Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — المعارج 70:1 – الجن 72:28

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. المعارج 70:1
  2. المعارج 70:2
  3. المعارج 70:3
  4. المعارج 70:4
  5. المعارج 70:5
  6. المعارج 70:6
  7. المعارج 70:7
  8. المعارج 70:8
  9. المعارج 70:9
  10. المعارج 70:10
  11. المعارج 70:11
  12. المعارج 70:12
  13. المعارج 70:13
  14. المعارج 70:14
  15. المعارج 70:15
  16. المعارج 70:16
  17. المعارج 70:17
  18. المعارج 70:18
  19. المعارج 70:19
  20. المعارج 70:20
  21. المعارج 70:21
  22. المعارج 70:22
  23. المعارج 70:23
  24. المعارج 70:24
  25. المعارج 70:25
  26. المعارج 70:26
  27. المعارج 70:27
  28. المعارج 70:28
  29. المعارج 70:29
  30. المعارج 70:30
  31. المعارج 70:31
  32. المعارج 70:32
  33. المعارج 70:33
  34. المعارج 70:34
  35. المعارج 70:35
  36. المعارج 70:36
  37. المعارج 70:37
  38. المعارج 70:38
  39. المعارج 70:39
  40. المعارج 70:40
  41. المعارج 70:41
  42. المعارج 70:42
  43. المعارج 70:43
  44. المعارج 70:44
  45. نوح 71:1
  46. نوح 71:2
  47. نوح 71:3
  48. نوح 71:4
  49. نوح 71:5
  50. نوح 71:6
  51. نوح 71:7
  52. نوح 71:8
  53. نوح 71:9
  54. نوح 71:10
  55. نوح 71:11
  56. نوح 71:12
  57. نوح 71:13
  58. نوح 71:14
  59. نوح 71:15
  60. نوح 71:16
  61. نوح 71:17
  62. نوح 71:18
  63. نوح 71:19
  64. نوح 71:20
  65. نوح 71:21
  66. نوح 71:22
  67. نوح 71:23
  68. نوح 71:24
  69. نوح 71:25
  70. نوح 71:26
  71. نوح 71:27
  72. نوح 71:28
  73. الجن 72:1
  74. الجن 72:2
  75. الجن 72:3
  76. الجن 72:4
  77. الجن 72:5
  78. الجن 72:6
  79. الجن 72:7
  80. الجن 72:8
  81. الجن 72:9
  82. الجن 72:10
  83. الجن 72:11
  84. الجن 72:12
  85. الجن 72:13
  86. الجن 72:14
  87. الجن 72:15
  88. الجن 72:16
  89. الجن 72:17
  90. الجن 72:18
  91. الجن 72:19
  92. الجن 72:20
  93. الجن 72:21
  94. الجن 72:22
  95. الجن 72:23
  96. الجن 72:24
  97. الجن 72:25
  98. الجن 72:26
  99. الجن 72:27
  100. الجن 72:28

المعارج 70:1

سُورَةُ المَعارِجِ وتُسَمّى سُورَةَ المَواقِعِ وسُورَةَ سَألَ وهي مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ عَلى ما قالَ القُرْطُبِيُّ وفي مَجْمَعِ البَيانِ عِنْدَ الحَسَنِ إلّا قَوْلَهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المَعارِجِ: 24] وآيُها ثَلاثٌ وأرْبَعُونَ في الشّامِيِّ واثْنَتانِ وأرْبَعُونَ في غَيْرِهِ وهي كالتَّتِمَّةِ لِسُورَةِ الحاقَّةِ في بَقِيَّةِ وصْفِ القِيامَةِ والنّارِ وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّها نَزَلَتْ عَقِيبَ سُورَةِ الحاقَّةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ أيْ دَعا داعٍ بِهِ فالسُّؤالُ بِمَعْنى الدُّعاءِ ولِذا عُدِّيَ بِالباءِ تَعْدِيَتَهُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ﴾ [الدُّخانِ: 55] والمُرادُ اسْتِدْعاءُ العَذابِ وطَلَبُهُ ولَيْسَ مِنَ التَّضْمِينِ في شَيْءٍ. وقِيلَ الفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الِاهْتِمامِ والِاعْتِناءِ أوْ هو مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ فَلِذا عُدِّيَ بِالباءِ. وقِيلَ إنَّ الباءَ زائِدَةٌ وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى عَنْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: 59] والسّائِلُ هو النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ كَما رَوى النِّسائِيُّ وجَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والسُّدِّيِّ والجُمْهُورِ حَيْثُ قالَ إنْكارًا واسْتِهْزاءً ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنْفالِ: 32] وقِيلَ هو أبُو جَهْلٍ حَيْثُ قالَ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الشُّعَراءِ: 187] . وقِيلَ هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ وذَلِكَ أنَّهُ «لَمّا بَلَغَهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ حَقًّا فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَما لَبِثَ حَتّى رَماهُ اللَّهُ تَعالى بِحَجَرٍ فَوَقَعَ عَلى دِماغِهِ فَخَرَجَ مِن أسْفَلِهِ فَهَلَكَ مِن ساعَتِهِ» . وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كانَ في غَدِيرِ خُمٍّ وذَلِكَ في أواخِرِ سِنِي الهِجْرَةِ فَلا يَكُونُ ما نَزَلَ مَكِّيًّا عَلى المَشْهُورِ في تَفْسِيرِهِ. وقَدْ سَمِعْتَ ما قِيلَ في مَكِّيَّةِ هَذِهِ السُّورَةِ وقِيلَ هو الرَّسُولُ ﷺ اسْتَعْجَلَ عَذابَهم وقِيلَ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ عَذابَ قَوْمِهِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ «سالَ» بِألْفٍ كَقالَ سايِلٌ بِياءٍ بَعْدَ الألْفِ فَقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أُبْدِلَتْ هَمْزَةُ الفِعْلِ ألِفًا وهو بَدَلٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وإنَّما قِياسُ هَذا بَيْنَ بَيْنَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ =سَلَتْ أسالَ حَكاها سِيبَوَيْهِ وفي الكَشّافِ هو مِنَ السُّؤالِ وهو لُغَةُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ =سَلَتْ تُسالُ وهُما يَتَسايَلانِ وأرادَ أنَّهُ مِنَ السُّؤالِ المَهْمُوزِ مَعْنًى لا اشْتِقاقًا بِدَلِيلِ وهُما يَتَسايَلانِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ أجْوَفُ يَأْتِي ولَيْسَ مِن تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ في شَيْءٍ. وقِيلَ السُّؤالُ بِالواوِ الصَّرِيحَةِ مَعَ ضَمِّ السِّينِ وكَسْرِها وقَوْلُهُ يَتَسايَلانِ صَوابُهُ يَتَساوَلانِ فَتَكُونُ ألِفُهُ مُنْقَلِبَةً عَنْ واوٍ كَما في قالَ وخافَ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ وذَكَرَ فِيها أنَّ أبا عُثْمانَ حَكى عَنْ أبِي زَيْدٍ أنَّهُ سَمِعَ مِنَ صفحة 56 العَرَبِ مَن يَقُولُ هُما يَتَساوَلانِ ثُمَّ إنَّ في دَعْوى كَوْنِ سَلَتْ تُسالُ لُغَةَ قُرَيْشٍ تَرَدُّدًا والظّاهِرُ خِلافُ ذَلِكَ وأنْشَدُوا لِوُرُودٍ سالَ قَوْلَ حَسّانٍ يَهْجُو هُذَيْلًا لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُبِيحَ لَهُمُ الزِّنا: سالَتْ هُذَيْلُ رَسُولَ اللَّهِ فاحِشَةً ضَلَّتْ هُذَيْلُ بِما قالَتْ ولَمْ تُصِبْ وقَوْلَ آخَرَ: سالَتانِيَ الطَّلاقَ أنْ رَأتانِي ∗∗∗ قُلْ مالِيَ قَدْ جِئْتُمانِي بِنُكْرْ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ سالَ مِنَ السَّيَلانِ وأيَّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ «سالَ سَيْلٌ» فَقَدْ قالَ ابْنُ جِنِّي السَّيْلُ هاهُنا الماءُ السّائِلُ وأصْلُهُ المَصْدَرُ مِن قَوْلِكَ سالَ الماءُ سَيْلًا إلّا أنَّهُ أُوقِعَ عَلى الفاعِلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ [المُلْكِ: 30] أيْ غائِرًا وقَدْ تُسُومِحَ في التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ بِالوادِي فَقِيلَ: المَعْنى انْدَفَعَ وادٍ بِعَذابٍ واقِعٍ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي قِيلَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ العَذابِ إمّا في الدُّنْيا وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ وقَدْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ النَّضِرُ وأبُو جَهْلٍ. وإمّا في الآخِرَةِ وهو عَذابُ النّارِ وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّ سائِلًا اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَحْتَمِلُهُ.

المعارج 70:2

﴿لِلْكافِرِينَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ أيْ كائِنٍ ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ أوْ صِلَةٌ لِواقِعٍ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أوْ بِمَعْنى عَلى ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ( أُبَيٍّ ) «عَلى الكافِرِينَ» وإنْ صَحَّ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ لَمّا خَوَّفَهم النَّبِيُّ ﷺ بِعَذابٍ سَألُوا عَنْهُ عَلى ما يَنْزِلُ وبِمَن يَقَعُ فَنَزَلَتْ» كانَ هَذا ابْتِداءَ كَلامٍ جَوابًا لِلسّائِلِ أيْ هو لِلْكافِرِينَ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ أوْ حالٌ مِنهُ لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ أوْ بِالعَمَلِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ صِفَةً لِعَذابٍ عَلى ما قِيلَ أوِ اسْتِئْنافٌ أوْ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِهو ( لِلْكافِرِينَ ) عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا فَلا تَغْفُلْ.

المعارج 70:3

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِدافِعٍ ( ومِنَ ) ابْتِدائِيَّةٌ أيْ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ يَرُدُّهُ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِتَعَلُّقِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ بِهِ وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ فَقِيلَ إنَّما يَصِحُّ عَلى غَيْرِ قَوْلِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وعَلَيْهِ يَلْزَمُ الفَصْلُ بِالأجْنَبِيِّ لِأنَّ ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ عَلى ذَلِكَ جَوابُ سُؤالٍ ثُمَّ إنَّ التَّعَلُّقَ بِ ﴿واقِعٍ﴾ عَلى ما عَدا قَوْلَهُما إنْ جُعِلَ لِلْكافِرِينَ مِن صِلَتِهِ أيْضًا كانَ أظْهَرَ وإلّا لَزِمَ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْمُولِ وعامِلِهِ بِما لَيْسَ مِن تَتِمَّتِهِ لَكِنْ لَيْسَ أجْنَبِيًّا مِن كُلِّ وجْهٍ ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ هي لُغَةُ الدَّرَجاتِ والمُرادُ بِها عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ ولَمْ يُعَيِّنْها بَعْضُهم فَقالَ أيْ ذِي المَصاعِدِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ بِالأوامِرِ والنَّواهِي وقِيلَ هي مَقاماتٌ مَعْنَوِيَّةٌ تَكُونُ فِيها الأعْمالُ والأذْكارُ أوْ مَراتِبُ في السُّلُوكِ كَذَلِكَ يَتَرَقّى فِيها المُؤْمِنُونَ السّالِكُونَ أوْ مَراتِبُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ تَفْسِيرَها بِالفَضائِلِ والنِّعَمِ ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي عَبّاسٍ وقِيلَ هي الغُرَفُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ والأنْسَبُ بِما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِنَ التَّهْوِيلِ ما هو أدَلُّ عَلى عِزِّهِ عَزَّ وجَلَّ وعِظَمِ مَلَكُوتِهِ تَعالى شَأْنُهُ.

المعارج 70:4

﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ أيْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِتَمَيُّزِهِ وفَضْلِهِ بِناءً عَلى المَشْهُورِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلُ المَلائِكَةِ. وقِيلَ لِمُجَرَّدِ التَّشْرِيفِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلَهم بِناءً عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلُ مِنهُ. وقالَ مُجاهِدٌ ( الرُّوحُ ) مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا. وقِيلَ خَلْقٌ هم حَفَظَةُ المَلائِكَةِ مُطْلَقًا كَما أنَّ المَلائِكَةَ حَفَظَةُ النّاسِ وقِيلَ مَلَكٌ عَظِيمُ الحَلْقَةِ يَقُومُ وحْدَهُ يَوْمَ القِيامَةِ صَفًّا ويَقُومُ المَلائِكَةُ كُلُّهم صَفًّا وقالَ أبُو صالِحٍ خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ ولَعَلَّهُ أرادَ المَيِّتَ المُؤْمِنَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ «يَعْرُجُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ ﴿إلَيْهِ﴾ قِيلَ أيْ إلى عَرْشِهِ تَعالى وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أوْ أمْرِهِ سُبْحانَهُ وقِيلَ هو مِن قَبِيلِ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصّافّاتِ: 99] أيْ إلى صفحة 57 حَيْثُ أمَرَنِي عَزَّ وجَلَّ بِهِ. وقِيلَ المُرادُ إلى مَحَلِّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ جَلَّ وعَلا عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ وقِيلَ إلى المَكانِ المُنْتَهى إلَيْهِ الدّالِّ عَلَيْهِ السِّياقُ وفَسَّرَ بِمَحَلِّ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ ومُعْظَمُ السَّلَفِ يَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنَ المُتَشابِهِ مَعَ تَنْزِيهِهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ المَكانِ والجِسْمِيَّةِ واللَّوازِمِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِشَأْنِ الأُلُوهِيَّةِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أيْ مِن سِنِينِكُمُ الظّاهِرُ تَعَلُّقُهُ بِتَعْرُجُ، واليَوْمَ بِمَعْنى الوَقْتِ والمُرادُ بِهِ مِقْدارُ ما يَقُومُ النّاسُ فِيهِ لِرَبِّ العالَمِينَ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ مِنَ اليَوْمِ الآخِرِ والَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ. ويُشِيرُ إلى هَذا ما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلاةِ مَكْتُوبَةً يُصَلِّيها في الدُّنْيا»» . واخْتُلِفَ في المُرادِ بِهَذا التَّقْدِيرِ عَلى هَذا الوَجْهِ فَقِيلَ الإشارَةُ إلى اسْتِطالَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ لِشِدَّتِهِ لا أنَّهُ بِهَذا المِقْدارِ مِنَ العَدَدِ حَقِيقَةً ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والعَرَبُ تَصِفُ أوْقاتَ الشِّدَّةِ والحُزْنِ بِالطُّولِ وأوْقاتَ الرَّخاءِ والفَرَحِ بِالقِصَرِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: مِن قِصَرِ اللَّيْلِ إذا زُرْتِنِي أشْكُو وتَشْكِينَ مِنَ الطُّولِ وقَوْلُهُ: لَيْلِي ولَيْلى نَفى نَوْمِي اخْتِلافُهُما ∗∗∗ بِالطُّولِ والطُّولُ يا طُوبى لَوِ اعْتَدَلا يَجُودُ بِالطُّولِ لَيْلِي كُلَّما بَخِلَتْ ∗∗∗ بِالطُّولِ لَيْلى وإنْ جادَتْ بِهِ بِخِلا وقَوْلُهُ: ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ∗∗∗ دَمُ الزَقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ إلى ما لا يَكادُ يُحْصى وفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الخَبَرِ السّابِقِ ««إنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ»» إشارَةٌ إلى هَذا وكَذا ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ: «يُوضَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ كَراسِيُّ مِن ذَهَبٍ ويُظَلَّلُ عَلَيْهِمُ الغَمامُ ويُقَصَّرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ اليَوْمُ ويُهَوَّنُ حَتّى يَكُونَ كَيَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ» . ولْيُنْظَرْ عَلى هَذا القَوْلِ ما حِكْمَةُ التَّنْصِيصِ عَلى العَدَدِ المَذْكُورِ وقِيلَ هو عَلى ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ وإنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ خَمْسِينَ مَوْطِنًا كُلُّ مَوْطِنٍ ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا أيْ حَقِيقَةً. وقِيلَ الخَمْسُونَ عَلى حَقِيقَتِها إلّا أنَّ المَعْنى مِقْدارُ ما يَقْضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ. وأشارَ بَعْضُهم إلى أنَّ المِقْدارَ المَذْكُورَ عَلَيْهِ مَجازٌ عَمّا يَلْزَمُهُ مِن كَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ المُحاسَباتِ أوْ كِنايَةٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ في يَوْمٍ يَكْثُرُ فِيهِ الحِسابُ ويَطُولُ بِحَيْثُ لَوْ وقَعَ مِن غَيْرِ أسْرَعِ الحاسِبِينَ وفي الدُّنْيا طالَ إلى خَمْسِينَ ألْفِ سَنَةٍ وتَخْصِيصُ عُرُوجِ المَلائِكَةِ والرُّوحِ بِذَلِكَ اليَوْمِ مَعَ أنَّ عُرُوجَهم مُتَحَقِّقٌ في غَيْرِهِ أيْضًا لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ هَوْلِهِ وانْقِطاعِ الخَلْقِ فِيهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وانْتِظارِهِمْ أمْرَهُ سُبْحانَهُ فِيهِمْ أوْ لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ الهَوْلِ عَلى وجْهٍ آخَرَ وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ. وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ وقِيلَ بِدافِعٍ وقِيلَ بِسالٍ إذا جُعِلَ مِنَ السَّيَلانِ لا بِهِ مِنَ السُّؤالِ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ. والمُرادُ بِاليَوْمِ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ ما أُرِيدَ بِهِ فِيما سَبَقَ ( وتَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ ) إلَيْهِ مُسْتَطْرِدٌ عِنْدَ وصْفِهِ عَزَّ وجَلَّ بِذِي المَعارِجِ وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِتَعْرُجُ كَما هو الظّاهِرُ إلّا أنَّ العُرُوجَ في الدُّنْيا والمَعْنى تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلى عَرْشِهِ تَعالى ويَقْطَعُونَ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم ما يَقْطَعُهُ الإنْسانُ في خَمْسِينَ ألْفِ سَنَةٍ لَوْ فُرِضَ سَيْرُهُ فِيهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ ومُجاهِدُ وجَماعَةٌ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا واخْتُلِفَ في تَحْدِيدِ المَسافَةِ فَقِيلَ هي مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ. وقِيلَ مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ السُّفْلى إلى العَرْشِ وفُصِّلَ بِأنَّ صفحة 58 ثِخَنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ وبَيْنَ كُلِّ أرْضِينَ خَمْسُمِائَةِ عامٍ وبَيْنَ الأرْضِ العُلْيا والسَّماءِ الدُّنْيا خَمْسُمِائَةِ عامٍ وثِخَنَ كُلِّ سَماءٍ كَذَلِكَ وما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ كَذَلِكَ وما بَيْنَ السَّماءِ العُلْيا ومُقَعَّرِ الكُرْسِيِّ كَذَلِكَ، ومَجْمُوعُ ذَلِكَ أرْبَعَةُ عَشَرَ ألْفَ عامٍ ومِن مُقَعَّرِ الكُرْسِيِّ إلى العَرْشِ مَسِيرَةُ سِتٍّ وثَلاثِينَ ألْفَ عامٍ فالمَجْمُوعُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ. وفِي خَبَرٍ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ وإنْ لَمْ تَبْعُدْ هَذِهِ السُّرْعَةُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عِنْدَ مَن وقَفَ عَلى سُرْعَةِ حَرَكَةِ الأضْواءِ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ومِنَ النّاسِ مَنِ اعْتَبَرَ هَذِهِ المُدَّةَ مِنَ الأرْضِ إلى العَرْشِ عُرُوجًا وهُبُوطًا واعْتَبَرَها كَذَلِكَ مِنَ الأرْضِ إلى مُقَعَّرِ السَّماءِ الدُّنْيا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السَّجْدَةِ: 5] ومَن يَعْتَبِرُ أحَدَ الأمْرَيْنِ يَعْتَبِرُ هُنا مُحَدَّبَ السَّماءِ الدُّنْيا والأرْضِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما لِلْمُتَصَوِّفَةِ في ذَلِكَ. وقِيلَ الكَلامُ بَيانٌ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ. والمُرادُ أنَّها في غايَةِ البُعْدِ والِارْتِفاعِ المَعْنَوِيِّ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ في المَعارِجِ أوِ الحِسِّيِّ كَما في بَعْضٍ آخَرَ. ولَيْسَ المُرادُ التَّحْدِيدَ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ تِلْكَ المُدَّةَ هي مُدَّةُ الدُّنْيا مُنْذُ خُلِقَتْ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ إلى أنَّهُ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ أيْ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ إلَيْهِ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةِ وهَذا يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِالدُّنْيا ما يُقابِلُ الأُخْرى ويَشْمَلُ العَرْشَ ونَحْوَهُ ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ ما ورَدَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ جَوابًا لِمَن سَألَهُ مَتى خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العَرْشَ يُكَذِّبُهُ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما مَضى مِن أوَّلِ زَمَنِ خَلْقِهِ إلى اليَوْمِ يَزِيدُ عَلى خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ بِأُلُوفِ أُلُوفِ سِنِينَ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولَعَلَّهُ أوْلى بِالقَبُولِ مِمّا قالَهُ عِكْرِمَةُ. والحَقُّ أنَّهُ لا يَعْلَمُ مَبْدَأ الخَلْقِ ولا مُدَّةَ بَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَيْدَ أنّا نَعْلَمُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى أنَّ هَذا العالَمَ حادِثٌ حُدُوثًا زَمانِيًّا وأنَّهُ سَتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتِ وتَبْرُزُ الخَلائِقُ لِلَّهِ تَعالى الواحِدِ القَهّارِ.

المعارج 70:5

﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا﴾ مُتَفَرِّعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ ومُتَعَلِّقٌ بِهِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا لِأنَّ السُّؤالَ كانَ عَنِ اسْتِهْزاءٍ وتَعَنُّتٍ وتَكْذِيبٍ بِناءً عَلى أنَّ السّائِلَ النَّضِرُ وأضْرابُهُ وذَلِكَ مِمّا يُضْجِرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ كانَ عَنْ تَضَجُّرٍ واسْتِبْطاءٍ لِلنَّصْرِ بِناءً عَلى أنَّهُ ﷺ هو السّائِلُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاصْبِرْ ولا تَسْتَعْجِلْ فَإنَّ المَوْعُودَ كائِنٌ لا مَحالَةَ. والمَعْنى عَلى هَذا أيْضًا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ «سالَ سائِلٌ» مِنَ السَّيَلانِ كَقِراءَةِ «سالَ سَيْلٌ» ولا يَظْهَرُ تَفَرُّعُهُ عَلى سَألَ مِنَ السُّؤالِ إنْ كانَ السّائِلُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ والصَّبْرُ الجَمِيلُ عَلى ما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما لا شَكْوى فِيهِ إلى أحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وأُخْرِجَ عَنْ عَبْدِ الأعْلى بْنِ الحَجّاجِ أنَّهُ ما يَكُونُ مَعَهُ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ بِحَيْثُ لا يُدْرى مَن هو.

المعارج 70:6

﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ﴾ أيِ العَذابَ الواقِعَ أوِ اليَوْمَ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ﴾ إلَخِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ الحِسابِ مُتَعَلِّقًا بِتَعْرُجُ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا أوْ بِدافِعٍ أوْ بِواقِعٍ أوْ بِسالَ مِنَ السَّيَلانِ أوْ يَوْمُ القِيامَةِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِواقِعٍ عَلى وجْهٍ فَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ مِن تَخْصِيصِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِما إذا كانَ ﴿فِي يَوْمٍ﴾ مُتَعَلِّقًا بِواقِعٍ فِيهِ بَحْثٌ ومَعْنًى ﴿يَرَوْنَهُ﴾ يَعْتَقِدُونَهُ ﴿بَعِيدًا﴾ أيْ مِنَ الإمْكانِ والمُرادُ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مُحالٌ أوْ مِنَ الوُقُوعِ والمُرادُ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ لا يَقَعُ أصْلًا وإنْ كانَ مُمْكِنًا ذاتًا وكَلامُ كَفّارِ أهْلِ مَكَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والحِسابِ مُحْتَمِلٌ لِلْأمْرَيْنِ بَلْ رُبَّما تَسْمَعُهم يَتَكَلَّمُونَ بِما يَكادُ يُشْعِرُ بِوُقُوعِهِ حَيْثُ يَزْعُمُونَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم فَهم مُتَلَوِّنُونَ في أمْرِهِ تَلَوُّنَ الحِرْباءِ والعَذابُ إنْ أُرِيدَ بِهِ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ فَهو كَيَوْمِ القِيامَةِ عِنْدَهم أوْ أنَّهُ لا يَقَعُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مُطْلَقًا لِزَعْمِهِمْ دَفْعَ آلِهَتِهِمْ إيّاهُ عَنْهم وإنْ أُرِيدَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا فالظّاهِرُ أنَّهم لا يَنْفُونَ إمْكانَهُ وإنَّما يَنْفُونَ وُقُوعَهُ ولا تَكادُ تَتِمُّ دَعْوى أنَّهم يَنْفُونَ إمْكانَهُ الذّاتِيَّ.

المعارج 70:7

﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ مِنَ الإمْكانِ والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْمُشاكَلَةِ كَما قِيلَ صفحة 59 بِها في ( نَراهُ ) إذْ هو مُمْكِنٌ ولا مَعْنى لِوَصْفِ المُمْكِنِ بِالقُرْبِ مِنَ الإمْكانِ لِدُخُولِهِ في حَيِّزِهِ والمُرادُ وصْفُهُ بِالإمْكانِ أيْ ونَراهُ مُمْكِنًا وهَذا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ في ﴿يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أوْ ( نَراهُ قَرِيبًا ) مِنَ الوُقُوعِ وهَذا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فِيهِ وقَدْ يُقالُ كَذَلِكَ عَلى الأوَّلِ أيْضًا عَلى مَعْنى أنَّهم ﴿يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ مِنَ الإمْكانِ ونَحْنُ نَراهُ قَرِيبًا مِنَ الوُقُوعِ فَضْلًا عَنِ الإمْكانِ ولَعَلَّهُ أوْلى مِن تَقْدِيرِ الإمْكانِ في الجُمْلَتَيْنِ وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُمْ﴾ إلَخِ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ وقِيلَ إنْ كانَ المُسْتَعْجَلُ هو النَّضِرُ وأضْرابُهُ فَهي مُسْتَأْنِفَةٌ بَيانًا لِشُبْهَةِ اسْتِهْزائِهِمْ وجَوابًا عَنْهُ وإنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ فَهي تَعْلِيلٌ لِما ضَمِنَ الأمْرُ بِالصَّبْرِ مِن تَرْكِ الِاسْتِعْجالِ بِأنَّ رُؤْيَتَنا ذَلِكَ قَرِيبًا تُوجِبُ الوُثُوقَ وتَرْكَ الِاسْتِعْجالِ.

المعارج 70:8

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَرِيبًا أوْ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿واقِعٍ﴾ وهو يَقَعُ أوْ بَدَلٌ عَنْ ﴿فِي يَوْمٍ﴾ إنْ عُلِّلَ بِهِ دُونَ ﴿تَعْرُجُ﴾ والنَّصْبُ بِاعْتِبارِ أنَّ مَحَلَّ الجارِّ والمَجْرُورِ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ بَدَلًا عَنِ المَجْرُورِ وحْدَهُ فاشْتِراطُ أبِي حَيّانٍ لِمُراعاةِ المَحَلِّ كَوْنَ الجارِّ زائِدًا. أوْ شِبْهَهُ كَرُبَّ غَيْرُ صَحِيحٍ ولا يَحْتاجُ تَصْحِيحُ البَدَلِيَّةِ إلى التِزامِ كَوْنِ حَرَكَةِ يَوْمَ بِنائِيَةً بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ المُجَوِّزِينَ لِذَلِكَ وإنْ أُضِيفَ لِمُعْرَبٍ وذُكِرَ أنَّهُ عَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ الثَّلاثِ المُرادُ بِالعَذابِ عَذابُ القِيامَةِ وأمّا إذا أُرِيدَ عَذابُ الدُّنْيا فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ يَكُونُ كَيْتَ وكَيْتَ وكَأنَّهم لَمّا اسْتَعْجَلُوا العَذابَ أُجِيبُوا بِأزَفِ الوُقُوعِ ثُمَّ قِيلَ لِيَهُنْ ذَلِكَ في جَنْبِ ما أُعِدَّ لَكم ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ العَذابُ الَّذِي هو العَذابُ ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ البِدايَةَ مُمْكِنَةٌ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ ( في يَوْمٍ ) بِتَعْرُجُ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ أيْضًا كَما قَدَّمْنا وأنَّ الأوْلى عِنْدَ تَعَلُّقِهِ بِقَرِيبًا أنْ لا يُرادُ مِنَ القُرْبِ مِنَ الإمْكانِ الإمْكانُ الذّاتِيُّ لِما في تَقْيِيدِهِ بِاليَوْمِ نَوْعُ إيهامٍ. وأنَّ ضَمِيرَيْ ( يَرَوْنَهُ ونَراهُ ) إذا كانا لِيَوْمِ القِيامَةِ يَلْزَمُ وُقُوعُ الزَّمانِ في الزَّمانِ في قَوْلِنا يَقَعُ يَوْمُ القِيامَةِ يَوْمَ تَكُونُ كالمَهْلِ ويُجابُ بِما لا يَخْفى. وجَوَّزَ في البَحْرِ كَوْنَهُ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ( نَراهُ ) إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ وفي الإرْشادِ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِلَيْسَ لَهُ دافَعٌ وبَعْضُهم كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ لا ذَكَرَ مَحْذُوفًا وتَعَلُّقُهُ بِنَراهُ كَما قالَهُ مَكِّيٌّ لا نَراهُ وكَذا تَعَلُّقُهُ بِيُبَصَّرُونَهم كَما حَكاهُ ومِثْلُهُ ما عَسى أنْ يُقالَ مُتَعَلِّقُهُ بِيَوَدُّ الآتِي بَعْدُ فَتَأمَّلْ والمُهْلُ أخْرَجَ أحْمَدُ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وهو ما يَكُونُ في قَعْرِهِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُهْلُ ما أُذِيبَ عَلى مُهْلٍ مِنَ الفِلِزّاتِ والمُرادُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ واهِيَةً وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ أنَّ السَّماءَ الآنَ خَضْراءُ وأنَّها تُحَوَّلُ يَوْمَ القِيامَةِ لَوْنًا آخَرَ إلى الحُمْرَةِ.

المعارج 70:9

﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ كالصُّوفِ دُونَ تَقْيِيدٍ أوِ الأحْمَرِ أوِ المَصْبُوغِ ألْوانًا أقْوالٌ واخْتارَ جَمْعٌ الأخِيرَ وذَلِكَ لِاخْتِلافِ ألْوانِ الجِبالِ فَمِنها جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ وغَرابِيبُ سُودٌ فَإذا بُسَّتِ وطُيِّرَتْ في الجَوِّ أشْبَهَتِ العِهْنَ أيِ المَنفُوشَ كَما في القارِعَةِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ وعَنِ الحَسَنِ تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ ثُمَّ يَنْهَدُّ ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً.

المعارج 70:10

﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ لا يَسْألُ قَرِيبٌ مُشْفِقٌ قَرِيبًا مُشْفِقًا عَنْ حالِهِ ولا يُكَلِّمُهُ لِابْتِلاءِ كُلٍّ مِنهم بِما يَشْغَلُهُ عَنْ ذَلِكَ أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ وقِيلَ لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ أوْزارَهُ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ وقِيلَ لا يَسْألُهُ شَفاعَةً وفي البَحْرِ لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا مَنفَعَتَهُ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. ولَعَلَّ الأوَّلَ أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ وأيًّا ما كانَ فَمَفْعُولُ ( يَسْألُ ) الثّانِي مَحْذُوفٌ وقِيلَ ﴿حَمِيمًا﴾ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثُلاثَتِهِمْ «ولا يُسْألُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ لا يُطْلَبُ مِن حَمِيمٍ حَمِيمٌ ولا يُكَلَّفُ إحْضارَهُ أوْ لا يُسْألُ مِنهُ حالُهُ وقِيلَ لا يُسْألُ ذُنُوبَ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.

المعارج 70:11

﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أيْ يُبَصَّرُ الأحْماءُ الأحْماءَ فَلا يُخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ وما يَمْنَعُهم مِنَ التَّساؤُلِ إلّا اشْتِغالُهم بِحالِ أنْفُسِهِمْ وقِيلَ ما يُغْنِي عَنْهُ مِن مُشاهَدَةِ صفحة 60 الحالِ كَبَياضِ الوَجْهِ وسَوادِهِ ولا يَخْفى حالُهُ ويُبَصَّرُونَهم قِيلَ مِن بَصَّرْتُهُ بِالشَّيْءِ إذا أوْضَحْتُهُ لَهُ حَتّى يُبْصِرَهُ ثُمَّ ضَمِنَ مَعْنى التَّعْرِيفِ أوْ حَذَفُ الصِّلَةِ إيصالًا وجَمْعُ الضَّمِيرَيْنِ لِعُمُومِ الحَمِيمِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ لا ( يُسْألُ ) إلَخِ قِيلَ لَعَلَّهُ لا يُبْصِرُهُ فَقِيلَ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً أيْ ﴿حَمِيمًا﴾ مُبْصِرِينَ مُعَرِّفِينَ إيّاهم وأنْ تَكُونَ حالًا إمّا مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ أوْ مِن كِلَيْهِما ولا يَضُرُّ التَّنْكِيرُ لِمَكانِ العُمُومِ وهو مُسَوِّغٌ لِلْحالِيَّةِ ورُجِّحَتْ عَلى الوَصْفِيَّةِ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالوَصْفِ في مَقامِ الإطْلاقِ والتَّعْمِيمُ غَيْرُ مُناسِبٍ ولَيْسَ فِيها ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ. وقَرَأ قَتادَةُ «يُبَصَّرُونَهُمْ» مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ أيْ يُشاهِدُونَهم ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيْ يَتَمَنّى الكافِرُ وقِيلَ كُلُّ مُذْنِبٍ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيِ العَذابِ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ يَوْمَئِذٍ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ حِكايَةً لِوِدادَتِهِمْ ( ولَوْ ) في مَعْنى التَّمَنِّي وقِيلَ هي بِمَنزِلَةِ أنَّ النّاصِبَةِ فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لِيَوَدُّ والتَّقْدِيرُ ﴿يَوَدُّ﴾ افْتِداءَهُ بِبَنِيهِ إلَخِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَيْثُ يَتَمَنّى أنْ يَفْتَدِيَ بِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وأعْلَقِهِمْ بِقَلْبِهِ فَضْلًا أنْ يَهْتَمَّ بِحالِهِ ويَسْألَ عَنْها وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ عَلى فَرْضِ أنْ يَكُونَ هو السّائِلَ فَإنْ فُرِضَ أنَّ السّائِلَ المَفْعُولُ فَهي حالٌ مِن ضَمِيرِهِ وقِيلَ الظّاهِرُ جَعْلُها حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ لِأنَّهُ المُتَمَنِّي. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ مِنهم وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ كَما في أنْوارِ التَّنْزِيلِ والأعْرَجُ «يَوْمَئِذٍ» بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِلْإضافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ وبِتَنْوِينِ «عَذابٍ» فَيَوْمَئِذٍ حِينَئِذٍ مَنصُوبٌ بِعَذابٍ لِأنَّهُ في مَعْنى تَعْذِيبٍ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾ أيْ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ فُصِلَ عَنْهم كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ ولَعَلَّهُ أوْلى مِن قَوْلِ الرّاغِبِ عَشِيرَتِهِ المُنْفَصِلَةِ عَنْهُ وقالَ ثَعْلَبٌ ( فَصِيلَتِهِ ) آباؤُهُ الأدْنَوْنَ وفَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ الفَصِيلَةَ بِالفَخْذِ ﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ تُضَمِّنُهُ انْتِماءً إلَيْها لِياذًا بِها في النَّوائِبِ ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ أوِ الخَلائِقِ الشّامِلَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ ومِن لِلتَّغْلِيبِ ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي في ضِمْنِ الفِعْلِ أيْ يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ لَوْ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانٍ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ والزَّمَخْشَرِيُّ عَوَّدَهُ إلى ( مَن في الأرْضِ ) وثُمَّ الِاسْتِبْعادُ الإنْجاءُ يَعْنِي يَتَمَنّى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا تَحْتَ يَدِهِ وبَذَلَهم في فِداءِ نَفْسِهِ ثُمَّ يُنْجِيهِ ذَلِكَ وهَيْهاتَ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «تُؤْوِيهِ» و«يُنْجِيهِ» بِضَمِّ الهاءَيْنِ.

المعارج 70:12

﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أيْ يُبَصَّرُ الأحْماءُ الأحْماءَ فَلا يُخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ وما يَمْنَعُهم مِنَ التَّساؤُلِ إلّا اشْتِغالُهم بِحالِ أنْفُسِهِمْ وقِيلَ ما يُغْنِي عَنْهُ مِن مُشاهَدَةِ صفحة 60 الحالِ كَبَياضِ الوَجْهِ وسَوادِهِ ولا يَخْفى حالُهُ ويُبَصَّرُونَهم قِيلَ مِن بَصَّرْتُهُ بِالشَّيْءِ إذا أوْضَحْتُهُ لَهُ حَتّى يُبْصِرَهُ ثُمَّ ضَمِنَ مَعْنى التَّعْرِيفِ أوْ حَذَفُ الصِّلَةِ إيصالًا وجَمْعُ الضَّمِيرَيْنِ لِعُمُومِ الحَمِيمِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ لا ( يُسْألُ ) إلَخِ قِيلَ لَعَلَّهُ لا يُبْصِرُهُ فَقِيلَ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً أيْ ﴿حَمِيمًا﴾ مُبْصِرِينَ مُعَرِّفِينَ إيّاهم وأنْ تَكُونَ حالًا إمّا مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ أوْ مِن كِلَيْهِما ولا يَضُرُّ التَّنْكِيرُ لِمَكانِ العُمُومِ وهو مُسَوِّغٌ لِلْحالِيَّةِ ورُجِّحَتْ عَلى الوَصْفِيَّةِ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالوَصْفِ في مَقامِ الإطْلاقِ والتَّعْمِيمُ غَيْرُ مُناسِبٍ ولَيْسَ فِيها ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ. وقَرَأ قَتادَةُ «يُبَصَّرُونَهُمْ» مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ أيْ يُشاهِدُونَهم ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيْ يَتَمَنّى الكافِرُ وقِيلَ كُلُّ مُذْنِبٍ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيِ العَذابِ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ يَوْمَئِذٍ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ حِكايَةً لِوِدادَتِهِمْ ( ولَوْ ) في مَعْنى التَّمَنِّي وقِيلَ هي بِمَنزِلَةِ أنَّ النّاصِبَةِ فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لِيَوَدُّ والتَّقْدِيرُ ﴿يَوَدُّ﴾ افْتِداءَهُ بِبَنِيهِ إلَخِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَيْثُ يَتَمَنّى أنْ يَفْتَدِيَ بِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وأعْلَقِهِمْ بِقَلْبِهِ فَضْلًا أنْ يَهْتَمَّ بِحالِهِ ويَسْألَ عَنْها وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ عَلى فَرْضِ أنْ يَكُونَ هو السّائِلَ فَإنْ فُرِضَ أنَّ السّائِلَ المَفْعُولُ فَهي حالٌ مِن ضَمِيرِهِ وقِيلَ الظّاهِرُ جَعْلُها حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ لِأنَّهُ المُتَمَنِّي. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ مِنهم وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ كَما في أنْوارِ التَّنْزِيلِ والأعْرَجُ «يَوْمَئِذٍ» بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِلْإضافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ وبِتَنْوِينِ «عَذابٍ» فَيَوْمَئِذٍ حِينَئِذٍ مَنصُوبٌ بِعَذابٍ لِأنَّهُ في مَعْنى تَعْذِيبٍ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾ أيْ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ فُصِلَ عَنْهم كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ ولَعَلَّهُ أوْلى مِن قَوْلِ الرّاغِبِ عَشِيرَتِهِ المُنْفَصِلَةِ عَنْهُ وقالَ ثَعْلَبٌ ( فَصِيلَتِهِ ) آباؤُهُ الأدْنَوْنَ وفَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ الفَصِيلَةَ بِالفَخْذِ ﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ تُضَمِّنُهُ انْتِماءً إلَيْها لِياذًا بِها في النَّوائِبِ ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ أوِ الخَلائِقِ الشّامِلَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ ومِن لِلتَّغْلِيبِ ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي في ضِمْنِ الفِعْلِ أيْ يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ لَوْ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانٍ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ والزَّمَخْشَرِيُّ عَوَّدَهُ إلى ( مَن في الأرْضِ ) وثُمَّ الِاسْتِبْعادُ الإنْجاءُ يَعْنِي يَتَمَنّى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا تَحْتَ يَدِهِ وبَذَلَهم في فِداءِ نَفْسِهِ ثُمَّ يُنْجِيهِ ذَلِكَ وهَيْهاتَ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «تُؤْوِيهِ» و«يُنْجِيهِ» بِضَمِّ الهاءَيْنِ.

المعارج 70:13

﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أيْ يُبَصَّرُ الأحْماءُ الأحْماءَ فَلا يُخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ وما يَمْنَعُهم مِنَ التَّساؤُلِ إلّا اشْتِغالُهم بِحالِ أنْفُسِهِمْ وقِيلَ ما يُغْنِي عَنْهُ مِن مُشاهَدَةِ صفحة 60 الحالِ كَبَياضِ الوَجْهِ وسَوادِهِ ولا يَخْفى حالُهُ ويُبَصَّرُونَهم قِيلَ مِن بَصَّرْتُهُ بِالشَّيْءِ إذا أوْضَحْتُهُ لَهُ حَتّى يُبْصِرَهُ ثُمَّ ضَمِنَ مَعْنى التَّعْرِيفِ أوْ حَذَفُ الصِّلَةِ إيصالًا وجَمْعُ الضَّمِيرَيْنِ لِعُمُومِ الحَمِيمِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ لا ( يُسْألُ ) إلَخِ قِيلَ لَعَلَّهُ لا يُبْصِرُهُ فَقِيلَ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً أيْ ﴿حَمِيمًا﴾ مُبْصِرِينَ مُعَرِّفِينَ إيّاهم وأنْ تَكُونَ حالًا إمّا مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ أوْ مِن كِلَيْهِما ولا يَضُرُّ التَّنْكِيرُ لِمَكانِ العُمُومِ وهو مُسَوِّغٌ لِلْحالِيَّةِ ورُجِّحَتْ عَلى الوَصْفِيَّةِ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالوَصْفِ في مَقامِ الإطْلاقِ والتَّعْمِيمُ غَيْرُ مُناسِبٍ ولَيْسَ فِيها ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ. وقَرَأ قَتادَةُ «يُبَصَّرُونَهُمْ» مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ أيْ يُشاهِدُونَهم ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيْ يَتَمَنّى الكافِرُ وقِيلَ كُلُّ مُذْنِبٍ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيِ العَذابِ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ يَوْمَئِذٍ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ حِكايَةً لِوِدادَتِهِمْ ( ولَوْ ) في مَعْنى التَّمَنِّي وقِيلَ هي بِمَنزِلَةِ أنَّ النّاصِبَةِ فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لِيَوَدُّ والتَّقْدِيرُ ﴿يَوَدُّ﴾ افْتِداءَهُ بِبَنِيهِ إلَخِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَيْثُ يَتَمَنّى أنْ يَفْتَدِيَ بِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وأعْلَقِهِمْ بِقَلْبِهِ فَضْلًا أنْ يَهْتَمَّ بِحالِهِ ويَسْألَ عَنْها وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ عَلى فَرْضِ أنْ يَكُونَ هو السّائِلَ فَإنْ فُرِضَ أنَّ السّائِلَ المَفْعُولُ فَهي حالٌ مِن ضَمِيرِهِ وقِيلَ الظّاهِرُ جَعْلُها حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ لِأنَّهُ المُتَمَنِّي. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ مِنهم وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ كَما في أنْوارِ التَّنْزِيلِ والأعْرَجُ «يَوْمَئِذٍ» بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِلْإضافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ وبِتَنْوِينِ «عَذابٍ» فَيَوْمَئِذٍ حِينَئِذٍ مَنصُوبٌ بِعَذابٍ لِأنَّهُ في مَعْنى تَعْذِيبٍ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾ أيْ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ فُصِلَ عَنْهم كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ ولَعَلَّهُ أوْلى مِن قَوْلِ الرّاغِبِ عَشِيرَتِهِ المُنْفَصِلَةِ عَنْهُ وقالَ ثَعْلَبٌ ( فَصِيلَتِهِ ) آباؤُهُ الأدْنَوْنَ وفَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ الفَصِيلَةَ بِالفَخْذِ ﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ تُضَمِّنُهُ انْتِماءً إلَيْها لِياذًا بِها في النَّوائِبِ ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ أوِ الخَلائِقِ الشّامِلَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ ومِن لِلتَّغْلِيبِ ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي في ضِمْنِ الفِعْلِ أيْ يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ لَوْ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانٍ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ والزَّمَخْشَرِيُّ عَوَّدَهُ إلى ( مَن في الأرْضِ ) وثُمَّ الِاسْتِبْعادُ الإنْجاءُ يَعْنِي يَتَمَنّى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا تَحْتَ يَدِهِ وبَذَلَهم في فِداءِ نَفْسِهِ ثُمَّ يُنْجِيهِ ذَلِكَ وهَيْهاتَ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «تُؤْوِيهِ» و«يُنْجِيهِ» بِضَمِّ الهاءَيْنِ.

