيهِ وما قالَهُ البَعْضُ أحْسَنُهُ في هَذا البابِ وذَكَرَ بَعْضُهم لِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِجِهَتَيِ الفَوْقِ والتَّحْتِ وجْهًا وهو أنَّ الإتْيانَ مِنَ الجِهَةِ الأُولى غَيْرُ مُمْكِنٍ لَهُ لِأنَّ الجِهَةَ العُلْوِيَّةَ هي الَّتِي تَلِي الرُّوحَ ويَرِدُ مِنها الإلْهاماتُ الحَقَّةُ والإلْقاءاتُ المَلَكِيَّةُ ونَحْوُ ذَلِكَ والجِهَةُ السُّفْلِيَّةُ يَحْصُلُ مِنها الأحْكامُ الحِسِّيَّةُ والتَّدابِيرُ الجُزْئِيَّةُ في بابِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلضَّلالَةِ بَلْ قَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ في العُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ والرِّياضِيَّةِ وفِيهِ نَظَرٌ. ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ مُسْتَعْمِلِينَ ما خَلَقَ لَهم لِما خُلِقَ لَهُ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا﴾ حَقِيرًا ﴿مَدْحُورًا﴾ مَطْرُودًا ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ بِالأنانِيَّةِ ورُؤْيَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى وارْتِكابِ المَعاصِي ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ فَتَبْقُونَ مَحْبُوسِينَ في سِجِّينِ الطَّبِيعَةِ مُعَذَّبِينَ بِنارِ الحِرْمانِ عَنِ المُرادِ وهو أشَدُّ العَذابِ وكُلُّ شَيْءٍ دُونَ فِراقِ المَحْبُوبِ سَهْلٌ وهو سُبْحانَهُ حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ.

الأعراف 7:19

﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ﴾ أيْ وقُلْنا كَما وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَهَذِهِ القِصَّةُ بِتَمامِها مَعْطُوفَةٌ عَلى مِثْلِها وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ وإنَّما لَمْ يَعْطِفُوهُ عَلى ما بَعُدَ قالَ أيْ قالَ يا إبْلِيسُ اخْرُجْ ويا آدَمُ اسْكُنْ لِأنَّ ذَلِكَ في مَقامِ الِاسْتِئْنافِ والجَزاءِ لِما حَلَفَ عَلَيْهِ اللَّعِينُ وهَذا مِن تَتِمَّةِ الِامْتِنانِ عَلى بَنِي آدَمَ والكَرامَةِ لِأبِيهِمْ ولا عَلى ما بَعُدَ ( قُلْنا ) لِأنَّهُ يُؤَوَّلُ إلى قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ يا آدَمُ. وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْتِيبُ العَطْفُ عَلى ما بَعُدَ ﴿قالَ﴾ وبَيْنَهُ بِما لَهُ وجْهٌ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالنِّداءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِالمَأْمُورِ بِهِ وتَخْصِيصُ الخِطابِ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِ بِالتَّلَقِّي وتَعاطِي المَأْمُورِ بِهِ و﴿اسْكُنْ﴾ مِنَ السُّكْنى وهو اللَّيْثُ والإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ دُونَ السُّكُونِ الَّذِي هو ضِدُّ الحَرَكَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما﴾ لِتَعْمِيمِ التَّشْرِيفِ والإيذانِ بِتَساوِيهِما في مُباشَرَةِ المَأْمُورِ بِهِ فَإنَّ حَوّاءَ أُسْوَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في حَقِّ الأكْلِ بِخِلافِ السُّكْنى فَإنَّها تابِعَةٌ لَهُ فِيها ولِتَعْلِيقِ النَّهْيِ الآتِي بِهِما صَرِيحًا والمَعْنى فَكُلا مِنها حَيْثُ شِئْتُما كَما في البَقَرَةِ ولَمْ يَذْكُرْ رَغْدًا هُنا ثِقَةً بِما ذُكِرَ هُناكَ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ مُبالَغَةٌ في النَّهْيِ عَنِ الأكْلِ مِنها وقُرِئَ ( هَذِي ) وهو الأصْلُ إلّا أنَّهُ حُذِفَتِ الياءُ وعُوِّضَ عَنْها الهاءُ فَهي هاءُ عِوَضٍ لا هاءُ سَكْتٍ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ هو الياءُ قَوْلُهم في المُذَكَّرِ: ذا والألِفُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ إذِ الأصْلُ ذِيٌّ بِالتَّشْدِيدِ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِهِ عَلى ذِيّا وإنَّما يُصَغَّرُ الثُّلاثِيُّ دُونَ الثُّنائِيِّ كَما ومَن فَحُذِفَتْ إحْدى الياءَيْنِ تَخْفِيفًا ثُمَّ أُبْدِلَتِ الأُخْرى ألِفًا كَراهَةَ أنْ يُشْبِهَ آخِرُهُ آخِرَ كَيْ. ﴿فَتَكُونا﴾ أيْ فَتَصِيرا ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (19) أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم و( تَكُونا ) يَحْتَمِلُ الجَزْمَ عَلى العَطْفِ عَلى تَقْرَبا والنَّصْبَ عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ.

الأعراف 7:20

﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ أيْ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِما أوْ ألْقى إلَيْهِما صفحة 99 الوَسْوَسَةَ وهي في الأصْلِ الصَّوْتُ الخَفِيُّ المُكَرَّرُ ومِنهُ قِيلَ لِصَوْتِ الحُلِيِّ وسْوَسَةٌ وقَدْ كَثُرَتْ فَعْلَلَةٌ في الأصْواتِ كَهَيْنَمَةٍ وهَمْهَمَةٍ وخَشْخَشَةٍ وتُطْلَقُ عَلى حَدِيثِ النَّفْسِ أيْضًا وفِعْلُها وسْوَسَ وهو لازِمٌ ويُقالُ: رَجُلٌ مُوَسْوِسٌ بِكَسْرِ الواوِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ والكَلامُ في كَيْفِيَّةِ وسْوَسَةِ اللَّعِينِ قَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾ أيْ لِيَظْهَرَ لَهُما واللّامُ إمّا لِلْعاقِبَةِ لِأنَّ الشَّيْطانَ لَمْ يَقْصِدْ بِوَسْوَسَتِهِ ذَلِكَ ولَمْ يَخْطُرْ لَهُ بِبالٍ وإنَّما آلَ الأمْرُ إلَيْهِ وإمّا لِلتَّعْلِيلِ عَلى ما هو الأصْلُ فِيها ولا يَبْعُدُ أنَّهُ أرادَ بِوَسْوَسَتِهِ أنْ يَسُوءَهُما بِانْكِشافِ عَوْرَتَيْهِما ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُما بِالسَّوْأةِ ويَكُونُ هَذا مَبْنِيًّا عَلى الحَدْسِ أوِ العِلْمِ بِالسَّماعِ مِنَ المَلائِكَةِ أوِ الِاطِّلاعِ عَلى اللَّوْحِ قِيلَ: وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ في الخَلْوَةِ وعِنْدَ الزَّوْجِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ قَبِيحٌ مُسْتَهْجَنٌ في الطِّباعِ. ﴿ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ أيْ ما غُطِّيَ وسُتِرَ عَنْهُما مِن عَوْراتِهِما وكانا لا يَرَيانِها مِن أنْفُسِهِما ولا أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ وكانَتْ مَسْتُورَةً بِالنُّورِ عَلى ما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أوْ بِلِباسٍ كالظُّفُرِ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ وجَمَعَ السَّوْآتِ عَلى حَدِّ ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ واعْتِبارِ الأجْزاءِ بَعِيدٌ والمُتَبادَرُ مِن هَذا الكَلامِ حَقِيقَتُهُ: وقِيلَ هو كِنايَةٌ عَنْ إزالَةِ الحُرْمَةِ وإسْقاطِ الجاهِ و( وُورِيَ ) بِواوَيْنِ ماضِي وارى كَضارِبٍ وضُورِبَ أُبْدِلَتْ ألِفُهُ واوًا فالواوُ الأوْلى فاءُ الكَلِمَةِ والثّانِيَةُ زائِدَةٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( أُورِيَ ) بِالهَمْزَةِ لِأنَّ القاعِدَةَ إذا اجْتَمَعَ واوانِ في أوَّلِ كَلِمَةٍ فَإنْ تَحَرَّكَتِ الثّانِيَةُ كانَ لَها نَظِيرُ مُتَحَرِّكٍ وجَبَ إبْدالُ الأُولى هَمْزَةً تَخْفِيفًا مِثالُ الأوَّلِ أُوَيْصِلُ وأواصِلُ في تَصْغِيرِ واصِلٍ وتَصْغِيرِهِ ومِثالُ الثّانِي أُولى أصْلُهُ وُولى فُأُبْدِلَتِ الأوْلى لَمّا تَحَرَّكَتِ الثّانِيَةُ في الجَمْعِ وهو أُوَلٌ فَإنَّ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِالفِعْلِ أوِ القُوَّةِ جازَ الإبْدالُ وعَدَمُهُ كَما هُنا قالَهُ الشِّهابُ نَقْلًا عَنِ النُّحاةِ وقُرِئَ ( سَوْأتِهِما ) بِالإفْرادِ والهَمْزَةُ عَلى الأصْلِ و( سُوتَهُما ) بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا وإدْغامِ الواوِ في الواوِ وقُرِئَ ( سُواتِهِما ) بِالجَمْعِ وطَرْحِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى ما قَبْلَها وحَذْفِها و( سُوُّآتِهِما ) بِالطَّرْحِ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا والِإدْغامِ ﴿وقالَ﴾ عُطِفَ عَلى ( وسْوَسَ ) بِطَرِيقِ البَيانِ ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ أيِ الأكْلِ مِنها ﴿إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ لِيَكُونَ عِلَّةً أيْ كَراهِيَةَ أنْ تَكُونا أوْ لِئَلّا تَكُونا مَلَكَيْنِ ﴿أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ (20) أيِ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ أصْلًا أوِ الَّذِينَ يُخَلَّدُونَ في الجَنَّةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ كَثِيرٍ ( مَلِكَيْنِ ) بِكَسْرِ اللّامِ قالَ الزَّجّاجُ: ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ اللَّعِينِ ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أفْضَلِيَّةِ المَلائِكَةِ حَيْثُ أنَّ اللَّعِينَ قالَ ذَلِكَ ولَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ وارْتَكَبَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ المَنهِيَّ عَنْهُ طَمَعًا فِيما أشارَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ مِنَ الصَّيْرُورَةِ مَلَكًا فَلَوْلا أنَّهُ أفْضَلُ لَمْ يَرْتَكِبْهُ وأُجِيبَ بِأنَّ رَغْبَتَهُما إنَّما كانَتْ في أنْ يَحْصُلَ لَهُما أوْصافُ المَلائِكَةِ مِنَ الكَمالاتِ الفِطْرِيَّةِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ ونَحْنُ لا نَمْنَعُ أفْضَلِيَّةَ المَلائِكَةِ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ وإنَّما نَمْنَعُ أفْضَلِيَّتَهم مِن كُلِّ الوُجُوهِ والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ وأيْضًا قَدْ يُقالُ: إنَّ رَغْبَتَهُما كانَتْ في الخُلُودِ فَقَطْ وفي آيَةِ طَهَ ما يُشِيرُ إلَيْهِ حَيْثُ عَقَّبَ فِيها التَّرْغِيبَ في الخُلُودِ بِالأكْلِ واعْتُرِضَ بِأنَّ رَغْبَتَهُما في الخُلُودِ تَسْتَلْزِمُ الكُفْرَ صفحة 100 لِما يَلْزَمُ ذَلِكَ مِن إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ ومِن ثَمَّ قالَ الحَسَنُ لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ لَمّا قالَ لَهُ: إنَّ آدَمَ وحَوّاءَ صَدَّقا قَوْلَ الشَّيْطانِ: مَعاذَ اللَّهِ تَعالى لَوْ صَدَّقا لَكانا مِنَ الكافِرِينَ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الخُلُودِ طُولُ المُكْثِ والتَّصْدِيقُ بِهِ لَيْسَ بِكُفْرٍ ولَوْ سُلِّمَ أنَّ المُرادَ الدَّوامُ الأبَدِيُّ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ اعْتِقادَ ذَلِكَ إذْ ذاكَ كُفْرٌ لَأنَّ العِلْمَ بِالمَوْتِ والبَعْثِ بَعْدَهُ يَتَوَقَّفُ عَلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ولَعَلَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِما وقْتَئِذٍ. وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالخُلُودِ الخُلُودُ العارِضُ بَعْدَ المَوْتِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ وحِينَئِذٍ لا إشْكالَ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وعَنِ السَّيِّدِ المُرْتَضى في مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّعِينَ أوْهَمَهُما أنَّ المَنهِيَّ عَنْ تَناوُلِ الشَّجَرَةِ المَلائِكَةُ والخالِدُونَ خاصَّةً دُونَهُما كَما يَقُولُ أحَدُنا لِغَيْرِهِ: ما نُهِيتَ عَنْ كَذا إلّا أنْ تَكُونَ فُلانًا يُرِيدُ أنَّ المَنهِيَّ هو فُلانٌ دُونَكَ وهو كَما تَرى.

الأعراف 7:21

﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ (21) أقْسَمَ لَهُما وإنَّما عَبَّرَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ مَن يُبارِي أحَدًا في فِعْلٍ يَجِدُّ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في لازِمِهِ وقِيلَ: المُفاعَلَةُ عَلى بابِها والقَسَمُ وقَعَ مِنَ الجانِبَيْنِ لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُهُ فَهو أقْسَمَ لَهُما عَلى النُّصْحِ وهُما أقْسَما لَهُ عَلى القَبُولِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتِمُّ لِوُجُودِ المُقاسَمَةِ عَنْ ذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو النَّصِيحَةُ أمّا حَيْثُ ذُكِرَ فَلا يَتِمُّ إلّا أنْ يُقالَ: سُمِّيَ قَبُولُ النَّصِيحَةِ نَصِيحَةٌ لِلْمُشاكَلَةِ والمُقابَلَةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وواعَدْنا مُوسى﴾ أنَّهُ سَمّى التِزامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الوَفاءَ والحُضُورَ لِلْمِيعادِ مِيعادًا فَأسْنَدَ التَّعْبِيرُ بِالمُفاعَلَةِ وقِيلَ: قالا لَهُ أتُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ وأقْسَمَ لَهُما فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً وعَلى هَذا فَيَكُونُ كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ في الكَلامِ لَفٌّ لِأنَّ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ لا يُقْسِمانِ بِلَفْظِ التَّكَلُّمِ بَلْ بِلَفْظِ الخِطابِ وقِيلَ: إنَّهُ إلى التَّغْلِيبِ أقْرَبُ وقِيلَ: إنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى حَلِفًا عَلَيْهِ بِأنْ يَقُولَ لَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ ﴿فَدَلاهُما﴾ أيْ حَطَّهُما عَلى دَرَجَتِهِما وأنْزَلَهُما عَنْ رُتْبَةِ الطّاعَةِ إلى رُتْبَةِ المَعْصِيَةِ فَهو مِن دَلّى الدَّلْوَ في البِئْرِ كَما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وعَنِ الأزْهَرِيِّ أنَّ مَعْناهُ أطْمَعَهُما وأصْلُهُ مِن تَدْلِيَةِ العَطْشانِ شَيْئًا في البِئْرِ فَلا يَجِدُ ما يَشْفِي غَلِيلَهُ وقِيلَ هو مِنَ الدّالَّةِ وهي الجُرْأةُ في فَجَرَّأهُما كَما قالَ. أظُنُّ الحِلْمَ دَلَّ عَلى قَوْمِي وقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الحَلِيمُ فَأبْدَلَ أحَدَ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ ياءً ﴿بِغُرُورٍ﴾ أيْ بِما غَرَّهُما بِهِ مِنَ القَسَمِ أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ فالباءُ لِلْمُصاحَبَةِ أوِ المُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الغُرُورَ مَجازًا عَنِ القَسَمِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ ولا حاجَةَ إلَيْهِ وسَبَبُ غُرُورِهِما عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُما ظَنّا أنَّ أحَدًا لا يُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى كاذِبًا ورَوَوْا في ذَلِكَ خَبَرًا وظاهِرُ هَذا أنَّهُما صَدَّقا ما قالَهُ فَأقْدَما عَلى ما نُهِيا عَنْهُ. وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّصْدِيقَ لَمْ يُوجَدْ مِنهُما لا قَطْعًا ولا ظَنًّا وإنَّما أقْدَما عَلى المَنهِيِّ عَنْهُ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ كَما نَجِدُ مِن أنْفُسِنا أنْ نُقْدِمَ عَلى الفِعْلِ إذا زَيَّنَ لَنا الغَيْرُ ما نَشْتَهِيهِ وإنْ لَمْ نَعْتَقِدْ أنَّ الأمْرَ كَما قالَ ولَعَلَّ كَلامَ اللَّعِينِ عَلى هَذا مِن قَبِيلِ المُقَدِّماتِ الشِّعْرِيَّةِ أثارَ الشَّهْوَةَ حَتّى غَلَبَتْ ونَسِيَ مَعَها النَّهْيَ فَوَقَعَ الإقْدامُ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ وقالَ القُطْبُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالُ إنَّ اللَّعِينَ لَمّا وسْوَسَ لَهُما بِقَوْلِهِ ﴿ما نَهاكُما﴾ .. إلَخْ. فَلَمْ يَقْبَلا مِنهُ عَدَلَ إلى اليَمِينِ عَلى ما قالَهُ سُبْحانَهُ ﴿وقاسَمَهُما﴾ فَلَمْ يُصَدِّقاهُ أيْضًا فَعَدَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى شَيْءٍ آخَرَ وكَأنَّهُ أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى:

