Tafsir Al-Alusi — الشمس 91:1 – العلق 96:19
المحتويات
- الشمس 91:1
- الشمس 91:2
- الشمس 91:3
- الشمس 91:4
- الشمس 91:5
- الشمس 91:6
- الشمس 91:7
- الشمس 91:8
- الشمس 91:9
- الشمس 91:10
- الشمس 91:11
- الشمس 91:12
- الشمس 91:13
- الشمس 91:14
- الشمس 91:15
- الليل 92:1
- الليل 92:2
- الليل 92:3
- الليل 92:4
- الليل 92:5
- الليل 92:6
- الليل 92:7
- الليل 92:8
- الليل 92:9
- الليل 92:10
- الليل 92:11
- الليل 92:12
- الليل 92:13
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الليل 92:16
- الليل 92:17
- الليل 92:18
- الليل 92:19
- الليل 92:20
- الليل 92:21
- الضحى 93:1
- الضحى 93:2
- الضحى 93:3
- الضحى 93:4
- الضحى 93:5
- الضحى 93:6
- الضحى 93:7
- الضحى 93:8
- الضحى 93:9
- الضحى 93:10
- الضحى 93:11
- الشرح 94:1
- الشرح 94:2
- الشرح 94:3
- الشرح 94:4
- الشرح 94:5
- الشرح 94:6
- الشرح 94:7
- الشرح 94:8
- التين 95:1
- التين 95:2
- التين 95:3
- التين 95:4
- التين 95:5
- التين 95:6
- التين 95:7
- التين 95:8
- العلق 96:1
- العلق 96:2
- العلق 96:3
- العلق 96:4
- العلق 96:5
- العلق 96:6
- العلق 96:7
- العلق 96:8
- العلق 96:9
- العلق 96:10
- العلق 96:11
- العلق 96:12
- العلق 96:13
- العلق 96:14
- العلق 96:15
- العلق 96:16
- العلق 96:17
- العلق 96:18
- العلق 96:19
الشمس 91:1
سُورَةُ الشَّمْسِ
مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ وآيُها سِتَّ عَشْرَةَ آيَةً في المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ الأوَّلِ وخَمْسَ عَشْرَةَ في الباقِيَةِ. ولَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ السُّورَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِذِكْرِ أصْحابِ المَيْمَنَةِ وأصْحابِ المَشْأمَةِ أعادَ جَلَّ شَأْنُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ الفَرِيقَيْنِ عَلى سَبِيلِ الفَذْلَكَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ وفي هَذِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ وهو كالبَيانِ لِقَوْلِهِ تَعالى في الأُولى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ عَلى أوَّلُ التَّفْسِيرَيْنِ وخَتَمَ سُبْحانَهُ الأُولى بِشَيْءٍ مِن أحْوالِ الكَفَرَةِ في الآخِرَةِ، وخَتَمَ جَلَّ وعَزَّ هَذِهِ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ أيْ: ضَوْئِها؛ كَما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمُرادُ إذا أشْرَقَتْ وقامَ سُلْطانُها. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: حَقِيقَةُ الضُّحى تَباعُدُ الشَّمْسِ عَنِ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ المَرْئِيِّ وبُرُوزُها لِلنّاظِرِينَ ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في وقْتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ قِيلَ لِأوَّلِ الوَقْتِ ضَحْوَةً ولِما يَلِيهِ ضُحًى، ولِما بَعْدَهُ إلى قَرِيبِ الزَّوالِ ضِحاءً بِالفَتْحِ والمَدِّ، فَإذا أُضِيفَ إلى الشَّمْسِ فَهو مَجازٌ عَنْ إشْراقِها كَما هُنا، ونُقِلَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّ الضُّحى مُشْتَقٌّ مِنَ الضِّحِّ وهو نُورُ الشَّمْسِ والألِفُ مَقْلُوبَةٌ مِنَ الحاءِ الثّانِيَةِ وكَذَلِكَ الواوُ مِن ضَحْوَةٍ مَقْلُوبَةً مِنها، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّهُ مُخْتَلَقٌ عَلَيْهِ لِأنَّ المُبَرِّدَ أجَلُّ مِن أنْ يَذْهَبَ إلى هَذا، وهَذانِ مادَّتانِ مُخْتَلِفَتانِ لا تُشْتَقُّ إحْداهُما مِن أُخْرى. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمْ يَرُدَّ الِاشْتِقاقَ الصَّغِيرَ، ولا يَخْفى حالُهُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ. وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ ضُحاها حَرُّها وهو تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ وعَنْ مُقاتِلٍ: المُرادُ بِهِ النَّهارُ كُلُّهُ وفِيهِ أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهِ بُعَيْدَ ذَلِكَ.
الشمس 91:2
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ: تَبِعَها فَقِيلَ: بِاعْتِبارِ طُلُوعِهِ وطُلُوعِها؛ أيْ: إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها بِأنْ طَلَعَ مِن الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ بَعْدَ
صفحة 141
طُلُوعِها؛ وذَلِكَ أوَّلَ الشَّهْرِ، فَإنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ مِنَ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ أوَّلَ النَّهارِ يَطْلُعُ بَعْدَها القَمَرُ لَكِنْ لا سُلْطانَ لَهُ فَيُرى بَعْدَ غُرُوبِها هِلالًا ومُناسَبَةً ذَلِكَ لِلْقَسَمِ بِهِ لِأنَّهُ وصْفٌ لَهُ بِابْتِداءِ أمْرِهِ، فَكَما أنَّ الضُّحى كَشَبابِ النَّهارِ فَكَذا غُرَّةُ الشَّهْرِ كَوِلادَتِهِ. وقِيلَ: بِاعْتِبارِ طُلُوعِهِ وغُرُوبِها؛ أيْ: إذا تَلا طُلُوعُهُ غُرُوبَها وذَلِكَ في لَيْلَةِ البَدْرِ رابِعَ عَشَرَ الشَّهْرِ، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ في مُقابَلَةِ الشَّمْسِ والبُعْدُ بَيْنَهُما نِصْفُ دَوْرِ الفَلَكِ فَإذا كانَتْ في النِّصْفِ الفَوْقانِيِّ مِنهُ أعْنِي ما يَلِي رُؤُوسَنا كانَ القَمَرُ في التَّحْتانِيِّ مِنهُ أعْنِي ما يَلِي أقْدامَنا، فَإذا غَرَبَتْ طَلَعَ مِنَ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ. وقَوْلُهُمْ: سُمِّيَ بَدْرًا لِأنَّهُ يَسْبِقُ طُلُوعُهُ غُرُوبَ الشَّمْسِ فَكَأنَّهُ بَدْرُها بِالطُّلُوعِ لا يُنافِيهِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى التَّقْرِيبِ، ومُناسَبَةُ ذَلِكَ لِلْقَسَمِ بِهِ لِأنَّهُ وقْتُ ظُهُورِ سُلْطانِهِ فَيُناسِبُ تَعْظِيمَ شَأْنِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: تَبِعَها في الشَّهْرِ كُلِّهِ فَفي النِّصْفِ الأوَّلِ تَبِعَها بِالطُّلُوعِ وفي الآخَرِ بِالغُرُوبِ، ومُرادُهُ ما ذُكِرَ في القَوْلَيْنِ. وقِيلَ: المُرادُ تَبِعَها في الإضاءَةِ بِأنْ طَلَعَ وظَهَرَ مُضِيئًا عِنْدَ غُرُوبِها آخِذًا مِن نُورِها؛ وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ فَإنَّهُ فِيهِ يَأْخُذُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنهُ قَدْرًا مِنَ النُّورِ بِخِلافِهِ في النِّصْفِ الثّانِي وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ سَلّامٍ واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقالَ الحَسَنُ والفَرّاءُ كَما في البَحْرِ: أيْ: تَبِعَها في كُلِّ وقْتٍ لِأنَّهُ يَسْتَضِيءُ مِنها فَهو يَتْلُوها لِذَلِكَ، وأنْكَرَ بَعْضُ النّاسِ ذَهابَ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ وزَعَمَ أنَّهُ رَأْيُ المُنَجِّمِينَ لا غَيْرَ. وما ذُكِرَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، والحُجَّةُ عَنْ أصْلِ المَسْألَةِ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ وهي اخْتِلافُ تَشَكُّلاتِهِ النُّورِيَّةِ قُرْبًا وبُعْدًا مِنها مَعَ ذَهابِ نُورِهِ عِنْدَ حَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَها. وكَوْنُ الِاخْتِلافِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ أحَدُ نِصْفَيْهِ مُضِيئًا والنِّصْفُ الآخَرُ غَيْرَ مُضِيءٍ وأنَّهُ يَتَحَرَّكُ عَلى مِحْوَرِهِ حَرَكَةً وضْعِيَّةً حَتّى يُرى كُلُّ نِصْفٍ مِنهُما تَدْرِيجًا، وكَوْنُ ذَهابِ النُّورِ عِنْدَ الحَيْلُولَةِ لِاحْتِمالِ حَيْلُولَةِ جِسْمٍ كَثِيفٍ بَيْنَنا وبَيْنَهُ لا نَراهُ أضْعَفَ مِن حِبالِ القَمَرِ كَما لا يَخْفى. وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: ﴿تَلاها﴾ مَعْناهُ امْتَلَأ واسْتَدارَ فَكانَ تابِعًا لَها في الِاسْتِدارَةِ وكَمالِ النُّورِ.
