Tafsir Al-Alusi — الإنسان 76:1 – النبأ 78:40
المحتويات
- الإنسان 76:1
- الإنسان 76:2
- الإنسان 76:3
- الإنسان 76:4
- الإنسان 76:5
- الإنسان 76:6
- الإنسان 76:7
- الإنسان 76:8
- الإنسان 76:9
- الإنسان 76:10
- الإنسان 76:11
- الإنسان 76:12
- الإنسان 76:13
- الإنسان 76:14
- الإنسان 76:15
- الإنسان 76:16
- الإنسان 76:17
- الإنسان 76:18
- الإنسان 76:19
- الإنسان 76:20
- الإنسان 76:21
- الإنسان 76:22
- الإنسان 76:23
- الإنسان 76:24
- الإنسان 76:25
- الإنسان 76:26
- الإنسان 76:27
- الإنسان 76:28
- الإنسان 76:29
- الإنسان 76:30
- الإنسان 76:31
- المرسلات 77:1
- المرسلات 77:2
- المرسلات 77:3
- المرسلات 77:4
- المرسلات 77:5
- المرسلات 77:6
- المرسلات 77:7
- المرسلات 77:8
- المرسلات 77:9
- المرسلات 77:10
- المرسلات 77:11
- المرسلات 77:12
- المرسلات 77:13
- المرسلات 77:14
- المرسلات 77:15
- المرسلات 77:16
- المرسلات 77:17
- المرسلات 77:18
- المرسلات 77:19
- المرسلات 77:20
- المرسلات 77:21
- المرسلات 77:22
- المرسلات 77:23
- المرسلات 77:24
- المرسلات 77:25
- المرسلات 77:26
- المرسلات 77:27
- المرسلات 77:28
- المرسلات 77:29
- المرسلات 77:30
- المرسلات 77:31
- المرسلات 77:32
- المرسلات 77:33
- المرسلات 77:34
- المرسلات 77:35
- المرسلات 77:36
- المرسلات 77:37
- المرسلات 77:38
- المرسلات 77:39
- المرسلات 77:40
- المرسلات 77:41
- المرسلات 77:42
- المرسلات 77:43
- المرسلات 77:44
- المرسلات 77:45
- المرسلات 77:46
- المرسلات 77:47
- المرسلات 77:48
- المرسلات 77:49
- المرسلات 77:50
- النبأ 78:1
- النبأ 78:2
- النبأ 78:3
- النبأ 78:4
- النبأ 78:5
- النبأ 78:6
- النبأ 78:7
- النبأ 78:8
- النبأ 78:9
- النبأ 78:10
- النبأ 78:11
- النبأ 78:12
- النبأ 78:13
- النبأ 78:14
- النبأ 78:15
- النبأ 78:16
- النبأ 78:17
- النبأ 78:18
- النبأ 78:19
- النبأ 78:20
- النبأ 78:21
- النبأ 78:22
- النبأ 78:23
- النبأ 78:24
- النبأ 78:25
- النبأ 78:26
- النبأ 78:27
- النبأ 78:28
- النبأ 78:29
- النبأ 78:30
- النبأ 78:31
- النبأ 78:32
- النبأ 78:33
- النبأ 78:34
- النبأ 78:35
- النبأ 78:36
- النبأ 78:37
- النبأ 78:38
- النبأ 78:39
- النبأ 78:40
الإنسان 76:1
سُورَةُ الإنْسانِ
وتُسَمّى سُورَةَ الدَّهْرِ والأبْرارِ والأمْشاجِ وهَلْ أتى وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ عَلى ما في البَحْرِ وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَةً واحِدَةً فَمَكِّيَّةٌ وهي ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنْسانِ: 24] إلى آخِرِها فَإنَّهُ مَكِّيٌّ وعَنِ ابْنِ عادِلٍ حِكايَةُ مَدَنِيَّتِها عَلى الإطْلاقِ عَنِ الجُمْهُورِ وعَلَيْهِ الشِّيعَةُ وآيُها إحْدى وثَلاثُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها في غايَةِ الوُضُوحِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ أصْلُهُ عَلى ما قِيلَ أهِلْ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ أيِ الجُمَلُ عَلى الإقْرارِ بِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ والمُقَرَّرُ بِهِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ وقَدْ عَلِمَ أنَّهم يَقُولُونَ نَعَمْ قَدْ مَضى عَلى الإنْسانِ حِينٌ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَيُقالُ فالَّذِي أوْجَدَهُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَيْفَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إحْياؤُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وهَلْ بِمَعْنى قَدْ وهي لِلتَّقْرِيبِ أيْ تَقْرِيبِ الماضِي مِنَ الحالِ فَلَمّا سَدَّتْ هَلْ مَسَدَّ الهَمْزَةِ دَلَّتْ عَلى مَعْناها ومَعْنى الهَمْزَةِ مَعًا ثُمَّ صارَتْ حَقِيقَةً في ذَلِكَ فَهي لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ الأصْلِ بِقَوْلٍ زَيْدِ الخَيْلِ:
سائِلْ فَوارِسَ يَرْبُوعَ بِشِدَّتِنا أهَلْ رَأوْنا بِسَفْحِ القاعِ ذِي الأكَمِ
وقِيلَ هي لِلِاسْتِفْهامِ ولا تَقْرِيبَ وجَمْعُها مَعَ الهَمْزَةِ في البَيْتِ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ:
ولا لِلْمُلْبِهِمِّ أبَدًا دَواءُ
بَلِ التَّأْكِيدُ هُنا أقْرَبُ لِعَدَمِ الِاتِّحادِ لَفْظًا عَلى أنَّ السِّيرافِيَّ قالَ: الرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ أمْ هَلْ رَأوْنا عَلى أنَّ أمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ وقالَ السُّيُوطِيُّ في شَرْحِ شَواهِدِ المُغْنِي الَّذِي رَأيْتُهُ في نُسْخَةٍ قَدِيمَةٍ مِن دِيوانِ زَيْدٍ فَهَلْ رَأوْنا بِالفاءِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هي هُنا بِمَعْنى قَدْ وفَسَّرَها بِها جَماعَةٌ مِنَ
صفحة 151
النُّحاةِ كالكِسائِيِّ وسِيبَوَيْهِ والمُبَرِّدِ والفَرّاءِ وحُمِلَتْ عَلى مَعْنى التَّقْرِيبِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَها عَلى مَعْنى التَّحْقِيقِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها قَدْ أتى عَلى الإنْسانِ ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ وكَأنَّهُ أرادَ لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ حَقِيقَةً وإنَّما هي لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ ويَرْجِعُ بِالآخِرَةِ إلى قَدْ أتى ولَعَلَّ مُرادَ مَن فَسَّرَها بِذَلِكَ كابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ ما ذَكَرَ لا أنَّها بِمَعْنى قَدْ حَقِيقَةً وفي المُغْنِي ما تُفِيدُكَ مُراجَعَتُهُ بَصِيرَةً فَراجِعْهُ والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحِينُ طائِفَةٌ مَحْدُودَةٌ مِنَ الزَّمانِ شامِلَةٌ لِلْكَثِيرِ والقَلِيلِ والدَّهْرِ الزَّمانِ المُمْتَدِّ الغَيْرِ المَحْدُودِ ويَقَعُ عَلى مُدَّةِ العالَمِ جَمِيعِها وعَلى كُلِّ زَمانٍ طَوِيلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ والزَّمانُ عامٌّ لِلْكُلِّ والدَّهْرُ وِعاءُ الزَّمانِ كَلامٌ فَلْسَفِيٌّ وتَوَقَّفَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ في مَعْنى الدَّهْرِ مُنْكَرٌ أيْ في المُرادِ بِهِ عُرْفًا في الإيمانِ حَتّى يُقالَ بِماذا يَحْنَثُ إذا قالَ: واللَّهِ لا أُكَلِّمُهُ دَهْرًا والمُعَرَّفُ عِنْدَهُ مُدَّةَ حَياةِ الحالِفِ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ وكَذا عِنْدَ صاحِبَيْهِ والمُنْكَرُ عِنْدَهُما كالحِينِ وهو مُعَرَّفًا ومُنْكَرًا كالزَّمانِ سِتَّةُ أشْهُرٍ إنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ أيْضًا وبِها ما نُوِيَ عَلى الصَّحِيحِ وما اشْتُهِرَ مِن حِكايَةِ اخْتِلافِ فَتاوى الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ في ذَلِكَ عَلى عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَدِلًّا كُلٌّ بِدَلِيلٍ.
وقَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ الرَّفْعِ إلَيْهِ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» .
إلّا أنَّهُ اخْتارَ فَتْوى الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِأنَّ الحِينَ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ لِما فِيهِ مِنَ التَّيْسِيرِ لا يَصِحُّ كَما لا يَخْفى عَلى النّاقِدِ البَصِيرِ ولَوْ صَحَّ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ فَتْوى الأمِيرِ مَعْدِنِ البَسالَةِ والفُتُوَّةِ بَعْدَ أنِ اخْتارَها مَدِينَةَ العِلْمِ ومَفْخَرَ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ والمَعْنى هُنا قَدْ أتى أوْ ﴿هَلْ أتى عَلى﴾ جِنْسِ ﴿الإنْسانِ﴾ قَبْلَ زَمانٍ قَرِيبٍ طائِفَةٌ مَحْدُودَةٌ مَقَدَّرَةٌ كائِنَةٌ مِنَ الزَّمانِ المُمْتَدِّ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ بَلى كانَ شَيْئًا غَيْرَ مَذْكُورٍ بِالإنْسانِيَّةِ أصْلًا أيْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِها عَلى أنَّ النَّفْيَ راجِعٌ إلى القَيْدِ والمُرادُ أنَّهُ مَعْدُومٌ لَمْ يُوجَدْ بِنَفْسِهِ بَلْ كانَ المَوْجُودُ أصْلُهُ مِمّا لا يُسَمّى إنْسانًا ولا يُعَرَّفُ بِعُنْوانِ الإنْسانِيَّةِ وهو مادَّتُهُ البَعِيدَةُ أعْنِي العَناصِرَ أوِ المُتَوَسِّطَةُ وهي الأغْذِيَةُ أوِ القَرِيبَةُ وهي النُّطْفَةُ المُتَوَلِّدَةُ مِنَ الأغْذِيَةِ المَخْلُوقَةِ مِنَ العَناصِرِ وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ إلَخِ حالٌ مِنَ الإنْسانِ أيْ غَيْرَ مَذْكُورٍ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِحِينٍ بِحَذْفِ العائِدِ عَلَيْهِ أيْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْئًا مَذْكُورًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [البَقَرَةِ: 123] وإطْلاقُ ( الإنْسانِ ) عَلى مادَّتِهِ مَجازٌ بِجَعْلِ ما هو بِالقُوَّةِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ ما هو بِالفِعْلِ أوْ هو مِن مَجازِ الأوَّلِ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأيَّدَ الأوَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى.
الإنسان 76:2
﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَإنَّ الإنْسانَ فِيهِ مَعْرِفَةُ مَعادِهِ فَلا يَفْتَرِقانِ كَيْفَ وفي إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فَضْلُ التَّقْرِيرِ والتَّمْكِينِ في النَّفْسِ فَإذا اخْتَلَفا عُمُومًا وخُصُوصًا فاتَتِ المُلايَمَةُ ولا شَكَّ أنَّ الحَمْلَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا ولا وجْهَ لَهُ ولا نَقْضَ بِهِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا عُمُومَ فِيهِ ولا خُصُوصَ.
نَعَمْ دَلَّ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ غَيْرُهُ أوْ هو تَغْلِيبٌ وقِيلَ يَجْعَلُ ما لِلْأكْثَرِ لِلْكُلِّ مَجازًا في الإسْنادِ أوِ الطَّرْفِ ورُوِيَتْ إرادَتُهُ عَنْ قَتادَةَ والثَّوْرِيِّ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وقالَ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ مَرَّتْ بِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ وهو مُلْقًى بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ.
وفِي رِوايَةِ الضَّحاكِ عَنْهُ أنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ مِن صَلْصالٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنْهُ أنَّ الحِينَ المَذْكُورَ هاهُنا هو الزَّمَنُ الطَّوِيلُ المُمْتَدُّ الَّذِي لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ.
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ إنَّ مِنَ الحِينِ حِينًا لا يُدْرَكُ وتَلا الآيَةَ فَقالَ: واللَّهِ ما يَدْرِي كَمْ أتى عَلَيْهِ حَتّى خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى. ورَأيْتُ لِبَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ أنَّ هَلْ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ فَهو في مَعْنى النَّفْيِ أيْ ما أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا وظاهِرُهُ القَوْلُ بِقَدَمِ الإنْسانِ في الزَّمانِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ زَمانٌ إلّا وفِيهِ إنْسانٌ وهو القِدَمُ النَّوْعِيُّ كَما قالَ بِهِ مَن قالَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وهو كُفْرٌ بِالإجْماعِ ووُجِّهَ
صفحة 152
بِأنَّهم عَنَوْا شَيْئِيَّةَ الثُّبُوتِ لِقِدَمِ الإنْسانِ عِنْدَهم بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ دُونَ شَيْئِيَّةِ الوُجُودِ ضَرُورَةَ أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها حادِثٌ زَمانًا ويُرْشِدُ إلى هَذا قَوْلُ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ في البابِ 358 مِنَ الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في العالَمِ مَن هو عَلى صُورَةِ الحَقِّ ما حَصَلَ المَقْصُودُ مِنَ العِلْمِ بِالحَقِّ أعْنِي العِلْمَ الحادِثَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
«كُنْتُ كَنْزًا لَمْ أُعْرَفْ فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ وتَعَرَّفَتْ إلَيْهِمْ فَعَرَفُونِي» .
فَجَعَلَ نَفْسَهُ كَنْزًا والكَنْزُ لا يَكُونُ إلّا مُكْتَنَزًا في شَيْءٍ فَلَمْ يَكُنْ كَنْزُ الحَقِّ نَفْسِهِ إلّا في صُورَةِ الإنْسانِ الكامِلِ في شَيْئِيَّةِ ثُبُوتِهِ هُناكَ كانَ الحَقُّ مَكْنُوزًا فَلَمّا ألْبَسَ الحَقُّ الإنْسانَ شَيْئِيَّةَ الوُجُودِ ظَهَرَ الكَنْزُ بِظُهُورِهِ فَعَرَفَهُ الإنْسانُ الكامِلُ بِوُجُودِهِ وعَلِمَ أنَّهُ كانَ مَكْنُوزًا فِيهِ في شَيْئِيَّةِ ثُبُوتِهِ وهو لا يَشْعُرُ بِهِ انْتَهى ولا يَخْفى أنَّ الأشْياءَ كُلَّها في شَيْئِيَّةِ الثُّبُوتِ قَدِيمَةٌ لا الإنْسانُ وحْدَهُ، ولَعَلَّهم يَقُولُونَ الإنْسانُ هو كُلُّ شَيْءٍ لِأنَّهُ الإمامُ المُبِينُ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12] والكَلامُ في هَذا المَقامِ طَوِيلٌ ولا يَسَعُنا أنْ نُطِيلَ بَيْدَ أنّا نَقُولُ كَوْنُ ﴿هَلْ﴾ هُنا لِلْإنْكارِ مُنْكَرٌ وأنَّ دَعْوى صِحَّةِ ذَلِكَ لَإحْدى الكِبَرِ والَّذِي فَهِمَهُ أجِلَّةٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِنَ الآيَةِ الإخْبارُ الإيجابِيُّ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ شَيْءٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا فَقالَ لَيْتَها تَمَّتْ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَتْلُو ذَلِكَ فَقالَ يا لَيْتَها تَمَّتْ فَعُوقِبَ في قَوْلِهِ هَذا فَأخَذَ عَمُودًا مِنَ الأرْضِ فَقالَ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مِثْلَ هَذا ﴿أمْشاجٍ﴾ جَمْعُ مَشَجٍ بِفُتْحَتَيْنِ كَسَبَبٍ وأسْبابٍ، أوْ مَشِجٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ كَكَتِفٍ وأكْتافٍ، أوْ مَشِيجٍ كَشَهِيدٍ وأشْهادٍ ونَصِيرٍ وأنْصارٍ أيْ أخْلاطٍ جَمْعُ خَلْطٍ بِمَعْنى مُخْتَلِطٍ مُمْتَزِجٍ، يُقالُ: مَشَجْتَ الشَّيْءَ إذا خَلَطْتَهُ ومَزَجْتَهُ فَهو مَشِيجٌ ومَمْشُوجٌ، وهو صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ ووُصِفَ بِالجَمْعِ وهي مُفْرِدَةٌ لِأنَّ المُرادَ بِها مَجْمُوعُ ماءِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ والجَمْعُ قَدْ يُقالُ عَلى ما فَوْقَ الواحِدِ أوْ بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ المُخْتَلِفَةِ فِيهِما رِقَّةً وغِلَظًا وصُفْرَةً وبَياضًا وطَبِيعَةً وقُوَّةً وضَعْفًا حَتّى اخْتَصَّ بَعْضُها بِبَعْضِ الأعْضاءِ عَلى ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِحِكْمَتِهِ فَخَلَقَهُ بِقُدْرَتِهِ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ «أنَّ ما كانَ مِن عَصَبٍ وعَظْمٍ وقُوَّةٍ فَمِن ماءِ الرَّجُلِ، وما كانَ مِن لَحْمٍ ودَمٍ فَمِن ماءِ المَرْأةِ»، والحاصِلُ أنَّهُ نَزَلَ المَوْصُوفُ مَنزِلَةَ الجَمْعِ ووُصِفَ بِصِفَةِ أجْزائِهِ وقِيلَ هو مُفْرَدٌ جاءَ عَلى أفْعالٍ كَأعْشارٍ وأكْياشٍ في قَوْلِهِمْ بُرْمَةُ أعْشارٍ أيْ مُتَكَسِّرَةٌ وبُرْدٌ أكْيَشُ أيْ مَغْزُولٌ غَزَلَهُ مَرَّتَيْنِ.
واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ والمَشْهُورُ عَنْ نَصِّ سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ النُّحاةِ أنَّ أفْعالًا لا يَكُونُ جَمْعًا وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ في العامِ ومَعْنى نُطْفَةٍ مُخْتَلِطَةٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ نُطْفَةٌ اخْتَلَطَ وامْتَزَجَ فِيها الماءانِ، وقِيلَ: اخْتَلَطَ فِيها الدَّمُ والبَلْغَمُ والصَّفْراءُ والسَّوْداءُ وقِيلَ الأمْشاجُ نَفْسُ الأخْلاطِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ هَذِهِ الأرْبَعَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ مِن نُطْفَةٍ هي عِبارَةٌ عَنْ أخْلاطٍ أرْبَعَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: أمْشاجٌ أيْ ألْوانٌ أيْ ذاتُ ألْوانٍ فَإنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ وماءَ المَرْأةِ أصْفَرُ فَإذا اخْتَلَطا ومَكَثا في قَعْرِ الرَّحِمِ اخْضَرّا كَما يَخْضَرُّ الماءُ بِالمُكْثِ، ورُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ وأُخْرِجَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ: الأمْشاجُ العُرُوقُ الَّتِي في النُّطْفَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْ ذاتِ عُرُوقٍ، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وكَذا ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ «أمْشاجٍ» أطْوارٍ أيْ ذاتِ أطْوارٍ فَإنَّ النُّطْفَةَ تَصِيرُ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً وهَكَذا إلى تَمامِ الخِلْقَةِ ونَفْخِ الرُّوحِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ خَلَقْنا والمُرادُ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ واخْتِبارَهُ بِالتَّكْلِيفِ فِيما بَعْدُ عَلى أنَّ الحالَ مُقَدَّرَةٌ أوْ ناقِلِينَ لَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ ومَن طَوْرَ إلى طَوْرٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ المَنقُولَ يَظْهَرُ في كُلِّ ظُهُورٍ ظُهُورًا آخَرَ كَظُهُورِ نَتِيجَةِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ بَعْدَهُ.
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلى الوَجْهَيْنِ يَنْحَلُّ ما قِيلَ إنَّ الِابْتِلاءَ بِالتَّكْلِيفِ وهو يَكُونُ بَعْدَ جَعْلِهِ ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ لا قَبْلُ فَكَيْفَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وقِيلَ الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ أيْ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
صفحة 153
لِنَبْتَلِيَهُ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ وعَسُفَ لِأنَّ التَّقْدِيمَ لا يَقَعُ في حالِ مَوْقِعِهِ لا لَفْظًا لِأجْلِ الفاءِ ولا مَعْنًى لِأنَّهُ لا يَتَّجِهُ السُّؤالُ قَبْلَ الجَعْلِ والأوْجَهُ الأوَّلُ، وهَذا الجَعْلُ كالمُسَبِّبِ عَنِ الِابْتِلاءِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جَعْلِهِ كَذَلِكَ أنْ يَنْظُرَ الآياتِ الآفاقِيَّةَ والأنْفُسِيَّةَ ويَسْمَعَ الأدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ فَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلى الخَلْقِ المُقَيَّدِ بِهِ بِالفاءِ ورَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى.
الإنسان 76:3
﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ لِأنَّهُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ تَعْلِيلِيَّةٌ في مَعْنى لِأنّا هَدَيْناهُ أيْ دَلَلْناهُ عَلى ما يُوَصِّلُهُ مِنَ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ كالآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ كالآياتِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ وهو إنَّما يَكُونُ بَعْدَ التَّكْلِيفِ والِابْتِلاءِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ حالانِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْنا وإمّا لِلتَّفْصِيلِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأحْوالِ مَعَ اتِّحادِ الذّاتِ أيْ هَدَيْناهُ ودَلَلْناهُ عَلى ما يُوصِلُ إلى البُغْيَةِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا مِنَ الشُّكْرِ والكُفْرِ أوْ لِلتَّقْسِيمِ لِلْمَهْدِيِّ بِاخْتِلافِ الذَّواتِ والصِّفاتِ أيْ هَدَيْناهُ السَّبِيلُ مَقْسُومًا إلَيْها بَعْضُهم شاكِرٌ بِالِاهْتِداءِ لِلْحَقِّ وطَرِيقِهِ بِالأخْذِ فِيهِ وبَعْضُهم كَفُورٌ بِالأعْراضِ عَنْهُ وحاصِلُهُ دَلَلْناهُ عَلى الهِدايَةِ والإسْلامِ فَمِنهم مُهْتَدٍ مُسْلِمٌ ومِنهم ضالٌّ كافِرٌ وقِيلَ حالانِ مِنَ السَّبِيلِ أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا عَلى وصْفِ السَّبِيلِ بِوَصْفِ سالِكِهِ مَجازًا والمُرادُ بِهِ لا يَخْفى وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ السَّبِيلَ هُنا سَبِيلُ الخُرُوجِ مِنَ الرَّحِمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا وقَرَأ أبُو السَّمالِ وأبُو العاجِ أمّا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في المَوْضِعَيْنِ وهي لُغَةٌ حَكاها أبُو زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ وهي الَّتِي عَدَّها بَعْضُ النّاسِ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانٍ في حُرُوفِ العَطْفِ وأنْشَدُوا:
تُلَقِّحُها إمّا شَمالٌ عَرِيَّةٌ وإمّا صَبا جُنْحِ العَشِيِّ هَبُوبُ
وجَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ أمّا التَّفْصِيلِيَّةَ المُتَضَمِّنَةَ مَعْنى الشَّرْطِ عَلى مَعْنى ﴿إمّا شاكِرًا﴾ فَبِتَوْفِيقِنا ﴿وإمّا كَفُورًا﴾ فَبِسُوءِ اخْتِيارِهِ وهَذا التَّقْدِيرُ إبْرازٌ مِنهُ لِلْمَذْهَبِ قِيلَ ولا عَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَهُ مِن بابِ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: 26] كَأنَّهُ قِيلَ ﴿إمّا شاكِرًا﴾ فَبِهِدايَتِنا أيْ دُعائِنا أوْ أقْدارِنا عَلى ما فَسَّرَ بِهِ الهِدايَةَ ﴿وإمّا كَفُورًا﴾ فَبِها أيْضًا لِاخْتِلافِ وجْهِ الدُّعاءِ لِأنَّ الهِدايَةَ هاهُنا لَيْسَتْ في مُقابَلَةِ الضَّلالِ وهَذا جارٍ عَلى المَذْهَبَيْنِ وسالِمٌ عَنْ حَذْفِ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ في الِانْتِصافِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ﴿إمّا شاكِرًا﴾ فَمُثابٌ ﴿وإمّا كَفُورًا﴾ فَمُعاقَبٌ وإيرادُ الكَفُورِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ والإشْعارِ بِأنَّ الإنْسانَ قَلَّما يَخْلُو مِن كُفْرانٍ ما، وإنَّما المُؤاخَذُ عَلَيْهِ الكَفْرُ المُفْرَطُ.
الإنسان 76:4
﴿إنّا أعْتَدْنا﴾ هَيَّأْنا ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ مِن أفْرادِ الإنْسانِ الَّذِي هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ﴿سَلاسِلَ﴾ بِها يُقادُونَ ﴿وأغْلالا﴾ بِها يُقَيَّدُونَ ﴿وسَعِيرًا﴾ بِها يُحْرَقُونَ وتَقْدِيمُ وعِيدِهِمْ مَعَ تَأخُّرِهِمْ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُما في الذِّكْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: 106] الآيَةَ ولِأنَّ الإنْذارَ أنْسَبُ بِالمَقامِ وحَقِيقٌ بِالِاهْتِمامِ ولِأنَّ تَصْدِيرَ الكَلامِ وخَتْمَهُ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ أحْسَنُ عَلى أنَّ وصْفَهم تَفْصِيلًا رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجارِبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ والأعْمَشُ «سَلاسِلًا» بِالتَّنْوِينِ وصَلًا وبِالألِفِ المُبْدَلَةِ مِنهُ وقْفًا وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما أنْ تَكُونَ هَذِهِ النُّونُ بَدَلًا عَنْ حَرْفِ الإطْلاقِ ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ.
والثّانِي أنْ يَكُونَ صاحِبُ القِراءَةِ مِمَّنْ ضَرى بِرِوايَةِ الشِّعْرِ ومَرِنَ لِسانُهُ عَلى صَرْفِ غَيْرِ المُنْصَرِفِ. وفي الأوَّلِ أنَّ الإبْدالَ مِن حُرُوفِ الإطْلاقِ في غَيْرِ الشَّعْرِ قَلِيلٌ كَيْفَ وضُمَّ إلَيْهِ إجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. وفي الثّانِي تَجْوِيزُ القِراءَةِ بِالتَّشَهِّي دُونَ سَدادِ وجْهِها في العَرَبِيَّةِ والوَجْهُ أنَّهُ لِقَصْدِ الِازْدِواجِ والمُشاكَلَةِ فَقَدْ جَوَّزُوا لِذَلِكَ صَرْفَ ما لا يَنْصَرِفُ لا سِيَّما الجَمْعَ فَإنَّهُ سَبَبٌ ضَعِيفٌ لِشَبَهِهِ بِالمُفْرَدِ في جَمْعِهِ كَصَواحِباتِ يُوسُفَ ونَواكِسِي الأبْصارِ ولِهَذا جَوَّزَ بَعْضُهم صَرْفَهُ مُطْلَقًا كَما قِيلَ.
والصَّرْفُ في الجَمْعِ أتى كَثِيرًا حَتّى ادَّعى قَوْمٌ بِهِ التَّخْيِيرا
صفحة 154
وحَكى الأخْفَشُ عَنْ قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ أنَّ لُغَتَهم صَرْفُ كُلِّ ما لا يَنْصَرِفُ إلّا أفْعَلَ مِن وصَرْفُ «سَلاسِلًا» ثابِتٌ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ورَوى هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ «سَلاسِلَ» في الوَصْلِ وسَلاسِلًا بِألْفٍ دُونَ تَنْوِينٍ في الوَقْفِ.
الإنسان 76:5
﴿إنَّ الأبْرارَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حُسْنِ حالِ الشّاكِرِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ سُوءِ الكافِرِينَ وإيرادُهم بِعُنْوانِ البِرِّ لِلْإشْعارِ بِما اسْتَحَقُّوا بِهِ ما نالُوهُ مِنَ الكَرامَةِ السِّنِّيَّةِ مَعَ تَجْدِيدِ صِفَةِ مَدْحٍ لَهم والأبْرارُ جَمْعُ بَرٍّ كَرَبٍّ وأرْبابٍ أوْ بارٍّ كَشاهِدٍ وأشْهادٍ بِناءً عَلى أنَّ فاعِلًا يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ والبَرُّ المُطِيعُ المُتَوَسِّعُ في فِعْلِ الخَيْرِ وقِيلَ مَن يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ تَعالى ويُوفِي بِالنَّذْرِ وعَنِ الحَسَنِ هو الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ ولا يَرْضى الشَّرَّ ﴿يَشْرَبُونَ﴾ في الآخِرَةِ ﴿مِن كَأْسٍ﴾ هي كَما قالَ الزَّجّاجُ الإناءُ إذا كانَ فِيهِ الشَّرابُ فَإذا لَمْ يَكُنْ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا وقالَ الرّاغِبُ: الكَأْسُ الإناءُ بِما فِيهِ مِنَ الشَّرابِ ويُسَمّى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِانْفِرادِهِ كَأْسًا والمَشْهُورُ أنَّها تُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلى الزُّجاجَةِ إذا كانَتْ فِيها خَمْرٌ ومَجازًا عَلى الخَمْرِ بِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ والمُرادُ بِها هاهُنا قِيلَ الخَمْرُ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ وقِيلَ الزُّجاجَةُ الَّتِي فِيها الخَمْرُ فَ ( مِن ) ابْتِدائِيَّةٌ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أظْهَرُ مُلاءَمَةً لِلْأوَّلِ والظّاهِرُ أنَّ هَذا عَلى مِنوالِ ( كانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) [النِّساءِ: 17 وغَيْرِها] والمَجِيءُ بِالفِعْلِ لِلتَّحْقِيقِ والدَّوامِ، وقِيلَ ( كانَ ) تامَّةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البَقَرَةِ: 117 وغَيْرِها] والمِزاجُ ما يُمْزَجُ بِهِ كالحِزامِ لِما يُحْزَمُ بِهِ فَهو اسْمُ آلَةٍ، وكافُورٌ عَلى ما قالَ الكَلْبِيُّ عَلَمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ ماؤُها في بَياضِ الكافُورٍ وعُرْفِهِ وبَرْدِهِ وصُرِفَ لِتَوافُقِ الآيِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ماءَ كافُورٍ والجُمْلَةُ صِفَةُ ﴿كَأْسٍ﴾ وهَذا القَوْلُ خِلافُ الظّاهِرِ ولَعَلَّهُ إنْ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ خَبَرٌ لا يُقْبَلُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «قافُورًا» بِالقافِ بَدَلَ الكافِ وهُما كَثِيرًا ما يَتَعاقَبانِ في الكَلِمَةِ كَقَوْلِهِمْ عَرَبِيٌّ قُحٌّ وكَحٌّ.
الإنسان 76:6
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿عَيْنًا﴾ بَدَلٌ مِن كافُورٍ وقالَ قَتادَةُ يَمْزُجُ لَهم بِالكافُورِ ويَخْتِمُ لَهم بِالمِسْكِ وذَلِكَ لِبُرُودَةِ الكافُورِ وبَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ، فالكافُورُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ وقِيلَ إنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ قَدْ أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى إذْ خَلَقَها أوْصافَ الكافُورِ المَمْدُوحَةِ فَكَوْنُهُ مِزاجًا مَجازٌ في الإنْصافِ بِذَلِكَ فَعُيِّنا عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بَدَلَ مِن مَحَلِّ كَأْسٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرَ عَيْنٍ أوْ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ بِإضْمارِ أعْنِي أوْ أخُصُّ كَما قالَ المُبَرِّدُ وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿مِزاجُها﴾ وقِيلَ مِن كَأْسٍ وساغَ لِوَصْفِهِ وأُرِيدَ بِذَلِكَ وصْفُها بِالكَثْرَةِ والصَّفاءِ وقِيلَ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا أيْ يَشْرَبُونَ ماءَ عَيْنٍ يَشْرَبُ بِها إلَخْ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ صِفَةُ ( عَيْنًا ) فَلا يَعْمَلُ فِعْلُها بِها وما لا يَعْمَلُ لا يُفَسِّرُ عامِلًا وأُجِيبُ بِمَنعِ كَوْنِها صِفَةً عَلى هَذا الوَجْهِ والتَّرْكِيبُ عَلَيْهِ نَحْوَ رَجُلًا ضَرَبْتُهُ نَعَمْ هي صِفَةُ عَيْنٍ عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ والباءُ لِلْإلْصاقِ، ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ وهي مُتَعَلِّقَةُ مَعْنًى بِمَحْذُوفٍ أيْ يَشْرَبُ الخَمْرَ مَمْزُوجَةً بِها أيْ بِالعَيْنِ ﴿عِبادُ اللَّهِ﴾ وهو كَما تَقُولُ شَرِبْتُ الماءَ بِالعَسَلِ هَذا إذا جُعِلَ كافُورٌ عَلَمَ عَيْنٍ في الجَنَّةِ وأمّا عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ فَقِيلَ وجْهُ الباءِ أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ مِن بابِ:
يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي لِإفادَةِ المُبالِغَةِ. وقِيلَ: الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ وضُمِّنَ ( يَشْرَبُ ) مَعْنى يُرْوى فَعُدِّيَ بِها وقِيلَ هي بِمَعْنى مِن، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ والمَعْنى يَشْرَبُها كَما في قَوْلِ الهَزْلِيِّ:
شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتى لُحَجُ خِضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
ويُعَضِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ «يَشْرَبُها» وقِيلَ ضَمِيرُ ( بِها ) لِلْكَأْسِ، والمَعْنى يَشْرَبُونَ العَيْنَ بِتِلْكَ الكَأْسِ وعَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَيْنًا﴾ مَفْعُولًا لِيَشْرَبُ مُهَدَّمًا عَلَيْهِ ( وعِبادُ اللَّهِ ) المُؤْمِنُونَ أهْلُ الجَنَّةِ ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِعَيْنًا أيْ يُجْرُونَها حَيْثُ شاؤُوا مِن مَنازِلِهِمْ إجْراءً سَهْلًا لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ عَلى
صفحة 155
أنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّنْوِيعِ. أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ شَوْزَبَ أنَّهُ قالَ: مَعَهم قُضْبانُ ذَهَبٍ يُفَجِّرُونَ بِها فَيَتَّبِعُ الماءُ قُضْبانَهم. وفي بَعْضِ الآثارِ «أنَّ هَذِهِ العَيْنَ في دارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَفَجَّرُ إلى دُورِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ» .
الإنسان 76:7
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ يُرْزَقُونَ هَذا النَّعِيمَ مُشْتَمِلٌ عَلى نَوْعِ تَفْصِيلٍ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ اسْمُ الأبْرارِ إجْمالًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ حَتّى يَنالُوا تِلْكَ المَرْتَبَةَ العالِيَةَ؟ فَقِيلَ: يُوفُونَ إلَخْ، وأُفِيدُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ لِلْبَيانِ ومَعَ ذَلِكَ عَدَلَ عَنْ أوْفَوْا إلى المُضارِعِ لِلِاسْتِحْضارِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، والوَفاءُ بِالنَّذْرِ كِنايَةً عَنْ أداءِ الواجِباتِ كُلِّها العِلْمُ ما عَداهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى وإشارَةُ النَّصِّ فَإنَّ مَن أوْفى بِما أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ كانَ إيفاءُ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ أهَمَّ لَهُ وأحْرى، وجَعْلُ ذَلِكَ كِنايَةً هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وعَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ إبْقاؤُهُ عَلى الظّاهِرِ قالا: أيْ إذا نَذَرُوا طاعَةً فَعَلُوها ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ﴾ عَذابُهُ ﴿مُسْتَطِيرًا﴾ فاشِيًّا مُنْتَشِرًا في الأقْطارِ غايَةَ الِانْتِشارِ مِنِ اسْتَطارَ الحَرِيقُ والفَجْرُ وهو أبْلَغُ مِن طارَ لِأنَّ زِيادَةَ المَبْنى تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، ولِلطَّلَبِ أيْضًا دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ ما يُطْلَبُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُبالَغَ فِيهِ. وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ إشْعارٌ بِحُسْنِ عَقِيدَتِهِمْ واجْتِنابِهِمْ عَنِ المَعاصِي.
الإنسان 76:8
﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ كائِنِينَ عَلى حُبِّ الطَّعامِ أيْ مَعَ اشْتِهائِهِ والحاجَةِ إلَيْهِ فَهو مِن بابِ التَّتْمِيمِ ويُجاوِبُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: 92] ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أوْ عَلى حُبِّ الإطْعامِ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطِيبِ نَفْسٍ وعَدَمِ تَكَلُّفٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ وهو حَسَنٌ أوْ كائِنِينَ عَلى حُبِّ اللَّهِ تَعالى أوْ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّهِ تَعالى ولِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ وابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ عَزَّ وجَلَّ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ وأبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ.
فَعَلى حُبِّهِ مِن بابِ التَّكْمِيلِ وزَيَّفَهُ بَعْضُهم وقالَ الأوَّلُ هو الوَجْهُ ويُجاوِبُهُ القُرْآنُ عَلى أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى لِوَجْهِ اللَّهِ بَعْدُ غَنِيَّةٌ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ وفِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَعَلَّهُ الأنْسَبُ لِذاكَ، وذِكْرُ الطَّعامِ مَعَ أنَّ الإطْعامَ يُغْنِي عَنْهُ لِتَعْيِينِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ عَلى الأوَّلِ، ولِأنَّ الطَّعامَ كالعِلْمِ فِيما فِيهِ قِوامُ البَدَنِ واسْتِقامَةُ البِنْيَةِ وبَقاءُ النَّفْسِ فَفي التَّصْرِيحِ بِهِ تَأْكِيدٌ لِفَخامَةِ فِعْلِهِمْ عَلى الأخِيرَيْنِ ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ عَلى الأوَّلِ أيْضًا ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِإطْعامِ الطَّعامِ حَقِيقَتُهُ.
وقِيلَ هو كِنايَةٌ عَنِ الإحْسانِ إلى المُحْتاجِينَ والمُواساةِ مَعَهم بِأيِّ وجْهٍ كانَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالطَّعامِ بِعَيْنِهِ فَكَأنَّهُ يَنْفَعُونَ بِوُجُوهِ المَنافِعِ ﴿مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ قِيلَ أيَّ أسِيرٍ كانَ، فَعَنِ الحَسَنِ «أنَّهُ ﷺ كانَ يُؤْتى بِالأسِيرِ فَيَدْفَعُهُ إلى بَعْضِ المُسْلِمِينَ فَيَقُولُ: «أحْسِنْ إلَيْهِ» فَيَكُونُ عِنْدَهُ اليَوْمَيْنِ والثَّلاثَةَ فَيُؤْثِرُهُ عَلى نَفْسِهِ» .
وقالَ قَتادَةُ: كانَ أسِيرُهم يَوْمَئِذٍ المُشْرِكَ وأخُوكَ المُسْلِمُ أحَقُّ أنْ تُطْعِمَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ «عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا صَدَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالأسارى مِن بَدْرٍ أنْفَقَ سَبْعَةً مِنَ المُهاجِرِينَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ والزُّبَيْرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ وسَعْدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ عَلى أسارى مُشْرِكِي بَدْرٍ، فَقالَتْ الأنْصارُ: قَتَلْناهم في اللَّهِ وفي رَسُولِهِ ﷺ وتُعِينُونَهم بِالنَّفَقَةِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ تِسْعَةَ عَشْرَةَ آيَةً ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى- ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾» [الإنْسانِ: 5- 18] فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إطْعامَ الأسارى وإنْ كانُوا مَن أهْلِ الشِّرْكِ حَسُنٌ ويُرْجى ثَوابُهُ، والخَبَرُ الأوَّلُ قالَ ابْنُ حَجْرٍ لَمْ يَذْكُرْهُ مَن يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ الحَدِيثِ.
وقالَ ابْنُ العِراقِيِّ: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، والخَبَرُ الثّانِي لَمْ أرَهُ لِفَرْدٍ غَيْرِ ابْنِ عَساكِرَ ولا وُثُوقَ لِي بِصِحَّتِهِ وهو يَقْتَضِي مَدَنِيَّةَ هَذِهِ الآياتِ وقَدْ عَلِمْتَ الخِلافَ في ذَلِكَ نَعَمْ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ يَجُوزُ الإحْسانُ إلى الكُفّارِ في دارِ الإسْلامِ ولا تُصْرَفُ إلَيْهِمُ الواجِباتُ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ: هو الأسِيرُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ. قالَ الطِّيبِيُّ هَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا اتَّفَقَ الإطْعامُ في دارِ الحَرْبِ مِنَ المُسْلِمِ لِأسِيرٍ في أيْدِيهِمْ. وقِيلَ هو الأسِيرُ المُسْلِمُ تُرِكَ في بِلادِ الكُفّارِ
صفحة 156
رَهِينَةً وخَرَجَ لِطَلَبِ الفِداءِ.
ورَوى مُحْيِي السُّنَّةِ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءٍ أنَّهم قالُوا: هو المَسْجُونُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إطْعامَ أهْلِ المَحْبُوسِ المُسْلِمِينَ حَسَنٌ، وقَدْ يُقالُ: لا يَحْسُنُ إطْعامُ المَحْبُوسِ لِوَفاءِ دَيْنٍ يَقْدِرُ عَلى وفائِهِ إنَّما امْتَنَعَ عَنْهُ تَعَنُّتًا ولِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ النَّفْسانِيَّةِ.
وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ هو المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ وتَسْمِيَةُ المَسْجُونِ أسِيرًا مَجازٌ لِمَنعِهِ عَنِ الخُرُوجِ، وأمّا تَسْمِيَةُ المَمْلُوكِ فَمَجازٌ أيْضًا لَكِنْ قِيلَ بِاعْتِبارِ ما كانَ وقِيلَ بِاعْتِبارِ شَبَهِهِ بِهِ في تَقْيِيدِهِ بِأسارِ الأمْرِ وعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِن فِعْلِ ما يَهْوى وعَدُّ الغَرِيمِ أسِيرًا لِقَوْلِهِ ﷺ: «غَرِيمُكَ أسِيرُكَ فَأحْسِنْ إلى أسِيرِكَ» .
وهُوَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ إلّا أنَّهُ قِيلَ في هَذا الخَبَرِ ما قِيلَ في الخَبَرِ الأوَّلِ وقالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ: هي الزَّوْجَةُ وضَعْفُهُ هاهُنا ظاهِرٌ.
الإنسان 76:9
﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ عَلى إرادَةِ قَوْلِ هو في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿يُطْعِمُونِ﴾ أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ بِلِسانِ الحالِ لِما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن أماراتِ الإخْلاصِ وعَنْ مُجاهِدٍ إمّا إنَّهم ما تَكَلَّمُوا بِهِ ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم فَأثْنى سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْهِمْ لِيَرْغَبَ فِيهِ راغِبٌ أوْ بِلِسانِ المَقالِ إزاحَةً لِتَوَهُّمِ المَنِّ المُبْطِلِ لِلصَّدَقَةِ وتَوَقُّعِ المُكافَأةِ المُنَقِّصَةِ لِلْأجْرِ وعَنِ الصَّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها كانَتْ تَبْعَثُ بِالصَّدَقَةِ إلى أهْلِ بَيْتٍ ثُمَّ تَسْألُ الرَّسُولَ ما قالُوا فَإذا ذَكَرَ دُعاءً دَعَتْ لَهم بِمِثْلِهِ لِيَبْقى لَها ثَوابُ الصَّدَقَةِ خالِصًا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وجُوِّزَ أنَّ يَكُونَ قَوْلُهم هَذا لَهم لُطْفًا وتَفْقِيهًا وتَنْبِيهًا عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَن أخْلَصَ لِلَّهِ تَعالى ولَيْسَ بِذاكَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً﴾ بِالأفْعالِ ﴿ولا شُكُورًا﴾ ولا شُكْرًا وثَناءً بِالأقْوالِ تَقْرِيرٌ وتَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ.
الإنسان 76:10
﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا﴾ أيْ عَذابَ يَوْمٍ فَهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ أنَّ خَوْفَهُ كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ ما فِيهِ ﴿عَبُوسًا﴾ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ عَلى أنَّهُ مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ كَما في نَهارَهُ صائِمٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الكافِرَ يَعْبِسُ يَوْمَئِذٍ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ عَرَقٌ مِثْلُ القَطْرانِ أوْ يُشْبِهُ الأسَدَ العَبُوسَ عَلى أنَّهُ مِنَ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ التَّخْيِيلِيَّةِ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ العُبُوسَ لَيْسَ مِن لَوازِمِ الأسَدِ وإنَّما اشْتُهِرَ وصْفُهُ بِهِ فَفي التَّخْيِيلِيَّةِ ضَعْفٌ ما وقِيلَ إنَّهُ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ شَدِيدَ العُبُوسِ ويُقالُ شَدِيدًا صَعْبًا كَأنَّهُ التَفَّ شَرُّهُ بِعْضُهُ بِبَعْضٍ وقِيلَ طَوِيلًا وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجاءَ قَماطِرَ وأنْشَدُوا لِأسَدِ بْنِ ناغِصَةَ:
واصْطَلَيْتُ الحُرُوبَ في كُلِّ يَوْمٍ باسِلَ الشَّرِّ قَمْطَرِيرَ الصَّباحِ
بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمٌ قَماطِرُ
وقَوْلٌ آخَرُ:
وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ فَقالَ: القَمْطَرِيرُ الَّذِي يَعْبِسُ حَتّى يَجْتَمِعَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ويُقالُ: اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وزَمَّتْ بِأنْفِها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها أيْ جانِبَيْها كَأنَّها تَفْعَلُ ذَلِكَ إذا لَحِقَتْ كِبَرًا.
وقِيلَ: لِتَضَعَ حَمْلَها فاشْتِقاقُهُ عِنْدَهُ عَلى ما قِيلَ مِن قُطْرٍ بِالِاشْتِقاقِ الكَبِيرِ والمِيمُ زائِدَةٌ وهَذا لا يَلْزَمُ الزَّجّاجَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا كَذَلِكَ مِنَ القَمْطِ، ويُقالُ: قَمَطَهُ إذا شَدَّهُ وجَمَعَ أطْرافَهُ وفي البَحْرِ يُقالُ: اقْمَطَرَّ فَهو مُقَمْطَرٌ وقَمْطَرِيرٌ وقُماطِرُ إذا صَعُبَ واشْتَدَّ واخْتَلَفَ في هَذا الوَزْنِ وأكْثَرُ النُّحاةِ لا يَثْبُتُونَ افْمَعَلَّ في أوْزانِ الأفْعالِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ عِلَّةً لِإحْسانِهِمْ وفِعْلِهِمُ المَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ نَفْعَلُ بِكم ما نَفْعَلُ لِأنّا نَخافُ يَوْمًا صِفَتُهُ كَيْتَ وكَيْتَ، فَنَحْنُ نَرْجُو بِذَلِكَ أنْ يَقِيَنا رَبُّنا جَلَّ وعَلا شَرَّهُ، وأنْ تَكُونَ عِلَّةً لِعَدَمِ إرادَةِ الجَزاءِ والشَّكُورِ أيْ إنّا لا نُرِيدُ مِنكُمُ المُكافَأةَ لِخَوْفِ عِقابِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَلَبِ المُكافَأةِ بِالصَّدَقَةِ وإلى الوَجْهَيْنِ أشارَ في الكَشّافِ وقالَ في الكَشْفِ: الثّانِي أوْجَهُ لِيَبْقى قَوْلُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ خالِصًا غَيْرَ مَشُوبٍ بِحَظِّ النَّفْسِ مِن جَلْبٍ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ولَوْ جُعِلَ عِلَّةً لِلْإطْعامِ المُعَلَّلِ عَلى المَعْنى إنَّما خَصَّصْنا الإحْسانَ لِوَجْهِهِ تَعالى لِأنّا نَخافُ يَوْمَ جَزائِهِ ومَن خافَهُ لازَمَ الإخْلاصَ لَكانَ وجْهًا.
الإنسان 76:11
﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ بِسَبَبِ خَوْفِهِمْ وتَحَفُّظِهِمْ عَنْهُ. وقَرَأ أبُو
صفحة 157
جَعْفَرٍ فَوَقّاهم بِشَدِّ القافِ وهو أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ عُبُوسِ الفُجّارِ وحُزْنِهِمْ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ.
الإنسان 76:12
﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ بِصَبْرِهِمْ عَلى مَشاقَّ الطّاعاتِ ومُهاجَرَةِ هَوى النَّفْسِ في اجْتِنابِ المُحَرَّماتِ وإيثارِ الأمْوالِ مَأْكَلًا ومَلْبَسًا ﴿جَنَّةً﴾ بُسْتانًا عَظِيمًا يَأْكُلُونَ مِنهُ ما شاؤُوا ﴿وحَرِيرًا﴾ يَلْبَسُونَهُ ويَتَزَيَّنُونَ بِهِ
ومِن رِوايَةِ عَطاءٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ مَرِضا فَعادَهُما جَدُّهُما مُحَمَّدٌ ﷺ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعادَهُما مَن عادَهُما مِنَ الصَّحابَةِ فَقالُوا لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: يا أبا الحَسَنِ لَوْ نَذَرْتَ عَلى ولَدَيْكَ فَنَذَرَ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وفِضَّةٌ جارِيَةٌ لَهُما إنْ بَرَآ مِمّا بِهِما أنْ يَصُومُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ شُكْرًا فَألْبَسَ اللَّهُ تَعالى الغُلامَيْنِ ثَوْبَ العافِيَةِ.
ولَيْسَ عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ فانْطَلَقَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إلى شَمْعُونَ اليَهُودِيِّ الخَيْبَرَيِّ فاسْتَقْرَضَ مِنهُ ثَلاثَةَ أصْوُعٍ مِن شَعِيرٍ فَجاءَ بِها فَقامَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إلى صاعٍ فَطَحَنَتْهُ وخَبَزَتْ مِنهُ خَمْسَةَ أقْراصٍ عَلى عَدَدِهِمْ وصَلّى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المَغْرِبَ ثُمَّ أتى المَنزِلَ فَوَضَعَ الطَّعامَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَوَقَفَ بِالبابِ سائِلٌ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أنا مِسْكِينٌ مِن مَساكِينِ المُسْلِمِينَ أطْعِمُونِي أطْعَمَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِن مَوائِدِ الجَنَّةِ، فَآثَرُوهُ وباتُوا لَمْ يَذُوقُوا شَيْئًا إلّا الماءَ وأصْبَحُوا صِيامًا، ثُمَّ قامَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إلى صاعٍ آخَرَ فَطَحَنَتْهُ وخَبَزَتْهُ وصَلّى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المَغْرِبَ ثُمَّ أتى المَنزِلَ فَوَضَعَ الطَّعامَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَوَقَفَ يَتِيمٌ بِالبابِ، وقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَتِيمٌ مِن أوْلادِ المُهاجِرِينَ أطْعِمُونِي أطْعَمَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِن مَوائِدِ الجَنَّةِ، فَآثَرُوهُ ومَكَثُوا يَوْمَيْنِ ولَيْلَتَيْنِ لَمْ يَذُوقُوا شَيْئًا إلّا الماءَ القِراحَ وأصْبَحُوا صِيامًا فَلَمّا كانَ يَوْمُ الثّالِثِ قامَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إلى الصّاعِ الثّالِثِ وطَحَنَتْهُ وخَبَزَتْهُ وصَلّى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المَغْرِبَ فَأتى المَنزِلَ فَوَضَعَ الطَّعامَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَوَقَفَ أسِيرٌ بِالبابِ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أنا أسِيرُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أطْعِمُونِي أطْعَمَكُمُ اللَّهُ، فَآثَرُوهُ وباتُوا لَمْ يَذُوقُوا إلّا الماءَ القِراحَ.
فَلَمّا أصْبَحُوا أخَذَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ وأقْبَلُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَآهم يَرْتَعِشُونَ كالفِراخِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ قالَ: يا أبا الحَسَنِ ما أشَدَّ ما يَسُوءُنِي ما أرى بِكم وقامَ فانْطَلَقَ مَعَهم إلى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَرَآها في مِحْرابِها قَدِ التَصَقَ بَطْنُها بِظَهْرِها وغارَتْ عَيْناها مِن شِدَّةِ الجُوعِ فَرَقَّ لِذَلِكَ ﷺ وساءَهُ ذَلِكَ فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: خُذْها يا مُحَمَّدُ هَنّاكَ اللَّهُ تَعالى في أهْلِ بَيْتِكَ قالَ: وما آخُذُ يا جِبْرِيلُ فَأقْرَأْهُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾» السُّورَةَ.
وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَهْرانَ «فَوَثَبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى دَخَلَ عَلى فاطِمَةَ فَأكَبَّ عَلَيْها يَبْكِي فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ﴾ إلى آخِرِهِ» وفي رِوايَةٍ عَنْ عَطاءٍ «أنَّ الشَّعِيرَ كانَ عَنْ أُجْرَةِ سَقْيِ نَخْلٍ وأنَّهُ جُعِلَ في كُلِّ يَوْمٍ ثُلُثٌ مِنهُ عَصِيدَةً فَآثَرُوا بِها» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ويُطْعِمُونَ﴾ إلَخِ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ ولَمْ يَذْكُرِ القِصَّةَ والخَبَرُ مَشْهُورٌ بَيْنَ النّاسِ وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في كِتابِ البَسِيطِ وعَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضِ الشِّيعَةِ:
إلامَ أُلامَ وحَتّى مَتى أُعاتَبُ في حُبِّ هَذا الفَتى
وهَلْ زُوِّجَتْ غَيْرَهُ فاطِمُ ∗∗∗ وفي غَيْرِهِ هَلْ أتى هَلْ أتى
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خَبَرٌ مَوْضُوعٌ مُفْتَعَلٌ كَما ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ الجَوْزِيِّ وآثارُ الوَضْعِ ظاهِرَةٌ عَلَيْهِ
صفحة 158
لَفْظًا ومَعْنًى، ثُمَّ إنَّهُ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً لِأنَّ بِناءَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها كانَ بِالمَدِينَةِ وهي عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ المَرْوِيُّ هو عَنْهُ عَلى ما أخْرَجَ النَّحاسُ مَكِّيَّةٌ وكَذا عِنْدَ الجُمْهُورِ في قَوْلٍ.
وأقُولُ أمْرُ مَكِّيَّتِها ومَدَنِيَّتِها مُخْتَلَفٌ فِيهِ جِدًّا كَما سَمِعْتَ فَلا جَزْمَ فِيهِ بِشَيْءٍ وابْنُ الجَوْزِيِّ نَقَلَ الخَبَرَ في تَبْصِرَتِهِ ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ عَلى أنَّهُ مِمَّنْ يَتَساهَلُ في أمْرِ الوَضْعِ حَتّى قالُوا إنَّهُ لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ فاحْتِمالُ أصْلِ النُّزُولِ في الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وفاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قائِمٌ ولا جَزْمَ بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ لِتُعارِضِ الأخْبارِ ولا يَكادُ يَسْلَمُ المُرَجَّحُ عَنْ قِيلٍ وقالَ، نَعَمْ لَعَلَّهُ يَتَرَجَّحُ عَدَمُ وُقُوعِ الكَيْفِيَّةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الرِّوايَةُ الأُولى، ثُمَّ إنَّهُ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها فِيهِما لا يَتَخَصَّصُ حُكْمُها بِهِما بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ مَن فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ كَما ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ مِنَ الشِّيعَةِ في مَجْمَعِ البَيانِ راوِيًا لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعَلى القَوْلِ بِعَدَمِ النُّزُولِ فِيهِما لا يَتَطامَنُ مَقامُهُما ولا يَنْقُصُ قَدْرُهُما إذْ دُخُولُهُما في الأبْرارِ أمْرٌ جَلِيٌّ بَلْ هو دُخُولٌ أوْلى فَهُما هُما وماذا عَسى يَقُولُ امْرُؤٌ فِيهِما سِوى أنْ عَلَّيا مَوْلى المُؤْمِنِينَ ووَصِيُّ النَّبِيِّ وفاطِمَةَ البِضْعَةُ الأحْمَدِيَّةُ والجُزْءُ المُحَمَّدِيُّ وأمّا الحَسَنانِ فالرَّوْحُ والرَّيْحانُ وسَيِّدا شَبابِ الجِنانِ ولَيْسَ هَذا مِنَ الرَّفْضِ بِشَيْءٍ بَلْ ما سِواهُ عِنْدِي هو الغَيُّ:
أنا عَبْدُ الحَقِّ لا عَبْدَ الهَوى ∗∗∗ لَعَنَ اللَّهُ الهَوى فِيمَن لَعَنَ
ومِنَ اللَّطائِفِ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها فِيهِمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيها الحُورَ العِينَ وإنَّما صَرَّحَ عَزَّ وجَلَّ بِوِلْدانٍ مُخَلَّدِينَ رِعايَةً لِحُرْمَةِ البَتُولِ وقُرَّةِ عَيْنِ الرَّسُولِ لِئَلّا تَثُورَ غَيْرَتُها الطَّبِيعِيَّةُ إذا أحَسَّتْ بِضُرَّةٍ وهي في أفْواهِ تَخَيُّلاتِ الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ ولَوْ في الجَنَّةِ مَرَّةً. ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا زَهْرَةُ رَبِيعٍ ولا تَتَحَمَّلُ الفَرْكَ ثُمَّ التَّذْكِيرُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مِن بابِ التَّغْلِيبِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «جازاهُمْ»
عَلى وزْنِ فاعَلَ.
الإنسان 76:13
﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ حالٌ مِن هم في جَزاهم والعامِلُ جَزى وخُصَّ الجَزاءُ بِهَذِهِ الحالَةِ لِأنَّها أتَمُّ حالاتِ المُتَنَعِّمِ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بِما صَبَرُوا﴾ لِأنَّ الصَّبْرَ في الدُّنْيا وما تُسُبِّبَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ وقِيلَ صِفَةُ الجَنَّةِ ولَمْ يَبْرُزِ الضَّمِيرُ مَعَ أنَّ الصِّفَةَ جارِيَةٌ عَلى غَيْرِ مَن هي عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْلْ مُتَّكِئِينَ هم فِيها لِعَدَمِ الإلْباسِ كَما في قَوْلِهِ:
قَوْمِي ذُرى المَجْدِ بانُوها وقَدْ عَلِمَتْ بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنانُ وقَحْطانُ
وأنْتَ تَعْلَمُ هَذا رَأْيُ الكُوفِيَّةِ ومَذْهَبُ البَصْرِيَّةِ وُجُوبُ إبْرازِ الضَّمِيرِ في ذَلِكَ مُطْلَقًا وفي البَيْتِ كَلامٌ وقِيلَ يَجُوزُ كَوْنُهُ حالًا مُقَدَّرَةً مِن ضَمِيرِ ﴿صَبَرُوا﴾ ولَيْسَ بِذاكَ ( والأرائِكِ ) جَمْعُ أرِيكَةٍ وهي السَّرِيرُ في الحَجْلَةِ مِن دُونِهِ سَتْرٌ ولا يُسَمّى مُفْرَدًا أرِيكَةً وقِيلَ هو كُلُّ ما اتُّكِئَ عَلَيْهِ مِن سَرِيرٍ أوْ فِراشٍ أوْ مِنَصَّةٍ وكانَ تَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَكانًا لِلْإقامَةِ أخْذًا مِن قَوْلِهِمْ أرَكَ بِالمَكانِ أُرُوكًا أقامَ، وأصْلُ الأُرُوكِ الإقامَةُ عَلى رَعْيِ الأراكِ الشَّجَرِ المَعْرُوفِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في غَيْرِهِ مِنَ الإقاماتِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ إمّا حالٌ ثانِيَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وجُوِّزَ فِيهِ كَوْنُهُ صِفَةً لِجَنَّةٍ أيْضًا والمُرادُ مِن ذَلِكَ أنَّ هَواءَها مُعْتَدِلٌ لا حَرَّ شَمْسٍ يَحْمِي ولا شِدَّةَ بَرْدٍ يُؤْذِي. وفي الحَدِيثِ: «هَواءُ الجَنَّةِ سَجْسَجُ لا حَرَّ ولا قَرَّ» فَقَصَدَ بِنَفْيٍ الشَّمْسِ نَفْيَها ونَفْيَ لازِمِها مَعًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولا زَمْهَرِيرًا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ لا يَرَوْنَ فِيها حَرًّا ولا قَرّا.
وقِيلَ الزَّمْهَرِيرُ القَمَرُ وعَنْ ثَعْلَبٍ أنَّهُ في لُغَةِ طَيِّئٍ وأنْشَدَ:
ولَيْلَةٍ ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرَ ∗∗∗ قِطْعَتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرَرَ
ولَيْسَ هَذا لِأنَّ طَبِيعَتَهُ بارِدَةٌ كَما قِيلَ لِأنَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ بَلْ قِيلَ إنَّهُ بَرْهَنَ عَلى أنَّ الأنْوارَ كُلَّها حارَةٌ فَيُحْتَمَلُ أنْ ذَلِكَ لِلَمَعانِهِ أخْذًا لَهُ مِنِ ازْمَهَرَّ الكَوْكَبُ لَمَعَ، والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ هَواءَها مُضِيءٌ بِذاتِهِ لا يَحْتاجُ إلى شَمْسٍ ولا قَمَرٍ. وفي الحَدِيثِ:
صفحة 159
«إنَّ الجَنَّةَ لا خَطَرَ بِها هي ورَبِّ الكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ ورَيْحانَةٌ تَهْتَزُّ وقَصْرُ مَشِيدٌ» الحَدِيثُ ثُمَّ إنَّها مَعَ هَذا قَدْ يَظْهَرُ فِيها نُورٌ أقْوى مِن نُورِها كَما تَشْهَدُ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ. وفي بَعْضِ الآثارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَيْنا أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ إذْ رَأوْا ضَوْءًا كَضَوْءِ الشَّمْسِ وقَدْ أشْرَقَتِ الجِنانُ بِهِ فَيَقُولُ أهْلُ الجَنَّةِ: يا رِضْوانُ ما هَذا وقَدْ قالَ رَبُّنا ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ فَيَقُولُ لَهم رِضْوانُ: لَيْسَ هَذا بِشَمْسٍ ولا قَمَرٍ ولَكِنَّ عَلِيًّا وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ضَحِكا فَأشْرَقَتِ الجِنانُ مِن نُورِ ثَغْرَيْهِما.
الإنسان 76:14
﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ وحالُها حالُها أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَنَّةٍ فِيما سَبَقَ أيْ وجْنَةٍ أُخْرى دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها عَلى أنَّهم وُعِدُوا جَنَّتَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: 46] وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «دانِيَةٌ» بِالرَّفْعِ وخُرِّجَ عَلى أنَّ دانِيَةً خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِظِلالِها والجُمْلَةُ في حَيِّزِ الحالِ عَلى أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ أوْ في حَيِّزِ الصِّفَةِ عَلى أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ أيْضًا أوْ لِلْإلْصاقِ عَلى ما يَراهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقالَ الأخْفَشُ «ظِلالُها» مَرْفُوعٌ بِدانِيَةٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى جَوازِ عَمِلِ اسْمِ الفاعِلِ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ نَحْوَ قائِمٌ الزَّيْدُونَ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلالِ لِقِيامِ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ فَيَعْتَمِدُ أيْ وهي دانِيَةٌ عَلَيْهِمْ ظِلالُها. وقَرَأ أُبَيٌّ ودِانٍ كَقاضٍ ولا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ لِلْأخْفَشِ أيْضًا وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما تَقَدَّمَ فَرْقٌ ما. وقَرَأ الأعْمَشُ «ودانِيًا عَلَيْهِمْ» نَحْوَ خاشِعًا أبْصارُهم والمُرادُ أنَّ ظِلالَ أشْجارِ الجَنَّةِ قَرِيبَةٌ مِنَ الأبْرارِ مِظَلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾ أيْ سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِها وسَهْلٌ أخْذُها مِنَ الذُّلِّ وهو ضِدُّ الصُّعُوبَةِ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ وسُفْيانُ: إنْ كانَ الإنْسانُ قائِمًا تَناوَلَ الثَّمَرَ دُونَ كُلْفَةٍ، وإنْ كانَ قاعِدًا أوْ مُضْطَجِعًا فَكَذَلِكَ فَهَذا تَذْلِيلُها لا يَرُدُّ اليَدَ عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( دانِيَةً ) أيْ تَدْنُو ظِلالُها عَلَيْهِمْ مُذَلِّلَةً لَهم قُطُوفَها أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها وهي فِعْلِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى اسْمِيَّةٍ في قِراءَةِ «دانِيةٌ» بِالرَّفْعِ ونُكْتَةُ التَّخالُفِ أنَّ اسْتِدامَةَ الظِّلِّ مَطْلُوبَةٌ هُنالِكَ والتَّجَدُّدَ في تَذْلِيلِ القُطُوفِ عَلى حَسَبِ الحاجَةِ.
الإنسان 76:15
﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ﴾ جَمْعُ إناءٍ كَكِساءٍ وأكْسِيَةٍ، وهو ما يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ والأوانِي جَمْعُ الجَمْعِ ﴿مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ جَمْعُ كُوبٍ وهو قَدَحٌ لا عُرْوَةَ لَهُ كَما قالَ الرّاغِبُ وفي القامُوسِ: كُوزٌ لا عُرْوَةَ لَهُ أوْ لا خُرْطُومَ لَهُ، وقِيلَ: الكُوزُ العَظِيمُ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ ﴿كانَتْ﴾ أيْ تِلْكَ الأكْوابُ ﴿قَوارِيرا﴾ جَمْعُ قارُورَةٍ وهي إناءٌ رَقِيقٌ مِنَ الزُّجاجِ يُوضَعُ فِيهِ الأشْرِبَةُ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ فَإنَّ كانَ تامَّةٌ وهو كَما تَقُولُ خُلِقَتْ قَوارِيرُ.
الإنسان 76:16
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ﴾ بَدَلٌ والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ فالمُرادُ تَكَوَّنَتْ جامِعَةً بَيْنَ صَفاءِ الزُّجاجَةِ وشَفِيفِها ولِينِ الفِضَّةِ وبَياضِها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ أخَذْتَ فِضَّةً مِن فِضَّةِ الدُّنْيا فَضَرَبْتَها حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها ولَكِنْ قَوارِيرُ الجَنَّةِ بِبَياضِ الفِضَّةِ مَعَ صَفاءِ القَوارِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا قَدْ أُعْطِيتُمْ في الدُّنْيا شَبَهَهُ إلّا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ بِتَنْوِينِ «قَوارِيرَ» في المَوْضِعَيْنِ وصْلًا وإبْدالِهِ ألِفًا وقْفًا وابْنُ كَثِيرٍ يَمْنَعُ صَرْفَ الثّانِي ويَصْرِفُ الأوَّلَ لِوُقُوعِهِ في الفاصِلَةِ وآخِرِ الآيَةِ، وقَفَ عَلَيْهِ بِألْفٍ مُشاكَلَةً لِغَيْرِهِ مِن كَلِماتِ الفَواصِلِ والتَّنْوِينُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ في الأوَّلِ بَدَلٌ مِن ألْفِ الإطْلاقِ كَما في قَوْلِهِ:
يا صاحِ ما هاجَ العُيُونَ الذَّرْفَنْ
وفِي الثّانِي لِلِاتِّباعِ فَتَذَكَّرْ، والقِراءَةُ بِمَنعِ صَرْفِهِما لِحَفْصٍ وابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وأبِي عَمْرٍو وقَرَأ الأعْمَشُ الثّانِي «قَوارِيرُ» بِالرَّفْعِ أيْ هي قَوارِيرُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ أيْ قَدَّرُوا تِلْكَ القَوارِيرَ في أنْفُسِهِمْ فَجاءَتْ حَسَبَ ما قَدَّرُوا لا مَزِيدَ عَلى ذَلِكَ ولا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ زِيادَةٌ عَلَيْهِ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ الطّائِيِّ:
ولَوْ صَوَّرَتْ نَفْسَكَ لَمْ تَزِدْها ∗∗∗ عَلى ما فِيكَ مِن كَرَمِ الطِّباعِ
صفحة 160
فَإنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ نَفْسِهِ خُلِقَتْ عَلى أتَمِّ ما يَنْبَغِي مِن مَكارِمِ الصِّفاتِ بِحَيْثُ لا مَزِيدَ عَلى ذَلِكَ فَضَمِيرُ ﴿قَدَّرُوها﴾ لِلْأبْرارِ المُطافِ عَلَيْهِمْ أوْ قَدَّرُوا شَرابَها عَلى قَدْرِ الرَّيِّ وهو ألَذُّ لِلشّارِبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتَوْا بِها عَلى الحاجَةِ لا يُفَضِّلُونَ شَيْئًا ولا يَشْتَهُونَ بَعْدَها شَيْئًا وعَنْ مُجاهِدٍ تَقْدِيرُها أنَّها لَيْسَتْ بِالمَلْأى الَّتِي تَفِيضُ ولا بِالنّاقِصَةِ الَّتِي تَغِيضُ، فالضَّمِيرُ عَلى ما هو الظّاهِرُ لِلسُّقاةِ الطّائِفِينَ بِها المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ( يُطافُ عَلَيْهِمْ) .
وقَدْ رَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ قَدَّرَتْها السُّقاةُ وقِيلَ: المَعْنى قَدَّرُوها بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ فَجاءَتْ عَلى حَسَبِها والضَّمِيرُ عَلى هَذا قِيلَ لِلْمَلائِكَةِ وقِيلَ لِلسُّقاةِ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ والسِّلْمِيُّ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو وابْنِ عَبْدِ الخالِقِ عَنْ يَعْقُوبَ وغَيْرِهِمْ «قَدَّرُوها» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِها فَقالَ أبُو عَلِيٍّ: كانَ اللَّفْظُ قَدَّرُوا عَلَيْها، وفي المُغْنِي قَلْبٌ لِأنَّ حَقِيقَتَهُ أنْ يُقالَ قَدَرْتُ عَلَيْهِمْ فَهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ [القَصَصِ: 76] وقَوْلِ العَرَبِ إذا طَلَعَتِ الجَوْزاءُ ارْتَقى العُودُ عَلى الحِرْباءِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِن قَدَرْتَ الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ أيْ بَيَّنْتَ مِقْدارَهُ فَنُقِلَ إلى التَّفْعِيلِ فَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ أحَدُهُما الضَّمِيرُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ، والثّانِي ها والمَعْنى جَعَلُوا قادِرِينَ لَها كَما شاؤُوا وأطْلَقَ لَهم أنْ يُقَدِّرُوا عَلى حَسَبِ ما اشْتَهَوْا وقالَ أبُو حاتِمٍ: قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ فَفَسَّرَ بَعْضُهم هَذا بِأنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ كانَ قَدْرٌ عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ إيّاها فَحُذِفَ عَلى فَصارَ قَدْرُ نائِبَ الفاعِلِ ثُمَّ حُذِفَ فَصارَ رَيُّهم نائِبَ الفاعِلِ ثُمَّ حُذِفَ وصارُوا والجَمْعُ نائِبَ الفاعِلِ واتَّصَلَ المَفْعُولُ الثّانِي بِقَدْرٍ فَصارَ قَدْرُها وقالَ أبُو حَيّانٍ الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ قَدْرَ رَيِّهِمْ مِنها تَقْدِيرًا فَحُذِفَ المُضافُ وهو الرَّيُّ وأُقِيمَ الضَّمِيرُ مَقامَهُ فَصارَ قَدَّرُوا مِنها ثُمَّ اتَّسَعَ في الفِعْلِ فَحُذِفَتْ مِن ووَصَلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ بِنَفْسِهِ فَصارَ ﴿قَدَّرُوها﴾ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا حَذْفُ مُضافٍ واتِّساعٌ في المَجْرُورِ.
ولا يَخْفى أنَّ القَلْبَ زَيْفٌ وما قَرَّرَهُ البَعْضُ تَكَلُّفٌ جِدًّا وفي كَوْنِ ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانٍ أقْرَبَ مِمّا اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ نَظَرٌ ولَعَلَّهُ أكْثَرُ تَكَلُّفًا مِنهُ.
الإنسان 76:17
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾ ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾ يَجْرِي فِيهِ مُعْظَمُ ما جَرى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ إلَخِ مِنَ الأوْجُهِ والزَّنْجَبِيلِ قالَ الدِّينَوَرِيُّ نَبْتٌ في أرْضِ عَمّانَ وهو عُرُوقٌ تَسْرِي في الأرْضِ ولَيْسَ بِشَجَرَةٍ ومِنهُ ما يُحْمَلُ مِن بِلادِ الزِّنْجِ والصِّينِ وهو الأجْوَدُ وكانَتِ العَرَبُ تُحِبُّهُ لِأنَّهُ يُوجِبُ لَذْعًا في اللِّسانِ إذا مُزِجَ بِالشَّرابِ فَيَلْتَذُّونَ ولِذا يَذْكُرُونَهُ في وصْفِ رُضابِ النِّساءِ قالَ الأعْشى:
كَأنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنْجَبِيلَ باتًّا بِفِيها وأرْيًا مُسَوَّرًا
وقالَ عَمْرُو المُسَيِّبُ بْنُ عَلْسٍ:
وكَأنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ
وعَدَّهُ بَعْضُهم في المُعْرَباتِ وكَوْنُ الزَّنْجَبِيلِ اسْمًا لَعِينٍ في الجَنَّةِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وقالَ: يَشْرَبُ مِنها المُقَرَّبُونَ صَرْفًا وتُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ، والظّاهِرُ أنَّهم تارَةً يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ وتارَةً يُسْقَوْنَ مِن كَأْسٍ مِزاجُها زَنْجَبِيلٌ، ولَعَلَّ ذِكْرَ ( يُسْقَوْنَ ) هُنا دُونَ ﴿يَشْرَبُونَ﴾ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِما تَقَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخِ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ هَذِهِ الكَأْسَ أعْلى شَأْنًا مِنَ الكَأْسِ الأُولى.
وعَنِ الكَلْبِيِّ يُسْقى بِجامَيْنِ الأوَّلُ مِزاجُهُ الكافُورُ والثّانِي مِزاجُهُ الزَّنْجَبِيلُ، والسَّلْسَبِيلُ كالسَّلْسَلِ والسَّلْسالِ قالَ الزَّجّاجُ: ما كانَ مِنَ الشَّرابِ غايَةً في السَّلاسَةِ وسُهُولَةِ الِانْحِدارِ في الحَلْقِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعِ السَّلْسَبِيلَ إلّا في القُرْآنِ وكَأنَّ العَيْنَ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَلاسَتِها وسُهُولَةِ مَساغِها قالَ عِكْرِمَةُ: عَيْنٌ سَلْسَلٌ ماؤُها، وقالَ مُجاهِدٌ: حَدِيدَةُ الجَرْيِ سِلْسِلَةٌ سَهْلَةُ المَساغِ، وقالَ مُقاتِلٌ: عَيْنٌ يَتَسَلْسَلُ عَلَيْهِمْ ماؤُها في مَجالِسِهِمْ كَيْفَ شاؤُوا وهي عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ عَيْنٌ تَنْبُعُ
صفحة 161
مِن تَحْتِ العَرْشِ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ تَتَسَلْسَلُ إلى الجِنانِ.
وفِي البَحْرِ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ العَيْنَ تُسَمّى سَلْسَبِيلًا بِمَعْنى تُوصَفُ بِأنَّها سَلِسَةُ الِانْسِياغِ سَهْلَةٌ في المَذاقِ ولا يُحْمَلُ سَلْسَبِيلُ عَلى أنَّهُ اسْمُ حَقِيقَةٍ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ كانَ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ وقَدْ رُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأهُ بِغَيْرِ ألْفٍ جَعَلَهُ عَلَمًا لَها فَإنْ كانَ عَلَمًا فَوَجْهُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالتَّنْوِينِ المُناسِبِ لِلْفَواصِلِ كَما قِيلَ في «سَلاسِلا» «وقَوارِيرا» وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الباءَ زِيدَتْ فِيهِ حَتّى صارَتِ الكَلِمَةُ خُماسِيَّةً، فَإنْ عَنى أنَّها زِيدَتْ حَقِيقَةً فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ الباءَ لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ المَعْهُودَةِ وإنْ عَنى أنَّها حَرْفٌ جاءَ في سَنَحَ الكَلِمَةِ ولَيْسَ في سَلْسَلٍ ولا في سِلْسالٍ صَحَّ ويَكُونُ مِمّا اتَّفَقَ مَعْناهُ وكانَ مُخْتَلِفًا في المادَّةِ انْتَهى.
وفِي الكَشْفِ لا يُرِيدُ الزِّيادَةَ المُصْطَلِحَةَ ألا تُرى إلى قَوْلِهِ حَتّى صارَتْ خُماسِيَّةً وهو أيْضًا مِنَ الِاشْتِقاقِ الأكْبَرِ فَلا تَغْفُلْ. وقالَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ ﴿سَلْسَبِيلا﴾ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِأُمَّتِهِ بِسُؤالِ السَّبِيلِ إلَيْها وعَزَوْهُ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ بِظاهِرِهِ إلّا أنْ يُرادَ أنَّ جُمْلَةَ قَوْلِ القائِلِ ﴿سَلْسَبِيلا﴾ جُعِلَتْ اسْمًا لِلْعَيْنِ كَما قِيلَ تَأبَّطَ شَرّا وذُرى حُبّا، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَشْرَبُ مِنها إلّا مَن سالَ إلَيْها سَبِيلًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ وهو مَعَ اسْتِقامَتِهِ في العَرَبِيَّةِ تَكَلُّفُ وابْتِداعٌ، وعَزْوُهُ إلى مِثْلِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أبْدَعُ ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ افْتِراءٌ عَلَيْهِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وفي شِعْرِ ابْنِ مُطْرانَ الشّاشِيِّ:
سَلْسَبِيلًا فِيها إلى راحَةِ النَّفْسِ ∗∗∗ بِراحٍ كَأنَّها سَلْسَبِيلُ
وفِيهِ الجِناسُ المُلَفَّقُ واسْتَعْمَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحْدَثِينَ.
الإنسان 76:18
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾ ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾ يَجْرِي فِيهِ مُعْظَمُ ما جَرى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ إلَخِ مِنَ الأوْجُهِ والزَّنْجَبِيلِ قالَ الدِّينَوَرِيُّ نَبْتٌ في أرْضِ عَمّانَ وهو عُرُوقٌ تَسْرِي في الأرْضِ ولَيْسَ بِشَجَرَةٍ ومِنهُ ما يُحْمَلُ مِن بِلادِ الزِّنْجِ والصِّينِ وهو الأجْوَدُ وكانَتِ العَرَبُ تُحِبُّهُ لِأنَّهُ يُوجِبُ لَذْعًا في اللِّسانِ إذا مُزِجَ بِالشَّرابِ فَيَلْتَذُّونَ ولِذا يَذْكُرُونَهُ في وصْفِ رُضابِ النِّساءِ قالَ الأعْشى:
كَأنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنْجَبِيلَ باتًّا بِفِيها وأرْيًا مُسَوَّرًا
وقالَ عَمْرُو المُسَيِّبُ بْنُ عَلْسٍ:
وكَأنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ
وعَدَّهُ بَعْضُهم في المُعْرَباتِ وكَوْنُ الزَّنْجَبِيلِ اسْمًا لَعِينٍ في الجَنَّةِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وقالَ: يَشْرَبُ مِنها المُقَرَّبُونَ صَرْفًا وتُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ، والظّاهِرُ أنَّهم تارَةً يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ وتارَةً يُسْقَوْنَ مِن كَأْسٍ مِزاجُها زَنْجَبِيلٌ، ولَعَلَّ ذِكْرَ ( يُسْقَوْنَ ) هُنا دُونَ ﴿يَشْرَبُونَ﴾ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِما تَقَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخِ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ هَذِهِ الكَأْسَ أعْلى شَأْنًا مِنَ الكَأْسِ الأُولى.
وعَنِ الكَلْبِيِّ يُسْقى بِجامَيْنِ الأوَّلُ مِزاجُهُ الكافُورُ والثّانِي مِزاجُهُ الزَّنْجَبِيلُ، والسَّلْسَبِيلُ كالسَّلْسَلِ والسَّلْسالِ قالَ الزَّجّاجُ: ما كانَ مِنَ الشَّرابِ غايَةً في السَّلاسَةِ وسُهُولَةِ الِانْحِدارِ في الحَلْقِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعِ السَّلْسَبِيلَ إلّا في القُرْآنِ وكَأنَّ العَيْنَ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَلاسَتِها وسُهُولَةِ مَساغِها قالَ عِكْرِمَةُ: عَيْنٌ سَلْسَلٌ ماؤُها، وقالَ مُجاهِدٌ: حَدِيدَةُ الجَرْيِ سِلْسِلَةٌ سَهْلَةُ المَساغِ، وقالَ مُقاتِلٌ: عَيْنٌ يَتَسَلْسَلُ عَلَيْهِمْ ماؤُها في مَجالِسِهِمْ كَيْفَ شاؤُوا وهي عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ عَيْنٌ تَنْبُعُ
صفحة 161
مِن تَحْتِ العَرْشِ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ تَتَسَلْسَلُ إلى الجِنانِ.
وفِي البَحْرِ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ العَيْنَ تُسَمّى سَلْسَبِيلًا بِمَعْنى تُوصَفُ بِأنَّها سَلِسَةُ الِانْسِياغِ سَهْلَةٌ في المَذاقِ ولا يُحْمَلُ سَلْسَبِيلُ عَلى أنَّهُ اسْمُ حَقِيقَةٍ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ كانَ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ وقَدْ رُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأهُ بِغَيْرِ ألْفٍ جَعَلَهُ عَلَمًا لَها فَإنْ كانَ عَلَمًا فَوَجْهُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالتَّنْوِينِ المُناسِبِ لِلْفَواصِلِ كَما قِيلَ في «سَلاسِلا» «وقَوارِيرا» وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الباءَ زِيدَتْ فِيهِ حَتّى صارَتِ الكَلِمَةُ خُماسِيَّةً، فَإنْ عَنى أنَّها زِيدَتْ حَقِيقَةً فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ الباءَ لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ المَعْهُودَةِ وإنْ عَنى أنَّها حَرْفٌ جاءَ في سَنَحَ الكَلِمَةِ ولَيْسَ في سَلْسَلٍ ولا في سِلْسالٍ صَحَّ ويَكُونُ مِمّا اتَّفَقَ مَعْناهُ وكانَ مُخْتَلِفًا في المادَّةِ انْتَهى.
وفِي الكَشْفِ لا يُرِيدُ الزِّيادَةَ المُصْطَلِحَةَ ألا تُرى إلى قَوْلِهِ حَتّى صارَتْ خُماسِيَّةً وهو أيْضًا مِنَ الِاشْتِقاقِ الأكْبَرِ فَلا تَغْفُلْ. وقالَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ ﴿سَلْسَبِيلا﴾ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِأُمَّتِهِ بِسُؤالِ السَّبِيلِ إلَيْها وعَزَوْهُ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ بِظاهِرِهِ إلّا أنْ يُرادَ أنَّ جُمْلَةَ قَوْلِ القائِلِ ﴿سَلْسَبِيلا﴾ جُعِلَتْ اسْمًا لِلْعَيْنِ كَما قِيلَ تَأبَّطَ شَرّا وذُرى حُبّا، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَشْرَبُ مِنها إلّا مَن سالَ إلَيْها سَبِيلًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ وهو مَعَ اسْتِقامَتِهِ في العَرَبِيَّةِ تَكَلُّفُ وابْتِداعٌ، وعَزْوُهُ إلى مِثْلِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أبْدَعُ ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ افْتِراءٌ عَلَيْهِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وفي شِعْرِ ابْنِ مُطْرانَ الشّاشِيِّ:
سَلْسَبِيلًا فِيها إلى راحَةِ النَّفْسِ ∗∗∗ بِراحٍ كَأنَّها سَلْسَبِيلُ
وفِيهِ الجِناسُ المُلَفَّقُ واسْتَعْمَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحْدَثِينَ.
الإنسان 76:19
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أيْ دائِمُونَ عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الطَّراوَةِ والبَهاءِ وقِيلَ مُقَرَّطُونَ بِخَلَدَةٍ وهي ضَرْبٌ مِنَ القِرَطَةِ
وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «إنَّهم ألْفُ خادِمٍ» .
وفِي بَعْضِ الآثارِ أضْعافُ ذَلِكَ:
والجُودُ أعْظَمُ والمَواهِبُ أوْسَعُ ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ قِلَّةً وكَثْرَةً بِاخْتِلافِ أعْمالِ المَخْدُومِينَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ لِحُسْنِهِمْ وصَفاءِ ألْوانِهِمْ وإشْراقِ وُجُوهِهِمْ وانْبِثاثِهِمْ في مَجالِسِهِمْ ومَنازِلِهِمْ وانْعِكاسِ أشِعَّةِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، وقِيلَ شُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ الرُّطَبِ إذا نُثِرَ مِن صَدَفِهِ لِأنَّهُ أحْسَنُ وأكْثَرُ ماءً وعَلَيْهِ هو مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ لِأنَّ الِانْبِثاثَ غَيْرُ مَلْحُوظٍ والخِطابَ في ﴿رَأيْتَهُمْ﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِكُلِّ واقِفٍ عَلَيْهِ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى.
الإنسان 76:20
﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ﴾ أيْ هُناكَ يَعْنِي في الجَنَّةِ وهو في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِ، ورَأيْتَ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَيُفِيدُ العُمُومَ في المَقامِ الخِطابِيِّ فالمَعْنى أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ ﴿رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ عَظِيمَ القَدْرِ لا تُحِيطُ بِهِ عَبّارَةٌ وهو يَشْمَلُ المَحْسُوسَ والمَعْقُولَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الكَلْبِيُّ: عَرِيضًا واسِعًا يُبْصِرُ أدْناهم مَنزِلَةً في الجَنَّةِ في مُلْكٍ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ وذَلِكَ لِما يُعْطى مِن حِدَّةِ النَّظَرِ أوْ هو مِن خَصائِصِ الجَنَّةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ إلّا بِإذْنٍ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: وأظُنُّهُ كَما ظَنَّ أبُو حَيّانٍ الحَكِيمُ لا أبا عِيسى المُحَدِّثَ صاحِبَ الجامِعِ هو مِلْكُ التَّكْوِينِ والمَشِيئَةِ إذا أرادُوا شَيْئًا كانَ، وقِيلَ هو النَّظَرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وقِيلَ المُلْكُ الدّائِمُ الَّذِي لا زَوالَ لَهُ.
وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ المَعْنى وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ رَأيْتَ إلَخِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ أرادَ أنَّ ﴿ثَمَّ﴾ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِلَةً لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ هو مَفْعُولُ ﴿رَأيْتَ﴾ والتَّقْدِيرُ وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا إلَخِ فَحُذِفَ ما كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: 94] أيْ ما بَيْنَكم وتَعَقَّبَهُ الزَّجاجُ ثُمَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الكُوفِيِّينَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ ومِنهُ قَوْلُهُ:
فَمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ
أرادَ ومَن يَمْدَحُهُ فَحَذَفَ المَوْصُولَ وأبْقى صِلَتَهُ وقَدْ يُقالُ إنَّ ذَلِكَ إنَّما يَرِدُ لَوْ أرادَ أنَّ المَوْصُولَ مُقَدَّرٌ أمّا لَوْ أرادَ المَعْنى وأنَّ الظَّرْفَ يُغْنِي غَناءَ المَفْعُولِ بِهِ فَهو كَلامٌ صَحِيحٌ لَأنَّ الظَّرْفَ والمَرْئِيَّ كِلَيْهِما الجَنَّةُ. وقَرَأ حَمِيدٌ الأعْرَجُ «﴿ثَمَّ﴾» بِضَمِّ
صفحة 162
الثّاءِ حَرْفُ عَطْفٍ، وجَوابُ ﴿إذا﴾ عَلى هَذا المَحْذُوفِ يُقَدَّرُ بِنَحْوِ تَحَيَّرَ فِكْرُكَ أوْ بِنَحْوِ رَأيْتَ عامِلًا في نَعِيمًا.
الإنسان 76:21
﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ قِيلَ عالِيَهم ظَرْفٌ بِمَعْنى فَوْقَهم عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ( وثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ﴿عالِيَهُمْ﴾ فَهي شَرْحٌ لِحالِ الأبْرارِ المُطَوِّفِ عَلَيْهِمْ.
وقالَ أبُو حَيّانٍ: إنَّ عالِيَ نَفْسِهِ حالٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ وهو اسْمُ فاعِلٍ ( وثِيابُ ) مَرْفُوعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِهِ ويَحْتاجُ في إثْباتِ كَوْنِهِ ظَرْفًا إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ عالِيَكَ ثَوْبٌ مَثَلًا ومِثْلُهُ فِيما ذُكِرَ عالِيَةً. وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ لَقّاهم أوْ مِن ضَمِيرِ جَزاهم وقِيلَ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ والكُلُّ بَعِيدٌ وجُوِّزَ كَوْنُ الحالِ مِن مُضافٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَ ﴿نَعِيمًا﴾ أوْ قَبْلَ ( مُلْكًا ) أيْ رَأيْتَ أهْلَ نَعِيمٍ أوْ أهْلَ مُلْكٍ عالِيَهم إلَخِ وهو تَكَلُّفٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ.
وقِيلَ: صاحِبُ الحالِ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ فَهي شَرْحٌ لِحالِ الطّائِفِينَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِما فِيهِ مِن لُزُومِ التَّفْكِيكِ ضَرُورَةَ أنَّ ضَمِيرَ ( سَقاهم )فِيما بَعْدُ كالمُتَعَيِّنِ عَوْدُهُ عَلى الأبْرارِ وكَوْنُهُ مِنَ التَّفْكِيكِ مَعَ القَرِينَةِ المُعَيَّنَةِ وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ مَمْنُوعٌ.
واعْتُرِضَ أيْضًا أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ يَصِيرُ داخِلًا تَحْتَ الحُسْبانِ وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وهم لابِسُونَ الثِّيابَ حَقِيقَةً بِخِلافِ كَوْنِهِمْ لُؤْلُؤًا فَإنَّهُ عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ المُقْتَضِي لِقُرْبِ شَبَهِهِمْ بِاللُّؤْلُؤِ أنْ يُحْسَبُوا لُؤْلُؤًا. وأُجِيبُ بِأنَّ الحُسْبانَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لا يَقْتَضِي دُخُولَ الحالِ تَحْتَ الحُسْبانِ ورَفْعُ ﴿خُضْرٌ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ( ثِيابٌ وإسْتَبْرَقٌ ) عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿ثِيابُ﴾ والمُرادُ وثِيابٌ إسْتَبْرَقٌ. والسُّنْدُسُ قالَ ثَعْلَبٌ: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، وقِيلَ: ما رَقَّ مِن ثِيابِ الحَرِيرِ والفَرْقُ أنَّ الدِّيباجَ ضَرْبٌ مِنَ الحَرِيرِ المَنسُوجِ يَتْلُونَ ألْوانًا.
وقالَ اللَّيْثُ: هو ضَرْبٌ مِنَ البَزْيُونِ يُتَّخَذُ مِنَ المَرْعَزِ وهو مُعَرَّبٌ بِلا خِلافٍ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى ما في القامُوسِ وغَيْرِهِ. وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مُعَرَّبًا أصْلُهُ سَنَدِيٌّ بِياءِ النِّسْبَةِ لِأنَّهُ يُجْلَبُ مِنَ السِّنْدِ فَأُبْدِلَتِ الياءُ سِينًا كَما قالَ في سادِيٍّ سادِسٍ وهو كَما تَرى. والإسْتَبْرَقُ قِيلَ: ما غَلُظَ مِن ثِيابِ الحَرِيرِ، وقالَ أبُو إسْحاقَ: الدِّيباجُ الصَّفِيقُ الغَلِيظُ الحَسَنُ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: ثِيابُ حَرِيرٍ نَحْوَ الدِّيباجِ.
وعَنِ ابْنِ عَبادَةَ هو بُرْدَةٌ حَمْراءُ وقِيلَ هو المَنسُوجُ مِنَ الذَّهَبِ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ عِنْدَ جَمْعِ أصْلِهِ بِالفارِسِيَّةِ اسْتَبَرَهُ، وفي القامُوسِ مُعَرَّبُ اسْتُرُوهُ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ وأنَّهُ قالَ: إنَّهُ سُرْيانِيٌّ وقِيلَ مُعَرَّبُ اسْتَفْرَهَ وما في صُورَةِ الفاءِ لَيْسَتْ فاءً خالِصَةً وإنَّما هي بَيْنَ الفاءِ والباءِ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ وافَقَتْ لُغَةَ العَرَبِ فِيهِ لُغَةُ غَيْرِهِمْ واسْتَصْوَبَهُ الأزْهَرِيُّ وكَما اخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ هو مُعَرَّبٌ أوْ عَرَبِيٌّ اخْتَلَفُوا هَلْ هو نَكِرَةٌ أوْ عِلْمُ جِنْسٍ مَبْنِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ أوْ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ وهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ قَطْعٍ أوْ وصْلٍ، والصَّحِيحُ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ نَكِرَةٌ مُعْرَّبٌ مَصْرُوفٌ مَقْطُوعُ الهَمْزَةِ كَما يَشْهَدُ بِهِ القِراءَةُ المُتَواتِرَةُ، وسَيُعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى حالُ ما يُخالِفُها وفي جامِعِ التَّعْرِيبِ أنَّ جَمْعَهُ أبارِقُ وتَصْغِيرَهُ أُبَيْرَقٌ حُذِفَتِ السِّينُ والتّاءُ في التَّكْسِيرِ لِأنَّهُما زِيدَتا مَعًا فَأُجْرِيَ مَجْرى الزِّيادَةِ الواحِدَةِ وفي المَسْألَةِ خِلافٌ أيْضًا مَذْكُورٌ في مَحَلِّهِ ولَمْ يَذْكُرْ لَوْنَ هَذا الإسْتَبْرَقِ. وأشارَ ناصِرُ الدِّينِ إلى أنَّهُ الخُضْرَةُ فَخُضْرٌ وإنَّ تَوَسَّطَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَهو لَهُما وعَلى كُلِّ حالٍ هَذِهِ الثِّيابُ لِباسٌ لَهم ورُبَّما تُشْعِرُ الآيَةُ بِأنَّ تَحْتَها ثِيابًا أُخْرى وقِيلَ عَلى وجْهِ الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أنَّ المُرادَ فَوْقَ حِجالِهِمُ المَضْرُوبَةِ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ إلَخْ. وحاصِلُهُ أنْ حِجالَهم مُكَلَّلَةٌ بِالسُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ عالِيهِمْ بِسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وهي رِوايَةُ أبانَ عَنْ عاصِمٍ فَهو مَرْفُوعٌ بِضَمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلى الياءِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ «وثِيابُ» خَبَرُهُ وعِنْدَ الأخْفَشِ فاعِلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ وقِيلَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ «وثِيابُ» مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وأخْبَرَ بِهِ عَنِ النَّكِرَةِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ وإضافَتُهُ لَفْظِيَّةٌ وهو في مَعْنى الجَماعَةِ كَما في ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 67] عَلى ما صَرَّحَ بِهِ مَكِّيٌّ ولا حاجَةَ إلى التِزامِهِ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ. وقِيلَ: هو باقٍ عَلى النَّصْبِ والفَتْحَةُ مُقَدَّرَةٌ عَلى الياءِ وأنْتَ تَعْلَمُ
صفحة 163
أنَّ مِثْلَهُ شاذٌّ أوْ ضَرُورَةٌ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُخْرَّجَ عَلَيْهِ القِراءَةُ المُتَواتِرَةُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «عالِيَتُهُمْ» بِالياءِ والتّاءُ مَضْمُومَةٌ وعَنِ الأعْمَشِ أيْضًا وأبانَ عَنْ عاصِمٍ فَتْحُ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وتَخْرِيجُهُما كَتَخْرِيجِ «عالِيَهُمْ» بِالسُّكُونِ والنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ سَيْرَيْنَ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ وقَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ وأبانُ أيْضًا «عَلَيْهِمْ» جارًّا ومَجْرُورًا فَهو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ( وثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ. وقَرَأتْ عائِشَةُ «عَلَتْهُمْ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ فِعْلًا ماضِيًا «فَثِيابُ» فاعِلٌ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ «ثِيابٌ سُنْدُسٌ» بِتَنْوِينِ «ثِيابٍ» ورَفْعِ «سُنْدُسٌ» عَلى أنَّهُ وصْفٌ لَها وهَذا كَما نَقُولُ ثَوْبٌ حَرِيرٌ تُرِيدُ مِن هَذا الجِنْسَ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ في رِوايَةِ «وإسْتِبْرَقٍ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى «سُنْدُسٍ» . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِجَرِّ «خُضْرٍ» صِفَةً لِسُنْدُسٍ وهو في مَعْنى الجَمْعِ.
وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ وصْفَ اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدِهِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ بِالجَمْعِ جائِزٌ فَصِيحٌ وعَلَيْهِ ﴿ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرَّعْدِ: 12] ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ [ق: 10] وقَدْ جاءَ «سُنْدُسَةٌ» في الواحِدَةِ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وجُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِثِيابِ وجَرُّهُ لِلْجِوارِ وفِيهِ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ والحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ» بِجَرِّهِما وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «وإسْتَبْرَقٌ» بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ القافِ كَما في عامَّةِ كُتُبِ القِراءاتِ ويُفْهَمُ مِنَ الكَشّافِ أنَّهُ قَرَأ بِالقَطْعِ والفَتْحِ وأنَّ غَيْرَهُ قَرَأ بِما تَقَدَّمَ وهو خِلافُ المَعْرُوفِ، وخُرِّجَ الفَتْحُ عَلى المَنعِ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ وغَلَّظَ بِأنَّهُ نَكِرَةٌ يَدْخُلُهُ حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَيُقالُ: الإسْتَبْرَقُ وقِيلَ إنَّ ذاكَ كَذا والوَصْلُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُسَمّى بِاسْتَفْعَلَ مِنَ البَرِيقِ يُقالُ بَرِقَ وإسْتَبْرَقِ كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ فَهو في الأصْلِ فِعْلٌ ماضٍ ثُمَّ جُعِلَ عَلَمًا لِهَذا النَّوْعِ مِنَ الثِّيابِ فَمُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ دُونَ العُجْمَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَهُ مُعْرَبًا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُنْكَرَ.
وقِيلَ هو مَبْنِيٌّ مَنقُولٌ مِن جُمْلَةِ فِعْلٍ وضَمِيرٍ مُسْتَتِرٍ وحالُهُ لا يَخْفى. واخْتارَ أبُو حَيّانٍ أنْ «إسْتَبْرَقَ» عَلى قِراءَةِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ فِعْلٌ ماضٍ مِنَ البَرِيقِ كَما سَمِعْتَ وأنَّهُ باقٍ عَلى ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ ولَمْ يُجْعَلْ عَلَمًا لِلنَّوْعِ المَعْرُوفِ مِنَ الثِّيابِ وفِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى السُّنْدُسِ أوْ عَلى الأخْضَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿خُضْرٌ﴾ كَأنَّهُ لَمّا وُصِفَ بِالخُضْرَةِ وهي مِمّا يَكُونُ فِيها لِشِدَّتِها دُهْمَةٌ وغَبَشٌ أخْبَرَ أنَّ في ذَلِكَ اللَّوْنِ بَرِيقًا وحُسْنًا يُزِيلُ غَبَشَهُ فَقِيلَ ﴿وإسْتَبْرَقٌ﴾ أيْ بَرْقٌ ولَمْعٌ لَمَعانًا شَدِيدًا ثُمَّ قالَ مُعَرِّضًا بِمَن غَلَّطَهُ كَأبِي حاتِمٍ والزَّمَخْشَرِيِّ وهَذا التَّخْرِيجُ أوْلى مِن تَلْحِينِ قارِئٍ جَلِيلٍ مَشْهُورٍ بِمَعْرِفَةِ العَرَبِيَّةِ وتَوْهِيمِ ضابِطٍ ثِقَةٍ قَدْ أخَذَ عَنْ أكابِرِ العُلَماءِ انْتَهى.
وقِيلَ: الجُمْلَةُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضَةٌ أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ﴾ جَمْعُ سُوارٍ وهو مَعْرُوفٌ وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ مُعَرَّبُ دُسْتُوارَهْ ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ هي فِضَّةٌ لائِقَةٌ بِتِلْكَ الدّارِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا عَطْفٌ عَلى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ واخْتِلافُهُما بِالمُضِيِّ والمُضارَعَةِ لِأنَّ الحالِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى الطَّوافِ المُتَجَدِّدِ ولا يُنافِي ما هُنا قَوْلُهُ تَعالى ( أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ) [الكَهْفِ: 31، الحَجِّ: 23، فاطِرٍ: 33] لِإمْكانِ الجَمْعِ بِتَعَدُّدِ الأساوِرِ لِكُلٍّ والمُعاقَبَةِ بِلَبْسِ الذَّهَبِ تارَةً والفِضَّةِ أُخْرى، والتَّبْعِيضِ بِأنْ يَكُونَ أساوِرُ بَعْضٍ ذَهَبًا وبَعْضٍ فِضَّةً لِاخْتِلافِ الأعْمالِ.
وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿عالِيَهُمْ﴾ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ فَإنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلطّائِفِينَ عَلى أنْ يَكُونَ ﴿عالِيَهُمْ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ حِسِبْتَهم جازَ أنْ يُقالَ الفِضَّةُ لِلْخَدَمِ والذَّهَبُ لِلْمَخْدُومِينَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأساوِرِ الأنْوارَ الفائِضَةَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ المُتَفاوِتَةِ لِتَفاوُتِ الأعْمالِ تَفاوُتَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِأساوِرِ الأيْدِي لِأنَّهُ جَزاءُ ما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَلِيقُ بِالتَّفْسِيرِ. وحَرِيٌّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإشارَةِ ثُمَّ إنَّ التَّحْلِيَةَ إنْ كانَتْ لِلْوِلْدانِ فَلا كَلامَ ويَكُونُونَ عَلى القَوْلِ الثّانِي في ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ مُسَوَّرِينِ (مُقَرَّطِينَ وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ وإنْ كانَتْ لِأهْلِ الجَنَّةِ المَخْدُومِينَ فَقَدِ اسْتَشْكَلَ بِأنَّها لا تَلِيقُ بِالرِّجالِ وإنَّما تَلِيقُ بِالنِّساءِ والوالِدانِ، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ العاداتِ والطَّبائِعِ ونَشْأةُ الآخِرَةِ غَيْرُ هَذِهِ النَّشْأةِ ومِنَ المَشاهِدِ في الدُّنْيا أنَّ بَعْضَ مُلُوكِها يَتَحَلَّوْنَ بِأعْضادِهِمْ وعَلى تِيجانِهِمْ وعَلى صُدُورِهِمْ بِبَعْضِ أنْواعِ الحُلِيِّ مِمّا هو
صفحة 164
عِنْدَ بَعْضِ الطِّباعِ أوْلى بِالنِّساءِ ولِلصِّبْيانِ ولا يَرَوْنَ ذَلِكَ بِدَعًا ولا نَقْصًا كُلُّ ذَلِكَ لِمَكانِ الإلْفِ والعادَةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِن طِباعِ أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ المَيْلُ إلى الحُلِيِّ مُطْلَقًا لا سِيَّما وهم جُرْدٌ مُرْدٌ أبْناءُ ثَلاثِينَ.
وقِيلَ إنَّ الأساوِرَ إنَّما تَكُونُ لِنِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ والصِّبْيانِ فَقَطْ لَكِنْ غَلَبَ في اللَّفْظِ جانِبُ التَّذْكِيرِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هو نَوْعٌ آخَرُ يَفُوقُ النَّوْعَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما ما مُزِجَ بِالكافُورِ وما مُزِجَ بِالزَّنْجَبِيلِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ إسْنادُ سَقْيِهِ إلى رَبِّ العالَمِينَ ووَصْفِهِ بِالطَّهُورِيَّةِ. قالَ أبُو قِلابَةَ: يُؤْتَوْنَ بِالطَّعامِ والشَّرابِ فَإذا كانَ آخِرُ ذَلِكَ أُتُوا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ فَيُطَهِّرُ بِذَلِكَ قُلُوبَهم وبُطُونَهم ويَفِيضُ عَرَقًا مِن جُلُودِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ. وعَنْ مُقاتِلٍ هو ماءُ عَيْنٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ مِن ساقِ شَجَرَةٍ مَن شَرِبَ مِنهُ نَزَعَ اللَّهُ تَعالى ما كانَ في قَلْبِهِ مِن غِشٍّ وغِلٍّ وحَسَدٍ وما كانَ في جَوْفِهِ مِن قَذَرٍ وأذًى أيْ إنْ كانَ فالطَّهُورُ عَلَيْهِما بِمَعْنى المُطَهِّرِ وقَدْ تَقَدَّمَ في ذَلِكَ كَلامٌ فَتَذَكَّرْ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ أُرِيدَ أنَّهُ في غايَةِ الطَّهارَةِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِرِجْسٍ كَخَمْرِ الدُّنْيا الَّتِي هي في الشَّرْعِ رِجْسٌ لِأنَّ الدّارَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ أوْ لِأنَّهُ لَمْ يُعْصَرْ فَتَمَسُّهُ الأيْدِي الوَضِرَةُ وتَدُوسُهُ الأقْدامُ الدَّنِسَةُ. ولَمْ يُجْعَلْ في الدِّنانِ والأبارِيقِ الَّتِي لَمْ يَعِنَّ بِتَنْظِيفِها أوْ لِأنَّهُ لا يُؤَوَّلُ إلى النَّجاسَةِ لِأنَّهُ يُرْشَحُ عَرَقًا مِن أبْدانِهِمْ لَهُ رِيحٌ كَرِيحِ المِسْكِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِذاكَ الشَّرابُ الرُّوحانِيُّ لا المَحْسُوسَ وهو عِبارَةٌ عَنِ التَّجَلِّي الرَّبّانِيِّ الَّذِي يُسْكِرُهم عَمّا سِواهُ:
صَفاءٌ ولا ماءَ ولُطْفٌ ولا هَوا ونُورٌ ولا نارَ ورُوحٌ ولا جِسْمَ
ولَعَلَّ كُلَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ الفارِضِ في خَمْرِيَّتِهِ الَّتِي لَمْ يُفْرَغْ مِثْلُها في كَأْسٍ إشارَةٌ إلى هَذا الشَّرابِ وإيّاهُ عَنى بِقَوْلِهِ:
سَقَوْنِي وقالُوا لا تُغَنِّ ولَوْ سَقَوْا ∗∗∗ جِبالَ حَنِينٍ ما سَقَوْنِي لَغَنَّتْ
ويُحْكى أنَّهُ سُئِلَ أبُو يَزِيدَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ سَقاهم شَرابًا طَهَّرَهم بِهِ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ ثُمَّ قالَ: إنَّ للَّهِ تَعالى شَرابًا ادَّخَرَهُ لِأفاضِلِ عِبادِهِ يَتَوَلّى سَقْيَهم إيّاهُ فَإذا شَرِبُوا طاشُوا وإذا طاشُوا طارُوا وإذا طارُوا وصَلُوا وإذا وصَلُوا اتَّصَلُوا فَهم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القَمَرِ: 55] وحَمَلَ بَعْضُهم جَمِيعَ الأشْرِبَةِ عَلى غَيْرِ المُتَبادِرِ مِنها، فَقالَ: إنَّ الأنْوارَ الفائِضَةَ مِن جَواهِرِ أكابِرِ المَلائِكَةِ وعُظَمائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى هَذِهِ الأرْواحِ مُشَبَّهَةٌ بِالماءِ العَذْبِ الَّذِي يُزِيلُ العَطَشُ ويُقَوِّي البَدَنَ، وكَما أنَّ العُيُونَ مُتَفاوِتَةٌ في الصَّفاءِ والكَثْرَةِ والقُوَّةِ فَكَذا يَنابِيعُ الأنْوارِ العُلْوِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ فَبَعْضُها كافُورِيَّةٌ عَلى طَبْعِ البَرْدِ واليُبْسِ ويَكُونُ صاحِبُ ذَلِكَ في الدُّنْيا في مَقامِ الحُزْنِ والبُكاءِ والِانْقِباضِ، وبَعْضُها يَكُونُ زَنْجَبِيلِيًّا عَلى طَبْعِ الحَرِّ واليَبْسِ ويَكُونُ صاحِبُهُ قَلِيلَ الِالتِفاتِ إلى السَّوِيِّ قَلِيلَ المُبالاةِ بِالأجْسامِ والجُسْمانِيّاتِ ثُمَّ لا يَزالُ الرُّوحُ البَشَرِيُّ مُنْتَقِلًا مِن يَنْبُوعٍ إلى يَنْبُوعٍ ومِن نُورٍ إلى نُورٍ ولا شَكَّ أنَّ الأسْبابَ والمُسَبِّباتِ مُتَناهِيَةٌ في ارْتِقائِها إلى واجِبِ الوُجُودِ الَّذِي هو النُّورُ المُطْلَقُ جَلَّ جَلالُهُ، فَإذا وصَلَ إلى ذَلِكَ المَقامِ وشَرِبَ ذَلِكَ الشَّرابَ انْهَضَمَتْ تِلْكَ الأشْرِبَةُ المُتَقَدِّمَةُ بَلْ فَنِيَتْ لِأنَّ نُورَ ما سِوى اللَّهِ يَضْمَحِلُّ في مُقابَلَةِ نُورِ جَلالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وكِبْرِيائِهِ وذَلِكَ آخِرُ سَيْرِ الصَّدِيقِينَ ومُنْتَهى دَرَجاتِهِمْ في الِارْتِقاءِ والكَمالِ، ولِهَذا خَتَمَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ ثَوابِ الأبْرارِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ .
