Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — النازعات 79:1 – التكوير 81:29

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. النازعات 79:1
  2. النازعات 79:2
  3. النازعات 79:3
  4. النازعات 79:4
  5. النازعات 79:5
  6. النازعات 79:6
  7. النازعات 79:7
  8. النازعات 79:8
  9. النازعات 79:9
  10. النازعات 79:10
  11. النازعات 79:11
  12. النازعات 79:12
  13. النازعات 79:13
  14. النازعات 79:14
  15. النازعات 79:15
  16. النازعات 79:16
  17. النازعات 79:17
  18. النازعات 79:18
  19. النازعات 79:19
  20. النازعات 79:20
  21. النازعات 79:21
  22. النازعات 79:22
  23. النازعات 79:23
  24. النازعات 79:24
  25. النازعات 79:25
  26. النازعات 79:26
  27. النازعات 79:27
  28. النازعات 79:28
  29. النازعات 79:29
  30. النازعات 79:30
  31. النازعات 79:31
  32. النازعات 79:32
  33. النازعات 79:33
  34. النازعات 79:34
  35. النازعات 79:35
  36. النازعات 79:36
  37. النازعات 79:37
  38. النازعات 79:38
  39. النازعات 79:39
  40. النازعات 79:40
  41. النازعات 79:41
  42. النازعات 79:42
  43. النازعات 79:43
  44. النازعات 79:44
  45. النازعات 79:45
  46. النازعات 79:46
  47. عبس 80:1
  48. عبس 80:2
  49. عبس 80:3
  50. عبس 80:4
  51. عبس 80:5
  52. عبس 80:6
  53. عبس 80:7
  54. عبس 80:8
  55. عبس 80:9
  56. عبس 80:10
  57. عبس 80:11
  58. عبس 80:12
  59. عبس 80:13
  60. عبس 80:14
  61. عبس 80:15
  62. عبس 80:16
  63. عبس 80:17
  64. عبس 80:18
  65. عبس 80:19
  66. عبس 80:20
  67. عبس 80:21
  68. عبس 80:22
  69. عبس 80:23
  70. عبس 80:24
  71. عبس 80:25
  72. عبس 80:26
  73. عبس 80:27
  74. عبس 80:28
  75. عبس 80:29
  76. عبس 80:30
  77. عبس 80:31
  78. عبس 80:32
  79. عبس 80:33
  80. عبس 80:34
  81. عبس 80:35
  82. عبس 80:36
  83. عبس 80:37
  84. عبس 80:38
  85. عبس 80:39
  86. عبس 80:40
  87. عبس 80:41
  88. عبس 80:42
  89. التكوير 81:1
  90. التكوير 81:2
  91. التكوير 81:3
  92. التكوير 81:4
  93. التكوير 81:5
  94. التكوير 81:6
  95. التكوير 81:7
  96. التكوير 81:8
  97. التكوير 81:9
  98. التكوير 81:10
  99. التكوير 81:11
  100. التكوير 81:12
  101. التكوير 81:13
  102. التكوير 81:14
  103. التكوير 81:15
  104. التكوير 81:16
  105. التكوير 81:17
  106. التكوير 81:18
  107. التكوير 81:19
  108. التكوير 81:20
  109. التكوير 81:21
  110. التكوير 81:22
  111. التكوير 81:23
  112. التكوير 81:24
  113. التكوير 81:25
  114. التكوير 81:26
  115. التكوير 81:27
  116. التكوير 81:28
  117. التكوير 81:29

النازعات 79:1

سُورَةُ النّازِعاتِ وتُسَمّى سُورَةَ السّاهِرَةِ والطّامَّةِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وعَدَدُ آيِها سِتٌّ وأرْبَعُونَ في الكُوفِيِّ وخَمْسٌ وأرْبَعُونَ في غَيْرِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ سُورَةِ عَمَّ، وأوَّلُها يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا لِتَحْقِيقِ ما في آخِرِ عَمَّ أوْ ما تَضَمَّنَتْهُ كُلُّها، وفي البَحْرِ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في آخِرِ ما قَبْلَها الإنْذارَ بِالعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ أقْسَمَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ عَلى البَعْثِ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: صفحة 23 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِطَوائِفَ مِن مَلائِكَةِ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ عَلى الإطْلاقِ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، أوْ أرْواحِ الكَفَرَةِ عَلى ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وجُوَيْبِرٌ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الحَبْرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ ويُنْشِطُونَها؛ أيْ: يُخْرِجُونَها مِنَ الأجْسادِ مِن نَشِطَ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ إذا أخْرَجَها ويَسْبَحُونَ في إخْراجِها سَبْحَ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ البَحْرِ ما يُخْرِجُ فَيَسْبِقُونَ ويُسْرِعُونَ بِأرْواحِ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَ عِقابِها وثَوابِها؛ بِأنْ يُهَيِّئُوها لِإدْراكِ ما أُعِدَّ لَها مِنَ الآلامِ واللَّذّاتِ، ومالَ بَعْضُهم إلى تَخْصِيصِ النَّزْعِ بِأرْواحِ الكُفّارِ، والنَّشْطِ والسَّبْحِ بِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ النَّزْعَ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، وقَدْ أُرْدِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَرْقًا﴾ وهو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ؛ أيْ: إغْراقًا في النَّزْعِ مِن أقاصِي الأجْسادِ، وقِيلَ: هو نَوْعٌ، والنَّزْعُ جِنْسٌ؛ أيْ: في هَذا المَحَلِّ، وذَلِكَ أنْسَبُ بِالكُفّارِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَنْزِعُ المَلائِكَةُ رُوحَ الكُفّارِ مِن جَسَدِهِ مِن تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ ومِن تَحْتِ الأظافِرِ وأُصُولِ القَدَمَيْنِ ثُمَّ تُغْرِقُها في جَسَدِهِ ثُمَّ تَنْزِعُها حَتّى إذا كادَتْ تَخْرُجُ يَرُدُّها في جَسَدِهِ وهَكَذا مِرارًا فَهَذا عَمَلُها في الكُفّارِ، والنَّشْطُ الإخْراجُ بِرِفْقٍ وسُهُولَةٍ وهو أنْسَبُ بِالمُؤْمِنِينَ وكَذا السَّبْحُ ظاهِرٌ في التَّحَرُّكِ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ، قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّ المَلائِكَةَ يَسَلُّونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ سَلًّا رَقِيقًا ثُمَّ يَتْرُكُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ رُوَيْدًا ثُمَّ يَسْتَخْرِجُونَها بِرِفْقٍ ولُطْفٍ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ فَإنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِرِفْقٍ لِئَلّا يَغْرَقَ فَهم يَرْفُقُونَ في ذَلِكَ الِاسْتِخْراجِ لِئَلّا يَصِلَ إلى المُؤْمِنِ ألَمٌ وشِدَّةٌ، وفي التّاجِ إنَّ النَّشْطَ حَلُّ العُقْدَةِ بِرِفْقٍ، ويُقالُ كَما في البَحْرِ: أنْشَطْتُ العِقالَ ونَشَّطْتُهُ إذا مَدَدْتَ أُنْشُوطَتَهُ فانْحَلَّتْ، والأُنْشُوطَةُ عُقْدَةٌ يَسْهُلُ انْحِلالُها إذا جُذِبَتْ كَعُقْدَةِ التِّكَّةِ، فَإذا جَعَلْتَ النّاشِطاتِ مِنَ النَّشْطِ بِهَذا المَعْنى كانَ أوْفَقَ لِلْإشارَةِ إلى الرِّفْقِ والعَطْفِ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ لِتَنْزِيلِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَعْدُودَةِ مِن مُعَظَّماتِ الأُمُورِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلى حِيالِهِ مُناطًا لِاسْتِحْقاقٍ مَوْصُوفَةٍ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ مِن غَيْرِ انْضِمامِ الأوْصافِ الأُخَرِ إلَيْهِ، ولَوْ جَعَلْتَ النّازِعاتِ مَلائِكَةَ العَذابِ والنّاشِطاتِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ كانَ العَطْفُ لِلتَّغايُرِ الذّاتِيِّ عَلى ما هو الأصْلُ، والفاءُ في الأخِيرَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِما عَلى ما قَبْلَهُما بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، وانْتِصابُ «نَشْطًا، وسَبْحًا، وسَبْقًا» عَلى المَصْدَرِيَّةِ كانْتِصابِ «غَرْقًا» وأمّا انْتِصابُ «أمْرًا» فَعَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْمُدَبِّراتِ لا عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ بِأمْرٍ مِنهُ تَعالى كَما قِيلَ، وزُعِمَ أنَّهُ الأوْلى وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «غَرْقًا» مَصْدَرًا مُؤَوَّلًا بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أيْضًا لِلنّازِعاتِ أوْ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِهِ لَها؛ أيْ: نُفُوسًا غَرِقَةً في الأجْسادِ. وحَمَلَ بَعْضُهم غَرْقَها فِيها بِشِدَّةِ تَعَلُّقِها بِها وغَلَبَةِ صِفاتِها عَلَيْها، وكَأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى تَجَرُّدِ الأرْواحِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ وبَعْضُ أجِلَّةِ المُسْلِمِينَ، هَذا ولَمْ نَقِفْ عَلى نَصٍّ في أنَّ المَلائِكَةَ حالَ قَبْضِ الأرْواحِ وإخْراجِها هَلْ يَدْخُلُونَ في الأجْسادِ أمْ لا، وظاهِرُ تَفْسِيرِ «النّاشِطاتِ» أنَّهم حالَةَ النَّزْعِ خارِجَ الجَسَدِ كالواقِفِ «والسّابِحاتِ» دُخُولُهم فِيهِ لِإخْراجِها عَلى ما قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّبْحَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِهِ مُجَرَّدُ الِاتِّصالِ ونَحْوِهِ مِمّا لا تَوَقُّفَ لَهُ عَلى الدُّخُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسّابِحاتِ وما بَعْدَها طَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْبَحُونَ في مُضِيِّهِمْ فَيَسْبِقُونَ فِيهِ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَهُ مِن كَيْفِيَّتِهِ وما لا بُدَّ مِنهُ فِيهِ، ويَعُمُّ ذَلِكَ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةَ العَذابِ، والعَطْفُ عَلَيْهِ لِتَغايُرِ المَوْصُوفاتِ كالصِّفاتِ، وأيًّا ما كانَ صفحة 24 فَجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ ويَلُوحُ إلَيْهِ الأقْسامُ المَذْكُورَةُ، والتَّقْدِيرُ: «والنّازِعاتِ» إلَخْ لَتُبْعَثُنَّ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّجُومِ السَّيّارَةِ الَّتِي تَنْزِعُ أيْ تَسِيرُ مِن نَزْعِ الفَرَسِ إذا جَرى مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ غَرَقًا في النَّزْعِ وجِدًّا في السَّيْرِ بِأنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ عَلى ما يَبْدُو لِلنّاسِ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ وتَنْشَطَ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ أيْ تَخْرُجَ مِن نَشْطِ الثَّوْرِ إذا خَرَجَ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ هِمْيانَ بْنِ قُحافَةَ: أرى هُمُومِي تَنْشِطُ المَناشِطا الشّامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطا وتَسْبَحُ في الفَلَكِ فَيَسْبِقُ بَعْضُها في السَّيْرِ لِكَوْنِهِ أسْرَعَ حَرَكَةً فَتُدَبِّرُ أمْرًا نِيطَ بِها كاخْتِلافِ الفُصُولِ وتَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ وظُهُورِ مَواقِيتِ العِباداتِ والمُعامَلاتِ المُؤَجَّلَةِ، ولَمّا كانَتْ حَرَكاتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ سَرِيعَةً قَسْرِيَّةً وتابِعَةً لِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ ضَرُورَةً، وحَرَكاتُها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ بِإرادَتِها مِن غَيْرِ قَسْرٍ لَها وهي غَيْرُ سَرِيعَةٍ أُطْلِقَ عَلى الأُولى النَّزْعَ؛ لِأنَّهُ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، وعَلى الثّانِيَةِ النَّشْطُ لِأنَّهُ بِرِفْقٍ ورَوِيٍّ حُمِلَ «النّازِعاتُ» عَلى النُّجُومِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والأخْفَشِ وابْنِ كَيْسانَ وأبِي عُبَيْدَةَ، وحُمِلَ النّاشِطاتُ عَلَيْها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وحُمِلَ «السّابِحاتُ» عَلَيْها عَنِ الأوَّلَيْنِ، وحَمَلَها أبُو رَوْقٍ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ مِنها، والمُدَبِّراتِ عَلَيْها مِن مَعاذٍ، وإضافَةُ التَّدْبِيرِ إلَيْها مَجازٌ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّفُوسِ الفاضِلَةِ حالَةَ المُفارَقَةِ لا بُدَّ أنَّها بِالمَوْتِ فَإنَّها تَنْزِعُ عَنِ الأبْدانِ غَرْقًا؛ أيْ نَزْعًا شَدِيدًا مِن أغْرَقَ النّازِعُ في القَوْسِ إذا بَلَغَ غايَةَ المَدى حَتّى يَنْتَهِيَ إلى النَّصْلِ لِعُسْرِ مُفارَقَتِها إيّاها حَيْثُ ألِفْنَهُ وكانَ مَطِيَّةً لَها لِاكْتِسابِ الخَيْرِ ومَظِنَّةً لِازْدِيادِهِ فَتَنْشَطُ شَوْقًا إلى عالَمِ المَلَكُوتِ وتَسْبَحُ بِهِ فَتَسْبِقُ بِهِ إلى حَظائِرِ القُدْسِ فَتَصِيرُ لِشَرَفِها وقُوَّتِها مِنَ المُدَبِّراتِ أيْ مُلْحَقَةً بِالمَلائِكَةِ أوْ تَصْلُحُ هي لِأنْ تَكُونَ مُدَبِّرَةً كَما قالَ الإمامُ إنَّها بَعْدَ المُفارَقَةِ قَدْ تَظْهَرُ لَها آثارٌ وأحْوالٌ في هَذا العالَمِ فَقَدْ يَرى المَرْءُ شَيْخَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيُرْشِدُهُ لِما يُهِمُّهُ، وقَدْ نُقِلَ عَنْ جالِينُوسَ أنَّهُ مَرِضَ مَرَضًا عَجَزَ عَنْ عِلاجِهِ الحُكَماءُ فَوُصِفَ لَهُ في مَنامِهِ عِلاجُهُ فَأفاقَ وفَعَلَهُ فَأفاقَ وقَدْ ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ ولِذا قِيلَ: ولَيْسَ بِحَدِيثٍ كَما تُوُهِّمَ. «إذا تَحَيَّرْتُمْ في الأُمُورِ فاسْتَعِينُوا مِن أصْحابِ القُبُورِ» أيْ: أصْحابِ النُّفُوسِ الفاضِلَةِ المُتَوَفَّيْنَ، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَحْصُلُ لِزائِرِهِمْ مَدَدٌ رُوحانِيٌّ بِبَرَكَتِهِمْ، وكَثِيرًا ما تَنْحَلُّ عُقَدُ الأُمُورِ بِأنامِلِ التَّوَسُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى بِحُرْمَتِهِمْ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الأحْياءِ مِنهُمُ المُمْتَثِلِينَ أمْرَ مُوتُوا وقَبْلَ أنْ تَمُوتُوا، وتَفْسِيرُ «النّازِعاتِ» بِالنُّفُوسِ مَرْوِيٌّ عَنِ السُّدِّيِّ إلّا أنَّهُ قالَ: هي جَماعَةُ النُّفُوسِ تَنْزِعُ بِالمَوْتِ إلى رَبِّها «والنّاشِطاتِ» بِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: هِيَ النُّفُوسُ المُؤْمِنَةُ تَنْشَطُ عِنْدَ المَوْتِ لِلْخُرُوجِ والسّابِقاتُ بِها عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إلّا أنَّهُ قالَ: هي أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ تَسْبِقُ إلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَها وقَدْ عايَنَتِ السُّرُورَ شَوْقًا إلى لِقاءِ اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّفُوسِ حالَ سُلُوكِها وتَطْهِيرِ ظاهِرِها وباطِنِها بِالِاجْتِهادِ في العِبادَةِ والتَّرَقِّي في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ فَإنَّها تَنْزِعُ عَنِ الشَّهَواتِ وتَنْشَطُ إلى عالَمِ القُدْسِ فَتَسْبَحُ في مَراتِبِ الِارْتِقاءِ فَتَسْبِقُ إلى الكَمالاتِ حَتّى تَصِيرَ مِنَ المُكَمِّلاتِ لِلنُّفُوسِ النّاقِصَةِ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِأنْفُسِ الغُزاةِ أوْ أيْدِيهِمْ تَنْزِعُ القِسِيَّ بِإغْراقِ السِّهامِ وتَنْشَطُ بِالسَّهْمِ لِلرَّمْيِ وتَسْبَحُ في البَرِّ والبَحْرِ فَتَسْبِقُ إلى حَرْبِ العَدُوِّ فَتُدَبِّرْ أمْرَها، وإسْنادُ السَّبْحِ وما بَعْدَهُ إلى الأيْدِي عَلَيْهِ مَجازٌ لِلْمُلابَسَةِ، وحَمْلُ ( النّازِعاتِ ) عَلى الغُزاةِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ إلّا أنَّهُ قالَ: هي النّازِعاتُ بِالقِسِيِّ وغَيْرِها، وقِيلَ: بِصِفاتِ خَيْلِهِمْ فَإنَّها تَنْزِعُ في أعِنَّتِها غَرْقًا أيْ تَمُدُّ أعِنَّتَها مَدًّا قَوِيًّا حَتّى تُلْصِقَها بِالأعْناقِ مِن غَيْرِ ارْتِخائِها فَتَصِيرُ كَأنَّها انْغَمَسَتْ فِيها، وتَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الكُفْرِ وتَسْبَحُ في جَرْيِها فَتَسْبِقُ إلى العَدُوِّ فَتُدَبِّرُ أمْرَ الظَّفَرِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها إسْنادٌ إلى السَّبَبِ، وحَمْلُ «السّابِحاتِ» عَلى الخَيْلِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا وجَماعَةٍ، ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ هَذِهِ الأقْوالِ لا يَلِيقُ بِشَأْنِ جَزالَةِ التَّنْزِيلِ ولَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ مُناسِبَةٌ لِلْمَقامِ ومِنها ما فِيهِ قَوْلٌ بِما عَلَيْهِ أهْلُ الهَيْئَةِ المُتَقَدِّمُونَ صفحة 25 مِنَ الحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ لِلْكَوْكَبِ وهي حَرَكَتُهُ الخاصَّةُ ونَحْوُها مِمّا لَيْسَ في كَلامِ السَّلَفِ ولَمْ يَتِمَّ عَلَيْهِ بِرِهانٌ؛ ولِذا قالَ بِخِلافِهِ المُحْدَثُونَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وفي حَمْلِ «المُدَبِّراتِ» عَلى النُّجُومِ إيهامُ صِحَّةِ ما يَزْعُمُهُ أهْلُ الأحْكامِ وجَهَلَةُ المُنَجِّمِينَ وهو باطِلٌ عَقْلًا ونَقْلًا كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ وكَذا في حَمْلِها عَلى النُّفُوسِ الفاضِلَةِ المُفارِقَةِ إيهامُ صِحَّةِ ما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِن سَخَفَةِ العُقُولِ مِن أنَّ الأوْلِياءَ يَتَصَرَّفُونَ بَعْدَ وفاتِهِمْ بِنَحْوِ شِفاءِ المَرِيضِ وإنْقاذِ الغَرِيقِ والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ، ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِخَمْسَةٍ مِنَ الأوْلِياءِ، والكُلُّ جَهْلٌ وإنْ كانَ الثّانِي أشَدَّ جَهْلًا، نَعَمْ لا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُكْرِمُ مَن شاءَ مِن أوْلِيائِهِ بَعْدَ المَوْتِ كَما يُكْرِمُهُ قَبْلَهُ بِما شاءَ فَيُبْرِئُ سُبْحانَهُ المَرِيضَ ويُنْقِذُ الغَرِيقَ ويَنْصُرُ عَلى العَدُوِّ ويُنْزِلُ الغَيْثَ وكَيْتَ وكَيْتَ كَرامَةً لَهُ ورُبَّما يُظْهِرُ عَزَّ وجَلَّ مَن يُشْبِهُهُ صُورَةً فَتَفْعَلُ ما سُئِلَ اللَّهُ تَعالى بِحُرْمَتِهِ مِمّا لا إثْمَ فِيهِ اسْتِجابَةً لِلسّائِلِ، ورُبَّما يَقَعُ السُّؤالُ عَلى الوَجْهِ المَحْظُورِ شَرْعًا فَيُظْهِرُ سُبْحانَهُ نَحْوَ ذَلِكَ مَكْرًا بِالسّائِلِ واسْتِدْراجًا لَهُ، ونَقَلَ الإمامُ في هَذا المَقامِ عَنِ الغَزالِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها ثُمَّ اتَّفَقَ إنْسانٌ مُشابِهٌ لِلْإنْسانِ الأوَّلِ في الرُّوحِ والبَدَنِ فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذا البَدَنِ حَتّى تَصِيرَ كالمُعاوِنَةِ لِلنَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ البَدَنِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ فَتُسَمّى تِلْكَ المُعاوَنَةُ إلْهامًا، ونَظِيرُهُ في جانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وسُوسَةٌ انْتَهى. ولَمْ أرَ ما يَشْهَدُ عَلى صِحَّتِهِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وكَلامِ سَلَفِ الأُمَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ نَفْسُهُ في المَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ اسْتِحالَةَ تَعَلُّقِ أكْثَرَ مِن نَفْسٍ بِبَدَنٍ واحِدٍ، وكَذا اسْتِحالَةَ تَعَلُّقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ بِأكْثَرَ مِن بَدَنٍ، ولَمْ يُتَعَقَّبْ ما نَقَلَهُ هُنا فَكَأنَّهُ فَهِمَ أنَّ التَّعَلُّقَ فِيهِ غَيْرُ التَّعَلُّقِ المُسْتَحِيلِ فَلا تَغْفُلْ، وقالَ في وجْهِ حَمْلِ المَذْكُوراتِ عَلى المَلائِكَةِ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَها صِفاتٌ سَلْبِيَّةٌ وصِفاتٌ إضافِيَّةٌ، أمّا الأُولى فَهي أنَّها مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والمَوْتِ والهَرَمِ والسَّقَمِ والتَّرْكِيبِ والأعْضاءِ والأخْلاطِ والأرْكانِ بَلْ هي جَواهِرُ رُوحانِيَّةٌ مُبَرَّأةٌ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ؛ «فالنّازِعاتِ غَرْقًا إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَنزُوعَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ نَزْعًا كُلِّيًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ عَلى أنَّ الصِّيغَةَ لِلنِّسْبَةِ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ خُرُوجَها عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ كَخُرُوجِ البَشَرِ عَلى سَبِيلِ الكُلْفَةِ والمَشَقَّةِ بَلْ بِمُقْتَضى الماهِيَّةِ، فالكَلِمَتانِ إشارَتانِ إلى تَعْرِيفِ أحْوالِهِمُ السَّلْبِيَّةِ، وأمّا صِفاتُهُمُ الإضافِيَّةُ فَهي قِسْمانِ: الأوَّلُ شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ وبَيانِ حالِهِمْ في مَعْرِفَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ سُبْحانَهُ والِاطِّلاعِ عَلى نُورِ جَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ فَوَصَفَهم سُبْحانَهُ في هَذا المَقامِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَهم يَسْبَحُونَ مِن أوَّلِ فِطْرَتِهِمْ في بِحارِ جَلالِهِ تَعالى ثُمَّ لا مُنْتَهى لِسَبْحِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا مُنْتَهى لِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ صَمَدِيَّتِهِ ونُورِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ فَهم أبَدًا في تِلْكَ السِّباحَةِ، وثانِيهِما ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ وهو إشارَةٌ إلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في دَرَجاتِ المَعْرِفَةِ وفي مَراتِبِ التَّجَلِّي، والثّانِي شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العامِلَةِ وبَيانِ حالِهِمْ فِيها فَوَصَفَهم سُبْحانَهُ في هَذا المَقامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ ولَمّا كانَ التَّدْبِيرُ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ العِلْمِ قَدَّمَ شَرْحَ القُوَّةِ العاقِلَةِ عَلى شَرْحِ القُوَّةِ العامِلَةِ» انْتَهى. وهو عَلى ما في بَعْضِهِ مِنَ المَنعِ لَيْسَ بِشَدِيدِ المُناسَبَةِ لِلْمَقامِ، ونَقَلَ غَيْرُ واحِدٍ أقْوالًا غَيْرَ ما ذُكِرَ في تَفْسِيرِ المَذْكُوراتِ فَعَنْ مُجاهِدٍ: «النّازِعاتُ» المَنايا تَنْزِعُ النُّفُوسَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلّامٍ أنَّها الوَحْشُ تَنْزِعُ إلى الكَلَأِ، وعَنِ الأوَّلِ تَفْسِيرُ «النّاشِطاتِ» بِالمَنايا أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ تَفْسِيرُها بِالبَقَرِ الوَحْشِيَّةِ وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَنْشَطُ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، وعَنْهُ أيْضًا تَفْسِيرُ «السّابِحاتِ» بِالسُّفُنِ، وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُها بِالمَنايا تَسْبَحُ في نُفُوسِ الحَيَوانِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرُها بِالسَّحابِ وعَنْ آخَرَ تَفْسِيرُها بِدَوابِّ البَحْرِ، وعَنْ بَعْضٍ تَفْسِيرُ «السّابِقاتِ» بِالمَنايا عَلى مَعْنى أنَّها تَسْبِقُ الآمالَ، وعَنْ غَيْرِ واحِدٍ تَفْسِيرُ «المُدَبِّراتِ» بِجِبْرِيلَ يُدَبِّرُ الرِّياحَ والجُنُودَ والوَحْيَ ومِيكالَ صفحة 26 يُدَبِّرُ القَطْرَ والنَّباتَ وعِزْرائِيلَ يُدَبِّرُ قَبْضَ الأرْواحِ وإسْرافِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ النّازِلَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يَنْزِلُ بِهِ ويُدَبِّرُ النَّفْخَ في الصُّورِ والأكْثَرُونَ تَفْسِيرُها بِالمَلائِكَةِ مُطْلَقًا، بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا أحْفَظُ خِلافًا في أنَّها المَلائِكَةُ ولَيْسَ في تَفْسِيرِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما أعْلَمُ وما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا هو المُرَجَّحُ عِنْدِي نَظَرًا لِلْمَقامِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النازعات 79:2

سُورَةُ النّازِعاتِ وتُسَمّى سُورَةَ السّاهِرَةِ والطّامَّةِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وعَدَدُ آيِها سِتٌّ وأرْبَعُونَ في الكُوفِيِّ وخَمْسٌ وأرْبَعُونَ في غَيْرِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ سُورَةِ عَمَّ، وأوَّلُها يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا لِتَحْقِيقِ ما في آخِرِ عَمَّ أوْ ما تَضَمَّنَتْهُ كُلُّها، وفي البَحْرِ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في آخِرِ ما قَبْلَها الإنْذارَ بِالعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ أقْسَمَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ عَلى البَعْثِ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: صفحة 23 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِطَوائِفَ مِن مَلائِكَةِ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ عَلى الإطْلاقِ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، أوْ أرْواحِ الكَفَرَةِ عَلى ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وجُوَيْبِرٌ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الحَبْرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ ويُنْشِطُونَها؛ أيْ: يُخْرِجُونَها مِنَ الأجْسادِ مِن نَشِطَ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ إذا أخْرَجَها ويَسْبَحُونَ في إخْراجِها سَبْحَ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ البَحْرِ ما يُخْرِجُ فَيَسْبِقُونَ ويُسْرِعُونَ بِأرْواحِ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَ عِقابِها وثَوابِها؛ بِأنْ يُهَيِّئُوها لِإدْراكِ ما أُعِدَّ لَها مِنَ الآلامِ واللَّذّاتِ، ومالَ بَعْضُهم إلى تَخْصِيصِ النَّزْعِ بِأرْواحِ الكُفّارِ، والنَّشْطِ والسَّبْحِ بِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ النَّزْعَ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، وقَدْ أُرْدِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَرْقًا﴾ وهو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ؛ أيْ: إغْراقًا في النَّزْعِ مِن أقاصِي الأجْسادِ، وقِيلَ: هو نَوْعٌ، والنَّزْعُ جِنْسٌ؛ أيْ: في هَذا المَحَلِّ، وذَلِكَ أنْسَبُ بِالكُفّارِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَنْزِعُ المَلائِكَةُ رُوحَ الكُفّارِ مِن جَسَدِهِ مِن تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ ومِن تَحْتِ الأظافِرِ وأُصُولِ القَدَمَيْنِ ثُمَّ تُغْرِقُها في جَسَدِهِ ثُمَّ تَنْزِعُها حَتّى إذا كادَتْ تَخْرُجُ يَرُدُّها في جَسَدِهِ وهَكَذا مِرارًا فَهَذا عَمَلُها في الكُفّارِ، والنَّشْطُ الإخْراجُ بِرِفْقٍ وسُهُولَةٍ وهو أنْسَبُ بِالمُؤْمِنِينَ وكَذا السَّبْحُ ظاهِرٌ في التَّحَرُّكِ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ، قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّ المَلائِكَةَ يَسَلُّونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ سَلًّا رَقِيقًا ثُمَّ يَتْرُكُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ رُوَيْدًا ثُمَّ يَسْتَخْرِجُونَها بِرِفْقٍ ولُطْفٍ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ فَإنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِرِفْقٍ لِئَلّا يَغْرَقَ فَهم يَرْفُقُونَ في ذَلِكَ الِاسْتِخْراجِ لِئَلّا يَصِلَ إلى المُؤْمِنِ ألَمٌ وشِدَّةٌ، وفي التّاجِ إنَّ النَّشْطَ حَلُّ العُقْدَةِ بِرِفْقٍ، ويُقالُ كَما في البَحْرِ: أنْشَطْتُ العِقالَ ونَشَّطْتُهُ إذا مَدَدْتَ أُنْشُوطَتَهُ فانْحَلَّتْ، والأُنْشُوطَةُ عُقْدَةٌ يَسْهُلُ انْحِلالُها إذا جُذِبَتْ كَعُقْدَةِ التِّكَّةِ، فَإذا جَعَلْتَ النّاشِطاتِ مِنَ النَّشْطِ بِهَذا المَعْنى كانَ أوْفَقَ لِلْإشارَةِ إلى الرِّفْقِ والعَطْفِ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ لِتَنْزِيلِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَعْدُودَةِ مِن مُعَظَّماتِ الأُمُورِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلى حِيالِهِ مُناطًا لِاسْتِحْقاقٍ مَوْصُوفَةٍ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ مِن غَيْرِ انْضِمامِ الأوْصافِ الأُخَرِ إلَيْهِ، ولَوْ جَعَلْتَ النّازِعاتِ مَلائِكَةَ العَذابِ والنّاشِطاتِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ كانَ العَطْفُ لِلتَّغايُرِ الذّاتِيِّ عَلى ما هو الأصْلُ، والفاءُ في الأخِيرَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِما عَلى ما قَبْلَهُما بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، وانْتِصابُ «نَشْطًا، وسَبْحًا، وسَبْقًا» عَلى المَصْدَرِيَّةِ كانْتِصابِ «غَرْقًا» وأمّا انْتِصابُ «أمْرًا» فَعَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْمُدَبِّراتِ لا عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ بِأمْرٍ مِنهُ تَعالى كَما قِيلَ، وزُعِمَ أنَّهُ الأوْلى وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «غَرْقًا» مَصْدَرًا مُؤَوَّلًا بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أيْضًا لِلنّازِعاتِ أوْ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِهِ لَها؛ أيْ: نُفُوسًا غَرِقَةً في الأجْسادِ. وحَمَلَ بَعْضُهم غَرْقَها فِيها بِشِدَّةِ تَعَلُّقِها بِها وغَلَبَةِ صِفاتِها عَلَيْها، وكَأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى تَجَرُّدِ الأرْواحِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ وبَعْضُ أجِلَّةِ المُسْلِمِينَ، هَذا ولَمْ نَقِفْ عَلى نَصٍّ في أنَّ المَلائِكَةَ حالَ قَبْضِ الأرْواحِ وإخْراجِها هَلْ يَدْخُلُونَ في الأجْسادِ أمْ لا، وظاهِرُ تَفْسِيرِ «النّاشِطاتِ» أنَّهم حالَةَ النَّزْعِ خارِجَ الجَسَدِ كالواقِفِ «والسّابِحاتِ» دُخُولُهم فِيهِ لِإخْراجِها عَلى ما قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّبْحَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِهِ مُجَرَّدُ الِاتِّصالِ ونَحْوِهِ مِمّا لا تَوَقُّفَ لَهُ عَلى الدُّخُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسّابِحاتِ وما بَعْدَها طَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْبَحُونَ في مُضِيِّهِمْ فَيَسْبِقُونَ فِيهِ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَهُ مِن كَيْفِيَّتِهِ وما لا بُدَّ مِنهُ فِيهِ، ويَعُمُّ ذَلِكَ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةَ العَذابِ، والعَطْفُ عَلَيْهِ لِتَغايُرِ المَوْصُوفاتِ كالصِّفاتِ، وأيًّا ما كانَ صفحة 24 فَجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ ويَلُوحُ إلَيْهِ الأقْسامُ المَذْكُورَةُ، والتَّقْدِيرُ: «والنّازِعاتِ» إلَخْ لَتُبْعَثُنَّ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّجُومِ السَّيّارَةِ الَّتِي تَنْزِعُ أيْ تَسِيرُ مِن نَزْعِ الفَرَسِ إذا جَرى مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ غَرَقًا في النَّزْعِ وجِدًّا في السَّيْرِ بِأنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ عَلى ما يَبْدُو لِلنّاسِ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ وتَنْشَطَ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ أيْ تَخْرُجَ مِن نَشْطِ الثَّوْرِ إذا خَرَجَ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ هِمْيانَ بْنِ قُحافَةَ: أرى هُمُومِي تَنْشِطُ المَناشِطا الشّامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطا وتَسْبَحُ في الفَلَكِ فَيَسْبِقُ بَعْضُها في السَّيْرِ لِكَوْنِهِ أسْرَعَ حَرَكَةً فَتُدَبِّرُ أمْرًا نِيطَ بِها كاخْتِلافِ الفُصُولِ وتَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ وظُهُورِ مَواقِيتِ العِباداتِ والمُعامَلاتِ المُؤَجَّلَةِ، ولَمّا كانَتْ حَرَكاتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ سَرِيعَةً قَسْرِيَّةً وتابِعَةً لِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ ضَرُورَةً، وحَرَكاتُها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ بِإرادَتِها مِن غَيْرِ قَسْرٍ لَها وهي غَيْرُ سَرِيعَةٍ أُطْلِقَ عَلى الأُولى النَّزْعَ؛ لِأنَّهُ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، وعَلى الثّانِيَةِ النَّشْطُ لِأنَّهُ بِرِفْقٍ ورَوِيٍّ حُمِلَ «النّازِعاتُ» عَلى النُّجُومِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والأخْفَشِ وابْنِ كَيْسانَ وأبِي عُبَيْدَةَ، وحُمِلَ النّاشِطاتُ عَلَيْها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وحُمِلَ «السّابِحاتُ» عَلَيْها عَنِ الأوَّلَيْنِ، وحَمَلَها أبُو رَوْقٍ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ مِنها، والمُدَبِّراتِ عَلَيْها مِن مَعاذٍ، وإضافَةُ التَّدْبِيرِ إلَيْها مَجازٌ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّفُوسِ الفاضِلَةِ حالَةَ المُفارَقَةِ لا بُدَّ أنَّها بِالمَوْتِ فَإنَّها تَنْزِعُ عَنِ الأبْدانِ غَرْقًا؛ أيْ نَزْعًا شَدِيدًا مِن أغْرَقَ النّازِعُ في القَوْسِ إذا بَلَغَ غايَةَ المَدى حَتّى يَنْتَهِيَ إلى النَّصْلِ لِعُسْرِ مُفارَقَتِها إيّاها حَيْثُ ألِفْنَهُ وكانَ مَطِيَّةً لَها لِاكْتِسابِ الخَيْرِ ومَظِنَّةً لِازْدِيادِهِ فَتَنْشَطُ شَوْقًا إلى عالَمِ المَلَكُوتِ وتَسْبَحُ بِهِ فَتَسْبِقُ بِهِ إلى حَظائِرِ القُدْسِ فَتَصِيرُ لِشَرَفِها وقُوَّتِها مِنَ المُدَبِّراتِ أيْ مُلْحَقَةً بِالمَلائِكَةِ أوْ تَصْلُحُ هي لِأنْ تَكُونَ مُدَبِّرَةً كَما قالَ الإمامُ إنَّها بَعْدَ المُفارَقَةِ قَدْ تَظْهَرُ لَها آثارٌ وأحْوالٌ في هَذا العالَمِ فَقَدْ يَرى المَرْءُ شَيْخَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيُرْشِدُهُ لِما يُهِمُّهُ، وقَدْ نُقِلَ عَنْ جالِينُوسَ أنَّهُ مَرِضَ مَرَضًا عَجَزَ عَنْ عِلاجِهِ الحُكَماءُ فَوُصِفَ لَهُ في مَنامِهِ عِلاجُهُ فَأفاقَ وفَعَلَهُ فَأفاقَ وقَدْ ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ ولِذا قِيلَ: ولَيْسَ بِحَدِيثٍ كَما تُوُهِّمَ. «إذا تَحَيَّرْتُمْ في الأُمُورِ فاسْتَعِينُوا مِن أصْحابِ القُبُورِ» أيْ: أصْحابِ النُّفُوسِ الفاضِلَةِ المُتَوَفَّيْنَ، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَحْصُلُ لِزائِرِهِمْ مَدَدٌ رُوحانِيٌّ بِبَرَكَتِهِمْ، وكَثِيرًا ما تَنْحَلُّ عُقَدُ الأُمُورِ بِأنامِلِ التَّوَسُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى بِحُرْمَتِهِمْ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الأحْياءِ مِنهُمُ المُمْتَثِلِينَ أمْرَ مُوتُوا وقَبْلَ أنْ تَمُوتُوا، وتَفْسِيرُ «النّازِعاتِ» بِالنُّفُوسِ مَرْوِيٌّ عَنِ السُّدِّيِّ إلّا أنَّهُ قالَ: هي جَماعَةُ النُّفُوسِ تَنْزِعُ بِالمَوْتِ إلى رَبِّها «والنّاشِطاتِ» بِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: هِيَ النُّفُوسُ المُؤْمِنَةُ تَنْشَطُ عِنْدَ المَوْتِ لِلْخُرُوجِ والسّابِقاتُ بِها عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إلّا أنَّهُ قالَ: هي أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ تَسْبِقُ إلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَها وقَدْ عايَنَتِ السُّرُورَ شَوْقًا إلى لِقاءِ اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّفُوسِ حالَ سُلُوكِها وتَطْهِيرِ ظاهِرِها وباطِنِها بِالِاجْتِهادِ في العِبادَةِ والتَّرَقِّي في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ فَإنَّها تَنْزِعُ عَنِ الشَّهَواتِ وتَنْشَطُ إلى عالَمِ القُدْسِ فَتَسْبَحُ في مَراتِبِ الِارْتِقاءِ فَتَسْبِقُ إلى الكَمالاتِ حَتّى تَصِيرَ مِنَ المُكَمِّلاتِ لِلنُّفُوسِ النّاقِصَةِ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِأنْفُسِ الغُزاةِ أوْ أيْدِيهِمْ تَنْزِعُ القِسِيَّ بِإغْراقِ السِّهامِ وتَنْشَطُ بِالسَّهْمِ لِلرَّمْيِ وتَسْبَحُ في البَرِّ والبَحْرِ فَتَسْبِقُ إلى حَرْبِ العَدُوِّ فَتُدَبِّرْ أمْرَها، وإسْنادُ السَّبْحِ وما بَعْدَهُ إلى الأيْدِي عَلَيْهِ مَجازٌ لِلْمُلابَسَةِ، وحَمْلُ ( النّازِعاتِ ) عَلى الغُزاةِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ إلّا أنَّهُ قالَ: هي النّازِعاتُ بِالقِسِيِّ وغَيْرِها، وقِيلَ: بِصِفاتِ خَيْلِهِمْ فَإنَّها تَنْزِعُ في أعِنَّتِها غَرْقًا أيْ تَمُدُّ أعِنَّتَها مَدًّا قَوِيًّا حَتّى تُلْصِقَها بِالأعْناقِ مِن غَيْرِ ارْتِخائِها فَتَصِيرُ كَأنَّها انْغَمَسَتْ فِيها، وتَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الكُفْرِ وتَسْبَحُ في جَرْيِها فَتَسْبِقُ إلى العَدُوِّ فَتُدَبِّرُ أمْرَ الظَّفَرِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها إسْنادٌ إلى السَّبَبِ، وحَمْلُ «السّابِحاتِ» عَلى الخَيْلِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا وجَماعَةٍ، ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ هَذِهِ الأقْوالِ لا يَلِيقُ بِشَأْنِ جَزالَةِ التَّنْزِيلِ ولَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ مُناسِبَةٌ لِلْمَقامِ ومِنها ما فِيهِ قَوْلٌ بِما عَلَيْهِ أهْلُ الهَيْئَةِ المُتَقَدِّمُونَ صفحة 25 مِنَ الحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ لِلْكَوْكَبِ وهي حَرَكَتُهُ الخاصَّةُ ونَحْوُها مِمّا لَيْسَ في كَلامِ السَّلَفِ ولَمْ يَتِمَّ عَلَيْهِ بِرِهانٌ؛ ولِذا قالَ بِخِلافِهِ المُحْدَثُونَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وفي حَمْلِ «المُدَبِّراتِ» عَلى النُّجُومِ إيهامُ صِحَّةِ ما يَزْعُمُهُ أهْلُ الأحْكامِ وجَهَلَةُ المُنَجِّمِينَ وهو باطِلٌ عَقْلًا ونَقْلًا كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ وكَذا في حَمْلِها عَلى النُّفُوسِ الفاضِلَةِ المُفارِقَةِ إيهامُ صِحَّةِ ما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِن سَخَفَةِ العُقُولِ مِن أنَّ الأوْلِياءَ يَتَصَرَّفُونَ بَعْدَ وفاتِهِمْ بِنَحْوِ شِفاءِ المَرِيضِ وإنْقاذِ الغَرِيقِ والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ، ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِخَمْسَةٍ مِنَ الأوْلِياءِ، والكُلُّ جَهْلٌ وإنْ كانَ الثّانِي أشَدَّ جَهْلًا، نَعَمْ لا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُكْرِمُ مَن شاءَ مِن أوْلِيائِهِ بَعْدَ المَوْتِ كَما يُكْرِمُهُ قَبْلَهُ بِما شاءَ فَيُبْرِئُ سُبْحانَهُ المَرِيضَ ويُنْقِذُ الغَرِيقَ ويَنْصُرُ عَلى العَدُوِّ ويُنْزِلُ الغَيْثَ وكَيْتَ وكَيْتَ كَرامَةً لَهُ ورُبَّما يُظْهِرُ عَزَّ وجَلَّ مَن يُشْبِهُهُ صُورَةً فَتَفْعَلُ ما سُئِلَ اللَّهُ تَعالى بِحُرْمَتِهِ مِمّا لا إثْمَ فِيهِ اسْتِجابَةً لِلسّائِلِ، ورُبَّما يَقَعُ السُّؤالُ عَلى الوَجْهِ المَحْظُورِ شَرْعًا فَيُظْهِرُ سُبْحانَهُ نَحْوَ ذَلِكَ مَكْرًا بِالسّائِلِ واسْتِدْراجًا لَهُ، ونَقَلَ الإمامُ في هَذا المَقامِ عَنِ الغَزالِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها ثُمَّ اتَّفَقَ إنْسانٌ مُشابِهٌ لِلْإنْسانِ الأوَّلِ في الرُّوحِ والبَدَنِ فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذا البَدَنِ حَتّى تَصِيرَ كالمُعاوِنَةِ لِلنَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ البَدَنِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ فَتُسَمّى تِلْكَ المُعاوَنَةُ إلْهامًا، ونَظِيرُهُ في جانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وسُوسَةٌ انْتَهى. ولَمْ أرَ ما يَشْهَدُ عَلى صِحَّتِهِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وكَلامِ سَلَفِ الأُمَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ نَفْسُهُ في المَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ اسْتِحالَةَ تَعَلُّقِ أكْثَرَ مِن نَفْسٍ بِبَدَنٍ واحِدٍ، وكَذا اسْتِحالَةَ تَعَلُّقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ بِأكْثَرَ مِن بَدَنٍ، ولَمْ يُتَعَقَّبْ ما نَقَلَهُ هُنا فَكَأنَّهُ فَهِمَ أنَّ التَّعَلُّقَ فِيهِ غَيْرُ التَّعَلُّقِ المُسْتَحِيلِ فَلا تَغْفُلْ، وقالَ في وجْهِ حَمْلِ المَذْكُوراتِ عَلى المَلائِكَةِ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَها صِفاتٌ سَلْبِيَّةٌ وصِفاتٌ إضافِيَّةٌ، أمّا الأُولى فَهي أنَّها مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والمَوْتِ والهَرَمِ والسَّقَمِ والتَّرْكِيبِ والأعْضاءِ والأخْلاطِ والأرْكانِ بَلْ هي جَواهِرُ رُوحانِيَّةٌ مُبَرَّأةٌ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ؛ «فالنّازِعاتِ غَرْقًا إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَنزُوعَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ نَزْعًا كُلِّيًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ عَلى أنَّ الصِّيغَةَ لِلنِّسْبَةِ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ خُرُوجَها عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ كَخُرُوجِ البَشَرِ عَلى سَبِيلِ الكُلْفَةِ والمَشَقَّةِ بَلْ بِمُقْتَضى الماهِيَّةِ، فالكَلِمَتانِ إشارَتانِ إلى تَعْرِيفِ أحْوالِهِمُ السَّلْبِيَّةِ، وأمّا صِفاتُهُمُ الإضافِيَّةُ فَهي قِسْمانِ: الأوَّلُ شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ وبَيانِ حالِهِمْ في مَعْرِفَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ سُبْحانَهُ والِاطِّلاعِ عَلى نُورِ جَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ فَوَصَفَهم سُبْحانَهُ في هَذا المَقامِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَهم يَسْبَحُونَ مِن أوَّلِ فِطْرَتِهِمْ في بِحارِ جَلالِهِ تَعالى ثُمَّ لا مُنْتَهى لِسَبْحِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا مُنْتَهى لِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ صَمَدِيَّتِهِ ونُورِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ فَهم أبَدًا في تِلْكَ السِّباحَةِ، وثانِيهِما ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ وهو إشارَةٌ إلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في دَرَجاتِ المَعْرِفَةِ وفي مَراتِبِ التَّجَلِّي، والثّانِي شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العامِلَةِ وبَيانِ حالِهِمْ فِيها فَوَصَفَهم سُبْحانَهُ في هَذا المَقامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ ولَمّا كانَ التَّدْبِيرُ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ العِلْمِ قَدَّمَ شَرْحَ القُوَّةِ العاقِلَةِ عَلى شَرْحِ القُوَّةِ العامِلَةِ» انْتَهى. وهو عَلى ما في بَعْضِهِ مِنَ المَنعِ لَيْسَ بِشَدِيدِ المُناسَبَةِ لِلْمَقامِ، ونَقَلَ غَيْرُ واحِدٍ أقْوالًا غَيْرَ ما ذُكِرَ في تَفْسِيرِ المَذْكُوراتِ فَعَنْ مُجاهِدٍ: «النّازِعاتُ» المَنايا تَنْزِعُ النُّفُوسَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلّامٍ أنَّها الوَحْشُ تَنْزِعُ إلى الكَلَأِ، وعَنِ الأوَّلِ تَفْسِيرُ «النّاشِطاتِ» بِالمَنايا أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ تَفْسِيرُها بِالبَقَرِ الوَحْشِيَّةِ وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَنْشَطُ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، وعَنْهُ أيْضًا تَفْسِيرُ «السّابِحاتِ» بِالسُّفُنِ، وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُها بِالمَنايا تَسْبَحُ في نُفُوسِ الحَيَوانِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرُها بِالسَّحابِ وعَنْ آخَرَ تَفْسِيرُها بِدَوابِّ البَحْرِ، وعَنْ بَعْضٍ تَفْسِيرُ «السّابِقاتِ» بِالمَنايا عَلى مَعْنى أنَّها تَسْبِقُ الآمالَ، وعَنْ غَيْرِ واحِدٍ تَفْسِيرُ «المُدَبِّراتِ» بِجِبْرِيلَ يُدَبِّرُ الرِّياحَ والجُنُودَ والوَحْيَ ومِيكالَ صفحة 26 يُدَبِّرُ القَطْرَ والنَّباتَ وعِزْرائِيلَ يُدَبِّرُ قَبْضَ الأرْواحِ وإسْرافِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ النّازِلَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يَنْزِلُ بِهِ ويُدَبِّرُ النَّفْخَ في الصُّورِ والأكْثَرُونَ تَفْسِيرُها بِالمَلائِكَةِ مُطْلَقًا، بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا أحْفَظُ خِلافًا في أنَّها المَلائِكَةُ ولَيْسَ في تَفْسِيرِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما أعْلَمُ وما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا هو المُرَجَّحُ عِنْدِي نَظَرًا لِلْمَقامِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النازعات 79:3