الشمس 91:3
﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ أيْ: جَلّى النَّهارُ الشَّمْسَ؛ أيْ: أظْهَرَها فَإنَّها تَنْجَلِي وتَظْهَرُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ ومَضى مِنهُ مُدَّةٌ، فالإسْنادُ مَجازِيٌّ كالإسْنادِ في نَحْوِ: صامَ نَهارَهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَنصُوبُ يَعُودُ عَلى الأرْضِ وقِيلَ: عَلى الدُّنْيا والمُرادُ بِها وجْهُ الأرْضِ وما عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الظُّلْمَةِ وجَلّاها حِينَئِذٍ بِمَعْنى أزالَها، وعَدَمُ ذِكْرِ المَرْجِعِ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ لِلْعِلْمِ بِهِ والأوَّلُ أوْلى لِذِكْرِ المَرْجِعِ واتِّساقِ الضَّمائِرِ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ المُسْتَتِرُ في «جَلّاها» عَلَيْهِ عائِدًا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَأنَّهُ قِيلَ: والنَّهارِ إذا جَلَّ اللَّهُ تَعالى الشَّمْسَ فَيَكُونُ قَدْ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالنَّهارِ في أكْمَلِ حالاتِهِ وهو كَما تَرى.
الشمس 91:4
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيِ الشَّمْسَ فَيُغَطِّي ضَوْءَها والإسْنادُ كَما مَرَّ. وقِيلَ: أيِ الأرْضَ. وقِيلَ: أيِ الدُّنْيا. وجِيءَ بِالمُضارِعِ هُنا دُونَ الماضِي كَما في السّابِقِ بِأنْ يُقالَ إذا غَشِيَها، قالَ أبُو حَيّانَ: رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ ولَمْ يَقُلْ غَشّاها لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى حَذْفِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ لِتَعَدِّيهِ إلَيْهِما فَإنَّهُ يُقالُ: غَشِيَتْهُ كَذا كَما قالَ الرّاغِبُ كَذا قِيلَ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: جِيءَ بِالمُضارِعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِواءِ الأزْمِنَةِ عِنْدَهُ تَعالى شَأْنُهُ. وقالَ الخَفاجِيُّ: الأوَّلُ أنْ يُقالَ المُرادُ بِاللَّيْلِ الظُّلْمَةُ الحادِثَةُ بِعَدَمِ الضَّوْءِ لا العَدَمُ الأصْلِيُّ والظُّلْمَةُ الأصْلِيَّةُ؛ فَإنَّ هَذِهِ أظْهَرُ في الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ وهي مُسْتَقْبَلَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِما قَبْلَها فَلا بُدَّ مِن تَغْيِيرِ التَّعْبِيرِ لِيَدُلَّ عَلى المُرادِ. واسْتَصْعَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ الأمْرَ في نَصْبِ «إذا» بِأنَّ ما سِوى الواوِ الأُولى إنْ كانَتْ عاطِفَةً لَزِمَ العَطْفُ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفِينَ كَعَطْفِ النَّهارِ مَثَلًا عَلى الشَّمْسِ المَعْمُولِ لِحَرْفِ القَسَمِ، وعَطْفِ الظَّرْفِ أعْنِي «إذا» في ﴿إذا جَلاها﴾ عَلى نَظِيرَتِها في ﴿إذا تَلاها﴾ المَعْمُولَةِ لِفِعْلِ القَسَمِ وإنْ كانَتْ قَسَمِيَّةً لَزِمَ اجْتِماعُ المُقْسَماتِ المُتَعَدِّدَةِ عَلى جَوابٍ واحِدٍ وقَدِ اسْتَكْرَهَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ وأجابَ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ ونَفْيِ ما لَزِمَهُ، فَقالَ: إنَّ واوَ القَسَمِ مُطَّرَحٌ مَعَها إبْرازُ الفِعْلِ اطِّراحًا كُلِّيًّا، فَكانَ لَها شَأْنٌ
صفحة 142
خِلافَ شَأْنِ الباءِ حَيْثُ أبْرَزَ مَعَها الفِعْلَ تارَةً وأضْمَرَ أُخْرى، فَكانَتِ الواوُ قائِمَةً مَقامِ فِعْلِ القَسَمِ وباؤُهُ سادَّةٌ مَسَدَّهُما مَعًا والواواتُ العَواطِفُ نَوائِبُ عَنْ هَذِهِ الواوِ فَهي عامِلَةٌ الجَرَّ وعامِلَةٌ النَّصْبَ، فالعَطْفُ مِن قَبِيلِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ وهَذا كَما تَقُولُ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا. فَتَرْفَعُ بِالواوِ وتَنْصَبُ لِقِيامِها مَقامَ ضَرَبَ الَّذِي هو عامِلُها انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أوَّلَ الواواتِ العَواطِفُ هاهُنا لَيْسَ مَعَها ما تَعْمَلُ فِيهِ النَّصْبَ فَلَعَلَّهُ أرادَ أنَّها تَعْمَلُ ذَلِكَ إنْ كانَ هُناكَ مَنصُوبٌ أوْ هي عامِلَةٌ بِاعْتِبارِ أنَّ مَعْنى ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ والشَّمْسِ وضَوْئِها إذا أشْرَقَتْ وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّ الحُرُوفَ العَواطِفَ عَوامِلُ. وأيْضًا الإشْكالُ مَبْنِيٌّ عَلى امْتِناعِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُطْلَقًا حَتّى لَوْ جُوِّزَ مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ كَوْنِ المَعْطُوفِ مَجْرُورًا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ كَما في قَوْلِكَ:
فِي الدّارِ زَيْدٌ والحُجْرَةِ عَمْرٌو. لَمْ يَكُنْ إشْكالٌ، وأيْضًا هو مَبْنِيٌّ عَلى قَبُولِ هَذا الِاسْتِكْراهِ وعَدَمِ إمْكانِ التَّخَلُّصِ مِنَ الِاجْتِماعِ بِتَقْدِيرِ جَوابٍ لِكُلٍّ مِنَ المُقْسَماتِ حَتّى إذا لَمْ يُقْبَلْ أوْ قُبِلَ وقُدِّرَ لِكُلِّ جَوابٍ لَمْ يَبْقَ إشْكالٌ.
وأيْضًا هو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ إذا ظَرْفِيَّةٌ وهو مَمْنُوعٌ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ قَدْ تَجَرَّدَتْ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ وحِينَئِذٍ تَكُونُ بَدَلًا مِمّا بَعْدَ الواوِ كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ:
وبَعْدَ غَدٍ يا لَهَفَ نَفْسِي مِن غَدِ إذا راحَ أصْحابِي ولَسْتُ بِرائِحِ
أنَّ إذا بَدَلٌ مِن غَدٍ وعَلى تَسْلِيمِ أنَّها ظَرْفِيَّةٌ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مَعَ كُلٍّ مُضافٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ، كَأنْ يُقَدَّرَ وتِلْوَ القَمَرِ إذا تَلاها، وتَجْلِيَةِ النَّهارِ إذا جَلّاها، وغَشِيانِ اللَّيْلِ إذا يَغْشاها أوْ تُجْعَلَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مُقَدَّرَةً مِمّا تَلِيهِ؛ أيْ: أقْسَمَ بِالقَمَرِ كائِنًا إذا تَلاها، وبِاللَّيْلِ كائِنًا إذا جَلّاها كَما زَعَمَهُ بَعْضُهم وفِيهِ بَحْثٌ.
وأيْضًا يَرَدُّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ لِأنَّ الواوَ هُنالِكَ عاطِفَةٌ وقَدْ تَقَدَّمَ صَرِيحُ فِعْلِ القَسَمِ كَما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ عَلى أنَّ التَّحْقِيقَ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الظَّرْفَ لَيْسَ مَعْمُولًا لِفِعْلِ القَسَمِ لِفَسادِ المَعْنى؛ إذِ التَّقْيِيدُ بِالزَّمانِ غَيْرُ مُرادٍ حالًا كانَ أوِ اسْتِقْبالًا وإنَّما هو مَعْمُولُ مُضافٍ مُقَدَّرٍ مِن نَحْوِ العَظَمَةِ لِأنَّ الإقْسامَ بِالشَّيْءِ إعْظامٌ لَهُ؛ فَكَأنَّهُ أقْسَمَ بِعَظَمَةِ زَمانِ كَذا، وما قِيلَ عَلَيْهِ مِن أنَّ إقْسامَهُ تَعالى بِشَيْءٍ مُسْتَعارٍ لِإظْهارِ عَظَمَتِهِ وإبانَةِ شَرَفِهِ فَيَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِاعْتِبارِ جُزْءِ المَعْنى المُرادِ يَعْنِي الإظْهارَ، وأيْضًا إذا كانَ الإقْسامُ إعْظامًا لَغا تَقْدِيرُهُ فَلَوْ سُلِّمَ فالِاسْتِعارَةُ إمّا تَبَعِيَّةً أوْ تَمْثِيلِيَّةً، وعَلى كُلِّ حالٍ فَلَيْسَ ثَمَّتَ ما يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِحَسْبِ الصِّناعَةِ والتَّقْدِيرِ لِيَتَعَلَّقَ بِهِ ولِيَظْهَرَ ما أُرِيدَ مِنهُ مُؤَكَّدًا فَلا لَغْوِيَّةَ.