الإنسان 76:22
﴿إنَّ هَذا﴾ الَّذِي ذَكَرَ مِن فُنُونِ الكَراماتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ ﴿كانَ لَكم جَزاءً﴾ بِمُقابَلَةِ أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ الَّتِي اقْتَضاها حُسْنُ اسْتِعْدادِكم واخْتِيارِكُمْ، والظّاهِرُ أنَّ المَجِيءَ بِالفِعْلِ لِلتَّحْقِيقِ والدَّوامِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ كانَ في عِلْمِي وحُكْمِي وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا أوْ مُجازًى عَلَيْهِ غَيْرَ مُضَيَّعٍ، والكَلامُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ ويُقالُ لَهم بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ ومُشاهَدَتِهِمْ ما أعَدَّ لَهم إنَّ هَذا إلَخِ والغَرَضُ أنْ يَزْدادَ سُرُورُهم فَإنَّهُ يُقالُ لِلْمُعاقَبِ هَذا بِعَمَلِكَ الرَّدِيءِ فَيَزْدادُ غَمُّهُ ولِلْمُثابِ هَذا بِطاعَتِكَ وعَمَلِكَ الحَسَنِ فَيَزْدادُ سُرُورُهُ ويَكُونُ ذَلِكَ تَهْنِئَةً لَهُ
صفحة 165
، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا كَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ شَرَحَ ثَوابَ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: إنَّ هَذا كانَ في عِلْمِي وحُكْمِي جَزاءً لَكم يا مَعْشَرَ عِبادِي وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا، وقِيلَ: وهو لا يُغْنِي عَنِ الإضْمارِ لِيَرْتَبِطَ بِما قَبْلَهُ وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنَ الجَزاءِ ما تَهُشُّ لَهُ الألْبابُ وأعْقَبَهُ جَلَّ وعَلا بِما يَدُلُّ عَلى الرِّضا الَّذِي هو أعْلى وأغْلى لَدى الأحْبابِ:
إذا كُنْتَ عَنِّي يا مُنى القَلْبِ راضِيًا أرى كُلَّ مَن في الكَوْنِ لِي يَتَبَسَّمُ
ورُوِيَ مِن طُرُقٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ أسْوَدُ، فَلَمّا بَلَغَ صِفَةَ الجِنانِ زَفَرَ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أخْرَجَ نَفْسَ صاحِبِكُمُ الشَّوْقُ إلى الجَنَّةِ» .
الإنسان 76:23
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا حالَ الإنْسانِ وقَسَّمَهُ إلى الطّائِعِ والعاصِي وأمْعَنَ جَلَّ شَأْنُهُ فِيما أعَدَّهُ لِلطّائِعِ مُشِيرًا إلى عِظَمِ سِعَةِ الرَّحْمَةِ ذَكَرَ ما شَرَّفَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ إزالَةً لِوَحْشَتِهِ وتَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا﴾ أيْ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا في نَحْوِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً لِحِكَمٍ بالِغَةٍ مُقْتَضِيَةٍ لَهُ لا غَيْرُنا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ تَكْرِيرُ الضَّمِيرِ مَعَ أنَّ سَواء ٌكانَ المُنْفَصِلُ تَأْكِيدًا أوْ فَصْلًا أوْ مُبْتَدَأً.
الإنسان 76:24
﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ بِتَأْخِيرِ نَصْرِكَ عَلى الكُفّارِ فَإنَّ لَهُ عاقِبَةً حَمِيدَةً ﴿ولا تُطِعْ﴾ قِلَّةَ صَبْرٍ مِنكَ عَلى أذاهم وضَجَرًا مِن تَأخُّرِ نَصْرِكَ ﴿مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ قِيلَ إنَّ ( أوْ ) لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ في جَمِيعِ مَواقِعِها، ويَعْرِضُ لَها مَعانٍ أُخَرُ كالشَّكِّ والإباحَةِ وغَيْرِهِما فَيَكُونُ أصْلُ المَعْنى هُنا ﴿ولا تُطِعْ مِنهُمْ﴾ أحَدَ النَّوْعَيْنِ ولَمّا كانَ أحَدٌ الأغْلَبُ عَلَيْهِ في غَيْرِ الإثْباتِ العُمُومُ واحْتِمالُ غَيْرِهِ احْتِمالٌ مَرْجُوحٌ صارَ المَعْنى عَلى النَّهْيِ عَنْ إطاعَةِ هَذا وهَذا، ولَمْ يُؤْتَ بِالواوِ لِاحْتِمالِ الكَلامِ عَلَيْهِ النَّهْيَ عَنِ المَجْمُوعِ ويَحْصُلُ امْتِثالُهُ بِالِانْتِهاءِ عَنْ واحِدٍ دُونَ الآخَرِ، فَلا يُرِدْ أنْ لا تَطَلَّعَ أحَدَ النَّوْعَيْنِ يَحْصُلُ الِامْتِثالُ بِهِ بِتَرْكِ إطاعَةِ واحِدٍ مِن إطاعَةِ الآخَرِ إذْ يُقالُ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ إنَّهُ لَمْ يُطِعْ أحَدَهُما، ومِن هُنا قِيلَ إنَّ ( أوْ ) في الإثْباتِ تُفِيدُ أحَدَ الأمْرَيْنِ، وفي النَّفْيِ تُفِيدُ نَفْيَ كِلا الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ في مَعْنى كَلامِ ابْنِ الحاجِبِ حَيْثُ قالَ: إنَّ وضْعَ ( أوْ ) لِإثْباتِ الحُكْمِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ إلّا أنَّهُ إنْ حَصَلَتْ قَرِينَةٌ يُفْهَمُ مَعَها أنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ غَيْرُ حاجِزٍ عَنِ الآخَرِ مِثْلَ قَوْلِكَ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ سُمِّيَ إباحَةً وإنْ حَجَرَ فَهو لِأحَدِ الأمْرَيْنِ. واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم وُقُوعَها في النَّهْيِ كَـ لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا إذا لَوِ انْتَهى عَنْ أحَدِهِما لَمْ يَمْتَثِلْ.
ومِن ثَمَّ حَمَلَها بَعْضُهم يَعْنِي أبا عُبَيْدَةَ عَلى أنَّها بِمَعْنى الواوِ والأوَّلُ أنْ تَبْقى عَلى بابِها وإنَّما جاءَ التَّعْمِيمُ فِيها مِن وراءِ ذَلِكَ وهو النَّهْيُ الَّذِي فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ لِأنَّ المَعْنى قَبْلَ وُجُودِ النَّهْيِ تُطِيعُ آثِمًا أوْ كَفُورًا أيْ واحِدًا مِنهُما، فَإذا جاءَ النَّهْيُ ورَدَ عَلى ما كانَ ثابِتًا في المَعْنى فَيَصِيرُ المَعْنى ولا تُطِعْ واحِدًا مِنهُما فَيَجِيءُ التَّعْمِيمُ فِيهِما مِن جِهَةِ النَّهْيِ وهي عَلى بابِها فِيما ذَكَرَ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ الِانْتِهاءُ عَنْ أحَدِهِما حَتّى يَنْتَهِيَ عَنْهُما بِخِلافِ الإثْباتِ فَإنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ انْتَهى.
وعَلَيْهِ ما قِيلَ إنَّ إفادَةَ العُمُومِ في النَّفْيِ والنَّهْيِ الَّذِي في مَعْناهُ لَمّا أنْ تَقَيَّضَ الإيجابُ الجُزْئِيُّ السَّلْبَ الكُلِّيَّ. وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُ الزَّجّاجِ إنَّ ( أوْ ) هاهُنا أوْكَدُ مِنَ الواوِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ، فَإذا أبْدَلْتَها بَأْوْ فَقَدْ دَلَّلَتْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ لِأنْ يُعْصى ويُعْلَمُ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ إطاعَتِهِما مَعًا كَما لا يَخْفى. وأفادَ جارُ اللَّهِ أنَّ ( أوْ ) باقِيَةٌ عَلى حَقِيقَتِها وأنَّ النَّهْيَ عَنْ إطاعَتِهِما جَمِيعًا إنَّما جاءَ مِن دَلالَةِ النَّصِّ وهي المُسَمّى مَفْهُومَ المُوافَقَةِ بِقِسْمَيْهِ الأوَّلِيِّ والمُساوِيِّ فَتَأمَّلْ.
والمُرادُ بِالآثِمِ والكَفُورِ جِنْسُهُما وتَعْلِيقُ النَّهْيِ بِذَلِكَ مُشْعِرٌ بِعَلِيَّةِ الوَصْفَيْنِ لَهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الإطاعَةِ في الإثْمِ والكُفْرِ لا فِيما لَيْسَ بِإثْمٍ ولا كُفْرٍ، والمُرادُ ولا تُطِعْ مُرْتَكِبَ الإثْمِ الدّاعِيَ لَكَ إلَيْهِ أوْ مُرْتَكِبَ الكُفْرِ الدّاعِيَ إلَيْهِ أيْ لا تَتْبَعْ أحَدًا مِنَ الآثِمِ إذا دَعاكَ إلى الإثْمِ، ومِنَ الكَفُورِ إذا دَعاكَ إلى الكُفْرِ فَإنَّهُ إذا قِيلَ لا تُطِعْ
صفحة 166
الظّالِمَ فُهِمَ مِنهُ لا تَتْبَعُهُ في الظُّلْمِ إذا دَعاكَ إلَيْهِ ومَنعُ هَذا الفَهْمِ مُكابَرَةٌ فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ جَوازِ الِاقْتِداءِ بِالفاسِقِ إذا صَلّى إمامًا ثُمَّ إنَّ التَّقْسِيمَ بِاعْتِبارِ ما يَدْعُوانِ إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والإثْمِ المُقابِلِ لَهُ لا بِاعْتِبارِ الذَّواتِ حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم آثِمًا وبَعْضُهم كَفُورًا فَيُقالُ: كَيْفَ ذَلِكَ وكُلُّهم كَفَرَةٌ والمُبالَغَةُ في «كَفُورٍ» قِيلَ لِمُوافَقَةِ الواقِعِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آلِ عِمْرانَ: 130] واعْتِبارُ رُجُوعِها إلى النَّهْيِ كاعْتِبارِ رُجُوعِها إلى النَّفْيِ عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَتْ: 46] كَما تَرى، وقِيلَ الآثِمُ المُنافِقُ والكَفُورُ المُشْرِكُ المُجاهِرُ. وقِيلَ الآثِمُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والكَفُورُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ لِأنَّ عُتْبَةَ كانَ رَكّابًا لِلْمَآثِمِ مُتَعاطِيًا لِأنْواعِ الفُسُوقِ، وكانَ الوَلِيدُ غالِيًا في الكُفْرِ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ في العُتُوِّ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُما قالا لَهُ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ فَنَزَلَتْ
وقِيلَ الكَفُورُ أبُو جَهْلٍ والآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ والأوْلى ما تَقَدَّمَ. وفي النَّهْيِ مَعَ العِصْمَةِ إرْشادٌ لِغَيْرِ المَعْصُومِ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى والرَّغْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في الحِفْظِ عَنِ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي.
الإنسان 76:25
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ وداوِمْ عَلى ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ أوْ دُمْ عَلى صَلاةِ الفَجْرِ والظَّهْرِ والعَصْرِ فَإنَّ الأصِيلَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما بَعْدَ الزَّوالِ إلى المَغْرِبِ فَيَنْتَظِمُهُما ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ بَعْضِهِ فاسْجُدْ فَصَلِّ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ السُّجُودَ مُجازٍ عَنِ الصَّلاةِ بِذِكْرِ الجُزْءِ وإرادَةِ الكُلِّ وحَمْلُ ذَلِكَ عَلى صَلاةِ المَغْرِبِ والعَشاءِ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاعْتِناءِ والِاهْتِمامِ لِما في صَلاةِ اللَّيْلِ مِن مَزِيدِ كُلْفَةٍ وخُلُوصٍ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ وتَهَجَّدْ لَهُ تَعالى قَطْعًا مِنَ اللَّيْلِ طَوِيلًا فَهو أمْرٌ بِالتَّهَجُّدِ عَلى ما اخْتارَ لَهُ بَعْضُهم.
وتَنْوِينُ ﴿لَيْلا﴾ لِلتَّبْعِيضِ وأصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ ويُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ العِبادَةِ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِ أنَّ ذَلِكَ كانَ فَرْضًا ونُسِخَ فَلا فَرْضَ اليَوْمَ إلّا الخَمْسُ وقالَ قَوْمٌ: هو مُحْكَمٌ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ آخَرُونَ: هو كَذَلِكَ مُطْلَقًا عَلى وجْهِ النَّدْبِ وفي تَأْخِيرِ الظَّرْفِ قِيلَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ كالَّذِي قَبْلَهُ وكَذا في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالتَّسْبِيحِ وفِيهِ نَظَرٌ وقالَ الطِّيبِيُّ: الأقْرَبُ مِن حَيْثُ النَّظْمُ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى حَبِيبَهُ ﷺ عَنْ إطاعَةِ الآثِمِ والكَفُورِ وحَثِّهِ عَلى الصَّبْرِ عَلى أذاهم وإفْراطِهِمْ في العَداوَةِ، وأرادَ سُبْحانَهُ أنْ يُرْشِدَهُ إلى مُتارَكَتِهِمْ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِاسْتِغْراقِ أوْقاتِهِ بِالعِبادَةِ لَيْلًا ونَهارًا بِالصَّلَواتِ كُلِّها مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ وبِالتَّسْبِيحِ بِما يُطِيقُ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحِجْرِ: 97، 98] انْتَهى. وهو حَسَنٌ.
الإنسان 76:26
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ وداوِمْ عَلى ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ أوْ دُمْ عَلى صَلاةِ الفَجْرِ والظَّهْرِ والعَصْرِ فَإنَّ الأصِيلَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما بَعْدَ الزَّوالِ إلى المَغْرِبِ فَيَنْتَظِمُهُما ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ بَعْضِهِ فاسْجُدْ فَصَلِّ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ السُّجُودَ مُجازٍ عَنِ الصَّلاةِ بِذِكْرِ الجُزْءِ وإرادَةِ الكُلِّ وحَمْلُ ذَلِكَ عَلى صَلاةِ المَغْرِبِ والعَشاءِ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاعْتِناءِ والِاهْتِمامِ لِما في صَلاةِ اللَّيْلِ مِن مَزِيدِ كُلْفَةٍ وخُلُوصٍ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ وتَهَجَّدْ لَهُ تَعالى قَطْعًا مِنَ اللَّيْلِ طَوِيلًا فَهو أمْرٌ بِالتَّهَجُّدِ عَلى ما اخْتارَ لَهُ بَعْضُهم.
وتَنْوِينُ ﴿لَيْلا﴾ لِلتَّبْعِيضِ وأصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ ويُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ العِبادَةِ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِ أنَّ ذَلِكَ كانَ فَرْضًا ونُسِخَ فَلا فَرْضَ اليَوْمَ إلّا الخَمْسُ وقالَ قَوْمٌ: هو مُحْكَمٌ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ آخَرُونَ: هو كَذَلِكَ مُطْلَقًا عَلى وجْهِ النَّدْبِ وفي تَأْخِيرِ الظَّرْفِ قِيلَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ كالَّذِي قَبْلَهُ وكَذا في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالتَّسْبِيحِ وفِيهِ نَظَرٌ وقالَ الطِّيبِيُّ: الأقْرَبُ مِن حَيْثُ النَّظْمُ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى حَبِيبَهُ ﷺ عَنْ إطاعَةِ الآثِمِ والكَفُورِ وحَثِّهِ عَلى الصَّبْرِ عَلى أذاهم وإفْراطِهِمْ في العَداوَةِ، وأرادَ سُبْحانَهُ أنْ يُرْشِدَهُ إلى مُتارَكَتِهِمْ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِاسْتِغْراقِ أوْقاتِهِ بِالعِبادَةِ لَيْلًا ونَهارًا بِالصَّلَواتِ كُلِّها مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ وبِالتَّسْبِيحِ بِما يُطِيقُ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحِجْرِ: 97، 98] انْتَهى. وهو حَسَنٌ.
الإنسان 76:27
﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ الكَفَرَةَ ﴿يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ويَنْهَمِكُونَ في لَذّاتِها الفانِيَةِ ﴿ويَذَرُونَ وراءَهُمْ﴾ أيْ أمامَهم ﴿يَوْمًا ثَقِيلا﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ وكَوْنُهُ أمامَهم ظاهِرٌ أوْ يَذْرُوَنَ وراءَ ظُهُورِهِمْ يَوْمًا ثَقِيلًا لا يَعْبَئُونَ بِهِ فالظَّرْفُ قِيلَ عَلى الأوَّلِ حالٌ مِن ﴿يَوْمًا﴾ وعَلى هَذا ظَرْفُ ( يَذَرُونَ ) ولَوْ جُعِلَ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ في التَّعَلُّقِ صَحَّ أيْضًا ووَصْفُ اليَوْمِ بِالثَّقِيلِ لِتَشْبِيهِ شِدَّتِهِ وهو لَهُ بِثِقَلِ شَيْءٍ قادِحٍ باهِظٍ لِحامِلِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ كَأنَّهُ قِيلَ لا نُطِعْهم واشْتَغَلَ بِالأهَمِّ مِنَ العِبادَةِ لِأنَّ هَؤُلاءِ تَرَكُوا الآخِرَةَ لِلدُّنْيا فاتْرُكْ أنْتَ الدُّنْيا وأهْلَها لِلْآخِرَةِ وقِيلَ: إنَّ هَذا يُفِيدُ تَرْهِيبَ مُحِبِّ العاجِلِ وتَرْغِيبَ مُحِبِّ الآجِلِ والأوَّلُ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إطاعَةِ الآثِمِ والكَفُورِ والثّانِي عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ.
الإنسان 76:28
﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾ لا غَيْرُنا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ أيْ أحْكَمْنا رَبْطَ مَفاصِلِهِمْ بِالأعْصابِ والعُرُوقِ والأسْرُ في الأصْلِ الشَّدُّ والرَّبْطُ وأُطْلِقَ عَلى ما يُشَدُّ بِهِ ويُرْبَطُ كَما هُنا، وإرادَةُ الأعْصابِ والعُرُوقِ لِشُبَهِها بِالحِبالِ المَرْبُوطِ بِها ووَجْهُ الشَّبَهِ ظاهِرٌ ومِن هُنا قَدْ يَقُولُ العارِفُ مَن كانَ أسْرُهُ مِن ذاتِهِ وسِجْنُهُ دُنْياهُ في حَياتِهِ فَلْيَشْكُ مُدَّةَ عُمْرِهِ ولِيَتَأسَّفْ عَلى وُجُودِهِ بِأسْرِهِ والمُرادُ شِدَّةُ الخُلُقِ وكَوْنُهُ مُوَثِّقًا
صفحة 167
حَسَنًا.
ومِنهُ فَرَسٌ مَأْسُورُ الخُلُقِ إذا كانَ مُوَثِّقَهُ حَسَنًا. وعَنْ مُجاهِدٍ الأسْرُ الشَّرَجُ وفَسَّرَ بِمَجْرى الفَضْلَةِ وشَدُّ ذَلِكَ جَعْلُهُ بِحَيْثُ إذا خَرَجَ الأذى انْقَبَضَ.
ولا يَخْفى أنَّ هَذا داخِلٌ في شِدَّةِ الخُلُقِ وكَوْنِهِ مُوَثِّقًا حَسَنًا ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾ أيْ أهْلَكْناهم وبَدَّلْنا أمْثالَهم في شِدَّةِ الخُلُقِ ﴿تَبْدِيلا﴾ بَدِيعًا لا رَيْبَ فِيهِ يَعْنِي البَعْثَ والنَّشْأةَ الأُخْرى فالتَّبْدِيلُ في الصِّفاتِ لِأنَّ المَعادَ هو المُبْتَدَأُ ولِكَوْنِ الأمْرِ مُحَقَّقًا كائِنًا جِيءَ بِإذا وذِكْرُ المَشِيئَةِ لِإبْهامِ وقْتِهِ ومِثْلُهُ شائِعٌ كَما يَقُولُ العَظِيمُ لِمَن يَسْألُهُ الإنْعامَ إذا شِئْتُ أُحْسِنْ إلَيْكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وإذا شِئْنا أهْلَكْناهم وبَدَّلْنا غَيْرَهم مِمَّنْ يُطِيعُ فالتَّبْدِيلُ في الذَّواتِ وإذا لِتَحَقُّقِ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ وتَحَقُّقِ ما يَقْتَضِيهِ مِن كُفْرِهِمُ المُقْتَضِي لِاسْتِئْصالِهِمْ فَجَعَلَ ذَلِكَ المَقْدُورَ المُهَدَّدَ بِهِ كالمُحَقَّقِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِما يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهُ ولَعَلَّهُ الَّذِي أرادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِما نَقَلَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ إنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ وعِيدٌ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ كَأنَّ لَهُ وقْتًا مُعَيَّنًا ولا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: 38] لِأنَّ النِّكاتِ لا يَلْزَمُ اطِّرادُها فافْهَمْ. والوَجْهُ الأوَّلُ أوْفَقُ بِسِياقِ النَّظْمِ الجَلِيلِ.
الإنسان 76:29
﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ إشارَةٌ إلى السُّورَةِ أوِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلَيْهِ تَعالى سَبِيلًا أيْ وسِيلَةً تُوَصِّلُهُ إلى ثَوابِهِ اتَّخَذَهُ أيْ تَقَرَّبَ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ فَهو تَوَصِّلُ أيْضًا السَّبِيلَ لِلْمَقاصِدِ ﴿وما تَشاءُونَ﴾ أيْ شَيْئًا أوِ اتِّخاذَ السَّبِيلِ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِمَشِيئَتِكم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ﴿وما تَشاءُونَ﴾ الطّاعَةَ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ تَعالى قَسْرَكم عَلَيْها وهو تَحْرِيفٌ لِلْآيَةِ بِلا دَلِيلٍ، ويَلْزَمُهُ عَلى ما في الِانْتِصافِ أنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ لا يُوجَدُ إلّا إذا انْتَفَتْ وهو عَنْ مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ بِمَعْزِلٍ وأبْعَدَ مَنزِلٍ.
والظّاهِرُ ما قَرَّرْنا لِأنَّ المَفْعُولَ المَحْذُوفَ هو المَذْكُورُ أوَّلًا كَما تَقُولُ: لَوْ شِئْتُ لَقَتَلْتُ زَيْدًا أيْ لَوْ شِئْتُ القَتْلَ لا لَوْ شِئْتُ زَيْدًا ولا يُمْكِنُ لِلْمُعْتَزِلَةِ أنْ يُنازِعُوا أهْلَ الحَقِّ- في ذَلِكَ لَأنَّ المَشِيئَةَ لَيْسَتْ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ وإلّا لَتَسَلْسَلَتْ بَلِ الفِعْلُ المَقْرُونُ بِها مِنها فَدَعْوى اسْتِقْلالِ العَبْدِ مُكابَرَةٌ وكَذَلِكَ دَعْوى الجَبْرِ المُطْلَقِ مُهاتَرَةٌ والأمْرُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِإثْباتِ المَشِيئَتَيْنِ وحاصِلُهُ عَلى ما حَقَّقَهُ الكَوْرانِيُّ أنَّ العَبْدَ مُخْتارٌ في أفْعالِهِ وغَيْرُ مُخْتارٍ في اخْتِيارِهِ والثَّوابُ والعِقابُ لِحُسْنِ الِاسْتِعْدادِ النَّفْسِ الأمْرِيِّ وسُوئِهِ فَكُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ وسُبْحانَ مَن أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى.
وفِي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَلاطَمَتْ فِيها أمْواجُ القَدَرِ والجَبْرِ فالقَدَرِيُّ يَتَمَسَّكُ بِالجُمْلَةِ الأُولى ويَقُولُ إنَّ مُفادَها كَوْنُ مَشِيئَةِ العَبْدِ مُسْتَلْزَمَةً لِلْفِعْلِ وهو مَذْهَبِي والجَبْرِيُّ يَتَمَسَّكُ بِضَمِّ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ويَقُولُ إنَّ مُفادَها أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَلْزَمَةٌ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ فَيَتَحَصَّلُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَلْزَمَةٌ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ وأنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُسْتَلْزَمَةٌ لِفِعْلِ العَبْدِ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الشَّرْطِيَّةُ فَإذَنْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى مُسْتَلْزَمَةٌ لِفِعْلِ العَبْدِ لِأنَّ مُسْتَلْزَمَ المُسْتَلْزَمِ مُسْتَلْزَمٌ وذَلِكَ هو الجَبْرُ وهو صَرِيحُ مَذْهَبِي وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ بِالجَبْرِ المَحْضِ المَسْلُوبِ مَعَهُ الِاخْتِيارُ بِالكُلِّيَّةِ بَلْ يَرْجِعُ أيْضًا إلى أمْرٍ بَيْنَ أمْرَيْنِ وقَدَّرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ مَفْعُولَ ( يَشاءَ ) الِاتِّخاذَ والتَّحْصِيلَ رَدًّا لِلْكَلامِ عَلى الصَّدْرِ. فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ.
الإنسان 76:30
﴿وما تَشاءُونَ﴾ إلَخِ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ بِبَيانِ أنَّ مُجَرَّدَ مَشِيئَتِهِمْ غَيْرُ كافِيَةٍ في اتِّخاذِ السَّبِيلِ كَما هو المَفْهُومُ مِن ظاهِرِ الشِّرْطِيَّةِ أيْ وما تَشاؤُونَ اتِّخاذَ السَّبِيلِ ولا تَقْدِرُونَ عَلى تَحْصِيلِهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ تَعالى اتِّخاذَهُ وتَحْصِيلَهُ لَكم إذْ لا دَخْلَ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ إلّا مِنَ الكَسْبِ وإنَّما التَّأْثِيرُ والخَلْقُ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وفِيهِ نَوْعُ مُخالَفَةٍ لِلظّاهِرِ كَما لا يَخْفى.
نَعَمْ قِيلَ إنَّ ظاهِرَ الشَّرْطِيَّةِ أنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُطْلَقًا مُسْتَلْزَمَةٌ لِلْفِعْلِ فَيَلْزَمُ أنَّهُ مَتى شاءَ فِعْلًا فَعَلَهُ مَعَ أنَّ الواقِعَ خِلافُهُ فَلا بُدَّ مِمّا قالَهُ هَذا البَعْضُ، وجَعَلَ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وأُجِيبُ بِأنَّها لِلتَّحْقِيقِ عَلى وجْهٍ آخَرَ وذَلِكَ أنَّ الأُولى أفْهَمَتِ الِاسْتِلْزامَ والثّانِيَةَ بَيَّنَتْ أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ المُسْتَلْزَمَةَ لا تَتَحَقَّقُ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاها
صفحة 168
فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما تَشاؤُونَ مَشِيئَةً تَسْتَلْزِمُ الفِعْلَ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى مَشِيئَتَكم تِلْكَ فَتَأمَّلْ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِن مَحارِ الأفْهامِ ومَزالِّ أقْدامِ أقْوامٍ بَعْدَ أقْوامٍ وأقْوى شُبَهِ الجَبْرِيَّةِ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الشَّيْءَ ما لَمْ يَجِبْ لَمْ يُوجَدْ فَإنْ وجَبَ صُدُورُ الفِعْلِ فَلا اخْتِيارَ.
وإلّا فَلا صُدُورَ وبِعِبارَةٍ أُخْرى أنَّ جَمِيعَ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الفِعْلُ إذا تَحَقَّقَ فَإمّا أنْ يَلْزَمَ الفِعْلُ فَيَلْزَمُ الِاضْطِرارُ أوَّلًا فَيَلْزَمُ جَوازُ تَخَلُّفِ المَعْلُولِ عَنْ عِلَّتِهِ التّامَّةِ بَلْ مَعَ الصُّدُورِ التَّرَجُّحُ بِلا مُرَجِّحٍ فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَحْوُ شُبْهَةِ ابْنِ كَمُّونَةَ في التَّوْحِيدِ يَصْعُبُ التَّفَصِّي عَنْها ولِلْفَقِيرِ العاجِزِ جَبَرَ اللَّهُ تَعالى فَقْرَهُ ويَسَّرَ أمْرَهُ عَزَمَ عَلى تَأْلِيفِ رِسالَةٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ سالِكًا فِيها بِتَوْفِيقِهِ سُبْحانَهُ أحْسَنَ المَسالِكِ وإنْ كانَ الكُورانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ لَمْ يَدَعْ فِيها مَقالًا وأوْشَكَ أنْ يَدَعَ كُلَّ مَن جاءَ بَعْدُ فِيها بِشَيْءٍ عَلَيْهِ عِيالًا واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ «وما يَشاؤُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «إلّا ما يَشاءُ اللهُ» وما فِيهِ مَصْدَرِيَّةٌ كَأنْ في قِراءَةِ الجَماعَةِ وقَدْ أشَرْنا إلى أنَّ المَصْدَرَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ السّادِّ هو مَسَدَّهُ وهو ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَقُومُ مَقامَ الظَّرْفِ إلّا المَصْدَرُ المُصَرَّحُ فَلا يَجُوزُ أجِيئُكَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ أوْ ما يَصِيحُ الدِّيكُ وإنَّما يَجُوزُ أجِيئُكَ صِياحَ الدِّيكِ وكَأنَّهُ لِهَذا قِيلَ إنَّ ﴿أنْ يَشاءَ﴾ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ والِاسْتِثْناءِ مِن أعْلَمِ الأسْبابِ أيْ ﴿وما تَشاءُونَ﴾ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ فَيَعْلَمُ مَشِيئاتِ العِبادِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأفْعالِ الَّتِي سَألُوها بِألْسِنَةِ اسْتِعْداداتِهِمْ ﴿حَكِيمًا﴾ مُبالِغًا في الحِكْمَةِ فَيَفِيضُ عَلى كُلِّ ما هو الأوْفَقُ بِاسْتِعْدادِهِ وما هو عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ مِنَ المَشِيئَةِ أوْ أنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في العِلْمِ والحِكْمَةِ فَيَعْلَمُ ما يَسْتَأْهِلُهُ كُلُّ أحَدٍ مِنَ الطّاعَةِ وخِلافِها فَلا يَشاءُ لَهم إلّا ما يَسْتَدْعِيهِ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ ﴿عَلِيمًا﴾ أيْ يَعْلَمُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَةُ العِبادِ مِنَ الأعْمالِ ﴿حَكِيمًا﴾ لا يَشاءُ إلّا عَلى وفْقِ حِكْمَتِهِ وهو أنْ يَشاءَ العَبْدُ فَيَشاءَ الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى لا العَكْسُ لِيَتَأتّى التَّكْلِيفُ مِن غَيْرِ انْفِرادٍ لِأحَدِ المَشِيئَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى وفِيهِ بَحْثُ.
الإنسان 76:31
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ إلَخِ بَيانٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ قِيلَ أيْ يُدْخِلُ سُبْحانَهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها وهو الَّذِي عَلِمَ فِيهِ الخَيْرَ حَيْثُ يُوَفِّقُهُ لِما يُؤَدِّي إلى دُخُولِ الجَنَّةِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿والظّالِمِينَ﴾ أيْ لِأنْفُسِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ فِيهِمُ الشَّرَّ ﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ مُتَناهِيًا في الإيلامِ ونَصْبُ ( الظّالِمِينَ ) بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ أعَدَّ إلَخِ وقُدِّرَ يُعَذِّبُ وقَدْ يُقَدَّرُ أوْعَدَ أوْ كافَأ أوْ شِبْهَ ذَلِكَ ولَمْ يَقَدَّرْ أعَدَّ لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى بِاللّامِ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «والظّالِمُونَ» عَلى الِابْتِداءِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أحْسَنُ.
وإنْ أوْجَبَتْ تَقْدِيرًا لِلطِّباقِ فِيها وذَهابَهُ في هَذِهِ إذِ الجُمْلَةُ عَلَيْها اسْمِيَّةٌ والأُولى فِعْلِيَّةٌ. ولا يُقالُ زِيادَةُ التَّأْكِيدِ في طَرَفِ الوَعِيدِ مَطْلُوبَةٌ لِأنّا نَقُولُ الأمْرَ بِالعَكْسِ لَوْ حَقَّقَ لَسَبَقَ الرَّحْمَةَ الغَضَبُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «ولِلظّالِمِينَ» بِلامِ الجَرِّ فَقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وقِيلَ هو بِتَقْدِيرِ أعَدَّ لِلظّالِمِينَ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ وإنْ تَضَمَّنَتْ مِن سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما تَضَمَّنَتْ إلّا أنَّها أشارَتْ مِن عَظِيمِ جَلالِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى ما أشارَتْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَةَ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها ثُمَّ قالَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ تَعالى واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعَداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» .
وهَذا كالظّاهِرِ فِيما قُلْنا نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَنا مِنَ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ الأخْيارِ فَيَرْزُقَنا جَنَّةً وحَرِيرًا ويَجْعَلَ سَعْيَنا لَدَيْهِ مَشْكُورًا بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ
صفحة 169
عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأهْلِ بَيْتِهِ المُطَهَّرِينَ مِنَ الرِّجْسِ تَطْهِيرًا.
المرسلات 77:1
سُورَةُ المُرْسَلاتِ
وتُسَمّى سُورَةَ العُرْفِ وهي مَكِّيَّةٌ
فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنِّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَإنَّهُ لَيَتْلُوَها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ خَرَجَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اقْتُلُوها» فابْتَدَرْناها فَسَبَقَتْنا، فَدَخَلَتْ جُحْرَها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ إنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: 48] وظاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذا عَدَمُ اسْتِثْناءِ ذَلِكَ وأظْهَرُ مِنهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾، فَأخَذْتُها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها فَلا أدْرِي بِأيِّهِما خَتَمَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾» [المُرْسَلاتِ: 50]
وآيُها خَمْسُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ فِيما قَبْلُ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ [الإنْسانِ: 31] إلَخِ افْتَتَحَ هَذِهِ بِالإقْسامِ عَلى ما يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِهِ وذِكْرِ وقْتِهِ وأشْراطِهِ وقِيلَ إنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ عَلى تَحْقِيقِ جَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ قَبْلُ مِن وعِيدِ الكافِرِينَ الفُجّارِ ووَعْدِ المُؤْمِنِينَ الأبْرارِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾
قِيلَ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِمَنِ اخْتارَهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، فَقِيلَ المُرْسَلاتُ والعاصِفاتُ طَوائِفُ، والنّاشِراتُ والفارِقاتُ والمُلْقِياتُ طَوائِفُ أُخْرى فالأُولى طَوائِفُ أُرْسِلْنَ بِأمْرِهِ تَعالى وأُمْرْنَ بِإنْفاذِهِ فَعَصَفْنَ في المُضِيِّ وأسْرَعْنَ كَما تَعْصِفُ الرِّيحُ تَخَفُّفًا في امْتِثالِ الأمْرِ وإيقاعِ العَذابِ بِالكَفَرَةِ إنْقاذًا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونُصْرَةً لَهم والثّانِيَةُ طَوائِفُ نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ انْحِطاطِهِنَّ بِالوَحْيِ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَألْقَيْنَ ذِكْرًا إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَعَلَّ مَن يُلْقِي الذِّكْرَ لَهم غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ هو رَئِيسُهم ويُرْشِدُ إلى هَذا الحَدِيثِ الرَّصْدُ وفي بَعْضِ الآثارِ «نَزَلَ إلَيَّ مَلَكٌ بِألُوكَةٍ مِن رَبِّي فَوَضَعَ رِجْلًا في السَّماءِ وثَنى الأُخْرى بَيْنَ يَدَيْ»
فالمُرْسِلاتُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، والمُرادُ وكُلِّ طائِفَةٍ مُرْسَلَةٍ وكَذا (النّاشِراتِ) ونُصِبَ ﴿عُرْفًا﴾ عَلى الحالِ والمُرادُ مُتَتابِعَةً، وكانَ الأصْلُ والمُرْسَلاتِ مُتَتابِعَةً كالعُرْفِ وهو عُرْفُ الدّابَّةِ كالفَرَسِ والضَّبْعِ أعْنِي الشَّعْرَ المَعْرُوفَ عَلى قَفاها فَحَذَفَ مُتَتابِعَةً لِدَلالَةِ التَّشْبِيهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَذَفَ أداةَ التَّشْبِيهِ مُبالَغَةً ومِن هَذا قَوْلُهم جاؤُوا عُرْفًا واحِدًا إذا جاؤُوا يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا وهم عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبْعِ إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ.
ويُؤْخَذُ مِن كَلامِ بَعْضٍ أنَّ العُرْفَ في الأصْلِ ما ذُكِرَ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في المَعْنى التَّتابُعُ فَصارَ فِيهِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى العُرْفِ الَّذِي هو نَقِيضُ النُّكْرِ أيْ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ لِلْإحْسانِ والمَعْرُوفِ ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ أنَّ الإرْسالَ لِعَذابِ الكُفّارِ لِأنَّ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا لَهم فَإنَّهُ مَعْرُوفٌ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ انْتَقَمَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنهم. وعَطْفُ النّاشِراتِ عَلى ما قَبْلُ بِالواوِ ظاهِرٌ لِلتَّغايُرِ بِالذّاتِ بَيْنَهُما وعَطْفُ «العاصِفاتِ» عَلى «المُرْسَلاتِ» و«الفارِقاتِ» عَلى «النّاشِراتِ» وكَذا ما بَعْدُ بِالفاءِ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتِ كَما في قَوْلِهِ:
يا لَهْفَ زِيادَةَ لِلْحارِثِ الصّابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
وهِيَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ مَعانِي الصِّفاتِ في الوُجُودِ أيِ الَّذِي صَبَّحَ فَغَنِمَ فَآبَ، وتَرْتِيبُ مُضِيِّ الأمْرِ عَلى
صفحة 170
الإرْسالِ بِهِ والأمْرُ بِإنْقاذِهِ ظاهِرٌ، وأمّا تَرْتِيبُ إلْقاءِ الذِّكْرِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مَعَ ظُهُورِ تَأخُّرِ الفَرْقِ عَنِ الإلْقاءِ فَقِيلَ لِتَأْوِيلِ الفَرْقِ بِإرادَتِهِ فَحِينَئِذٍ يَتَقَدَّمُ عَلى الإلْقاءِ، وقِيلَ لِتَقَدُّمِ الفَرْقِ عَلى الإلْقاءِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى أنْ يُؤَوَّلَ بِإرادَتِهِ لِأنَّهُ بِنَفْسِ نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ الَّذِي هو الحَقُّ المُخالِفُ لِلْباطِلِ الَّذِي هو الهَوى ومُقْتَضى الرَّأْيِ الفاسِدِ وإنَّما العِلْمُ بِهِ مُتَأخِّرٌ.
ومِن هَذا يَظْهَرُ تَرْتِيبُ الفَرْقِ عَلى نَشْرِ الأجْنِحَةِ إذِ الحاصِلُ عَلَيْهِ نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ لِلنُّزُولِ فَنَزَلْنَ فَألْقَيْنَ وهو غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّ إرادَةَ الفَرْقِ تُجامِعُ النَّشْرَ وكَذا إرادَتُهُ إذا أُوِّلَ أيْضًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ بَلْ رُبَّما يُقالُ إنَّ تِلْكَ الإرادَةَ قَبْلُ، وقِيلَ: إنَّ الفاءَ في ذَلِكَ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ ضَرُورَةَ أنَّ إرادَةَ الفَرْقِ أعْلى رُتْبَةً مِنَ النَّشْرِ، وقِيلَ: إنَّها فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ لِمُجَرَّدِ الإشْعارِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ أعْنِي النَّشْرَ والفَرْقَ مُسْتَقِلٌّ بِالدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْقاقِ الطَّوائِفِ المَوْصُوفَةِ بِها لِلتَّفْخِيمِ والإجْلالِ بِالإقْسامِ بِهِنَّ فَإنَّهُ لَوْ جِيءَ بِها عَلى تَرْتِيبِ الوُقُوعِ لَرُبَّما فُهِمْ أنَّ مَجْمُوعَ الثَّلاثَةِ المُتَرَتِّبَةِ هو المُوجَبُ لِما ذَكَرَ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ.
واسْتِعْمالُ «العاصِفاتِ» بِمَعْنى المُسْرِعاتِ سُرْعَةَ الرِّيحِ مَجازٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالعاصِفاتِ المُذْهِباتِ المُهْلِكاتِ بِالعَذابِ الَّذِي أُرْسِلْنَ بِهِ مَن أُرْسِلْنَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ أيْضًا أوْ المَجازِ المُرْسَلِ.
المرسلات 77:2
سُورَةُ المُرْسَلاتِ
وتُسَمّى سُورَةَ العُرْفِ وهي مَكِّيَّةٌ
فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنِّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَإنَّهُ لَيَتْلُوَها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ خَرَجَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اقْتُلُوها» فابْتَدَرْناها فَسَبَقَتْنا، فَدَخَلَتْ جُحْرَها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ إنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: 48] وظاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذا عَدَمُ اسْتِثْناءِ ذَلِكَ وأظْهَرُ مِنهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾، فَأخَذْتُها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها فَلا أدْرِي بِأيِّهِما خَتَمَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾» [المُرْسَلاتِ: 50]
وآيُها خَمْسُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ فِيما قَبْلُ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ [الإنْسانِ: 31] إلَخِ افْتَتَحَ هَذِهِ بِالإقْسامِ عَلى ما يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِهِ وذِكْرِ وقْتِهِ وأشْراطِهِ وقِيلَ إنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ عَلى تَحْقِيقِ جَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ قَبْلُ مِن وعِيدِ الكافِرِينَ الفُجّارِ ووَعْدِ المُؤْمِنِينَ الأبْرارِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾
قِيلَ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِمَنِ اخْتارَهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، فَقِيلَ المُرْسَلاتُ والعاصِفاتُ طَوائِفُ، والنّاشِراتُ والفارِقاتُ والمُلْقِياتُ طَوائِفُ أُخْرى فالأُولى طَوائِفُ أُرْسِلْنَ بِأمْرِهِ تَعالى وأُمْرْنَ بِإنْفاذِهِ فَعَصَفْنَ في المُضِيِّ وأسْرَعْنَ كَما تَعْصِفُ الرِّيحُ تَخَفُّفًا في امْتِثالِ الأمْرِ وإيقاعِ العَذابِ بِالكَفَرَةِ إنْقاذًا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونُصْرَةً لَهم والثّانِيَةُ طَوائِفُ نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ انْحِطاطِهِنَّ بِالوَحْيِ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَألْقَيْنَ ذِكْرًا إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَعَلَّ مَن يُلْقِي الذِّكْرَ لَهم غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ هو رَئِيسُهم ويُرْشِدُ إلى هَذا الحَدِيثِ الرَّصْدُ وفي بَعْضِ الآثارِ «نَزَلَ إلَيَّ مَلَكٌ بِألُوكَةٍ مِن رَبِّي فَوَضَعَ رِجْلًا في السَّماءِ وثَنى الأُخْرى بَيْنَ يَدَيْ»
فالمُرْسِلاتُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، والمُرادُ وكُلِّ طائِفَةٍ مُرْسَلَةٍ وكَذا (النّاشِراتِ) ونُصِبَ ﴿عُرْفًا﴾ عَلى الحالِ والمُرادُ مُتَتابِعَةً، وكانَ الأصْلُ والمُرْسَلاتِ مُتَتابِعَةً كالعُرْفِ وهو عُرْفُ الدّابَّةِ كالفَرَسِ والضَّبْعِ أعْنِي الشَّعْرَ المَعْرُوفَ عَلى قَفاها فَحَذَفَ مُتَتابِعَةً لِدَلالَةِ التَّشْبِيهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَذَفَ أداةَ التَّشْبِيهِ مُبالَغَةً ومِن هَذا قَوْلُهم جاؤُوا عُرْفًا واحِدًا إذا جاؤُوا يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا وهم عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبْعِ إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ.
ويُؤْخَذُ مِن كَلامِ بَعْضٍ أنَّ العُرْفَ في الأصْلِ ما ذُكِرَ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في المَعْنى التَّتابُعُ فَصارَ فِيهِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى العُرْفِ الَّذِي هو نَقِيضُ النُّكْرِ أيْ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ لِلْإحْسانِ والمَعْرُوفِ ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ أنَّ الإرْسالَ لِعَذابِ الكُفّارِ لِأنَّ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا لَهم فَإنَّهُ مَعْرُوفٌ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ انْتَقَمَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنهم. وعَطْفُ النّاشِراتِ عَلى ما قَبْلُ بِالواوِ ظاهِرٌ لِلتَّغايُرِ بِالذّاتِ بَيْنَهُما وعَطْفُ «العاصِفاتِ» عَلى «المُرْسَلاتِ» و«الفارِقاتِ» عَلى «النّاشِراتِ» وكَذا ما بَعْدُ بِالفاءِ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتِ كَما في قَوْلِهِ:
يا لَهْفَ زِيادَةَ لِلْحارِثِ الصّابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
وهِيَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ مَعانِي الصِّفاتِ في الوُجُودِ أيِ الَّذِي صَبَّحَ فَغَنِمَ فَآبَ، وتَرْتِيبُ مُضِيِّ الأمْرِ عَلى
صفحة 170
الإرْسالِ بِهِ والأمْرُ بِإنْقاذِهِ ظاهِرٌ، وأمّا تَرْتِيبُ إلْقاءِ الذِّكْرِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مَعَ ظُهُورِ تَأخُّرِ الفَرْقِ عَنِ الإلْقاءِ فَقِيلَ لِتَأْوِيلِ الفَرْقِ بِإرادَتِهِ فَحِينَئِذٍ يَتَقَدَّمُ عَلى الإلْقاءِ، وقِيلَ لِتَقَدُّمِ الفَرْقِ عَلى الإلْقاءِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى أنْ يُؤَوَّلَ بِإرادَتِهِ لِأنَّهُ بِنَفْسِ نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ الَّذِي هو الحَقُّ المُخالِفُ لِلْباطِلِ الَّذِي هو الهَوى ومُقْتَضى الرَّأْيِ الفاسِدِ وإنَّما العِلْمُ بِهِ مُتَأخِّرٌ.
ومِن هَذا يَظْهَرُ تَرْتِيبُ الفَرْقِ عَلى نَشْرِ الأجْنِحَةِ إذِ الحاصِلُ عَلَيْهِ نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ لِلنُّزُولِ فَنَزَلْنَ فَألْقَيْنَ وهو غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّ إرادَةَ الفَرْقِ تُجامِعُ النَّشْرَ وكَذا إرادَتُهُ إذا أُوِّلَ أيْضًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ بَلْ رُبَّما يُقالُ إنَّ تِلْكَ الإرادَةَ قَبْلُ، وقِيلَ: إنَّ الفاءَ في ذَلِكَ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ ضَرُورَةَ أنَّ إرادَةَ الفَرْقِ أعْلى رُتْبَةً مِنَ النَّشْرِ، وقِيلَ: إنَّها فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ لِمُجَرَّدِ الإشْعارِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ أعْنِي النَّشْرَ والفَرْقَ مُسْتَقِلٌّ بِالدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْقاقِ الطَّوائِفِ المَوْصُوفَةِ بِها لِلتَّفْخِيمِ والإجْلالِ بِالإقْسامِ بِهِنَّ فَإنَّهُ لَوْ جِيءَ بِها عَلى تَرْتِيبِ الوُقُوعِ لَرُبَّما فُهِمْ أنَّ مَجْمُوعَ الثَّلاثَةِ المُتَرَتِّبَةِ هو المُوجَبُ لِما ذَكَرَ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ.
واسْتِعْمالُ «العاصِفاتِ» بِمَعْنى المُسْرِعاتِ سُرْعَةَ الرِّيحِ مَجازٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالعاصِفاتِ المُذْهِباتِ المُهْلِكاتِ بِالعَذابِ الَّذِي أُرْسِلْنَ بِهِ مَن أُرْسِلْنَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ أيْضًا أوْ المَجازِ المُرْسَلِ.
المرسلات 77:3
سُورَةُ المُرْسَلاتِ
وتُسَمّى سُورَةَ العُرْفِ وهي مَكِّيَّةٌ
فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنِّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَإنَّهُ لَيَتْلُوَها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ خَرَجَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اقْتُلُوها» فابْتَدَرْناها فَسَبَقَتْنا، فَدَخَلَتْ جُحْرَها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ إنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: 48] وظاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذا عَدَمُ اسْتِثْناءِ ذَلِكَ وأظْهَرُ مِنهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾، فَأخَذْتُها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها فَلا أدْرِي بِأيِّهِما خَتَمَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾» [المُرْسَلاتِ: 50]
وآيُها خَمْسُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ فِيما قَبْلُ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ [الإنْسانِ: 31] إلَخِ افْتَتَحَ هَذِهِ بِالإقْسامِ عَلى ما يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِهِ وذِكْرِ وقْتِهِ وأشْراطِهِ وقِيلَ إنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ عَلى تَحْقِيقِ جَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ قَبْلُ مِن وعِيدِ الكافِرِينَ الفُجّارِ ووَعْدِ المُؤْمِنِينَ الأبْرارِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾
قِيلَ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِمَنِ اخْتارَهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، فَقِيلَ المُرْسَلاتُ والعاصِفاتُ طَوائِفُ، والنّاشِراتُ والفارِقاتُ والمُلْقِياتُ طَوائِفُ أُخْرى فالأُولى طَوائِفُ أُرْسِلْنَ بِأمْرِهِ تَعالى وأُمْرْنَ بِإنْفاذِهِ فَعَصَفْنَ في المُضِيِّ وأسْرَعْنَ كَما تَعْصِفُ الرِّيحُ تَخَفُّفًا في امْتِثالِ الأمْرِ وإيقاعِ العَذابِ بِالكَفَرَةِ إنْقاذًا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونُصْرَةً لَهم والثّانِيَةُ طَوائِفُ نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ انْحِطاطِهِنَّ بِالوَحْيِ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَألْقَيْنَ ذِكْرًا إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَعَلَّ مَن يُلْقِي الذِّكْرَ لَهم غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ هو رَئِيسُهم ويُرْشِدُ إلى هَذا الحَدِيثِ الرَّصْدُ وفي بَعْضِ الآثارِ «نَزَلَ إلَيَّ مَلَكٌ بِألُوكَةٍ مِن رَبِّي فَوَضَعَ رِجْلًا في السَّماءِ وثَنى الأُخْرى بَيْنَ يَدَيْ»
فالمُرْسِلاتُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، والمُرادُ وكُلِّ طائِفَةٍ مُرْسَلَةٍ وكَذا (النّاشِراتِ) ونُصِبَ ﴿عُرْفًا﴾ عَلى الحالِ والمُرادُ مُتَتابِعَةً، وكانَ الأصْلُ والمُرْسَلاتِ مُتَتابِعَةً كالعُرْفِ وهو عُرْفُ الدّابَّةِ كالفَرَسِ والضَّبْعِ أعْنِي الشَّعْرَ المَعْرُوفَ عَلى قَفاها فَحَذَفَ مُتَتابِعَةً لِدَلالَةِ التَّشْبِيهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَذَفَ أداةَ التَّشْبِيهِ مُبالَغَةً ومِن هَذا قَوْلُهم جاؤُوا عُرْفًا واحِدًا إذا جاؤُوا يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا وهم عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبْعِ إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ.
