Tafsir Al-Alusi — الانفطار 82:1 – الطارق 86:17
المحتويات
- الانفطار 82:1
- الانفطار 82:2
- الانفطار 82:3
- الانفطار 82:4
- الانفطار 82:5
- الانفطار 82:6
- الانفطار 82:7
- الانفطار 82:8
- الانفطار 82:9
- الانفطار 82:10
- الانفطار 82:11
- الانفطار 82:12
- الانفطار 82:13
- الانفطار 82:14
- الانفطار 82:15
- الانفطار 82:16
- الانفطار 82:17
- الانفطار 82:18
- الانفطار 82:19
- المطففين 83:1
- المطففين 83:2
- المطففين 83:3
- المطففين 83:4
- المطففين 83:5
- المطففين 83:6
- المطففين 83:7
- المطففين 83:8
- المطففين 83:9
- المطففين 83:10
- المطففين 83:11
- المطففين 83:12
- المطففين 83:13
- المطففين 83:14
- المطففين 83:15
- المطففين 83:16
- المطففين 83:17
- المطففين 83:18
- المطففين 83:19
- المطففين 83:20
- المطففين 83:21
- المطففين 83:22
- المطففين 83:23
- المطففين 83:24
- المطففين 83:25
- المطففين 83:26
- المطففين 83:27
- المطففين 83:28
- المطففين 83:29
- المطففين 83:30
- المطففين 83:31
- المطففين 83:32
- المطففين 83:33
- المطففين 83:34
- المطففين 83:35
- المطففين 83:36
- الانشقاق 84:1
- الانشقاق 84:2
- الانشقاق 84:3
- الانشقاق 84:4
- الانشقاق 84:5
- الانشقاق 84:6
- الانشقاق 84:7
- الانشقاق 84:8
- الانشقاق 84:9
- الانشقاق 84:10
- الانشقاق 84:11
- الانشقاق 84:12
- الانشقاق 84:13
- الانشقاق 84:14
- الانشقاق 84:15
- الانشقاق 84:16
- الانشقاق 84:17
- الانشقاق 84:18
- الانشقاق 84:19
- الانشقاق 84:20
- الانشقاق 84:21
- الانشقاق 84:22
- الانشقاق 84:23
- الانشقاق 84:24
- الانشقاق 84:25
- البروج 85:1
- البروج 85:2
- البروج 85:3
- البروج 85:4
- البروج 85:5
- البروج 85:6
- البروج 85:7
- البروج 85:8
- البروج 85:9
- البروج 85:10
- البروج 85:11
- البروج 85:12
- البروج 85:13
- البروج 85:14
- البروج 85:15
- البروج 85:16
- البروج 85:17
- البروج 85:18
- البروج 85:19
- البروج 85:20
- البروج 85:21
- البروج 85:22
- الطارق 86:1
- الطارق 86:2
- الطارق 86:3
- الطارق 86:4
- الطارق 86:5
- الطارق 86:6
- الطارق 86:7
- الطارق 86:8
- الطارق 86:9
- الطارق 86:10
- الطارق 86:11
- الطارق 86:12
- الطارق 86:13
- الطارق 86:14
- الطارق 86:15
- الطارق 86:16
- الطارق 86:17
الانفطار 82:1
سُورَةُ الِانْفِطارِ
وتُسَمّى سُورَةَ انْفَطَرَتْ، وسُورَةَ المُنْفَطِرَةِ، ولا خِلافَ في أنَّها مَكِّيَّةٌ ولا في أنَّها تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها مَعْلُومَةٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ انْشَقَّتْ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 63
﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ والكَلامُ في ارْتِفاعِ السَّماءِ كَما مَرَّ في ارْتِفاعِ الشَّمْسِ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أيْ: تَساقَطَتْ مُتَفَرِّقَةً، وهو اسْتِعارَةٌ لِإزالَتِها حَيْثُ شُبِّهَتْ بِجَواهِرَ قُطِعَ سِلْكُها، وهي مُصَرَّحَةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ.
الانفطار 82:2
سُورَةُ الِانْفِطارِ
وتُسَمّى سُورَةَ انْفَطَرَتْ، وسُورَةَ المُنْفَطِرَةِ، ولا خِلافَ في أنَّها مَكِّيَّةٌ ولا في أنَّها تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها مَعْلُومَةٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ انْشَقَّتْ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 63
﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ والكَلامُ في ارْتِفاعِ السَّماءِ كَما مَرَّ في ارْتِفاعِ الشَّمْسِ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أيْ: تَساقَطَتْ مُتَفَرِّقَةً، وهو اسْتِعارَةٌ لِإزالَتِها حَيْثُ شُبِّهَتْ بِجَواهِرَ قُطِعَ سِلْكُها، وهي مُصَرَّحَةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ.
الانفطار 82:3
﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ فُتِحَتْ وشُقِّقَتْ جَوانِبُها فَزالَ ما بَيْنَها مِنَ البَرْزَخِ واخْتَلَطَ العَذابُ بِالأُجاجِ وصارَتْ بَحْرًا واحِدًا، ورُوِيَ أنَّ الأرْضَ تَنْشُفُ الماءَ بَعْدَ امْتِلاءِ البِحارِ فَتَصِيرُ مُسْتَوِيَةً؛ أيْ: في أنْ لا ماءَ، وأُرِيدَ أنَّ البِحارَ تَصِيرُ واحِدَةً أوَّلًا ثُمَّ تَنْشُفُ الأرْضُ جَمِيعًا فَتَصِيرُ بِلا ماءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْتِواءِ بَعْدَ النُّضُوبِ عَدَمُ بَقاءِ مَغايِضِ الماءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ وقَرَأ مُجاهِدٌ والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ والزَّعْفَرانِيُّ والثَّوْرِيُّ: «فُجِرَتْ» بِالتَّخْفِيفِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: «فَجَرَتْ» بِهِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِمَعْنى نَبَعَتْ لِزَوالِ البَرْزَخِ مِنَ الفُجُورِ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ لِأنَّ البَغْيَ والفُجُورَ أخَوانِ.
الانفطار 82:4
﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ قُلِبَ تُرابُها الَّذِي حُثِيَ عَلى مَوْتاها وأُزِيلَ وأُخْرِجَ مَن دُفِنَ فِيها عَلى ما فَسَّرَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وأصْلُ البَعْثَرَةِ عَلى ما قِيلَ تَبْدِيدُ التُّرابِ ونَحْوِهِ؛ وهو إنَّما يَكُونُ لِإخْراجِ شَيْءٍ تَحْتَهُ فَقَدْ يُذْكَرُ ويُرادُ مَعْناهُ ولازِمُهُ مَعًا وعَلَيْهِ ما سَمِعْتَ. وقَدْ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ البَعْثِ والإخْراجِ كَما في العادِياتِ حَيْثُ أُسْنِدَ فِيها لِما في القُبُورِ دُونَها كَما هُنا وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّبْشِ والإخْراجِ، وذَهَبَ بَعْضُ الأئِمَّةِ كالزَّمَخْشَرِيِّ والسُّهَيْلِيِّ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ اخْتِصارًا، ويُسَمّى ذَلِكَ نَحْتًا، وأصْلُ «بُعْثِرَ» بُعِثَ وأُثِيرَ، ونَظِيرُهُ بَسْمَلَ وحَمْدَلَ وحَوْقَلَ ودَمْعَزَ؛ أيْ: قالَ بِسْمِ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ تَعالى وأدامَ اللَّهُ تَعالى عِزَّهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّظائِرِ وهي كَثِيرَةٌ في لُغَةِ العَرَبِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ مَعْناهُ النَّبْشَ والإخْراجَ مَعًا، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الرّاءَ لَيْسَتْ مِن أحْرُفِ الزِّيادَةِ، وهو تَوَهُّمٌ مِنهُ؛ فَإنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ التَّرْكِيبِ والنَّحْتِ مِن كَلِمَتَيْنِ والزِّيادَةِ عَلى بَعْضِ الحُرُوفِ الأُصُولِ مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ كَما فَصَّلَ في الزَّهْرِ نَقْلًا عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، نَعَمْ؛ الأصْلُ عَدَمُ التَّرْكِيبِ.
الانفطار 82:5
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ جَوابُ «إذا» لَكِنْ لا عَلى أنَّها تَعْلَمُهُ عِنْدَ البَعْثِ بَلْ عِنْدَ نَشْرِ الصُّحُفِ لَمّا عَرَفَتْ أنَّ المُرادَ بِها زَمانٌ واحِدٌ مَبْدَؤُهُ قُبَيْلَ النَّفْخَةِ الأُولى أوْ هي ومُنْتَهاهُ الفَصْلُ بَيْنَ الخَلائِقِ لا أزْمِنَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ كَلِمَةِ «إذا» وإنَّما كُرِّرَتْ لِتَهْوِيلِ ما في حَيِّزِها مِنَ الدَّواهِي، والكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في نَظِيرِهِ. ومَعْنى «ما قَدِمَ وأخَّرَ»: ما أسْلَفَ مِن عَمَلِ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وأخَّرَ مِن سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ يُعْمَلُ بِها بَعْدَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ما قَدَّمَ مَعْصِيَةً وأخَّرَ مِن طاعَةٍ وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقِيلَ: ما عَمِلَ ما كُلِّفَ بِهِ وما لَمْ يَعْمَلْ مِنهُ، وقِيلَ ما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ لِنَفْسِهِ وما أخَّرَ لِوَرَثَتِهِ وقِيلَ: أوَّلُ عَمَلِهِ وآخِرُهُ، ومَعْنى عِلْمِها بِهِما عِلْمُها التَّفْصِيلِيُّ حَسْبَما ذُكِرَ فِيما قُدِّمَ.
الانفطار 82:6
﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ خَدَعَكَ وجَرَّأكَ عَلى عِصْيانِهِ تَعالى وارْتِكابِ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وقَدْ عَلِمْتَ ما بَيْنَ يَدَيْكَ وما سَيَظْهَرُ مِن أعْمالِكَ عَلَيْكَ والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ كَرَمِهِ تَعالى دُونَ قَهْرِهِ سُبْحانَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ المانِعَةِ مُلاحَظَتُها عَنِ الِاغْتِرارِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَدارًا لِاغْتِرارِهِ حَسْبَما يُغْوِيهِ الشَّيْطانُ ويَقُولُ لَهُ: افْعَلْ ما شِئْتَ؛ فَإنَّ رَبَّكَ كَرِيمٌ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْكَ في الدُّنْيا وسَيَفْعَلُ مِثْلَهُ في الآخِرَةِ، أوْ يَقُولُ لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا مَبْناهُ الكَرَمُ كَقَوْلِ بَعْضِ شَياطِينِ الإنْسِ:
تَكَثَّرْ ما اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطايا سَتَلْقى في غَدٍ رَبًّا غَفُورا
تَعَضُّ نَدامَةً كَفَّيْكَ مِمّا ∗∗∗ تَرَكْتَ مَخافَةَ الذَّنْبِ السُّرُورا
فَإنَّهُ قِياسٌ عَقِيمٌ وتَمْنِيَةٌ باطِلَةٌ بَلْ هو مِمّا يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الإقْبالِ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ والِاجْتِنابِ عَنِ الكُفْرِ والعِصْيانِ دُونَ العَكْسِ، ولِذا قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لَوْ لَمْ أخَفِ اللَّهَ تَعالى لَمْ أعْصِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما حَمَلَكَ عَلى عِصْيانِ رَبِّكَ
صفحة 64
المَوْصُوفِ بِما يَزْجُرُ عَنْهُ وتَدْعُو إلى خِلافِهِ؟ وقِيلَ: إنَّ هَذا تَلْقِينٌ لِلْحُجَّةِ وهو مِنَ الكَرَمِ أيْضًا فَإنَّهُ إذا قِيلَ لَهُ ما غَرَّكَ إلَخْ. يَتَفَطَّنُ لِلْجَوابِ الَّذِي لُقِّنَهُ ويَقُولُ: كَرَمُهُ، كَما قِيلَ: يُعْرَفُ حُسْنُ الخُلُقِ والإحْسانُ بِقِلَّةِ الآدابِ في الغِلْمانِ ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وكانَ الِاغْتِرارُ بِذَلِكَ في النَّظَرِ الجَلِيلِ وإلّا فَهو في النَّظَرِ الدَّقِيقِ كَما سَمِعْتَ. وعَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ قالَ: غَرَّهُ سَتْرُهُ تَعالى المَرْخِيُّ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمّاكِ:
يا كاتِمَ الذَّنْبِ أما تَسْتَحِي ∗∗∗ واللَّهُ في الخَلْوَةِ رائِيكا
غَرَّكَ مِن رَبِّكَ إمْهالُهُ ∗∗∗ وسَتْرِهِ طُولَ مَساوِيكا
وقالَ بَعْضُهُمْ:
يَقُولُ مَوْلايَ ألا تَسْتَحِي ∗∗∗ مِمّا أرى مِن سُوءِ أفْعالِكَ
فَقُلْتُ: يا مَوْلايَ رِفْقًا فَقَدْ ∗∗∗ جَرَّأنِي كَثْرَةُ أفْضالِكَ
وقالَ قَتادَةُ: غَرَّهُ عَدُوُّهُ المُسَلَّطُ عَلَيْهِ.
ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ الآيَةَ فَقالَ: «الجَهْلُ»».
وقالَهُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَرَأ: ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ والفَرْقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ ما ذَكَرُوا لا يَخْفى عَلى ذِي عِلْمٍ. واخْتُلِفَ فِي: ( الإنْسانُ ) المُنادى فَقِيلَ الكافِرُ، بَلْ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقِيلَ: الأعَمُّ الشّامِلُ لِلْعُصاةِ وهو الوَجْهُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، ولِوُقُوعِهِ بَيْنَ المُجْمَلِ ومُفَصَّلِهِ؛ أعْنِي: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ و﴿إنَّ الأبْرارَ﴾ و﴿وإنَّ الفُجّارَ﴾ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ فَفي الكَشْفِ إمّا أنْ يَكُونَ تَرْشِيحًا لِقُوَّةِ اغْتِرارِهِمْ بِإيهامِ أنَّهم أسْوَأُ حالًا مِنَ المُكَذِّبِينَ تَغْلِيظًا، وإمّا لِصِحَّةِ خِطابِ الكُلِّ بِما وُجِدَ فِيما بَيْنَهم. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ والأعْمَشُ: «ما أغَرَّكَ» بِهَمْزَةٍ؛ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ تَعَجُّبًا وأنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، و«أغَرَّكَ» بِمَعْنى أدْخَلَكَ في الغِرَّةِ.
الانفطار 82:7
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَرَمِ مُومِيَةٌ إلى صِحَّةِ ما كَذَّبَ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ مُوطِئَةٌ لِما بَعْدُ حَيْثُ نَبَّهَتْ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ بَدْأً أقْدَرُ عَلَيْهِ إعادَةً، والتَّسْوِيَةُ جَعْلُ الأعْضاءِ سَوِيَّةً سَلِيمَةً مُعَدَّةً لِمَنافِعِها، وهي في الأصْلِ جَعْلُ الأشْياءِ عَلى سَواءٍ فَتَكُونُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ ومُقْتَضاها بِإعْطائِها ما تَتِمُّ بِهِ وعَدْلِها بَعْضِها بِبَعْضٍ بِحَيْثُ اعْتَدَلَتْ، مِن عَدَلَ فُلانًا بِفُلانٍ إذا ساوى بَيْنَهُما أوْ صَرَفَها عَنْ خِلْقَةٍ غَيْرِ مُلائِمَةٍ لَها مِن عَدَلَ بِمَعْنى صَرَفَ. وذَهَبَ إلى الأوَّلِ الفارِسِيُّ وإلى الثّانِي الفَرّاءُ. وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ: «عَدَّلَكَ» بِالتَّشْدِيدِ؛ أيْ: صَيَّرَكَ مُعْتَدِلًا مُتَناسِبَ الخَلْقِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ فِيهِ، ونَقَلَ القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ: عَدَلَ وعَدَّلَ بِمَعْنًى واحِدٍ.
الانفطار 82:8
﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ أيْ: رَكَّبَكَ ووَضَعَكَ في أيِّ صُورَةٍ اقْتَضَتْها مَشِيئَتُهُ تَعالى وحِكْمَتُهُ جَلَّ وعَلا مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ في الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ في الطُّولِ والقِصَرِ ومَراتِبِ الحُسْنِ ونَحْوِها، فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ «رَكَّبَكَ، وأيِّ» لِلصِّفَةِ مِثْلِها في قَوْلِهِ:
أرَأيْتَ أيَّ سَوالِفٍ وخُدُودِ بَرَزَتْ لَنا بَيْنَ اللِّوى وزَرُودِ
ولَمّا أُرِيدَ التَّعْمِيمُ لَمْ يُذْكَرْ مَوْصُوفُها، وجُمْلَةُ: ( شاءَ ) صِفَةٌ لَها، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وما مَزِيدَةٌ، وإنَّما لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّها بَيانٌ لِعَدَلَكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: رَكَّبَكَ كائِنًا في أيِّ صُورَةٍ شاءَها، وقِيلَ: «أيِّ» مَوْصُولَةٌ صِلَتُها جُمْلَةُ شاءَها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: رَكَّبَكَ في الصُّورَةِ الَّتِي شاءَها.
وفِيهِ أنَّهُ صَرَّحَ أبُو عَلِيٍّ في التَّذْكِرَةِ بِأنَّ أيًّا المَوْصُولَةَ لا تُضافُ إلى نَكِرَةٍ، وقالَ ابْنُ مالِكٍ في الألْفِيَّةِ:
واخْصُصَنْ بِالمَعْرِفَهْ مَوْصُولَةً أيًّا.
وفِي شَرْحِها لِلسُّيُوطِيِّ مَعَ اشْتِراطِ ما سَبَقَ يَعْنِي كَوْنَ المَعْرِفَةِ غَيْرَ مُفْرَدَةٍ فَلا تُضِفْها إلى نَكِرَةٍ خِلافًا لِابْنِ عُصْفُورٍ، ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ «إيِّ» شَرْطِيَّةً والماضِي في جَوابِها في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ إذا نُظِرَ إلى تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ وتَرَتُّبِ التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ فَجِيءَ بِصُورَةٍ إلى الماضِي نَظَرًا إلى المَشِيئَةِ، وأداةُ الشَّرْطِ نَظَرًا إلى المُتَعَلِّقِ والتَّرَتُّبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا «بِعَدَلَكَ» وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ في «أيِّ» الصِّفَةُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: «فَعَدَلَكَ في صُورَةٍ أيِّ صُورَةٍ في صُورَةٍ عَجِيبَةٍ» ثُمَّ حَذَفَ المَوْصُوفَ زِيادَةً لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْجِيبِ. و«أيِّ» هَذِهِ مَنقُولَةٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِيَّةِ لَكِنَّها
صفحة 65
لِانْسِلاخِ مَعْناها عَنْها بِالكُلِّيَّةِ عَمَلِ فِيها ما قَبْلَها، ويَكُونُ ﴿ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا، وما إمّا مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً مُبْتَدَأً أوْ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِ «رَكَّبَكَ»؛ أيْ: ما شاءَ مِنَ التَّرْكِيبِ رَكَّبَكَ فِيهِ أوْ تَرْكِيبًا شاءَ رَكَّبَكَ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، و«شاءَ» فِعْلَ الشَّرْطِ و«رَكَّبَكَ» جَزاؤُهُ؛ أيْ: إنْ شاءَ تَرْكِيبَكَ في أيِّ صُورَةٍ غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ رَكَّبَكَ فِيها، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِصُورَةٍ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، ولَمْ يُجَوِّزُوا عَلى هَذا الوَجْهِ تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِرَكَّبَكَ لِأنَّ مَعْمُولَ «ما» في حَيِّزِ الشَّرْطِ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ.
الانفطار 82:9
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ الِاغْتِرارِ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعالى وجَعْلِهِ ذَرِيعَةً إلى الكُفْرِ والمَعاصِي مَعَ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلشُّكْرِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ إضْرابٌ عَنْ جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَنْساقُ إلَيْها الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ الرَّدْعِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ: وأنْتُمْ لا تَرْتَدِعُونَ عَنْ ذَلِكَ بَلْ تَجْتَرِئُونَ عَلى أعْظَمَ مِنهُ حَيْثُ تُكَذِّبُونَ بِالجَزاءِ والبَعْثِ رَأْسًا أوْ بِدِينِ الإسْلامِ اللَّذَيْنِ هُما مِن جُمْلَةِ أحْكامِهِ فَلا تُصَدِّقُونَ سُؤالًا ولا جَوابًا ولا ثَوابًا ولا عِقابًا. وفِيهِ تَرَقٍّ مِنَ الأهْوَنِ إلى الأغْلَظِ. وعَنِ الرّاغِبِ: «بَلْ» هُنا لِتَصْحِيحِ الثّانِي وإبْطالِ الأوَّلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ هُنا مُقْتَضًى لِغُرُورِهِمْ ولَكِنَّ تَكْذِيبَهم حَمَلَهم عَلى ما ارْتَكَبُوهُ، وقِيلَ: تَقْدِيرُ الكَلامٍ إنَّكم لا تَسْتَقِيمُونَ عَلى ما تُوجِبُهُ نِعَمِي عَلَيْكم وإرْشادِي لَكم بَلْ تُكَذِّبُونَ إلَخْ. وقِيلَ إنَّ «كَلّا» رَدْعٌ عَمّا دَلَّ عَلَيْهِ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن نَفْيِهِمُ البَعْثَ و«بَلْ» إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ مِن نَفْيِ البَعْثِ والنُّشُورِ ثُمَّ قِيلَ: لا تَتَبَيَّنُونَ بِهَذا البَيانِ بَلْ تُكَذِّبُونَ... إلَخْ. وأدْغَمَ خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ «رَكَّبَكَ كَلّا» كَأبِي عَمْرٍو في إدْغامِهِ الكِبَرَ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو بِشْرٍ: «يُكَذِّبُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.
الانفطار 82:10
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ مُفِيدَةٌ لِبُطْلانِ تَكْذِيبِهِمْ وتَحْقِيقِ ما يُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ الجَزاءِ عَلى الوَجْهَيْنِ في الدِّينِ؛ أيْ: تُكَذِّبُونَ بِالجَزاءِ والحالُ أنَّ عَلَيْكم مِن قِبَلِنا لَحافِظِينَ لِأعْمالِكم.
الانفطار 82:11
﴿كِرامًا﴾ لَدَيْنا ﴿كاتِبِينَ﴾ لَها ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، ويَضْبُطُونَهُ نَقِيرًا أوْ قِطْمِيرًا، ولَيْسَ ذَلِكَ لِلْجَزاءِ وإقامَةِ الحُجَّةِ وإلّا لَكانَ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ الحَكِيمُ العَلِيمُ. وقِيلَ: جِيءَ بِهَذِهِ الحالِ اسْتِبْعادًا لِلتَّكْذِيبِ مَعَها ولَيْسَ بِذاكَ. وفي تَعْظِيمِ الكاتِبِينَ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ تَفْخِيمٌ لِأمْرِ الجَزاءِ، وأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ حَيْثُ اسْتَعْمَلَ سُبْحانَهُ فِيهِ هَؤُلاءِ الكِرامَ لَدَيْهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الحافِظِينَ غَيْرُ المُعَقِّباتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ . فَمَعَ الإنْسانِ عِدَّةُ مَلائِكَةٍ.
رُوِيَ «عَنْ عُثْمانَ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كَمْ مِن مَلَكٍ عَلى الإنْسانِ؟ فَذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِشْرِينَ مَلَكًا».
قالَ المَهْدَوِيُّ في الفَيْصَلِ: وقِيلَ: إنَّ كُلَّ آدَمِيٍّ يُوَكَّلُ بِهِ مِن حِينِ وُقُوعِهِ نُطْفَةً في الرَّحِمِ إلى مَوْتِهِ أرْبَعَمِائَةِ مَلَكٍ، ومَن يَكْتُبُ الأعْمالَ مَلَكانِ كاتِبُ الحَسَناتِ وهو في المَشْهُورِ عَلى العاتِقِ الأيْمَنِ، وكاتِبُ ما سِواها وهو عَلى العاتِقِ الأيْسَرِ، والأوَّلُ أمِينٌ عَلى الثّانِي، فَلا يُمَكِّنُهُ مِن كِتابَةِ السَّيِّئَةِ إلّا بَعْدَ مُضِيِّ سِتِّ ساعاتٍ مِن غَيْرِ مُكَفِّرٍ لَها، ويَكْتُبانِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى الِاعْتِقادِ والعَزْمِ والتَّقْرِيرِ وحَتّى الأنِينِ في المَرَضِ، وكَذا يَكْتُبانِ حَسَناتِ الصَّبِيِّ عَلى الصَّحِيحِ ويُفارِقانِ المُكَلَّفَ عِنْدَ الجِماعِ ولا يَدْخُلانِ مَعَ العَبْدِ الخَلاءَ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْهاكم عَنِ التَّعَرِّي فاسْتَحْيُوا مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ الَّذِينَ مَعَكُمُ الكِرامِ الكاتِبِينَ الَّذِينَ لا يُفارِقُونَكم إلّا عِنْدَ إحْدى ثَلاثِ حاجاتٍ: الغائِطِ والجَنابَةِ والغُسْلِ»».
ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِن كَتْبِهِما ما يَصْدُرُ عَنْهُ، ويَجْعَلُ اللَّهُ تَعالى لَهُما أمارَةً عَلى الِاعْتِقادِ القَلْبِيِّ ونَحْوِهِ ويَلْزَمانِ العَبْدَ إلى مَماتِهِ فَيَقُومانِ عَلى قَبْرِهِ يُسَبِّحانِ ويُهَلِّلانِ ويُكَبِّرانِ ويُكْتَبُ ثَوابُهُ لِلْمَيِّتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كانَ آمِنًا، ويَلْعَنانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كانَ كافِرًا.
واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّهُما اثْنانِ بِالشَّخْصِ، وقِيلَ: بِالنَّوْعِ وقِيلَ: كاتِبُ الحَسَناتِ يَتَغَيَّرُ دُونَ كاتِبِ السَّيِّئاتِ، ونَصُّوا عَلى أنَّ المَجْنُونَ
صفحة 66
لا حَفَظَةَ عَلَيْهِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الحَسَناتِ ما يَكْتُبُها غَيْرُ هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ، والظَّواهِرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكَتْبَ حَقِيقِيٌّ، وعِلْمُ الآلَةِ وما يُكْتَبُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
الانفطار 82:12
﴿كِرامًا﴾ لَدَيْنا ﴿كاتِبِينَ﴾ لَها ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، ويَضْبُطُونَهُ نَقِيرًا أوْ قِطْمِيرًا، ولَيْسَ ذَلِكَ لِلْجَزاءِ وإقامَةِ الحُجَّةِ وإلّا لَكانَ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ الحَكِيمُ العَلِيمُ. وقِيلَ: جِيءَ بِهَذِهِ الحالِ اسْتِبْعادًا لِلتَّكْذِيبِ مَعَها ولَيْسَ بِذاكَ. وفي تَعْظِيمِ الكاتِبِينَ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ تَفْخِيمٌ لِأمْرِ الجَزاءِ، وأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ حَيْثُ اسْتَعْمَلَ سُبْحانَهُ فِيهِ هَؤُلاءِ الكِرامَ لَدَيْهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الحافِظِينَ غَيْرُ المُعَقِّباتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ . فَمَعَ الإنْسانِ عِدَّةُ مَلائِكَةٍ.
رُوِيَ «عَنْ عُثْمانَ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كَمْ مِن مَلَكٍ عَلى الإنْسانِ؟ فَذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِشْرِينَ مَلَكًا».
قالَ المَهْدَوِيُّ في الفَيْصَلِ: وقِيلَ: إنَّ كُلَّ آدَمِيٍّ يُوَكَّلُ بِهِ مِن حِينِ وُقُوعِهِ نُطْفَةً في الرَّحِمِ إلى مَوْتِهِ أرْبَعَمِائَةِ مَلَكٍ، ومَن يَكْتُبُ الأعْمالَ مَلَكانِ كاتِبُ الحَسَناتِ وهو في المَشْهُورِ عَلى العاتِقِ الأيْمَنِ، وكاتِبُ ما سِواها وهو عَلى العاتِقِ الأيْسَرِ، والأوَّلُ أمِينٌ عَلى الثّانِي، فَلا يُمَكِّنُهُ مِن كِتابَةِ السَّيِّئَةِ إلّا بَعْدَ مُضِيِّ سِتِّ ساعاتٍ مِن غَيْرِ مُكَفِّرٍ لَها، ويَكْتُبانِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى الِاعْتِقادِ والعَزْمِ والتَّقْرِيرِ وحَتّى الأنِينِ في المَرَضِ، وكَذا يَكْتُبانِ حَسَناتِ الصَّبِيِّ عَلى الصَّحِيحِ ويُفارِقانِ المُكَلَّفَ عِنْدَ الجِماعِ ولا يَدْخُلانِ مَعَ العَبْدِ الخَلاءَ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْهاكم عَنِ التَّعَرِّي فاسْتَحْيُوا مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ الَّذِينَ مَعَكُمُ الكِرامِ الكاتِبِينَ الَّذِينَ لا يُفارِقُونَكم إلّا عِنْدَ إحْدى ثَلاثِ حاجاتٍ: الغائِطِ والجَنابَةِ والغُسْلِ»».
ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِن كَتْبِهِما ما يَصْدُرُ عَنْهُ، ويَجْعَلُ اللَّهُ تَعالى لَهُما أمارَةً عَلى الِاعْتِقادِ القَلْبِيِّ ونَحْوِهِ ويَلْزَمانِ العَبْدَ إلى مَماتِهِ فَيَقُومانِ عَلى قَبْرِهِ يُسَبِّحانِ ويُهَلِّلانِ ويُكَبِّرانِ ويُكْتَبُ ثَوابُهُ لِلْمَيِّتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كانَ آمِنًا، ويَلْعَنانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كانَ كافِرًا.
واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّهُما اثْنانِ بِالشَّخْصِ، وقِيلَ: بِالنَّوْعِ وقِيلَ: كاتِبُ الحَسَناتِ يَتَغَيَّرُ دُونَ كاتِبِ السَّيِّئاتِ، ونَصُّوا عَلى أنَّ المَجْنُونَ
صفحة 66
لا حَفَظَةَ عَلَيْهِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الحَسَناتِ ما يَكْتُبُها غَيْرُ هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ، والظَّواهِرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكَتْبَ حَقِيقِيٌّ، وعِلْمُ الآلَةِ وما يُكْتَبُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
الانفطار 82:13
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ نَتِيجَةِ الحِفْظِ والكَتْبِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. وفي تَنْكِيرِ النَّعِيمِ والجَحِيمِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها﴾ إمّا صِفَةٌ لِلْجَحِيمِ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿الفُجّارَ﴾ في الخَبَرِ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَهْوِيلِها كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُهم فِيها؟ فَقِيلَ: يُقاسُونَ حَرَّها. وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ «يُصَلَّوْنَها» مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يَوْمَ الجَزاءِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ اسْتِقْلالًا أوْ في ضِمْنِ تَكْذِيبِهِمْ بِالإسْلامِ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَإنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ في الدَّلالَةِ عَلى سَرْمَدِيَّةِ العَذابِ وأنَّهم لا يَزالُونَ مُحَسِّينَ بِالنّارِ. وقِيلَ: مَعْناهُ وما كانُوا غائِبِينَ عَنْها قَبْلَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ بَلْ كانُوا يَجِدُونَ سُمُومَها في قُبُورِهِمْ حَسْبَما «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ - أوْ - حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ»».
عَلى أنَّ غائِبِينَ مِن حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والجُمْلَةُ قِيلَ: عَلى الوَجْهَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ لَكِنَّها عَلى الأوَّلِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ وعَلى الثّانِي مِن بابِ ﴿جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ وقِيلَ: إنَّها عَلى الأوَّلِ حالِيَّةٌ دُونَ الثّانِي لِانْفِصالِ ما بَيْنَ صَلْيِ النّارِ وعَذابِ القَبْرِ بِالبَعْثِ وما في مَوْقِفِ الحِسابِ بَلْ هي عَلَيْهِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ اسْمُ الفاعِلِ فِيها؛ أعْنِي غائِبِينَ عَلى الحالِ؛ أيْ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ الآنَ لِتَغايُرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِقْبالُ. والكَلامُ عَلى ما عُرِفَ في إخْبارِهِ تَعالى مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِغَيْرِهِ لِتَحَقُّقِهِ فَلا يَرِدُ أنَّ بَعْضَ الفُجّارِ في زُمْرَةِ الأحْياءِ بَعْدُ، وبَعْضَهم لَمْ يُخْلَقْ كَذَلِكَ وعَذابُ القَبْرِ بَعْدَ المَوْتِ فَكَيْفَ يُحْمَلُ «غائِبِينَ» عَلى الحالِ.
الانفطار 82:14
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ نَتِيجَةِ الحِفْظِ والكَتْبِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. وفي تَنْكِيرِ النَّعِيمِ والجَحِيمِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها﴾ إمّا صِفَةٌ لِلْجَحِيمِ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿الفُجّارَ﴾ في الخَبَرِ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَهْوِيلِها كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُهم فِيها؟ فَقِيلَ: يُقاسُونَ حَرَّها. وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ «يُصَلَّوْنَها» مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يَوْمَ الجَزاءِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ اسْتِقْلالًا أوْ في ضِمْنِ تَكْذِيبِهِمْ بِالإسْلامِ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَإنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ في الدَّلالَةِ عَلى سَرْمَدِيَّةِ العَذابِ وأنَّهم لا يَزالُونَ مُحَسِّينَ بِالنّارِ. وقِيلَ: مَعْناهُ وما كانُوا غائِبِينَ عَنْها قَبْلَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ بَلْ كانُوا يَجِدُونَ سُمُومَها في قُبُورِهِمْ حَسْبَما «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ - أوْ - حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ»».
عَلى أنَّ غائِبِينَ مِن حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والجُمْلَةُ قِيلَ: عَلى الوَجْهَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ لَكِنَّها عَلى الأوَّلِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ وعَلى الثّانِي مِن بابِ ﴿جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ وقِيلَ: إنَّها عَلى الأوَّلِ حالِيَّةٌ دُونَ الثّانِي لِانْفِصالِ ما بَيْنَ صَلْيِ النّارِ وعَذابِ القَبْرِ بِالبَعْثِ وما في مَوْقِفِ الحِسابِ بَلْ هي عَلَيْهِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ اسْمُ الفاعِلِ فِيها؛ أعْنِي غائِبِينَ عَلى الحالِ؛ أيْ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ الآنَ لِتَغايُرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِقْبالُ. والكَلامُ عَلى ما عُرِفَ في إخْبارِهِ تَعالى مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِغَيْرِهِ لِتَحَقُّقِهِ فَلا يَرِدُ أنَّ بَعْضَ الفُجّارِ في زُمْرَةِ الأحْياءِ بَعْدُ، وبَعْضَهم لَمْ يُخْلَقْ كَذَلِكَ وعَذابُ القَبْرِ بَعْدَ المَوْتِ فَكَيْفَ يُحْمَلُ «غائِبِينَ» عَلى الحالِ.
الانفطار 82:15
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ نَتِيجَةِ الحِفْظِ والكَتْبِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. وفي تَنْكِيرِ النَّعِيمِ والجَحِيمِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها﴾ إمّا صِفَةٌ لِلْجَحِيمِ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿الفُجّارَ﴾ في الخَبَرِ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَهْوِيلِها كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُهم فِيها؟ فَقِيلَ: يُقاسُونَ حَرَّها. وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ «يُصَلَّوْنَها» مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يَوْمَ الجَزاءِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ اسْتِقْلالًا أوْ في ضِمْنِ تَكْذِيبِهِمْ بِالإسْلامِ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَإنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ في الدَّلالَةِ عَلى سَرْمَدِيَّةِ العَذابِ وأنَّهم لا يَزالُونَ مُحَسِّينَ بِالنّارِ. وقِيلَ: مَعْناهُ وما كانُوا غائِبِينَ عَنْها قَبْلَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ بَلْ كانُوا يَجِدُونَ سُمُومَها في قُبُورِهِمْ حَسْبَما «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ - أوْ - حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ»».
عَلى أنَّ غائِبِينَ مِن حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والجُمْلَةُ قِيلَ: عَلى الوَجْهَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ لَكِنَّها عَلى الأوَّلِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ وعَلى الثّانِي مِن بابِ ﴿جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ وقِيلَ: إنَّها عَلى الأوَّلِ حالِيَّةٌ دُونَ الثّانِي لِانْفِصالِ ما بَيْنَ صَلْيِ النّارِ وعَذابِ القَبْرِ بِالبَعْثِ وما في مَوْقِفِ الحِسابِ بَلْ هي عَلَيْهِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ اسْمُ الفاعِلِ فِيها؛ أعْنِي غائِبِينَ عَلى الحالِ؛ أيْ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ الآنَ لِتَغايُرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِقْبالُ. والكَلامُ عَلى ما عُرِفَ في إخْبارِهِ تَعالى مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِغَيْرِهِ لِتَحَقُّقِهِ فَلا يَرِدُ أنَّ بَعْضَ الفُجّارِ في زُمْرَةِ الأحْياءِ بَعْدُ، وبَعْضَهم لَمْ يُخْلَقْ كَذَلِكَ وعَذابُ القَبْرِ بَعْدَ المَوْتِ فَكَيْفَ يُحْمَلُ «غائِبِينَ» عَلى الحالِ.
الانفطار 82:16
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ نَتِيجَةِ الحِفْظِ والكَتْبِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. وفي تَنْكِيرِ النَّعِيمِ والجَحِيمِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها﴾ إمّا صِفَةٌ لِلْجَحِيمِ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿الفُجّارَ﴾ في الخَبَرِ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَهْوِيلِها كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُهم فِيها؟ فَقِيلَ: يُقاسُونَ حَرَّها. وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ «يُصَلَّوْنَها» مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يَوْمَ الجَزاءِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ اسْتِقْلالًا أوْ في ضِمْنِ تَكْذِيبِهِمْ بِالإسْلامِ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَإنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ في الدَّلالَةِ عَلى سَرْمَدِيَّةِ العَذابِ وأنَّهم لا يَزالُونَ مُحَسِّينَ بِالنّارِ. وقِيلَ: مَعْناهُ وما كانُوا غائِبِينَ عَنْها قَبْلَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ بَلْ كانُوا يَجِدُونَ سُمُومَها في قُبُورِهِمْ حَسْبَما «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ - أوْ - حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ»».
عَلى أنَّ غائِبِينَ مِن حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والجُمْلَةُ قِيلَ: عَلى الوَجْهَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ لَكِنَّها عَلى الأوَّلِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ وعَلى الثّانِي مِن بابِ ﴿جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ وقِيلَ: إنَّها عَلى الأوَّلِ حالِيَّةٌ دُونَ الثّانِي لِانْفِصالِ ما بَيْنَ صَلْيِ النّارِ وعَذابِ القَبْرِ بِالبَعْثِ وما في مَوْقِفِ الحِسابِ بَلْ هي عَلَيْهِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ اسْمُ الفاعِلِ فِيها؛ أعْنِي غائِبِينَ عَلى الحالِ؛ أيْ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ الآنَ لِتَغايُرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِقْبالُ. والكَلامُ عَلى ما عُرِفَ في إخْبارِهِ تَعالى مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِغَيْرِهِ لِتَحَقُّقِهِ فَلا يَرِدُ أنَّ بَعْضَ الفُجّارِ في زُمْرَةِ الأحْياءِ بَعْدُ، وبَعْضَهم لَمْ يُخْلَقْ كَذَلِكَ وعَذابُ القَبْرِ بَعْدَ المَوْتِ فَكَيْفَ يُحْمَلُ «غائِبِينَ» عَلى الحالِ.
الانفطار 82:17
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾
تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ يَوْمِ الدِّينِ الَّذِي يُكَذِّبُونَ بِهِ إثْرَ تَفْخِيمٍ وتَعْجِيبٍ مِنهُ بَعْدَ تَعْجِيبٍ، والخِطابُ فِيهِ عامٌّ، والمُرادُ أنَّ كُنْهَ أمْرِهِ بِحَيْثُ يُدْرِكُهُ دِرايَةَ دارِي، وقِيلَ: الخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِلْكافِرِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَأْكِيدٌ لِهَوْلِ يَوْمِ الدِّينِ وفَخامَتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَحْقِيقِ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ في مِثْلِ ذَلِكَ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرًا مُقَدَّمًا فَلا تُغْفَلْ.
الانفطار 82:18
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾
تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ يَوْمِ الدِّينِ الَّذِي يُكَذِّبُونَ بِهِ إثْرَ تَفْخِيمٍ وتَعْجِيبٍ مِنهُ بَعْدَ تَعْجِيبٍ، والخِطابُ فِيهِ عامٌّ، والمُرادُ أنَّ كُنْهَ أمْرِهِ بِحَيْثُ يُدْرِكُهُ دِرايَةَ دارِي، وقِيلَ: الخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِلْكافِرِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَأْكِيدٌ لِهَوْلِ يَوْمِ الدِّينِ وفَخامَتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَحْقِيقِ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ في مِثْلِ ذَلِكَ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرًا مُقَدَّمًا فَلا تُغْفَلْ.
