Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — المزمل 73:1 – القيامة 75:40

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. المزمل 73:1
  2. المزمل 73:2
  3. المزمل 73:3
  4. المزمل 73:4
  5. المزمل 73:5
  6. المزمل 73:6
  7. المزمل 73:7
  8. المزمل 73:8
  9. المزمل 73:9
  10. المزمل 73:10
  11. المزمل 73:11
  12. المزمل 73:12
  13. المزمل 73:13
  14. المزمل 73:14
  15. المزمل 73:15
  16. المزمل 73:16
  17. المزمل 73:17
  18. المزمل 73:18
  19. المزمل 73:19
  20. المزمل 73:20
  21. المدثر 74:1
  22. المدثر 74:2
  23. المدثر 74:3
  24. المدثر 74:4
  25. المدثر 74:5
  26. المدثر 74:6
  27. المدثر 74:7
  28. المدثر 74:8
  29. المدثر 74:9
  30. المدثر 74:10
  31. المدثر 74:11
  32. المدثر 74:12
  33. المدثر 74:13
  34. المدثر 74:14
  35. المدثر 74:15
  36. المدثر 74:16
  37. المدثر 74:17
  38. المدثر 74:18
  39. المدثر 74:19
  40. المدثر 74:20
  41. المدثر 74:21
  42. المدثر 74:22
  43. المدثر 74:23
  44. المدثر 74:24
  45. المدثر 74:25
  46. المدثر 74:26
  47. المدثر 74:27
  48. المدثر 74:28
  49. المدثر 74:29
  50. المدثر 74:30
  51. المدثر 74:31
  52. المدثر 74:32
  53. المدثر 74:33
  54. المدثر 74:34
  55. المدثر 74:35
  56. المدثر 74:36
  57. المدثر 74:37
  58. المدثر 74:38
  59. المدثر 74:39
  60. المدثر 74:40
  61. المدثر 74:41
  62. المدثر 74:42
  63. المدثر 74:43
  64. المدثر 74:44
  65. المدثر 74:45
  66. المدثر 74:46
  67. المدثر 74:47
  68. المدثر 74:48
  69. المدثر 74:49
  70. المدثر 74:50
  71. المدثر 74:51
  72. المدثر 74:52
  73. المدثر 74:53
  74. المدثر 74:54
  75. المدثر 74:55
  76. المدثر 74:56
  77. القيامة 75:1
  78. القيامة 75:2
  79. القيامة 75:3
  80. القيامة 75:4
  81. القيامة 75:5
  82. القيامة 75:6
  83. القيامة 75:7
  84. القيامة 75:8
  85. القيامة 75:9
  86. القيامة 75:10
  87. القيامة 75:11
  88. القيامة 75:12
  89. القيامة 75:13
  90. القيامة 75:14
  91. القيامة 75:15
  92. القيامة 75:16
  93. القيامة 75:17
  94. القيامة 75:18
  95. القيامة 75:19
  96. القيامة 75:20
  97. القيامة 75:21
  98. القيامة 75:22
  99. القيامة 75:23
  100. القيامة 75:24
  101. القيامة 75:25
  102. القيامة 75:26
  103. القيامة 75:27
  104. القيامة 75:28
  105. القيامة 75:29
  106. القيامة 75:30
  107. القيامة 75:31
  108. القيامة 75:32
  109. القيامة 75:33
  110. القيامة 75:34
  111. القيامة 75:35
  112. القيامة 75:36
  113. القيامة 75:37
  114. القيامة 75:38
  115. القيامة 75:39
  116. القيامة 75:40

المزمل 73:1

سُورَةُ ( المُزَّمِّلِ ) مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ كَما ذَكَرَ الماوَرْدِيُّ الآيَتَيْنِ مِنها ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [اَلْمُزَّمِّلِ: 10] واَلَّتِي تَلِيها وحُكِيَ في البَحْرِ عَنِ الجُمْهُورِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [اَلْمُزَّمِّلِ: 20] إلى آخِرِها وتَعَقَّبَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بَعْدَ أنْ نَقَلَ الِاسْتِثْناءَ عَنْ حِكايَةِ ابْنِ الفُرْسِ بِقَوْلِهِ ويَرُدُّهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بَعْدَ نُزُولِ صَدْرِ السُّورَةِ بِسَنَةٍ وذَلِكَ حِينَ فُرِضَ قِيامُ اللَّيْلِ في أوَّلِ الإسْلامِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وآيُها ثَمانِي عَشْرَةِ آيَةً في المَدَنِيِّ الأخِيرِ وتِسْعُ عَشْرَةَ في البَصَرِيِّ وعِشْرُونَ فِيما عَداهُما ولَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ سُورَةَ الجِنِّ بِذِكْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ افْتَتَحَ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ بِما يَتَعَلَّقُ بِخاتَمِهِمْ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو وجْهٌ في المُناسَبَةِ وفي تَناسُقِ الدُّرَرِ لا يَخْفى اتِّصالُ أوَّلِها ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [اَلْمُزَّمِّلِ: 2] إلَخِ بِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ تِلْكَ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [اَلْجِنِّ: 19] وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [اَلْجِنِّ: 18] الآيَةَ. ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) وقالَ الأخْفَشُ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ أيِ المُتَزَمِّلُ مِن تَزَمَّلَ بِثِيابِهِ إذا تَلَفَّفَ بِها فَأُدْغِمَ التّاءُ في الزّايِ وقَدْ قَرَأ أُبَيٌّ عَلى الأصْلِ وعِكْرِمَةُ «المُزَمِلُ» بِتَخْفِيفِ الزّايِ وكَسْرِ المِيمِ أيِ المُزَمِلُ جِسْمَهُ أوْ نَفْسَهُ وبَعْضُ السَّلَفِ «المُزَمَلُ» بِالتَّخْفِيفِ وفَتْحِ المِيمِ اسْمُ مَفْعُولٍ ولا تَدافُعَ بَيْنَ القِراءاتِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو زَمَلَ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ لَكِنْ إذا نُظِرَ إلى أنَّ كُلَّ أفْعالِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ زَمَلَهُ صفحة 101 غَيْرُهُ ولا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ إنَّهُ ﷺ زَمَلَ نَفْسَهُ أوَّلًا ثُمَّ نامَ فَزَمَلَهُ غَيْرُهُ أوْ أنَّهُ زَمَلَهُ غَيْرُهُ أوَّلًا ثُمَّ سَقَطَ عَنْهُ ما زُمِلَ بِهِ فَزَمَلَ هو نَفْسَهُ، والجُمْهُورُ عَلى «أنَّهُ ﷺ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءَ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَقالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ وعَلى أثَرِها نَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾» . وأخْرَجَ البَزّارُ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ فَقالُوا: سَمُّوا هَذا الرَّجُلَ اسْمًا تَصْدُرُ النّاسُ عَنْهُ فَقالُوا كاهِنٌ قالُوا لَيْسَ بِكاهِنٍ قالُوا مَجْنُونٌ قالُوا لَيْسَ بِمَجْنُونٍ قالُوا ساحِرٌ قالُوا لَيْسَ بِساحِرٍ قالُوا يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَبِيبِ وحَبِيبِهِ فَتَفَرَّقَ المُشْرِكُونَ عَلى ذَلِكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَتَزَمَّلَ في ثِيابِهِ وتَدَثَّرَ فِيها فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا أيُّها المُزَّمِّلُ يا أيُّها المُدَّثِّرُ» ونِداؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ تَأْنِيسٌ لَهُ ومُلاطَفَةٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ في اشْتِقاقِ اسْمٍ لِلْمُخاطَبِ مِن صِفَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها «كَقَوْلِهِ ﷺ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ غاضَبَ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَأتاهُ وهو نائِمٌ لَصِقٌ بِجَنْبِهِ التُّرابُ «قُمْ أبا تُرابٍ»» قَصْدًا لِرَفْعِ الحِجابِ وطَيِّ بِساطِ العِتابِ وتَنْشِيطًا لَهُ لِيَتَلَقّى ما يَرِدُ عَلَيْهِ بِلا كَسَلٍ: وكُلُّ ما يَفْعَلُ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نُودِيَ بِذَلِكَ تَهَجِّيَنًا لِلْحالَةِ الَّتِي عَلَيْها مِنَ التَّزَمُّلِ في قَطِيفَةٍ واسْتِعْدادِهِ لِلِاسْتِثْقالِ في النَّوْمِ كَما يَفْعَلُ مَن لا يُهِمُّهُ أمْرٌ ولا يَعْنِيهِ شَأْنٌ إلى آخَرِ ما قالَ مِمّا يُنادِي عَلَيْهِ كَما قالَ الأكْثَرُونَ بِسُوءِ الأدَبِ ووافَقَهُ في بَعْضِهِ مَن وافَقَهُ وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ أرادَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وُصِفَ بِما هو مُلْتَبِسٌ بِهِ يُذَكِّرُهُ تَقاعُدَهُ فَهو مِن لَطِيفِ العِتابِ المَمْزُوجِ بِمَحْضِ الرَّأْفَةِ ولِيُنَشِّطَهُ ويَجْعَلَهُ مُسْتَعِدًّا لِما وعَدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [اَلْمُزَّمِّلِ: 5] ولا يَرْبَأُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ مِثْلِ هَذا النِّداءِ فَقَدْ خُوطِبَ بِما هو أشَدُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عَبَسَ: 1] ومِثْلُ هَذا مِن خِطابِ الإدْلالِ والتَّرَؤُّفِ لا يَتَقاعَدُ ما في ضِمْنِهِ مِنَ البِرِّ والتَّقْرِيبِ عَمّا في ضِمْنِ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ [اَلْأنْفالِ: 64] وغَيْرِها. (يا أيُّها الرَّسُولُ ) [اَلْمائِدَةِ: 41، 67] مِنَ التَّعْظِيمِ والتَّرْحِيبِ انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَنْدَفِعُ بِهِ سُوءُ أدَبِ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَعْبِيرِهِ فَإنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ لَهُ أنْ يُخاطِبَ حَبِيبَهُ بِما شاءَ لَكِنّا نَحْنُ لا نَجْرِي عَلى ما عامَلَهُ سُبْحانَهُ بِهِ بَلْ يَلْزَمُنا الأدَبُ والتَّعْظِيمُ لِجَنابِهِ الكَرِيمِ ولَوْ خاطَبَ بَعْضَ الرَّعايا الوَزِيرَ بِما خاطَبَهُ بِهِ السُّلْطانُ طَرَدَهُ الحُجّابُ ورُبَّما كانَ العِقابُ هو الجَوابَ وقِيلَ كانَ ﷺ مُتَزَمِّلًا بِمَرْطٍ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها يُصَلِّي فَنُودِيَ بِذَلِكَ ثَناءً عَلَيْهِ وتَحْسِينًا لِحالِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها ولا يَأْباهُ الأمْرُ بِالقِيامِ بَعْدُ إمّا لِأنَّهُ أمْرٌ بِالمُداوَمَةِ عَلى ذَلِكَ والمُواظَبَةِ عَلَيْهِ أوْ تَعْلِيمٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيانٌ لِمِقْدارِ ما يَقُومُ عَلى ما قِيلَ نَعَمْ أوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّما =بَنِيَ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِالمَدِينَةِ مَعَ أنَّ الأخْبارَ الصَّحِيحَةَ مُتَضافِرَةٌ بِأنَّ النِّداءَ المَذْكُورَ كانَ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بَيْتِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ويُعْلَمُ مِنهُ حالُ ما رُوِيَ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ ما كانَ تَزْمِيلُهُ ﷺ قالَتْ كانَ مَرْطًا طُولُهُ أرْبَعُ عَشْرَةَ ذِراعًا نِصْفُهُ عَلَيَّ وأنا نائِمَةٌ ونِصْفُهُ عَلَيْهِ وهو يُصَلِّي وكانَ سُداهُ شَعْرًا ولُحْمَتُهُ وبَرًا» . وتَكَلَّفَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ الجَوابُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَقَدَ في مَكَّةَ فَلَعَلَّ المَرْطَ بَعْدَ العَقْدِ صارَ إلَيْهِ ﷺ نَعَمْ دَلَّ أنَّهُ بَعْدَ وفاةِ خَدِيجَةَ إنَّما إشْكالٌ في قَوْلِ عائِشَةَ نَصِفُهُ عَلَيَّ إلَخِ وجَوابُهُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَدْ باتَ ﷺ في بَيْتِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذاتَ لَيْلَةٍ وكانَ المَرْطُ عَلى عائِشَةَ وهي طِفْلَةٌ والباقِي لِطُولِهِ عَلى النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَحَكَتْ ذَلِكَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ إذْ لا دَلالَةَ عَلى أنَّها حِكايَةُ ما بَعْدَ البِناءِ فَهَذا ما يُتَكَلَّفُ لِصِحَّةِ هَذا القَوْلِ انْتَهى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لَمْ يَقَعْ في الكُتُبِ الصَّحِيحَةِ صفحة 102 كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ بَلْ هو مُخالِفٌ لَها ومِثْلُ الِاحْتِمالاتِ لا يُكْتَفى بِها بَلْ قالَ أبُو حَيّانٍ إنَّهُ كَذِبٌ صَرِيحٌ وعَنْ قَتادَةَ «كانَ ﷺ قَدْ تَزَمَّلَ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ لَها فَنُودِيَ بَيا أيُّها المُزَّمِّلُ» عَلى مَعْنى يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُزَّمِّلُ لِلنُّبُوَّةِ وأعْبائِها والزِّمْلُ كالحِمْلِ لَفْظًا ومَعْنى ويُقالُ ازْدَمَلَهُ أيِ احْتَمَلَهُ وفِيهِ تَشْبِيهُ إجْراءِ مَراسِمِ النُّبُوَّةِ بِتَحَمُّلِ الحِمْلِ الثَّقِيلِ لِما فِيهِما مِنَ المَشَقَّةِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُتَثاقِلِ لِعَدَمِ التَّمَرُّنِ وأوْرَدَ عَلَيْهِ نَحْوَ ما أوْرَدَ عَلى وجْهِ الزَّمَخْشَرِيِّ ومَعَ صِحَّةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ واعْتِضادِهِ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ لا حاجَةَ إلى غَيْرِهِ كَما قِيلَ.

المزمل 73:2

﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ أيْ قُمْ إلى الصَّلاةِ وقِيلَ داوِمْ عَلَيْها وأيًّا ما كانَ فَمَعْمُولُ ﴿قُمِ﴾ مُقَدَّرٌ ( واللَّيْلَ ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى التَّوَسُّعِ والإسْنادِ المَجازِيِّ ونُسِبَ هَذا إلى الكُوفِيِّينَ وما قِيلَ إلى البَصْرِيِّينَ، وقِيلَ القِيامُ مُسْتَعارٌ لِلصَّلاةِ ومَعْنى ﴿قُمِ﴾ صِلْ فَلا تَقْدِيرَ وقَرَأ أبُو السَّمالِ بِضَمِّ المِيمِ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ القافِ وقُرِئَ بِفَتْحِها طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ والكَسْرُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنِينَ ﴿إلا قَلِيلا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن ﴿اللَّيْلَ﴾ .

المزمل 73:3

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿قَلِيلا﴾ بَدَلُ الكُلِّ والضَّمِيرُ لِلَّيْلِ وفي هَذا الإبْدالِ رَفْعُ الإبْهامِ وفي الإتْيانِ بِقَلِيلٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّصْفَ المَغْمُورَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ اَلْكُلِّ والنِّصْفَ الفارِغَ وإنْ ساواهُ في الكَمِّيَّةِ لا يُساوِيهِ في التَّحْقِيقِ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الأمْرِ السّابِقِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّيْلِ أيْضًا مُقَيَّدًا بِالِاسْتِثْناءِ لِأنَّهُ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ وقِيلَ لِلنِّصْفِ لِقُرْبِهِ ﴿قَلِيلا﴾ أيْ نَقْصًا قَلِيلًا أوْ مِقْدارًا قَلِيلًا بِحَيْثُ لا يَنْحَطُّ عَنْ نِصْفِ النِّصْفِ.

المزمل 73:4

﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ عَطْفٌ كَما سَبَقَ وكَذا الكَلامُ في الضَّمِيرِ ولا يَخْتَلِفُ المَعْنى عَلى القَوْلَيْنِ فِيهِ وهو تَخْيِيرُهُ ﷺ بَيْنَ أنْ يَقُومَ نِصْفَ اللَّيْلِ أوْ أقَلَّ مِنَ النِّصْفِ أوْ أكْثَرَ بَيْدَ أنَّهُ رَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ فِيهِ جَعْلَ مِعْيارِ النَّقْصِ والزِّيادَةِ النِّصْفَ المُقارِنَ لِلْقِيامِ وهو أوْلى مِن جَعْلِهِ لِلنِّصْفِ العارِي مِنهُ بِالكُلِّيَّةِ وإنْ تَساوَيا كَمِّيَّةً وجَهِلَ بَعْضُهُمِ الإبْدالَ مِنَ اللَّيْلِ الباقِي بَعْدَ الثُّنْيا والضَّمِيرَيْنِ لَهُ وقالَ في الإبْدالِ مِن قَلِيلٍ لَيْسَ بِسَدِيدٍ لِهَذا ولِأنَّ الحَقِيقِيَّ بِالِاعْتِناءِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الإبْدالُ هو الجُزْءُ الباقِي بَعْدَ الثُّنْيا المُقارِنِ لِلْقِيامِ لا لِلْجُزْءِ المُخْرَجِ العارِي عَنْهُ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى طَرَفِ التَّمامِ. وكَذا اعْتَرَضَ أبُو حَيّانٍ ذَلِكَ الإبْدالَ بِقَوْلِهِ: إنَّ ضَمِيرَ ﴿نِصْفَهُ﴾ حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ أوْ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ وهو ( اللَّيْلَ ) لا جائِزَ أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ لِأنَّهُ يَكُونُ اسْتِثْناءَ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ إذِ التَّقْدِيرُ إلّا قَلِيلًا نِصْفَ القَلِيلِ، وهَذا لا يَصِحُّ لَهُ مَعْنى البَتَّةَ ولا جائِزَ أنْ يَعُودَ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ لِأنَّهُ يَلْغُو فِيهِ الِاسْتِثْناءُ إذْ لَوْ قِيلَ قُمِ اللَّيْلَ نَصِفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا أوْ زِدْ عَلَيْهِ أفادَ مَعْناهُ عَلى وجْهٍ أخْصَرَ وأوْضَحَ وأبْعَدَ عَنِ الإلْباسِ وفِيهِ أنّا نَخْتارُ الثّانِي وما زَعَمَهُ مِنَ اللُّغَوِيَّةِ قَدْ أشَرْنا إلى دَفْعِهِ وأوْضَحَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِقَوْلِهِ: إنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى تَخْفِيفِ القِيامِ وتَسْهِيلِهِ لِأنَّ قِلَّةَ أحَدِ النِّصْفَيْنِ تُلازِمُ قِلَّةَ الآخَرِ وتَنْبِيهًا عَلى تَفاوُتِ ما شُغِلَ بِالطّاعَةِ وما خَلا مِنها الإشْعارُ بِأنَّ البَعْضَ المَشْغُولَ بِمَنزِلَةِ الكُلِّ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ الدّاعِي لِلتَّمَكُّنِ في الذَّهَبِ وزِيادَةِ التَّشْوِيقِ وتَعَقَّبَ السَّمِينُ الشِّقَّ الأوَّلَ أيْضًا بِأنَّ قَوْلَهُ اسْتِثْناءُ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ ( اللَّيْلَ ) مَعْلُومٌ وكَذا بَعْضُهُ مِنَ النِّصْفِ وما دُونَهُ وما فَوْقَهُ ولا ضَيْرَ في اسْتِثْناءِ المَجْهُولِ مِنَ المَعْلُومِ نَحْوَ ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 249] بَلْ لا ضَمِيرَ في إبْدالِ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ كَجاءَنِي جَماعَةٌ بَعْضُهم مُشاةٌ ومَعَ هَذا المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما سَلَفَ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِن ﴿اللَّيْلَ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ والِاسْتِثْناءُ مِنهُ والكَلامُ عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والأصْلُ ثُمَّ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا وضَمِيرُ مِنهُ وعَلَيْهِ لِلْأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ المَفْهُومِ مِن مَجْمُوعِ المُسْتَثْنى مِنهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ بِأنْ تَقُومَ ثُلْثَ اللَّيْلِ أوِ انْقُصْ مِن ذَلِكَ الأقَلِّ قَلِيلًا بِأنْ تَقُومَ رُبْعَ اللَّيْلِ أوْ زِدْ عَلى ذَلِكَ الأقَلِّ بِأنْ تَقُومَ النِّصْفَ فالتَّخْيِيرُ عَلى هَذا بَيْنَ الأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ والأقَلِّ مِنَ الأقَلِّ وإلّا زِيدَ مِنهُ وهو النِّصْفُ صفحة 103 بِعَيْنِهِ ومَآلُهُ إلى التَّخْيِيرِ بَيْنَ النِّصْفِ والثُّلْثِ والرُّبْعِ، فالفَرْقُ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ وما ذَكَرَ قِيلَ مِثْلَ الصُّبْحِ ظاهِرٌ وفي الكَشّافِ ما يُفْهَمُ مِنهُ عَلى ما قِيلَ إنَّ التَّخْيِيرَ فِيما وراءَ النِّصْفِ أيْ فِيما يَقِلُّ عَنِ النِّصْفِ ويَزِيدُ عَلى الثُّلْثِ فَلا يَبْلُغُ بِالزِّيادَةِ النِّصْفَ ولا بِالنُّقْصانِ الثُّلْثَ. قالَ في الكَشْفِ وإنَّما جَعَلَ الزِّيادَةَ دُونَ النِّصْفِ والنُّقْصانَ فَوْقَ الثُّلْثِ لِأنَّهُما لَوْ بَلَغا إلى الكَسْرِ الصَّحِيحِ لَكانَ الأشْبَهُ أنْ يُذْكَرَ بِصَرِيحِ اسْمَيْهِما وأيْضًا إيثارُ القِلَّةِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى التَّقْرِيبِ مِن ذَلِكَ الأقَلِّ وما انْتَهى إلى كَسْرٍ صَحِيحٍ فَلَيْسَ بِناقِصٍ قَلِيلٍ في ذَوْقِ هَذا المَقامِ وذا القَوْلُ في جانِبِ الزِّيادَةِ كَيْفَ وقَدْ بَنى الأمْرَ عَلى كَوْنِهِ أقَلَّ مِنَ النِّصْفِ انْتَهى وهو وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ ونَحْوَهُ فِيما أرى ما سَمِعْتُ قَبِيلَهُ وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ ذِكْرَ الثُّلُثِ والرُّبْعِ والنِّصْفِ فِيهِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا أنَّ الأقَلَّ والأنْقَصَ والأزْيَدَ مَحْصُوراتٌ فِيما ذَكَرَ. وجَوَّزَ أيْضًا كَوْنَ الكَلامِ عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَما مَرَّ آنِفًا لَكِنْ مَعَ جَعْلِ الضَّمِيرَيْنِ لِلنِّصْفِ لا لِلْأقَلِّ مِنهُ كَما في ذَلِكَ والمَعْنى التَّخْيِيرُ بَيْنَ أمْرَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ عَلى البَتِّ وبَيْنَ أنْ يَخْتارَ أحَدَ الأمْرَيْنِ وهُما النُّقْصانُ مِنَ النِّصْفِ والزِّيادَةُ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ عَلى البَتِّ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ أوْ زِدْ عَلَيْهِ تَخْيِيرًا قِيلَ ولِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الأقَلِّ لِأنَّهُ الأصْلُ الواجِبُ كُرِّرَ عَلى نَحْوِ أكْرِمْ إمّا زَيْدًا وإمّا زَيْدًا أوْ عَمْرًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا لِأنَّ تَقْدِيمَ الِاسْتِثْناءِ عَلى البَدَلِ ظاهِرٌ في أنَّ البَدَلَ مِنَ الحاصِلِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّ في تَقْدِيرِ تَأْخِيرِ الِاسْتِثْناءِ عُدُولًا عَنِ الأصْلِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. ولِأنَّ الظّاهِرَ عَلى هَذا رُجُوعُ الضَّمِيرَيْنِ إلى النِّصْفِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّهُ السّابِقُ لا النِّصْفُ المُطْلَقُ وأيْضًا الظّاهِرَ أنَّ النُّقْصانَ رُخْصَةٌ لِأنَّ الزِّيادَةَ نَفْلٌ والِاعْتِناءَ بِشَأْنِ العَزِيمَةِ أوْلى ثُمَّ فِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ قِيامُ النِّصْفِ ويَرُدُّهُ القِراءَةُ الثّابِتَةُ في السَّبْعَةِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ [اَلْمُزَّمِّلِ: 20] بِالجَرِّ فَإنِ اسْتَدَلَّ مِن جَوازِ الأقَلِّ عَلى جَوازِهِ لِمَفْهُومِ المُوافَقَةِ لَزِمَ أنَّ يُلْغُوا التَّعَرُّضَ لِلزِّيادَةِ عَلى النِّصْفِ لِذَلِكَ أيْضًا ولا يَخْفى أنَّ بَعْضَ هَذا يُرَدُّ عَلى الوَجْهِ المارِّ آنِفًا واعْتُرِضَ قَوْلُهُ الظّاهِرُ أنَّ النُّقْصانَ رُخْصَةٌ بِأنَّهُ مَحَلُّ نَظَرٍ إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ [اَلْقَصَصِ: 27] فالتَّخْيِيرُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ وفِيهِ بَحْثٌ. وجَوَّزَ أيْضًا كَوْنَ الإبْدالِ مِن ﴿قَلِيلا﴾ الثّانِي بِمَعْنى نِصْفِ النِّصْفِ وهو الرُّبْعُ وضَمِيرُ عَلَيْهِ لِهَذا القَلِيلِ وجَعَلَ المَزِيدَ عَلى هَذا القَلِيلِ أعْنِي الرُّبْعَ نِصْفَ الرُّبْعِ كَأنَّهُ قِيلَ قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا نِصْفَهُ أوْ زِدْ عَلى هَذا القَلِيلِ قَلِيلًا نِصْفَهُ ومَآلُهُ قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أوْ نِصْفَ أوْ زِدْ عَلى نِصْفِ النِّصْفِ نِصْفَ نِصْفِ النِّصْفِ فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ فِيما إذا كانَ اللَّيْلُ سِتَّ عَشْرَةَ ساعَةً مَثَلًا بَيْنَ قِيامِ ثَمانِي ساعاتٍ وأرْبَعٍ وسِتٍّ ولا يَخْفى أنَّ الإطْلاقَ في أوْ زِدْ عَلَيْهِ ظاهِرُ الإشْعارِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِقَلِيلًا إذْ لَوْ كانَ لِلِاسْتِغْناءِ لاكْتَفى في أوِ انْقُصْ إلَخِ بِالأوَّلِ أيْضًا ومِن هُنا قِيلَ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الزِّيادَةُ لِكَوْنِها مُطْلَقَةً تَتِمَّةً لِلثُّلْثِ فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ النِّصْفِ والثُّلْثِ والرُّبْعِ وفِيهِ أنَّ جَعْلَها تَتِمَّةَ الثُّلْثِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ سِوى مُوافَقَةِ القِراءَةِ بِالجَرِّ في نِصْفِهِ وثُلْثِهِ بَعْدُ. وجَوَّزَ الإمامُ أنْ يُرادَ بِقَلِيلًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلا قَلِيلا﴾ الثُّلُثَ وقالَ إنَّ ﴿نِصْفَهُ﴾ عَلى حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ أوْ قُمْ نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ أوْ زِدْ عَلَيْهِ وأطالَ في بَيانِ ذَلِكَ والذَّبِّ عَنْهُ ومَعَ ذَلِكَ لا يَخْفى حالُهُ وذَكَرَ أيْضًا وجْهًا ثانِيًا لا يَخْفى أمْرُهُ عَلى مَن أحاطَ بِما تَقَدَّمَ خَبَرًا نَعَمْ تَفْسِيرُهُ القَلِيلَ بِالثُّلْثِ مَرْوِيٌّ عَنِ الكَلْبِي ومُقاتِلٍ وعَنْ وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ تَفْسِيرُهُ بِما دُونَ المِعْشارِ والسُّدْسِ وهو عَلى ما قَدَّمْنا نِصْفٌ. واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِجَوازِ اسْتِثْناءِ النِّصْفِ وما فَوْقَهُ عَلى ما فُصِّلَ في الأُصُولِ وقالَ التَّبْرِيزِيُّ الأمْرُ بِالقِيامِ والتَّخْيِيرِ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ وقَعَ عَلى الثُّلْثَيْنِ مِن آخَرِ اللَّيْلِ لِأنَّ الثُّلْثَ الأوَّلَ وقْتُ العَتَمَةِ والِاسْتِثْناءَ وارِدٌ عَلى المَأْمُورِ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ قُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ ( إلّا ) قَلِيلًا ثُمَّ جَعَلَ نِصْفَهُ صفحة 104 بَدَلًا مِن قَلِيلًا فَصارَ القَلِيلُ مُفَسَّرًا بِالنِّصْفِ مِنَ الثُّلْثَيْنِ وهو قَلِيلٌ عَلى ما تَقَدَّمَ أوِ انْقَصْ مِنهُ أيْ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ وهو قِيامُ الثُّلْثَيْنِ قَلِيلًا أيْ ما دُونَ نِصْفِهِ أوْ زِدْ عَلَيْهِ فَكانَ التَّخْيِيرُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ واقِعًا عَلى الثُّلْثَيْنِ انْتَهى. وهُوَ كَما تَرى وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مِن أعْدادِ اللَّيْلِ لا مِن أجْزائِهِ فَإنَّ تَعْرِيفَهُ لِلِاسْتِغْراقِ إذْ لا عَهْدَ فِيهِ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ عَلى أنَّ هُناكَ اسْتِخْدامًا أوْ شِبْهَهُ والتَّخْيِيرُ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ والنّاقِصِ عَنْهُ والزّائِدِ عَلَيْهِ وهو بِمَكانٍ مِنَ البُعْدِ وبِالجُمْلَةِ قَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ حَتّى ذَكَرُوا ما لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ عَلَيْهِ وأظْهَرُ الوُجُوهِ عِنْدِي وأبْعَدُها عَنِ التَّكَلُّفِ وألْيَقُها بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما في كِتابِهِ الجَلِيلِ الجَزِيلِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِالأمْرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ إلَخِ ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ﴾ أيْ في أثْناءِ ما ذَكَرَ مِنَ القِيامِ أيِ اقْرَأْهُ عَلى تُؤَدَةٍ وتَمَهُّلٍ وتَبْيِينِ حُرُوفٍ ﴿تَرْتِيلا﴾ بَلِيغًا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ السّامِعُ مِن عَدِّها مِن قَوْلِهِمْ ثَغْرٌ رَتْلٌ بِسُكُونِ التّاءِ ورَتِلٌ بِكَسْرِها إذا كانَ مُفَلَّجًا لَمْ تَتَّصِلْ أسْنانُهُ بَعْضُها بِبَعْضٍ وأخْرَجَ العَسْكَرِيُّ في المَواعِظِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: بَيِّنْهُ تَبْيِينًا ولا تَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقْلِ ولا تَهُذَّهُ هَذا الشِّعْرِ قِفُوا عِنْدَ عَجائِبِهِ وحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ ولا يَكُنْ هَمُّ أحَدِكم آخَرَ السُّورَةِ» .

المزمل 73:5

﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ﴾ أيْ سَنُوحِي إلَيْكَ وإيثارُ الإلْقاءِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قَوْلا ثَقِيلا﴾ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ فَإنَّهُ لِما فِيهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ ثَقِيلٌ عَلى المُكَلَّفِينَ سِيَّما عَلى الرَّسُولِ ﷺ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَأْمُورٌ بِتَحَمُّلِها وتَحْمِيلِها لِلْأُمَّةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الأمْرِ بِالقِيامِ وتَعْلِيلِهِ الآتِي لِتَسْهِيلِ ما كَلَّفَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ القِيامِ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ سَيَرِدُ عَلَيْكَ في الوَحْيِ المُنَزَّلِ تَكالِيفُ شاقَّةٌ هَذا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها سَهْلٌ فَلا تُبالِ بِهَذِهِ المَشَقَّةِ وتَمَرَّنَ بِها لِما بَعْدَها وأدْخَلَ بَعْضُهم في الِاعْتِراضِ جُمْلَةَ ﴿ورَتِّلِ﴾ إلَخِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ وقِيلَ مَعْنى كَوْنِهِ ﴿ثَقِيلا﴾ أنَّهُ رَصِينٌ لِإحْكامِ مَبانِيهِ ومَتانَةِ مَعانِيهِ والمُرادُ أنَّهُ راجِحٌ عَلى ما عَداهُ لَفْظًا ومَعْنى لَكِنْ تُجُوِّزَ بِالثَّقِيلِ عَنِ الرّاجِحِ لِأنَّ الرّاجِحَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وفي مَعْناهُ ما قِيلَ المُرادُ كَلامٌ لَهُ وزْنٌ ورُجْحانٌ لَيْسَ بِالسَّفْسافِ وقِيلَ مَعْناهُ أنَّهُ ثَقِيلٌ عَلى المُتَأمِّلِ فِيهِ لِافْتِقارِهِ إلى مَزِيدِ تَصْفِيَةٍ لِلسِّرِّ وتَجْرِيدٍ لِلنَّظَرِ، فالثَّقِيلُ مَجازٌ عَنِ الشّاقِّ وقِيلَ ثَقِيلٌ في المِيزانِ والثِّقْلُ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ عَنْ كَثْرَةِ ثَوابِ قارِئِهِ وقالَ أبُو =العَلِيَّةِ والقُرْطُبِيُّ ثِقَلُهُ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ وقِيلَ ثَقِيلٌ تَلَقِّيهِ يَعْنِي يَثْقُلُ عَلَيْهِ ﷺ والوَحْيُ بِهِ بِواسِطَةِ المَلَكِ فَإنَّهُ كانَ يُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنْحاءٍ مِنها أنْ لا يَتَمَثَّلُ لَهُ المَلَكُ ويُخاطِبُهُ بَلْ يُعْرَضُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالغَشْيِ لِشِدَّةِ انْجِذابِ رُوحِهِ الشَّرِيفَةِ لِلْمَلَأِ ( الأعْلى بِحَيْثُ يَسْمَعُ ما يُوحِي بِهِ إلَيْهِ ويُشاهِدُهُ ويُحِسُّهُ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ مَن مَعَهُ وفي هَذِهِ الحالَةِ كانَ يُحِسُّ في بَدَنِهِ ثِقَلًا حَتّى كادَتْ فَخِذُهُ ﷺ أنْ تَرُضَّ فَخِذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وقَدْ كانَتْ عَلَيْها وهو يُوحى إلَيْهِ وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ نَصْرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ وضَعَتْ جُرّانَها فَما تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَحَرَّكَ حَتّى يُسَرّى عَنْهُ وتَلَتْ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾» . ورَوى الشَّيْخانِ ومالِكٌ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ عَنْها أنَّها قالَتْ ولَقَدْ «رَأيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وإنَّ جَبِينَهُ لِيَتَفَصَّدُ عَرَقًا» وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ثَقِيلا﴾ صِفَةً لِمَصْدَرٍ حُذِفَ فَأُقِيمَ مَقامَهُ وانْتَصَبَ انْتِصابَهُ أيْ إلْقاءً ثَقِيلًا ولَيْسَ صِفَةً قَوْلًا وقِيلَ ذَلِكَ عَنْ بَقائِهِ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ لِأنَّ الثَّقِيلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَبْقى في مَكانِهِ. وقِيلَ ثِقَلُهُ بِاعْتِبارِ ثِقَلِ حُرُوفِهِ حَقِيقَةً في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنَ القُرْآنِ في اللَّوْحِ أعْظَمُ مِن جَبَلِ صفحة 105 قافٍ، وأنَّ المَلائِكَةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلى الحَرْفِ أنْ يُقِلُّوهُ ما أطاقُوهُ حَتّى يَأْتِيَ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مَلَكُ اللَّوْحِ فَيَرْفَعُهُ ويُقِلُّهُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا بِقُوَّتِهِ ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ طَوَّقَهُ ذَلِكَ وهَذا مِمّا يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ عَنِ الصّادِقِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا أظُنُّ وُجُودَهُ. والجُمْلَةُ قِيلَ عَلى مُعْظَمِ هَذِهِ الأوْجُهِ مُسْتَأْنِفَةٌ لِلتَّعْلِيلِ فَإنَّ التَّهَجُّدَ يُعَدُّ النَّفْسَ لِأنْ تُعالِجُ ثِقَلَهُ فَتَأمَّلْ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ سُورَةٌ خَفِيفَةٌ لِما أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى فِيها القُرْآنَ كُلَّهُ ﴿قَوْلا ثَقِيلا﴾ وهَذا مِن بابِ الِاحْتِياطِ كَما لا يَخْفى.

المزمل 73:6

﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ إنَّ النَّفْسَ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ أيْ تَنْهَضُ مِن نَشَأ مِن مَكانِهِ ونَشَرَ إذْ نَهَضَ وأنْشَدَ قَوْلَهُ: نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرى فِيها السُّرى وأشْرَفَ مِنها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ وظاهِرُ كَلامِ اللُّغَوِيِّينَ أنْ نَشَأ بِهَذا المَعْنى لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ وقالَ الكِرْمانِيُّ في شَرْحِ البُخارِيِّ هي لُغَةٌ حَبَشِيَّةٌ عَرَّبُوها وأخْرَجَ جَماعَةٌ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وحَكاهُ أبُو حَيّانٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ زَيْدٍ وجَعَلَ ﴿ناشِئَةَ﴾ جَمْعَ ناشِئٍ فَكَأنَّهُ أرادَ النُّفُوسَ النّاشِئَةَ أيِ القائِمَةَ ووَجْهُ الإفْرادِ ظاهِرٌ والإضافَةُ إمّا بِمَعْنى في أوْ عَلى نَحْوِ سَيِّدِ =غَضِّيٍّ وهَذا أبْلَغُ أوْ أنَّ قِيامَ اللَّيْلِ عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرُ نَشَأ بِمَعْنى قامَ كالعاقِبَةِ وإسْنادُها إلى اللَّيْلِ مَجازٌ كَما يُقالُ: قامَ لَيْلَهُ وصامَ نَهارَهُ، وخَصَّ مُجاهِدٌ هَذا القِيامَ بِالقِيامِ مِنَ النَّوْمِ وكَذا عائِشَةُ ومَنَعَتْ أنْ يُرادَ مُطْلَقُ القِيامِ وكانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ الإضافَةَ إلى اللَّيْلِ في قَوْلِهِمْ قِيامُ اللَّيْلِ تُفْهِمُ القِيامَ مِنَ النَّوْمِ فِيهِ أوِ القِيامَ وقْتَ النَّوْمِ لِمَن قالَ اللَّيْلُ كُلُّهُ أوْ أنَّ العِبادَةَ الَّتِي تَنْشَأُ أيْ تَحْدُثُ بِاللَّيْلِ عَلى أنَّ الإضافَةَ اخْتِصاصِيَّةٌ أوْ بِمَعْنى في أوْ عَلى نَحْوَ ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سَبَأٍ: 33] وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ ساعاتِهِ لِأنَّها تَنْشَأُ أيْ تَحْدُثُ واحِدَةً بَعْدَ واحِدَةٍ أيْ مُتَعاقِبَةً والإضافَةُ عَلَيْهِ اخْتِصاصِيَّةٌ أوْ ساعاتِهِ الأُوَلِ مِن نَشَأ إذا ابْتَدَأ وقالَ الكِسائِيُّ ناشِئَةَ أوَّلِهِ وقَرِيبٌ مِنهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. ﴿هِيَ أشَدُّ وطْئًا﴾ أيْ هي خاصَّةً دُونَ ناشِئَةِ النَّهارِ أشَدُّ مُواطَأةً يُواطِئُ قَلْبُها لِسانَها إنْ أُرِيدَ بِالنّاشِئَةِ النَّفْسُ المُتَهَجِّدَةُ أوْ يُواطِئُ فِيها قَلْبُ القائِمِ لِسانَهُ إنَّ أُرِيدَ بِها القِيامُ أوِ العِبادَةُ أوِ السّاعاتُ والإسْنادُ عَلى الأوَّلِ حَقِيقِيٌّ وعَلى هَذا مَجازِيٌّ واعْتِبارُ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ لَيْسَ بِذاكَ أوْ أشَدَّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الإخْلاصِ فَلا مَجازَ عَلى جَمِيعِ المَعانِي. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ والعَرَبِيّانِ وِطاءً بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ واطَأ وِطاءً كَقاتَلَ قِتالًا وقَرَأ قَتادَةُ وشِبْلٌ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ والهَمْزِ مَقْصُورًا وقَرَأ ابْنُ مُحْصَنٍ بِفَتْحِ الواوِ مَمْدُودًا ﴿وأقْوَمُ قِيلا﴾ أيْ وأسْوَأُ مَقالًا أوْ أثْبَتُ قِراءَةً لِحُضُورِ القَلْبِ وهَدُّوِ الأصْواتِ وقِيلًا عَلَيْهِما مَصْدَرٌ لَكِنَّهُ عَلى الأوَّلِ عامٌّ لِلْأذْكارِ والأدْعِيَةِ وعَلى الثّانِي مَخْصُوصٌ بِالقِراءَةِ ونَصْبُهُ ونَصْبُ وطْأً عَلى التَّمْيِيزِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ «وأصْوَبَ قَلِيلًا» فَقالَ لَهُ رَجُلٌ إنّا نَقْرَؤُها «وأقُومُ قَلِيلًا» فَقالَ إنَّ أصْوَبَ وأقْوَمَ وأهْيَأ وأشْباهَ هَذا واحِدٌ.

المزمل 73:7

﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَقَلُّبًا وتَصَرُّفًا في مُهِمّاتِكَ واشْتِغالًا بِشَواغِلِكَ فَلا تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَفَرَّغَ لِلْعِبادَةِ فَعَلَيْكَ بِها في اللَّيْلِ وأصْلُ السَّبْحِ المَرُّ السَّرِيعُ في الماءِ فاسْتُعِيرَ لِلذَّهابِ مُطْلَقًا كَما قالَهُ الرّاغِبُ وأنْشَدُوا قَوْلَ الشّاعِرِ: أباحُوا لَكم شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها فَفِيها لَكم يا صاحِ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ وهَذا بَيانٌ لِلدّاعِي الخارِجِيِّ إلى قِيامِ اللَّيْلِ بَعْدَ بَيانِ ما في نَفْسِهِ مِنَ الدّاعِي وقِيلَ أيْ إنَّ لَكَ في النَّهارِ فَراغا وسِعَةً لِنَوْمِكَ وتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ وقِيلَ إنْ فاتَكَ مِنَ اللَّيْلِ شَيْءٌ فَلَكَ في النَّهارِ فَراغٌ تَقْدِرُ عَلى تَدارُكِهِ فِيهِ فالسَّبْحُ لِفَراغٍ وهو مُسْتَعْمَلٌ في ذَلِكَ لُغَةً أيْضًا لَكِنَّ الأوَّلَ أوْفَقُ لِمَعْنى قَوْلِهِمْ سَبَحَ في الماءِ وأنْسَبُ لِلْمَقامِ ثُمَّ إنَّ صفحة 106 الكَلامَ عَلى هَذا إمّا تَتْمِيمٌ لِلْعِلَّةِ يُهَوِّنُ عَلَيْهِ أنَّ النَّهارَ يَصْلُحُ لِلِاسْتِراحَةِ فَلْيَغْتَنِمِ اللَّيْلَ لِلْعِبادَةِ ولْيَشْكُرْ إنْ لَمْ يُكَلَّفِ اسْتِيعابَهَما بِالعِبادَةِ أوْ تَأْكِيدٌ لِلِاحْتِفاظِ بِهِ بِأنَّهُ إنْ فاتَ لا بُدَّ مِن تَدارُكِهِ بِالنَّهارِ فَفِيهِ مُتَّسَعٌ لِذَلِكَ وفِيهِ تَلْوِيحٌ إلى مَعْنى ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفُرْقانِ: 62] وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «سَبْخًا» بِالخاءِ المُعْجَمَةِ أيْ تَفَرُّقَ قَلْبٍ بِالشَّواغِلِ مُسْتَعارٌ مِن سَبْخِ الصُّوفِ وهو نَقْشُهُ ونَشْرُ أجْزائِهِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ خِفَّةً مِنَ التَّكالِيفِ قالَ الأصْمَعِيُّ يُقالُ: سَبَّخَ اللَّهُ تَعالى عَنْكَ الحُمّى خَفَّفَها وفِي الحَدِيثِ «لا تُسَبِّخِي بِدُعائِكِ» أيْ لا تُخَفِّفِي ومِنهُ قَوْلُهُ: فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنٌ وقِيلَ السَّبْخُ المَدُّ يُقالُ سَبِّخِي قُطْنَكِ أيْ مُدِّيهِ، ويُقالُ لِقَطَعِ القُطْنِ سَبائِخُ الواحِدَةُ سَبْخَةٌ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ يَصِفُ قَنّاصًا وكِلابًا: فَأرْسَلُوهُنَّ يَذْرِينَ التُّرابَ كَما ∗∗∗ يَذْرِي سَبائِخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوْتارِ وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ إنَّ ابْنَ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةَ فَسَّرا «سَبْخًا» بِالمُعْجَمَةِ بَعْدَ أنْ قَرَآ بِهِ فَقالا مَعْناهُ نُوَّمًا أيْ يَنامُ بِالنَّهارِ لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ وقَدْ يَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرَ هَذا المَعْنى لَكِنَّهُما فَسَّراها فَلا نَتَجاوَزُ عَنْهُ اهـ ولَعَلَّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ.

المزمل 73:8

﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ ودُمْ عَلى ذِكْرِهِ تَعالى لَيْلًا ونَهارًا عَلى أيْ وجْهٍ كانَ مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وتَحْمِيدٍ وصَلاةٍ وقِراءَةِ قُرْآنٍ وغَيْرِ ذَلِكَ وفَسَّرَ الأمْرَ بِالدَّوامِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَنْسَهُ تَعالى حَتّى يُؤْمَرَ بِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ والمُرادُ الدَّوامُ العُرْفِيُّ لا الحَقِيقِيُّ لِعَدَمِ إمْكانِهِ ولِأنَّ مُقْتَضى السِّياقِ أنَّ هَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ كانَ المَعْنى عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ اعْتِبارِ لَيْلًا ونَهارًا ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ﴾ أيْ وانْقَطَعَ إلَيْهِ تَعالى بِالعِبادَةِ وجَرِّدْ نَفْسَكَ عَمّا سِواهُ عَزَّ وجَلَّ واسْتَغْرِقْ في مُراقَبَتِهِ سُبْحانَهُ وكَأنَّ هَذا أمْرٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِالباطِنِ بَعْدَ الأمْرِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالظّاهِرِ ولِتَأْكِيدِ ذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ ﴿تَبْتِيلا﴾ ونَصْبَهُ بِتَبَتُّلٍ لِتُضَمِّنِهِ مَعْنى بَتَّلَ عَلى ما قِيلَ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نُوحٍ: 17] فَتَذْكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فَفِيهِ مُراعاةُ الفَواصِلِ.

المزمل 73:9

﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ وقِيلَ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «رَبَّ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ وهو يُؤَيَّدُ الأوَّلَ وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ «﴿رَبُّ﴾» بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿رَبِّكَ﴾ وقِيلَ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ وجَوابُهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وفِيهِ حَذْفُ حَرْفِ القَسَمِ مِن غَيْرِ ما يَسُدُّ مَسَدَّهُ وإبْقاءُ عَمِلِهِ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا كَما بُيِّنَ في العَرَبِيَّةِ وقَدْ نُقِلَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِقَوْلِهِ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ إذْ فِيهِ إضْمارُ الجارِّ في القَسَمِ ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ( إلّا ) في لَفْظَةٍ الجَلالَةِ الكَرِيمَةِ نَحْوَ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا ولا قِياسَ عَلَيْهِ ولِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ في جَوابِ القَسَمِ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً تُنْفى بِما لا غَيْرَ ولا تُنْفى بِلا إلّا الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعِ كَثِيرًا وبِماضٍ في مَعْناهُ قَلِيلًا انْتَهى. وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ إطْلاقُ وُقُوعِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ جَوابًا لِلْقَسَمِ وقالَ في شَرْحِ الكافِيَةِ إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَقَعُ جَوابًا لِلْقَسَمِ مُصَدِّرَةٌ بِلا النّافِيَةِ لَكِنْ يَجِبُ تَكْرارُها إذا تَقَدَّمَ خَبَرُها أوْ كانَ المُبْتَدَأُ مَعْرِفَةً نَحْوَ واَللَّهِ لا في الدّارِ رَجُلٌ ولا امْرَأةٌ وواللَّهِ لا زَيْدٌ في الدّارِ ولا عَمْرٌو ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الإمامَيْنِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ «رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ» وبِجَمْعِهِما وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في وجْهِ الإفْرادِ والجَمْعِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ ومُوجِبُهُ عَلى اخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ بِهِ ( عَزَّ وجَلَّ ) وجَلَّ ووَكِيلٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَوْكُولٍ إلَيْهِ والمُرادُ مِنِ اتِّخاذِهِ سُبْحانَهُ وكِيلًا أنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ويُفَوِّضَ كُلَّ أمْرِ صفحة 107 إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وذَكَرَ أنَّ مَقامَ التَّوَكُّلِ فَوْقَ مَقامِ التَّبَتُّلِ لِما فِيهِ مِن رَفْعِ الِاخْتِيارِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى غايَةِ الحُبِّ لَهُ تَعالى وأنْشَدُوا: هَوايَ لَهُ فَرْضٌ تَعَطَّفَ أمْ جَفا ومَنهَلُهُ عَذْبٌ تَكَدَّرَ أمْ صَفا وكَلْتُ إلى المَعْشُوقِ أمْرِي كُلَّهُ ∗∗∗ فَإنْ شاءَ أحْيانِي وإنْ شاءَ أتْلَفا ومِن كَلامِ بَعْضِ السّادَةِ: مَن رَضِيَ بِاَللَّهِ تَعالى وكِيلًا وجَدَ إلى كُلِّ خَيْرٍ سَبِيلًا.

المزمل 73:10

﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِمّا يُؤْلِمُكَ مِنَ الخُرافاتِ كَقَوْلِهِمْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَبِيبِ وحَبِيبِهِ عَلى ما سَمِعْتَ في بَعْضِ رِواياتِ أسْبابِ النُّزُولِ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ بِأنْ تُجانِبَهم وتُدارِيَهم ولا تُكافِئَهم وتَكِلَ أُمُورَهم إلى رَبِّهِمْ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ.

المزمل 73:11

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهم وكِلْ أمْرَهم إلَيَّ فَإنَّ في ما يُفْرِغُ بالَكَ ويُجَلِّي هَمَّكَ ومَرَّ في أنَّ تَمامَ الكَلامِ في ذَلِكَ وجَوَّزَ في المُكَذِّبِينَ هُنا أنْ يَكُونُوا هُمِ القائِلِينَ فَفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ وسَما لَهم بِمِيسَمِ الذَّمِّ مَعَ الإشارَةِ إلى عِلَّةِ الوَعِيدِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونُوا بَعْضَ القائِلِينَ فَهو عَلى مَعْنى( ذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ ) مِنهم والآيَةُ قِيلَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ المُسْتَهْزِئِينَ وقِيلَ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أرْبابِ التَّنَعُّمِ وغَضارَةِ العَيْشِ وكَثْرَةِ المالِ والوَلَدِ فالنِّعْمَةُ بِالفَتْحِ التَّنَعُّمُ وأمّا بِالكَسْرِ فَهي الإنْعامُ وما يَنْعَمُ بِهِ وأمّا بِالضَّمِّ فَهي المَسَرَّةُ ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ أيْ زَمانًا قَلِيلًا وهو مُدَّةُ الحَياةِ الدُّنْيا وقِيلَ المُدَّةُ الباقِيَةُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ وأيًّا ما كانَ فَقَلِيلًا نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ إمْهالًا قَلِيلًا والتَّفْعِيلُ لِتَكْثِيرِ المَفْعُولِ.

المزمل 73:12

﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ جَمْعُ نَكْلٍ بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِها وهو القَيْدُ الثَّقِيلُ وقِيلَ الشَّدِيدُ وقالَ الكَلْبِيُّ الأنْكالُ الأغْلالُ الأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ وعَنِ الشَّعْبِيِّ لَمْ تُجْعَلِ الأنْكالُ في أرْجُلِهِمْ خَوْفًا مِن هَرَبِهِمْ ولَكِنْ إذا أرادُوا أنْ يَرْتَفِعُوا اسْتَفَلَتْ بِهِمْ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَرْنِي﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ كِلْ أمْرَهم إلَيَّ ومَهِّلْهِمْ قَلِيلًا لِأنَّ عِنْدِي ما أنْتَقِمُ بِهِ مِنهم أشَدَّ الِانْتِقامِ أنْكالًا ﴿وجَحِيمًا﴾ نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ.

المزمل 73:13

﴿وطَعامًا ذا ( غُصَّةٍ﴾ يُنْشِبُ في الحُلُوقِ ولا يَكادُ يُساغُ كالضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ ( وعَذابًا ألِيمًا يَوْمَ ) ونَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ مُؤْلِمًا لا يُقادِرُ قَدْرَهُ ولا يَعْرِفُ كُنْهَهُ ( إلّا ) اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ المُقابَلَةُ والتَّنْكِيرُ وما أعْظَمَ هَذِهِ الآيَةَ فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي داوُدَ في الشَّرِيعَةِ وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ حَمِرانِ بْنِ أعْيَنَ عَنْ أبِي حَرْبِ بْنِ الأسْوَدِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ إلَخِ فَصَعِقَ» . وفِي رِوايَةٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَفْسَهُ قَرَأ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ فَلَمّا بَلَغَ ﴿ألِيمًا﴾ صَعِقَ» وقالَ خالِدُ بْنُ حَسّانٍ: أمْسى عِنْدَنا الحَسَنُ وهو صائِمٌ فَأتَيْتُهُ بِطَعامٍ فَعَرَضَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ إلَخِ فَقالَ ارْفَعْهُ فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّانِيَةُ أتَيْتُهُ بِطَعامٍ فَعَرَضَتْ لَهُ أيْضًا فَقالَ ارْفَعْهُ وكَذَلِكَ اللَّيْلَةُ الثّالِثَةُ فانْطَلَقَ ابْنُهُ إلى ثابِتٍ البُنانِيِّ ويَزِيدَ الضَّبَّيِّ ويَحْيى البَكّاءِ فَحَدَّثَهم بِحَدِيثِهِ فَجاؤُوا مَعَهُ فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى شَرِبَ شُرْبَةً مِن سَوِيقٍ. وفِي الحَدِيثِ السّابِقِ إذا صَحَّ ما يُقِيمُ العُذْرَ لِلصُّوفِيَّةِ ونَحْوِهِمُ الَّذِينَ يُصْعَقُونَ عِنْدَ سَماعِ بَعْضِ الآياتِ ويَقْعُدُ إنْكارُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ومَن وافَقَها عَلَيْهِمُ اللَّهُمَّ ( إلّا ) أنْ يُقالَ إنَّ الإنْكارَ لَيْسَ ( إلّا ) عَلى مَن يَصْدُرُ مِنهُ ذَلِكَ اخْتِيارًا وهو أهْلٌ لِأنَّ يُنْكَرَ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى أوْ يُقالُ صَعِقَ مِنَ الصَّعْقِ بِسُكُونِ العَيْنِ وقَدْ يُحَرَّكُ غُشِيَ عَلَيْهِ لا مِنَ الصَّعَقِ بِالتَّحْرِيكِ شِدَّةِ الصَّوْتِ وذَلِكَ مِمّا لَمْ تُنْكِرْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ولا غَيْرُها ولِلْإمامِ في الآيَةِ كَلامٌ عَلى نَحْوِ كَلامِ الصُّوفِيَّةِ قالَ اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ عَلى العُقُوبَةِ الرُّوحانِيَّةِ أمّا الأنْكالُ فَهي عِبارَةٌ عَنْ بَقاءِ النَّفْسِ في قَيْدِ التَّعَلُّقاتِ الجُسْمانِيَّةِ واللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ فَإنَّها في الدُّنْيا لَمّا اكْتَسَبَتْ مَلَكَةَ تِلْكَ المَحَبَّةِ والرَّغْبَةِ فَبَعْدَ البَدَنِ يَشْتَدُّ الحَنِينُ مَعَ أنَّ آلاتِ الكَسْبِ صفحة 108 قَدْ بَطَلَتْ فَصارَتْ تِلْكَ كالأنْكالِ والقُيُودِ المانِعَةِ لَهُ مِنَ التَّخَلُّصِ إلى عالَمِ الرُّوحِ والصَّفاءِ ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن تِلْكَ القُيُودِ الرُّوحانِيَّةِ نِيرانٌ رُوحانِيَّةٌ فَإنَّ شَدَّةَ مَيْلِها إلى الأحْوالِ البَدَنِيَّةِ وعَدَمَ تَمَكُّنِها مِنَ الوُصُولِ إلَيْها تُوجِبُ حُرْقَةً شَدِيدَةً رُوحانِيَّةً كَمَن تَشْتَدُّ رَغْبَتُهُ في وِجْدانِ شَيْءٍ ثُمَّ إنَّهُ لا يَجِدُهُ فَإنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ عَلَيْهِ فَذاكَ هو الجَحِيمُ. ثُمَّ إنَّهُ يَتَجَرَّعُ غُصَّةَ الحِرْمانِ وألَمَ الفِراقِ فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ ثُمَّ إنَّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأحْوالِ بَقِيَ مَحْرُومًا عَنْ تَجَلِّي نُورِ اللَّهِ تَعالى والِانْخِراطِ في سِلْكِ القُدْسِيِّينِ وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ وتَنْكِيرُ ( عَذابًا ) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أشَدُّ مِمّا تَقَدَّمَ وأكْمَلُ واعْلَمْ أنِّي لا أقُولُ المُرادُ بِالآيَةِ ما ذَكَرْتُهُ فَقَطْ بَلْ أقُولُ إنَّها تُفِيدُ حُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الجُسْمانِيَّةِ وحُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الرُّوحانِيَّةِ ولا يَمْتَنِعُ الحَمْلُ عَلَيْهِما وإنْ كانَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الجُسْمانِيَّةِ حَقِيقَةً وبِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الرُّوحانِيَّةِ مَجازًا لَكِنَّهُ مَجازٌ مُتَعارَفٌ مَشْهُورٌ انْتَهى وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بِالحَمْلِ عَلَيْهِما يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ أوْ عُمُومِ المَجازِ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أكْثَرَ بابِ الإشارَةِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ مِن هَذا القَبِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِذَرْنِي وقِيلَ صِفَةُ ( عَذابًا ) وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِألِيمًا واخْتارَ جَمْعٌ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ( لَدَيْنا ) أيِ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ العَذابُ لَدَيْنا وظَهَرَ يَوْمَ تَضْطَرِبُ الأرْضُ والجِبالُ وتَتَزَلْزَلُ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «تَرْجُفُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿وكانَتِ الجِبالُ﴾ مَعَ صَلابَتِها وارْتِفاعِها ﴿كَثِيبًا﴾ رَمْلًا مُجْتَمِعًا مِن كَثَبَ الشَّيْءَ إذا جَمَعَهُ فَكَأنَّهُ في الأصْلِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ثُمَّ غَلَبَ حَتّى صارَ لَهُ حُكْمُ الجَوامِدِ والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وقِيلَ لا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ رَمْلًا حَقِيقَةً ﴿مَهِيلا﴾ قِيلَ أيْ رَخْوًا لَيِّنًا إذا وطِئَتْهُ القَدَمُ زَلَّ مِن تَحْتِها وقِيلَ مَنثُورًا مِن هِيلَ هَيْلًا إذا نُثِرَ وأُسِيلَ وكَوْنُهُ كَثِيبًا بِاعْتِبارِ ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّثْرِ فَلا تَنافِيَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُجْتَمِعًا ومَنثُورًا ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ في قُوَّةِ ذَلِكَ وصَدَدِهِ كَما قِيلَ.