ويُؤْخَذُ مِن كَلامِ بَعْضٍ أنَّ العُرْفَ في الأصْلِ ما ذُكِرَ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في المَعْنى التَّتابُعُ فَصارَ فِيهِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى العُرْفِ الَّذِي هو نَقِيضُ النُّكْرِ أيْ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ لِلْإحْسانِ والمَعْرُوفِ ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ أنَّ الإرْسالَ لِعَذابِ الكُفّارِ لِأنَّ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا لَهم فَإنَّهُ مَعْرُوفٌ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ انْتَقَمَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنهم. وعَطْفُ النّاشِراتِ عَلى ما قَبْلُ بِالواوِ ظاهِرٌ لِلتَّغايُرِ بِالذّاتِ بَيْنَهُما وعَطْفُ «العاصِفاتِ» عَلى «المُرْسَلاتِ» و«الفارِقاتِ» عَلى «النّاشِراتِ» وكَذا ما بَعْدُ بِالفاءِ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتِ كَما في قَوْلِهِ:
يا لَهْفَ زِيادَةَ لِلْحارِثِ الصّابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
وهِيَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ مَعانِي الصِّفاتِ في الوُجُودِ أيِ الَّذِي صَبَّحَ فَغَنِمَ فَآبَ، وتَرْتِيبُ مُضِيِّ الأمْرِ عَلى
صفحة 170
الإرْسالِ بِهِ والأمْرُ بِإنْقاذِهِ ظاهِرٌ، وأمّا تَرْتِيبُ إلْقاءِ الذِّكْرِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مَعَ ظُهُورِ تَأخُّرِ الفَرْقِ عَنِ الإلْقاءِ فَقِيلَ لِتَأْوِيلِ الفَرْقِ بِإرادَتِهِ فَحِينَئِذٍ يَتَقَدَّمُ عَلى الإلْقاءِ، وقِيلَ لِتَقَدُّمِ الفَرْقِ عَلى الإلْقاءِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى أنْ يُؤَوَّلَ بِإرادَتِهِ لِأنَّهُ بِنَفْسِ نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ الَّذِي هو الحَقُّ المُخالِفُ لِلْباطِلِ الَّذِي هو الهَوى ومُقْتَضى الرَّأْيِ الفاسِدِ وإنَّما العِلْمُ بِهِ مُتَأخِّرٌ.
ومِن هَذا يَظْهَرُ تَرْتِيبُ الفَرْقِ عَلى نَشْرِ الأجْنِحَةِ إذِ الحاصِلُ عَلَيْهِ نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ لِلنُّزُولِ فَنَزَلْنَ فَألْقَيْنَ وهو غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّ إرادَةَ الفَرْقِ تُجامِعُ النَّشْرَ وكَذا إرادَتُهُ إذا أُوِّلَ أيْضًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ بَلْ رُبَّما يُقالُ إنَّ تِلْكَ الإرادَةَ قَبْلُ، وقِيلَ: إنَّ الفاءَ في ذَلِكَ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ ضَرُورَةَ أنَّ إرادَةَ الفَرْقِ أعْلى رُتْبَةً مِنَ النَّشْرِ، وقِيلَ: إنَّها فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ لِمُجَرَّدِ الإشْعارِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ أعْنِي النَّشْرَ والفَرْقَ مُسْتَقِلٌّ بِالدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْقاقِ الطَّوائِفِ المَوْصُوفَةِ بِها لِلتَّفْخِيمِ والإجْلالِ بِالإقْسامِ بِهِنَّ فَإنَّهُ لَوْ جِيءَ بِها عَلى تَرْتِيبِ الوُقُوعِ لَرُبَّما فُهِمْ أنَّ مَجْمُوعَ الثَّلاثَةِ المُتَرَتِّبَةِ هو المُوجَبُ لِما ذَكَرَ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ.
واسْتِعْمالُ «العاصِفاتِ» بِمَعْنى المُسْرِعاتِ سُرْعَةَ الرِّيحِ مَجازٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالعاصِفاتِ المُذْهِباتِ المُهْلِكاتِ بِالعَذابِ الَّذِي أُرْسِلْنَ بِهِ مَن أُرْسِلْنَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ أيْضًا أوْ المَجازِ المُرْسَلِ.
المرسلات 77:4
سُورَةُ المُرْسَلاتِ
وتُسَمّى سُورَةَ العُرْفِ وهي مَكِّيَّةٌ
فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنِّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَإنَّهُ لَيَتْلُوَها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ خَرَجَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اقْتُلُوها» فابْتَدَرْناها فَسَبَقَتْنا، فَدَخَلَتْ جُحْرَها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ إنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: 48] وظاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذا عَدَمُ اسْتِثْناءِ ذَلِكَ وأظْهَرُ مِنهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾، فَأخَذْتُها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها فَلا أدْرِي بِأيِّهِما خَتَمَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾» [المُرْسَلاتِ: 50]
وآيُها خَمْسُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ فِيما قَبْلُ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ [الإنْسانِ: 31] إلَخِ افْتَتَحَ هَذِهِ بِالإقْسامِ عَلى ما يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِهِ وذِكْرِ وقْتِهِ وأشْراطِهِ وقِيلَ إنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ عَلى تَحْقِيقِ جَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ قَبْلُ مِن وعِيدِ الكافِرِينَ الفُجّارِ ووَعْدِ المُؤْمِنِينَ الأبْرارِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾
قِيلَ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِمَنِ اخْتارَهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، فَقِيلَ المُرْسَلاتُ والعاصِفاتُ طَوائِفُ، والنّاشِراتُ والفارِقاتُ والمُلْقِياتُ طَوائِفُ أُخْرى فالأُولى طَوائِفُ أُرْسِلْنَ بِأمْرِهِ تَعالى وأُمْرْنَ بِإنْفاذِهِ فَعَصَفْنَ في المُضِيِّ وأسْرَعْنَ كَما تَعْصِفُ الرِّيحُ تَخَفُّفًا في امْتِثالِ الأمْرِ وإيقاعِ العَذابِ بِالكَفَرَةِ إنْقاذًا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونُصْرَةً لَهم والثّانِيَةُ طَوائِفُ نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ انْحِطاطِهِنَّ بِالوَحْيِ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَألْقَيْنَ ذِكْرًا إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَعَلَّ مَن يُلْقِي الذِّكْرَ لَهم غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ هو رَئِيسُهم ويُرْشِدُ إلى هَذا الحَدِيثِ الرَّصْدُ وفي بَعْضِ الآثارِ «نَزَلَ إلَيَّ مَلَكٌ بِألُوكَةٍ مِن رَبِّي فَوَضَعَ رِجْلًا في السَّماءِ وثَنى الأُخْرى بَيْنَ يَدَيْ»
فالمُرْسِلاتُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، والمُرادُ وكُلِّ طائِفَةٍ مُرْسَلَةٍ وكَذا (النّاشِراتِ) ونُصِبَ ﴿عُرْفًا﴾ عَلى الحالِ والمُرادُ مُتَتابِعَةً، وكانَ الأصْلُ والمُرْسَلاتِ مُتَتابِعَةً كالعُرْفِ وهو عُرْفُ الدّابَّةِ كالفَرَسِ والضَّبْعِ أعْنِي الشَّعْرَ المَعْرُوفَ عَلى قَفاها فَحَذَفَ مُتَتابِعَةً لِدَلالَةِ التَّشْبِيهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَذَفَ أداةَ التَّشْبِيهِ مُبالَغَةً ومِن هَذا قَوْلُهم جاؤُوا عُرْفًا واحِدًا إذا جاؤُوا يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا وهم عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبْعِ إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ.
ويُؤْخَذُ مِن كَلامِ بَعْضٍ أنَّ العُرْفَ في الأصْلِ ما ذُكِرَ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في المَعْنى التَّتابُعُ فَصارَ فِيهِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى العُرْفِ الَّذِي هو نَقِيضُ النُّكْرِ أيْ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ لِلْإحْسانِ والمَعْرُوفِ ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ أنَّ الإرْسالَ لِعَذابِ الكُفّارِ لِأنَّ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا لَهم فَإنَّهُ مَعْرُوفٌ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ انْتَقَمَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنهم. وعَطْفُ النّاشِراتِ عَلى ما قَبْلُ بِالواوِ ظاهِرٌ لِلتَّغايُرِ بِالذّاتِ بَيْنَهُما وعَطْفُ «العاصِفاتِ» عَلى «المُرْسَلاتِ» و«الفارِقاتِ» عَلى «النّاشِراتِ» وكَذا ما بَعْدُ بِالفاءِ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتِ كَما في قَوْلِهِ:
يا لَهْفَ زِيادَةَ لِلْحارِثِ الصّابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
وهِيَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ مَعانِي الصِّفاتِ في الوُجُودِ أيِ الَّذِي صَبَّحَ فَغَنِمَ فَآبَ، وتَرْتِيبُ مُضِيِّ الأمْرِ عَلى
صفحة 170
الإرْسالِ بِهِ والأمْرُ بِإنْقاذِهِ ظاهِرٌ، وأمّا تَرْتِيبُ إلْقاءِ الذِّكْرِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مَعَ ظُهُورِ تَأخُّرِ الفَرْقِ عَنِ الإلْقاءِ فَقِيلَ لِتَأْوِيلِ الفَرْقِ بِإرادَتِهِ فَحِينَئِذٍ يَتَقَدَّمُ عَلى الإلْقاءِ، وقِيلَ لِتَقَدُّمِ الفَرْقِ عَلى الإلْقاءِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى أنْ يُؤَوَّلَ بِإرادَتِهِ لِأنَّهُ بِنَفْسِ نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ الَّذِي هو الحَقُّ المُخالِفُ لِلْباطِلِ الَّذِي هو الهَوى ومُقْتَضى الرَّأْيِ الفاسِدِ وإنَّما العِلْمُ بِهِ مُتَأخِّرٌ.
ومِن هَذا يَظْهَرُ تَرْتِيبُ الفَرْقِ عَلى نَشْرِ الأجْنِحَةِ إذِ الحاصِلُ عَلَيْهِ نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ لِلنُّزُولِ فَنَزَلْنَ فَألْقَيْنَ وهو غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّ إرادَةَ الفَرْقِ تُجامِعُ النَّشْرَ وكَذا إرادَتُهُ إذا أُوِّلَ أيْضًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ بَلْ رُبَّما يُقالُ إنَّ تِلْكَ الإرادَةَ قَبْلُ، وقِيلَ: إنَّ الفاءَ في ذَلِكَ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ ضَرُورَةَ أنَّ إرادَةَ الفَرْقِ أعْلى رُتْبَةً مِنَ النَّشْرِ، وقِيلَ: إنَّها فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ لِمُجَرَّدِ الإشْعارِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ أعْنِي النَّشْرَ والفَرْقَ مُسْتَقِلٌّ بِالدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْقاقِ الطَّوائِفِ المَوْصُوفَةِ بِها لِلتَّفْخِيمِ والإجْلالِ بِالإقْسامِ بِهِنَّ فَإنَّهُ لَوْ جِيءَ بِها عَلى تَرْتِيبِ الوُقُوعِ لَرُبَّما فُهِمْ أنَّ مَجْمُوعَ الثَّلاثَةِ المُتَرَتِّبَةِ هو المُوجَبُ لِما ذَكَرَ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ.
واسْتِعْمالُ «العاصِفاتِ» بِمَعْنى المُسْرِعاتِ سُرْعَةَ الرِّيحِ مَجازٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالعاصِفاتِ المُذْهِباتِ المُهْلِكاتِ بِالعَذابِ الَّذِي أُرْسِلْنَ بِهِ مَن أُرْسِلْنَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ أيْضًا أوْ المَجازِ المُرْسَلِ.
المرسلات 77:5
سُورَةُ المُرْسَلاتِ
وتُسَمّى سُورَةَ العُرْفِ وهي مَكِّيَّةٌ
فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنِّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ بِمِنى إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَإنَّهُ لَيَتْلُوَها وإنِّي لَأتَلَقّاها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها إذْ خَرَجَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اقْتُلُوها» فابْتَدَرْناها فَسَبَقَتْنا، فَدَخَلَتْ جُحْرَها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وُقِيَتْ شَرَّكم كَما وُقِيتُمْ شَرَّها» .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ إنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: 48] وظاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذا عَدَمُ اسْتِثْناءِ ذَلِكَ وأظْهَرُ مِنهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾، فَأخَذْتُها مِن فِيهِ وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بِها فَلا أدْرِي بِأيِّهِما خَتَمَ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾» [المُرْسَلاتِ: 50]
وآيُها خَمْسُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ فِيما قَبْلُ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ [الإنْسانِ: 31] إلَخِ افْتَتَحَ هَذِهِ بِالإقْسامِ عَلى ما يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِهِ وذِكْرِ وقْتِهِ وأشْراطِهِ وقِيلَ إنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ عَلى تَحْقِيقِ جَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ قَبْلُ مِن وعِيدِ الكافِرِينَ الفُجّارِ ووَعْدِ المُؤْمِنِينَ الأبْرارِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾
قِيلَ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِمَنِ اخْتارَهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، فَقِيلَ المُرْسَلاتُ والعاصِفاتُ طَوائِفُ، والنّاشِراتُ والفارِقاتُ والمُلْقِياتُ طَوائِفُ أُخْرى فالأُولى طَوائِفُ أُرْسِلْنَ بِأمْرِهِ تَعالى وأُمْرْنَ بِإنْفاذِهِ فَعَصَفْنَ في المُضِيِّ وأسْرَعْنَ كَما تَعْصِفُ الرِّيحُ تَخَفُّفًا في امْتِثالِ الأمْرِ وإيقاعِ العَذابِ بِالكَفَرَةِ إنْقاذًا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونُصْرَةً لَهم والثّانِيَةُ طَوائِفُ نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ انْحِطاطِهِنَّ بِالوَحْيِ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَألْقَيْنَ ذِكْرًا إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَعَلَّ مَن يُلْقِي الذِّكْرَ لَهم غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ هو رَئِيسُهم ويُرْشِدُ إلى هَذا الحَدِيثِ الرَّصْدُ وفي بَعْضِ الآثارِ «نَزَلَ إلَيَّ مَلَكٌ بِألُوكَةٍ مِن رَبِّي فَوَضَعَ رِجْلًا في السَّماءِ وثَنى الأُخْرى بَيْنَ يَدَيْ»
فالمُرْسِلاتُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، والمُرادُ وكُلِّ طائِفَةٍ مُرْسَلَةٍ وكَذا (النّاشِراتِ) ونُصِبَ ﴿عُرْفًا﴾ عَلى الحالِ والمُرادُ مُتَتابِعَةً، وكانَ الأصْلُ والمُرْسَلاتِ مُتَتابِعَةً كالعُرْفِ وهو عُرْفُ الدّابَّةِ كالفَرَسِ والضَّبْعِ أعْنِي الشَّعْرَ المَعْرُوفَ عَلى قَفاها فَحَذَفَ مُتَتابِعَةً لِدَلالَةِ التَّشْبِيهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَذَفَ أداةَ التَّشْبِيهِ مُبالَغَةً ومِن هَذا قَوْلُهم جاؤُوا عُرْفًا واحِدًا إذا جاؤُوا يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا وهم عَلَيْهِ كَعُرْفِ الضَّبْعِ إذا تَألَّبُوا عَلَيْهِ.
ويُؤْخَذُ مِن كَلامِ بَعْضٍ أنَّ العُرْفَ في الأصْلِ ما ذُكِرَ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في المَعْنى التَّتابُعُ فَصارَ فِيهِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى العُرْفِ الَّذِي هو نَقِيضُ النُّكْرِ أيْ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ لِلْإحْسانِ والمَعْرُوفِ ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ أنَّ الإرْسالَ لِعَذابِ الكُفّارِ لِأنَّ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا لَهم فَإنَّهُ مَعْرُوفٌ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ انْتَقَمَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنهم. وعَطْفُ النّاشِراتِ عَلى ما قَبْلُ بِالواوِ ظاهِرٌ لِلتَّغايُرِ بِالذّاتِ بَيْنَهُما وعَطْفُ «العاصِفاتِ» عَلى «المُرْسَلاتِ» و«الفارِقاتِ» عَلى «النّاشِراتِ» وكَذا ما بَعْدُ بِالفاءِ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتِ كَما في قَوْلِهِ:
يا لَهْفَ زِيادَةَ لِلْحارِثِ الصّابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
وهِيَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ مَعانِي الصِّفاتِ في الوُجُودِ أيِ الَّذِي صَبَّحَ فَغَنِمَ فَآبَ، وتَرْتِيبُ مُضِيِّ الأمْرِ عَلى
صفحة 170
الإرْسالِ بِهِ والأمْرُ بِإنْقاذِهِ ظاهِرٌ، وأمّا تَرْتِيبُ إلْقاءِ الذِّكْرِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مَعَ ظُهُورِ تَأخُّرِ الفَرْقِ عَنِ الإلْقاءِ فَقِيلَ لِتَأْوِيلِ الفَرْقِ بِإرادَتِهِ فَحِينَئِذٍ يَتَقَدَّمُ عَلى الإلْقاءِ، وقِيلَ لِتَقَدُّمِ الفَرْقِ عَلى الإلْقاءِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى أنْ يُؤَوَّلَ بِإرادَتِهِ لِأنَّهُ بِنَفْسِ نُزُولِهِمْ بِالوَحْيِ الَّذِي هو الحَقُّ المُخالِفُ لِلْباطِلِ الَّذِي هو الهَوى ومُقْتَضى الرَّأْيِ الفاسِدِ وإنَّما العِلْمُ بِهِ مُتَأخِّرٌ.
ومِن هَذا يَظْهَرُ تَرْتِيبُ الفَرْقِ عَلى نَشْرِ الأجْنِحَةِ إذِ الحاصِلُ عَلَيْهِ نَشَرْنَ أجْنِحَتَهُنَّ لِلنُّزُولِ فَنَزَلْنَ فَألْقَيْنَ وهو غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّ إرادَةَ الفَرْقِ تُجامِعُ النَّشْرَ وكَذا إرادَتُهُ إذا أُوِّلَ أيْضًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ بَلْ رُبَّما يُقالُ إنَّ تِلْكَ الإرادَةَ قَبْلُ، وقِيلَ: إنَّ الفاءَ في ذَلِكَ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ ضَرُورَةَ أنَّ إرادَةَ الفَرْقِ أعْلى رُتْبَةً مِنَ النَّشْرِ، وقِيلَ: إنَّها فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ لِمُجَرَّدِ الإشْعارِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ أعْنِي النَّشْرَ والفَرْقَ مُسْتَقِلٌّ بِالدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْقاقِ الطَّوائِفِ المَوْصُوفَةِ بِها لِلتَّفْخِيمِ والإجْلالِ بِالإقْسامِ بِهِنَّ فَإنَّهُ لَوْ جِيءَ بِها عَلى تَرْتِيبِ الوُقُوعِ لَرُبَّما فُهِمْ أنَّ مَجْمُوعَ الثَّلاثَةِ المُتَرَتِّبَةِ هو المُوجَبُ لِما ذَكَرَ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ.
واسْتِعْمالُ «العاصِفاتِ» بِمَعْنى المُسْرِعاتِ سُرْعَةَ الرِّيحِ مَجازٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالعاصِفاتِ المُذْهِباتِ المُهْلِكاتِ بِالعَذابِ الَّذِي أُرْسِلْنَ بِهِ مَن أُرْسِلْنَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ أيْضًا أوْ المَجازِ المُرْسَلِ.
المرسلات 77:6
وعُذْرًا ونُذْرًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ جُوِّزَ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ مِن عَذَرَ إذا أزالَ الإساءَةَ، ومِن أنْذَرَ إذا خَوَّفَ جاءا عَلى فُعْلٍ كالشُّكْرِ والكُفْرِ والأوَّلُ ظاهِرٌ لِأنَّ فُعْلًا مِن مَصادِرِ الثُّلاثِيِّ، وأمّا الثّانِي فَعَلى خِلافِ القِياسِ مَصْدَرُ أفْعَلَ الأفْعالُ، وقِيلَ هو اسْمُ المَصْدَرِ كالطّاقَةِ أوْ مَصْدَرُ نَذَرَ بِمَعْنى أنْذَرَ وتُسُومِحَ فِيما تَقَدَّمَ وإنْ يَكُونا جَمْعَ عَذِيرٍ بِمَعْنى المَعْذِرَةِ ونَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ وانْتِصابُهُما عَلى العِلِيَّةِ والعامِلُ فِيهِما «المُلْقِياتُ» أوْ ( ذِكْرًا ) وهو بِمَعْنى التَّذْكِيرِ والعِظَةِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ أيْ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ لِأجْلِ العُذْرِ لِلْمُحِقِّينَ أوْ لِأجْلِ النُّذُرِ لِلْمُبْطِلِينَ أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ «المُلْقِياتِ» أوِ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيها عَلى التَّأْوِيلِ أيْ عاذِرِينَ أوْ مُنْذِرِينَ أوْ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿ذِكْرًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الوَحْيُ فَيَكُونانِ بَدَلَ بَعْضٍ أوِ التَّذْكِيرُ والعِظَةُ فَيَكُونانِ بَدَلَ كُلٍّ وإنْ يَكُونا وصْفَيْنِ بِمَعْنى عاذِرِينَ ومُنْذِرِينَ فَنَصْبُهُما عَلى الحالِيَّةِ لا غَيْرَ.
وأوْ في جَمِيعِ ذَلِكَ لِلتَّنْوِيعِ لا لِلتَّرْدِيدِ ومِن ثَمَّ قالَ الدِّينَوَرِيُّ في مُشْكِلِ القُرْآنِ إنَّها بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ الثّانِيَةُ طَوائِفُ نَشَرْنَ الشَّرائِعَ في الأرْضِ إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ، ووَجْهُ العَطْفِ بِأنَّ المُرادَ أرَدْنَ النَّشْرَ فَنَزَلْنَ فَألْقَيْنَ واحْتِيجَ لِلتَّأْوِيلِ لِمَكانِ الإلْقاءِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإلّا فَهو لا يَحْتاجُ إلَيْهِ في النَّشْرِ والفَرْقِ لِظُهُورِ تَرَتُّبِ الفَرْقِ عَلى النَّشْرِ كَذا قِيلَ فَلا تَغْفُلْ، وقِيلَ طَوائِفُ نَشَرْنَ النُّفُوسَ المَوْتى بِالكُفْرِ والجَهْلِ بِما أوْحَيْنَ فَفَرَّقْنَ إلَخِ والنَّشْرُ عَلى هَذا بِمَعْنى الإحْياءِ وفِيما قَبْلَهُ بِمَعْنى الإشاعَةِ.
وقِيلَ لا مُغايَرَةَ بَيْنَ الكُلِّ إلّا بِالصِّفاتِ وهم جَمِيعًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ بَيْدَ أنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذا القائِلُ تَفْسِيرَ النَّشْرِ بِنَشْرِ الأجْنِحَةِ فَقالَ: أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِطَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ أرْسَلَهُنَّ عَزَّ وجَلَّ بِأوامِرِهِ مُتَتابِعَةً فَعَصَفْنَ عَصْفَ الرِّياحِ في الِامْتِثالِ ونَشَرْنَ الشَّرائِعَ في الأرْضِ أوْ نَشَرْنَ النُّفُوسَ المَوْتى بِالجَهْلِ بِما أوْحَيْنَ مِنَ العِلْمِ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَألْقَيْنَ إلى الأنْبِياءِ ذِكْرًا، وظاهِرُهُ أيْضًا أنَّ الإرْسالَ لِلْأنْبِياءِ بِالشَّرائِعِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ بِناءً عَلى أنَّ الأوامِرَ جَمْعُ جَمْعٍ مَخْصُوصٌ بِالأمْرِ مُقابِلَ النَّهْيِ، فَفي كَلامِهِ الِاكْتِفاءُ.
وخُصَّ الأمْرُ بِالذِّكْرِ قِيلَ لِأنَّهُ أهَمُّ مَعَ أنَّهُ لا يُؤَدِّي ما يُرادُ مِنَ النَّهْيِ بِصِيغَتِهِ كَدَعْ مَثَلًا. وقِيلَ في عَطْفِ النّاشِراتِ بِالواوِ دُونَ الفاءِ وعَطْفِ «الفارِقاتِ» بِهِ أنَّ النَّشْرَ عَلَيْهِ بِمَعْنى الإشاعَةِ لِلشَّرائِعِ وهو يَكُونُ بَعْدَ الوَحْيِ والدَّعْوَةِ والقَبُولِ، ويَقْتَضِي زَمانًا فَلِذا جِيءَ بِالواوِ ولَمْ يُقْرَنْ بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ. وإذا حَصَلَ النَّشْرُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الفَرْقُ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ كانَ حَقَّ النّاشِراتِ حِينَئِذٍ ثُمَّ لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ القَصْدُ
صفحة 171
هاهُنا بِالتَّراخِي ويَبْقى الكَلامُ في وجْهِ تَقْدِيمِ نَشْرِ الشَّرائِعِ أوْ نَشْرِ النُّفُوسِ والفَرْقِ عَلى الإلْقاءِ مَعَ أنَّهُما بَعْدَهُ في الواقِعِ فَقِيلَ الإيذانُ بِكَوْنِهِما غايَةً لِلْإلْقاءِ حَقِيقَةٌ بِالِاعْتِناءِ أوِ الإشْعارِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأوْصافِ مُسْتَقِلٌّ بِالدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ كَما سَمِعْتَ عَلى أنَّ بابَ التَّأْوِيلِ واسِعٌ فَتَذَكَّرْ.
وقِيلَ: أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِأفْرادِ نَوْعَيْنِ مِنَ الرِّياحِ فَيُقَدَّرُ لِلْمُرْسَلاتِ مَوْصُوفٌ ولِلنّاشِراتِ مَوْصُوفٌ آخَرُ، ويُرادُ بِالمُرْسِلاتِ الرِّياحُ المُرْسَلَةُ لِلْعَذابِ لِأنَّ الإرْسالَ شاعَ فِيهِ، وبِالنّاشِراتِ رِياحُ رَحْمَةٍ وحاصِلُهُ أنَّهُ جَلَّ وعَلا أقْسَمَ بِرِياحِ عَذابٍ أرْسَلَهُنَّ فَعَصَفْنَ ورِياحِ رَحْمَةٍ نَشَرْنَ السَّحابَ في الجَوِّ فَفَرَّقْنَهُ عَلى البِقاعِ فَألْقَيْنَ ذِكْرًا إمّا عُذْرًا لِلَّذِينَ يَعْتَذِرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ إذا شاهَدُوا آثارَ رَحْمَتِهِ تَعالى في الغَيْثِ.
وإمّا إنْذارًا لِلَّذِينَ يَكْفُرُونَ ذَلِكَ ويَنْسُبُونَهُ إلى الأنْواءِ ونَحْوِها وإسْنادُ إلْقاءِ الذِّكْرِ إلَيْهِنَّ لِكَوْنِهِنَّ سَبَبًا في حُصُولِهِ إذا شَكَرَتِ النِّعْمَةَ فِيهِنَّ أوْ كَفَرَتْ فالتَّجَوُّزُ في الإسْنادِ، والمُرادُ بِعُرْفًا مُتَتابِعَةً أوِ النّاشِراتِ رِياحَ رَحْمَةٍ نَشَرْنَ النَّباتَ وأبْرَزْنَهُ أيْ صِرْنَ سَبَبًا لِذَلِكَ بِنَشْرِ السَّحابِ وإدْرارِهِ فَفَرَّقْنَ كُلَّ صِنْفٍ مِنهُ عَنْ سائِرِ الأصْنافِ بِالشَّكْلِ واللَّوْنِ وسائِرِ الخَواصِّ فَتَسَبَّبْنَ ذِكْرًا إمّا عُذْرًا لِلشّاكِرِينَ وإمّا نُذْرًا لِلْكافِرِينَ.
وقِيلَ أقْسَمَ سُبْحانَهُ أوَّلًا بِالرِّياحِ وثانِيًا بِسَحائِبَ نَشَرْنَ المَواتَ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ مَن يَشْكُرُ وبَيْنَ مَن يَكْفُرُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجِنِّ: 16، 17] فَتَسَبَّبْنَ ذِكْرًا إمّا وإمّا وقِيلَ: أقْسَمَ جَلَّ وعَلا بِآياتِ القُرْآنِ المُرْسَلَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضْلًا وإحْسانًا أوْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لِأنَّها نَزَلَتْ مُنَجَّمَةً فَعَصَفْنَ وأذْهَبْنَ سائِرَ الكُتُبِ بِالنَّسْخِ ونَشَرْنَ آثارَ الهُدى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها وفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَألْقَيْنَ ذِكْرَ الحَقِّ في أكْتافِ العالَمِينَ.
وقِيلَ: أقْسَمَ جَلَّ جَلالُهُ بِرُسُلِهِ مِنَ البَشَرِ أُرْسِلُوا إحْسانًا وفَضْلًا كَما هو المَذْهَبُ الحَقُّ لا وُجُوبًا كَما زَعَمَ مِن زَعَمَ فاشْتَدُّوا وعَظُمَ أمْرُهم ونَشَرُوا دِينَهم وما جاؤُوا بِهِ فَفَرَّقُوا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلالِ والحَرامِ فَألْقَوْا ذِكْرًا بَيْنَ المُكَلَّفِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَلى هَذا بِعُرْفًا مُتَتابِعَةً.
وقِيلَ: أقْسَمَ تَبارَكَ وتَعالى بِالنُّفُوسِ الكامِلَةِ أيِ المَخْلُوقَةِ عَلى صِفَةِ الكَمالِ والِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ ما كُلِّفَتْ بِهِ وخُلِقَتْ لِأجْلِهِ المُرْسَلَةِ إحْسانًا إلى الأبْدانِ لِاسْتِكْمالِها فَعَصَفْنَ وأذْهَبْنَ ما سِوى الحَقِّ بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ الحَقَّةِ فَفَرَّقْنَ بَيْنَ الحَقِّ المُتَحَقِّقِ بِذاتِهِ الَّذِي لا مَدْخَلَ لِلْغَيْرِ فِيهِ وهو واجِبُ الوُجُودِ سُبْحانَهُ وبَيْنَ الباطِلِ المَعْدُومِ في نَفْسِهِ فَرَأيْنَ كُلَّ شَيْءٍ هالِكًا إلّا وجْهَهُ فَألْقَيْنَ في القُلُوبِ والألْسِنَةِ ومَكَّنَّ فِيها ذِكْرَهُ تَعالى فَلَيْسَ في قُلُوبِها وألْسِنَتِها إلّا ذِكْرُهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ طَرَحْنَ ذِكْرَ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ عَنِ القُلُوبِ والألْسِنَةِ فَلا ذِكْرَ فِيها لِما عَداهُ. وقِيلَ: الثَّلاثَةُ الأُوَلُ الرِّياحُ والأخِيرَتانِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقِيلَ بِالعَكْسِ، والمُناسَبَةُ بِاللَّطافَةِ وسُرْعَةِ الحَرَكَةِ وقِيلَ الأُولَتانِ المَلائِكَةُ إلّا أنَّ المُرْسَلاتِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، والعاصِفاتُ مَلائِكَةُ العَذابِ، والثَّلاثَةُ الأخِيرَةُ آياتُ القُرْآنِ النّازِلَةُ بِها المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن وجْهٍ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهُ قالَ: المُرْسَلاتِ عُرْفًا الرُّسُلُ تُرْسَلُ بِالمَعْرُوفِ، ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ الرِّيحُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ المَطَرُ، ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ الرُّسُلُ ومِن وجْهٍ آخَرَ المُرْسَلاتِ عُرْفًا المَلائِكَةُ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ الرِّياحُ العَواصِفُ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ المَلائِكَةُ يَنْشُرُونَ الكُتُبَ أيْ كُتُبَ الأعْمالِ كَما جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في بَعْضِ الرِّواياتِ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ المَلائِكَةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ أيْضًا يَجِيئُونَ بِالقُرْآنِ والكِتابِ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ مِنهُ تَعالى إلى النّاسِ وهُمُ الرُّسُلُ يَعْذُرُونَ ويُنْذِرُونَ.
وعَنْ أبِي صالِحٍ رِواياتٌ أُخَرُ في ذَلِكَ وكَذا عَنْ أجِلَّةِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ ومُقاتِلٍ المُرْسَلاتِ المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ ضِدَّ النُّكْرِ وهو الوَحْيُ.
وفِي أُخْرى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها الرِّياحُ وفَسَّرَ العاصِفاتِ بِالشَّدِيداتِ الهُبُوبِ. ورُوِيَ تَفْسِيرُ المُرْسَلاتِ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ. وفي أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ
صفحة 172
أنَّها جَماعَةُ الأنْبِياءِ أُرْسِلَتْ إفْضالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وعَنْ أبِي مَسْعُودٍ النّاشِراتِ الرِّياحُ تَنْشُرُ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى ومَطَرَهُ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وقالَ الرَّبِيعُ: المَلائِكَةُ تَنْشُرُ النّاسَ مِن قُبُورِهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: الصُّحُفُ تَنْشُرُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِ العِبادِ وعَلَيْهِ تَكُونُ النّاشِراتِ عَلى مَعْنى النَّسَبِ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ «الفارِقاتِ» المَلائِكَةُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلالِ والحَرامِ. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: آياتُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بَيْنَ ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا الرِّياحُ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّحابِ فَتُبَدِّدُهُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والجُمْهُورِ «المُلْقِياتِ» المَلائِكَةُ تُلْقِي ما حَمَلَتْ مِنَ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ. وعَنِ الرَّبِيعِ آياتُ القُرْآنِ ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ «العاصِفاتِ» بِالآياتِ المُهْلِكَةِ كالزَّلازِلِ والصَّواعِقِ وغَيْرِها، ومِنهم مَن فَسَّرَ «الفارِقاتِ» بِالسَّحائِبِ الماطِرَةِ عَلى تَشْبِيهِها بِالنّاقَةِ الفارُوقِ وهي الحامِلُ الَّتِي تَجْزَعُ حِينَ تَضَعُ، ومِنهم مَن فَسَّرَها بِالعُقُولِ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والصَّحِيحِ والفاسِدِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرِّواياتِ والأقْوالِ الَّتِي لا تَكادُ تَنْضَبِطُ والَّذِي أخالُهُ أظْهَرَ كَوْنُ المُقْسَمِ بِهِ شَيْئَيْنِ «المُرْسَلاتِ العاصِفاتِ والنّاشِراتِ الفارِقاتِ المُلْقِياتِ» لِشِدَّةِ ظُهُورِ العَطْفِ بِالواوِ في ذَلِكَ وكَوْنِ الكُلِّ مِن جِنْسِ الرِّيحِ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالمَقامِ المُتَضَمِّنِ لِأمْرِ الحَشْرِ والنَّشْرِ لِما أنَّ الآثارَ المُشاهَدَةَ المُتَرَتِّبَةَ عَلى الرِّياحِ تَرَتُّبًا قَرِيبًا وبَعِيدًا تُنادِي بِأعْلى صَوْتٍ حَتّى يَكادَ يُشْبِهُ صَوْتَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ عَلى إمْكانِ ذَلِكَ وصِحَّتِهِ ودُخُولِهِ في حِيطَةِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ ومَعَ هَذا الأقْوالُ كَثِيرَةٌ لَدَيْكَ وأنْتَ غَيْرُ مَجْحُودٍ عَلَيْكَ فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو.
وقَرَأ عِيسى عُرُفًا بِضَمَّتَيْنِ نَحْوَ نُكُرٍ في نُكْرٍ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (فالمُلَّقِياتِ) بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّلْقِيَةِ وقِيلَ وهي كالإلْقاءِ إيصالُ الكَلامِ إلى المُخاطَبِ، يُقالُ: لَقَّيْتُهُ الذِّكْرَ فَتَلَقّاهُ. وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ (فالمُلَقَّياتِ) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ اسْمُ مَفْعُولٍ أيْ مُلَقَّيَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ خارِجَةَ وطِلْحَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى والحَسَنُ بِخِلافٍ والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ عُذُرًا أوْ نُذُرًا بِضَمِّ الذّالَيْنِ.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ أيْضًا بِسُكُونِ الذّالِ في «عُذْرًا» وضَمِّها في «نُذُرًا» وقَرَأ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ «ونُذُرًا» بِالواوِ. .
المرسلات 77:7
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ وما مَوْصُولَةٌ وإنْ كُتِبَتْ مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِن مَجِيءِ القِيامَةِ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ جَمِيعُ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ السّابِقَةُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.
المرسلات 77:8
﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أُزِيلَ أثَرُها بِإزالَةِ نُورِها أوْ بِإعْدامِ ذاتِها وإذْهابِها بِالكُلِّيَّةِ وكُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ سَيَكُونُ ولَيْسَ مِنَ المُحالِ في شَيْءٍ وما زَعَمَهُ الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ في أمْرِ تِلْكَ الأجْرامِ واسْتِحالَةِ التَّحَلُّلِ والعَدَمِ عَلَيْها أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وما زَعَمَهُ المُعاصِرُونَ مِنهم فِيها وإنْ كانَ غَيْرَ ثابِتٍ عِنْدَنا إلّا أنَّ إمْكانَ الطَّمْسِ عَلَيْهِ في غايَةِ الظُّهُورِ.
المرسلات 77:9
﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ شُقَّتْ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الِانْشِقاقِ: 1] ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفَرْقانِ: 25] وقِيلَ فُتِحَتْ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النَّبَأِ: 19] وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
الفارِجِي بابَ الأمِيرِ المُبْهَمَ
ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ أيْضًا سَواءٌ كانَتِ السَّماءُ جِسْمًا صُلْبًا أوْ جِسْمًا لَطِيفًا، وأدِلَّةُ اسْتِحالَةِ الخَرْقِ والِالتِئامِ فِيها خُرُوقٌ لا تَلْتَئِمُ.
المرسلات 77:10
﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ جُعِلَتْ كالحُبِّ الَّذِي يَنْسِفُ بِالمَنسَفِ ونَحْوِهِ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ قالَ في البَحْرِ: فَرَّقَتْها الرِّياحُ وذَلِكَ بَعْدَ التَّسْيِيرِ وقِيلَ ذَلِكَ جَعْلُها هَباءً وقِيلَ نُسِفَتْ أُخِذَتْ مِن مَقارِّها بِسُرْعَةٍ مِنِ انْتَسَفْتُ الشَّيْءَ إذا اخْتَطَفْتُهُ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ طُمِّسَتْ وفُرِّجَتْ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والرّاءِ وذَكَرَ في الكَشّافِ أنَّ الأفْعالَ الثَّلاثَةَ قُرِئَتْ بِالتَّشْدِيدِ. .
المرسلات 77:11
﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ أيْ بُلِّغَتْ مِيقاتَها الَّذِي كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى عُيِّنَ لَها الوَقْتُ الَّذِي تَحْضُرُ فِيهِ لِلشَّهادَةِ عَلى الأُمَمِ
صفحة 173
وذَلِكَ عِنْدَ مَجِيئِهِ وحُصُولِهِ والوَجْهُ هو الأوَّلُ كَما قالَ جارُ اللَّهِ وتَحْقِيقُهُ كَما في الكَشْفِ أنَّ تَوْقِيتَ الشَّيْءِ تَحْدِيدُهُ وتَعْيِينُ وقْتِهِ فَإيقاعُهُ عَلى الذَّواتِ بِإضْمارٍ لِأنَّ المُؤَقَّتَ هو الأحْداثُ لا الجُثَثُ، ويَجِيءُ بِمَعْنى جَعْلِ الشَّيْءِ مُنْتَهِيًا إلى وقْتِهِ المَحْدُودِ وعَلى هَذا يَقَعُ عَلَيْها دُونَ إضْمارٍ إذا كانَ بَيْنَها وبَيْنَ ذَلِكَ الوَقْتِ مُلابَسَةٌ وإنَّما كانَ الوَجْهَ لِأنَّ القِيامَةَ لَيْسَتْ وقْتًا يَتَبَيَّنُ فِيهِ وقْتُ الرُّسُلِ الَّذِي يَحْضُرُونَ فِيهِ لِلشَّهادَةِ بَلْ هي نَفْسُ ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ إذا أكْرَمْتَنِي أكْرَمْتُكَ اقْتَضى أنْ يَكُونَ زَمانُ إكْرامِ المُخاطِبِ لِلْمُتَكَلِّمِ هو ما دَلَّ عَلَيْهِ إذا سَواءٌ جَعَلَ الظَّرْفَ مَعْمُولَهُ أوْ مَعْمُولَ الجَزاءِ أيْ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ في ضِمْنِ التَّفْسِيرِ.
وقَرَأ النَّخْعِيُّ والحَسَنُ وعِيسى وخالِدٌ «أُقِتَتْ» بِالهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ القافِ وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو عَمْرٍو وعِيسى أيْضًا وقَّتَتْ بِالواوِ عَلى الأصْلِ لِأنَّ الهَمْزَةَ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ ضَمَّةً لازِمَةً وهو أمْرٌ مُطَّرِدٌ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ.
وقالَ عِيسى: وقَّتَتْ لُغَةٌ سُفْلى مُضَرَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ وأبُو جَعْفَرٍ «وقَتَتْ» بِواوٍ واحِدَةٍ وتَخْفِيفِ القافِ. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا «ووْقَتَتْ» بِواوَيْنِ عَلى وزْنِ فَوْعَلَتْ وإذا في جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ شَرْطِيَّةٌ. .
المرسلات 77:12
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ قِيلَ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو جَوابُ إذا أيْ يُقالُ ﴿لأيِّ يَوْمٍ﴾ إلَخِ وجَعَلَ التَّأْجِيلَ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ مِن قَوْلِهِمْ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ في مُقابِلِ الحالِ والضَّمِيرُ لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمَ أيْ إذا كانَ كَذا وكَذا يُقالُ: لِأيِّ يَوْمٍ أُخِّرَتِ الأُمُورُ المُتَعَلِّقَةُ بِالرُّسُلِ مِن تَعْذِيبِ الكَفَرَةِ وإهانَتِهِمْ وتَنْعِيمِ المُؤْمِنِينَ ورِعايَتِهِمْ وظُهُورِ ما كانَتِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَذْكُرُهُ مِنَ الآخِرَةِ وأحْوالِها وفَظاعَةِ أُمُورِها وأهْوالِها.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْأُمُورِ المُشارِ إلَيْها فِيما قَبْلُ مِن طَمْسِ النُّجُومِ وفَرْجِ السَّماءِ ونَسْفِ الجِبالِ وتَأْقِيتِ الرُّسُلِ وأنْ يَكُونَ لِلرُّسُلِ إلّا أنَّ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ. وقِيلَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ المُقَدَّرُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَرْفُوعِ ﴿أُقِّتَتْ﴾ أيْ مَقُولًا فِيها ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ وأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ نَفْسُها مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ قَوْلٍ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأُقِّتَتْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى أُعْلِمَتْ كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا الرُّسُلُ أُعْلِمَتْ وقْتَ تَأْجِيلِها أيْ بِمَجِيئِهِ وحُصُولِهِ.
وجَوابُ إذا عَلى الوَجْهَيْنِ قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى الآتِي ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وجاءَ حَذْفُ الفاءِ في مِثْلِهِ.
وقِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ أيْ وقَعَ الفَصْلُ أوْ وقَعَ ما تُوعَدُونَ. واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانٍ ويَجُوزُ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ الجَوابِ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أوْ تَقْدِيرِ المُقَدَّرِ مُؤَخَّرًا كَوْنُ جُمْلَةِ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ اعْتِراضًا لِتَهْوِيلِ شَأْنِ ذَلِكَ اليَوْمِ. .
المرسلات 77:13
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿لأيِّ يَوْمٍ﴾ مُبَيِّنٌ لَهُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرِ تَقْدِيرُهُ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الفَصْلِ بَيْنَ الخَلائِقِ ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ جَعَلَكَ دارِيًا ما هو عَلى أنَّ ما الأُولى مُبْتَدَأٌ وأدْراكَ خَبَرُهُ، وما الثّانِيَةُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ويَوْمُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ لا بِالعَكْسِ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ لِأنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ بَيانُ كَوْنِ يَوْمُ الفَصْلِ أمْرًا بَدِيعًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ كَما يُفِيدُهُ خَبَرِيَّةُ ما لا بَيانُ كَوْنِ أمْرٍ بَدِيعٍ مِنَ الأُمُورِ يَوْمُ الفَصْلِ كَما يُفِيدُهُ عَكْسُهُ. ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِزِيادَةِ التَّفْظِيعِ والتَّهْوِيلِ المَقْصُودَيْنِ مِنَ الكَلامِ.
المرسلات 77:14
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿لأيِّ يَوْمٍ﴾ مُبَيِّنٌ لَهُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرِ تَقْدِيرُهُ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الفَصْلِ بَيْنَ الخَلائِقِ ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ جَعَلَكَ دارِيًا ما هو عَلى أنَّ ما الأُولى مُبْتَدَأٌ وأدْراكَ خَبَرُهُ، وما الثّانِيَةُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ويَوْمُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ لا بِالعَكْسِ كَما اخْتارَهُ سِيبَوَيْهِ لِأنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ بَيانُ كَوْنِ يَوْمُ الفَصْلِ أمْرًا بَدِيعًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ كَما يُفِيدُهُ خَبَرِيَّةُ ما لا بَيانُ كَوْنِ أمْرٍ بَدِيعٍ مِنَ الأُمُورِ يَوْمُ الفَصْلِ كَما يُفِيدُهُ عَكْسُهُ. ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِزِيادَةِ التَّفْظِيعِ والتَّهْوِيلِ المَقْصُودَيْنِ مِنَ الكَلامِ.
المرسلات 77:15
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ ووَيْلٌ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى هَلاكٍ وكانَ حَقُّهُ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ أوْ مَعْناهُ إلّا أنَّهُ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الهَلاكِ ودَوامِهِ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ ويَوْمَئِذٍ ظَرْفُهُ أوْ صِفَتُهُ فَمُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِهِ ظاهِرٌ والمَشْهُورُ أنَّ مُسَوِّغَ ذَلِكَ كَوْنُهُ لِلدُّعاءِ كَما في ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: 24] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ. وقَرَأ قَتادَةُ «نَهْلِكِ» بِفَتْحِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ ومِنهُ هالِكٌ بِمَعْنى مُهْلِكٍ كَما هو الظّاهِرُ في قَوْلِ العَجّاجِ:
ومَهْمَهُ هالِكُ مَن تَعَرَّجا هائِلَةٌ أهْوالُهُ مَن أدْرَجا
صفحة 174
لِئَلّا يَلْزَمَ حَذْفُ الضَّمِيرِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ أعْنِي بِهِ أوْ فِيهِ ولِيُناسِبَ ما في الشَّطْرِ الثّانِي ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وهو وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ وإخْبارٌ عَمّا يَقَعُ بَعْدَ الهِجْرَةِ كَبَدْرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ نَحْنُ نَفْعَلُ بِأمْثالِهِمْ مِنَ الآخِرِينَ مِثْلَ ما فَعَلْنا بِالأوَّلِينَ ونَسْلُكُ بِهِمْ سَبِيلَهم لِأنَّهم كَذَّبُوا مِثْلَ تَكْذِيبِهِمْ. ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ «ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ» بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نُهْلِكِ﴾ إلى آخِرِهِ. وقَرَأ الأعْرَجُ والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «نُتْبِعْهُمُ» بِإسْكانِ العَيْنِ فَحُمِلَ عَلى الجَزْمِ والعَطْفِ عَلى ﴿نُهْلِكِ﴾ فَيَكُونُ المُرادُ بِالآخِرِينَ المُتَأخِّرِينَ هَلاكًا مِنَ المَذْكُورِينَ كَقَوْمِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ ومُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ دُونَ كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ لِأنَّهم بَعْدُ ما كانُوا قَدْ أُهْلِكُوا والعَطْفُ عَلى ﴿نُهْلِكِ﴾ يَقْتَضِيهِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ سُكِّنَ تَخْفِيفًا كَما في ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنْعامِ: 109] فَهو مَرْفُوعٌ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا أنَّ الضَّمَّةَ مُقَدَّرَةٌ ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ ﴿نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ بِكُلِّ مَن أجْرَمَ والمُرادُ أنَّ سُنَّتُنا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ.
المرسلات 77:16
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ ووَيْلٌ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى هَلاكٍ وكانَ حَقُّهُ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ أوْ مَعْناهُ إلّا أنَّهُ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الهَلاكِ ودَوامِهِ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ ويَوْمَئِذٍ ظَرْفُهُ أوْ صِفَتُهُ فَمُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِهِ ظاهِرٌ والمَشْهُورُ أنَّ مُسَوِّغَ ذَلِكَ كَوْنُهُ لِلدُّعاءِ كَما في ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: 24] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ. وقَرَأ قَتادَةُ «نَهْلِكِ» بِفَتْحِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ ومِنهُ هالِكٌ بِمَعْنى مُهْلِكٍ كَما هو الظّاهِرُ في قَوْلِ العَجّاجِ:
ومَهْمَهُ هالِكُ مَن تَعَرَّجا هائِلَةٌ أهْوالُهُ مَن أدْرَجا
صفحة 174
لِئَلّا يَلْزَمَ حَذْفُ الضَّمِيرِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ أعْنِي بِهِ أوْ فِيهِ ولِيُناسِبَ ما في الشَّطْرِ الثّانِي ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وهو وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ وإخْبارٌ عَمّا يَقَعُ بَعْدَ الهِجْرَةِ كَبَدْرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ نَحْنُ نَفْعَلُ بِأمْثالِهِمْ مِنَ الآخِرِينَ مِثْلَ ما فَعَلْنا بِالأوَّلِينَ ونَسْلُكُ بِهِمْ سَبِيلَهم لِأنَّهم كَذَّبُوا مِثْلَ تَكْذِيبِهِمْ. ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ «ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ» بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نُهْلِكِ﴾ إلى آخِرِهِ. وقَرَأ الأعْرَجُ والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «نُتْبِعْهُمُ» بِإسْكانِ العَيْنِ فَحُمِلَ عَلى الجَزْمِ والعَطْفِ عَلى ﴿نُهْلِكِ﴾ فَيَكُونُ المُرادُ بِالآخِرِينَ المُتَأخِّرِينَ هَلاكًا مِنَ المَذْكُورِينَ كَقَوْمِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ ومُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ دُونَ كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ لِأنَّهم بَعْدُ ما كانُوا قَدْ أُهْلِكُوا والعَطْفُ عَلى ﴿نُهْلِكِ﴾ يَقْتَضِيهِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ سُكِّنَ تَخْفِيفًا كَما في ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنْعامِ: 109] فَهو مَرْفُوعٌ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا أنَّ الضَّمَّةَ مُقَدَّرَةٌ ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ ﴿نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ بِكُلِّ مَن أجْرَمَ والمُرادُ أنَّ سُنَّتُنا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ.
المرسلات 77:17
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ ووَيْلٌ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى هَلاكٍ وكانَ حَقُّهُ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ أوْ مَعْناهُ إلّا أنَّهُ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الهَلاكِ ودَوامِهِ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ ويَوْمَئِذٍ ظَرْفُهُ أوْ صِفَتُهُ فَمُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِهِ ظاهِرٌ والمَشْهُورُ أنَّ مُسَوِّغَ ذَلِكَ كَوْنُهُ لِلدُّعاءِ كَما في ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: 24] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ. وقَرَأ قَتادَةُ «نَهْلِكِ» بِفَتْحِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ ومِنهُ هالِكٌ بِمَعْنى مُهْلِكٍ كَما هو الظّاهِرُ في قَوْلِ العَجّاجِ:
ومَهْمَهُ هالِكُ مَن تَعَرَّجا هائِلَةٌ أهْوالُهُ مَن أدْرَجا
صفحة 174
لِئَلّا يَلْزَمَ حَذْفُ الضَّمِيرِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ أعْنِي بِهِ أوْ فِيهِ ولِيُناسِبَ ما في الشَّطْرِ الثّانِي ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وهو وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ وإخْبارٌ عَمّا يَقَعُ بَعْدَ الهِجْرَةِ كَبَدْرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ نَحْنُ نَفْعَلُ بِأمْثالِهِمْ مِنَ الآخِرِينَ مِثْلَ ما فَعَلْنا بِالأوَّلِينَ ونَسْلُكُ بِهِمْ سَبِيلَهم لِأنَّهم كَذَّبُوا مِثْلَ تَكْذِيبِهِمْ. ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ «ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ» بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نُهْلِكِ﴾ إلى آخِرِهِ. وقَرَأ الأعْرَجُ والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «نُتْبِعْهُمُ» بِإسْكانِ العَيْنِ فَحُمِلَ عَلى الجَزْمِ والعَطْفِ عَلى ﴿نُهْلِكِ﴾ فَيَكُونُ المُرادُ بِالآخِرِينَ المُتَأخِّرِينَ هَلاكًا مِنَ المَذْكُورِينَ كَقَوْمِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ ومُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ دُونَ كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ لِأنَّهم بَعْدُ ما كانُوا قَدْ أُهْلِكُوا والعَطْفُ عَلى ﴿نُهْلِكِ﴾ يَقْتَضِيهِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ سُكِّنَ تَخْفِيفًا كَما في ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنْعامِ: 109] فَهو مَرْفُوعٌ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا أنَّ الضَّمَّةَ مُقَدَّرَةٌ ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ ﴿نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ بِكُلِّ مَن أجْرَمَ والمُرادُ أنَّ سُنَّتُنا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ.