الانفطار 82:19
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِشَأْنِ يَوْمِ الدِّينِ إثَرَ إبْهامِهِ وإفادَةِ خُرُوجِهِ عَنِ الدّائِرَةِ الدِّرايَةَ، قِيلَ: بِطَرِيقِ إنْجازِ الوَعْدِ؛ فَإنَّ نَفْيَ الإدْراءِ مُشْعِرٌ بِالوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإدْراءِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( ما أدْراكَ ) فَقَدْ أدْراهُ وكُلُّ ما فِيهِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ( ما يُدْرِيكَ ) فَقَدْ طُوِيَ عَنْهُ. ( ويَوْمَ ) مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ تَفْخِيمِ أمْرِ يَوْمِ الدِّينِ وتَشْوِيقِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى مَعْرِفَتِهِ: اذْكُرْ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ مِنَ النُّفُوسِ لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مُطْلَقًا لا لِلْكَفّارَةِ فَقَطْ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلَخْ؛ فَإنَّهُ يُدْرِيكَ ما هُوَ، أوْ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى رَأْيِ مَن يَرى جَوازَ بِناءِ الظَّرْفِ إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وهُمُ الكُوفِيُّونَ؛ أيْ: هو يَوْمَ لا تَمْلِكُ إلَخْ. وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِإضْمارِ يُدانُونَ أوْ يَشْتَدُّ الهَوْلُ أوْ نَحْوِهِ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أوْ هو مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( يَوْمُ الدِّينِ ) وكَلاهُما لَيْسا بِذاكَ لِخُلُوِّهِما عَنْ إفادَةِ ما أفادَهُ ما قَبْلُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى وابْنُ جُنْدُبٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: «يَوْمُ» بِالرَّفْعِ بِلا تَنْوِينٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو يَوْمٌ لا بَدَلٌ لِما سَمِعْتَ آنِفًا. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «يَوْمٌ» بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فَجُمْلَةُ: ﴿لا تَمْلِكُ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيهِ والأمْرُ كَما قالَ في الكَشْفِ واحِدُ الأوامِرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ فَإنَّ الأمْرَ
صفحة 67
مِن شَأْنِ المَلِكِ المُطاعِ واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ أيِ الأمْرُ لَهُ تَعالى لا لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ لا شَرِكَةَ ولا اسْتِقْلالًا؛ أيْ: إنَّ التَّصَرُّفَ جَمِيعَهُ في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لا غَيْرَ. وفي تَحْقِيقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ الكُلَّ مَسُوسُونَ مُطِيعُونَ مُشْتَغِلُونَ بِحالِ أنْفُسِهِمْ مَقْهُورُونَ بِعُبُودِيَّتِهِمْ لِسَطَواتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيلَ: واحِدُ الأُمُورِ أعْنِي الشَّأْنَ ولَيْسَ بِذاكَ. وقَوْلُ قَتادَةَ فِيما أخْرَجَهُ عِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وابْنِ المُنْذِرِ؛ أيْ: لَيْسَ ثَمَّ أحَدٌ يَقْضِي شَيْئًا ولا يَصْنَعُ شَيْئًا غَيْرَ رَبِّ العالَمِينَ تَفْسِيرُ الحاصِلِ المَعْنى لا إيثارَ لِذَلِكَ، هَذا وقَوْلُهُ وحْدَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ يُتْرَكُ لَهُ الظّاهِرُ والمُنازَعَةُ في الظُّهُورِ مُكابَرَةٌ، وأيًّا ما كانَ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما لا يَخْفى. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
المطففين 83:1
سُورَةُ المُطَفِّفِينَ
ويُقالُ لَها سُورَةُ المُطَفِّفِينَ، واخْتُلِفَ في كَوْنِها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والضَّحّاكِ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ وعَلَيْهِ السُّدِّيُّ، قالَ: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلٌ يُكَنّى أبا جُهَيْنَةَ لَهُ مِكْيالانِ يَأْخُذُ بِالأوْفى ويُعْطِي بِالأنْقَصِ فَنَزَلَتْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِواياتٌ؛ فَأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: آخِرُ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ سُورَةُ المُطَفِّفِينَ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوايَةَ ما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وغَيْرُهم عَنْهُ قالَ: «لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ كانُوا مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ،» وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أيْضًا وعَنْ قَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا ثَمانِ آياتٍ مِن آخِرِها ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ إلَخْ وقِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا سِتَّ آياتٍ مِن أوَّلِها، وبَعْضُ مَن يُثْبِتُ الواسِطَةَ بَيْنَ المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ يَقُولُ: إنَّها لَيْسَتْ أحَدَهُما بَلْ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ لِيُصْلِحَ اللَّهُ تَعالى أمْرَ أهْلِ المَدِينَةِ قَبْلَ وُرُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وآيُها سِتٌّ وثَلاثُونَ بِلا خِلافٍ، والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلُ السُّعَداءَ والأشْقِياءَ ويَوْمَ الجَزاءِ وعِظَمَ شَأْنِهِ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ هُنا ما أعَدَّ جَلَّ وعَلا لِبَعْضِ العُصاةِ وذَكَرَ سُبْحانَهُ بِأخَسِّ ما يَقَعُ مِنَ المَعْصِيَةِ وهو التَّطْفِيفُ الَّذِي لا يَكادُ يُجْدِي شَيْئًا في تَثْمِيرِ المالِ وتَنْمِيَتِهِ، مَعَ اشْتِمالِ هَذِهِ السُّورَةِ مِن شَرْحِ حالِ المُكَذِّبِينَ المَذْكُورِينَ هُناكَ عَلى زِيادَةِ تَفْصِيلٍ كَما لا يَخْفى. وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: الفَصْلُ بِهَذِهِ السُّورَةِ بَيْنَ الِانْفِطارِ والِانْشِقاقِ الَّتِي هي نَظِيرَتُها مِن أوْجُهٍ لِنُكْتَةٍ لَطِيفَةٍ ألْهَمَنِيها اللَّهُ تَعالى وذَلِكَ أنَّ السُّوَرَ الأرْبَعَ، هَذِهِ والسُّورَتانِ قَبْلَها والِانْشِقاقُ لَمّا كانَتْ في صِفَةِ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ ذُكِرَتْ عَلى تَرْتِيبِ ما يَقَعُ فِيهِ فَغالِبُ ما وقَعَ في التَّكْوِيرِ وجَمِيعُ ما وقَعَ في الِانْفِطارِ يَقَعُ في صَدْرِ يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ المَوْقِفُ الطَّوِيلُ ومُقاساةُ الأهْوالِ فَذَكَرَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْصُلُ الشَّفاعَةُ العُظْمى فَتُنْشَرُ الصُّحُفُ فَآخِذٌ بِاليَمِينِ وآخِذٌ بِالشِّمالِ وآخِذٌ ما وراءَ ظَهْرِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَقَعُ الحِسابُ كَما ورَدَ بِذَلِكَ الآثارُ فَناسَبَ تَأخُّرَ سُورَةِ الِانْشِقاقِ الَّتِي فِيها إيتاءُ الكُتُبِ والحِسابُ عَنِ السُّورَةِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ المَوْقِفِ والسُّورَةِ الَّتِي فِيها ذِكْرُهُ عَنِ السُّورَةِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ مَبادِئِ أحْوالِ اليَوْمِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ لَمّا قالَ في الِانْفِطارِ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ وذَلِكَ في الدُّنْيا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الحالِ ما يَكْتُبُهُ الحافِظُونَ وهو مَرْقُومٌ يُجْعَلُ في عِلِّيِّينَ أوْ سِجِّينٍ؛ وذَلِكَ أيْضًا في الدُّنْيا كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ فَهَذِهِ حالَةٌ ثانِيَةٌ لِلْكِتابِ ذُكِرَتْ في السُّورَةِ الثّانِيَةِ ولَهُ حالَةٌ ثالِثَةٌ مُتَأخِّرَةٌ عَنْهُما؛ وهي إيتاؤُهُ صاحِبَهُ بِاليَمِينِ أوْ غَيْرُها وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ فَناسَبَ تَأْخِيرَ السُّورَةِ الَّتِي فِيها ذَلِكَ عَنِ السُّورَةِ الَّتِي فِيها الحالَةُ الثّانِيَةُ. انْتَهى. وهو وإنْ لَمْ يَخْلُ عَنْ لَطافَةٍ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ فَتَذَكَّرْ.
صفحة 68
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ قِيلَ: الوَيْلُ شِدَّةُ الشَّرِّ، وقِيلَ: الحُزْنُ والهَلاكُ، وقِيلَ: العَذابُ الألِيمُ.
وقِيلَ: جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، وأخْرَجَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمانَ مَرْفُوعًا ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ فِيهِ نَظَرٌ. وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ.
فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ويْلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ»».
وفِي صَحِيحَيِ ابْنِ حِبّانَ والحاكِمِ بِلَفْظِ: ««وادٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَهْوِي فِيهِ الكافِرُ»» إلَخْ. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ. وفي كِتابِ المُفْرَداتِ لِلرّاغِبِ قالَ الأصْمَعِيُّ: ويْلٌ قُبُوحٌ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّحَسُّرِ، ومَن قالَ: ويْلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ لَمْ يَرِدْ أنَّ ويْلًا في اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِهَذا، وإنَّما أرادَ مَن قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّ مَقَرًّا مِنَ النّارِ، وثَبَتَ ذَلِكَ لَهُ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَهُ عَلى ذَلِكَ كَإطْلاقِهِ جَهَنَّمَ عَلى ما هو المَعْرُوفُ فِيها فَلْيُنْظَرْ مِن أيِّ نَوْعٍ ذَلِكَ الإطْلاقُ، وأيًّا ما كانَ فَهو مُبْتَدَأٌ وإنْ كانَ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَوْقِعِ الدُّعاءِ، و«لِلْمُطَفِّفِينَ» خَبَرُهُ، والتَّطْفِيفُ البَخْسُ في الكَيْلِ والوَزْنِ لِما أنَّ ما يُبْخَسُ في كَيْلٍ أوْ وزْنٍ واحِدٍ شَيْءٌ طَفِيفٌ؛ أيْ: نَزْرٌ حَقِيرٌ، والتَّفْعِيلُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلتَّكْثِيرِ ولا يُنافِي كَوْنَهُ مِنَ الطَّفِيفِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ لِأنَّ كَثْرَةَ الفِعْلِ بِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ وهو بِتَكْرارِهِ لا بِكَثْرَةِ مُتَعَلِّقِهِ. وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ مِن طَفَّ الشَّيْءَ: جانَبَهُ.
المطففين 83:2
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ إلَخْ. صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ، أوْ صِفَةٌ كاشِفَةٌ لِحالِهِمْ شارِحَةٌ لِكَيْفِيَّةِ تَطْفِيفِهِمْ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الوَيْلَ؛ أيْ: إذا أخَذُوا مِنَ النّاسِ ما أخَذُوا بِحُكْمِ الشِّراءِ ونَحْوِهِ كَيْلًا يَأْخُذُونَهُ وافِيًا وافِرًا، وتَبْدِيلُ كَلِمَةِ «عَلى» هُنا بِمِن قِيلَ لِتَضْمِينِ (الِاكْتِيالِ) مَعْنى الِاسْتِيلاءِ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ اكْتِيالٌ مُضِرٌّ لِلنّاسِ لا عَلى اعْتِبارِ الضَّرَرِ مِن حَيْثُ الشَّرْطُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ إذا لِإخْلالِهِ بِالمَعْنى بَلْ في نَفْسِ الأمْرِ بِمُوجِبِ الجَوابِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالِاسْتِيفاءِ لَيْسَ أخْذَ الحَقِّ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ بَلْ مُجَرَّدُ الأخْذِ الوافِي الوافِرِ حَسْبَما أرادُوا بِأيِّ وجْهٍ يَتَيَسَّرُ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ، وكانُوا يَفْعَلُونَهُ بِكَبْسِ المَكِيلِ ودَعْدَعَةِ المِكْيالِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِاعْتِبارِ أنَّ اكْتِيالَهم لِما لَهم مِنَ الحَقِّ عَلى النّاسِ فَعَنِ الفَرّاءِ أنَّ مِن وعَلى يَعْتَقِبانِ في هَذا المَوْضِعِ، فَيُقالُ: اكْتَلْتُ عَلَيْهِ؛ أيْ: أخَذْتُ ما عَلَيْهِ كَيْلًا، واكْتَلْتُ مِنهُ أيِ اسْتَوْفَيْتُ مِنهُ كَيْلًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ اقْتِضائِهِ لِعَدَمِ شُمُولِ الحُكْمِ لِاكْتِيالِهِمْ قَبْلَ أنْ يَكُونَ لَهم عَلى النّاسِ شَيْءَ بِطَرِيقِ الشِّراءِ ونَحْوِهِ مَعَ أنَّهُ الشّائِعُ فِيما بَيْنَهم يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَعْنى الِاسْتِيفاءِ أخْذَ ما لَهم عَلى النّاسِ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ إذْ هو المُتَبادَرُ مِنهُ عِنْدَ الإطْلاقِ في مَعْرِضِ الحَقِّ فَلا يَكُونُ مَدارًا لِذَمِّهِمْ والدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وحَمْلُ ما لَهم عَلَيْهِمْ عَلى مَعْنى ما سَيَكُونُ لَهم عَلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِهِ بَعِيدًا جِدًّا مِمّا لا يُجْدِي نَفْعًا؛ فَإنَّ اعْتِبارَ كَوْنِ المَكِيلِ لَهم حالًا كانَ أوْ مَآلًا يَسْتَدْعِي كَوْنَ الِاسْتِيفاءِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ حَتْمًا انْتَهى.
وأقُولُ: إنَّ قَطْعَ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ الآيَةِ نازِلَةً في مُطَفِّفِينَ صِفَتُهم أخْذُ مَكِيلِ النّاسِ إذا اكْتالُوا وافِرًا حَسْبَما يُرِيدُونَ فَلا بَأْسَ بِحَمْلِها عَلى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَأْخُوذَ حَقٌّ حالًا أوْ مَآلًا، وكَوْنُ المُتَبادَرِ حِينَئِذٍ مِنَ الِاسْتِيفاءِ أخْذُ مالِهِمْ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ لا يَضُرُّ قَوْلُهُ: فَلا يَكُونُ مَدارًا لِذَمِّهِمْ والدُّعاءِ عَلَيْهِمْ. قُلْنا: مَدارُ الذَّمِّ ما تَضَمَّنَهُ مَجْمُوعُ المُتَعاطِفَيْنِ والكَلامِ كَقَوْلِكَ: فُلانٌ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنَ النّاسِ تامًّا ويُعْطِيهِمْ حَقَّهم ناقِصًا وهي عِبارَةٌ شائِعَةٌ في الذَّمِّ بَلِ الذَّمُّ بِها أشَدُّ مِنَ الذَّمِّ بِنَحْوٍ يَأْخُذُ ناقِصًا ويُعْطِي ناقِصًا وكَوْنُهُ دُونَ الذَّمِّ بِنَحْوِ قَوْلِكَ: يَأْخُذُ زائِدًا ويُعْطِي ناقِصًا لا يَضُرُّ كَما لا يَخْفى. ثُمَّ قَدْ يُقالُ: إنَّ الأغْلَبَ في اكْتِيالِ الشَّخْصِ مِن شَخْصٍ كَوْنُ المَكِيلِ حَقًّا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولَعَلَّ مَبْنى كَلامِ الفَرّاءِ عَلى ذَلِكَ فَتَأمَّلْ.
وجُوِّزَ عَلى أنْ تَكُونَ «عَلى» مُتَعَلِّقَةً بِ ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ ويَكُونُ تَقْدِيمُها عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ الخُصُوصِيَّةِ؛ أيْ: يَسْتَوْفُونَ عَلى النّاسِ خاصَّةً، فَأمّا أنْفُسُهم فَيَسْتَوْفُونَ لَها. وتُعُقِّبَ بِأنَّ القَصْرَ بِتَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ إنَّما يَكُونُ فِيما يُمْكِنُ تَعَلُّقُ الفِعْلِ بِغَيْرِ المَجْرُورِ أيْضًا حَسَبَ تَعَلُّقِهِ بِهِ فَيُقْصَدُ
صفحة 69
بِالتَّقْدِيمِ قَصْرُهُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ القَلْبِ أوِ الإفْرادِ أوِ التَّعْيِينِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ. ولا رَيْبَ في أنَّ الِاسْتِيفاءَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الأخْذِ الوافِي مِمّا لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ حَتّى يُقْصَدَ بِتَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَصْرُهُ عَلى النّاسِ عَلى أنَّ الحَدِيثَ واقِعٌ في الفِعْلِ لا فِيما وقَعَ عَلَيْهِ انْتَهى. وأُجِيبَ: المُرادُ بِالِاسْتِيفاءِ المُعَدّى بِعَلى عَلى ذَلِكَ الإضْرارُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا اكْتالُوا يَضُرُّونَ النّاسَ خاصَّةً ولا يَضُرُّونَ أنْفُسَهم بَلْ يَنْفَعُونَها. والقَصْرُ بِطَرِيقِ القَلْبِ والإضْرارِ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِأنْفُسِهِمْ كَما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلنّاسِ وإنْ كانَ ما بِهِ الإضْرارُ مُخْتَلِفًا حَيْثُ إنَّ إضْرارَهم أنْفُسَهم بِأخْذِ النّاقِصِ وإضْرارَهُمُ النّاسَ بِأخْذِ الزّائِدِ ثُمَّ إنَّ خُصُوصِيَّةَ ما وقَعَ عَلَيْهِ الفِعْلُ هو مَدارُ الذَّمِّ والدُّعاءُ بِالوَيْلِ وبِهِ يُجابُ عَمّا في حَيِّزِ العِلاوَةِ. انْتَهى. ولا يَخْفى ما فِيهِ. فَتَدَبَّرْ.
المطففين 83:3
والضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ لِلنّاسِ وما تَقَدَّمَ في الأخْذِ مِنَ النّاسِ وهَذا في الإعْطاءِ، فالمَعْنى: وإذا كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم لِلْبَيْعِ يُنْقِصُونَ. وكالَ تُسْتَعْمَلُ مَعَ المَكِيلِ بِاللّامِ وبِدُونِهِ؛ فَقَدْ جاءَ في اللُّغَةِ عَلى ما قِيلَ: كالَ لَهُ وكالَهُ بِمَعْنى كالَ لَهُ وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ كالَهُ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ عَلى أنَّ الأصْلَ كالَ لَهُ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ كَما في قَوْلِهِ:
ولَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وعَساقِلًا ولَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَناتِ الأوْبَرِ
وقَوْلُهم في المَثَلِ: الحَرِيصُ يَصِيدُكَ لا الجَوادُ؛ أيْ: جَنَيْتُ لَكَ ويَصِيدُ لَكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ وهو مَكِيلٌ ومَوْزُونٌ وإقامَةُ المُضافِ مَقامَهُ، والأصْلُ: وإذا كالُوا مَكِيلَهم أوْ وزَنُوهم وعَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ وحَمْزَةَ: إنَّ المَكِيلَ لَهُ والمَوْزُونَ لَهُ مَحْذُوفٌ، وهم ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المَرْفُوعِ وهو الواوُ وكانا يَقِفانِ عَلى الواوَيْنِ وُقَيْفَةً يُبَيِّنانِ بِها ما أرادُوا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَصِحُّ كَوْنُ الضَّمِيرِ مَرْفُوعًا لِلْمُطَفِّفِينَ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى عَلَيْهِ إذا أخَذُوا مِنَ النّاسِ اسْتَوْفَوْا وإذا تَوَلَّوُا الكَيْلَ أوِ الوَزْنَ هم عَلى الخُصُوصِ أخْسَرُوا، وهو كَلامٌ مُتَنافِرٌ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ واقِعٌ في الفِعْلِ لا في المُباشِرِ وذَلِكَ عَلى ما في الكَشْفِ؛ لِأنَّ التَّأْكِيدَ اللَّفْظِيَّ يَدْفَعُهُ المَقامُ فَلَيْسَ المُرادُ أنْ يُحَقِّقَ أنَّ الكَيْلَ صَدَرَ مِنهم لا مِن عَبِيدِهِمْ مَثَلًا والتَّقَوِّي وحْدَهُ يَدْفَعُهُ تَرْكُ الفاءِ في جَوابِ «إذا» لِأنَّ الفَصِيحَ إذْ ذاكَ: فَهم يَخْسَرُونَ فَيَتَعَيَّنُ الحَمْلُ عَلى التَّخْصِيصِ ويَظْهَرُ العُذْرُ في تَرْكِ الفاءِ إذِ المَعْنى لا يَخْسَرُ إلّا هُمْ، ويَلْزَمُ التَّنافُرُ وفَواتُ المُقابَلَةِ هَذا وهْمٌ أوَّلًا في ﴿كالُوهُمْ﴾ مانِعٌ مِن هَذا التَّقْدِيرِ أشَدَّ المَنعِ والحَمْلُ عَلى حَذْفِ اِلْخَبَرِ مِن أحَدِهِما وهو شَطْرُ الجَزاءِ لا نَظِيرَ لَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ يَبْعُدُ كَوْنَ الضَّمِيرِ مَرْفُوعًا عَدَمُ إثْباتِ الألِفِ بَعْدِ الواوِ. وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الخَطِّ إثْباتُها بَعْدَها في مِثْلِ ذَلِكَ وجَرى عَلَيْهِ رَسْمُ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ في نَظائِرِهِ وكَوْنُهُ هُنا بِالخُصُوصِ مُخالِفًا لِما تَقَرَّرَ ولِما سُلِكَ في النَّظائِرِ بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى.
ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى الِاكْتِيالِ في صُورَةِ الِاسْتِيفاءِ وذِكْرِ الكَيْلِ والوَزْنِ في صُورَةِ الإخْسارِ أنَّ المُطَفِّفِينَ كانُوا لا يَأْخُذُونَ ما يُكالُ ويُوزَنُ إلّا بِالمَكايِيلِ دُونَ المَوازِينِ لَتَمَكُّنِهِمْ بِالِاكْتِيالِ مِنَ الِاسْتِيفاءِ والسَّرِقَةِ، وإذا أعْطَوْا كالُوا ووَزَنُوا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ البَخْسِ في النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا، والحاصِلُ أنَّهُ إنَّما جاءَ النَّظْمُ الجَلِيلُ هَكَذا لِيُطابِقَ مَن نَزَلَ فِيهِمْ فالصِّفَةُ تَنْعِي عَلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن زِيادَةِ البَخْسِ والظُّلْمِ، وهَذا صَحِيحٌ جُعِلَتِ الصِّفَةُ مُخَصِّصَةً لِهَؤُلاءِ المُطَفِّفِينَ كَما هو الأظْهَرُ أوْ كاشِفَةً لِحالِهِمْ فَقَدْ أُرِيدَ بِالأوَّلِ مَعْهُودٌ ذِهْنِيٌّ. وقالَ شَيْخُ مَشايِخِنا العَلّامَةُ السَّيِّدُ صِبْغَةُ اللَّهِ الحَيْدَرِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ التَّطْفِيفَ في الكَيْلِ يَكُونُ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ لا يُعْبَأُ بِهِ في الأغْلَبِ دُونَ التَّطْفِيفِ في الوَزْنِ، فَإنَّ أدْنى حِيلَةٍ فِيهِ يُفْضِي إلى شَيْءٍ كَثِيرٍ وأيْضًا الغالِبُ فِيما يُوزَنُ ما هو أكْثَرُ قِيمَةً مِمّا يُكالُ، فَإذا أخْبَرَتِ الآيَةُ بِأنَّهم لا يُبْقُونَ عَلى النّاسِ ما هو قَلِيلٌ مَهِينٌ مِن حُقُوقِهِمْ عُلِمَ أنَّهم لا يُبْقُونَ عَلَيْهِمُ الكَثِيرَ الَّذِي لا يَتَسامَحُ بِهِ أكْثَرُ النّاسِ بَلْ أهْلُ المَرُوءاتِ أيْضًا إلّا نادِرًا بِالطَّرِيقِ الأوْلى بِخِلافِ ما إذا
صفحة 70
ذُكِرَ أنَّهم يُخْسِرُونَ النّاسَ بِالأشْياءِ الجُزْئِيَّةِ كَما يُفْهَمُ مِن ذِكْرِ الإخْسارِ في الكَيْلِ فَإنَّهُ لا يُعْلَمُ مِنهُ أنَّهم يُخْسِرُونَهم بِالشَّيْءِ الكَثِيرِ أيْضًا، بَلْ رُبَّما يُتَوَهَّمُ مِن تَخْصِيصِ الجُزْئِيَّةِ بِالذِّكْرِ أنَّهم لا يَتَجَرَّؤُونَ عَلى إخْسارِهِمْ بِكُلِّيّاتِ الأمْوالِ فَلا بُدَّ في الشِّقِّ الثّانِي مِن ذِكْرِ الإخْسارِ في الوَزْنِ أيْضًا فَتَكُونُ الآيَةُ مُنادِيَةً عَلى ذَمِيمِ أفْعالِهِمْ ناعِيَةً عَلَيْهِمْ بِشَنِيعِ أحْوالِهِمُ. انْتَهى.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُحْسَمُ السُّؤالُ لِجَوازِ أنْ يُقالَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: «إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ وإذا وزَنُوهم يُخْسِرُونَ» لِيُعْلَمَ مِنَ القَرِينَتَيْنِ أنَّهم يَسْتَوْفُونَ الكَثِيرَ ويُخْسِرُونَ بِالنَّزْرِ الحَقِيرِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى ويَكُونُ في الكَلامِ ما هو مِن قَبِيلِ الِاحْتِباكِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذا اكْتالُوا مِنَ النّاسِ اسْتَوْفَوْا عَلَيْهِمُ الكَيْلَ، وكَذَلِكَ إذا اتَّزَنُوا اسْتَوْفَوُا الوَزْنَ، ولَمْ يَذْكُرْ إذا اتَّزَنُوا لِأنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ بِهِما الشِّراءُ والبَيْعُ فِيما يُكالُ ويُوزَنُ ومُرادُهُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ أنَّهُ اسْتَغْنى بِذِكْرِ إحْدى القَرِينَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى لِدَلالَةِ القَرِينَةِ الآتِيَةِ عَلَيْها وهو كَما تَرى. وقِيلَ: إنَّ المُطَفِّفِينَ باعَةٌ وهم في الغالِبِ يَشْتَرُونَ الشَّيْءَ الكَثِيرَ دُفْعَةً ثُمَّ يَبِيعُونَهُ مُتَفَرِّقًا في دُفُعاتٍ، وكَمْ قَدْ رَأيْنا مِنهم مَن يَشْتَرِي مِنَ الزِّراعِينَ مِقْدارًا كَثِيرًا مِنَ الحُبُوبِ مَثَلًا في يَوْمٍ واحِدٍ فَيَدَّخِرُهُ ثُمَّ يَبِيعُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا في أيّامٍ عَدِيدَةٍ، ولَمّا كانَتِ العادَةُ الغالِبَةُ أخْذَ الكَثِيرِ بِالكَيْلِ ذُكِرَ الِاكْتِيالُ فَقَطْ في صُورَةِ الِاسْتِيفاءِ، ولَمّا كانَ ما يَبِيعُونَهُ مُخْتَلِفًا كَثْرَةً وقِلَّةً ذُكِرَ الكَيْلُ والوَزْنُ في صُورَةِ الإعْطاءِ، أوْ لَمّا كانَ اخْتِيارُ ما بِهِ تَعْيِينُ المِقْدارِ مُفَوَّضًا إلى رَأْيِ مَن يَشْتَرِي مِنهم ذُكِرا مَعًا في تِلْكَ الصُّورَةِ إذْ مِنهم مَن يَخْتارُ الكَيْلَ ومِنهم مَن يَخْتارُ الوَزْنَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ العادَةِ الغالِبَةِ أخْذَ الكَثِيرِ في الكَيْلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى الإطْلاقِ، ولَعَلَّهُ في بَعْضِ المَواضِعِ دُونَ بَعْضٍ، وأهْلُ بَلَدِنا مَدِينَةِ السَّلامِ اليَوْمَ لا يَكْتالُونَ ولا يَكِيلُونَ أصْلًا، وإنَّما عادَتُهُمُ الوَزْنُ والِاتِّزانُ مُطْلَقًا وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْمَكِيلِ والمَوْزُونِ في الصُّورَتَيْنِ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِأنَّ مَساقَ الكَلامِ لِبَيانِ سُوءِ مُعامَلَةِ المُطَفِّفِينَ في الأخْذِ والإعْطاءِ لا في خُصُوصِيَّةِ المَأْخُوذِ والمُعْطى.
المطففين 83:4
﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَهْوِيلِ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ التَّطْفِيفِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ ولا نافِيَةٌ، فَلَيْسَتْ ألا هَذِهِ الِاسْتِفْتاحِيَّةَ أوِ التَّنْبِيهِيَّةَ بَلْ مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، والظَّنُّ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ، ( وأُولَئِكَ ) إشارَةٌ إلى المُطَفِّفِينَ ووَضْعُهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِمَناطِ الحُكْمِ الَّذِي هو وصْفُهُمْ؛ فَإنَّ الإشارَةَ إلى الشَّيْءِ مُتَعَرِّضَةٌ لَهُ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِوَصْفِهِ، وأمّا الضَّمِيرُ فَلا يَتَعَرَّضُ لِلْوَصْفِ ولِلْإيذانِ بِأنَّهم مُمْتازُونَ بِذَلِكَ الوَصْفِ القَبِيحِ عَنْ سائِرِ النّاسِ أكْمَلَ امْتِيازٍ نازِلُونَ مَنزِلَةَ الأُمُورِ المُشارِ إلَيْها إشارَةً حِسِّيَّةً، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في الشَّرارَةِ والفَسادِ؛ أيْ: لا يَظُنُّ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ الوَصْفِ الشَّنِيعِ الهائِلِ أنَّهم مَبْعُوثُونَ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُ عِظَمِهِ؛ فَإنَّ مَن يَظُنُّ ذَلِكَ وإنْ كانَ ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَكادُ يَتَجاسَرُ عَلى أمْثالِ هَذِهِ القَبائِحِ فَكَيْفَ بِمَن يَتَيَقَّنُهُ. ووُصِفَ اليَوْمُ بِالعِظَمِ لِعَظَمِ ما فِيهِ كَما أنَّ جَعْلَهُ عِلَّةً لِلْبَعْثِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ وقَدَّرَ بَعْضُهم مُضافًا؛ أيْ: لِحِسابِ يَوْمٍ، وقِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، والأوَّلُ أوْلى وأبْلَغُ.
وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَهم أسْوَأ حالًا مِنَ الكُفّارِ لِأنَّهُ أثْبَتَ جَلَّ شَأْنُهُ لِلْكُفّارِ ظَنًّا حَيْثُ حَكى سُبْحانَهُ عَنْهُمْ: ﴿إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا﴾ ولَمْ يُثْبِتْهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم. والمُرادُ أنَّهُ تَعالى نَزَّلَهم مَنزِلَةَ مَن لا يَظُنُّ لِيَصِحَّ الإنْكارُ.
المطففين 83:5
﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَهْوِيلِ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ التَّطْفِيفِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ ولا نافِيَةٌ، فَلَيْسَتْ ألا هَذِهِ الِاسْتِفْتاحِيَّةَ أوِ التَّنْبِيهِيَّةَ بَلْ مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، والظَّنُّ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ، ( وأُولَئِكَ ) إشارَةٌ إلى المُطَفِّفِينَ ووَضْعُهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِمَناطِ الحُكْمِ الَّذِي هو وصْفُهُمْ؛ فَإنَّ الإشارَةَ إلى الشَّيْءِ مُتَعَرِّضَةٌ لَهُ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِوَصْفِهِ، وأمّا الضَّمِيرُ فَلا يَتَعَرَّضُ لِلْوَصْفِ ولِلْإيذانِ بِأنَّهم مُمْتازُونَ بِذَلِكَ الوَصْفِ القَبِيحِ عَنْ سائِرِ النّاسِ أكْمَلَ امْتِيازٍ نازِلُونَ مَنزِلَةَ الأُمُورِ المُشارِ إلَيْها إشارَةً حِسِّيَّةً، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في الشَّرارَةِ والفَسادِ؛ أيْ: لا يَظُنُّ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ الوَصْفِ الشَّنِيعِ الهائِلِ أنَّهم مَبْعُوثُونَ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُ عِظَمِهِ؛ فَإنَّ مَن يَظُنُّ ذَلِكَ وإنْ كانَ ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَكادُ يَتَجاسَرُ عَلى أمْثالِ هَذِهِ القَبائِحِ فَكَيْفَ بِمَن يَتَيَقَّنُهُ. ووُصِفَ اليَوْمُ بِالعِظَمِ لِعَظَمِ ما فِيهِ كَما أنَّ جَعْلَهُ عِلَّةً لِلْبَعْثِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ وقَدَّرَ بَعْضُهم مُضافًا؛ أيْ: لِحِسابِ يَوْمٍ، وقِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، والأوَّلُ أوْلى وأبْلَغُ.
وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَهم أسْوَأ حالًا مِنَ الكُفّارِ لِأنَّهُ أثْبَتَ جَلَّ شَأْنُهُ لِلْكُفّارِ ظَنًّا حَيْثُ حَكى سُبْحانَهُ عَنْهُمْ: ﴿إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا﴾ ولَمْ يُثْبِتْهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم. والمُرادُ أنَّهُ تَعالى نَزَّلَهم مَنزِلَةَ مَن لا يَظُنُّ لِيَصِحَّ الإنْكارُ.
المطففين 83:6
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: لِحُكْمِهِ تَعالى وقَضائِهِ عَزَّ وجَلَّ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أعْنِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِ «مَبْعُوثُونَ» أوْ مَرْفُوعَ المَحَلِّ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ؛ أيْ: هو أوْ ذَلِكَ يَوْمٌ، أوْ مَجْرُورٌ كَما قالَ الفَرّاءُ بَدَلًا مِن «يَوْمٍ عَظِيمٍ» وهو عَلى الوَجْهَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ وإنْ كانَ مُضارِعًا كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ وقَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ. ويُؤَيِّدُ الوَجْهَيْنِ قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: «يَوْمٌ» بِالرَّفْعِ قِراءَةَ بَعْضِهِمْ كَما حَكى أبُو مُعاذٍ: «يَوْمٍ» بِالجَرِّ وفي هَذا الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ وإيرادِ الظَّنِّ والإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ ووَصْفِ يَوْمِ قِيامِهِمْ بِالعَظَمَةِ وإبْدالِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ إلَخْ مِنهُ عَلى القَوْلِ بِهِ ووَصْفِهِ
صفحة 71
تَعالى بِرُبُوبِيَّةِ العالَمِينَ مِنَ البَيانِ البَلِيغِ لِعِظَمِ الذَّنْبِ وتَفاقُمِ الإثْمِ في التَّطْفِيفِ ما لا يَخْفى ولَيْسَ ذَلِكَ نَظَرًا إلى التَّطْفِيفِ مِن حَيْثُ هو تَطْفِيفٌ بَلْ مِن حَيْثُ إنَّ المِيزانَ قانُونُ العَدْلِ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ فَيَعُمُّ الحُكْمُ التَّطْفِيفَ عَلى الوَجْهِ الواقِعِ مِن أُولَئِكَ المُطَفِّفِينَ وغَيْرَهُ.
وصَحَّ مِن رِوايَةِ الحاكِمِ والطَّبَرانِيِّ وغَيْرِهِما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مَرْفُوعًا: ««خَمْسٌ بِخَمْسٍ» قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما خَمْسٌ بِخَمْسٍ؟ قالَ: «ما نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، وما حَكَمُوا بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلّا فَشا فِيهِمُ الفَقْرُ، وما ظَهَرَتْ فِيهِمُ الفاحِشَةُ إلّا فَشا فِيهِمُ المَوْتُ، ولا طَفَّفُوا الكَيْلَ إلّا مُنِعُوا النَّباتَ وأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، ولا مَنَعُوا الزَّكاةَ إلّا حُبِسَ عَنْهُمُ القَطْرُ»».
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَمُرُّ بِالبائِعِ فَيَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى وأوْفِ الكَيْلَ؛ فَإنَّ المُطَفِّفِينَ يُوقَفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ لِعَظَمَةِ الرَّحْمَنِ حَتّى إنَّ العَرَقَ لَيُلْجِمُهم. وعَنْ عِكْرِمَةَ: أشْهَدُ أنَّ كُلَّ كَيّالٍ ووَزّانٍ في النّارِ. فَقِيلَ لَهُ: إنَّ ابْنَكَ كَيّالٌ ووَزّانٌ. فَقالَ: أشْهَدُ أنَّهُ في النّارِ، وكَأنَّهُ أرادَ المُبالَغَةَ لِما عَلِمَ أنَّ الغالِبَ فِيهِمُ التَّطْفِيفُ. ومِن هَذا القَبِيلِ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا تَلْتَمِسِ الحَوائِجَ مِمَّنْ رِزْقُهُ في رُؤُوسِ المَكايِيلِ وألْسُنِ المَوازِينِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ إلَخْ عَلى مَنعِ القِيامِ لِلنّاسِ لِاخْتِصاصِهِ بِاللَّهِ تَعالى، وأجابَ عَنْهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بِأنَّهُ خاصٌّ بِالقِيامِ لِلْمَرْءِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أمّا القِيامُ لَهُ إذا قَدِمَ ثُمَّ الجُلُوسُ فَلا. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى ما ذُكِرَ لِيَحْتاجَ إلى هَذا الجَوابِ وأرى الِاسْتِدْلالَ بِها عَلى ذَلِكَ مِنَ العَجَبِ العُجابِ.
المطففين 83:7
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ عَنِ البَعْثِ والحِسابِ ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ إلَخْ. تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ أوْ وُجُوبِ الِارْتِداعِ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ و«كِتابَ» قِيلَ بِمَعْنى مَكْتُوبٍ؛ أيْ: ما يُكْتَبُ مِن أعْمالِ الفُجّارِ ﴿لَفِي﴾ إلَخْ. وقِيلَ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: كِتابَةُ عَمَلِ الفُجّارِ لَفي إلَخْ...، والمُرادُ بِ ﴿الفُجّارِ﴾ هُنا عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ الكُفّارُ، وعَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ ما يَعُمُّهم والفَسَقَةُ فَيَدْخُلُ فِيهِمُ المُطَفِّفُونَ و«سِجِّينٌ» قِيلَ: صِفَةٌ كَسِكِّيرٍ، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ عَلَمٌ لِكِتابٍ جامِعٍ وهو دِيوانُ الشَّرِّ، دُوِّنَ فِيهِ أعْمالُ الفَجَرَةِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ كَما قالَ تَعالى:
المطففين 83:8
﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ «كِتابٌ» بَدَلٌ مِن «سِجِّينٌ» أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ؛ أيْ: هو كِتابٌ، وأصْلُهُ: وصْفٌ مِن «السَّجْنِ» بِفَتْحِ السِّينِ لُقِّبَ بِهِ الكِتابُ لِأنَّهُ سَبَبُ الحَبْسِ؛ فَهو في الأصْلِ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أوْ لِأنَّهُ مُلْقًى كَما قِيلَ تَحْتَ الأرْضِينَ في مَكانٍ وحْشٍ كَأنَّهُ مَسْجُونٌ فَهو بِمَعْنى مَفْعُولٍ ولا يَلْزَمُ عَلى جَعْلِهِ عَلَمًا لِما ذُكِرَ كَوْنُ الكِتابِ ظَرْفًا لِلْكِتابِ لِما سَمِعْتَ مِن تَفْسِيرِ كِتابِ الفُجّارِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الكِتابُ المَذْكُورُ ظَرْفًا لِلْعَمَلِ المَكْتُوبِ فِيهِ أوْ ظَرْفًا لِلْكِتابَةِ. وقِيلَ: الكِتابُ عَلى ظاهِرِهِ والكَلامُ نَظِيرُ أنْ تَقُولَ: إنَّ كِتابَ حِسابِ القَرْيَةِ الفُلانِيَّةِ في الدُّسْتُورِ الفُلانِيِّ لِما يَشْتَمِلُ عَلى حِسابِها وحِسابِ أمْثالِها في أنَّ الظَّرْفِيَّةَ فِيهِ مِن ظَرْفِيَّةِ الكُلِّ لِلْجُزْءِ. وعَنِ الإمامِ: لا اسْتِبْعادَ في أنْ يُوضَعَ أحَدُهُما في الآخَرِ حَقِيقَةً أوْ يُنْقَلُ ما في أحَدِهِما لِلْآخَرِ. وعَنْ أُبَيٍّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ أيْ: مَوْضِعُ كِتابٍ، فَكِتابٌ عَلى ظاهِرِهِ و«سِجِّينٌ» مَوْضِعٌ عِنْدَهُ ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««إنَّ الفَلَقَ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطًّى، وسِجِّينٌ جُبٌّ فِيها مَفْتُوحٌ»».
وعَلَيْهِ يَكُونُ سِجِّينٌ لِشَرِّ مَوْضِعٍ في جَهَنَّمَ. وجاءَ في آثارٍ عِدَّةٍ أنَّهُ مَوْضِعٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ ولا مُنافاةَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ الخَبَرِ المَذْكُورِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ جَهَنَّمَ تَحْتَ الأرْضِ. وفي الكَشْفِ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ سِجِّينٌ عَلَمَ الكِتابِ وعَلَمَ المَوْضِعِ أيْضًا جَمْعًا بَيْنَ ظاهِرِ الآيَةِ وظَواهِرِ الأخْبارِ، وبَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ في الآيَةِ عَلَمُ المَوْضِعِ قالَ: «وما أدْراكَ سِجِّينٌ» عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: وما أدْراكَ ما كِتابُ سِجِّينٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَن قالَ بِذَلِكَ فَكِتابٌ عِنْدَهُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ «إنَّ» والظَّرْفُ الَّذِي هو ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ مُلْغًى، وتُعُقِّبَ بِأنَّ إلْغاءَهُ لا يَتَسَنّى إلّا إذا كانَ مَعْمُولًا لِلْخَبَرِ أعْنِي ( كِتابٌ ) أوْ لِصِفَتِهِ أعْنِي ( مَرْقُومٌ ) وذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّ ( كِتابٌ ) مَوْصُوفٌ فَلا يَعْمَلُ، ولِأنَّ ( مَرْقُومٌ ) الَّذِي هو
صفحة 72
صِفَتُهُ لا يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ اللّامُ في مَعْمُولِهِ ولا يَجُوزَ أنْ يَتَقَدَّمَ مَعْمُولُهُ عَلى المَوْصُوفِ وفِيهِ نَظَرٌ. وقِيلَ: ( كِتابٌ ) خَبَرٌ ثانٍ لِإنَّ، وقِيلَ: خَبَرٌ كَمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى ﴿كِتابَ الفُجّارِ﴾ ومُناطُ الفائِدَةِ الوَصْفُ، والجُمْلَةُ في البَيْنِ اعْتِراضِيَّةٌ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ: ( سِجِّينٌ ) عِبارَةٌ عَنِ الخَسارِ والهَوانِ كَما تَقُولُ: بَلَغَ فُلانٌ الحَضِيضَ. إذا صارَ في غايَةِ الخُمُولِ. والكَلامُ في ﴿وما أدْراكَ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وهَذا خِلافُ المَشْهُورِ. وزَعَمَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ نُونَهُ بَدَلٌ مِن لامٍ، وأصْلُهُ سِجِّيلٌ فَهو كَجِبْرِينَ في جِبْرِيلَ. فَلَيْسَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّجْنِ أصْلًا. و«مَرْقُومٌ» مِن رَقَمَ الكِتابَ إذا أعْجَمَهُ وبَيَّنَهُ لِئَلّا يَلْغُوَ أيُّ كِتابٍ بَيْنَ الكِتابَةِ، أوْ مِن رَقَمَ الكِتابَ إذا جَعَلَ لَهُ رَقْمًا؛ أيْ: عَلامَةً أيْ كِتابٌ مُعَلَّمٌ يَعْلَمُ مَن رَآهُ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: ( مَرْقُومٌ ) مَخْتُومٌ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: رَقَمَ الكِتابَ بِمَعْنى خَتْمَهُ، ولَمْ يَخُصَّهُ بِلُغَةٍ دُونَ لُغَةٍ. وفي البَحْرِ: ( مَرْقُومٌ ) أيْ: مُثْبَتٌ كالرَّقْمِ لا يَبْلى ولا يُمْحى وهو كَما تَرى.
وشاعَ الرَّقْمُ في الكِتابَةِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وهو أصْلُ مَعْناهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
سَأرْقُمُ في الماءِ القُراحِ إلَيْكُمُ عَلى بُعْدِكم إنْ كانَ لِلْماءِ راقِمُ
وأمّا الرَّقْمُ المَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الحِسابِ فالظّاهِرُ أنَّهُ بِمَعْنى العَلامَةِ، وخُصَّ بِعَلامَةِ العَدَدِ فِيما بَيْنَهم.
