Lafzullah

Tafsir Al-Alusi — الأعلى 87:1 – البلد 90:20

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Alusi

المحتويات
  1. الأعلى 87:1
  2. الأعلى 87:2
  3. الأعلى 87:3
  4. الأعلى 87:4
  5. الأعلى 87:5
  6. الأعلى 87:6
  7. الأعلى 87:7
  8. الأعلى 87:8
  9. الأعلى 87:9
  10. الأعلى 87:10
  11. الأعلى 87:11
  12. الأعلى 87:12
  13. الأعلى 87:13
  14. الأعلى 87:14
  15. الأعلى 87:15
  16. الأعلى 87:16
  17. الأعلى 87:17
  18. الأعلى 87:18
  19. الأعلى 87:19
  20. الغاشية 88:1
  21. الغاشية 88:2
  22. الغاشية 88:3
  23. الغاشية 88:4
  24. الغاشية 88:5
  25. الغاشية 88:6
  26. الغاشية 88:7
  27. الغاشية 88:8
  28. الغاشية 88:9
  29. الغاشية 88:10
  30. الغاشية 88:11
  31. الغاشية 88:12
  32. الغاشية 88:13
  33. الغاشية 88:14
  34. الغاشية 88:15
  35. الغاشية 88:16
  36. الغاشية 88:17
  37. الغاشية 88:18
  38. الغاشية 88:19
  39. الغاشية 88:20
  40. الغاشية 88:21
  41. الغاشية 88:22
  42. الغاشية 88:23
  43. الغاشية 88:24
  44. الغاشية 88:25
  45. الغاشية 88:26
  46. الفجر 89:1
  47. الفجر 89:2
  48. الفجر 89:3
  49. الفجر 89:4
  50. الفجر 89:5
  51. الفجر 89:6
  52. الفجر 89:7
  53. الفجر 89:8
  54. الفجر 89:9
  55. الفجر 89:10
  56. الفجر 89:11
  57. الفجر 89:12
  58. الفجر 89:13
  59. الفجر 89:14
  60. الفجر 89:15
  61. الفجر 89:16
  62. الفجر 89:17
  63. الفجر 89:18
  64. الفجر 89:19
  65. الفجر 89:20
  66. الفجر 89:21
  67. الفجر 89:22
  68. الفجر 89:23
  69. الفجر 89:24
  70. الفجر 89:25
  71. الفجر 89:26
  72. الفجر 89:27
  73. الفجر 89:28
  74. الفجر 89:29
  75. الفجر 89:30
  76. البلد 90:1
  77. البلد 90:2
  78. البلد 90:3
  79. البلد 90:4
  80. البلد 90:5
  81. البلد 90:6
  82. البلد 90:7
  83. البلد 90:8
  84. البلد 90:9
  85. البلد 90:10
  86. البلد 90:11
  87. البلد 90:12
  88. البلد 90:13
  89. البلد 90:14
  90. البلد 90:15
  91. البلد 90:16
  92. البلد 90:17
  93. البلد 90:18
  94. البلد 90:19
  95. البلد 90:20

الأعلى 87:1

سُورَةُ الأعْلى وتُسَمّى سُورَةَ سَبِّحْ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وحَكى ابْنُ الفَرَسِ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لِذِكْرِ صَلاةِ العِيدِ وزَكاةِ الفِطْرِ فِيها، ورَدَّهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بِما أخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلا يَقْرَآنِ القُرْآنَ ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ وبِلالٌ وسَعْدٌ ثُمَّ جاءَ عُمْرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في عِشْرِينَ، ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ جاءَ، فَما جاءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى قَرَأْتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُوَرٍ مِثْلِها،» ثُمَّ إنَّ ذِكْرَ صَلاةِ العِيدِ وزَكاةِ الفِطْرِ فِيها غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولَوْ سُلِّمَ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ذَلِكَ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْصِيلُهُ، وهي تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً بِلا خِلافٍ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّهُ ذُكِرَ في سُورَةِ الطّارِقِ خَلْقُ الإنْسانِ وأُشِيرَ إلى خَلْقِ النَّباتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ وذُكِرا هاهُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ فَسَوّى﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ وقِصَّةُ النَّباتِ هُنا أوْضَحُ وأبْسَطُ كَما أنَّ قِصَّةَ خَلْقِ الإنْسانِ صفحة 102 هُناكَ كَذَلِكَ، نَعَمْ إنَّ ما في هَذِهِ السُّورَةِ أعَمُّ مِن جِهَةِ شُمُولِهِ لِلْإنْسانِ وسائِرِ المَخْلُوقاتِ وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحِبُّها. أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» . وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أبِي تَمِيمٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَمّاها أفْضَلَ المُسَبِّحاتِ». وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ في الوَتْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى: ﴿سَبِّحِ﴾ وفي الثّانِيَةِ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ وفي الثّالِثَةِ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ والمُعَوِّذَتَيْنِ،» وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ المَذْكُورُونَ وغَيْرُهم إلّا التِّرْمِذِيَّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَ ذَلِكَ، بَيْدَ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ المُعَوِّذَتانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ ويَوْمِ الجُمْعَةِ: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ» وإنْ وافَقَ يَوْمَ الجُمْعَةِ قَرَأهُما جَمِيعًا». وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ قالَ: «آخِرُ صَلاةٍ صَلّاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَغْرِبُ، فَقَرَأ في الرَّكْعَةِ الأُولى بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وفي الثّانِيَةِ: بِقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ». بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ: نَزِّهْ أسْماءَهُ عَزَّ وجَلَّ عَمّا لا يَلِيقُ فَلا تُؤَوِّلْ مِمّا ورَدَ مِنها اسْمًا مِن غَيْرِ مُقْتَضٍ ولا تُبْقِهِ عَلى ظاهِرِهِ إذا كانَ ما وُضِعَ لَهُ مِمّا لا يَصِحُّ لَهُ تَعالى ولا تُطْلِقْهُ عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ أصْلًا إذا كانَ مُخْتَصًّا كالِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى والغَيْرَ فِيهِ سَواءٌ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا فَلا تَقُلْ لِمَن أعْطاكَ شَيْئًا مَثَلًا: هَذا رازِقِي عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وصُنْهُ عَنِ الِابْتِذالِ والتَّلَفُّظِ بِهِ في مَحَلٍّ لا يَلِيقُ بِهِ كالخَلاءِ وحالَةِ التَّغَوُّطِ وذِكْرِهِ لِأعْلى وجْهِ الخُشُوعِ والتَّعْظِيمِ، ورُبَّما يُعَدُّ مِمّا لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ عِنْدَ مَن يَكْرَهُ سَماعَهُ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلَيْهِ. وعَنِ الإمامِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ إذا لَمْ يَجِدْ ما يُعْطِي السّائِلَ يَقُولُ: ما عِنْدِي ما أُعْطِيكَ أوِ ائْتِنِي في وقْتٍ آخَرَ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ولا يَقُولُ نَحْوَ ما يَقُولُ النّاسَ: يَرْزُقُكَ اللَّهُ تَعالى، أوْ يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى لَكَ، أوْ يُعْطِيكَ اللَّهُ تَعالى أوْ نَحْوَهُ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ السّائِلَ أثْقَلُ شَيْءٍ عَلى سَمْعِهِ وأبْغَضُهُ إلَيْهِ قَوْلُ المَسْؤُولِ لَهُ، ما يُفِيدُهُ رَدُّهُ وحِرْمانُهُ، فَأنا أُجِلُّ اسْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن أنْ أذْكُرَهُ لِمَن يَكْرَهُ سَماعَهُ ولَوْ في ضِمْنِ جُمْلَةٍ وهَذا مِنهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ غايَةً في الوَرَعِ. وما ذُكِرَ مِنَ التَّفْسِيرِ مَبْنِيٌّ عَلى الظّاهِرِ مِن أنَّ لَفْظَ اسْمٍ غَيْرُ مُقْحَمٍ، وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّهُ مُقْحَمٌ وهو قَدْ يُقْحَمُ لِضَرْبٍ مِنَ التَّعْظِيمِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما فالمَعْنى نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأوْصافِ، واسْتُدِلَّ لِهَذا بِما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم «عَنْ عَقَبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ». فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: «اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ»». ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَجْعُولَ فِيهِما سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ وسُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وبِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا قَرَأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: «سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى»». ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وجَماعَةٌ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قَرَأ ذَلِكَ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وهو في الصَّلاةِ فَقِيلَ لَهُ: أتَزِيدُ في القُرْآنِ قالَ: لا، إنَّما أُمِرْنا بِشَيْءٍ فَفَعَلْتُهُ. وفِي الكَشّافِ: تَسْبِيحُ اسْمِهِ تَعالى تَنْزِيهُهُ عَمّا لا يَصِحُّ فِيهِ مِنَ المَعانِي الَّتِي هي إلْحادٌ في أسْمائِهِ سُبْحانَهُ كالجَبْرِ والتَّشْبِيهِ مَثَلًا وأنْ يُصانَ عَنِ الِابْتِذالِ والذِّكْرِ لا عَلى وجْهِ الخُشُوعِ والتَّعْظِيمِ صفحة 103 فَجَعَلَ المَعْنِيِّينَ عَلى ما قِيلَ راجِعَيْنِ إلى الِاسْمِ وإنْ كانَ الأوَّلُ بِالحَقِيقَةِ راجِعًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لَكِنْ كَما يَصِحُّ أنْ يُقالَ: نَزِّهِ الذّاتَ عَمّا لا يَصِحُّ لَهُ مِنَ الأوْصافِ أنْ يُقالَ أيْضًا نَزِّهْ أسْماءَهُ تَعالى الدّالَّةَ عَلى الكَمالِ عَمّا لا يَصِحُّ فِيهِ مِن خِلافِهِ ولَيْسَ المَعْنى الأوَّلُ مَبْنِيًّا عَلى أنَّ لَفْظَ اسْمٍ مُقْحَمٍ ولا عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ المُسَمّى إطْلاقًا لِاسْمِ الدّالِّ عَلى المَدْلُولِ، نَعَمْ قالَ بِهِ بَعْضُهم هُنا، وهو إنْ كانَ لِلْأخْبارِ السّابِقَةِ كَما في دَعْوى الإقْحامِ فَلا بَأْسَ، وإنْ كانَ لِظَنِّ أنَّ التَّسْبِيحَ لا يَكُونُ لِلْألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لَهُ تَعالى فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِفَسادِ هَذا الظَّنِّ بِظُهُورِ أنَّ التَّسْبِيحَ يَكُونُ لَها كَما سَمِعْتَ، وقَدْ قالَ الإمامُ: إنَّهُ كَما يَجِبُ تَنْزِيهُ ذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ جَلَّ وعَلا عَنِ النَّقائِصِ يَجِبُ تَنْزِيهُ الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لِذَلِكَ عَنِ الرَّفَثِ وسُوءِ الأدَبِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في التَّعْبِيرِ عَنْهُ تَعالى شَأْنُهُ بِنَحْوِ: لَيْلى ونِعْمَ كَما يَدَّعِي ذَلِكَ في قَوْلِ ابْنِ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ: أبَرْقٌ بَدا مِن جانِبِ الغَوْرِ لامِعُ ∗∗∗ أمِ ارْتَفَعَتْ عَنْ وجْهِ لَيْلى البَراقِعُ وقَوْلِهِ: إذا أنْعَمَتْ نُعْمٌ عَلَيَّ بِنَظْرَةٍ ∗∗∗ فَلا أُسْعِدَتْ سُعْدى ولا أجْمَلَتْ جُمَلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أبْياتِهِ وقَدْ عابَ ذَلِكَ بَعْضُ الأجِلَّةِ وعَدَّهُ مِن سُوءِ الأدَبِ ومُخالِفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ الآيَةَ. وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الوَضْعِ في شَيْءٍ، وفَهْمُ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ مِن تِلْكَ الألْفاظِ إنَّما هو بِطْرِيقِ الإشارَةِ كَما قالُوا في فَهْمِ النَّفْسِ الأمّارَةِ مِنَ البَقَرَةِ مَثَلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ والمُنْكِرُ لا يُقْنَعُ بِهَذا، والأظْهَرُ أنْ يُقالَ: إنَّ الكَلامَ المَوْرَدَ فِيهِ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ ولا نَظَرَ فِيها إلى تَشْبِيهِ المُفْرَداتِ بِالمُفْرَداتِ، فَلَيْسَ فِيهِ التَّعْبِيرُ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ بِلَيْلى ونَحْوِها، واسْتِعْمالُ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ في شَأْنِهِ تَعالى مِمّا لا بَأْسَ بِهِ حَتّى إنَّهم قالُوهُ في البَسْمَلَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَتَبَّعَ رَسائِلَهم فِيها، هَذا ولَعَلَّ عِنْدَهم خَيْرًا مِنهُ. وقالَ جَمْعٌ: الِاسْمُ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ والمَعْنى نَزِّهْ تَسْمِيَةَ رَبِّكَ بِأنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ لَهُ سُبْحانَهُ مُعَظِّمٌ ولِذِكْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ مُحْتَرِمٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا يَنْدَرِجُ في تَسْبِيحِ الِاسْمِ كَما تَقَدَّمَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّ المَعْنى: صَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، حَكاهُ في البَحْرِ ولا أظُنُّ صِحَّتَهُ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ الِاسْمُ الأثَرُ؛ أيْ: سَبِّحْ آثارَ رَبِّكَ الأعْلى عَنِ النُّقْصانِ؛ فَإنَّ أثَرَهُ تَعالى دالٌّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كالِاسْمِ فَيَكُونُ مَنعًا عَنْ عَيْبِ المَخْلُوقاتِ؛ أيْ: مِن حَيْثُ إنَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى عَلى وجْهٍ يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وإنْ كانَ فِيما بَعْدُ مِنَ الصِّفاتِ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ لَهُ، وأنا أقُولُ إنْ كانَ «سَبِّحْ» بِمَعْنى نَزِّهْ فَكِلا الأمْرَيْنِ مِن كَوْنِ اسْمٍ مُقْحِمًا وكَوْنِهِ غَيْرَ مُقْحَمٍ وتُعَلِّقِ التَّسْبِيحِ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَمِعْتَ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ بَعِيدٍ، وإذا كانَ مَعْناهُ: قُلْ: سُبْحانَ كَما هو المَعْرُوفُ فِيما بَيْنَهم فَكَوْنُهُ مُقْحَمًا مُتَعَيِّنٌ؛ إذْ لَمْ يُسْمَعُ سَلَفًا وخَلَفًا مَن يَقُولُ: سُبْحانَ اسْمَ رَبِّي الأعْلى أوْ سُبْحانَ اسْمَ اللَّهِ، والأخْبارُ ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ وحُمِلَ ما فِيها عَلى اخْتِيارِ الأخْصَرِ المُسْتَلْزِمِ لِغَيْرِهِ كَما تَرى ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَما في خَبَرِ سَعِيدِ بْنِ مَنصُورٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ والحاكِمِ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: «سُبْحانَ رَبِّي الأعْلى». وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ الِاسْمَ عَيْنُ المُسَمّى واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها فَهو مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ أصْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ أوَّلَ الكِتابِ فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ. والأعْلى صِفَةٌ لِلرَّبِّ وأُرِيدَ بِالعُلُوِّ القَهْرُ والِاقْتِدارُ لا بِالمَكانِ لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، والسَّلَفُ وإنْ لَمْ يُؤَوِّلُوهُ بِذَلِكَ لَكِنَّهم أيْضًا يَقُولُونَ بِاسْتِحالَةِ العُلُوِّ المَكانِيِّ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وجُوِّزَ جَعْلُهُ صِفَةً لِاسْمٍ، وعُلُوُّهُ تَرَفُّعُهُ عَنْ أنْ يُشارِكَهُ اسْمٌ في حَقِيقَةِ مَعْناهُ.

الأعلى 87:2

واسْتُشْكِلَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ إلَخْ إنْ كانَ صِفَةً لِلرَّبِّ كَما هو الظّاهِرُ لَزِمَ الفَصْلُ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِصِفَةِ غَيْرِهِ وهو لا يَجُوزُ فَلا يُقالُ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ العاقِلَ الحَسَنَةِ، وإنْ كانَ صِفَةً لِاسْمٍ أيْضًا اخْتَلَّ المَعْنى؛ إذِ الِاسْمُ لا يَتَّصِفُ بِالخَلْقِ وما بَعْدَهُ. صفحة 104 وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ الثّانِي ولا اخْتِلالَ، إمّا لِأنَّ الِاسْمَ بِمَعْنى المُسَمّى، أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُقْحَمًا كانَ ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ بِمَنزِلَةِ رَبِّكَ، فَصَحَّ وصْفُهُ بِما يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ وفِيهِ نَظَرٌ، والجَوابُ المَقْبُولُ أنَّ ﴿الَّذِي﴾ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إمّا مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، ومَفْعُولُ ﴿خَلَقَ﴾ مَحْذُوفٌ؛ ولِذا قِيلَ بِالعُمُومِ؛ أيِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ. ﴿فَسَوّى﴾ أيْ: فَجَعَلَهُ مُتَساوِيًا وهو أصْلُ مَعْناهُ، والمُرادُ فَجَعَلَ خَلْقَهُ كَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وفي مَعْناهُ ما قِيلَ؛ أيْ: فَجَعَلَ الأشْياءَ سَواءً في بابِ الأحْكامِ والإتْقانِ لا أنَّهُ سُبْحانَهُ أتْقَنَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، ورُدَّ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ العُمُومِ عَلى المُعْتَزِلَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ العَبْدَ خالِقٌ لِأفْعالِهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ مَعَ أنَّ مَذْهَبَهُ مَذْهَبُهم قالَ هُنا بِالعُمُومِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يُرِدِ العُمُومَ الحَقِيقِيَّ أوْ أرادَهُ لَكِنْ عَلى مَعْنى: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ إمّا بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ في أفْعالِ العِبادِ بِأقْدارِهِ سُبْحانَهُ وتَمْكِينِهِمْ عَلى خَلْقِها بِاخْتِيارِهِمْ وقُدَرِهِمُ المَوْهُوبَةِ لَهُمْ، وعَنِ الكَلْبِيِّ: خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ ﴿فَسَوّى﴾ بَيْنَ يَدَيْهِ وعَيْنَيْهِ ورِجْلَيْهِ. وعَنِ الزَّجّاجِ خَلَقَ الإنْسانَ فَعَدَلَ قامَتَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مَنكُوسًا كالبَهائِمِ، وفي كُلٍّ تَخْصِيصٌ لا يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحَذْفِ.

الأعلى 87:3

﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ أيْ: جَعَلَ الأشْياءَ عَلى مَقادِيرَ مَخْصُوصَةٍ في أجْناسِها وأنْواعِها وأفْرادِها وصِفاتِها وأفْعالِها وآجالِها. ﴿فَهَدى﴾ فَوَجَّهَ كُلَّ واحِدٍ مِنها إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ ويَنْبَغِي لَهُ طَبْعًا أوِ اخْتِيارًا، ويَسَّرَهُ لِما خُلِقَ لَهُ بِخَلْقِ المُيُولِ والإلْهاماتِ ونَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الآياتِ، فَلَوْ تَتَبَّعْتَ أحْوالَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ لَرَأيْتَ في كُلٍّ مِنها ما تَحارُ فِيهِ العُقُولُ وتَضِيقُ عَنْهُ دَفاتِرُ النُّقُولِ. وأمّا فُنُونُ هِداياتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْإنْسانِ عَلى الخُصُوصِ فَفَوْقَ ذَلِكَ بِمَراحِلَ وأبْعَدُ مِنهُ ثُمَّ أبْعَدُ وأبْعَدُ بِأُلُوفٍ مِنَ المَنازِلِ وهَيْهاتَ أنْ يُحِيطَ بِها فَلَكُ العِبارَةِ والتَّحْرِيرِ، ولا يَكادُ يَعْلَمُها إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ: أتَزْعُمُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ وفِيكَ انْطَوى العالِمُ الأكْبَرُ وقِيلَ: أيْ والَّذِي قَدَّرَ الخَلْقَ عَلى ما خَلَقَهم فِيهِ مِنَ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ، وأجْرى لَهم أسْبابَ مَعاشِهِمْ مِنَ الأرْزاقِ والأقْواتِ، ثُمَّ هَداهم إلى دِينِهِ ومَعْرِفَةِ تَوْحِيدِهِ بِإظْهارِ الدَّلالاتِ والبَيِّناتِ. وقِيلَ: قَدَّرَ أقْواتَهم وهَداهم لِطَلَبِها. وعَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ: قَدَّرَهم ذُكْرانًا وإناثًا وهَدى الذَّكَرَ كَيْفَ يَأْتِي الأُنْثى، وعَنْ مُجاهِدٍ: قَدَّرَ الإنْسانَ والبَهائِمَ وهَدى الإنْسانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ والبَهائِمَ لِلْمَراتِعِ، وعَنِ السُّدِّيِّ: قَدَّرَ الوَلَدَ في البَطْنِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ، وهَداهُ لِلْخُرُوجِ مِنهُ لِلتَّمامِ. وقِيلَ: قَدَّرَ المَنافِعَ في الأشْياءِ وهَدى الإنْسانَ لِاسْتِخْراجِها، والأوْلى ما ذُكِرَ أوَّلًا، ولَعَلَّ ما في سائِرِ الأقْوالِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لا التَّخْصِيصِ. وزَعَمَ (الفَرّاءُ) أنَّ في الآيَةِ اكْتِفاءً والأصْلُ: فَهَدى وأضَلَّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ: «قَدَرَ» بِالتَّخْفِيفِ مِنَ القُدْرَةِ أوِ التَّقْدِيرِ.

الأعلى 87:4

﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ ما تَرْعاهُ الدَّوابُّ غَضًّا رَطْبًا يَرِفُّ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ هو ما ما يَقْذِفُ بِهِ السَّيْلُ عَلى جانِبِ الوادِي مِنَ الحَشِيشِ والنَّباتِ، وأصْلُهُ عَلى ما في المَجْمَعِ: الأخْلاطُ مِن أجْناسٍ شَتّى، والعَرَبُ تُسَمِّي القَوْمَ إذا اجْتَمَعُوا مِن قَبائِلَ شَتّى أخِلاطًا وغُثاءً، ويُقالُ: غُثّاءٌ بِالتَّشْدِيدِ وجاءَ جَمْعُهُ عَلى أغْثاءَ، وهو غَرِيبٌ مِن حَيْثُ جَمْعُ فُعالٍ عَلى أفْعالٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا اليابِسُ مِنَ النَّباتِ؛ أيْ: فَجَعَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ يابِسًا ﴿أحْوى﴾ مِنَ الحُوَّةِ وهي كَما قِيلَ: السَّوادُ. وقالَ الأعْلَمُ: لَوْنٌ يَضْرِبُ إلى السَّوادِ، وفي الصِّحاحِ: «الحُوَّةُ» السُّمْرَةُ، فالمُرادُ بِأحْوى أسْوَدُ أوْ أسْمَرُ والنَّباتُ إذا يَبِسَ اسْوَدَّ أوِ اسْمَرَّ فَهو صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْغُثاءِ وتُفَسَّرُ الحُوَّةُ بِشِدَّةِ الخُضْرَةِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ وفي اللِّثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ ولا يُنافِي ذَلِكَ تَفْسِيرُها بِالسَّوادِ؛ لِأنَّ شِدَّةَ الخُضْرَةِ تُرى في بادِئِ النَّظَرِ كالسَّوادِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ المَرْعى؛ أيْ: أخْرَجَ المَرْعى حالَ كَوْنِهِ طَرِيًّا غَضًّا شَدِيدَ الخُضْرَةِ فَجَعَلَهُ غُثاءً، والفَصْلُ بِالمَعْطُوفِ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها لَيْسَ فَصْلًا بِأجْنَبِيٍّ لا سِيَّما وهو حالٌ يُعاقِبُ الأوَّلَ مِن غَيْرِ تَراخٍ. وسِرُّ التَّقْدِيمِ المُبالَغَةُ في اسْتِعْقابِ حالَةِ الجَفافِ حالَةَ الرَّفِيفِ صفحة 105 والغَضارَةِ كَأنَّهُ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ رَفِيقُهُ وغَضارَتُهُ يَصِيرُ غُثاءً ومَعَ هَذا هو خِلافُ الظّاهِرِ، وهَذِهِ الأوْصافُ عَلى ما قِيلَ: يَتَضَمَّنُ كُلٌّ مِنها التَّدْرِيجَ؛ فَفي الوَصْفِ بِها تَحْقِيقٌ لِمَعْنى التَّرْبِيَةِ وهي تَبْلِيغُ الشَّيْءِ كَمالَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا.

الأعلى 87:5

﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ ما تَرْعاهُ الدَّوابُّ غَضًّا رَطْبًا يَرِفُّ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ هو ما ما يَقْذِفُ بِهِ السَّيْلُ عَلى جانِبِ الوادِي مِنَ الحَشِيشِ والنَّباتِ، وأصْلُهُ عَلى ما في المَجْمَعِ: الأخْلاطُ مِن أجْناسٍ شَتّى، والعَرَبُ تُسَمِّي القَوْمَ إذا اجْتَمَعُوا مِن قَبائِلَ شَتّى أخِلاطًا وغُثاءً، ويُقالُ: غُثّاءٌ بِالتَّشْدِيدِ وجاءَ جَمْعُهُ عَلى أغْثاءَ، وهو غَرِيبٌ مِن حَيْثُ جَمْعُ فُعالٍ عَلى أفْعالٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا اليابِسُ مِنَ النَّباتِ؛ أيْ: فَجَعَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ يابِسًا ﴿أحْوى﴾ مِنَ الحُوَّةِ وهي كَما قِيلَ: السَّوادُ. وقالَ الأعْلَمُ: لَوْنٌ يَضْرِبُ إلى السَّوادِ، وفي الصِّحاحِ: «الحُوَّةُ» السُّمْرَةُ، فالمُرادُ بِأحْوى أسْوَدُ أوْ أسْمَرُ والنَّباتُ إذا يَبِسَ اسْوَدَّ أوِ اسْمَرَّ فَهو صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْغُثاءِ وتُفَسَّرُ الحُوَّةُ بِشِدَّةِ الخُضْرَةِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ وفي اللِّثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ ولا يُنافِي ذَلِكَ تَفْسِيرُها بِالسَّوادِ؛ لِأنَّ شِدَّةَ الخُضْرَةِ تُرى في بادِئِ النَّظَرِ كالسَّوادِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ المَرْعى؛ أيْ: أخْرَجَ المَرْعى حالَ كَوْنِهِ طَرِيًّا غَضًّا شَدِيدَ الخُضْرَةِ فَجَعَلَهُ غُثاءً، والفَصْلُ بِالمَعْطُوفِ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها لَيْسَ فَصْلًا بِأجْنَبِيٍّ لا سِيَّما وهو حالٌ يُعاقِبُ الأوَّلَ مِن غَيْرِ تَراخٍ. وسِرُّ التَّقْدِيمِ المُبالَغَةُ في اسْتِعْقابِ حالَةِ الجَفافِ حالَةَ الرَّفِيفِ صفحة 105 والغَضارَةِ كَأنَّهُ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ رَفِيقُهُ وغَضارَتُهُ يَصِيرُ غُثاءً ومَعَ هَذا هو خِلافُ الظّاهِرِ، وهَذِهِ الأوْصافُ عَلى ما قِيلَ: يَتَضَمَّنُ كُلٌّ مِنها التَّدْرِيجَ؛ فَفي الوَصْفِ بِها تَحْقِيقٌ لِمَعْنى التَّرْبِيَةِ وهي تَبْلِيغُ الشَّيْءِ كَمالَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا.

الأعلى 87:6

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ بَيانٌ لِهِدايَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ الخاصَّةِ بِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إثْرَ بَيانِ هِدايَتِهِ عَزَّ وجَلَّ العامَّةِ لِكافَّةِ مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ وهي هِدايَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ وحِفْظِ القُرْآنِ الَّذِي هو هُدًى لِلْعالَمِينَ وتَوْفِيقِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِهِدايَةِ النّاسِ أجْمَعِينَ. والسِّينُ إمّا لِلتَّأْكِيدِ وإمّا لِأنَّ المُرادَ إقْراءُ ما أُوحِيَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَئِذٍ وما سَيُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدُ؛ فَهو وعْدٌ كَرِيمٌ بِاسْتِمْرارِ الوَحْيِ في ضِمْنِ الوَعْدِ بِالإقْراءِ وإسْنادُ الإقْراءِ إلَيْهِ تَعالى مَجازِيٌّ؛ أيْ: سَنُقْرِئُكَ ما نُوحِي إلَيْكَ الآنَ وفِيما بَعْدُ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ الواسِطَةُ في الوَحْيِ عَلى سائِرِ كَيْفِيّاتِهِ فَلا تَنْسى أصْلًا مِن قُوَّةِ الحِفْظِ والإتْقانِ مَعَ أنَّكَ أُمِّيٌّ لَمْ تَكُنْ تَدْرِي ما الكِتابُ وما القِراءَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ لَكَ آيَةً مَعَ ما في تَضاعِيفِ ما تَقْرَؤُهُ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ مِن حَيْثُ الإعْجازُ ومِن حَيْثُ الإخْبارُ بِالمُغَيَّباتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِإلْهامِ القِراءَةِ؛ أيْ في الكِتابِ مِن دُونِ تَعْلِيمِ أحَدٍ كَما هو العادَةُ. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقْرَأُ الكِتابَةَ ولا يَكْتُبُ. ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَنْسى﴾ نَفْيَ النِّسْيانِ مُطْلَقًا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وامْتِنانًا عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّهُ أُوتِيَ قُوَّةَ الحِفْظِ، وفِيهِ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ المَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ في الآيَةِ تَأْباهُ فاءُ التَّفْرِيعِ. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ نِسْيانِ المَضْمُونِ أيْ: سَنُقْرِئُكَ القُرْآنَ فَلا تَغْفُلْ عَنْهُ فَتُخالِفُهُ في أعْمالِكَ، فَفِيهِ وعْدٌ بِتَوْفِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِالتِزامِ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ وهو كَما تَرى. وقِيلَ: فَلا تَنْسى نَهْيٌ، والألِفُ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ وفِيهِ أنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ بِالِاخْتِيارِ فَلا يُنْهى عَنْهُ إلّا أنْ يُرادَ مَجازًا تَرْكُ أسْبابِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ أوْ تَرْكُ العَمَلِ بِما تَضَمَّنَهُ المَقْرُوءُ، وفِيهِ ارْتِكابُ تَكَلُّفٍ مِن غَيْرِ داعٍ، وأيْضًا رَسْمُهُ بِالياءِ يَقْتَضِي أنَّها مِنَ البِنْيَةِ لا لِلْإطْلاقِ، وكَوْنُ رَسْمِ المُصْحَفِ مُخالِفًا تَكَلُّفٌ أيْضًا. نَعَمْ قِيلَ: رُسِمَتْ ألِفُ الإطْلاقِ ياءً لِمُوافَقَةِ غَيْرِها مِنَ الفَواصِلِ ومُوافَقَةِ أصْلِها مَعَ أنَّ الإمامَ المَرْزُوقِيَّ صَرَّحَ بِأنَّهُ عِنْدَ الإطْلاقِ تُرَدُّ المَحْذُوفَةُ، وقِيلَ: هو نَهْيٌ لَكِنْ لَمْ تُحْذَفِ الألِفُ فِيهِ إذْ قَدْ لا يَحْذِفُ الجازِمُ حَرْفَ العِلَّةِ وحَسَّنَ ذَلِكَ هُنا مُراعاةُ الفاصِلَةِ، وفِيهِ أيْضًا ما فِيهِ، والأهْوَنُ لِلطّالِبِ مَعْنى النَّهْيِ أنْ يَقُولَ: هو خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ النَّهْيُ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ السّابِقَيْنِ آنِفًا.

الأعلى 87:7

﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ؛ أيْ: لا تَنْسى أصْلًا مِمّا سَنُقْرِئُكَهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ، قِيلَ: أيْ أبَدًا. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: وهَذا مِمّا قَضى اللَّهُ تَعالى نَسْخَهُ وأنْ يَرْتَفِعَ حُكْمُهُ وتِلاوَتُهُ، والظّاهِرُ أنَّ النِّسْيانَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وفي الكَشّافِ أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ فَذَهَبَ بِهِ عَنْ حِفْظِكَ بِرَفْعِ حُكْمِهِ وتِلاوَتِهِ وجَعْلِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ بِمَعْنى رَفْعِ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ وكِنايَةً عَنْهُ لِأنَّ ما رُفِعَ حُكْمُهُ وتِلاوَتُهُ يُتْرَكُ فَيُنْسى؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِناءً عَلى إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ في الكِناياتِ سَنُقْرِئُكَ القُرْآنَ فَلا تَنْسى شَيْئًا مِنهُ ولا يُرْفَعُ حُكْمُهُ وتِلاوَتُهُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ فَتَنْساهُ ويُرْفَعُ حُكْمُهُ وتِلاوَتُهُ أوْ نَحْوَ هَذا، وأنا لا أرى ضَرُورَةً إلى اعْتِبارِ ذَلِكَ. والباءُ في بِرَفْعٍ إلَخْ لِلسَّبَبِيَّةِ والمُرادُ إمّا بَيانُ السَّبَبِ العادِيِّ البَعِيدِ لِذَهابِ اللَّهِ تَعالى بِهِ عَنِ الحِفْظِ فَإنَّ رَفْعَ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ يُؤَدِّي عادَةً في الغالِبِ إلى تَرْكِ التِّلاوَةِ لِعَدَمِ التَّعَبُّدِ بِها وإلى عَدَمِ إخْطارِهِ في البالِ لِعَدَمِ بَقاءِ حُكْمِهِ وهو يُؤَدِّي عادَةً في الغالِبِ أيْضًا إلى النِّسْيانِ أوْ بَيانِ السَّبَبِ الدّافِعِ لِاسْتِبْعادِ الذَّهابِ بِهِ عَنْ حِفْظِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كالسَّبَبِ المُجَوِّزِ لِذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِ مَعْنى ﴿فَلا تَنْسى﴾ فَلا تَتْرُكُ تِلاوَةَ شَيْءٍ مِنهُ والعَمَلَ بِهِ فَتَأمَّلْ. ثُمَّ إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى نِسْيانَهُ مِمّا قَضى سُبْحانَهُ أنْ يَرْتَفِعَ صفحة 106 حُكْمُهُ وتِلاوَتُهُ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما ارْتَفَعَ حُكْمُهُ وتِلاوَتُهُ قَدْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نِسْيانَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ؛ فَإنَّ مِن ذَلِكَ ما يَحْفَظُهُ العُلَماءُ إلى اليَوْمِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «كانَ فِيما أُنْزِلَ: عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُوماتٍ»» الحَدِيثَ. وكَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَسِيَ الجَمِيعَ بَعْدَ تَبْلِيغِهِ وبَقِيَ ما بَقِيَ عِنْدَ بَعْضِ مَن سَمِعَهُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنُقِلَ حَتّى وصَلَ إلَيْنا بِعِيدٌ، وإنْ أمْكَنَ عَقْلًا، وقِيلَ: كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْجَلُ بِالقِراءَةِ إذا لَقَّنَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقِيلَ: لا تَعْجَلْ؛ فَإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورٌ أنْ يَقْرَأهُ عَلَيْكَ قِراءَةً مُكَرَّرَةً إلى أنْ تَحْفَظَهُ ثُمَّ لا تَنْساهُ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ تَعالى، ثُمَّ تَذْكُرُهُ بَعْدَ النِّسْيانِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الذِّكْرَ بَعْدَ النِّسْيانِ وإنْ كانَ واجِبًا «إلّا» أنَّ العِلْمَ بِهِ لا يُسْتَفادُ مِن هَذا المَقامِ. وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ بِمَعْنى القِلَّةِ وهَذا جارٍ في العُرْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: «إلّا» ما لا يُعْلَمُ لِأنَّ المَشِيئَةَ مَجْهُولَةٌ، وهو لا مَحالَةَ أقَلُّ مِنَ الباقِي بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَنْسى شَيْئًا «إلّا» شَيْئًا قَلِيلًا. وقَدْ جاءَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أسْقَطَ آيَةً في قِراءَتِهِ في الصَّلاةِ وكانَتْ صَلاةَ الفَجْرِ، فَحَسِبَ أُبَيٌّ أنَّها نُسِخَتْ فَسَألَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: نَسِيتُها» ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُقَرُّ عَلى نِسْيانِهِ القَلِيلَ أيْضًا، بَلْ يُذَكِّرُهُ اللَّهُ تَعالى أوْ يُيَسِّرُ مَن يُذَكِّرُهُ. فَفِي البَحْرِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بَشِيرٍ: «لَقَدْ ذَكَّرَنِي كَذا وكَذا آيَةً في سُورَةِ كَذا وكَذا»». وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى القِلَّةِ وأُرِيدَ بِها النَّفْيُ مَجازًا كَما في قَوْلِهِمْ: قُلْ مَن يَقُولُ كَذا قِيلَ: والكَلامُ عَلَيْهِ بابَ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم... البَيْتَ. والمَعْنى: فَلا تَنْسى إلّا نِسْيانًا مَعْدُومًا. وفي الحَواشِي العِصامِيَّةِ عَلى أنْوارِ التَّنْزِيلِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ عَلى هَذا الوَجْهِ لِتَأْكِيدِ عُمُومِ النَّفْيِ لا لِنَقْضِ عُمُومِهِ. وقَدْ يُقالُ: الِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ فَلا تَنْسى في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى نِسْيانَكَ، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَشاءُ وهَذا كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى في أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ وإلى هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يَنْسى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ أنْ يُصَيِّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ناسِيًا لِذَلِكَ لَقَدَرَ عَلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ وقالَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُشْرِكِ البَتَّةَ، وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنْ يُعَرِّفَ اللَّهُ تَعالى قُدْرَتَهُ حَتّى يَعْلَمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِهِ تَعالى وإحْسانِهِ لا مِن قُوَّتِهِ، أيْ حَتّى يَتَقَوّى ذَلِكَ جِدًّا أوْ لِيَعْرِفَ غَيْرُهُ ذَلِكَ، وكَأنَّ نَفْيَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى نِسْيانَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْلُومٌ مِن خارِجٍ ومِنهُ آيَةُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ الآيَةَ... وقَدْ أشارَ أبُو حَيّانَ إلى ما قالَهُ الفَرّاءُ وإلى الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ وأباهُما غايَةَ الإباءِ؛ لِعَدَمِ الوُقُوفِ عَلى حَقِيقَتِهِما وقالَ: لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ولا في كَلامٍ فَصِيحٍ وهو مُجازَفَةٌ مِنهُ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ نِسْيانِ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ نَفْيُ النِّسْيانِ التّامِّ المُسْتَمِرِّ مِمّا لا يُقَرُّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالَّذِي تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ السّابِقُ لَيْسَ كَذَلِكَ. وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُقَرُّ عَلى النِّسْيانِ فِيما كانَ مِن أُصُولِ الشَّرائِعِ والواجِباتِ وقَدْ يُقَرُّ عَلى ما لَيْسَ مِنها أوْ مِنها وهو مِنَ الآدابِ والسُّنَنِ، ونُقِلَ هَذا عَنِ الإمامِ الرّازِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَلْيُحْفَظْ. والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإيذانِ بِدَوَرانِ المَشِيئَةِ عَلى عُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِسائِرِ الصِّفاتِ، ورَبْطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو الَّذِي اخْتارَهُ في الإرْشادِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّسْبِيحِ وكانَ لا يَتِمُّ إلّا بِقِراءَةِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَفَكَّرُ في نَفْسِهِ مَخافَةَ أنْ يَنْسى أزالَ سُبْحانَهُ عَنْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يُقْرِئُهُ وأنَّهُ لا يَنْسى إلّا صفحة 107 ما شاءَ أنْ يُنْسِيَهُ لِمَصْلَحَةٍ، وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى. ولَوْ قِيلَ: إنَّ: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلتَّسْبِيحِ أوْ لِلْأمْرِ بِهِ فَيُفِيدُ جَلالَةَ الإقْراءِ وأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُقابَلَ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وإجْلالِهِ كانَ أهْوَنَ مِمّا ذُكِرَ ونَحْوَهُ كَوْنُهُ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ عَلى مَعْنى هَيِّئْ نَفْسَكَ لِلْإفاضَةِ عَلَيْكَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ تَعالى: لِأنّا: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ . ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإشارَةَ إلى فَضْلِ التَّسْبِيحِ وقَدْ ورَدَتْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في ذَلِكَ وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ بَعْضًا مِنها، ونَقَلَهُ ابْنُ الشَّيْخِ في حَواشِيهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ و«الجَهْرُ» هُنا ما ظَهَرَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا أوْ غَيْرُهُما ولَيْسَ خاصًّا بِالأقْوالِ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ أيْ: إنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما ظَهَرَ وما بَطَنَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُكَ وحِرْصُكَ عَلى حِفْظِ ما يُوحى إلَيْكَ بِأسْرِهِ فَيُقْرِئُكَ ما يُقْرِئُكَ ويَحْفَظُكَ عَنْ نِسْيانِ ما شاءَ مِنهُ ويُنْسِيكَ ما شاءَ مِنهُ مُراعاةً لِما نِيطَ بِكُلٍّ مِنَ المَصالِحِ والحِكَمِ التَّشْرِيعِيَّةِ، وقِيلَ: تَوْكِيدٌ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَهُ وتَوْكِيدٌ لِما بَعْدَهُ، وقِيلَ: تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ إلَخْ. عَلى أنَّ الجَهْرَ ما ظَهَرَ مِنَ الأقْوالِ؛ أيْ: يَعْلَمُ سُبْحانَهُ جَهْرَكَ بِالقِراءَةِ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما دَعاكَ إلَيْهِ مِن مَخافَةِ النِّسْيانِ فَيَعْلَمُ ما فِيهِ الصَّلاحُ مِن إبْقاءٍ وإنْساءٍ أوْ فَلا تَخَفْ؛ فَإنِّي أكْفِيكَ ما تَخافُ. وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما تَرى.

الأعلى 87:8

﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِالتِفاتُ إلى الحِكايَةِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وارِدٌ لِما سَمِعْتَ، وتَعْلِيقُ التَّيْسِيرِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ أنَّ الشّائِعَ تَعْلِيقُهُ بِالأُمُورِ المُسَخَّرَةِ لِلْفاعِلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ تَمْكِينِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اليُسْرى والتَّصَرُّفِ فِيها بِحَيْثُ صارَ ذَلِكَ مَلَكَةً راسِخَةً لَهُ كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جُبِلَ عَلَيْها؛ أيْ: نُوَفِّقُكَ تَوْفِيقًا مُسْتَمِرًّا لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ الدِّينِ عِلْمًا وتَعْلِيمًا واهْتِداءً وهِدايَةً فَيَنْدَرِجُ فِيهِ تَيْسِيرُ تَلَقِّي طَرِيقَيِ الوَحْيِ والإحاطَةُ بِما فِيهِ مِن أحْكامِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ والنَّوامِيسِ الإلَهِيَّةِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِتَكْمِيلِ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَكْمِيلِ غَيْرِهِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ فِيما بَعْدُ كَذا في الإرْشادِ. وقِيلَ: المُرادُ بِاليُسْرى الطَّرِيقَةُ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: هي الشَّرِيعَةُ الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ، وقِيلَ: الأُمُورُ الحَسَنَةُ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ وضُمَّ إلَيْها بَعْضُ أمْرِ الدِّينِ وهو مَعَ هَذا الضَّمِّ تَعْمِيمٌ حَسَنٌ وظاهِرٌ عَلَيْهِ أيْضًا أمْرُ.

الأعلى 87:9

الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ أيْ فَذَكِّرِ النّاسَ حَسْبَما يَسَّرْناكَ بِما يُوحى إلَيْكَ واهْدِهِمْ إلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ كَما كُنْتَ تَفْعَلُهُ. وقِيلَ: أيْ. فَذَكِّرْ بَعْدَ ما اسْتَتَبَّ أيِ اسْتَقامَ وتَهَيَّأ لَكَ الأمْرُ، فَإنْ أرادَ فَدُمْ عَلى التَّذْكِيرِ بَعْدَ ما اسْتَقامَ لَكَ الأمْرُ مِن إقْرائِكَ الوَحْيَ وتَعْلِيمِكَ القُرْآنَ بِحَيْثُ لا تَنْسى مِنهُ إلّا ما اقْتَضَتِ المَصْلَحَةُ نِسْيانَهُ وتَيْسِيرِكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ الدِّينِ فَذاكَ وإلّا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وتَقْيِيدُ التَّذْكِيرِ بِنَفْعِ الذِّكْرى لِما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ قَدْ ذَكَّرَ وبالَغَ فِيهِ فَلَمْ يَدَعْ في القَوْسِ مَنزَعًا وسَلَكَ فِيهِ كُلَّ طَرِيقٍ فَلَمْ يَتْرُكْ مَضِيفًا ولا مَهِيعًا حِرْصًا عَلى الإيمانِ وتَوْحِيدِ المَلِكِ الدَّيّانِ، وما كانَ يَزِيدُ ذَلِكَ بَعْضَ النّاسِ إلّا كُفْرًا وعِنادًا وتَمَرُّدًا وفَسادًا، فَأمَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ حَيْثُ كادَ الحِرْصُ عَلى إيمانِهِمْ يُوَجِّهُ سِهامَ التَّلَفِ إلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ بِأنْ يَخُصَّ التَّذْكِيرَ بِمَوادِّ النَّفْعِ في الجُمْلَةِ بِأنْ يَكُونَ مَن يَذْكُرُهُ كُلًّا أوْ بَعْضًا مِمَّنْ يُرْجى مِنهُ التَّذَكُّرُ ولا يُتْعِبُ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ في تَذْكِيرِ مَن لا يُورِثُهُ التَّذْكِيرُ إلّا عُتُوًّا ونُفُورًا وفَسادًا وغُرُورًا مِنَ المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ وعَلَّمَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ، فَهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ التَّبْلِيغِ وإلْزامِ الحُجَّةِ صفحة 108 لا يَجِبُ عَلَيْهِ تَكْرِيرُ التَّذْكِيرِ عَلى مَن عَلِمَ أنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلى قَلْبِهِ، فالشَّرْطُ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وإنَّما هو اسْتِبْعادُ النَّفْعِ بِالنِّسْبَةِ إلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ نَعْيًا عَلَيْهِمْ بِالتَّصْمِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ لِتُؤْجَرَ وإنْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورَجُّحَ الأوَّلُ بِأنَّ فِيهِ إبْقاءَ الشَّرْطِ عَلى حَقِيقَتِهِ مَعَ كَوْنِهِ أنْسَبَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

الأعلى 87:10

﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ: سَيَذَّكَّرُ بِتَذْكِيرِكَ مَن مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْشى اللَّهَ تَعالى حَقَّ خَشِيتِهِ أوْ مَن يَخْشى اللَّهَ تَعالى في الجُمْلَةِ فَيَزْدادُ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ فَيَتَفَكَّرُ في أمْرِ ما تُذَكِّرُهُ بِهِ فَيَقِفُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَيُؤْمِنُ بِهِ وقِيلَ: إنَّ «إنْ» بِمَعْنى «إذْ» كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُخْبِرْهم بِكَوْنِهِمُ الأعْلَوْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، «وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في زِيارَةِ أهْلِ القُبُورِ: «وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بِكم لاحِقُونَ»». وأثْبَتَ هَذا المَعْنى لَها الكُوفِيُّونَ احْتِجاجًا بِما ذُكِرَ ونَظائِرِهِ، وأجابَ النّافُونَ عَنْ ذَلِكَ بِما في المُغْنِي وغَيْرِهِ وقِيلَ: هي بِمَعْنى قَدْ، وقَدْ قالَ بِهَذا المَعْنى قُطْرُبٌ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: المُرادُ أنَّ التَّذْكِيرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِما يَكُونُ مُهِمًّا لِمَن لَهُ التَّذْكِيرُ فَيَنْبَغِي تَذْكِيرُ الكافِرِينَ بِالإيمانِ لا بِالفُرُوعِ كالصَّلاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ إذْ لا تَنْفَعُهُ بِدُونِ الإيمانِ، وتَذْكِيرُ المُؤْمِنِ التّارِكِ لِلصَّلاةِ بِها دُونَ الإيمانِ مَثَلًا وهَكَذا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ذَكِّرْ كُلَّ واحِدٍ بِما يَنْفَعُهُ ويَلِيقُ بِهِ. وقالَ (الفَرّاءُ) والنَّحّاسُ والجُرْجانِيُّ والزَّهْراوِيُّ: الكَلامُ عَلى الِاكْتِفاءِ والأصْلُ: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ والظّاهِرُ أنَّ الَّذِينَ لا يَقُولُونَ بِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ سَواءٌ كانَ مَفْهُومُ الشَّرْطِ أوْ غَيْرِهِ لا يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ أمْرُ هَذِهِ الآيَةِ كَما لا يَخْفى.