الأعراف 7:22

﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ وهو أنَّهُ شَغَلَهُما بِاسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ حَتّى صارا مُسْتَغْرِقَيْنِ بِها فَنَسِيَ النَّهْيَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ صفحة 101 تَعالى ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ وجَعَلَ العِتابَ الآتِيَ عَلى تَرْكِ التَّحَفُّظِ فَتَدَبَّرْ ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ أيْ أكَلا مِنها أكْلًا يَسِيرًا ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: تَهافَتَ عَنْهُما لِباسُهُما فَأبْصَرَ كُلٌّ مِنهُما عَوْرَةَ صاحِبِهِ فاسْتَحْيا ﴿وطَفِقا﴾ أخَذا وجَعَلا فَهو مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ وكَسْرُ الفاءِ فِيهِ أفْصَحُ مِن فَتْحِها وبِهِ قَرَأ أبُو السَّمالِ ( يَخْصِفانِ ) أيْ يُرَقِّعانِ ويَلْزِقانِ ورَقَةً فَوْقَ ورَقَةٍ وأصْلُ مَعْنى الخَصْفِ الخَرْزُ في طاقاتِ النِّعالِ ونَحْوِها بِإلْصاقِ بَعْضِها بِبَعْضٍ وقِيلَ أصْلُهُ الضَّمُّ والجَمْعُ ﴿عَلَيْهِما﴾ أيْ عَلى سَوْآتِهِما أوْ عَلى بَدَنِهِما فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى سَوْآتِهِما. ﴿مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ وكانَ ذَلِكَ بَعْضُ ورَقِ التِّينِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وقِيلَ: المَوْزُ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ ( يَخْصِفانِ ) مِن أخْصَفَ وأصْلُهُ خَصَفَ إلّا أنَّهُ كَما قالَ الجارَبَرْدِيُّ نُقِلَ إلى أخْصَفَ لِلتَّعْدِيَةِ وضُمِّنَ الفِعْلُ لِذَلِكَ مَعْنى التَّصْيِيرِ فَصارَ الفاعِلُ في المَعْنى مَفْعُولًا لِلتَّصْيِيرِ عُلًا لِأصْلِ الفِعْلِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ يَخْصِفانِ أنْفُسَهُما أيْ يَجْعَلانِ أنْفُسَهُما خاصِفِينَ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ فَحُذِفَ مَفْعُولُ التَّصْيِيرِ وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ خَصَفَ وأخْصَفَ بِمَعْنًى وقَرَأ الحَسَنُ يَخْصِفانِ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ مِنَ الِافْتِعالِ وأصْلُهُ يَخْتَصِفانِ سُكِّنَتِ التّاءُ وأُدْغِمَتْ ثُمَّ كُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِها وقُرِئَ ( يُخَصِّفانِ ) مِن خَصَّفَ المُشَدَّدِ بِفَتْحِ الخاءِ وقَدْ ضُمَّتْ إتْباعًا لِلْياءِ وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ النُّطْقِ ﴿وناداهُما رَبُّهُما﴾ بِطَرِيقِ العِتابِ والتَّوْبِيخِ ﴿ألَمْ أنْهَكُما﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مَنِ الإعْرابِ أوْ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ وقالَ أوْ قائِلًا: ألَمْ أنْهَكُما ﴿عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيا عَنْ قُرْبانِها والتَّثْنِيَةُ لِتَثْنِيَةِ المُخاطَبِ. ﴿وأقُلْ لَكُما﴾ عَطْفٌ عَلى ( أنْهَكُما ) أيْ ألَمْ أقُلْ لَكُما ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (22) أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ وهَذا عَلى ما قِيلَ: عِتابٌ وتَوْبِيخٌ عَلى الِاغْتِرارِ بِقَوْلِ العَدُوِّ كَما أنَّ الأوَّلَ عِتابٌ عَلى مُخالَفَةِ النَّهْيِ ولَمْ يُحْكَ هَذا القَوْلُ ها هُنا وقَدْ حُكِيَ في سُورَةِ طَهَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ الآيَةَ و( لَكُما ) مُتَعَلِّقٌ بِعَدُوٍّ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ لِما فِيها مِنَ اللَّوْمِ الشَّدِيدِ مَعَ النَّدَمِ والِاسْتِغْفارِ المَفْهُومِ مِمّا يَأْتِي والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ النَّهْيَ هُنا لِلتَّنْزِيهِ ونَدَمُهُما واسْتِغْفارُهُما عَلى تَرْكِ الأوْلى وهو في نَظَرِهِما عَظِيمٌ وقَدْ يُلامُ عَلَيْهِ أشَدُّ اللَّوْمِ إذا كانَ فاعِلُهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ.

الأعراف 7:23

﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ أيْ ضُرِرْنا بِالمَعْصِيَةِ وقِيلَ: نَقَصْناها حَظَّها بِالتَّعَرُّضِ لِلْإخْراجِ مِنَ الجَنَّةِ وحُذِفا حَرْفُ النِّداءِ مُبالَغَةً في التَّعْظِيمِ لِما أنَّ فِيهِ طَرَفًا مِن مَعْنى الأمْرِ. ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ ذَلِكَ بِعَدَمِ العِقابِ عَلَيْهِ ﴿وتَرْحَمْنا﴾ بِالرِّضا عَلَيْنا وقِيلَ: المُرادُ وإنْ لَمْ تَسْتُرْ عَلَيْنا بِالحِفْظِ عَمّا يَتَسَبَّبُ نُقْصانَ الحَظِّ وتَرَحَمْنا بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْنا بِما يَكُونُ عِوَضًا عَمّا فاتَنا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ (23) جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ السّابِقِ عَلى ما قِيلَ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الصَّغائِرَ يُعاقَبُ عَلَيْها مَعَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ إنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ تَعالى وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ يُوجِبُ تَكْفِيرَ الصَّغائِرِ وإنْ لَمْ يَتُبِ العَبْدُ مِنها وجَعَلُوا لِذَلِكَ ما ذُكِرَ هُنا جارِيًا عَلى عادَةِ الأوْلِياءِ والصّالِحِينَ في تَعْظِيمِهِمُ الصَّغِيرَ مِنَ صفحة 102 السَّيِّئاتِ وتَصْغِيرِهِمُ العَظِيمَ مِنَ الحَسَناتِ فَلا يُنافِي كَوْنَهُما مَغْفُورًا لَهُما والكَثِيرُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ جَعَلُوهُ مِن بابِ هَضْمٍ النَّفْسِ بِناءً عَلى ما وقَعَ كانَ عَنْ نِسْيانٍ ولا كَبِيرَةَ ولا صَغِيرَةَ مَعَهُ وادَّعى الإمامُ أنَّ ذَلِكَ الإقْدامَ كانَ صَغِيرَةً وكانَ قَبْلَ نُبُوَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ كَبِيرَةٌ ولا صَغِيرَةٌ والكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَشْهُورٌ

الأعراف 7:24

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ مِرارًا ﴿اهْبِطُوا﴾ المَأْثُورُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ وإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وكَرَّرَ الأمْرَ لَهُ تَبَعًا لَهُما إشارَةً إلى عَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْ جِنْسِهِما في الدُّنْيا أوْ أنَّ الأمْرَ وقَعَ مُفَرَّقًا وهَذا نُقِلَ لَهُ بِالمَعْنى وإجْمالٌ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وقِيلَ: إنَّ الأمْرَ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّعِينِ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ فَإنَّهُ أمْرٌ لَهُ بِالهُبُوطِ مِن حَيْثُ وسْوَسَ. واخْتارَ الفَرّاءُ كَوْنَهُ خِطابًا لَهُما ولِذَرِّيَّتِهِما وفِيهِ خِطابُ المَعْدُومِ وقِيلَ: إنَّهُ لَهُما فَقَطْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ والقِصَّةُ واحِدَةٌ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِكَوْنِهِما أصْلَ البَشَرِ فَكَأنَّهم هم ومَنِ النّاسِ مَن قالَ أنَّ مُخْتارَ الفَرّاءِ هو هَذا وقِيلَ: إنَّهُ لَهُما ولِإبْلِيسَ والحَيَّةِ واعْتُرِضَ وأُجِيبَ بِما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ والظّاهِرُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عاجَلَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ بِالعِتابِ والتَّوْبِيخِ عَلى فِعْلِهِ ولَمْ يَتَخَلَّلْ هُناكَ شَيْءٌ ونَقَلَ الأجْهُورِيُّ عَنْ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ تَحَرَّكَتْ مَعِدَتُهُ لِخُرُوجِ الفَضْلَةِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَجْعُولًا في الجَنَّةِ في شَيْءٍ مِن أطْعِمَتِها إلّا في تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْ أكْلِها فَجَعَلَ يَدُورُ في الجَنَّةِ فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا يُخاطِبُهُ فَقالَ لَهُ: أيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ يا آدَمُ قالَ: أُرِيدُ أنْ أضَعَ ما في بَطْنِي مِنَ الأذى فَقالَ لَهُ في أيِّ مَكانٍ تَضَعُهُ أعَلى الفُرُشِ أمْ عَلى السُّرُرِ أمْ في الأنْهارِ أمْ تَحْتَ ظِلالِ الأشْجارِ هَلْ تَرى ها هُنا مَكانًا يَصْلُحُ لِذَلِكَ ثُمَّ أمَرَهُ بِالهُبُوطِ وأنا لا أرى لِهَذا الخَبَرِ صِحَّةً ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ ناداهُ رَبُّهُ يا آدَمُ لِمَ أكَلْتَ مِنها وقَدْ نَهَيْتُكَ قالَ أطْعَمَتْنِي حَوّاءُ فَقالَ سُبْحانَهُ: يا حَوّاءُ لِمَ أطِعَمْتِيهِ قالَتْ أمَرَتْنِي الحَيَّةُ فَقالَ لِلْحَيَّةِ لِمَ أمَرْتِها قالَتْ أمَرَنِي إبْلِيسُ فَقالَ اللَّهُ تَعالى أمّا أنْتِ يا حَوّاءُ فَلَأُدْمِينَكِ كُلَّ شَهْرٍ كَما أدْمَيْتُ الشَّجَرَةَ وأمّا أنْتِ يا حَيَّةُ فَأقْطَعُ رِجْلَيْكَ فَتَمْشِينَ عَلى وجْهِكِ وسَيَشْدَخُ وجْهَكَ كُلُّ مَن لَقِيَكِ وأمّا أنْتَ يا إبْلِيسُ فَمَلْعُونٌ. ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿اهْبِطُوا﴾ وهي حالٌ مُقارِنَةٌ أوْ مَقَدَّرَةٌ واخْتارَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ كَوْنَ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافِيَّةً كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهُبُوطِ سَألُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُنا فَأجِيبُوا بِأنَّ بَعْضَكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وأمْرُ العَداوَةِ عَلى تَقْدِيرِ دُخُولِ الشَّيْطانِ في الخِطابِ ظاهِرٌ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ التَّخْصِيصِ بِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ بِاعْتِبارِ أنْ يُرادَ بِهِما ذَرِّيَّتُهُما إمّا بِالتَّجَوُّزِ كَإطْلاقِ تَمِيمٍ عَلى أوْلادِهِ كُلِّهِمْ أوْ يَكْتَفِي بِذِكْرِهِما عَنْهم واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ العَداوَةِ هُنا بِمَعْنى الظُّلْمِ أيْ يَظْلِمُ بَعْضُكم بَعْضًا بِسَبَبِ تَضْلِيلِ الشَّيْطانِ فَلْيُفْهَمْ. ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ أيِ اسْتِقْرارٌ أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ فَهو إمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ مَكانٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ بِمَعْنى اسْتَقَرَّ مُلْكُكم عَلَيْهِ وجازَ تَصَرُّفُكم فِيهِ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ ومُحْتاجٌ إلى الحَذْفِ والإيصالِ واللَّفْظُ في نَفْسِهِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانٍ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ هُنا لِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَتاعٌ﴾ أيْ بُلْغَةٌ ﴿إلى حِينٍ﴾ (24) يُرِيدُ بِهِ وقْتَ المَوْتِ وقِيلَ القِيامَةَ وتَجْعَلُ السُّكْنى في القَبْرِ تَمَتُّعًا في الأرْضِ أوْ يُقالُ مَعْنًى ( لَكم ) لِجِنْسِكم ولِمَجْمُوعِكم والظَّرْفُ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَتاعٍ أوْ بِهِ وبِمُسْتَقِرٍّ عَلى التَّنازُعِ إنْ كانَ صفحة 103 مَصْدَرًا وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَتاعٍ.

الأعراف 7:25

﴿قالَ﴾ أُعِيدَ لِلِاسْتِئْنافِ إمّا لِلْإيذانِ بِعَدَمِ اتِّصالِ ما بَعْدَهُ بِما قَبْلَهُ وإمّا لِإظْهارِ العِنايَةِ بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ (25) عِنْدَ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ عاصِمٍ ( تَخْرُجُونَ ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.