الشمس 91:5
﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ أيْ: ومَن بَناها، وإيثارُ ما عَلى مَن لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ تَفْخِيمًا عَلى ما تَقَدَّمَ في ﴿وما ولَدَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها ودَلَّ عَلى وُجُودِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ بِناؤُهُما والمُرادُ بِهِ إيجادُها بِحَيْثُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ويُسْتَدَلُّ بِها عَلَيْهِ وهو أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِبانِيها لِإشْعارِهِ بِالمُرادِ مِنَ البِناءِ. وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ أيْ: بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ ووَطَّأها كَدَحاها، ويَكُونُ طَحا بِمَعْنى ذَهَبَ كَقَوْلِ عَلْقَمَةَ:
طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرٌ حانَ مَشِيبُ
وبِمَعْنى أشْرَفَ وارْتَفَعَ، ومِن أيْمانِهِمْ: لا والقَمَرِ الطّاحِي. ويُقالُ: طَحا يَطْحُو طَحْوًا وطَحى يُطْحِي طَحْيًا.
الشمس 91:6
﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ أيْ: ومَن بَناها، وإيثارُ ما عَلى مَن لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ تَفْخِيمًا عَلى ما تَقَدَّمَ في ﴿وما ولَدَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها ودَلَّ عَلى وُجُودِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ بِناؤُهُما والمُرادُ بِهِ إيجادُها بِحَيْثُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ويُسْتَدَلُّ بِها عَلَيْهِ وهو أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِبانِيها لِإشْعارِهِ بِالمُرادِ مِنَ البِناءِ. وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ أيْ: بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ ووَطَّأها كَدَحاها، ويَكُونُ طَحا بِمَعْنى ذَهَبَ كَقَوْلِ عَلْقَمَةَ:
طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرٌ حانَ مَشِيبُ
وبِمَعْنى أشْرَفَ وارْتَفَعَ، ومِن أيْمانِهِمْ: لا والقَمَرِ الطّاحِي. ويُقالُ: طَحا يَطْحُو طَحْوًا وطَحى يُطْحِي طَحْيًا.
الشمس 91:7
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ أيْ: أنْشَأها وأبْدَعَها مُسْتَعِدَّةً لِكَمالِها؛ وذَلِكَ بِتَعْدِيلِ أعْضائِها وقُواها الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّكْثِيرِ، وقِيلَ: لِلتَّفْخِيمِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ والأوَّلُ أنْسَبُ بِجَوابِ القَسَمِ الآتِي، ومَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ جَعَلَهُ مِنَ الِاسْتِخْدامِ. وذَهَبَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم إلى أنَّ «ما» في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ:
صفحة 143
وبِنائِها وطَحْوِها وتَسْوِيَتِها. وتَعَقَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِالوَجْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن فَسادِ النَّظْمِ؛ وذَلِكَ عَلى ما في الحَواشِي لِما يَلْزَمُ مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ وأنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ فاعِلٌ لا ظاهِرٌ وهو ظاهِرٌ ولا مُضْمَرٌ لِعَدَمِ مَرْجِعِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ الأخِيرَ مُنْتَقَضٌ بِالأفْعالِ السّابِقَةِ؛ أعْنِي «بَناها، طَحاها، سَوّاها» عَلى أنَّ دَلالَةَ السِّياقِ كافِيَةٌ في صِحَّةِ الإضْمارِ، وأمّا الأوَّلُ فَفِيهِ أنَّ عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لَيْسَ بِفاسِدٍ وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ عَلى أنَّهُ عَلى ما بَعْدَ «ما» كَأنَّهُ قِيلَ:
ونَفْسٍ وتَسْوِيَتِها فَإلْهامِها فُجُورَها وتَقْواها. واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ الفاءَ يَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ، والتَّسْوِيَةُ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ والإلْهامُ بَعْدَ البُلُوغِ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّسْوِيَةَ تَعْدِيلُ الأعْضاءِ والقُوى ومِنها المُفَكِّرَةُ والإلْهامُ عِبارَةٌ عَنْ بَيانِ كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِها في النَّجْدَيْنِ في هَذا المَحَلِّ وهو غَيْرُ مُفارِقٍ عَنْهُ مُنْذُ سُوِّيَ، نَعَمْ يَزْدادُ بِحَسْبِ ازْدِيادِ القُوى كَيْفِيَّةً لا وُجُودًا عَلى أنَّ المُهْلَةَ في نَحْوِها عُرْفِيٌّ، وقَدْ يُعَدُّ مُتَعَقَّبًا دُونَ تَراخٍ ثُمَّ إنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ ولا مَعْنى لِقَوْلِ الطِّيبِيِّ: النَّظْمُ السِّرِّيُّ يُوجِبُ مُوافَقَةَ القَرائِنِ فَلا يَجُوزُ، ونَفْسٍ وتَسْوِيَتِها فَألْهَمَها اللَّهُ؛ فَهي حاصِلَةٌ وإنَّما ذَلِكَ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها﴾ جُمْلَةٌ، وبِالجُمْلَةِ لا يَلُوحُ فَسادُ هَذا الوَجْهِ. وأبى القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ إلّا المَصْدَرِيَّةَ دُونَ المَوْصُولِيَّةِ قالَ: لِما يَلْزَمُ مِنها تَقْدِيمُ الإقْسامِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى إقْسامِهِ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأجابَ عَنْهُ الإمامُ بِأنْ أعْظَمَ المَحْسُوساتِ الشَّمْسُ فَذَكَرَها اللَّهُ تَعالى مَعَ أوْصافِها الأرْبَعَةِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِها ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ ووَصَفَها جَلَّ وعَلا بِصِفاتٍ ثَلاثٍ لِيَحْظى العَقْلُ بِإدْراكِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ كَما يَلِيقُ بِهِ جَلَّ جَلالُهُ ولا يُنازِعُهُ الحِسُّ فَكانَ ذَلِكَ طَرِيقًا إلى جَذْبِ العَقْلِ مِن حَضِيضِ عالَمِ المَحْسُوساتِ إلى بَيْداءِ أوْجِ كِبْرِيائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما عِبارَةً عَنِ الأمْرِ الَّذِي لَهُ بُنِيَتِ السَّماءُ وطُحِيَتِ الأرْضُ وسُوِّيَتِ النَّفْسُ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ الَّتِي لا تُحْصى، ويَكُونُ إسْنادُ الأفْعالِ إلَيْها مَجازًا، وفاعِلُ «ألْهَمَها» يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرٌ ويَكُونُ الإسْنادُ مَجازًا أيْضًا وهو كَما تَرى، والفُجُورُ والتَّقْوى عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ الضَّحّاكِ المَعْصِيَةُ والطّاعَةُ مُطْلَقًا قَلْبِيَّيْنِ كانا أوْ قالِبِيَّيْنِ وإلْهامُهُما النَّفْسَ عَلى ما أخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ تَعْرِيفَهُما إيّاها بِحَيْثُ تُمَيِّزُ رُشْدَها مِن ضَلالِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما في البَحْرِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ ( ألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ) بَيَّنَهُما لَها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُما نَحْوَهُ عَنْ قَتادَةَ والآيَةُ عَلى ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وقَدَّمَ الفُجُورَ عَلى التَّقْوى لِأنَّ إلْهامَهُ بِهَذا المَعْنى مِن مَبادِئِ تَجَنُّبِهِ وهو تَخْلِيَةٌ، والتَّخْلِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، وقِيلَ: قُدِّمَ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ وأُضِيفا إلى ضَمِيرِ النَّفْسِ قِيلَ: إشارَةً إلى أنَّ المُلْهَمَ لِلنَّفْسِ فُجُورٌ وتَقْوى قَدِ اسْتَعَدَّتْ لَهُما فَهُما لَها بِحُكْمِ الِاسْتِعْدادِ، وقِيلَ: رِعايَةً لِلْفَواصِلِ أيْضًا.