المرسلات 77:18
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ ووَيْلٌ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى هَلاكٍ وكانَ حَقُّهُ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ أوْ مَعْناهُ إلّا أنَّهُ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الهَلاكِ ودَوامِهِ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ ويَوْمَئِذٍ ظَرْفُهُ أوْ صِفَتُهُ فَمُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِهِ ظاهِرٌ والمَشْهُورُ أنَّ مُسَوِّغَ ذَلِكَ كَوْنُهُ لِلدُّعاءِ كَما في ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: 24] ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ. وقَرَأ قَتادَةُ «نَهْلِكِ» بِفَتْحِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مِن هَلَكَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ ومِنهُ هالِكٌ بِمَعْنى مُهْلِكٍ كَما هو الظّاهِرُ في قَوْلِ العَجّاجِ:
ومَهْمَهُ هالِكُ مَن تَعَرَّجا هائِلَةٌ أهْوالُهُ مَن أدْرَجا
صفحة 174
لِئَلّا يَلْزَمَ حَذْفُ الضَّمِيرِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ أعْنِي بِهِ أوْ فِيهِ ولِيُناسِبَ ما في الشَّطْرِ الثّانِي ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وهو وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ وإخْبارٌ عَمّا يَقَعُ بَعْدَ الهِجْرَةِ كَبَدْرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ نَحْنُ نَفْعَلُ بِأمْثالِهِمْ مِنَ الآخِرِينَ مِثْلَ ما فَعَلْنا بِالأوَّلِينَ ونَسْلُكُ بِهِمْ سَبِيلَهم لِأنَّهم كَذَّبُوا مِثْلَ تَكْذِيبِهِمْ. ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ «ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمُ» بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نُهْلِكِ﴾ إلى آخِرِهِ. وقَرَأ الأعْرَجُ والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «نُتْبِعْهُمُ» بِإسْكانِ العَيْنِ فَحُمِلَ عَلى الجَزْمِ والعَطْفِ عَلى ﴿نُهْلِكِ﴾ فَيَكُونُ المُرادُ بِالآخِرِينَ المُتَأخِّرِينَ هَلاكًا مِنَ المَذْكُورِينَ كَقَوْمِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ ومُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ دُونَ كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ لِأنَّهم بَعْدُ ما كانُوا قَدْ أُهْلِكُوا والعَطْفُ عَلى ﴿نُهْلِكِ﴾ يَقْتَضِيهِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ سُكِّنَ تَخْفِيفًا كَما في ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنْعامِ: 109] فَهو مَرْفُوعٌ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا أنَّ الضَّمَّةَ مُقَدَّرَةٌ ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ الفَظِيعِ ﴿نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ بِكُلِّ مَن أجْرَمَ والمُرادُ أنَّ سُنَّتُنا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ.
المرسلات 77:19
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ أهْلَكْناهم ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَيْسَ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما أنَّ الوَيْلَ الأوَّلَ لِعَذابِ الآخِرَةِ وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
وقِيلَ: لا تَكْرِيرَ لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقِ المُكَذِّبِينَ في المَوْضِعَيْنِ بِأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَةُ هُنا ماسَمِعْتَ وفِيما تَقَدَّمَ يَوْمَ الفَصْلِ ونَحْوَهُ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ. وجُوِّزَ اعْتِبارُ الِاتِّحادِ، والتَّأْكِيدُ أمْرٌ حَسَنٌ لا ضَيْرَ فِيهِ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ مَهِينَةٍ ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى نَجاسَةِ المَنِيِّ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ هو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ مِقْدارٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الوَقْتِ قَدَّرَهُ سُبْحانَهُ لِلْوِلادَةِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ أوْ أقَلَّ مِنها أوْ أكْثَرَ ﴿فَقَدَرْنا﴾ أيْ فَقَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ فَنِعْمَ المُقَدِّرُونَ لَهُ نَحْنُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَقَدَرْنا عَلى ذَلِكَ فَنِعْمَ القادِرُونَ عَلَيْهِ نَحْنُ والأوَّلُ أْوْلى لِقِراءَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ونافِعٍ والكِسائِيِّ (فَقَدَّرْنا) بِالتَّشْدِيدِ ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عَبَسَ: 19] ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ فَزادَهُ تَفْخِيمًا بِأنْ جُعِلَتِ الغايَةُ مَقْصُودَةً بِنَفْسِها، فَقِيلَ: فَقَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا أيْ تَقْدِيرًا دالًّا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ الرَّحْمَةِ عَلى أنَّ حَدِيثَ القُدْرَةِ قَدْ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ وقَوْلُ الطِّيبِيِّ في تَرْجِيحِ الثّانِي إثْباتُ القُدْرَةِ أوْلى لِأنَّ الكَلامَ مَعَ المُنْكِرِينَ لا وجْهَ لَهُ إذْ لا أحَدَ يُنْكِرُ هَذِهِ القُدْرَةَ ولَوْ سَلَّمَ فَقَدْ قَرَّرُوا بِها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ فَتَأمَّلْ. .
المرسلات 77:20
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ أهْلَكْناهم ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَيْسَ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما أنَّ الوَيْلَ الأوَّلَ لِعَذابِ الآخِرَةِ وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
وقِيلَ: لا تَكْرِيرَ لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقِ المُكَذِّبِينَ في المَوْضِعَيْنِ بِأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَةُ هُنا ماسَمِعْتَ وفِيما تَقَدَّمَ يَوْمَ الفَصْلِ ونَحْوَهُ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ. وجُوِّزَ اعْتِبارُ الِاتِّحادِ، والتَّأْكِيدُ أمْرٌ حَسَنٌ لا ضَيْرَ فِيهِ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ مَهِينَةٍ ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى نَجاسَةِ المَنِيِّ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ هو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ مِقْدارٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الوَقْتِ قَدَّرَهُ سُبْحانَهُ لِلْوِلادَةِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ أوْ أقَلَّ مِنها أوْ أكْثَرَ ﴿فَقَدَرْنا﴾ أيْ فَقَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ فَنِعْمَ المُقَدِّرُونَ لَهُ نَحْنُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَقَدَرْنا عَلى ذَلِكَ فَنِعْمَ القادِرُونَ عَلَيْهِ نَحْنُ والأوَّلُ أْوْلى لِقِراءَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ونافِعٍ والكِسائِيِّ (فَقَدَّرْنا) بِالتَّشْدِيدِ ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عَبَسَ: 19] ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ فَزادَهُ تَفْخِيمًا بِأنْ جُعِلَتِ الغايَةُ مَقْصُودَةً بِنَفْسِها، فَقِيلَ: فَقَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا أيْ تَقْدِيرًا دالًّا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ الرَّحْمَةِ عَلى أنَّ حَدِيثَ القُدْرَةِ قَدْ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ وقَوْلُ الطِّيبِيِّ في تَرْجِيحِ الثّانِي إثْباتُ القُدْرَةِ أوْلى لِأنَّ الكَلامَ مَعَ المُنْكِرِينَ لا وجْهَ لَهُ إذْ لا أحَدَ يُنْكِرُ هَذِهِ القُدْرَةَ ولَوْ سَلَّمَ فَقَدْ قَرَّرُوا بِها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ فَتَأمَّلْ. .
المرسلات 77:21
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ أهْلَكْناهم ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَيْسَ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما أنَّ الوَيْلَ الأوَّلَ لِعَذابِ الآخِرَةِ وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
وقِيلَ: لا تَكْرِيرَ لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقِ المُكَذِّبِينَ في المَوْضِعَيْنِ بِأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَةُ هُنا ماسَمِعْتَ وفِيما تَقَدَّمَ يَوْمَ الفَصْلِ ونَحْوَهُ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ. وجُوِّزَ اعْتِبارُ الِاتِّحادِ، والتَّأْكِيدُ أمْرٌ حَسَنٌ لا ضَيْرَ فِيهِ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ مَهِينَةٍ ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى نَجاسَةِ المَنِيِّ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ هو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ مِقْدارٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الوَقْتِ قَدَّرَهُ سُبْحانَهُ لِلْوِلادَةِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ أوْ أقَلَّ مِنها أوْ أكْثَرَ ﴿فَقَدَرْنا﴾ أيْ فَقَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ فَنِعْمَ المُقَدِّرُونَ لَهُ نَحْنُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَقَدَرْنا عَلى ذَلِكَ فَنِعْمَ القادِرُونَ عَلَيْهِ نَحْنُ والأوَّلُ أْوْلى لِقِراءَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ونافِعٍ والكِسائِيِّ (فَقَدَّرْنا) بِالتَّشْدِيدِ ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عَبَسَ: 19] ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ فَزادَهُ تَفْخِيمًا بِأنْ جُعِلَتِ الغايَةُ مَقْصُودَةً بِنَفْسِها، فَقِيلَ: فَقَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا أيْ تَقْدِيرًا دالًّا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ الرَّحْمَةِ عَلى أنَّ حَدِيثَ القُدْرَةِ قَدْ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ وقَوْلُ الطِّيبِيِّ في تَرْجِيحِ الثّانِي إثْباتُ القُدْرَةِ أوْلى لِأنَّ الكَلامَ مَعَ المُنْكِرِينَ لا وجْهَ لَهُ إذْ لا أحَدَ يُنْكِرُ هَذِهِ القُدْرَةَ ولَوْ سَلَّمَ فَقَدْ قَرَّرُوا بِها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ فَتَأمَّلْ. .
المرسلات 77:22
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ أهْلَكْناهم ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَيْسَ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما أنَّ الوَيْلَ الأوَّلَ لِعَذابِ الآخِرَةِ وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
وقِيلَ: لا تَكْرِيرَ لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقِ المُكَذِّبِينَ في المَوْضِعَيْنِ بِأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَةُ هُنا ماسَمِعْتَ وفِيما تَقَدَّمَ يَوْمَ الفَصْلِ ونَحْوَهُ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ. وجُوِّزَ اعْتِبارُ الِاتِّحادِ، والتَّأْكِيدُ أمْرٌ حَسَنٌ لا ضَيْرَ فِيهِ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ مَهِينَةٍ ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى نَجاسَةِ المَنِيِّ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ هو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ مِقْدارٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الوَقْتِ قَدَّرَهُ سُبْحانَهُ لِلْوِلادَةِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ أوْ أقَلَّ مِنها أوْ أكْثَرَ ﴿فَقَدَرْنا﴾ أيْ فَقَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ فَنِعْمَ المُقَدِّرُونَ لَهُ نَحْنُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَقَدَرْنا عَلى ذَلِكَ فَنِعْمَ القادِرُونَ عَلَيْهِ نَحْنُ والأوَّلُ أْوْلى لِقِراءَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ونافِعٍ والكِسائِيِّ (فَقَدَّرْنا) بِالتَّشْدِيدِ ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عَبَسَ: 19] ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ فَزادَهُ تَفْخِيمًا بِأنْ جُعِلَتِ الغايَةُ مَقْصُودَةً بِنَفْسِها، فَقِيلَ: فَقَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا أيْ تَقْدِيرًا دالًّا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ الرَّحْمَةِ عَلى أنَّ حَدِيثَ القُدْرَةِ قَدْ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ وقَوْلُ الطِّيبِيِّ في تَرْجِيحِ الثّانِي إثْباتُ القُدْرَةِ أوْلى لِأنَّ الكَلامَ مَعَ المُنْكِرِينَ لا وجْهَ لَهُ إذْ لا أحَدَ يُنْكِرُ هَذِهِ القُدْرَةَ ولَوْ سَلَّمَ فَقَدْ قَرَّرُوا بِها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ فَتَأمَّلْ. .
المرسلات 77:23
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ أهْلَكْناهم ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَيْسَ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما أنَّ الوَيْلَ الأوَّلَ لِعَذابِ الآخِرَةِ وهَذا لِعَذابِ الدُّنْيا.
وقِيلَ: لا تَكْرِيرَ لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقِ المُكَذِّبِينَ في المَوْضِعَيْنِ بِأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَةُ هُنا ماسَمِعْتَ وفِيما تَقَدَّمَ يَوْمَ الفَصْلِ ونَحْوَهُ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ. وجُوِّزَ اعْتِبارُ الِاتِّحادِ، والتَّأْكِيدُ أمْرٌ حَسَنٌ لا ضَيْرَ فِيهِ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ مَهِينَةٍ ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى نَجاسَةِ المَنِيِّ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ هو الرَّحِمُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ مِقْدارٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الوَقْتِ قَدَّرَهُ سُبْحانَهُ لِلْوِلادَةِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ أوْ أقَلَّ مِنها أوْ أكْثَرَ ﴿فَقَدَرْنا﴾ أيْ فَقَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ أيْ فَنِعْمَ المُقَدِّرُونَ لَهُ نَحْنُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَقَدَرْنا عَلى ذَلِكَ فَنِعْمَ القادِرُونَ عَلَيْهِ نَحْنُ والأوَّلُ أْوْلى لِقِراءَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ونافِعٍ والكِسائِيِّ (فَقَدَّرْنا) بِالتَّشْدِيدِ ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عَبَسَ: 19] ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ فَزادَهُ تَفْخِيمًا بِأنْ جُعِلَتِ الغايَةُ مَقْصُودَةً بِنَفْسِها، فَقِيلَ: فَقَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا أيْ تَقْدِيرًا دالًّا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ الرَّحْمَةِ عَلى أنَّ حَدِيثَ القُدْرَةِ قَدْ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ وقَوْلُ الطِّيبِيِّ في تَرْجِيحِ الثّانِي إثْباتُ القُدْرَةِ أوْلى لِأنَّ الكَلامَ مَعَ المُنْكِرِينَ لا وجْهَ لَهُ إذْ لا أحَدَ يُنْكِرُ هَذِهِ القُدْرَةَ ولَوْ سَلَّمَ فَقَدْ قَرَّرُوا بِها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ فَتَأمَّلْ. .
المرسلات 77:24
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ أوِ الإعادَةِ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ الكِفاتُ اسْمُ جِنْسٍ أوِ اسْمُ آلَةٍ لِما يَكْفِتُ أيْ يَضُمُّ ويَجْمَعُ مِن كَفَتَ الشَّيْءَ إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ كالضِّمامِ والجِماعِ لِما يَضُمُّ ويَجْمَعُ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الصَّمْصامَةِ بْنِ الطِّرِمّاحِ:
فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ وأنْتَ غَدًا تَضُمُّكَ في كِفاتِ
وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ تَفْسِيرُهُ بِالوِعاءِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ مَفْعُولُ مَحْذُوفٍ لا «لِكِفاتًا» لِأنَّ اسْمَ الجِنْسِ وكَذا اسْمُ الآلَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ لا يَعْمَلُ أيْ ألَمْ نَجْعَلْها كِفاتًا تَكْفُتُ وتَجَمَعُ أحْياءً كَثِيرَةً عَلى ظَهْرِها وأمْواتًا غَيْرَ مَحْصُورَةٍ في بَطْنِها. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كالقِتالِ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ.
وقِيلَ: جَمْعُ كافِتٍ كَصِيامٍ وصائِمٍ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ أيْضًا، أوْ جَمْعُ كِفْتٍ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ وهو الوِعاءُ كَقِدْحٍ وقِداحٍ وأُجْرِيَ عَلى الأرْضِ مَعَ جَمْعِهِ وإفْرادُها بِاعْتِبارِ أقْطارِها.
وجُوِّزَ انْتِصابُ الجَمْعَيْنِ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ﴿كِفاتًا﴾ المَحْذُوفِ والتَّقْدِيرُ كِفاتًا إيّاهم أوْ إيّاكم أوْ كِفاتًا الإنْسَ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ أوْ مِن مَفْعُولِ حُذِفَ مَعَ فِعْلِهِ أيْ ﴿كِفاتًا﴾ تَكْفِتُهم أوْ تَكْفِتُكم أوْ تَكْفِتُ الإنْسَ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ وأنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِنَجْعَلَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتِ أحْياءٍ وأمْواتٍ أوْ عَلى أنَّ المُرادَ بِأمْواتًا الأرْضُ المَواتُ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ،
صفحة 175
وبِأحْياءٍ ما يُقابِلُها.
وانْتِصابُ ﴿كِفاتًا﴾ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الأرْضِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ انْتِصابَهُما عَلى المَفْعُولِيَّةِ أظْهَرُ وبَعْدَهُ انْتِصابُهُما عَلى الحالِيَّةِ مِن مَحْذُوفٍ وتَنْوِينُهُما عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا لِلتَّكْثِيرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ بِإرادَةِ أحْياءِ الإنْسِ وأمْواتِهِمْ وهم لَيْسُوا بِجَمِيعِ الأحْياءِ والأمْواتِ ولا يُنافِي ذَلِكَ التَّفْخِيمَ نَظَرًا إلى أنَّهُ بَعْضٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ كَثِيرٌ في نَفْسِهِ فَلا تَغْفُلْ. واسْتَدَلَّ الكَيا بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ مُواراةِ المَيِّتِ ودَفْنِهِ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: احْتَجَّ ابْنُ القاسِمِ بِها عَلى قَطْعِ النَّبّاشِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ القَبْرَ لِلْمَيِّتِ كالبَيْتِ لِلْحَيِّ فَيَكُونُ حِرْزًا ولا يَخْفى ضَعْفُ الاسْتِدْلالَيْنِ. .
المرسلات 77:25
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ أوِ الإعادَةِ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ الكِفاتُ اسْمُ جِنْسٍ أوِ اسْمُ آلَةٍ لِما يَكْفِتُ أيْ يَضُمُّ ويَجْمَعُ مِن كَفَتَ الشَّيْءَ إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ كالضِّمامِ والجِماعِ لِما يَضُمُّ ويَجْمَعُ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الصَّمْصامَةِ بْنِ الطِّرِمّاحِ:
فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ وأنْتَ غَدًا تَضُمُّكَ في كِفاتِ
وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ تَفْسِيرُهُ بِالوِعاءِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ مَفْعُولُ مَحْذُوفٍ لا «لِكِفاتًا» لِأنَّ اسْمَ الجِنْسِ وكَذا اسْمُ الآلَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ لا يَعْمَلُ أيْ ألَمْ نَجْعَلْها كِفاتًا تَكْفُتُ وتَجَمَعُ أحْياءً كَثِيرَةً عَلى ظَهْرِها وأمْواتًا غَيْرَ مَحْصُورَةٍ في بَطْنِها. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كالقِتالِ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ.
وقِيلَ: جَمْعُ كافِتٍ كَصِيامٍ وصائِمٍ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ أيْضًا، أوْ جَمْعُ كِفْتٍ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ وهو الوِعاءُ كَقِدْحٍ وقِداحٍ وأُجْرِيَ عَلى الأرْضِ مَعَ جَمْعِهِ وإفْرادُها بِاعْتِبارِ أقْطارِها.
وجُوِّزَ انْتِصابُ الجَمْعَيْنِ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ﴿كِفاتًا﴾ المَحْذُوفِ والتَّقْدِيرُ كِفاتًا إيّاهم أوْ إيّاكم أوْ كِفاتًا الإنْسَ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ أوْ مِن مَفْعُولِ حُذِفَ مَعَ فِعْلِهِ أيْ ﴿كِفاتًا﴾ تَكْفِتُهم أوْ تَكْفِتُكم أوْ تَكْفِتُ الإنْسَ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ وأنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِنَجْعَلَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتِ أحْياءٍ وأمْواتٍ أوْ عَلى أنَّ المُرادَ بِأمْواتًا الأرْضُ المَواتُ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ،
صفحة 175
وبِأحْياءٍ ما يُقابِلُها.
وانْتِصابُ ﴿كِفاتًا﴾ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الأرْضِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ انْتِصابَهُما عَلى المَفْعُولِيَّةِ أظْهَرُ وبَعْدَهُ انْتِصابُهُما عَلى الحالِيَّةِ مِن مَحْذُوفٍ وتَنْوِينُهُما عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا لِلتَّكْثِيرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ بِإرادَةِ أحْياءِ الإنْسِ وأمْواتِهِمْ وهم لَيْسُوا بِجَمِيعِ الأحْياءِ والأمْواتِ ولا يُنافِي ذَلِكَ التَّفْخِيمَ نَظَرًا إلى أنَّهُ بَعْضٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ كَثِيرٌ في نَفْسِهِ فَلا تَغْفُلْ. واسْتَدَلَّ الكَيا بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ مُواراةِ المَيِّتِ ودَفْنِهِ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: احْتَجَّ ابْنُ القاسِمِ بِها عَلى قَطْعِ النَّبّاشِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ القَبْرَ لِلْمَيِّتِ كالبَيْتِ لِلْحَيِّ فَيَكُونُ حِرْزًا ولا يَخْفى ضَعْفُ الاسْتِدْلالَيْنِ. .
المرسلات 77:26
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ بِقُدْرَتِنا عَلى ذَلِكَ أوِ الإعادَةِ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ الكِفاتُ اسْمُ جِنْسٍ أوِ اسْمُ آلَةٍ لِما يَكْفِتُ أيْ يَضُمُّ ويَجْمَعُ مِن كَفَتَ الشَّيْءَ إذا ضَمَّهُ وجَمَعَهُ كالضِّمامِ والجِماعِ لِما يَضُمُّ ويَجْمَعُ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الصَّمْصامَةِ بْنِ الطِّرِمّاحِ:
فَأنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأرْضِ حَيٌّ وأنْتَ غَدًا تَضُمُّكَ في كِفاتِ
وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ تَفْسِيرُهُ بِالوِعاءِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ مَفْعُولُ مَحْذُوفٍ لا «لِكِفاتًا» لِأنَّ اسْمَ الجِنْسِ وكَذا اسْمُ الآلَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ لا يَعْمَلُ أيْ ألَمْ نَجْعَلْها كِفاتًا تَكْفُتُ وتَجَمَعُ أحْياءً كَثِيرَةً عَلى ظَهْرِها وأمْواتًا غَيْرَ مَحْصُورَةٍ في بَطْنِها. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كالقِتالِ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ.
وقِيلَ: جَمْعُ كافِتٍ كَصِيامٍ وصائِمٍ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ أيْضًا، أوْ جَمْعُ كِفْتٍ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ وهو الوِعاءُ كَقِدْحٍ وقِداحٍ وأُجْرِيَ عَلى الأرْضِ مَعَ جَمْعِهِ وإفْرادُها بِاعْتِبارِ أقْطارِها.
وجُوِّزَ انْتِصابُ الجَمْعَيْنِ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ﴿كِفاتًا﴾ المَحْذُوفِ والتَّقْدِيرُ كِفاتًا إيّاهم أوْ إيّاكم أوْ كِفاتًا الإنْسَ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ أوْ مِن مَفْعُولِ حُذِفَ مَعَ فِعْلِهِ أيْ ﴿كِفاتًا﴾ تَكْفِتُهم أوْ تَكْفِتُكم أوْ تَكْفِتُ الإنْسَ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ وأنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِنَجْعَلَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتِ أحْياءٍ وأمْواتٍ أوْ عَلى أنَّ المُرادَ بِأمْواتًا الأرْضُ المَواتُ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ،
صفحة 175
وبِأحْياءٍ ما يُقابِلُها.
وانْتِصابُ ﴿كِفاتًا﴾ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الأرْضِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ انْتِصابَهُما عَلى المَفْعُولِيَّةِ أظْهَرُ وبَعْدَهُ انْتِصابُهُما عَلى الحالِيَّةِ مِن مَحْذُوفٍ وتَنْوِينُهُما عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا لِلتَّكْثِيرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ بِإرادَةِ أحْياءِ الإنْسِ وأمْواتِهِمْ وهم لَيْسُوا بِجَمِيعِ الأحْياءِ والأمْواتِ ولا يُنافِي ذَلِكَ التَّفْخِيمَ نَظَرًا إلى أنَّهُ بَعْضٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ كَثِيرٌ في نَفْسِهِ فَلا تَغْفُلْ. واسْتَدَلَّ الكَيا بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ مُواراةِ المَيِّتِ ودَفْنِهِ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: احْتَجَّ ابْنُ القاسِمِ بِها عَلى قَطْعِ النَّبّاشِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ القَبْرَ لِلْمَيِّتِ كالبَيْتِ لِلْحَيِّ فَيَكُونُ حِرْزًا ولا يَخْفى ضَعْفُ الاسْتِدْلالَيْنِ. .
المرسلات 77:27
﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿شامِخاتٍ﴾ مُرْتَفَعاتٍ، ومِنهُ شَمَخَ بِأنْفِهِ. ووَصْفُ جَمْعِ المُذَكَّرِ بِجَمْعِ المُؤَنَّثِ في غَيْرِ العُقَلاءِ مُطَّرِدٌ كَـ ﴿أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البَقَرَةِ: 197] وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ في الأرْضِ جِبالًا لَمْ تُعْرَفْ ولَمْ يُوقَفْ عَلَيْها، فَأرْضُ اللَّهِ تَعالى واسِعَةٌ وفِيها ما لَمْ يَعْلَمْهُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
وقِيلَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ في الجِبالِ ما لَمْ يُعْرَفْ وهو الجِبالُ السَّماوِيَّةُ وهو مِمّا يُوافِقُ أهْلَ الفَلْسَفَةِ الجَدِيدَةِ إذْ قالُوا بِوُجُودِ جِبالٍ كَثِيرَةٍ في القَمَرِ وظَنُّوا وُجُودَها في غَيْرِهِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَفْسِيرٌ بِما لَمْ يُعْرَفْ ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ أيْ عَذْبًا وذَلِكَ بِأنْ خَلَقْناهُ في أُصُولِها وأجْرَيْناهُ لَكم مِنها في أنْهارٍ وأنْبَعْناهُ في مَنابِعَ تَسْتَمِدُّ مِمّا اسْتَوْدَعَناهُ فِيها وقَدْ يُفَسَّرُ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ والماءُ المُنَزَّلُ مِنَ السَّماءِ.
المرسلات 77:28
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأمْثالِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ ﴿انْطَلِقُوا﴾ أيْ يُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا﴾ أيْ خُصُوصًا فَلَيْسَ تَكْرارًا لِلْأوَّلِ وقِيلَ هو تَكْرارٌ لَهُ وإنْ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلى ظِلٍّ﴾ هو ظِلُّ دُخانِ جَهَنَّمَ كَما قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقِعَةِ: 43] وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ «انْطَلِقُوا» بِصِيغَةِ الماضِي وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَما كانَ بَعْدَ الأمْرِ فَقِيلَ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ مُتَشَعِّبٍ لِعِظَمِهِ ثَلاثَ شُعَبٍ كَما هو شَأْنُ الدُّخانِ العَظِيمِ تَراهُ يَتَفَرَّقُ تَفَرُّقَ الذَّوائِبِ. وفي بَعْضِ الآثارِ «يَخْرُجُ لِسانٌ مِنَ النّارِ فَيُحِيطُ بِالكُفّارِ كالسُّرادِقِ ويَتَشَعَّبُ مِن دُخانِها ثَلاثُ شُعَبٍ فَتُظِلُّهم حَتّى يُفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ والمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ العَرْشِ» .
وخُصُوصِيَّةُ الثَّلاثِ قِيلَ إمّا لِأنَّ حِجابَ النَّفْسِ عَنْ أنْوارِ القُدْسِ الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ أوْ لِأنَّ المُؤَدِّيَ إلى هَذا العَذابِ هو القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الشَّيْطانِيَّةُ الحالَّةُ في الدِّماغِ والقُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ السَّبُعِيَّةُ الَّتِي عَنْ يَمِينِ القَلْبِ والقُوَّةُ الشَّهْوِيَّةُ البَهِيمِيَّةُ الَّتِي عَنْ يَسارِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ تَقِفُ شُعْبَةٌ فَوْقَ الكافِرِ وشُعْبَةٌ عَنْ يَمِينِهِ وشُعْبَةٌ عَنْ يَسارِهِ.
وقِيلَ لِأنَّ تَكْذِيبَهم بِالعَذابِ يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ اللَّهِ تَعالى وتَكْذِيبَ رَسُولِهِ ﷺ فَهُناكَ ثَلاثَةُ تَكْذِيباتٍ. واعْتَبَرَ بَعْضُهُمُ التَّكْذِيبَ بِالعَذابِ أصْلًا والشُّعَبُ الثَّلاثُ التَّكْذِيبانِ المَذْكُورانِ وتَكْذِيبُ العَقْلِ الصَّرِيحِ فَتَأمَّلْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ.
المرسلات 77:29
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأمْثالِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ ﴿انْطَلِقُوا﴾ أيْ يُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا﴾ أيْ خُصُوصًا فَلَيْسَ تَكْرارًا لِلْأوَّلِ وقِيلَ هو تَكْرارٌ لَهُ وإنْ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلى ظِلٍّ﴾ هو ظِلُّ دُخانِ جَهَنَّمَ كَما قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقِعَةِ: 43] وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ «انْطَلِقُوا» بِصِيغَةِ الماضِي وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَما كانَ بَعْدَ الأمْرِ فَقِيلَ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ مُتَشَعِّبٍ لِعِظَمِهِ ثَلاثَ شُعَبٍ كَما هو شَأْنُ الدُّخانِ العَظِيمِ تَراهُ يَتَفَرَّقُ تَفَرُّقَ الذَّوائِبِ. وفي بَعْضِ الآثارِ «يَخْرُجُ لِسانٌ مِنَ النّارِ فَيُحِيطُ بِالكُفّارِ كالسُّرادِقِ ويَتَشَعَّبُ مِن دُخانِها ثَلاثُ شُعَبٍ فَتُظِلُّهم حَتّى يُفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ والمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ العَرْشِ» .
وخُصُوصِيَّةُ الثَّلاثِ قِيلَ إمّا لِأنَّ حِجابَ النَّفْسِ عَنْ أنْوارِ القُدْسِ الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ أوْ لِأنَّ المُؤَدِّيَ إلى هَذا العَذابِ هو القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الشَّيْطانِيَّةُ الحالَّةُ في الدِّماغِ والقُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ السَّبُعِيَّةُ الَّتِي عَنْ يَمِينِ القَلْبِ والقُوَّةُ الشَّهْوِيَّةُ البَهِيمِيَّةُ الَّتِي عَنْ يَسارِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ تَقِفُ شُعْبَةٌ فَوْقَ الكافِرِ وشُعْبَةٌ عَنْ يَمِينِهِ وشُعْبَةٌ عَنْ يَسارِهِ.
وقِيلَ لِأنَّ تَكْذِيبَهم بِالعَذابِ يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ اللَّهِ تَعالى وتَكْذِيبَ رَسُولِهِ ﷺ فَهُناكَ ثَلاثَةُ تَكْذِيباتٍ. واعْتَبَرَ بَعْضُهُمُ التَّكْذِيبَ بِالعَذابِ أصْلًا والشُّعَبُ الثَّلاثُ التَّكْذِيبانِ المَذْكُورانِ وتَكْذِيبُ العَقْلِ الصَّرِيحِ فَتَأمَّلْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ.
المرسلات 77:30
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بِأمْثالِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ ﴿انْطَلِقُوا﴾ أيْ يُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ ﴿انْطَلِقُوا﴾ أيْ خُصُوصًا فَلَيْسَ تَكْرارًا لِلْأوَّلِ وقِيلَ هو تَكْرارٌ لَهُ وإنْ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلى ظِلٍّ﴾ هو ظِلُّ دُخانِ جَهَنَّمَ كَما قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقِعَةِ: 43] وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، وقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ «انْطَلِقُوا» بِصِيغَةِ الماضِي وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَما كانَ بَعْدَ الأمْرِ فَقِيلَ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ مُتَشَعِّبٍ لِعِظَمِهِ ثَلاثَ شُعَبٍ كَما هو شَأْنُ الدُّخانِ العَظِيمِ تَراهُ يَتَفَرَّقُ تَفَرُّقَ الذَّوائِبِ. وفي بَعْضِ الآثارِ «يَخْرُجُ لِسانٌ مِنَ النّارِ فَيُحِيطُ بِالكُفّارِ كالسُّرادِقِ ويَتَشَعَّبُ مِن دُخانِها ثَلاثُ شُعَبٍ فَتُظِلُّهم حَتّى يُفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ والمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ العَرْشِ» .
وخُصُوصِيَّةُ الثَّلاثِ قِيلَ إمّا لِأنَّ حِجابَ النَّفْسِ عَنْ أنْوارِ القُدْسِ الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ أوْ لِأنَّ المُؤَدِّيَ إلى هَذا العَذابِ هو القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الشَّيْطانِيَّةُ الحالَّةُ في الدِّماغِ والقُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ السَّبُعِيَّةُ الَّتِي عَنْ يَمِينِ القَلْبِ والقُوَّةُ الشَّهْوِيَّةُ البَهِيمِيَّةُ الَّتِي عَنْ يَسارِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ تَقِفُ شُعْبَةٌ فَوْقَ الكافِرِ وشُعْبَةٌ عَنْ يَمِينِهِ وشُعْبَةٌ عَنْ يَسارِهِ.
وقِيلَ لِأنَّ تَكْذِيبَهم بِالعَذابِ يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ اللَّهِ تَعالى وتَكْذِيبَ رَسُولِهِ ﷺ فَهُناكَ ثَلاثَةُ تَكْذِيباتٍ. واعْتَبَرَ بَعْضُهُمُ التَّكْذِيبَ بِالعَذابِ أصْلًا والشُّعَبُ الثَّلاثُ التَّكْذِيبانِ المَذْكُورانِ وتَكْذِيبُ العَقْلِ الصَّرِيحِ فَتَأمَّلْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُقالُ ذَلِكَ لِعَبَدَةِ الصَّلِيبِ فالمُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهم في ظِلِّ مَعْبُودِهِمْ وهو الصَّلِيبُ لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ.
المرسلات 77:31
﴿لا ظَلِيلٍ﴾ أيْ لا مُظَلِّلَ وهو صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِظِلٍّ ونَفى كَوْنَهُ مُظَلِّلًا عَنْهُ والظِّلُّ لا يَكُونُ إلّا مُظَلِّلًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ جَعْلَهُ ظِلًّا تَهَكُّمٌ بِهِمْ ولِأنَّهُ رُبَّما يُتَوَهَّمُ أنَّ فِيهِ راحَةً لَهم فَنَفى هَذا الِاحْتِمالَ بِذَلِكَ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ظِلَّهم غَيْرُ ظِلِّ المُؤْمِنِينَ ﴿ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ وغَيْرُ مُفِيدٍ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ مِن حَرِّ اللَّهَبِ شَيْئًا وعُدِّيَ يُغْنِي بِمِن لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى يَبْعُدُ واشْتُهِرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُشِيرُ إلى قاعِدَةٍ هَنْدَسِيَّةٍ وهي أنَّ الشَّكْلَ المُثَلَّثَ لا ظِلَّ لَهُ فانْظُرْ هَلْ تَتَعَقَّلُ ذَلِكَ.
المرسلات 77:32
﴿إنَّها﴾ أيِ النّارُ الدّالُّ عَلَيْها الكَلامُ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلشُّعَبِ ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ هو ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاعْتِقادِ الشَّرِّ فِيهِ وهو اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدُهُ شَرَرَةٌ ﴿كالقَصْرِ﴾ كالدّارِ الكَبِيرَةِ
صفحة 176
المَشِيدَةِ والمُرادُ كُلُّ شَرَرَةٍ كَذَلِكَ في العِظَمِ ويَدُلُّ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ ما بَعْدُ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مِقْسَمٍ بِشِرارٍ بِكَسْرِ الشِّينِ وألْفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ جَمْعُ شَرَرَةٍ كَرَقَبَةٍ ورِقابٍ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ المُشَبَّهَ بِالقَصْرِ الواحِدَةُ وكَذا قِراءَةُ عِيسى «بِشَرارٍ» بِفَتْحِ الشِّينِ وألْفٍ بَيْنَ الرّاءَيْنِ أيْضًا فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ جَمْعٌ لِشَرارَةٍ لا مُفْرَدَ وجُوِّزَ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَرٍّ غَيْرَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ كَخِيارٍ جَمْعِ خَيْرٍ وهو حِينَئِذٍ صِفَةٌ أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها أيْ تَرْمِي بِقَوْمٍ شِرارٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
وقِيلَ القَصْرُ الغَلِيظُ مِنَ الشَّجَرِ واحِدُهُ قَصْرَةٌ نَحْوَ جَمْرَةٌ وجَمْرٌ. وقِيلَ قِطَعٌ مِنَ الخَشَبِ قَدْرَ الذِّراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ يُسْتَعَدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ واحِدُهُ كَذَلِكَ فالتَّشْبِيهُ مِن تَشْبِيهِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ لِلتَّأْوِيلِ بِما مَرَّ إلّا أنَّ التَّهْوِيلَ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ دُونَهُ عَلى غَيْرِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وابْنُ مِقْسَمٍ «كالقَصَرِ» بِفَتْحِ القافِ والصّادِ وهي أُصُولُ النَّخْلِ وقِيلَ أعْناقُها واحِدُها قَصَرَةٌ كَشَجَرَةٍ وشَجَرٍ وفي كِتابِ النَّباتِ الحَبَّةُ لَها قِشْرَتانِ التَّحْتِيَّةُ تُسَمّى قِشْرَةً والفَوْقِيَّةُ تُسَمّى قَصْرَةً ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كالقَصْرِ﴾ وهو غَرِيبٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «كالقُصُرِ» بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ قَصْرْ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ وفي البَحْرِ كَأنَّهُ مَقْصُورٌ مِنَ القُصُورِ كالنَّجْمِ مِنَ النُّجُومِ وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ لِأنَّ مِثْلَهُ ضَرُورَةٌ أوْ شاذٌّ نادِرٌ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ أيْضًا «كالقِصَرِ» بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصّادِ جَمْعُ قَصَرَةٍ بِفُتْحَتَيْنِ كَحَلَقَةٍ مِنَ الحَدِيدِ وحِلَقٍ وحاجَةٍ وحِوَجٍ وبَعْضُ القُرّاءِ «كالقَصِرِ» بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الصّادِ وهو بِمَعْنى القَصْرِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
المرسلات 77:33
﴿كَأنَّهُ﴾ أيِ الشَّرَرَ ﴿جِمالَتٌ﴾ بِكَسْرِ الجِيمِ كَما قَرَأ بِهِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ وهارُونُ عَنْهُ وهو جَمْعُ جَمَلِ والتّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ كَما في البَحْرِ يُقالُ جَمَلٌ وجِمالٌ وجِمالَةٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ لَهُ كَما قِيلَ في حَجَرٍ وحِجارَةٍ والتَّنْوِينُ لِلتَّكْثِيرِ ﴿صُفْرٌ﴾ فَإنَّ الشَّرارَ لِما فِيهِ مِنَ النّارِيَّةِ والهَوائِيَّةِ يَكُونُ أصْفَرَ فالصُّفْرَةُ عَلى مَعْناها المَعْرُوفِ.
وقِيلَ سُودٌ والتَّعْبِيرُ بِصِفْرٍ لِأنَّ سَوادَ الإبِلِ يَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ شِبْهَ الشَّرَرِ حِينَ يَنْفَصِلُ مِنَ النّارِ في عِظَمِهِ بِالقَصْرِ وحِينَ يَأْخُذُ في الِارْتِفاعِ والِانْبِساطِ لِانْشِقاقِهِ عَنْ أعْدادٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ بِالجِمالِ لِتَصَوُّرِ الِانْشِقاقِ والكَثْرَةِ والصُّفْرَةِ والحَرَكَةِ المَخْصُوصَةِ. وقَدْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ في التَّشْبِيهِ رِعايَةً لِتَرْتِيبِ الوُجُودِ وأُفِيدُ أنَّ القُصُورَ والجَمالَ يُشَبَّهُ بَعْضُها بِبَعْضٍ ومِنهُ قَوْلُهُ:
فَوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي وكَأنَّها فَدِنٌ لِأقْضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ
فالتَّشْبِيهُ الثّانِي بَيانٌ لِلتَّشْبِيهِ الأوَّلِ عَلى مَعْنى أنَّ التَّشْبِيهَ بِالقَصْرِ كانَ المُتَبادِرُ مِنهُ إلى الفَهْمِ العِظَمُ فَحَسْبُ فَلَمّا قِيلَ ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ وهو قائِمٌ مَقامَ التَّخْصِيصِ في القَصْرِ تَكَثَّرَ وجْهُ الشَّبَهِ كَأنَّهُ قِيلَ كَأنَّهُ قَصْرٌ مِن شَأْنِهِ كَذا وكَذا، والتَّشْبِيهُ بِالجِمالِ في الكَثْرَةِ والتَّتابُعِ وسُرْعَةِ الحَرَكَةِ أيْضًا والأوَّلُ هو التَّحْقِيقُ عَلى ما في الكَشْفِ وعَلى الوَجْهَيْنِ لَيْسَ التَّشْبِيهُ الثّانِي مِنَ البَداءِ في شَيْءٍ ولا حاجَةَ في شَيْءٍ مِنهُما إلى اعْتِبارِ كَوْنِ ضَمِيرِ كَأنَّهُ لِلْقَصْرِ وقَدْ ألَمَّ بِشَيْءٍ مِن حُسْنِ ما وقَعَ في الآيَةِ مِنَ التَّشْبِيهِ وأبُو العَلاءِ المُعَرِّيُّ في قَوْلِهِ في مَرْثِيَّةِ واحِدٍ مِنَ الأشْرافِ:
المُوقِدِي نارِ القِرى الآصالَ ∗∗∗ والإسْحارَ بِالإهْضامِ والإشْعافِ
حَمْراءَ ساطِعَةَ الذَّوائِبِ في الدُّجى ∗∗∗ تَرْمِي بِكُلِّ شَرارَةٍ كَطِرافِ
وإنْ كانَ قَدْ قَصَدَ بِذَلِكَ المُعارَضَةَ لِلْآيَةِ يَكُونُ قَدْ أعْمى اللَّهُ تَعالى بَصِيرَتَهُ عَمّا فِيها مِنَ المَزِيَّةِ كَما أعْمى سُبْحانَهُ بَصَرَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «جِمالاتٌ» بِكَسْرِ الجِيمِ وبِالألِفِ والتّاءِ جَمْعُ جِمالٍ أوْ جِمّالَةٌ بِكَسْرِ الجِيمِ فِيهِما فَيَكُونُ جَمْعَ الجَمْعِ أوْ جَمْعَ اسْمِ الجَمْعِ والمَعْنى
عَلى ما سَمِعْتَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ بِخِلافٍ عَنْهم كَذَلِكَ إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ جِمالَةٍ عَلى ما في الكَشّافِ وقالَ في البَحْرِ هي حِبالُ السُّفُنِ
صفحة 177
الواحِدُ مِنها جُمْلَةٌ لِكَوْنِهِ جُمْلَةً مِنَ الطّاقاتِ ثُمَّ جُمِعَ عَلى جُمَلٍ وجِمالٍ ثُمَّ جُمِعَ جَمالٌ ثانِيًا جَمْعَ صِحَّةٍ فَقالُوا جَمالاتٌ. وقِيلَ هي قُلُوسُ الجُسُورِ أيْ حِبالُها الَّتِي تُشَدُّ بِها ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ قالا إنَّها إذا اجْتَمَعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا هي قِطَعُ النُّحاسِ الكِبارُ والظّاهِرُ أنَّ التَّشْبِيهَ عَلى هَذا بِاعْتِبارِ اللَّوْنِ وعَلى ما سَبَقَ بِاعْتِبارِ الِامْتِدادِ والِالتِفافِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والسِّلْمِيُّ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُوَيْسٌ «جُمالَةٌ» كَقِراءَةِ حَفْصٍ ومَن مَعَهُ إلّا أنَّهم ضَمُّوا الجِيمَ وهي عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ اسْمٌ مُفْرَدٌ بِمَعْنى القَلْسِ وجَمْعُ ﴿صُفْرٌ﴾ لِإرادَةِ الجِنْسِ وقَرَأ الحَسَنُ «صُفُرٌ» بِضَمِّ الفاءِ.
المرسلات 77:34
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ الإشارَةُ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ أيْ هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ فِيهِ بِشَيْءٍ لِعِظَمِ الدَّهْشَةِ وفَرْطِ الحَيْرَةِ، ولا يُنافِي هَذا ما ورَدَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ النُّطْقِ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ طَوِيلٌ لَهُ مَواطِنُ ومَواقِيتُ فَفي بَعْضِها يَنْطِقُونَ وفي بَعْضِها لا يَنْطِقُونَ، وجُوِّزَ أنَّ يَكُونَ المُرادُ هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ بِشَيْءٍ يَنْفَعُهم وجَعَلَ نُطْقَهم لِعَدَمِ النَّفْعِ كَلا نُطْقَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ «هَذا يَوْمَ» بِالفَتْحِ فَقِيلَ هو فَتْحُ إعْرابٍ عَلى أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ و«يَوْمَ» مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِهَذا أيْ هَذا الَّذِي ذَكَرَ مِنَ الوَعِيدِ واقِعٌ في يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ وقِيلَ هو فَتْحُ بِناءٍ ويَوْمَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِيَّةِ وبُنِيَ لِإضافَتِهِ لِلْجُمْلَةِ ولِما حَقُّهُ البِناءُ وعَنْ صاحِبِ اللَّوامِحِ قالَ عِيسى بِناءُ «يَوْمَ» عَلى الفَتْحِ مَعَ لا لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ لِأنَّهم جَعَلُوهُ مَعَها كالِاسْمِ الواحِدِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الجُمْلَةَ المُصَدَّرَةَ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ وأنَّ ما ذُكِرَ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ.
المرسلات 77:35
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ الإشارَةُ إلى وقْتِ دُخُولِهِمُ النّارَ أيْ هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ فِيهِ بِشَيْءٍ لِعِظَمِ الدَّهْشَةِ وفَرْطِ الحَيْرَةِ، ولا يُنافِي هَذا ما ورَدَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ النُّطْقِ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ طَوِيلٌ لَهُ مَواطِنُ ومَواقِيتُ فَفي بَعْضِها يَنْطِقُونَ وفي بَعْضِها لا يَنْطِقُونَ، وجُوِّزَ أنَّ يَكُونَ المُرادُ هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ بِشَيْءٍ يَنْفَعُهم وجَعَلَ نُطْقَهم لِعَدَمِ النَّفْعِ كَلا نُطْقَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ «هَذا يَوْمَ» بِالفَتْحِ فَقِيلَ هو فَتْحُ إعْرابٍ عَلى أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ و«يَوْمَ» مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِهَذا أيْ هَذا الَّذِي ذَكَرَ مِنَ الوَعِيدِ واقِعٌ في يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ وقِيلَ هو فَتْحُ بِناءٍ ويَوْمَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِيَّةِ وبُنِيَ لِإضافَتِهِ لِلْجُمْلَةِ ولِما حَقُّهُ البِناءُ وعَنْ صاحِبِ اللَّوامِحِ قالَ عِيسى بِناءُ «يَوْمَ» عَلى الفَتْحِ مَعَ لا لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ لِأنَّهم جَعَلُوهُ مَعَها كالِاسْمِ الواحِدِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الجُمْلَةَ المُصَدَّرَةَ بِمُضارِعٍ مُثْبَتٍ أوْ مَنفِيٍّ لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ في الظَّرْفِ المُضافِ إلَيْها البِناءَ بِوَجْهٍ وأنَّ ما ذُكِرَ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ.
المرسلات 77:36
﴿ولا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ قِيلَ في النُّطْقِ مُطْلَقًا أوْ في الِاعْتِذارِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَما حَكى عَنْهُ أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ ولا يَأْذَنُ- اللَّهُ تَعالى- لَهُمْ» ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى يُؤْذَنُ مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ النَّفْيِ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ بَيْنَ النَّفِيَيْنِ في الأخْبارِ في قَوْلٍ ولِتُرَتِّبِ النَّفْيِ الثّانِي نَفْسِهِ عَلى الأوَّلِ في آخَرَ ونَظَرَ فِيهِ ولَمْ يَقُلْ فَيَعْتَذِرُوا بِالنَّصْبِ في جَوابِ النَّفْيِ قِيلَ لِيُفِيدَ الكَلامُ نَفِيَ الِاعْتِذارِ مُطْلَقًا إذْ لا عُذْرَ لَهم ولا يَعْتَذِرُونَ بِخِلافِ ما لَوْ نُصِبَ وجُعِلَ جَوابًا فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَدَمَ اعْتِذارِهِمْ لِعَدَمِ الإذْنِ فَيُوهِمُ ذَلِكَ أنَّ لَهم عُذْرًا لَكِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهم فِيهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ إنَّما لَمْ يَنْصِبْ في جَوابِ النَّفْيِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُؤُوسِ الآيِ والوَجْهانِ جائِزانِ وظاهِرُهُ اسْتِواءُ المَعْنى عَلَيْهِما وهو مُخالِفٌ لِكَلامِهِمْ لِقَوْلِهِمْ بِالسَّبَبِيَّةِ في النَّصْبِ دُونَ الرَّفْعِ نَعَمْ ذَهَبَ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ إلى أنَّهُ قَدْ يُرْفَعُ الفِعْلُ ويَكُونُ مَعْناهُ عَلى قِلَّةٍ مَعْنى المَنصُوبِ بَعْدَ الفاءِ وأنَّ النَّحْوِيِّينَ إنَّما جَعَلُوا مَعْنى الرَّفْعِ غَيْرَ مَعْنى النَّصْبِ رَعْيًا لِلْأكْثَرِ في كَلامِ العَرَبِ وجَعَلَ دَلِيلَهُ عَلى ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ، ورَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ابْنُ عُصْفُورٍ وغَيْرُهُ فَتِدَبَّرْ. والظّاهِرُ أنَّ نَفْيَ الِاعْتِذارِ بِاعْتِبارِ بَعْضِ المَواطِنِ والمَواقِيتِ كَنَفِيِ النُّطْقِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ حَقِيقَةَ الِاعْتِذارِ النّافِعِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافِرِ: 52] .
المرسلات 77:37
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ ﴿جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ مَن تَقَدِّمَكم مِنَ الأُمَمِ والكَلامُ تَقْرِيرٌ وبَيانٌ لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ لا يُفْصَلُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ إلّا إذا جُمِعَ بَيْنَهم.
المرسلات 77:38
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ ﴿جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ أيْ مَن تَقَدِّمَكم مِنَ الأُمَمِ والكَلامُ تَقْرِيرٌ وبَيانٌ لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ لا يُفْصَلُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ إلّا إذا جُمِعَ بَيْنَهم.
المرسلات 77:39
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ فَإنَّ جَمِيعَ مَن كُنْتُمْ تُقَلِّدُونَهم وتَقْتَدُونَ بِهِمْ حاضِرُونَ وهَذا تَقْرِيعٌ لَهم عَلى كَيْدِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ ظَهَرَ أنْ لا حَوْلَ لَهم ولا حِيلَةَ في التَّخَلُّصِ مِمّا هم فِيهِ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَيَشْمَلُ عُصاةَ المُؤْمِنِينَ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ ضِدُّ الضِّحِّ وهو أعَمُّ مِنَ الفَيْءِ فَإنَّهُ يُقالُ ظِلُّ اللَّيْلِ وظِلُّ الجَنَّةِ ويُقالُ لِكُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ الشَّمْسُ ظِلٌّ ولا يُقالُ الفَيْءُ إلّا لِما زالَ عَنْهُ الشَّمْسُ
صفحة 178
ويُعَبَّرُ بِهِ أيْضًا عَنِ الرَّفاهَةِ وعَنِ العِزَّةِ والمَناعَةِ وعَنْ هَذا المَعْنى حَمَلَ الرّاغِبُ ما في الآيَةِ والمُتَبادِرُ مِنهُ ما هو المَعْرُوفُ، ويُؤَيِّدُهُ ما تَقَدَّمَ في المُقابِلِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ إلَخِ وقِراءَةُ الأعْمَشِ في «ظُلَلٍ» جَمْعُ ظُلَّةٍ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى.
المرسلات 77:40
﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ فَإنَّ جَمِيعَ مَن كُنْتُمْ تُقَلِّدُونَهم وتَقْتَدُونَ بِهِمْ حاضِرُونَ وهَذا تَقْرِيعٌ لَهم عَلى كَيْدِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا وإظْهارٌ لِعَجْزِهِمْ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ ظَهَرَ أنْ لا حَوْلَ لَهم ولا حِيلَةَ في التَّخَلُّصِ مِمّا هم فِيهِ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَيَشْمَلُ عُصاةَ المُؤْمِنِينَ ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ ضِدُّ الضِّحِّ وهو أعَمُّ مِنَ الفَيْءِ فَإنَّهُ يُقالُ ظِلُّ اللَّيْلِ وظِلُّ الجَنَّةِ ويُقالُ لِكُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ الشَّمْسُ ظِلٌّ ولا يُقالُ الفَيْءُ إلّا لِما زالَ عَنْهُ الشَّمْسُ
صفحة 178
ويُعَبَّرُ بِهِ أيْضًا عَنِ الرَّفاهَةِ وعَنِ العِزَّةِ والمَناعَةِ وعَنْ هَذا المَعْنى حَمَلَ الرّاغِبُ ما في الآيَةِ والمُتَبادِرُ مِنهُ ما هو المَعْرُوفُ، ويُؤَيِّدُهُ ما تَقَدَّمَ في المُقابِلِ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ إلَخِ وقِراءَةُ الأعْمَشِ في «ظُلَلٍ» جَمْعُ ظُلَّةٍ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى.