الأعراف 7:26

﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ خِطابٌ لِلنّاسِ كافَّةً واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى دُخُولِ أوْلادِ الأوْلادِ في الوَقْفِ عَلى الأوْلادِ ولا يَخْفى سِرُّ هَذا العُنْوانِ في هَذا المَقامِ. ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ أيْ خَلَقْنا لَكم ذَلِكَ بِأسْبابٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ كالمَطَرِ الَّذِي يَنْبُتُ بِهِ القُطْنُ الَّذِي يُجْعَلُ لِباسًا قالَهُ الحَسَنُ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَعْنى أعْطَيْناكم ذَلِكَ ووَهَبْناهُ لَكم وكُلُّ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِعَبْدِهِ فَقَدْ أنْزَلَهُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ عُلُوٌّ أوْ سُفْلٌ بَلْ هو جارٍ مَجْرى التَّعْظِيمِ كَما تَقُولُ: رَفَعْتُ حاجَتِي إلى فُلانٍ وقِصَّتِي إلى الأمِيرِ ولَيْسَ هُناكَ نَقْلٌ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ وقِيلَ المُرادُ قَضَيْنا لَكم وقَسَّمْناهُ وقَضاياهُ تَعالى وقَسْمُهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ حَيْثُ كُتِبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وعَلى كُلٍّ فالكَلامُ لا يَخْلُو عَنْ مَجازٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في المُسْنَدِ وهو الظّاهِرُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في اللِّباسِ أوِ الإسْنادِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُوارِي﴾ أيْ يَسْتُرُ تَرْشِيحٌ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ مُدَّعِيًا نُزُولَ ذَلِكَ مَعَ آدَمَ وحَوّاءَ مِنَ الجَنَّةِ حِينَ أُمِرا بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ ولَمْ نَقِفْ في ذَلِكَ عَلى خَبَرٍ كَسَتْهُ الصِّحَّةُ لِباسًا نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُهْبِطَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ عُرْيانَيْنِ جَمِيعًا عَلَيْهِما ورَقُ الجَنَّةِ فَأصابَ آدَمَ الحَرُّ حَتّى قَعَدَ يَبْكِي ويَقُولُ لَها: يا حَوّاءُ قَدْ آذانِي الحَرُّ فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقُطْنٍ وأمَرَها أنْ تَغْزِلَهُ وعَلَّمَها وعَلَّمَ آدَمَ وأمَرَهُ بِالحِياكَةِ وعَلَّمَهُ». وجاءَ في خَبَرٍ آخَرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُهْبِطَ ومَعَهُ البُذُورُ فَوَضَعَ إبْلِيسُ عَلَيْها يَدَهُ فَما أصابَ يَدَهُ ذَهَبَ مَنفَعَتَهُ. وفِي آخَرَ رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُهْبِطَ مَعَهُ ثَمانِيَةُ أزْواجٍ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ وبِأسَنَةٍ والعَلاةِ والكَلْبَتانِ وغَرِيسَةُ عِنَبٍ ورَيْحانٌ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى ما فِيهِ لا يَدُلُّ عَلى المُدَّعِي وإنْ صَلَحَ بَعْضُ ما فِيهِ لِأنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِما يُوارِي ﴿سَوْآتِكُمْ﴾ أيِ الَّتِي قَصَدَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ إبْداءَها مِن أبَوَيْكم حَتّى اضْطَرّا إلى خَصْفِ الأوْراقِ وأنْتُمْ مُسْتَغْنُونَ عَنْ ذَلِكَ رَوى غَيْرُ واحِدٍ أنَّ العَرَبَ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عَرايا ويَقُولُونَ نَطُوفُ بِثِيابٍ عَصَيْنا اللَّهَ تَعالى فِيها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ كَذَلِكَ تَفاؤُلًا بِالتَّعَرِّي عَنِ الذُّنُوبِ والآثامِ ولَعَلَّ ذِكْرَ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ لِلْإيذانِ بِأنَّ انْكِشافَ العَوْرَةِ أوَّلُ سُوءٍ أصابَ الإنْسانَ مِن قِبَلِ الشَّيْطانِ وأنَّهُ أغْواهم في ذَلِكَ كَما فَعَلَ بِأبَوَيْهِمْ. وفِي الكَشّافِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وارِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ عَقِيبَ ذَكْرِ بَدْءِ السَّوْآتِ وخَصْفِ الوَرَقِ عَلَيْها إظْهارًا لِلْمِنَّةِ فِيما خُلِقَ مِنَ اللِّباسِ ولِما في العُرْيِ وكَشْفِ العَوْرَةِ مِنَ المَهانَةِ والفَضِيحَةِ وإشْعارًا بِأنَّ التَّسَتُّرَ بابٌ عَظِيمٌ مِن أبْوابِ التَّقْوى ﴿ورِيشًا﴾ أيْ زِينَةً أخْذًا مِن رِيشِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ زِينَةٌ لَهُ وعَطْفُهُ عَلى هَذا مِن عَطْفِ الصِّفاتِ فَيَكُونُ اللِّباسُ مَوْصُوفًا بِشَيْئَيْنِ مُواراةِ السَّوْأةِ والزِّينَةِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ أنْزَلْنا لِباسَيْنِ لِباسَ مُواراةٍ ولِباسَ زِينَةٍ فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المَوْصُوفُ أيْ لِباسًا رِيشًا أيْ ذا رِيشٍ صفحة 104 وتَفْسِيرُ الرِّيشِ بِالزِّينَةِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِاسْمِ والمَصْدَرِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ بِهِ المالُ ومِنهُ تَرَيَّشَ الرَّجُلُ أيْ تَمَوَّلَ وعَنِ الأخْفَشِ أنَّهُ الخِصْبُ والمَعاشُ وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: إنَّهُ جَمِيعُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ. وقَرَأ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( ورِياشًا ) وهو إمّا مَصْدَرٌ كاللِّباسِ أوْ جَمْعُ رِيشٍ كَشِعْبٍ وشِعابٍ ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ أيِ العَمَلُ الصّالِحُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى كَما رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ. أوِ الحَياءُ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أوِ الإيمانُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ أوْ ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ وهو اللِّباسُ الأوَّلُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوْ لِباسُ الحَرْبِ الدِّرْعُ والمِغْفَرُ والآلاتُ الَّتِي يَتَّقِي بِها مِنَ العَدُوِّ كَما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ أوْ ثِيابُ النُّسُكِ والتَّواضُعِ كَلِباسِ الصُّوفِ والخَشِنِ مِنَ الثِّيابِ كَما اخْتارَهُ الجُبّائِيُّ فاللَّفْظُ إمّا مُشاكَلَةٌ وإمّا مَجازٌ وإمّا حَقِيقَةٌ ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ والرّابِطُ اسْمُ الإشارَةِ لِأنَّهُ يَكُونُ رابِطًا كالضَّمِيرِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿خَيْرٌ﴾ و﴿ذَلِكَ﴾ صِفَةَ لِباسٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُما واعْتُرِضَ بِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ أعْرَفُ مِنَ المُعَرَّفِ بِاللّامِ ومِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ والنَّعْتُ لا بُدَّ أنْ يُساوِيَ المَنعُوتَ في رُتْبَةِ التَّعْرِيفِ أوْ يَكُونَ أقَلَّ مِنهُ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أعْرَفَ مِنهُ فَلِذا قِيلَ إنَّ ﴿ذَلِكَ﴾ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ لا نَعْتٌ وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ فَإنَّ تَعْرِيفَ اسْمِ الإشارَةِ لِكَوْنِهِ بِالإشارَةِ الحِسِّيَّةِ الخارِجَةِ عَنِ الوَضْعِ قِيلَ: إنَّهُ أنْقَصُ مِن ذِي اللّامِ وقِيلَ: إنَّهُما في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ وعَنِ أبِي عَلِيٍّ وهو غَرِيبٌ أنَّ ذَلِكَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ وهو فَصْلٌ كالضَّمِيرِ وقُرِئَ ( ولِباسَ التَّقْوى ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( لِباسًا ) قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: وحِينَئِذٍ يَكُونُ اللِّباسُ المُنَزَّلُ ثَلاثَةً أوْ يُفَسَّرُ ( لِباسُ التَّقْوى ) بِلِباسِ الحَرْبِ أوْ يُجْعَلُ الإنْزالُ مُشاكَلَةً وذُكِرَ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أنَّ ذَلِكَ إنْ كانَ إشارَةً لِلِّباسِ المُوارِي فَلِباسُ التَّقْوى حَقِيقَةٌ والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ وإنْ كانَ لِلِباسِ التَّقْوى فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ أوْ مِن قَبِيلِ لُجَيْنِ الماءِ وعَلى كُلٍّ تَكُونُ الإشارَةُ بِالبَعِيدِ لِلتَّعْظِيمِ بِتَنْزِيلِ البُعْدِ الرُّتْبِيِّ مَنزِلَةَ البُعْدِ الحِسِّيِّ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ إنْزالُ اللِّباسِ المُتَقَدِّمِ كُلِّهِ أوِ الأخِيرِ ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ فَضْلِهِ وعَمِيمِ رَحْمَتِهِ ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ (26) فَيَعْرِفُونَ نِعْمَتَهُ أوْ يَتَّعِظُونَ فَيَتَوَرَّعُونَ عَنِ القَبائِحِ.

الأعراف 7:27

﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ تَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ ما صَدَرَ بِهِ ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ لا يُوقِعَنَّكم في الفِتْنَةِ والمِحْنَةِ بِأنْ يُوَسْوِسَ لَكم بِما يَمْنَعُكم بِهِ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ فَتُطِيعُوهُ وقُرِئَ ( يُفْتِنَنَّكم ) بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أفْتَنَهُ حَمَلَهُ عَلى الفِتْنَةِ وقُرِئَ ( يَفْتِنُكم ) بِغَيْرِ تَوْكِيدٍ وهَذا نَهْيٌ لِلشَّيْطانِ في الصُّورَةِ والمُرادُ نَهْيُ المُخاطَبِينَ عَنْ مُتابَعَةِ وفِعْلِ ما يَقُودُ إلى الفِتْنَةِ ﴿كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ أيْ كَما فَتَنَ أبَوَيْكم ومَحَنَهُما بِأنْ أخْرَجَهُما مِنها فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لا يَفْتِنَنَّكم فِتْنَةً مِثْلَ فِتْنَةِ إخْراجِ أبَوَيْكم أوْ لا يُخْرِجَنَّكم بِفِتْنَتِهِ إخْراجًا مِثْلَ إخْراجِهِ أبَوَيْكم ونِسْبَةُ الإخْراجِ إلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ بِسَبَبِ إغْوائِهِ وكَذا نِسْبَةُ النَّزْعِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ( أبَوَيْكم ) أوْ مِن فاعِلِ ( أخْرَجَ ) ولَفْظُ المُضارِعِ عَلى صفحة 105 ما قالَهُ القُطْبُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِأنَّ النَّزْعَ السَّلْبُ وهو ماضٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الإخْراجِ وإنْ كانَ العُرْيُ باقِيًا. وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ كَما هو مَعْرُوفٌ في الجُمْلَةِ المَصَدَّرَةِ بِإنَّ في أمْثالِهِ وتَأْكِيدٌ لِلتَّحْذِيرِ لِأنَّ العَدُوَّ إذا أتى مِن حَيْثُ لا يُرى كانَ أشَدَّ وأخْوَفَ والضَّمِيرُ في ( إنَّهُ ) لِلشَّيْطانِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلشَّأْنِ وهو تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( يَراكم ) وقَبِيلُهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ لا عَلى البارِزِ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلتَّأْكِيدِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ و( حَيْثُ ) ظَرْفٌ لِمَكانِ انْتِفاءِ الرُّؤْيَةِ وجُمْلَةُ ( لا تَرَوْنَهم ) في مَحَلِّ جَرٍّ بِالإضافَةِ: وعَنْ أبِي إسْحاقَ أنَّ حَيْثُ مَوْصُولَةٌ وما بَعْدُ صِلَةٌ لَها ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ ذَلِكَ كالمَوْصُولِ وإلّا فَلا قائِلَ بِهِ غَيْرُهُ كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والقَبِيلُ الجَماعَةُ فَإنْ كانُوا مِن أبٍ واحِدٍ فَهم قَبِيلَةٌ والمُرادُ بِهِمْ هُنا جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وقَرَأ اليَزِيدِيُّ ( وقَبِيلَهُ ) بِالنَّصْبِ وهو عَطْفٌ عَلى اسْمِ إنَّ ويَتَعَيَّنُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلشَّيْطانِ ولا يَصِحُّ كَوْنُهُ لِلشَّأْنِ خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ العَطْفُ عَلَيْهِ ولا يُتْبَعُ بِتابِعٍ. والقَضِيَّةُ مُطْلَقَةٌ لا دائِمَةٌ فَلا تَدُلُّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ ولا يَظْهَرُونَ لِلْإنْسِ أصْلًا ولا يَتَمَثَّلُونَ. ويَشْهَدُ لِما قُلْنا ما صَحَّ مِن رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَقْدَمِهِمْ حِينَ رامَ أنْ يَشْغَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ صَلاتِهِ فَأمْكَنَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ وأرادَ أنْ يَرْبُطَهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ يَلْعَبُ بِهِ صِبْيانُ المَدِينَةِ فَذَكَرَ دَعْوَةَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَرَكَهُ ورُؤْيَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ لِجِنِّ نُصَيْبِينَ وما نُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّ مَن زَعَمَ أنَّهُ رَآهم رُدَّتْ شَهادَتُهُ وعُزِّرَ لِمُخالَفَتِهِ القُرْآنَ مَحْمُولًا كَما قالَ البَعْضُ عَلى زاعِمِ رُؤْيَةِ صُوَرِهِمُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْها إذْ رُؤْيَتُهم بَعْدَ التَّشَكُّلِ الَّذِي أقْدَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ وهو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن ساداتِهِمْ وما نُوزِعَ بِهِ القَوْلُ بِقُدْرَتِهِمْ عَلى التَّشَكُّلِ مِنَ اسْتِلْزامِهِ رَفْعُ الثِّقَةِ بِشَيْءٍ فَإنَّ مَن رَأى ولَوْ ولَدَهُ يُحْتَمَلُ إنَّهُ رَأى جِنِّيًّا تَشَكَّلَ بِهِ مَرْدُودٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَفَّلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِعِصْمَتِها عَنْ أنْ يَقَعَ فِيها ما يُؤَدِّي لِمِثْلِ ذَلِكَ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الرِّيبَةُ في الدِّينِ ورَفْعُ الثِّقَةِ بِعالِمٍ وغَيْرِهِ فاسْتَحالَ شَرْعًا الِاسْتِلْزامُ المَذْكُورُ وقَوْلُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيُّ بَعْدَ تَعْرِيفِ الجِنِّ في سُورَتِهِمْ بِما عُرِّفَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ﷺ ما رَآهم ولَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ وإنَّما اتَّفَقَ حُضُورُهم في بَعْضِ أوْقاتِ قِراءَتِهِ فَسَمِعُوها فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ ناشِئٌ مِن عَدَمِ الاطِّلاعِ عَلى الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ المُصَرِّحَةِ بِرُؤْيَتِهِ ﷺ لَهم وقِراءَتُهُ عَلَيْهِمْ وسُؤالُهم مِنهُ الزّادَ لَهم ولِدَوابِّهِمْ عَلى كَيْفِيّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وعِنْدِي أنَّهُ لا مانِعَ مِن رُؤْيَتِهِ ﷺ لِلْجِنِّ عَلى صُوَرِهِمُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْها فَقَدْ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ مَرَّتَيْنِ ولَيْسَتْ رُؤْيَتُهم بِأبْعَدَ مِن رُؤْيَتِهِ ورُؤْيَةُ كُلِّ مَوْجُودٍ عِنْدَنا في حَيِّزِ الإمْكانِ واللَّطافَةِ المانِعَةِ مِن رُؤْيَتِهِمْ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لا تُوجِبُ الِاسْتِحالَةَ ولا تَمْنَعُ الوُقُوعَ خَرْقًا لِلْعادَةِ وكَذا تَعْلِيلُ الأشاعِرَةِ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ في عُيُونِ الإنْسِ قُوَّةَ الإدْراكِ لا يَقْتَضِي الِاسْتِحالَةَ أيْضًا لِجَوازِ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في عَيْنِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرّائِيَ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ عَلى الأصَحِّ لَيْلَةَ المِعْراجِ تِلْكَ القُوَّةَ فَيَراهم بَلْ لا يَبْعُدُ القَوْلُ بِرُؤْيَةِ الأوْلِياءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَهم كَذَلِكَ لَكِنْ لَمْ أجِدْ صَرِيحًا ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ وأمّا رُؤْيَةُ الأوْلِياءِ بَلْ سائِرِ النّاسِ لَهم مُتَشَكِّلِينَ فَكُتُبُ القَوْمِ مَشْحُونَةٌ بِها ودَفاتِرُ المُؤَرِّخِينَ والقُصّاصِ مَلْأى مِنها وعَلى هَذا لا يُفَسَّقُ صفحة 106 مُدَّعِي رُؤْيَتِهِمْ في صُوَرِهِمُ الأصْلِيَّةِ إذا كانَتْ مَظِنَّةً لِلْكَرامَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِن نَفْيِ رُؤْيَتِهِمْ كَذَلِكَ بِحَسَبِ العادَةِ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ خارِجَةً مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ لِدَقِيقِ مَكْرِهِمْ وخَفِيِّ حِيَلِهِمْ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنها نَفْيَ الرُّؤْيَةِ حَقِيقَةً ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِكُفْرِ مُدَّعِي تِلْكَ الرُّؤْيَةِ خارِجٌ عَنِ الإنْصافِ فَتَدَبَّرْ. ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (27) أيْ قُرَناءَ لَهم مُسَلَّطِينَ عَلَيْهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِن إغْوائِهِمْ بِما أوْجَدْنا بَيْنَهم مِنَ المُناسَبَةِ أوْ بِإرْسالِهِمْ عَلَيْهِمْ وتَمْكِينِهِمْ مِنهم والجُمْلَةُ إمّا تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلنَّهْيِ وتَأْكِيدٌ لِلتَّحْذِيرِ إثْرَ تَأْكِيدٍ وإمّا فَذْلَكَةٌ لِلْحِكايَةِ السّابِقَةِ.

الأعراف 7:28

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ جُمْلَةُ مُبْتَدَأٍ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وجُوِّزَ عَطْفُها عَلى الصِّلَةِ والفاحِشَةُ الفِعْلَةُ القَبِيحَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ والتّاءُ إمّا لِأنَّها مُجْراةٌ عَلى المَوْصُوفِ المُؤَنَّثِ أيْ فِعْلَةٌ فاحِشَةٌ وإمّا لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ والمُرادُ بِها هُنا عِبادَةُ الأصْنامِ وكَشْفُ العَوْرَةِ في الطَّوافِ ونَحْوُ ذَلِكَ. وعَنِ الفَرّاءِ تَخْصِيصُها بِكَشْفِ العَوْرَةِ وفي الآيَةِ عَلى ما قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ حَذْفٌ أيْ وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً فَنُهُوا عَنْها ﴿قالُوا﴾ جَوابٌ لِلنّاهِينَ ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ مُحْتَجِّينَ بِأمْرَيْنِ تَقْلِيدِ الآباءِ والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَقْدِيمُ المُقَدَّمِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَهم أوْ لِلْإشارَةِ مِنهم إلى أنَّ آباءَهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَها بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ ضَمِيرَ ﴿أمَرَنا﴾ كَما قِيلَ لَهم ولِآبائِهِمْ وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ وجْهُ الإعْراضِ عَنِ الأوَّلِ في رَدِّ مَقالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ فَإنَّ عادَتَهُ تَعالى جَرَتْ عَلى الأمْرِ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ والحَثِّ عَلى مَكارِمِ الخِصالِ وهو اللّائِقُ بِالحِكْمَةِ المُقْتَضِيَةِ أنْ لا يُتَخَلَّفَ وقالَ الإمامُ لَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ جَوابًا عَنْ حُجَّتِهِمُ الأُولى لِأنَّها إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّقْلِيدِ وقَدْ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّهُ طَرِيقَةٌ فاسِدَةٌ لِأنَّ التَّقْلِيدَ حاصِلٌ في الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ حَقًّا لَزِمَ القَوْلُ بِحَقِّيَّةِ الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ وأنَّهُ مُحالٌ فَلَمّا كانَ فَسادُ هَذا الطَّرِيقِ ظاهِرًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى الجَوابَ عَنْهُ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الإعْراضَ إنَّما هو عَنِ التَّصْرِيحِ بِرَدِّهِ وإلّا فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( إنَّ اللَّهَ ) .. إلَخْ. مُتَضَمِّنٌ لِلرَّدِّ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أمَرَ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ كَيْفَ يُتْرَكُ أمْرُهُ لِمُجَرَّدِ اتِّباعٍ الآباءِ فِيما هو قَبِيحٌ عَقْلًا والمُرادُ بِالقُبْحِ العَقْلِيِّ هُنا نَفْرَةُ الطَّبْعِ السَّلِيمِ واسْتِنْقاصُ العَقْلِ المُسْتَقِيمِ لا كَوْنَ الشَّيْءِ مُتَعَلِّقَ الذَّمِّ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ وهو المُتَنازَعُ فِيهِ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ دُونَ الأوَّلِ كَما حُقِّقَ في الأُصُولِ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى ما زَعَمُوهُ وقِيلَ: إنَّ المَذْكُورَ جَوابًا لِسُؤالَيْنِ مُتَرَتِّبَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم لَمّا فَعَلُوها لِمَ فَعَلْتُمْ قالُوا: وجَدْنا آباءَنا فَقِيلَ ومِن أيْنَ أخَذَ آباؤُكم فَقالُوا اللَّهُ أمَرَنا بِها والكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ أمَرَ آباءَنا وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ والعُدُولُ عَنْ أمْرِهِمُ الظّاهِرِ حِينَئِذٍ لِلْإشارَةِ إلى ادِّعاءِ أنَّ أمْرَ آبائِهِمْ أمْرٌ لَهم وعَلى الوَجْهَيْنِ يَمْتَنِعُ التَّقْلِيدُ إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِهِ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى المَنعِ مِنَ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا. ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (28) مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ والإشارَةُ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى قَوْلِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى ما لا يَعْلَمُونَ صُدُورَهُ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ مَعَ أنَّ مِنهم مَن يَقُولُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ما يَعْلَمُ عَدَمَ صُدُورِهِ مُبالَغَةً في إنْكارِ تِلْكَ الصُّورَةِ ولا دَلِيلَ في الآيَةِ لِمَن نَفى القِياسَ بِناءً عَلى أنَّ ما يَثْبُتُ بِهِ مَظْنُونٌ لا مَعْلُومَ لِأنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ مِن عُمُومِها بِإجْماعِ الصَّحابَةِ ومَن يُعْتَدُّ بِهِ أوْ بِدَلِيلٍ آخَرَ وقِيلَ المُرادُ بِالعِلْمِ ما يَشْمَلُ الظَّنَّ