المعارج 70:14

﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أيْ يُبَصَّرُ الأحْماءُ الأحْماءَ فَلا يُخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ وما يَمْنَعُهم مِنَ التَّساؤُلِ إلّا اشْتِغالُهم بِحالِ أنْفُسِهِمْ وقِيلَ ما يُغْنِي عَنْهُ مِن مُشاهَدَةِ صفحة 60 الحالِ كَبَياضِ الوَجْهِ وسَوادِهِ ولا يَخْفى حالُهُ ويُبَصَّرُونَهم قِيلَ مِن بَصَّرْتُهُ بِالشَّيْءِ إذا أوْضَحْتُهُ لَهُ حَتّى يُبْصِرَهُ ثُمَّ ضَمِنَ مَعْنى التَّعْرِيفِ أوْ حَذَفُ الصِّلَةِ إيصالًا وجَمْعُ الضَّمِيرَيْنِ لِعُمُومِ الحَمِيمِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ لا ( يُسْألُ ) إلَخِ قِيلَ لَعَلَّهُ لا يُبْصِرُهُ فَقِيلَ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً أيْ ﴿حَمِيمًا﴾ مُبْصِرِينَ مُعَرِّفِينَ إيّاهم وأنْ تَكُونَ حالًا إمّا مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ أوْ مِن كِلَيْهِما ولا يَضُرُّ التَّنْكِيرُ لِمَكانِ العُمُومِ وهو مُسَوِّغٌ لِلْحالِيَّةِ ورُجِّحَتْ عَلى الوَصْفِيَّةِ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالوَصْفِ في مَقامِ الإطْلاقِ والتَّعْمِيمُ غَيْرُ مُناسِبٍ ولَيْسَ فِيها ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ. وقَرَأ قَتادَةُ «يُبَصَّرُونَهُمْ» مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ أيْ يُشاهِدُونَهم ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيْ يَتَمَنّى الكافِرُ وقِيلَ كُلُّ مُذْنِبٍ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيِ العَذابِ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ يَوْمَئِذٍ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ حِكايَةً لِوِدادَتِهِمْ ( ولَوْ ) في مَعْنى التَّمَنِّي وقِيلَ هي بِمَنزِلَةِ أنَّ النّاصِبَةِ فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لِيَوَدُّ والتَّقْدِيرُ ﴿يَوَدُّ﴾ افْتِداءَهُ بِبَنِيهِ إلَخِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَيْثُ يَتَمَنّى أنْ يَفْتَدِيَ بِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وأعْلَقِهِمْ بِقَلْبِهِ فَضْلًا أنْ يَهْتَمَّ بِحالِهِ ويَسْألَ عَنْها وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ عَلى فَرْضِ أنْ يَكُونَ هو السّائِلَ فَإنْ فُرِضَ أنَّ السّائِلَ المَفْعُولُ فَهي حالٌ مِن ضَمِيرِهِ وقِيلَ الظّاهِرُ جَعْلُها حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ لِأنَّهُ المُتَمَنِّي. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ مِنهم وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ كَما في أنْوارِ التَّنْزِيلِ والأعْرَجُ «يَوْمَئِذٍ» بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِلْإضافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ وبِتَنْوِينِ «عَذابٍ» فَيَوْمَئِذٍ حِينَئِذٍ مَنصُوبٌ بِعَذابٍ لِأنَّهُ في مَعْنى تَعْذِيبٍ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾ أيْ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ فُصِلَ عَنْهم كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ ولَعَلَّهُ أوْلى مِن قَوْلِ الرّاغِبِ عَشِيرَتِهِ المُنْفَصِلَةِ عَنْهُ وقالَ ثَعْلَبٌ ( فَصِيلَتِهِ ) آباؤُهُ الأدْنَوْنَ وفَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ الفَصِيلَةَ بِالفَخْذِ ﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ تُضَمِّنُهُ انْتِماءً إلَيْها لِياذًا بِها في النَّوائِبِ ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ أوِ الخَلائِقِ الشّامِلَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ ومِن لِلتَّغْلِيبِ ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي في ضِمْنِ الفِعْلِ أيْ يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ لَوْ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانٍ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ والزَّمَخْشَرِيُّ عَوَّدَهُ إلى ( مَن في الأرْضِ ) وثُمَّ الِاسْتِبْعادُ الإنْجاءُ يَعْنِي يَتَمَنّى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا تَحْتَ يَدِهِ وبَذَلَهم في فِداءِ نَفْسِهِ ثُمَّ يُنْجِيهِ ذَلِكَ وهَيْهاتَ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «تُؤْوِيهِ» و«يُنْجِيهِ» بِضَمِّ الهاءَيْنِ.

المعارج 70:15

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنِ الوِدادَةِ وتَصْرِيحٌ بِامْتِناعِ الإنْجاءِ وضَمِيرُ ﴿إنَّها﴾ لِلنّارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِذِكْرِ العَذابِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ وهي عَلَمٌ لِجَهَنَّمَ أوْ لِلدَّرَكَةِ الثّانِيَةِ مِن دَرَكاتِها مَنقُولٌ مِنَ اللَّظى بِمَعْنى اللَّهَبِ الخالِصِ ومَنعُ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ اللَّهَبُ عَلى المُبالَغَةِ كَأنَّ كُلَّها لَهَبٌ خالِصٌ وحَذْفُ التَّنْوِينِ إمّا لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ أوْ لِأنَّهُ عَلَمُ جِنْسٍ مَعْدُولٌ عَمّا فِيهِ اللّامُ كَسِحْرٍ إذا أرَدْتَ سِحْرًا بِعَيْنِهِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ أيِ الأطْرافِ كاليَدِ والرَّجُلِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ وقالَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ وقِيلَ الأعْضاءُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَقْتَلٍ ولِذا يُقالُ رَمى فَأشْوى إذا لَمْ يَقْتُلْ أوْ جَمْعُ شَواةٍ وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ وأنْشَدُوا قَوْلَ الأعْشى: قالَتْ =قَتِيلَةُ ما لَهُ قَدْ جَلَلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وقُرَّةَ بْنِ خالِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ وأخْرَجَ هو عَنْ أبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ تَفْسِيرَها بِلَحْمِ السّاقَيْنِ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ العَصَبُ والعَقِبُ وعَنْ أبِي العالِيَةِ مَحاسِنُ الوَجْهِ وفَسَّرَ نَزْعَها لِذَلِكَ بِأكْلِها لَهُ فَتَأْكُلُهُ ثُمَّ يَعُودُ وهَكَذا نَصَبَ بِتَقْدِيرٍ أعْنِي أوْ أخَصُّ وهو مُرادُ مَن قالَ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عَلَمًا لِما فِيهِ مِن صفحة 61 مَعْنى التَّلَظِّي كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ أيِ المَشْهُورُ بَعْضَ الأحْيانِ قالَهُ أبُو حَيّانٍ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الكَشْفِ وقالَ الخَفاجِيُّ ﴿لَظى﴾ بِمَعْنى مُتَلَظِّيَةٍ والحالُ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيها لا مِنها بِالمَعْنى السّابِقِ لِأنَّها نَكِرَةٌ أوْ خَبَرٌ. وفي مَجِيءِ الحالِ مِن مِثْلِهِ ما فِيهِ وقِيلَ هو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِي ∗∗∗ وهَلْ بِدارَةَ يا لِلنّاسِ مِن عارِ والعامِلُ أحَقَّهُ أوِ الخَبَرُ لِتَأْوِيلِهِ بِمُسَمّى أوِ المُبْتَدَأِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّنْبِيهِ أوْ مَعْنى الجُمْلَةِ وارْتِضاءُ الرَّضِيِّ وقِيلَ حالٌ مِن ضَمِيرِ تَدْعُو قُدِّمَ عَلَيْهِ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ إنَّها مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ أعْنِي ﴿لَظى﴾ وبُحِثَ فِيهِ بِما رَدَّهُ المُحَقِّقُونَ وقَرَأ الأكْثَرُونَ نَزّاعَةٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ أوْ صِفَةٌ لِلَظى وهو ظاهِرٌ عَلى اعْتِبارِ كَوْنِها نَكِرَةً وكَذا عَلى كَوْنِها عَلَمَ جِنْسٍ لِأنَّهُ كالمُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ في إجْرائِهِ مَجْرى النَّكِرَةِ أوْ هو الخَبَرُ ( ولَظى ) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ وإنِ اعْتُبِرَتْ نَكِرَةً بِناءً عَلى أنَّ إبْدالَ النَّكِرَةِ غَيْرَ مَنعُوتَةٍ مِنَ المَعْرِفَةِ قَدْ أجازَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ إذا تَضَمَّنَ فائِدَةً كَما هُنا. وجَوَّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿إنَّها﴾ لِلْقِصَّةِ ( ولَظى ) مُبْتَدَأٌ بِناءً عَلى أنَّهُ مَعْرِفَةٌ ونَزّاعَةٌ خَبَرُهُ.

المعارج 70:16

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنِ الوِدادَةِ وتَصْرِيحٌ بِامْتِناعِ الإنْجاءِ وضَمِيرُ ﴿إنَّها﴾ لِلنّارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِذِكْرِ العَذابِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ وهي عَلَمٌ لِجَهَنَّمَ أوْ لِلدَّرَكَةِ الثّانِيَةِ مِن دَرَكاتِها مَنقُولٌ مِنَ اللَّظى بِمَعْنى اللَّهَبِ الخالِصِ ومَنعُ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ اللَّهَبُ عَلى المُبالَغَةِ كَأنَّ كُلَّها لَهَبٌ خالِصٌ وحَذْفُ التَّنْوِينِ إمّا لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ أوْ لِأنَّهُ عَلَمُ جِنْسٍ مَعْدُولٌ عَمّا فِيهِ اللّامُ كَسِحْرٍ إذا أرَدْتَ سِحْرًا بِعَيْنِهِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ أيِ الأطْرافِ كاليَدِ والرَّجُلِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ وقالَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ وقِيلَ الأعْضاءُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَقْتَلٍ ولِذا يُقالُ رَمى فَأشْوى إذا لَمْ يَقْتُلْ أوْ جَمْعُ شَواةٍ وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ وأنْشَدُوا قَوْلَ الأعْشى: قالَتْ =قَتِيلَةُ ما لَهُ قَدْ جَلَلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وقُرَّةَ بْنِ خالِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ وأخْرَجَ هو عَنْ أبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ تَفْسِيرَها بِلَحْمِ السّاقَيْنِ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ العَصَبُ والعَقِبُ وعَنْ أبِي العالِيَةِ مَحاسِنُ الوَجْهِ وفَسَّرَ نَزْعَها لِذَلِكَ بِأكْلِها لَهُ فَتَأْكُلُهُ ثُمَّ يَعُودُ وهَكَذا نَصَبَ بِتَقْدِيرٍ أعْنِي أوْ أخَصُّ وهو مُرادُ مَن قالَ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عَلَمًا لِما فِيهِ مِن صفحة 61 مَعْنى التَّلَظِّي كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ أيِ المَشْهُورُ بَعْضَ الأحْيانِ قالَهُ أبُو حَيّانٍ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الكَشْفِ وقالَ الخَفاجِيُّ ﴿لَظى﴾ بِمَعْنى مُتَلَظِّيَةٍ والحالُ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيها لا مِنها بِالمَعْنى السّابِقِ لِأنَّها نَكِرَةٌ أوْ خَبَرٌ. وفي مَجِيءِ الحالِ مِن مِثْلِهِ ما فِيهِ وقِيلَ هو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِي ∗∗∗ وهَلْ بِدارَةَ يا لِلنّاسِ مِن عارِ والعامِلُ أحَقَّهُ أوِ الخَبَرُ لِتَأْوِيلِهِ بِمُسَمّى أوِ المُبْتَدَأِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّنْبِيهِ أوْ مَعْنى الجُمْلَةِ وارْتِضاءُ الرَّضِيِّ وقِيلَ حالٌ مِن ضَمِيرِ تَدْعُو قُدِّمَ عَلَيْهِ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ إنَّها مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ أعْنِي ﴿لَظى﴾ وبُحِثَ فِيهِ بِما رَدَّهُ المُحَقِّقُونَ وقَرَأ الأكْثَرُونَ نَزّاعَةٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ أوْ صِفَةٌ لِلَظى وهو ظاهِرٌ عَلى اعْتِبارِ كَوْنِها نَكِرَةً وكَذا عَلى كَوْنِها عَلَمَ جِنْسٍ لِأنَّهُ كالمُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ في إجْرائِهِ مَجْرى النَّكِرَةِ أوْ هو الخَبَرُ ( ولَظى ) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ وإنِ اعْتُبِرَتْ نَكِرَةً بِناءً عَلى أنَّ إبْدالَ النَّكِرَةِ غَيْرَ مَنعُوتَةٍ مِنَ المَعْرِفَةِ قَدْ أجازَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ إذا تَضَمَّنَ فائِدَةً كَما هُنا. وجَوَّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿إنَّها﴾ لِلْقِصَّةِ ( ولَظى ) مُبْتَدَأٌ بِناءً عَلى أنَّهُ مَعْرِفَةٌ ونَزّاعَةٌ خَبَرُهُ.

المعارج 70:17

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَدْعُوَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أوْ حالٌ مُتَداخِلَةٌ أوْ مُتَرادِفَةٌ أوْ مُفْرَدَةٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَلا تَغْفُلْ والدُّعاءُ عَلى حَقِيقَتِهِ وذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى فِيها القُدْرَةَ عَلى الكَلامِ كَما يَخْلُقُهُ في جُلُودِهِمْ وأيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ فَتُنادِيهِمْ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ ورُوِيَ أنَّها تَقُولُ لَهم ( إلَيَّ إلَيَّ ) يا كافِرُ يا مُنافِقُ. وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الجَذْبُ والإحْضارُ كَما في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ يَصِفُ الثَّوْرَ الوَحْشِيَّ: أمْسى بِوَهْبَيْنِ مُجْتازًا لِمَرْتَعِهِ مِن ذِي الفَوارِسِ تَدْعُو أنْفَهُ الرَّبَبَ ونَحْوُهُ قَوْلُهُ أيْضًا: لَيالِي اللَّهْوِ يُطْبِينِي فَأتْبَعُهُ ∗∗∗ كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةِ لَعِبِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ شَبَّهَ لِياقَتَها لَهم أوِ اسْتِحْقاقَهم لَها عَلى ما قِيلَ بِدُعائِها لَهم فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالدُّعاءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ تَدْعُو تَهْلِكُ مِن قَوْلِ العَرَبِ دَعاكَ اللَّهُ تَعالى أيْ أهْلَكَكَ وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنْهم. وفِي الأساسِ دَعاهُ اللَّهُ تَعالى بِما يَكْرَهُ أنْزَلَهُ بِهِ وأصابَتْهم دَواعِي الدَّهْرِ صُرُوفُهُ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: دَعاكَ اللَّهُ مِن رَجُلٍ بِأفْعى ∗∗∗ إذا نامَ العُيُونُ سَرَتْ عَلَيْكا واسْتَظْهَرَ أنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلدُّعاءِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ وفِيهِ تَرَدُّدٌ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ لِزَبانِيَتِها وأُسْنِدَ إلَيْها مَجازًا أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَدْعُو زَبانِيَتَها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ في الدُّنْيا عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى﴾ أعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءِ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حُقُوقَهُ وتَشاغَلَ بِهِ عَنِ الدِّينِ زَهًّا بِاقْتِنائِهِ حِرْصًا وتَأْمِيلًا وهَذا إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ وما أخْوَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنِ الحَكَمِ أنَّهُ قالَ كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .

المعارج 70:18

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَدْعُوَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أوْ حالٌ مُتَداخِلَةٌ أوْ مُتَرادِفَةٌ أوْ مُفْرَدَةٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَلا تَغْفُلْ والدُّعاءُ عَلى حَقِيقَتِهِ وذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى فِيها القُدْرَةَ عَلى الكَلامِ كَما يَخْلُقُهُ في جُلُودِهِمْ وأيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ فَتُنادِيهِمْ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ ورُوِيَ أنَّها تَقُولُ لَهم ( إلَيَّ إلَيَّ ) يا كافِرُ يا مُنافِقُ. وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الجَذْبُ والإحْضارُ كَما في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ يَصِفُ الثَّوْرَ الوَحْشِيَّ: أمْسى بِوَهْبَيْنِ مُجْتازًا لِمَرْتَعِهِ مِن ذِي الفَوارِسِ تَدْعُو أنْفَهُ الرَّبَبَ ونَحْوُهُ قَوْلُهُ أيْضًا: لَيالِي اللَّهْوِ يُطْبِينِي فَأتْبَعُهُ ∗∗∗ كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةِ لَعِبِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ شَبَّهَ لِياقَتَها لَهم أوِ اسْتِحْقاقَهم لَها عَلى ما قِيلَ بِدُعائِها لَهم فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالدُّعاءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ تَدْعُو تَهْلِكُ مِن قَوْلِ العَرَبِ دَعاكَ اللَّهُ تَعالى أيْ أهْلَكَكَ وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنْهم. وفِي الأساسِ دَعاهُ اللَّهُ تَعالى بِما يَكْرَهُ أنْزَلَهُ بِهِ وأصابَتْهم دَواعِي الدَّهْرِ صُرُوفُهُ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: دَعاكَ اللَّهُ مِن رَجُلٍ بِأفْعى ∗∗∗ إذا نامَ العُيُونُ سَرَتْ عَلَيْكا واسْتَظْهَرَ أنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلدُّعاءِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ وفِيهِ تَرَدُّدٌ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ لِزَبانِيَتِها وأُسْنِدَ إلَيْها مَجازًا أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَدْعُو زَبانِيَتَها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ في الدُّنْيا عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى﴾ أعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءِ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حُقُوقَهُ وتَشاغَلَ بِهِ عَنِ الدِّينِ زَهًّا بِاقْتِنائِهِ حِرْصًا وتَأْمِيلًا وهَذا إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ وما أخْوَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنِ الحَكَمِ أنَّهُ قالَ كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .

المعارج 70:19

﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ الهَلَعُ سُرْعَةُ الجَزَعِ عِنْدَ مَسِّ المَكْرُوهِ وسُرْعَةُ المَنعِ عِنْدَ مَسِّ الخَيْرِ مِن قَوْلِهِمْ ناقَةٌ هَلُوعُ سَرِيعَةُ السَّيْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الهَلُوعِ فَقالَ هو كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ إلَخِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا فَقَرَأ الآيَةَ وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ ثَعْلَبٍ قالَ قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ سُبْحانَهُ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿إذا مَسَّهُ﴾ الآيَةَ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا والجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها ( والإنْسانَ ) الجِنْسَ أوِ الكافِرَ قَوْلانِ أيَّدَ ثانِيَهُما بِما رَوى صفحة 62 الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ ولا يَأْبى ذاكَ إرادَةُ الجِنْسِ والشَّرُّ الفَقْرُ والمَرَضُ ونَحْوُهُما وألْ لِلْجِنْسِ أيْ إذا مَسَّهُ جِنْسُ الشَّرِّ ﴿جَزُوعًا﴾ أيْ مُبالِغًا في الجَزَعِ مُكْثِرًا مِنهُ. والجَزَعُ قالَ الرّاغِبُ أبْلَغُ مِنَ الحُزْنِ فَإنَّ الحُزْنَ عامٌّ والجَزَعَ حُزْنٌ يَصْرِفُ الإنْسانَ عَمّا هو بِصَدَدِهِ ويَقْطَعُهُ عَنْهُ. وأصْلُهُ قَطْعُ الحَبْلِ مِن نَصِفِهِ يُقالُ: جَزَعُهُ فانْجَزَعَ ولِتَصَوُّرِ الِانْقِطاعِ فِيهِ قِيلَ جَزِعَ الوادِي لِمُنْقَطَعِهِ والِانْقِطاعُ اللَّوْنُ بِتَغَيُّرِهِ قِيلَ لِلْخَرَزِ المُتَلَوِّنِ جَزَعٌ وعَنْهُ اسْتُعِيرَ قَوْلُهم لَحْمٌ مُجَزَّعٌ إذْ كانَ ذا لَوْنَيْنِ وقِيلَ لِلْبُسْرَةِ إذا بَلَغَ الإرْطابُ نِصْفَها مُجَزَّعَةً.

المعارج 70:20

﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ الهَلَعُ سُرْعَةُ الجَزَعِ عِنْدَ مَسِّ المَكْرُوهِ وسُرْعَةُ المَنعِ عِنْدَ مَسِّ الخَيْرِ مِن قَوْلِهِمْ ناقَةٌ هَلُوعُ سَرِيعَةُ السَّيْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الهَلُوعِ فَقالَ هو كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ إلَخِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا فَقَرَأ الآيَةَ وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ ثَعْلَبٍ قالَ قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ سُبْحانَهُ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿إذا مَسَّهُ﴾ الآيَةَ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا والجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها ( والإنْسانَ ) الجِنْسَ أوِ الكافِرَ قَوْلانِ أيَّدَ ثانِيَهُما بِما رَوى صفحة 62 الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ ولا يَأْبى ذاكَ إرادَةُ الجِنْسِ والشَّرُّ الفَقْرُ والمَرَضُ ونَحْوُهُما وألْ لِلْجِنْسِ أيْ إذا مَسَّهُ جِنْسُ الشَّرِّ ﴿جَزُوعًا﴾ أيْ مُبالِغًا في الجَزَعِ مُكْثِرًا مِنهُ. والجَزَعُ قالَ الرّاغِبُ أبْلَغُ مِنَ الحُزْنِ فَإنَّ الحُزْنَ عامٌّ والجَزَعَ حُزْنٌ يَصْرِفُ الإنْسانَ عَمّا هو بِصَدَدِهِ ويَقْطَعُهُ عَنْهُ. وأصْلُهُ قَطْعُ الحَبْلِ مِن نَصِفِهِ يُقالُ: جَزَعُهُ فانْجَزَعَ ولِتَصَوُّرِ الِانْقِطاعِ فِيهِ قِيلَ جَزِعَ الوادِي لِمُنْقَطَعِهِ والِانْقِطاعُ اللَّوْنُ بِتَغَيُّرِهِ قِيلَ لِلْخَرَزِ المُتَلَوِّنِ جَزَعٌ وعَنْهُ اسْتُعِيرَ قَوْلُهم لَحْمٌ مُجَزَّعٌ إذْ كانَ ذا لَوْنَيْنِ وقِيلَ لِلْبُسْرَةِ إذا بَلَغَ الإرْطابُ نِصْفَها مُجَزَّعَةً.

المعارج 70:21

﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ﴾ المالُ والغِنى أوِ الصِّحَّةُ ﴿مَنُوعًا﴾ مُبالِغًا في المَنعِ والإمْساكِ ( وإذا ) الأُولى ظَرْفٌ لَجَزُوعًا والثّانِيَةُ ظَرْفٌ لَمَنُوعًا والوَصْفانِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ صِفَتانِ كاشِفَتانِ لَهَلُوعًا الواقِعِ حالًا كَما هو الأنْسَبُ بِما سَمِعْتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ الأوْصافُ الثَّلاثَةُ أحْوالٌ فَقِيلَ مُقَدِّرَةٌ إنْ أُرِيدَ اتِّصافُ الإنْسانِ بِذَلِكَ بِالفِعْلِ فَإنَّهُ في حالِ الخَلْقِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وإنَّما حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ عَقْلِهِ ودُخُولِهِ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، ومُحَقَّقَةٌ إنْ أُرِيدَ اتِّصافُهُ بِمَبْدَأِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنَ الأُمُورِ الجِبِلِيَّةِ والطَّبائِعِ الكُلِّيَّةِ المُنْدَرِجَةِ فِيها تِلْكَ الصِّفاتُ بِالقُوَّةِ ولا مانِعَ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ مِن خَلْقِهِ تَعالى الإنْسانَ وطَبْعِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ عَلى ذَلِكَ وفي زَوالِها بَعْدُ خِلافٌ فَقِيلَ إنَّها تَزُولُ بِالمُعالَجَةِ ولَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَنعِ مِنها والنَّهْيِ عَنْها فائِدَةٌ وهي لَيْسَتْ مِن لَوازِمِ الماهِيَّةِ فاللَّهُ تَعالى كَما خَلَقَها يُزِيلُها وقِيلَ: إنَّها لا تَزُولُ وإنَّما تُسْتَرُ ويُمْنَعُ المَرْءُ عَنْ آثارِها الظّاهِرَةِ كَما قِيلَ: والطَّبْعُ في الإنْسانِ لا يَتَغَيَّرُ وهَذا الخِلافُ جارٍ في جَمِيعِ الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ وقالَ بَعْضُهُمْ: الأُمُورُ التّابِعَةُ مِنها لِأصْلِ المِزاجِ لا تَتَغَيَّرُ والتّابِعَةُ لِعَرَضِهِ قَدْ تَتَغَيَّرُ. وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً فَقالَ: المَعْنى أنَّ الإنْسانَ لِإيثارِهِ الجَزَعَ والمَنعَ وتَمَكُّنِهِما مِنهُ ورُسُوخِهِما فِيهِ كَأنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَيْهِما مَطْبُوعٌ وكَأنَّهُ أمْرٌ خِلْقِيٌّ وضَرُورِيٌّ غَيْرُ اخْتِيارِيٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنْبِياءِ: 37] لِأنَّهُ في البَطْنِ والمَهْدِ لَمْ يَكُنْ بِهِ هَلَعٌ ولِأنَّهُ ذَمٌّ واللَّهُ تَعالى لا يَذُمُّ فِعْلَهُ سُبْحانَهُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ اسْتِثْناءُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جاهَدُوا أنْفُسَهم وحَمَلُوها عَلى المَكارِهِ وطَلَّقُوها مِنَ الشَّهَواتِ حَتّى لَمْ يَكُونُوا جازِعِينَ ولا مانِعِينَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ في المَهْدِ أهَلَعُ وأهْلَعُ فَيُسْرِعُ إلى الثَّدْيِ ويَحْرِصُ عَلى الرِّضاعِ وإنَّ مَسَّهُ ألَمٌ جَزِعَ وبَكى وإنَّ تَمَسَّكَ بِشَيْءٍ فَزُوحِمَ عَلَيْهِ مَنَعَ بِما في قُدْرَتِهِ مِنِ اضْطِرابٍ وبُكاءٍ وفي البَطْنِ لا يُعْلَمُ حالُهُ وأيْضًا الِاسْمُ يَقَعُ عَلَيْهِ بَعْدَ الوَضْعِ فَما بَعْدَهُ هو المُعْتَبَرُ وإنَّ الذَّمَّ مِن حَيْثُ القِيامُ بِالعَبْدِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ وإنَّ الِاسْتِثْناءَ إمّا مُنْقَطِعٌ لِأنَّهُ لَمّا وصَفَ سُبْحانَهُ مَن أدْبَرَ وتَوَلّى مُعَلِّلًا بِهَلَعِهِ وجَزَعِهِ قالَ تَعالى لَكِنَّ المُصَلِّينَ في مُقابَلَتِهِمْ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ﴾ [المَعارِجِ: 35] ثُمَّ كَرَّ عَلى السّابِقِ وقالَ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المَعارِجِ: 36] بِالفاءِ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ ورَجَعا إلى بَدْءٍ لِأنَّهم مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ افْتَتَحَ السُّورَةَ بِذِكْرِ سُؤالِهِمْ أوْ مُتَّصِلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَسْتَمِرَّ خَلْقُهم عَلى الهَلَعِ فَإنَّ الأوَّلَ لَمّا كانَ تَعْلِيلًا كانَ مَعْناهُ خَلْقًا مُسْتَمِرًّا عَلى الهَلَعِ والجَزَعِ ﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ فَإنَّهم لَمْ يَسْتَمِرَّ خَلْقُهم عَلى ذَلِكَ فَلا يَرِدُ أنَّ الهَلَعَ الَّذِي في المَهْدِ لَوْ كانَ مُرادًا لَما صَحَّ اسْتِثْناءُ المُصَلِّينَ لِأنَّهم كَغَيْرِهِمْ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ انْتَهى وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى.

المعارج 70:22

﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ إلَخِ وقَدْ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِما يُنْبِئُ عَنْ كَمالِ تَنَزُّهِهِمْ عَنِ الهَلَعِ مِنَ الاسْتِغْراقِ في طاعَةِ الحَقِّ عَزَّ وجَلَّ والإشْفاقِ عَلى الخَلْقِ والإيمانِ بِالجَزاءِ والخَوْفِ مِنَ العُقُوبَةِ وكَسْرِ الشَّهْوَةِ وإيثارِ الآجِلِ عَلى العاجِلِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ مُواظِبُونَ عَلى أدائِها لا يُخِلُّونَ بِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ مِنَ الشَّواغِلِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى فَضْلِ المُداوِمَةِ عَلى العِبادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ حِبّانٍ عَنْ أبِي سَلَمَةٍ قالَ حَدَّثَتْنِي عائِشَةُ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُذُوا مِنَ العَمَلِ ما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا قالَتْ فَكانَ أحَبُّ الأعْمالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما دامَ عَلَيْهِ وإنْ قَلَّ، وكانَ إذا صَلّى صَلاةً دامَ عَلَيْها» . صفحة 63 وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ وأخْرَجَ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْها أنَّها قالَتْ: «كانَ عَمَلُهُ ﷺ دِيمَةً» قالَ جارُ اللَّهِ أيْ ما فَعَلَ مِن أفْعالِ الخَيْرِ إلّا وقَدِ اعْتادَ ذَلِكَ ويَفْعَلُهُ كُلَّما جاءَ وقْتُهُ ووُجِهَ بِأنَّ الفِعْلَةَ لِلْحالِ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها الشَّخْصُ ثُمَّ في جَعْلِهِ نَفْسَ الحالَةِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ كانَ مَلَكَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ ﴿دائِمُونَ﴾ أيْ لا يَلْتَفِتُونَ فِيها ومِنهُ الماءُ الدّائِمُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِمْرانِ بْنِ حُصَيْنٍ وكَذا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الخَيْرِ أنَّ عُقْبَةَ قالَ لَهُمْ: مَنِ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ؟ قالَ: قُلْنا الَّذِينَ لا يَزالُونَ يُصَلُّونَ، فَقالَ: لا ولَكِنِ الَّذِينَ إذا صَلَّوْا لَمْ يَلْتَفِتُوا عَنْ يَمِينٍ ولا شِمالٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ فَتُشْعِرُ الآيَةُ بِذَمِّ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ وقَدْ نَطَقَتِ الأخْبارُ بِذَلِكَ واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِها عَلى أنَّهُ كَبِيرَةٌ وتَحْقِيقُهُ في الزَّواجِرِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٍ أنَّ دَوامَها أداؤُها في مَواقِيتِها وهو كَما تَرى ولَعَلَّ تَرْكَ الِالتِفاتِ والأداءَ في الوَقْتِ يَتَضَمَّنُهُ ما يَأْتِي مِنَ المُحافَظَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والمُرادُ بِالصَّلاةِ عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ وعَنِ الإمامِ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِها النّافِلَةُ. وقِيلَ ما أُمِرُوا بِهِ مُطْلَقًا مِنها وقَرَأ الحَسَنُ «صَلَواتِهِمْ» بِالجَمْعِ.

المعارج 70:23

﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ إلَخِ وقَدْ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِما يُنْبِئُ عَنْ كَمالِ تَنَزُّهِهِمْ عَنِ الهَلَعِ مِنَ الاسْتِغْراقِ في طاعَةِ الحَقِّ عَزَّ وجَلَّ والإشْفاقِ عَلى الخَلْقِ والإيمانِ بِالجَزاءِ والخَوْفِ مِنَ العُقُوبَةِ وكَسْرِ الشَّهْوَةِ وإيثارِ الآجِلِ عَلى العاجِلِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ مُواظِبُونَ عَلى أدائِها لا يُخِلُّونَ بِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ مِنَ الشَّواغِلِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى فَضْلِ المُداوِمَةِ عَلى العِبادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ حِبّانٍ عَنْ أبِي سَلَمَةٍ قالَ حَدَّثَتْنِي عائِشَةُ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُذُوا مِنَ العَمَلِ ما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا قالَتْ فَكانَ أحَبُّ الأعْمالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما دامَ عَلَيْهِ وإنْ قَلَّ، وكانَ إذا صَلّى صَلاةً دامَ عَلَيْها» . صفحة 63 وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ وأخْرَجَ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْها أنَّها قالَتْ: «كانَ عَمَلُهُ ﷺ دِيمَةً» قالَ جارُ اللَّهِ أيْ ما فَعَلَ مِن أفْعالِ الخَيْرِ إلّا وقَدِ اعْتادَ ذَلِكَ ويَفْعَلُهُ كُلَّما جاءَ وقْتُهُ ووُجِهَ بِأنَّ الفِعْلَةَ لِلْحالِ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها الشَّخْصُ ثُمَّ في جَعْلِهِ نَفْسَ الحالَةِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ كانَ مَلَكَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ ﴿دائِمُونَ﴾ أيْ لا يَلْتَفِتُونَ فِيها ومِنهُ الماءُ الدّائِمُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِمْرانِ بْنِ حُصَيْنٍ وكَذا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الخَيْرِ أنَّ عُقْبَةَ قالَ لَهُمْ: مَنِ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ؟ قالَ: قُلْنا الَّذِينَ لا يَزالُونَ يُصَلُّونَ، فَقالَ: لا ولَكِنِ الَّذِينَ إذا صَلَّوْا لَمْ يَلْتَفِتُوا عَنْ يَمِينٍ ولا شِمالٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ فَتُشْعِرُ الآيَةُ بِذَمِّ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ وقَدْ نَطَقَتِ الأخْبارُ بِذَلِكَ واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِها عَلى أنَّهُ كَبِيرَةٌ وتَحْقِيقُهُ في الزَّواجِرِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٍ أنَّ دَوامَها أداؤُها في مَواقِيتِها وهو كَما تَرى ولَعَلَّ تَرْكَ الِالتِفاتِ والأداءَ في الوَقْتِ يَتَضَمَّنُهُ ما يَأْتِي مِنَ المُحافَظَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والمُرادُ بِالصَّلاةِ عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ وعَنِ الإمامِ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِها النّافِلَةُ. وقِيلَ ما أُمِرُوا بِهِ مُطْلَقًا مِنها وقَرَأ الحَسَنُ «صَلَواتِهِمْ» بِالجَمْعِ.

المعارج 70:24

﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ أيْ نَصِيبٌ مُعَيَّنٌ يَسْتَوْجِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى وإشْفاقًا عَلى النّاسِ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ الإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما يُوَظِّفُهُ الرَّجُلُ عَلى نَفْسِهِ يُؤَدِّيهِ في كُلِّ جُمْعَةٍ أوْ كُلِّ شَهْرٍ مَثَلًا. وقِيلَ هو الزَّكاةُ لِأنَّها مُقَدَّرَةٌ مَعْلُومَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ ( وعُيِّنَّ ) مِقْدارُها في المَدِينَةِ وقَبْلَ ذَلِكَ كانَتْ مَفْرُوضَةً مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ ﴿لِلسّائِلِ﴾ الَّذِي يَسْألُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي لا يَسْألُ فَيُظَنُّ أنَّهُ غَنِيٌّ فَيُحْرَمُ واسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ ولا يَصِحُّ أنْ تُرادَ بِهِ مَن يَحْرِمُونَهُ بِأنْفُسِهِمْ لِلُزُومِ التَّناقُضِ كَما لا يَخْفى.

المعارج 70:25

﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ أيْ نَصِيبٌ مُعَيَّنٌ يَسْتَوْجِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى وإشْفاقًا عَلى النّاسِ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ الإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما يُوَظِّفُهُ الرَّجُلُ عَلى نَفْسِهِ يُؤَدِّيهِ في كُلِّ جُمْعَةٍ أوْ كُلِّ شَهْرٍ مَثَلًا. وقِيلَ هو الزَّكاةُ لِأنَّها مُقَدَّرَةٌ مَعْلُومَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ ( وعُيِّنَّ ) مِقْدارُها في المَدِينَةِ وقَبْلَ ذَلِكَ كانَتْ مَفْرُوضَةً مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ ﴿لِلسّائِلِ﴾ الَّذِي يَسْألُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي لا يَسْألُ فَيُظَنُّ أنَّهُ غَنِيٌّ فَيُحْرَمُ واسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ ولا يَصِحُّ أنْ تُرادَ بِهِ مَن يَحْرِمُونَهُ بِأنْفُسِهِمْ لِلُزُومِ التَّناقُضِ كَما لا يَخْفى.

المعارج 70:26

﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ المُرادُ التَّصْدِيقُ بِهِ بِالأعْمالِ حَيْثُ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ طَمَعًا في المَثُوبَةِ الأُخْرَوِيَّةِ لِأنَّ التَّصْدِيقَ القَلْبِيَّ عامٌّ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ لا امْتِيازَ فِيهِ لِأحَدٍ مِنهم وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ التَّصْدِيقَ والأعْمالَ تَتَجَدَّدُ مِنهم آنًا فَآنًا.

المعارج 70:27

﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ خائِفُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ مَعَ ما لَهم مِنَ الأعْمالِ الفاضِلَةِ اسْتِقْصارًا لَها واسْتِعْظامًا لِجَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 60] .

المعارج 70:28

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ اعْتِراضٌ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَأْمَنَ عَذابَهُ عَزَّ وجَلَّ وإنْ بالَغَ في الطّاعَةِ كَهَؤُلاءِ ولِذا كانَ السَّلَفُ الصّالِحُ وهم هم خائِفِينَ وجِلِينَ حَتّى قالَ بَعْضُهم يا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ وآخَرُ لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

المعارج 70:29

﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ مُسْتَوْفًى فَتَذَكَّرْهُ ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن حُقُوقِها وكَأنَّهُ لِكَثْرَةِ الأمانَةِ جُمِعَتْ ولَمْ يُجْمَعِ العَهْدُ قَبْلُ إيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ كالأمانَةِ كَثْرَةً وقِيلَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ويَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الأمانَةِ ما رَوى الكَلْبِيُّ: كُلُّ أحَدٍ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ العَقائِدِ والأقْوالِ والأحْوالِ والأفْعالِ ومِنَ الحُقُوقِ في الأمْوالِ وحُقُوقِ الأهْلِ والعِيالِ وسائِرِ الأقارِبِ والمَمْلُوكِينَ والجارِ وسائِرِ المُسْلِمِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ إنَّ حُقُوقَ الشَّرْعِ كُلَّها أماناتٌ قَدْ قَبِلَها المُؤْمِنُ وضِمِنَ أداءَها بِقَبُولِ الإيمانِ وقِيلَ كُلُّ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِلْعَبْدِ مِنَ الأعْضاءِ وغَيْرِها أمانَةٌ عِنْدَهُ فَمَنِ اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ في غَيْرِ ما أعْطاهُ لِأجْلِهِ وأذِنَ سُبْحانَهُ لَهُ بِهِ فَقَدْ خانَ الأمانَةَ والخِيانَةُ فِيها وكَذا الغَدْرُ بِالعَهْدِ مِنَ الكَبائِرِ عَلى ما نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا ومَن كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهُنَّ كانَتْ فِيهِ صفحة 64 خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتّى يَدَعَها: إذا اؤْتُمِنُ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «ما خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا قالَ: لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَن لا عَهْدَ لَهُ» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «لِأمانَتِهِمْ» بِالإفْرادِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

المعارج 70:30

﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ مُسْتَوْفًى فَتَذَكَّرْهُ ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن حُقُوقِها وكَأنَّهُ لِكَثْرَةِ الأمانَةِ جُمِعَتْ ولَمْ يُجْمَعِ العَهْدُ قَبْلُ إيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ كالأمانَةِ كَثْرَةً وقِيلَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ويَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الأمانَةِ ما رَوى الكَلْبِيُّ: كُلُّ أحَدٍ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ العَقائِدِ والأقْوالِ والأحْوالِ والأفْعالِ ومِنَ الحُقُوقِ في الأمْوالِ وحُقُوقِ الأهْلِ والعِيالِ وسائِرِ الأقارِبِ والمَمْلُوكِينَ والجارِ وسائِرِ المُسْلِمِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ إنَّ حُقُوقَ الشَّرْعِ كُلَّها أماناتٌ قَدْ قَبِلَها المُؤْمِنُ وضِمِنَ أداءَها بِقَبُولِ الإيمانِ وقِيلَ كُلُّ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِلْعَبْدِ مِنَ الأعْضاءِ وغَيْرِها أمانَةٌ عِنْدَهُ فَمَنِ اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ في غَيْرِ ما أعْطاهُ لِأجْلِهِ وأذِنَ سُبْحانَهُ لَهُ بِهِ فَقَدْ خانَ الأمانَةَ والخِيانَةُ فِيها وكَذا الغَدْرُ بِالعَهْدِ مِنَ الكَبائِرِ عَلى ما نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا ومَن كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهُنَّ كانَتْ فِيهِ صفحة 64 خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتّى يَدَعَها: إذا اؤْتُمِنُ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «ما خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا قالَ: لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَن لا عَهْدَ لَهُ» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «لِأمانَتِهِمْ» بِالإفْرادِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

المعارج 70:31

﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ مُسْتَوْفًى فَتَذَكَّرْهُ ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن حُقُوقِها وكَأنَّهُ لِكَثْرَةِ الأمانَةِ جُمِعَتْ ولَمْ يُجْمَعِ العَهْدُ قَبْلُ إيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ كالأمانَةِ كَثْرَةً وقِيلَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ويَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الأمانَةِ ما رَوى الكَلْبِيُّ: كُلُّ أحَدٍ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ العَقائِدِ والأقْوالِ والأحْوالِ والأفْعالِ ومِنَ الحُقُوقِ في الأمْوالِ وحُقُوقِ الأهْلِ والعِيالِ وسائِرِ الأقارِبِ والمَمْلُوكِينَ والجارِ وسائِرِ المُسْلِمِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ إنَّ حُقُوقَ الشَّرْعِ كُلَّها أماناتٌ قَدْ قَبِلَها المُؤْمِنُ وضِمِنَ أداءَها بِقَبُولِ الإيمانِ وقِيلَ كُلُّ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِلْعَبْدِ مِنَ الأعْضاءِ وغَيْرِها أمانَةٌ عِنْدَهُ فَمَنِ اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ في غَيْرِ ما أعْطاهُ لِأجْلِهِ وأذِنَ سُبْحانَهُ لَهُ بِهِ فَقَدْ خانَ الأمانَةَ والخِيانَةُ فِيها وكَذا الغَدْرُ بِالعَهْدِ مِنَ الكَبائِرِ عَلى ما نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا ومَن كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهُنَّ كانَتْ فِيهِ صفحة 64 خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتّى يَدَعَها: إذا اؤْتُمِنُ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «ما خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا قالَ: لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَن لا عَهْدَ لَهُ» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «لِأمانَتِهِمْ» بِالإفْرادِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

المعارج 70:32

﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ مُسْتَوْفًى فَتَذَكَّرْهُ ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن حُقُوقِها وكَأنَّهُ لِكَثْرَةِ الأمانَةِ جُمِعَتْ ولَمْ يُجْمَعِ العَهْدُ قَبْلُ إيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ كالأمانَةِ كَثْرَةً وقِيلَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ويَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الأمانَةِ ما رَوى الكَلْبِيُّ: كُلُّ أحَدٍ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ العَقائِدِ والأقْوالِ والأحْوالِ والأفْعالِ ومِنَ الحُقُوقِ في الأمْوالِ وحُقُوقِ الأهْلِ والعِيالِ وسائِرِ الأقارِبِ والمَمْلُوكِينَ والجارِ وسائِرِ المُسْلِمِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ إنَّ حُقُوقَ الشَّرْعِ كُلَّها أماناتٌ قَدْ قَبِلَها المُؤْمِنُ وضِمِنَ أداءَها بِقَبُولِ الإيمانِ وقِيلَ كُلُّ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِلْعَبْدِ مِنَ الأعْضاءِ وغَيْرِها أمانَةٌ عِنْدَهُ فَمَنِ اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ في غَيْرِ ما أعْطاهُ لِأجْلِهِ وأذِنَ سُبْحانَهُ لَهُ بِهِ فَقَدْ خانَ الأمانَةَ والخِيانَةُ فِيها وكَذا الغَدْرُ بِالعَهْدِ مِنَ الكَبائِرِ عَلى ما نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا ومَن كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهُنَّ كانَتْ فِيهِ صفحة 64 خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتّى يَدَعَها: إذا اؤْتُمِنُ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «ما خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا قالَ: لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَن لا عَهْدَ لَهُ» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «لِأمانَتِهِمْ» بِالإفْرادِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

المعارج 70:33

﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ مُقِيمُونَ لَها بِالعَدْلِ غَيْرُ مُنْكِرِينَ لَها أوْ لِشَيْءٍ مِنها ولا مُخْفِينَ إحْياءً لِحُقُوقِ النّاسِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِها وتَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِهِ سُبْحانَهُ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ الشَّهادَةَ بِما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ العِبادِ وذَكَرَ أنَّها مُنْدَرِجَةٌ في الأماناتِ إلّا أنَّها خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِإبانَةِ فَضْلِها وجَمْعُها لِاخْتِلافِ الأنْواعِ ولَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ أُفْرِدَ عَلى ما قِيلَ لِأنَّها مَصْدَرٌ شامِلٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإفْرادِ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا.