الأعلى 87:11

﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيْ: ويَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ويَتَحاماها ﴿الأشْقى﴾ وهو الكافِرُ المُصِرُّ عَلى إنْكارِ المَعادِ ونَحْوِهِ الجازِمِ بِنَفْيِ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي الخَشْيَةَ بِوَجْهٍ وهو أشْقى أنْواعِ الكَفَرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ المُتَوَغِّلُ في عَداوَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِما؛ فَإنَّهُ أشْقى مِن غَيْرِ المُتَوَغِّلِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ مُطْلَقًا فَإنَّهُ أشْقى مِنَ الفاسِقِ وقِيلَ: المُفَضَّلُ عَلَيْهِ كَفَرَةُ سائِرِ الأُمَمِ فَإنَّهُ حَيْثُ كانَ المُؤْمِنُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أسْعَدَ مِن مُؤْمِنِيهِمْ كانَ الكافِرُ مِنها أشْقى مِن كافِرِيهِمْ، والأوْجَهُ عِنْدِي في المُرادِ بِالأشْقى ما تَقَدَّمَ.

الأعلى 87:12

﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ الطَّبَقَةَ السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ كَما قالَ الفَرّاءُ ولا بُعْدَ في تَفاضُلِ نارِ الآخِرَةِ وكَوْنِ بَعْضٍ مِنها أكْبَرَ مِن بَعْضٍ وأشَدَّ حَرارَةً. وقالَ الحَسَنُ ( الكُبْرى ) نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا، فَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««نارُكم هَذِهِ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ»». وفِي رِوايَةٍ لِلْإمامِ أحْمَدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا أيْضًا: ««إنَّ هَذِهِ النّارَ جُزْءٌ مِن مِائَةِ جُزْءٍ مِن جَهَنَّمَ»». فَلَعَلَّ السَّبْعِينَ وارِدٌ مَوْرِدَ التَّكْثِيرِ وهو كَثِيرٌ.

الأعلى 87:13

﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿ولا يَحْيا﴾ أيْ حَياةً تَنْفَعُهُ، وقِيلَ: إنَّ رُوحَ أحَدِهِمْ تَصِيرُ في حَلْقِهِ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُ ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجَسَدِ فَيَحْيا، وهو غَيْرُ غَنِيٍّ عَنِ التَّقْيِيدِ بِنَحْوِ حَياةٍ كامِلَةٍ عَلى أنَّهُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ؛ فَإنَّ هَذِهِ الحالَةَ أفْظَعُ وأعْظَمُ مِن نَفْسِ المُصْلى. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ النَّجاةِ لِأنَّ النَّجاةَ عَنِ العَذابِ إنَّما يَكُونُ بِالعَمَلِ في دارٍ يَمُوتُ فِيها العامِلُ ويَحْيا، والنَّظْمُ أقْرَبُ إلى هَذا المَعْنى كَيْفَ واللّائِقُ بِالمَعْنى السّابِقِ ثُمَّ لا يَكُونُ مَيِّتًا فِيها ولا حَيًّا فَتَأمَّلِ انْتَهى. وفِي كَوْنِ اللّائِقِ بِالمَعْنى السّابِقِ ما ذَكَرَهُ دُونَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ مَنعٌ ظاهِرٌ والظّاهِرُ أنَّهُ لائِقٌ بِهِ مَعَ تَضَمُّنِهِ رِعايَةَ الفَواصِلِ وكَذا في تَوْجِيهِ كَوْنِ ما ذُكِرَ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ النَّجاةِ خَفاءٌ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّأمُّلِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الكَلامِ يُقالُ لِمَن وقَعَ في شِدَّةٍ واسْتَمَرَّ فِيها فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إشارَةٌ إلى خُلُودِهِمْ في العَذابِ وأمْرُ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ عَلَيْهِ ظاهِرٌ أيْضًا لِظُهُورِ أنَّ الخُلُودَ في النّارِ الكُبْرى أفْظَعُ مِن دُخُولِها وصَلْيِها. واعْلَمْ أنَّ عَدَمَ المَوْتِ في النّارِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مَخْصُوصٍ بِالكَفَرَةِ وأمّا عُصاةُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَها صفحة 109 فَيَمُوتُونَ فِيها، واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أمّا أهْلُ النّارِ الَّذِينَ هم أهْلُها فَإنَّهم لا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، ولَكِنْ ناسٌ أصابَتْهُمُ النّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أوْ قالَ - بِخَطاياهم فَأماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى إماتَةً حَتّى إذا كانُوا فَحْمًا أذِنَ في الشَّفاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبائِرَ ضَبائِرَ فَبُثُّوا عَلى أنْهارِ الجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ أفِيضُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الماءِ فَيُنْبِتُونَ نَباتَ الحَبَّةِ في حَمِيلِ السَّيْلِ»». قالَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ يَمُوتُونَ حَقِيقَةً وتُفارِقُ أرْواحُهم أجْسادَهُمْ، وأُيِّدَ بِتَأْكِيدِ الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ في «قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «فَأماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى إماتَةً»». وأظْهَرُ مِنهُ ما أخْرَجَهُ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ حَظًّا أوْ نَصِيبًا قَوْمٌ يُخْرِجُهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النّارِ فَيَرْتاحُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى وذَلِكَ أنَّهم كانُوا لا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ تَعالى شَيْئًا فَيُنْبَذُونَ بِالعَراءِ فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ البَقْلُ، حَتّى إذا دَخَلَتِ الأرْواحُ أجْسادَهم فَيَقُولُونَ: رَبَّنا كَما أخْرَجْتَنا مِنَ النّارِ وأرْجَعْتَ الأرْواحَ إلى أجْسادِنا فاصْرِفْ وُجُوهَنا عَنِ النّارِ، فَيَصْرِفُ وُجُوهَهم عَنِ النّارِ»». وهَذِهِ الإماتَةُ عَلى ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ بَعْدَ أنْ يَذُوقُوا ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن عَذابِها بِحَسْبِ ذُنُوبِهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ وإبْقاؤُهم فِيها مَيِّتِينَ إلى أنْ يُؤْذَنَ بِالشَّفاعَةِ لِإيجابِهِ تَأْخِيرَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ تِلْكَ المُدَّةَ كانَ تَتِمَّةً لِعُقُوبَتِهِمْ بِنَوْعٍ آخَرَ فَتَكُونُ ذُنُوبُهم قَدِ اقْتَضَتْ أنْ يُعَذَّبُوا بِالنّارِ مُدَّةً ثُمَّ يُحْبَسُوا فِيها مِن غَيْرِ عَذابٍ مُدَّةً، فَهم كَمَن أذْنَبَ في الدُّنْيا فَضُرِبَ وحُبِسَ بَعْدَ الضَّرْبِ جَزاءً لِذَنْبِهِ ولَمْ يَبْقَوْا أحْياءً فِيها مِن غَيْرِ عَذابٍ كَخَزَنَتِها إمّا لِيَكُونَ أبْعَدَ عَنْ أنْ يَهُولَهم رُؤْيَتُها، أوْ لِتَكُونَ الإماتَةُ وإخْراجُ الرُّوحِ مِن تَتِمَّةِ العُقُوبَةِ أيْضًا. وقالَ القُرْطُبِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إماتَتُهم عِنْدَ إدْخالِهِمْ فِيها ويَكُونُ إدْخالُهم وصَرْفُ نَعِيمِ الجَنَّةِ عَنْهم مُدَّةَ كَوْنِهِمْ فِيها عُقُوبَةً لَهم كالحَبْسِ في السِّجْنِ بِلا غُلٍّ ولا قَيْدٍ مَثَلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا مُتَألِّمِينَ حالَةَ مَوْتِهِمْ نَحْوَ تَألُّمِ الكافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ وقَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ أخَفَّ مِن تَألُّمِهِمْ لَوْ بَقُوا أحْياءً كَما أنَّ تَألُّمَ الكافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ في قَبْرِهِ أخَفُّ مِن تَألُّمِهِ إذا أُدْخِلَ النّارَ بَعْدَ البَعْثِ وهو كَما تَرى. وفي مَطامِحِ الأفْهامِ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإماتَةِ المَذْكُورَةِ وفي الحَدِيثِ الإنامَةُ وقَدْ سَمّى اللَّهَ تَعالى النُّوَّمَ وفاةً؛ لِأنَّ فِيهِ نَوْعًا مِن عَدَمِ الحِسِّ. وفِي الحَدِيثِ المَرْفُوعِ: ««إذا أدْخَلَ اللَّهُ تَعالى المُوَحِّدِينَ النّارَ أماتَهم فِيها فَإذا أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَخْرُجُوا أمَسَّهُمُ العَذابَ تِلْكَ السّاعَةَ»». انْتَهى. والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الأعلى 87:14

﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ: نَجا مِنَ المَكْرُوهِ وظَفِرَ بِما يَرْجُوهُ ﴿مَن تَزَكّى﴾ أيْ تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ بِتَذَكُّرِهِ واتِّعاظِهِ بِالذِّكْرى، وحَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: ««مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وخَلَعَ الأنْدادَ وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ»». واعْتَبَرَ بَعْضُهم أمْرَيْنِ فَقالَ: أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ وعَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما تَقَدَّمَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى الأهَمِّ، وقِيلَ: تَزَكّى أيْ تَكَثَّرَ مِنَ التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ الزَّكاءِ وهو النَّماءُ، وقِيلَ: تَطَهَّرَ لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: آتى الزَّكاةَ ورُوِيَ هَذا عَنْ أبِي الأحْوَصِ وقَتادَةِ وجَماعَةٍ.

الأعلى 87:15

﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ بِلِسانِهِ وقَلْبِهِ لا بِلِسانِهِ مَعَ غَفْلَةِ القَلْبِ؛ إذْ مِثْلُ ذَلِكَ لا ثَوابَ فِيهِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَدْخُلَ فِيما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الفَلاحُ والذِّكْرُ القَلْبِيُّ بِاسْتِحْضارِ اسْمِهِ تَعالى في القَلْبِ وإنْ كانَ مَمْدُوحًا بِلا شُبْهَةٍ إلّا أنَّ إرادَتَهُ بِخُصُوصِهِ مِمّا ذُكِرَ خِلافُ الظّاهِرِ وحَكاهُ في مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ بَعْضٍ. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ أيْ: ذَكَرَ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ ظاهِرٌ فِيهِ وفي إقْحامِ لَفْظِ «اسْمَ» وذَهَبَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ إلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الذِّكْرِ تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وكَبِّرْ لِلِافْتِتاحِ. ﴿فَصَلّى﴾ أيِ الصَّلَواتِ الخَمْسَ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ وقِيلَ: الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَ مِنَ النَّوافِلِ، واحْتُجَّ بِذَلِكَ عَلى وُجُوبِ التَّكْبِيرَةِ حَيْثُ نِيطَ بِهِ الفَلاحُ ووَقَعَ بَيْنَ واجِبَيْنِ بَلْ فَرْضَيْنِ؛ التَّزَكِّي مِنَ الشِّرْكِ والصَّلاةِ مَعَ أنَّ الِاحْتِياطَ في العِباداتِ واجِبٌ صفحة 110 فَلا يَضُرُّ الِاحْتِمالُ وعَلى أنَّ الِافْتِتاحَ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ وهو ظاهِرٌ، وعَلى أنَّ التَّكْبِيرَةَ شَرْطٌ لا رَكْنٌ لِلْعَطْفِ بِالفاءِ، وعَطْفُ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ كَعَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ وإنْ جازَ لا يَكُونُ بِها مَعَ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ بِتَكَلُّفٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن نُكْتَةٍ لِيَدَّعِيَ وُقُوعَهُ في الكَلامِ المُعْجِزِ فَحَيْثُ لَمْ تَظْهَرْ لَمْ يَصِحَّ ادِّعاؤُهُ وبِناءُ الرُّكْنِيَّةِ عَلَيْهِ، والإنْصافُ أنَّهُ مَعَ ما سَمِعْتَ احْتِجاجٌ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، وقِيلَ: هو خُصُوصُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَبْلَ الصَّلاةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ( تَزَكّى ) أيْ: تَصَدَّقَ صَدَقَةَ الفِطْرِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ كَبَّرَ يَوْمَ العِيدِ. ﴿فَصَلّى﴾ صَلاةَ العِيدِ. وعَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ ما يَقْتَضِي ظاهِرُهُ ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الصَّلاةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى الزَّكاةِ في القُرْآنِ وأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ عِيدٌ ولا فِطْرٌ، ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ إذا ذُكِرَتْ بِاسْمِها أمّا إذا ذُكِرَتْ بِفِعْلٍ فَتَقْدِيمُها غَيْرُ مُطَّرِدٍ، ومِنهُ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخالَفَةُ العادَةِ هاهُنا لِلْإرْشادِ إلى أنَّ هَذِهِ الزَّكاةَ المُقَدَّمَةَ قَوْلًا يَنْبَغِي تَقْدِيمُها فِعْلًا عَلى الصَّلاةِ ولِهَذا كانُوا يُخْرِجُونَها قَبْلَ أنْ يُصَلُّوا العِيدَ كَما جاءَ في الآثارِ، وكَوْنُ السُّورَةِ مَكِّيَّةً غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ وعَلى القَوْلِ بِمَكِّيَّتِها الَّذِي هو الأصَحُّ يَكُونُ ذَلِكَ مِمّا تَأخَّرَ حُكْمُهُ عَنْ نُزُولِهِ. وأقُولُ: أنْ يُقالَ ( تَزَكّى ) أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ بِأنْ آمَنَ بِقَلْبِهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَصَلّى﴾ أيِ الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُؤَيِّدُهُ فَيَكُونُ «تَزَكّى» إشارَةً إلى التَّصْدِيقِ بِالجَنانِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ إلى النُّطْقِ بِاللِّسانِ ﴿فَصَلّى﴾ إلى العَمَلِ بِالأرْكانِ لِما أنَّ الصَّلاةَ عِمادُ الدِّينِ وأفْضَلُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ وناهِيَةٌ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا بِدَعَ أنْ تُذْكَرَ فَيُرادُ جَمِيعُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والعِباداتِ القَلْبِيَّةِ وقَدْ يُقالُ: اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ لِأنَّ الفَرائِضَ والواجِباتِ البَدَنِيَّةَ لَمْ تَكُنْ تامَّةً يَوْمَ نُزُولِ السُّورَةِ وكانَتِ الصَّلاةُ أهَمَّ ما نَزَلَ إنْ كانَ نَزَلَ غَيْرُها. وقَدْ رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِمَكَّةَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ثُمَّ «ن» ثُمَّ المُزَّمِّلُ ثُمَّ المُدَّثِّرُ ثُمَّ «تَبَّتْ» ثُمَّ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ثُمَّ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ ثُمَّ إنَّ مِن رَدافِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وكانَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى المَطْلُوبُ هو مَجْمُوعَ الجُمْلَتَيْنِ فَلا بُعْدَ في أنْ يُرادَ مِن ذِكْرِهِ تَعالى في الآيَةِ وإذا اعْتُبِرَ الإتْيانُ بِاسْمِهِ عَزَّ وجَلَّ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أتى بِهِ ذِكْرًا لَهُ تَعالى كانَ أمْرُ الإرادَةِ أقْرَبَ، وهَذا الوَجْهُ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ. وكَلِمَةُ ( قَدِ ) لِما أنَّهُ عِنْدَ الإخْبارِ بِسُوءِ حالِ المُتَجَنِّبِ عَنِ الذَّكَرِ في الآخِرَةِ يَتَوَقَّعُ السّامِعُ الإخْبارَ بِحُسْنِ حالِ المُتَذَكِّرِ فِيها. ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ عَنْ بَيانِ حالِ المُتَجَنِّبِ والسُّكُوتِ عَنْ حالِ المُتَذَكِّرِ الَّذِي يَخْشى فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُ مَن تَذَكَّرَ؟ فَقِيلَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ إلى آخِرِهِ. وكانَ الظّاهِرُ: قَدْ أفْلَحَ مَن تَذَكَّرَ إلّا أنَّهُ وضَعَ (مَن تَزَكّى) إلى آخِرِهِ مَوْضِعَ مَن تَذَكَّرَ إشارَةً إلى بَيانِ المُتَذَكِّرِ بِسِماتِهِ.

الأعلى 87:16

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: إثْرَ بَيانِ ما يُؤَدِّي إلى الفَلاحِ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ إلَخْ ولَعَلَّهُ مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ إضْرابٌ عَنْ ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ إلَخْ وقِيلَ: إضْرابٌ عَنْ بَيانِ حالِ المُتَذَكِّرِ والمُتَجَنِّبِ إلى بَيانِ أنَّهُ لا يَنْفَعُ هَذا البَيانُ وأضْعافُهُ المُتَمَرِّدِينَ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ بَيانَ سَبَبِ عَدَمِ النَّفْعِ وهو إيثارُ الحَياةِ الدُّنْيا، والخِطابُ عَلى هَذا لِلْكَفَرَةِ الأشْقَيْنَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وعَلى الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَهم فالمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضاءُ والِاطْمِئْنانُ بِها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها﴾ الآيَةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ النّاسِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ فالمُرادُ بِإيثارِها إنَّما هو أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ وما لا يَخْلُو عَنْهُ النّاسُ غالِبًا مِن تَرْجِيحِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ في السَّعْيِ وتَرْتِيبِ المَبادِئِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ما يَقْتَضِيهِ، والِالتِفاتُ عَلى الأوَّلِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ في حَقِّ الكَفَرَةِ ولِتَشْدِيدِ العِتابِ في صفحة 111 حَقِّ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: لا التِفاتَ؛ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرٍ قُلْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأبُو رَجاءٍ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو عَمْرٍو والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ: «يُؤْثِرُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

الأعلى 87:17

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ حالٌ مِن فاعِلِ تُؤْثِرُونَ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والعِتابِ؛ أيْ: تُؤْثِرُونَها عَلى الآخِرَةِ والحالُ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ في نَفْسِها لِما أنَّ نَعِيمَها مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ اللَّذَّةِ خالِصٌ عَنْ شائِبَةِ الغائِلَةِ أبَدِيٌّ لا انْصِرامَ لَهُ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِبَيانِ تَكَدُّرِ نَعِيمِ الدُّنْيا بِالمُنَغِّصاتِ وانْقِطاعِهِ عَمّا قَلِيلٍ لِغايَةِ الظُّهُورِ.

الأعلى 87:18

﴿إنَّ هَذا﴾ إشارَةٌ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ إلَخْ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الحَدِيثِ ما يَشْهَدُ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: إشارَةً إلى القُرْآنِ؛ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ إشارَةً إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّوَرُ جَمِيعًا وفِيهِ بُعْدٌ. ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ أيْ: ثابِتٌ فِيها مَعْناهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو بِسُكُونِ الحاءِ وكَذا فِيما بَعْدُ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ عَلى ما في اللَّوامِحِ.

الأعلى 87:19

﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الصُّحُفِ الأُولى﴾ وفي إبْهامِها ووَصْفِها بِالقِدَمِ ثُمَّ بَيانِها وتَفْسِيرِها مِن تَفْخِيمِ شَأْنِها ما لا يَخْفى، وكانَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ عَشَرَةً وكَذا صُحُفُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ بِها ما عَدا التَّوْراةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن كِتابٍ؟ قالَ: «مِائَةَ كِتابٍ وأرْبَعَةَ كُتُبٍ، أنْزَلَ عَلى شِيثَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وعَلى إدْرِيسَ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وعَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وعَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ والفُرْقانَ». قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما كانَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ؟ قالَ: «أمْثالٌ كُلُّها: أيُّها المَلِكُ المُتَسَلِّطُ عَلى المُبْتَلى المَغْرُورِ لَمْ أبْعَثْكَ لِتَجَمْعَ الدُّنْيا بَعْضَها إلى بَعْضٍ، ولَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإنِّي لا أرُدُّها ولَوْ كانَتْ مِن كافِرٍ، وعَلى العاقِلِ ما لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلى عَقْلِهِ أنْ يَكُونَ لَهُ ثَلاثُ ساعاتٍ: ساعَةٌ يُناجِي فِيها رَبَّهُ، وساعَةٌ يُحاسِبُ فِيها نَفْسَهُ ويَتَذَكَّرُ فِيما صَنَعَ، وساعَةٌ يَخْلُو فِيها لِحاجَتِهِ مِنَ الحَلالِ؛ فَإنَّ في هَذِهِ السّاعَةِ عَوْنًا لِتِلْكَ السّاعاتِ واجْتِماعًا لِلْقُلُوبِ وتَفْرِيغًا لَها، وعَلى العاقِلِ أنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمانِهِ مُقْبِلًا عَلى شَأْنِهِ حافِظًا لِلِسانِهِ فَإنَّ مَن حَسَبَ كَلامَهُ مِن عَمَلِهِ أقَلَّ الكَلامَ إلّا فِيما يَعْنِيهِ، وعَلى العاقِلِ أنْ يَكُونَ طالِبًا لِثَلاثٍ: مِرَمَّةٍ لِمَعاشٍ أوْ تَزَوُّدٍ لِمُعادٍ أوْ تَلَذُّذٍ في غَيْرِ مُحَرَّمٍ». قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما كانَتْ صُحُفُ مُوسى؟ قالَ: «كانَتْ عِبَرًا كُلُّها: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالمَوْتِ ثُمَّ يَفْرَحُ، ولِمَن أيْقَنَ بِالنّارِ ثُمَّ يَضْحَكُ، ولِمَن يَرى الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إلَيْها، ولِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ يَغْضَبُ، ولِمَن أيْقَنَ بِالحِسابِ ثُمَّ لا يَعْمَلُ». قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِمّا كانَ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى؟ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ، نَعَمْ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾»». واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الحَدِيثِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «إبْرَهَمَ» بِحَذْفِ الألِفِ والياءِ وبِالهاءِ مَفْتُوحَةً ومَكْسُورَةً وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ بِكَسْرِها لا غَيْرَ. وقَرَأ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: «إبْراهامَ» بِألْفَيْنِ في كُلِّ القُرْآنِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: «إبْراهَمَ» بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ. وجاءَ كَما قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: «إبْرَهُمَ» بِضَمِّ الهاءِ بِلا ألِفٍ ولا ياءٍ وهَذا مِن تَصَرُّفاتِ العَرَبِ في الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ؛ فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلى الصَّحِيحِ مِنها. وحَكى الكِرْمانِيُّ في عَجائِبِهِ أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ البُرْهُمَةِ وهي شَدَّةُ النَّظَرِ ونَسَبُهُ قَدْ تَقَدَّمَ وكَذا نَسَبُ مُوسى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِما وسَلَّمَ.

الغاشية 88:1

سُورَةُ الغاشِيَةِ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وعِدَّةُ آياتِها سِتٌّ وعِشْرُونَ كَذَلِكَ. وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ صفحة 112 وابْنُ ماجَهْ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ يَقْرَؤُها في الجُمْعَةِ مَعَ سُورَتِها. ولَمّا أشارَ سُبْحانَهُ فِيما قَبِلَ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ والجَنَّةِ والنّارِ إجْمالًا بَسَطَ الكَلامَ هاهُنا فَقالَ عَزَّ قائِلًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قِيلَ: ﴿هَلْ﴾ بِمَعْنى قَدْ وهو ظاهِرُ كَلامِ قُطْرُبٍ حَيْثُ قالَ: أيْ: قَدْ جاءَكَ يا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، والمُخْتارُ أنَّهُ لِلِاسْتِفْهامِ وهو اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ التَّعْجِيبُ مِمّا في حَيِّزِهِ والتَّشْوِيقُ إلى اسْتِماعِهِ والإشْعارُ بِأنَّهُ مِنَ الأحادِيثِ البَدِيعَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَتَناقَلَها الرُّواةُ ويَتَنافَسَ في تَلَقُّنِها الوُعاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى امْرَأةٍ تَقْرَأُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْتَمِعُ ويَقُولُ: «نَعَمْ قَدْ جاءَنِي».» و«الغاشِيَةُ» القِيامَةُ كَما قالَ سُفْيانُ والجُمْهُورُ وأُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ لِأنَّها تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها وتَكْتَنِفُهم بِأهْوالِها. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ النّارُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ ولَيْسَ بِذاكَ فَإنَّ ما سَيُرى مِن حَدِيثِها لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنّارِ وأهْلِها بَلْ ناطِقٌ بِأحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ أيْضًا.

الغاشية 88:2

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ المَرْفُوعُ مُبْتَدَأٌ، وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ وإنْ كانَ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَوْضِعِ التَّنْوِيعِ، وقِيلَ: لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: أصْحابُ وُجُوهٍ، والخَبَرُ ما بَعْدُ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ أشْعَرَتْ بِها. ﴿الغاشِيَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ إذا غُشِيَتْ. والجُمْلَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الِاسْتِفْهامِ التَّشْوِيقِيِّ كَأنَّ قِيلَ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما أتانِي حَدِيثُها ما هُوَ؟ فَقِيلَ: ﴿وُجُوهٌ﴾ إلَخْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَمْ يَكُنْ أتاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَدِيثُها فَأخْبَرَهُ سُبْحانَهُ عَنْها فَقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ والمُرادُ بِخاشِعَةٍ ذَلِيلَةٌ، ولَمْ تُوصَفْ بِالذُّلِّ ابْتِداءً لِما في وصْفِها بِالخُشُوعِ مِنَ الإشارَةِ إلى التَّهَكُّمِ وإنَّها لَمْ تَخْشَعْ في وقْتٍ يَنْفَعُ فِيهِ الخُشُوعُ، وكَذا حالَ وصْفِها بِالعَمَلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عامِلَةٌ﴾ عَلى ما قِيلَ: وهو وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناصِبَةٌ﴾ خَبَرانِ آخَرانِ لِ «وُجُوهٌ» إذِ المُرادُ بِها أصْحابُها وفي ذَلِكَ احْتِمالاتٌ أُخَرُ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى؛ أيْ: عامِلَةٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَعِبَةٌ فِيهِ، وذَلِكَ في النّارِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، وعَمَلُها فِيها عَلى ما قِيلَ: جَرُّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ، والخَوْضُ فِيها خَوْضَ الإبِلِ في الوَحْلِ، والصُّعُودُ والهُبُوطُ في تِلالِها ووِهادِها؛ وذَلِكَ جَزاءَ التَّكَبُّرِ عَنِ العَمَلِ وطاعَةِ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا. وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ: أيْ «عامِلَةٌ» في الدُّنْيا «ناصِبَةٌ» فِيها؛ لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى فَلا ثَمَرَةَ لَها إلّا النَّصَبَ، وخاتِمَتُهُ النّارُ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا. والظّاهِرُ أنَّ الخُشُوعَ عِنْدَ هَؤُلاءِ باقٍ عَلى كَوْنِهِ في الآخِرَةِ وعَلَيْهِ فَيَوْمَئِذٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالوَصْفَيْنِ مَعْنًى بَلْ مُتَعَلِّقُهُما في الدُّنْيا. ولا يَخْفى ما في هَذا الوَجْهِ مِنَ البُعْدِ، وظُهُورُ أنَّ العَمَلَ لا يَكُونُ في الآخِرَةِ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ لا يُجْدِي نَفْعًا في دَفْعٍ بُعْدِهِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: «عامِلَةٌ» في الدُّنْيا «ناصِبَةٌ» يَوْمَ القِيامَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الخُشُوعَ عَلى ما مَرَّ ولا يَخْفى ما في جَعْلِ المُحاطِ بِاسْتِقْبالَيْنِ ماضَوِيًّا مِنَ البُعْدِ، وقِيلَ: الأوْصافُ الثَّلاثَةُ في الدُّنْيا والكَلامُ عَلى مِنوالِ: إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ؛ أيْ: ظَهَرَ لَهم يَوْمَئِذٍ أنَّها كانَتْ خاشِعَةً عامِلَةً ناصِبَةً في الدُّنْيا مِن غَيْرِ نَفْعٍ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا وهَؤُلاءِ النُّسّاكُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويَشْمَلُ غَيْرَهم مِمّا شاكَلَهم مِن نُسّاكِ أهْلِ الضَّلالِ، وهَذا الوَجْهُ أبْعَدُ مِن أخَوَيْهِ.

الغاشية 88:3

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ المَرْفُوعُ مُبْتَدَأٌ، وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ وإنْ كانَ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَوْضِعِ التَّنْوِيعِ، وقِيلَ: لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: أصْحابُ وُجُوهٍ، والخَبَرُ ما بَعْدُ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ أشْعَرَتْ بِها. ﴿الغاشِيَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ إذا غُشِيَتْ. والجُمْلَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الِاسْتِفْهامِ التَّشْوِيقِيِّ كَأنَّ قِيلَ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما أتانِي حَدِيثُها ما هُوَ؟ فَقِيلَ: ﴿وُجُوهٌ﴾ إلَخْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَمْ يَكُنْ أتاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَدِيثُها فَأخْبَرَهُ سُبْحانَهُ عَنْها فَقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ والمُرادُ بِخاشِعَةٍ ذَلِيلَةٌ، ولَمْ تُوصَفْ بِالذُّلِّ ابْتِداءً لِما في وصْفِها بِالخُشُوعِ مِنَ الإشارَةِ إلى التَّهَكُّمِ وإنَّها لَمْ تَخْشَعْ في وقْتٍ يَنْفَعُ فِيهِ الخُشُوعُ، وكَذا حالَ وصْفِها بِالعَمَلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عامِلَةٌ﴾ عَلى ما قِيلَ: وهو وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناصِبَةٌ﴾ خَبَرانِ آخَرانِ لِ «وُجُوهٌ» إذِ المُرادُ بِها أصْحابُها وفي ذَلِكَ احْتِمالاتٌ أُخَرُ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى؛ أيْ: عامِلَةٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَعِبَةٌ فِيهِ، وذَلِكَ في النّارِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، وعَمَلُها فِيها عَلى ما قِيلَ: جَرُّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ، والخَوْضُ فِيها خَوْضَ الإبِلِ في الوَحْلِ، والصُّعُودُ والهُبُوطُ في تِلالِها ووِهادِها؛ وذَلِكَ جَزاءَ التَّكَبُّرِ عَنِ العَمَلِ وطاعَةِ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا. وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ: أيْ «عامِلَةٌ» في الدُّنْيا «ناصِبَةٌ» فِيها؛ لِأنَّها عَلى غَيْرِ هُدًى فَلا ثَمَرَةَ لَها إلّا النَّصَبَ، وخاتِمَتُهُ النّارُ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا. والظّاهِرُ أنَّ الخُشُوعَ عِنْدَ هَؤُلاءِ باقٍ عَلى كَوْنِهِ في الآخِرَةِ وعَلَيْهِ فَيَوْمَئِذٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالوَصْفَيْنِ مَعْنًى بَلْ مُتَعَلِّقُهُما في الدُّنْيا. ولا يَخْفى ما في هَذا الوَجْهِ مِنَ البُعْدِ، وظُهُورُ أنَّ العَمَلَ لا يَكُونُ في الآخِرَةِ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ لا يُجْدِي نَفْعًا في دَفْعٍ بُعْدِهِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: «عامِلَةٌ» في الدُّنْيا «ناصِبَةٌ» يَوْمَ القِيامَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الخُشُوعَ عَلى ما مَرَّ ولا يَخْفى ما في جَعْلِ المُحاطِ بِاسْتِقْبالَيْنِ ماضَوِيًّا مِنَ البُعْدِ، وقِيلَ: الأوْصافُ الثَّلاثَةُ في الدُّنْيا والكَلامُ عَلى مِنوالِ: إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ؛ أيْ: ظَهَرَ لَهم يَوْمَئِذٍ أنَّها كانَتْ خاشِعَةً عامِلَةً ناصِبَةً في الدُّنْيا مِن غَيْرِ نَفْعٍ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا وهَؤُلاءِ النُّسّاكُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويَشْمَلُ غَيْرَهم مِمّا شاكَلَهم مِن نُسّاكِ أهْلِ الضَّلالِ، وهَذا الوَجْهُ أبْعَدُ مِن أخَوَيْهِ.

الغاشية 88:4

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ مُتَناهِيَةً في الحَرِّ مِن حَمِيَتِ النّارُ إذا اشْتَدَّ حَرُّها خَبَرٌ آخَرُ لِ ﴿وُجُوهٌ﴾ وقِيلَ: ﴿خاشِعَةٌ﴾ صِفَةٌ لَها وما بَعْدُ أخْبارٌ، وقِيلَ: الأوَّلانِ صِفَتانِ والأخِيرانِ خَبَرانِ، وقِيلَ: الثَّلاثَةُ الأُوَلُ صِفاتٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ، صفحة 113 والكُلُّ كَما تَرى. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا وما بَعْدَهُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِتَفاصِيلِ أحْوالِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ وحُمَيْدٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ: «عامِلَةً ناصِبَةً» بِالنَّصْبِ عَلى الذَّمِّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ «تُصْلى» بِضَمِّ التّاءِ، وقَرَأ خارِجَةُ: «تُصَلّى» بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ مُشَدَّدَ اللّامِ لِلْمُبالَغَةِ.

الغاشية 88:5

﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ بَلَغَتْ إناها أيْ غايَتَها في الحَرِّ فَهي مُتَناهِيَةٌ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ وهو التَّفْسِيرُ المَشْهُورُ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أيْ: حاضِرَةٌ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: أنى الشَّيْءُ حَضَرَ ولَيْسَ بِذاكَ. ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ بَيانٌ لِطَعامِهِمْ إثْرَ بَيانِ شَرابِهِمْ، والضَّرِيعُ كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الشَّبْرَقُ اليابِسُ وهي عَلى ما قالَهُ عِكْرِمَةُ شَجَرَةٌ ذاتُ شَوْكٍ لاطِئَةٌ بِالأرْضِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو جِنْسٌ مِنَ الشَّوْكِ تَرْعاهُ الإبِلُ رَطْبًا فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ وهو سُمٌّ قاتِلٌ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: رَعى الشِّبْرِقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وصارَ ضَرِيعًا بانَ عَنْهُ النَّحائِصُ وقالَ ابْنُ غِرارَةَ الهُذَلِيُّ يَذْكُرُ إبِلًا وسُوءَ مَرْعى: وحُبِسْنَ في هَزَمِ الضَّرِيعِ فَكُلُّها ∗∗∗ حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حَرُودُ وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: الضَّرِيعُ يَبِيسُ العَرْفَجِ إذا انْحَطَمَ. وقالَ الزَّجّاجُ: نَبْتٌ كالعَوْسَجِ. وقالَ الخَلِيلُ: نَبْتٌ أخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ما هو ضَرِيعٌ حَقِيقَةً. وقِيلَ: هو شَجَرَةٌ نارِيَّةٌ تُشْبِهُ الضَّرِيعَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى الَّذِي أخْرَجَ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا أنْ يُنْبِتَ في النّارِ شَجَرَ الضَّرِيعِ. نَعَمْ يُؤَيِّدُ ما قِيلَ: ما حَكاهُ في البُحُورِ الزّاخِرَةِ عَنِ البَغَوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ: ««الضَّرِيعُ شَيْءٌ في النّارِ شِبْهُ الشَّوْكِ أمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وأنْتَنُ مِنَ الجِيفَةِ، وأشَدُّ حَرًّا مِنَ النّارِ»». فَإنْ صَحَّ فَذاكَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو طَعامٌ يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ ويَذِلُّونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى طَلَبًا لِلْخَلاصِ مِنهُ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ وعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شَجَرًا وغَيْرَهُ. وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ أنَّهُ الزَّقُّومُ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ حِجارَةٌ في النّارِ، وقِيلَ: هو وادٍ في جَهَنَّمَ أيْ لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ، ولَعَلَّهُ هو المَوْضِعُ الَّذِي يَسِيلُ إلَيْهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ وهو الغِسْلِينُ وعَلَيْهِ يَكُونُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا الحَصْرِ والحَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ ظاهِرًا بِأنْ يَكُونَ طَعامُهم مِن ذَلِكَ الوادِي هو الغِسْلِينَ الَّذِي يَسِيلُ إلَيْهِ، وكَذا إذا أُرِيدَ بِهِ ما قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ واتَّحَدَ بِهِ وقَدْ يَتَّحِدُ بِهِما عَلَيْهِ أيْضًا الزَّقُّومُ، واتِّحادُهُ بِالضَّرِيعِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ شَجَرَةٌ قَرِيبٌ. وقِيلَ: في التَّوْفِيقِ: إنَّ الضَّرِيعَ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ أُرِيدَ بِهِ طَعامٌ مَكْرُوهٌ حَتّى لِلْإبِلِ وغَيْرِها مِنَ الحَيَواناتِ الَّتِي تَلْتَذُّ رَعْيَ الشَّوْكِ فَلا يُنافِي كَوْنَهُ زَقُّومًا أوْ غِسْلِينًا، وقِيلَ: إنَّهُ أُرِيدَ أنْ لا طَعامَ لَهم أصْلًا لِأنَّ الضَّرِيعَ لَيْسَ بِطَعامٍ لِلْبَهائِمِ فَضْلًا عَنِ النّاسِ كَما يُقالُ: لَيْسَ لِفُلانٍ إلّا ظِلٌّ إلّا الشَّمْسُ. أيْ لا ظِلَّ لَهُ وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ فَلا مُخالَفَةَ أصْلًا. وقِيلَ: إنَّ الغِسْلِينَ وهو الصَّدِيدُ في القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ أنْ تَجْعَلَهُ عَلى هَيْئَةِ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ فَطَعامُهُمُ الغِسْلِينُ والزَّقُّومُ اللَّذانِ هُما الضَّرِيعُ ولا يَخْفى تَعَسُّفُهُ عَلى الرَّضِيعِ. وقَدْ يُقالُ في التَّوْفِيقِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الثَّلاثَةَ مُتَغايِرَةٌ بِالذّاتِ أنَّ العَذابَ ألْوانٌ، والمُعَذَّبُونَ طَبَقاتٌ فَمِنهم أكَلَةُ الزَّقُّومِ، ومِنهم أكَلَةُ الغِسْلِينِ، ومِنهم أكَلَةُ الضَّرِيعِ، لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ.

الغاشية 88:6

﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ بَلَغَتْ إناها أيْ غايَتَها في الحَرِّ فَهي مُتَناهِيَةٌ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ وهو التَّفْسِيرُ المَشْهُورُ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أيْ: حاضِرَةٌ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: أنى الشَّيْءُ حَضَرَ ولَيْسَ بِذاكَ. ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ بَيانٌ لِطَعامِهِمْ إثْرَ بَيانِ شَرابِهِمْ، والضَّرِيعُ كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الشَّبْرَقُ اليابِسُ وهي عَلى ما قالَهُ عِكْرِمَةُ شَجَرَةٌ ذاتُ شَوْكٍ لاطِئَةٌ بِالأرْضِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو جِنْسٌ مِنَ الشَّوْكِ تَرْعاهُ الإبِلُ رَطْبًا فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ وهو سُمٌّ قاتِلٌ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: رَعى الشِّبْرِقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وصارَ ضَرِيعًا بانَ عَنْهُ النَّحائِصُ وقالَ ابْنُ غِرارَةَ الهُذَلِيُّ يَذْكُرُ إبِلًا وسُوءَ مَرْعى: وحُبِسْنَ في هَزَمِ الضَّرِيعِ فَكُلُّها ∗∗∗ حَدْباءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ حَرُودُ وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: الضَّرِيعُ يَبِيسُ العَرْفَجِ إذا انْحَطَمَ. وقالَ الزَّجّاجُ: نَبْتٌ كالعَوْسَجِ. وقالَ الخَلِيلُ: نَبْتٌ أخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ما هو ضَرِيعٌ حَقِيقَةً. وقِيلَ: هو شَجَرَةٌ نارِيَّةٌ تُشْبِهُ الضَّرِيعَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى الَّذِي أخْرَجَ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا أنْ يُنْبِتَ في النّارِ شَجَرَ الضَّرِيعِ. نَعَمْ يُؤَيِّدُ ما قِيلَ: ما حَكاهُ في البُحُورِ الزّاخِرَةِ عَنِ البَغَوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ: ««الضَّرِيعُ شَيْءٌ في النّارِ شِبْهُ الشَّوْكِ أمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وأنْتَنُ مِنَ الجِيفَةِ، وأشَدُّ حَرًّا مِنَ النّارِ»». فَإنْ صَحَّ فَذاكَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو طَعامٌ يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ ويَذِلُّونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى طَلَبًا لِلْخَلاصِ مِنهُ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ وعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شَجَرًا وغَيْرَهُ. وعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ أنَّهُ الزَّقُّومُ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ حِجارَةٌ في النّارِ، وقِيلَ: هو وادٍ في جَهَنَّمَ أيْ لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ، ولَعَلَّهُ هو المَوْضِعُ الَّذِي يَسِيلُ إلَيْهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ وهو الغِسْلِينُ وعَلَيْهِ يَكُونُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا الحَصْرِ والحَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ ظاهِرًا بِأنْ يَكُونَ طَعامُهم مِن ذَلِكَ الوادِي هو الغِسْلِينَ الَّذِي يَسِيلُ إلَيْهِ، وكَذا إذا أُرِيدَ بِهِ ما قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ واتَّحَدَ بِهِ وقَدْ يَتَّحِدُ بِهِما عَلَيْهِ أيْضًا الزَّقُّومُ، واتِّحادُهُ بِالضَّرِيعِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ شَجَرَةٌ قَرِيبٌ. وقِيلَ: في التَّوْفِيقِ: إنَّ الضَّرِيعَ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ أُرِيدَ بِهِ طَعامٌ مَكْرُوهٌ حَتّى لِلْإبِلِ وغَيْرِها مِنَ الحَيَواناتِ الَّتِي تَلْتَذُّ رَعْيَ الشَّوْكِ فَلا يُنافِي كَوْنَهُ زَقُّومًا أوْ غِسْلِينًا، وقِيلَ: إنَّهُ أُرِيدَ أنْ لا طَعامَ لَهم أصْلًا لِأنَّ الضَّرِيعَ لَيْسَ بِطَعامٍ لِلْبَهائِمِ فَضْلًا عَنِ النّاسِ كَما يُقالُ: لَيْسَ لِفُلانٍ إلّا ظِلٌّ إلّا الشَّمْسُ. أيْ لا ظِلَّ لَهُ وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ فَلا مُخالَفَةَ أصْلًا. وقِيلَ: إنَّ الغِسْلِينَ وهو الصَّدِيدُ في القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ أنْ تَجْعَلَهُ عَلى هَيْئَةِ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ فَطَعامُهُمُ الغِسْلِينُ والزَّقُّومُ اللَّذانِ هُما الضَّرِيعُ ولا يَخْفى تَعَسُّفُهُ عَلى الرَّضِيعِ. وقَدْ يُقالُ في التَّوْفِيقِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الثَّلاثَةَ مُتَغايِرَةٌ بِالذّاتِ أنَّ العَذابَ ألْوانٌ، والمُعَذَّبُونَ طَبَقاتٌ فَمِنهم أكَلَةُ الزَّقُّومِ، ومِنهم أكَلَةُ الغِسْلِينِ، ومِنهم أكَلَةُ الضَّرِيعِ، لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ.

الغاشية 88:7

﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ إمّا في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِضَرِيعِ والمَعْنى أنَّ طَعامَهم مِن شَيْءٍ لَيْسَ مِن مَطاعِمِ الإنْسِ وإنَّما هو شَوْكٌ، والشَّوْكُ مِمّا تَرْعاهُ الإبِلُ وتَتَوَلَّعُ بِهِ وهَذا نَوْعٌ مِنهُ تَنْفِرُ عَنْهُ ولا تَقْرَبُهُ ومَنفَعَتا الغِذاءِ مَنفِيَّتانِ عَنْهُ؛ وهُما إماطَةُ الجُوعِ وإفادَةُ القُوَّةِ والسِّمَنِ في البَدَنِ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: إنَّهُ مِن شَيْءٍ مَكْرُوهٍ يُضْرَعُ عِنْدَهُ ويُتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى ويُطْلُبُ مِنهُ سُبْحانَهُ الخَلاصُ عَنْهُ ولَيْسَ فِيهِ مَنفَعَتا الغِذاءِ أصْلًا، وإمّا في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةٌ صفحة 114 لِ «طَعامٌ» المُقَدَّرِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا طَعامٌ مِن ضَرِيعٍ. والمَعْنى قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ، ولا يَجُوزُ كَوْنُهُ صِفَةً لِلْمَذْكُورِ؛ إذْ لا يَدُلُّ حِينَئِذٍ عَلى أنَّ طَعامَهم مُنْحَصِرٌ في الضَّرِيعِ بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن طَعامِهِمْ مُنْحَصِرٌ فِيهِ ويُفْسِدُ المَعْنى. وأمّا لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ والأوَّلُ أظْهَرُ. ويُرْوى أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لَمّا سَمِعُوا صَدْرَ الآيَةِ: إنَّ الضَّرِيعَ لَتَسْمَنُ عَلَيْهِ إبِلُنا. فَنَزَلَتْ: ﴿لا يُسْمِنُ﴾ إلَخْ. قِيلَ: فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُكَذِّبُوا أوْ يَتَعَنَّتُوا بِذَلِكَ وهو الظّاهِرُ فَيُرَدُّ قَوْلُهم بِنَفْيِ السِّمَنِ والشِّبَعِ وإمّا أنْ يُصَدِّقُوا فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ طَعامَهم مِن ضَرِيعٍ لَيْسَ مِن جِنْسِ ضَرِيعِكم إنَّما هو غَيْرُ مُسَمِّنٍ ولا مُغْنٍ مِن جُوعٍ. وعَلى الأوَّلِ هو صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ رَدًّا لِما زَعَمُوهُ لا كاشِفَةٌ؛ إذْ لا خَفاءَ، وعَلى الثّانِي هو صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ، وأيًّا ما كانَ فَتَنْكِيرُ الجُوعِ لِلتَّحْقِيرِ؛ أيْ: لا يُغْنِي مِن جُوعٍ ما، وتَأْخِيرُ نَفْيِ الإغْناءِ عَنْهُ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ والتَّوَسُّلِ بِهِ إلى التَّصْرِيحِ بِنَفْيِ كِلا الأمْرَيْنِ؛ إذْ لَوْ قُدِّمَ لَما احْتِيجَ إلى ذِكْرِ نَفْيِ الإسْمانِ ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ نَفْيِ الإغْناءِ عَنِ الجُوعِ إيّاهُ، ولِذَلِكَ كَرَّرَ لا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وفي الإرْشادِ: إنَّ نَفْيَ الأمْرَيْنِ عَنْهُ لَيْسَ عَلى أنَّ لَهُمُ اسْتِعْدادًا لِلشِّبَعِ والسِّمَنِ إلّا أنَّهُ لا يُفِيدُ شَيْئًا مِنهُما بَلْ عَلى أنَّهُ لا اسْتِعْدادَ مِن جِهَتِهِمْ ولا إفادَةَ مِن جِهَتِهِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ جُوعَهم وعَطَشَهم لَيْسا مِن قَبِيلِ ما هو المَعْهُودُ مِنهُما في هَذِهِ النَّشْأةِ مِن حالَةٍ عارِضَةٍ لِلْإنْسانِ عِنْدَ اسْتِدْعاءِ الطَّبِيعَةِ لِبَدَلِ ما يَتَحَلَّلُ مِنَ البَدَنِ مُشَوِّقَةً لَهُ إلى المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ بِحَيْثُ يَلْتَذُّ بِهِما عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ ويَسْتَغْنِي بِهِما عَنْ غَيْرِهِما عِنْدَ اسْتِقْرارِهِما في المَعِدَةِ ويَسْتَفِيدُ مِنهُما قُوَّةً وسِمَنًا عِنْدَ انْهِضامِهِما بَلْ جُوعُهم عِبارَةٌ عَنِ اضْطِرارِهِمْ عِنْدَ اضْطِرامِ النّارِ في أحْشائِهِمْ إلى إدْخالِ شَيْءٍ كَثِيفٍ يَمْلَؤُها ويُخْرِجُ ما فِيها مِنَ اللَّهَبِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَهم شَوْقٌ إلى مَطْعُومٍ ما والتِذاذٍ بِهِ عِنْدَ الأكْلِ واسْتِغْناءٍ بِهِ عَنِ الغَيْرِ واسْتِفادَةِ قُوَّةٍ فَهَيْهاتَ. وكَذا عَطَشُهم عِبارَةٌ عَنِ اضْطِرارِهِمْ عِنْدَ أكْلِ الضَّرِيعِ والتِهابِهِ في بُطُونِهِمْ إلى شَيْءٍ مائِعٍ بارِدٍ لِيُطْفِئُوهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ التَّلَذُّذُ بِشُرْبِهِ أوِ اسْتِفادَةُ قُوَّةٍ بِهِ في الجُمْلَةِ وهو المَعْنى بِما رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يُسَلِّطُ عَلَيْهِمُ الجُوعَ بِحَيْثُ يُضْطَرُّونَ إلى أكْلِ الضَّرِيعِ، فَإذا أكَلُوهُ سُلِّطَ عَلَيْهِمُ العَطَشُ فاضْطَرُّوا إلى شُرْبِ الحَمِيمِ فَيَشْوِي وُجُوهَهم ويُقَطِّعُ أمْعاءَهم أعاذَنا اللَّهُ تَعالى وسائِرَ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ انْتَهى. وهُوَ خِلافُ الظّاهِرِ، ومِثْلُهُ لا يُقالُ عَنِ الرَّأْيِ ولَيْسَ لَهُ فِيما وقَفْنا عَلَيْهِ مُسْتَنَدٌ يُؤَوَّلُ لِأجْلِهِ الظَّواهِرُ، فالحَقُّ أنَّ لَهم جُوعًا وعَطَشًا وشَهْوَةً إلى الطَّعامِ والشَّرابِ كَما أنَّ لِلْجائِعِ والعَطْشانِ في الدُّنْيا شَهْوَةً إلَيْهِما لَكِنَّهُما لَهم هُناكَ قَدْ بَلَغا الغايَةَ بِتَسْلِيطِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ بِدُونِ سَبَبٍ عادِيٍّ عَلى نَحْوِ ما في الدُّنْيا فَيَضْطَرُّونَ لِذَلِكَ إلى الضَّرِيعِ والحَمِيمِ كَما يُضْطَرُّ مَن أفْرَطَ فِيهِ الجُوعُ والعَطَشُ في الدُّنْيا إلى تَناوُلِ الكَرِيهِ البَشِعِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ لَكِنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِما يَتَناوَلُونَهُ بَلْ يَزْدادُونَ بِهِ عَذابًا فَوْقَ العَذابِ. نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

الغاشية 88:8

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ شُرُوعٌ في رِوايَةِ حَدِيثِ أهْلِ الجَنَّةِ وتَقْدِيمِ حِكايَةِ أهْلِ النّارِ لِأنَّهُ أدْخَلُ في تَهْوِيلِ الغاشِيَةِ وتَفْخِيمِ حَدِيثِها، ولِأنَّ حِكايَةَ حُسْنِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ حِكايَةِ سُوءِ حالِ أهْلِ النّارِ مِمّا يَزِيدُ المَحْكِيَّ حُسْنًا وبَهْجَةً، والكَلامُ في إعْرابِهِ نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى تِلْكَ الجُمْلَةِ إيذانًا بِكَمالِ تَبايُنِ مَضْمُونَيْهِما. والنّاعِمَةُ إمّا مِنَ النُّعُومَةِ وكَنّى بِها عَنِ البَهْجَةِ وحُسْنِ المَنظَرِ، أيْ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ذاتُ بَهْجَةٍ وحُسْنٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أوْ مِنَ النَّعِيمِ أيْ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُتَنَعِّمَةٌ ﴿لِسَعْيِها﴾ أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في دارِ الدُّنْيا وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿راضِيَةٌ﴾ والتَّقْدِيمُ لِلِاعْتِناءِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ واللّامُ لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ بَلْ مِثْلُها في رَضِيَتْ بِكَذا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: راضِيَةٌ بِسَعْيِها. وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّها مُقَوِّيَةٌ لِتَعِدِّي الوَصْفِ بِنَفْسِهِ، ولِذا قالَ سُفْيانُ في ذَلِكَ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: رَضِيَتْ عَمَلَها، ورِضاها بِهِ كِنايَةٌ أوْ مَجازٌ عَنْ أنَّهُ مَحْمُودُ العاقِبَةِ مُجازًى عَلَيْهِ أعْظَمَ الجَزاءِ وأحْسَنَهُ. صفحة 115 وقِيلَ: في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: لِثَوابِ سَعْيِها راضِيَةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ؛ أيْ: لِأجْلِ سَعْيِها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى راضِيَةٌ حَيْثُ أُوتِيَتْ وما أُوتِيَتْ مِنَ الخَيْرِ ولَيْسَ بِذاكَ.