المزمل 73:14

﴿وطَعامًا ذا ( غُصَّةٍ﴾ يُنْشِبُ في الحُلُوقِ ولا يَكادُ يُساغُ كالضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ ( وعَذابًا ألِيمًا يَوْمَ ) ونَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ مُؤْلِمًا لا يُقادِرُ قَدْرَهُ ولا يَعْرِفُ كُنْهَهُ ( إلّا ) اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ المُقابَلَةُ والتَّنْكِيرُ وما أعْظَمَ هَذِهِ الآيَةَ فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي داوُدَ في الشَّرِيعَةِ وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ حَمِرانِ بْنِ أعْيَنَ عَنْ أبِي حَرْبِ بْنِ الأسْوَدِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ إلَخِ فَصَعِقَ» . وفِي رِوايَةٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَفْسَهُ قَرَأ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ فَلَمّا بَلَغَ ﴿ألِيمًا﴾ صَعِقَ» وقالَ خالِدُ بْنُ حَسّانٍ: أمْسى عِنْدَنا الحَسَنُ وهو صائِمٌ فَأتَيْتُهُ بِطَعامٍ فَعَرَضَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ إلَخِ فَقالَ ارْفَعْهُ فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّانِيَةُ أتَيْتُهُ بِطَعامٍ فَعَرَضَتْ لَهُ أيْضًا فَقالَ ارْفَعْهُ وكَذَلِكَ اللَّيْلَةُ الثّالِثَةُ فانْطَلَقَ ابْنُهُ إلى ثابِتٍ البُنانِيِّ ويَزِيدَ الضَّبَّيِّ ويَحْيى البَكّاءِ فَحَدَّثَهم بِحَدِيثِهِ فَجاؤُوا مَعَهُ فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى شَرِبَ شُرْبَةً مِن سَوِيقٍ. وفِي الحَدِيثِ السّابِقِ إذا صَحَّ ما يُقِيمُ العُذْرَ لِلصُّوفِيَّةِ ونَحْوِهِمُ الَّذِينَ يُصْعَقُونَ عِنْدَ سَماعِ بَعْضِ الآياتِ ويَقْعُدُ إنْكارُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ومَن وافَقَها عَلَيْهِمُ اللَّهُمَّ ( إلّا ) أنْ يُقالَ إنَّ الإنْكارَ لَيْسَ ( إلّا ) عَلى مَن يَصْدُرُ مِنهُ ذَلِكَ اخْتِيارًا وهو أهْلٌ لِأنَّ يُنْكَرَ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى أوْ يُقالُ صَعِقَ مِنَ الصَّعْقِ بِسُكُونِ العَيْنِ وقَدْ يُحَرَّكُ غُشِيَ عَلَيْهِ لا مِنَ الصَّعَقِ بِالتَّحْرِيكِ شِدَّةِ الصَّوْتِ وذَلِكَ مِمّا لَمْ تُنْكِرْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ولا غَيْرُها ولِلْإمامِ في الآيَةِ كَلامٌ عَلى نَحْوِ كَلامِ الصُّوفِيَّةِ قالَ اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ عَلى العُقُوبَةِ الرُّوحانِيَّةِ أمّا الأنْكالُ فَهي عِبارَةٌ عَنْ بَقاءِ النَّفْسِ في قَيْدِ التَّعَلُّقاتِ الجُسْمانِيَّةِ واللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ فَإنَّها في الدُّنْيا لَمّا اكْتَسَبَتْ مَلَكَةَ تِلْكَ المَحَبَّةِ والرَّغْبَةِ فَبَعْدَ البَدَنِ يَشْتَدُّ الحَنِينُ مَعَ أنَّ آلاتِ الكَسْبِ صفحة 108 قَدْ بَطَلَتْ فَصارَتْ تِلْكَ كالأنْكالِ والقُيُودِ المانِعَةِ لَهُ مِنَ التَّخَلُّصِ إلى عالَمِ الرُّوحِ والصَّفاءِ ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن تِلْكَ القُيُودِ الرُّوحانِيَّةِ نِيرانٌ رُوحانِيَّةٌ فَإنَّ شَدَّةَ مَيْلِها إلى الأحْوالِ البَدَنِيَّةِ وعَدَمَ تَمَكُّنِها مِنَ الوُصُولِ إلَيْها تُوجِبُ حُرْقَةً شَدِيدَةً رُوحانِيَّةً كَمَن تَشْتَدُّ رَغْبَتُهُ في وِجْدانِ شَيْءٍ ثُمَّ إنَّهُ لا يَجِدُهُ فَإنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ عَلَيْهِ فَذاكَ هو الجَحِيمُ. ثُمَّ إنَّهُ يَتَجَرَّعُ غُصَّةَ الحِرْمانِ وألَمَ الفِراقِ فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ ثُمَّ إنَّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأحْوالِ بَقِيَ مَحْرُومًا عَنْ تَجَلِّي نُورِ اللَّهِ تَعالى والِانْخِراطِ في سِلْكِ القُدْسِيِّينِ وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ وتَنْكِيرُ ( عَذابًا ) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أشَدُّ مِمّا تَقَدَّمَ وأكْمَلُ واعْلَمْ أنِّي لا أقُولُ المُرادُ بِالآيَةِ ما ذَكَرْتُهُ فَقَطْ بَلْ أقُولُ إنَّها تُفِيدُ حُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الجُسْمانِيَّةِ وحُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الرُّوحانِيَّةِ ولا يَمْتَنِعُ الحَمْلُ عَلَيْهِما وإنْ كانَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الجُسْمانِيَّةِ حَقِيقَةً وبِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الرُّوحانِيَّةِ مَجازًا لَكِنَّهُ مَجازٌ مُتَعارَفٌ مَشْهُورٌ انْتَهى وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بِالحَمْلِ عَلَيْهِما يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ أوْ عُمُومِ المَجازِ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أكْثَرَ بابِ الإشارَةِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ مِن هَذا القَبِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِذَرْنِي وقِيلَ صِفَةُ ( عَذابًا ) وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِألِيمًا واخْتارَ جَمْعٌ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ( لَدَيْنا ) أيِ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ العَذابُ لَدَيْنا وظَهَرَ يَوْمَ تَضْطَرِبُ الأرْضُ والجِبالُ وتَتَزَلْزَلُ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «تَرْجُفُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿وكانَتِ الجِبالُ﴾ مَعَ صَلابَتِها وارْتِفاعِها ﴿كَثِيبًا﴾ رَمْلًا مُجْتَمِعًا مِن كَثَبَ الشَّيْءَ إذا جَمَعَهُ فَكَأنَّهُ في الأصْلِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ثُمَّ غَلَبَ حَتّى صارَ لَهُ حُكْمُ الجَوامِدِ والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وقِيلَ لا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ رَمْلًا حَقِيقَةً ﴿مَهِيلا﴾ قِيلَ أيْ رَخْوًا لَيِّنًا إذا وطِئَتْهُ القَدَمُ زَلَّ مِن تَحْتِها وقِيلَ مَنثُورًا مِن هِيلَ هَيْلًا إذا نُثِرَ وأُسِيلَ وكَوْنُهُ كَثِيبًا بِاعْتِبارِ ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّثْرِ فَلا تَنافِيَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُجْتَمِعًا ومَنثُورًا ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ في قُوَّةِ ذَلِكَ وصَدَدِهِ كَما قِيلَ.

المزمل 73:15

﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ أُولِي النِّعْمَةِ سَواءٌ جُعِلُوا القائِلِينَ أوْ بَعْضَهم فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ وهو التِفاتٌ جَلِيلُ المَوْقِعِ أيْ إنّا أرْسَلَنا إلَيْكم أيُّها المُكَذِّبُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ﴿رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ يَشْهَدُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما صَدَرَ مِنكم مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَمُ تَعْيِينِهِ لِعَدَمِ دَخْلِهِ في التَّشْبِيهِ أوْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ.

المزمل 73:16

﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ المَذْكُورَ الَّذِي أرْسَلْناهُ إلَيْهِ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ عَلى تَقْدِيرِ اسْمِيَّتِها أيْ إرْسالًا مِثْلَ إرْسالِنا أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِيَّتِها أيْ إرْسالًا كائِنًا كَما والمَعْنى أرْسَلَنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم فَعَصَيْتُمُوهُ كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصاهُ وفي إعادَةِ فِرْعَوْنَ والرَّسُولِ مُظْهَرَيْنِ تَفْظِيعٌ لِشَأْنِ عِصْيانِهِ وإنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ عِصْيانَ الرَّسُولِ لا لِكَوْنِهِ عِصْيانَ مُوسى وفِيهِ إنَّ عِصْيانَ المُخاطَبِينَ أفْظَعُ وأدْخَلُ في الدَّمِ إذْ زادَ جَلَّ وعَلا لِهَذا الرَّسُولِ وصْفًا آخَرَ أعْنِي ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ وأدْمَجَ فِيهِ أنَّهُ لَوْ آمَنُوا كانَتِ الشَّهادَةُ لَهم وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ أيْ ثَقِيلًا رَدِيءَ العُقْبى مِن قَوْلِهِمْ كَلَأٌ وبِيلٌ وحَمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقْلِهِ والوَبِيلُ أيْضًا العَصا الضَّخْمَةُ ومِنهُ الوابِلُ لِلْمُطِلِّ العَظِيمِ قَطْرُهُ خارِجٌ عَنِ التَّشْبِيهِ جِيءَ بِهِ لِإيذانِ المُخاطَبِينَ بِأنَّهم مَأْخُوذُونَ بِمِثْلِ ذَلِكَ وأشَدَّ وأشَدَّ.

المزمل 73:17

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ مَراتِبٌ عَلى الإرْسالِ فالعِصْيانُ ( ويَوْمًا ) مَفْعُولٌ بِهِ لِتَتَّقُونَ ما بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَذابَ أوْ هَوْلَ يَوْمٍ أوْ بِدُونَهُ ( إلّا ) أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ وضَمِيرَ ﴿يَجْعَلُ﴾ لِلْيَوْمِ والجُمْلَةَ صِفَتُهُ والإسْنادَ مَجازِيٌّ وقالَ بَعْضٌ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى والإسْنادُ حَقِيقِيٌّ والجُمْلَةُ صِفَةٌ مَحْذُوفَةُ الرّابِطِ أيْ يَجْعَلُ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ صفحة 109 تَعالى ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 48] وكانَ ظاهِرُ التَّرْتِيبِ أنْ يُقَدِّمَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ إلّا أنَّهُ أُخِّرَ إلى هُنا زِيادَةً عَلى زِيادَةٍ في التَّهْوِيلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ هَبُوا أنَّكم لا تُؤْخَذُونَ في الدُّنْيا أخْذَةَ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِ فَكَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكم هَوْلَ القِيامَةِ وما أعَدَّ لَكم مِنَ الأنْكالِ إنْ دُمْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ومُتُّمْ في الكُفْرِ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنْ كَفَرْتُمْ﴾ وتَقْدِيرُهُ تَقْدِيرُ مَشْكُوكٍ في وُجُودِهِ ما يُنَبِّهُ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنَّ يَبْقى مَعَ إرْسالِ هَذا الرَّسُولِ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ تُبْقِيهِ في الكُفْرِ فَهو النُّورُ المُبِينُ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ يَوْمًا ظَرْفًا لِتَتَّقُونِ عَلى مَعْنى فَكَيْفَ لَكم بِالتَّقْوى في يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كَفَرْتُمْ في الدُّنْيا والكَلامُ حِينَئِذٍ لِلْحَثِّ عَلى الإقْلاعِ مِنَ الكُفْرِ والتَّحْذِيرِ عَنْ مِثْلِ عاقِبَةِ آلِ فِرْعَوْنَ قَبْلَ أنْ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَنْتَصِبَ بِكَفَرْتُمْ عَلى تَأْوِيلِ جَحَدْتُمْ والمَعْنى فَكَيْفَ يُرْجى إقْلاعُكم عَنِ الكُفْرِ واتِّقاءُ اللَّهِ تَعالى وخَشِيَتُهُ وأنْتُمْ جاحِدُونَ يَوْمَ الجَزاءِ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ يَوْمَ تَرْجُفُ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ إنْ كَفَرْتُمْ بِهِ فَأُعِيدَ ذِكْرُ اليَوْمِ بِصِفَةٍ أُخْرى زِيادَةً في التَّهْوِيلِ والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى قالَهُ في الكَشْفِ وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ في الوَجْهِ الأخِيرِ أعْنِي انْتِصابَ ﴿يَوْمًا﴾ بِكَفَرْتُمْ أنَّهُ أوْفَقُ لِلتَّأْلِيفِ يَعْنِي خَوَّفْناكم بِالأنْكالِ والجَحِيمِ وأرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا يَوْمَ القِيامَةِ بِكُفْرِكم وتَكْذِيبِكم وأنْذَرْناكم بِما فَعَلْنا بِفِرْعَوْنَ مِنَ العَذابِ الوَبِيلِ والأخْذِ الثَّقِيلِ فَما نَجَعَ فِيكم ذَلِكَ كُلُّهُ ولا اتَّقَيْتُمُ اللَّهَ تَعالى فَكَيْفَ تَتَّقُونَهُ وتَخْشَوْنَهُ إنْ جَحَدْتُمْ يَوْمَ القِيامَةِ والجَزاءِ وفِيهِ أنَّ مَلاكَ التَّقْوى والخَشْيَةِ الإيمانُ بِيَوْمِ القِيامَةِ انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ جَزالَةَ المَعْنى تُرَجِّحُ الأوَّلَ وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ الخِطابَ في ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ فالظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِالتِفاتِ في شَيْءٍ وأيًّا ما كانَ فَجَعْلُ الوِلْدانِ شِيبًا أيْ شُيُوخًا جَمْعُ أشْيَبٍ قِيلَ حَقِيقَةً فَتَشِيبُ الصِّبْيانُ وتَبْيَضُّ شُعُورُهم مِن شِدَّةِ يَوْمِ القِيامَةِ وذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قُمْ فَأخْرِجْ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْثَ النّارِ فَيَقُولُ يا رَبِّ لا عِلْمَ لِي ( إلّا ) ما عَلَّمْتَنِي فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ فَيَخْرُجُونَ ويُساقُونَ إلى النّارِ سَوْقًا مُقَرَّنِينَ زُرْقًا كالِحِينَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَإذا خَرَجَ بَعْثُ النّارِ شابَ كُلُّ ولِيدٍ» . وفِي حَدِيثِ الطَّبَرانِيِّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْنُ ذَلِكَ وقِيلَ مَثَلٌ في شِدَّةِ الهَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ شَيْبٌ بِالفِعْلِ فَإنَّهم يَقُولُونَ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ يَوْمٌ يَشِيبُ نَواصِي الأطْفالُ والأصْلُ في ذَلِكَ أنَّ الهُمُومَ إذا تَفاقَمَتْ عَلى المَرْءِ أضْعَفَتْ قُواهُ وأسْرَعَتْ فِيهِ الشَّيْبَ ومِن هُنا قِيلَ الشَّيْبُ نُوّارُ الهُمُومِ وحَدِيثُ البَعْثِ لا يَأْبى هَذا وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وصْفًا لِلْيَوْمِ بِالطُّولِ وأنَّ الأطْفالَ يَبْلُغُونَ فِيهِ أوْ أنَّ الشَّيْخُوخَةَ والشَّيْبَ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ التَّقْدِيرَ الحَقِيقِيَّ بَلْ وصْفٌ بِالطُّولِ فَقَطْ عَلى ما تَعارَفُوهُ وإلّا فَهو أطْوَلُ مِن ذاكَ وأطْوَلُ فَلا اعْتِراضَ لَكِنَّهُ مَعَ هَذا لَيْسَ بِذَلِكَ والظّاهِرُ عُمُومُ الوِلْدانِ وقالَ السُّدِّيُّ هم هُنا أوْلادُ الزِّنا وقِيلَ هم أوْلادُ المُشْرِكِينَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «يَوْمَ» بِغَيْرِ تَنْوِينٍ «نَجْعَلُ» بِالنُّونِ فالظَّرْفُ مُضافٌ إلى جُمْلَةِ نَجْعَلُ إلَخِ.

المزمل 73:18

﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ﴾ أيْ مُنْشَقٌّ وقُرِئَ «مُتَفَرِّطٌ» أيْ مُتَشَقِّقٌ ﴿بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ اليَوْمِ والباءُ لِلْآلَةِ مِثْلُها في قَوْلِكَ فَطَرْتُ العُودَ بِالقَدُومِ فانْفَطَرَ بِهِ يَعْنِي أنَّ السَّماءَ عَلى عِظَمِها وإحْكامِها تَنْفَطِرُ بِشِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ وهَوْلِهِ كَما يَنْفَطِرُ الشَّيْءُ بِما يُفْطِرُ بِهِ فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها مِنَ الخَلائِقِ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ السَّماءُ مُثْقَلَةٌ بِهِ الآنَ إثْقالًا يُؤَدِّي إلى انْفِطارِها لِعِظَمِهِ عَلَيْها وخَشْيَتِها مِن وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ﴾ [اَلْأعْرافِ: 187] فالكَلامُ مِن بابِ التَّخْيِيلِ والِانْفِطارُ كِنايَةٌ عَنِ المُبالَغَةِ في ثِقَلِ ذَلِكَ اليَوْمِ والمُرادُ إفادَةُ أنَّهُ الآنَ عَلى هَذا الوَصْفِ والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْفَقُ لِأكْثَرِ الآياتِ وكَأنَ الظّاهِرَ السَّماءُ مُنْفَطِرَةٌ بِتَأْنِيثِ الخَبَرِ لِأنَّ المَشْهُورَ أنَّ السَّماء َمُؤَنَّثَةٌ لَكِنِ اعْتُبِرَ إجْراءُ ذَلِكَ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ فَذُكِّرَ أيْ شَيْءٌ مُنْفَطِرٌ بِهِ والنُّكْتَةُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَبَدَّلَتْ حَقِيقَتُها وزالَ عَنْها اسْمُها ورَسَمُها ولَمْ يَبْقَ مِنها ( إلّا ) صفحة 110 ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالشَّيْءِ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وأبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ وتَبِعَهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ التَّذْكِيرُ لِتَأْوِيلِ السَّماءِ بِالسَّقْفِ وكانَ النُّكْتَةُ فِيهِ تَذْكِيرُ مَعْنى السَّقْفِيَّةِ والإضْلالِ لِيَكُونَ أمْرُ الِانْفِطارِ أدْهَشَ وأهْوَلَ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ التَّقْدِيرُ ذاتُ انْفِطارٍ كَقَوْلِهِمُ امْرَأةٌ مُرْضِعٌ أيْ ذاتُ رِضاعٍ فَجَرى عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ وحُكِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذا مِن بابِ الجَرادِ المُنْتَشِرِ والشَّجَرِ الأخْضَرِ وأعْجازِ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ يَعْنِي أنَّ السَّماءَ مِن بابِ اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ مُفْرَدِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ وأنَّ مُفْرَدَهُ سِماءَةٌ واسْمُ الجِنْسِ يَجُوزُ فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ فَجاءَ مُنْفَطِرٌ عَلى التَّذْكِيرِ وقالَ الفَرّاءُ السَّماءُ يَعْنِي المِظَلَّةَ تُذَكُّرُ وتُؤَنَّثُ فَجاءَ ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ عَلى التَّذْكِيرِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَلَوْ رَفَعَ السَّماءَ إلَيْهِ قُوما لِحَقْنا بِالسَّماءِ وبِالسَّحابِ وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ وإنَّما تُطْلَبُ نُكْتَةُ اعْتِبارِ التَّذْكِيرِ مَعَ أنَّ الأكْثَرَ في الِاسْتِعْمالِ اعْتِبارُ التَّأْنِيثِ ولَعَلَّها ظاهِرَةٌ لِمَن لَهُ أدْنى فَهْمٍ وحَمْلُ الباءِ في ﴿بِهِ﴾ عَلى الآلَةِ هو الأوْفَقُ لِتَهْوِيلِ أمْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ وجَوَّزَ حَمْلَها عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيِ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ فِيهِ وعَوْدُ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ عَلى اليَوْمِ هو الظّاهِرُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وقالَ مُجاهِدٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى أيْ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ وسُلْطانِهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو عِنْدَهُ كالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾ فَإنَّهُ لَهُ تَعالى لِعِلْمِهِ مِنَ السِّباقِ والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ كَضَمِيرِ بِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ.

المزمل 73:19

﴿إنَّ هَذِهِ﴾ إشارَةٌ إلى الآياتِ المُنْطَوِيَةِ عَلى القَوارِعِ المَذْكُورَةِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ مَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعالى بِالإيمانِ والطّاعَةِ فَإنَّهُ المِنهاجُ المُوصِلُ إلى مَرْضاتِهِ عَزَّ وجَلَّ ومَفْعُولُ ( شاءَ ) مَحْذُوفٌ والمَعْرُوفُ في مِثْلِهِ أنْ يُقَدَّرَ مِن جِنْسِ الجَوابِ أيْ فَمَن شاءَ اتِّخاذَ سَبِيلٍ إلى رَبِّهِ تَعالى اتَّخَذَ إلَخِ وبَعْضٌ قَدَّرَهُ الِاتِّعاظَ لِمُناسَبَةِ ما قَبْلُ أيْ فَمَن شاءَ الِاتِّعاظَ ﴿اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ والمُرادُ مَن نَوى أنْ يَحْصُلَ لَهُ الِاتِّعاظُ تَقَرَّبَ إلَيْهِ تَعالى لَكِنْ ذُكِرَ السَّبَبُ وأُرِيدَ مُسَبِّبُهُ فَهو الجَزاءُ في الحَقِيقَةِ واخْتارَ في البَحْرِ ما هو المَعْرُوفُ وقالَ إنَّ الكَلامَ عَلى مَعْنى الوَعْدِ والوَعِيدِ.

المزمل 73:20

﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ أيْ زَمانا أقَلَّ مِنهُما اسْتُعْمِلَ فِيهِ الأدْنى وهو اسْمُ تَفْضِيلٍ مِن دَنا إذا قَرُبَ لِما أنَّ المَسافَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذا دَنَتْ قَلَّ ما بَيْنَهُما مِنَ الأحْيازِ فَهو فِيهِ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّ القُرْبَ يَقْتَضِي قِلَّةَ الأحْيازِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فاسْتُعْمِلَ في لازِمِهِ أوْ في مُطْلَقِ القِلَّةِ وجَوَّزَ اعْتِبارَ التَّشْبِيهِ بَيْنَ القُرْبِ والقِلَّةِ لِيَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ والإرْسالُ أقْرَبُ وقَرَأ الحَسَنُ وشَيْبَةُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ السَّمَيْفِعِ وهِشامٌ وابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ الكامِلِ «ثُلْثَيِ» بِإسْكانِ اللّامِ وجاءَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ. ﴿ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿أدْنى﴾ كَأنَّهُ قِيلَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ أقَلَّ مِن ثُلْثَيْهِ وتَقُومُ نِصْفَهُ وتَقُومُ ثُلْثَهُ وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ ونِصْفِهِ وثُلْثِهِ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ أيْ تَقُومُ أقَلَّ مِنَ الثُّلْثَيْنِ وأقَلَّ مِنَ النِّصْفِ وأقَلَّ مِنَ الثُّلْثِ والأوَّلُ مُطابِقٌ لِكَوْنِ التَّخْيِيرِ فِيما مَرَّ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ بِتَمامِهِ وبَيْنَ قِيامِ النّاقِصِ مِنهُ وهو الثُّلْثُ وبَيْنَ قِيامِ الزّائِدِ عَلَيْهِ وهو الأدْنى مِنَ الثُّلْثَيْنِ والثّانِي مُطابِقٌ لِكَوْنِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ النِّصْفِ وهو أدْنى مِنَ الثُّلْثَيْنِ وبَيْنَ الثُّلْثِ وهو أدْنى مِنَ النِّصْفِ وبَيْنَ الرُّبْعِ وهو أدْنى مِنَ الثُّلْثِ كَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ فَلا تَغْفُلْ واسْتُشْكِلَ الأمْرُ بِأنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ ظاهِرٌ فَكَيْفَ وجَّهَ صِحَّةَ عَلِمِ اللَّهِ تَعالى لِمَدْلُولِها وهُما لا يَجْتَمِعانِ وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ الأوْقاتِ فَوَقَعَ كُلٌّ في وقْتٍ فَكانا مَعْلُومَيْنِ لَهُ تَعالى واسْتُشْكِلَ أيْضًا هَذا المَقامُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الأمْرِ وارِدًا بِالأكْثَرِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ إمّا مُخالَفَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِما أُمِرَ بِهِ أوِ اجْتِهادُهُ والخَطَأُ صفحة 111 فِي مُوافَقَةِ الأمْرِ وكَلاهُما غَيْرُ صَحِيحٍ. أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ لا سِيَّما عَلى كَوْنِ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ مَن جَوَّزَ اجْتِهادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والخَطَأ فِيهِ يَقُولُ إنَّهُ لا يُقِرُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الخَطَأِ وأُجِيبُ بِالتِزامِ أنَّ الأمْرَ وارِدٌ بِالأقَلِّ لَكِنَّهم زادُوا حَذَرًا مِنَ الوُقُوعِ في المُخالَفَةِ وكانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وعِلْمُ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ لَمْ يَأْخُذُوا بِالأشَقِّ وقَعُوا في المُخالَفَةِ فَنَسَخَ سُبْحانَهُ الأمْرَ كَذا قِيلَ فَتَأمَّلْ فالمَقامُ بَعْدُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ «وثُلْثَهُ» بِإسْكانِ اللّامِ ﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ﴿تَقُومُ﴾ وحَسَّنَهُ الفَصْلُ بَيْنَهُما أيْ وتَقُومُ مَعَكَ طائِفَةٌ مِن أصْحابِكَ ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ لا يَعْلَمُ مَقادِيرَ ساعاتِهِما كَما هي ( إلّا ) اللَّهُ تَعالى. فَإنَّ تَقْدِيمَ اسْمِهِ تَعالى مُبْتَدَأً مَبْنِيًّا عَلَيْهِ يُقَدِّرُ دالٌّ عَلى الِاخْتِصاصِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جارُ اللَّهِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِمَصْدَرٍ يُقَدَّرُ لا لِلْقِيامِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ والمَعْنى عَلِمَ أنَّ الشَّأْنَ لَنْ تَقْدِرُوا عَلى تَقْدِيرِ الأوْقاتِ ولَنْ تَسْتَطِيعُوا ضَبْطَ السّاعاتِ ولا يَتَأتّى لَكم حِسابُها بِالتَّعْدِيلِ والتَّسْوِيَةِ ( إلّا ) أنْ تَأْخُذُوا بِالأوْسَعِ لِلِاحْتِياطِ وذَلِكَ شاقٌّ عَلَيْكم بالِغٌ مِنكم ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِالتَّرْخِيصِ في تَرْكِ القِيامِ المُقَدَّرِ ورَفْعِ التَّبِعَةِ عَنْكم في تَرْكِهِ فالكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ حَيْثُ شَبَّهَ التَّرْخِيصَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ في رَفْعِ التَّبِعَةِ واسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ الشّائِعُ في المُشَبَّهِ بِهِ في المُشَبَّهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 187] وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ فَقالَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن تَرَكَ بَعْضَ ما أُمِرَ بِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ أيْ فَصَلُّوا ما تَيَسَّرَ لَكم مِن صَلاةِ اللَّيْلِ عَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِالقِراءَةِ كَما عَبَّرَ عَنْها بِسائِرِ أرْكانِها. وقِيلَ الكَلامُ عَلى حَقِيقَتِهِ مِن طَلَبِ قِراءَةِ القُرْآنِ بِعَيْنِها وفِيهِ بُعْدٌ عَنْ مُقْتَضى السِّياقِ ومَن ذَهَبَ أيِ الأوَّلُ قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى افْتَرَضَ قِيامَ مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مِنَ اللَّيْلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ إلَخِ ثُمَّ نَسَخَ بِقِيامِ مِقْدارٍ ما مِنهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا﴾ الآيَةَ فالأمْرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْوُجُوبِ ( إلّا ) أنَّ الواجِبَ أوَّلًا كانَ مُعَيَّنًا مِن مُعَيَّناتٍ وثانِيًا كانَ بَعْضًا مُطْلَقًا ثُمَّ نَسَخَ وُجُوبَ القِيامِ عَلى الأُمَّةِ مُطْلَقًا بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ ومَن ذَهَبَ إلى الثّانِي قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى رَخَّصَ لَهم في تَرْكِ جَمِيعِ القِيامِ وأمَرَ بِقِراءَةِ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ لَيْلًا فَكَأنَّهُ قِيلَ فَتابَ عَلَيْكم ورَخَّصَ في التَّرْكِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ إنْ شَقَّ عَلَيْكُمِ القِيامُ فَإنَّ هَذا لا يَشُقُّ وتَنالُونَ بِهَذِهِ القِراءَةِ ثَوابَ القِيامِ وصَرَّحَ جَمْعٌ أنَّ ﴿فاقْرَءُوا﴾ عَلى هَذا أمْرٌ نُدِبَ بِخِلافِهِ عَلى الأوَّلِ هَذا. واعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أمْرِ التَّهَجُّدِ فَعَنْ مُقاتِلٍ وابْنِ كِيسانَ أنَّهُ كانَ فَرْضًا بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ ثُمَّ نُسِخَ بِهِنَّ ( إلّا ) ما تَطَوَّعُوا بِهِ ورَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في حَدِيثِ جابِرٍ، ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَّةَ والنِّسائِيُّ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ قُلْتُ لِعائِشَةَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَتْ: ألَسْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلى قالَتْ: فَإنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى القُرْآنُ قالَ: فَهَمَمْتُ أنْ أقُومَ ولا أسْألَ أحَدًا عَنْ شَيْءٍ حَتّى أمُوتَ ثُمَّ بَدا لِي فَقُلْتُ أنْبِئِينِي عَنْ قِيامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: ألَسْتَ تَقْرَأُ يا أيُّها المُزَّمِّلُ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَتْ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى افْتَرَضَ قِيامَ اللَّيْلِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقامَ نَبِيُّ اللَّهِ وأصْحابُهُ حَوْلًا وأمْسَكَ اللَّهُ تَعالى خاتِمَتَها اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا في السَّماءِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ وصارَ قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا. وفِي رِوايَةٍ عَنْها أنَّهُ دامَ ذَلِكَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ» وعَنْ قَتادَةَ دامَ عامًا أوْ عامَيْنِ وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ كانَ واجِبًا وإنَّما وقَعَ التَّخْيِيرُ في المِقْدارِ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ وكانَ الرَّجُلُ كَما قالَ الكَلْبِيُّ يَقُومُ حَتّى يُصْبِحَ مَخافَةَ أنْ لا يَحْفَظَ ما بَيْنَ النِّصْفِ والثُّلُثِ والثُّلْثَيْنِ وقِيلَ كانَ نَفْلًا بِدَلِيلِ التَّخْيِيرِ في المِقْدارِ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [اَلْإسْراءِ: 79] حَكاهُ غَيْرُ واحِدٍ وبَحَثُوا فِيهِ لَكِنْ قالَ الإمامُ صاحِبُ الكَشْفِ لَمْ يَرِدْ هَذا القائِلُ إنَّ التَّخْيِيرَ يُنافِي الوُجُوبَ بَلِ اسْتَدَلَّ بِالِاسْتِقْراءِ وإنَّ الفَرائِضَ لَها أوْقاتٌ مَحْدُودَةٌ صفحة 112 مُتَّسِعَةً كانَتْ أوْ ضَيِّقَةً لَمْ يُفَوِّضِ التَّحْدِيدَ إلى رَأْيِ الفاعِلِ وهو دَلِيلٌ حَسَنٌ. وأمّا القائِلُ بِالفَرْضِيَّةِ فَقَدْ نَظَرَ إلى اللَّفْظِ دُونَ الدَّلِيلِ الخارِجِيِّ ولِكُلٍّ وجْهٌ وأمّا قَوْلُهُ ولِقَوْلِهِ تَعالى ( ومِنَ اللَّيْلِ )إلَخِ فالِاسْتِدْلالُ بِأنَّهُ فَسَرَّ ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ أنَّ مَعْناهُ زائِدَةٌ عَلى الفَرائِضِ لَكَ خاصَّةً دُونَ غَيْرِكَ لِأنَّها تَطَوُّعُ لَهم وهَذا القائِلُ لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما يَمْنَعُهُ في حَقِّ غَيْرِهِ ﷺ والآيَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ فَلا نَظَرَ فِيهِ ثُمَّ إنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في تِلْكَ السُّورَةِ ( ومِنَ اللَّيْلِ ) أيْ خَصَّ بَعْضَ اللَّيْلِ دُونَ تَوْقِيتٍ وهاهُنا وقَّتَ جَلَّ وعَلا ودَلَّ عَلى مُشارَكَةِ الأُمَّةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ نَزَلَ ما ثَمَّ عَلى الوُجُوبِ عَلَيْهِ ﷺ خاصَّةً. وهاهُنا عَلى التَّنَفُّلِ في حَقِّهِ وحَقِّ الأُمَّةِ وهَذا قَوْلٌ سَدِيدٌ ( إلّا ) أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ يُؤَيِّدُ الأوَّلَ انْتَهى وعَنى بِالأوَّلِ القَوْلَ بِالفَرْضِيَّةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَلى الأُمَّةِ وظَواهِرُ الآثارِ الكَثِيرَةُ تَشْهَدُ لَهُ لَكِنْ في البَحْرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ إذْ لَوْ كانَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ لَكانَ التَّرْكِيبُ ( ( واَلَّذِينَ مَعَكَ) ( إلّا ) أنْ أعْتَقِدَ أنَّهُ كانَ مِنهم مَن يَقُومُ في بَيْتِهِ ومِنهم مَن يَقُومُ مَعَهُ فَيُمْكِنُ إذْ ذاكَ الفَرْضِيَّةُ في حَقِّ الجَمِيعِ انْتَهى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ ﴿مِن﴾ تَبْعِيضِيَّةً بَلْ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً ومَن يَقُولُ بِالفَرْضِيَّةِ عَلى الكُلِّ صَدَرَ الإسْلامُ بِحَمْلِها عَلى ذَلِكَ دُونَ البَعْضِيَّةِ بِاعْتِبارِ المَعِيَّةِ فَإنَّها لَيْسَتْ بِذاكَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وأفادَتِ الآيَةُ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فاقْرَءُوا﴾ إلَخِ نَدْبَ قِراءَةِ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ لَيْلًا وفي بَعْضِ الآثارِ «مَن قَرَأ مِائَةَ آيَةٍ في لَيْلَةٍ لَمْ يُحاجَّهُ القُرْآنُ» وفي بَعْضِها «مَن قَرَأ مِائَةَ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القانِتِينَ» وفي بَعْضٍ خمْسِنَ آيَةً والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلَيْنِ فِيهِ القَوْلُ الأوَّلُ وقَدْ سَمِعْتَ أنَّ الأمْرَ عَلَيْهِ لِلْإيجابِ وأنَّهُ كانَ يَجِبُ قِيامُ شَيْءٍ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهُ عَنِ الأُمَّةِ بِوُجُوبِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فَهو اليَوْمَ في حَقِّ الأُمَّةِ سُنَّةٌ وفي البَحْرِ بَعْدَ تَفْسِيرِ ﴿فاقْرَءُوا﴾ يُصَلُّوا وحِكايَةُ ما قِيلَ مِنَ النَّسْخِ وهَذا الأمْرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أمْرُ إباحَةٍ وقالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضٌ ولَوْ قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وجَماعَةٌ هو فَرْضٌ لا بُدَّ مِنهُ ولَوْ بِمِقْدارِ خَمْسِينَ آيَةً انْتَهى. وظاهِرُ سِياقِهِ أنَّ هَؤُلاءِ قائِلُونَ بِوُجُوبِهِ اليَوْمَ وأنَّهُ لَمْ يَنْسَخِ الوُجُوبَ مُطْلَقًا وإنَّما نَسَخَ وُجُوبَ مُعَيَّنٍ وهَذا خِلافُ المَعْرُوفِ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ سَقَطَ قِيامُ اللَّيْلِ عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصارَ تَطَوُّعًا وبَقِيَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأظُنُّ الأمْرَ غَنِيًّا عَنِ الِاسْتِدْلالِ فَلْنَطْوِ بِساطَ القِيلَ والقالَ نَعَمْ كانَ السَّلَفُ الصّالِحُ يُثابِرُونَ عَلى القِيامِ مُثابَرَتَهم عَلى فَرائِضِ الإسْلامِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الخَلْوَةِ بِالحَبِيبِ والأُنْسِ بِهِ وهو القَرِيبُ مِن غَيْرِ رَقِيبٍ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا كَما وفَّقَهم ويَمُنَّ عَلَيْنا كَما ( مَنَّ ) عَلَيْهِمْ. بَقِيَ هُنا بَحْثٌ وهو أنَّ الإمامَ أبا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ عَلى أنَّ الفَرْضَ في الصَّلاةِ مُطْلَقُ القِراءَةِ لا الفاتِحَةُ بِخُصُوصِها وهو ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ عَبَّرَ فِيهِ عَنِ الصَّلاةِ بِرُكْنِها وهو القِراءَةُ كَما عَبَّرَ عَنْها بِالسُّجُودِ والقِيامِ والرُّكُوعِ في مَواضِعَ وقَدَّرَ ما تَيَسَّرَ بِآيَةٍ عَلى ما حَكاهُ عَنْهُ الماوَرْدِيُّ وبِثُلْثٍ عَلى ما حَكاهُ عَنْهُ ابْنُ العَرَبِيِّ والمَسْألَةُ مُقَرَّرَةٌ في الفُرُوعِ وخَصَّ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ ما تَيَسَّرَ بِالفاتِحَةِ واحْتَجُّوا عَلى وُجُوبِ قِراءَتِها في الصَّلاةِ بِحُجَجٍ كَثِيرَةٍ مِنها ما نَقَلَ أبُو حامِدٍ الأسْفَرايِنِيُّ عَنِ ابْنِ المُنْذِرِ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لا تَجْزِي صَلاةٌ لا يُقْرَأُ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ» . ومِنها ما رُوِيَ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ: «كُلُّ صَلاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَهي خِداجٌ فَهي خِداجٌ» . أيْ نُقْصانٌ لِلْمُبالَغَةِ أوْ ذُو نُقْصانٍ واعْتَرَضَ بِأنَّ النُّقْصانَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الجَوازِ وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَدُلُّ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِالصَّلاةِ قائِمٌ والأصْلُ في الثّابِتِ البَقاءُ خالَفْناهُ عِنْدَ الإتْيانِ بِها عَلى صِفَةِ الكَمالِ فَعِنْدَ النُّقْصانِ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى الأصْلِ ولا يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ صفحة 113 وأكَّدَ بِقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ بِعَدَمِ جَوازِ صَوْمِ يَوْمِ العِيدِ قَضاءً عَنْ رَمَضانَ مَعَ صِحَّةِ الصَّوْمِ فِيهِ عِنْدَهُ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِ بِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ الكامِلُ والصَّوْمُ في هَذا اليَوْمِ ناقِصٌ فَلا يُفِيدُ الخُرُوجَ عَنِ العُهْدَةِ ومِنها: قَوْلُهُ ﷺ: «لا صَلاةَ ( إلّا ) بِفاتِحَةِ الكِتابِ» . وهُوَ ظاهِرٌ في المَقْصُودِ إذِ التَّقْدِيرُ لا صَلاةَ صَحِيحَةً ( إلّا ) بِها واعْتَرَضَ بِجَوازِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لا صَلاةَ كامِلَةً فَإنَّهُ لَمّا امْتَنَعَ نَفْيُ مُسَمّى الصَّلاةِ لِثُبُوتِهِ دُونَ الفاتِحَةِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن صَرْفِهِ إلى حُكْمٍ مِن أحْكامِها ولَيْسَ الصَّرْفُ إلى الصِّحَّةِ أوْلى مِنَ الصَّرْفِ إلى الكَمالِ وأُجِيبُ ( بِأنّا ) لا نُسَلِّمُ امْتِناعَ دُخُولِ النَّفْيِ عَلى مُسَمّاها لِأنَّ الفاتِحَةَ إذا كانَتْ جُزْءًا مِن ماهِيَّةِ الصَّلاةِ تَنْفِي الماهِيَّةَ عِنْدَ عَدَمِ قِراءَتِها فَيَصِحُّ دُخُولُهُ عَلى مُسَمّاها وإنَّما يَمْتَنِعُ لَوْ ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ جُزْءًا مِنها وهو أوَّلُ المَسْألَةِ سَلَّمْناهُ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ صَرْفَهُ إلى الصِّحَّةِ لَيْسَ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى الكَمالِ بَلْ هو أوْلى لِأنَّ الحَمْلَ عَلى المَجازِ الأقْرَبِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ أوْلى بَلْ واجِبٌ بِالإجْماعِ ولا شَكَّ أنَّ المَوْجُودَ الَّذِي لا يَكُونُ صَحِيحًا أقْرَبَ إلى المَعْدُومِ مِنَ المَوْجُودِ الَّذِي يَكُونُ كامِلًا ولِأنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما كانَ وهو التَّكْلِيفُ عَلى ما كانَ ولِأنَّ جانِبَ الحُرْمَةِ أرْجَحُ لِأنَّهُ أحْوَطُ ومِنها أنَّ الصَّلاةَ بِدُونِ الفاتِحَةِ تُوجِبُ فَواتَ الفَضِيلَةِ الزّائِدَةِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ مَعَها أفْضَلُ فَلا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ لِأنَّهُ قَبِيحٌ عُرْفًا فَيَكُونُ قَبِيحًا شَرْعًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ. وما رَآهُ المُسْلِمُونَ قَبِيحًا فَهو عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ» . ومِنها أنَّ قِراءَتَها تُوجِبُ الخُرُوجَ عَنِ العُهْدَةِ بِيَقِينٍ فَتَكُونُ أحْوَطَ فَوَجَبَ القَوْلُ بِوُجُوبِها لِنَصِّ: «دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ» . ولِلْمَعْقُولِ وهو دَفْعُ ضَرَرِ الخَوْفِ عَنِ النَّفْسِ فَإنَّهُ واجِبٌ. وكَوْنُ اعْتِقادِ الوُجُوبِ يُورِثُ الخَوْفَ لِجَوازِ كَوْنَنا مُخْطِئِينَ مَعارَضٌ بِاعْتِقادِ عَدَمِهِ فَيَتَقابَلانِ وأمّا في العَمَلِ فالقِراءَةُ لا تُوجِبُ الخَوْفَ وتَرْكُها يُوجِبُهُ فالأحْوَطُ القِراءَةُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وأجابَ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ بِما أجابُوا. واسْتَدَلُّوا عَلى أنَّ الواجِبَ ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ لا الفاتِحَةُ بِخُصُوصِها بِأُمُورٍ مِنها ما رَوى أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أخْرُجَ وأُنادِيَ لا صَلاةَ ( إلّا ) بِقِراءَةٍ ولَوْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ» . ودُفِعَ بِأنَّهُ مُعارَضٌ بِما نُقِلَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أخْرُجَ وأُنادِيَ لا صَلاةَ ( إلّا ) بِفاتِحَةِ الكِتابِ» . وبِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ولَوْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ هو أنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى الفاتِحَةِ لَكَفى ويَجِبُ الحَمْلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ وفِيهِ تَعَسُّفٌ ولَعَلَّ الأوَّلَ في الجَوابِ جَوازُ كَوْنِ المُرادِ ولَوْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ ما هو السّابِقُ إلى الفَهْمِ مِن قَوْلِ القائِلِ لا حَياةَ ( إلّا ) بِقُوتٍ ولَوِ الخُبْزِ كُلَّ يَوْمٍ أُوقِيَّةً وهو أنَّ هَذا القَدْرَ لا بُدَّ مِنهُ وعَلَيْهِ يَصِيرُ الحَدِيثُ مِن أدِلَّةِ الوُجُوبِ ومِنها أنَّهُ لَوْ وجَبَتِ الفاتِحَةُ لَصَدَقَ قَوْلُنا كُلَّما وجَبَتِ القِراءَةُ وجَبَتِ الفاتِحَةُ ومَعْناهُ مُقَدِّمَةٌ صادِقَةٌ وهي أنَّهُ لَوْ لَمْ تَجِبِ الفاتِحَةُ لَوَجَبَتِ القِراءَةُ لِوُجُوبِ مُطْلَقِ القِراءَةِ بِالإجْماعِ فَتَنْتِجُ المُقْدِمَتانِ لَوْ لَمْ تَجِبِ الفاتِحَةُ لَوَجَبَتِ الفاتِحَةُ وهو باطِلٌ. وأُجِيبُ بِمَنعِ الصُّغْرى أيْ لا نُسَلِّمُ صِدْقَ قَوْلِنا لَوْ لَمْ تَجِبِ الفاتِحَةُ لَوَجَبَتِ القِراءَةُ لِأنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الفاتِحَةِ مُحالٌ والمَحالُ جازَ أنْ يَسْتَلْزِمَ المُحالَ وهو رَفْعُ وُجُوبِ مُطْلَقِ القِراءَةِ الثّابِتِ بِالإجْماعِ سَلَّمْناها لَكِنْ لا نُسَلِّمُ اسْتِحالَةَ قَوْلِنا لَوْ لَمْ تَجِبِ الفاتِحَةُ لَوَجَبَتِ الفاتِحَةُ لِما ذَكَرَ آنِفًا وجَعَلَ بَعْضٌ القِياسَ حُجَّةً عَلى الحَنَفِيَّةِ لِأنَّ كُلَّ ما اسْتَلْزَمَ عَدَمُهُ وُجُودَهُ ثَبَتَ وُجُودُهُ ضَرُورَةً ورُدَّ بِأنَّ هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَتِ المُلازِمَةُ وهي قَوْلُنا لَوْ لَمْ تَجِبِ الفاتِحَةُ لَوَجَبَتْ ثابِتَةً في نَفْسِ الأمْرِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هي ثابِتَةٌ عَلى تَقْدِيرِ وُجُوبِ قِراءَةِ الفاتِحَةِ فَلِهَذا لا يَصِيرُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وتَمامُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ عَلى القَوْلِ الثّانِي في الآيَةِ لا يَظْهَرُ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى فَرْضِيَّةِ مُطْلَقِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ إذْ لَيْسَ فِيها عَلَيْهِ أكْثَرُ مِنَ الأمْرِ بِقِراءَةِ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ قَلَّ أوْ أكْثَرَ بَدَلَ ما افْتَرَضَ صفحة 114 عَلَيْهِمْ مِن صَلاةِ اللَّيْلِ فَلْيَتُنَبَّهْ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَةٍ أُخْرى غَيْرِ ما تَقَدَّمَ مِن عُسْرَةِ إحْصاءِ تَقْدِيرِ الأوْقاتِ مُقْتَضِيَةٍ لِلتَّرْخِيصِ والتَّخْفِيفِ أيْ عَلِمَ أنَّ الشَّأْنَ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ﴾ يُسافِرُونَ فِيها لِلتِّجارَةِ ﴿يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ وهو الرِّبْحُ وقَدْ عَمَّمَ ابْتِغاءَ الفَضْلِ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي المُجاهِدِينَ وفي قَرْنِ المُسافِرِينَ لِابْتِغاءِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ إشارَةٌ إلى أنَّهم نَحْوَهم في الأجْرِ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرُهُما عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ما مِن حالٍ يَأْتِينِي عَلَيْهِ المَوْتُ بَعْدَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنَّ يَأْتِيَنِي وأنا بَيْنَ شُعْبَتِي جَبَلٍ ألْتَمِسُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ﴾ إلَخِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن جالِبٍ يَجْلِبُ طَعامًا إلى بَلَدٍ مِن بُلْدانِ المُسْلِمِينَ فَيَبِيعُهُ لِسِعْرِ يَوْمِهِ ( إلّا ) كانَتْ مَنزِلَتُهُ عِنْدَ اللهِ» ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾»» . والمُرادُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن يَشُقُّ عَلَيْهِ القِيامُ كَما عَلِمَ سُبْحانَهُ عُسْرَ إحْصاءِ تَقْدِيرِ الأوْقاتِ وإذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ وتَعاضَدَتْ مُقْتَضَياتُ التَّرْخِيصِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ مِن غَيْرِ تَحَمُّلِ المَشاقِّ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ المَفْرُوضَةَ ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ كَذَلِكَ وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ والظّاهِرُ أنَّهم عَنَوْا بِالصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ الصَّلَواتِ الخَمْسَ وبِالزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ أُخْتَها المَعْرُوفَةَ. واسْتَشْكَلَ بِأنَّ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ ولَمْ تُفْرَضِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ إلّا بَعْدَ الإسْراءِ والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ وأُجِيبُ بِأنَّ الذّاهِبَ إلى ذَلِكَ يَجْعَلُ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةً وقِيلَ إنِ الزَّكاةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لِلْأنْصِباءِ واَلَّذِي فُرِضَ بِالمَدِينَةِ تَعْيِينُ الأنْصِباءِ فَيُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالزَّكاةِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ في الجُمْلَةِ فَلا مانِعَ عَنْ كَوْنِ الآياتِ مَكِّيَّةً لَكِنْ يَلْتَزِمُ لِكَوْنِها نَزَلَتْ بَعْدَ الإسْراءِ وحُكْمِها عَلى صَلاةِ اللَّيْلِ السّابِقَةِ حَيْثُ كانَتْ مَفْرُوضَةً تُنافِي التَّرْخِيصَ وقِيلَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِمّا تَأخَّرَ حُكْمُهُ عَنْ نُزُولِهِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أُرِيدَ بِهِ الإنْفاقاتُ في سَبِيلِ الخَيْراتِ أوْ أداءُ الزَّكاةِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ وأنْفَعِها لِلْفُقَراءِ. ﴿وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ أيْ خَيْرٍ كانَ مِمّا ذَكَرَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرْ ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا﴾ أيْ مِنَ الَّذِي تُؤَخِّرُونَهُ إلى الوَصِيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ ( وخَيْرًا ) ثانِي مَفْعُولَيْ ﴿تَجِدُوهُ﴾ وهو تَأْكِيدٌ لِضَمِيرِ ﴿تَجِدُوهُ﴾ وإنْ كانَ بِصُورَةِ المَرْفُوعِ والمُؤَكَّدُ مَنصُوبٌ لِأنَّ هو يُسْتَعارُ لِتَأْكِيدِ المَجْرُورِ والمَنصُوبِ كَما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ أوْ ضَمِيرُ فَصْلٍ وإنْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ فَإنَّ أفْعَلَ مِن حُكْمِ المُعَرَّفَةِ ولِذا يَمْتَنِعُ مِن حَرْفِ التَّعْرِيفِ كالعِلْمِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ البَدَلِيَّةَ مِن ضَمِيرِ ﴿تَجِدُوهُ﴾ ووَهِمَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّ الواجِبَ عَلَيْها إيّاهُ وقَرَأ أبُو =السَّمالِ بِاللّامِ، العَدُوِّيُّ وأبُو السَّماكِ بِالكافِ، الغَنَوِيُّ وأبُو السَّمَيْفِعِ هو «خَيْرٌ وأعْظَمُ» بِرَفْعِهِما عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ وجَعَلَ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي قالَ أبُو زَيْدٍ هي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ يَرْفَعُونَ ما بَعْدَ الفاصِلَةِ يَقُولُونَ كانَ زَيْدٌ هو الفاعِلُ بِالرَّفْعِ وعَلَيْهِ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذَرِيحٍ: تَحِنُّ إلى لُبْنى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ فَقَدْ قالَ أبُو عَمْرٍو الجِرْمِيُّ أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ شاهِدًا لِلرَّفْعِ والقَوافِي مَرْفُوعٌ ويُرْوى أقْدَرا ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ في كافَّةِ أحْوالِكم فَإنَّ الإنْسانَ قَلَّما يَخْلُو مِمّا يُعَدُّ تَفْرِيطًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وعَدَّ مِن ذَلِكَ الصُّوفِيَّةُ رُؤْيَةَ العابِدِ عِبادَتَهُ قِيلَ ولِهَذا الإشارَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْفارِ بَعْدَ الأوامِرِ السّابِقَةِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والإقْراضِ صفحة 115 الحَسَنِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَغْفِرُ سُبْحانَهُ ذَنْبَ مَنِ اسْتَغْفَرَهُ ويَرْحَمُهُ عَزَّ وجَلَّ وفي حَذْفِ المَعْمُولِ دَلالَةٌ عَلى العُمُومِ وتَفْصِيلُ الكَلامِ فِيهِ مَعْلُومٌ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى عَظِيمَ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ لَنا ولِوالِدِينا ولِكافَّةِ مُؤْمِنِي بَرِّيَّتِهِ بِحُرْمَةِ سَيِّدِ خَلِيقَتِهِ وسَنَدِ أهْلِ صَفْوَتِهِ ﷺ وصَحِبِهِ وشِيعَتِهِ.