المعارج 70:34

﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أيْ يُراعُونَ شَرائِطَها ويُكْمِلُونَ فَرائِضَها وسُنَنَها ومُسْتَحَبّاتِها بِاسْتِعارَةِ الحِفْظِ مِنَ الضَّياعِ لِلْإتْمامِ والتَّكْمِيلِ وهَذا غَيْرُ الدَّوامِ فَإنَّهُ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ وهَذا يَرْجِعُ إلى أحْوالِها فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ وكَأنَّهُ لَمّا كانَ ما يُراعى في إتْمامِ الصَّلاةِ وتَكْمِيلِها مِمّا يَتَفاوَتُ بِحَسَبِ الأوْقاتِ جِيءَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ كَذا قِيلَ. وقِيلَ إنَّ الإتْيانَ بِهِ مَعَ تَقْدِيمِ هم لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهَذا الحُكْمِ لِما أنَّ أمْرَ التَّقْوى في مِثْلِ ذَلِكَ أقْوى مِنهُ في مِثْلِ هم مُحافِظُونَ واعْتُبِرَ هَذا هُنا دُونَ ما في الصَّدْرِ لِأنَّ المُراعاةَ المَذْكُورَةَ كَثِيرًا ما يُغْفَلُ عَنْها. وفي افْتِتاحِ الأوْصافِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالصَّلاةِ واخْتِتامِها بِهِ دَلالَةٌ عَلى شَرَفِها وعُلُوِّ قَدْرِها لِأنَّها مِعْراجُ المُؤْمِنِينَ ومُناجاةُ رَبِّ العالَمِينَ ولِذا جُعِلَتْ قُرَّةَ عَيْنِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ ﷺ وعَلى آلِهِ وصَحِبِهِ أجْمَعِينَ وتَكْرِيرُ المَوْصُولاتِ لِتَنْزِيلِ اخْتِلافِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذَّواتِ إيذانًا بِأنْ كانَ واحِدٌ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ نَعْتٌ جَلِيلٌ عَلى حِيالِهِ لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ مُسْتَتْبَعٌ لِأحْكامٍ جَمَّةٍ حَقِيقٌ بِأنْ يُفْرَدَ لَهُ مَوْصُوفٌ مُسْتَقِلٌّ ولا يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنها تَتِمَّةً لِلْآخَرِ.

المعارج 70:35

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِبُعْدِ المُشارِ إلَيْهِمْ إمّا في الفَضْلِ أوْ في الذِّكْرِ بِاعْتِبارِ مَبْدَأِ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ مُسْتَقِرُّونَ في جَنّاتٍ لا يُقادِرُ قَدْرَها ولا يُدْرَكُ كُنْهُها وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مُكْرَمُونَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أوْ هو الخَبَرُ ( وفي جَنّاتٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ أيْ مُكْرَمُونَ كائِنِينَ في جَنّاتٍ.

المعارج 70:36

﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ﴾ أيْ في الجِهَةِ الَّتِي تَلِيكَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُسْرِعِينَ نَحْوَكَ مادِّي أعْناقِهِمْ إلَيْكَ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْكَ لِيَظْفَرُوا بِما يَجْعَلُونَهُ هُزُؤًا ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدُوا قَوْلَ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ: فَجاؤُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ حَتّى يَكُونُوا حَوْلَ مِنبَرِهِ عِزِينا وخَصَّ بَعْضُهم كُلَّ جَماعَةٍ بِنَحْوِ ثَلاثَةِ أشْخاصٍ أوْ أرْبَعَةٍ جَمْعُ عِزَةٍ وأصْلُها عِزْوَةٌ مِنَ العِزِّ ولِأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي وتَنْتَسِبُ إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزِي إلَيْهِ الأُخْرى فَلامُها واوٌ وقِيلَ لامُها هاءٌ والأصْلُ عِزْهَةٌ وجُمِعَتْ بِالواوِ والنُّونِ كَما جُمِعَتْ سَنَةٌ وأخَواتُها وتَكْسَرُ العَيْنُ في الجَمْعِ وتُضَمُّ. وقالُوا: عِزْيٍ عَلى فِعْلٍ ولَمْ يَقُولُوا عِزاتٍ ونُصِبَ عِزِينَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عَلى التَّداخُلِ ( وعَنِ اليَمِينِ ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى مُتَفَرِّقِينَ أوْ بِمُهْطِعِينَ أيْ مُسْرِعِينَ عَنِ الجِهَتَيْنِ أوْ هو حالٌ أيْ كائِنِينَ عَنِ اليَمِينِ. رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ ويَقْرَأُ القُرْآنَ فَكانَ المُشْرِكُونَ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ حِلَقًا حِلَقًا وفِرَقًا يَسْتَمِعُونَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَقُولُونَ إنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ فَلْنَدْخُلْها قَبْلَهم فَنَزَلَتْ» . وفِي بَعْضِ الآثارِ ما يُشْعِرُ بِأنَّ الأوْلى أنْ صفحة 65 لا يَجْلِسَ المُؤْمِنُونَ عِزِينَ لِأنَّهُ مِن عادَةِ الجاهِلِيَّةِ.

المعارج 70:37

﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ﴾ أيْ في الجِهَةِ الَّتِي تَلِيكَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُسْرِعِينَ نَحْوَكَ مادِّي أعْناقِهِمْ إلَيْكَ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْكَ لِيَظْفَرُوا بِما يَجْعَلُونَهُ هُزُؤًا ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدُوا قَوْلَ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ: فَجاؤُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ حَتّى يَكُونُوا حَوْلَ مِنبَرِهِ عِزِينا وخَصَّ بَعْضُهم كُلَّ جَماعَةٍ بِنَحْوِ ثَلاثَةِ أشْخاصٍ أوْ أرْبَعَةٍ جَمْعُ عِزَةٍ وأصْلُها عِزْوَةٌ مِنَ العِزِّ ولِأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي وتَنْتَسِبُ إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزِي إلَيْهِ الأُخْرى فَلامُها واوٌ وقِيلَ لامُها هاءٌ والأصْلُ عِزْهَةٌ وجُمِعَتْ بِالواوِ والنُّونِ كَما جُمِعَتْ سَنَةٌ وأخَواتُها وتَكْسَرُ العَيْنُ في الجَمْعِ وتُضَمُّ. وقالُوا: عِزْيٍ عَلى فِعْلٍ ولَمْ يَقُولُوا عِزاتٍ ونُصِبَ عِزِينَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عَلى التَّداخُلِ ( وعَنِ اليَمِينِ ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى مُتَفَرِّقِينَ أوْ بِمُهْطِعِينَ أيْ مُسْرِعِينَ عَنِ الجِهَتَيْنِ أوْ هو حالٌ أيْ كائِنِينَ عَنِ اليَمِينِ. رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ ويَقْرَأُ القُرْآنَ فَكانَ المُشْرِكُونَ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ حِلَقًا حِلَقًا وفِرَقًا يَسْتَمِعُونَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَقُولُونَ إنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ فَلْنَدْخُلْها قَبْلَهم فَنَزَلَتْ» . وفِي بَعْضِ الآثارِ ما يُشْعِرُ بِأنَّ الأوْلى أنْ صفحة 65 لا يَجْلِسَ المُؤْمِنُونَ عِزِينَ لِأنَّهُ مِن عادَةِ الجاهِلِيَّةِ.

المعارج 70:38

﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ أيْ بِلا إيمانٍ وهو إنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ إنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ إلَخِ وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «يَدْخُلَ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ.

المعارج 70:39

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفارِغِ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ قِيلَ هو تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ والمَعْنى إنّا خَلَقْناهم مِن أجْلِ ما يَعْلَمُونَ وهو تَكْمِيلُ النَّفْسِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ فَمَن لَمْ يَسْتَكْمِلْها بِذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَتَبَوَّأ مُتَبَوَّأ الكامِلِينَ فَمِن أيْنَ لَهم أنْ يَطْمَعُوا في دُخُولِ الجَنَّةِ وهم مُكِبُّونَ عَلى الكُفْرِ والفُسُوقِ وإنْكارِ البَعْثِ وكَوْنُ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهم بِاعْتِبارِ سَماعِهِمْ إيّاهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وقِيلَ مَنِ ابْتِدائِيَّةٌ والمَعْنى أنَّهم مَخْلُوقُونَ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ لا تُناسِبُ عالَمَ القُدْسِ فَمَتى لَمْ تَسْتَكْمِلْ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ولَمْ تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ تَسْتَعِدَّ لِدُخُولِها وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى وقالَ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ إنَّ الأقْرَبَ كَوْنُهُ كَلامًا مُسْتَأْنِفًا قَدْ سِيقَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن بَيانِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنْ يُهْلِكَهم لِكُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ واسْتِهْزائِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِما نَزَلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الوَحْيِ وادِّعائِهِمْ دُخُولَ الجَنَّةِ بِطَرِيقِ السُّخْرِيَةِ ويُنْشِئُ بَدَلَهم قَوْمًا آخَرِينَ فَإنَّ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى ما يَعْلَمُونَ مِنَ النَّشْأةِ الأُولى حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ عَلى قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى ذَلِكَ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ في قَوْلِهِ تَعالى.

المعارج 70:40

﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْنا مِن أنَّ خَلْقَهم مِمّا يَعْلَمُونَ وهو النُّطْفَةُ القَذِرَةُ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ أيْ نُهْلِكُهم بِالمَرَّةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ جِناياتُهم ونَأْتِي بَدَلَهم بِخَلْقٍ آخَرِينَ. لَيْسُوا عَلى صِفَتِهِمْ ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ بِمَغْلُوبِينَ إنْ أرَدْنا ذَلِكَ لَكِنَّ مَشِيئَتَنا المَبْنِيَّةَ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَ عُقُوباتِهِمْ وفِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ ولَعَلَّ الأقْرَبَ كَوْنُهُ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لَكِنْ عَلى وجْهٍ قَرَّرَ بِهِ صاحِبُ الكَشْفِ كَلامَ الكَشّافِ فَقالَ أرادَ أنَّهُ رَدْعٌ عَنِ الطَّمَعِ مُعَلِّلٌ بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ مِن حَيْثُ إنَّ ذِكْرَ دَلِيلِهِ إنَّما يَكُونُ مَعَ المُنْكِرِ فَأُقِيمَ عِلَّةُ العِلَّةِ مَقامَ العِلَّةِ مُبالَغَةً لَمّا حُكِيَ عَنْهم طَمَعُ دُخُولِ الجَنَّةِ. ومِنَ البَدِيهِيِّ أنَّهُ يُنافِي حالَ مَن لا يُثْبِتُها فَكَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ يُنْكِرُ البَعْثَ ( فَأنّى ) يَتَّجِهُ طَمَعُهُ واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِهِمْ أوَّلًا وبِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى خَلْقِ مِثْلِهِمْ ثانِيًا وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَنْبِيهٌ عَلى مَكانِ مُناقَضَتِهِمْ فَإنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالسّاعَةِ والطَّمَعَ في دُخُولِ الجَنَّةِ مِمّا يَتَنافَيانِ ووَجْهُ أقْرَبِيَّتِهِ قُوَّةُ الِارْتِباطِ بِما سَبَقَ عَلَيْهِ وهو في الحَقِيقَةِ أبْعَدُ مَغْزًى ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ إلَخِ أنَّ مَعْناهُ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ عَلى أنْ نُعْطِيَ مُحَمَّدًا ﷺ مَن هو خَيْرٌ مِنهم وهُمُ الأنْصارُ لَيْسَ بِذاكَ وفي التَّعْبِيرِ عَنْ مادَّةِ خَلْقِهِمْ بِما يَعْلَمُونَ مِمّا يَكْسِرُ سَوْرَةَ المُتَكَبِّرِينَ ما لا يَخْفى والمُرادُ بِالمَشارِقِ والمَغارِبِ مَشارِقُ الشَّمْسِ المِائَةُ والثَّمانُونَ ومَغارِبُها كَذَلِكَ أوْ مَشارِقُ ومَغارِبُ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أوْ مَشارِقُ الكَواكِبِ ومَغارِبُها مُطْلَقًا كَما قِيلَ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ رَبُّ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها والكَلامُ فِي﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ وقَرَأ قَوْمٌ «فَلا قَسَمَ» بَلاءٍ دُونَ ألْفٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ «المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» مُفْرَدَيْنِ.

المعارج 70:41

﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْنا مِن أنَّ خَلْقَهم مِمّا يَعْلَمُونَ وهو النُّطْفَةُ القَذِرَةُ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ أيْ نُهْلِكُهم بِالمَرَّةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ جِناياتُهم ونَأْتِي بَدَلَهم بِخَلْقٍ آخَرِينَ. لَيْسُوا عَلى صِفَتِهِمْ ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ بِمَغْلُوبِينَ إنْ أرَدْنا ذَلِكَ لَكِنَّ مَشِيئَتَنا المَبْنِيَّةَ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَ عُقُوباتِهِمْ وفِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ ولَعَلَّ الأقْرَبَ كَوْنُهُ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لَكِنْ عَلى وجْهٍ قَرَّرَ بِهِ صاحِبُ الكَشْفِ كَلامَ الكَشّافِ فَقالَ أرادَ أنَّهُ رَدْعٌ عَنِ الطَّمَعِ مُعَلِّلٌ بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ مِن حَيْثُ إنَّ ذِكْرَ دَلِيلِهِ إنَّما يَكُونُ مَعَ المُنْكِرِ فَأُقِيمَ عِلَّةُ العِلَّةِ مَقامَ العِلَّةِ مُبالَغَةً لَمّا حُكِيَ عَنْهم طَمَعُ دُخُولِ الجَنَّةِ. ومِنَ البَدِيهِيِّ أنَّهُ يُنافِي حالَ مَن لا يُثْبِتُها فَكَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ يُنْكِرُ البَعْثَ ( فَأنّى ) يَتَّجِهُ طَمَعُهُ واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِهِمْ أوَّلًا وبِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى خَلْقِ مِثْلِهِمْ ثانِيًا وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَنْبِيهٌ عَلى مَكانِ مُناقَضَتِهِمْ فَإنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالسّاعَةِ والطَّمَعَ في دُخُولِ الجَنَّةِ مِمّا يَتَنافَيانِ ووَجْهُ أقْرَبِيَّتِهِ قُوَّةُ الِارْتِباطِ بِما سَبَقَ عَلَيْهِ وهو في الحَقِيقَةِ أبْعَدُ مَغْزًى ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ إلَخِ أنَّ مَعْناهُ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ عَلى أنْ نُعْطِيَ مُحَمَّدًا ﷺ مَن هو خَيْرٌ مِنهم وهُمُ الأنْصارُ لَيْسَ بِذاكَ وفي التَّعْبِيرِ عَنْ مادَّةِ خَلْقِهِمْ بِما يَعْلَمُونَ مِمّا يَكْسِرُ سَوْرَةَ المُتَكَبِّرِينَ ما لا يَخْفى والمُرادُ بِالمَشارِقِ والمَغارِبِ مَشارِقُ الشَّمْسِ المِائَةُ والثَّمانُونَ ومَغارِبُها كَذَلِكَ أوْ مَشارِقُ ومَغارِبُ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أوْ مَشارِقُ الكَواكِبِ ومَغارِبُها مُطْلَقًا كَما قِيلَ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ رَبُّ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها والكَلامُ فِي﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ وقَرَأ قَوْمٌ «فَلا قَسَمَ» بَلاءٍ دُونَ ألْفٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ «المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» مُفْرَدَيْنِ.

المعارج 70:42

﴿فَذَرْهُمْ﴾ فَخَلِّهِمْ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِمْ ﴿يَخُوضُوا﴾ في باطِلِهِمُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما حُكِيَ عَنْهم ﴿ويَلْعَبُوا﴾ في دُنْياهم ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ هو يَوْمُ البَعْثِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ القُبُورِ فَإنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَهُمُ﴾ وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِيُلاقُوا، وتَفْسِيرُهُ بِيَوْمِ مَوْتِهِمْ أوْ يَوْمِ بَدْرٍ أوْ يَوْمِ النَّفْخَةِ الأُولى وجَعَلَ ( يَوْمَ ) مَفْعُولًا بِهِ لِمَحْذُوفٍ كاذْكُرْ أوْ مُتَعَلِّقًا بِ ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُذْهَبَ إلَيْهِ وما في الآيَةِ مِن مَعْنى المُهادَنَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «يُلْقُوا» مُضارِعُ صفحة 66 لَقِيَ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ «يُخْرَجُونَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإخْراجِ ﴿سِراعًا﴾ أيْ مُسْرِعِينَ وهو حالٌ مِن مَرْفُوعِ ﴿يَخْرُجُونَ﴾ وهو جَمْعُ سَرِيعٍ كَظَرِيفٍ وظِرافٍ ﴿كَأنَّهم إلى نُصُبٍ﴾ وهو ما نُصِبَ فَعُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَدَّهُ غَيْرُ واحِدٍ مُفْرَدًا وأنْشَدَ قَوْلُ الأعْشى: وذا النَّصْبِ المَنصُوبِ لا تَنْسُكَنَّهُ لِعاقِبَةٍ واللَّهَ رَبَّكَ فاعْبُدا وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ نِصابِ كَكِتابٍ وكُتُبٍ وقالَ الأخْفَشُ جَمْعُ نَصْبٍ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ والأنْصابُ جَمْعُ الجَمْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ «نَصْبٍ» بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ وهو اسْمٌ مُفْرَدٌ فَقِيلَ الصَّنَمُ المَنصُوبُ لِلْعِبادَةِ أوِ العَلَمُ المَنصُوبُ عَلى الطَّرِيقِ لِيَهْتَدِيَ بِهِ السّالِكُ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: هو شَبَكَةٌ يَقَعُ فِيها الصَّيْدُ فَيُسارِعُ إلَيْها صاحِبُها مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ الصَّيْدُ. وقِيلَ: ما يُنْصَبُ عَلامَةً لِنُزُولِ المَلِكِ وسَيْرِهِ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الحُوفِيُّ ومُجاهِدٌ «نَصَبٍ» بِفَتْحِ النُّونِ والصّادِ فَعَلَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ «نُصْبٍ» بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ عَلى أنَّهُ تَخْفِيفُ «نُصُبٍ» بِضَمَّتَيْنِ أوْ جَمْعُ نَصَبٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَوَلَدٍ ووُلُدٍ ﴿يُوفِضُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ وأصْلُ الإيفاضِ كَما قالَ الرّاغِبُ أنْ يَعْدُوَ مَن عَلَيْهِ الوَفَضَةُ وهي الكِنانَةُ فَتُخَشْخِشُ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإسْراعِ وقِيلَ هو مُطْلَقُ الِانْطِلاقِ. ورُوِيَ عَنِ الضَّحاكِ والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ والمُرادُ أنَّهم يَخْرُجُونَ مُسارِعِينَ إلى الدّاعِي يَسْبِقُ بَعْضُهم بَعْضًا. والإسْراعُ في السَّيْرِ إلى المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ كانَ عادَةً لِلْمُشْرِكِينَ وقَدْ رَأيْنا كَثِيرًا مِن إخْوانِهِمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ تَوابِيتَ الأئِمَّةِ ونَحْوِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَذَلِكَ وكَذا عادَةُ مَن ضَلَّ الطَّرِيقَ أنْ يُسْرِعَ إلى أعْلامِها وعادَةُ الجُنْدِ أنْ يُسْرِعُوا نَحْوَ مَنزِلِ المَلِكِ.

المعارج 70:43

﴿فَذَرْهُمْ﴾ فَخَلِّهِمْ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِمْ ﴿يَخُوضُوا﴾ في باطِلِهِمُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما حُكِيَ عَنْهم ﴿ويَلْعَبُوا﴾ في دُنْياهم ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ هو يَوْمُ البَعْثِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ القُبُورِ فَإنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَهُمُ﴾ وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِيُلاقُوا، وتَفْسِيرُهُ بِيَوْمِ مَوْتِهِمْ أوْ يَوْمِ بَدْرٍ أوْ يَوْمِ النَّفْخَةِ الأُولى وجَعَلَ ( يَوْمَ ) مَفْعُولًا بِهِ لِمَحْذُوفٍ كاذْكُرْ أوْ مُتَعَلِّقًا بِ ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُذْهَبَ إلَيْهِ وما في الآيَةِ مِن مَعْنى المُهادَنَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «يُلْقُوا» مُضارِعُ صفحة 66 لَقِيَ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ «يُخْرَجُونَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإخْراجِ ﴿سِراعًا﴾ أيْ مُسْرِعِينَ وهو حالٌ مِن مَرْفُوعِ ﴿يَخْرُجُونَ﴾ وهو جَمْعُ سَرِيعٍ كَظَرِيفٍ وظِرافٍ ﴿كَأنَّهم إلى نُصُبٍ﴾ وهو ما نُصِبَ فَعُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَدَّهُ غَيْرُ واحِدٍ مُفْرَدًا وأنْشَدَ قَوْلُ الأعْشى: وذا النَّصْبِ المَنصُوبِ لا تَنْسُكَنَّهُ لِعاقِبَةٍ واللَّهَ رَبَّكَ فاعْبُدا وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ نِصابِ كَكِتابٍ وكُتُبٍ وقالَ الأخْفَشُ جَمْعُ نَصْبٍ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ والأنْصابُ جَمْعُ الجَمْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ «نَصْبٍ» بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ وهو اسْمٌ مُفْرَدٌ فَقِيلَ الصَّنَمُ المَنصُوبُ لِلْعِبادَةِ أوِ العَلَمُ المَنصُوبُ عَلى الطَّرِيقِ لِيَهْتَدِيَ بِهِ السّالِكُ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: هو شَبَكَةٌ يَقَعُ فِيها الصَّيْدُ فَيُسارِعُ إلَيْها صاحِبُها مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ الصَّيْدُ. وقِيلَ: ما يُنْصَبُ عَلامَةً لِنُزُولِ المَلِكِ وسَيْرِهِ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الحُوفِيُّ ومُجاهِدٌ «نَصَبٍ» بِفَتْحِ النُّونِ والصّادِ فَعَلَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ «نُصْبٍ» بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ عَلى أنَّهُ تَخْفِيفُ «نُصُبٍ» بِضَمَّتَيْنِ أوْ جَمْعُ نَصَبٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَوَلَدٍ ووُلُدٍ ﴿يُوفِضُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ وأصْلُ الإيفاضِ كَما قالَ الرّاغِبُ أنْ يَعْدُوَ مَن عَلَيْهِ الوَفَضَةُ وهي الكِنانَةُ فَتُخَشْخِشُ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإسْراعِ وقِيلَ هو مُطْلَقُ الِانْطِلاقِ. ورُوِيَ عَنِ الضَّحاكِ والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ والمُرادُ أنَّهم يَخْرُجُونَ مُسارِعِينَ إلى الدّاعِي يَسْبِقُ بَعْضُهم بَعْضًا. والإسْراعُ في السَّيْرِ إلى المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ كانَ عادَةً لِلْمُشْرِكِينَ وقَدْ رَأيْنا كَثِيرًا مِن إخْوانِهِمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ تَوابِيتَ الأئِمَّةِ ونَحْوِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَذَلِكَ وكَذا عادَةُ مَن ضَلَّ الطَّرِيقَ أنْ يُسْرِعَ إلى أعْلامِها وعادَةُ الجُنْدِ أنْ يُسْرِعُوا نَحْوَ مَنزِلِ المَلِكِ.

المعارج 70:44

﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ لِعَظَمِ ما تَحَقَّقُوهُ ووُصِفَتْ أبْصارُهم بِالخُشُوعِ مَعَ أنَّهُ وصْفُ الكُلِّ لِغايَةِ ظُهُورِ آثارِهِ فِيها ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ تَغْشاهم ﴿ذِلَّةٌ﴾ شَدِيدَةٌ ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذَكَرَ ما سَيَقَعُ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ ﴿اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا. . واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ( واليَوْمُ ) خَبَرٌ والمَوْصُولُ صِفَتُهُ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يُوعَدُونَهُ وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خِلاذٍ عَنْ داوُدَ بْنِ سالِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ والحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ التَّمّارِ «( ذِلَّةِ)» بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مُضافًا إلى ( ذَلِكَ اليَوْمِ ) بِالجَرِّ هَذا واعْلَمْ أنَّ بَعْضَ المُتَصَوِّفَةِ في هَذا الزَّمانِ ذَكَرَ في شَأْنِ هَذا اليَوْمِ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مِقْدارَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ أنَّ المَراتِبَ أرْبَعٌ: المُلْكُ والمَلَكُوتُ والجَبَرُوتُ واللّاهُوتُ وكُلُّ مَرْتَبَةٍ عُلْيا مُحِيطَةٌ بِالسُّفْلى وأعْلى مِنها بِعَشْرِ دَرَجاتٍ لِأنَّها تَمامُ المَرْتَبَةِ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأشْياءَ مِن عَشْرِ قَبَضاتٍ يَعْنِي مِن سِرِّ عَشْرِ مَراتِبِ الأفْلاكِ التِّسْعَةِ والعَناصِرِ في كُلِّ عالَمٍ بِحَسْبِهِ ولِذا تَرَتَّبَتْ مَراتِبُ الأعْدادِ عَلى الأرْبَعِ والألْفُ مُنْتَهى المَراتِبِ وأقْصى الغاياتِ. ولَمّا كانَتِ النِّسْبَةُ إلى الرَّبِّ أيْ إلى وُجْهَةِ الحَقِّ هي الغايَةُ القُصْوى بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَداها ( أنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى ) [النَّجْمِ: 42] كانَ اليَوْمُ الواحِدُ المَنسُوبُ إلَيْهِ ألْفًا ولِذا كانَ اليَوْمُ الرُّبُوبِيُّ ألْفَ سَنَةٍ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحَجِّ: 47] فَإذا تَرَقّى الكَوْنُ واقْتَضَتِ الحِكْمَةُ ظُهُورَ النَّشْأةِ الأُخْرى وبُرُوزَ آثارِ الِاسْمِ الأعْظَمِ في مَقامِ الأُلُوهِيَّةِ في رُتْبَةِ الجامِعِ ظَهَرَ الكَوْنُ والأكْوانُ والمُكَوِّناتُ في مَحْشَرٍ واحِدٍ عَلى مَراتِبِها في الأعْيانِ فَظَهَرَ سِرُّ النُّونِ مِن كَلِمَةِ ﴿كُنْ﴾ [البَقَرَةِ: 117 وغَيْرُها] لِظُهُورِ فَيَكُونُ فَظَهَرَ الخَمْسُونَ في العَوْدِ كَما نَزَلَ في البَدْءِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعْرافِ: 29] فَكانَ اليَوْمُ الواحِدُ عِنْدَ ظُهُورِ الِاسْمِ الأعْظَمِ في الجِهَةِ الجامِعَةِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، فالألْفُ لِتَرَقِّي الواحِدِ ولَمّا كانَتِ المَراتِبُ خَمْسِينَ كانَ خَمْسِينَ ألْفًا والخَمْسُونَ تَفاصِيلُ ظُهُورِ اسْمِ الرَّبِّ عِنْدَ ظُهُورِ اسْمِ اللَّهِ في عالَمِ الأمْرِ الَّذِي هو أوَّلُ مَراتِبِ التَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى ( كُنْ ) وكانَ أوَّلُ ظُهُورِ التَّفْصِيلِ خَمْسِينَ لِأنَّ التَّوْحِيدَ الظّاهِرَ في النُّقْطَةِ والألِفِ والحُرُوفِ والكَلِمَةِ التّامَّةِ والدَّلالَةِ الَّتِي هي تَمامُ الخَمْسَةِ إنَّما كانَتْ صفحة 67 فِي عَشَرَةِ عَوالِمِ المَراتِبِ التَّعَيُّناتِ أوْ لِأنَّ الطَّبائِعَ الأرْبَعَ مَعَ حُصُولِ المِزاجِ بِظُهُورِ طَبِيعَةٍ خامِسَةٍ وبِها تَمامُ الخَمْسَةِ إنَّما كانَتْ في عَشَرَةِ عَوالِمَ يَحْسَبُها فَكانَ المَجْمُوعُ خَمْسِينَ والعَوالِمُ العَشْرَةُ هي عالَمُ الإمْكانِ وعالَمُ الفُؤادِ وعالَمُ القَلْبِ وعالَمُ العَقْلِ وعالَمُ الرُّوحِ وعالَمُ النَّفْسِ وعالَمُ الطَّبِيعَةِ وعالَمُ المادَّةِ وعالَمُ المِثالِ وعالَمُ الأجْسامِ. والخَمْسُونَ في وجْهِ الرَّبِّ ووُجْهَةِ الحَقِّ في العالَمِ الأوَّلِ الَّذِي هو الآخِرُ تَكُونُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ انْتَهى فَإنْ فَهِمْتَ مِنهُ مَعْنًى صَحِيحًا تَقَبَّلَهُ ذَوُو العُقُولِ ولا يَأْباهُ المَنقُولُ فَذاكَ وإلّا فاحْمَدِ اللَّهَ تَعالى عَلى العافِيَةِ واسْألْهُ عَزَّ وجَلَّ التَّوْفِيقَ لِلْوُصُولِ إلى مَعالِمِ التَّحْقِيقِ ولِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ أيْضًا كَلامٌ في هَذا المَقامِ فَمَن أرادَهُ فَلْيَتَتَبَّعْ كُتُبَهُ ولِيَسْألِ اللَّهَ تَعالى الفُتُوحاتِ وهو سُبْحانُهُ ولِيُّ الهِباتِ.

نوح 71:1

سُورَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ وهي ثَمانٌ وعِشْرُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ وتِسْعٌ في البَصْرِيِّ والشّامِيِّ وثَلاثُونَ فِيما عَدا ذَلِكَ ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبِلَها عَلى ما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وأشارَ إلَيْهِ غَيْرُهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ في سُورَةِ المَعارِجِ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ [المَعارِجِ: 40، 41] عَقَّبَهُ تَعالى بِقِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ المُشْتَمِلَةِ عَلى إغْراقِهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم في الأرْضِ دَيّارٌ وبَدَّلَ خَيْرًا مِنهم فَوَقَعَتْ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِظْهارِ لِتِلْكَ الدَّعْوى كَما وقَعَتْ قِصَّةُ أصْحابِ الجَنَّةِ في سُورَةِ ن مَوْقِعَ الِاسْتِظْهارِ لِما خَتَمَ بِهِ تَبارَكَ هَذا مَعَ تَواخِي مَطْلَعِ السُّورَتَيْنِ في ذَلِكَ العَذابِ المَوْعَدِ بِهِ الكافِرُونَ ووَجْهُ الِاتِّصالِ عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ السّائِلَ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ظاهِرٌ وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَؤُها عَلى قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ القِيامَةِ أخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يَدْعُو نُوحًا وقَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أوَّلَ النّاسِ فَيَقُولُ: ماذا أجَبْتُمْ نُوحًا ؟ فَيَقُولُونَ: ما دَعانا وما بَلَّغَنا ولا نَصَحَنا ولا أمَرَنا ولا نَهانا، فَيَقُولُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: دَعَوْتُهم يا رَبِّ دُعاءً فاشِيًا في الأوَّلِينَ والآخِرِينَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ حَتّى انْتَهى إلى خاتَمِ النَّبِيِّينَأحْمَدَ ﷺ فانْتَسَخَهُ وقَرَأهُ وآمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ: ادْعُوا أحْمَدَ وأُمَّتَهُ فَيَدْعُونَهم فَيَأْتِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأُمَّتُهُ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أنِّي بَلَّغْتُ قَوْمِيَ الرِّسالَةَ واجْتَهَدْتُ لَهم بِالنَّصِيحَةِ وجَهَدْتُ أنْ أسْتَنْقِذَهم مِنَ النّارِ سِرًّا وجِهارًا فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا؟ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأُمَّتُهُ: ( فَإنّا ) نَشْهَدُ بِما أنْشَدْتَنا أنَّكَ في جَمِيعِ ما قُلْتَ مِنَ الصّادِقِينَ. فَيَقُولُ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: وأنّى عَلِمْتَ هَذا أنْتَ وأُمَّتُكَ ونَحْنُ أوَّلُ الأُمَمِ وأنْتَ آخِرُ الأُمَمِ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [نُوحٍ: 1] حَتّى يَخْتِمَ السُّورَةَ، فَإذا خَتَمَها قالَتْ أُمَّتُهُ نَشْهَدُ إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ: امْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ»» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ زادَ الجَوالِيقِيُّ مُعَرَّبٌ والكِرْمانِيُّ مَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ السّاكِنُ وصُرِفَ لِعَدَمِ زِيادَتِهِ عَلى الثَّلاثَةِ مَعَ سُكُونِ وسَطِهِ ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ أصْلًا. وقَوْلُ الحاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ نَوْحِهِ وبُكائِهِ عَلى نَفْسِهِ، واسْمُهُ عَبْدُ الغَفّارِ لا أظُنُّهُ يَصِحُّ وكَذا ما يُنْقَلُ في سَبَبِ بُكائِهِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى كَلْبًا أجْرَبَ قَذِرًا فَبَصَقَ عَلَيْهِ فَأنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ أتَعِيبُنِي أمْ تَعِيبُ خالِقِي فَنَدِمَ وناحَ لِذَلِكَ. والمَشْهُورُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنُ لَمْكٍ بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ المِيمِ بَعْدَها كافٌ ابْنِ مَتُّوشَلَخَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ وفَتْحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ واللّامِ والخاءِ المُعْجَمَةِ صفحة 68 ابْنِ خَنُوخٍ بِفَتْحِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وضَمِّ النُّونِ الخَفِيفَةِ وبَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ ثُمَّ خاءٌ مُعْجَمَةٌ وشاعَ أخَنُوخٍ بِهَمْزَةٍ أوَّلِهِ وهو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ بْنُ يَرْدُ بِمُثَنّاةٍ مِن تَحْتُ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ راءٍ ساكِنَةٍ مُهْمَلَةٍ ابْنِ مُهَلايِيلِ بْنِ قَيْنانِ بْنِ أنْوَشَ بِالنُّونِ والشِّينِ المُعْجَمَةِ ابْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وفِي المُسْتَدْرَكِ أنَّ أكْثَرَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى أنَّهُ قَبْلَ إدْرِيسَ وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ عَشَرَةُ قُرُونٍ وفِيهِ أيْضًا مَرْفُوعًا «بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا لِأرْبَعِينَ سَنَةً فَلَبِثَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهم وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً حَتّى كَثُرَ النّاسُ وفَشَوْا» . وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ مَوْلِدَهُ كانَ بَعْدَ وفاةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِائَةٍ وسِتَّةٍ وعِشْرِينَ عامًا وفي التَّهْذِيبِ لِلنَّوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أطْوَلُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عُمْرًا وقِيلَ إنَّهُ أطْوَلُ النّاسِ مُطْلَقًا عُمْرًا فَقَدْ عاشَ عَلى ما قالَ شَدّادٌ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةِ وثَمانِينَ سَنَةً ولَمْ يُسْمَعْ عَنْ أحَدٍ أنَّهُ عاشَ كَذَلِكَ يَعْنِي بِالِاتِّفاقِ لِئَلّا يَرْدَ الخِضْرُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ يُجابُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وهو عَلى ما قِيلَ أوَّلُ مَن شُرِعَتْ لَهُ الشَّرائِعُ وسُنَّتْ لَهُ السُّنَنُ وأوَّلُ رَسُولٍ أنْذَرَ عَلى الشِّرْكِ وأُهْلِكَتْ أُمَّتُهُ، والحَقُّ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَسُولًا قَبْلَهُ أُرْسِلَ إلى زَوْجَتِهِ حَوّاءَ ثُمَّ إلى بَنِيهِ وكانَ في شَرِيعَتِهِ وما نُسِخَ بِشَرِيعَةِ نُوحٍ في قَوْلٍ وفي آخَرَ لَمْ يَكُنْ في شَرِيعَتِهِ إلّا الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ ويُقالُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْخُ المُرْسَلِينَ وآدَمُ الثّانِي وكانَ دَقِيقَ الوَجْهِ في رَأْسِهِ طُولٌ عَظِيمَ العَيْنَيْنِ غَلِيظَ العَضُدَيْنِ كَثِيرَ لَحْمِ الفَخِذَيْنِ ضَخْمَ السُّرَّةِ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ والقامَةِ جَسِيمًا. واخْتُلِفَ في مَكانِ قَبْرِهِ فَقِيلَ بِمَسْجِدِ الكُوفَةِ وقِيلَ بِالجَبَلِ الأحْمَرِ وقِيلَ بِذَيْلِ جَبَلِ لُبْنانَ بِمَدِينَةِ الكَرْكِ. وفي إسْنادِ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ العَظَمَةُ مَعَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إلى قَوْمِهِ﴾ قِيلَ هم سُكّانُ جَزِيرَةِ العَرَبِ ومَن قَرُبَ مِنهم لا أهْلَ الأرْضِ كافَّةً لِاخْتِصاصِ نَبِيِّنا ﷺ بِعُمُومِ البِعْثَةِ مِن بَيْنِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وما كانَ لِنُوحٍ بَعْدَ قِصَّةِ الغَرَقِ عَلى القَوْلِ بِعُمُومِهِ أمْرٌ اتِّفاقِيٌّ واشْتُهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَسْكُنُ أرْضَ الكُوفَةِ وهُناكَ أُرْسِلَ ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ أيْ أيْ أنْذِرْ قَوْمَكَ عَلى أنَّ ( أنْ ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في الإرْسالِ مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ أوْ بِأنْ أنْذِرَهم أيْ بِإنْذارِهِمْ أوْ لِإنْذارِهِمْ عَلى أنَّ ( أنْ ) مَصْدَرِيَّةٌ وقَبْلَها حَرْفُ جَرٍّ مُقَدَّرٌ هو الباءُ أوِ اللّامُ وفي المَحَلِّ بَعْدَ الحَذْفِ مِنَ الجَرِّ والنَّصْبِ قَوْلانِ مَشْهُورانِ. ونَصَّ أبُو حَيّانٍ عَلى جَوازِ هَذا الوَجْهِ في بَحْرِهِ هُنا ومَنعِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ. وحَكى المَنعَ عَنْهُ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي وقالَ: زَعَمَ أبُو حَيّانٍ أنَّها لا تُوصَلُ بِالأمْرِ وإنَّ كُلَّ شَيْءٍ سُمِعَ مِن ذَلِكَ فَأنْ فِيهِ تَفْسِيرِيَّةٌ واسْتَدَلَّ بِدَلِيلَيْنِ أحَدُهُما أنَّهُما إذا قُدِّرا بِالمَصْدَرِ فاتَ مَعْنى الأمْرِ الثّانِي أنَّهُما لَمْ يَقَعا فاعِلًا ولا مَفْعُولًا لا يَصِحُّ أعْجَبَنِي أنْ قُمْ ولا كَرِهْتُ أنْ قُمْ كَما يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ الماضِي والمُضارِعِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ فَواتَ مَعْنى الأمْرِيَّةِ عِنْدَ التَّقْدِيرِ بِالمَصْدَرِ كَفَواتِ مَعْنى المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ في المَوْصُولَةِ بِالمُضارِعِ والماضِي عِنْدَ التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ ثُمَّ إنَّهُ يُسَلِّمُ مَصْدَرِيَّةَ المُخَفَّفَةِ مَعَ لُزُومِ نَحْوِ ذَلِكَ فِيها في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ [النُّورِ: 9] إذْ لا يُفْهَمُ الدُّعاءُ مِنَ المَصْدَرِ إلّا إذا كانَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا نَحْوَ سَقْيًا ورَعْيًا. . وعَنِ الثّانِي أنَّهُ إنَّما مَنَعَ ما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِتَعْلِيقِ الإعْجابِ والكَراهِيَةِ بِالإنْشاءِ لا لِما ذَكَرَهُ ثُمَّ يَنْبَغِي لَهُ أنْ لا يُسَلِّمَ مَصْدَرِيَّةَ كَيْ لِأنَّها لا تَقَعُ فاعِلًا ولا مَفْعُولًا وإنَّما تَقَعُ مَخْفُوضَةً بِلامِ التَّعْلِيلِ، ثُمَّ مِمّا يَقْطَعُ بِهِ عَلى قَوْلِهِ بِالبُطْلانِ حِكايَةُ سِيبَوَيْهِ كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ واحْتِمالُ زِيادَةِ الباءِ كَما يَقُولُ وهْمٌ فاحِشٌ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ مُطْلَقًا لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الِاسْمِ أوْ ما في تَأْوِيلِهِ انْتَهى. . وأجابَ بَعْضُهم عَنِ الأوَّلِ أيْضًا بِأنَّهُ عِنْدَ التَّقْدِيرِ يُقَدَّرُ الأمْرُ فَيُقالُ فِيما نَحْنُ فِيهِ مَثَلًا ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ بِالأمْرِ بِإنْذارِهِمْ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ فِعْلُ يَكُونُ الأمْرُ مَصْدَرَهُ كَأمْرِنا أوْ نَأْمُرُ ثُمَّ إنَّهُ يَكُونُ المَعْنى في صفحة 69 نَحْوِ أمَرْتُهُ بِأنْ قُمْ أمَرْتُهُ بِالأمْرِ بِالقِيامِ. وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى جَوابِ ذَلِكَ هو أنَّهُ إذا لَمْ يَسْبِقْ لَفْظُ الأمْرِ أوْ ما في مَعْناهُ مِن نَحْوِ رَسَمْتُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ القَوْلِ لِئَلّا يَبْطُلَ الطَّلَبُ فَيُقالُ هُنا: أرْسَلْناهُ بِأنْ قُلْنا لَهُ أنْذِرْ أيْ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ وإذا سَبَقَهُ ذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِهِ لِأنَّ مَآلَ العِباراتِ أعْنِي أمَرْتُهُ بِالقِيامِ وأمَرْتُهُ بِأنَّهُ قُمْ وأنْ قُمْ بِدُونِ الباءِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ إلى واحِدٍ وفي الكَشْفِ لَوْ قِيلَ إنَّ التَّقْدِيرَ وأرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ مِن دُونِ إضْمارِ القَوْلِ لَأنَّ الأمْرِيَّةَ لَيْسَتْ مَدْلُولَ جَوْهَرِ الكَلِمَةِ بَلْ مِن مُتَعَلِّقِ الأداةِ فَيُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ تَبَعًا وفي أمْرِ المُخاطَبِ اكْتَفى بِالصِّيغَةِ تَحْقِيقًا لَكانَ حَسَنًا وهَذا كَما أنَّ التَّقْدِيرَ في أنْ لا يَزْنِي خَيْرٌ لَهُ عَدَمُ الزِّنا فَيُقَدَّرُ النَّفْيُ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ. وأمّا إذا صَرَّحَ بِالأمْرِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَصْدَرٍ لِلطَّلَبِ أيْضًا هَذا ولَوْ قَدَّرَ أمَرْتُهُ بِالأمْرِ بِالقِيامِ أيْ بِأنْ يَأْمُرَ نَفْسَهُ بِهِ مُبالَغَةً في الطَّلَبِ لَمْ يَبْعُدْ عَنِ الصَّوابِ ولِما فُهِمَ مِنهُ ما فُهِمْ مِنَ الأوَّلِ وأبْلَغُ =اسْتَعْمَلَ اسْتِعْمالَهُ مِن غَيْرِ مُلاحِظَةِ الأصْلِ وأوْعى بَعْضُهم أنَّ تَقْدِيرَ القَوْلِ هُنا لَيْسَ لِئَلّا يَفُوتَ مَعْنى الطَّلَبِ بَلْ لِأنَّ الباءَ المَحْذُوفَةَ لِلْمُلابَسَةِ وإرْسالُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مُلْتَبِسًا بِإنْذارِهِ لِتَأخُّرِهِ عَنْهُ وإنَّما هو مُلْتَبِسٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أنْذِرْ﴾ ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ تَعالى لِطَلَبِ الإنْذارِ قِيلَ: المَعْنى أرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ، وكانَ هَذا القائِلُ لا يُبالِي بِفَواتِ مَعْنى الطَّلَبِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ هِشامٍ المُتَقَدِّمُ آنِفًا. . وبَحَثَ الخَفاجِيُّ فِيما ذَكَرُوهُ مِنَ الفَواتِ فَقالَ: كَيْفَ يَفُوتُ مَعْنى الطَّلَبِ وهو مَذْكُورٌ صَرِيحًا في ﴿أنْذِرْ﴾ ونَحْوِهِ، وتَأْوِيلُهُ بِالمَصْدَرِ المَسْبُوكِ تَأْوِيلٌ لا يُنافِيهِ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ أخَذُوهُ مِن مَوارِدِ اسْتِعْمالِهِ فَكَيْفَ يُبْطِلُ صَرِيحَ مَنطُوقِهِ فَما ذَكَرُوهُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ وإنِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فاعْرِفْهُ انْتَهى. وأقُولُ: لَعَلَّهم أرادُوا بِفَواتِ مَعْنى الطَّلَبِ فَواتَهُ عِنْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ الحاصِلِ مِنَ التَّأْوِيلِ بِالفِعْلِ عَلى مَعْنى أنَّهُ إذا ذُكِرَ بِالفِعْلِ لا يَتَحَقَّقُ مَعْنى الطَّلَبِ ولا يَتَحَدُّ الكَلامانِ ولَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ يَفُوتُ مُطْلَقًا كَيْفَ وتَحَقُّقُهُ في المَنطُوقِ الصَّرِيحِ كَنارٍ عَلى عِلْمٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا مَنعُهم بُطْلانَ اللّازِمِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ ابْنِ هِشامٍ أنَّ فَواتَ مَعْنى الأمْرِيَّةِ عِنْدَ التَّقْدِيرِ بِالمَصْدَرِ كَفَواتِ المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ إلَخِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا الفَواتَ باطِلٌ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَفَواتِ مَعْنى المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ وفَواتِ مَعْنى الدُّعاءِ في نَحْوِ أنَّ غَضَبَ [النُّورِ: 9] وقَدْ أجْمَعُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِباطِلٍ لِأنَّهُ فَواتٌ عِنْدَ الذِّكْرِ بِالفِعْلِ ولَيْسَ بِلازِمٍ، ولَيْسَ بِفَواتٍ مُطْلَقًا لِظُهُورِ أنَّ المَنطُوقَ الصَّرِيحَ مُتَكَفِّلٌ بِهِ فَتَدَبَّرْ. . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «أنْذِرْ» بِغَيْرِ أنْ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قائِلِينَ أنْذِرْ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عاجِلٌ وهو ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الطُّوفانِ كَما قالَ الكَلْبِيُّ أوْ آجِلٌ وهو عَذابُ النّارِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ. والمُرادُ أنْذِرْهم مِن قَبْلِ ذَلِكَ لِئَلّا يَبْقى لَهم عُذْرٌ ما أصْلًا.