الأعراف 7:29

﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ بَيانُ المَأْمُورِ بِهِ إثْرَ نَفْيِ ما أُسْنِدَ أمْرُهُ إلَيْهِ تَعالى مِنَ الأُمُورِ المَنهِيِّ عَنْها والقِسْطُ عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ العَدْلُ وهو الوَسَطُ مِن صفحة 107 كُلِّ شَيْءٍ المُتَجافِي عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ. وقالَ الرّاغِبُ هو النَّصِيبُ بِالعَدْلِ كالنِّصْفِ والنَّصَفَةِ ويُقالُ: القِسْطُ لِأخْذِ قِسْطِ غَيْرِهِ وذَلِكَ جَوْرٌ والإقْساطُ عَطاءُ قِسْطِ غَيْرِهِ وذَلِكَ إنْصافٌ ولِذَلِكَ يُقالُ: قَسَطَ الرَّجُلُ إذا جارَ وأقْسَطَ إذا عَدَلَ وهَذا أوْلى مِمّا قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ مِن أنَّ أصْلَهُ المَيْلُ فَإنْ كانَ إلى جِهَةِ الحَقِّ فَعَدْلٌ ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ) وإنْ كانَ إلى جِهَةِ الباطِلِ فُجَوْرٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ والمُرادُ بِهِ هُنا عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ جَمِيعُ الطّاعاتِ والقُرَبِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ أنَّهُ التَّوْحِيدُ وقَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ الِاسْتِقامَةُ والعَدْلُ في الأُمُورِ ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أيْ تَوَجَّهُوا إلى عِبادَتِهِ تَعالى مُسْتَقِيمِينَ غَيْرَ عادِلِينَ إلى غَيْرِها ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أيْ في وقْتِ كُلِّ سُجُودٍ كَما قالَ الجُبّائِيُّ أوْ مَكانَهُ كَما قالَ غَيْرُهُ فَعِنْدَ بِمَعْنى في والمَسْجِدُ اسْمُ زَمانٍ أوْ مَكانٍ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ وكانَ حَقُّهُ فَتْحَ العَيْنِ لِضَمِّها في المُضارِعِ إلّا أنَّهُ مِمّا شَذَّ عَنِ القاعِدَةِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ والوَقْتُ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ والسُّجُودُ مَجازٌ عَنِ الصَّلاةِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المَعْنى تَوَجَّهُوا إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها في صَلاتِكم وهي جِهَةُ الكَعْبَةِ والأمْرُ عَلى القَوْلَيْنِ لِلْوُجُوبِ. واخْتارَ المَغْرِبِيُّ أنَّ المَعْنى إذا أدْرَكْتُمُ الصَّلاةَ في أيِّ مَسْجِدٍ فَصَلُّوا ولا تُؤَخِّرُوها حَتّى تَعُودُوا إلى مَساجِدِكم والأمْرُ عَلى هَذا لِلنَّدْبِ والمَسْجِدُ بِالمَعْنى المُصْطَلَحِ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى اقْصِدِ المَسْجِدَ في وقْتِ كُلِّ صَلاةٍ عَلى أنَّهُ أمْرٌ بِالجَماعَةِ نَدْبًا عِنْدَ بَعْضٍ ووُجُوبًا عِنْدَ آخَرِينَ والواوُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ قِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى الأمْرِ الَّذِي يَنْحَلُّ إلَيْهِ المَصْدَرُ مَعَ أنْ أيْ أنْ أقْسِطُوا والمَصْدَرُ يَنْحَلُّ إلى الماضِي والمُضارِعِ والأمْرِ وقالَ الجُرْجانِيُّ إنَّهُ عُطِفَ عَلى الخَبَرِ السّابِقِ المَقُولِ لَقُلْ وهو إنْشاءٌ مَعْنًى وإنْ أبَيْتَ فالكَلامُ مِن بابِ الحِكايَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ قُلْ مُقَدَّرًا مَعْطُوفًا عَلى نَظِيرِهِ و﴿أقِيمُوا﴾ مَقُولٌ لَهُ وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قُلْ أقْبِلُوا وأقِيمُوا ﴿وادْعُوهُ﴾ أيِ اعْبُدُوهُ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيِ الطّاعَةَ فالدُّعاءُ بِمَعْنى العِبادَةِ لِتَضَمُّنِها لَهُ والدِّينُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ وقِيلَ: إنَّ هَذا أمْرٌ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ أيِ ارْغُبُوا إلَيْهِ في الدُّعاءِ بَعْدَ إخْلاصِكم لَهُ في الدِّينِ ﴿كَما بَدَأكُمْ﴾ أيْ أنْشَأكُمُ ابْتِداءً ﴿تَعُودُونَ﴾ (29) إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم فامْتَثِلُوا أوامِرَهُ أوْ فَأخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ فَهو مُتَّصِلٌ بِالأمْرِ قَبْلَهُ وقالَ الزَّجّاجُ إنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ يُعِيدُكم كَما هو المُلائِمُ لِما قَبْلَهُ إشارَةً إلى أنَّ الإعادَةَ دُونَ البَدْءِ مِن غَيْرِ مادَّةٍ بِحَيْثُ لَوْ تُصَوِّرَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ الفاعِلِ لَكانَ فِيها دُونَهُ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ سَواءً كانَتِ الإعادَةُ الإيجادَ بَعْدَ الإعْدامِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ جَمْعَ مُتَفَرِّقِ الأجْزاءِ وإنَّما شَبَّهَها سُبْحانَهُ بِالإبْداءِ تَقْرِيرًا لِإمْكانِها والقُدْرَةِ عَلَيْها وقالَ قَتادَةُ المَعْنى كَما بَدَأكم مِنَ التُّرابِ تَعُودُونَ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ وقِيلَ المَعْنى كَما بَدَأكم لا تَمْلِكُونَ شَيْئًا كَذَلِكَ تُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ. صفحة 108 وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ المُرادَ أنَّ مَنِ ابْتَدَأ اللَّهُ تَعالى خَلْقَهُ عَلى الشِّقْوَةِ صارَ إلَيْها وإنْ عَمِلَ بِأعْمالِ أهْلِ السَّعادَةِ ومَنِ ابْتَدَأ خَلْقَهُ عَلى السَّعادَةِ صارَ إلَيْها وإنْ عَمِلَ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاوَةِ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفي يَدِهِ كِتابانِ فَقالَ: أتَدْرُونَ ما هَذانَ الكِتابانِ قُلْنا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ لِلَّذِي في يَدِهِ اليُمْنى هَذا كِتابٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ فِيهِ أسْماءُ أهْلِ الجَنَّةِ وأسْماءُ آبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ ثُمَّ أجْمَلَ عَلى آخِرِهِمْ فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا ثُمَّ قالَ لِلَّذِي في شِمالِهِ هَذا كِتابٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ فِيهِ أسْماءُ أهْلِ النّارِ وأسْماءُ آبائِهِمْ وقَبائِلِهِمْ ثُمَّ أجْمَلَ عَلى آخِرِهِمْ فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أبَدًا فَقالَ أصْحابُهُ فَفِيمَ العَمَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كانَ أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَدِّدُوا وقارِبُوا فَإنَّ صاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ وإنَّ صاحِبَ أهْلِ النّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ ثُمَّ قالَ أيْ أشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُما ثُمَّ قالَ فَرَغَ رَبُّكم مِنَ العِبادِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ». وقَرِيبٌ مِن هَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن أنَّ المَعْنى كَما كُتِبَ عَلَيْكم تَكُونُونَ ورُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أنَّ المَعْنى كَما بَدَأكم مُؤْمِنًا وكافِرًا يُعِيدُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ

الأعراف 7:30

﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ بَيانًا وتَفْصِيلًا لِذَلِكَ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ قِيلَ وهو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ. وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ ها هُنا نُكْتَةً سَرِيَّةً وهي أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ المُشَبَّهَ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ لِيُنَبِّهَ العاقِلَ عَلى أنَّ قَضاءَ الشُّؤُونِ لا يُخالِفُ القَدَرَ والعِلْمَ الأزَلِيَّ البَتَّةَ وكَما رُوعِيَ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ في المُفَسَّرِ رُوعِيَتْ في التَّفْسِيرِ وزِيدَ أُخْرى عَلَيْها وهي أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّمَ مَفْعُولَ ( هَدى ) لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ وأنَّ فَرِيقًا آخَرَ ما أرادَ هِدايَتَهم وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنْ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وأبْرَزَهُ في صُورَةِ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ أيْ أضَلَّ فَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ وفِيهِ مَعَ الِاخْتِصاصِ التَّوْكِيدُ كَما قَرَّرَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ لِتَنْقَطِعَ رِيبَةُ المُخالِفِ ولا يَقُولَ إنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى لا أثَرَ لَهُ في ضَلالَتِهِمُ. انْتَهى. وكَأنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلى رَدِّ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ تَوَلَّوْهم بِالطّاعَةِ فِيما أمَرُوهم بِهِ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى لا أثَرَ لَهُ في ضَلالِهِمْ وإنَّهم هُمُ الضّالُّونَ بِاخْتِيارِهِمْ وتَوْلِيَتِهِمُ الشَّياطِينَ دُونَ اللَّهِ تَعالى فَجُمْلَةُ ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا﴾ عَلى هَذا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ ( أنَّهم ) بِالفَتْحِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَأْكِيدًا لِضَلالِهِمْ وتَحْقِيقًا لَهُ وأنا والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ مَعَ القائِلِ: إنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى لا يُؤَثِّرُ في المَعْلُومِ وإنَّ مَن عَلَّلَ الجَبْرَ بِهِ مُبْطِلٌ كَيْفَ والمُتَكَلِّمُونَ عَنْ آخِرِهِمْ قائِلُونَ إنَّ العِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ عَلى ما هو عَلَيْهِ إنَّما الكَلامُ في أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى لا أثَرَ لَها عَلى زَعْمِ الضُّلّالِ أصْحابِ الزَّمَخْشَرِيِّ ونَحْنُ مانِعُونَ لِذَلِكَ أشَدَّ المَنعِ ولا مَنعَ مِنَ التَّعْلِيلِ بِالِاتِّخاذِ عِنْدَ الأشاعِرَةِ صفحة 109 لِثُبُوتِ الكَسْبِ والِاخْتِيارِ ويَكْفِي هَذِهِ المَدْخَلِيَّةُ في التَّعْلِيلِ والزَّمَخْشَرِيُّ قَدَّرَ الفِعْلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفَرِيقًا حَقَّ﴾ خَذَلَ ووافَقَهُ بَعْضُ النّاسِ وما فَعَلَهُ الطَّيِّبِيُّ هو المُخْتارُ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ لِظُهُورِ المُلاءَمَةِ فِيهِ وخُلُوِّهِ عَنْ شُبْهَةِ الِاعْتِزالِ. واخْتِيرَ تَقْدِيرُهُ مُؤَخَّرًا لِتَتَناسَقَ الجُمْلَتانِ وهُما عِنْدَ الكَثِيرِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿تَعُودُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ مُسْتَأْنَفَتانِ وجُوِّزَ نَصْبُ ﴿فَرِيقًا﴾ الأوَّلِ و( فَرِيقًا ) الثّانِي عَلى الحالِ والجُمْلَتانِ بَعْدَهُما صِفَتانِ لَهُما ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ( تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا ) .. إلَخْ. والمَنصُوبُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إمّا بَدَلٌ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِأعْنِي مُقَدَّرًا ولَمْ تَلْحَقْ تاءُ التَّأْنِيثِ لِحَقَّ لِلْفَصْلِ أوْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ عِنْدَ بَعْضٍ أيْ حَقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الضَّلالَةِ وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ضَلُّوا ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ (30) عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ أوِ التَّأْكِيدِ. ولَعَلَّ الكَلامَ مِن قَبِيلِ بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا والأوَّلُ لِكَوْنِهِ في مُقابَلَةِ مَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى شامِلٌ لِلْمُعانِدِ والمُخْطِئِ والثّانِي مُخْتَصٌّ بِالثّانِي وهو صادِقٌ عَلى المُقَصِّرِ في النَّظَرِ والباذِلِ غايَةَ الوُسْعِ فِيهِ واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ الذَّمِّ عَلى الأخِيرِ وخُلُودِهِ في النّارِ ومَذْهَبُ البَعْضِ أنَّهُ مَعْذُورٌ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَن لا عَقْلَ لَهُ أصْلًا ومَن لَهُ عَقْلٌ لَمْ يُدْرِكْ بِهِ الحَقَّ بَعْدَ أنْ لَمْ يَدَعْ في القَوْسِ مَنزَعًا في طَلَبِهِ فَحَيْثُ يُعْذَرُ الأوَّلُ لِعَدَمِ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ يُعْذَرُ الثّانِي لِذَلِكَ ولا يَرَوْنَ مُجَرَّدَ المالِكِيَّةِ وإطْلاقَ التَّصَرُّفِ حَجَّةً ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ والتِزامُ أنَّ كُلَّ كافِرٍ مُعانِدٍ بَعْدَ البَعْثَةِ وظُهُورُ أمْرِ الحَقِّ كَنارٍ عَلى عَلَمٍ وأنَّهُ لَيْسَ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها اليَوْمَ كافِرٌ مُسْتَدِلٌّ مِمّا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا مُسْلِمٌ مُعانِدٌ أوْ مُسْلِمٌ مُسْتَدِلٌّ بِما هو أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ وأنَّهُ لَأوْهَنُ البُيُوتِ وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ المُعانِدُ ومِنَ المَعْطُوفِ المُخْطِئُ والظّاهِرُ ما قُلْنا وجَعْلُ الجُمْلَةَ حالِيَّةً عَلى مَعْنى اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ في ذَلِكَ الِاتِّخاذِ لا يَخْفى ما فِيهِ