سُورَةُ النّازِعاتِ وتُسَمّى سُورَةَ السّاهِرَةِ والطّامَّةِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وعَدَدُ آيِها سِتٌّ وأرْبَعُونَ في الكُوفِيِّ وخَمْسٌ وأرْبَعُونَ في غَيْرِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ سُورَةِ عَمَّ، وأوَّلُها يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا لِتَحْقِيقِ ما في آخِرِ عَمَّ أوْ ما تَضَمَّنَتْهُ كُلُّها، وفي البَحْرِ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في آخِرِ ما قَبْلَها الإنْذارَ بِالعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ أقْسَمَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ عَلى البَعْثِ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: صفحة 23 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِطَوائِفَ مِن مَلائِكَةِ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ عَلى الإطْلاقِ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، أوْ أرْواحِ الكَفَرَةِ عَلى ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وجُوَيْبِرٌ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الحَبْرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ ويُنْشِطُونَها؛ أيْ: يُخْرِجُونَها مِنَ الأجْسادِ مِن نَشِطَ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ إذا أخْرَجَها ويَسْبَحُونَ في إخْراجِها سَبْحَ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ البَحْرِ ما يُخْرِجُ فَيَسْبِقُونَ ويُسْرِعُونَ بِأرْواحِ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَ عِقابِها وثَوابِها؛ بِأنْ يُهَيِّئُوها لِإدْراكِ ما أُعِدَّ لَها مِنَ الآلامِ واللَّذّاتِ، ومالَ بَعْضُهم إلى تَخْصِيصِ النَّزْعِ بِأرْواحِ الكُفّارِ، والنَّشْطِ والسَّبْحِ بِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ النَّزْعَ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، وقَدْ أُرْدِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَرْقًا﴾ وهو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ؛ أيْ: إغْراقًا في النَّزْعِ مِن أقاصِي الأجْسادِ، وقِيلَ: هو نَوْعٌ، والنَّزْعُ جِنْسٌ؛ أيْ: في هَذا المَحَلِّ، وذَلِكَ أنْسَبُ بِالكُفّارِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَنْزِعُ المَلائِكَةُ رُوحَ الكُفّارِ مِن جَسَدِهِ مِن تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ ومِن تَحْتِ الأظافِرِ وأُصُولِ القَدَمَيْنِ ثُمَّ تُغْرِقُها في جَسَدِهِ ثُمَّ تَنْزِعُها حَتّى إذا كادَتْ تَخْرُجُ يَرُدُّها في جَسَدِهِ وهَكَذا مِرارًا فَهَذا عَمَلُها في الكُفّارِ، والنَّشْطُ الإخْراجُ بِرِفْقٍ وسُهُولَةٍ وهو أنْسَبُ بِالمُؤْمِنِينَ وكَذا السَّبْحُ ظاهِرٌ في التَّحَرُّكِ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ، قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّ المَلائِكَةَ يَسَلُّونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ سَلًّا رَقِيقًا ثُمَّ يَتْرُكُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ رُوَيْدًا ثُمَّ يَسْتَخْرِجُونَها بِرِفْقٍ ولُطْفٍ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ فَإنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِرِفْقٍ لِئَلّا يَغْرَقَ فَهم يَرْفُقُونَ في ذَلِكَ الِاسْتِخْراجِ لِئَلّا يَصِلَ إلى المُؤْمِنِ ألَمٌ وشِدَّةٌ، وفي التّاجِ إنَّ النَّشْطَ حَلُّ العُقْدَةِ بِرِفْقٍ، ويُقالُ كَما في البَحْرِ: أنْشَطْتُ العِقالَ ونَشَّطْتُهُ إذا مَدَدْتَ أُنْشُوطَتَهُ فانْحَلَّتْ، والأُنْشُوطَةُ عُقْدَةٌ يَسْهُلُ انْحِلالُها إذا جُذِبَتْ كَعُقْدَةِ التِّكَّةِ، فَإذا جَعَلْتَ النّاشِطاتِ مِنَ النَّشْطِ بِهَذا المَعْنى كانَ أوْفَقَ لِلْإشارَةِ إلى الرِّفْقِ والعَطْفِ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ لِتَنْزِيلِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَعْدُودَةِ مِن مُعَظَّماتِ الأُمُورِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلى حِيالِهِ مُناطًا لِاسْتِحْقاقٍ مَوْصُوفَةٍ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ مِن غَيْرِ انْضِمامِ الأوْصافِ الأُخَرِ إلَيْهِ، ولَوْ جَعَلْتَ النّازِعاتِ مَلائِكَةَ العَذابِ والنّاشِطاتِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ كانَ العَطْفُ لِلتَّغايُرِ الذّاتِيِّ عَلى ما هو الأصْلُ، والفاءُ في الأخِيرَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِما عَلى ما قَبْلَهُما بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، وانْتِصابُ «نَشْطًا، وسَبْحًا، وسَبْقًا» عَلى المَصْدَرِيَّةِ كانْتِصابِ «غَرْقًا» وأمّا انْتِصابُ «أمْرًا» فَعَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْمُدَبِّراتِ لا عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ بِأمْرٍ مِنهُ تَعالى كَما قِيلَ، وزُعِمَ أنَّهُ الأوْلى وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «غَرْقًا» مَصْدَرًا مُؤَوَّلًا بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أيْضًا لِلنّازِعاتِ أوْ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِهِ لَها؛ أيْ: نُفُوسًا غَرِقَةً في الأجْسادِ. وحَمَلَ بَعْضُهم غَرْقَها فِيها بِشِدَّةِ تَعَلُّقِها بِها وغَلَبَةِ صِفاتِها عَلَيْها، وكَأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى تَجَرُّدِ الأرْواحِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ وبَعْضُ أجِلَّةِ المُسْلِمِينَ، هَذا ولَمْ نَقِفْ عَلى نَصٍّ في أنَّ المَلائِكَةَ حالَ قَبْضِ الأرْواحِ وإخْراجِها هَلْ يَدْخُلُونَ في الأجْسادِ أمْ لا، وظاهِرُ تَفْسِيرِ «النّاشِطاتِ» أنَّهم حالَةَ النَّزْعِ خارِجَ الجَسَدِ كالواقِفِ «والسّابِحاتِ» دُخُولُهم فِيهِ لِإخْراجِها عَلى ما قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّبْحَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِهِ مُجَرَّدُ الِاتِّصالِ ونَحْوِهِ مِمّا لا تَوَقُّفَ لَهُ عَلى الدُّخُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسّابِحاتِ وما بَعْدَها طَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْبَحُونَ في مُضِيِّهِمْ فَيَسْبِقُونَ فِيهِ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَهُ مِن كَيْفِيَّتِهِ وما لا بُدَّ مِنهُ فِيهِ، ويَعُمُّ ذَلِكَ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةَ العَذابِ، والعَطْفُ عَلَيْهِ لِتَغايُرِ المَوْصُوفاتِ كالصِّفاتِ، وأيًّا ما كانَ صفحة 24 فَجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ ويَلُوحُ إلَيْهِ الأقْسامُ المَذْكُورَةُ، والتَّقْدِيرُ: «والنّازِعاتِ» إلَخْ لَتُبْعَثُنَّ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّجُومِ السَّيّارَةِ الَّتِي تَنْزِعُ أيْ تَسِيرُ مِن نَزْعِ الفَرَسِ إذا جَرى مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ غَرَقًا في النَّزْعِ وجِدًّا في السَّيْرِ بِأنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ عَلى ما يَبْدُو لِلنّاسِ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ وتَنْشَطَ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ أيْ تَخْرُجَ مِن نَشْطِ الثَّوْرِ إذا خَرَجَ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ هِمْيانَ بْنِ قُحافَةَ: أرى هُمُومِي تَنْشِطُ المَناشِطا الشّامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطا وتَسْبَحُ في الفَلَكِ فَيَسْبِقُ بَعْضُها في السَّيْرِ لِكَوْنِهِ أسْرَعَ حَرَكَةً فَتُدَبِّرُ أمْرًا نِيطَ بِها كاخْتِلافِ الفُصُولِ وتَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ وظُهُورِ مَواقِيتِ العِباداتِ والمُعامَلاتِ المُؤَجَّلَةِ، ولَمّا كانَتْ حَرَكاتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ سَرِيعَةً قَسْرِيَّةً وتابِعَةً لِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ ضَرُورَةً، وحَرَكاتُها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ بِإرادَتِها مِن غَيْرِ قَسْرٍ لَها وهي غَيْرُ سَرِيعَةٍ أُطْلِقَ عَلى الأُولى النَّزْعَ؛ لِأنَّهُ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، وعَلى الثّانِيَةِ النَّشْطُ لِأنَّهُ بِرِفْقٍ ورَوِيٍّ حُمِلَ «النّازِعاتُ» عَلى النُّجُومِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والأخْفَشِ وابْنِ كَيْسانَ وأبِي عُبَيْدَةَ، وحُمِلَ النّاشِطاتُ عَلَيْها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وحُمِلَ «السّابِحاتُ» عَلَيْها عَنِ الأوَّلَيْنِ، وحَمَلَها أبُو رَوْقٍ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ مِنها، والمُدَبِّراتِ عَلَيْها مِن مَعاذٍ، وإضافَةُ التَّدْبِيرِ إلَيْها مَجازٌ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّفُوسِ الفاضِلَةِ حالَةَ المُفارَقَةِ لا بُدَّ أنَّها بِالمَوْتِ فَإنَّها تَنْزِعُ عَنِ الأبْدانِ غَرْقًا؛ أيْ نَزْعًا شَدِيدًا مِن أغْرَقَ النّازِعُ في القَوْسِ إذا بَلَغَ غايَةَ المَدى حَتّى يَنْتَهِيَ إلى النَّصْلِ لِعُسْرِ مُفارَقَتِها إيّاها حَيْثُ ألِفْنَهُ وكانَ مَطِيَّةً لَها لِاكْتِسابِ الخَيْرِ ومَظِنَّةً لِازْدِيادِهِ فَتَنْشَطُ شَوْقًا إلى عالَمِ المَلَكُوتِ وتَسْبَحُ بِهِ فَتَسْبِقُ بِهِ إلى حَظائِرِ القُدْسِ فَتَصِيرُ لِشَرَفِها وقُوَّتِها مِنَ المُدَبِّراتِ أيْ مُلْحَقَةً بِالمَلائِكَةِ أوْ تَصْلُحُ هي لِأنْ تَكُونَ مُدَبِّرَةً كَما قالَ الإمامُ إنَّها بَعْدَ المُفارَقَةِ قَدْ تَظْهَرُ لَها آثارٌ وأحْوالٌ في هَذا العالَمِ فَقَدْ يَرى المَرْءُ شَيْخَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيُرْشِدُهُ لِما يُهِمُّهُ، وقَدْ نُقِلَ عَنْ جالِينُوسَ أنَّهُ مَرِضَ مَرَضًا عَجَزَ عَنْ عِلاجِهِ الحُكَماءُ فَوُصِفَ لَهُ في مَنامِهِ عِلاجُهُ فَأفاقَ وفَعَلَهُ فَأفاقَ وقَدْ ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ ولِذا قِيلَ: ولَيْسَ بِحَدِيثٍ كَما تُوُهِّمَ. «إذا تَحَيَّرْتُمْ في الأُمُورِ فاسْتَعِينُوا مِن أصْحابِ القُبُورِ» أيْ: أصْحابِ النُّفُوسِ الفاضِلَةِ المُتَوَفَّيْنَ، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَحْصُلُ لِزائِرِهِمْ مَدَدٌ رُوحانِيٌّ بِبَرَكَتِهِمْ، وكَثِيرًا ما تَنْحَلُّ عُقَدُ الأُمُورِ بِأنامِلِ التَّوَسُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى بِحُرْمَتِهِمْ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الأحْياءِ مِنهُمُ المُمْتَثِلِينَ أمْرَ مُوتُوا وقَبْلَ أنْ تَمُوتُوا، وتَفْسِيرُ «النّازِعاتِ» بِالنُّفُوسِ مَرْوِيٌّ عَنِ السُّدِّيِّ إلّا أنَّهُ قالَ: هي جَماعَةُ النُّفُوسِ تَنْزِعُ بِالمَوْتِ إلى رَبِّها «والنّاشِطاتِ» بِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: هِيَ النُّفُوسُ المُؤْمِنَةُ تَنْشَطُ عِنْدَ المَوْتِ لِلْخُرُوجِ والسّابِقاتُ بِها عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إلّا أنَّهُ قالَ: هي أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ تَسْبِقُ إلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَها وقَدْ عايَنَتِ السُّرُورَ شَوْقًا إلى لِقاءِ اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّفُوسِ حالَ سُلُوكِها وتَطْهِيرِ ظاهِرِها وباطِنِها بِالِاجْتِهادِ في العِبادَةِ والتَّرَقِّي في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ فَإنَّها تَنْزِعُ عَنِ الشَّهَواتِ وتَنْشَطُ إلى عالَمِ القُدْسِ فَتَسْبَحُ في مَراتِبِ الِارْتِقاءِ فَتَسْبِقُ إلى الكَمالاتِ حَتّى تَصِيرَ مِنَ المُكَمِّلاتِ لِلنُّفُوسِ النّاقِصَةِ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِأنْفُسِ الغُزاةِ أوْ أيْدِيهِمْ تَنْزِعُ القِسِيَّ بِإغْراقِ السِّهامِ وتَنْشَطُ بِالسَّهْمِ لِلرَّمْيِ وتَسْبَحُ في البَرِّ والبَحْرِ فَتَسْبِقُ إلى حَرْبِ العَدُوِّ فَتُدَبِّرْ أمْرَها، وإسْنادُ السَّبْحِ وما بَعْدَهُ إلى الأيْدِي عَلَيْهِ مَجازٌ لِلْمُلابَسَةِ، وحَمْلُ ( النّازِعاتِ ) عَلى الغُزاةِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ إلّا أنَّهُ قالَ: هي النّازِعاتُ بِالقِسِيِّ وغَيْرِها، وقِيلَ: بِصِفاتِ خَيْلِهِمْ فَإنَّها تَنْزِعُ في أعِنَّتِها غَرْقًا أيْ تَمُدُّ أعِنَّتَها مَدًّا قَوِيًّا حَتّى تُلْصِقَها بِالأعْناقِ مِن غَيْرِ ارْتِخائِها فَتَصِيرُ كَأنَّها انْغَمَسَتْ فِيها، وتَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الكُفْرِ وتَسْبَحُ في جَرْيِها فَتَسْبِقُ إلى العَدُوِّ فَتُدَبِّرُ أمْرَ الظَّفَرِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها إسْنادٌ إلى السَّبَبِ، وحَمْلُ «السّابِحاتِ» عَلى الخَيْلِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا وجَماعَةٍ، ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ هَذِهِ الأقْوالِ لا يَلِيقُ بِشَأْنِ جَزالَةِ التَّنْزِيلِ ولَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ مُناسِبَةٌ لِلْمَقامِ ومِنها ما فِيهِ قَوْلٌ بِما عَلَيْهِ أهْلُ الهَيْئَةِ المُتَقَدِّمُونَ صفحة 25 مِنَ الحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ لِلْكَوْكَبِ وهي حَرَكَتُهُ الخاصَّةُ ونَحْوُها مِمّا لَيْسَ في كَلامِ السَّلَفِ ولَمْ يَتِمَّ عَلَيْهِ بِرِهانٌ؛ ولِذا قالَ بِخِلافِهِ المُحْدَثُونَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وفي حَمْلِ «المُدَبِّراتِ» عَلى النُّجُومِ إيهامُ صِحَّةِ ما يَزْعُمُهُ أهْلُ الأحْكامِ وجَهَلَةُ المُنَجِّمِينَ وهو باطِلٌ عَقْلًا ونَقْلًا كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ وكَذا في حَمْلِها عَلى النُّفُوسِ الفاضِلَةِ المُفارِقَةِ إيهامُ صِحَّةِ ما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِن سَخَفَةِ العُقُولِ مِن أنَّ الأوْلِياءَ يَتَصَرَّفُونَ بَعْدَ وفاتِهِمْ بِنَحْوِ شِفاءِ المَرِيضِ وإنْقاذِ الغَرِيقِ والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ، ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِخَمْسَةٍ مِنَ الأوْلِياءِ، والكُلُّ جَهْلٌ وإنْ كانَ الثّانِي أشَدَّ جَهْلًا، نَعَمْ لا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُكْرِمُ مَن شاءَ مِن أوْلِيائِهِ بَعْدَ المَوْتِ كَما يُكْرِمُهُ قَبْلَهُ بِما شاءَ فَيُبْرِئُ سُبْحانَهُ المَرِيضَ ويُنْقِذُ الغَرِيقَ ويَنْصُرُ عَلى العَدُوِّ ويُنْزِلُ الغَيْثَ وكَيْتَ وكَيْتَ كَرامَةً لَهُ ورُبَّما يُظْهِرُ عَزَّ وجَلَّ مَن يُشْبِهُهُ صُورَةً فَتَفْعَلُ ما سُئِلَ اللَّهُ تَعالى بِحُرْمَتِهِ مِمّا لا إثْمَ فِيهِ اسْتِجابَةً لِلسّائِلِ، ورُبَّما يَقَعُ السُّؤالُ عَلى الوَجْهِ المَحْظُورِ شَرْعًا فَيُظْهِرُ سُبْحانَهُ نَحْوَ ذَلِكَ مَكْرًا بِالسّائِلِ واسْتِدْراجًا لَهُ، ونَقَلَ الإمامُ في هَذا المَقامِ عَنِ الغَزالِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها ثُمَّ اتَّفَقَ إنْسانٌ مُشابِهٌ لِلْإنْسانِ الأوَّلِ في الرُّوحِ والبَدَنِ فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذا البَدَنِ حَتّى تَصِيرَ كالمُعاوِنَةِ لِلنَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ البَدَنِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ فَتُسَمّى تِلْكَ المُعاوَنَةُ إلْهامًا، ونَظِيرُهُ في جانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وسُوسَةٌ انْتَهى. ولَمْ أرَ ما يَشْهَدُ عَلى صِحَّتِهِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وكَلامِ سَلَفِ الأُمَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ نَفْسُهُ في المَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ اسْتِحالَةَ تَعَلُّقِ أكْثَرَ مِن نَفْسٍ بِبَدَنٍ واحِدٍ، وكَذا اسْتِحالَةَ تَعَلُّقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ بِأكْثَرَ مِن بَدَنٍ، ولَمْ يُتَعَقَّبْ ما نَقَلَهُ هُنا فَكَأنَّهُ فَهِمَ أنَّ التَّعَلُّقَ فِيهِ غَيْرُ التَّعَلُّقِ المُسْتَحِيلِ فَلا تَغْفُلْ، وقالَ في وجْهِ حَمْلِ المَذْكُوراتِ عَلى المَلائِكَةِ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَها صِفاتٌ سَلْبِيَّةٌ وصِفاتٌ إضافِيَّةٌ، أمّا الأُولى فَهي أنَّها مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والمَوْتِ والهَرَمِ والسَّقَمِ والتَّرْكِيبِ والأعْضاءِ والأخْلاطِ والأرْكانِ بَلْ هي جَواهِرُ رُوحانِيَّةٌ مُبَرَّأةٌ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ؛ «فالنّازِعاتِ غَرْقًا إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَنزُوعَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ نَزْعًا كُلِّيًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ عَلى أنَّ الصِّيغَةَ لِلنِّسْبَةِ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ خُرُوجَها عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ كَخُرُوجِ البَشَرِ عَلى سَبِيلِ الكُلْفَةِ والمَشَقَّةِ بَلْ بِمُقْتَضى الماهِيَّةِ، فالكَلِمَتانِ إشارَتانِ إلى تَعْرِيفِ أحْوالِهِمُ السَّلْبِيَّةِ، وأمّا صِفاتُهُمُ الإضافِيَّةُ فَهي قِسْمانِ: الأوَّلُ شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ وبَيانِ حالِهِمْ في مَعْرِفَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ سُبْحانَهُ والِاطِّلاعِ عَلى نُورِ جَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ فَوَصَفَهم سُبْحانَهُ في هَذا المَقامِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَهم يَسْبَحُونَ مِن أوَّلِ فِطْرَتِهِمْ في بِحارِ جَلالِهِ تَعالى ثُمَّ لا مُنْتَهى لِسَبْحِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا مُنْتَهى لِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ صَمَدِيَّتِهِ ونُورِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ فَهم أبَدًا في تِلْكَ السِّباحَةِ، وثانِيهِما ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ وهو إشارَةٌ إلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في دَرَجاتِ المَعْرِفَةِ وفي مَراتِبِ التَّجَلِّي، والثّانِي شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العامِلَةِ وبَيانِ حالِهِمْ فِيها فَوَصَفَهم سُبْحانَهُ في هَذا المَقامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ ولَمّا كانَ التَّدْبِيرُ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ العِلْمِ قَدَّمَ شَرْحَ القُوَّةِ العاقِلَةِ عَلى شَرْحِ القُوَّةِ العامِلَةِ» انْتَهى. وهو عَلى ما في بَعْضِهِ مِنَ المَنعِ لَيْسَ بِشَدِيدِ المُناسَبَةِ لِلْمَقامِ، ونَقَلَ غَيْرُ واحِدٍ أقْوالًا غَيْرَ ما ذُكِرَ في تَفْسِيرِ المَذْكُوراتِ فَعَنْ مُجاهِدٍ: «النّازِعاتُ» المَنايا تَنْزِعُ النُّفُوسَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلّامٍ أنَّها الوَحْشُ تَنْزِعُ إلى الكَلَأِ، وعَنِ الأوَّلِ تَفْسِيرُ «النّاشِطاتِ» بِالمَنايا أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ تَفْسِيرُها بِالبَقَرِ الوَحْشِيَّةِ وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَنْشَطُ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، وعَنْهُ أيْضًا تَفْسِيرُ «السّابِحاتِ» بِالسُّفُنِ، وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُها بِالمَنايا تَسْبَحُ في نُفُوسِ الحَيَوانِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرُها بِالسَّحابِ وعَنْ آخَرَ تَفْسِيرُها بِدَوابِّ البَحْرِ، وعَنْ بَعْضٍ تَفْسِيرُ «السّابِقاتِ» بِالمَنايا عَلى مَعْنى أنَّها تَسْبِقُ الآمالَ، وعَنْ غَيْرِ واحِدٍ تَفْسِيرُ «المُدَبِّراتِ» بِجِبْرِيلَ يُدَبِّرُ الرِّياحَ والجُنُودَ والوَحْيَ ومِيكالَ صفحة 26 يُدَبِّرُ القَطْرَ والنَّباتَ وعِزْرائِيلَ يُدَبِّرُ قَبْضَ الأرْواحِ وإسْرافِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ النّازِلَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يَنْزِلُ بِهِ ويُدَبِّرُ النَّفْخَ في الصُّورِ والأكْثَرُونَ تَفْسِيرُها بِالمَلائِكَةِ مُطْلَقًا، بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا أحْفَظُ خِلافًا في أنَّها المَلائِكَةُ ولَيْسَ في تَفْسِيرِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما أعْلَمُ وما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا هو المُرَجَّحُ عِنْدِي نَظَرًا لِلْمَقامِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النازعات 79:4

سُورَةُ النّازِعاتِ وتُسَمّى سُورَةَ السّاهِرَةِ والطّامَّةِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وعَدَدُ آيِها سِتٌّ وأرْبَعُونَ في الكُوفِيِّ وخَمْسٌ وأرْبَعُونَ في غَيْرِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ سُورَةِ عَمَّ، وأوَّلُها يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا لِتَحْقِيقِ ما في آخِرِ عَمَّ أوْ ما تَضَمَّنَتْهُ كُلُّها، وفي البَحْرِ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في آخِرِ ما قَبْلَها الإنْذارَ بِالعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ أقْسَمَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ عَلى البَعْثِ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: صفحة 23 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِطَوائِفَ مِن مَلائِكَةِ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ عَلى الإطْلاقِ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، أوْ أرْواحِ الكَفَرَةِ عَلى ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وجُوَيْبِرٌ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الحَبْرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ ويُنْشِطُونَها؛ أيْ: يُخْرِجُونَها مِنَ الأجْسادِ مِن نَشِطَ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ إذا أخْرَجَها ويَسْبَحُونَ في إخْراجِها سَبْحَ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ البَحْرِ ما يُخْرِجُ فَيَسْبِقُونَ ويُسْرِعُونَ بِأرْواحِ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَ عِقابِها وثَوابِها؛ بِأنْ يُهَيِّئُوها لِإدْراكِ ما أُعِدَّ لَها مِنَ الآلامِ واللَّذّاتِ، ومالَ بَعْضُهم إلى تَخْصِيصِ النَّزْعِ بِأرْواحِ الكُفّارِ، والنَّشْطِ والسَّبْحِ بِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ النَّزْعَ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، وقَدْ أُرْدِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَرْقًا﴾ وهو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ؛ أيْ: إغْراقًا في النَّزْعِ مِن أقاصِي الأجْسادِ، وقِيلَ: هو نَوْعٌ، والنَّزْعُ جِنْسٌ؛ أيْ: في هَذا المَحَلِّ، وذَلِكَ أنْسَبُ بِالكُفّارِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَنْزِعُ المَلائِكَةُ رُوحَ الكُفّارِ مِن جَسَدِهِ مِن تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ ومِن تَحْتِ الأظافِرِ وأُصُولِ القَدَمَيْنِ ثُمَّ تُغْرِقُها في جَسَدِهِ ثُمَّ تَنْزِعُها حَتّى إذا كادَتْ تَخْرُجُ يَرُدُّها في جَسَدِهِ وهَكَذا مِرارًا فَهَذا عَمَلُها في الكُفّارِ، والنَّشْطُ الإخْراجُ بِرِفْقٍ وسُهُولَةٍ وهو أنْسَبُ بِالمُؤْمِنِينَ وكَذا السَّبْحُ ظاهِرٌ في التَّحَرُّكِ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ، قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّ المَلائِكَةَ يَسَلُّونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ سَلًّا رَقِيقًا ثُمَّ يَتْرُكُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ رُوَيْدًا ثُمَّ يَسْتَخْرِجُونَها بِرِفْقٍ ولُطْفٍ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ فَإنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِرِفْقٍ لِئَلّا يَغْرَقَ فَهم يَرْفُقُونَ في ذَلِكَ الِاسْتِخْراجِ لِئَلّا يَصِلَ إلى المُؤْمِنِ ألَمٌ وشِدَّةٌ، وفي التّاجِ إنَّ النَّشْطَ حَلُّ العُقْدَةِ بِرِفْقٍ، ويُقالُ كَما في البَحْرِ: أنْشَطْتُ العِقالَ ونَشَّطْتُهُ إذا مَدَدْتَ أُنْشُوطَتَهُ فانْحَلَّتْ، والأُنْشُوطَةُ عُقْدَةٌ يَسْهُلُ انْحِلالُها إذا جُذِبَتْ كَعُقْدَةِ التِّكَّةِ، فَإذا جَعَلْتَ النّاشِطاتِ مِنَ النَّشْطِ بِهَذا المَعْنى كانَ أوْفَقَ لِلْإشارَةِ إلى الرِّفْقِ والعَطْفِ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ لِتَنْزِيلِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَعْدُودَةِ مِن مُعَظَّماتِ الأُمُورِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلى حِيالِهِ مُناطًا لِاسْتِحْقاقٍ مَوْصُوفَةٍ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ مِن غَيْرِ انْضِمامِ الأوْصافِ الأُخَرِ إلَيْهِ، ولَوْ جَعَلْتَ النّازِعاتِ مَلائِكَةَ العَذابِ والنّاشِطاتِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ كانَ العَطْفُ لِلتَّغايُرِ الذّاتِيِّ عَلى ما هو الأصْلُ، والفاءُ في الأخِيرَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِما عَلى ما قَبْلَهُما بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، وانْتِصابُ «نَشْطًا، وسَبْحًا، وسَبْقًا» عَلى المَصْدَرِيَّةِ كانْتِصابِ «غَرْقًا» وأمّا انْتِصابُ «أمْرًا» فَعَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْمُدَبِّراتِ لا عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ بِأمْرٍ مِنهُ تَعالى كَما قِيلَ، وزُعِمَ أنَّهُ الأوْلى وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «غَرْقًا» مَصْدَرًا مُؤَوَّلًا بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أيْضًا لِلنّازِعاتِ أوْ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِهِ لَها؛ أيْ: نُفُوسًا غَرِقَةً في الأجْسادِ. وحَمَلَ بَعْضُهم غَرْقَها فِيها بِشِدَّةِ تَعَلُّقِها بِها وغَلَبَةِ صِفاتِها عَلَيْها، وكَأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى تَجَرُّدِ الأرْواحِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ وبَعْضُ أجِلَّةِ المُسْلِمِينَ، هَذا ولَمْ نَقِفْ عَلى نَصٍّ في أنَّ المَلائِكَةَ حالَ قَبْضِ الأرْواحِ وإخْراجِها هَلْ يَدْخُلُونَ في الأجْسادِ أمْ لا، وظاهِرُ تَفْسِيرِ «النّاشِطاتِ» أنَّهم حالَةَ النَّزْعِ خارِجَ الجَسَدِ كالواقِفِ «والسّابِحاتِ» دُخُولُهم فِيهِ لِإخْراجِها عَلى ما قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّبْحَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِهِ مُجَرَّدُ الِاتِّصالِ ونَحْوِهِ مِمّا لا تَوَقُّفَ لَهُ عَلى الدُّخُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسّابِحاتِ وما بَعْدَها طَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْبَحُونَ في مُضِيِّهِمْ فَيَسْبِقُونَ فِيهِ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَهُ مِن كَيْفِيَّتِهِ وما لا بُدَّ مِنهُ فِيهِ، ويَعُمُّ ذَلِكَ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةَ العَذابِ، والعَطْفُ عَلَيْهِ لِتَغايُرِ المَوْصُوفاتِ كالصِّفاتِ، وأيًّا ما كانَ صفحة 24 فَجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ ويَلُوحُ إلَيْهِ الأقْسامُ المَذْكُورَةُ، والتَّقْدِيرُ: «والنّازِعاتِ» إلَخْ لَتُبْعَثُنَّ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّجُومِ السَّيّارَةِ الَّتِي تَنْزِعُ أيْ تَسِيرُ مِن نَزْعِ الفَرَسِ إذا جَرى مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ غَرَقًا في النَّزْعِ وجِدًّا في السَّيْرِ بِأنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ عَلى ما يَبْدُو لِلنّاسِ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ وتَنْشَطَ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ أيْ تَخْرُجَ مِن نَشْطِ الثَّوْرِ إذا خَرَجَ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ هِمْيانَ بْنِ قُحافَةَ: أرى هُمُومِي تَنْشِطُ المَناشِطا الشّامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطا وتَسْبَحُ في الفَلَكِ فَيَسْبِقُ بَعْضُها في السَّيْرِ لِكَوْنِهِ أسْرَعَ حَرَكَةً فَتُدَبِّرُ أمْرًا نِيطَ بِها كاخْتِلافِ الفُصُولِ وتَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ وظُهُورِ مَواقِيتِ العِباداتِ والمُعامَلاتِ المُؤَجَّلَةِ، ولَمّا كانَتْ حَرَكاتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ سَرِيعَةً قَسْرِيَّةً وتابِعَةً لِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ ضَرُورَةً، وحَرَكاتُها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ بِإرادَتِها مِن غَيْرِ قَسْرٍ لَها وهي غَيْرُ سَرِيعَةٍ أُطْلِقَ عَلى الأُولى النَّزْعَ؛ لِأنَّهُ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، وعَلى الثّانِيَةِ النَّشْطُ لِأنَّهُ بِرِفْقٍ ورَوِيٍّ حُمِلَ «النّازِعاتُ» عَلى النُّجُومِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والأخْفَشِ وابْنِ كَيْسانَ وأبِي عُبَيْدَةَ، وحُمِلَ النّاشِطاتُ عَلَيْها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وحُمِلَ «السّابِحاتُ» عَلَيْها عَنِ الأوَّلَيْنِ، وحَمَلَها أبُو رَوْقٍ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ مِنها، والمُدَبِّراتِ عَلَيْها مِن مَعاذٍ، وإضافَةُ التَّدْبِيرِ إلَيْها مَجازٌ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّفُوسِ الفاضِلَةِ حالَةَ المُفارَقَةِ لا بُدَّ أنَّها بِالمَوْتِ فَإنَّها تَنْزِعُ عَنِ الأبْدانِ غَرْقًا؛ أيْ نَزْعًا شَدِيدًا مِن أغْرَقَ النّازِعُ في القَوْسِ إذا بَلَغَ غايَةَ المَدى حَتّى يَنْتَهِيَ إلى النَّصْلِ لِعُسْرِ مُفارَقَتِها إيّاها حَيْثُ ألِفْنَهُ وكانَ مَطِيَّةً لَها لِاكْتِسابِ الخَيْرِ ومَظِنَّةً لِازْدِيادِهِ فَتَنْشَطُ شَوْقًا إلى عالَمِ المَلَكُوتِ وتَسْبَحُ بِهِ فَتَسْبِقُ بِهِ إلى حَظائِرِ القُدْسِ فَتَصِيرُ لِشَرَفِها وقُوَّتِها مِنَ المُدَبِّراتِ أيْ مُلْحَقَةً بِالمَلائِكَةِ أوْ تَصْلُحُ هي لِأنْ تَكُونَ مُدَبِّرَةً كَما قالَ الإمامُ إنَّها بَعْدَ المُفارَقَةِ قَدْ تَظْهَرُ لَها آثارٌ وأحْوالٌ في هَذا العالَمِ فَقَدْ يَرى المَرْءُ شَيْخَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيُرْشِدُهُ لِما يُهِمُّهُ، وقَدْ نُقِلَ عَنْ جالِينُوسَ أنَّهُ مَرِضَ مَرَضًا عَجَزَ عَنْ عِلاجِهِ الحُكَماءُ فَوُصِفَ لَهُ في مَنامِهِ عِلاجُهُ فَأفاقَ وفَعَلَهُ فَأفاقَ وقَدْ ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ ولِذا قِيلَ: ولَيْسَ بِحَدِيثٍ كَما تُوُهِّمَ. «إذا تَحَيَّرْتُمْ في الأُمُورِ فاسْتَعِينُوا مِن أصْحابِ القُبُورِ» أيْ: أصْحابِ النُّفُوسِ الفاضِلَةِ المُتَوَفَّيْنَ، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَحْصُلُ لِزائِرِهِمْ مَدَدٌ رُوحانِيٌّ بِبَرَكَتِهِمْ، وكَثِيرًا ما تَنْحَلُّ عُقَدُ الأُمُورِ بِأنامِلِ التَّوَسُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى بِحُرْمَتِهِمْ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الأحْياءِ مِنهُمُ المُمْتَثِلِينَ أمْرَ مُوتُوا وقَبْلَ أنْ تَمُوتُوا، وتَفْسِيرُ «النّازِعاتِ» بِالنُّفُوسِ مَرْوِيٌّ عَنِ السُّدِّيِّ إلّا أنَّهُ قالَ: هي جَماعَةُ النُّفُوسِ تَنْزِعُ بِالمَوْتِ إلى رَبِّها «والنّاشِطاتِ» بِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: هِيَ النُّفُوسُ المُؤْمِنَةُ تَنْشَطُ عِنْدَ المَوْتِ لِلْخُرُوجِ والسّابِقاتُ بِها عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إلّا أنَّهُ قالَ: هي أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ تَسْبِقُ إلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَها وقَدْ عايَنَتِ السُّرُورَ شَوْقًا إلى لِقاءِ اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّفُوسِ حالَ سُلُوكِها وتَطْهِيرِ ظاهِرِها وباطِنِها بِالِاجْتِهادِ في العِبادَةِ والتَّرَقِّي في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ فَإنَّها تَنْزِعُ عَنِ الشَّهَواتِ وتَنْشَطُ إلى عالَمِ القُدْسِ فَتَسْبَحُ في مَراتِبِ الِارْتِقاءِ فَتَسْبِقُ إلى الكَمالاتِ حَتّى تَصِيرَ مِنَ المُكَمِّلاتِ لِلنُّفُوسِ النّاقِصَةِ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِأنْفُسِ الغُزاةِ أوْ أيْدِيهِمْ تَنْزِعُ القِسِيَّ بِإغْراقِ السِّهامِ وتَنْشَطُ بِالسَّهْمِ لِلرَّمْيِ وتَسْبَحُ في البَرِّ والبَحْرِ فَتَسْبِقُ إلى حَرْبِ العَدُوِّ فَتُدَبِّرْ أمْرَها، وإسْنادُ السَّبْحِ وما بَعْدَهُ إلى الأيْدِي عَلَيْهِ مَجازٌ لِلْمُلابَسَةِ، وحَمْلُ ( النّازِعاتِ ) عَلى الغُزاةِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ إلّا أنَّهُ قالَ: هي النّازِعاتُ بِالقِسِيِّ وغَيْرِها، وقِيلَ: بِصِفاتِ خَيْلِهِمْ فَإنَّها تَنْزِعُ في أعِنَّتِها غَرْقًا أيْ تَمُدُّ أعِنَّتَها مَدًّا قَوِيًّا حَتّى تُلْصِقَها بِالأعْناقِ مِن غَيْرِ ارْتِخائِها فَتَصِيرُ كَأنَّها انْغَمَسَتْ فِيها، وتَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الكُفْرِ وتَسْبَحُ في جَرْيِها فَتَسْبِقُ إلى العَدُوِّ فَتُدَبِّرُ أمْرَ الظَّفَرِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها إسْنادٌ إلى السَّبَبِ، وحَمْلُ «السّابِحاتِ» عَلى الخَيْلِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا وجَماعَةٍ، ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ هَذِهِ الأقْوالِ لا يَلِيقُ بِشَأْنِ جَزالَةِ التَّنْزِيلِ ولَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ مُناسِبَةٌ لِلْمَقامِ ومِنها ما فِيهِ قَوْلٌ بِما عَلَيْهِ أهْلُ الهَيْئَةِ المُتَقَدِّمُونَ صفحة 25 مِنَ الحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ لِلْكَوْكَبِ وهي حَرَكَتُهُ الخاصَّةُ ونَحْوُها مِمّا لَيْسَ في كَلامِ السَّلَفِ ولَمْ يَتِمَّ عَلَيْهِ بِرِهانٌ؛ ولِذا قالَ بِخِلافِهِ المُحْدَثُونَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وفي حَمْلِ «المُدَبِّراتِ» عَلى النُّجُومِ إيهامُ صِحَّةِ ما يَزْعُمُهُ أهْلُ الأحْكامِ وجَهَلَةُ المُنَجِّمِينَ وهو باطِلٌ عَقْلًا ونَقْلًا كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ وكَذا في حَمْلِها عَلى النُّفُوسِ الفاضِلَةِ المُفارِقَةِ إيهامُ صِحَّةِ ما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِن سَخَفَةِ العُقُولِ مِن أنَّ الأوْلِياءَ يَتَصَرَّفُونَ بَعْدَ وفاتِهِمْ بِنَحْوِ شِفاءِ المَرِيضِ وإنْقاذِ الغَرِيقِ والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ، ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِخَمْسَةٍ مِنَ الأوْلِياءِ، والكُلُّ جَهْلٌ وإنْ كانَ الثّانِي أشَدَّ جَهْلًا، نَعَمْ لا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُكْرِمُ مَن شاءَ مِن أوْلِيائِهِ بَعْدَ المَوْتِ كَما يُكْرِمُهُ قَبْلَهُ بِما شاءَ فَيُبْرِئُ سُبْحانَهُ المَرِيضَ ويُنْقِذُ الغَرِيقَ ويَنْصُرُ عَلى العَدُوِّ ويُنْزِلُ الغَيْثَ وكَيْتَ وكَيْتَ كَرامَةً لَهُ ورُبَّما يُظْهِرُ عَزَّ وجَلَّ مَن يُشْبِهُهُ صُورَةً فَتَفْعَلُ ما سُئِلَ اللَّهُ تَعالى بِحُرْمَتِهِ مِمّا لا إثْمَ فِيهِ اسْتِجابَةً لِلسّائِلِ، ورُبَّما يَقَعُ السُّؤالُ عَلى الوَجْهِ المَحْظُورِ شَرْعًا فَيُظْهِرُ سُبْحانَهُ نَحْوَ ذَلِكَ مَكْرًا بِالسّائِلِ واسْتِدْراجًا لَهُ، ونَقَلَ الإمامُ في هَذا المَقامِ عَنِ الغَزالِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها ثُمَّ اتَّفَقَ إنْسانٌ مُشابِهٌ لِلْإنْسانِ الأوَّلِ في الرُّوحِ والبَدَنِ فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذا البَدَنِ حَتّى تَصِيرَ كالمُعاوِنَةِ لِلنَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ البَدَنِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ فَتُسَمّى تِلْكَ المُعاوَنَةُ إلْهامًا، ونَظِيرُهُ في جانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وسُوسَةٌ انْتَهى. ولَمْ أرَ ما يَشْهَدُ عَلى صِحَّتِهِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وكَلامِ سَلَفِ الأُمَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ نَفْسُهُ في المَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ اسْتِحالَةَ تَعَلُّقِ أكْثَرَ مِن نَفْسٍ بِبَدَنٍ واحِدٍ، وكَذا اسْتِحالَةَ تَعَلُّقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ بِأكْثَرَ مِن بَدَنٍ، ولَمْ يُتَعَقَّبْ ما نَقَلَهُ هُنا فَكَأنَّهُ فَهِمَ أنَّ التَّعَلُّقَ فِيهِ غَيْرُ التَّعَلُّقِ المُسْتَحِيلِ فَلا تَغْفُلْ، وقالَ في وجْهِ حَمْلِ المَذْكُوراتِ عَلى المَلائِكَةِ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَها صِفاتٌ سَلْبِيَّةٌ وصِفاتٌ إضافِيَّةٌ، أمّا الأُولى فَهي أنَّها مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والمَوْتِ والهَرَمِ والسَّقَمِ والتَّرْكِيبِ والأعْضاءِ والأخْلاطِ والأرْكانِ بَلْ هي جَواهِرُ رُوحانِيَّةٌ مُبَرَّأةٌ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ؛ «فالنّازِعاتِ غَرْقًا إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَنزُوعَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ نَزْعًا كُلِّيًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ عَلى أنَّ الصِّيغَةَ لِلنِّسْبَةِ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ خُرُوجَها عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ كَخُرُوجِ البَشَرِ عَلى سَبِيلِ الكُلْفَةِ والمَشَقَّةِ بَلْ بِمُقْتَضى الماهِيَّةِ، فالكَلِمَتانِ إشارَتانِ إلى تَعْرِيفِ أحْوالِهِمُ السَّلْبِيَّةِ، وأمّا صِفاتُهُمُ الإضافِيَّةُ فَهي قِسْمانِ: الأوَّلُ شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ وبَيانِ حالِهِمْ في مَعْرِفَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ سُبْحانَهُ والِاطِّلاعِ عَلى نُورِ جَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ فَوَصَفَهم سُبْحانَهُ في هَذا المَقامِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَهم يَسْبَحُونَ مِن أوَّلِ فِطْرَتِهِمْ في بِحارِ جَلالِهِ تَعالى ثُمَّ لا مُنْتَهى لِسَبْحِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا مُنْتَهى لِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ صَمَدِيَّتِهِ ونُورِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ فَهم أبَدًا في تِلْكَ السِّباحَةِ، وثانِيهِما ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ وهو إشارَةٌ إلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في دَرَجاتِ المَعْرِفَةِ وفي مَراتِبِ التَّجَلِّي، والثّانِي شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العامِلَةِ وبَيانِ حالِهِمْ فِيها فَوَصَفَهم سُبْحانَهُ في هَذا المَقامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ ولَمّا كانَ التَّدْبِيرُ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ العِلْمِ قَدَّمَ شَرْحَ القُوَّةِ العاقِلَةِ عَلى شَرْحِ القُوَّةِ العامِلَةِ» انْتَهى. وهو عَلى ما في بَعْضِهِ مِنَ المَنعِ لَيْسَ بِشَدِيدِ المُناسَبَةِ لِلْمَقامِ، ونَقَلَ غَيْرُ واحِدٍ أقْوالًا غَيْرَ ما ذُكِرَ في تَفْسِيرِ المَذْكُوراتِ فَعَنْ مُجاهِدٍ: «النّازِعاتُ» المَنايا تَنْزِعُ النُّفُوسَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلّامٍ أنَّها الوَحْشُ تَنْزِعُ إلى الكَلَأِ، وعَنِ الأوَّلِ تَفْسِيرُ «النّاشِطاتِ» بِالمَنايا أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ تَفْسِيرُها بِالبَقَرِ الوَحْشِيَّةِ وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَنْشَطُ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، وعَنْهُ أيْضًا تَفْسِيرُ «السّابِحاتِ» بِالسُّفُنِ، وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُها بِالمَنايا تَسْبَحُ في نُفُوسِ الحَيَوانِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرُها بِالسَّحابِ وعَنْ آخَرَ تَفْسِيرُها بِدَوابِّ البَحْرِ، وعَنْ بَعْضٍ تَفْسِيرُ «السّابِقاتِ» بِالمَنايا عَلى مَعْنى أنَّها تَسْبِقُ الآمالَ، وعَنْ غَيْرِ واحِدٍ تَفْسِيرُ «المُدَبِّراتِ» بِجِبْرِيلَ يُدَبِّرُ الرِّياحَ والجُنُودَ والوَحْيَ ومِيكالَ صفحة 26 يُدَبِّرُ القَطْرَ والنَّباتَ وعِزْرائِيلَ يُدَبِّرُ قَبْضَ الأرْواحِ وإسْرافِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ النّازِلَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يَنْزِلُ بِهِ ويُدَبِّرُ النَّفْخَ في الصُّورِ والأكْثَرُونَ تَفْسِيرُها بِالمَلائِكَةِ مُطْلَقًا، بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا أحْفَظُ خِلافًا في أنَّها المَلائِكَةُ ولَيْسَ في تَفْسِيرِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما أعْلَمُ وما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا هو المُرَجَّحُ عِنْدِي نَظَرًا لِلْمَقامِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النازعات 79:5

سُورَةُ النّازِعاتِ وتُسَمّى سُورَةَ السّاهِرَةِ والطّامَّةِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وعَدَدُ آيِها سِتٌّ وأرْبَعُونَ في الكُوفِيِّ وخَمْسٌ وأرْبَعُونَ في غَيْرِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ سُورَةِ عَمَّ، وأوَّلُها يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا لِتَحْقِيقِ ما في آخِرِ عَمَّ أوْ ما تَضَمَّنَتْهُ كُلُّها، وفي البَحْرِ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في آخِرِ ما قَبْلَها الإنْذارَ بِالعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ أقْسَمَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ عَلى البَعْثِ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: صفحة 23 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِطَوائِفَ مِن مَلائِكَةِ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ عَلى الإطْلاقِ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، أوْ أرْواحِ الكَفَرَةِ عَلى ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وجُوَيْبِرٌ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الحَبْرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ ويُنْشِطُونَها؛ أيْ: يُخْرِجُونَها مِنَ الأجْسادِ مِن نَشِطَ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ إذا أخْرَجَها ويَسْبَحُونَ في إخْراجِها سَبْحَ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ البَحْرِ ما يُخْرِجُ فَيَسْبِقُونَ ويُسْرِعُونَ بِأرْواحِ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَ عِقابِها وثَوابِها؛ بِأنْ يُهَيِّئُوها لِإدْراكِ ما أُعِدَّ لَها مِنَ الآلامِ واللَّذّاتِ، ومالَ بَعْضُهم إلى تَخْصِيصِ النَّزْعِ بِأرْواحِ الكُفّارِ، والنَّشْطِ والسَّبْحِ بِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ النَّزْعَ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، وقَدْ أُرْدِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَرْقًا﴾ وهو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ؛ أيْ: إغْراقًا في النَّزْعِ مِن أقاصِي الأجْسادِ، وقِيلَ: هو نَوْعٌ، والنَّزْعُ جِنْسٌ؛ أيْ: في هَذا المَحَلِّ، وذَلِكَ أنْسَبُ بِالكُفّارِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَنْزِعُ المَلائِكَةُ رُوحَ الكُفّارِ مِن جَسَدِهِ مِن تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ ومِن تَحْتِ الأظافِرِ وأُصُولِ القَدَمَيْنِ ثُمَّ تُغْرِقُها في جَسَدِهِ ثُمَّ تَنْزِعُها حَتّى إذا كادَتْ تَخْرُجُ يَرُدُّها في جَسَدِهِ وهَكَذا مِرارًا فَهَذا عَمَلُها في الكُفّارِ، والنَّشْطُ الإخْراجُ بِرِفْقٍ وسُهُولَةٍ وهو أنْسَبُ بِالمُؤْمِنِينَ وكَذا السَّبْحُ ظاهِرٌ في التَّحَرُّكِ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ، قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّ المَلائِكَةَ يَسَلُّونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ سَلًّا رَقِيقًا ثُمَّ يَتْرُكُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ رُوَيْدًا ثُمَّ يَسْتَخْرِجُونَها بِرِفْقٍ ولُطْفٍ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ فَإنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِرِفْقٍ لِئَلّا يَغْرَقَ فَهم يَرْفُقُونَ في ذَلِكَ الِاسْتِخْراجِ لِئَلّا يَصِلَ إلى المُؤْمِنِ ألَمٌ وشِدَّةٌ، وفي التّاجِ إنَّ النَّشْطَ حَلُّ العُقْدَةِ بِرِفْقٍ، ويُقالُ كَما في البَحْرِ: أنْشَطْتُ العِقالَ ونَشَّطْتُهُ إذا مَدَدْتَ أُنْشُوطَتَهُ فانْحَلَّتْ، والأُنْشُوطَةُ عُقْدَةٌ يَسْهُلُ انْحِلالُها إذا جُذِبَتْ كَعُقْدَةِ التِّكَّةِ، فَإذا جَعَلْتَ النّاشِطاتِ مِنَ النَّشْطِ بِهَذا المَعْنى كانَ أوْفَقَ لِلْإشارَةِ إلى الرِّفْقِ والعَطْفِ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ لِتَنْزِيلِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَعْدُودَةِ مِن مُعَظَّماتِ الأُمُورِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلى حِيالِهِ مُناطًا لِاسْتِحْقاقٍ مَوْصُوفَةٍ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ مِن غَيْرِ انْضِمامِ الأوْصافِ الأُخَرِ إلَيْهِ، ولَوْ جَعَلْتَ النّازِعاتِ مَلائِكَةَ العَذابِ والنّاشِطاتِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ كانَ العَطْفُ لِلتَّغايُرِ الذّاتِيِّ عَلى ما هو الأصْلُ، والفاءُ في الأخِيرَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِما عَلى ما قَبْلَهُما بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، وانْتِصابُ «نَشْطًا، وسَبْحًا، وسَبْقًا» عَلى المَصْدَرِيَّةِ كانْتِصابِ «غَرْقًا» وأمّا انْتِصابُ «أمْرًا» فَعَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْمُدَبِّراتِ لا عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ بِأمْرٍ مِنهُ تَعالى كَما قِيلَ، وزُعِمَ أنَّهُ الأوْلى وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «غَرْقًا» مَصْدَرًا مُؤَوَّلًا بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أيْضًا لِلنّازِعاتِ أوْ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِهِ لَها؛ أيْ: نُفُوسًا غَرِقَةً في الأجْسادِ. وحَمَلَ بَعْضُهم غَرْقَها فِيها بِشِدَّةِ تَعَلُّقِها بِها وغَلَبَةِ صِفاتِها عَلَيْها، وكَأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى تَجَرُّدِ الأرْواحِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ وبَعْضُ أجِلَّةِ المُسْلِمِينَ، هَذا ولَمْ نَقِفْ عَلى نَصٍّ في أنَّ المَلائِكَةَ حالَ قَبْضِ الأرْواحِ وإخْراجِها هَلْ يَدْخُلُونَ في الأجْسادِ أمْ لا، وظاهِرُ تَفْسِيرِ «النّاشِطاتِ» أنَّهم حالَةَ النَّزْعِ خارِجَ الجَسَدِ كالواقِفِ «والسّابِحاتِ» دُخُولُهم فِيهِ لِإخْراجِها عَلى ما قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّبْحَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِهِ مُجَرَّدُ الِاتِّصالِ ونَحْوِهِ مِمّا لا تَوَقُّفَ لَهُ عَلى الدُّخُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسّابِحاتِ وما بَعْدَها طَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْبَحُونَ في مُضِيِّهِمْ فَيَسْبِقُونَ فِيهِ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَهُ مِن كَيْفِيَّتِهِ وما لا بُدَّ مِنهُ فِيهِ، ويَعُمُّ ذَلِكَ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةَ العَذابِ، والعَطْفُ عَلَيْهِ لِتَغايُرِ المَوْصُوفاتِ كالصِّفاتِ، وأيًّا ما كانَ صفحة 24 فَجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ ويَلُوحُ إلَيْهِ الأقْسامُ المَذْكُورَةُ، والتَّقْدِيرُ: «والنّازِعاتِ» إلَخْ لَتُبْعَثُنَّ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّجُومِ السَّيّارَةِ الَّتِي تَنْزِعُ أيْ تَسِيرُ مِن نَزْعِ الفَرَسِ إذا جَرى مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ غَرَقًا في النَّزْعِ وجِدًّا في السَّيْرِ بِأنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ عَلى ما يَبْدُو لِلنّاسِ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ وتَنْشَطَ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ أيْ تَخْرُجَ مِن نَشْطِ الثَّوْرِ إذا خَرَجَ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ هِمْيانَ بْنِ قُحافَةَ: أرى هُمُومِي تَنْشِطُ المَناشِطا الشّامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطا وتَسْبَحُ في الفَلَكِ فَيَسْبِقُ بَعْضُها في السَّيْرِ لِكَوْنِهِ أسْرَعَ حَرَكَةً فَتُدَبِّرُ أمْرًا نِيطَ بِها كاخْتِلافِ الفُصُولِ وتَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ وظُهُورِ مَواقِيتِ العِباداتِ والمُعامَلاتِ المُؤَجَّلَةِ، ولَمّا كانَتْ حَرَكاتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ سَرِيعَةً قَسْرِيَّةً وتابِعَةً لِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ ضَرُورَةً، وحَرَكاتُها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ بِإرادَتِها مِن غَيْرِ قَسْرٍ لَها وهي غَيْرُ سَرِيعَةٍ أُطْلِقَ عَلى الأُولى النَّزْعَ؛ لِأنَّهُ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، وعَلى الثّانِيَةِ النَّشْطُ لِأنَّهُ بِرِفْقٍ ورَوِيٍّ حُمِلَ «النّازِعاتُ» عَلى النُّجُومِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والأخْفَشِ وابْنِ كَيْسانَ وأبِي عُبَيْدَةَ، وحُمِلَ النّاشِطاتُ عَلَيْها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وحُمِلَ «السّابِحاتُ» عَلَيْها عَنِ الأوَّلَيْنِ، وحَمَلَها أبُو رَوْقٍ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ مِنها، والمُدَبِّراتِ عَلَيْها مِن مَعاذٍ، وإضافَةُ التَّدْبِيرِ إلَيْها مَجازٌ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّفُوسِ الفاضِلَةِ حالَةَ المُفارَقَةِ لا بُدَّ أنَّها بِالمَوْتِ فَإنَّها تَنْزِعُ عَنِ الأبْدانِ غَرْقًا؛ أيْ نَزْعًا شَدِيدًا مِن أغْرَقَ النّازِعُ في القَوْسِ إذا بَلَغَ غايَةَ المَدى حَتّى يَنْتَهِيَ إلى النَّصْلِ لِعُسْرِ مُفارَقَتِها إيّاها حَيْثُ ألِفْنَهُ وكانَ مَطِيَّةً لَها لِاكْتِسابِ الخَيْرِ ومَظِنَّةً لِازْدِيادِهِ فَتَنْشَطُ شَوْقًا إلى عالَمِ المَلَكُوتِ وتَسْبَحُ بِهِ فَتَسْبِقُ بِهِ إلى حَظائِرِ القُدْسِ فَتَصِيرُ لِشَرَفِها وقُوَّتِها مِنَ المُدَبِّراتِ أيْ مُلْحَقَةً بِالمَلائِكَةِ أوْ تَصْلُحُ هي لِأنْ تَكُونَ مُدَبِّرَةً كَما قالَ الإمامُ إنَّها بَعْدَ المُفارَقَةِ قَدْ تَظْهَرُ لَها آثارٌ وأحْوالٌ في هَذا العالَمِ فَقَدْ يَرى المَرْءُ شَيْخَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيُرْشِدُهُ لِما يُهِمُّهُ، وقَدْ نُقِلَ عَنْ جالِينُوسَ أنَّهُ مَرِضَ مَرَضًا عَجَزَ عَنْ عِلاجِهِ الحُكَماءُ فَوُصِفَ لَهُ في مَنامِهِ عِلاجُهُ فَأفاقَ وفَعَلَهُ فَأفاقَ وقَدْ ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ ولِذا قِيلَ: ولَيْسَ بِحَدِيثٍ كَما تُوُهِّمَ. «إذا تَحَيَّرْتُمْ في الأُمُورِ فاسْتَعِينُوا مِن أصْحابِ القُبُورِ» أيْ: أصْحابِ النُّفُوسِ الفاضِلَةِ المُتَوَفَّيْنَ، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَحْصُلُ لِزائِرِهِمْ مَدَدٌ رُوحانِيٌّ بِبَرَكَتِهِمْ، وكَثِيرًا ما تَنْحَلُّ عُقَدُ الأُمُورِ بِأنامِلِ التَّوَسُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى بِحُرْمَتِهِمْ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الأحْياءِ مِنهُمُ المُمْتَثِلِينَ أمْرَ مُوتُوا وقَبْلَ أنْ تَمُوتُوا، وتَفْسِيرُ «النّازِعاتِ» بِالنُّفُوسِ مَرْوِيٌّ عَنِ السُّدِّيِّ إلّا أنَّهُ قالَ: هي جَماعَةُ النُّفُوسِ تَنْزِعُ بِالمَوْتِ إلى رَبِّها «والنّاشِطاتِ» بِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: هِيَ النُّفُوسُ المُؤْمِنَةُ تَنْشَطُ عِنْدَ المَوْتِ لِلْخُرُوجِ والسّابِقاتُ بِها عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إلّا أنَّهُ قالَ: هي أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ تَسْبِقُ إلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَها وقَدْ عايَنَتِ السُّرُورَ شَوْقًا إلى لِقاءِ اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّفُوسِ حالَ سُلُوكِها وتَطْهِيرِ ظاهِرِها وباطِنِها بِالِاجْتِهادِ في العِبادَةِ والتَّرَقِّي في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ فَإنَّها تَنْزِعُ عَنِ الشَّهَواتِ وتَنْشَطُ إلى عالَمِ القُدْسِ فَتَسْبَحُ في مَراتِبِ الِارْتِقاءِ فَتَسْبِقُ إلى الكَمالاتِ حَتّى تَصِيرَ مِنَ المُكَمِّلاتِ لِلنُّفُوسِ النّاقِصَةِ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِأنْفُسِ الغُزاةِ أوْ أيْدِيهِمْ تَنْزِعُ القِسِيَّ بِإغْراقِ السِّهامِ وتَنْشَطُ بِالسَّهْمِ لِلرَّمْيِ وتَسْبَحُ في البَرِّ والبَحْرِ فَتَسْبِقُ إلى حَرْبِ العَدُوِّ فَتُدَبِّرْ أمْرَها، وإسْنادُ السَّبْحِ وما بَعْدَهُ إلى الأيْدِي عَلَيْهِ مَجازٌ لِلْمُلابَسَةِ، وحَمْلُ ( النّازِعاتِ ) عَلى الغُزاةِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ إلّا أنَّهُ قالَ: هي النّازِعاتُ بِالقِسِيِّ وغَيْرِها، وقِيلَ: بِصِفاتِ خَيْلِهِمْ فَإنَّها تَنْزِعُ في أعِنَّتِها غَرْقًا أيْ تَمُدُّ أعِنَّتَها مَدًّا قَوِيًّا حَتّى تُلْصِقَها بِالأعْناقِ مِن غَيْرِ ارْتِخائِها فَتَصِيرُ كَأنَّها انْغَمَسَتْ فِيها، وتَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الكُفْرِ وتَسْبَحُ في جَرْيِها فَتَسْبِقُ إلى العَدُوِّ فَتُدَبِّرُ أمْرَ الظَّفَرِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها إسْنادٌ إلى السَّبَبِ، وحَمْلُ «السّابِحاتِ» عَلى الخَيْلِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا وجَماعَةٍ، ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ هَذِهِ الأقْوالِ لا يَلِيقُ بِشَأْنِ جَزالَةِ التَّنْزِيلِ ولَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ مُناسِبَةٌ لِلْمَقامِ ومِنها ما فِيهِ قَوْلٌ بِما عَلَيْهِ أهْلُ الهَيْئَةِ المُتَقَدِّمُونَ صفحة 25 مِنَ الحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ لِلْكَوْكَبِ وهي حَرَكَتُهُ الخاصَّةُ ونَحْوُها مِمّا لَيْسَ في كَلامِ السَّلَفِ ولَمْ يَتِمَّ عَلَيْهِ بِرِهانٌ؛ ولِذا قالَ بِخِلافِهِ المُحْدَثُونَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وفي حَمْلِ «المُدَبِّراتِ» عَلى النُّجُومِ إيهامُ صِحَّةِ ما يَزْعُمُهُ أهْلُ الأحْكامِ وجَهَلَةُ المُنَجِّمِينَ وهو باطِلٌ عَقْلًا ونَقْلًا كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ وكَذا في حَمْلِها عَلى النُّفُوسِ الفاضِلَةِ المُفارِقَةِ إيهامُ صِحَّةِ ما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِن سَخَفَةِ العُقُولِ مِن أنَّ الأوْلِياءَ يَتَصَرَّفُونَ بَعْدَ وفاتِهِمْ بِنَحْوِ شِفاءِ المَرِيضِ وإنْقاذِ الغَرِيقِ والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ، ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِخَمْسَةٍ مِنَ الأوْلِياءِ، والكُلُّ جَهْلٌ وإنْ كانَ الثّانِي أشَدَّ جَهْلًا، نَعَمْ لا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُكْرِمُ مَن شاءَ مِن أوْلِيائِهِ بَعْدَ المَوْتِ كَما يُكْرِمُهُ قَبْلَهُ بِما شاءَ فَيُبْرِئُ سُبْحانَهُ المَرِيضَ ويُنْقِذُ الغَرِيقَ ويَنْصُرُ عَلى العَدُوِّ ويُنْزِلُ الغَيْثَ وكَيْتَ وكَيْتَ كَرامَةً لَهُ ورُبَّما يُظْهِرُ عَزَّ وجَلَّ مَن يُشْبِهُهُ صُورَةً فَتَفْعَلُ ما سُئِلَ اللَّهُ تَعالى بِحُرْمَتِهِ مِمّا لا إثْمَ فِيهِ اسْتِجابَةً لِلسّائِلِ، ورُبَّما يَقَعُ السُّؤالُ عَلى الوَجْهِ المَحْظُورِ شَرْعًا فَيُظْهِرُ سُبْحانَهُ نَحْوَ ذَلِكَ مَكْرًا بِالسّائِلِ واسْتِدْراجًا لَهُ، ونَقَلَ الإمامُ في هَذا المَقامِ عَنِ الغَزالِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها ثُمَّ اتَّفَقَ إنْسانٌ مُشابِهٌ لِلْإنْسانِ الأوَّلِ في الرُّوحِ والبَدَنِ فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذا البَدَنِ حَتّى تَصِيرَ كالمُعاوِنَةِ لِلنَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ البَدَنِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ فَتُسَمّى تِلْكَ المُعاوَنَةُ إلْهامًا، ونَظِيرُهُ في جانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وسُوسَةٌ انْتَهى. ولَمْ أرَ ما يَشْهَدُ عَلى صِحَّتِهِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وكَلامِ سَلَفِ الأُمَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ نَفْسُهُ في المَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ اسْتِحالَةَ تَعَلُّقِ أكْثَرَ مِن نَفْسٍ بِبَدَنٍ واحِدٍ، وكَذا اسْتِحالَةَ تَعَلُّقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ بِأكْثَرَ مِن بَدَنٍ، ولَمْ يُتَعَقَّبْ ما نَقَلَهُ هُنا فَكَأنَّهُ فَهِمَ أنَّ التَّعَلُّقَ فِيهِ غَيْرُ التَّعَلُّقِ المُسْتَحِيلِ فَلا تَغْفُلْ، وقالَ في وجْهِ حَمْلِ المَذْكُوراتِ عَلى المَلائِكَةِ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَها صِفاتٌ سَلْبِيَّةٌ وصِفاتٌ إضافِيَّةٌ، أمّا الأُولى فَهي أنَّها مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والمَوْتِ والهَرَمِ والسَّقَمِ والتَّرْكِيبِ والأعْضاءِ والأخْلاطِ والأرْكانِ بَلْ هي جَواهِرُ رُوحانِيَّةٌ مُبَرَّأةٌ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ؛ «فالنّازِعاتِ غَرْقًا إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَنزُوعَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ نَزْعًا كُلِّيًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ عَلى أنَّ الصِّيغَةَ لِلنِّسْبَةِ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ خُرُوجَها عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ كَخُرُوجِ البَشَرِ عَلى سَبِيلِ الكُلْفَةِ والمَشَقَّةِ بَلْ بِمُقْتَضى الماهِيَّةِ، فالكَلِمَتانِ إشارَتانِ إلى تَعْرِيفِ أحْوالِهِمُ السَّلْبِيَّةِ، وأمّا صِفاتُهُمُ الإضافِيَّةُ فَهي قِسْمانِ: الأوَّلُ شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ وبَيانِ حالِهِمْ في مَعْرِفَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ سُبْحانَهُ والِاطِّلاعِ عَلى نُورِ جَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ فَوَصَفَهم سُبْحانَهُ في هَذا المَقامِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ فَهم يَسْبَحُونَ مِن أوَّلِ فِطْرَتِهِمْ في بِحارِ جَلالِهِ تَعالى ثُمَّ لا مُنْتَهى لِسَبْحِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا مُنْتَهى لِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ صَمَدِيَّتِهِ ونُورِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ فَهم أبَدًا في تِلْكَ السِّباحَةِ، وثانِيهِما ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ وهو إشارَةٌ إلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في دَرَجاتِ المَعْرِفَةِ وفي مَراتِبِ التَّجَلِّي، والثّانِي شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العامِلَةِ وبَيانِ حالِهِمْ فِيها فَوَصَفَهم سُبْحانَهُ في هَذا المَقامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ ولَمّا كانَ التَّدْبِيرُ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ العِلْمِ قَدَّمَ شَرْحَ القُوَّةِ العاقِلَةِ عَلى شَرْحِ القُوَّةِ العامِلَةِ» انْتَهى. وهو عَلى ما في بَعْضِهِ مِنَ المَنعِ لَيْسَ بِشَدِيدِ المُناسَبَةِ لِلْمَقامِ، ونَقَلَ غَيْرُ واحِدٍ أقْوالًا غَيْرَ ما ذُكِرَ في تَفْسِيرِ المَذْكُوراتِ فَعَنْ مُجاهِدٍ: «النّازِعاتُ» المَنايا تَنْزِعُ النُّفُوسَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلّامٍ أنَّها الوَحْشُ تَنْزِعُ إلى الكَلَأِ، وعَنِ الأوَّلِ تَفْسِيرُ «النّاشِطاتِ» بِالمَنايا أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ تَفْسِيرُها بِالبَقَرِ الوَحْشِيَّةِ وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَنْشَطُ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، وعَنْهُ أيْضًا تَفْسِيرُ «السّابِحاتِ» بِالسُّفُنِ، وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُها بِالمَنايا تَسْبَحُ في نُفُوسِ الحَيَوانِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرُها بِالسَّحابِ وعَنْ آخَرَ تَفْسِيرُها بِدَوابِّ البَحْرِ، وعَنْ بَعْضٍ تَفْسِيرُ «السّابِقاتِ» بِالمَنايا عَلى مَعْنى أنَّها تَسْبِقُ الآمالَ، وعَنْ غَيْرِ واحِدٍ تَفْسِيرُ «المُدَبِّراتِ» بِجِبْرِيلَ يُدَبِّرُ الرِّياحَ والجُنُودَ والوَحْيَ ومِيكالَ صفحة 26 يُدَبِّرُ القَطْرَ والنَّباتَ وعِزْرائِيلَ يُدَبِّرُ قَبْضَ الأرْواحِ وإسْرافِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ النّازِلَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يَنْزِلُ بِهِ ويُدَبِّرُ النَّفْخَ في الصُّورِ والأكْثَرُونَ تَفْسِيرُها بِالمَلائِكَةِ مُطْلَقًا، بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا أحْفَظُ خِلافًا في أنَّها المَلائِكَةُ ولَيْسَ في تَفْسِيرِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما أعْلَمُ وما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا هو المُرَجَّحُ عِنْدِي نَظَرًا لِلْمَقامِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النازعات 79:6

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ مَنصُوبٌ بِالجَوابِ المُضْمَرِ، والمُرادُ بِ ﴿الرّاجِفَةُ﴾ الواقِعَةُ أوِ النَّفْخَةُ الَّتِي تَرْجُفُ الأجْرامُ عِنْدَها عَلى أنَّ الإسْنادَ إلَيْها مَجازِيٌّ؛ لِأنَّها سَبَبُ الرَّجْفِ أوِ التَّجَوُّزِ في الطَّرَفِ بِجَعْلِ سَبَبِ الرَّجْفِ راجِفًا، وجُوِّزَ أنْ تُفَسَّرَ الرّاجِفَةُ بِالمُحَرِّكَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ رَجَفَ يَكُونُ بِمَعْنى حَرَّكَ وتَحَرَّكَ كَما في القامُوسِ وهي النَّفْخَةُ الأُولى، وقِيلَ: المُرادُ بِها الأجْرامُ السّاكِنَةُ الَّتِي تَشْتَدُّ حَرَكَتُها حِينَئِذٍ كالأرْضِ والجِبالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ وتَسْمِيَتُها راجِفَةً بِاعْتِبارِ الأوَّلِ فَفِيهِ مَجازٌ مُرْسَلٌ وبِهِ يَتَّضِحُ فائِدَةُ الإسْنادِ.