نوح 71:2

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَما فَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ هَذا الإرْسالِ فَقِيلَ قالَ لَهم ﴿يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُنْذِرٌ مُوَضِّحٌ لِحَقِيقَةِ الأمْرِ واللّامُ في ( لَكم ) لِلتَّقْوِيَةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ نَفْعِكم مِن غَيْرِ أنْ أسْألَكم أجْرًا وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَذِيرٍ عَلى مَصْدَرِيَّةِ ( أنِ ) وتَفْسِيرِيَّتِها ومَرَّ نَظِيرُهُ في الشُّعَراءِ.

نوح 71:3

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَما فَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ هَذا الإرْسالِ فَقِيلَ قالَ لَهم ﴿يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُنْذِرٌ مُوَضِّحٌ لِحَقِيقَةِ الأمْرِ واللّامُ في ( لَكم ) لِلتَّقْوِيَةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ نَفْعِكم مِن غَيْرِ أنْ أسْألَكم أجْرًا وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَذِيرٍ عَلى مَصْدَرِيَّةِ ( أنِ ) وتَفْسِيرِيَّتِها ومَرَّ نَظِيرُهُ في الشُّعَراءِ.

نوح 71:4

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ واخْتُلِفَ في ( مِن ) فَقِيلَ ابْتِدائِيَّةٌ وإنْ لَمْ تَصْلُحْ هُنا لِمُقارَنَةِ إلى وابْتِداءُ الفِعْلِ مِن جانِبِهِ تَعالى عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْتَدِئُهم بَعْدَ إيمانِهِمْ بِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ إحْسانًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ وتَفَضُّلًا، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِن جانِبِهِمْ عَلى مَعْنى أوَّلُ ما يَحْصُلُ لَهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ مَغْفِرَةُ ذُنُوبِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ وقِيلَ بَيانِيَّةٌ ورُجُوعُها إلى مَعْنى الِابْتِدائِيَّةِ اسْتَبْعَدَهُ الرَّضِيُّ ويُقَدَّرُ قَبْلَها مُبْهَمٌ يُفَسَّرُ بِمَدْخُولِها أيْ يَغْفِرْ لَكم أفْعالَكم الَّتِي هي الذُّنُوبُ، وقِيلَ: زائِدَةٌ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ المُجَوِّزِ لِزِيادَتِها مُطْلَقًا وجَزَمَ بِذَلِكَ هُنا وقِيلَ تَبْعِيضِيَّةٌ أيْ يَغْفِرْ لَكم بَعْضَ ذُنُوبِكم واخْتارَهُ بَعْضٌ. واخْتُلِفَ في البَعْضِ المَغْفُورِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى فَقَطِ السّابِقَةُ عَلى الإيمانِ وآخَرُونَ إلى أنَّهُ ما اقْتَرَفُوهُ قَبْلَ صفحة 70 الإيمانِ مُطْلَقًا الظّاهِرُ ما ورَدَ مِن أنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في الفَوائِدِ المُنْتَشِرَةِ وأجابَ عَنْهُ فَقالَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ الَّذِي لا يَرى كالأخْفَشِ زِيادَتَها في المُوجَبِ بَلْ يَقُولُ إنَّها لِلتَّبْعِيضِ مَعَ أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ والجَوابُ أنَّ إضافَةَ الذُّنُوبِ إلَيْهِمْ إنَّما تُصَدَّقُ حَقِيقَةً فِيما وقَعَ إذْ ما لَمْ يَقَعْ لا يَكُونُ ذَنْبًا لَهم وإضافَةُ ما لَمْ يَقَعْ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ كَما في ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: 89] إذا المُرادُ بِها الأيْمانُ المُسْتَقْبِلَةُ وإذا كانَتِ الإضافَةُ تارَةً تَكُونُ حَقِيقَةً وتارَةً تَكُونُ مَجازًا، فَسِيبَوَيْهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فِيها وهو جائِزٌ. يَعْنِي عِنْدَ أصْحابِهِ الشّافِعِيَّةِ، ويَكُونُ المُرادُ مِن بَعْضِ ذُنُوبِكم البَعْضَ الَّذِي وقَعَ انْتَهى ولا يَحْتاجُ إلى حَدِيثِ الجَمْعِ مِن خَصِّ الذُّنُوبِ المَغْفُورَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهاهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ الحَمْلَ عَلى التَّبْعِيضِ يَأْباهُ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ و﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ) [الزُّمَرِ: 53] وقَدْ نَصَّ البَعْلِيُّ في شَرْحِ الجُمَلِ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي دَعا الأخْفَشَ لِلْجَزْمِ بِالزِّيادَةِ هُنا وجَعَلَهُ ابْنُ الحاجِبِ حُجَّةً لَهُ ورَدَّهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِأنَّ المُوجِبَةَ الجُزْئِيَّةَ مِن لَوازِمِ المُوجِبَةِ الكُلِّيَّةِ ولا تَناقُضَ بَيْنَ اللّازِمِ والمَلْزُومِ ومَبْناهُ الغَفْلَةُ عَنْ كَوْنِ مَدْلُولٍ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ هي البَعْضِيَّةُ المُجَرَّدَةُ عَنِ الكُلِّيَّةِ المُنافِيَةِ لَها لا الشّامِلَةِ لِما في ضِمْنِها المُجْتَمِعَةِ مَعَها وإلّا لَما تَحَقَّقَ الفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ مِنِ البَيانِيَّةِ مِن جِهَةِ الحُكْمِ ولَما تَيَسَّرَ تَمْشِيَةُ الخِلافِ بَيْنَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ وصاحِبَيْهِ فِيما إذا قالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ مِن ثَلاثٍ ما شِئْتِ بِناءً عَلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ عِنْدَهُ ولِلْبَيانِ عِنْدَهُما قالَ في الهِدايَةِ وإنْ قالَ لَها طَلِّقِي نَفْسَكِ مِن ثَلاثٍ ما شِئْتِ فَلَها أنْ تُطَلِّقَ نَفْسَها واحِدَةً وثِنْتَيْنِ ولا تُطَلِّقُ ثَلاثًا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وقالا تُطَلِّقُ ثَلاثًا إنْ شاءَتْ لِأنَّ كَلِمَةَ ما مُحْكَمَةٌ في التَّعْمِيمِ وكَلِمَةُ مِن قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّمْيِيزِ فَتَحْمِلُ عَلى تَمْيِيزِ الجِنْسِ ولِأبِي حَنِيفَةَ أنَّ كَلِمَةَ مِن حَقِيقَةٌ في التَّبْعِيضِ وما لِلتَّعْمِيمِ فَيُعْمَلُ بِهِما انْتَهى. ولا خَفاءَ في أنَّ بِناءَ الجَوابِ المَذْكُورِ عَلى كَوْنِ مِن لِلتَّبْعِيضِ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ مَدْلُولُها حِينَئِذٍ البَعْضِيَّةَ المُجَرَّدَةَ المُنافِيَةَ لِلْكُلِّيَّةِ ومِن هُنا تُعْجِبُ مِن صاحِبِ التَّوْضِيحِ في تَقْرِيرِ الخِلافِ المَذْكُورِ حَيْثُ اسْتَدَلَّ عَلى أوْلَوِيَّةِ التَّبْعِيضِ بِتَيَقُّنِهِ ولَمْ يَدْرِ أنَّ البَعْضَ المُرادَ قَطْعًا عَلى تَقْدِيرِ البَيانِ البَعْضُ العامُّ الشّامِلُ لِما في ضِمْنِ الكُلِّ لا البَعْضُ المُجَرَّدُ المُرادُ هاهُنا. فَبِالتَّعْلِيلِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ بَلْ لا انْطِباقَ بَيْنَ التَّعْلِيلِ والمُعَلِّلِ عَلى ما قِيلَ. وصَوَّبَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ حَيْثُ قالَ: عَلَّقَهُ عَلى التَّلْوِيحِ مُسْتَدِلًّا عَلى أنَّ البَعْضِيَّةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْها مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ هي البَعْضِيَّةُ المُجَرَّدَةُ المُنافِيَةُ لِلْكُلِّيَّةِ لا البَعْضِيَّةُ الَّتِي هي أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ في ضِمْنِ الكُلِّ أوْ بِدُونِهِ لِاتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى ذَلِكَ حَيْثُ احْتاجُوا إلى التَّوْفِيقِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فَقالُوا لا يَبْعُدُ أنْ يَغْفِرَ سُبْحانَهُ الذُّنُوبَ لِقَوْمٍ وبَعْضَها لِآخَرِينَ أوْ خِطابُ البَعْضِ لِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وخِطابُ الكُلِّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّ التَّبْعِيضَ لا يُنافِي الكُلِّيَّةَ ولَمْ يُصَوِّبِ الشَّرِيفُ في رَدِّهِ عَلَيْهِ قائِلًا وفِيهِ بَحْثٌ إذِ الرَّضِيُّ صَرَّحَ بِعَدَمِ المُنافاةِ بَيْنَهُما حَيْثُ قالَ: ولَوْ كانَ أيْضًا خِطابًا لِأُمَّةٍ واحِدَةٍ فَغُفْرانُ بَعْضِ الذُّنُوبِ لا يُناقِضُ غُفْرانَ كُلِّها بَلْ عَدَمُ غُفْرانِ بَعْضِها يُناقِضُ غُفْرانَ كُلِّها لِأنَّ قَوْلَ الرَّضِيِّ غَيْرُ مُرْتَضًى لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ مَدْلُولَ التَّبْعِيضِيَّةِ البَعْضِيَّةُ المُجَرَّدَةُ. . واعْتَرَضَ قَوْلَ النُّحاةِ أوْ خِطابَ البَعْضِ لِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وخِطابَ الكُلِّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِأنَّ الإخْبارَ عَنْ مَغْفِرَةِ البَعْضِ ورَدَ في مَواضِعَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ [إبْراهِيمَ: 10] ﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ومِنها في سُورَةِ [الأحْقافِ: 31] يا ﴿قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ومِنها ما هُنا وهو الَّذِي ورَدَ في قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا ما ذَكَرَ في الأحْقافِ فَقَدْ ورَدَ في الجِنِّ، وما ورَدَ في إبْراهِيمَ فَقَدْ ورَدَ في قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ عَلى ما أفْصَحَ بِهِ السِّياقُ فَكَيْفَ يَصِحُّ ما ذَكَرُوهُ. وقِيلَ جِيءَ بِمَن في خِطابِ الكَفَرَةِ دُونَ المُؤْمِنِينَ في جَمِيعِ صفحة 71 القُرْآنِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الخِطابَيْنِ. وُوجِهَ بِأنَّ المَغْفِرَةَ حَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ الكُفّارِ مُرَتَبَةٌ عَلى الإيمانِ وحَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ المُؤْمِنِينَ مَشْفُوعَةٌ بِالطّاعَةِ والتَّجَنُّبِ عَنِ المَعاصِي ونَحْوُ ذَلِكَ، فَيَتَناوَلُ الخُرُوجَ عَنِ المَظالِمِ واعْتَرَضَ بِأنَّ التَّفْرِقَةَ المَذْكُورَةَ إنَّما تَتِمُّ لَوْ لَمْ يَجِئِ الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ عَلى العُمُومِ وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ كَما في سُورَةِ [الأنْفالِ: 38] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ وقَدْ أسْلَفْنا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ أيْضًا فَتَذْكَّرْ وتَأمَّلْ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو الأمَدُ الأقْصى الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِشَرْطِ الإيمانِ والطّاعَةِ وراءَ ما قَدَّرَهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ فَإنَّ وصْفَ الأجَلِ بِالمُسَمّى وتَعْلِيقَ تَأْخِيرِهِمْ إلَيْهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ صَرِيحٌ في أنَّ لَهم أجَلًا آخَرَ لا يُجاوِزُونَهُ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ أيْ ما قَدَّرَهُ عَزَّ وجَلَّ لَكم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿إذا جاءَ﴾ وأنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ ﴿لا يُؤَخَّرُ﴾ فَبادَرُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ قَبْلَ مَجِيئِهِ حَتّى لا يَتَحَقَّقَ شَرْطُهُ الَّذِي هو بَقاؤُكم عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ فَلا يَجِيءُ ويَتَحَقَّقُ شَرْطُ التَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُسَمّى فَتُؤَخَّرُوا إلَيْهِ. وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ وقْتُ إتْيانِ العَذابِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَإنَّهُ أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لَهُ حَتْمًا وأيًّا ما كانَ لا تَناقُضَ بَيْنَ يُؤَخِّرْكم وإنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ كَما يُتَوَهَّمُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ ما حاصِلُهُ أنَّ الأجَلَ أجَلانِ وأجَلُ اللَّهِ حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْهُودِ والمُرادُ مِنهُ الأجَلُ المُسَمّى الَّذِي هو آخِرُ الآجالِ، والجُمْلَةُ عِنْدَهُ تَعْلِيلٌ لِما فُهِمَ مِن تَعْلِيقِهِ سُبْحانَهُ التَّأْخِيرَ بِالأجَلِ المُسَمّى وهو عَدَمُ تَجاوُزِ التَّأْخِيرِ عَنْهُ، والأوَّلُ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْمَغْفِرَةِ والتَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُسَمّى فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ عِنْدَ مَجِيءِ الأجَلِ هو التَّأْخِيرَ المَوْعُودَ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ ما فُرِضَ مَجِيئُهُ هو الأجَلَ المُسَمّى الَّذِي هو آخِرُ الآجالِ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لَسارَعْتُمْ لِما آمُرُكم بِهِ لَكِنَّكم لَسْتُمْ مِن أهْلِهِ في شَيْءٍ فَلِذا لَمْ تُسارِعُوا. فَجَوابُ ( لَوْ ) مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأوَّلِ الكَلامِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِآخِرِهِ أيْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لَعَلِمْتُمْ ذَلِكَ أيْ عَدَمَ تَأْخِيرِ الأجَلِ إذا جاءَ وقْتُهُ المُقَدَّرُ لَهُ، والفِعْلُ في الوَجْهَيْنِ مُنَزَلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ أيْ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا ورَجَّحَ الأوَّلَ بِعَدَمِ احْتِياجِهِ لِلتَّقْدِيرِ والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ المَفْهُومِ مِن ( لَوْ ) وجَعْلُ العِلْمِ المَنفِيِّ هو العِلْمَ النَّظَرِيَّ لا الضَّرُورِيَّ ولا ما يَعُمُّهُ فَإنَّهُ مِمّا لا يَنْفِي اللَّهُمَّ إلّا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.

نوح 71:5

﴿قالَ﴾ أيْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مُناجِيًا رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ وحاكِيًا لَهُ سُبْحانَهُ بِقَصْدِ الشَّكْوى وهو سُبْحانُهُ أعْلَمُ بِحالِهِ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ القِيلِ والقالِ في تِلْكَ المُدَدِ الأطْوالِ بَعْدَ ما بَذَلَ في الدَّعْوَةِ غايَةَ المَجْهُودِ وجازَ في الإنْذارِ كُلُّ حَدٍّ مَعْهُودٍ وضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِ العِلَلُ ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ إلى الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿لَيْلا ونَهارًا﴾ أيْ دائِمًا مِن غَيْرِ فُتُورٍ ولا تَوانٍ.

نوح 71:6

﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلا فِرارًا﴾ مِمّا دَعَوْتُهم إلَيْهِ وإسْنادُ الزِّيادَةِ إلى الدُّعاءِ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ عَلى حَدِّ الإسْنادِ في سَرَّتْنِي رُؤْيَتُكَ ( وفِرارًا ) قِيلَ تَمْيِيزٌ وقِيلَ مَفْعُولٌ ثانٍ بِناءً عَلى تَعَدِّي الزِّيادَةِ والنَّقْصِ إلى مَفْعُولَيْنِ وقَدْ قِيلَ إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وإنْ ذَكَرَهُ بَعْضُهم وفي الآيَةِ مُبالَغاتٌ بَلِيغَةٌ وكانَ الأصْلُ فَلَمْ يُجِيبُونِي ونَحْوَهُ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِزِيادَةِ الفِرارِ المُسْنَدَةِ لِلدُّعاءِ وأُوقِعَتْ عَلَيْهِمْ مَعَ الإتْيانِ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ.

نوح 71:7

﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ أيْ إلى الإيمانِ فَمُتَعَلِّقُ الفِعْلِ مَحْذُوفٌ وجَوَّزَ جَعْلَهُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها ولَيْسَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ المُفَصَّلِ عَلى المُجْمَلِ كَما تَوَهَّمَ حَتّى يُقالَ إنَّ الواوَ مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ الإيمانِ ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ صفحة 72 أيْ سَدُّوا مَسامِعَهم عَنِ اسْتِماعِ الدَّعْوَةِ فَهو كِنايَةٌ عَمّا ذَكَرَ ولا مَنعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ وفي نِسْبَةِ الجَعْلِ إلى الأصابِعِ وهو مَنسُوبٌ إلى بَعْضِها وإيثارِ الجَعْلِ عَلى الإدْخالِ ما لا يَخْفى ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أيْ بالَغُوا في التَّغَطِّي بِها كَأنَّهم طَلَبُوا مِن ثِيابِهِمْ أنْ تَغْشاهم لِئَلّا يَرَوْهُ كَراهَةَ النَّظَرِ إلَيْهِ مِن فَرْطِ كَراهَةِ الدَّعْوَةِ فَفي التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْعالِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ وكَذا في تَعْمِيمِ آلَةِ الإبْصارِ وغَيْرِها مِنَ البَدَنِ بِالسَّتْرِ مُبالَغَةٌ في إظْهارِ الكَراهَةِ، فَفي الآيَةِ مُبالَغَةٌ بِحَسْبِ الكَيْفِ والكُمِّ. وقِيلَ: بالَغُوا في ذَلِكَ لِئَلّا يَعْرِفَهم عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَدْعُوهم وفِيهِ ضَعْفٌ فَإنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ إنَّهُ يَأْباهُ تَرَتُّبُهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُجْعَلَ مَجازًا عَنْ إرادَةِ الدَّعْوَةِ وهو تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ وتَخْرِيبٌ لِلنَّظْمِ ﴿وأصَرُّوا﴾ أيْ أكَبُّوا عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي وانْهَمَكُوا وجَدُّوا فِيها مُسْتَعارٌ مِن أصَرَّ الحِمارُ عَلى العانَةِ إذا صَرَّ أُذُنَيْهِ أيْ رَفَعَهُما ونَصَبَهُما مُسْتَوَيَيْنِ وأقْبَلَ عَلَيْها يَكْدُمُها ويَطْرُدُها وفي ذَلِكَ غايَةُ الذَّمِّ لَهم. . وعَنْ جارِ اللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في ارْتِكابِ المَعاصِي إلّا التَّشْبِيهُ بِالحِمارِ لَكَفى بِهِ مَجْزَرَةً كَيْفَ والتَّشْبِيهُ في أسْوَأِ أحْوالِهِ وهو حالُ الكَدْمِ والسِّفادِ وما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِعارَةِ قِيلَ في أصْلِ اللُّغَةِ وقَدْ صارَ الإصْرارُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في اللّازِمَةِ والِانْهِماكِ في الأمْرِ. وقالَ الرّاغِبُ: الإصْرارُ التَّعَقُّدُ في الذَّنْبِ والتَّشْدِيدُ فِيهِ والِامْتِناعُ مِنَ الإقْلاعِ عَنْهُ وأصْلُهُ مِنَ الصَّرِّ أيِ الشَّدِّ ولَعَلَّهُ لا يَأْبى ما تَقَدَّمَ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ الأوَّلَ الشَّدُّ والأصْلَ الثّانِيَ ما سَمِعْتَ أوَّلًا ﴿واسْتَكْبَرُوا﴾ مِنَ اتِّباعِي وطاعَتِي ﴿اسْتِكْبارًا﴾ عَظِيمًا وقِيلَ نَوْعًا مِنَ الِاسْتِكْبارِ غَيْرَ مَعْهُودٍ والِاسْتِكْبارُ طَلَبُ الكِبْرِ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لَهُ.

نوح 71:8

﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ أيْ دَعْوَتُهم مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وكَرَّةً غِبَّ كَرَّةٍ عَلى وُجُوهٍ مُتَخالِفَةٍ وأسالِيبَ مُتَفاوِتَةٍ وهو تَعْمِيمٌ لِوُجُوهِ الدَّعْوَةِ بَعْدَ تَعْمِيمِ الأوْقاتِ وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ يُشْعِرُ بِمَسْبُوقِيَّةِ الجَهْرِ بِالسِّرِّ وهو الألْيَقُ بِمَن هَمُّهُ الإجابَةُ لِأنَّهُ أقْرَبَ إلَيْها لِما فِيهِ مِنَ اللُّطْفِ بِالمَدْعُوِّ فَتَمَّ لِتَفاوُتِ الوُجُوهِ وإنَّ الجِهارَ أشَدُّ مِنَ الإسْرارِ والجَمْعَ بَيْنَهُما أغْلَظُ مِنَ الإفْرادِ وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ لَيْسَ في النَّظْمِ الجَلِيلِ ما يَقْتَضِي أنَّ الدَّعْوَةَ الأُولى كانَتْ سِرًّا فَقَطْ فَكَأنَّهُ أخَذَ ذَلِكَ مِنَ المُقابَلَةِ ومِن تَقْدِيمِ قَوْلِهِ ( لَيْلًا ) وذَكَّرَهم بِعُنْوانِ قَوْمِهِ وقَوْلِهِ ( فِرارًا ) فَإنَّ القُرْبَ مُلائِمٌ لَهُ. وجَوَّزَ كَوْنَ ( ثُمَّ ) عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ وهو التَّراخِي الزَّمانِيُّ لَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ مَبْدَأِ كُلٍّ مِنَ الإسْرارِ والجِهارِ ومُنْتَهاهُ، وبِاعْتِبارِ مُنْتَهى الجَمْعِ بَيْنَهُما لِئَلّا يُنافِيَ عُمُومَ الأوْقاتِ السّابِقَ، ويَحْسُنُ اعْتِبارُ ذَلِكَ وإنِ اعْتَبَرَ عُمُومَها عُرْفِيًّا كَما في لا يَضَعُ العَصا عَنْ عاتِقِهِ ( وجِهارًا ) مَنصُوبٌ بِدَعْوَتِهِمْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ أحَدُ نَوْعَيِ الدُّعاءِ كَما نُصِبَ القُرْفُصاءُ في قَعَدْتُ القُرْفُصاءَ عَلَيْها لِأنَّها أحَدُ أنْواعِ القُعُودِ أوْ أُرِيدَ بِدَعْوَتِهِمْ جاهَرْتُهم أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ دَعْوَتُهم دُعاءً جِهارًا أيْ مُجاهَرًا بِفَتْحِ الهاءِ بِهِ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ مُجاهِرًا بِزِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ.

نوح 71:9

﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ أيْ دَعْوَتُهم مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وكَرَّةً غِبَّ كَرَّةٍ عَلى وُجُوهٍ مُتَخالِفَةٍ وأسالِيبَ مُتَفاوِتَةٍ وهو تَعْمِيمٌ لِوُجُوهِ الدَّعْوَةِ بَعْدَ تَعْمِيمِ الأوْقاتِ وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ يُشْعِرُ بِمَسْبُوقِيَّةِ الجَهْرِ بِالسِّرِّ وهو الألْيَقُ بِمَن هَمُّهُ الإجابَةُ لِأنَّهُ أقْرَبَ إلَيْها لِما فِيهِ مِنَ اللُّطْفِ بِالمَدْعُوِّ فَتَمَّ لِتَفاوُتِ الوُجُوهِ وإنَّ الجِهارَ أشَدُّ مِنَ الإسْرارِ والجَمْعَ بَيْنَهُما أغْلَظُ مِنَ الإفْرادِ وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ لَيْسَ في النَّظْمِ الجَلِيلِ ما يَقْتَضِي أنَّ الدَّعْوَةَ الأُولى كانَتْ سِرًّا فَقَطْ فَكَأنَّهُ أخَذَ ذَلِكَ مِنَ المُقابَلَةِ ومِن تَقْدِيمِ قَوْلِهِ ( لَيْلًا ) وذَكَّرَهم بِعُنْوانِ قَوْمِهِ وقَوْلِهِ ( فِرارًا ) فَإنَّ القُرْبَ مُلائِمٌ لَهُ. وجَوَّزَ كَوْنَ ( ثُمَّ ) عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ وهو التَّراخِي الزَّمانِيُّ لَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ مَبْدَأِ كُلٍّ مِنَ الإسْرارِ والجِهارِ ومُنْتَهاهُ، وبِاعْتِبارِ مُنْتَهى الجَمْعِ بَيْنَهُما لِئَلّا يُنافِيَ عُمُومَ الأوْقاتِ السّابِقَ، ويَحْسُنُ اعْتِبارُ ذَلِكَ وإنِ اعْتَبَرَ عُمُومَها عُرْفِيًّا كَما في لا يَضَعُ العَصا عَنْ عاتِقِهِ ( وجِهارًا ) مَنصُوبٌ بِدَعْوَتِهِمْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ أحَدُ نَوْعَيِ الدُّعاءِ كَما نُصِبَ القُرْفُصاءُ في قَعَدْتُ القُرْفُصاءَ عَلَيْها لِأنَّها أحَدُ أنْواعِ القُعُودِ أوْ أُرِيدَ بِدَعْوَتِهِمْ جاهَرْتُهم أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ دَعْوَتُهم دُعاءً جِهارًا أيْ مُجاهَرًا بِفَتْحِ الهاءِ بِهِ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ مُجاهِرًا بِزِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ.

نوح 71:10

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا ( يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ) [النِّساءِ 48، 116] وقالَ رَبُّكم تَحْرِيكًا لِداعِي الِاسْتِغْفارِ ﴿إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ دائِمَ المَغْفِرَةِ كَثِيرَها لِلتّائِبِينَ كَأنَّهم تَعَلَّلُوا وقالُوا إنْ كُنّا عَلى الحَقِّ فَكَيْفَ نَتْرُكُهُ وإنْ كُنّا عَلى الباطِلِ فَكَيْفَ يَقْبَلُنا، ويَلْطُفُ بِنا جَلَّ وعَلا بَعْدَ ما عَكَفْنا عَلَيْهِ دَهْرًا طَوِيلًا فَأمَرَهم بِما يَمْحَقُ ما سَلَفَ مِنهم مَنِ المَعاصِي ويَجْلِبُ إلَيْهِمُ المَنافِعَ ولِذَلِكَ وعَدَهم عَلى الِاسْتِغْفارِ بِأُمُورٍ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ وأوْقَعُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ أعْنِي ما تَضَمَّنَهُ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ إلَخِ وأجَبْتُهم لِذَلِكَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ. والنَّفْسُ مُولَعَةٌ بِحُبِّ العاجِلِ قالَ قَتادَةُ: كانُوا أهْلَ حُبٍّ لِلدُّنْيا فاسْتَدْعاهم إلى الآخِرَةِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي يُحِبُّونَها وقِيلَ لَمّا كَذَّبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ حَبَسَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَطْرَ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً وقِيلَ سَبْعِينَ سَنَةً فَوَعَدَهم أنَّهم إنْ آمَنُوا يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ تَعالى الخِصْبَ ويَدْفَعُ عَنْهم ما هم فِيهِ وهو قَوْلُهُ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ صفحة 73 أيْ كَثِيرَ الدَّرِّ ورَأى السَّيَلانَ والسَّماءَ السَّحابَ أوِ المَطَرَ ومِن إطْلاقِها عَلى المَطَرِ وكَذا عَلى النَّباتِ أيْضًا قَوْلُهُ: إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها المِظَلَّةُ عَلى ما سَمِعْتَ غَيْرَ مَرَّةً وهي تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ ولا يَأْبى تَأْنِيثُها وصْفَها بِمِدْرارٍ إلّا أنَّ صِيَغَ المُبالَغَةِ كُلَّها كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ يَشْتَرِكُ فِيها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. وفي البَحْرِ أنَّ مِفْعالًا لا تَلْحَقُهُ التّاءُ إلّا نادِرًا.

نوح 71:11

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا ( يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ) [النِّساءِ 48، 116] وقالَ رَبُّكم تَحْرِيكًا لِداعِي الِاسْتِغْفارِ ﴿إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ دائِمَ المَغْفِرَةِ كَثِيرَها لِلتّائِبِينَ كَأنَّهم تَعَلَّلُوا وقالُوا إنْ كُنّا عَلى الحَقِّ فَكَيْفَ نَتْرُكُهُ وإنْ كُنّا عَلى الباطِلِ فَكَيْفَ يَقْبَلُنا، ويَلْطُفُ بِنا جَلَّ وعَلا بَعْدَ ما عَكَفْنا عَلَيْهِ دَهْرًا طَوِيلًا فَأمَرَهم بِما يَمْحَقُ ما سَلَفَ مِنهم مَنِ المَعاصِي ويَجْلِبُ إلَيْهِمُ المَنافِعَ ولِذَلِكَ وعَدَهم عَلى الِاسْتِغْفارِ بِأُمُورٍ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ وأوْقَعُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ أعْنِي ما تَضَمَّنَهُ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ إلَخِ وأجَبْتُهم لِذَلِكَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ. والنَّفْسُ مُولَعَةٌ بِحُبِّ العاجِلِ قالَ قَتادَةُ: كانُوا أهْلَ حُبٍّ لِلدُّنْيا فاسْتَدْعاهم إلى الآخِرَةِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي يُحِبُّونَها وقِيلَ لَمّا كَذَّبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ حَبَسَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَطْرَ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً وقِيلَ سَبْعِينَ سَنَةً فَوَعَدَهم أنَّهم إنْ آمَنُوا يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ تَعالى الخِصْبَ ويَدْفَعُ عَنْهم ما هم فِيهِ وهو قَوْلُهُ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ صفحة 73 أيْ كَثِيرَ الدَّرِّ ورَأى السَّيَلانَ والسَّماءَ السَّحابَ أوِ المَطَرَ ومِن إطْلاقِها عَلى المَطَرِ وكَذا عَلى النَّباتِ أيْضًا قَوْلُهُ: إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها المِظَلَّةُ عَلى ما سَمِعْتَ غَيْرَ مَرَّةً وهي تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ ولا يَأْبى تَأْنِيثُها وصْفَها بِمِدْرارٍ إلّا أنَّ صِيَغَ المُبالَغَةِ كُلَّها كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ يَشْتَرِكُ فِيها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. وفي البَحْرِ أنَّ مِفْعالًا لا تَلْحَقُهُ التّاءُ إلّا نادِرًا.

نوح 71:12

﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ﴾ فِيها أوْ مُطْلَقًا ﴿أنْهارًا﴾ جارِيَةً وأعادَ فِعْلَ الجَعْلِ دُونَ أنْ يَقُولَ يَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ وأنْهارًا لِتَغايُرِهِما فَإنَّ الأوَّلَ مِمّا لِفِعْلِهِمْ مَدْخَلٌ بِخِلافِ الثّانِي ولِذا قالَ( يُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ) ولَمْ يُعِدِ العامِلَ كَذا قِيلَ وهو كَما تَرى. ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُقالَ إنَّ الإعادَةَ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ الأنْهارِ لِما أنَّ لَها مَدْخَلًا عادِيًّا أكْثَرِيًّا في وُجُودِ الجَنّاتِ وفي بَقائِها مَعَ مَنافِعَ أُخَرَ لا تَخْفى، ورِعايَةً لِمَدْخَلِيَّتِها في بَقائِها الَّذِي هو أهَمُّ مِن أصْلِ وُجُودِها مَعَ قُوَّةِ هَذِهِ المَدْخَلِيَّةِ أُخِّرَتْ عَنْها وإنَّ تَرْكَ إعادَةِ العامِلِ مَعَ البَنِينَ لِأنَّهُ الأصْلُ أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ الإمْدادُ أكْثَرَ ما جاءَ في المَحْبُوبِ ولا تُكْمَلُ مَحْبُوبِيَّةُ كُلٍّ مِنَ الأمْوالِ والبَنِينَ بِدُونِ الآخَرِ تَرَكَ إعادَةَ العامِلِ بَيْنَهُما لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّفْضِيلَ بِكُلٍّ غَيْرُ مُنَغِّصٍ بِفَقْدِ الآخَرِ. . وتَأْخِيرُ البَنِينَ قِيلَ لِأنَّ بَقاءَ الأمْوالِ غالِبًا بِهِمْ لا سِيَّما عِنْدَ أهْلِ البادِيَةِ مَعَ رَمْزٍ إلى أنَّ الأمْوالَ تَصِلُ إلَيْهِمْ آخِرَ الأمْرِ وهو مِمّا يَسُرُّ المُتَمَوِّلَ كَما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ. وقالَ البِقاعِيُّ: المُرادُ بِالجَنّاتِ والأنْهارِ ما في الآخِرَةِ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ورُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ أنَّ رَجُلًا أتى الحَسَنَ وشَكا إلَيْهِ الجَدْبَ فَقالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى وأتاهُ آخَرُ فَشَكا إلَيْهِ الفَقْرَ فَقالَ لَهُ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى، وأتاهُ آخَرُ فَقالَ: ادْعُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَنِي ابْنًا فَقالَ لَهُ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى، وأتاهُ آخَرُ فَشَكا إلَيْهِ جَفافَ بَساتِينِهِ فَقالَ لَهُ: اسْتَغْفِرْ اللَّهَ تَعالى فَقُلْنا أتاكَ رِجالٌ يَشْكُونَ ألْوانًا ويَسْألُونَ أنْواعًا فَأمَرْتَهم كُلَّهم بِالِاسْتِغْفارِ فَقالَ: ما قُلْتُ مِن نَفْسِي شَيْئًا إنَّما اعْتَبَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حِكايَةً عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ الآيَةَ.

نوح 71:13

﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ إنْكارٌ لِأنَّ يَكُونَ لَهم سَبَبٌ ما في عَدَمِ رَجائِهِمْ لِلَّهِ تَعالى ( وقارًا ) عَلى أنَّ الرَّجاءَ بِمَعْنى الخَوْفِ كَما أخْرَجَهُ الطَّسْتَيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُجِيبًا بِهِ سُؤالَ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ مُنْشِدًا قَوْلَهُ أبِي ذُؤَيْبٍ: إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَواسِلُ أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وجَماعَةٌ، وعَبَّرَ بِهِ بِالرَّجاءِ التّابِعِ لِأدْنى الظَّنِّ مُبالَغَةً ولا تَرْجُونَ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في ( لَكم ) عَلى أنَّ الإنْكارَ مُتَوَجِّهٌ إلى السَّبَبِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لا إلَيْهِما مَعًا ( ولِلَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِن ( وقارًا ) ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ، والوَقارُ كَما رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ الحِبْرِ بِمَعْنى العَظَمَةِ لِأنَّهُ عَلى ما نَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنِ الِانْتِصافِ ورَدَ في صِفاتِهِ تَعالى بِهَذا المَعْنى ابْتِداءً أوْ لِأنَّهُ بِمَعْنى التُّؤَدَةِ لَكِنَّها غَيْرُ مُناسِبَةٍ لَهُ سُبْحانَهُ فَأُطْلِقَتْ بِاعْتِبارِ غايَتِها وما يَتَسَبَّبُ عَنْها مِنَ العَظَمَةِ في نَفْسِ الأمْرِ أوْ في نُفُوسِ النّاسِ أيْ أيُّ سَبَبٍ حَصَلَ لَكم حالَ كَوْنِكم غَيْرَ خائِفِينَ أوْ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ لِلَّهِ تَعالى عَظَمَةً مُوجِبَةً لِتَعْظِيمِهِ سُبْحانَهُ بِالإيمانِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ والطّاعَةِ لَهُ تَعالى.

نوح 71:14

﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ أيْ والحالُ أنَّكم عَلى حالٍ مُنافِيَةٍ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ وهو أنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَكم مُدْرِجًا لَكم في حالاتِ عَناصِرَ ثُمَّ أغْذِيَةً ثُمَّ أخْلاطًا ثُمَّ نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ عِظامًا ولُحُومًا ثُمَّ خَلْقًا آخَرَ فَإنَّ التَّقْصِيرَ في تَوْقِيرِ مَن هَذا شَأْنُهُ في القُدْرَةِ القاهِرَةِ والإحْسانِ التّامِّ مَعَ العِلْمِ بِذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ فالجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿لا تَرْجُونَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِلْإنْكارِ والأطْوارُ الأحْوالُ المُخْتَلِفَةُ. وأنْشَدُوا قَوْلَهُ: فَإنَّ أفّاقَ فَقَدْ طارَتْ عِمايَتُهُ والمَرْءُ يُخْلَقُ طَوْرًا بَعْدَ أطْوارِ صفحة 74 وحَمْلُها عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ الأحْوالِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ ما يَقْتَضِيهِ وإنِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ وقِيلَ: المُرادُ بِها الأحْوالُ المُخْتَلِفَةُ بَعْدَ الوِلادَةِ إلى المَوْتِ مِنَ الصِّبا والشَّبابِ والكُهُولَةِ والشُّيُوخَةِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ وقِيلَ مِنَ الألْوانِ والهَيْئاتِ والأخْلاقِ والمِلَلِ المُخْتَلِفَةِ. وقِيلَ مِنَ الصِّحَّةِ والسَّقَمِ وكَمالِ الأعْضاءِ ونُقْصانِها والغِنى والفَقْرِ ونَحْوِها هَذا وقِيلَ: الرَّجاءُ بِمَعْنى الأمَلِ كَما هو الأصْلُ المَعْرُوفُ فِيهِ والوَقارُ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ وأُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ ولِلَّهِ بَيانٌ لِلْمُوَقَّرِ المُعَظَّمِ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ إرادَتِي لِلَّهِ أوْ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ أيْ وقارًا لِلَّهِ ولَمْ يُعَلَّقْ بِالمَذْكُورِ بِناءً عَلى ما صَحَّحَ عَلى ما فِيهِ مِن أنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ مُطْلَقًا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لَهُ عَلى ما في الكَشّافِ. وفِيهِ أنَّ المَعْنى ما لَكم لا تَكُونُونَ عَلى حالٍ تَأْمُلُونَ فِيها تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى إيّاكم في دارِ الثَّوابِ وحاصِلُهُ ما لَكم لا تَرْجُونَ أنْ تُوَقِّرُوا وتُعَظِّمُوا عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لِمَنِ التَّوْقِيرُ أيْ مَنِ الَّذِي يُعَظِّمُنا ويَخْتَصُّ بِهِ إعْظامُهُ إيّانا فَقِيلَ لِلَّهِ وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ عَلى حالٍ إلَخِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْهِمُ اغْتِرارُهم كَأنَّهُ قِيلَ ما لَكم مُغْتَرِّينَ غَيْرَ راجِينَ. وجَعَلَ الحَثَّ عَلى الرَّجاءِ كِنايَةً عَنِ الحَثِّ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لِاقْتِضائِهِ انْعِقادَ الأسْبابِ بِخِلافِ الغُرُورِ وهي كِنايَةٌ إيمائِيَّةٌ إذْ لا واسِطَةَ ولَوْ جُعِلَتْ رَمْزِيَّةً لِخَفاءِ الفَرْقِ بَيْنَ الرَّجاءِ والغُرُورِ عَلى الأكْثَرِ لَكانَ وجْهًا قالَهُ في الكَشْفِ. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّ عَدَمَ رَجاءِ الكَفَرَةِ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم في دارِ الثَّوابِ لَيْسَ في حَيِّزِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ مَعَ أنَّ في جَعْلِ الوَقارِ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ مِنَ التَّعَسُّفِ وفي جَعْلِ لِلَّهِ بَيانًا لِلْمُوَقَّرِ ودَعْوى أنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لِلْوَقارِ مِنَ التَّناقُضِ ما لا يَخْفى فَإنَّ كَوْنَهُ بَيانًا لِلْمُوَقَّرِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّوْقِيرُ صادِرًا عَنْهُ تَعالى والوَقارُ وصْفًا لِلْمُخاطَبِينَ، وكَوْنَهُ صِلَةً لِلْوَقارِ يُوجِبُ كَوْنَ التَّوْقِيرِ صادِرًا عَنْهم والوَقارِ وصْفًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ انْتَهى. وأُجِيبُ عَنْ أمْرِ التَّناقُضِ بِأنَّكَ إذا قُلْتَ ضَرْبٌ لِزَيْدٍ جازَ أنْ يَكُونَ زَيْدٌ فاعِلًا وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا وكَفى شاهِدا صِحَّةُ الإضافَتَيْنِ فَعِنْدَ التَّأخُّرِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَقارُ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ صادِرًا مِنهُ تَعالى فَيَكُونُ الوَقارُ وصَفًا لِلْمُخاطَبِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ فَيَكُونُ التَّوْقِيرُ صادِرًا عَنْهم والوَقارُ وصَفًا لَهُ تَعالى. غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ لِلَّهِ وامْتَنَعَ تَعَلُّقُهُ بِالمَصْدَرِ المُتَأخِّرِ صارَ بَيانًا وعَيَّنَتِ القَرِينَةُ إرادَةَ صُدُورِ التَّوْقِيرِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ وأيْنَ هَذا مِنَ التَّناقُضِ نَعَمْ يَبْقى الكَلامُ في القَرِينَةِ ولَعَلَّها السِّياقُ بِناءً عَلى أنَّ القَوْمَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يُقْبَلُوا ويَلْطُفَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ إنْ هم تَرَكُوا باطِلَهم فَيَكُونُ هَذا مِن تَتِمَّةِ إزالَةِ الشُّبْهَةِ فِيما سَمِعْتَ مِن قَوْلِهِمْ كَيْفَ يَقْبَلُنا ويَلْطُفُ بِنا إلَخْ. ويُعْلَمُ مِن هَذا الجَوابِ عَنْ قَوْلِهِ إنَّ عَدَمَ رَجاءِ الكَفَرَةِ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ في حَيِّزِ الِاسْتِبْعادِ كَما لا يَخْفى وعَلَيْهِ وقِيلَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَدْ خَلَقَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ- ﴿فِجاجًا﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَزالُ يُنْعِمُ عَلَيْكم مَعَ كُفْرِكم فَكَيْفَ لا يَلْطُفُ بِكم ويُوَقِّرُكم إذا آمَنتُمْ. . وتُفَسَّرُ الأطْوارُ بِما يَعْتَرِي الإنْسانَ في أسْنانِهِ مِنَ الأُمُورِ المُخْتَلِفَةِ كالصِّبا والشَّبابِ والكُهُولَةِ وغَيْرِها مِمّا يَكُونُ بَعْضُهُ في حالِ الكُفْرِ ويَصْلُحُ لِأنَّ يَمْتَنَّ بِهِ ويَلْتَزِمَ كَوْنَ الإعادَةِ في الأرْضِ مِنَ النِّعَمِ عِنْدَهم بِناءً عَلى أنَّ فِيها سَتْرُ فَظاعَةِ الأبْدانِ عَلى أسْهَلِ وجْهٍ بَعْدَ حُلُولِ المَوْتِ الضَّرُورِيِّ في هَذِهِ النَّشْأةِ والإنْصافُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ تَمَّ أمْ لَمْ يَتِمَّ أنَّ الوَجْهَ المَذْكُورَ مُتَكَلَّفٌ بَعِيدٌ عَنِ الظّاهِرِ بِمَراحِلَ وقِيلَ: المَعْنى ما لَكم لا تَخافُوا اللَّهَ تَعالى حُلْمًا وتَرَكَ مُعاجَلَةٍ بِالعِقابِ فَتُؤْمِنُوا فالرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ والوَقارُ بِمَعْنى الحُلْمِ حَقِيقَةً كَما هو ظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أوِ اسْتِعارَةً لَهُ لِاشْتِراكِهِما في الثّانِي أوْ مَجازًا إذْ لا يَتَخَلَّفُ الحُلْمُ عَنِ الوَقارِ عادَةً وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالعاقِبَةِ حَيْثُ قالَ أيْ لا تَخافُونَ لِلَّهِ عاقِبَةً وهو مِنَ الكِنايَةِ حِينَئِذٍ أخْذًا مِنَ الوَقارِ بِمَعْنى الثَّباتِ وعَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ أنَّ المَعْنى ما لَكم لا تُبالُونَ لِلَّهِ تَعالى عَظَمَةً. قالَ قُطْرُبٌ: صفحة 75 هَذِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ ومُضَرَ يَقُولُونَ لَمْ أرْجُ أيْ لَمْ أُبالِ وأظْهَرُ المَعانِي ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا.