المدثر 74:1

سُورَةُ ( المُدَّثِّرِ ) مَكِّيَّةٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِإجْماعٍ وفي التَّحْرِيرِ قالَ مُقاتِلٌ ( إلّا ) آيَةً وهي ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً﴾ [اَلْمُدَّثِّرِ: 31] إلَخِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُشْعِرُ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [اَلْمُدَّثِّرِ: 30] مَدَنِيٌّ بِما فِيهِ وآيُها سِتٌّ وخَمْسُونَ في العِراقِيِّ والمَدَنِيِّ الأوَّلِ وخَمْسٌ وخَمْسُونَ في الشّامِيِّ والمَدَنِيِّ الأخِيرِ عَلى ما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ، وهي مُتَواخِيَةٌ مَعَ السُّورَةِ قَبْلَها في الِافْتِتاحِ بِنِداءِ النَّبِيِّ ﷺ وصَدْرُ كِلَيْهِما نازِلٌ عَلى المَشْهُورِ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ وبُدِئَتْ تِلْكَ بِالأمْرِ بِقِيامِ اللَّيْلِ وهو عِبادَةٌ خاصَّةٌ وهَذِهِ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ وفِيهِ مِن تَكْمِيلِ الغَيْرِ ما فِيهِ. ورَوى أُمِّيَّةُ الأزْدِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ وهو مِن عُلَماءِ التّابِعِينَ بِالقُرْآنِ أنَّ المُدَّثِّرَ نَزَلَتْ عَقِبَ المُزَّمِّلِ وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَعَلُوا ذَلِكَ مِن أسْبابِ وضْعِها بَعْدَها والظّاهِرُ ضَعْفُ هَذا القَوْلِ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ «عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ، قُلْتُ: يَقُولُونَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [اَلْعَلَقِ: 1] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ وقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتَ فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُكَ ( إلّا ) ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءَ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا ونَظَرْتُ عَنْ شَمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَجَئِثْتُ مِنهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي فَنَزَلَتْ يا ﴿أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾» [اَلْمُدَّثِّرِ: 1- 3] وفِي رِوايَةٍ «فَجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ - إلى قَوْلِهِ- ﴿فاهْجُرْ﴾» فَإنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ ولَوْ كانَتْ يا ﴿أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ هي النّازِلَةُ قَبْلُ فِيها لَذَكَرْتُ نَعَمْ ظاهِرُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي أنَّ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ نَزَلَ قَبْلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ والمَرْوِيُّ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عائِشَةَ أنَّ ذاكَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِن قُرْآنٍ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ الأُمَّةِ حَتّى قالَ بَعْضُهم هو الصَّحِيحُ، ولِصِحَّةِ الخَبَرَيْنِ احْتاجُوا لِلْجَوابِ فَنَقَلَ في الإتْقانِ خَمْسَةَ أجْوِبَةٍ: الأوَّلُ: أنَّ السُّؤالَ في حَدِيثِ جابِرٍ كانَ عَنْ نُزُولِ سُورَةٍ كامِلَةٍ فَبَيَّنَ أنَّ سُورَةَ المُدَّثِّرِ نَزَلَتْ بِكَمالِها قَبْلَ تَمامِ سُورَةِ ( اقْرَأْ ) فَإنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنها صَدْرُها. الثّانِي: أنَّ مُرادَ جابِرٍ بِالأوَّلِيَّةِ أوَّلِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِما بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ لا أوَّلِيَّةً مُطْلَقَةً. الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ أوَّلِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ، وعَبَّرَ بَعْضُهم عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ أوَّلُ ما نَزَلَ لِلنُّبُوَّةِ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وأوَّلُ ما نَزَلَ لِلرِّسالَةِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ . الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ أوَّلُ ما نَزَلَ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ وهو ما وقَعَ مِنَ التَّدَثُّرِ النّاشِئِ عَنِ الرُّعْبِ وأمّا اقْرَأْ فَنَزَلَتِ ابْتِداءً بِغَيْرِ سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ. الخامِسُ: أنَّ جابِرَ اسْتَخْرَجَ ذَلِكَ بِاجْتِهادِهِ ولَيْسَ هو مِن رِوايَتِهِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ ما رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ثُمَّ قالَ: وأحْسَنُ هَذِهِ الأجْوِبَةِ الأوَّلُ والأخِيرُ انْتَهى وفِيهِ نَظَرٌ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ أصْلُهُ المُتَدَثِّرُ فَأُدْغِمَ وهو عَلى الأصْلِ في حَرْفِ أُبِيٍّ مَن تَدَثَّرَ لَبِسَ الدِّثارَ بِكَسْرِ الدّالِ وهو ما فَوْقَ القَمِيصِ الَّذِي يَلِي البَدَنَ ويُسَمّى شِعارًا لِاتِّصالِهِ بِالبَشَرَةِ والشَّعْرِ. ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اَلْأنْصارُ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ» والتَّرْكِيبُ عَلى ما قِيلَ دائِرٌ مَعَ مَعْنى السَّتْرِ عَلى سَبِيلِ الشُّمُولِ كَأنَ الدِّثارَ سِتْرٌ بالِغٌ مَكْشُوفٌ نُودِيَ صَلّى اللَّهُ صفحة 116 عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِن صِفَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها تَأْنِيسًا لَهُ ومُلاطَفَةً كَما سَمِعْتَ في ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ وتَدَثُّرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما سَمِعْتَ آنِفًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعامًا فَلَمّا أكَلُوا قالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟ فاخْتَلَفُوا ثُمَّ اجْتَمَعَ رَأْيُهم عَلى أنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَزِنَ وقَنِعَ رَأْسَهُ وتَدَثَّرَ أيْ كَما يَفْعَلُ المَغْمُومُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى- ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ . وقِيلَ المُرادُ بِالمُدَّثِّرِ المُتَدَثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ والكِمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ عَلى مَعْنى المُتَحَلِّي بِها والمُتَزَيِّنِ بِآثارِها، وقِيلَ أُطْلِقَ ﴿المُدَّثِّرُ﴾ وأُرِيدَ بِهِ الغائِبُ عَنِ النَّظَرِ عَلى الِاسْتِعارَةِ والتَّشْبِيهِ فَهو نِداءٌ لَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ في غارِ حِراءَ. وقِيلَ: الظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِالمُدَّثِّرِ وكَذا بِالمُزَّمِّلِ الكِنايَةُ عَنِ المُسْتَرِيحِ الفارِغِ لِأنَّهُ في أوَّلِ البِعْثَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ مَضى زَمَنُ الرّاحَةِ وجاءَتْكَ المَتاعِبُ مِنَ التَّكالِيفِ وهِدايَةُ النّاسِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُنافِي إرادَةَ الحَقِيقَةِ وأمْرَ التَّلْطِيفِ عَلى حالِهِ. وقالَ بَعْضُ السّادَةِ أيْ يا أيُّها السّاتِرُ لِلْحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِدِثارِ الصُّورَةِ الآدَمِيَّةِ أوْ يا أيُّها الغائِبُ عَنْ أنْظارِ الخَلِيقَةِ فَلا يَعْرِفُكَ سِوى اللَّهِ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِباراتِ، والكُلُّ إشارَةٌ إلى ما قالُوا في الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِن أنَّها حَقِيقَةُ الحَقائِقِ الَّتِي لا يَقِفُ عَلى كُنْهِها أحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ وعَلى لِسانِها قالَ مَن قالَ: وإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي فِيهِ مَعْنًى شاهِدٌ بِأُبُوَّتِي وأنَّها التَّعَيُّنُ الأوَّلُ وخازِنُ السِّرِّ المُقْفَلِ وأنَّها وأنَّها إلى أُمُورٍ هَيْهاتَ أنْ يَكُونَ لِلْعَقْلِ إلَيْها مُنْتَهى. أعْيا الوَرى فَهم مَعْناهُ فَلَيْسَ يَرى ∗∗∗ في القُرْبِ والبُعْدِ مِنهُ غَيْرُ مُنْفَحِمِ كالشَّمْسِ تَظْهَرُ لِلْعَيْنَيْنِ مِن بُعْدٍ ∗∗∗ صَغِيرَةً وتَكِلُ الطَّرْفَ مِن أمَمِ وكَيْفَ يُدْرِكُ في الدُّنْيا حَقِيقَتَهُ ∗∗∗ قَوْمٌ نِيامٌ تَسَلُوا عَنْهُ بِالحُلْمِ فَمَبْلَغُ العِلْمِ فِيهِ أنَّهُ بَشَرٌ ∗∗∗ وأنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمِ وقَرَأ عِكْرِمَةُ المُدَثِّرُ بِتَخْفِيفِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الثّاءِ المَكْسُورَةِ عَلى زِنَةِ الفاعِلِ وعَنْهُ أيْضًا المُدَثِّرُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ عَلى زِنَةِ المَفْعُولِ مِن دَثَّرَهُ وقالَ دَثَّرْتَ هَذا الأمْرَ وعَصَبَ بِكَ أيْ شَدَّ والمَعْنى أنَّهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ فالعَظائِمُ بِهِ مَنُوطَةٌ وأُمُورُ حَلِّها وعَقْدِها بِهِ مَرْبُوطَةٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ يا مَن تُوقَفُ أُمُورُ النّاسِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ وسِيلَتُهم عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

المدثر 74:2

﴿قُمْ﴾ مِن مَضْجَعِكَ أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وجَعَلَهُ أبُو حَيّانٍ عَلى هَذا المَعْنى مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ كَقَوْلِهِمْ: قامَ زَيْدٌ يَفْعَلُ كَذا وقَوْلُهُ: عَلامَ قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ وقامَ بِهَذا المَعْنى مِن أخَواتٍ كادَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى بَعْدَهُ هُنا لِأنَّهُ اسْتِعْمالٌ غَيْرُ مَأْلُوفٍ ووُرُودُ الأمْرِ مِنهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مَعَ احْتِياجِهِ إلى تَقْدِيرِ الخَبَرِ فِيهِ وكُلُّهُ تَعَسُّفٌ ﴿فَأنْذِرْ﴾ أيْ فافْعَلِ الإنْذارَ أوْ أحْدِثْهُ فَلا يُقْصَدُ مُنْذِرٌ مَخْصُوصٌ، وقِيلَ يُقَدَّرُ المَفْعُولُ خاصًّا أيْ فَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ لِمُناسَبَتِهِ لِابْتِداءِ الدَّعْوَةِ في الواقِعِ، وقِيلَ يُقَدَّرُ عامًّا أيْ فَأنْذِرْ جَمِيعَ النّاسِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [سَبَأٍ: 28] ولَمْ يَقُلْ هُنا وبَشِّرْ لِأنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ والإنْذارُ هو الغالِبُ إذْ ذاكَ أوْ هو اكْتِفاءٌ لِأنَّ الإنْذارَ يَلْزَمُهُ التَّبْشِيرُ وفي هَذا الأمْرِ بَعْدَ ذَلِكَ النِّداءِ إشارَةٌ عِنْدَ بَعْضِ السّادَةِ إلى مَقامِ الجِلْوَةِ بَعْدَ الخَلْوَةِ. قالُوا: وإلَيْهِما الإشارَةُ أيْضًا في حَدِيثِ: «كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ» إلَخِ.

المدثر 74:3

﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ واخْصُصْ رَبَّكَ بِالتَّكْبِيرِ وهو وصْفُهُ تَعالى بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ اعْتِقادًا وقَوْلًا. ويُرْوى أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اَللَّهُ أكْبَرُ» فَكَبَّرَتْ خَدِيجَةُ وفَرِحَتْ وأيْقَنَتْ أنَّهُ الوَحْيُ» وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لا يَأْمُرُ بِذَلِكَ والأمْرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ غَنِيٌّ عَنِ الِاسْتِدْلالِ وجَوَّزَ أنْ يُحْمَلَ عَلى تَكْبِيرِ الصَّلاةِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ إذا دَخَلْنا في صفحة 117 الصَّلاةِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ فَأمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَفْتَحَ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ» . وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ كانَ حَيْثُ لا صَلاةَ أصْلًا فَهَذا الخَبَرُ إنْ صَحَّ مُؤَوَّلٌ والفاءُ هُنا وفِيما بَعْدُ لِإفادَةِ مَعْنى الشَّرْطِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ أيْ أيُّ شَيْءِ حَدَثَ فَلا تَدَعْ تَكْبِيرَهُ عَزَّ وجَلَّ، فالفاءُ جَزائِيَّةٌ وهي لِكَوْنِها عَلى ما قِيلَ مُزَحْلَقَةٌ لا يَضُرُّ عَمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها وقِيلَ إنَّها دَخَلَتْ في كَلامِهِمْ عَلى تَوَهُّمِ شَرْطٍ فَلَمّا لَمْ تَكُنْ في جَوابِ شَرْطٍ مُحَقَّقٍ كانَتْ في الحَقِيقَةِ زائِدَةً فَلَمْ يَمْتَنِعْ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ ما بَعْدَها عَلَيْها لِذَلِكَ ثُمَّ إنَّ في ذِكْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ الأمْرِ السّابِقِ مُقَدَّمَةً عَلى سائِرِ الجُمَلِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ التَّكَبُّرِ وإيماءٌ عَلى ما قِيلَ إلى أنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ مِنَ الأمْرِ بِالقِيامِ أنْ يُكَبِّرَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ ويُنَزِّهَهُ مِنَ الشِّرْكِ، فَإنَّ أوَّلَ ما يَجِبُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ تَنْزِيهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ والكَلامُ عَلَيْهِ مِن بابِ: إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ وقَدْ يُقالُ: لَعَلَّ ذِكْرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَذَلِكَ مُسارَعَةٌ لِتَشْجِيعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الإنْذارِ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ تَضَمَّنَتِ الإشارَةَ إلى أنَّ نَواصِي الخَلائِقِ بِيَدِهِ تَعالى وكُلَّ ما سِواهُ مَقْهُورٌ تَحْتَ كِبْرِيائِهِ تَعالى وعَظَّمَتِهِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُرْهَبَ ( إلّا ) مِنهُ ولا يُرْغَبَ ( إلّا ) فِيهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ قُمْ فَأنْذِرْ واخْصُصْ رَبَّكَ بِالتَّكْبِيرِ فَلا يَصُدَّنَكَ شَيْءٌ عَنِ الإنْذارِ فَتَدَبَّرْ.

المدثر 74:4

﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ تَطْهِيرُ الثِّيابِ كِنايَةٌ عَنْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ عَمّا تُذَمُّ بِهِ مِنَ الأفْعالِ وتَهْذِيبُها عَمّا يُسْتَهْجَنُ مِنَ الأحْوالِ لِأنَّ مَن لا يَرْضى بِنَجاسَةٍ ما يَماسُّهُ كَيْفَ يَرْضى بِنَجاسَةِ نَفْسِهِ يُقالُ: فُلانٌ طاهِرُ الثِّيابِ نَقِيُّ الذَّيْلِ والأرْدانِ إذا وُصِفَ بِالنَّقاءِ مِنَ المَعايِبِ ومَدانِسِ الأخْلاقِ، ويُقالُ: فُلانٌ دَنِسُ الثِّيابِ وكَذا دَسِمُ الثِّيابِ لِلْغادِرِ ولِمَن قَبُحَ فِعْلُهُ ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ويَحْيى ما يُلامُ بِسُوءِ خُلُقٍ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرٌّ ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ: = لا هم إنَّ عامِرَ بْنَ جَهْمٍ ∗∗∗ أوْ ذَمَّ حَجًّا في ثِيابِ دَسِمِ وكَلِماتُ جُمْهُورِ السَّلَفِ دائِرَةٌ عَلى نَحْوِ هَذا المَعْنى في الآيَةِ الكَرِيمَةِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ فِيها يَقُولُ طَهِّرْها مِنَ المَعاصِي وهي كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ كانَتِ العَرَبُ إذا نَكَثَ الرَّجُلُ ولَمْ يَفِ بِعَهْدٍ قالُوا إنَّ فُلانًا لِدَنَسُ الثِّيابِ وإذا وفى وأصْلَحَ قالُوا: إنَّ فُلانًا لِطاهِرُ الثِّيابِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ قالَ فِيها عَنى نَفْسَهُ، وأخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: أيْ وعَمَلَكَ فَأصْلِحْ ونَحْوَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ والسُّدِّيِّ. وأخْرَجَ هو أيْضًا وجَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أيْ مِنَ الإثْمِ. وفي رِوايَةٍ مِنَ الغَدْرِ أيْ لا تَكُنْ غَدّارًا وفي رِوايَةِ جَماعَةٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فَقالَ لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ ولا فَجَرَةَ ثُمَّ قالَ ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غِيلانَ بْنِ سَلَمَةَ: فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ونَحْوَهُ عَنِ الضِّحاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ وعَنِ الحَسَنِ والقُرْطُبِيِّ أيْ وخُلُقَكَ فَحَسِّنْ، وأنْشَدُوا لِلْكِنايَةِ عَنِ النَّفْسِ بِالثِّيابِ قَوْلَ عَنْتَرَةَ: فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ وفِي رِوايَةٍ عَنِ الحَبْرِ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كَنّى بِالثِّيابِ عَنِ القَلْبِ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَإنْ تَكُ قَدْ ساءَتْكَ مِنِّي خَلِيقَةٌ ∗∗∗ فَسَلِي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ وقِيلَ كَنّى بِها عَنِ الجِسْمِ كَما في قَوْلِ لَيْلى وقَدْ ذَكَرَتْ إبِلًا رَكِبَها قَوْمٌ وذَهَبُوا بِها: رَمَوْها بِأثْوابٍ خِفافٍ فَلا نَرى ∗∗∗ لَها شَبَهًا ( إلّا ) النَّعامَ المُنَفَّرا وطَهارَةُ الجِسْمِ قَدْ يُرادُ بِها أيْضًا نَحْوُ ما تَقَدَّمَ. ومُناسِبَةُ هَذِهِ المَعانِي لِمَقامِ الدَّعْوَةِ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ وقِيلَ عَلى كَوْنِ تَطْهِيرِ الثِّيابِ كِنايَةً عَمّا مَرَّ يَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا بِاسْتِكْمالِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ صفحة 118 بَعْدَ الأمْرِ بِاسْتِكْمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والدُّعاءِ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ لَهُ ﷺ بِالتَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ الحَسَنَةِ المُوجِبَةِ لِقَبُولِ الإنْذارِ بَعْدَ أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَخْصِيصِهِ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي رُبَّما يُوهِمُ إباءَهُ خَفْضَ الجَناحِ لِما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ واقْتِضاءَهُ عَدَمَ المُبالاةِ والِاكْتِراثِ بِمَن كانَ فَضْلًا عَنْ أعْداءِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا فَكانَ ذِكْرُهُ لِدَفْعِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ، وقِيلَ عَلى تَفْسِيرِ المُدَّثِّرِ بِالتَّدَثُّرِ بِالنُّبُوَّةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ المَعْنى طُهْرُ دِثاراتِ النُّبُوَّةِ وآثارِها وأنْوارِها السّاطِعَةِ مِن مِشْكاةِ ذاتِكِ عَمّا يُدَنِّسُها مِنَ الحِقْدِ والضَّجَرِ وقِلَّةِ الصَّبْرِ، وقِيلَ الثِّيابُ كِنايَةٌ عَنِ النِّساءِ كَما قالَ تَعالى ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 187] وتَطْهِيرُهُنَّ مِنَ الخَطايا والمَعايِبِ بِالوَعْظِ والتَّأْدِيبِ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [اَلتَّحْرِيمِ: 6] . وقِيلَ تَطْهِيرُهُنَّ اخْتِيارُ المُؤْمِناتِ العَفائِفِ مِنهُنَّ وقِيلَ وطْؤُهُنَّ في القُبُلِ لا في الدُّبُرِ وفي الطُّهْرِ لا في الحَيْضِ حَكاهُ ابْنُ بَحَرٍ وأصْلُ القَوْلِ فِيما أرى بَعِيدٌ عَنِ السِّياقِ ثُمَّ رَأيْتُ الفَخْرَ صَرَّحَ بِذَلِكَ وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ الثِّيابَ عَلى حَقِيقَتِها فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: أيِ اغْسِلْها بِالماءِ إنْ كانَتْ مُتَنَجِّسَةً ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومِن هُنا ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَّجاسَةِ مِن ثِيابِ المُصَلِّي وأُمِرَ ﷺ بِذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مُخالَفَةً لِلْمُشْرِكِينَ لِأنَّهم ما كانُوا يَصُونُونَ ثِيابَهم عَنِ النَّجاساتِ. وقِيلَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ ﷺ سَلا شاةٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ فَرَجَعَ إلى بَيْتِهِ حَزِينًا فَتَدَثَّرَ فَقِيلَ لَهُ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ولا تَمْنَعَنَّكَ تِلْكَ السَّفاهَةُ عَنِ الإنْذارِ ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عَنْ أنْ لا يَنْتَقِمُ مِنهم ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَنْ تِلْكَ النَّجاساتِ والقاذُوراتِ وإرادَةُ التَّطْهِيرِ مِنَ النَّجاسَةِ لِلصَّلاةِ بِدُونِ مُلاحَظَةِ قِصَّةٍ قِيلَ خِلافُ الظّاهِرِ ولا تُناسِبُ الجُمْلَةَ عَلَيْها ما قَبْلَها ( إلّا ) عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالتَّكْبِيرِ التَّكْبِيرُ لِلصَّلاةِ وبَعْضُ مَن فَسَّرَ الثِّيابَ بِالجِسْمِ جَوَّزَ إبْقاءَ التَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقالَ أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّنْظِيفِ وقْتَ الِاسْتِنْجاءِ لِأنَّ العَرَبَ ما كانُوا يُنَظِّفُونَ أجْسامَهم أيْضًا عَنِ النَّجاسَةِ وكانَ كَثِيرٌ مِنهم يَبُولُ عَلى عَقِبِهِ وقالَ بَعْضٌ الأمْرُ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ فَإنَّ تَطْهِيرَ ما لَيْسَ بِطاهِرٍ مِنَ الثِّيابِ واجِبٌ في الصَّلاةِ ومَحْبُوبٌ في غَيْرِها، وقِيلَ تَطْهِيرُها تَقْصِيرُها وهو أيْضًا أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِرَفْضِ عاداتِ العَرَبِ المَذْمُومَةِ فَقَدْ كانَتْ عادَتُهم تَطْوِيلَ الثِّيابِ وجَرَّهُمُ الذُّيُولَ عَلى سَبِيلِ الفَخْرِ والتَّكَبُّرِ قالَ الشّاعِرُ: ثُمَّ راحُوا عَبَقُ المِسْكِ بِهِمْ ∗∗∗ يُلَحِّفُونَ الأرْضَ هِدابَ الأُزُرِ وفِي الحَدِيثِ: «أزِرَّةُ المُؤْمِنِ إلى أنْصافِ ساقَيْهِ ولا جُناحَ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَعْبَيْنِ وما كانَ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ فَفي النّارِ» . واسْتِعْمالُ التَّطْهِيرِ في التَّقْصِيرِ مَجازٌ لِلُزُومِهِ لَهُ فَكَثِيرًا ما يُفْضِي تَطْوِيلُها إلى جَرِّ ذُيُولِها عَلى القاذُوراتِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ التَّقْصِيرَ بَعْدَ إرادَتِهِ مِنَ التَّطْهِيرِ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ التَّكَبُّرِ والخُيَلاءِ ويَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا لَهُ ﷺ بِالتَّواضُعِ والمُداوَمَةِ عَلى تَرْكِ جَرِّ ذُيُولِ التَّكَبُّرِ والخُيَلاءِ بَعْدَ أمْرِهِ بِتَخْصِيصِ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ بِهِ تَعالى قَوْلًا واعْتِقادًا فَكَأنَّهُ قِيلَ ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ وأنْتَ لا تَتَكَبَّرُ لِيَتَسَنّى لَكَ أمْرُ الإنْذارِ وبَعْضُ مَن يَرى جَوازَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ حَمَلَ التَّطْهِيرَ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ أعْنِي التَّقْصِيرَ، والتَّوَصُّلُ إلى إرادَةِ مِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ مَن لا يَرى جَوازَ الجَمْعِ سَهْلٌ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّطْهِيرِ إزالَةُ ما يُسْتَقْذَرُ مُطْلَقًا سَواءٌ النَّجِسُ أوْ غَيْرُهُ مِنَ المُسْتَقْذَرِ الطّاهِرِ ومِنهُ الأوْساخُ فَيَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا ﷺ بِتَنْظِيفِ ثِيابِهِ وإزالَةِ ما يَكُونُ فِيها مِن وسَخٍ وغَيْرِهِ مِن كُلِّ ما يُسْتَقْذَرُ فَإنَّهُ مُنَفِّرٌ لا يَلِيقُ بِمَقامِ البِعْثَةِ، ويَسْتَلْزِمُ هَذا بِالأوْلى تَنْظِيفَ البَدَنِ مِن ذَلِكَ ولِذا ﷺ أنَظَفُ النّاسِ ثَوْبًا وبَدَنًا ورُبَّما يُقالُ بِاسْتِلْزامِ ذَلِكَ بِالأوْلى أيْضًا الأمْرَ بِالتَّنَزُّهِ عَنِ المُنَفِّرِ القَوْلِيِّ والفِعْلِيِّ كالفُحْشِ والفَظاظَةِ والغِلْظَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ.

المدثر 74:5

﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ القَتِبِيُّ ( الرُّجْزَ ) صفحة 119 العَذابَ وأصْلُهُ الِاضْطِرابُ وقَدْ أُقِيمَ مَقامَ سَبَبِهِ المُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ المَآثِمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ اهْجُرِ المَآثِمَ والمَعاصِيَ المُؤَدِّيانِ إلى العَذابِ أوِ الكَلامِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ أسْبابِ الرُّجْزِ أوِ التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ عَلى ما قِيلَ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ( الرُّجْزَ ) السُّخْطَ وفَسَّرَ الحَسَنُ ( الرُّجْزَ ) بِالمَعْصِيَةِ والنَّخْعِ بِالإثْمِ وهو بَيانٌ لِلْمُرادِ. ولَمّا كانَ المُطالِبُ بِهَذا الأمْرِ هو النَّبِيُّ ﷺ وهو البَرِيءُ عَنْ ذَلِكَ كانَ مِن بابِ: إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي. أوِ المُرادُ الدَّوْرُ والثِّيابُ عَلى هَجْرِ ذَلِكَ وقِيلَ الرُّجْزُ اسْمٌ لِصَنَمَيْنِ إسافٍ ونائِلَةَ وقِيلَ لِلْأصْنامِ عُمُومًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والكَلامُ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا. وقِيلَ ( الرُّجْزَ ) اسْمٌ لِلْقَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ والرُّجْزَ فاهْجُرْ كَلامٌ جامِعٌ في مَكارِمِ الأخْلاقِ كَأنَّهُ قِيلَ اهْجُرِ الجَفاءَ والسَّفَهَ وكُلَّ شَيْءٍ يُقَبَّحُ ولا تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا أمْرًا بِالثِّيابِ عَلى تَطْهِيرِ الباطِنِ بَعْدَ الأمْرِ بِالثِّيابِ عَلى تَطْهِيرِ الظّاهِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ . وقَرَأ الأكْثَرُونَ «( الرِّجْز)» بِكَسْرِ الرّاءِ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ ومَعْنى المَكْسُورِ والمَضْمُومِ واحِدٌ عِنْدَ جَمْعٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَضْمُومَ بِمَعْنى الصَّنَمِ والمَكْسُورَ بِمَعْنى العَذابِ. وقِيلَ المَكْسُورُ النَّقائِصُ والفُجُورُ ذُو المَضْمُومِ إسافٌ ونائِلُ وفي كِتابِ الخَلِيلِ «( الرُّجْز)» بِضَمِّ الرّاءِ عِبادَةُ الأوْثانِ وبِكَسْرِها العَذابُ. ومِن كَلامِ السّادَةِ أيِ الدُّنْيا فاتْرُكْ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالرُّجْزِ الصَّنَمُ والدُّنْيا مِن أعْظَمِ الأصْنامِ الَّتِي حُبُّها بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ مَوْلاهُ وعَبَدَتُها أكْثَرُ مِن عَبَدَتِها فَإنَّها تُعْبَدُ في البِيَعِ والكَنائِسِ والصَّوامِعِ والمَساجِدِ وغَيْرِ ذَلِكَ أوْ أُرِيدَ بِالرُّجْزِ القَبِيحُ المُسْتَقْذَرُ والدُّنْيا عِنْدَ العارِفِ في غايَةِ القُبْحِ والقَذارَةِ فَعَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: الدُّنْيا أحْقَرُ مِن ذِراعِ خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ بالَ عَلَيْها كَلْبٌ في يَدِ مَجْذُومٍ وقالَ الشّافِعِيُّ: وما هي ( إلّا ) جِيفَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَيْها كِلابٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذابُها فَإنْ تَجْتَنِبْها كُنْتَ سِلْمًا لِأهْلِها ∗∗∗ وإنْ تَجْتَذِبْها نازَعَتْكَ كِلابُها ويُقالُ كُلُّ ما ألْهى عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو رِجْزٌ يَجِبُ عَلى طالِبِ اللَّهِ تَعالى هَجْرُهُ إذْ بِهَذا الهَجْرِ يَنالُ الوِصالَ وبِذَلِكَ القَطْعِ يَحْصُلُ الِاتِّصالُ ومِن أعْظَمِ لاهٍ عَنِ اللَّهِ تَعالى النَّفْسُ، ومِن هُنا قِيلَ أيْ نَفْسَكَ فَخالِفْها والكَلامُ في كُلِّ ذَلِكَ مِن بابِ: إيّاكَ أعْنِي. أوِ القَصْدُ فِيهِ إلى الدَّوامِ والثِّيابُ كَما تَقَدَّمَ.

المدثر 74:6

﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أيْ ولا تُعْطِ مُسْتَكْثِرًا أيْ طالِبًا لِلْكَثِيرِ مِمَّنْ تُعْطِيهِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَهو نَهْيٌ عَنِ الِاسْتِغْزارِ وهو أنْ يَهَبَ شَيْئًا وهو يَطْمَعُ أنْ يَتَعَوَّضَ مِنَ المَوْهُوبِ لَهُ أكْثَرَ مِنَ المَوْهُوبِ وهَذا جائِزٌ. ومِنهُ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا عَلى شُرَيْحٍ المُسْتَغْزِرُ يُثابُ مِن هِبَتِهِ وإلّا صَحَّ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ وأنَّهُ مِن خَواصِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ اللَّهُ تَعالى اخْتارَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْمَلَ الصِّفاتِ وأشْرَفَ الأخْلاقِ فامْتَنَعَ عَلَيْهِ أنْ يَهَبَ لِعِوَضٍ أكْثَرَ وقِيلَ هو نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِلْكُلِّ أوْ ولا تُعْطِ مُسْتَكْثِرًا أيْ رائِيًا لِما تُعْطِيهِ كَثِيرًا فالسِّينُ لِلْوِجْدانِ لا لِلطَّلَبِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ الظّاهِرِ والنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهُ نَوْعُ إعْجابٍ وفِيهِ بُخْلٌ خَفِيٌّ. وعَنِ الحَسَنِ والرَّبِيعِ: لا ﴿تَمْنُنْ﴾ بِحَسَناتِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُسْتَكْثِرًا لَها أيْ رائِيًا إيّاها كَثِيرَةً فَتَنْقُصُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَدَّ مِنِ اسْتِكْثارِ الحَسَناتِ بَعْضُ السّادَةِ رُؤْيَةَ أنَّها حَسَناتٌ وعَدَمَ خَشْيَةِ الرَّدِّ والغَفْلَةِ عَنْ كَوْنِها مِنهُ تَعالى حَقِيقَةً. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ لا تَمْنُنْ بِما أعْطاكَ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ والقُرْآنِ مُسْتَكْثِرًا بِهِ أيْ طالِبًا كَثِيرَ الأجْرِ مِنَ النّاسِ وعَنْ مُجاهِدٍ لا تَضْعُفْ عَنْ عَمَلِكَ مُسْتَكْثِرًا لِطاعَتِكَ فَتَمْنُنْ مِن قَوْلِهِمْ حَبْلٌ مَنِينٌ أيْ ضَعِيفٌ، ويَتَضَمَّنُ هَذا المَعْنى ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أيْ لا تَقُلْ قَدْ دَعَوْتُهم فَلَمْ يُقْبَلْ مِنِّي عُدْ فادْعُهم. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «تَسْتَكْثِرْ» بِسُكُونِ الرّاءِ وخَرَّجَ عَلى أنَّهُ جَزْمٌ والفِعْلُ بَدَلٌ مِن ﴿تَمْنُنْ﴾ المَجْزُومِ بِلا النّاهِيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ ولا تَمْنُنْ لا تَسْتَكْثِرْ لِأنَّ مِن شَأْنِ المانِّ بِما يُعْطِي أنْ يَسْتَكْثِرَهُ أيْ يَراهُ كَثِيرًا ويَعْتَدُّ بِهِ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وقِيلَ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى دُعاءِ الِاتِّحادِ. وفِي صفحة 120 الكَشْفِ الإبْدالُ مِن ﴿تَمْنُنْ﴾ عَلى أنَّ المَنَّ هو الِاعْتِدادُ بِما أعْطى لا الإعْطاءُ نَفْسُهُ فِيهِ لَطِيفَةٌ لِأنَّ الِاسْتِكْثارَ مُقَدِّمَةُ المَنِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْتَكْثِرْ فَضْلًا عَنِ المَنِّ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ سُكُونَ وقْفٍ حَقِيقَةً أوْ بِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْراهُ أوْ سُكُونَ تَخْفِيفٍ عَلى أنْ شَبَّهَ ثِرْ و=بِعَضُدٍ فَسَكَّنَ الرّاءَ الواقِعَةَ بَيْنَ الثّاءِ وواوِ ﴿ولِرَبِّكَ﴾ كَما سَكَنَتِ الضّادُ ولَيْسَ بِذاكَ والجُمْلَةُ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ الحالِ وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا والأعْمَشُ «تَسْتَكْثِرَ» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنَّ كَقَوْلِهِمْ مُرْهُ يَحْفِرَها أيْ أنَّ يَحْفِرَها وقَوْلُهُ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِيَ احْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي فِي رِوايَةٍ نَصَبَ أحْضَرَ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «أنْ تَسْتَكْثِرَ» بِإظْهارِ أنْ فالمَنُّ بِمَعْنى الإعْطاءِ والكَلامُ عَلى إرادَةِ التَّعْلِيلِ أيْ ولا تُعْطِ لِأجْلِ أنْ تَسْتَكْثِرَ أيْ تَطْلُبَ الكَثِيرَ مِمَّنْ تُعْطِيهِ وأيَّدَ بِهِ إرادَةَ المَعْنى الأوَّلِ في قِراءَةِ الرَّفْعِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تِلْكَ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ لِحَذْفِ أنْ وإبْطالِ عَمَلِها كَما رُوِيَ أحْضَرُ الوَغى بِالرَّفْعِ فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ لَيْسَتْ حالِيَّةً، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلى ذَلِكَ إذْ لا يَجُوزُ ما ذَكَرَ ( إلّا ) في الشِّعْرِ ولَنا مَندُوحَةٌ عَنْهُ مَعَ صِحَّةِ مَعْنى الحالِ، ورَدَّ بِأنَّ المُخالِفَ لِلْقِياسِ بَقاءُ عَمَلِها بَعْدَ حَذْفِها، وأمّا الحَذْفُ والرَّفْعُ فَلا مَحْذُورَ فِيهِ وقَدْ أجازَهُ النُّحاةُ ومِنهُ: تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ.

المدثر 74:7

﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ قِيلَ عَلى أذى المُشْرِكِينَ وقِيلَ عَلى أداءِ الفَرائِضِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ وفِيهِ بُعْدٌ إذْ لَمْ يَكُنْ جِهادٌ يَوْمَ نُزُولِها. وعَنِ النَّخْعِيِّ عَلى عَطِيَّتِكَ كَأنَّهُ وصَلَهُ بِما قَبْلَهُ وجَعَلَهُ صَبْرًا عَلى العَطاءِ مِن غَيْرِ اسْتِكْثارٍ والوَجْهُ كَما قالَ جارُ اللَّهِ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِنَفْسِ الفِعْلِ والمَعْنى لِقَصْدِ جِهَتِهِ تَعالى وجانِبِهِ عَزَّ وجَلَّ فاسْتَعْمَلَ الصَّبْرَ فَيَتَناوَلُ لِعَدَمِ تَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ المُفِيدِ لِلْعُمُومِ كُلَّ مَصْبُورٍ عَلَيْهِ ومَصْبُورٍ عَنْهُ ويُرادُ الصَّبْرُ عَلى أذى المُشْرِكِينَ لِأنَّهُ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العامِّ لا لِأنَّهُ وحْدَهُ هو المُرادُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الصَّبْرُ في القُرْآنِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ صَبْرٌ عَلى أداءِ الفَرائِضِ ولَهُ ثَلاثُمِائَةِ دَرَجَةٍ، وصَبْرٌ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى ولَهُ سِتُّمِائَةِ دَرَجَةٍ، وصَبْرٌ عَلى المَصائِبِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى ولَهُ تِسْعُمِائَةِ دَرَجَةٍ وذَلِكَ لِشَدَّتِهِ عَلى النَّفْسِ وعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنهُ ( إلّا ) بِمَزِيدِ اليَقِينِ ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: «أسْألُكَ مِنَ اليَقِينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ عَلِيَّ مَصائِبَ الدُّنْيا» وذَكَرُوا أنَّ لِلصَّبْرِ بِاعْتِبارِ حُكْمِهِ أرْبَعَةَ أقْسامٍ فَرْضٌ كالصَّبْرِ عَنِ المَحْظُوراتِ وعَلى أداءِ الواجِباتِ ونَفْلٌ كالصَّبْرِ عَنِ المَكْرُوهاتِ والصَّبْرِ عَلى المَسْنُوناتِ ومَكْرُوهٌ كالصَّبْرِ عَنْ أداءِ المَسْنُوناتِ والصَّبْرِ عَلى فِعْلِ المَكْرُوهاتِ وحَرامٌ كالصَّبْرِ عَلى مَن يُقْصَدُ حَرِيمُهُ بِمُحَرَّمٍ وتَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُ مَعَ القُدْرَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وتَمامُ الكَلامِ عَلَيْهِ في مَحَلِّهِ وفَضائِلُ الصَّبْرِ الشَّرْعِيِّ المَحْمُودِ مِمّا لا تُحْصى. ويَكْفِي في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [اَلزُّمَرِ: 10] وقَوْلُهُ ﷺ: «قالَ اللَّهُ تَعالى إذا وجَّهْتُ إلى عَبْدٍ مِن عَبِيدِي مُصِيبَةً في بَدَنِهِ أوْ مالِهِ أوْ ولَدِهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ ذَلِكَ بِصَبْرٍ جَمِيلٍ اسْتَحْيَيْتُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ أنْ أنْصِبَ لَهُ مِيزانًا أوْ أنْشُرَ لَهُ دِيوانًا» .

المدثر 74:8

﴿فَإذا نُقِرَ﴾ أيْ نُفِخَ ﴿فِي النّاقُورِ﴾ في الصُّورِ وهو فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ بِمَعْنى التَّصْوِيتِ وأصْلُهُ القَرْعُ الَّذِي هو سَبَبُهُ ومِنهُ مِنقارُ الطّائِرِ لِأنَّهُ يَقْرَعُ بِهِ ولِهَذِهِ السَّبَبِيَّةِ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ وشاعَ ذَلِكَ وأُرِيدَ بِهِ النَّفْخُ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ اصْبِرْ عَلى أذاهم فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أذاهم وتَلْقى عاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِ والعامِلُ في «إذا» ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فالمَعْنى إذا نُقِرَ في النّاقُورِ عَسُرَ الأمْرُ عَلى الكافِرِينَ والفاءُ في هَذا لِلْجَزاءِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى وقْتِ النَّقْرِ المَفْهُومِ مِن ﴿فَإذا نُقِرَ﴾ وما فِيهِ مِنَ المَعْنى البُعْدُ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ لَفَظًا بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ. ( ويَوْمَئِذٍ ) قِيلَ بَدَلٌ مِنهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ والخَبَرُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَيَوْمُ النَّقْرِ يَوْمٌ عَسِيرٌ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا لِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أيْ صِفَةً لَهُ، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ صارَ صفحة 121 حالًا مِنهُ واَلَّذِي أجازَ ذَلِكَ عَلى ما في الكَشّافِ أنَّ المَعْنى فَذَلِكَ وقْتَ النَّقْرِ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَأْتِي ويَقَعُ حِينَ يُنْقَرُ في النّاقُورِ فَهو عَلى مِنوالِ زَمَنِ الرَّبِيعِ العِيدُ فِيهِ أيْ وُقُوعُ العِيدِ فِيهِ ومالَهُ فَذَلِكَ الوُقُوعُ وُقُوعُ يَوْمٍ إلَخْ، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن تَقْدِيمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ أوْ مَعْمُولِ ما في صِلَتِهِ عَلى المَصْدَرِ إنَّ جَعْلَ ظَرْفِ الوُقُوعِ المُقَدَّرِ أوْ ظَرْفِ عَسِيرٍ والتَّصْرِيحَ بِلَفْظِ وُقُوعِ إبْرازٌ لِلْمَعْنى وتَفَصٍّ عَنْ جَعْلِ الزَّمانِ مَظْرُوفَ الزَّمانِ بِرُجُوعِهِ إلى الحَدَثِ فَتَدَبَّرْ وظاهِرُ صَنِيعِ الكَشّافِ اخْتِيارُ هَذا الوَجْهِ وكَذا كَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ إذْ قَرَّرَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وادَّعى فِيما سَبَقَ تَعَسُّفًا نَعَمْ جَوَّزَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مَعْمُولَ ما دَلَّ عَلَيْهِ الجَزاءُ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ عَسُرَ الأمْرُ عَلى الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ وأيًّا ما كانَ فَـ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿عَسِيرٌ﴾ وقِيلَ بِمَحْذُوفٍ وهو صِفَةٌ لِعَسِيرٍ أوْ حالٌ مِنَ المَسَّتِكُنِّ فِيهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِـ ﴿يَسِيرٍ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ قَتادَةَ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى المُضافِ وهو مَمْنُوعٌ عَلى الصَّحِيحِ وقَدْ أجازَهُ بَعْضُهم في غَيْرٍ حَمْلًا لَها عَلى لا فَيَقُولُ أنا بِزَيْدٍ غَيْرُ راضٍ وزَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّ إذا مُتَعَلِّقَةٌ بِإنْذارٍ والفاءُ زائِدَةٌ، وأرادَ أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِأنْذِرْ كَأنَّهُ قِيلَ قُمْ فَأنْذِرْهم وقْتَ النَّقْرِ في النّاقُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَلِكَ﴾ إلَخِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٍ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ وهو كَما تَرى. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَخْرِيجَ الآيَةِ عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ بِأنْ تَكُونَ «إذا» مُبْتَدَأً والخَبَرُ ﴿فَذَلِكَ﴾ والفاءُ زائِدَةٌ وجَعْلَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفًا لِذَلِكَ ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن أنَّهُ كَلامُ أخْفَشَ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ إنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وهو إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ أيْ فَذَلِكَ النَّقْرُ وهو العامِلُ في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والمُضافُ مُقَدَّرٌ أيْ فَذَلِكَ النَّقْرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ نَقْرُ يَوْمٍ وفِيهِ تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مَعَ أنَّ عُسْرَ اليَوْمِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالإفادَةِ عَلَيْهِ، وظاهِرُ السِّياقِ قَصْدُهُ بِالإفادَةِ وجَعَلَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَبِيلِ ما اتَّحَدَ فِيهِ الشَّرْطُ والجَزاءُ نَحْوَ: ««مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهَجَرَتْهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ» إذْ جَعَلَ الإشارَةَ إلى وقْتِ النَّقْرِ وقالَ: إنَّ في ذَلِكَ مَعَ ضَمِّ التَّكْرِيرِ دَلالَةً عَلى التَّنْبِيهِ عَلى الخَطْبِ الجَلِيلِ والأمْرِ العَظِيمِ وفِيهِ نَظَرٌ وفائِدَةٌ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أيْ سَهْلٍ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَسِيرٌ﴾ تَأْكِيدُ عُسْرِهِ عَلى الكافِرِينَ فَهو يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ عَسِيرًا عَلَيْهِمْ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ يُشْعِرُ بِتَيَسُّرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَسِيرٌ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ عَلَيْهِمْ كَما هو يَسِيرٌ عَلى أضَّدادِهِمُ المُؤْمِنِينَ، فَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ وعِيدِ الكافِرِينَ وزِيادَةِ غَيْظِهِمْ وبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ وتَسْلِيَتِهِمْ ولا يَتَوَقَّفُ هَذا عَلى تَعَلُّقٍ عَلى الكافِرِينَ بِيَسِيرٍ، نَعَمُ الأمْرُ عَلَيْهِ أظْهَرُ كَما لا يَخْفى ثُمَّ مَعَ هَذا لا يَخْلُو قَلْبُ المُؤْمِنِ مِنَ الخَوْفِ. أخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ والحاكِمُ عَنْ بِهْزِ بْنِ حَكِيمٍ قالَ: أمَّنا زُرارَةُ بْنُ أوْفى فَقَرَأ المُدَّثِّرَ فَلَّما بَلَغَ ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ خَرَّ مَيِّتًا فَكُنْتُ فِيمَن حَمَلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ الصُّوَرِ قَدِ التَقَمَ القَرْنَ وحَنى جَبْهَتَهُ يَسْتَمِعُ مَتّى يُؤْمَرُ. قالُوا كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: قُولُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ وعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا» واخْتُلِفَ في أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الوَقْتِ يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى أوْ يَوْمُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ورُجِّحَ أنَّهُ يَوْمُ الثّانِيَةِ لِأنَّهُ الَّذِي يَخْتَصُّ عُسْرُهُ بِالكافِرِينَ، وأمّا وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى فَحُكْمُهُ الَّذِي هو الإصْعاقُ يَعُمُّ البَرَّ والفاجِرَ وهو عَلى المَشْهُورِ مُخْتَصٌّ بِمَن كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِ النَّفْخَةِ.

المدثر 74:9

﴿فَإذا نُقِرَ﴾ أيْ نُفِخَ ﴿فِي النّاقُورِ﴾ في الصُّورِ وهو فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ بِمَعْنى التَّصْوِيتِ وأصْلُهُ القَرْعُ الَّذِي هو سَبَبُهُ ومِنهُ مِنقارُ الطّائِرِ لِأنَّهُ يَقْرَعُ بِهِ ولِهَذِهِ السَّبَبِيَّةِ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ وشاعَ ذَلِكَ وأُرِيدَ بِهِ النَّفْخُ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ اصْبِرْ عَلى أذاهم فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أذاهم وتَلْقى عاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِ والعامِلُ في «إذا» ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فالمَعْنى إذا نُقِرَ في النّاقُورِ عَسُرَ الأمْرُ عَلى الكافِرِينَ والفاءُ في هَذا لِلْجَزاءِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى وقْتِ النَّقْرِ المَفْهُومِ مِن ﴿فَإذا نُقِرَ﴾ وما فِيهِ مِنَ المَعْنى البُعْدُ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ لَفَظًا بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ. ( ويَوْمَئِذٍ ) قِيلَ بَدَلٌ مِنهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ والخَبَرُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَيَوْمُ النَّقْرِ يَوْمٌ عَسِيرٌ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا لِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أيْ صِفَةً لَهُ، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ صارَ صفحة 121 حالًا مِنهُ واَلَّذِي أجازَ ذَلِكَ عَلى ما في الكَشّافِ أنَّ المَعْنى فَذَلِكَ وقْتَ النَّقْرِ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَأْتِي ويَقَعُ حِينَ يُنْقَرُ في النّاقُورِ فَهو عَلى مِنوالِ زَمَنِ الرَّبِيعِ العِيدُ فِيهِ أيْ وُقُوعُ العِيدِ فِيهِ ومالَهُ فَذَلِكَ الوُقُوعُ وُقُوعُ يَوْمٍ إلَخْ، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن تَقْدِيمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ أوْ مَعْمُولِ ما في صِلَتِهِ عَلى المَصْدَرِ إنَّ جَعْلَ ظَرْفِ الوُقُوعِ المُقَدَّرِ أوْ ظَرْفِ عَسِيرٍ والتَّصْرِيحَ بِلَفْظِ وُقُوعِ إبْرازٌ لِلْمَعْنى وتَفَصٍّ عَنْ جَعْلِ الزَّمانِ مَظْرُوفَ الزَّمانِ بِرُجُوعِهِ إلى الحَدَثِ فَتَدَبَّرْ وظاهِرُ صَنِيعِ الكَشّافِ اخْتِيارُ هَذا الوَجْهِ وكَذا كَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ إذْ قَرَّرَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وادَّعى فِيما سَبَقَ تَعَسُّفًا نَعَمْ جَوَّزَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مَعْمُولَ ما دَلَّ عَلَيْهِ الجَزاءُ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ عَسُرَ الأمْرُ عَلى الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ وأيًّا ما كانَ فَـ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿عَسِيرٌ﴾ وقِيلَ بِمَحْذُوفٍ وهو صِفَةٌ لِعَسِيرٍ أوْ حالٌ مِنَ المَسَّتِكُنِّ فِيهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِـ ﴿يَسِيرٍ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ قَتادَةَ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى المُضافِ وهو مَمْنُوعٌ عَلى الصَّحِيحِ وقَدْ أجازَهُ بَعْضُهم في غَيْرٍ حَمْلًا لَها عَلى لا فَيَقُولُ أنا بِزَيْدٍ غَيْرُ راضٍ وزَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّ إذا مُتَعَلِّقَةٌ بِإنْذارٍ والفاءُ زائِدَةٌ، وأرادَ أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِأنْذِرْ كَأنَّهُ قِيلَ قُمْ فَأنْذِرْهم وقْتَ النَّقْرِ في النّاقُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَلِكَ﴾ إلَخِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٍ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ وهو كَما تَرى. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَخْرِيجَ الآيَةِ عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ بِأنْ تَكُونَ «إذا» مُبْتَدَأً والخَبَرُ ﴿فَذَلِكَ﴾ والفاءُ زائِدَةٌ وجَعْلَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفًا لِذَلِكَ ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن أنَّهُ كَلامُ أخْفَشَ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ إنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وهو إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ أيْ فَذَلِكَ النَّقْرُ وهو العامِلُ في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والمُضافُ مُقَدَّرٌ أيْ فَذَلِكَ النَّقْرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ نَقْرُ يَوْمٍ وفِيهِ تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مَعَ أنَّ عُسْرَ اليَوْمِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالإفادَةِ عَلَيْهِ، وظاهِرُ السِّياقِ قَصْدُهُ بِالإفادَةِ وجَعَلَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَبِيلِ ما اتَّحَدَ فِيهِ الشَّرْطُ والجَزاءُ نَحْوَ: ««مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهَجَرَتْهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ» إذْ جَعَلَ الإشارَةَ إلى وقْتِ النَّقْرِ وقالَ: إنَّ في ذَلِكَ مَعَ ضَمِّ التَّكْرِيرِ دَلالَةً عَلى التَّنْبِيهِ عَلى الخَطْبِ الجَلِيلِ والأمْرِ العَظِيمِ وفِيهِ نَظَرٌ وفائِدَةٌ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أيْ سَهْلٍ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَسِيرٌ﴾ تَأْكِيدُ عُسْرِهِ عَلى الكافِرِينَ فَهو يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ عَسِيرًا عَلَيْهِمْ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ يُشْعِرُ بِتَيَسُّرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَسِيرٌ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ عَلَيْهِمْ كَما هو يَسِيرٌ عَلى أضَّدادِهِمُ المُؤْمِنِينَ، فَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ وعِيدِ الكافِرِينَ وزِيادَةِ غَيْظِهِمْ وبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ وتَسْلِيَتِهِمْ ولا يَتَوَقَّفُ هَذا عَلى تَعَلُّقٍ عَلى الكافِرِينَ بِيَسِيرٍ، نَعَمُ الأمْرُ عَلَيْهِ أظْهَرُ كَما لا يَخْفى ثُمَّ مَعَ هَذا لا يَخْلُو قَلْبُ المُؤْمِنِ مِنَ الخَوْفِ. أخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ والحاكِمُ عَنْ بِهْزِ بْنِ حَكِيمٍ قالَ: أمَّنا زُرارَةُ بْنُ أوْفى فَقَرَأ المُدَّثِّرَ فَلَّما بَلَغَ ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ خَرَّ مَيِّتًا فَكُنْتُ فِيمَن حَمَلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ الصُّوَرِ قَدِ التَقَمَ القَرْنَ وحَنى جَبْهَتَهُ يَسْتَمِعُ مَتّى يُؤْمَرُ. قالُوا كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: قُولُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ وعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا» واخْتُلِفَ في أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الوَقْتِ يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى أوْ يَوْمُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ورُجِّحَ أنَّهُ يَوْمُ الثّانِيَةِ لِأنَّهُ الَّذِي يَخْتَصُّ عُسْرُهُ بِالكافِرِينَ، وأمّا وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى فَحُكْمُهُ الَّذِي هو الإصْعاقُ يَعُمُّ البَرَّ والفاجِرَ وهو عَلى المَشْهُورِ مُخْتَصٌّ بِمَن كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِ النَّفْخَةِ.

المدثر 74:10

﴿فَإذا نُقِرَ﴾ أيْ نُفِخَ ﴿فِي النّاقُورِ﴾ في الصُّورِ وهو فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ بِمَعْنى التَّصْوِيتِ وأصْلُهُ القَرْعُ الَّذِي هو سَبَبُهُ ومِنهُ مِنقارُ الطّائِرِ لِأنَّهُ يَقْرَعُ بِهِ ولِهَذِهِ السَّبَبِيَّةِ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ وشاعَ ذَلِكَ وأُرِيدَ بِهِ النَّفْخُ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ اصْبِرْ عَلى أذاهم فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أذاهم وتَلْقى عاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِ والعامِلُ في «إذا» ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فالمَعْنى إذا نُقِرَ في النّاقُورِ عَسُرَ الأمْرُ عَلى الكافِرِينَ والفاءُ في هَذا لِلْجَزاءِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى وقْتِ النَّقْرِ المَفْهُومِ مِن ﴿فَإذا نُقِرَ﴾ وما فِيهِ مِنَ المَعْنى البُعْدُ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ لَفَظًا بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ. ( ويَوْمَئِذٍ ) قِيلَ بَدَلٌ مِنهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ والخَبَرُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَيَوْمُ النَّقْرِ يَوْمٌ عَسِيرٌ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا لِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أيْ صِفَةً لَهُ، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ صارَ صفحة 121 حالًا مِنهُ واَلَّذِي أجازَ ذَلِكَ عَلى ما في الكَشّافِ أنَّ المَعْنى فَذَلِكَ وقْتَ النَّقْرِ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَأْتِي ويَقَعُ حِينَ يُنْقَرُ في النّاقُورِ فَهو عَلى مِنوالِ زَمَنِ الرَّبِيعِ العِيدُ فِيهِ أيْ وُقُوعُ العِيدِ فِيهِ ومالَهُ فَذَلِكَ الوُقُوعُ وُقُوعُ يَوْمٍ إلَخْ، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن تَقْدِيمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ أوْ مَعْمُولِ ما في صِلَتِهِ عَلى المَصْدَرِ إنَّ جَعْلَ ظَرْفِ الوُقُوعِ المُقَدَّرِ أوْ ظَرْفِ عَسِيرٍ والتَّصْرِيحَ بِلَفْظِ وُقُوعِ إبْرازٌ لِلْمَعْنى وتَفَصٍّ عَنْ جَعْلِ الزَّمانِ مَظْرُوفَ الزَّمانِ بِرُجُوعِهِ إلى الحَدَثِ فَتَدَبَّرْ وظاهِرُ صَنِيعِ الكَشّافِ اخْتِيارُ هَذا الوَجْهِ وكَذا كَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ إذْ قَرَّرَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وادَّعى فِيما سَبَقَ تَعَسُّفًا نَعَمْ جَوَّزَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مَعْمُولَ ما دَلَّ عَلَيْهِ الجَزاءُ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ عَسُرَ الأمْرُ عَلى الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ وأيًّا ما كانَ فَـ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿عَسِيرٌ﴾ وقِيلَ بِمَحْذُوفٍ وهو صِفَةٌ لِعَسِيرٍ أوْ حالٌ مِنَ المَسَّتِكُنِّ فِيهِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِـ ﴿يَسِيرٍ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ قَتادَةَ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى المُضافِ وهو مَمْنُوعٌ عَلى الصَّحِيحِ وقَدْ أجازَهُ بَعْضُهم في غَيْرٍ حَمْلًا لَها عَلى لا فَيَقُولُ أنا بِزَيْدٍ غَيْرُ راضٍ وزَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّ إذا مُتَعَلِّقَةٌ بِإنْذارٍ والفاءُ زائِدَةٌ، وأرادَ أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِأنْذِرْ كَأنَّهُ قِيلَ قُمْ فَأنْذِرْهم وقْتَ النَّقْرِ في النّاقُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَلِكَ﴾ إلَخِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٍ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ وهو كَما تَرى. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَخْرِيجَ الآيَةِ عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ بِأنْ تَكُونَ «إذا» مُبْتَدَأً والخَبَرُ ﴿فَذَلِكَ﴾ والفاءُ زائِدَةٌ وجَعْلَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفًا لِذَلِكَ ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن أنَّهُ كَلامُ أخْفَشَ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ إنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وهو إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ أيْ فَذَلِكَ النَّقْرُ وهو العامِلُ في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والمُضافُ مُقَدَّرٌ أيْ فَذَلِكَ النَّقْرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ نَقْرُ يَوْمٍ وفِيهِ تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مَعَ أنَّ عُسْرَ اليَوْمِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالإفادَةِ عَلَيْهِ، وظاهِرُ السِّياقِ قَصْدُهُ بِالإفادَةِ وجَعَلَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَبِيلِ ما اتَّحَدَ فِيهِ الشَّرْطُ والجَزاءُ نَحْوَ: ««مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهَجَرَتْهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ» إذْ جَعَلَ الإشارَةَ إلى وقْتِ النَّقْرِ وقالَ: إنَّ في ذَلِكَ مَعَ ضَمِّ التَّكْرِيرِ دَلالَةً عَلى التَّنْبِيهِ عَلى الخَطْبِ الجَلِيلِ والأمْرِ العَظِيمِ وفِيهِ نَظَرٌ وفائِدَةٌ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أيْ سَهْلٍ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَسِيرٌ﴾ تَأْكِيدُ عُسْرِهِ عَلى الكافِرِينَ فَهو يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ عَسِيرًا عَلَيْهِمْ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ يُشْعِرُ بِتَيَسُّرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَسِيرٌ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ عَلَيْهِمْ كَما هو يَسِيرٌ عَلى أضَّدادِهِمُ المُؤْمِنِينَ، فَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ وعِيدِ الكافِرِينَ وزِيادَةِ غَيْظِهِمْ وبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ وتَسْلِيَتِهِمْ ولا يَتَوَقَّفُ هَذا عَلى تَعَلُّقٍ عَلى الكافِرِينَ بِيَسِيرٍ، نَعَمُ الأمْرُ عَلَيْهِ أظْهَرُ كَما لا يَخْفى ثُمَّ مَعَ هَذا لا يَخْلُو قَلْبُ المُؤْمِنِ مِنَ الخَوْفِ. أخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ والحاكِمُ عَنْ بِهْزِ بْنِ حَكِيمٍ قالَ: أمَّنا زُرارَةُ بْنُ أوْفى فَقَرَأ المُدَّثِّرَ فَلَّما بَلَغَ ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ خَرَّ مَيِّتًا فَكُنْتُ فِيمَن حَمَلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ الصُّوَرِ قَدِ التَقَمَ القَرْنَ وحَنى جَبْهَتَهُ يَسْتَمِعُ مَتّى يُؤْمَرُ. قالُوا كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: قُولُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ وعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا» واخْتُلِفَ في أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الوَقْتِ يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى أوْ يَوْمُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ورُجِّحَ أنَّهُ يَوْمُ الثّانِيَةِ لِأنَّهُ الَّذِي يَخْتَصُّ عُسْرُهُ بِالكافِرِينَ، وأمّا وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى فَحُكْمُهُ الَّذِي هو الإصْعاقُ يَعُمُّ البَرَّ والفاجِرَ وهو عَلى المَشْهُورِ مُخْتَصٌّ بِمَن كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِ النَّفْخَةِ.

المدثر 74:11

﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِمْ، بَلْ قِيلَ كَوْنُها فِيهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وهو يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً إذْ لَمْ يَكُنْ أمْرُ الوَلِيدِ وما اقْتَضى نُزُولَ الآيَةِ فِيهِ في بَدْءِ البِعْثَةِ فَلا تَغْفُلْ ( ووَحِيدًا ) حالٌ إمّا مِنَ الياءِ في ( ذَرْنِي ) وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْ ذَرْنِي وحْدِي مَعَهُ فَأنا أُغْنِيكَ في الِانْتِقامِ عَنْ كُلِّ مُنْتَقِمٍ أوْ مِنَ التّاءِ في ( خَلَقْتُ ) أيْ خَلْقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ فَأنا أُهْلِكُهُ لا أحْتاجُ إلى ناصِرٍ صفحة 122 فِي إهْلاكِهِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ( مَن ) عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانٍ أيْ ومَن خَلَقْتُهُ وحِيدًا فَرِيدًا لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِأذَمَّ ونَحْوِهِ فَقَدْ كانَ الوَلِيدُ يُلَقَّبُ في قَوْمِهِ بِالوَحِيدِ فَتَهَكَّمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وبِلَقَبِهِ أوْ صَرَفَهُ عَنِ الغَرَضِ الَّذِي كانُوا يَؤُمُّونَهُ مِن مَدْحِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ إلى جِهَةِ ذَمِّهِ وعَيْبِهِ فَأرادَ سُبْحانَهُ وحِيدًا في الخُبْثِ والشَّرارَةِ أوْ وحِيدًا عَنْ أبِيهِ لِأنَّهُ كانَ دَعِيًّا لَمْ يُعْرَفْ نَسَبُهُ لِلْمُغَيِّرَةِ حَقِيقَةً كَما مَرَّ في سُورَةِ نُونٍ.

المدثر 74:12

﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ مَبْسُوطًا كَثِيرًا أوْ مَمْدُودًا بِالنِّساءِ مِن مَدَّ النَّهْرُ ومَدَّهُ نَهْرٌ آخَرُ وقِيلَ كانَ لَهُ الضَّرْعُ والزَّرْعُ والتِّجارَةُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو ما كانَ لَهُ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ مِنَ الإبِلِ والنِّعَمِ والجَنانِ والعَبِيدِ وقِيلَ كانَ لَهُ بُسْتانٌ بِالطّائِفِ لا تَنْقَطِعُ ثِمارُهُ صَيْفًا وشِتاءً. وقالَ النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ المالُ المَمْدُودُ هو الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ المُسْتَغِلُّ الَّذِي يَجْبِي شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ فَهو مَمْدُودٌ لا يَنْقَطِعُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ كانَ لَهُ ألْفُ دِينارٍ. وعَنْ قَتادَةَ سِتَّةُ آلافِ دِينارٍ وقِيلَ تِسْعَةُ آلافِ دِينارٍ. وعَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ رِوايَتانِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ وألْفُ ألْفِ دِينارٍ وهَذِهِ الأقْوالُ إنْ صَحَّتْ لَيْسَ المُرادُ بِها تَعْيِينَ المالِ المَمْدُودِ وأنَّهُ مَتى أُطْلِقَ يُرادُ بِهِ ذَلِكَ بَلْ بَيانُ أنَّهُ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُحَدِّثِ عَنْهُ كَذا.