النازعات 79:7

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ أيِ الواقِفَةُ أوِ النَّفْخَةُ الَّتِي تَرْدُفُ وتَتْبَعُ الأُولى وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ: الأجْرامُ التّابِعَةُ وهي السَّماءُ والكَواكِبُ فَإنَّها تَنْشَقُّ وتَنْتَشِرُ بَعْدُ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ﴿الرّاجِفَةُ﴾ مُصَحِّحَةً لِوُقُوعِ اليَوْمِ ظَرْفًا لِلْبَعْثِ لِإفادَتِها امْتِدادَ الوَقْتِ وسِعَتَهُ حَيْثُ أفادَتْ أنَّ اليَوْمَ زَمانُ الرَّجْفَةِ المُقَيَّدَةِ بِتَبَعِيَّةِ الرّادِفَةِ لَها، وتَبَعِيَّةُ الشَّيْءِ الآخَرِ فَرْعُ وُجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَلا بُدَّ مِنَ امْتِدادِ اليَوْمِ إلى الرّادِفَةِ واعْتِبارِ امْتِدادِهِ مَعَ أنَّ البَعْثَ لا يَكُونُ عِنْدَ الرّادِفَةِ أعْنِي النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ، وبَيْنَها وبَيْنَ الأُولى أرْبَعُونَ لِتَهْوِيلِ اليَوْمِ بِبَيانِ كَوْنِهِ مَوْقِعًا لِداهِيَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، وقِيلَ: «يَوْمَ تَرْجُفُ» مَنصُوبٌ بِ «اذْكُرْ» فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مُقَرِّرًا لِمَضْمُونِ الجَوابِ المُضْمَرِ كَأنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اذْكُرْ لَهم يَوْمَ النَّفْخَتَيْنِ فَإنَّهُ وقْتُ بَعْثِهِمْ وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ.

النازعات 79:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ أيْ: يَوْمَ تَرْجُفُ وجِفَتِ القُلُوبُ أيِ اضْطَرَبَتْ، يُقالُ: وجَفَ القَلْبُ وجِيَفًا اضْطَرَبَ مِن شَدَّةِ الفَزَعِ، وكَذَلِكَ وجَبَ وجِيبًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ «واجِفَةٌ» بِمَعْنى خائِفَةٍ بِلُغَةِ هَمْدانَ. وعَنِ السُّدِّيِّ: زائِلَةٌ عَنْ مَكانِها ولَمْ يُجْعَلْ مَنصُوبًا بِ «واجِفَةٌ» لِأنَّهُ نَصَبَ ظَرْفَهُ أعْنِي «يَوْمَئِذٍ» والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، كَيْفَ وحَذْفُ المُضافِ وإبْدالُ التَّنْوِينِ مِمّا يَأْباهُ أيْضًا، ورُفِعَ ﴿قُلُوبٌ﴾ عَلى الِابْتِداءِ ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿واجِفَةٌ﴾ وهي الخَبَرُ عَلى ما قِيلَ وهو الأظْهَرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ لِأنَّ تَنْكِيرَها لِلتَّنْوِيعِ وهو يَقُومُ مَقامَ الوَصْفِ المُخَصَّصِ. نَعَمِ التَّنْوِيعُ في النَّظِيرِ أظْهَرُ لِذِكْرِ المُقابِلِ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ ولَكِنْ لا فَرْقَ بَعْدَ ما ساقَ المَعْنى إلَيْهِ وإنْ شِئْتَ فاعْتَبِرْ ذَلِكَ لِلتَّكْثِيرِ كَما اعْتُبِرَ فِي: «شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ» وقِيلَ: ﴿واجِفَةٌ﴾ صِفَةُ ﴿قُلُوبٌ﴾ مُصَحِّحَةٌ لِلِابْتِداءِ بِها.

النازعات 79:9

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ أيْ: أبْصارُ أهْلِها ذَلِيلَةٌ مِنَ الخَوْفِ، ولِذَلِكَ أضافَها إلَيْها؛ فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالأبْصارِ البَصائِرُ؛ أيْ: صارَتِ البَصائِرُ ذَلِيلَةً لا تُدْرِكُ شَيْئًا فَكَنّى بِذُلِّها عَنْ عَدَمِ إدْراكِها لِأنَّ عِزَّ البَصِيرَةِ إنَّما هي بِالإدْراكِ، وبُحِثَ في كَوْنِ القُلُوبِ غَيْرَ مُدْرِكَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ شِدَّةُ الذُّهُولِ والحَيْرَةِ، جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِ «قُلُوبٌ». وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدِ اشْتُهِرَ أنَّ حَقَّ الصِّفَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ السّامِعِ حَتّى قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ الصِّفاتِ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ، والأخْبارُ بَعْدَ العِلْمِ بِها صِفاتٌ، فَحَيْثُ كانَ ثُبُوتُ الوَجِيفِ وثُبُوتُ الخُشُوعِ لِأبْصارِ أصْحابِ القُلُوبِ سَواءً في المَعْرِفَةِ والجَهالَةِ كانَ جَعْلُ الأوَّلِ عُنْوانَ المَوْضُوعِ مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ مَفْرُوغًا عَنْهُ، وجَعْلُ الثّانِي مُخْبَرًا بِهِ مَقْصُودَ الإفادَةِ تَحَكُّمًا بَحْتًا عَلى أنَّ الوَجِيفَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ اضْطِرابِ القَلْبِ وقَلَقِهِ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ والوَجَلِ أشَدُّ مِن خُشُوعِ البَصَرِ وأهْوَلُ فَجُعِلَ وأهْوَلُ الشَّرَّيْنِ عُمْدَةٌ، وأشُدُّهُما فَضْلَةٌ مِمّا لا عَهْدَ لَهُ في الكَلامِ، وأيْضًا فَتَخْصِيصُ الخُشُوعِ بِقُلُوبٍ مَوْصُوفَةٍ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ غَيْرِ مُشْعِرَةٍ بِالعُمُومِ والشُّمُولِ صفحة 27 تَهْوِينٌ لِلْخَطْبِ في مَوْقِعِ التَّهْوِيلِ انْتَهى. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُشْتَهَرَ وما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلى اطِّرادِهِ، وأنَّ بَعْضَ ما اعْتُرِضَ بِهِ يَنْدَفِعُ عَلى ما يَفْهَمُهُ كَلامُ بَعْضِ الأجِلَّةِ مِن جَوازِ جَعْلِ المُفْرَدِ خَبَرًا والجُمْلَةُ بَعْدُ صِفَةٌ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، وما قِيلَ عَلى الأوَّلِ مِن أنَّ جَعْلَ التَّنْوِينِ لِلتَّنْوِيعِ مَعَ إلْباسِهِ مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ، وكَوْنُهُ كالوَصْفِ مَعْنًى تَعَسُّفُ خُرُوجٍ عَنِ الإنْصافِ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ النَّكِرَةَ تَخَصَّصَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا تَتَخَصَّصُ بِالأجْرامِ بِظُرُوفِ الزَّمانِ وقَدَّرَ عِصامُ الدِّينِ جَوابَ القَسَمِ: لَيَأْتِيَنَّ. وقالَ: نَحْنُ نُقَدِّرُهُ كَذَلِكَ ونَجْعَلُ: «يَوْمَ تَرْجُفُ» فاعِلًا لَهُ مَرْفُوعَ المَحَلِّ ونَجْعَلُ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ صِفَةً لِلرّاجِفَةِ بِجَعْلِها في حُكْمِ النَّكِرَةِ لِكَوْنِ التَّعْرِيفِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ نَحْوَ: «أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي» وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ و«يَوْمَ» مَنصُوبٌ بِهِ ولامُ القَسَمِ مَحْذُوفَةٌ؛ أيْ: لِيَوْمِ كَذا تَتْبَعُها الرّادِفَةُ ولَمْ تَدْخُلْ نُونُ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّهُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ اللّامِ المُقَدَّرَةِ والفِعْلِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: إنَّ جَوابَ القَسَمِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ هُوَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ: قَدْ أتاكَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ والنّازِعاتِ وخَطَّأهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّ الفاءَ لا يُفْتَتَحُ بِها الكَلامُ، وبِالجُمْلَةِ الوَجْهُ الوَجِيهُ هو ما قَدَّمْنا.

النازعات 79:10

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ حِكايَةً لِما يَقُولُهُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ المُكَذِّبُونَ بِالآياتِ النّاطِقَةِ بِهِ إثْرَ بَيانِ وُقُوعِهِ بِطَرِيقِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، وذَكَرَ مُقَدَّماتِهِ الهائِلَةَ وما يَعْرِضُ عِنْدَ وُقُوعِها لِلْقُلُوبِ والأبْصارِ؛ أيْ: يَقُولُونَ إذا قِيلَ لَهُمْ: إنَّكم تُبْعَثُونَ مُنْكِرِينَ لَهُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ ﴿أإنّا لَمَرْدُودُونَ﴾ بَعْدَ مَوْتِنا ﴿فِي الحافِرَةِ﴾ أيْ: في الحالَةِ الأُولى يَعْنُونَ الحَياةَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لَمّا أقْسَمَ عَلى البَعْثِ وبَيَّنَ ذُلَّهم وخَوْفَهم ذَكَرَ هُنا إقْرارَهم بِالبَعْثِ ورَدَّهم إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ فالِاسْتِفْهامُ لِاسْتِغْرابِ ما شاهَدُوهُ بَعْدَ الإنْكارِ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما يَقُولُونَ إذْ ذاكَ، والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ وإنَّ القَوْلَ في الدُّنْيا وأيًّا ما كانَ فَهو مِن قَوْلِهِمْ: «رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ» أيْ طَرِيقَتِهِ الَّتِي جاءَ فِيها فَحَفَرَها؛ أيْ: أثَّرَ فِيها بِمَشْيِهِ، والقِياسُ «المَحْفُورَةُ» فَهي إمّا بِمَعْنى ذا حَفْرٍ أوِ الإسْنادُ مَجازِيٌّ أوِ الكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ بِتَشْبِيهِ القابِلِ بِالفاعِلِ وجَعْلِ الحافِرِيَّةِ تَخْيِيلًا، وذَلِكَ نَظِيرُ ما ذَكَرُوا في ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ويُقالُ لِكُلِّ مَن كانَ في أمْرٍ فَخَرَجَ مِنهُ ثُمَّ عادَ إلَيْهِ رَجَعَ إلى حافِرَتِهِ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: أحافِرَةً عَلى صَلَعٍ وشَيْبٍ مَعاذَ اللَّهِ مِن سَفَهٍ وعارِ يُرِيدُ أأرْجِعُ إلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ في شَبابِي مِنَ الغَزَلِ والتَّصابِي بَعْدَ أنْ شِبْتُ، مَعاذَ اللَّهِ مِن ذاكَ سَفَهًا وعارًا. ومِنهُ المَثَلُ: النَّقْدُ عِنْدَ الحافِرَةِ، فَقَدْ قِيلَ: الحافِرَةُ فِيهِ بِمَعْنى الحالَةِ الأُولى وهي الصَّفْقَةُ أيِ النَّقْدُ حالَ العَقْدِ لَكِنْ نَقَلَ المَيْدانِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ أنَّ مَعْناهُ النَّقْدُ عِنْدَ السَّبْقِ؛ وذَلِكَ أنَّ الفَرَسَ إذا سَبَقَ أخَذَ الرَّهْنَ، والحافِرَةُ الأرْضُ الَّتِي حَفَرَها السّابِقُ بِقَوائِمِهِ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلاتِ، وقِيلَ: «الحافِرَةُ» جَمْعُ الحافِرِ بِمَعْنى القَدَمِ أيْ ﴿يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ﴾ أحْياءٌ نَمْشِي عَلى أقْدامِنا ونَطَأُ بِها الأرْضَ، ولا يَخْفى أنَّ أداءَ اللَّفْظِ هَذا المَعْنى غَيْرُ ظاهِرٍ. وعَنْ مُجاهِدٍ: «الحافِرَةُ» القُبُورُ المَحْفُورَةُ، أيْ: لَمَرْدُودُونَ أحْياءً في قُبُورِنا، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: هي النّارُ وهو كَما تَرى، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «فِي الحَفِرَةِ» بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الفاءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن حَفِرَ اللّازِمِ كَعَلِمَ مُطاوِعِ حُفِرَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: حَفِرَتْ أسْنانُهُ فَحَفِرَتْ حَفَرًا بِفَتْحَتَيْنِ إذا أثَّرَ الأكّالُ في أسْنانِها وتَغَيَّرَتْ، ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى مَعْنى المَحْفُورَةِ، وقِيلَ: هي الأرْضُ المُنْتِنَةُ المُتَغَيِّرَةُ بِأجْسادِ مَوْتاها.

النازعات 79:11

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ تَأْكِيدًا لِإنْكارِ البَعْثِ بِذِكْرِ حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ. والعامِلُ في «إذا» مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ «مَرْدُودُونَ» أيْ: أئِذا كُنّا عِظامًا بالِيَةً نُرَدُّ ونُبْعَثُ مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنَ الحَياةِ، وقَرَأ صفحة 28 نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: «إذا كُنّا» بِإسْقاطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقِيلَ: يَكُونُ خَبَرَ اسْتِهْزاءٍ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِ «مَرْدُودُونَ». وقَرَأ عُمَرُ وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ وابْنُ الزُّبَيْرِ وابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ ومُجاهِدٌ والأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: «ناخِرَةً» بِالألِفِ وهو كَنَخِرَةٍ مِن نَخَرَ العَظْمُ؛ أيْ: بَلِيَ وصارَ أجْوَفَ تَمُرُّ بِهِ الرِّيحُ فَيُسْمَعُ لَهُ نَخِيرٌ؛ أيْ: صَوْتٌ، وقِراءَةُ الأكْثَرِينَ أبْلَغُ؛ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ فَعِلًا أبْلَغُ مِن فاعِلٍ وإنْ كانَتْ حُرُوفُهُ أكْثَرَ، وقَوْلُهُمْ: زِيادَةُ المَبْنى تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى أغْلَبِيٌّ، أوْ إذا اتَّحَدَ النَّوْعُ لا إذا اخْتَلَفَ؛ كَأنْ كانَ فاعِلٌ اسْمَ فاعِلٍ، وفَعِلَ صِفَةً مُشَبَّهَةً، نَعَمْ تِلْكَ القِراءَةُ أوْفَقُ بِرُؤُوسِ الآيِ واخْتِيارُها لِذَلِكَ لا يُفِيدُ اتِّحادَها مَعَ الأُخْرى في المُبالَغَةِ كَما وهِمَ وإلى الأبْلَغِيَّةِ ذَهَبَ المُعْظَمُ، وفُسِّرَتِ النَّخِرَةُ عَلَيْهِ بِالأشَدِّ بِلًى، وقالَ عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: النَّخِرَةُ الَّتِي قَدْ بَلِيَتْ، والنّاخِرَةُ الَّتِي لَمْ تَنْخُرْ بَعْدُ، ونُقِلَ اتِّحادُ المَعْنى عَنِ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ وأبِي حاتِمٍ وآخَرِينَ،

النازعات 79:12

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ حِكايَةً لِكُفْرٍ آخَرَ لَهم مُتَفَرِّعٍ عَلى كُفْرِهِمُ السّابِقِ، ولَعَلَّ تَوْسِيطَ قالُوا بَيْنَهُما لِلْإيذانِ بِأنَّ صُدُورَ هَذا الكُفْرِ عَنْهم لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاطِّرادِ والِاسْتِمْرارِ مِثْلَ كُفْرِهِمُ السّابِقِ المُسْتَمِرِّ صُدُورُهُ عَنْهم في كافَّةِ أوْقاتِهِمْ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ حِكايَتُهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ أيْ: قالُوا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ مُشِيرِينَ إلى ما أنْكَرُوهُ مِنَ الرَّدِّ في الحافِرَةِ مُشْعِرِينَ بِغايَةِ بُعْدِهِ عَنِ الوُقُوعِ: ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ أيْ: ذاتُ خُسْرٍ أوْ خاسِرٌ أصْحابُها؛ أيْ: إذا صَحَّتْ تِلْكَ الرَّجْعَةُ فَنَحْنُ خاسِرُونَ لِتَكْذِيبِنا بِها وأبْرَزُوا ما قَطَعُوا بِانْتِفائِهِ واسْتِحالَتِهِ في صُورَةِ ما يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ وُقُوعُهُ لِمَزِيدِ الِاسْتِهْزاءِ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿خاسِرَةٌ﴾ كاذِبَةٌ؛ أيْ: بِكائِنَةٍ، فَكانَ المَعْنى: تِلْكَ إذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً كَرَّةٌ لَيْسَتْ بِكائِنَةٍ.

النازعات 79:13

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ إنْكارُهم ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ لَمّا كانَ مَدارُهُ اسْتِصْعابَهُمُ الكَرَّةَ رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَقِيلَ: لا تَحْسَبُوا تِلْكَ الكَرَّةَ صَعْبَةً؛ فَإنَّما هي صَيْحَةٌ واحِدَةٌ أيْ: حاصِلَةٌ بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ عَبَّرَ عَنْها بِها تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ اتِّصالِها بِها كَأنَّها عَيْنُها، وقِيلَ: هي راجِعٌ إلى الرّادِفَةِ.

النازعات 79:14

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ حِينَئِذٍ بَيانٌ لِتَرَتُّبِ الكَرَّةِ عَلى الزَّجْرَةِ مُفاجَأةً؛ أيْ: فَإذا هم أحْياءٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ بَعْدَ ما كانُوا أمْواتًا في بَطْنِها، وعَلى الأوَّلِ بَيانٌ لِحُضُورِهِمُ المَوْقِفَ عَقِيبَ الكَرَّةِ الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِالزَّجْرَةِ، والسّاهِرَةُ قِيلَ: وجْهُ الأرْضِ والفَلاةِ، وأنْشَدُوا قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: وفِيها لَحْمُ ساهِرَةٍ وبَحْرٍ وما فاهُوا بِهِ أبَدًا مُقِيمُ وفِي الكَشّافِ: الأرْضُ البَيْضاءُ أيِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها المُسْتَوِيَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ السَّرابَ يَجْرِي فِيها مِن قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ ساهِرَةٌ جارِيَةُ الماءِ وفي ضِدِّها نائِمَةٌ، قالَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: وساهِرَةٍ يُضْحِي السَّرابُ مُجَلِّلًا ∗∗∗ لِأقْطارِها قَدْ جُبْتُها مُتَلَثِّما أوْ لِأنَّ سالِكَها لا يَنامُ خَوْفَ الهَلَكَةِ، وفي الأوَّلِ مَجازٌ عَلى المَجازِ، وعَلى الثّانِي السَّهَرُ عَلى حَقِيقَتِهِ والتَّجَوُّزُ في الإسْنادِ، وحَكى الرّاغِبُ فِيها قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ أنَّها وجْهُ الأرْضِ، والثّانِي أنَّها أرْضُ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: وحَقِيقَتُها الَّتِي يَكْثُرُ الوَطْءُ بِها؛ فَكَأنَّها سَهِرَتْ مِن ذَلِكَ إشارَةً إلى نَحْوِ ما قالَ الشّاعِرُ: تَحَرَّكَ يَقْظانُ التُّرابِ ونائِمُهْ ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السّاهِرَةَ أرْضٌ مِن فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها قَطُّ يَخْلُقُها عَزَّ وجَلَّ حِينَئِذٍ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّها أرْضُ مَكَّةَ، وقِيلَ: وهي الأرْضُ السّابِعَةُ يَأْتِي اللَّهُ تَعالى بِها فَيُحاسِبُ الخَلائِقَ عَلَيْها؛ وذَلِكَ حِينَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: جَبَلٌ بِالشّامِ يَمُدُّهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ لِحَشْرِ النّاسِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ وسُفْيانُ: أرْضٌ قَرِيبَةٌ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: السّاهِرَةُ بِمَعْنى الصَّحْراءِ عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، وقالَ قَتادَةُ: وهي جَهَنَّمُ؛ لِأنَّهُ لا نَوْمَ لِمَن فِيها.

النازعات 79:15

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وتَهْدِيدِهِمْ عَلَيْهِ بِأنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ مَن كانَ أقْوى مِنهم وأعْظَمَ، ومَعْنى: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أنِ اعْتُبِرَ أنَّ هَذا أوَّلُ ما أتاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَدِيثِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ صفحة 29 تَرْغِيبٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في اسْتِماعِ حَدِيثِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُهُ أنا أُخْبِرُكَ بِهِ وإنِ اعْتُبِرَ إتْيانُهُ قَبْلَ هَذا وهو المُتَبادِرُ مِنَ الإيجازِ في الِاقْتِصاصِ ألَيْسَ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهُ ولَيْسَ هَلْ بِمَعْنى قَدْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الوَجْهَيْنِ.

النازعات 79:16

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ظَرْفٌ لِلْحَدِيثِ لا لِلْإتْيانِ لِاخْتِلافِ وقْتَيْهِما، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَفْعُولَ اذْكُرْ مُقَدَّرًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الوادِ المُقَدَّسِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِي: ﴿طُوًى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، والتَّقْدِيرُ: وقالَ لَهُ أوْ قائِلًا لَهُ.

النازعات 79:17

﴿اذْهَبْ﴾ إلَخْ. وقِيلَ: هو تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ أيْ: ناداهُ اذْهَبْ وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ «أنْ» المُفَسِّرَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: «أنِ اذْهَبْ» لِأنَّ في النِّداءِ مَعْنى القَوْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ المَصْدَرِيَّةِ قَبْلَها حَرْفُ جَرٍّ ﴿إنَّهُ طَغى﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ.

النازعات 79:18

﴿فَقُلْ﴾ بَعْدَ ما أتَيْتَهُ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ أيْ: هَلْ لَكَ مَيْلٌ إلى أنْ تَتَزَكّى فَلَكَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و﴿إلى أنْ تَزَكّى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَهَلْ لَكم فِيها إلَيَّ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِما أعْيا النِّطاسِيَّ حِذْيَما قَدْ يُقالُ: هَلْ لَكَ في كَذا فَيُؤْتى بِفي ويُقَدَّرُ المُبْتَدَأُ رَغْبَةٌ ونَحْوُهُ مِمّا يَتَعَدّى بِها، ومِنهم مَن قَدَّرَهُ هُنا «رَغْبَةٌ» لِأنَّها تُعَدّى بِها أيْضًا، وقالَ أبُو البَقاءِ: لَمّا كانَ المَعْنى: أدْعُوكَ جِيءَ بِإلى ولَعَلَّهُ جَعَلَ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقًا بِمَعْنى الكَلامِ أوْ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، و﴿تَزَكّى﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ؛ أيْ: تَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عُمَرَ بِخِلافٍ «تَزَّكّى» بِتَشْدِيدِ الزّايِ وأصْلُهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ تَتَزَكّى فَأُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في الزّايِ.

النازعات 79:19

﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: أُرْشِدُكَ إلى مَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَعْرِفُهُ ﴿فَتَخْشى﴾ إذِ الخَشْيَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ وجَعَلَ الخَشْيَةَ غايَةً لِلْهِدايَةِ لِأنَّها مِلاكُ الأمْرِ، مَن خَشِيَ اللَّهَ تَعالى أتى مِنهُ كُلُّ خَيْرٍ، ومَن أمِنَ اجْتَرَأ عَلى كُلِّ شَرٍّ. ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ««مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ»». وفِي الِاسْتِفْهامِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّلَطُّفِ في الدَّعْوَةِ والِاسْتِنْزالِ عَنِ العُتُوِّ وهَذا ضَرْبُ تَفْصِيلٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ وتَقْدِيمُ التَّزْكِيَةِ عَلى الهِدايَةِ لِأنَّها تَخْلِيَةٌ.

النازعات 79:20

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ جُمَلٍ قَدْ طُوِيَتْ تَعْوِيلًا عَلى تَفْصِيلِها في مَوْضِعٍ آخَرَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَذَهَبَ وكانَ كَيْتَ وكَيْتَ فَأراهُ. واقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الحَواشِي عَلى تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ فَقالَ: إنَّ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ فَأراهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اذْهَبْ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَهو عَلى نَحْوِ: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ﴾ والإراءَةُ إمّا بِمَعْنى التَّعْرِيفِ فَإنَّ اللَّعِينَ حِينَ أبْصَرَها عَرَفَها، وادِّعاءُ سِحْرِيَّتِها إنَّما كانَ إظْهارًا لِلتَّجَلُّدِ ونِسْبَتُها إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّظَرِ إلى الظّاهِرِ كَما أنَّ نِسْبَتَها إلى نُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا﴾ بِالنَّظَرِ إلى الحَقِيقَةِ والمُرادُ بِالآيَةِ الكُبْرى عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَلْبُ العَصا حَيَّةً؛ فَإنَّها كانَتِ المُقَدِّمَةَ والأصْلَ، والأُخْرى كالتَّبَعِ لَها، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ذَلِكَ واليَدُ البَيْضاءُ فَإنَّهُما بِاعْتِبارِ الدَّلالَةِ كالآيَةِ الواحِدَةِ وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُما بِصِيغَةِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ بِاعْتِبارِ ما في تَضاعِيفِهِما مِن بَدائِعِ الأُمُورِ الَّتِي كُلٌّ مِنها آيَةٌ بَيِّنَةٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها مَجْمُوعُ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والوَحْدَةُ بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ والفاءُ لِتَعْقِيبِ أوَّلِها، أوْ مَجْمُوعُها بِاعْتِبارِ أوَّلِها، وكَوْنُها كُبْرى بِاعْتِبارِ مُعْجِزاتِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ هو لِلزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ويَزِيدُهُ بُعْدًا تَرْتِيبُ حَشْرِ السِّحْرِ بَعْدُ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا عَلى إراءَةِ تِينِكَ الآيَتَيْنِ، وإدْبارُهُ عَنِ العَمَلِ بِمُقْتَضاهُما، وأمّا ما عَداهُما مِنَ التِّسْعِ فَإنَّما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةُ عَلى مَهْلٍ في نَحْوٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، وزَعَمَ غُلاةُ صفحة 30 الشِّيعَةِ أنَّ الآيَةَ الكُبْرى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، أراهُ إيّاهُ مُتَطَوِّرَةً رُوحُهُ الكَرِيمَةُ بِأعْظَمِ طَوْرٍ، وهو هَذَيانٌ وراءَ طَوْرِ العَقْلِ وطَوْرِ النَّقْلِ.

النازعات 79:21

﴿فَكَذَّبَ﴾ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَمّى مُعْجِزَتَهُ سِحْرًا، ﴿وعَصى﴾ اللَّهَ تَعالى بِالتَّمَرُّدِ بَعْدَ ما عَلِمَ صِحَّةَ الأمْرِ ووُجُوبِ الطّاعَةِ، أشَدَّ عِصْيانٍ وأقْبَحَهُ حَيْثُ اجْتَرَأ عَلى إنْكارِ وُجُودِ رَبِّ العالَمِينَ رَأْسًا، وكانَ اللَّعِينُ وقَوْمُهُ مَأْمُورِينَ بِعِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَرْكِ العَظَمَةِ الَّتِي يَدَّعِيها الطّاغِيَةُ ويَقْبَلُها مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ لا بِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والقَسْرِ فَقَطْ، وفي جَعْلِ مُتَعَلِّقِ التَّكْذِيبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومُتَعَلِّقِ العِصْيانِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ما لَيْسَ في جَعْلِهِما مُوسى كَما قِيلَ فَكَذَّبَ مُوسى عَصاهُ مِنَ الذَّمِّ كَما لا يَخْفى.

النازعات 79:22

﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ تَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ ﴿يَسْعى﴾ أيْ ساعِيًا مُجْتَهِدًا في إبْطالِ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومُعارَضَةِ الآيَةِ، وثُمَّ لِأنَّ إبْطالَ ذَلِكَ ونَقْضَهُ يَقْتَضِي زَمانًا طَوِيلًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإدْبارُ عَلى حَقِيقَتِهِ أيْ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِ المَجْلِسِ ساعِيًا في إبْطالِ ذَلِكَ، وقِيلَ: أدْبَرَ يَسْعى هارِبًا مِنَ الثُّعْبانِ؛ فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا ألْقى العَصا انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا أشْعَرَ فاغِرًا فاهُ بَيْنَ لَحْيَيْهِ ثَمانُونَ ذِراعًا فَوَضَعَ لَحْيَهُ الأسْفَلَ عَلى الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ فَهَرَبَ فِرْعَوْنُ وأحْدَثَ وانْهَزَمَ النّاسُ مُزْدَحِمِينَ فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا مِن قَوْمِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّها انْقَلَبَتْ حَيَّةً وارْتَفَعَتْ في السَّماءِ قَدْرَ مِيلٍ ثُمَّ انْحَطَّتْ مُقْبِلَةً نَحْوَ فِرْعَوْنَ وجَعَلَتْ تَقُولُ: يا مُوسى، مُرْنِي بِما شِئْتَ، يَقُولُ فِرْعَوْنُ: أنْشُدُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ إلّا أخَذْتَهُ فَأخَذَهُ فَعادَ عَصًى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا إنْ كانَ بَعْدَ حَشْرِ السَّحَرَةِ لِلْمُعارَضَةِ كَما هو المَشْهُورُ فَلا تَظْهَرُ صِحَّةُ إرادَتِهِ هاهُنا إذا أُرِيدَ بِالحَشْرِ بَعْدَ حَشْرِهِمْ وإنْ كانَ بَعْدَ التَّكْذِيبِ والعِصْيانِ وقَبْلَ الحَشْرِ فَلا يَظْهَرُ تَراخِيهِ عَنِ الأوَّلَيْنِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ ثُمَّ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِبْعادِ إدْبارِهِ مَرْعُوبًا مُسْرِعًا مَعَ زَعْمِهِ الإلَهِيَّةَ وقِيلَ: أُرِيدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ ثُمَّ أقْبَلَ يَفْعَلُ؛ أيْ: أنْشَأ، لَكِنْ جَعَلَ الإدْبارَ مَوْضِعَ الإقْبالِ تَلْمِيحًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ كانَ عَلَيْهِ دَمارًا وإدْبارًا.

النازعات 79:23

﴿فَحَشَرَ﴾ أيْ: فَجَمَعَ السَّحَرَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ أيْ: ما يَكادُ بِهِ مِنَ السَّحَرَةِ وآلاتِهِمْ وقِيلَ: جَمَعَ جُنُودَهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ جَمَعَ أهْلَ مَمْلَكَتِهِ. ﴿فَنادى﴾ في المَجْمَعِ نَفْسِهِ أوْ بِواسِطَةِ المُنادِي وأُيِّدَ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ وعَلى الثّانِي فِيهِ تَقْدِيرٌ؛ أيْ: فَقالَ: يَقُولُ فِرْعَوْنُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ﴾ إلَخْ. مَعَ ما في الثّانِي مِنَ التَّجَوُّزِ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ قامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقالَ تِلْكَ العَظِيمَةَ، وأرادَ اللَّعِينُ تَفْضِيلَ نَفْسِهِ عَلى كُلِّ مَن يَلِي أُمُورَهم.

النازعات 79:24

﴿فَحَشَرَ﴾ أيْ: فَجَمَعَ السَّحَرَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ أيْ: ما يَكادُ بِهِ مِنَ السَّحَرَةِ وآلاتِهِمْ وقِيلَ: جَمَعَ جُنُودَهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ جَمَعَ أهْلَ مَمْلَكَتِهِ. ﴿فَنادى﴾ في المَجْمَعِ نَفْسِهِ أوْ بِواسِطَةِ المُنادِي وأُيِّدَ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ وعَلى الثّانِي فِيهِ تَقْدِيرٌ؛ أيْ: فَقالَ: يَقُولُ فِرْعَوْنُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ﴾ إلَخْ. مَعَ ما في الثّانِي مِنَ التَّجَوُّزِ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ قامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقالَ تِلْكَ العَظِيمَةَ، وأرادَ اللَّعِينُ تَفْضِيلَ نَفْسِهِ عَلى كُلِّ مَن يَلِي أُمُورَهم.

النازعات 79:25

﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ النَّكالُ بِمَعْنى التَّنْكِيلِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ؛ وهو التَّعْذِيبُ الَّذِي يُنَكِّلُ مَن رَآهُ أوْ سَمِعَهُ ويَمْنَعُهُ مِن تَعاطِي ما يُفْضِي إلَيْهِ وهو نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ كِ ( وعْدَ اللَّهِ ) و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: نَكَّلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى، وهو الإحْراقُ في الآخِرَةِ والإغْراقُ والإذْلالُ في الدُّنْيا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأخَذَ؛ أيْ: أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى أخْذَ نَكالِ الآخِرَةِ... إلَخْ. وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ: أخَذَهُ لِأجْلِ نَكالٍ إلَخْ. وأنْ يَكُونَ نَصْبًا بِنَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ: أخَذَهُ بِنَكالِ الآخِرَةِ والأُولى، وإضافَتُهُ إلى الدّارَيْنِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِ نَفْسِ الأخْذِ فِيهِما لا بِاعْتِبارِ أنَّ ما فِيهِ مِن مَعْنى المَنعِ يَكُونُ فِيهِما؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ في الآخِرَةِ بَلْ في الدُّنْيا؛ فَإنَّ العُقُوبَةَ الأُخْرَوِيَّةَ تُنَكِّلُ مَن سَمِعَها وتَمْنَعُهُ مِن تَعاطِي ما يُؤَدِّي إلَيْها فِيها، وأنْ يَكُونَ في تَأْوِيلِ المُشْتَقِّ حالًا، وإضافَتُهُ عَلى مَعْنى فِي؛ أيْ: مُنَكِّلًا لِمَن رَآهُ أوْ سَمِعَ بِهِ في الآخِرَةِ والأُولى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلَيْهِ لامِيَّةً، وحَمْلُ الآخِرَةِ والأُولى عَلى الدّارَيْنِ هو الظّاهِرُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِما، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ والشَّعْبِيِّ أنَّ الآخِرَةَ قَوْلَتُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ والأُولى قَوْلَتُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ وقِيلَ بِالعَكْسِ فَهُما كَلِمَتانِ صفحة 31 وكانَ بَيْنَهُما عَلى ما قالُوا أرْبَعُونَ سَنَةً، وقالَ أبُو رَزِينٍ: «الأُولى» حالَةُ كُفْرِهِ وعِصْيانِهِ، «والآخِرَةُ» قَوْلَتُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُما عِبارَتانِ عَنْ أوَّلِ مَعاصِيهِ وآخِرِها؛ أيْ؛ نُكِّلَ بِالجَمِيعِ، والإضافَةُ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ مِن إضافَةِ المُسَبَّبِ إلى السَّبَبِ، ومَآلُ مَن يَقُولُ بِقَبُولِ إيمانِ فِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الأقْوالِ، وجُعِلَ ذَلِكَ النَّكالُ الإغْراقَ في الدُّنْيا وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في هَذا المَقامِ.

النازعات 79:26

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وما فَعَلَ وما فُعِلَ بِهِ ﴿لَعِبْرَةً﴾ عَظِيمَةً ﴿لِمَن يَخْشى﴾ أيْ: لِمَن شَأْنُهُ أنْ يَخْشى وهو مَن مِن شَأْنِهِ المَعْرِفَةُ، وهَذا إمّا لِأنَّ مَن كانَ في خَشْيَةٍ لا يَحْتاجُ لِلِاعْتِبارِ أوْ لِيَشْمَلَ مَن يَخْشى بِالفِعْلِ ومَن كانَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ.

النازعات 79:27

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا﴾ خِطابٌ لِلْمُخاطَبِينَ في جَوابِ القَسَمِ؛ أعْنِي: لَتُبْعَثُنَّ مِن أهْلِ مَكَّةَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ بِناءً عَلى صُعُوبَتِهِ في زَعْمِهِمْ بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ بَعْدَ ما بُيِّنَ كَمالُ سُهُولَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ونُصِبَ ﴿خَلْقًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ؛ أيْ: أخَلْقُكم بَعْدَ مَوْتِكم ﴿أشَدُّ﴾ أيْ: أشَقُّ وأصْعَبُ في تَقْدِيرِكم ﴿أمِ السَّماءُ﴾ أيْ: أمْ خَلْقُ السَّماءِ عَلى عِظَمِها وانْطِوائِها عَلى تَعاجِيبِ البَدائِعِ الَّتِي تَحارُ العُقُولُ عَنْ مُلاحَظَةِ أدْناها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَناها﴾ إلَخْ... بَيانٌ وتَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِها المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ السَّماءُ﴾ . وفِي عَدَمِ ذِكْرِ الفاعِلِ فِيهِ وفِيما عُطِفَ مِنَ الأفْعالِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى تَعْيِينِهِ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ عَزَّ وجَلَّ ما لا يَخْفى.

النازعات 79:28

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ بَيانٌ لِلْبِناءِ؛ أيْ: جَعَلَ مِقْدارَ ارْتِفاعِها مِنَ الأرْضِ وذَهابِها إلى سَمْتِ العُلُوِّ مَدِيدًا رَفِيعًا، وجُوِّزَ أنْ يُفَسَّرَ السُّمْكُ بِالثَّخَنِ؛ فالمَعْنى: جَعَلَ ثَخَنَها مُرْتَفِعًا في جِهَةِ العُلُوِّ. ويُقالُ لِلثَّخَنِ سُمْكٌ لِما فِيهِ مِنَ ارْتِفاعِ السَّطْحِ الأعْلى عَنِ السَّطْحِ الأسْفَلِ، وإذا لُوحِظَ هَذا الِامْتِدادُ العُلُوُّ لِلسُّفْلِ قِيلَ: لَهُ عُمْقٌ، ونَظِيرُ ذَلِكَ الدُّرْجُ والدَّرْكُ، وقَدْ جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ أنَّ ارْتِفاعَ السَّماءِ الدُّنْيا عَنِ الأرْضِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وارْتِفاعَ كُلِّ سَماءٍ عَنْ سَماءٍ وثَخَنَ كُلٍّ كَذَلِكَ، والظّاهِرُ تَقْدِيرُ ذَلِكَ بِالسَّيْرِ المُتَعارَفِ، وأنَّ المُرادَ بِالعَدَدِ المَذْكُورِ التَّحْدِيدُ دُونَ التَّكْثِيرِ ونَحْنُ مَعَ الظّاهِرِ إلّا أنْ يَمْنَعَ عَنْهُ مانِعٌ. ﴿فَسَوّاها﴾ أيْ: جَعَلَها سَواءً فِيما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ فَلَمْ يَخْلُ عَزَّ وجَلَّ قِطْعَةً مِنها عَمّا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فِيها، ومِن ذَلِكَ تَزْيِينُها بِالكَواكِبِ، وقِيلَ: تَسْوِيَتُها جَعْلُها مَلْساءَ لَيْسَ في سَطْحِها انْخِفاضٌ وارْتِفاعٌ، وقِيلَ: جَعَلَها بَسِيطَةً مُتَشابِهَةَ الأجْزاءِ والشَّكْلِ فَلَيْسَ بَعْضُها سَطْحًا وبَعْضُها زاوِيَةً وبَعْضُها خَطًّا، وهو قَوْلٌ بِكُرِّيَّتِها الحَقِيقِيَّةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ. وقالُوا: وحَكاهُ الإمامُ لِما ثَبَتَ أنَّها مُحْدَثَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى فاعِلٍ مُخْتارٍ فَأيُّ ضَرَرٍ في الدِّينِ يَنْشَأُ مِن كَوْنِها كُرِّيَّةً، وقِيلَ: تَسْوِيَتُها تَتْمِيمُها بِما يَتِمُّ بِهِ كَمالُها مِنَ الكَواكِبِ والمُتَمِّماتِ والتَّداوِيرِ وغَيْرِها مِمّا بُيِّنَ في عِلْمِ الهَيْئَةِ مِن قَوْلِهِمْ: «سَوّى أمْرَهُ» أيْ: أصْلَحَهُ أوْ مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوَتِ الفاكِهَةُ إذا نَضِجَتْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مَعَ بِنائِهِ عَلى اتِّحادِ السَّماواتِ والأفْلاكِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في الصَّدْرِ الأوَّلِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِعَدَمِ وُرُودِهِ عَنْ صاحِبِ المِعْراجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَدَمِ ظُهُورِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، والأدِلَّةُ الَّتِي يَذْكُرُها الهَيْئَةُ لِتِلْكَ الأُمُورِ لا يَخْفى حالُها، ولِذا لَمْ يَقُلْ بِما تَقْتَضِيهِ مُخالِفُوهم مِن أهْلِ الهَيْئَةِ اليَوْمَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

النازعات 79:29

﴿وأغْطَشَ لَيْلَها﴾ أيْ: جَعَلَهُ مُظْلِمًا، يُقالُ: غَطَشَ اللَّيْلُ وأغْطَشَهُ اللَّهُ تَعالى كَما يُقالُ: ظَلَمَ وأظْلَمَهُ، ويُقالُ أيْضًا: أغْطَشَ اللَّيْلَ كَما يُقالُ: أظْلَمَ، وجاءَ: لَيْلَةٌ غَطْشاءُ، ولَيْلٌ أغْطَشُ وغَطِشٌ، قالَ الأعْشى: عَقَرْتُ لَهم ناقَتِي مُوهِنًا فَلَيْلُهم مُدْلَهِمٌّ غَطِشْ وفِي البَحْرِ عَنْ كِتابِ اللُّغاتِ في القُرْآنِ: ( أغْطَشَ ) أظْلَمَ بِلُغَةِ أنْمارَ وأشْعَرَ. ﴿وأخْرَجَ ضُحاها﴾ أيْ: أبْرَزَ نَهارَها، والضُّحى في الأصْلِ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ انْبِساطُ الشَّمْسِ وامْتِدادُ النَّهارِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الوَقْتُ صفحة 32 المَعْرُوفُ، وشاعَ في ذَلِكَ وتُجُوِّزَ بِهِ عَنِ النَّهارِ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: ضُحى شَمْسِها أيْ: ضَوْءُ شَمْسِها وكَنّى بِذَلِكَ عَنِ النَّهارِ، والأوَّلُ أقْرَبُ، وعَبَّرَ عَنِ النَّهارِ بِالضُّحى لِأنَّهُ أشْرَفُ أوْقاتِهِ وأطْيَبُها وفِيهِ مِنَ انْتِعاشِ الأرْواحِ ما لَيْسَ في سائِرِها فَكانَ أوْفَقَ لِمَقامِ تَذْكِيرِ الحُجَّةِ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ وإعادَةِ الأرْواحِ إلى أبْدانِها. وقِيلَ: إنَّهُ لِذَلِكَ كانَ أحَقَّ بِالذِّكْرِ في مَقامِ الِامْتِنانِ وإضافَةُ اللَّيْلِ والضُّحى إلى السَّماءِ لِأنَّهُما يَحْدُثانِ بِسَبَبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وطُلُوعِها وهي سَماوِيَّةٌ، أوْ وهُما إنَّما يَحْصُلانِ بِسَبَبِ حَرَكَتِها عَلى القَوْلِ بِحَرَكَتِها لِاتِّحادِها مَعَ الفَلَكِ أوْ وهُما إنَّما يَحْصُلانِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الشَّمْسِ في فَلَكِها فِيها عَلى القَوْلِ بِأنَّ السَّماءَ والفَلَكَ مُتَغايِرانِ، والمُتَحَرِّكُ إنَّما هو الكَوْكَبُ في الفَلَكِ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وإنَّ الفَلَكَ لَيْسَ إلّا مَجْرى الكَوْكَبِ في السَّماءِ، وقِيلَ: أُضِيفا إلَيْها لِأنَّهُما أوَّلُ ما يَظْهَرانِ مِنها؛ إذْ أوَّلُ اللَّيْلِ بِإقْبالِ الظَّلامِ مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، وأوَّلُ النَّهارِ بِطُلُوعِ الفَجْرِ وإقْبالِ الضِّياءِ مِنهُ، وفي الكَشّافِ: أُضِيفَ اللَّيْلُ والشَّمْسُ إلى السَّماءِ لِأنَّ اللَّيْلَ ظِلُّها، والشَّمْسُ هي السِّراجُ المُثَقَّبُ في جَوِّها، واعْتُرِضَ بِأنَّ اللَّيْلَ ظِلُّ الأرْضِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ اعْتِبارٌ بِمَرْأى النّاظِرِ كَذَلِكَ كَما أنَّ زِينَةَ السَّماءِ الدُّنْيا أيْضًا اعْتِبارٌ بِمَرْأى النّاظِرِ. وقِيلَ: إضافَتُهُما إلَيْها بِاعْتِبارِ أنَّهُما إنَّما يَحْدُثانِ تَحْتَها وشَمَلا بِهَذا الِاعْتِبارِ ما لَمْ يَكَدْ يَخْطُرُ في أذْهانِ العَرَبِ مِن لَيْلٍ ونَهارٍ طُولُ كُلٍّ مِنهُما سِتَّةُ أشْهُرٍ، وهُما لَيْلٌ ونَهارٌ عَرْضُ تِسْعِينَ حَيْثُ الدَّوْرُ رَحَوِيٌّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهم قالُوا: إنَّ ظِلَّ الأرْضِ المَخْرُوطِيَّ يَنْتَهِي إلى فَلَكِ الزُّهْرَةِ وهي في السَّماءِ الثّالِثَةِ فالحَصْرُ غَيْرُ تامٍّ وفِيهِ نَظَرٌ فَتَأمَّلْ، وبِالجُمْلَةِ الإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ.

النازعات 79:30

﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ السَّماءِ وإغْطاشِ اللَّيْلِ وإخْراجِ النَّهارِ دُونَ خَلْقِ السَّماءِ فَقَطْ، وانْتِصابُ ( الأرْضِ ) بِمُضْمَرٍ قِيلَ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: تَذَكَّرْ أوْ تَدَبَّرْ أوِ اذْكُرْ وسَتَعْلَمُ ما في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دَحاها﴾ بَسَطَها ومَدَّها لِسُكْنى أهْلِها وتَقَلُّبِهِمْ في أقْطارِها مِنَ الدَّحْوِ أوِ الدَّحْيِ بِمَعْنى البَسْطِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها فَهم قُطّانُها حَتّى التَّنادِي وقِيلَ: ﴿دَحاها﴾ سَوّاها، وأنْشَدُوا قَوْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقالا دَحاها فَلَمّا اسْتَوَتْ شَدَّها ∗∗∗ بِأيْدٍ وأرْسى عَلَيْها الجِبالا والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ، وأنْشَدَ الإمامُ بَيْتَ زَيْدٍ فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ دَحْوَها بَعْدَ خَلْقِها، وقِيلَ: مَعَ خَلْقِها فالمُرادُ خَلْقُها مَدْحُوَّةً، ورُوِيَ الأوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ودُفِعَ بِهِ تَوَهُّمُ تَعارُضٍ بَيْنَ آيَتَيْنِ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: آيَتانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى تُخالِفُ إحْداهُما الأُخْرى، فَقالَ: إنَّما أُتِيتَ مِن قِبَلِ رَأْيِكَ؛ اقْرَأْ قالَ: ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ - حَتّى بَلَغَ - ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماءَ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ما خَلَقَ السَّماءَ، وإنَّما قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿دَحاها﴾ بَسَطَها، وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّ الجِسْمَ العَظِيمَ يَكُونُ ظاهِرُهُ كالسَّطْحِ المُسْتَوِي ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ هَذا الجِسْمُ العَظِيمُ مَخْلُوقًا ولا يَكُونُ ظاهِرُهُ مَدَحُوًّا مَبْسُوطًا، وأُجِيبَ أنَّهُ لَعَلَّ مُرادَ القائِلِ بِخَلْقِها أوَّلًا ثُمَّ دَحْوِها ثانِيًا خَلْقُ مادَّتِها أوَّلًا ثُمَّ تَرْكِيبُها وإظْهارُها عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ والشَّكْلِ مَدْحُوَّةً مَبْسُوطَةً، وهَذا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ إنَّ السَّماءَ خُلِقَتْ مادَّتُها أوَّلًا ثُمَّ سُوِّيَتْ وأُظْهِرَتْ عَلى صُورَتِها اليَوْمَ، وعَنِ الحَسَنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ يَوْمَ خُلِقَتْ قَبْلَ الدَّحْوِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ، ويُشْعِرُ بِأنَّها لَمْ تَكُنْ عَلى عِظَمِها اليَوْمَ، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِشَيْءٍ آخَرَ؛ وهو أنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: صفحة 33 ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ الآيَةَ. فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ خَلْقَ ما في الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ خَلْقَ ما فِيها إنَّما هو بَعْدَ الدَّحْوِ فَكَيْفَ يَكُونُ الدَّحْوُ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ( خَلَقَ ) في الآيَةِ بِمَعْنى قَدَّرَ أوْ أرادَ الخَلْقَ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ فِيها الإيجادُ بِالفِعْلِ ضَرُورَةَ أنَّ جَمِيعَ المَنافِعِ الأرْضِيَّةِ يَتَجَدَّدُ إيجادُها أوَّلًا فَأوَّلًا سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ الإيجادُ بِالفِعْلِ لَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلْقَ مادَّةِ ذَلِكَ بِالفِعْلِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ ( ثُمَّ ) عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ لِأنَّ خَلْقَ السَّماءِ أعْجَبُ مِن خَلْقِ الأرْضِ، وقالَ عِصامُ الدِّينِ: إنَّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ هُنا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ يَعْنِي: فَعَلَ بِالأرْضِ ما فَعَلَ بَعْدَ ما سَمِعَتْ في السَّماءِ، والمُرادُ التَّأْخِيرُ في الأخْبارِ فَخَلْقُ الأرْضِ ودَحْوُها وإخْراجُ مائِها ومَرْعاها وإرْساءُ الجِبالِ عَلَيْها عِنْدَهُ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ آيَةِ البَقَرَةِ وظاهِرُ آيَةِ الدُّخانِ، وأُيِّدَ حَمْلُ البَعْدِيَّةِ عَلى ما ذُكِرَ بِأنَّ حَمْلَها عَلى ظاهِرِها مَعَ حَمْلِ الإشارَةِ عَلى الإشارَةِ إلى مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ مِمّا سَمِعْتَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنَّ إغْطاشَ اللَّيْلِ وإبْرازَ النَّهارِ كانا قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ ودَحْوِها وذَلِكَ مِمّا لا يَتَسَنّى عَلى تَقْدِيرِ أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ أصْلًا، ومِمّا يَبْعُدُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها مَخْلُوقَةٌ غَيْرُ عَظِيمَةٍ، وأيْضًا قِيلَ: لَوْ لَمْ تَحْمِلِ البَعْدِيَّةُ ما ذُكِرَ وقِيلَ بِنَحْوِ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مِن تَأخُّرِ الدَّحْوِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ مَعَ تَقَدُّمِ خَلْقِ الأرْضِ مِن غَيْرِ دَحْوٍ عَلى خَلْقِها لَمْ تَنْحَسِمْ مادَّةُ الإشْكالِ؛ إذْ آيَةُ الدُّخانِ ظاهِرَةٌ في أنَّ جَعْلَ الرَّواسِي في الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ وتَسْوِيَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ إلى آخِرِها ظاهِرَةٌ في أنَّ جَعْلَ الرَّواسِي بَعْدُ، وبِالجُمْلَةِ أنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ أوْ مُؤَخَّرٌ؟ فَقالَ ابْنُ الطّاشْكَبْرِي: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ، واخْتارَهُ جَمْعٌ لَكِنَّهم قالُوا: إنَّ خَلْقَ ما فِيها مُؤَخَّرٌ، وأجابُوا عَمّا هُنا، وآيَةُ البَقَرَةِ بِأنَّ الخَلْقَ فِيها بِمَعْنى التَّقْدِيرِ أوْ بِمَعْنى الإيجادِ وتَقْدِيرِ الإرادَةِ، وأنَّ البَعْدِيَّةَ هاهُنا لِإيجادِ الأرْضِ وجَمِيعِ ما فِيها وعَمّا هُنا، وآيَةُ الدُّخانِ بِنَحْوِ ذَلِكَ فَقَدَّرُوا الإرادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ وقالُوا: يُؤَيِّدُ ما ذُكِرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ ﴿ائْتِيا﴾ في الوُجُودِ ولَوْ كانَتِ الأرْضُ مَوْجُودَةً سابِقَةً لَما صَحَّ هَذا فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي أرادَ إيجادَ الأرْضِ وما فِيها مِنَ الرَّواسِي والأقْواتِ في أرْبَعَةِ أيّامٍ ثُمَّ قَصَدَ إلى السَّماءِ فَتَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِإيجادِ السَّماءِ والأرْضِ فَأطاعا لِأمْرِ التَّكْوِينِ فَأوْجَدَ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ، وأوْجَدَ الأرْضَ وما فِيها في أرْبَعَةِ أيّامٍ، ونُكْتَةُ تَقْدِيمِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها في الظّاهِرِ في سُورَتَيِ البَقَرَةِ والدُّخانِ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والعَكْسِ هاهُنا أنَّ المَقامَ في الأوَّلَيْنِ مَقامُ الِامْتِنانِ وتَعْدادِ النِّعَمِ عَلى أهْلِ الكُفْرِ والإيمانِ، فَمُقْتَضاهُ تَقْدِيمُ ما هو نِعْمَةٌ بِالنَّظَرِ إلى المُخاطَبِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: هو الَّذِي دَبَّرَ أمْرَكم قَبْلَ السَّماءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ. والمَقامُ هُنا مَقامُ بَيانِ كَمالِ القُدْرَةِ فَمُقْتَضاهُ تَقْدِيمُ ما هو أدَلُّ انْتَهى. وفِي الكَشْفِ: أطْبَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ تَمَّ خَلْقُ الأرْضِ وما فِيها في أرْبَعَةِ أيّامٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ في يَوْمَيْنِ إلّا ما نَقَلَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ الأرْضِ فَضْلًا عَنْ دَحْوِها، والكَلامُ مَعَ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الإيجادِ والدَّحْوِ وما قِيلَ إنَّ دَحْوَ الأرْضِ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ لا عَنْ تَسْوِيَتِها يُرَدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى السّابِقِ وهو رَفْعُ السُّمْكِ والتَّسْوِيَةُ، والجَوابُ بِتَراخِي الرُّتْبَةِ لا يَتِمُّ لِما نُقِلَ مِن إطْباقِ المُفَسِّرِينَ، فالوَجْهُ أنْ يُجْعَلَ «الأرْضَ» مَنصُوبًا بِمُضْمَرٍ نَحْوَ: تَذَكَّرْ وتَدَبَّرْ واذْكُرِ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، وإنَّ جُعِلَ مُضْمَرًا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ جُعِلَ بَعْدَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المَذْكُورِ سابِقًا مِن ذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ لا خَلْقِ السَّماءِ نَفْسِهِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ مُتَأخِّرٌ في الذِّكْرِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ قاصِرٌ في الدَّلالَةِ عَنِ الأوَّلِ لَكِنَّهُ تَتْمِيمٌ كَما تَقُولُ جُمَلًا ثُمَّ تَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْتَ وكَيْتَ، وهَذا كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ والعَجَمِ وكانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِهَذا صفحة 34 المَعْنى عَكْسُهُ إذا اسْتُعْمِلَ لِتَراخِي الرُّتْبَةِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ «ثُمَّ» بِهَذا المَعْنى وكَذا الفاءُ وهَذا لا يُنافِي قَوْلَ الحَسَنِ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ عَلَيْها دُخانٌ مُلْتَزِقٌ بِها ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَّماواتِ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها وبَسَطَ مِنها الأرْضَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ الآيَةَ. فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ السَّماءِ دُخانًا سابِقٌ عَلى دَحْوِ الأرْضِ وتَسْوِيَتِها وهو كَذَلِكَ بَلْ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وإيجادُ الجَوْهَرَةِ النُّورِيَّةِ والنَّظَرُ إلَيْها بِعَيْنِ الجَلالِ المُبَطَّنِ بِالرَّحْمَةِ والجَمالِ وذَوْبُها وامْتِيازُ لَطِيفِها عَنْ كَثِيفِها وصُعُودُ المادَّةِ الدُّخانِيَّةِ اللَّطِيفَةِ وبَقاءُ الكَثِيفِ هَذا كُلُّهُ سابِقٌ عَلى الأيّامِ السِّتَّةِ، وثَبَتَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ ولا يُنافِي الآياتِ، وأمّا ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ واخْتارَهُ الإمامُ فَلا إشْكالَ فِيهِ، ويَتَعَيَّنُ ثَمَّ في سُورَتَيِ البَقَرَةِ والسَّجْدَةِ عَلى تَراخِي الرُّتْبَةِ وهو أوْفَقُ لِمَشْهُورِ قَواعِدِ الحُكَماءِ، لَكِنْ لا يُوافِقُ ما رُوِيَ «أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جِرْمَ الأرْضِ يَوْمَ الأحَدِ ويَوْمَ الِاثْنَيْنِ، ودَحاها وخَلَقَ ما فِيها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ، وخَلَقَ السَّماواتِ وما فِيها في يَوْمِ الخَمِيسِ والجُمْعَةِ، وفي آخِرِ يَوْمِ الجُمْعَةِ ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ» انْتَهى. والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ تَسْوِيَةَ السَّماءِ بِما فِيها سابِقَةٌ عَلى تَسْوِيَةِ الأرْضِ بِما فِيها؛ لِظُهُورِ أمْرِ العِلِّيَّةِ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وأمْرِ المَعْلُولِيَّةِ في الأجْرامِ السُّفْلِيَّةِ، ويُعْلَمُ تَأْوِيلُ ما يُنافِي ذَلِكَ مِمّا سَمِعْتَ، وأمّا الخَبَرُ الأخِيرُ فَفي صِحَّتِهِ مَقالٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، وقَدْ مَرَّ شَيْءٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ، وإنَّما أعَدْنا الكَلامَ فِيهِ تَذْكِيرًا لِذَوِي الأفْهامِ فَتَأمَّلْ. واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِتَحْصِيلِ المَرامِ.