الأعراف 7:31

﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أيْ ثِيابَكم لِمُواراةِ عَوْراتِكم لِأنَّ المُسْتَفادَ مِنَ الأمْرِ الوُجُوبُ والواجِبَ إنَّما هو سَتْرُ العَوْرَةِ ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أيْ طَوافٍ أوْ صَلاةٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وأبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُما وسَبَبُ النُّزُولِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ أُناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً حَتّى أنْ كانَتِ المَرْأةُ لَتَطُوفُ بِالبَيْتِ وهي عُرْيانَةٌ فَتُعَلِّقُ عَلى سُفْلِها سُيُورًا مِثْلَ هَذِهِ السُّيُورِ الَّتِي تَكُونُ عَلى وجْهِ الحُمُرِ مِنَ الذُّبابِ وهي تَقُولُ. اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الزِّينَةَ عَلى لِباسِ التَّجَمُّلِ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِنهُ ونُسِبَ لِلْباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ لَبِسَ أجْوَدَ ثِيابِهِ فَقِيلَ لَهُ: يا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَ تَلْبَسُ أجْوَدَ ثِيابِكَ فَقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ فَأتَجَمَّلُ لِرَبِّي وهو يَقُولُ ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فَأُحِبُّ أنْ ألْبَسَ أجْمَلَ ثِيابِي ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ حِينَئِذٍ لا يُحْمَلُ عَلى الوُجُوبِ لِظُهُورِ أنَّ هَذا التَّزْيِينَ مَسْنُونٌ لا واجِبَ وقِيلَ إنَّ الآيَةَ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ تُشِيرُ إلى سُنِّيَّةِ التَّجَمُّلِ لِأنَّها لَمّا دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ أخْذِ الزِّينَةِ لِسَتْرِ العَوْرَةِ عِنْدَ ذَلِكَ فُهِمَ مِنهُ في الجُمْلَةِ حُسْنُ التَّزْيِينِ بِلُبْسِ ما فِيهِ حُسْنٌ وجَمالٌ عِنْدَهُ ونُسِبَ بَيْتُ الكَذِبِ إلى الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ أخْذَ الزِّينَةِ التَّمْشِيطُ كَأنَّهُ قِيلَ تَمَشَّطُوا عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ الزِّينَةِ ولَيْسَ المَقْصُودُ حَصْرَها فِيما ذُكِرَ ومِثْلُ صفحة 110 ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عُدَيٍّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خُذُوا زِينَةَ الصَّلاةِ قالُوا وما زِينَةُ الصَّلاةِ قالَ البَسُوا نِعالَكم فَصَلُّوا فِيها» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ .. إلَخْ. صَلُّوا في نِعالِكم وكُلُوا واشْرَبُوا مِمّا طابَ لَكم» قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا في أيّامِ حَجِّهِمْ فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ أحَقُّ بِذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ ومِنهُ يَظْهَرُ وجْهُ ذِكْرِ الأكْلِ والشُّرْبِ هُنا ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ كَما هو المُناسِبُ لِسَبَبِ النُّزُولِ أوْ بِالتَّعَدِّي إلى الحَرامِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوْ بِالإفْراطِ في الطَّعامِ والشَّرَهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إيّاكم والبِطْنَةَ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ فَإنَّها مَفْسَدَةٌ لِلْجَسَدِ مُورِثَةٌ لِلسَّقَمِ مَكْسَلَةٌ لِلصَّلاةِ وعَلَيْكم بِالقَصْدِ فِيهِما فَإنَّهُ أصْلَحُ لِلْجَسَدِ وأبْعَدُ مِنَ السَّرَفِ وإنَّ اللَّهَ تَعالى لَيَبْغَضُ الحَبْرَ السَّمِينَ وإنَّ الرَّجُلَ لَنْ يَهْلَكَ حَتّى يُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ عَلى دِينِهِ. وقِيلَ المُرادُ الإسْرافُ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ بِما هو أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ وعُدَّ مِنهُ أكْلُ الشَّخْصِ كُلَّما اشْتَهى وأكْلُهُ في اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ مِنَ الإسْرافِ أنْ تَأْكُلَ كُلَّ ما اشْتَهَيْتَ» وأخْرَجَ الثّانِي وضَعَّفَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ وقَدْ أكَلْتُ في اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ فَقالَ يا عائِشَةُ أما تُحِبِّينَ أنْ يَكُونَ لَكِ شُغْلٌ إلّا في جَوْفِكِ الأكْلُ في اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ مِنَ الإسْرافِ» وعِنْدِي أنَّ هَذا مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ مِنَ الإفْراطِ في الطَّعامِ وعُدُّ مِنهُ طَبْخُ الطَّعامِ بِماءِ الوَرْدِ وطَرْحُ نَحْوِ المِسْكِ فِيهِ مَثَلًا مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ سِوى الشَّهْوَةِ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الإسْرافَ المَنهِيَّ عَنْهُ يَعُمُّ ما كانَ في اللِّباسِ أيْضًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ كُلْ ما شِئْتَ والبَسْ ما شِئْتَ ما أخْطَأتْكَ خَصْلَتانِ سَرَفٌ ومَخِيلَةٌ» ورَواهُ البُخارِيُّ عَنْهُ تَعْلِيقًا وهو لا يُنافِي ما ذَكَرَهُ الثَّعالِبِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأُدَباءِ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَأْكُلَ ما يَشْتَهِي ويَلْبَسَ ما يَشْتَهِيهِ النّاسُ كَما قِيلَ: نَصَحْتُهُ نَصِيحَةً قالَتْ بِها الأكْياسُ كُلْ ما اشْتَهَيْتَ والبَسَنَّ ما تَشْتَهِيهِ النّاسُ فَإنَّهُ لِتَرْكِ ما لَمْ يُعْتَدَّ بَيْنَ النّاسِ وهَذا لِإباحَةِ كُلِّ ما اعْتادُوهُ وفي العَجائِبِ لِلْكَرْمانِيِّ قالَ طَبِيبٌ نَصْرانِيٌّ لِعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ لَيْسَ في كِتابِكم مِن عِلْمِ الطِّبِّ شَيْءٌ والعِلْمُ عِلْمانِ عِلْمُ الأبْدانِ وعِلْمُ الأدْيانِ فَقالَ لَهُ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى الطِّبَّ كُلَّهُ في نِصْفِ آيَةٍ مِن كِتابِهِ قالَ وما هي قالَ ( كُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا ) فَقالَ النَّصْرانِيُّ ولا يُؤْثَرُ مِن رَسُولِكم شَيْءٌ في الطِّبِّ فَقالَ: قَدْ جَمَعَ رَسُولُنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الطِّبَّ في ألْفاظٍ يَسِيرَةٍ فَقالَ وما هي قالَ قَوْلُهُ ﷺ «المَعِدَةُ بَيْتُ الدّاءِ والحِمْيَةُ رَأْسُ كُلِّ دَواءٍ» «وأعْطِ كُلَّ بَدَنٍ ما عَوَّدْتَهُ» فَقالَ ما تَرَكَ كِتابُكم ولا نَبِيُّكم لَجِالِينُوسَ طِبًّا. انْتَهى. وما نَسَبَهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو مِن كَلامِ الحَرْثِ بْنِ كَلْدَةَ طَبِيبِ العَرَبِ ولا يَصِحُّ رَفْعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ وفي الإحْياءِ مَرْفُوعًا البِطْنَةُ أصْلُ الدّاءِ والحِمْيَةُ أصْلُ الدَّواءِ وعَوْدٌ وأكْلٌ جَسُّ ما اعْتادَ وتَعَقَّبَهُ العِراقِيُّ قائِلًا لَمْ أجِدْ لَهُ أصْلًا. وفِي شُعَبِ الإيمانِ لِلْبَيْهَقِيِّ ولَقْطِ المَنافِعِ لِابْنِ الجَوْزِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أيْضًا «المَعِدَةُ حَوْضُ البَدَنِ صفحة 111 والعُرُوقُ إلَيْها وارِدَةٌ فَإذا صَحَّتِ المَعِدَةُ صارَتِ العُرُوقُ بِالصِّحَّةِ وإذا فَسَدَتِ المَعِدَةُ صارَتِ العُرُوقُ بِالسَّقَمِ» . وتَعَقَّبَهُ الدّارَقُطْنِيُّ قائِلًا: نَعْرِفُ هَذا مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما هو مِن كَلامِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أبْحُرَ. وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ مُحَمَّدٌ لِخَلّالٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها وهي تَشْتَكِي فَقالَ لَها: يا عائِشَةُ الأزْمُ دَواءٌ والمَعِدَةُ بَيْتُ الأدْواءِ وعَوِّدُوا البَدَنَ ما اعْتادَ» ولَمْ أرَ مَن تَعَقَّبَهُ نَعَمْ رَأيْتُ في النِّهايَةِ لِابْنِ الأثِيرِ سَألَ عَمْرٌو الحَرْثَ بْنَ كِلْدَةَ ما الدَّواءُ قالَ: الأزْمُ يَعْنِي الحِمْيَةَ وإمْساكُ الأسْنانِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ نَعَمِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُتَضافِرَةٌ في ذَمِّ الشِّبَعِ وكَثْرَةِ الأكْلِ وفي ذَلِكَ إرْشادٌ لِلْأُمَّةِ إلى كُلِّ الحِكْمَةِ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ (31) بَلْ يَبْغَضُهم ولا يَرْضى أفْعالَهم والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَما قِيلَ أُصُولَ الأحْكامِ الأمْرَ والإباحَةَ والنَّهْيَ والخَبَرَ. ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ مِنَ الثِّيابِ وكُلِّ ما يُتَجَمَّلُ بِهِ ﴿الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ أيْ خَلَقَها لِنَفْعِهِمْ مِنَ النَّباتِ كالقُطْنِ والكَتّانِ والحَيَوانِ كالحَرِيرِ والصُّوفِ والمَعادِنِ كالخَواتِمِ والدُّرُوعِ ﴿والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ أيِ المُسْتَلَذّاتِ وقِيلَ: المُحَلَّلاتُ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ كَلَحْمِ الشّاةِ وشَحْمِها ولَبَنِها واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَطاعِمِ والمَلابِسِ وأنْواعِ التَّجَمُّلاتِ الإباحَةُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ في ( مَن ) لِإنْكارِ تَحْرِيمِها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ الفُرْسِ أنَّهُ قالَ: اسْتَدَلَّ بِها مَن أجازَ لُبْسَ الحَرِيرِ والخَزِّ لِلرِّجالِ ورُوِيَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَشْتَرِي كِساءَ الخَزِّ بِخَمْسِينَ دِينارًا فَإذا أصافَ تَصَدَّقَ بِهِ لا يَرى بِذَلِكَ بَأْسًا ويَقُولُ

الأعراف 7:32

﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ . ورُوِيَ أنَّ الحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أُصِيبَ وعَلَيْهِ جُبَّةٌ خَزٌّ وأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَمّا بَعَثَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إلى الخَوارِجِ لَبِسَ أفْضَلَ ثِيابِهِ وتَطَيَّبَ بِأطْيَبِ طِيبِهِ ورَكِبَ أحْسَنَ مَراكِبِهِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَوافَقَهم فَقالُوا: يا ابْنَ عَبّاسٍ بَيْنا أنْتَ خَيْرُ النّاسِ إذْ أتَيْتَنا في لِباسِ الجَبابِرَةِ ومَراكِبِهِمْ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ لَكِنْ رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: لَمْ يَأْمُرْكم سُبْحانَهُ بِالحَرِيرِ ولا الدِّيباجِ ولَكِنَّهُ كانَ إذا طافَ أحَدُهم وعَلَيْهِ ثِيابُهُ ضُرِبَ وانْتُزِعَتْ مِنهُ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ والحَقُّ أنَّ كُلَّ ما لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى حُرْمَتِهِ داخِلٌ في هَذِهِ الزِّينَةِ لا تَوَقُّفَ في اسْتِعْمالِهِ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَحْوَ مَخِيلَةٍ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ خَرَجَ وعَلَيْهِ رِداءٌ قِيمَتُهُ ألْفُ دِرْهَمٍ وكانَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَرْتَدِي بِرِداءٍ قِيمَتُهُ أرْبَعُمِائَةِ دِينارٍ وكانَ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِذَلِكَ وكانَ مُحَمَّدٌ يَلْبَسُ الثِّيابَ النَّفِيسَةَ ويَقُولُ: إنَّ لِي نِساءً وجِوارِيَ فَأُزَيِّنُ نَفْسِي كَيْ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِي وقَدْ نَصَّ الفُقَهاءُ عَلى أنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّجَمُّلُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أنْعَمَ عَلى عَبْدٍ أحَبَّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ» وقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: ألَيْسَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَلْبَسُ قَمِيصًا عَلَيْهِ كَذا رُقْعَةٍ فَقالَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ هي أنَّهُ كانَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ وعُمّالُهُ يَقْتَدُونَ بِهِ ورُبَّما لا يَكُونُ لَهم مالٌ فَيَأْخُذُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ نَعَمْ كَرِهَ بَعْضُ الأئِمَّةِ لُبْسَ المُعَصْفَرِ والمُزَعْفَرِ وكَرِهُوا أيْضًا أشْياءَ أُخَرَ تُطْلَبُ مِن مِحالِّها. ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ هي لَهم بِالأصالَةِ لِمَزِيدِ كَرامَتِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى والكَفَرَةُ صفحة 112 وإنْ شارَكُوهم فِيها فَبِالتَّبَعِ فَلا إشْكالَ في الِاخْتِصاصِ المُسْتَفادِ مِنَ اللّامِ ﴿خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهم وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المَعْنى هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا غَيْرَ خالِصَةٍ مِنَ الهُمُومِ والأحْزانِ والمَشَقَّةِ وهي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ مِن ذَلِكَ وانْتِصابُ ( خالِصَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ والعامِلَ فِيهِ مُتَعَلِّقُهُ وقَرَأ نافِعٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ هو الخَبَرُ و﴿لِلَّذِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ لِتَأْكِيدِ الخُلُوصِ والِاخْتِصاصِ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلُ تَفْصِيلِنا هَذا الحُكْمَ نُفَصِّلُ سائِرَ الأحْكامِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (32) ما في تَضاعِيفِها مِنَ المَعانِي الرّائِقَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ ونَظائِرُهُ مِمّا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ.

الأعراف 7:33

﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾ أيْ ما تَزايَدَ قُبْحُهُ مِنَ المَعاصِي وقِيلَ: ما يَتَعَلَّقُ بِالفُرُوجِ ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿الفَواحِشَ﴾ أيْ جَهْرُها وسِرُّها وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما ظَهَرَ الزِّنا عَلانِيَةً وما بَطَنَ الزِّنا سِرًّا وقَدْ كانُوا يَكْرَهُونَ الأوَّلَ ويَفْعَلُونَ الثّانِيَ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا. وعَنْ مُجاهِدٍ ما ظَهَرَ التَّعَرِّي في الطَّوافِ وما بَطَنَ الزِّنا وقِيلَ: الأوَّلُ طَوافُ الرِّجالِ بِالنِّساءِ والثّانِي طَوافُ النِّساءِ بِاللَّيْلِ عارِياتٍ ﴿والإثْمَ﴾ أيْ ما يُوجِبُ الإثْمَ وأصْلُهُ الذَّمُّ فَأُطْلِقَ عَلى ما يُوجِبُهُ مِن مُطْلَقِ الذَّنْبِ وذُكِرَ لِلتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِن مَعْنى الفَواحِشِ وقِيلَ: إنَّ الإثْمَ هو الخَمْرُ كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وذَكَرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ كالأصْمَعِيِّ وغَيْرِهِ وأنْشَدُوا لَهُ قَوْلَ الشّاعِرِ. نَهانا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَقْرَبَ الزِّنا وأنْ نَشْرَبَ الإثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرا وقَوْلَ الآخَرِ. شَرِبْتُ الأثَمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي ∗∗∗ كَذاكَ الإثْمِ يَذْهَبُ بِالعُقُولِ وزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ العَرَبَ لا تُسَمِّ الخَمْرَ إثْمًا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ وأنَّ الشِّعْرَ مَوْضُوعٌ والمَشْهُورَ أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ لِأنَّ الخَمْرَ سَبَبُ الإثْمِ وقالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذا التَّفْسِيرَ غَيْرُ صَحِيحٍ هُنا لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ تُحَرَّمُ الخَمْرُ إلّا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ وأيْضًا يَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى دَعْوى أنَّ الحَصْرَ إضافِيٌّ فَتَدَبَّرْ. ﴿والبَغْيَ﴾ الظُّلْمَ والِاسْتِطالَةَ عَلى النّاسِ وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بِناءً عَلى التَّعْمِيمِ فِيما قَبْلَهُ أوْ دُخُولِهِ في الفَواحِشِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْهُ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالبَغْيِ لِأنَّ البَغْيَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً وقِيلَ: جِيءَ بِهِ لِيَخْرُجَ البَغْيُ عَلى الغَيْرِ في مُقابَلَةِ بَغْيِهِ فَإنَّهُ يُسَمّى بَغْيًا في الجُمْلَةِ لَكِنَّهُ بِحَقٍّ وهو كَما تَرى ﴿وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ أيْ حُجَّةً وبُرْهانًا والمَعْنى عَلى نَفْيِ الإنْزالِ والسُّلْطانِ مَعًا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَقَوْلِهِ: لا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ وفِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ بِالمُشْرِكِينَ ما لا يَخْفى ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (33) بِالإلْحادِ في صِفاتِهِ والِافْتِراءِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ ولا يَخْفى ما في تَوْجِيهِ التَّحْرِيمِ إلى قَوْلِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ما يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ دُونَ ما يَعْلَمُونَ عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنَ السِّرِّ الجَلِيلِ