نوح 71:15

ولَمّا ذَكَرَ مِن آياتِ الأنْفُسَ ما ذَكَرَ أتْبَعَهُ بِشَيْءٍ مِن آياتِ الآفاقِ ولِبُعْدِ أحَدِ الأمْرَيْنِ عَنِ الآخَرِ رُتْبَةً لَمْ يَأْتِ بِالعَطْفِ بَلْ قَطَعَ فَقالَ ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ أيْ مُتَطابِقَةً بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وتَفْسِيرُ التَّطابُقِ بِالتَّوافُقِ في الحُسْنِ والِاشْتِمالِ عَلى الحُكْمِ وجَوْدَةِ الصُّنْعِ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [المُلْكِ: 3] عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ الَّذِي تَطابَقَتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ مُنَوِّرًا لْوَجْهِ الأرْضِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وجَعَلَهُ فِيهِنَّ مَعَ أنَّهُ في إحْداهِنَّ وهي السَّماءُ الدُّنْيا كَما يُقالُ زَيْدٌ في بَغْدادَ وهو في بُقْعَةٍ مِنها، والمُرَجِّحُ لَهُ الإيجازُ والمُلابَسَةُ بِالكُلَّيَةِ والجُزْئِيَّةِ وكَوْنُها طِباقًا شَفّافَةً ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ يُزِيلُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ويُبْصِرُ أهْلُ الدُّنْيا في ضَوْئِها وجْهَ الأرْضِ ويُشاهِدُونَ الآفاقَ كَما يُبْصِرُ أهْلُ البَيْتِ في ضَوْءِ السِّراجِ ما يَحْتاجُونَ إلى إبْصارِهِ وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ. . وفِي الكَلامِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ ولِكَوْنِ السِّراجِ أعْرَفَ وأقْرَبَ جُعِلَ مُشَبَّهًا بِهِ ولِاعْتِبارِ التَّعَدِّي إلى الغَيْرِ في مَفْهُومِهِ بِخِلافِ النُّورِ كانَ أبْلَغَ مِنهُ ولَعَلَّ في تَشْبِيهِها بِالسِّراجِ القائِمِ ضِياءُهُ لا بِطْرِيقِ الِانْعِكاسِ رَمْزًا إلى أنَّ ضِياءَها لَيْسَ مُنْعَكِسًا إلَيْها مِن كَوْكَبٍ آخَرَ كَما أنَّ نُورَ القَمَرِ مُنْعَكِسٌ عَلَيْهِ مِنَ الشَّمْسِ لِاخْتِلافِ تَشَكُّلاتِهِ بِالقُرْبِ والبُعْدِ مِنها مَعَ خُسُوفِهِ بِحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، وجَزَمَ أهْلُ الهَيْئَةِ القَدِيمَةِ بِذَلِكَ وفي رِوايَةٍ أظُنُّها تَصِحُّ أنَّ ضِياءَ الشَّمْسِ مُفاضٌ عَلَيْها مِنَ العَرْشِ، وأظُنُّ أنَّ مَن يَقُولُ إنَّها تَدُورُ عَلى كَوْكَبٍ آخَرَ مِن أهْلِ الهَيْئَةِ الجَدِيدَةِ يَقُولُ بِاسْتِفادَتِها النُّورَ مِن غَيْرِها. . ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ وجَعَلَ الشَّمْسَ فِيهِنَّ فَقِيلَ هي في السَّماءِ الدُّنْيا في فَلَكٍ في ثِخْنِها، وقِيلَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ وهو المَشْهُورُ عِنْدَ مُتَقَدِّمِي أهْلِ الهَيْئَةِ واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِما هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ وفي البَحْرِ حِكايَةُ قَوْلِ إنَّها في الخامِسَةِ ولا يَكادُ يَصِحُّ ومِمّا يُضْحِكُ الصِّبْيانَ فَضْلًا عَنْ فُحُولِ ذَوِي العِرْفانِ ما حُكِيَ فِيهِ أيْضًا أنَّها في الشِّتاءِ في الرّابِعَةِ وفي الصَّيْفِ في السّابِعَةِ وذَهَبَ مُتَأخِّرُو أهْلِ الهَيْئَةِ إلى أنَّها مَرْكَزٌ لِلسَّيّاراتِ وعَدُّوا الأرْضَ مِنها ولَمْ يَعُدُّوا القَمَرَ لِدَوَرانِهِ عَلى الأرْضِ وهو بَيْنَها وبَيْنَ الشَّمْسِ عِنْدَهم وسَنَعْمَلُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى رِسالَةً في تَحْقِيقِ الحَقِّ والحَقُّ عِنْدَ ذَوِيِهِ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ.

نوح 71:16

ولَمّا ذَكَرَ مِن آياتِ الأنْفُسَ ما ذَكَرَ أتْبَعَهُ بِشَيْءٍ مِن آياتِ الآفاقِ ولِبُعْدِ أحَدِ الأمْرَيْنِ عَنِ الآخَرِ رُتْبَةً لَمْ يَأْتِ بِالعَطْفِ بَلْ قَطَعَ فَقالَ ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ أيْ مُتَطابِقَةً بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وتَفْسِيرُ التَّطابُقِ بِالتَّوافُقِ في الحُسْنِ والِاشْتِمالِ عَلى الحُكْمِ وجَوْدَةِ الصُّنْعِ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [المُلْكِ: 3] عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ الَّذِي تَطابَقَتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ مُنَوِّرًا لْوَجْهِ الأرْضِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وجَعَلَهُ فِيهِنَّ مَعَ أنَّهُ في إحْداهِنَّ وهي السَّماءُ الدُّنْيا كَما يُقالُ زَيْدٌ في بَغْدادَ وهو في بُقْعَةٍ مِنها، والمُرَجِّحُ لَهُ الإيجازُ والمُلابَسَةُ بِالكُلَّيَةِ والجُزْئِيَّةِ وكَوْنُها طِباقًا شَفّافَةً ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ يُزِيلُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ويُبْصِرُ أهْلُ الدُّنْيا في ضَوْئِها وجْهَ الأرْضِ ويُشاهِدُونَ الآفاقَ كَما يُبْصِرُ أهْلُ البَيْتِ في ضَوْءِ السِّراجِ ما يَحْتاجُونَ إلى إبْصارِهِ وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ. . وفِي الكَلامِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ ولِكَوْنِ السِّراجِ أعْرَفَ وأقْرَبَ جُعِلَ مُشَبَّهًا بِهِ ولِاعْتِبارِ التَّعَدِّي إلى الغَيْرِ في مَفْهُومِهِ بِخِلافِ النُّورِ كانَ أبْلَغَ مِنهُ ولَعَلَّ في تَشْبِيهِها بِالسِّراجِ القائِمِ ضِياءُهُ لا بِطْرِيقِ الِانْعِكاسِ رَمْزًا إلى أنَّ ضِياءَها لَيْسَ مُنْعَكِسًا إلَيْها مِن كَوْكَبٍ آخَرَ كَما أنَّ نُورَ القَمَرِ مُنْعَكِسٌ عَلَيْهِ مِنَ الشَّمْسِ لِاخْتِلافِ تَشَكُّلاتِهِ بِالقُرْبِ والبُعْدِ مِنها مَعَ خُسُوفِهِ بِحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، وجَزَمَ أهْلُ الهَيْئَةِ القَدِيمَةِ بِذَلِكَ وفي رِوايَةٍ أظُنُّها تَصِحُّ أنَّ ضِياءَ الشَّمْسِ مُفاضٌ عَلَيْها مِنَ العَرْشِ، وأظُنُّ أنَّ مَن يَقُولُ إنَّها تَدُورُ عَلى كَوْكَبٍ آخَرَ مِن أهْلِ الهَيْئَةِ الجَدِيدَةِ يَقُولُ بِاسْتِفادَتِها النُّورَ مِن غَيْرِها. . ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ وجَعَلَ الشَّمْسَ فِيهِنَّ فَقِيلَ هي في السَّماءِ الدُّنْيا في فَلَكٍ في ثِخْنِها، وقِيلَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ وهو المَشْهُورُ عِنْدَ مُتَقَدِّمِي أهْلِ الهَيْئَةِ واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِما هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ وفي البَحْرِ حِكايَةُ قَوْلِ إنَّها في الخامِسَةِ ولا يَكادُ يَصِحُّ ومِمّا يُضْحِكُ الصِّبْيانَ فَضْلًا عَنْ فُحُولِ ذَوِي العِرْفانِ ما حُكِيَ فِيهِ أيْضًا أنَّها في الشِّتاءِ في الرّابِعَةِ وفي الصَّيْفِ في السّابِعَةِ وذَهَبَ مُتَأخِّرُو أهْلِ الهَيْئَةِ إلى أنَّها مَرْكَزٌ لِلسَّيّاراتِ وعَدُّوا الأرْضَ مِنها ولَمْ يَعُدُّوا القَمَرَ لِدَوَرانِهِ عَلى الأرْضِ وهو بَيْنَها وبَيْنَ الشَّمْسِ عِنْدَهم وسَنَعْمَلُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى رِسالَةً في تَحْقِيقِ الحَقِّ والحَقُّ عِنْدَ ذَوِيِهِ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ.

نوح 71:17

﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ أيْ أنْشَأكم مِنها فاسْتُعِيرَ الإنْباتُ لِلْإنْشاءِ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى الحُدُوثِ والتَّكَوُّنِ مِنَ الأرْضِ لِكَوْنِهِ مَحْسُوسًا وقَدْ تَكَرَّرَ إحْساسُهُ وهم وإنْ لَمْ يُنْكِرُوا الحُدُوثَ جَعَلُوا بِإنْكارِ البَعْثِ كَمَن أنْكَرَهُ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، ( ومِنَ ) ابْتِدائِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى المَبْدَأِ البَعِيدِ ( ونَباتًا ) قالَ أبُو حَيّانٍ وجَماعَةٌ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِأنْبَتَكم بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والأصْلُ إنْباتًا أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلِ أنْ فَنَبَتُّمْ نَباتًا وفي الكَشْفِ أنَّ الإنْباتَ والنَّباتَ مِنَ الفِعْلِ والِانْفِعالِ وهُما واحِدٌ في الحَقِيقَةِ والِاخْتِلافُ بِالنِّسْبَةِ إلى القِيامِ بِالفاعِلِ والقابِلِ فَلا حاجَةَ إلى تَضْمِينِ فِعْلٍ آخَرَ ولا تَقْدِيرِهِ ثُمَّ إنَّ الإنْباتَ إنْ حُمِلَ عَلى مَعْناهُ الوَضْعِيِّ فَلا احْتِياجَ إلى التَّقْدِيرِ إذْ هو في نَفْسِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلنَّباتِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فَيَكُونُ نَباتًا نَصْبًا بِالتَّكَتُّمِ لِهَذا التَّضَمُّنِ وإنْ حُمِلَ عَلى المُتَعارَفِ مِن إطْلاقِهِ عَلى مُقَدِّمَةِ الإنْباتِ مِن إخْفاءِ الحَبِّ في الأرْضِ مَثَلًا فالوَجْهُ الحَمْلُ عَلى أنَّ المُرادَ أنْبَتَكم فَنَبَتُّمْ نَباتًا لِيَكُونَ فِيهِ إشْعارٌ بِنَحْوِ النُّكْتَةِ الَّتِي جَرَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ [الأعْرافِ: 160] مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ وسُرْعَةِ نَفاذِ حُكْمِها. . وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ إنْباتًا فَنَبَتُّمْ نَباتًا فَحَذَفَ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى المَصْدَرَ ومِنَ الثّانِيَةِ الفِعْلَ اكْتِفاءً بِما ذَكَرَ في الأُخْرى عَلى أنَّهُ مِنَ الِاحْتِباكِ. وقالَ القاضِي: اخْتَصَرَ اكْتِفاءً بِالدَّلالَةِ الِالتِزامِيَّةِ وفِيهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ الأشْعارُ المَذْكُورَةُ فَتَأمَّلْ.

نوح 71:18

﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها﴾ أيْ في الأرْضِ بِالدَّفْنِ عِنْدَ مَوْتِكم صفحة 76 ﴿ويُخْرِجُكُمْ﴾ مِنها عِنْدَ البَعْثِ والحَشْرِ ﴿إخْراجًا﴾ مُحَقَّقًا لا رَيْبَ فِيهِ وعَطَفَ ﴿يُعِيدُكُمْ﴾ بِثُمَّ لِما بَيْنَ الإنْشاءِ والإعادَةِ مِنَ الزَّمانِ المُتَراخِي الواقِعِ فِيهِ التَّكْلِيفُ الَّذِي بِهِ اسْتَحَقُّوا الجَزاءَ بَعْدَ الإعادَةِ، وعَطَفَ ( يُخْرِجُكم ) بِالواوِ دُونَ ثُمَّ مَعَ أنَّ الإخْراجَ كَذَلِكَ لِأنَّ أحْوالَ البَرْزَخِ والآخِرَةِ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ فَكَأنَّهُ قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُها مُحَقَّقَ الوُقُوعِ دُونَ بَعْضٍ بَلْ لا بُدَّ أنْ تَقَعَ الجُمْلَةُ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَتْ عَنِ الإبْداءِ.

نوح 71:19

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ تَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها كالبِساطِ ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأرْضَ مَبْسُوطَةٌ غَيْرُ كُرَيَّةٍ كَما في البَحْرِ وغَيْرِهِ لِأنَّ الكُرَةَ العَظِيمَةَ يُرى كُلُّ مَن عَلَيْها ما يَلِيهِ مُسَطَّحًا، ثُمَّ إنَّ اعْتِقادَ الكُرَيَّةِ أوِ عَدَمَها لَيْسَ بِأمْرٍ لازِمٍ في الشَّرِيعَةِ لَكِنَّ كُرِيَّتَها كالأمْرِ اليَقِينِيِّ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً ووَجْهُ تَوْسِيطِ ﴿لَكُمُ﴾ بَيْنَ الجَعْلِ ومَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ يَعْلَمُ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا﴾ طُرُقًا ﴿فِجاجًا﴾ واسِعاتٍ جَمْعُ فَجٍّ فَهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ نَعْتٌ لَسُبُلًا. . وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو اسْمٌ لِلطَّرِيقِ الواسِعَةِ وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَسْلَكِ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ فَيَكُونُ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاتِّخاذِ وإلّا فَهو يَتَعَدّى بِفي أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِن ﴿سُبُلا﴾ أيْ سُبُلًا كائِنَةً مِنَ الأرْضِ ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَها.

نوح 71:20

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ تَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها كالبِساطِ ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأرْضَ مَبْسُوطَةٌ غَيْرُ كُرَيَّةٍ كَما في البَحْرِ وغَيْرِهِ لِأنَّ الكُرَةَ العَظِيمَةَ يُرى كُلُّ مَن عَلَيْها ما يَلِيهِ مُسَطَّحًا، ثُمَّ إنَّ اعْتِقادَ الكُرَيَّةِ أوِ عَدَمَها لَيْسَ بِأمْرٍ لازِمٍ في الشَّرِيعَةِ لَكِنَّ كُرِيَّتَها كالأمْرِ اليَقِينِيِّ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً ووَجْهُ تَوْسِيطِ ﴿لَكُمُ﴾ بَيْنَ الجَعْلِ ومَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ يَعْلَمُ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا﴾ طُرُقًا ﴿فِجاجًا﴾ واسِعاتٍ جَمْعُ فَجٍّ فَهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ نَعْتٌ لَسُبُلًا. . وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو اسْمٌ لِلطَّرِيقِ الواسِعَةِ وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَسْلَكِ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ فَيَكُونُ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاتِّخاذِ وإلّا فَهو يَتَعَدّى بِفي أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِن ﴿سُبُلا﴾ أيْ سُبُلًا كائِنَةً مِنَ الأرْضِ ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَها.

نوح 71:21

﴿قالَ نُوحٌ﴾ أُعِيدَ لَفْظُ الحِكايَةِ لِطُولِ العَهْدِ بِحِكايَةِ مُناجاتِهِ لِرَبِّهِ ( عَزَّ وجَلَّ ) أيْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُناجِيًا لَهُ تَعالى شاكِيًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ أيْ دامُوا عَلى عِصْيانِي فِيما أمَرْتُهم بِهِ مَعَ ما بالَغْتُ في إرْشادِهِمْ بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلا خَسارًا﴾ أيْ واسْتَمَرُّوا عَلى اتِّباعِ رُؤَسائِهِمْ الَّذِينَ أبْطَرَتْهم أمْوالُهم وغَرَّتْهم أوْلادُهم وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيادَةِ خَسارِهِمْ في الآخِرَةِ فَصارُوا أُسْوَةً لَهم في الخَسارِ والظّاهِرُ أنَّ اتِّباعَ عامَّتِهِمْ وسَفَلَتِهِمْ لِأُولَئِكَ الرُّؤَساءِ وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ إشْعارٌ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوهم لِوَجاهَتِهِمُ الحاصِلَةِ لَهم بِسَبَبِ الأمْوالِ والأوْلادِ لا لِما شاهَدُوا فِيهِمْ مِن شُبْهَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِلِاتِّباعِ في الجُمْلَةِ. . وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ والنَّخْعِيُّ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ في رِوايَةٍ خارِجَةٍ عَنْهُ «ووُلْدُهُ» بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ فَقِيلَ هو مُفْرَدٌ لُغَةٌ في ولَدٍ بِفَتْحِهِما كالحُزْنِ والحَزَنِ وقِيلَ جَمْعٌ لَهُ كالأسَدِ والأُسْدِ وفي القامُوسِ الوَلَدُ مُحَرَّكَةٌ وبِالضَّمِّ والكَسْرِ والفَتْحِ واحِدٌ وجَمْعٌ وقَدْ يُجْمَعُ عَلى أوْلادٍ ووِلْدَةٍ والِدَةٍ بِكَسْرِها ووُلْدٍ بِالضَّمِّ انْتَهى. . وقَرَأ بِالكَسْرِ والسُّكُونِ الحَسَنُ أيْضًا والجَحْدَرِيُّ وقَتادَةُ وذَرٌّ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ.

نوح 71:22

﴿ومَكَرُوا﴾ عَطْفٌ عَلى صِلَةِ ( مَن ) والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها وكانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى اجْتِماعِهِمْ في المَكْرِ لِيَكُونَ أشَدَّ وأعْظَمَ. وقِيلَ عَطْفٌ عَلى ﴿عَصَوْنِي﴾ والأوَّلُ أنْسَبُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ المَتْبُوعِينَ ضَمُّوا إلى الضَّلالِ الإضْلالَ وهو الأوْفَقُ بِالسِّياقِ فَإنَّ المُتَبادَرَ أنَّ ما بَعْدَهُ مِن صِفَةِ الرُّؤَساءِ أيْضًا واعْتِبارُ ذَلِكَ العَطْفِ عَلى أنَّ المَعْنى مَكَرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ خِلافَ المُتَبادِرِ ﴿مَكْرًا كُبّارًا﴾ أيْ كَبِيرًا في الغايَةِ فَهو مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ وعَلَيْها قَوْلُ الشّاعِرِ: بَيْضاءُ تَصْطادُ القُلُوبَ وتَسْتَبِي بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القَرّاءِ وقَوْلُهُ: والمَرْءُ يُلْحِقُهُ بِفِتْيانِ النَّدى ∗∗∗ خُلُقُ الكَرِيمِ ولَيْسَ بِالوَضّاءِ وقَدْ سَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ الجُفاةِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ما أفْصَحَ رَبُّكَ يا مُحَمَّدُ وإذا اعْتُبِرَ التَّنْوِينُ في مَكْرًا لِلتَّفْخِيمِ زادَ أمْرُ المُبالِغَةِ في مَكْرِهِمْ أيْ كَبِيرًا في الغايَةِ وذَلِكَ احْتِيالُهم في الدِّينِ وصَدُّهم لِلنّاسِ عَنْهُ وإغْراءُهم وتَحْرِيضُهم عَلى أذِيَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ عِيسى وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو السِّمالِ «كُبارًا» بِتَخْفِيفِ الباءِ وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ أيْضًا إلّا أنَّها دُونَ صفحة 77 المُبالَغَةِ في المُشَدَّدِ ومِثْلُ كُبارٍ في ذَلِكَ حُسانٌ وطُوالٌ وعُجابٌ وجُمالٌ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ فِيما رَوى عَنْهُ وهْبُ بْنُ واضِحٍ «كِبارًا» بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الباءِ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ هو جَمْعٌ كَبِيرٌ كَأنَّهُ جَعَلَ ﴿مَكْرًا﴾ مَكانَ ذُنُوبٍ أوْ أفاعِيلَ يَعْنِي فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالجَمْعِ.

نوح 71:23

﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ لا تَتْرُكُوا عِبادَتَها عَلى الإطْلاقِ إلى عِبادَةِ رَبِّ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ أيْ ولا تَتْرُكُوا عِبادَةَ هَؤُلاءِ خَصُّوها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها فِيما سَبَقَ لِأنَّها كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمُ الباطِلَةِ وأعْظَمَها عِنْدَهم وإنْ كانَتْ مُتَفاوِتَةً في العِظَمِ فِيما بَيْنَها بِزَعْمِهِمْ كَما يُومِئُ إلَيْهِ إعادَةُ لا مَعَ بَعْضٍ وتَرْكُها مَعَ آخَرَ، وقِيلَ أفْرَدَ يَعُوقَ ونَسَرَ عَنِ النَّفْيِ لِكَثْرَةِ تَكْرارِ لا وعَدَمِ اللَّبْسِ. وقَدِ انْتَقَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ إلى العَرَبِ. أخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: صارَتِ الأوْثانُ الَّتِي كانَتْ في قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في العَرَبِ بَعْدُ أمّا ودٌّ فَكانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأمّا سُواعٌ فَكانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأمّا يَغُوثُ فَكانَتْ لِمُرادٍ ثُمَّ لَبَنِي غُطَيْفٍ عِنْدَ سَبَأٍ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَتْ لِهَمْدانَ، وأمّا نَسْرٌ فَكانَتْ لِحَمِيرَ لِآلِ ذِي الكُلاعِ، وكانَتْ هَذِهِ الأسْماءُ أسْماءَ رِجالٍ صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ فَلَمّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلَيْهِمْ أنِ انْصِبُوا في مَجالِسِهِمُ الَّتِي كانُوا يَجْلِسُونَ فِيها أنْصابًا وسَمُّوها بِأسْمائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتّى إذا هَلَكَ أُولَئِكَ ودَرَسَ العِلْمُ عُبِدَتْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَمْسَةُ بَنِينَ ودٌّ وسُواعُ إلَخِ فَكانُوا عِبادًا فَماتَ رَجُلٌ مِنهم فَحَزِنُوا عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا فَجاءَهُمُ الشَّيْطانُ فَقالَ: حَزِنْتُمْ عَلى صاحِبِكم هَذا؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: هَلْ لَكم أنْ أُصَوِّرَ لَكم مِثْلَهُ في قِبْلَتِكم إذا نَظَرْتُمْ إلَيْهِ ذَكَرْتُمُوهُ؟ قالُوا: نَكْرَهُ أنْ تَجْعَلَ لَنا في قِبْلَتِنا شَيْئًا نُصَلِّي عَلَيْهِ قالَ: فَأجْعَلُهُ في مُؤَخَّرِ المَسْجِدِ، قالُوا: نَعَمْ فَصَوَّرَهُ لَهم حَتّى ماتَ خَمْسَتُهم فَصَوَّرَ صُوَرَهم في مُؤَخَّرِ المَسْجِدِ فَنَقَصَتِ الأشْياءُ حَتّى تَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى وعَبَدُوا هَؤُلاءِ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وتَرْكِ عِبادَتِها فَقالُوا ما قالُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ ودًّا كانَ أكْبَرَهم وأبَرَّهم وكانُوا كُلُّهم أبْناءَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ورُوِيَ أنَّ ودًّا أوَّلُ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي مُطَهِّرٍ قالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَزِيدَ بْنَ المُهَلَّبِ فَقالَ: أما إنَّهُ قُتِلَ في أوَّلِ أرْضٍ عُبِدَ فِيها غَيْرُ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ ذَكَرَ ودًّا وقالَ: كانَ رَجُلًا مُسْلِمًا وكانَ مُحَبَّبًا في قَوْمِهِ، فَلَمّا ماتَ عَسْكَرُوا حَوْلَ قَبْرِهِ في أرْضِ بابِلَ وجَزِعُوا عَلَيْهِ فَلَمّا رَأى إبْلِيسُ جَزَعَهم تَشَبَّهَ في صُورَةِ إنْسانٍ ثُمَّ قالَ: أرى جَزَعَكم عَلى هَذا فَهَلْ لَكم أنْ أُصَوِّرَ لَكم مِثْلَهُ فَيَكُونُ في نادِيكم فَتَذْكُرُونَهُ بِهِ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَصَوَّرَ لَهم مِثْلَهُ فَوَضَعُوهُ في نادِيهِمْ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهُ بِهِ فَلَمّا رَأى ما بِهِمْ مِن ذِكْرِهِ قالَ: هَلْ لَكم أنْ أجْعَلَ لَكم في مَنزِلِ كُلِّ رَجُلٍ مِنكم تِمْثالًا مِثْلَهُ فَيَكُونُ في بَيْتِهِ فَيُذْكَرُ بِهِ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، فَفَعَلَ فَأقْبَلُوا يَذْكُرُونَهُ بِهِ وأدْرَكَ أبْناؤُهم فَجَعَلُوا يَرَوْنَ ما يَصْنَعُونَ بِهِ وتَناسَلُوا ودَرَسَ أمْرُ ذِكْرِهم إيّاهُ حَتّى اتَّخَذُوهُ إلَهًا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَكانَ أوَّلَ مَن عُبِدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى في الأرْضِ ودًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيُّ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ يَغُوثَ وكانَ مِن رَصاصٍ يَحْمِلُ عَلى جَمَلٍ أجْرَدَ ويَسِيرُونَ مَعَهُ لا يُهَيِّجُونَهُ حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَبِرُكُ فَإذا نَزَلُوا وقالُوا قَدْ رَضِيَ لَكُمُ المَنزِلَ فَيَنْزِلُونَ حَوْلَهُ ويَضْرِبُونَ عَلَيْهِ بِناءً. وقِيلَ يَبْعُدُ بَقاءُ أعْيانِ تِلْكَ الأصْنامِ وانْتِقالُها إلى العَرَبِ فالظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلّا الأسْماءُ فاتَّخَذَتِ العَرَبُ أصْنامًا وسَمَّوْها بِها وقالُوا أيْضًا عَبْدُ ودٍّ وعَبْدُ يَغُوثَ يَعْنُونَ أصْنامَهم. وما رَآهُ أبُو عُثْمانَ مِنها مُسَمّى بِاسْمِ ما سَلَفَ. ويُحْكى أنَّ صفحة 78 ودًّا كانَ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ وسُواعًا كانَ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ ويَغُوثَ كانَ عَلى صُورَةِ أسَدٍ ويَعُوقَ كانَ عَلى صُورَةِ فَرَسٍ ونَسْرًا كانَ عَلى صُورَةِ نَسْرٍ وهو مُنافٍ لِما تَقَدَّمَ أنَّهم كانُوا عَلى صُوَرِ أُناسٍ صالِحِينَ وهو الأصَحُّ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِخِلافٍ عَنْهم «( وُدًّا)» بِضَمِّ الواوِ وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ «ولا يَغُوثا ويَعُوقًا» بِتَنْوِينِهِما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ جَعَلَهُما فَعُولًا فَلِذَلِكَ صَرَفَهُما وهُما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ صِفَتانِ مِنَ الغَوْثِ والعَوْقِ يَفْعَلُ مِنهُما وهُما مَعْرِفَتانِ فَلِذَلِكَ مُنِعا الصَّرْفِ لِاجْتِماعِ الثِّقْلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما التَّعْرِيفُ ومُشابَهَةُ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ فَقالَ هَذا تَخْبِيطٌ أمّا أوَّلًا فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونا فَعَوْلًا لِأنَّ مادَّةَ يُغِثْ مَفْقُودَةٌ وكَذَلِكَ يَعُقْ وأمّا ثانِيًا فَلَيْسا بِصِفَتَيْنِ لِأنَّ يَفْعُلا لَمْ يَجْئِ اسْمًا ولا صِفَةً وإنَّما امْتَنَعا مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ إنْ كانا عَرَبِيَّيْنِ ولِلْعِلْمِيَّةِ والعُجْمَةِ إنْ كانا عَجَمِيَّيْنِ. . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرَأ الأعْمَشُ «ولا يَغُوثا ويَعُوقًا» بِالصَّرْفِ وهو وهْمٌ لِأنَّ التَّعْرِيفَ لازِمٌ وكَذا وزْنُ الفِعْلِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأعْمَشَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ ولَيْسَ بِوَهْمٍ فَقَدْ خَرَّجُوهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ أحَدُهُما أنَّ الصَّرْفَ لِلتَّناسُبِ كَما قالُوا في سَلاسِلًا وأغْلالًا وهو نَوْعٌ مِنَ المُشاكَلَةِ ومَعْدُودٌ مِنَ المُحْسِّناتِ وثانِيهُما أنَّهُ جاءَ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ عِنْدَ عامَّةِ العَرَبِ وذَلِكَ لُغَةٌ حَكاها الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ لَكِنْ يُرَدُّ عَلى هَذا أنَّها لُغَةٌ غَيْرُ فَصِيحَةٍ لا يَنْبَغِي التَّخْرِيجُ عَلَيْها.

نوح 71:24

﴿وقَدْ أضَلُّوا﴾ أيِ الرُّؤَساءُ ﴿كَثِيرًا﴾ خَلْقًا كَثِيرًا أيْ قَبْلَ هَؤُلاءِ المُوصِينَ بِأنْ يَتَمَسَّكُوا بِعِبادَةِ الأصْنامِ فَهم لَيْسُوا بِأوَّلِ مَن أضَلُّوهم ويُشْعِرُ بِذَلِكَ المُضِيُّ والِاقْتِرانُ بِقَدْ حَيْثُ أشْعَرَ ذَلِكَ بِأنَّ الإضْلالَ اسْتَمَرَّ مِنهم إلى زَمَنِ الإخْبارِ بِإضْلالِ الطّائِفَةِ الأخِيرَةِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالكَثِيرِ هَؤُلاءِ المُوصِينَ، وكانَ الظّاهِرُ وقَدْ أضَلَّ الرُّؤَساءُ إيّاهم أيِ المُوصِينَ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ فَوَضَعَ كَثِيرًا مَوْضِعَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ. وقالَ الحَسَنُ وقَدْ أضَلُّوا أيِ الأصْنامُ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: 36] وضَمِيرُ العُقَلاءِ لِتَنْزِيلِها مَنزِلَتَهم عِنْدَهم وعَلى زَعْمِهِمْ ويُحَسِّنُهُ عَلى ما في البَحْرِ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ ولا يَخْفى أنْ عَوْدَهُ عَلى الرُّؤَساءِ أظْهَرُ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمَعْنى فِيهِمْ أمْكَنُ والجُمْلَةُ قِيلَ حالِيَّةٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلا ضَلالا﴾ قِيلَ عَطْفٌ عَلى ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ عَلى حِكايَةِ كَلامِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ( قالَ ) والواوُ النّائِبَةُ عَنْهُ ومَعْناهُ قالَ ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ وقالَ ﴿ولا تَزِدِ﴾ إلَخِ أيْ قالَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَلى أنَّ الواوَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّها داخِلَةٌ في الحِكايَةِ وما بَعْدَها هو المَحْكِيُّ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وإنَّما ارْتَكَبَ ذَلِكَ فِرارًا مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ. . وقِيلَ عُطِفَ عَلَيْهِ والواوُ مِنَ المَحْكِيِّ والتَّناسُبِ إنْشائِيَّةٌ وخَبَرِيَّةٌ غَيْرُ لازِمٍ في العَطْفِ كَما قالَهُ أبُو حَيّانٍ وغَيْرُهُ وفِيهِ خِلافٌ وفي الكَشْفِ لَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مِن بابِ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: 46] أيْ فاخْذُلْهم ولا تَزِدْهم وفي العُدُولِ إلى ﴿الظّالِمِينَ﴾ إشْعارٌ بِاسْتِحْقاقِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ وإبْداءً لِعُذْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَحْذِيرٌ ولُطْفٌ لِغَيْرِهِمْ، وفِيهِ أنَّهُ بَعْضُ ما يَتَسَبَّبُ مِن مَساوِئِهِمْ وهو مَعْنًى حَسَنٌ فَعِنْدَهُ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ إنْشائِيٍّ ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُقالَ إنَّ العَطْفَ عَلى ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ والواوِ مِنَ المَحْكِيِّ والتَّناسُبِ حاصِلٌ. . وقالَ الخَفاجِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ الغَرَضَ مِن قَوْلِهِ ﴿رَبِّ إنَّهُمْ﴾ إلَخِ الشِّكايَةُ وإبْداءُ العَجْزِ واليَأْسِ مِنهم. فَهو طَلَبٌ لِلنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [الدُّخانِ: 22] ولَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مَعَ ما مَرَّ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كِنايَةً عَنْ قَوْلِهِ اخْذُلْهم أوِ انْصُرْنِي أوْ أظْهِرْ دِينَكَ أوْ نَحْوَهُ فَهو مَن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإنْشاءِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ ويَشْهَدُ لَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى مِثْلَهُ دُعاءً حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدُّخانِ: 22] فَتَدَبَّرْ وهو حَسَنٌ خالٍ عَنِ التَّكَلُّفِ وارْتِكابِ المُخْتَلِفِ فِيهِ إلّا أنَّ في الشَّهادَةِ دَغْدَغَةً والمُرادُ بِالضَّلالِ المَدْعُوِّ بِزِيادَتِهِ إمّا الضَّلالُ في تَرْوِيجِ مَكْرِهِمْ ومَصالِحِ دُنْياهم فَيَكُونُ ذَلِكَ دُعاءً عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ تَيْسِيرِ أُمُورِهِمْ وإمّا الضَّلالُ بِمَعْنى الهَلاكِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ صفحة 79 وسُعُرٍ﴾ [القَمَرِ: 47] وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الضَّلالِ في الطَّرِيقِ لِأنَّ مَن ضَلَّ فِيها هَلَكَ فَيَكُونُ المَعْنى أهْلِكْهم. وفَسَّرَهُ ابْنُ بَحْر بِالعَذابِ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ وقِيلَ هو عَلى ظاهِرِهِ أعْنِي الضَّلالَ في الدِّينِ والدُّعاءُ بِزِيادَتِهِ إنَّما كانَ بَعْدَ ما أوْحى إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ ومَآلُهُ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِزِيادَةِ عَذابِهِمْ ويَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ وبِما سَمِعْتَ يَنْحَلُّ ما يُقالُ إنَّ طَلَبَ الضَّلالِ ونَحْوِهِ إمّا غَيْرُ جائِزٍ مُطْلَقًا أوْ إذا دُعِيَ بِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْسانِ وبِدُونِهِ وإنْ كانَ جائِزًا لَكِنَّهُ غَيْرُ مَمْدُوحٍ ولا مَرْضِيٍّ فَكَيْفَ دَعا بِذَلِكَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ.

نوح 71:25

﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ أيْ مِن أجْلِ ﴿خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ بِالطُّوفانِ لا مِن أجْلِ أمْرٍ آخَرَ فَمِن تَعْلِيلِيَّةٌ وما زائِدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِتَعْظِيمِ الخَطايا في كَوْنِها مِن كَبائِرِ ما يُنْهى عَنْهُ ومَن لَمْ يَرَ زِيادَتَها جَعَلَها نَكِرَةً وجَعَلَ ﴿خَطِيئاتِهِمْ﴾ بَدَلًا مِنها. وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ (مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ وهو كَما تَرى. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «خَطِيّاتِهِمْ» بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها في الياءِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعَبِيدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «خَطِيئَتِهِمْ» عَلى الإفْرادِ مَهْمُوزًا وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهم وأبُو عَمْرٍو «خَطاياهُمْ» جَمْعُ تَكْسِيرٍ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «مِن خَطِيئاتِهِمْ ما أُغْرِقُوا» بِزِيادَة «ما» بَيْنَ ( خَطِيئاتِهِمْ وأُغْرِقُوا وخَرَّجَ عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ أيْ بِسَبَبِ خَطِيئاتِهِمْ إغْراقِهِمْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «غُرِّقُوا» بِالتَّشْدِيدِ بَدَلَ الهَمْزَةِ وكِلاهُما لِلنَّقْلِ ﴿فَأُدْخِلُوا﴾ نارًا هي نارُ البَرْزَخِ والمُرادُ عَذابُ القَبْرِ ومَن ماتَ في ماءٍ أوْ نارٍ أوْ أكَلَتْهُ السِّباعُ أوِ الطَّيْرُ مَثَلًا أصابَهُ ما يُصِيبُ المَقْبُورَ مِنَ العَذابِ وقالَ الضَّحّاكُ: كانُوا يُغْرَقُونَ مِن جانِبٍ ويُحْرَقُونَ بِالنّارِ مِن جانِبٍ وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخَلْقُ مُجْتَمَعٌ طَوْرًا ومُفْتَرَقُ والحادِثانِ فُنُونٌ ذاتُ أطْوارِ لا تَعْجَبَنَّ لِأضْدادٍ إذا اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ فاللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الماءِ والنّارِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها نارُ الآخِرَةِ والتَّعْقِيبُ عَلى الأوَّلِ ظاهِرٌ وهو عَلى هَذا لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما بَيْنَ الإغْراقِ والإدْخالِ فَكَأنَّهُ شَبَّهَ تَخَلُّلَ ما لا يُعْتَدُّ بِهِ بِعَدَمِ تَخَلُّلِ شَيْءٍ أصْلًا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ فاءُ التَّعْقِيبِ مُسْتَعارَةً لِلسَّبَبِيَّةِ لِأنَّ المُسَبِّبِ كالمُتَعَقِّبِ لِلسَّبَبِ وإنْ تَراخى عَنْهُ لِفَقْدِ شَرْطٍ أوْ وُجُودِ مانِعٍ وتَنْكِيرُ النّارِ إمّا لِتَعْظِيمِها وتَهْوِيلِها أوْ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعَدَّ لَهم عَلى حَسَبِ خَطِيئاتِهِمْ نَوْعًا مِنَ النّارِ ولا يَخْفى ما في ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا﴾ نارًا مِنَ الحُسْنِ الَّذِي لا يُجارى ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ التَّنْزِيلِ ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ أيْ فَلَمْ يَجِدْ أحَدُهم واحِدًا مِنَ الأنْصارِ وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِاتِّخاذِهِمْ آلِهَةً مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبِأنَّها غَيْرُ قادِرَةٍ عَلى نَصْرِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.

نوح 71:26

﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ عَطْفٌ عَلى نَظِيرِهِ السّابِقِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ إلَخِ اعْتِراضُ وسَطٌ بَيْنَ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ ما أصابَهم مِنَ الإغْراقِ والإحْراقِ لَمْ يُصِبْهم إلّا لِأجْلِ خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي عَدَّها نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وأشارَ إلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْهَلاكِ لِأجْلِها لا أنَّهُ حِكايَةٌ لِنَفْسِ الإغْراقِ والإحْراقِ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ وإلّا لَأُخِرَ عَنْ حِكايَةِ دُعائِهِ هَذا قالَهُ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ. . وما قِيلَ إنَّهُ عَطْفٌ عَلى لَمْ يَجِدُوا أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ إلَخِ ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ الدُّعاءِ بَلِ التَّشَفِّي وإظْهارُ الرِّضا بِما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ والمَعْرُوفُ أنَّ هَذا الدُّعاءَ كانَ قَبْلَ هَلاكِهِمْ والدَّيّارُ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في النَّفْيِ العامِّ يُقالُ: ما بِالدّارِ دَيّارٌ أوْ دَيُّورٌ كَقَيّامٍ وقَيُّومٍ أيْ ما بِها أحَدٌ وهو فَيْعالٌ مِنَ الدّارِ أوْ مِنَ الدَّوْرِ كَأنَّهُ قِيلَ ﴿لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ﴾ مَن يَسْكُنْ دارًا أوْ لا تَذَرْ عَلَيْها مِنهم مَن يَدُورُ ويَتَحَرَّكُ وأصْلُهُ دَيْوارٌ اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسَبَقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ ولَيْسَ بِفَعّالٍ وإلّا لَكانَ دَوّارًا إذْ لا داعِيَ لِلْقَلْبِ حِينَئِذٍ ( ومِنَ الكافِرِينَ ) حالٌ مِنهُ ولَوْ أُخِّرَ كانَ صِفَةً لَهُ والمُرادُ بِالكافِرِينَ قَوْمُهُ الَّذِينَ دَعاهم إلى الإيمانِ والطّاعَةِ فَلَمْ يُجِيبُوا فَإنْ صفحة 80 كانَ النّاسُ مُنْتَشِرِينَ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها نَحْوَ انْتِشارِهِمُ اليَوْمَ وكانَتْ بِعْثَتُهُ لِبَعْضٍ مِنهم كَسُكّانِ جَزِيرَةِ العَرَبِ ومَن يَقْرُبُ مِنهم فَذاكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ مُنْتَشِرِينَ كَذَلِكَ بَلْ كانُوا في الجَزِيرَةِ وقَرِيبًا مِنها فَإنْ كانَتِ البِعْثَةُ لِبَعْضِهِمْ أيْضًا فَكَذَلِكَ وإنْ كانَتْ لِكُلِّهِمْ فَقَدِ اسْتَشْكَلَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عُمُومَ البِعْثَةِ. وقَدْ قالُوا بِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِنَبِيِّنا ﷺ وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ العُمُومَ لَيْسَ كَعُمُومِ بَعَثَتِهِ ﷺ بَلْ لِانْحِصارِ أهْلِ الأرْضِ في قِطْعَةٍ مِنها فَهو انْحِصارٌ ضَرُورِيٌّ ولَيْسَ عُمُومًا مِن كُلِّ وجْهٍ، وهَذا نَحْوَ ما يُقالُ في بِعْثَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى زَوْجَتِهِ وأوْلادِهِ فَإنَّهم حِينَئِذٍ لَيْسُوا إلّا كَأهْلِ بَيْتٍ واحِدٍ عَلى أنَّهُ قِيلٌ لا إشْكالَ ولَوْ قُلْنا بِانْتِشارِ النّاسِ إذْ ذاكَ كانْتِشارِهِمُ اليَوْمَ وإرْسالِهِ إلَيْهِمْ جَمِيعًا لِأنَّ العُمُومَ المَخْصُوصَ بِنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو العُمُومُ المُنْدَرِجُ فِيهِ الإنْسُ والجِنُّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بَلِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلْ وبَلْ والمَشْهُورُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا لِجَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ وأنَّهُ ما آمَنَ مِنهم إلّا قَلِيلٌ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِهَذا الدُّعاءِ وعُمُومِ الطُّوفانِ وتُعَقِّبَ بِأنَّ الأرْضَ كَثِيرًا ما تُطْلَقُ عَلى قِطْعَةٍ مِنها فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هُنا كَذَلِكَ سَلَّمْنا إرادَةَ الجَمِيعِ لَكِنَّ الدُّعاءَ عَلى الكافِرِينَ وهم مِن بُعَثَ إلَيْهِمْ فَدَعاهم ولَمْ يُجِيبُوهُ وكَوْنُهم مَن عَدا أهْلَ السَّفِينَةِ أوَّلَ المَسْألَةِ والطُّوفانُ لا نُسَلِّمُ عُمُومَهُ وإنَّ سُلِّمَ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ مَن غَرِقَ بِهِ مُكَلَّفًا بِالإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عاصِيًا بِتَرْكِهِ، فالبَلاءُ قَدْ يَعُمُّ الصّالِحَ والطّالِحَ لَكِنْ يَصْدُرُونَ مَصادِرَ شَتّى كَما ورَدَ في حَدِيثِ خَسْفِ البَيْداءِ ويُرْشِدُ إلى هَذا أنَّ أوْلادَهم قَدْ أُغْرِقُوا عَلى ما قِيلَ مَعَهم. . وقَدْ سُئِلَ الحَسَنُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى بَراءَتَهم فَأهْلَكَهم بِغَيْرِ عَذابٍ. نَعَمُ الحِكْمَةُ في إهْلاكِ هَؤُلاءِ زِيادَةُ عَذابٍ في آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ إذا أبْصَرُوا أطْفالَهم يَغْرَقُونَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى أعَقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ وأيْبَسَ أصْلابَ رِجالِهِمْ قَبْلَ الطُّوفانِ بِأرْبَعِينَ أوْ سَبْعِينَ سَنَةً فَلَمْ يَكُنْ مَعَهم صَبِيٌّ حِينَ أُغْرِقُوا ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ وحِكَمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا تُحْصى فافْهَمْ.

نوح 71:27

﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهُمْ﴾ أيْ عَلى الأرْضِ كُلًّا أوْ بَعْضًا ﴿يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِإضْلالِهِمْ إيّاهم رَدَّهم إلى الكُفْرِ بِنَوْعٍ مِنَ المَكْرِ أوِ المُرادُ بِهِمْ مَن وُلِدَ مِنهم ولَمْ يَبْلُغْ زَمَنَ التَّكْلِيفِ أوْ مَن يُولَدُ مِن أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ ويُدْعى إلى الإيمانِ، وبِإضْلالِهِمْ إيّاهم صَدَّهم عَنِ الإيمانِ وفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم كانَ يَأْتِي بِابْنِهِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقُولُ: احْذَرْ هَذا فَإنَّهُ كَذّابٌ وإنَّ أبِي أوْصانِي بِمِثْلِ هَذِهِ الوَصِيَّةِ فَيَمُوتُ الكَبِيرُ ويَنْشَأُ الصَّغِيرُ عَلى ذَلِكَ قِيلَ ومِن هُنا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ولا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفّارًا﴾ أيْ مِن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ فَوَصَفَهم بِما يَصِيرُونَ إلَيْهِ لِاسْتِحْكامِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ بِما حَصَلَ لَهُ مِنَ التَّجْرِبَةِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا ومِثْلُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ وقِيلَ أرادَ مِن جَبَلٍ عَلى الفُجُورِ والكُفْرِ وقَدْ عَلِمَ كُلُّ ذَلِكَ بِوَحْيٍ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ﴾ [هُودٍ: 36] وعَنْ قَتادَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ والرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما دَعا عَلَيْهِمْ إلّا بَعْدَ أنْ أخْرَجَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ مُؤْمِنٍ مِنَ الأصْلابِ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ﴾ إلَخِ اعْتِذارٌ مِمّا عَسى أنْ يُقالَ مِن أنَّ الدُّعاءَ بِالِاسْتِئْصالِ مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ مِن أخْلافِهِمْ مَن يُؤْمِنُ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

نوح 71:28

﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ أرادَ أباهُ لَمْكَ بْنَ مَتُّوشَلَخَ وقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ ذَلِكَ وأمَّهُ شَمْخى بِالشِّينِ والخاءِ المُعْجَمَتَيْنِ بِوَزْنِ سَكْرى بِنْتَ أُنُوشٍ بِالإعْجامِ بِوَزْنِ أُصُولٍ وكانا مُؤْمِنَيْنِ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَجُزِ الدُّعاءُ لَهُما بِالمَغْفِرَةِ وقِيلَ أرادَ بِهِما آدَمَ وحَوّاءَ وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ والجَحْدَرِيُّ «ولِوالِدِي» بِكَسْرِ الدّالِّ وإسْكانِ الياءِ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ خَصَّ أباهُ الأقْرَبَ أوْ أرادَ جَمِيعَ مَن ولَدُوهُ صفحة 81 إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَكْفُرْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِنُوحٍ أبٌ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجَهَهُما ورَضِيَ عَنْهُما وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ والنَّخْعِيُّ والزُّهْرِيُّ «( ولِوَلَدَيَّ)» تَثْنِيَةُ ولَدٍ يَعْنِي سامًا وحامًا عَلى ما قِيلَ وفي رِوايَةٍ أنَّ سامًا كانَ نَبِيًّا ﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ قِيلَ أرادَ مَنزِلَهُ وقِيلَ سَفِينَتَهُ وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ مَسْجِدَهُ وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ أرادَ شَرِيعَتَهُ اسْتَعارَ لَها اسْمَ البَيْتِ كَما قالُوا قُبَّةُ الإسْلامِ وفُسْطاطُ الدِّينِ والمُتَبادَرُ المَنزِلُ وتَخْرُجُ امْرَأتُهُ وابْنُهُ كَنْعانُ بِقَوْلِهِ ﴿مُؤْمِنًا﴾ وقِيلَ يُمْكِنُ أنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِخُرُوجِ كَنْعانَ إلّا بَعْدَ ما قِيلَ لَهُ أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ مِن كُلِّ أُمَّةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ واسْتَغْفَرَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ إظْهارًا لِمَزِيدِ الِافْتِقارِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وحُبًّا لِلْمُسْتَغْفِرِ لَهم مِن والِدَيْهِ والمُؤْمِنِينَ وقِيلَ إنَّهُ اسْتَغْفَرَ لَمّا دَعا عَلى الكافِرِينَ لِأنَّهُ انْتِقامٌ مِنهم ولا يَخْفى أنَّ السِّياقَ يَأْباهُ وكَذا قَوْلُهُ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلا تَبارًا﴾ أيْ هَلاكًا. وقالَ مُجاهِدٌ خَسارًا والأوَّلُ أظْهَرُ وقَدْ دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ دَعْوَتَيْنِ دَعْوَةً عَلى الكافِرِينَ ودَعْوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وحَيْثُ اسْتُجِيبَتْ لَهُ الأُولى فَلا يَبْعُدُ أنَّ تُسْتَجابَ لَهُ الثّانِيَةُ واللَّهُ تَعالى أكْرَمُ الأكْرَمِينَ ومُعْظَمُ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ وغَيْرِها نَصَّ في أنَّ القَوْمَ كَفَرَةٌ هالِكُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فالحُكْمُ بِنَجاتِهِمْ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ في فُصُوصِهِ مِمّا يَبْرَأُ إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ كَزَعْمٍ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدَعْهم عَلى وجْهٍ يَقْتَضِي إيمانَهم مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: 124] وقُصارى ما أقُولُ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدِي ولِمَن دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.