النازعات 79:31

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها﴾ بِأنْ فَجَرَ مِنها عُيُونًا وأجْرى أنْهارًا ﴿ومَرْعاها﴾ يَقَعُ عَلى الرِّعْيِ بِالكَسْرِ وهو الكَلَأُ والرَّعْيِ بِالفَتْحِ وهو المَصْدَرُ وكَذا عَلى المَوْضِعِ والزَّمانِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ في الأصْلِ لِلْمَوْضِعِ ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّهُ أشْهَرُ مَعانِيهِ والمُناسِبُ لِلْمَقامِ المَعْنى الأوَّلُ لَكِنَّهُ قِيلَ إنَّهُ خاصٌّ بِما يَأْكُلُهُ الحَيَوانُ غَيْرُ الإنْسانِ وتُجُوِّزَ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ المَأْكُولِ لِلْإنْسانِ وغَيْرِهِ؛ فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ مِن قَبِيلِ المَرْسَنِ. وقالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مُنْكِرِي الحَشْرِ بِشَهادَةِ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّها المُعانِدُونَ المَلْزُوزُونَ في قَرْنِ البَهائِمِ في التَّمَتُّعِ بِالدُّنْيا والذُّهُولِ عَنِ الآخِرَةِ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِدَحاها وتَكْمِلَةٌ لَهُ؛ فَإنَّ السُّكْنى لا تَتَأتّى بِمُجَرَّدِ البَسْطِ والتَّمْهِيدِ بَلْ لا بُدَّ مِن تَسْوِيَةِ أمْرِ المَعاشِ مِنَ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ وكِلا الوَجْهَيْنِ مُقْتَضٍ لِتَجْرِيدِ الجُمْلَةِ عَنِ العاطِفِ.

النازعات 79:32

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجِبالَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أرْساها﴾ أيْ: أثْبَتَها وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الرُّسُوَّ المَنسُوبَ إلَيْها في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ لَيْسَ مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِها ولِلْفَلاسِفَةِ المُحْدَثِينَ كَلامٌ في أمْرِ الأرْضِ وكَيْفِيَّةِ بَدْئِها لا مُسْتَنَدَ لَهم فِيهِ إلّا آثارٌ أرْضِيَّةٌ يَزْعُمُونَ دَلالَتَها عَلى ذَلِكَ هي في أسْفَلِ الأرْضِ عَنْ ساحَةِ القَبُولِ، وقَرَأ عِيسى بِرَفْعِ «الأرْضُ» والحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السَّمّالِ بِرَفْعِ «الأرْضُ» «والجِبالُ» وهو عَلى ما قِيلَ عَلى الِابْتِداءِ، وتَعَقَّبَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ ذَلِكَ مَرْجُوحٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ عَلى فِعْلِيَّةٍ وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَناها﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِ السَّماءِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ بَيانٌ لِلْبِناءِ ولَيْسَ لِدَحْوِ الأرْضِ وما بَعْدَهُ دَخَلَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْطَفُ عَلَيْهِ ما هو مَعْطُوفٌ عَلى المَجْمُوعِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والمُعْتَبَرُ فِيهِ تَناسُبُ القِصَّتَيْنِ وهو حاصِلٌ هُنا فَلا ضَيْرَ في الِاخْتِلافِ بَلْ فِيهِ نَوْعُ تَنْبِيهٍ عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ﴾ إلَخْ عَلى القِراءَتَيْنِ لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ لِأنَّها لا تَصْلُحُ بَيانًا لِبِناءِ السَّماءِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ وحِينَئِذٍ يُقَدَّرُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ أيْ: فَعَلَ ما فَعَلَ في السَّماءِ، وجُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلى قِراءَةِ الآخَرِينَ أيِ السَّماءُ وما يَتَعَلَّقُ بِها مَخْلُوقٌ لَهُ تَعالى، وجُوِّزَ عَطْفُ «الأرْضُ» بِالرَّفْعِ عَلى «السَّماءُ» مِن حَيْثُ المَعْنى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: السَّماءُ أشَدُّ خَلْقًا والأرْضُ بَعْدَ ذَلِكَ أيْ والأرْضُ بَعْدَ صفحة 35 ما ذُكِرَ مِنَ السَّماءِ أشَدُّ خَلْقًا فَيَكُونُ وِزانَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دَحاها﴾ إلَخْ وِزانَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَناها﴾ إلَخْ. وحِينَئِذٍ فَلا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِتَأخُّرِ دَحْوِ الأرْضِ عَنْ بِناءِ السَّماءِ.

النازعات 79:33

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ قِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ تَمْتِيعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ؛ لِأنَّ فائِدَةَ ما ذُكِرَ مِنَ الدَّحْوِ وإخْراجِ الماءِ والمَرْعى واصِلَةٌ إلَيْهِمْ ولِأنْعامِهِمْ؛ فَإنَّ المَرْعى كَما سَمِعْتَ مَجازٌ عَمّا يَأْكُلُهُ الإنْسانُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المُضْمَرِ؛ أيْ: مَتَّعَكم بِذَلِكَ مَتاعًا أوْ مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ في مَعْنى: مَتَّعَ بِذَلِكَ، وأُورِدَ عَلى الأوَّلِ أنَّ الخِطابَ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، والمَقْصُودُ هو تَمْتِيعُ المُؤْمِنِينَ فَلا يُلائِمُ جَعْلَ تَمْتِيعِ الآخَرِينَ كالغَرَضِ؛ فالأوْلى ما بَعْدَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ خِطابَ المُشافَهَةِ وإنْ كانَ خاصًّا بِالحاضِرِينَ إلّا أنَّ حُكْمَهُ عامٌّ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، فالمَآلُ إلى تَمْتِيعِ الجِنْسِ، وأيْضًا النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ لا يَدْفَعُ المَحْذُورَ؛ لِكَوْنِهِ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ المَقْصُودِ ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ المَقْصُودِ هو تَمْتِيعُ المُؤْمِنِينَ مَحَلُّ بَحْثٍ.

النازعات 79:34

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ إلَخْ شُرُوعٌ في بَيانِ مَعادِهِمْ إثْرَ بَيانِ أحْوالِ مَعاشِهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَتاعًا﴾ إلَخْ. والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها عَلى ما قِيلَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ لَفْظُ المَتاعِ، والطّامَّةُ أعْظَمُ الدَّواهِي؛ لِأنَّهُ مِن طَمَّ بِمَعْنى عَلا كَما ورَدَ في المَثَلِ: جَرى الوادِي فَطَمَّ عَلى القُرى، وجاءَ السَّيْلُ فَطَمَّ الرَّكِيَّ. وعُلُوُّها عَلى الدَّواهِي غَلَبَتُها عَلَيْها فَيَرْجِعُ لِما ذُكِرَ قَبْلُ، فَوَصْفُها «بِالكُبْرى» لِلتَّأْكِيدِ ولَوْ فُسِّرَ كَوْنُها طامَّةً بِكَوْنِها غالِبَةً لِلْخَلائِقِ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها لَكانَ الوَصْفُ مُخَصِّصًا، وقِيلَ: كَوْنُها طامَّةً بِاعْتِبارِ أنَّها تَغْلِبُ وتَفُوقُ ما عَرَفُوهُ مِن دَواهِي الدُّنْيا، وكَوْنُها كُبْرى بِاعْتِبارِ أنَّها أعْظَمُ مِن جَمِيعِ الدَّواهِي مُطْلَقًا، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ﴿الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ صارَتْ كالعَلَمِ لِلْقِيامَةِ، ورُوِيَ كَوْنُها اسْمًا مِن أسْمائِها هُنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْهُ أيْضًا وعَنِ الحَسَنِ أنَّها النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ القاسِمِ بْنِ الوَلِيدِ الهَمْدانِيِّ أنَّها السّاعَةُ الَّتِي يُساقُ فِيها أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ، وأخْرَجا عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الكِنْدِيِّ أنَّها ساعَةٌ يُساقُ أهْلُ النّارِ إلى النّارِ وفي مَعْناهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ: هي إذا دُفِعُوا إلى مالِكٍ خازِنِ جَهَنَّمَ.

النازعات 79:35

﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ بَدَلُ كُلٍّ أوْ بَعْضٍ مِن: إذا جاءَتْ، عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن ﴿الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ فَيَكُونُ مَرْفُوعَ المَحَلِّ، وفُتِحَ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ وتَكُونُ الطّامَّةُ حَقِيقَةَ التَّذَكُّرِ والبُرُوزِ لِأنَّ حُسْنَ العَمَلِ يَغْلِبُ كُلَّ لَذَّةٍ، وسِواهُ كُلُّ مَشَقَّةٍ، وكَذا بُرُوزُ الجَحِيمِ مَعَ الِابْتِلاءِ بِهِ يَغْلِبُ كُلَّ مَشَقَّةٍ ومَعَ النَّجاةِ عَنْهُ كُلَّ لَذَّةٍ. ولا يَخْفى تَعَسُّفُهُ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِ ( جاءَتْ ) وعَلَيْهِ الطَّبَرْسِيُّ واسْتَظْهَرَ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِ «أعْنِي» تَفْسِيرًا لِلطّامَّةِ الكُبْرى، وما مَوْصُولَةٌ. ( وسَعى ) بِمَعْنى عَمِلَ، والعائِدُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: لَهُ والمُرادُ يَوْمُ يَتَذَكَّرُ كُلُّ أحَدٍ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ بِأنْ يُشاهِدَهُ مُدَوَّنًا في صَحِيفَتِهِ، وقَدْ كانَ نَسِيَهُ مِن فَرْطِ الغَفْلَةِ أوْ طُولِ الأمَدِ أوْ شِدَّةِ ما لَقِيَ أوْ كَثْرَتِهِ الَّتِي تُعْجِزُ الحافِظَ عَنِ الضَّبْطِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَذَكَّرَهُ بِوَجْهٍ آخَرَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: يَتَذَكَّرُ فِيهِ سَعْيَهُ.

النازعات 79:36

﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾ عُطِفَ عَلى: ﴿جاءَتِ﴾ وقِيلَ عَلى: ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ وقِيلَ: حالٌ مِنَ الإنْسانِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، والمَوْصُولُ بَعْدُ مُغْنٍ عَنِ العائِدِ، وكِلا القَوْلَيْنِ عَلى ما في الإرْشادِ عَلى تَقْدِيرِ الجَوابِ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ونَحْوُهُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَلا تَغْفُلْ. ومَعْنى: «بُرِّزَتِ» أُظْهِرَتْ إظْهارًا بَيِّنًا لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ﴿لِمَن يَرى﴾ كائِنًا مَن كانَ يُرْوى أنَّهُ يُكْشَفُ عَنْها فَتَتَلَظّى فَيَراها كُلُّ ذِي بَصَرٍ، وخُصَّ بَعْضُ «مِن» بِالكافِرِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وقَرَأتْ عائِشَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةُ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ «وبَرَزَتِ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُخَفَّفًا «لِمَن تَرى» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ جَهَنَّمَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ وإسْنادُ الرُّؤْيَةِ لَها مَجازًا وهو حَقِيقَةٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فِيها، ويَجُوزَ أنْ صفحة 36 تَكُونَ خِطابًا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ راءٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: لِمَن تَراهُ مِنَ الكُفّارِ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ وأبُو السَّمّالِ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «وبُرِزَتِ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا.

النازعات 79:37

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ إلَخْ جَوابُ «إذا» عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ لا ظَرْفِيَّةٌ كَما جُوِّزَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ الآيَةَ. وقَوْلُكَ: إذا جاءَكَ بَنُو تَمِيمٍ فَأمّا العاصِي فَأهِنْهُ وأمّا الطّائِعُ فَأكْرِمْهُ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وقِيلَ: جَوابُها مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا جاءَتْ وقَعَ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأمّا﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ وفي جَعْلِهِ جَوابًا غُمُوضٌ، وهو وجْهٌ وجِيهٌ بَيْدَ أنَّهُ لا غُمُوضَ في ذاكَ بَعْدَ تَحَقُّقِ اسْتِقامَةِ أنْ يُقالَ: فَإذا جاءَتْ فَإنَّ الطّاغِيَ الجَحِيمُ مَأْواهُ وغَيْرُهُ في الجَنَّةِ مَثْواهُ، وزِيادَةُ أمّا لَمْ تُفِدْ إلّا زِيادَةَ المُبالَغَةِ وتَحْقِيقُ التَّرَتُّبِ والثُّبُوتِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ، والتَّقْدِيرُ: ظَهَرَتِ الأعْمالُ ونُشِرَتِ الصُّحُفُ أوْ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى أوْ لِدَلالَةِ ما بَعْدُ، والتَّقْدِيرُ: انْقَسَمَ الرّاءُونَ قِسْمَيْنِ ولَيْسَ بِذاكَ؛ أيْ: فَأمّا مَن عَتا وتَمَرَّدَ عَنِ الطّاعَةِ وجاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ حَتّى كَفَرَ.

النازعات 79:38

﴿وآثَرَ﴾ أيِ اخْتارَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ الفانِيَةَ الَّتِي هي عَلى جَناحِ الفَواتِ فانْهَمَكَ فِيما مُتِّعَ بِهِ فِيها ولَمْ يَسْتَعِدَّ لِلْحَياةِ الآخِرَةِ الأبَدِيَّةِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.

النازعات 79:39

﴿فَإنَّ الجَحِيمَ﴾ الَّتِي ذُكِرَ شَأْنُها ﴿هِيَ المَأْوى﴾ أيْ مَأْواهُ عَلى ما رَآهُ الكُوفِيُّونَ مِن أنَّ «ألْ» في مِثْلِهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ الضَّمِيرُ وبِها يَحْصُلُ الرَّبْطُ أوِ المَأْوى لَهُ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ مِن عَدِّ كَوْنِها عِوَضًا ورابِطًا، وهَذا الحَذْفُ هُنا لِلْعِلْمِ بِأنَّ الطّاغِيَ هو صاحِبُ المَأْوى، وحَسَّنَهُ وُقُوعُ المَأْوى فاصِلَةً؛ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهي إمّا ضَمِيرُ فَصْلٍ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ ضَمِيرُ جَهَنَّمَ مُبْتَدَأٌ، والكَلامُ دالٌّ عَلى الحَصْرِ؛ أيْ: كَأنَّهُ قِيلَ؛ فَإنَّ الجَحِيمَ هي مَأْواهُ أوِ المَأْوى لَهُ لا مَأْوى لَهُ سِواها.

النازعات 79:40

﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: مَقامَهُ بَيْنَ يَدَيْ مالِكِ أمْرِهِ يَوْمَ الطّامَّةِ الكُبْرى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى عَلى أنَّ الإضافَةَ مِثْلُها في رُقُودِ حَلْبٍ، أوْ وأمّا مِن خافَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ لَفْظَ ﴿مَقامَ﴾ مُقْحَمٌ، والكَلامُ مَعَهُ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ وإثْباتٌ لِلْخَوْفِ مِنَ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ . وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ أيْ: زَجَرَها وكَفَّها عَنِ الهَوى المُرْدِي وهو المَيْلُ إلى الشَّهَواتِ وضَبْطُها بِالصَّبْرِ والتَّوْطِينِ عَلى إيثارِ الخَيْراتِ ولَمْ يَعْتَدَّ بِمَتاعِ الدُّنْيا وزَهْرَتِها ولَمْ يَغْتَرَّ بِزَخارِفِها وزِينَتِها عِلْمًا بِوَخامَةِ عاقِبَتِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ: إنَّهُ الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ مَقامَهُ لِلْحِسابِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ فَيَخافُ فَيَتْرُكُها، وأصْلُ الهَوى مُطْلَقُ المَيْلِ وشاعَ في المَيْلِ إلى الشَّهْوَةِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ لِأنَّهُ يَهْوِي بِصاحِبِهِ في الدُّنْيا إلى كُلِّ واهِيَةٍ، وفي الآخِرَةِ إلى الهاوِيَةِ، ولِذَلِكَ مُدِحَ مُخالِفُهُ. قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: إذا أرَدْتَ الصَّوابَ فانْظُرْ هَواكَ فَخالِفْهُ. وقالَ الفُضَيْلُ: أفْضَلُ الأعْمالِ مُخالَفَةُ الهَوى، وقالَ أبُو عِمْرانَ المِيرِتْلِيُّ: فَخالِفْ هَواها واعْصِها إنَّ مَن يُطِعْ هَوى نَفْسِهِ تَنْزِعْ بِهِ شَرَّ مَنزَعِ ومِن يُطِعِ النَّفْسَ اللَّجُوجَةَ تُرْدِهِ ∗∗∗ وتَرْمِ بِهِ في مَصْرَعٍ أيَّ مَصْرَعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ قارَبَ أنْ يَكُونَ قُبْحُ مُوافَقَةِ الهَوى وحُسْنُ مُخالَفَتِهِ ضَرُورِيَّيْنِ إلّا أنَّ السّالِمَ مِنَ المُوافَقَةِ قَلِيلٌ، قالَ سَهْلٌ: لا يَسْلَمُ مِنَ الهَوى إلّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَعْضُ الصِّدِّيقِينَ فَطُوبى لِمَن سَلِمَ مِنهُ.

النازعات 79:41

﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ لَهُ لا غَيْرُها، والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّفْصِيلَ عامٌّ في أهْلِ النّارِ وأهْلِ الجَنَّةِ. «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي عُزَيْرِ بْنِ عُمَيْرٍ وأخِيهِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ كانَ الأوَّلُ طاغِيًا مُؤْثِرَ الحَياةِ الدُّنْيا، وكانَ مُصْعَبٌ خائِفًا مُقامَ رَبِّهِ ناهِيًا النَّفْسَ عَنِ الهَوى، وقَدْ وقى صفحة 37 رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِنَفْسِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ تَفَرَّقَ النّاسُ عَنْهُ حَتّى نَفَذَتِ المَشاقِصُ أيِ السِّهامُ في جَوْفِهِ، فَلَمّا رَآهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَشَحِّطًا في دَمِهِ قالَ: «عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أحْتَسِبُكَ» وقالَ لِأصْحابِهِ: «لَقَدْ رَأيْتُهُ وعَلَيْهِ بُرْدانِ ما تُعْرَفُ قِيمَتُهُما، وإنَّ شِراكَ نَعْلِهِ مِن ذَهَبٍ، ولَمّا أُسِرَ أخُوهُ أبُو عُزَيْرٍ ولَمْ يُشَدَّ وِثاقُهُ إكْرامًا لَهُ وأُخْبِرَ بِذَلِكَ قالَ: ما هو لِي بِأخٍ؛ شُدُّوا أسِيرَكُمْ؛ فَإنَّ أُمَّهُ أكْثَرُ أهْلِ البَطْحاءِ حُلِيًّا ومالًا». وفِي الكَشّافِ أنَّهُ قَتَلَ أخاهُ أبا عَزِيرٍ يَوْمَ أُحُدٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُما نَزَلَتا في أبِي جَهْلٍ وفي مُصْعَبٍ، وقِيلَ: نَزَلَتِ الأُولى في النَّضِرِ وابْنِهِ الحارِثِ المَشْهُورَيْنِ بِالغُلُوِّ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ.

النازعات 79:42

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ أيْ: مَتى إرْساؤُها؛ أيْ إقامَتُها يُرِيدُونَ مَتى يُقِيمُها اللَّهُ تَعالى ويُكَوِّنُها ويُثَبِّتُها، فالمَرْسى مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن سارَ بِمَعْنى ثَبَتَ ومِنهُ الجِبالُ الرَّواسِي، وحاصِلُ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ السُّؤالُ عَنْ زَمانِ ثُبُوتِها ووُجُودِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَرْسى بِمَعْنى المُنْتَهى؛ أيْ: مَتى مُنْتَهاها ومُسْتَقَرُّها كَما أنَّ مَرْسى السَّفِينَةِ تَنْتَهِي إلَيْهِ وتَسْتَقِرُّ فِيهِ كَذا قِيلَ. وتَقْدِيرُ الِاسْتِفْهامِ بِمَتى يَقْتَضِي أنَّ المَرْسى اسْمُ زَمانٍ، وقَوْلُهُ: كَما أنَّ... إلَخْ ظاهِرٌ في أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ، ولِذا قِيلَ: الكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ يَجْعَلُ اليَوْمَ المُتَباعِدَ فِيهِ كَشَخْصٍ سائِرٍ لا يُدْرَكُ ويُوصَلُ إلَيْهِ ما لَمْ يَسْتَقِرَّ في مَكانٍ فَجُعِلَ الظّاهِرُ عَلى ما قِيلَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ إمّا تَقْرِيرٌ وتَأْكِيدٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ الإنْذارُ مِن سُرْعَةِ مَجِيءِ المُنْذَرِ بِهِ لا سِيَّما عَلى الوَجْهِ الثّانِي، والمَعْنى: كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ الإنْذارِ إلّا قَلِيلًا، وإمّا رَدٌّ لِما أدْمَجُوهُ في سُؤالِهِمْ؛ فَإنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَنْها بِطَرِيقِ الِاسْتِبْطاءِ مُسْتَعْجِلِينَ بِها وإنْ كانَ عَلى نَهْجِ الِاسْتِهْزاءِ بِها ( ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) والمَعْنى كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ الوَعِيدِ بِها إلّا عَشِيَّةً إلَخْ. وهَذا الكَلامُ عَلى ما نُقِلَ عَنِالزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ أصْلٌ وهو لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ عَشِيَّتَهُ أوْ ضُحاهُ، فَوُضِعَ هَذا المُخْتَصَرُ مَوْضِعَهُ، وإنَّما أفادَتِ الإضافَةُ ذَلِكَ كَما في الكَشْفِ مِن حَيْثُ إنَّكَ إذا قُلْتَ: «لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحًى» احْتَمَلَ أنْ تَكُونَ العَشِيَّةُ مِن يَوْمٍ والضُّحى مِن آخَرَ؛ فَيُتَوَهَّمُ الِاسْتِمْرارُ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ إلى مِثْلِهِ مِنَ اليَوْمِ الآخِرِ، أمّا إذا قُلْتَ عَشِيَّتَهُ أوْ ضُحاهُ لَمْ يَحْتَمِلْ ذَلِكَ البَتَّةَ وفي قَوْلِكَ: ضُحى تِلْكَ العَشِيَّةِ ما يُغْنِي عَنْ قَوْلِكَ: عَشِيَّةَ ذَلِكَ النَّهارِ أوْ ضُحاهُ. وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ مِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يُرادَ بِالعَشِيَّةِ أوِ الضُّحى كُلُّ اليَوْمِ مَجازًا، فَلَمّا أُضِيفَ أفادَ التَّأْكِيدَ ونَفْيُ ذَلِكَ الِاحْتِمالُ وجَعْلُهُ مِن بابِ: رَأيْتُهُ بِعَيْنِي وهو حَسَنٌ ولَكِنَّ السّابِقَ أبْعَدُ مِنَ التَّكَلُّفِ ولا مَنعَ مِنَ الجَمْعِ، وزادَ الإضافَةَ حُسْنًا كَوْنُ الكَلِمَةِ فاصِلَةً، واعْتُبِرَ جَمْعُ كَوْنِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا وبَعْضُهم كَوْنَهُ في القُبُورِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ فِيهِما واخْتارَ في الإرْشادِ ما قَدَّمْنا وقالَ: إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ اعْتِبارُ كَوْنِهِ بَعْدَ الإنْذارِ أوْ بَعْدَ الوَعِيدِ تَحْقِيقًا لِلْإنْذارِ ورَدًّا لِاسْتِبْطائِهِمْ، والجُمْلَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: تُنْذِرُهم مُشَبَّهِينَ يَوْمَ يَرَوْنَها في الِاعْتِقادِ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ الإنْذارِ بِها إلّا تِلْكَ المُدَّةَ اليَسِيرَةَ، وعَلى الثّانِي مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، هَذا ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الوَجْهَ الثّانِيَ وإنْ كانَ حَسَنًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ مِمّا لا يَتَبادَرُ إلى الفَهْمِ وعَلَيْهِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى.

النازعات 79:43

﴿فِيمَ﴾ ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ: ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ لِئَلّا يُلْبَسَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِيمَ﴾ إلَخْ مُتَّصِلٌ بِسُؤالِهِمْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ يَسْألُونَكَ... إلَخْ. أوْ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: يَسْألُونَكَ عَنْ زَمانِ قِيامِ السّاعَةِ ويَقُولُونَ لَكَ في أيِّ مَرْتَبَةٍ ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ أيْ: عِلْمِها؛ أيْ: ما مَبْلَغُ عِلْمِكَ فِيها، أوْ يَسْألُونَكَ عَنْ ذَلِكَ قائِلِينَ لَكَ: في أيِّ مَرْتَبَةٍ أنْتَ إلَخْ. والجَوابُ عَلَيْهِ.

النازعات 79:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ ولا يَخْفى ضَعْفُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ما زالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَسْألُ عَنِ السّاعَةِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ فانْتَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يَسْألْ بَعْدَها». وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَ السّاعَةِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ فَكَفَّ عَنْها». وعَلى هَذا فَهو تَعْجِيبٌ مِن كَثْرَةِ ذِكْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَها كَأنَّهُ قِيلَ: في أيِّ شُغْلٍ واهْتِمامٍ أنْتَ مِن ذِكْرِها والسُّؤالِ عَنْها، والمَعْنى أنَّهم يَسْألُونَكَ عَنْها فَلِحِرْصِكَ عَلى جَوابِهِمْ لا تَزالُ تَذْكُرُها وتَسْألُ عَنْها، ونَظَرَ فِيهِ ابْنُ المُنَيِّرِ بِأنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ كَأنَّكَ وقْتَ إدْراكِهِ مُسْتَقِرًّا لَهُ فَتَدَبَّرْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ إنْكارٌ ورَدَ لِسُؤالِ المُشْرِكِينَ عَنْها؛ أيْ: في أيِّ شَيْءٍ أنْتَ مِن أنْ تَذْكُرَ لَهم وقْتَها وتُعْلِمَهم بِهِ حَتّى يَسْألُوكَ بَيانَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ فالِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ و«فِيمَ» خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و«أنْتَ» مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ و«مِن ذِكْراها» عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: ذِكْرى وقْتِها مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ وقِيلَ: «فِيمَ» إنْكارٌ لِسُؤالِهِمْ وما بَعْدَهُ اسْتِئْنافُ تَعْلِيلٍ لِلْإنْكارِ وبَيانٌ لِبُطْلانِ السُّؤالِ؛ أيْ: فِيمَ هَذا السُّؤالُ ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ أيْ: إرْسالُكَ وأنْتَ خاتَمُ الأنْبِياءِ المَبْعُوثُ في نَسَمِ السّاعَةِ عَلامَةٌ مِن عَلامَتِها ودَلِيلٌ يَدُلُّهم عَلى العِلْمِ بِوُقُوعِها عَنْ قَرِيبٍ فَحَسْبُهم هَذِهِ المَرْتَبَةُ مِنَ العِلْمِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ إلَيْهِ تَعالى يَرْجِعُ مُنْتَهى عِلْمِها؛ أيْ: عِلْمِها بِكُنْهِها وتَفاصِيلِ أمْرِها ووَقْتِ وُقُوعِها لا إلى أحَدٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وإنَّما وظِيفَتُهم أنْ يَعْلَمُوا بِاقْتِرابِها ومُشارَفَتِها وقَدْ حَصَلَ لَهم ذَلِكَ بِمَبْعَثِكَ فَما مَعْنى سُؤالِهِمْ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ؟ وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَمَعْناهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ انْتِهاءُ عِلْمِها لَيْسَ لِأحَدٍ مِنهُ شَيْءٌ كائِنًا ما كانَ فَلِأيِّ شَيْءٍ يَسْألُونَكَ عَنْها.

النازعات 79:45

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ عَلَيْهِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ وتَحْقِيقٌ لِما هو المُرادُ مِنهُ وبَيانٌ لِوَظِيفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ الشَّأْنِ؛ فَإنَّ إنْكارَ كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في شَيْءٍ مِن ذِكْراها مِمّا يُوهِمُ بِظاهِرِهِ أنْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَذْكُرَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَأُزِيحَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّ المَنفِيَّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذِكْراها لَهم بِتَعْيِينِ وقْتِها حَسْبَما كانُوا يَسْألُونَهُ عَنْها، فالمَعْنى: إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها ويَخافُ أهْوالَها، وظِيفَتُكَ الِامْتِثالُ بِما أُمِرْتَ بِهِ مِن بَيانِ اقْتِرابِها وتَفْصِيلِ ما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ كَما تُحِيطُ بِهِ لا مُعْلِمٌ بِتَعْيِينِ وقْتِها الَّذِي لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْكَ فَما لَهم يَسْألُونَكَ عَمّا لَمْ تُبْعَثْ لَهُ ولَمْ يُفَوَّضْ إلَيْكَ أمْرُهُ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي هو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ بِبَيانِ أنَّ إرْسالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو خاتَمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُنْذِرٌ بِمَجِيءِ السّاعَةِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ إنْ كادَتْ لَتَسْبِقُنِي»». والظّاهِرُ عَلى الأوَّلِ أنَّ القَصْرَ مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ، والمَعْنى: ما أنْتَ إلّا مُنْذِرٌ لا مُعْلِمٌ بِالوَقْتِ مُبَيِّنٌ لَهُ. وإنَّما ذَكَرَ صِلَةَ المُنْذِرِ إظْهارًا لِكَوْنِها ذاتَ مَدْخَلٍ في القَصْرِ لِكَوْنِ الكَلامِ في القَصْرِ عَلى مُنْذِرٍ خاصٍّ ونَفْيِ إعْلامٍ خاصٍّ يُقابِلُهُ، وكَوْنُهُ مِن قَصْرِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ بِناءً عَلى ما يَتَبادَرُ إلى الفَهْمِ مِن كَلامِ السَّكّاكِيِّ أنَّ المَعْنى إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ الخاشِي دُونَ مَن لا يَخْشى؛ أيْ: ما أنْتَ مُنْذِرٌ إلّا مَن يَخْشى دُونَ غَيْرِهِ، مُناسِبٌ لِلْمَقامِ عَلى أنَّهُ صفحة 38 قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ مَن يَخْشى «مَن» صِلَةُ «مُنْذِرُ» لَيْسَ مِن مُتَعَلِّقِ «إنَّما» في شَيْءٍ، لِيُجْعَلَ الجُزْءُ الأخِيرُ المَقْصُورُ عَلَيْهِ الإنْذارَ وهَذا إنْ صَحَّ اسْتَلْزَمَ عَدَمَ صِحَّةِ ما قُرِّرَ لَكِنْ في صِحَّتِهِ مَقالٌ؛ إذْ يَسْتَلْزِمُ أيْضًا أنْ لا يَصِحَّ: إنَّما هو غُلامُ زَيْدٍ لا عَمْرٍو وإنَّما هو ضارِبٌ عَمْرًا لا زَيْدًا مَعَ شُهْرَةِ اسْتِعْمالِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ فَتَأمَّلْ. والظّاهِرُ عَلى الثّانِي أنَّ «إنَّما» لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ زِيادَةً في الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ ولَيْسَتْ لِلْحَصْرِ؛ إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ عَلَيْهِ بِحَسْبِ الظّاهِرِ عَلى ما قِيلَ.

النازعات 79:46

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ إمّا تَقْرِيرٌ وتَأْكِيدٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ الإنْذارُ مِن سُرْعَةِ مَجِيءِ المُنْذَرِ بِهِ لا سِيَّما عَلى الوَجْهِ الثّانِي، والمَعْنى: كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ الإنْذارِ إلّا قَلِيلًا، وإمّا رَدٌّ لِما أدْمَجُوهُ في سُؤالِهِمْ؛ فَإنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَنْها بِطَرِيقِ الِاسْتِبْطاءِ مُسْتَعْجِلِينَ بِها وإنْ كانَ عَلى نَهْجِ الِاسْتِهْزاءِ بِها ( ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ) والمَعْنى كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ الوَعِيدِ بِها إلّا عَشِيَّةً إلَخْ. وهَذا الكَلامُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ أصْلٌ وهو لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ عَشِيَّتَهُ أوْ ضُحاهُ، فَوُضِعَ هَذا المُخْتَصَرُ مَوْضِعَهُ، وإنَّما أفادَتِ الإضافَةُ ذَلِكَ كَما في الكَشْفِ مِن حَيْثُ إنَّكَ إذا قُلْتَ: «لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحًى» احْتَمَلَ أنْ تَكُونَ العَشِيَّةُ مِن يَوْمٍ والضُّحى مِن آخَرَ؛ فَيُتَوَهَّمُ الِاسْتِمْرارُ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ إلى مِثْلِهِ مِنَ اليَوْمِ الآخِرِ، أمّا إذا قُلْتَ عَشِيَّتَهُ أوْ ضُحاهُ لَمْ يَحْتَمِلْ ذَلِكَ البَتَّةَ وفي قَوْلِكَ: ضُحى تِلْكَ العَشِيَّةِ ما يُغْنِي عَنْ قَوْلِكَ: عَشِيَّةَ ذَلِكَ النَّهارِ أوْ ضُحاهُ. وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ مِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يُرادَ بِالعَشِيَّةِ أوِ الضُّحى كُلُّ اليَوْمِ مَجازًا، فَلَمّا أُضِيفَ أفادَ التَّأْكِيدَ ونَفْيُ ذَلِكَ الِاحْتِمالُ وجَعْلُهُ مِن بابِ: رَأيْتُهُ بِعَيْنِي وهو حَسَنٌ ولَكِنَّ السّابِقَ أبْعَدُ مِنَ التَّكَلُّفِ ولا مَنعَ مِنَ الجَمْعِ، وزادَ الإضافَةَ حُسْنًا كَوْنُ الكَلِمَةِ فاصِلَةً، واعْتُبِرَ جَمْعُ كَوْنِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا وبَعْضُهم كَوْنَهُ في القُبُورِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ فِيهِما واخْتارَ في الإرْشادِ ما قَدَّمْنا وقالَ: إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ اعْتِبارُ كَوْنِهِ بَعْدَ الإنْذارِ أوْ بَعْدَ الوَعِيدِ تَحْقِيقًا لِلْإنْذارِ ورَدًّا لِاسْتِبْطائِهِمْ، والجُمْلَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: تُنْذِرُهم مُشَبَّهِينَ يَوْمَ يَرَوْنَها في الِاعْتِقادِ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ الإنْذارِ بِها إلّا تِلْكَ المُدَّةَ اليَسِيرَةَ، وعَلى الثّانِي مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، هَذا ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الوَجْهَ الثّانِيَ وإنْ كانَ حَسَنًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ مِمّا لا يَتَبادَرُ إلى الفَهْمِ وعَلَيْهِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ( فِيمَ ) ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ: ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ لِئَلّا يُلْبَسَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( فِيمَ ) إلَخْ مُتَّصِلٌ بِسُؤالِهِمْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ يَسْألُونَكَ... إلَخْ. أوْ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: يَسْألُونَكَ عَنْ زَمانِ قِيامِ السّاعَةِ ويَقُولُونَ لَكَ في أيِّ مَرْتَبَةٍ ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ أيْ: عِلْمِها؛ أيْ: ما مَبْلَغُ عِلْمِكَ فِيها، أوْ يَسْألُونَكَ عَنْ ذَلِكَ قائِلِينَ لَكَ: في أيِّ مَرْتَبَةٍ أنْتَ إلَخْ. والجَوابُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ ولا يَخْفى ضَعْفُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ما زالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَسْألُ عَنِ السّاعَةِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ فانْتَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يَسْألْ بَعْدَها». وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَ السّاعَةِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ فَكَفَّ عَنْها». وعَلى هَذا فَهو تَعْجِيبٌ مِن كَثْرَةِ ذِكْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَها كَأنَّهُ قِيلَ: في أيِّ شُغْلٍ واهْتِمامٍ أنْتَ مِن ذِكْرِها والسُّؤالِ عَنْها، والمَعْنى أنَّهم يَسْألُونَكَ عَنْها فَلِحِرْصِكَ عَلى جَوابِهِمْ لا تَزالُ تَذْكُرُها وتَسْألُ عَنْها، ونَظَرَ فِيهِ ابْنُ المُنَيِّرِ بِأنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يَرُدُّهُ إذِ المُرادُ أنَّكَ لا تَحْتَفِي بِالسُّؤالِ عَنْها ولا تَهْتَمُّ بِذَلِكَ وهم يَسْألُونَكَ كَما يُسْألُ الحَفِيُّ عَنِ الشَّيْءِ أيِ الكَثِيرُ السُّؤالِ عَنْهُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لا احْتِفاءَ ثُمَّ كانَ، وإنَّ سُؤالَهم هَذا ونُزُولَ الآيَةِ بَعْدَ وُقُوعِ الِاحْتِفاءِ وأنْتَ تَعْلَمُ ما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وخالِدٌ الحَذّاءُ وابْنُ هُرْمُزَ وعِيسى وطَلْحَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ مُقْسِمٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: «مُنْذِرٌ» بِالتَّنْوِينِ والإعْمالِ وهو الأصْلُ في مِثْلِهِ بَعْدَ اعْتِبارِ صفحة 39 المُشابَهَةِ، والإضافَةُ لِلتَّخْفِيفِ فَلا يُنافِي أنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ عَدَمُ الإعْمالِ، والإعْمالُ عارِضٌ لِلشَّبَهِ، والوَصْفُ عِنْدَ إعْمالِهِ وإضافَتِهِ لِلتَّخْفِيفِ صالِحٌ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ، وإذا أُرِيدَ الماضِي فَلَيْسَ إلّا الإضافَةُ كَقَوْلِكَ: هو مُنْذِرُ زَيْدٍ أمْسِ. وهو هُنا عَلى ما قِيلَ: لِلْحالِ لِمُقارَنَةِ «يَخْشى» ولا يُنافِي أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُنْذِرٌ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ حَتّى يُقالَ: المُناسِبُ لِحالِ الرِّسالَةِ الِاسْتِمْرارُ ومِثْلُهُ ويَجُوزُ فِيهِ الإعْمالُ وعَدَمُهُ ثُمَّ المُرادُ بِالحالِ حالُ الحُكْمِ لا حالُ التَّكَلُّمِ وفي ذَلِكَ كَلامٌ في كُتُبِ الأُصُولِ فَلا تَغْفُلْ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

عبس 80:1

سُورَةُ عَبَسَ وتُسَمّى سُورَةَ الصّاخَّةِ، وسُورَةَ السَّفَرَةِ، وسُمِّيَتْ في غَيْرِ كِتابٍ سُورَةَ الأعْمى، وهي مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ، وآيُها اثْنَتانِ وأرْبَعُونَ في الحِجازِيِّ والكُوفِيِّ، وإحْدى وأرْبَعُونَ في البَصْرِيِّ، وأرْبَعُونَ في الشّامِيِّ والمَدَنِيِّ الأوَّلِ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ مِن يَنْفَعُهُ الإنْذارُ ومَن لَمْ يَنْفَعْهُ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ إلَخْ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ واسْمُهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسِ بْنِ زائِدَةَ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ هَرَمِ بْنِ رَواحَةَ بْنِ حَجَرِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ القُرَشِيُّ، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، والأوَّلُ أكْثَرُ وأشْهَرُ كَما في جامِعِ الأُصُولِ، وأُمُّ مَكْتُومٍ كُنْيَةُ أُمِّهِ، واسْمُها عاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيَّةُ، وغَلِطَ الزَّمَخْشَرِيُّ في جَعْلِها في الكَشّافِ جَدَّتَهُ، وكانَ أعْمى، وعَمِيَ بَعْدَ نُورٍ، وقِيلَ: وُلِدَ أعْمى؛ ولِذا قِيلَ لِأُمِّهِ أُمَّ مَكْتُومٍ. «أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعِنْدَهُ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وأبُو جَهْلٍ والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يُناجِيهِمْ ويَدْعُوهم إلى الإسْلامِ رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ بِإسْلامِهِمْ غَيْرُهم. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْرِئْنِي وعَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ تَعالى، وكَرَّرَ ذَلِكَ ولَمْ يَعْلَمْ تَشاغُلَهُ بِالقَوْمِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَطْعَهُ لِكَلامِهِ وعَبَسَ وأعْرَضَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ. فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُكْرِمُهُ ويَقُولُ إذا رَآهُ: «مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي» ويَقُولُ: «هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ»». واسْتَخْلَفَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى المَدِينَةِ فَكانَ يُصَلِّي بِالنّاسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً كَما رَواهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ عَنْ أهْلِ العِلْمِ بِالسِّيَرِ ثُمَّ اسْتَخْلَفَ بَعْدَهُ أبا لُبابَةَ وهو مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ هاجَرَ عَلى الصَّحِيحِ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ووَهِمَ القُرْطُبِيُّ في زَعْمِهِ أنَّهُ مَدَنِيٌّ وأنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِالصَّنادِيدِ المَذْكُورِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ومَوْتُهُ قِيلَ بِالقادِسِيَّةِ شَهِيدًا يَوْمَ فَتْحِ المَدائِنِ أيّامَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورَآهُ أنَسٌ يَوْمَئِذٍ وعَلَيْهِ دِرْعٌ ولَهُ رايَةٌ سَوْداءُ، وقِيلَ: رَجَعَ مِنها إلى المَدِينَةِ فَماتَ بِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وضَمِيرُ ( عَبَسَ ) وما بَعْدَهُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ إجْلالٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِإيهامِ أنَّ مَن صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِثْلُهُ، كَما أنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

عبس 80:2

سُورَةُ عَبَسَ وتُسَمّى سُورَةَ الصّاخَّةِ، وسُورَةَ السَّفَرَةِ، وسُمِّيَتْ في غَيْرِ كِتابٍ سُورَةَ الأعْمى، وهي مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ، وآيُها اثْنَتانِ وأرْبَعُونَ في الحِجازِيِّ والكُوفِيِّ، وإحْدى وأرْبَعُونَ في البَصْرِيِّ، وأرْبَعُونَ في الشّامِيِّ والمَدَنِيِّ الأوَّلِ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ مِن يَنْفَعُهُ الإنْذارُ ومَن لَمْ يَنْفَعْهُ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ إلَخْ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ واسْمُهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسِ بْنِ زائِدَةَ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ هَرَمِ بْنِ رَواحَةَ بْنِ حَجَرِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ القُرَشِيُّ، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، والأوَّلُ أكْثَرُ وأشْهَرُ كَما في جامِعِ الأُصُولِ، وأُمُّ مَكْتُومٍ كُنْيَةُ أُمِّهِ، واسْمُها عاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيَّةُ، وغَلِطَ الزَّمَخْشَرِيُّ في جَعْلِها في الكَشّافِ جَدَّتَهُ، وكانَ أعْمى، وعَمِيَ بَعْدَ نُورٍ، وقِيلَ: وُلِدَ أعْمى؛ ولِذا قِيلَ لِأُمِّهِ أُمَّ مَكْتُومٍ. «أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعِنْدَهُ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وأبُو جَهْلٍ والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يُناجِيهِمْ ويَدْعُوهم إلى الإسْلامِ رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ بِإسْلامِهِمْ غَيْرُهم. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْرِئْنِي وعَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ تَعالى، وكَرَّرَ ذَلِكَ ولَمْ يَعْلَمْ تَشاغُلَهُ بِالقَوْمِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَطْعَهُ لِكَلامِهِ وعَبَسَ وأعْرَضَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ. فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُكْرِمُهُ ويَقُولُ إذا رَآهُ: «مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي» ويَقُولُ: «هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ»». واسْتَخْلَفَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى المَدِينَةِ فَكانَ يُصَلِّي بِالنّاسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً كَما رَواهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ عَنْ أهْلِ العِلْمِ بِالسِّيَرِ ثُمَّ اسْتَخْلَفَ بَعْدَهُ أبا لُبابَةَ وهو مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ هاجَرَ عَلى الصَّحِيحِ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ووَهِمَ القُرْطُبِيُّ في زَعْمِهِ أنَّهُ مَدَنِيٌّ وأنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِالصَّنادِيدِ المَذْكُورِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ومَوْتُهُ قِيلَ بِالقادِسِيَّةِ شَهِيدًا يَوْمَ فَتْحِ المَدائِنِ أيّامَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورَآهُ أنَسٌ يَوْمَئِذٍ وعَلَيْهِ دِرْعٌ ولَهُ رايَةٌ سَوْداءُ، وقِيلَ: رَجَعَ مِنها إلى المَدِينَةِ فَماتَ بِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وضَمِيرُ ( عَبَسَ ) وما بَعْدَهُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ إجْلالٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِإيهامِ أنَّ مَن صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِثْلُهُ، كَما أنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

عبس 80:3

﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الإيناسِ بَعْدَ الإيحاشِ والإقْبالِ بَعْدَ الإعْراضِ والتَّعْبِيرِ عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالأعْمى لِلْإشْعارِ بِعُذْرِهِ في الإقْدامِ عَلى قَطْعِ كَلامِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَشاغُلِهِ بِالقَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الغِيبَةَ أوَّلًا والخِطابَ ثانِيًا لِزِيادَةِ الإنْكارِ؛ وذَلِكَ كَمَن يَشْكُو إلى النّاسِ جانِيًا جَنى عَلَيْهِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى الجانِي إذا حَمى عَلى الشّاكِيَةِ مُواجِهًا بِالتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ، وفي ذِكْرِ الأعْمى نَحْوٌ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ يُناسِبُ الإقْبالَ عَلَيْهِ والتَّعَطُّفَ، وفِيهِ أيْضًا دَفْعُ إيهامِ الِاخْتِصاصِ بِالأعْمى المُعَيَّنِ وإيماءٌ إلى أنَّ كُلَّ صفحة 40 ضَعِيفٍ يَسْتَحِقُّ الإقْبالَ مِن مِثْلِهِ عَلى أُسْلُوبِ: «لا يَقْضِي القاضِي وهو غَضْبانُ». و«أنْ» بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أعْنِي لامَ التَّعْلِيلِ وهو مَعْمُولٌ لِأوَّلِ الفِعْلَيْنِ عَلى مُخْتارِ الكُوفِيِّينَ وثانِيهِما عَلى مُخْتارِ البَصْرِيِّينَ وكِلَيْهِما مَعًا عَلى مَذْهَبَ الفَرّاءِ، نَعَمْ هو بِحَسَبِ المَعْنى عِلَّةٌ لَهُما بِلا خِلافٍ؛ أيْ: عَبَسَ لِأنْ جاءَهُ الأعْمى وأعْرَضَ لِذَلِكَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: «عَبَّسَ» بِتَشْدِيدِ الباءِ لِلْمُبالَغَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ وهو والحَسَنُ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعِيسى «آنْ» بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها، وبَعْضُ القُرّاءِ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ والهَمْزَةُ في القِراءَتَيْنِ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ ويُوقَفُ عَلى تَوَلّى والمَعْنى: إلّا أنْ جاءَ الأعْمى فَعَلَ ذَلِكَ، وضَمِيرُ «لَعَلَّهُ» لِلْأعْمى، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ الدِّرايَةِ عَلى وجْهٍ سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولِهِ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِ هَذا الأعْمى لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنَ الشَّرائِعِ مِن بَعْضِ أوْضارِ الإثْمِ.

عبس 80:4

﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ أيْ: ذِكْراكَ ومَوْعِظَتُكَ، والمَعْنى أنَّكَ لا تَدْرِي ما هو مُتَرَقَّبٌ مِنهُ مِن تَزْكٍ أوْ تَذَكُّرٍ، ولَوْ دَرَيْتَ لَما كانَ الَّذِي كانَ، والغَرَضُ نَفْيُ دِرايَةِ أنَّهُ يَزَّكّى أوْ يَذَّكَّرُ والتَّرَجِّي راجِعٌ إلى الأعْمى أوْ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما قِيلَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ رَجاءَ تَزْكِيَةٍ أوْ كَوْنِهِ مِمَّنْ يُرْجى مِنهُ ذَلِكَ كافٍ في الِامْتِناعِ مِنَ العُبُوسِ والإعْراضِ، كَيْفَ وقَدْ كانَ اسْتِزْكاؤُهُ مُحَقَّقًا، ولَمّا هُضِمَ مِن حَقِّهِ في تَعَلُّقِ الرَّجاءِ بِهِ لا التَّحَقُّقُ اعْتُبِرَ مُتَعَلِّقُ التَّزَكِّي بَعْضَ الأوْضارِ تَرْشِيحًا لِذَلِكَ وفِيهِ إظْهارُ ما يَقْتَضِي مَقامُ العَظَمَةِ هاهُنا مِن إطْلاقِ التَّزَكِّي وحَمْلِهِ عَلى ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لا الكامِلُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: مُتَعَلِّقُ الدِّرايَةِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ما يُدْرِيكَ أمْرُهُ وعاقِبَةَ حالِهِ ويُطْلِعُكَ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّهُ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ ما يُلَوِّحُ بِهِ ما قَبْلَهُ؛ فَإنَّهُ مَعَ إشْعارِهِ بِأنَّ لَهُ شَأْنًا مُنافِيًا لِلْإعْراضِ عَنْهُ خارِجًا عَنْ دِرايَةِ الغَيْرِ ودِرائِهِ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ تَعالى يُدْرِيهِ ذَلِكَ. واعْتَبَرَ في التَّزَكِّي الكَمالَ فَقالَ: أيْ لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَقْتَبِسُ مِنكَ مِن أوْضارِ الإثْمِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ يَتَذَكَّرُ فَتَنْفَعُهُ مَوْعِظَتُكَ إنْ لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ التَّزَكِّي التّامِّ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أبْعَدُ مَغْزًى. وقَدَّمَ التَّزَكِّيَ عَلى التَّذَكُّرِ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ وخَصَّ بَعْضُهُمُ الثّانِيَ بِما إذا كانَ ما يَتَعَلَّمُهُ مِنَ النَّوافِلِ، والأوَّلَ بِما إذا كانَ سِوى ذَلِكَ، وهو كَما تَرى، وفي الآيَةِ تَعْرِيضٌ وإشْعارٌ بِأنَّ مَن تَصَدّى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِتَزْكِيَتِهِمْ وتَذْكِيرِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ لا يُرْجى مِنهُمُ التَّزَكِّي والتَّذَكُّرُ أصْلًا؛ فَهي كَقَوْلِكَ لِمَن يُقَرِّرُ مَسْألَةً لِمَن لا يَفْهَمُها وعِنْدَهُ آخَرُ قابِلٌ لِفَهْمِها: لَعَلَّ هَذا يَفْهَمُ ما تُقَرِّرُ؛ فَإنَّهُ يَشْعُرُ بِأنَّهُ قَصَدَ تَفْهِيمَ غَيْرِهِ ولَيْسَ بِأهْلٍ لِما قَصَدَهُ، وقِيلَ: جاءَ التَّعْرِيضُ مِن جِهَةِ أنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ كانَ مُتَزَكِّيًا مِنَ الآثامِ مُتَّعِظًا وقِيلَ: ضَمِيرُ: ﴿لَعَلَّهُ﴾ لِلْكافِرِ، والتَّرَجِّي راجِعٌ إلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ أيْ: إنَّكَ طَمِعْتَ في تَزَكِّيهِ بِالإسْلامِ وتَذَكُّرِهِ بِالمَوْعِظَةِ ولِذَلِكَ أعْرَضْتَ عَنْ غَيْرِهِ فَما يُدْرِيكَ أنَّ ما طَمِعْتَ فِيهِ كائِنٌ، وضُعِّفَ بِعَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الكافِرِ وبِإفْرادِ الضَّمِيرِ والظّاهِرُ جَمْعُهُ؛ أيْ: بِناءً عَلى المَشْهُورِ في أنَّ مَن تَشاغَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ كانَ جَمْعًا، وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ كانَ واحِدًا، وقَرَأ الأعْرَجُ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: «أوْ يَذْكُرُ» بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ، وقَرَأ الأكْثَرُ: «فَتَنْفَعُهُ» بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى: ﴿يَذَّكَّرُ﴾ وبِالنَّصْبِ قَرَأ عاصِمٌ في المَشْهُورِ والأعْرَجُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ وهو عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الفاءِ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ في جَوابِ التَّرَجِّي وهو كالتَّمَنِّي عِنْدَهم يُنْصَبُ في جَوابِهِ، وفي الكَشْفِ أنَّ النَّصْبَ يُؤَيِّدُ رُجُوعَ ضَمِيرِ لَعَلَّهُ عَلى الكافِرِ لِإشْمامِ التَّرَجِّي مَعْنى التَّمَنِّي لِبُعْدِ المَرْجُوِّ مِنَ الحُصُولِ؛ أيْ: بِالنَّظَرِ إلى المَجْمُوعِ؛ إذْ قَدْ حَصَلَ مِنَ العَباسِ، وعَلى السّابِقِ وجْهُهُ تَرْشِيحُ مَعْنى الهَضْمِ فَتَذَكَّرْ.