المدثر 74:13

﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ حُضُورًا مَعَهُ بِمَكَّةَ يَتَمَتَّعُ بِمُشاهَدَتِهِمْ لا يُفارِقُونَهُ لِلتَّصَرُّفِ في عَمَلٍ أوْ تِجارَةٍ لِكَوْنِهِمْ مَكْفِيِّينَ لِوُفُورِ نِعَمِهِمْ وكَثْرَةِ خَدَمِهِمْ أوْ حُضُورًا في الأنْدِيَةِ والمَحافِلِ لِوَجاهَتِهِمْ واعْتِبارِهِمْ أوْ تُسْمَعُ شَهاداتُهم فِيما يُتَحاكَمُ فِيهِ واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ فَعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم عَشْرَةٌ وقِيلَ ثَلاثَةَ عَشَرَ وقِيلَ سَبْعَةٌ كُلُّهم رِجالٌ الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ وخالِدٌ وهِشامٌ وقَدْ أسْلَمَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ والعاصُ وقَيْسٌ وعَبْدُ شَمْسٍ وعِمارَةُ واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فِيهِ أنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أوْ قَتَلَهُ النَّجاشِيُّ لِجِنايَةٍ نُسِبَتْ إلَيْهِ في حَرَمِ المَلِكِ والرِّوايَتانِ مُتَّفِقَتانِ عَلى أنَّهُ قُتِلَ كافِرًا ورِوايَةُ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ مُقاتِلٍ إسْلامُهُ لا تَصِحُّ ونَصَّ ابْنُ حَجَرٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ وقَدْ وقَعَ في هَذا الغَلَطِ صاحِبُ الكَشّافِ وتَبِعَهُ فِيهِ مَن تَبِعَهُ، والعَجَبُ أيْضًا أنَّهم لَنْ يَذْكُرُوا الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ فِيمَن أسْلَمَ مَعَ أنَّ المُحَدِّثِينَ عَنْ آخِرِهِمْ أطْبَقُوا عَلى إسْلامِهِ.

المدثر 74:14

﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ بَسَطْتُ لَهُ الرِّياسَةَ والجاهَ العَرِيضَ فَأتْمَمْتُ عَلَيْهِ نِعْمَتَيِ الجاهِ والمالِ واجْتِماعُهُما هو الكَمالُ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا، وأصْلُ التَّمْهِيدِ التَّسْوِيَةُ والتَّهْيِئَةُ وتُجُوِّزَ بِهِ عَنْ بَسْطَةِ المالِ والجاهِ وكانَ لِكَثْرَةِ غِناهُ ونَضارَةِ حالِهِ الرّائِقَةِ في الأعْيُنِ مَنظَرًا ومَخْبَرًا يُلَقَّبُ رَيْحانَةَ قُرَيْشٍ. وكَذا كانُوا يُلَقِّبُونَهُ بِالتَّوْحِيدِ بِمَعْنى المُنْفَرِدِ بِاسْتِحْقاقِ الرِّياسَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَّعْتُ لَهُ ما بَيْنَ اليَمَنِ إلى الشّامِ. وعَنْ مُجاهِدٍ مَهَّدْتُ لَهُ المالَ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.

المدثر 74:15

﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ عَلى ما أدَّيْتُهُ وهو اسْتِبْعادٌ واسْتِنْكارٌ لِطَمَعِهِ وحِرْصِهِ إمّا لِأنَّهُ في غِنًى تامٍّ لا مَزِيدَ عَلى ما أُوتِيَ سِعَةً وكَثْرَةً أوْ لِأنَّهُ مُنافٍ لِما هو عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ ومُعانِدَةِ المُنَعِمِ. وعَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ ( إلّا ) لِي واسْتِعْمالُ ﴿ثُمَّ﴾ لِلِاسْتِبْعادِ كَثِيرٌ قِيلَ وهو غَيْرُ التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ بَلْ عَدُّ الشَّيْءِ بَعِيدًا غَيْرُ مُناسِبٍ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ تُسِيءُ إلَيَّ ثُمَّ تَرْجُو إحْسانِي. وكانَ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِ البُعْدِ المَعْنَوِيِّ مَنزِلَةَ البُعْدِ الزَّمانِيِّ.

المدثر 74:16

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهُ عَنْ طَمَعِهِ الفارِغِ وقَطْعٌ لِرَجائِهِ الخائِبِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانًا لِتَعْلِيلِ ما قَبْلُ كَأنَّهُ قِيلَ لِمَ زُجِرَ عَنْ طَلَبِ المَزِيدِ وما وجْهُ عَدَمِ لِياقَتِهِ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ مُعانِدًا لِآياتِ المُنْعِمِ وهي دَلائِلُ تَوْحِيدِهِ أوِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ حَيْثُ قالَ فِيها ما قالَ والمُعانَدَةُ تُناسِبُ الإزالَةَ وتَمْنَعُ مِنَ الزِّيادَةِ قالَ مُقاتِلٌ: ما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نَقْصٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً شاقَّةَ المِصْعَدِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ شَبَّهَ ما يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ المَصائِبِ وأنْواعِ المَشاقِّ بِتَكْلِيفِ الصُّعُودِ في الجِبالِ الوَعِرَةِ صفحة 123 الشّاقَّةِ وأطْلَقَ لَفْظَهُ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ ورَوى أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: «اَلصُّعُودُ جَبَلٌ مِن نارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أبَدًا» وعَنْهُ ﷺ: «يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَ عَقَبَةً في النّارِ كُلَّما وضَعَ عَلَيْها يَدَهُ ذابَتْ وإذا رَفَعَها عادَتْ وإذا وضَعَ رِجْلَهُ ذابَتْ فَإذا رَفَعَها عادَتْ» .

المدثر 74:17

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهُ عَنْ طَمَعِهِ الفارِغِ وقَطْعٌ لِرَجائِهِ الخائِبِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانًا لِتَعْلِيلِ ما قَبْلُ كَأنَّهُ قِيلَ لِمَ زُجِرَ عَنْ طَلَبِ المَزِيدِ وما وجْهُ عَدَمِ لِياقَتِهِ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ مُعانِدًا لِآياتِ المُنْعِمِ وهي دَلائِلُ تَوْحِيدِهِ أوِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ حَيْثُ قالَ فِيها ما قالَ والمُعانَدَةُ تُناسِبُ الإزالَةَ وتَمْنَعُ مِنَ الزِّيادَةِ قالَ مُقاتِلٌ: ما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نَقْصٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً شاقَّةَ المِصْعَدِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ شَبَّهَ ما يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ المَصائِبِ وأنْواعِ المَشاقِّ بِتَكْلِيفِ الصُّعُودِ في الجِبالِ الوَعِرَةِ صفحة 123 الشّاقَّةِ وأطْلَقَ لَفْظَهُ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ ورَوى أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: «اَلصُّعُودُ جَبَلٌ مِن نارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أبَدًا» وعَنْهُ ﷺ: «يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَ عَقَبَةً في النّارِ كُلَّما وضَعَ عَلَيْها يَدَهُ ذابَتْ وإذا رَفَعَها عادَتْ وإذا وضَعَ رِجْلَهُ ذابَتْ فَإذا رَفَعَها عادَتْ» .

المدثر 74:18

﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْوَعِيدِ واسْتِحْقاقِهِ لَهُ أوْ بَيانٌ لِعِنادِهِ لِآياتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَكُونُ جُمْلَةً مُفَسِّرَةً لِذَلِكَ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وقِيلَ الجُمْلَةُ عَلَيْهِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ إنَّهُ فَكَّرَ ماذا يَقُولُ في شَأْنِ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.

المدثر 74:19

﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَقْدِيرِهِ وإصابَتِهِ فِيهِ المَحْزُو رَمْيُهُ الغَرَضَ الَّذِي كانَ يُنْتِجُهُ قُرَيْشٌ فَهو نَظِيرُ ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [اَلتَّوْبَةِ: 30، المُنافِقُونَ: 4] أوْ ثَناءٌ عَلَيْهِ تَهَكُّمًا عَلى نَحْوِ قاتَلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ أوْ حِكايَةٌ لِما كَرَّرُوهُ عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ عِنْدَ سَماعِ كَلِمَتِهِ الحَمْقاءِ فالعَرَبُ تَقُولُ قَتْلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ وأخْزاهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ يُرِيدُونَ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي هو حَقِيقٌ بِأنْ يُحْسَدَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ وما لَهُ عَلى ما قِيلَ إلى الأوَّلِ وإنِ اخْتَلَفَ الوَجْهُ رُوِيَ «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ فَقالَ: يا عَمِّ إنَّ قَوَّمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا فَيُعْطُوكَهُ فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتُصِيبَ مِمّا عِنْدَهُ قالَ قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا قالَ فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أنَّكٌ مُنْكِرٌ لَهُ وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ قالَ وماذا أقُولُ فَوَ اللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمُ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ واَللَّهِ ما يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُهُ حَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ مُغْدِقٌ أسْفَلُهُ وإنَّهُ لِيَعْلُو ولا يُعْلى وإنَّهُ لِيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ قالَ: لا يَرْضى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ قالَ: دَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما هو ( إلّا ) سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَعَجِبُوا بِذَلِكَ» . وقالَ مُحْيِي السُّنَّةِ «لَما نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى- ﴿المَصِيرُ﴾ [غافِرٍ: 1- 3] قامَ النَّبِيُّ ﷺ في المَسْجِدِ والوَلِيدُ قَرِيبٌ مِنهُ يَسْمَعُ قِراءَتَهُ، فَلَمّا فَطِنَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِاسْتِماعِهِ أعادَ القِراءَةَ فانْطَلَقَ الوَلِيدُ إلى مَجْلِسِ قَوْمِهِ بَنِي مَخْزُومٍ فَقالَ: واَللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلامًا ما هو مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ إنَّ لَهُ لِحَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّ أعْلاهُ لَمُثْمِرٌ وإنَّ أسْفَلَهُ لِمُغْدِقٌ. وإنَّهُ لِيَعْلُو وما يُعْلى. فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ واَللَّهِ الوَلِيدُ واَللَّهِ لِتَصْبَأنَّ قُرَيْشٌ كُلُّهم فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أنا أكْفِيكُمُوهُ فَقَعَدَ إلَيْهِ حَزِينًا وكَلَّمَهُ بِما أحْماهُ فَقامَ فَأتاهم فَقالَ: تَزْعُمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يُخْنَقُ، وتَقُولُونَ إنَّهُ كاهِنٌ فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ قَطُّ يَتَكَهَّنُ، وتَزْعُمُونَ أنَّهُ شاعِرٌ فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يَتَعاطى شِعْرًا، وتَزْعُمُونَ أنَّهُ كَذّابٌ فَهَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الكَذِبِ؟ فَقالُوا في كُلِّ ذَلِكَ اللَّهُمَّ لا، ثُمَّ قالُوا فَما هُوَ؟ فَفَكَّرَ فَقالَ: ما هو ( إلّا ) ساحِرٌ أما رَأيْتُمُوهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وأهْلِهِ ووَلَدِهِ ومَوالِيهِ وما الَّذِي يَقُولُهُ ( إلّا ) سِحْرٌ يَأْثُرُهُ عَنْ مُسَيْلَمَةَ وعَنْ أهْلِ بابِلَ فارْتَجَّ النّادِي فَرَحًا وتَفَرَّقُوا مُعْجَبِينَ بِقَوْلِهِ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ» .

المدثر 74:20

﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمُبالِغَةِ كَما هو مُعْتادٌ مِن أُعْجِبَ غايَةَ الإعْجابِ والعَطْفُ بِ ﴿ثُمَّ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى تَفاوُتِ الرُّتْبَةِ وإنَّ الثّانِيَةَ أبْلَغُ مِنَ الأُولى فَكَأنَّهُ قِيلَ قُتِلَ بِنَوْعٍ ما مِنَ القَتْلِ لا بَلْ قُتِلَ بِأشَدِّهِ وأشَدِّهِ، ولِذا ساغَ العَطْفُ فِيهِ مَعَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ ونَحْوُهُ ما في قَوْلِهِ: ومالِي مِن ذَنْبِ إلَيْهِمْ عَلِمْتُهُ سِوى أنَّنِي قَدْ قُلْتُ يا سَرْحَةُ اسْلَمِي ألا يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ∗∗∗ ثَلاثُ تَحِيّاتٍ وإنْ لَمْ تَكَلَّمِي والإطْراءُ في الإعْجابِ بِتَقْدِيرِهِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّهَكُّمِ بِهِ وبِمَن فَرِحَ بِمَحْصُولِ تَفْكِيرِهِ. وقالَ الرّاغِبُ في غُرَّةِ التَّنْزِيلِ: كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ لَمّا سُئِلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَدَّرَ ما أتى بِهِ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: إنْ قُلْنا شاعِرٌ كَذَّبَتْنا العَرَبُ إذا عَرَضَتْ ما أتى بِهِ عَلى الشِّعْرِ وكانَ يَقْصِدُ بِهَذا التَّقْدِيرِ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ صفحة 124 وسَلَّمَ بِضَرْبٍ مِنَ الِاحْتِيالِ فَلِذَلِكَ كانَ كُلُّ تَقْدِيرٍ مُسْتَحِقًّا لِعُقُوبَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى هي كالقَتْلِ إهْلاكًا لَهُ فالأوَّلُ لِتَقْدِيرِهِ عَلى الشِّعْرِ أيْ أُهْلِكَ إهْلاكَ المَقْتُولِ كَيْفَ قَدَّرَ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِتَقْدِيرِهِ الآخَرِ فَإنَّهُ قَدَّرَ أيْضًا. وقالَ: فَإنِ ادَّعَيْنا أنَّ ما أتى بِهِ مِن كَلامِ الكَهَنَةِ كَذَّبَتْنا العَرَبُ إذا رَأوْا هَذا الكَلامَ مُخالِفًا لِكَلامِ الكُهّانِ فَهو في تَقْدِيرِهِ لَهُ عَلى كَلامِ الكَهَنَةِ مُسْتَحَقٌّ مِنَ العُقُوبَةِ لِما هُوَ كالقَتْلِ إهْلاكًا لَهُ فَجاءَ ذَلِكَ لِهَذا فَلَمْ يَكُنْ في الإعادَةِ تَكْرارٌ والأوَّلُ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ جارُ اللَّهِ وجَعَلَ الدُّعاءَ اعْتِراضًا وقالَ عَلَيْهِ الطِّيبِي إنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِاعْتِراضِ المُتَعارَفِ الَّذِي يَنْحَلُّ لِتَزْيِينِ الكَلامِ وتَقْرِيرِهِ لِأنَّ الفاءَ مانِعَةٌ مِن ذَلِكَ بَلْ هو مِن كَلامِ الغَيْرِ ووَقَعَ الفاءُ في تَضاعِيفِ كَلامِهِ فَأدْخَلَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ المُتَّصِلَيْنِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ ثُمَّ قالَ: وهو مُتَعَسِّفٌ وإنَّما سَلَكَهُ لِأنَّهُ جَعَلَ الدُّعاءَيْنِ مِن كَلامِ الغَيْرِ وأمّا إذا جُعِلا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى اسْتِهْزاءً كَما ذَكَرَ هو أوْ دُعاءً عَلَيْهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الرّاغِبُ وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ الواحِدِيِّ عَلى ما قالَ، ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ النَّظْمِ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ﴾ أيْ عُذِّبَ ولُعِنَ ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ كَما يُقالُ لَأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ أيْ عَلى أيْ حالٍ كانَتْ مِنهُ لِتَكُونَ الأفْعالُ كُلُّها مُتَناسِقَةً مُرَتَّبَةً عَلى التَّفاوُتِ في التَّعْقِيبِ والتَّراخِي زَمانًا ورُتْبَةً كَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ كانَ أحْسَنَ وجاءَ النَّظْمُ عَلى السَّنَنِ المَأْلُوفِ مِنَ التَّنْزِيلِ إلى آخَرِ ما قالَ وما تَقَدَّمَ أبْعَدُ مَغْزى والِاعْتِراضُ مِنَ المُتَعارَفِ وهو يُؤَكِّدُ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ أحْسَنَ تَأْكِيدٍ والفاءُ غَيْرُ مانِعَةٍ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جارُ اللَّهِ وغَيْرُهُ وجَعَلَ مِنَ الِاعْتِراضِ المَقْرُونِ بِها ( فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ ) [اَلنَّحْلِ: 43، الأنْبِياءِ: 7] ومِنهُ قَوْلُهُ: واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ ∗∗∗ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قَدَّرا وقَدْ حَقَّقَ أنَّهُ بِالحَقِيقَةِ نَتِيجَةٌ وقَعَتْ بَيْنَ أجْزاءِ الكَلامِ اهْتِمامًا بِشَأْنِها فَأفادَتْ فائِدَةَ الِاعْتِراضِ وعُدَّتْ مِنهُ، والِاعْتِراضُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ .

المدثر 74:21

وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ لِلْعَطْفِ ( وثُمَّ ) فِيهِ وفِيما بَعْدُ عَلى مَعْناها الوَضْعِيِّ وهو التَّراخِي الزَّمانِيُّ مَعَ مُهْلَةٍ أيْ ثُمَّ فَكَّرَ في أمْرِ القُرْآنِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ مَطْعَنًا وضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ ولَمْ يَدْرِ ماذا يَقُولُ وقِيلَ ثُمَّ نَظَرَ في وُجُوهِ القَوْمِ ثُمَّ قَطَّبَ وجْهَهُ وقِيلَ نَظَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَطَّبَ في وجْهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العَبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وفي غَيْرِ وقْتِهِ فالبُسْرُ الِاسْتِعْجالُ بِالشَّيْءِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ لِحاجَةٍ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها وبَسَرَ الفَحْلُ النّاقَةَ ضَرَبَها قَبْلَ أنْ تَطْلُبَ وماءٌ بَسْرٌ مُتَناوَلٌ مِن غَدِيرِهِ قَبْلَ سُكُونِهِ وقِيلَ لِلْجُبْنِ الَّذِي يَنْكَأُ قَبْلَ النُّضْجِ بَسْرٌ ومِنهُ قِيلَ لَمّا لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الثَّمَرِ بَسَرَ، وبِهَذا فَسَّرَهُ الرّاغِبُ هُنا وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِأشَدِّ العُبُوسِ مِن بَسَرَ إذا قَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَراهَةً لِلشَّيْءِ واسْوَدَّ وجْهُهُ مِنهُ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى العُبُوسِ ومِنهُ قَوْلُ تَوْبَةَ: قَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها وقَوْلُ سَعْدٍ لَمّا أسْلَمْتُ راغَمَتْنِي أُمِّي فَكانَتْ تَلْقانِي مَرَّةً بِالبِشْرِ ومَرَّةً بِالبُسْرِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذِكْرُ( بَسَرَ ) كالتَّأْكِيدِ لِـ ﴿عَبَسَ﴾ ولَعَلَّهُ مُرادُ مَن قالَ اتِّباعٌ لَهُ وأهْلُ اليَمِينِ يَقُولُونَ بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ إذا وقَفَ ولَمْ أرَ مَن جَوَّزَ إرادَةَ ذاكَ هُنا ولَوْ عَلى بُعْدٍ وفي النَّفْسِ مِن ثُبُوتِ ذَلِكَ لُغَةً صَحِيحَةً تَوَقُّفٌ.

المدثر 74:22

وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ لِلْعَطْفِ ( وثُمَّ ) فِيهِ وفِيما بَعْدُ عَلى مَعْناها الوَضْعِيِّ وهو التَّراخِي الزَّمانِيُّ مَعَ مُهْلَةٍ أيْ ثُمَّ فَكَّرَ في أمْرِ القُرْآنِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ مَطْعَنًا وضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ ولَمْ يَدْرِ ماذا يَقُولُ وقِيلَ ثُمَّ نَظَرَ في وُجُوهِ القَوْمِ ثُمَّ قَطَّبَ وجْهَهُ وقِيلَ نَظَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَطَّبَ في وجْهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العَبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وفي غَيْرِ وقْتِهِ فالبُسْرُ الِاسْتِعْجالُ بِالشَّيْءِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ لِحاجَةٍ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها وبَسَرَ الفَحْلُ النّاقَةَ ضَرَبَها قَبْلَ أنْ تَطْلُبَ وماءٌ بَسْرٌ مُتَناوَلٌ مِن غَدِيرِهِ قَبْلَ سُكُونِهِ وقِيلَ لِلْجُبْنِ الَّذِي يَنْكَأُ قَبْلَ النُّضْجِ بَسْرٌ ومِنهُ قِيلَ لَمّا لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الثَّمَرِ بَسَرَ، وبِهَذا فَسَّرَهُ الرّاغِبُ هُنا وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِأشَدِّ العُبُوسِ مِن بَسَرَ إذا قَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَراهَةً لِلشَّيْءِ واسْوَدَّ وجْهُهُ مِنهُ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى العُبُوسِ ومِنهُ قَوْلُ تَوْبَةَ: قَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها وقَوْلُ سَعْدٍ لَمّا أسْلَمْتُ راغَمَتْنِي أُمِّي فَكانَتْ تَلْقانِي مَرَّةً بِالبِشْرِ ومَرَّةً بِالبُسْرِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذِكْرُ( بَسَرَ ) كالتَّأْكِيدِ لِـ ﴿عَبَسَ﴾ ولَعَلَّهُ مُرادُ مَن قالَ اتِّباعٌ لَهُ وأهْلُ اليَمِينِ يَقُولُونَ بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ إذا وقَفَ ولَمْ أرَ مَن جَوَّزَ إرادَةَ ذاكَ هُنا ولَوْ عَلى بُعْدٍ وفي النَّفْسِ مِن ثُبُوتِ ذَلِكَ لُغَةً صَحِيحَةً تَوَقُّفٌ.

المدثر 74:23

﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ أوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ عَنِ اتِّباعِهِ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يُرْوى ويُتَعَلَّمُ مِن سَحَرَةِ بابِلَ ونَحْوِهِمْ، وقِيلَ أيْ يُخْتارُ ويُرَجَّحُ عَلى غَيْرِهِ مِنَ السِّحْرِ ولَيْسَ بِمُخْتارٍ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الحَمْقاءَ لَمّا خَطَرَتْ بِبالِهِ تَفَوَّهَ بِها مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَلَبُّثٍ فَهي لِلتَّعْقِيبِ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ ولا مُخالَفَةٍ فِيهِ لِما مَرَّ مِنَ الرِّوايَةِ كَما لا يَخْفى.

المدثر 74:24

﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ أوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ عَنِ اتِّباعِهِ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يُرْوى ويُتَعَلَّمُ مِن سَحَرَةِ بابِلَ ونَحْوِهِمْ، وقِيلَ أيْ يُخْتارُ ويُرَجَّحُ عَلى غَيْرِهِ مِنَ السِّحْرِ ولَيْسَ بِمُخْتارٍ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الحَمْقاءَ لَمّا خَطَرَتْ بِبالِهِ تَفَوَّهَ بِها مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَلَبُّثٍ فَهي لِلتَّعْقِيبِ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ ولا مُخالَفَةٍ فِيهِ لِما مَرَّ مِنَ الرِّوايَةِ كَما لا يَخْفى.

المدثر 74:25

وقَوْلُهُ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ كالتَّأكُّدِ لِلْجُمْلَةِ الأُولى لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُما نَفِيُ كَوْنِهِ صفحة 125 قُرْآنًا ومِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وإنِ اخْتَلَفا مَعْنًى ولِاعْتِبارِ الِاتِّحادِ في المَقْصُودِ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْها وأطْلَقَ بَعْضُهم عَلَيْهِ التَّأْكِيدَ مِن غَيْرِ تَشْبِيهٍ والأمْرُ سَهْلٌ وفي وصْفِ أشْكالِهِ الَّتِي تَشَكَّلَ بِها حَتّى اسْتَنْبَطَ هَذا القَوْلَ السَّخِيفَ اسْتِهْزاءً بِهِ وإشارَةً إلى أنَّهُ عَنِ الحَقِّ الأبْلَجِ بِمَعْزِلٍ ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِن تَتَبُّعِ أحْوالِ الوَلِيدِ أنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ عِنادًا وحَمِيَّةً جاهِلِيَّةً لا جَهْلًا بِحَقِيقَةِ الحالِ وقَوْلُهُ تَعالى.

المدثر 74:26

﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿سَأُرْهِقُهُ﴾ إلَخِ بَدَلُ اشْتِمالٍ لِاشْتِمالِ السَّقَرِ عَلى الشَّدائِدِ وعَلى الجَبَلِ مِنَ النّارِ، والوَصْفُ الآتِي لا يُنافِي الإبْدالَ عَلى إرادَةِ الجَبَلِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ نَحْوُ ما في الحَدِيثِ وقالَ أبُو حَيّانٍ: يَظْهَرُ أنَّهُما جُمْلَتانِ اعْتَقَبَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما عَلى سَبِيلِ تَوَعُّدِ العِصْيانِ الَّذِي قَبْلَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما فَتَوَعَّدَ عَلى كَوْنِهِ عَنِيدًا لِآياتِ اللَّهِ تَعالى بِإرْهاقِ صَعُودٍ وعَلى قَوْلِهِ إنَّ القُرْآنَ سِحْرٌ يُؤْثَرُ بِإصْلاءِ سَقَرَ وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِما تَقَدَّمَ.

المدثر 74:27

﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما سَقَرُ عَلى أنَّ ما الأُولى مُبْتَدَأٌ ( وأدْراكَ )خَبَرُهُ وما الثّانِيَةُ خَبَرٌ لِأنَّها مُفِيدَةٌ لِما قَصَدَ إفادَتَهُ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ ( وسَقَرُ ) مُبْتَدَأٌ أيْ أيُّ شَيْءٍ هي في وصْفِها فَإنَّ ما قَدْ يُطْلَبُ بِها الوَصْفُ وإنْ كانَ الغالِبُ أنْ يُطْلَبَ بِها الِاسْمُ والحَقِيقَةُ.

المدثر 74:28

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ لا ﴿تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ بَيانٌ لِوَصْفِها وحالِها فالجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى جَعْلِها خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وقِيلَ حالٌ مِن﴿سَقَرَ﴾ والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمِ أيْ أعْظَمَ سَقَرَ وأهْوَلَ أمْرَها حالُ كَوْنِها لا ﴿تُبْقِي﴾ إلَخِ ولَيْسَ بِذاكَ أيْ لا تُبْقِي شَيْئًا يُلْقى فِيها إلّا أهْلَكَتْهُ وإذا هَلَكَ لِمَ تَذَرْهُ هالِكًا حَتّى يُعادَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ لا ﴿تُبْقِي﴾ إذا أخَذَتْ فِيهِمْ لَمْ تُبْقِ مِنهم شَيْئًا وإذا بُدِّلُوا خَلْقًا جَدِيدًا لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الضَّحاكِ بِزِيادَةِ ولِكُلِّ شَيْءٍ فَتْرَةٌ ومَلالَةٌ ( إلّا ) جَهَنَّمَ. وقِيلَ لا ﴿تُبْقِي﴾ عَلى شَيْءٍ ولا تَدَعُهُ مِنَ الهَلاكِ بَلْ كُلُّ ما يُطْرَحُ فِيها هالِكٌ لا مَحالَةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ عَظْمًا وهو دُونَ ما تَقَدَّمَ.

المدثر 74:29

﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو رَزِينٍ والجُمْهُورُ أيْ مُغَيِّرَةٌ لِلْبَشَراتِ مُسَوَّدَةٌ لِلْجُلُودِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ بَعْضٍ بِزِيادَةِ «مُحَرِّقَةٌ» والمُرادُ في الجُمْلَةِ فَـ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ مِن لَوْحَتْهُ الشَّمْسُ إذا سَوَّدَتْ ظاهِرَهُ وأطْرافَهُ قالَ: تَقُولُ ما لاحَكَ يا مُسافِرُ يا ابْنَةَ عَمِّي لاحِنِي الهَواجِرُ والبَشَرُ جَمْعُ بَشَرَةٍ وهي ظاهِرُ الجِلْدِ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّها تَلْفَحُ الجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أشَدَّ سَوادًا مِنَ اللَّيْلِ. واعْتَرَضَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ وصْفُها بِتَسْوِيدِها الظّاهِرِ الجُلُودَ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ الصَّرِيحِ في الإحْراقِ وأُجِيبُ بِأنَّها في أوَّلِ المُلاقاةِ تُسَوِّدُهُ ثُمَّ تُحْرِقُهُ وتُهْلِكُهُ أوِ الأوَّلُ حالُها مَعَ مَن دَخَلَها وهَذا حالُها مَعَ مَن يَقْرُبُ مِنها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا قِيلَ لا يَحْسُنُ وصْفُها بِتَسْوِيدِ ظاهِرِ الجُلُودِ بَعْدَ وصْفِها بِأنَّها ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ لَمْ يَحْسُنْ هَذا الجَوابُ وقَدْ يُجابُ حِينَئِذٍ بِأنَّ المُرادَ ذِكْرُ أوْصافِها المَهُولَةِ الفَظِيعَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى ( تَرَقٍّ ) مِن فَظِيعٍ إلى أفْظَعَ وكَوْنُها ﴿لَوّاحَةٌ﴾ وصْفٌ مِن أوْصافِها ولَعَلَّهُ بِاعْتِبارِ أوَّلِ المُلاقاةِ وقِيلَ الإهْلاكُ وفي ذِكْرِهِ مِنَ التَّفْظِيعِ ما فِيهِ لِما أنَّ في تَسْوِيدِ الجُلُودِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمّا فِيهِ مِنَ الإيلامِ تَشْوِيهًا لِلْخَلْقِ ومُثْلَةً لِلشَّخْصِ فَهو مِن قَبِيلِ التَّتْمِيمِ وفي اسْتِلْزامِ الإهْلاكِ تَسْوِيدَ الجُلُودِ تَرَدُّدٌ وإنْ قِيلَ بِهِ فَتَدَبَّرْ، وجَوَّزَ عَلى تَفْسِيرِ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِما ذَكَرَ كَوْنُ البَشَرِ اسْمَ جِنْسٍ بِمَعْنى النّاسِ، ويُرْجَعُ المَعْنى إلى ما تَقَدَّمَ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ كِيسانَ والأصَمُّ ( لَوّاحَةٌ ) بِناءُ مُبالِغَةٍ مِن لاحَ إذا ظَهَرَ والبَشَرُ بِمَعْنى النّاسِ أيْ تَظْهَرُ لِلنّاسِ لِعَظَمِها وهَوْلِها كَما قالَ تَعالى ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ وقَدْ جاءَ أنَّها تَظْهَرُ لَهم مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. ورَفْعُ ( لَوّاحَةٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي لِواحَةٌ. وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( لَوّاحَةً) بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ أيْ أخُصُّ أوْ أعْنِي وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مُؤَكَّدَةً مِن ضَمِيرِ ( تُبْقِي ) أوْ ( تَذَرُ ) بِناءً عَلى زَعْمِ الِاسْتِلْزامِ وأنْ يَكُونَ حالًا مِن ( سَقَرُ ) والعامِلُ ما مَرَّ.

المدثر 74:30

﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ الظّاهِرُ مَلَكًا ألا تَرى العَرَبَ وهُمُ صفحة 126 الفُصَحاءُ كَيْفَ فَهِمُوا مِنهُ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قالَ أبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ ثَكِلَتْكم أُمَّهاتُكم أسْمَعُ أنَّ ابْنَ أبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكم أنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدَّهْمُ أيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهُمْ، فَقالَ لَهُ أبُو الأشَدِّ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ كَلِدَةَ الجُمَحِيُّ وكانَ شَدِيدَ البَطْشِ: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ فاكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً﴾ أيْ ما جَعَلْناهم رِجالًا مِن جِنْسِكم يُطاقُونَ وأنْزَلَ سُبْحانَهُ في أبِي جَهْلٍ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [اَلْقِيامَةِ: 34، 35] والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأصْحابِ النّارِ هُمُ التِّسْعَةُ عَشَرَ فَفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وكَأنَّ ذَلِكَ لِما في هَذا الظّاهِرِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهُمِ المُدَبِّرُونَ لِأمْرِها القائِمُونَ بِتَعْذِيبِ أهْلِها ما لَيْسَ في الضَّمِيرِ. وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ المُرادَ بِسَقَرَ النّارُ مُطْلَقًا لا طَبَقَةً خاصَّةً مِنها والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ النُّقَباءُ فَمَعْنى كَوْنِهِمْ ﴿عَلَيْها﴾ أنَّهم يَتَوَلَّوْنَ أمْرَها وإلَيْهِمْ جِماعُ زَبانِيَتِها وإلّا فَقَدْ جاءَ: «يُؤْتى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها» . وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ التَّمْيِيزَ المَحْذُوفَ صِنْفٌّ وقِيلَ صَفٌّ والأصْلُ عَلَيْها ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ صِنْفًا أوْ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ صَفًّا ويُبْعِدُهُ ما تَقَدَّمَ في رِوايَةِ الحَبْرِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَإنَّ المُتَبادِرَ أنَّ افْتِتانَهم بِاسْتِقْلالِهِمْ لَهم واسْتِبْعادِهِمْ تَوَلِّي تِسْعَةَ عَشَرَ لِتَعْذِيبِ أكْثَرِ الثَّقَلَيْنِ واسْتِهْزائِهِمْ بِذَلِكَ، ومَعَ تَقْدِيرِ الصِّنْفِ أوِ الصَّفِّ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ في تَعْلِيلِ جَعْلِهِمْ مَلائِكَةً لِيُخالِفُوا جِنْسَ المُعَذَّبِينَ فَلا يَرِقُّوا لَهم ولا يَسْتَرْوِحُوا إلَيْهِمْ ولِأنَّهم أقْوى الخَلْقِ وأقْوَمُهم بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى وبِالغَضَبِ لَهُ سُبْحانَهُ وأشَدُّهم بَأْسًا. وفِي الحَدِيثِ: «كَأنَّ أعْيُنَهُمُ البَرْقُ وكَأنَّ أقْوالَهُمُ الصَّياصِيُّ يَجُرُّونَ أشْعارَهم لَهم مِثْلَ قُوَّةٍ الثَّقَلَيْنِ يُقْبَلُ أحَدُهم بِالأُمَّةِ مِنَ النّاسِ يَسُوقُهم عَلى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ حَتّى يَرْمِيَ بِهِمْ في النّارِ فَيَرْمِي بِالجَبَلِ عَلَيْهِمْ» . ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في التَّنْوِينِ إشْعارٌ إلى عِظَمِ أمْرِهِمْ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ وما جَعَلْنا عَدَدَ أصْحابِ النّارِ ( إلّا ) العَدَدَ الَّذِي اقْتَضى فِتْنَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالِاسْتِقْلالِ والِاسْتِهْزاءِ وهو التِّسْعَةُ عَشَرَ فَكَأنَّ الأصْلَ ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا﴾ تِسْعَةَ عَشَرَ فَعَبَّرَ بِالأثَرِ وهو فِتْنَةُ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَنِ المُؤَثِّرِ وهو خُصُوصُ التِّسْعَةِ عَشَرَ لِأنَّهُ كَما عُلِمَ السَّبَبُ في افْتِتانِهِمْ وقِيلَ ( إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ )تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأثَرَ هُنا لِعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْ مُؤْثِّرِهِ لِتَلازُمِهِما كانا كَشَيْءٍ واحِدٍ يُعَبَّرُ بِاسْمِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ومَعْنى جَعَلَ عِدَّتَهُمُ المُطْلَقَةَ العِدَّةَ المَخْصُوصَةَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ عَدَدِهِمْ بِأنَّهُ كَذا إذِ الجَعْلُ لا يَتَعَلَّقُ بِالعُدَّةِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْدُودِ، فالمَعْنى أخْبَرَنا أنَّ عِدَّتَهم تِسْعَةَ عَشَرَ دُونَ غَيْرِها. ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ لِيَكْتَسِبُوا اليَقِينَ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ وصَدَقَ القُرْآنُ لِأجْلِ مُوافَقَةِ المَذْكُورِينَ ذِكْرَهم في القُرْآنِ بِهَذا العَدَدِ وفي الكِتابَيْنِ كَذَلِكَ وهَذا غَيْرُ جَعْلِ المَلائِكَةِ عَلى العَدَدِ المَخْصُوصِ لِأنَّهُ إيجادٌ ولا يَصِحُّ عَلى ما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يَجْعَلَ إيجادَهم عَلى الوَصْفِ عِلَّةً لِلِاسْتِيقانِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ لَيْسَ ( إلّا ) لِلْمُوافَقَةِ وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِتَصْحِيحِهِ بِأنَّ الإيجادَ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ والإخْبارَ سَبَبٌ لِلِاسْتِيقانِ فَهو سَبَبٌ بَعِيدٌ لَهُ والشَّيْءُ كَما يُسْنَدُ لِسَبَبِهِ البَعِيدِ يُسْنَدُ لِسَبَبِهِ القَرِيبِ لَكِنَّهُ كَما قالَ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ وإنَّما احْتِيجَ إلى التَّأْوِيلِ بِالتَّعْبِيرِ بِالأثَرِ عَنِ المُؤَثِّرِ ولَمْ يَبْقَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ الجَعْلَ مِن دَواخِلِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ فَما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ إلى الآخَرِ كَقَوْلِكَ جَعَلْتُ الفِضَّةَ خاتَمًا لِتَزَيُّنٍ بِهِ، وكَذَلِكَ ما جَعَلْتُ الفِضَّةَ ( إلّا ) خاتَمًا لِكَذا ولا مَعْنى لِتُرَتِّبِ الِاسْتِيقانِ وما بَعْدَهُ عَلى جَعْلِ عِدَّتِهِمْ فِتْنَةً لِلْكَفّارِ ولا مَدْخَلَ لِافْتِتانِهِمْ بِالعَدَدِ المَخْصُوصِ في ذَلِكَ، وإنَّما الَّذِي لَهُ مَدْخَلٌ العِدَّةُ بِنَفْسِها أيِ العِدَّةُ بِاعْتِبارِ أنَّها العِدَّةُ المَخْصُوصَةُ والإخْبارُ بِها كَما سَمِعْتَ ولَيْسَ ذَلِكَ تَحْرِيفًا لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ولا مَبْنِيًّا عَلى رِعايَةِ مَذْهَبٍ باطِلٍ كَما تَوَهَّمَ. ومِنهم مَن تَكَلَّفَ لِأمْرِ السَّبَبِيَّةِ عَلى الظّاهِرِ بِما تَمُجُّهُ صفحة 127 الأسْماعُ فَلا نُسَوِّدُ بِهِ الرِّقاعَ. وفِي البَحْرِ ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿جَعَلْنا﴾ لا بِـ ﴿فِتْنَةً﴾ فَلَيْسَتِ الفِتْنَةُ مَعْلُولَةً لِلِاسْتِيقانِ بَلِ المَعْلُولُ جَعْلُ العِدَّةِ سَبَبَ الفِتْنَةِ. وفي الِانْتِصافِ يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ إلى ما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ أيْ جَعَلْنا عِدَّتَهم سَبَبًا لِفِتْنَةِ الكُفّارِ ويَقِينِ المُؤْمِنِينَ وذَكَرَ الإمامُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ الثّانِي ما قَدَّمْناهُ مِمّا اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ والأوَّلُ أنَّ التَّقْدِيرَ ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً﴾ لِلْكافِرِينَ وإلّا ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قالَ: وهَذا كَما يُقالُ فَعَلْتُ كَذا لِتَعْظِيمِكَ ولِتَحْقِيرِ عَدُوِّكَ فالواوُ العاطِفَةُ قَدْ تُذْكَرُ في هَذا المَوْضِعِ تارَةً وقَدْ تُحْذَفُ أُخْرى. وقالَ بَعْضٌ أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَسْتَيْقِنَ إلَخِ والكُلُّ كَما تَرى وحَمَلَ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ وقِيلَ المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنِ البَراءِ أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ أعْلَمُ فَجاءَ فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قالَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ لِأُناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: هَلْ يَعْلَمُ نَبِيُّكم عَدَدَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ؟ فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: هَكَذا وهَكَذا في مَرَّةٍ عَشَرَةٌ وفي مَرَّةٍ تِسْعَةٌ» . واسْتَشْعَرَ مِن هَذا أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ اليَهُودَ إنَّما كانُوا فِيها وهو اسْتِشْعارٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ السُّؤالَ لِصَحابِيٍّ فَلَعَلَّهُ كانَ مُسافِرًا فاجْتَمَعَ بِيَهُودِيٍّ حَيْثُ كانَ وأيْضًا لا مانِعَ إذْ ذاكَ مِن إتْيانِ بَعْضِ اليَهُودِ نَحْوَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ ثُمَّ إنَّ الخَبَرَيْنِ لا يُعِينانِ حَمْلَ المَوْصُولِ عَلى اليَهُودِ كَما يَخْفى فالأوْلى إبْقاءُ التَّعْرِيفِ عَلى الجِنْسِ وشُمُولُ المَوْصُولِ لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ أيْ يَزْدادُ إيمانُهم كَيْفِيَّةً بِما رَأوْا مِن تَسْلِيمِ أهْلِ الكِتابِ وتَصْدِيقِهِمْ أنَّهُ كَذَلِكَ أوْ كَمِّيَّةً بِانْضِمامِ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ إلى إيمانِهِمْ بِسائِرِ ما أنْزَلَ. ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الِاسْتِيقانِ وازْدِيادِ الإيمانِ ونَفْيٌ لِما قَدْ يَعْتَرِي المُسْتَيْقِنَ مِن شُبْهَةٍ ما لِلْغَفْلَةِ عَنْ بَعْضِ المُقَدِّماتِ أوْ طَرَيانِ ما تَوَهَّمَ كَوْنَهُ مُعارِضًا في أوَّلِ وهْلَةٍ ولِما فِيهِ مِن هَذِهِ الزِّيادَةِ جازَ عَطْفُهُ عَلى المُؤَكَّدِ بِالواوِ لِتَغايُرِهِما في الجُمْلَةِ، وإنَّما لَمْ يُنْظَمِ المُؤْمِنُونَ في سِلْكِ أهْلِ الكِتابِ في نَفْيِ الِارْتِيابِ حَيْثُ لَمَّ يَقُلْ ولا يَرْتابُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَبايُنِ النَّفِيَّيْنِ حالًا فَإنَّ انْتِفاءَ الِارْتِيابِ مِن أهْلِ الكِتابِ مُقارِنٌ لِما يُنافِيهِ مِنَ الجُحُودِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ مُقارِنٌ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الإيمانِ وكَمْ بَيْنَهُما وقِيلَ إنَّما لَمْ يَقُلْ ولا يَرْتابُوا بَلْ قِيلَ ﴿ولا يَرْتابَ﴾ إلَخِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى تَأْكِيدِ الأمْرَيْنِ لِاحْتِمالِ عَوْدِ الضَّمِيرِ في ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَقَطْ والتَّعْبِيرُ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِاسْمِ الفاعِلِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ الحُدُوثِ لِلْإيذانِ بِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ بَعْدَ ازْدِيادِهِمْ ورُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ. ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ شَكٌّ أوْ نِفاقٌ فَيَكُونُ بِناءً عَلى أنِ السُّورَةِ بِتَمامِها مَكِّيَّةٌ، والنِّفاقُ إنَّما حَدَثَ بِالمَدِينَةِ إخْبارًا عَمّا سَيَحْدُثُ مِنَ المُغَيَّباتِ بَعْدَ الهِجْرَةِ ﴿والكافِرُونَ﴾ المُصِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ تَعالى أوْ ما الَّذِي أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهَذا العَدَدِ المُسْتَغْرَبِ اسْتِغْرابَ المَثَلِ وعَلى الأوَّلِ ماذا مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ اسْمٍ واحِدٍ لِلِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أرادَ ) وعَلى الثّانِي هي مُؤَلَّفَةٌ مِن كَلِمَةٍ ما اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأٌ وذا اسْمُ مَوْصُولٍ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ بَعْدُ صِلَةٌ والعائِدُ فِيها مَحْذُوفٌ ( ومَثَلًا ) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ أوْ عَلى الحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ( هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَة) [اَلْأعْرافِ: 73، هُودٍ: 64] . والظّاهِرُ أنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ المَحْكِيِّ وعَنَوْا بِالإشارَةِ التَّحْقِيرَ وغَرَضُهم نَفْيُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لا صفحة 128 الِاسْتِفْهامُ حَقِيقَةً عَنِ الحِكْمَةِ ولا القَدْحُ في اشْتِمالِهِ عَلَيْها مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِصُدُورِ الأخْبارِ بِذَلِكَ عَنْهُ تَعالى، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ أرادَ اللَّهُ مِنَ الحِكايَةِ وهم قالُوا ماذا أُرِيدَ ونَحْوُهُ وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ بِمَعْناهُ الآخَرُ وهو ما شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ بِأنْ يَكُونُوا قَدْ عَدُّوهُ لِاسْتِغْرابِهِ مَثَلًا مَضْرُوبًا ونَسَبُوهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ اسْتِهْزاءً وتَهَكُّمًا. وإفْرادُ قَوْلِهِ بِهَذا التَّعْلِيلِ مَعَ كَوْنِهِ مِن بابِ فِتْنَتِهِمْ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِهِ في الشَّناعَةِ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ إنَّما أُعِيدُ اللّامَ فِيهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ إذْ مَرْجِعُ الأُولى الهِدايَةُ المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ ومَرْجِعُ هَذِهِ الضَّلالُ المَقْصُودُ بِالعَرْضِ النّاشِئِ مِن سُوءِ صَنِيعِ الضّالِّينَ وتَعْلِيلُ أفْعالِهِ تَعالى بِالحِكَمِ والمَصالِحِ جائِزٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ وجَوَّزَ في هَذِهِ اللّامِ وكَذا الأُولى كَوْنَها لِلْعاقِبَةِ. ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهِدايَةِ ومَحَلُّ الكافِ في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وأصْلُ التَّقْدِيرِ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ إضْلالًا وهِدايَةً كائِنَيْنِ مِثْلَ ما ذَكَرَ مِنَ الإضْلالِ والهِدايَةِ فَحُذِفَ المَصْدَرُ وأُقِيمَ وصْفُهُ مَقامَهُ ثُمَّ قُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ فَصارَ النَّظْمُ مِثْلَ ذَلِكَ الإضْلالِ وتِلْكَ الهِدايَةِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ﴾ تَعالى ﴿مَن يَشاءُ﴾ إضْلالَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ السَّيْءِ إلى جانِبِ الضَّلالِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى النّاطِقَةِ بِالهُدى. ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ الحَسَنِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الآياتِ إلى جانِبِ الهُدى لا إضْلالًا وهِدايَةً أدْنى مِنهُما، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما بَعْدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 143] عَلى ما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ جَمْعُ جُنْدٍ اشْتَهَرَ في العَسْكَرِ اعْتِبارًا بِالغِلْظَةِ مِنَ الجُنْدِ أيِ الأرْضِ الغَلِيظَةِ الَّتِي فِيها حِجارَةٌ. ويُقالُ لِكُلِّ جَمْعٍ أيْ وما يَعْلَمُ جُمُوعَ خَلْقِهِ تَعالى الَّتِي مِن جُمْلَتِها المَلائِكَةُ المَذْكُورُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿إلا هُوَ﴾ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى حَصْرِ المُمْكِناتِ والوُقُوفِ عَلى حَقائِقِها وصِفاتِها ولَوْ إجْمالًا فَضْلًا عَنِ الِاطِّلاعِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِها مِن كَمْ وكَيْفَ ونِسْبَةٍ. ( وهو ) رَدٌّ لِاسْتِهْزائِهِمْ يَكُونُ الخَزَنَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ لِجَهْلِهِمْ وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ هو جَوابٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ أما لِرَبِّ مُحَمَّدٍ أعْوانٌ ( إلّا ) تِسْعَةَ عَشَرَ وحاصِلُهُ أنَّهُ لَمّا قَلَّلَ الأعْوانَ أُجِيبَ بِأنَّهم لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً إنَّما المُوَكَّلُونَ عَلى النّارِ هَؤُلاءِ المَخْصُوصُونَ لا أنَّ المَعْنى ما يَعْلَمُ بِقُوَّةِ بَطْشِ المَلائِكَةِ ( إلّا ) هو خِلافًا لِلطِّيبِي فَإنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ ظاهِرِ الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى واخْتَلَفَ في أكْثَرِ جُنُودِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقِيلَ المَلائِكَةُ لِخَبَرِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ ( إلّا ) وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ» . . وفِي بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّ مَخْلُوقاتِ البَرِّ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ البَحْرِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ الجَوِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الدُّنْيا والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّانِيَةِ وهَكَذا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ المَلائِكَةِ الحافِّينَ بِالعَرْشِ والمَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما لا يَعْلَمُهُ ( إلّا ) اللَّهُ، وقِيلَ المَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ المُهَيْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُ أحَدُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ أحَدًا سِواهُ والمَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ مِن مَخْلُوقاتِهِ» . وعَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ مَن مَعَكَ في السَّماءِ؟ قالَ: مَلائِكَتِي، قالَ: كَمْ عِدَتُهُمْ؟ قالَ: اثْنا عَشَرَ سِبْطًا، قالَ: كَمْ عِدَةُ كُلِّ سِبْطٍ؟ قالَ: عَدَدُ التُّرابِ وفِي صِحَّةِ هَذا نَظَرٌ وإنْ صَحَّ فَصَدْرُهُ مِنَ المُتَشابِهِ وأنا لا أجْزِمُ بِأكْثَرِيَّةِ صِنْفٍ فَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ( إلّا ) هو ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي نَصٌّ في ذَلِكَ بَيْدَ أنَّهُ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ الأكْثَرَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مِنَ الآياتِ والأخْبارِ تُشَجِّعُ عَلى القَوْلِ بِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ جُنُودٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لا يَعْلَمُ حَقائِقَها وأحْوالَها ( إلّا ) هو عَزَّ وجَلَّ ودائِرَةُ مُلْكِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ أعْظَمُ مِن أنْ يُحِيطَ بِها نِطاقُ الحَصْرِ أوْ يَصِلَ إلى مَرْكَزِها طائِرُ الفِكْرِ ( فَأنّى ) وهَيْهاتَ ولَوِ اسْتَغْرَقَتِ القُوى والأوْقاتُ هَذا واخْتَلَفَ في المُخَصَّصِ لِهَذا العَدَدِ صفحة 129 أعْنِي تِسْعَةَ عَشَرَ فَقِيلَ إنَّ اخْتِلافَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ في النَّظَرِ والعَمَلِ بِسَبَبِ القُوى الحَيَوانِيَّةِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ يَعْنِي الحَواسَّ الخَمْسَةَ الباطِنَةَ والحَواسَّ الخَمْسَةَ الظّاهِرَةَ والقُوَّةَ الباعِثَةَ كالغَضَبِيَّةِ والشَّهْوِيَّةَ والقُوَّةَ المُحَرِّكَةَ فَهَذِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ والطَّبِيعِيَّةَ السَّبْعَ الَّتِي ثَلاثٌ مِنها مَخْدُومَةٌ وهي القُوَّةُ النّامِيَةُ والغادِيَةُ والمُوَلِّدَةُ وأرْبَعٌ مِنها خادِمَةٌ وهي الهاضِمَةُ والجاذِبَةُ والدّافِعَةُ والماسِكَةُ وهَذا مَعَ ابْتِنائِهِ عَلى الفَلْسَفَةِ لا يَكادُ يَتِمُّ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وقَفَ عَلى كُتُبِها. وقِيلَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ دِرْكاتٍ سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكُفّارِ وكُلُّ صِنْفٍ يُعَذَّبُ بِتَرْكِ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ والعَمَلِ أنْواعًا مِنَ العَذابِ تُناسِبُها فَيَضْرِبُ السِّتَّ في الثَّلاثَةِ يَحْصُلُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وعَلى كُلِّ نَوْعِ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ يَتَوَلّاهُ وواحِدَةٌ لِعُصاةِ الأُمَّةِ يُعَذَّبُونَ فِيها بِتَرْكِ العَمَلِ نَوْعًا يُناسِبُهُ ويَتَوَلّاهُ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ وبِذَلِكَ تَتِمُّ التِّسْعَةُ عَشَرَ. وخُصَّتْ سِتٌّ مِنها بِأصْنافِ الكُفّارِ وواحِدَةٌ بِأصْنافِ الأُمَّةِ، ولَمْ يُجْعَلْ تَعْذِيبُ الكُفّارِ في خَمْسٍ مِنها فَيَبْقى لِلْمُؤْمِنِينَ اثْنَتانِ إحْداهُما لِأهْلِ الكَبائِرِ والأُخْرى لِأهْلِ الصَّغائِرِ أوْ إحْداهُما لِلْعُصاةِ مِنهم والأُخْرى لِلْعاصِياتِ لِأنَّهُ حَيْثُ أُعِدَّتِ النّارُ لِلْكافِرِينَ أوَّلًا وبِالذّاتِ ناسَبَ أنْ يَسْتَغْرِقُوها كُلِّيَّةً ويُوَزَّعُوا عَلى جَمِيعِ أماكِنِها بِقَدْرِ ما يُمْكِنُ لَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ بِتَعْذِيبِ عُصاةِ الأُمَّةِ بِها أفْرَزَتْ واحِدَةً مِنها لَهم. وقِيلَ: إنَّ السّاعاتِ أرْبَعٌ وعِشْرُونَ خَمْسَةٌ مِنها مَصْرُوفَةٌ لِلصَّلاةِ فَلَمْ يَخْلُقْ في مُقابَلَتِها زَبانِيَةٌ لِبَرَكَةِ الصَّلاةِ الشّامِلَةِ لِمَن لَمْ يُصَلِّ فَيَبْقى تِسْعَ عَشَرَةَ، وقِيلَ إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ دَرَكاتٍ سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكُفّارِ ولِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ عَذابِهِمْ واسْتِمْرارِهِ ناسَبَ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ ثَلاثَةٌ واحِدٌ في الوَسَطِ واثْنانِ في الطَّرَفَيْنِ فَهَذِهِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وواحِدَةٌ مِنها لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ ناسَبَ أمْرَ عَذابِهِمْ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ واحِدٌ وبِهِ تَتِمُّ التِّسْعَةُ عَشَرَ وقِيلَ إنَّ العَدَدَ عَلى وجْهَيْنِ قَلِيلٌ وهو مِنَ الواحِدِ إلى التِّسْعَةِ وكَثِيرٌ وهو مِنَ العَشْرَةِ ( إلّا ) ما لا نِهايَةَ لَهُ فَجَمَعَ بَيْنَ نِهايَةِ القَلِيلِ وبِدايَةِ الكَثِيرِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ واَلَّذِي مالَ إلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُ حِكْمَتَهُ عَلى التَّحْقِيقِ ( إلّا ) اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وهو كالمُتَشابِهِ يُؤْمَنُ بِهِ ويُفَوَّضُ عِلْمُهُ إلى اللَّهِ تَعالى وكُلُّ ما ذَكَرَ مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وجَّهَ أدْنى نَظَرِهِ إلَيْهِ واَللَّهُ تَعالى الهادِي لِصَوْبِ الصَّوابِ والمُتَفَضِّلُ عَلى مَن شاءَ يَعْلَمُ لا شَكَّ مَعَهُ ولا ارْتِيابَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِإسْكانِ العَيْنِ وهو لُغَةٌ فِيهِ كَراهَةَ تَوالِي الحَرَكاتِ فِيما هو كاسْمٍ واحِدٍ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ قُطْبِ وإبْراهِيمُ بْنُ قَتَّةَ «تُسْعَةَ» بِضَمِّ التّاءِ وهي حَرَكَةُ بِناءٍ عَدَلَ إلَيْها عَنِ الفَتْحِ لِتَوالِي خَمْسِ فَتَحاتٍ ولا يُتَوَهَّمَ أنَّها حَرَكَةُ إعْرابٍ وإلّا أعْرَبَ عَشَرَ. وقَرَأ أنَسٌ أيْضًا «تُسْعَةَ» بِالضَّمِّ «أعْشَرَ» بِالفَتْحِ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ فَيَجُوزُ أنَّهُ جَمَعَ العَشْرَةَ عَلى أعْشُرٍ ثُمَّ أجْراهُ مَجْرى تِسْعَةَ عَشَرَ وعَنْهُ أيْضًا «تُسْعَةَ» و«عُشَرَ» بِالضَّمِّ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا خالِصَةً تَخْفِيفًا والتّاءُ فِيهِما مَضْمُومَةٌ ضَمَّةَ بِناءٍ لِما سَمِعْتَ آنِفًا. وعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ قَتَّةَ وهو أخُو إبْراهِيمَ أنَّهُ قَرَأ «تِسْعَةَ أعْشُرٍ» بِضَمِّ التّاءِ ضَمَّةَ إعْرابِ والإضافَةِ إلى أعُشْرٍ وجَرِّهِ مُنَوَّنًا وهو عَلى ما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ جَمْعُ عَشْرَةَ وقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ المَلائِكَةَ عَلى القِراءَةِ بِهَذا الجَمْعِ مُعْرَبًا أوْ مَبْنِيًّا تِسْعُونَ مَلَكًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَمْعُ عَشِيرٍ مِثْلُ يَمِينٍ وأيْمَنُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ أيْ تِسْعَةً مِنَ المَلائِكَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَشِيرٌ فَهم مَعَ أشْياعِهِمْ تِسْعُونَ والعَشِيرُ بِمَعْنى العَشْرِ فَدَلَّ عَلى أنَّ النُّقَباءَ تِسْعَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ دَلالَتَهُ عَلى هَذا المَعْنى غَيْرُ واضِحَةٍ ولِهَذا قالَ ابْنُ جِنِّي لا وجْهَ لِتِلْكَ القِراءَةِ ( إلّا ) أنْ يَعْنِيَ تِسْعَةَ أعْشُرٍ جَمْعُ العَشِيرِ وهم الأصْدِقاءُ فَلْيُراجَعْ. ( وما هي ) أيْ سَقَرُ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ مُجاهِدٍ ﴿إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ إلّا تَذْكِرَةٌ لَهم والعَطْفُ قِيلَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ﴾ إلى هُنا اعْتِراضٌ ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمّا قِيلَ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ زِيادَةً في تَهْوِيلِ أمْرِ جَهَنَّمَ عَقَّبَ بِما يُؤَكِّدُ قُوَّتَهم وتَسَلُّطَهم وتَبايُنَهم بِالشِّدَّةِ عَنْ سائِرِ المَخْلُوقاتِ ﴿ثُمَّ﴾ بِما يُؤَكِّدُ الكَمِّيَّةَ وما أكَّدَ المُؤَكَّدَ فَهو مُؤَكَّدٌ أيْضًا. وقِيلَ صفحة 130 الضَّمِيرُ لِلْآياتِ النّاطِقَةِ بِأحْوالِ سَقَرَ، وقِيلَ لِعِدَّةِ خَزَنَتِها والتَّذْكِيرِ والعِظَةِ فِيها مِن جِهَةِ أنَّ في خَلْقِهِ تَعالى ما هو في غايَةِ العَظَمَةِ حَتّى يَكُونَ لِقَلِيلٍ مِنهم مُعَذَّبًا ومُهْلَكًا لِما لا يُحْصى دَلالَةً عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُقَدَّرُ حَقَّ قَدْرِهِ ولا تُوصَفُ عَظَمَتُهُ ولا تَصِلُ الأفْكارُ إلى حَرَمِ جَلالِهِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْجُنُودِ وقِيلَ لِنارِ الدُّنْيا وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ وأقْواها عَلى ما قِيلَ ما تَقَدَّمَ. وبَيْنَ «البَشَرِ» هاهُنا و«البَشَرِ» فِيما سَبَقَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ تَجْنِيسٌ تامٌّ لَفْظِيٌّ وخَطِّيٌّ وقَلَّ مَن تَذَكَّرَ لَهُ.