المرسلات 77:41
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في فُنُونِ التَّرَفُّهِ وأنْواعِ التَّنَعُّمِ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿المُتَّقِينَ﴾ في الخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ مُسْتَقِرُّونَ في ذَلِكَ مَقُولًا لَهم.
المرسلات 77:42
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في فُنُونِ التَّرَفُّهِ وأنْواعِ التَّنَعُّمِ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿المُتَّقِينَ﴾ في الخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ مُسْتَقِرُّونَ في ذَلِكَ مَقُولًا لَهم.
المرسلات 77:43
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ بِالإيمانِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ لا جَزاءَ أدْنى مِنهُ، والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ المُتَّقُونَ السّابِقُ ذِكْرُهم إلّا أنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ مَدْحًا لَهم بِصِفَةِ الإحْسانِ أيْضًا مَعَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ الصّالِحُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ولا دَلِيلَ فِيهِ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى خُلُودِ العُصاةِ أهْلِ الكَبائِرِ في النّارِ وغايَةُ الأمْرِ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِحالِهِمْ.
المرسلات 77:44
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ بِالإيمانِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ لا جَزاءَ أدْنى مِنهُ، والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ المُتَّقُونَ السّابِقُ ذِكْرُهم إلّا أنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ مَدْحًا لَهم بِصِفَةِ الإحْسانِ أيْضًا مَعَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ الصّالِحُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ولا دَلِيلَ فِيهِ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى خُلُودِ العُصاةِ أهْلِ الكَبائِرِ في النّارِ وغايَةُ الأمْرِ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِحالِهِمْ.
المرسلات 77:45
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ نالَ أعْداؤُهم هَذا الثَّوابَ العَظِيمَ وهم بَقُوا في العَذابِ الألِيمِ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ حالٌ مِنَ المُكَذِّبِينَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالٍ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرًا لِما كانَ يُقالُ لَهم في الدُّنْيا ولِما كانُوا أحِقّاءَ بِأنْ يُخاطَبُوا بِهِ حَيْثُ تَرَكُوا الحَظَّ الكَثِيرَ إلى النَّزْرِ الحَقِيرِ فَيُفِيدُ التَّحْسِيرَ والتَّخْسِيرَ وعَلى طَرِيقَتِهِ قَوْلُهُ:
إخْوَتِي لا تَبْعُدُوا أبَدًا وبَلى واللَّهِ قَدْ بَعُدُوا
فَهُوَ دُعاءٌ لِإخْوَتِهِ بِعَدَمِ الهَلَكَةِ بَعْدَ هَلاكِهِمْ تَقْرِيرًا بِأنَّهم كانُوا أحِقّاءَ بِذَلِكَ الدُّعاءِ في حَياتِهِمْ وأنَّ هَلاكَهم لِحَيْنُونَةِ الأجَلِ المُسَمّى لا لِأنَّهم كانُوا أحِقّاءَ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
وذَهَبَ أبُو حَيّانٍ إلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ خُوطِبَ بِهِ المُكَذِّبُونَ في الدُّنْيا والأمْرُ فِيهِ أمْرُ تَحْسِيرٍ وتَهْدِيدٍ وتَخْسِيرٍ، ولَمْ يُعْتَبَرِ التَّهْدِيدُ عَلى الأوَّلِ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ في الآخِرَةِ ورُجِّحَ بِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ التَّعَسُّفِ وأوْفَقُ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ وفِيهِ نَظَرٌ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿إنَّكُمْ﴾ إلَخِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ نِهايَتُهُ تَمَتُّعُ أيّامٍ قَلِيلَةٍ ثُمَّ يَبْقى في عَذابٍ وهَلاكٍ أبَدًا.
المرسلات 77:46
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ نالَ أعْداؤُهم هَذا الثَّوابَ العَظِيمَ وهم بَقُوا في العَذابِ الألِيمِ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ حالٌ مِنَ المُكَذِّبِينَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالٍ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرًا لِما كانَ يُقالُ لَهم في الدُّنْيا ولِما كانُوا أحِقّاءَ بِأنْ يُخاطَبُوا بِهِ حَيْثُ تَرَكُوا الحَظَّ الكَثِيرَ إلى النَّزْرِ الحَقِيرِ فَيُفِيدُ التَّحْسِيرَ والتَّخْسِيرَ وعَلى طَرِيقَتِهِ قَوْلُهُ:
إخْوَتِي لا تَبْعُدُوا أبَدًا وبَلى واللَّهِ قَدْ بَعُدُوا
فَهُوَ دُعاءٌ لِإخْوَتِهِ بِعَدَمِ الهَلَكَةِ بَعْدَ هَلاكِهِمْ تَقْرِيرًا بِأنَّهم كانُوا أحِقّاءَ بِذَلِكَ الدُّعاءِ في حَياتِهِمْ وأنَّ هَلاكَهم لِحَيْنُونَةِ الأجَلِ المُسَمّى لا لِأنَّهم كانُوا أحِقّاءَ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
وذَهَبَ أبُو حَيّانٍ إلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ خُوطِبَ بِهِ المُكَذِّبُونَ في الدُّنْيا والأمْرُ فِيهِ أمْرُ تَحْسِيرٍ وتَهْدِيدٍ وتَخْسِيرٍ، ولَمْ يُعْتَبَرِ التَّهْدِيدُ عَلى الأوَّلِ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ في الآخِرَةِ ورُجِّحَ بِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ التَّعَسُّفِ وأوْفَقُ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ وفِيهِ نَظَرٌ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿إنَّكُمْ﴾ إلَخِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ نِهايَتُهُ تَمَتُّعُ أيّامٍ قَلِيلَةٍ ثُمَّ يَبْقى في عَذابٍ وهَلاكٍ أبَدًا.
المرسلات 77:47
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ أيْ أطِيعُوا اللَّهَ تَعالى واخْشَعُوا وتَواضَعُوا لَهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَبُولِ وحْيِهِ تَعالى واتِّباعِ دِينِهِ سُبْحانَهُ وارْفُضُوا هَذا الِاسْتِكْبارَ والنَّخْوَةَ ﴿لا يَرْكَعُونَ﴾ لا يَخْشَعُونَ ولا يَقْبَلُونَ ذَلِكَ ويُصِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ، وقِيلَ: أيْ إذا أمَرَ بِالصَّلاةِ أوْ بِالرُّكُوعِ فِيها لا يَفْعَلُونَ إذْ رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ قالُوا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نُجْبى فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» ورَواهُ أيْضًا أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ هَذا يَوْمَ القِيامَةِ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ السُّجُودَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ في الدُّنْيا. واتِّصالُ الآيَةِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلَّذِينَ كَذَّبُوا والَّذِينَ إذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ كَأنَّهُ قِيلَ هم أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ لَهم ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ وبِكَوْنِهِمْ إذا قِيلَ لَهم صَلُّوا لا يُصَلُّونَ واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ وإنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ.
المرسلات 77:48
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ أيْ أطِيعُوا اللَّهَ تَعالى واخْشَعُوا وتَواضَعُوا لَهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَبُولِ وحْيِهِ تَعالى واتِّباعِ دِينِهِ سُبْحانَهُ وارْفُضُوا هَذا الِاسْتِكْبارَ والنَّخْوَةَ ﴿لا يَرْكَعُونَ﴾ لا يَخْشَعُونَ ولا يَقْبَلُونَ ذَلِكَ ويُصِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ، وقِيلَ: أيْ إذا أمَرَ بِالصَّلاةِ أوْ بِالرُّكُوعِ فِيها لا يَفْعَلُونَ إذْ رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ قالُوا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نُجْبى فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» ورَواهُ أيْضًا أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ هَذا يَوْمَ القِيامَةِ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ السُّجُودَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ في الدُّنْيا. واتِّصالُ الآيَةِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلَّذِينَ كَذَّبُوا والَّذِينَ إذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ كَأنَّهُ قِيلَ هم أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ لَهم ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ وبِكَوْنِهِمْ إذا قِيلَ لَهم صَلُّوا لا يُصَلُّونَ واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ وإنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ.
المرسلات 77:49
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أيْ بَعْدَ القُرْآنِ النّاطِقِ بِأحادِيثِ الدّارَيْنِ وأخْبارِ النَّشْأتَيْنِ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ مُعْجِزٍ مُؤَسَّسٍ عَلى حُجَجٍ قاطِعَةٍ وبَراهِينَ ساطِعَةٍ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ والتَّعْبِيرُ بِبَعْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا حَدِيثَ يُساوِيهِ في الفَضْلِ أوْ يُدانِيهِ فَضْلًا أوْ يَفُوتُهُ ويُعالِيهِ فَلا حَدِيثَ أحَقُّ بِالإيمانِ
صفحة 179
مِنهُ فالبُعْدِيَّةُ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ كَما قالُوا في ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القَلَمِ: 13] وكانَ الفاءُ لِما أنَّ المَعْنى إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وقَدِ اشْتَمَلَ القُرْآنُ عَلى البَيانِ الشّافِي والحَقِّ الواضِحِ فَما بالُهم لا يُبادِرُونَ الإيمانَ بِهِ قَبْلَ الفَوْتِ وحُلُولِ الوَيْلِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِعَسى ولَعَلَّ ولَيْتَ. وقَرَأ يَعْقُوبُ وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ «تُؤْمِنُونَ» عَلى الخِطابِ هَذا ولَمّا أوْجَزَ في سُورَةِ الإنْسانِ في ذِكْرِ أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها عَكَسَ الأمْرَ في هَذِهِ السُّورَةِ فَوَقَعَ الِاعْتِدالُ بِذَلِكَ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَتَيْنِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
تَمَّ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى الجُزْءُ التّاسِعُ والعِشْرُونَ ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثَّلاثِينَ وأوَّلُهُ (سُورَةُ النَّبَأِ)
المرسلات 77:50
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أيْ بَعْدَ القُرْآنِ النّاطِقِ بِأحادِيثِ الدّارَيْنِ وأخْبارِ النَّشْأتَيْنِ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ مُعْجِزٍ مُؤَسَّسٍ عَلى حُجَجٍ قاطِعَةٍ وبَراهِينَ ساطِعَةٍ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ والتَّعْبِيرُ بِبَعْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا حَدِيثَ يُساوِيهِ في الفَضْلِ أوْ يُدانِيهِ فَضْلًا أوْ يَفُوتُهُ ويُعالِيهِ فَلا حَدِيثَ أحَقُّ بِالإيمانِ
صفحة 179
مِنهُ فالبُعْدِيَّةُ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ كَما قالُوا في ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القَلَمِ: 13] وكانَ الفاءُ لِما أنَّ المَعْنى إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وقَدِ اشْتَمَلَ القُرْآنُ عَلى البَيانِ الشّافِي والحَقِّ الواضِحِ فَما بالُهم لا يُبادِرُونَ الإيمانَ بِهِ قَبْلَ الفَوْتِ وحُلُولِ الوَيْلِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِعَسى ولَعَلَّ ولَيْتَ. وقَرَأ يَعْقُوبُ وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ «تُؤْمِنُونَ» عَلى الخِطابِ هَذا ولَمّا أوْجَزَ في سُورَةِ الإنْسانِ في ذِكْرِ أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها عَكَسَ الأمْرَ في هَذِهِ السُّورَةِ فَوَقَعَ الِاعْتِدالُ بِذَلِكَ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَتَيْنِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
تَمَّ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى الجُزْءُ التّاسِعُ والعِشْرُونَ ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثَّلاثِينَ وأوَّلُهُ (سُورَةُ النَّبَأِ)
النبأ 78:1
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّبَإ
وتُسَمّى سُورَةَ عَمَّ، وعَمَّ يَتَساءَلُونَ، والتَّساؤُلِ، والمُعْصِراتِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وآيُها إحْدى وأرْبَعُونَ في المَكِّيِّ والبَصْرِيِّ، وأرْبَعُونَ في غَيْرِهِما. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها اشْتِمالُها عَلى إثْباتِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ الَّذِي دَلَّ ما قَبْلُ عَلى تَكْذِيبِ الكَفَرَةِ بِهِ، وفي تَناسُقِ الدُّرَرِ وجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلُ تَناسُبُها مَعَها في الجُمَلِ؛ فَإنَّ في تِلْكَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ إلَخْ، وفي هَذِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ إلَخْ. مَعَ اشْتِراكِها والأرْبَعِ قَبْلَها في الِاشْتِمالِ عَلى وصْفِ الجَنَّةِ والنّارِ وما وُعِدَ المُدَّثِّرُ، وأيْضًا في سُورَةِ المُرْسَلاتِ: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ وفي هَذِهِ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ إلَخْ. فَفِيها شَرْحُ يَوْمِ الفَصْلِ المُجْمَلِ ذِكْرُهُ فَيا قَبْلَها اه.
وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ تِلْكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ وكانَ المُرادُ بِالحَدِيثِ فِيهِ القُرْآنَ افْتَتَحَ هَذِهِ بِتَهْوِيلِ التَّساؤُلِ عَنْهُ والِاسْتِهْزاءِ بِهِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما رُوِيَ عَنِابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِالنَّبَإ العَظِيمِ القُرْآنُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ البَعْثُ؛ وهو الأنْسَبُ بِالآياتِ بَعْدُ كَما سَتَعْرِفُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿عَمَّ﴾ أصْلُهُ: عَمّا عَلى أنَّهُ حَرْفُ جَرٍّ دَخَلَ عَلى «ما» الِاسْتِفْهامِيَّةِ فَحُذِفَتِ الألِفُ وعُلِّلَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الخَبَرِيَّةِ والإيذانِ بِشِدَّةِ الِاتِّصالِ وكَثْرَةِ الدَّوَرانِ، وحالُ العِلَلِ النَّحْوِيَّةِ مَعْلُومٌ. وقَدْ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ، وعِكْرِمَةُ وعِيسى بِالألِفِ عَلى الأصْلِ وهو قَلِيلُ الِاسْتِعْمالِ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ:
صفحة 3
إثْباتُ الألِفِ أضْعَفُ اللُّغَتَيْنِ. وعَلَيْهِ قَوْلُهُ:
عَلاَمَ قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ
والِاسْتِفْهامُ بِالإيذانِ بِفَخامَةِ شَأْنِ المَسْؤُولِ عَنْهُ وهو لَهُ، وخُرُوجُهُ عَنْ حُدُودِ الأجْناسِ المَعْهُودَةِ؛ أيْ عَنْ أيِّ شَيْءٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهم لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِحُضُورِهِمْ حِسًّا مَعَ ما في التَّرْكِ عَلى ما قِيلَ مِنَ التَّحْقِيرِ والإهانَةِ لِإشْعارِهِ بِأنَّ ذِكْرَهم مِمّا يُصانُ عَنْهُ ساحَةُ الذِّكْرِ الحَكِيمِ، ولا يُتَوَهَّمُ العَكْسُ لِمَنعِ المَقامِ عَنْهُ، وكانُوا يَتَساءَلُونَ عَنِ البَعْثِ فِيما بَيْنَهم ويَخُوضُونَ فِيهِ إنْكارًا واسْتِهْزاءً، لَكِنْ لا عَلى طَرِيقَةِ التَّساؤُلِ عَنْ حَقِيقَتِهِ ومُسَمّاهُ بَلْ عَنْ وُقُوعِهِ الَّذِي هو حالٌ مِن أحْوالِهِ ووَصْفٌ مِن أوْصافِهِ.
و«ما» كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ وإنِ اشْتُهِرَتْ في طَلَبِ حَقائِقِ الأشْياءِ ومُسَمَّياتِ أسْمائِها لَكِنَّها قَدْ يُطْلَبُ بِها الصِّفَةُ والحالُ فَيُقالُ: ما زَيْدٌ؟ ويُجابُ بِعالِمٍ أوْ طَبِيبٍ، وقِيلَ: كانُوا يَتَساءَلُونَ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ اسْتِهْزاءً، فالتَّساؤُلُ مُتَعَدٍّ ومَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ هُنا وحُذِفَ لِظُهُورِهِ أوْ لِأنَّ المُسْتَعْظِمَ السُّؤالَ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّنْ سَألَ أوْ لِصَوْنِ المَسْؤُولِ عَنْ ذِكْرِهِ مَعَ هَذا السّائِلِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى ما في الإرْشادِ أنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ لِإفادَةِ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ ووُقُوعِهِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ فاعِلًا ومَفْعُولًا مَعًا، لَكِنَّهُ يُرْفَعُ المُتَعَدِّدُ عَلى الفاعِلِيَّةِ تَرْجِيحًا لِجانِبِ فاعِلِيَّتِهِ، وتُحالُ مَفْعُولِيَّتُهُ عَلى دَلالَةِ الفِعْلِ كَما في قَوْلِكَ: تَراءى القَوْمُ، أيْ: رَأى كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الآخَرَ، وقَدْ تَجَرَّدَ عَنِ المَعْنى الثّانِي فَيُرادُ بِها مُجَرَّدُ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ عارِيًا عَنِ اعْتِبارِ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ فَيُذْكَرُ لِلْفِعْلِ حِينَئِذٍ مَفْعُولٌ كَما في قَوْلِكَ: تَراءُوا الهِلالَ. وقَدْ يُحْذَفُ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ؛ فالمَعْنى: عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَسْألُ هَؤُلاءِ القَوْمُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، ورُبَّما تَجَرَّدَ عَنْ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ أيْضًا فَيُرادُ بِها تَعَدُّدُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مُتَعَلِّقِهِ مَعَ وحْدَةِ الفاعِلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِصِيغَةِ التَّفاعُلِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَفْعُولٌ أيْضًا لَكِنَّهُ غَيْرُ الَّذِي فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ كَما فِي: تَعاطَيا الكَأْسَ، وتَفاوَضا الحَدِيثَ، وعَلَيْهِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
فَلَمّا تَنازَعْنا الحَدِيثَ وأسْمَحَتْ ∗∗∗ هَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذِي شَمارِيخَ مَيّالِ
فَمَن قالَ إنَّ تَفاعَلَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اثْنَيْنِ ولا يَكُونُ إلّا لازِمًا فَقَطْ غَلِطَ كَما قالَ البَطْلَيُوسِيُّ في شَرْحِ أدَبِ الكاتِبِ إنْ أرادَ ذَلِكَ عَلى الإطْلاقِ ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ أنَّ مَجِيءَ تَفاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ غَيْرِ مُتَعَدِّدِ الفاعِلِ كَتَوانى زَيْدٌ وتَدانى الأمْرُ وتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ كَثِيرٌ جِدًّا، وكَذا مَجِيئُهُ مُتَعَدِّيًا إلى غَيْرِ الَّذِي فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ كَما سَمِعْتَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ: ( يَتَساءَلُونَ ) لِلنّاسِ عُمُومًا سَواءٌ كانُوا كُفّارَ مَكَّةَ وغَيْرَهم مِنَ المُسْلِمِينَ، وسُؤالُ المُسْلِمِينَ لِيَزْدادُوا خَشْيَةً وإيمانًا، وسُؤالُ غَيْرِهِمُ اسْتِهْزاءً لِيَزْدادُوا كُفْرًا وطُغْيانًا وهو خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآياتِ بَعْدُ. وقِيلَ: كانَ التَّساؤُلُ عَنِ القُرْآنِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ﴾ إلَخْ ظاهِرٌ في أنَّهُ كانَ عَنِ البَعْثِ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا لِأنَّهُ مِن أدِلَّتِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ تَساؤُلَهم عَنْهُ واسْتِهْزاؤُهم بِهِ واخْتِلافَهم فِيهِ بِأنَّهُ سِحْرٌ أوْ شِعْرٌ كانَ لِاشْتِمالِهِ عَلى الإخْبارِ بِالبَعْثِ فَبَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما يُفِيدُ اسْتِعْظامَ التَّساؤُلِ عَنْهُ تَعَرَّضَ الدَّلِيلُ ما هو مَنشَأٌ لِذَلِكَ التَّساؤُلِ وفِيهِ بُعْدٌ.
النبأ 78:2
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ بَيانٌ لِشَأْنِ المَسْؤُولِ عَنْهُ إثْرَ تَفْخِيمِهِ بِإبْهامِ أمْرِهِ وتَوْجِيهِ أذْهانِ السّامِعِينَ نَحْوَهُ وتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُسْتَفْهِمِينَ فَإنَّ إيرادَهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لِانْقِطاعِ قَرِينِهِ وانْعِدامِ نَظِيرِهِ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ خَلِيقٌ بِأنْ يُعْتَنى بِمَعْرِفَتِهِ ويُسْألَ عَنْهُ كَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ؟ هَلْ أخْبَرَكم بِهِ ثُمَّ قِيلَ بِطَرِيقِ الجَوابِ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ عَلى
صفحة 4
مِنهاجِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَعَنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ مِن مُضْمَرٍ حَقُّهُ عَلى ما قِيلَ أنْ يُقَدَّرَ بَعْدَها مُسارَعَةً إلى البَيانِ ومُراعاةً لِتَرْتِيبِ السُّؤالِ وإلى تَعَلُّقِهِ بِما ذُكِرَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّ ذَلِكَ بَدَلٌ مِن ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ؛ فَإنَّ مَعْنى الأوَّلِ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ أمْ عَنْ غَيْرِهِ والبَدَلُ لا يُطابِقُهُ أُعِيدَ الِاسْتِفْهامُ أوَّلًا.
وقالَ الخَفاجِيُّ: البَدَلِيَّةُ جائِزَةٌ ولا يَلْزَمُ إعادَةُ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولا أنْ يَكُونَ البَدَلُ عَيْنَ الأوَّلِ لِجَوازِ كَوْنِهِ بَدَلَ بَعْضٍ. وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ المَذْكُورِ و﴿عَمَّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُفَسَّرٍ بِهِ وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقِراءَةِ الضَّحّاكِ ويَعْقُوبَ وابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ «عَمَّهْ» بِهاءِ السَّكْتِ، ووَجَّهَهُ أنَّهُ عَلى الوَقْفِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالمَذْكُورِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ ومُتَعَلِّقِهِ لِعَدَمِ تَمامِ الكَلامِ، ولَعَلَّ مَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ يَقُولُ: إنَّ إلْحاقَ الهاءِ مَبْنِيٌّ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وقِيلَ: عَنِ الأُولى لِلتَّعْلِيلِ وهي والثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَتانِ بِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ المَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ. ونَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أكْثَرِ النُّحاةِ وقِيلَ: ﴿عَنِ النَّبَإ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهُناكَ اسْتِفْهامٌ مُضْمَرٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ أيُتَساءَلُونَ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ ووُصِفَ النَّبَأُ وهو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ بِالعَظِيمِ لِتَأْكِيدِ خَطَرِهِ.
النبأ 78:3
ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ والإشْعارِ بِمَدارِ التَّساؤُلِ عَنْهُ و«فِيهِ» مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿مُخْتَلِفُونَ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِهِ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ، وجَعْلُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ؛ أيْ: هم راسِخُونَ في الِاخْتِلافِ فِيهِ، فَمِن جازِمٍ بِاسْتِحالَتِهِ يَقُولُ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ إلَخْ. وشاكٍ يَقُولُ: ﴿ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ وقِيلَ: مِنهم مَن يُنْكِرُ المُعادِينَ مَعًا كَهَؤُلاءِ ومِنهم مَن يُنْكِرُ المَعادَ الجُسْمانِيَّ فَقَطْ كَجُمْهُورِ النَّصارى. وقَدْ حُمِلَ الِاخْتِلافُ عَلى الِاخْتِلافِ في كَيْفِيَّةِ الإنْكارِ، فَمِنهم مَن يُنْكِرُهُ لِإنْكارِهِ الصّانِعَ المُخْتارَ تَعالى شَأْنُهُ، ومِنهم مَن يُنْكِرُهُ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: الِاخْتِلافُ بِالإقْرارِ والإنْكارِ أوْ بِزِيادَةِ الخَشْيَةِ والِاسْتِهْزاءِ عَلى أنَّ ضَمِيرَ: ( يَتَساءَلُونَ ) وضَمِيرَهم لِلنّاسِ عامَّةً، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ بِالإقْرارِ والإنْكارِ عَلى كَوْنِ ضَمِيرِ ( يَتَساءَلُونَ ) لِلْكُفّارِ أيْضًا بِأنْ يُجْعَلَ ضَمِيرُهم لِلسّائِلِينَ والمَسْؤُولِينَ والكُلُّ كَما تَرى وإنْ تَفاوَتَتْ مَراتِبُ الضَّعْفِ والمُعَوَّلِ عَلَيْهِ الأوَّلِ. وقالَ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّحْقِيقُ ويَسْتَدْعِيهِ النَّظَرُ الدَّقِيقُ أنْ يُحْمَلَ اخْتِلافُهم في البَعْثِ عَلى مُخالَفَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ بِأنْ يُعْتَبَرَ في الِاخْتِلافِ مَحْضُ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ حَسْبَما قِيلَ في التَّساؤُلِ؛ فَإنَّ الِافْتِعالَ والتَّفاعُلَ صِيغَتانِ مُتَآخِيَتانِ كالِاسْتِباقِ والتَّسابُقِ والِانْتِضالِ والتَّناضُلِ يَجْرِي في كُلٍّ مِنهُما ما يَجْرِي في الأُخْرى لا عَلى مُخالَفَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلى أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الجانِبَيْنِ مُخالِفًا اسْمَ فاعِلٍ ومُخالِفًا اسْمَ مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ الكُلَّ وإنِ اسْتَحَقَّ ما يُذْكَرُ بَعْدُ مِنَ الرَّدْعِ والوَعِيدِ لَكِنَّ اسْتِحْقاقَ كُلِّ جانِبٍ لَهُما لَيْسَ لِمُخالَفَتِهِ لِلْجانِبِ الآخَرِ؛ إذْ لا حَقِّيَّةَ في شَيْءٍ مِنهُما حَتّى يَسْتَحِقَّ مَن يُخالِفُهُ المُؤاخَذَةُ بَلْ لِمُخالَفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: «الَّذِي هم فِيهِ مُخالِفُونَ» لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ انْتَهى. وفِيهِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وما ذَكَرَهُ مِنَ التَّعْلِيلِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ جُبَيْرٍ: «تَسّاءَلُونَ» بِغَيْرِ ياءٍ وشَدِّ السِّينِ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَساءَلُونَ بِتاءِ الخِطابِ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في السِّينِ.
النبأ 78:4
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ التَّساؤُلِ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ فِيهِ، وقِيلَ عَنْهُ وعَنِ الِاخْتِلافِ بِمَعْنى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أمْرِ البَعْثِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْهُ لَمْ تُقْصَدْ لِذاتِها فَيَبْعُدُ اعْتِبارُ الرَّدْعِ إلى ما فِيها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ لِأُولَئِكَ المُتَسائِلِينَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وتَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ، والسِّينُ لِلتَّقَرُّبِ والتَّأْكِيدِ، ومَفْعُولُ «يَعْلَمُونَ» مَحْذُوفٌ؛ وهو ما يُلاقُونَهُ مِن فُنُونِ الدَّواهِي والعُقُوباتِ، والتَّعْبِيرُ
صفحة 5
عَنْ لِقائِهِ بِالعِلْمِ لِوُقُوعِهِ في مَعْرِضِ التَّساؤُلِ، والمَعْنى لِيَرْتَدِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ فَإنَّهم سَيَعْلَمُونَ عَمّا قَلِيلٍ حَقِيقَةَ الحالِ إذا حَلَّ بِهِمُ العَذابُ والنَّكالُ ومِثْلُ هَذا تَقْدِيرُ المَفْعُولِ جَزاءَ التَّساؤُلِ. وقِيلَ: هو ما يُنْبِئُ عَنْهُ الظّاهِرُ وهو وُقُوعُ ما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ عَلى مَعْنى: سَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَيَخْجَلُونَ مِن تَساؤُلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ، وإلّا لَمْ يَظْهَرْ كَوْنُ ما ذُكِرَ وعِيدًا ومَن جَعَلَ ضَمِيرَ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ لِلنّاسِ عامَّةً جَعَلَ ما هُنا مِن بابِ التَّغْلِيبِ؛ لِأنَّهُ لِغَيْرِ المُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ الجازِمِينَ بِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ رَدْعًا ووَعْدًا عَلى الِارْتِداعِ والمُرادُ: لِيَرْتَدِعُوا فَإنَّهم سَيَعْلَمُونَ مَثُوباتِ الِارْتِداعِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ شائِعٌ في الوَعِيدِ وهو المُتَبادِرُ مِنهُ في أمْثالِ هَذِهِ المَقاماتِ.
النبأ 78:5
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ قِيلَ: تَكْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الرَّدْعِ والوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ. و﴿ثُمَّ﴾ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهم يَوْمَ القِيامَةِ رَدْعٌ وعَذابٌ شَدِيدانِ بَلْ لَهم يَوْمَئِذٍ أشَدُّ وأشَدُّ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ صارَ كَأنَّهُ مُغايِرٌ لِما قَبْلَهُ فَعُطِفَ عَلَيْهِ، وابْنُ مالِكٍ يَقُولُ في مِثْلِهِ: إنَّهُ مِنَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ وإنْ تَوَسَّطَ حَرْفُ العَطْفِ فَلا تَغْفُلْ. وقِيلَ: الأوَّلُ إشارَةٌ إلى ما يَكُونُ عِنْدَ النَّزْعِ وخُرُوجِ الرُّوحِ مِن زَجْرِ مَلائِكَةِ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومُلاقاةِ كُرُباتِ المَوْتِ وشَدائِدِهِ وانْكِشافِ الغِطاءِ، والثّانِي إشارَةٌ إلى ما يَكُونُ في القِيامَةِ مِن زَجْرِ مَلائِكَةِ العَذابِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومُلاقاةِ شَدِيدِ العِقابِ فَ «ثُمَّ» في مَحَلِّها لِما بَيْنَهُما مِنَ البُعْدِ الزَّمانِيِّ ولا تَكْرارَ فِيهِ.
والظّاهِرُ أنَّ العَطْفَ عَلى هَذا وما قَبْلَهُ عَلى مَجْمُوعِ ﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ وتَوَهَّمَ بَعْضُهم مِن كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّ العَطْفَ عَلى ( سَيَعْلَمُونَ ) وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ «ثُمَّ» إذا كانَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ يَلْزَمُ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِأجْنَبِيٍّ بِخِلافِ ما إذا كانَتْ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، ووُجِّهَ لِدَفْعِ التَّخْصِيصِ بِلا مُخَصِّصٍ أنَّهُ عَلى الثّانِي يُفْهَمُ تَفاوُتُ الرُّتْبَةِ بَيْنَ الرَّدْعَيْنِ كَتَفاوُتِها بَيْنَ الوَعِيدَيْنِ لِتَبَعِيَّةِ الرَّدْعِ لِلْوَعِيدِ فَلا تَكُونُ «كَلّا» الثّانِيَةُ أجْنَبِيَّةً بِخِلافِ الأوَّلِ؛ فَإنَّ التَّراخِيَ عَلَيْهِ إنَّما يَتَحَقَّقُ فِيما يَتَحَقَّقُ فِيهِ الزَّمانُ ولَيْسَ هو إلّا ( سَيَعْلَمُونَ ) دُونَ ( كَلّا ) فَتَكُونُ هي أجْنَبِيَّةً ثُمَّ قالَ ذَلِكَ المُتَوَهِّمُ ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: الرَّدْعُ الأوَّلُ عَنِ التَّساؤُلِ والثّانِي عَنِ الإنْكارِ أيِ الصَّرِيحِ، وتَفاوُتُ ما بَيْنَهُما يَقْتَضِي العَطْفَ بِثُمَّ والكُلُّ كَما تَرى. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ العِلْمِ في الأوَّلِ البَعْثُ وفي الثّانِي الجَزاءُ عَلى إنْكارِهِ، و﴿ثُمَّ﴾ في مَحَلِّها أيْ ﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ حَقِيقَةَ البَعْثِ إذا بُعِثُوا ﴿ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ الجَزاءَ عَلى إنْكارِهِ إذا دَخَلُوا النّارَ وعُوقِبُوا. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُتَعَلِّقُ مُخْتَلِفًا و( ثُمَّ ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ؛ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى: سَيُعْلَمُ الكُفّارُ أحْوالَهم ثُمَّ سَيَعْلَمُونَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ إشارَةٌ إلى العَذابِ الجُسْمانِيِّ والثّانِي إلى العَذابِ الرُّوحانِيِّ الَّذِي هو أشَدُّ وأخْزى، وأنْ يَكُونَ فاعِلُ سَيَعْلَمُ في المَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفًا بِناءً عَلى أنَّ ضَمِيرَ ( يَتَساءَلُونَ ) لِلنّاسِ عامَّةً و( ثُمَّ ) لِذَلِكَ أيْضًا؛ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى: سَيُعْلَمُ المُؤْمِنُونَ عاقِبَةَ تَصْدِيقِهِمْ، ثُمَّ سَيَعْلَمُ الكُفّارُ عاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ، فَيَكُونُ الأوَّلُ وعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ والآخَرُ وعِيدًا لِلْكافِرِينَ، وهُما مُتَفاوِتانِ رُتْبَةً، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في ذَلِكَ.
وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ مُقْسِمٍ والحُسْنُ وابْنُ عامِرٍ «سَتَعْلَمُونَ» في المَوْضِعَيْنِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى نَهْجِ الِالتِفاتِ إلى الخِطابِ المُوافِقِ لِما بَعْدَهُ مِنَ الخِطاباتِ تَشْدِيدًا لِلرَّدْعِ والوَعِيدِ لا عَلى تَقْدِيرِ: قُلْ لَهم كَلّا سَتَعْلَمُونَ إلَخْ. فَإنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ حُسْنٍ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ يَسْألُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قَرَأ الأوَّلَ بِتاءِ الخِطابِ والثّانِيَ بِياءِ الغَيْبَةِ.
النبأ 78:6
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ النَّبَأِ المُتَساءَلِ عَنْهُ بِتَعْدادِ بَعْضِ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِحَقِّيَّتِهِ إثْرَ ما نَبَّهَ عَلَيْها بِما ذُكِرَ مِنَ الرَّدْعِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ: قُلْ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ أوْ تَشُكُّونَ في البَعْثِ وقَدْ عايَنْتُمْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ المُحِيطِ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ المُقْتَضِيَةِ أنْ لا يَكُونَ ما خُلِقَ عَبَثًا وفِيهِ أنَّ مَن كانَ عَظِيمَ الشَّأْنِ باهِرَ القُدْرَةِ يَنْبَغِي أنْ يُخافَ ويُخْشى ويُتَأثَّرَ مِن زَجْرِهِ ووَعِيدِهِ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ بِما بَعْدَ النَّفْيِ و(المِهادُ: الفِراشُ المُوَطَّأُ).
وفِي القامُوسِ: المَهْدُ المَوْضِعُ الَّذِي يُهَيَّأُ لِلصَّبِيِّ
صفحة 6
كالمِهادِ وعَلَيْهِ فالمَهْدُ والمِهادُ بِمَعْنًى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مُجاهِدٍ وعِيسى الهَمْدانِيِّ «مَهْدًا» وفي الآيَةِ حِينَئِذٍ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وكُلٌّ مِنهُما مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُمَهَّدُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والوَصْفُ بِالمَصْدَرِ كَثِيرٌ، أوْ لِتَقْدِيرِ ذاتِ مِهادٍ أوْ مَهْدٍ. وقِيلَ: كَما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المِهادُ مَصْدَرًا سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعالًا أيِ اسْمًا عَلى زِنَتِهِ يُؤْخَذُ لِلْمَفْعُولِ كالإلَهِ والإمامِ، وجَعَلَ الأرْضَ مِهادًا إمّا في أصْلِ الخِلْقَةِ أوْ بَعْدَها، وأيًّا ما كانَ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى ما يُنافِي كُرِيَّتَها كَما هو المَشْهُورُ مِن عِدَّةِ مَذاهِبِ أهْلِ الهَيْئَةِ المُحْدَثِينَ أنَّها مُسَطَّحَةٌ عِنْدَ القُطْبَيْنِ لِأنَّها كانَتْ لَيِّنَةً جِدًّا في مَبْدَأِ الأمْرِ لِظُهُورِ غايَةِ الحَرارَةِ الكامِنَةِ فِيها اليَوْمَ فِيها إذْ ذاكَ وقَدْ تَحَرَّكَتْ عَلى مِحْوَرِها فاقْتَضى مَجْمُوعُ ذَلِكَ صَيْرُورَتَها مُسَطَّحَةً عِنْدَهُما عِنْدَهُمْ، وأهْلُ الشَّرْعِ لا يَقُولُونَ بِذَلِكَ ولا يَتِمُّ لِلْقائِلِ بِهِ دَلِيلٌ حَتّى يَرِثَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
النبأ 78:7
﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ أيْ: كالأوْتادِ فَفِيهِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أيْضًا والمُرادُ أرْسَيْنا الأرْضَ بِالجِبالِ كَما يُرْسى البَيْتُ بِالأوْتادِ قالَ الأفْوَهُ:
والبَيْتُ لا يُبْتَنى إلّا لَهُ عُمُدٌ ولا عِمادَ إذا لَمْ تُرْسَ أوْتادُ
وفِي الحَدِيثِ: ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ فَجَعَلَتْ تَمِيدُ، فَوَضَعَ عَلَيْها الجِبالَ فاسْتَقَرَّتْ فَقالَتِ المَلائِكَةُ: رَبَّنا هَلْ خَلَقْتَ خَلْقًا أشَدَّ مِنَ الجِبالِ؟ قالَ: نَعَمِ الحَدِيدُ، فَقالَتْ: رَبَّنا هَلْ خَلَقْتَ خَلْقًا أشَدَّ مِنَ الحَدِيدِ؟ قالَ: نَعَمْ. النّارُ، فَقالُوا: رَبَّنا هَلْ خَلَقْتَ خَلْقًا أشَدَّ مِنَ النّارِ؟ قالَ: نَعَمْ. الماءُ، فَقالُوا: رَبَّنا هَلْ خَلَقْتَ خَلْقًا أشَدَّ مِنَ الماءِ؟ قالَ: نَعَمْ. الهَواءُ، فَقالُوا: رَبَّنا هَلْ خَلَقْتَ خَلْقًا أشَدَّ مِنَ الهَواءِ؟ قالَ: نَعَمْ. ابْنُ آدَمَ؛ يَتَصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فَيُخْفِي ذَلِكَ عَنْ شِمالِهِ»».
وظاهِرُهُ كَغَيْرِهِ أنَّ خَلْقَ الجِبالِ بِهِ خَلْقُ الأرْضِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ والمُحْدَثُونَ وهي مُتَفاوِتَةٌ عِنْدَهم في الحُدُوثِ تَقَدُّمًا وتَأخُّرًا وجاءَ في حَدِيثٍ رَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أوَّلَ جَبَلٍ أبُو قُبَيْسٍ، وفي كَيْفِيَّةِ حُدُوثِها مُنْذُ حَدَثَتْ خِلافٌ عِنْدَهُمْ، وقَدْ يَتَلاشى ما حَدَثَ مِنها بِطُولِ الزَّمانِ:
إنَّ الجَدِيدَيْنِ إذا ما اسْتَوْ ∗∗∗ لَيا عَلى جَدِيدٍ أسْلَماهُ لِلْبِلى
ورُبَّما يُشاهَدُ حُدُوثُ بَعْضِ تِلاعٍ حَجَرِيَّةٍ مِنَ انْجِمادِ بَعْضِ المِياهِ، واسْتُشْكِلَ احْتِياجُها لِلْإرْساءِ بِالجِبالِ مَعَ طَلَبِها لِلْمَرْكَزِ بِثِقْلِها المُطْلَقِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّها سَتَكُونُ ويَكُونُ عَلَيْها مِنَ الأثْقالِ ما يَكُونُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّها حِينَئِذٍ يَكُونُ لَها مَرْكَزانِ مَرْكَزُ حَجْمٍ ومَرْكَزُ ثِقَلٍ، والَّذِي يَنْطَبِقُ مِنهُما عَلى مَرْكَزِ العالَمِ إنَّما هو مَرْكَزُ الثِّقَلِ فَيَلْزَمُ مِن تَحَرُّكٍ ثَقِيلٍ إلى جِهَةِ المَشْرِقِ أوِ المَغْرِبِ مَثَلًا عَلَيْها تَحَرُّكُها لِاخْتِلافِ مَرْكَزِ ثِقَلِها ولُزُومِ انْطِباقِهِ عَلى مَرْكَزِ العالَمِ فَيَحْصُلُ المَيْدُ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لِما يَكُونُ عَلَيْها مِن أثْقالٍ سَكَنَتْها قَدْرٌ يُحَسُّ بِهِ فَوُضِعَتْ عَلَيْها الجِبالُ وانْطَبَقَ مَرْكَزُ ثِقَلِها عَلى مَرْكَزِ العالَمِ وصارَ مَجْمُوعُ الأرْضِ والجِبالِ بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ لِلْمُتَحَرِّكِ بَعْدَ قَدْرٍ يُحِسُّ بِهِ. وقِيلَ: إنَّها كانَتْ لِخِفَّتِها بِحَيْثُ يُحَرِّكُها أمْواجُ البَحْرِ المُحِيطِ بِها فَيَحْصُلُ المَيْدُ فَثَقُلَتْ بِالجِبالِ مَعَ ما في الجِبالِ مِنَ المَنافِعِ الجَمَّةِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقِ الأرْضُ لِأجْلِها بِحَيْثُ لا تُحَرِّكُها الأمْواجُ. وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ حَسْبَما كُنّا واقِفِينَ عَلَيْهِ قَدْ مَرَّ فَتَذَكَّرْ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضٍ أنَّ جَعْلَها كَذَلِكَ بِمَعْنى جَعْلِها سَبَبًا لِانْتِظامِ أهْلِ الأرْضِ بِما أُودِعَ فِيها مِنَ المَنافِعِ ولَوْلاها لَمادَتْ بِهِمْ؛ أيْ: لَما تَهَيَّأتْ لِلِانْتِفاعِ بِها ولاخْتَلَّ أمْرُ سُكْناهم إيّاها وهو تَأْوِيلٌ مُنافٍ لِلظَّواهِرِ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ ما لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ القَطْعِيُّ عَلى مُحالِيَّةِ إرادَةِ الظّاهِرِ. نَعَمْ قِيلَ: إنَّ هَذا أقْرَبُ لِلتَّقْرِيرِ؛ فَإنَّ جَعْلَها أوْتادًا بِهَذا المَعْنى أظْهَرُ مِن جَعْلِهِ كَذَلِكَ بِذَلِكَ المَعْنى وأقْرَبُ إلى العِلْمِ بِهِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ أوْفَقُ لِتَرْكِ إعادَةِ العامِلِ ومَن لا يَراهُ يَجْعَلُ النُّكْتَةَ فِيهِ قُوَّةَ ما بَيْنَ الأرْضِ والجِبالِ مِنَ الِاشْتِراكِ والِارْتِباطِ فافْهَمْ.
النبأ 78:8
﴿وخَلَقْناكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى المُضارِعِ المَنفِيِّ بِلَمْ داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ فَإنَّهُ في قُوَّةِ إمّا جَعَلْنا إلَخْ. أوْ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإنْكارُ التَّقْرِيرِيُّ فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: قَدْ جَعَلْنا إلَخْ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ هُنا بِناءً عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ في ( سَيَعْلَمُونَ )
صفحة 7
لِلْمُبالَغَةِ في الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ ﴿أزْواجًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: مُزْدَوِجَيْنِ ذِكْرًا وأُنْثى لِيَتَسَنّى التَّناسُلُ ويَنْتَظِمَ أمْرُ المَعاشِ، وقِيلَ: أصْنافًا في اللَّوْنِ والصُّورَةِ واللِّسانِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الخَلْقِ أزْواجًا الخَلْقَ مِن مَنِيَّيْنِ مَنِيِّ الرَّجُلِ ومَنِيِّ المَرْأةِ خَلَقْنا كُلَّ واحِدٍ مِنكم أزْواجًا بِاعْتِبارِ مادَّتِهِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَنِيَّيْنِ فَيَكُونُ ( خَلَقْناكم أزْواجًا ) مِن قَبِيلِ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ وتَوْزِيعِ الأفْرادِ عَلى الأفْرادِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ولا داعِيَ إلَيْهِ
النبأ 78:9
﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ كالسُّباتِ فَفي الكَلامِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ كَما تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِالسُّباتِ المَوْتُ، وقَدْ ورَدَ في اللُّغَةِ بِهَذا المَعْنى ووَجْهُ تَشْبِيهِ النَّوْمِ بِهِ ظاهِرٌ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ وهو عَلى بِناءِ الأدْواءِ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّبْتِ بِمَعْنى القَطْعِ لِما فِيهِ مِن قَطْعِ العَمَلِ والحَرَكَةِ، ويُقالُ: سَبَتَ شَعْرَهُ إذا حَلَقَهُ، وأنْفَهُ إذا اصْطَلَمَهُ. وزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ كَما في الدُّرَرِ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ السَّبْتَ بِمَعْنى القَطْعِ وكَأنَّهُ كانَ أصَمَّ. وقِيلَ: أصْلُ السَّبْتِ التَّمَدُّدُ كالبَسْطِ يُقالُ: سَبَتَ الشَّعْرَ إذا حَلَّ عِقاصَهُ، وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ السُّباتِ بِالنَّوْمِ الطَّوِيلِ المُمْتَدِّ والِامْتِنانِ بِهِ لِما فِيهِ مِن عَدَمِ الِانْزِعاجِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم حَمْلَهُ عَلى النَّوْمِ الخَفِيفِ بِناءً عَلى ما في القامُوسِ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِ عَلى أنَّ المَعْنى جَعَلَنا نَوْمَكم نَوْمًا خَفِيفًا غَيْرَ مُمْتَدٍّ فَيَخْتَلُّ بِهِ أمْرُ مَعاشِكم ومَعادِكم وفي البَحْرِ سُباتًا أيْ سُكُونًا وراحَةً. يُقالُ: سَبَتِ الرَّجُلُ إذا اسْتَراحَ. وزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أيْضًا عَدَمَ سَماعِ سَبَتَ بِهَذا المَعْنى، ورَدَّ عَلَيْهِ المُرْتَضى بِأنَّهُ أُرِيدَ الرّاحَةُ اللّازِمَةُ لِلنَّوْمِ وقَطْعِ الإحْساسِ؛ فَإنَّ في ذَلِكَ راحَةَ القُوى الحَيَوانِيَّةِ مِمّا عَراها في اليَقَظَةِ مِنَ الكَلالِ، ومِنهُ: سُمِّيَ اليَوْمُ المَعْرُوفُ سَبْتًا لِفَراغٍ وراحَةٍ لَهم فِيهِ، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَوْمَ الأحَدِ فَخَلَقَها في سِتَّةِ أيّامٍ كَما ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ فَقَطَعَ عَمَلَهُ سُبْحانَهُ يَوْمَ السَّبْتِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، واخْتارَ المُحَقِّقُونَ كَوْنَ السُّباتِ هُنا بِمَعْنى المَوْتِ؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ كَما لا يَخْفى.
النبأ 78:10
﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ﴾ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ النَّوْمُ غالِبًا ﴿لِباسًا﴾ يَسْتُرُكم بِظَلامِهِ كَما يَسْتُرُكُمُ اللِّباسُ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهَذا اللِّباسِ المُشَبَّهِ بِهِ ما يَسْتَتِرُ بِهِ عِنْدَ النَّوْمِ مِنَ اللِّحافِ ونَحْوِهِ؛ فَإنَّ شَبَهَ اللَّيْلِ بِهِ أكْمَلُ، واعْتِبارُهُ في تَحْقِيقِ المَقْصِدِ أدْخَلُ. واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ إرادَةَ الأعَمِّ وأنَّ المَعْنى جَعَلْناهُ ساتِرًا لَكم عَنِ العُيُونِ إذا أرَدْتُمْ هَرَبًا مِن عَدُوٍّ أوْ بَياتًا لَهُ أوْ خَفاءَ ما لا تُحِبُّونَ الِاطِّلاعَ عَلَيْهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ. وقَدْ عَدَّ المُتَنَبِّي مِن نِعَمِ اللَّيْلِ البَياتَ عَلى الأعْداءِ والفَوْزَ بِزِيارَةِ المَحْبُوبِ واللِّقاءَ مُكَذِّبًا ما اشْتُهِرَ مِن مَذْهَبِ المانَوِيَّةِ مِن أنَّ الخَيْرَ مَنسُوبٌ إلى النُّورِ، والشَّرَّ إلى الظُّلْمَةِ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ فَقالَ:
وكَمْ لِظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدِي مِن يَدٍ تُخَبِّرُ أنَّ المانَوِيَّةَ تَكْذِبُ
وقاكَ رَدى الأعْداءِ تَسْرِي إلَيْهُمُ ∗∗∗ وزارَكَ فِيهِ ذُو الدَّلالِ المُحَجَّبُ
وقالَ بَعْضُهُمْ: يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ كَوْنُ اللَّيْلِ كاللِّباسِ عَلى كَوْنِهِ كاللِّباسِ لِلْيَوْمِ في سُهُولَةِ إخْراجِهِ ومِنهُ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ اسْتِدْلالُ بَعْضِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مِن صَلّى عُرْيانًا في لَيْلٍ أوْ ظُلْمَةٍ فَصَلاتُهُ صَحِيحَةٌ. ولَعَمْرِي لَقَدْ أتى بِعُرْيٍ عَنْ لِباسِ التَّحْقِيقِ كَما لا تَخْفى عَلى مَن أشْرَقَ عَلَيْهِ ضِياءُ الحَقِّ الحَقِيقُ.
النبأ 78:11
﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى العَيْشِ وهو الحَياةُ المُخْتَصَّةُ بِالحَيَوانِ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ دُونَ العامَّةِ لِحَياةِ المَلِكِ مَثَلًا، ووَقَعَ هُنا ظَرْفًا كَما قِيلَ في نَحْوِ: أتَيْتُكَ خُفُوقَ النَّجْمِ وطُلُوعَ الفَجْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَجِيئُهُ كَذَلِكَ في اللُّغَةِ، والمَعْنى: وجَعَلْنا النَّهارَ وقْتَ مَعاشٍ؛ أيْ حَياةٍ تُبْعَثُونَ فِيهِ مِن نَوْمِكُمُ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ وكَأنَّهُ لَمّا جَعَلَ سُبْحانَهُ النَّوْمَ مَوْتًا مَجازًا جَعَلَ جَلَّ شَأْنُهُ اليَقَظَةَ مَعاشًا كَذَلِكَ لَكِنْ أُوثِرَ النَّهارُ لِيُناسِبَ المُتَوَسِّطَ، وقِيلَ: المَعْنى: وجَعَلْنا النَّهارَ وقْتَ مَعاشٍ تَتَقَلَّبُونَ فِيهِ لِتَحْصِيلِ ما تَعِيشُونَ بِهِ وهو أنْسَبُ بِجَعْلِ السُّباتِ فِيما تَقَدَّمَ بِمَعْنى القَطْعِ عَنِ الحَرَكَةِ عَلى ما قِيلَ، ولا يَخْفى حُسْنُ ذِكْرِ جَعْلِ اللَّيْلِ لِباسًا بَعْدَ جَعْلِ النَّوْمِ سُباتًا وهو مُشِيرٌ إلى حِكْمَةِ جَعْلِ النَّوْمِ
صفحة 8
لَيْلًا أيْضًا؛ لِأنَّ النّائِمَ مُعَطَّلُ الحَواسِّ فَكانَ مُحْتاجًا لِساتِرٍ عَمّا يَضُرُّهُ فَهو أحْوَجُ ما يَكُونُ لِلدِّثارِ وضَرْبِ خِيامِ الِاسْتِتارِ، وفي الكَشْفِ أنَّ المُطابَقَةَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ مُصَرَّحَةٌ، وفِيهِ مُطابَقَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ أيْضًا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ( وجَعَلْنا النَّوْمَ ) مِن حَيْثُ إنَّ النَّهارَ وقْتُ اليَقَظَةِ والمَعاشِ في مُقابَلَةِ السُّباتِ؛ لِأنَّهُ حَرَكَةُ الحَيِّ، ومِنهُ عُلِمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ غَيْرُ مُسْتَطْرِدٍ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ خَلْقَهم أزْواجًا اسْتَوْفى أحْوالَهم مُقْتَرِنِينَ ومُفْتَرِقِينَ اهـ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالطِّيبِيِّ حَيْثُ زَعَمَ الِاسْتِطْرادَ إذا أُرِيدَ بِالمَعاشِ اليَقَظَةُ وبِالسُّباتِ المَوْتُ.