الأعراف 7:34

﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿أجَلٌ﴾ أيْ وقْتٌ مُعَيَّنٌ مَضْرُوبٌ لِاسْتِئْصالِهِمْ كَما قالَ الحَسَنُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ وهَذا كَما قِيلَ وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِالعَذابِ النّازِلِ في أجَلٍ صفحة 113 مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ قَبْلَهم ورُجُوعٌ إلى الحَثِّ عَلى الِاتِّباعِ بَعْدَ الِاسْتِطْرادِ الَّذِي قالَهُ البَعْضُ. وقَدْ رُوعِيَ نُكْتَةٌ في تَعْقِيبِهِ تَحْرِيمَ الفَواحِشِ حَيْثُ ناسَبَهُ أيْضًا وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأجَلَ هُنا بِالمُدَّةِ المُعَيَّنَةِ الَّتِي أُمْهِلُوها لِنُزُولِ العَذابِ وفَسَّرَهُ آخَرُونَ بِوَقْتِ المَوْتِ وقالُوا: التَّقْدِيرُ ولِكُلِّ أحَدٍ مِن أُمَّةٍ وعَلى الأوَّلِ لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ الضَّمِيرُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إمّا لِلْأُمَمِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ أُمَّةٍ وإمّا لِكُلِّ أُمَّةٍ وعَلى الأوَّلِ فَإظْهارُ الأجَلِ مُضافًا إلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ لِإفادَةِ المَعْنى المَقْصُودِ الَّذِي هو بُلُوغُ كُلِّ أُمَّةٍ أجَلَها الخاصَّ بِها ومَجِيئُهُ إيّاها بِواسِطَةِ اكْتِسابِ الأجَلِ بِالإضافَةِ عُمُومًا يُفِيدُهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا جاءَ آجالُهم بِأنْ يَجِيءَ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ أجَلُها الخاصُّ بِها وعَلى الثّانِي وهو الظّاهِرُ فالإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإضافَةُ لِإفادَةِ أكْمَلِ التَّمْيِيزِ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ( آجالُهم ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ واسْتَظْهَرَها ابْنُ جِنِّيٍّ وجَعَلَ الإفْرادَ لِقَصْدِ الجِنْسِيَّةِ والجِنْسُ مِن قَبِيلِ المَصْدَرِ وحُسْنُهُ الإضافَةُ إلى الجَماعَةِ والفاءُ قِيلَ: فَصِيحَةٌ وسَقَطَتْ في آيَةِ يُونُسَ لِما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هُناكَ والمُرادُ مِن مَجِيءِ قُرْبِهِ أوْ تَمامِهِ أيْ إذا حانَ وقَرُبَ أوِ انْقَطَعَ وتَمَّ ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْهُ ﴿ساعَةً﴾ قِطْعَةً مِنَ الزَّمانِ في غايَةِ القِلَّةِ ولَيْسَ المُرادُ بِها السّاعَةُ في مُصْطَلَحِ المُنَجِّمِينَ المُنْقَسِمَةُ إلى ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ وتُسَمّى فَلَكِيَّةً هي زَمانُ مِقْدارِ خَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً أبَدًا ومُعْوَجَّةٍ وتُسَمّى زَمانِيَّةً هي زَمانُ مِقْدارِ نِصْفِ سُدْسِ النَّهارِ أوِ اللَّيْلِ أبَدًا ويَسْتَعْمِلُ الأُولى أهْلُ الحِسابِ غالِبًا والثّانِيَةَ الفُقَهاءُ وأهْلُ الطَّلاسِمِ ونَحْوُهم وجُمْلَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ عِنْدَهم أرْبَعٌ وعِشْرُونَ ساعَةً أبَدًا سَواءً كانَتِ السّاعَةُ مُسْتَوِيَةً أوْ مُعْوَجَّةً إلّا أنَّ كُلًّا مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لا يَزِيدُ عَلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً مُعْوَجَّةً أبَدًا ولِهَذا تَطُولُ وتَقْصُرُ وقَدْ تُساوِي السّاعَةَ المُسْتَوِيَةَ وذَلِكَ عِنْدَ اسْتِواءِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والمُرادُ لا يَتَأخَّرُونَ أصْلًا وصِيغَةُ الِاسْتِغْفارِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ وحِرْمانِهِمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (34) أيْ ولا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ كَما أعْرَبَهُ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِقْدامُ عِنْدَ مَجِيئِهِ فَلا فائِدَةَ في نَفْيِهِ بَلْ هو مِن بابِ الإخْبارِ بِالضَّرُورِيِّ كَقَوْلِكَ: إذا قُمْتَ فِيما يَأْتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُكَ فِيما مَضى وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ لا الجَزائِيَّةِ فَلا يَتَقَيَّدُ بِالشَّرْطِ فَمَعْنى الآيَةِ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ لا يَسْتَقْدِمُونَ عَلَيْهِ وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا العَلّامَةُ السّالَكُوتِيُّ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ فائِدَةَ تَقْيِيدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ فَقَطْ بِالشَّرْطِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ وإنْ صَحَّ بَلِ المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ السَّلِيمِ ما تَقَدَّمَ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأجَلَ كَما يَمْتَنِعُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ بِأقْصَرِ مُدَّةٍ هي السّاعَةُ كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ التَّأخُّرُ عَنْهُ وإنْ كانَ مُمْكِنًا عَقْلا فَإنَّ خِلافَ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وعَلِمَهُ مُحالٌ والجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فِيما ذُكِرَ كالجَمْعِ بَيْنَ مَن سَوَّفَ التَّوْبَةَ إلى حُضُورِ المَوْتِ ومَن ماتَ عَلى الكُفْرِ في نَفْيِ التَّوْبَةِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ الآيَةَ ولَعَلَّ هَذا مُرادُ مَن قالَ إنَّهُ عُطِفَ عَلى الجَزاءِ بِناءً عَلى أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ( لا يَسْتَأْخِرُونَ. ولا يَسْتَقْدِمُونَ ) لا يَسْتَطِيعُونَ تَغْيِيرَهُ عَلى نَمَطِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلا في كِتابٍ﴾ وقَوْلِهِمْ: كَلَّمْتُهُ فَما رَدَّ عَلى سَوْداءَ ولا بَيْضاءَ فَلا يَرُدُّ ما قِيلَ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ بِذِكْرِ الجَزاءِ بِدُونِ ذِكْرِ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ والحَقُّ العَطْفُ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ وفي شَرْحِ المِفْتاحِ القَيْدُ إذا جُعِلَ جُزْأً صفحة 114 مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَمْ يُشارِكْهُ المَعْطُوفُ فِيهِ ومَثَّلَ بِالآيَةِ وعَلَيْهِ لا مَحْذُورَ في العَطْفِ عَلى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ لِعَدَمِ المُشارَكَةِ في القَيْدِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهم ذَكَرُوا في هَذا البابِ أنَّهُ إذا عُطِفَ شَيْءٌ عَلى شَيْءٍ وسَبَقَهُ قَيْدٌ يُشارِكُ المَعْطُوفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ القَيْدِ لا مَحالَةَ وأمّا إذا عُطِفَ عَلى ما لَحِقَهُ قَيْدٌ فالشَّرِكَةُ مُحْتَمَلَةٌ فالعَطْفُ عَلى المُقَيَّدِ لَهُ اعْتِبارانِ الأوَّلُ أنْ يَكُونَ القَيْدُ سابِقًا في الِاعْتِبارِ والعَطْفُ لاحِقًا فِيهِ والثّانِي أنْ يَكُونَ العَطْفُ سابِقًا والقَيْدُ لاحِقًا فَعَلى الأوَّلِ يَلْزَمُ اشْتِراكُ المَعْطُوفَيْنِ في القَيْدِ المَذْكُورِ إذِ القَيْدُ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وعَلى الثّانِي يَجِبُ الِاشْتِراكُ إذْ هو حُكْمٌ مِن أحْكامِ الأوَّلِ يَجِبُ فِيهِ الِاشْتِراكُ وبَعْضُهم بَنى العَطْفَ هُنا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَجِيءِ الدُّنُوُّ بِحَيْثُ يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ في الجُمْلَةِ كَمَجِيءِ اليَوْمِ الَّذِي ضُرِبَ لِهَلاكِهِمْ ساعَةً مِنهُ ولَيْسَ بِذاكَ وتَقْدِيمُ بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ كَما قِيلَ لِما أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ بَيانُ عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنَ العَذابِ وأمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ مِن سَبْقِ السَّبْقِ في الذِّكْرِ فَلِما أنَّ المُرادَ هُنا بَيانُ سِرِّ تَأْخِيرِ إهْلاكِهِمْ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فالأهَمُّ هُناكَ بَيانُ انْتِفاءِ السَّبْقِ.

الأعراف 7:35

﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ خِطابٌ لِكافَّةِ النّاسِ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ ما في حَيِّزِهِ وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي يَسارٍ السُّلَمِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى جَعَلَ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ في كَفِّهِ فَقالَ: ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ حَتّى بَلَغَ ( فاتَّقُونِ ) ثُمَّ بَثَّهم والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ هَذا حِكايَةٌ لِما وقَعَ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ وقِيلَ: المُرادُ بِبَنِي آدَمَ أُمَّةُ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ويُبْعِدُهُ جَمْعُ الرُّسُلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ أيْ مِن جِنْسِكم والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُسُلٍ و﴿إمّا﴾ هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ ضُمَّتْ إلَيْها ما لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ فَهي مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ وقِيلَ: إنَّها تُفِيدُ العُمُومَ أيْضًا فَمَعْنى إمّا تَفْعَلَنَّ مَثَلًا إنِ اتَّفَقَ مِنكَ فِعْلٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ولَزِمَتِ الفِعْلَ بَعْدَ هَذا الضَّمِّ نُونُ التَّأْكِيدِ فَلا تُحْذَفُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ ومَن تَبِعَهُما إلّا ضَرُورَةً ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ. فَإمّا تَرَيَنِّي ولِي لُمَّةٌ فَإنَّ الحَوادِثَ أوُدِي بِها ورُدَّ بِأنَّ كَثْرَةَ سَماعِ الحَذْفِ تُبْعِدُ القَوْلَ بِالضَّرُورَةِ ووَجْهُ هَذا اللُّزُومِ عِنْدَ بَعْضٍ حَذارَ انْحِطاطِ رُتْبَةِ فِعْلِ الشَّرْطِ عَنْ حَرْفِهِ وقِيلَ: إنَّ نُونَ التَّوْكِيدِ لا تَدْخُلُ الفِعْلَ المُسْتَقْبَلَ المَحْضَ إلّا بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ عَلى أوَّلِ الفِعْلِ ما يَدُلُّ عَلى التَّأْكِيدِ كَلامِ القَسَمِ أوْ ما المَزِيدَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِدُخُولِ التَّأْكِيدِ وعَلَيْهِ فَأمْرُ الِاسْتِتْباعِ بِعَكْسِ ما تَقَدَّمَ وفي الإتْيانِ بِإنْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ أمْرٌ جائِزٌ لا واجِبٌ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ بِزَعْمِهِمْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الأصْلَحِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ صِفَةٌ لِرُسُلٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ أيْ يَعْرِضُونَ عَلَيْكم أحْكامِيَ وشَرائِعِيَ ويُخْبِرُونَكم بِها ويُبَيِّنُونَها لَكم وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ (35) جَوابُ الشَّرْطِ و( مَن ) إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ ومِنكم مُقَدَّرٌ في نَظْمِ الكَلامِ لِيَرْتَبِطَ الجَوابُ بِالشَّرْطِ والمُرادُ فَمَنِ اتَّقى مِنكُمُ التَّكْذِيبَ وأصْلَحَ عَمَلَهُ صفحة 115 ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ .. إلَخْ. وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ وجَمْعُهُ لِمُراعاةِ لَفْظِ مَن ومَعْناهُ

الأعراف 7:36

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ مِنكم ﴿بِآياتِنا﴾ الَّتِي تَقُصُّ ﴿واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ ولَمْ يَقْبَلُوها ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ (36) لِتَكْذِيبِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وإيرادُ الِاتِّقاءِ فِيها لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الفَلاحِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَدَمِ التَّكْذِيبِ بَلْ هو الِاتِّقاءُ والِاجْتِنابُ عَنْهُ وإدْخالُ الفاءِ في الوَعْدِ دُونَ الوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في الأوَّلِ والمُسامَحَةِ في الثّانِي

الأعراف 7:37

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ تَعَمَّدَ الكَذِبَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ونَسَبَ إلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْ ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أوْ كَذَّبَ ما قالَهُ جَلَّ شَأْنُهُ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِتَمادِيهِمْ في سُوءِ الحالِ أيْ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الِافْتِراءِ والتَّكْذِيبِ ﴿يَنالُهُمْ﴾ أيْ يُصِيبُهم ﴿نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ مِمّا كُتِبَ لَهم وقُدِّرَ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ مَعَ ظُلْمِهِمْ وافْتِرائِهِمْ لا يُحْرَمُونَ ما قُدِّرَ لَهم مِن ذَلِكَ إلى انْقِضاءِ أجَلِهِمْ فالكِتابُ بِمَعْنى المَكْتُوبِ وتَخْصِيصُهُ بِما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةِ المُفَسِّرِينَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ ما قُدِّرَ لَهم مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ومِثْلُهُ عَنْ مُجاهِدٍ. وعَنْ أبِي صالِحٍ ما قُدِّرَ مِنَ العَذابِ وعَنِ الحَسَنِ مِثْلُهُ وبَعْضُهم فَسَّرَ الكِتابَ بِالمَكْتُوبِ فِيهِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ وجُوِّزَ فِيها التَّبْيِينُ والتَّبْعِيضُ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( نَصِيبُهم ) أيْ كائِنًا مِنَ الكِتابِ ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ أيْ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مُتَوَفِّينَ لِأرْواحِهِمْ وحَتّى غايَةُ نَيْلِهِمْ وهي حَرْفُ ابْتِداءٍ غَيْرُ جارَّةٍ بَلْ داخِلَةٌ عَلى الجُمَلِ كَما في قَوْلِهِ: وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ وقِيلَ: إنَّها جارَّةٌ وقِيلَ: لا دَلالَةَ لَها عَلى الغايَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ المَلائِكَةُ يَحْشُرُونَهم إلى النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وكانَ الَّذِي دَعاهُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ أيِ الرُّسُلُ لَهم ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَها في الدُّنْيا وتَسْتَعِينُونَ بِها في المُهِمّاتِ ﴿قالُوا ضَلُّوا﴾ أيْ غابُوا ﴿عَنّا﴾ لا نَدْرِي أيْنَ مَكانَهم فَإنَّ هَذا السُّؤالَ والجَوابَ وكَذا ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما مِمّا سَيَأْتِي إنَّما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ لا مَحالَةَ ولَعَلَّهُ عَلى الظّاهِرِ أُرِيدَ بِوَقْتِ مَجِيءِ الرُّسُلِ وحالُ التَّوَفِّي الزَّمانُ المُمْتَدُّ مِنَ ابْتِداءِ المَجِيءِ والتَّوَفِّي إلى نِهايَةِ يَوْمِ الجَزاءِ بِناءً عَلى تَحَقُّقِ المَجِيءِ والتَّوَفِّي في ذَلِكَ الزَّمانِ بَقاءٌ وإنْ كانَ حُدُوثُهُما في أوَّلِهِ فَقَطْ أوْ قُصِدَ بَيانُ غايَةِ سُرْعَةِ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ كَأنَّهُما حاصِلانِ عِنْدَ ابْتِداءِ التَّوَفِّي وما وُصِلَتْ بِأيْنَ في المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وحَقُّها الفَصْلُ لِأنَّها مَوْصُولَةٌ ولَوْ كانَتْ صِلَةً لاتَّصَلَتْ. ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيِ اعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ولَيْسَ في النَّظْمِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اعْتِرافَهم كانَ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ فالشَّهادَةُ مَجازٌ عَنِ الِاعْتِرافِ ﴿أنَّهم كانُوا﴾ في الدُّنْيا ﴿كافِرِينَ﴾ (37) عابِدِينَ لِما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ أصْلًا حَيْثُ اتَّضَحَ لَهم حالُهُ والجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِاعْتِرافِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى قالُوا وعَطْفُها عَلى المَقُولِ لا يَخْفى ما فِيهِ والِاسْتِفْهامُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ بَلْ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ وعَلَيْهِ فَلا جَوابَ وما ذُكِرَ إنَّما هو لِلتَّحَسُّرِ والِاعْتِرافِ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الخَيْبَةِ والخُسْرانِ صفحة 116 ولا تَعارُضَ بَيْنَ ما في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ لِأنَّ الطَّوائِفَ مُخْتَلِفَةٌ أوِ المَواقِفَ عَدِيدَةٌ أوِ الأحْوالَ شَتّى