الجن 72:1

سُورَةُ الجِنِّ وتُسَمّى قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ وهي مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ وآيُها بِلا خِلافٍ ثَمانٌ وعِشْرُونَ آيَةً ووَجْهُ اتِّصالِها قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ فَكَّرْتُ فِيهِ مُدَّةً فَلَمْ يَظْهَرْ لِي سِوى أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ في سُورَةِ [نُوحٍ: 10، 11] ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ وقالَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ لِكُفّارِ مَكَّةَ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجِنِّ: 16] وهَذا وجْهٌ بَيِّنٌ في الِارْتِباطِ انْتَهى وفي قَوْلِهِ لِكُفّارِ مَكَّةَ شَيْءٌ سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّ إلى ذَلِكَ اشْتِمالُ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى شَيْءٍ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالسَّماءِ كالسُّورَةِ السّابِقَةِ وذِكْرُ العَذابِ لِمَن يَعْصِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجِنِّ: 23] فَإنَّهُ يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نُوحٍ: 25] عَلى وجْهٍ. وقالَ أبُو حَيّانٍ في ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى تَمادِي قَوْمِ نُوحٍ في الكُفْرِ والعُكُوفِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ وكانَ أوَّلَ رَسُولٍ إلى أهْلِ الأرْضِ كَما أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ آخِرُ رَسُولٍ إلى أهْلِ الأرْضِ والعَرَبُ الَّذِينَ هو مِنهم ﷺ كانُوا عُبّادَ أصْنامٍ كَقَوْمِ نُوحٍ حَتّى أنَّهم عَبَدُوا أصْنامًا مِثْلَ أصْنامِ أُولَئِكَ في الأسْماءِ أيْ أوْ عَيْنِها وكانَ ما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هادِيًا إلى الرُّشْدِ وقَدْ سَمِعَتْهُ العَرَبُ وتَوَقَّفَ عَنِ الإيمانِ بِهِ أكْثَرُهم أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سُورَةَ الجِنِّ وجَعَلَها إثْرَ سُورَةِ نُوحٍ تَبْكِيتًا لِقُرَيْشٍ والعَرَبِ في كَوْنِهِمْ تَباطَؤُوا عَنِ الإيمانِ وكانَتِ الجِنُّ خَيْرًا مِنهم إذْ أقْبَلَ لِلْإيمانِ مَن أقْبَلَ مِنهم وهم مِن غَيْرِ جِنْسِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ومَعَ ذَلِكَ التَباطِي فَهم مُكَذِّبُونَ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ حَسَدًا وبَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو وجُؤْبَةَ بْنِ عائِذٍ الأسَدِيِّ «( وُحِّيَ)» بِلا هَمْزَةٍ وهو بِمَعْنى أُوحِيَ بِالهَمْزِ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: وُحِّيَ لَها القَرارُ صفحة 82 فاسْتَقَرَّتْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وجُؤْبَةُ فِيما رَوى عَنْهُ الكِسائِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ في رِوايَةٍ «أُحِّيَ» بِإبْدال واوِ وُحِيَ هَمْزَةٍ كَما قالُوا في وُعِدَ أُعِدَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو مِنَ القَلْبِ المُطْلَقِ جَوازُهُ في كُلِّ واوٍ مَضْمُومَةٍ وقَدْ أطْلَقَهُ المازِنِيُّ في المَكْسُورَةِ أيْضًا كَإشاحٍ وإعاءٍ وإسادَةٍ وهَذا أحَدُ قَوْلَيْنِ لِلْمازِنِيِّ والقَوْلُ الآخَرُ قَصَرَ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ وما ذَكَرَهُ مِن إطْلاقِ الجَوازِ في المَضْمُومَةِ تُعُقِّبَ بِأنَّ المَضْمُومَةَ قَدْ تَكُونُ أوَّلًا وحَشْوًا وآخِرًا ولِكُلٍّ مِنها أحْكامٌ وفي بَعْضِها خِلافٌ وتَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ فَلْيُراجَعْ وزادَ بَعْضُ الأجِلَةِ قَلْبَ الواوِ والمَضْمُومِ ما قَبْلَها فَقالَ إنَّهُ أيْضًا مَقِيسٌ مُطَّرِدٌ وإنَّهُ قَدْ يَرِدُ ذَلِكَ في المَفْتُوحَةِ كَأحَدٍ وعَلى جَمِيعِ القِراءاتِ الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ ونائِبُ الفاعِلِ ﴿أنَّهُ﴾ إلَخِ عَلى أنَّهُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ ﴿اسْتَمَعَ﴾ أيِ القُرْآنَ كَما ذُكِرَ في الأحْقافِ وقَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ ﴿نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ النَّفَرُ في المَشْهُورِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ. وقالَ الحَرِيرِيُّ في دُرَّتِهِ: إنَّ النَّفَرَ إنَّما يَقَعُ عَلى الثَّلاثَةِ مِنَ الرِّجالِ إلى العَشْرَةِ وقَدْ وهِمْ في ذَلِكَ فَقَدْ يُطْلَقُ عَلى ما فَوْقَ العَشْرَةِ في الفَصِيحِ وقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وفي كَلامِ الشَّعْبِيِّ حَدَّثَنِي بِضْعَةُ عَشَرَ نَفَرًا ولا يَخْتَصُّ بِالرِّجالِ بَلْ ولا بِالنّاسِ لِإطْلاقِهِ عَلى الجِنِّ هُنا وفي المُجْمَلِ الرَّهْطُ والنَّفَرُ يُسْتَعْمَلُ إلى الأرْبَعِينَ والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الرَّهْطَ يَرْجِعُونَ إلى أبٍ واحِدٍ بِخِلافِ النَّفَرِ وقَدْ يُطْلَقُ عَلى القَوْمِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكَهْفِ: 34] وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَهُوَ لا تَنْمِي رَمِيَّتُهُ ∗∗∗ ما لَهُ لا عُدَّ مِن نَفَرِهْ وقالَ الإمامُ الكِرْمانِيُّ لِلنَّفَرِ مَعْنى آخَرُ في العُرْفِ وهو الرَّجُلُ وأرادَ بِالعُرْفِ عُرْفَ اللُّغَةِ لِأنَّهُ فُسِّرَ بِهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ فَلْيُحْفَظْ ( والجِنِّ ) واحِدُهُ جِنِّيٌّ كَرُومٍ ورُومِيٍّ وهم أجْسامٌ عاقِلَةٌ تَغْلِبُ عَلَيْها النّارِيَّةُ كَما يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: 15] وقِيلَ الهَوائِيَّةُ قابِلَةٌ جَمِيعُها أوْ صِنْفٌ مِنها لِلتَّشَكُّلِ بِالأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ مِن شَأْنِها الخَفاءُ، وقَدْ تُرى بِصُوَرٍ غَيْرِ صُوَرِها الأصْلِيَّةِ بَلْ وبِصُوَرِها الأصْلِيَّةِ الَّتِي خُلِقَتْ عَلَيْها كالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهَذا لِلْأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ ومَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن خَواصِّ عِبادِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَها قُوَّةٌ عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ ولا مانِعَ عَقْلًا مِن أنْ تَكُونَ بَعْضُ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ النّارِيَّةِ مُخالَفَةً لِسائِرِ أنْواعِ الجِسْمِ اللَّطِيفِ في الماهِيَّةِ ولَها قَبُولٌ لِإفاضَةِ الحَياةِ والقُدْرَةِ عَلى أفْعالِ عَجِيبَةٍ مَثَلًا. وقَدْ قالَ أهْلُ الحِكْمَةِ الجَدِيدَةِ بِأجْسامٍ لَطِيفَةٍ أثْبَتُوا لَها مِنَ الخَواصِّ ما يُبْهِرُ العُقُولَ فَلْتَكُنْ أجْسامُ الجِنِّ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِ مِنَ الأجْسامِ وعالَمُ الطَّبِيعَةِ أوْسَعُ مِن أنْ تُحِيطَ بِحَصْرِ ما أُودِعَ فِيهِ الأفْهامُ وأكْثَرُ الفَلاسِفَةِ عَلى إنْكارِ الجِنِّ. وفِي رِسالَةِ الحُدُودِ لِابْنِ سِينا الجِنِّيُّ حَيَوانٌ هَوائِيٌّ مُتَشَكِّلٌ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ وهَذا شَرَحَ الِاسْمَ وظاهِرُهُ نَفْيٌ أنْ يَكُونَ لِهَذِهِ الحَقِيقَةِ وُجُودٌ في الخارِجِ ونَفْيُ ذَلِكَ كُفْرٌ صَرِيحٌ كَما لا يَخْفى، واعْتَرَفَ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِن قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ وأصْحابِ الرُّوحانِيّاتِ بِوُجُودِهِمْ ويُسَمُّونَهم بِالأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ والمَشْهُورُ أنَّهم زَعَمُوا أنَّها جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها لَيْسَتْ أجْسامًا ولا جُسْمانِيَّةً وهي أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ كاخْتِلافِ ماهِيّاتِ الأعْراضِ فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ وبَعْضُها شِرِّيرَةٌ ولا يَعْرِفُ عَدَدَ أنْواعِها وأصْنافِها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولا يَبْعُدُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ في أنْواعِها ما يَقْدِرُ عَلى أفْعالٍ شاقَّةٍ عَظِيمَةٍ يَعْجِزُ عَنْها البَشَرُ بَلْ لا يَبْعُدُ أيْضًا عَلى ما قِيلَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها تَعَلُّقٌ بِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِن أجْسامِ هَذا العالَمِ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ والنُّفُوسَ النّاطِقَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها ازْدادَتْ قُوَّةً وكَمالًا بِسَبَبِ ما في ذَلِكَ العالَمِ الرُّوحانِيِّ مِنِ انْكِشافِ الأسْرارِ الرُّوحانِيَّةِ فَإذا اتَّفَقَ حُدُوثُ بَدَنٍ آخَرَ مُشابِهٍ لِما كانَ لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ مِنَ البَدَنِ تَعَلَّقَتْ تِلْكَ النَّفْسُ بِهِ تَعَلُّقًا ما وتَصِيرُ كالمُعاوِنَةِ لِنَفْسِ ذَلِكَ البَدَنِ في أفْعالِها وتَدْبِيرِها لِذَلِكَ البَدَنِ فَإنِ اتَّفَقَتْ هَذِهِ الحالَةُ في النُّفُوسِ الخَيِّرَةِ صفحة 83 سُمِّيَ ذَلِكَ المُعِينُ مَلَكًا وتِلْكَ الإعانَةُ إلْهامًا وإنِ اتَّفَقَتْ في النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ سُمِّيَ ذَلِكَ المُعِينُ شَيْطانًا وتِلْكَ الإعانَةُ وسُوسَةً والكُلُّ مُخالِفٌ لِأقْوالِ السَّلَفِ. وظاهِرُ الآياتِ والأحادِيثِ وجُمْهُورُ أرْبابِ المِلَلِ مُعْتَرِفُونَ بِوُجُودِهِمْ كالمُسْلِمِينَ وإنِ اخْتَلَفُوا في حَقِيقَتِهِمْ وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن آكامِ المَرْجانِ. وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ طَرَفٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ. واخْتَلَفَ في عَدَدِ المُسْتَمِعِينَ فَقِيلَ سَبْعَةٌ فَعَنْ زِرٍّ ثَلاثَةٌ مِن أهْلِ حَرّانَ وأرْبَعَةٌ مِن أهْلِ نَصِيبَيْنَ قَرْيَةٍ بِاليَمَنِ غَيْرِ القَرْيَةِ الَّتِي بِالعِراقِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِن جَزِيرَةِ المُوصِلِ وأيْنَ سَبْعَةٌ أوْ تِسْعَةٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا ولَعَلَّ النَّفَرَ عَلَيْهِ القَوْمُ وفي الكَشّافِ كانُوا مِنَ الشَّيْصَبانِ وهم أكْثَرُ الجِنِّ عَدَدًا وعامَّةُ جُنُودِ إبْلِيسَ مِنهُمْ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّهُ ﷺ عَلِمَ اسْتِماعَهم لَهُ بِالوَحْيِ لا بِالمُشاهَدَةِ وقَدْ وقَعَ في الأحادِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَآهم وجَمْعُ ذَلِكَ بِتَعَدُّدِ القِصَّةِ. قالَ في آكامِ المَرْجانِ ما مُحَصِّلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ ولا رَآهم وإنَّما انْطَلَقَ بِطائِفَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ لِسُوقِ عُكاظٍ قَدْ حِيلَ بَيْنَ الجِنِّ والسَّماءِ بِالشُّهُبِ فَقالُوا: ما ذاكَ إلّا لِشَيْءٍ حَدَثَ فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها فَمَرَّ مَن ذَهَبَ لِتِهامَةَ مِنهم بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو يُصَلِّي الفَجْرَ بِأصْحابِهِ بِنَخْلَةٍ فَلَمّا اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا الَّذِي حالَ بَيْنَنا وبَيْنَ السَّماءِ ورَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ وقالُوا: يا قَوْمَنا إلَخِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾» إلَخِ ثُمَّ قالَ ونَفى ابْنُ عَبّاسٍ إنَّما هو في هَذِهِ القِصَّةِ واسْتِماعُهم تِلاوَتَهُ ﷺ في الفَجْرِ في هَذِهِ القِصَّةِ لا مُطْلَقًا ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ [الأحْقافِ: 29] إلَخِ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلَّمَهم ودَعاهم وجَعَلَهم رُسُلًا لِمَن عَداهم كَما قالَهُ البَيْهَقِيُّ ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أتانِي داعِي الجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ وقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ قالَ وانْطَلَقَ بِنا وأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ»» إلَخِ وقَدْ دَلَّتِ الأحادِيثُ عَلى أنَّ وِفادَةَ الجِنِّ كانَتْ سِتَّ مَرّاتٍ. وقالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ عَلِمَ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ ولَمْ يَعْلَمْ ما عَلِمَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو هُرَيْرَةَ مِن إتْيانِ الجِنِّ لَهُ ﷺ ومُكالَمَتِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِصَّةُ الجِنِّ كانَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ. وقالَ الواقِدِيُّ كانَتْ سَنَةَ إحْدى عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ وابْنُ عَبّاسٍ ناهَزَ الحُلْمَ في حِجَّةِ الوَداعِ فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ قِصَّةَ الجِنِّ وقَعَتْ سِتَّ مَرّاتٍ. وفِي شَرْحِ البَيْهَقِيِّ مِن طُرُقٍ شَتّى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى العِشاءَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَأخَذَ بِيَدِي حَتّى أتَيْنا مَكانَ كَذا فَأجْلَسَنِي وخَطَّ عَلَيَّ خَطًّا ثُمَّ قالَ: «لا تَبْرَحْنَ خَطَّكَ» فَبَيْنَما أنا جالِسٌ إذْ أتانِي رِجالٌ مِنهم كَأنَّهُمُ الزُّطُّ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا وأنَّهُ ﷺ ما جاءَ إلى السِّحْرِ قالَ وجَعَلْتُ أسْمَعُ الأصْواتَ ثُمَّ جاءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقُلْتُ: أيْنَ كُنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: «أرْسَلَتْ إلَيَّ الجِنُّ» فَقُلْتُ: ما هَذِهِ الأصْواتُ الَّتِي سُمِعَتْ؟ قالَ: «هِيَ أصْواتُهم حِينَ ودَّعُونِي وسَلَّمُوا عَلَيَّ»» . وقَدْ يُجْمَعُ الِاخْتِلافُ في القِلَّةِ والكَثْرَةِ بِأنَّ ذَلِكَ لِتَعَدُّدِ القِصَّةِ أيْضًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. واخْتُلِفَ فِيما اسْتَمَعُوهُ فَقالَ عِكْرِمَةُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العَلَقِ: 1] وقِيلَ سُورَةُ الرَّحْمَنِ ﴿فَقالُوا﴾ أيْ لِقَوْمِهِمْ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهِمْ ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا﴾ أيْ كِتابًا مَقْرُوءًا عَلى ما فَسَّرَهُ بِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ وفُسِّرَ بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ما ذَكَرُوهُ في وصْفِهِ مِمّا يَأْتِي وصْفٌ لَهُ كُلِّهِ دُونَ المَقْرُوءِ مِنهُ فَقَطْ، والمُرادُ أنَّهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ قُرْآنًا جَلِيلَ الشَّأْنِ ﴿عَجَبًا﴾ بَدِيعًا مُبايِنًا لِكَلامِ النّاسِ في حُسْنِ النَّظْمِ ودِقَّةِ المَعْنى وهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.

الجن 72:2

﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ إلى الحَقِّ والصَّوابِ وقِيلَ إلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ وقَرَأ عِيسى «الرُّشُدِ» بِضَمَّتَيْنِ وعَنْهُ أيْضًا فَتْحُهُما ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ القُرْآنِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ ما فِيهِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ أوْ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ ولَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ صفحة 84 بِالفاءِ قالَ الخَفاجِيُّ لِأنَّ نَفْيَهم لِلْإشْراكِ إمّا لِما قامَ عِنْدَهم مِنَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ فَحِينَئِذٍ لا يَتَرَتَّبُ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ وإمّا لِما سَمِعُوهُ مِنَ القُرْآنِ فَحِينَئِذٍ يَكْفِي في تَرَتُّبِها عَلَيْهِ عَطْفُ الأوَّلِ بِالفاءِ خُصُوصًا والباءُ في بِهِ تَحْتَمِلُ السَّبَبِيَّةَ فَيَعُمُّ الإيمانُ بِهِ الإيمانَ بِما فِيهِ فَإنَّكَ إذا قُلْتَ ضَرْبْتُهُ فَتَأدَّبَ وانْقادَ لِي فُهِمَ تَرَتُّبُ الِانْقِيادِ عَلى الضَّرْبِ ولَوْ قُلْتَ فانْقادَ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلى الأوَّلِ بَلْ عَلى ما قَبْلَهُ. وقِيلَ: عُطِفَتْ بِالواوِ ولِتَفْوِيضِ التَّرَتُّبِ إلى ذِهْنِ السّامِعِ وقَدْ يُقالُ إنْ مَجْمُوعَ ﴿فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ مَجْمُوعِ ﴿إنّا سَمِعْنا﴾ إلَخِ فَكَوْنُهُ قُرْآنًا مُعْجِزًا يُوجِبُ الإيمانَ بِهِ وكَوْنُهُ يَهْدِي إلى الرُّشْدِ يُوجِبُ قَلْعَ الشِّرْكِ مِن أصْلِهِ والأوَّلُ أوْلى وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ بِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿بِرَبِّنا﴾ يُفَسِّرُهُ فَلا تَغْفُلْ.

الجن 72:3

﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ اخْتَلَفُوا قِراءَةً في أنَّ هَذِهِ وما بَعْدَها إلى ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ﴾ وتِلْكَ اثْنَتا عَشْرَةَ فَقَرَأها ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ وحَفْصٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِنَّ ووافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ في ثَلاثَةِ ما هُنا وأنَّهُ كانَ يَقُولُ وإنَّهُ كانَ رِجالٌ وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها في الجَمِيعِ واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ( أنَّهُ اسْتَمَعَ، وأنَّ المَساجِدَ ) [الحَجِّ: 18] لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الجِنِّ بَلْ هو مِمّا أُوحِيَ بِخِلافِ الباقِي فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ ومِمّا أُوحِيَ. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ لَمّا قامَ فَقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والباقُونَ بِفَتْحِها كَذا فَصَّلَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ وهو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ووَجْهُ الكَسْرِ في أنَّ هَذِهِ وما بَعْدَها إلى ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ﴾ ظاهِرٌ كالكَسْرِ في ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا﴾ لِظُهُورِ عَطْفِ الجُمَلِ عَلى المَحْكِيِّ بَعْدَ القَوْلِ ووُضُوحِ انْدِراجِها تَحْتَهُ. وأمّا وجْهُ الفَتْحِ فَفِيهِ خَفاءٌ ولِذا اخْتُلِفَ فِيهِ فَقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ هو العَطْفُ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ صَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا وكَذَلِكَ البَواقِي ويَكْفِي في إظْهارِهِ المَحَلَّ إظْهارُ مَعَ المُرادِفِ ولَيْسَ مِنَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ المَمْنُوعِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في شَيْءٍ وإنْ قِيلَ بِهِ هُنا بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ المُجَوِّزِينَ لَهُ ولَوْ قِيلَ إنَّهُ بِتَقْدِيرِ الجارِّ لِاطِّرادِ حَذْفِهِ قَبْلَ أنْ وإنَّ لَكانَ سَدِيدًا كَما في الكَشْفِ وضَعَّفَ مَكِّيٌّ العَطْفَ عَلى ما في حَيِّزِ (آمَنّا فَقالَ فِيهِ بُعْدٌ في المَعْنى لِأنَّهم لَمْ يُخْبِرُوا أنَّهم آمَنُوا بِأنَّهم لَمّا سَمِعُوا الهُدى آمَنُوا بِهِ ولا أنَّهم آمَنُوا بِأنَّهُ كانَ رِجالٌ إنَّما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا ذَلِكَ مُخْبِرِينَ عَنْ أنْفُسِهِمْ لِأصْحابِهِمْ وأُجِيبُ عَنِ الذّاهِبِينَ إلَيْهِ بِأنَّ الإيمانَ والتَّصْدِيقَ يَحْسُنُ في بَعْضِ تِلْكَ المَعْطُوفاتِ بِلا شُبْهَةٍ فَيَمْضِي في البَواقِي ويُحْمَلُ عَلى المَعْنى عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ( وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعَيُونا ) فَيُخَرَّجُ عَلى ما خُرِّجَ عَلَيْهِ أمْثالُهُ فَيُؤَوَّلُ صِدْقُنا بِما يَشْمَلُ الجَمِيعَ أوْ يُقَدَّرُ مَعَ كُلٍّ ما يُناسِبُهُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ هو العَطْفُ عَلى نائِبِ فاعِلِ أوْحى أعْنِي أنَّهُ اسْتَمَعَ كَما في أنَّ المَساجِدَ عَلى أنَّ المُوحى عَيْنُ عِبارَةِ الجِنِّ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ كَأنَّهُ قِيلَ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ كَيْتَ وكَيْتَ وهَذِهِ العِباراتُ وتُعُقِّبَ بِأنَّ حِكايَةَ عِباراتِهِمْ تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ أنَّ في كَلامِهِمْ مَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ في كَلامِهِمْ ما يَقْتَضِي الفَتْحَ كاسْمَعُوا أوِ اعْلَمُوا أوْ نُخْبِرُكم لَكِنَّهُ أسْقَطَ وقْتَ الحِكايَةِ ولا يَظْهَرُ لِإسْقاطِهِ وجْهٌ وعَلى تَقْدِيرِ الظُّهُورِ فالفَتْحُ لَيْسَ لِأجْلِ العَطْفِ فَإنَّ النّائِبَ عَنِ الفاعِلِ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ كُلِّ جُمْلَةٍ عَلى إرادَةِ اللَّفْظِ دُونَ المُنْسَبِكِ مِن أنَّ وما بَعْدَها وإلّا لَما صَحَّ أنْ يُقالَ المُوحى كَيْتَ وكَيْتَ. وهَذِهِ العِباراتُ فَإنْ كانَتْ أنَّ في كَلامِهِمْ مَكْسُورَةَ الهَمْزَةِ وصَحَّتْ دَعْوى أنَّ الحِكايَةَ اقْتَضَتْ فَتْحَها مَعَ صِحَّةِ إرادَةِ هَذِهِ العِباراتِ مَعَهُ فَذاكَ وإلّا فالأمْرُ كَما تَرى فافْهَمْ وتَأمَّلْ والجَدُّ العَظَمَةُ والجَلالُ يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي أيْ عَظُمَ وجَلَّ أيْ وصَدَّقْنا أنَّ الشَّأْنَ ارْتَفَعَ عَظَمَةً وجَلالَ رَبِّنا أيْ عَظُمَتْ عَظَمَتُهُ عَزَّ وجَلَّ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ المُلْكُ والسُّلْطانُ وقِيلَ الغِنى وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أنَسٍ والحَسَنِ في الآيَةِ والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الجُمْهُورِ والجَدُّ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأوْجُهِ مُسْتَعارٌ مِنَ الجَدِّ الَّذِي هو البَخْتُ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ عَلَيْها تَفْسِيرٌ لِلْجُمْلَةِ صفحة 85 وبَيانٌ لِحُكْمِها ولِذا لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْها فالمُرادُ وصْفُهُ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّعالِي عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ لِعَظْمَتِهِ أوْ لِسُلْطانِهِ أوْ لِغِناهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وكَأنَّهم سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ ما نَبَّهَهم عَلى خَطَأِ ما اعْتَقَدَهُ كَفَرَةُ الجِنِّ مِن تَشْبِيهِهِ سُبْحانَهُ بِخَلْقِهِ في اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ فاسْتَعْظَمُوهُ ونَزَّهُوهُ تَعالى عَنْهُ. وقَرَأ حَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ «جُدُّ» بِضَمِّ الجِيمِ قالَ في البَحْرِ ومَعْناهُ العَظِيمُ حَكاهُ سِيبَوَيْهِ وإضافَتُهُ إلى ﴿رَبِّنا﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ والمَعْنى تَعالى رَبُّنا العَظِيمُ وقَرَأ عِكْرِمَةُ «جَدٌ» مُنَوَّنًا مَرْفُوعًا «﴿رَبِّنا﴾» بِالرَّفْعِ وخُرِّجَ عَلى أنَّ الجَدَّ بِمَعْنى العَظِيمِ أيْضًا و«رَبُّنا» خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو رَبُّنا أوْ بَدَلٌ مِن «جَدُّ» وقَرَأ أيْضًا «جَدًّا» مُنَوَّنًا مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ تَمَيُّزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ وقَرَأ هو أيْضًا وقَتادَةُ «جِدًّا» بِكَسْرِ الجِيمِ والتَّنْوِينِ والنَّصْبِ «﴿رَبِّنا﴾» بِالرَّفْعِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نُصِبَ «جِدًّا» عَلى الحالِ والمَعْنى تَعالى رَبُّنا حَقِيقَةً ومُتَمَكِّنًا وقالَ غَيْرُهُ هو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَعالَيًا جِدًّا وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ «جِدا رَبِّنا» أيْ جَدْواهُ ونَفْعُهُ سُبْحانَهُ وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ الغِنى فَلا تَغْفُلْ.

الجن 72:4

﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ هو إبْلِيسُ عِنْدَ الجُمْهُورِ وقِيلَ مَرَدَةُ الجِنِّ والإضافَةُ لِلْجِنْسِ والمُرادُ سُفَهاؤُنا ﴿عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ أيْ قَوْلًا ذا شَطَطٍ أيْ بُعْدٍ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةِ الحَدِّ أوْ هو في نَفْسِهِ شَطَطٌ لِفَرْطِ بُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ وهو نِسْبَةُ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وتَعَلُّقُ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ بِهَذا القَوْلِ بِناءً عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَطْفُ عَلى ما في حَيِّزِ ﴿فَآمَنّا﴾ لَيْسَ بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ فَإنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِقَوْلِ سَفِيهِهِمْ مِن قَبْلُ بَلْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ شَطَطًا كَأنَّهُ قِيلَ وصَدَّقْنا أنَّ ما كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا في حَقِّهِ سُبْحانَهُ كانَ شَطَطًا.

الجن 72:5

﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ اعْتِذارٌ مِنهم عَنْ تَقْلِيدِهِمْ لِسَفِيهِهِمْ أيْ كُنّا نَظُنُّ أنْ لَنْ يَكْذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى أحَدٌ فَيَنْسُبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ ولِذَلِكَ اعْتَقَدْنا صِحَّةَ قَوْلِ السَّفِيهِ ولَعَلَّ الإيمانَ مُتَعَلِّقٌ بِما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُهم هَذا ويَنْساقُ إلَيْهِ مِن خَطَئِهِمْ في ظَنِّهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ وصَدَّقْنا بِخَطَئِنا في ظَنِّنا الَّذِي لِأجْلِهِ اعْتَقَدْنا ما اعْتَقَدْنا وكَذِبًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِتَقُولَ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ كَما في قَعَدْتُ القُرْفُصاءَ أوْ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ قَوْلًا كَذِبًا أيْ مَكْذُوبًا فِيهِ لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُ الكَذِبِ مِنهُ وإنِ اشْتَهَرَ تَوْصِيفُهُ بِهِ كالقائِلِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً وهي راجِعَةٌ لِلنَّفْيِ دُونَ المَنفِيِّ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكَرَةَ ويَعْقُوبُ وابْنُ مِقْسَمٍ «تَقُولُ» مُضارِعٌ تَقُولُ وأصْلُهُ تَتَقَوَّلُ بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما فَكَذِبا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِأنَّ الكَذِبَ هو التَّقَوُّلُ.

الجن 72:6

﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ كانَ الرَّجُلُ مِنَ العَرَبِ إذا أمْسى في وادٍ قَفْرٍ وخافَ عَلى نَفْسِهِ نادى بِأعْلى صَوْتِهِ يا عَزِيزُ هَذا الوادِي أعُوذُ بِكَ مِنَ السُّفَهاءِ الَّذِينَ في طاعَتِكَ يُرِيدُ الجِنَّ وكَبِيرَهم فَإذا سَمِعُوا بِذَلِكَ اسْتَكْبَرُوا وقالُوا سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَزادُوهُمْ﴾ أيْ زادَ الرِّجالُ العائِذُونَ الجِنَّ ﴿رَهَقًا﴾ أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِرِجالِ الإنْسِ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمَنصُوبُ لِرِجالِ الجِنِّ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والنَّخْعِيِّ وعَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ وجَماعَةٍ إلّا أنَّ مِنهم مَن فَسَّرَ الرَّهَقَ بِالإثْمِ وأنْشَدَ الطَّبَرَيُّ لِذَلِكَ قَوْلَ الأعْشى: لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها لا يَشْتَكِي وامِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقًا فَإنَّهُ أرادَ ما لَمْ يَغْشَ مُحَرَّمًا فالمَعْنى هُنا فَزادَتِ الإنْسَ والجِنَّ مَأْثَمًا لِأنَّهم عَظَّمُوهم فَزادُوهُمُ اسْتِحْلالًا لِمَحارِمِ اللَّهِ تَعالى أوْ فَزادَ الجِنُّ العائِذِينَ ( غَيًّا ) بِأنْ أضَلُّوهم حَتّى اسْتَعاذُوا بِهِمْ فالضَّمِيرانِ عَلى عَكْسِ ما تَقَدَّمَ وهو قَوْلُ قَتادَةَ وأبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ والفاءُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعْقِيبِ وعَلى هَذا قِيلَ لِلتَّرْتِيبِ الإخْبارِيِّ. وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ قَدْ يَتَقَدَّمُ إذا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعْرافِ: 4] وجُمْهُورُ النُّحاةِ عَلى خِلافِهِ وقِيلَ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فاتَّبَعُوهم فَزادُوهم. والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ لَفْظَ الرِّجالِ يُطْلَقُ عَلى ذُكُورِ الجِنِّ كَما يُطْلَقُ عَلى ذُكُورِ الإنْسِ. وقِيلَ لا يُطْلَقُ عَلى ذُكُورِ الجِنِّ صفحة 86 ( ومِنَ الجِنِّ ) في الآيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِ ( يَعُوذُونَ ) ومَعْناها أنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ مِن شَرِّ الجِنِّ بِرِجالٍ مِنَ الإنْسِ وكانَ الرَّجُلُ يَقُولُ مَثَلًا أعُوذُ بِحُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ مِن جِنِّ هَذا الوادِي وهو قَوْلٌ غَرِيبٌ مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ المُؤَيَّدُ بِالآثارِ، ولَعَلَّ تَعَلُّقَ الإيمانِ بِهَذا بِاعْتِبارِ ما يُشْعِرُ بِهِ مِن كَوْنِ ذَلِكَ ضَلالًا مُوجِبًا لِزِيادَةِ الرَّهَقِ. وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يُقالُ بَدَلَ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ فَفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ أبُو نَصْرٍ السَّجْزِيُّ في الإبانَةِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ غَرِيبٌ جِدًّا أنَّهُ ﷺ قالَ: ««إذا أصابَ أحَدًا مِنكم وحْشَةٌ أوْ نَزَلَ بِأرْضِ مَجَنَّةٍ فَلْيَقُلْ أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ الَّتِي لا يُجاوِزُها بَرٌّ ولا فاجِرٌ مِن شَرِّ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها ومِن فِتَنِ النَّهارِ ومِن طَوارِقِ اللَّيْلِ إلّا طارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ»» .

الجن 72:7

﴿وأنَّهم ظَنُّوا﴾ أيِ الإنْسُ ﴿كَما ظَنَنْتُمْ﴾ أيُّها الجِنُّ عَلى أنَّهُ كَلامُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ﴿أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ أيْ مِنَ الرُّسُلِ إلى أحَدٍ مِنَ العِبادِ وقِيلَ إنَّهُ لَنْ يَبْعَثَ سُبْحانَهُ أحَدًا بَعْدَ المَوْتِ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ وقَدْ أخْطَؤُوا وأخْطَأْتُمْ ولَعَلَّهُ مُتَعَلِّقُ الإيمانِ وقِيلَ المَعْنى أنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ أنْ لَنْ إلَخِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المُوحى بِهِ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ . وعَلى قِراءَةِ الكَسْرِ تَكُونُ اسْتِئْنافًا مِن كَلامِهِ تَعالى وكَذا ما قَبْلَها عَلى ما قِيلَ وفي الكَشّافِ قِيلَ الآيَتانِ يَعْنِي هَذِهِ وقَوْلَهُ تَعالى ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ﴾ إلَخِ مِن جُمْلَةِ المُوحى وتُعْقِّبَ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِأنَّ فِيهِ ضَعْفًا لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ.

الجن 72:8

﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ إلَخِ مِن كَلامِ الجِنِّ أوْ مِمّا صَدَّقُوهُ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأنَّ مِنَ المُوحى إلَيْهِ فَتَخَلَّلَ ما تَخَلَّلَ لَيْسَ اعْتِراضًا غَيْرَ جائِزٍ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّهُ يَجْرِي مَجْراهُ لِكَوْنِهِ يُؤَكِّدُ ما حَدَثَ عَنْهم في تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ أوَّلًا ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ انْتَهى. وأبُو السُّعُودِ اخْتارَ في جَمِيعِ الجُمَلِ المُصَدَّرَةِ بِأنّا العَطْفَ عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ عَنْ أبِي حاتِمٍ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ آنِفًا وأنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ اسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ وجُمْلَةُ أنْ لَنْ يَبْعَثَ إلَخِ قِيلَ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ظَنُّوا وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ سادَّةً مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ظَنَنْتُمْ ويَكُونُ السّادُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ الأوَّلِ مَحْذُوفًا كَما هو المُخْتارُ في أمْثالِ ذَلِكَ. ورَجَّحَ الأوَّلَ في الآيَةِ بِأنَّ ﴿ظَنُّوا﴾ هو المَقْصُودُ فِيها فَجَعْلُ المَعْمُولِ المَذْكُورِ لَهُ أحْسَنُ وأمّا ﴿كَما ظَنَنْتُمْ﴾ فَمَذْكُورٌ بِالتَّبَعِ ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ كَوْنَ المُخْتارِ إعْمالَ الثّانِي في بابِ التَّنازُعِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ أيْ طَلَبْنا بُلُوغَها لِاسْتِماعِ كَلامِ أهْلِها أوْ طَلَبْنا خَبَرَها واللَّمْسُ قِيلَ مُسْتَعارٌ مِنَ المَسِّ لِلطَّلَبِ كالجَسِّ يَقُولُ لَمَسَهُ والتَمَسَهُ وتَلَمَّسَهُ كَطَلَبَهُ وأطْلَبَهُ وتَطَلَّبَهُ. والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِعارَةَ هُنا لُغَوِيَّةٌ لِأنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ والسَّماعُ عَلى ظاهِرِها ﴿فَوَجَدْناها﴾ أيْ صادَفْناها وأصَبْناها فَوَجَدَ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مُلِئَتْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ وإنْ كانَتْ وُجِدَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي وقَرَأ الأعْرَجُ «مُلِيَتْ» بِالياءِ دُونَ هَمْزٍ ﴿حَرَسًا﴾ أيْ حَرَسًا اسْمُ جَمْعٍ كَخَدَمٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ لِأنَّهُ عَلى وزْنِ يَغْلِبُ في المُفْرَداتِ كَبَصَرٍ وقَمَرٍ ولِذا نُسِبَ إلَيْهِ فَقِيلَ حَرَسِيٌّ وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّهُ جَمْعٌ والصَّحِيحُ الأوَّلُ ولِذا وُصِفَ بِالمُفْرَدِ فَقِيلَ ﴿شَدِيدًا﴾ أيْ قَوِيًّا ونَحْوَهُ قَوْلُهُ: بَنَيْتُهُ بِعُصْبَةٍ مِن مالِيا أخْشى رُجَيْلًا ورَكِيبًا عادِيا ولَوْ رُوعِيَ مَعْناهُ جَمْعٌ بِأنْ يُقالَ شِدادًا إلّا أنْ يُنْظَرَ لِظاهِرِ وزْنِ فَعِيلٍ فَإنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُرادُ بِالحَرَسِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَمْنَعُونَهم عَنْ قُرْبِ السَّماءِ ﴿وشُهُبًا﴾ جَمْعُ شِهابٍ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَرَسِ الشُّهُبَ والعَطْفُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: وهِنْدُ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ وهُوَ خِلافُ الظّاهِرِ ودُخُولُ ( أنّا لَمَسْنا ) إلَخِ في حَيِّزِ الإيمانِ وكَذا أكْثَرُ الجُمَلِ الآتِيَةِ في غايَةِ الخَفاءِ والظّاهِرُ تَقْدِيرُ صفحة 87 نَحْوِ نُخْبِرُكم فِيما لا يَظْهَرُ دُخُولُهُ في ذَلِكَ أوْ تَأْوِيلُ (آمَنّا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِما يَنْسَحِبُ عَلى الجَمِيعِ.

الجن 72:9

﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ﴾ قَبْلَ هَذا ﴿مِنها﴾ أيْ مِنَ السَّماءِ ﴿مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ خالِيَةً عَنِ الحَرَسِ والشُّهُبِ أوْ صالِحَةً لِلتَّرَصُّدِ والِاسْتِماعِ ( ولِلسَّمْعِ ) مُتَعَلِّقٌ بِنَقْعُدُ أيْ لِأجْلِ السَّمْعِ أوْ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِمَقاعِدَ وكَيْفِيَّةُ قُعُودِهِمْ عَلى ما قِيلَ رُكُوبُ بَعْضِهِمْ فَوْقَ بَعْضٍ ورُوِيَ في ذَلِكَ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وقِيلَ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ بِعُرُوجِ مَن شاءَ مِنهم بِنَفْسِهِ إلى حَيْثُ يَسْمَعُ مِنهُ الكَلامَ. ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ﴾ قالَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ( الآنَ ) مَعْناهُ هُنا القُرْبُ مَجازًا فَيَصِحُّ مَعَ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ وفي البَحْرِ أنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ لِلْحالِ ( ويَسْتَمِعِ ) مُسْتَقْبَلٌ فاتَّسَعَ في الظَّرْفِ واسْتُعْمِلَ لِلِاسْتِقْبالِ كَما قالَ: سَأسْعى الآنَ إذْ بَلَغَتْ أناها فالمَعْنى فَمَن يَقَعْ مِنهُ اسْتِماعٌ في الزَّمانِ الآتِي ﴿يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ يَجِدْ شِهابًا راصِدًا لَهُ ولِأجْلِهِ يَصُدُّهُ عَنِ الِاسْتِماعِ بِالرَّجْمِ فَرَصَدا صِفَةُ ﴿شِهابًا﴾ فَإنْ كانَ مُفْرَدًا فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ كانَ اسْمَ جَمْعٍ لِلرّاصِدِ كَحَرَسٍ فَوَصْفُ المُفْرَدِ بِهِ لِأنَّ الشِّهابَ لِشِدَّةِ مَنعِهِ وإحْراقِهِ جُعِلَ كَأنَّهُ شُهُبٍ ونَظِيرُ ذَلِكَ وصْفُ المَعا وهو واحِدُ الأمْعاءِ بِجِياعٍ في قَوْلِ القَتامِيِّ: كَأنَّ قُيُودَ رِجْلِي حِينَ ضَمَّتْ ∗∗∗ حَوالِبَ غَرْزٍ أوْ مَعًا جِياعًا وجَوَّزَ كَوْنَهُ مَفْعُولًا لَهُ أيْ لِأجْلِ الرَّصْدِ وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعِ صِفَةً لِما قَبِلَهُ بِتَقْدِيرِ ذَوِي شِهابٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ يَجِدْ لَهُ ذَوِي شِهابٍ راصِدِينَ بِالرَّجْمِ وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِي يَرْجُمُونَهم بِالشُّهُبِ ويَمْنَعُونَهم مِنَ الِاسْتِماعِ وفِيهِ بُعْدٌ. وفِي الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ الرَّجْمَ حَدَثَ بَعْدَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو إحْدى آياتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قِيلَ فِيها مُلِئَتْ وهو كَما قالَ الجاحِظُ ظاهِرٌ في أنَّ الحادِثَ هو المَلْءُ والكَثْرَةُ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ﴾ عَلى ما في الكَشّافِ فَكَأنَّهُ قِيلَ كُنّا نَجِدُ فِيها بَعْضَ المَقاعِدِ خالِيَةً مِنَ الحَرَسِ والشُّهُبِ والآنَ مُلِئَتِ المَقاعِدُ كُلُّها ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ﴾ إلَخِ ويَدُلُّ عَلى وُجُودِ الشُّهُبِ قَبْلَ ذِكْرِها في شِعْرِ الجاهِلِيَّةِ قالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: والعِيرُ يُرْهِقُها الغُبارُ وجَحْشَها ∗∗∗ يَنْقَضُّ خَلْفَهُما انْقِضاضَ الكَوْكَبِ وقالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: وانْقَضَّ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طُنْبًا وقالَ عَوْفُ بْنُ الخَرِعِ يَصِفُ فَرَسًا: يَرُدُّ عَلَيْنا العِيرَ مِن دُونِ إلْفِهِ ∗∗∗ أوِ الثَّوْرَ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ الدَّمُ فَإنَّ هَؤُلاءِ الشُّعَراءَ كُلَّهم كَما قالَ التَّبْرِيزِيُّ جاهِلُونَ لَيْسَ فِيهِمْ مُخَضْرَمٌ. . وما رَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ في نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ إذْ رَمى بِنَجْمٍ فاسْتَنارَ فَقالَ: «ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في مِثْلِ هَذا في الجاهِلِيَّةِ» ؟ قالُوا: كُنّا نَقُولُ يَمُوتُ عَظِيمٌ أوْ يُولَدُ عَظِيمٌ» . ورُوِيَ عَنْ مُعَمِّرٍ قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ﴾ فَقالَ غَلُظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وكَأنَّهُ أخَذَ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ أيْضًا. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الرَّمْيَ لَمْ يَكُنْ أوَّلًا ثُمَّ حَدَثَ لِلْمَنعِ عَنْ بَعْضِ السَّماواتِ ثُمَّ كَثُرَ ومُنِعَ بِهِ الشَّياطِينُ عَنْ جَمِيعِها يَوْمَ تَنَبَّأ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الشُّهُبُ مِن قَبْلُ لِحَوادِثَ كَوْنِيَّةٍ لا لِمَنعِ الشَّياطِينِ أصْلًا والحادِثُ بَعْدَ البِعْثَةِ رَمْيُ الشَّياطِينِ بِها عَلى مَعْنى أنَّهم إذا عَرَجُوا لِلِاسْتِماعِ رَمَوْا بِها فَلا يَلْزَمُ أيْضًا أنْ يَكُونَ كُلُّ ما يَحْدُثُ مِنَ الشُّهُبِ اليَوْمَ لِلرَّمْيِ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأُمُورٍ أُخَرَ بِأسْبابٍ يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى ويُجابُ بِهَذا عَنْ حُدُوثِ الشُّهُبِ في شَهْرِ رَمَضانَ مَعَ ما جاءَ مِن أنَّهُ تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ فِيهِ ولِمَن يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَكُونُ إلّا لِلرَّمْيِ جَوابٌ آخَرُ مَذْكُورٌ صفحة 88 فِي مَوْضِعِهِ وذَكَرُوا وِجْدانَهُمُ المَقاعِدَ مَمْلُوءَةً مِنَ الحُرّاسِ ومَنعُ الِاسْتِراقِ بِالكُلِّيَّةِ قِيلَ بَيانٌ لِما حَمَلَهم عَلى الضَّرْبِ في البِلادِ حَتّى عَثَرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واسْتَمَعُوا قِراءَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَوْلُهم.