النبأ 78:12
﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ أيْ: سَبْعَ سَماواتٍ قَوِيَّةِ الخَلْقِ مَحْكَمَةً لا يَسْقُطُ مِنها ما يَمْنَعُكُمُ المَعاشَ، والتَّعْبِيرُ عَنْ خَلْقِها بِالبِناءِ لِلْإشارَةِ إلى تَشْبِيهِها بِالقِبابِ المَبْنِيَّةِ عَلى سُكْنَتِها. وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ خَلْقَها عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ ولَيْسَ بِذاكَ. وفِيهِ أنَّ السَّماءَ خَيْمِيَّةٌ لا سَطْحَ مُسْتَوٍ وفي الآثارِ ما يَشْهَدُ لَهُ ولا يَأْباهُ جَعَلْنا سَقْفًا في آيَةٍ أُخْرى. وقَدْ صَحَّ في العُرْسِ ما يَشْهَدُ بِخَيْمِيَّةٍ أيْضًا والفَلاسِفَةُ السّالِفُونَ عَلى اسْتِدارَتِها ويُطْلِقُونَ عَلَيْها اسْمَ الفَلَكِ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ حَسَبِ أُصُولِهِمْ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ عَلى اسْتِدارَةِ السَّطْحِ الظّاهِرِ مِنَ الأرْضِ ولا يَكادُ يَتِمُّ لَهم دَلِيلٌ عَلَيْهِ قالُوا الَّذِي يَدُلُّ عَلى اسْتِدارَةِ السَّماءِ هو أنَّهُ مَتى قَصَدْنا عِدَّةَ مَساكِنَ عَلى خَطٍّ واحِدٍ مِن عَرْضِ الأرْضِ وحَصَّلْنا الكَواكِبَ المارَّةَ عَلى سَمْتِ الرَّأْسِ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها ثُمَّ اعْتَبَرْنا أبْعادَ مَمَرّاتِ تِلْكَ الكَواكِبِ في دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ وجَدْناها عَلى نِسَبِ المَسافاتِ الأرْضِيَّةِ بَيْنَ تِلْكَ المَساكِنِ، كَذَلِكَ وجَدْنا ارْتِفاعَ القُطْبِ فِيها مُتَفاضِلًا بِمِثْلِ تِلْكَ النِّسَبِ فَتَحَدُّبُ السَّماءِ في العَرْشِ مُشابِهٌ لَتَحَدُّبِ الأرْضِ فِيهِ، لَكِنَّ هَذا التَّشابُهَ مَوْجُودٌ في كُلِّ خَطٍّ مِن خُطُوطِ العَرْضِ، وكَذا في كُلِّ خَطٍّ مِن خُطُوطِ الطُّولِ، فَسَطْحُ السَّماءِ بِأسْرِهِ مُوازٍ لِسَطْحِ الظّاهِرِ مِنَ الأرْضِ بِأسْرِهِ وهَذا السَّطْحِ مُسْتَدِيرٌ حِسًّا، فَكَذا سَطْحُ السَّماءِ المُوازِي لَهُ وأيْضًا أصْحابُ الأرْصادِ دَوَّنُوا مَقادِيرَ أجْرامِ الكَواكِبِ وأبْعادَ ما بَيْنَها في الأماكِنِ المُخْتَلِفَةِ في وقْتٍ واحِدٍ كَما في أنْصافِ نَهارِ تِلْكَ الأماكِنِ مُثُلًا مُتَساوِيَةً، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَساوِي أبْعادِ مَراكِزِ الكَواكِبِ عَنْ مَناظِرِ الأبْصارِ المُسْتَلْزِمِ لِتَساوِي أبْعادِها عَنْ مَرْكَزِ العالَمِ لِاسْتِدارَةِ الأرْضِ المُسْتَلْزِمِ لِكَوْنِ السَّماءِ كُرَيَّةً، وزَعَمُوا أنَّ هَذَيْنِ أقْرَبُ ما يُتَمَسَّكُ بِهِما في الِاسْتِدارَةِ مِن حَيْثُ النَّظَرُ التَّعْلِيمِيُّ وفي كُلِّ مُناقَشَةٍ، أمّا الثّانِي فالمُناقَشَةُ فِيهِ أنَّهُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ الفَلَكُ عِنْدَهم ساكِنًا والكَواكِبُ مُتَحَرِّكًا؛ إذْ لَوْ كانَ السَّماءُ مُتَحَرِّكًا جازَ أنْ يَكُونَ مُرَبَّعًا ويَكُونُ مُساواةُ أبْعادِ مَراكِزِ الكَواكِبِ عَنْ مَناظِرِ الأبْصارِ وتُساوِي مَقادِيرِ الأجْرامِ لِلْكَواكِبِ حاصِلًا. وأمّا الأوَّلُ فالمُناقَشَةُ فِيهِ أنَّهُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ الِاعْتِدالُ المَذْكُورُ مَوْجُودًا في كُلِّ خَطٍّ مِن خُطُوطِ الطُّولِ والعَرْضِ وهو غَيْرُ مَعْلُومٍ، وأمّا غَيْرُ ما ذُكِرَ مِن أدِلَّتِهِمْ فَمَذْكُورٌ مَعَ ما فِيهِ في نِهايَةِ الإدْراكِ في دِرايَةِ الأفْلاكِ فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ.
بَقِيَ هاهُنا بَحْثٌ؛ وهو أنَّ العَطْفَ إذا كانَ عَلى الفِعْلِ المَنفِيِّ بِلَمْ داخِلًا في حُكْمِهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِناءُ سَبْعِ سَماواتٍ شِدادٍ فَوْقُ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِينَ وهم مُشْرِكُو مَكَّةَ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ كَما سَمِعْتَ لِيَتَأتّى تَقْرِيرُهم بِهِ كَسائِرِ الأُمُورِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، فَيُقالُ: إنَّ كَوْنَ السَّماواتِ سَبْعًا مِمّا لا يُدْرِكُ بِالمُشاهَدَةِ وهُمُ المُكَذِّبُونَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلا يُصَدِّقُونَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا مَعْرِفَتُهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ إنَّما هي مِن طَرِيقِ الوَحْيِ، وأُجِيبَ بِأنَّهم عَلِمُوا ذَلِكَ بِواسِطَةِ مُشاهَدَتِهِمُ اخْتِلافَ حَرَكاتِ السَّيّاراتِ السَّبْعِ مَعَ اخْتِلافِ أبْعادِها بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ؛ وذَلِكَ أنَّهم عَلِمُوا السَّيّاراتِ واخْتِلافَ حَرَكاتِها وعَلِمُوا أنَّ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ لَخَسَفَ بَعْضُها بَعْضًا فَقالُوا في بادِئِ النَّظَرِ بِسَبْعِ سَماواتٍ كُلُّ سَماءٍ لِكَوْكَبٍ مِن هاتِكَ الكَواكِبِ ولا يَلْزَمُنا البَحْثُ عَمّا قالُوا الثَّوابِتُ وفي المُحَرِّكِ لَها ولِلسَّبْعِ بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ؛ إذْ هو وراءَ ما نَحْنُ فِيهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا كانُوا قائِلِينَ بِأنَّ السَّماءَ
صفحة 9
عِبارَةٌ عَنِ الفَلَكِ وأنَّها تَتَحَرَّكُ عَلى الِاسْتِدارَةِ ويَكُونُ أوْجُها حَضِيضًا وحَضِيضُها أوْجًا، ولَعَلَّهم لا يَقُولُونَ بِذَلِكَ وإنَّما يَقُولُونَ كَبَعْضِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ السَّماءَ ساكِنَةٌ والكَوْكَبَ مُتَحَرِّكٌ، والفَلَكَ إنَّما هو مَجْراهُ وحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ السَّبْعُ عَلى اخْتِلافِ حَرَكاتِها وأبْعادِها في ثَخَنِ سَماءٍ واحِدَةٍ تَجْرِي في أفْلاكٍ ومَجارٍ لَها عَلى الوَجْهِ المَحْسُوسِ ويَجُوزُ أيْضًا غَيْرُ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وأيْضًا لَوْ كانَ عِلْمُهم بِذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ لَقالُوا بِالتَّداوِيرِ ونَحْوِها أيْضًا كَما قالَ بِذَلِكَ أهِلُ الهَيْئَةِ السّالِفُونَ لِأنَّ اخْتِلافَ الحَرَكاتِ يَقْتَضِيهِ بِزَعْمِهِمْ لا سِيَّما في المُتَحَيِّرَةِ، ولَوْ كانَ العَرَبُ قائِلِينَ بِهِ لَوَقَعَ في أشْعارِهِمْ بَلْ لا يَبْعُدُ أنَّهُ لَوْ ذَكَرَ لَهم ذاكِرٌ التَّداوِيرَ والمُتَمِّماتِ الحاوِيَةَ والمَحْوِيَّةَ مَثَلًا لَنَسَبُوهُ إلى ما يَكْرَهُ. وقِيلَ إنَّهم ورِثُوا عِلْمَ ذَلِكَ عَنْ أسْلافِهِمُ السّامِعِينَ لَهُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُونَ صِدْقَهُ كَإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا سَمِعُوهُ مِن أهْلِ الكِتابِ ولَمّا لَمْ يَرَوْهُ مُنافِيًا لِما هم عَلَيْهِ اعْتَقَدُوهُ ويَكْفِي في صِحَّةِ التَّقْرِيرِ هَذا المِقْدارُ مِنَ العِلْمِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى هَذا لا تَنْتَظِمُ المُتَعاطِفاتُ المُقَرَّرُ بِها في سِلْكٍ واحِدٍ مِنَ العِلْمِ والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ، وقِيلَ: نُزِّلُوا مَنزِلَةَ العالِمِينَ بِهِ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ وهو إخْبارُ مَن دَلَّتِ المُعْجِزَةُ عَلى صِدْقِهِ بِهِ وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلنّاسِ مُؤْمِنِيهِمْ ومُشْرِكِيهِمْ وغُلِّبَ المُؤْمِنُونَ عَلى غَيْرِهِمْ في التَّقْرِيرِ المُقْتَضِي لِسابِقِيَّةِ العِلْمِ وهو كَما تَرى. واخْتارَ بَعْضٌ أنَّ العَطْفَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإنْكارُ التَّقْرِيرِيُّ فَيَكُونُ الكَلامُ في قُوَّةِ: قَدْ جَعَلْنا الأرْضَ إلى آخِرِهِ.
﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ وهو حِينَئِذٍ ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بِالبِناءِ المَذْكُورِ فَلا يَقْتَضِي سابِقِيَّةَ عِلْمٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ العَطْفَ عَلى الفِعْلِ المَنفِيِّ بِ «لَمْ» أوْفَقُ بِالِاسْتِدْلالِ بِالمَذْكُوراتِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ كَما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المَفْعُولِ لِلتَّشْوِيقِ إنَّهُ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ.
النبأ 78:13
﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ: أنْشَأْنا وأبْدَعْنا ﴿سِراجًا وهّاجًا﴾ مُشْرِقًا مُتَلَأْلِئًا؛ مِن وهَجَتِ النّارُ إذا أضاءَتْ أوْ بالِغًا في الحَرارَةِ مِنَ الوَهَجِ، والمُرادُ بِهِ الشَّمْسُ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالسِّراجِ مِن رَوادِفِ التَّعْبِيرِ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ بِالبِناءِ.
ونُصِبَ ﴿سِراجًا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ و﴿وهّاجًا﴾ عَلى الوَصْفِيَّةِ لَهُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونا مَفْعُولَيْنِ لِلْجَعْلِ عَلى أنَّهُ هُنا ما يَتَعَدّى إلَيْهِما، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ لِلتَّنْكِيرِ فِيهِما، وإنْ قِيلَ: السِّراجُ الشَّمْسُ وهي لِانْحِصارِها في فَرْدٍ كالمَعْرِفَةِ، واخْتُلِفَ في مَوْضِعِ الجَعْلِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ في السَّماءِ الرّابِعَةِ ولَمْ نَرَ فِيهِ أثَرًا سِوى ما في البَحْرِ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، قالَ: الشَّمْسُ في السَّماءِ الرّابِعَةِ إلَيْنا ظَهْرُها ولَهَبُها يَضْطَرِمُ عُلُوًّا.
والمَذْكُورُ في كُتُبِ القَوْمِ أنَّهم جَعَلُوا سَبْعَةَ أفْلاكٍ لِلسَّيّاراتِ السَّبْعِ عَلى تَرْتِيبِ خَسْفِ بَعْضِها بَعْضًا أقْصاها لِزُحَلَ والَّذِي تَحْتَهُ لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ لِلْمِرِّيخِ، والأدْنى لِلْقَمَرِ والَّذِي فَوْقَهُ لِعُطارِدٍ ثُمَّ لِلزُّهْرَةِ إذْ وجَدُوا القَمَرَ يَكْسِفُ السِّتَّ مِنَ السَّيّاراتِ وكَثِيرًا مِنَ الثَّوابِتِ المُحاذِيَةِ لِطَرِيقَتِهِ في مَمَرِّ البُرُوجِ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ وجَدُوا الأدْنى يَكْسِفُ الأعْلى والثَّوابِتَ تَنْكَسِفُ بِالكُلِّ، ويُعْلَمُ الكاسِفُ مِنَ المُنْكَسِفِ بِاخْتِلافِ اللَّوْنِ فَأيُّهُما ظَهَرَ لَوْنُهُ عِنْدَ الكَسْفِ فَهو كاسِفٌ، وأيُّهُما خَفِيَ لَوْنُهُ فَهو مُنْكَسِفٌ، وبَقِيَ الشَّكُّ في أمْرِ الشَّمْسِ؛ إذْ لَمْ يُعْرَفِ انْكِسافُ شَيْءٍ مِنَ الكَواكِبِ بِها لِاضْمِحْلالِ نُورِها في ضِيائِها عِنْدَ القُرْبِ مِنها ولِانْكِسافِها بِشَيْءٍ مِنَ الكَواكِبِ غَيْرِ القَمَرِ، فَذَهَبَ بَعْضُ القُدَماءِ إلى أنَّ فَلَكَيِ الزُّهْرَةِ وعُطارِدٍ فَوْقَ فَلَكِها مُسْتَدِلِّينَ عَلَيْهِ بِأنَّهُما لا يَكْسِفانِها كَما يَكْسِفُها القَمَرُ وهو باطِلٌ؛ إذْ مِن شَرْطِ كَسْفِ السّافِلِ العالِي أنْ يَكُونا مَعًا والبَصَرُ عَلى خَطٍّ واحِدٍ مُسْتَقِيمٍ وإلّا لَمْ يَكْسِفْهُ كَما في أكْثَرِ اجْتِماعاتِ القَمَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يَكُونَ مَدارُهُما بَيْنَ الشَّمْسِ والأبْصارِ؛ ولِأنَّ جُرْمَيْهِما عِنْدَهم صَغِيرانِ غَيْرُ مُظْلِمَيْنِ كَجِرْمِ القَمَرِ حَتّى يَكْسِفاها ولِأنَّهُ إذا كَسَفَ القَمَرُ مِن جِرْمِ الشَّمْسِ ما مِساحَتُهُ مُساوِيَةٌ لِجِرْمِ أحَدِ هَذَيْنِ الكَوْكَبَيْنِ أوْ أكْثَرَ لا يَظْهَرُ المُنْكَسِفُ لِلْأبْصارِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَطْلَيْمُوسُ في الِاقْتِصاصِ، وذَهَبَ بَعْضُ مَن تَقادَمَ عَهْدُهم إلى أنَّهُما تَحْتَ فَلَكِ الشَّمْسِ وإنْ لَمْ تُكْسَفْ بِهِما اسْتِحْسانًا لِما في ذَلِكَ مِن حُسْنِ التَّرْتِيبِ وجَوْدَةِ
صفحة 10
النِّظامِ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ ومالَ إلَيْهِ بَطْلَيْمُوسُ. قالَ في المِجْسِطِيِّ: ونَحْنُ نَرى تَرْتِيبَ مَن تَقادَمَ عَهْدُهُ أقْرَبَ إلى الإقْناعِ لِأنَّهُ أشْبَهُ بِالأمْرِ الطَّبِيعِيِّ لِتَوَسُّطِ الشَّمْسِ بَيْنَ ما يَبْعُدُ عَنْها كُلَّ البُعْدِ وبَيْنَ ما لا يَعْبُدُ عَنْها إلّا يَسِيرًا، ثُمَّ قَوِيَ عَزْمُهُ لَمّا رَأى بُعْدَ الشَّمْسِ المَعْلُومَ مِنَ الأرْضِ مُناسِبًا لِهَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ لِما وُجِدَ بَيْنَ أبْعَدِ بُعْدِ القَمَرِ وأقْرَبِ قُرْبِ الشَّمْسِ بُعْدًا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ فِيهِ فَلَكًا الزُّهْرَةُ وعُطارِدُ وأبْعادُهُما المُخْتَلِفَةُ. قالَ في الِاقْتِصاصِ: مِثْلُ هَذا الفَضاءِ لا يَحْسُنُ أنْ يُتْرَكَ عُطْلًا ولا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ فِيهِ المِرِّيخُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ فَلْيَكُونا فِيهِ، وتَأكَّدَ هَذا عِنْدَ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ بِأنَّهُ شُوهِدَتِ الزُّهْرَةُ عَلى قُرْصِ الشَّمْسِ في وقْتَيْنِ بَيْنَهُما نَيِّفٌ وعِشْرُونَ سَنَةً وكانَتْ أوَّلُ الحالَيْنِ في ذُرْوَةِ التَّدْوِيرِ، وفي الثّانِي في أسْفَلِهِ، ويُبْطَلُ بِهِ ما ظُنَّ مِن كَوْنِ عُطارِدَ والزُّهْرَةِ مَعَ الشَّمْسِ في كُرَةٍ ومَرْكَزُ تَدْوِيرِهِما لِاسْتِحالَةِ أنْ تُرى الزُّهْرَةُ في الذُّرْوَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ وهَذِهِ أُمُورٌ ضَعِيفَةٌ بَعْضُها خِطابِيٌّ إقْناعِيٌّ وبَعْضُها مُبَيَّنٌ ما فِيهِ في مَحَلِّهِ.
وقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أنَّهُ كَما وُجِدَ في وجْهِ القَمَرِ مَحْوٌ فَكَذا في وجْهِ الشَّمْسِ فَوْقَ مَرْكَزِها بِقَلِيلٍ نُقْطَةٌ سَوْداءُ، وأهْلُ الإرْصادِ اليَوْمَ عَلى ما سَمِعْنا مِن غَيْرِ واحِدٍ جازِمُونَ بِأنَّ في قُرْصِها سَوادًا وعَلاماتٍ مُخْتَلِفَةً ولَهم في ذَلِكَ كَلامٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ وعَلَيْهِ فَفي تَشْبِيهِهِما بِالسِّراجِ مِنَ الحُسْنِ ما فِيهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ النُّورَ كَخَيْمَةٍ عَلَيْها، ورَأيْتُ في بَعْضِ كُتُبِهِمْ أنَّهُ يَنْشَقُّ مِن حَوالَيْ جِرْمِها، والكَلامُ في مِقْدارِ جِرْمِها وبُعْدِها عَنِ الأرْضِ عِنْدَ كُلِّ المُتَقَدِّمِينَ والمُعاصِرِينَ مِنَ الفَلاسِفَةِ مِمّا لا حاجَةَ لَنا بِهِ في هَذا المَقامِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافِ المُفْضِي بَيانُهُ بِما لَهُ وعَلَيْهِ إلى مَزِيدِ تَطْوِيلٍ.
النبأ 78:14
﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ﴾ هي السَّحائِبُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ والضَّحّاكِ، ولَمّا كانَتْ مَعْصِرَةً اسْمَ مَفْعُولٍ لا مَعْصِرَةً اسْمَ فاعِلٍ قِيلَ إنَّها جَمْعُ مَعْصِرَةٍ مِن أعْصَرَ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلْحَيْنُونَةِ؛ أيْ: حانَتْ وشارَفَتْ أنْ تَعْصِرَها الرِّياحُ فَتُمْطِرَ، والإفْعالُ يَكُونُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرًا كَما جُزِرَ إذا حانَ وقْتُ جِزارِهِ، وأُحْصِدَ إذا شارَفَتْ وقْتَ حَصادِهِ ومِنهُ أعُصِرَتِ الجارِيَةُ إذا دَنَتْ أنْ تَحِيضَ. قالَ أبُو النَّجْمِ العِجْلِيُّ:
تَمْشِي الهُوَيْنا مائِلًا خِمارُها قَدْ أعْصَرَتْ أوْ قَدْ دَنا إعْصارُها
وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الهَمْزَةِ لِلْحَيْنُونَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى حانَ لَها أنْ تَعْصِرَ؛ أيْ تُغِيثَ، ومِنهُ العاصِرُ المُغِيثُ؛ ولِذا قالَ ابْنُ كَيْسانَ: سُمِّيَتِ السَّحائِبُ بِذَلِكَ لِأنَّها تُغِيثُ فَهي مِنَ العَصْرَةِ كَأنَّهُ في الأصْلِ بِمَعْنى حانَ أنْ تَعْصِرَ بِتَخْيِيلِ أنَّ الدَّمَ يَحْصُلُ مِنها بِالعَصْرِ، وقِيلَ: إنَّها جَمْعٌ لِذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّ الهَمْزَةَ لِصَيْرُورَةِ الفاعِلِ ذا المَأْخَذَ كَأيْسَرَ وأعْسَرَ وألْحَمَ؛ أيْ: صارَ ذا يُسْرٍ وصارَ ذا عُسْرٍ وصارَ ذا لَحْمٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّهُ الرِّياحُ لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ فَيُمْطِرُ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِالرِّياحِ ذَواتِ الأعاصِيرِ عَلى أنَّ صِيغَةَ اسْمِ الفاعِلِ لِلنِّسْبَةِ إلى الإعْصارِ بِالكَسْرِ وهي رِيحٌ تُثِيرُ سَحابًا ذا رَعْدٍ وبَرْقٍ ويُعْتَبَرُ التَّجْرِيدُ عَلَيْهِ عَلى ما قِيلَ، والمازِنِيُّ اعْتَبَرَ النِّسْبَةَ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: المُعْصِراتُ السَّحائِبُ ذَواتُ الأعاصِيرِ؛ فَإنَّها لا بُدَّ أنْ تُمْطِرَ مَعَها، وأيَّدَ تَفْسِيرَها بِالرِّياحِ بِقِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وابْنِ عَبّاسٍ وأخِيهِ الفَضْلِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ «بِالمُعْصِراتِ» بِباءِ السَّبَبِيَّةِ والآلِيَّةِ؛ فَإنَّها ظاهِرَةٌ في الرِّياحِ فَإنَّ بِها يَنْزِلُ المالُ مِنَ السَّحابِ، ولِهَذِهِ القِراءَةِ جَعَلَ بَعْضُهم «مِن» في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وتَفْسِيرَ «المُعْصِراتِ» بِالرِّياحِ لِلتَّعْلِيلِ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّها لِلتَّعْلِيلِ ابْتِدائِيَّةٌ؛ فَإنَّ السَّحابَ كالمَبْدَأِ الفاعِلِ لِلْإنْزالِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ وُرُودَ «مِن» كَذَلِكَ قَلِيلٌ، وعَنْ أبِي الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أيْضًا أنَّها السَّماواتُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ السَّماءَ لا يَنْزِلُ مِنها الماءُ بِالعَصْرِ فَقِيلَ في تَأْوِيلِهِ: إنَّ الماءَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى السَّحابِ فَكَأنَّ السَّماواتَ يُعْصَرْنَ أيْ يُحْمَلْنَ عَلى عَصْرِ الرِّياحِ السَّحابَ ويُمَكَّنُ مِنهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ بَعْدِهِ إنَّما يَتِمُّ لَوْ جاءَ المُعْصِرُ بِمَعْنى العاصِرِ؛ أيِ الحامِلِ عَلى العَصْرِ، ولَوْ قِيلَ: المُرادُ بِالمُعْصِرِ الَّذِي حانَ لَهُ أنْ يُعْصَرَ كانَ تَكَلُّفًا
صفحة 11
عَلى تَكَلُّفٍ، والَّذِي في الكَشْفِ أنَّ الهَمْزَةَ عَلى التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ لِلتَّعْدِيَةِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.
﴿ماءً ثَجّاجًا﴾ أيْ: مُنْصَبًّا بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: ثَجَّ الماءُ إذا سالَ بِكَثْرَةٍ، وثَجَّهُ أيْ أسالَهُ، فَثَجَّ ورَدَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا واخْتِيرَ جَعْلُ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ مِنَ اللّازِمِ لِأنَّهُ الأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، وجَعَلَهُ الزَّجّاجُ مِنَ المُتَعَدِّي كَأنَّ الماءَ المُنَزَّلَ لِكَثْرَتِهِ يَصُبُّ نَفْسَهُ، ومِنَ المُتَعَدِّي ما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أفْضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ»».
أيْ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وصَبُّ ماءِ الهَدْيِ، والمُرادُ أفْضَلُ أعْمالِ الحَجِّ التَّلْبِيَةُ والنَّحْرُ ولا يَأْبى الكَثْرَةُ كَوْنَ الماءِ مِنَ المُعْصِراتِ وظاهِرُهُ أنَّهُ بِالعَصْرِ وهو لا يَحْصُلُ مِنهُ إلّا القَلِيلُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَوْ سُلِّمَ فالقِلَّةُ نِسْبِيَّةٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ: «ثَجّاحًا» بِجِيمٍ ثُمَّ حاءٍ مُهْمَلَةٍ، ومَثاجِجُ الماءِ: مَصابُّهُ.
النبأ 78:15
﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الماءِ وهو عَلى ظاهِرِهِ عِنْدَ السَّلَفِ ومَنِ اقْتَدى بِهِمْ وقالَتِ الأشاعِرَةُ أيْ: عِنْدَهُ ﴿حَبًّا ونَباتًا﴾ ما يُقْتاتُ بِهِ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ ويُعْتَلَفُ كالحَشِيشِ والتِّبْنِ، وتَقْدِيمِ الحَبِّ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنِ النَّباتِ في الإخْراجِ لِأصالَتِهِ وشَرَفِهِ؛ لِأنَّ غالِبَهُ غِذاءُ الإنْسانِ.
النبأ 78:16
﴿وجَنّاتٍ﴾ جَمْعُ جَنَّةٍ وهي كُلُّ بُسْتانٍ ذِي شَجَرٍ يَسْتُرُ بِأشْجارِهِ الأرْضَ مِنَ الجِنِّ وهو السَّتْرُ. وقالَ الفَرّاءُ: الجَنَّةُ ما فِيهِ النَّخِيلُ، والفِرْدَوْسُ ما فِيهِ الكَرْمُ، وقَدْ تُسَمّى الأشْجارُ السّاتِرَةُ جَنَّةً وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا وهو المُرادُ هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْفافًا﴾ أيْ: مُلْتَفَّةً تَداخَلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، قِيلَ: لا واحِدَ لَهُ كالأوْزاعِ والأخْيافِ لِلْجَماعاتِ المُتَفَرِّقَةِ المُخْتَلِفَةِ اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: جَمْعُ لُفٍّ بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لَفّاءَ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّهُ لَمْ يَجِئْ في نَظائِرِهِ ذَلِكَ؛ فَقَدْ جاءَ خُضْرٌ جُمَعُ خَضْراءَ وحُمْرٌ جُمَعُ حَمْراءَ، ولَمْ يَجِئْ أخْضارٌ جَمْعُ خُضْرٍ، ولا أحْمارٌ جَمْعٌ حُمْرٍ، وجَمْعُ الجَمْعِ لا يَنْقاسُ، ووُجُودُ نَظِيرِهِ في المُفْرَداتِ لا يَكْفِي كَذا قِيلَ.
وقالَ الكِسائِيُّ: جَمْعُ لَفِيفٍ بِمَعْنى مَلْفُوفٍ، وفَعِيلٌ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، وإنَّما اخْتَلَفَ النُّحاةُ في كَوْنِهِ جَمْعًا لِفاعِلٍ، وفي الكَشّافِ: لَوْ قِيلَ هو جَمْعُ مُلْتَفَّةٍ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الزَّوائِدِ لَكانَ قَوْلًا وجِيهًا انْتَهى. وإنَّما يُقَدَّرُ حَذْفُ الزَّوائِدِ وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ النُّحاةُ في مِثْلِ ذَلِكَ تَرْخِيمًا؛ لِأنَّ قِياسَ جَمْعِ مُلْتَفَّةٍ مُلْتَفّاتٌ لا ألْفافٌ، واعْتَرَضَهُ في الكَشْفِ فَقالَ فِيهِ: إنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ لِأنَّ تَصْغِيرَ التَّرْخِيمِ ثابِتٌ، أمّا جَمْعُهُ فَلا، لَكِنْ قِيلَ: إنَّ هَذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإنَّهُ وقَعَ في كَلامِهِمْ ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ لِقِلَّتِهِ، والحَقُّ أنَّهُ وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ، وجُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ لِفٍّ بِالكَسْرِ وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِمَعْنى مَلْفُوفٍ، وفِعْلٌ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ بِاطِّرادٍ كَجِذْعٍ وأجْذاعٍ، وعَنْ صاحِبِ الإقْلِيدِ أنَّهُ قالَ: أنْشَدَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ:
جَنَّةٌ لِفٌّ وعَيْشٌ مُغْدِقٌ ونُدامى كُلُّهم بِيضٌ زُهُرْ
وجَوَّزَ في القامُوسِ أنْ يَكُونَ جَمْعَ لَفٍّ بِالفَتْحِ هَذا وفِيما ذُكِرَ مِن أفْعالِهِ تَعالى شَأْنُهُ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ وحَقِّيَّتِهِ مِن أوْجُهٍ ثَلاثَةٍ عَلى ما قِيلَ؛ الأوَّلُ بِاعْتِبارِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ؛ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشاءِ تِلْكَ الأُمُورِ البَدِيعَةِ مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ كانَ عَلى الإعادَةِ أقْدَرَ وأقْوى.
الثّانِي: بِاعْتِبارِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ فَإنَّ مَن أبْدَعَ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى نَمَطٍ رائِعٍ مُسْتَتْبِعٍ لِغاياتٍ جَلِيلَةٍ ومَنافِعَ جَمِيلَةٍ عائِدَةٍ إلى الخَلْقِ يَسْتَحِيلُ حِكْمَةً أنْ لا يَجْعَلَ لَها عاقِبَةً.
الثّالِثُ: بِاعْتِبارِ نَفْسِ الفِعْلِ فَإنَّ اليَقَظَةَ بَعْدَ النَّوْمِ أُنْمُوذَجٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ يُشاهِدُهُ كُلُّ واحِدٍ وكَذا إخْراجُ الحَبِّ والنَّباتِ مِنَ الأرْضِ يُعايَنُ كُلَّ حِينٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ فَعَلْنا أوْ ألَمْ نَفْعَلْ هَذِهِ الأفْعالَ الآفاقِيَّةَ الدّالَّةَ بِفُنُونِ الدَّلالَةِ عَلى حَقِّيَّةِ البَعْثِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ فَما لَكم تَخُوضُونَ فِيهِ إنْكارًا وتَسْألُونَ عَنْهُ اسْتِهْزاءً.
النبأ 78:17
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ سِرِّ تَأْخِيرِ ما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ ويَسْتَعْجِلُونَ بِهِ قائِلِينَ: ( مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ )
صفحة 12
ونَوْعُ تَفْصِيلٍ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ وما سَيَلْقَوْنَهُ عِنْدَ ذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ حَسْبَما جَرى بِهِ الوَعِيدُ إجْمالًا، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّهُ لَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ صِحَّةَ البَعْثِ كانَ مَظِنَّةَ السُّؤالِ عَنْ وقْتِهِ فَقِيلَ: ( إنَّ ) إلَخْ. وأُكِّدَ لِأنَّهُ مِمّا ارْتابُوا فِيهِ ولَيْسَ بِذاكَ، أيْ: إنَ يَوْمَ فَصْلِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ بَيْنَ الخَلائِقِ كانَ في عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ مِيقاتًا ومِيعادًا لِبَعْثِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا لا يَكادُ يَتَخَطّاهُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، وقِيلَ: حَدًّا تُوَقَّتُ بِهِ الدُّنْيا وتَنْتَهِي إلَيْهِ أوْ حَدًّا لِلْخَلائِقِ يَنْتَهُونَ إلَيْهِ لِتَمْيِيزِ أحْوالِهِمْ، والأوَّلُ أوْفَقُ بِالمَقامِ عَلى أنَّ الدُّنْيا تَنْتَهِي عَلى ما قِيلَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى، وأيًّا ما كانَ فالمُضِيُّ في كانَ بِاعْتِبارِ العِلْمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَكُونُ، وعُبِّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ.
النبأ 78:18
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ أيِ النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ ( ويَوْمَ ) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ أوْ عَطْفُ بَيانٍ مُفِيدٌ لِزِيادَةِ تَفْخِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ ولا ضَيْرَ في تَأخُّرِ الفَصْلِ عَنِ النَّفْخِ فَإنَّهُ زَمانٌ مُمْتَدٌّ يَقَعُ في مَبْدَئِهِ النَّفْخُ وفي بَقِيَّتِهِ الفَصْلُ ومَبادِئُهُ وآثارُهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الصُّورِ، وقَرَأ أبُو عِياضٍ: «فِي الصَّوَرِ» بِفَتْحِ الواوِ جَمْعِ صُورَةٍ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ أيْضًا.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَأْتُونَ﴾ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ جُمْلَةٍ قَدْ حُذِفَتْ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْها وإيذانًا بِغايَةِ سُرْعَةِ الإتْيانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ أيْ: فَتَحْيَوْنَ فَتُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم فَتَأْتُونَ إلى المَوْقِفِ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ لُبْثٍ أصْلًا.
﴿أفْواجًا﴾ أيْ: أُمَمًا كُلُّ أُمَّةٍ بِإمامِها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ أوْ زُمَرًا وجَماعاتٍ مُخْتَلِفَةَ الأحْوالِ مُتَبايِنَةَ الأوْضاعِ حَسَبَ اخْتِلافِ الأعْمالِ وتَبايُنِها.
واسْتَدَلَّ لِهَذا بِما خَرَّجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ ؟ فَقالَ: «يا مُعاذُ، سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ مِنَ الأُمُورِ». ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عَشَرَةُ أصْنافٍ قَدْ مَيَّزَهم عَزَّ وجَلَّ مِن جَماعَةِ المُسْلِمِينَ فَبَدَّلَ صُوَرَهُمْ، فَبَعْضُهم عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ، وبَعْضُهم مُنَكَّسِينَ أرْجُلُهم فَوْقُ، وُجُوهُهم أسْفَلُ يُسْحَبُونَ عَلَيْها، وبَعْضُهم عُمْيٌ يَتَرَدَّدُونَ، وبَعْضُهم صُمٌّ بُكْمٌ لا يَعْقِلُونَ، وبَعْضُهم يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهم وهي مُدَلّاةٌ عَلى صُدُورِهِمْ يَسِيلُ القَيْحُ مِن أفْواهِهِمْ لُعابًا يَتَقَذَّرُهم أهْلُ الجَمْعِ، وبَعْضُهم مُقَطَّعَةٌ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ، وبَعْضُهم مُصَلَّبُونَ عَلى جُذُوعٍ مِن نارٍ، وبَعْضُهم أشَدُّ نَتِنًا مِنَ الجِيَفِ، وبَعْضُهم مُلْبَسُونَ جِبابًا سابِغَةً مِن قَطْرانٍ لازِقَةً بِجُلُودِهِمْ، فَأمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ فالقَتّاتُ مِنَ النّاسِ، وأمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ فَأكَلَةُ السُّحْتِ، وأمّا المُنَكَّسُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ فَأكَلَةُ الرِّبا، وأمّا العُمْيُ فالَّذِينَ يَجُورُونَ في الحُكْمِ، وأمّا الصُّمُّ البُكْمُ فالمُعْجَبُونَ بِأعْمالِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهم فالعُلَماءُ والقَصّاصُ الَّذِينَ خالَفَ أقْوالَهم أعْمالُهُمْ، وأمّا الَّذِينَ قُطِّعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم فَهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الجِيرانَ، وأمّا المُصَلَّبُونَ عَلى جُذُوعٍ مِن نارٍ فالسّاعُونَ بِالنّاسِ إلى السُّلْطانِ، وأمّا الَّذِينَ هم أشَدُّ نَتِنًا مِنَ الجِيَفِ فالَّذِينَ يَتَمَتَّعُونَ بِالشَّهَواتِ واللَّذّاتِ ويَمْنَعُونَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى مِن أمْوالِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الجِبابَ فَأهْلُ الكِبْرِ والخُيَلاءِ والفَخْرِ».» وهَذا كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ: حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، وآثارُ الوَضْعِ لائِحَةٌ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ قِيلَ: لا بُدَّ مِنَ التَّغْلِيبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( تَأْتُونَ )؛ إذْ لا يُمْكِنُ الإتْيانُ لِلْمَصْلُوبِ والمَسْحُوبِ عَلى الوَجْهِ ولا لِمَن قُطِّعَتْ يَداهُ ورِجْلاهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ فَإنَّ أُمُورَ الآخِرَةِ لا تُقاسُ عَلى أُمُورِ الدُّنْيا، والقادِرُ عَلى البَعْثِ قادِرٌ عَلى جَعْلِهِمْ ماشِينَ بِلا أيْدٍ وأرْجُلٍ، وأنْ تَمْشِيَ بِهِمْ عُمَدُ النّارِ الَّتِي صُلِبُوا عَلَيْها مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَأْتُوا بِأنْفُسِهِمْ لِجَوازِ أنْ تَأْتِيَ بِهِمُ الزَّبانِيَةُ.
النبأ 78:19
﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يُنْفَخُ﴾ عَلى ما قِيلَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَتَأْتُونَ﴾ ولَيْسَ بِشَرْطٍ أنْ يَتَوافَقا في الزَّمانِ كَما يَظُنُّ مَن لَيْسَ بِنَحْوِيٍّ، وأقَرَّهُ في الكَشْفِ وقالَ: الشَّرْطُ في حُسْنِهِ أنْ يَكُونَ مُقَرَّبًا مِنَ الحالِ أوْ يَكُونَ المُضارِعُ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ وما نَحْنُ فِيهِ مُضارِعٌ جِيءَ بِهِ بِلَفْظِ الماضِي تَفْخِيمًا وتَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ فَهو أقْرَبُ
صفحة 13
قَرِيبٍ مِنهُ. ولَوْ جُعِلَ حالًا عَلى مَعْنى: فَتَأْتُونَ وقَدْ فُتِحَتِ السَّماءُ لَكانَ وجْهًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ -أيْ: مَن عَدا الكُوفِيِّينَ- «فُتِّحَتْ» بِالتَّشْدِيدِ، قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَتْ أبْوابًا﴾ وفُسِّرَ الفَتْحُ بِالشَّقِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وجاءَ الفَتْحُ بِهَذا المَعْنى كَفَتْحِ الجُسُورِ وما ضاهاها، ولَعَلَّ نُكْتَةَ التَّعْبِيرِ بِهِ عَنْهُ الإشارَةُ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى حَتّى كانَ شِقُّ هَذا الجِرْمِ العَظِيمِ كَفَتْحِ البابِ سُهُولَةً وسُرْعَةً، وكانَ مَعْنى صارَ ولِدَلالَتِها عَلى الِانْتِقالِ مِن حالٍ إلى أُخْرى، وكَوْنُ السَّماءِ بِالشِّقِّ لا تَصِيرُ أبْوابًا حَقِيقَةً قالُوا: إنَّ الكَلامَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ؛ أيْ: فَصارَتْ شُقُوقُها لِسِعَتِها كالأبْوابِ أوْ فَصارَتْ مِن كَثْرَةِ الشُّقُوقِ كَأنَّ الكُلَّ أبْوابٌ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: فَصارَتْ ذاتَ أبْوابٍ، وقِيلَ: الفَتْحُ عَلى ظاهِرِهِ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ إلى السَّماءِ؛ أيْ: فُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ فَصارَتْ كَأنَّ كُلَّها أبْوابٌ، ويُجامِعُ ذَلِكَ شِقُّها فَتُشَقُّ وتُفْتَحُ أبْوابُها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ شَقَّها لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ فَإذا شُقِّقَتْ لا يُحْتاجُ لِفَتْحِ الأبْوابِ وأيْضًا فَتْحُ أبْوابِها لَيْسَ مِن خَواصِّ يَوْمِ الفَصْلِ وفِيهِ بَحْثٌ، نَعَمْ إنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ أوْلى وقِيلَ المَعْنى بِفَتْحِ مَكانِ السَّماءِ بِالكَشْطِ فَتَصِيرُ كُلُّها طُرُقًا لا يَسُدُّها شَيْءٌ وفِيهِ بُعْدٌ، وعَلى ما تَقَدَّمَ في الآيَةِ رَدٌّ عَلى زاعِمِي امْتِناعِ الخَرْقِ عَلى السَّماءِ وفِيها عَلى هَذا رَدٌّ لِزاعِمِي كَشْطِها كَما هو المَشْهُورُ عَنِ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ وإنْ حَقَّقَ المَلَأُ صَدْرًا في الأسْفارِ أنَّ أساطِنَتَهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ والفَلاسِفَةُ اليَوْمَ يَنْفُونَ السَّماءَ المَعْرُوفَةَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ ولَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ تُؤَوَّلُ لَهُ الآياتُ والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ في صِفَتِها كَما لا يَخْفى عَلى الذَّكِيِّ المُنْصِفِ.
النبأ 78:20
﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ أيْ: في الجَوِّ عَلى هَيْئَتِها بَعْدَ تَفَتُّتِها وبَعْدَ قَلْعِها مِن مَقارِّها كَما يُعْرَبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ وأُدْمِجَ فِيهِ تَشْبِيهُ الجِبالِ بِحِبالِ السَّحابِ في تَخَلْخُلِ الأجْزاءِ وانْتِفاشِها كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ .
﴿فَكانَتْ سَرابًا﴾ أيْ: فَصارَتْ بَعْدَ تَسْيِيرِها مِثْلَ سَرابٍ فَتَرى بَعْدَ تَفَتُّتِها وارْتِفاعِها في الهَواءِ كَأنَّها جِبالٌ ولَيْسَتْ بِجِبالٍ بَلْ غُبارٌ غَلِيظٌ مُتَراكِمٌ يُرى مِن بَعِيدٍ كَأنَّهُ جَبَلٌ كالسَّرابِ يُرى كَأنَّهُ بَحْرٌ مَثَلًا ولَيْسَ بِهِ، فالكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، والجامِعُ أنَّ كُلًّا مِنَ الجِبالِ والسَّرابِ يُرى عَلى كُلِّ شَيْءٍ ولَيْسَ هو بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وجْهُ الشَّبَهِ التَّخَلْخُلَ؛ إذْ تَكُونُ بَعْدَ تَسْيِيرِها غُبارًا مُنْتَشِرًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ والمُسْتَفادُ مِنَ الأزْهارِ البَدِيعَةِ في عِلْمِ الطَّبِيعَةِ لِمُحَمَّدٍ الهَرّاوِيِّ أنَّ السَّرابَ هَواءٌ تَسَخَّنَتْ طَبَقَتُهُ السُّفْلى الَّتِي تَلِي الأرْضَ لِتَسْخَنَ الأرْضُ مِن حَرِّ الشَّمْسِ فَتَخَلْخَلَتْ وصَعِدَ جُزْءٌ مِنها إلى ما فَوْقَها مِنَ الطَّبَقاتِ فَكانَ أكْثَفَ مِمّا تَحْتَهُ، وخَرَجَ بِذَلِكَ التَّسَخُّنُ عَنْ مَوْقِعِهِ الطَّبِيعِيِّ مِنَ الأرْضِ ولِانْعِكاسِ الأشِعَّةِ الضَّوْئِيَّةِ وانْكِسارِها فِيهِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ مُبَيَّنٍ في الكِتابِ المَذْكُورِ مَعَ انْعِكاسِ لَوْنِ السَّماءِ يُظَنُّ ماءً، وتُرى فِيهِ صُورَةُ الشَّيْءِ مُنْقَلِبَةً، وقَدْ تُرى فِيهِ صُوَرٌ سابِحَةٌ كَقُصُورٍ وعُمُدٍ ومَساكِنَ جَمِيلَةٍ مُسْتَغْرَبَةٍ وأشْباحٍ سائِرَةٍ تَتَغَيَّرُ هَيْئَتُها في كُلِّ لَحْظَةٍ وتَنْتَقِلُ عَنْ مَحالِّها ثُمَّ تَزُولُ وما هي إلّا صُوَرٌ حاصِلَةٌ مِنَ انْعِكاسِ صُوَرٍ مَرْئِيَّةٍ بَعِيدَةٍ جِدًّا أوْ مُتَراكِبَةٍ في طَبَقاتِ الهَواءِ المُخْتَلِفَةِ الكَثافَةِ فاعْتِبارُ التَّخَلْخُلِ فَقَطْ في وجْهِ الشَّبَهِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وأيًّا ما كانَ فَهَذا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ عِنْدَ حَشْرِ الخَلْقِ، فاللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يُسَيِّرُ الجِبالَ ويَجْعَلُها هَباءً مُنْبَثًّا ويُسَوِّي الأرْضَ يَوْمَئِذٍ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَإنَّ «اتِّباعَ» الدّاعِي الَّذِي هو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبُرُوزَ الخَلْقِ لِلَّهِ تَعالى لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وأمّا انْدِكاكُ الجِبالِ وانْصِداعُها فَعِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى، وقِيلَ: إنَّ تَسْيِيرَها وصَيْرُورَتَها
صفحة 14
سَرابًا عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أيْضًا ويَأْباهُ ظاهِرُ الآيَةِ، نَعَمْ لَوْ جُعِلَتِ الجُمْلَةُ حالِيَّةً أيْ: فَتَأْتُونَ أفْواجًا وقَدْ سُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا لَكانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، والظّاهِرُ أنَّها تَصِيرُ سَرابًا لِتَسْوِيَةِ الأرْضِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ حِكَمٌ أُخْرى، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّها تَجْرِي جَرَيانَ الماءِ وتَسِيلُ سَيَلانَهُ كالسَّرابِ فَيَزِيدُ ذَلِكَ في اضْطِرابِ مُتَعَطَّشِي المَحْشَرِ وغَلَبَةِ شَوْقِهِمْ إلى الماءِ خِلافُ الظّاهِرِ.
النبأ 78:21
﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْكامِ الفَصْلِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ اليَوْمَ إثْرَ بَيانِ هَوْلِهِ، والمِرْصادُ اسْمُ مَكانٍ كالمِضْمارِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تُضَمَّرُ فِيهِ الخَيْلُ ومِفْعالٌ يَكُونُ كَذَلِكَ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ والجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُما، كَما يَكُونُ اسْمَ آلَةٍ وصِفَةً مُشَبَّهَةً لِلْمُبالَغَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الجَمِيعِ؛ أيْ: مَوْضِعَ رَصْدٍ وتَرَقُّبٍ تَرْصُدُ فِيهِ خَزَنَةُ النّارِ الكُفّارَ لِيُعَذِّبُوهم. وقِيلَ: تَرْصُدُ فِيهِ خَزَنَةُ الجَنَّةِ المُؤْمِنِينَ لِيَحْرُسُوهم مِن فَيْحِها في مَجازِهِمْ عَلَيْها. وقِيلَ: تَرْصُدُ فِيهِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الطّائِفَتَيْنِ لِتُعَذِّبَ إحْداهُما وهي المُؤْمِنَةُ، وتُعَذِّبَ الأُخْرى وهي الكافِرَةُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِيغَةَ مُبالَغَةٍ كَمِنحارٍ؛ أيْ مُجِدَّةً في تَرَصُّدِ الكَفَرَةِ لِئَلّا يَشِذَّ مِنهم واحِدٌ أوْ مُجِدَّةً في تَرَصُّدِ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَضَرَّرَ أحَدٌ مِنهم مِن فَيْحِها أوْ مُجِدَّةً في تَرَصُّدِ الطّائِفَتَيْنِ عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ آنِفًا، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْها مَجازٌ أوْ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.
وفِي البَحْرِ: إنَّ ﴿مِرْصادًا﴾ مَعْنى النَّسَبِ؛ أيْ: ذاتَ رَصَدٍ، وقَدْ يُفَسَّرُ المِرْصادُ بِمُطْلِقِ الطَّرِيقِ وهو أحَدُ مَعانِيهِ فَيَكُونُ لِلطّائِفَتَيْنِ، ومِن هُنا قالَ الحَسَنُ كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في الآيَةِ، لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحَدٌ حَتّى يَجْتازَ النّارَ. وقالَ قَتادَةُ كَما أخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا: اعْلَمُوا أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الجَنَّةِ حَتّى تُقْطَعَ النّارُ.
النبأ 78:22
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلطّاغِينَ﴾ أيِ المُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الطُّغْيانِ، مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ إمّا نَعْتٌ لِ ﴿مِرْصادًا﴾ أيْ: كائِنًا لِلطّاغِينَ، وإمّا حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَآبًا﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ؛ أيْ: كانَتْ مَرْجِعًا ومَأْوًى كائِنًا لَهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ ويَأْوُونَ لا مَحالَةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا آخَرَ لِ «كانَتْ» أوْ مُتَعَلِّقًا بِ «مَآبًا» أوْ بِمِرْصادٍ، وعَلَيْهِ قِيلُ: مَعْنى ﴿مِرْصادًا﴾ لَهم مُعَدَّةٌ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: أرْصَدْتُ لَهُ؛ أيْ: أعْدَدْتُ وكافَأْتُهُ بِالخَيْرِ أوْ بِالشَّرِّ و«مَآبًا» قِيلَ: بَدَلٌ مِن «مِرْصادًا» عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ، بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ وقِيلَ: هو خَبَرٌ ثانٍ لِ «كانَتْ» أوْ صِفَةٌ لِ «مِرْصادًا».
و«لِلطّاغِينَ» مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِنهُ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ السّابِقَةِ في ﴿كانَتْ مِرْصادًا﴾ فَتَأمَّلْ. وقَرَأ أبُو عُمَرَ والمِنقَرِيُّ وابْنُ يَعْمُرُ: «أنَّ جَهَنَّمَ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِتَقْدِيرِ لامِ جَرٍّ لِتَعْلِيلِ قِيامِ السّاعَةِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ، والمَعْنى: كانَ ذَلِكَ لِإقامَةِ الجَزاءِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَنْبَغِي حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ: «أنَّ لِلْمُتَّقِينَ» أيْضًا بِالفَتْحِ ومَعْطُوفًا عَلى ما هُنا؛ لِأنَّهُ بِكِلَيْهِما يَتِمُّ التَّعْلِيلُ بِإقامَةِ الجَزاءِ إلّا أنْ يُقالَ: تُرِكَ العَطْفُ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الجَزاءَيْنِ في اسْتِدْعاءِ قِيامِ السّاعَةِ وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ بِذاكَ يَتِمُّ الجَزاءُ، وأمّا نَفْسُ إقامَتِهِ فَيَكْفِي في تَعْلِيلِها ما ذُكِرَ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ فِيما سَبَقَ كانَتْ مِرْصادًا لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى ما سَمِعْتَ لا يَتَسَنّى هَذا الكَلامُ أصْلًا.
النبأ 78:23
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها﴾ أيْ: مُقِيمِينَ في جَهَنَّمَ مُلازِمِينَ لَها، حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ المُسْتَكِنَّ فِي: ﴿لِلطّاغِينَ﴾ .
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ وثّابٍ وعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وقُتَيْبَةُ وسَوْرَةُ ورَوْحٌ: «لَبِثِينَ» بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدِ اللّامِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في ﴿لابِثِينَ﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ فاعِلًا يَدُلُّ عَلى مَن وُجِدَ مِنهُ الفِعْلُ وفَعِلًا يَدُلُّ عَلى مَن شَأْنُهُ ذَلِكَ كَحاذِرٍ وحَذِرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْقابًا﴾ ظَرْفٌ لِلُبْثِهِمْ وهو وكَذا أحْقُبٌ جَمْعُ حُقُبٍ بِالضَّمِّ وبِضَمَّتَيْنِ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بِزَمانٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ ونَحْوُهُ تَفْسِيرُ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ لَهُ بِالدَّهْرِ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: الحُقُبُ الواحِدُ ثَمانُونَ سَنَةً، وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ،
صفحة 15
وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ بَيْدَ أنَّهم قالُوا: إنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنهُ؛ أيْ: هُنا مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أنَّهُ بِضْعٌ وثَمانُونَ سَنَةً كُلُّ سَنَةٍ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ يَوْمًا، واليَوْمُ ألْفُ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
وقِيلَ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ. واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ تَفْسِيرَهُ بِالدَّهْرِ وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ مُتَتابِعَةً كُلَّما مَضى حِقْبٌ تَبِعَهُ حِقْبٌ آخَرُ، وإفادَةُ التَّتابُعِ في الِاسْتِعْمالِ بِشَهادَةِ الِاشْتِقاقِ؛ فَإنَّهُ مِنَ الحَقِيبَةِ وهي ما يُشَدُّ خَلْفَ الرّاكِبِ، والمُتَتابِعاتُ يَكُونُ أحَدُها خَلْفَ الآخَرِ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى خُرُوجِ الكَفَرَةِ مِنَ النّارِ وعَدَمِ خُلُودِهِمْ فِيها لِمَكانِ فَهْمِ التَّتابُعِ في الِاسْتِعْمالِ، وصِيغَةُ القِلَّةِ لا تُنافِي عَدَمَ التَّناهِي؛ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ تَتابُعِ الأحْقابِ الكَثِيرَةِ إلى ما لا يَتَناهى، وتَتابُعُ الأحْقابِ القَلِيلَةِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الصِّيغَةَ هُنا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ القِلَّةِ والكَثْرَةِ؛ إذْ لَيْسَ لِلْحِقَبِ جَمْعُ كَثْرَةٍ فَلْيُرَدَّ بِها بِمَعُونَةِ المَقامِ جَمْعُ الكَثْرَةِ، وتُعُقِّبَ بِثُبُوتِ جَمْعِ الكَثْرَةِ لَهُ وهو الحُقُبُ كَما ذَكَرَ الرّاغِبُ، والَّذِي رَأيْتُهُ في مُفْرَداتِهِ أنَّ الحِقَبَ؛ أيْ بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ القافِ الحِقْبَةُ المُفَسَّرَةُ بِثَمانِينَ عامًا، نَعَمْ قِيلَ: إنَّهُ يُنافِيهِ ما ورَدَ أنَّهُ «يُخْرَجُ أُناسٌ مِن أهْلِ النّارِ مِنَ النّارِ ويُقَرَّبُونَ مِنَ الجَنَّةِ حَتّى إذا اسْتَنْشَقُوا رِيحَها ورَأوْا ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ فِيها نُودُوا أنِ اصْرِفُوهم عَنْها لا نَصِيبَ لَهم فِيها، فَيُرَدُّونَ إلى النّارِ بِحَسْرَةٍ ما رَجَعَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ بِمِثْلِها،» وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ صَحَّ إنَّما يُنافِيهِ لَوْ كانَ الخُرُوجُ حِقَبًا تامًّا، أمّا لَوْ كانَ في بَعْضِ أجْزاءِ الحِقَبِ فَلا لِبَقاءِ تَتابُعِ الأحْقابِ جُمْلَةً سَلَّمْنا لَكِنَّ هَذا الإخْراجَ الَّذِي يَسْتَعْقِبُ الرَّدَّ لِزِيادَةِ التَّعْذِيبِ كاللُّبْثِ في النّارِ أشَدُّ، والكَلامُ مِن بابِ التَّغْلِيبِ ولَيْسَ فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، ثُمَّ إنْ وُجِدَ أنَّ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي الدَّلالَةَ عَلى التَّناهِي والخُرُوجِ مِنَ النّارِ ولَوْ بَعْدَ زَمانٍ طَوِيلٍ فَهو مَفْهُومٌ مُعارَضٌ بِالمَنطُوقِ الصَّرِيحِ بِخِلافِهِ كَآياتِ الخُلُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وإنْ جُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى:
النبأ 78:24
﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ حالًا مِنَ المُسْتَكِنَّ في ﴿لابِثِينَ﴾ فَيَكُونُ قَيْدًا لِلُّبْثِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَلْبَثُوا فِيها أحْقابًا غَيْرَ ذائِقِينَ إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا، ثُمَّ يَكُونُ لَهم بَعْدَ الأحْقابِ لُبْثٌ عَلى حالٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ، وكَذا إنْ جُعِلَ ﴿أحْقابًا﴾ مَنصُوبًا بِ: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ قَيْدًا لَهُ إلّا أنَّ فِيهِ بُعْدًا، ومِثْلُهُ لَوْ جُعِلَ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها﴾ إلَخْ صِفَةً لِ ﴿أحْقابًا﴾ وضَمِيرُ ( فِيها ) لَها لا لِجَهَنَّمَ لَكِنَّهُ أبْعَدُ مِن سابِقِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالطّاغِينَ ما يُقابِلُ المُتَّقِينَ فَيَشْمَلُ العُصاةَ والتَّناهِيَ بِالنَّظَرِ إلى المَجْمُوعِ وهو كَما تَرى.