عبس 80:5

﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ أيْ: عَنِ الإيمانِ وعَمّا عِنْدَكَ مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ الَّتِي يَنْطَوِي عَلَيْها القُرْآنُ، وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: اسْتَغْنى بِكُفْرِهِ عَمّا يَهْدِيهِ وقِيلَ: أيْ: وأمّا مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَذُكِرَ الفَقْرُ في مُقابِلِهِ، وأُجِيبَ بِما سَتَعْمَلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

عبس 80:6

﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أيْ: تَتَصَدّى وتَتَعَرَّضُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والِاهْتِمامِ بِإرْشادِهِ واسْتِصْلاحِهِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَنْفِيرٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ مُصاحَبَتِهِمْ؛ صفحة 41 فَإنَّ الإقْبالَ عَلى المُدْبِرِ مُخِلٌّ بِالمُرُوءَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: لا أبْتَغِي وصْلَ مَن لا يَبْتَغِي صِلَتِي ولا ألِينُ لِمَن لا يَبْتَغِي لِينِي واللَّهِ لَوْ كَرِهَتْ كَفِّي مُصاحَبَتِي ∗∗∗ يَوْمًا لَقُلْتُ لَها عَنْ صُحْبَتِي بِينِي وقَرَأ الحَرَمِيّانِ: «تَصَدّى» بِتَشْدِيدِ الصّادِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَتَصَدّى فَقُلِبَتِ التّاءُ صادًا وأُدْغِمَتْ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: «تُصْدى» بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَعْفُولِ؛ أيْ: تُعْرِضُ، ومَعْناهُ: يَدْعُوكَ إلى التَّصَدِّي والتَّعَرُّضِ لَهُ داعٍ مِنَ الحِرْصِ ومَزِيدُ الرَّغْبَةِ في إسْلامِهِ، وأصْلُ «تَصَدّى» عَلى ما في البَحْرِ تَصَدَّدَ مِنَ الصَّدَدِ وهو ما اسْتَقْبَلَكَ وصارَ قُبالَتَكَ يُقالُ: دارِي صَدَدَ دارِهِ؛ أيْ: قُبالَتَها، وقِيلَ: مِنَ الصَّدى وهو العَطَشُ، وقِيلَ: مِنَ الصَّدى؛ وهو الصَّوْتُ المَعْرُوفُ.

عبس 80:7

﴿وما عَلَيْكَ ألا يَزَّكّى﴾ ولَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ في أنْ لا يَتَزَكّى بِالإسْلامِ حَتّى يَبْعَثَكَ الحِرْصُ عَلى إسْلامِهِ إلى الإعْراضِ عَمَّنْ أسْلَمَ فَما نافِيَةٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ «تَصَدّى» والمَمْنُوعُ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ الإعْراضُ عَمَّنْ أسْلَمَ لا الإقْبالُ عَلى غَيْرِهِ والِاهْتِمامُ بِأمْرِهِ حِرْصًا عَلى إسْلامِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً لِلْإنْكارِ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في أنْ لا يَتَزَكّى ومَآلُهُ النَّفْيُ أيْضًا.

عبس 80:8

﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُسْرِعًا طالِبًا لِما عِنْدَكَ مِن أحْكامِ الرُّشْدِ وخِصالِ الخَيْرِ ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ أيْ: يَخافُ اللَّهَ تَعالى وقِيلَ: أذِيَّةَ الكُفّارِ في الإتْيانِ، وقِيلَ: العِثارَ والكَبْوَةَ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قائِدٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ «يَسْعى» كَما أنَّ جُمْلَةَ «يَسْعى» حالٌ مِن فاعِلِ «جاءَكَ» واسْتَظْهَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ النَّظْمَ الجَلِيلَ مِنَ الِاحْتِباكِ ذُكِرَ الغِنى أوَّلًا لِلدَّلالَةِ عَلى الفَقْرِ ثانِيًا، والمَجِيءُ والخَشْيَةُ ثانِيًا لِلدَّلالَةِ عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا وكَأنَّهُ حَمَلَ اسْتَغْنى عَلى ما نُقِلَ أخِيرًا واسْتُشْعِرَ ما قِيلَ عَلَيْهِ فاحْتاجَ لِدَفْعِهِ إلى هَذا التَّكَلُّفِ، وعَدَمُ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ عَلى ما نَقَلْناهُ في غايَةِ الظُّهُورِ ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ تَتَشاغَلُ، يُقالُ: لَهي عَنْهُ كَرَضِيَ، ورَمى والتَهى وتَلَهّى، وفي تَقْدِيمِ ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الفِعْلَيْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَناطَ الإنْكارِ خُصُوصِيَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَقْدِيمٌ لَهُ، وعَنْهُ قِيلَ لِلتَّعْرِيضِ بِالِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها وقِيلَ لِلْعِنايَةِ لِأنَّهُما مَنشَأُ العِتابِ، وقِيلَ لِلْفاصِلَةِ وقِيلَ لِلْحَصْرِ وذُكِرَ التَّصَدِّي في المُسْتَغْنِي دُونَ الِاشْتِغالِ بِهِ وهو المُقابِلُ لِلتَّلَهِّي عَنِ المُسْرِعِ الخاشِي والتَّلَهِّي عَنْهُ دُونَ عَدَمِ التَّصَدِّي لَهُ وهو المُقابِلُ لِلتَّصَدِّي لِذَلِكَ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ العِتابَ لِلِاهْتِمامِ بِالأوَّلِ لا لِلِاشْتِغالِ بِهِ؛ إذِ الِاشْتِغالُ بِالكُفّارِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ وعَلى الِاشْتِغالِ عَنِ الثّانِي لا لِأنَّهُ لا اهْتِمامَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أمْرِهِ إذِ الِاهْتِمامُ غَيْرُ واجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ إلّا مُنْذِرًا. وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: «عَنْهُ تَلَهّى» بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَرٍ: «تُلْهى» بِضَمِّ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: يَشْغَلُكَ الحِرْصُ عَلى دُعاءِ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ «تَتَلَهّى» بِتاءَيْنِ وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.

عبس 80:9

﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُسْرِعًا طالِبًا لِما عِنْدَكَ مِن أحْكامِ الرُّشْدِ وخِصالِ الخَيْرِ ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ أيْ: يَخافُ اللَّهَ تَعالى وقِيلَ: أذِيَّةَ الكُفّارِ في الإتْيانِ، وقِيلَ: العِثارَ والكَبْوَةَ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قائِدٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ «يَسْعى» كَما أنَّ جُمْلَةَ «يَسْعى» حالٌ مِن فاعِلِ «جاءَكَ» واسْتَظْهَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ النَّظْمَ الجَلِيلَ مِنَ الِاحْتِباكِ ذُكِرَ الغِنى أوَّلًا لِلدَّلالَةِ عَلى الفَقْرِ ثانِيًا، والمَجِيءُ والخَشْيَةُ ثانِيًا لِلدَّلالَةِ عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا وكَأنَّهُ حَمَلَ اسْتَغْنى عَلى ما نُقِلَ أخِيرًا واسْتُشْعِرَ ما قِيلَ عَلَيْهِ فاحْتاجَ لِدَفْعِهِ إلى هَذا التَّكَلُّفِ، وعَدَمُ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ عَلى ما نَقَلْناهُ في غايَةِ الظُّهُورِ ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ تَتَشاغَلُ، يُقالُ: لَهي عَنْهُ كَرَضِيَ، ورَمى والتَهى وتَلَهّى، وفي تَقْدِيمِ ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الفِعْلَيْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَناطَ الإنْكارِ خُصُوصِيَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَقْدِيمٌ لَهُ، وعَنْهُ قِيلَ لِلتَّعْرِيضِ بِالِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها وقِيلَ لِلْعِنايَةِ لِأنَّهُما مَنشَأُ العِتابِ، وقِيلَ لِلْفاصِلَةِ وقِيلَ لِلْحَصْرِ وذُكِرَ التَّصَدِّي في المُسْتَغْنِي دُونَ الِاشْتِغالِ بِهِ وهو المُقابِلُ لِلتَّلَهِّي عَنِ المُسْرِعِ الخاشِي والتَّلَهِّي عَنْهُ دُونَ عَدَمِ التَّصَدِّي لَهُ وهو المُقابِلُ لِلتَّصَدِّي لِذَلِكَ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ العِتابَ لِلِاهْتِمامِ بِالأوَّلِ لا لِلِاشْتِغالِ بِهِ؛ إذِ الِاشْتِغالُ بِالكُفّارِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ وعَلى الِاشْتِغالِ عَنِ الثّانِي لا لِأنَّهُ لا اهْتِمامَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أمْرِهِ إذِ الِاهْتِمامُ غَيْرُ واجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ إلّا مُنْذِرًا. وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: «عَنْهُ تَلَهّى» بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَرٍ: «تُلْهى» بِضَمِّ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: يَشْغَلُكَ الحِرْصُ عَلى دُعاءِ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ «تَتَلَهّى» بِتاءَيْنِ وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.

عبس 80:10

﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُسْرِعًا طالِبًا لِما عِنْدَكَ مِن أحْكامِ الرُّشْدِ وخِصالِ الخَيْرِ ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ أيْ: يَخافُ اللَّهَ تَعالى وقِيلَ: أذِيَّةَ الكُفّارِ في الإتْيانِ، وقِيلَ: العِثارَ والكَبْوَةَ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قائِدٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ «يَسْعى» كَما أنَّ جُمْلَةَ «يَسْعى» حالٌ مِن فاعِلِ «جاءَكَ» واسْتَظْهَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ النَّظْمَ الجَلِيلَ مِنَ الِاحْتِباكِ ذُكِرَ الغِنى أوَّلًا لِلدَّلالَةِ عَلى الفَقْرِ ثانِيًا، والمَجِيءُ والخَشْيَةُ ثانِيًا لِلدَّلالَةِ عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا وكَأنَّهُ حَمَلَ اسْتَغْنى عَلى ما نُقِلَ أخِيرًا واسْتُشْعِرَ ما قِيلَ عَلَيْهِ فاحْتاجَ لِدَفْعِهِ إلى هَذا التَّكَلُّفِ، وعَدَمُ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ عَلى ما نَقَلْناهُ في غايَةِ الظُّهُورِ ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ تَتَشاغَلُ، يُقالُ: لَهي عَنْهُ كَرَضِيَ، ورَمى والتَهى وتَلَهّى، وفي تَقْدِيمِ ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الفِعْلَيْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَناطَ الإنْكارِ خُصُوصِيَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَقْدِيمٌ لَهُ، وعَنْهُ قِيلَ لِلتَّعْرِيضِ بِالِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها وقِيلَ لِلْعِنايَةِ لِأنَّهُما مَنشَأُ العِتابِ، وقِيلَ لِلْفاصِلَةِ وقِيلَ لِلْحَصْرِ وذُكِرَ التَّصَدِّي في المُسْتَغْنِي دُونَ الِاشْتِغالِ بِهِ وهو المُقابِلُ لِلتَّلَهِّي عَنِ المُسْرِعِ الخاشِي والتَّلَهِّي عَنْهُ دُونَ عَدَمِ التَّصَدِّي لَهُ وهو المُقابِلُ لِلتَّصَدِّي لِذَلِكَ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ العِتابَ لِلِاهْتِمامِ بِالأوَّلِ لا لِلِاشْتِغالِ بِهِ؛ إذِ الِاشْتِغالُ بِالكُفّارِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ وعَلى الِاشْتِغالِ عَنِ الثّانِي لا لِأنَّهُ لا اهْتِمامَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أمْرِهِ إذِ الِاهْتِمامُ غَيْرُ واجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ إلّا مُنْذِرًا. وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: «عَنْهُ تَلَهّى» بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَرٍ: «تُلْهى» بِضَمِّ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: يَشْغَلُكَ الحِرْصُ عَلى دُعاءِ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ «تَتَلَهّى» بِتاءَيْنِ وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.

عبس 80:11

﴿كَلا﴾ مُبالَغَةٌ في إرْشادِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى عَدَمِ مُعاوَدَةِ ما عُوقِبَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ نُزِّلَ ذَلِكَ كَما في خَبَرٍ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَعْدَ أنْ قَضى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَجْواهُ وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ إرْشادًا بَلِيغًا إلى تَرْكِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ النُّزُولَ في أثْناءِ ذَلِكَ وقَبْلَ انْقِضائِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ما عَبَسَ في وجْهِ فَقِيرٍ ولا تَصَدّى لِغَنِيٍّ وتَأدَّبَ النّاسُ بِذَلِكَ أدَبًا حَسَنًا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّ الفُقَراءَ كانُوا في مَجْلِسِهِ أُمَراءَ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّها﴾ لِلْقُرْآنِ العَظِيمِ، والتَّأْنِيثُ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ؛ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: مَوْعِظَةٌ يَجِبُ أنْ يُتَّعَظَ بِها ويُعْمَلَ بِمُوجِبِها، وكَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ والجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ تَعْلِيلٌ لِما أفادَتْهُ «كَلّا» بِبَيانِ عُلُوِّ رُتْبَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي اسْتَغْنى عَنْهُ مَن تَصَدّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ، صفحة 42 والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّرْغِيبِ في القُرْآنِ والحَثِّ عَلى حِفْظِهِ أوِ الِاتِّعاظِ بِهِ، واقْتِرانُ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضُ بِها بِالفاءِ قَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ مِن غَيْرِ نَقْلِ اخْتِلافٍ فِيهِ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في الكَشّافِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ نَصٌّ في ذَلِكَ. نَعَمْ قِيلَ: إنَّهُ قِيلَ لَهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ اعْتِراضٌ فَقالَ: لا لِأنَّ الِاعْتِراضَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ بِالواوِ أوْ بِدُونِهِ، فَأمّا بِالفاءِ فَلا؛ أيْ: وهو اسْتِطْرادٌ لَكِنْ تُعُقِّبَ بِأنَّ النَّقْلَ لِمُنافاتِهِ ذَلِكَ لَيْسَ بِثَبْتٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في القَوْمِ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ فَوافَقَهُ تارَةً وخالَفَهُ أُخْرى، وما ألْطَفَ قَوْلَ السَّعْدِ في التَّلْوِيحِ: الِاعْتِراضُ يَكُونُ بِالواوِ والفاءِ: فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ. هَذا وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلسُّورَةِ أوْ لِلْآياتِ السّابِقَةِ، والثّانِي لِلتَّذْكِرَةِ والتَّذْكِيرِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ أوْ لِمَرْجِعِ الأوَّلِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ قُرْآنًا ورُجِّحَ بِعَدَمِ ارْتِكابِ التَّأْوِيلِ قَبْلَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ؛ فَإنَّ السُّورَةَ أوِ الآياتِ وإنْ كانَتْ مُتَّصِفَةً بِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ لَكِنَّها لَيْسَتْ مِمّا أُلْقِيَ عَلى مَنِ اسْتَغْنى عَنْهُ، واسْتُحِقَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الدُّعاءِ عَلَيْهِ والتَّعَجُّبِ مِن كُفْرِهِ المُفْرِطِ لِنُزُولِها بَعْدَ الحادِثَةِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرَيْنِ لِلْمُعاتَبَةِ الواقِعَةِ وتَذْكِيرِ الثّانِي لِكَوْنِها عِتابًا وفِيهِ أنَّهُ يَأْباهُ الوَصْفُ بِالصِّفاتِ الآتِيَةِ وإنْ كانَ بِاعْتِبارِ أنَّ العِتابَ وقَعَ بِالآياتِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ وهي مُتَّصِفَةٌ بِما ذُكِرَ جاءَ ما سَمِعْتَ آنِفًا، وقِيلَ: لَكَ أنْ تَجْعَلَهُما لِلدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وتَذْكِيرِ الثّانِي لِكَوْنِها دُعاءً وهَذا عَلى ما فِيهِ مِمّا يَأْباهُ المَقامُ.

عبس 80:12

﴿كَلا﴾ مُبالَغَةٌ في إرْشادِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى عَدَمِ مُعاوَدَةِ ما عُوقِبَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ نُزِّلَ ذَلِكَ كَما في خَبَرٍ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَعْدَ أنْ قَضى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَجْواهُ وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ إرْشادًا بَلِيغًا إلى تَرْكِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ النُّزُولَ في أثْناءِ ذَلِكَ وقَبْلَ انْقِضائِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ما عَبَسَ في وجْهِ فَقِيرٍ ولا تَصَدّى لِغَنِيٍّ وتَأدَّبَ النّاسُ بِذَلِكَ أدَبًا حَسَنًا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّ الفُقَراءَ كانُوا في مَجْلِسِهِ أُمَراءَ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّها﴾ لِلْقُرْآنِ العَظِيمِ، والتَّأْنِيثُ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ؛ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: مَوْعِظَةٌ يَجِبُ أنْ يُتَّعَظَ بِها ويُعْمَلَ بِمُوجِبِها، وكَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ والجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ تَعْلِيلٌ لِما أفادَتْهُ «كَلّا» بِبَيانِ عُلُوِّ رُتْبَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي اسْتَغْنى عَنْهُ مَن تَصَدّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ، صفحة 42 والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّرْغِيبِ في القُرْآنِ والحَثِّ عَلى حِفْظِهِ أوِ الِاتِّعاظِ بِهِ، واقْتِرانُ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضُ بِها بِالفاءِ قَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ مِن غَيْرِ نَقْلِ اخْتِلافٍ فِيهِ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في الكَشّافِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ نَصٌّ في ذَلِكَ. نَعَمْ قِيلَ: إنَّهُ قِيلَ لَهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ اعْتِراضٌ فَقالَ: لا لِأنَّ الِاعْتِراضَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ بِالواوِ أوْ بِدُونِهِ، فَأمّا بِالفاءِ فَلا؛ أيْ: وهو اسْتِطْرادٌ لَكِنْ تُعُقِّبَ بِأنَّ النَّقْلَ لِمُنافاتِهِ ذَلِكَ لَيْسَ بِثَبْتٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في القَوْمِ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ فَوافَقَهُ تارَةً وخالَفَهُ أُخْرى، وما ألْطَفَ قَوْلَ السَّعْدِ في التَّلْوِيحِ: الِاعْتِراضُ يَكُونُ بِالواوِ والفاءِ: فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ. هَذا وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلسُّورَةِ أوْ لِلْآياتِ السّابِقَةِ، والثّانِي لِلتَّذْكِرَةِ والتَّذْكِيرِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ أوْ لِمَرْجِعِ الأوَّلِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ قُرْآنًا ورُجِّحَ بِعَدَمِ ارْتِكابِ التَّأْوِيلِ قَبْلَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ؛ فَإنَّ السُّورَةَ أوِ الآياتِ وإنْ كانَتْ مُتَّصِفَةً بِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ لَكِنَّها لَيْسَتْ مِمّا أُلْقِيَ عَلى مَنِ اسْتَغْنى عَنْهُ، واسْتُحِقَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الدُّعاءِ عَلَيْهِ والتَّعَجُّبِ مِن كُفْرِهِ المُفْرِطِ لِنُزُولِها بَعْدَ الحادِثَةِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرَيْنِ لِلْمُعاتَبَةِ الواقِعَةِ وتَذْكِيرِ الثّانِي لِكَوْنِها عِتابًا وفِيهِ أنَّهُ يَأْباهُ الوَصْفُ بِالصِّفاتِ الآتِيَةِ وإنْ كانَ بِاعْتِبارِ أنَّ العِتابَ وقَعَ بِالآياتِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ وهي مُتَّصِفَةٌ بِما ذُكِرَ جاءَ ما سَمِعْتَ آنِفًا، وقِيلَ: لَكَ أنْ تَجْعَلَهُما لِلدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وتَذْكِيرِ الثّانِي لِكَوْنِها دُعاءً وهَذا عَلى ما فِيهِ مِمّا يَأْباهُ المَقامُ.

عبس 80:13

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي صُحُفٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِتَذْكِرَةٍ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأنْ؛ أيْ كائِنَةٌ أوْ مُثْبَتَةٌ في صُحُفٍ، والمُرادُ بِها الصُّحُفُ المُنْتَسِخَةُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي اللَّوْحُ نَفْسُهُ، وهو غَيْرُ ظاهِرٍ، وقِيلَ: الصُّحُفُ المُنَزَّلَةُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ؛ فَإنَّ القُرْآنَ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُنْ في الصُّحُفِ وإنَّما كانَ مُتَفَرِّقًا في الدِّفافِ والجَرِيدِ ونَحْوِهِما، وأوَّلُ ما جُمِعَ في صَحِيفَةٍ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وهو كَما تَرى. ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أيْ: في السَّماءِ السّابِعَةِ كَما قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةِ القَدْرِ كَما قِيلَ. ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ مُنَزَّهَةٍ عَنْ مِساسِ أيْدِي الشَّياطِينِ أوْ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُصِ، والأوَّلُ قِيلَ مَأْخُوذٌ مِن مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ أيْ: كَتَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما قالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ فَإنَّهم يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ وهو جَمْعُ سافِرٍ؛ أيْ: كاتِبٍ، والمَصْدَرُ السَّفْرُ كالضَّرْبِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُمُ المَلائِكَةُ المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ جَمْعَ سافِرٍ أيْضًا بِمَعْنى سَفِيرٍ؛ أيْ رَسُولٍ وواسِطَةٍ، والمَشْهُورُ في مَصْدَرِهِ بِهَذا المَعْنى السِّفارَةُ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها، وجاءَ فِيهِ السَّفْرُ أيْضًا كَما في القامُوسِ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهم سُفَراءُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والأُمَّةِ، أوْ لِأنَّهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ؛ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وظِيفَتُهُمُ التَّلَقِّي مِنَ الوَحْيِ لا الكُتُبِ؛ لِما يُوحى عَلى أنَّ خاتَمَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ القُرْآنَ بَلْ لَمْ يَكْتُبْ أصْلًا عَلى ما هو الشّائِعُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وكَذا وظِيفَتُهم إرْشادُ الأُمَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ لا مُجَرَّدِ السِّفارَةِ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قِيلَ: لِأنَّهم سُفَراءُ ووَسائِطُ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنِ سائِرِ الأُمَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يُسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ القُرّاءُ، وكَأنَّ القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِالمُعَوَّلِ عَلَيْهِ، وقَدْ قالُوا: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا تَكادُ تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِمْ، وإنْ جازَ الإطْلاقُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، ومادَّتُها مَوْضُوعَةٌ بِجَمِيعِ تَراكِيبِها لِما يَتَضَمَّنُ الكَشْفُ كَسَفَرَتِ المَرْأةُ إذا كَشَفَتِ القِناعَ عَنْ وجْهِها، والباءُ قِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِ ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ صفحة 43 وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ أُخْرى لِصُحُفٍ.

عبس 80:14

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي صُحُفٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِتَذْكِرَةٍ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأنْ؛ أيْ كائِنَةٌ أوْ مُثْبَتَةٌ في صُحُفٍ، والمُرادُ بِها الصُّحُفُ المُنْتَسِخَةُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي اللَّوْحُ نَفْسُهُ، وهو غَيْرُ ظاهِرٍ، وقِيلَ: الصُّحُفُ المُنَزَّلَةُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ؛ فَإنَّ القُرْآنَ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُنْ في الصُّحُفِ وإنَّما كانَ مُتَفَرِّقًا في الدِّفافِ والجَرِيدِ ونَحْوِهِما، وأوَّلُ ما جُمِعَ في صَحِيفَةٍ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وهو كَما تَرى. ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أيْ: في السَّماءِ السّابِعَةِ كَما قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةِ القَدْرِ كَما قِيلَ. ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ مُنَزَّهَةٍ عَنْ مِساسِ أيْدِي الشَّياطِينِ أوْ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُصِ، والأوَّلُ قِيلَ مَأْخُوذٌ مِن مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ أيْ: كَتَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما قالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ فَإنَّهم يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ وهو جَمْعُ سافِرٍ؛ أيْ: كاتِبٍ، والمَصْدَرُ السَّفْرُ كالضَّرْبِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُمُ المَلائِكَةُ المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ جَمْعَ سافِرٍ أيْضًا بِمَعْنى سَفِيرٍ؛ أيْ رَسُولٍ وواسِطَةٍ، والمَشْهُورُ في مَصْدَرِهِ بِهَذا المَعْنى السِّفارَةُ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها، وجاءَ فِيهِ السَّفْرُ أيْضًا كَما في القامُوسِ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهم سُفَراءُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والأُمَّةِ، أوْ لِأنَّهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ؛ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وظِيفَتُهُمُ التَّلَقِّي مِنَ الوَحْيِ لا الكُتُبِ؛ لِما يُوحى عَلى أنَّ خاتَمَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ القُرْآنَ بَلْ لَمْ يَكْتُبْ أصْلًا عَلى ما هو الشّائِعُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وكَذا وظِيفَتُهم إرْشادُ الأُمَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ لا مُجَرَّدِ السِّفارَةِ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قِيلَ: لِأنَّهم سُفَراءُ ووَسائِطُ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنِ سائِرِ الأُمَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يُسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ القُرّاءُ، وكَأنَّ القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِالمُعَوَّلِ عَلَيْهِ، وقَدْ قالُوا: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا تَكادُ تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِمْ، وإنْ جازَ الإطْلاقُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، ومادَّتُها مَوْضُوعَةٌ بِجَمِيعِ تَراكِيبِها لِما يَتَضَمَّنُ الكَشْفُ كَسَفَرَتِ المَرْأةُ إذا كَشَفَتِ القِناعَ عَنْ وجْهِها، والباءُ قِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِ ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ صفحة 43 وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ أُخْرى لِصُحُفٍ.

عبس 80:15

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي صُحُفٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِتَذْكِرَةٍ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأنْ؛ أيْ كائِنَةٌ أوْ مُثْبَتَةٌ في صُحُفٍ، والمُرادُ بِها الصُّحُفُ المُنْتَسِخَةُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي اللَّوْحُ نَفْسُهُ، وهو غَيْرُ ظاهِرٍ، وقِيلَ: الصُّحُفُ المُنَزَّلَةُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ؛ فَإنَّ القُرْآنَ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُنْ في الصُّحُفِ وإنَّما كانَ مُتَفَرِّقًا في الدِّفافِ والجَرِيدِ ونَحْوِهِما، وأوَّلُ ما جُمِعَ في صَحِيفَةٍ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وهو كَما تَرى. ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أيْ: في السَّماءِ السّابِعَةِ كَما قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةِ القَدْرِ كَما قِيلَ. ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ مُنَزَّهَةٍ عَنْ مِساسِ أيْدِي الشَّياطِينِ أوْ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُصِ، والأوَّلُ قِيلَ مَأْخُوذٌ مِن مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ أيْ: كَتَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما قالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ فَإنَّهم يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ وهو جَمْعُ سافِرٍ؛ أيْ: كاتِبٍ، والمَصْدَرُ السَّفْرُ كالضَّرْبِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُمُ المَلائِكَةُ المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ جَمْعَ سافِرٍ أيْضًا بِمَعْنى سَفِيرٍ؛ أيْ رَسُولٍ وواسِطَةٍ، والمَشْهُورُ في مَصْدَرِهِ بِهَذا المَعْنى السِّفارَةُ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها، وجاءَ فِيهِ السَّفْرُ أيْضًا كَما في القامُوسِ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهم سُفَراءُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والأُمَّةِ، أوْ لِأنَّهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ؛ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وظِيفَتُهُمُ التَّلَقِّي مِنَ الوَحْيِ لا الكُتُبِ؛ لِما يُوحى عَلى أنَّ خاتَمَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ القُرْآنَ بَلْ لَمْ يَكْتُبْ أصْلًا عَلى ما هو الشّائِعُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وكَذا وظِيفَتُهم إرْشادُ الأُمَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ لا مُجَرَّدِ السِّفارَةِ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قِيلَ: لِأنَّهم سُفَراءُ ووَسائِطُ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنِ سائِرِ الأُمَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يُسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ القُرّاءُ، وكَأنَّ القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِالمُعَوَّلِ عَلَيْهِ، وقَدْ قالُوا: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا تَكادُ تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِمْ، وإنْ جازَ الإطْلاقُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، ومادَّتُها مَوْضُوعَةٌ بِجَمِيعِ تَراكِيبِها لِما يَتَضَمَّنُ الكَشْفُ كَسَفَرَتِ المَرْأةُ إذا كَشَفَتِ القِناعَ عَنْ وجْهِها، والباءُ قِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِ ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ صفحة 43 وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ أُخْرى لِصُحُفٍ.

عبس 80:16

﴿كِرامٍ﴾ أيْ: أعِزّاءَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُعَظَّمِينَ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، فَهو مِنَ الكَرامَةِ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ أوْ مُتَعَطِّفِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ يَسْتَغْفِرُونَ لَهم ويُرْشِدُونَهم إلى ما فِيهِ الخَيْرُ بِالإلْهامِ ويَنْزِلُونَ بِما فِيهِ تَكْمِيلُهم مِنَ الشَّرائِعِ فَهو مِنَ الكَرَمِ ضِدَّ اللُّؤْمِ. ﴿بَرَرَةٍ﴾ أيْ: أتْقِياءَ وقِيلَ مُطِيعِينَ اللَّهَ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ؛ أيْ: يُطِيعُهُ، وقِيلَ: صادِقِينَ مِن بَرَّ في يَمِينِهِ وهو جَمْعُ بَرٍّ لا غَيْرَ، وأمّا أبْرارٌ فَيَكُونُ جَمْعَ بَرٍّ كَرَبٍّ وأرْبابٍ، وجَمْعَ بارٍّ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، وإنْ مَنَعَهُ بَعْضُ النُّحاةِ لِعَدَمِ اطِّرادِهِ، واخْتُصَّ عَلى ما قِيلَ الجَمْعُ الأوَّلُ بِالمَلائِكَةِ والثّانِي بِالآدَمِيِّينَ في القُرْآنِ ولِسانِ الشّارِعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ ذَلِكَ لِأنَّ الأبْرارَ مِن صِيَغِ القِلَّةِ دُونَ البَرَرَةِ، ومُتَّقُو المَلائِكَةِ أكْثَرُ مِن مُتَّقِي الآدَمِيِّينَ فَناسَبَ اسْتِعْمالُ صِيغَةِ القِلَّةِ وإنْ لَمْ تُرَدْ حَقِيقَتُها في الآدَمِيِّينَ دُونَهُمْ، وقالَ الرّاغِبُ: خَصَّ البَرَرَةَ بِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُ أبْلَغُ مِن أبْرارٍ؛ فَإنَّهُ جَمْعُ بَرٍّ وأبْرارٍ جَمْعِ بارٍّ، وبَرٌّ أبْلَغُ مِن بارٍّ كَما أنَّ عَدْلًا أبْلَغُ مِن عادِلٍ وكَأنَّهُ عَنى أنَّ الوَصْفَ بِبَرٍّ أبْلَغُ لِكَوْنِهِ مِن قَبِيلِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ مِنَ الوَصْفِ بِبارٍّ، لَكِنْ قَدْ سَمِعْتَ أنَّ أبْرارًا يَكُونُ جَمْعَ بَرٍّ كَما يَكُونُ جَمْعَ بارٍّ وأيْضًا في كَوْنِ المَلائِكَةِ أحَقَّ بِالوَصْفِ بِالأبْلَغِ بِالنِّسْبَةِ إلى الآدَمِيِّينَ مُطْلَقًا بَحْثٌ. وقِيلَ: إنَّ الأبْرارَ أبْلَغُ مِنَ البَرَرَةِ؛ إذْ هو جَمْعُ بارٍّ، والبَرَرَةُ جَمْعُ بَرٍّ، وبارٌّ أبْلَغُ مِنهُ لِزِيادَةِ بِنْيَتِهِ، ولَمّا كانَتْ صِفاتُ الكَمالِ في بَنِي آدَمَ تَكُونُ كامِلَةً وناقِصَةً وُصِفُوا بِالأبْرارِ إشارَةً إلى مَدْحِهِمْ بِأكْمَلِ الأوْصافِ، وأمّا المَلائِكَةُ فَصِفاتُ الكَمالِ فِيهِمْ لا تَكُونُ ناقِصَةً فَوُصِفُوا بِالبَرَرَةِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أصْلِ الوَصْفِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المُبالَغَةِ فِيهِ لِعَدَمِ احْتِياجِهِمْ لِذَلِكَ، وإشارَةً لِفَضِيلَةِ البَشَرِ لِما في كَوْنِهِمْ أبْرارًا مِنَ المُجاهَدَةِ وعِصْيانِ داعِي الجِبِلَّةِ وفِيهِ ما لا يَخْفى ومِنَ اسْتِعْمالِ البَرَرَةِ في المَلائِكَةِ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وهو ماهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، والَّذِي يَقْرَأُهُ وهو عَلَيْهِ شاقٌّ لَهُ أجْرانِ»».

عبس 80:17

﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأشْنَعِ الدَّعَواتِ وأفْظَعِها. ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ تَعْجِيبٌ مِن إفْراطِهِ في الكُفْرانِ وبَيانٌ لِاسْتِحْقاقِهِ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ: إمّا مَنِ اسْتَغْنى عَنِ القُرْآنِ الكَرِيمِ الَّذِي ذُكِرَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ المُوجِبَةُ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ والإيمانِ بِهِ، وإمّا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ انْتِظامِهِ لَهُ ولِأمْثالِهِ مِن أفْرادِهِ، ورُجِّحَ هَذا بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ «عَنْ عِكْرِمَةَ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ حَتّى يَفْتَرِسَهُ». فَلَمّا كانَ في أثْناءِ الطَّرِيقِ ذَكَرَ الدُّعاءَ فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ أسَدٌ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ ويَقُولُ: ما قالَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ» . وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى خَبَرٌ في هَذِهِ القِصَّةِ أطْوَلُ مِن هَذا الخَبَرِ، فَلا تَغْفُلْ. ثُمَّ إنَّ هَذا كَلامٌ في غايَةِ الإيجازِ، وقَدْ قالَ جارُ اللَّهِ: لا تَرى أُسْلُوبًا أغْلَظَ مِنهُ ولا أدَلَّ عَلى سُخْطٍ ولا أبْعَدَ شَوْطًا في المَذَمَّةِ مَعَ تَقارُبِ طَرَفَيْهِ ولا أجْمَعَ لِلْأئِمَّةِ عَلى قِصَرِ مَتْنِهِ حَيْثُ اشْتَمَلَ عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ الدُّعاءِ مُرادًا إذْ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ تَعالى لازِمُهُ وعَلى التَّعَجُّبِ المُرادِ بِهِ لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ التَّعْجِيبُ لِكُلِّ سامِعٍ. وقالالإمامُ: إنَّ الجُمْلَةَ الأُولى تَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ عُرْفًا، والثّانِيَةَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اتَّصَفُوا بِأعْظَمِ أنْواعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ شَرْعًا، ولَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ وما نُسِبَ إلى امْرِئِ القَيْسِ مِن قَوْلِهِ: يَتَمَنّى المَرْءُ في الصَّيْفِ الشِّتا فَإذا جاءَ الشِّتا أنْكَرَهْ فَهْوَ لا يَرْضى بِحالٍ واحِدٍ ∗∗∗ قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهْ صفحة 44 لا أصْلَ لَهُ، ومَن لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِكَلامِ العَرَبِ لا يَجْهَلُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ مُوَلَّدٌ أرادَ الِاقْتِباسَ لا جاهِلِيٌّ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ خَبَرًا عَنْ أنَّهُ سَيَقْتُلُ الكُفّارَ بِإنْزالِ آيَةِ القِتالِ، وعَبَّرَ بِالماضِي مُبالَغَةً في أنَّهُ سَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ونَحْوُهُ ما قِيلَ إنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ؛ أيْ: جَعَلَهُ كافِرًا بِمَعْنى لا شَيْءَ يُسَوِّغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.

عبس 80:18

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ إفْراطِهِ في الكُفْرانِ بِتَفْصِيلِ ما أفاضَ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مِن مَبْدَأِ فِطْرَتِهِ إلى مُنْتَهى عُمْرِهِ مِن فُنُونِ النِّعَمِ المُوجِبَةِ لِأنْ تُقابَلَ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ مَعَ إخْلالِهِ، والِاسْتِفْهامُ قِيلَ لِلتَّحْقِيرِ، وذِكْرُ الجَوابِ؛ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ لا يَقْتَضِي أنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ في الحَقِيقَةِ، بَلْ عَلى صُورَتِهِ وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّقْرِيرِ والتَّحْقِيرِ مُسْتَفادٌ مِن «شَيْءٍ» المُنَكَّرِ، وقِيلَ التَّحْقِيرُ يُفْهَمُ أيْضًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ إلَخْ؛ أيْ: مِن أيِّ شَيْءٍ حَقِيرٍ مَهِينٍ خَلَقَهُ؛ مِن نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ خَلَقَهُ. ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ ويَلِيقُ بِهِ مِنَ الأعْضاءِ والأشْكالِ فالتَّقْدِيرُ بِمَعْنى التَّهْيِئَةِ لِما يَصْلُحُ ولِذا ساغَ عَطْفُهُ بِالفاءِ دُونَ التَّسْوِيَةِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ بِهَذا المَعْنى أوْ يَتَضَمَّنُهُ فَلا تَصْلُحُ الفاءُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا تَفْصِيلًا لِما أُجْمِلَ أوَّلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أيْ: فَقَدَّرَهُ أطْوارًا إلى أنَّ أتَمَّ خَلْقَهُ.

عبس 80:19

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ إفْراطِهِ في الكُفْرانِ بِتَفْصِيلِ ما أفاضَ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مِن مَبْدَأِ فِطْرَتِهِ إلى مُنْتَهى عُمْرِهِ مِن فُنُونِ النِّعَمِ المُوجِبَةِ لِأنْ تُقابَلَ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ مَعَ إخْلالِهِ، والِاسْتِفْهامُ قِيلَ لِلتَّحْقِيرِ، وذِكْرُ الجَوابِ؛ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ لا يَقْتَضِي أنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ في الحَقِيقَةِ، بَلْ عَلى صُورَتِهِ وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّقْرِيرِ والتَّحْقِيرِ مُسْتَفادٌ مِن «شَيْءٍ» المُنَكَّرِ، وقِيلَ التَّحْقِيرُ يُفْهَمُ أيْضًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ إلَخْ؛ أيْ: مِن أيِّ شَيْءٍ حَقِيرٍ مَهِينٍ خَلَقَهُ؛ مِن نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ خَلَقَهُ. ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ ويَلِيقُ بِهِ مِنَ الأعْضاءِ والأشْكالِ فالتَّقْدِيرُ بِمَعْنى التَّهْيِئَةِ لِما يَصْلُحُ ولِذا ساغَ عَطْفُهُ بِالفاءِ دُونَ التَّسْوِيَةِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ بِهَذا المَعْنى أوْ يَتَضَمَّنُهُ فَلا تَصْلُحُ الفاءُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا تَفْصِيلًا لِما أُجْمِلَ أوَّلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أيْ: فَقَدَّرَهُ أطْوارًا إلى أنَّ أتَمَّ خَلْقَهُ.

عبس 80:20

﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ: ثُمَّ سَهَّلَ مَخْرَجَهُ مِنَ البَطْنِ كَما جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِأنْ فَتَحَ فَمَ الرَّحِمِ ومَدَّدَ الأعْصابَ في طَرِيقِهِ ونَكَّسَ رَأْسَهُ لِأسْفَلَ بَعْدَ أنْ كانَ في جِهَةِ العُلُوِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةَ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ المُرادُ بِ «السَّبِيلَ» سَبِيلَ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ وتَيْسِيرِهِ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ وتَمْكِينُهُ مِنَ النَّظَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعَطاءٌ وهو رِوايَةٌ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا: هو سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ؛ أيْ: سَهَّلَ لَهُ الطَّرِيقَ الَّذِي يُرِيدُ سُلُوكَهُ مِن طَرِيقِ الخَيْرِ والهُدى وطَرِيقِ الشَّرِّ والضَّلالِ؛ بِأنْ أقْدَرَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلٍّ ومَكَّنَهُ مِنهُ، والإقْدارُ عَلى المُرادِ نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خَيْرِيَّتِهِ وشَرِّيَّتِهِ فَلا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ كَيْفَ يُعَدُّ تَسْهِيلُ طَرِيقِ الشَّرِّ والضَّلالِ مِنَ النِّعَمِ وقُلْ: إنَّهُ عُدَّ مِنها لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَهَّلًا كَسَبِيلِ الخَيْرِ لَمْ يَسْتَحِقَّ المَدْحَ والثَّوابَ بِالإعْراضِ عَنْهُ، وتَرْكُهُ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ تَرْكَ المُحَرَّمِ كالزِّنا مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ لِعَنَةٍ مَثَلًا لا يُثابُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يُثابُ ويُمْدَحُ عَلَيْهِ إذا قَدَرَ التّارِكُ في نَفْسِهِ أنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ لَمْ يَفْعَلْ. وقالَ بَعْضُهُمْ: العَجْزُ عَنِ الشَّرِّ نِعْمَةٌ، وأنْشَدَ: جكونه شكر ابن نعمت كزارم كه زور مردم آزارى ندارم ونُصِبَ السَّبِيلُ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّيْسِيرِ وتَمْكِينٌ في النَّفْسِ بِسَبَبِ التَّكْرِيرِ، قِيلَ: وفي تَعْرِيفِهِ بِاللّامِ دُونَ الإضافَةِ إشْعارٌ بِعُمُومِهِ؛ فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ: «سَبِيلَهُ» أوْهَمَ أنَّهُ عَلى التَّوْزِيعِ، وإنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ سَبِيلًا يَخُصُّهُ، وخَصَّ بَعْضُهم هَذِهِ النُّكْتَةَ بِالمَعْنى الأخِيرِ لِلسَّبِيلِ فَتَدَبَّرْ. وعَلى هَذا المَعْنى قِيلَ: إنَّ فِيهِ إيماءً إلى أنَّ الدُّنْيا طَرِيقٌ المَقْصِدُ غَيْرُها؛ لِما أشْعَرَتْ بِهِ الآيَةُ مِن أنَّ المُيَسَّرَ سَبِيلُ المُكَلَّفِينَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ وفِيهِ خَفاءٌ، وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ فِي: ﴿يَسَّرَهُ﴾ لِلسَّبِيلِ ولَيْسَ في التَّفْكِيكِ لَبْسٌ حَتّى يَكُونَ نَقْصًا في البَيانِ.

عبس 80:21

﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ: جَعَلَهُ ذا قَبْرٍ تُوارى فِيهِ جِيفَتُهُ تَكْرِمَةً لَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مَطْرُوحًا عَلى الأرْضِ يَسْتَقْذِرُهُ مَن يَراهُ وتَقْتَسِمُهُ السِّباعُ والطَّيْرُ إذا ظَفِرَتْ بِهِ كَسائِرِ الحَيَوانِ، والمُرادُ مِن جَعْلِهِ ذا قَبْرٍ أمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ بِدَفْنِهِ يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ بِيَدِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتًا إلى نَحْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ وأقْبَرَهُ إذا أمَرَ بِدَفْنِهِ أوْ مَكَّنَ مِنهُ، فَفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى مَشْرُوعِيَّةِ دَفْنِ الإنْسانِ وهي مِمّا لا خِلافَ فِيهِ، وأمّا دَفْنُ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَواناتِ فَقِيلَ هو مُباحٌ لا مَكْرُوهٌ، وقَدْ يُطْلَبُ لِأمْرٍ مَشْرُوعٍ يَقْتَضِيهِ كَدَفْعِ أذى جِيفَتِهِ مَثَلًا، وعْدُ الإماتَةِ صفحة 45 مِنَ النِّعَمِ لِأنَّها وصْلَةٌ في الجُمْلَةِ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، وخُصَّتْ هَذِهِ النِّعَمُ بِالذِّكْرِ لِما فِيها مِن ذِكْرِ أحْوالِ الإنْسانِ مِنَ ابْتِدائِهِ إلى انْتِهائِهِ وما تَتَضَمَّنُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي هي مَحْضُ فَضْلٍ مِنَ اللَّهِ فَإذا تَأمَّلَ ذَلِكَ العاقِلُ عِلْمَ قُبْحَ الكُفْرِ وكُفْرانَ نِعَمِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى فَشَكَرَهُ جَلَّ وعَلا بِالإيمانِ والطّاعَةِ.

عبس 80:22

﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ: إذا شاءَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ عَلى القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ في حَذْفِ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ وفي تَعْلِيقِ الإنْشارِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى إيذانٌ بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ أصْلًا، بَلْ هو تابِعٌ لَها وهَذا بِخِلافِ الإماتَةِ فَإنَّ وقْتَها مُعَيَّنٌ إجْمالًا عَلى ما هو المَعْهُودُ في الأعْمارِ الطَّبِيعِيَّةِ، وكَذا الحالُ في وقْتِ الإقْبارِ بَلْ هو أظْهَرُ في ذَلِكَ، وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ الحِجابِ كَما في كِتابِ اللَّوامِحِ وابْنُ أبِي حَمْزَةَ كَما في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ: «نَشَرَهُ» بِدُونِ هَمْزَةٍ وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ.

عبس 80:23

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ البالِغِ نِهايَتَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ بَيانٌ لِسَبَبِ الرَّدْعِ و«لَمّا» نافِيَةٌ جازِمَةٌ ونَفْيُها غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، وما مَوْصُولَةٌ، وضَمِيرُ «أمَرَهُ» إمّا لِلْإنْسانِ كالمُسْتَتِرِ في يَقْضِ، والعائِدُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِهِ أوْ لِلْمَوْصُولِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، والعائِدُ إلى الإنْسانِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: إيّاهُ قِيلَ، والثّانِي أحْسَنُ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ أهْوَنُ مِن حَذْفِ العائِدِ إلى المَوْصُولِ، والمُرادُ بِما أمَرَهُ جَمِيعُ ما أمَرَهُ والمَعْنى عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: لَمْ يَقْضِ مِن أوَّلِ زَمانِهِ تَكْلِيفَهُ إلى زَمانِ أمانَتِهِ وإقْبارِهِ، أوْ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذِهِ الغايَةِ مَعَ طُولِ المَدى وامْتِدادِهِ جَمِيعَ ما أمَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِن جَمِيعِ أوامِرِهِ تَعالى؛ إذْ لا يَخْلُو أحَدٌ عَنْ تَقْصِيرٍ ما، ونُقِلَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وفِيهِ حَمْلُ عَدَمِ القَضاءِ عَلى نَفْيِ العُمُومِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا رَيْبَ في أنَّ مَساقَ الآياتِ الكَرِيمَةِ لِبَيانِ غايَةِ عِظَمِ جِنايَةِ الإنْسانِ وتَحْقِيقِ كُفْرانِهِ المُفْرِطِ المُسْتَوْجِبِ لِلسُّخْطِ العَظِيمِ، وظاهِرٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ بِهَذا القَدْرِ مِن نَوْعِ تَقْصِيرٍ لا يَخْلُو عَنْهُ أحَدٌ مِن أفْرادِهِ، واخْتِيرَ أنْ يُحْمَلَ عَدَمُ القَضاءِ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ إمّا عَلى أنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ هو الإنْسانُ المُسْتَغْنِي أوْ هو الجِنْسُ، لَكِنْ لا عَلى الإطْلاقِ بَلْ عَلى أنَّ مِصْداقَ الحُكْمِ بِعَدَمِ القَضاءِ بَعْضُ أفْرادِهِ، وقَدْ أُسْنِدَ إلى الكُلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ . وإمّا عَلى أنَّ مِصْداقَهُ الكُلُّ مِن حَيْثُ هو كُلٌّ بِطْرِيقِ رَفْعِ الإيجابِ الكُلِّيِّ دُونَ السَّلْبِ الكُلِّيِّ فالمَعْنى: لَمّا يَقْضِ جَمِيعُ أفْرادِهِ ما أمَرَهُ، بَلْ أخَلَّ بِهِ بَعْضُها بِالكُفْرِ والعِصْيانِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى ما فُصِّلَ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ الشّامِلَةِ لِلْكُلِّ أنْ لا يَخْتَلِفَ عَنْهُ أحَدٌ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ ( كَلّا ) بِمَعْنى حَقًّا فَيَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَهُ؛ أيْ: حَقًّا لَمْ يَعْمَلْ بِما أمَرَهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ فُورَكَ: الضَّمِيرُ فِي: ﴿يَقْضِ﴾ لِلَّهِ تَعالى؛ أيْ: لَمْ يَقْضِ اللَّهُ تَعالى لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ بَلْ أمَرَهُ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ لَمّا يَقْضِ لَهُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. والظّاهِرُ عَلَيْهِ أنَّ ( كَلّا ) بِمَعْنى حَقًّا أيْضًا.

عبس 80:24

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ عَلى مَعْنى: إذا كانَ هَذا حالَ الإنْسانِ وهو أنَّهُ إلى الآنِ لَمْ يَقْضِ ما أمَرَهُ مَعَ أنَّ مُقْتَضى النِّعَمِ السّابِقَةِ القَضاءُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَعامِهِ... إلَخْ. لَعَلَّهُ يَقْضِي، وفي الحَواشِي العِصامِيَّةِ لا يَخْفى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ مِن كَمالِ تَهْيِيجِ الإنْسانِ وتَحْرِيضِهِ عَلى امْتِثالِ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الأمْرِ بِالنَّظَرِ، وتَفْرِيعُ الأمْرِ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِائْتِمارَ كَما يَنْبَغِي أنْ يَتَيَسَّرَ بَعْدَ الِارْتِداعِ عَمّا هو عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ هُنا نَحْوَ ما أُرِيدَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ ولَمّا جَوَّزَ صاحِبُ الحَواشِي المَذْكُورَةِ حَمْلَ عَدَمِ القَضاءِ عَلى السَّلْبِ الكُلِّيِّ وجَعَلَ الكَلامَ في الإنْسانِ المُبالِغِ في الكُفْرِ قالَ: فالمُرادُ بِضَمِيرِ ﴿يَقْضِ﴾ غَيْرُ الإنْسانِ الَّذِي أُمِرَ بِالنَّظَرِ فَإنَّهُ عامٌّ فَلِذا أُظْهِرَ وتَضَمَّنَ ما مَرَّ ذِكْرَ النِّعَمِ الذّاتِيَّةِ؛ أيْ ما يَتَعَلَّقُ بِذاتِ الإنْسانِ مِنَ الذّاتِ نَفْسِها ولَوازِمِها، وهَذا ذِكْرُ النِّعَمِ الخارِجِيَّةِ المُقابَلَةِ لِذَلِكَ، وقِيلَ: الأُولى نِعَمٌ خاصَّةٌ، والثّانِيَةُ نِعَمٌ عامَّةٌ. وقِيلَ: تِلْكَ نِعَمٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالحُدُوثِ وهَذِهِ نِعَمٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَقاءِ، وفِيهِ نَظَرٌ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالطَّعامِ المَطْعُومِ بِأنْواعِهِ واقْتُصِرَ عَلَيْهِ ولَمْ يَذْكُرِ المَشْرُوبَ؛ لِأنَّ آثارَ القُدْرَةِ فِيهِ أكْثَرُ مِن آثارِها في المَشْرُوبِ، واعْتِبارُ التَّغْلِيبِ لا يَخْفى ما فِيهِ.

عبس 80:25

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ فَإنَّهُ لِكَوْنِهِ مِن أسْبابِ صفحة 46 تَكَوُّنِهِ كالمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: صَبَبْنا لَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ أنّا صَبَبْنا... إلَخْ. وهو كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ بِالنَّظَرِ هو البَدَلُ وبِذَلِكَ يَضْعُفُ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِمْ أنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرْ إلى طَعامِهِ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا وما تَهالَكَ عَلَيْهِ أهْلُها، ولَعَمْرِي إنَّ هَذا بَعِيدُ الإرادَةِ عَنِ السِّياقِ، ولا أظُنُّ أنَّهُ وقَعَ عَلى صِحَّةِ رِوايَتِهِ عَنْ هَؤُلاءِ الأجِلَّةِ الِاتِّفاقُ. وظاهِرُ الصَّبِّ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الماءِ بِالغَيْثِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَوَّزَ بَعْضُهم إرادَةَ الأعَمِّ. وقالَ: إنَّ في كُلِّ ماءٍ صَبًّا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِخَلْقِ أسْبابِهِ عَلى أُصُولِ النَّباتاتِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إيصالَ الماءِ إلى أُصُولِ النَّباتاتِ يَبْعُدُ تَسْمِيَتُهُ صَبًّا، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها مَعَ كَوْنِها مَظِنَّةً لِإنْكارِ القاصِرِ لِعَدَمِ الإحْساسِ بِفِعْلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما يُعْرَفُ الِاسْتِنادُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ، وقَرَأ الأكْثَرُ: «إنّا» بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ كَأنَّهُ لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِالنَّظَرِ إلى ما رَزَقَهُ جَلَّ وعَلا مِن أنْواعِ المَأْكُولاتِ قِيلَ: كَيْفَ أُحْدِثَ ذَلِكَ وأُوجِدَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيلَ: «إنّا صَبَبْنا» إلَخْ. وقَرَأ الإمامُ الحُسَيْنُ ابْنُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُما ورَضِيَ سُبْحانَهُ عَنْهُما: «أنّى صَبَبْنا» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والإمالَةِ عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا الماءَ ﴿صَبًّا﴾ عَجِيبًا.

عبس 80:26

﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ﴾ أيْ: بِالنَّباتِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿شَقًّا﴾ بَدِيعًا لائِقًا بِما يَشُقُّها مِنَ النَّباتِ صِغَرًا وكِبَرًا وشَكْلًا وهَيْئَةً. وقِيلَ: شَقُّها بِالكِرابِ، وإسْنادُهُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى مَجازٌ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ هو المُوجِدُ حَقِيقَةً فَقَدْ تَبَيَّنَ في مَوْضِعِهِ أنَّ إسْنادَ الفِعْلِ حَقِيقَةً لِمَن قامَ بِهِ لا مَن صَدَرَ عَنْهُ إيجادًا ولِهَذا يُشْتَقُّ اسْمُ الفاعِلِ لَهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ كَلِمَةُ ثُمَّ.

عبس 80:27

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ فَإنَّ الشَّقَّ بِالمَعْنى المَذْكُورِ لا تَرَتُّبَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإمْطارِ أصْلًا ولا بَيْنَهُ وبَيْنَ إنْباتِ الحَبِّ بِلا مُهْلَةٍ؛ فَإنَّ المُرادَ بِالنَّباتِ ما نَبَتَ مِنَ الأرْضِ إلى أنْ يَتَكامَلَ النُّمُوُّ ويَنْعَقِدَ الحَبُّ؛ فَإنَّ انْشِقاقَ الأرْضِ بِالنَّباتِ لا يَزالُ يَتَزايَدُ ويَتَّسِعُ إلى تِلْكَ المَرْتَبَةِ عَلى أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ النِّعَمِ الفائِضَةِ مِن جَنابِهِ تَعالى عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ خارِجٍ عَنِ العاداتِ المَعْهُودَةِ كَما يُنْبِئُ مِنهُ إرْدافُ الفِعْلَيْنِ بِالمَصْدَرَيْنِ فَتَوْسِيطُ فِعْلِ المُنْعِمِ عَلَيْهِ في حُصُولِ تِلْكَ النِّعَمِ مُخِلٌّ بِالمَرامِ ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، وقِيلَ عَلَيْهِ أيْضًا: إنَّ الشَّقَّ بِالكِرابِ لا يَظْهَرُ في العِنَبِ والزَّيْتُونِ والنَّخْلِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن لَوازِمِ العَطْفِ تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ بِجَمِيعِ ما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الكِرابِ في القِيلِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ ما يَشْمَلُ الحَفْرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ شَقَّها بِالعُيُونِ عَلى أنَّ المُرادَ بِصَبِّ الماءِ إمْطارُ المَطَرِ وبِهَذا إجْراءُ الأنْهارِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَرَتُّبُ الشَّقِّ عَلى صَبِّ الماءِ بِكَلِمَةِ التَّراخِي، وأيْضًا تَرْتِيبُ الإنْباتِ عَلى مَجْمُوعِ الصَّبِّ والشَّقِّ بِالمَعْنى المَذْكُورِ لا يُلائِمُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا﴾ الآيَةَ؛ لِإشْعارِهِ بِاسْتِقْلالِ الصَّبِّ وإنْزالِ الغَيْثِ في ذَلِكَ، ودَفْعًا بِأنَّ ماءَ العُيُونِ مِنَ المَطَرِ لا مِنَ الأبْخِرَةِ المُحْتَبَسَةِ في الأرْضِ ولا يَخْفى عَلى ذِي عَيْنٍ أنَّ هَذا الوَجْهَ بَعِيدٌ مُتَكَلَّفٌ، والمُرادُ بِالحَبِّ جِنْسُ الحُبُوبِ الَّتِي يُتَقَوَّتُ بِها وتُدَّخَرُ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ وغَيْرِها.