الغاشية 88:9

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ شُرُوعٌ في رِوايَةِ حَدِيثِ أهْلِ الجَنَّةِ وتَقْدِيمِ حِكايَةِ أهْلِ النّارِ لِأنَّهُ أدْخَلُ في تَهْوِيلِ الغاشِيَةِ وتَفْخِيمِ حَدِيثِها، ولِأنَّ حِكايَةَ حُسْنِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ حِكايَةِ سُوءِ حالِ أهْلِ النّارِ مِمّا يَزِيدُ المَحْكِيَّ حُسْنًا وبَهْجَةً، والكَلامُ في إعْرابِهِ نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى تِلْكَ الجُمْلَةِ إيذانًا بِكَمالِ تَبايُنِ مَضْمُونَيْهِما. والنّاعِمَةُ إمّا مِنَ النُّعُومَةِ وكَنّى بِها عَنِ البَهْجَةِ وحُسْنِ المَنظَرِ، أيْ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ذاتُ بَهْجَةٍ وحُسْنٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أوْ مِنَ النَّعِيمِ أيْ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُتَنَعِّمَةٌ ﴿لِسَعْيِها﴾ أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في دارِ الدُّنْيا وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿راضِيَةٌ﴾ والتَّقْدِيمُ لِلِاعْتِناءِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ واللّامُ لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ بَلْ مِثْلُها في رَضِيَتْ بِكَذا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: راضِيَةٌ بِسَعْيِها. وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّها مُقَوِّيَةٌ لِتَعِدِّي الوَصْفِ بِنَفْسِهِ، ولِذا قالَ سُفْيانُ في ذَلِكَ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: رَضِيَتْ عَمَلَها، ورِضاها بِهِ كِنايَةٌ أوْ مَجازٌ عَنْ أنَّهُ مَحْمُودُ العاقِبَةِ مُجازًى عَلَيْهِ أعْظَمَ الجَزاءِ وأحْسَنَهُ. صفحة 115 وقِيلَ: في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: لِثَوابِ سَعْيِها راضِيَةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ؛ أيْ: لِأجْلِ سَعْيِها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى راضِيَةٌ حَيْثُ أُوتِيَتْ وما أُوتِيَتْ مِنَ الخَيْرِ ولَيْسَ بِذاكَ.

الغاشية 88:10

﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ مُرْتَفِعَةِ المَحَلِّ أوْ عَلِيَّةِ القَدْرِ، فالعُلُوُّ إمّا حَسِّيٌّ أوْ مَعْنَوِيٌّ، وجَمَعَ أبُو حَيّانَ بَيْنَهُما. ﴿لا تَسْمَعُ﴾ خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ أوْ هو مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ الغائِبَةِ المُؤَنَّثَةِ، وهو راجِعٌ لِلْوُجُوهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها أصْحابُها أوِ الإسْنادُ مَجازِيٌّ، وكَذا يُقالُ فِيما قَبْلُ، وأشارَ بَعْضٌ إلى أنَّ في الآيَةِ صَنْعَةَ الِاسْتِخْدامِ اخْتِيارًا لِأنَّ المُرادَ بِالوُجُوهِ أوَّلًا حَقِيقَتُها وعِنْدَ إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلَيْها ثانِيًا أصْحابُها فَهُمُ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ﴿فِيها لاغِيَةً﴾ أيْ: لَغْوًا؛ فَهي مَصْدَرٌ بِمَعْناهُ ويَجُوزُ كَوْنُها صِفَةَ كَلِمَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى أنَّها لِلنَّسَبِ؛ أيْ: كَلِمَةٌ ذاتُ لَغْوٍ، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها صِفَةً كَوْنُ الإسْنادِ مَجازِيًّا؛ لِأنَّ الكَلِمَةَ مَلْغُوٌّ بِها لا لاغِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةَ نَفْسٍ مَحْذُوفَةٍ؛ أيْ: لا تَسْمَعُ فِيها نَفْسًا لاغِيَةً، وجَعَلَها مَسْمُوعَةً لِوَصْفِها بِما يَسْمَعُ كَما تَقُولُ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَذا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى المَجازِ في الإسْنادِ أيْضًا. وقَرَأ الأعْرَجُ وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ ونافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُمْ: «لا تَسْمَعُ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: «لاغِيَةٌ» بِالرَّفْعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ إلّا أنَّهم قَرَءُوا بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ مَجازِيٌّ مَعَ وُجُودِ الفاصِلِ والجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ نَصَبَ «لاغِيَةً» عَلى مَعْنى لا يَسْمَعُ فِيها أيْ أحَدٌ لاغِيَةً مِن قَوْلِكَ: أسْمَعْتُ زَيْدًا.

الغاشية 88:11

﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ مُرْتَفِعَةِ المَحَلِّ أوْ عَلِيَّةِ القَدْرِ، فالعُلُوُّ إمّا حَسِّيٌّ أوْ مَعْنَوِيٌّ، وجَمَعَ أبُو حَيّانَ بَيْنَهُما. ﴿لا تَسْمَعُ﴾ خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ أوْ هو مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ الغائِبَةِ المُؤَنَّثَةِ، وهو راجِعٌ لِلْوُجُوهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها أصْحابُها أوِ الإسْنادُ مَجازِيٌّ، وكَذا يُقالُ فِيما قَبْلُ، وأشارَ بَعْضٌ إلى أنَّ في الآيَةِ صَنْعَةَ الِاسْتِخْدامِ اخْتِيارًا لِأنَّ المُرادَ بِالوُجُوهِ أوَّلًا حَقِيقَتُها وعِنْدَ إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلَيْها ثانِيًا أصْحابُها فَهُمُ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ﴿فِيها لاغِيَةً﴾ أيْ: لَغْوًا؛ فَهي مَصْدَرٌ بِمَعْناهُ ويَجُوزُ كَوْنُها صِفَةَ كَلِمَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى أنَّها لِلنَّسَبِ؛ أيْ: كَلِمَةٌ ذاتُ لَغْوٍ، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها صِفَةً كَوْنُ الإسْنادِ مَجازِيًّا؛ لِأنَّ الكَلِمَةَ مَلْغُوٌّ بِها لا لاغِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةَ نَفْسٍ مَحْذُوفَةٍ؛ أيْ: لا تَسْمَعُ فِيها نَفْسًا لاغِيَةً، وجَعَلَها مَسْمُوعَةً لِوَصْفِها بِما يَسْمَعُ كَما تَقُولُ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَذا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى المَجازِ في الإسْنادِ أيْضًا. وقَرَأ الأعْرَجُ وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ ونافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُمْ: «لا تَسْمَعُ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: «لاغِيَةٌ» بِالرَّفْعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ إلّا أنَّهم قَرَءُوا بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ مَجازِيٌّ مَعَ وُجُودِ الفاصِلِ والجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ نَصَبَ «لاغِيَةً» عَلى مَعْنى لا يَسْمَعُ فِيها أيْ أحَدٌ لاغِيَةً مِن قَوْلِكَ: أسْمَعْتُ زَيْدًا.

الغاشية 88:12

﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قِيلَ: يَجْرِي ماؤُها ولا يَنْقَطِعُ، وعَدَمُ الِانْقِطاعِ إمّا مِن وصْفِ العَيْنِ لِأنَّها الماءُ الجارِي فَوَصْفُها بِالجَرَيانِ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ كَما في ﴿نارًا حامِيَةً﴾ وإمّا مِنَ اسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُ لِلِاسْتِمْرارِ بِقَرِينَةِ المَقامِ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ لِلتَّكْثِيرِ كَما في ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ أيْ: عُيُونٌ كَثِيرَةٌ، تَجْرِي مِياهُها ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ رَفِيعَةُ السَّمْكِ أوِ المِقْدارِ وقِيلَ: مَخْبُوءَةٌ مِن رَفَعْتُ لَكَ كَذا؛ أيْ: خَبَّأْتُهُ. ﴿وأكْوابٌ﴾ وقِداحٌ لا عُرا لَها ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ وقِيلَ: عَلى حافاتِ العُيُونِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ: مَوْضُوعَةٌ عَنْ حَدِّ الكِبارِ، أوْساطٌ بَيْنَ الصِّغَرِ والكِبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿ونَمارِقُ﴾ ووَسائِدُ قالَ زُهَيْرٌ: كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ جَمْعُ نُمْرُقَةٍ بِضَمِّ النُّونِ والرّاءِ وبِكَسْرِهِما وفَتْحِهِما وبِغَيْرِ هاءٍ. ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ صُفَّ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ لِلِاسْتِنادِ إلَيْها والِاتِّكاءِ عَلَيْها. وقالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَوْضُوعَةٌ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ كالشَّيْءِ الَّذِي جُعِلَ صَفًّا أيْنَما أرادَ أنْ يَجْلِسَ المُؤْمِنُ جَلَسَ عَلى واحِدَةٍ واسْتَنَدَ إلى أُخْرى وعَلى رَأْسِهِ وصائِفُ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ. ﴿وزَرابِيُّ﴾ وبُسُطٌ فاخِرَةٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الفَرّاءُ: هي الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ. وقالَ الرّاغِبُ: إنَّها في الأصْلِ ثِيابٌ مُحَبَّرَةٌ مَنسُوبَةٌ إلى مَوْضِعٍ ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِلْبُسُطِ واحِدُها زِرْبِيَّةٌ مُثَلَّثَةُ الزّايِ ولَمْ يُفَرِّقْ في الصِّحاحِ بَيْنَ الزَّرابِيِّ والنَّمارِقِ، والظّاهِرُ الفَرْقُ. نَعَمْ قِيلَ: قَدْ جاءَ نَمارِقُ بِمَعْنى الزَّرابِيِّ ومِنهُ: نَحْنُ بَناتُ طارِقْ ∗∗∗ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ لِظُهُورِ أنَّ الوَسائِدَ لا يُمْشى عَلَيْها عادَةً ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ مَبْسُوطَةٌ أوْ مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.

الغاشية 88:13

﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قِيلَ: يَجْرِي ماؤُها ولا يَنْقَطِعُ، وعَدَمُ الِانْقِطاعِ إمّا مِن وصْفِ العَيْنِ لِأنَّها الماءُ الجارِي فَوَصْفُها بِالجَرَيانِ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ كَما في ﴿نارًا حامِيَةً﴾ وإمّا مِنَ اسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُ لِلِاسْتِمْرارِ بِقَرِينَةِ المَقامِ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ لِلتَّكْثِيرِ كَما في ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ أيْ: عُيُونٌ كَثِيرَةٌ، تَجْرِي مِياهُها ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ رَفِيعَةُ السَّمْكِ أوِ المِقْدارِ وقِيلَ: مَخْبُوءَةٌ مِن رَفَعْتُ لَكَ كَذا؛ أيْ: خَبَّأْتُهُ. ﴿وأكْوابٌ﴾ وقِداحٌ لا عُرا لَها ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ وقِيلَ: عَلى حافاتِ العُيُونِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ: مَوْضُوعَةٌ عَنْ حَدِّ الكِبارِ، أوْساطٌ بَيْنَ الصِّغَرِ والكِبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿ونَمارِقُ﴾ ووَسائِدُ قالَ زُهَيْرٌ: كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ جَمْعُ نُمْرُقَةٍ بِضَمِّ النُّونِ والرّاءِ وبِكَسْرِهِما وفَتْحِهِما وبِغَيْرِ هاءٍ. ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ صُفَّ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ لِلِاسْتِنادِ إلَيْها والِاتِّكاءِ عَلَيْها. وقالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَوْضُوعَةٌ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ كالشَّيْءِ الَّذِي جُعِلَ صَفًّا أيْنَما أرادَ أنْ يَجْلِسَ المُؤْمِنُ جَلَسَ عَلى واحِدَةٍ واسْتَنَدَ إلى أُخْرى وعَلى رَأْسِهِ وصائِفُ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ. ﴿وزَرابِيُّ﴾ وبُسُطٌ فاخِرَةٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الفَرّاءُ: هي الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ. وقالَ الرّاغِبُ: إنَّها في الأصْلِ ثِيابٌ مُحَبَّرَةٌ مَنسُوبَةٌ إلى مَوْضِعٍ ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِلْبُسُطِ واحِدُها زِرْبِيَّةٌ مُثَلَّثَةُ الزّايِ ولَمْ يُفَرِّقْ في الصِّحاحِ بَيْنَ الزَّرابِيِّ والنَّمارِقِ، والظّاهِرُ الفَرْقُ. نَعَمْ قِيلَ: قَدْ جاءَ نَمارِقُ بِمَعْنى الزَّرابِيِّ ومِنهُ: نَحْنُ بَناتُ طارِقْ ∗∗∗ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ لِظُهُورِ أنَّ الوَسائِدَ لا يُمْشى عَلَيْها عادَةً ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ مَبْسُوطَةٌ أوْ مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.

الغاشية 88:14

﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قِيلَ: يَجْرِي ماؤُها ولا يَنْقَطِعُ، وعَدَمُ الِانْقِطاعِ إمّا مِن وصْفِ العَيْنِ لِأنَّها الماءُ الجارِي فَوَصْفُها بِالجَرَيانِ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ كَما في ﴿نارًا حامِيَةً﴾ وإمّا مِنَ اسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُ لِلِاسْتِمْرارِ بِقَرِينَةِ المَقامِ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ لِلتَّكْثِيرِ كَما في ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ أيْ: عُيُونٌ كَثِيرَةٌ، تَجْرِي مِياهُها ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ رَفِيعَةُ السَّمْكِ أوِ المِقْدارِ وقِيلَ: مَخْبُوءَةٌ مِن رَفَعْتُ لَكَ كَذا؛ أيْ: خَبَّأْتُهُ. ﴿وأكْوابٌ﴾ وقِداحٌ لا عُرا لَها ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ وقِيلَ: عَلى حافاتِ العُيُونِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ: مَوْضُوعَةٌ عَنْ حَدِّ الكِبارِ، أوْساطٌ بَيْنَ الصِّغَرِ والكِبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿ونَمارِقُ﴾ ووَسائِدُ قالَ زُهَيْرٌ: كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ جَمْعُ نُمْرُقَةٍ بِضَمِّ النُّونِ والرّاءِ وبِكَسْرِهِما وفَتْحِهِما وبِغَيْرِ هاءٍ. ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ صُفَّ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ لِلِاسْتِنادِ إلَيْها والِاتِّكاءِ عَلَيْها. وقالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَوْضُوعَةٌ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ كالشَّيْءِ الَّذِي جُعِلَ صَفًّا أيْنَما أرادَ أنْ يَجْلِسَ المُؤْمِنُ جَلَسَ عَلى واحِدَةٍ واسْتَنَدَ إلى أُخْرى وعَلى رَأْسِهِ وصائِفُ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ. ﴿وزَرابِيُّ﴾ وبُسُطٌ فاخِرَةٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الفَرّاءُ: هي الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ. وقالَ الرّاغِبُ: إنَّها في الأصْلِ ثِيابٌ مُحَبَّرَةٌ مَنسُوبَةٌ إلى مَوْضِعٍ ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِلْبُسُطِ واحِدُها زِرْبِيَّةٌ مُثَلَّثَةُ الزّايِ ولَمْ يُفَرِّقْ في الصِّحاحِ بَيْنَ الزَّرابِيِّ والنَّمارِقِ، والظّاهِرُ الفَرْقُ. نَعَمْ قِيلَ: قَدْ جاءَ نَمارِقُ بِمَعْنى الزَّرابِيِّ ومِنهُ: نَحْنُ بَناتُ طارِقْ ∗∗∗ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ لِظُهُورِ أنَّ الوَسائِدَ لا يُمْشى عَلَيْها عادَةً ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ مَبْسُوطَةٌ أوْ مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.

الغاشية 88:15

﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قِيلَ: يَجْرِي ماؤُها ولا يَنْقَطِعُ، وعَدَمُ الِانْقِطاعِ إمّا مِن وصْفِ العَيْنِ لِأنَّها الماءُ الجارِي فَوَصْفُها بِالجَرَيانِ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ كَما في ﴿نارًا حامِيَةً﴾ وإمّا مِنَ اسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُ لِلِاسْتِمْرارِ بِقَرِينَةِ المَقامِ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ لِلتَّكْثِيرِ كَما في ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ أيْ: عُيُونٌ كَثِيرَةٌ، تَجْرِي مِياهُها ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ رَفِيعَةُ السَّمْكِ أوِ المِقْدارِ وقِيلَ: مَخْبُوءَةٌ مِن رَفَعْتُ لَكَ كَذا؛ أيْ: خَبَّأْتُهُ. ﴿وأكْوابٌ﴾ وقِداحٌ لا عُرا لَها ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ وقِيلَ: عَلى حافاتِ العُيُونِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ: مَوْضُوعَةٌ عَنْ حَدِّ الكِبارِ، أوْساطٌ بَيْنَ الصِّغَرِ والكِبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿ونَمارِقُ﴾ ووَسائِدُ قالَ زُهَيْرٌ: كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ جَمْعُ نُمْرُقَةٍ بِضَمِّ النُّونِ والرّاءِ وبِكَسْرِهِما وفَتْحِهِما وبِغَيْرِ هاءٍ. ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ صُفَّ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ لِلِاسْتِنادِ إلَيْها والِاتِّكاءِ عَلَيْها. وقالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَوْضُوعَةٌ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ كالشَّيْءِ الَّذِي جُعِلَ صَفًّا أيْنَما أرادَ أنْ يَجْلِسَ المُؤْمِنُ جَلَسَ عَلى واحِدَةٍ واسْتَنَدَ إلى أُخْرى وعَلى رَأْسِهِ وصائِفُ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ. ﴿وزَرابِيُّ﴾ وبُسُطٌ فاخِرَةٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الفَرّاءُ: هي الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ. وقالَ الرّاغِبُ: إنَّها في الأصْلِ ثِيابٌ مُحَبَّرَةٌ مَنسُوبَةٌ إلى مَوْضِعٍ ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِلْبُسُطِ واحِدُها زِرْبِيَّةٌ مُثَلَّثَةُ الزّايِ ولَمْ يُفَرِّقْ في الصِّحاحِ بَيْنَ الزَّرابِيِّ والنَّمارِقِ، والظّاهِرُ الفَرْقُ. نَعَمْ قِيلَ: قَدْ جاءَ نَمارِقُ بِمَعْنى الزَّرابِيِّ ومِنهُ: نَحْنُ بَناتُ طارِقْ ∗∗∗ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ لِظُهُورِ أنَّ الوَسائِدَ لا يُمْشى عَلَيْها عادَةً ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ مَبْسُوطَةٌ أوْ مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.

الغاشية 88:16

﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قِيلَ: يَجْرِي ماؤُها ولا يَنْقَطِعُ، وعَدَمُ الِانْقِطاعِ إمّا مِن وصْفِ العَيْنِ لِأنَّها الماءُ الجارِي فَوَصْفُها بِالجَرَيانِ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ كَما في ﴿نارًا حامِيَةً﴾ وإمّا مِنَ اسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُ لِلِاسْتِمْرارِ بِقَرِينَةِ المَقامِ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ لِلتَّكْثِيرِ كَما في ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ أيْ: عُيُونٌ كَثِيرَةٌ، تَجْرِي مِياهُها ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ رَفِيعَةُ السَّمْكِ أوِ المِقْدارِ وقِيلَ: مَخْبُوءَةٌ مِن رَفَعْتُ لَكَ كَذا؛ أيْ: خَبَّأْتُهُ. ﴿وأكْوابٌ﴾ وقِداحٌ لا عُرا لَها ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ وقِيلَ: عَلى حافاتِ العُيُونِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ: مَوْضُوعَةٌ عَنْ حَدِّ الكِبارِ، أوْساطٌ بَيْنَ الصِّغَرِ والكِبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿ونَمارِقُ﴾ ووَسائِدُ قالَ زُهَيْرٌ: كُهُولًا وشُبّانًا حِسانًا وُجُوهُهم عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ جَمْعُ نُمْرُقَةٍ بِضَمِّ النُّونِ والرّاءِ وبِكَسْرِهِما وفَتْحِهِما وبِغَيْرِ هاءٍ. ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ صُفَّ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ لِلِاسْتِنادِ إلَيْها والِاتِّكاءِ عَلَيْها. وقالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَوْضُوعَةٌ بَعْضُها إلى جَنْبِ بَعْضٍ كالشَّيْءِ الَّذِي جُعِلَ صَفًّا أيْنَما أرادَ أنْ يَجْلِسَ المُؤْمِنُ جَلَسَ عَلى واحِدَةٍ واسْتَنَدَ إلى أُخْرى وعَلى رَأْسِهِ وصائِفُ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ. ﴿وزَرابِيُّ﴾ وبُسُطٌ فاخِرَةٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الفَرّاءُ: هي الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ. وقالَ الرّاغِبُ: إنَّها في الأصْلِ ثِيابٌ مُحَبَّرَةٌ مَنسُوبَةٌ إلى مَوْضِعٍ ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِلْبُسُطِ واحِدُها زِرْبِيَّةٌ مُثَلَّثَةُ الزّايِ ولَمْ يُفَرِّقْ في الصِّحاحِ بَيْنَ الزَّرابِيِّ والنَّمارِقِ، والظّاهِرُ الفَرْقُ. نَعَمْ قِيلَ: قَدْ جاءَ نَمارِقُ بِمَعْنى الزَّرابِيِّ ومِنهُ: نَحْنُ بَناتُ طارِقْ ∗∗∗ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ لِظُهُورِ أنَّ الوَسائِدَ لا يُمْشى عَلَيْها عادَةً ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ مَبْسُوطَةٌ أوْ مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.

الغاشية 88:17

﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما فُصِّلَ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ وما هو مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ مِنَ البَعْثِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ بِالِاسْتِشْهادِ عَلَيْهِ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا نَعَتَ اللَّهُ تَعالى ما في الجَنَّةِ عَجِبَ مِن ذَلِكَ أهْلُ الضَّلالَةِ فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ﴾ إلَخْ. ويَرْجِعُ هَذا في الآخِرَةِ إلى إنْكارِ البَعْثِ كَما لا يَخْفى. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ صفحة 116 يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وكَلِمَةُ «كَيْفَ» مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها عَلى أنَّها حالٌ مِن مَرْفُوعِ ( خُلِقَتْ ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، والجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ وقَدْ تُبْدَلُ الجُمْلَةُ وفِيها الِاسْتِفْهامُ مِنَ الِاسْمِ الَّذِي قَبْلَها كَقَوْلِهِمْ: عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هو. عَلى أصَحِّ الأقْوالِ عَلى أنَّ العَرَبَ قَدْ أدْخَلَتْ إلى عَلى كَيْفَ بَلا واسِطَةِ إبْدالٍ كَما أدْخَلَتْ عَلَيْها عَلى فَحُكِيَ عَنْهم أنَّهم قالُوا: انْظُرْ إلى كَيْفَ يَصْنَعُ. كَما حُكِيَ عَنْهم أنَّهم قالُوا: عَلى كَيْفَ تَبِيعُ الأحْمَرَيْنِ. وذَكَرَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ والتَّذْكِرَةِ وغَيْرِهِما أنَّهُ إذا عُلِّقَ الفِعْلَ عَمّا فِيهِ الِاسْتِفْهامُ لَمْ يَبْقَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقِيلَ: كَيْفَ بَدَلٌ مِنَ الإبِلِ وتَعَقَّبَهُ في المُغْنِي بِما في بَعْضِهِ نَظَرٌ، وجَوَّزَ في مَجْمَعِ البَيانِ كَوْنَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ وهو كَما تَرى، والإبِلُ يَقَعُ عَلى البُعْرانِ الكَثِيرَةِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ وهو مُؤَنَّثٌ؛ ولِذا إذا صُغِّرَ دَخَلَتْهُ التّاءُ فَقالُوا: أُبَيْلَةٌ، وقالُوا في الجَمْعِ آبالٌ وقَدِ اشْتَقُّوا مِن لَفْظِهِ، فَقالُوا: أبِلَ وتَأبَّلَ الرَّجُلُ وتَعَجَّبُوا مِن هَذا الفِعْلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ فَقالُوا: ما آبَلَ زَيْدًا. ولَمْ يَحْفَظْ سِيبَوَيْهِ فِيما قِيلَ اسْمًا جاءَ عَلى فِعِلٍ بِكَسْرِ الفاءِ والعِينِ، وغَيْرُ آبِلٍ أيْ أيُنْكِرُونَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ البَعْثِ وأحْكامِهِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي نُصْبَ أعْيُنِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَها كُلَّ حِينٍ كَيْفَ خُلِقَتْ خَلْقًا بَدِيعًا مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ خَلْقِ أكْثَرِ أنْواعِ الحَيَواناتِ في عِظَمِ جُثَّتِها وشَدَّةِ قُوَّتِها وعَجِيبِ هَيْئاتِها اللّائِقَةِ، بِتَأتِّي ما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ كالنَّوْءِ بِالأوْقارِ الثَّقِيلَةِ وهي بارِكَةٌ وإيصالِها الأثْقالَ الفادِحَةَ إلى الأقْطارِ النّازِحَةِ وفي صَبْرِها عَلى الجُوعِ والعَطَشِ حَتّى إنَّ ظَمَأها لَيَبْلُغُ العِشْرَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وهو ثَمانِيَةُ أيّامٍ بَيْنَ الوِرْدَيْنِ ورُبَّما يَجُوزُ ذَلِكَ وتُسَمّى حِينَئِذٍ الحَوازِيَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ والزّايِ واكْتِفائِها بِالسَّيْرِ ورَعْيِها لِكُلِّ ما يَتَيَسَّرُ مِن شَوْكٍ وشَجَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَرْعاهُ سائِرُ البَهائِمِ، وفي انْقِيادِها مَعَ ذَلِكَ لِلْإنْسانِ في الحَرَكَةِ والسُّكُونِ والبُرُوكِ والنُّهُوضِ حَيْثُ يَسْتَعْمِلُها في ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ ويَقْتادُها بِقِطارِها كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ، وفي تَأثُّرِها بِالصَّوْتِ الحَسَنِ عَلى غِلَظِ أكْبادِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أعْجَبُ ما عِنْدَ العَرَبِ مِنَ الحَيَواناتِ الَّتِي هي أشْرَفُ المَرْكَباتِ وأكْثَرُها صُنْعًا ولَهم عَلى أحْوالِها أتَمُّ وُقُوفٍ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّها خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها تَأْكُلُ النَّوى والقَتَّ وتُخْرِجُ اللَّبَنَ، وقِيلَ لَهُ: الفِيلُ أعْظَمُ في الأُعْجُوبَةِ، فَقالَ: العَرَبُ بَعِيدَةُ العَهْدِ بِالفِيلِ ثُمَّ هو خِنْزِيرٌ لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ولا يُرْكَبُ ظَهْرُهُ؛ أيْ: عَلى نَحْوِ ما يُرْكَبُ ظَهْرُ البَعِيرِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ في تَرْبِيضِهِ ولا يُحْلَبُ دَرُّهُ. وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا السَّحابُ؛ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُسَمِّيها بِذَلِكَ إذْ تَأْتِي أرْسالًا كالإبِلِ وتُزْجى كَما تُزْجى الإبِلُ وهي في هَيْئاتِها أحْيانًا تُشْبِهُ الإبِلَ؛ يَعْنِي أنَّ إرادَتَهُ مِنها هُنا عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ والمَجازِ وكَأنَّهُ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَدْعُ القائِلُ بِذَلِكَ إلّا طَلَبَ المُناسَبَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ قانُونُ البَلاغَةِ وهي حاصِلَةٌ مَعَ بَقاءِ الإبِلِ في عُطُنِها. قالَ الإمامُ: التَّناسُبُ فِيها أنَّ الكَلامَ مَعَ العَرَبِ وهم أهْلُ أسْفارٍ عَلى الإبِلِ في البَرارِي فَرُبَّما انْفَرَدُوا فِيها، والمُنْفَرِدُ يَتَفَكَّرُ لِعَدَمِ رَفِيقٍ يُحادِثُهُ وشاغِلٍ يَشْغَلُهُ فَيَتَفَكَّرُ فِيما يَقَعُ عَلَيْهِ طَرْفُهُ فَإذا نَظَرَ لِما مَعَهُ رَأى الإبِلَ، وإذا نَظَرَ لِما فَوْقَهُ رَأى السَّماءَ، وإذا نَظَرَ يَمِينًا وشِمالًا رَأى الجِبالَ، وإذا نَظَرَ لِأسْفَلَ رَأى الأرْضَ فَأُمِرَ بِالنَّظَرِ في خَلْوَتِهِ لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّظَرُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ فَبَيْنَها مُناسَبَةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: إنَّ خَيالَ العَرَبِ جامِعٌ بَيْنَ الأرْبَعَةِ؛ لِأنَّ مالَهُمُ النَّفِيسَ الإبِلُ، ومَدارَ السَّقْيِ لَهم عَلى السَّماءِ، ورَعْيَهم في الأرْضِ، وحِفْظَ مالِهِمْ بِالجِبالِ، وما ألْطَفَ ذِكْرَ الإبِلِ بَعْدَ ذِكْرِ الضَّرِيعِ، فَإنَّ خُطُورَها بَعْدَهُ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ، وإذا صَحَّ ما رُوِيَ مِن كَلامِ قُرَيْشٍ عِنْدَ نُزُولِ تِلْكَ الآيَةِ كانَ ذِكْرُها ألْطَفَ وألْطَفَ. وقَرَأ الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «إلى الإبْلِ» بِسُكُونِ الباءِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «الإبِلِّ» بِتَشْدِيدِ اللّامِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو وأبِي جَعْفَرٍ والكِسائِيِّ وقالُوا: إنَّها السَّحابُ عَنْ قَوْمٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ.

الغاشية 88:18

صفحة 117 ﴿وإلى السَّماءِ﴾ الَّتِي يُشاهِدُونَها لَيْلًا ونَهارًا ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ رَفْعًا سَحِيقَ المَدى بِلا عِمادٍ ولا مِساكٍ بِحَيْثُ لا يَنالُهُ الفَهْمُ والإدْراكُ ﴿وإلى الجِبالِ﴾ الَّتِي يَنْزِلُونَ في أقْطارِها ويَنْتَفِعُونَ بِمائِها وأشْجارِها ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ وُضِعَتْ وضْعًا ثابِتًا يَتَأتّى مَعَهُ ارْتِقاؤُها فَلا تَمِيلُ ولا تَمِيدُ ويُمْكِنُ الرُّقِيُّ إلى دارِها ﴿وإلى الأرْضِ﴾ الَّتِي يَضْرِبُونَ فِيها ويَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ سَفْحًا بِتَوْطِئَةٍ وتَمْهِيدٍ وتَسْوِيَةٍ وتَوْطِيدٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ صَلاحُ أُمُورِ أهْلِها ولا يُنافِي ذَلِكَ القَوْلَ بِأنَّها قَرِيبَةٌ مِنَ الكُرَةِ الحَقِيقِيَّةِ لِمَكانِ عِظَمِها. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «خَلَقْتُ» «رَفَعْتُ» «نَصَبْتُ» «سَطَحْتُ» بِتاءِ المُتَكَلِّمِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والمَفْعُولُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ، وهو العائِدُ إلى المُبْدَلِ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ أيْ: خَلَقْتُها رَفَعْتُها نَصَبْتُها سَطَحْتُها. وقَرَأ الحَسَنُ وهارُونُ الرَّشِيدُ: «سُطِّحَتْ» بِتَشْدِيدِ الطّاءِ، والمَعْنى: أفَلا يَنْظُرُونَ نَظَرَ التَّدَبُّرِ والِاعْتِبارِ إلى كَيْفِيَّةِ خَلْقِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ الشّاهِدَةِ بِحَقِّيَّةِ البَعْثِ والنُّشُورِ لِيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والنُّفُورِ ويَسْمَعُوا إنْذارَكَ ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ النَّظَرُ عَلى الإبْصارِ ويَكُونَ فِيهِ دَعْوى ظُهُورِ المَطْلُوبِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ بِمُجَرَّدِ إبْصارِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

الغاشية 88:19

صفحة 117 ﴿وإلى السَّماءِ﴾ الَّتِي يُشاهِدُونَها لَيْلًا ونَهارًا ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ رَفْعًا سَحِيقَ المَدى بِلا عِمادٍ ولا مِساكٍ بِحَيْثُ لا يَنالُهُ الفَهْمُ والإدْراكُ ﴿وإلى الجِبالِ﴾ الَّتِي يَنْزِلُونَ في أقْطارِها ويَنْتَفِعُونَ بِمائِها وأشْجارِها ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ وُضِعَتْ وضْعًا ثابِتًا يَتَأتّى مَعَهُ ارْتِقاؤُها فَلا تَمِيلُ ولا تَمِيدُ ويُمْكِنُ الرُّقِيُّ إلى دارِها ﴿وإلى الأرْضِ﴾ الَّتِي يَضْرِبُونَ فِيها ويَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ سَفْحًا بِتَوْطِئَةٍ وتَمْهِيدٍ وتَسْوِيَةٍ وتَوْطِيدٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ صَلاحُ أُمُورِ أهْلِها ولا يُنافِي ذَلِكَ القَوْلَ بِأنَّها قَرِيبَةٌ مِنَ الكُرَةِ الحَقِيقِيَّةِ لِمَكانِ عِظَمِها. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «خَلَقْتُ» «رَفَعْتُ» «نَصَبْتُ» «سَطَحْتُ» بِتاءِ المُتَكَلِّمِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والمَفْعُولُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ، وهو العائِدُ إلى المُبْدَلِ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ أيْ: خَلَقْتُها رَفَعْتُها نَصَبْتُها سَطَحْتُها. وقَرَأ الحَسَنُ وهارُونُ الرَّشِيدُ: «سُطِّحَتْ» بِتَشْدِيدِ الطّاءِ، والمَعْنى: أفَلا يَنْظُرُونَ نَظَرَ التَّدَبُّرِ والِاعْتِبارِ إلى كَيْفِيَّةِ خَلْقِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ الشّاهِدَةِ بِحَقِّيَّةِ البَعْثِ والنُّشُورِ لِيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والنُّفُورِ ويَسْمَعُوا إنْذارَكَ ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ النَّظَرُ عَلى الإبْصارِ ويَكُونَ فِيهِ دَعْوى ظُهُورِ المَطْلُوبِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ بِمُجَرَّدِ إبْصارِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

الغاشية 88:20

صفحة 117 ﴿وإلى السَّماءِ﴾ الَّتِي يُشاهِدُونَها لَيْلًا ونَهارًا ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ رَفْعًا سَحِيقَ المَدى بِلا عِمادٍ ولا مِساكٍ بِحَيْثُ لا يَنالُهُ الفَهْمُ والإدْراكُ ﴿وإلى الجِبالِ﴾ الَّتِي يَنْزِلُونَ في أقْطارِها ويَنْتَفِعُونَ بِمائِها وأشْجارِها ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ وُضِعَتْ وضْعًا ثابِتًا يَتَأتّى مَعَهُ ارْتِقاؤُها فَلا تَمِيلُ ولا تَمِيدُ ويُمْكِنُ الرُّقِيُّ إلى دارِها ﴿وإلى الأرْضِ﴾ الَّتِي يَضْرِبُونَ فِيها ويَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ سَفْحًا بِتَوْطِئَةٍ وتَمْهِيدٍ وتَسْوِيَةٍ وتَوْطِيدٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ صَلاحُ أُمُورِ أهْلِها ولا يُنافِي ذَلِكَ القَوْلَ بِأنَّها قَرِيبَةٌ مِنَ الكُرَةِ الحَقِيقِيَّةِ لِمَكانِ عِظَمِها. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «خَلَقْتُ» «رَفَعْتُ» «نَصَبْتُ» «سَطَحْتُ» بِتاءِ المُتَكَلِّمِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والمَفْعُولُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ، وهو العائِدُ إلى المُبْدَلِ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ أيْ: خَلَقْتُها رَفَعْتُها نَصَبْتُها سَطَحْتُها. وقَرَأ الحَسَنُ وهارُونُ الرَّشِيدُ: «سُطِّحَتْ» بِتَشْدِيدِ الطّاءِ، والمَعْنى: أفَلا يَنْظُرُونَ نَظَرَ التَّدَبُّرِ والِاعْتِبارِ إلى كَيْفِيَّةِ خَلْقِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ الشّاهِدَةِ بِحَقِّيَّةِ البَعْثِ والنُّشُورِ لِيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والنُّفُورِ ويَسْمَعُوا إنْذارَكَ ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ النَّظَرُ عَلى الإبْصارِ ويَكُونَ فِيهِ دَعْوى ظُهُورِ المَطْلُوبِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ بِمُجَرَّدِ إبْصارِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

الغاشية 88:21

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ الإنْكارُ السّابِقُ مِن عَدَمِ النَّظَرِ؛ أيْ: فاقْتَصِرْ عَلى التَّذْكِيرِ ولا تَلِحَّ عَلَيْهِمْ ولا يَهُمَّنَّكَ أنَّهم لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَذَكَّرُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ تَقْرِيرٌ لَهُ وتَحْقِيقٌ لِمَعْنى الإنْذارِ؛ أيْ: لَسْتَ بِمُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِمْ تَجْبُرُهم عَلى ما تُرِيدُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ وقَرَأ الجُمْهُورُ: «بِمُصَيْطِرٍ» بِالصّادِ وكَسْرِ الطّاءِ، والأصْلُ السِّينُ، والصّادُ بَدَلٌ مِنهُ؛ فَإنَّهُ مِنَ السَّطْرِ بِمَعْنى التَّسَلُّطِ يُقالُ: سَطَرَ عَلَيْهِ إذا تَسَلَّطَ، وقَرَأ حَمْزَةُ في رِوايَةٍ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا، وهارُونُ بِفَتْحِ الطّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وسَيْطَرَ مُتَعَدٍّ عِنْدَهُمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: تَسَيْطَرَ لِمَكانِ المُطاوَعَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. و«إلّا» فِيهِ بِمَعْنى لَكِنْ. و«مَن» مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَها صِلَةٌ، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ فِيهِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ نَحْوَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وجَعْلُ مَن شَرْطِيَّةً يُبْعِدُهُ وُجُودُ الفاءِ فِيما يَصْلُحُ لِجَوابِيَّتِها بِدُونِها، وتَقْدِيرُ: فَهو يُعَذِّبُهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. وأيًّا ما كانَ فَمِنَ المُنْقَطِعِ ما يَقَعُ بَعْدَ إلّا فِيهِ جُمْلَةٌ. أيْ: لَكِنْ مَن أعْرَضَ وأقامَ عَلى الكُفْرِ مِنهم يُعَذِّبُهُ اللَّهُ تَعالى العَذابَ الأكْبَرَ، وهَذا عَذابُ الآخِرَةِ في النّارِ؛ فَإنَّهُ الأكْبَرُ، وعَذابُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أصْغَرُ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الِانْقِطاعَ عَلى مَعْنى: لَسْتَ بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ مَن تَوَلّى وكَفَرَ مِنهم فَإنَّ لِلَّهِ تَعالى الوِلايَةَ عَلَيْهِ والقَهْرَ فَيُعَذِّبُهُ في نارِ جَهَنَّمَ. ولَمْ يَجْعَلْ عَلى ما قِيلَ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَوْلِيًا عَلى مَن تَوَلّى وقَدْ حُصِرَتِ الوِلايَةُ بِهِ تَعالى، وجُوِّزَ اتِّصالُهُ بِأنْ يَكُونَ مِن ضَمِيرِ ( عَلَيْهِمْ ) فَيَكُونَ «مَن» في مَحَلِّ جَرٍّ تابِعًا لَهُ، وتَسَلُّطُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى المُتَوَلِّي بِاعْتِبارِ جِهادِهِ وقَتْلِهِ الَّذِي وُعِدَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يُنافِي حَصْرَ الوِلايَةِ بِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إلّا عَلى مَن تَوَلّى وأقامَ عَلى الكُفْرِ فَإنَّكَ مُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ بِما يُؤْذَنُ لَكَ مِن جِهادِهِ وقَتْلِهِ وسَبْيِهِ وأسْرِهِ، وبَعْدَ ذَلِكَ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ تَعالى في جَهَنَّمَ، فَيَكُونُ في الآيَةِ إيعادٌ لَهم بِالجِهادِ في الدُّنْيا وعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إيعادًا بِالجِهادِ فَقَطْ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ الأكْبَرِ القَتْلُ وسَبْيُ النِّساءِ والأوْلادِ وسائِرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الجِهادِ مِنَ البَلايا فَيَكُونُ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أكْبَرُ عَذابِهِمْ في الدُّنْيا؛ ذَلِكَ لا ما كانَ في الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ ونَحْوِهِما، وأُقِيمَ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ إلَخْ مَقامَ: فَتَكُونُ عَلَيْهِ صفحة 118 مُتَسَلِّطًا إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى كَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا دَخْلَ لَهُ فِيهِ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: في كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا إشْكالٌ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ هو المَذْكُورُ بَعْدًا لا غَيْرَ مُخْرَجٍ عَنْ مُتَعَدِّدٍ قَبْلَهُ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيهِ مُخالِفٌ لَهُ في الحُكْمِ ولَيْسَ مَن تَوَلّى وكَفَرَ خارِجًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولَيْسَ حُكْمُهم مُخالِفًا لَهُ. ثُمَّ أجابَ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ قَدْ يَكُونُ لِدَفْعِ تَوَهُّمٍ ناشِئٍ مِمّا سَبَقَ مِن غَيْرِ أنْ يُخالِفَ المُسْتَثْنى مِنهُ في الحُكْمِ فالواجِبُ ذِكْرُ حُكْمٍ لَهُ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ حُكْمُهُ مُخالِفًا لِحُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ فَكَأنَّهُ هاهُنا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّعْذِيبِ فَتَأمَّلْ. وجُوِّزَ كَوْنُ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ و«مَن» مَوْصُولَةٌ لا غَيْرَ. والمُرادُ بِالعَذابِ اسْتِحْقاقُ العَذابِ؛ أيْ: فَذَكِّرْ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ مِن إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ. وقَوْلُهُ ﴿إنَّما أنْتَ﴾ إلَخْ. عَلى هَذا اعْتِراضٌ ورُجِّحَ الِانْقِطاعُ بِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وزَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ وقَتادَةَ وزَيْدَ بْنَ أسْلَمَ قَرَءُوا: «ألا» حَرْفَ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ.

الغاشية 88:22

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ الإنْكارُ السّابِقُ مِن عَدَمِ النَّظَرِ؛ أيْ: فاقْتَصِرْ عَلى التَّذْكِيرِ ولا تَلِحَّ عَلَيْهِمْ ولا يَهُمَّنَّكَ أنَّهم لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَذَكَّرُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ تَقْرِيرٌ لَهُ وتَحْقِيقٌ لِمَعْنى الإنْذارِ؛ أيْ: لَسْتَ بِمُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِمْ تَجْبُرُهم عَلى ما تُرِيدُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ وقَرَأ الجُمْهُورُ: «بِمُصَيْطِرٍ» بِالصّادِ وكَسْرِ الطّاءِ، والأصْلُ السِّينُ، والصّادُ بَدَلٌ مِنهُ؛ فَإنَّهُ مِنَ السَّطْرِ بِمَعْنى التَّسَلُّطِ يُقالُ: سَطَرَ عَلَيْهِ إذا تَسَلَّطَ، وقَرَأ حَمْزَةُ في رِوايَةٍ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا، وهارُونُ بِفَتْحِ الطّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وسَيْطَرَ مُتَعَدٍّ عِنْدَهُمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: تَسَيْطَرَ لِمَكانِ المُطاوَعَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. و«إلّا» فِيهِ بِمَعْنى لَكِنْ. و«مَن» مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَها صِلَةٌ، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ فِيهِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ نَحْوَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وجَعْلُ مَن شَرْطِيَّةً يُبْعِدُهُ وُجُودُ الفاءِ فِيما يَصْلُحُ لِجَوابِيَّتِها بِدُونِها، وتَقْدِيرُ: فَهو يُعَذِّبُهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. وأيًّا ما كانَ فَمِنَ المُنْقَطِعِ ما يَقَعُ بَعْدَ إلّا فِيهِ جُمْلَةٌ. أيْ: لَكِنْ مَن أعْرَضَ وأقامَ عَلى الكُفْرِ مِنهم يُعَذِّبُهُ اللَّهُ تَعالى العَذابَ الأكْبَرَ، وهَذا عَذابُ الآخِرَةِ في النّارِ؛ فَإنَّهُ الأكْبَرُ، وعَذابُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أصْغَرُ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الِانْقِطاعَ عَلى مَعْنى: لَسْتَ بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ مَن تَوَلّى وكَفَرَ مِنهم فَإنَّ لِلَّهِ تَعالى الوِلايَةَ عَلَيْهِ والقَهْرَ فَيُعَذِّبُهُ في نارِ جَهَنَّمَ. ولَمْ يَجْعَلْ عَلى ما قِيلَ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَوْلِيًا عَلى مَن تَوَلّى وقَدْ حُصِرَتِ الوِلايَةُ بِهِ تَعالى، وجُوِّزَ اتِّصالُهُ بِأنْ يَكُونَ مِن ضَمِيرِ ( عَلَيْهِمْ ) فَيَكُونَ «مَن» في مَحَلِّ جَرٍّ تابِعًا لَهُ، وتَسَلُّطُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى المُتَوَلِّي بِاعْتِبارِ جِهادِهِ وقَتْلِهِ الَّذِي وُعِدَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يُنافِي حَصْرَ الوِلايَةِ بِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إلّا عَلى مَن تَوَلّى وأقامَ عَلى الكُفْرِ فَإنَّكَ مُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ بِما يُؤْذَنُ لَكَ مِن جِهادِهِ وقَتْلِهِ وسَبْيِهِ وأسْرِهِ، وبَعْدَ ذَلِكَ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ تَعالى في جَهَنَّمَ، فَيَكُونُ في الآيَةِ إيعادٌ لَهم بِالجِهادِ في الدُّنْيا وعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إيعادًا بِالجِهادِ فَقَطْ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ الأكْبَرِ القَتْلُ وسَبْيُ النِّساءِ والأوْلادِ وسائِرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الجِهادِ مِنَ البَلايا فَيَكُونُ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أكْبَرُ عَذابِهِمْ في الدُّنْيا؛ ذَلِكَ لا ما كانَ في الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ ونَحْوِهِما، وأُقِيمَ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ إلَخْ مَقامَ: فَتَكُونُ عَلَيْهِ صفحة 118 مُتَسَلِّطًا إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى كَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا دَخْلَ لَهُ فِيهِ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: في كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا إشْكالٌ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ هو المَذْكُورُ بَعْدًا لا غَيْرَ مُخْرَجٍ عَنْ مُتَعَدِّدٍ قَبْلَهُ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيهِ مُخالِفٌ لَهُ في الحُكْمِ ولَيْسَ مَن تَوَلّى وكَفَرَ خارِجًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولَيْسَ حُكْمُهم مُخالِفًا لَهُ. ثُمَّ أجابَ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ قَدْ يَكُونُ لِدَفْعِ تَوَهُّمٍ ناشِئٍ مِمّا سَبَقَ مِن غَيْرِ أنْ يُخالِفَ المُسْتَثْنى مِنهُ في الحُكْمِ فالواجِبُ ذِكْرُ حُكْمٍ لَهُ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ حُكْمُهُ مُخالِفًا لِحُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ فَكَأنَّهُ هاهُنا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّعْذِيبِ فَتَأمَّلْ. وجُوِّزَ كَوْنُ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ و«مَن» مَوْصُولَةٌ لا غَيْرَ. والمُرادُ بِالعَذابِ اسْتِحْقاقُ العَذابِ؛ أيْ: فَذَكِّرْ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ مِن إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ. وقَوْلُهُ ﴿إنَّما أنْتَ﴾ إلَخْ. عَلى هَذا اعْتِراضٌ ورُجِّحَ الِانْقِطاعُ بِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وزَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ وقَتادَةَ وزَيْدَ بْنَ أسْلَمَ قَرَءُوا: «ألا» حَرْفَ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ.