الجن 72:10

﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ﴾ بِحِراسَةِ السَّماءِ ﴿أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ خَيْرًا كالتَّتِمَّةِ لِذَلِكَ فالحامِلُ في الحَقِيقَةِ تَغَيُّرُ الحالِ عَمّا كانُوا ألِفُوهُ والِاسْتِشْعارُ أنَّهُ لِأمْرٍ خَطِيرٍ والتَّشَوُّقِ إلى الإحاطَةِ بِهِ خَبَرًا ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِمْ ﴿أشَرٌّ أُرِيدَ﴾ إلَخِ مِنَ الأدَبِ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحُوا بِنِسْبَةِ الشَّرِّ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما صَرَّحُوا بِهِ في الخَيْرِ وإنْ كانَ فاعِلُ الكُلِّ هو اللَّهُ تَعالى ولَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الأدَبِ وحُسْنِ الِاعْتِقادِ.

الجن 72:11

﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِصَلاحِ الحالِ في شَأْنِ أنْفُسِهِمْ وفي مُعامَلَتِهِمْ مَعَ غَيْرِهِمْ المائِلُونَ إلى الخَيْرِ والصَّلاحِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ لا إلى الشَّرِّ والفَسادِ كَما هو مُقْتَضى النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ المَذْكُورِ ويَطَّرِدُ حَذْفُ المَوْصُوفِ إذا كانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمَن مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ والصِّفَةُ ظَرْفٌ كَما هُنا أوْ جُمْلَةً كَما في قَوْلِهِ مِنّا أقامَ ومِنّا ظَعَنَ وأرادُوا بِهَؤُلاءِ القَوْمَ المُقْتَصِدِينَ في صَلاحِ الحالِ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ لا في الإيمانِ والتَّقْوى كَما قِيلَ فَإنَّ هَذا بَيانٌ لِحالِهِمْ قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ . وأمّا حالُهم بَعْدَ اسْتِماعِهِ فَسَتُحْكى بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ﴾ إلَخِ وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿دُونَ﴾ بِمَعْنى غَيْرَ فَيَكُونُ دُونَ ذَلِكَ شامِلًا لِلشِّرِّيرِ المَحْضِ وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ كُنّا إلَخِ تَفْسِيرٌ لِلْقِسْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَكِنْ قِيلَ الأنْسَبُ عَلَيْهِ كَوْنُ دُونَ بِمَعْنى غَيْرَ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ كُنّا ذَوِي طَرائِقَ أيْ مَذاهِبَ. أوْ مِثْلَ طَرائِقَ في اخْتِلافِ الأحْوالِ أوْ كانَتْ بِطَرائِقِنا طَرائِقُ قِدَدا وكَوْنُ هَذا مِن تَلَقِّي الرُّكْبانِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وعَدَمُ اعْتِبارِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ لِيَسْتَغْنِيَ عَنْ تَقْدِيرِ مِثْلِ قِيلٍ لِأنَّ المَحَلَّ لَيْسَ مَحِلَّ المُبالِغَةِ. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ﴿طَرائِقَ﴾ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ في أيْ كُنّا في ﴿طَرائِقَ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الطَّرِيقَ اسْمٌ خاصٌّ لِمَوْضِعٍ يَسْتَطْرِقُ فِيهِ فَلا يُقالُ لِلْبَيْتِ أوِ المَسْجِدِ طَرِيقٌ عَلى الإطْلاقِ وإنَّما يُقالُ جَعَلْتُ المَسْجِدَ طَرِيقًا فَلا يَنْتَصِبُ مِثْلُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ إلّا في الضَّرُورَةِ وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ شاذٌّ فَلا يُخْرَّجُ القُرْآنُ الكَرِيمُ عَلى ذَلِكَ. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: هو ظَرْفٌ عامٌّ لِأنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يُسْتَطْرَقُ طَرِيقٌ والقِدَدُ المُتَفَرِّقَةُ المُخْتَلِفَةُ قالَ الشّاعِرُ: القابِضُ الباسِطُ الهادِي بِطاعَتِهِ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ جَمْعُ قِدَةٍ مِن قَدَّ إذا قَطَعَ كَأنَّ كُلَّ طَرِيقٍ لِامْتِيازِها مَقْطُوعَةٌ مِن غَيْرِها.

الجن 72:12

﴿وأنّا ظَنَنّا﴾ أيْ عِلْمِنا الآنَ ﴿أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ﴾ أيْ إنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ تَعالى كائِنِينَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ أيْنَما كُنّا مِن أقْطارِها ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها إلى السَّماءِ فالأرْضُ مَحْمُولَةٌ عَلى الجُمْلَةِ ولَمّا كانَ ( ولَنْ ) إلَخِ في مُقابَلَةِ ما قَبْلُ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الهَرَبُ إلى السَّماءِ وفِيهِ ( تَرَقٍّ ) ومُبالَغَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ لَنْ نُعْجِزَهُ سُبْحانَهُ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ. وجَوَّزَ أنْ لا يُنْظَرُ إلى عُمُومٍ ولا خُصُوصٍ كَما في أرْسَلَها العِراكَ ويُجْعَلُ الفَوْتُ عَلى قِسْمَيْنِ أخَذًا مِن لَفْظِ الهَرَبِ والمَعْنى لَنْ نُعْجِزَهُ سُبْحانَهُ في الأرْضِ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا، ولَنْ نُعْجِزَهُ عَزَّ وجَلَّ هَرَبًا إنْ طَلَبْنا وحاصِلُهُ إنَّ طَلَبَنا لَمْ نَفْتْهُ وإنْ هَرَبْنا لَمْ نَخْلُصْ مِنهُ سُبْحانَهُ وفائِدَةُ ذِكْرِ الأرْضِ تَصْوِيرٌ أنَّها مَعَ هَذِهِ البَسْطَةِ والعِراضَةِ لَيْسَ فِيها مَنجا مِنهُ تَعالى ولا مَهْرَبُ لِشِدَّةِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وزِيادَةِ تَمَكُّنِهِ جَلَّ وعَلا ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: وإنَّكَ كاللَّيْلِ الَّذِي هو مُدْرِكِي وإنْ خِلْتَ أنَّ المُنْتَأى عَنْكَ واسِعُ وقِيلَ فائِدَةُ ذِكْرِ ( الأرْضِ ) تَصْوِيرُ تَمَكُّنِهِمْ عَلَيْها وغايَةِ بُعْدِها عَنْ مَحَلِّ اسْتِوائِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَيْسَ بِذاكَ صفحة 89 وكَوْنُ ﴿فِي الأرْضِ﴾ و(هَرَبًا ) حالَيْنِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ هو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وجَوَّزَ في ﴿هَرَبًا﴾ كَوْنَهُ تَمْيِيزًا مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ أيْ لَنْ يُعْجِزَهُ سُبْحانَهُ هَرَبُنا.

الجن 72:13

﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ أيِ القُرْآنَ الَّذِي هو الهُدى بِعَيْنِهِ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَرَدُّدٍ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ﴾ وبِما أنْزَلَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلا يَخافُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ ومِثْلُهُ مِنَ المَنفِيِّ بِلا يَصِحُّ فِيهِ دُخُولُ الفاءِ وتَرْكُها كَما صَرَّحَ بِهِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ إلّا أنَّ الأحْسَنَ تَرَكُها ولِذا قُدِّرَ هاهُنا مُبْتَدَأٌ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً ولَزِمَ اقْتِرانُها بِالفاءِ إذا وقَعَتْ جَوابًا إلّا فِيما شَذَّ مِن نَحْوِ: مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها مَعْلُومٌ وبَعْضُهم أوْجَبَ التَّقْدِيرَ لِزَعْمِهِ عَدَمَ صِحَّةِ دُخُولِ الفاءِ في ذَلِكَ أيْ فَهو لا يَخافُ ﴿بَخْسًا﴾ أيْ نَقْصًا في الجَزاءِ. وقالَ الرّاغِبُ: البَخْسُ نَقْصُ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ ﴿ولا رَهَقًا﴾ أيْ غَشَيانَ ذِلَّةٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى ( ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ ) [يُونُسَ: 27] وأصْلُهُ مُطْلَقُ الغَشَيانِ وقالَ الرّاغِبُ: رَهَقَهُ الأمْرُ أيْ غَشِيَهُ بِقَهْرٍ وفي الأساسِ رَهَقَهُ دَنا مِنهُ وصَبِيٌّ مُراهِقٌ مُدانٍ لِلْحُلْمِ وفي النِّهايَةِ يُقالُ رَجُلٌ فِيهِ رَهَقٌ إذا كانَ يَخِفُّ إلى الشَّرِّ ويَغْشاهُ. وحاصِلُ المَعْنى فَلا يَخافُ أنْ يُبْخَسَ حَقُّهُ ولا أنْ تَرْهَقُهُ ذِلَّةٌ فالمَصْدَرُ أعْنِي ﴿بَخْسًا﴾ مُقَدَّرٌ بِاعْتِبارِ المَفْعُولِ ولَيْسَ المَعْنى عَلى أنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ يُبْخَسُ حَقُّهُ بَلِ النَّظَرُ إلى تَأْكِيدِ ما ثَبَتَ لَهُ مِنَ الجَزاءِ وتَوْفِيرِهِ كُمَّلًا وأمّا غَيْرُهُ فَلا نَصِيبَ لَهُ فَضْلًا عَنِ الكَمالِ وفِيهِ أنَّ ما يُجْزى بِهِ غَيْرُ المُؤْمِنِ مَبْخُوسٌ في نَفْسِهِ وبِالنِّسْبَةِ إلى هَذا الحَقِّ فِيهِ كُلُّ البَخْسِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ بَخْسٌ حَقٌّ كَذا في الكَشْفِ أوْ ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَبْخَسْ أحَدًا حَقًّا ولا رَهَقَهُ ظُلْمًا فَلا يَخافُ جَزاءَهُما ولَيْسَ مِن إضْمارِ مُضافٍ، أعْنِي الجَزاءَ بَلْ ذَلِكَ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى وأنَّ ما ذُكِرَ في نَفْسِهِ مُخَوِّفٌ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ خِفْتُ الذَّنْبَ وخِفْتُ جَزاءَهُ لِأنَّ ما يَتَوَلَّدُ مِنهُ المَحْذُورُ مَحْذُورٌ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لِاجْتِنابِهِ البَخْسَ والرَّهَقَ لا يَخافُهُما فَإنَّ عَدَمَ الخَوْفِ مِنَ المَحْذُورِ إنَّما يَكُونُ لِانْتِفاءِ المَحْذُورِ وجازَ أنْ يُحْمَلَ عَلى الإضْمارِ وأصْلُ الكَلامِ فَمَن لا يَبْخَسُ أحَدًا ولا يَرْهَقُ ظُلْمَهُ فَلا يَخافُ جَزاءَهُما فَوَضَعَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَهُ تَنْبِيهًا بِالسَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ والأوَّلُ كَما قِيلَ أظْهَرُ وأقْرَبُ مَأْخَذًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: فَلا يَخافُ بَخْسًا ظُلْمًا بِأنْ يَظْلِمَ مِن حَسَناتِهِ فَيَنْتَقِصُ مِنها شَيْءٌ ولا رَهَقًا ولا أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ ذَنْبَ غَيْرِهِ. وأُخْرِجَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ ولَعَلَّ المَعْنى الأوَّلَ أنْسَبُ بِالتَّرْغِيبِ بِالإيمانِ وبِلَفْظِ الرَّهَقِ أيْضًا نَظَرًا إلى ما سَمِعْتَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ «فَلا يَخَفْ» بِالجَزْمِ عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ لا نافِيَةَ لِأنَّ الجَوابَ المُقْتَرِنَ بِالفاءِ لا يَصِحُّ جَزْمُهُ وقِيلَ الفاءُ زائِدَةٌ ولا لِلنَّفْيِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وأيًّا ما كانَ فالقِراءَةُ الأُولى أدَلُّ عَلى تَحَقُّقِ أنَّ المُؤْمِنَ ناجٍ لا مَحالَةَ وأنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ وذَلِكَ لِتَقْدِيرِ هو عَلَيْها وبِناءُ الفِعْلِ عَلَيْهِ نَحْوَ هو عُرْفٌ ويَجْتَمِعُ فِيهِ التَّقْوى والِاخْتِصاصُ إذا اقْتَضاهُما المَقامُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «بَخْسًا» بِفَتْحِ الخاءِ المُعْجَمَةِ.

الجن 72:14

﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ﴾ الجائِرُونَ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ الَّذِي هو الإيمانُ والطّاعَةُ يُقالُ: قَسَطَ الرَّجُلُ إذا جارَ وأنْشَدُوا: قَوْمٌ هُمُ قَتَلُوا ابْنَ هِنْدٍ عَنْوَةً عُمْرًا وهُمُ قَسَطُوا عَلى النُّعْمانِ ﴿فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ﴾ الإشارَةُ إلى مَن أسْلَمَ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى ﴿تَحَرَّوْا﴾ تَوَخَّوْا وقَصَدُوا ﴿رَشَدًا﴾ عَظِيمًا بَلَّغَهم إلى الدّارِ لِلثَّوابِ وقَرَأ الأعْرَجُ «رُشْدًا» بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ.

الجن 72:15

﴿وأمّا القاسِطُونَ﴾ الجائِرُونَ عَنْ سُنَنِ الإسْلامِ ﴿فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ تُوقَدُ بِهِمْ كَما تُوقَدُ بِكَفَرَةِ الإنْسِ واسْتَظْهَرَ أنَّ ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ إلَخِ مِن كَلامِ الجِنِّ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ الوَجْهُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ ويُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَ الآياتِ وفي الكَشّافِ زَعَمَ مَن لا يَرى صفحة 90 لِلْجِنِّ ثَوابًا أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْعَدَ قاسِطِيهِمْ وما وعَدَ مُسْلِمِيهِمْ وكَفى بِهِ وعْدًا أنْ قالَ سُبْحانَهُ ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ فَذَكَرَ سَبَبَ الثَّوابِ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْدَلُ مِن أنْ يُعاقِبَ القاسِطَ ولا يُثِيبَ الرّاشِدَ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ.

الجن 72:16

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ إلَخِ مَعْطُوفٌ قَطْعًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ ولا يَضُرُّ تَقَدُّمُ المَعْطُوفِ عَلى غَيْرِهِ عَلى القَوْلِ بِهِ لِظُهُورِ الحالِ وعَدَمِ الِالتِباسِ ( وأنْ ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ بِضَمِّ واوِ ﴿لَوِ﴾ والمَعْنى وأوْحى إلى أنَّ الشَّأْنَ لَوِ اسْتَقامَ الإنْسُ والجِنُّ أوْ كِلاهُما ﴿عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ الَّتِي هي مِلَّةُ الإسْلامِ ﴿لأسْقَيْناهُمْ﴾ ماءً ﴿غَدَقًا﴾ أيْ كَثِيرًا وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْمَشِ بِكَسْرِ الدّالِ والمُرادُ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ وتَخْصِيصُ الماءِ الغَدَقِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ وكَثْرَتُهُ أصْلُ السَّعَةِ فَقَدْ قِيلَ المالُ حَيْثُ الماءُ ولِعِزَّةِ وجُودِهِ بَيْنَ العَرَبِ.

الجن 72:17

﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ أيْ لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَهُ أيْ لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ وقِيلَ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى الطَّرِيقَةِ المُثْلى أيْ لَوْ ثَبَتَ أبُوهُمُ الجانُّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ سُبْحانَهُ ولَمْ يَتَكَبَّرْ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ ولَمْ يَكْفُرْ وتَبِعَهُ ولَدُهُ عَلى الإسْلامِ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ ووَسَّعْنا رِزْقَهم لِنَخْتَبِرَهم ويَجُوزُ عَلى هَذا رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى (القاسِطِينَ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ واعْتِبارُ المُثْلى قِيلَ لِأنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودُ طَرِيقَةُ الجِنِّ المُفَضَّلَةُ عَلى غَيْرِها وقِيلَ لِأنَّ جَعْلَها طَرِيقَةً وما عَداها لَيْسَ بِطَرِيقَةٍ يُفْهَمُ مِنهُ كَوْنُهُ مُفَضَّلَةً. وقِيلَ المَعْنى أنَّهُ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى طَرِيقَتِهِمْ وهي الكُفْرُ ولَمْ يُسَلِّمُوا بِاسْتِماعِ القُرْآنِ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ اسْتِدْراجًا لِنُوقِعَهم في الفِتْنَةِ ونُعَذِّبَهم في كُفْرانِ النِّعْمَةِ ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ الضَّحاكِ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وأبِي مِجْلَزٍ بَيْدَ أنَّهم أعادُوا الضَّمِيرَ عَلى مَن أسْلَمَ وقالُوا أيْ لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ ﴿لأسْقَيْناهُمْ﴾ إلَخِ وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ لِاسْتِعْمالِ الِاسْتِقامَةِ عَلى الطَّرِيقَةِ في الِاسْتِقامَةِ عَلى الكُفْرِ وكَوْنُ النِّعْمَةِ المَذْكُورَةِ اسْتِدْراجًا مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ [الأعْرافِ: 96] إلَخِ يُؤَيِّدُ الأوَّلَ. وزَعَمَ الطِّيبِيُّ أنَّ التَّذْيِيلَ بِقَوْلِهِ ( عَزَّ وجَلَّ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ) إلَخِ يَنْصُرُ ما قِيلَ قالَ لِأنَّهُ تَوْكِيدٌ لِمَضْمُونِ السّابِقِ مِنَ الوَعِيدِ أيْ لِنَسْتَدْرِجَهم فَيَتَّبِعُوا الشَّهَواتِ الَّتِي هي مُوجِبَةٌ لِلْبَطَرِ والإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ نَظَرٌ والذِّكْرُ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ العِبادَةِ أوْ هو بِمَعْنى التَّذْكِيرِ مُضافٌ لِفاعِلِهِ ويُفَسَّرُ بِالمَوْعِظَةِ وقالَ بَعْضُهُمُ المُرادُ بِالذِّكْرِ الوَحْيُ أنَّ ﴿ومَن يُعْرِضْ﴾ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ تَعالى أوْ عَنْ مَوْعِظَتِهِ سُبْحانَهُ أوْ عَنْ وحْيِهِ ( عَزَّ وجَلَّ يَسْلُكْهُ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى نُدْخِلُهُ ولِذا تَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿عَذابًا صَعَدًا﴾ بِنَفَسِهِ دُونَ في أوْ هو مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ والصَّعَدُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً أوْ تَأْوِيلًا أيْ نُدْخِلُهُ عَذابًا يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ وفُسِّرَ بِشاقٍّ يُقالُ فُلانٌ في صَعَدٍ مِن أمْرِهِ أيْ في مَشَقَّةٍ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ كَما تَصَعَّدَنِي خُطْبَةُ النِّكاحِ أيْ ما شَقَّ عَلَيَّ وكَأنَّهُ أخْذٌ إنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ مِن عادَتِهِمْ أنْ يَذْكُرُوا جَمِيعَ ما كانَ في الخاطِبِ مِنَ الأوْصافِ المَوْرُوثَةِ والمُكْتَسَبَةِ فَكانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ ارْتِجالًا، أوْ كانَ يَشُقُّ أنْ يَقُولَ الصِّدْقَ في وجْهِ الخاطِبِ وعَشِيرَتِهِ وقِيلَ إنَّما شَقَّ مِنَ الوُجُوهِ ونَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ: صَعَدٌ جَبَلٌ في النّارِ قالَ الخُدْرِيُّ كُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ وقالَ عِكْرِمَةُ هو صَخْرَةٌ مَلْساءٌ في جَهَنَّمَ يُكَلَّفُ صُعُودَها فَإذا انْتَهى إلى أعْلاها جُدِرَ إلى جَهَنَّمَ. فَعَلى هَذا قالَ أبُو حَيّانٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن عَذابٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ عَذابٍ صَعَدَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ نَسْلُكُهُ وعَذابًا مَفْعُولُ مِن أجْلِهِ الكُوفِيُّونَ ﴿يَسْلُكْهُ﴾ بِالياءِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ وابْنُ جُنْدُبٍ بِالنُّونِ مِن أسَلُكُ وبَعْضُ التّابِعِينَ بِالياءِ كَذَلِكَ وهُما لُغَتانِ سَلَكَ وأسْلَكَ قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ جَيْشا مَهْزُومِينَ: صفحة 91 حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قَتائِدَةٍ شَلًّا كَما تَطْرُدُ الجَمّالَةُ الشُّرْدا وقَرَأ قَوْمٌ «صُعُدًا» بِضَمَّتَيْنِ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ العَيْنِ قالَ الحَسَنُ مَعْناهُ لا راحَةَ فِيهِ.

الجن 72:18

﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ فَهو مِن جُمْلَةِ المُوحى والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمَساجِدِ المَواضِعُ المُعَدَّةُ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ أيْ وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ المَساجِدَ مُخْتَصَّةٌ بِاللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿فَلا تَدْعُوا﴾ أيْ فَلا تَعْبُدُوا فِيها ﴿مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ. وقالَ الحَسَنُ المُرادُ كُلُّ مَوْضِعِ سُجِدَ فِيهِ مِنَ الأرْضِ سَواءُ أُعِدَّ لِذَلِكَ أمْ لا إذِ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وكَأنَّهُ ذَلِكَ مِمّا في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا»» . واشْتُهِرَ أنَّ هَذا مِن خَصائِصِ نَبِيِّنا ﷺ أيْ شَرِيعَتِهِ فَيَكُونُ لَهُ ولِأُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ مِن قَبْلُ إنَّما تُباحُ لَهُمُ الصَّلاةُ في البِيَعِ والكَنائِسِ واسْتَشْكَلَ بِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُكْثِرُ السِّياحَةَ وغَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُسافِرُونَ فَإذا لَمْ تَجُزْ لَهُمُ الصَّلاةُ في غَيْرِ ما ذَكَرَ لَزِمَ تَرْكُ الصَّلاةِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ وهو بَعِيدٌ لا سِيَّما في الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِذا قِيلَ المَخْصُوصُ كَوْنُها مَسْجِدًا وطَهُورًا أيِ المَجْمُوعُ ويَكْفِي في اخْتِصاصِهِ اخْتِصاصُ التَّيَمُّمِ وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ الِاخْتِصاصُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَمِ السّالِفَةِ دُونَ أنْبِيائِها عَلَيْهِمُ السَّلامُ والخَضِرُ إنْ كانَ حَيًّا اليَوْمَ فَهو مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَواءً كانَ نَبِيًّا أمْ لا لِخَبَرِ «لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» وحُكْمُهُ قَبْلَهُ نَبِيًّا ظاهِرٌ والأمْرُ فِيهِ غَيْرَ نَبِيٍّ سَهْلٌ وقِيلَ المُرادُ بِها المَسْجِدُ الحَرامُ أيِ الكَعْبَةُ نَفْسُها أوِ الحَرَمُ كُلُّهُ عَلى ما قِيلَ والجَمْعُ لِأنَّ كُلَّ ناحِيَةٍ مِنهُ مَسْجِدٌ لَهُ قِبْلَةٌ مَخْصُوصَةٌ أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ قِبْلَةَ المَساجِدِ فَإنَّ كُلَّ قِبْلَةٍ مُتَوَجِّهَةٍ نَحْوَهُ جَعَلَ كَأنَّهُ جَمِيعُ المَساجِدِ مَجازًا وقِيلَ: المُرادُ هو وبَيْتُ المَقْدِسِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ نَزَلَتْ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ إلَخِ في الأرْضِ =مَسْجِدًا لا المَسْجِدُ الحَرامُ ومَسْجِدُ إيلِيّا بَيْتُ المَقْدِسِ وأمْرُ الجَمْعِ عَلَيْهِ أظْهَرُ مِنهُ عَلى الأوَّلِ لا أنَّهُ كالأوَّلِ خِلافَ الظّاهِرِ وما ذُكِرَ لا يَتِمُّ دَلِيلًا لَهُ. وقالَ ابْنُ عَطاءٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والزَّجّاجُ والفَرّاءُ المُرادُ بِها الأعْضاءُ السَّبْعَةُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْها واحِدُها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ وهي القَدَمانِ والرُّكْبَتانِ والكَفّانِ والوَجْهُ أيِ الجَبْهَةُ والأنْفُ ورُوِيَ أنَّ المُعْتَصِمَ سَألَ أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مُوسى الكاظِمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَنْ ذَلِكَ فَأجابَ بِما ذَكَرَ. وقِيلَ السَّجَداتُ عَلى أنَّ المَسْجَدَ بِفَتْحِ الجِيمِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ ونُقِلَ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِتَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدُ والمَساجِدُ بِمَعْناها المَعْرُوفِ أيْ لِأنَّ ﴿المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ ولَمّا لَمْ تَكُنِ الفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُحَقَّقٍ كانَتْ في الحَقِيقَةِ زائِدَةً فَلا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ ما بَعْدَها عَلَيْها نَعَمْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ جِيءَ بِها لِتَضَمُّنِ الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ أنْ يُوَحَّدَ ولا يُشْرَكَ بِهِ أحَدٌ فَإنْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ في سائِرِ المَواضِعِ فَلا تَدْعُوا مَعَهُ أحَدًا في المَساجِدِ لِأنَّ المَساجِدَ لَهُ سُبْحانَهُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ عَزَّ وجَلَّ فالإشْراكُ فِيها أقْبَحُ وأقْبَحُ ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ [قُرَيْشٍ: 1- 3] عَلى وجْهٍ ولا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الشَّرْطِ المُحَقِّقِ ويَنْدَفِعُ بِما ذَكَرَ لُزُومُ جَعِلِ الفاءِ لَغْوًا لِأنَّها لِلسَّبَبِيَّةِ ومَعْناها مُسْتَفادٌ مِنَ اللّامِ المُقَدَّرَةِ وقِيلَ في دَفْعِهِ أيْضًا أنَّها تَأْكِيدٌ لِلّامِ أوْ زائِدَةٌ جِيءَ بِها لِلْإشْعارِ بِمَعْناها وأنَّها مُقَدَّرَةٌ والخِطابُ في ﴿تَدْعُوا﴾ قِيلَ لِلْجِنِّ وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: إنَّ الجِنَّ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عَنْكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ. لِيُخاطِبَهم عَلى مَعْنى أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كانَتْ مَقْبُولَةً إذا لَمْ تُشْرِكُوا فِيها. وقِيلَ هو خِطابٌ عامٌّ وعَنْ قَتادَةَ كانَ اليَهُودُ والنَّصارى إذا دَخَلُوا كَنائِسَهم وبَيَعَهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَأُمْرِنا أنْ نُخْلِصَ لِلَّهِ تَعالى الدَّعْوَةَ إذا دَخَلْنا المَساجِدَ يَعْنِي بِهَذِهِ الآيَةِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بَدَلٌ (فَأُمِرْنا إلَخِ «فَأمَرَهم أنْ يُوَحِّدُوهُ» وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أيْضًا وقَرَأ صفحة 92 كَما في البَحْرِ ابْنُ هُرْمُزٍ وطَلْحَةُ «وإنَّ المَساجِدَ» بِكَسْرِ هَمْزَةِ «إنَّ» وحَمْلِ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

الجن 72:19

﴿وأنَّهُ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كالَّذِي قَبْلَهُ فَهو مِن كَلامِهِ تَعالى أيْ وأوْحى إلَيَّ أنَّ الشّانَّ ﴿لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ أيِ النَّبِيُّ ﷺ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَدْعُوهُ﴾ حالٌ مِن ﴿عَبْدُ﴾ أيْ لَمّا قامَ عابِدًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ وذَلِكَ قِيامُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِصَلاةِ الفَجْرِ بِنَخْلَةٍ كَما مَرَّ. ﴿كادُوا﴾ أيِ الجِنُّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ مُتَراكِمِينَ مِنَ ازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ تَعَجُّبًا مِمّا شاهَدُوا مِن عِبادَتِهِ وسَمِعُوا مِن قِراءَتِهِ واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قِيامًا ورُكُوعًا وسُجُودًا لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ وسَمِعُوا ما لَمْ يَسْمَعُوا نَظِيرَهُ وهَذا كالظّاهِرِ في أنَّهم كانُوا كَثِيرِينَ لا تِسْعَةً ونَحْوَها وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلَفْظِ العَبْدِ دُونَ لَفْظِ النَّبِيِّ أوْ الرَّسُولِ أوِ الضَّمِيرِ إمّا لِأنَّهُ مَقُولٌ عَلى لِسانِهِ ﷺ لِأنَّهُ أمَرَ أنْ يَقُولَ أُوحِيَ كَذا فَجِيءَ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَقامُ العُبُودِيَّةِ والتَّواضُعِ، أوْ لِأنَّهُ تَعالى عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العِبادَةَ مِنَ العَبْدِ لا تُسْتَبْعَدُ، ونَقَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَهُ سُبْحانَهُ كَما هو رَفْعًا لِنَفْسِهِ عَنِ البَيْنِ فَلا وُجُودَ لِلْأثَرِ بَعْدَ العَيْنِ وحَيْثُ كانَ هَذا العُدُولُ مِنهُ جَلَّ وعَلا إمّا لِكَذا أوْ لِكَذا لا أنَّهُ تَصَرُّفٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَمْتَنِعْ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الجَمْعُ بَيْنَ الحُسْنَيَيْنِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ضَمِيرُ ﴿كادُوا﴾ لِكَفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ فَيُرادُ بِالقِيامِ القِيامُ بِالرِّسالَةِ وبِالتَّلَبُّدِ التَّلَبُّدُ لِلْعَداوَةِ والمَعْنى وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ بِالرِّسالَةِ يَدْعُو لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ ويَذْرُ ما كانُوا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ كادُوا لِتَظاهُرِهِمْ عَلَيْهِ وتَعاوُنِهِمْ عَلى عَداوَتِهِ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَلى هَذا لِلْجِنِّ والإنْسِ. وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا ما يَقْتَضِيهِ قالَ: تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ فَأبى اللَّهُ تَعالى إلّا أنْ يَنْصُرَهُ عَلى مَن ناوَأهُ وفي البَحْرِ أبْعَدُ مَن قالَ عَبْدُ اللَّهِ هَنا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ كادَ قَوْمُهُ يَقْتُلُونَهُ حَتّى اسْتَنْقَذَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم قالَهُ الحَسَنُ وأبْعَدُ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ اهـ ولَعَمْرِي إنَّهُ لا يَنْبَغِي القَوْلُ بِذَلِكَ ولا أظُنُّ لَهُ صِحَّةً بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ كَما قَدَّمْنا وابْنُ هُرْمُزٍ وطَلْحَةُ كَما في الحِبْرِ «وإنَّهُ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وحُمِلَ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافِيَّةٌ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ الجِنِّ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا سَمِعْنا﴾ حَكَوْا فِيها لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ ما رَأوْا مِن صِلاتِهِ ﷺ وازْدِحامِ أصْحابِهِ عَلَيْهِ في ائْتِمامِهِمْ بِهِ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وجَوَّزَ نَحْوَ هَذا عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ عَنْ أبِي حاتِمٍ أوْ بِتَقْدِيرِ ونُخْبِرُكم بِأنَّهُ أوْ نَحْوَهُ هَذا. وفِي الكَشْفِ الوَجْهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ مِن جُمْلَةِ المُوحِي أنْ يَكُونَ ﴿فَلا تَدْعُوا﴾ خِطابًا لِلْجِنِّ مَحْكِيًّا إنَّ جُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى «وإنَّهُ لَمّا قامَ» عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ مِن مَقُولِ الجِنِّ لِئَلّا يَنْفَكَّ النَّظْمُ لَوْ جُعِلَ ابْتِداءَ قِصَّةٍ ووَحْيًا آخَرَ مُنْقَطِعًا عَنْ حِكايَةِ الجِنِّ وكَذَلِكَ لَوْ جُعِلَ ضَمِيرُ ﴿كادُوا﴾ لِلْجِنِّ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ أيْضًا والأصْلُ أنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا أيُّها الجِنُّ مَعَ اللَّهِ أحَدًا فَقِيلَ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ كَذا وإذا كانَ كَذَلِكَ فَيَجِيءُ في ضِمْنِ الحِكايَةِ إثْباتُ هَذا الحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُخاطَبِينَ أيْضًا لِاتِّحادِ العِلَّةِ، وأمّا لَوْ جُعِلَ خِطابًا عامًّا فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿كادُوا﴾ راجِعًا إلى المُشْرِكِينَ أوْ إلى الجِنِّ والإنْسِ وأنْ يَكُونَ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ جُمْلَةً اسْتِئْنافِيَّةً ابْتِداءَ قِصَّةٍ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ في الإخْبارِ عَنْ حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي مِن بَعْدُ وتَوْكِيدٌ لِما ذُكِرَ مِن قَبْلُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ ما كانَ مِن حَدِيثِ الجِنِّ وإيمانِ بَعْضِهِمْ وكُفْرِ آخَرِينَ مِنهم لِيَكُونَ حِكايَةُ ذَلِكَ لُطْفًا لَهم في الِانْتِهاءِ عَمّا كانُوا فِيهِ وحَثًّا عَلى الإيمانِ ثُمَّ قِيلَ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ويُوَحِّدُهُ كادَ الفَرِيقانِ مِن كَفَرَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ دَلالَةً عَلى عَدَمِ ارْتِداعِهِمْ مَعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ والآياتِ النَّيِّرَةِ. وما أحْسَنَ التَّقابُلَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ وبَيْنَ هَذا القَوْلِ كَأنَّهم نُهُوا كُلُّهم عَنِ الإشْراكِ ودُعُوا إلى التَّوْحِيدِ فَقابَلُوا ذَلِكَ بِعَداوَةِ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ صفحة 93 سُبْحانَهُ ويَدْعُوهُ ولَمْ يَرْضَوْا بِالإباءِ وحْدَهُ وهَذا مِن خَواصِّ الكِتابِ الكَرِيمِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ إذا أخَذَ في قِصَّةٍ غِبَّ قِصَّةٍ جَعَلَهُما مُتَناصِفَتَيْنِ فِيما سِيقَ لَهُ الكَلامُ وزادَ عَلَيْهِ التَّآخِي بَيْنَهُما. فِي تَناسُبِ خاتِمَةِ الأُولى وفاتِحَةِ الثّانِيَةِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ مِنَ الوَجاهَةِ بِمَكانٍ وأمّا لَوْ فُسِّرَ بِما حُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا إلَخِ فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ اسْتِطْرادًا ذُكِرَ عَقِيبَ وعِيدِ المَعْرَضِ والحَمْلُ عَلى هَذا عَلى الأعْضاءِ السَّبْعَةِ أظْهَرُ لِأنَّ فِيهِ تَذْكِيرًا لِكَوْنِهِ تَعالى المَنعَ بِها عَلَيْهِمْ وتَنَبُّهًا عَلى أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِها خِدْمَةُ المَعْبُودِ مِن حَيْثُ العُدُولُ عَنْ لَفْظِ الأعْضاءِ وأسْمائِها الخاصَّةِ إلى المَساجِدِ ودَلالَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ يُنافِي الإشْراكَ وحِينَئِذٍ لا يَبْقى إشْكالٌ في ارْتِباطِ ما بَعْدَهُ بِما قَبْلَهُ عَلى القِراءَتَيْنِ والأوْجَهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ اهـ فَتَأمَّلْ. واللِّبَدُ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ جَمْعُ لِبْدَةٍ بِالكَسْرِ نَحْوَ كِسْرَةٍ وكِسَرٍ وهي الجَماعاتُ شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ويُقالُ لِلْجَرادِ ومِنهُ كَما قالَ الجِبائِيُّ قَوْلُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ رُبْعِ الهُذَلِيِّ: صافُوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جابِيًا لِبَدا وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ «لُبَدا» بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبَدَةٍ كَزُبَرَةٍ وزُبَرٍ وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أيْضًا تَسْكِينُ الباءِ وضَمُّ اللّامِ وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ لُبَدٍ كَرُهُنٍ ورُهَنٍ أوْ جَمْعُ لُبُودٍ كَصُبُورٍ وصَبْرٍ وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ أيْضًا بِخِلافٍ عَنْهُما «( لُبَّدًا)» بِضَمِّ اللّامِ وتَشْدِيدِ الباءِ جَمْعُ لابِدٍ وأبُو رَجاءٍ بِكَسْرِها وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ.

الجن 72:20

﴿قُلْ إنَّما أدْعُو﴾ أعْبُدُ ﴿رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ﴾ في العِبادَةِ ﴿أحَدًا﴾ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدَعٍ ولا مُسْتَنْكَرَ يُوجِبُ التَّعَجُّبَ أوِ الإطْباقَ عَلى عَداوَتِي وقَرَأ الأكْثَرُونَ «قالَ» عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ مِنهُ تَعالى لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْمُتَراكِمِينَ عَلَيْهِ أوْ حِكايَةً مِنَ الجِنِّ لَهُ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلى قَوْمِهِمْ فَلا تَغْفُلْ وقِراءَةُ الأمْرِ وهي قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ أظْهَرُ وأوْقَفُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ أيْ ولا نَفْعًا تَعْبِيرًا بِاسْمِ السَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ، والمَعْنى لا أسْتَطِيعُ أنْ أضُرَّكم ولا أنْفَعَكم إنَّما الضّارُّ والنّافِعُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أوْ لا أمْلِكُ لَكم ( غَيًّا ولا رَشِدًا عَلى أنَّ الضُّرَّ مُرادٌ بِهِ الغَيُّ تَعْبِيرٌ بِاسْمِ السَّبَبِ عَنِ السَّبَبِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أبِي «غَيًّا» بَدَلُ ( ضَرًّا ) والمَعْنى لا أسْتَطِيعُ أنْ أقْسِرَكم عَلى الغَيِّ والرُّشْدِ إنَّما القادِرُ عَلى ذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ في الآيَةِ الِاحْتِباكُ والأصْلُ لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا غَيًّا ولا رَشَدًا فَتَرَكَ مِن كِلا المُتَقابِلَيْنِ ما ذَكَرَ في الآخَرِ. وقَرَأ الأعْرَجُ «رُشُدًا» بِضَمَّتَيْنِ.

الجن 72:21

﴿قُلْ إنَّما أدْعُو﴾ أعْبُدُ ﴿رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ﴾ في العِبادَةِ ﴿أحَدًا﴾ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدَعٍ ولا مُسْتَنْكَرَ يُوجِبُ التَّعَجُّبَ أوِ الإطْباقَ عَلى عَداوَتِي وقَرَأ الأكْثَرُونَ «قالَ» عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ مِنهُ تَعالى لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْمُتَراكِمِينَ عَلَيْهِ أوْ حِكايَةً مِنَ الجِنِّ لَهُ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلى قَوْمِهِمْ فَلا تَغْفُلْ وقِراءَةُ الأمْرِ وهي قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ أظْهَرُ وأوْقَفُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ أيْ ولا نَفْعًا تَعْبِيرًا بِاسْمِ السَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ، والمَعْنى لا أسْتَطِيعُ أنْ أضُرَّكم ولا أنْفَعَكم إنَّما الضّارُّ والنّافِعُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أوْ لا أمْلِكُ لَكم ( غَيًّا ولا رَشِدًا عَلى أنَّ الضُّرَّ مُرادٌ بِهِ الغَيُّ تَعْبِيرٌ بِاسْمِ السَّبَبِ عَنِ السَّبَبِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أبِي «غَيًّا» بَدَلُ ( ضَرًّا ) والمَعْنى لا أسْتَطِيعُ أنْ أقْسِرَكم عَلى الغَيِّ والرُّشْدِ إنَّما القادِرُ عَلى ذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ في الآيَةِ الِاحْتِباكُ والأصْلُ لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا غَيًّا ولا رَشَدًا فَتَرَكَ مِن كِلا المُتَقابِلَيْنِ ما ذَكَرَ في الآخَرِ. وقَرَأ الأعْرَجُ «رُشُدًا» بِضَمَّتَيْنِ.

الجن 72:22

﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ إنْ أرادَنِي سُبْحانَهُ بِسُوءٍ ﴿ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أيْ مُعَدَّلًا ومُنْحَرَفًا وقالَ الكَلْبِيُّ مُدْخَلًا في الأرْضِ وقالَ السُّدِّيُّ حِرْزًا وأصْلُهُ المُدْخَلُ مِنَ اللَّحْدِ والمُرادُ مَلْجَأٌ يَرْكَنُ إلَيْهِ وأنْشَدُوا: يا لَهْفَ نَفْسِي ونَفْسِي غَيْرُ مُجْدِيَةٍ عَنِّي وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ وجَوَّزَ فِيهِ الرّاغِبُ كَوْنَهُ اسْمَ مَكانٍ وكَوْنَهُ مَصْدَرًا وهَذا عَلى ما قِيلَ بَيانٌ لِعَجْزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ شُؤُونِ نَفْسِهِ بَعْدَ بَيانِ عَجْزِهِ ﷺ عَنْ شُؤُونِ غَيْرِهِ وقِيلَ في الكَلامِ حَذْفٌ وهو قالُوا اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ فَقِيلَ لَهُ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ إلَخِ وقِيلَ هو جَوابٌ لِقَوْلٍ ورَدَ أنَّ سَيِّدَ الجِنِّ وقَدِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ أنا أُرَحِّلُهم عَنْكَ فَقالَ ﴿إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ إلَخِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ والقَوْلانِ لَيْسا بِشَيْءٍ وقَوْلُهُ تَعالى.