المطففين 83:9
﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ «كِتابٌ» بَدَلٌ مِن «سِجِّينٌ» أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ؛ أيْ: هو كِتابٌ، وأصْلُهُ: وصْفٌ مِن «السَّجْنِ» بِفَتْحِ السِّينِ لُقِّبَ بِهِ الكِتابُ لِأنَّهُ سَبَبُ الحَبْسِ؛ فَهو في الأصْلِ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أوْ لِأنَّهُ مُلْقًى كَما قِيلَ تَحْتَ الأرْضِينَ في مَكانٍ وحْشٍ كَأنَّهُ مَسْجُونٌ فَهو بِمَعْنى مَفْعُولٍ ولا يَلْزَمُ عَلى جَعْلِهِ عَلَمًا لِما ذُكِرَ كَوْنُ الكِتابِ ظَرْفًا لِلْكِتابِ لِما سَمِعْتَ مِن تَفْسِيرِ كِتابِ الفُجّارِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الكِتابُ المَذْكُورُ ظَرْفًا لِلْعَمَلِ المَكْتُوبِ فِيهِ أوْ ظَرْفًا لِلْكِتابَةِ. وقِيلَ: الكِتابُ عَلى ظاهِرِهِ والكَلامُ نَظِيرُ أنْ تَقُولَ: إنَّ كِتابَ حِسابِ القَرْيَةِ الفُلانِيَّةِ في الدُّسْتُورِ الفُلانِيِّ لِما يَشْتَمِلُ عَلى حِسابِها وحِسابِ أمْثالِها في أنَّ الظَّرْفِيَّةَ فِيهِ مِن ظَرْفِيَّةِ الكُلِّ لِلْجُزْءِ. وعَنِ الإمامِ: لا اسْتِبْعادَ في أنْ يُوضَعَ أحَدُهُما في الآخَرِ حَقِيقَةً أوْ يُنْقَلُ ما في أحَدِهِما لِلْآخَرِ. وعَنْ أُبَيٍّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ أيْ: مَوْضِعُ كِتابٍ، فَكِتابٌ عَلى ظاهِرِهِ و«سِجِّينٌ» مَوْضِعٌ عِنْدَهُ ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««إنَّ الفَلَقَ جُبٌّ في جَهَنَّمَ مُغَطًّى، وسِجِّينٌ جُبٌّ فِيها مَفْتُوحٌ»».
وعَلَيْهِ يَكُونُ سِجِّينٌ لِشَرِّ مَوْضِعٍ في جَهَنَّمَ. وجاءَ في آثارٍ عِدَّةٍ أنَّهُ مَوْضِعٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ ولا مُنافاةَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ الخَبَرِ المَذْكُورِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ جَهَنَّمَ تَحْتَ الأرْضِ. وفي الكَشْفِ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ سِجِّينٌ عَلَمَ الكِتابِ وعَلَمَ المَوْضِعِ أيْضًا جَمْعًا بَيْنَ ظاهِرِ الآيَةِ وظَواهِرِ الأخْبارِ، وبَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ في الآيَةِ عَلَمُ المَوْضِعِ قالَ: «وما أدْراكَ سِجِّينٌ» عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: وما أدْراكَ ما كِتابُ سِجِّينٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَن قالَ بِذَلِكَ فَكِتابٌ عِنْدَهُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ «إنَّ» والظَّرْفُ الَّذِي هو ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ مُلْغًى، وتُعُقِّبَ بِأنَّ إلْغاءَهُ لا يَتَسَنّى إلّا إذا كانَ مَعْمُولًا لِلْخَبَرِ أعْنِي ( كِتابٌ ) أوْ لِصِفَتِهِ أعْنِي ( مَرْقُومٌ ) وذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّ ( كِتابٌ ) مَوْصُوفٌ فَلا يَعْمَلُ، ولِأنَّ ( مَرْقُومٌ ) الَّذِي هو
صفحة 72
صِفَتُهُ لا يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ اللّامُ في مَعْمُولِهِ ولا يَجُوزَ أنْ يَتَقَدَّمَ مَعْمُولُهُ عَلى المَوْصُوفِ وفِيهِ نَظَرٌ. وقِيلَ: ( كِتابٌ ) خَبَرٌ ثانٍ لِإنَّ، وقِيلَ: خَبَرٌ كَمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى ﴿كِتابَ الفُجّارِ﴾ ومُناطُ الفائِدَةِ الوَصْفُ، والجُمْلَةُ في البَيْنِ اعْتِراضِيَّةٌ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ: ( سِجِّينٌ ) عِبارَةٌ عَنِ الخَسارِ والهَوانِ كَما تَقُولُ: بَلَغَ فُلانٌ الحَضِيضَ. إذا صارَ في غايَةِ الخُمُولِ. والكَلامُ في ﴿وما أدْراكَ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وهَذا خِلافُ المَشْهُورِ. وزَعَمَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ نُونَهُ بَدَلٌ مِن لامٍ، وأصْلُهُ سِجِّيلٌ فَهو كَجِبْرِينَ في جِبْرِيلَ. فَلَيْسَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّجْنِ أصْلًا. و«مَرْقُومٌ» مِن رَقَمَ الكِتابَ إذا أعْجَمَهُ وبَيَّنَهُ لِئَلّا يَلْغُوَ أيُّ كِتابٍ بَيْنَ الكِتابَةِ، أوْ مِن رَقَمَ الكِتابَ إذا جَعَلَ لَهُ رَقْمًا؛ أيْ: عَلامَةً أيْ كِتابٌ مُعَلَّمٌ يَعْلَمُ مَن رَآهُ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: ( مَرْقُومٌ ) مَخْتُومٌ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: رَقَمَ الكِتابَ بِمَعْنى خَتْمَهُ، ولَمْ يَخُصَّهُ بِلُغَةٍ دُونَ لُغَةٍ. وفي البَحْرِ: ( مَرْقُومٌ ) أيْ: مُثْبَتٌ كالرَّقْمِ لا يَبْلى ولا يُمْحى وهو كَما تَرى.
وشاعَ الرَّقْمُ في الكِتابَةِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وهو أصْلُ مَعْناهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
سَأرْقُمُ في الماءِ القُراحِ إلَيْكُمُ عَلى بُعْدِكم إنْ كانَ لِلْماءِ راقِمُ
وأمّا الرَّقْمُ المَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الحِسابِ فالظّاهِرُ أنَّهُ بِمَعْنى العَلامَةِ، وخُصَّ بِعَلامَةِ العَدَدِ فِيما بَيْنَهم.
المطففين 83:10
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والمُرادُ لِلْمُكَذِّبِينَ بِذَلِكَ اليَوْمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ذامَّةٌ لِلْمُكَذِّبِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً كاشِفَةً مُوَضِّحَةً، وقِيلَ: هو صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ فارِقَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ المُكَذِّبِينَ بِالحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ ...إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْدَ إلى المَذَمَّةِ؛ أيْ: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا كُلُّ مُتَجاوِزٍ حُدُودَ النَّظَرِ والِاعْتِبارِ غالٍ في التَّقْلِيدِ حَتّى جَعَلَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى قاصِرَةً عَنِ الإعادَةِ وعِلْمَهُ سُبْحانَهُ قاصِرًا عَنْ مَعْرِفَةِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ الَّتِي لا بُدَّ في الإعادَةِ مِنها، فَعَدَّ الإعادَةَ مُحالَةً عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ: كَثِيرُ الآثامِ مُنْهَمِكٌ في الشَّهَواتِ المُخْدِجَةِ الفانِيَةِ بِحَيْثُ شَغَلَتْهُ عَمّا وراءَها مِنَ اللَّذّاتِ التّامَّةِ الباقِيَةِ وحَمَلَتْهُ عَلى إنْكارِها ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ النّاطِقَةُ بِذَلِكَ ﴿قالَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِ وإعْراضِهِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: هي حِكاياتُ الأوَّلِينَ يَعْنِي هي أباطِيلُ جاءَ بِها الأوَّلُونَ وطالَ أمَدُ الإخْبارِ بِها ولَمْ يَظْهَرْ صِدْقُها، أوْ أباطِيلُ أُلْقِيَتْ عَلى آبائِنا الأوَّلِينَ وكَذَّبُوها ولَسْنا أوَّلَ مُكَذِّبٍ بِها حَتّى يَكُونَ التَّكْذِيبُ مِنّا عَجَلَةً وخُرُوجًا عَنْ طَرِيقِ الحَزْمِ والِاحْتِياطِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والآيَةُ قِيلَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ عَلى العُمُومِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُقْسِمٍ: «إذا يُتْلى» بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ، وقُرِئَ: «أئِذا تُتْلى» عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ.
المطففين 83:11
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والمُرادُ لِلْمُكَذِّبِينَ بِذَلِكَ اليَوْمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ذامَّةٌ لِلْمُكَذِّبِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً كاشِفَةً مُوَضِّحَةً، وقِيلَ: هو صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ فارِقَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ المُكَذِّبِينَ بِالحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ ...إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْدَ إلى المَذَمَّةِ؛ أيْ: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا كُلُّ مُتَجاوِزٍ حُدُودَ النَّظَرِ والِاعْتِبارِ غالٍ في التَّقْلِيدِ حَتّى جَعَلَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى قاصِرَةً عَنِ الإعادَةِ وعِلْمَهُ سُبْحانَهُ قاصِرًا عَنْ مَعْرِفَةِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ الَّتِي لا بُدَّ في الإعادَةِ مِنها، فَعَدَّ الإعادَةَ مُحالَةً عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ: كَثِيرُ الآثامِ مُنْهَمِكٌ في الشَّهَواتِ المُخْدِجَةِ الفانِيَةِ بِحَيْثُ شَغَلَتْهُ عَمّا وراءَها مِنَ اللَّذّاتِ التّامَّةِ الباقِيَةِ وحَمَلَتْهُ عَلى إنْكارِها ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ النّاطِقَةُ بِذَلِكَ ﴿قالَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِ وإعْراضِهِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: هي حِكاياتُ الأوَّلِينَ يَعْنِي هي أباطِيلُ جاءَ بِها الأوَّلُونَ وطالَ أمَدُ الإخْبارِ بِها ولَمْ يَظْهَرْ صِدْقُها، أوْ أباطِيلُ أُلْقِيَتْ عَلى آبائِنا الأوَّلِينَ وكَذَّبُوها ولَسْنا أوَّلَ مُكَذِّبٍ بِها حَتّى يَكُونَ التَّكْذِيبُ مِنّا عَجَلَةً وخُرُوجًا عَنْ طَرِيقِ الحَزْمِ والِاحْتِياطِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والآيَةُ قِيلَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ عَلى العُمُومِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُقْسِمٍ: «إذا يُتْلى» بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ، وقُرِئَ: «أئِذا تُتْلى» عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ.
المطففين 83:12
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والمُرادُ لِلْمُكَذِّبِينَ بِذَلِكَ اليَوْمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ذامَّةٌ لِلْمُكَذِّبِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً كاشِفَةً مُوَضِّحَةً، وقِيلَ: هو صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ فارِقَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ المُكَذِّبِينَ بِالحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ ...إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْدَ إلى المَذَمَّةِ؛ أيْ: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا كُلُّ مُتَجاوِزٍ حُدُودَ النَّظَرِ والِاعْتِبارِ غالٍ في التَّقْلِيدِ حَتّى جَعَلَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى قاصِرَةً عَنِ الإعادَةِ وعِلْمَهُ سُبْحانَهُ قاصِرًا عَنْ مَعْرِفَةِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ الَّتِي لا بُدَّ في الإعادَةِ مِنها، فَعَدَّ الإعادَةَ مُحالَةً عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ: كَثِيرُ الآثامِ مُنْهَمِكٌ في الشَّهَواتِ المُخْدِجَةِ الفانِيَةِ بِحَيْثُ شَغَلَتْهُ عَمّا وراءَها مِنَ اللَّذّاتِ التّامَّةِ الباقِيَةِ وحَمَلَتْهُ عَلى إنْكارِها ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ النّاطِقَةُ بِذَلِكَ ﴿قالَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِ وإعْراضِهِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: هي حِكاياتُ الأوَّلِينَ يَعْنِي هي أباطِيلُ جاءَ بِها الأوَّلُونَ وطالَ أمَدُ الإخْبارِ بِها ولَمْ يَظْهَرْ صِدْقُها، أوْ أباطِيلُ أُلْقِيَتْ عَلى آبائِنا الأوَّلِينَ وكَذَّبُوها ولَسْنا أوَّلَ مُكَذِّبٍ بِها حَتّى يَكُونَ التَّكْذِيبُ مِنّا عَجَلَةً وخُرُوجًا عَنْ طَرِيقِ الحَزْمِ والِاحْتِياطِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والآيَةُ قِيلَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ عَلى العُمُومِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُقْسِمٍ: «إذا يُتْلى» بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ، وقُرِئَ: «أئِذا تُتْلى» عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ.
المطففين 83:13
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والمُرادُ لِلْمُكَذِّبِينَ بِذَلِكَ اليَوْمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ذامَّةٌ لِلْمُكَذِّبِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً كاشِفَةً مُوَضِّحَةً، وقِيلَ: هو صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ فارِقَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ المُكَذِّبِينَ بِالحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ ...إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْدَ إلى المَذَمَّةِ؛ أيْ: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا كُلُّ مُتَجاوِزٍ حُدُودَ النَّظَرِ والِاعْتِبارِ غالٍ في التَّقْلِيدِ حَتّى جَعَلَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى قاصِرَةً عَنِ الإعادَةِ وعِلْمَهُ سُبْحانَهُ قاصِرًا عَنْ مَعْرِفَةِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ الَّتِي لا بُدَّ في الإعادَةِ مِنها، فَعَدَّ الإعادَةَ مُحالَةً عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ: كَثِيرُ الآثامِ مُنْهَمِكٌ في الشَّهَواتِ المُخْدِجَةِ الفانِيَةِ بِحَيْثُ شَغَلَتْهُ عَمّا وراءَها مِنَ اللَّذّاتِ التّامَّةِ الباقِيَةِ وحَمَلَتْهُ عَلى إنْكارِها ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ النّاطِقَةُ بِذَلِكَ ﴿قالَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِ وإعْراضِهِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: هي حِكاياتُ الأوَّلِينَ يَعْنِي هي أباطِيلُ جاءَ بِها الأوَّلُونَ وطالَ أمَدُ الإخْبارِ بِها ولَمْ يَظْهَرْ صِدْقُها، أوْ أباطِيلُ أُلْقِيَتْ عَلى آبائِنا الأوَّلِينَ وكَذَّبُوها ولَسْنا أوَّلَ مُكَذِّبٍ بِها حَتّى يَكُونَ التَّكْذِيبُ مِنّا عَجَلَةً وخُرُوجًا عَنْ طَرِيقِ الحَزْمِ والِاحْتِياطِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والآيَةُ قِيلَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ عَلى العُمُومِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُقْسِمٍ: «إذا يُتْلى» بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ، وقُرِئَ: «أئِذا تُتْلى» عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ.
المطففين 83:14
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْمُعْتَدِي الأثِيمِ عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ الباطِلِ وتَكْذِيبٌ لَهُ فِيهِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بَيانٌ لِما أدّى بِهِمْ إلى التَّفَوُّهِ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ؛ أيْ: لَيْسَ في آياتِنا ما يُصَحِّحُ أنْ يُقالَ في شَأْنِها مِثْلُ تِلْكَ المَقالَةِ الباطِلَةِ، بَلْ رَكِبَ قُلُوبَهم وغَلَبَ عَلَيْها ما اسْتَمَرُّوا عَلى اكْتِسابِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي حَتّى صارَ كالصَّدَأِ في المِرْآةِ فَحالَ ذَلِكَ بَيْنَهم وبَيْنَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ فَلِذَلِكَ قالُوا ما قالُوا، والرَّيْنُ في الأصْلِ الصَّدَأُ. يُقالُ: رانَ عَلَيْهِ الذَّنْبُ وغانَ عَلَيْهِ رَيْنًا وغَيْنًا ويُقالُ: رانَ فِيهِ النَّوْمُ؛ أيْ: رَسَخَ فِيهِ، وفي البَحْرِ: أصْلُ الرَّيْنِ الغَلَبَةُ؛ يُقالُ: رانَتِ الخَمْرُ عَلى عَقْلِ شارِبِها؛ أيْ: غَلَبَتْ، ورانَ الغَشْيُ عَلى عَقْلِ المَرِيضِ؛ أيْ: غَلَبَ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ مِنهُ الخُرُوجَ، وأُرِيدَ بِهِ حُبُّ المَعاصِي الرّاسِخُ بِجامِعِ أنَّهُ كالصَّدَأِ المُسَوِّدِ لِلْمِرْآةِ والفِضَّةِ مَثَلًا المُغَيِّرِ عَنِ الحالَةِ الأصْلِيَّةِ.
وأخْرَجَ
صفحة 73
الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حُبّانِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، فَإنْ تابَ ونَزَعَ واسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وإنْ عادَ زادَتْ حَتّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ»».
فَذَلِكَ الرّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الرَّيْنَ هو الطَّبْعُ وذَكَرُوا لَهُ أسْبابًا.
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ خُلَيْدِ بْنِ الحَكَمِ عَنْ أبِي المُجْبَرِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: أرْبَعُ خِصالٍ مُفْسِدَةٌ لِلْقُلُوبِ: مُجاراةُ الأحْمَقِ؛ فَإنْ جارَيْتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ، وإنْ سَكَتَّ عَنْهُ سَلِمْتَ مِنهُ، وكَثْرَةُ الذُّنُوبِ مَفْسَدَةٌ لِلْقُلُوبِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، والخَلْوَةُ بِالنِّساءِ والِاسْتِمْتاعُ بِهِنَّ والعَمَلُ بِرَأْيِهِنَّ، ومُجالَسَةُ المَوْتى». قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هُمْ؟ قالَ: «كُلُّ غَنِيٍّ قَدْ أبْطَرَهُ غِناهُ»».
وقُرِئَ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، وقالَ أبُو جَعْفَرِ ابْنُ الباذِشِ: أجْمَعُوا -يَعْنِي القُرّاءَ عَلى إدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ إلّا ما كانَ مِن وقْفِ حَفْصٍ عَلى بَلْ وقْفًا خَفِيفًا يَسِيرًا لِتَبْيِينِ الإظْهارِ ولَيْسَ كَما قالَ مِنَ الإجْماعِ فَفي اللَّوامِحِ عَنْ قالُونَ مِن جَمِيعِ طُرُقِهِ إظْهارُ اللّامِ عِنْدَ الرّاءِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ ﴿بَلْ رَبُّكُمْ﴾ وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ وقَرَأ نافِعٌ: ﴿بَلْ رانَ﴾ غَيْرَ مُدْغَمٍ وفِيهِ أيْضًا وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا بِالإدْغامِ والإمالَةِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ في اللّامِ مَعَ الرّاءِ نَحْوَ: أشْغَلَ رَحِمَهُ البَيانُ، والإدْغامُ حَسَنانِ. وقالَ أيْضًا: فَإذا كانَتْ يَعْنِي اللّامَ غَيْرَ لامِ التَّعْرِيفِ؛ نَحْوَ لامِ هَلْ وبَلْ؛ فَإنَّ الإدْغامَ أحْسَنُ، فَإنْ لَمْ تُدْغَمْ فَهي لُغَةٌ لِأهْلِ الحِجازِ، وهِي عَرَبِيَّةُ جائِزَةٌ، وفي الكَشّافِ: قُرِئَ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ وبِالإظْهارِ والإدْغامِ أجْوَدُ وأُمِيلَتِ الألِفُ وفُخِّمَتْ فَلْيُحْفَظْ.
المطففين 83:15
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ أوْ بِمَعْنى حَقًّا ﴿إنَّهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ ﴿عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ لا يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ، وهو عَزَّ وجَلَّ حاضِرٌ ناظِرٌ لَهم بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ فالحِجابُ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ المَحْجُوبَ لا يَرى ما حُجِبَ أوِ الحَجْبُ المَنعُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَمْنُوعُونَ فَلا يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ. واحْتَجَّ بِالآيَةِ مالِكٌ عَلى رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ لَهُ تَعالى مِن جِهَةِ دَلِيلِ الخِطابِ وإلّا فَلَوْ حُجِبَ الكُلُّ لَما أغْنى هَذا التَّخْصِيصُ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: لِمّا حَجَبَ سُبْحانَهُ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: لَمّا حَجَبَ عَزَّ وجَلَّ أعْداءَهُ سُبْحانَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ تَجَلّى جَلَّ شَأْنُهُ لِأوْلِيائِهِ حَتّى رَأوْهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَن أنْكَرَ رُؤْيَتَهُ تَعالى كالمُعْتَزِلَةِ قالَ: إنَّ الكَلامَ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْوُجَهاءِ المُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا الأدْنِياءُ المُهانُونَ عِنْدَهم كَما قالَ:
إذا اعْتَرَوْا بابَ ذِي عُبِّيَّةٍ رُجِبُوا والنّاسُ مِن بَيْنِ مَرْجُوبٍ ومَحْجُوبِ
أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَثَلًا لَمَحْجُوبُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ تَقْدِيرُ ذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ تَقْدِيرُ الكَرامَةِ لَكِنَّهم أرادُوا عُمُومَ المُقَدَّرِ لِلرُّؤْيَةِ وغَيْرِها مِن ألْطافِهِ تَعالى. والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ «مَحْجُوبُونَ» وهو العالَمُ في ( يَوْمَئِذٍ ) والتَّنْوِينُ فِيهِ تَنْوِينُ عِوَضٍ، والمُعَوَّضُ عَنْهُ هُنا: يَقُومُ النّاسُ السّابِقُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَمَحْجُوبُونَ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَ إذْ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ.
المطففين 83:16
﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ مُقاسُو حَرِّها عَلى ما قالَ الخَلِيلُ. وقِيلَ: داخِلُونَ فِيها، و«ثُمَّ» قِيلَ لِتَراخِي الرُّتْبَةِ، لَكِنْ بِناءً عَلى ما عِنْدَهم فَإنَّ صَلْيَ الجَحِيمِ عِنْدَهم أشَدُّ مِن حِجابِهِمْ عَنْ رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا عِنْدَ المُؤْمِنِينَ لا سِيَّما الوالِهِينَ بِهِ سُبْحانَهُ مِنهم فَإنَّ الحِجابَ عَذابٌ لا يُدانِيهِ عَذابٌ.
المطففين 83:17
﴿ثُمَّ يُقالُ﴾ لَهم تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا مِن جِهَةِ الخَزَنَةِ أوْ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
صفحة 74
فَذُوقُوا عَذابَهُ.
المطففين 83:18
﴿كَلا﴾ تَكْرِيرٌ لِلرَّدْعِ السّابِقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ إلَخْ لِيُعَقِّبَ بِوَعْدِ الأبْرارِ كَما عَقَّبَ ذاكَ بِوَعِيدِ الفُجّارِ إشْعارًا بِأنَّ التَّطْفِيفَ فُجُورٌ والإيفاءَ بِرٌّ، وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ التَّكْذِيبِ فَلا تَكْرارَ.
﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ الكَلامُ نَحْوَ ما مَرَّ في نَظِيرِهِ بَيْدَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في ﴿عِلِّيِّينَ﴾ عَلى وجْهٍ آخَرَ غَيْرِ اخْتِلافِهِمْ في ( سِجِّينٍ ) فَقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو عَلَمٌ لِدِيوانِ الخَبَرِ الَّذِي دُوِّنَ فِيهِ كُلُّ ما عَمِلَتْهُ المَلائِكَةُ وصُلَحاءُ الثَّقَلَيْنِ مَنقُولٌ مِن جَمْعٍ عَلى فَعِيلٍ مِنَ العُلُوِّ كَسَجِينٍ مِنَ السَّجْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ إمّا لِأنَّهُ سَبَبُ الِارْتِفاعِ إلى أعالِي دَرَجاتِ الجِنانِ أوْ لِأنَّهُ مَرْفُوعٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ أوْ عِنْدَ قائِمَةِ العَرْشِ اليُمْنى مَعَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ الِاسْمُ تَعْظِيمًا لَهُ.
وقِيلَ: هو المَواضِعُ العَلِيَّةُ واحِدُهُ عَلِيٌّ، وكانَ سَبِيلُهُ أنْ يُقالَ عِلِّيَّةٌ كَما قالُوا لِلْغُرْفَةِ عِلِّيَّةٌ، فَلَمّا حَذَفُوا التّاءَ عَوَّضُوا عَنْها الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي الفَتْحِ بْنِ جِنِّيٍّ وقِيلَ: هو وصْفٌ لِلْمَلائِكَةِ ولِذَلِكَ جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعِشْرِينَ وثَلاثِينَ. والعَرَبُ إذا جَمَعَتْ جَمْعًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِناءٌ واحِدٌ ولا تَثْنِيَةٌ أطْلَقُوهُ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ بِالواوِ والنُّونِ.
المطففين 83:19
﴿كَلا﴾ تَكْرِيرٌ لِلرَّدْعِ السّابِقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ إلَخْ لِيُعَقِّبَ بِوَعْدِ الأبْرارِ كَما عَقَّبَ ذاكَ بِوَعِيدِ الفُجّارِ إشْعارًا بِأنَّ التَّطْفِيفَ فُجُورٌ والإيفاءَ بِرٌّ، وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ التَّكْذِيبِ فَلا تَكْرارَ.
﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ الكَلامُ نَحْوَ ما مَرَّ في نَظِيرِهِ بَيْدَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في ﴿عِلِّيِّينَ﴾ عَلى وجْهٍ آخَرَ غَيْرِ اخْتِلافِهِمْ في ( سِجِّينٍ ) فَقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو عَلَمٌ لِدِيوانِ الخَبَرِ الَّذِي دُوِّنَ فِيهِ كُلُّ ما عَمِلَتْهُ المَلائِكَةُ وصُلَحاءُ الثَّقَلَيْنِ مَنقُولٌ مِن جَمْعٍ عَلى فَعِيلٍ مِنَ العُلُوِّ كَسَجِينٍ مِنَ السَّجْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ إمّا لِأنَّهُ سَبَبُ الِارْتِفاعِ إلى أعالِي دَرَجاتِ الجِنانِ أوْ لِأنَّهُ مَرْفُوعٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ أوْ عِنْدَ قائِمَةِ العَرْشِ اليُمْنى مَعَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ الِاسْمُ تَعْظِيمًا لَهُ.
وقِيلَ: هو المَواضِعُ العَلِيَّةُ واحِدُهُ عَلِيٌّ، وكانَ سَبِيلُهُ أنْ يُقالَ عِلِّيَّةٌ كَما قالُوا لِلْغُرْفَةِ عِلِّيَّةٌ، فَلَمّا حَذَفُوا التّاءَ عَوَّضُوا عَنْها الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي الفَتْحِ بْنِ جِنِّيٍّ وقِيلَ: هو وصْفٌ لِلْمَلائِكَةِ ولِذَلِكَ جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعِشْرِينَ وثَلاثِينَ. والعَرَبُ إذا جَمَعَتْ جَمْعًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِناءٌ واحِدٌ ولا تَثْنِيَةٌ أطْلَقُوهُ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ بِالواوِ والنُّونِ.
المطففين 83:20
﴿كَلا﴾ تَكْرِيرٌ لِلرَّدْعِ السّابِقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ إلَخْ لِيُعَقِّبَ بِوَعْدِ الأبْرارِ كَما عَقَّبَ ذاكَ بِوَعِيدِ الفُجّارِ إشْعارًا بِأنَّ التَّطْفِيفَ فُجُورٌ والإيفاءَ بِرٌّ، وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ التَّكْذِيبِ فَلا تَكْرارَ.
﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ الكَلامُ نَحْوَ ما مَرَّ في نَظِيرِهِ بَيْدَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في ﴿عِلِّيِّينَ﴾ عَلى وجْهٍ آخَرَ غَيْرِ اخْتِلافِهِمْ في ( سِجِّينٍ ) فَقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو عَلَمٌ لِدِيوانِ الخَبَرِ الَّذِي دُوِّنَ فِيهِ كُلُّ ما عَمِلَتْهُ المَلائِكَةُ وصُلَحاءُ الثَّقَلَيْنِ مَنقُولٌ مِن جَمْعٍ عَلى فَعِيلٍ مِنَ العُلُوِّ كَسَجِينٍ مِنَ السَّجْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ إمّا لِأنَّهُ سَبَبُ الِارْتِفاعِ إلى أعالِي دَرَجاتِ الجِنانِ أوْ لِأنَّهُ مَرْفُوعٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ أوْ عِنْدَ قائِمَةِ العَرْشِ اليُمْنى مَعَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ الِاسْمُ تَعْظِيمًا لَهُ.
وقِيلَ: هو المَواضِعُ العَلِيَّةُ واحِدُهُ عَلِيٌّ، وكانَ سَبِيلُهُ أنْ يُقالَ عِلِّيَّةٌ كَما قالُوا لِلْغُرْفَةِ عِلِّيَّةٌ، فَلَمّا حَذَفُوا التّاءَ عَوَّضُوا عَنْها الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي الفَتْحِ بْنِ جِنِّيٍّ وقِيلَ: هو وصْفٌ لِلْمَلائِكَةِ ولِذَلِكَ جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعِشْرِينَ وثَلاثِينَ. والعَرَبُ إذا جَمَعَتْ جَمْعًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِناءٌ واحِدٌ ولا تَثْنِيَةٌ أطْلَقُوهُ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ بِالواوِ والنُّونِ.
المطففين 83:21
﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِكِتابٍ؛ أيْ: يَحْضُرُونَهُ عَلى أنْ يَشْهَدَ مِنَ الشُّهُودِ بِمَعْنى الحُضُورِ، وحُضُورُهُ كِنايَةٌ عَنْ حِفْظِهِ في الخارِجِ أوْ يَشْهَدُونَ بِما فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أنَّهُ مِنَ الشَّهادَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ المُرادُ بِالمُقَرَّبِينَ جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَذا قالُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ خالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ وأبِي عُجَيْلٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَألَ كَعْبًا عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّ المُؤْمِنَ يَحْضُرُهُ المَوْتُ ويَحْضُرُهُ رُسُلُ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلا هم يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُؤَخِّرُوهُ ساعَةً ولا يُعَجِّلُوهُ حَتّى تَجِيءَ ساعَتُهُ، فَإذا جاءَتْ ساعَتُهُ قَبَضُوا نَفْسَهُ فَدَفَعُوهُ إلى مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ فَأرَوْهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُرُوهُ مِنَ الخَيْرِ، ثُمَّ عَرَجُوا بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ فَيُشَيِّعُهُ مِن كُلِّ سَماءٍ مُقَرَّبُوها حَتّى يَنْتَهُوا بِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ فَيَضَعُونَهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ ولا يَنْتَظِرُونَ بِهِ صَلاتَكم عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ هَذا عَبْدُكَ فُلانٌ قَبَضْنا نَفْسَهُ، ويَدْعُونَ لَهُ بِما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَدْعُوا لَهُ، فَنَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُشْهِدَنا اليَوْمَ كِتابَهُ فَيُنْشَرُ كِتابُهُ مِن تَحْتِ العَرْشِ فَيُثْبِتُونَ اسْمَهُ فِيهِ وهم شُهُودٌ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ وسَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ الآيَةَ. فَقالَ: إنَّ العَبْدَ الكافِرَ يَحْضُرُهُ المَوْتُ ويَحْضُرُهُ رُسُلُ رَبِّهِ سُبْحانَهُ فَإذا جاءَتْ ساعَتُهُ قَبَضُوا نَفْسَهُ فَدَفَعُوهُ إلى مَلائِكَةِ العَذابِ فَأرَوْهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُرُوهُ مِنَ الشَّرِّ، ثُمَّ هَبَطُوا بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى وهو سِجِّينٌ وهي آخِرُ سُلْطانِ إبْلِيسَ فَأثْبَتُوا كِتابَهُ فِيها الحَدِيثَ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما ظاهِرُهُ أنَّ نَفْسَ العَمَلِ يَكُونُ في سِجْنٍ ويَكُونُ في عِلِّيِّينَ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ عَنْ صَخْرِ بْنِ حَبِيبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ المَلائِكَةَ يَرْفَعُونَ أعْمالَ العَبْدِ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى يَسْتَكْثِرُونَهُ ويُزَكُّونَهُ حَتّى يَبْلُغُوا بِهِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن سُلْطانِهِ، فَيُوحِي اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إنَّكم حَفَظَةٌ عَلى عَمَلِ عَبْدِي وأنا رَقِيبٌ عَلى ما في نَفْسِهِ، إنَّ عَبْدِي هَذا لَمْ يُخْلِصْ لِي عَمَلَهُ فاجْعَلُوهُ في سِجِّينٍ، ويَصْعَدُونَ بِعَمَلِ العَبْدِ يَسْتَقِلُّونَهُ ويَسْتَحْقِرُونَهُ حَتّى يَبْلُغُوا بِهِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن سُلْطانِهِ فَيُوحِي اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إنَّكُمْ: حَفَظَةٌ عَلى عَمَلِ عَبْدِي وأنا رَقِيبٌ عَلى ما في نَفْسِهِ؛ إنَّ عَبْدِي هَذا أخْلَصَ لِي عَمَلَهُ فاجْعَلُوهُ في عِلِّيِّينَ»».
وبِأدْنى تَأْوِيلٍ يَرْجِعُ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ. فَلا تَغْفُلْ.
المطففين 83:22
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَحاسِنِ أحْوالِهِمْ إثْرَ بَيانِ حالِ كِتابِهِمْ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا حالُ كِتابِهِمْ فَما حالُهُمْ؟ فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ؛ أيْ: إنَّهم لَفي نَعِيمٍ عَظِيمٍ ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيْ: عَلى الأسِرَّةِ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ فِيها ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: إلى ما شاؤُوا مِن رَغائِبِ مَناظِرِ الجَنَّةِ وما تَحْجُبُ الحِجالُ أبْصارَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: إلى
صفحة 75
ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنَ الكَراماتِ. وقالَ مُقاتِلٌ: إلى أهْلِ النّارِ أعْدائِهِمْ ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضٌ لِيَكُونَ ما في آخِرِ السُّورَةِ تَأْسِيسًا، وقِيلَ: يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَلا يُحْجَبُ حَبِيبٌ عَنْ حَبِيبِهِ. وقِيلَ: النَّظَرُ كِنايَةٌ عَنْ سَلْبِ النَّوْمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَنامُونَ وكَأنَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ النَّوْمِ مِن ذِكْرِ الأرائِكِ المُعَدَّةِ لِلنَّوْمِ غالِبًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا نَوْمَ في الجَنَّةِ كَما ورَدَتْ في الأخْبارِ لِما فِيهِ مِن زَوالِ الشُّعُورِ وغَفْلَةِ الحَواسِّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ ذَلِكَ المَقامَ. وعَلَيْهِ يَكُونُ.
المطففين 83:23
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَحاسِنِ أحْوالِهِمْ إثْرَ بَيانِ حالِ كِتابِهِمْ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا حالُ كِتابِهِمْ فَما حالُهُمْ؟ فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ؛ أيْ: إنَّهم لَفي نَعِيمٍ عَظِيمٍ ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيْ: عَلى الأسِرَّةِ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ فِيها ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: إلى ما شاؤُوا مِن رَغائِبِ مَناظِرِ الجَنَّةِ وما تَحْجُبُ الحِجالُ أبْصارَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: إلى
صفحة 75
ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنَ الكَراماتِ. وقالَ مُقاتِلٌ: إلى أهْلِ النّارِ أعْدائِهِمْ ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضٌ لِيَكُونَ ما في آخِرِ السُّورَةِ تَأْسِيسًا، وقِيلَ: يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَلا يُحْجَبُ حَبِيبٌ عَنْ حَبِيبِهِ. وقِيلَ: النَّظَرُ كِنايَةٌ عَنْ سَلْبِ النَّوْمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَنامُونَ وكَأنَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ النَّوْمِ مِن ذِكْرِ الأرائِكِ المُعَدَّةِ لِلنَّوْمِ غالِبًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا نَوْمَ في الجَنَّةِ كَما ورَدَتْ في الأخْبارِ لِما فِيهِ مِن زَوالِ الشُّعُورِ وغَفْلَةِ الحَواسِّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ ذَلِكَ المَقامَ. وعَلَيْهِ يَكُونُ.
المطففين 83:24
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أيْ: بَهْجَةَ النَّعِيمِ ورَوْنَقَهُ لِنَفْيِ ما يُوهِمُهُ سَلْبُ النَّوْمِ مِنَ الضَّعْفِ وتَغَيُّرِ بَهْجَةِ الوَجْهِ كَما في الدُّنْيا وهو وجْهٌ لا يَعْرِفُ فِيهِ النّاظِرَ نَضْرَةَ التَّحْقِيقِ، والخِطابُ في تَعَرُّفٍ لِكُلِّ مَن لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما لَهم مِن آثارِ النِّعْمَةِ وأحْكامِ البَهْجَةِ بِحَيْثُ لا يَخْتَصُّ بِراءٍ دُونَ راءٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وطَلْحَةُ وشَيْبَةُ ويَعْقُوبُ: «تُعْرَفُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: «نَضْرَةُ» رَفْعًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ نائِبُ فاعِلِ «تُعْرَفُ» ضَمِيرَ «الأبْرارَ» و«فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةُ» مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. كَأنَّهُ قِيلَ: تُعْرَفُ الأبْرارُ بِأنَّ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ قَرَأ: «يُعْرَفُ» بِالياءِ إذْ تَأْنِيثُ ( نَضْرَةَ ) مَجازِيٌّ.
المطففين 83:25
﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ قالَ الخَلِيلُ: هو أجْوَدُ الخَمْرِ، وقالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: الشَّرابُ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ، قالَ حَسّانُ:
يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وفَسَّرَها هُنا بِالشَّرابِ الخالِصِ مِمّا يُكَدِّرُ حَتّى الغَوْلِ ﴿مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أيْ: مَخْتُومٌ أوانِيهِ وأكْوابُهُ بِالمِسْكِ مَكانَ الطِّينِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وذُكِرَ أنَّ طِينَ الجَنَّةِ مِسْكٌ مَعْجُونٌ، والظّاهِرُ أنَّ الخِتامَ ما يُخْتَمُ بِهِ، وأنَّ الخَتْمَ عَلى حَقِيقَتِهِ وكَذا إسْنادُهُ. وقَوْلُنا: مَخْتُومٌ أوانِيهِ إلَخْ لَيْسَ لِأنَّ الإسْنادَ مَجازِيٌّ بَلْ لِأنَّ الخَتْمَ عَلى الشَّيْءِ أعْنِي الِاسْتِيثاقَ مِنهُ بِالخَتْمِ طَرِيقُهُ ذَلِكَ، وخُتِمَ اعْتِناءً بِهِ وإظْهارًا لِكَرامَةِ شارِبِهِ، وكانَ ذَلِكَ بِما هو عَلى هَيْئَةِ الطِّينِ لِيَكُونَ عَلى النَّهْجِ المَأْلُوفِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْثِيلًا لِكَمالِ نَفاسَتِهِ وإلّا فَلَيْسَ ثَمَّةَ غُبارٌ أوْ ذُبابٌ أوْ خِيانَةٌ لِيُصانَ عَلى ذَلِكَ بِالخَتْمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ: المَعْنى خاتِمَتُهُ ونِهايَتُهُ رائِحَةُ مِسْكٍ إذا شُرِبَ؛ أيْ: يَجِدُ شارِبُهُ ذَلِكَ عِنْدَ انْتِهاءِ شُرْبِهِ، وكانَ ذَلِكَ لِأنَّ اشْتِغالَ الذّائِقَةِ بِكَمالِ لَذَّتِهِ تَمْنَعُ عَنْ إدْراكِ الرّائِحَةِ فَإذا انْقَطَعَ الشُّرْبُ أُدْرِكَتْ وإلّا فالرّائِحَةُ لا تَخْتَصُّ بِالِانْتِهاءِ. وقِيلَ: المَعْنى ذُو نِهايَةٍ نِهايَتُهُ وما يَبْقى بَعْدَ شُرْبِهِ ويُشْرَبُ في أوانِيهِ مِسْكٌ ولَيْسَ كَشَرابِ الدُّنْيا نِهايَتُهُ. وما يَرْسُبُ في إنائِهِ طِينٌ أوْ نَحْوُهُ وهو كَما تَرى. وقِيلَ: إنَّ الرَّحِيقَ يُمْزَجُ بِالكافُورِ ويُخْتَمُ مِزاجُهُ بِالمِسْكِ، فالمَعْنى: ذُو خِتامٍ خِتامُ مِزاجِهِ مِسْكٌ وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ وفِيما بَعْدُ ما يُبْعِدُهُ في الجُمْلَةِ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والنَّخَعِيُّ والضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والكِسائِيُّ: «خاتَمُهُ» بِألِفٍ بَعْدَ الخاءِ وفَتْحِ التّاءِ والمُرادُ ما يُخْتَمُ بِهِ أيْضًا؛ فَإنَّ فاعَلًا بِالفَتْحِ يَكُونُ أيْضًا اسْمَ آلَةٍ كالقالَبِ والطّابَعِ لَكِنَّهُ سَماعِيٌّ. وعَنِ الضَّحّاكِ وعِيسى وأحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيِّ عَنِ الكِسائِيِّ كَسْرُ التّاءِ؛ أيْ: آخِرُهُ رائِحَةُ مِسْكٍ، والجُمَلُ السّابِقَةُ أعْنِي: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ و﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ﴾ إلَخْ ﴿ويُسْقَوْنَ﴾ إلَخْ قِيلَ: أحْوالٌ مُتَرادِفَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَأْنِفاتٌ كَجُمْلَةِ ( إنَّ الأبْرارَ ) إلَخْ وقَعَتْ أجْوِبَةً لِلسُّؤالِ عَنْ حالِهِمْ، والفَصْلُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ في بَيانِ كَرامَتِهِمْ.
﴿وفِي ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّحِيقِ وهو الأنْسَبُ بِما بَعْدُ أوْ إلى ما ذُكِرَ مِن أحْوالِهِمْ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ في الجَنَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَتَنافَسِ﴾ وقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ أوْ لِلْحَصْرِ؛ أيْ: فَلْيَتَنافَسْ
صفحة 76
ولْيَرْغَبْ فِيهِ لا في خُمُورِ الدُّنْيا أوْ لا في غَيْرِهِ مِن مَلاذِّها ونَعِيمِها ﴿المُتَنافِسُونَ﴾ أيِ الرّاغِبُونَ في المُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أيْ: فَلْيَعْمَلْ لِأجْلِهِ؛ أيْ: لِأجْلِ تَحْصِيلِهِ خاصَّةً والفَوْزِ بِهِ العامِلُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أيْ: فَلْيُسْتَبَقْ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المُتَسابِقُونَ، وأصْلُ التَّنافُسِ التَّغالُبُ في الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وأصْلُهُ مِنَ النَّفْسِ لِعِزَّتِها.