الغاشية 88:23

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ الإنْكارُ السّابِقُ مِن عَدَمِ النَّظَرِ؛ أيْ: فاقْتَصِرْ عَلى التَّذْكِيرِ ولا تَلِحَّ عَلَيْهِمْ ولا يَهُمَّنَّكَ أنَّهم لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَذَكَّرُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ تَقْرِيرٌ لَهُ وتَحْقِيقٌ لِمَعْنى الإنْذارِ؛ أيْ: لَسْتَ بِمُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِمْ تَجْبُرُهم عَلى ما تُرِيدُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ وقَرَأ الجُمْهُورُ: «بِمُصَيْطِرٍ» بِالصّادِ وكَسْرِ الطّاءِ، والأصْلُ السِّينُ، والصّادُ بَدَلٌ مِنهُ؛ فَإنَّهُ مِنَ السَّطْرِ بِمَعْنى التَّسَلُّطِ يُقالُ: سَطَرَ عَلَيْهِ إذا تَسَلَّطَ، وقَرَأ حَمْزَةُ في رِوايَةٍ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا، وهارُونُ بِفَتْحِ الطّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وسَيْطَرَ مُتَعَدٍّ عِنْدَهُمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: تَسَيْطَرَ لِمَكانِ المُطاوَعَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. و«إلّا» فِيهِ بِمَعْنى لَكِنْ. و«مَن» مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَها صِلَةٌ، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ فِيهِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ نَحْوَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وجَعْلُ مَن شَرْطِيَّةً يُبْعِدُهُ وُجُودُ الفاءِ فِيما يَصْلُحُ لِجَوابِيَّتِها بِدُونِها، وتَقْدِيرُ: فَهو يُعَذِّبُهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. وأيًّا ما كانَ فَمِنَ المُنْقَطِعِ ما يَقَعُ بَعْدَ إلّا فِيهِ جُمْلَةٌ. أيْ: لَكِنْ مَن أعْرَضَ وأقامَ عَلى الكُفْرِ مِنهم يُعَذِّبُهُ اللَّهُ تَعالى العَذابَ الأكْبَرَ، وهَذا عَذابُ الآخِرَةِ في النّارِ؛ فَإنَّهُ الأكْبَرُ، وعَذابُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أصْغَرُ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الِانْقِطاعَ عَلى مَعْنى: لَسْتَ بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ مَن تَوَلّى وكَفَرَ مِنهم فَإنَّ لِلَّهِ تَعالى الوِلايَةَ عَلَيْهِ والقَهْرَ فَيُعَذِّبُهُ في نارِ جَهَنَّمَ. ولَمْ يَجْعَلْ عَلى ما قِيلَ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَوْلِيًا عَلى مَن تَوَلّى وقَدْ حُصِرَتِ الوِلايَةُ بِهِ تَعالى، وجُوِّزَ اتِّصالُهُ بِأنْ يَكُونَ مِن ضَمِيرِ ( عَلَيْهِمْ ) فَيَكُونَ «مَن» في مَحَلِّ جَرٍّ تابِعًا لَهُ، وتَسَلُّطُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى المُتَوَلِّي بِاعْتِبارِ جِهادِهِ وقَتْلِهِ الَّذِي وُعِدَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يُنافِي حَصْرَ الوِلايَةِ بِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إلّا عَلى مَن تَوَلّى وأقامَ عَلى الكُفْرِ فَإنَّكَ مُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ بِما يُؤْذَنُ لَكَ مِن جِهادِهِ وقَتْلِهِ وسَبْيِهِ وأسْرِهِ، وبَعْدَ ذَلِكَ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ تَعالى في جَهَنَّمَ، فَيَكُونُ في الآيَةِ إيعادٌ لَهم بِالجِهادِ في الدُّنْيا وعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إيعادًا بِالجِهادِ فَقَطْ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ الأكْبَرِ القَتْلُ وسَبْيُ النِّساءِ والأوْلادِ وسائِرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الجِهادِ مِنَ البَلايا فَيَكُونُ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أكْبَرُ عَذابِهِمْ في الدُّنْيا؛ ذَلِكَ لا ما كانَ في الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ ونَحْوِهِما، وأُقِيمَ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ إلَخْ مَقامَ: فَتَكُونُ عَلَيْهِ صفحة 118 مُتَسَلِّطًا إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى كَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا دَخْلَ لَهُ فِيهِ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: في كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا إشْكالٌ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ هو المَذْكُورُ بَعْدًا لا غَيْرَ مُخْرَجٍ عَنْ مُتَعَدِّدٍ قَبْلَهُ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيهِ مُخالِفٌ لَهُ في الحُكْمِ ولَيْسَ مَن تَوَلّى وكَفَرَ خارِجًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولَيْسَ حُكْمُهم مُخالِفًا لَهُ. ثُمَّ أجابَ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ قَدْ يَكُونُ لِدَفْعِ تَوَهُّمٍ ناشِئٍ مِمّا سَبَقَ مِن غَيْرِ أنْ يُخالِفَ المُسْتَثْنى مِنهُ في الحُكْمِ فالواجِبُ ذِكْرُ حُكْمٍ لَهُ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ حُكْمُهُ مُخالِفًا لِحُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ فَكَأنَّهُ هاهُنا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّعْذِيبِ فَتَأمَّلْ. وجُوِّزَ كَوْنُ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ و«مَن» مَوْصُولَةٌ لا غَيْرَ. والمُرادُ بِالعَذابِ اسْتِحْقاقُ العَذابِ؛ أيْ: فَذَكِّرْ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ مِن إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ. وقَوْلُهُ ﴿إنَّما أنْتَ﴾ إلَخْ. عَلى هَذا اعْتِراضٌ ورُجِّحَ الِانْقِطاعُ بِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وزَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ وقَتادَةَ وزَيْدَ بْنَ أسْلَمَ قَرَءُوا: «ألا» حَرْفَ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ.

الغاشية 88:24

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ الإنْكارُ السّابِقُ مِن عَدَمِ النَّظَرِ؛ أيْ: فاقْتَصِرْ عَلى التَّذْكِيرِ ولا تَلِحَّ عَلَيْهِمْ ولا يَهُمَّنَّكَ أنَّهم لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَذَكَّرُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ تَقْرِيرٌ لَهُ وتَحْقِيقٌ لِمَعْنى الإنْذارِ؛ أيْ: لَسْتَ بِمُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِمْ تَجْبُرُهم عَلى ما تُرِيدُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ وقَرَأ الجُمْهُورُ: «بِمُصَيْطِرٍ» بِالصّادِ وكَسْرِ الطّاءِ، والأصْلُ السِّينُ، والصّادُ بَدَلٌ مِنهُ؛ فَإنَّهُ مِنَ السَّطْرِ بِمَعْنى التَّسَلُّطِ يُقالُ: سَطَرَ عَلَيْهِ إذا تَسَلَّطَ، وقَرَأ حَمْزَةُ في رِوايَةٍ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا، وهارُونُ بِفَتْحِ الطّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وسَيْطَرَ مُتَعَدٍّ عِنْدَهُمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: تَسَيْطَرَ لِمَكانِ المُطاوَعَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. و«إلّا» فِيهِ بِمَعْنى لَكِنْ. و«مَن» مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَها صِلَةٌ، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ فِيهِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ نَحْوَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وجَعْلُ مَن شَرْطِيَّةً يُبْعِدُهُ وُجُودُ الفاءِ فِيما يَصْلُحُ لِجَوابِيَّتِها بِدُونِها، وتَقْدِيرُ: فَهو يُعَذِّبُهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. وأيًّا ما كانَ فَمِنَ المُنْقَطِعِ ما يَقَعُ بَعْدَ إلّا فِيهِ جُمْلَةٌ. أيْ: لَكِنْ مَن أعْرَضَ وأقامَ عَلى الكُفْرِ مِنهم يُعَذِّبُهُ اللَّهُ تَعالى العَذابَ الأكْبَرَ، وهَذا عَذابُ الآخِرَةِ في النّارِ؛ فَإنَّهُ الأكْبَرُ، وعَذابُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أصْغَرُ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الِانْقِطاعَ عَلى مَعْنى: لَسْتَ بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ مَن تَوَلّى وكَفَرَ مِنهم فَإنَّ لِلَّهِ تَعالى الوِلايَةَ عَلَيْهِ والقَهْرَ فَيُعَذِّبُهُ في نارِ جَهَنَّمَ. ولَمْ يَجْعَلْ عَلى ما قِيلَ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَوْلِيًا عَلى مَن تَوَلّى وقَدْ حُصِرَتِ الوِلايَةُ بِهِ تَعالى، وجُوِّزَ اتِّصالُهُ بِأنْ يَكُونَ مِن ضَمِيرِ ( عَلَيْهِمْ ) فَيَكُونَ «مَن» في مَحَلِّ جَرٍّ تابِعًا لَهُ، وتَسَلُّطُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى المُتَوَلِّي بِاعْتِبارِ جِهادِهِ وقَتْلِهِ الَّذِي وُعِدَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يُنافِي حَصْرَ الوِلايَةِ بِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إلّا عَلى مَن تَوَلّى وأقامَ عَلى الكُفْرِ فَإنَّكَ مُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ بِما يُؤْذَنُ لَكَ مِن جِهادِهِ وقَتْلِهِ وسَبْيِهِ وأسْرِهِ، وبَعْدَ ذَلِكَ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ تَعالى في جَهَنَّمَ، فَيَكُونُ في الآيَةِ إيعادٌ لَهم بِالجِهادِ في الدُّنْيا وعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إيعادًا بِالجِهادِ فَقَطْ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ الأكْبَرِ القَتْلُ وسَبْيُ النِّساءِ والأوْلادِ وسائِرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الجِهادِ مِنَ البَلايا فَيَكُونُ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أكْبَرُ عَذابِهِمْ في الدُّنْيا؛ ذَلِكَ لا ما كانَ في الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ ونَحْوِهِما، وأُقِيمَ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ إلَخْ مَقامَ: فَتَكُونُ عَلَيْهِ صفحة 118 مُتَسَلِّطًا إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى كَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا دَخْلَ لَهُ فِيهِ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: في كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا إشْكالٌ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ هو المَذْكُورُ بَعْدًا لا غَيْرَ مُخْرَجٍ عَنْ مُتَعَدِّدٍ قَبْلَهُ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيهِ مُخالِفٌ لَهُ في الحُكْمِ ولَيْسَ مَن تَوَلّى وكَفَرَ خارِجًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولَيْسَ حُكْمُهم مُخالِفًا لَهُ. ثُمَّ أجابَ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ قَدْ يَكُونُ لِدَفْعِ تَوَهُّمٍ ناشِئٍ مِمّا سَبَقَ مِن غَيْرِ أنْ يُخالِفَ المُسْتَثْنى مِنهُ في الحُكْمِ فالواجِبُ ذِكْرُ حُكْمٍ لَهُ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ حُكْمُهُ مُخالِفًا لِحُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ فَكَأنَّهُ هاهُنا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّعْذِيبِ فَتَأمَّلْ. وجُوِّزَ كَوْنُ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ و«مَن» مَوْصُولَةٌ لا غَيْرَ. والمُرادُ بِالعَذابِ اسْتِحْقاقُ العَذابِ؛ أيْ: فَذَكِّرْ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ مِن إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ. وقَوْلُهُ ﴿إنَّما أنْتَ﴾ إلَخْ. عَلى هَذا اعْتِراضٌ ورُجِّحَ الِانْقِطاعُ بِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وزَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ وقَتادَةَ وزَيْدَ بْنَ أسْلَمَ قَرَءُوا: «ألا» حَرْفَ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ.

الغاشية 88:25

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ تَعالى إيّاهم بِالعَذابِ الأكْبَرِ وإيابٌ مَصْدَرُ آبَ؛ أيْ: رَجَعَ؛ أيْ: إنَّ إلَيْنا رُجُوعَهم بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى أحَدٍ سِوانا لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، وجُمِعَ الضَّمِيرُ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ بِاعْتِبارِ مَعْنى «مَن» كَما أنَّ إفْرادَهُ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: «إيّابَهُمْ» بِتَشْدِيدِ الياءِ قالَ البَطْلَيُوسِيُّ في كِتابِ المُثَلَّثاتِ: هَذِهِ القِراءَةُ تَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ «إيّابَ» بِالتَّشْدِيدِ فِعّالًا مِن أوِبَ عَلى زِنَةِ فَعِلَ كَكَذِبَ كِذّابًا، وأصْلُهُ أوّابٌ فَلَمْ يُعْتَدَّ بِالواوِ الأُولى حاجِزًا لِضَعْفِها بِالسُّكُونِ فَأبْدَلَ مِنَ الواوِ الثّانِيَةِ ياءً لِانْكِسارِ الهَمْزَةِ فَصارَ في التَّقْدِيرِ أُويابًا ثُمَّ قُلِبَتِ الأُولى ياءً أيْضًا لِاجْتِماعِ ياءٍ وواوٍ وسُكُونِ إحْداهُما، ولِأنَّ الواوَ الأُولى إذا لَمْ تَمْنَعْ مِنَ انْقِلابِ الثّانِيَةِ فَهي أجْدَرُ بِالِانْقِلابِ، والثّانِي أنْ يَكُونَ فَيْعالًا وأصْلُهُ أيْوابًا فَأُعِلَّ إعْلالَ سَيِّدٍ، وفِعْلُهُ عَلى هَذا أيَّبَ عَلى وزْنِ فَيْعَلَ كَحَوْقَلَ حَيْقالًا مِنَ الإيابِ، وأصْلُهُ أيُّوبَ فَأُعِلَّ كَما ذَكَرْنا، والوَجْهُ الأوَّلُ أقْيَسُ؛ لِأنَّهم قالُوا في مَصْدَرِهِ: التَّأْوِيبُ والتَّفْعِيلُ مَصْدَرُ فَعَلَ لا فَيْعَلٍ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قالُوا: هو سَرِيعُ الأوْبَةِ والأيْبَةِ؛ فَكَأنَّهم آثَرُوا الياءَ لِخِفَّتِها. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ إلّا أنَّهُ في الأوَّلِ مِنهُما يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ أوّابًا فَعّالًا مِن أوَبَ ثُمَّ قِيلَ: إيوابًا كَدِيوانٍ في دَوّانٍ. ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِأصْلِ سَيِّدٍ، وظاهِرُهُ أنَّ الواوَ الأُولى هي الَّتِي قُلِبَتْ أوَّلًا ياءً، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُقَرَّرَ أنَّ الواوَ الأُولى إذا كانَتْ مَوْضُوعَةً عَلى الإدْغامِ وجاءَ ما قَبْلَها مَكْسُورًا لا تُقْلَبُ ياءً لِأجْلِ الكَسْرِ كَما في اخْرِوّاطٍ مَصْدَرِ اخْرَوَّطَ وإنَّ دِيوانًا إذا كانَ مَذْكُورًا لِلْقِياسِ عَلَيْهِ لا لِلتَّنْظِيرِ لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ لِنَصِّهِمْ عَلى شُذُوذِهِ وكَأنَّ البَطْلِيُوسِيَّ عَدَلَ إلى ما عَدَلَ لِذَلِكَ. وفي الكَشْفِ: لَوْ جُعِلَ مَصْدَرُ فاعَلَ مِنَ الأوْبِ فَقَدْ جاءَ فِيهِ فَيْعالٌ حَتّى قالَ بَعْضُهم إنَّ فَعّالًا مُخَفَّفٌ عَنْهُ لَكانَ أظْهَرَ لِأنَّ فَيْعَلَ لا يَثْبُتُ إلّا بِثَبْتٍ، والأوَّلُ كالمُنْقاسِ، ومَعْنى الفاعِلَةِ حِينَئِذٍ إمّا المُبالَغَةَ وإمّا مُسابَقَةَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا في الأوْبِ، وأمّا جَعْلُهُ فَعّالًا عَلى ما قَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَأبْعَدَ إلى آخِرِ كَلامِهِ، وكَوْنُهُ مِن فاعِلٍ جَوَّزَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا لَكِنَّهُ قالَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن آوِبٍ فَيَجِيءُ إيوابًا سُهِّلَتْ هَمْزَتُهُ وكانَ اللّازِمُ في الإدْغامِ يَرُدُّها أوّابًا لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ فاعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ قَوْلَهُ: «وكانَ اللّازِمُ إلَخْ» لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلِ اللّازِمُ إذا اعْتُبِرَ الإدْغامُ أنْ يَكُونَ إيّابًا؛ لِأنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَتْ ياءٌ وهي المُبْدَلَةُ مِنَ الهَمْزَةِ بِالتَّسْهِيلِ وواوٌ وهي عَيْنُ الكَلِمَةِ وإحْداهُما ساكِنَةٌ فَتُقْلَبُ الواوُ ياءً وتُدْغَمُ فِيها الياءُ فَيَصِيرُ إيّابًا فَلا تَغْفُلْ.

الغاشية 88:26

﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ في المَحْشَرِ لا عَلى غَيْرِنا و«ثُمَّ» لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ لا الزَّمانِيِّ؛ فَإنَّ التَّرْتِيبَ الزَّمانِيَّ بَيْنَ إيابِهِمْ وحِسابِهِمْ لا بَيْنَ كَوْنِ إيابِهِمْ إلَيْهِ تَعالى وحِسابِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَإنَّهُما أمْرانِ مُسْتَمِرّانِ. وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَتَيْنِ بِأنَّ وتَقْدِيمِ خَبَرِها والإتْيانِ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ وعِطْفِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى بِثُمَّ المُفِيدَةِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ الحِسابِ في الشِّدَّةِ مِنَ الإنْباءِ عَنْ غايَةِ السُّخْطِ المُوجِبِ لِشَدِيدِ العَذابِ ما لا يَخْفى. وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الشِّيعَةِ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّ حِسابَ الخَلائِقِ عَلى الأمِيرِ صفحة 119 كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ وعَلى أهْلِ بَيْتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ مِنَ الأخْبارِ، ومَعْنى قَوْلِهِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «أنا قَسِيمُ الجَنَّةِ والنّارِ -إنْ صَحَّ- أنَّ النّاسَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ مَعِي فَهم عَلى هُدًى وفَرِيقٌ عَلَيَّ فَهم عَلى ضَلالٍ، فَقِسْمٌ مَعِي في الجَنَّةِ وقِسْمٌ في النّارِ» ولَعَلَّهم عَنَوْا أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يُحاسِبُ الخَلائِقَ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَقُولُ غَيْرُهم بِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُحاسِبُونَهم بِأمْرِهِ جَلَّ وعَلا وهو مَعْنًى لا يُنافِي الحَصْرَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الآيَةُ لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ، وأيُّ خُصُوصِيَّةٍ في الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِن بَيْنِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ والمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أجْمَعِينَ تَقْتَضِيهِ، ولا نَقْصَ لَهُ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ في نَفْيِ ذَلِكَ عَنْهُ ويَكْفِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن ظُهُورِ شَرَفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ يُزَفُّ إلى الجَنَّةِ بَيْنَ النَّبِيِّ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما جاءَ في الحَدِيثِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الفجر 89:1

سُورَةُ الفَجْرِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ: مَدَنِيَّةٌ وآيُها اثْنَتانِ وثَلاثُونَ آيَةً في الحِجازِيِّ، وثَلاثُونَ في الكُوفِيِّ والشّامِيِّ، وتِسْعٌ وعِشْرُونَ في البَصْرِيِّ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ و﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أتْبَعَهُ تَعالى بِذِكْرِ الطَّوائِفِ المُكَذِّبِينَ مِنَ المُتَجَبِّرِينَ الَّذِينَ وُجُوهُهم خاشِعَةٌ، وأشارَ جَلَّ شَأْنُهُ إلى الصِّنْفِ الآخَرِ الَّذِينَ وُجُوهُهم ناعِمَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ فِيها: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ وأيْضًا فِيها مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأمْرِ الغاشِيَةِ ما فِيها. وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: لَمْ يَظْهَرْ لِي في وجْهِهِ ارْتِباطُها سِوى أنْ أوَّلَها كالإقْسامِ عَلى صِحَّةِ ما خَتَمَ بِهِ السُّورَةَ الَّتِي قَبْلَها أوْ عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ هَذا مَعَ أنَّ جُمْلَةَ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ مُشابِهَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ﴾ وهو كَما تَرى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والفَجْرِ﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالفَجْرِ كَما أقْسَمَ عَزَّ وجَلَّ بِالصُّبْحِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ فالمُرادُ بِهِ الفَجْرُ المَعْرُوفُ كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ وغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم. وقِيلَ: المُرادُ عَمُودُهُ وضَوْؤُهُ المُمْتَدُّ وأصْلُهُ شَقُّ الشَّيْءِ شَقًّا واسِعًا، وسُمِّيَ الصُّبْحُ فَجْرًا لِكَوْنِهِ فاجِرًا لِلَّيْلِ وهو كاذِبٌ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الصَّوْمِ والصَّلاةِ، وصادِقٌ بِهِ يَتَعَلَّقُ حُكْمُهُما، وقَدْ تَكَلَّمُوا في سَبَبِ كُلٍّ بِما يَطُولُ، وتَقَدَّمَ بَعْضٌ مِنهُ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ هُنا الصّادِقُ فَهو أحْرى بِالقَسَمِ بِهِ والمُرادُ عِنْدَ كَثِيرٍ جِنْسُ الفَجْرِ لا فَجْرُ يَوْمٍ مَخْصُوصٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ فَجْرُ يَوْمِ الجُمْعَةِ، وعَنِ الضَّحّاكِ فَجْرُ ذِي الحِجَّةِ، وعَنْ مُقاتِلٍ فَجْرُ لَيْلَةِ جَمْعٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: هو فَجْرُ المُحَرَّمِ فَجْرُ السَّنَةِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ وعَنِ الحَبْرِ أيْضًا أنَّهُ النَّهارُ كُلُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: يَعْنِي صَلاةِ الفَجْرِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ فَهو إمّا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ عَلى إطْلاقِهِ عَلى الصَّلاةِ مَجازًا وهو شائِعٌ. وقِيلَ: المُرادُ فَجْرُ العُيُونِ مِنَ الصُّخُورِ وغَيْرِها.

الفجر 89:2

﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ هُنَّ العَشْرُ الأُولى مِنَ الأضْحى كَما أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ومَسْرُوقٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ وغَيْرِهِمْ. وأخْرَجَ ذَلِكَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرٍ يَرْفَعُهُ، ولَها مِنَ الفَضْلِ ما لَها. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أيّامٍ فِيهِنَّ العَمَلُ أحَبُّ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأفْضَلُ مِن أيّامِ العَشْرِ» قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ: «ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ إلّا رَجُلٌ جاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ ومالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ».» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي صفحة 120 حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُنَّ العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ. ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ بَلْ زَعَمَ التَّبْرِيزِيُّ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّهُنَّ هَذِهِ العَشْرُ وأنَّهُ لَمْ يُخالِفْ فِيهِ أحَدٌ، واسْتَدَلَّ لَهُ بَعْضُهم بِالحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ. قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا دَخَلَ العَشْرُ - تَعْنِي العَشْرَ الأواخِرَ مِن رَمَضانَ - شَدَّ مِئْزَرَهُ وأحْيا لَيْلَهُ وأيْقَظَ أهْلَهُ». وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ لِأنْ يَحْظى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ؛ لِأنَّها فِيها لا لِكَوْنِهِ العَشْرَ المُرادَةَ هُنا. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُنَّ العَشْرُ الأُوَلُ مِن رَمَضانَ، وعَنْ يَمانٍ وجَماعَةٍ أنَّهُنَّ العَشْرُ الأُوَلُ مِنَ المُحَرَّمِ وفِيها يَوْمُ عاشُوراءَ، وقَدْ ورَدَ في فَضْلِهِ ما ورَدَ. أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ واليَهُودُ تَصُومُ يَوْمَ عاشُوراءَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما هَذا اليَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» قالُوا: يَوْمٌ عَظِيمٌ أنْجى اللَّهُ تَعالى فِيهِ مُوسى وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فِيهِ، فَصامَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شُكْرًا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فَنَحْنُ أحَقُّ بِمُوسى مِنكُمْ» فَصامَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأمَرَ بِصِيامِهِ». وصَحَّ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرْسَلَ غَداةَ عاشُوراءَ إلى قُرى الأنْصارِ الَّتِي حَوْلَ المَدِينَةِ: «مَن كانَ أصْبَحَ صائِمًا فَلْيُتِمَّ يَوْمَهُ، ومَن كانَ أصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ». فَكانَ الصَّحابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ يَصُومُونَهُ ويُصَوِّمُونَهُ صِبْيانَهُمُ الصِّغارَ، ويَذْهَبُونَ بِهِمْ إلى المَسْجِدِ ويَجْعَلُونَ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ فَإذا بَكى أحَدُهم عَلى الطَّعامِ أعْطَوْهُ إيّاها حَتّى يَكُونَ الإفْطارُ». وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ الحَبْرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««صُومُوا يَوْمَ عاشُوراءَ، وخالِفُوا فِيهِ اليَهُودَ وصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا وبَعْدَهُ يَوْمًا»». وجاءَ في الأمْرِ بِالتَّوْسِعَةِ فِيهِ عَلى العِيالِ عِدَّةُ أحادِيثَ ضَعِيفَةٍ لَكِنْ قالَ البَيْهَقِيُّ: هي وإنْ كانَتْ ضَعِيفَةً إذا ضُمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ أحَدُّ قُوَّةً، وأيًّا ما كانَ فَتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ وقُلْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّها بَعْضُ لَيالِي السَّنَةِ أوِ الشَّهْرِ، والتَّفْخِيمُ أوْلى. قِيلَ: ولَوْلا قَصْدُ ما ذُكِرَ كانَ الظّاهِرُ تَعْرِيفَها كَأخَواتِها؛ لِأنَّها لَيالٍ مَعْهُودَةٌ مُعَيَّنَةٌ، وقَدَّرَ بَعْضُهم عَلى إرادَةِ صَلاةِ الفَجْرِ فِيما مَرَّ مُضافًا هُنا؛ أيْ: وعِبادَةِ لَيالٍ، ويُقالُ نَحْوُهُ فِيما بَعْدُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ فِيهِ ولَيْسَ بِلازِمٍ ولا أثَرَ فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِالإضافَةِ فَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ بِلازِمٍ دُونَ ياءٍ وبَعْضُهم «ولَيالِي عَشْرٍ» بِالياءِ وهو القِياسُ والمُرادُ ولَيالِي أيّامٍ عَشْرٍ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وهو المَعْدُودُ وفي مِثْلِ ذَلِكَ يَجُوزُ التّاءُ وتَرْكُها في العَدَدِ ومِنهُ: ««وأتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ»» وما حَكاهُ الكِسائِيُّ ضِمْنًا مِنَ الشَّهْرِ خَمْسًا، والمُرَجِّحُ لِلتَّرْكِ هاهُنا وُقُوعُهُ فاصِلَةً، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ بِالإضافَةِ بَيانِيَّةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

الفجر 89:3

﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ هُما عَلى ما في حَدِيثِ جابِرٍ المَرْفُوعِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ ويَوْمَ عَرَفَةَ. وقالَ الطِّيبِيُّ: رُوِّينا عَنِ الإمامِ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ والوَتَرِ فَقالَ: «الصَّلاةُ بَعْضُها شَفْعٌ وبَعْضُها وتْرٌ»». ثُمَّ قالَ: «هَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ» انْتَهى. وقَدْ رَواهُ عَنْ عِمْرانَ أيْضًا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ، لَكِنْ في البَحْرِ أنَّ حَدِيثَ جابِرٍ أصَحُّ إسْنادًا مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، ووَراءَ ذَلِكَ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ، فَأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: «أقْسَمَ رَبُّنا بِالعَدَدِ كُلِّهِ مِنهُ الشَّفْعُ ومِنهُ الوَتْرُ». وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: «الخَلْقُ كُلُّهُ شَفْعٌ ووَتَرٌ، فَأقْسَمَ سُبْحانَهُ بِخَلْقِهِ». وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «اللَّهُ تَعالى الوَتْرُ، وخَلْقُهُ سُبْحانَهُ الشَّفْعُ؛ الذَّكَرُ والأُنْثى». ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أبِي صالِحٍ ومَسْرُوقٍ وقَرَآ: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ شَفْعُ تِلْكَ اللَّيالِي ووَتْرُها، وقِيلَ: الشَّفْعُ أيّامُ عادٍ والوَتَرُ لَيالِيها. وقِيلَ: الشَّفْعُ أبْوابُ الجَنَّةِ والوَتْرُ أبْوابُ النّارِ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ ذَكَرَ في كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ مِمّا قِيلَ: فِيهِما سِتًّا وثَلاثِينَ قَوْلًا، وفي الكَشّافِ: قَدْ أكْثَرُوا في الشَّفْعِ والوَتَرِ حَتّى كادُوا يَسْتَوْعِبُونَ أجْناسَ ما يَقَعانِ فِيهِ وذَلِكَ قَلِيلُ الطّائِلِ جَدِيرٌ صفحة 121 بِالتَّلَهِّي عَنْهُ. وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: لا إشْعارَ لِلَفْظِ الشَّفْعِ والوَتْرِ بِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرُوهُ وتَعْيِينِهِ بَلْ هو إنَّما يَدُلُّ عَلى مَعْنًى كُلِّيٍّ مُتَناوِلٍ لِذَلِكَ، ولَعَلَّ مَن فَسَّرَهُما بِما فَسَّرَهُما لَمْ يَدَّعِ الِانْحِصارَ فِيما فَسَّرَ بِهِ بَلْ أفْرَدَ بِالذِّكْرِ مِن أنْواعِ مَدْلُولِهِما ما رَآهُ أظْهَرَ دَلالَةً عَلى التَّوْحِيدِ أوْ مَدْخَلًا في الدِّينِ أوْ مُناسَبَةً لِما قَبْلُ أوْ لِما بَعْدُ أوْ أكْثَرَ مَنفَعَةً مُوجِبَةٍ لِلشُّكْرِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ النِّكاتِ، وإذا ثَبَتَ مِنَ الشّارِعِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَفْسِيرُهُما بِبَعْضِ الوُجُوهِ فالظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى تَخْصِيصِ المَدْلُولِ بَلْ وارِدٌ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ بِما رَأى في تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ فائِدَةً مُعْتَدًّا بِها فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْمُفَسِّرِ أنْ يَحْمِلَ اللَّفْظَ عَلى بَعْضٍ آخَرَ مِن مُحْتَمَلاتِهِ لِفائِدَةٍ أُخْرى. انْتَهى. وهُوَ مَيْلٌ إلى أنَّ ألْ فِيهِما لِلْجِنْسِ لا لِلْعَهْدِ، والظّاهِرُ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الحَدِيثَيْنِ مِن بابِ القَطْعِ بِالتَّعْيِينِ دُونَ التَّمْثِيلِ لَكِنْ يُشْكِلُ أمْرُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُما حِينَئِذٍ، وإذا صَحَّ ما قالَ في البَحْرِ كانَ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ حَدِيثَ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأغَرُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبُو رَجاءٍ وابْنُ وثّابٍ وقَتادَةُ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ: «والوِتْرِ» بِكَسْرِ الواوِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِها وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهُما لُغَتانِ كالحَبْرِ والحِبْرِ بِمَعْنى العالِمِ عَلى ما قالَ صاحِبُ المَطْلَعِ في الوَتَرِ المُقابِلِ لِلشَّفْعِ، وأمّا في «الوِتْرِ» بِمَعْنى التِّرَةِ أيِ الحِقْدِ فالكَسْرُ هو المَسْمُوعُ وحْدَهُ، والأصْمَعِيُّ حَكى فِيهِ أيْضًا اللُّغَتَيْنِ وقَرَأ يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ التّاءِ وهو إمّا لُغَةٌ أوْ نَقْلُ حَرَكَةِ الواوِ في الوَقْفِ لِما قَبْلَها.

الفجر 89:4

﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ أيْ: يَمْضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوِ اسْتِعارَةٌ، ووَجْهُ الشَّبَهِ كالنَّهارِ و«إذا» عَلى ما صَرَّحَ بِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ في التَّلْوِيحِ بَدَلٌ مِن ( اللَّيْلِ ) وخُرُوجُها عَنِ الظَّرْفِيَّةِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، أوْ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِمُضافٍ مُقَدَّرٍ وهو العَظَمَةُ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُهُمْ، والإقْسامُ بِذَلِكَ الوَقْتِ أوْ تَقْيِيدُ العَظَمَةِ بِهِ لِما فِيهِ مِن وُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ووُفُورِ النِّعْمَةِ أوْ يَسْرِي فِيهِ عَلى ما نَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الأخْفَشِ وابْنِ قُتَيْبَةَ، كَقَوْلِهِمْ: صَلّى المَقامُ؛ أيْ: صُلِّيَ فِيهِ عَلى أنَّهُ تَجَوَّزَ فِيهِ الإسْنادَ بِإسْنادِ ما لِلشَّيْءِ لِلزَّمانِ كَما يُسْنَدُ لِلْمَكانِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِاللَّيْلِ جِنْسُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِهِ لَيْلَةُ النَّحْرِ وهي يَسْرِي الحاجُّ فِيها إلى المُزْدَلِفَةِ بَعْدَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ ولَيْسَ بِذاكَ، والإقْسامُ والتَّقْيِيدُ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ لِما في السَّيْرِ في اللَّيْلِ مِن نِعْمَةِ الحِفْظِ مِن حَرِّ الشَّمْسِ وشَرِّ قُطّاعِ الطَّرِيقِ غالِبًا وحُذِفَتِ الياءُ عِنْدَ الجُمْهُورِ وصْلًا ووَقْفًا مِن آخَرِ ﴿يَسْرِ﴾ مَعَ أنَّها لامُ مُضارِعٍ غَيْرِ مَجْزُومٍ اكْتِفاءً عَنْها بِالكَسْرَةِ لِلتَّخْفِيفِ ولِتَتَوافَقَ رُؤُوسُ الآيِ؛ ولِذا رُسِمَتْ كَذَلِكَ في المَصاحِفِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّها حُذِفَتْ لِسُقُوطِها في خَطِّها؛ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القِراءَةَ بِاتِّباعِ الرَّسْمِ دُونَ رِوايَةٍ سابِقَةٍ عَلَيْهِ وهو غَيْرُ صَحِيحٍ. وخَصَّ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ هَذا الحَذْفَ بِالوَقْفِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ ولَمْ يَحْذِفْ مُطْلَقًا ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ. وفي تَفْسِيرِ البَغَوِيِّ: سُئِلَ الأخْفَشُ عَنْ عِلَّةِ سُقُوطِ ياءِ ﴿يَسْرِ﴾ فَقالَ: اللَّيْلُ لا يَسْرِي ولَكِنْ يُسْرى فِيهِ. وهو تَعْلِيلٌ كَثِيرًا ما يُسْألُ عَنْهُ لِخَفائِهِ، والجَوابُ أنَّهُ أرادَ أنَّهُ لَمّا عُدِلَ عَنِ الظّاهِرِ في المَعْنى وغَيْرِهِما كانَ حَقُّهُ مَعْنًى غَيْرَ لَفْظِهِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ يَجُرُّ جِنْسَهُ لِإلْفِهِ بِهِ: إنَّ الطُّيُورَ عَلى أمْثالِها تَقَعُ. وهَذا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أنَّهُ لَمّا عُدِلَ عَنْ باغِيَةٍ أُسْقِطَتْ مِنهُ التّاءُ ولَمْ يَقُلْ: بَغِيَّةً، ومِثْلُهُ مِن بَدائِعِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ ويُمْكِنِ التَّعْلِيلُ بِنَحْوِهِ عَلى تَفْسِيرِ ﴿يَسْرِ﴾ بِ «يَمْضِي» لِما فِيهِ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ في المَعْنى أيْضًا عُلِمَتْ مِن أنَّهُ مَجازٌ في ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو الدِّينارِ الأعْرابِيُّ: و«الفَجْرٍ» و«الوَتْرٍ» و«يَسْرٍ» بِالتَّنْوِينِ في الثَّلاثَةِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا كَما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ وقَفَ عَلى أواخِرِ القَوافِي بِالتَّنْوِينِ وإنْ كانَتْ أفْعالًا أوْ فِيها ألْ نَحْوَ قَوْلِهِ: أقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابَنْ وقُولِي إنْ أُصِبْتُ لَقَدْ أصابَنْ صفحة 122 انْتَهى. وهَذا كَما قالَ أبُو حَيّانَ: ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ في القَوافِي المُطْلَقَةِ يَعْنِي المُحَرَّكَةَ إذا لَمْ يَتَرَنَّمِ الشّاعِرُ وهو أحَدُ وجْهَيْنِ لِلْعَرَبِ إذا لَمْ يَتَرَنَّمُوا، والوَجْهُ الآخَرُ الوُقُوفُ فَيَقُولُونَ: العِتابْ وأصابْ؛ كَحالِهِمْ إذا وقَفُوا عَلى الكَلِمَةِ في النَّثْرِ، وهَذا الأعْرابِيُّ أجْرى الفَواصِلَ مَجْرى الوَقْفِ وعامَلَها مُعامَلَةَ القَوافِي المُطْلَقَةِ ويُسَمّى هَذا التَّنْوِينُ تَنْوِينَ التَّرَنُّمِ، ولا اخْتِصاصَ لَهُ بِالِاسْمِ، ويَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّهُ قِيلَ: يُكْتَبُ نُونًا بِخِلافِ أقْسامِ التَّنْوِينِ المُخْتَصَّةِ بِالِاسْمِ.

الفجر 89:5

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ في ذَلِكَ﴾ إلَخْ تَحْقِيقٌ وتَقْرِيرٌ لِفَخامَةِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ المُقْسَمِ بِها وكَوْنُها مُسْتَحِقَّةً لِأنْ تُعَظَّمَ بِالإقْسامِ بِها فَيَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَأْكِيدُهُ مِن طَرِيقِ الكِنايَةِ فَذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَقْسَمِ بِهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِزِيادَةِ تَعْظِيمِهِ؛ أيْ: هَلْ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأشْياءِ ﴿قَسَمٌ﴾ أيْ: مُقْسَمٌ بِهِ ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ أيْ: هَلْ يَحِقُّ عِنْدَهُ أنْ يُقْسَمَ بِهِ إجْلالًا وتَعْظِيمًا، والمُرادُ تَحْقِيقُ أنَّ الكُلَّ كَذَلِكَ وإنَّما أُوثِرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ هَضْمًا لِلْحَقِّ وإيذانًا بِظُهُورِ الأمْرِ، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَكَلِّمُ بَعْدَ ذِكْرِ دَلِيلٍ واضِحِ الدَّلالَةِ عَلى مَدْعاةٍ: هَلْ دَلَّ هَذا عَلى ما قُلْناهُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّحْقِيقُ أنَّ ذَوِي الحِجْرِ يُؤَكِّدُونَ بِمِثْلِ ذَلِكَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَيَدُلُّ أيْضًا عَلى تَعْظِيمِهِ وتَأْكِيدِهِ فَذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ أعْنِي الإقْسامَ هَلْ في إقْسامِي بِتِلْكَ الأشْياءِ إقْسامٌ لِذِي حِجْرٍ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ يَعْتَدُّ بِهِ ويَفْعَلُ مِثْلَهُ ويُؤَكِّدُ بِهِ المُقْسَمَ عَلَيْهِ؟ وحاصِلُ الوَجْهَيْنِ فِيما يَرْجِعُ إلى تَأْكِيدِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ واحِدٌ إلّا أنَّ الوَجْهَ مُخْتَلِفٌ كَما لا يَخْفى، ولَعَلَّ الأوَّلَ أظْهَرُ والحِجْرُ العَقْلُ؛ لِأنَّهُ يَحْجُرُ صاحِبَهُ؛ أيْ: يَمْنَعُهُ مِنَ التَّهافُتِ فِيما لا يَنْبَغِي، كَما سُمِّيَ عَقْلًا ونُهْيَةً لِأنَّهُ يَعْقِلُ ويَنْهى وحَصاةً مِنَ الإحْصاءِ وهو الضَّبْطُ. وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ إنَّهُ لَذُو حِجْرٍ إذا كانَ قاهِرًا لِنَفْسِهِ ضابِطًا لَها والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ؛ وهو لَيُعَذِّبَنَّ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ:

الفجر 89:6

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ إلَخْ؛ فَإنَّهُ اسْتِشْهادٌ بِعِلْمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن تَعْذِيبِ عادٍ وأضْرابِهِمُ المُشارِكِينَ لِقَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الطُّغْيانِ والفَسادِ عَلى طَرِيقَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ الآيَةَ. وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ مِن آخِرِ سُورَةٍ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ وتَقْدِيرُهُ: لَإيابُهم إلَيْنا وحِسابُهم عَلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ ابن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ: ﴿والفَجْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذا يَسْرِ﴾ فَقالَ: هَذا قَسَمٌ عَلى أنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ، وإلى أنَّهُ هو المُقْسِمُ عَلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ: هَلْ في ذَلِكَ... إلَخْ، وهَلْ بِمَعْنى «إنَّ» وهو باطِلٌ رِوايَةً ودِرايَةً؛ إذْ يَبْقى عَلَيْهِ قَسَمٌ بِلا مُقْسَمٍ عَلَيْهِ. والمُرادُ بِعادٍ أوْلادُ عادِ بْنِ عاصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمُّوا بِاسْمِ أبِيهِمْ كَما سَمّى بَنُو هاشِمٍ هاشِمًا، وإطْلاقُ الأبِ عَلى نَسْلِهِ مَجازٌ شائِعٌ حَتّى أُلْحِقَ بَعْضُهُ بِالحَقِيقَةِ، وقَدْ قِيلَ لِأوائِلِهِمْ عادٌ الأُولى، ولِأواخِرِهِمْ عادٌ الآخِرَةُ. قالَ عِمادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ: كُلَّما ورَدَ في القُرْآنِ خَبَرُ عادٍ فالمُرادُ بِعادٍ فِيهِ عادٌ الأُولى إلّا ما في سُورَةِ الأحْقافِ، ويُقالُ لَهم أيْضًا إرَمُ تَسْمِيَةً لَهم بِاسْمِ جَدِّهِمْ والتَّسْمِيَةُ بِالجِدِّ شائِعَةٌ أيْضًا وهو اسْمٌ خاصٌّ بِالأُولى وعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ الرُّقَيّاتِ: مَجْدًا تَلِيدًا بِناهُ أوَّلُهُ أدْرَكَ عادًا وقَبْلَها إرَما ونَحْوَهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وآخَرِينَ تَرى الماذِيَّ عِدَّتَهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ أوْ ما أوْرَثَتْ إرَما

الفجر 89:7

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إرَمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِعادٍ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عادٌ الأُولى تَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا، ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ، وصُرِفَ عادٌ بِاعْتِبارِ الحَيِّ، وقَدْ يُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ أيْضًا. وقَرَأ الضَّحّاكُ بِذَلِكَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ ورَجَّحَ اعْتِبارَ الصَّرْفِ فِيهِ بِخِفَّتِهِ لِسُكُونِ وسَطِهِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم مُضافًا صفحة 123 فِي الكَلامِ؛ أيْ: سَبْطِ إرَمَ، وجَعَلَ إرَمَ عَلَيْهِ اسْمَ أُمِّهِمْ وهو قَوْلٌ فِيهِ حَكاهُ في القامُوسِ. ووَجْهُ مَنعِ الصَّرْفِ فِيهِ ظاهِرٌ، وأبى بَعْضُهم إلّا جَعْلَهُ اسْمَ جَدِّهِمْ ومَعْنى كَوْنِهِمْ سِبْطَهُ أنَّهم ولَدُ ولَدِهِ ولا يَظْهَرُ عَلى هَذا عِلَّةُ مَنعِ صَرْفِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو الَّذِي دَعا إلى جَعْلِهِ اسْمَ أُمِّهِمْ، لَكِنْ رَأيْتُ في تَعْلِيقاتِ بَعْضِ الأفاضِلِ عَلى الحَواشِي العِصامِيَّةِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ أنَّ إرَمَ إنَّما مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ سَواءٌ كانَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ أمْ لِجَدِّها لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقالَ: إنَّهُما مَوْجُودَتانِ في عادٍ أيْضًا إلّا أنَّهُ لِكَوْنِهِ ثُلاثِيًّا ساكِنَ الوَسَطِ يَجُوزُ فِيهِ الأمْرانِ الصَّرْفُ وعَدَمُهُ، وزَعَمَ أنَّ هَذا هو الحَقُّ وبِكَوْنِهِ اسْمَ القَبِيلَةِ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ، ولا حاجَةَ مَعَهُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ صِفَةٌ لِ ﴿إرَمَ﴾ نَفْسِها، والمُرادُ ذاتُ القُدُودِ الطِّوالِ عَلى تَشْبِيهِ قاماتِهِمْ بِالأعْمِدَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: رَجُلٌ مُعَمَّدٌ وعَمَّدانٌ إذا كانَ طَوِيلًا، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ واشْتُهِرَ أنَّهُ كانَ قَدُّ أحَدِهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا وأكْثَرَ. وفي تَفْسِيرِ الكَواشِيِّ قالُوا: كانَ طُولُ الطَّوِيلِ مِنهم أرْبَعَمِائَةِ ذِراعٍ، وكانَ أحَدُهم يَأْخُذُ الصَّخْرَةَ العَظِيمَةَ فَيَقْلِبُها عَلى الحَيِّ فَيُهْلِكُهم. عَنْ قَتادَةَ وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: المُرادُ ذاتُ الخِيامِ والأعْمِدَةِ وكانُوا سَيّارَةً في الرَّبِيعِ، فَإذا هاجَ النَّبْتُ رَجَعُوا إلى مَنازِلِهِمْ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: كانُوا بَدَوِيِّينَ أهْلَ عُمْدَةٍ وخِيامٍ يَسْكُنُونَها حِلًّا وارْتِحالًا. وقِيلَ: المُرادُ ذاتُ الرِّفْعَةِ أوْ ذاتُ الوَقارِ أوْ ذاتُ الثَّباتِ وطُولِ العُمْرِ، والكُلُّ عَلى الِاسْتِعارَةِ.