الشمس 91:8
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ أيْ: أنْشَأها وأبْدَعَها مُسْتَعِدَّةً لِكَمالِها؛ وذَلِكَ بِتَعْدِيلِ أعْضائِها وقُواها الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّكْثِيرِ، وقِيلَ: لِلتَّفْخِيمِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ والأوَّلُ أنْسَبُ بِجَوابِ القَسَمِ الآتِي، ومَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ جَعَلَهُ مِنَ الِاسْتِخْدامِ. وذَهَبَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم إلى أنَّ «ما» في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ:
صفحة 143
وبِنائِها وطَحْوِها وتَسْوِيَتِها. وتَعَقَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِالوَجْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن فَسادِ النَّظْمِ؛ وذَلِكَ عَلى ما في الحَواشِي لِما يَلْزَمُ مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ وأنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ فاعِلٌ لا ظاهِرٌ وهو ظاهِرٌ ولا مُضْمَرٌ لِعَدَمِ مَرْجِعِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ الأخِيرَ مُنْتَقَضٌ بِالأفْعالِ السّابِقَةِ؛ أعْنِي «بَناها، طَحاها، سَوّاها» عَلى أنَّ دَلالَةَ السِّياقِ كافِيَةٌ في صِحَّةِ الإضْمارِ، وأمّا الأوَّلُ فَفِيهِ أنَّ عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لَيْسَ بِفاسِدٍ وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ عَلى أنَّهُ عَلى ما بَعْدَ «ما» كَأنَّهُ قِيلَ:
ونَفْسٍ وتَسْوِيَتِها فَإلْهامِها فُجُورَها وتَقْواها. واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ الفاءَ يَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ، والتَّسْوِيَةُ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ والإلْهامُ بَعْدَ البُلُوغِ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّسْوِيَةَ تَعْدِيلُ الأعْضاءِ والقُوى ومِنها المُفَكِّرَةُ والإلْهامُ عِبارَةٌ عَنْ بَيانِ كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِها في النَّجْدَيْنِ في هَذا المَحَلِّ وهو غَيْرُ مُفارِقٍ عَنْهُ مُنْذُ سُوِّيَ، نَعَمْ يَزْدادُ بِحَسْبِ ازْدِيادِ القُوى كَيْفِيَّةً لا وُجُودًا عَلى أنَّ المُهْلَةَ في نَحْوِها عُرْفِيٌّ، وقَدْ يُعَدُّ مُتَعَقَّبًا دُونَ تَراخٍ ثُمَّ إنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ ولا مَعْنى لِقَوْلِ الطِّيبِيِّ: النَّظْمُ السِّرِّيُّ يُوجِبُ مُوافَقَةَ القَرائِنِ فَلا يَجُوزُ، ونَفْسٍ وتَسْوِيَتِها فَألْهَمَها اللَّهُ؛ فَهي حاصِلَةٌ وإنَّما ذَلِكَ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها﴾ جُمْلَةٌ، وبِالجُمْلَةِ لا يَلُوحُ فَسادُ هَذا الوَجْهِ. وأبى القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ إلّا المَصْدَرِيَّةَ دُونَ المَوْصُولِيَّةِ قالَ: لِما يَلْزَمُ مِنها تَقْدِيمُ الإقْسامِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى إقْسامِهِ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأجابَ عَنْهُ الإمامُ بِأنْ أعْظَمَ المَحْسُوساتِ الشَّمْسُ فَذَكَرَها اللَّهُ تَعالى مَعَ أوْصافِها الأرْبَعَةِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِها ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ ووَصَفَها جَلَّ وعَلا بِصِفاتٍ ثَلاثٍ لِيَحْظى العَقْلُ بِإدْراكِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ كَما يَلِيقُ بِهِ جَلَّ جَلالُهُ ولا يُنازِعُهُ الحِسُّ فَكانَ ذَلِكَ طَرِيقًا إلى جَذْبِ العَقْلِ مِن حَضِيضِ عالَمِ المَحْسُوساتِ إلى بَيْداءِ أوْجِ كِبْرِيائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما عِبارَةً عَنِ الأمْرِ الَّذِي لَهُ بُنِيَتِ السَّماءُ وطُحِيَتِ الأرْضُ وسُوِّيَتِ النَّفْسُ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ الَّتِي لا تُحْصى، ويَكُونُ إسْنادُ الأفْعالِ إلَيْها مَجازًا، وفاعِلُ «ألْهَمَها» يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرٌ ويَكُونُ الإسْنادُ مَجازًا أيْضًا وهو كَما تَرى، والفُجُورُ والتَّقْوى عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ الضَّحّاكِ المَعْصِيَةُ والطّاعَةُ مُطْلَقًا قَلْبِيَّيْنِ كانا أوْ قالِبِيَّيْنِ وإلْهامُهُما النَّفْسَ عَلى ما أخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ تَعْرِيفَهُما إيّاها بِحَيْثُ تُمَيِّزُ رُشْدَها مِن ضَلالِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما في البَحْرِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ ( ألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ) بَيَّنَهُما لَها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُما نَحْوَهُ عَنْ قَتادَةَ والآيَةُ عَلى ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وقَدَّمَ الفُجُورَ عَلى التَّقْوى لِأنَّ إلْهامَهُ بِهَذا المَعْنى مِن مَبادِئِ تَجَنُّبِهِ وهو تَخْلِيَةٌ، والتَّخْلِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، وقِيلَ: قُدِّمَ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ وأُضِيفا إلى ضَمِيرِ النَّفْسِ قِيلَ: إشارَةً إلى أنَّ المُلْهَمَ لِلنَّفْسِ فُجُورٌ وتَقْوى قَدِ اسْتَعَدَّتْ لَهُما فَهُما لَها بِحُكْمِ الِاسْتِعْدادِ، وقِيلَ: رِعايَةً لِلْفَواصِلِ أيْضًا.
الشمس 91:9
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ جَوابُ القَسَمِ عَلى ما أخْرَجَهُ الجَماعَةُ عَنْ قَتادَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزُّجّاجُ وغَيْرُهُ، وحَذْفُ اللّامِ كَثِيرٌ لا سِيَّما عِنْدَ طُولِ الكَلامِ المُقْتَضِي لِلتَّخْفِيفِ أوْ لِسَدِّهِ مَسَدَّها، وفاعِلُ ﴿زَكّاها﴾ ضَمِيرُ «مَن» والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلنَّفْسِ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ وتَكْرِيرُ «قَدْ» فِيهِ لِإبْرازِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ والإيذانِ بِتَعَلُّقِ القَسَمِ بِهِ أصالَةً، والتَّزْكِيَةُ التَّنْمِيَةُ والتَّدْسِيَةُ الإخْفاءُ وأصْلُ دَسّى دَسَّسَ فَأُبْدِلَ مِن ثالِثِ التَّماثُلاتِ ياءً، ثُمَّ أُبْدِلَتْ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وأطْلَقَ بَعْضُهم فَقالَ: أُبْدِلَ مِن ذَلِكَ حَرْفُ عِلَّةٍ كَما قالُوا في تَقَضَّضَ تَقَضّى ودَسَّسَ مُبالَغَةً في دَسَّ بِمَعْنى أخْفى قالَ الشّاعِرُ:
ودَسَسْتَ عَمْرًا في التُّرابِ فَأصْبَحَتْ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا
وفِي الكَشّافِ: التَّزْكِيَةُ الإنْماءُ والإعْلاءُ، والتَّدْسِيَةُ النَّقْصُ والإخْفاءُ؛ أيْ: لَقَدْ فازَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ ونَجا مَن كُلِّ مَكْرُوهٍ مَن أنْمى نَفْسَهُ وأعْلاها بِالتَّقْوى عِلْمًا وعَمَلًا، ولَقَدْ خَسِرَ مَن نَقَصَها وأخْفاها بِالفُجُورِ
صفحة 144
جَهْلًا وفُسُوقًا.
وجُوِّزَ أنْ تُفَسَّرَ التَّزْكِيَةُ بِالتَّطْهِيرِ مِن دَنَسِ الهَيُولى والتَّدْسِيَةُ بِالإخْفاءِ فِيهِ والتَّلَوُّثِ بِهِ، وأيًّا ما كانَ فَفي الوَعْدِ والوَعِيدِ المَذْكُورَيْنِ مَعَ إقْسامِهِ تَعالى عَلَيْهِما بِما أقْسَمَ بِهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى العِلْمِ بِوُجُودِهِ تَعالى ووُجُوبِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ وكَمالِ صِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَذْكُرُ عَظائِمَ آلائِهِ وجَلائِلَ نَعْمائِهِ جَلَّ وعَلا مِنَ اللُّطْفِ بِعِبادِهِ ما لا يَخْفى.
الشمس 91:10
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ جَوابُ القَسَمِ عَلى ما أخْرَجَهُ الجَماعَةُ عَنْ قَتادَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزُّجّاجُ وغَيْرُهُ، وحَذْفُ اللّامِ كَثِيرٌ لا سِيَّما عِنْدَ طُولِ الكَلامِ المُقْتَضِي لِلتَّخْفِيفِ أوْ لِسَدِّهِ مَسَدَّها، وفاعِلُ ﴿زَكّاها﴾ ضَمِيرُ «مَن» والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلنَّفْسِ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ وتَكْرِيرُ «قَدْ» فِيهِ لِإبْرازِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ والإيذانِ بِتَعَلُّقِ القَسَمِ بِهِ أصالَةً، والتَّزْكِيَةُ التَّنْمِيَةُ والتَّدْسِيَةُ الإخْفاءُ وأصْلُ دَسّى دَسَّسَ فَأُبْدِلَ مِن ثالِثِ التَّماثُلاتِ ياءً، ثُمَّ أُبْدِلَتْ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وأطْلَقَ بَعْضُهم فَقالَ: أُبْدِلَ مِن ذَلِكَ حَرْفُ عِلَّةٍ كَما قالُوا في تَقَضَّضَ تَقَضّى ودَسَّسَ مُبالَغَةً في دَسَّ بِمَعْنى أخْفى قالَ الشّاعِرُ:
ودَسَسْتَ عَمْرًا في التُّرابِ فَأصْبَحَتْ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا
وفِي الكَشّافِ: التَّزْكِيَةُ الإنْماءُ والإعْلاءُ، والتَّدْسِيَةُ النَّقْصُ والإخْفاءُ؛ أيْ: لَقَدْ فازَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ ونَجا مَن كُلِّ مَكْرُوهٍ مَن أنْمى نَفْسَهُ وأعْلاها بِالتَّقْوى عِلْمًا وعَمَلًا، ولَقَدْ خَسِرَ مَن نَقَصَها وأخْفاها بِالفُجُورِ
صفحة 144
جَهْلًا وفُسُوقًا.