عبس 80:28

﴿وعِنَبًا﴾ مَعْرُوفٌ ﴿وقَضْبًا﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو الفَصْفَصَةُ وقَيَّدَها الخَلِيلُ بِالرَّطْبَةِ وقالَ: إذا يَبِسَتْ فَهي القَتُّ وسُمِّيَتْ بِمَصْدَرِ قَضَبَهُ؛ أيْ: قَطَعَهُ مُبالَغَةً كَأنَّها لِتَكَرُّرِ قَطْعِها وتَكَثُّرِهِ نَفْسِهِ القَطْعُ، وضَعَّفَ هَذا مَن فَسَّرَ الأبَّ بِما يَشْمَلُ ذَلِكَ وقِيلَ هو كُلُّ ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ كالبُقُولِ والهِلْيُونِ. وفِي البَحْرِ عَنِ الحَبْرِ: إنَّهُ الرَّطْبُ وهو يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ واسْتَأْنَسَ لَهُ بِذِكْرِهِ مَعَ العِنَبِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ. ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ هُما مَعْرُوفانِ ﴿وحَدائِقَ﴾ رِياضًا ﴿غُلْبًا﴾ أيْ: عِظامًا، وأصْلُهُ جَمْعُ أغْلَبَ وغَلْباءَ صِفَةُ العُنُقِ، وقَدْ يُوصَفُ بِهِ الرَّجُلُ، لَكِنَّ الأوَّلَ هو الأغْلَبُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: صفحة 47 يَمْشِي بِها غُلْبُ الرِّقابِ كَأنَّهم بَزْلٌ كُسِينَ مِنَ الكُحَيْلِ جِلالا ووَصْفُ الحَدائِقِ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ شُبِّهَ تَكاثُفُ أوْراقِ الأشْجارِ وعُرُوقِها بِغِلَظِ الأوْداجِ وانْتِفاخِ الأعْصابِ مَعَ انْدِماجِ بَعْضِها في بَعْضٍ في غِلَظِ الرَّقَبَةِ إلّا أنَّ الغِلَظَ في الأشْجارِ أقْوى؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ نَظَرًا إلى الِانْدِماجِ، وتَقَوِّي البَعْضِ بِالبَعْضِ حَتّى صارَتْ شَيْئًا واحِدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ كَما في المَرْسِنِ بِأنْ يُرادَ بِالأغْلَبِ الغَلِيظُ مُطْلَقًا، وتُجُوِّزَ في الإسْنادِ أيْضًا لِأنَّ الحَدائِقَ نَفْسَها لَيْسَتْ غَلِيظَةً بَلِ الغَلِيظُ أشْجارُها. وقالَ بَعْضٌ: المُرادُ بِالحَدائِقِ نَفْسُ الأشْجارِ لِمَكانِ العَطْفِ عَلى ما في حَيِّزِ «أنْبَتْنا» فَلا تَغْفُلْ.

عبس 80:29

﴿وعِنَبًا﴾ مَعْرُوفٌ ﴿وقَضْبًا﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو الفَصْفَصَةُ وقَيَّدَها الخَلِيلُ بِالرَّطْبَةِ وقالَ: إذا يَبِسَتْ فَهي القَتُّ وسُمِّيَتْ بِمَصْدَرِ قَضَبَهُ؛ أيْ: قَطَعَهُ مُبالَغَةً كَأنَّها لِتَكَرُّرِ قَطْعِها وتَكَثُّرِهِ نَفْسِهِ القَطْعُ، وضَعَّفَ هَذا مَن فَسَّرَ الأبَّ بِما يَشْمَلُ ذَلِكَ وقِيلَ هو كُلُّ ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ كالبُقُولِ والهِلْيُونِ. وفِي البَحْرِ عَنِ الحَبْرِ: إنَّهُ الرَّطْبُ وهو يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ واسْتَأْنَسَ لَهُ بِذِكْرِهِ مَعَ العِنَبِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ. ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ هُما مَعْرُوفانِ ﴿وحَدائِقَ﴾ رِياضًا ﴿غُلْبًا﴾ أيْ: عِظامًا، وأصْلُهُ جَمْعُ أغْلَبَ وغَلْباءَ صِفَةُ العُنُقِ، وقَدْ يُوصَفُ بِهِ الرَّجُلُ، لَكِنَّ الأوَّلَ هو الأغْلَبُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: صفحة 47 يَمْشِي بِها غُلْبُ الرِّقابِ كَأنَّهم بَزْلٌ كُسِينَ مِنَ الكُحَيْلِ جِلالا ووَصْفُ الحَدائِقِ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ شُبِّهَ تَكاثُفُ أوْراقِ الأشْجارِ وعُرُوقِها بِغِلَظِ الأوْداجِ وانْتِفاخِ الأعْصابِ مَعَ انْدِماجِ بَعْضِها في بَعْضٍ في غِلَظِ الرَّقَبَةِ إلّا أنَّ الغِلَظَ في الأشْجارِ أقْوى؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ نَظَرًا إلى الِانْدِماجِ، وتَقَوِّي البَعْضِ بِالبَعْضِ حَتّى صارَتْ شَيْئًا واحِدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ كَما في المَرْسِنِ بِأنْ يُرادَ بِالأغْلَبِ الغَلِيظُ مُطْلَقًا، وتُجُوِّزَ في الإسْنادِ أيْضًا لِأنَّ الحَدائِقَ نَفْسَها لَيْسَتْ غَلِيظَةً بَلِ الغَلِيظُ أشْجارُها. وقالَ بَعْضٌ: المُرادُ بِالحَدائِقِ نَفْسُ الأشْجارِ لِمَكانِ العَطْفِ عَلى ما في حَيِّزِ «أنْبَتْنا» فَلا تَغْفُلْ.

عبس 80:30

﴿وعِنَبًا﴾ مَعْرُوفٌ ﴿وقَضْبًا﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو الفَصْفَصَةُ وقَيَّدَها الخَلِيلُ بِالرَّطْبَةِ وقالَ: إذا يَبِسَتْ فَهي القَتُّ وسُمِّيَتْ بِمَصْدَرِ قَضَبَهُ؛ أيْ: قَطَعَهُ مُبالَغَةً كَأنَّها لِتَكَرُّرِ قَطْعِها وتَكَثُّرِهِ نَفْسِهِ القَطْعُ، وضَعَّفَ هَذا مَن فَسَّرَ الأبَّ بِما يَشْمَلُ ذَلِكَ وقِيلَ هو كُلُّ ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ كالبُقُولِ والهِلْيُونِ. وفِي البَحْرِ عَنِ الحَبْرِ: إنَّهُ الرَّطْبُ وهو يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ واسْتَأْنَسَ لَهُ بِذِكْرِهِ مَعَ العِنَبِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ. ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ هُما مَعْرُوفانِ ﴿وحَدائِقَ﴾ رِياضًا ﴿غُلْبًا﴾ أيْ: عِظامًا، وأصْلُهُ جَمْعُ أغْلَبَ وغَلْباءَ صِفَةُ العُنُقِ، وقَدْ يُوصَفُ بِهِ الرَّجُلُ، لَكِنَّ الأوَّلَ هو الأغْلَبُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: صفحة 47 يَمْشِي بِها غُلْبُ الرِّقابِ كَأنَّهم بَزْلٌ كُسِينَ مِنَ الكُحَيْلِ جِلالا ووَصْفُ الحَدائِقِ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ شُبِّهَ تَكاثُفُ أوْراقِ الأشْجارِ وعُرُوقِها بِغِلَظِ الأوْداجِ وانْتِفاخِ الأعْصابِ مَعَ انْدِماجِ بَعْضِها في بَعْضٍ في غِلَظِ الرَّقَبَةِ إلّا أنَّ الغِلَظَ في الأشْجارِ أقْوى؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ نَظَرًا إلى الِانْدِماجِ، وتَقَوِّي البَعْضِ بِالبَعْضِ حَتّى صارَتْ شَيْئًا واحِدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ كَما في المَرْسِنِ بِأنْ يُرادَ بِالأغْلَبِ الغَلِيظُ مُطْلَقًا، وتُجُوِّزَ في الإسْنادِ أيْضًا لِأنَّ الحَدائِقَ نَفْسَها لَيْسَتْ غَلِيظَةً بَلِ الغَلِيظُ أشْجارُها. وقالَ بَعْضٌ: المُرادُ بِالحَدائِقِ نَفْسُ الأشْجارِ لِمَكانِ العَطْفِ عَلى ما في حَيِّزِ «أنْبَتْنا» فَلا تَغْفُلْ.

عبس 80:31

﴿وفاكِهَةً﴾ قِيلَ: هي الثِّمارُ كُلُّها، وقِيلَ: بَلْ هي الثِّمارُ ما عَدا العِنَبَ والرُّمّانَ وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُ ما يَدْخُلُ فِيها أوَّلًا لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ. ﴿وأبًّا﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ: إنَّهُ الكَلَأُ والمَرْعى مِن أنَّهُ إذا أمَّهُ وقَصَدَهُ لِأنَّهُ يُؤَمُّ ويُقْصَدُ أوْ مِن أبَّ لِكَذا إذا تَهَيَّأ لَهُ لِأنَّهُ مُتَهَيِّئُ المَرْعى، ويُطْلَقُ عَلى نَفْسِ مَكانِ الكَلَأِ ومِنهُ قَوْلُهُ: جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا ولَنا الأبُّ بِها والمَكْرَعُ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ ما يَأْكُلُهُ الآدَمِيُّونَ مِنَ النَّباتِ يُسَمّى الحَصِيدَةَ والحَصِيدَ، وما يَأْكُلُهُ غَيْرُهم يُسَمّى الأبَّ وعَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحابَةِ يَمْدَحُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصَّبا ∗∗∗ بِها يُنْبِتُ اللَّهُ الحَصِيدَةَ والأبّا وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ التِّبْنُ خاصَّةً، وقِيلَ: هو يابِسُ الفاكِهَةِ؛ لِأنَّها تُؤَبُّ وتُهَيَّأُ لِلشِّتاءِ لِلتَّفَكُّهِ بِها، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ قالَ: سُئِلَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ الأبِّ ما هُوَ؟ فَقالَ: أيُّ سَماءٍ تُظِلُّنِي وأيُّ أرْضٍ تُقِلُّنِي إذا قُلْتُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما لا أعْلَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَرَأ عَلى المِنبَرِ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وعِنَبًا﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وأبًّا﴾ فَقالَ: كُلُّ هَذا قَدْ عَرَفْناهُ فَما الأبُّ؟ ثُمَّ رَفَعَ عَصًا كانَتْ في يَدِهِ فَقالَ: هَذا لَعَمْرُ اللَّهِ هو التَّكَلُّفُ، فَما عَلَيْكَ يا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ أنْ لا تَدْرِيَ ما الأبُّ ابْتَغَوْا ما بُيِّنَ لَكم مِن هَذا الكِتابِ فاعْمَلُوا بِهِ، وما لَمْ تَعْرِفُوهُ فَكِلُوهُ إلى رَبِّهِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن رِوايَةِ أنَسٍ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ ذَلِكَ وقالَ: فَما الأبُّ؟ ثُمَّ قالَ: ما كُلِّفْنا أوْ ما أُمِرْنا بِهَذا، ويَتَراءى مِن ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ تَتَبُّعِ مَعانِي القُرْآنِ والبَحْثِ عَنْ مُشْكِلاتِهِ، وفي الكَشّافِ: لَمْ يَذْهَبْ إلى ذَلِكَ ولَكِنَّ القَوْمَ كانَتْ أكْبَرُ هِمَّتِهِمْ عاكِفَةً عَلى العَمَلِ، وكانَ التَّشاغُلُ بِشَيْءٍ مِنَ العِلْمِ لا يُعْمَلُ بِهِ تَكَلُّفًا فَأرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عمر أنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ في الِامْتِنانِ عَلى الإنْسانِ بِمَطْمَعِهِ واسْتِدْعاءِ شُكْرِهِ، وقَدْ عُلِمَ مِن فَحْواها أنَّ الأبَّ بَعْضُ ما أنْبَتَ سُبْحانَهُ لِلْإنْسانِ مَتاعًا لَهُ أوْ لِأنْعامِهِ فَعَلَيْكَ بِما هو أهَمُّ مِنَ النُّهُوضِ بِالشُّكْرِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما تَبَيَّنَ لَكَ، ولَمْ يُشْكِلْ مِمّا عَدَّدَ مِن نِعْمَتِهِ تَعالى ولا تَتَشاغَلْ عَنْهُ بِطَلَبِ مَعْنى الأبِّ ومَعْرِفَةِ النَّباتِ الخاصِّ الَّذِي هو اسْمٌ لَهُ واكْتَفِ بِالمَعْرِفَةِ الجُمْلِيَّةِ إلى أنَّ يَتَبَيَّنَ لَكَ في غَيْرِ هَذا الوَقْتِ، ثُمَّ وصّى النّاسَ بِأنْ يَجْرُوا عَلى هَذا السَّنَنِ فِيما أشْبَهَ ذَلِكَ مِن مُشْكِلاتِ القُرْآنِ انْتَهى. وهُوَ قُصارى ما يُقالُ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ، لَكِنْ في بَعْضِ الآثارِ عَنِ الفارُوقِ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ ما يَبْعُدُ فِيهِ إنْ صَحَّ هَذا التَّوْجِيهُ. بَقِيَ شَيْءٌ وهو أنَّهُ يَنْبَغِي أنَّ خَفاءَ تَعْيِينِ المُرادِ مِنَ الأبِّ عَلى الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ونَحْوِها مِنَ الصَّحابَةِ وكَذا الِاخْتِلافُ فِيهِ لا يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ غَرِيبًا مُخِلًّا بِالفَصاحَةِ وأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ عِنْدَ العَرَبِ العَرْباءِ، وقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لِابْنِ الأزْرَقِ بِما تَعْتَلِفُ مِنهُ الدَّوابُّ، واسْتَشْهَدَ بِهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: تَرى بِهِ الأبَّ واليَقْطِينَ مُخْتَلِطا ووَقَعَ في شِعْرِ صفحة 48 بَعْضِ الصَّحابَةِ كَما سَمِعْتَ، ومَن تَتَبَّعَ وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ.

عبس 80:32

﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ قِيلَ: إمّا مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ تَمْتِيعًا لَكم ولِمَواشِيكُمْ؛ فَإنَّ بَعْضَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ طَعامٌ لَهم وبَعْضَها عَلَفٌ لِدَوابِّهِمْ، ويُوَزَّعُ ويُنْزَلُ كُلٌّ عَلى مُقْتَضاهُ، والِالتِفاتُ لِتَكْمِيلِ الِامْتِناعِ، وإمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المُضْمَرِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ؛ أيْ: مَتَّعَكم بِذَلِكَ مَتاعًا أوْ لِفِعْلٍ مُرَتَّبٍ عَلَيْهِ؛ أيْ: فَتَمَتَّعْتُمْ بِذَلِكَ مَتاعًا؛ أيْ: تَمَتُّعًا أوْ مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ في مَعْنى التَّمْتِيعِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في نَظِيرِهِ؛ فَتَذَكَّرْ.

عبس 80:33

﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ مَعادِهِمْ بَعْدَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِهِمْ ومَعاشِهِمْ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ المَتاعِ مِن سُرْعَةِ زَوالِ هاتِيكَ النِّعَمِ وقُرْبِ اضْمِحْلالِها. و«الصّاخَةُ» هي الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ مِن صَخَّ بِمَعْنى أصاخَ أيِ اسْتَمَعَ، والمُرادُ بِها النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، ووُصِفَتْ بِها لِأنَّ النّاسَ يَصِخُّونَ لَها فَجُعِلَتْ مُسْتَمِعَةً مَجازًا في الظَّرْفِ أوِ الإسْنادِ، وقالَ الرّاغِبُ: «الصّاخَّةُ» شِدَّةُ صَوْتِ ذِي النُّطْقِ، يُقالُ: صَخَّ يَصُخُّ فَهو صاخٌّ فَعَلَيْهِ هي بِمَعْنى الصّائِحَةِ مَجازًا أيْضًا، وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِن صَخَّهُ بِالحَجَرِ؛ أيْ: صَكَّهُ. وقالَ الخَلِيلُ: هي صَيْحَةٌ تَصُخُّ الآذانَ صَخًّا؛ أيْ: تَصُمُّها لِشِدَّةِ وقْعَتِها، ومِنهُ أخَذَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ ابْنُ العَرَبِيِّ قَوْلَهُ: ﴿الصّاخَّةُ﴾ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهو مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ؛ كَقَوْلِهِ: أصَمَّ بِكَ الدّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا ثُمَّ قالَ: ولَعَمْرُ اللَّهِ تَعالى إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تَصُمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ، والكَلامُ في جَوابِ «إذا» وفي «يَوْمَ» مِن قَوْلِهِ تَعالى:

عبس 80:34

﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ﴾ أيْ: زَوْجَتِهِ ﴿وبَنِيهِ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في النّازِعاتِ فَتَذَكَّرْهُ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ، أيْ: يَوْمَ يُعْرِضُ عَنْهم ولا يُصاحِبُهُمْ، ولا يَسْألُ عَنْ حالِهِمْ كَما في الدُّنْيا لِاشْتِغالِهِ بِحالِ نَفْسِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ سَبَبِ الفِرارِ، وجَعَلَهُ جَوابَ «فَإذا» والِاعْتِذارُ عَنْ عَدَمِ التَّصْدِيرِ بِالفاءِ بِتَقْدِيرِ الماضِي بِغَيْرِ قَدْ أوِ المُضارِعِ المُثْبَتِ أوْ بِالفاءِ إبْدالُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ عَنْهُ إيّاهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ لا يَطْلُبُ جَزاءً لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن شَرَطَ الإنْصافَ عَلى نَفْسِهِ؛ أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ شُغْلٌ شاغِلٌ وخَطْبٌ هائِلٌ يَكْفِيهِ في الِاهْتِمامِ بِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ قالَتْ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا قَدْ ألْجَمَهُمُ العَرَقُ وبَلَغَ شُحُومَ الآذانِ» قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واسَوْأتاهُ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ؟ قالَ: «شُغِلَ النّاسُ عَنْ ذَلِكَ» وتَلا: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ الآيَةَ». وجاءَ في رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما شَغَلَهُمْ؟ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «نَشْرُ الصَّحائِفِ فِيها مَثاقِيلُ الذَّرِّ ومَثاقِيلُ الخَرْدَلِ»». وقِيلَ: يَفِرُّ مِنهم لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، وكَلامُ الكَشّافِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ ويَأْباهُ ما سَمِعْتَ وكَذا ما قِيلَ: يَفِرُّ مِنهم حَذَرًا مِن مُطالَبَتِهِمْ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ تُعَلِّمْنا ولَمْ تُرْشِدْنا، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ ما أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَيْسَ شَيْءٌ أشَدَّ عَلى الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنْ يَرى مَن يَعْرِفُهُ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ الآيَةَ. وذِكْرُ المَرْءِ بِناءً عَلى أنَّهُ الرَّجُلُ لا الإنْسانُ لِيُعْلَمَ مِنهُ حالُ المَرْأةِ مِن بابِ أوْلى. وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّغْلِيبِ وفِيهِ نَظَرٌ، وجَعَلَ القاضِي ذِكْرَ المُتَعاطِفاتِ عَلى هَذا النَّمَطِ مِن بابِ التَّرَقِّي عَلى اعْتِبارِ الأبِ عَلى الأُمِّ سابِقًا عَلى عَطْفِهِما عَلى الأخِ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وكَذا فِي: ( صاحِبَتِهِ وبَنِيهِ ) فَقالَ: تَأْخِيرُ الأحَبِّ فالأحَبِّ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَفِرُّ مِن أخِيهِ بَلْ مِن أبَوَيْهِ بَلْ مِن صاحِبَتِهِ وبَنِيهِ، ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ مَعَ اخْتِلافِ النّاسِ والطِّباعِ في أمْرِ الحُبِّ، ولَعَلَّ عَدَمَ مُراعاةِ تَرَقٍّ أوْ تَدُلُّ لِهَذا الِاخْتِلافِ مَعَ الرَّمْزِ إلى أنَّ الأمْرَ يَوْمَئِذٍ أبْعَدُ مِن أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ فِيهِ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يَفِرُّ قابِيلُ مِن أخِيهِ هابِيلَ، ويَفِرُّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُمِّهِ، ويَفِرُّ صفحة 49 إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أبِيهِ، ويَفِرُّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْنِهِ، ويَفِرُّ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ امْرَأتِهِ، وفي خَبَرٍ رَواهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ، وفِيهِ فَيَرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أعْنِي: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وكِلا الخَبَرَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِما ولا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِما كَما لا يَخْفى، والَّذِي أدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ نَجاةُ أبَوَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ ألَّفْتُ رَسائِلَ في ذَلِكَ رَغْمًا لِأنْفِ عَلِيٍّ القارِي ومَن وافَقَهُ، وأعْتَقِدُ أنَّ جَمِيعَ آبائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا سِيَّما مَن ولَداهُ بِلا واسِطَةٍ أوْفَرُ النّاسِ حَظًّا مِمّا أُوتِيَ هُناكَ مِنَ السَّعادَةِ والشَّرَفِ وسُمُوِّ القَدْرِ: كَمْ مِن أبٍ قَدْ سَما بِابْنٍ ذُرى شَرَفٍ كَما سَما بِرَسُولِ اللَّهِ عَدْنانُ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وحُمَيْدٌ وابْنُ السَّمَيْفَعِ «يَعْنِيهِ» بِفَتْحِ الياءِ وبِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ؛ أيْ: يُهِمُّهُ مِن عَناهُ الأمْرُ إذا أهَمَّهُ؛ أيْ: أوْقَعَهُ في الهَمِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ»». لا مِن عَناهُ إذا قَصَدَهُ كَما زَعَمَهُ أبُو حَيّانَ،

عبس 80:35

﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ﴾ أيْ: زَوْجَتِهِ ﴿وبَنِيهِ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في النّازِعاتِ فَتَذَكَّرْهُ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ، أيْ: يَوْمَ يُعْرِضُ عَنْهم ولا يُصاحِبُهُمْ، ولا يَسْألُ عَنْ حالِهِمْ كَما في الدُّنْيا لِاشْتِغالِهِ بِحالِ نَفْسِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ سَبَبِ الفِرارِ، وجَعَلَهُ جَوابَ «فَإذا» والِاعْتِذارُ عَنْ عَدَمِ التَّصْدِيرِ بِالفاءِ بِتَقْدِيرِ الماضِي بِغَيْرِ قَدْ أوِ المُضارِعِ المُثْبَتِ أوْ بِالفاءِ إبْدالُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ عَنْهُ إيّاهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ لا يَطْلُبُ جَزاءً لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن شَرَطَ الإنْصافَ عَلى نَفْسِهِ؛ أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ شُغْلٌ شاغِلٌ وخَطْبٌ هائِلٌ يَكْفِيهِ في الِاهْتِمامِ بِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ قالَتْ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا قَدْ ألْجَمَهُمُ العَرَقُ وبَلَغَ شُحُومَ الآذانِ» قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واسَوْأتاهُ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ؟ قالَ: «شُغِلَ النّاسُ عَنْ ذَلِكَ» وتَلا: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ الآيَةَ». وجاءَ في رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما شَغَلَهُمْ؟ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «نَشْرُ الصَّحائِفِ فِيها مَثاقِيلُ الذَّرِّ ومَثاقِيلُ الخَرْدَلِ»». وقِيلَ: يَفِرُّ مِنهم لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، وكَلامُ الكَشّافِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ ويَأْباهُ ما سَمِعْتَ وكَذا ما قِيلَ: يَفِرُّ مِنهم حَذَرًا مِن مُطالَبَتِهِمْ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ تُعَلِّمْنا ولَمْ تُرْشِدْنا، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ ما أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَيْسَ شَيْءٌ أشَدَّ عَلى الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنْ يَرى مَن يَعْرِفُهُ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ الآيَةَ. وذِكْرُ المَرْءِ بِناءً عَلى أنَّهُ الرَّجُلُ لا الإنْسانُ لِيُعْلَمَ مِنهُ حالُ المَرْأةِ مِن بابِ أوْلى. وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّغْلِيبِ وفِيهِ نَظَرٌ، وجَعَلَ القاضِي ذِكْرَ المُتَعاطِفاتِ عَلى هَذا النَّمَطِ مِن بابِ التَّرَقِّي عَلى اعْتِبارِ الأبِ عَلى الأُمِّ سابِقًا عَلى عَطْفِهِما عَلى الأخِ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وكَذا فِي: ( صاحِبَتِهِ وبَنِيهِ ) فَقالَ: تَأْخِيرُ الأحَبِّ فالأحَبِّ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَفِرُّ مِن أخِيهِ بَلْ مِن أبَوَيْهِ بَلْ مِن صاحِبَتِهِ وبَنِيهِ، ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ مَعَ اخْتِلافِ النّاسِ والطِّباعِ في أمْرِ الحُبِّ، ولَعَلَّ عَدَمَ مُراعاةِ تَرَقٍّ أوْ تَدُلُّ لِهَذا الِاخْتِلافِ مَعَ الرَّمْزِ إلى أنَّ الأمْرَ يَوْمَئِذٍ أبْعَدُ مِن أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ فِيهِ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يَفِرُّ قابِيلُ مِن أخِيهِ هابِيلَ، ويَفِرُّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُمِّهِ، ويَفِرُّ صفحة 49 إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أبِيهِ، ويَفِرُّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْنِهِ، ويَفِرُّ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ امْرَأتِهِ، وفي خَبَرٍ رَواهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ، وفِيهِ فَيَرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أعْنِي: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وكِلا الخَبَرَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِما ولا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِما كَما لا يَخْفى، والَّذِي أدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ نَجاةُ أبَوَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ ألَّفْتُ رَسائِلَ في ذَلِكَ رَغْمًا لِأنْفِ عَلِيٍّ القارِي ومَن وافَقَهُ، وأعْتَقِدُ أنَّ جَمِيعَ آبائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا سِيَّما مَن ولَداهُ بِلا واسِطَةٍ أوْفَرُ النّاسِ حَظًّا مِمّا أُوتِيَ هُناكَ مِنَ السَّعادَةِ والشَّرَفِ وسُمُوِّ القَدْرِ: كَمْ مِن أبٍ قَدْ سَما بِابْنٍ ذُرى شَرَفٍ كَما سَما بِرَسُولِ اللَّهِ عَدْنانُ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وحُمَيْدٌ وابْنُ السَّمَيْفَعِ «يَعْنِيهِ» بِفَتْحِ الياءِ وبِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ؛ أيْ: يُهِمُّهُ مِن عَناهُ الأمْرُ إذا أهَمَّهُ؛ أيْ: أوْقَعَهُ في الهَمِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ»». لا مِن عَناهُ إذا قَصَدَهُ كَما زَعَمَهُ أبُو حَيّانَ،

عبس 80:36

﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ﴾ أيْ: زَوْجَتِهِ ﴿وبَنِيهِ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في النّازِعاتِ فَتَذَكَّرْهُ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ، أيْ: يَوْمَ يُعْرِضُ عَنْهم ولا يُصاحِبُهُمْ، ولا يَسْألُ عَنْ حالِهِمْ كَما في الدُّنْيا لِاشْتِغالِهِ بِحالِ نَفْسِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ سَبَبِ الفِرارِ، وجَعَلَهُ جَوابَ «فَإذا» والِاعْتِذارُ عَنْ عَدَمِ التَّصْدِيرِ بِالفاءِ بِتَقْدِيرِ الماضِي بِغَيْرِ قَدْ أوِ المُضارِعِ المُثْبَتِ أوْ بِالفاءِ إبْدالُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ عَنْهُ إيّاهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ لا يَطْلُبُ جَزاءً لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن شَرَطَ الإنْصافَ عَلى نَفْسِهِ؛ أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ شُغْلٌ شاغِلٌ وخَطْبٌ هائِلٌ يَكْفِيهِ في الِاهْتِمامِ بِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ قالَتْ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا قَدْ ألْجَمَهُمُ العَرَقُ وبَلَغَ شُحُومَ الآذانِ» قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واسَوْأتاهُ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ؟ قالَ: «شُغِلَ النّاسُ عَنْ ذَلِكَ» وتَلا: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ الآيَةَ». وجاءَ في رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما شَغَلَهُمْ؟ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «نَشْرُ الصَّحائِفِ فِيها مَثاقِيلُ الذَّرِّ ومَثاقِيلُ الخَرْدَلِ»». وقِيلَ: يَفِرُّ مِنهم لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، وكَلامُ الكَشّافِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ ويَأْباهُ ما سَمِعْتَ وكَذا ما قِيلَ: يَفِرُّ مِنهم حَذَرًا مِن مُطالَبَتِهِمْ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ تُعَلِّمْنا ولَمْ تُرْشِدْنا، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ ما أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَيْسَ شَيْءٌ أشَدَّ عَلى الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنْ يَرى مَن يَعْرِفُهُ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ الآيَةَ. وذِكْرُ المَرْءِ بِناءً عَلى أنَّهُ الرَّجُلُ لا الإنْسانُ لِيُعْلَمَ مِنهُ حالُ المَرْأةِ مِن بابِ أوْلى. وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّغْلِيبِ وفِيهِ نَظَرٌ، وجَعَلَ القاضِي ذِكْرَ المُتَعاطِفاتِ عَلى هَذا النَّمَطِ مِن بابِ التَّرَقِّي عَلى اعْتِبارِ الأبِ عَلى الأُمِّ سابِقًا عَلى عَطْفِهِما عَلى الأخِ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وكَذا فِي: ( صاحِبَتِهِ وبَنِيهِ ) فَقالَ: تَأْخِيرُ الأحَبِّ فالأحَبِّ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَفِرُّ مِن أخِيهِ بَلْ مِن أبَوَيْهِ بَلْ مِن صاحِبَتِهِ وبَنِيهِ، ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ مَعَ اخْتِلافِ النّاسِ والطِّباعِ في أمْرِ الحُبِّ، ولَعَلَّ عَدَمَ مُراعاةِ تَرَقٍّ أوْ تَدُلُّ لِهَذا الِاخْتِلافِ مَعَ الرَّمْزِ إلى أنَّ الأمْرَ يَوْمَئِذٍ أبْعَدُ مِن أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ فِيهِ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يَفِرُّ قابِيلُ مِن أخِيهِ هابِيلَ، ويَفِرُّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُمِّهِ، ويَفِرُّ صفحة 49 إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أبِيهِ، ويَفِرُّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْنِهِ، ويَفِرُّ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ امْرَأتِهِ، وفي خَبَرٍ رَواهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ، وفِيهِ فَيَرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أعْنِي: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وكِلا الخَبَرَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِما ولا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِما كَما لا يَخْفى، والَّذِي أدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ نَجاةُ أبَوَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ ألَّفْتُ رَسائِلَ في ذَلِكَ رَغْمًا لِأنْفِ عَلِيٍّ القارِي ومَن وافَقَهُ، وأعْتَقِدُ أنَّ جَمِيعَ آبائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا سِيَّما مَن ولَداهُ بِلا واسِطَةٍ أوْفَرُ النّاسِ حَظًّا مِمّا أُوتِيَ هُناكَ مِنَ السَّعادَةِ والشَّرَفِ وسُمُوِّ القَدْرِ: كَمْ مِن أبٍ قَدْ سَما بِابْنٍ ذُرى شَرَفٍ كَما سَما بِرَسُولِ اللَّهِ عَدْنانُ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وحُمَيْدٌ وابْنُ السَّمَيْفَعِ «يَعْنِيهِ» بِفَتْحِ الياءِ وبِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ؛ أيْ: يُهِمُّهُ مِن عَناهُ الأمْرُ إذا أهَمَّهُ؛ أيْ: أوْقَعَهُ في الهَمِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ»». لا مِن عَناهُ إذا قَصَدَهُ كَما زَعَمَهُ أبُو حَيّانَ،

عبس 80:37

﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ﴾ أيْ: زَوْجَتِهِ ﴿وبَنِيهِ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في النّازِعاتِ فَتَذَكَّرْهُ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ، أيْ: يَوْمَ يُعْرِضُ عَنْهم ولا يُصاحِبُهُمْ، ولا يَسْألُ عَنْ حالِهِمْ كَما في الدُّنْيا لِاشْتِغالِهِ بِحالِ نَفْسِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ سَبَبِ الفِرارِ، وجَعَلَهُ جَوابَ «فَإذا» والِاعْتِذارُ عَنْ عَدَمِ التَّصْدِيرِ بِالفاءِ بِتَقْدِيرِ الماضِي بِغَيْرِ قَدْ أوِ المُضارِعِ المُثْبَتِ أوْ بِالفاءِ إبْدالُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ عَنْهُ إيّاهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ لا يَطْلُبُ جَزاءً لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن شَرَطَ الإنْصافَ عَلى نَفْسِهِ؛ أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ شُغْلٌ شاغِلٌ وخَطْبٌ هائِلٌ يَكْفِيهِ في الِاهْتِمامِ بِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ قالَتْ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا قَدْ ألْجَمَهُمُ العَرَقُ وبَلَغَ شُحُومَ الآذانِ» قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واسَوْأتاهُ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ؟ قالَ: «شُغِلَ النّاسُ عَنْ ذَلِكَ» وتَلا: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ الآيَةَ». وجاءَ في رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما شَغَلَهُمْ؟ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «نَشْرُ الصَّحائِفِ فِيها مَثاقِيلُ الذَّرِّ ومَثاقِيلُ الخَرْدَلِ»». وقِيلَ: يَفِرُّ مِنهم لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، وكَلامُ الكَشّافِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ ويَأْباهُ ما سَمِعْتَ وكَذا ما قِيلَ: يَفِرُّ مِنهم حَذَرًا مِن مُطالَبَتِهِمْ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ تُعَلِّمْنا ولَمْ تُرْشِدْنا، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ ما أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَيْسَ شَيْءٌ أشَدَّ عَلى الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنْ يَرى مَن يَعْرِفُهُ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ الآيَةَ. وذِكْرُ المَرْءِ بِناءً عَلى أنَّهُ الرَّجُلُ لا الإنْسانُ لِيُعْلَمَ مِنهُ حالُ المَرْأةِ مِن بابِ أوْلى. وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّغْلِيبِ وفِيهِ نَظَرٌ، وجَعَلَ القاضِي ذِكْرَ المُتَعاطِفاتِ عَلى هَذا النَّمَطِ مِن بابِ التَّرَقِّي عَلى اعْتِبارِ الأبِ عَلى الأُمِّ سابِقًا عَلى عَطْفِهِما عَلى الأخِ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وكَذا فِي: ( صاحِبَتِهِ وبَنِيهِ ) فَقالَ: تَأْخِيرُ الأحَبِّ فالأحَبِّ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَفِرُّ مِن أخِيهِ بَلْ مِن أبَوَيْهِ بَلْ مِن صاحِبَتِهِ وبَنِيهِ، ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ مَعَ اخْتِلافِ النّاسِ والطِّباعِ في أمْرِ الحُبِّ، ولَعَلَّ عَدَمَ مُراعاةِ تَرَقٍّ أوْ تَدُلُّ لِهَذا الِاخْتِلافِ مَعَ الرَّمْزِ إلى أنَّ الأمْرَ يَوْمَئِذٍ أبْعَدُ مِن أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ فِيهِ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يَفِرُّ قابِيلُ مِن أخِيهِ هابِيلَ، ويَفِرُّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُمِّهِ، ويَفِرُّ صفحة 49 إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أبِيهِ، ويَفِرُّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْنِهِ، ويَفِرُّ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ امْرَأتِهِ، وفي خَبَرٍ رَواهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ، وفِيهِ فَيَرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أعْنِي: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وكِلا الخَبَرَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِما ولا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِما كَما لا يَخْفى، والَّذِي أدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ نَجاةُ أبَوَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ ألَّفْتُ رَسائِلَ في ذَلِكَ رَغْمًا لِأنْفِ عَلِيٍّ القارِي ومَن وافَقَهُ، وأعْتَقِدُ أنَّ جَمِيعَ آبائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا سِيَّما مَن ولَداهُ بِلا واسِطَةٍ أوْفَرُ النّاسِ حَظًّا مِمّا أُوتِيَ هُناكَ مِنَ السَّعادَةِ والشَّرَفِ وسُمُوِّ القَدْرِ: كَمْ مِن أبٍ قَدْ سَما بِابْنٍ ذُرى شَرَفٍ كَما سَما بِرَسُولِ اللَّهِ عَدْنانُ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وحُمَيْدٌ وابْنُ السَّمَيْفَعِ «يَعْنِيهِ» بِفَتْحِ الياءِ وبِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ؛ أيْ: يُهِمُّهُ مِن عَناهُ الأمْرُ إذا أهَمَّهُ؛ أيْ: أوْقَعَهُ في الهَمِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ»». لا مِن عَناهُ إذا قَصَدَهُ كَما زَعَمَهُ أبُو حَيّانَ،

عبس 80:38

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ بَيانٌ لِمَآلِ أمْرِ المَذْكُورِينَ وانْقِسامِهِمْ إلى السُّعَداءِ والأشْقِياءِ بَعْدَ ذِكْرِ وُقُوعِهِمْ في داهِيَةٍ دَهْياءَ فَ ﴿وُجُوهٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ كَوْنُهُ في حَيِّزِ التَّنْوِيعِ كَما مَرَّ و«مُسْفِرَةٌ» خَبَرُهُ و«يَوْمَئِذٍ» مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ أيْ: مُضِيئَةٌ مُتَهَلِّلَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ إذا أضاءَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ مِن قِيامِ اللَّيْلِ، وعَنِ الضَّحّاكِ مِن آثارِ الوُضُوءِ فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ أيْ: لِأنَّ الوُضُوءَ مِن خَواصِّهِمْ، قِيلَ؛ أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ فَقَطْ لا مَعَ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: مِن طُولِ ما اغْبَرَّتْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أيْ: مَسْرُورَةٌ بِما تُشاهِدُ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والبَهْجَةِ الدّائِمَةِ.

عبس 80:39

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ بَيانٌ لِمَآلِ أمْرِ المَذْكُورِينَ وانْقِسامِهِمْ إلى السُّعَداءِ والأشْقِياءِ بَعْدَ ذِكْرِ وُقُوعِهِمْ في داهِيَةٍ دَهْياءَ فَ ﴿وُجُوهٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ كَوْنُهُ في حَيِّزِ التَّنْوِيعِ كَما مَرَّ و«مُسْفِرَةٌ» خَبَرُهُ و«يَوْمَئِذٍ» مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ أيْ: مُضِيئَةٌ مُتَهَلِّلَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ إذا أضاءَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ مِن قِيامِ اللَّيْلِ، وعَنِ الضَّحّاكِ مِن آثارِ الوُضُوءِ فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ أيْ: لِأنَّ الوُضُوءَ مِن خَواصِّهِمْ، قِيلَ؛ أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ فَقَطْ لا مَعَ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: مِن طُولِ ما اغْبَرَّتْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أيْ: مَسْرُورَةٌ بِما تُشاهِدُ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والبَهْجَةِ الدّائِمَةِ.

عبس 80:40

﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ أيْ: غُبارٌ وكُدُورَةٌ ﴿تَرْهَقُها﴾ أيْ: تَعْلُوها وتَغْشاها ﴿قَتَرَةٌ﴾ أيْ: سَوادٌ وظُلْمَةٌ ولا تَرى أوْحَشَ مِنَ اجْتِماعِ الغُرَّةِ والسَّوادِ في الوَجْهِ، وسَوّى الفَيْرُوزْآبادِيُّ والجَوْهَرِيُّ بَيْنَ الغَبْرَةِ والقَتَرَةِ فَقِيلَ: المُرادُ بِالقَتَرَةِ الغُبارُ حَقِيقَةً، وبِالغَبَرَةِ ما يَغْشاهم مِنَ العُبُوسِ مِنَ الهَمِّ. وقِيلَ: هُما عَلى حَقِيقَتِهِما والمَعْنى أنَّ عَلَيْها غُبارًا وكُدُورَةً فَوْقَ غُبارٍ وكُدُورَةٍ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ والقَتَرَةُ ما ارْتَفَعَ إلى السَّماءِ، والمُرادُ وُصُولُ الغُبارِ إلى وُجُوهِهِمْ مِن فَوْقُ ومِن تَحْتُ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «قَتْرَةٌ» بِسُكُونِ التّاءِ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى أصْحابِ تِلْكَ الوُجُوهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبَعْدِ دَرَجَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ أيِ الجامِعُونَ بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ فَلِذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى لَهم بَيْنَ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ وكَأنَّ الغَبَرَةَ لِلْفُجُورِ، والقَتَرَةَ لِلْكُفُورِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن ذَلِكَ.

عبس 80:41

﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ أيْ: غُبارٌ وكُدُورَةٌ ﴿تَرْهَقُها﴾ أيْ: تَعْلُوها وتَغْشاها ﴿قَتَرَةٌ﴾ أيْ: سَوادٌ وظُلْمَةٌ ولا تَرى أوْحَشَ مِنَ اجْتِماعِ الغُرَّةِ والسَّوادِ في الوَجْهِ، وسَوّى الفَيْرُوزْآبادِيُّ والجَوْهَرِيُّ بَيْنَ الغَبْرَةِ والقَتَرَةِ فَقِيلَ: المُرادُ بِالقَتَرَةِ الغُبارُ حَقِيقَةً، وبِالغَبَرَةِ ما يَغْشاهم مِنَ العُبُوسِ مِنَ الهَمِّ. وقِيلَ: هُما عَلى حَقِيقَتِهِما والمَعْنى أنَّ عَلَيْها غُبارًا وكُدُورَةً فَوْقَ غُبارٍ وكُدُورَةٍ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ والقَتَرَةُ ما ارْتَفَعَ إلى السَّماءِ، والمُرادُ وُصُولُ الغُبارِ إلى وُجُوهِهِمْ مِن فَوْقُ ومِن تَحْتُ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «قَتْرَةٌ» بِسُكُونِ التّاءِ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى أصْحابِ تِلْكَ الوُجُوهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبَعْدِ دَرَجَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ أيِ الجامِعُونَ بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ فَلِذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى لَهم بَيْنَ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ وكَأنَّ الغَبَرَةَ لِلْفُجُورِ، والقَتَرَةَ لِلْكُفُورِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن ذَلِكَ.

عبس 80:42

﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ أيْ: غُبارٌ وكُدُورَةٌ ﴿تَرْهَقُها﴾ أيْ: تَعْلُوها وتَغْشاها ﴿قَتَرَةٌ﴾ أيْ: سَوادٌ وظُلْمَةٌ ولا تَرى أوْحَشَ مِنَ اجْتِماعِ الغُرَّةِ والسَّوادِ في الوَجْهِ، وسَوّى الفَيْرُوزْآبادِيُّ والجَوْهَرِيُّ بَيْنَ الغَبْرَةِ والقَتَرَةِ فَقِيلَ: المُرادُ بِالقَتَرَةِ الغُبارُ حَقِيقَةً، وبِالغَبَرَةِ ما يَغْشاهم مِنَ العُبُوسِ مِنَ الهَمِّ. وقِيلَ: هُما عَلى حَقِيقَتِهِما والمَعْنى أنَّ عَلَيْها غُبارًا وكُدُورَةً فَوْقَ غُبارٍ وكُدُورَةٍ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ والقَتَرَةُ ما ارْتَفَعَ إلى السَّماءِ، والمُرادُ وُصُولُ الغُبارِ إلى وُجُوهِهِمْ مِن فَوْقُ ومِن تَحْتُ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «قَتْرَةٌ» بِسُكُونِ التّاءِ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى أصْحابِ تِلْكَ الوُجُوهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبَعْدِ دَرَجَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ أيِ الجامِعُونَ بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ فَلِذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى لَهم بَيْنَ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ وكَأنَّ الغَبَرَةَ لِلْفُجُورِ، والقَتَرَةَ لِلْكُفُورِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن ذَلِكَ.

التكوير 81:1

سُورَةُ التَّكْوِيرِ ويُقالُ: سُورَةُ كُوِّرَتْ، وسُورَةُ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وآيُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً، وفي التَّيْسِيرِ ثَمانٍ وعِشْرُونَ، وفِيها مِن شَرْحِ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ آخِرُ السُّورَةِ قَبْلَ ما فِيها. وقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَأنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ و﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾» أيِ السُّوَرَ الثَّلاثَ وكَفى بِذَلِكَ مُناسَبَةً. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أيْ: «لُفَّتْ» مِن كَوَّرْتُ العِمامَةَ إذا لَفَفْتَها وهو مَجازٌ عَنْ رَفْعِها وإزالَتِها مِن مَكانِها بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ؛ فَإنَّ الثَّوْبَ إذا أُرِيدَ رَفْعُهُ يُلَفُّ لَفًّا ويُطْوى ثُمَّ يُرْفَعُ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لَفُّ ضَوْئِها المُنْبَسِطِ في الآفاقِ صفحة 50 المُنْتَشِرِ في الأقْطارِ، إمّا عَلى أنَّ الشَّمْسَ مَجازٌ عَنِ الضَّوْءِ فَإنَّهُ شائِعٌ في العُرْفِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، أوْ عَلى التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ ويُرادُ مِن لَفِّهِ إذْهابُهُ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ كَما سَمِعْتَ آنِفًا، أوْ رَفْعُهُ وسِتْرُهُ اسْتِعارَةٌ كَما قِيلَ، وقَدِ اعْتُبِرَ تَشْبِيهُ الضَّوْءِ بِالجَواهِرِ والأُمُورِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي إذا رُفِعَتْ لُفَّتْ في ثَوْبٍ ثُمَّ تُعْتَبَرُ الِاسْتِعارَةُ ويُجْعَلُ التَّكْوِيرُ بِمَعْنى اللَّفِّ قَرِينَةً لِيَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وكَوْنُ المُرادِ إذْهابُ ضَوْئِها مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وهو ظاهِرُ ما رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِهِ ﴿كُوِّرَتْ﴾ بِ «أظْلَمَتْ»، والظّاهِرُ أنَّ ذاكَ مَعَ بَقاءِ جِرْمِها كالقَمَرِ في خُسُوفِهِ، وفي الآثارِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ ذاكَ عِبارَةٌ عَنْ إزالَةِ نَفْسِ الشَّمْسِ والذَّهابِ بِها لِلُزُومِ العادِيِّ واسْتِلْزامِ زَوالِ اللّازِمِ لِزَوالِ المَلْزُومِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ ﴿كُوِّرَتْ﴾ أُلْقِيَتْ عَنْ فَلَكِها وطُرِحَتْ مِن طَعْنِهِ فَحَوَّرَهُ وكَوَّرَهُ؛ أيْ: ألْقاهُ مُجْتَمِعًا عَلى الأرْضِ، وإلْقاؤُها في جَهَنَّمَ مَعَ عَبَدَتِها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأخْبارِ المَرْفُوعَةِ ويَذْهَبُ إذا ذاكَ نُورُها كَما صَرَّحَ بِهِ القُرْطُبِيُّ أوْ في البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ ابْنِ أبِي الدُّنْيا وابْنِ أبِي حاتِمٍ وأبِي الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَتِيكٍ، وفِيهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْعَثُ رِيحًا دَبُورًا فَتَنْفُخُهُ أيِ البَحْرَ حَتّى يَرْجِعَ نارًا، وعِظَمُ جِرْمِ الشَّمْسِ اليَوْمَ لا يَقْتَضِي اسْتِحالَةَ إلْقائِها في البَحْرِ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ لِجَوازِ اخْتِلافِ الحالِ في الوَقْتَيْنِ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَكِنْ جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ «أنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الرُّؤُوسِ في المَحْشَرِ حَتّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ ويُلْجِمُ النّاسَ العَرَقُ يَوْمَئِذٍ» والأبْحُرُ حِينَئِذٍ لَتُلْقى فِيهِ بَعْدُ فَلا تَقْفُلُ، وعَنْ أبِي صالِحٍ «كُوِّرَتْ» نُكِّسَتْ. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَكْوِيرُها: إدْخالُها في العَرْشِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: اضْمَحَلَّتْ، ومُدارُ التَّرْكِيبِ عَلى الإدارَةِ والجَمْعِ. هَذا ولَمْ نَقِفْ لِأحَدٍ مِنَ السَّلَفِ عَلى إرادَةِ لَفِّها حَقِيقَةً، ولِلْمُتَأخِّرِينَ في جَوازِ إرادَتِهِ خِلافٌ فَقِيلَ: لا تَجُوزُ إرادَتُهُ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ كُرَيَّةٌ مُصْمَتَةٌ، وغايَةُ اللَّفِّ هي الإدارَةُ وهي حاصِلَةٌ فِيها، وقِيلَ: تَجُوزُ لِأنَّ كَوْنَ الشَّمْسِ كَذَلِكَ مِمّا لا يُثْبِتُهُ أهْلُ الشَّرْحِ وعَلى تَسْلِيمِهِ يَجُوزُ أنْ يَحْدُثَ فِيها قابِلِيَّةُ اللَّفِّ بِأنْ يُصَيِّرَها سُبْحانَهُ مُنْبَسِطَةً ثُمَّ يَلُفُّها ولَهُ عَزَّ وجَلَّ في ذَلِكَ ما لَهُ مِنَ الحِكَمِ، ويُبْعِدُ إرادَةَ الحَقِيقَةِ فِيما أرى كَوْنُها كَيْفَما كانَتْ مِنَ الأجْرامِ الَّتِي لا تُلَفُّ كالثِّيابِ، نَعَمْ القُدْرَةُ في كُلِّ وقْتٍ لا يَتَعاصاها شَيْءٌ، وارْتِفاعُ الشَّمْسِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ لِاخْتِصاصِ إذا الشَّرْطِيَّةِ عِنْدَهم بِالفِعْلِ وعَلى الِابْتِداءِ عِنْدَ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ لِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ عِنْدَهُمْ، وكَوْنُ التَّقْدِيرِ خِلافُ الأصْلِ. وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى:

التكوير 81:2

﴿وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أيِ انْقَضَتْ وسَقَطَتْ كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، ومِنهُ: انْكَدَرَ البازِيُّ إذا نَزَلَ بِسُرْعَةٍ عَلى ما يَأْخُذُهُ. قالَ العَجّاجُ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عُمَرَ التَّمِيمِيَّ: إذا الكِرامُ ابْتَدَرُوا الباعَ بَدَرْ تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرْ دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطَّوْدِ فَمَرْ ∗∗∗ أبْصَرَ خِرْبانَ فَضاءٍ فانْكَدَرْ وهَذا إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا يَبْقى يَوْمَئِذٍ نَجْمٌ إلّا سَقَطَ في الأرْضِ، وعَنْهُ أيْضًا: أنَّ النُّجُومَ قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ بِأيْدِي مَلائِكَةٍ مِن نُورٍ، فَإذا ماتَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ تَساقَطَتْ مِن أيْدِيهِمْ. وظاهِرُ هَذا أنَّ النُّجُومَ لَيْسَتْ في جِرْمِ أفْلاكٍ لَها كَما يَقُولُ الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ بَلْ مُعَلَّقَةٌ في فَضاءٍ ويَقْرُبُ مِنهُ مِن وجْهٍ قَوْلُ الفَلاسِفَةِ المُحْدَثِينَ فَإنَّهم يَقُولُونَ بِكَوْنِها في فَضاءٍ أيْضًا، لَكِنْ بِقُوًى مُتَجاذِبَةٍ لا مُعَلَّقَةٍ بِسَلاسِلَ بِأيْدِي مَلائِكَةٍ ولَيْسَ وراءَ ما يُشاهَدُ مِنها إلّا سَماءٌ بِمَعْنى جِهَةِ عُلُوٍّ لا سَماءٌ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وإنْ صَحَّ خَبَرُ الحَبْرِ وهو في حُكْمِ المَرْفُوعِ لَمْ نَعْدِلْ عَنْ ظاهِرِهِ إلّا إنْ ظَهَرَ اسْتِحالَتُهُ وهَيْهاتَ ذَلِكَ وحِينَئِذٍ فالأمْرُ سَهْلٌ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضٌ المُتَأهِّلِينَ أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تُطْلَقُ عَلى الأرْبابِ النُّورِيَّةِ كَما في خَبَرِ: ««إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مَلِكًا، وإنَّ كُلَّ قَطْرَةٍ مِن قَطَراتِ المَطَرِ يَنْزِلُ مَعَها مَلَكٌ»». وخَبَرُ: صفحة 51 ««أتانِي مَلَكُ الجِبالِ ومَلَكُ البِحارِ»». وتُسَمّى المُثُلَ الأفْلاطُونِيَّةَ وهي أنْوارٌ مُجَرَّدَةٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها مُدَبَّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لِلْمَرْبُوباتِ حافِظَةٌ إيّاها وهي المُنَمِّيَةُ والغاذِيَةُ والمَوْلُودَةُ في النَّباتاتِ والحَيَواناتِ ويُقالُ في السَّلاسِلِ إنَّهُ أُرِيدَ بِها القُوى الَّتِي بِها حِفْظُ الأوْضاعِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وقِيلَ: انْكَدَرَتْ تَغَيَّرَتْ وانْطَمَسَ نُورُها كَما في هو في الرِّوايَةِ الأُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن كَدَرْتُ الماءَ فانْكَدَرَ، فَفِيهِ تَشْبِيهُ انْطِماسِ نُورِها بِتَكَدُّرِ الماءِ الَّذِي لا يَبْقى مَعَهُ صَفاؤُهُ ورَوْنَقُ مَنظَرِهِ، وتَكُونُ هي حِينَئِذٍ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ مَعَ عَبَدَتِها في النّارِ، وظاهِرٌ أنَّ النُّجُومَ لا تَشْمَلُ الشَّمْسَ، وقِيلَ: تَشْمَلُها، وذِكْرُها بَعْدَها تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ؛ فَلا تَغْفُلْ.

التكوير 81:3

﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ أيْ: أُزِيلَتْ عَنْ أماكِنِها مِنَ الأرْضِ بِالرَّجْفَةِ الحاصِلَةِ عَلى أنَّ التَّسْيِيرَ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ بَعْدَ رَفْعِها في الجَوِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ . وهَذا إنَّما يَكُونُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.