الفجر 89:8

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لَها؛ أيْ: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهم في عِظَمِ الأجْرامِ والقُوَّةِ في بِلادِ الدُّنْيا، وقَدْ سَمِعْتُ ما نُقِلَ عَنِ الكُواشِيِّ آنِفًا وما ذُكِرَ فِيهِ مِن أنَّهُ كانَ أحَدُهم إلَخْ. جاءَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِ يكْرِبَ. وقِيلَ: إرَمُ اسْمُ مَدِينَةٍ لَهُمْ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ. وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ والمُقْبِرِيُّ: هي دِمَشْقُ، وقِيلَ: اسْمُ أرْضِهِمْ، وهي بَيْنَ عُمانَ وحَضْرَمَوْتَ، وهي أرْضُ رِمالٍ وأحْقافٍ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ﴾ وبِهَذا اعْتُرِضَ القَوْلُ بِأنَّ مَدِينَتَهُمُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ، والقَوْلُ بِأنَّها دِمَشْقُ حَيْثُ إنَّهُما لَيْسَتا مِن بِلادِ الأحْقافِ والرِّمالِ إلّا أنْ يُقالَ ما هُنا عادٌ الأُولى، وما في آيَةِ الأحْقافِ عادٌ الآخِرَةُ، ويَلْتَزِمُ عَدَمُ اتِّحادِ مَنازِلِهِما. وعَلى القَوْلِ بِكَوْنِهِ اسْمَ مَدِينَتِهِمْ أوِ اسْمَ أرْضِهِمْ فَهو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ لِتَصْحِيحِ التَّبَعِيَّةِ؛ أيْ: أهْلِ إرَمَ. وقِيلَ: يُقَدَّرُ مُضافٌ في جانِبِ المَتْبُوعِ؛ أيْ: بِمَدِينَةِ أوْ بِأرْضِ عادٍ إرَمَ، وهو كَما تَرى. ومُنِعَ الصَّرْفُ عَلى الوَجْهَيْنِ لِما سَمِعْتَ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها اسْمُ مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ في أرْضِ اليَمَنِ والوَصْفانِ لَها، والمُرادُ ذاتُ البِناءِ الرَّفِيعِ أوْ ذاتُ الأساطِينِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها سِعَةً وحُسْنَ بُيُوتٍ وبَساتِينَ في بِلادِ الدُّنْيا، ويُرْوى أنَّهُ كانَ لِعادٍ ابْنانِ: شَدّادٌ وشَدِيدٌ، فَمَلَكا وقَهَرا، ثُمَّ ماتَ شَدِيدٌ وخَلَصَ الأمْرُ لِشَدّادٍ فَمَلَكَ الدُّنْيا ودانَتْ لَهُ مُلُوكُها، فَسَمِعَ بِذِكْرِ الجَنَّةِ فَقالَ: أبْنِي مِثْلَها؛ فَبَنى إرَمَ في بَعْضِ صَحارى عَدَنَ في ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ عُمْرُهُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وهي مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ قُصُورُها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وأساطِينُها مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ، وفِيها أصْنافُ الأشْجارِ والأنْهارِ المُطَّرِدَةِ. ولَمّا تَمَّ بِناؤُها سارَ إلَيْها بِأهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَلَمّا كانَ مِنها مَسِيرَةَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُلابَةَ أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ فَوَقَعَ عَلَيْها فَحَمَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِمّا ثَمَّ، وبَلَغَ خَبَرُهُ مُعاوِيَةَ فاسْتَحْضَرَهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ فَبَعَثَ إلى كَعْبٍ فَسَألَهُ، فَقالَ: هي إرَمُ ذاتُ العِمادِ وسَيَدْخُلُها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِكَ أحْمَرُ أشْقَرُ قَصِيرٌ عَلى حاجِبِهِ خالٌ وعَلى عَقِبِهِ خالٌ، يَخْرُجُ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ، ثُمَّ التَفَتَ فَأبْصَرَ ابْنَ قُلابَةَ، فَقالَ: هَذا واللَّهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ. وخَبَرُ شَدّادٍ المَذْكُورُ أخُوهُ في الضَّعْفِ بَلْ لَمْ تَصِحَّ رِوايَتُهُ كَما ذَكَرَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فَهو مَوْضُوعٌ كَخَبَرِ ابْنِ قُلابَةَ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ إرَمَ مَصْدَرُ أرِمَ يَأْرَمُ إذا هَلَكَ، فَإرَمُ بِمَعْنى هَلاكٍ، مَنصُوبٌ عَلى نَحْوِ نَصْبِ المَصْدَرِ التَّشْبِيهِيِّ، مُضافٌ إلى «ذاتِ». و«الَّتِي» صِفَةٌ لِ ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ مُرادًا بِها المَدِينَةُ و«كَيْفَ فَعَلَ» في صفحة 124 قُوَّةِ: «كَيْفَ أهْلَكَ» فَكَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ تَرَ كَيْفَ أهْلَكَ رَبُّكَ عادًا كَهَلاكِ ذاتِ العِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقُ مِثْلُها في البِلادِ وهو قَوْلٌ غَرِيبٌ غَيْرُ قَرِيبٍ. وقَرَأ الحَسَنُ: «بِعادِ إرَمَ» بِإضافَةِ عادٍ إلى إرَمَ فَجازَ أنْ يَكُونَ إرَمُ جَدًّا والوَصْفانِ لِعادٍ، وأنْ يَكُونَ مَدِينَةً والوَصْفانِ لازِمٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِعادٍ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: «بِعادِ أرِمَ» بِالإضافَةِ أيْضًا إلّا أنَّ أرِمَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الرّاءِ، قِيلَ: وهي لُغَةٌ في المَدِينَةِ لا غَيْرَ. وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قَرَأ: «بِعادٍ» مَصْرُوفًا وغَيْرَ مَصْرُوفٍ «أرْمَ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الرّاءِ لِلتَّخْفِيفِ، وأصْلُهُ أرْمُ كَفَخْذٍ. وقُرِئَ: «إرَمَ ذاتِ» بِإضافَةِ إرَمَ إلى ذاتِ، فَقِيلَ: الإرَمُ عَلَيْهِ العَلَمُ والمَعْنى بِعادٍ أعْلامِ ذاتِ العِمادِ وهي مَدِينَتُهم. و«الَّتِي» صِفَةٌ لِ ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ عَلى الأظْهَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قَرَأ: «أرَّمَ» بِالتَّشْدِيدِ فِعْلًا ماضِيًا، ذاتَ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ أيْ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذاتَ العِمادِ رَمِيمًا، ويَكُونُ أرِمَ عَلى ما في البَحْرِ بَدَلًا مِن فِعْلٍ أوْ تَبْيِينًا لَهُ، والمُرادُ بِذاتِ العِمادِ عَلَيْهِ إمّا عادٌ نَفْسُها ويَكُونُ فِيهِ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ. والنُّكْتَةُ فِيهِ ظاهِرَةٌ، وإمّا مَدِينَتُهم ويَكُونُ جَعْلُها رَمِيمًا؛ أيْ: إهْلاكُها كِنايَةً عَنْ جَعْلِهِمْ كَذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: «لَمْ يَخْلُقْ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ عَزَّ وجَلَّ مِثْلُها بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وعَنْهُ أيْضًا: «لَمْ نَخْلُقْ» بِنُونِ العَظَمَةِ.

الفجر 89:9

﴿وثَمُودَ﴾ عُطِفَ عَلى (عادٍ) وهي قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّهِمْ ثَمُودَ أخِي جُدَيْسَ، وهُما ابْنا عابِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانُوا عَرَبًا مِنَ العارِبَةِ يَسْكُنُونَ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ وتَبُوكَ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ومُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعَمَلِيَّةِ والتَّأْنِيثِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ بِالتَّنْوِينِ، صَرَفَهُ بِاعْتِبارِ الحَيِّ كَذا قالُوا، وظاهِرُهُ أنَّهُ عَرَبِيٌّ. وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقِيلَ: هو فَعَوْلٌ مِنَ الثَّمْدِ وهو الماءُ القَلِيلُ الَّذِي لا مادَّةَ لَهُ ومِنهُ قِيلَ: فُلانٌ مَثْمُودٌ ثَمَدَتْهُ النِّساءُ؛ أيْ: قَطَعْنَ مادَّةَ مائِهِ لِكَثْرَةِ غِشْيانِهِ لَهُنَّ، ومَثْمُودٌ إذا كَثُرَ عَلَيْهِ السُّؤّالُ حَتّى نَفِدَتْ مادَّةُ مالِهِ. وحَكى الرّاغِبُ أنَّهُ عَجَمِيٌّ فَمُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ. ﴿الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ﴾ أيْ: قَطَعُوا صَخْرَ الجِبالِ واتَّخَذُوا فِيها بُيُوتًا نَحَتُوها مِنَ الصَّخْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ قِيلَ: أوَّلُ مَن نَحَتَ الحِجارَةَ والصُّخُورَ والرُّخامَ ثَمُودُ، وبَنَوْا ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ مَدِينَةٍ كُلُّها بِالحِجارَةِ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ هَذا البِناءِ. ﴿بِالوادِ﴾ هو وادِي القُرى، وقُرِئَ بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ، والباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ «جابُوا» أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ. وقِيلَ: الباءُ لِلْآلَةِ أوِ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ «جابُوا»؛ أيْ: جابُوا الصَّخْرَ بِوادِيهِمْ أوْ بِسَبَبِهِ، أيْ: قَطَّعُوا الصَّخْرَ وشَقُّوهُ وجَعَلُوهُ وادِيًا ومَحَلًّا لِمائِهِمْ فِعْلَ ذَوِي القُوَّةِ والآمالِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وأيًّا ما كانَ فالجَوابُ القَطْعُ، والظّاهِرُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ؛ تَقُولُ: جُبْتُ البِلادَ أجُوبُها إذا قَطَعْتَها. قالَ الشّاعِرُ: ولا رَأيْتُ قَلُوصًا قَبْلَها حَمَلَتْ سِتِّينَ وسْقًا ولا جابَتْ بِها بَلَدًا ومِنهُ الجَوابُ لِأنَّهُ يَقْطَعُ السُّؤالَ. وقالَ الرّاغِبُ: الجَوْبُ قِطَعُ الجَوْبَةِ وهي الغائِطُ مِنَ الأرْضِ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في قَطْعِ كُلِّ أرْضٍ، وجَوابُ الكَلامِ هو ما يَقْطَعُ الجَوْبَ فَيَصِلُ مِن فَمِ القائِلِ إلى سَمْعِ المُسْتَمِعِ لَكِنَّهُ خُصَّ بِما يَعُودُ مِنَ الكَلامِ دُونَ المُبْتَدَأِ مِنَ الخِطابِ انْتَهى. فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو.

الفجر 89:10

﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ وُصِفَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ جُنُودِهِ وخِيامِهِمُ الَّتِي يَضْرِبُونَ أوْتادَها في مَنازِلِهِمْ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَدُقُّ لِلْمُعَذَّبِ أرْبَعَةَ أوْتادٍ ويَشُدُّهُ بِها مَبْطُوحًا عَلى الأرْضِ فَيُعَذِّبُهُ بِما يُرِيدُ مِن ضَرْبٍ أوْ إحْراقٍ أوْ غَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.

الفجر 89:11

﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ عادٍ ومَن بَعْدَهُ أوْ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى الذَّمِّ؛ أيْ: طَغى كُلُّ طاغِيَةٍ مِنهم في البِلادِ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ وسائِرِ المَعاصِي. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ﴾ أيْ: أنْزَلَ سُبْحانَهُ إنْزالًا شَدِيدًا عَلى كُلِّ طائِفَةٍ مِن أُولَئِكَ الطَّوائِفِ عَقِيبَ ما فَعَلَتْ مِنَ الطُّغْيانِ والفَسادِ. ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ: سَوْطًا مِن عَذابٍ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى صفحة 125 مِن، والعَذابُ بِمَعْنى المُعَذَّبِ بِهِ، والمُرادُ بِذَلِكَ ما حَلَّ بِكُلٍّ مِنهم مِن فُنُونِ العَذابِ الَّتِي شُرِحَتْ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ. والسَّوْطُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ مِن ساطَ يَسُوطُ إذا خَلَطَ، قالَ الشّاعِرُ: أحارِثُ إنّا لَوْ تُساطُ دِماؤُنا تَزايَلْنَ حَتّى لا يَمَسَّ دَمٌ دَما وشاعَ في الجِلْدِ المَضْفُورِ والَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، وسُمِّيَ بِهِ لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، أوْ لِأنَّهُ يُخْلَطُ اللَّحْمُ بِالدَّمِ والتَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِهِ بِالصَّبِّ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِهِ وتَتابُعِهِ واسْتِمْرارِهِ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إراقَةِ شَيْءٍ مائِعٍ أوْ جارٍ مَجْراهُ في السَّيَلانِ كالحُبُوبِ والرَّمْلِ وإفْراغِهِ بِشِدَّةٍ وكَثْرَةٍ واسْتِمْرارٍ، ونِسْبَتُهُ إلى السَّوْطِ مَعَ أنَّهُ عَلى ما سَمِعْتَ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِهِ في سُرْعَةِ نُزُولِهِ بِالشَّيْءِ المَصْبُوبِ، وتَسْمِيَةُ ما أُنْزِلَ سَوْطًا قِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلى عِظَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ كالسَّوْطِ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ ما يُعَذَّبُ بِهِ، في الكَشْفِ أنَّ إضافَةَ السَّوْطِ إلى العَذابِ تَقْلِيلٌ لِما أصابَهم مِنهُ، ولا يَأْبى ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِالصَّبِّ المُؤْذِنُ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّ القِلَّةَ والكَثْرَةَ مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعَذابِ التَّعْذِيبُ، والإضافَةُ حِينَئِذٍ عَلى مَعْنى اللّامِ، وأمْرُ التَّعْبِيرِ بِالصَّبِّ والتَّسْمِيَةُ بِالسَّوْطِ عَلى ما تَقَدَّمَ. والآيَةُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ كالإضافَةِ في لُجَيْنِ الماءِ؛ أيْ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ عَذابًا كالسَّوْطِ عَلى مَعْنى أنْواعًا مِنَ العَذابِ مَخْلُوطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ اخْتِلاطَ طاقاتِ السَّوْطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وأنْ يَكُونَ السَّوْطُ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَفْعُولِ والإضافَةُ كالإضافَةِ فِي: جَرْدُ قَطِيفَةٍ؛ أيْ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ عَذابًا مُسَوَّطًا؛ أيْ: مَخْلُوطًا، ومَآلُهُ: فَصَبَّ أنْواعًا مِنَ العَذابِ خُلِطَ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وفي الصِّحاحِ: ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ: نَصِيبَ عَذابٍ، ويُقالُ: شِدَّتَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ قَدْ يَكُونُ بِالسَّوْطِ، وأرادَ أنَّ الغَرَضَ التَّصْوِيرُ والألْيَقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ ما تَقَدَّمَ.

الفجر 89:12

﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ عادٍ ومَن بَعْدَهُ أوْ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى الذَّمِّ؛ أيْ: طَغى كُلُّ طاغِيَةٍ مِنهم في البِلادِ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ وسائِرِ المَعاصِي. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ﴾ أيْ: أنْزَلَ سُبْحانَهُ إنْزالًا شَدِيدًا عَلى كُلِّ طائِفَةٍ مِن أُولَئِكَ الطَّوائِفِ عَقِيبَ ما فَعَلَتْ مِنَ الطُّغْيانِ والفَسادِ. ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ: سَوْطًا مِن عَذابٍ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى صفحة 125 مِن، والعَذابُ بِمَعْنى المُعَذَّبِ بِهِ، والمُرادُ بِذَلِكَ ما حَلَّ بِكُلٍّ مِنهم مِن فُنُونِ العَذابِ الَّتِي شُرِحَتْ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ. والسَّوْطُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ مِن ساطَ يَسُوطُ إذا خَلَطَ، قالَ الشّاعِرُ: أحارِثُ إنّا لَوْ تُساطُ دِماؤُنا تَزايَلْنَ حَتّى لا يَمَسَّ دَمٌ دَما وشاعَ في الجِلْدِ المَضْفُورِ والَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، وسُمِّيَ بِهِ لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، أوْ لِأنَّهُ يُخْلَطُ اللَّحْمُ بِالدَّمِ والتَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِهِ بِالصَّبِّ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِهِ وتَتابُعِهِ واسْتِمْرارِهِ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إراقَةِ شَيْءٍ مائِعٍ أوْ جارٍ مَجْراهُ في السَّيَلانِ كالحُبُوبِ والرَّمْلِ وإفْراغِهِ بِشِدَّةٍ وكَثْرَةٍ واسْتِمْرارٍ، ونِسْبَتُهُ إلى السَّوْطِ مَعَ أنَّهُ عَلى ما سَمِعْتَ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِهِ في سُرْعَةِ نُزُولِهِ بِالشَّيْءِ المَصْبُوبِ، وتَسْمِيَةُ ما أُنْزِلَ سَوْطًا قِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلى عِظَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ كالسَّوْطِ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ ما يُعَذَّبُ بِهِ، في الكَشْفِ أنَّ إضافَةَ السَّوْطِ إلى العَذابِ تَقْلِيلٌ لِما أصابَهم مِنهُ، ولا يَأْبى ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِالصَّبِّ المُؤْذِنُ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّ القِلَّةَ والكَثْرَةَ مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعَذابِ التَّعْذِيبُ، والإضافَةُ حِينَئِذٍ عَلى مَعْنى اللّامِ، وأمْرُ التَّعْبِيرِ بِالصَّبِّ والتَّسْمِيَةُ بِالسَّوْطِ عَلى ما تَقَدَّمَ. والآيَةُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ كالإضافَةِ في لُجَيْنِ الماءِ؛ أيْ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ عَذابًا كالسَّوْطِ عَلى مَعْنى أنْواعًا مِنَ العَذابِ مَخْلُوطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ اخْتِلاطَ طاقاتِ السَّوْطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وأنْ يَكُونَ السَّوْطُ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَفْعُولِ والإضافَةُ كالإضافَةِ فِي: جَرْدُ قَطِيفَةٍ؛ أيْ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ عَذابًا مُسَوَّطًا؛ أيْ: مَخْلُوطًا، ومَآلُهُ: فَصَبَّ أنْواعًا مِنَ العَذابِ خُلِطَ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وفي الصِّحاحِ: ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ: نَصِيبَ عَذابٍ، ويُقالُ: شِدَّتَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ قَدْ يَكُونُ بِالسَّوْطِ، وأرادَ أنَّ الغَرَضَ التَّصْوِيرُ والألْيَقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ ما تَقَدَّمَ.

الفجر 89:13

﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ عادٍ ومَن بَعْدَهُ أوْ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى الذَّمِّ؛ أيْ: طَغى كُلُّ طاغِيَةٍ مِنهم في البِلادِ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ وسائِرِ المَعاصِي. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ﴾ أيْ: أنْزَلَ سُبْحانَهُ إنْزالًا شَدِيدًا عَلى كُلِّ طائِفَةٍ مِن أُولَئِكَ الطَّوائِفِ عَقِيبَ ما فَعَلَتْ مِنَ الطُّغْيانِ والفَسادِ. ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ: سَوْطًا مِن عَذابٍ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى صفحة 125 مِن، والعَذابُ بِمَعْنى المُعَذَّبِ بِهِ، والمُرادُ بِذَلِكَ ما حَلَّ بِكُلٍّ مِنهم مِن فُنُونِ العَذابِ الَّتِي شُرِحَتْ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ. والسَّوْطُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ مِن ساطَ يَسُوطُ إذا خَلَطَ، قالَ الشّاعِرُ: أحارِثُ إنّا لَوْ تُساطُ دِماؤُنا تَزايَلْنَ حَتّى لا يَمَسَّ دَمٌ دَما وشاعَ في الجِلْدِ المَضْفُورِ والَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، وسُمِّيَ بِهِ لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، أوْ لِأنَّهُ يُخْلَطُ اللَّحْمُ بِالدَّمِ والتَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِهِ بِالصَّبِّ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِهِ وتَتابُعِهِ واسْتِمْرارِهِ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إراقَةِ شَيْءٍ مائِعٍ أوْ جارٍ مَجْراهُ في السَّيَلانِ كالحُبُوبِ والرَّمْلِ وإفْراغِهِ بِشِدَّةٍ وكَثْرَةٍ واسْتِمْرارٍ، ونِسْبَتُهُ إلى السَّوْطِ مَعَ أنَّهُ عَلى ما سَمِعْتَ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِهِ في سُرْعَةِ نُزُولِهِ بِالشَّيْءِ المَصْبُوبِ، وتَسْمِيَةُ ما أُنْزِلَ سَوْطًا قِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلى عِظَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ كالسَّوْطِ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ ما يُعَذَّبُ بِهِ، في الكَشْفِ أنَّ إضافَةَ السَّوْطِ إلى العَذابِ تَقْلِيلٌ لِما أصابَهم مِنهُ، ولا يَأْبى ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِالصَّبِّ المُؤْذِنُ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّ القِلَّةَ والكَثْرَةَ مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعَذابِ التَّعْذِيبُ، والإضافَةُ حِينَئِذٍ عَلى مَعْنى اللّامِ، وأمْرُ التَّعْبِيرِ بِالصَّبِّ والتَّسْمِيَةُ بِالسَّوْطِ عَلى ما تَقَدَّمَ. والآيَةُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ كالإضافَةِ في لُجَيْنِ الماءِ؛ أيْ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ عَذابًا كالسَّوْطِ عَلى مَعْنى أنْواعًا مِنَ العَذابِ مَخْلُوطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ اخْتِلاطَ طاقاتِ السَّوْطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وأنْ يَكُونَ السَّوْطُ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَفْعُولِ والإضافَةُ كالإضافَةِ فِي: جَرْدُ قَطِيفَةٍ؛ أيْ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ عَذابًا مُسَوَّطًا؛ أيْ: مَخْلُوطًا، ومَآلُهُ: فَصَبَّ أنْواعًا مِنَ العَذابِ خُلِطَ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وفي الصِّحاحِ: ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ: نَصِيبَ عَذابٍ، ويُقالُ: شِدَّتَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ قَدْ يَكُونُ بِالسَّوْطِ، وأرادَ أنَّ الغَرَضَ التَّصْوِيرُ والألْيَقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ ما تَقَدَّمَ.

الفجر 89:14

﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وإيذانٌ بِأنَّ كُفّارَ قَوْمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَيُصِيبُهم مِثْلُ ما أصابَ أضْرابَهُمُ المَذْكُورِينَ مِنَ العَذابِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمِرْصادُ المَكانُ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الرَّصَدُ ويَتَرَقَّبُونَ فِيهِ مِفْعالٌ مِن رَصَدَهُ كالمِيقاتِ مِن وقَتَهُ. وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شُبِّهَ كَوْنُهُ تَعالى حافِظًا لِأعْمالِ العُصاةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ مُتَرَقِّبًا لَها ومُجازِيًا عَلى نَقِيرِها وقِطْمِيرِها بِحَيْثُ لا يَنْجُو مِنهُ سُبْحانَهُ أحَدٌ مِنهم بِحالِ مَن قَعَدَ عَلى الطَّرِيقِ مُتَرَصِّدًا لِمَن يَسْلُكُها لِيَأْخُذَهُ فَيُوقِعُ بِهِ ما يُرِيدُ، ثُمَّ أُطْلِقَ لَفْظُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والآيَةُ عَلى هَذا وعِيدٌ لِلْعُصاةِ مُطْلَقًا. وقِيلَ: هي وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ وقِيلَ: وعِيدٌ لِلْعُصاةِ ووَعْدٌ لِغَيْرِهِمْ وهو ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ،؛ أيْ: يَرْصُدُ سُبْحانَهُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَ المِرْصادِ صِيغَةَ مُبالَغَةٍ كالمِطْعامِ والمِطْعانِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَما زَعَمَ لَمْ تَدْخُلِ الباءُ لِأنَّها لَيْسَتْ في مَكانِ دُخُولِها لا زائِدَةً ولا غَيْرَ زائِدَةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّها عَلى ذَلِكَ تَجْرِيدِيَّةٌ نَعَمْ يَلْزَمُهُ إطْلاقُ المِرْصادِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وفِيهِ شَيْءٌ.

الفجر 89:15

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ إلَخْ مُتَّصِلٌ بِما عِنْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَبِالمِرْصادِ مِن أجْلِ الآخِرَةِ فَلا يَطْلُبُ عَزَّ وجَلَّ إلّا السَّعْيَ لَها، فَأمّا الإنْسانُ فَلا يُهِمُّهُ إلّا الدُّنْيا ولَذّاتُها، فَإنْ نالَ مِنها شَيْئًا رَضِيَ اللَّهَ وإلّا سَخِطَ وكانَ اللّائِقُ أنْ لا يُهِمُّهُ إلّا ما يَطْلُبُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولا يَكُونُ حالُهُ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِهِ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ عَلى مَعْنى: فالإنْسانُ يُؤاخَذُ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ بَيْنَ غِنًى مُهْلِكٍ مُوجِبٍ لِلتَّكَبُّرِ والِافْتِخارِ بِالدُّنْيا، وبَيْنَ فَقْرٍ لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ ويَكْفُرُ لِأجْلِهِ بِالجَزَعِ والقَوْلِ بِما لا يَنْبَغِي وهو كَما تَرى. ﴿إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ أيْ: عامَلَهُ مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيهِ بِالغِنى واليَسارِ لِيَرى هَلْ يَشْكُرُ أمْ لا. والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ؛ فَإنَّ الإكْرامَ والتَّنْعِيمَ عَيْنُ المُرادِ بِالِابْتِلاءِ، ولَمّا كانَ الإكْرامُ والتَّنْعِيمُ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أكْرَمَنِ﴾ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ ولَمْ يَضُمَّ إلَيْهِ ونِعْمَتِي. وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو الإنْسانُ، والفاءُ لِما في أمّا مِن مَعْنى الشَّرْطِ والظَّرْفِ؛ أعْنِي إذًا مُتَعَلِّقٌ بِ «يَقُولُ» وهو صفحة 126 عَلى نِيَّةِ التَّأْخِيرِ ولا تُمْنَعُ الفاءُ مِن ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن مُتَقَدِّمِي النُّحاةِ وتَبِعَهم مَن بَعْدَهم كَأبِي حَيّانِ والسَّمِينِ والسَّفاقِسِيِّ مَعَ جَمْعٍ غَفِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهو كَما قالَ الشِّهابُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وخالَفَهم في ذَلِكَ الرَّضِيُّ ومَن تَبِعَهُ كالبَدْرِ الدَّمامِينِيِّ في شَرْحِ المُغْنِي، فَقالُوا: إنَّما يَجُوزُ تَقْدِيمُ ما بَعْدَ الفاءِ عَلَيْها إذا كانَ المُقَدَّمُ هو الفاصِلَ بَيْنَ أمّا والفاءِ، لِما يَتَعَلَّقُ بِتَقْدِيمِهِ مِنَ الأغْراضِ، فَإنْ كانَ ثَمَّتَ فاصِلٌ آخَرُ امْتَنَعَ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ: أمّا زَيْدٌ طَعامَكَ فَآكِلٌ، وإنْ جازَ أمّا طَعامُكَ فَزَيْدٌ آكِلٌ، وقالُوا في ذَلِكَ أنَّهم لَمّا التَزَمُوا حَذْفَ الشَّرْطِ لَزِمَ دُخُولُ أداتِهِ عَلى فاءِ الجَوابِ وهو مُسْتَكْرَهٌ فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِشَيْءٍ مِمّا بَعْدَ الفاءِ، والفاصِلُ الواحِدُ كافٍ فِيهِ فَيَجِبُ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ. وزَعَمَ الجَلْبِيُّ مُحَشِّي المُطَوَّلِ أنَّ هَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَرَدَّ بِهِ عَلى المُفَسِّرِينَ إعْرابَهُمُ السّابِقَ وقالَ: إنَّهُ خَطَأٌ، والصَّوابُ أنْ يُجْعَلَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِمُقَدَّرٍ وهو ابْتَدَأ في الحَقِيقَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَأمّا شَأْنُ الإنْسانِ إذا... إلَخْ. فالظَّرْفُ مِن تَتِمَّةِ الجُزْءِ المَفْصُولِ وبِهِ لَيْسَ فاصِلًا ثانِيًا كَقَوْلِكَ: أمّا إحْسانُ زَيْدٍ إلى الفَقِيرِ فَحَسَنٌ، ويُرِيدُ عَلى تَقْدِيرِهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ وُقُوعُ جُمْلَةِ يَقُولُ خَبَرًا عَنِ الشَّأْنِ إلّا بِتَعَسُّفٍ كَأنْ يَكُونَ الفِعْلُ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ في اللَّفْظِ أنْ المَصْدَرِيَّةُ كَما قِيلَ فِي:«تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ». وهو فِرارٌ مِنَ السَّحابِ إلى المِيزابِ. وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى أنَّ «إذا» شَرْطِيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُ﴾ جَوابُها، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرُ «الإنْسانُ»، ويَلْزَمُهُ حَذْفُ الفاءِ بِدُونِ القَوْلِ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ ضَرُورَةٌ.

الفجر 89:16

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ﴾ عامَلَهُ مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيهِ ويَخْتَبِرُهُ بِالحاجَةِ والفَقْرِ لِيَرى هَلْ يَصْبِرُ أمْ لا. ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ بِتَقْدِيرِ: وأمّا هو أيِ الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ إلَخْ لِيَصِحَّ التَّفْصِيلُ ويَتِمَّ التَّوازُنُ، وبَقِيَّةُ الكَلامِ فِيهِ كَما في سابِقِهِ. والظّاهِرُ أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مُتَضَمِّنَةٌ لِإنْكارِ قَوْلِ الإنْسانِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ، وإنْكارُ قَوْلِهِ إذا ضُيِّقَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ: ﴿رَبِّي أهانَنِ﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى قُصُورِ نَظَرِهِ وسُوءِ فِكْرِهِ حَيْثُ حَسِبَ أنَّ تَضْيِيقَ الرِّزْقِ إهانَةٌ مَعَ أنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إلى كَرامَةِ الدّارَيْنِ ولِعَدَمِ كَوْنِهِ إهانَةً أصْلًا لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ في تَفْسِيرِ الِابْتِلاءِ فَأهانَهُ «وقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ» نَظِيرَ ما قالَ سُبْحانَهُ أوَّلًا: ﴿فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ وإنْكارُ قَوْلِهِ إذا أكْرَمَ رَبِّي أكْرَمَنِي مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأكْرَمَهُ﴾ أوَّلًا مِن حَيْثُ إنَّهُ أثْبَتَ إكْرامَ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلى خِلافِ ما أثْبَتَ اللَّهُ تَعالى وهو قَصْدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ ما أعْطاهُ إكْرامًا لَهُ مُسْتَحِقًّا ومُسْتَوْجِبًا قَصْدًا جارِيًا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ افْتِخارِهِمْ وزَعْمِهِمْ جَلالَةَ أقْدارِهِمْ. والحاصِلُ أنَّ المُنْكِرَ كَوْنَهُ عَنِ اسْتِحْقاقٍ لِحَسَبٍ أوْ نَسَبٍ في المُفَصَّلِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ الإكْرامِ مُنْكَرٌ لا كَوْنَهُ عَنِ اسْتِحْقاقٍ، وإنْكارُ أصْلِ الإهانَةِ يُعَضِّدُهُ. ووَجَّهَهُ ما أثْبَتَهُ تَعالى مِنَ الإكْرامِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أثْبَتَ الإكْرامَ بِإيتاءِ المالِ والتَّوْسِعَةِ وهو جَعْلُهُ إكْرامًا كُلِّيًّا مُثْبِتًا لِلزُّلْفى عِنْدَهُ تَعالى فَأنْكَرَ أنَّهُ لَيْسَ مِن ذَلِكَ الإكْرامِ في شَيْءٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإنْكارُ لِلْإهانَةِ فَقَطْ؛ يَعْنِي أنَّهُ إذا تُفُضِّلَ عَلَيْهِ بِالخَيْرِ وأُكْرِمَ بِهِ اعْتَرَفَ بِتَفَضُّلِ اللَّهِ تَعالى وإكْرامِهِ، وإذا لَمْ يُتَفَضَّلْ عَلَيْهِ سَمّى تَرْكَ التَّفَضُّلِ هَوانًا ولَيْسَ بِهِ قِيلٌ، ويُعَضِّدُهُ ذِكْرُ الإكْرامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأكْرَمَهُ﴾ وفي الآيَةِ مَعَ ما بَعْدُ شَمَّةٌ مِن أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ولا يَخْفى أنَّ الوَجْهَ هو الأوَّلُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: «أكْرَمَنِي» و«أهانَنِي» بِإثْباتِ الياءِ فِيهِما، ونافِعٌ بِإثْباتِها وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وخَيَّرَ في الوَجْهَيْنِ أبُو عَمْرٍو، وحَذَفَها باقِي السَّبْعَةِ فِيهِما وصْلًا ووَقْفًا، مَن حَذَفَها وقْفًا سَكَّنَ النُّونَ فِيهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى وخالِدٌ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ وابْنُ عامِرٍ: «فَقَدَّرَ» بِتَشْدِيدِ الدّالِ لِلْمُبالَغَةِ.

الفجر 89:17

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ قَوْلَيْهِ المَحْكِيَّيْنِ وتَكْذِيبٌ لَهُ فِيهِما لا عَنِ الأخِيرِ فَقَطْ كَما في الوَجْهِ الأخِيرِ، وقَدْ نَصَّ الحَسَنُ عَلى ما قُلْنا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: المَعْنى: لَمْ أبْتَلِهِ بِالغِنى لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ، صفحة 127 ولَمْ أبْتَلِهِ بِالفَقْرِ لِهَوانِهِ عَلَيَّ بَلْ ذَلِكَ لِمَحْضِ القَضاءِ والقَدَرِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ إلَخِ انْتِقالٌ وتَرَقٍّ مِن ذَمِّهِ بِالقَبِيحِ مِنَ القَوْلِ إلى الأقْبَحِ مِنَ الفِعْلِ والِالتِفاتِ إلى الخِطابِ لِتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ وتَأْكِيدِ التَّشْنِيعِ. وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ: قُلْ؛ فَلا التِفاتَ. نَعَمْ فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى تَنْقِيصِهِمْ ما فِيهِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى الإنْسانِ إذِ المُرادُ هو الجِنْسُ؛ أيْ: بَلْ لَكم أفْعالٌ وأحْوالٌ أشَدُّ شَرًّا مِمّا ذُكِرَ وأدَلُّ عَلى تَهالُكِكم عَلى المالِ حَيْثُ يُكْرِمُكُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَثْرَةِ المالِ فَلا تُؤَدُّونَ ما يَلْزَمُكم فِيهِ مِن إكْرامِ اليَتِيمِ بِالمَبَرَّةِ بِهِ والإحْسانِ إلَيْهِ. وفِي الحَدِيثِ: ««أحَبُّ البُيُوتِ إلى اللَّهِ تَعالى بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ مُكْرَمٌ»». وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍو: «لا يُكْرِمُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ. ﴿ولا تَحاضُّونَ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن تَتَحاضُّونَ؛ أيْ: ولا يَحُضُّ ويُحِثُّ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ: عَلى إطْعامِهِ فالطَّعامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإطْعامِ كالعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ الأوْلى أنْ يُرادَ بِهِ الشَّيْءُ المَطْعُومُ، ويَكُونُ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: عَلى بَذْلِ طَعامِ المِسْكِينِ، والمُرادُ بِالمِسْكِينِ ما يَعُمُّ الفَقِيرَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ والشِّيرَزِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ كَقِراءَةِ الجَماعَةِ إلّا أنَّهم ضَمُّوا تاءَ «تُحاضُّونَ» مِنَ المُحاضَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ومَن سَمِعْتُ الحَسَنَ ومَن مَعَهُ: «ولا يَحُضُّونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ ولا ألِفَ بَعْدَ الحاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ كَذَلِكَ وكَذا الفِعْلانِ بَعْدُ، والفِعْلُ عَلى القِراءَتَيْنِ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ. فَقِيلَ: أنْفُسَهم أوْ أنْفُسَكُمْ، وقِيلَ: أهْلِيهِمْ أوْ أهْلِيكُمْ، وقِيلَ: أحَدًا. وجُوِّزَ -وهُوَ الأوْلى- أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِلتَّعْمِيمِ. ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ﴾ أيِ المِيراثَ، وأصْلُهُ وُراثٌ؛ فَأُبْدِلَتِ الواوُ تاءً كَما في تُخْمَنَةٍ وتُكْأةٍ ونَحْوِهِما. ﴿أكْلا لَمًّا﴾ أيْ: ذا «لَمٍّ» أوْ هو نَفْسُ اللَّمِّ عَلى المُبالَغَةِ، واللَّمُّ الجَمْعُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ولَسْتُ بِمُسْتَبِقٍ أخًا لا تَلُمُّهُ عَلى شَعَثٍ أيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ والمُرادُ بِهِ هُنا الجَمْعُ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ وما يُحْمَدُ وما لا يُحْمَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ: إذا كانَ لَمًّا يَتْبَعُ الذَّمُّ رَبَّهُ ∗∗∗ فَلا قَدَّسَ الرَّحْمَنُ تِلْكَ الطَّواحِنا يَعْنِي: إنَّكم تَجْمَعُونَ في أكْلِكم بَيْنَ نَصِيبِكم مِنَ المِيراثِ ونَصِيبِ غَيْرِكم. ويُرْوى أنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا صِغارَ الأوْلادِ فَيَأْكُلُونَ نَصِيبَهم. ويَقُولُونَ: لا يَأْخُذُ المِيراثَ إلّا مَن يُقاتِلُ ويَحْمِي الحَوْزَةَ، هَذا وهم يَعْلَمُونَ مِن شَرِيعَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم يَرِثُونَ فانْدَفَعَ ما قِيلَ: إنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وآيَةُ المَوارِيثِ مَدَنِيَّةٌ، ولا يُعْلَمُ الحِلُّ والحُرْمَةُ إلّا مِنَ الشَّرْعِ، فَإنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ العَقْلِيَّيْنِ لَيْسا مَذْهَبًا لَنا. وقِيلَ: يَعْنِي تَأْكُلُونَ ما جَمَعَهُ المَيِّتُ المَوْرُوثُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ عالِمِينَ بِذَلِكَ فَتَلُمُّونَ في الأكْلِ بَيْنَ حَلالِهِ وحَرامِهِ. وفي الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُذَمَّ الوارِثُ الَّذِي ظَفِرَ بِالمالِ سَهْلًا مَهْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَعْرَقَ فِيهِ جَبِينُهُ فَيُسْرِفَ في إنْفاقِهِ ويَأْكُلَهُ أكْلًا واسِعًا جامِعًا بَيْنَ ألْوانِ المُشْتَهِياتِ مِنَ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ والفَواكِهِ ونَحْوِها كَما يَفْعَلُهُ الوُرّاثُ الباطِلُونَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ.

الفجر 89:18

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ قَوْلَيْهِ المَحْكِيَّيْنِ وتَكْذِيبٌ لَهُ فِيهِما لا عَنِ الأخِيرِ فَقَطْ كَما في الوَجْهِ الأخِيرِ، وقَدْ نَصَّ الحَسَنُ عَلى ما قُلْنا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: المَعْنى: لَمْ أبْتَلِهِ بِالغِنى لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ، صفحة 127 ولَمْ أبْتَلِهِ بِالفَقْرِ لِهَوانِهِ عَلَيَّ بَلْ ذَلِكَ لِمَحْضِ القَضاءِ والقَدَرِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ إلَخِ انْتِقالٌ وتَرَقٍّ مِن ذَمِّهِ بِالقَبِيحِ مِنَ القَوْلِ إلى الأقْبَحِ مِنَ الفِعْلِ والِالتِفاتِ إلى الخِطابِ لِتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ وتَأْكِيدِ التَّشْنِيعِ. وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ: قُلْ؛ فَلا التِفاتَ. نَعَمْ فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى تَنْقِيصِهِمْ ما فِيهِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى الإنْسانِ إذِ المُرادُ هو الجِنْسُ؛ أيْ: بَلْ لَكم أفْعالٌ وأحْوالٌ أشَدُّ شَرًّا مِمّا ذُكِرَ وأدَلُّ عَلى تَهالُكِكم عَلى المالِ حَيْثُ يُكْرِمُكُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَثْرَةِ المالِ فَلا تُؤَدُّونَ ما يَلْزَمُكم فِيهِ مِن إكْرامِ اليَتِيمِ بِالمَبَرَّةِ بِهِ والإحْسانِ إلَيْهِ. وفِي الحَدِيثِ: ««أحَبُّ البُيُوتِ إلى اللَّهِ تَعالى بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ مُكْرَمٌ»». وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍو: «لا يُكْرِمُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ. ﴿ولا تَحاضُّونَ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن تَتَحاضُّونَ؛ أيْ: ولا يَحُضُّ ويُحِثُّ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ: عَلى إطْعامِهِ فالطَّعامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإطْعامِ كالعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ الأوْلى أنْ يُرادَ بِهِ الشَّيْءُ المَطْعُومُ، ويَكُونُ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: عَلى بَذْلِ طَعامِ المِسْكِينِ، والمُرادُ بِالمِسْكِينِ ما يَعُمُّ الفَقِيرَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ والشِّيرَزِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ كَقِراءَةِ الجَماعَةِ إلّا أنَّهم ضَمُّوا تاءَ «تُحاضُّونَ» مِنَ المُحاضَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ومَن سَمِعْتُ الحَسَنَ ومَن مَعَهُ: «ولا يَحُضُّونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ ولا ألِفَ بَعْدَ الحاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ كَذَلِكَ وكَذا الفِعْلانِ بَعْدُ، والفِعْلُ عَلى القِراءَتَيْنِ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ. فَقِيلَ: أنْفُسَهم أوْ أنْفُسَكُمْ، وقِيلَ: أهْلِيهِمْ أوْ أهْلِيكُمْ، وقِيلَ: أحَدًا. وجُوِّزَ -وهُوَ الأوْلى- أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِلتَّعْمِيمِ. ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ﴾ أيِ المِيراثَ، وأصْلُهُ وُراثٌ؛ فَأُبْدِلَتِ الواوُ تاءً كَما في تُخْمَنَةٍ وتُكْأةٍ ونَحْوِهِما. ﴿أكْلا لَمًّا﴾ أيْ: ذا «لَمٍّ» أوْ هو نَفْسُ اللَّمِّ عَلى المُبالَغَةِ، واللَّمُّ الجَمْعُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ولَسْتُ بِمُسْتَبِقٍ أخًا لا تَلُمُّهُ عَلى شَعَثٍ أيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ والمُرادُ بِهِ هُنا الجَمْعُ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ وما يُحْمَدُ وما لا يُحْمَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ: إذا كانَ لَمًّا يَتْبَعُ الذَّمُّ رَبَّهُ ∗∗∗ فَلا قَدَّسَ الرَّحْمَنُ تِلْكَ الطَّواحِنا يَعْنِي: إنَّكم تَجْمَعُونَ في أكْلِكم بَيْنَ نَصِيبِكم مِنَ المِيراثِ ونَصِيبِ غَيْرِكم. ويُرْوى أنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا صِغارَ الأوْلادِ فَيَأْكُلُونَ نَصِيبَهم. ويَقُولُونَ: لا يَأْخُذُ المِيراثَ إلّا مَن يُقاتِلُ ويَحْمِي الحَوْزَةَ، هَذا وهم يَعْلَمُونَ مِن شَرِيعَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم يَرِثُونَ فانْدَفَعَ ما قِيلَ: إنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وآيَةُ المَوارِيثِ مَدَنِيَّةٌ، ولا يُعْلَمُ الحِلُّ والحُرْمَةُ إلّا مِنَ الشَّرْعِ، فَإنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ العَقْلِيَّيْنِ لَيْسا مَذْهَبًا لَنا. وقِيلَ: يَعْنِي تَأْكُلُونَ ما جَمَعَهُ المَيِّتُ المَوْرُوثُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ عالِمِينَ بِذَلِكَ فَتَلُمُّونَ في الأكْلِ بَيْنَ حَلالِهِ وحَرامِهِ. وفي الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُذَمَّ الوارِثُ الَّذِي ظَفِرَ بِالمالِ سَهْلًا مَهْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَعْرَقَ فِيهِ جَبِينُهُ فَيُسْرِفَ في إنْفاقِهِ ويَأْكُلَهُ أكْلًا واسِعًا جامِعًا بَيْنَ ألْوانِ المُشْتَهِياتِ مِنَ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ والفَواكِهِ ونَحْوِها كَما يَفْعَلُهُ الوُرّاثُ الباطِلُونَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ.

الفجر 89:19

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ قَوْلَيْهِ المَحْكِيَّيْنِ وتَكْذِيبٌ لَهُ فِيهِما لا عَنِ الأخِيرِ فَقَطْ كَما في الوَجْهِ الأخِيرِ، وقَدْ نَصَّ الحَسَنُ عَلى ما قُلْنا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: المَعْنى: لَمْ أبْتَلِهِ بِالغِنى لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ، صفحة 127 ولَمْ أبْتَلِهِ بِالفَقْرِ لِهَوانِهِ عَلَيَّ بَلْ ذَلِكَ لِمَحْضِ القَضاءِ والقَدَرِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ إلَخِ انْتِقالٌ وتَرَقٍّ مِن ذَمِّهِ بِالقَبِيحِ مِنَ القَوْلِ إلى الأقْبَحِ مِنَ الفِعْلِ والِالتِفاتِ إلى الخِطابِ لِتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ وتَأْكِيدِ التَّشْنِيعِ. وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ: قُلْ؛ فَلا التِفاتَ. نَعَمْ فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى تَنْقِيصِهِمْ ما فِيهِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى الإنْسانِ إذِ المُرادُ هو الجِنْسُ؛ أيْ: بَلْ لَكم أفْعالٌ وأحْوالٌ أشَدُّ شَرًّا مِمّا ذُكِرَ وأدَلُّ عَلى تَهالُكِكم عَلى المالِ حَيْثُ يُكْرِمُكُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَثْرَةِ المالِ فَلا تُؤَدُّونَ ما يَلْزَمُكم فِيهِ مِن إكْرامِ اليَتِيمِ بِالمَبَرَّةِ بِهِ والإحْسانِ إلَيْهِ. وفِي الحَدِيثِ: ««أحَبُّ البُيُوتِ إلى اللَّهِ تَعالى بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ مُكْرَمٌ»». وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍو: «لا يُكْرِمُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ. ﴿ولا تَحاضُّونَ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن تَتَحاضُّونَ؛ أيْ: ولا يَحُضُّ ويُحِثُّ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ: عَلى إطْعامِهِ فالطَّعامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإطْعامِ كالعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ الأوْلى أنْ يُرادَ بِهِ الشَّيْءُ المَطْعُومُ، ويَكُونُ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: عَلى بَذْلِ طَعامِ المِسْكِينِ، والمُرادُ بِالمِسْكِينِ ما يَعُمُّ الفَقِيرَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ والشِّيرَزِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ كَقِراءَةِ الجَماعَةِ إلّا أنَّهم ضَمُّوا تاءَ «تُحاضُّونَ» مِنَ المُحاضَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ومَن سَمِعْتُ الحَسَنَ ومَن مَعَهُ: «ولا يَحُضُّونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ ولا ألِفَ بَعْدَ الحاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ كَذَلِكَ وكَذا الفِعْلانِ بَعْدُ، والفِعْلُ عَلى القِراءَتَيْنِ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ. فَقِيلَ: أنْفُسَهم أوْ أنْفُسَكُمْ، وقِيلَ: أهْلِيهِمْ أوْ أهْلِيكُمْ، وقِيلَ: أحَدًا. وجُوِّزَ -وهُوَ الأوْلى- أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِلتَّعْمِيمِ. ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ﴾ أيِ المِيراثَ، وأصْلُهُ وُراثٌ؛ فَأُبْدِلَتِ الواوُ تاءً كَما في تُخْمَنَةٍ وتُكْأةٍ ونَحْوِهِما. ﴿أكْلا لَمًّا﴾ أيْ: ذا «لَمٍّ» أوْ هو نَفْسُ اللَّمِّ عَلى المُبالَغَةِ، واللَّمُّ الجَمْعُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ولَسْتُ بِمُسْتَبِقٍ أخًا لا تَلُمُّهُ عَلى شَعَثٍ أيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ والمُرادُ بِهِ هُنا الجَمْعُ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ وما يُحْمَدُ وما لا يُحْمَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ: إذا كانَ لَمًّا يَتْبَعُ الذَّمُّ رَبَّهُ ∗∗∗ فَلا قَدَّسَ الرَّحْمَنُ تِلْكَ الطَّواحِنا يَعْنِي: إنَّكم تَجْمَعُونَ في أكْلِكم بَيْنَ نَصِيبِكم مِنَ المِيراثِ ونَصِيبِ غَيْرِكم. ويُرْوى أنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا صِغارَ الأوْلادِ فَيَأْكُلُونَ نَصِيبَهم. ويَقُولُونَ: لا يَأْخُذُ المِيراثَ إلّا مَن يُقاتِلُ ويَحْمِي الحَوْزَةَ، هَذا وهم يَعْلَمُونَ مِن شَرِيعَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم يَرِثُونَ فانْدَفَعَ ما قِيلَ: إنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وآيَةُ المَوارِيثِ مَدَنِيَّةٌ، ولا يُعْلَمُ الحِلُّ والحُرْمَةُ إلّا مِنَ الشَّرْعِ، فَإنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ العَقْلِيَّيْنِ لَيْسا مَذْهَبًا لَنا. وقِيلَ: يَعْنِي تَأْكُلُونَ ما جَمَعَهُ المَيِّتُ المَوْرُوثُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ عالِمِينَ بِذَلِكَ فَتَلُمُّونَ في الأكْلِ بَيْنَ حَلالِهِ وحَرامِهِ. وفي الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُذَمَّ الوارِثُ الَّذِي ظَفِرَ بِالمالِ سَهْلًا مَهْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَعْرَقَ فِيهِ جَبِينُهُ فَيُسْرِفَ في إنْفاقِهِ ويَأْكُلَهُ أكْلًا واسِعًا جامِعًا بَيْنَ ألْوانِ المُشْتَهِياتِ مِنَ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ والفَواكِهِ ونَحْوِها كَما يَفْعَلُهُ الوُرّاثُ الباطِلُونَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ.

الفجر 89:20

﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أيْ: كَثِيرًا كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنْشَدَ قَوْلَ أُمَيَّةَ: إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا والمُرادُ أنَّكم تُحِبُّونَهُ مَعَ حِرْصٍ وشَرَهٍ ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ بِطَرِيقِ الوَعِيدِ تَعْلِيلًا لِلرَّدْعِ. والدَّكُّ قالَ الخَلِيلُ: كَسْرُ الحائِطِ والجَبَلِ ونَحْوِها، وتَكْرِيرُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِيعابِ فَلَيْسَ الثّانِي تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ بَلْ ذَلِكَ نَظِيرُ الحالِ في نَحْوِ قَوْلِكَ: جاءُوا رَجُلًا رَجُلًا، وعَلَّمْتُهُ الحِسابَ بابًا بابًا؛ أيْ: صفحة 128 إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا مُتَتابِعًا حَتّى انْكَسَرَ وذَهَبَ كُلُّ ما عَلى وجْهِها مِن جِبالٍ وأبْنِيَةٍ وقُصُورٍ وغَيْرِها حِينَ زُلْزِلَتِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ وصارَتْ هَباءً مَنثُورًا. وقالَ المُبَرِّدُ: الدَّكُّ حَطُّ المُرْتَفِعِ بِالبَسْطِ والتَّسْوِيَةِ، وانْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ إذا افْتُرِشَ في ظَهْرِهِ، وناقَةٌ دَكّاءُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ، والمَعْنى عَلَيْهِ: إذا سُوِّيَتْ تَسْوِيَةً بَعْدَ تَسْوِيَةٍ ولَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِها شَيْءٌ حَتّى صارَتْ كالصَّخْرَةِ المَلْساءِ، وأيًّا ما كانَ فَهو عَلى ما قِيلَ: عِبارَةٌ عَمّا عُرِضَ لِلْأرْضِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.