الأعراف 7:38

﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِأُولَئِكَ الكاذِبِينَ المُكَذِّبِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالذّاتِ أوْ بِواسِطَةِ المَلَكِ: ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ﴾ أيْ مَعَ أُمَمٍ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُصاحِبِينَ لِأُمَمٍ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِكم مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَعْنِي كَفارَّ الأُمَمِ مِنَ النَّوْعَيْنِ وقُدِّمَ الجِنُّ لِمَزِيدِ شَرِّهِمْ ﴿فِي النّارِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِادْخُلُوا وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿فِي أُمَمٍ﴾ بِهِ ويُحْمَلَ ﴿فِي النّارِ﴾ عَلى البَدَلِيَّةِ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ﴿أُمَمٍ﴾ وجَوَّزَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا عَلى جَعْلِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم في جُمْلَةِ أُولَئِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ مُطْلَقًا أيْ أنَّهُ تَعالى جَعَلَهم كَذَلِكَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ مَنِ الأُمَمِ تابِعَةً أوْ مَتْبُوعَةً في النّارِ ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ أيْ دَعَتْ عَلى نَظِيرِها في الدِّينِ فَتَلْعَنُ التّابِعَةُ المَتْبُوعَةَ الَّتِي أضَلَّتْها وتَلْعَنُ المَتْبُوعَةُ التّابِعَةَ الَّتِي زادَتْ في ضَلالِها وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ يَلْعَنُ الأتْباعُ القادَةَ يَقُولُونَ أنْتُمْ أوَرَدْتُمُونا هَذِهِ المَوارِدَ فَلَعَنَكُمُ اللَّهُ تَعالى. ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ غايَةٌ لِما قَبْلَهُ أيْ يَدْخُلُونَ فَوْجًا فَوْجًا لاعِنًا بَعْضُهم بَعْضًا إلى انْتِهاءِ تَلاحُقِهِمْ بِاجْتِماعِهِمْ في النّارِ وأصْلُ ادّارَكُوا تَدارَكُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ بَعْدَ قَلْبِها دالًا وتَسْكِينِها ثُمَّ اجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ. وعَنِ ابْنِ عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ ( أدارَكُوا ) بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ وهو كَما قِيلَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ وقْفٌ مِثْلَ وقْفَةِ المُسْتَذْكِرِ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقَطَعَ وإلّا فَلا مَساغَ لِذَلِكَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ وقَرَأ ( إذا ادَّرَكُوا ) بِألِفٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ ودالٍ بَعْدَها مُشَدَّدَةٍ وفِيهِ جَمْعُ ساكِنَيْنِ وجازَ لَمّا كانَ الثّانِي مُدْغَمًا ولا فَرْقَ بَيْنَ المُتَّصِلِ والمُنْفَصِلِ ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ﴾ مَنزِلَةً وهُمُ الأتْباعُ والسَّفَلَةُ ﴿لأُولاهُمْ﴾ مَنزِلَةً وهُمُ القادَةُ والرُّؤَساءُ أوْ قالَتْ أُخْراهم دُخُولًا لِأُولاهم كَذَلِكَ وتَقَدُّمُ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ في الدُّخُولِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُقاتِلٍ واللّامُ في ( لِأُولاهم ) لِلتَّعْلِيلِ لا لِلتَّبْلِيغِ كَما في قَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ أفْعَلُ كَذا لِأنَّ خِطابَهم مَعَ اللَّهِ تَعالى لا مَعَهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ أيْ دَعَوْنا إلى الضَّلالِ وأمَرُونا بِهِ حَيْثُ سَنُّوهُ فاقْتَدَيْنا بِهِمْ ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿مِنَ النّارِ﴾ والضِّعْفِ عَلى ما قالَهُ أبُو عَبِيدٍ ونَصَّ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ في الوَصايا مِثْلُ الشَّيْءِ مَرَّةً واحِدَةً وعَنِ الأزْهَرِيِّ أنَّ هَذا مَعْنًى عُرْفِيٌّ والضِّعْفُ في كَلامِ العَرَبِ وإلَيْهِ يُرَدُّ كَلامُ اللَّهِ تَعالى المِثْلُ إلى ما زادَ ولا يَقْتَصِرُ عَلى مِثْلَيْنِ بَلْ هو غَيْرُ المَحْصُورِ واخْتارَهُ هُنا غَيْرُ واحِدٍ. وقالَ الرّاغِبُ: الضَّعْفُ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالكَسْرِ اسْمٌ كالثَّنْيِ والثِّنْيِ هو الَّذِي يَثْنِيهِ ومَتى أُضِيفَ إلى عَدَدٍ اقْتَضى ذَلِكَ العَدَدُ مِثْلَهُ نَحْوَ أنْ يُقالَ ضِعْفُ عَشْرَةٍ وضِعْفُ مِائَةٍ فَذَلِكَ عِشْرُونَ ومِائَتانِ بِلا خِلافٍ وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ. جِزْيَتُكَ ضِعْفَ الوِدِّ لِما اشْتَكَيْتَهُ وما أنْ جَزاكَ الضِّعْفَ مِن أحَدٍ قَبَلِي وإذا قِيلَ: أعْطِهِ ضِعْفَيْ واحِدٍ اقْتَضى ذَلِكَ الواحِدَ ومِثْلَيْهِ وذَلِكَ لِأنَّ مَعْناهُ الواحِدُ واللَّذانِ يُزاوِجانِهِ هَذا إذا كانَ الضِّعْفُ مُضافًا فَإذا لَمْ يَكُنْ مُضافًا فَقُلْتَ: الضِّعْفَيْنِ فَقَدْ قِيلَ: يَجْرِي مَجْرى الزَّوْجَيْنِ في أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُزاوِجُ الآخَرَ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ اثْنَيْنِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُضاعِفُ الآخَرَ فَلا يَخْرُجانِ مِنهُما. اهـ. صفحة 117 ونُصِبَ ﴿ضِعْفًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِعَذابٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ و﴿مِنَ النّارِ﴾ صِفَةُ العَذابِ أوِ الضِّعْفِ ﴿قالَ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿لِكُلٍّ﴾ مِنكم ومِنهم عَذابٌ ﴿ضِعْفٌ﴾ مِنَ النّارِ أمّا القادَةُ فَلِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ وذَلِكَ سَبَبُ الدُّعاءِ السّابِقِ وأمّا الأتْباعُ فَلِذَلِكَ أيْضًا عِنْدَ بَعْضٍ وكَوْنُهم ضالِّينَ ظاهِرٌ وأمّا كَوْنُهم مُضِلِّينَ فَلِأنَّ اتِّخاذَهم إيّاهم رُؤَساءَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِمْ يَزِيدُ في طُغْيانِهِمْ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ واعْتُرِضَ بِعَدَمِ اطِّرادِهِ فَإنَّ اتِّباعَ كَثِيرٍ مِنَ الأتْباعِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْقادَةِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِهِمْ وقِيلَ: الأحْسَنُ أنْ يُقالُ: إنَّ ضِعْفَ الأتْباعِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ الواضِحِ وتَوَلِّي الرُّؤَساءِ لِيَنالُوا عَرَضَ الدُّنْيا اتِّباعًا لِلْهَوى ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ ما فِيهِ والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ في الأتْباعِ لِكُفْرِهِمْ وتَقْلِيدِهِمْ ولا شَكَّ أنَّ التَّقْلِيدَ في الهُدى ضَلالٌ يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ العَذابَ ونَقَلَ الرّاغِبُ عَنْ بَعْضِهِمْ في الآيَةِ أنَّ المَعْنى لِكُلٍّ مِنكم ومِنهم ضِعْفُ ما يَرى الآخَرُ فَإنَّ مِنَ العَذابِ ظاهِرًا وباطِنًا وكُلٌّ يُدْرِكُ مِنَ الآخَرِ الظّاهِرَ دُونَ الباطِنِ فَيُقَدِّرُ أنْ لَيْسَ لَهُ العَذابُ الباطِنُ واخْتارَ أنَّ المَعْنى لَكِنَّ مِنهم ضِعْفَ ما لَكم مِنَ العَذابِ والظّاهِرُ ما عَوَّلْنا عَلَيْهِ. ﴿ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (38) ما لَكم أوْ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ فَلِذا تَكَلَّمْتُمْ بِما يُشْعِرُ بِاعْتِقادِكُمُ اسْتِحْقاقَ الرُّؤَساءِ الضِّعْفَ دُونَكم فالخِطابُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِلْأتْباعِ كَما هو الظّاهِرُ. وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الأوَّلِ لِلْأتْباعِ وعَلى الثّانِي لِلْفَرِيقَيْنِ بِتَغْلِيبِ المُخاطَبِينَ الَّذِينَ هُمُ الأتْباعُ عَلى الغَيْبِ الَّذِينَ هُمُ القادَةُ وقَرَأ عاصِمٌ ( لا يَعْلَمُونَ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى انْفِصالِ هَذا الكَلامِ عَمّا قَبْلَهُ بِأنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إدْراجُهُ في الجَوابِ ومَنِ ادَّعى أنَّ الخِطابَ لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ قالَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى انْفِصالِ القادَةِ مِنَ الأتْباعِ إذْ عَلَيْها لا يُمْكِنُ القَوْلُ بِالتَّغْلِيبِ إذْ لا يُغَلَّبُ الغائِبُ عَلى المُخاطَبِ.

الأعراف 7:39

﴿وقالَتْ أُولاهم لأُخْراهُمْ﴾ حِينَ سَمِعُوا جَوابَ اللَّهِ تَعالى لَهم واللّامُ هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْلِيغِ لِأنَّ خِطابَهم لَهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ أيْ إنّا وإيّاكم مُتَساوُونَ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ وسَبَبِهِ وهَذا مُرَتَّبٌ عَلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهِ التَّسَبُّبِ لِأنَّ إخْبارَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ سَبَبٌ لِعِلْمِهِمْ بِالمُساواةِ فالفاءُ جَوابِيَّةٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا وقِيلَ: إنَّها عاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ دَعَوْتُمُ اللَّهَ تَعالى فَسَوّى بَيْنِنا وبَيْنَكم ﴿فَما كانَ﴾ .. إلَخْ. ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وأيًّا ما كانَ فَقَدْ عَنَوْا بِالفَضْلِ تَخْفِيفَ العَذابِ ووَحْدَةَ السَّبَبِ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى ما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ في الرَّأْيِ والعَقْلِ وقَدْ بَلَغَكم ما نَزَلَ بِنا مِنَ العَذابِ فَلِمَ اتَّبَعْتُمُونا فَكَما تَرى وقِيلَ: المَعْنى ما كانَ لَكم عَلَيْنا في الدُّنْيا فَضْلٌ بِسَبَبِ اتِّباعِكم إيّانا بَلِ اتِّباعُكم وعَدَمُ اتِّباعِكم سَواءٌ عِنْدَنا فاتِّباعُكم إيّانا كانَ بِاخْتِيارِكم دُونَ حَمْلِنا لَكم عَلَيْهِ وعَلَيْهِ فَلَيْسَ مُرَتَّبًا عَلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى وجَوابُهُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ المُضاعَفَ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (39) أيْ بِسَبَبِ كَسْبِكُمُ أوِ الَّذِي تَكْسِبُونَهُ والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ القادَةِ قالُوهُ لَهم عَلى سَبِيلِ التَّشَفِّي وتَرَتُّبُهُ عَلى ما قَبْلَهُ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ في مَعْنى الآيَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والوَقْفُ عَلى ﴿فَضْلٍ﴾ وقِيلَ: هو مِن مَقُولِ الفَرِيقَيْنِ أيْ قالَتْ كُلُّ صفحة 118 فِرْقَةٍ لِلْأُخْرى ( ذُوقُوا ) .. إلَخْ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.

الأعراف 7:40

﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الدّالَّةِ عَلى أُصُولِ الدِّينِ وأحْكامِ الشَّرْعِ كالأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ والدّالَّةِ عَلى النُّبُوَّةِ والمُعادِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ أيْ بالَغُوا في احْتِقارِها وعَدَمِ الِاعْتِناءِ بِها ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها وضَمُّوا أعْيُنَهم عَنْها ونَبَذُوها وراءَ ظُهُورِهِمْ ولَمْ يَكْتَسُوا بِحُلَلٍ مُقْتَضاها ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ﴾ أيْ لِأرْواحِهِمْ إذا ماتُوا ﴿أبْوابُ السَّماءِ﴾ كَما تُفَتَّحُ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ المَيِّتُ تَحْضُرُهُ المَلائِكَةُ فَإذا كانَ الرَّجُلُ صالِحًا قالَ: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ اخْرُجِي حَمِيدَةً وأبْشِرِي بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ ورَبٍّ راضٍ غَيْرِ غَضْبانَ فَلا تَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَها فَيُقالُ مَن هَذا فَيَقُولُونَ: فُلانُ بْنُ فُلانٍ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ ادْخُلِي حَمِيدَةً وأبْشِرِي بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ ورَبٍّ راضٍ غَيْرِ غَضْبانَ فَلا تَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ وإذا كانَ الرَّجُلُ سُوءًا قالَ اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ كانَتْ في الجَسَدِ الخَبِيثِ اخْرُجِي ذَمِيمَةً وأبْشِرِي بِحَمِيمٍ وغَسّاقٍ وآخَرَ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ فَلا تَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَها فَيُقالُ: مَن هَذا فَيَقُولُونَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ فَيُقالُ: لا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الخَبِيثَةِ كانَتْ في الجَسَدِ الخَبِيثِ ارْجِعِي ذَمِيمَةً لا تُفَتَّحُ لَكِ أبْوابُ السَّماءِ فَتُرْسَلُ مِنَ السَّماءِ ثُمَّ تَصِيرُ في القَبْرِ والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وقِيلَ: لا تُفَتَّحُ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ أبْوابُ السَّماءِ». ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقِيلَ: لا تُفَتَّحُ لِأرْواحِهِمْ ولا لِأعْمالِهِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وقِيلَ: المُرادُ لا يَصْعَدُ لَهم عَمَلٌ ولا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ وكَوْنُ السَّماءِ لَها أبْوابٌ تُفَتَّحُ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ والأرْواحِ الطَّيِّبَةِ قَدْ تَفَتَّحَتْ لَهُ أبْوابُ القَبُولِ لِلنُّصُوصِ الوارِدَةِ فِيهِ وهو أمْرٌ مُمْكِنٌ أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِهِ وكَوْنُ السَّماءِ كُرَوِيَّةً لا تَقْبَلُ الخَرْقَ والِالتِئامَ مِمّا لا يَتِمُّ لَهُ دَلِيلٌ عِنْدَنا وظاهِرُ كَلامِ أهْلِ الهَيْئَةِ الجَدِيدَةِ جَوازُ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الأفْلاكِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القَوْلَ بِالأبْوابِ لا يُنافِي القَوْلَ بِامْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ وفِيهِ نَظَرٌ كَما لا يَخْفى والتّاءُ في ﴿تُفَتَّحُ﴾ لِتَأْنِيثِ الأبْوابِ والتَّشْدِيدُ لِكَثْرَةِ الفِعْلِ لِعَدَمِ مُناسِبَةِ المَقامِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ وبِالياءِ التَّحْتِيَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ والفِعْلَ مُقَدَّمٌ مَعَ وُجُودِ الفاصِلِ. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ الأبْوابِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الآياتِ مَجازًا لِأنَّها سَبَبٌ لِذَلِكَ وبِالياءِ عَلى أنَّهُ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿حَتّى يَلِجَ﴾ أيْ يَدْخُلَ ﴿الجَمَلُ﴾ هو البَعِيرُ إذا بَزَلَ وجَمْعُهُ جِمالٌ وأجْمالٌ ويُجْمَعُ الأخِيرُ عَلى جِمالاتٍ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الجَمَلِ فَقالَ: هو زَوْجُ النّاقَةِ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ ابْنُ النّاقَةِ الَّذِي يَقُومُ في المِرْبَدِ عَلى أرْبَعِ قَوائِمَ وفي ذَلِكَ اسْتِجْهالٌ لِلسّائِلِ وإشارَةٌ صفحة 119 إلى أنَّ طَلَبَ مَعْنًى آخَرَ تَكَلُّفٌ والعَرَبُ تَضْرِبُ بِهِ المَثَلَ في عِظَمِ الخِلْقَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى يَدْخُلَ ما هو مَثَلٌ في عِظَمِ الجِرْمِ ﴿فِي سَمِّ الخِياطِ﴾ أيْ ثُقْبَةِ الإبْرَةِ وهو مَثَلٌ عِنْدَهم أيْضًا في ضِيقِ المَسْلَكِ وذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ فَكَذا ما تَوَقَّفَ عَلَيْهِ بَلْ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ لِعَدَمِ إمْكانِهِ ما دامَ العَظِيمُ عَلى عِظَمِهِ والضَّيِّقُ عَلى ضِيقِهِ وهي إنَّما تَتَعَلَّقُ بِالمُمَكِناتِ الصِّرْفَةِ والمُمْكِنُ الوُلُوجُ بِتَصْغِيرِ العَظِيمِ أوْ تَوْسِيعِ الضَّيِّقِ وقَدْ كَثُرَ في كَلامِهِمْ مِثْلُ هَذِهِ الغايَةِ فَيَقُولُونَ لا أفْعَلُ كَذا حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ وحَتّى يَبْيَضَّ القارُ وحَتّى يَؤُوبَ القارِظانِ ومُرادُهم لا أفْعَلُ كَذا أبَدًا وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ ( الجُمَّلُ ) بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ المُشَدَّدَةِ كالقُمَّلِ. وقَرَأ عَبْدُ الكَرِيمِ وحَنْظَلَةُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ أُخْرى ( الجُمَلُ ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ مَعَ التَّخْفِيفِ كَنُغَرٍ. وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ ( الجُمْلُ ) بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ كالقُفْلِ و( الجُمُلُ ) بِضَمَّتَيْنِ كالنُّصُبِ وقَرَأأبُو السَّمالِ ( الجَمْلُ ) بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ كالحَبْلِ وفُسِّرَ في جَمِيعِ ذَلِكَ بِالحَبْلِ الغَلِيظِ مِنَ القُنَّبِ وقِيلَ: هو حَبْلُ السَّفِينَةِ وقُرِئَ ( في سُمِّ ) بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِها وهُما لُغَتانِ فِيهِ والفَتْحُ أشْهَرُ ومَعْناهُ الثُّقْبُ الصَّغِيرُ مُطْلَقًا وقِيلَ: أصْلُهُ ما كانَ في عُضْوٍ كَأنْفٍ وأُذُنٍ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( في سَمِّ المِخْيَطِ ) بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها وهو والخِياطُ ما يُخاطُ بِهِ كالحِزامِ والمِحْزَمِ والقِناعِ والمِقْنَعِ ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ ﴿نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ (40) أيْ جِنْسَهم وأُولَئِكَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وأصْلُ الجِرْمِ قَطْعُ الثَّمَرَةِ عَنِ الشَّجَرَةِ ويُقالُ: أجْرَمَ صارَ ذا جِرْمٍ كَأتْمَرَ وأثْمَرَ ويُسْتَعْمَلُ في كَلامِهِمْ لِاكْتِسابِ المَكْرُوهِ ولا يَكادُ يُقالُ لِلْكَسْبِ المَحْمُودِ.