التكوير 81:4

﴿وإذا العِشارُ﴾ جَمْعُ عُشَراءَ كَنِفاسٍ جَمْعِ نُفَساءَ وهي النّاقَةُ الَّتِي أتى عَلَيْها مِن يَوْمِ أُرْسِلَ فِيها الفَحْلُ عَشَرَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ لا يَزالُ ذَلِكَ اسْمُها حَتّى تَضَعَ، وقَدْ يُقالُ لَها ذَلِكَ بَعْدَ ما تَضَعُ أيْضًا وهي أنْفَسُ ما يَكُونُ عِنْدَ أهْلِها وأعَزُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ ﴿عُطِّلَتْ﴾ تُرِكَتْ مُهْمَلَةً لا راعِيَ لَها ولا طالِبَ، وقِيلَ: عَطَّلَها أهْلُها عَنِ الحَلْبِ والصَّرِّ، وقِيلَ: عَنْ أنْ يُرْسَلَ فِيها الفُحُولُ؛ وذَلِكَ إذا كانَ قُبَيْلَ قِيامِ القِيامَةِ لِاشْتِغالِ أهْلِها بِما عَراهم مِمّا يَكُونُ إذا ذاكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعْطِيلَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَقالَ القُرْطُبِيُّ: الكَلامُ عَلى التَّمْثِيلِ إذْ لا عِشارَ حِينَئِذٍ، والمَعْنى أنَّهُ لَوْ كانَتْ عِشارٌ لَعَطَّلَها أهْلُها واشْتَغَلُوا بِأنْفُسِهِمْ، وقِيلَ عَلى الحَقِيقَةِ؛ أيْ: إذا قامُوا مِنَ القُبُورِ وشاهَدُوا الوُحُوشَ والأنْعامَ والدَّوابَّ مَحْشُورَةً ورَأوْا عِشارَهم الَّتِي كانَتْ كَرائِمَ أمْوالِهِمْ فِيها لَمْ يَعْبَؤُوا بِها لِشُغْلِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ وهو كَما تَرى. وقِيلَ: المُرادُ بِالعِشارِ السَّحابُ عَلى تَشْبِيهِ السَّحابَةِ المُتَوَقَّعِ مَطَرُها بِالنّاقَةِ العُشَراءِ القَرِيبِ وضْعُ حَمْلِها وفِيهِ اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ مَعَ المُناسَبَةِ التّامَّةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ؛ فَإنَّ السُّحُبَ تَنْعَقِدُ عَلى رُؤُوسِ الجِبالِ، وتَرى عِنْدَها وألّا يُنافِيهِ كَوْنُهُ مُناسِبًا لِما بَعْدَهُ عَلى الأوَّلِ فَإنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ مُرَجَّحٌ بِنَفْسِهِ، وتَعْطِيلُها مَجازٌ عَنْ عَدَمِ ارْتِقابِ مَطَرِها لِأنَّهم في شُغْلٍ عَنْهُ. وقِيلَ عَنْ عَدَمِ إمْطارِها وقِيلَ: هي الدِّيارُ تُعَطَّلُ فَلا تُسْكَنُ، وقِيلَ: الأرْضُ الَّتِي يُعَشَّرُ زَرْعُها تُعَطَّلُ فَلا تُزْرَعُ. وقَرَأ مُضَرٌ اليَزِيدِيُّ: «عُطِلَتْ» بِالتَّخْفِيفِ والبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، ونَقَلَهُ في اللَّوامِحِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ثُمَّ قالَ: هو وهْمٌ، إنَّما «عَطَلَتْ» بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنى تَعَطَّلَتْ؛ لِأنَّ تَشْدِيدَهُ لِلتَّعْدِيَةِ، يُقالُ: عَطَّلْتُ الشَّيْءَ وأعْطَلْتُهُ فَعَطَلَ بِنَفْسِهِ وعَطَلَتِ المَرْأةُ فَهي عاطِلٌ إذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْها حُلِيٌّ فَلَعَلَّ هَذِهِ القِراءَةَ لُغَةٌ اسْتَوى فِيها فَعَّلْتُ وأفْعَلْتُ؛ أيْ: في التَّعَدِّي، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنَّهُ عُدِّيَ بِالحَرْفِ ثُمَّ حُذِفَ وأُوصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ.

التكوير 81:5

﴿وإذا الوُحُوشُ﴾ جَمْعُ وحْشٍ وهو حَيَوانُ البَرِّ الَّذِي لَيْسَ في طَبْعِهِ التَّأنُّسُ بِبَنِي آدَمَ، والمُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ البَهائِمَ مُطْلَقًا. ﴿حُشِرَتْ﴾ أيْ: جُمِعَتْ مِن كُلِّ جانِبٍ؛ وذَلِكَ قُبَيْلَ النَّفْخَةِ الأُولى حِينَ تَخْرُجُ نارٌ تَفِرُّ النّاسُ والأنْعامُ مِنها حَتّى تَجْتَمِعَ، وقِيلَ: أُمِيتَتْ مِن قَوْلِهِمْ: إذا أجْحَنَتِ السَّنَةُ النّاسَ حَشَرَتْهُمْ، ونَحْوُهُ ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: حَشْرُها مَوْتُها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ الحَشْرِ بِالجَمْعِ إلّا أنَّهُ قالَ كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ جُمِعَتْ بِالمَوْتِ فَلا تُبْعَثُ ولا يُحْضَرُ في القِيامَةِ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ، وقِيلَ: بُعِثَتْ لِلْقِصاصِ فَيُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الذُّبابُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَنْ قَتادَةَ وجَماعَةٍ. وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَبْرِ: تُحْشَرُ الوُحُوشُ حَتّى يُقْتَصَّ مِن بَعْضِها لِبَعْضٍ فَيُقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ ثُمَّ يُقالُ لَها مُوتِي فَتَمُوتُ، وقِيلَ: إذا قُضِيَ بَيْنَها رُدَّتْ تُرابًا فَلا يَبْقى مِنها إلّا ما فِيهِ سُرُورٌ لِبَنِي آدَمَ وإعْجابٌ بِصُورَتِهِ كالطّاوُوسِ والظَّبْيِ. وقِيلَ: يَبْقى كُلُّ ما لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ إلّا المُؤْمِنُ كَشاةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنها إلّا هُوَ، ويُدْخَلُ ما يَبْقى الجَنَّةَ عَلى حالٍ لائِقَةٍ بِها، وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى بَعْثِ جَمِيعِ الحَيَواناتِ مَيْلًا إلى هَذِهِ الأخْبارِ ونَحْوِها. فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى صفحة 52 أهْلِها يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَمّاءِ مِنَ الشّاةِ القَرْناءِ»». وزادَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «وحَتّى الذَّرَّةُ مِنَ الذَّرَّةِ». ومالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ لا يُحْشَرُ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا إلّا أهْلًا لِلْكَرامَةِ بِوَجْهٍ ولَيْسَ في هَذا البابِ نَصٌّ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ مُعَوَّلٌ عَلَيْها يَدُلُّ عَلى حَشْرِ غَيْرِهِما مِنَ الوُحُوشِ، وخَبَرُ مُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ وإنْ كانَ صَحِيحًا لَكِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ التَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ العَدْلِ التّامِّ وإلى هَذا القَوْلِ أمِيلُ ولا أجْزِمُ بِخَطَأِ القائِلِينَ بِالأوَّلِ؛ لِأنَّ لَهم ما يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا في الجُمْلَةِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: «حُشِّرَتْ» بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ.

التكوير 81:6

﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ أيْ: أُحْمِيَتْ بِأنْ تَغِيضَ مِياهُها وتَظْهَرَ النّارُ في مَكانِها؛ ولِذا ورَدَ عَلى ما قِيلَ: إنَّ البَحْرَ غِطاءُ جَهَنَّمَ، أوْ مُلِئَتْ بِتَفْجِيرِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ حَتّى يَكُونَ مالِحُها وعَذْبُها بَحْرًا واحِدًا مِن سَجَرَ التَّنُّورَ إذا مَلَأهُ بِالحَطَبِ لِيَحْمِيَهُ، وقِيلَ: مُلِئَتْ نِيرانًا تَضْطَرِمُ لِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: مُلِئَتْ تُرابًا تَسْوِيَةً لَها بِأرْضِ المَحْشَرِ ولَيْسَ لَهُ مُسْتَنَدٌ أُثِرَ عَنِ السَّلَفِ. ونَقَلَ في البَحْرِ عَنْ كِتابِ لُغاتِ القُرْآنِ أنَّ ﴿سُجِّرَتْ﴾ بِمَعْنى جُمِعَتْ لُغَةُ خَثْعَمَ، ولَعَلَّ جَمْعَها عَلَيْهِ بِالتَّفْجِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مُلِكَتْ وقُيِّدَ اضْطِرابُها حَتّى لا يَخْرُجَ عَنِ الأرْضِ مِنَ الهَوْلِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِن ساجُورِ الكَلْبِ وهو خَشَبَةٌ تُجْعَلُ في عُنُقِهِ، ويُقالُ: سَجَرَهُ إذا شَدَّهُ بِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: «سُجِرَتْ» بِالتَّخْفِيفِ.

التكوير 81:7

﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أيْ: قُرِنَتْ كُلُّ نَفْسٍ بِشَكْلِها، أخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: يُقْرَنُ الرَّجُلُ الصّالِحُ مَعَ الرَّجُلِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، ويُقْرَنُ الرَّجُلُ السُّوءُ مَعَ الرَّجُلِ السُّوءِ في النّارِ؛ فَذَلِكَ تَزْوِيجُ الأنْفُسِ. وفي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ رَواهُ النُّعْمانُ أيْضًا ما يَقْتَضِي ظاهِرُهُ ذَلِكَ وقالَ بَعْضٌ: هَذا في المَوْقِفِ؛ أنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الطَّبَقاتِ الأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: تُقْرَنُ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِأزْواجِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، ونُفُوسُ الكافِرِينَ بِالشَّياطِينِ. وقِيلَ: تُقْرَنُ كُلُّ نَفْسٍ بِكِتابِها، وقِيلَ: بِعَمَلِها، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ تُقْرَنُ كُلُّ نَفْسٍ بِخَصْمِها فَلا يُمْكِنُها الفِرارُ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ كُلِّ نَفْسٍ ذا خَصْمٍ بَيْنَ الِانْتِفاءِ، وأيًّا ما كانَ فالنَّفْسُ بِمَعْنى الذّاتِ، والتَّزْوِيجُ جَعْلُ الشَّيْءِ زَوْجًا؛ أيْ: مُقارَنًا. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والشَّعْبِيُّ: تُقْرَنُ النُّفُوسُ بِأزْواجِها؛ وذَلِكَ عِنْدَ البَعْثِ، والنَّفْسُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الرُّوحِ، وقَرَأ عاصِمٌ: «زُوِّجَتْ» عَلى فُوعِلَتْ.

التكوير 81:8

﴿وإذا المَوْءُودَةُ﴾ وهي البِنْتُ الَّتِي تُدْفَنُ حَيَّةً مِنَ الوَأْدِ وهو الثِّقَلُ كَأنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثْقَلُ بِالتُّرابِ حَتّى تَمُوتَ. وقِيلَ: هو مَقْلُوبُ الأوْتُدِ وحَكاهُ المُرْتَضى في دُرَرِهِ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ، وهو غَيْرُ مُرْتَضًى عِنْدَ أبِي حَيّانَ، وكانَتِ العَرَبُ تَئِدُ البَناتِ مَخافَةَ لُحُوقِ العارِ بِهِمْ مِن أجْلِهِنَّ، وقِيلَ: مَخافَةَ الإمْلاقِ، ولَعَلَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِهِمْ ومِنهم مَن يَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُونَ فَألْحَقُوا البَناتِ بِهِ تَعالى فَهو عَزَّ وجَلَّ أحَقُّ بِهِنَّ. وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ فَأرادَ أنْ يَسْتَحْيِيَها ألْبَسَها جُبَّةً مِن صُوفٍ أوْ شَعْرٍ تَرْعى لَهُ الإبِلَ والغَنَمَ في البادِيَةِ، وإنْ أرادَ قَتْلَها تَرَكَها حَتّى إذا كانَتْ سُداسِيَّةً فَيَقُولُ لِأُمِّها: طَيِّبِيها وزَيِّنِيها حَتّى أذْهَبَ بِها إلى أحْمائِها وقَدْ حَفَرَ لَها بِئْرًا في الصَّحْراءِ فَيَبْلُغُ بِها البِئْرَ فَيَقُولُ لَها: انْظُرِي فِيها، ثُمَّ يَدْفَعُها مِن خَلْفِها ويُهِيلُ عَلَيْها التُّرابَ حَتّى تَسْتَوِيَ البِئْرُ بِالأرْضِ، وقِيلَ: كانَتِ الحامِلُ إذا قَرُبَتْ حَفَرَتْ حُفْرَةً فَتَمَخَّضَتْ عَلى رَأْسِ الحُفْرَةِ، فَإذا ولَدَتْ بِنْتًا رَمَتْ بِها فِيها، وإنْ ولَدَتِ ابْنًا حَبَسَتْهُ، ورَأيْتُ إذْ أنا يافِعٌ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ أوَّلَ قَبِيلَةٍ وأدَتْ مِنَ العَرَبِ رَبِيعَةُ؛ وذَلِكَ أنَّهم أغْيَرُ عَلَيْهِمْ، فَنُهِبَتْ بِنْتٌ لِأمِيرٍ لَهم فاسْتَرَدَّها بَعْدَ الصُّلْحِ فَخُيِّرَتْ بِرِضًا مِنهُ بَيْنَ أبِيها ومَن هي عِنْدَهُ فاخْتارَتْ مَن هي عِنْدَهُ وآثَرَتْهُ عَلى أبِيها، فَغَضِبَ وسَنَّ لِقَوْلِهِ الوَأْدَ فَفَعَلُوهُ غَيْرَةً مِنهم ومَخافَةَ أنْ يَقَعَ لَهم بَعْدُ مِثْلَ ما وقَعَ، وشاعَ في العَرَبِ غَيْرِهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ. وقَرَأ البَزِّيُّ في رِوايَةٍ: «المَؤُدَةُ» كَمَعُونَةٍ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ صفحة 53 الأصْلُ «المَوْءُودَةُ» كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ فَنَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الواوِ قَبْلَهُ، وحُذِفَتْ ثُمَّ هُمِزَتْ تِلْكَ الواوُ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ مِن «آدَ» والأصْلُ المَأْوُودَةُ فَحُذِفَتْ أحَدُ الواوَيْنِ فَصارَتِ المَوْءُودَةَ كَما حُذِفَتْ مِن مَقْوُولٍ فَصارَ مَقُولًا. وقُرِئَ: «المَوُودَةُ» بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ أعْنِي التَّسْهِيلَ بِحَذْفِها ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى ما قَبْلَها. وفي مَجْمَعِ البَيانِ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ رُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قَرَءُوا: «المَوَدَّةُ» بِفَتْحِ المِيمِ والواوِ والمُرادُ بِها الرَّحِمُ والقُرابَةُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ قَرابَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويُرادُ بِقَتْلِها قَطْعُها أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، والمُرادُ قَتْلُ المُتَّصِفِ بِها. وتَوْجِيهُ السُّؤالِ إلى المَوْءُودَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ دُونَ الوائِدِ مَعَ أنَّ الذَّنْبَ لَهُ دُونَها لِتَسْلِيَتِها وإظْهارِ كَمالِ الغَيْظِ والسُّخْطِ لِوائِدِها وإسْقاطِهِ عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ والمُبالَغَةِ في تَبْكِيتِهِ؛ فَإنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ إذا سُئِلَ بِمَحْضَرِ الجانِي ونُسِبَتْ إلَيْهِ الجِنايَةُ دُونَ الجانِي كانَ ذَلِكَ بَعْثًا لِلْجانِي عَلى التَّفَكُّرِ في حالِ نَفْسِهِ وحالِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَيَرى بَراءَةَ ساحَتِهِ وأنَّهُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِتابِ والعِقابِ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِدْراجِ واقِعٌ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ وابْنُ يَعْمُرَ «سَألَتْ»؛ أيْ: خاصَمَتْ أوْ سَألَتِ اللَّهَ تَعالى أوْ قاتَلَها وإنَّما قِيلَ: ﴿قُتِلَتْ﴾ لِما أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ عَنْها لا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَتْ بِهِ حِينَ سُئِلَتْ لِيُقالَ: قُتِلَتْ عَلى الخِطابِ ولا حِكايَةً لِكَلامِها حِينَ سَألَتْ لِيُقالَ قُتِلَتْ عَلى الحِكايَةِ عَنْ نَفْسِها، وقَدْ قَرَأ كَذَلِكَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا وجابِرُ بْنُ يَزِيدَ وأبُو الضُّحى ومُجاهِدٌ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ «سِيلَتْ» بِكَسْرِ السِّينِ؛ وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: سالَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِشَدِّ الياءِ لِأنَّ المَوْءُودَةَ اسْمُ جِنْسٍ فَناسَبَ التَّكْثِيرَ بِاعْتِبارِ الأشْخاصِ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ جِنايَةِ الوَأْدِ. وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ والحاكِمُ في الكُنى والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «جاءَ قَيْسُ بْنُ عاصِمٍ التَّمِيمِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنِّي وأدْتُ ثَمانِيَ بَناتٍ لِي في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أعْتِقْ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ رَقَبَةً» قالَ: إنِّي صاحِبُ إبِلٍ قالَ: «فاهْدِ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ بَدَنَةً»». وكانَ الأمْرُ لِلنَّدْبِ لا لِلْوُجُوبِ؛ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ، وفِيهِ تَعْظِيمُ أمْرِ الوَأْدِ، وكانَ مِنَ العَرَبِ مَن يَسْتَقْبِحُهُ كَصَعْصَعَةَ بْنِ ناجِيَةَ المُجاشِعِيِّ جَدِّ الفَرَزْدَقِ كانَ يَفْتَدِي المَوْءُوداتِ مِن قَوْمِهِ بَنِي تَمِيمٍ، وبِهِ افْتَخَرَ الفَرَزْدَقُ في قَوْلِهِ: وجَدِّي الَّذِي مَنَعَ الوائِداتِ فَأحْيا الوَئِيدَ فَلَمْ تُوأدِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي عَمِلْتُ أعْمالًا في الجاهِلِيَّةِ فَهَلْ فِيها مِن أجْرٍ؟ أحْيَيْتُ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مِنَ المَوْءُودَةِ، أشْتَرِي كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ بِناقَتَيْنِ عُشَراوَيْنِ وجَمَلٍ. فَهَلْ لِي في ذَلِكَ مِن أجْرٍ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَكَ أجْرُهُ إذْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ بِالإسْلامِ»». وعُدَّ مِنَ الوَأْدِ العَزْلُ لِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ خُذامَةَ بِنْتِ وهْبٍ قالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ العَزْلِ فَقالَ: «ذَلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ»». ومِن هُنا قِيلَ بِحُرْمَتِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ؛ فَقَدْ قالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: العَزْلُ وهو أنْ يُجامِعَ فَإذا قارَبَ الإنْزالَ نَزَعَ، وأنْزَلَ خارِجَ الفَرْجِ مَكْرُوهٌ عِنْدَنا في كُلِّ حالِ امْرَأةٍ، سَواءٌ رَضِيَتْ أمْ لا؛ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى قَطْعِ النَّسْلِ، وأمّا التَّحْرِيمُ فَقَدْ قالَ أصْحابُنا - يَعْنِي الشّافِعِيَّةَ - لا يَحْرُمُ في مَمْلُوكَتِهِ ولا في زَوْجَتِهِ الأمَةِ، سَواءٌ رَضِيَتْ أمْ لا؛ لِأنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا في مَمْلُوكَتِهِ بِمَصِيرِها أُمَّ ولَدٍ، وامْتِناعِ بَيْعِها، وعَلَيْهِ ضَرَرٌ في زَوْجَتِهِ الرَّقِيقَةِ بِمَصِيرِ ولَدِهِ رَقِيقًا تَبَعًا لِأُمِّهِ، وأمّا زَوْجَتُهُ الحُرَّةُ فَإنْ أذِنَتْ فِيهِ لَمْ يَحْرُمْ، وإلّا فَوَجْهانِ أصَحُّهُما لا يَحْرُمُ، ثُمَّ الأحادِيثُ الَّتِي ظاهِرُها التَّعارُضُ في هَذا المَطْلَبِ يُجْمَعُ بَيْنَها بِأنَّ ما ورَدَ مِنها في النَّهْيِ مَحْمُولٌ عَلى كَراهَةِ التَّنْزِيهِ، وما ورَدَ في الإذْنِ في ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ ولَيْسَ صفحة 54 مَعْناهُ نَفْيَ الكَراهَةِ انْتَهى. وأُجِيبَ عَلى الحَدِيثِ السّابِقِ بِأنَّ تَسْمِيَتَهُ بِالوَأْدِ الخَفِيِّ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الوَأْدِ الظّاهِرِ؛ فَقَدْ صَحَّ أنَّ الرِّياءَ شِرْكٌ خَفِيٌّ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِمْناءُ بِاليَدِ كالعَزْلِ وأْدًا خَفِيًّا. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ إذا لَمْ يَخْشَ الزِّنا حَرامٌ، وإنْ خَشِيَ لَمْ يَحْرُمْ وكَذا لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ التَّفْخِيذُ مَعَ مَن يَحِلُّ لَهُ وطْؤُها كَذَلِكَ ولَمْ أرَ قائِلًا بِحُرْمَتِهِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ في كُتُبِ الفِقْهِ فَلْتُراجَعْ. واسْتَدَلَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أطْفالَ المُشْرِكِينَ لا يُعَذَّبُونَ وعَلى أنَّ العَذابَ لا يُسْتَحَقُّ إلّا بِالذَّنْبِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ تَبْكِيتَ قاتِلِها يُبايِنُ تَعْذِيبَها لِأنَّ اسْتِحْقاقَ التَّبْكِيتِ لِبَراءَتِها مِنَ الذَّنْبِ فَمَتى بَكَّتَ سُبْحانَهُ الكافِرَ بِبَراءَتِها مِنَ الذَّنْبِ كَيْفَ يَكُرُّ سُبْحانَهُ عَلَيْها فَيَفْعَلُ بِها ما يُنْسى عِنْدَهُ فِعْلُ المُبَكَّتِ مِنَ العَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وأمّا الثّانِي فَلِإشارَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ إلى أنَّ القَتْلَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ بِذَنْبٍ وأنَّهُ لا يُسْتَحْسَنُ ارْتِكابُهُ دُونَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ في مَعْناهُ كُلُّ تَعْذِيبٍ، ثُمَّ الآيَةُ لَمّا دَلَّتْ عَلى أنَّ المَوْءُودَةَ لا ذَنْبَ لَها لِيَتِمَّ التَّبْكِيتُ تَضَمَّنَتْ عَدَمَ اسْتِحْقاقِها العِقابَ. وزُعِمَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَبْنى ما ذَكَرَهُ التَّحْسِينُ والتَّقْبِيحُ، وقَدْ بُيِّنَ ما فِيهِما في مَوْضِعِهِ. وعَلى التَّسْلِيمِ نَمْنَعُ انْحِصارَ سَبَبِ التَّبْكِيتِ في البَراءَةِ عَلى أنَّ القَتْلَ لِلْباعِثِ المَذْكُورِ في القُرْآنِ بِمَعْنى خَشْيَةِ الإمْلاقِ رَذِيلَةٌ يُسْتَحَقُّ بِها التَّبْكِيتُ اسْتَحَقَّ بِها المَقْتُولُ التَّعْذِيبَ الأُخْرَوِيَّ أوَّلًا، وإشارَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ باعِثَهم عَلى القَتْلِ لَمْ يَكُنِ الذَّنْبَ لا إلى أنَّ الذَّنْبَ أعْنِي ما تَسْتَحِقُّ بِهِ المَوْءُودَةُ التَّعْذِيبَ مَعْدُومٌ مِن كُلِّ وجْهٍ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لا نُسَلِّمُ صِحَّتَهُ وفي الأخْبارِ ما يُنافِيهِ. أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الجَعْفِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««الوائِدَةُ والمَوْءُودَةُ في النّارِ، إلّا أنْ تُدْرِكَ الوائِدَةُ الإسْلامَ فَيَعْفُوَ اللَّهُ تَعالى عَنْها»». وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: «اللَّهُ تَعالى إذْ خَلَقَهم أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»». وتَفْسِيرُهُ عَلى ما قِيلَ ما رَوى أبُو داوُدَ «عَنْ عائِشَةَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ذَرارِيُّ المُؤْمِنِينَ؟ فَقالَ: «مِن آبائِهِمْ» قُلْتُ: بِلا عَمَلٍ؟ قالَ: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَرارِيُّ المُشْرِكِينَ؟ فَقالَ: «مِن آبائِهِمْ» قُلْتُ: بِلا عَمَلٍ؟ قالَ: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»». وفِي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ «سَألَتْ خَدِيجَةُ عَنْ ولَدَيْنِ ما بالُهُما في الجاهِلِيَّةِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «هُما في النّارِ»» وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في مَسْألَةِ الأطْفالِ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ ما عَدا أطْفالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهم أُجْمِعَ عَلى كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كَما قالَ اللَّقّانِيُّ خِلافًا فَقَدْ قالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ مَن ماتَ مِن أطْفالِ المُسْلِمِينَ فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا، وتَوَقَّفَتْ فِيهِ بَعْضُ مَن لا يُعْتَدُّ بِهِ لِحَدِيثِ عائِشَةَ: «تُوُفِّيَ صَبِيٌّ مِنَ الأنْصارِ فَقالَتْ: طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ مِن عَصافِيرِ الجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ ولَمْ يُدْرِكْهُ. قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أوَغَيْرُ ذَلِكَ يا عائِشَةُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أهْلًا خَلَقَهم لَها وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، وخَلَقَ لِلنّارِ أهْلًا خَلَقَهم لَها وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ»». وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهاها عَنِ المُسارَعَةِ إلى القَطْعِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ عِنْدَها دَلِيلٌ قاطِعٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ أطْفالَ المُسْلِمِينَ في الجَنَّةِ، فَلَمّا عَلِمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ما مِن مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ إيّاهُمْ»» وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ. وأمّا أطْفالُ المُشْرِكِينَ فَفِيهِمْ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ؛ قالَ الأكْثَرُونَ: هم في النّارِ تَبَعًا لِآبائِهِمْ لِحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ مَن يَمُوتُ مِنهم صَغِيرًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»». أيْ: وغَيْرُ ذَلِكَ. وتَوَقَّفَ طائِفَةٌ فِيهِمْ وقالَتِ الثّالِثَةُ -وهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ- إنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ويُسْتَدَلُّ لَهُ صفحة 55 بِأشْياءَ مِنها «حَدِيثُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ حَوْلَهُ أوْلادُ النّاسِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وأوْلادُ المُشْرِكِينَ قالَ: وأوْلادُ المُشْرِكِينَ»» رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ. ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ ولا يَتَوَجَّهُ عَلى المَوْلُودِ التَّكْلِيفُ ويَلْزَمُهُ قَوْلُ الرَّسُولِ حَتّى يَبْلُغَ وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، والجَوابُ عَنْ حَدِيثِ: ««اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»» أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّهم في النّارِ، وحَقِيقَةُ لَفْظَةِ: «اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» لَوْ بَلَغُوا ولَمْ يَبْلُغُوا، والتَّكْلِيفُ لا يَكُونُ إلّا بِالبُلُوغِ انْتَهى. وتُعُقِّبَ ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاحْتِمالِ في حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِأنَّهُ يَأْباهُ ما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ حَدِيثَ عائِشَةَ كانَ بِالمَدِينَةِ لِأنَّهُ في صَبِيٍّ مِنَ الأنْصارِ وبِناؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْها إنَّما كانَ فِيها، وحَدِيثُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِمَكَّةَ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَةَ كانَتْ لَيْلَةَ المِعْراجِ وهو قَدْ كانَ فِيها، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أنَّ الأطْفالَ كُلَّهم في الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ فَكَيْفَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما قالَهُ بَعْدُ قالَهُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ أطْفالَ المُسْلِمِينَ في الجَنَّةِ، وأيْضًا إذا كانَ حَدِيثُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَكَّةَ يُضْعِفُ الجَوابَ الأوَّلَ عَنْ حَدِيثِ عائِشَةَ بِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ قالَتْ ما قالَتْ لِأنَّهُ بَلَغَها ذَلِكَ الحَدِيثُ، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِن أنَّ المَذاهِبَ في أطْفالِ المُشْرِكِينَ ثَلاثَةٌ؛ الظّاهِرُ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما وُقِفَ عَلَيْهِ وإلّا فَهي غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيها بَلْ مِنها أنَّهم في بَرْزَخٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، ومِنها أنَّهم يُمْتَحَنُونَ بِدُخُولِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن كُتِبَ لَهُ السَّعادَةُ أطاعَ بِدُخُولِها فَيُرَدُّ إلى الجَنَّةِ، ومَن كُتِبَ لَهُ الشَّقاوَةُ امْتَنَعَ فَيُسْحَبُ إلى النّارِ كَما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ فَلا يُحْكَمُ عَلى مُعَيَّنٍ مِنهم بِجَنَّةٍ ولا نارٍ، وعَلَيْهِ حُمِلَ: ««اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»» وفي اخْتِياراتِ الشَّيْخِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ هَذا أحْسَنُ الأجْوِبَةِ فِيهِمْ. وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ هو الصَّحِيحُ المُعْتَمَدُ، ومِنها ما ذَكَرَهُ هَذا الجَلالُ واخْتارَهُ الإمامُ الرَّبّانِيُّ الفارُوقِيُّ السَّرْهَنْدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهم يُحْشَرُونَ ثُمَّ يَصِيرُونَ تُرابًا كالوُحُوشِ وإنْ أُرِيدَ مِمّا تَقَدَّمَ مِن أنَّهم في الجَنَّةِ كَوْنُهم فِيها كَسائِرِ أهْلِها فَهُناكَ قَوْلٌ آخَرُ وهو أنَّهم فِيها خَدَمًا لِأهْلِها وقَدْ نَقَلَهُ النَّسَفِيُّ في بَحْرِ الكَلامِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ وفِيهِ أحادِيثُ جَمَّةٌ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأطْفالِ المُشْرِكِينَ الأطْفالُ الَّذِينَ وُلِدُوا لَهم وهم مُشْرِكُونَ ولَوْ آمَنُوا بَعْدُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: السّابِقُ في ولَدَيْ خَدِيجَةَ هُما في النّارِ». وهُوَ يُعَكِّرُ عَلى مَن يَقُولُ: أطْفالُ الَّذِينَ ماتُوا مُشْرِكِينَ في النّارِ وأطْفالُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ في الجَنَّةِ إكْرامًا لَهم. والَّذِي أخْتارُهُ القَوْلَ بِأنَّ الأطْفالَ مُطْلَقًا وكَذا فَرْخُ الزِّنا ومَن جُنَّ قَبْلَ البُلُوغِ في الجَنَّةِ؛ فَهو الأخْلَقُ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعالى وواسِعِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ والأوْفَقُ لِلْحِكْمَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ والأكْثَرُ تَأيُّدًا بِالآياتِ ولا بُعْدَ في تَرَجُّحِ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ بِما ذُكِرَ عَلى الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى خِلافِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ هاتِيكَ الأخْبارُ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ عِلْمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّ الأطْفالَ في الجَنَّةِ بَعِيدٌ عِنْدِي. نَعَمْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ أخْبَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ بِناءً عَلى أخْبارِ الوَحْيِ بِهِ كَأخْبارِهِ بِالوَعِيداتِ الَّتِي يَعْفُو اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن حَيْثُ إنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطٍ كانَ لَمْ يَشْمَلْهُمُ الفَضْلُ مَثَلًا لَكِنَّهُ لَمْ يُذْكُرْ مَعَهُ كَما لَمْ يُذْكَرْ مَعَها لِحِكْمَةٍ ثُمَّ أخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ بِناءً عَلى إخْبارِ الوَحْيِ بِهِ أيْضًا، ويَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِلْإخْبارِ بِأنَّ شَرْطَ كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ النّارِ لا يَتَحَقَّقُ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وكَرَمًا ويَكُونُ ذَلِكَ كالعَفْوِ عَمّا يَقْتَضِيهِ الوَعِيدُ، ومِثْلُ ذَلِكَ إخْبارُهُ بِما ذُكِرَ بِناءً عَلى مُشاهَدَةِ كَوْنِهِمْ في الجَنَّةِ عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَتَأمَّلْ.

التكوير 81:9

﴿وإذا المَوْءُودَةُ﴾ وهي البِنْتُ الَّتِي تُدْفَنُ حَيَّةً مِنَ الوَأْدِ وهو الثِّقَلُ كَأنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثْقَلُ بِالتُّرابِ حَتّى تَمُوتَ. وقِيلَ: هو مَقْلُوبُ الأوْتُدِ وحَكاهُ المُرْتَضى في دُرَرِهِ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ، وهو غَيْرُ مُرْتَضًى عِنْدَ أبِي حَيّانَ، وكانَتِ العَرَبُ تَئِدُ البَناتِ مَخافَةَ لُحُوقِ العارِ بِهِمْ مِن أجْلِهِنَّ، وقِيلَ: مَخافَةَ الإمْلاقِ، ولَعَلَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِهِمْ ومِنهم مَن يَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُونَ فَألْحَقُوا البَناتِ بِهِ تَعالى فَهو عَزَّ وجَلَّ أحَقُّ بِهِنَّ. وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ فَأرادَ أنْ يَسْتَحْيِيَها ألْبَسَها جُبَّةً مِن صُوفٍ أوْ شَعْرٍ تَرْعى لَهُ الإبِلَ والغَنَمَ في البادِيَةِ، وإنْ أرادَ قَتْلَها تَرَكَها حَتّى إذا كانَتْ سُداسِيَّةً فَيَقُولُ لِأُمِّها: طَيِّبِيها وزَيِّنِيها حَتّى أذْهَبَ بِها إلى أحْمائِها وقَدْ حَفَرَ لَها بِئْرًا في الصَّحْراءِ فَيَبْلُغُ بِها البِئْرَ فَيَقُولُ لَها: انْظُرِي فِيها، ثُمَّ يَدْفَعُها مِن خَلْفِها ويُهِيلُ عَلَيْها التُّرابَ حَتّى تَسْتَوِيَ البِئْرُ بِالأرْضِ، وقِيلَ: كانَتِ الحامِلُ إذا قَرُبَتْ حَفَرَتْ حُفْرَةً فَتَمَخَّضَتْ عَلى رَأْسِ الحُفْرَةِ، فَإذا ولَدَتْ بِنْتًا رَمَتْ بِها فِيها، وإنْ ولَدَتِ ابْنًا حَبَسَتْهُ، ورَأيْتُ إذْ أنا يافِعٌ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ أوَّلَ قَبِيلَةٍ وأدَتْ مِنَ العَرَبِ رَبِيعَةُ؛ وذَلِكَ أنَّهم أغْيَرُ عَلَيْهِمْ، فَنُهِبَتْ بِنْتٌ لِأمِيرٍ لَهم فاسْتَرَدَّها بَعْدَ الصُّلْحِ فَخُيِّرَتْ بِرِضًا مِنهُ بَيْنَ أبِيها ومَن هي عِنْدَهُ فاخْتارَتْ مَن هي عِنْدَهُ وآثَرَتْهُ عَلى أبِيها، فَغَضِبَ وسَنَّ لِقَوْلِهِ الوَأْدَ فَفَعَلُوهُ غَيْرَةً مِنهم ومَخافَةَ أنْ يَقَعَ لَهم بَعْدُ مِثْلَ ما وقَعَ، وشاعَ في العَرَبِ غَيْرِهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ. وقَرَأ البَزِّيُّ في رِوايَةٍ: «المَؤُدَةُ» كَمَعُونَةٍ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ صفحة 53 الأصْلُ «المَوْءُودَةُ» كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ فَنَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الواوِ قَبْلَهُ، وحُذِفَتْ ثُمَّ هُمِزَتْ تِلْكَ الواوُ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ مِن «آدَ» والأصْلُ المَأْوُودَةُ فَحُذِفَتْ أحَدُ الواوَيْنِ فَصارَتِ المَوْءُودَةَ كَما حُذِفَتْ مِن مَقْوُولٍ فَصارَ مَقُولًا. وقُرِئَ: «المَوُودَةُ» بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ أعْنِي التَّسْهِيلَ بِحَذْفِها ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى ما قَبْلَها. وفي مَجْمَعِ البَيانِ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ رُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قَرَءُوا: «المَوَدَّةُ» بِفَتْحِ المِيمِ والواوِ والمُرادُ بِها الرَّحِمُ والقُرابَةُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ قَرابَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويُرادُ بِقَتْلِها قَطْعُها أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، والمُرادُ قَتْلُ المُتَّصِفِ بِها. وتَوْجِيهُ السُّؤالِ إلى المَوْءُودَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ دُونَ الوائِدِ مَعَ أنَّ الذَّنْبَ لَهُ دُونَها لِتَسْلِيَتِها وإظْهارِ كَمالِ الغَيْظِ والسُّخْطِ لِوائِدِها وإسْقاطِهِ عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ والمُبالَغَةِ في تَبْكِيتِهِ؛ فَإنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ إذا سُئِلَ بِمَحْضَرِ الجانِي ونُسِبَتْ إلَيْهِ الجِنايَةُ دُونَ الجانِي كانَ ذَلِكَ بَعْثًا لِلْجانِي عَلى التَّفَكُّرِ في حالِ نَفْسِهِ وحالِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَيَرى بَراءَةَ ساحَتِهِ وأنَّهُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِتابِ والعِقابِ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِدْراجِ واقِعٌ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ وابْنُ يَعْمُرَ «سَألَتْ»؛ أيْ: خاصَمَتْ أوْ سَألَتِ اللَّهَ تَعالى أوْ قاتَلَها وإنَّما قِيلَ: ﴿قُتِلَتْ﴾ لِما أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ عَنْها لا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَتْ بِهِ حِينَ سُئِلَتْ لِيُقالَ: قُتِلَتْ عَلى الخِطابِ ولا حِكايَةً لِكَلامِها حِينَ سَألَتْ لِيُقالَ قُتِلَتْ عَلى الحِكايَةِ عَنْ نَفْسِها، وقَدْ قَرَأ كَذَلِكَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا وجابِرُ بْنُ يَزِيدَ وأبُو الضُّحى ومُجاهِدٌ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ «سِيلَتْ» بِكَسْرِ السِّينِ؛ وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: سالَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِشَدِّ الياءِ لِأنَّ المَوْءُودَةَ اسْمُ جِنْسٍ فَناسَبَ التَّكْثِيرَ بِاعْتِبارِ الأشْخاصِ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ جِنايَةِ الوَأْدِ. وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ والحاكِمُ في الكُنى والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «جاءَ قَيْسُ بْنُ عاصِمٍ التَّمِيمِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنِّي وأدْتُ ثَمانِيَ بَناتٍ لِي في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أعْتِقْ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ رَقَبَةً» قالَ: إنِّي صاحِبُ إبِلٍ قالَ: «فاهْدِ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ بَدَنَةً»». وكانَ الأمْرُ لِلنَّدْبِ لا لِلْوُجُوبِ؛ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ، وفِيهِ تَعْظِيمُ أمْرِ الوَأْدِ، وكانَ مِنَ العَرَبِ مَن يَسْتَقْبِحُهُ كَصَعْصَعَةَ بْنِ ناجِيَةَ المُجاشِعِيِّ جَدِّ الفَرَزْدَقِ كانَ يَفْتَدِي المَوْءُوداتِ مِن قَوْمِهِ بَنِي تَمِيمٍ، وبِهِ افْتَخَرَ الفَرَزْدَقُ في قَوْلِهِ: وجَدِّي الَّذِي مَنَعَ الوائِداتِ فَأحْيا الوَئِيدَ فَلَمْ تُوأدِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي عَمِلْتُ أعْمالًا في الجاهِلِيَّةِ فَهَلْ فِيها مِن أجْرٍ؟ أحْيَيْتُ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مِنَ المَوْءُودَةِ، أشْتَرِي كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ بِناقَتَيْنِ عُشَراوَيْنِ وجَمَلٍ. فَهَلْ لِي في ذَلِكَ مِن أجْرٍ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَكَ أجْرُهُ إذْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ بِالإسْلامِ»». وعُدَّ مِنَ الوَأْدِ العَزْلُ لِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ خُذامَةَ بِنْتِ وهْبٍ قالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ العَزْلِ فَقالَ: «ذَلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ»». ومِن هُنا قِيلَ بِحُرْمَتِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ؛ فَقَدْ قالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: العَزْلُ وهو أنْ يُجامِعَ فَإذا قارَبَ الإنْزالَ نَزَعَ، وأنْزَلَ خارِجَ الفَرْجِ مَكْرُوهٌ عِنْدَنا في كُلِّ حالِ امْرَأةٍ، سَواءٌ رَضِيَتْ أمْ لا؛ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى قَطْعِ النَّسْلِ، وأمّا التَّحْرِيمُ فَقَدْ قالَ أصْحابُنا - يَعْنِي الشّافِعِيَّةَ - لا يَحْرُمُ في مَمْلُوكَتِهِ ولا في زَوْجَتِهِ الأمَةِ، سَواءٌ رَضِيَتْ أمْ لا؛ لِأنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا في مَمْلُوكَتِهِ بِمَصِيرِها أُمَّ ولَدٍ، وامْتِناعِ بَيْعِها، وعَلَيْهِ ضَرَرٌ في زَوْجَتِهِ الرَّقِيقَةِ بِمَصِيرِ ولَدِهِ رَقِيقًا تَبَعًا لِأُمِّهِ، وأمّا زَوْجَتُهُ الحُرَّةُ فَإنْ أذِنَتْ فِيهِ لَمْ يَحْرُمْ، وإلّا فَوَجْهانِ أصَحُّهُما لا يَحْرُمُ، ثُمَّ الأحادِيثُ الَّتِي ظاهِرُها التَّعارُضُ في هَذا المَطْلَبِ يُجْمَعُ بَيْنَها بِأنَّ ما ورَدَ مِنها في النَّهْيِ مَحْمُولٌ عَلى كَراهَةِ التَّنْزِيهِ، وما ورَدَ في الإذْنِ في ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ ولَيْسَ صفحة 54 مَعْناهُ نَفْيَ الكَراهَةِ انْتَهى. وأُجِيبَ عَلى الحَدِيثِ السّابِقِ بِأنَّ تَسْمِيَتَهُ بِالوَأْدِ الخَفِيِّ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الوَأْدِ الظّاهِرِ؛ فَقَدْ صَحَّ أنَّ الرِّياءَ شِرْكٌ خَفِيٌّ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِمْناءُ بِاليَدِ كالعَزْلِ وأْدًا خَفِيًّا. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ إذا لَمْ يَخْشَ الزِّنا حَرامٌ، وإنْ خَشِيَ لَمْ يَحْرُمْ وكَذا لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ التَّفْخِيذُ مَعَ مَن يَحِلُّ لَهُ وطْؤُها كَذَلِكَ ولَمْ أرَ قائِلًا بِحُرْمَتِهِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ في كُتُبِ الفِقْهِ فَلْتُراجَعْ. واسْتَدَلَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أطْفالَ المُشْرِكِينَ لا يُعَذَّبُونَ وعَلى أنَّ العَذابَ لا يُسْتَحَقُّ إلّا بِالذَّنْبِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ تَبْكِيتَ قاتِلِها يُبايِنُ تَعْذِيبَها لِأنَّ اسْتِحْقاقَ التَّبْكِيتِ لِبَراءَتِها مِنَ الذَّنْبِ فَمَتى بَكَّتَ سُبْحانَهُ الكافِرَ بِبَراءَتِها مِنَ الذَّنْبِ كَيْفَ يَكُرُّ سُبْحانَهُ عَلَيْها فَيَفْعَلُ بِها ما يُنْسى عِنْدَهُ فِعْلُ المُبَكَّتِ مِنَ العَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وأمّا الثّانِي فَلِإشارَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ إلى أنَّ القَتْلَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ بِذَنْبٍ وأنَّهُ لا يُسْتَحْسَنُ ارْتِكابُهُ دُونَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ في مَعْناهُ كُلُّ تَعْذِيبٍ، ثُمَّ الآيَةُ لَمّا دَلَّتْ عَلى أنَّ المَوْءُودَةَ لا ذَنْبَ لَها لِيَتِمَّ التَّبْكِيتُ تَضَمَّنَتْ عَدَمَ اسْتِحْقاقِها العِقابَ. وزُعِمَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَبْنى ما ذَكَرَهُ التَّحْسِينُ والتَّقْبِيحُ، وقَدْ بُيِّنَ ما فِيهِما في مَوْضِعِهِ. وعَلى التَّسْلِيمِ نَمْنَعُ انْحِصارَ سَبَبِ التَّبْكِيتِ في البَراءَةِ عَلى أنَّ القَتْلَ لِلْباعِثِ المَذْكُورِ في القُرْآنِ بِمَعْنى خَشْيَةِ الإمْلاقِ رَذِيلَةٌ يُسْتَحَقُّ بِها التَّبْكِيتُ اسْتَحَقَّ بِها المَقْتُولُ التَّعْذِيبَ الأُخْرَوِيَّ أوَّلًا، وإشارَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ باعِثَهم عَلى القَتْلِ لَمْ يَكُنِ الذَّنْبَ لا إلى أنَّ الذَّنْبَ أعْنِي ما تَسْتَحِقُّ بِهِ المَوْءُودَةُ التَّعْذِيبَ مَعْدُومٌ مِن كُلِّ وجْهٍ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لا نُسَلِّمُ صِحَّتَهُ وفي الأخْبارِ ما يُنافِيهِ. أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الجَعْفِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««الوائِدَةُ والمَوْءُودَةُ في النّارِ، إلّا أنْ تُدْرِكَ الوائِدَةُ الإسْلامَ فَيَعْفُوَ اللَّهُ تَعالى عَنْها»». وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: «اللَّهُ تَعالى إذْ خَلَقَهم أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»». وتَفْسِيرُهُ عَلى ما قِيلَ ما رَوى أبُو داوُدَ «عَنْ عائِشَةَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ذَرارِيُّ المُؤْمِنِينَ؟ فَقالَ: «مِن آبائِهِمْ» قُلْتُ: بِلا عَمَلٍ؟ قالَ: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَرارِيُّ المُشْرِكِينَ؟ فَقالَ: «مِن آبائِهِمْ» قُلْتُ: بِلا عَمَلٍ؟ قالَ: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»». وفِي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ «سَألَتْ خَدِيجَةُ عَنْ ولَدَيْنِ ما بالُهُما في الجاهِلِيَّةِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «هُما في النّارِ»» وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في مَسْألَةِ الأطْفالِ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ ما عَدا أطْفالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهم أُجْمِعَ عَلى كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كَما قالَ اللَّقّانِيُّ خِلافًا فَقَدْ قالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ مَن ماتَ مِن أطْفالِ المُسْلِمِينَ فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا، وتَوَقَّفَتْ فِيهِ بَعْضُ مَن لا يُعْتَدُّ بِهِ لِحَدِيثِ عائِشَةَ: «تُوُفِّيَ صَبِيٌّ مِنَ الأنْصارِ فَقالَتْ: طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ مِن عَصافِيرِ الجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ ولَمْ يُدْرِكْهُ. قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أوَغَيْرُ ذَلِكَ يا عائِشَةُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أهْلًا خَلَقَهم لَها وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، وخَلَقَ لِلنّارِ أهْلًا خَلَقَهم لَها وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ»». وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهاها عَنِ المُسارَعَةِ إلى القَطْعِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ عِنْدَها دَلِيلٌ قاطِعٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ أطْفالَ المُسْلِمِينَ في الجَنَّةِ، فَلَمّا عَلِمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ما مِن مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ إيّاهُمْ»» وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ. وأمّا أطْفالُ المُشْرِكِينَ فَفِيهِمْ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ؛ قالَ الأكْثَرُونَ: هم في النّارِ تَبَعًا لِآبائِهِمْ لِحَدِيثِ: «سُئِلَ عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ مَن يَمُوتُ مِنهم صَغِيرًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»». أيْ: وغَيْرُ ذَلِكَ. وتَوَقَّفَ طائِفَةٌ فِيهِمْ وقالَتِ الثّالِثَةُ -وهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ- إنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ويُسْتَدَلُّ لَهُ صفحة 55 بِأشْياءَ مِنها «حَدِيثُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ حَوْلَهُ أوْلادُ النّاسِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وأوْلادُ المُشْرِكِينَ قالَ: وأوْلادُ المُشْرِكِينَ»» رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ. ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ ولا يَتَوَجَّهُ عَلى المَوْلُودِ التَّكْلِيفُ ويَلْزَمُهُ قَوْلُ الرَّسُولِ حَتّى يَبْلُغَ وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، والجَوابُ عَنْ حَدِيثِ: ««اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»» أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّهم في النّارِ، وحَقِيقَةُ لَفْظَةِ: «اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» لَوْ بَلَغُوا ولَمْ يَبْلُغُوا، والتَّكْلِيفُ لا يَكُونُ إلّا بِالبُلُوغِ انْتَهى. وتُعُقِّبَ ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاحْتِمالِ في حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِأنَّهُ يَأْباهُ ما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ حَدِيثَ عائِشَةَ كانَ بِالمَدِينَةِ لِأنَّهُ في صَبِيٍّ مِنَ الأنْصارِ وبِناؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْها إنَّما كانَ فِيها، وحَدِيثُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِمَكَّةَ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَةَ كانَتْ لَيْلَةَ المِعْراجِ وهو قَدْ كانَ فِيها، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أنَّ الأطْفالَ كُلَّهم في الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ فَكَيْفَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما قالَهُ بَعْدُ قالَهُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ أطْفالَ المُسْلِمِينَ في الجَنَّةِ، وأيْضًا إذا كانَ حَدِيثُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَكَّةَ يُضْعِفُ الجَوابَ الأوَّلَ عَنْ حَدِيثِ عائِشَةَ بِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ قالَتْ ما قالَتْ لِأنَّهُ بَلَغَها ذَلِكَ الحَدِيثُ، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِن أنَّ المَذاهِبَ في أطْفالِ المُشْرِكِينَ ثَلاثَةٌ؛ الظّاهِرُ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما وُقِفَ عَلَيْهِ وإلّا فَهي غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيها بَلْ مِنها أنَّهم في بَرْزَخٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، ومِنها أنَّهم يُمْتَحَنُونَ بِدُخُولِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن كُتِبَ لَهُ السَّعادَةُ أطاعَ بِدُخُولِها فَيُرَدُّ إلى الجَنَّةِ، ومَن كُتِبَ لَهُ الشَّقاوَةُ امْتَنَعَ فَيُسْحَبُ إلى النّارِ كَما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ فَلا يُحْكَمُ عَلى مُعَيَّنٍ مِنهم بِجَنَّةٍ ولا نارٍ، وعَلَيْهِ حُمِلَ: ««اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»» وفي اخْتِياراتِ الشَّيْخِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ هَذا أحْسَنُ الأجْوِبَةِ فِيهِمْ. وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ هو الصَّحِيحُ المُعْتَمَدُ، ومِنها ما ذَكَرَهُ هَذا الجَلالُ واخْتارَهُ الإمامُ الرَّبّانِيُّ الفارُوقِيُّ السَّرْهَنْدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهم يُحْشَرُونَ ثُمَّ يَصِيرُونَ تُرابًا كالوُحُوشِ وإنْ أُرِيدَ مِمّا تَقَدَّمَ مِن أنَّهم في الجَنَّةِ كَوْنُهم فِيها كَسائِرِ أهْلِها فَهُناكَ قَوْلٌ آخَرُ وهو أنَّهم فِيها خَدَمًا لِأهْلِها وقَدْ نَقَلَهُ النَّسَفِيُّ في بَحْرِ الكَلامِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ وفِيهِ أحادِيثُ جَمَّةٌ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأطْفالِ المُشْرِكِينَ الأطْفالُ الَّذِينَ وُلِدُوا لَهم وهم مُشْرِكُونَ ولَوْ آمَنُوا بَعْدُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: السّابِقُ في ولَدَيْ خَدِيجَةَ هُما في النّارِ». وهُوَ يُعَكِّرُ عَلى مَن يَقُولُ: أطْفالُ الَّذِينَ ماتُوا مُشْرِكِينَ في النّارِ وأطْفالُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ في الجَنَّةِ إكْرامًا لَهم. والَّذِي أخْتارُهُ القَوْلَ بِأنَّ الأطْفالَ مُطْلَقًا وكَذا فَرْخُ الزِّنا ومَن جُنَّ قَبْلَ البُلُوغِ في الجَنَّةِ؛ فَهو الأخْلَقُ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعالى وواسِعِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ والأوْفَقُ لِلْحِكْمَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ والأكْثَرُ تَأيُّدًا بِالآياتِ ولا بُعْدَ في تَرَجُّحِ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ بِما ذُكِرَ عَلى الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى خِلافِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ هاتِيكَ الأخْبارُ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ عِلْمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّ الأطْفالَ في الجَنَّةِ بَعِيدٌ عِنْدِي. نَعَمْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ أخْبَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ بِناءً عَلى أخْبارِ الوَحْيِ بِهِ كَأخْبارِهِ بِالوَعِيداتِ الَّتِي يَعْفُو اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن حَيْثُ إنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطٍ كانَ لَمْ يَشْمَلْهُمُ الفَضْلُ مَثَلًا لَكِنَّهُ لَمْ يُذْكُرْ مَعَهُ كَما لَمْ يُذْكَرْ مَعَها لِحِكْمَةٍ ثُمَّ أخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ بِناءً عَلى إخْبارِ الوَحْيِ بِهِ أيْضًا، ويَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِلْإخْبارِ بِأنَّ شَرْطَ كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ النّارِ لا يَتَحَقَّقُ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وكَرَمًا ويَكُونُ ذَلِكَ كالعَفْوِ عَمّا يَقْتَضِيهِ الوَعِيدُ، ومِثْلُ ذَلِكَ إخْبارُهُ بِما ذُكِرَ بِناءً عَلى مُشاهَدَةِ كَوْنِهِمْ في الجَنَّةِ عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَتَأمَّلْ.

التكوير 81:10

﴿وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ أيْ: صُحُفُ الأعْمالِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: إذا ماتَ الإنْسانُ طُوِيَتْ صَحِيفَتُهُ ثُمَّ تُنْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُحاسَبُ بِما فِيها، وقِيلَ: نُشِرَتْ؛ أيْ: فُرِّقَتْ بَيْنَ أصْحابِها عَنْ مَرْثَدِ بْنِ وداعَةَ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ تَطايَرَتِ الصُّحُفُ مِن تَحْتِ العَرْشِ فَتَقَعُ صَحِيفَةُ المُؤْمِنِ في يَدِهِ في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، وتَقَعُ صَحِيفَةُ صفحة 56 الكافِرِ في يَدِهِ في سَمُومٍ وحَمِيمٍ؛ أيْ: مَكْتُوبٌ فِيها ذَلِكَ وهي صُحُفٌ غَيْرُ صُحُفِ الأعْمالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: «نُشِّرَتْ» بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّشْرِ بِمَعْنَيَيْهِ أوْ لِكَثْرَةِ الصُّحُفِ أوْ لِشِدَّةِ التَّطايُرِ.

التكوير 81:11

﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ قُلِعَتْ وأُزِيلَتْ كَما يُكْشَفُ الإهابُ عَنِ الذَّبِيحَةِ، والغِطاءُ عَنِ الشَّيْءِ المَسْتُورِ بِهِ فَأصْلُ الكَشْطِ السَّلْخُ واسْتُعِيرَ هُنا لِلْإزالَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: «قُشِطَتْ» بِالقافِ مَكانَ الكافِ واعْتِقابُهُما غَيْرُ عَزِيزٍ كالكافُورِ والقافُورِ، وعَرَبِيٌّ قُحٌّ وكُحٌّ.

التكوير 81:12

﴿وإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ أيْ: أُوقِدَتْ إيقادًا شَدِيدًا قالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللَّهِ تَعالى وخَطايا بَنِي آدَمَ، وقَرَأ جَمْعٌ مِنهم عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «سُعِرَتْ» بِالتَّخْفِيفِ.

التكوير 81:13

﴿وإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ مِنَ المُتَّقِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: سِتُّ آياتٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ في الدُّنْيا والنّاسُ يَنْظُرُونَ، وسِتٌّ في الآخِرَةِ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ - إلى - ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ هَذِهِ في الدُّنْيا ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ - إلى - ﴿وإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ هَذِهِ في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: سِتُّ آياتٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ: بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ إذْ ذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ تَكَدَّرَتِ النُّجُومُ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ وقَعَتِ الجِبالُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَتَحَرَّكَتْ واضْطَرَبَتْ فَفَزِعَتِ الجِنُّ إلى الإنْسِ والإنْسُ إلى الجِنِّ واخْتَلَطَتِ الدَّوابُّ والطَّيْرُ والوَحْشُ فَماجُوا بَعْضُهم في بَعْضٍ، وأُهْمِلَتِ العِشارُ وقالَ الجِنُّ لِلْإنْسِ: نَحْنُ نَأْتِيكم بِالخَبَرِ فانْطَلَقُوا إلى البَحْرِ فَإذا هو نارٌ تَأجَّجُ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ تَصَدَّعَتِ الأرْضُ صَدْعَةً واحِدَةً، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ جاءَتْهم رِيحٌ فَأماتَتْهم. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ السِّتَّ الأُوَلَ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وإنَّهُ مُرادُ مَن قالَ إنَّها في الدُّنْيا، وقِيلَ: هي فِيما قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى وما بَعْدَها إلى النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ فَلا تَغْفُلْ.