الفجر 89:21

﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أيْ: كَثِيرًا كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنْشَدَ قَوْلَ أُمَيَّةَ: إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا والمُرادُ أنَّكم تُحِبُّونَهُ مَعَ حِرْصٍ وشَرَهٍ ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ بِطَرِيقِ الوَعِيدِ تَعْلِيلًا لِلرَّدْعِ. والدَّكُّ قالَ الخَلِيلُ: كَسْرُ الحائِطِ والجَبَلِ ونَحْوِها، وتَكْرِيرُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِيعابِ فَلَيْسَ الثّانِي تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ بَلْ ذَلِكَ نَظِيرُ الحالِ في نَحْوِ قَوْلِكَ: جاءُوا رَجُلًا رَجُلًا، وعَلَّمْتُهُ الحِسابَ بابًا بابًا؛ أيْ: صفحة 128 إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا مُتَتابِعًا حَتّى انْكَسَرَ وذَهَبَ كُلُّ ما عَلى وجْهِها مِن جِبالٍ وأبْنِيَةٍ وقُصُورٍ وغَيْرِها حِينَ زُلْزِلَتِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ وصارَتْ هَباءً مَنثُورًا. وقالَ المُبَرِّدُ: الدَّكُّ حَطُّ المُرْتَفِعِ بِالبَسْطِ والتَّسْوِيَةِ، وانْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ إذا افْتُرِشَ في ظَهْرِهِ، وناقَةٌ دَكّاءُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ، والمَعْنى عَلَيْهِ: إذا سُوِّيَتْ تَسْوِيَةً بَعْدَ تَسْوِيَةٍ ولَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِها شَيْءٌ حَتّى صارَتْ كالصَّخْرَةِ المَلْساءِ، وأيًّا ما كانَ فَهو عَلى ما قِيلَ: عِبارَةٌ عَمّا عُرِضَ لِلْأرْضِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.

الفجر 89:22

﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مَعْناهُ: ظَهَرَ سُبْحانَهُ لِلْخَلْقِ هُنالِكَ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَجِيءِ نَقْلَةٍ وكَذَلِكَ مَجِيءُ الطّامَّةِ والصّاخَّةِ. وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ لِلتَّهْوِيلِ،؛ أيْ: وجاءَ أمْرُ رَبِّكَ وقَضاؤُهُ سُبْحانَهُ، واخْتارَ جَمْعٌ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ آياتِ اقْتِدارِهِ تَعالى وتَبَيُّنِ آثارِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وسُلْطانِهِ عَزَّ سُلْطانُهُ مُثِّلَتْ حالُهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ بِحالِ المَلِكِ إذا حَضَرَ بِنَفْسِهِ ظَهَرَ لِمَحْضُورِهِ مِن آثارِ الهَيْبَةِ والسِّياسَةِ ما لا يَظْهَرُ بِحُضُورِ عَساكِرِهِ ووُزَرائِهِ وخَواصِّهِ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما لِلسَّلَفِ في المُتَشابِهِ مِنَ الكَلامِ ﴿والمَلَكُ﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ فَيَشْتَمِلُ جَمْعَ مَلائِكَةِ السَّماواتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ أيْ: مُصْطَفِّينَ أوْ ذَوِي صُفُوفٍ فَإنَّهُ قِيلَ: يَنْزِلُ يَوْمَ القِيامَةِ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ فَيَصْطَفُّونَ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ بِحَسْبِ مَنازِلِهِمْ ومَراتِبِهِمْ مُحْدِقِينَ بِالجِنِّ والإنْسِ، وقِيلَ: يَصْطَفُّونَ بِحَسْبِ أمْكِنَةِ أُمُورٍ تَتَعَلَّقُ بِهِمْ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ. ورُوِيَ أنَّ مَلائِكَةَ كُلِّ سَماءٍ تَكُونُ صَفًّا حَوْلَ الأرْضِ فالصُّفُوفُ سَبْعَةٌ عَلى ما هو الظّاهِرُ. وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: الظّاهِرُ أنَّ المَلَكَ أعَمُّ مِن مَلائِكَةِ السَّماواتِ وغَيْرِها، وتَعْرِيفُهُ لِلِاسْتِغْراقِ، وادُّعِيَ أنَّ اصْطِفافَهم بِحَسْبِ مَراتِبِهِمِ، اصْطِفافَ أهْلِ الدُّنْيا في الصَّلاةِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ اصْطِفافٌ مِن غَيْرِ تَحْدِيقٍ، ورَأيْتُ غَيْرَ أثَرٍ في أنَّهم يَصْطَفُّونَ مُحْدِقِينَ.

الفجر 89:23

﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قِيلَ: هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ عَلى أنْ يَكُونَ مَجِيئُها مُتَجَوِّزًا بِهِ عَنْ إظْهارِها واخْتِيرَ أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ. فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يُؤْتى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها»». «وفِي رِوايَةٍ بِزِيادَةِ: «حَتّى تُنْصَبَ عَنْ يَسارِ العَرْشِ لَها تَغَيُّظٌ وزَفِيرٌ»». وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ: «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَناجاهُ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلصَّلاةِ مُنْكَسِرَ الطَّرْفِ، فَسَألَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ﴾ الآيَةَ... فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: كَيْفَ يُجاءُ بِها؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تُقادُ بِسَبْعِينَ ألْفَ زِمامٍ، كُلُّ زِمامٍ يَقُودُهُ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ شَرَدَتْ عَلَيْهِمْ شَرْدَةً انْفَلَتَتْ مِن أيْدِيهِمْ فَلَوْلا أنَّهم أدْرَكُوها فَأخَذُوها لَأحْرَقَتْ مَن في الجَمْعِ». وفِي رِوايَةٍ: «لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى حَبسَها لَأحْرَقَتِ السَّماواتِ والأرْضَ»». وتَأْوِيلُ كُلِّ ما ذُكِرَ ونَحْوِهِ مِمّا ورَدَ وحَمْلُهُ عَلى المَجازِ لا يَدْعُو إلَيْهِ إلّا اسْتِحالَةُ الِانْتِقالِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَجِيءُ الحَقِيقِيُّ عَلى جَهَنَّمَ وهو لَعَمْرِي غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، فَيَجُوزُ أنْ تَخْرُجَ وتَنْتَقِلَ مِن مَحَلِّها في المَحْشَرِ ثُمَّ تَعُودَ إلَيْهِ، والحالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ وراءَ ما تَتَخَيَّلُهُ الأذْهانُ. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذا دُكَّتِ﴾ وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ العامِلَ فِيهِ هو العامِلُ نَفْسُهُ في المُبْدَلِ مِنهُ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ وهو قَوْلٌ قَدْ نُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ. وفي البَحْرِ: المَشْهُورُ خِلافُهُ؛ وهو أنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ والظّاهِرُ عِنْدِي الأوَّلُ، ويَتَذَكَّرُ مِنَ الذِّكْرِ ضِدَّ النِّسْيانِ؛ أيْ: يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما فَرَّطَ فِيهِ بِتَفاصِيلِهِ بِمُشاهَدَةِ آثارِهِ وأحْكامِهِ، أوْ بِإحْضارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ في ذِهْنِهِ وإخْطارِهِ لَهُ وإنْ لَمْ يُشاهِدْ بَعْدُ أثَرًا أوْ بِمُعايَنَةِ عَيْنِهِ بِناءً عَلى أنَّ الأعْمالَ تَتَجَسَّمُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ فَتَبْرُزُ بِما يُناسِبُها مِنَ الصُّوَرِ حُسْنًا وقُبْحًا أوْ مِنَ صفحة 129 التَّذَكُّرِ بِمَعْنى الِاتِّعاظِ؛ أيْ: يَتَّعِظُ بِما يَرى مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَظِيمِ عَظَمَتِهِ تَعالى وشَأْنِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ لَيْسَ بِتَذَكُّرٍ حَقِيقَةً لِعَرائِهِ عَنِ الجَدْوى لِعَدَمِ وُقُوعِهِ في أوانِهِ. ( وأنّى ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و( الذِّكْرى ) مُبْتَدَأٌ ( ولَهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ؛ أيْ: ومِن أيْنَ تَكُونُ لَهُ الذِّكْرى وقَدْ فاتَ أوانُها، وقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وأنّى لَهُ مَنفَعَةُ الذِّكْرى ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ لِئَلّا يَكُونَ تَناقُضٌ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ هَذا يَتَحَقَّقُ بِما قُرِّرَ أوَّلًا عَلى أنَّهُ إذا جُعِلَ اخْتِصاصُ اللّامِ مُقْتَصِرًا عَلى النّافِعِ اسْتَقامَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، ويَكُونُ إنْكارُ أنْ تَكُونَ الذِّكْرى لَهُ لا عَلَيْهِ. وأمّا كَوْنُهُ حِكايَةً لِما كانَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِن عَدَمِ الِاعْتِبارِ والِاتِّعاظِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِن حَيْثُ هي تَوْبَةٌ غَيْرُ واجِبَةِ القَبُولِ عَقْلًا كَما زَعَمَ المُعْتَزِلَةُ بِناءً عَلى وُجُوبِ الأصْلَحِ عِنْدَهُمْ، وقِيلَ في تَوْجِيهِهِ: إنَّهُ لَوْ وجَبَ قَبُولُها لَوَجَبَ قَبُولُ هَذا التَّذَكُّرِ؛ فَإنَّهُ تَوْبَةٌ؛ إذْ هي كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ مِن حَيْثُ هي مَعْصِيَةٌ، والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ لَها إذا قَدَرَ عَلَيْها ولَمْ يَعْتَبِرْ أحَدٌ في تَعْرِيفِها كَوْنَها في الدُّنْيا وإنْ كانَتِ النّافِعَةُ مِنها لا تَكُونُ إلّا فِيها، وهَذا التَّذَكُّرُ هو عَيْنُ النَّدَمِ المَذْكُورِ. وقَدْ صَرَّحَ الضَّحّاكُ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِأنَّهُ تَوْبَةٌ ولَمْ تُقْبَلْ لِعَدَمِ تَرَتُّبِ المَنفَعَةِ عَلَيْهِ الَّتِي هي مِن لَوازِمِ القَبُولِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُعْتَزِلَةَ إنَّما يَقُولُونَ بِوُجُوبِ قَبُولِها بِشَرْطِ عَدَمِ رَفْعِ التَّكالِيفِ وقِيلَ: إنَّ تَذَكُّرَهُ لَيْسَ مِنَ التَّوْبَةِ في شَيْءٍ؛ فَإنَّهُ عالِمٌ بِأنَّها إنَّما تَكُونُ في الدُّنْيا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:

الفجر 89:24

﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ ويُعْلَمُ ما فِيهِ مِمّا تَقَدَّمَ مِن تَوْجِيهِ الِاسْتِدْلالِ فَلا تَغْفُلْ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن «يَتَذَكَّرُ» أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَقُولُ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ؟ فَقِيلَ: يَقُولُ: يا لَيْتَنِي إلَخْ. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، والمُرادُ بِحَياتِهِ حَياتُهُ في الآخِرَةِ، ومَفْعُولُ «قَدَّمْتُ» مَحْذُوفٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِأجْلِ حَياتِي هَذِهِ أعْمالًا صالِحَةً أنْتَفِعُ بِها فِيها. وقِيلَ: اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ إلّا أنَّ المَعْنى: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ أعْمالًا صالِحَةً لِأجْلِ أنْ أحْيا حَياةً نافِعَةً، وقالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمُوتُ ولا يَحْيا حِينَئِذٍ وهو كَما تَرى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ تَوْقِيتِيَّةً مِثْلَها في نَحْوِ: كَتَبْتُهُ لِخَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَيْنَ مِنَ المُحَرَّمِ، وجِئْتُ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، ويَكُونُ المُرادُ بِحَياتِهِ حَياتَهُ في الدُّنْيا؛ أيْ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ وعَمِلْتُ أعْمالًا صالِحَةً وقْتَ حَياتِي في الدُّنْيا لِأنْتَفِعَ بِها اليَوْمَ، ولَيْسَ في هَذا التَّمَنِّي شائِبَةُ دَلالَةٍ عَلى اسْتِقْلالِ العَبْدِ بِفِعْلِهِ، وإنَّما يَدُلُّ عَلى اعْتِقادِ كَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مِن تَقْدِيمِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وإمّا أنَّ ذَلِكَ بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ تَعالى أوْ بِخَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ صَرْفِ قُدْرَتِهِ الكاسِبَةِ إلَيْهِ فَكَلّا، وزَعَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ دَلِيلًا عَلى الِاسْتِقْلالِ ورَدَّ بِهِ عَلى المُجْبِرَةِ وهم عِنْدَهُ غَيْرُ المُعْتَزِلَةِ زَعْمًا مِنهُ المُنافاةَ بَيْنَ التَّمَنِّي والحَجْرِ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لا دَلالَةَ عَلى ذَلِكَ. وفي الكَشْفِ أنَّ التَّمَنِّيَ قَدْ يَقَعُ عَلى المُسْتَحِيلِ عَلى أنَّهُ حالَتَئِذٍ كالغَرِيقِ، هَذا وأهْلُ الحَقِّ لا يَقُولُونَ بِسَلْبِ الِاخْتِيارِ بِالكُلِّيَّةِ.

الفجر 89:25

﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَكُونُ ما ذُكِرَ مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ ﴿لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ الهاءُ إمّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ أيْ: لا يَتَوَلّى عَذابَ اللَّهِ تَعالى ووَثاقَهُ سُبْحانَهُ أحَدٌ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ وكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَفْعَلُ عَذابَ اللَّهِ تَعالى ووَثاقَهُ ولا يُباشِرُهُما أحَدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ في ضِمْنِ كُلِّ فِعْلٍ خاصٍّ واسْتُعْمِلَ ذَلِكَ اسْتِعْمالًا شائِعًا في مِثْلِ: وقَدْ حِيلَ بَيْنَ العِيرِ والنَّزَوانِ. وإنْ نَظُنْ إلّا ظَنًّا فالعَذابُ مَفْعُولٌ بِهِ وكَذا الوَثاقُ، وفِيهِ تَعْظِيمُ عَذابِ اللَّهِ تَعالى ووَثاقِهِ سُبْحانَهُ لِهَذا الإنْسانِ الَّذِي شَرَحَ مِن أحْوالِهِ ما شَرَحَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ. فَما ادَّعاهُ ابْنُ الحاجِبِ مِن عَدَمِ قُوَّةِ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ تَعالى بِناءً عَلى فَواتِ التَّعْظِيمِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ لِلْغُفُولِ عَنْ نُكْتَةِ الكِنايَةِ، وإمّا لِلْإنْسانِ المَوْصُوفِ والإضافَةُ إلى المَفْعُولِ؛ أيْ: لا يُعَذِّبُ ولا يُوثِقُ أحَدٌ مِنَ الزَّبانِيَةِ أحَدًا مِن أهْلِ النّارِ مِثْلَ ما يُعَذِّبُونَهُ ويُوثِقُونَهُ كَأنَّهُ أشَدُّهم عَذابًا ووَثاقًا لِأنَّهُ أشَدُّهم سَيِّئاتِ أفْعالٍ وقَبائِحِ أحْوالٍ، وهو وجْهٌ صفحة 130 حَسَنٌ بَلْ هو أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ عَلى ما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ ابْنَ سِيرِينَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ وسَلّامٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «لا يُعَذَّبُ» «ولا يُوثَقُ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، فالهاءُ في عَذابِهِ ووَثاقِهِ لِلْإنْسانِ المَوْصُوفِ؛ أيْ: لا يُعَذَّبُ أحَدٌ مِثْلَ عَذابِهِ ولا يُوثَقُ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ مِثْلَ وثاقِهِ لِتَناهِيهِ في كُفْرِهِ وشِقاقِهِ ونُصِبَ العَذابُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْذِيبِ؛ إمّا لِأنَّهُ بِمَعْناهُ في الأصْلِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى ما يُعَذَّبُ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ كَما يُوضَعُ العَطاءُ مَوْضِعَ الإعْطاءِ وكَذَلِكَ الوَثاقُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَحْمِلُ عَذابَ الإنْسانِ أحَدٌ، ولا يُوَثَقُ وثاقُهُ أحَدٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ والعَذابُ عَلَيْهِ جارٍ عَلى المُتَعارَفِ، والنَّصْبُ عَلى تَضْمِينِ التَّعْذِيبِ مَعْنى التَّحْمِيلِ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِمَقامِ التَّغْلِيظِ عَلى هَذا الإنْسانِ المُفَرِّطِ أوانَ التَّمَكُّنَ، والوَجْهُ الثّانِي لِلْقِراءَةِ الأُولى مُطابِقٌ لِهَذا كَما لا يَخْفى، والمُرادُ مِن أنَّهُ لا يُعَذَّبُ أحَدٌ مِثْلَ عَذابِهِ أنَّهُ لا يُعَذَّبُ أحَدٌ مِن جِنْسِهِ كالعُصاةِ كَذَلِكَ فَلا يَلْزَمُ كَوْنُهُ أشَدَّ عَذابًا مِن إبْلِيسَ ومَن في طَبَقَتِهِ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ جِنْسُ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وقِيلَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وإنْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن ذُكِرَ وأمّا القَوْلُ بِأنَّ هَذا العَذابَ المُوثَقَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لا يُقالُ لَهُ إنْسانٌ، وكَوْنُ الضَّمِيرِ لَهُ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ لا لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ إلَخْ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: «وِثاقَهُ» بِكَسْرِ الواوِ.

الفجر 89:26

﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَكُونُ ما ذُكِرَ مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ ﴿لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ الهاءُ إمّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ أيْ: لا يَتَوَلّى عَذابَ اللَّهِ تَعالى ووَثاقَهُ سُبْحانَهُ أحَدٌ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ وكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَفْعَلُ عَذابَ اللَّهِ تَعالى ووَثاقَهُ ولا يُباشِرُهُما أحَدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ في ضِمْنِ كُلِّ فِعْلٍ خاصٍّ واسْتُعْمِلَ ذَلِكَ اسْتِعْمالًا شائِعًا في مِثْلِ: وقَدْ حِيلَ بَيْنَ العِيرِ والنَّزَوانِ. وإنْ نَظُنْ إلّا ظَنًّا فالعَذابُ مَفْعُولٌ بِهِ وكَذا الوَثاقُ، وفِيهِ تَعْظِيمُ عَذابِ اللَّهِ تَعالى ووَثاقِهِ سُبْحانَهُ لِهَذا الإنْسانِ الَّذِي شَرَحَ مِن أحْوالِهِ ما شَرَحَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ. فَما ادَّعاهُ ابْنُ الحاجِبِ مِن عَدَمِ قُوَّةِ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ تَعالى بِناءً عَلى فَواتِ التَّعْظِيمِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ لِلْغُفُولِ عَنْ نُكْتَةِ الكِنايَةِ، وإمّا لِلْإنْسانِ المَوْصُوفِ والإضافَةُ إلى المَفْعُولِ؛ أيْ: لا يُعَذِّبُ ولا يُوثِقُ أحَدٌ مِنَ الزَّبانِيَةِ أحَدًا مِن أهْلِ النّارِ مِثْلَ ما يُعَذِّبُونَهُ ويُوثِقُونَهُ كَأنَّهُ أشَدُّهم عَذابًا ووَثاقًا لِأنَّهُ أشَدُّهم سَيِّئاتِ أفْعالٍ وقَبائِحِ أحْوالٍ، وهو وجْهٌ صفحة 130 حَسَنٌ بَلْ هو أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ عَلى ما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ ابْنَ سِيرِينَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ وسَلّامٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «لا يُعَذَّبُ» «ولا يُوثَقُ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، فالهاءُ في عَذابِهِ ووَثاقِهِ لِلْإنْسانِ المَوْصُوفِ؛ أيْ: لا يُعَذَّبُ أحَدٌ مِثْلَ عَذابِهِ ولا يُوثَقُ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ مِثْلَ وثاقِهِ لِتَناهِيهِ في كُفْرِهِ وشِقاقِهِ ونُصِبَ العَذابُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْذِيبِ؛ إمّا لِأنَّهُ بِمَعْناهُ في الأصْلِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى ما يُعَذَّبُ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ كَما يُوضَعُ العَطاءُ مَوْضِعَ الإعْطاءِ وكَذَلِكَ الوَثاقُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَحْمِلُ عَذابَ الإنْسانِ أحَدٌ، ولا يُوَثَقُ وثاقُهُ أحَدٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ والعَذابُ عَلَيْهِ جارٍ عَلى المُتَعارَفِ، والنَّصْبُ عَلى تَضْمِينِ التَّعْذِيبِ مَعْنى التَّحْمِيلِ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِمَقامِ التَّغْلِيظِ عَلى هَذا الإنْسانِ المُفَرِّطِ أوانَ التَّمَكُّنَ، والوَجْهُ الثّانِي لِلْقِراءَةِ الأُولى مُطابِقٌ لِهَذا كَما لا يَخْفى، والمُرادُ مِن أنَّهُ لا يُعَذَّبُ أحَدٌ مِثْلَ عَذابِهِ أنَّهُ لا يُعَذَّبُ أحَدٌ مِن جِنْسِهِ كالعُصاةِ كَذَلِكَ فَلا يَلْزَمُ كَوْنُهُ أشَدَّ عَذابًا مِن إبْلِيسَ ومَن في طَبَقَتِهِ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ جِنْسُ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وقِيلَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وإنْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن ذُكِرَ وأمّا القَوْلُ بِأنَّ هَذا العَذابَ المُوثَقَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لا يُقالُ لَهُ إنْسانٌ، وكَوْنُ الضَّمِيرِ لَهُ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ لا لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ إلَخْ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: «وِثاقَهُ» بِكَسْرِ الواوِ.

الفجر 89:27

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ إلَخْ حِكايَةٌ لِأحْوالِ مَنِ اطْمَأنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إثْرَ حِكايَةِ مَنِ اطْمَأنَّ بِالدُّنْيا وسَكَنَ إلَيْها. وذُكِرَ أنَّهُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ أيْ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ﴾ إلَخْ. إمّا بِالذّاتِ كَما كَلَّمَ سُبْحانَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ عَلى لِسانِ المَلَكِ، واسْتُظْهِرَ أنَّ ذُلَّ القَوْلِ عِنْدَ تَمامِ الحِسابِ. ولْيَنْظُرِ التَّفاوُتُ ما بَيْنَ ذَلِكَ الإنْسانِ وهَذِهِ النَّفْسِ ذاكَ يَقُولُ: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ وهَذِهِ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَها: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ إلَخْ، وكَأنَّهُ لِلْإيذانِ بِغايَةِ التَّبايُنِ لَمْ يَذْكُرِ القَوْلَ، وتُعْطَفُ الجُمْلَةُ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ. والنَّفْسُ قِيلَ: بِمَعْنى الذّاتِ ووُصِفَتْ بِالِاطْمِئْنانِ بِذَلِكَ لِأنَّها لِتَرْقى بِقُوَّتِها العاقِلَةِ في مَعارِجِ الأسْبابِ والمُسَبَّباتِ إلى المَبْدَأِ المُؤَثِّرِ بِالذّاتِ جَلَّتْ صِفاتُهُ وأسْماؤُهُ فَتَضْطَرِبُ وتَقْلَقُ قَبْلَ الوُصُولِ إلى مَعْرِفَتِهِ تَعالى، فَإذا وصَلَتْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ اطْمَأنَّتْ واسْتَغْنَتْ بِهِ سُبْحانَهُ عَنْ وُجُودِها وسائِرِ شُؤُونِها ولَمْ تَلْتَفِتْ إلى ما سِواهُ جَلَّ وعَلا بِالكُلِّيَّةِ وقِيلَ: هي النَّفْسُ المُؤْمِنَةُ المُطْمَئِنَّةُ إلى الحَقِّ الواصِلَةُ إلى ثَلْجِ اليَقِينِ وبُرُودَتِهِ بِحَيْثُ لا يُخالِطُها شَكٌّ ما ولا يُمازِجُها سُخُونَةُ اضْطِرابِ القَلْبِ في الحَقِّ أصْلًا وهو وجْهٌ حَسَنٌ، والِارْتِباطُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ النَّفْسَ هي المُتَّعِظَةُ الذّاكِرَةُ عَلى خِلافِ الإنْسانِ المَوْصُوفِ فِيما قَبْلُ، فَإنَّ التَّذَكُّرَ عَلى قَدْرِ قُوَّةِ اليَقِينِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ وقِيلَ: هي الآمِنَةُ الَّتِي لا يَسْتَفِزُّها خَوْفٌ ولا حُزْنٌ يَوْمَ القِيامَةِ، أعْنِي النَّفْسَ المُؤْمِنَةَ اليَوْمَ المُتَوَفّاةَ عَلى الإيمانِ. وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ: «يا أيَّتُها النَّفْسُ الآمِنَةُ المُطْمَئِنَّةُ» وكَأنَّهُ لِأنَّ الوَصْفَيْنِ يُعْتَبَرُ تَناسُبُهُما في الأكْثَرِ وهي عَلى هَذا تُقابِلُ السّابِقَ وهو المُتَحَسِّرُ والمُتَحَزِّنُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: «يا أيُّها» بِغَيْرِ تاءٍ، وذَكَرَ صاحِبُ البَدِيعِ أنَّ أيًّا قَدْ تُذْكَرُ مَعَ المُنادى المُؤَنَّثِ قِيلَ: ولِذَلِكَ وجْهٌ مِنَ القِياسِ؛ وذَلِكَ أنَّها كَما لَمْ تُثَنَّ ولَمْ تُجْمَعْ في نِداءِ المُثَنّى والمَجْمُوعِ، فَكَذَلِكَ لَمْ تُؤَنَّثُ في نِداءِ المُؤَنَّثِ، واعْتِبارُ النَّفْسِ هاهُنا مُذَكَّرَةً ثُمَّ مُؤَنَّثَةً مِمّا لا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ.

الفجر 89:28

﴿ارْجِعِي﴾ أيْ: مِن حَيْثُ حُوسِبْتِ. ﴿إلى رَبِّكِ﴾ أيْ: إلى مَحَلِّ عِنايَتِهِ تَعالى ومَوْقِفِ كَرامَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لَكِ أوَّلًا، وهَذا لِأنَّ لِلسُّعَداءِ قَبْلَ الحِسابِ كَما يُفْهَمُ مِنَ الأخْبارِ مَوْقِفًا في المَحْشَرِ مَخْصُوصًا يُكْرِمُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ لا يَجِدُونَ فِيهِ ما يَجِدُهُ غَيْرُهم في مَواقِفِهِمْ مِنَ النَّصَبِ، ومِنهُ يُنادى الواحِدُ بَعْدَ الواحِدِ لِلْحِسابِ، فَمَتى كانَ هَذا القَوْلُ عِنْدَ تَمامِ الحِسابِ صفحة 131 اقْتَضى أنْ يَكُونَ المَعْنى ما ذُكِرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ارْجِعِي بِتَخْلِيَةِ القَلْبِ عَنِ الأعْمالِ والِالتِفاتِ إلَيْها والِاهْتِمامِ بِأمْرِها أتُقْبَلُ أمْ لا، أيْ: إلى مُلاحَظَةِ ( رَبِّكِ ) والِانْقِطاعِ إلَيْهِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى ما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ كَما كُنْتِ أوَّلًا، كَأنَّ النَّفْسَ المُطْمَئِنَّةَ لَمّا دُعِيَتْ لِلْحِسابِ شُغِلَ فِكْرُها، وإنْ كانَتْ مُطَمْئِنَةً بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ وحالِ اليَوْمِ بِأمْرِ الحِسابِ وما يَنْتَهِي إلَيْهِ وأنَّهُ ماذا يَكُونُ حالُ أعْمالِها أتُقْبَلُ أمْ لا، فَلَمّا تَمَّ حِسابُها وقُبِلَتْ أعْمالُها قِيلَ لَها ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِها بِأنَّ الأمْرَ قَدِ انْتَهى وفُرِغَ مِنهُ، ولَيْسَ بَعْدُ إلّا كُلُّ خَيْرٍ. ونِداؤُها بِعُنْوانِ الِاطْمِئْنانِ لِتَذْكِيرِها بِما يَقْتَضِي الرُّجُوعَ نَظِيرَ قَوْلِكَ لِشُجاعٍ مَشْهُورٍ بِالشَّجاعَةِ أحْجَمَ في بَعْضِ المَواقِفِ: يا أيُّها الشُّجاعُ، أقْدِمْ ولا تُحْجِمْ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى الأوَّلِ لا يُناسِبُها ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلى رَبِّكِ﴾ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن مَزِيدِ اللُّطْفِ بِها، ولِذا لَمْ يَقُلْ نَحْوَ: ارْجِعِي إلى اللَّهِ تَعالى أوْ «إلَيَّ راضِيَةً»؛ أيْ: بِما تُؤْتَيْنَهُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لا تَتَناهى، وقَدْ يُقالُ: راضِيَةً بِما نِلْتِيهِ مِن خِفَّةِ الحِسابِ وقَبُولِ الأعْمالِ ولَيْسَ بِذاكَ. ﴿مَرْضِيَّةً﴾ أيْ: عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قِيلَ: المُرادُ راضِيَةً عَنْ رَبِّكَ مَرْضِيَّةً عِنْدَهُ، وزُعِمَ أنَّهُ الأظْهَرُ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ وفِيهِ نَظَرٌ. والوَصْفانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، والظّاهِرُ أنَّ الحالَ الأُولى مُقَدَّرَةٌ، وقِيلَ: مُقارِنَةٌ، وذِكْرُ الحالِ الثّانِيَةِ مِن بابِ التَّرَقِّي فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ .

الفجر 89:29

﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ في زُمْرَةِ عِبادِي الصّالِحِينَ المُخْلِصِينَ لِي وانْتَظِمِي في سِلْكِهِمْ وكُونِي في جُمْلَتِهِمْ. ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها داخِلَةٌ مَعَها في حَيِّزِ الفاءِ المُفِيدَةِ لِكَوْنِ ما بَعْدَها عَقِيبَ ما قَبْلَها مِن غَيْرِ تَراخٍ، وكَأنَّ الأمْرَ بِالدُّخُولِ في جُمْلَةِ عِبادِ اللَّهِ تَعالى الصّالِحِينَ إشارَةٌ إلى السَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ لِكَمالِ اسْتِئْناسِ النَّفْسِ بِالجَلِيسِ الصّالِحِ، والأمْرُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ إشارَةٌ إلى السَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ ولِفَضْلِ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ قَدَّمَ الأمْرَ الأوَّلَ وجِيءَ بِالثّانِي عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ. ونُكْتَةُ الِالتِفاتِ فِيهِما ظاهِرَةٌ بِأدْنى التِفاتٍ. وتَعَدّى الدُّخُولُ أوَّلًا بِفي وثانِيًا بِدُونِها قالَ أبُو حَيّانَ: لِأنَّ المَدْخُولَ فِيهِ إنْ كانَ غَيْرَ ظَرْفٍ حَقِيقِيٍّ تَعَدّى إلَيْهِ في الِاسْتِعْمالِ بِفِي، تَقُولُ: دَخَلْتُ في الأمْرِ ودَخَلْتُ في غِمارِ النّاسِ، وإذا كانَ ظَرْفًا حَقِيقِيًّا تَعَدّى إلَيْهِ في الغالِبِ بِغَيْرِ وساطَتِها فَلا تَغْفُلْ. وقِيلَ: المُرادُ: ارْجِعِي إلى مَوْعِدِ رَبِّكِ، واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ بِمَوْعِدِهِ تَعالى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ القَوْلِ المَذْكُورِ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ ما وعَدَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الجَنَّةِ والكَوْنِ مَعَ عِبادِهِ تَعالى الصّالِحِينَ، والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ، واسْتُشْكِلَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ؛ إذْ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الجَنَّةُ مَقَرًّا لِلنَّفْسِ قَبْلَ ذَلِكَ، وأُجِيبَ بِتَحَقُّقِ هَذا المُقْتَضى بِناءً عَلى وُجُودِها بِالقُوَّةِ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كانَ في الجَنَّةِ وقَدْ قِيلَ نَحْوَ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ المُرادَ بِالمَعادِ الجَنَّةُ دُونَ مَكَّةَ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يَتِمُّ إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ جَنَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هي الجَنَّةُ الَّتِي يَدْخُلُها المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ لا جَنَّةً أُخْرى كانَتْ في الأرْضِ، والخِلافُ في ذَلِكَ قَوِيٌّ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كِتابَ مِفْتاحِ السَّعادَةِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ القَيِّمِ واطَّلَعَ عَلى أدِلَّةِ الطَّرَفَيْنِ. وقِيلَ: المُرادُ: ارْجِعِي إلى أمْرِ رَبِّكَ، واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ بِالأمْرِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ واحِدُ الأُمُورِ ويُفَسَّرُ بِمُعامَلَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاها بِما لَيْسَ فِيهِ ما يَشْغَلُ بالَها أوْ بِتَمْيِيزِها بِمَوْقِفٍ كَرِيمٍ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَتَحَقَّقُ مَعَهُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الرُّجُوعِ، وقِيلَ: المُرادُ: ارْجِعِي إلى كَرامَةِ رَبِّكَ ويُرادُ جِنْسُ كَرامَتِهِ سُبْحانَهُ والرُّجُوعُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّها كانَتْ بَعْدَ المَوْتِ في البَرْزَخِ أوْ بَعْدَ البَعْثِ وقَبْلَ الحِسابِ في نَوْعٍ مِنهُ والفاءُ عَلَيْهِ قِيلَ: تَفْسِيرِيَّةٌ أيْضًا. وعَنْ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ عِنْدَ البَعْثِ، فَقِيلَ: النَّفْسُ بِمَعْنى الذّاتِ أيْضًا، والمُرادُ بِالرَّبِّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ ولا يُقَدَّرُ مَحَلَّ كَرامَتِهِ تَعالى مُرادًا بِهِ المَوْقِفُ الخاصُّ عَلى ما سَمِعْتَ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ لَها بَعْدُ. وقِيلَ: النَّفْسُ بِمَعْنى الرَّوْحِ، والمُرادُ بِالرَّبِّ الصّاحِبُ، صفحة 132 وفُسِّرَ بِالجَسَدِ وباقِي الآيَةِ عَلى حالِهِ؛ أيِ ارْجِعِي إلى جَسَدِكِ كَما كُنْتِ في الدُّنْيا فادْخُلِي بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ في جُمْلَةِ عِبادِي وادْخُلِي دارَ ثَوابِي، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّفْسِ والرَّبِّ ما ذُكِرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عِبادِي﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: فادْخُلِي في أجْسادِ عِبادِي، وجاءَ هَذا في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ، ولا يَضُرُّ الإفْرادُ أوَّلًا والجَمْعُ ثانِيًا؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الجِنْسِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ عِنْدَ المَوْتِ وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «قُرِئَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ الآيَةَ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ هَذا لَحَسَنٌ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أما إنَّ المَلَكَ سَيَقُولُها لَكَ عِنْدَ المَوْتِ»». وجاءَ نَحْوُ هَذا مِن رِوايَةِ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ في نَوادِرِ الأُصُولِ مِن طَرِيقِ ثابِتِ بْنِ عَجْلانَ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ عَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. والنَّفْسُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الرُّوحِ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: ارْجِعِي بِالمَوْتِ إلى عالِمِ قُدْسِ رَبِّكِ راضِيَةً بِما تُؤْتَيْنَ مِنَ النَّعِيمِ أوْ راضِيَةً عَنْ رَبِّكَ مَرْضِيَّةً عِنْدَهُ تَعالى، فادْخُلِي في زُمْرَةِ عِبادِي المُقَرَّبِينَ سَكَنَةِ حَظائِرِ القُدْسِ، وادْخُلِي جَنَّتَيِ الَّتِي أعْدَدْتُها لِذَوِي النُّفُوسِ المُطْمَئِنَّةِ، وهَذانِ الدُّخُولانِ يَعْقُبانِ الرُّجُوعَ إلّا أنَّ الدُّخُولَ الأوَّلَ يَعْقُبُهُ بِلا تَراخٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، والثّانِي يَعْقُبُهُ بِتَراخٍ؛ لِأنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ إنْ أُرِيدَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ دُخُولَها عَلى وجْهِ الخُلُودِ إلّا أنَّ الأمْرَ لِتَحَقُّقِهِ يَجُوزُ تَعْقِيبُهُ بِالفاءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْقِيبُ الأمْرَيْنِ عَلى هَذا النَّمَطِ إنْ أُرِيدَ بِالدُّخُولِ في عِبادَهِ تَعالى انْتِظامُها في سِلْكِ العِبادِ الصّالِحِينَ المُخْلِصِينَ مِن جِنْسِها، ويَجُوزُ عَلى إرادَةِ هَذا التَّعْقِيبِ أنْ يُرادَ فادْخُلِي في أجْسادِ عِبادِي. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْقِيبُ الأمْرَيْنِ بِلا تَراخٍ إنْ أُرِيدَ بِالدُّخُولِ في العِبادِ الدُّخُولُ في زُمْرَةِ المُقَرَّبِينَ مِن سَكَنَةِ حَظائِرِ القُدْسِ وبِالدُّخُولِ في الجَنَّةِ الدُّخُولُ لا عَلى وجْهِ الخُلُودِ بَلْ لِنَوْعٍ مِنَ التَّنَعُّمِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، فَفي الحَدِيثِ «أنَّ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ في حَواصِلِ طُيُورٍ في الجَنَّةِ». وفِي بَعْضِ الآثارِ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ أُعْطِي نِصْفَ الجَنَّةِ؛» أيْ: نِصْفَ جَنَّتِهِ الَّتِي وُعِدَ دُخُولَها يَوْمَ القِيامَةِ، وذُكِرَ في وجْهِ إدْخالِها مَعَ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ كالمَرايا المَصْقُولَةِ فَإذا انْضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ تَعاكَسَتْ أشِعَّةُ أنْوارِ المَعارِفِ فَيَظْهَرُ لِكُلٍّ مِنها ما يُكَمِّلُها فَيَكُونُ سَبَبًا أنَّها لِتَكامُلِ السِّعاداتِ وتَعاظُمِ الدَّرَجاتِ وهو عِنْدِي كَلامٌ خَطابِيٌّ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ما يُؤَيِّدُ بَعْضَ هَذِهِ الأوْجُهِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ هَذا عُنْوانُ المَوْتِ، ورُجُوعُها إلى رَبِّها خُرُوجُها مِنَ الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قِيلَ: لَها ادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي. وقِيلَ: إنَّ هَذا القَوْلَ بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِرُجُوعِها إلى رَبِّها رُجُوعُها إلى جَسَدِها لِسُؤالِ المَلَكَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ أُرِي مَنزِلَهُ مِنَ الجَنَّةِ فَيَقُولُ تَبارَكَ وتَعالى: يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ عِنْدِي ارْجِعِي إلى جَسَدِكِ الَّذِي خَرَجْتِ مِنهُ راضِيَةً بِما رَأيْتِ مِن ثَوابِي مَرْضِيًّا عَنْكِ حَتّى يَسْألَكِ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ في مُواطِنَ ثَلاثَةٍ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: بُشِّرَتْ بِالجَنَّةِ عِنْدَ المَوْتِ وعِنْدَ البَعْثِ ويَوْمَ الجَمْعِ، وتُفَسَّرُ عَلَيْهِ بِما يَنْطَبِقُ عَلى الجَمِيعِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في سائِرِ أوْقاتِ النَّفْسِ في حَياتِها الدُّنْيا، والمُرادُ بِالأمْرِ بِالرُّجُوعِ إلى الرَّبِّ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ تَعالى في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، والمُرادُ بِالأمْرِ بِالدُّخُولِ في العِبادِ الأمْرُ بِالدُّخُولِ في زُمْرَةِ العِبادِ الخُلَّصِ الَّذِينَ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ بِالإكْثارِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، وبِالأمْرِ بِالدُّخُولِ في الجَنَّةِ الأمْرُ بِالدُّخُولِ فِيها بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ بالَغَ جَلَّ وعَلا في سُوءِ حالِ الأمّارَةِ ووَعِيدِها خاطَبَ المُطْمَئِنَّةَ بِذاكَ وأرْشَدَها سُبْحانَهُ إلى ما فِيهِ صَلاحُها ونَجاتُها. ولا يَخْفى ما فِيهِ؛ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ وجْهًا، وأيًّا ما كانَ مِنَ الأوْجُهِ فالظّاهِرُ العُمُومُ فِيها، وإنْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن صفحة 133 طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ اشْتَرى بِئْرَ رُومَةَ وجَعَلَها سِقايَةً لِلنّاسِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ الَّذِي صَلَبَهُ أهْلُ مَكَّةَ وجَعَلُوا وجْهَهُ إلى المَدِينَةِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ لِي عِنْدَكَ خَيْرٌ فَحَوِّلْ وجْهِي نَحْوَ قِبْلَتِكَ، فَحَوَّلَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ نَحْوَها، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يُحَوِّلَهُ بَعْدُ. فَتَفْسِيرُ النَّفْسِ المَذْكُورَةِ بِأحَدِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ كَما نُقِلَ عَنْ بَعْضٍ مِن بابِ التَّمْثِيلِ وأنَّ صُورَةَ السَّبَبِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ ويَنْبَغِي أنْ يَتَحَمَّلَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في تِلْكَ النَّفْسِ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، وأشْعَرَتِ الآيَةُ عَلى بَعْضِ أوْجُهِها بِأنَّ الأرْواحَ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ الأبْدانِ ومَقَرُّها إذْ ذاكَ في عالَمِ المَلَكُوتِ، والخِلافُ في المَسْألَةِ شَهِيرٌ، وجُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ عِنْدَ اسْتِعْدادِ الأبْدانِ لَها وكَذا أفْلاطُونُ وأصْحابُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو صالِحٍ وأبُو شَيْخٍ واليَمانِيُّ في «عَبْدِي» عَلى الإفْرادِ واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ كَما في النَّفْسِ. ولِلسّادَةِ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ نُفُوسُهم كَلامٌ طَوِيلٌ في تَقْسِيمِ مَراتِبِ النَّفْسِ وقالُوا: إنَّ الآيَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَراتِبَ ثَلاثٍ مِنها المُطَمْئِنَةُ والرّاضِيَةُ والمَرَضِيَّةُ وفَسَّرُوا كُلًّا بِما فَسَّرُوهُ، فَمَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ في كُتُبِهِمْ، وأنا أقُولُ كَما عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْضَ الصَّحابَةِ عَلى ما أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً تُؤْمِنُ بِلِقائِكَ وتَرْضى بِقَضائِكَ وتَقْنَعُ بِعَطائِكَ».

الفجر 89:30

﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ في زُمْرَةِ عِبادِي الصّالِحِينَ المُخْلِصِينَ لِي وانْتَظِمِي في سِلْكِهِمْ وكُونِي في جُمْلَتِهِمْ. ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها داخِلَةٌ مَعَها في حَيِّزِ الفاءِ المُفِيدَةِ لِكَوْنِ ما بَعْدَها عَقِيبَ ما قَبْلَها مِن غَيْرِ تَراخٍ، وكَأنَّ الأمْرَ بِالدُّخُولِ في جُمْلَةِ عِبادِ اللَّهِ تَعالى الصّالِحِينَ إشارَةٌ إلى السَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ لِكَمالِ اسْتِئْناسِ النَّفْسِ بِالجَلِيسِ الصّالِحِ، والأمْرُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ إشارَةٌ إلى السَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ ولِفَضْلِ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ قَدَّمَ الأمْرَ الأوَّلَ وجِيءَ بِالثّانِي عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ. ونُكْتَةُ الِالتِفاتِ فِيهِما ظاهِرَةٌ بِأدْنى التِفاتٍ. وتَعَدّى الدُّخُولُ أوَّلًا بِفي وثانِيًا بِدُونِها قالَ أبُو حَيّانَ: لِأنَّ المَدْخُولَ فِيهِ إنْ كانَ غَيْرَ ظَرْفٍ حَقِيقِيٍّ تَعَدّى إلَيْهِ في الِاسْتِعْمالِ بِفِي، تَقُولُ: دَخَلْتُ في الأمْرِ ودَخَلْتُ في غِمارِ النّاسِ، وإذا كانَ ظَرْفًا حَقِيقِيًّا تَعَدّى إلَيْهِ في الغالِبِ بِغَيْرِ وساطَتِها فَلا تَغْفُلْ. وقِيلَ: المُرادُ: ارْجِعِي إلى مَوْعِدِ رَبِّكِ، واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ بِمَوْعِدِهِ تَعالى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ القَوْلِ المَذْكُورِ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ ما وعَدَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الجَنَّةِ والكَوْنِ مَعَ عِبادِهِ تَعالى الصّالِحِينَ، والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ، واسْتُشْكِلَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ؛ إذْ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الجَنَّةُ مَقَرًّا لِلنَّفْسِ قَبْلَ ذَلِكَ، وأُجِيبَ بِتَحَقُّقِ هَذا المُقْتَضى بِناءً عَلى وُجُودِها بِالقُوَّةِ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كانَ في الجَنَّةِ وقَدْ قِيلَ نَحْوَ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ المُرادَ بِالمَعادِ الجَنَّةُ دُونَ مَكَّةَ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يَتِمُّ إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ جَنَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هي الجَنَّةُ الَّتِي يَدْخُلُها المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ لا جَنَّةً أُخْرى كانَتْ في الأرْضِ، والخِلافُ في ذَلِكَ قَوِيٌّ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كِتابَ مِفْتاحِ السَّعادَةِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ القَيِّمِ واطَّلَعَ عَلى أدِلَّةِ الطَّرَفَيْنِ. وقِيلَ: المُرادُ: ارْجِعِي إلى أمْرِ رَبِّكَ، واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ بِالأمْرِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ واحِدُ الأُمُورِ ويُفَسَّرُ بِمُعامَلَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاها بِما لَيْسَ فِيهِ ما يَشْغَلُ بالَها أوْ بِتَمْيِيزِها بِمَوْقِفٍ كَرِيمٍ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَتَحَقَّقُ مَعَهُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الرُّجُوعِ، وقِيلَ: المُرادُ: ارْجِعِي إلى كَرامَةِ رَبِّكَ ويُرادُ جِنْسُ كَرامَتِهِ سُبْحانَهُ والرُّجُوعُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّها كانَتْ بَعْدَ المَوْتِ في البَرْزَخِ أوْ بَعْدَ البَعْثِ وقَبْلَ الحِسابِ في نَوْعٍ مِنهُ والفاءُ عَلَيْهِ قِيلَ: تَفْسِيرِيَّةٌ أيْضًا. وعَنْ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ عِنْدَ البَعْثِ، فَقِيلَ: النَّفْسُ بِمَعْنى الذّاتِ أيْضًا، والمُرادُ بِالرَّبِّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ ولا يُقَدَّرُ مَحَلَّ كَرامَتِهِ تَعالى مُرادًا بِهِ المَوْقِفُ الخاصُّ عَلى ما سَمِعْتَ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ لَها بَعْدُ. وقِيلَ: النَّفْسُ بِمَعْنى الرَّوْحِ، والمُرادُ بِالرَّبِّ الصّاحِبُ، صفحة 132 وفُسِّرَ بِالجَسَدِ وباقِي الآيَةِ عَلى حالِهِ؛ أيِ ارْجِعِي إلى جَسَدِكِ كَما كُنْتِ في الدُّنْيا فادْخُلِي بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ في جُمْلَةِ عِبادِي وادْخُلِي دارَ ثَوابِي، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّفْسِ والرَّبِّ ما ذُكِرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عِبادِي﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: فادْخُلِي في أجْسادِ عِبادِي، وجاءَ هَذا في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ، ولا يَضُرُّ الإفْرادُ أوَّلًا والجَمْعُ ثانِيًا؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الجِنْسِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ عِنْدَ المَوْتِ وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «قُرِئَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ الآيَةَ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ هَذا لَحَسَنٌ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أما إنَّ المَلَكَ سَيَقُولُها لَكَ عِنْدَ المَوْتِ»». وجاءَ نَحْوُ هَذا مِن رِوايَةِ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ في نَوادِرِ الأُصُولِ مِن طَرِيقِ ثابِتِ بْنِ عَجْلانَ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ عَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. والنَّفْسُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الرُّوحِ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: ارْجِعِي بِالمَوْتِ إلى عالِمِ قُدْسِ رَبِّكِ راضِيَةً بِما تُؤْتَيْنَ مِنَ النَّعِيمِ أوْ راضِيَةً عَنْ رَبِّكَ مَرْضِيَّةً عِنْدَهُ تَعالى، فادْخُلِي في زُمْرَةِ عِبادِي المُقَرَّبِينَ سَكَنَةِ حَظائِرِ القُدْسِ، وادْخُلِي جَنَّتَيِ الَّتِي أعْدَدْتُها لِذَوِي النُّفُوسِ المُطْمَئِنَّةِ، وهَذانِ الدُّخُولانِ يَعْقُبانِ الرُّجُوعَ إلّا أنَّ الدُّخُولَ الأوَّلَ يَعْقُبُهُ بِلا تَراخٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، والثّانِي يَعْقُبُهُ بِتَراخٍ؛ لِأنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ إنْ أُرِيدَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ دُخُولَها عَلى وجْهِ الخُلُودِ إلّا أنَّ الأمْرَ لِتَحَقُّقِهِ يَجُوزُ تَعْقِيبُهُ بِالفاءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْقِيبُ الأمْرَيْنِ عَلى هَذا النَّمَطِ إنْ أُرِيدَ بِالدُّخُولِ في عِبادَهِ تَعالى انْتِظامُها في سِلْكِ العِبادِ الصّالِحِينَ المُخْلِصِينَ مِن جِنْسِها، ويَجُوزُ عَلى إرادَةِ هَذا التَّعْقِيبِ أنْ يُرادَ فادْخُلِي في أجْسادِ عِبادِي. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْقِيبُ الأمْرَيْنِ بِلا تَراخٍ إنْ أُرِيدَ بِالدُّخُولِ في العِبادِ الدُّخُولُ في زُمْرَةِ المُقَرَّبِينَ مِن سَكَنَةِ حَظائِرِ القُدْسِ وبِالدُّخُولِ في الجَنَّةِ الدُّخُولُ لا عَلى وجْهِ الخُلُودِ بَلْ لِنَوْعٍ مِنَ التَّنَعُّمِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، فَفي الحَدِيثِ «أنَّ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ في حَواصِلِ طُيُورٍ في الجَنَّةِ». وفِي بَعْضِ الآثارِ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ أُعْطِي نِصْفَ الجَنَّةِ؛» أيْ: نِصْفَ جَنَّتِهِ الَّتِي وُعِدَ دُخُولَها يَوْمَ القِيامَةِ، وذُكِرَ في وجْهِ إدْخالِها مَعَ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ كالمَرايا المَصْقُولَةِ فَإذا انْضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ تَعاكَسَتْ أشِعَّةُ أنْوارِ المَعارِفِ فَيَظْهَرُ لِكُلٍّ مِنها ما يُكَمِّلُها فَيَكُونُ سَبَبًا أنَّها لِتَكامُلِ السِّعاداتِ وتَعاظُمِ الدَّرَجاتِ وهو عِنْدِي كَلامٌ خَطابِيٌّ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ما يُؤَيِّدُ بَعْضَ هَذِهِ الأوْجُهِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ هَذا عُنْوانُ المَوْتِ، ورُجُوعُها إلى رَبِّها خُرُوجُها مِنَ الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قِيلَ: لَها ادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي. وقِيلَ: إنَّ هَذا القَوْلَ بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِرُجُوعِها إلى رَبِّها رُجُوعُها إلى جَسَدِها لِسُؤالِ المَلَكَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ أُرِي مَنزِلَهُ مِنَ الجَنَّةِ فَيَقُولُ تَبارَكَ وتَعالى: يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ عِنْدِي ارْجِعِي إلى جَسَدِكِ الَّذِي خَرَجْتِ مِنهُ راضِيَةً بِما رَأيْتِ مِن ثَوابِي مَرْضِيًّا عَنْكِ حَتّى يَسْألَكِ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ في مُواطِنَ ثَلاثَةٍ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: بُشِّرَتْ بِالجَنَّةِ عِنْدَ المَوْتِ وعِنْدَ البَعْثِ ويَوْمَ الجَمْعِ، وتُفَسَّرُ عَلَيْهِ بِما يَنْطَبِقُ عَلى الجَمِيعِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في سائِرِ أوْقاتِ النَّفْسِ في حَياتِها الدُّنْيا، والمُرادُ بِالأمْرِ بِالرُّجُوعِ إلى الرَّبِّ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ تَعالى في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، والمُرادُ بِالأمْرِ بِالدُّخُولِ في العِبادِ الأمْرُ بِالدُّخُولِ في زُمْرَةِ العِبادِ الخُلَّصِ الَّذِينَ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ بِالإكْثارِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، وبِالأمْرِ بِالدُّخُولِ في الجَنَّةِ الأمْرُ بِالدُّخُولِ فِيها بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ بالَغَ جَلَّ وعَلا في سُوءِ حالِ الأمّارَةِ ووَعِيدِها خاطَبَ المُطْمَئِنَّةَ بِذاكَ وأرْشَدَها سُبْحانَهُ إلى ما فِيهِ صَلاحُها ونَجاتُها. ولا يَخْفى ما فِيهِ؛ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ وجْهًا، وأيًّا ما كانَ مِنَ الأوْجُهِ فالظّاهِرُ العُمُومُ فِيها، وإنْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن صفحة 133 طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ اشْتَرى بِئْرَ رُومَةَ وجَعَلَها سِقايَةً لِلنّاسِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ الَّذِي صَلَبَهُ أهْلُ مَكَّةَ وجَعَلُوا وجْهَهُ إلى المَدِينَةِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ لِي عِنْدَكَ خَيْرٌ فَحَوِّلْ وجْهِي نَحْوَ قِبْلَتِكَ، فَحَوَّلَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ نَحْوَها، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يُحَوِّلَهُ بَعْدُ. فَتَفْسِيرُ النَّفْسِ المَذْكُورَةِ بِأحَدِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ كَما نُقِلَ عَنْ بَعْضٍ مِن بابِ التَّمْثِيلِ وأنَّ صُورَةَ السَّبَبِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ ويَنْبَغِي أنْ يَتَحَمَّلَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في تِلْكَ النَّفْسِ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، وأشْعَرَتِ الآيَةُ عَلى بَعْضِ أوْجُهِها بِأنَّ الأرْواحَ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ الأبْدانِ ومَقَرُّها إذْ ذاكَ في عالَمِ المَلَكُوتِ، والخِلافُ في المَسْألَةِ شَهِيرٌ، وجُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ عِنْدَ اسْتِعْدادِ الأبْدانِ لَها وكَذا أفْلاطُونُ وأصْحابُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو صالِحٍ وأبُو شَيْخٍ واليَمانِيُّ في «عَبْدِي» عَلى الإفْرادِ واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ كَما في النَّفْسِ. ولِلسّادَةِ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ نُفُوسُهم كَلامٌ طَوِيلٌ في تَقْسِيمِ مَراتِبِ النَّفْسِ وقالُوا: إنَّ الآيَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَراتِبَ ثَلاثٍ مِنها المُطَمْئِنَةُ والرّاضِيَةُ والمَرَضِيَّةُ وفَسَّرُوا كُلًّا بِما فَسَّرُوهُ، فَمَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ في كُتُبِهِمْ، وأنا أقُولُ كَما عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْضَ الصَّحابَةِ عَلى ما أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً تُؤْمِنُ بِلِقائِكَ وتَرْضى بِقَضائِكَ وتَقْنَعُ بِعَطائِكَ».