وجُوِّزَ أنْ تُفَسَّرَ التَّزْكِيَةُ بِالتَّطْهِيرِ مِن دَنَسِ الهَيُولى والتَّدْسِيَةُ بِالإخْفاءِ فِيهِ والتَّلَوُّثِ بِهِ، وأيًّا ما كانَ فَفي الوَعْدِ والوَعِيدِ المَذْكُورَيْنِ مَعَ إقْسامِهِ تَعالى عَلَيْهِما بِما أقْسَمَ بِهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى العِلْمِ بِوُجُودِهِ تَعالى ووُجُوبِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ وكَمالِ صِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَذْكُرُ عَظائِمَ آلائِهِ وجَلائِلَ نَعْمائِهِ جَلَّ وعَلا مِنَ اللُّطْفِ بِعِبادِهِ ما لا يَخْفى.
الشمس 91:11
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ إلَخْ تابِعًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها﴾ إلَخْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ وأبى أنْ يَكُونَ جَوابَ القَسَمِ، وجَعَلَ الجَوابَ مَحْذُوفًا مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِهَذا كَأنَّهُ قِيلَ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلى كُفّارِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِما يَلْزَمُ مِن حَذْفِ اللّامِ وأنَّهُ لا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ المُعْجِزِ أنْ يُجْعَلَ أدْنى الكَمالَيْنِ أعْنِي التَّزْكِيَةَ لِاخْتِصاصِها بِالقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ المَقْصُودَةِ بِالإقْسامِ ويُعْرَضَ عَنْ أعْلاهُما أعْنِي التَّحْلِيَةَ بِالعَقائِدِ اليَقِينِيَّةِ الَّتِي هي لُبُّ الألْبابِ وزُبْدَةُ ما مَخَضَتْهُ الأحْقابُ، ولَوْ سَلِمَ عَدَمُ الِاخْتِصاصِ فَهي مُقَدِّمَةُ التَّحْلِيَةِ في البابَيْنِ، وأمّا حَذْفُ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَكَثِيرٌ شائِعٌ لا سِيَّما في الكِتابِ العَزِيزِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ حَذْفَ اللّامِ كَثِيرٌ لا سِيَّما مَعَ الطُّولِ وهو أسْهَلُ مِن حَذْفِ الجُمْلَةِ بِتَمامِها وقَدْ ذَكَرَهُ فِي: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ فَما حَدا مِمّا بَدا، وأنَّ التَّزْكِيَةَ مُرادًا بِها الإنْماءُ لا اخْتِصاصَ لَها ولَيْسَتْ مُقَدَّمَةً بَلْ مَقْصُودَةً بِالذّاتِ ولَوْ سُلِّمَ فَلا مانِعَ مِنَ الِاعْتِناءِ بِبَعْضِ المُقَدِّماتِ أحْيانًا لِتَوَقُّفِ المَقاصِدِ عَلَيْها. فَتَدَبَّرْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ في ﴿فَألْهَمَها﴾ ألْزَمَها، وأخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا.
وعَلى ذَلِكَ قالَ الواحِدِيُّ وصاحِبُ المَطْلَعِ: الإلْهامُ أنْ يُوقِعَ في القَلْبِ التَّوْفِيقَ والخِذْلانَ، فَإذا أوْقَعَ سُبْحانَهُ في قَلْبِ عَبْدٍ شَيْئًا مِنهُما فَقَدْ ألْزَمَهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ ويَزِيدُ ذَلِكَ قُوَّةً ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلَيْنِ مِن مُزَيْنَةَ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ ويَكْدَحُونَ فِيهِ أشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى فِيهِمْ مِن قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ مِمّا أتاهم بِهِ نَبِيُّهم وثَبَتَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى فِيهِمْ وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾»».
ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ واخْتِيارِهِ مَدْخَلٌ في الفُجُورِ والتَّقْوى بِالكُلِّيَّةِ وإنْ قِيلَ: إنَّ مَآلَهُ إلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُما لَيُقالُ: يَأْباهُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ إلَخْ حَيْثُ جُعِلَ فِيهِ العَبْدُ فاعِلَ التَّزْكِيَةِ بِالتَّقْوى والتَّدْسِيَةِ بِالفُجُورِ لِأنَّ الإسْنادَ يَقْتَضِي قِيامَ المُسْنَدِ ويَكْفِي فِيهِ المَدْخَلِيَّةُ المَذْكُورَةُ ولا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الإسْنادِ حَقِيقَةً إلى العَبْدِ عَلى كَوْنِ فِعْلِهِ الإيجادَ فالِاسْتِدْلالُ بِهَذا الإسْنادِ عَلى كَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مِنَ اخْتِيارِ ما شاءَ مِنَ الفُجُورِ والتَّقْوى وإيجادِهِ إيّاهُ بِقُدْرَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فِيهِ عَلى خِلافِ ما يَقُولُهُ الجَماعَةُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ في ﴿زَكّاها﴾ وكَذا في ﴿دَسّاها﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والبارِزَ لِ «مَن» بِتَأْوِيلِ النَّفْسِ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ فَهَداهُ، وقَدْ خابَ مَن دَسّى اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ.
بَلْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ أنَّهُ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: «أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ تَعالى وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ»».
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها»».
وفِي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ وقَفَ وقالَ ذَلِكَ.
ولِهَذِهِ الأخْبارِ ونَحْوِها قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ذَلِكَ هو
صفحة 145
المُرَجَّحُ، ورَجَّحَهُ صاحِبُ الِانْتِصافِ بِأنَّ الضَّمائِرَ في ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ إلَخْ تَكُونُ عَلَيْهِ مُتَّسِقَةً عائِدَةً كُلُّها إلى اللَّهِ تَعالى وبِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أوْفَقُ بِهِ لِأنَّ تَزَكّى مُطاوِعُ زَكّى فَيَكُونُ المَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاهُ اللَّهُ تَعالى فَتَزَكّى، ومَعَ هَذا كُلِّهِ لا يَنْبَغِي أنْ يُنْكَرَ أنَّ المَعْنى السّابِقَ هو السّابِقُ إلى الذِّهْنِ وما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ لَيْسَ نَصًّا في تَعْيِينِ المَعْنى الآخَرِ، نَعَمْ هو نَصٌّ في تَكْذِيبِ الزَّمَخْشَرِيِّ في زَعْمِهِ أنَّهُ مِن تَعْكِيسِ القَدَرِيَّةِ يَعْنِي بِهِمْ أهْلَ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فَتَأمَّلْ.
والطَّغْوى مَصْدَرٌ مِنَ الطُّغْيانِ بِمَعْنى تَجاوُزِ الحَدِّ في العِصْيانِ فَصَلُوا بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ في فَعْلى مِن بَناتِ الياءِ بِأنْ قَلَبُوا الياءَ واوًا في الِاسْمِ وتَرَكُوا القَلْبَ في الصِّفَةِ فَقالُوا في الصِّفَةِ: امْرَأةٌ صَدْيا وخَزْيا وفي الِاسْمِ تَقْوى وطَغْوى كَذا في الكَشّافِ وغَيْرِهِ وكَلامُ الرّاغِبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ طَغى وأوى ويَأْتِي حَيْثُ قالَ: يُقالُ طَغَوْتُ وطَغَيْتُ طَغْوانًا وطُغْيانًا فَلا تَغْفُلْ. والباءُ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أيْ: فَعَلَتِ التَّكْذِيبَ بِسَبَبِ طُغْيانِها كَما تَقُولُ: ظَلَمَنِي الخَبِيثُ بِجَراءَتِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
وجَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ لِلِاسْتِعانَةِ والأمْرُ سَهْلٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِلَةً لِلتَّكْذِيبِ عَلى مَعْنى كَذَّبَتْ بِما أُوعِدَتْ بِهِ في لِسانِ نَبِيِّها مِنَ العَذابِ ذِي الطَّغْوى أيِ التَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ والزِّيادَةِ، ويُوصَفُ العَذابُ بِالطُّغْيانِ بِهَذا المَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ وقَدْ يُوصَفُ بِالطَّغْوى مُبالَغَةً كَما يُوصَفُ بِسائِرِ المَصادِرِ لِذَلِكَ فَلا يَكُونُ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ: «طُغْواها» بِضَمِّ الطّاءِ وهو مَصْدَرٌ أيْضًا كالرُّجْعى والحُسْنى في المَصادِرِ إلّا أنَّهُ قِيلَ: كانَ القِياسُ الطُّغْيا كالسُّقْيا لِأنَّ فُعْلى بِالضَّمِّ لا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ كَأنَّهم شَذُّوا فِيهِ فَقَلَبُوا الياءَ واوًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الواوَ عِنْدَ مَن يَقُولُ طَغَوْتُ أصْلِيَّةٌ.
الشمس 91:12
﴿إذِ انْبَعَثَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ «كَذَّبَتْ» أوْ بِطَغْوى و«انْبَعَثَ» مُطاوِعُ بَعَثَهُ بِمَعْنى أرْسَلَهُ والمُرادُ: إذْ ذَهَبَ لَعَقْرِ النّاقَةِ.