قالَ الواحِدِيُّ: نَفَسْتُ الشَّيْءَ أنْفُسُهُ نَفاسَةً، والتَّنافُسُ تَفاعُلٌ مِنهُ كَأنَّ واحِدًا مِنَ الشَّخْصَيْنِ يُرِيدُ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ. وقالَ البَغَوِيُّ: أصْلُهُ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ الَّذِي تَحْرِصُ عَلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ ويُرِيدُهُ كُلُّ أحَدٍ لِنَفْسِهِ، ويُقالُ: نَفِسْتُ عَلَيْهِ بِالشَّيْءِ أنْفُسُ نَفاسَةً إذا بَخِلْتَ بِهِ عَلَيْهِ. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: المُنافَسَةُ مُجاهَدَةُ النَّفْسِ لِلتَّشَبُّهِ بِالأفاضِلِ واللُّحُوقِ بِهِمْ مِن غَيْرِ إدْخالِ ضَرَرٍ عَلى غَيْرِهِ، وهي بِهَذا المَعْنى مِن شَرَفِ النَّفْسِ وعُلُوِّ الهِمَّةِ، والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الحَسَدِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ دُخُولُ العاطِفِ عَلى العاطِفِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ و«فَلْيُتَنافَسْ في ذَلِكَ». وأُجِيبَ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: يَقُولُونَ لِشِدَّةِ التَّلَذُّذِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ مِن ذَلِكَ: ﴿فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا عَلى مَعْنى أنَّهُ كانَ اللّائِقُ بِهِمْ أنْ يَتَنافَسُوا في ذَلِكَ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الشَّرْطِ، والفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِهِ؛ أيْ: وإنْ أُرِيدَ تَنافُسٌ فَلْيَتَنافَسْ في ذَلِكَ المُتَنافِسُونَ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِيَكُونَ عِوَضًا عَنِ الشَّرْطِ في شَغْلِ حَيِّزِهِ وهو أنْفَسُ مِمّا تَقَدَّمَ.
المطففين 83:26
﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ قالَ الخَلِيلُ: هو أجْوَدُ الخَمْرِ، وقالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: الشَّرابُ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ، قالَ حَسّانُ:
يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وفَسَّرَها هُنا بِالشَّرابِ الخالِصِ مِمّا يُكَدِّرُ حَتّى الغَوْلِ ﴿مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أيْ: مَخْتُومٌ أوانِيهِ وأكْوابُهُ بِالمِسْكِ مَكانَ الطِّينِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وذُكِرَ أنَّ طِينَ الجَنَّةِ مِسْكٌ مَعْجُونٌ، والظّاهِرُ أنَّ الخِتامَ ما يُخْتَمُ بِهِ، وأنَّ الخَتْمَ عَلى حَقِيقَتِهِ وكَذا إسْنادُهُ. وقَوْلُنا: مَخْتُومٌ أوانِيهِ إلَخْ لَيْسَ لِأنَّ الإسْنادَ مَجازِيٌّ بَلْ لِأنَّ الخَتْمَ عَلى الشَّيْءِ أعْنِي الِاسْتِيثاقَ مِنهُ بِالخَتْمِ طَرِيقُهُ ذَلِكَ، وخُتِمَ اعْتِناءً بِهِ وإظْهارًا لِكَرامَةِ شارِبِهِ، وكانَ ذَلِكَ بِما هو عَلى هَيْئَةِ الطِّينِ لِيَكُونَ عَلى النَّهْجِ المَأْلُوفِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْثِيلًا لِكَمالِ نَفاسَتِهِ وإلّا فَلَيْسَ ثَمَّةَ غُبارٌ أوْ ذُبابٌ أوْ خِيانَةٌ لِيُصانَ عَلى ذَلِكَ بِالخَتْمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ: المَعْنى خاتِمَتُهُ ونِهايَتُهُ رائِحَةُ مِسْكٍ إذا شُرِبَ؛ أيْ: يَجِدُ شارِبُهُ ذَلِكَ عِنْدَ انْتِهاءِ شُرْبِهِ، وكانَ ذَلِكَ لِأنَّ اشْتِغالَ الذّائِقَةِ بِكَمالِ لَذَّتِهِ تَمْنَعُ عَنْ إدْراكِ الرّائِحَةِ فَإذا انْقَطَعَ الشُّرْبُ أُدْرِكَتْ وإلّا فالرّائِحَةُ لا تَخْتَصُّ بِالِانْتِهاءِ. وقِيلَ: المَعْنى ذُو نِهايَةٍ نِهايَتُهُ وما يَبْقى بَعْدَ شُرْبِهِ ويُشْرَبُ في أوانِيهِ مِسْكٌ ولَيْسَ كَشَرابِ الدُّنْيا نِهايَتُهُ. وما يَرْسُبُ في إنائِهِ طِينٌ أوْ نَحْوُهُ وهو كَما تَرى. وقِيلَ: إنَّ الرَّحِيقَ يُمْزَجُ بِالكافُورِ ويُخْتَمُ مِزاجُهُ بِالمِسْكِ، فالمَعْنى: ذُو خِتامٍ خِتامُ مِزاجِهِ مِسْكٌ وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ وفِيما بَعْدُ ما يُبْعِدُهُ في الجُمْلَةِ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والنَّخَعِيُّ والضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والكِسائِيُّ: «خاتَمُهُ» بِألِفٍ بَعْدَ الخاءِ وفَتْحِ التّاءِ والمُرادُ ما يُخْتَمُ بِهِ أيْضًا؛ فَإنَّ فاعَلًا بِالفَتْحِ يَكُونُ أيْضًا اسْمَ آلَةٍ كالقالَبِ والطّابَعِ لَكِنَّهُ سَماعِيٌّ. وعَنِ الضَّحّاكِ وعِيسى وأحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيِّ عَنِ الكِسائِيِّ كَسْرُ التّاءِ؛ أيْ: آخِرُهُ رائِحَةُ مِسْكٍ، والجُمَلُ السّابِقَةُ أعْنِي: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ و﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ﴾ إلَخْ ﴿ويُسْقَوْنَ﴾ إلَخْ قِيلَ: أحْوالٌ مُتَرادِفَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَأْنِفاتٌ كَجُمْلَةِ ( إنَّ الأبْرارَ ) إلَخْ وقَعَتْ أجْوِبَةً لِلسُّؤالِ عَنْ حالِهِمْ، والفَصْلُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ في بَيانِ كَرامَتِهِمْ.
﴿وفِي ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّحِيقِ وهو الأنْسَبُ بِما بَعْدُ أوْ إلى ما ذُكِرَ مِن أحْوالِهِمْ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ في الجَنَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَتَنافَسِ﴾ وقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ أوْ لِلْحَصْرِ؛ أيْ: فَلْيَتَنافَسْ
صفحة 76
ولْيَرْغَبْ فِيهِ لا في خُمُورِ الدُّنْيا أوْ لا في غَيْرِهِ مِن مَلاذِّها ونَعِيمِها ﴿المُتَنافِسُونَ﴾ أيِ الرّاغِبُونَ في المُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أيْ: فَلْيَعْمَلْ لِأجْلِهِ؛ أيْ: لِأجْلِ تَحْصِيلِهِ خاصَّةً والفَوْزِ بِهِ العامِلُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أيْ: فَلْيُسْتَبَقْ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المُتَسابِقُونَ، وأصْلُ التَّنافُسِ التَّغالُبُ في الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وأصْلُهُ مِنَ النَّفْسِ لِعِزَّتِها.
قالَ الواحِدِيُّ: نَفَسْتُ الشَّيْءَ أنْفُسُهُ نَفاسَةً، والتَّنافُسُ تَفاعُلٌ مِنهُ كَأنَّ واحِدًا مِنَ الشَّخْصَيْنِ يُرِيدُ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ. وقالَ البَغَوِيُّ: أصْلُهُ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ الَّذِي تَحْرِصُ عَلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ ويُرِيدُهُ كُلُّ أحَدٍ لِنَفْسِهِ، ويُقالُ: نَفِسْتُ عَلَيْهِ بِالشَّيْءِ أنْفُسُ نَفاسَةً إذا بَخِلْتَ بِهِ عَلَيْهِ. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: المُنافَسَةُ مُجاهَدَةُ النَّفْسِ لِلتَّشَبُّهِ بِالأفاضِلِ واللُّحُوقِ بِهِمْ مِن غَيْرِ إدْخالِ ضَرَرٍ عَلى غَيْرِهِ، وهي بِهَذا المَعْنى مِن شَرَفِ النَّفْسِ وعُلُوِّ الهِمَّةِ، والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الحَسَدِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ دُخُولُ العاطِفِ عَلى العاطِفِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ و«فَلْيُتَنافَسْ في ذَلِكَ». وأُجِيبَ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: يَقُولُونَ لِشِدَّةِ التَّلَذُّذِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ مِن ذَلِكَ: ﴿فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا عَلى مَعْنى أنَّهُ كانَ اللّائِقُ بِهِمْ أنْ يَتَنافَسُوا في ذَلِكَ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الشَّرْطِ، والفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِهِ؛ أيْ: وإنْ أُرِيدَ تَنافُسٌ فَلْيَتَنافَسْ في ذَلِكَ المُتَنافِسُونَ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِيَكُونَ عِوَضًا عَنِ الشَّرْطِ في شَغْلِ حَيِّزِهِ وهو أنْفَسُ مِمّا تَقَدَّمَ.
المطففين 83:27
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِرَحِيقٍ مِثْلُهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَفاسَتِهِ، و﴿تَسْنِيمٍ﴾ عَلَمٌ لِعَيْنٍ بِعَيْنِها في الجَنَّةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ أنَّهُ قالَ: عَيْنٌ مِن عَدْنٍ سُمِّيَتْ بِالتَّسْنِيمِ الَّذِي هو مَصْدَرُ سَنَمَهُ إذا رَفَعَهُ؛ إمّا لِأنَّ شَرابَها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، ورُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُتَسَنِّمَةً فَتَنْصَبُّ في أوانِيهِمْ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرِفْعَةِ مَن يَشْرَبُ بِها، ولا يَلْزَمُ مَن كَوْنِهِ عَلَمًا لِما ذُكِرَ مَنعُ صَرْفِهِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ العَيْنَ مُؤَنَّثَةٌ؛ إذْ هي قَدْ تُذَكَّرُ بِتَأْوِيلِ الماءِ أوْ نَحْوِهِ و«مِن» بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: ما يُمْزَجُ بِهِ ذَلِكَ الرَّحِيقُ هو تَسْنِيمٌ؛ أيْ: ماءُ تِلْكَ العَيْنِ أوْ بَعْضُ ذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً.
﴿عَيْنًا﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى الحالِ مِن تَسْنِيمٍ. قِيلَ: وصَحَّ كَوْنُهُ حالًا مَعَ جُمُودِهِ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِمُشْتَقٍّ كَجارِيَةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاشْتِقاقَ غَيْرُ لازِمٍ، والباءُ إمّا زائِدَةٌ؛ أيْ: يَشْرَبُها أوْ بِمَعْنى مِن؛ أيْ: يَشْرَبُ مِنها، أوْ عَلى تَضْمِينِ يَشْرَبُ مَعْنى يَرْوى؛ أيْ: يَشْرَبُ راوِينَ بِها أوْ يَرْوى بِها شارِبِينَ المُقَرَّبُونَ أوْ صِلَةُ الِالتِذاذِ؛ أيْ: يَشْرَبُ مُلْتَذًّا بِها، أوِ الِامْتِزاجِ؛ أيْ: يَشْرَبُ الرَّحِيقَ مُمْتَزِجًا بِها، أوِ الِاكْتِفاءِ؛ أيْ: يَشْرَبُ مُكْتَفِينَ بِها، أوْجُهٌ ذَكَرُوها، وفي كَوْنِها صِلَةَ الِامْتِزاجِ مَقالٌ؛ فَقَدْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو صالِحٍ: يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ صِرْفًا وتُمْزَجُ لِلْأبْرارِ، ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ أنَّ الأبْرارَ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأنَّ المُقَرَّبِينَ هُمُ السّابِقُونَ كَأنَّهم إنَّما كانَ شَرابُهم صِرْفَ التَّسْنِيمِ لِاشْتِغالِهِمْ عَنِ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ بِمَحَبَّةِ الحَيِّ القَيُّومِ؛ فَهي الرَّحِيقُ الَّتِي لا يُقاسُ بِها رَحِيقٌ، والمُدامَةُ الَّتِي تَواصى عَلى شُرْبِها ذَوُو الأذْواقِ والتَّحْقِيقِ:
عَلى نَفْسِهِ فَلْيَبْكِ مَن ضاعَ عُمْرُهُ ولَيْسَ لَهُ مِنها نَصِيبٌ ولا سَهْمُ
وقالَ قَوْمٌ: الأبْرارُ والمُقَرَّبُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ يَشْمَلُ كُلَّ مَن نُعِّمَ في الجَنَّةِ.
المطففين 83:28
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِرَحِيقٍ مِثْلُهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَفاسَتِهِ، و﴿تَسْنِيمٍ﴾ عَلَمٌ لِعَيْنٍ بِعَيْنِها في الجَنَّةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ أنَّهُ قالَ: عَيْنٌ مِن عَدْنٍ سُمِّيَتْ بِالتَّسْنِيمِ الَّذِي هو مَصْدَرُ سَنَمَهُ إذا رَفَعَهُ؛ إمّا لِأنَّ شَرابَها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، ورُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُتَسَنِّمَةً فَتَنْصَبُّ في أوانِيهِمْ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرِفْعَةِ مَن يَشْرَبُ بِها، ولا يَلْزَمُ مَن كَوْنِهِ عَلَمًا لِما ذُكِرَ مَنعُ صَرْفِهِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ العَيْنَ مُؤَنَّثَةٌ؛ إذْ هي قَدْ تُذَكَّرُ بِتَأْوِيلِ الماءِ أوْ نَحْوِهِ و«مِن» بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: ما يُمْزَجُ بِهِ ذَلِكَ الرَّحِيقُ هو تَسْنِيمٌ؛ أيْ: ماءُ تِلْكَ العَيْنِ أوْ بَعْضُ ذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً.
﴿عَيْنًا﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى الحالِ مِن تَسْنِيمٍ. قِيلَ: وصَحَّ كَوْنُهُ حالًا مَعَ جُمُودِهِ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِمُشْتَقٍّ كَجارِيَةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاشْتِقاقَ غَيْرُ لازِمٍ، والباءُ إمّا زائِدَةٌ؛ أيْ: يَشْرَبُها أوْ بِمَعْنى مِن؛ أيْ: يَشْرَبُ مِنها، أوْ عَلى تَضْمِينِ يَشْرَبُ مَعْنى يَرْوى؛ أيْ: يَشْرَبُ راوِينَ بِها أوْ يَرْوى بِها شارِبِينَ المُقَرَّبُونَ أوْ صِلَةُ الِالتِذاذِ؛ أيْ: يَشْرَبُ مُلْتَذًّا بِها، أوِ الِامْتِزاجِ؛ أيْ: يَشْرَبُ الرَّحِيقَ مُمْتَزِجًا بِها، أوِ الِاكْتِفاءِ؛ أيْ: يَشْرَبُ مُكْتَفِينَ بِها، أوْجُهٌ ذَكَرُوها، وفي كَوْنِها صِلَةَ الِامْتِزاجِ مَقالٌ؛ فَقَدْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو صالِحٍ: يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ صِرْفًا وتُمْزَجُ لِلْأبْرارِ، ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ أنَّ الأبْرارَ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأنَّ المُقَرَّبِينَ هُمُ السّابِقُونَ كَأنَّهم إنَّما كانَ شَرابُهم صِرْفَ التَّسْنِيمِ لِاشْتِغالِهِمْ عَنِ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ بِمَحَبَّةِ الحَيِّ القَيُّومِ؛ فَهي الرَّحِيقُ الَّتِي لا يُقاسُ بِها رَحِيقٌ، والمُدامَةُ الَّتِي تَواصى عَلى شُرْبِها ذَوُو الأذْواقِ والتَّحْقِيقِ:
عَلى نَفْسِهِ فَلْيَبْكِ مَن ضاعَ عُمْرُهُ ولَيْسَ لَهُ مِنها نَصِيبٌ ولا سَهْمُ
وقالَ قَوْمٌ: الأبْرارُ والمُقَرَّبُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ يَشْمَلُ كُلَّ مَن نُعِّمَ في الجَنَّةِ.
المطففين 83:29
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ إلَخْ حِكايَةٌ لِبَعْضِ قَبائِحِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنِ وائِلٍ وأشْياعِهِمْ، جِيءَ بِها تَمْهِيدًا لِذِكْرِ بَعْضِ أحْوالِ الأبْرارِ في الجَنَّةِ.
﴿كانُوا﴾ أيْ: في الدُّنْيا كَما قالَ قَتادَةُ ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِفُقَرائِهِمْ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الفُقَراءِ.
وفِي البَحْرِ: رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ
صفحة 77
تَعالى وجْهَهُ وجَمْعًا مِنَ المُؤْمِنِينَ مَعَهُ مَرُّوا بِجَمْعٍ مِن كُفّارِ مَكَّةَ فَضَحِكُوا مِنهم واسْتَخَفُّوا بِهِمْ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ إلَخْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وفي الكَشّافِ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنِ المُنافِقِينَ وأنَّهم قالُوا: رَبُّنا اليَوْمَ الأصْلَعُ؛ أيْ: سَيِّدُنا؛ يَعْنُونَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وإنَّما قالُوهُ اسْتِهْزاءً، ولَعَلَّ الأوَّلَ أصَحُّ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ إمّا لِلْقَصْرِ إشْعارًا بِغايَةِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا؛ أيْ: كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مَعَ ظُهُورِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ ﴿وإذا مَرُّوا﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ ﴿بِهِمْ﴾ أيْ: بِالَّذِينِ أجْرَمُوا وهم في أنْدِيَتِهِمْ ﴿يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ: يَغْمِزُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُشِيرُونَ بِأعْيُنِهِمُ اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، وإرْجاعُ ضَمِيرِ «مَرُّوا» لِلْمُؤْمِنِينَ وضَمِيرِ «بِهِمْ» لِلْمُجْرِمِينَ هو الأظْهَرُ الأوْفَقُ بِحِكايَةِ سَبَبِ النُّزُولِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ العَكْسَ مُعَلِّلًا لَهُ بِتَناسُقِ الضَّمائِرِ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ أيِ المُجْرِمُونَ ورَجَعُوا مِن مَجالِسِهِمْ ﴿إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُلْتَذِّينَ بِاسْتِخْفافِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ.
وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ الإشارَةَ إلى أنَّهم يَعُدُّونَ صَنِيعَهم ذَلِكَ مِن أحْسَنِ ما اكْتَسَبُوهُ في غَيْبَتِهِمْ عَنْ أهْلِهِمْ أوْ إلى أنَّ لَهُ وقْعًا في قُلُوبِهِمْ ولَمْ يَفْعَلُوهُ مُراعاةً لِأحَدٍ وإنَّما فَعَلُوهُ لِحَظِّ أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِما رَأى مِنَ المارِّينَ بِهِمْ ويَكْتَفُونَ حِينَئِذٍ بِالتَّغامُزِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: «فاكِهِينَ» بِالألِفِ، قِيلَ: هُما بِمَعْنًى، وقِيلَ: فَكِهِينَ أشِرِينَ، وقِيلَ: فَرِحِينَ وفاكِهِينَ، قِيلَ: مُتَفَكِّهِينَ، وقِيلَ: ناعِمِينَ، وقِيلَ: مادِحِينَ.
﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾ وإذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ أيْنَما كانُوا ﴿قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ يَعْنُونَ جِنْسَ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا لا خُصُوصَ المَرْئِيِّينَ، مِنهم والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِسَبِّهِمْ.
﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ قالُوا؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ وهَذا تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما جَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، والأصْلُ: وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ إلّا أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِمْ نَقْلًا بِالمَعْنى عَلى نَحْوِ: قالَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ كَذا، وغَرَضُهم بِذَلِكَ إنْكارُ صَدِّ المُؤْمِنِينَ إيّاهم عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإيمانِ.
المطففين 83:30
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ إلَخْ حِكايَةٌ لِبَعْضِ قَبائِحِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنِ وائِلٍ وأشْياعِهِمْ، جِيءَ بِها تَمْهِيدًا لِذِكْرِ بَعْضِ أحْوالِ الأبْرارِ في الجَنَّةِ.
﴿كانُوا﴾ أيْ: في الدُّنْيا كَما قالَ قَتادَةُ ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِفُقَرائِهِمْ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الفُقَراءِ.
وفِي البَحْرِ: رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ
صفحة 77
تَعالى وجْهَهُ وجَمْعًا مِنَ المُؤْمِنِينَ مَعَهُ مَرُّوا بِجَمْعٍ مِن كُفّارِ مَكَّةَ فَضَحِكُوا مِنهم واسْتَخَفُّوا بِهِمْ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ إلَخْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وفي الكَشّافِ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنِ المُنافِقِينَ وأنَّهم قالُوا: رَبُّنا اليَوْمَ الأصْلَعُ؛ أيْ: سَيِّدُنا؛ يَعْنُونَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وإنَّما قالُوهُ اسْتِهْزاءً، ولَعَلَّ الأوَّلَ أصَحُّ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ إمّا لِلْقَصْرِ إشْعارًا بِغايَةِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا؛ أيْ: كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مَعَ ظُهُورِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ ﴿وإذا مَرُّوا﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ ﴿بِهِمْ﴾ أيْ: بِالَّذِينِ أجْرَمُوا وهم في أنْدِيَتِهِمْ ﴿يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ: يَغْمِزُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُشِيرُونَ بِأعْيُنِهِمُ اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، وإرْجاعُ ضَمِيرِ «مَرُّوا» لِلْمُؤْمِنِينَ وضَمِيرِ «بِهِمْ» لِلْمُجْرِمِينَ هو الأظْهَرُ الأوْفَقُ بِحِكايَةِ سَبَبِ النُّزُولِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ العَكْسَ مُعَلِّلًا لَهُ بِتَناسُقِ الضَّمائِرِ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ أيِ المُجْرِمُونَ ورَجَعُوا مِن مَجالِسِهِمْ ﴿إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُلْتَذِّينَ بِاسْتِخْفافِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ.
وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ الإشارَةَ إلى أنَّهم يَعُدُّونَ صَنِيعَهم ذَلِكَ مِن أحْسَنِ ما اكْتَسَبُوهُ في غَيْبَتِهِمْ عَنْ أهْلِهِمْ أوْ إلى أنَّ لَهُ وقْعًا في قُلُوبِهِمْ ولَمْ يَفْعَلُوهُ مُراعاةً لِأحَدٍ وإنَّما فَعَلُوهُ لِحَظِّ أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِما رَأى مِنَ المارِّينَ بِهِمْ ويَكْتَفُونَ حِينَئِذٍ بِالتَّغامُزِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: «فاكِهِينَ» بِالألِفِ، قِيلَ: هُما بِمَعْنًى، وقِيلَ: فَكِهِينَ أشِرِينَ، وقِيلَ: فَرِحِينَ وفاكِهِينَ، قِيلَ: مُتَفَكِّهِينَ، وقِيلَ: ناعِمِينَ، وقِيلَ: مادِحِينَ.
﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾ وإذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ أيْنَما كانُوا ﴿قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ يَعْنُونَ جِنْسَ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا لا خُصُوصَ المَرْئِيِّينَ، مِنهم والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِسَبِّهِمْ.
﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ قالُوا؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ وهَذا تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما جَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، والأصْلُ: وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ إلّا أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِمْ نَقْلًا بِالمَعْنى عَلى نَحْوِ: قالَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ كَذا، وغَرَضُهم بِذَلِكَ إنْكارُ صَدِّ المُؤْمِنِينَ إيّاهم عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإيمانِ.
المطففين 83:31
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ إلَخْ حِكايَةٌ لِبَعْضِ قَبائِحِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنِ وائِلٍ وأشْياعِهِمْ، جِيءَ بِها تَمْهِيدًا لِذِكْرِ بَعْضِ أحْوالِ الأبْرارِ في الجَنَّةِ.
﴿كانُوا﴾ أيْ: في الدُّنْيا كَما قالَ قَتادَةُ ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِفُقَرائِهِمْ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الفُقَراءِ.
وفِي البَحْرِ: رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ
صفحة 77
تَعالى وجْهَهُ وجَمْعًا مِنَ المُؤْمِنِينَ مَعَهُ مَرُّوا بِجَمْعٍ مِن كُفّارِ مَكَّةَ فَضَحِكُوا مِنهم واسْتَخَفُّوا بِهِمْ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ إلَخْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وفي الكَشّافِ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنِ المُنافِقِينَ وأنَّهم قالُوا: رَبُّنا اليَوْمَ الأصْلَعُ؛ أيْ: سَيِّدُنا؛ يَعْنُونَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وإنَّما قالُوهُ اسْتِهْزاءً، ولَعَلَّ الأوَّلَ أصَحُّ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ إمّا لِلْقَصْرِ إشْعارًا بِغايَةِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا؛ أيْ: كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مَعَ ظُهُورِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ ﴿وإذا مَرُّوا﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ ﴿بِهِمْ﴾ أيْ: بِالَّذِينِ أجْرَمُوا وهم في أنْدِيَتِهِمْ ﴿يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ: يَغْمِزُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُشِيرُونَ بِأعْيُنِهِمُ اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، وإرْجاعُ ضَمِيرِ «مَرُّوا» لِلْمُؤْمِنِينَ وضَمِيرِ «بِهِمْ» لِلْمُجْرِمِينَ هو الأظْهَرُ الأوْفَقُ بِحِكايَةِ سَبَبِ النُّزُولِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ العَكْسَ مُعَلِّلًا لَهُ بِتَناسُقِ الضَّمائِرِ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ أيِ المُجْرِمُونَ ورَجَعُوا مِن مَجالِسِهِمْ ﴿إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُلْتَذِّينَ بِاسْتِخْفافِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ.
وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ الإشارَةَ إلى أنَّهم يَعُدُّونَ صَنِيعَهم ذَلِكَ مِن أحْسَنِ ما اكْتَسَبُوهُ في غَيْبَتِهِمْ عَنْ أهْلِهِمْ أوْ إلى أنَّ لَهُ وقْعًا في قُلُوبِهِمْ ولَمْ يَفْعَلُوهُ مُراعاةً لِأحَدٍ وإنَّما فَعَلُوهُ لِحَظِّ أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِما رَأى مِنَ المارِّينَ بِهِمْ ويَكْتَفُونَ حِينَئِذٍ بِالتَّغامُزِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: «فاكِهِينَ» بِالألِفِ، قِيلَ: هُما بِمَعْنًى، وقِيلَ: فَكِهِينَ أشِرِينَ، وقِيلَ: فَرِحِينَ وفاكِهِينَ، قِيلَ: مُتَفَكِّهِينَ، وقِيلَ: ناعِمِينَ، وقِيلَ: مادِحِينَ.
﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾ وإذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ أيْنَما كانُوا ﴿قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ يَعْنُونَ جِنْسَ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا لا خُصُوصَ المَرْئِيِّينَ، مِنهم والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِسَبِّهِمْ.
﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ قالُوا؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ وهَذا تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما جَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، والأصْلُ: وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ إلّا أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِمْ نَقْلًا بِالمَعْنى عَلى نَحْوِ: قالَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ كَذا، وغَرَضُهم بِذَلِكَ إنْكارُ صَدِّ المُؤْمِنِينَ إيّاهم عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإيمانِ.
المطففين 83:32
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ إلَخْ حِكايَةٌ لِبَعْضِ قَبائِحِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنِ وائِلٍ وأشْياعِهِمْ، جِيءَ بِها تَمْهِيدًا لِذِكْرِ بَعْضِ أحْوالِ الأبْرارِ في الجَنَّةِ.
﴿كانُوا﴾ أيْ: في الدُّنْيا كَما قالَ قَتادَةُ ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِفُقَرائِهِمْ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الفُقَراءِ.
وفِي البَحْرِ: رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ
صفحة 77
تَعالى وجْهَهُ وجَمْعًا مِنَ المُؤْمِنِينَ مَعَهُ مَرُّوا بِجَمْعٍ مِن كُفّارِ مَكَّةَ فَضَحِكُوا مِنهم واسْتَخَفُّوا بِهِمْ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ إلَخْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وفي الكَشّافِ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنِ المُنافِقِينَ وأنَّهم قالُوا: رَبُّنا اليَوْمَ الأصْلَعُ؛ أيْ: سَيِّدُنا؛ يَعْنُونَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وإنَّما قالُوهُ اسْتِهْزاءً، ولَعَلَّ الأوَّلَ أصَحُّ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ إمّا لِلْقَصْرِ إشْعارًا بِغايَةِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا؛ أيْ: كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مَعَ ظُهُورِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ ﴿وإذا مَرُّوا﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ ﴿بِهِمْ﴾ أيْ: بِالَّذِينِ أجْرَمُوا وهم في أنْدِيَتِهِمْ ﴿يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ: يَغْمِزُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُشِيرُونَ بِأعْيُنِهِمُ اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، وإرْجاعُ ضَمِيرِ «مَرُّوا» لِلْمُؤْمِنِينَ وضَمِيرِ «بِهِمْ» لِلْمُجْرِمِينَ هو الأظْهَرُ الأوْفَقُ بِحِكايَةِ سَبَبِ النُّزُولِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ العَكْسَ مُعَلِّلًا لَهُ بِتَناسُقِ الضَّمائِرِ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ أيِ المُجْرِمُونَ ورَجَعُوا مِن مَجالِسِهِمْ ﴿إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُلْتَذِّينَ بِاسْتِخْفافِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ.
وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ الإشارَةَ إلى أنَّهم يَعُدُّونَ صَنِيعَهم ذَلِكَ مِن أحْسَنِ ما اكْتَسَبُوهُ في غَيْبَتِهِمْ عَنْ أهْلِهِمْ أوْ إلى أنَّ لَهُ وقْعًا في قُلُوبِهِمْ ولَمْ يَفْعَلُوهُ مُراعاةً لِأحَدٍ وإنَّما فَعَلُوهُ لِحَظِّ أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِما رَأى مِنَ المارِّينَ بِهِمْ ويَكْتَفُونَ حِينَئِذٍ بِالتَّغامُزِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: «فاكِهِينَ» بِالألِفِ، قِيلَ: هُما بِمَعْنًى، وقِيلَ: فَكِهِينَ أشِرِينَ، وقِيلَ: فَرِحِينَ وفاكِهِينَ، قِيلَ: مُتَفَكِّهِينَ، وقِيلَ: ناعِمِينَ، وقِيلَ: مادِحِينَ.
﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾ وإذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ أيْنَما كانُوا ﴿قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ يَعْنُونَ جِنْسَ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا لا خُصُوصَ المَرْئِيِّينَ، مِنهم والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِسَبِّهِمْ.
﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ قالُوا؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ وهَذا تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما جَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، والأصْلُ: وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ إلّا أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِمْ نَقْلًا بِالمَعْنى عَلى نَحْوِ: قالَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ كَذا، وغَرَضُهم بِذَلِكَ إنْكارُ صَدِّ المُؤْمِنِينَ إيّاهم عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإيمانِ.
المطففين 83:33
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ إلَخْ حِكايَةٌ لِبَعْضِ قَبائِحِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنِ وائِلٍ وأشْياعِهِمْ، جِيءَ بِها تَمْهِيدًا لِذِكْرِ بَعْضِ أحْوالِ الأبْرارِ في الجَنَّةِ.
﴿كانُوا﴾ أيْ: في الدُّنْيا كَما قالَ قَتادَةُ ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِفُقَرائِهِمْ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الفُقَراءِ.
وفِي البَحْرِ: رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ
صفحة 77
تَعالى وجْهَهُ وجَمْعًا مِنَ المُؤْمِنِينَ مَعَهُ مَرُّوا بِجَمْعٍ مِن كُفّارِ مَكَّةَ فَضَحِكُوا مِنهم واسْتَخَفُّوا بِهِمْ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ إلَخْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وفي الكَشّافِ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنِ المُنافِقِينَ وأنَّهم قالُوا: رَبُّنا اليَوْمَ الأصْلَعُ؛ أيْ: سَيِّدُنا؛ يَعْنُونَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وإنَّما قالُوهُ اسْتِهْزاءً، ولَعَلَّ الأوَّلَ أصَحُّ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ إمّا لِلْقَصْرِ إشْعارًا بِغايَةِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا؛ أيْ: كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مَعَ ظُهُورِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ ﴿وإذا مَرُّوا﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ ﴿بِهِمْ﴾ أيْ: بِالَّذِينِ أجْرَمُوا وهم في أنْدِيَتِهِمْ ﴿يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ: يَغْمِزُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُشِيرُونَ بِأعْيُنِهِمُ اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، وإرْجاعُ ضَمِيرِ «مَرُّوا» لِلْمُؤْمِنِينَ وضَمِيرِ «بِهِمْ» لِلْمُجْرِمِينَ هو الأظْهَرُ الأوْفَقُ بِحِكايَةِ سَبَبِ النُّزُولِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ العَكْسَ مُعَلِّلًا لَهُ بِتَناسُقِ الضَّمائِرِ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ أيِ المُجْرِمُونَ ورَجَعُوا مِن مَجالِسِهِمْ ﴿إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُلْتَذِّينَ بِاسْتِخْفافِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ.
وكانَ المُرادُ بِذَلِكَ الإشارَةَ إلى أنَّهم يَعُدُّونَ صَنِيعَهم ذَلِكَ مِن أحْسَنِ ما اكْتَسَبُوهُ في غَيْبَتِهِمْ عَنْ أهْلِهِمْ أوْ إلى أنَّ لَهُ وقْعًا في قُلُوبِهِمْ ولَمْ يَفْعَلُوهُ مُراعاةً لِأحَدٍ وإنَّما فَعَلُوهُ لِحَظِّ أنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِما رَأى مِنَ المارِّينَ بِهِمْ ويَكْتَفُونَ حِينَئِذٍ بِالتَّغامُزِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: «فاكِهِينَ» بِالألِفِ، قِيلَ: هُما بِمَعْنًى، وقِيلَ: فَكِهِينَ أشِرِينَ، وقِيلَ: فَرِحِينَ وفاكِهِينَ، قِيلَ: مُتَفَكِّهِينَ، وقِيلَ: ناعِمِينَ، وقِيلَ: مادِحِينَ.
﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾ وإذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ أيْنَما كانُوا ﴿قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ يَعْنُونَ جِنْسَ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا لا خُصُوصَ المَرْئِيِّينَ، مِنهم والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِسَبِّهِمْ.
﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ قالُوا؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ وهَذا تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما جَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، والأصْلُ: وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ إلّا أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِمْ نَقْلًا بِالمَعْنى عَلى نَحْوِ: قالَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ كَذا، وغَرَضُهم بِذَلِكَ إنْكارُ صَدِّ المُؤْمِنِينَ إيّاهم عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإيمانِ.
المطففين 83:34
﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ المَعْهُودُونَ مِنَ الفُقَراءِ ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ أيْ: مِنَ المَعْهُودِينَ، وجُوِّزَ التَّعْمِيمُ مِنَ الجانِبَيْنِ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ حِينَ يَرَوْنَهم أذِلّاءَ مَغْلُولِينَ قَدْ غَشِيَتْهم فُنُونُ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزِّ والكِبْرِ ورَهِقَهم ألْوانُ العَذابِ بَعْدَ التَّنَعُّمِ والتَّرَفُّهِ. والظَّرْفُ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقانِ بِ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ قِيلَ لِلْقَصْرِ تَحْقِيقًا لِلْمُقابَلَةِ؛ أيْ: واليَوْمَ هم مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ لا الكُفّارُ مِنهم كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِن سُوءِ الحالِ. وقِيلَ: يُفْتَحُ لِلْكُفّارِ بابٌ إلى الجَنَّةِ فَيُقالُ لَهُمْ: هَلُمَّ هَلُمَّ، فَإذا وصَلُوا إلَيْها أُغْلِقَ دُونَهُمْ، يُفْعَلُ ذَلِكَ مِرارًا حَتّى أنَّ أحَدَهم يُقالُ لَهُ: هَلُمَّ هَلُمَّ فَما يَأْتِي مِن إياسِهِ ويَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ مِنهم. وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ يَأْباهُ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ ضَحِكَ المُؤْمِنِينَ مِنهم جَزاءٌ لِضَحِكِهِمْ مِنهم في الدُّنْيا فَلا بُدَّ مِنَ المُجانَسَةِ والمُشاكَلَةِ حَتْمًا، والحَقُّ أنَّهُ لا إباءَ كَما لا يَخْفى، والتَّثْوِيبُ والإثابَةُ المُجازاةُ. ويُقالُ: «ثَوَّبَهُ وأثابَهُ» إذا جازاهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
سَأجْزِيكَ أوْ يَجْزِيكَ عَنِّي مُثَوِّبٌ وحَسَبُكَ أنْ يُثْنى عَلَيْكَ وتُحْمَدِي
وظاهِرُ كَلامِهِمْ إطْلاقُ ذَلِكَ عَلى المُجازاةِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، واشْتُهِرَ بِالمُجازاةِ بِالخَيْرِ وجُوِّزَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ هُنا عَلى أنَّ المُرادَ التَّهَكُّمُ كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ و﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ أثَبْنا هَؤُلاءِ عَلى ما كانُوا يَفْعَلُونَ كَما أثَبْناكم عَلى ما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ زائِدًا
صفحة 78
فِي سُرُورِهِمْ لِما فِيهِ مِن تَعْظِيمِهِمْ والِاسْتِخْفافِ بِأعْدائِهِمْ. والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ حِينَئِذٍ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( يَضْحَكُونَ ) أوْ مِن ضَمِيرِ ( يَنْظُرُونَ ) أيْ: يَضْحَكُونَ أوْ يَنْظُرُونَ مَقُولًا لَهم ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ إلَخْ. ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ الجُمْهُورُ. وفي البَحْرِ: الِاسْتِفْهامُ لِتَقْرِيرِ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: قَدْ جُوزِيَ الكُفّارُ ما كانُوا إلَخْ. وقِيلَ: ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ بَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ الَّذِي هو إلى انْتَهى وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: يَفْعَلُونَهُ، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: ثَوابَ أوْ جَزاءَ ما كانُوا إلَخْ. وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ باءِ السَّبَبِيَّةِ؛ أيْ: هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ بِما كانُوا، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
المطففين 83:35
﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ المَعْهُودُونَ مِنَ الفُقَراءِ ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ أيْ: مِنَ المَعْهُودِينَ، وجُوِّزَ التَّعْمِيمُ مِنَ الجانِبَيْنِ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ حِينَ يَرَوْنَهم أذِلّاءَ مَغْلُولِينَ قَدْ غَشِيَتْهم فُنُونُ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزِّ والكِبْرِ ورَهِقَهم ألْوانُ العَذابِ بَعْدَ التَّنَعُّمِ والتَّرَفُّهِ. والظَّرْفُ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقانِ بِ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ قِيلَ لِلْقَصْرِ تَحْقِيقًا لِلْمُقابَلَةِ؛ أيْ: واليَوْمَ هم مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ لا الكُفّارُ مِنهم كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِن سُوءِ الحالِ. وقِيلَ: يُفْتَحُ لِلْكُفّارِ بابٌ إلى الجَنَّةِ فَيُقالُ لَهُمْ: هَلُمَّ هَلُمَّ، فَإذا وصَلُوا إلَيْها أُغْلِقَ دُونَهُمْ، يُفْعَلُ ذَلِكَ مِرارًا حَتّى أنَّ أحَدَهم يُقالُ لَهُ: هَلُمَّ هَلُمَّ فَما يَأْتِي مِن إياسِهِ ويَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ مِنهم. وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ يَأْباهُ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ ضَحِكَ المُؤْمِنِينَ مِنهم جَزاءٌ لِضَحِكِهِمْ مِنهم في الدُّنْيا فَلا بُدَّ مِنَ المُجانَسَةِ والمُشاكَلَةِ حَتْمًا، والحَقُّ أنَّهُ لا إباءَ كَما لا يَخْفى، والتَّثْوِيبُ والإثابَةُ المُجازاةُ. ويُقالُ: «ثَوَّبَهُ وأثابَهُ» إذا جازاهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
سَأجْزِيكَ أوْ يَجْزِيكَ عَنِّي مُثَوِّبٌ وحَسَبُكَ أنْ يُثْنى عَلَيْكَ وتُحْمَدِي
وظاهِرُ كَلامِهِمْ إطْلاقُ ذَلِكَ عَلى المُجازاةِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، واشْتُهِرَ بِالمُجازاةِ بِالخَيْرِ وجُوِّزَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ هُنا عَلى أنَّ المُرادَ التَّهَكُّمُ كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ و﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ أثَبْنا هَؤُلاءِ عَلى ما كانُوا يَفْعَلُونَ كَما أثَبْناكم عَلى ما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ زائِدًا
صفحة 78
فِي سُرُورِهِمْ لِما فِيهِ مِن تَعْظِيمِهِمْ والِاسْتِخْفافِ بِأعْدائِهِمْ. والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ حِينَئِذٍ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( يَضْحَكُونَ ) أوْ مِن ضَمِيرِ ( يَنْظُرُونَ ) أيْ: يَضْحَكُونَ أوْ يَنْظُرُونَ مَقُولًا لَهم ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ إلَخْ. ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ الجُمْهُورُ. وفي البَحْرِ: الِاسْتِفْهامُ لِتَقْرِيرِ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: قَدْ جُوزِيَ الكُفّارُ ما كانُوا إلَخْ. وقِيلَ: ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ بَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ الَّذِي هو إلى انْتَهى وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: يَفْعَلُونَهُ، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: ثَوابَ أوْ جَزاءَ ما كانُوا إلَخْ. وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ باءِ السَّبَبِيَّةِ؛ أيْ: هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ بِما كانُوا، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
المطففين 83:36
﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ المَعْهُودُونَ مِنَ الفُقَراءِ ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ أيْ: مِنَ المَعْهُودِينَ، وجُوِّزَ التَّعْمِيمُ مِنَ الجانِبَيْنِ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ حِينَ يَرَوْنَهم أذِلّاءَ مَغْلُولِينَ قَدْ غَشِيَتْهم فُنُونُ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزِّ والكِبْرِ ورَهِقَهم ألْوانُ العَذابِ بَعْدَ التَّنَعُّمِ والتَّرَفُّهِ. والظَّرْفُ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقانِ بِ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ قِيلَ لِلْقَصْرِ تَحْقِيقًا لِلْمُقابَلَةِ؛ أيْ: واليَوْمَ هم مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ لا الكُفّارُ مِنهم كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِن سُوءِ الحالِ. وقِيلَ: يُفْتَحُ لِلْكُفّارِ بابٌ إلى الجَنَّةِ فَيُقالُ لَهُمْ: هَلُمَّ هَلُمَّ، فَإذا وصَلُوا إلَيْها أُغْلِقَ دُونَهُمْ، يُفْعَلُ ذَلِكَ مِرارًا حَتّى أنَّ أحَدَهم يُقالُ لَهُ: هَلُمَّ هَلُمَّ فَما يَأْتِي مِن إياسِهِ ويَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ مِنهم. وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ يَأْباهُ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ ضَحِكَ المُؤْمِنِينَ مِنهم جَزاءٌ لِضَحِكِهِمْ مِنهم في الدُّنْيا فَلا بُدَّ مِنَ المُجانَسَةِ والمُشاكَلَةِ حَتْمًا، والحَقُّ أنَّهُ لا إباءَ كَما لا يَخْفى، والتَّثْوِيبُ والإثابَةُ المُجازاةُ. ويُقالُ: «ثَوَّبَهُ وأثابَهُ» إذا جازاهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
سَأجْزِيكَ أوْ يَجْزِيكَ عَنِّي مُثَوِّبٌ وحَسَبُكَ أنْ يُثْنى عَلَيْكَ وتُحْمَدِي
وظاهِرُ كَلامِهِمْ إطْلاقُ ذَلِكَ عَلى المُجازاةِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، واشْتُهِرَ بِالمُجازاةِ بِالخَيْرِ وجُوِّزَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ هُنا عَلى أنَّ المُرادَ التَّهَكُّمُ كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ و﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ أثَبْنا هَؤُلاءِ عَلى ما كانُوا يَفْعَلُونَ كَما أثَبْناكم عَلى ما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ زائِدًا
صفحة 78
فِي سُرُورِهِمْ لِما فِيهِ مِن تَعْظِيمِهِمْ والِاسْتِخْفافِ بِأعْدائِهِمْ. والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ حِينَئِذٍ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( يَضْحَكُونَ ) أوْ مِن ضَمِيرِ ( يَنْظُرُونَ ) أيْ: يَضْحَكُونَ أوْ يَنْظُرُونَ مَقُولًا لَهم ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ إلَخْ. ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ الجُمْهُورُ. وفي البَحْرِ: الِاسْتِفْهامُ لِتَقْرِيرِ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: قَدْ جُوزِيَ الكُفّارُ ما كانُوا إلَخْ. وقِيلَ: ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ بَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ الَّذِي هو إلى انْتَهى وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: يَفْعَلُونَهُ، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: ثَوابَ أوْ جَزاءَ ما كانُوا إلَخْ. وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ باءِ السَّبَبِيَّةِ؛ أيْ: هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ بِما كانُوا، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الانشقاق 84:1
سُورَةُ الِانْشِقاقِ
ويُقالُ: سُورَةُ انْشَقَّتْ وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وآيُها ثَلاثٌ وعِشْرُونَ آيَةً في البَصْرِيِّ والشّامِيِّ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ في غَيْرِهِما، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها يُعْلَمُ مِمّا نَقَلْناهُ عَنِ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ فِيما قَبْلُ وأوْجَزَ بَعْضُهم في بَيانِ وجْهِ تَرْتِيبِ هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثِ فَقالَ: إنَّ في انْفَطَرَتِ التَّعْرِيفَ بِالحَفَظَةِ الكاتِبِينَ وفي المُطَفِّفِينَ مَقَرُّ كُتُبِهِمْ وفي هَذِهِ عَرْضُها في القِيامَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ أيْ: بِالغَمامِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ كَما في البَحْرِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ فالقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ: تَنْشَقُّ لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّهُ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ الِانْشِقاقُ بِالغَمامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّها تَنْشَقُّ مِنَ المَجَرَّةِ.