البلد 90:1

سُورَةُ البَلَدِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ بِتَمامِها، وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ بِتَمامِها، وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن أوَّلِها. واعْتُرِضَ كِلا القَوْلَيْنِ بِأنَّهُ يَأْباهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِهَذا البَلَدِ﴾ قِيلَ: ولِقُوَّةِ الِاعْتِراضِ ادَّعى الزَّمَخْشَرِيُّ الإجْماعَ عَلى مَكِّيَّتِها وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنَّ في بَعْضِ الأخْبارِ ما هو ظاهِرٌ في نُزُولِ صَدْرِها بِمَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وهي عِشْرُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ. ولَمّا ذَمَّ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها مَن أحَبَّ المالَ وأكَلَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا، ولَمْ يَحُضَّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا فِيها الخِصالَ الَّتِي تُطْلَبُ مِن صاحِبِ المالِ مِن فَكِّ الرَّقَبَةِ وإطْعامٍ في يَوْمِ ذِي مَسْغَبَةٍ وكَذا لَمّا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ النَّفْسَ المُطْمَئِنَّةَ هُناكَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا بَعْضَ ما يَحْصُلُ بِهِ الِاطْمِئْنانُ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالبَلَدِ الحَرامِ أعْنِي مَكَّةَ؛ فَإنَّهُ المُرادُ بِالمُشارِ إلَيْهِ بِالإجْماعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الإنْسانِ خُلِقَ مَغْمُورًا في مُكابَدَةِ المَشاقِّ ومُعاناةِ الشَّدائِدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ عَلى ما اخْتارَهُ في الكَشّافِ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ وفِيهِ تَحْقِيقُ مَضْمُونِهِ بِذِكْرِ بَعْضِ المُكابَدَةِ عَلى نَهْجِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ وإدْماجٌ لِسُوءِ صَنِيعِ المُشْرِكِينَ لِيُصَرِّحَ بِذَمِّهِمْ عَلى أنَّ الحِلَّ بِمَعْنى المُسْتَحَلِّ بِزِنَةِ المَفْعُولِ الَّذِي لا يُحْتَرَمُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ المُكابَدَةِ أنَّ مِثْلَكَ عَلى عِظَمِ حُرْمَتِهِ يُسْتَحَلُّ بِهَذا البَلَدِ الحَرامِ ولا يُحْتَرَمُ كَما يُسْتَحَلُّ الصَّيْدُ في غَيْرِ الحَرَمِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ: يُحَرِّمُونَ أنْ يَقْتُلُوا بِهِ صَيْدًا ويُعَضِّدُوا شَجَرَهُ ويَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، وفي تَأْكِيدِ كَوْنِ الإنْسانِ في كَيْدٍ بِالقَسَمِ تَثْبِيتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَعْثٌ عَلى أنْ يَطَأ مِن نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ عَلى احْتِمالِهِ فَإنَّ ذَلِكَ قَدَرٌ مَحْتُومٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الحِلُّ بِمَعْنى الحَلالِ ضِدَّ الحَرامِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ: وأنْتَ يا مُحَمَّدُ يَحِلُّ لَكَ أنْ تُقاتِلَ بِهِ. وأمّا غَيْرُكَ فَلا. وقالَ مُجاهِدٌ: أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ساعَةً مِن نَهارٍ، وقالَ سُبْحانَهُ لَهُ: ما صَنَعْتَ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَأنْتَ في حِلٍّ صفحة 134 لا تُؤاخَذُ بِهِ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ وقَتادَةَ وعَطِيَّةَ وابْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ ولَفْظُهُ: يَقُولُ سُبْحانَهُ: أنْتَ حِلٌّ بِالحَرَمِ فاقْتُلْ إنْ شِئْتَ أوْ دَعْ وذَلِكَ يَوْمَ الفَتْحِ، وقَدْ قَتَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ وهو الَّذِي كانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ ذا القَلْبَيْنِ، قَدَّمَهُ أبُو بَرْزَةَ سَعِيدُ بْنُ حَرْبٍ الأسْلَمِيُّ فَضَرَبَ بِأمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عُنُقَهُ وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وكانَ قَدْ أظْهَرَ الإسْلامَ وكَتَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فارْتَدَّ وشَنَّعَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّ ما يُمْلِيهِ مِنَ القُرْآنِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقُتِلَ غَيْرُهُ أيْضًا كَما هو مَذْكُورٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنِ اللَّهَ تَعالى: حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَهي حَرامٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ لا تَحِلُّ لِأحَدٍ قَبْلِي ولَنْ تَحِلَّ لِأحَدٍ بَعْدِي، ولَمْ تَحِلَّ لِي إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ، فَلا يُعْضَدُ شَجَرُها ولا يُخْتَلى خَلاها ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها ولا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلّا لِمُنْشِدٍ». فَقالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا الإذْخِرَ؛ فَإنَّهُ لِقُيُونِنا وقُبُورِنا وبُيُوتِنا. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إلّا الإذْخِرَ»». وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى هَذا لِلِاخْتِصاصِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في خَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ. و﴿حِلٌّ﴾ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ بِناءً عَلى أنَّ نُزُولَ السُّورَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ الَّتِي هي قَبْلَ الفَتْحِ بِكَثِيرٍ وفي خَبَرٍ رَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ ضَرَبَ أبُو بَرْزَةَ عُنُقَ ابْنِ خَطَلٍ يَوْمَ الفَتْحِ، فَإنْ صَحَّ لا يَكُونُ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ لَكِنَّ الجُمْهُورَ عَلى الأوَّلِ، وفي تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ وتَوْكِيدِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ بِالإقْسامِ تَوْكِيدٌ لِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ وهو عَلى ما ذُكِرَ أنَّ عاقِبَةَ الِاحْتِمالِ والمُكابَدَةِ إلى الفَتْحِ والظَّفَرِ والغَرَضُ تَسْلِيَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ تَرْشِيحُها بِالتَّصْرِيحِ بِما سَيَكُونُ مِنَ الغَلَبَةِ وتَعْظِيمِ البَلَدِ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ مَن أحَلَّ لَهُ وفي الإقْسامِ بِهِ تَوْطِئَةً لِلتَّسْلِيَةِ؛ لِأنَّ تَعْظِيمَ البَلَدِ مِمّا يَقْتَرِفُهُ أهْلُهُ مِنَ المَآثِمِ مُتَحَرِّجٌ بَرِيءٌ مِنها والمَعْنى في الإقْسامِ بِالبَلَدِ تَعْظِيمُهُ، وفي الِاعْتِراضِ تَرْشِيحُ التَّعْظِيمِ والتَّشْرِيفُ بِكَوْنِ مِثْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَلالَةِ القَدْرِ ومَنصِبِ النُّبُوَّةِ ساكِنًا فِيهِ مُبايِنًا لِما عَلَيْهِ الغاغَةُ والهَمَجُ، والفائِدَةُ فِيهِ تَأْكِيدُ المُقْسَمِ عَلَيْهِ بِأنَّهم مِن أهْلِ الطَّبْعِ فَلا يَنْفَعُهم شَرَفُ مَكانٍ والمُتَمَكِّنِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ الطَّيِّبِ بِنَفْسِهِ وبِمَن سَكَنَ فِيهِ أنَّ أهْلَهُ لَفي مَرَضِ قَلْبٍ وشَكٍّ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقِيلَ: الحِلُّ صِفَةٌ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحالِ يُقالُ: حَلَّ أيْ: نَزَلَ، يَحُلُّ حِلًّا وحُلُولًا. ويُقالُ أيْضًا: هو حِلٌّ بِمَوْضِعِ كَذا كَما يُقالُ: حالٌّ بِهِ والقَوْلُ بِأنَّ الصِّفَةَ مِنَ الحُلُولِ حالٌّ لا حِلٌّ، ومَصْدَرُ حَلَّ بِمَعْنى نَزَلَ الحُلُولُ، والحَلُّ بِفَتْحِ الحاءِ والحَلَلُ فَقَطْ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّتَبُّعِ. والِاعْتِراضُ لِتَشْرِيفِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِجَعْلِ حُلُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَناطًا لِإعْظامِ البَلَدِ بِالإقْسامِ بِهِ وجَعَلَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الجُمْلَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ حالًا مِن هَذا البَلَدِ وكَذا جَعَلَها بَعْضُهم حالِيَّةً عَلى الوَجْهَيْنِ قَبْلُ، إلّا أنَّ الحالَ عَلى ثانِيهِما مُقارِنَةٌ، وعَلى أوَّلِهِما مُقَدَّرَةٌ أوْ مُقارِنَةٌ إنْ قِيلَ: إنَّ النُّزُولَ ساعَةَ أُحِلَّتْ مَكَّةُ، وجَعَلَها ابْنُ عَطِيَّةَ حالًا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا أعْنِي كَوْنَ الحِلِّ بِمَعْنى المُسْتَحِلِّ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِكَوْنِ لا نافِيَةٌ غَيْرُ زائِدَةٍ فَتَأمَّلْ. وأيًّا ما كانَ فَفي الإشارَةِ وإقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ مِن تَعْظِيمِ البَلَدِ ما فِيهِما.

البلد 90:2

سُورَةُ البَلَدِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ بِتَمامِها، وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ بِتَمامِها، وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن أوَّلِها. واعْتُرِضَ كِلا القَوْلَيْنِ بِأنَّهُ يَأْباهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِهَذا البَلَدِ﴾ قِيلَ: ولِقُوَّةِ الِاعْتِراضِ ادَّعى الزَّمَخْشَرِيُّ الإجْماعَ عَلى مَكِّيَّتِها وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنَّ في بَعْضِ الأخْبارِ ما هو ظاهِرٌ في نُزُولِ صَدْرِها بِمَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وهي عِشْرُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ. ولَمّا ذَمَّ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها مَن أحَبَّ المالَ وأكَلَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا، ولَمْ يَحُضَّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا فِيها الخِصالَ الَّتِي تُطْلَبُ مِن صاحِبِ المالِ مِن فَكِّ الرَّقَبَةِ وإطْعامٍ في يَوْمِ ذِي مَسْغَبَةٍ وكَذا لَمّا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ النَّفْسَ المُطْمَئِنَّةَ هُناكَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا بَعْضَ ما يَحْصُلُ بِهِ الِاطْمِئْنانُ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالبَلَدِ الحَرامِ أعْنِي مَكَّةَ؛ فَإنَّهُ المُرادُ بِالمُشارِ إلَيْهِ بِالإجْماعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الإنْسانِ خُلِقَ مَغْمُورًا في مُكابَدَةِ المَشاقِّ ومُعاناةِ الشَّدائِدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ عَلى ما اخْتارَهُ في الكَشّافِ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ وفِيهِ تَحْقِيقُ مَضْمُونِهِ بِذِكْرِ بَعْضِ المُكابَدَةِ عَلى نَهْجِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ وإدْماجٌ لِسُوءِ صَنِيعِ المُشْرِكِينَ لِيُصَرِّحَ بِذَمِّهِمْ عَلى أنَّ الحِلَّ بِمَعْنى المُسْتَحَلِّ بِزِنَةِ المَفْعُولِ الَّذِي لا يُحْتَرَمُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ المُكابَدَةِ أنَّ مِثْلَكَ عَلى عِظَمِ حُرْمَتِهِ يُسْتَحَلُّ بِهَذا البَلَدِ الحَرامِ ولا يُحْتَرَمُ كَما يُسْتَحَلُّ الصَّيْدُ في غَيْرِ الحَرَمِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ: يُحَرِّمُونَ أنْ يَقْتُلُوا بِهِ صَيْدًا ويُعَضِّدُوا شَجَرَهُ ويَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ وقَتْلَكَ، وفي تَأْكِيدِ كَوْنِ الإنْسانِ في كَيْدٍ بِالقَسَمِ تَثْبِيتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَعْثٌ عَلى أنْ يَطَأ مِن نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ عَلى احْتِمالِهِ فَإنَّ ذَلِكَ قَدَرٌ مَحْتُومٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الحِلُّ بِمَعْنى الحَلالِ ضِدَّ الحَرامِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ: وأنْتَ يا مُحَمَّدُ يَحِلُّ لَكَ أنْ تُقاتِلَ بِهِ. وأمّا غَيْرُكَ فَلا. وقالَ مُجاهِدٌ: أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ساعَةً مِن نَهارٍ، وقالَ سُبْحانَهُ لَهُ: ما صَنَعْتَ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَأنْتَ في حِلٍّ صفحة 134 لا تُؤاخَذُ بِهِ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ وقَتادَةَ وعَطِيَّةَ وابْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ ولَفْظُهُ: يَقُولُ سُبْحانَهُ: أنْتَ حِلٌّ بِالحَرَمِ فاقْتُلْ إنْ شِئْتَ أوْ دَعْ وذَلِكَ يَوْمَ الفَتْحِ، وقَدْ قَتَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ وهو الَّذِي كانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ ذا القَلْبَيْنِ، قَدَّمَهُ أبُو بَرْزَةَ سَعِيدُ بْنُ حَرْبٍ الأسْلَمِيُّ فَضَرَبَ بِأمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عُنُقَهُ وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وكانَ قَدْ أظْهَرَ الإسْلامَ وكَتَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فارْتَدَّ وشَنَّعَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّ ما يُمْلِيهِ مِنَ القُرْآنِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقُتِلَ غَيْرُهُ أيْضًا كَما هو مَذْكُورٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنِ اللَّهَ تَعالى: حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَهي حَرامٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ لا تَحِلُّ لِأحَدٍ قَبْلِي ولَنْ تَحِلَّ لِأحَدٍ بَعْدِي، ولَمْ تَحِلَّ لِي إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ، فَلا يُعْضَدُ شَجَرُها ولا يُخْتَلى خَلاها ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها ولا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلّا لِمُنْشِدٍ». فَقالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا الإذْخِرَ؛ فَإنَّهُ لِقُيُونِنا وقُبُورِنا وبُيُوتِنا. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إلّا الإذْخِرَ»». وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى هَذا لِلِاخْتِصاصِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في خَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ. و﴿حِلٌّ﴾ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ بِناءً عَلى أنَّ نُزُولَ السُّورَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ الَّتِي هي قَبْلَ الفَتْحِ بِكَثِيرٍ وفي خَبَرٍ رَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ ضَرَبَ أبُو بَرْزَةَ عُنُقَ ابْنِ خَطَلٍ يَوْمَ الفَتْحِ، فَإنْ صَحَّ لا يَكُونُ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ لَكِنَّ الجُمْهُورَ عَلى الأوَّلِ، وفي تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ وتَوْكِيدِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ بِالإقْسامِ تَوْكِيدٌ لِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ وهو عَلى ما ذُكِرَ أنَّ عاقِبَةَ الِاحْتِمالِ والمُكابَدَةِ إلى الفَتْحِ والظَّفَرِ والغَرَضُ تَسْلِيَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ تَرْشِيحُها بِالتَّصْرِيحِ بِما سَيَكُونُ مِنَ الغَلَبَةِ وتَعْظِيمِ البَلَدِ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ مَن أحَلَّ لَهُ وفي الإقْسامِ بِهِ تَوْطِئَةً لِلتَّسْلِيَةِ؛ لِأنَّ تَعْظِيمَ البَلَدِ مِمّا يَقْتَرِفُهُ أهْلُهُ مِنَ المَآثِمِ مُتَحَرِّجٌ بَرِيءٌ مِنها والمَعْنى في الإقْسامِ بِالبَلَدِ تَعْظِيمُهُ، وفي الِاعْتِراضِ تَرْشِيحُ التَّعْظِيمِ والتَّشْرِيفُ بِكَوْنِ مِثْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَلالَةِ القَدْرِ ومَنصِبِ النُّبُوَّةِ ساكِنًا فِيهِ مُبايِنًا لِما عَلَيْهِ الغاغَةُ والهَمَجُ، والفائِدَةُ فِيهِ تَأْكِيدُ المُقْسَمِ عَلَيْهِ بِأنَّهم مِن أهْلِ الطَّبْعِ فَلا يَنْفَعُهم شَرَفُ مَكانٍ والمُتَمَكِّنِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ الطَّيِّبِ بِنَفْسِهِ وبِمَن سَكَنَ فِيهِ أنَّ أهْلَهُ لَفي مَرَضِ قَلْبٍ وشَكٍّ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقِيلَ: الحِلُّ صِفَةٌ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحالِ يُقالُ: حَلَّ أيْ: نَزَلَ، يَحُلُّ حِلًّا وحُلُولًا. ويُقالُ أيْضًا: هو حِلٌّ بِمَوْضِعِ كَذا كَما يُقالُ: حالٌّ بِهِ والقَوْلُ بِأنَّ الصِّفَةَ مِنَ الحُلُولِ حالٌّ لا حِلٌّ، ومَصْدَرُ حَلَّ بِمَعْنى نَزَلَ الحُلُولُ، والحَلُّ بِفَتْحِ الحاءِ والحَلَلُ فَقَطْ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّتَبُّعِ. والِاعْتِراضُ لِتَشْرِيفِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِجَعْلِ حُلُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَناطًا لِإعْظامِ البَلَدِ بِالإقْسامِ بِهِ وجَعَلَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الجُمْلَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ حالًا مِن هَذا البَلَدِ وكَذا جَعَلَها بَعْضُهم حالِيَّةً عَلى الوَجْهَيْنِ قَبْلُ، إلّا أنَّ الحالَ عَلى ثانِيهِما مُقارِنَةٌ، وعَلى أوَّلِهِما مُقَدَّرَةٌ أوْ مُقارِنَةٌ إنْ قِيلَ: إنَّ النُّزُولَ ساعَةَ أُحِلَّتْ مَكَّةُ، وجَعَلَها ابْنُ عَطِيَّةَ حالًا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا أعْنِي كَوْنَ الحِلِّ بِمَعْنى المُسْتَحِلِّ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِكَوْنِ لا نافِيَةٌ غَيْرُ زائِدَةٍ فَتَأمَّلْ. وأيًّا ما كانَ فَفي الإشارَةِ وإقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ مِن تَعْظِيمِ البَلَدِ ما فِيهِما.

البلد 90:3

﴿ووالِدٍ﴾ عُطِفَ عَلى هَذا البَلَدِ المُقْسَمِ بِهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما ولَدَ﴾ والمُرادُ بِالأوَّلِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِالثّانِي جَمِيعُ ولَدِهِ عَلى ما أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورَواهُ جَماعَةٌ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: المُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ والصّالِحُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقِيلَ: نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتُهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عِمْرانَ أنَّهُما إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَمِيعُ ولَدِهِ، وقِيلَ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَلَدُهُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ادَّعى أنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ فَإنَّهُ حَرَمُ إبْراهِيمَ ومَنشَأُ إسْماعِيلَ ومَسْقَطُ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ صفحة 135 والماوَرْدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوالِدُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وما ولَدَ أُمَّتُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنَّما أنا لَكم بِمَنزِلَةِ الوالِدِ»». ولِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهُمْ» وفي القَسَمِ بِذَلِكَ مُبالَغَةٌ في شَرَفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كَما تَرى. وقِيلَ: المُرادُ كُلُّ والِدٍ ووَلَدُهُ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، ونُسِبَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الوالِدُ الَّذِي يَلِدُ، وما ولَدَ العاقِرُ الَّذِي لا يَلِدُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، ونُسِبَ إلى ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا، فَما عَلَيْهِ نافِيَةٌ فَيُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَوْصُولٍ يَصِحُّ بِهِ المَعْنى الَّذِي أُرِيدَ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ووالِدٍ﴾ والَّذِي ما ولَدَ، وإضْمارُ المَوْصُولِ في مِثْلِهِ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ومَعَ هَذا هو خِلافُ الظّاهِرِ، ولَعَلَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ عَدَمُ التَّعْيِينِ في المَعْطُوفَيْنِ، وظاهِرُ العَطْفِ عَلى هَذا البَلَدِ إرادَةُ مَن لَهُ دَخْلٌ فِيهِ وشُهْرَةٌ بِنِسْبَةِ البَلَدِ إلَيْهِ أوِ المَشْهُورُ في ذَلِكَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وتَنْكِيرُ «والِدٍ» عَلى ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِلتَّعْظِيمِ وإيثارُ ما عَلى مَن بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِ «ما ولَدَ» العاقِلُ لِإرادَةِ الوَصْفِ فَتُفِيدُ التَّعْظِيمَ في مَقامِ المَدْحِ، وأنَّهُ مِمّا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ لِشِدَّةِ إبْهامِها، ولِذا أفادَتِ التَّعَجُّبَ أوِ التَّعْجِيبَ وإنْ لَمْ تَكُنِ اسْتِفْهامِيَّةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ أيْ: أيَّ مَوْلُودٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ وضَعَتْهُ، والتَّعْظِيمُ والتَّعْجِيبُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِما وُلِدَ ذُرِّيَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَثَلًا قِيلَ: بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ وقِيلَ: بِاعْتِبارِ الكَثْرَةِ. وما خُصَّ بِهِ الإنْسانُ مِن خَواصِّ البَشَرِ كالعَقْلِ وحُسْنِ الصُّورَةِ، ومَن تَأمَّلَ في شُؤُونِ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ يَعْلَمُ أنَّهُ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ مُعَظَّمٌ يُتَعَجَّبُ مِنهُ.

البلد 90:4

﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ أيْ: في تَعَبٍ ومَشَقَّةٍ فَإنَّهُ لا يَزالُ يُقاسِي فُنُونَ الشَّدائِدِ مِن وقْتِ نَفْخِ الرُّوحِ إلى حِينِ نَزْعِها وما وراءَهُ يُقالُ: كَبِدَ الرَّجُلُ كَبَدًا فَهو أكْبَدُ إذا وجِعَتْهُ كَبِدُهُ وانْتَفَخَتْ فاتُّسِعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَعَبٍ ومَشَقَّةٍ ومِنهُ اشْتُقَّتِ المُكابَدَةُ لِمُقاساةِ الشَّدائِدِ، كَما قِيلَ: كَبَتَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ، وأصْلُهُ كَبَدَهُ إذا أصابَ كَبِدَهُ. قالَ لَبِيَدٌ يَرْثِي أخاهُ: يا عَيْنُ هَلْ بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ قُمْنا وقامَ الخُضُومُ في كَبَدِ أيْ: في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ يُكابِدُ الشُّكْرَ عَلى السَّرّاءِ ويُكابِدُ الصَّبْرَ عَلى الضَّرّاءِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ وأبِي صالِحٍ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ أنَّهم قالُوا: أيْ: خَلَقْناهُ مُنْتَصِبَ القامَةِ واقِفًا ولَمْ نَجْعَلْهُ مُنْكَبًّا عَلى وجْهِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: أيْ: مُنْتَصِبًا رَأْسُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ فَإذا أُذِنَ لَهُ في الخُرُوجِ قَلَبَ رَأْسَهُ إلى قَدَمَيْ أُمِّهِ وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها ضَعِيفَةٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها بِخِلافِ الأوَّلِ وقَدْ رَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ نَعَمْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَقَدْ خَلَقْناهُ في مَرَضٍ شاقٍّ وهو مَرَضُ القَلْبِ وفَسادِ الباطِنِ، وهَذا بِناءً عَلى الوَجْهِ الثّالِثِ مِنَ الأوْجُهِ الأرْبَعَةِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ والمُرادُ بِالإنْسانِ عَلَيْهِ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِنهم حِينَ خَلَقَهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولا يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ عَلى ما عَداهُ جِنْسُ الإنْسانِ مُطْلَقًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِالكَبِدِ السَّماءُ، وشاعَ في وسَطِ السَّماءِ كالكُبَيْداءِ والكُبَيْداةِ والكَبْداءِ وأكْبَدَ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا.

البلد 90:5

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ﴾ عَلى ما عَدا ذَلِكَ راجِعٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ مِمّا يُكابِدُ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يُكابِدُ مِن كُفّارِقُرَيْشٍ ويُنْتَهَكُ حُرْمَةُ البَيْتِ وحُرْمَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وعَلَيْهِ لِلْإنْسانِ والتَّهْدِيدُ مَصْرُوفٌ لِمَن يَسْتَحِقُّهُ. وقِيلَ: عَلى إرادَةِ البَعْضِ هو أبُو الأشَدِّ أُسَيْدُ بْنُ كَلَدَةَ الجُمَحِيُّ وكانَ شَدِيدَ القُوَّةِ مُغْتَرًّا بِقُوَّتِهِ وكانَ يُبْسَطُ لَهُ الأدِيمُ العُكاظِيُّ فَيَقُومُ عَلَيْهِ ويَقُولُ: مَن أزالَنِي عَنْهُ فَلَهُ كَذا، فَيَجْذِبُهُ عَشَرَةٌ فَيَنْقَطِعُ قِطَعًا ويَبْقى مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ، وقِيلَ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، وقِيلَ: الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِن هَؤُلاءِ سَبَبَ النُّزُولِ فَلا تَغْفُلْ. وجَعَلَ عِصامُ الدِّينِ الِاسْتِفْهامَ صفحة 136 لِلتَّعْجِيبِ عَلى مَعْنى أيُظَنُّ ﴿أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ ومُكافَأتِهِ بِما هو عَلَيْهِ ﴿أحَدٌ﴾ مَعَ أنَّهُ لا يَتَخَلَّصُ مِنَ المُكابَدَةِ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ و«أنْ» مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ ولَعَلَّ في ذَلِكَ إدْماجَ عَدَمِ إيمانٍ بِالقِيامَةِ. ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا مِن تَلَبَّدَ الشَّيْءُ إذا اجْتَمَعَ؛ أيْ: يَقُولُ ذَلِكَ وقْتَ الِاغْتِرارِ فَخْرًا ومُباهاةً وتَعَظُّمًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وأرادَ بِذَلِكَ ما أنْفَقَهُ رِياءً وسُمْعَةً، وعَبَّرَ عَنِ الإنْفاقِ بِالإهْلاكِ إظْهارًا لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ وأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ رَجاءَ نَفْعٍ فَكَأنَّهُ جَعَلَ المالَ الكَثِيرَ ضائِعًا. وقِيلَ: يَقُولُ ذَلِكَ إظْهارًا لِشِدَّةِ عَداوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُرِيدًا بِالمالِ ما أنْفَقَهُ في مُعاداتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: يَقُولُ ذَلِكَ إيذاءً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَعَنْ مُقاتِلٍ «أنَّ الحارِثَ بْنَ نَوْفَلٍ كانَ إذا أذْنَبَ اسْتَفْتى الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَأْمُرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالكَفّارَةِ. فَقالَ: لَقَدْ أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا في الكَفّاراتِ والتَّبِعاتِ مُنْذُ أطَعْتُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ». وقِيلَ: المُرادُ ما تَقَدَّمَ أوَّلًا إلّا أنَّ هَذا القَوْلَ وقْتَ الِانْتِقامِ مِنهُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الإنْفاقِ بِالإهْلاكِ لِما أنَّهُ لَمْ يَنْفَعْهُ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «لُبَّدًا» بِشَدِّ الباءِ، وعَنْهُ وعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: «لُبْدًا» بِسُكُونِ الباءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ أبِي الزِّنادِ: «لُبُدًا» بِضَمِّ اللّامِ والباءِ.

البلد 90:6

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ﴾ عَلى ما عَدا ذَلِكَ راجِعٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ مِمّا يُكابِدُ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يُكابِدُ مِن كُفّارِقُرَيْشٍ ويُنْتَهَكُ حُرْمَةُ البَيْتِ وحُرْمَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وعَلَيْهِ لِلْإنْسانِ والتَّهْدِيدُ مَصْرُوفٌ لِمَن يَسْتَحِقُّهُ. وقِيلَ: عَلى إرادَةِ البَعْضِ هو أبُو الأشَدِّ أُسَيْدُ بْنُ كَلَدَةَ الجُمَحِيُّ وكانَ شَدِيدَ القُوَّةِ مُغْتَرًّا بِقُوَّتِهِ وكانَ يُبْسَطُ لَهُ الأدِيمُ العُكاظِيُّ فَيَقُومُ عَلَيْهِ ويَقُولُ: مَن أزالَنِي عَنْهُ فَلَهُ كَذا، فَيَجْذِبُهُ عَشَرَةٌ فَيَنْقَطِعُ قِطَعًا ويَبْقى مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ، وقِيلَ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، وقِيلَ: الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِن هَؤُلاءِ سَبَبَ النُّزُولِ فَلا تَغْفُلْ. وجَعَلَ عِصامُ الدِّينِ الِاسْتِفْهامَ صفحة 136 لِلتَّعْجِيبِ عَلى مَعْنى أيُظَنُّ ﴿أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ ومُكافَأتِهِ بِما هو عَلَيْهِ ﴿أحَدٌ﴾ مَعَ أنَّهُ لا يَتَخَلَّصُ مِنَ المُكابَدَةِ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ و«أنْ» مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ ولَعَلَّ في ذَلِكَ إدْماجَ عَدَمِ إيمانٍ بِالقِيامَةِ. ﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا مِن تَلَبَّدَ الشَّيْءُ إذا اجْتَمَعَ؛ أيْ: يَقُولُ ذَلِكَ وقْتَ الِاغْتِرارِ فَخْرًا ومُباهاةً وتَعَظُّمًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وأرادَ بِذَلِكَ ما أنْفَقَهُ رِياءً وسُمْعَةً، وعَبَّرَ عَنِ الإنْفاقِ بِالإهْلاكِ إظْهارًا لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ وأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ رَجاءَ نَفْعٍ فَكَأنَّهُ جَعَلَ المالَ الكَثِيرَ ضائِعًا. وقِيلَ: يَقُولُ ذَلِكَ إظْهارًا لِشِدَّةِ عَداوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُرِيدًا بِالمالِ ما أنْفَقَهُ في مُعاداتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: يَقُولُ ذَلِكَ إيذاءً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَعَنْ مُقاتِلٍ «أنَّ الحارِثَ بْنَ نَوْفَلٍ كانَ إذا أذْنَبَ اسْتَفْتى الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَأْمُرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالكَفّارَةِ. فَقالَ: لَقَدْ أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا في الكَفّاراتِ والتَّبِعاتِ مُنْذُ أطَعْتُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ». وقِيلَ: المُرادُ ما تَقَدَّمَ أوَّلًا إلّا أنَّ هَذا القَوْلَ وقْتَ الِانْتِقامِ مِنهُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الإنْفاقِ بِالإهْلاكِ لِما أنَّهُ لَمْ يَنْفَعْهُ يَوْمَئِذٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «لُبَّدًا» بِشَدِّ الباءِ، وعَنْهُ وعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: «لُبْدًا» بِسُكُونِ الباءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ أبِي الزِّنادِ: «لُبُدًا» بِضَمِّ اللّامِ والباءِ.

البلد 90:7

﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ أيْ: حِينَ كانَ يُنْفِقُ ما يُنْفِقُ رِئاءَ النّاسِ أوْ حِرْصًا عَلى مُعاداتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَراهُ وكانَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ رَقِيبًا فَهو عَزَّ وجَلَّ يَسْألُهُ عَنْهُ ويُجازِيهِ عَلَيْهِ. وفِي الحَدِيثِ: ««لا تَزُولُ قَدَما العَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُسْألَ عَنْ أرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ مِمَّ جَمَعَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَنْ عِلْمِهِ ماذا عَمِلَ بِهِ»». وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْ لَمْ يَجِدْهُ أحَدٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرُّؤْيَةِ الوِجْدانُ اللّازِمُ لَهُ، و«لَمْ» بِمَعْنى لَنْ، وعُبِّرَ بِها لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ؛ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَجِدُهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُحاسِبُهُ عَلى ذَلِكَ. وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ هَذا القائِلَ كانَ كاذِبًا لَمْ يُنْفِقْ شَيْئًا فَقالَ تَعالى: أيَظُنُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما رَأى ذَلِكَ مِنهُ فَعَلَ أوْ لَمْ يَفْعَلْ، أنْفَقَ أوْ لَمْ يُنْفِقْ، بَلْ رَآهُ عَزَّ وجَلَّ وعَلِمَ مِنهُ خِلافَ ما قالَ.

البلد 90:8

وقَرَّرَ سُبْحانَهُ القُدْرَةَ عَلى مُجازاتِهِ ومُحاسَبَتِهِ والِاطِّلاعِ عَلى حالِهِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ يُبْصِرُ بِهِما ﴿ولِسانًا﴾ يُفْصِحُ بِهِ عَمّا في ضَمِيرِهِ ﴿وشَفَتَيْنِ﴾ يَسْتُرُ بِهِما فاهُ ويَسْتَعِينُ بِهِما عَلى النُّطْقِ والأكْلِ والشُّرْبِ والنَّفْخِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُفْرَدُ شَفَةٌ، وأصْلُها شَفَهَةٌ حُذِفَتْ مِنها الهاءُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ شَفِيهَةٌ وشِفاهٌ، وشافَهْتُ؛ وهي مِمّا لا يَجُوزُ جَمْعُهُ بِالألِفِ والتّاءِ وإنْ كانَ فِيهِ تاءُ التَّأْنِيثِ عَلى ما في البَحْرِ. ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ كَما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ وآخَرِينَ، وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا، والنَّجْدُ مَشْهُورٌ في الطَّرِيقِ المُرْتَفِعِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَرِيقانِ مِنهم جازِعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ وآخَرُ مِنهم قاطِعُ نَجْدَ كَبْكَبِ وسُمِّيَتْ نَجْدٌ بِهِ لِارْتِفاعِها عَنِ انْخِفاضِ تِهامَةَ والِامْتِنانُ المُحْدَثُ عَنْهُ بِأنْ هَداهُ سُبْحانَهُ وبَيَّنَ لَهُ تَعالى شَأْنَ ما إنْ سَلَكَهُ نَجا وما إنْ سَلَكَهُ هَلَكَ، ولا يَتَوَقَّفُ الِامْتِنانُ عَلى سُلُوكِ طَرِيقِ الخَيْرِ. وقَدْ جَعَلَ الإمامُ هَذِهِ الآيَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ ووَصْفُ سَبِيلِ الخَيْرِ بِالرِّفْعَةِ والنَّجْدِيَّةِ ظاهِرٌ بِخِلافِ سَبِيلِ الشَّرِّ فَإنَّ فِيهِ هُبُوطًا مِن ذُرْوَةِ الفِطْرَةِ إلى حَضِيضِ الشَّقاوَةِ؛ فَهو عَلى التَّغْلِيبِ أوْ عَلى تَوَهُّمِ المُتَخَيَّلَةِ لَهُ صُعُودًا ولِذا اسْتُعْمِلَ التَّرَقِّي في الوُصُولِ إلى كُلِّ شَيْءٍ وتَكْمِيلُهُ كَذا قِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُما الثَّدْيانِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ؛ أيْ: ثَدْيَيِ الأُمِّ لِأنَّهُما كالطَّرِيقَيْنِ لِحَياةِ الوَلَدِ ورِزْقِهِ، والِارْتِفاعُ فِيهِما ظاهِرٌ، والبَطْنُ تَحْتَهُما كالغَوْرِ، والعَرَبُ تُقْسِمُ بِثَدْيَيِ الأُمِّ فَتَقُولُ: أما ونَجْدَيْها ما فَعَلْتُ. ونُسِبَ هَذا التَّفْسِيرُ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ صفحة 137 تَعالى وجْهَهُ أيْضًا. والمَذْكُورُ في الدُّرِّ المَنثُورِ مِن رِوايَةِ الفِرْيابِيِّ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وكَذا في مَجْمَعِ البَيانِ عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ أُناسًا يَقُولُونَ: إنَّ النَّجْدَيْنِ الثَّدْيانِ، فَقالَ: لا، هُما الخَيْرُ والشَّرُّ. ولَعَلَّ القائِلَ بِذَلِكَ رَأى أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ مَعَ ظُهُورِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِ جِدًّا.

البلد 90:9

وقَرَّرَ سُبْحانَهُ القُدْرَةَ عَلى مُجازاتِهِ ومُحاسَبَتِهِ والِاطِّلاعِ عَلى حالِهِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ يُبْصِرُ بِهِما ﴿ولِسانًا﴾ يُفْصِحُ بِهِ عَمّا في ضَمِيرِهِ ﴿وشَفَتَيْنِ﴾ يَسْتُرُ بِهِما فاهُ ويَسْتَعِينُ بِهِما عَلى النُّطْقِ والأكْلِ والشُّرْبِ والنَّفْخِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُفْرَدُ شَفَةٌ، وأصْلُها شَفَهَةٌ حُذِفَتْ مِنها الهاءُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ شَفِيهَةٌ وشِفاهٌ، وشافَهْتُ؛ وهي مِمّا لا يَجُوزُ جَمْعُهُ بِالألِفِ والتّاءِ وإنْ كانَ فِيهِ تاءُ التَّأْنِيثِ عَلى ما في البَحْرِ. ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ كَما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ وآخَرِينَ، وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا، والنَّجْدُ مَشْهُورٌ في الطَّرِيقِ المُرْتَفِعِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَرِيقانِ مِنهم جازِعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ وآخَرُ مِنهم قاطِعُ نَجْدَ كَبْكَبِ وسُمِّيَتْ نَجْدٌ بِهِ لِارْتِفاعِها عَنِ انْخِفاضِ تِهامَةَ والِامْتِنانُ المُحْدَثُ عَنْهُ بِأنْ هَداهُ سُبْحانَهُ وبَيَّنَ لَهُ تَعالى شَأْنَ ما إنْ سَلَكَهُ نَجا وما إنْ سَلَكَهُ هَلَكَ، ولا يَتَوَقَّفُ الِامْتِنانُ عَلى سُلُوكِ طَرِيقِ الخَيْرِ. وقَدْ جَعَلَ الإمامُ هَذِهِ الآيَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ ووَصْفُ سَبِيلِ الخَيْرِ بِالرِّفْعَةِ والنَّجْدِيَّةِ ظاهِرٌ بِخِلافِ سَبِيلِ الشَّرِّ فَإنَّ فِيهِ هُبُوطًا مِن ذُرْوَةِ الفِطْرَةِ إلى حَضِيضِ الشَّقاوَةِ؛ فَهو عَلى التَّغْلِيبِ أوْ عَلى تَوَهُّمِ المُتَخَيَّلَةِ لَهُ صُعُودًا ولِذا اسْتُعْمِلَ التَّرَقِّي في الوُصُولِ إلى كُلِّ شَيْءٍ وتَكْمِيلُهُ كَذا قِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُما الثَّدْيانِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ؛ أيْ: ثَدْيَيِ الأُمِّ لِأنَّهُما كالطَّرِيقَيْنِ لِحَياةِ الوَلَدِ ورِزْقِهِ، والِارْتِفاعُ فِيهِما ظاهِرٌ، والبَطْنُ تَحْتَهُما كالغَوْرِ، والعَرَبُ تُقْسِمُ بِثَدْيَيِ الأُمِّ فَتَقُولُ: أما ونَجْدَيْها ما فَعَلْتُ. ونُسِبَ هَذا التَّفْسِيرُ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ صفحة 137 تَعالى وجْهَهُ أيْضًا. والمَذْكُورُ في الدُّرِّ المَنثُورِ مِن رِوايَةِ الفِرْيابِيِّ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وكَذا في مَجْمَعِ البَيانِ عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ أُناسًا يَقُولُونَ: إنَّ النَّجْدَيْنِ الثَّدْيانِ، فَقالَ: لا، هُما الخَيْرُ والشَّرُّ. ولَعَلَّ القائِلَ بِذَلِكَ رَأى أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ مَعَ ظُهُورِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِ جِدًّا.

البلد 90:10

وقَرَّرَ سُبْحانَهُ القُدْرَةَ عَلى مُجازاتِهِ ومُحاسَبَتِهِ والِاطِّلاعِ عَلى حالِهِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ يُبْصِرُ بِهِما ﴿ولِسانًا﴾ يُفْصِحُ بِهِ عَمّا في ضَمِيرِهِ ﴿وشَفَتَيْنِ﴾ يَسْتُرُ بِهِما فاهُ ويَسْتَعِينُ بِهِما عَلى النُّطْقِ والأكْلِ والشُّرْبِ والنَّفْخِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُفْرَدُ شَفَةٌ، وأصْلُها شَفَهَةٌ حُذِفَتْ مِنها الهاءُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ شَفِيهَةٌ وشِفاهٌ، وشافَهْتُ؛ وهي مِمّا لا يَجُوزُ جَمْعُهُ بِالألِفِ والتّاءِ وإنْ كانَ فِيهِ تاءُ التَّأْنِيثِ عَلى ما في البَحْرِ. ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أيْ: طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ كَما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ وآخَرِينَ، وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا، والنَّجْدُ مَشْهُورٌ في الطَّرِيقِ المُرْتَفِعِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَرِيقانِ مِنهم جازِعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ وآخَرُ مِنهم قاطِعُ نَجْدَ كَبْكَبِ وسُمِّيَتْ نَجْدٌ بِهِ لِارْتِفاعِها عَنِ انْخِفاضِ تِهامَةَ والِامْتِنانُ المُحْدَثُ عَنْهُ بِأنْ هَداهُ سُبْحانَهُ وبَيَّنَ لَهُ تَعالى شَأْنَ ما إنْ سَلَكَهُ نَجا وما إنْ سَلَكَهُ هَلَكَ، ولا يَتَوَقَّفُ الِامْتِنانُ عَلى سُلُوكِ طَرِيقِ الخَيْرِ. وقَدْ جَعَلَ الإمامُ هَذِهِ الآيَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ ووَصْفُ سَبِيلِ الخَيْرِ بِالرِّفْعَةِ والنَّجْدِيَّةِ ظاهِرٌ بِخِلافِ سَبِيلِ الشَّرِّ فَإنَّ فِيهِ هُبُوطًا مِن ذُرْوَةِ الفِطْرَةِ إلى حَضِيضِ الشَّقاوَةِ؛ فَهو عَلى التَّغْلِيبِ أوْ عَلى تَوَهُّمِ المُتَخَيَّلَةِ لَهُ صُعُودًا ولِذا اسْتُعْمِلَ التَّرَقِّي في الوُصُولِ إلى كُلِّ شَيْءٍ وتَكْمِيلُهُ كَذا قِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُما الثَّدْيانِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ؛ أيْ: ثَدْيَيِ الأُمِّ لِأنَّهُما كالطَّرِيقَيْنِ لِحَياةِ الوَلَدِ ورِزْقِهِ، والِارْتِفاعُ فِيهِما ظاهِرٌ، والبَطْنُ تَحْتَهُما كالغَوْرِ، والعَرَبُ تُقْسِمُ بِثَدْيَيِ الأُمِّ فَتَقُولُ: أما ونَجْدَيْها ما فَعَلْتُ. ونُسِبَ هَذا التَّفْسِيرُ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ صفحة 137 تَعالى وجْهَهُ أيْضًا. والمَذْكُورُ في الدُّرِّ المَنثُورِ مِن رِوايَةِ الفِرْيابِيِّ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وكَذا في مَجْمَعِ البَيانِ عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ أُناسًا يَقُولُونَ: إنَّ النَّجْدَيْنِ الثَّدْيانِ، فَقالَ: لا، هُما الخَيْرُ والشَّرُّ. ولَعَلَّ القائِلَ بِذَلِكَ رَأى أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ مَعَ ظُهُورِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِ جِدًّا.