المدثر 74:31

﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ الظّاهِرُ مَلَكًا ألا تَرى العَرَبَ وهُمُ صفحة 126 الفُصَحاءُ كَيْفَ فَهِمُوا مِنهُ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قالَ أبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ ثَكِلَتْكم أُمَّهاتُكم أسْمَعُ أنَّ ابْنَ أبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكم أنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدَّهْمُ أيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهُمْ، فَقالَ لَهُ أبُو الأشَدِّ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ كَلِدَةَ الجُمَحِيُّ وكانَ شَدِيدَ البَطْشِ: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ فاكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً﴾ أيْ ما جَعَلْناهم رِجالًا مِن جِنْسِكم يُطاقُونَ وأنْزَلَ سُبْحانَهُ في أبِي جَهْلٍ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [اَلْقِيامَةِ: 34، 35] والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأصْحابِ النّارِ هُمُ التِّسْعَةُ عَشَرَ فَفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وكَأنَّ ذَلِكَ لِما في هَذا الظّاهِرِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهُمِ المُدَبِّرُونَ لِأمْرِها القائِمُونَ بِتَعْذِيبِ أهْلِها ما لَيْسَ في الضَّمِيرِ. وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ المُرادَ بِسَقَرَ النّارُ مُطْلَقًا لا طَبَقَةً خاصَّةً مِنها والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ النُّقَباءُ فَمَعْنى كَوْنِهِمْ ﴿عَلَيْها﴾ أنَّهم يَتَوَلَّوْنَ أمْرَها وإلَيْهِمْ جِماعُ زَبانِيَتِها وإلّا فَقَدْ جاءَ: «يُؤْتى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها» . وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ التَّمْيِيزَ المَحْذُوفَ صِنْفٌّ وقِيلَ صَفٌّ والأصْلُ عَلَيْها ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ صِنْفًا أوْ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ صَفًّا ويُبْعِدُهُ ما تَقَدَّمَ في رِوايَةِ الحَبْرِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَإنَّ المُتَبادِرَ أنَّ افْتِتانَهم بِاسْتِقْلالِهِمْ لَهم واسْتِبْعادِهِمْ تَوَلِّي تِسْعَةَ عَشَرَ لِتَعْذِيبِ أكْثَرِ الثَّقَلَيْنِ واسْتِهْزائِهِمْ بِذَلِكَ، ومَعَ تَقْدِيرِ الصِّنْفِ أوِ الصَّفِّ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ في تَعْلِيلِ جَعْلِهِمْ مَلائِكَةً لِيُخالِفُوا جِنْسَ المُعَذَّبِينَ فَلا يَرِقُّوا لَهم ولا يَسْتَرْوِحُوا إلَيْهِمْ ولِأنَّهم أقْوى الخَلْقِ وأقْوَمُهم بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى وبِالغَضَبِ لَهُ سُبْحانَهُ وأشَدُّهم بَأْسًا. وفِي الحَدِيثِ: «كَأنَّ أعْيُنَهُمُ البَرْقُ وكَأنَّ أقْوالَهُمُ الصَّياصِيُّ يَجُرُّونَ أشْعارَهم لَهم مِثْلَ قُوَّةٍ الثَّقَلَيْنِ يُقْبَلُ أحَدُهم بِالأُمَّةِ مِنَ النّاسِ يَسُوقُهم عَلى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ حَتّى يَرْمِيَ بِهِمْ في النّارِ فَيَرْمِي بِالجَبَلِ عَلَيْهِمْ» . ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في التَّنْوِينِ إشْعارٌ إلى عِظَمِ أمْرِهِمْ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ وما جَعَلْنا عَدَدَ أصْحابِ النّارِ ( إلّا ) العَدَدَ الَّذِي اقْتَضى فِتْنَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالِاسْتِقْلالِ والِاسْتِهْزاءِ وهو التِّسْعَةُ عَشَرَ فَكَأنَّ الأصْلَ ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا﴾ تِسْعَةَ عَشَرَ فَعَبَّرَ بِالأثَرِ وهو فِتْنَةُ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَنِ المُؤَثِّرِ وهو خُصُوصُ التِّسْعَةِ عَشَرَ لِأنَّهُ كَما عُلِمَ السَّبَبُ في افْتِتانِهِمْ وقِيلَ ( إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ )تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأثَرَ هُنا لِعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْ مُؤْثِّرِهِ لِتَلازُمِهِما كانا كَشَيْءٍ واحِدٍ يُعَبَّرُ بِاسْمِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ومَعْنى جَعَلَ عِدَّتَهُمُ المُطْلَقَةَ العِدَّةَ المَخْصُوصَةَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ عَدَدِهِمْ بِأنَّهُ كَذا إذِ الجَعْلُ لا يَتَعَلَّقُ بِالعُدَّةِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْدُودِ، فالمَعْنى أخْبَرَنا أنَّ عِدَّتَهم تِسْعَةَ عَشَرَ دُونَ غَيْرِها. ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ لِيَكْتَسِبُوا اليَقِينَ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ وصَدَقَ القُرْآنُ لِأجْلِ مُوافَقَةِ المَذْكُورِينَ ذِكْرَهم في القُرْآنِ بِهَذا العَدَدِ وفي الكِتابَيْنِ كَذَلِكَ وهَذا غَيْرُ جَعْلِ المَلائِكَةِ عَلى العَدَدِ المَخْصُوصِ لِأنَّهُ إيجادٌ ولا يَصِحُّ عَلى ما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يَجْعَلَ إيجادَهم عَلى الوَصْفِ عِلَّةً لِلِاسْتِيقانِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ لَيْسَ ( إلّا ) لِلْمُوافَقَةِ وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِتَصْحِيحِهِ بِأنَّ الإيجادَ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ والإخْبارَ سَبَبٌ لِلِاسْتِيقانِ فَهو سَبَبٌ بَعِيدٌ لَهُ والشَّيْءُ كَما يُسْنَدُ لِسَبَبِهِ البَعِيدِ يُسْنَدُ لِسَبَبِهِ القَرِيبِ لَكِنَّهُ كَما قالَ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ وإنَّما احْتِيجَ إلى التَّأْوِيلِ بِالتَّعْبِيرِ بِالأثَرِ عَنِ المُؤَثِّرِ ولَمْ يَبْقَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ الجَعْلَ مِن دَواخِلِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ فَما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ إلى الآخَرِ كَقَوْلِكَ جَعَلْتُ الفِضَّةَ خاتَمًا لِتَزَيُّنٍ بِهِ، وكَذَلِكَ ما جَعَلْتُ الفِضَّةَ ( إلّا ) خاتَمًا لِكَذا ولا مَعْنى لِتُرَتِّبِ الِاسْتِيقانِ وما بَعْدَهُ عَلى جَعْلِ عِدَّتِهِمْ فِتْنَةً لِلْكَفّارِ ولا مَدْخَلَ لِافْتِتانِهِمْ بِالعَدَدِ المَخْصُوصِ في ذَلِكَ، وإنَّما الَّذِي لَهُ مَدْخَلٌ العِدَّةُ بِنَفْسِها أيِ العِدَّةُ بِاعْتِبارِ أنَّها العِدَّةُ المَخْصُوصَةُ والإخْبارُ بِها كَما سَمِعْتَ ولَيْسَ ذَلِكَ تَحْرِيفًا لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ولا مَبْنِيًّا عَلى رِعايَةِ مَذْهَبٍ باطِلٍ كَما تَوَهَّمَ. ومِنهم مَن تَكَلَّفَ لِأمْرِ السَّبَبِيَّةِ عَلى الظّاهِرِ بِما تَمُجُّهُ صفحة 127 الأسْماعُ فَلا نُسَوِّدُ بِهِ الرِّقاعَ. وفِي البَحْرِ ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿جَعَلْنا﴾ لا بِـ ﴿فِتْنَةً﴾ فَلَيْسَتِ الفِتْنَةُ مَعْلُولَةً لِلِاسْتِيقانِ بَلِ المَعْلُولُ جَعْلُ العِدَّةِ سَبَبَ الفِتْنَةِ. وفي الِانْتِصافِ يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ إلى ما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ أيْ جَعَلْنا عِدَّتَهم سَبَبًا لِفِتْنَةِ الكُفّارِ ويَقِينِ المُؤْمِنِينَ وذَكَرَ الإمامُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ الثّانِي ما قَدَّمْناهُ مِمّا اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ والأوَّلُ أنَّ التَّقْدِيرَ ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً﴾ لِلْكافِرِينَ وإلّا ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قالَ: وهَذا كَما يُقالُ فَعَلْتُ كَذا لِتَعْظِيمِكَ ولِتَحْقِيرِ عَدُوِّكَ فالواوُ العاطِفَةُ قَدْ تُذْكَرُ في هَذا المَوْضِعِ تارَةً وقَدْ تُحْذَفُ أُخْرى. وقالَ بَعْضٌ أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَسْتَيْقِنَ إلَخِ والكُلُّ كَما تَرى وحَمَلَ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ وقِيلَ المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنِ البَراءِ أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ أعْلَمُ فَجاءَ فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قالَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ لِأُناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: هَلْ يَعْلَمُ نَبِيُّكم عَدَدَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ؟ فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: هَكَذا وهَكَذا في مَرَّةٍ عَشَرَةٌ وفي مَرَّةٍ تِسْعَةٌ» . واسْتَشْعَرَ مِن هَذا أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ اليَهُودَ إنَّما كانُوا فِيها وهو اسْتِشْعارٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ السُّؤالَ لِصَحابِيٍّ فَلَعَلَّهُ كانَ مُسافِرًا فاجْتَمَعَ بِيَهُودِيٍّ حَيْثُ كانَ وأيْضًا لا مانِعَ إذْ ذاكَ مِن إتْيانِ بَعْضِ اليَهُودِ نَحْوَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ ثُمَّ إنَّ الخَبَرَيْنِ لا يُعِينانِ حَمْلَ المَوْصُولِ عَلى اليَهُودِ كَما يَخْفى فالأوْلى إبْقاءُ التَّعْرِيفِ عَلى الجِنْسِ وشُمُولُ المَوْصُولِ لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ أيْ يَزْدادُ إيمانُهم كَيْفِيَّةً بِما رَأوْا مِن تَسْلِيمِ أهْلِ الكِتابِ وتَصْدِيقِهِمْ أنَّهُ كَذَلِكَ أوْ كَمِّيَّةً بِانْضِمامِ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ إلى إيمانِهِمْ بِسائِرِ ما أنْزَلَ. ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الِاسْتِيقانِ وازْدِيادِ الإيمانِ ونَفْيٌ لِما قَدْ يَعْتَرِي المُسْتَيْقِنَ مِن شُبْهَةٍ ما لِلْغَفْلَةِ عَنْ بَعْضِ المُقَدِّماتِ أوْ طَرَيانِ ما تَوَهَّمَ كَوْنَهُ مُعارِضًا في أوَّلِ وهْلَةٍ ولِما فِيهِ مِن هَذِهِ الزِّيادَةِ جازَ عَطْفُهُ عَلى المُؤَكَّدِ بِالواوِ لِتَغايُرِهِما في الجُمْلَةِ، وإنَّما لَمْ يُنْظَمِ المُؤْمِنُونَ في سِلْكِ أهْلِ الكِتابِ في نَفْيِ الِارْتِيابِ حَيْثُ لَمَّ يَقُلْ ولا يَرْتابُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَبايُنِ النَّفِيَّيْنِ حالًا فَإنَّ انْتِفاءَ الِارْتِيابِ مِن أهْلِ الكِتابِ مُقارِنٌ لِما يُنافِيهِ مِنَ الجُحُودِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ مُقارِنٌ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الإيمانِ وكَمْ بَيْنَهُما وقِيلَ إنَّما لَمْ يَقُلْ ولا يَرْتابُوا بَلْ قِيلَ ﴿ولا يَرْتابَ﴾ إلَخِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى تَأْكِيدِ الأمْرَيْنِ لِاحْتِمالِ عَوْدِ الضَّمِيرِ في ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَقَطْ والتَّعْبِيرُ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِاسْمِ الفاعِلِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ الحُدُوثِ لِلْإيذانِ بِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ بَعْدَ ازْدِيادِهِمْ ورُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ. ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ شَكٌّ أوْ نِفاقٌ فَيَكُونُ بِناءً عَلى أنِ السُّورَةِ بِتَمامِها مَكِّيَّةٌ، والنِّفاقُ إنَّما حَدَثَ بِالمَدِينَةِ إخْبارًا عَمّا سَيَحْدُثُ مِنَ المُغَيَّباتِ بَعْدَ الهِجْرَةِ ﴿والكافِرُونَ﴾ المُصِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ تَعالى أوْ ما الَّذِي أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهَذا العَدَدِ المُسْتَغْرَبِ اسْتِغْرابَ المَثَلِ وعَلى الأوَّلِ ماذا مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ اسْمٍ واحِدٍ لِلِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أرادَ ) وعَلى الثّانِي هي مُؤَلَّفَةٌ مِن كَلِمَةٍ ما اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأٌ وذا اسْمُ مَوْصُولٍ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ بَعْدُ صِلَةٌ والعائِدُ فِيها مَحْذُوفٌ ( ومَثَلًا ) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ أوْ عَلى الحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ( هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَة) [اَلْأعْرافِ: 73، هُودٍ: 64] . والظّاهِرُ أنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ المَحْكِيِّ وعَنَوْا بِالإشارَةِ التَّحْقِيرَ وغَرَضُهم نَفْيُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لا صفحة 128 الِاسْتِفْهامُ حَقِيقَةً عَنِ الحِكْمَةِ ولا القَدْحُ في اشْتِمالِهِ عَلَيْها مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِصُدُورِ الأخْبارِ بِذَلِكَ عَنْهُ تَعالى، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ أرادَ اللَّهُ مِنَ الحِكايَةِ وهم قالُوا ماذا أُرِيدَ ونَحْوُهُ وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ بِمَعْناهُ الآخَرُ وهو ما شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ بِأنْ يَكُونُوا قَدْ عَدُّوهُ لِاسْتِغْرابِهِ مَثَلًا مَضْرُوبًا ونَسَبُوهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ اسْتِهْزاءً وتَهَكُّمًا. وإفْرادُ قَوْلِهِ بِهَذا التَّعْلِيلِ مَعَ كَوْنِهِ مِن بابِ فِتْنَتِهِمْ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِهِ في الشَّناعَةِ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ إنَّما أُعِيدُ اللّامَ فِيهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ إذْ مَرْجِعُ الأُولى الهِدايَةُ المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ ومَرْجِعُ هَذِهِ الضَّلالُ المَقْصُودُ بِالعَرْضِ النّاشِئِ مِن سُوءِ صَنِيعِ الضّالِّينَ وتَعْلِيلُ أفْعالِهِ تَعالى بِالحِكَمِ والمَصالِحِ جائِزٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ وجَوَّزَ في هَذِهِ اللّامِ وكَذا الأُولى كَوْنَها لِلْعاقِبَةِ. ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهِدايَةِ ومَحَلُّ الكافِ في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وأصْلُ التَّقْدِيرِ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ إضْلالًا وهِدايَةً كائِنَيْنِ مِثْلَ ما ذَكَرَ مِنَ الإضْلالِ والهِدايَةِ فَحُذِفَ المَصْدَرُ وأُقِيمَ وصْفُهُ مَقامَهُ ثُمَّ قُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ فَصارَ النَّظْمُ مِثْلَ ذَلِكَ الإضْلالِ وتِلْكَ الهِدايَةِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ﴾ تَعالى ﴿مَن يَشاءُ﴾ إضْلالَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ السَّيْءِ إلى جانِبِ الضَّلالِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى النّاطِقَةِ بِالهُدى. ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ الحَسَنِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الآياتِ إلى جانِبِ الهُدى لا إضْلالًا وهِدايَةً أدْنى مِنهُما، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما بَعْدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 143] عَلى ما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ جَمْعُ جُنْدٍ اشْتَهَرَ في العَسْكَرِ اعْتِبارًا بِالغِلْظَةِ مِنَ الجُنْدِ أيِ الأرْضِ الغَلِيظَةِ الَّتِي فِيها حِجارَةٌ. ويُقالُ لِكُلِّ جَمْعٍ أيْ وما يَعْلَمُ جُمُوعَ خَلْقِهِ تَعالى الَّتِي مِن جُمْلَتِها المَلائِكَةُ المَذْكُورُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿إلا هُوَ﴾ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى حَصْرِ المُمْكِناتِ والوُقُوفِ عَلى حَقائِقِها وصِفاتِها ولَوْ إجْمالًا فَضْلًا عَنِ الِاطِّلاعِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِها مِن كَمْ وكَيْفَ ونِسْبَةٍ. ( وهو ) رَدٌّ لِاسْتِهْزائِهِمْ يَكُونُ الخَزَنَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ لِجَهْلِهِمْ وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ هو جَوابٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ أما لِرَبِّ مُحَمَّدٍ أعْوانٌ ( إلّا ) تِسْعَةَ عَشَرَ وحاصِلُهُ أنَّهُ لَمّا قَلَّلَ الأعْوانَ أُجِيبَ بِأنَّهم لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً إنَّما المُوَكَّلُونَ عَلى النّارِ هَؤُلاءِ المَخْصُوصُونَ لا أنَّ المَعْنى ما يَعْلَمُ بِقُوَّةِ بَطْشِ المَلائِكَةِ ( إلّا ) هو خِلافًا لِلطِّيبِي فَإنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ ظاهِرِ الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى واخْتَلَفَ في أكْثَرِ جُنُودِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقِيلَ المَلائِكَةُ لِخَبَرِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ ( إلّا ) وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ» . . وفِي بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّ مَخْلُوقاتِ البَرِّ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ البَحْرِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ الجَوِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الدُّنْيا والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّانِيَةِ وهَكَذا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ المَلائِكَةِ الحافِّينَ بِالعَرْشِ والمَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما لا يَعْلَمُهُ ( إلّا ) اللَّهُ، وقِيلَ المَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ المُهَيْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُ أحَدُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ أحَدًا سِواهُ والمَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ مِن مَخْلُوقاتِهِ» . وعَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ مَن مَعَكَ في السَّماءِ؟ قالَ: مَلائِكَتِي، قالَ: كَمْ عِدَتُهُمْ؟ قالَ: اثْنا عَشَرَ سِبْطًا، قالَ: كَمْ عِدَةُ كُلِّ سِبْطٍ؟ قالَ: عَدَدُ التُّرابِ وفِي صِحَّةِ هَذا نَظَرٌ وإنْ صَحَّ فَصَدْرُهُ مِنَ المُتَشابِهِ وأنا لا أجْزِمُ بِأكْثَرِيَّةِ صِنْفٍ فَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ( إلّا ) هو ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي نَصٌّ في ذَلِكَ بَيْدَ أنَّهُ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ الأكْثَرَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مِنَ الآياتِ والأخْبارِ تُشَجِّعُ عَلى القَوْلِ بِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ جُنُودٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لا يَعْلَمُ حَقائِقَها وأحْوالَها ( إلّا ) هو عَزَّ وجَلَّ ودائِرَةُ مُلْكِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ أعْظَمُ مِن أنْ يُحِيطَ بِها نِطاقُ الحَصْرِ أوْ يَصِلَ إلى مَرْكَزِها طائِرُ الفِكْرِ ( فَأنّى ) وهَيْهاتَ ولَوِ اسْتَغْرَقَتِ القُوى والأوْقاتُ هَذا واخْتَلَفَ في المُخَصَّصِ لِهَذا العَدَدِ صفحة 129 أعْنِي تِسْعَةَ عَشَرَ فَقِيلَ إنَّ اخْتِلافَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ في النَّظَرِ والعَمَلِ بِسَبَبِ القُوى الحَيَوانِيَّةِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ يَعْنِي الحَواسَّ الخَمْسَةَ الباطِنَةَ والحَواسَّ الخَمْسَةَ الظّاهِرَةَ والقُوَّةَ الباعِثَةَ كالغَضَبِيَّةِ والشَّهْوِيَّةَ والقُوَّةَ المُحَرِّكَةَ فَهَذِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ والطَّبِيعِيَّةَ السَّبْعَ الَّتِي ثَلاثٌ مِنها مَخْدُومَةٌ وهي القُوَّةُ النّامِيَةُ والغادِيَةُ والمُوَلِّدَةُ وأرْبَعٌ مِنها خادِمَةٌ وهي الهاضِمَةُ والجاذِبَةُ والدّافِعَةُ والماسِكَةُ وهَذا مَعَ ابْتِنائِهِ عَلى الفَلْسَفَةِ لا يَكادُ يَتِمُّ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وقَفَ عَلى كُتُبِها. وقِيلَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ دِرْكاتٍ سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكُفّارِ وكُلُّ صِنْفٍ يُعَذَّبُ بِتَرْكِ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ والعَمَلِ أنْواعًا مِنَ العَذابِ تُناسِبُها فَيَضْرِبُ السِّتَّ في الثَّلاثَةِ يَحْصُلُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وعَلى كُلِّ نَوْعِ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ يَتَوَلّاهُ وواحِدَةٌ لِعُصاةِ الأُمَّةِ يُعَذَّبُونَ فِيها بِتَرْكِ العَمَلِ نَوْعًا يُناسِبُهُ ويَتَوَلّاهُ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ وبِذَلِكَ تَتِمُّ التِّسْعَةُ عَشَرَ. وخُصَّتْ سِتٌّ مِنها بِأصْنافِ الكُفّارِ وواحِدَةٌ بِأصْنافِ الأُمَّةِ، ولَمْ يُجْعَلْ تَعْذِيبُ الكُفّارِ في خَمْسٍ مِنها فَيَبْقى لِلْمُؤْمِنِينَ اثْنَتانِ إحْداهُما لِأهْلِ الكَبائِرِ والأُخْرى لِأهْلِ الصَّغائِرِ أوْ إحْداهُما لِلْعُصاةِ مِنهم والأُخْرى لِلْعاصِياتِ لِأنَّهُ حَيْثُ أُعِدَّتِ النّارُ لِلْكافِرِينَ أوَّلًا وبِالذّاتِ ناسَبَ أنْ يَسْتَغْرِقُوها كُلِّيَّةً ويُوَزَّعُوا عَلى جَمِيعِ أماكِنِها بِقَدْرِ ما يُمْكِنُ لَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ بِتَعْذِيبِ عُصاةِ الأُمَّةِ بِها أفْرَزَتْ واحِدَةً مِنها لَهم. وقِيلَ: إنَّ السّاعاتِ أرْبَعٌ وعِشْرُونَ خَمْسَةٌ مِنها مَصْرُوفَةٌ لِلصَّلاةِ فَلَمْ يَخْلُقْ في مُقابَلَتِها زَبانِيَةٌ لِبَرَكَةِ الصَّلاةِ الشّامِلَةِ لِمَن لَمْ يُصَلِّ فَيَبْقى تِسْعَ عَشَرَةَ، وقِيلَ إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ دَرَكاتٍ سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكُفّارِ ولِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ عَذابِهِمْ واسْتِمْرارِهِ ناسَبَ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ ثَلاثَةٌ واحِدٌ في الوَسَطِ واثْنانِ في الطَّرَفَيْنِ فَهَذِهِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وواحِدَةٌ مِنها لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ ناسَبَ أمْرَ عَذابِهِمْ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ واحِدٌ وبِهِ تَتِمُّ التِّسْعَةُ عَشَرَ وقِيلَ إنَّ العَدَدَ عَلى وجْهَيْنِ قَلِيلٌ وهو مِنَ الواحِدِ إلى التِّسْعَةِ وكَثِيرٌ وهو مِنَ العَشْرَةِ ( إلّا ) ما لا نِهايَةَ لَهُ فَجَمَعَ بَيْنَ نِهايَةِ القَلِيلِ وبِدايَةِ الكَثِيرِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ واَلَّذِي مالَ إلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُ حِكْمَتَهُ عَلى التَّحْقِيقِ ( إلّا ) اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وهو كالمُتَشابِهِ يُؤْمَنُ بِهِ ويُفَوَّضُ عِلْمُهُ إلى اللَّهِ تَعالى وكُلُّ ما ذَكَرَ مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وجَّهَ أدْنى نَظَرِهِ إلَيْهِ واَللَّهُ تَعالى الهادِي لِصَوْبِ الصَّوابِ والمُتَفَضِّلُ عَلى مَن شاءَ يَعْلَمُ لا شَكَّ مَعَهُ ولا ارْتِيابَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِإسْكانِ العَيْنِ وهو لُغَةٌ فِيهِ كَراهَةَ تَوالِي الحَرَكاتِ فِيما هو كاسْمٍ واحِدٍ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ قُطْبِ وإبْراهِيمُ بْنُ قَتَّةَ «تُسْعَةَ» بِضَمِّ التّاءِ وهي حَرَكَةُ بِناءٍ عَدَلَ إلَيْها عَنِ الفَتْحِ لِتَوالِي خَمْسِ فَتَحاتٍ ولا يُتَوَهَّمَ أنَّها حَرَكَةُ إعْرابٍ وإلّا أعْرَبَ عَشَرَ. وقَرَأ أنَسٌ أيْضًا «تُسْعَةَ» بِالضَّمِّ «أعْشَرَ» بِالفَتْحِ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ فَيَجُوزُ أنَّهُ جَمَعَ العَشْرَةَ عَلى أعْشُرٍ ثُمَّ أجْراهُ مَجْرى تِسْعَةَ عَشَرَ وعَنْهُ أيْضًا «تُسْعَةَ» و«عُشَرَ» بِالضَّمِّ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا خالِصَةً تَخْفِيفًا والتّاءُ فِيهِما مَضْمُومَةٌ ضَمَّةَ بِناءٍ لِما سَمِعْتَ آنِفًا. وعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ قَتَّةَ وهو أخُو إبْراهِيمَ أنَّهُ قَرَأ «تِسْعَةَ أعْشُرٍ» بِضَمِّ التّاءِ ضَمَّةَ إعْرابِ والإضافَةِ إلى أعُشْرٍ وجَرِّهِ مُنَوَّنًا وهو عَلى ما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ جَمْعُ عَشْرَةَ وقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ المَلائِكَةَ عَلى القِراءَةِ بِهَذا الجَمْعِ مُعْرَبًا أوْ مَبْنِيًّا تِسْعُونَ مَلَكًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَمْعُ عَشِيرٍ مِثْلُ يَمِينٍ وأيْمَنُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ أيْ تِسْعَةً مِنَ المَلائِكَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَشِيرٌ فَهم مَعَ أشْياعِهِمْ تِسْعُونَ والعَشِيرُ بِمَعْنى العَشْرِ فَدَلَّ عَلى أنَّ النُّقَباءَ تِسْعَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ دَلالَتَهُ عَلى هَذا المَعْنى غَيْرُ واضِحَةٍ ولِهَذا قالَ ابْنُ جِنِّي لا وجْهَ لِتِلْكَ القِراءَةِ ( إلّا ) أنْ يَعْنِيَ تِسْعَةَ أعْشُرٍ جَمْعُ العَشِيرِ وهم الأصْدِقاءُ فَلْيُراجَعْ. ( وما هي ) أيْ سَقَرُ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ مُجاهِدٍ ﴿إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ إلّا تَذْكِرَةٌ لَهم والعَطْفُ قِيلَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ﴾ إلى هُنا اعْتِراضٌ ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمّا قِيلَ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ زِيادَةً في تَهْوِيلِ أمْرِ جَهَنَّمَ عَقَّبَ بِما يُؤَكِّدُ قُوَّتَهم وتَسَلُّطَهم وتَبايُنَهم بِالشِّدَّةِ عَنْ سائِرِ المَخْلُوقاتِ ﴿ثُمَّ﴾ بِما يُؤَكِّدُ الكَمِّيَّةَ وما أكَّدَ المُؤَكَّدَ فَهو مُؤَكَّدٌ أيْضًا. وقِيلَ صفحة 130 الضَّمِيرُ لِلْآياتِ النّاطِقَةِ بِأحْوالِ سَقَرَ، وقِيلَ لِعِدَّةِ خَزَنَتِها والتَّذْكِيرِ والعِظَةِ فِيها مِن جِهَةِ أنَّ في خَلْقِهِ تَعالى ما هو في غايَةِ العَظَمَةِ حَتّى يَكُونَ لِقَلِيلٍ مِنهم مُعَذَّبًا ومُهْلَكًا لِما لا يُحْصى دَلالَةً عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُقَدَّرُ حَقَّ قَدْرِهِ ولا تُوصَفُ عَظَمَتُهُ ولا تَصِلُ الأفْكارُ إلى حَرَمِ جَلالِهِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْجُنُودِ وقِيلَ لِنارِ الدُّنْيا وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ وأقْواها عَلى ما قِيلَ ما تَقَدَّمَ. وبَيْنَ «البَشَرِ» هاهُنا و«البَشَرِ» فِيما سَبَقَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ تَجْنِيسٌ تامٌّ لَفْظِيٌّ وخَطِّيٌّ وقَلَّ مَن تَذَكَّرَ لَهُ.

المدثر 74:32

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِمَن أنْكَرَها وقِيلَ زَجْرٌ عَنْ قَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعِدَّةِ المَخْصُوصَةِ وقالَ الفَرّاءُ: هي صِلَةٌ لِلْقَسَمِ وقَدَّرَها بَعْضُهم بِحَقًّا وبَعْضُهم بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها سُبْحانَهُ ذِكْرى أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ لا يُسَوَّغُ في حَقِّهِ تَعالى أنْ يُخْبِرَ أنَّها ذِكْرى لِلْبَشَرِ ثُمَّ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا تَناقُضَ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِها ذِكْرى أنَّ شَأْنَها أنْ تَكُونَ مُذَكِّرَةً لِكُلِّ أحَدٍ ومَن لَمْ يَتَذَكَّرْ لِغَلَبَةِ الشَّقاءِ عَلَيْهِ لا يُعَدُّ مِنَ البَشَرِ ولا يُلْتَفَتُ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِ كَما أنَّ حَلاوَةَ العَسَلِ لا يَضُرُّها كَوْنُها مُرَّةً في فَمِ مُنْحَرِفِ المِزاجِ المُحْتاجِ إلى العِلاجِ وحالَ حُسْنُ الوَقْفِ عَلى كَّلا وعَدَمُ حُسْنِهِ هُنا يُعْلَمُ مِنَ النَّظَرِ إلى المُرادِ بِها. وصَرَّحَ بَعْضُهم بِذَلِكَ فَقالَ: إنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالكَلامِ السّابِقِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها، وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالكَلامِ اللّاحِقِ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ أيْ كَما أنَّها كانَتْ بِمَعْنى ألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ فالوَقْتُ حِينَئِذٍ تامٌّ عَلى لِلْبَشَرِ ويَسْتَأْنِفُ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ أيْ ولّى وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو الزِّنادِ وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والنَّحْوِيّانِ والِابْنانِ وأبُو بَكْرٍ «إذا» ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٌ «دَبَرَ» بِفَتْحِ الدّالِ وهو بِمَعْنى أدْبَرَ المَزِيدِ كَقَبَلَ وأقْبَلَ والمَعْرُوفُ المَزِيدُ. وحُسْنُ الثُّلاثِيِّ هُنا مُشاكَلَةُ أكْثَرِ الفَواصِلِ وقِيلَ دَبَرَ مِن دُبُرِ اللَّيْلِ النَّهارِ إذا خَلَفَهُ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي مَعَ إذا الَّتِي لِلْمُسْتَقْبَلِ لِلتَّحْقِيقِ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّها تُقَلُّبُهُ مُسْتَقْبَلًا. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ ومَطَرٌ ويُونُسُ بْنُ عَبِيدٍ وهي رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ يَعْمُرَ والسُّلَمِيِّ وطَلْحَةَ «إذا» بِالألْفِ ﴿أدْبَرَ﴾ بِالهَمْزِ وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وهو أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى.

المدثر 74:33

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِمَن أنْكَرَها وقِيلَ زَجْرٌ عَنْ قَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعِدَّةِ المَخْصُوصَةِ وقالَ الفَرّاءُ: هي صِلَةٌ لِلْقَسَمِ وقَدَّرَها بَعْضُهم بِحَقًّا وبَعْضُهم بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها سُبْحانَهُ ذِكْرى أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ لا يُسَوَّغُ في حَقِّهِ تَعالى أنْ يُخْبِرَ أنَّها ذِكْرى لِلْبَشَرِ ثُمَّ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا تَناقُضَ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِها ذِكْرى أنَّ شَأْنَها أنْ تَكُونَ مُذَكِّرَةً لِكُلِّ أحَدٍ ومَن لَمْ يَتَذَكَّرْ لِغَلَبَةِ الشَّقاءِ عَلَيْهِ لا يُعَدُّ مِنَ البَشَرِ ولا يُلْتَفَتُ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِ كَما أنَّ حَلاوَةَ العَسَلِ لا يَضُرُّها كَوْنُها مُرَّةً في فَمِ مُنْحَرِفِ المِزاجِ المُحْتاجِ إلى العِلاجِ وحالَ حُسْنُ الوَقْفِ عَلى كَّلا وعَدَمُ حُسْنِهِ هُنا يُعْلَمُ مِنَ النَّظَرِ إلى المُرادِ بِها. وصَرَّحَ بَعْضُهم بِذَلِكَ فَقالَ: إنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالكَلامِ السّابِقِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها، وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالكَلامِ اللّاحِقِ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ أيْ كَما أنَّها كانَتْ بِمَعْنى ألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ فالوَقْتُ حِينَئِذٍ تامٌّ عَلى لِلْبَشَرِ ويَسْتَأْنِفُ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ أيْ ولّى وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو الزِّنادِ وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والنَّحْوِيّانِ والِابْنانِ وأبُو بَكْرٍ «إذا» ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٌ «دَبَرَ» بِفَتْحِ الدّالِ وهو بِمَعْنى أدْبَرَ المَزِيدِ كَقَبَلَ وأقْبَلَ والمَعْرُوفُ المَزِيدُ. وحُسْنُ الثُّلاثِيِّ هُنا مُشاكَلَةُ أكْثَرِ الفَواصِلِ وقِيلَ دَبَرَ مِن دُبُرِ اللَّيْلِ النَّهارِ إذا خَلَفَهُ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي مَعَ إذا الَّتِي لِلْمُسْتَقْبَلِ لِلتَّحْقِيقِ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّها تُقَلُّبُهُ مُسْتَقْبَلًا. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ ومَطَرٌ ويُونُسُ بْنُ عَبِيدٍ وهي رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ يَعْمُرَ والسُّلَمِيِّ وطَلْحَةَ «إذا» بِالألْفِ ﴿أدْبَرَ﴾ بِالهَمْزِ وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وهو أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى.

المدثر 74:34

﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أيْ أضاءَ وانْكَشَفَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ وعِيسى بْنُ الفَضْلِ «سَفَرَ» ثُلاثِيًّا وفَسَّرَ بِطَرْحِ الظُّلْمَةِ عَنْ وجْهِهِ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿كَلا﴾ رَدْعًا لِمَن يُنْكِرُ أنْ تَكُونَ إحْدى الكُبْرِ لِما عَلِمَ مِن أنَّ أنَّ واللّامَ مِنَ الكَلامِ الإنْكارِيِّ في جَوابِ مُنْكِرٍ مُصِرٍّ وهَذا تَعْلِيلٌ لِ ﴿كَلا﴾ والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّأْكِيدِ لا جَوابَ لَهُ أوْ جَوابُهُ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿كَلا﴾ وفي التَّعْلِيلِ نَوْعُ خَفاءٍ فَتَأمَّلْ. وضَمِيرُ ﴿إنَّها﴾ لِسَقَرَ، والكُبَرِ جُمَعُ الكُبْرى جُعِلَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ كَتائِها فَكَما جُمِعَتْ فُعْلَةٌ عَلى فُعَلٍ جُمِعَتْ فُعْلى عَلَيْها ونَظِيرُها السَّوافِي في جَمْعِ السّافِياءِ والقَواصِعُ في جَمْعِ القاصِعاءِ فَإنَّ فاعِلَةَ تُجْمَعُ عَلى فَواعِلَ بِاطِّرادٍ لا فاعِلاءَ لَكِنَّ حَمْلَ فاعِلاهُ عَلى فاعِلَةٍ لِاشْتِراكِ الألِفِ والتّاءِ في الدَّلالَةِ عَلى التَّأْنِيثِ وضْعًا فَجُمِعَ فِيهِما عَلى فَواعِلَ وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ ﴿الكُبَرِ﴾ جَمْعُ كَبِيرَةٍ وهْمٌ كَما لا يَخْفى أيْ إنَّ سَقَرَ لَإحْدى الدَّواهِي الكُبَرِ عَلى مَعْنى أنَّ البَلايا الكَبِيرَةَ كَثِيرَةٌ وسَقَرُ واحِدَةٌ مِنها قِيلَ فَيَكُونُ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ بَلاءَهم غَيْرُ مَحْصُورٍ فِيها بَلْ تَحِلُّ بِهِمْ بَلايا غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ أوْ أنَّ البَلايا الكَبِيرَةَ كَثِيرَةٌ وسَقَرُ مِن بَيْنِهِمْ واحِدَةٌ في العِظَمِ لا نَظِيرَ لَها وهَذا كَما يُقالُ فُلانٌ أحَدُ الأحَدَيْنِ وهو واحِدُ الفُضَلاءِ وهي إحْدى النِّساءِ وعَلى هَذا اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ. ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ ولَعَلَّهُ لِما تَضَمَّنَ مِنَ الإشارَةِ وقِيلَ المَعْنى إنَّها لِإحْدى دِرْكاتِ النّارِ الكُبَرِ السَّبْعِ لِأنَّها جَهَنَّمُ ولَظى والحُطَمَةُ وسَقَرُ والسَّعِيرُ والجَحِيمُ والهاوِيَةُ. ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ التَّيْسِيرِ ولَيْسَ بِذاكَ أيْضًا وقِيلَ ضَمِيرُ ﴿إنَّها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ. قالَ في البَحْرِ فَهو لِلْحالِ صفحة 131 والقِصَّةِ وقِيلَ هو لِلسّاعَةِ فَيَعُودُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «لَحْدى الكُبْرى» بِحَذْفِ هَمْزَةِ إحْدى وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ وتَخْفِيفُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ أنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ.

المدثر 74:35

﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أيْ أضاءَ وانْكَشَفَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ وعِيسى بْنُ الفَضْلِ «سَفَرَ» ثُلاثِيًّا وفَسَّرَ بِطَرْحِ الظُّلْمَةِ عَنْ وجْهِهِ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿كَلا﴾ رَدْعًا لِمَن يُنْكِرُ أنْ تَكُونَ إحْدى الكُبْرِ لِما عَلِمَ مِن أنَّ أنَّ واللّامَ مِنَ الكَلامِ الإنْكارِيِّ في جَوابِ مُنْكِرٍ مُصِرٍّ وهَذا تَعْلِيلٌ لِ ﴿كَلا﴾ والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّأْكِيدِ لا جَوابَ لَهُ أوْ جَوابُهُ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿كَلا﴾ وفي التَّعْلِيلِ نَوْعُ خَفاءٍ فَتَأمَّلْ. وضَمِيرُ ﴿إنَّها﴾ لِسَقَرَ، والكُبَرِ جُمَعُ الكُبْرى جُعِلَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ كَتائِها فَكَما جُمِعَتْ فُعْلَةٌ عَلى فُعَلٍ جُمِعَتْ فُعْلى عَلَيْها ونَظِيرُها السَّوافِي في جَمْعِ السّافِياءِ والقَواصِعُ في جَمْعِ القاصِعاءِ فَإنَّ فاعِلَةَ تُجْمَعُ عَلى فَواعِلَ بِاطِّرادٍ لا فاعِلاءَ لَكِنَّ حَمْلَ فاعِلاهُ عَلى فاعِلَةٍ لِاشْتِراكِ الألِفِ والتّاءِ في الدَّلالَةِ عَلى التَّأْنِيثِ وضْعًا فَجُمِعَ فِيهِما عَلى فَواعِلَ وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ ﴿الكُبَرِ﴾ جَمْعُ كَبِيرَةٍ وهْمٌ كَما لا يَخْفى أيْ إنَّ سَقَرَ لَإحْدى الدَّواهِي الكُبَرِ عَلى مَعْنى أنَّ البَلايا الكَبِيرَةَ كَثِيرَةٌ وسَقَرُ واحِدَةٌ مِنها قِيلَ فَيَكُونُ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ بَلاءَهم غَيْرُ مَحْصُورٍ فِيها بَلْ تَحِلُّ بِهِمْ بَلايا غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ أوْ أنَّ البَلايا الكَبِيرَةَ كَثِيرَةٌ وسَقَرُ مِن بَيْنِهِمْ واحِدَةٌ في العِظَمِ لا نَظِيرَ لَها وهَذا كَما يُقالُ فُلانٌ أحَدُ الأحَدَيْنِ وهو واحِدُ الفُضَلاءِ وهي إحْدى النِّساءِ وعَلى هَذا اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ. ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ ولَعَلَّهُ لِما تَضَمَّنَ مِنَ الإشارَةِ وقِيلَ المَعْنى إنَّها لِإحْدى دِرْكاتِ النّارِ الكُبَرِ السَّبْعِ لِأنَّها جَهَنَّمُ ولَظى والحُطَمَةُ وسَقَرُ والسَّعِيرُ والجَحِيمُ والهاوِيَةُ. ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ التَّيْسِيرِ ولَيْسَ بِذاكَ أيْضًا وقِيلَ ضَمِيرُ ﴿إنَّها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ. قالَ في البَحْرِ فَهو لِلْحالِ صفحة 131 والقِصَّةِ وقِيلَ هو لِلسّاعَةِ فَيَعُودُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ووَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «لَحْدى الكُبْرى» بِحَذْفِ هَمْزَةِ إحْدى وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ وتَخْفِيفُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ أنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ.

المدثر 74:36

﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قِيلَ تَمْيِيزٌ ﴿لإحْدى الكُبَرِ﴾ عَلى أنَّ ﴿نَذِيرًا﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى إنْذارًا كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ أيْ إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ إنْذارًا والمَعْنى عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيَّ أنَّها لَأعْظَمُ الدَّواهِي إنْذارًا وهو كَما تَقُولُ هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ إنْذارٌ إنْذارًا وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى مُنْذِرَةٍ فَقالَ الزَّجّاجُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أنَّها وفِيهِ مَجِيءُ الحالِ مِنَ اسْمِ إنَّ وقِيلَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لإحْدى﴾ واخْتارَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ والتَّقْدِيرُ عَظُمَتْ أوْ كَبُرَتْ نَذِيرًا وهو عَلى ما قالَ أبُو حَيّانٍ قَوْلٌ لا بَأْسَ بِهِ وجُوِّزَتْ هَذِهِ الأوْجُهُ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ أيْضًا بِتَأْوِيلِهِ بِالوَصْفِ. وقالَ النَّحّاسُ: حُذِفَتِ الهاءُ مِن ﴿نَذِيرًا﴾ وإنْ كانَ لِلنّارِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ يَعْنِي ذاتِ إنْذارٍ وقَدْ يُقالُ في عَدَمِ إلْحاقِ الهاءِ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا قِيلَ في عَدَمِ إلْحاقِها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [اَلْأعْرافِ: 56] وقالَ أبُو رَزِينٍ: المُرادُ بِالنَّذِيرِ هُنا هو اللَّهُ تَعالى فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيِ ادْعُ نَذِيرًا أوْ نَحْوَهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قِيلَ فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيِ ادْعُ نَذِيرًا أوْ نَحْوَهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قِيلَ فَهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْضًا أيْ نادِ أوْ بَلِّغْ أوْ أعْلِنْ وهو كَما تَرى ولَوْ جُعِلَ عَلَيْهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الفِعْلِ لَكانَ أوْلى وكَذا لَوْ جُعِلَ مُنادًى والكَلامُ نَظِيرُ قَوْلِكَ إنَّ الأمْرَ كَذا يا فُلانُ وقِيلَ إنَّهُ عَلى هَذا حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿قُمْ﴾ أوَّلَ السُّورَةِ وفِيهِ خَرْمُ النَّظْمِ الجَلِيلِ ولِذا قِيلَ هو مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ أُبَيٍّ وابْنُ عَبْلَةَ «نَذِيرٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِأنَّ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي نَذِيرٌ عَلى ما هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ وصْفُ النّارِ وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ وصْفِ اللَّهِ تَعالى أوِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ لا غَيْرَ أيْ هو نَذِيرٌ.

المدثر 74:37

﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ الجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ فِيما سَبَقَ أعْنِي «البَشَرِ» وضَمِيرُ ﴿شاءَ﴾ لِلْمَوْصُولِ أيْ نَذِيرًا لِلْمُتَمَكِّنِينَ مِنكم مِنَ السَّبْقِ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفِ عَنْهُ. وقالَ السُّدِّيُّ أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها إلى الجَنَّةِ وقالَ الزَّجّاجُ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى المَأْمُوراتِ أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ المَنهِيّاتِ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّقَدُّمَ بِالإيمانِ والتَّأخُّرَ بِالكُفْرِ وقِيلَ: ضَمِيرُ شاءَ اللَّهُ تَعالى أيْ نَذِيرًا لِمَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنكم تَقَدُّمَهُ أوْ تَأخُّرَهُ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِمَن خَبَرًا مُقَدَّمًا وأنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ مُبْتَدَأً كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ أنْ يُصَلِّيَ ومَعْناهُ مُطْلَقٌ لِمَن شاءَ التَّقَدُّمَ أيِ السَّبْقَ إلى الخَيْرِ أوِ التَّأخُّرَ أيِ التَّخَلُّفَ عَنْهُ أنْ يَتَقَدَّمَ ويَتَأخَّرَ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [اَلْكَهْفِ: 29] ولا يَخْفى أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا.

المدثر 74:38

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِكَسْبِها والرَّهِينَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ كالشَّتِيمَةِ بِمَعْنى الشَّتْمِ لا صِفَةَ وإلّا لَقِيلَ رَهِينٌ لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ لا يَدْخُلُهُ التّاءُ ويَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وقَدْ قُتِلَ أبُوهُ وعُرِضَ عَلَيْهِ سَبْعُ دِياتٍ فَأبى أنْ يَأْخُذَها: أبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعْفِ كُوَيْكِبٍ رَهِينَةَ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ أذْكُرُ بِالبُقْيا عَلى مَن أصابَنِي ∗∗∗ وبُقْيايَ أنِّي جاهِدٌ غَيْرُ مُؤْتَّلِ واخْتِيرَ عَلى رَهِينٍ مَعَ مُوازَنَتِهِ لِلْيَمِينِ وعَدَمِ احْتِياجِهِ لِلتَّأْوِيلِ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا أبْلَغُ فَهو أنْسَبُ بِالمَقامِ فَلا يُلْتَفَتُ لِلْمُناسَبَةِ اللَّفْظِيَّةِ فِيهِ، وقِيلَ الهاءُ في ﴿رَهِينَةٌ﴾ لِلْمُبالَغَةِ واخْتارَ أبُو حَيّانٍ أنَّها مِمّا غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ كالنَّطِيحَةِ وإنْ كانَتِ الأصْلَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهو وجْهٌ أيْضًا وادَّعى أنَّ التَّأْنِيثَ في البَيْتِ عَلى مَعْنى النَّفْسِ.

المدثر 74:39

﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ وهُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ كَما قالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيِسانَ والضَّحّاكُ ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّهم فاكُّونَ رِقابَهم بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ كَما يَفُكُّ الرّاهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الدَّيْنِ. صفحة 132 وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهم أطْفالُ المُسْلِمِينَ وأخْرَجُوهُ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ونَقَلَ بَعْضُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ فَإنَّهم غَيْرُ مَرْهُونِينَ بِدُيُونِ التَّكالِيفِ كالأطْفالِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ إطْلاقَ النَّفْسِ عَلى المَلَكِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وبِأنَّهم لا يُوصَفُونَ بِالكَسْبِ أيْضًا عَلى أنَّ الظّاهِرَ سِباقًا وسِياقًا أنْ يُرادَ بِهِمْ طائِفَةٌ مِنَ البَشَرِ المُكَلَّفِينَ والكَثِيرُ عَلى تَفْسِيرِهِمْ بِما سَمِعْتَ. وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ الحُسْنى وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ المِيثاقِ وقِيلَ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ ولا تَدافُعَ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ كَما لا يَخْفى والِاسْتِثْناءُ عَلى ما تَقَدَّمَ، وكَذا هَذِهِ الأقْوالُ مُتَّصِلٌ وأمّا عَلى قَوْلِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَمِّهِ فَقالَ أبُو حَيّانَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ وقِيلَ يَجُوزُ الِاتِّصالُ والِانْقِطاعُ بِناءً عَلى أنَّ الكَسْبَ مُطْلَقُ العَمَلِ أوْ ما هو تَكْلِيفٌ فَلا تَغْفُلْ.

المدثر 74:40

﴿فِي جَنّاتٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبِلَهُ مِنَ اسْتِثْناءِ أصْحابِ اليَمِينِ كَأنَّهُ قِيلَ ما بالُهُمْ؟ فَقِيلَ: هم في جَنّاتٍ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَها ولا يُدْرِكُ وصْفَها وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿أصْحابَ اليَمِينِ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ قُدِّمَ لِلِاعْتِناءِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ. وقِيلَ ظَرْفٌ لِلتَّساؤُلِ ولَيْسَ المُرادُ بِتَساؤُلِهِمْ أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم سائِلًا ومَسْؤُولًا مَعًا بَلْ وُقُوعُ السُّؤالِ مِنهم مُجَرَّدًا عَنْ وُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ فَإنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ وإنْ وُضِعَتْ في الأصْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّي ووُقُوعِهِ عَلَيْهِ مَعًا بِحَيْثُ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ فاعِلًا ومَفْعُولًا مَعًا كَما في قَوْلِكَ تَشاتَمَ القَوْمُ أيْ شَتَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمِ الآخَرَ لَكِنَّها قَدْ تُجَرَّدُ عَنِ المَعْنى الثّانِي ويُقْصَدُ بِها الدَّلالَةُ عَلى الأوَّلِ فَقَطْ ويَكُونُ الواقِعُ عَلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ كَما في قَوْلِكَ: تَراهُ والهِلالَ. قالَ جارُ اللَّهِ: إذا كانَ المُتَكَلِّمُ مُفْرَدًا يَقُولُ: دَعَوْتُهُ وإذا كانَ جَماعَةً يَقُولُ: تَداعَيْناهُ، ونَظِيرُهُ رَمَيْتُهُ وتَرامَيْناهُ ورَأيْتُ الهِلالَ وتَراءَيْناهُ ولا يَكُونُ هَذا التَّفاعُلُ مِنَ الجانِبَيْنِ وعَلى هَذا فالمَسْؤُولُ مَحْذُوفٌ أعْنِي المُجْرِمِينَ والتَّقْدِيرُ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ المُجْرِمِينَ عَنْهم أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ عَنْ أحْوالِهِمْ فَغُيَّرَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ وقِيلَ يَتَساءَلُونَ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ والمَعْنى عَلى ذَلِكَ وحَذْفُ المَسْؤُولِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ المَسْؤُولِ عَنْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ بَيانٌ لِلتَّساؤُلِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى إضْمارِ قَوْلٍ أوْ هو مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ أيُّ شَيْءٍ أدْخَلَكم في سَقَرَ وقِيلَ المَسْؤُولُ غَيْرُ المُجْرِمِينَ كَجَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وما ﴿سَلَكَكُمْ﴾ إلَخِ حِكايَةُ قَوْلِ المَسْؤُولِينَ عَنْهم أيْ لَمّا سَألَ أصْحابُ اليَمِينِ المَلائِكَةَ عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ قالُوا لَهم نَحْنُ سَألْنا المُجْرِمِينَ عَنْ ذَلِكَ وقُلْنا لَهم ما ﴿سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ إلى الآخَرِ وكانَ يَكْفِيهِمْ أنْ يَقُولُوا حالُهم كَيْتَ وكَيْتَ لَكِنْ أتى بِالجَوابِ مُفَصَّلًا حَسَبَ ما سَألُوهُ لِيَكُونَ أثْبَتَ لِلصِّدْقِ وأدَلُّ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ فَفي الكَلامِ حَذْفٌ واخْتِصارٌ. وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ التَّفاعُلِ عَلى حَقِيقَتِها أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ المُجْرِمِينَ وما ﴿سَلَكَكُمْ﴾ حِكايَةُ قَوْلِ المَسْؤُولِ عَنْهم أيْضًا ولا يَخْفى ما في اعْتِبارِ الحِكايَةِ مِنَ التَّكَلُّفِ فَلَيْسَ ذاكَ بِالوَجْهِ وإنْ كانَ الإيجازُ نَهْجَ التَّنْزِيلِ والحَذْفُ كَثِيرًا في كَلامِهِ تَعالى الجَلِيلِ، والظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَحْسِيرٍ وإلّا فَهم عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ ولَوْ كانُوا الأطْفالَ فِيما أظُنُّ لِانْكِشافِ الأمْرِ ذَلِكَ اليَوْمَ. ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ يَقْرَأُ «يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يا فُلانُ ما سَلَكَكُمْ» ورُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ أيْضًا وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ «يا أيُّها الكُفّارُ ما سَلَكَكم في سَقَرَ» .

المدثر 74:41

﴿فِي جَنّاتٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبِلَهُ مِنَ اسْتِثْناءِ أصْحابِ اليَمِينِ كَأنَّهُ قِيلَ ما بالُهُمْ؟ فَقِيلَ: هم في جَنّاتٍ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَها ولا يُدْرِكُ وصْفَها وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿أصْحابَ اليَمِينِ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ قُدِّمَ لِلِاعْتِناءِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ. وقِيلَ ظَرْفٌ لِلتَّساؤُلِ ولَيْسَ المُرادُ بِتَساؤُلِهِمْ أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم سائِلًا ومَسْؤُولًا مَعًا بَلْ وُقُوعُ السُّؤالِ مِنهم مُجَرَّدًا عَنْ وُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ فَإنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ وإنْ وُضِعَتْ في الأصْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّي ووُقُوعِهِ عَلَيْهِ مَعًا بِحَيْثُ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ فاعِلًا ومَفْعُولًا مَعًا كَما في قَوْلِكَ تَشاتَمَ القَوْمُ أيْ شَتَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمِ الآخَرَ لَكِنَّها قَدْ تُجَرَّدُ عَنِ المَعْنى الثّانِي ويُقْصَدُ بِها الدَّلالَةُ عَلى الأوَّلِ فَقَطْ ويَكُونُ الواقِعُ عَلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ كَما في قَوْلِكَ: تَراهُ والهِلالَ. قالَ جارُ اللَّهِ: إذا كانَ المُتَكَلِّمُ مُفْرَدًا يَقُولُ: دَعَوْتُهُ وإذا كانَ جَماعَةً يَقُولُ: تَداعَيْناهُ، ونَظِيرُهُ رَمَيْتُهُ وتَرامَيْناهُ ورَأيْتُ الهِلالَ وتَراءَيْناهُ ولا يَكُونُ هَذا التَّفاعُلُ مِنَ الجانِبَيْنِ وعَلى هَذا فالمَسْؤُولُ مَحْذُوفٌ أعْنِي المُجْرِمِينَ والتَّقْدِيرُ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ المُجْرِمِينَ عَنْهم أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ عَنْ أحْوالِهِمْ فَغُيَّرَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ وقِيلَ يَتَساءَلُونَ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ والمَعْنى عَلى ذَلِكَ وحَذْفُ المَسْؤُولِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ المَسْؤُولِ عَنْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ بَيانٌ لِلتَّساؤُلِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى إضْمارِ قَوْلٍ أوْ هو مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ أيُّ شَيْءٍ أدْخَلَكم في سَقَرَ وقِيلَ المَسْؤُولُ غَيْرُ المُجْرِمِينَ كَجَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وما ﴿سَلَكَكُمْ﴾ إلَخِ حِكايَةُ قَوْلِ المَسْؤُولِينَ عَنْهم أيْ لَمّا سَألَ أصْحابُ اليَمِينِ المَلائِكَةَ عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ قالُوا لَهم نَحْنُ سَألْنا المُجْرِمِينَ عَنْ ذَلِكَ وقُلْنا لَهم ما ﴿سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ إلى الآخَرِ وكانَ يَكْفِيهِمْ أنْ يَقُولُوا حالُهم كَيْتَ وكَيْتَ لَكِنْ أتى بِالجَوابِ مُفَصَّلًا حَسَبَ ما سَألُوهُ لِيَكُونَ أثْبَتَ لِلصِّدْقِ وأدَلُّ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ فَفي الكَلامِ حَذْفٌ واخْتِصارٌ. وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ التَّفاعُلِ عَلى حَقِيقَتِها أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ المُجْرِمِينَ وما ﴿سَلَكَكُمْ﴾ حِكايَةُ قَوْلِ المَسْؤُولِ عَنْهم أيْضًا ولا يَخْفى ما في اعْتِبارِ الحِكايَةِ مِنَ التَّكَلُّفِ فَلَيْسَ ذاكَ بِالوَجْهِ وإنْ كانَ الإيجازُ نَهْجَ التَّنْزِيلِ والحَذْفُ كَثِيرًا في كَلامِهِ تَعالى الجَلِيلِ، والظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَحْسِيرٍ وإلّا فَهم عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ ولَوْ كانُوا الأطْفالَ فِيما أظُنُّ لِانْكِشافِ الأمْرِ ذَلِكَ اليَوْمَ. ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ يَقْرَأُ «يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يا فُلانُ ما سَلَكَكُمْ» ورُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ أيْضًا وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ «يا أيُّها الكُفّارُ ما سَلَكَكم في سَقَرَ» .