وفِي الآثارِ: أنَّها بابُ السَّماءِ، وأهْلُ الهَيْئَةِ يَقُولُونَ إنَّها نُجُومٌ صِغارٌ مُتَقارِبَةٌ جِدًّا غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ في الحُسْنِ ويَظْهَرُ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا لِمَن نَظَرَ إلَيْها بِالأرْصادِ، ولا مُنافاةَ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِكَوْنِها بابَ السَّماءِ أنَّ مَهْبِطَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَصْعَدَهم مِن جِهَتِها؛ وذَلِكَ بِجامِعِ كَوْنِها نُجُومًا صِغارًا مُتَقارِبَةً غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ في الحُسْنِ.
وخَبَرُ: «إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أرْسَلَ مُعاذًا إلى أهْلِ اليَمَنِ فَقالَ لَهُ: «يا مُعاذُ، إنَّهم سائِلُوكَ عَنِ المَجَرَّةِ، فَقُلْ: هي لُعابُ حَيَّةٍ تَحْتَ العَرْشِ»».
ومِنهُ قِيلَ: إنَّها في البَحْرِ المَكْفُوفِ تَحْتَ السَّماءِ لا يَكادُ يَصِحُّ. والقَوْلُ المَذْكُورُ لا يَنْبَغِي أنْ يُحْكى إلّا لِيُنَبَّهَ عَلى حالِهِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «انْشَقَّتْ» وكَذا ما بَعْدُ مِن نَظائِرِهِ بِإشْمامِ التّاءِ مُكَسَّرًا في الوَقْفِ. وحَكى عَنْهُ أيْضًا الكَسْرَ أبُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ خالَوَيْهِ وذَلِكَ لُغَةُ طَيِّئٍ عَلى ما قِيلَ. وعَنْ أبِي حاتِمٍ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ يَكْسِرُ هَذِهِ التّاءَ؛ أيْ: تاءَ التَّأْنِيثِ اللّاحِقَةَ لِلْفِعْلِ وهي لُغَةٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ الفَواصِلَ قَدْ تُجْرى مَجْرى القَوافِي، فَكَما أنَّ هَذِهِ التّاءَ تُكْسَرُ في القَوافِي كَما في قَوْلِ كُثَيِّرِ عَزَّةَ مِن قَصِيدَةٍ:
وما أنا بِالدّاعِي لِعَزَّةَ بِالرَّدى ولا شامِتٍ إنْ قِيلَ عَزَّةُ ذَلَّتِ
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أبْياتِ تِلْكَ القَصِيدَةِ تُكْسَرُ في الفَواصِلِ، وإجْراءُ الفَواصِلِ في الوَقْفِ مَجْرى القَوافِي مَهِيعٌ مَعْرُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: «الظُّنُونا» و«الرَّسُولا» في سُورَةِ الأحْزابِ، وحَمْلُ الوَصْلِ عَلى حالَةِ الوَقْفِ مَوْجُودٌ أيْضًا في الفَواصِلِ.
الانشقاق 84:2
﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيِ اسْتَمَعَتْ لَهُ تَعالى، يُقالُ: أذِنَ إذا سَمِعَ. قالَ الشّاعِرُ:
صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أذِنُوا
وقالَ قُعْنُبٌ:
إنْ يَأْذَنُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحًا ∗∗∗ وإنْ هُمُ أذِنُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا
والِاسْتِماعُ هُنا مَجازٌ عَنِ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ؛ أيِ انْقادَتْ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ حِينَ تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ
صفحة 79
بِانْشِقاقِها انْقِيادَ المَأْمُورِ المِطْواعِ إذا ورَدَ عَلَيْهِ أمْرُ الآمِرِ المُطاعِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلَيْها لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ ونَظِيرَتُها بَعْدَ قِيلَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ في الإنْباءِ عَنْ كَوْنِ ما نُسِبَ إلى السَّماءِ والأرْضِ مِنَ الِانْشِقاقِ والمَدِّ وغَيْرِهِما جارِيًا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ عَلى ما قَرَّرُوهُ.
﴿وحُقَّتْ﴾ أيْ: جُعِلَتْ حَقِيقَةً بِالِاسْتِماعِ والِانْقِيادِ لَكِنْ لا بُعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ في نَفْسِها وحَدِّ ذاتِها، مِن قَوْلِهِمْ: هو مَحْقُوقٌ بِكَذا، وحَقِيقٌ بِهِ، وحاصِلُ المَعْنى انْقادَتْ لِرَبِّها وهي حَقِيقَةٌ وجَدِيرَةٌ بِالِانْقِيادِ لِما أنَّ القُدْرَةَ الرَّبّانِيَّةَ لا يَتَعاصاها أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ لا لِأمْرٍ اخْتَصَّتْ بِهِ مِن بَيْنِ المُمْكِناتِ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ أصْلَ الكَلامِ حَقُّ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها بِذَلِكَ؛ أيْ: حُكْمِ عَلَيْها بِتَحَتُّمِ الِانْقِيادِ عَلى مَعْنى أرادَهُ سُبْحانَهُ مِنها إرادَةً لا نَقْضَ لَها. وقِيلَ: المَعْنى: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، والجُمْلَةُ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ ولَيْسَ بِذاكَ.
الانشقاق 84:3
﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: بُسِطَتْ بِانْدِكاكِ جِبالِها وآكامِها وتَسْوِيَتِها فَصارَتْ قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: زِيدَتْ سِعَةً وبَسْطَةً مِن مَدِّهِ بِمَعْنى أمَدَّهُ؛ أيْ: زادَهُ، ونَحْوَهُ ما قِيلَ: جَرَتْ فَزادَ انْبِساطُها وعَظُمَتْ سِعَتُها.
وأخْرَجَ الحاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««تُمَدُّ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ، ثُمَّ لا يَكُونُ لِابْنِ آدَمَ مِنها إلّا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ»».
الانشقاق 84:4
﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ أيْ: رَمَتْ ما في جَوْفِها مِنَ المَوْتى والكُنُوزِ، كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم كابْنِ جُبَيْرٍ وجَماعَةٍ عَلى المَوْتى بِناءً عَلى أنَّ إلْقاءَ الكُنُوزِ إذا خَرَجَ الدَّجّالُ، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ لا يُسَلِّمُ إلْقاءَ الكُنُوزِ يَوْمَئِذٍ، ولَوْ سَلَّمَ يَقُولُ: يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ عامًّا لِجَمِيعِ الكُنُوزِ، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، والقَوْلُ بِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَّسِعٌ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ وقْتُ خُرُوجِ الدَّجّالِ يَنْبَغِي أنْ يُلْقى ولا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.
﴿وتَخَلَّتْ﴾ أيْ: وخَلَتْ عَمّا فِيها غايَةَ الخُلُوِّ حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ كَأنَّها تَكَلَّفَتْ في ذَلِكَ أقْصى جُهْدِها فَصِيغَةُ التَّفَعُّلِ لِلتَّكَلُّفِ والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ كَما في قَوْلِكَ: تَحَلَّمَ الحَلِيمُ، وتَكَرَّمَ الكَرِيمُ. وقِيلَ: «تَخَلَّتْ» مِمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ، وقِيلَ: مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو القاسِمِ الحُبَيْلِيُّ في الدِّيباجِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««أنا أوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ فَأجْلِسُ جالِسًا في قَبْرِي وإنَّ الأرْضَ تُحَرَّكُ بِي فَقُلْتُ لَها ما لَكِ؟ فَقالَتْ: إنَّ رَبِّيَ أمَرَنِي أنْ أُلْقِيَ ما في جَوْفِي، وأنْ أتَخَلّى فَأكُونَ كَما كُنْتُ إذْ لا شَيْءَ فِيَّ»».
وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ في الإلْقاءِ وما بَعْدَهُ ﴿وحُقَّتْ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما ذُكِرَ وإنْ أُسْنِدَ إلى الأرْضِ فَهو بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَكْرِيرِ كَلِمَةِ «إذا» لِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ بِنَوْعٍ مِنَ القُدْرَةِ.
الانشقاق 84:5
﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ أيْ: رَمَتْ ما في جَوْفِها مِنَ المَوْتى والكُنُوزِ، كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم كابْنِ جُبَيْرٍ وجَماعَةٍ عَلى المَوْتى بِناءً عَلى أنَّ إلْقاءَ الكُنُوزِ إذا خَرَجَ الدَّجّالُ، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ لا يُسَلِّمُ إلْقاءَ الكُنُوزِ يَوْمَئِذٍ، ولَوْ سَلَّمَ يَقُولُ: يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ عامًّا لِجَمِيعِ الكُنُوزِ، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، والقَوْلُ بِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَّسِعٌ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ وقْتُ خُرُوجِ الدَّجّالِ يَنْبَغِي أنْ يُلْقى ولا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.
﴿وتَخَلَّتْ﴾ أيْ: وخَلَتْ عَمّا فِيها غايَةَ الخُلُوِّ حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ كَأنَّها تَكَلَّفَتْ في ذَلِكَ أقْصى جُهْدِها فَصِيغَةُ التَّفَعُّلِ لِلتَّكَلُّفِ والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ كَما في قَوْلِكَ: تَحَلَّمَ الحَلِيمُ، وتَكَرَّمَ الكَرِيمُ. وقِيلَ: «تَخَلَّتْ» مِمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ، وقِيلَ: مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو القاسِمِ الحُبَيْلِيُّ في الدِّيباجِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««أنا أوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ فَأجْلِسُ جالِسًا في قَبْرِي وإنَّ الأرْضَ تُحَرَّكُ بِي فَقُلْتُ لَها ما لَكِ؟ فَقالَتْ: إنَّ رَبِّيَ أمَرَنِي أنْ أُلْقِيَ ما في جَوْفِي، وأنْ أتَخَلّى فَأكُونَ كَما كُنْتُ إذْ لا شَيْءَ فِيَّ»».
وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ في الإلْقاءِ وما بَعْدَهُ ﴿وحُقَّتْ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما ذُكِرَ وإنْ أُسْنِدَ إلى الأرْضِ فَهو بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَكْرِيرِ كَلِمَةِ «إذا» لِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ بِنَوْعٍ مِنَ القُدْرَةِ.
الانشقاق 84:6
﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ: جاهِدٌ ومُجِدٌّ جِدًّا في عَمَلِكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ﴿إلى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أيْ: طُولَ حَياتِكَ إلى لِقاءِ رَبِّكَ؛ أيْ: إلى المَوْتِ وما بَعْدَهُ مِنَ الأحْوالِ المُمَثَّلَةِ بِاللِّقاءِ والكَدْحِ جُهْدَ النَّفْسِ في العَمَلِ حَتّى يُؤَثِّرَ فِيها، مِن: كَدَحَ جِلْدَهُ إذا خَدَشَهُ قالَ ابْنُ مَقِيلٍ:
وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
وقالَ آخَرُ:
ومَضَتْ بَشاشَةُ كُلِّ عَيْشٍ صالِحٍ ∗∗∗ وبَقِيتُ أكْدَحُ لِلْحَياةِ وأنْصَبُ
﴿فَمُلاقِيهِ﴾ أيْ: فَمُلاقٍ لَهُ عَقِيبَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيكَ عَنْهُ، والضَّمِيرُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ؛ أيْ: فَمُلاقِي جَزائِهِ تَعالى. وقِيلَ: هو لِلْكَدْحِ؛ أيْ: فَمُلاقِي جَزاءِ الكَدْحِ وبُولِغَ فِيهِ عَلى نَحْوَ: إنَّما هي أعْمالُكم تَرِدُ: «إلَيْكُمْ»
صفحة 80
والظّاهِرُ أنَّ «مُلاقِيهِ» مَعْطُوفٌ عَلى ﴿كادِحٌ﴾ عَلى القَوْلَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ الثّانِي فَألْقاهُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، ولا يَظْهَرُ وجْهُ التَّخْصِيصِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ التَّقْسِيمُ بَعْدُ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِ الأسْوَدُ بْنُ هِلالٍ المَخْزُومِيُّ جادَلَ أخاهُ أبا سَلَمَةَ في أمْرِ البَعْثِ فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: إي والَّذِي خَلَقَكَ لَتَرْكَبَنَّ الطَّبَقَةَ ولَتُوافِينَّ العَقَبَةَ، فَقالَ الأسْوَدُ: فَأيْنَ الأرْضُ والسَّماءُ وما حالُ النّاسِ؟ وكَأنَّهُ أرادَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وهي تَعُمُّ الجِنْسَ، وقِيلَ: المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ كانَ يَكْدَحُ في طَلَبِ الدُّنْيا وإيذاءِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، ولَعَلَّ القائِلَ أرادَ ذَلِكَ أيْضًا وأبْعَدَ غايَةَ الإبْعادِ مِن ذَهَبٍ إلى أنَّهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ المَعْنى: إنَّكَ تَكْدَحُ في إبْلاغِ رِسالاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإرْشادَهُ عِبادَهُ سُبْحانَهُ واحْتِمالِ الضَّرَرِ مِنَ الكُفّارِ، فَأبْشِرْ أنَّكَ تَلْقى اللَّهَ تَعالى بِهَذا العَمَلِ وهو غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وجَوابُ «إذا» قِيلَ:
الانشقاق 84:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ إلَخْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ إلَخِ اعْتِراضٌ، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ؛ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا يَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ البَيانِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهُمُ نَحْوَ ما صَرَّحَ بِهِ في سُورَتَيِ التَّكْوِيرِ والِانْفِطارِ، وقِيلَ: هو ما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ إلَخْ وتَقْدِيرُهُ لاقى الإنْسانُ كَدْحَهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، والأصْلُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ أوْ بِتَقْدِيرِ: يُقالُ.
وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ بِتَقْدِيرِ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ لِيُكَوِّنَ مَعَ المُقَدَّرِ جُمْلَةً، وعَلى هَذا جُمْلَةُ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ والبَلْخِيُّ هو ( وأذِنَتْ ) عَلى زِيادَةِ الواوِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ وعَنِ الأخْفَشِ أنَّ «إذا» هُنا لا جَوابَ لَها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِشَرْطِيَّةٍ بَلْ هي في إذا السَّماءُ مُتَجَرِّدَةٌ عَنْها مُبْتَدَأٌ، وفِي: وإذا الأرْضُ خَبَرٌ والواوُ زائِدَةٌ؛ أيْ: وقْتَ انْشِقاقِ السَّماءِ وقْتَ مَدِّ الأرْضِ وقِيلَ: لا جَوابَ لَها لِأنَّها لَيْسَتْ بِذَلِكَ بَلْ مُتَجَرِّدَةٌ عَنِ الشَّرْطِيَّةِ واقِعَةٌ مَفْعُولًا لِ «اذْكُرْ» مَحْذُوفًا، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ الضَّعْفِ ولَعَلَّ الأوْلى مِنها الأوَّلانِ والحِسابُ اليَسِيرُ السَّهْلُ الَّذِي لا مُناقَشَةَ فِيهِ كَما قِيلَ وفَسَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالعَرْضِ وبِالنَّظَرِ في الكِتابِ مَعَ التَّجاوُزِ.
فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَيْسَ أحَدٌ يُحاسَبُ إلّا هَلَكَ». قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ تَعالى فِداكَ، ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ؟ قالَ: ذَلِكَ العَرْضُ يُعْرَضُونَ ومَن نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ»».
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في بَعْضِ صَلاتِهِ: اللَّهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا، فَلَمّا انْصَرَفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الحِسابُ اليَسِيرُ؟ قالَ: أنْ يَنْظُرَ في كِتابِهِ فَيَتَجاوَزُ لَهُ عَنْهُ»».
الانشقاق 84:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ إلَخْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ إلَخِ اعْتِراضٌ، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ؛ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا يَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ البَيانِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهُمُ نَحْوَ ما صَرَّحَ بِهِ في سُورَتَيِ التَّكْوِيرِ والِانْفِطارِ، وقِيلَ: هو ما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ إلَخْ وتَقْدِيرُهُ لاقى الإنْسانُ كَدْحَهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، والأصْلُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ أوْ بِتَقْدِيرِ: يُقالُ.
وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ بِتَقْدِيرِ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ لِيُكَوِّنَ مَعَ المُقَدَّرِ جُمْلَةً، وعَلى هَذا جُمْلَةُ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ والبَلْخِيُّ هو ( وأذِنَتْ ) عَلى زِيادَةِ الواوِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ وعَنِ الأخْفَشِ أنَّ «إذا» هُنا لا جَوابَ لَها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِشَرْطِيَّةٍ بَلْ هي في إذا السَّماءُ مُتَجَرِّدَةٌ عَنْها مُبْتَدَأٌ، وفِي: وإذا الأرْضُ خَبَرٌ والواوُ زائِدَةٌ؛ أيْ: وقْتَ انْشِقاقِ السَّماءِ وقْتَ مَدِّ الأرْضِ وقِيلَ: لا جَوابَ لَها لِأنَّها لَيْسَتْ بِذَلِكَ بَلْ مُتَجَرِّدَةٌ عَنِ الشَّرْطِيَّةِ واقِعَةٌ مَفْعُولًا لِ «اذْكُرْ» مَحْذُوفًا، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ الضَّعْفِ ولَعَلَّ الأوْلى مِنها الأوَّلانِ والحِسابُ اليَسِيرُ السَّهْلُ الَّذِي لا مُناقَشَةَ فِيهِ كَما قِيلَ وفَسَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالعَرْضِ وبِالنَّظَرِ في الكِتابِ مَعَ التَّجاوُزِ.
فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَيْسَ أحَدٌ يُحاسَبُ إلّا هَلَكَ». قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ تَعالى فِداكَ، ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ؟ قالَ: ذَلِكَ العَرْضُ يُعْرَضُونَ ومَن نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ»».
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في بَعْضِ صَلاتِهِ: اللَّهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا، فَلَمّا انْصَرَفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الحِسابُ اليَسِيرُ؟ قالَ: أنْ يَنْظُرَ في كِتابِهِ فَيَتَجاوَزُ لَهُ عَنْهُ»».
الانشقاق 84:9
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ المُؤْمِنِينَ مُبْتَهِجًا بِحالِهِ قائِلًا: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ وقِيلَ: أيْ: فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَكُونُوا عَشِيرَتَهُ؛ إذْ كَلُّ المُؤْمِنِينَ أهْلٌ لِلْمُؤْمِنِ مِن جِهَةِ الِاشْتِراكِ في الإيمانِ، وقِيلَ: أيْ: إلى خاصَّتِهِ ومَن أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ والغِلْمانِ، وأخْرَجَ هَذا ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: «ويُقْلَبُ» مُضارِعَ قُلِبَ؛ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
الانشقاق 84:10
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ أيْ: يُؤْتاهُ بِشَمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، قِيلَ: تُغَلُّ يُمْناهُ إلى عُنُقِهِ وتُجْعَلُ شِمالُهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَيُؤْتى كِتابَهُ بِشِمالِهِ. ورُوِيَ أنَّ شِمالَهُ تَدْخُلُ في صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابَهُ بِها؛ فَلا تَدافُعَ بَيْنَ ما هُنا وما في سُورَةِ الحاقَّةِ؛ حَيْثُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الظَّهْرُ، ثُمَّ هَذا إنْ كانَ في الكَفَرَةِ وما قَبْلَهُ في المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ فَلا تَعَرُّضَ هُنا لِلْعُصاةِ كَما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ. وقِيلَ: لا بُعْدَ في إدْخالِ العُصاةِ في أهْلِ اليَمِينِ؛ إمّا لِأنَّهم يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِاليَمِينِ بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ النّارِ كَما اخْتارَهُ ابْنُ
صفحة 81
عَطِيَّةَ أوْ لِأنَّهم يُعْطَوْنَها بِها قَبْلُ لَكِنْ مَعَ حِسابٍ فَوْقَ حِسابِ المُتَّقِينَ ودُونَ حِسابِ الكافِرِينَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ مِن وصْفِ الكُلِّ بِوَصْفِ البَعْضِ، وقِيلَ: إنَّهم يُعْطُونَها بِالشِّمالِ، وتَمْيِيزُ الكَفَرَةِ بِكَوْنِ الإعْطاءِ مِن وراءِ ظُهُورِهِمْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ مُؤْتِيَ الكُتُبِ لا يَتَحَمَّلُونَ مُشاهَدَةَ وُجُوهِهِمْ لِكَمالِ بَشاعَتِها أوْ لِغايَةِ بُغْضِهِمْ إيّاهم أوْ لِأنَّهم نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ
الانشقاق 84:11
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ يَطْلُبُهُ ويُنادِيهِ ويَقُولُ: يا ثُبُوراهُ تَعالى فَهَذا أوانُكَ، والثُّبُورُ الهَلاكُ وهو جامِعٌ لِأنْواعِ المَكارِهِ ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ يُقاسِي حَرَّها أوْ يَدْخُلُها، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وأبُو الشَّعْثاءِ والحَسَنُ والأعْرَجُ: «يُصَلّى» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً مِنَ التَّصْلِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ وأبانَ عَنْ عاصِمٍ والعَتْكِيِّ وجَماعَةٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «يُصْلى» بِضَمِّ الياءِ ساكِنَ الصّادِ مُخَفَّفَ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإصْلاءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ .
الانشقاق 84:12
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ يَطْلُبُهُ ويُنادِيهِ ويَقُولُ: يا ثُبُوراهُ تَعالى فَهَذا أوانُكَ، والثُّبُورُ الهَلاكُ وهو جامِعٌ لِأنْواعِ المَكارِهِ ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ يُقاسِي حَرَّها أوْ يَدْخُلُها، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وأبُو الشَّعْثاءِ والحَسَنُ والأعْرَجُ: «يُصَلّى» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً مِنَ التَّصْلِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ وأبانَ عَنْ عاصِمٍ والعَتْكِيِّ وجَماعَةٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «يُصْلى» بِضَمِّ الياءِ ساكِنَ الصّادِ مُخَفَّفَ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإصْلاءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ .
الانشقاق 84:13
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ﴾ في الدُّنْيا ﴿مَسْرُورًا﴾ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَخْطُرُ بِبالِهِ أُمُورُ الآخِرَةِ ولا يَتَفَكَّرُ في العَواقِبِ ولَمْ يَكُنْ حَزِينًا مُتَفَكِّرًا في حالِهِ ومَآلِهِ كَسُنَّةِ الصُّلَحاءِ والمُتَّقِينَ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ عِلَّةِ ما قَبْلَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ تَعْلِيلٌ لِسُرُورِهِ في الدُّنْيا؛ أيْ: ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى تَكْذِيبًا لِلْمَعادِ، وقِيلَ: ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى العَدَمِ؛ أيْ: ظَنَّ أنَّهُ لا يَمُوتُ وكانَ غافِلًا عَنِ المَوْتِ غَيْرَ مُسْتَعِدٍّ لَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والحَوْرُ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْؤُهُ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
والتَّقْيِيدُ هُنا بِقَرِينَةِ المَقامِ و«أنْ» مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ سادَّةٌ مَعَ ما في حَيِّزِها مَسَدَّ مَفْعُولَيِ الظَّنِّ عَلى المَشْهُورِ.
الانشقاق 84:14
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ﴾ في الدُّنْيا ﴿مَسْرُورًا﴾ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَخْطُرُ بِبالِهِ أُمُورُ الآخِرَةِ ولا يَتَفَكَّرُ في العَواقِبِ ولَمْ يَكُنْ حَزِينًا مُتَفَكِّرًا في حالِهِ ومَآلِهِ كَسُنَّةِ الصُّلَحاءِ والمُتَّقِينَ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ عِلَّةِ ما قَبْلَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ تَعْلِيلٌ لِسُرُورِهِ في الدُّنْيا؛ أيْ: ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى تَكْذِيبًا لِلْمَعادِ، وقِيلَ: ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى العَدَمِ؛ أيْ: ظَنَّ أنَّهُ لا يَمُوتُ وكانَ غافِلًا عَنِ المَوْتِ غَيْرَ مُسْتَعِدٍّ لَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والحَوْرُ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْؤُهُ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
والتَّقْيِيدُ هُنا بِقَرِينَةِ المَقامِ و«أنْ» مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ سادَّةٌ مَعَ ما في حَيِّزِها مَسَدَّ مَفْعُولَيِ الظَّنِّ عَلى المَشْهُورِ.
الانشقاق 84:15
﴿بَلى﴾ إيجابٌ لِما بَعْدَ «لَنْ». وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ تَحْقِيقٌ وتَعْلِيلٌ لَهُ؛ أيْ: بَلى يَحُورُ البَتَّةَ أنَّ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي خَلَقَهُ كانَ بِهِ وبِأعْمالِهِ المُوجِبَةِ لِلْجَزاءِ بَصِيرًا بِحَيْثُ لا تَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مِنها خافِيَةٌ، فَلا بُدَّ مِن رَجْعَةٍ وحِسابِهِ ومُجازاتِهِ
الانشقاق 84:16
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ هي الحُمْرَةُ الَّتِي تُشاهَدُ في أُفُقِ المَغْرِبِ بَعْدَ الغُرُوبِ، وأصْلُهُ مِن رِقَّةِ الشَّيْءِ، يُقالُ: شَيْءٌ شَفَقٌ؛ أيْ: لا يَتَماسَكُ لِرِقَّتِهِ، ومِنهُ أشْفَقَ عَلَيْهِ رَقَّ قَلْبُهُ، والشَّفَقَةُ مِنَ الإشْفاقِ وكَذَلِكَ الشَّفَقُ قالَ الشّاعِرُ:
تَهْوى حَياتِي وأهْوى مَوْتَها شَفَقًا والمَوْتُ أكْرَمُ نَزّالٍ عَلى الحُرَمِ
وقِيلَ: البَياضُ الَّذِي يَلِي تِلْكَ الحُمْرَةَ ويُرى بَعْدَ سُقُوطِها، وفي تَسْمِيَةِ ذَلِكَ شَفَقًا خِلافٌ؛ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يُسَمّى بِهِ وأبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى أنَّهُ يُسَمّى. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وتَمامُ الكَلامِ عَلَيْهِ في شُرُوحِ الهِدايَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ أنَّهُ هُنا النَّهارُ كُلُّهُ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ وابْنِ أبِي نُجَيْحٍ، وكَأنَّهُ شَجَّعَهم عَلى ذَلِكَ عَطْفُ اللَّيْلِ عَلَيْهِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: إذا عَرَفْتَ هَذا أوْ تَحَقَّقْتَ الحَوْرَ بِالبَعْثِ فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ
الانشقاق 84:17
﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ وما ضَمَّ وجَمَعَ. يُقالُ: وسَقَهُ فاتَّسَقَ واسْتَوْسَقَ؛ أيْ: جَمَعَهُ فاجْتَمَعَ، ويُقالُ: طَعامٌ مَوْسُوقٌ؛ أيْ: مَجْمُوعٌ وإبِلٌ مُسْتَوْسَقَةٌ؛ أيْ: مُجْتَمِعَةٌ. قالَ الشّاعِرُ:
إنَّ لَنا قَلائِصًا حَقائِقا مُسْتَوْسِقاتٍ لَمْ يَجِدْنَ سائِقا
ومِنَ الوَسْقِ الأصْواعُ المُجْتَمِعَةُ؛ وهي سِتُّونَ صاعًا أوْ حِمْلُ بِعِيرٍ لِاجْتِماعِهِ عَلى ظَهْرِهِ، و«ما» تَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ والمَوْصُولَةَ، والجُمْهُورُ عَلى الثّانِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: والَّذِي وسَقَهُ، والمُرادُ بِهِ ما يَجْتَمِعُ بِاللَّيْلِ ويَأْوِي إلى مَكانِهِ مِنَ الدَّوابِّ وغَيْرِها.
صفحة 82
وعَنْ مُجاهِدٍ: ما يَكُونُ فِيهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقِيلَ: ما سَتَرَهُ وغَطّى عَلَيْهِ بِظُلْمَتِهِ وقِيلَ: ما جَمَعَهُ مِنَ الظُّلْمَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: ﴿وما وسَقَ﴾ وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً ∗∗∗ تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقِيلَ: وسَقَ بِمَعْنى طَرَدَ؛ أيْ: وما طَرَدَهُ إلى أماكِنِهِ مِنَ الدَّوابِّ وغَيْرِها، أوْ ما طَرَدَهُ مِن ضَوْءِ النَّهارِ، ومِنهُ الوَسِيقَةُ، قالَ في القامُوسِ: وهي مِنَ الإبِلِ كالرُّفْقَةِ مِنَ النّاسِ، فَإذا سُرِقَتْ طُرِدَتْ مَعًا.
الانشقاق 84:18
﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ أيِ اجْتَمَعَ نُورُهُ وصارَ بَدْرًا.
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ خِطابٌ لِجِنْسِ الإنْسانِ المُنادى أوَّلًا بِاعْتِبارَ شُمُولِهِ لِأفْرادِهِ، والمُرادُ بِالرُّكُوبِ المُلاقاةُ، والطَّبَقُ في الأصْلِ ما طابَقَ غَيْرَهُ مُطْلَقًا، وخُصَّ في العُرْفِ بِالحالِ المُطابِقَةِ لِغَيْرِها، ومِنهُ قَوْلُ الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ:
إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَّهْرَ أشْطُرَهُ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
و«عِنْ» لِلْمُجاوَزَةِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي بِمَعْنى بَعْدَ، كَما في قَوْلِهِما: سادُوكَ كابِرًا عَنْ كابِرٍ، وقَوْلِهِ:
ما زِلْتُ أقْطَعُ مَنهَلًا عَنْ مَنهَلٍ ∗∗∗ حَتّى أنَخْتُ بِبابِ عَبْدِ الواحِدِ
والمُجاوَزَةُ والبَعْدِيَّةُ مُتَقارِبانِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ «طَبَقًا» أوْ حالًا مِن فاعِلِ: (تَرْكَبُنَّ) والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ ﴿طَبَقًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ: لَتُلاقُنَّ حالًا مُجاوِزَةً لِحالٍ أوْ كائِنَةً بَعْدَ حالٍ أوْ مُجاوَزِينَ لِحالٍ أوْ كائِنِينَ بَعْدَ حالٍ، كُلُّ واحِدَةٍ مُطابِقَةٌ لِأُخْتِها في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الرُّكُوبِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وتُجْعَلُ الحالُ مَرْكُوبَةً مَجازًا. وقِيلَ: نَصْبُ ﴿طَبَقًا﴾ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوِ الحالِيَّةِ، وقالَ جَمْعٌ: الطَّبَقُ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَتُخَمٍ وتُخَمَةٍ وهي المَرْتَبَةُ، ويُقالُ: إنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدُهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ أحْوالًا بَعْدَ أحْوالٍ هي طَبَقاتٌ في الشِّدَّةِ بَعْضُها أرْفَعُ مِن بَعْضٍ وهي المَوْتُ وما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ القِيامَةِ وأهْوالِها، ورَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ فَقالَ: هَذا الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ وتَرَتُّبُ الفاءِ في ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأحْوالَ بِما يَكُونُ في الدُّنْيا مِن كَوْنِهِمْ نُطْفَةً إلى المَوْتِ وما يَكُونُ في الآخِرَةِ مِنَ البَعْثِ إلى حِينِ المُسْتَقَرِّ في إحْدى الدّارَيْنِ. وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِ «طَبَقًا» عَنْ طَبَقِ المَوْتِ المُطابِقِ لِلْعَدَمِ الأصْلِيِّ والإحْياءِ المُطابِقِ لِلْإحْياءِ السّابِقِ، فَيَكُونُ الكَلامُ قَسَمًا عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ويَجْرِي فِيهِ ما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ مَكْحُولٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تَكُونُونَ في كُلِّ عِشْرِينَ سَنَةً عَلى حالٍ لَمْ تَكُونُوا عَلى مِثْلِها. وفي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: في كُلِّ عِشْرِينَ عامًا تُحْدِثُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ، فالطَّبَقُ بِمَعْنى عِشْرِينَ عامًا، وقَدْ عَدَّ ذَلِكَ في القامُوسِ مِن جُمْلَةِ مَعانِيهِ، وما ذُكِرَ بَيانٌ لِلْمَعْنى المُرادِ. وقِيلَ:
الطَّبَقُ هُنا القَرْنُ مِنَ النّاسِ مِثْلُهُ في قَوْلِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:
وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ∗∗∗ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
تَنَقَّلَ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وإنَّ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن مَضى قَبْلَكم قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والأسْوَدُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٌ والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: «لَتَرْكَبُنَّ» بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما أيْضًا كَسَرا تاءَ المُضارَعَةِ وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْإنْسانِ أيْضًا لَكِنْ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ لا بِاعْتِبارِ الشُّمُولِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المُرادُ بِالإنْسانِ فِيما تَقَدَّمَ يَذْهَبُ إلَيْهِ وعَلَيْهِ يُرادُ ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أحْوالًا شَرِيفَةً بَعْدَ
صفحة 83
أُخْرى مِن مَراتِبِ القُرْبِ أوْ مَراتِبَ مِنَ الشِّدَّةِ في الدُّنْيا بِاعْتِبارِ ما يُقاسِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الكَفَرَةِ ويُعانِيهِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أوِ الكَلامِ عِدَةٌ بِالنَّصْرِ؛ أيْ: لَتُلاقُنَّ فَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ، ونَصْرًا بَعْدَ نَصْرٍ، وتَبْشِيرًا بِالمِعْراجِ؛ أيْ: لَتَرْكَبُنَّ سَماءً بَعْدَ سَماءٍ، كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُيِّدَ بِالتَّوْكِيدِ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ والتَّعْقِيبِ بِالإنْكارِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ يَعْنِي السَّماءُ تَنْفَطِرُ ثُمَّ تَنْشَقُّ ثُمَّ تَحْمَرُّ، وفي رِوايَةٍ السَّماءُ تَكُونُ كالمُهْلِ وتَكُونُ ورْدَةُ كالدِّهانِ وتَكُونُ واهِيَةً وتَشَقَّقُ فَتَكُونُ حالًا بَعْدَ حالٍ فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ. وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: «لَيَرْكَبُنَّ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ وفَتْحِ الباءِ عَلى الِالتِفاتِ مِن خِطابِ الإنْسانِ إلى الغَيْبَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَعْنِي نَبِيَّكم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجَعَلَ الضَّمِيرَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن سِرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ. وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: «لَيُرْكَبُنَّ» بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ عَلى أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ لِلْإنْسانِ بِاعْتِبارِ الشُّمُولِ. وقُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الباءِ عَلى تَأْنِيثِ الإنْسانِ المُخاطَبِ بِاعْتِبارِ النَّفْسِ. وأمْرُ التَّقْدِيرِ الحالِيَّةُ المُشارُ إلَيْها فِيما مَرَّ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ لا يَخْفى.
الانشقاق 84:19
﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ أيِ اجْتَمَعَ نُورُهُ وصارَ بَدْرًا.
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ خِطابٌ لِجِنْسِ الإنْسانِ المُنادى أوَّلًا بِاعْتِبارَ شُمُولِهِ لِأفْرادِهِ، والمُرادُ بِالرُّكُوبِ المُلاقاةُ، والطَّبَقُ في الأصْلِ ما طابَقَ غَيْرَهُ مُطْلَقًا، وخُصَّ في العُرْفِ بِالحالِ المُطابِقَةِ لِغَيْرِها، ومِنهُ قَوْلُ الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ:
إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَّهْرَ أشْطُرَهُ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
و«عِنْ» لِلْمُجاوَزَةِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي بِمَعْنى بَعْدَ، كَما في قَوْلِهِما: سادُوكَ كابِرًا عَنْ كابِرٍ، وقَوْلِهِ:
ما زِلْتُ أقْطَعُ مَنهَلًا عَنْ مَنهَلٍ ∗∗∗ حَتّى أنَخْتُ بِبابِ عَبْدِ الواحِدِ
والمُجاوَزَةُ والبَعْدِيَّةُ مُتَقارِبانِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ «طَبَقًا» أوْ حالًا مِن فاعِلِ: (تَرْكَبُنَّ) والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ ﴿طَبَقًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ: لَتُلاقُنَّ حالًا مُجاوِزَةً لِحالٍ أوْ كائِنَةً بَعْدَ حالٍ أوْ مُجاوَزِينَ لِحالٍ أوْ كائِنِينَ بَعْدَ حالٍ، كُلُّ واحِدَةٍ مُطابِقَةٌ لِأُخْتِها في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الرُّكُوبِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وتُجْعَلُ الحالُ مَرْكُوبَةً مَجازًا. وقِيلَ: نَصْبُ ﴿طَبَقًا﴾ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوِ الحالِيَّةِ، وقالَ جَمْعٌ: الطَّبَقُ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَتُخَمٍ وتُخَمَةٍ وهي المَرْتَبَةُ، ويُقالُ: إنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدُهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ أحْوالًا بَعْدَ أحْوالٍ هي طَبَقاتٌ في الشِّدَّةِ بَعْضُها أرْفَعُ مِن بَعْضٍ وهي المَوْتُ وما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ القِيامَةِ وأهْوالِها، ورَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ فَقالَ: هَذا الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ وتَرَتُّبُ الفاءِ في ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأحْوالَ بِما يَكُونُ في الدُّنْيا مِن كَوْنِهِمْ نُطْفَةً إلى المَوْتِ وما يَكُونُ في الآخِرَةِ مِنَ البَعْثِ إلى حِينِ المُسْتَقَرِّ في إحْدى الدّارَيْنِ. وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِ «طَبَقًا» عَنْ طَبَقِ المَوْتِ المُطابِقِ لِلْعَدَمِ الأصْلِيِّ والإحْياءِ المُطابِقِ لِلْإحْياءِ السّابِقِ، فَيَكُونُ الكَلامُ قَسَمًا عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ويَجْرِي فِيهِ ما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ مَكْحُولٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تَكُونُونَ في كُلِّ عِشْرِينَ سَنَةً عَلى حالٍ لَمْ تَكُونُوا عَلى مِثْلِها. وفي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: في كُلِّ عِشْرِينَ عامًا تُحْدِثُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ، فالطَّبَقُ بِمَعْنى عِشْرِينَ عامًا، وقَدْ عَدَّ ذَلِكَ في القامُوسِ مِن جُمْلَةِ مَعانِيهِ، وما ذُكِرَ بَيانٌ لِلْمَعْنى المُرادِ. وقِيلَ:
الطَّبَقُ هُنا القَرْنُ مِنَ النّاسِ مِثْلُهُ في قَوْلِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:
وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ∗∗∗ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
تَنَقَّلَ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وإنَّ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن مَضى قَبْلَكم قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والأسْوَدُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٌ والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: «لَتَرْكَبُنَّ» بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما أيْضًا كَسَرا تاءَ المُضارَعَةِ وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْإنْسانِ أيْضًا لَكِنْ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ لا بِاعْتِبارِ الشُّمُولِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المُرادُ بِالإنْسانِ فِيما تَقَدَّمَ يَذْهَبُ إلَيْهِ وعَلَيْهِ يُرادُ ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أحْوالًا شَرِيفَةً بَعْدَ
صفحة 83
أُخْرى مِن مَراتِبِ القُرْبِ أوْ مَراتِبَ مِنَ الشِّدَّةِ في الدُّنْيا بِاعْتِبارِ ما يُقاسِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الكَفَرَةِ ويُعانِيهِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أوِ الكَلامِ عِدَةٌ بِالنَّصْرِ؛ أيْ: لَتُلاقُنَّ فَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ، ونَصْرًا بَعْدَ نَصْرٍ، وتَبْشِيرًا بِالمِعْراجِ؛ أيْ: لَتَرْكَبُنَّ سَماءً بَعْدَ سَماءٍ، كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُيِّدَ بِالتَّوْكِيدِ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ والتَّعْقِيبِ بِالإنْكارِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ يَعْنِي السَّماءُ تَنْفَطِرُ ثُمَّ تَنْشَقُّ ثُمَّ تَحْمَرُّ، وفي رِوايَةٍ السَّماءُ تَكُونُ كالمُهْلِ وتَكُونُ ورْدَةُ كالدِّهانِ وتَكُونُ واهِيَةً وتَشَقَّقُ فَتَكُونُ حالًا بَعْدَ حالٍ فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ. وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: «لَيَرْكَبُنَّ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ وفَتْحِ الباءِ عَلى الِالتِفاتِ مِن خِطابِ الإنْسانِ إلى الغَيْبَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَعْنِي نَبِيَّكم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجَعَلَ الضَّمِيرَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن سِرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ. وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: «لَيُرْكَبُنَّ» بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ عَلى أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ لِلْإنْسانِ بِاعْتِبارِ الشُّمُولِ. وقُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الباءِ عَلى تَأْنِيثِ الإنْسانِ المُخاطَبِ بِاعْتِبارِ النَّفْسِ. وأمْرُ التَّقْدِيرِ الحالِيَّةُ المُشارُ إلَيْها فِيما مَرَّ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ لا يَخْفى.