﴿أشْقاها﴾ أيْ: أشْقى ثَمُودَ وهو قُدارُ بْنُ سالِفٍ أوْ هو ومَن تَصَدّى مَعَهُ لِعَقْرِها مِنَ الأشْقِياءِ اثْنانِ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ أوْ أكْثَرُ، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وفَضْلُ شَقاوَتِهِمْ عَلى مَن عَداهم لِمُباشَرَتِهِمُ العَقْرَ مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ في الرِّضا بِهِ ولِخَبائِثَ غَيْرِ ذَلِكَ يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هي فَوْقَ خَبائِثِ مَن عَداهم.
الشمس 91:13
﴿فَقالَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِثَمُودَ أوْ لِأشْقاها عَلى ما قِيلَ: بِناءً أنَّ المُرادَ بِهِ جَمْعٌ ولا يَأْباهُ.
﴿وسُقْياها﴾ كَما لا يَخْفى ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ هو صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَبَّرَ عَنْهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ إيذانًا بِوُجُوبِ طاعَتِهِ وبَيانًا لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في الطُّغْيانِ وهو السِّرُّ في إضافَةِ النّاقَةِ إلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ وهو نَصْبٌ عَلى التَّحْذِيرِ وشَرْطُهُ لَيْسَ تَكْرِيرَ المُحَذَّرِ مِنهُ أوْ كَوْنُهُ مُحَذَّرًا بِما بَعْدَهُ فَقَطْ لِيُقالَ هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ: ذَرُوا أوِ احْذَرُوا لا عَلى التَّحْذِيرِ، بَلى شَرْطُهُ ذاكَ أوِ العَطْفُ عَلَيْهِ كَما هُنا عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ مَكِّيٌّ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيِ احْذَرُوا عَقْرَ ناقَةِ اللَّهِ أوِ المَعْنى عَلى ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ في نَظْمِ الكَلامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: عَظِّمُوا أوِ الزَمُوا ناقَةَ اللَّهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿وسُقْياها﴾ أيْ: واحْذَرُوا سُقْياها فَلا تَتَعَرَّضُوا بِمَنعِها عَنْها في نَوْبَتِها ولا تَسْتَأْثِرُوا بِها عَلَيْها. وقِيلَ: الواوُ لِلْمَعِيَّةِ والمُرادُ ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ مَعَ سُقْياها ولا تَحُولُوا بَيْنَهُما وهو كَما تَرى.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: «ناقَةُ اللَّهِ» بِالرَّفْعِ فَقِيلَ: أيْ: هَمُّكم ناقَةُ اللَّهِ وسُقْياها فَلا تَعْقِرُوها ولا تَسْتَأْثِرُوا بِالسُّقْيا عَلَيْها
الشمس 91:14
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ: في وعِيدِهِ إيّاهم كَما حُكِيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فالتَّكْذِيبُ لِخَبَرٍ مُقَدَّرٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِخَبَرٍ تَضَمَّنَهُ الأمْرُ التَّحْذِيرِيُّ السّابِقُ وهو الخَبَرُ بِحُلُولِ العَذابِ إنْ فَعَلُوا ما حَذَّرَهم مِنهُ وقِيلَ: إنَّ ما قالَهُ لَهم مِنَ الأمْرِ قالَهُ ناقِلًا لَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ، ومَآلُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: إنَّهُ قالَ اللَّهُ تَعالى:
صفحة 146
﴿ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ فالتَّكْذِيبُ لِذَلِكَ وهو وجْهٌ لا بَأْسَ بِهِ ﴿فَعَقَرُوها﴾ أيْ: فَنَحَرُوها أوْ فَقَتَلُوها، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْأشْقى وجَمْعُهُ عَلى تَقْدِيرِ وحْدَتِهِ لِرِضا الكُلِّ بِفِعْلِهِ. قالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم.
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وقالُوا: دَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرَ؛ أيْ: أطْبَقَهُ وهو مِمّا تُكَرَّرُ فِيهِ الفاءُ، فَوَزْنُهُ فَعْفَلَ لا فَعْلَلَ مِن قَوْلِهِمْ: ناقَةٌ مَدْمُومَةٌ إذا لَبِسَها الشَّحْمُ وغَطّاها، وقالَ في القامُوسِ: مَعْناهُ أتَمَّ العَذابَ عَلَيْهِمْ. وقالَ مُؤَرِّخٌ: الدَّمْدَمَةُ إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ. وفي الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ ألْزَقْتُهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتُهُ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: «فَدَهْدَمَ» بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ والمَعْنى كَما تَقَدَّمَ.
﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمُ المَحْكِيِّ، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مَعَ دَلالَةِ الفاءِ عَلَيْهِ لِلْإنْذارِ بِعاقِبَةِ الذَّنْبِ لِيَعْتَبِرَ بِهِ كُلُّ مُذْنِبٍ.
﴿فَسَوّاها﴾ الضَّمِيرُ لِلدَّمْدَمَةِ المَفْهُومَةِ مِن دَمْدَمَ؛ أيْ: فَجَعَلَ الدَّمْدَمَةَ سَواءً بَيْنَهم أوْ جَعَلَها عَلَيْهِمْ سَواءً فَلَمْ يُفْلِتْ سُبْحانَهُ مِنهم أحَدًا لا صَغِيرًا ولا كَبِيرًا أوْ هو لِثَمُودَ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ كَما في «طَغْواها وأشْقاها» والمَعْنى ما ذُكِرَ أيْضًا أوْ فَسَوّاها بِالأرْضِ.
الشمس 91:15
﴿ولا يَخافُ﴾ أيِ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ: ﴿عُقْباها﴾ أيْ: عاقِبَتَها وتَبِعَتَها كَما يَخافُ المُعاقِبُونَ مِنَ المُلُوكِ عاقِبَةَ ما يَفْعَلُونَهُ وتَبِعَتَهُ. وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِإهانَتِهِمْ وأنَّهم أذِلّاءُ عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ، والواوُ لِلْحالِ أوْ لِلِاسْتِئْنافِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿لا يَخافُ﴾ لِلرَّسُولِ والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ لا غَيْرَ عَلى ما هو الظّاهِرُ، أيْ: ولا يَخافُ الرَّسُولُ عُقْبى هَذِهِ الفِعْلَةِ بِهِمْ؛ إذْ كانَ قَدْ أنْذَرَهم وحَذَّرَهم. وقالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ: الواوُ لِلْحالِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى «أشْقاها» أيِ انْبَعَثَ لِعَقْرِها وهو لا يَخافُ عُقْبى فِعْلِهِ لِكُفْرِهِ وطُغْيانِهِ وهو أبْعَدُ مِمّا قَبْلَهُ بِكَثِيرٍ.
وقَرَأ أُبَيٌّ والأعْرَجُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: «فَلا يَخافُ» بِالفاءِ وقُرِئَ «ولَمْ يَخَفْ» بِواوٍ وفِعْلٍ مَجْزُومٍ بِلَمْ. هَذا واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ؛ هَلْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا أوْ لَمْ يُؤْمِنُوا أصْلًا فالجُمْهُورُ عَلى الثّانِي، وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّهم آمَنُوا وبايَعُوا صالِحًا مُدَّةً ثُمَّ كَذَّبُوهُ وكَفَرُوا فَأُهْلِكُوا بِما فُصِّلَ في مَوْضِعٍ آخَرَ.
وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ في فُصُوصِهِ: إنَّهم وقَوْمَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لا نَجاةَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ولَمْ يُساوَ غَيْرُهم مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُهْلَكَةِ في الدُّنْيا كَقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِمْ. ولِكَلامِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ أهْلٌ يَفْهَمُونَهُ فارْجِعْ إلَيْهِمْ في فَهْمِهِ إنْ وجَدْتَهم.
وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ أنَّ «الشَّمْسَ» إشارَةٌ إلى ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ سُبْحانَهُ وتَعالى. و«ضُحاها» إشارَةٌ إلى الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ و«القَمَرَ» إشارَةٌ إلى ماهِيَّةِ المُمْكِنِ المُسْتَفِيدَةِ لِلْوُجُودِ مِن شَمْسِ الذّاتِ. و«النَّهارَ» إشارَةٌ إلى العالَمِ بِسائِرِ أنْواعِهِ الَّذِي ظَهَرَتْ بِهِ صِفاتُ جَمالِ الذّاتِ وجَلالِهِ وكَمالِهِ و«اللَّيْلَ» إشارَةٌ إلى العالَمِ بِسائِرِ أنْواعِهِ الَّذِي ظَهَرَتْ بِهِ صِفاتُ جَمالِ الذّاتِ وجَلالِهِ وكَمالِهِ. و«اللَّيْلَ» إلى وُجُودِ ما يُشاهَدُ مِن أنْواعِ المُمْكِناتِ السّاتِرِ في أعْيُنِ المَحْجُوبِينَ لِلْوُجُودِ الحَقِّ. و«السَّماءَ» إشارَةٌ إلى عالَمِ العَقْلِ. و«الأرْضَ» إشارَةٌ إلى عالَمِ الجِسْمِ، والنَّفْسُ مَعْلُومَةٌ. و«ناقَةَ اللَّهِ» إشارَةٌ إلى راحِلَةِ الشَّوْقِ المَوْصُولَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، و«سُقْياها» إشارَةٌ إلى مَشْرَبِها مِن عِينِ الذِّكْرِ والفِكْرِ، وقالَ بَعْضٌ آخَرُ: الشَّمْسُ إشارَةٌ إلى الوُجُودِ الحَقِّ الَّذِي هو عَيْنُ الواجِبِ تَعالى؛ فَهو أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ، اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ شَيْخُ مَشايِخِنا البَنْدَنِيجِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ:
ظاهِرٌ أنْتَ ولَكِنْ لا تُرى لِعُيُونٍ حَجَبَتْها النُّقَطُ
و«ضُحاها» إشارَةٌ إلى أوَّلِ التَّعَيُّناتِ بِأيِّ اسْمٍ سَمَّيْتَهُ و«القَمَرَ» إشارَةٌ إلى الأعْيانِ الثّابِتَةِ المُفاضَةِ بِالفَيْضِ الأقْدَسِ أوِ «الشَّمْسُ» إشارَةٌ إلى الذّاتِ و«ضُحاها» إشارَةٌ إلى وُجُودِها والإضافَةُ لِلتَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ. و«القَمَرَ» إشارَةٌ إلى أوَّلِ التَّعَيُّناتِ و«النَّهارَ» إشارَةٌ إلى المُمْكِناتِ المُفاضَةِ بِالفَيْضِ المُقَدَّسِ و«اللَّيْلَ» إشارَةٌ إلَيْها أيْضًا بِاعْتِبارِ نَظَرِ المَحْجُوبِينَ أوِ النَّهارَ إشارَةٌ إلى صِفَةِ الجَمالِ، واللَّيْلَ إشارَةٌ إلى صِفَةِ القَهْرِ والجَلالِ. و«السَّماءَ» إشارَةٌ إلى عالَمِ اللَّطافَةِ، وذِكْرُ النَّفْسِ بَعْدَ مَعَ دُخُولِها في هَذا العالَمِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِها و«الأرْضَ» إشارَةٌ إلى عالَمِ الكَثافَةِ. و«ناقَةَ اللَّهِ» إشارَةٌ إلى الطَّرِيقَةِ و«سُقْياها»
صفحة 147
مَشْرَبُها مِن عَيْنِ الشَّرِيعَةِ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
الليل 92:1
سُورَةُ اللَّيْلِ
لا خِلافَ في أنَّها إحْدى وعِشْرُونَ آيَةً، واخْتُلِفَ في مَكِّيَّتِها ومَدَنِيَّتِها؛ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ: مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ. وكَذا اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها؛ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِما.
وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ الأنْصارِيِّ وذَلِكَ «أنَّهُ كانَ في دارِ مُنافِقٍ نَخْلَةٌ يَقَعُ مِنها في دارِ يَتامى في جِوارِهِ بَعْضُ بَلَحٍ فَيَأْخُذُهُ مِنهُمْ، فَقالَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «دَعْها لَهم ولَكَ بَدَلَها مَحَلٌّ في الجَنَّةِ». فَأبى فاشْتَراها أبُو الدَّحْداحِ بِحائِطِها فَقالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أهِبُها لَهم بِالنَّخْلَةِ الَّتِي في الجَنَّةِ». فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «افْعَلْ» فَوَهَبَها فَنَزَلَتْ» ورَوى نَحْوَهُ مُطَوَّلًا مُبْهَمًا فِيهِ أبُو الدَّحْداحِ بْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الحافِظُ السُّيُوطِيُّ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيها: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ إلَخْ نَزَلَ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وسَكَتَ عَمّا عَداهُ. ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وإنْ زَعَمَ بَعْضُ الشِّيعَةِ أنَّهُ نَزَلَ في الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى شَرْحُ ما لَهُ نَزَلَ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ إلَخْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيها مِنَ الأوْصافِ ما يَحْصُلُ بِهِ الفَلاحُ وما يَحْصُلُ بِهِ الخَيْبَةُ؛ فَفِيها نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِذَلِكَ، لا سِيَّما وقَدْ عَقَّبَ جَلَّ وعَلا ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِن أنْواعِ الفَلاحِ وأنْواعِ الخَيْبَةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى. فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ: حِينَ يَغْشى الشَّمْسَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أوِ النَّهارَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ) أوْ كُلَّ ما يُوارِيهِ في الجُمْلَةِ بِظَلامِهِ والمُقْسَمُ بِهِ في الأوْجُهِ الثَّلاثِ اللَّيْلِ كُلِّهِ.
﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ ظَهَرَ بِزَوالِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ أوْ تَبَيَّنَ وانْكَشَفَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ، والأوَّلُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَغْشِيِّ النَّهارَ أوْ كُلِّ ما يُوارى إذْ مَآلُهُما اعْتِبارُ وُجُودِ الظَّلامِ. والثّانِي عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ الشَّمْسَ؛ إذْ مَآلُهُ اعْتِبارُ غُرُوبِها فَيَحْسُنُ التَّقابُلُ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ عَلى ذَلِكَ، واخْتِلافُ الفِعْلَيْنِ مُضِيًّا واسْتِقْبالًا قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: «تَتَجَلّى» بِتاءَيْنِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلشَّمْسِ، وقُرِئَ: «تُجَلّى» بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ الجِيمِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لَها أيْضًا.
الليل 92:2
سُورَةُ اللَّيْلِ
لا خِلافَ في أنَّها إحْدى وعِشْرُونَ آيَةً، واخْتُلِفَ في مَكِّيَّتِها ومَدَنِيَّتِها؛ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ: مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ. وكَذا اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها؛ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِما.
وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ الأنْصارِيِّ وذَلِكَ «أنَّهُ كانَ في دارِ مُنافِقٍ نَخْلَةٌ يَقَعُ مِنها في دارِ يَتامى في جِوارِهِ بَعْضُ بَلَحٍ فَيَأْخُذُهُ مِنهُمْ، فَقالَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «دَعْها لَهم ولَكَ بَدَلَها مَحَلٌّ في الجَنَّةِ». فَأبى فاشْتَراها أبُو الدَّحْداحِ بِحائِطِها فَقالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أهِبُها لَهم بِالنَّخْلَةِ الَّتِي في الجَنَّةِ». فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «افْعَلْ» فَوَهَبَها فَنَزَلَتْ» ورَوى نَحْوَهُ مُطَوَّلًا مُبْهَمًا فِيهِ أبُو الدَّحْداحِ بْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الحافِظُ السُّيُوطِيُّ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيها: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ إلَخْ نَزَلَ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وسَكَتَ عَمّا عَداهُ. ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وإنْ زَعَمَ بَعْضُ الشِّيعَةِ أنَّهُ نَزَلَ في الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى شَرْحُ ما لَهُ نَزَلَ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ إلَخْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيها مِنَ الأوْصافِ ما يَحْصُلُ بِهِ الفَلاحُ وما يَحْصُلُ بِهِ الخَيْبَةُ؛ فَفِيها نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِذَلِكَ، لا سِيَّما وقَدْ عَقَّبَ جَلَّ وعَلا ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِن أنْواعِ الفَلاحِ وأنْواعِ الخَيْبَةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى. فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ: حِينَ يَغْشى الشَّمْسَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أوِ النَّهارَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ) أوْ كُلَّ ما يُوارِيهِ في الجُمْلَةِ بِظَلامِهِ والمُقْسَمُ بِهِ في الأوْجُهِ الثَّلاثِ اللَّيْلِ كُلِّهِ.
﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ ظَهَرَ بِزَوالِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ أوْ تَبَيَّنَ وانْكَشَفَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ، والأوَّلُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَغْشِيِّ النَّهارَ أوْ كُلِّ ما يُوارى إذْ مَآلُهُما اعْتِبارُ وُجُودِ الظَّلامِ. والثّانِي عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ الشَّمْسَ؛ إذْ مَآلُهُ اعْتِبارُ غُرُوبِها فَيَحْسُنُ التَّقابُلُ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ عَلى ذَلِكَ، واخْتِلافُ الفِعْلَيْنِ مُضِيًّا واسْتِقْبالًا قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: «تَتَجَلّى» بِتاءَيْنِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلشَّمْسِ، وقُرِئَ: «تُجَلّى» بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ الجِيمِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لَها أيْضًا.
الليل 92:3
﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ أيْ: والقادِرِ العَظِيمِ القُدْرَةِ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرَ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ المُتَّصِفِ بِذَلِكَ وقِيلَ: مِن بَنِي آدَمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالذِّكْرِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِالأُنْثى حَوّاءُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وأيًّا ما كانَ فَما مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى مَن، وأُوثِرَتْ عَلَيْها لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ عَلى ما سَمِعْتَ وتَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ ولَيْسَ بِذاكَ. وقُرِئَ: «والَّذِي خَلَقَ». وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «والذَّكَرَ والأُنْثى» وتَبِعَهُ ابْنُ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِ بَغْدادَ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنْهُ ونُسِبَتْ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم مِن «عَلْقَمَةَ أنَّهُ قَدِمَ الشّامَ فَجَلَسَ إلى أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ لَهُ أبُو الدَّرْداءِ: مِمَّنْ أنْتَ؟ فَقالَ: مِن أهْلِ الكُوفَةِ قالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ؟ قالَ عَلْقَمَةُ: «والذَّكَرَ والأُنْثى» فَقالَ أبُو الدَّرْداءِ: أشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ هَكَذا، وهَؤُلاءِ يُرِيدُونِي عَلى أنْ أقْرَأ: وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى واللَّهِ لا أُتابِعُهم» وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ مَنقُولَةٌ آحادًا لا تَجُوزُ القِراءَةُ بِها لَكِنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى مَن سَمِعَها مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حُكْمِ المُتَواتِرَةِ نُجَوِّزُ قِراءَتَهُ بِها، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَّلَفِ مَن قَرَأ: «وما خَلَقَ الذَّكَرِ» بِجَرِّ الرّاءِ وحَكاها الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ وخَرَّجُوا ذَلِكَ عَلى البَدَلِ مِن
صفحة 148
«ما» بِمَعْنى: وما خَلَقَهُ اللَّهُ؛ أيْ: ومَخْلُوقِ اللَّهِ الذَّكَرِ والأُنْثى. قِيلَ: وقَدْ يُخَرَّجُ عَلى تَوَهُّمِ المَصْدَرِ بِناءً عَلى مَصْدَرِيَّةِ ما؛ أيْ: وخَلْقِ الذَّكَرِ والأُنْثى كَما في قَوْلِهِ:
تَطُوفُ العُفاةُ بِأبْوابِهِ كَما طافَ بِالبِيعَةِ الرّاهِبِ
بِجَرِّ الرّاهِبِ عَلى تَوَهُّمِ النُّطْقِ بِالمَصْدَرِ؛ أيْ: كَطَوافِ الرّاهِبِ بِالبَيْعَةِ.