البلد 90:11

﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ الِاقْتِحامُ: الدُّخُولُ بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ. ويُقالُ: قَحَمَ في الأمْرِ قُحُومًا رَمى نَفْسَهُ فِيهِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ. والعَقَبَةُ الطَّرِيقُ الوَعِرُ في الجَبَلِ وفي البَحْرِ هي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صَعُودًا، والجَمْعَ عُقُبٌ وعِقابٌ، وهي هُنا اسْتِعارَةٌ لِما فُسِّرَتْ بِهِ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ المُرْتَفِعَةِ القَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ، وإثْباتُ الِاقْتِحامِ المُرادُ بِهِ الفِعْلُ والكَسْبُ تَرْشِيحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ فِعْلَ ما ذُكِرَ اقْتِحامًا وصُعُودًا شاقًّا، وذِكْرُهُ بَعْدَ النَّجْدَيْنِ جَعَلَ الِاسْتِعارَةَ في الذُّرْوَةِ العُلْيا مِنَ البَلاغَةِ، والمُرادُ ذَمُّ المُحَدَّثِ عَنْهُ بِأنَّهُ مُقَصِّرٌ مَعَ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ والأيادِي الجَلِيلَةِ الجِسامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَصَّرَ ولَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ والأيادِيَ الجَسِيمَةَ بِفِعْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بَلْ غَمَطَ النِّعْمَةَ وكَفَرَ بِالمُنْعِمِ واتَّبَعَ هَوى نَفْسِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هِيَ، تَعْظِيمٌ لِشَأْنِ العَقَبَةِ المُفَسَّرَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ إلَخْ وتَفْسِيرُها بِذَلِكَ بِناءً عَلى الِادِّعاءِ والمَجازِ، وهو مِمّا لا شُبْهَةَ في صِحَّتِهِ وإنْ لَمْ يَتَّحِدِ العَقَبَةُ والفَكُّ حَقِيقَةً فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما زَعَمَهُ الإمامُ لِيَصِحَّ التَّفْسِيرُ؛ أيْ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ فَكُّ... إلَخْ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالعَقَبَةِ نَفْسُ الشُّكْرِ، عَبَّرَ بِها عَنْهُ لِصُعُوبَتِهِ ولا يَأْباهُ ﴿وما أدْراكَ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ما أدْراكَ ما الشُّكْرُ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وهو كَما تَرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ العَقَبَةَ جَبَلٌ زُلالٌ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها النّارُ، وفي رِوايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ أنَّها عَقَبَةٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وعَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ أنَّها الصِّراطُ، وقَدْ جاءَ في صِفَتِهِ ما جاءَ، ولَعَلَّ المُرادَ بِعَقَبَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي رَجاءٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ العَقَبَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ مَطْلَعُها سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، ومَهْبِطُها سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ إنْ صَحَّتْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْها أنْ يُرادَ بِالِاقْتِحامِ المُرُورُ والجَوازُ بِسُرْعَةٍ، وأنْ يُقَدَّرَ المُضافُ؛ أيْ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ فَكُّ إلَخْ. وجُعِلَ الفَكُّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ نَفْسَ الِاقْتِحامِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في سَبَبِيَّتِهِ لَهُ حَتّى كَأنَّهُ نَفْسُهُ، ومَآلُ المَعْنى: فَلا فَعَلَ ما يَنْجُو بِهِ، ويَجُوزُ بِسَبَبِهِ العَقَبَةَ الكَؤُودَ يَوْمَ القِيامَةِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما نَقَلَهُ الإمامُ عَنِ الواحِدِيِّ بَعْدَ نَقْلِهِ تَفْسِيرَها بِجَبَلٍ زُلالٍ في جَهَنَّمَ وبِالصِّراطِ ونَحْوِ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ. وفي هَذا التَّفْسِيرِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا الإنْسانَ وغَيْرَهُ لَمْ يَقْتَحِمُوا عَقَبَةَ جَهَنَّمَ ولا جاوَزُوها فَحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ يَكُونُ إيضاحًا لِلْواضِحاتِ، ثُمَّ قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ فَسَّرَها جَلَّ شَأْنُهُ بِفَكِّ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ انْتَهى. نَعَمْ أنا لا أقُولُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَتّى تَصِحَّ فِيهِ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ رِوايَةً مَرْفُوعَةً. والفَكُّ تَخْلِيصُ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ؛ قالَ الشّاعِرُ: فَيا رُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ وراءَهُ وعانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ مِنهُ فَفَدّانِي وهُوَ مَصْدَرُ فَكَّ وكَذا الفَكاكُ بِفَتْحِ الفاءِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ (الفَرّاءُ) والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا تَخْلِيصُ رَقَبَةِ الرَّقِيقِ مِن وصْفِ الرَّقَبَةِ بِالإعْتاقِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ««أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، قالَ: «أعْتِقِ النَّسَمَةَ وفُكَّ الرَّقَبَةَ». قالَ: أوَ لَيْسا بِواحِدٍ؟ قالَ: «لا، إنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكَّ الرَّقَبَةِ أنْ تُعَيِّنَ في عِتْقِها»». الحَدِيثَ. وعَلَيْهِ يَكُونُ نَفْيُ العِتْقِ عَنِ المُحْدِثِ عَنْهُ مُتَحَقِّقًا مِن بابِ أوْلى، ومِنَ الفَكِّ بِهَذا المَعْنى إعْطاءُ المَكاتَبِ ما يَصْرِفُهُ في جِهَةِ فِكاكِ نَفْسِهِ. وجاءَ في فَضْلِ الإعْتاقِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ مِنها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم صفحة 138 عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن أعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النّارِ حَتّى الفَرْجَ بِالفَرْجِ»». وهُوَ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعِنْدَ صاحِبَيْهِ الصَّدَقَةُ أفْضَلُ، والآيَةُ عَلى ما قِيلَ أدَلُّ عَلى قَوْلِ الإمامِ لِمَكانِ تَقْدِيمِ الفَكِّ عَلى الإطْعامِ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ تَفْضِيلُ العِتْقِ أيْضًا عَلى الصَّدَقَةِ عَلى ذِي القَرابَةِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ. وقالَ الإمامُ: في الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ حَسَنٌ؛ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ يَفُكَّ المَرْءُ رَقَبَةَ نَفْسِهِ بِما يُكَلِّفُهُ مِنَ العِبادَةِ الَّتِي يَصِيرُ بِها إلى الجَنَّةِ فَهي الحُرِّيَّةُ الكُبْرى وعَلَيْهِ قِيلَ: يَكُونُ ما بَعْدُ مِن قَبِيلِ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ وفِيهِ بُعْدٌ كَما لا يَخْفى.

البلد 90:12

﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ الِاقْتِحامُ: الدُّخُولُ بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ. ويُقالُ: قَحَمَ في الأمْرِ قُحُومًا رَمى نَفْسَهُ فِيهِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ. والعَقَبَةُ الطَّرِيقُ الوَعِرُ في الجَبَلِ وفي البَحْرِ هي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صَعُودًا، والجَمْعَ عُقُبٌ وعِقابٌ، وهي هُنا اسْتِعارَةٌ لِما فُسِّرَتْ بِهِ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ المُرْتَفِعَةِ القَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ، وإثْباتُ الِاقْتِحامِ المُرادُ بِهِ الفِعْلُ والكَسْبُ تَرْشِيحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ فِعْلَ ما ذُكِرَ اقْتِحامًا وصُعُودًا شاقًّا، وذِكْرُهُ بَعْدَ النَّجْدَيْنِ جَعَلَ الِاسْتِعارَةَ في الذُّرْوَةِ العُلْيا مِنَ البَلاغَةِ، والمُرادُ ذَمُّ المُحَدَّثِ عَنْهُ بِأنَّهُ مُقَصِّرٌ مَعَ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ والأيادِي الجَلِيلَةِ الجِسامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَصَّرَ ولَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ والأيادِيَ الجَسِيمَةَ بِفِعْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بَلْ غَمَطَ النِّعْمَةَ وكَفَرَ بِالمُنْعِمِ واتَّبَعَ هَوى نَفْسِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هِيَ، تَعْظِيمٌ لِشَأْنِ العَقَبَةِ المُفَسَّرَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ إلَخْ وتَفْسِيرُها بِذَلِكَ بِناءً عَلى الِادِّعاءِ والمَجازِ، وهو مِمّا لا شُبْهَةَ في صِحَّتِهِ وإنْ لَمْ يَتَّحِدِ العَقَبَةُ والفَكُّ حَقِيقَةً فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما زَعَمَهُ الإمامُ لِيَصِحَّ التَّفْسِيرُ؛ أيْ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ فَكُّ... إلَخْ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالعَقَبَةِ نَفْسُ الشُّكْرِ، عَبَّرَ بِها عَنْهُ لِصُعُوبَتِهِ ولا يَأْباهُ ﴿وما أدْراكَ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ما أدْراكَ ما الشُّكْرُ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وهو كَما تَرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ العَقَبَةَ جَبَلٌ زُلالٌ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها النّارُ، وفي رِوايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ أنَّها عَقَبَةٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وعَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ أنَّها الصِّراطُ، وقَدْ جاءَ في صِفَتِهِ ما جاءَ، ولَعَلَّ المُرادَ بِعَقَبَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي رَجاءٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ العَقَبَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ مَطْلَعُها سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، ومَهْبِطُها سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ إنْ صَحَّتْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْها أنْ يُرادَ بِالِاقْتِحامِ المُرُورُ والجَوازُ بِسُرْعَةٍ، وأنْ يُقَدَّرَ المُضافُ؛ أيْ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ فَكُّ إلَخْ. وجُعِلَ الفَكُّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ نَفْسَ الِاقْتِحامِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في سَبَبِيَّتِهِ لَهُ حَتّى كَأنَّهُ نَفْسُهُ، ومَآلُ المَعْنى: فَلا فَعَلَ ما يَنْجُو بِهِ، ويَجُوزُ بِسَبَبِهِ العَقَبَةَ الكَؤُودَ يَوْمَ القِيامَةِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما نَقَلَهُ الإمامُ عَنِ الواحِدِيِّ بَعْدَ نَقْلِهِ تَفْسِيرَها بِجَبَلٍ زُلالٍ في جَهَنَّمَ وبِالصِّراطِ ونَحْوِ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ. وفي هَذا التَّفْسِيرِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا الإنْسانَ وغَيْرَهُ لَمْ يَقْتَحِمُوا عَقَبَةَ جَهَنَّمَ ولا جاوَزُوها فَحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ يَكُونُ إيضاحًا لِلْواضِحاتِ، ثُمَّ قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ فَسَّرَها جَلَّ شَأْنُهُ بِفَكِّ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ انْتَهى. نَعَمْ أنا لا أقُولُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَتّى تَصِحَّ فِيهِ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ رِوايَةً مَرْفُوعَةً. والفَكُّ تَخْلِيصُ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ؛ قالَ الشّاعِرُ: فَيا رُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ وراءَهُ وعانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ مِنهُ فَفَدّانِي وهُوَ مَصْدَرُ فَكَّ وكَذا الفَكاكُ بِفَتْحِ الفاءِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ (الفَرّاءُ) والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا تَخْلِيصُ رَقَبَةِ الرَّقِيقِ مِن وصْفِ الرَّقَبَةِ بِالإعْتاقِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ««أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، قالَ: «أعْتِقِ النَّسَمَةَ وفُكَّ الرَّقَبَةَ». قالَ: أوَ لَيْسا بِواحِدٍ؟ قالَ: «لا، إنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكَّ الرَّقَبَةِ أنْ تُعَيِّنَ في عِتْقِها»». الحَدِيثَ. وعَلَيْهِ يَكُونُ نَفْيُ العِتْقِ عَنِ المُحْدِثِ عَنْهُ مُتَحَقِّقًا مِن بابِ أوْلى، ومِنَ الفَكِّ بِهَذا المَعْنى إعْطاءُ المَكاتَبِ ما يَصْرِفُهُ في جِهَةِ فِكاكِ نَفْسِهِ. وجاءَ في فَضْلِ الإعْتاقِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ مِنها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم صفحة 138 عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن أعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النّارِ حَتّى الفَرْجَ بِالفَرْجِ»». وهُوَ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعِنْدَ صاحِبَيْهِ الصَّدَقَةُ أفْضَلُ، والآيَةُ عَلى ما قِيلَ أدَلُّ عَلى قَوْلِ الإمامِ لِمَكانِ تَقْدِيمِ الفَكِّ عَلى الإطْعامِ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ تَفْضِيلُ العِتْقِ أيْضًا عَلى الصَّدَقَةِ عَلى ذِي القَرابَةِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ. وقالَ الإمامُ: في الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ حَسَنٌ؛ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ يَفُكَّ المَرْءُ رَقَبَةَ نَفْسِهِ بِما يُكَلِّفُهُ مِنَ العِبادَةِ الَّتِي يَصِيرُ بِها إلى الجَنَّةِ فَهي الحُرِّيَّةُ الكُبْرى وعَلَيْهِ قِيلَ: يَكُونُ ما بَعْدُ مِن قَبِيلِ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ وفِيهِ بُعْدٌ كَما لا يَخْفى.

البلد 90:13

﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ الِاقْتِحامُ: الدُّخُولُ بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ. ويُقالُ: قَحَمَ في الأمْرِ قُحُومًا رَمى نَفْسَهُ فِيهِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ. والعَقَبَةُ الطَّرِيقُ الوَعِرُ في الجَبَلِ وفي البَحْرِ هي ما صَعُبَ مِنهُ وكانَ صَعُودًا، والجَمْعَ عُقُبٌ وعِقابٌ، وهي هُنا اسْتِعارَةٌ لِما فُسِّرَتْ بِهِ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ المُرْتَفِعَةِ القَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ، وإثْباتُ الِاقْتِحامِ المُرادُ بِهِ الفِعْلُ والكَسْبُ تَرْشِيحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ فِعْلَ ما ذُكِرَ اقْتِحامًا وصُعُودًا شاقًّا، وذِكْرُهُ بَعْدَ النَّجْدَيْنِ جَعَلَ الِاسْتِعارَةَ في الذُّرْوَةِ العُلْيا مِنَ البَلاغَةِ، والمُرادُ ذَمُّ المُحَدَّثِ عَنْهُ بِأنَّهُ مُقَصِّرٌ مَعَ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ والأيادِي الجَلِيلَةِ الجِسامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَصَّرَ ولَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ والأيادِيَ الجَسِيمَةَ بِفِعْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بَلْ غَمَطَ النِّعْمَةَ وكَفَرَ بِالمُنْعِمِ واتَّبَعَ هَوى نَفْسِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هِيَ، تَعْظِيمٌ لِشَأْنِ العَقَبَةِ المُفَسَّرَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ إلَخْ وتَفْسِيرُها بِذَلِكَ بِناءً عَلى الِادِّعاءِ والمَجازِ، وهو مِمّا لا شُبْهَةَ في صِحَّتِهِ وإنْ لَمْ يَتَّحِدِ العَقَبَةُ والفَكُّ حَقِيقَةً فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما زَعَمَهُ الإمامُ لِيَصِحَّ التَّفْسِيرُ؛ أيْ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ؟ فَكُّ... إلَخْ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالعَقَبَةِ نَفْسُ الشُّكْرِ، عَبَّرَ بِها عَنْهُ لِصُعُوبَتِهِ ولا يَأْباهُ ﴿وما أدْراكَ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ما أدْراكَ ما الشُّكْرُ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وهو كَما تَرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ العَقَبَةَ جَبَلٌ زُلالٌ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها النّارُ، وفي رِوايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ أنَّها عَقَبَةٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وعَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ أنَّها الصِّراطُ، وقَدْ جاءَ في صِفَتِهِ ما جاءَ، ولَعَلَّ المُرادَ بِعَقَبَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي رَجاءٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ العَقَبَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ مَطْلَعُها سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، ومَهْبِطُها سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ إنْ صَحَّتْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْها أنْ يُرادَ بِالِاقْتِحامِ المُرُورُ والجَوازُ بِسُرْعَةٍ، وأنْ يُقَدَّرَ المُضافُ؛ أيْ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ فَكُّ إلَخْ. وجُعِلَ الفَكُّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ نَفْسَ الِاقْتِحامِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في سَبَبِيَّتِهِ لَهُ حَتّى كَأنَّهُ نَفْسُهُ، ومَآلُ المَعْنى: فَلا فَعَلَ ما يَنْجُو بِهِ، ويَجُوزُ بِسَبَبِهِ العَقَبَةَ الكَؤُودَ يَوْمَ القِيامَةِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما نَقَلَهُ الإمامُ عَنِ الواحِدِيِّ بَعْدَ نَقْلِهِ تَفْسِيرَها بِجَبَلٍ زُلالٍ في جَهَنَّمَ وبِالصِّراطِ ونَحْوِ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ. وفي هَذا التَّفْسِيرِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا الإنْسانَ وغَيْرَهُ لَمْ يَقْتَحِمُوا عَقَبَةَ جَهَنَّمَ ولا جاوَزُوها فَحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ يَكُونُ إيضاحًا لِلْواضِحاتِ، ثُمَّ قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ فَسَّرَها جَلَّ شَأْنُهُ بِفَكِّ الرَّقَبَةِ والإطْعامِ انْتَهى. نَعَمْ أنا لا أقُولُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَتّى تَصِحَّ فِيهِ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ رِوايَةً مَرْفُوعَةً. والفَكُّ تَخْلِيصُ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ؛ قالَ الشّاعِرُ: فَيا رُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ وراءَهُ وعانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ مِنهُ فَفَدّانِي وهُوَ مَصْدَرُ فَكَّ وكَذا الفَكاكُ بِفَتْحِ الفاءِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ (الفَرّاءُ) والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا تَخْلِيصُ رَقَبَةِ الرَّقِيقِ مِن وصْفِ الرَّقَبَةِ بِالإعْتاقِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ««أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، قالَ: «أعْتِقِ النَّسَمَةَ وفُكَّ الرَّقَبَةَ». قالَ: أوَ لَيْسا بِواحِدٍ؟ قالَ: «لا، إنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها، وفَكَّ الرَّقَبَةِ أنْ تُعَيِّنَ في عِتْقِها»». الحَدِيثَ. وعَلَيْهِ يَكُونُ نَفْيُ العِتْقِ عَنِ المُحْدِثِ عَنْهُ مُتَحَقِّقًا مِن بابِ أوْلى، ومِنَ الفَكِّ بِهَذا المَعْنى إعْطاءُ المَكاتَبِ ما يَصْرِفُهُ في جِهَةِ فِكاكِ نَفْسِهِ. وجاءَ في فَضْلِ الإعْتاقِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ مِنها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم صفحة 138 عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن أعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنها عُضْوًا مِنهُ مِنَ النّارِ حَتّى الفَرْجَ بِالفَرْجِ»». وهُوَ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعِنْدَ صاحِبَيْهِ الصَّدَقَةُ أفْضَلُ، والآيَةُ عَلى ما قِيلَ أدَلُّ عَلى قَوْلِ الإمامِ لِمَكانِ تَقْدِيمِ الفَكِّ عَلى الإطْعامِ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ تَفْضِيلُ العِتْقِ أيْضًا عَلى الصَّدَقَةِ عَلى ذِي القَرابَةِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ. وقالَ الإمامُ: في الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ حَسَنٌ؛ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ يَفُكَّ المَرْءُ رَقَبَةَ نَفْسِهِ بِما يُكَلِّفُهُ مِنَ العِبادَةِ الَّتِي يَصِيرُ بِها إلى الجَنَّةِ فَهي الحُرِّيَّةُ الكُبْرى وعَلَيْهِ قِيلَ: يَكُونُ ما بَعْدُ مِن قَبِيلِ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ وفِيهِ بُعْدٌ كَما لا يَخْفى.

البلد 90:14

﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى السَّغَبِ. قالَ أبُو حَيّانَ: وهو الجُوعُ العامُّ، وقَدْ يُقالُ: سَغَبَ الرَّجُلُ إذا جاعَ. وقالَ الرّاغِبُ: هو الجُوعُ مَعَ التَّعَبِ ورُبَّما قِيلَ في العَطَشِ مَعَ التَّعَبِ، وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ هُنا بِالجُوعِ مِن غَيْرِ قَيْدٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ أنَّهُ قالَ: في يَوْمٍ فِيهِ الطَّعامُ عَزِيزٌ ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ بِالمَعْنى المَوْضُوعِ لَهُ. ووَصْفُ اليَوْمِ بِذِي مَسْغَبَةٍ نَحْوَ ما يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ في قَوْلِهِمْ: هَمٌّ ناصِبٌ ذُو نَصَبٍ، ولَيْلٌ نائِمٌ ذُو نَوْمٍ، ونَهارٌ صائِمٌ ذُو صَوْمٍ.

البلد 90:15

﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: قَرابَةٍ؛ فَهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أيْضًا مِن قَرُبَ في النَّسَبِ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو قَرابَتِي وذُو مَقْرِبَتِي بِمَعْنًى. قالَ الزَّجّاجُ: وفُلانٌ قَرابَتِي قَبِيحٌ؛ لِأنَّ القَرابَةَ مَصْدَرٌ. قالَ: يَبْكِي الغَرِيبُ عَلَيْهِ لَيْسَ يَعْرِفُهُ وذُو قَرابَتِهِ في الحَيِّ مَسْرُورُ وفِيهِ بَحْثٌ. وفي ﴿إطْعامٌ﴾ هَذا جَمْعٌ بَيْنَ الصَّدَقَةِ والصِّلَةِ وفِيهِما مِنَ الأجْرِ ما فِيهِما. وقِيلَ: إنَّهُ لا يَخُصُّ القَرِيبَ نَسَبًا بَلْ يَشْمَلُ مِن لَهُ قُرْبٌ بِالجِوارِ. ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيِ افْتِقارٍ وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كَما تَقَدَّمَ مِن تَرِبَ إذا افْتَقَرَ ومَعْناهُ التَصَقَ بِالتُّرابِ، وأمّا أتْرَبَ فاسْتَغْنى؛ أيْ: صارَ ذا مالٍ كالتُّرابِ في الكَثْرَةِ كَما قِيلَ: أثْرى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ فَسَّرَهُ هُنا بِالَّذِي لا يَقِيهِ مِنَ التُّرابِ شَيْءٌ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى هو المَطْرُوحُ عَلى ظَهْرِ الطَّرِيقِ قاعِدًا عَلى التُّرابِ لا بَيْتَ لَهُ وهو قَرِيبٌ مِمّا أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ««هُوَ الَّذِي مَأْواهُ المَزابِلُ»». فَإنْ صَحَّ لا يُعْدَلُ عَنْهُ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ ثُمَّ يُقَلِّبُ وجْهَهُ إلَيْهِ مُسْتَيْقِنًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا التُّرابُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: يَعْنِي بَعِيدَ التُّرْبَةِ؛ أيْ: بَعِيدًا مِن وطَنِهِ وهو بَعِيدٌ، والصِّفَةُ عَلى بَعْضِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ صِفَةٌ كاشِفَةٌ، وبَعْضٍ آخَرَ مُخَصِّصَةُ واوٍ عَلى ما في البَحْرِ لِلتَّنْوِيعِ. وقَدِ اسْتُشْكِلَ عَدَمُ تَكْرارِ لا هُنا مَعَ أنَّها دَخَلَتْ عَلى الماضِي وهم قالُوا: يَلْزَمُ تَكْرارُها حِينَئِذٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ وقَوْلِ الحُطَيْئَةِ: وإنْ كانَتِ النَّعْماءُ فِيهِمْ جَزَوْا بِها ∗∗∗ وإنْ أنْعَمُوا لا كَدَّرُوها ولا كَدُّوا وشَذَّ قَوْلُهُ: لا هُمَّ إنَّ الحارِثَ بْنَ جَبَلَهْ ∗∗∗ جَنى عَلى أبِيهِ ثُمَّ قَتَلَهْ وكانَ في جاراتِهِ لا عَهْدَ لَهُ ∗∗∗ فَأيُّ أمْرٍ سَيِّئٍ لا فَعَلَهْ وأُجِيبَ بِأنَّ اللّازِمَ تَكْرارُها لَفْظًا أوْ مَعْنًى، وهي هُنا مُكَرَّرَةُ مَعْنًى؛ لِأنَّ تَفْسِيرَ العَقَبَةِ بِما فُسِّرَتْ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ يَلْزَمُ مِنهُ تَفْسِيرُ الِاقْتِحامِ فَيَكُونُ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ في مَعْنى: فَلا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ يَتِيمًا... إلَخْ. وقَدْ يُقالُ في البَيْتِ نَحْوَ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: إنَّ العُمُومَ فِيهِ قائِمٌ مَقامَ التَّكْرارِ ويَلْزَمُهُ عَلى ما قِيلَ: جَوازُ: لا جاءَنِي زَيْدٌ وعَمْرٌو؛ لِأنَّهُ في مَعْنى: لا جاءَنِي زَيْدٌ ولا جاءَنِي عَمْرٌو ومَنَعَهُ الزُّجاجُ والفَرّاءُ. يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنهُ

البلد 90:16

﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أيْ: قَرابَةٍ؛ فَهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أيْضًا مِن قَرُبَ في النَّسَبِ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو قَرابَتِي وذُو مَقْرِبَتِي بِمَعْنًى. قالَ الزَّجّاجُ: وفُلانٌ قَرابَتِي قَبِيحٌ؛ لِأنَّ القَرابَةَ مَصْدَرٌ. قالَ: يَبْكِي الغَرِيبُ عَلَيْهِ لَيْسَ يَعْرِفُهُ وذُو قَرابَتِهِ في الحَيِّ مَسْرُورُ وفِيهِ بَحْثٌ. وفي ﴿إطْعامٌ﴾ هَذا جَمْعٌ بَيْنَ الصَّدَقَةِ والصِّلَةِ وفِيهِما مِنَ الأجْرِ ما فِيهِما. وقِيلَ: إنَّهُ لا يَخُصُّ القَرِيبَ نَسَبًا بَلْ يَشْمَلُ مِن لَهُ قُرْبٌ بِالجِوارِ. ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيِ افْتِقارٍ وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كَما تَقَدَّمَ مِن تَرِبَ إذا افْتَقَرَ ومَعْناهُ التَصَقَ بِالتُّرابِ، وأمّا أتْرَبَ فاسْتَغْنى؛ أيْ: صارَ ذا مالٍ كالتُّرابِ في الكَثْرَةِ كَما قِيلَ: أثْرى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ فَسَّرَهُ هُنا بِالَّذِي لا يَقِيهِ مِنَ التُّرابِ شَيْءٌ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى هو المَطْرُوحُ عَلى ظَهْرِ الطَّرِيقِ قاعِدًا عَلى التُّرابِ لا بَيْتَ لَهُ وهو قَرِيبٌ مِمّا أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ««هُوَ الَّذِي مَأْواهُ المَزابِلُ»». فَإنْ صَحَّ لا يُعْدَلُ عَنْهُ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو الَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ ثُمَّ يُقَلِّبُ وجْهَهُ إلَيْهِ مُسْتَيْقِنًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا التُّرابُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: يَعْنِي بَعِيدَ التُّرْبَةِ؛ أيْ: بَعِيدًا مِن وطَنِهِ وهو بَعِيدٌ، والصِّفَةُ عَلى بَعْضِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ صِفَةٌ كاشِفَةٌ، وبَعْضٍ آخَرَ مُخَصِّصَةُ واوٍ عَلى ما في البَحْرِ لِلتَّنْوِيعِ. وقَدِ اسْتُشْكِلَ عَدَمُ تَكْرارِ لا هُنا مَعَ أنَّها دَخَلَتْ عَلى الماضِي وهم قالُوا: يَلْزَمُ تَكْرارُها حِينَئِذٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ وقَوْلِ الحُطَيْئَةِ: وإنْ كانَتِ النَّعْماءُ فِيهِمْ جَزَوْا بِها ∗∗∗ وإنْ أنْعَمُوا لا كَدَّرُوها ولا كَدُّوا وشَذَّ قَوْلُهُ: لا هُمَّ إنَّ الحارِثَ بْنَ جَبَلَهْ ∗∗∗ جَنى عَلى أبِيهِ ثُمَّ قَتَلَهْ وكانَ في جاراتِهِ لا عَهْدَ لَهُ ∗∗∗ فَأيُّ أمْرٍ سَيِّئٍ لا فَعَلَهْ وأُجِيبَ بِأنَّ اللّازِمَ تَكْرارُها لَفْظًا أوْ مَعْنًى، وهي هُنا مُكَرَّرَةُ مَعْنًى؛ لِأنَّ تَفْسِيرَ العَقَبَةِ بِما فُسِّرَتْ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ يَلْزَمُ مِنهُ تَفْسِيرُ الِاقْتِحامِ فَيَكُونُ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ في مَعْنى: فَلا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ يَتِيمًا... إلَخْ. وقَدْ يُقالُ في البَيْتِ نَحْوَ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: إنَّ العُمُومَ فِيهِ قائِمٌ مَقامَ التَّكْرارِ ويَلْزَمُهُ عَلى ما قِيلَ: جَوازُ: لا جاءَنِي زَيْدٌ وعَمْرٌو؛ لِأنَّهُ في مَعْنى: لا جاءَنِي زَيْدٌ ولا جاءَنِي عَمْرٌو ومَنَعَهُ الزُّجاجُ والفَرّاءُ. يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنهُ

البلد 90:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّهُ عُطِفَ عَلى المَنفِيِّ؛ أعْنِي ﴿اقْتَحَمَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا اقْتَحَمَ ولا آمَنَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الإيمانِ غَيْرَ داخِلٍ في مَفْهُومِ العَقَبَةِ؛ لِأنَّهُ يَكْفِي في صِحَّةِ العَطْفِ والتَّكْرارِ كَوْنُهُ جُزْءًا أشْرَفَ خُصَّ بِالذِّكْرِ عَطْفًا فَجاءَتْ صُورَةُ التَّكْرارِ ضَرُورَةً إذِ الحَمْلُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ صفحة 139 مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى، ويَلْزَمُهُ جَوازُ: لا أكَلَ زَيْدٌ وشَرِبَ عَلى العَطْفِ عَلى المَنفِيِّ، والبَعْضُ المُتَقَدِّمُ يَمْنَعُهُ. وقِيلَ: إنَّ «لا» لِلدُّعاءِ والكَلامُ دُعاءٌ عَلى ذَلِكَ الكافِرِ أنْ لا يَرْزُقَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الخَيْرَ. وقِيلَ: «لا» مُخَفَّفُ «إلّا» لِلتَّخْضِيضِ كَ «هَلّا»، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلّا اقْتَحَمَ، أوِ الِاسْتِفْهامُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: أفَلا اقْتَحَمَ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ والجُبّائِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ. وفِيهِ أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ تَخْفِيفَ ألا التَّحْضِيضِيَّةَ، وأنَّهُ كَما قالَ المُرْتَضى: يَقْبُحُ حَذْفُ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، وقَدْ عِيبَ عَلى عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ قَوْلُهُ: ثُمَّ قالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بَهْرًا عَدَدَ الرَّمْلِ والحَصى والتُّرابِ وقَوْلُهُمْ: لَوْ أُرِيدَ النَّفْيُ لَمْ يَتَّصِلِ الكَلامُ بِشَيْءٍ لِظُهُورِ كانَ تَحْتَ النَّفْيِ واتِّصالِ الكَلامِ عَلَيْهِ، قِيلَ: الكَلامُ إخْبارٌ عَنِ المُسْتَقْبَلِ فَلَيْسَ مِمّا يَلْزَمُ فِيهِ التَّكْرِيرُ؛ أيْ: فَلا يَقْتَحِمُ العَقَبَةَ لِأنَّ ماضِيَهُ مَعْلُومٌ بِالمُشاهَدَةِ فالأهَمُّ الإخْبارُ عَنْ حالِهِ في الِاسْتِقْبالِ لِكَيْ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ عَبْرَ بِالماضِي. ونَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ عَدَمَ وُجُوبِ تَكْرِيرِها رادًّا عَلى الزَّجّاجِ في زَعْمِهِ ذَلِكَ. وقالَ: هي كَلَمْ، والتَّكَرُّرُ في نَحْوِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ لا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ كَما في ﴿لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ وعَلى عَدَمِ التَّكْرارِ جاءَ قَوْلُ أُمَيَّةَ السّابِقُ: إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا والمُتَيَقَّنُ عِنْدِي أكْثَرِيَّةُ التَّكَرُّرِ، وأمّا وُجُوبُهُ فَلَيْسَ بِمُتَيَقَّنٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والنَّحْوِيّانِ: «فَكَّ» فِعْلًا ماضِيًا «رَقَبَةً» بِالنَّصْبِ «أوْ أطْعَمَ» فِعْلًا ماضِيًا أيْضًا وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَفَكَّ مُبْدَلَةٌ مَنِ اقْتَحَمَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. ومَعْناهُ أنَّكَ لَمْ تَدْرِ كُنْهَ صُعُوبَتِها عَلى النَّفْسِ وكُنْهَ ثَوابِها عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ قَرَأ «ذا مَسْغَبَةٍ» بِالألِفِ عَلى أنَّ «ذا» مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِأطْعَمَ؛ أيْ: أطْعَمَ في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ، ويَكُونُ يَتِيمًا بَدَلًا مِنهُ أوْ صِفَةً لَهُ. وقَرَأ هو أيْضًا والحَسَنُ: «أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذا» بِالألِفِ أيْضًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْمَصْدَرِ. وقَرَأ بَعْضُ التّابِعِينَ: «فَكُّ رَقَبَةٍ» بِالإضافَةِ «أوْ أطْعَمَ» فِعْلًا ماضِيًا وهو مَعْطُوفٌ عَلى المَصْدَرِ لِتَأْوِيلِهِ بِهِ. والتَّراخِي المَفْهُومُ مِن «ثُّمَ» في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ إلَخْ رُتَبِيٌّ فالإيمانُ فَوْقَ جَمِيعِ ما قَبْلَهُ لِأنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلنَّجاةِ وشُكْرًا بِدُونِ الأعْمالِ كَما فِيمَن آمَنَ بِشَرْطِهِ وماتَ في يَوْمِهِ قَبْلَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْمالِ فَإنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ ويُخَلِّصُهُ بِخِلافِ ما عَداهُ فَإنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ بِدُونِهِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عُطِفَ عَلى آمَنُوا؛ أيْ: أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا بِالصَّبْرِ عَلى الإيمانِ والثَّباتِ عَلَيْهِ أوْ بِذَلِكَ والصَّبْرِ عَلى الطّاعاتِ أوْ بِهِ، والصَّبْرُ عَلى المَعاصِي وعَلى المِحَنِ الَّتِي يُبْتَلى بِها الإنْسانُ. ﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالرَّحْمَةِ عَلى عِبادِهِ عَزَّ وجَلَّ ومِن ذَلِكَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ تَواصَوْا بِأسْبابِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وما يُؤَدِّي إلَيْها مِنَ الخَيْراتِ عَلى أنَّ المَرْحَمَةَ مَجازٌ عَنْ سَبَبِها أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. وذَكَرَ أنَّ ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى وهُما أصْلانِ عَلَيْهِما مَدارُ الطّاعَةِ وهو الَّذِي قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الأصْلُ في التَّصَوُّفِ أمْرانِ: صِدْقٌ مَعَ الحَقِّ، وخُلُقٌ مَعَ الخَلْقِ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ المَذْكُورَةِ ﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ: جِهَةَ اليَمِينِ الَّتِي فِيها السُّعَداءُ أوِ اليُمْنِ لِكَوْنِهِمْ مَيامِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ

البلد 90:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّهُ عُطِفَ عَلى المَنفِيِّ؛ أعْنِي ﴿اقْتَحَمَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا اقْتَحَمَ ولا آمَنَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الإيمانِ غَيْرَ داخِلٍ في مَفْهُومِ العَقَبَةِ؛ لِأنَّهُ يَكْفِي في صِحَّةِ العَطْفِ والتَّكْرارِ كَوْنُهُ جُزْءًا أشْرَفَ خُصَّ بِالذِّكْرِ عَطْفًا فَجاءَتْ صُورَةُ التَّكْرارِ ضَرُورَةً إذِ الحَمْلُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ صفحة 139 مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى، ويَلْزَمُهُ جَوازُ: لا أكَلَ زَيْدٌ وشَرِبَ عَلى العَطْفِ عَلى المَنفِيِّ، والبَعْضُ المُتَقَدِّمُ يَمْنَعُهُ. وقِيلَ: إنَّ «لا» لِلدُّعاءِ والكَلامُ دُعاءٌ عَلى ذَلِكَ الكافِرِ أنْ لا يَرْزُقَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الخَيْرَ. وقِيلَ: «لا» مُخَفَّفُ «إلّا» لِلتَّخْضِيضِ كَ «هَلّا»، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلّا اقْتَحَمَ، أوِ الِاسْتِفْهامُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: أفَلا اقْتَحَمَ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ والجُبّائِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ. وفِيهِ أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ تَخْفِيفَ ألا التَّحْضِيضِيَّةَ، وأنَّهُ كَما قالَ المُرْتَضى: يَقْبُحُ حَذْفُ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، وقَدْ عِيبَ عَلى عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ قَوْلُهُ: ثُمَّ قالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بَهْرًا عَدَدَ الرَّمْلِ والحَصى والتُّرابِ وقَوْلُهُمْ: لَوْ أُرِيدَ النَّفْيُ لَمْ يَتَّصِلِ الكَلامُ بِشَيْءٍ لِظُهُورِ كانَ تَحْتَ النَّفْيِ واتِّصالِ الكَلامِ عَلَيْهِ، قِيلَ: الكَلامُ إخْبارٌ عَنِ المُسْتَقْبَلِ فَلَيْسَ مِمّا يَلْزَمُ فِيهِ التَّكْرِيرُ؛ أيْ: فَلا يَقْتَحِمُ العَقَبَةَ لِأنَّ ماضِيَهُ مَعْلُومٌ بِالمُشاهَدَةِ فالأهَمُّ الإخْبارُ عَنْ حالِهِ في الِاسْتِقْبالِ لِكَيْ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ عَبْرَ بِالماضِي. ونَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ عَدَمَ وُجُوبِ تَكْرِيرِها رادًّا عَلى الزَّجّاجِ في زَعْمِهِ ذَلِكَ. وقالَ: هي كَلَمْ، والتَّكَرُّرُ في نَحْوِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ لا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ كَما في ﴿لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ وعَلى عَدَمِ التَّكْرارِ جاءَ قَوْلُ أُمَيَّةَ السّابِقُ: إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا والمُتَيَقَّنُ عِنْدِي أكْثَرِيَّةُ التَّكَرُّرِ، وأمّا وُجُوبُهُ فَلَيْسَ بِمُتَيَقَّنٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والنَّحْوِيّانِ: «فَكَّ» فِعْلًا ماضِيًا «رَقَبَةً» بِالنَّصْبِ «أوْ أطْعَمَ» فِعْلًا ماضِيًا أيْضًا وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَفَكَّ مُبْدَلَةٌ مَنِ اقْتَحَمَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. ومَعْناهُ أنَّكَ لَمْ تَدْرِ كُنْهَ صُعُوبَتِها عَلى النَّفْسِ وكُنْهَ ثَوابِها عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ قَرَأ «ذا مَسْغَبَةٍ» بِالألِفِ عَلى أنَّ «ذا» مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِأطْعَمَ؛ أيْ: أطْعَمَ في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ إنْسانًا ذا مَسْغَبَةٍ، ويَكُونُ يَتِيمًا بَدَلًا مِنهُ أوْ صِفَةً لَهُ. وقَرَأ هو أيْضًا والحَسَنُ: «أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذا» بِالألِفِ أيْضًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْمَصْدَرِ. وقَرَأ بَعْضُ التّابِعِينَ: «فَكُّ رَقَبَةٍ» بِالإضافَةِ «أوْ أطْعَمَ» فِعْلًا ماضِيًا وهو مَعْطُوفٌ عَلى المَصْدَرِ لِتَأْوِيلِهِ بِهِ. والتَّراخِي المَفْهُومُ مِن «ثُّمَ» في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ إلَخْ رُتَبِيٌّ فالإيمانُ فَوْقَ جَمِيعِ ما قَبْلَهُ لِأنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلنَّجاةِ وشُكْرًا بِدُونِ الأعْمالِ كَما فِيمَن آمَنَ بِشَرْطِهِ وماتَ في يَوْمِهِ قَبْلَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأعْمالِ فَإنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ ويُخَلِّصُهُ بِخِلافِ ما عَداهُ فَإنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ بِدُونِهِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عُطِفَ عَلى آمَنُوا؛ أيْ: أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا بِالصَّبْرِ عَلى الإيمانِ والثَّباتِ عَلَيْهِ أوْ بِذَلِكَ والصَّبْرِ عَلى الطّاعاتِ أوْ بِهِ، والصَّبْرُ عَلى المَعاصِي وعَلى المِحَنِ الَّتِي يُبْتَلى بِها الإنْسانُ. ﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيْ: بِالرَّحْمَةِ عَلى عِبادِهِ عَزَّ وجَلَّ ومِن ذَلِكَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ تَواصَوْا بِأسْبابِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وما يُؤَدِّي إلَيْها مِنَ الخَيْراتِ عَلى أنَّ المَرْحَمَةَ مَجازٌ عَنْ سَبَبِها أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. وذَكَرَ أنَّ ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى وهُما أصْلانِ عَلَيْهِما مَدارُ الطّاعَةِ وهو الَّذِي قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الأصْلُ في التَّصَوُّفِ أمْرانِ: صِدْقٌ مَعَ الحَقِّ، وخُلُقٌ مَعَ الخَلْقِ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ المَذْكُورَةِ ﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ: جِهَةَ اليَمِينِ الَّتِي فِيها السُّعَداءُ أوِ اليُمْنِ لِكَوْنِهِمْ مَيامِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ

البلد 90:19

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ بِما نَصَبْناهُ دَلِيلًا عَلى الحَقِّ مِن كِتابٍ وحُجَّةٍ أوْ بِالقُرْآنِ. ﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيْ: جِهَةَ الشِّمالِ الَّتِي فِيها الأشْقِياءُ أوِ الشُّؤْمُ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ. ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ مَن آصَدْتُ صفحة 140 البابَ إذا غَلَّقَتْهُ وأطْبَقْتَهُ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ. وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ عَدَمُ الِاخْتِصاصِ بِهِمْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: تَحِنُّ إلى أجْبالِ مَكَّةَ ناقَتِي ومِن دُونِها أبْوابُ صَنْعاءَ مُؤْصَدَهْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أُوصِدَتْ بِمَعْنى غُلِّقَتْ أيْضًا، وهُمِزَ عَلى حَدِّ مَن قَرَأ بِالسُّؤْقِ مَهْمُوزًا وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ: مُوصَدَةٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ. فَيَظْهَرُ أنَّهُ مِن أُوصِدَتْ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن آصَدْتُ وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ وقالَ الشّاعِرُ: قَوْمًا يُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهم ∗∗∗ وسَلاسِلًا مُلْسًا وبابًا مُوصَدا والمُرادُ مُغَلَّقَةٌ أبْوابُها، وإنَّما أُغْلِقَتْ لِتَشْدِيدِ العَذابِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ. وصَرَّحَ بِوَعِيدِهِمْ ولَمْ يُصَرِّحْ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ، والأوْفَقُ بِالغَرَضِ والمَرامُ ولِذا جِيءَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ مَعَهم لِإفادَةِ الحَصْرِ واعْتَبَرُوا غَيْبًا كَأنَّهم بِحَيْثُ لا يُصْلِحُونَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنْ يَكُونُوا مُشارًا إلَيْهِمْ ولَمْ يَسْلُكْ نَحْوُ هَذا المَسْلَكِ في الجُمْلَةِ الأُولى الَّتِي في شَأْنِ المُؤْمِنِينَ. ونُقِلَ عَنِ الشِّمْنِيِّ أنَّهُ قالَ: الحِكْمَةُ في تَرْكِ ضَمِيرِ الفَصْلِ في الأوَّلَيْنِ والإتْيانِ بَدَلَهُ بِاسْمِ الإشارَةِ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ يُؤْتى بِهِ لِتَمْيِيزِ ما أُرِيدَ بِهِ أكْمَلُ تَمْيِيزٍ كَقَوْلِهِ: هَذا أبُو الصَّقْرِ فَرْدًا في مَحاسِنِهِ ∗∗∗ مِن نَسْلِ شَيْبانَ بَيْنَ الضّالِ والسُّلَمِ ولا كَذَلِكَ الضَّمِيرُ؛ فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ البَعِيدَ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ لِتَنْزِيلِ رِفْعَةِ مَحَلِّ المُشارِ بِهِ إلَيْهِ مَنزِلَةً بَعْدَ دَرَجَتِهِ فاسْمُ الإشارَةِ لِلتَّعْظِيمِ والإشارَةُ إلى تَمْيِيزِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمْ كَمالَ الشُّهْرَةِ بِخِلافِ أصْحابِ المَشْأمَةِ، والضَّمِيرُ لا يُفِيدُ ذَلِكَ انْتَهى. وفِيهِ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ كَما يُفِيدُ التَّعْظِيمَ يُفِيدُ التَّحْقِيرَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ وكَمالُ الشُّهْرَةِ كَما يَكُونُ في الخَيْرِ يَكُونُ في الشَّرِّ، فَأيُّ مانِعٍ مِنَ اعْتِبارِ اسْتِحْقاقِهِمْ كَمالَ الشُّهْرَةِ في الشَّرِّ. وبِالجُمْلَةِ ما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ هو الأوْلى فَتَدَبَّرْ.

البلد 90:20

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ بِما نَصَبْناهُ دَلِيلًا عَلى الحَقِّ مِن كِتابٍ وحُجَّةٍ أوْ بِالقُرْآنِ. ﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيْ: جِهَةَ الشِّمالِ الَّتِي فِيها الأشْقِياءُ أوِ الشُّؤْمُ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ. ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ مَن آصَدْتُ صفحة 140 البابَ إذا غَلَّقَتْهُ وأطْبَقْتَهُ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ. وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ عَدَمُ الِاخْتِصاصِ بِهِمْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: تَحِنُّ إلى أجْبالِ مَكَّةَ ناقَتِي ومِن دُونِها أبْوابُ صَنْعاءَ مُؤْصَدَهْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أُوصِدَتْ بِمَعْنى غُلِّقَتْ أيْضًا، وهُمِزَ عَلى حَدِّ مَن قَرَأ بِالسُّؤْقِ مَهْمُوزًا وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ: مُوصَدَةٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ. فَيَظْهَرُ أنَّهُ مِن أُوصِدَتْ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن آصَدْتُ وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ وقالَ الشّاعِرُ: قَوْمًا يُعالِجُ قُمَّلًا أبْناؤُهم ∗∗∗ وسَلاسِلًا مُلْسًا وبابًا مُوصَدا والمُرادُ مُغَلَّقَةٌ أبْوابُها، وإنَّما أُغْلِقَتْ لِتَشْدِيدِ العَذابِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ. وصَرَّحَ بِوَعِيدِهِمْ ولَمْ يُصَرِّحْ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ، والأوْفَقُ بِالغَرَضِ والمَرامُ ولِذا جِيءَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ مَعَهم لِإفادَةِ الحَصْرِ واعْتَبَرُوا غَيْبًا كَأنَّهم بِحَيْثُ لا يُصْلِحُونَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنْ يَكُونُوا مُشارًا إلَيْهِمْ ولَمْ يَسْلُكْ نَحْوُ هَذا المَسْلَكِ في الجُمْلَةِ الأُولى الَّتِي في شَأْنِ المُؤْمِنِينَ. ونُقِلَ عَنِ الشِّمْنِيِّ أنَّهُ قالَ: الحِكْمَةُ في تَرْكِ ضَمِيرِ الفَصْلِ في الأوَّلَيْنِ والإتْيانِ بَدَلَهُ بِاسْمِ الإشارَةِ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ يُؤْتى بِهِ لِتَمْيِيزِ ما أُرِيدَ بِهِ أكْمَلُ تَمْيِيزٍ كَقَوْلِهِ: هَذا أبُو الصَّقْرِ فَرْدًا في مَحاسِنِهِ ∗∗∗ مِن نَسْلِ شَيْبانَ بَيْنَ الضّالِ والسُّلَمِ ولا كَذَلِكَ الضَّمِيرُ؛ فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ البَعِيدَ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ لِتَنْزِيلِ رِفْعَةِ مَحَلِّ المُشارِ بِهِ إلَيْهِ مَنزِلَةً بَعْدَ دَرَجَتِهِ فاسْمُ الإشارَةِ لِلتَّعْظِيمِ والإشارَةُ إلى تَمْيِيزِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمْ كَمالَ الشُّهْرَةِ بِخِلافِ أصْحابِ المَشْأمَةِ، والضَّمِيرُ لا يُفِيدُ ذَلِكَ انْتَهى. وفِيهِ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ كَما يُفِيدُ التَّعْظِيمَ يُفِيدُ التَّحْقِيرَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ وكَمالُ الشُّهْرَةِ كَما يَكُونُ في الخَيْرِ يَكُونُ في الشَّرِّ، فَأيُّ مانِعٍ مِنَ اعْتِبارِ اسْتِحْقاقِهِمْ كَمالَ الشُّهْرَةِ في الشَّرِّ. وبِالجُمْلَةِ ما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ هو الأوْلى فَتَدَبَّرْ.