المدثر 74:42

﴿فِي جَنّاتٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبِلَهُ مِنَ اسْتِثْناءِ أصْحابِ اليَمِينِ كَأنَّهُ قِيلَ ما بالُهُمْ؟ فَقِيلَ: هم في جَنّاتٍ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَها ولا يُدْرِكُ وصْفَها وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿أصْحابَ اليَمِينِ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ قُدِّمَ لِلِاعْتِناءِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ. وقِيلَ ظَرْفٌ لِلتَّساؤُلِ ولَيْسَ المُرادُ بِتَساؤُلِهِمْ أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم سائِلًا ومَسْؤُولًا مَعًا بَلْ وُقُوعُ السُّؤالِ مِنهم مُجَرَّدًا عَنْ وُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ فَإنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ وإنْ وُضِعَتْ في الأصْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّي ووُقُوعِهِ عَلَيْهِ مَعًا بِحَيْثُ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ فاعِلًا ومَفْعُولًا مَعًا كَما في قَوْلِكَ تَشاتَمَ القَوْمُ أيْ شَتَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمِ الآخَرَ لَكِنَّها قَدْ تُجَرَّدُ عَنِ المَعْنى الثّانِي ويُقْصَدُ بِها الدَّلالَةُ عَلى الأوَّلِ فَقَطْ ويَكُونُ الواقِعُ عَلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ كَما في قَوْلِكَ: تَراهُ والهِلالَ. قالَ جارُ اللَّهِ: إذا كانَ المُتَكَلِّمُ مُفْرَدًا يَقُولُ: دَعَوْتُهُ وإذا كانَ جَماعَةً يَقُولُ: تَداعَيْناهُ، ونَظِيرُهُ رَمَيْتُهُ وتَرامَيْناهُ ورَأيْتُ الهِلالَ وتَراءَيْناهُ ولا يَكُونُ هَذا التَّفاعُلُ مِنَ الجانِبَيْنِ وعَلى هَذا فالمَسْؤُولُ مَحْذُوفٌ أعْنِي المُجْرِمِينَ والتَّقْدِيرُ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ المُجْرِمِينَ عَنْهم أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ عَنْ أحْوالِهِمْ فَغُيَّرَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ وقِيلَ يَتَساءَلُونَ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ والمَعْنى عَلى ذَلِكَ وحَذْفُ المَسْؤُولِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ المَسْؤُولِ عَنْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ بَيانٌ لِلتَّساؤُلِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى إضْمارِ قَوْلٍ أوْ هو مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ أيُّ شَيْءٍ أدْخَلَكم في سَقَرَ وقِيلَ المَسْؤُولُ غَيْرُ المُجْرِمِينَ كَجَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وما ﴿سَلَكَكُمْ﴾ إلَخِ حِكايَةُ قَوْلِ المَسْؤُولِينَ عَنْهم أيْ لَمّا سَألَ أصْحابُ اليَمِينِ المَلائِكَةَ عَنْ حالِ المُجْرِمِينَ قالُوا لَهم نَحْنُ سَألْنا المُجْرِمِينَ عَنْ ذَلِكَ وقُلْنا لَهم ما ﴿سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ إلى الآخَرِ وكانَ يَكْفِيهِمْ أنْ يَقُولُوا حالُهم كَيْتَ وكَيْتَ لَكِنْ أتى بِالجَوابِ مُفَصَّلًا حَسَبَ ما سَألُوهُ لِيَكُونَ أثْبَتَ لِلصِّدْقِ وأدَلُّ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ فَفي الكَلامِ حَذْفٌ واخْتِصارٌ. وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ التَّفاعُلِ عَلى حَقِيقَتِها أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ المُجْرِمِينَ وما ﴿سَلَكَكُمْ﴾ حِكايَةُ قَوْلِ المَسْؤُولِ عَنْهم أيْضًا ولا يَخْفى ما في اعْتِبارِ الحِكايَةِ مِنَ التَّكَلُّفِ فَلَيْسَ ذاكَ بِالوَجْهِ وإنْ كانَ الإيجازُ نَهْجَ التَّنْزِيلِ والحَذْفُ كَثِيرًا في كَلامِهِ تَعالى الجَلِيلِ، والظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَحْسِيرٍ وإلّا فَهم عالِمُونَ ما الَّذِي أدْخَلَهُمُ النّارَ ولَوْ كانُوا الأطْفالَ فِيما أظُنُّ لِانْكِشافِ الأمْرِ ذَلِكَ اليَوْمَ. ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ يَقْرَأُ «يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يا فُلانُ ما سَلَكَكُمْ» ورُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ أيْضًا وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ «يا أيُّها الكُفّارُ ما سَلَكَكم في سَقَرَ» .

المدثر 74:43

﴿قالُوا﴾ أيِ المُجْرِمُونَ مُجِيبِينَ لِلسّائِلِينَ ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ لِلصَّلاةِ الواجِبَةِ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ نُعْطِيهِ ما يَجِبُ إعْطاؤُهُ والمَعْنى عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ صفحة 133 عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ العِباداتِ لِأنَّهم جَعَلُوا عَذابَهم لِتَرْكِ الصَّلاةِ فَلَوْ لَمْ يُخاطَبُوا بِها لَمْ يُؤاخَذُوا وتَفْصِيلُ المَسْألَةِ في الأُصُولِ وتُعُقِّبَ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِأنَّهُ لا خِلافَ في المُؤاخَذَةِ في الآخِرَةِ عَلى تَرْكِ الِاعْتِقادِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِنَ المُعْتَقِدِينَ لِلصَّلاةِ ووُجُوبِها فَيَكُونُ العَذابُ عَلى تَرْكِ الِاعْتِقادِ، وأيْضًا المُضِلِّينَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُؤْمِنِينَ، وأيْضًا ذاكَ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ فَيَجُوزُ كَذِبُهم أوْ خَطَؤُهم فِيهِ وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ﴾ إلَخِ والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ السُّؤالِ والجَوابِ التَّحْذِيرُ فَلَوْ كانَ الجَوابُ كَذِبًا أوْ خَطَأً لَمْ يَكُنْ في ذِكْرِهِ فائِدَةٌ.

المدثر 74:44

﴿قالُوا﴾ أيِ المُجْرِمُونَ مُجِيبِينَ لِلسّائِلِينَ ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ لِلصَّلاةِ الواجِبَةِ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ نُعْطِيهِ ما يَجِبُ إعْطاؤُهُ والمَعْنى عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ صفحة 133 عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ العِباداتِ لِأنَّهم جَعَلُوا عَذابَهم لِتَرْكِ الصَّلاةِ فَلَوْ لَمْ يُخاطَبُوا بِها لَمْ يُؤاخَذُوا وتَفْصِيلُ المَسْألَةِ في الأُصُولِ وتُعُقِّبَ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِأنَّهُ لا خِلافَ في المُؤاخَذَةِ في الآخِرَةِ عَلى تَرْكِ الِاعْتِقادِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِنَ المُعْتَقِدِينَ لِلصَّلاةِ ووُجُوبِها فَيَكُونُ العَذابُ عَلى تَرْكِ الِاعْتِقادِ، وأيْضًا المُضِلِّينَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُؤْمِنِينَ، وأيْضًا ذاكَ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ فَيَجُوزُ كَذِبُهم أوْ خَطَؤُهم فِيهِ وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ﴾ إلَخِ والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ السُّؤالِ والجَوابِ التَّحْذِيرُ فَلَوْ كانَ الجَوابُ كَذِبًا أوْ خَطَأً لَمْ يَكُنْ في ذِكْرِهِ فائِدَةٌ.

المدثر 74:45

﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نَشْرَعُ في الباطِلِ مَعَ الشّارِعِينَ فِيهِ والخَوْضُ في الأصْلِ ابْتِداءُ الدُّخُولِ في الماءِ والمُرُورُ فِيهِ واسْتِعْمالُهُ في الشُّرُوعِ في الباطِلِ مِنَ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ الِاسْتِعارَةِ عَلى ما قَرَّرُوهُ في المِشْفَرِ ونَحْوِهِ. وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ اسْمٌ غالِبٌ في الشَّرِّ وأكْثَرُ ما اسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ بِما يَذُمُّ الشُّرُوعَ فِيهِ وأُرِيدَ بِالباطِلِ ما لا يَنْبَغِي مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ وعُدَّ مِن ذَلِكَ حِكايَةُ ما يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ في الخَلْوَةِ مَثَلًا وحِكايَةُ أحْوالِ الفَسَقَةِ بِأقْسامِهِمْ عَلى وجْهِ الِالتِذاذِ والِاسْتِئْناسِ بِها ونَقْلِ الحُرُوبِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ بَلْ لِمُجَرَّدِ أنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إلى طَعْنٍ وتَنْقِيصٍ والتَّكَلُّمُ بِالكَلِمَةِ يُضْحِكُ بِها الرَّجُلُ جُلَساءَهُ سَواءٌ كانَتْ مُباحَةً في نَفْسِها أمْ لا نَعَمُ التَّكَلُّمُ بِالكَلِمَةِ المُحَرَّمَةِ لِذَلِكَ باطِلٌ عَلى باطِلٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى وكانَ ذِكْرُ ﴿مَعَ الخائِضِينَ﴾ إشارَةً إلى عَدَمِ اكْتِراثِهِمْ بِالباطِلِ ومُبالاتِهِمْ بِهِ فَكَأنَّهم قالُوا وكُنّا لا نُبالِي بِباطِلٍ.

المدثر 74:46

﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ أضافُوهُ إلى الجَزاءِ مَعَ أنَّ فِيهِ مِنَ الدَّواهِي والأهْوالِ ما لا غايَةَ لَهُ لِأنَّهُ أدْهاها وأهْوَلُها وأنَّهم مُلابِسُوهُ وقَدْ مَضَتْ بَقِيَّةُ الدَّواهِي وتَأْخِيرُ جِنايَتِهِمْ هَذِهِ مَعَ كَوْنِها أعْظَمَ مِنَ الكُلِّ لِتَفْخِيمِها كَأنَّهم قالُوا وكُنّا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولِبَيانِ كَوْنِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ مُقارِنًا لِسائِرِ جِناياتِهِمِ المَعْدُودَةِ مُسْتَمِرًّا إلى آخِرِ عُمْرِهِمْ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهم.

المدثر 74:47

﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ أيِ المَوْتُ ومُقَدَّماتُهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جُلُّ المُفَسِّرِينَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿اليَقِينُ﴾ عِنْدِي صِحَّةُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ وقَوْلُ المُفَسِّرِينَ هو المَوْتُ مُتَعَقَّبٌ عِنْدِي لِأنَّ نَفْسَ المَوْتِ يَقِينٌ عِنْدَ الكافِرِ وهو حَيٌّ فَلَمْ يُرِيدُوا بِاليَقِينِ ( إلّا ) الشَّيْءَ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وهم أحْياءٌ في الدُّنْيا فَتَيَقَّنُوهُ بَعْدَ المَوْتِ انْتَهى وفِيهِ نَظَرٌ. ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ مَجْمُوعَ ما ذَكَرُوهُ سَبَبٌ لِدُخُولِ مَجْمُوعِهِمُ النّارَ فَلا يَضُرُّ في ذَلِكَ أنَّ مِن أهْلِ النّارِ مَن لَمْ يَكُنْ وجَبَ عَلَيْهِ إطْعامُ مِسْكِينٍ كَفُقَراءِ الكَفَرَةِ المُعْدِمِينَ. وفي الكَشّافِ يَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ دُخُولُ كُلٍّ مِنهم النّارَ لِمَجْمُوعِ الأرْبَعَةِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُخُولُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِها كَأنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ تَرْكِ الصَّلاةِ أوْ تَرْكِ الإطْعامِ وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ وهو تَخْلِيدُ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَتارِكِ الصَّلاةِ في النّارِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ لا في أعَمَّ مِنهم.

المدثر 74:48

﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ لَوْ شَفَعُوا لَهم جَمِيعًا فالكَلامُ عَلى الفَرْضِ واشْتُهِرَ أنَّهُ مِن بابِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ وحَمْلُ التَّعْرِيفِ عَلى الِاسْتِغْراقِ أبْلَغُ وأنْسَبُ بِالمَقامِ والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِغَيْرِ سَبَبٍ عَلى ما قَبْلَها مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْهِ والِاتِّعاظِ بِهِ مِن سُوءِ حالِ المُكَذِّبِينَ ومُعْرِضِينَ حالٌ لازِمَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ الواقِعِ خَبَرًا لِما الِاسْتِفْهامِيَّةِ أعْنِي لَهم وهي المَقْصُودَةُ مِنَ الكَلامِ وعَنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِها والتَّقْدِيمُ لِلْعِنايَةِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ أيْ فَإذا كانَ حالُ المُكَذِّبِينَ بِهِ عَلى ما ذُكِرَ فَأيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْهِ وتَأْخُذُ الدَّواعِي إلى الإيمانِ بِهِ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّذْكِرَةِ ما يَعُمُّ القُرْآنَ وما بَعْدُ يُرَجِّحُ الأوَّلَ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّذْكِيرِ أصْلٌ عَلى ما ذَكَرَ مُبالَغَةً.

المدثر 74:49

﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ لَوْ شَفَعُوا لَهم جَمِيعًا فالكَلامُ عَلى الفَرْضِ واشْتُهِرَ أنَّهُ مِن بابِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ وحَمْلُ التَّعْرِيفِ عَلى الِاسْتِغْراقِ أبْلَغُ وأنْسَبُ بِالمَقامِ والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِغَيْرِ سَبَبٍ عَلى ما قَبْلَها مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْهِ والِاتِّعاظِ بِهِ مِن سُوءِ حالِ المُكَذِّبِينَ ومُعْرِضِينَ حالٌ لازِمَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ الواقِعِ خَبَرًا لِما الِاسْتِفْهامِيَّةِ أعْنِي لَهم وهي المَقْصُودَةُ مِنَ الكَلامِ وعَنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِها والتَّقْدِيمُ لِلْعِنايَةِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ أيْ فَإذا كانَ حالُ المُكَذِّبِينَ بِهِ عَلى ما ذُكِرَ فَأيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْهِ وتَأْخُذُ الدَّواعِي إلى الإيمانِ بِهِ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّذْكِرَةِ ما يَعُمُّ القُرْآنَ وما بَعْدُ يُرَجِّحُ الأوَّلَ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّذْكِيرِ أصْلٌ عَلى ما ذَكَرَ مُبالَغَةً.

المدثر 74:50

صفحة 134 وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ حالٌ مِنَ المَسَّتِكُنَّ في مُعْرِضِينَ بِطَرِيقِ التَّداخُلِ والحُمُرُ جَمْعُ حِمارٍ والمُرادُ بِهِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ حِمارُ الوَحْشِ لِأنَّهُ بَيْنَهم مَثَلٌ بِالنِّفارِ وشِدَّةِ الفِرارِ ( ومُسْتَنْفِرَةٌ ) مِنِ اسْتَنْفَرَ بِمَعْنى نَفَرَ كَعَجَبَ واسْتَعْجَبَ كَما قِيلَ والأحْسَنُ أنِ اسْتَفْعَلَ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّ الحُمُرَ لِشِدَّةِ العَدْوِ تَطْلُبُ النِّفارَ مِن نَفْسِها والمَعْنى مُشَبَّهِينَ بِحُمْرٍ نافِرَةٍ جِدًّا.

المدثر 74:51

﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ أسَدٍ وهي فَعُولَةٌ مِنَ القَسْرِ وهو القَهْرُ والغَلَبَةُ وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا بَيْدَ أنَّهُ قالَ هو بِلِسانِ العَرَبِ «الأسَدِ» وبِلِسانِ الحَبَشَةِ ﴿قَسْوَرَةٍ﴾ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ إنَّها الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أخْرَجَها ابْنُ عُيَيْنَةَ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ رُكُزُ النّاسِ أيْ أصْواتُهم وعَنْهُ أيْضًا حِبالُ الصَّيّادِينَ. وعَنْ قَتادَةَ النُّبْلُ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وثَعْلَبُ القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وجُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ عَلى أنَّهُ الأسَدُ وأيًّا ما كانَ فَقَدْ شُبِّهُوا في إعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ واسْتِماعِ ما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ وشَرادِهِمْ عَنْهُ بِحُمُرٍ وحْشِيَّةٍ جَدَّتْ في نِفارِها مِمّا أفْزَعَها وفي تَشْبِيهِهِمْ بِالحُمُرِ مَذَمَّةٌ ظاهِرَةٌ وتَهْجِينٌ لِحالِهِمْ بُنِيَ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [اَلْجُمْعَةِ: 5] أوْ شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالبَلَهِ وقِلَّةِ العَقْلِ. وقَرَأ الأعْمَشُ «حُمْرٌ» بِإسْكانِ المِيمِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «مُسْتَنْفَرَةٌ» بِفَتْحِ الفاءِ أيِ اسْتَنْفَرَها فَزَعُها مِنَ القَسْوَرَةِ وفَّرَتْ يُناسِبُ الكَسْرَ فَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلامٍ قالَ سَألْتُ أبا سِرارٍ الغَنَوِيِّ وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا فَقُلْتُ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ﴾ ماذا فَقالَ مُسْتَنْفَرَةٌ طَرَدَها قَسْوَرَةٌ فَفَتَحَ الفاءَ فَقُلْتُ إنَّما هو ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ أفَرَّتْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ فَمُسْتَنْفَرَةٌ إذَنْ فَكَسَرَ الفاءَ.

المدثر 74:52

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ ولا يَرْضَوْنَ بِها بَلْ يُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أنْ يُؤْتى قَراطِيسَ تُنْشَرُ وتُقْرَأُ كالكُتُبِ الَّتِي يَتَكاتَبُ بِها وجَوَّزَ أنْ يُرادَ كُتُبًا كُتَبَتْ في السَّماءِ ونَزَلَتْ بِها المَلائِكَةُ ساعَةَ كُتِبَتْ مُنَشَّرَةً عَلى أيْدِيها غَضَّةً رَطْبَةً لَمْ تُطْوَ بَعْدُ وفِيهِ بُعْدٌ وذَلِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ سَرَّكَ أنْ نُتابِعَكَ فَأْتِ كُلَّ واحِدٍ مِنّا بِكُتُبٍ مِنَ السَّماءِ عُنْوانُها مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ نُؤْمَرُ فِيها بِاتِّباعِكَ فَنَزَلَتْ. ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى ( لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَأهُ ) [اَلْإسْراءِ: 93] وقالَ ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [اَلْأنْعامِ: 7] الآيَةَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: قالُوا إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُصْبِحْ تَحْتَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا صَحِيفَةٌ فِيهِ بَراءَةٌ وأمَنَةٌ مِنَ النّارِ وقِيلَ كانُوا يَقُولُونَ بَلَغَنا أنَّ الرَّجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ يُصْبِحُ مَكْتُوبًا عَلى رَأْسِهِ ذَنْبُهُ وكَفّارَتُهُ فَأْتِنا بِمِثْلِ ذَلِكَ وهَذا مِنَ الصُّحُفِ المُنَشَّرَةِ بِمَعْزِلٍ. ( إلّا ) أنْ يُرادَ بِالصُّحُفِ المُنَشَّرَةِ الكِتاباتُ الظّاهِرَةُ المَكْشُوفَةُ ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي صالِحٍ فَمَآلُهُما إلى واحِدٍ لِاشْتِراكِهِما في أنَّ المُنَشَّرَ لَمْ يَبْقَ عَلى أصْلِهِ وأنَّ لِكُلٍّ صَحِيفَةً مَخْصُوصَةً بِهِ إمّا لِخَلاصِهِ مِنَ الذَّنْبِ وإمّا لِوَجْهِ خَلاصَةٍ فالمَعْمُولُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ «صُحْفا» بِإسْكانِ الحاءِ «مُنَشَّرَةً» بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ أنْشَرَ الصُّحُفَ ونَشَرَها واحِدٌ كَأنْزَلَ ونَزَلَهُ وفي البَحْرِ المَحْفُوظِ في الصَّحِيفَةِ والثَّوْبِ نُشِرَ مُخَفَّفًا ثُلاثِيًّا ويُقالُ في المَيِّتِ أنْشَرَهُ اللَّهُ تَعالى ونَشَرَهُ ويُقالُ: أنْشَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَنَشَرَ هو أيْ أحْياهُ فَحَيِيَ ( كَلّا ) رَدْعٌ عَنْ إرادَتِهِمْ تِلْكَ وزَجْرٌ لَهم عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ.

المدثر 74:53

﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ فَلِذَلِكَ يُعْرِضُونَ عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ وحُصُولِ مُقْتَرَحِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «تَخافُونَ» بِتاءِ الخِطابِ التِفاتًا ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنُ أوِ التَّذْكِرَةُ السّابِقَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ وكَذا الضَّمِيرُ الآتِي وذِكْرٌ لِأنَّهُ بِمَعْنى القُرْآنِ أوِ الذِّكْرُ صفحة 135 ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ وأيُّ تَذْكِرَةٍ ﴿فَمَن شاءَ﴾ أنْ يَذْكُرَهُ ﴿ذَكَرَهُ﴾ وحازَ بِسَبَبِهِ سَعادَةَ الدّارَيْنِ والوَقْفُ عَلى ( كَلّا ) عَلى ما سَمِعْتَ في المَوْضِعَيْنِ وعَلى ( مُنَشَّرَةً والآخِرَةِ ) إنْ جُعِلَتْ كَما في الحَواشِي بِمَعْنى إلّا.

المدثر 74:54

﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ فَلِذَلِكَ يُعْرِضُونَ عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ وحُصُولِ مُقْتَرَحِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «تَخافُونَ» بِتاءِ الخِطابِ التِفاتًا ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنُ أوِ التَّذْكِرَةُ السّابِقَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ وكَذا الضَّمِيرُ الآتِي وذِكْرٌ لِأنَّهُ بِمَعْنى القُرْآنِ أوِ الذِّكْرُ صفحة 135 ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ وأيُّ تَذْكِرَةٍ ﴿فَمَن شاءَ﴾ أنْ يَذْكُرَهُ ﴿ذَكَرَهُ﴾ وحازَ بِسَبَبِهِ سَعادَةَ الدّارَيْنِ والوَقْفُ عَلى ( كَلّا ) عَلى ما سَمِعْتَ في المَوْضِعَيْنِ وعَلى ( مُنَشَّرَةً والآخِرَةِ ) إنْ جُعِلَتْ كَما في الحَواشِي بِمَعْنى إلّا.

المدثر 74:55

﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ فَلِذَلِكَ يُعْرِضُونَ عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ وحُصُولِ مُقْتَرَحِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «تَخافُونَ» بِتاءِ الخِطابِ التِفاتًا ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ إعْراضِهِمْ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنُ أوِ التَّذْكِرَةُ السّابِقَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ وكَذا الضَّمِيرُ الآتِي وذِكْرٌ لِأنَّهُ بِمَعْنى القُرْآنِ أوِ الذِّكْرُ صفحة 135 ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ وأيُّ تَذْكِرَةٍ ﴿فَمَن شاءَ﴾ أنْ يَذْكُرَهُ ﴿ذَكَرَهُ﴾ وحازَ بِسَبَبِهِ سَعادَةَ الدّارَيْنِ والوَقْفُ عَلى ( كَلّا ) عَلى ما سَمِعْتَ في المَوْضِعَيْنِ وعَلى ( مُنَشَّرَةً والآخِرَةِ ) إنْ جُعِلَتْ كَما في الحَواشِي بِمَعْنى إلّا.

المدثر 74:56

﴿وما يَذْكُرُونَ﴾ أيْ بِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِمْ لِلذِّكْرِ كَما هو المَفْهُومُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ إذْ لا تَأْثِيرَ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ في أفْعالِهِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أوْ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ وما يَذْكُرُونَ بِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ أوْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ( إلّا ) بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى أوْ حالَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ فِيهِ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ وحَمْلُهُمُ المَشِيئَةَ عَلى مَشِيئَةِ القَسْرِ والإلْجاءِ خُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ قَسْرٍ وإلْجاءٍ. وقَرَأ نافِعٌ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ «تَذْكُرُونَ» بِتاءِ الخِطابِ التِفاتًا مَعَ إسْكانِ الذّالِ ورُوِيَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ «يَذَّكَرُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الذّالِ وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ «تَذَّكَرُونَ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وإدْغامِها في الذّالِ ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عَذابُهُ ويُؤْمَنَ بِهِ ويُطاعَ فالتَّقْوى مَصْدَرُ المَبْنِي لِلْمَفْعُولِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ جَلَّ وعَلا لِمَن آمَنَ بِهِ وأطاعَهُ فالمَغْفِرَةُ مَصْدَرُ المَبْنِي لِلْفاعِلِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَّةَ وخَلْقٌ آخَرُونَ «عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: «قَدْ قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنَّ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا آخَرَ فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ. وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ الحَسَنِ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَقُولُ اللَّهُ تَعالى إنِّي لَأجِدُنِي أسْتَحِي مِن عَبْدِي يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَيَّ ثُمَّ يَرُدُّهُما مِن غَيْرِ مَغْفِرَةٍ، قالَتِ المَلائِكَةُ: إلَهُنا لَيْسَ لِذَلِكَ بِأهْلٍ قالَ اللَّهُ تَعالى لَكِنِّي أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ»» . وكَأنَّ الجُمْلَةَ لِتَحْقِيقِ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ اللَّذَيْنِ أشْعَرَ بِهِما الكَلامُ السّابِقُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَذَكِّرِ وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ قالَ: «اَللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أهْلِ التَّقْوى وأهْلِ المَغْفِرَةِ عَلى أنَّ أوَّلَ الثّانِي كَثانِي الأوَّلِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وثانِي الثّانِي كَأوَّلِ الأوَّلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وإلّا فَلا يَحْسُنُ الدُّعاءُ وإنْ تُكُلِّفَ لِتَصْحِيحِهِ فافْهَمْ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

القيامة 75:1

سُورَةُ القِيامَةِ ويُقالُ لَها سُورَةُ لا أُقْسِمُ وهي مَكِّيَّةٌ مِن غَيْرِ حِكايَةِ خِلافٍ ولا اسْتِثْناءٍ واخْتُلِفَ في عَدَدِ آيِها فَفي الكُوفِيِّ أرْبَعُونَ وفي غَيْرِهِ تِسْعٌ وثَلاثُونَ، والخِلافُ في ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القِيامَةِ: 16] ولَمّا قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى في آخِرِ المُدَّثِّرِ ﴿كَلا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المُدَّثِّرِ: 53] بَعْدَ ذِكْرِ الجَنَّةِ والنّارِ وكانَ عَدَمُ خَوْفِهِمْ إيّاها لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ ذَكَرَ جَلا وعَلا في هَذِهِ السُّورَةِ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ بِأتَمِّ وجْهٍ ووَصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ وأهْوالَهُ وأحْوالَهُ ثُمَّ ذَكَرَ ما قَبْلَ ذَلِكَ مِن خُرُوجِ الرُّوحِ مِنَ البَدَنِ ثُمَّ ما قَبْلُ مِن مَبْدَأِ الخَلْقِ عَلى عَكْسِ التَّرْتِيبِ الواقِعِيِّ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ عَظِيمٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ إدْخالُ لا النّافِيَةِ صُورَةٌ عَلى فِعْلِ القَسَمِ مُسْتَفِيضٌ في كَلامِهِمْ وأشْعارِهِمْ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِي لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ وقَوْلِ غَوِيَّةَ بْنِ سَلْمى يَرْثِي: ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِ ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا بِكِ ما أُبالِي ومُلَخَّصُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جارُ اللَّهِ في ذَلِكَ أنَّ لا هَذِهِ إذا وقَعَتْ في خِلالِ الكَلامِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النِّساءِ: 65] فَهي صِلَةٌ صفحة 136 تُزادُ لِتَأْكِيدِ القَسَمِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ [الحَدِيدِ: 29] لِتَأْكِيدِ العِلْمِ وأنَّها إذا وقَعَتِ ابْتِداءً كَما في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ البَلَدِ فَهي لِلنَّفْيِ لِأنَّ الصِّلَةَ إنَّما تَكُونُ في وسَطِالكَلامِ ووَجْهُهُ أنَّ إنْشاءَ القَسَمِ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنْ تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ فَهو نَفْيٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ الضِّمْنِيِّ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، والمُرادُ أنَّهُ لا يُعَظَّمُ بِالقَسَمِ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ عَظِيمٌ أقْسَمَ بِهِ أوَّلًا ويَتَرَقّى مِن هَذا التَّعْظِيمِ إلى تَأْكِيدِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ إذِ المُبالَغَةُ في تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ تَتَضَمَّنُ المُبالَغَةَ فِيهِ فَما يَخْتَلِجُ في بَعْضِ الخَواطِرِ مِن أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَلى هَذا إخْبارًا لا إنْشاءً فَلا يَسْتَحِقُّ جَوابًا، وأنَّ المَعْنى عَلى تَعْظِيمِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ لا المَقْسَمِ بِهِ مَدْفُوعٌ، ووَراءَ ذَلِكَ أقْوالٌ فَقِيلَ إنَّها لِنَفْيِ الإقْسامِ لِوُضُوحِ الأمْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: لِنَفِي كَلامٍ مَعْهُودٍ قَبْلَ القَسَمِ ورَدَّهُ فَكَأنَّهم هُنا أنْكَرُوا البَعْثَ فَقِيلَ لا، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ ثُمَّ قِيلَ ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ وقَدَحَ الإمامُ فِيهِ بِإعادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ وقِيلَ إنَّها لَيْسَ لا وإنَّما اللّامُ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها فَظَهَرَ مِن ذَلِكَ ألْفٌ والأصْلُ «لَأُقْسِمُ» كَما قَرَأ بِهِ قُنْبُلٌ ورُوِيَ عَنِ البَزِّيِّ والحَسَنِ وهي لامُ الِابْتِداءِ عِنْدَ بَعْضٍ والأصْلُ «لَأنا أُقْسِمُ» وحَذْفُ المُبْتَدَأِ لِلْعِلْمِ بِهِ ولامُ التَّأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى الفِعْلِ المُضارِعِ كَما في إنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم [النَّحْلِ: 124] والأصْلُ إنِّي لَأُقْسِمُ عِنْدَ بَعْضٍ، ولامُ القَسَمِ ولَمْ يَصْحَبْها نُونُ التَّوْكِيدِ لِعَدَمِ لُزُومِ ذَلِكَ وإنَّما هو أغْلَبِيٌّ عَلى ما حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ مَعَ الِاعْتِمادِ عَلى المَعْنى عِنْدَ آخَرِينَ. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّها صِلَةٌ واخْتارَهُ جارُ اللَّهِ في المُفَصَّلِ وما ذَكَرَ مِنَ الِاخْتِصاصِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأنَّ الزِّيادَةَ إذا ثَبَتَتْ في القَسَمِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ أوَّلِ الكَلامِ وأوْسَطِهِ لا أنَّهُ مُسَلَّمٌ لَكِنَّ القُرْآنَ في حُكْمِ سُورَةٍ واحِدَةٍ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لِأنَّ كَوْنَهُ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّناقُضِ ونَحْوِهِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مِثْلِ هَذا الحُكْمِ ثُمَّ فَهِمَ ما ذَكَرَهُ في تَوْجِيهِ النَّفِيِ مِنَ اللَّفْظِ بِعِيدٌ وحالُ سائِرِ الأقْوالِ غَيْرُ خَفِيٍّ وقَدْ مَرَّ بَعْضُ الكَلامِ في ذَلِكَ فَتَذَّكَّرْ.

القيامة 75:2

والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ عَلى ذَلِكَ النَّمَطِ بَيْدَ أنَّهُ قَبْلُ عَلى قِراءَةِ لَأُقْسِمُ فِيما قَبْلُ أنَّ المُرادَ هُنا النَّفْيُ عَلى مَعْنى «إنِّي لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ» لِشَرَفِهِ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ لِخِسَّتِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ما يَقْتَضِيهِ وحَكاهُ في البَحْرِ عَنِ الحَسَنِ وقالَ قَتادَةُ في هَذِهِ النَّفْسِ هي الفاجِرَةُ الجَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأغْراضِها وجاءَ نَحْوَهُ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَقُّ أنَّهُ تَفْسِيرٌ لا يُناسِبُ هَذا المَقامَ ولِذَلِكَ قِيلَ هي النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى والمُبالَغَةِ بِكَثْرَةِ المَفْعُولِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الَّتِي تَلُومُ نَفْسَها عَلى ما فاتَ وتَنْدَمُ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ فَهي لَمْ تَزَلْ لائِمَةً وإنِ اجْتَهَدَتْ في الطّاعاتِ فالمُبالَغَةُ في الكَيْفِ بِاعْتِبارِ الدَّوامِ وقِيلَ المُرادُ «بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ» جِنْسُ النَّفْسِ الشّامِلَةِ لِلتَّقِيَّةِ والفاجِرَةِ لِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وتَلُومُ نَفْسَها يَوْمَ القِيامَةِ إنْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ كَيْفَ لَمْ أزِدْ مِنهُ، وإنْ عَمِلَتْ شَرًّا قالَتْ لَيْتَنِي قَصَّرْتُ» . وضَمَّها إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن إقامَتِها مُجازاتُها وبَعْثُها فِيهِ، وضُعِّفَ بِأنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ اللَّوْمِ لا يَكُونُ مَدارًا لِلْإعْظامِ بِالإقْسامِ وإنَّ صَدَرَ عَنِ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ المُسِيئَةِ فَكَيْفَ مِنَ الكافِرَةِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ الجِنْسِ وأُجِيبُ بِأنَّ القَسَمَ بِها حِينَئِذٍ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الصِّفَةِ والنَّفْسِ مِن حَيْثُ هي شَرِيفَةٌ لِأنَّها الرُّوحُ الَّتِي هي مِن عَظِيمِ أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَظْهَرُ لِذِكْرِ الوَصْفِ حِينَئِذٍ فائِدَةٌ والإمامُ أوْقَفَ الخَبَرَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ واعْتَرَضَهُ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، وأجابَ عَنْها بِحَمْلِ اللَّوْمِ عَلى تَمَنِّي الزِّيادَةِ وتَمَنِّي إنْ لَمْ يَكُنْ ما وقَعَ مِنَ المَعْصِيَةِ واقِعًا وما ذُكِرَ مِن تَوْجِيهِ الضَّمِّ لا يَخُصُّ هَذا الوَجْهَ كَما لا يَخْفى وقِيلَ المُرادُ بِها نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّها لَمْ تَزَلْ تَلُومُ نَفْسَها عَلى فِعْلِها الَّذِي خَرَجَتْ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ وأكْثَرُ الصُّوفِيَّةِ عَلى أنَّ النَّفْسَ اللَّوّامَةَ فَوْقَ الأمّارَةِ وتَحْتَ المُطْمَئِنَّةِ، وعَرَّفُوا الأمّارَةَ بِأنَّها هي الَّتِي تَمِيلُ إلى الطَّبِيعَةِ البَدَنِيَّةِ وتَأْمُرُ بِاللَّذّاتِ والشَّهَواتِ الحِسِّيَّةِ وتَجْذِبُ القَلْبَ إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ، وقالُوا هي مَأْوى الشُّرُورِ ومَنبَعُ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ. وعَرَّفُوا صفحة 137 اللَّوّامَةَ بِأنَّها هي الَّتِي تَنَوَّرَتْ بِنُورِ القَلْبِ قَدْرَ ما تَنَبَّهَتْ عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ فَكُلَّما صَدَرَ عَنْها سَيِّئَةٌ بِحُكْمِ جِبِلَّتِها الظَّلَمانِيَّةِ أخَذَتْ تَلُومُ نَفْسَها ونَفَرَتْ عَنْها. وعَرَّفُوا المُطَمْئِنَةَ بِأنَّها الَّتِي تَمَّ تَنُّورُها بِنُورِ القَلْبِ حَتّى انْخَلَعَتْ عَنْ صِفاتِها الذَّمِيمَةِ وتَخَلَّقَتْ بِالأخْلاقِ الحَمِيدَةِ وسَكَنَتْ عَنْ مُنازَعَةِ الطَّبِيعَةِ ومِنهم مَن قالَ في ﴿اللَّوّامَةِ﴾ هي المُطْمَئِنَّةُ اللّائِمَةُ لِلنَّفْسِ الأمّارَةِ ومِنهم مَن قالَ هي فَوْقَ المُطَمْئِنَةِ وهي الَّتِي تَرَشَّحَتْ لِتَأْدِيبِ غَيْرِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ والمَشْهُورُ عَنْهم تَقْسِيمُ مَراتِبِ النَّفْسِ إلى سَبْعٍ مِنها هَذِهِ الثَّلاثَةُ وفي سَيْرِ السُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ كَلامٌ نَفِيسٌ في ذَلِكَ فَلْيُراجِعْهُ مَن شاءَ وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ.

القيامة 75:3

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ وهو لَيُبْعَثَنَّ وقِيلَ هو ﴿أيَحْسَبُ﴾ إلَخِ وقِيلَ.

القيامة 75:4

﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وكِلاهُما لَيْسا بِشَيْءٍ أصْلًا كَزَعْمِ عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى جَوابٍ لِأنَّ المُرادَ نَفِيُ الإقْسامِ والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ و(إنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أيْ أيَحْسَبُ أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نَجْمَعَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ عِظامَهُ، وحاصِلُهُ لِمَ يَكُونُ هَذا الحُسْبانُ الفارِغُ عَنِ الإمارَةِ المُنافِي لِحَقِّ اليَقِينِ وصَرِيحِهِ، والنِّسْبَةُ إلى الجِنْسِ لِأنَّ فِيهِ مَن يَحْسَبُ ذَلِكَ بَلْ لَعَلَّهُ الأكْثَرُونَ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ والمُرادُ بِالإنْسانِ «عَدِيُّ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ وخَتَنُ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ وهُما اللَّذانِ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِيهِما: اللَّهُمَّ اكْفِنِي جارَيِ السُّوءِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ جاءَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ وكَيْفَ يَكُونُ أمْرُهُ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ أُصَدِّقْكَ يا مُحَمَّدُ ولَمْ أوَمِن بِهِ أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ العِظامَ فَنَزَلَتْ» . وقِيلَ أبُو جَهْلٍ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلائِها وتَفَرُّقِها فَيُعِيدَها خَلْقًا جَدِيدًا فَنَزَلَتْ ولَيْسَ كَإرادَةِ الجِنْسِ وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَعْنِيهِ وذِكْرُ العِظامِ وأنَّ المَعْنى عَلى إعادَةِ الإنْسانِ وجَمْعِ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ لِما أنَّها قالَبُ الخَلْقِ. وقَرَأ قَتادَةُ «تُجْمَعُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «عِظامَهُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ ﴿بَلى﴾ أيْ نَجْمَعُها بَعْدَ تَفَرُّقِها ورُجُوعِها رَمِيمًا ورُفاتًا في بُطُونِ البِحارِ وفَسِيحاتِ القِفارِ وحَيْثُما كانَتْ حالُ كَوْنِنا ﴿قادِرِينَ﴾ فَقادِرِينَ حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ ﴿بَلى﴾ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وقِيلَ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ كانَ أيْ بَلى كُنّا قادِرِينَ في البَدْءِ أفَلا نَقْدِرُ في الإعادَةِ وهو كَما تَرى. وقِيلَ انْتَصَبَ لِأنَّهُ وقَعَ في مَوْضِعِ نَقْدِرُ إذِ التَّقْدِيرُ بَلى نَقْدِرُ فَلَمّا وُضِعَ مَوْضِعَ الفِعْلِ نُصِبَ حَكاهُ مَكِّيٌّ وقالَ إنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ الصَّوابِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ نَصْبُ قائِمٍ في قَوْلِكَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ يَقُومُ فَتَأمَّلْ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السُّمَيْفِعِ «قادِرُونَ» أيْ نَحْنُ قادِرُونَ ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ هي اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدُهُ بَنانَةٌ وفَسَّرَها الرّاغِبُ بِالأصابِعِ ثُمَّ قالَ قِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ بِها صَلاحَ الأحْوالِ الَّتِي يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يُبَيِّنَ بِها ما يُرِيدُ أيْ يُقِيمُ غَيْرَهُ بِما صَغُرَ مِن عِظامِ الأطْرافِ كاليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ وفي القامُوسِ البَنانُ الأصابِعُ أوْ أطْرافُها فالمَعْنى نَجْمَعُ العِظامَ قادِرِينَ عَلى تَأْلِيفِ جَمْعِها وإعادَتِها إلى التَّرْكِيبِ الأوَّلِ وإلى أنْ نُسَوِّيَ أصابِعَهُ الَّتِي هي أطْرافُهُ وآخِرُ ما يَتِمُّ بِهِ خَلْقُهُ، أوْ عَلى أنْ نُسَوِّيَ ونَضُمَّ سُلامِيّاتِهِ عَلى صِغَرِها ولَطافَتِها بَعْضَها إلى بَعْضٍ كَما كانَتْ أوَّلًا مِن غَيْرِ نُقْصانٍ ولا تَفاوُتٍ فَكَيْفَ بِكِبارِ العِظامِ وما لَيْسَ في الأطْرافِ مِنها؟ وفي الحالِ المَذْكُورَةِ أعْنِي ﴿قادِرِينَ عَلى﴾ إلَخِ بَعْدَ الدَّلالَةِ عَلى التَّقْيِيدِ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الفِعْلِ لِأنَّ الجَمْعَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لا بُدَّ فِيهِ مِنَ القُدْرَةِ فَإذا قَيَّدَ بِالقُدْرَةِ البالِغَةِ فَقَدْ أكَّدَ والوَجْهُ الأوَّلُ مِنَ المَعْنى يَدُلُّ عَلى تَصْوِيرِ الجَمْعِ وأنَّهُ لا تَفاوُتَ بَيْنَ الإعادَةِ والبَدْءِ في الِاشْتِمالِ عَلى جَمِيعِ الأجْزاءِ الَّتِي كانَ بِها قِوامُ البَدَنِ أوْ كَمالُهُ، والثّانِي يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ الجَمْعِ التّامِّ فَإنَّهُ إذا قَدَرَ عَلى جَمْعِ الألْطَفِ الأبْعَدِ عادَةً عَنِ الإعادَةِ فَعَلى جَمْعِ صفحة 138 غَيْرِهِ أقْدَرُ ولَعَلَّهُ الأوْفَقُ بِالمَقامِ. ويُعْلَمُ مِنهُما نُكْتَةُ تَخْصِيصِ البَنانِ بِالذِّكْرِ وقِيلَ المَعْنى بَلى نَجْمَعُها ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنَّ نُسَوِّيَ أصابِعَ يَدَيْهِ ورِجِلَيْهِ أنْ نَجْعَلَها مُسْتَوِيَةً شَيْئًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ وحافِرِ الحِمارِ ولا نُفَرِّقُ بَيْنَها فَلا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْمَلَ بِها شَيْئًا مِمّا يَعْمَلُ بِأصابِعِهِ المُفَرَّقَةِ ذاتِ المَفاصِلِ والأنامِلِ مِن فُنُونِ الأعْمالِ والبَسْطِ والقَبْضِ والتَّأتِّي لِما يُرِيدُ مِنَ الحَوائِجِ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ ولَعَلَّ المُرادَ نَجْمَعُها ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى التَّسْوِيَةِ وقْتَ الجَمْعِ فالكَلامُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ السّابِقَةَ لَكِنْ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا قَدَرَ عَلى إعادَتِهِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ تَبْدِيلَ بَعْضِ الأجْزاءِ فَعَلى الِاحْتِذاءِ بِالمِثالِ الأوَّلِ في جَمِيعِهِ أقْدَرُ وأبُو حَيّانٍ حَكى هَذا المَعْنى عَنِ الجُمْهُورِ لَكِنَّ قَيَّدَ التَّسْوِيَةَ فِيهِ بِكَوْنِها في الدُّنْيا وقالَ: إنَّ في الكَلامِ عَلَيْهِ تَوَعُّدًا ثُمَّ تَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ المَقْصُودِ مِن سَوْقِ الكَلامِ والأمْرُ كَما قالَ لَوْ كانَ كَما فَعَلَ فَلا تَغْفُلْ. ولا يَخْفى أنَّ في الإتْيانِ بِلا أوَّلًا وحَذْفِ جَوابِ القَسَمِ والإتْيانِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿أيَحْسَبُ﴾ ورِعايَةِ أُسْلُوبِ: وثَناياكَ إنَّها إغْرِيضٌ في القَسَمِ بِيَوْمِ البَعْثِ والمَبْعُوثِ فِيهِ ثُمَّ إيثارُ لَفْظِ الحُسْبانِ والإتْيانِ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ مُسْنَدًا إلى الجِنْسِ وبِحَرْفِ الإيجابِ والحالُ بَعْدَها مِنَ المُبالَغاتِ في تَحْقِيقِ المَطْلُوبِ وتَفْخِيمِهِ وتَهْجِينِ المُعْرِضِ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لَهُ ما تُبْهِرُ عَجائِبُهُ ثُمَّ الحُسْنُ كُلُّ الحُسْنِ في ضِمْنِ حَرْفِ الإضْرابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ.

القيامة 75:5

﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿أيَحْسَبُ﴾ جِيءَ لِلْإضْرابِ عَنْ إنْكارِ الحُسْبانِ إلى الإخْبارِ عَنْ حالِ الإنْسانِ الحاسِبِ بِما هو أدْخَلُ في اللَّوْمِ والتَّوْبِيخِ مِنَ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ دَعْ تَعْنِيفَهُ فَإنَّهُ أشَطُّ مِن ذَلِكَ وأنّى يَرْتَدِعُ وهو يُرِيدُ لِيَدُومَ عَلى فُجُورِهِ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الأوْقاتِ وفِيما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ لا يَنْزِعُ عَنْهُ، أوْ هو عَطْفٌ عَلى ﴿يَحْسَبُ﴾ مُنْسَجِمًا عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ أوْ عَلى ﴿أيَحْسَبُ﴾ مُقَدَّرًا فِيهِ ذَلِكَ أيْ بَلْ أُرِيدُ جِيءَ بِهِ زِيادَةَ إنْكارٍ في إرادَتِهِ هَذِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّها أفْظَعُ مِنَ الأوَّلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحُسْبانَ بِمُجَرَّدِهِ إرادَةُ الفُجُورِ كَما نَقُولُ في تَهْدِيدِ جَمْعٍ عاثُوا في البَلَدِ أيَحْسَبُونَ أنْ لا يَدْخُلُ الأمِيرُ بَلْ يُرِيدُونَ أنْ يَتَمَلَّكُوا فِيهِ لَمْ تَقُلْ هَذِهِ إلّا وأنْتَ مُتَرَقٍّ في الإنْكارِ مُنَزِّلَ عَبَثِهِمْ مَنزِلَةَ إرادَةِ التَّمَلُّكِ وعَدَمِ العِبْءِ بِمَكانِ الأمِيرِ، وإلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أشارَ جارُ اللَّهِ عَلى ما قَرَّرَ في الكَشْفِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّ هَذا عَلى التَّرَقِّي والأوَّلُ إضْرابٌ عَنِ الإنْكارِ وإيهامٌ أنَّ الأمْرَ أطَمُّ مِن ذَلِكَ وأطَمُّ، وفِيهِما إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ عالِمٌ بِوُقُوعِ الحَشْرِ ولَكِنَّهُ مُتَغابٍ واعْتَبَرَ الدَّوامَ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَنْ حالِ الفاجِرِ بِأنَّهُ يُرِيدُ لِيَفْجُرَ في المُسْتَقْبَلِ عَلى أنَّ حُسْبانَهُ وإرادَتَهُ هُما عَيْنُ الفُجُورِ، وقِيلَ لِأنَّ ﴿أمامَهُ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ فَيُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ وفي إعادَةِ المَظْهَرِ ثانِيًا ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْدِيدِ والنَّعْيِ عَلى قَبِيحِ ما ارْتَكَبَهُ وأنَّ الإنْسانِيَّةَ تَأْبى هَذا الحُسْبانَ والإرادَةَ وعَوْدُ ضَمِيرِ ﴿أمامَهُ﴾ عَلى هَذا المَظْهَرِ هو الأظْهَرُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي عَوْدَهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ والأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ في عُمُومِ الفُجُورِ قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ في الآيَةِ إنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيَهُ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ ومُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا لِتَوْبَتِهِ وهو حَسَنٌ لا يَأْبى ذَلِكَ الإضْرابَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَفْعُولَ ﴿يُرِيدُ﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿لِيَفْجُرَ﴾ وقالَ بَعْضُهم وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّامِ ومَصْدَرُهُ مُقَدَّرٌ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ أيْ يُوقِعُ جَمِيعَ إرادَتِهِ ﴿لِيَفْجُرَ﴾ وعَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ ومَن تَبِعَهُما في مِثْلِهِ أنَّ الفِعْلَ مُقَدَّرٌ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِالِابْتِداءِ ولِيَفْعَلَ خَبَرٌ فالتَّقْدِيرُ هُنا بَلْ إرادَةُ الإنْسانِ كائِنَةٌ لِيُفْجُرَ.

القيامة 75:6

﴿يَسْألُ﴾ سُؤالَ اسْتِهْزاءٍ ﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ مَتى يَكُونُ، والجُمْلَةُ قِيلَ حالٌ وقِيلَ تَفْسِيرٌ ﴿لِيَفْجُرَ﴾ وقِيلَ بَدَلٌ مِنهُ. واخْتارَ المُحَقِّقُونَ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جِيءَ بِهِ تَعْلِيلًا لِإرادَةِ الدَّوامِ عَلى الفُجُورِ إذْ هو في مَعْنى لِأنَّهُ أنْكَرَ البَعْثَ واسْتَهْزَأ بِهِ، وفِيهِ أنَّ مَن أنْكَرَ البَعْثَ لا مَحالَةَ يَرْتَكِبُ أشَدَّ صفحة 139 الفُجُورِ وطَرَفٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [المُؤْمِنُونَ: 36] .

القيامة 75:7

﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ تَحَيَّرَ فَزِعا وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيُّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ ونَظِيرُهُ قَمَرَ الرَّجُلُ إذا نَظَرَ إلى القَمَرِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، وكَذَلِكَ ذَهَبَ وبَقَرَ لِلدَّهِشِ مِنَ النَّظَرِ إلى الذَّهَبِ والبَقْرِ فَهو اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِهِ أوْ في المُطْلَقِ. وقَرَأ نافِعٌ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو وخَلْقٌ آخَرُونَ «بَرَقَ» بِفَتْحِ الرّاءِ فَقِيلَ هي لُغَةٌ في «بَرِقَ» بِالكَسْرِ وقِيلَ هو مِنَ البَرِيقِ بِمَعْنى لَمَعَ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. وقَرَأ أبُو السَّمالِ «بَلَقَ» بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ أيِ انْفَتَحَ وانْفَرَجَ يُقالُ بَلَقَ البابُ أبْلَقْتُهُ وبَلَقْتُهُ فَتَحْتُهُ هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ وخَطَّأهُ ثَعْلَبٌ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مِنَ الأضْدادِ والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ فِيهِ أصْلِيَّةٌ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلِمِ نَحْوَ نَتَرَ ونَتَلَ ووَجَرَ ووَجَلَ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ذَهَبَ ضَوْءُهُ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ويَزِيدُ بْنُ قَطِيبٍ «خَسَفَ القَمَرُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ حَيْثُ يُطْلِعُهُما اللَّهُ تَعالى مِنَ المَغْرِبِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ولا يُنافِيهِ الخُسُوفُ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ مُصْطَلَحَ أهْلِ الهَيْئَةِ وهو ذَهابُ نُورِ القَمَرِ لِتَقابُلِ النَّيِّرَيْنِ وحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُما بَلْ ذَهابُ نُورِهِ لِتَجَلٍّ خاصٍّ في ذَلِكَ اليَوْمِ أوْ لِاجْتِماعِهِ مَعَ الشَّمْسِ وهو المِحاقُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الخُسُوفُ بِالمَعْنى الِاصْطِلاحِيِّ ويُعْتَبَرُ في وسَطِ الشَّهْرِ مَثَلًا ويُعْتَبَرُ الجَمْعُ في آخِرِهِ إذْ لا دَلالَةَ عَلى اتِّحادِ وقْتَيْهِما في النَّظْمِ الجَلِيلِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا خُسُوفٌ يُزْرِي بِحالِ أهْلِ الهَيْئَةِ ولا يَكادُ يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ كالجَمْعِ المَذْكُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: يُجْمَعانِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ فَيَكُونُ نارَ اللَّهِ الكُبْرى وتَوْسِعَةُ البَحْرِ أوْ تَصْغِيرُهُما مِمّا لا يُعْجِزُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وأحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى خِلافِ النَّمَطِ الطَّبِيعِيِّ وحَوادِثُهُ أُمُورٌ وراءَ الطَّبِيعَةِ فَلا يُقالُ أيْنَ البَحْرُ مِن جِرْمِ القَمَرِ فَضْلًا عَنْ جِرْمِ الشَّمْسِ الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالبَعُوضَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِيلِ ولا كَيْفَ يُجْمَعانِ ويُقْذَفانِ، وقِيلَ: يُجْمَعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ كَأنَّهُما ثَوْرانِ عَقِيرانِ في النّارِ وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ يُجْمَعانِ ويُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ وقِيلَ يُجْمَعانِ ويُقَرَّبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ وقِيلَ جَمْعًا في ذَهابِ الضَّوْءِ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ فالجَمْعُ مَجازٌ عَنِ التَّساوِي صِفَةً وفِيهِ بُعْدٌ إذْ كانَ الظّاهِرُ عِنْدَ إرادَةِ ذَلِكَ أنْ يُقالَ مِن أوَّلِ الأمْرِ وخَسَفَ الشَّمْسُ والقَمَرُ ولا غُبارَ في نِسْبَةِ الخُسُوفِ إلَيْهِما لُغَةً وكَذا الكُسُوفُ ولَمْ يَلْحَقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِتَقَدُّمِهِ وكَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثًا مَجازِيًّا وفي مِثْلِهِ يَجُوزُ الأمْرانِ وكانَ اخْتِيارُ تَرْكِ الإلْحاقِ لِرِعايَةِ حالِ القَمَرِ المَعْطُوفِ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ التَّذْكِيرَ حُمِلَ عَلى المَعْنى والتَّقْدِيرُ جُمِعُ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ ولَيْسَ بِذاكَ.

القيامة 75:8

﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ تَحَيَّرَ فَزِعا وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيُّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ ونَظِيرُهُ قَمَرَ الرَّجُلُ إذا نَظَرَ إلى القَمَرِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، وكَذَلِكَ ذَهَبَ وبَقَرَ لِلدَّهِشِ مِنَ النَّظَرِ إلى الذَّهَبِ والبَقْرِ فَهو اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِهِ أوْ في المُطْلَقِ. وقَرَأ نافِعٌ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو وخَلْقٌ آخَرُونَ «بَرَقَ» بِفَتْحِ الرّاءِ فَقِيلَ هي لُغَةٌ في «بَرِقَ» بِالكَسْرِ وقِيلَ هو مِنَ البَرِيقِ بِمَعْنى لَمَعَ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. وقَرَأ أبُو السَّمالِ «بَلَقَ» بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ أيِ انْفَتَحَ وانْفَرَجَ يُقالُ بَلَقَ البابُ أبْلَقْتُهُ وبَلَقْتُهُ فَتَحْتُهُ هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ وخَطَّأهُ ثَعْلَبٌ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مِنَ الأضْدادِ والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ فِيهِ أصْلِيَّةٌ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلِمِ نَحْوَ نَتَرَ ونَتَلَ ووَجَرَ ووَجَلَ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ذَهَبَ ضَوْءُهُ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ويَزِيدُ بْنُ قَطِيبٍ «خَسَفَ القَمَرُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ حَيْثُ يُطْلِعُهُما اللَّهُ تَعالى مِنَ المَغْرِبِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ولا يُنافِيهِ الخُسُوفُ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ مُصْطَلَحَ أهْلِ الهَيْئَةِ وهو ذَهابُ نُورِ القَمَرِ لِتَقابُلِ النَّيِّرَيْنِ وحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُما بَلْ ذَهابُ نُورِهِ لِتَجَلٍّ خاصٍّ في ذَلِكَ اليَوْمِ أوْ لِاجْتِماعِهِ مَعَ الشَّمْسِ وهو المِحاقُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الخُسُوفُ بِالمَعْنى الِاصْطِلاحِيِّ ويُعْتَبَرُ في وسَطِ الشَّهْرِ مَثَلًا ويُعْتَبَرُ الجَمْعُ في آخِرِهِ إذْ لا دَلالَةَ عَلى اتِّحادِ وقْتَيْهِما في النَّظْمِ الجَلِيلِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا خُسُوفٌ يُزْرِي بِحالِ أهْلِ الهَيْئَةِ ولا يَكادُ يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ كالجَمْعِ المَذْكُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: يُجْمَعانِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ فَيَكُونُ نارَ اللَّهِ الكُبْرى وتَوْسِعَةُ البَحْرِ أوْ تَصْغِيرُهُما مِمّا لا يُعْجِزُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وأحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى خِلافِ النَّمَطِ الطَّبِيعِيِّ وحَوادِثُهُ أُمُورٌ وراءَ الطَّبِيعَةِ فَلا يُقالُ أيْنَ البَحْرُ مِن جِرْمِ القَمَرِ فَضْلًا عَنْ جِرْمِ الشَّمْسِ الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالبَعُوضَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِيلِ ولا كَيْفَ يُجْمَعانِ ويُقْذَفانِ، وقِيلَ: يُجْمَعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ كَأنَّهُما ثَوْرانِ عَقِيرانِ في النّارِ وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ يُجْمَعانِ ويُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ وقِيلَ يُجْمَعانِ ويُقَرَّبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ وقِيلَ جَمْعًا في ذَهابِ الضَّوْءِ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ فالجَمْعُ مَجازٌ عَنِ التَّساوِي صِفَةً وفِيهِ بُعْدٌ إذْ كانَ الظّاهِرُ عِنْدَ إرادَةِ ذَلِكَ أنْ يُقالَ مِن أوَّلِ الأمْرِ وخَسَفَ الشَّمْسُ والقَمَرُ ولا غُبارَ في نِسْبَةِ الخُسُوفِ إلَيْهِما لُغَةً وكَذا الكُسُوفُ ولَمْ يَلْحَقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِتَقَدُّمِهِ وكَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثًا مَجازِيًّا وفي مِثْلِهِ يَجُوزُ الأمْرانِ وكانَ اخْتِيارُ تَرْكِ الإلْحاقِ لِرِعايَةِ حالِ القَمَرِ المَعْطُوفِ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ التَّذْكِيرَ حُمِلَ عَلى المَعْنى والتَّقْدِيرُ جُمِعُ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ ولَيْسَ بِذاكَ.