وقَوْلُ مُقاتِلٍ: إنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا﴾ فاسِدٌ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿أحْقابًا﴾ جَمْعَ حَقِبٍ كَحَذِرٍ مِن حَقِبَ الرَّجُلُ إذا أخْطَأهُ الرِّزْقُ، وحَقِبَ العامُ إذا قَلَّ مَطَرُهُ وخَيْرُهُ، والمُرادُ: مَحْرُومِينَ مِنَ النَّعِيمِ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ مُعاقَبِينَ فَيَكُونُ حالًا مِن ضَمِيرِ: ﴿لابِثِينَ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ صِفَةٌ كاشِفَةٌ أوْ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وهو عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ خَبَرٌ عَنْهُمْ، والمُرادُ بِالبَرْدِ ما يُرَوِّحُهم ويُنَفِّسُ عَنْهم حَرَّ النّارِ فَلا يُنافِي أنَّهم قَدْ يُعَذَّبُونَ بِالزَّمْهَرِيرِ، والشَّرابُ مَعْرُوفٌ، والحَمِيمُ الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ، والغَسّاقُ ما يَقْطُرُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ مِنَ الصَّدِيدِ؛ أيْ: لا يَذُوقُونَ فِيهِ شَيْئًا ما مِن رُوحٍ يُنَفَّسُ عَنْهم حَرُّ النّارِ، ولا مِن شَرابٍ يُسَكِّنُ عَطَشَهم لَكِنْ يَذُوقُونَ ماءً حارًّا وصَدِيدًا.
وفِي الحَدِيثِ: ««إنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا أدْنى ذَلِكَ مِن فِيهِ سَقَطَ فَرْوَةُ وجْهِهِ حَتّى يَبْقى عِظامًا تَقَعْقَعُ»».
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ البَرْدَ الشَّرابُ البارِدُ المُسْتَلَذُّ. ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ:
يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ بَرْدًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
صفحة 16
وقَوْلُ الآخَرِ:
أمانِيَّ مِن سُعْدى حِسانٌ كَأنَّما ∗∗∗ سَقَتْكَ بِها سُعْدى عَلى ظَمًا بَرْدا
فَيَكُونُ ﴿ولا شَرابًا﴾ مِن نَفْيِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ والفَضْلُ بْنُ خالِدٍ ومُعاذٌ النَّحْوِيُّ: البَرْدُ: النَّوْمُ، والعَرَبُ تُسَمِّيهِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُبَرِّدُ سَوْرَةَ العَطَشِ، ومِن كَلامِهِمْ: مَنَعَ البَرْدُ، وقالَ الشّاعِرُ:
فَلَوْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكم ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا
أيْ: وهو مَجازٌ في ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضٍ، ونَقَلَ في البَحْرِ عَنْ كِتابِ اللُّغاتِ في القُرْآنِ أنَّ البَرْدَ هو النَّوْمُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ: الغَسّاقُ الزَّمْهَرِيرُ، وهو عَلى ما قِيلَ مُسْتَثْنًى مِن ﴿بَرْدًا﴾ إلّا أنَّهُ أُخِّرَ لِتَوافُقِ رُؤُوسِ الآيِ فَلا تَغْفُلْ.
وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ: «غَساقًا» بِالتَّخْفِيفِ.
النبأ 78:25
﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ حالًا مِنَ المُسْتَكِنَّ في ﴿لابِثِينَ﴾ فَيَكُونُ قَيْدًا لِلُّبْثِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَلْبَثُوا فِيها أحْقابًا غَيْرَ ذائِقِينَ إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا، ثُمَّ يَكُونُ لَهم بَعْدَ الأحْقابِ لُبْثٌ عَلى حالٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ، وكَذا إنْ جُعِلَ ﴿أحْقابًا﴾ مَنصُوبًا بِ: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ قَيْدًا لَهُ إلّا أنَّ فِيهِ بُعْدًا، ومِثْلُهُ لَوْ جُعِلَ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها﴾ إلَخْ صِفَةً لِ ﴿أحْقابًا﴾ وضَمِيرُ ( فِيها ) لَها لا لِجَهَنَّمَ لَكِنَّهُ أبْعَدُ مِن سابِقِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالطّاغِينَ ما يُقابِلُ المُتَّقِينَ فَيَشْمَلُ العُصاةَ والتَّناهِيَ بِالنَّظَرِ إلى المَجْمُوعِ وهو كَما تَرى.
وقَوْلُ مُقاتِلٍ: إنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا﴾ فاسِدٌ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿أحْقابًا﴾ جَمْعَ حَقِبٍ كَحَذِرٍ مِن حَقِبَ الرَّجُلُ إذا أخْطَأهُ الرِّزْقُ، وحَقِبَ العامُ إذا قَلَّ مَطَرُهُ وخَيْرُهُ، والمُرادُ: مَحْرُومِينَ مِنَ النَّعِيمِ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ مُعاقَبِينَ فَيَكُونُ حالًا مِن ضَمِيرِ: ﴿لابِثِينَ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ صِفَةٌ كاشِفَةٌ أوْ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وهو عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ خَبَرٌ عَنْهُمْ، والمُرادُ بِالبَرْدِ ما يُرَوِّحُهم ويُنَفِّسُ عَنْهم حَرَّ النّارِ فَلا يُنافِي أنَّهم قَدْ يُعَذَّبُونَ بِالزَّمْهَرِيرِ، والشَّرابُ مَعْرُوفٌ، والحَمِيمُ الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ، والغَسّاقُ ما يَقْطُرُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ مِنَ الصَّدِيدِ؛ أيْ: لا يَذُوقُونَ فِيهِ شَيْئًا ما مِن رُوحٍ يُنَفَّسُ عَنْهم حَرُّ النّارِ، ولا مِن شَرابٍ يُسَكِّنُ عَطَشَهم لَكِنْ يَذُوقُونَ ماءً حارًّا وصَدِيدًا.
وفِي الحَدِيثِ: ««إنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا أدْنى ذَلِكَ مِن فِيهِ سَقَطَ فَرْوَةُ وجْهِهِ حَتّى يَبْقى عِظامًا تَقَعْقَعُ»».
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ البَرْدَ الشَّرابُ البارِدُ المُسْتَلَذُّ. ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ:
يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ بَرْدًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
صفحة 16
وقَوْلُ الآخَرِ:
أمانِيَّ مِن سُعْدى حِسانٌ كَأنَّما ∗∗∗ سَقَتْكَ بِها سُعْدى عَلى ظَمًا بَرْدا
فَيَكُونُ ﴿ولا شَرابًا﴾ مِن نَفْيِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ والفَضْلُ بْنُ خالِدٍ ومُعاذٌ النَّحْوِيُّ: البَرْدُ: النَّوْمُ، والعَرَبُ تُسَمِّيهِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُبَرِّدُ سَوْرَةَ العَطَشِ، ومِن كَلامِهِمْ: مَنَعَ البَرْدُ، وقالَ الشّاعِرُ:
فَلَوْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكم ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا
أيْ: وهو مَجازٌ في ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضٍ، ونَقَلَ في البَحْرِ عَنْ كِتابِ اللُّغاتِ في القُرْآنِ أنَّ البَرْدَ هو النَّوْمُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ: الغَسّاقُ الزَّمْهَرِيرُ، وهو عَلى ما قِيلَ مُسْتَثْنًى مِن ﴿بَرْدًا﴾ إلّا أنَّهُ أُخِّرَ لِتَوافُقِ رُؤُوسِ الآيِ فَلا تَغْفُلْ.
وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ: «غَساقًا» بِالتَّخْفِيفِ.
النبأ 78:26
﴿جَزاءً﴾ أيْ: جُوزُوا بِذَلِكَ جَزاءً فَ ( جَزاءً ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وجَعْلُهُ خَبَرًا آخَرَ لَكانَتْ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وِفاقًا﴾ مَصْدَرٌ وافَقَهُ صِفَةٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: ذا وِفاقٍ أوْ بِتَأْوِيلِهِ بِاسْمِ الفاعِلِ أوْ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ عَلى ما عُرِفَ في أمْثالِهِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ جَزاءً مُوافِقًا لِأعْمالِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّهُ بِقَدْرِها في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِمْ كَما يَقْتَضِيهِ عَدْلُهُ وحِكْمَتُهُ تَعالى، والجُمْلَةُ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ ومَعْمُولِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿وِفاقًا﴾ مَصْدَرًا مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْضًا؛ أيْ: وافَقَها وِفاقًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِ «جَزاءً». وقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ وِفْقٍ ولا يَخْفى ما في جَعْلِهِ حِينَئِذٍ صِفَةً لِجَزاءٍ مِنَ الخَفاءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «وِفّاقًا» بِكَسْرِ الواوِ وتَشْدِيدِ الفاءِ؛ مِن وفَقِهُ يَفِقَهُ كَوَرِثَهُ يَرِثُهُ وجَدَهُ مُوافِقًا لِحالِهِ. وفي الكَشْفِ: وفَقَهُ بِمَعْنى وافَقَهُ ولَيْسَ وصْفُ الجَزاءِ بِهِ وصْفًا بِحالِ صاحِبِهِ كَما لا يَخْفى. وحَكى ابْنُ القُوطِيَّةِ: وفَقَ أمْرُهُ؛ أيْ: حَسُنَ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ.
النبأ 78:27
﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِ العَذابِ المَذْكُورِ أيْ: كانُوا لا يَخافُونَ أنْ يُحاسَبُوا بِأعْمالِهِمْ.
النبأ 78:28
﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ أوْ بِهِ وبِغَيْرِهِ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿كِذّابًا﴾ أيْ: تَكْذِيبًا مُفْرِطًا، وفِعّالٌ بِمَعْنى تَفْعِيلٍ في مَصْدَرِ فِعْلٍ مُطَّرِدٍ شائِعٌ في كَلامِ فُصَحاءِ العَرَبِ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ، وقالَ لِي أعْرابِيٌّ عَلى جَبَلِ المَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: آلْحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ القِصّارُ؟ ومِن تِلْكَ اللُّغَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
لَقَدْ طالَ ما ثَبَّطَتْنِي عَنْ صَحابَتِي وعَنْ حاجَةٍ قَضاؤُها مِن شِفائِيا
وقالَ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ: إنَّهُ قَلِيلٌ. وقَرَأ: عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَوْفٌ الأعْرابِيُّ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وعِيسى بِخِلافٍ عَنْهُ في التَّخْفِيفِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وذَلِكَ لُغَةُ اليَمَنِ؛ يَجْعَلُونَ مَصْدَرَ كَذِبَ مُخَفَّفًا كِذّابًا بِالتَّخْفِيفِ مِثْلَ كَتَبَ كِتابًا، فَكِذّابًا بِمَعْنى كَذِبًا وعَلَيْهِ قَوْلُ الأعْشى:
فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهُ
والكَلامُ هُنا عَلَيْهِ مِن بابِ ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ فَفِعْلُهُ الثُّلاثِيُّ أما مُقَدَّرٌ أيْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وكَذَّبُوا كِذّابًا، أوْ هو مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى كَذِبَ الثُّلاثِيِّ؛ فَإنَّ تَكْذِيبَهُمُ الحَقَّ الصَّرِيحَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهم كاذِبُونَ، وأيًّا ما كانَ يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُكاذَبَةً كَقِتالٍ بِمَعْنى مُقاتَلَةٍ فَهو مِن بابِ المُفاعَلَةِ عَلى مَعْنى أنَّ كُلًّا مِنهم ومِنَ المُسْلِمِينَ اعْتَقَدَ كَذِبَ الآخَرِ بِتَنْزِيلِ تَرْكِ الِاعْتِقادِ مَنزِلَةَ الفِعْلِ لا عَلى مَعْنى أنَّ كُلًّا كَذَّبَ الآخَرَ حَقِيقَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُفاعَلَةُ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ عَنِ الجِدِّ والِاجْتِهادِ في الفِعْلِ، ويَحْتَمِلُ الِاسْتِعارَةَ؛ فَإنَّهم كانُوا مُبالِغِينَ في الكَذِبِ مُبالَغَةَ المُغالِبِينَ فِيهِ، وعَلى المَعْنَيَيْنِ كَوْنُهُ بِمَعْنى الكَذِبِ وكَوْنُهُ بِمَعْنى المُكاذَبَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى كاذِبِينَ أوْ مُكاذِبِينَ عَلى اعْتِبارِ المُشارَكَةِ وعَدَمِ اعْتِبارِها.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والماجَشُونُ: «كُذّابًا» بِضَمِّ الكافِ وتَشْدِيدِ الذّالِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كاذِبٍ كَفُسّاقٍ جَمْعِ فاسِقٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا وكَذَبُوا في حالِ كَذِبِهِمْ نَظِيرُ إذا جاءَ حِينَ يَأْتِي عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ طَرَفَةَ:
صفحة 17
إذا جاءَ ما لا بُدَّ مِنهُ فَمَرْحَبًا ∗∗∗ بِهِ حِينَ يَأْتِي لا كِذابَ ولا عِلَلْ
وفِيهِ بَحْثٌ ظاهِرٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا صِيغَةَ مُبالَغَةٍ كَكُبّارٍ وحَسّانٍ فَيَكُونُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: تَكْذِيبًا كِذّابًا فَيُفِيدُ المُبالَغَةَ والدَّلالَةَ عَلى الإفْراطِ في الكَذِبِ لِأنَّهُ كَلَيْلٍ ألْيَلَ وظَلامٍ مُظْلِمٍ، والإسْنادُ فِيهِ مَجازِيٌّ.
النبأ 78:29
﴿وكُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أعْمالُهم. وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ: كُلُّ شَيْءٍ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ فَهو عامٌّ مَخْصُوصٌ وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿أحْصَيْناهُ﴾ أيْ: حَفِظْناهُ وضَبَطْناهُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.
﴿كِتابًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ﴿أحْصَيْناهُ﴾ فَإنَّ الإحْصاءَ والكُتُبَ يَتَشارَكانِ في مَعْنى الضَّبْطِ، فَإمّا أنْ يُؤَوَّلَ ﴿أحْصَيْناهُ﴾ بِ «كَتَبْناهُ» أوْ ﴿كِتابًا﴾ بِإحْصاءٍ، وجُوِّزَ الِاحْتِباكُ عَلى الحَذْفَيْنِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أوْ حالٌ بِمَعْنى مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ أوْ صُحُفِ الحَفَظَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الظّاهِرُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِصُورَةِ ضَبْطِ الأشْياءِ في عِلْمِهِ تَعالى بِضَبْطِ المُحْصِي المُجِدِّ المُتْقِنِ لِلضَّبْطِ بِالكِتابَةِ وإلّا فَهو عَزَّ وجَلَّ مُسْتَغْنٍ عَنِ الضَّبْطِ بِالكِتابَةِ وهَذا التَّمْثِيلُ لِتَفْهِيمِنا وإلّا فالِانْضِباطُ في عِلْمِهِ تَعالى أجَلُّ وأعْلى مِن أنْ يُمَثَّلَ بِشَيْءٍ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ ما قَدَّمْنا ولَيْسَ ذَلِكَ لِلِاحْتِياجِ وإنَّما هو لِحُكْمٍ تَقْصُرُ عَنْها العُقُولُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ السّابِقِ؛ بِأنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ لاحِقٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ مَعاصِيَهم مَضْبُوطَةٌ مَكْتُوبَةٌ يُكْفَحُونَ بِها يَوْمَ الجَزاءِ. وقِيلَ: لِتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ بِأنَّهُما مَحْفُوظانِ لِلْجَزاءِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقالَ البَعْضُ: الأوْجُهُ عِنْدِي أنَّ «كُلَّ شَيْءٍ» مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ في ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ و﴿أحْصَيْناهُ كِتابًا﴾ عَطْفٌ عَلى خَبَرِهِ والرَّفْعُ عَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، والجُمَلُ بَيانٌ لِكَوْنِ الجَزاءِ المَذْكُورِ مُوافِقًا لِأعْمالِهِمْ لِأنَّ الجَزاءَ المُوافِقَ إنَّما يَكُونُ لِصُدُورِ أفْعالٍ مُوجِبَةٍ لَهُ عَنْهم وضَبْطُها وعَدَمُ فَوْتِها عَلى المُجازِي فالجُمْلَتانِ الأُولَيانِ لِإفادَةِ صُدُورِ المُوجِبِ وهو الكُفْرُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِعَدَمِ رَجاءِ الحِسابِ والتَّكْذِيبِ بِالآياتِ لِما أنَّ ذَلِكَ كالعِلْمِ فِيهِ والأخِيرَةُ لِإفادَةِ الضَّبْطِ وعَدَمِ الفَوْتِ؛ أيْ: مَعَ إدْماجِ الإشارَةِ إلى باقِي المَعاصِي فِيها ولَيْسَتِ اعْتِراضًا انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ.
النبأ 78:30
﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ كُفْرِهِمْ بِالحِسابِ وتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ وتُسَبُّبُ الذَّوْقِ والأمْرُ بِهِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا﴾ إلَخْ؛ أيْ: إذا ذاقُوا الحَمِيمَ والغَسّاقَ فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ﴾ إلَخْ. وحِينَئِذٍ الجُمَلُ بَيْنَهُما اعْتِراضِيَّةٌ، وفِيهِ أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ مَعَ ما فِيهِ مِن كَثْرَةِ الِاعْتِراضِ ومَجِيئِهِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ لِتَقْدِيرِ إحْضارِهِمْ وقْتَ الأمْرِ لِيُخاطَبُوا بِالتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وهو أعْظَمُ في الإهانَةِ والتَّحْقِيرِ، ولَوْ قُدِّرَ القَوْلُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ التِفاتٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: سَألْتُ أبا بَرْزَةَ الأسْلَمِيَّ عَنْ أشَدِّ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ النّارِ، فَقالَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا﴾ ووَجْهُ الأشَدُّيَّةِ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ تَقْرِيعٌ في يَوْمِ الفَصْلِ وغَضَبٌ مِن أرْحَمِ الرّاحِمِينَ وتَأْيِيسٌ لَهم مَعَ ما فِي: «لَنْ» أيْ عَلى القَوْلِ بِإفادَتِها التَّأْبِيدَ مِن أنَّ تَرْكَ الزِّيادَةِ كالمُحالِ الَّذِي لا يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ أشَدُّ حُجَجِ القُرْآنِ عَلى أهْلِ النّارِ فَإنَّهُ إذا بَلَغَهم في الدُّنْيا هَذا الوَعِيدُ ولَمْ يَخافُوا مِنهُ فَقَدْ قَبِلُوا العَذابَ الأبَدِيَّ في مُقابَلَةِ الكُفْرِ فَلا عُذْرَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ في الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِخُلُودِ النّارِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، واسْتُشْكِلَ أمْرُ زِيادَةِ العَذابِ بِمُنافاتِها كَوْنَ الجُزْءِ مُوافِقًا لِلْأعْمالِ وأُجِيبَ بِأنَّها لِحِفْظِ الأصْلِ إذْ لَوْلاها لَألِفُوا ما أصابَهم مِنَ العَذابِ أوَّلَ مَرَّةٍ ولَمْ يَتَألَّمُوا بِهِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّ العَذابَ لَمّا كانَ لِلْكُفْرِ والمَعاصِي وهي مُتَزايِدَةٌ في القُبْحِ في كُلِّ آنٍ فالكُفْرُ مَثَلًا في الزَّمَنِ الثّانِي أقْبَحُ مِنهُ في الزَّمَنِ الأوَّلِ وهَكَذا، وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِنهم لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ اسْتِمْرارَهم عَلى ذَلِكَ اقْتَضى ذَلِكَ زِيادَةَ العَذابِ وشِدَّتَهُ يَوْمًا فَيَوْمًا وقِيلَ:
صفحة 18
لَمّا كانَ كُفْرُهم أعْظَمَ كُفْرٍ اقْتَضى أشَدَّ عَذابٍ، والعَذابُ المُزادُ يَوْمًا فَيَوْمًا مِن أشَدِّ العَذابِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. فَلْيُتَأمَّلْ.
النبأ 78:31
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَحاسِنَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ بَيانِ سُوءِ أحْوالِ الكافِرِينَ و﴿مَفازًا﴾ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ مَكانٍ، أيْ: إنَّ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ عَمَلَ الكُفْرِ فَوْزًا وظَفَرًا بِمَساعِيهِمْ أوْ مَوْضِعَ فَوْزٍ، وقِيلَ: نَجاةً مِمّا فِيهِ أُولَئِكَ أوْ مَوْضِعَ نَجاةٍ.
النبأ 78:32
﴿حَدائِقَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ﴿مَفازًا﴾ عَلى الأوَّلِ وبَدَلُ البَعْضِ عَلى الثّانِي، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ وتَقْدِيرُهُ: حَدائِقُ فِيهِ أوْ هي في مَحَلِّهِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ عَلى الِادِّعاءِ أوْ مَنصُوبًا بِ «أعْنِي» مُقَدَّرًا وهو جَمْعُ حَدِيقَةٍ: بُسْتانٌ فِيها أنْواعُ الشَّجَرِ المُثْمِرِ زادَ بَعْضُهم والرَّياحِينُ والزَّهْرُ، وقالَ الرّاغِبُ: قِطْعَةٌ مِنَ الأرْضِ ذاتُ ماءٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِحَدَقَةِ العَيْنِ في الهَيْئَةِ وحُصُولِ الماءِ فِيها، وكَأنَّهُ أرادَ: ذاتُ ماءٍ وشَجَرٍ.
﴿وأعْنابًا﴾ جَمْعُ عِنَبٍ ويُقالُ لِلْكَرْمِ نَفْسِهِ ولِثَمَرَتِهِ، والمُتَبادَرُ عَطْفُهُ عَلى «حَدائِقَ» قَبْلَهُ وهو بَعْضٌ مِنها إذا أُرِيدَ بِهِ الكُرُومُ، وبِها الأشْجارُ ومَوْضِعُها، وخُصَّ بِالذِّكْرِ اعْتِناءً بِهِ، وأمّا إنْ أُرِيدَ بِهِ الكُرُومُ وبِها المَوْضِعُ فَقَطْ فَلا، ويَتَعَيَّنُ الِاشْتِمالُ كَما إذا أُرِيدَ بِهِ ثَمَراتُ الكُرُومِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو وكَذا ما بَعْدُ عَطْفًا عَلى «مَفازًا».
النبأ 78:33
«﴿وكَواعِبَ﴾» جَمْعِ كاعِبٍ وهي المَرْأةُ الَّتِي «تَكَعَّبَ» ثَدْياها واسْتَدارَ مَعَ ارْتِفاعٍ يَسِيرٍ ويَكُونُ ذَلِكَ في سِنِّ البُلُوغِ وأحْسَنِ التَّسْوِيَةِ.
﴿أتْرابًا﴾ أيْ: لِداتٍ يَنْشَأْنَ مَعًا تَشْبِيهًا في التَّساوِي والتَّماثُلِ بِالتَّرائِبِ الَّتِي هي ضُلُوعُ الصَّدْرِ أوْ لِوُقُوعِهِنَّ مَعًا عَلى التُّرابِ أيِ الأرْضِ، وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ: نِساءُ الجَنَّةِ كُلُّهُنَّ بَناتُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، ورِجالُهُنَّ أبْناءُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ.
النبأ 78:34
﴿وكَأْسًا دِهاقًا﴾ أيْ: مُتْرَعَةً. يُقالُ: دَهَقَ فُلانٌ الحَوْضَ وأدْهَقَهُ أيْ: مَلَأهُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ وأنْشَدَ قَوْلَهُ الشّاعِرَ:
أتانا عامِرٌ يَبْغِي قِرانا فَأتْرَعْنا لَهُ كَأْسًا دِهاقا
وفِي البَحْرِ: الدِّهاقُ المَلْأى؛ مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّهْقِ وهو ضَغْطُ الشَّيْءِ وشَدُّهُ بِاليَدِ كَأنَّهُ لِامْتِلائِهِ انْضَغَطَ، وعَنْ مُجاهِدٍ وجَماعَةٍ تَفْسِيرُهُ بِالمُتَتابِعَةِ، وصَحَّحَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ قالَ: هي المُمْتَلِئَةُ المُتْرَعَةُ المُتَتابِعَةُ، ورُبَّما سَمِعْتُ العَبّاسَ يَقُولُ: يا غُلامُ، اسْقِنا وادْهِقْ لَنا، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: أيْ: صافِيَةً ولا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ.
النبأ 78:35
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ، وقِيلَ: في الكَأْسِ، وجُعِلَتِ الفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ﴿لَغْوًا﴾ هو ما لا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الكَلامِ وهو عَلى ما قالَ الرّاغِبُ الَّذِي يُورِدُ لا عَنْ رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ فَيُجْرى مَجْرى اللُّغا وهو صَوْتُ العَصافِيرِ ونَحْوِها مِنَ الطَّيْرِ، وقَدْ يُسَمّى كُلُّ كَلامٍ قَبِيحٍ لَغْوًا، وكَذا ما لا يُعْتَدُّ بِهِ مُطْلَقًا.
﴿ولا كِذّابًا﴾ أيْ: تَكْذِيبًا وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ؛ أيْ: «كِذابًا» أوْ «مُكاذَبَةً» وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ المَذْكُوراتُ أنْواعًا مِنَ الذّاتِ الحِسِّيَّةِ كَما لا يَخْفى.
النبأ 78:36
﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مَنصُوبٌ بِمَعْنى أنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا؛ فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: جازى المُتَّقِينَ بِ «مَفازًا» جَزاءً كائِنًا مِن رَبِّكَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِتَرْتِيبِهِ وإرْشادِهِ تَعالى، وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَهم لِتَشْرِيفِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ: «مِن رَبِّهِمْ» لِئَلّا يَحْمِلَهُ المُشْرِكُونَ عَلى أصْنامِهِمْ وهو بَعِيدٌ جِدًّا، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وجْهَ تَرْكِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ هُناكَ لِنِسْبَةِ الجَزاءِ إلَيْهِ تَعالى بِعُنْوانٍ آخَرَ قِيلَ مِن بابِ: «اللَّهُمَّ إنَّ الخَيْرَ بِيَدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ». وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَطاءً﴾ أيْ: تَفَضُّلًا وإحْسانًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ؛ إذْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ بَدَلَ مِن «جَزاءً»، فَمَعْنى كَوْنِهِ جَزاءً أنَّهُ كَذَلِكَ بِمُقْتَضى وعْدِهِ جَلَّ وعَلا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِ «جَزاءً» نَصَبَ المَفْعُولَ بِهِ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ( جَزاءً ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والمَصْدَرُ المُؤَكِّدُ لا يَعْمَلُ بِلا خِلافٍ لِعِلْمِهِ عِنْدَ النُّحاةِ لِأنَّهُ لا يَنْحَلُّ لِفِعْلٍ وحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ، ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ النّاصِبُ لِلْمَفْعُولِ المُطْلَقِ مَذْكُورًا، أمّا
صفحة 19
إذا حُذِفَ مُطْلَقًا فَفِيهِ خِلافٌ؛ هَلْ هو العالِمُ أوِ الفِعْلُ. وقالَ الشِّهابُ:
الحَقُّ ما قالَ أبُو حَيّانَ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ هُنا هو المَصْدَرُ المُؤَكِّدُ لِنَفْسِهِ أوْ لِغَيْرِهِ والَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ النُّحاةُ هو المَصْدَرُ الآتِي بَدَلًا مِنَ اللَّفْظِ بِفِعْلِهِ:
كَ نَدْلًا زُرَيْقُ المالِ نَدْلَ الثَّعالِبِ وقَوْلُهُ:
يا قابِلَ التَّوْبِ غُفْرانًا مَآثِمَ قَدْ أسْلَفْتُها أنا مِنها خائِفٌ وجِلُ
فَلْيُعْرَفْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِسابًا﴾ صِفَةُ «عَطاءً» بِمَعْنى كافِيًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الوَصْفِ، أوْ بُولِغَ فِيهِ أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: أحْسَبَهُ الشَّيْءَ إذا كَفاهُ حَتّى قالَ: حَسْبِي، وقِيلَ: عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ أيْ مُقَسَّطًا عَلى قَدْرِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْمُجاهِدٍ وكَأنَّ المُرادَ مُقَسَّطًا بَعْدَ التَّضْعِيفِ عَلى ذَلِكَ فَيَنْدَفِعُ ما قِيلَ إنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِتَضْعِيفِ الحَسَناتِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ: «وِفاقًا» كَما في السّابِقِ، ودُفِعَ أيْضًا بِأنَّ هَذا بَيانٌ لِما هو الأصْلُ لا لِلْجَزاءِ مُطْلَقًا وقِيلَ: المَعْنى عَطاءً مَفْرُوغًا عَنْ حِسابِهِ لا كَنِعَمِ الدُّنْيا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ اللَّفْظِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيهامِ، وقَرَأ ابْنُ قُطَيْبٍ: «حَسّابًا» بِفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ السِّينِ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: بَنى فِعالًا مِن أفْعَلَ كَدِراكٍ مِن أدْرَكَ، فَمَعْناهُ مُحْسِبًا؛ أيْ كافِيًا. ومَنَعَ بَعْضُهم مَجِيءَ فِعالًا مِنَ الأفْعالِ ودِراكٍ مِن دَرْكٍ فَلْيُحَرَّرْ، وقَرَأ شُرَيْحُ بْنُ يَزِيدَ الحِمْصِيُّ، وأبُو البَرَهْسَمِ بِكَسْرِ الحاءِ وشَدِّ السِّينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَكِذّابٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: «حُسْنًا» بِالنُّونِ مِنَ الحُسْنِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ: «حَسْبًا» بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ السِّينِ والباءِ المُوَحَّدَةِ نَحْوَ قَوْلِكَ: حَسْبُكَ كَذا؛ أيْ كافِيكَ.
النبأ 78:37
﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ بَدَلٌ مِن لَفْظِ ﴿رَبِّكَ﴾ وفي إبْدالِهِ تَعْظِيمٌ لا يَخْفى وإيماءٌ عَلى ما قِيلَ إلى ما رُوِيَ في كُتُبِ الصُّوفِيَّةِ مِنَ الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««لَوْلاكَ لَما خُلِقَتِ الأفْلاكُ»».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ صِفَةٌ لِرَبِّكَ أوْ لِرَبِّ السَّماواتِ عَلى الأصَحِّ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِن جَوازِ وصْفِ المُضافِ إلى ذِي اللّامِ بِالمُعَرَّفِ بِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ وهَلْ يَكُونُ بَدَلًا مِن لَفْظِ «رَبِّكَ». قالَ في البَحْرِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ البَدَلَ لا يَتَكَرَّرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما أفادَتْهُ الرُّبُوبِيَّةُ العامَّةُ مِن غايَةِ العَظَمَةِ واسْتِقْلالًا لَهُ تَعالى بِما ذُكِرَ مِنَ الجَزاءِ والعَطاءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، والقِراءَةُ كَذَلِكَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ، وقَرَأ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو عَمْرٍو والحَرَمِيّانِ بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ فَقِيلَ: عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ؛ أيْ: هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ. وقِيلَ: الأوَّلُ هو الخَبَرُ والثّانِي صِفَةٌ لَهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وقِيلَ: الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، والثّانِي خَبَرُهُ. و﴿لا يَمْلِكُونَ مِنهُ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أوْ هو الخَبَرُ، والثّانِي نَعْتٌ لِلْأوَّلِ أوْ عَطْفُ بَيانٍ وقِيلَ: ( لا يَمْلِكُونَ ) حالٌ لازِمَةٌ. وقِيلَ: الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ، والثّانِي مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و( لا يَمْلِكُونَ ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْأوَّلِ، وحَصَلَ الرَّبْطُ بِتَكْرِيرِ المُبْتَدَأِ بِمَعْناهُ عَلى رَأْيِ مَن يَقُولُ بِهِ، واخْتِيرَ أنْ يَكُونَ كِلاهُما مَرْفُوعًا عَلى المَدْحِ أوْ يَكُونَ الثّانِي صِفَةً لِلْأوَّلِ، و( لا يَمْلِكُونَ ) اسْتِئْنافًا عَلى حالِهِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن تَوافُقِ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى، وقَرَأ الأخَوانِ والحَسَنُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِخِلافٍ عَنْهُما بِجَرِّ الأوَّلِ عَلى ما سَمِعْتَ ورَفْعِ الثّانِي عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ وما بَعْدَهُ اسْتِئْنافٌ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ، وضَمِيرُ ( لا يَمْلِكُونَ ) لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ و( مِنهُ ) بَيانٌ لِ: ﴿خِطابًا﴾ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ؛ أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يُخاطِبُوهُ تَعالى مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ لَفْظُ المَلِكِ خِطابًا ما في شَيْءٍ ما، والمُرادُ نَفْيُ قُدْرَتِهِمْ عَلى أنْ يُخاطِبُوهُ عَزَّ وجَلَّ بِشَيْءٍ مِن نَقْصِ العَذابِ أوْ زِيادَةِ الثَّوابِ مِن غَيْرِ إذْنِهِ تَعالى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «مِنهُ» صِلَةَ ( يَمْلِكُونَ ) و«مِن» ابْتِدائِيَّةٌ، والمَعْنى: لا يَمْلِكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِطابًا واحِدًا؛ أيْ: لا يُمَلِّكُهُمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فَلا يَكُونُ في أيْدِيهِمْ خِطابٌ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فَيَزِيدُونَ في الثَّوابِ أوْ يُنْقِصُونَ مِنَ العِقابِ، وهَذا كَما تَقُولُ: مَلَكْتُ مِنهُ دِرْهَمًا وهو أقَلُّ تَكَلُّفًا وأظْهَرُ مِن جَعْلِ ( مِنهَ ) حالًا مِن ﴿خِطابًا﴾ مُقَدَّمًا وإضْمارِ مُضافٍ؛ أيْ: خِطابًا
صفحة 20
مِن خِطابِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَمْلِكُونَ خِطابًا واحِدًا مِن جُمْلَةِ ما يُخاطَبُ بِهِ اللَّهُ تَعالى ويَأْمُرُ بِهِ في أمْرِ الثَّوابِ والعِقابِ، وظاهِرُ كَلامِ البَيْضاوِيِّ حَمْلُ الخِطابِ عَلى خِطابِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في ثَوابٍ أوْ عِقابٍ ومِنهُ عَلى ما سَمِعْتَ مِنّا أوَّلًا لا يَمْلِكُونَ خِطابَهُ تَعالى والِاعْتِراضَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في ثَوابٍ أوْ عِقابٍ؛ لِأنَّهم مَمْلُوكُونَ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الإطْلاقِ فَلا يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اعْتِراضًا أصْلًا، وأيًّا ما كانَ فالآيَةُ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ بِإذْنِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ضَمِيرَ ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ، وعَدَمُ الصَّلاحِيَةِ عَلَيْهِ أظْهَرُ.
النبأ 78:38
﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ قِيلَ: ﴿الرُّوحُ﴾ خَلْقٌ أعْظَمُ مِنَ المَلائِكَةِ وأشْرَفُ مِنهم وأقْرَبُ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: هو مَلِكٌ ما خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ العَرْشِ خَلْقًا أعْظَمَ مِنهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ قامَ هو وحْدَهُ صَفًّا والمَلائِكَةُ صَفًّا، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ لَوْ فَتَحَ فاهُ لَوَسِعَ جَمِيعَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««الرَّوْحُ جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لَيْسُوا مَلائِكَةً لَهم رُؤُوسٌ وأيْدٍ وأرْجُلٌ».
وفِي رِوايَةِ: «يَأْكُلُونَ الطَّعامَ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ وقالَ: «هَؤُلاءِ جُنْدٌ، وهَؤُلاءِ جُنْدٌ»».
ورُوِيَ القَوْلُ بِهَذا عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ. وقِيلَ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: هم حَفَظَةُ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: مَلِكٌ مُوَكَّلٌ عَلى الأرْواحِ، قالَ في الأحْياءِ: المَلِكُ الَّذِي يُقالُ لَهُ الرُّوحُ هو الَّذِي يُولِجُ الأرْواحَ في الأجْسامِ؛ فَإنَّهُ يَتَنَفَّسُ فَيَكُونُ في كُلِّ نَفَسٍ مِن أنْفاسِهِ رُوحٌ في جِسْمٍ، وهو حَقٌّ يُشاهِدُهُ أرْبابُ القُلُوبِ بِبَصائِرِهِمْ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ؛ فَقَدْ أخْرَجَ هو عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُومُ القِيامَةَ لِقائِمٍ بَيْنَ يَدَيْ الجَبّارِ تَرْعَدُ فَرائِصُهُ فَرَقًا مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى يَقُولُ: سُبْحانَكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ، وإنَّ ما بَيْنَ مَنكِبَيْهِ كَما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ .
وفِي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِهِ أرْواحُ النّاسِ، وأنَّ قِيامَها مَعَ المَلائِكَةِ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تُرَدَّ إلى الأجْسادِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ في الآيَةِ جِدًّا، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنِ الحَبْرِ، وقِيلَ: القُرْآنُ وقِيامُهُ مَجازٌ عَنْ ظُهُورِ آثارِهِ الكائِنَةِ عَنْ تَصْدِيقِهِ أوْ تَكْذِيبِهِ وفِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعَ ما لا يَخْفى، ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي فِيهِ هُنا شَيْءٌ.
و( يَوْمَ ) ظَرْفٌ لِ ( لا يَمْلِكُونَ ) و( صَفًّا ) حالٌ؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ، قِيلَ: هُما صَفّانِ الرُّوحُ صَفٌّ واحِدٌ أوْ مُتَعَدِّدٌ، والمَلائِكَةُ صَفٌّ آخَرُ، وقِيلَ: صُفُوفٌ، وهو الأوْفَقُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وقِيلَ: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ الكُلُّ صَفًّا واحِدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ وهو عائِدٌ إلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ، وذِكْرُ قِيامِهِمْ مُصْطَفِّينَ لِتَحْقِيقِ عَظَمَةِ سُلْطانِهِ تَعالى وكِبْرِياءِ رُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَهْوِيلِ يَوْمِ البَعْثِ الَّذِي عَلَيْهِ مَدارُ الكَلامِ مِن مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إلى مَقْطَعِها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ( لا يَمْلِكُونَ ) إلَخْ. ومُؤَكِّدٌ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّ أهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ إذا لَمْ يَقْدِرُوا حِينَئِذٍ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِشَيْءٍ مِن جِنْسِ الكَلامِ إلّا مَن أذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنهم في التَّكَلُّمِ مُطْلَقًا، وقالَ ذَلِكَ المَأْذُونُ لَهُ بَعْضَ الإذْنِ في مُطْلَقِ التَّكَلُّمِ قَوْلًا صَوابًا؛ أيْ: حَقًّا مِنَ الشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ خِطابَ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ جَلالُهُ مَعَ كَوْنِهِ أخَصَّ مِن مُطْلَقِ الكَلامِ وأعَزَّ مِنهُ مَرامًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ إلى: ﴿الرُّوحُ والمَلائِكَةُ﴾ والكَلامُ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ( لا يَمْلِكُونَ ) إلَخْ أيْضًا لَكِنْ عَلى مَعْنى أنَّ الرُّوحَ والمَلائِكَةَ مَعَ كَوْنِهِمْ أفْضَلَ الخَلائِقِ وأقْرَبَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى إذا لَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بِما هو صَوابٌ مِنَ الشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى إلّا بِإذْنِهِ فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهم وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ فَتُعَقِّبُ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ مِن كَوْنِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أفْضَلَ مِنَ البَشَرِ مُطْلَقًا،
صفحة 21
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِن أهْلِ السُّنَّةِ أيْضًا مَن ذَهَبَ إلى هَذا كَأبِي عَبْدِ اللَّهِ الحَلِيمِيِّ والقاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ والإمامِ الرّازِيِّ، ونُسِبَ إلى القاضِي البَيْضاوِيِّ، وكَلامُهُ في التَّفْسِيرِ هُنا لا يَخْلُو عَنْ إغْلاقٍ، وتَصَدّى مَن تَصَدّى لِتَوْجِيهِهِ وأطالُوا في ذَلِكَ عَلى أنَّ الخِلافَ في أفْضَلِيَّتِهِمْ بِمَعْنى كَثْرَةِ الثَّوابِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِن كَوْنِهِمْ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى وأحَبَّهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا بِمَعْنى قُرْبِ المَنزِلَةِ ودُخُولِ حَظائِرِ القُدْسِ ورَفْعِ سِتارَةِ المَلَكُوتِ بِالِاطِّلاعِ عَلى ما غابَ عَنّا، والمُناسَبَةُ في النَّزاهَةِ وقِلَّةِ الوَسائِطِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَإنَّهم بِهَذا الِاعْتِبارِ أفْضَلُ بِلا خِلافٍ، وكَلامُ ذَلِكَ البَعْضِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ، وهَذا كَما نُشاهِدُهُ مِن حالِ خُدّامِ المَلِكِ وخاصَّةً حَرَمُهُ فَإنَّهم أقْرَبُ إلَيْهِ مِن وُزَرائِهِ والخارِجِينَ مِن أقْرِبائِهِ ولَيْسُوا عِنْدَهُ بِمَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وإنْ زادا في التَّبَسُّطِ والدَّلالِ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ضَمِيرَ ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ لِلنّاسِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿إلا مَن أذِنَ﴾ إلَخْ مَنصُوبًا عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى: لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا في حَقِّ شَخْصٍ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ، وقالَ ذَلِكَ الشَّخْصُ في الدُّنْيا صَوابًا أيْ حَقًّا هو التَّوْحِيدُ وقَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وعَلَيْهِ قِيلَ:
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ( قالَ صَوابًا ) في مَوْضِعِ الحالِ مِمَّنْ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ لا عَطْفًا عَلى ( أذِنَ ) ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ الحالِيَّةَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا لَكِنْ مِن ضَمِيرِ ﴿يَتَكَلَّمُونَ﴾ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ أوْ بِاعْتِبارِ المَجْمُوعِ وظَنُّ أنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمُ المَعْنى لا يَتَكَلَّمُونَ بِالصَّوابِ إلّا بِإذْنِهِ لا يَتِمُّ بِدُونِ ذَلِكَ وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: جُمْلَةُ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ حالٌ مِن: ﴿الرُّوحُ والمَلائِكَةُ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ فِي: ﴿صَفًّا﴾ والجُمْهُورُ عَلى ما تَقَدَّمَ، وإظْهارُ الرَّحْمَنِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَناطَ الإذْنِ هو الرَّحْمَةُ البالِغَةُ لا أنَّ أحَدًا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما أنَّ ذِكْرَهُ فِيما تَقَدَّمَ بِالإشارَةِ إلى أنَّ الرَّحْمَةَ مَناطُ تَرْبِيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
النبأ 78:39
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ قِيامِهِمْ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَخامَةِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمُ﴾ المَوْصُوفُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الحَقُّ﴾ أوْ هو الخَيْرُ، واليَوْمُ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ والمُرادُ بِالحَقِّ الثّابِتُ المُتَحَقِّقُ؛ أيْ: ذَلِكَ اليَوْمُ الثّابِتُ الكائِنُ لا مَحالَةَ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلُ؛ ولِذا لَمْ تُعْطَفْ، والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجَزاءُ و﴿إلى رَبِّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِهِ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن تَحَقُّقِ الأمْرِ المَذْكُورِ لا مَحالَةَ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ مَرْجِعًا إلى ثَوابِ رَبِّهِ الَّذِي ذُكِرَ شَأْنُهُ العَظِيمُ فَعَلَ ذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وقالَ قَتادَةُ فِيما رَواهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ: ﴿مَآبًا﴾ أيْ: سَبِيلًا، وتَعَلَّقَ الجارُّ بِهِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الإفْضاءِ والإيصالِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وتَقْدِيرُ المُضافِ أعْنِي الثَّوابَ قِيلَ لِاسْتِحالَةِ الرُّجُوعِ إلى ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لِأنَّ رُجُوعَ كُلِّ أحَدٍ إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ بِمَشِيئَتِهِ؛ إذْ لا بُدَّ مِنهُ شاءَ أمْ لا، والمُعَلَّقُ بِالمَشِيئَةِ الرُّجُوعُ إلى ثَوابِهِ تَعالى؛ فَإنَّ العَبْدَ مُخْتارٌ في الإيمانِ والطّاعَةِ ولا ثَوابَ بِدُونِهِما، وقِيلَ: لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ فَإنَّ لَهم مَرْجِعًا لِلَّهِ تَعالى أيْضًا لَكِنْ لِلْعِقابِ لا لِلثَّوابِ ولِكُلِّ وُجْهَةٌ.
النبأ 78:40
﴿إنّا أنْذَرْناكُمْ﴾ أيْ: بِما ذُكِرَ في السُّورَةِ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِالبَعْثِ بِما فِيهِ وما بَعْدَهُ مِنَ الدَّواهِي أوْ بِها وبِسائِرِ القَوارِعِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ العَظِيمِ.
﴿عَذابًا قَرِيبًا﴾: هو عَذابُ الآخِرَةِ وقُرْبُهُ لِتَحَقُّقِ إتْيانِهِ؛ فَقَدْ قِيلَ: ما أبْعَدَ ما فاتَ وما أقْرَبَ ما هو آتٍ، أوْ لِأنَّهُ قَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ يُقالُ: البَرْزَخُ داخِلٌ في الآخِرَةِ ومَبْدَؤُهُ المَوْتُ، وهو قَرِيبُ حَقِيقَةً كَما لا يَخْفى عَلى مَن عَرَفَ القُرْبَ والبُعْدَ، وعَنْ قَتادَةَ هو عُقُوبَةُ الذَّنْبِ لِأنَّهُ أقْرَبُ العَذابَيْنِ، وعَنْ مُقاتِلٍ: هو قَتْلُ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾؛ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ
صفحة 22
ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ هو صِفَةُ عَذابًا؛ أيْ: عَذابًا كائِنًا يَوْمَ... إلَخْ. ولَيْسَ ذَلِكَ اليَوْمُ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ، وكَذا عَلى ما قِيلَ مِن أنَّهُ بَدَلٌ مِن عَذابًا، أوْ ظَرْفٌ لِ: ﴿قَرِيبًا﴾ .
وعَلى هَذا الأخِيرِ قِيلَ: لا حاجَةَ إلى تَوْجِيهِ القُرْبِ؛ لِأنَّ العَذابَ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ لا فاصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَرْءِ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ الظّاهِرَ جَعْلُ المُنْذَرِ بِهِ قَرِيبًا في وقْتِ الإنْذارِ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ؛ إذْ لا فائِدَةَ في ذِكْرِ قُرْبِهِ مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَإذا تَعَلَّقَ بِهِ فالمُرادُ بَيانُ قُرْبِ اليَوْمِ نَفْسِهِ. فَتَأمَّلْ.
والظّاهِرُ أنَّ ﴿المَرْءُ﴾ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ. و«ما» مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ بِ ﴿يَنْظُرُ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والمُرادُ يَوْمَ يُشاهِدُ المُكَلَّفُ المُؤْمِنُ والكافِرُ ما قَدَّمَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِ ﴿قَدَّمَتْ﴾ أيْ: يَنْظُرُ أيَّ شَيْءٍ قَدَّمَتْ يَداهُ، والجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها؛ لِأنَّ النَّظَرَ طَرِيقُ العِلْمِ، والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْظُرُ﴾ جَوابُ: ما قَدَّمَتْ يَداهُ، وفي الكَلامِ عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ تَغْلِيبٌ ما وقَعَ بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ عَلى ما وقَعَ بِغَيْرِ هَذا الوَجْهِ حَيْثُ ذُكِرَ اليَدانِ لِأنَّ أكْثَرَ الأعْمالِ تُزاوَلُ بِهِما، فَجُعِلَ الجَمِيعُ كالواقِعِ بِهِما تَغْلِيبًا، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: «المُرْءُ» بِضَمِّ المِيمِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ تُضَعَّفَ؛ لِأنَّها لُغَةُ بَعْضِ العَرَبِ يُتْبِعُونَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ فَيَقُولُونَ: مَرْءٌ، ومَرْأً ومَرْءٍ، عَلى حَسَبِ الإعْرابِ.
﴿ويَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ تَخْصِيصٌ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ تَناوَلَهُما المَرْءُ فِيما قَبْلُ مِنهُ بِالذِّكْرِ وخُصَّ قَوْلُ الكافِرِ دُونَ المُؤْمِنِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ عَلى غايَةِ الخَيْبَةِ ونِهايَةِ التَّحَسُّرِ ودَلالَةِ حَذْفِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ عَلى غايَةِ التَّبَجُّحِ ونِهايَةِ الفَرَحِ والسُّرُورِ، وقالَ عَطاءٌ: ( المَرْءُ ) هُنا الكافِرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْذَرْناكُمْ﴾ وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ فِيما بَعْدُ، إلّا أنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَهُ لِزِيادَةِ الذَّمِّ، وفِيهِ أنَّ تَناوُلَ الفَرِيقَيْنِ هو المُطابِقُ لِما سَبَقَ مِن صَفِّ يَوْمٍ مُفَصِّلٍ لِما اشْتَمَلَ عَلى حالِهِما وهو الوَجْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ و﴿إنّا أنْذَرْناكُمْ﴾ .
لا يَخُصُّ الكافِرَ لِأنَّ الإنْذارَ عامٌّ لِلْفَرِيقَيْنِ أيْضًا، فَلا دَلالَةَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والحَسَنُ: المُرادُ بِهِ المُؤْمِنُ، قالَ الإمامُ: دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الكافِرِ فِيما كانَ هَذا بَيانًا لِحالِ الكافِرِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ بَيانًا لِحالِ المُؤْمِنِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ كاسْتِدْلالِ الرِّياشِيِّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَرْءَ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المُؤْمِنِ، وأرادَ الكافِرَ بِقَوْلِهِ هَذا ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ في الدُّنْيا فَلَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أُكَلَّفْ، أوْ لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا في هَذا اليَوْمِ فَلَمْ أُبْعَثْ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْضِرُ البَهائِمَ فَيَقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ، ثُمَّ يَقُولُ سُبْحانَهُ لَها: كُونِي تُرابًا، فَيَعُودُ جَمِيعُها تُرابًا، فَإذا رَأى الكافِرُ ذَلِكَ تَمَنّى مِثْلَهُ. وإلى حَشْرِ البَهائِمِ والِاقْتِصاصِ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: الكافِرُ في الآيَةِ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَمّا شاهَدَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَسْلَهُ المُؤْمِنِينَ وما لَهم مِنَ الثَّوابِ تَمَنّى أنْ يَكُونَ تُرابًا؛ لِأنَّهُ احْتَقَرَهُ لَمّا قالَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ وهو بَعِيدٌ عَنِ السِّياقِ وإنْ كانَ حَسَنًا، والتُّرابُ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ، والكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ، وجُوِّزَ لا سِيَّما عَلى الأخِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِ: لَيْتَنِي كُنْتُ في الدُّنْيا مُتَواضِعًا لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى لا جَبّارًا ولا مُتَكَبِّرًا، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ كَما لا يَخْفى.