الانشقاق 84:20
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ عَلى ما قَبْلَها مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وأهْوالِها المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلَخْ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والسُّجُودِ؛ أيْ: إذا كانَ حالُهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فَأيُّ شَيْءٍ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُهم مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسائِرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِهِ مِنَ الأهْوالِ الَّتِي تَكُونُ لِتارِكِهِ يَوْمَئِذٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِتَرْتِيبِ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ مِن عَظِيمِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلَخْ عَلى بَعْضٍ آخَرَ مِنَ الأوْجُهِ السّابِقَةِ فِيهِ؛ أيْ: إذا كانَ حالُهُ وشَأْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ فَأيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِتَرْتِيبِ ذَلِكَ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ إلَخْ مِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ مِنَ التَّغْيِيراتِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الإمامُ؛ أيْ: إذا كانَ شَأْنُهُ -تَعالى شَأْنُهُ- كَما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَظِيمَ القُدْرَةِ واسِعَ العِلْمِ فَأيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ الَّذِي هو مِن جُمْلَةِ المُمْكِناتِ الَّتِي تَشْمَلُها قُدْرَتُهُ عَزَّ وجَلَّ ويُحِيطُ بِها عِلْمُهُ جَلَّ جَلالُهُ.
الانشقاق 84:21
﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ؛ فَهي حالِيَّةٌ مِثْلُها؛ أيْ: فَأيُّ مانِعٍ لَهم حالَ عَدَمِ سُجُودِهِمْ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ، والسُّجُودُ مَجازٌ عَنِ الخُضُوعِ اللّازِمِ لَهُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، أوِ المُرادُ بِهِ الصَّلاةُ. وفي قَرْنِ ذَلِكَ بِالإيمانِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ قَدْرِها كَما لا يَخْفى، أوْ هو عَلى ظاهِرِهِ. فالمُرادُ بِما قَبْلَهُ: قُرِئَ القُرْآنُ المَخْصُوصُ أوْ وفِيهِ آيَةُ سَجْدَةٍ.
وقَدْ صَحَّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ سَجَدَ عِنْدَ قِراءَةِ هَذِهِ الآيَةِ.
أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِي: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾» .
وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وعَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ أبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ فَقَرَأ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ. فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: سَجَدْتُ خَلْفَ أبِي القاسِمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلا أزالُ أسْجُدُ فِيها حَتّى ألْقاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ».
وفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حَيْثُ قالَ: لَيْسَ في المُنْفَصِلِ وهو مِن سُورَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: مِنَ الفَتْحِ، وقِيلَ: هو قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ الحُجُراتِ سَجْدَةٌ، وهي سُنَّةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وواجِبَةٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ. قالَ الإمامُ: رُوِيَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ ذاتَ يَوْمٍ: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ فَسَجَدَ هو ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقُرَيْشٌ تُصَفِّقُ فَوْقَ رُؤُوسَهم وتُصَفِّرُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ».
واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى وُجُوبِ السَّجْدَةِ بِهَذا مِن وجْهَيْنِ:
صفحة 84
الأوَّلُ أنَّ فِعْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( فاتَّبِعُوهُ ) الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَمَّ مَن يَسْمَعُهُ ولا يَسْجُدُ، وحُصُولُ الذَّمِّ عِنْدَ التَّرْكِ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ انْتَهى. وفِيهِ بَحْثٌ مَعَ أنَّ الحَدِيثَ كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ لَمْ يَثْبُتْ.
الانشقاق 84:22
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ، وهو انْتِقالٌ عَنْ كَوْنِهِمْ لا يَسْجُدُونَ عِنْدَ قِراءَتِهِ إلى كَوْنِهِمْ يُكَذِّبُونَ بِهِ صَرِيحًا، ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «يَكْذِبُونَ» مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.
الانشقاق 84:23
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ أيْ: بِالَّذِي يُضْمِرُونَهُ في صُدُورِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والحَسَدِ والبَغْضاءِ والبَغْيِ، فَما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وأصْلُ الإيعاءِ جَعْلُ الشَّيْءِ في وِعاءٍ. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: الإيعاءُ: حِفْظُ الأمْتِعَةِ في وِعاءٍ ومِنهُ قَوْلُهُ:
والشَّرُّ أخْبَثُ ما أوْعَيْتَ مِن زادِ.
وأُرِيدَ بِهِ هُنا الإضْمارُ مَجازًا، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ الآيَةِ في حَقِّ المُنافِقِينَ مَعَ كَوْنِ السُّورَةِ مَكِّيَّةً كَما لا يَخْفى، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالجَمْعِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَهُ في صُحُفِهِمْ مِن أعْمالِ السُّوءِ، وأيًّا ما كانَ فَعِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مُجازاتِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المُرادُ الإشارَةُ إلى أنَّ لَهم وراءَ التَّكْذِيبِ قَبائِحَ عَظِيمَةً كَثِيرَةً يَضِيقُ عَنْ شَرْحِها نِطاقُ العِبارَةِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يُضْمِرُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن أدِلَّةِ كَوْنِهِ أيِ القُرْآنِ حَقًّا فَيَكُونُ المُرادُ المُبالَغَةَ في عِنادِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ عَلى خِلافِ عِلْمِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ وكَوْنُها كَذَلِكَ عَلى ما قِيلَ مِنَ الإشارَةِ خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: «بِما يَعُونَ» مِن وعى يَعِ.
الانشقاق 84:24
﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى الإخْبارِ بِعِلْمِهِ تَعالى بِما يُوعُونَ مُرادًا بِهِ مُجازاتُهم بِهِ، وقِيلَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ، وقِيلَ: الفاءُ فَصِيحَةٌ؛ أيْ: إذا كانَ حالُهم ما ذُكِرَ فَبَشِّرْهم إلَخْ... والتَّبْشِيرُ في المَشْهُورِ الإخْبارُ بِسارٍّ، والتَّعْبِيرُ بِهِ هاهُنا مِن بابِ:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى تَنْزِيلِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في المَعاصِي المُوجِبَةِ لِلْعَذابِ وعَدَمِ اسْتِرْجاعِهِمْ عَنْها مَنزِلَةَ الرّاغِبِينَ في العَذابِ حَتّى كَأنَّ الإخْبارَ بِهِ تَبْشِيرًا وإخْبارًا بِسارٍّ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ يَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ وأبْعَدَ جَدًّا مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَحَبَّةِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ البِشارَةَ فَيُسْتَعارُ لِأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإنْذارِ لَفْظُ البِشارَةِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
الانشقاق 84:25
﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا عَلى أنْ يُرادَ بِالمُسْتَثْنى مَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، مَن آمَنَ وعَمِلَ بَعْدُ مِنهُمْ؛ أيْ: مِن أُولَئِكَ الكَفَرَةِ، والمُضِيُّ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ هُما بِمَعْنى المُضارِعِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مَعَ أنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ مِنهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ لِأنَّ الأجْرَ المَذْكُورَ لا يَخُصُّ المُؤْمِنِينَ مِنهم بَلِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً، وكَوْنُ الِاخْتِصاصِ إضافِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى الباقِينَ عَلى الكُفْرِ مِنهم خِلافُ الظّاهِرِ عَلى أنَّ إيهامَ الِاخْتِصاصِ بِالمُؤْمِنِينَ مِنهم يَكْفِي في الغَرَضِ كَما لا يَخْفى. والتَّنْوِينُ في «أجْرٌ» لِلتَّعْظِيمِ ومَعْنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ مِن «مُنَّ» إذا قُطِعَ أوْ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ ومَحْسُوبٌ عَلَيْهِمْ مِن «مَنَّ» عَلَيْهِ إذا اعْتَدَّ بِالصَّنِيعَةِ وحَسِبَها، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المَنَّ بِهَذا المَعْنى مِن «مَنَّ» بِمَعْنى قَطَعَ أيْضًا، لِما أنَّهُ يَقْطَعُ النِّعْمَةَ ويَقْتَضِي قَطْعَ شُكْرِها، والجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما أفادَهُ الِاسْتِثْناءُ مِنَ انْتِفاءِ العَذابِ عَنِ المَذْكُورِينَ ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّتِهِ ومُقارَنَتِهِ لِلثَّوابِ العَظِيمِ الكَثِيرِ.
البروج 85:1
سُورَةُ البُرُوجِ
لا خِلافَ في مَكِّيَّتِها ولا في كَوْنِها اثْنَتَيْنِ وعِشْرِينَ آيَةً، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها بِاشْتِمالِها كالَّتِي قَبْلُ عَلى وعْدِ المُؤْمِنِينَ
صفحة 85
ووَعِيدِ الكافِرِينَ مَعَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ وفَخامَةِ قَدْرِهِ. وفي البَحْرِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ مِنَ المَكْرِ والخِداعِ وإيذاءِ مَن أسْلَمَ بِأنْواعٍ مِنَ الأذى كالضَّرْبِ والقَتْلِ والصَّلْبِ والحَرْقِ بِالشَّمْسِ وإحْماءِ الصَّخْرِ ووَضْعِ أجْسادِ مَن يُرِيدُونَ أنْ يَفْتِنُوهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذِهِ الشَّنْشَنَةَ كانَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ فَكانُوا يُعَذِّبُونَ بِالنّارِ وأنَّ المُعَذِّبِينَ كانَ لَهم مِنَ الثَّباتِ في الإيمانِ ما مَنَعَهم أنْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ، وأنَّ الَّذِينَ عَذَّبُوهم مَلْعُونُونَ فَكَذَلِكَ الَّذِينَ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ فَهَذِهِ السُّورَةُ عِظَةٌ لِقُرَيْشٍ وتَثْبِيتٌ لِمَن يُعَذِّبُونَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ انْتَهى وهو وجْهٌ وجِيهٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ أيِ القُصُورِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، والمُرادُ بِها عِنْدَ جَمْعٍ البُرُوجُ الِاثْنا عَشَرَ المَعْرُوفَةُ، وأصْلُ البُرْجِ الأمْرُ الظّاهِرُ ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً لِلْقَصْرِ العالِي لِأنَّهُ ظاهِرٌ لِلنّاظِرِينَ، ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِن سُورِ المَدِينَةِ بُرْجٌ أيْضًا وبُرُوجُ السَّماءِ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ وإنِ التَحَقَتْ بِالحَقِيقَةِ فَهي في الأصْلِ اسْتِعارَةٌ فَإنَّها شُبِّهَتْ بِالقُصُورِ لِعُلُوِّها ولِأنَّ النُّجُومَ نازِلَةٌ فِيها كَسُكّانِها فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ تَتْبَعُها مَكْنِيَّةٌ، وقِيلَ: شُبِّهَتِ السَّماءُ بِسُورِ المَدِينَةِ فَأُثْبِتَ لَها البُرُوجُ وقِيلَ: هي مَنازِلُ القَمَرِ وهَذا راجِعٌ إلى القَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ البُرُوجَ مُنْقَسِمَةٌ إلى ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ مَنزِلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها. وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: هي النُّجُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا بِلَفْظِ الكَواكِبِ بَدَلَ النُّجُومِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهُ قالَ: هِي النُّجُومُ العِظامُ، وعَلَيْهِ إنَّما سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها وكَذا عَلى ما قَبْلَهُ وإنِ اخْتَلَفَتِ الظُّهُورُ، ولَمْ يَظْهَرْ شُمُولُهُ جَمِيعَ النُّجُومِ، وقِيلَ: هي أبْوابُ السَّماءِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ النَّوازِلَ تَخْرُجُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنها فَجُعِلَتْ مُشَبَّهَةً بِقُصُورِ العُظَماءِ النّازِلَةِ أوْ أمْرُهم مِنها أوْ لِأنَّها لِكَوْنِها مَبْدَأً لِلظُّهُورِ وُصِفَتْ بِهِ مَجازًا في الطَّرَفِ، وقِيلَ في النِّسْبَةِ والبُرُوجِ الِاثْنا عَشَرَ في الحَقِيقَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ مُحَقِّقُو أهْلِ الهَيْئَةِ مُعْتَبِرَةً في الفَلَكِ الأعْلى المُسَمّى بِفَلَكِ الأفْلاكِ والفَلَكِ الأطْلَسِ، وزَعَمُوا أنَّهُ العَرْشُ بِلِسانِ الشَّرْعِ لَكِنَّها لَمّا لَمْ تَكُنْ ظاهِرَةً حِسًّا دَلُّوا عَلَيْها بِما سامَتْها وقْتَ تَقْسِيمِ الفَلَكِ الأعْلى مِنَ الصُّوَرِ المَعْرُوفَةِ كالحَمَلِ والثَّوْرِ وغَيْرِهِما الَّتِي هي في الفَلَكِ الثّامِنِ المُسَمّى عِنْدَهم بِفَلَكِ الثَّوابِتِ وبِالكُرْسِيِّ في لِسانِ الشَّرْعِ عَلى ما زَعَمُوا، فَبُرْجُ الحَمَلِ مَثَلًا لَيْسَ إلّا جُزْءًا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا مِنَ الفَلَكِ الأعْلى سامَتَتْهُ صُورَةُ الحَمَلِ مِنَ الثَّوابِتِ وقْتَ التَّقْسِيمِ، وبُرْجُ الثَّوْرِ لَيْسَ إلّا جُزْءًا مِن ذَلِكَ سامَتَتْهُ صُورَةُ الثَّوْرِ مِنها ذَلِكَ الوَقْتَ أيْضًا وهَكَذا وإنَّما قِيلَ وقْتَ التَّقْسِيمِ لِأنَّ كُلَّ صُورَةٍ قَدْ خَرَجَتْ لِحَرَكَتِها وإنْ كانَتْ بَطِيئَةً عَمّا كانَتْ مُسامِتَةً لَهُ مِن تِلْكَ البُرُوجِ حَتّى كادَ يُسامِتُ الحَمَلُ اليَوْمَ بُرْجَ الثَّوْرِ والثَّوْرُ بُرْجَ الجَوْزاءِ وهَكَذا، فَعَلى هَذا وكَوْنُ المُرادِ بِالبُرُوجِ البُرُوجُ الِاثْنَيْ عَشَرَ أوِ المَنازِلُ قِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ الفَلَكُ الأعْلى وقِيلَ الفَلَكُ الثّامِنُ لِظُهُورِ الصُّوَرِ الدّالَّةِ عَلى البُرُوجِ فِيهِ، ولِذا يُسَمّى فَلَكَ البُرُوجِ. وقِيلَ: السَّماءُ الدُّنْيا لِأنَّها تُرى فِيها بِظاهِرِ الحِسِّ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ وقِيلَ: الجِنْسُ الشّامِلُ لِكُلِّ سَماءٍ لِأنَّ السَّماواتِ شَفّافَةٌ فَيُشارِكُ العُلْيا فِيما فِيها السُّفْلى لِأنَّهُ يُرى فِيها ظاهِرًا، وإذا أُرِيدَ بِالبُرُوجِ النُّجُومُ فَقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ الفَلَكُ الثّامِنُ؛ لِأنَّها فِيهِ حَقِيقَةً، وقِيلَ: السَّماءُ الدُّنْيا وقِيلَ: الجِنْسُ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ ولا يُرادُ عَلى ما قِيلَ الفَلَكُ الأطْلَسُ، أعْنِي الفَلَكَ الأعْلى؛ لِأنَّهُ كاسْمِهِ غَيْرُ مُكَوْكَبٍ، وإذا أُرِيدَ بِها الأبْوابُ فَقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ ما عَدا فَلَكَ الأفْلاكِ المُسَمّى بِلِسانِ الشَّرْعِ بِالعَرْشِ فَإنَّهُ لَمْ يُرَدْ أنَّ لَهُ أبْوابًا، هَذا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أكْثَرَ ما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى كَلامِ أهْلِ الهَيْئَةِ المُتَقَدِّمِينَ وهو لا يَصِحُّ لَهُ مُسْتَنَدٌ شَرْعًا ولا يَكادُ تَسْمَعُ فِيهِ إطْلاقَ السَّماءِ عَلى العَرْشِ أوِ الكُرْسِيِّ، لَكِنْ لَمّا سَمِعَ بَعْضُ الإسْلامِيِّينَ
صفحة 86
مِنَ الفَلاسِفَةِ أفْلاكًا تِسْعَةً وأرادَ تَطْبِيقَ ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ في الشَّرْعِ زَعَمَ أنَّ سَبْعَةً مِنها هي السَّماواتُ السَّبْعُ، والِاثْنَيْنِ الباقِيَيْنِ هُما الكُرْسِيُّ والعَرْشُ ولَمْ يَدْرِ أنَّ في الأخْبارِ ما يَأْبى ذَلِكَ، وكَوْنُ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ يَقْتَضِيهِ مَحَلُّ بَحْثٍ كَما لا يَخْفى. ومَن رَجَعَ إلى كَلامِ أهْلِ الهَيْئَةِ المُحْدَثِينَ ونَظَرَ في أدِلَّتِهِمْ عَلى ما قالُوهُ في أمْرِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وكَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِها قَوِيَ عِنْدَهُ وهُنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُتَقَدِّمُونَ في ذَلِكَ؛ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: البُرُوجُ هي المَنازِلُ لِلْكَواكِبِ مُطْلَقًا الَّتِي يُشاهِدُها الخَواصُّ والعَوامُّ وما عَلَيْنا في أيِّ سَماءٍ كانَتْ أوِ الكَواكِبُ أنْفُسُها أيْنَما كانَتْ أوْ أبْوابُ السَّماءِ الوارِدَةُ في لِسانِ الشَّرْعِ والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ وهي لِكُلِّ سَماءٍ ولَمْ يَثْبُتْ لِلْعَرْشِ ولا لِلْكُرْسِيِّ مِنها شَيْءٌ ويُرادُ بِالسَّماءِ جِنْسُها أوِ السَّماءُ الدُّنْيا في غَيْرِ القَوْلِ الأخِيرِ عَلى ما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ فَلا تَغْفُلْ.
البروج 85:2
﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ أيِ المَوْعُودِ بِهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: لَعَلَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يَخْرُجُ النّاسُ فِيهِ مِن قُبُورِهِمْ؛ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أوْ ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ يَوْمُ شَفاعَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ولا يَخْفى أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ داخِلٌ في يَوْمِ القِيامَةِ.
البروج 85:3
﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ أيْ: ومَن يَشْهَدُ بِذَلِكَ اليَوْمِ ويَحْضُرُهُ مِنَ الخَلائِقِ المَبْعُوثِينَ فِيهِ وما يَحْضُرُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ والعَجائِبِ فَيَكُونُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِيَوْمِ القِيامَةِ وما فِيهِ تَعْظِيمًا لِذَلِكَ اليَوْمِ وإرْهابًا لِمُنْكِرِيهِ، وتَنْكِيرُ الوَصْفَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ لا يَكْتَنِهُ وصْفَهُما أوْ لِلتَّكْثِيرِ كَما قِيلَ فِي: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««الشّاهِدُ يَوْمُ الجُمْعَةِ والمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ»» ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا أيْضًا، وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا أيْضًا: ««الشّاهِدُ يَوْمُ عَرَفَةَ، ويَوْمُ الجُمْعَةِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ»».
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «الشّاهِدُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ النَّجْمِ».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وكَرَّمَ وجْهَهُما أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هَلْ سَألْتَ أحَدًا قَبْلِي؟ قالَ: نَعَمْ. سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ وابْنَ الزُّبَيْرِ فَقالا: يَوْمُ الذَّبْحِ ويَوْمُ الجُمْعَةِ. قالَ: لا، ولَكِنَّ الشّاهِدَ مُحَمَّدٌ. وفي رِوايَةٍ جَدَّيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قَرَأ: ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ورَوى النَّسائِيُّ وجَماعَةٌ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ والشّاهِدُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وعَطاءِ بْنِ يَسارِ: الشّاهِدُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتُهُ والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وعَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ: الشّاهِدُ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وعَنِ التِّرْمِذِيِّ: الشّاهِدُ الحَفَظَةُ والمَشْهُودُ -أيْ عَلَيْهِ-: النّاسُ. وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ يَحْيى: هُما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأُمَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَنْهُ أيْضًا: هُما الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأُمَمُهم. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ: هُما الجَوارِحُ وأصْحابُها. وقِيلَ: هُما يَوْمُ الِاثْنَيْنِ ويَوْمُ الجُمْعَةِ، وقِيلَ: هُما المَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقُرْآنُ الفَجْرِ، وقِيلَ: هُما النَّجْمُ واللَّيْلُ والنَّهارُ، وقِيلَ: الشّاهِدُ اللَّهُ تَعالى والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ والمَشْهُودُ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ، وإنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الإسْلامُ، وقِيلَ: الشّاهِدُ مَخْلُوقاتُهُ تَعالى، والمَشْهُودُ بِهِ الوَحْدانِيَّةُ. وقِيلَ: هُما الحَجَرُ الأسْوَدُ والحَجِيجُ، وقِيلَ: اللَّيالِي والأيّامُ وبَنُو آدَمَ، فَعَنِ الحَسَنِ: ما مِن يَوْمٍ إلّا يُنادِي: إنِّي يَوْمٌ جَدِيدٌ، وإنِّي عَلى ما يُعْمَلُ فِيَّ شَهِيدٌ فاغْتَنِمْنِي؛ فَلَوْ غابَتْ شَمْسِي لَمْ تُدْرِكْنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: أُمَّةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسائِرُ
صفحة 87
الأُمَمِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِما المُقَرَّبُونَ والعِلِّيُّونَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ وأنْ يُرادَ بِالشّاهِدِ الطِّفْلُ الَّذِي قالَ: يا أُمّاهُ اصْبِرِي؛ فَإنَّكَ عَلى الحَقِّ كَما سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
والمَشْهُودُ لَهُ أُمُّهُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَتْ أمُّهُ عَلى الحَقِّ فَسائِرُ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ. وقِيلَ: وجَمِيعُ الأقْوالِ في ذَلِكَ عَلى ما وقَفْتُ عَلَيْهِ نَحْوٌ مِن ثَلاثِينَ قَوْلًا، والوَصْفُ عَلى بَعْضِها مِنَ الشَّهادَةِ بِمَعْنى الحُضُورِ ضِدَّ المَغِيبِ، وعَلى بَعْضِها الآخَرِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى الخُصُومِ أوَّلُهُ شَهادَةُ الجَوارِحِ؛ بِأنْ يُنْطِقَها اللَّهُ تَعالى الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وكَذا الحَجَرُ الأسْوَدُ ولا بُعْدَ في حُضُورِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ لِلْحَجِيجِ، وأمّا شَهادَةُ اليَوْمِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بَعْدَ ظُهُورِهِ في صُورَةٍ كَظُهُورِ القُرْآنِ عَلى صُورَةِ الرَّجُلِ الشّاحِبِ إذْ يَتَلَقّى صاحِبَهُ عِنْدَ قِيامِهِ مِن قَبْرِهِ وظُهُورِ المَوْتِ في صُورَةِ كَبْشٍ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُذْبَحَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الشِّهابُ: اللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُحْضِرَ اليَوْمَ لِيَشْهَدَ ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ؛ فَإنْ كانَتْ كَما ذَكَرْنا فَذاكَ، وإنْ كانَتْ شَيْئًا آخَرَ بِأنْ يُحْضَرَ نَفْسُ اليَوْمِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ زَمانٌ؛ وهو إنْ جَوَّزَهُ مَن جَوَّزَهُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ لَكِنْ في الشَّهادَةِ بِلِسانِ القالِ عَلَيْهِ خَفاءٌ، ومِثْلُها نِداءُ اليَوْمِ الَّذِي سَمِعْتَهُ آنِفًا عَنِ الحَسَنِ إنْ كانَ بِلِسانِ القالِ أيْضًا دُونَ لِسانِ الحالِ كَما هو الأرْجَحُ عِنْدِي. واخْتارَ أبُو حَيّانَ مِنَ الأقْوالِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالشَّهادَةِ الشَّهادَةُ بِالمَعْنى الثّانِي القَوْلُ بِأنَّ الشّاهِدَ مَن يَشْهَدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ أعْنِي اليَوْمَ المَوْعُودَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّ المَشْهُودَ مَن يُشْهَدُ عَلَيْهِ فِيهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِها الشَّهادَةُ بِالمَعْنى الأوَّلِ القَوْلُ بِأنَّ الشّاهِدَ الخَلائِقُ الحاضِرُونَ لِلْحِسابِ، وأنَّ المَشْهُودَ اليَوْمُ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ القَسَمِ بِهِ وإنِ اخْتَلَفَ العُنْوانُ لِزِيادَةِ تَعْظِيمِهِ فَتَأمَّلْ.
وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ وقالَ المُبَرِّدُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وصَرَّحَ بِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو
البروج 85:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلى حَذْفِ اللّامِ مِنهُ لِلطُّولِ، والأصْلُ لِ «قُتِلَ» كَما في قَوْلِهِ:
حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا فَما إنْ مِن حَدِيثٍ ولا صالِي
وقِيلَ: عَلى حَذْفِ اللّامِ وقَدْ، والأصْلُ: لَقَدْ قُتِلَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما اشْتُهِرَ مِن أنَّ الماضِي المُثْبَتَ المُتَصَرِّفَ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ مَعْمُولَهُ تَلْزَمُهُ اللّامُ وقَدْ، ولا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما إلّا عِنْدَ طُولِ الكَلامِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ إلَخْ، والبَيْتِ المَذْكُورَ، ولا يَجُوزُ تَقْدِيرُ اللّامِ بِدُونِ قَدْ؛ لِأنَّها لا تَدْخُلُ عَلى الماضِي المُجَرَّدِ مِنها، وتَمامُ الكَلامِ في مَحَلِّهِ كَشُرُوحِ التَّسْهِيلِ وغَيْرِها، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الأظْهَرَ أنَّها دِعائِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى الجَوابِ كَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ بِهَذِهِ الأشْياءِ أنَّ كَفّارَ قُرَيْشٍ لَمَلْعُونُونَ أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيها: قُتِلُوا كَما هو شَأْنُ أصْحابِ الأُخْدُودِ لِما أنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذِيَّةِ الكَفَرَةِ وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى مِمَّنْ تَقَدَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ لِأهْلِ الإيمانِ وصَبْرِهِمْ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَأْنَسُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِن قَوْمِهِمْ ويَعْلَمُوا أنَّهم مِثْلُ أُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في كَوْنِهِمْ مَلْعُونِينَ مَطْرُودِينَ، فالقَتْلُ هُنا عِبارَةٌ عَنْ أشَدِّ اللَّعْنِ والطَّرْدِ لِاسْتِحالَةِ الدُّعاءِ مِنهُ سُبْحانَهُ حَقِيقَةً، فَأُرِيدَ لازِمُهُ مِنَ السُّخْطِ والطَّرْدِ عَنْ رَحْمَتِهِ جَلَّ وعَلا. وقالَ بَعْضُهُمُ: الأظْهَرُ أنْ يُقَدَّرَ أنَّهم لَمَقْتُولُونَ كَما قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، فَيَكُونُ وعْدًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَتْلِ الكَفَرَةِ المُتَرَدِّينَ لِإعْلاءِ دِينِهِ، ويَكُونُ مُعْجِزَةً بِقَتْلِ رُؤُوسِهِمْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ انْتَهى. وظاهِرُهُ إبْقاءُ القَتْلِ عَلى حَقِيقَتِهِ واعْتِبارُ الجُمْلَةِ خَبَرِيَّةً، وهو كَما تَرى. وحُكِيَ في البَحْرِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: لَتُبْعَثُنَّ ونَحْوَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. والأُخْدُودُ: الخَدُّ وهو الشَّقُّ في الأرْضِ ونَحْوِهِما بِناءً، ومَعْنى الخَقِّ والأُخْقُوقِ. ومِنهُ ما جاءَ في خَبَرِ سُراقَةَ حِينَ
صفحة 88
تَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَساخَتْ قَوائِمُهُ؛ أيْ: قَوائِمُ فَرَسِهِ في أخاقِيقِ جُرْذانٍ.
أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ صُهَيْبٍ يَرْفَعُهُ: «كانَ مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ وكانَ لِذَلِكَ المَلِكِ كاهِنٌ يَكْهُنُ لَهُ. فَقالَ لَهُ ذَلِكَ الكاهِنُ: انْظُرُوا لِي غُلامًا فَهِمًا فَأُعَلِّمُهُ عِلْمِي هَذا؛ فَإنِّي أخافُ أنْ أمُوتَ فَيَنْقَطِعَ مِنكم هَذا العِلْمُ، ولا يَكُونَ فِيكم مَن يَعْلَمُهُ، فَنَظَرُوا لَهُ غُلامًا عَلى ما وصَفَ فَأمَرُوهُ أنْ يَحْضُرَ ذَلِكَ الكاهِنُ وأنْ يَخْتَلِفَ إلَيْهِ، فَجَعَلَ الغُلامُ يَخْتَلِفُ إلَيْهِ، وكانَ عَلى طَرِيقِ الغُلامِ راهِبٌ في صَوْمَعَةٍ فَجَعَلَ الغُلامُ يَسْألُ ذَلِكَ الرّاهِبَ كُلَّما مَرَّ بِهِ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى أخْبَرَهُ فَقالَ: إنَّما أعْبُدُ اللَّهَ تَعالى. فَجَعَلَ الغُلامُ يَمْكُثُ عِنْدَ الرّاهِبِ ويُبْطِئُ عَلى الكاهِنِ، فَأرْسَلَ الكاهِنُ إلى أهْلِ الغُلامِ إنَّهُ لا يَكادُ يَحْضُرُنِي فَأخْبَرَ الغُلامُ الرّاهِبَ بِذَلِكَ فَقالَ لَهُ الرّاهِبُ: إذا قالَ لَكَ الكاهِنُ: أيْنَ كُنْتَ فَقُلْ: عِنْدَ أهْلِي، وإذا قالَ لَكَ أهْلُكَ: أيْنَ كُنْتَ فَأخْبِرْهم أنَّكَ كُنْتَ عِنْدَ الكاهِنِ، فَبَيْنَما الغُلامُ عَلى ذَلِكَ إذْ مَرَّ بِجَماعَةٍ مِنَ النّاسِ كَثِيرَةٍ قَدْ حَبَسَتْهم دابَّةٌ يُقالُ كانَتْ أسَدًا، فَأخَذَ الغُلامُ حَجَرًا فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ ما يَقُولُ الرّاهِبُ حَقًّا فَأسْألُكَ أنْ أقْتُلَ هَذِهِ الدّابَّةَ، وإنْ كانَ ما يَقُولُهُ الكاهِنُ حَقًّا فَأسْألُكَ أنْ لا أقْتُلَها، ثُمَّ رَمى فَقَتَلَ الدّابَّةَ، فَقالَ النّاسُ: مَن قَتَلَها؟ فَقالُوا: الغُلامُ. فَفَزِعَ النّاسُ وقالُوا: قَدْ عَلِمَ هَذا الغُلامُ عِلْمًا لَمْ يَعْلَمْهُ أحَدٌ، فَسَمِعَ أعْمى فَجاءَهُ فَقالَ لَهُ: إنْ أنْتَ رَدَدْتَ بَصَرِي فَلَكَ كَذا وكَذا، فَقالَ الغُلامُ: لا أُرِيدُ مِنكَ هَذا ولَكِنْ أرَأيْتَ إنْ رَجَعَ عَلَيْكَ بَصَرُكَ أتُؤْمِنُ بِالَّذِي رَدَّهُ عَلَيْكَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ بَصَرَهُ فَآمَنَ الأعْمى، فَبَلَغَ المَلِكَ أمْرُهم. فَبَعَثَ إلَيْهِمْ فَأتى بِهِمْ فَقالَ: لَأقْتُلَنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم قِتْلَةً لا أقْتُلُ بِها صاحِبَهُ، فَأمَرَ بِالرّاهِبِ والرَّجُلِ الَّذِي كانَ أعْمى فَوُضِعَ المِنشارُ عَلى مَفْرِقِ أحَدِهِما فَقَتَلَهُ وقَتْلَ الآخَرَ بِقِتْلَةٍ أُخْرى، ثُمَّ أمَرَ بِالغُلامِ فَقالَ: انْطَلِقُوا بِهِ إلى جَبَلِ كَذا وكَذا فَألْقُوهُ مِن رَأْسِهِ، فانْطَلَقُوا بِهِ إلى ذَلِكَ الجَبَلِ فَلَمّا انْتَهَوْا بِهِ إلى ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي أرادُوا أنْ يُلْقُوهُ مِنهُ جَعَلُوا يَتَهافَتُونَ مِن ذَلِكَ الجَبَلِ ويَتَرَدَّوْنَ حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا الغُلامُ، ثُمَّ رَجَعَ الغُلامُ فَأمَرَ بِهِ المَلِكُ أنْ يَنْطَلِقُوا بِهِ إلى البَحْرِ فَيُلْقُوهُ فِيهِ فانْطُلِقَ بِهِ إلى البَحْرِ فَفَرَّقَ اللَّهُ تَعالى الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ وأنْجاهُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ الغُلامُ لِلْمَلِكِ: إنَّكَ لا تَقْتُلُنِي حَتّى تَصْلُبَنِي وتَرْمِيَنِي وتَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ، فَأمَرَ بِهِ فَصُلِبَ ثُمَّ رَماهُ وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ، فَوَضَعَ الغُلامُ يَدَهُ عَلى صُدْغِهِ حِينَ رُمِيَ ثُمَّ ماتَ. فَقالَ النّاسُ: لَقَدْ عَلِمَ هَذا الغُلامُ عِلْمًا ما عَلِمَهُ أحَدٌ؛ فَإنّا نُؤْمِنُ بِرَبِّ هَذا الغُلامِ. فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: أجَزِعْتَ إنْ خالَفَكَ ثَلاثَةٌ فَهَذا العالَمُ كُلُّهم قَدْ خالَفُوكَ؛ فَأخَدَ أُخْدُودًا ثُمَّ ألْقى فِيها الحَطَبَ والنّارَ ثُمَّ جَمَعَ النّاسَ فَقالَ: مَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكْناهُ ومَن لَمْ يَرْجِعْ ألْقَيْناهُ في هَذِهِ النّارِ، فَجَعَلَ يُلْقِيهِمْ في تِلْكَ الأُخْدُودِ، فَقالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ - حَتّى بَلَغَ -: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ .
وفِيهِ: فَأمّا الغُلامُ فَإنَّهُ دُفِنَ ثُمَّ أُخْرِجَ فَيُذْكَرُ أنَّهُ خَرَجَ في زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وإصْبَعُهُ عَلى صُدْغِهِ كَما وضَعَها حِينَ قُتِلَ، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ: فَجاءَتِ امْرَأةٌ بِابْنٍ لَها صَغِيرٍ فَكَأنَّها تَقاعَسَتْ أنْ تَقَعَ في النّارِ فَقالَ الصَّبِيُّ: يا أُمَّهُ اصْبِرِي؛ فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ».
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ قالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وقَدْ أتاهُ أُسْقُفُ نَجْرانَ فَسَألَهُ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أنا أعْلَمُ بِهِمْ مِنكَ بُعِثَ نَبِيٌّ مِنَ الحَبَشِ إلى قَوْمِهِ ثُمَّ قَرَأ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ مِنهم مِن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مِن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ فَدَعاهم فَتابَعَهُ النّاسُ فَقاتَلَهم فَقُتِلَ أصْحابُهُ وأُخِذَ فَأُوثِقَ فانْفَلَتَ فَأنِسَ إلَيْهِ رِجالٌ فَقاتَلَهم وقُتِلُوا، وأُخِذَ فَأُوثِقَ فَخَدَّدُوا أُخْدُودًا وجَعَلُوا فِيها النِّيرانَ وجَعَلُوا يَعْرِضُونَ النّاسَ؛ فَمَن تَبِعَ النَّبِيَّ رُمِيَ بِهِ فِيها ومَن تابَعَهم تُرِكَ. وجاءَتِ امْرَأةٌ في آخِرِ مَن جاءَ ومَعَها صَبِيٌّ فَجَزِعَتْ فَقالَ الصَّبِيُّ: يا أُمَّهُ اصْبِرِي ولا تُمارِي، فَوَقَعَتْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: كانَ المَجُوسُ أهْلَ كِتابٍ، وكانُوا مُتَمَسِّكِينَ
صفحة 89
بِكِتابِهِمْ وكانَتِ الخَمْرَةُ قَدْ أُحِلَّتْ لَهم فَتَناوَلَ مِنها مَلِكٌ مِن مُلُوكِهِمْ فَغَلَبَتْهُ عَلى عَقْلِهِ فَتَناوَلَ أُخْتَهُ أوِ ابْنَتَهُ فَوَقَعَ عَلَيْها، فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُ السُّكْرُ نَدِمَ وقالَ لَها: ويْحَكِ، ما هَذا الَّذِي أتَيْتُ؟ وما المَخْرَجُ مِنهُ؟ قالَتْ:
المَخْرَجُ مِنهُ أنْ تَخْطُبَ النّاسَ فَتَقُولَ: أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى أحَلَّ نِكاحَ الأخَواتِ أوِ البَناتِ، فَقالَ النّاسُ جَماعَتُهُمْ: مَعاذَ اللَّهِ تَعالى أنْ نُؤْمِنَ بِهَذا أوْ نُقِرَّ بِهِ أوَجاءَ بِهِ نَبِيٌّ أوْ نَزَلَ عَلَيْنا في كِتابٍ، فَرَجَعَ إلى صاحِبَتِهِ وقالَ: ويْحَكِ، إنَّ النّاسَ قَدْ أبَوْا عَلَيَّ ذَلِكَ، قالَتْ: إنْ أبَوْا عَلَيْكَ فابْسُطْ فِيهِمُ السَّوْطَ فَبَسَطَ فِيهِمُ السَّوْطَ فَأبَوْا أنْ يُقِرُّوا، قالَتْ: فَجَرِّدْ فِيهِمُ السَّيْفَ فَأبَوْا أنْ يُقِرُّوا، قالَتْ: فَخُدَّ لَهُمُ الأُخْدُودَ ثُمَّ أوْقِدْ فِيها النِّيرانَ، فَمَن تابَعَكَ خَلِّ عَنْهُ، فَأخَدَّ لَهم أُخْدُودًا وأوْقَدَ فِيها النِّيرانَ وعَرَضَ أهْلَ مَمْلَكَتِهِ عَلى ذَلِكَ، فَمَن أبى قَذَفَهُ في النّارِ ومَن لَمْ يَأْبَ خَلّى عَنْهُ. وقِيلَ: وقَعَ إلى نَجْرانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأجابُوهُ فَسارَ إلَيْهِمْ ذُو نُواسٍ اليَهُودِيُّ بِجُنُودٍ مِن حِمْيَرَ فَخَيَّرَهم بَيْنَ النّارِ واليَهُودِيَّةِ، فَأبَوْا فَأحْرَقَ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا في الأخادِيدِ، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وذُكِرَ أنَّ طُولَ الأُخْدُودِ أرْبَعُونَ ذِراعًا وعَرْضَهُ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا، ولِاخْتِلافِ الأخْبارِ في القِصَّةِ اخْتَلَفُوا في مَوْضِعِ الأُخْدُودِ فَقِيلَ: بِنَجْرانَ لِهَذا الخَبَرِ الأخِيرِ، وقِيلَ: بِأرْضِ الحَبَشَةِ لِخَبَرِ ابْنِ نُجَيٍّ السّابِقِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ بِمِذْراعِ اليَمَنِ؛ أيْ: قُراهُ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَهُ بِنَجْرانَ لِأنَّهُ بَلَدٌ بِاليَمَنِ.
وكَذا اخْتَلَفُوا في أصْحابِ الأُخْدُودِ لِذَلِكَ فَحُكِيَ فِيهِ ما يَزِيدُ عَلى عَشَرَةِ أقْوالٍ مِنها أنَّهم حَبَشَةٌ، ومِنها أنَّهم مِنَ النَّبَطِ، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومِنها أنَّهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأصَحُّ الرِّواياتِ عِنْدِي في القِصَّةِ ما قَدَّمْناهُ عَنْ صُهَيْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والجَمْعُ مُمْكِنٌ، فَقَدْ قالَ عِصامُ الدِّينِ: لَعَلَّ جَمِيعَ ما رُوِيَ واقِعٌ، والقُرْآنُ شامِلٌ لَهُ فَلا تَغْفُلْ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مِقْسَمٍ: «قُتِّلَ» بِالتَّشْدِيدِ، وهو مُبالَغَةٌ في لَعْنِهِمْ لِعِظَمِ ما أتَوْا بِهِ، وقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَوْفٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ إذا ذُكِرَ أصْحابُ الأُخْدُودِ تَعَوَّذَ مِن جَهْدِ البَلاءِ.
البروج 85:5
﴿النّارِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الأُخْدُودِ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: فِيهِ أوْ أُقِيمَ إلى مَقامِ الضَّمِيرِ، أوْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ اتِّصالُهُ بِهِ فَلا يَحْتاجُ لِرابِطٍ، وكَذا كُلُّ ما يَظْهَرُ ارْتِباطُهُ فِيما قَبْلُ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أُخْدُودِ النّارِ ولَيْسَ بِذاكَ. وقَرَأ قَوْمٌ: «النّارُ» بِالرَّفْعِ فَقِيلَ: عَلى مَعْنى قَتَلَتْهُمُ النّارُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ﴾ عَلى قِراءَةِ: «يُسَبَّحُ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلِهِ:
لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ، ويَكُونُ أصْحابُ الأُخْدُودِ إذْ ذاكَ المُؤْمِنِينَ ولَيْسَ المُرادُ بِالقَتْلِ اللَّعْنَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِمُ الكَفَرَةُ والقَتْلُ عَلى حَقِيقَتِهِ بِناءً عَلى ما قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ والكَلْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ وأبُو إسْحاقَ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ عَلى المُؤْمِنِينَ رِيحًا فَقَبَضَتْ أرْواحَهم وخَرَجَتِ النّارُ فَأحْرَقَتِ الكافِرِينَ الَّذِي كانُوا عَلى حافَّتَيِ الأُخْدُودِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ هَؤُلاءِ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ ولِما دَلَّتْ عَلَيْهِ القِصَصُ الَّتِي ذَكَرُوها فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وإنَّ حَمْلَ القَتْلِ عَلى حَقِيقَتِهِ غَيْرُ مُلائِمٍ لِلْمَقامِ، ولَعَلَّ الأوْلى في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ «النّارُ» خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي أوْ هو النّارُ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ راجِعًا عَلى الأُخْدُودِ وكَوْنُهُ النّارَ خارِجٌ مَخْرَجَ المُبالَغَةِ كَأنَّهُ نَفْسُ النّارِ ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ وصْفٌ لَها بِعِنايَةِ العَظَمَةِ وارْتِفاعِ اللَّهَبِ وكَثْرَةِ ما يُوجِبُهُ، ووَجْهُ إفادَتِهِ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ مُوقَدَةً بَلْ جُعِلَتْ ذاتَ وقُودٍ، أيْ: مالِكَتُهُ وهو كِنايَةٌ عَنْ زِيادَتِهِ زِيادَةٍ مُفْرِطَةٍ لِكَثْرَةِ ما يَرْتَفِعُ بِهِ لَهَبُها وهو الحَطَبُ المَوْقَدُ بِهِ؛ لِأنَّ تَعْرِيفَهُ اسْتِغْراقِيٌّ، وهي إذا مَلَكَتْ كُلَّ مَوْقُودٍ بِهِ عَظُمَ حَرِيقُها ولَهَبُها، ولَيْسَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُقالُ ذُو كَذا إلّا لِمَن كَثُرَ عِنْدَهُ كَذا لِأنَّهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ، وذُو النُّونِ يَأْباهُ وكَذا ذُو العَرْشِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى: «الوُقُودُ» بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ بِخِلافِ مَفْتُوحِهِ؛ فَإنَّهُ ما يُوقَدُ بِهِ. وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مَصْدَرٌ كَمَضْمُونِهِ.