التكوير 81:14

﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ جَوابُ ﴿إذا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِها زَمانٌ واحِدٌ مُمْتَدٌّ يُشِعُّ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ مَبْدَؤُهُ قُبَيْلَ النَّفْخَةِ الأُولى أوْ هي ومُنْتَهاهُ فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّ النَّفْسَ تَعْلَمُ ما تَعْلَمُ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ الوَقْتِ المَدِيدِ أوْ عِنْدَ وُقُوعِ داهِيَةٍ مِن تِلْكَ الدَّواهِي بَلْ عِنْدَ نَشْرِ الصُّحُفِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ بَعْضُ تِلْكَ الدَّواهِي مِن مَبادِيهِ وبَعْضُها مِن رَوادِفِهِ نُسِبَ عِلْمُها بِذَلِكَ إلى زَمانِ وُقُوعِ كُلِّها تَهْوِيلًا لِلْخَطْبِ وتَفْظِيعًا لِلْحالِ، والمُرادُ بِ ﴿ما أحْضَرَتْ﴾ أعْمالُها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وبِحُضُورِ الأعْمالِ إمّا حُضُورُ صَحائِفِها كَما يُعْرِبُ عَنْهُ نَشْرُها وإمّا حُضُورُ أنْفُسِها عَلى ما قالُوا مِن أنَّ الأعْمالَ الظّاهِرَةَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُوَرٍ عَرَضِيَّةٍ تَبْرُزُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِصُوَرٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُناسِبَةٍ لَها في الحُسْنِ والقُبْحِ عَلى كَيْفِيّاتٍ مَخْصُوصَةٍ وهَيْئاتٍ مُعَيَّنَةٍ حَتّى أنَّ الذُّنُوبَ والمَعاصِيَ تَتَجَسَّمُ هُنالِكَ وتَتَصَوَّرُ، وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسِ ما يُؤَيِّدُهُ، ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا حَدِيثُ ذَبْحِ المَوْتِ ونَحْوُهُ، قِيلَ: ولا بُعْدَ في ذَلِكَ؛ ألا يُرى أنَّ العِلْمَ يَظْهَرُ في عالَمِ المِثالِ عَلى صُورَةِ اللَّبَنِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ خِبْرَةٌ بِأحْوالِ الحَضَراتِ الخَمْسِ، وقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الأكابِرِ أنَّهم يُشاهِدُونَ في هَذِهِ النَّشْأةِ الأعْمالَ عِنْدَ العُرُوجِ بِها إلى السَّماءِ، وكانَ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ التَّجَسُّدِ وأيًّا ما كانَ فَإسْنادُ إحْضارِها إلى النَّفْسِ مَعَ أنَّها تَحْضُرُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ الآيَةَ. لِأنَّها لَمّا عَمِلَتْها في الدُّنْيا فَكَأنَّها أحْضَرَتْها في المَوْقِفِ ومَعْنى عِلْمِها بِها عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ اطِّلاعُها عَلَيْها مُفَصَّلَةً في الصُّحُفِ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ عَنْها مِنها شَيْءٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُمْ: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ . وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي أنَّها تُشاهِدُها عَلى ما هي عَلَيْهِ في الحَقِيقَةِ، فَإنْ كانَتْ صالِحَةً تُشاهِدُها عَلى صُوَرٍ أحْسَنَ مِمّا كانَتْ تُدْرِكُها في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الطّاعاتِ لا تَخْلُو فِيها عَنْ نَوْعِ مَشَقَّةٍ، وإنْ كانَتْ سَيِّئَةً تُشاهِدُها عَلى خِلافِ ما كانَتْ عِنْدَها في الدُّنْيا كانَتْ مُزَيِّنَةً لَها مُوافِقَةً صفحة 57 لِهَواها، وتَنْكِيرُ نَفْسٍ المُفِيدُ لِثُبُوتِ العِلْمِ لِفَرْدٍ مِنَ النُّفُوسِ أوْ لِبَعْضٍ مِنها لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَهُ لِجَمِيعِ أفْرادِها قاطِبَةً مِنَ الظُّهُورِ والوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةٌ قَطْعًا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، ولَوْ جِيءَ بِعِبارَةٍ تَدُلُّ عَلى خِلافِهِ ولِلرَّمْزِ إلى أنَّ تِلْكَ النُّفُوسَ العالِمَةَ بِما ذُكِرَ مَعَ تَوَفُّرِ أفْرادِها وتَكَثُّرِ أعْدادِها مِمّا تَسْتَقِلُّ بِالنِّسْبَةِ إلى جَنابِ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ الَّذِي أُشِيرَ إلى بَعْضِ بَدائِعِ شُؤُونِهِ المُنْبِئَةِ عَنْ عِظَمِ سُلْطانِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي الكَشّافِ أنَّ هَذا مِن عَكْسِ كَلامِهِمُ الَّذِي يَقْصِدُونَ فِيهِ الإفْراطَ فِيما يُعْكَسُ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ومَعْناهُ: كَمْ وأبْلَغُ، وقَوْلُ القائِلِ: قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ كَأنَّ أثْوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصادِ وتَقُولُ لِبَعْضِ قُوّادِ العَساكِرِ: كَمْ عِنْدَكَ مِنَ الفُرْسانِ؟ فَيَقُولُ: رُبَّ فارِسٍ عِنْدِي، أوْ لا تَعْدَمُ عِنْدِي فارِسًا وعِنْدَهُ المَقانِبُ، وقَصْدُهُ بِذَلِكَ التَّمادِي في تَكْثِيرِ فُرْسانِهِ، ولَكِنَّهُ أرادَ إظْهارَ بَراءَتِهِ مِنَ التَّزَيُّدِ وإنَّهُ مِمَّنْ يُقَلِّلُ كَثِيرَ ما عِنْدَهُ فَضْلًا أنْ يَتَزَيَّدَ فَجاءَ بِلَفْظِ التَّقْلِيلِ فَفُهِمَ مِنهُ مَعْنى الكَثْرَةِ عَلى الصِّحَّةِ واليَقِينِ، وبَيَّنَ بِالكَشْفِ أنَّهُ يُفِيدُ ذَلِكَ مَعَ ما في خُصُوصِ كُلِّ مَوْقِفٍ مِن فائِدَةٍ خاصَّةٍ، وذَكَرَ أنَّ مِنَ الفَوائِدِ هاهُنا تَهْوِيلُ اليَوْمَ بِتَقْلِيلِ الأنْفُسِ العالِمَةِ، وإنَّ كُنَّ جَمِيعَها، وإظْهارِ أنَّهُ كَلامٌ مِن غايَةِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ وأنَّ مَن يُغَيِّرُ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ ويُبَدِّلُها صِفاتٌ وذَواتٌ تَسْتَقِلُّ الأنْفُسُ الإنْسانِيَّةُ في جَنْبِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ أيَّما اسْتِقْلالٍ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو السُّعُودِ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي نَظَرٍ جَلِيلٍ فَضْلًا عَنْ ذِي نَظَرٍ دَقِيقٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ إذا عَلِمَتْ حِينَئِذٍ نَفْسٌ مِنَ النُّفُوسِ ما أحْضَرَتْ وجَبَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ إصْلاحُ عَمَلِها مَخافَةَ أنْ تَكُونَ هي تِلْكَ الَّتِي عَمِلَتْ ما أحْضَرَتْ فَكَيْفَ وكُلُّ نَفْسٍ تَعْلَمُهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ لِمَن تَنْصَحُهُ: لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى ما فَعَلْتَ ورُبَّما نَدِمَ الإنْسانُ عَلى ما فَعَلَ فَإنَّكَ لا تَقْصِدُ بِذَلِكَ أنَّ نَدَمَهُ مَرْجُوُّ الوُجُودِ لا مُتَيَقَّنٌ بِهِ أوْ نادِرُ الوُجُودِ بَلْ تُرِيدُ أنَّ العاقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَجْتَنِبَ أمْرًا يُرْجى مِنهُ النَّدَمُ أوْ قَلَّ ما يَقَعُ فِيهِ فَكَيْفَ إذا كانَ قَطْعِيَّ الوُجُودِ، كَثِيرَ الوُقُوعِ، واشْتُهِرَ أنَّ النَّكِرَةَ هُنا في مَعْنى العُمُومِ وهي قَدْ تَعُمُّ في الإثْباتِ إذا اقْتَضى المَقامُ أوْ نَحْوُهُ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ لِبَعْضِ أهْلِ الشّامِ وقَدْ سَألَهُ عَنِ المُحْرِمِ إذا قَتَلَ جَرادَةً أيَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ فَدِيَةً لَها: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرادَةٍ. قِيلَ: ولِهَذا العُمُومِ ساغَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ فِيهِ، وقَوْلُ بَعْضٍ: إنَّهُ لا عُمُومَ فِيها بَلِ العُمُومُ جاءَ مِن تَساوِي نِسْبَةِ الجُزْءِ إلى أفْرادِ الجِنْسِ، قِيلَ: مَبْنِيٌّ عَلى ظَنِّ مُنافاةِ العُمُومِ لِلْوَحْدَةِ والإفْرادِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يُنافِي العُمُومَ الشُّمُولِيَّ دُونَ البَدَلِيِّ، وقالَ بَعْضٌ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: اسْتُفِيدَ العُمُومُ بِجَعْلِها في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعْنًى؛ لِأنَّ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ في مَعْنى: لَمْ تَجْهَلْ نَفْسٌ؛ لِأنَّ الحُكْمَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ ضِدِّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وإلّا لَعَمَّتْ كُلُّ نَكِرَةٍ في الإثْباتِ بِنَحْوِ هَذا التَّأْوِيلِ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ قارِئًا قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ عِنْدَهُ فَلَمّا بَلَغَ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ قالَ: وانْقِطاعَ ظَهْرَياهُ.

التكوير 81:15

﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ وهو الِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ ﴿الجَوارِ﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ مِنَ الجَرْيِ وهو المَرُّ السَّرِيعُ وأصْلُهُ لِمَرِّ الماءِ ولِما يَجْرِي بِجَرْيِهِ ﴿الكُنَّسِ﴾ جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ مِن كَنَسَ الوَحْشُ إذا دَخَلَ كِناسَهُ وهو بَيْتُهُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ مِن أغْصانِ الشَّجَرِ، والمُرادُ بِها عَلى ما أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: الكَواكِبُ؛ أيْ: جَمِيعُها، فَقِيلَ: لِأنَّها تَخْنِسُ بِالنَّهارِ فَتَغِيبُ عَنِ العُيُونِ وتَكْنِسُ بِاللَّيْلِ؛ أيْ: تَطْلُعُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها، وفي تَفْسِيرِ تَكْنُسُ بِتَطْلُعُ خَفاءٌ، وقِيلَ: لِأنَّها تَخْنِسُ نَهارًا وتَخْفى عَنِ العُيُونِ مَعَ طُلُوعِها، وكَوْنُها فَوْقَ الأُفُقِ وتَكْنِسُ بَعْدَ طُلُوعِها في المَغِيبِ وتَدْخُلُ فِيهِ كَما تَكْنِسُ الظِّباءُ في الكُنُسِ فَتَكُونُ تَحْتَ الأُفُقِ بَعْدَ أنْ كانَتْ فَوْقَهُ. ورُوِيَ تَفْسِيرُها صفحة 58 بِالكَواكِبِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: هي خَمْسَةُ أنْجُمٍ: زُحَلُ وعُطارِدُ والمُشْتَرِي وبَهْرامُ؛ يَعْنِي المِرِّيخَ، والزُّهْرَةُ، والخُنَّسُ الرَّواجِعُ مِن خَنَسَ إذا تَأخَّرَ. ووُصِفَتْ بِما ذُكِرَ في الآيَةِ لِأنَّها تَجْرِي مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ وتَرْجِعُ حَتّى تَخْفى تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ فَخُنُوسُها رُجُوعُها بِحَسَبِ الرُّؤْيَةِ وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْئِها، وتُسَمّى المُتَحَيِّرَةَ لِاخْتِلافِ أحْوالِها في سَيْرِها فِيما يُشاهَدُ فَلَها اسْتِقامَةٌ ورَجْعَةٌ وإقامَةٌ، فَبَيْنَما تَراها تَجْرِي إلى جِهَةٍ إذا بِها راجِعَةٌ تَجْرِي إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ، وبَيْنَما تَراها تَجْرِي إذا بِها مُقِيمَةٌ لا تَجْرِي، وسَبَبُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ المُتَقَدِّمُونَ مِن أهْلِ الهَيْئَةِ كَوْنُها في تَداوِيرَ في حَوامِلَ مُخْتَلِفَةِ الحَرَكاتِ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ ولِلْمُحَدِّثِينَ مِنهُمُ النّافِينَ لِما ذُكِرَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ وهي مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ يُقالُ لَها السَّيّاراتُ السَّبْعُ؛ لِأنَّ سَيْرَها بِالحَرَكَةِ الخاصَّةِ مِمّا لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ بِخِلافِ غَيْرِها مِنَ الثَّوابِتِ، وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّها المُرادَةُ هُنا ووَصْفُها «بِالخُنَّسِ» بِمَعْنى الرَّواجِعِ قِيلَ مِن بابِ التَّغْلِيبِ؛ إذْ لا رَجْعَةَ لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ وبِالخُنَّسِ لِاخْتِفائِها في مَغِيبِها. وقِيلَ: الوَصْفانِ بِاعْتِبارِ أنَّها تَغِيبُ عَنِ العُيُونِ وتَطْلُعُ في أماكِنِها عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها الكَواكِبَ جَمِيعَها، وكَوْنُ السَّيّاراتِ هي هَذِهِ السَّبْعُ هو المَعْرُوفُ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المُنَجِّمِينَ، وأمّا اليَوْمَ فَقَدْ ضَمُّوا إلَيْها كَواكِبَ أُخْرى يُقالُ لَها وِسْتا وزُونُو وبالاسُ وسِرْسُ وأُورُنُوسُ ويُسَمّى هِرْسِلَ وهو اسْمُ المُنَجِّمِ الَّذِي ظَفِرَ بِهِ بِالرَّصْدِ، وبَيَّنُوا مِقْدارَ أقْطارِها وأبْعادِها وحَرَكاتِها ولَوْلا مَخافَةُ التَّطْوِيلِ لَذَكَرْتُ ذَلِكَ. وعَدُّوا مِن جُمْلَةِ السَّيّاراتِ الأرْضَ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ لَها حَرَكَةً حَوْلَ الشَّمْسِ، واشْتُهِرَ أنَّهم لَمْ يَعُدُّوا القَمَرَ مِنها لِكَوْنِهِ مِن تَوابِعِ الأرْضِ بِزَعْمِهِمْ، وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي مَيْسَرَةَ والحَسَنِ وحَكاهُ في البَحْرِ عَنِ النَّخَعِيِّ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وجَماعَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّها الظِّباءُ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ قالُوا: و«الخَنَسُ» تَأخُّرُ الأنْفِ عَنِ الشَّفَةِ مَعَ ارْتِفاعٍ قَلِيلٍ مِنَ الأرْنَبَةِ، وتُوصَفُ بِهِ بَقَرُ الوَحْشِ والظِّباءُ ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ المُوَلَّدِينَ: ما سَلِمَ الظَّبْيُ عَلى حُسْنِهِ كَلّا ولا البَدْرُ الَّذِي يُوصَفُ فالظَّبْيُ فِيهِ خَنَسٌ بَيِّنٌ ∗∗∗ والبَدْرُ فِيهِ كَلَفٌ يُعْرَفُ

التكوير 81:16

﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ جَمْعُ خانِسٍ مِنَ الخُنُوسِ وهو الِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ ﴿الجَوارِ﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ مِنَ الجَرْيِ وهو المَرُّ السَّرِيعُ وأصْلُهُ لِمَرِّ الماءِ ولِما يَجْرِي بِجَرْيِهِ ﴿الكُنَّسِ﴾ جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ مِن كَنَسَ الوَحْشُ إذا دَخَلَ كِناسَهُ وهو بَيْتُهُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ مِن أغْصانِ الشَّجَرِ، والمُرادُ بِها عَلى ما أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: الكَواكِبُ؛ أيْ: جَمِيعُها، فَقِيلَ: لِأنَّها تَخْنِسُ بِالنَّهارِ فَتَغِيبُ عَنِ العُيُونِ وتَكْنِسُ بِاللَّيْلِ؛ أيْ: تَطْلُعُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها، وفي تَفْسِيرِ تَكْنُسُ بِتَطْلُعُ خَفاءٌ، وقِيلَ: لِأنَّها تَخْنِسُ نَهارًا وتَخْفى عَنِ العُيُونِ مَعَ طُلُوعِها، وكَوْنُها فَوْقَ الأُفُقِ وتَكْنِسُ بَعْدَ طُلُوعِها في المَغِيبِ وتَدْخُلُ فِيهِ كَما تَكْنِسُ الظِّباءُ في الكُنُسِ فَتَكُونُ تَحْتَ الأُفُقِ بَعْدَ أنْ كانَتْ فَوْقَهُ. ورُوِيَ تَفْسِيرُها صفحة 58 بِالكَواكِبِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: هي خَمْسَةُ أنْجُمٍ: زُحَلُ وعُطارِدُ والمُشْتَرِي وبَهْرامُ؛ يَعْنِي المِرِّيخَ، والزُّهْرَةُ، والخُنَّسُ الرَّواجِعُ مِن خَنَسَ إذا تَأخَّرَ. ووُصِفَتْ بِما ذُكِرَ في الآيَةِ لِأنَّها تَجْرِي مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ وتَرْجِعُ حَتّى تَخْفى تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ فَخُنُوسُها رُجُوعُها بِحَسَبِ الرُّؤْيَةِ وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْئِها، وتُسَمّى المُتَحَيِّرَةَ لِاخْتِلافِ أحْوالِها في سَيْرِها فِيما يُشاهَدُ فَلَها اسْتِقامَةٌ ورَجْعَةٌ وإقامَةٌ، فَبَيْنَما تَراها تَجْرِي إلى جِهَةٍ إذا بِها راجِعَةٌ تَجْرِي إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ، وبَيْنَما تَراها تَجْرِي إذا بِها مُقِيمَةٌ لا تَجْرِي، وسَبَبُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ المُتَقَدِّمُونَ مِن أهْلِ الهَيْئَةِ كَوْنُها في تَداوِيرَ في حَوامِلَ مُخْتَلِفَةِ الحَرَكاتِ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ ولِلْمُحَدِّثِينَ مِنهُمُ النّافِينَ لِما ذُكِرَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ وهي مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ يُقالُ لَها السَّيّاراتُ السَّبْعُ؛ لِأنَّ سَيْرَها بِالحَرَكَةِ الخاصَّةِ مِمّا لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ بِخِلافِ غَيْرِها مِنَ الثَّوابِتِ، وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّها المُرادَةُ هُنا ووَصْفُها «بِالخُنَّسِ» بِمَعْنى الرَّواجِعِ قِيلَ مِن بابِ التَّغْلِيبِ؛ إذْ لا رَجْعَةَ لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ وبِالخُنَّسِ لِاخْتِفائِها في مَغِيبِها. وقِيلَ: الوَصْفانِ بِاعْتِبارِ أنَّها تَغِيبُ عَنِ العُيُونِ وتَطْلُعُ في أماكِنِها عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها الكَواكِبَ جَمِيعَها، وكَوْنُ السَّيّاراتِ هي هَذِهِ السَّبْعُ هو المَعْرُوفُ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المُنَجِّمِينَ، وأمّا اليَوْمَ فَقَدْ ضَمُّوا إلَيْها كَواكِبَ أُخْرى يُقالُ لَها وِسْتا وزُونُو وبالاسُ وسِرْسُ وأُورُنُوسُ ويُسَمّى هِرْسِلَ وهو اسْمُ المُنَجِّمِ الَّذِي ظَفِرَ بِهِ بِالرَّصْدِ، وبَيَّنُوا مِقْدارَ أقْطارِها وأبْعادِها وحَرَكاتِها ولَوْلا مَخافَةُ التَّطْوِيلِ لَذَكَرْتُ ذَلِكَ. وعَدُّوا مِن جُمْلَةِ السَّيّاراتِ الأرْضَ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ لَها حَرَكَةً حَوْلَ الشَّمْسِ، واشْتُهِرَ أنَّهم لَمْ يَعُدُّوا القَمَرَ مِنها لِكَوْنِهِ مِن تَوابِعِ الأرْضِ بِزَعْمِهِمْ، وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها بَقَرُ الوَحْشِ، وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي مَيْسَرَةَ والحَسَنِ وحَكاهُ في البَحْرِ عَنِ النَّخَعِيِّ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وجَماعَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّها الظِّباءُ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ قالُوا: و«الخَنَسُ» تَأخُّرُ الأنْفِ عَنِ الشَّفَةِ مَعَ ارْتِفاعٍ قَلِيلٍ مِنَ الأرْنَبَةِ، وتُوصَفُ بِهِ بَقَرُ الوَحْشِ والظِّباءُ ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ المُوَلَّدِينَ: ما سَلِمَ الظَّبْيُ عَلى حُسْنِهِ كَلّا ولا البَدْرُ الَّذِي يُوصَفُ فالظَّبْيُ فِيهِ خَنَسٌ بَيِّنٌ ∗∗∗ والبَدْرُ فِيهِ كَلَفٌ يُعْرَفُ

التكوير 81:17

﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ أيْ: أدْبَرُ ظَلامُهُ أوْ أقْبَلَ وكِلاهُما مَأْثُورانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وهو مِنَ الأضْدادِ عِنْدَ المُبَرِّدِ، وقالَ الرّاغِبُ: العَسْعَسَةُ والعِساسُ رِقَّةُ الظَّلامِ؛ وذَلِكَ في طَرَفَيِ اللَّيْلِ فَهو مِنَ المُشْتَرَكِ المَعْنَوِيِّ عِنْدَهُ ولَيْسَ مِنَ الأضْدادِ، وفَسَّرَ ﴿عَسْعَسَ﴾ هُنا بِأقْبَلَ وأدْبَرَ مَعًا، وقالَ ذَلِكَ في مَبْدَأِ اللَّيْلِ ومُنْتَهاهُ، وقالَ الفَرّاءُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿عَسْعَسَ﴾ أدْبَرَ وعَلَيْهِ العَجّاجُ يَصِفُ الخَمْرَ أوِ المَفازَةَ: حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا وقِيلَ: هي لُغَةُ قُرَيْشٍ خاصَّةً، وقِيلَ: كَوْنُهُ بِمَعْنى أقْبَلَ ظَلامُهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ فَإنَّهُ أوَّلُ النَّهارِ فَيُناسِبُ أوَّلَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: كَوْنُهُ بِمَعْنى أدْبَرَ أنْسَبُ بِهَذا لِما بَيْنَ إدْبارِ اللَّيْلِ وتَنَفُّسِ الصُّبْحِ مِنَ المُلاصَقَةِ فَيَكُونُ بَيْنَهُما مُناسَبَةُ الجِوارِ، والمُرادُ مِن تَنَفُّسِ الصُّبْحِ عَلى ما ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ إضاءَتَهُ وتَبَلُّجَهُ، وفي الكَشّافِ: أنَّهُ إذا أقْبَلَ الصُّبْحُ أقْبَلَ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ فَجُعِلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلى المَجازِ. وقِيلَ: تَنَفَّسَ الصُّبْحُ وعَنى بِالمَجازِ الِاسْتِعارَةَ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ النَّفْسُ رِيحًا خاصًّا يُفَرِّجُ عَنِ القَلْبِ انْبِساطًا وانْقِباضًا شُبِّهَ ذَلِكَ النَّسِيمُ بِالنَّفَسِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ اسْتِعارَةً، وجُعِلَ الصُّبْحُ مُتَنَفَّسًا لِمُقارَنَتِهِ لَهُ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، وتَجَوُّزٌ في الإسْنادِ. وظاهِرُ صفحة 59 كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِعارَةِ يَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الإضاءَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ بِأنْ يُشَبَّهَ الصُّبْحُ بِماشٍ وآتٍ مِن مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، ويُثْبِتَ لَهُ التَّنَفُّسَ المُرادُ بِهِ هُبُوبُ نَسِيمِهِ مَجازًا عَلى طَرِيقِ التَّخْيِيلِ كَما في يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ. وقالَ الإمامُ: النَّهارُ بِغَشَيانِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ كالمَكْرُوبِ وكَما أنَّهُ يَجِدُ راحَةً بِالتَّنَفُّسِ كَذَلِكَ تَخَلُّصُ الصُّبْحِ مِنَ الظَّلامِ وطُلُوعُهُ كَأنَّهُ تَخَلَّصَ مِن كَرْبٍ إلى راحَةٍ، وهَذا أدَقُّ مِمّا عَنى الكَشّافُ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّيْلَ لَمّا غَشّى النَّهارَ ودَفَعَ بِهِ إلى تَحْتِ الأرْضِ فَكَأنَّهُ أماتَهُ ودَفَنَهُ، فَجُعِلَ ظُهُورُ ضَوْئِهِ كالتَّنَفُّسِ الدّالِّ عَلى الحَياةِ وهو نَحْوٌ مِمّا نُقِلَ عَنِ الإمامِ، وقِيلَ: تَنَفَّسَ؛ أيْ: تَوَسَّعَ وامْتَدَّ حَتّى صارَ نَهارًا، والظّاهِرُ أنَّ التَّنَفُّسَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى الفَجْرِ الثّانِي الصّادِقِ وهو المُنْتَشِرُ ضَوْءُهُ مُعْتَرِضًا بِالأُفُقِ بِخِلافِ الأوَّلِ الكاذِبِ، وهو ما يَبْدُو مُسْتَطِيلًا وأعْلاهُ أضْوَأُ مِن باقِيهِ ثُمَّ يُعْدَمُ وتَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ أوْ يَتَناقَصُ حَتّى يَنْغَمِرَ في الثّانِي عَلى زَعْمِ بَعْضِ أهْلِ الهَيْئَةِ أوْ يَخْتَلِفُ حالُهُ في ذَلِكَ تارَةً وتارَةً بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ والعُرُوضِ عَلى ما قِيلَ، وسُمِّيَ هَذا الكاذِبُ عارِضًا، فَفي خَبَرِ مُسْلِمٍ: «لا يَغُرَّنَّكم أذانُ بِلالٍ، ولا هَذا العارِضُ لِعَمُودِ الصُّبْحِ حَتّى يَسْتَطِيرَ»». أيْ: يَنْتَشِرَ ذَلِكَ العُمُومُ في نَواحِي الأُفُقِ. وكَلامُ بَعْضِ الأجِلَّةِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ فِيها إشارَةٌ إلى الكاذِبِ حَيْثُ قالَ: يُؤْخَذُ مِن تَسْمِيَةِ الفَجْرِ الأوَّلِ عارِضًا لِلثّانِي أنَّهُ يَعْرِضُ لِلشُّعاعِ النّاشِئِ عَنْهُ الفَجْرُ الثّانِي انْحِباسٌ قُرْبَ ظُهُورِهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنَفُّسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ الِانْحِباسِ يَتَنَفَّسُ مِنهُ شَيْءٌ مِن شِبْهِ كُوَّةٍ. والمَشاهَدُ في المُنْحَبِسِ إذا خَرَجَ بَعْضُهُ دُفْعَةً أنْ يَكُونَ أوَّلُهُ أكْثَرَ مِن آخِرِهِ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ سَبَبُ طُولِ العَمُودِ وإضاءَةِ أعْلاهُ إلى آخِرِ ما قالَ. وفِيهِ بَحْثٌ. ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ تَنَفُّسَ الصُّبْحِ وضِياءَهُ بِواسِطَةِ قُرْبِ الشَّمْسِ إلى الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ وهو في المَشْهُورِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ جُزْءًا، وقَوْلُ الإمامِ إنَّهُ يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى كُرِّيَّةِ الأرْضِ واسْتِضاءَةِ أكْثَرَ مِن نِصْفِها مِنَ الشَّمْسِ دائِمًا ظُهُورُ الضِّياءِ وتَنَفُّسُ الصُّبْحِ إذا فارَقَتِ الشَّمْسُ سَمْتَ القَدَمِ مِن دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ وذَلِكَ بُعَيْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، والواقِعُ خِلافُهُ تَشْكِيكٌ فِيما يَقْرُبُ أنْ يَكُونَ بَدِيهِيًّا، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ أحْوالِ ظِلِّ الأرْضِ وانْعِكاسِ الأشِعَّةِ مِن أبْصارِ سَكَنَةِ أقْطارِها فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

التكوير 81:18

والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ﴾، ﴿واللَّيْلِ﴾ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ جِنِّيٍّ لِلْعَطْفِ. ( وإذا ) لَيْسَ مَعْمُولًا لِفِعْلِ القَسَمِ لِفَسادِ المَعْنى، إذِ التَّقْيِيدُ بِالزَّمانِ غَيْرُ مُرادٍ حالًا كانَ أوِ اسْتِقْبالًا وإنَّما هو عَلى ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مَعْمُولُ مُضافٍ مُقَدَّرٍ مِن نَحْوِ العَظَمَةِ؛ لِأنَّ الإقْسامَ بِالشَّيْءِ إعْظامٌ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا أُقْسِمُ بِعَظَمَةِ اللَّيْلِ زَمانَ عَسْعَسَ وبِعَظَمَةِ النَّهارِ زَمانَ تَنَفَّسَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: عَجَبًا مِنَ اللَّيْثِ إذا سَطا؛ فَإنَّهُ لَيْسَ المَعْنى عَلى تَقْيِيدِ التَّعَجُّبِ مِن هَوْلِهِ وعَظَمَتِهِ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ تَقْيِيدًا لِلْمُقْسَمِ بِهِ؛ أيْ: أُقْسِمُ بِاللَّيْلِ كائِنًا إذا عَسْعَسَ، والحالُ مُقَدَّرَةٌ؛ أيْ: مُقَدَّرًا كَوْنُهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وصَرَّحَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ في التَّلْوِيحِ في مِثْلِهِ أنَّ «إذا» بَدَلٌ مِنَ «اللَّيْلِ» إذْ لَيْسَ المُرادُ تَعْلِيقَ القَسَمِ وتَقْيِيدَهُ بِذَلِكَ الوَقْتِ، ولِهَذا مَنَعَ المُحَقِّقُونَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ اللَّيْلِ؛ لِأنَّهُ أيْضًا يُفِيدُ تَقْيِيدَ القَسَمِ بِذَلِكَ الوَقْتِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ سُورَةِ الشَّمْسِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ أيْضًا.

التكوير 81:19

﴿إنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ الجَلِيلَ النّاطِقَ بِما ذُكِرَ مِنَ الدَّواهِي الهائِلَةِ، وجَعْلَ الضَّمِيرِ لِلْإخْبارِ عَنِ الحَشْرِ والنَّشْرِ تَعَسُّفٌ. ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ هو كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والجُمْهُورُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ونِسْبَتُهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ واسِطَةٌ فِيهِ وناقِلٌ لَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿كَرِيمٍ﴾ أيْ: عَزِيزٍ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وقِيلَ: مُتَعَطِّفٍ عَلى المُؤْمِنِينَ. ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ أيْ: شَدِيدٍ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ وجاءَ في قُوَّتِهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى مَدائِنِ لُوطٍ وهي أرْبَعُ مَدائِنَ وفي كُلِّ مَدِينَةٍ أرْبَعُمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ سِوى الذَّرارِيِّ فَحَمَلَها بِمَن فِيها مِنَ الأرْضِ السُّفْلى حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ أصْواتَ الدَّجاجِ ونُباحَ الكِلابِ ثُمَّ هَوى بِها فَأهْلَكَها. وقِيلَ: المُرادُ القُوَّةُ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وتَرْكِ الإخْلالِ صفحة 60 بِها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ. وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قُوَّةَ الحِفْظِ والبُعْدَ عَنِ النِّسْيانِ والخَلْطِ.

التكوير 81:20

﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ أيْ: ذِي مَكانَةٍ رَفِيعَةٍ وشَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ العَظِيمِ جَلَّ جَلالُهُ عِنْدِيَّةَ إكْرامٍ وتَشْرِيفٍ لا عِنْدِيَّةَ مَكانٍ، فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَكِينٍ، وهو فَعِيلٌ مِنَ المَكانَةِ وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُها كَما في الصِّحاحِ حَتّى ظُنَّ أنَّ المِيمَ مِن أصْلِ الكَلِمَةِ، واشْتُقَّ مِنهُ تَمَكَّنَ كَما اشْتُقَّ مِنَ المَسْكَنَةِ تَمَسْكَنَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا مِنَ الكَوْنِ وأصْلُهُ مَكْوِنٌ بِكَسْرِ الواوِ فَصارَ بِالنَّقْلِ والقَلْبِ مَكِينًا وأُرِيدَ بِالكَوْنِ الوُجُودُ كَأنَّهُ مِن كَمالِ الوُجُودِ صارَ عَيْنَ الوُجُودِ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: إنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ؛ أيْ: كائِنٌ عِنْدَ ذِي العَرْشِ الكَيْنُونَةَ اللّائِقَةَ، وهو كَما تَرى.

التكوير 81:21

﴿مُطاعٍ﴾ فِيما بَيْنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَصْدُرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ. ﴿ثَمَّ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما قَبْلَهُ، وجُعِلَ إشارَةً إلى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ والمُرادُ بِكَوْنِهِ مُطاعًا هُناكَ كَوْنُهُ مُطاعًا في مَلائِكَتِهِ تَعالى المُقَرَّبِينَ كَما سَمِعْتَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما بَعْدَهُ، أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمِينٍ﴾ والإشارَةُ بِحالِها، وأمانَتُهُ عَلى الوَحْيِ. وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ««أمانَتِي أنِّي لَمْ أُومَرْ بِشَيْءٍ فَعَدَوْتُهُ إلى غَيْرِهِ»». ولِأمانَتِهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْخُلُ الحُجُبَ كَما في بَعْضِ الآثارِ بِغَيْرِ إذْنٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو البَرَهْسَمِ وابْنُ مِقْسَمٍ: «ثُمَّ» بِضَمِّ الثّاءِ حَرْفَ عَطْفٍ تَعْظِيمًا لِلْأمانَةِ وبَيانًا لِأنَّها أفْضَلُ صِفاتِهِ المَعْدُودَةِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هي بِمَعْنى الواوِ؛ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِالصِّفَتَيْنِ مَعًا في حالٍ واحِدَةٍ، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى التَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ في هَذا العَطْفِ بِمَعْنى مُطاعٍ في المَلَأِ الأعْلى عَلى «ثَمَّ أمِينٍ» عِنْدَ انْفِصالِهِ عَنْهم حالَ وحْيِهِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَجازَ أنْ ورَدَ بِهِ أثَرٌ. انْتَهى. والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما سَمِعْتَ، والمَقامُ يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الأمانَةِ؛ لِأنَّ دَفْعَ كَوْنِ القُرْآنِ افْتِراءً مَنُوطٌ بِأمانَةِ الرَّسُولِ.

التكوير 81:22

﴿وما صاحِبُكُمْ﴾ هو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ كَما تَبْهَتُهُ الكَفَرَةُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الصُّحْبَةِ مُضافَةً إلى ضَمِيرِهِمْ عَلى ما هو الحَقُّ تَكْذِيبٌ لَهم بِألْطَفِ وجْهٍ؛ إذْ هو إيماءٌ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَشَأ بَيْنَ أظْهُرِكم مِنَ ابْتِداءِ أمْرِهِ إلى الآنِ فَأنْتُمْ أعْرَفُ بِهِ وبِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتَمُّ الخَلْقِ عَقْلًا وأرْجَحُهم قِيلًا، وأكْمَلُهم وصْفًا وأصْفاهم ذِهْنًا، فَلا يَسْنِدُ إلَيْهِ الجُنُونَ إلّا مَن هو مُرَكَّبٌ مِنَ الحُمْقِ والجُنُونِ، واسْتَدَلَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالمُبالَغَةِ في ذِكْرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَرْكِها في شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أفْضَلِيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأجابُوا بِما بُحِثَ فِيهِ والوَجْهُ في الجَوابِ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِحَقِّيَّةِ المَنزِلِ دَلالَةً عَلى صِدْقِ ما ذُكِرَ فِيهِ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مِن شَأْنِ البَلِيغِ أنْ يُجَرِّدَ الكَلامَ لِما ساقَ لَهُ لِئَلّا يَعُدَّ الزِّيادَةَ لُكْنَةً وفُضُولًا ولا خَفاءَ أنَّ وصْفَ الآتِي بِالقَوْلِ يَشُدُّ مِن عَضُدِ ذَلِكَ أبْلَغَ شَدٍّ، وأمّا وصْفُ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَلا مَدْخَلَ لَهُ في البَيْنِ إلّا إذا كانَ الغَرَضُ الحَثَّ عَلى اتِّباعِهِ؛ فَلِهَذا لَمْ تَدُلَّ المُبالَغَةُ في شَأْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدِّ صِفاتِهِ الكَوامِلِ وتُرِكَ ذَلِكَ في شَأْنِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلَواتِ والتَّسْلِيماتِ عَلى تَفْضِيلِهِ بِوَجْهٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُبالَغَةَ في وصْفِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَدْحٌ بَلِيغٌ في حَقِّ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا أرْسَلَ لِأحَدِ مَن هو مُعَزَّزٌ مُعَظَّمٌ مُقَرَّبٌ لَدَيْهِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرْسَلَ إلَيْهِ بِمَكانِهِ عِنْدَهُ لَيْسَ فَوْقَها مَكانَةٌ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ المَقامَ لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ في مَدْحِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ هو نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالمُرادِ بِالصّاحِبِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

التكوير 81:23

﴿ولَقَدْ رَآهُ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ رَأى صاحِبُكم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الرَّسُولَ الكَرِيمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِالصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهُ صفحة 61 اللَّهُ تَعالى عَلَيْها، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ ﴿بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ وهو الأُفُقُ الأعْلى مِن ناحِيَةِ المَشْرِقِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وسُفْيانَ، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَآهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَحْوَ جِيادٍ وهو مَشْرِقُ مَكَّةَ. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ مَطْلَعُ رَأْسِ السَّرَطانِ؛ فَإنَّهُ أعْلى المَطالِعِ لِأهْلِ مَكَّةَ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ كانَتْ فِيها بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ. وحَكى ابْنُ شَجَرَةَ أنَّهُ أُفُقُ السَّماءِ الغَرْبِيُّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: رَآهُ في صُورَتِهِ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى. والأُفُقُ عَلى هَذا قِيلَ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، وقِيلَ: سُمِّيَ ذَلِكَ أُفُقًا مَجازًا.

التكوير 81:24

﴿وما هُوَ﴾ أيْ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿عَلى الغَيْبِ﴾ عَلى ما يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الوَحْيِ إلَيْهِ وغَيْرِهِ مِنَ الغُيُوبِ ﴿بِضَنِينٍ﴾ مِنَ الضِّنِّ بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها بِمَعْنى البُخْلِ؛ أيْ: بِبَخِيلٍ لا يَبْخَلُ بِالوَحْيِ ولا يُقَصِّرُ في التَّبْلِيغِ والتَّعْلِيمِ ومَنحِ كُلِّ ما هو مُسْتَعِدٌّ لَهُ مِنَ العُلُومِ عَلى خِلافِ الكَهَنَةِ؛ فَإنَّهم لا يُطْلِعُونَ عَلى ما يَزْعُمُونَ مَعْرِفَتَهُ إلّا بِإعْطاءِ حُلْوانٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ الزُّبَيْرِ وعائِشَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وابْنُ جُبَيْرٍ وعُرْوَةُ وهِشامُ بْنُ جُنْدُبٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم ومِنَ السَّبْعَةِ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: «بِظَنِينٍ» بِالظّاءِ؛ أيْ: بِمُتَّهَمٍ مِن الظِّنَّةِ بِالكَسْرِ بِمَعْنى التُّهْمَةِ؛ وهو نَظِيرُ الوَصْفِ السّابِقِ بِ ( أمِينٍ ) . وقِيلَ: مَعْناهُ بِضَعِيفِ القُوَّةِ عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٌ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، والأوَّلُ أشْهَرُ، ورُجِّحَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلَيْهِ بِأنَّها أنْسَبُ بِالمَقامِ لِاتِّهامِ الكَفَرَةِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَفْيِ التُّهْمَةِ أوْلى مِن نَفْيِ البُخْلِ، وبِأنَّ التُّهْمَةَ تَتَعَدّى بِعَلى دُونَ البُخْلِ؛ فَإنَّهُ لا يَتَعَدّى بِها إلّا بِاعْتِبارِ تَضْمِينِهِ مَعْنى الحِرْصِ ونَحْوِهِ، لَكِنْ قالَ الطَّبَرِيُّ بِالضّادِ خُطُوطُ المَصاحِفِ كُلِّها، ولَعَلَّهُ أرادَ المَصاحِفَ المُتَداوَلَةَ فَإنَّهم قالُوا بِالظّاءِ خَطُّ مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ إنَّ هَذا لا يُنافِي قَوْلَ أبِي عُبَيْدَةَ: إنَّ الظّاءَ والضّادَ في الخَطِّ القَدِيمِ لا يَخْتَلِفانِ إلّا بِزِيادَةِ رَأْسِ إحْداهُما عَلى الأُخْرى زِيادَةً يَسِيرَةً قَدْ تَشْتَبِهُ كَما لا يَخْفى. والفَرْقُ بَيْنَ الضّادِ والظّاءِ مَخْرَجًا أنَّ الضّادَ مَخْرَجُها مِن أصْلِ حافَّةِ اللِّسانِ وما يَلِيها مِنَ الأضْراسِ مِن يَمِينِ اللِّسانِ أوْ يَسارِهِ، ومِنهم مَن يَتَمَكَّنُ مِن إخْراجِها مِنهُما، والظّاءُ مَخْرَجُها مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا العُلْيا. واخْتَلَفُوا في إبْدالِ إحْداهُما بِالأُخْرى: هَلْ يَمْتَنِعُ وتَفْسُدُ بِهِ الصَّلاةُ أمْ لا؟ فَقِيلَ: تَفْسُدُ قِياسًا، ونَقَلَهُ في المُحِيطِ البُرْهانِيِّ عَنْ عامَّةِ المَشايِخِ، ونَقَلَهُ في الخُلاصَةِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ، وقِيلَ: لا اسْتِحْسانًا، ونَقَلَهُ فِيها عَنْ عامَّةِ المَشايِخِ كَأبِي مُطِيعٍ البَلْخِيِّ، ومُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، وقالَ جَمْعٌ: إنَّهُ إذا أمْكَنَ الفَرْقُ بَيْنَهُما فَتَعَمَّدَ ذَلِكَ وكانَ مِمّا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ كَما هُنا وغَيَّرَ المَعْنى فَسَدَتْ صَلاتُهُ وإلّا فَلا لِعُسْرِ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما خُصُوصًا عَلى العَجَمِ، وقَدْ أسْلَمَ كَثِيرٌ مِنهم في الصَّدْرِ الأوَّلِ ولَمْ يُنْقَلْ حَثُّهم عَلى الفَرْقِ وتَعْلِيمِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ولَوْ كانَ لازِمًا لَفَعَلُوهُ ونُقِلَ، وهَذا هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّدَ عَلَيْهِ ويُفْتى بِهِ وقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمُ الألْفاظَ الَّتِي لا يَخْتَلِفُ مَعْناها ضادًا وظاءً في رِسالَةٍ صَغِيرَةٍ، ولَقَدْ أحْسَنَ بِذَلِكَ فَلْيُراجِعْ فَإنَّهُ مُهِمٌّ.

التكوير 81:25

﴿وما هُوَ﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ أيْ: بِقَوْلِ بَعْضِ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ لِأنَّها هي الَّتِي تَرْجَمُ وهو نَفْيٌ لِقَوْلِهِمْ إنَّهُ كِهانَةٌ. ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ اسْتِضْلالٌ لَهم فِيما يَسْلُكُونَهُ في أمْرِ القُرْآنِ العَظِيمِ كَقَوْلِكَ لِتارِكِ الجادَّةِ الذّاهِبِ في بُنَيّاتِ الطَّرِيقِ: أيْنَ تَذْهَبُ؟ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن ظُهُورِ أنَّهُ وحْيٌ.

التكوير 81:26

﴿وما هُوَ﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ أيْ: بِقَوْلِ بَعْضِ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ لِأنَّها هي الَّتِي تَرْجَمُ وهو نَفْيٌ لِقَوْلِهِمْ إنَّهُ كِهانَةٌ. ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ اسْتِضْلالٌ لَهم فِيما يَسْلُكُونَهُ في أمْرِ القُرْآنِ العَظِيمِ كَقَوْلِكَ لِتارِكِ الجادَّةِ الذّاهِبِ في بُنَيّاتِ الطَّرِيقِ: أيْنَ تَذْهَبُ؟ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن ظُهُورِ أنَّهُ وحْيٌ.

التكوير 81:27

﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما هو ﴿إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ مَوْعِظَةٌ وتَذْكِيرٌ عَظِيمٌ لِمَن يَعْلَمُ وضَمِيرُ «هُو» لِلْقُرْآنِ أيْضًا، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرَيْنِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ أيْ: وما هو مُلْتَبِسٌ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ كَما هو شَأْنُ الكَهَنَةِ، إنْ هو إلّا مُذَكِّرٌ لِلْعالَمِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيْنَ﴾ إلَخِ اسْتِضْلالٌ لَهم فِيما يَسْلُكُونَهُ في أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو كَما تَرى.

التكوير 81:28

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ العالَمِينَ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، والبَدَلُ هو المَجْرُورُ وأُعِيدَ مَعَهُ العامِلُ عَلى صفحة 62 المَشْهُورِ، وقِيلَ: هو الجارُّ والمَجْرُورُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كَلٍّ لِإلْحاقِ مَن لَمْ يَشَأْ بِالبَهائِمِ ادِّعاءً وهو تَكَلُّفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ مَفْعُولُ ( شاءَ ) أيْ: لِمَن شاءَ مِنكُمُ الِاسْتِقامَةَ بِتَحَرِّي الحَقِّ ومُلازِمَةِ الصَّوابِ، وإبْدالُهُ مِنَ العالَمِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّذْكِيرِ ﴿وما تَشاءُونَ﴾ أيِ الِاسْتِقامَةَ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى مَشِيئَتَكم فَمَشِيئَتُكم بِسَبَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مَلِكُ الخَلْقِ ومُرَبِّيهِمْ أجْمَعِينَ أوْ ما تَشاؤُونَ الِاسْتِقامَةَ مَشِيئَةً نافِعَةً مُسْتَتْبِعَةً لَها إلّا بِأنْ يَشاءَها اللَّهُ تَعالى، فَلَهُ سُبْحانُهُ الفَضْلُ والحَقُّ عَلِيمٌ بِاسْتِقامَتِكم إنِ اسْتَقَمْتُمْ. رُوِيَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى والقاسِمِ بْنِ مُخَيْمَرَةَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: جُعِلَ الأمْرُ إلَيْنا إنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ شِئْنا لَمْ نَسْتَقِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما تَشاءُونَ﴾ الآيَةَ. وأنْ وما مَعَها هُنا عَلى ما ذَكَرْنا في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضْمارِ باءِ السَّبَبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمُصاحَبَةِ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ؛ أيْ: وما تَشاءُونَ الِاسْتِقامَةَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ اسْتِقامَتَكُمْ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ مِن جَوازِ نِيابَةِ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ مِن «أنْ والفِعْلِ» عَنِ الظَّرْفِ وفي البابِ الثّامِنِ مِنَ المَعْنى أنَّ «أنْ وصِلَتَها» لا يُعْطِيانِ حُكْمَ المَصْدَرِ في النِّيابَةِ عَنْ ظَرْفِ الزَّمانِ تَقُولُ: جِئْتُكَ صَلاةَ العَصْرِ، ولا يَجُوزُ جِئْتُكَ أنْ تُصَلِّيَ العَصْرَ، فالأوْلى ما ذَكَرْنا أوَّلًا وإلَيْهِ ذَهَبَ مَكِّيٌّ وذَهَبَ القاضِي إلى الثّانِي. وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ أيْضًا بِأنَّ ما لِنَفْيِ الحالِ و«أنْ» خاصَّةٌ لِلِاسْتِقْبالِ؛ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ وقْتُ مَشِيئَتِهِ تَعالى المُسْتَقْبَلُ ظَرْفًا لِمَشِيئَةِ العَبْدِ الحالِيَّةِ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ما مُخْتَصَّةٌ بِنَفْيِ الحالِ، ومَنِ ادَّعى اخْتِصاصَها بِذَلِكَ اشْتَرَطَ انْتِفاءَ القَرِينَةِ عَلى خِلافِهِ ولَمْ تَنْتِفْ هاهُنا لِمَكانِ «أنْ» في حَيِّزِها أوْ بِأنَّ كَوْنَ «أنْ» لِلِاسْتِقْبالِ مَشْرُوطٌ بِانْتِفاءِ قَرِينَةٍ خِلافُهُ، وهاهُنا قَدْ وُجِدَتْ لِمَكانِ ما قَبْلَها فَهي لِمُجَرَّدِ المَصْدَرِيَّةِ. وقِيلَ: يَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ بِجَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَلْيُجْعَلْ كَذَلِكَ، وإنْ كانَ الأصْلُ فِيهِ الِاتِّصالَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وقَدْ أُورِدَ عَلى وجْهِ السَّبَبِيَّةِ الَّذِي ذَكَرْناهُ نَحْوُ ذَلِكَ؛ وهو أنَّهُ يَلْزَمُ مِن كَوْنِ ما لِنَفْيِ الحالِ ولِلِاسْتِقْبالِ سَبَبِيَّةُ المُتَأخِّرِ لِلْمُتَقَدِّمِ ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ الجَوابُ كَما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى الهادِي لِأوْضَحِ المَسالِكِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ: الشَّمْسُ شَمْسُ الرُّوحِ، والنُّجُومُ نُجُومُ الحَواسِّ، والجِبالُ جِبالُ القَوالِبِ؛ وهي تَسِيرُ كُلَّ وقْتٍ إلّا أنَّهُ يَظْهَرُ ذَلِكَ لِلْمَحْجُوبِ إذا كُشِفَ لَهُ الغِطاءُ، والعِشارُ عِشارُ القُوى القالَبِيَّةِ، والوُحُوشُ وُحُوشُ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ النَّفْسانِيَّةِ، والبِحارُ بِحارُ العَناصِرِ الطَّبِيعِيَّةِ، والنُّفُوسُ القُوى النَّفْسانِيَّةِ وتَزْوِيجُها قَرْنُ كُلِّ قُوَّةٍ بِعَمَلِها، والمَوْءُودَةُ الخَواطِرُ الإلْهامِيَّةُ الَّتِي تَرِدُ عَلى السّالِكِ فَيَئِدُها في قَبْرِ القالَبِ ويُظْلِمُها، والصُّحُفُ عَلى ظاهِرِها، والسَّماءُ سَماءُ الصَّدْرِ، والجَحِيمُ جَحِيمُ النَّفْسِ وتَسْعِيرُها بِنِيرانِ الهَوى، والجَنَّةُ جَنَّةُ القَلْبِ، والخُنَّسُ الأنْوارُ المُودَعَةُ في القُوى القَلْبِيَّةِ، واللَّيْلُ الأنْوارُ الجَلالِيَّةُ، والصُّبْحُ الأنْوارُ الجَمالِيَّةُ إلى آخِرِ ما قالَ، ويُسْتَدَلُّ بِحالِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، وقَدْ حَكى أبُو حَيّانَ شَيْئًا مِن نَحْوِ ذَلِكَ وعَقَّبَهُ بِتَشْنِيعٍ فَظِيعٍ وهو لا يَتِمُّ إلّا إذا أُنْكِرَ إرادَةُ الظّاهِرِ، وأمّا إذا لَمْ تُنْكَرْ وجُعِلَ ما ذَكَرَهُ ونَحْوَهُ مِن بابِ الإشارَةِ فَلا يَتِمُّ أمْرُ التَّشْنِيعِ كَما حُقِّقَ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. .

التكوير 81:29

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ العالَمِينَ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، والبَدَلُ هو المَجْرُورُ وأُعِيدَ مَعَهُ العامِلُ عَلى صفحة 62 المَشْهُورِ، وقِيلَ: هو الجارُّ والمَجْرُورُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كَلٍّ لِإلْحاقِ مَن لَمْ يَشَأْ بِالبَهائِمِ ادِّعاءً وهو تَكَلُّفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ مَفْعُولُ ( شاءَ ) أيْ: لِمَن شاءَ مِنكُمُ الِاسْتِقامَةَ بِتَحَرِّي الحَقِّ ومُلازِمَةِ الصَّوابِ، وإبْدالُهُ مِنَ العالَمِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّذْكِيرِ ﴿وما تَشاءُونَ﴾ أيِ الِاسْتِقامَةَ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى مَشِيئَتَكم فَمَشِيئَتُكم بِسَبَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مَلِكُ الخَلْقِ ومُرَبِّيهِمْ أجْمَعِينَ أوْ ما تَشاؤُونَ الِاسْتِقامَةَ مَشِيئَةً نافِعَةً مُسْتَتْبِعَةً لَها إلّا بِأنْ يَشاءَها اللَّهُ تَعالى، فَلَهُ سُبْحانُهُ الفَضْلُ والحَقُّ عَلِيمٌ بِاسْتِقامَتِكم إنِ اسْتَقَمْتُمْ. رُوِيَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى والقاسِمِ بْنِ مُخَيْمَرَةَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: جُعِلَ الأمْرُ إلَيْنا إنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ شِئْنا لَمْ نَسْتَقِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما تَشاءُونَ﴾ الآيَةَ. وأنْ وما مَعَها هُنا عَلى ما ذَكَرْنا في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضْمارِ باءِ السَّبَبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمُصاحَبَةِ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ؛ أيْ: وما تَشاءُونَ الِاسْتِقامَةَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ اسْتِقامَتَكُمْ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ مِن جَوازِ نِيابَةِ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ مِن «أنْ والفِعْلِ» عَنِ الظَّرْفِ وفي البابِ الثّامِنِ مِنَ المَعْنى أنَّ «أنْ وصِلَتَها» لا يُعْطِيانِ حُكْمَ المَصْدَرِ في النِّيابَةِ عَنْ ظَرْفِ الزَّمانِ تَقُولُ: جِئْتُكَ صَلاةَ العَصْرِ، ولا يَجُوزُ جِئْتُكَ أنْ تُصَلِّيَ العَصْرَ، فالأوْلى ما ذَكَرْنا أوَّلًا وإلَيْهِ ذَهَبَ مَكِّيٌّ وذَهَبَ القاضِي إلى الثّانِي. وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ أيْضًا بِأنَّ ما لِنَفْيِ الحالِ و«أنْ» خاصَّةٌ لِلِاسْتِقْبالِ؛ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ وقْتُ مَشِيئَتِهِ تَعالى المُسْتَقْبَلُ ظَرْفًا لِمَشِيئَةِ العَبْدِ الحالِيَّةِ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ما مُخْتَصَّةٌ بِنَفْيِ الحالِ، ومَنِ ادَّعى اخْتِصاصَها بِذَلِكَ اشْتَرَطَ انْتِفاءَ القَرِينَةِ عَلى خِلافِهِ ولَمْ تَنْتِفْ هاهُنا لِمَكانِ «أنْ» في حَيِّزِها أوْ بِأنَّ كَوْنَ «أنْ» لِلِاسْتِقْبالِ مَشْرُوطٌ بِانْتِفاءِ قَرِينَةٍ خِلافُهُ، وهاهُنا قَدْ وُجِدَتْ لِمَكانِ ما قَبْلَها فَهي لِمُجَرَّدِ المَصْدَرِيَّةِ. وقِيلَ: يَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ بِجَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَلْيُجْعَلْ كَذَلِكَ، وإنْ كانَ الأصْلُ فِيهِ الِاتِّصالَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وقَدْ أُورِدَ عَلى وجْهِ السَّبَبِيَّةِ الَّذِي ذَكَرْناهُ نَحْوُ ذَلِكَ؛ وهو أنَّهُ يَلْزَمُ مِن كَوْنِ ما لِنَفْيِ الحالِ ولِلِاسْتِقْبالِ سَبَبِيَّةُ المُتَأخِّرِ لِلْمُتَقَدِّمِ ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ الجَوابُ كَما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى الهادِي لِأوْضَحِ المَسالِكِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ: الشَّمْسُ شَمْسُ الرُّوحِ، والنُّجُومُ نُجُومُ الحَواسِّ، والجِبالُ جِبالُ القَوالِبِ؛ وهي تَسِيرُ كُلَّ وقْتٍ إلّا أنَّهُ يَظْهَرُ ذَلِكَ لِلْمَحْجُوبِ إذا كُشِفَ لَهُ الغِطاءُ، والعِشارُ عِشارُ القُوى القالَبِيَّةِ، والوُحُوشُ وُحُوشُ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ النَّفْسانِيَّةِ، والبِحارُ بِحارُ العَناصِرِ الطَّبِيعِيَّةِ، والنُّفُوسُ القُوى النَّفْسانِيَّةِ وتَزْوِيجُها قَرْنُ كُلِّ قُوَّةٍ بِعَمَلِها، والمَوْءُودَةُ الخَواطِرُ الإلْهامِيَّةُ الَّتِي تَرِدُ عَلى السّالِكِ فَيَئِدُها في قَبْرِ القالَبِ ويُظْلِمُها، والصُّحُفُ عَلى ظاهِرِها، والسَّماءُ سَماءُ الصَّدْرِ، والجَحِيمُ جَحِيمُ النَّفْسِ وتَسْعِيرُها بِنِيرانِ الهَوى، والجَنَّةُ جَنَّةُ القَلْبِ، والخُنَّسُ الأنْوارُ المُودَعَةُ في القُوى القَلْبِيَّةِ، واللَّيْلُ الأنْوارُ الجَلالِيَّةُ، والصُّبْحُ الأنْوارُ الجَمالِيَّةُ إلى آخِرِ ما قالَ، ويُسْتَدَلُّ بِحالِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، وقَدْ حَكى أبُو حَيّانَ شَيْئًا مِن نَحْوِ ذَلِكَ وعَقَّبَهُ بِتَشْنِيعٍ فَظِيعٍ وهو لا يَتِمُّ إلّا إذا أُنْكِرَ إرادَةُ الظّاهِرِ، وأمّا إذا لَمْ تُنْكَرْ وجُعِلَ ما ذَكَرَهُ ونَحْوَهُ مِن بابِ الإشارَةِ فَلا يَتِمُّ أمْرُ التَّشْنِيعِ كَما حُقِّقَ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. .