الجن 72:23

﴿إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ ﴿لا أمْلِكُ﴾ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ قَتادَةَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ لِنَفِيِ الِاسْتِطاعَةِ فَلا اعْتِراضَ بِكَثْرَةِ الفَصْلِ المُبْعِدَةِ لِذَلِكَ فَإنْ كانَ المَعْنى لا أمْلِكُ أنْ أضُرَّكم ولا أنْفَعَكم كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ لا أمْلِكُ شَيْئًا إلّا بَلاغًا وإنْ كانَ المَعْنى لا أمْلِكُ أنْ أقْسِرَكم عَلى الغَيِّ والرُّشْدِ كانَ مُنْقَطِعًا أوْ مِن بابِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ صفحة 94 غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم كَما في الكَشْفِ وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّهُ إمّا اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ﴿رَشَدًا﴾ فَإنَّ الإبْلاغَ إرْشادٌ ونَفْعٌ والِاسْتِثْناءَ مِنَ المَعْطُوفِ دُونَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ جائِزٌ، وإمّا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ﴿مُلْتَحَدًا﴾ قالَ الرّازِيُّ لِأنَّ البَلاغَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَلْ مِنهُ جَلَّ وعَلا وبِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. وفِي البَحْرِ قالَ الحَسَنُ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ﴿لَنْ يُجِيرَنِي﴾ أحَدٌ لَكِنْ إنْ بَلَغَتْ رَحْمَتِي بِذَلِكَ والإجارَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْبَلاغِ إذْ هو سَبَبُ إجارَةِ اللَّهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ سُبْحانَهُ وقِيلَ هو عَلى هَذا المَعْنى اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. والمَعْنى لَنْ أجِدَ شَيْئًا أمِيلُ إلَيْهِ وأعْتَصِمُ بِهِ إلّا أنْ أُبُلِّغَ وأُطِيعَ فَيُجِيرَنِي فَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن﴿مُلْتَحَدًا﴾ أوْ عَلى البَدَلِ وهو الوَجْهُ لِأنَّ قَبْلَهُ نَفْيًا وعَلى البَدَلِ خَرَّجَهُ الزَّجاجُ انْتَهى. والأظْهَرُ ما تَقَدَّمَ وقِيلَ إنَّ إلّا مُرَكَّبَةٌ مِن أنَّ الشَّرْطِيَّةَ ولا النّافِيَةَ والمَعْنى أنْ لا أُبَلِّغَ بَلاغًا وما قَبْلَهُ دَلِيلُ الجَوابِ فَهو كَقَوْلِكَ إلّا قِيامًا فَقُعُودًا وظاهِرُهُ أنَّ المَصْدَرَ سَدَّ مَسَدِّ الشَّرْطِ كَمَعْمُولٍ كانَ ولَهم في حَذْفِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ مَعَ بَقاءِ الأداةِ كَلامٌ والظّاهِرُ أنَّ إطِّرادَ حَذْفِهِ مَشْرُوطٌ بِبَقاءِ لا كَما في قَوْلِهِ: فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَها بِكُفْءٍ وإلّا يَعْلُ مِفْرَقَكَ الحُسامُ ما لَمْ يَسُدَّ مَسَدَّهُ شَيْءٌ مِن مَعْمُولٍ أوْ مُفَسِّرٍ كَ ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ [التَّوْبَةِ: 6] والنّاسُ مَجْزِيُّونَ بِأعْمالِهِمْ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وهَذا الوَجْهُ خِلافُ المُتَبادِرِ كَما لا يَخْفى وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ورِسالاتِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى بَلاغًا ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أيْ بَلاغًا كائِنًا مِنَ اللَّهِ ولَيْسَ بِصِلَةٍ لَهُ لِأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِعَنْ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ««بَلِّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً»» . والمَعْنى عَلى ما عَلِمْتَ أوَّلًا في الِاسْتِثْناءِ لا أمْلِكُ لَكم إلّا تَبْلِيغًا كائِنًا مِنهُ تَعالى ورِسالاتِهِ الَّتِي أرْسَلَنِي عَزَّ وجَلَّ بِها. وفي الكَشْفِ في الكَلامِ إضْمارٌ أيْ بَلاغَ رِسالَتِهِ وأصْلُ الكَلامِ إلّا بَلاغَ رِسالاتِ اللَّهِ فَعَدَلَ إلى المَنزِلِ لِيَدُلَّ عَلى التَّبْلِيغَيْنِ مُبالَغَةً وإنَّ كُلًّا مِنَ المَعْنَيَيْنِ أعْنِي كَوْنَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وكَوْنَهُ بَلاغَ رِسالاتِهِ يَقْتَضِي التَّشَمُّرَ لِذَلِكَ انْتَهى. وفِي عِبارَةِ الكَشّافِ رَمَزَ ما إلَيْهِ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ لا يَنْبَغِي تَقْدِيرُ المُضافِ فِيهِ أعْنِي بِلاغَ فَإنَّهُ يَكُونُ العَطْفُ حِينَئِذٍ مِن عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ إلّا أنْ يُوَجَّهَ بِأنَّ البَلاغَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فِيما أخَذَهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ والبَلاغَ لِلرِّسالاتِ فِيما هو بِها وهو بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ فافْهَمْ. واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانٍ عَطْفَهُ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ فَقالَ الظّاهِرُ عَطْفُ ( رِسالاتِهِ ) عَلى ﴿اللَّهِ﴾ أيْ إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ وعَنْ رِسالاتِهِ وظاهِرُهُ جَعْلُ ﴿مِنَ﴾ بِمَعْنى عَنْ وقَدْ تَقَدَّمَ مِنهُ أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقُرِئَ «قالَ لا أمْلِكُ» أيْ قالَ عَبْدُ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ أوْ لِلْجِنِّ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِن حِكايَةِ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ. هَذا ووْجْهُ ارْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها قِيلَ بِناءً عَلى أنَّ التَّلَبُّدَ لِلْعَداوَةِ أنَّهم لَمّا تَلَبَّدُوا عَلَيْهِ ﷺ مُتَظاهِرِينَ لِلْعَداوَةِ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ أيْ ما أرَدْتُ إلّا نَفْعَكم وقابَلْتُمُونِي بِالإساءَةِ ولَيْسَ في اسْتِطاعَتِي النَّفْعُ الَّذِي أرَدْتُ ولا الضُّرُّ الَّذِي أُكافِئُكم بِهِ إنَّما ذانِ إلى اللَّهِ تَعالى وفِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ وتَوْكِيلٌ إلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا وأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يَجْزِيهِ بِحُسْنِ صَنِيعِهِ وسُوءِ صَنِيعِهِمْ، ثُمَّ فِيهِ مُبالَغَةٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَدَعُ التَّبْلِيغَ لِتَظاهُرِهِمْ هَذا فَإنَّ الَّذِي يَسْتَطِيعُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو التَّبْلِيغُ ولا يَدَعُ المُسْتَطاعَ ولِهَذا قالَ ﴿إلا بَلاغًا﴾ وجَعْلُهُ بَدَلًا مِن ﴿مُلْتَحَدًا﴾ شَدِيدُ الطِّباقِ عَلى هَذا والشَّرْطُ قَرِيبٌ مِنهُ، وأمّا إنْ كانَ الخِطابُ لِلْجِنِّ والتَّلَبُّدُ لِلتَّعَجُّبِ فالوَجْهُ أنَّهم لَمّا تَلَبَّدُوا لِذَلِكَ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُلْ لَهم ما لَكُمُ ازْدَحَمْتُمْ عَلَيَّ مُتَعَجِّبِينَ مِنِّي ومِن تَطامُنِ أصْحابِي عَلى العِبادَةِ أنِّي لَيْسَ إلَيَّ النَّفْعُ والضُّرُّ إنَّما أنا مُبَلِّغٌ عَنِ الضّارِّ النّافِعِ فَأقْبِلُوا أنْتُمْ مِثْلَنا عَلى العِبادَةِ ولا تُقْبِلُوا عَلى التَّعَجُّبِ فَإنَّ العَجَبَ مِمَّنْ يُعْرِضُ عَنِ المُنْعِمِ المُنْتَقِمِ الضّارِّ النّافِعِ ولَعَلَّ اعْتِبارَ قُوَّةِ الِارْتِباطِ يَقْتَضِي أوْلَوِيَّةَ كَوْنِ التَّلَبُّدِ كانَ لِلْعَداوَةِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ في الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ إذِ الكَلامُ فِيهِ فَلا يَصِحُّ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ ونَحْوِهِمْ بِالآيَةِ صفحة 95 عَلى تَخْلِيدِ العُصاةِ في النّارِ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالرَّسُولِ رَسُولُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ دُونَ رَسُولِ البَشَرِ فالمُرادُ بِعِصْيانِهِ أنْ لا يُبَلِّغَ المُرْسَلَ إلَيْهِ ما وصَلَ إلَيْهِ كَما وصَلَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ في النّارِ أوْ في جَهَنَّمَ وجَمْعُ ﴿خالِدِينَ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مَن ) كَما أنَّ الإفْرادَ قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها ولَوْ رُوعِيَ هُنا أيْضًا لَقِيلَ خالِدًا ﴿أبَدًا﴾ بِلا نِهايَةٍ. وقَرَأ طَلْحَةُ «فَأنَّ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ كَما قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُ فَجَزاءُهُ أنَّ لَهُ إلَخِ وقَدْ نَصَّ النُّحاةُ عَلى أنَّ أنَّ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ يَجُوزُ فِيها الفَتْحُ والكَسْرُ فَقَوْلُ ابْنِ مُجاهِدٍ ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ وهو لَحْنٌ لِأنَّهُ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ تَتَبُّعِهِ وضَعْفِهِ في النَّحْوِ.

الجن 72:24

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مَقْرُونَةٌ بِحِتّى الِابْتِدائِيَّةِ وهي وإنْ لَمْ تَكُنْ جارَّةً فِيها مَعْنى الغايَةِ فَمَدْخُولُها غايَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ مِنَ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لِأنْصارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتِقْلالِهِمْ لِعَدَدِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَزالُونَ يَسْتَضْعِفُونَ ويَسْتَهْزِئُونَ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ مِن فُنُونِ العَذابِ في الآخِرَةِ تَبَيَّنَ لَهم أنَّ المُسْتَضْعَفَ مَن هو ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا جَوابُ الشَّرْطِ وكَذا ما قِيلَ عَلى ما قِيلَ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ كَيْفَما قُدِّرَ بَلِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ مِن مُفْتَتَحِها مَسُوقَةٌ لِلتَّعْرِيضِ بِحالِ مُشْرِكِي مَكَّةَ وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَسْرِيَةٌ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَعْبِيرٌ لَهم بِقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَنِ الجِنِّ مَعَ ادِّعائِهِمُ الفَطانَةَ وقِلَّةِ إنْصافِهِمْ ومُبادَهَتِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بَدَلَ مُبادَهَةِ الجِنِّ بِالتَّصْدِيقِ والِاسْتِهْداءِ، ويَجُوزُ جَعْلُ ذَلِكَ غايَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ إنْ فُسِّرَ بِالتَّلَبُّدِ عَلى العَداوَةِ ولا مانِعَ مِن تَخَلُّلِ أُمُورٍ غَيْرِ أجْنَبِيَّةٍ بَيْنَ الغايَةِ والمُغَيّا فَقَوْلُ أبِي حَيّانٍ أنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَجَعْلِهِ إيّاهُ غايَةً لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ قَبْلُ يَعْنِي فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ مِنَ الحِكَمِ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهُ ومِثْلُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ غايَةٌ لِمَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ دَعْهم حَتّى إذا رَأوْا إلَخِ والظّاهِرُ أنَّ ( مَن ) اسْتِفْهامِيَّةٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وهي مُبْتَدَأٌ ( وأضْعَفُ ) خَبَرٌ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما قَبْلَها وقَدْ عُلِّقَ عَنِ العَمَلِ لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ وجَوَّزَ كَوْنَها مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ (يَعْلَمُونَ ( وأضْعَفُ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِمَن والتَّقْدِيرُ فَسَيَعْرِفُونَ الَّذِي هو أضْعَفُ وحُسْنُ حَذْفِ صَدْرِ الصِّلَةِ طُولُها بِالتَّمْيِيزِ وجَوَّزَ تَفْسِيرَ ما ﴿يُوعَدُونَ﴾ بِيَوْمِ بَدْرٍ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ.

الجن 72:25

قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ أيْ ما أدْرِي ﴿أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ رَدٌّ لِما قالَهُ المُشْرِكُونَ عِنْدَ سَماعِهِمْ ذَلِكَ، ومُقْتَضى حالِهِمْ أنَّهم قالُوا إنْكارًا واسْتِهْزاءً مَتى يَكُونُ ذَلِكَ المَوْعُودُ بَلْ رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ النَّضِرَ بْنَ الحارِثِ قالَ ذَلِكَ فَقِيلَ قُلْ إنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ وأمّا وقْتُهُ فَما أدْرِي مَتى يَكُونُ والأحْرى بِسُؤالِهِمْ وهَذا الجَوابُ إرادَةُ ما في يَوْمِ القِيامَةِ المُنْكِرِينَ لَهُ أشَدَّ الإنْكارِ والخَفِيُّ وقَتُهُ عَنِ الخَلائِقِ غايَةَ الخَفاءِ والمُرادُ بِالأمَدِ الزَّمانُ البَعِيدُ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ بِالقَرِيبِ وإلّا فَهو وضْعًا شامِلٌ لَهُما ولِذا وُصِفَ بِبَعِيدًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عِمْرانَ: 30] وقِيلَ إنَّ مَعْنى القُرْبِ يُنْبِئُ عَنْ مُشارَفَةِ النِّهايَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لا أدْرِي أهُوَ حالٌ مُتَوَقَّعٌ في كُلِّ ساعَةٍ أمْ هو مُؤَجَّلٌ ضُرِبَ لَهُ غايَةٌ والأوَّلُ أوْلى وأقْرَبُ.

الجن 72:26

﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو سُبْحانَهُ عالَمُ الغَيْبِ وجَوَّزَ أبُو حَيّانٍ كَوْنَهُ بَدَلًا مِن ﴿رَبِّي﴾ وغَيْرُهُ أيْضًا كَوْنَهُ بَيانًا لَهُ ويَأْبى الوَجْهَيْنِ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ إذْ يَكُونُ النَّظْمُ حِينَئِذٍ ﴿أمْ يَجْعَلُ﴾ لَهُ عالِمُ الغَيْبِ أمَدًا ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ وفِيهِ مِنَ الإخْلالِ ما لا يَخْفى، وإضافَةُ ( عالِمُ ) إلى ( الغَيْبِ ) مُحَصِّنَةٌ لِقَصْدِ الثَّباتِ فِيهِ فَيَفِدُ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ التَّخْصِيصَ وتَعْرِيفُ الغَيْبِ لِلِاسْتِغْراقِ وفي الرَّضِيِّ أنَّ اسْمَ الجِنْسِ أعْنِي الَّذِي يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ بِلَفْظِ الواحِدِ إذا اسْتُعْمِلَ ولَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ تُخَصِّصُهُ بِبَعْضِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ فَهو في الظّاهِرِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ أخْذًا صفحة 96 مِنِ اسْتِقْراءِ كَلامِهِمْ فَمَعْنى التُّرابُ يابِسٌ والماءُ بارِدٌ كُلُّ ما فِيهِ هاتانِ الماهِيَّتانِ حالُهُ كَذا فَلَوْ قُلْتَ في قَوْلِهِمُ النَّوْمُ يَنْقُضُ الطَّهارَةَ النَّوْمُ مَعَ الجُلُوسِ لا يَنْقُضُها لَكانَ مُناقِضًا لِذَلِكَ اللَّفْظِ انْتَهى. وهُوَ يُؤَيِّدُ إرادَةَ ذَلِكَ هُنا لِأنَّ الغَيْبَ كالماءِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ بِلَفْظٍ واحِدٍ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ جَمْعُهُ عَلى غُيُوبٍ كَما لا يَضُرُّ فِيهِ جَمْعُ الماءِ عَلى المِياهِ وكَذا المُرادُ بِغَيْبِهِ جَمِيعُ غَيْبِهِ وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ عَزْمِيُّ زادَهْ مُعَلِّلًا لَهُ بِكَوْنِ اسْمِ الجِنْسِ المُضافِ بِمَنزِلَةِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ سِيَّما إذا كانَ في الأصْلِ مَصْدَرًا وعَزى إلى شَرْحِ المَقاصِدِ ما يَقْتَضِيهِ. ورُبَّما يُقالُ يُفْهَمُ ذَلِكَ أيْضًا مِنِ اعْتِبارِ كَوْنِ الإضافَةِ لِلْعَهْدِ وأنَّ المَعْهُودَ هو الغَيْبُ المُسْتَغْرِقُ أوْ مِنِ اعْتِبارِها لِلِاخْتِصاصِ وأنَّ الغَيْبَ المُخْتَصَّ بِهِ تَعالى بِمَعْنى المُخْتَصِّ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِهِ هو كُلُّ غَيْبٍ واعْتِناءً بِشَأْنِ الِاخْتِصاصِ جِيءَ بِالمُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ نَقْصِ مَن نَفى الدّارِيَةَ والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإظْهارِ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ والمُرادُ بِالإظْهارِ المَنفِيِّ الِاطِّلاعُ الكامِلُ الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ جَلِيَّةُ الحالِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ما عَلَيَّ إذا قُلْتُ ما أدْرِي قُرْبَ ذَلِكَ المَوْعِدِ الغَيْبِ ولا بُعْدَهُ فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمُ كُلِّ غَيْبٍ وحْدَهُ فَلا يُطْلِعُ عَلى ذَلِكَ المُخْتَصِّ عِلْمُهُ بِهِ تَعالى اطِّلاعًا كامِلًا أحَدًا مِن خَلْقِهِ لِيَكُونَ ألْيَقَ بِالتَّفَرُّدِ وأبْعَدَ عَنْ تَوَهُّمِ مُساواةِ عِلْمِ خَلْقِهِ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ وإنَّما يُطْلِعُ جَلَّ وعَلا إذا أطْلَعَ مَن شاءَ عَلى بَعْضِهِ مِمّا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الَّتِي هي مَدارُ سائِرِ أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ وما نَفَيْتُ عَنِّيَ العِلْمَ بِهِ مِمّا لَمْ يُطْلِعْنِي اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ لِما أنَّ الِاطِّلاعَ عَلَيْهِ مِمّا لا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ الرِّسالَةِ بَلْ هو مُخِلٌّ بِها وإنْ شِئْتَ فاعْتَبِرِ الجُمْلَةَ واقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِنَفْيِ الدِّرايَةِ السّابِقَةِ.

الجن 72:27

ولَمّا كانَ مَساقُ الكَلامِ مِمّا قَدْ يَتَوَهَّمُونَ مِنهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الغَيْبِ ( عَقَّبَ ) عَزَ وجَلَّ الكَلامَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ كَما رُوِيَ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ لِدَفْعِ ذَلِكَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ حَيْثُ عَمَّمَ الأمْرَ في الرُّسُلِ المُرْتَضِينَ وأقامَ كَيْفِيَّةَ الإظْهارِ مَقامَ الإظْهارِ مَعَ الإشارَةِ إلى البَعْضِ الَّذِي اطَّلَعُوا عَلَيْهِ المُناسِبِ لِمَقامِ الدَّعْوَةِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مَنِ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ أيْ لَكِنَّ الرَّسُولَ المُرْتَضى يُظْهِرُهُ جَلَّ وعَلا عَلى بَعْضِ الغُيُوبِ المُتَعَلِّقَةِ بِرِسالَتِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ بَيانَ مَنِ ارْتَضى بِالرَّسُولِ تَعَلُّقًا ما إمّا لِكَوْنِهِ مِن مَبادِئِها بِأنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً وإمّا لِكَوْنِهِ مِن أرْكانِها وأحْكامِها كَعامَّةِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وكَيْفِيّاتِ الأعْمالِ وأجَزِيَتِها ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي بَيانُها مِن وظائِفِ الرِّسالَةِ بِأنْ يَسْلُكَ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ عِنْدَ اطِّلاعِهِ عَلى ذَلِكَ حَرَسًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَحْرُسُونَهُ مِن تَعَرُّضِ الشَّياطِينِ لِما أُرِيدَ اطِّلاعُهُ عَلَيْهِ اخْتِطافًا أوْ تَخْلِيطًا.

الجن 72:28

﴿لِيَعْلَمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿يَسْلُكُ﴾ وعِلَّةٌ لَهُ والضَّمِيرُ لِمَن أيْ لِأجْلِ أنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ المُرْتَضى الرَّسُولُ ويُصَدَّقَ تَصْدِيقًا جازِمًا ثابِتًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا﴾ أيِ الشَّأْنَ قَدْ أبْلَغَ إلَيْهِ الرَّصَدُ وهو مِن قَبِيلِ: بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا زَيْدًا فَإنَّ المُبَلِّغَ في الحَقِيقَةِ واحِدٌ مَعَهم وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو المَشْهُورُ مِن أنَّهُ المُبَلِّغُ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى الأنْبِياءِ ﴿رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ وهي الغُيُوبُ المُظْهَرِ عَلَيْها كَما هي مِن غَيْرِ اخْتِطافٍ ولا تَخْلِيطٍ، وعَلى هَذا فَلْيَكُنْ مِن مُبْتَدَأٍ وجُمْلَةُ إنَّهُ ﴿يَسْلُكُ﴾ خَبَرُهُ وجِيءَ بِالفاءِ لِكَوْنِهِ اسْمَ مَوْصُولٍ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ أيْ بِما عِنْدَ الرَّصَدِ ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِمّا كانَ ومِمّا سَيَكُونُ ﴿عَدَدًا﴾ أيْ فَرْدًا فَرْدًا حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَسْلُكُ﴾ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ جِيءَ بِهِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ عِلْمِهِ تَعالى بِجَمِيعِ الأشْياءِ وتَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِحَيْثُ لا يُشارِكُهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم وسائِطُ العِلْمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَكِنَّ المُرْتَضى الرَّسُولُ يُعْلِمُهُ اللَّهُ تَعالى بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ بَعْضَ الغُيُوبِ مِمّا لَهُ تَعَلُّقٌ ما بِرِسالَتِهِ والحالُ أنَّهُ تَعالى قَدْ أحاطَ عِلْمًا بِجَمِيعِ أحْوالِ أُولَئِكَ صفحة 97 الوَسائِطِ وعَلِمَ جَلَّ وعَلا جَمِيعَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ جُزْئِيٍّ تَفْصِيلِيٍّ فَأيْنَ الوَسائِطُ مِنهُ تَعالى أوْ حالٌ مِن فاعِلِ أبْلَغُوا جِيءَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرَّصَدَ أنْفُسَهم لَمْ يَزِيدُوا ولَمْ يَنْقُصُوا فِيما بَلَّغُوا كَأنَّهُ قِيلَ لِيَعْلَمَ الرَّسُولُ أنْ قَدْ أبْلَغَ الرَّصَدُ إلَيْهِ رِسالاتِ رَبِّهِ في حالِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ وعَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ فَلَوْ أنَّهم زادُوا أوْ نَقَصُوا عِنْدَ الإبْلاغِ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ فَما كانَ يَخْتارُهم لِلرَّصْدِيَّةِ والحِفْظِ هَذا ما سَنَحَ لِذِهْنِي القاصِرِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ ولَسْتُ عَلى يَقِينٍ مِن أمْرِهِ بَيْدَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾ إلَخِ عَلى نَفْيِ كَرامَةِ الأوْلِياءِ بِالِاطِّلاعِ عَلى بَعْضِ الغُيُوبِ لا يُتِمُّ عَلَيْهِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ في قُوَّةِ قَضِيَّةٍ سالِبَةٍ جُزْئِيَّةٍ لِدُخُولِ ما يُفِيدُ العُمُومَ في حَيِّزِ السَّلْبِ وأكْثَرُ اسْتِعْمالاتِهِ لِسَلْبِ العُمُومِ وصَرَّحَ بِهِ فِيما هُنا في شَرْحِ المَقاصِدِ لا لِعُمُومِ السَّلْبِ وهو سَلْبٌ جُزْئِيٌّ فَلا يُنافِي الإيجابَ الجُزْئِيَّ كَأنْ يَظْهَرُ بَعْضُ الغَيْبِ عَلى ولِيٍّ عَلى نَحْوِ ما قالَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى لا ﴿تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنْعامِ: 103] . ولا يُرِدْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرْتَضى الرَّسُولُ مُظْهَرًا عَلى جَمِيعِ غَيْبِهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ يَقْتَضِي إيجابَ نَقِيضِهِ لِلْمُسْتَثْنى ونَقِيضُ السّالِبَةِ الجُزْئِيَّةِ المُوجِبَةُ الكُلِّيَّةُ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُظْهِرُ أحَدًا كائِنًا مَن كانَ عَلى جَمِيعِ ما يَعْلَمُهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الغَيْبِ وذَلِكَ لِانْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ المُصَرِّحِ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ وكَذا لا يُرِدْ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى إظْهارَ شَيْءٍ مِن غَيْبِهِ عَلى أحَدٍ إلّا عَلى الرَّسُولِ فَيَلْزَمُ أنْ لا يُظْهِرُ سُبْحانَهُ أحَدًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلى شَيْءٍ مِنهُ لِأنَّ الرَّسُولَ هَنا ظاهِرٌ في الرَّسُولِ البَشَرِيِّ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ﴾ إلَخِ وذَلِكَ لَيْسَ إلّا فِيهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن عَلِمَ حِكْمَةَ ذَلِكَ ويَلْزَمُ أنْ لا يُظْهِرُ أيْضًا أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِرُسُلٍ بِناءً عَلى إرادَةِ المَعْنى الخاصِّ مِنَ الرَّسُولِ هُنا وذَلِكَ لِما ذَكَرْنا أوَّلًا وكَذا لا يُرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ لا يُظْهِرَ المُرْتَضى الرَّسُولَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا تَتَعَلَّقُ بِرِسالَتِهِ ولا يَخْلُ الإظْهارُ عَلَيْها بِالحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ إذْ لا حَصْرَ لِلْبَعْضِ المُظْهِرِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالرِّسالَةِ وإنَّما أُشِيرَ إلى المُتَعَلِّقِ بِها لِاقْتِضاءِ المَقامِ لِذَلِكَ وكَوْنِ كُلِّ غَيْبٍ يَظْهَرُ عَلَيْهِ الرَّسُولُ لا يَكُونُ إلّا مُتَعَلِّقًا بِرِسالَتِهِ مَحَلَّ تَوَقُّفٍ. ولِلْمُفَسِّرِينَ هاهُنا كَلامٌ لا بَأْسَ بِذِكْرِهِ بِما لَهُ وما عَلَيْهِ حَسَبَ الإمْكانِ ثُمَّ الأمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَيْكَ فَنَقُولُ لَمّا كانَ مَذْهَبُ أكْثَرِ أهْلِ السُّنَّةِ القَوْلَ بِكَرامَةِ الوَلِيِّ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وكانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ﴾ إلَخِ دالًّا عَلى نَفْيِها ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ إنَّ في هَذا إبْطالَ الكَراماتِ أيْ في الجُمْلَةِ وهي ما كانَ مِنَ الإظْهارِ عَلى الغَيْبِ لِأنَّ الَّذِينَ تُضافُ إلَيْهِمْ وإنْ كانُوا أوْلِياءَ مُرْتَضِينَ فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ، وقَدْ خَصَّ اللَّهُ تَعالى الرُّسُلَ مِن بَيْنِ المُرْتَضِينَ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وإبْطالِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ لِأنَّ أصْحابَهُما أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضاءِ وأدْخَلَهُ في السُّخْطِ انْتَهى. أنْجَدُوا وأتْهَمُوا وأيْمَنُوا وأشْأمُوا في تَفْسِيرِ الآيَةِ عَلى وجْهٍ لا يُنافِي مَذْهَبَهم ولا يَتِمُّ عَلَيْهِ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلِيِّ عَلى مَذْهَبِهِ فَقالَ الإمامُ لَيْسَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ صِيغَةُ عُمُومٍ فَيَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ أنْ لا يُظْهِرَ تَعالى خَلْقَهُ عَلى غَيْبٍ واحِدٍ مِن غُيُوبِهِ فَنَحْمِلُهُ عَلى وقْتِ وُقُوعِ القِيامَةِ فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يُظْهِرُ هَذا الغَيْبَ لِأحَدٍ فَلا يَبْقى في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنَ الغُيُوبِ لِأحَدٍ ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ وُقُوعُ الآيَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ والمُرادُ بِهِ وُقُوعُ يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ قالَ فَإنْ قِيلَ إذا حَمَلْتُمْ ذَلِكَ عَلى القِيامَةِ فَكَيْفَ قالَ سُبْحانَهُ ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ﴾ مَعَ أنَّهُ لا يُظْهِرُ هَذا الغَيْبَ لِأحَدٍ مِن رُسُلِهِ قُلْنا بَلْ يُظْهِرُهُ عِنْدَ القُرْبِ مِن إقامَةِ القِيامَةِ وكَيْفَ لا وقَدْ قالَ تَعالى ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ [الفَرْقانِ: 25] ولا شَكَّ أنَّ المَلائِكَةَ يَعْلَمُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا كَأنَّهُ قِيلَ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ﴾ المَخْصُوصِ وهو قِيامُ القِيامَةِ ﴿أحَدًا﴾ ثُمَّ قِيلَ ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مَنِ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ حَفَظَةً يَحْفَظُونَهُ مِن شَرِّ مَرَدَةِ الإنْسِ والجِنِّ انْتَهى. وتُعُقِّبَ بِأنَّ في غَيْبِهِ صفحة 98 ما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ كَما سَمِعْتَ أوَّلًا والسِّياقُ لا يَأْباهُ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَطْعَنُ في ذَلِكَ. وأيْضًا ظاهِرُ جَوابِهِ الأوَّلِ عَنِ القِيلِ كَوْنُ المُرادِ بِالرَّسُولِ في الآيَةِ الرَّسُولَ المَلَكِيَّ ويَأْباهُ ما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ﴾ إلَخِ عَلى أنَّ عِلْمَ المَلائِكَةِ بِوَقْتِ السّاعَةِ يَوْمَ تَشَقُّقُ السَّماءُ لَيْسَ مِنَ الإظْهارِ عَلى الغَيْبِ بَلْ هو مِن إظْهارِ الغَيْبِ وإبْرازِهِ لِلشَّهادَةِ كَإظْهارِ المَطَرِ عِنْدَ نُزُولِهِ وما في الأرْحامِ عِنْدَ وضْعِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأيْضًا الِانْقِطاعُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ فِيهِ قَطَعَ المُناسَبَةَ بَيْنَ السّابِقِ واللّاحِقِ بِالكُلِّيَّةِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ مِثْلُهُ لا يَضُرُّ في المُنْقَطِعِ وقِيلَ إنَّ الإظْهارَ عَلى الغَيْبِ بِمَعْنى الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِهِ أعْلى مَراتِبِ العِلْمِ والمُرادُ عُمُومُ السَّلْبِ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ دُخُولُ ما يُفِيدُ العُمُومَ في حَيِّزِ النَّفْيِ لِأنَّ القاعِدَةَ أكْثَرِيَّةٌ لا مُطَّرِدَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحَدِيدِ: 23] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ [البَقَرَةِ: 276] . وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ فَيَكُونُ المَعْنى ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى﴾ شَيْءٍ مِن ﴿غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُظْهِرُهُ عَلى شَيْءٍ مِن غَيْبِهِ بِأنْ يَسَلُكَ إلَخِ ولا يَرِدُ كَرامَةُ الوَلِيِّ إذْ لَيْسَتْ مِنَ الإظْهارِ المَذْكُورِ إذْ لا يَحْصُلُ لَهُ أعْلى مَراتِبِ العِلْمِ بِالغَيْبِ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ وإنَّما يَحْصُلُ لَهُ ظُنُونٌ صادِقَةٌ أوْ نَحْوُها وكَذا شَأْنُ غَيْرِهِ مِن أرْبابِ الرِّياضاتِ مِنَ الكَفَرَةِ وغَيْرِهِمْ وتُعُقِّبَ بِأنَّ مِنَ الصُّوفِيَّةِ مَن قالَ كالشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِنُزُولِ المَلَكِ عَلى الوَلِيِّ وإخْبارِهِ إيّاهُ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ أحْيانًا ويُرْشِدُ إلى نُزُولِهِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فُصِّلَتْ: 30، الأحْقافِ: 13] الآيَةِ وكَوْنِ ما يَحْصُلُ لَهُ إذْ ذاكَ ظَنًّا أوْ نَحْوَهُ لا عِلْمَ كالعِلْمِ الحاصِلِ لِلرَّسُولِ بِواسِطَةِ المَلَكِ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ بِواسِطَةِ الإلْهامِ والنَّفْثِ في الرَّوْعِ نَحْوُ ما يَحْصُلُ لِلرَّسُولِ وأيْضًا يَلْزَمُ أنْ لا يُظْهَرُ المَلَكُ عَلى الغَيْبِ إذِ الرَّسُولُ المُسْتَثْنى رَسُولُ البَشَرِ عَلى ما هو الظّاهِرُ والتِزامُ أنَّهُ لا يَظْهَرُ بِالمَعْنى السّابِقِ ويَظْهَرُ بِواسِطَتِهِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ أصْلًا وأيْضًا يَلْزَمُ أنَّ ما يَحْصُلُ لِلنَّبِيِّ غَيْرِ الرَّسُولِ بِالمَعْنى الأخَصِّ المُتَبادِرِ هُنا لَيْسَ بِعِلْمٍ بِالمَعْنى المَذْكُورِ وهو كَما تَرى. وقِيلَ المُرادُ بِالغَيْبِ في المَوْضِعَيْنِ الجِنْسُ والإظْهارُ عَلَيْهِ عَلى ما سَمِعْتَ وكَذا عَدَمُ وُرُودِ الكَرامَةِ والبَحْثِ فِيهِ كالبَحْثِ في سابِقِهِ وزِيادَةٌ وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ في الرَّدِّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ الغَيْبُ إنْ كانَ مُفَسَّرًا بِما فَسَّرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البَقَرَةِ: 3] فالآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ جَوَّزَ هُنالِكَ أنْ يُعْلَمَ بِإعْلامِهِ تَعالى أوْ بِنَصْبِهِ الدَّلِيلَ. وهَذا الثّانِي أعْنِي القِسْمَ العَقْلِيَّ تَنْفِيهِ الآيَةُ وتُرْشِدُ إلى أنَّ تَهْذِيبَ طُرُقِ الأدِلَّةِ أيْضًا بِواسِطَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ والعَقْلُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ وأهْلُ السُّنَّةِ عَنْ آخِرِهِمْ عَلى أنَّ الغَيْبَ بِذَلِكَ المَعْنى لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا رَسُولٌ أوْ آخِذٌ مِنهم ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الكَرامَةِ أصْلًا وإنْ أرادَ الغائِبُ عَنِ الحِسِّ في الحالِ مُطْلَقًا فَلا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ بِالِاتِّفاقِ فَلَيْسَ فِيهِ ما يَنْفِيها أيْضًا وإنْ فُسِّرَ بِالمَعْدُومِ كَما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الأنْعامِ: 73] وغَيْرِها فَلا بُدَّ أيْضًا مِنَ التَّخْصِيصِ وكَذَلِكَ لَوْ فُسِّرَ بِما غابَ عَنِ العِبادِ أوْ بِالسِّرِّ عَلى أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عالِمُ كُلِّ غَيْبٍ وحْدَهُ لا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ المُخْتَصِّ بِهِ وهو يَتَعَلَّقُ بِذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِدَلالَةِ الإضافَةِ إلّا رَسُولًا وهو كَذَلِكَ فَإنَّ غَيْبَهُ تَعالى لا يُطْلَعُ عَلَيْهِ إلّا بِالإعْلامِ مِن رَسُولٍ مَلَكِيٍّ أوْ بَشَرِيٍّ ولا كُلُّ غَيْبِهِ تَعالى الخاصِّ مُطَّلَعٌ عَلَيْهِ بَلْ بَعْضُهُ وأقَلُّ القَلِيلِ مِنهُ فَدَلَّ المَفْهُومُ عَلى أنَّ غَيْرَ هَذا النَّوْعِ الخاصِّ مِنَ الغَيْبِ لا مَنعَ مِن إطْلاعِ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ فَهَذا ظاهِرُ الآيَةِ دُونَ تَعَسُّفٍ. ثُمَّ لَوْ سَلَّمَ فالثّانِي إمّا مُسْتَغْرِقٌ وإذا قالَ سُبْحانَهُ لا يُطْلِعُ عَلى جَمِيعِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ لَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ اطِّلاعُ غَيْرِ الرَّسُولِ عَلى البَعْضِ وإمّا مُطْلَقٌ يَنْزِلُ عَلى الكامِلِ مِنهُ فَيَرْجِعُ إلى ما اخْتَرْناهُ وتَعاضَدَ دَلالَتا تَشْرِيفِ الإضافَةِ والإطْلاقِ فَلا وجْهَ لِتَعْلِيقِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ ومِنهُ يَظْهَرُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ مِنَ الآيَةِ عَلى إبْطالِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ غَيْرُ ناهِضٍ وإنْ كانَ إبْطالُهُما حَقًّا لِأنْكَرَهُ فَضْلًا عَنْ تَكْفِيرِ مَن قالَ بِدَلالَتِهِ عَلى حَياةٍ أوْ مَوْتٍ لِأنَّهُ كَفَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ كَما نَقَلَهُ شَيْخُنا الطِّيبِيُّ عَنِ الواحِدِيِّ صفحة 99 والزَّجاجِ وصاحِبِ المُطْلِعِ انْتَهى. وبَحَثَ فِيهِ بِأنَّ حَمْلَ غَيْبِهِ عَلى الغَيْبِ الخاصِّ بِمَعْنى ما يَتَعَلَّقُ بِذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا لا يُناسِبُ السِّياقَ وبِأنَّ ظاهِرَ ما قَرَّرَهُ عَلى احْتِمالِ الِاسْتِغْراقِ يَقْتَضِي عَلى تَقْدِيرِ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ وإيجابِ ضِدِّ ما نَفى لِلْمُسْتَثْنى أنْ يَظْهَرَ الرَّسُولُ عَلى جَمِيعِ غَيْبِهِ تَعالى إلى ما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ وذَكَرَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ أوَّلًا ما يُفْهَمُ مِنهُ عَلى ما قِيلَ حَمْلُ غَيْبِهِ عَلى العُمُومِ مَعَ الِاخْتِصاصِ أيْ عُمُومِ الغَيْبِ المَخْصُوصِ بِهِ عِلْمُهُ تَعالى وحَمَلَ فَلا يُظْهِرُ عَلى سَلْبِ العُمُومِ وحَمْلِ الرَّسُولِ عَلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ واعْتِبارِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا عَلى أنَّ المَعْنى ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾ عَلى جَمِيعِ ﴿غَيْبِهِ﴾ المُخْتَصِّ بِهِ عِلْمُهُ تَعالى ﴿أحَدًا﴾ ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ﴾ فَيُظْهِرُهُ عَلى بَعْضِ غَيْبِهِ حَتّى يَكُونَ إخْبارُهُ بِهِ مُعْجِزَةً فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ الكَرامَةِ. وفُسِّرَ الِاخْتِصاصُ بِأنَّهُ لا يَعْلَمُهُ بِالذّاتِ ولَكِنَّهُ عِلْمًا حَقِيقِيًّا يَقِينِيًّا بِغَيْرِ سَبَبٍ كاطِّلاعِ الغَيْرِ إلّا هو سُبْحانَهُ وأمّا عِلْمُ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لِبَعْضِهِ فَلَيْسَ عِلْمًا لِلْغَيْبِ إلّا بِحَسَبِ الظّاهِرِ وبِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ البَشَرِ وقِيلَ أرادَ بِالغَيْبِ المَخْصُوصَ بِهِ تَعالى ما لَمْ يَنْصَبْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ولا يَقْدَحْ في الِاخْتِصاصِ عِلْمُ الغَيْرِ بِهِ بِإعْلامِهِ تَعالى إذْ هو إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن لَمْ يَعْلَمْ. وقالَ ثانِيًا في الجَوابِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ ولَعَلَّهُ أرادَ الجَوابَ عِنْدَ القَوْمِ ما نَصُّهُ وجَوابُهُ تَخْصِيصُ الرَّسُولِ بِالمُلْكِ والإظْهارِ بِما يَكُونُ بِغَيْرِ تَوَسُّطٍ وكَراماتُ الأوْلِياءِ عَلى المُغَيَّباتِ إنَّما تَكُونُ تَلَقِّيًا مِنَ المَلائِكَةِ أيْ بِالنَّفْثِ في الرَّوْعِ ونَحْوِهِ. وحاصِلُهُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ إنَّما يَتِمُّ أنْ لَوْ تَحَقَّقَ كَوْنُ المُرادِ بِالرَّسُولِ رَسُولَ البَشَرِ والمَلَكِ جَمِيعًا أوْ رَسُولَ البَشَرِ فَقَطْ وبِالإظْهارِ الإظْهارُ بِواسِطَةٍ أوْ لا والكُلُّ مَمْنُوعٌ إذْ يَجُوزُ أنْ يَخُصَّ الرَّسُولَ بِرَسُولِ المَلَكِ وأنْ يُرادَ بِالإظْهارِ الإظْهارُ بِلا واسِطَةٍ ويَكُونُ المَعْنى فَلا يُظْهِرُ بِلا واسِطَةٍ عَلى غَيْبِهِ إلّا رُسُلَ المَلائِكَةِ ولا يُنافِي ذَلِكَ إظْهارَ الأوْلِياءِ عَلى غَيْبِهِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بِالواسِطَةِ وهو جَوابٌ بِمَنعِ المُقَدِمَتَيْنِ وإنْ كانَ يَكْفِي فِيهِ مَنعُ أحَدِهِما كَما فَعَلَ الإمامُ والتَّفْتازانِيُّ في شَرْحِ المَقاصِدِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ رُسُلَ البَشَرِ قَدْ يَطَّلِعُونَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ أيْضًا وفي قِصَّةِ المِعْراجِ وتَكْلِيمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَكْفِي في ذَلِكَ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ عَلَيْهِ بَعْدَ ما قِيلَ وأغْرَبُ ما قِيلَ في هَذا المَقامِ كَوْنُ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلا مَنِ ارْتَضى﴾ لِلْعَطْفِ. والمَعْنى فَلا يَظْهَرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدٌ ولا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولِ وحالُهُ لا يَخْفى ثُمَّ إنْ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ﴾ إلَخِ بِما سَمِعْتَ هو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وكانَتْ الحَفَظَةُ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَبِيِّنا ﷺ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أرْبَعَةٌ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ ﷺ آيَةً مِنَ القُرْآنِ إلّا ومَعَها أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَها حَتّى يُؤَدُّونَها إلى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَرَأ ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ الآيَةَ. وقَدْ يَكُونُ مَعَ الوَحْيِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ فَفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ نَزَلَ مَعَ سُورَةِ الأنْعامِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ وجاءَ في شَأْنِ آيَةِ الكُرْسِيِّ ما جاءَ وقالَ ابْنُ كَمالٍ لاحَتْ دَقِيقَةٌ بِخاطِرِي الفاتِرِ قَلَّما يُوجَدُ مِثْلُها في بُطُونِ الدَّفاتِرِ وهي أنَّ المُرادَ ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ في الآيَةِ القُوى الظّاهِرَةُ ﴿ومِن خَلْفِهِ﴾ القُوى الباطِنَةُ ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ ﴿يَسْلُكُ﴾ إلَخِ أيْ يَدْخُلُ حَفَظَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ قُواهُ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ مِنَ الشَّياطِينِ ويَعْصِمُونَهُ مِن وساوِسِهِمْ مِن تِينِكَ الجِهَتَيْنِ ولَوْ كانَ المُرادُ حَفَظَةً مِنَ الجَوانِبِ كَيْ لا يَقْرَبَهُ الشَّياطِينُ عِنْدَ إنْزالِ الوَحْيِ فَتَلْقى غَيْرَ الوَحْيِ أوْ تَسْمَعُهُ فَتُلْقِيَهُ إلى الكَهَنَةِ فَتُخْبِرُ بِهِ قَبْلَ إخْبارِ الرَّسُولِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّيْسِيرِ وغَيْرُهُ لِما كانَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ فَإنَّ عِبارَةَ ﴿يَسْلُكُ﴾ . وتَخْصِيصُ الجِهَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ إنَّما يُناسِبُ ما ذَكَرْناهُ لا ما ذَكَرُوهُ انْتَهى ولا يَخْفى أنَّهُ نَحْوٌ مِنِ الإشارَةِ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِيَسْلُكُ عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ لِتَصْوِيرِ الجِهاتِ الَّتِي تَأْتِي مِنها الشَّياطِينُ بِالثُّغُورِ الضَّيِّقَةِ والمَسالِكِ الدَّقِيقَةِ وفي ذَلِكَ مِنَ الحُسْنِ ما فِيهِ وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ ضَمِيرَ ﴿لِيَعْلَمَ﴾ لِلَّهِ تَعالى وضَمِيرَ ﴿أبْلَغُوا﴾ صفحة 100 إمّا لِلرَّصَدِ أوْ لِمَنِ ارْتَضى والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمِيرَيْنِ قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَسْلُكُهم لِيَعْلَمَ أنَّ الشَّأْنَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ عِلْمًا مُسْتَتْبِعًا لِلْجَزاءِ وهو أنْ يَعْلَمَهُ تَعالى مَوْجُودًا حاصِلًا بِالفِعْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ [مُحَمَّدٍ: 31] فالغايَةُ في الحَقِيقَةِ هو الإبْلاغُ والجِهادُ وإيرادُ عِلْمِهِ تَعالى لِإبْرازِ اعْتِنائِهِ تَعالى بِأمْرِهِما والإشْعارِ بِتَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلَيْهِما والمُبالَغَةِ في الحَثِّ عَلَيْهِما والتَّحْذِيرِ عَنِ التَّفْرِيطِ فِيهِما وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأحاطَ﴾ إلَخِ إمّا عَطْفٌ عَلى لا يُظْهِرُ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَسْلُكُ﴾ جِيءَ بِهِ لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ وتَحْقِيقِ اسْتِغْنائِهِ تَعالى في العِلْمِ بِالإبْلاغِ عَمّا ذَكَرَ مِن سَلْكِ الرَّصَدِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ أوْ عَطْفٌ كَما زَعَمَ بَعْضٌ عَلى مُضْمَرٍ لِأنَّ ﴿لِيَعْلَمَ﴾ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى عَلِمَ فَصارَ المَعْنى قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ وأحاطَ إلَخِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ يَعْلَمَ لِلرَّسُولِ المُوحى إلَيْهِ وضَمِيرُ ﴿أبْلَغُوا﴾ لِلرَّصِدِ النّازِلِينَ إلَيْهِ بِالوَحْيِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ما يُؤَيِّدُهُ أوْ لِلرُّسُلِ سِواهُ ﴿وأحاطَ﴾ إلَخِ عَطْفٌ عَلى ﴿أبْلَغُوا﴾ أوْ عَلى لا ﴿يُظْهِرُ﴾ وعَنْ مُجاهِدٍ لِيَعْلَمَ مَن كَذَّبَ وأشْرَكَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ وعَلَيْهِ لا يَقَعُ هَذا العِلْمُ عَلى ما في البَحْرِ إلّا في الآخِرَةِ وقِيلَ لِيَعْلَمَ إبْلِيسُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا وقِيلَ لِيَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ولَمْ يَكُونُوا هُمُ المُتَلَقِّينَ بِاسْتِراقِ السَّمْعِ وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى ونَصْبُ ﴿عَدَدًا﴾ عِنْدَ جَمْعٍ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ بِهِ والأصْلُ أحْصى عَدَدَ كُلِّ شَيْءٍ إلّا أنَّهُ قالَ أبُو حَيّانٍ في كَوْنِهِ ثابِتًا مِن لِسانِ العَرَبِ خِلافٌ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّحْوِيلَ في مِثْلِهِ تَقْدِيرِيٌّ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ مَعْدُودًا مَحْصُورًا ولا يَضُرُّ تَنْكِيرُ صاحِبِها لِلْعُمُومِ وأنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ بِمَعْنى إحْصاءٍ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِسُلُوكِ أحْسَنِ المَسالِكِ. وقُرِئَ «عالِمَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ «وعَلِمَ» فِعْلًا ماضِيًا «الغَيْبَ» بِالنَّصْبِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «لِيُعْلَمَ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «لِيُعْلِمَ» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ مِنَ الإعْلامِ أيْ لِيُعْلِمَ اللَّهُ تَعالى مَن شاءَ أنْ يُعْلِمَهُ أنَّ قَدْ أبْلَغُوا إلَخِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «رِسالَةَ» بِالإفْرادِ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ و«أُحِيطَ» و«أُحْصِيَ» كُلُّ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ في الفِعْلَيْنِ. ورَفْعِ «﴿كُلَّ﴾» عَلى النِّيابَةِ والفاعِلُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَهو سُبْحانُهُ المُحِيطُ بِالأحْوالِ عِلْمًا والمُحْصِي لِكُلِّ شَيْءٍ عَدَدًا.