البروج 85:6
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾
صفحة 90
ظَرْفٌ لِ «قُتِلَ»؛ أيْ: لُعِنُوا حِينَ أحْدَقُوا بِالنّارِ قاعِدِينَ حَوْلَها في مَكانٍ قَرِيبٍ مِنها مُشْرِفِينَ عَلَيْها مِن حافّاتِ الأُخْدُودِ كَما في قَوْلِ الأعْشى:
تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلَّقِ
وقِيلَ: الكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: عَلى حافاتِها أوْ نَحْوَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ.
البروج 85:7
﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ أيْ: يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ بِأنَّ أحَدًا لَمْ يُقَصِّرْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ يَشْهَدُونَ عِنْدَهُ عَلى حُسْنِ ما يَفْعَلُونَ واشْتِمالِهِ عَلى الصَّلاحِ ما قِيلَ، أوْ يَشْهَدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِذَلِكَ الفِعْلِ الشَّنِيعِ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقِيلَ: «عَلى» بِمَعْنى مَعَ والمَعْنى: وهم مَعَ ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ حُضُورٌ لا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى: نَجّى المُؤْمِنِينَ وإنَّما أحْرَقَ سُبْحانَهُ الكافِرِينَ يَقُولُ هُنا: المُرادُ وهم عَلى ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وأيًّا ما كانَ فَفي المُؤْمِنِينَ تَغْلِيبٌ والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، ومِنَ الغَرِيبِ الَّذِي لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ما قِيلَ إنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ المَشْهُورُ بِمُحَرِّقٍ ومَن مَعَهُ حَرَّقَ مِائَةً مِن بَنِي تَمِيمٍ، وضَمِيرُ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
البروج 85:8
﴿وما نَقَمُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: ما أنْكَرُوا مِنهم وما عابُوا. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ يُقالُ: نَقِمْتُ الشَّيْءَ إذا أنْكَرْتَهُ بِلِسانِكَ أوْ بِعُقُوبَةٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وما: «نِقِمُوا» بِكَسْرِ القافِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ كَوْنُ تِلْكَ الِاسْمِيَّةِ لِوُقُوعِها في حَيِّزِ إذْ ماضَوِيَّةٌ فَكانَ العَطْفُ عَطْفَ فِعْلِيَّةٍ عَلى فِعْلِيَّةٍ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الفِعْلِيَّةَ بِتَقْدِيرِ: وهم ما نَقَمُوا مِنهم.
﴿إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفْصِحٌ عَنْ بَراءَتِهِمْ عَمّا يُعابُ ويُنْكَرُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
وكَوْنُ الكَفَرَةِ يَرَوْنَ الإيمانَ أمْرًا مُنْكَرًا والشّاعِرُ لا يَرى الفُلُولَ كَذَلِكَ لا يَضُرُّ عَلى ما أرى في كَوْنِ ذَلِكَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ جارِيًا عَلى ذَلِكَ المِنهاجِ مِن تَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ إنْ كانُوا مُشْرِكِينَ فالمُنْكَرُ عِنْدَهم لَيْسَ هو الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى بَلْ نَفْيَ ما سِواهُ مِن مَعْبُوداتِهِمُ الباطِلَةِ، وإنْ كانُوا مُعَطِّلَةٍ فالمُنْكَرُ عِنْدَهم لَيْسَ إلّا إثْباتَ مَعْبُودٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ لَهُمْ، لَكِنْ لَمّا كانَ مَآلُ الأمْرَيْنِ إنْكارَ المَعْبُودِ بِحَقِّ المَوْصُوفِ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ عَبَّرَ بِما ذُكِرَ مُفْصِحًا عَمّا سَمِعْتَ فَتَأمَّلْ. ولِبَعْضِ الأعْلامِ كَلامٌ في هَذا المَقامِ قَدْ رَدَّهُ الشِّهابُ فَإنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ. وفي المُنْتَخَبِ إنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إلا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ ولَوْ كَفَرُوا فِيهِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى فَكَأنَّهُ قالَ عَزَّ وجَلَّ: إلّا أنْ يَدُومُوا عَلى إيمانِهِمُ انْتَهى.
وكَأنَّهُ حَمَلَ النِّقَمَ عَلى الإنْكارِ بِالعُقُوبَةِ، ووَصْفُهُ عَزَّ وجَلَّ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا غالِبًا يُخْشى عِقابُهُ، وحَمِيدًا مُنْعِمًا يُرْجى ثَوابُهُ، وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
البروج 85:9
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلْإشْعارِ بِمَناطِ إيمانِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعْدٌ لَهم ووَعِيدٌ لِمُعَذِّبِيهِمْ؛ فَإنَّ عِلْمَ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ الجامِعُ لِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أعْمالُ الفَرِيقَيْنِ يَسْتَدْعِي تَوْفِيرَ جَزاءِ كُلٍّ مِنهُما ولِكَوْنِهِ تَذْيِيلًا لِذَلِكَ واللّائِقُ بِهِ الِاسْتِقْلالُ جِيءَ فِيهِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ دُونَ الضَّمِيرِ.
البروج 85:10
﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ: مَحَنُوهم في دِينِهِمْ لِيَرْجِعُوا عَنْهُ، والمُرادُ بِالَّذِينِ فَتَنُوا وبِالمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ المَفْتُونِينَ، أمّا أصْحابُ الأُخْدُودِ والمَطْرُوحُونَ فِيهِ خاصَّةً وأمّا الأعَمُّ، ويَدْخُلُ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا وهو الأظْهَرُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ كُفّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُقَوِّي أنَّ الآيَةَ
صفحة 91
فِي قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ فِيهِمْ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عُلِمَ أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِها مَن تابَ وآمَنَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يُعَكِّرُ عَلى أظَهْرِيَّةِ العُمُومِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا مِن فِتَنِهِمْ ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ فَتْنِهِمْ ذَلِكَ.
﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهو نارٌ أُخْرى زائِدَةُ الإحْراقِ كَما تُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ فَعِيلٍ لِعَدَمِ تَوْبَتِهِمْ ومُبالاتِهِمْ بِما صَدَرَ مِنهم. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: أيْ: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ فَإنَّ فِعْلَهم ذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ مِن غَيْرِ الكافِرِ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ بِسَبَبِ فَتْنِهِمُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وفي جَعْلِ ذَلِكَ جَزاءَ الفِتَنِ مِنَ الحُسْنِ ما لا يَخْفى.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ عُنْوانَ الكُفْرِ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ في جانِبِ الصِّلَةِ، وإنَّما المُصَرَّحُ بِهِ الفِتَنُ وعَدَمُ التَّوْبَةِ، فالأظْهَرُ اعْتِبارُهُما سَبَبَيْنِ في جانِبِ الخَبَرِ عَلى التَّرْتِيبِ، وقِيلَ: أيْ: فَلَهم جَهَنَّمُ في الآخِرَةِ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ ومَن سَمِعْتَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم وقَدْ عَلِمْتَ حالَهُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يَأْبى عَنْهُ لِأنَّ أُولَئِكَ المُحْرِقِينَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ وفِيهِ نَظَرٌ، وعَلَيْهِ إنَّما أخَّرَ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ أوْ لِلتَّتْمِيمِ والتَّرْدِيفِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ وهو العُقُوبَةُ العُظْمى كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذا أيْضًا لا يَتَجاوَزُونَهُ. وفي الكَشْفِ: الوَجْهُ أنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ وعَذابَ الحَرِيقِ واحِدٌ، وصْفٌ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لِلْمَبْعُودِينَ جِدًّا عَنْ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَلى أنَّهُ عَذابٌ هو مَحْضُ الحَرِيقِ وهو الحَرْقُ البالِغُ وكَفى بِهِ عَذابًا. والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ الحَرِيقَ مَصْدَرًا، والإضافَةَ بَيانِيَّةً ولا بَأْسَ بِذَلِكَ إلّا أنَّ الوَحْدَةَ الَّتِي ادَّعاها خِلافُ ظاهِرِ العَطْفِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ جُعِلَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ لَأنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ بِالزَّمْهَرِيرِ والإحْراقِ وغَيْرِهِما كانَ أقْرَبَ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أبْعَدُ عَنِ القالِ والقِيلِ. وجُمْلَةُ ﴿فَلَهم عَذابُ﴾ إلَخْ وقَعَتْ خَبَرًا لِأنَّ، أوِ الخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ، و«عَذابُ» مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهو الأحْسَنُ والفاءُ لِما في المُبْتَدَأِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ ولا يَضُرُّ نَسْخُهُ بِأنَّ، وإنْ زَعَمَهُ الأخْفَشُ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى بَعْضِ أوْجُهِها عَلى أنَّ عَذابَ الكُفّارِ يُضاعَفُ بِما قارَنَهُ مِنَ المَعاصِي.
البروج 85:11
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عَلى الإطْلاقِ مِنَ المَفْتُونِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ الأشْجارُ فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها فالتَّحْتِيَّةُ بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ فَإنَّ أشْجارَها ساتِرَةٌ لِساحَتِها كَما يُعْرِبُ عَنْهُ اسْمُ الجَنَّةِ، وفَصَلَ الجُمْلَةَ قِيلَ: لِأنَّها كالتَّأْكِيدِ لِما أشْعَرَتْ بِهِ الآيَةُ قَبْلُ مِنَ اخْتِصاصِ العَذابِ بِالَّذِينِ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِ ما ذُكِرَ لَهم وحِيازَتِهِمْ إيّاهُ وقِيلَ: لِلْجَنّاتِ المَوْصُوفَةِ، والتَّذْكِيرُ لِتَأْوِيلِها بِما ذُكِرَ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ الدَّرَجَةِ وبُعْدِ المَنزِلَةِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ: ﴿الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ الَّذِي يَصْغُرُ عِنْدَهُ الفَوْزُ بِالدُّنْيا وما فِيها مِنَ الرَّغائِبِ، والفَوْزُ النَّجاةُ مِنَ الشَّرِّ والظَّفَرُ بِالخَيْرِ، فَعَلى الوَجْهِ الثّانِي في الإشارَةِ هو مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ مُبالَغَةً وعَلى الأوَّلِ مَصْدَرٌ عَلى حالِهِ.
البروج 85:12
﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيذانًا بِأنَّ لِكُفّارِ قَوْمِهِ نَصِيبًا مَوْفُورًا مِن مَضْمُونِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والبَطْشُ الأخْذُ بِصَوْلَةٍ وعُنْفٍ وحَيْثُ وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ وهو بَطْشُهُ عَزَّ وجَلَّ بِالجَبابِرَةِ والظَّلَمَةِ، وأخْذُهُ سُبْحانَهُ إيّاهم بِالعَذابِ والِانْتِقامِ.
البروج 85:13
﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ أيْ: إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو يَبْدَأُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ وهو سُبْحانُهُ يُعِيدُهُ بِالحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ، أوْ يُبْدِئُ كُلَّ ما يُبْدِي ويُعِيدُ كُلَّ ما يُعادُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِنهُما، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ بَطْشُهُ في غايَةِ الشِّدَّةِ.
صفحة 92
أوْ يُبْدِئُ البَطْشَ بِالكَفَرَةِ في الدُّنْيا ثُمَّ يُعِيدُهُ في الآخِرَةِ وعَلى الوَجْهَيْنِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما سَبَقَ.
ووَجْهُهُ عَلى الثّانِي ظاهِرٌ وعَلى الأوَّلِ قَدْ أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: وجْهُهُ عَلَيْهِ أنَّ الإعادَةَ لِلْمُجازاةِ فَهي مُتَضَمِّنَةٌ لِلْبَطْشِ ولَيْسَ بِذاكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُبْدِئُ العَذابَ بِالكُفّارِ ويُعِيدُهُ عَلَيْهِمْ فَتَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا ثُمَّ يُعِيدُهم عَزَّ وجَلَّ خَلْقًا جَدِيدًا وفِيهِ خَفاءٌ وإنْ كانَ أمْرُ الجُمْلَةِ عَلَيْهِ في غايَةِ الظُّهُورِ. واسْتِعْمالُ يُبْدِئُ مَعَ يُعِيدُ حَسَنٌ وإنْ لَمْ يُسْمَعْ أبَدًا كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ. وحَكى أبُو زَيْدٍ أنَّهُ قُرِئَ: «يَبْدَأُ» مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا وهو المَسْمُوعُ لَكِنَّ القِراءَةَ بِذَلِكَ شاذَّةٌ.
البروج 85:14
﴿وهُوَ الغَفُورُ﴾ لِمَن يَشاءُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وقِيلَ لِمَن تابَ وآمَنَ، والتَّخْصِيصُ عِنْدَ مَن يَرى رَأْيَ أهْلِ السُّنَّةِ إمّا لِمُناسَبَةِ مَقامِ الإنْذارِ أوْ لِما في صِيغَةِ الغَفُورِ مِنَ المُبالَغَةِ فَأصْلُ المَغْفِرَةِ لا يُتَوَقَّفُ عَلى التَّوْبَةِ وزِيادَتُها بِها لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى لِلتّائِبِينَ.
﴿الوَدُودُ﴾ المُحِبُّ كَثِيرًا لِمَن أطاعَ، فَفَعُولٌ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في الوادِّ اسْمُ فاعِلٍ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى ومَوَدَّتُهُ عِنْدَ الخَلْقِ بِإنْعامِهِ سُبْحانَهُ وإكْرامِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ومِن هُنا فُسِّرَ الوَدُودُ بِكَثِيرِ الإحْسانِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيِ المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ تَعالى شَأْنُهُ بِالمَغْفِرَةِ. وقِيلَ: هو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ؛ أيْ: يَوَدُّهُ ويُحِبُّهُ سُبْحانَهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ قَوْلَهُ:
وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ذَلُولَ الجِماحِ لَقاحًا ودُودا
أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ، وحَمْلُهُ مَعَ الغَفُورِ عَلى هَذا المَعْنى غَيْرُ مُناسِبٍ كَما لا يَخْفى.
البروج 85:15
﴿ذُو العَرْشِ﴾ أيْ: صاحِبُهُ، والمُرادُ مالِكُهُ أوْ خالِقُهُ، وهو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ.
وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: لَوْ جُمِعَتْ مِياهُ الدُّنْيا ومُسِحَ بِها سَطْحُ العَرْشِ الَّذِي يَلِينا لَما اسْتُوعِبَ مِنهُ إلّا قَلِيلٌ.
وجاءَ في الأخْبارِ مِن عِظَمِهِ ما يُبْهِرُ العُقُولَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ كَأنَّهُ جَعَلَ العَرْشَ بِمَعْنى المُلْكِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ والتَّجَوُّزِ، وجُوِّزَ أنْ يَبْقى العَرْشُ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُرادَ بِذِي العَرْشِ المَلِكُ؛ لِأنَّ ذا العَرْشِ لا يَكُونُ إلّا مَلِكًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: «ذِي العَرْشِ» بِالياءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( رَبِّكَ ) وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ إلَخْ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً لا يَضُرُّ الفَصْلُ بِها بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، وكَذا لا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ؛ فَإنَّ المَوْصُوفُ هُنا مِن تَتِمَّةِ المُبْتَدَأِ. وقَدْ قالَ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ: يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ بِما لا يَتَمَحَّضُ مُبايَنَتُهُ. نَعَمْ قالَ ابْنُ الحاجِبِ: الفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ شاذٌّ كَما في قَوْلِهِ:
وكُلُّ أخٍ مَفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
﴿المَجِيدُ﴾ العَظِيمُ في ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ واجِبُ الوُجُوبِ تامُّ القُدْرَةِ كامِلُ الحِكْمَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ والأخَوانِ: «المَجِيدِ» بِالجَرِّ صِفَةً لِلْعَرْشِ، ومَجْدُهُ عُلُوُّهُ وعَظَمَتُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبِهِ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا ولَيْسَ مِن مَجْدِهِ كَوْنُ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ بِتَوَسُّطِ أوْضاعِهِ كَما يَزْعُمُهُ المُنَجِّمُونَ فَإنَّ ذَلِكَ باطِلٌ شَرْعًا وعَقْلًا عَلى ما تَقْتَضِيهِ أُصُولُهم. وجازَ عَلى قِراءَةِ: «ذِي العَرْشِ» بِالياءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ «ذِي» وجُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِ ( رَبِّكَ ) ولَيْسَ بِذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الفَصْلِ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ فَلا يُقالُ بِهِ ما لَمْ يَتَعَيَّنْ.
البروج 85:16
﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ عَنْ إرادَتِهِ تَعالى مِن أفْعالِهِ سُبْحانَهُ وأفْعالِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَ «ما» لِلْعُمُومِ وفي التَّنْكِيرِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، وفِيهِ رَدٌّ ظاهِرٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُرِيدُ إيمانَ الكافِرِ وطاعَةَ العاصِي، ويَتَخَلَّفانِ عَنْ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ والمَرْفُوعاتُ كُلُّها عَلى ما اسْتَحْسَنَهُ أبُو حَيّانَ أخْبارٌ لِ «هُوَ» في قَوْلِهِ تَعالى: ( هو الغَفُورُ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ﴾ و﴿ذُو العَرْشِ﴾ و﴿المَجِيدُ﴾ صِفاتٍ لِ (غَفُورٌ) ومَن لَمْ يُجَوِّزْ تَعَدُّدَ الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ يَقُولُ بِذَلِكَ أوْ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَءاتٍ
صفحة 93
لِلْمَذْكُوراتِ. وأطْلَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ القَوْلَ بِأنَّ ﴿فَعّالٌ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو فَعّالٌ فَقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّما لَمْ يَحْمِلْهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ السّابِقِ أعْنِي هو في قَوْلِهِ تَعالى: ( هو الغَفُورُ ) لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ تَحْقِيقٌ لِلصِّفَتَيْنِ البَطْشِ بِالأعْداءِ والغَفْرِ والوِدِّ لِلْأوْلِياءِ، ولَوْ حُمِلَ عَلَيْهِ لَفاتَتْ هَذِهِ النُّكْتَةُ اه. وهو تَدْقِيقٌ لَطِيفٌ.
البروج 85:17
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ اسْتِئْنافٌ فِيهِ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ تَعالى فَعّالًا لِما يُرِيدُ وكَذا لِشِدَّةِ بَطْشِهِ سُبْحانَهُ بِالظَّلَمَةِ العُصاةِ والكَفَرَةِ العُتاةِ وتَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالإشْعارِ بِأنَّهُ سَيُصِيبُ كَفَرَةَ قَوْمِهِ ما أصابَ الجُنُودَ وهو جَمْعُ جُنْدٍ يُقالُ لِلْعَسْكَرِ اعْتِبارًا بِالغِلْظَةِ مِنَ الجُنْدِ أيِ الأرْضِ الغَلِيظَةِ وكَذا لِلْأعْوانِ، ويُقالُ لِصِنْفٍ مِنَ الخَلْقِ عَلى حِدَةٍ، وكَذا لِكُلِّ مُجْتَمَعٍ، والمُرادُ بِ ﴿الجُنُودِ﴾ هاهُنا الجَماعاتُ الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ السَّلامُ واجْتَمَعُوا عَلى أذِيَّتِهِمْ.
البروج 85:18
﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الجُنُودِ﴾ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: جُنُودِ فِرْعَوْنَ أوْ عَلى أنْ يُرادَ بِفِرْعَوْنَ هو وقَوْمُهُ، واكْتُفِيَ بِذِكْرِهِ عَنْهم لِأنَّهم أتْباعُهُ. وقِيلَ: البَدَلُ هو المَجْمُوعُ لا كُلٌّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقالَ السَّمِينُ: يَجُوزُ كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِأعْنِي لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يُطابِقُ ما قَبْلَهُ وجَبَ قَطْعُهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْجُنُودِ حِينَئِذٍ فَيَعُودُ الإشْكالُ. وأُجِيبَ بِأنَّ المُفَسَّرَ حِينَئِذٍ المَجْمُوعُ ولَيْسَ اعْتِبارُهُ مَعَ أعْنِي كاعْتِبارِهِ مَعَ الإبْدالِ والمُرادُ بِحَدِيثِهِمْ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّمادِي في الكُفْرِ والضَّلالِ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ، والمَعْنى: قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم وعَرَفْتَ ما فَعَلُوا وما فُعِلَ بِهِمْ فَذَكِّرْ قَوْمَكَ بِأيّامِ اللَّهِ تَعالى وشُؤُونِهِ سُبْحانَهُ، وأنْذِرْهم أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ أمْثالَهم.
البروج 85:19
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مِن قَوْمِكَ ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ عَنْ مُماثَلَتِهِمْ لَهم وبَيانٌ لِكَوْنِهِمْ أشَدَّ مِنهم في الكُفْرِ والطُّغْيانِ كُمًّا يُنْبِئُ عَنْهُ العُدُولُ عَنْ يُكَذِّبُونَ إلى ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ المُفِيدِ لِإحاطَةِ التَّكْذِيبِ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِمَظْرُوفِهِ أوِ البَحْرِ بِالغَرِيقِ فِيهِ مَعَ ما في تَنْكِيرِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسُوا مِثْلَهم بَلْ هم أشَدُّ مِنهم فَإنَّهم غَرْقى مَغْمُورُونَ في تَكْذِيبٍ عَظِيمٍ لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ فَهم أوْلى مِنهم في اسْتِحْقاقِ العَذابِ، أوْ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَتْ جِنايَتُهم مُجَرَّدَ عَدَمِ التَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ بِما سَمِعُوا مِن حَدِيثِهِمْ بَلْ هم مَعَ ذَلِكَ في تَكْذِيبٍ عَظِيمٍ لِلْقُرْآنِ النّاطِقِ بِذَلِكَ وكَوْنُهُ قُرْآنًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مَعَ وُضُوحِ أمْرِهِ وظُهُورِ حالِهِ بِالبَيِّناتِ الباهِرَةِ.
البروج 85:20
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا تَذْيِيلِيًّا، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ السّابِقِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِعَدَمِ نَجاتِهِمْ مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ فَوْتِ المُحاطِ المُحِيطِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ عالِمٌ بِهِمْ وقادِرٌ عَلَيْهِمْ وهم لا يُعْجِزُونَهُ ولا يَفُوتُونَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وذَكَرَ عِصامُ الدِّينِ أنَّ في ذَلِكَ تَعْوِيضًا وتَوْبِيخًا لِلْكُفّارِ بِأنَّهم نَبَذُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ وأقْبَلُوا عَلى الهَوى والشَّهَواتِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنَ العُدُولِ عَنْ رَبِّهِمْ إلى: مِن ورائِهِمْ.
البروج 85:21
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ رَدٌّ لِكُفْرِهِمْ وإبْطالٌ لِتَكْذِيبِهِمْ وتَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ؛ أيْ: بَلْ هو كِتابٌ شَرِيفٌ عالِي الطَّبَقَةِ فِيما بَيْنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في النَّظْمِ والمَعْنى لا يَحِقُّ تَكْذِيبُهُ والكُفْرُ بِهِ. وقِيلَ: إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنِ الإخْبارِ بِشِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ عَنْهُ إلى وصْفِ القُرْآنِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا رَيْبَ فِيهِ ولا يَضُرُّهُ تَكْذِيبُ هَؤُلاءِ، والأوَّلُ أوْلى. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الإضْرابَ الأوَّلَ عَنْ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ إلى جَمِيعِ الكُفّارِ والمَعْنى عَلَيْهِ أنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ في تَكْذِيبٍ ولَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ فارِغًا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ، واللَّهُ تَعالى لا يُهْمِلُ أمْرَهُمْ، وفِيهِ مِن تَسْلِيَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما فِيهِ ويُبْعِدُهُ إرْدافُ ذَلِكَ بِهَذا الإضْرابِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: «قُرْآنُ مَجِيدٍ» بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ:
سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ: مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ كَما قالَ الشّاعِرُ:
ولَكِنْ لِلْغِنى رَبٌّ غَفُورٌ؛
أيْ: غِنى رَبٍّ غَفُورٍ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرَأ اليَمانِيُّ بِالإضافَةِ عَلى أنْ يَكُونَ المَجِيدُ
صفحة 94
هُوَ اللَّهَ تَعالى وهو مُحْتَمِلٌ لِلتَّقْدِيرِ وعَدِمِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ.
البروج 85:22
﴿فِي لَوْحٍ﴾ أيْ: كائِنٌ في لَوْحٍ ﴿مَحْفُوظٍ﴾ أيْ: ذَلِكَ اللَّوْحُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ، وهَذا هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ المَشْهُورُ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والعُهْدَةُ عَلى الرّاوِي لَوْحٌ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ طُولُهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وعَرْضُهُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وحافَّتاهُ الدُّرُّ والياقُوتُ، ودَفَّتاهُ ياقُوتَةٌ حَمْراءُ، وقَلَمُهُ نُورٌ، وهو مَعْقُودٌ بِالعَرْشِ، وأصْلُهُ في حِجْرِ مَلَكٍ يُقالُ لَهُ ساطِرْيُونَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ في كُلِّ يَوْمٍ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ لَحْظَةً يُحْيِي ويُمِيتُ ويُعِزُّ ويُذِلُّ ويَفْعَلُ ما يَشاءُ، وأنَّهُ كُتِبَ في صَدْرِهِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ دِينُهُ الإسْلامُ، ومُحَمَّدٌ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَمَن آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وصَدَّقَ بِوَعْدِهِ واتَّبَعَ رُسُلَهُ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ وجاءَ فِيهِ أخْبارٌ غَيْرُ ذَلِكَ، ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ ولا يَلْزَمُنا البَحْثُ عَنْ ماهِيَّتِهِ وكَيْفِيَّةِ كِتابَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، نَعَمْ نَقُولُ: إنَّ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّهُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ لَيْسَ في حَيِّزٍ، وإنَّهُ كالمِرْآةِ لِلصُّوَرِ العَلِيَّةِ مُخالِفٌ لِظَواهِرِ الشَّرِيعَةِ ولَيْسَ لَهُ مُسْتَنَدٌ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ أصْلًا. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرُ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: «لُوحٍ» بِضَمِّ اللّامِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الهَواءُ، والمُرادُ بِهِ هُنا مَجازًا ما فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: «مَحْفُوظٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ و﴿فِي لَوْحٍ﴾ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ الصِّفَةِ المُرَكَّبَةِ عَلى المُفْرَدَةِ وهو خِلافُ الأصْلِ والمَعْنى عَلَيْهِ قِيلَ: مَحْفُوظٌ بَعْدَ التَّنْزِيلِ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ والزِّيادَةِ والنَّقْصِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ وقِيلَ: مَحْفُوظٌ في ذَلِكَ اللَّوْحِ عَنْ وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الطارق 86:1
سُورَةُ الطّارِقِ
مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً عَلى المَشْهُورِ وفي التَّيْسِيرِ سِتَّ عَشْرَةَ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها تَكْذِيبَ الكُفّارِ لِلْقُرْآنِ نَبَّهَ تَعالى شَأْنُهُ هُنا عَلى حَقارَةِ الإنْسانِ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ جَلَّ وعَلا مِنهُ إلى وصْفِ القُرْآنِ، ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإمْهالِ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿والسَّماءِ﴾ هي المَعْرُوفَةُ عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: المَطَرُ هُنا وهو أحَدُ اسْتِعْمالاتِها ومِنهُ قَوْلُهُ:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
/ ولا يَخْفى حالُهُ.
﴿والطّارِقِ﴾ وهو في الأصْلِ اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الطَّرْقِ بِمَعْنى الضَّرْبِ بِوَقْعٍ أشَدُّهُ يُسْمَعُ لَها صَوْتٌ ومِنهُ المِطْرَقَةُ والطَّرِيقُ لِأنَّ السّابِلَةَ تَطْرُقُها، ثُمَّ صارَ في عُرْفِ اللُّغَةِ اسْمًا لِسالِكِ الطَّرِيقِ لِتَصَوُّرِ أنَّهُ يَطْرُقُها بِقَدَمِهِ، واشْتُهِرَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً ثُمَّ اخْتَصَّ بِالآتِي لَيْلًا لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَجِدُ الأبْوابَ مُغْلَقَةً فَيَطْرُقُها، ثُمَّ اتَّسَعَ في كُلِّ ما يَظْهَرُ بِاللَّيْلِ كائِنًا ما كانَ حَتّى الصُّوَرُ الخَيالِيَّةُ البادِيَةُ فِيهِ والعَرَبُ تَصِفُها بِالطُّرُوقِ كَما في قَوْلِهِ:
طَرَقُ الخَيالُ ولا كَلَيْلَةِ مُدْلِجٍ ∗∗∗ سَدِكًا بِأرْحُلِنا ولَمْ يَتَعَرَّجِ
والمُرادُ بِهِ هاهُنا عِنْدَ الجُمْهُورِ الكَوْكَبُ البادِي بِاللَّيْلِ إمّا عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ أوْ كَوْكَبٌ مَعْهُودٌ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ إثْرَ تَفْخِيمِهِ بِالإقْسامِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ رِفْعَةَ قَدْرِهِ بِحَيْثُ لا يَنالُها إدْراكُ الخَلْقِ فَلا بُدَّ مِن تَلَقِّيها مِنَ الخَلّاقِ العَلِيمِ فَ «ما» الأُولى مُبْتَدَأٌ و( أدْراكَ ) خَبَرُهُ وما الثّانِيَةُ
صفحة 95
خَبَرٌ، و«الطّارِقُ» مُبْتَدَأٌ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما الطّارِقُ.
الطارق 86:2
سُورَةُ الطّارِقِ
مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وهي سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً عَلى المَشْهُورِ وفي التَّيْسِيرِ سِتَّ عَشْرَةَ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها تَكْذِيبَ الكُفّارِ لِلْقُرْآنِ نَبَّهَ تَعالى شَأْنُهُ هُنا عَلى حَقارَةِ الإنْسانِ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ جَلَّ وعَلا مِنهُ إلى وصْفِ القُرْآنِ، ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإمْهالِ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿والسَّماءِ﴾ هي المَعْرُوفَةُ عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: المَطَرُ هُنا وهو أحَدُ اسْتِعْمالاتِها ومِنهُ قَوْلُهُ:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
/ ولا يَخْفى حالُهُ.
﴿والطّارِقِ﴾ وهو في الأصْلِ اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الطَّرْقِ بِمَعْنى الضَّرْبِ بِوَقْعٍ أشَدُّهُ يُسْمَعُ لَها صَوْتٌ ومِنهُ المِطْرَقَةُ والطَّرِيقُ لِأنَّ السّابِلَةَ تَطْرُقُها، ثُمَّ صارَ في عُرْفِ اللُّغَةِ اسْمًا لِسالِكِ الطَّرِيقِ لِتَصَوُّرِ أنَّهُ يَطْرُقُها بِقَدَمِهِ، واشْتُهِرَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً ثُمَّ اخْتَصَّ بِالآتِي لَيْلًا لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَجِدُ الأبْوابَ مُغْلَقَةً فَيَطْرُقُها، ثُمَّ اتَّسَعَ في كُلِّ ما يَظْهَرُ بِاللَّيْلِ كائِنًا ما كانَ حَتّى الصُّوَرُ الخَيالِيَّةُ البادِيَةُ فِيهِ والعَرَبُ تَصِفُها بِالطُّرُوقِ كَما في قَوْلِهِ:
طَرَقُ الخَيالُ ولا كَلَيْلَةِ مُدْلِجٍ ∗∗∗ سَدِكًا بِأرْحُلِنا ولَمْ يَتَعَرَّجِ
والمُرادُ بِهِ هاهُنا عِنْدَ الجُمْهُورِ الكَوْكَبُ البادِي بِاللَّيْلِ إمّا عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ أوْ كَوْكَبٌ مَعْهُودٌ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ إثْرَ تَفْخِيمِهِ بِالإقْسامِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ رِفْعَةَ قَدْرِهِ بِحَيْثُ لا يَنالُها إدْراكُ الخَلْقِ فَلا بُدَّ مِن تَلَقِّيها مِنَ الخَلّاقِ العَلِيمِ فَ «ما» الأُولى مُبْتَدَأٌ و( أدْراكَ ) خَبَرُهُ وما الثّانِيَةُ
صفحة 95
خَبَرٌ، و«الطّارِقُ» مُبْتَدَأٌ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما الطّارِقُ.
الطارق 86:3
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامٍ نَشَأ عَمّا قَبْلُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هُوَ؟ فَقِيلَ: هو النَّجْمُ إلَخْ... و«الثّاقِبُ» في الأصْلِ الخارِقُ ثُمَّ صارَ بِمَعْنى المُضِيءِ لِتَصَوُّرِ أنَّهُ يَثْقُبُ الظَّلامَ، وقَدْ يُخَصُّ بِالنُّجُومِ والشُّهُبِ لِذَلِكَ. وتَصَوُّرِ أنَّها يَنْفُذُ ضَوْءُها في الأفْلاكِ ونَحْوِها. وقالَ الفَرّاءُ: «الثّاقِبُ» المُرْتَفَعُ، يُقالُ: ثَقَبَ الطّائِرُ أيِ ارْتَفَعَ وعَلا، والمُرادُ بِالنَّجْمِ الثّاقِبِ الجِنْسُ عِنْدَ الحَسَنِ؛ فَإنَّ لِكُلِّ كَوْكَبٍ ضَوْءًا ثاقِبًا لا مَحالَةَ، وكَذا كُلُّ كَوْكَبٍ مُرْتَفِعٍ ولا يُضْرَبُ التَّفاوُتُ في ذَلِكَ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ مَعْهُودٌ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ الجَدْيُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ الثُّرَيّا وهو الَّذِي تُطْلِقُ العَرَبَ عَلَيْهِ اسْمَ النَّجْمِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ زُحَلُ وهو أبْعَدُ السَّيّاراتِ وأرْفَعُها وما يَثْقُبُهُ ضَوْؤُهُ مِنَ الأفْلاكِ أكْثَرَ فِيما يَزْعُمُ المُنَجِّمُونَ المُتَقَدِّمُونَ، وإنَّما قُلْنا أبْعَدُ السَّيّاراتِ لِأنَّ الجَدْيَ والثُّرَيّا عِنْدَهم أبْعَدُ مِنهُ بِكَثِيرٍ، وكَذا عِنْدَ المُحْدَثِينَ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ القَمَرُ؛ لِأنَّهُ آيَةُ اللَّيْلِ وأشَدُّ الكَواكِبِ ضَوْءًا فِيهِ وهو زَمانُ سُلْطانِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إطْلاقَ النَّجْمِ عَلَيْهِ ولَوْ مَوْصُوفًا غَيْرُ شائِعٍ وقِيلَ: هو النَّجْمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ كَوْكَبُ الصُّبْحِ.
وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ نَجْمٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ لا يَسْكُنُها فَمَيَّزَهُ فَإذا أخَذَتِ النُّجُومُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ هَبَطَ فَكانَ مَعَها ثُمَّ يَرْجِعُ إلى مَكانِهِ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ فَهو طارِقٌ حِينَ يَنْزِلُ وطارِقٌ حِينَ يَصْعَدُ.
ولا يَخْفى أنَّ المَعْرُوفَ أنَّ الَّذِي يَسْكُنُ السَّماءَ السّابِعَةَ أعْنِي الفَلَكَ السّابِعَ وحْدَهُ هو زُحَلُ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَوْلًا بِأنَّ النَّجْمَ الثّاقِبَ هو لَكِنْ لا يُعْرَفُ لَهُ نُزُولٌ ولا صُعُودٌ بِالمَعْنى المُتَبادَرِ وأيْضًا لا يُعْقَلُ لَهُ نُزُولٌ إلى حَيْثُ تَكُونُ النُّجُومُ أعْنِي الثَّوابِتَ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَهم أنَّها في الفَلَكِ الثّامِنِ، ويَجُوزُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ بَعْضُها في أفْلاكٍ فَوْقَ ذَلِكَ بَلْ نَصَّ المُحْدَثُونَ لِما قامَ عِنْدَهم عَلى تَفاوُتِها في الِارْتِفاعِ ولَمْ يَشُكُّوا في أنَّ كَثِيرًا مِنها أبْعَدُ مِن زُحَلَ بُعْدًا عَظِيمًا وإذا اعْتُبِرَتِ الظَّواهِرُ وقُلْنا بِأنَّها في السَّماءِ الدُّنْيا وإنْ تَفاوَتَتْ في الِارْتِفاعِ فَذَلِكَ أيْضًا مِمّا يَأْباهُ أنَّ النُّجُومَ قَدْ تَأْخُذُ أمْكِنَتَها مِنَ السَّماءِ ولَيْسَ مَعَها زُحَلُ. وبِالجُمْلَةِ ما يُعَكِّرُ عَلى هَذا الخَبَرِ كَثِيرٌ وكَوْنُهُ كَرَّمَ اللَّهِ تَعالى وجْهَهُ أرادَ كَوْكَبًا آخَرَ هَذا شَأْنُهُ لا يَخْفى حالُهُ والَّذِي يَقْتَضِيهِ الإنْصافُ وتَرْكُ التَّعَصُّبِ أنَّ الخَبَرَ مَكْذُوبٌ عَلى الأمِيرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ، وجُوِّزَ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ أنْ يُرادَ بِهِ جِنْسُ الشُّهُبِ الَّتِي يُرْجَمُ بِها ولَيْسَ بِذاكَ وما رُوِيَ «أنَّ أبا طالِبٍ كانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فانْحَطَّ نَجْمٌ فامْتَلَأ ماءً ثُمَّ نُورًا فَفَزِعَ أبُو طالِبٍ فَقالَ: أيُّ شَيْءٍ هَذا؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «هَذا نَجْمٌ رُمِيَ بِهِ وهو آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى» فَعَجِبَ أبُو طالِبٍ فَنَزَلَتْ».
لا يَقْتَضِي ذَلِكَ عَلى ما لا يَخْفى. وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةِ أنَّ المُرادَ بِ ﴿الطّارِقُ﴾ جَمِيعُ ما يَطْرُقُ مِنَ الأُمُورِ والمَخْلُوقاتِ فَيَعُمُّ النَّجْمَ الثّاقِبَ وغَيْرَهُ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ حَقَّ الطّارِقِ بِأنْ تَكُونَ ألْ في ﴿ما الطّارِقُ﴾ مِثْلَها فِي: أنْتَ الرَّجُلُ، وما أدْرِي ما الطّارِقُ عَلى هَذا الرَّجُلِ حَتّى رَكِبَ هَذا الطَّرِيقَ الوَعِرَ في التَّفْسِيرِ وفي إيرادِ ذَلِكَ عِنْدَ الإقْسامِ بِهِ بِوَصْفٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ ثُمَّ الإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ غَيْرُ كاشِفٍ عَنْ كُنْهِ أمْرِهِ وأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَبْلُغُهُ أفْكارُ الخَلائِقِ، ثُمَّ تَفْسِيرُهُ بِالنَّجْمِ الثّاقِبِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِ وإجْلالِ مَحَلِّهِ ما لا يَخْفى عَلى ذِي نَظَرٍ ثاقِبٍ، ولِإرادَةِ ذَلِكَ لَمْ يَقُلِ ابْتِداءً: «والنَّجْمِ الثّاقِبِ» مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ، ولِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُفَخِّمَ شَأْنَ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ لِما شاءَ ولا دَلالَةَ فِيهِ هاهُنا عَلى شَيْءٍ مِمّا يَزْعُمُهُ المُنَجِّمُونَ في أمْرِ النُّجُومِ زُحَلَ وغَيْرِهِ مِنَ التَّأْثِيرِ في سَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ أوْ نَحْوِهِما، وجَوابُ القَسَمِ.
الطارق 86:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِما ذُكِرَ مِن تَأْكِيدِ فَخامَةِ المُقْسَمِ بِهِ المُسْتَتْبِعِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها، وقِيلَ: جَوابُهُ: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ وهو كَما تَرى. و«إنْ» نافِيَةٌ. و«لَمّا» بِمَعْنى إلّا ومَجِيئُها كَذَلِكَ
صفحة 96
لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ كَما نَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الأخْفَشِ في هُذَيْلٍ وغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ أوْ سَألْتُكَ لَما فَعَلْتَ كَذا يُرِيدُونَ إلّا وفَعَلْتَ، وبِهَذا رُدَّ عَلى الجَوْهَرِيِّ المُنْكِرِ لِذَلِكَ. وقالَ الرَّضِيُّ: لا تَجِيءُ إلّا بَعْدَ نَفْيٍ ظاهِرٍ أوْ مُقَدَّرٍ ولا تَكُونُ إلّا في المُفَرَّغِ؛ أيْ: بِخِلافِ إلّا. و«كُلُّ» لِتَأْكِيدِ العُمُومِ لِتَحَقُّقِ أصْلِهِ مِن وُقُوعِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ وهو مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ عَلى المَشْهُورِ «حافِظٌ». و«عَلَيْها» مُتَعَلِّقٌ بِهِ وعَلى ما سَمِعْتَ عَنِ الرَّضِيِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ما كَلُّ نَفْسٍ كائِنَةٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أنْ يَكُونَ عَلَيْها حافِظٌ؛ أيْ: مُهَيْمِنٌ ورَقِيبٌ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ .
إذا ما خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ خَلَوْتُ ولَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
وقِيلَ: هو مَن يَحْفَظُ عَمَلَها مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويُحْصِي عَلَيْها ما تَكْسِبُ مَن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ الآيَةَ... ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما وخَصَّصُوا النَّفْسَ بِالمُكَلَّفَةِ، وقِيلَ: هو ومَن وُكِّلَ عَلى حِفْظِها والذَّبِّ عَنْها مِنَ المَلائِكَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ .
وعَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««وُكِّلَ بِالمُؤْمِنِ مِائَةٌ وسِتُّونَ مَلِكًا يَذُبُّونَ عَنْهُ كَما يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ العَسَلِ الذُّبابُ، ولَوْ وُكِلَ العَبْدُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الشَّياطِينُ»».
وقِيلَ: هو العَقْلُ يُرْشِدُ المَرْءَ إلى مَصالِحِهِ ويَكُفُّهُ عَنْ مَضارِّهِ.