الأعراف 7:41

﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ أيْ فِراشٍ مِن تَحْتِهِمْ وتَنْوِيهٌ لِلتَّفْخِيمِ وهو فاعِلُ الظَّرْفِ أوْ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ و( مِن ) تَجْرِيدِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿مِهادٌ﴾ لِتَقَدُّمِهِ ﴿ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ أيْ أغْطِيَةٌ جَمْعُ غاشِيَةٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّها اللُّحُفُ والآيَةُ عَلى ما قِيلَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ والمُرادُ أنَّ النّارَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: هي طَبَقاتٌ مِن فَوْقِهِ وطَبَقاتٌ مِن تَحْتِهِ لا يَدْرِي ما فَوْقَهُ أكْثَرُ أوْ تَحْتَهُ غَيْرَ أنَّهُ تَرْفَعُهُ الطَّبَقاتُ السُّفْلى وتَضَعُهُ الطَّبَقاتُ العُلْيا ويَضِيقُ فِيما بَيْنَهُما حَتّى يَكُونَ بِمَنزِلَةِ الزُّجِّ في القَدَحِ» وتَنْوِينُ ﴿غَواشٍ﴾ عِوَضٌ عَنِ الحَرْفِ المَحْذُوفِ أوْ حَرَكَتُهُ والكَسْرَةُ لَيْسَتْ لِلْإعْرابِ وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِأنَّهُ عَلى صِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ وبَعْضُ العَرَبِ يُعْرِبُهُ بِالحَرَكاتِ الظّاهِرَةِ عَلى ما قَبْلَ الياءِ لِجَعْلِها مَحْذُوفَةَ ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ ولِذا قُرِئَ ( غَواشٌ ) بِالرَّفْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ﴾ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الشَّدِيدِ ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ (41) عَبَّرَ عَنْهم بِالمُجْرِمِينَ تارَةً وبِالظّالِمِينَ أُخْرى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم بِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ واسْتِكْبارِهِمْ عَنْها جَمَعُوا الصِّفَتَيْنِ وذَكَرَ الجُرْمَ مَعَ الحِرْمانِ مِنَ الجَنَّةِ والظُّلْمَ مَعَ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ الإجْرامِ ولا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ في لَطائِفِ القُرْآنِ العَظِيمِ ما في إعْدادِ المِهادِ والغَواشِي لِهَؤُلاءِ المُسْتَكْبِرِينَ عَنِ الآياتِ ومَنعِهِمْ مِنَ العُرُوجِ إلى المَلَكُوتِ وتَقْيِيدِ عَدَمِ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ بِدُخُولِ البَعِيرِ بِخَرْقِ الإبْرَةِ مِنَ اللَّطافَةِ فَلْيُتَأمَّلْ

الأعراف 7:42

﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِآياتِنا ولَمْ يُكَذِّبُوا بِها ﴿وعَمِلُوا﴾ الأعْمالَ ﴿الصّالِحاتِ﴾ ولَمْ يَسْتَكْبِرُوا عَنْها ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ أيْ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ صفحة 120 بِسُهُولَةٍ دُونَ ما تَضِيقُ بِهِ ذَرْعًا والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وهو المَوْصُولُ والخَبَرِ الَّذِي هو جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ ما يُؤَدِّي إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ بِبَيانِ سُهُولَةِ مَنالِهِ وتَيَسُّرِ تَحْصِيلِهِ وقِيلَ: المَعْنى لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا ما يُثْمِرُ لَها السِّعَةَ أيْ جَنَّةً عَرْضُها السَّمَواتُ والأرْضُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ كانَتِ الآيَةُ عَلَيْهِ لا تَخْلُو عَنْ تَرْغِيبٍ أيْضًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ بَدَلًا مِنَ المَوْصُولِ وما بَعْدَهُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ( لا نُكَلِّفُ ) .. إلَخْ. خَبَرَ المُبْتَدَأِ بِتَقْدِيرِ العائِدِ أيْ مِنهم وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ (42) حالٌ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ ( الجَنَّةِ ) لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِها أيْضًا والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ أوِ اللّامُ المُقَدَّرَةُ وقِيلَ: خَبَرٌ لِأُولَئِكَ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَهُ و( فِيها ) مُتَعَلِّقٌ بِخالِدُونَ قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ.

الأعراف 7:43

﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ أيْ قَلَعْنا ما في قُلُوبِهِمْ مِن حِقْدٍ مَخْفِيٍّ فِيها وعَداوَةٍ كانَتْ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ لِأُمُورٍ جَرَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا سِيقُوا إلى الجَنَّةِ فَبَلَغُوها وجَدُوا عِنْدَ بابِها شَجَرَةً في أصْلِ ساقِها عَيْنانِ فَيَشْرَبُونَ مِن إحْداهُما فَيُنْزَعُ ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ فَهو الشَّرابُ الطَّهُورُ ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الأُخْرى فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ فَلَنْ يَشْعَثُوا ولَنْ يَشْحُبُوا بَعْدَها أبَدًا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ بَلَغَنِي «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يُحْبَسُ أهْلُ الجَنَّةِ بَعْدَما يَجُوزُونَ الصِّراطَ حَتّى يُؤْخَذَ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ ظِلاماتُهم في الدُّنْيا فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولَيْسَ في قُلُوبِ بَعْضٍ عَلى بَعْضٍ غِلٌّ وقِيلَ المُرادُ طَهَّرْنا قُلُوبَهم وحَفِظْناها مِنَ التَّحاسُدِ عَلى دَرَجاتِ الجَنَّةِ ومَراتِبِ القُرْبِ بِحَيْثُ لا يَحْسُدُ صاحِبُ الدَّرَجَةِ النّازِلَةِ صاحِبَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ وهَذا في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِن لَعْنِ أهْلِ النّارِ بَعْضُهم بَعْضًا» وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ نَنْزِعُ لِأنَّهُ في الآخِرَةِ إلّا أنَّ صِيغَةَ الماضِي لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِهِ. وقِيلَ إنَّ هَذا النَّزْعَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا والمُرادُ عَدَمُ اتِّصافِهِمْ بِذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ الِاتِّصافِ بِهِ مَعَ وُجُودِ ما يَقْتَضِيهِ حَسَبَ البَشَرِيَّةِ أحْيانًا بِالنَّزْعِ مَجازًا ولَعَلَّ هَذا بِالنَّظَرِ إلى كُمَّلِ المُؤْمِنِينَ كَأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهم رُحَماءُ بَيْنَهم يُحِبُّ بَعْضُهم بَعْضًا كَمَحَبَّتِهِ لِنَفْسِهِ أوِ المُرادُ إزالَتُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ المَوْتِ بَعْدَ أنْ كانَ بِمُقْتَضى الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَخْرُجَ عَلى الوَجْهَيْنِ ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنهم ويُقالُ عَلى الثّانِي فِيما وقَعَ مِمّا يُنْبِئُ بِظاهِرِهِ عَنِ الغِلِّ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا عَنِ اجْتِهادٍ إعْلاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا المَعْنى وإنْ ساعَدَهُ ظاهِرُ الصِّيغَةِ و( مِن غِلٍّ ) عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ حالٌ مِن ( ما ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ( تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ) حالٌ أيْضًا إمّا مِنَ الضَّمِيرِ ( في صُدُورِهِمْ ) لِأنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ والعامِلُ مَعْنى الإضافَةِ أوِ العامِلُ في المُضافِ وإمّا مِن ضَمِيرِ ( نَزَعْنا ) عَلى ما قِيلَ والعامِلُ الفِعْلُ واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ عَنْ صِفَةِ أحْوالِهِمْ والمُرادُ تَجْرِي مِن تَحْتِ غُرَفِها مِياهُ الأنْهارِ زِيادَةً في لَذَّتِهِمْ وسُرُورِهِمْ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ الفَوْزِ العَظِيمِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ والمُرادُ الهِدايَةُ لِما أدّى إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةُ مَجازًا وذَلِكَ بِالتَّوْفِيقِ لَها وصَرْفِ المَوانِعِ عَنِ الِاتِّصافِ بِها صفحة 121 وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ لِما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ مُجاوَزَةُ الصِّراطِ إلى أنْ وصَلُوا إلَيْهِ ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الإشارَةَ إلى نَزْعِ الغِلِّ مِنَ الصُّدُورِ ولا أراهُ شَيْئًا ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾ أيْ لِهَذا أوْ لِمَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ الَّتِي هَذا مِن جُمْلَتِها ﴿لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ وفَّقَنا لَهُ واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وهي المُسَمّاةُ بِلامِ الجُحُودِ وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ ولَيْسَ إيّاهُ لِامْتِناعِ تَقَدُّمِ الجَوابِ عَلى الصَّحِيحِ ومَفْعُولُ ( نَهْتَدِي ) و( هَدانا ) الثّانِي مَحْذُوفٌ لِظُهُورِ المُرادِ أوْ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ وفي مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ ( ما كُنّا ) بِدُونِ واوٍ وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ فالجُمْلَةُ كالتَّفْسِيرِ لِلْأُولى وهَذا كَما تَرى مَن رُزِقَ خَيْرًا في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُ بِنَحْوِ هَذا ولا يَتَمالَكُ أنْ لا يَقُولَهُ لِلْفَرَحِ ولا لِلْقُرْبَةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ لَمْ يُقْصَدْ بِها التَّقَرُّبُ أيْضًا وهي بَيانٌ لِصِدْقِ وعْدِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إيّاهم بِالجَنَّةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الفُضَلاءِ وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِهِدايَتِهِمْ. والباءُ إمّا لِلتَّعْدِيَةِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِجاءَتْ أوْ لِلْمُلابَسَةِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِنَ الرُّسُلِ ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الرَّدِّ الواضِحِ عَلى القَدَرِيَّةِ الزّاعِمِينَ أنَّ كُلَّ مُهْتَدٍ خَلَقَ لِنَفْسِهِ الهُدى ولَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ ودُونَكَ فاعْرِضْ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ في الدُّنْيا المُهْتَدِي مَنِ اهْتَدى بِنَفْسِهِ عَلى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْلِ المُوَحِّدِينَ في مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ واخْتَرْ لِنَفْسِكَ أيَّ الفَرْقَيْنِ تَقْتَدِي بِهِ ولا أراكَ أيُّها العاقِلُ تَعْدِلُ بِما نَوَّهَ اللَّهُ تَعالى بِهِ قَوْلَ ضالٍّ يَتَذَبْذَبُ مَعَ هَواهُ وتَعَصُّبَهَ ولَمّا رَأى الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الآيَةَ كافِحَةً في وُجُوهِ قَوْمِهِ فَسَّرَ الهُدى بِاللُّطْفِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يَخْلُقُ العَبْدُ الِاهْتِداءَ لِنَفْسِهِ وهو لَعَمْرِي كَلامُ مَن حُرِمَ اللُّطْفَ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفُوَّ والعافِيَةَ ﴿ونُودُوا﴾ أيْ نادَتْهُمُ المَلائِكَةُ وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ احْتِمالَ أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ والآثارُ تُؤَيِّدُ الأوَّلَ. ﴿أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ أيْ أيْ تِلْكم عَلى أنَّ ( أنْ ) مُفَسِّرَةٌ لِما في النِّداءِ مِن مَعْنى القَوْلِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِن أنَّ وحَرْفُ الجَرِّ مُقَدَّرٌ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ أيْ بِأنَّها أوْ بِأنَّهُ تِلْكم وأوْجَبَ البَعْضُ الثّانِيَ بِناءً عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُؤَنَّثَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ إذا كانَ المُسْنَدُ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ مُؤَنَّثًا والصَّحِيحُ عَدَمُ الوُجُوبِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الحاجِبِ وابْنُ مالِكٍ ومَعْنى البُعْدِ في اسْمِ الإشارَةِ إمّا لِرَفْعِ مَنزِلَتِها وبُعْدِ مَرْتَبَتِها وإمّا لِأنَّهم نُودُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها مِن مَكانٍ بِعِيدٍ وإمّا لِلْإشْعارِ بِأنَّها تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدُوها في الدُّنْيا وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الزَّجّاجِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿الجَنَّةُ﴾ نَعْتًا لِتِلْكم أوْ بَدَلًا و﴿أُورِثْتُمُوها﴾ الخَبَرَ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُبْتَدَأِ ولا مِن كَمْ كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ وهو ظاهِرٌ والتَزَمَ بَعْضُهم في تَوْجِيهِ البُعْدِ أنَّ ﴿تِلْكُمُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذِهِ تَلْكُمُ الجَنَّةُ المَوْعُودَةُ لَكم قَبْلُ أوْ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أيْ تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُخْبِرْتُمْ عَنْها أوْ وُعِدْتُمْ بِها في الدُّنْيا هي هَذِهِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ. والمُنادى لَهُ أوَّلًا وبِالذّاتِ كَوْنُها مَوْرُوثَةً لَهم وما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ والمِيراثُ مَجازٌ عَنِ الإعْطاءِ أيْ أُعْطِيتُمُوها ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (43) في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وتَجُوزُ بِذَلِكَ عَنِ الإعْطاءِ إشارَةً إلى أنَّ السَّبَبَ فِيهِ لَيْسَ مُوجِبًا وإنْ كانَ سَبَبًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ كَما أنَّ الإرْثَ مُلْكٌ بِدُونِ كَسْبٍ وإنْ كانَ النَّسَبُ مَثَلًا صفحة 122 سَبَبًا لَهُ والباءُ في قَوْلِهِ ﷺ عَلى ما في بَعْضِ الكُتُبِ: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» وكَذا في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وجابِرٍ «لَنْ يَنْجُوَ أحَدٌ مِنكم بِعَمَلِهِ» لِلسَّبَبِ التّامِّ فَلا تَعارُضَ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ فِيما نَحْنُ فِيهِ لِلْعِوَضِ أيْ بِمُقابَلَةِ أعْمالِكم وقِيلَ: تِلْكَ الإشارَةُ إلى مَنازِلَ في الجَنَّةِ هي لِأهْلِ النّارِ لَوْ كانُوا أطاعُوا جَعَلَها اللَّهُ تَعالى إرْثًا لِلْمُؤْمِنِينَ: فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ما مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ إلّا ولَهُ في الجَنَّةِ والنّارِ مَنزِلٌ مَبَيَّنٌ فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ ودَخَلُوا مَنازِلَهم رُفِعَتِ الجَنَّةُ لِأهْلِ النّارِ فَنَظَرُوا إلى مَنازِلِهِمْ فِيها فَقِيلَ هَذِهِ مَنازِلُكم لَوْ عَمِلْتُمْ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ يُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ رِثُوهم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَيَقْتَسِمُ أهْلُ الجَنَّةِ مُنازِلَهم وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِهَذا الإرْثِ الغَرِيبِ لا يَدْفَعُ الحاجَةَ إلى المَجازِ. وزَعَمَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ بِسَبَبِ الأعْمالِ لا بِالتَّفْضِيلِ لِهَذِهِ الآيَةِ ولا يَخْفى أنَّهُ لا مَحِيصَ لِمُؤْمِنٍ عَنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ اقْتِضاءَ الأعْمالِ لِذاتِها دُخُولُ الجَنَّةِ أوِ إدْخالُ اللَّهِ تَعالى ذَوِيها فِيها مِمّا لا يَكادُ يُعْقَلُ وقُصارى ما يُعْقَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَفَضَّلَ فَرَتَّبَ عَلَيْها دُخُولَ الجَنَّةِ فَلَوْلا فَضْلُهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وأنا لا أرى أكْثَرَ جُرْأةً مِنَ المُعْتَزِلَةِ في هَذا البابِ كَكَثِيرٍ مِنَ الأبْوابِ فَإنَّ مَآلَ كَلامِهِمْ فِيهِ أنَّ الجَنَّةَ ونَعِيمَها الَّذِي لا يَتَناهى إقْطاعُهم بِحَقٍّ مُسْتَحِقٍّ عَلى اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ ولا يَتَضَرَّرُ بِشَيْءٍ لا تَفَضُّلَ لَهُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ بَلْ هو بِمَثابَةِ دَيْنٍ أدِّيَ إلى صاحِبِهِ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وتَكْذِيبٌ لِغَيْرِ ما خَبَرٍ صَحِيحٍ.