القيامة 75:9

﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ تَحَيَّرَ فَزِعا وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيُّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ ونَظِيرُهُ قَمَرَ الرَّجُلُ إذا نَظَرَ إلى القَمَرِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، وكَذَلِكَ ذَهَبَ وبَقَرَ لِلدَّهِشِ مِنَ النَّظَرِ إلى الذَّهَبِ والبَقْرِ فَهو اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِهِ أوْ في المُطْلَقِ. وقَرَأ نافِعٌ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو وخَلْقٌ آخَرُونَ «بَرَقَ» بِفَتْحِ الرّاءِ فَقِيلَ هي لُغَةٌ في «بَرِقَ» بِالكَسْرِ وقِيلَ هو مِنَ البَرِيقِ بِمَعْنى لَمَعَ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ. وقَرَأ أبُو السَّمالِ «بَلَقَ» بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ أيِ انْفَتَحَ وانْفَرَجَ يُقالُ بَلَقَ البابُ أبْلَقْتُهُ وبَلَقْتُهُ فَتَحْتُهُ هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ وخَطَّأهُ ثَعْلَبٌ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مِنَ الأضْدادِ والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ فِيهِ أصْلِيَّةٌ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلِمِ نَحْوَ نَتَرَ ونَتَلَ ووَجَرَ ووَجَلَ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ذَهَبَ ضَوْءُهُ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ويَزِيدُ بْنُ قَطِيبٍ «خَسَفَ القَمَرُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ حَيْثُ يُطْلِعُهُما اللَّهُ تَعالى مِنَ المَغْرِبِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ولا يُنافِيهِ الخُسُوفُ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ مُصْطَلَحَ أهْلِ الهَيْئَةِ وهو ذَهابُ نُورِ القَمَرِ لِتَقابُلِ النَّيِّرَيْنِ وحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُما بَلْ ذَهابُ نُورِهِ لِتَجَلٍّ خاصٍّ في ذَلِكَ اليَوْمِ أوْ لِاجْتِماعِهِ مَعَ الشَّمْسِ وهو المِحاقُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الخُسُوفُ بِالمَعْنى الِاصْطِلاحِيِّ ويُعْتَبَرُ في وسَطِ الشَّهْرِ مَثَلًا ويُعْتَبَرُ الجَمْعُ في آخِرِهِ إذْ لا دَلالَةَ عَلى اتِّحادِ وقْتَيْهِما في النَّظْمِ الجَلِيلِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا خُسُوفٌ يُزْرِي بِحالِ أهْلِ الهَيْئَةِ ولا يَكادُ يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ كالجَمْعِ المَذْكُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: يُجْمَعانِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ فَيَكُونُ نارَ اللَّهِ الكُبْرى وتَوْسِعَةُ البَحْرِ أوْ تَصْغِيرُهُما مِمّا لا يُعْجِزُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وأحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى خِلافِ النَّمَطِ الطَّبِيعِيِّ وحَوادِثُهُ أُمُورٌ وراءَ الطَّبِيعَةِ فَلا يُقالُ أيْنَ البَحْرُ مِن جِرْمِ القَمَرِ فَضْلًا عَنْ جِرْمِ الشَّمْسِ الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالبَعُوضَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِيلِ ولا كَيْفَ يُجْمَعانِ ويُقْذَفانِ، وقِيلَ: يُجْمَعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ كَأنَّهُما ثَوْرانِ عَقِيرانِ في النّارِ وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ يُجْمَعانِ ويُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ وقِيلَ يُجْمَعانِ ويُقَرَّبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ وقِيلَ جَمْعًا في ذَهابِ الضَّوْءِ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ فالجَمْعُ مَجازٌ عَنِ التَّساوِي صِفَةً وفِيهِ بُعْدٌ إذْ كانَ الظّاهِرُ عِنْدَ إرادَةِ ذَلِكَ أنْ يُقالَ مِن أوَّلِ الأمْرِ وخَسَفَ الشَّمْسُ والقَمَرُ ولا غُبارَ في نِسْبَةِ الخُسُوفِ إلَيْهِما لُغَةً وكَذا الكُسُوفُ ولَمْ يَلْحَقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِتَقَدُّمِهِ وكَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثًا مَجازِيًّا وفي مِثْلِهِ يَجُوزُ الأمْرانِ وكانَ اخْتِيارُ تَرْكِ الإلْحاقِ لِرِعايَةِ حالِ القَمَرِ المَعْطُوفِ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ التَّذْكِيرَ حُمِلَ عَلى المَعْنى والتَّقْدِيرُ جُمِعُ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ ولَيْسَ بِذاكَ.

القيامة 75:10

﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمَ إذْ تَقَعُ هَذِهِ الأُمُورُ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيِ الفَرّارُ يَأْسًا مِنهُ وجُوِّزَ إبْقاؤُهُ عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ لِدَهْشَتِهِ وتَحَيُّرِهِ وقَرَأ الحَسَنُ رَيْحانَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ اسْمُ مَكانٍ قِياسِيٌّ مِن يَفِرُّ بِالكَسْرِ أيْ أيْنَ مَوْضِعُ الفَرّارِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أيْضًا كالمَرْجِعِ. وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ أيِ الجَيِّدُ الفَرّارِ وأكْثَرُ ما يَسْتَعْمِلُ هَذا الوَزْنَ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ ومِنهُ قَوْلُهُ: مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ واخْتُلِفَ في هَذا اليَوْمِ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ وهو المَنصُورُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: فَإذا بَرِقَ البَصَرُ عِنْدَ المَوْتِ والِاحْتِضارِ وخَسَفَ القَمَرُ وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ أيْ كُوِّرَ يَوْمُ القِيامَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأخِيرانِ صفحة 140 عِنْدَ المَوْتِ أيْضًا ويُفَسَّرُ الخُسُوفُ بِذَهابِ ضَوْءِ البَصَرِ مِنهُ وجَمْعُ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِاسْتِتْباعِ الرُّوحِ حاسَّةَ البَصَرِ في الذَّهابِ والتَّعْبِيرِ بِالشَّمْسِ عَنِ الرُّوحِ وبِالقَمَرِ عَنْ حاسَّةِ البَصَرِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِعارَةِ فَإنَّ نُورَ البَصَرِ بِسَبَبِ الرُّوحِ كَما أنَّ نُورَ القَمَرِ بِسَبَبِ الشَّمْسِ أوْ يُفَسَّرُ الخُسُوفُ بِما سَمِعْتَ، وجَمْعُ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِوُصُولِ الرُّوحِ الإنْسانِيَّةِ إلى مَن كانَتْ تَقْتَبِسُ مِنهُ نُورَ العَقْلِ وهُمُ الأرْواحُ القُدْسِيَّةُ المُنَزَّهَةُ عَنِ النَّقائِصِ فالقَمَرُ مُسْتَعارٌ لِلرُّوحِ والشَّمْسُ لِسُكّانِ حَظِيرَةِ القُدْسِ والمَلَأِ الأعْلى لِأنَّ الرُّوحَ تَقْتَبِسُ مِنهُمُ الأنْوارَ اقْتِباسَ القَمَرِ مِنَ الشَّمْسِ. ووَجْهُ الِاتِّصالِ بِما قَبْلُ عَلى جَعْلِ الكُلِّ عِنْدَ المَوْتِ أنَّهُ إذْ ذاكَ يَنْكَشِفُ الأمْرُ لِلْإنْسانِ فَيَعْلَمُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَقِيقَةَ ما أخْبَرَ بِهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى عِلّاتِهِ أقْرَبُ إلى بابِ الإشارَةِ عَلى مَنزَعِ الصُّوفِيَّةِ وإذا فُتِحَ هَذا البابُ فَلا حَصْرَ فِيما ذَكَرَ مِنَ الِاحْتِمالِ عِنْدَ ذَوِي الألْبابِ.

القيامة 75:11

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ وتَمَنِّيهِ ﴿لا وزَرَ﴾ لا مَلْجَأ وأصْلُهُ الجَبَلُ المَنِيعُ وقَدْ كانَ مَفَرًّا في الغالِبِ لِفِرارِ العَرَبِ واشْتِقاقِهِ مِنَ الوِزْرِ وهو الثِّقْلُ ثُمَّ شاعَ وصارَ حَقِيقَةً لِكُلِّ مَلْجَأٍ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ومِنهُ قَوْلُهُ: لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرِ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبْرِ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ أيْ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ اسْتِقْرارُ العِبادِ أيْ لا مَلْجَأ ولا مَنجى لَهم غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ أوْ إلى حُكْمِهِ تَعالى اسْتِقْرارُ أمْرِهِمْ لا يَحْكُمُ فِيهِ غَيْرُ سُبْحانِهِ أوْ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى مَوْضِعُ قَرارِهِمْ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ فَمَن شاءَ سُبْحانَهُ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ ومَن شاءَ أدْخَلَهُ النّارَ. فَتَقْدِيمُ الخَيْرِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ وإنِ اخْتَلَفَ وجْهُهُ حَسَبَ اخْتِلافِ المُرادِ بِمُسْتَقَرٍّ وكَلّا لا وزَرَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ تَعالى يُقالُ لِلْقائِلِ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ يَوْمَ يَقُولُهُ أوْ هو مَقُولَ اليَوْمِ عَلى مَعْنى لِيَرْتَدِعِ عَنْ طَلَبِ الفَرّارِ وتَمَنِّيهِ ذَلِكَ اليَوْمَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ كَأنَّهُ بَعْدَ أنْ يَقُولَ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ يَعُودُ عَلى نَفْسِهِ فَيَسْتَدْرِكُ ويَقُولُ ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ . اسْتِئْنافٌ كالتَّعْلِيلِ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَهُ أوْ تَحْقِيقٌ وكَشْفٌ لِحَقِيقَةِ الحالِ والخِطابُ فِيهِ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ ولا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ ما يُخاطَبُ بِهِ القائِلُ ذَلِكَ اليَوْمَ، ولا مِمّا يَقُولُهُ لِنَفْسِهِ فِيهِ لِمَكانِ يَوْمَئِذٍ. وفِي البَحْرِ الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ وقِيلَ هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ انْتَهى وفِيهِ بَحْثٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ﴿كَلا﴾ بِمَعْنى ألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ أوْ بِمَعْنى حَقًّا فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

القيامة 75:12

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ وتَمَنِّيهِ ﴿لا وزَرَ﴾ لا مَلْجَأ وأصْلُهُ الجَبَلُ المَنِيعُ وقَدْ كانَ مَفَرًّا في الغالِبِ لِفِرارِ العَرَبِ واشْتِقاقِهِ مِنَ الوِزْرِ وهو الثِّقْلُ ثُمَّ شاعَ وصارَ حَقِيقَةً لِكُلِّ مَلْجَأٍ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ومِنهُ قَوْلُهُ: لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرِ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبْرِ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ أيْ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ اسْتِقْرارُ العِبادِ أيْ لا مَلْجَأ ولا مَنجى لَهم غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ أوْ إلى حُكْمِهِ تَعالى اسْتِقْرارُ أمْرِهِمْ لا يَحْكُمُ فِيهِ غَيْرُ سُبْحانِهِ أوْ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى مَوْضِعُ قَرارِهِمْ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ فَمَن شاءَ سُبْحانَهُ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ ومَن شاءَ أدْخَلَهُ النّارَ. فَتَقْدِيمُ الخَيْرِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ وإنِ اخْتَلَفَ وجْهُهُ حَسَبَ اخْتِلافِ المُرادِ بِمُسْتَقَرٍّ وكَلّا لا وزَرَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ تَعالى يُقالُ لِلْقائِلِ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ يَوْمَ يَقُولُهُ أوْ هو مَقُولَ اليَوْمِ عَلى مَعْنى لِيَرْتَدِعِ عَنْ طَلَبِ الفَرّارِ وتَمَنِّيهِ ذَلِكَ اليَوْمَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ كَأنَّهُ بَعْدَ أنْ يَقُولَ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ يَعُودُ عَلى نَفْسِهِ فَيَسْتَدْرِكُ ويَقُولُ ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ . اسْتِئْنافٌ كالتَّعْلِيلِ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَهُ أوْ تَحْقِيقٌ وكَشْفٌ لِحَقِيقَةِ الحالِ والخِطابُ فِيهِ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ ولا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ ما يُخاطَبُ بِهِ القائِلُ ذَلِكَ اليَوْمَ، ولا مِمّا يَقُولُهُ لِنَفْسِهِ فِيهِ لِمَكانِ يَوْمَئِذٍ. وفِي البَحْرِ الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ وقِيلَ هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ انْتَهى وفِيهِ بَحْثٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ﴿كَلا﴾ بِمَعْنى ألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ أوْ بِمَعْنى حَقًّا فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

القيامة 75:13

﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ﴾ أيْ يُخْبَرُ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ وذَلِكَ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ عِنْدَ وزْنِ الأعْمالِ ﴿بِما قَدَّمَ﴾ أيْ بِما عَمِلَ مِن عَمَلٍ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا فَيُثابُ بِالأوَّلِ ويُعاقَبُ عَلى الثّانِي ﴿وأخَّرَ﴾ أيّ تَرَكَ ولَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا فَيُعاقَبُ بِالأوَّلِ ويُثابُ بِالثّانِي، أوْ بِما قَدَّمَ مِن حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ وبِما أخَّرَ ما سَنَّهُ مِن حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ يُعْمَلُ بِها بَعْدَهُ، أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ في حَياتِهِ وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ وزِيدَ أوْ وقَفَهُ أوْ أوْصى بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِما قَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وأخَّرَ مِنَ الطّاعَةِ وأُخْرِجَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ نَحْوُهُ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ وعَلَيْهِ فالظّاهِرُ أنَّهُ عَنى بِالإنْسانِ الفاجِرَ وفَصَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَمّا قَبْلَها لِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها ومِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُ﴾ إلَخِ في الكَشْفِ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ أوْ عَنْ سُوءِ حالِ الإنْسانِ.

القيامة 75:14

﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ عَلى نَفْسِهِ شاهِدَةٌ بِما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ كَلِمَةُ عَلى والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ بَعْدَ فالإنْسانُ مُبْتَدَأٌ وعَلى نَفْسِهِ مُتَعَلِّقٌ بِبَصِيرَةٌ بِتَقْدِيرِ إعْمالٍ أوِ المَعْنى عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ وبَصِيرَةٌ بَصِيرٌ خَيْبَرٌ وهي مَجازٌ صفحة 141 عَنِ الحُجَّةِ البَيِّنَةِ الواضِحَةِ أوْ بِمَعْنى بَيِّنَةٍ وهي صِفَةٌ لِحُجَّةٍ مُقَدَّرَةٌ هي الخَبَرُ، وجَعَلَ الحُجَّةَ بَصِيرَةً لِأنَّ صاحِبَها بَصِيرٌ بِها فالإسْنادُ مَجازِيٌّ أوْ هي بِمَعْنى دالَّةٌ مَجازًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ والتَّأْنِيثُ لِلْمُبالَغَةِ أوْ لِتَأْنِيثِ المَوْصُوفِ أعْنِي حُجَّةً وقِيلَ ذَلِكَ لِإرادَةِ الجَوارِحِ أيْ جَوارِحِهِ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ أيْ شاهِدَةٌ ونُسِبَ إلى القِتْبَيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَيْنَ بَصِيرَةٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ وأنْشَدَ: كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً بِمَجْلِسِهِ أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ وعَلَيْهِ قِيلَ الإنْسانُ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ وبَصِيرَةٌ بِتَقْدِيرِ عَيْنٍ بَصِيرَةٍ مُبْتَدَأٌ ثانٍ وعَلى نَفْسِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ واخْتارَ أبُو حَيّانٍ أنْ تَكُونَ بَصِيرَةٌ فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ وعَمِلَ بِالفاعِلِ لِاعْتِمادِهِ عَلى ذَلِكَ وأمْرُ التَّأْنِيثِ ظاهِرٌ وبَلِ لِلتَّرَقِّي عَلى الوَجْهَيْنِ إرادَةِ حُجَّةٍ بَصِيرَةٍ وإرادَةِ عَيْنٍ بَصِيرَةٍ، والمَعْنى عَلَيْهِما ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ﴾ بِأعْمالِهِ بَلْ فِيهِ ما يُجْزِي عَنِ الإنْباءِ لِأنَّهُ عالِمٌ بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِما عَمِلَتْ لِأنَّ جَوارِحَهُ تَنْطِقُ بِذَلِكَ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النُّورِ: 24] وفي كِلا الوَجْهَيْنِ كَما قِيلَ شائِبَةُ التَّجْرِيدِ وهي في الثّانِي أظْهَرُ.

القيامة 75:15

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ ولَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يُمْكِنُ أنْ يَعْتَذِرَ بِها عَنْ نَفْسِهِ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنَّ في بَصِيرَةٌ أوْ مِن مَرْفُوعِ يُنَبَّؤُا أيْ هو عَلى نَفْسِهِ حُجَّةٌ وهو شاهِدٌ عَلَيْها ولَوْ أتى بِكُلِّ عُذْرٍ في الذَّبِّ عَنْها فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الذَّبَّ لا رَواجَ لَهُ أوْ يُنَبَّأُ بِأعْمالِهِ ويُجازى ويُعاقَبُ لا مَحالَةَ ولَوْ أتى بِكُلِّ عُذْرٍ فَهو تَأْكِيدٌ لِما يُفْهَمُ مِن مَجْمُوعِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ﴾ إلَخِ. والمَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ بِمَعْنى العُذْرِ عَلى خِلافِ القِياسِ والقِياسُ مَعاذِرُ بِغَيْرِ ياءٍ وأطْلَقَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ اسْمَ الجَمْعِ كَعادَتِهِ في إطْلاقِ ذَلِكَ عَلى الجُمُوعِ المُخالِفَةِ لِلْقِياسِ وإلّا فَهو لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الجَمْعِ. وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ الأصْلُ فِيهِ مَعاذِرُ فَحَصَلَتِ الياءُ مِن إشْباعِ الكَسْرَةِ وهو كَما تَرى أوْ جَمْعُ مِعْذارٍ عَلى القِياسِ وهو بِمَعْنى العُذْرِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بِهَذا المَعْنى لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الثِّقاتِ نَعَمْ قالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ واحِدُها مِعْذارٌ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ أيْ ولَوْ أرْخى سُتُورَهُ، والمَعْنى أنَّ احْتِجابَهُ في الدُّنْيا واسْتِتارَهُ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا لِأنَّ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ بَصِيرَةً وفِيهِ تَلْوِيحٌ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ [فُصِّلَتْ: 22] الآيَةَ وقِيلَ البَصِيرَةُ عَلَيْهِ الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فالمَعْنى بَلِ الإنْسانُ عَلَيْهِ كاتِبانِ يَكْتُبانِ أعْمالَهُ ولَوْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ ولا يَكُونُ في الكَلامِ عَلى هَذا شائِبَةُ تَجْرِيدٍ كَما تَقَدَّمَ، والإلْقاءُ عَلى إرادَةِ السُّتُورِ ظاهِرٌ وأمّا عَلى إرادَةِ الأعْذارِ فَقِيلَ شَبَّهَ المَجِيءَ بِالعُذْرِ بِإلْقاءِ الدَّلْوِ في البِئْرِ لِلِاسْتِقاءِ بِهِ فَيَكُونُ فِيهِ تَشْبِيهُ ما يُرادُ بِذَلِكَ بِالماءِ المَرْوِيِّ لِلْعَطَشِ ويُشِيرُ إلى هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ في ذَلِكَ ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ وقِيلَ المَعْنى ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ وطَرَحَها واسْتَسْلَمَ وقِيلَ ولَوْ أحالَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ كَما يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سَبَأٍ: 31] ولَوْ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ مُنْسَلِخًا عَنْها كَما قِيلَ فَلا جَوابَ لَها، وإمّا أنْ يَكُونَ باقِيًا فِيها فالجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ. واسْتَظْهَرَ الخَفاجِيُّ الأوَّلَ وفي الآيَةِ عَلى بَعْضِ وُجُوهِها دَلِيلٌ كَما قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ عَلى قَبُولِ إقْرارِ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ وعَدَمِ قَبُولِ الرُّجُوعِ عَنْهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلَخِ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْرَقَ وفي صفحة 142 لَفْظٍ اسْتَمَعَ فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما وعَدَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» .

القيامة 75:16

فالخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ لِدَلالَةِ سِياقِ الآيَةِ نَحْوَ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: 1] أيْ لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ مَخافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنكَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَبْرِ. وقِيلَ لِمَزِيدِ حُبِّكَ لَهُ وحِرْصِكَ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ولا يُنافِي ما ذَكَرَ والباءُ عَلَيْهِما لِلتَّعْدِيَةِ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن مَعانِيهِ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ أيْ إثْباتَ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ بِحَيْثُ تَقْرَأُهُ مَتى شِئْتَ فالقُرْآنُ هُنا وكَذا فِيما بَعْدُ مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ بِمَعْنى القِراءَةِ كَما في قَوْلِهِ: ضَحَّوْا بِأشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِهِ يَقْطَعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنًا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ وثُمَّ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وقِيلَ ﴿قُرْآنَهُ﴾ أيْ تَأْلِيفِهِ والمَعْنى ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ أيْ حِفْظَهُ في حَياتِكَ وتَأْلِيفَهُ عَلى لِسانِكَ. وقِيلَ: ﴿قُرْآنَهُ﴾ تَأْلِيفَهُ وجَمْعَهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ قَرَأْتُ أيْ جَمَعْتُ ومِنهُ قَوْلُهم لِلْمَرْأةِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ ما قَرَأتْ سَلى قَطُّ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ذِراعَيْ بَكَرَةَ أدْماءُ بَكْرٍ ∗∗∗ هَجّانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا ويُرادُ مِن ﴿جَمْعَهُ﴾ الأوَّلُ جَمْعُهُ في نَفْسِهِ ووُجُودُهُ الخارِجِيُّ ومِن ﴿قُرْآنَهُ﴾ بِهَذا المَعْنى جَمْعُهُ في ذِهْنِهِ ﷺ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَخْفى حالُهُما وإنْ نُسِبَ الأوَّلُ إلى مُجاهِدٍ.

القيامة 75:17

فالخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ لِدَلالَةِ سِياقِ الآيَةِ نَحْوَ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: 1] أيْ لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ مَخافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنكَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَبْرِ. وقِيلَ لِمَزِيدِ حُبِّكَ لَهُ وحِرْصِكَ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ولا يُنافِي ما ذَكَرَ والباءُ عَلَيْهِما لِلتَّعْدِيَةِ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن مَعانِيهِ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ أيْ إثْباتَ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ بِحَيْثُ تَقْرَأُهُ مَتى شِئْتَ فالقُرْآنُ هُنا وكَذا فِيما بَعْدُ مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ بِمَعْنى القِراءَةِ كَما في قَوْلِهِ: ضَحَّوْا بِأشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِهِ يَقْطَعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنًا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ وثُمَّ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وقِيلَ ﴿قُرْآنَهُ﴾ أيْ تَأْلِيفِهِ والمَعْنى ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ أيْ حِفْظَهُ في حَياتِكَ وتَأْلِيفَهُ عَلى لِسانِكَ. وقِيلَ: ﴿قُرْآنَهُ﴾ تَأْلِيفَهُ وجَمْعَهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ قَرَأْتُ أيْ جَمَعْتُ ومِنهُ قَوْلُهم لِلْمَرْأةِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ ما قَرَأتْ سَلى قَطُّ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ذِراعَيْ بَكَرَةَ أدْماءُ بَكْرٍ ∗∗∗ هَجّانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا ويُرادُ مِن ﴿جَمْعَهُ﴾ الأوَّلُ جَمْعُهُ في نَفْسِهِ ووُجُودُهُ الخارِجِيُّ ومِن ﴿قُرْآنَهُ﴾ بِهَذا المَعْنى جَمْعُهُ في ذِهْنِهِ ﷺ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَخْفى حالُهُما وإنْ نُسِبَ الأوَّلُ إلى مُجاهِدٍ.

القيامة 75:18

﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ المُبَلَّغِ عَنّا فالإسْنادُ مَجازِيٌّ وفي ذَلِكَ مَعَ اخْتِيارِ نُونِ العَظَمَةِ مُبالَغَةٌ في إيجابِ التَّأتِّي ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَكُنْ مُقْفِيًا لَهُ لا مُبارِيًا، وقِيلَ: أيْ فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ بِذِهْنِكَ وفِكْرِكَ قُرْآنَهُ أيْ فاسْتَمِعْ وأنْصِتْ وصَحَّ هَذا مِن رِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْهُ أيْضًا وعَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ أيْ فاتَّبِعْ في الأوامِرِ والنَّواهِي قُرْآنَهُ وقِيلَ اتَّبِعْ قُرْآنَهُ بِالدَّرْسِ عَلى مَعْنى كَرِّرْهُ حَتّى يَرْسَخَ في ذِهْنِكَ.

القيامة 75:19

﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ بَيانَ ما أُشْكِلَ عَلَيْكَ مِن مَعانِيهِ وأحْكامِهِ عَلى ما قِيلَ واسْتَدَلَّ بِهِ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ ومَن تابَعُهُ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ لِمَكانِ ثُمَّ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالبَيانِ الإظْهارُ لا بَيانَ المُجْمَلِ وقَدْ صَحَّ مِن رِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ وجَماعَةٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ وفي لَفْظٍ عَلَيْنا أنْ تَقْرَأهُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ المُرادَ بَيانُ جَمِيعِ القُرْآنِ والمُجْمَلِ بَعْضُهُ.

القيامة 75:20

﴿كَلا﴾ إرْشادٌ لِرَسُولِهِ ﷺ وأخْذٌ بِهِ عَنْ عادَةِ العَجَلَةِ وتَرْغِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الأناةِ وبالَغَ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ لِمَزِيدِ حُبِّهِ إيّاهُ بِاتِّباعِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ تَعْمِيمُ الخِطابِ لِلْكُلِّ كَأنَّهُ قِيلَ بَلْ أنْتُمْ يا بَنِي آدَمَ لَمّا خُلِقْتُمْ مِن عَجَلٍ وجُبِلْتُمْ عَلَيْهِ تَعْجَلُونَ في كُلِّ شَيْءٍ ولِذا تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذْرُوَنَ الآخِرَةَ ويَتَضَمَّنُ اسْتِعْجالَكَ لِأنَّ عادَةَ بَنِي آدَمَ الِاسْتِعْجالُ ومَحَبَّةُ العاجِلَةِ، وفِيهِ أيْضًا أنَّ الإنْسانَ وإنْ كانَ مَجْبُولًا عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّ مِثْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمَّنْ هو في أعْلى مَنصِبِ النُّبُوَّةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْتَفِزَّهُ مُقْتَضى الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ وأنَّهُ إذا نُهِيَ ﷺ عَنِ العَجَلَةِ في طَلَبِ العِلْمِ والهُدى فَهَؤُلاءِ دَيْدَنُهم حُبُّ العاجِلَةِ وطَلَبُ الرَّدى كَأنَّهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لا يُنْجِعُ فِيهِمُ النَّهْي فَإنَّما يُعاتَبُ الآدَمِيُّ ذُو البَشَرَةِ ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ فَإنَّهُ مُلَوِّحٌ إلى مَعْنى ﴿بَلْ تُحِبُّونَ﴾ إلَخِ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ حُبِّي العاجِلَةِ حُبُّها الَّذِي تَضَمَّنَهُ بَلْ يُرِيدُ تَلْوِيحًا وحُبُّها الَّذِي آذَنَ بِهِ بَلْ تُحِبُّونَ تَصْرِيحًا لِحُسْنِ التَّخَلُّصِ مِنهُ إلى المُفاجَأةِ والتَّصْرِيحِ. فَفِي ذَلِكَ تَدَرُّجٌ ومُبالَغَةٌ في التَّقْرِيعِ والتَّدَرُّجِ وإنْ كانَ يَحْصُلُ لَوْ صفحة 143 لَمْ يُؤْتَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ في البَيْنِ أيْضًا إلّا أنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ فَواتُ المُبالِغَةِ في التَّقْرِيعِ وأنَّهُ إذا لَمْ تَجُزِ العَجَلَةُ في القُرْآنِ وهو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ فَكَيْفَ فِيما هو فُجُورٌ وثُبُورٌ ويَزُولُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ فَهو اسْتِطْرادٌ يُؤَدِّي مُؤَدّى الِاعْتِراضِ وأبْلَغَ وأطْلَقَ بَعْضُهم عَلَيْهِ الِاعْتِراضَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ والجَحْدَرَيُّ «يُحِبُّونَ» و«يَذَرُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ فِيهِما وأمْرُ الرَّبْطِ عَلَيْها كَما تَقَدَّمَ وهي أبْلَغُ مِن حَيْثُ إنَّ فِيها التِفاتًا وإخْراجًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن صَرِيحِ الخِطابِ بِحُبِّ العاجِلَةِ مُضَمَّنًا طَرَفًا مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ لُطْفًا مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ في شَأْنِهِ ﷺ . وأمّا القِراءَةُ بِالتّاءِ فَفِيها تَغْلِيبُ المُخاطَبِ والِالتِفاتُ وهو عَكْسُ الأوَّلِ هَذا خُلاصَةُ ما رَمَزَ إلَيْهِ جارُ اللَّهِ عَلى ما أُفِيدَ. وقَدِ انْدَفَعَ بِهِ قَوْلُ بَعْضِ الزَّنادِقَةِ وشِرْذِمَةٍ مِن قُدَماءِ الرّافِضَةِ أنَّهُ لا وجْهَ لِوُقُوعِ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلَخِ في أثْناءِ أُمُورِ الآخِرَةِ ولا رَبْطَ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ دَلِيلًا لِما زَعَمُوهُ مِن أنَّ القُرْآنَ قَدْ غَيَّرَ وبَدَّلَ وزِيدَ فِيهِ ونَقَصَ مِنهُ ولِلْعُلَماءِ حُماةِ المُسْلِمِينَ وشُهُبِ سَماءِ الدِّينِ في دَفْعِ كَلامِ كَثِيرٍ مِنهُ ما تَقَدَّمَ ولِلْإمامِ أوْجُهٌ فِيهِ مِنها الحَسَنُ ومِنها ما لَيْسَ كَذَلِكَ بِالمَرَّةِ وقالَ الطِّيبِيُّ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ يُقالُ لِلْإنْسانِ عِنْدَ إلْقاءِ مَعاذِيرِهِ كَلّا إنَّ أعْذارَكَ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ فَإنَّكَ فَجَرْتَ وفَسَقْتَ وظَنَنْتَ أنَّكَ تَدُومُ عَلى فُجُورِكَ وأنْ لا حَشْرَ ولا حِسابَ ولا عِقابَ وذَلِكَ مِن حُبِّكَ العاجِلَةَ والإعْراضَ عَنِ الآخِرَةِ، وكانَ مِن عادَةِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ إذا لُقِّنَ القُرْآنَ أنْ يُنازِعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ القِراءَةَ وقَدْ أنْفَقَ عِنْدَ التَّلْقِينِ لِلْآياتِ السّابِقَةِ ما جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ مِنَ العَجَلَةِ فَلَمّا وصَلَ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أُوحِيَ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يُلْقِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما يُرْشِدُهُ إلى أخْذِ القُرْآنِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ فَألْقى تِلْكَ الجُمَلَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ ثُمَّ عادَ إلى تَمامِ ما كانَ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ﴾ إلَخِ مِثالُهُ الشَّيْخُ إذا كانَ يُلَقِّنُ تِلْمِيذَهُ دَرْسًا أوْ يُلْقِي إلَيْهِ فَصْلًا ورَآهُ في أثْناءِ ذَلِكَ يَعْجَلُ ويَضْطَرِبُ يَقُولُ لَهُ لا تَعْجَلْ ولا تَضْطَرِبْ فَإنِّي إذا فَرَغْتُ إنْ كانَ لَكَ إشْكالٌ أُزِيلُهُ أوْ كُنْتَ تَخافُ فَوْتًا فَأنا أحْفَظُهُ ثُمَّ يَأْخُذُ الشَّيْخُ في كَلامِهِ ويُتَمِّمُهُ انْتَهى. فَما في البَيْنِ مُناسِبٌ لِما وقَعَ في الخارِجِ دُونَ المَعْنى المُوحى بِهِ، وخَصَّهُ بَعْضُهم لِهَذا بِالِاسْتِطْرادِ وأطْلَقَ آخَرُ عَلَيْهِ الِاعْتِراضَ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ وهَذا عِنْدِي بَعِيدٌ لَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُهُ في النَّظْمِ الجَلِيلِ ولا دَلِيلَ لِمَن يَراهُ عَلى وُقُوعِ العَجَلَةِ في أثْناءِ هَذِهِ الآياتِ سِوى خَفاءِ المُناسِبَةِ. وقالَ أبُو حَيّانٍ يَظْهَرُ أنَّ المُناسِبَةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مُنْكِرَ القِيامَةِ والبَعْثِ مُعْرِضًا عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى ومُعْجِزاتِهِ وأنَّهُ قاصِرُ شَهَواتِهِ عَلى الفُجُورِ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ بِما يَصْدُرُ مِنهُ ذَكَرَ حالَ مَن يُثابِرُ عَلى تَعَلُّمِ آياتِ اللَّهِ تَعالى وحِفْظِها وتَلَقُّنِها والنَّظَرِ فِيها وعَرْضِها عَلى مَن يُنْكِرُها رَجاءَ قَبُولِهِ إيّاها لِيَظْهَرَ بِذَلِكَ تَبايُنُ مَن يَرْغَبُ في تَحْصِيلِ آياتِ اللَّهِ تَعالى ومَن يَرْغَبُ عَنْها وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ انْتَهى. وفِيهِ أنَّ هَذا إنَّما يَحْسُنُ بَعْدَ تَمامِ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ المُنْكَرِ والظّاهِرُ أنَّ ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ وقَعَ في البَيْنِ وقالَ القَفّالُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ خِطابٌ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ﴾ وذَلِكَ حالَ إنْبائِهِ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ كِتابُهُ فَيُقالُ لَهُ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسْراءِ: 14] فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ لِسانُهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ وسُرْعَةِ القِراءَةِ فَقِيلَ لَهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ . فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ فَإذا قَرَأْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ قِراءَتَهُ بِالإقْرارِ بِأنَّكَ فَعَلْتَ تِلْكَ الأفْعالَ أوِ التَّأمُّلَ فِيهِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ بَيانَ أمْرِهِ وشَرْحَ عُقُوبَتِهِ، والحاصِلُ عَلى هَذا أنَّهُ تَعالى يُوقِفُ الكافِرَ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِ عَلى التَّفْصِيلِ وفِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ في الدُّنْيا والتَّهْوِيلُ في الآخِرَةِ انْتَهى. فَضَمِيرُ بِهِ وكَذا الضَّمائِرُ بَعْدُ لِلْكِتابِ المُشْعِرِ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى صفحة 144 ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ البَصِيرَةَ بِالكِتابَيْنِ، ولَعَلَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْرُوعِ يُنَبَّأُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ يُنَبَّؤُا الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ أخْذِ كِتابِهِ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ مَقُولًا لَهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلَخِ. فالرَّبْطُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ جِدًّا ومِن هُنا اخْتارَهُ البَلْخِيُّ ومَن تَبِعَهُ لَكِنَّهُ مُخالِفٌ لِلصَّحِيحِ المَأْثُورِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن أنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لَهُ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّ التَّحْرِيكَ قَبْلَ النَّهْيِ إنَّما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحُكْمِ الإباحَةِ الأصْلِيَّةِ فَلا يَتِمُّ احْتِجاجُ مَن جَوَّزَ الذَّنْبَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقالَ الإمامُ: لَعَلَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ إنْ كانَ مَأْذُونًا فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى وقْتِ النَّهْيِ وكَأنَّهُ أرادَ بِالإذْنِ الإذْنَ الصَّرِيحَ المَخْصُوصَ وفِيهِ بُعْدٌ ما وعَنِ الضَّحاكِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَخافُ أنْ يَنْسى القُرْآنَ فَكانَ يَدْرُسُهُ حَتّى غَلَبَ ذَلِكَ وشَقَّ عَلَيْهِ فَنَزَلَ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ إلَخِ» ولَيْسَ بِالثَّبْتِ ولَعَلَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يُساعِدُهُ ثُمَّ إنَّهُ رُبَّما يُتَخَيَّلُ في الآيَةِ وجْهٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ عَنِ القَفّالِ الرَّبْطُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ أيْضًا وهو أنَّهُ يَكُونُ الخِطابُ في ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ حَقِيقَةً أوْ مِن بابِ إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ وضَمِيرُ ﴿بِهِ﴾ ونَظائِرُهُ لِيَوْمِ القِيامَةِ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ تَهْوِيلِهِ وتَفْظِيعِهِ مَعَ تَقاضِي السِّباقِ لَهُ فَكَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي فُتِحَتِ السُّورَةُ بِعِظامِهِ ما يَتَعَلَّقُ قَوِيَ داعِي السُّؤالِ عَنْ تَوْقِيتِهِ وأنَّهُ مَتى يَكُونُ وفي أيِّ وقْتٍ يَبِينُ لا سِيَّما وقَدِ اسْتَشْعَرَ أنَّ السُّؤالَ عَنْ ذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنِ اسْتِهْزاءً مِمّا لا بَأْسَ بِهِ فَقِيل ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ أيْ بِطَلَبِ تَوْقِيتِهِ لِسانَكَ وهو نَهْيٌ عَنِ السُّؤالِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ كَما يُقالُ لا تَفْتَحْ فَمَكَ في أمْرِ فُلانٍ لِتَعْجَلَ بِهِ لِتُحَصِّلَ عِلْمَهُ عَلى عَجَلَةٍ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ ما يَكُونُ فِيهِ مِنَ الجَمْعِ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ ما يَتَضَمَّنُ شَرْحَ أحْوالِهِ وأهْوالِهِ مِنَ القُرْآنِ. ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ بِالعَمَلِ بِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لَهُ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ إظْهارَهُ وُقُوعًا بِالنَّفْخِ في الصُّوَرِ وهو الطّامَّةُ الكُبْرى وحاصِلُهُ لا تَسْألْ عَنْ تَوْقِيتِ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ مُسْتَعْجَلًا مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَإنَّ الواجِبَ عَلَيْنا حِكْمَةً حَشْرُ الجَمْعِ فِيهِ وإنْزالُ قُرْآنٍ يَتَضَمَّنُ بَيانَ أحْوالِهِ لِيَسْتَعِدَّ لَهُ وإظْهارُهُ بِالوُقُوعِ الَّذِي هو الدّاهِيَةُ العُظْمى وما عَدا ذَلِكَ مِن تَعْيِينِ وقْتِهِ فَلا يَجِبُ عَلَيْنا حِكْمَةً بَلْ هو مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ فَإذا سَألْتَ فَقَدْ سَألْتَ ما يُنافِيها فَلا تُجابُ انْتَهى. وفِيهِ ما فِيهِ وما كُنْتُ أذْكُرُهُ لَوْلا هَذا التَّنْبِيهِ واللّائِقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ ولَطِيفِ إشاراتِهِ ما أشارَ إلَيْهِ ذُو اليَدِ الطُّولى جارُ اللَّهِ تَجاوَزَ اللَّهُ تَعالى عَنْ تَقْصِيراتِهِ فَتَأمَّلْ فَلا حَجْرَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

القيامة 75:21

﴿كَلا﴾ إرْشادٌ لِرَسُولِهِ ﷺ وأخْذٌ بِهِ عَنْ عادَةِ العَجَلَةِ وتَرْغِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الأناةِ وبالَغَ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ لِمَزِيدِ حُبِّهِ إيّاهُ بِاتِّباعِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ تَعْمِيمُ الخِطابِ لِلْكُلِّ كَأنَّهُ قِيلَ بَلْ أنْتُمْ يا بَنِي آدَمَ لَمّا خُلِقْتُمْ مِن عَجَلٍ وجُبِلْتُمْ عَلَيْهِ تَعْجَلُونَ في كُلِّ شَيْءٍ ولِذا تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذْرُوَنَ الآخِرَةَ ويَتَضَمَّنُ اسْتِعْجالَكَ لِأنَّ عادَةَ بَنِي آدَمَ الِاسْتِعْجالُ ومَحَبَّةُ العاجِلَةِ، وفِيهِ أيْضًا أنَّ الإنْسانَ وإنْ كانَ مَجْبُولًا عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّ مِثْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمَّنْ هو في أعْلى مَنصِبِ النُّبُوَّةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْتَفِزَّهُ مُقْتَضى الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ وأنَّهُ إذا نُهِيَ ﷺ عَنِ العَجَلَةِ في طَلَبِ العِلْمِ والهُدى فَهَؤُلاءِ دَيْدَنُهم حُبُّ العاجِلَةِ وطَلَبُ الرَّدى كَأنَّهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لا يُنْجِعُ فِيهِمُ النَّهْي فَإنَّما يُعاتَبُ الآدَمِيُّ ذُو البَشَرَةِ ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ فَإنَّهُ مُلَوِّحٌ إلى مَعْنى ﴿بَلْ تُحِبُّونَ﴾ إلَخِ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ حُبِّي العاجِلَةِ حُبُّها الَّذِي تَضَمَّنَهُ بَلْ يُرِيدُ تَلْوِيحًا وحُبُّها الَّذِي آذَنَ بِهِ بَلْ تُحِبُّونَ تَصْرِيحًا لِحُسْنِ التَّخَلُّصِ مِنهُ إلى المُفاجَأةِ والتَّصْرِيحِ. فَفِي ذَلِكَ تَدَرُّجٌ ومُبالَغَةٌ في التَّقْرِيعِ والتَّدَرُّجِ وإنْ كانَ يَحْصُلُ لَوْ صفحة 143 لَمْ يُؤْتَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ في البَيْنِ أيْضًا إلّا أنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ فَواتُ المُبالِغَةِ في التَّقْرِيعِ وأنَّهُ إذا لَمْ تَجُزِ العَجَلَةُ في القُرْآنِ وهو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ فَكَيْفَ فِيما هو فُجُورٌ وثُبُورٌ ويَزُولُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ فَهو اسْتِطْرادٌ يُؤَدِّي مُؤَدّى الِاعْتِراضِ وأبْلَغَ وأطْلَقَ بَعْضُهم عَلَيْهِ الِاعْتِراضَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ والجَحْدَرَيُّ «يُحِبُّونَ» و«يَذَرُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ فِيهِما وأمْرُ الرَّبْطِ عَلَيْها كَما تَقَدَّمَ وهي أبْلَغُ مِن حَيْثُ إنَّ فِيها التِفاتًا وإخْراجًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن صَرِيحِ الخِطابِ بِحُبِّ العاجِلَةِ مُضَمَّنًا طَرَفًا مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ لُطْفًا مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ في شَأْنِهِ ﷺ . وأمّا القِراءَةُ بِالتّاءِ فَفِيها تَغْلِيبُ المُخاطَبِ والِالتِفاتُ وهو عَكْسُ الأوَّلِ هَذا خُلاصَةُ ما رَمَزَ إلَيْهِ جارُ اللَّهِ عَلى ما أُفِيدَ. وقَدِ انْدَفَعَ بِهِ قَوْلُ بَعْضِ الزَّنادِقَةِ وشِرْذِمَةٍ مِن قُدَماءِ الرّافِضَةِ أنَّهُ لا وجْهَ لِوُقُوعِ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلَخِ في أثْناءِ أُمُورِ الآخِرَةِ ولا رَبْطَ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ دَلِيلًا لِما زَعَمُوهُ مِن أنَّ القُرْآنَ قَدْ غَيَّرَ وبَدَّلَ وزِيدَ فِيهِ ونَقَصَ مِنهُ ولِلْعُلَماءِ حُماةِ المُسْلِمِينَ وشُهُبِ سَماءِ الدِّينِ في دَفْعِ كَلامِ كَثِيرٍ مِنهُ ما تَقَدَّمَ ولِلْإمامِ أوْجُهٌ فِيهِ مِنها الحَسَنُ ومِنها ما لَيْسَ كَذَلِكَ بِالمَرَّةِ وقالَ الطِّيبِيُّ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ يُقالُ لِلْإنْسانِ عِنْدَ إلْقاءِ مَعاذِيرِهِ كَلّا إنَّ أعْذارَكَ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ فَإنَّكَ فَجَرْتَ وفَسَقْتَ وظَنَنْتَ أنَّكَ تَدُومُ عَلى فُجُورِكَ وأنْ لا حَشْرَ ولا حِسابَ ولا عِقابَ وذَلِكَ مِن حُبِّكَ العاجِلَةَ والإعْراضَ عَنِ الآخِرَةِ، وكانَ مِن عادَةِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ إذا لُقِّنَ القُرْآنَ أنْ يُنازِعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ القِراءَةَ وقَدْ أنْفَقَ عِنْدَ التَّلْقِينِ لِلْآياتِ السّابِقَةِ ما جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ مِنَ العَجَلَةِ فَلَمّا وصَلَ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أُوحِيَ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يُلْقِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما يُرْشِدُهُ إلى أخْذِ القُرْآنِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ فَألْقى تِلْكَ الجُمَلَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ ثُمَّ عادَ إلى تَمامِ ما كانَ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ﴾ إلَخِ مِثالُهُ الشَّيْخُ إذا كانَ يُلَقِّنُ تِلْمِيذَهُ دَرْسًا أوْ يُلْقِي إلَيْهِ فَصْلًا ورَآهُ في أثْناءِ ذَلِكَ يَعْجَلُ ويَضْطَرِبُ يَقُولُ لَهُ لا تَعْجَلْ ولا تَضْطَرِبْ فَإنِّي إذا فَرَغْتُ إنْ كانَ لَكَ إشْكالٌ أُزِيلُهُ أوْ كُنْتَ تَخافُ فَوْتًا فَأنا أحْفَظُهُ ثُمَّ يَأْخُذُ الشَّيْخُ في كَلامِهِ ويُتَمِّمُهُ انْتَهى. فَما في البَيْنِ مُناسِبٌ لِما وقَعَ في الخارِجِ دُونَ المَعْنى المُوحى بِهِ، وخَصَّهُ بَعْضُهم لِهَذا بِالِاسْتِطْرادِ وأطْلَقَ آخَرُ عَلَيْهِ الِاعْتِراضَ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ وهَذا عِنْدِي بَعِيدٌ لَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُهُ في النَّظْمِ الجَلِيلِ ولا دَلِيلَ لِمَن يَراهُ عَلى وُقُوعِ العَجَلَةِ في أثْناءِ هَذِهِ الآياتِ سِوى خَفاءِ المُناسِبَةِ. وقالَ أبُو حَيّانٍ يَظْهَرُ أنَّ المُناسِبَةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مُنْكِرَ القِيامَةِ والبَعْثِ مُعْرِضًا عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى ومُعْجِزاتِهِ وأنَّهُ قاصِرُ شَهَواتِهِ عَلى الفُجُورِ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ بِما يَصْدُرُ مِنهُ ذَكَرَ حالَ مَن يُثابِرُ عَلى تَعَلُّمِ آياتِ اللَّهِ تَعالى وحِفْظِها وتَلَقُّنِها والنَّظَرِ فِيها وعَرْضِها عَلى مَن يُنْكِرُها رَجاءَ قَبُولِهِ إيّاها لِيَظْهَرَ بِذَلِكَ تَبايُنُ مَن يَرْغَبُ في تَحْصِيلِ آياتِ اللَّهِ تَعالى ومَن يَرْغَبُ عَنْها وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ انْتَهى. وفِيهِ أنَّ هَذا إنَّما يَحْسُنُ بَعْدَ تَمامِ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ المُنْكَرِ والظّاهِرُ أنَّ ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ وقَعَ في البَيْنِ وقالَ القَفّالُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ خِطابٌ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ﴾ وذَلِكَ حالَ إنْبائِهِ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ كِتابُهُ فَيُقالُ لَهُ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسْراءِ: 14] فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ لِسانُهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ وسُرْعَةِ القِراءَةِ فَقِيلَ لَهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ . فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ فَإذا قَرَأْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ قِراءَتَهُ بِالإقْرارِ بِأنَّكَ فَعَلْتَ تِلْكَ الأفْعالَ أوِ التَّأمُّلَ فِيهِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ بَيانَ أمْرِهِ وشَرْحَ عُقُوبَتِهِ، والحاصِلُ عَلى هَذا أنَّهُ تَعالى يُوقِفُ الكافِرَ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِ عَلى التَّفْصِيلِ وفِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ في الدُّنْيا والتَّهْوِيلُ في الآخِرَةِ انْتَهى. فَضَمِيرُ بِهِ وكَذا الضَّمائِرُ بَعْدُ لِلْكِتابِ المُشْعِرِ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى صفحة 144 ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ البَصِيرَةَ بِالكِتابَيْنِ، ولَعَلَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْرُوعِ يُنَبَّأُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ يُنَبَّؤُا الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ أخْذِ كِتابِهِ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ مَقُولًا لَهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلَخِ. فالرَّبْطُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ جِدًّا ومِن هُنا اخْتارَهُ البَلْخِيُّ ومَن تَبِعَهُ لَكِنَّهُ مُخالِفٌ لِلصَّحِيحِ المَأْثُورِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن أنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لَهُ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّ التَّحْرِيكَ قَبْلَ النَّهْيِ إنَّما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحُكْمِ الإباحَةِ الأصْلِيَّةِ فَلا يَتِمُّ احْتِجاجُ مَن جَوَّزَ الذَّنْبَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقالَ الإمامُ: لَعَلَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ إنْ كانَ مَأْذُونًا فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى وقْتِ النَّهْيِ وكَأنَّهُ أرادَ بِالإذْنِ الإذْنَ الصَّرِيحَ المَخْصُوصَ وفِيهِ بُعْدٌ ما وعَنِ الضَّحاكِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَخافُ أنْ يَنْسى القُرْآنَ فَكانَ يَدْرُسُهُ حَتّى غَلَبَ ذَلِكَ وشَقَّ عَلَيْهِ فَنَزَلَ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ إلَخِ» ولَيْسَ بِالثَّبْتِ ولَعَلَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يُساعِدُهُ ثُمَّ إنَّهُ رُبَّما يُتَخَيَّلُ في الآيَةِ وجْهٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ عَنِ القَفّالِ الرَّبْطُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ أيْضًا وهو أنَّهُ يَكُونُ الخِطابُ في ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ حَقِيقَةً أوْ مِن بابِ إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ وضَمِيرُ ﴿بِهِ﴾ ونَظائِرُهُ لِيَوْمِ القِيامَةِ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ تَهْوِيلِهِ وتَفْظِيعِهِ مَعَ تَقاضِي السِّباقِ لَهُ فَكَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي فُتِحَتِ السُّورَةُ بِعِظامِهِ ما يَتَعَلَّقُ قَوِيَ داعِي السُّؤالِ عَنْ تَوْقِيتِهِ وأنَّهُ مَتى يَكُونُ وفي أيِّ وقْتٍ يَبِينُ لا سِيَّما وقَدِ اسْتَشْعَرَ أنَّ السُّؤالَ عَنْ ذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنِ اسْتِهْزاءً مِمّا لا بَأْسَ بِهِ فَقِيل ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ أيْ بِطَلَبِ تَوْقِيتِهِ لِسانَكَ وهو نَهْيٌ عَنِ السُّؤالِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ كَما يُقالُ لا تَفْتَحْ فَمَكَ في أمْرِ فُلانٍ لِتَعْجَلَ بِهِ لِتُحَصِّلَ عِلْمَهُ عَلى عَجَلَةٍ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ ما يَكُونُ فِيهِ مِنَ الجَمْعِ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ ما يَتَضَمَّنُ شَرْحَ أحْوالِهِ وأهْوالِهِ مِنَ القُرْآنِ. ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ بِالعَمَلِ بِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لَهُ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ إظْهارَهُ وُقُوعًا بِالنَّفْخِ في الصُّوَرِ وهو الطّامَّةُ الكُبْرى وحاصِلُهُ لا تَسْألْ عَنْ تَوْقِيتِ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ مُسْتَعْجَلًا مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَإنَّ الواجِبَ عَلَيْنا حِكْمَةً حَشْرُ الجَمْعِ فِيهِ وإنْزالُ قُرْآنٍ يَتَضَمَّنُ بَيانَ أحْوالِهِ لِيَسْتَعِدَّ لَهُ وإظْهارُهُ بِالوُقُوعِ الَّذِي هو الدّاهِيَةُ العُظْمى وما عَدا ذَلِكَ مِن تَعْيِينِ وقْتِهِ فَلا يَجِبُ عَلَيْنا حِكْمَةً بَلْ هو مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ فَإذا سَألْتَ فَقَدْ سَألْتَ ما يُنافِيها فَلا تُجابُ انْتَهى. وفِيهِ ما فِيهِ وما كُنْتُ أذْكُرُهُ لَوْلا هَذا التَّنْبِيهِ واللّائِقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ ولَطِيفِ إشاراتِهِ ما أشارَ إلَيْهِ ذُو اليَدِ الطُّولى جارُ اللَّهِ تَجاوَزَ اللَّهُ تَعالى عَنْ تَقْصِيراتِهِ فَتَأمَّلْ فَلا حَجْرَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

القيامة 75:22

ولَمّا رَدَعَ سُبْحانَهُ عَنْ حُبِّ العاجِلَةِ وتَرْكِ الآخِرَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يَتَضَمَّنُ تَأْكِيدَ هَذا الرَّدْعِ مِمّا يُشِيرُ إلى حُسْنِ عاقِبَةِ حُبِّ الآخِرَةِ وسُوءِ مَغَبَّةِ العاجِلَةِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ أيْ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ يَوْمَ إذْ تَقُومُ القِيامَةُ بَهِيَّةً مُتَهَلِّلَةً مِن عَظِيمِ المَسَرَّةِ يُشاهَدُ عَلَيْها نَضْرَةُ النَّعِيمِ عَلى أنَّ وُجُوهٌ مُبْتَدَأٌ وناضِرَةٌ خَبَرُهُ ويَوْمَئِذٍ مَنصُوبٌ بِناضِرَةٌ وناظِرَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ أوْ نَعْتٌ لِناضِرَةٌ وإلى رَبِّها مُتَعَلِّقٌ بِناظِرَةٌ وصَحَّ وُقُوعُ النَّكِرَةِ مُبْتَدَأً لِأنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ كَما في قَوْلِهِ: فَيَوْمٌ لَنا ويَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرُّ لا عَلى أنَّ النَّكِرَةَ تَخَصَّصَتْ بِيَوْمَئِذٍ كَما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ صِفَةً لِلْجُثَثِ ولا عَلى أنْ ناضِرَةٌ صِفَةٌ لَها والخَبَرُ ناظِرَةٌ كَما قِيلَ لِما أنَّ المَشْهُورَ الغالِبَ كَوْنُ الصِّفَةِ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ السّامِعِ وثُبُوتُ النَّظْرَةِ لِلْوُجُوهِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَحَقُّهُ أنْ يُخْبِرَ بِهِ نَعَمْ ذَكَرَ هَذا غَيْرُ واحِدٍ احْتِمالًا في الآيَةِ وقالَ فِيهِ أبُو حَيّانٍ هو قَوْلٌ سائِغٌ. ومَعْنى كَوْنِها ناظِرَةً إلى رَبِّها أنَّها تَراهُ تَعالى مُسْتَغْرِقَةً في مُطالَعَةِ جَمالِهِ بِحَيْثُ تَغْفُلُ عَمّا سِواهُ وتُشاهِدُهُ تَعالى عَلى ما يَلِيقُ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ ولا حَجْرَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولَهُ جَلَّ وعَلا التَّنَزُّهُ الذّاتِيُّ التّامُّ صفحة 145 فِي جَمِيعِ تَجَلِّياتِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ يَعْنِي ﴿إلى رَبِّها﴾ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ كَما في نَظائِرِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها وهو لا يَتَأتّى لَوْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى النَّظَرِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ ضَرُورَةَ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى غَيْرِهِ تَعالى. وحَيْثُ كانَ الِاخْتِصاصُ ثابِتًا كانَ الحَمْلُ عَلى ذَلِكَ باطِلًا وفِيهِ أنَّ التَّقْدِيمَ لا يَتَمَخَّضُ لِلِاخْتِصاصِ كَيْفَ والمُوجِبُ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ والِاهْتِمامِ قائِمٌ ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ فَهو باقٍ بِمَعْنى أنَّ النَّظَرَ إلى غَيْرِهِ تَعالى في جَنْبِ النَّظَرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا يُعَدُّ نَظَرًا كَما قِيلَ في نَحْوِ ذَلِكَ الكِتابِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في جَمِيعِ الأحْوالِ بَلْ في بَعْضِها وفي ذَلِكَ لِالتِفاتٍ إلى ما سِواهُ جَلَّ جَلالُهُ فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى تُرِيدُونَ شَيْئًا أزِيدُكم فَيَقُولُونَ ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ وتُنْجِنا مِنَ النّارِ قالَ فَيَكْشِفُ اللَّهُ تَعالى الحِجابَ فَما أُعْطُوا شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ» . وفِي حَدِيثِ جابِرٍ وقَدْ رَواهُ ابْنُ ماجَةَ: «فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ حَتّى يَحْتَجِبَ عَنْهم». ومِن هُنا قِيلَ: فَيَنْسَوْنَ النَّعِيمَ إذا رَأوْهُ ∗∗∗ فَيا خُسْرانَ أهْلِ الِاعْتِزالِ وكَثِيرًا ما يَحْصُلُ نَحْوُ ذَلِكَ لِلْعارِفِينَ في هَذِهِ النَّشْأةِ فَيَسْتَغْرِقُونَ في بِحارِ الحُبِّ وتَسْتَوْلِي عَلى قُلُوبِهِمْ أنْوارُ الكَشْفِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِن جَمِيعِ الكَوْنِ: فَلَمّا اسْتَبانَ الصُّبْحُ أدْرَجَ ضَوْءُهُ ∗∗∗ بِإسْفارِهِ أنْوارَ ضَوْءِ الكَواكِبِ وقِيلَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلى مُلْكِ أوْ رَحْمَةِ أوْ ثَوابِ رَبِّها ناظِرَةٌ والنَّظَرُ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والنَّظَرُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ فَقَدْ جاءَ لُغَةً بِهَذا المَعْنى أيْ إلى أنْعامِ رَبِّها مُنْتَظَرَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الحَذْفَ خِلافُ الظّاهِرِ وما زَعَمُوا مِنَ الدّاعِي مَرْدُودٌ في مَحَلِّهِ وبِأنَّ النَّظَرَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ لا يَتَعَدّى بِإلى بَلْ بِنَفْسِهِ وبِأنَّهُ لا يُسْنَدُ إلى الوَجْهِ فَلا يُقالُ وجْهُ زَيْدٍ مُنْتَظَرٌ، والمُتَبادِرُ مِنَ الإسْنادِ إسْنادُ النَّظَرِ إلى الوُجُوهِ الحَقِيقِيَّةِ وهو يَأْبى إرادَةَ الذّاتِ مِنَ الوَجْهِ وتَفَصّى الشَّرِيفُ المُرْتَضى في الدُّرَرِ عَنْ بَعْضِ هَذا بِأنَّ إلى اسْمٌ بِمَعْنى النِّعْمَةِ واحِدُ الآلاءِ وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِناظِرَةٌ بِمَعْنى مُنْتَظَرَةٌ فَيَكُونُ الِانْتِظارُ قَدْ تَعَدّى بِنَفْسِهِ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ والزَّمَخْشَرِيُّ إذا تَحَقَّقْتَ كَلامَهُ رَأيْتَهُ لَمْ يَدَّعِ أنَّ النَّظَرَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ لِيُتَعَقَّبَ عَلَيْهِ بِما تُعُقِّبَ، بَلْ أرادَ أنَّ النَّظَرَ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ كِنايَةٌ عَنِ التَّوَقُّعِ والرَّجاءِ، فالمَعْنى عِنْدَهُ أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ النِّعْمَةَ والكَرامَةَ إلّا مِن رَبِّهِمْ كَما كانُوا في الدُّنْيا لا يَخْشَوْنَ ولا يَرْجُونَ إلّا إيّاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَرْجِعُ إلى إدارَةِ الِانْتِظارِ لَكِنْ كِنايَةً والِانْتِظارُ لا يُساعِدُهُ المَقامُ إذْ لا نِعْمَةَ فِيهِ وفي مِثْلِهِ قِيلَ الِانْتِظارُ مَوْتٌ أحْمَرُ والَّذِي يَقْطَعُ الشَّغَبَ ويَدُقُّ في فَرْوَةٍ مَن أخَسَّ الطَّلَبَ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَمَن يُنْظَرُ إلى جِنانِهِ وأزْواجِهِ ونَعِيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ وأكْرَمَهم عَلى اللَّهِ مَن يَنْظُرُ إلى وجْهِهِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾» . فَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ أعْلَمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لا سِيَّما بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ ومِثْلُ هَذا فِيما ذُكِرَ ما أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ «عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقْرَأهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ فَقالَ: واللَّهِ ما نَسَخَها مُنْذُ أنْزَلَها يَزُورُونَ رَبَّهم تَبارَكَ وتَعالى فَيُطْعَمُونَ ويُسْقَوْنَ ويَطِيبُونَ ويَحِلُّونَ ويَرْفَعُ الحِجابَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَنْظُرُ إلَيْهِمْ عَزَّ وجَلَّ» . وهَذا الحِجابُ عَلى ما قالَ السّادَةُ مِن قِبَلِهِمْ لا مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ وأنْشَدُوا: صفحة 146 وكُنّا حَسِبْنا أنَّ لَيْلى تَبَرْقَعَتْ ∗∗∗ وأنَّ حِجابًا دُونَها يَمْنَعُ اللَّثْما فَلاحَتْ فَلا واللَّهِ ما ثَمَّ حاجِبٌ ∗∗∗ سِوى أنْ طَرَفِي كانَ عَنْ حُسْنِها أعْمى ثُمَّ إنَّ أجْهَلَ الخَلْقِ عِنْدَهُمُ المُعْتَزِلَةُ وأشَدَّهم عَمًى وأدْناهم مَنزِلَةً حَيْثُ أنْكَرُوا صِحَّةَ رُؤْيَةِ مَن لا ظاهِرَ سِواهُ بَلْ لا مَوْجُودَ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا إيّاهُ وأدِلَّةُ إنْكارِهِمْ صِحَّةَ رُؤْيَتِهِ تَعالى مَذْكُورَةٌ مَعَ رُدُودِها في كُتُبِ الكَلامِ وكَذا أدِلَّةُ القُدُومِ عَلى الصِّحَّةِ وكَأنِّي بِكَ بَعْدَ الإحاطَةِ وتَدْقِيقِ النَّظَرِ تَمِيلُ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُرى لَكِنْ لا مِن حَيْثُ ذاتُهُ سُبْحانَهُ البَحْتُ ولا مِن حَيْثُ كُلُّ تَجَلٍّ حَتّى تَجَلِّيهِ بِنُورِهِ الشَّعْشَعانِيِّ الَّذِي لا يُطاقُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَضِرَةٌ» بِغَيْرِ ألْفٍ.