وقَرَأ الأكْثَرُ لَما بِالتَّخْفِيفِ، فَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ «إنْ» نافِيَةٌ كَما سَبَقَ واللّامُ بِمَعْنى «إلّا»، و«ما» زائِدَةٌ. وصَرَّحُوا هُنا بِأنَّ «كُلُّ» و«حافِظٌ» مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ فَلا تُغْفَلْ. وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ «إنْ» مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ و«كُلُّ» مُبْتَدَأٌ و(ما) زائِدَةٌ، واللّامُ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنْ النّافِيَةِ وإنْ المُخَفَّفَةِ. و«حافِظٌ» خَبَرُ المُبْتَدَأِ و( عَلَيْها ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ وقُدِّرَ لِأنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ لِأنَّهُ في غَيْرِ المَفْتُوحَةِ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ العَمَلِ مَعَ أنَّهُ مُخِلٌّ بِإدْخالِ اللّامِ الفارِقَةِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الخَبَرُ جُمْلَةً فالأوْلى إدْخالُ اللّامِ عَلى الجُزْءِ الأوَّلِ كَما صَرَّحَ بِهِ في التَّسْهِيلِ، وإدْخالُها عَلى الجُزْءِ الثّانِي كَما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الأفاضِلِ في حَواشِيهِ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ مَن قالَ: أيْ: إنَّ الشَّأْنَ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها حافِظٌ لَمْ يُرِدْ تَقْدِيرَ الضَّمِيرِ وإنَّما أرادَ بَيانَ حاصِلِ المَعْنى. وحَكى هارُونُ أنَّهُ قُرِئَ: «إنَّ» بِالتَّشْدِيدِ «وكُلَّ» بِالنَّصْبِ، و«لَما» بِالتَّخْفِيفِ فاللّامُ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ: «إنْ» و«ما» زائِدَةٌ، وعَلى جَمِيعِ القِراءاتِ أمْرُ الجَوابِيَّةِ ظاهِرٌ لِوُجُودِ ما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ، وتَلَقِّيهِ بِالمُشَدَّدَةِ مَشْهُورٌ وبِالمُخَفَّفَةِ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ وبِالنّافِيَةِ ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما﴾ .
الطارق 86:5
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ ولَيْسَتِ الفاءُ بِفَصِيحَةٍ خِلافًا لِلطِّيبِيِّ؛ إذْ لا يَحْتاجُ إلى حَذْفٍ في اسْتِقامَةِ الكَلامِ إمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الحافِظُ هو اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوِ المَلَكَ الَّذِي وكَّلَهُ تَعالى شَأْنُهُ لِلْحِفْظِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَمِعْتَ؛ فَلِأنَّهُ لَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ أنَّ عَلَيْهِ رَقِيبًا مِنهُ تَعالى حَثَّهُ عَلى النَّظَرِ المُعَرِّفِ لِذَلِكَ مَعَ أوْصافِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلْيَعْرِفِ المُهَيْمَنُ عَلَيْهِ بِنَصْبِهِ الرَّقِيبَ أوْ بِنَفْسِهِ، ولْيَعْلَمْ رُجُوعَهُ إلَيْهِ تَعالى، ولْيَفْعَلْ ما يُسَرُّ بِهِ حالَ الرُّجُوعِ.
وعَبَّرَ عَنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ﴾ لِيُبَيِّنَ طَرِيقَهُ المُعَرِّفَةَ فَهو بَسْطٌ فِيهِ إيجازٌ، وأُدْمِجَ فِيهِ الأخِيرانِ وإمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العَقْلَ فَلِأنَّهُ لَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ أنَّ لَهُ عَقْلًا يُرْشِدُ إلى المَصالِحِ ويَكُفُّ عَنِ المَضارِّ حَثَّهُ عَلى اسْتِعْمالِهِ فِيما يَنْفَعُهُ وعَدَمِ تَعْطِيلِهِ وإلْغائِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلْيَنْظُرْ بِعَقْلِهِ ولْيَتَفَكَّرْ بِهِ في مَبْدَأِ خَلْقِهِ حَتّى يَتَّضِحَ لَهُ قُدْرَةُ واهِبِهِ وأنَّهُ إذا قَدَرَ عَلى إنْشائِهِ مِن مَوادَّ لَمْ تَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ فَهو سُبْحانُهُ عَلى إعادَتِهِ أقْدَرُ وأقْدُرُ فَيَعْمَلُ بِما يُسِرَّ بِهِ حِينَ الإعادَةِ وقَدْ يُقَرَّرُ التَّفْرِيعُ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ بِنَحْوٍ واحِدٍ فَتَأمَّلْ. و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ اسْتِفْهامٌ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِخُلِقَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ «يَنْظُرْ» وهي مُعَلَّقَةٌ بِالِاسْتِفْهامِ.
الطارق 86:6
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: مِمَّ خُلِقَ؟ فَقِيلَ: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ﴾ إلَخْ وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ
صفحة 97
المَذْكُورِ مَعَ تَعَلُّقِ الجارِّ بِ «يَنْظُرْ». وفِيهِ مُسامَحَةٌ، وكَأنَّ المُرادَ أنَّهُ عَلى صُورَةِ الجَوابِ وجَعَلَهُ جَوابًا لَهُ حَقِيقَةً عَلى أنَّهُ مَقْطُوعٌ عَنْ «يَنْظُرْ» لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَ مَن لَهُ نَظَرٌ. والدَّفْقُ صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ وسَيَلانٌ بِسُرْعَةٍ، وأُرِيدَ بِالماءِ الدّافِقِ المَنِيُّ، و﴿دافِقٍ﴾ قِيلَ بِمَعْنى مَدْفُوقٍ عَلى تَأْوِيلِ اسْمِ الفاعِلِ بِالمَفْعُولِ. وقَدْ قَرَأ بِذَلِكَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هو عَلى النَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ؛ أيْ: ذِي دَفْقٍ وهو صادِقٌ عَلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ. وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ، وإسْنادُهُ إلى الماءِ مَجازٌ، وأُسْنِدَ إلَيْهِ ما لِصاحِبِهِ مُبالَغَةً أوْ هو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ أوْ مُصَرِّحَةٌ بِجَعْلِهِ دافِقًا لِأنَّهُ لِتُتابِعِ قَطَراتِهِ كَأنَّهُ يَدْفُقُ؛ أيْ: يَدْفَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الدَّفْقَ بِالدَّفْعِ، فَقالَ: الدَّفْقُ دَفْعُ الماءِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ يُقالُ: تَدَفَّقَ الوادِي والسَّيْلُ إذا جاءَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الماءُ دافِقًا لِأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا فَمِنهُ دافِقٌ ومِنهُ مَدْفُوقٌ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الدَّفْقَ بِمَعْنى الدَّفْعِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ في اللُّغَةِ بَلِ المَحْفُوظُ أنَّهُ الصَّبُّ، ونَقَلَ عَنِ اللَّيْثِ أنَّ دَفَقَ بِمَعْنى انْصَبَّ بِمَرَّةٍ، فَدافِقٌ بِمَعْنى مُنْصَبٍّ فَلا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ اللَّيْثُ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ. وقِيلَ: مِن ماءٍ مَعَ أنَّ الإنْسانَ لا يُخْلَقُ إلّا مِن ماءَيْنِ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ، ولِذا كانَ خَلْقُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ خارِقًا لِلْعادَةِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ المُمْتَزِجُ مِنَ الماءَيْنِ في الرَّحِمِ وبِالِامْتِزاجِ صارا ماءً واحِدًا، ووَصْفُهُ بِالدَّفْقِ قِيلَ بِاعْتِبارِ أحَدِ جُزْأيْهِ وهو مَنِيُّ الرَّجُلِ، وقِيلَ: بِاعْتِبارِ كِلَيْهِما ومَنِيُّ المَرْأةِ دافِقٌ أيْضًا إلى الرَّحِمِ ويُشِيرُ إلى إرادَةِ المُمْتَزِجِ عَلى ما قِيلَ.
الطارق 86:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ أجْزاءِ صُلْبِ كُلِّ رَجُلٍ؛ أيْ: ظَهْرِهِ ﴿والتَّرائِبِ﴾ أيْ: ومِن بَيْنِ تَرائِبِ كُلِّ امْرَأةِ أيِّ عِظامِ صَدْرِها جَمْعِ تَرِيبَةٍ، وفُسِّرَتْ أيْضًا بِمَوْضِعِ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو لِكُلِّ امْرَأةٍ واحِدٌ إلّا أنَّهُ يُجْمَعُ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
بِاعْتِبارِ ما حَوْلَهُ عَلى ما في البَحْرِ وجاءَ في المُفْرَدِ: تَرِيبُ كَما في قَوْلِ المُثَقَّبِ العَبْدِيِّ:
ومِن ذَهَبٍ يَبِينُ عَلى تَرِيبٍ ∗∗∗ كَلَوْنِ العاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ
وحَمْلُ الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنْ سُفْيانَ وقَتادَةَ إلّا أنَّهُما قالا: أيْ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ، وظاهِرُهُ كالآيَةِ أنَّ أحَدَ الطَّرَفَيْنِ لِلْبَيْنِيَّةِ الصُّلْبِ والآخَرُ التَّرائِبُ وهو غَيْرُ ما قُلْناهُ، وعَلَيْهِ قِيلَ: هو كَقَوْلِكَ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ زَيْدٍ وعَمْرٍو خَيْرٌ كَثِيرٌ عَلى مَعْنى أنَّهُما سَبَبانِ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ الرَّجُلَ والمَرْأةَ يَصِيرانِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، فَكَأنَّ الصُّلْبَ والتَّرائِبَ لِشَخْصٍ واحِدٍ فَلا تَغْفُلْ. ثُمَّ إنَّ ما تَقَدَّمَ مَبْنِيٌّ إمّا عَلى أنَّ التَّرائِبَ مَخْصُوصَةٌ بِالمَرْأةِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ، وإمّا عَلى حَمْلِ تَعْرِيفِها عَلى العَهْدِ، وقالَ الحَسَنُ -ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا-: أنَّ المَعْنى: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ وتَرائِبِ كُلٍّ مِنهُما، ولَمْ يُفَسِّرِ التَّرائِبَ فَقِيلَ: عِظامُ الصَّدْرِ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الثَّدْيَيْنِ، وقِيلَ ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ والصَّدْرِ، وقِيلَ التَّراقِي، وقِيلَ: أرْبَعُ أضْلاعٍ مِن يُمْنَةِ الصَّدْرِ وأرْبَعٌ مِن يُسْرَتِهِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: الأضْلاعُ الَّتِي هي أسْفَلَ الصُّلْبِ، وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها أطْرافُ المَرْءِ رِجُلاهُ ويَداهُ وعَيْناهُ والأشْهَرُ أنَّها عِظامُ الصَّدْرِ ومَوْضِعُ القِلادَةِ مِنهُ، وطُعِنَ في ذَلِكَ عَلى ما قالَ الإمامُ بَعْضُ المَلاحِدَةِ خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ المَنِيَّ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن فَضْلَةِ الهَضْمِ الرّابِعِ، ويَنْفَصِلُ مِن جَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ فَيَأْخُذُ مِن كُلِّ عُضْوٍ طَبِيعَةً وخاصِّيَّةً مُسْتَعِدًّا لِأنْ يَتَوَلَّدُ مِنهُ تِلْكَ الأعْضاءُ وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مُعْظَمَ أجْزاءِ المَنِيِّ تَتَوَلَّدُ في ذَيْنِكَ المَوْضِعَيْنِ فَهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مُعْظَمَهُ إنَّما يَتَوَلَّدُ في الدِّماغِ، ألا تَرى أنَّهُ في صُورَتِهِ يُشْبِهُ الدِّماغَ والمُكْثِرُ مِنهُ يَظْهَرُ الضَّعْفُ أوَّلًا في دِماغِهِ وعَيْنَيْهِ وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مُسْتَقَرَّهُ هُناكَ
صفحة 98
فَهُوَ ضَعِيفٌ أيْضًا لِأنَّ مُسْتَقَرَّهُ عُرُوقٌ يَلْتَفُّ بَعْضُها بِالبَعْضِ عِنْدَ البَيْضَتَيْنِ وتُسَمّى أوْعِيَةَ المَنِيَّ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مَخْرَجَهُ هُناكَ فَهو أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ. وأجابَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّ أعْظَمَ الأعْضاءِ مَعُونَةً في تَوْلِيدِ المَنِيِّ الدِّماغُ وخَلِيفَتُهُ النُّخاعُ في الصُّلْبِ وشُعَبٌ نازِلَةٌ إلى مُقَدَّمِ البَدَنِ وهي التَّرِيبَةُ؛ فَلِذا خُصّا بِالذِّكْرِ عَلى أنَّ كَلامَهم في أمْرِ المَنِيِّ وتَوَلُّدِهِ مَحْضُ الوَهْمِ والظَّنِّ الضَّعِيفِ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى المَجِيدُ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ، فَهو المَقْبُولُ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ. اه.
وفِي الكَشْفِ أقُولُ النُّخاعُ بَيْنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ ولا يَحْتاجُ إلى تَخْصِيصِ التَّرِيبَةِ بِالنِّساءِ فَقَدْ يَمْنَعُ الشُّعَبُ النّازِلَةُ عَلى أنَّ تِلْكَ الشُّعَبَ إنْ كانَتْ فَهي أعْصابٌ لا ذاتُ تَجاوِيفَ، والوَجْهُ -واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- أنَّ النُّخاعَ والقُوى الدِّماغِيَّةَ والقَلْبِيَّةَ والكَبِدِيَّةَ كُلَّها تَتَعاوَنُ في إبْرازِ ذَلِكَ الفَضْلِ عَلى ما هو عَلَيْهِ قابِلًا لِأنْ يَصِيرَ مَبْدَأ الشَّخْصِ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ عِبارَةٌ مُخْتَصَرَةٌ جامِعَةٌ لِتَأْثِيرِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ، فالتَّرائِبُ يَشْمَلُ القَلْبَ والكَبِدَ، وشُمُولُها لِلْقَلْبِ أظْهَرُ، والصُّلْبُ النُّخاعُ وبِتَوَسُّطِهِ الدِّماغَ ولَعَلَّهُ لا يَحْتاجُ إلى التَّنْبِيهِ عَلى مَكانِ الكَبِدِ لِظُهُورِهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ دَمٌ نَضِيجٌ وإنَّما احْتِيجَ إلى ما خَفِيَ وهو أمْرُ الدِّماغِ والقَلْبِ في تَكَوُّنِ ذَلِكَ الماءِ فَنُبِّهَ عَلى مَكانِهِما وقِيلَ: ابْتِداءُ الخُرُوجِ مِنهُ كَما أنَّ انْتِهاءَهُ بِالإحْلِيلِ انْتَهى. وقِيلَ: لَوْ جُعِلَ ما بَيْنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ كِنايَةً عَنِ البَدَنِ كُلِّهِ لَمْ يَبْعُدْ وكانَ تَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِما أنَّهُما كالوِعاءِ لِلْقَلْبِ الَّذِي هو المُضْغَةُ العُظْمى فِيهِ، وأمْرُ هَذِهِ الكِنايَةِ عَلى ما حَكى مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في التَّرائِبِ أظْهَرُ. وزَعَمَ بَعْضُهم جَوازَ كَوْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ لِلرَّجُلِ؛ أيْ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ صُلْبِ كُلِّ رَجُلٍ وتَرائِبِهِ، فالمُرادُ بِالماءِ الدّافِقِ ماءُ الرَّجُلِ فَقَطْ، وجُعِلَ الكَلامُ إمّا عَلى التَّغْلِيبِ أوْ عَلى أنَّهُ لا ماءَ لِلْمَرْأةِ أصْلًا فَضْلًا عَنِ الماءِ الدّافِقِ كَما قِيلَ بِهِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، والقَوْلُ بِأنَّ المَرْأةَ لا ماءَ لَها تُكَذِّبُهُ الشَّرِيعَةُ وغَيْرُها. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُقْسِمٍ: «يُخْرَجُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وهُما أهْلُ مَكَّةَ وعِيسى: «الصُّلُبِ» بِضَمِّ الصّادِ واللّامِ، واليَمانِيُّ بِفَتْحِهِما، ورُوِيَ عَلى اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ العَجّاجِ:
رَيّا العِظامِ فَخْمَةُ المُخَدَّمِ ∗∗∗ في صَلَبٍ مِثْلِ العَنانِ المُؤْدَمِ
وفِيهِ لُغَةٌ رابِعَةٌ وهي صالِبٌ كَما في قَوْلِ العَبّاسِ:
تَنَقَّلَ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ وهي قَلِيلَةُ الِاسْتِعْمالِ واسْتَشْهَدَ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ عَلى أنَّ الإنْسانَ هو الهَيْكَلُ المَخْصُوصُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ النّافِينَ لِلنَّفْسِ النّاطِقَةِ الإنْسانِيَّةِ المُجَرَّدَةِ الَّتِي لَيْسَتْ داخِلَ البَدَنِ ولا خارِجَهُ. وقالَ: إنَّهُ شاهِدٌ قَوِيٌّ عَلى ذَلِكَ وتَأْوِيلُهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: خَلْقُ بَدَنِ الإنْسانِ لا يُسْمَعُ ما لَمْ يَقُمْ بِرِهانٌ عَلى امْتِناعِ ظاهِرِهِ. انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القائِلِينَ بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ المُجَرَّدَةِ قَدْ أقامُوا فِيما عِنْدَهم بَراهِينَ عَلى إثْباتِها نَعَمْ إنَّ فِيها أبْحاثًا لِلنّافِينَ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في كِتابِ الرُّوحِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ القَيِّمِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.
الطارق 86:8
﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْخالِقِ تَعالى شَأْنُهُ وكَما فَخَّمَ أوَّلًا بِتَرْكِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ﴾ إذْ لا يَذْهَبُ إلى خالِقٍ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ فَخَّمَ بِالإضْمارِ ثانِيًا، والضَّمِيرُ الثّانِي لِلْإنْسانِ؛ أيْ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي خَلَقَهُ ابْتِداءً مِمّا ذُكِرَ عَلى إعادَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِبَيِّنِ القُدْرَةِ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ:
لَئِنْ كانَ تَهْدِي بَرْدُ أنْيابِها العُلى لَأفْقَرَ مِنِّي إنَّنِي لَفَقِيرُ
فَإنَّهُ أرادَ لِبَيْنِ الفَقْرِ وإلّا لَمْ يَصْحَّ إيرادُهُ في مُقابَلَةِ لَأفْقَرَ مِنِّي والتَّأْكِيدِ البالِغِ لَفْظًا لِما قامَ عَلَيْهِ البُرْهانُ الواضِحُ مَعْنًى، ولِذا فُسِّرَ (قادِرٌ هُنا يُبَيِّنُ القُدْرَةَ كَما في الكَشّافِ واعْتُبِرَ فِيهِ أيْضًا الِاخْتِصاصُ، فَقالَ: أيْ عَلى
صفحة 99
إعادَتِهِ خُصُوصًا وكَأنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الغَرَضَ المَسُوقُ لَهُ الكَلامُ ذَلِكَ فَكَأنَّ ما سِواهُ مُطْرَحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وحِينَئِذٍ يُرادُ ما ذُكِرَ جَعْلُ الجارِّ مِن صِلَةِ لَقادِرٌ أوْ مَدْلُولًا عَلى مَوْصُولِهِ بِهِ عَلى المَذْهَبَيْنِ، وفَصْلُ الجُمْلَةِ عَمّا سَبَقَ لِكَوْنِهِ جَوابَ الِاسْتِفْهامِ دُونَها. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ:
الضَّمِيرُ الثّانِي لِلْماءِ؛ أيْ: إنَّهُ تَعالى عَلى رَدِّ الماءِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصُّلْبِ لَقادِرٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ كَوْنُ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ لِلْإنْسانِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا رَدَّهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ لَقادِرٌ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، وما ذَكَرْناهُ أوَّلًا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الطارق 86:9
﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ أيْ: يُتَعَرَّفُ ويُتَصَفَّحُ ما أُسِرَّ في القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ وغَيْرِها ومِمّا أُخْفِيَ مِنَ الأعْمالِ ويُمَيَّزُ بَيْنَ ما طابَ مِنها وما خَبُثَ، وأصْلُ الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ وإطْلاقُهُ عَلى ما ذُكِرَ إطْلاقٌ عَلى اللّازِمِ وحَمْلُ السَّرائِرِ عَلى العُمُومِ هو الظّاهِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ ويَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ: أنَّها الصَّوْمُ والصَّلاةُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ضَمِنَ اللَّهُ تَعالى لِخَلْقِهِ أرْبَعًا: الصَّلاةَ والزَّكاةَ وصَوْمَ رَمَضانَ والغُسْلَ مِنَ الجَنابَةِ، وهُنَّ السَّرائِرُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾»»
وفِي البَحْرِ ضَمَّ التَّوْحِيدَ إلَيْها، ولَعَلَّ المُرادَ بَيانُ عَظِيمِها عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لا حَقِيقَةَ الحَصْرِ، وسَمِعَ الحَسَنُ مَن يُنْشِدُ قَوْلَ الأحْوَصِ:
سَيَبْقى لَها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحَشا سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ
فَقالَ: ما أغْفَلَهُ عَمّا في ( السَّماءِ والطّارِقِ ) وكَأنَّهُ حَمَلَ البَقاءَ فِيهِ عَلى عَدَمِ التَّعَرُّفِ أصْلًا فَلْيُفْهَمْ، و«يَوْمَ» عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ الحُذّاقِ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ أيْ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ إلَخْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَماعَةٌ: ظَرْفٌ لِرَجْعِهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ وأُجِيبَ تارَةً بِأنَّهُ جائِزٌ لِتَوَسُّعِهِمْ في الظُّرُوفِ وأُخْرى بِأنَّ الفاصِلَ هُنا غَيْرُ أجْنَبِيٍّ لِأنَّهُ إمّا تَفْسِيرٌ أوْ عامِلٌ عَلى المَذْهَبَيْنِ، وقالَ عِصامُ الدِّينِ: إنَّ الفَصْلَ بِهَذا الأجْنَبِيِّ كَلا فَصْلٍ؛ لِأنَّ المَعْمُولَ في نِيَّةِ التَّقْدِيمِ عَلَيْهِ وإنَّما أُخِّرَ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ وفِيهِ ما لا يَخْفى.
وقِيلَ: ظَرْفٌ لِ «ناصِرٌ» بَعْدُ، وتَعَقُّبُهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ فاسِدٌ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها وكَذَلِكَ ما النّافِيَةُ عَلى المَشْهُورِ المَنصُورِ، وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِ «اذْكُرْ» مَحْذُوفًا وهو كَما تَرى، ويَتَعَيَّنُ هو أوْ ما قَبْلَهُ عَلى رَأْيِ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، ورَأى الضَّحّاكُ السّابِقَيْنِ، آنِفًا وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ تَعَلُّقَهُ بِ «قادِرٌ» ولَمْ يُعَلِّقْهُ جُمْهُورُ المُعْرِبِينَ بِهِ لِأنَّهُ يُوهِمُ اخْتِصاصَ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِيَوْمٍ دُونَ يَوْمٍ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرُّوا مِن أنْ يَكُونَ العامِلُ ﴿لَقادِرٌ﴾ لِلُزُومِ تَخْصِيصِ القُدْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وحْدَهُ، وإذا تُؤَمِّلُ المَعْنى وما يَقْتَضِيهِ فَصِيحُ كَلامِ العَرَبِ جازَ أنْ يَكُونَ العامِلُ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ عَلى الإطْلاقِ، أوْ وآخِرًا وفي كُلِّ وقْتٍ ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنَ الأوْقاتِ الوَقْتَ الأعْظَمَ عَلى الكُفّارِ لِأنَّهُ وقْتُ الجَزاءِ والوُصُولِ إلى العَذابِ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى حَذَرِهِ والخَوْفِ مِنهُ. انْتَهى. وهو عَلى ما فِيهِ لا يَدْفَعُ الإيهامَ.
الطارق 86:10
﴿فَما لَهُ﴾ أيِ الإنْسانِ ﴿مِن قُوَّةٍ﴾ في نَفْسِهِ يَمْتَنِعُ بِها ﴿ولا ناصِرٍ﴾ يَنْتَصِرُ بِهِ ﴿والسَّماءِ﴾ وهي المِظَلَّةُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيِ المَطَرِ في قَوْلِهِمْ أيْضًا كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ:
يَوْمَ الوَداعِ تَرى دُمُوعًا جارِيَهْ كالرَّجْعِ في المُدْجِنَةِ السّارِيَةِ
وأصْلُهُ مَصْدَرُ رَجَعَ المُتَعَدِّي واللّازِمِ أيْضًا في قَوْلٍ، ومَصْدَرُهُ الخاصُّ بِهِ الرُّجُوعُ سَمَّوْا بِهِ المَطَرَ كَما سَمَّوْهُ بِالأوْبِ مَصْدَرَ آبَ ومِنهُ قَوْلُهُ:
رَبّاءُ شَمّاءُ لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الأوْبُ والسَّبَلُ
صفحة 100
لِيَرْجِعَ أوْ لِأنَّ السَّحابَ يَحْمِلُهُ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ، وبَنى هَذا غَيْرُ واحِدٍ عَلى الزَّعْمِ وفِيهِ بَحْثٌ، وعَنْ أوِ المُرادُ بِهِ فِيهِ النَّحْلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ حِينًا فَحِينًا، وقالَ الحَسَنُ: لِأنَّهُ يَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ أوْ أرادُوا بِذَلِكَ التَّفاؤُلَ. ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ تَفْسِيرُ السَّماءِ بِالسَّحابِ والرَّجْعِ بِالمَطَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: «السَّماءُ» هي المَعْرُوفَةُ و«الرَّجْعُ» رُجُوعُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ فِيها وقَبْلَ رُجُوعِها نَفْسِها فَإنَّها تَرْجِعُ في كُلِّ دَوْرَةٍ إلى المَوْضِعِ الَّذِي تَتَحَرَّكُ مِنهُ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ السَّماءَ والفَلَكَ واحِدٌ فَهي تَتَحَرَّكُ ويَصِيرُ أوْجُها حَضِيضًا وحَضِيضُها أوْجًا وقَدْ سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ ظاهِرَ كَلامِ السَّلَفِ أنَّ السَّماءَ غَيْرُ الفَلَكِ وأنَّها لا تَدُورُ ولا تَتَحَرَّكُ والَّذِي ذُكِرَ رَأْيُ الفَلاسِفَةِ ومَن تابَعَهم. وقِيلَ: «الرَّجْعُ» المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ.
الطارق 86:11
﴿فَما لَهُ﴾ أيِ الإنْسانِ ﴿مِن قُوَّةٍ﴾ في نَفْسِهِ يَمْتَنِعُ بِها ﴿ولا ناصِرٍ﴾ يَنْتَصِرُ بِهِ ﴿والسَّماءِ﴾ وهي المِظَلَّةُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيِ المَطَرِ في قَوْلِهِمْ أيْضًا كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ:
يَوْمَ الوَداعِ تَرى دُمُوعًا جارِيَهْ كالرَّجْعِ في المُدْجِنَةِ السّارِيَةِ
وأصْلُهُ مَصْدَرُ رَجَعَ المُتَعَدِّي واللّازِمِ أيْضًا في قَوْلٍ، ومَصْدَرُهُ الخاصُّ بِهِ الرُّجُوعُ سَمَّوْا بِهِ المَطَرَ كَما سَمَّوْهُ بِالأوْبِ مَصْدَرَ آبَ ومِنهُ قَوْلُهُ:
رَبّاءُ شَمّاءُ لا يَأْوِي لِقُلَّتِها ∗∗∗ إلّا السَّحابُ وإلّا الأوْبُ والسَّبَلُ
صفحة 100
لِيَرْجِعَ أوْ لِأنَّ السَّحابَ يَحْمِلُهُ مِن بِحارِ الأرْضِ ثُمَّ يُرْجِعُهُ إلى الأرْضِ، وبَنى هَذا غَيْرُ واحِدٍ عَلى الزَّعْمِ وفِيهِ بَحْثٌ، وعَنْ أوِ المُرادُ بِهِ فِيهِ النَّحْلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْجِعُهُ حِينًا فَحِينًا، وقالَ الحَسَنُ: لِأنَّهُ يَرْجِعُ بِالرِّزْقِ كُلَّ عامٍ أوْ أرادُوا بِذَلِكَ التَّفاؤُلَ. ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ تَفْسِيرُ السَّماءِ بِالسَّحابِ والرَّجْعِ بِالمَطَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: «السَّماءُ» هي المَعْرُوفَةُ و«الرَّجْعُ» رُجُوعُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ فِيها وقَبْلَ رُجُوعِها نَفْسِها فَإنَّها تَرْجِعُ في كُلِّ دَوْرَةٍ إلى المَوْضِعِ الَّذِي تَتَحَرَّكُ مِنهُ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ السَّماءَ والفَلَكَ واحِدٌ فَهي تَتَحَرَّكُ ويَصِيرُ أوْجُها حَضِيضًا وحَضِيضُها أوْجًا وقَدْ سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ ظاهِرَ كَلامِ السَّلَفِ أنَّ السَّماءَ غَيْرُ الفَلَكِ وأنَّها لا تَدُورُ ولا تَتَحَرَّكُ والَّذِي ذُكِرَ رَأْيُ الفَلاسِفَةِ ومَن تابَعَهم. وقِيلَ: «الرَّجْعُ» المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ بِأعْمالِ العِبادِ.
الطارق 86:12
﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ هو ما تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الأرْضُ مِنَ النَّباتِ وأصْلُهُ الشَّقُّ سُمِّيَ بِهِ النَّباتُ مَجازًا، أوْ هو مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ فالمُرادُ تَشَقُّقُها بِالنَّباتِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطِيَّةَ وابْنِ زَيْدٍ، وقِيلَ: تَشَقُّقُها بِالعُيُونِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ وصْفَ السَّماءِ والأرْضِ عِنْدَ الإقْسامِ بِهِما عَلى حَقِيقَةِ القُرْآنِ النّاطِقِ بِالبَعْثِ بِما ذُكِرَ مِنَ الوَصْفَيْنِ لِلْإيماءِ إلى أنَّهُما في أنْفُسِهِما مِن شَواهِدِهِ، وهو السِّرُّ في التَّعْبِيرِ عَنِ المَطَرِ بِالرَّجْعِ وذَلِكَ في تَشَقُّقِ الأرْضِ بِالنَّباتِ المُحاكِي لِلنُّشُورِ حَسْبَما ذُكِرَ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ لا في تَشَقُّقِها بِالعُيُونِ، ويُعْلَمُ مِنهُ ما في تَفْسِيرِ الرَّجْعِ بِغَيْرِ المَطَرِ وكَذا ما في قَوْلِهِ مُجاهِدٍ ﴿الصَّدْعِ﴾ ما في الأرْضِ مِن شِقاقٍ وأوْدِيَةٍ وخَنادِقَ وتَشَقُّقٍ بِحَرْثٍ وغَيْرِهِ، وما رُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: الصَّدْعُ: الطُّرُقُ تُصْدِعُها المُشاةُ وقِيلَ ذاتُ الأمْواتِ لِانْصِداعِها عَنْهم لِلنُّشُورِ.
الطارق 86:13
﴿إنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ الآياتُ النّاطِقَةُ بِمَبْدَأِ حالِ الإنْسانِ ومَعادِهِ وهو أوْلى مِن جَعْلِ الضَّمِيرِ راجِعًا لِما تَقَدَّمَ؛ أيْ: ما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن قُدْرَتِي عَلى حَيائِكم لِأنَّ القُرْآنَ يَتَناوَلُ ذَلِكَ تَناوُلًا أوَّلِيًّا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أنْسَبُ بِهِ والمُرادُ: لَقَوْلٌ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ نَفْسُ الفَصْلِ وقِيلَ: مُقابَلَةُ الفَصْلِ بِالهَزْلِ بَعْدُ يَسْتَدْعِي أنْ يُفَسَّرَ بِالقَطْعِ؛ أيْ: قَوْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ والأوَّلُ أحْسَنُ.
﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ: لَيْسَ في شَيْءٍ مِنهُ شائِبَةُ هَزْلٍ بَلْ كُلُّهُ جِدُّ مَحْضٌ، فَمِن حَقِّهِ أنْ يَهْتَدِيَ بِهِ الغُواةُ وتَخْضَعَ لَهُ رِقابُ العُتاةِ.
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والدّارِمِيُّ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الحارِثِ الأعْوَرِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّها سَتَكُونُ فِتْنَةٌ» قُلْتُ: فَما المَخْرَجُ مِنها يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «كِتابُ اللَّهِ، فِيهِ نَبَأُ مَن قَبْلَكم وخَبَرُ ما بَعْدَكم وحُكْمُ ما بَيْنَكُمْ، هو الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَن تَرَكَهُ مِن جَبّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، ومَنِ ابْتَغى الهُدى في غَيْرِهِ أضَلَّهُ اللَّهُ، وهو حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، وهو الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، هو الَّذِي لا تَزِيغُ فِيهِ الأهْواءُ، ولا تَشْبَعُ مِنهُ العُلَماءُ، ولا تَلْتَبِسُ بِهِ الألْسُنُ، ولا يَخْلَقُ عَنِ الرَّدِّ، ولا تَنْقَضِي عَجائِبُهُ، هو الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الجِنُّ لَمّا سَمِعَتْهُ عَنْ أنْ قالُوا: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ مَن قالَ بِهِ صَدَقَ، ومَن حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، ومَن عَمِلَ بِهِ أُجِرَ ومَن هَدى بِهِ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»».
وفِي هَذا مِنَ الرَّدِّ عَلى الَّذِينَ نَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ ما فِيهِ.
الطارق 86:14
﴿إنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ الآياتُ النّاطِقَةُ بِمَبْدَأِ حالِ الإنْسانِ ومَعادِهِ وهو أوْلى مِن جَعْلِ الضَّمِيرِ راجِعًا لِما تَقَدَّمَ؛ أيْ: ما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن قُدْرَتِي عَلى حَيائِكم لِأنَّ القُرْآنَ يَتَناوَلُ ذَلِكَ تَناوُلًا أوَّلِيًّا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أنْسَبُ بِهِ والمُرادُ: لَقَوْلٌ فاصِلٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ نَفْسُ الفَصْلِ وقِيلَ: مُقابَلَةُ الفَصْلِ بِالهَزْلِ بَعْدُ يَسْتَدْعِي أنْ يُفَسَّرَ بِالقَطْعِ؛ أيْ: قَوْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ والأوَّلُ أحْسَنُ.
﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ: لَيْسَ في شَيْءٍ مِنهُ شائِبَةُ هَزْلٍ بَلْ كُلُّهُ جِدُّ مَحْضٌ، فَمِن حَقِّهِ أنْ يَهْتَدِيَ بِهِ الغُواةُ وتَخْضَعَ لَهُ رِقابُ العُتاةِ.
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والدّارِمِيُّ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الحارِثِ الأعْوَرِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّها سَتَكُونُ فِتْنَةٌ» قُلْتُ: فَما المَخْرَجُ مِنها يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «كِتابُ اللَّهِ، فِيهِ نَبَأُ مَن قَبْلَكم وخَبَرُ ما بَعْدَكم وحُكْمُ ما بَيْنَكُمْ، هو الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَن تَرَكَهُ مِن جَبّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، ومَنِ ابْتَغى الهُدى في غَيْرِهِ أضَلَّهُ اللَّهُ، وهو حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، وهو الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، هو الَّذِي لا تَزِيغُ فِيهِ الأهْواءُ، ولا تَشْبَعُ مِنهُ العُلَماءُ، ولا تَلْتَبِسُ بِهِ الألْسُنُ، ولا يَخْلَقُ عَنِ الرَّدِّ، ولا تَنْقَضِي عَجائِبُهُ، هو الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الجِنُّ لَمّا سَمِعَتْهُ عَنْ أنْ قالُوا: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ مَن قالَ بِهِ صَدَقَ، ومَن حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، ومَن عَمِلَ بِهِ أُجِرَ ومَن هَدى بِهِ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»».
وفِي هَذا مِنَ الرَّدِّ عَلى الَّذِينَ نَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ ما فِيهِ.
الطارق 86:15
﴿إنَّهُمْ﴾ أيْ: كُفّارَ مَكَّةَ.
﴿يَكِيدُونَ﴾ يَعْمَلُونَ المَكايِدَ في إبْطالِ أمْرِهِ وإطْفاءِ نُورِهِ أوْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ، والأوَّلُ أتَمُّ انْتِظامًا وهَذا قِيلَ أمْلَأُ فائِدَةً.
﴿كَيْدًا﴾ أيْ: عَظِيمًا حَسْبَما تَفِي بِهِ قُدْرَتُهُمْ، والجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ حالُ القُرْآنِ ما ذُكِرَ فَما حالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِيهِ ما يَقُولُونَ فَقِيلَ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ أيْ: أُقابِلُهم بِكَيْدٍ مَتِينٍ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ حَيْثُ أسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أوْ أُقابِلُهم بِكَيْدِي في إعْلاءِ أمْرِهِ وإكْثارِ نُورِهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ والفَصْلُ لِهَذا، وقِيلَ: لِئَلّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُها عَلى جَوابِ القَسَمِ مَعَ أنَّها غَيْرُ مُقْسَمٍ عَلَيْها.
الطارق 86:16
﴿إنَّهُمْ﴾ أيْ: كُفّارَ مَكَّةَ.
﴿يَكِيدُونَ﴾ يَعْمَلُونَ المَكايِدَ في إبْطالِ أمْرِهِ وإطْفاءِ نُورِهِ أوْ في إبْطالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وإطْفاءِ نُورِ الحَقِّ، والأوَّلُ أتَمُّ انْتِظامًا وهَذا قِيلَ أمْلَأُ فائِدَةً.
﴿كَيْدًا﴾ أيْ: عَظِيمًا حَسْبَما تَفِي بِهِ قُدْرَتُهُمْ، والجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ حالُ القُرْآنِ ما ذُكِرَ فَما حالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِيهِ ما يَقُولُونَ فَقِيلَ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ أيْ: أُقابِلُهم بِكَيْدٍ مَتِينٍ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ حَيْثُ أسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أوْ أُقابِلُهم بِكَيْدِي في إعْلاءِ أمْرِهِ وإكْثارِ نُورِهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ والفَصْلُ لِهَذا، وقِيلَ: لِئَلّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُها عَلى جَوابِ القَسَمِ مَعَ أنَّها غَيْرُ مُقْسَمٍ عَلَيْها.
الطارق 86:17
﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ فَلا تَشْتَغِلْ بِالِانْتِقامِ مِنهم ولا تَدْعُ عَلَيْهِمْ
صفحة 101
بِالهَلاكِ أوْ تَأنَّ وانْتَظِرِ الِانْتِقامَ مِنهم ولا تَسْتَعْجِلْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ فَإنَّ الإخْبارَ بِتَوَلِّيهِ تَعالى لِكَيْدِهِمْ بِالذّاتِ وعَدَمِ إهْمالِهِمْ مِمّا يُوجِبُ إمْهالَهم وتَرْكَ التَّصَدِّي لِمُكايَدَتِهِمْ قَطْعًا، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِذَمِّهِمْ بِأبِي الخَبائِثِ وأُمِّها، وقِيلَ: لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ ما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِنَ الوَعِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْهِلْهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن مَهِّلْ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ في الإرْشادِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رُوَيْدًا﴾ إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى العامِلِ أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرِهِ المَحْذُوفِ؛ أيْ: أمْهِلْهم إمْهالًا رُوَيْدًا؛ أيْ: قَرِيبًا كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ قَلِيلًا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: أيْ: أمْهِلْهم حَتّى آمُرَ بِالقِتالِ، ولَعَلَّهُ المُرادُ بِالإمْهالِ القَرِيبِ أوِ القَلِيلِ. واخْتارَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ ما وقَعَ بَعْدَ الأمْرِ بِالقِتالِ كالَّذِي وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ وفي سائِرِ الغَزَواتِ لَمْ يَعُمَّ الكُلَّ وما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ يَعُمُّهم والتَّقْرِيبُ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، وعَلى هَذا النَّحْوِ التَّقْلِيلُ، عَلى أنَّ مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ، والظّاهِرُ ما قالَ السُّدِّيُّ وقَدْ عَراهم بَعْدَ الأمْرِ بِالقِتالِ ما عَراهُمْ، وعَدَمُ العُمُومِ الحَقِيقِيِّ لا يَضُرُّ وهو في الأصْلِ عَلى ما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ تَصْغِيرُ رُودٍ بِالضَّمِّ وأنْشَدَ:
كَأنَّها ثَمِلٌ تَمْشِي عَلى رُودِ،
أيْ: عَلى مَهْلٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ وجَماعَةٌ: تَصْغِيرُ إرْوادٍ مَصْدَرِ رَوَدَ يَرُودُ بِالتَّرْخِيمِ وهو تَصْغِيرُ تَحْقِيرٍ وتَقْلِيلٍ، ولَهُ في الِاسْتِعْمالِ وجْهانِ آخَرانِ كَوْنُهُ اسْمَ فِعْلٍ نَحْوَ: رَيْدًا زَيْدُ؛ أيْ: أمْهِلْهُ وكَوْنُهُ حالًا نَحْوَ: سارَ القَوْمُ رُوَيْدًا؛ أيْ: مُتَمَهِّلِينَ غَيْرَ مُسْتَعْجِلِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ احْتِمالَ كَوْنِهِ اسْمَ فِعْلٍ هُنا، وصَرَّحَ ابْنُ الشَّيْخِ بِعَدَمِ جَرَيانِهِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ الأوامِرَ بِمَعْنى فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمْهِلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهُمْ، وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ تَحْصُلُ بِالثّانِي فَيَلْغُو الثّالِثُ، وفي التَّعْلِيلِ نَظَرٌ؛ فَقَدْ يُسْلَكُ في التَّأْكِيدِ بِألْفاظٍ مُتَّحِدَةٍ لَفْظًا ومَعْنًى نَحْوَ ذَلِكَ.
فَفِي الحَدِيثِ: ««أيُّما امْرَأةٍ أنْكَحَتْ نَفْسَها بِدُونِ ولِيٍّ فَنِكاحُها باطِلٌ باطِلٌ باطِلٌ»».
ولا فَرْقَ بَيْنَ الجُمَلِ والمُفْرَداتِ. نَعَمْ هو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.
وجَوَّزَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَوْنَهُ حالًا؛ أيْ: أمْهِلْهم غَيْرُ مُسْتَعْجَلٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فَلا تَغْفُلْ وهو أيْضًا بِعِيدٌ، وظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ وغَيْرِهِ أنَّ الأمْرَ الثّانِيَ تَوْكِيدٌ لِلْأوَّلِ قالُوا: والمُخالَفَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ في البِنْيَةِ لِزِيادَةِ تَسْكِينِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَصْبِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإنَّما دَلَّتِ الزِّيادَةُ مِن حَيْثُ الإشْعارُ بِالتَّغايُرِ كَأنَّ ( كَلّا ) كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ بِالأمْرِ بِالتَّأنِّي فَهو أوْكَدُ مِن مُجَرَّدِ التَّكْرارِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: «مَهِّلْهُمْ» بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الهاءِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأمْرِ الأوَّلِ.