القيامة 75:23

ولَمّا رَدَعَ سُبْحانَهُ عَنْ حُبِّ العاجِلَةِ وتَرْكِ الآخِرَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يَتَضَمَّنُ تَأْكِيدَ هَذا الرَّدْعِ مِمّا يُشِيرُ إلى حُسْنِ عاقِبَةِ حُبِّ الآخِرَةِ وسُوءِ مَغَبَّةِ العاجِلَةِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ أيْ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ يَوْمَ إذْ تَقُومُ القِيامَةُ بَهِيَّةً مُتَهَلِّلَةً مِن عَظِيمِ المَسَرَّةِ يُشاهَدُ عَلَيْها نَضْرَةُ النَّعِيمِ عَلى أنَّ وُجُوهٌ مُبْتَدَأٌ وناضِرَةٌ خَبَرُهُ ويَوْمَئِذٍ مَنصُوبٌ بِناضِرَةٌ وناظِرَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ أوْ نَعْتٌ لِناضِرَةٌ وإلى رَبِّها مُتَعَلِّقٌ بِناظِرَةٌ وصَحَّ وُقُوعُ النَّكِرَةِ مُبْتَدَأً لِأنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ كَما في قَوْلِهِ: فَيَوْمٌ لَنا ويَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرُّ لا عَلى أنَّ النَّكِرَةَ تَخَصَّصَتْ بِيَوْمَئِذٍ كَما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ صِفَةً لِلْجُثَثِ ولا عَلى أنْ ناضِرَةٌ صِفَةٌ لَها والخَبَرُ ناظِرَةٌ كَما قِيلَ لِما أنَّ المَشْهُورَ الغالِبَ كَوْنُ الصِّفَةِ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ السّامِعِ وثُبُوتُ النَّظْرَةِ لِلْوُجُوهِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَحَقُّهُ أنْ يُخْبِرَ بِهِ نَعَمْ ذَكَرَ هَذا غَيْرُ واحِدٍ احْتِمالًا في الآيَةِ وقالَ فِيهِ أبُو حَيّانٍ هو قَوْلٌ سائِغٌ. ومَعْنى كَوْنِها ناظِرَةً إلى رَبِّها أنَّها تَراهُ تَعالى مُسْتَغْرِقَةً في مُطالَعَةِ جَمالِهِ بِحَيْثُ تَغْفُلُ عَمّا سِواهُ وتُشاهِدُهُ تَعالى عَلى ما يَلِيقُ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ ولا حَجْرَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولَهُ جَلَّ وعَلا التَّنَزُّهُ الذّاتِيُّ التّامُّ صفحة 145 فِي جَمِيعِ تَجَلِّياتِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ يَعْنِي ﴿إلى رَبِّها﴾ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ كَما في نَظائِرِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها وهو لا يَتَأتّى لَوْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى النَّظَرِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ ضَرُورَةَ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى غَيْرِهِ تَعالى. وحَيْثُ كانَ الِاخْتِصاصُ ثابِتًا كانَ الحَمْلُ عَلى ذَلِكَ باطِلًا وفِيهِ أنَّ التَّقْدِيمَ لا يَتَمَخَّضُ لِلِاخْتِصاصِ كَيْفَ والمُوجِبُ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ والِاهْتِمامِ قائِمٌ ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ فَهو باقٍ بِمَعْنى أنَّ النَّظَرَ إلى غَيْرِهِ تَعالى في جَنْبِ النَّظَرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا يُعَدُّ نَظَرًا كَما قِيلَ في نَحْوِ ذَلِكَ الكِتابِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في جَمِيعِ الأحْوالِ بَلْ في بَعْضِها وفي ذَلِكَ لِالتِفاتٍ إلى ما سِواهُ جَلَّ جَلالُهُ فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى تُرِيدُونَ شَيْئًا أزِيدُكم فَيَقُولُونَ ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ وتُنْجِنا مِنَ النّارِ قالَ فَيَكْشِفُ اللَّهُ تَعالى الحِجابَ فَما أُعْطُوا شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ» . وفِي حَدِيثِ جابِرٍ وقَدْ رَواهُ ابْنُ ماجَةَ: «فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ حَتّى يَحْتَجِبَ عَنْهم». ومِن هُنا قِيلَ: فَيَنْسَوْنَ النَّعِيمَ إذا رَأوْهُ ∗∗∗ فَيا خُسْرانَ أهْلِ الِاعْتِزالِ وكَثِيرًا ما يَحْصُلُ نَحْوُ ذَلِكَ لِلْعارِفِينَ في هَذِهِ النَّشْأةِ فَيَسْتَغْرِقُونَ في بِحارِ الحُبِّ وتَسْتَوْلِي عَلى قُلُوبِهِمْ أنْوارُ الكَشْفِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِن جَمِيعِ الكَوْنِ: فَلَمّا اسْتَبانَ الصُّبْحُ أدْرَجَ ضَوْءُهُ ∗∗∗ بِإسْفارِهِ أنْوارَ ضَوْءِ الكَواكِبِ وقِيلَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلى مُلْكِ أوْ رَحْمَةِ أوْ ثَوابِ رَبِّها ناظِرَةٌ والنَّظَرُ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والنَّظَرُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ فَقَدْ جاءَ لُغَةً بِهَذا المَعْنى أيْ إلى أنْعامِ رَبِّها مُنْتَظَرَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الحَذْفَ خِلافُ الظّاهِرِ وما زَعَمُوا مِنَ الدّاعِي مَرْدُودٌ في مَحَلِّهِ وبِأنَّ النَّظَرَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ لا يَتَعَدّى بِإلى بَلْ بِنَفْسِهِ وبِأنَّهُ لا يُسْنَدُ إلى الوَجْهِ فَلا يُقالُ وجْهُ زَيْدٍ مُنْتَظَرٌ، والمُتَبادِرُ مِنَ الإسْنادِ إسْنادُ النَّظَرِ إلى الوُجُوهِ الحَقِيقِيَّةِ وهو يَأْبى إرادَةَ الذّاتِ مِنَ الوَجْهِ وتَفَصّى الشَّرِيفُ المُرْتَضى في الدُّرَرِ عَنْ بَعْضِ هَذا بِأنَّ إلى اسْمٌ بِمَعْنى النِّعْمَةِ واحِدُ الآلاءِ وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِناظِرَةٌ بِمَعْنى مُنْتَظَرَةٌ فَيَكُونُ الِانْتِظارُ قَدْ تَعَدّى بِنَفْسِهِ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ والزَّمَخْشَرِيُّ إذا تَحَقَّقْتَ كَلامَهُ رَأيْتَهُ لَمْ يَدَّعِ أنَّ النَّظَرَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ لِيُتَعَقَّبَ عَلَيْهِ بِما تُعُقِّبَ، بَلْ أرادَ أنَّ النَّظَرَ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ كِنايَةٌ عَنِ التَّوَقُّعِ والرَّجاءِ، فالمَعْنى عِنْدَهُ أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ النِّعْمَةَ والكَرامَةَ إلّا مِن رَبِّهِمْ كَما كانُوا في الدُّنْيا لا يَخْشَوْنَ ولا يَرْجُونَ إلّا إيّاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَرْجِعُ إلى إدارَةِ الِانْتِظارِ لَكِنْ كِنايَةً والِانْتِظارُ لا يُساعِدُهُ المَقامُ إذْ لا نِعْمَةَ فِيهِ وفي مِثْلِهِ قِيلَ الِانْتِظارُ مَوْتٌ أحْمَرُ والَّذِي يَقْطَعُ الشَّغَبَ ويَدُقُّ في فَرْوَةٍ مَن أخَسَّ الطَّلَبَ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَمَن يُنْظَرُ إلى جِنانِهِ وأزْواجِهِ ونَعِيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ وأكْرَمَهم عَلى اللَّهِ مَن يَنْظُرُ إلى وجْهِهِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾» . فَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ أعْلَمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لا سِيَّما بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ ومِثْلُ هَذا فِيما ذُكِرَ ما أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ «عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقْرَأهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ فَقالَ: واللَّهِ ما نَسَخَها مُنْذُ أنْزَلَها يَزُورُونَ رَبَّهم تَبارَكَ وتَعالى فَيُطْعَمُونَ ويُسْقَوْنَ ويَطِيبُونَ ويَحِلُّونَ ويَرْفَعُ الحِجابَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَنْظُرُ إلَيْهِمْ عَزَّ وجَلَّ» . وهَذا الحِجابُ عَلى ما قالَ السّادَةُ مِن قِبَلِهِمْ لا مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ وأنْشَدُوا: صفحة 146 وكُنّا حَسِبْنا أنَّ لَيْلى تَبَرْقَعَتْ ∗∗∗ وأنَّ حِجابًا دُونَها يَمْنَعُ اللَّثْما فَلاحَتْ فَلا واللَّهِ ما ثَمَّ حاجِبٌ ∗∗∗ سِوى أنْ طَرَفِي كانَ عَنْ حُسْنِها أعْمى ثُمَّ إنَّ أجْهَلَ الخَلْقِ عِنْدَهُمُ المُعْتَزِلَةُ وأشَدَّهم عَمًى وأدْناهم مَنزِلَةً حَيْثُ أنْكَرُوا صِحَّةَ رُؤْيَةِ مَن لا ظاهِرَ سِواهُ بَلْ لا مَوْجُودَ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا إيّاهُ وأدِلَّةُ إنْكارِهِمْ صِحَّةَ رُؤْيَتِهِ تَعالى مَذْكُورَةٌ مَعَ رُدُودِها في كُتُبِ الكَلامِ وكَذا أدِلَّةُ القُدُومِ عَلى الصِّحَّةِ وكَأنِّي بِكَ بَعْدَ الإحاطَةِ وتَدْقِيقِ النَّظَرِ تَمِيلُ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُرى لَكِنْ لا مِن حَيْثُ ذاتُهُ سُبْحانَهُ البَحْتُ ولا مِن حَيْثُ كُلُّ تَجَلٍّ حَتّى تَجَلِّيهِ بِنُورِهِ الشَّعْشَعانِيِّ الَّذِي لا يُطاقُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَضِرَةٌ» بِغَيْرِ ألْفٍ.

القيامة 75:24

﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ أيْ شَدِيدَةُ العُبُوسِ وباسِلٌ أبْلَغُ مِن باسِرٍ فِيما ذُكِرَ لَكِنَّهُ غَلَبَ في الشُّجاعِ إذا اشْتَدَّتْ كُلُوحَتُهُ فَعَدَلَ عَنْهُ لِإيهامِهِ غَيْرَ المُرادِ وعَنى بِهَذِهِ الوُجُوهِ وُجُوهَ الكَفَرَةِ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ أيْ داهِيَةٌ عَظِيمَةٌ تَقْصِمُ فِقارَ الظَّهْرِ مِن فَقَرَهُ أصابَ فِقارَهُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿فاقِرَةٌ﴾ مِن فَقَرْتُ البَعِيرَ إذا وسَمْتُ أنْفَهُ بِالنّارِ وفاعِلُ تَظُنُّ ضَمِيرُ الوُجُوهِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَظُنُّ أرْبابُها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلَيْها عَلى أنَّ الوَجْهَ بِمَعْنى الذّاتِ اسْتِخْدامًا وفِيهِ بُعْدٌ. والظَّنُّ قِيلَ أُرِيدَ بِهِ اليَقِينُ واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ وأنَّ المَصْدَرِيَّةَ لا تَقَعُ بَعْدَ فِعْلِ التَّحْقِيقِ الصِّرْفِ دُونَ فِعْلِ الظَّنِّ أوْ ما يُؤَدِّي مَعْنى العِلْمِ فَتَقَعُ بَعْدَهُ كالمُشَدِّدَةِ والمُخَفَّفَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الرَّضِيُّ وقِيلَ هو عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ المَشْهُورِ والمُرادُ تَتَوَقَّعُ ذَلِكَ واخْتارَهُ مَنِ اخْتارَهُ ولا دَلالَةَ فِيهِ بِواسِطَةِ التَّقابُلِ عَلى أنْ يَكُونَ النَّظَرُ ثَمَّ بِالمَعْنى المَذْكُورِ كَما زَعَمَهُ مَن زَعْمَهُ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ ما يُفْعَلُ بِهِمْ في مُقابَلَةِ النَّظَرِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ غايَةَ النِّعْمَةِ وهَذا غايَةُ النِّقْمَةِ وجِيءَ بِفِعْلِ الظَّنِّ هاهُنا دَلالَةً عَلى أنَّ ما هم فِيهِ وإنْ كانَ غايَةَ الشَّرِّ يُتَوَقَّعُ بَعْدَهُ أشَدُّ مِنهُ وهَكَذا أبَدًا وذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ بِالفاقِرَةِ ما لا يُكْنِنَّهُ مِنَ العَذابِ فَكُلُّ ما يُفْعَلُ بِهِ مِن أشَدِّهِ اسْتَدَلَّ مِنهُ عَلى آخَرَ وتَوَقَّعَ أشَدَّ مِنهُ وإذا كانَ ظانًّا كانَ أشَدَّ عَلَيْهِ مِمّا إذا كانَ عالِمًا مُوَطِّنًا نَفْسَهُ عَلى الأمْرِ عَلى أنَّ العِلْمَ بِالكائِنِ واقِعٌ لا بِما يَتَجَدَّدُ آنًا فَآنًا فَهَذا وجْهُ الإتْيانِ بِفِعْلِ الظَّنِّ ولَمْ يُؤْتَ في المُقابِلِ بِفِعْلِ ظَنَّ أوْ عَلِمَ لِأنَّهم وصَلُوا إلى ما لا مَطْلُوبَ وراءَهُ وذاقُوهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَّفاوُتِ في ذَلِكَ النَّظَرِ قُوَّةً وضَعْفًا بِالنِّسْبَةِ إلى الرّائِي عَلى ما قَرَّرَهُ فَلَعَلَّ هَذا حُجَّةٌ عَلى الزّاعِمِ لا لَهُ أسْبَغَ اللَّهُ عَلَيْنا بِرُؤْيَتِهِ فَضْلَهُ.

القيامة 75:25

﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ أيْ شَدِيدَةُ العُبُوسِ وباسِلٌ أبْلَغُ مِن باسِرٍ فِيما ذُكِرَ لَكِنَّهُ غَلَبَ في الشُّجاعِ إذا اشْتَدَّتْ كُلُوحَتُهُ فَعَدَلَ عَنْهُ لِإيهامِهِ غَيْرَ المُرادِ وعَنى بِهَذِهِ الوُجُوهِ وُجُوهَ الكَفَرَةِ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ أيْ داهِيَةٌ عَظِيمَةٌ تَقْصِمُ فِقارَ الظَّهْرِ مِن فَقَرَهُ أصابَ فِقارَهُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿فاقِرَةٌ﴾ مِن فَقَرْتُ البَعِيرَ إذا وسَمْتُ أنْفَهُ بِالنّارِ وفاعِلُ تَظُنُّ ضَمِيرُ الوُجُوهِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَظُنُّ أرْبابُها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلَيْها عَلى أنَّ الوَجْهَ بِمَعْنى الذّاتِ اسْتِخْدامًا وفِيهِ بُعْدٌ. والظَّنُّ قِيلَ أُرِيدَ بِهِ اليَقِينُ واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ وأنَّ المَصْدَرِيَّةَ لا تَقَعُ بَعْدَ فِعْلِ التَّحْقِيقِ الصِّرْفِ دُونَ فِعْلِ الظَّنِّ أوْ ما يُؤَدِّي مَعْنى العِلْمِ فَتَقَعُ بَعْدَهُ كالمُشَدِّدَةِ والمُخَفَّفَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الرَّضِيُّ وقِيلَ هو عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ المَشْهُورِ والمُرادُ تَتَوَقَّعُ ذَلِكَ واخْتارَهُ مَنِ اخْتارَهُ ولا دَلالَةَ فِيهِ بِواسِطَةِ التَّقابُلِ عَلى أنْ يَكُونَ النَّظَرُ ثَمَّ بِالمَعْنى المَذْكُورِ كَما زَعَمَهُ مَن زَعْمَهُ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ ما يُفْعَلُ بِهِمْ في مُقابَلَةِ النَّظَرِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ غايَةَ النِّعْمَةِ وهَذا غايَةُ النِّقْمَةِ وجِيءَ بِفِعْلِ الظَّنِّ هاهُنا دَلالَةً عَلى أنَّ ما هم فِيهِ وإنْ كانَ غايَةَ الشَّرِّ يُتَوَقَّعُ بَعْدَهُ أشَدُّ مِنهُ وهَكَذا أبَدًا وذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ بِالفاقِرَةِ ما لا يُكْنِنَّهُ مِنَ العَذابِ فَكُلُّ ما يُفْعَلُ بِهِ مِن أشَدِّهِ اسْتَدَلَّ مِنهُ عَلى آخَرَ وتَوَقَّعَ أشَدَّ مِنهُ وإذا كانَ ظانًّا كانَ أشَدَّ عَلَيْهِ مِمّا إذا كانَ عالِمًا مُوَطِّنًا نَفْسَهُ عَلى الأمْرِ عَلى أنَّ العِلْمَ بِالكائِنِ واقِعٌ لا بِما يَتَجَدَّدُ آنًا فَآنًا فَهَذا وجْهُ الإتْيانِ بِفِعْلِ الظَّنِّ ولَمْ يُؤْتَ في المُقابِلِ بِفِعْلِ ظَنَّ أوْ عَلِمَ لِأنَّهم وصَلُوا إلى ما لا مَطْلُوبَ وراءَهُ وذاقُوهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَّفاوُتِ في ذَلِكَ النَّظَرِ قُوَّةً وضَعْفًا بِالنِّسْبَةِ إلى الرّائِي عَلى ما قَرَّرَهُ فَلَعَلَّ هَذا حُجَّةٌ عَلى الزّاعِمِ لا لَهُ أسْبَغَ اللَّهُ عَلَيْنا بِرُؤْيَتِهِ فَضْلَهُ.

القيامة 75:26

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ إيثارِ العاجِلَةِ عَلى الآخِرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ ارْتَدِعُوا عَنْ ذَلِكَ وتَنَبَّهُوا لِما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ المَوْتِ الَّذِي تَنْقَطِعُ عِنْدَهُ ما بَيْنَكم وبَيْنَ العاجِلَةِ مِنَ العَلاقَةِ ﴿إذا بَلَغَتِ﴾ أيِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ الدّالُّ عَلى سِياقِ الكَلامِ كَما في قَوْلِ حاتِمٍ: أماوِيُّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ ونَحْوَ قَوْلِ العَرَبِ أرْسَلَتْ يُرِيدُونَ جاءَ المَطَرُ ولا تَكادُ تَسْمَعُهم يَقُولُونَ أرْسَلَتِ السَّماءُ نَعَمْ قَدْ يُصَرَّحُ فِيما هُنا بِالفاعِلِ فَيُقالُ بَلَغَتِ النَّفْسُ ﴿التَّراقِيَ﴾ أيْ أعالِي الصَّدْرِ وهي العِظامُ المُكْتَنِفَةُ ثَغْرَةَ النَّحْرِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ جَمْعُ تَرْقُوَةٍ وأنْشَدُوا لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: ورُبَّ عَظِيمَةٍ رافَعَتْ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبَها مَن يَرْقِيهِ ويُنْجِيهِ مِمّا هو فِيهِ مِنَ الرُّقْيَةِ وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ المَلْسُوعُ والمَرِيضُ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ ومِنهُ آياتُ الشِّفاءِ ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الطَّبِيبِ أعَمُّ مِن أنْ يُطَبَّ بِالقَوْلِ أوْ بِالفِعْلِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وأبُو قِلابَةَ وقَتادَةَ ما هو ظاهِرٌ فِيهِ والِاسْتِفْهامُ عِنْدَ بَعْضٍ حَقِيقِيٌّ وقِيلَ هو اسْتِفْهامُ اسْتِبْعادٍ وإنْكارٍ أيْ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لا أحَدَ يَرْقِيهِ كَما يُقالُ عِنْدَ اليَأْسِ مَن ذا الَّذِي يَقْدِرُ أنَّ يَرْقى هَذا المُشْرِفَ عَلى المَوْتِ ورُوِيَ صفحة 147 ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ زَيْدٍ وقِيلَ هو مِن كَلامِ مَلائِكَةِ المَوْتِ أيْ أيُّكم يَرْقى بِرُوحِهِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ مِنَ الرُّقِيِّ وهو العُرُوجُ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وسُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ والِاسْتِفْهامُ عَلَيْهِ حَقِيقِيٌّ وتُعُقِّبَ بِأنَّ اعْتِبارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدُ ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ إلَخِ ودُفِعَ بِأنَّ الضَّمِيرَ لِلْإنْسانِ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ والِاقْتِصارُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أحْوالِ بَعْضِ الفَرِيقَيْنِ لا يُنافِي العُمُومَ فِيما قَبْلُ ووَقَفَ حَفْصٌ رِوايَةً عَنْ عاصِمٍ عَلى مَن وابْتَدَأ ﴿راقٍ﴾ وأدْغَمَ الجُمْهُورُ قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا أدْرِي ما وجْهُ قِراءَتِهِ وكَذَلِكَ قَرَأ ﴿بَلْ رانَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: 14] وقالَ بَعْضُهم كَأنَّهُ قَصَدَ أنْ لا يُتَوَهَّمُ أنَّها كَلِمَةٌ واحِدَةٌ فَسَكَتَ سَكْتَةً لَطِيفَةً لِيُشْعِرَ أنَّهُما كَلِمَتانِ وإلّا فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُدْغَمَ في ﴿مَن راقٍ﴾ فَقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ إنَّ النُّونَ تُدْغَمُ في الرّاءِ وذَلِكَ نَحْوَ مَن راشَدَ والإدْغامُ بِغُنَّةٍ وبِغَيْرِ غُنَّةٍ ولَمْ يَذْكُرِ الإظْهارَ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ لَعَلَّ الإظْهارَ رَأْيٌ كُوفِيٌّ فَعاصِمٌ شَيْخُ حَفْصٍ يَذْكُرُ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالنَّحْوِ، وأمّا ﴿بَلْ رانَ﴾ فَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ أيْضًا أنَّ إظْهارَ اللّامِ وإدْغامَها مَعَ الرّاءِ حَسَنانِ، فَلَعَلَّ حَفْصًا لَمّا أفْرَطَ في إظْهارِ الإظْهارِ فِيهِ صارَ كالوَقْفِ القَلِيلِ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ عَلى أنَّ النَّفْسَ جِسْمٌ لا جَوْهَرَ مُجَرَّدٌ إذْ لا يَتَّصِفُ بِالحَرَكَةِ والتَّحَيُّزِ وأجابَ بَعْضٌ بِأنَّ هَذِهِ النَّفْسَ المُسْنَدَ إلَيْها بُلُوغُ التَّراقِي هي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ لا الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ وهي الجَوْهَرُ المُجَرَّدُ دُونَ الحَيَوانِيَّةِ وآخَرُ بِأنَّ المُرادَ بِبُلُوغِها التَّراقِي قُرْبُ انْقِطاعِ التَّعَلُّقِ وهو مِمّا يَتَّصِفُ بِهِ المُجَرَّدُ إذْ لا يَسْتَدْعِي حَرَكَةً ولا تَحَيُّزًا ولا نَحْوَهُما مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ. وزَعَمَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إرادَةُ الحَقِيقَةِ ولَوْ كانَتِ النَّفْسُ جِسْمًا ضَرُورَةَ أنَّ بُلُوغَها التَّراقِي لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ مُفارَقَتِها القَلْبَ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَوْتُ ولا يُقالُ ﴿مَن راقٍ﴾ كَما هو ظاهِرٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فِيهِ ولا يَتَأنّى أيْضًا ما يَذْكُرُ بَعْدُ عَلى ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا أنَّ النَّفْسَ وهي الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ جِسْمٌ لَطِيفٌ جِدًّا ألْطَفُ مِنَ الضَّوْءِ عِنْدَ القائِلِ بِجِسْمِيَّتِهِ والنَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ مَرْكَبٌ لَها وهي سارِيَةٌ في البَدَنِ نَحْوَ سَرَيانِ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الفَحْمِ وسَرَيانِ السَّيّالِ الكَهْرَبائِيِّ عِنْدَ القائِلِ بِهِ في الأجْسامِ والأدِلَّةِ عَلى جِسْمِيَّتِها كَثِيرَةٌ وقَدِ اسْتَوْفاها الشَّيْخُ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِ الرُّوحِ وأتى فِيهِ بِالعَجَبِ ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِبُلُوغِ التَّراقِي مُشارَفَةُ المَوْتِ وقُرْبُ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنَ البَدَنِ سَلَّمْتَ الضَّرُورَةُ الَّتِي في كَلامِ ذَلِكَ الزّاعِمِ أمْ لَمْ تُسَلِّمْ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ .

القيامة 75:27

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ إيثارِ العاجِلَةِ عَلى الآخِرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ ارْتَدِعُوا عَنْ ذَلِكَ وتَنَبَّهُوا لِما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ المَوْتِ الَّذِي تَنْقَطِعُ عِنْدَهُ ما بَيْنَكم وبَيْنَ العاجِلَةِ مِنَ العَلاقَةِ ﴿إذا بَلَغَتِ﴾ أيِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ الدّالُّ عَلى سِياقِ الكَلامِ كَما في قَوْلِ حاتِمٍ: أماوِيُّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ ونَحْوَ قَوْلِ العَرَبِ أرْسَلَتْ يُرِيدُونَ جاءَ المَطَرُ ولا تَكادُ تَسْمَعُهم يَقُولُونَ أرْسَلَتِ السَّماءُ نَعَمْ قَدْ يُصَرَّحُ فِيما هُنا بِالفاعِلِ فَيُقالُ بَلَغَتِ النَّفْسُ ﴿التَّراقِيَ﴾ أيْ أعالِي الصَّدْرِ وهي العِظامُ المُكْتَنِفَةُ ثَغْرَةَ النَّحْرِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ جَمْعُ تَرْقُوَةٍ وأنْشَدُوا لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: ورُبَّ عَظِيمَةٍ رافَعَتْ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبَها مَن يَرْقِيهِ ويُنْجِيهِ مِمّا هو فِيهِ مِنَ الرُّقْيَةِ وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ المَلْسُوعُ والمَرِيضُ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ ومِنهُ آياتُ الشِّفاءِ ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الطَّبِيبِ أعَمُّ مِن أنْ يُطَبَّ بِالقَوْلِ أوْ بِالفِعْلِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وأبُو قِلابَةَ وقَتادَةَ ما هو ظاهِرٌ فِيهِ والِاسْتِفْهامُ عِنْدَ بَعْضٍ حَقِيقِيٌّ وقِيلَ هو اسْتِفْهامُ اسْتِبْعادٍ وإنْكارٍ أيْ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لا أحَدَ يَرْقِيهِ كَما يُقالُ عِنْدَ اليَأْسِ مَن ذا الَّذِي يَقْدِرُ أنَّ يَرْقى هَذا المُشْرِفَ عَلى المَوْتِ ورُوِيَ صفحة 147 ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ زَيْدٍ وقِيلَ هو مِن كَلامِ مَلائِكَةِ المَوْتِ أيْ أيُّكم يَرْقى بِرُوحِهِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ مِنَ الرُّقِيِّ وهو العُرُوجُ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وسُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ والِاسْتِفْهامُ عَلَيْهِ حَقِيقِيٌّ وتُعُقِّبَ بِأنَّ اعْتِبارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدُ ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ إلَخِ ودُفِعَ بِأنَّ الضَّمِيرَ لِلْإنْسانِ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ والِاقْتِصارُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أحْوالِ بَعْضِ الفَرِيقَيْنِ لا يُنافِي العُمُومَ فِيما قَبْلُ ووَقَفَ حَفْصٌ رِوايَةً عَنْ عاصِمٍ عَلى مَن وابْتَدَأ ﴿راقٍ﴾ وأدْغَمَ الجُمْهُورُ قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا أدْرِي ما وجْهُ قِراءَتِهِ وكَذَلِكَ قَرَأ ﴿بَلْ رانَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: 14] وقالَ بَعْضُهم كَأنَّهُ قَصَدَ أنْ لا يُتَوَهَّمُ أنَّها كَلِمَةٌ واحِدَةٌ فَسَكَتَ سَكْتَةً لَطِيفَةً لِيُشْعِرَ أنَّهُما كَلِمَتانِ وإلّا فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُدْغَمَ في ﴿مَن راقٍ﴾ فَقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ إنَّ النُّونَ تُدْغَمُ في الرّاءِ وذَلِكَ نَحْوَ مَن راشَدَ والإدْغامُ بِغُنَّةٍ وبِغَيْرِ غُنَّةٍ ولَمْ يَذْكُرِ الإظْهارَ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ لَعَلَّ الإظْهارَ رَأْيٌ كُوفِيٌّ فَعاصِمٌ شَيْخُ حَفْصٍ يَذْكُرُ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالنَّحْوِ، وأمّا ﴿بَلْ رانَ﴾ فَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ أيْضًا أنَّ إظْهارَ اللّامِ وإدْغامَها مَعَ الرّاءِ حَسَنانِ، فَلَعَلَّ حَفْصًا لَمّا أفْرَطَ في إظْهارِ الإظْهارِ فِيهِ صارَ كالوَقْفِ القَلِيلِ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ عَلى أنَّ النَّفْسَ جِسْمٌ لا جَوْهَرَ مُجَرَّدٌ إذْ لا يَتَّصِفُ بِالحَرَكَةِ والتَّحَيُّزِ وأجابَ بَعْضٌ بِأنَّ هَذِهِ النَّفْسَ المُسْنَدَ إلَيْها بُلُوغُ التَّراقِي هي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ لا الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ وهي الجَوْهَرُ المُجَرَّدُ دُونَ الحَيَوانِيَّةِ وآخَرُ بِأنَّ المُرادَ بِبُلُوغِها التَّراقِي قُرْبُ انْقِطاعِ التَّعَلُّقِ وهو مِمّا يَتَّصِفُ بِهِ المُجَرَّدُ إذْ لا يَسْتَدْعِي حَرَكَةً ولا تَحَيُّزًا ولا نَحْوَهُما مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ. وزَعَمَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إرادَةُ الحَقِيقَةِ ولَوْ كانَتِ النَّفْسُ جِسْمًا ضَرُورَةَ أنَّ بُلُوغَها التَّراقِي لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ مُفارَقَتِها القَلْبَ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَوْتُ ولا يُقالُ ﴿مَن راقٍ﴾ كَما هو ظاهِرٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فِيهِ ولا يَتَأنّى أيْضًا ما يَذْكُرُ بَعْدُ عَلى ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا أنَّ النَّفْسَ وهي الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ جِسْمٌ لَطِيفٌ جِدًّا ألْطَفُ مِنَ الضَّوْءِ عِنْدَ القائِلِ بِجِسْمِيَّتِهِ والنَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ مَرْكَبٌ لَها وهي سارِيَةٌ في البَدَنِ نَحْوَ سَرَيانِ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الفَحْمِ وسَرَيانِ السَّيّالِ الكَهْرَبائِيِّ عِنْدَ القائِلِ بِهِ في الأجْسامِ والأدِلَّةِ عَلى جِسْمِيَّتِها كَثِيرَةٌ وقَدِ اسْتَوْفاها الشَّيْخُ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِ الرُّوحِ وأتى فِيهِ بِالعَجَبِ ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِبُلُوغِ التَّراقِي مُشارَفَةُ المَوْتِ وقُرْبُ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنَ البَدَنِ سَلَّمْتَ الضَّرُورَةُ الَّتِي في كَلامِ ذَلِكَ الزّاعِمِ أمْ لَمْ تُسَلِّمْ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ .

القيامة 75:28

﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وظَنَّ الإنْسانُ المُحْتَضِرُ أنَّ ما نَزَلَ بِهِ الفِراقُ مِن حَبِيبَتِهِ الدُّنْيا ونَعِيمِها وقِيلَ فِراقُ الرُّوحِ الجَسَدَ، والظَّنُّ هُنا عند أبِي حَيّانٍ عَلى بابِهِ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى تَفْسِيرِهِ بِاليَقِينِ قالَ الإمامُ ولَعَلَّهُ إنَّما سُمِّيَ اليَقِينُ هاهُنا بِالظَّنِّ لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَتْ رُوحُهُ مُتَعَلِّقَةً بِبَدَنِهِ يَطْمَعُ في الحَياةِ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِهَذِهِ الحَياةِ العاجِلَةِ ولا يَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْها فَلا يَحْصُلُ لَهُ يَقِينُ المَوْتِ بَلِ الظَّنُّ الغالِبِ مَعَ رَجاءِ الحَياةِ أوْ لَعَلَّهُ سَمّاهُ بِالظَّنِّ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيْ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ والتَوَتْ عَلَيْها عِنْدَ هَلَعِ المَوْتِ وقَلْبِهِ. كَما رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ وأبِي مالِكٍ وقالَ الحَسَنُ وابْنُ المُسَيِّبِ هُما ساقا المَيِّتِ عِنْدَما لُفّا في الكَفَنِ وقِيلَ المُرادُ بِالتِفافِهِما انْتِهاءُ أمْرِهِما وما يُرادُ فِيهِما يَعْنِي مَوْتَهُما وقِيلَ يَبُسْهُما بِالمَوْتِ وعَدَمُ تَحَرُّكِ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى حَتّى كَأنَّهُما مُلْتَفَّتانِ فَهُما أوَّلُ ما يُخْرُجُ الرُّوحُ مِنهُ فَتَبْرُدانِ قَبْلَ سائِرِ الأعْضاءِ وتَيْبَسانِ فالسّاقُ بِمَعْناها الحَقِيقِيِّ وألْ فِيها عَهْدِيَّةٌ أوْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ. وهُوَ رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ﴾ شِدَّةُ فِراقِ الدُّنْيا لِشِدَّةِ إقْبالِ الآخِرَةِ واخْتَلَطَتا ونَحْوُهُ قَوْلُ عَطاءٍ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ بِشِدَّةِ مُفارَقَةِ المَأْلُوفِ مِنَ الوَطَنِ والأهْلِ والوَلَدِ والصَّدِيقِ وشِدَّةِ القُدُومِ عَلى رَبِّهِ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَدْرِي بِماذا يُقْدِمُ عَلَيْهِ، فالسّاقُ عِبارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ وهو مَثَلٌ في ذَلِكَ والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحاكِ ﴿والتَفَّتِ﴾ أسْوُقُ حاضِرِيهِ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ هَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ صفحة 148 بَدَنَهُ إلى القَبْرِ وهَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ إلى السَّماءِ فَكَأنَّهم لِلِاخْتِلافِ في الذَّهابِ والإيابِ والتَّرَدُّدِ في الأعْمالِ قَدْ التَفَّتْ أسْوُقُهم وهَذا الِالتِفافُ عَلى حَدِّ اشْتِباكِ الأسِنَّةِ.

القيامة 75:29

﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وظَنَّ الإنْسانُ المُحْتَضِرُ أنَّ ما نَزَلَ بِهِ الفِراقُ مِن حَبِيبَتِهِ الدُّنْيا ونَعِيمِها وقِيلَ فِراقُ الرُّوحِ الجَسَدَ، والظَّنُّ هُنا عند أبِي حَيّانٍ عَلى بابِهِ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى تَفْسِيرِهِ بِاليَقِينِ قالَ الإمامُ ولَعَلَّهُ إنَّما سُمِّيَ اليَقِينُ هاهُنا بِالظَّنِّ لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَتْ رُوحُهُ مُتَعَلِّقَةً بِبَدَنِهِ يَطْمَعُ في الحَياةِ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِهَذِهِ الحَياةِ العاجِلَةِ ولا يَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْها فَلا يَحْصُلُ لَهُ يَقِينُ المَوْتِ بَلِ الظَّنُّ الغالِبِ مَعَ رَجاءِ الحَياةِ أوْ لَعَلَّهُ سَمّاهُ بِالظَّنِّ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيْ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ والتَوَتْ عَلَيْها عِنْدَ هَلَعِ المَوْتِ وقَلْبِهِ. كَما رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ وأبِي مالِكٍ وقالَ الحَسَنُ وابْنُ المُسَيِّبِ هُما ساقا المَيِّتِ عِنْدَما لُفّا في الكَفَنِ وقِيلَ المُرادُ بِالتِفافِهِما انْتِهاءُ أمْرِهِما وما يُرادُ فِيهِما يَعْنِي مَوْتَهُما وقِيلَ يَبُسْهُما بِالمَوْتِ وعَدَمُ تَحَرُّكِ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى حَتّى كَأنَّهُما مُلْتَفَّتانِ فَهُما أوَّلُ ما يُخْرُجُ الرُّوحُ مِنهُ فَتَبْرُدانِ قَبْلَ سائِرِ الأعْضاءِ وتَيْبَسانِ فالسّاقُ بِمَعْناها الحَقِيقِيِّ وألْ فِيها عَهْدِيَّةٌ أوْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ. وهُوَ رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ﴾ شِدَّةُ فِراقِ الدُّنْيا لِشِدَّةِ إقْبالِ الآخِرَةِ واخْتَلَطَتا ونَحْوُهُ قَوْلُ عَطاءٍ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ بِشِدَّةِ مُفارَقَةِ المَأْلُوفِ مِنَ الوَطَنِ والأهْلِ والوَلَدِ والصَّدِيقِ وشِدَّةِ القُدُومِ عَلى رَبِّهِ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَدْرِي بِماذا يُقْدِمُ عَلَيْهِ، فالسّاقُ عِبارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ وهو مَثَلٌ في ذَلِكَ والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحاكِ ﴿والتَفَّتِ﴾ أسْوُقُ حاضِرِيهِ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ هَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ صفحة 148 بَدَنَهُ إلى القَبْرِ وهَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ إلى السَّماءِ فَكَأنَّهم لِلِاخْتِلافِ في الذَّهابِ والإيابِ والتَّرَدُّدِ في الأعْمالِ قَدْ التَفَّتْ أسْوُقُهم وهَذا الِالتِفافُ عَلى حَدِّ اشْتِباكِ الأسِنَّةِ.

القيامة 75:30

﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى اللَّهِ تَعالى وحُكْمِهِ سَوْقُهُ لا إلى غَيْرِهِ عَلى أنَّ المَساقَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كالمَقالِ وتَقَدُّمُ الخَيْرِ لِلْحَصْرِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ هو حُكْمٌ وقِيلَ هو مَوْعِدٌ والمُرادُ بِهِ الجَنَّةُ والنّارُ وقِيلَ لَيْسَ هُناكَ مُضافٌ مُقَدَّرٌ عَلى أنَّ الرَّبَّ جَلَّ شَأْنُهُ هو السّائِقُ أيْ سَوْقُ هَؤُلاءِ مُفَوَّضٌ إلى رَبِّكَ لا إلى غَيْرِهِ والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ ثُمَّ إنْ كانَ هَذا في أنَّ الفاجِرَ أوْ فِيما يَعُمُّهُ والبَرُّ يُرادُ بِالسَّوْقِ السَّوْقُ المُناسِبُ لِلْمَسُوقِ وهَذِهِ الآيَةُ لَعَمْرِي بِشارَةٌ لِمَن حَسُنَ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ وعَلِمَ أنَّهُ الرَّبُّ الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ: قالُوا غَدًا نَأْتِي دِيارَ الحِمى ويَنْزِلُ الرَّكْبُ بِمَغْناهُمُ فَقُلْتُ لِي ذَنْبٌ فَما حِيلَتِي ∗∗∗ بِأيِّ وجْهٍ أتَلَقّاهُمُ قالُوا ألَيْسَ العَفْوُ مِن شَأْنِهِمْ ∗∗∗ لا سِيَّما عَمَّنْ تَرَجّاهُمُ ثُمَّ إنَّ جَوابَ إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ أيْ كانَ ما كانَ أوْ انْكَشَفَتْ لِلْمَرْءِ حَقِيقَةُ الأمْرِ أوْ وجَدَ الإنْسانُ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

القيامة 75:31

﴿فَلا صَدَّقَ﴾ أيْ ما يَجِبُ تَصْدِيقُهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ولا صَلّى﴾ ما فُرِضَ عَلَيْهِ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ فَلا داخِلَةٌ عَلى الماضِي كَما في قَوْلِهِ: إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا والضَّمِيرُ في الفِعْلَيْنِ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فالمَعْنى بِناءً عَلى ما عَلِمْتَ مِن أنَّ السُّؤالَ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ واسْتِبْعادٍ اسْتَبْعَدَ البَعْثَ وأنْكَرَهُ فَلَمْ يَأْتِ بِأصْلِ الدِّينِ وهو التَّصْدِيقُ بِما يَجِبُ تَصْدِيقُهُ بِهِ ولا بِأهَمِّ فُرُوعِهِ وهو الصَّلاةُ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما يُضادُّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ نَفْيًا لِتَوَّهُمِ السُّكُوتِ أوِ الشَّكِّ أيْ ومَعَ ذَلِكَ أظْهَرَ الجُحُودَ والتَّوَلِّيَ عَنِ الطّاعَةِ.

القيامة 75:32

﴿فَلا صَدَّقَ﴾ أيْ ما يَجِبُ تَصْدِيقُهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ولا صَلّى﴾ ما فُرِضَ عَلَيْهِ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ فَلا داخِلَةٌ عَلى الماضِي كَما في قَوْلِهِ: إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا والضَّمِيرُ في الفِعْلَيْنِ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فالمَعْنى بِناءً عَلى ما عَلِمْتَ مِن أنَّ السُّؤالَ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ واسْتِبْعادٍ اسْتَبْعَدَ البَعْثَ وأنْكَرَهُ فَلَمْ يَأْتِ بِأصْلِ الدِّينِ وهو التَّصْدِيقُ بِما يَجِبُ تَصْدِيقُهُ بِهِ ولا بِأهَمِّ فُرُوعِهِ وهو الصَّلاةُ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما يُضادُّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ نَفْيًا لِتَوَّهُمِ السُّكُوتِ أوِ الشَّكِّ أيْ ومَعَ ذَلِكَ أظْهَرَ الجُحُودَ والتَّوَلِّيَ عَنِ الطّاعَةِ.

القيامة 75:33

﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ يَتَبَخْتَرُ افْتِخارًا بِذَلِكَ ومَن صَدَرَ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَخافَ مِن حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى بِهِ فَيَمْشِي خائِفًا مُتَطامِنًا لا فَرِحًا مُتَبَخْتِرًا فَثَمَّ لِلِاسْتِبْعادِ ويَتَمَطّى مِنَ المَطِّ فَإنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ فَيَكُونُ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ كَما قالُوا تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ وأصْلُهُ تَظَنَّنَ أوْ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ فَإنَّ المُتَبَخْتِرَ يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا فَيَكُونُ مُعْتَلًّا بِحَسَبِ الأصْلِ. وفِي الحَدِيثِ «إذا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطاءَ وخَدَمَتْهم فارِسُ والرُّومُ فَقَدْ جَعَلَ بَأْسَهم بَيْنَهم وسَلَّطَ شِرارَهم عَلى خِيارِهِمْ» . وجَعَلَ الطِّيبِيُّ عَطْفَ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلتَّعَجُّبِ عَلى مَعْنى ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ وما اسْتَعَدَّ لَهُ إلّا ما يُوجِبُ دَمارَهُ وهَلاكَهُ. وقالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ إلَخِ جَوابٌ عَنِ السُّؤالِ أُقْحِمَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ وأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ اسْتِطْرادٌ عَلى ما سَمِعْتَ وجَعَلَ صَدَّقَ مِنَ التَّصَدُّقِ هو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ وقالَ قَوْمٌ: هو مِنَ التَّصْدِيقِ أيْ فَلا صَدَّقَ مالَهُ ولا زَكّاهُ. قالَ أبُو حَيّانٍ: وهَذا الَّذِي يَظْهَرُ نَفى عَنْهُ الزَّكاةَ والصَّلاةَ وأثْبَتَ لَهُ التَّكْذِيبَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المُدَّثِّرِ: 43- 46] وحَمْلُهُ عَلى نَفْيِ التَّصْدِيقِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ولَكِنْ كَذَّبَ تَكْرارًا ولَزِمَ أنْ يَكُونَ اسْتِدْراكًا بَعْدَ ﴿ولا صَلّى﴾ لا بَعْدَ ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ لِأنَّهُما مُتَوافِقانِ وفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِمّا قَرَّرْناهُ ثُمَّ إنَّهُ اسْتَبْعَدَ العَطْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُ﴾ إلَخِ وذَكَرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وكادَتْ تُصَرِّحُ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَمَطّى﴾ فَإنَّها كانَتْ مِشْيَتَهُ ومِشْيَةَ قَوْمِهِ بِنِي مَخْزُومٍ وكانَ صفحة 149 يُكْثِرُ مِنها ولَمْ يُبَيِّنْ حالَ العَطْفِ عَلى هَذا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ لا يَأْبى حَدِيثَ النُّزُولِ في أبِي جَهْلٍ وقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ نازِلٌ فِيهِ أيْضًا والحُكْمُ عَلى الجِنْسِ بِأحْكامٍ لا يَضُرُّ فِيهِ تَعَيُّنُ بَعْضِ أفْرادِهِ في حُكْمٍ مِنها نَعَمْ لا شَكَّ في بُعْدِ هَذا العَطْفِ لَفْظًا لَكِنَّ في بُعْدِهِ مَعْنًى مَقالٌ ولَعَلَّ فِيما بَعْدُ ما يُقَوِّي جانِبَ العَطْفِ عَلى ذاكَ.

القيامة 75:34

﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ مِنَ الوَلِيِّ بِمَعْنى القُرْبِ فَهو لِلتَّفْضِيلِ في الأصْلِ غَلَبَ في قُرْبِ الهَلاكِ ودُعاءِ السُّوءِ كَأنَّهُ قِيلَ هَلاكًا أوْلى لَكَ بِمَعْنى أهْلَكَكَ اللَّهُ تَعالى هَلاكًا أقْرَبَ لَكَ مِن كُلِّ شَرٍّ وهَلاكٍ، وهَذا كَما غَلَبَ بُعْدًا وسُحْقًا في الهَلاكِ وفي الصِّحاحِ عَنِ الأصْمَعِيِّ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أيْ نَزَلَ بِهِ وأنْشَدَ: فَعادى بَيْنَ هادِيَتَيْنِ مِنها وأوْلى أنْ نَزِيدَ عَلى الثَّلاثِ أيْ قارَبَ ثُمَّ قالَ قالَ ثَعْلَبٌ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ في ﴿أوْلى﴾ أحْسَنَ مِمّا قالَهُ الأصْمَعِيُّ وعَلى هَذا ﴿أوْلى﴾ فِعْلٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ ضَمِيرُ الهَلاكِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ واللّامُ مَزِيدَةٌ عَلى ما قِيلَ وقِيلَ هو فِعْلٌ ماضٍ دُعائِيٌّ مِنَ الوَلِيِّ أيْضًا إلّا أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُهُ تَعالى واللّامُ مَزِيدَةٌ أيْ أوْلاكَ اللَّهُ تَعالى ما تَكْرَهُهُ أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ أيْ أدْنى اللَّهُ الهَلاكَ لَكَ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ عَنِ الأصْمَعِيِّ وعَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّ ﴿أوْلى لَكَ﴾ عِلْمٌ لِلْوَيْلِ مَبْنِيٌّ عَلى زِنَةِ أفْعَلَ مِن لَفْظِ الوَيْلِ عَلى القَلْبِ وأصْلُهُ أوْيَلُ وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والوَزْنِ فَهو مُبْتَدَأٌ ولَكَ خَبَرُهُ وفِيهِ أنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ فِيهِ ومِثْلُ يَوْمٍ أيْوَمُ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُنْقاسٍ لا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ البَتَّةَ وأنَّ القَلْبَ عَلى خِلافِ الأصْلِ لا يُرْتَكَبُ إلّا بِدَلِيلٍ وإنَّ عَلَمَ الجِنْسِ شَيْءٌ خارِجٌ عَنِ القِياسِ مُشْكِلُ التَّعَقُّلِ خاصَّةً فِيما نَحْنُ فِيهِ، وقِيلَ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ ومَعْناهُ ويْلكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ. واخْتارَ جَمْعٌ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ بِمَعْنى الأحْسَنِ والأحْرى خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ كَما يَلِيقُ بِمَقامِهِ فالتَّقْدِيرُ هُنا النّارُ أوْلى لَكَ أيْ أنْتَ أحَقُّ بِها وأهْلٌ لَها ﴿فَأوْلى﴾ ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ. والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ تَذْيِيلٌ لِلدُّعاءِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ مَقُولًا لَهُ ﴿أوْلى لَكَ﴾ إلَخِ ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَ النِّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم «عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن نَفْسِهِ أمْ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ؟ قالَ: بَلْ قالَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى» واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ إلَخْ. عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ فَلا تَغْفُلْ.

القيامة 75:35

﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ مِنَ الوَلِيِّ بِمَعْنى القُرْبِ فَهو لِلتَّفْضِيلِ في الأصْلِ غَلَبَ في قُرْبِ الهَلاكِ ودُعاءِ السُّوءِ كَأنَّهُ قِيلَ هَلاكًا أوْلى لَكَ بِمَعْنى أهْلَكَكَ اللَّهُ تَعالى هَلاكًا أقْرَبَ لَكَ مِن كُلِّ شَرٍّ وهَلاكٍ، وهَذا كَما غَلَبَ بُعْدًا وسُحْقًا في الهَلاكِ وفي الصِّحاحِ عَنِ الأصْمَعِيِّ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أيْ نَزَلَ بِهِ وأنْشَدَ: فَعادى بَيْنَ هادِيَتَيْنِ مِنها وأوْلى أنْ نَزِيدَ عَلى الثَّلاثِ أيْ قارَبَ ثُمَّ قالَ قالَ ثَعْلَبٌ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ في ﴿أوْلى﴾ أحْسَنَ مِمّا قالَهُ الأصْمَعِيُّ وعَلى هَذا ﴿أوْلى﴾ فِعْلٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ ضَمِيرُ الهَلاكِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ واللّامُ مَزِيدَةٌ عَلى ما قِيلَ وقِيلَ هو فِعْلٌ ماضٍ دُعائِيٌّ مِنَ الوَلِيِّ أيْضًا إلّا أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُهُ تَعالى واللّامُ مَزِيدَةٌ أيْ أوْلاكَ اللَّهُ تَعالى ما تَكْرَهُهُ أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ أيْ أدْنى اللَّهُ الهَلاكَ لَكَ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ عَنِ الأصْمَعِيِّ وعَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّ ﴿أوْلى لَكَ﴾ عِلْمٌ لِلْوَيْلِ مَبْنِيٌّ عَلى زِنَةِ أفْعَلَ مِن لَفْظِ الوَيْلِ عَلى القَلْبِ وأصْلُهُ أوْيَلُ وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والوَزْنِ فَهو مُبْتَدَأٌ ولَكَ خَبَرُهُ وفِيهِ أنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ فِيهِ ومِثْلُ يَوْمٍ أيْوَمُ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُنْقاسٍ لا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ البَتَّةَ وأنَّ القَلْبَ عَلى خِلافِ الأصْلِ لا يُرْتَكَبُ إلّا بِدَلِيلٍ وإنَّ عَلَمَ الجِنْسِ شَيْءٌ خارِجٌ عَنِ القِياسِ مُشْكِلُ التَّعَقُّلِ خاصَّةً فِيما نَحْنُ فِيهِ، وقِيلَ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ ومَعْناهُ ويْلكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ. واخْتارَ جَمْعٌ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ بِمَعْنى الأحْسَنِ والأحْرى خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ كَما يَلِيقُ بِمَقامِهِ فالتَّقْدِيرُ هُنا النّارُ أوْلى لَكَ أيْ أنْتَ أحَقُّ بِها وأهْلٌ لَها ﴿فَأوْلى﴾ ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ. والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ تَذْيِيلٌ لِلدُّعاءِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ مَقُولًا لَهُ ﴿أوْلى لَكَ﴾ إلَخِ ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَ النِّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم «عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن نَفْسِهِ أمْ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ؟ قالَ: بَلْ قالَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى» واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ إلَخْ. عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ فَلا تَغْفُلْ.

القيامة 75:36

﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ مُهْمَلًا فَلا يُكَلَّفُ ولا يُجْزى وقِيلَ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ فَلا يُبْعَثُ ويُقالُ: إبِلٌ سُدًى أيْ مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ أهْمَلْتُهُ وأسْدَيْتُ حاجَتِي ضَيَّعْتُها ولَمْ أعْتَنِ بِها. قالَ الشّاعِرُ: فَأقْسَمَ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِ ينِ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدًى ونَصْبُ سُدًى عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يُتْرَكَ وأنْ يُتْرَكَ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ لِيَحْسَبَ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ وكانَ تَكْرِيرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ لِتَكْرِيرِ إنْكارِ الحَشْرِ قِيلَ مَعَ تَضَمُّنِ الكَلامِ الدَّلالَةَ عَلى وُقُوعِهِ حَيْثُ إنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالمَحاسِنِ والنَّهْيَ عَنِ القَبائِحِ والرَّذائِلِ والتَّكْلِيفُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِمُجازاةٍ وهي قَدْ لا تَكُونُ في الدُّنْيا فَتَكُونُ في الآخِرَةِ وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا اسْتِدْلالًا عَقْلِيًّا عَلى وُقُوعِ الحَشْرِ وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى.

القيامة 75:37

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِإبْطالِ الحُسْبانِ المَذْكُورِ فَإنَّ مَدارَهُ لَمّا كانَ اسْتِبْعادُهم لِلْإعادَةِ دَفَعَ ذَلِكَ بِبَدْءِ الخَلْقِ. وقَرَأ الحَسَنُ «ألمْ تَكُ» بِتاءِ الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ وقَرَأ الأكْثَرُ «تُمْنى» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ فالضَّمِيرُ لِلنُّطْفَةِ أيْ يُمْنِيها الرَّجُلُ ويَصُبُّها في الرَّحِمِ وعَلى قِراءَةِ الياءِ وهي قِراءَةُ حَفْصٍ وأبِي صفحة 150 عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ ويَعْقُوبُ وسَلّامٌ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ لِلْمَنِيِّ.

القيامة 75:38

﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المُؤْمِنُونَ: 14] ﴿فَخَلَقَ﴾ أيْ فَقَدَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِأنْ جَعَلَها سُبْحانَهُ مُخَلَّقَةً ﴿فَسَوّى﴾ فَعَدَّلَ وكَمَّلَ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ الإنْسانِ وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ بَدَلٌ مِنَ الزَّوْجَيْنِ والخُنْثى لا يَعْدُوهُما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّوْجانِ بِالألْفِ عَلى لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ ومَن وافَقَهم مِنَ العَرَبِ مِن كَوْنِ المُثَنّى بِالألْفِ في جَمِيعِ حالاتِهِ.

القيامة 75:39

﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المُؤْمِنُونَ: 14] ﴿فَخَلَقَ﴾ أيْ فَقَدَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِأنْ جَعَلَها سُبْحانَهُ مُخَلَّقَةً ﴿فَسَوّى﴾ فَعَدَّلَ وكَمَّلَ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ الإنْسانِ وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ الصِّنْفَيْنِ ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ بَدَلٌ مِنَ الزَّوْجَيْنِ والخُنْثى لا يَعْدُوهُما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّوْجانِ بِالألْفِ عَلى لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ ومَن وافَقَهم مِنَ العَرَبِ مِن كَوْنِ المُثَنّى بِالألْفِ في جَمِيعِ حالاتِهِ.

القيامة 75:40

﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي أنْشَأ هَذا الإنْشاءَ البَدِيعَ ﴿بِقادِرٍ﴾ أيْ قادِرًا وقَرَأ زَيْدٌ «يَقْدِرُ» مُضارِعًا ﴿عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ وهو أهْوَنُ مِنَ البَدْءِ في قِياسِ العَقْلِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ والفَيْضُ بْنُ غَزْوانَ «عَلى أنْ يُحْيِي» بِسُكُونِ الياءِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَرَكاتِها حَرَكَةُ إعْرابٍ لا تَنْحَذِفُ إلّا في الوَقْفِ وقَدْ جاءَ في الشِّعْرِ حَذْفُها بِدُونِهِ وعَنْ بَعْضِهِمْ «يُحْيِيَ» بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى الحاءِ وإدْغامِ الياءِ في الياءِ قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: لا يُجِيزُ أهْلُ البَصْرَةِ سِيبَوَيْهِ وأصْحابَهُ إدْغامَ يُحْيِي قالُوا لِسُكُونِ الياءِ الثّانِيَةِ ولا يَعْتَدُّونَ بِالفَتْحَةِ فِيها لِأنَّها حَرَكَةُ إعْرابٍ غَيْرُ لازِمَةٍ، والفِرّاءُ أجازَ ذَلِكَ واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَمْشِي بِشِدَّةٍ فَتَعِي يُرِيدُ فَتَعِيا، وبِالجُمْلَةِ القِراءَةُ شاذَّةٌ. وجاءَ في عِدَّةِ أخْبارٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبَلى» وفي بَعْضِها «سُبْحانَكَ فَبَلى»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ مِنكم والتِّينِ والزَّيْتُونِ فانْتَهى إلى آخِرِها ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ فَلْيَقُلْ بَلى وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ، ومَن قَرَأ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ فانْتَهى إلى ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى فَلْيَقُلْ بَلى، ومَن قَرَأ والمُرْسَلاتِ فَبَلَغَ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ فَلْيَقُلْ آمَنّا بِاللَّهِ» .