الليل 92:4
﴿إنَّ سَعْيَكُمْ﴾ أيْ: مَساعِيَكُمْ؛ فَإنَّ المَصْدَرَ المُضافَ يُفِيدُ العُمُومَ فَيَكُونُ جَمْعًا مَعْنًى، ولِذا أخْبَرَ عَنْهُ بِجَمْعٍ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَشَتّى﴾ فَإنَّهُ جَمْعُ شَتِيتٍ بِمَعْنى مُتَفَرِّقٍ، ويَجُوزُ أنْ لا يُعْتَبَرَ سَعْيُكم في مَعْنى الجَمْعِ، ويَكُونُ شَتّى مَصْدَرًا مُؤَنَّثًا كَذِكْرى وبُشْرى خَبَرًا لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: ذُو شَتّى أوْ بِتَأْوِيلِهِ بِالوَصْفِ؛ أيْ: شَتِيتٌ أوْ بِجَعْلِهِ عَيْنَ الِافْتِراقِ مُبالَغَةً. وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ جَوابُ القَسَمِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مُقَدَّرًا كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ والمُرادُ بِتَفَرُّقِ المَساعِي اخْتِلافُها في الجَزاءِ.
الليل 92:5
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ مُبَيِّنٌ لِتَفَرُّقِها واخْتِلافِها في ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِاخْتِلافِها كَوْنُ البَعْضِ طالِبًا لِلْيَوْمِ المُتَجَلِّي، والبَعْضُ طالِبًا لِلَّيْلِ الغاشِي وبَعْضُها مُسْتَعانًا بِالذَّكَرِ وبَعْضُها مُسْتَعانًا بِالأُنْثى، فَيَكُونُ الجَوابُ شَدِيدَ المُناسَبَةِ بِالقَسَمِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ورَكاكَتُهُ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإعْطاءِ بَذْلُ المالِ ومِن هُنا قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ إنْفاقُ مالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: أعْطى حَقَّ اللَّهِ تَعالى، وظاهِرُهُ الحُقُوقُ المالِيَّةُ.
﴿واتَّقى﴾ أيْ: واتَّقى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ قَتادَةَ: واتَّقى ما نُهِيَ عَنْهُ. وفي رِوايَةٍ: مَحارِمَ اللَّهِ تَعالى. وقالَ مُجاهِدٌ: واتَّقى البُخْلَ وهو كَما تَرى.
﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ أيْ: بِالكَلِمَةِ الحُسْنى وهي كَما قالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وغَيْرُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أوْ هي ما دَلَّتْ عَلى حَقٍّ كَما قالَ بَعْضُهُمْ: وتَدْخُلُ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ بِالمِلَّةِ الحُسْنى وهي مِلَّةُ الإسْلامِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وجَماعَةٌ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: هي المَثُوبَةُ بِالخَلَفِ في الدُّنْيا مَعَ المُضاعَفَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الجَنَّةُ، وقِيلَ: المَثُوبَةُ مُطْلَقًا ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ الإعْطاءَ إشارَةٌ إلى العِبادَةِ المالِيَّةِ، والِاتِّقاءَ إشارَةٌ إلى ما يَشْمَلُ سائِرَ العِباداتِ مِن فِعْلِ الحَسَناتِ وتَرْكِ السَّيِّئاتِ مُطْلَقًا والتَّصْدِيقِ بِالحُسْنى إشارَةً إلى الإيمانِ بِالتَّوْحِيدِ أوْ بِما يَعُمُّهُ وغَيْرِهِ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وهو تَفْصِيلٌ شامِلٌ لِلْمَساعِي كُلِّها، وتَقْدِيمُ الإعْطاءِ لِما أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ ظاهِرًا؛ فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ أبُو قُحافَةَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أراكَ تُعْتِقُ رِقابًا ضِعافًا فَلَوْ أنَّكَ إذْ فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ أعْتَقْتَ رِجالًا جُلُدًا يَمْنَعُونَكَ ويُقِيمُونَ دُونَكَ. فَقالَ: يا أبَهْ، إنَّما أُرِيدُ ما أُرِيدُ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى: ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشَرَةِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ وكَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ. ولَمّا كانَ الإيمانُ أمْرًا مُعْتَنًى بِهِ في نَفْسِهِ أُخِّرَ عَنِ الِاتِّقاءِ لِيَكُونَ ذِكْرُهُ بَعْدَهُ مِن بابِ ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ.
وقِيلَ: المُرادُ أعْطى الطّاعَةَ واتَّقى المَعْصِيَةَ وصَدَّقَ بِالكَلِمَةِ الدّالَّةِ عَلى الحَقِّ كَكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. وفِيهِ أنَّ المَعْرُوفَ في الإعْطاءِ تَعَلُّقُهُ بِالمالِ خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ في مُقابَلَةِ ذِكْرِ البُخْلِ والمالِ، وأمْرُ تَأْخِيرِ الإيمانِ عَلَيْهِ بِحالِهِ وقِيلَ: أُخِّرَ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ إعْطاءِ الطّاعَةِ بِالإصْغاءِ لِتَعَلُّمِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ الَّتِي لا يَتِمُّ الإيمانُ إلّا بِها.
ومِن جُمْلَةِ الِاتِّقاءِ عَنِ الإشْراكِ وهُما مُتَقَدِّمانِ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَلَصَةِ الَّتِي تُؤَدِّي إلى يُسْرٍ وراحَةٍ كَدُخُولِ الجَنَّةِ ومَبادِيهِ مِن يُسْرِ الفَرَسِ لِلرُّكُوبِ إذا أسْرَجَها وألْجَمَها. ووَصَفَها
صفحة 149
بِاليُسْرى إمّا عَلى الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ.
الليل 92:6
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ مُبَيِّنٌ لِتَفَرُّقِها واخْتِلافِها في ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِاخْتِلافِها كَوْنُ البَعْضِ طالِبًا لِلْيَوْمِ المُتَجَلِّي، والبَعْضُ طالِبًا لِلَّيْلِ الغاشِي وبَعْضُها مُسْتَعانًا بِالذَّكَرِ وبَعْضُها مُسْتَعانًا بِالأُنْثى، فَيَكُونُ الجَوابُ شَدِيدَ المُناسَبَةِ بِالقَسَمِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ورَكاكَتُهُ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإعْطاءِ بَذْلُ المالِ ومِن هُنا قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ إنْفاقُ مالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: أعْطى حَقَّ اللَّهِ تَعالى، وظاهِرُهُ الحُقُوقُ المالِيَّةُ.
﴿واتَّقى﴾ أيْ: واتَّقى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ قَتادَةَ: واتَّقى ما نُهِيَ عَنْهُ. وفي رِوايَةٍ: مَحارِمَ اللَّهِ تَعالى. وقالَ مُجاهِدٌ: واتَّقى البُخْلَ وهو كَما تَرى.
﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ أيْ: بِالكَلِمَةِ الحُسْنى وهي كَما قالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وغَيْرُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أوْ هي ما دَلَّتْ عَلى حَقٍّ كَما قالَ بَعْضُهُمْ: وتَدْخُلُ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ بِالمِلَّةِ الحُسْنى وهي مِلَّةُ الإسْلامِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وجَماعَةٌ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: هي المَثُوبَةُ بِالخَلَفِ في الدُّنْيا مَعَ المُضاعَفَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الجَنَّةُ، وقِيلَ: المَثُوبَةُ مُطْلَقًا ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ الإعْطاءَ إشارَةٌ إلى العِبادَةِ المالِيَّةِ، والِاتِّقاءَ إشارَةٌ إلى ما يَشْمَلُ سائِرَ العِباداتِ مِن فِعْلِ الحَسَناتِ وتَرْكِ السَّيِّئاتِ مُطْلَقًا والتَّصْدِيقِ بِالحُسْنى إشارَةً إلى الإيمانِ بِالتَّوْحِيدِ أوْ بِما يَعُمُّهُ وغَيْرِهِ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وهو تَفْصِيلٌ شامِلٌ لِلْمَساعِي كُلِّها، وتَقْدِيمُ الإعْطاءِ لِما أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ ظاهِرًا؛ فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ أبُو قُحافَةَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أراكَ تُعْتِقُ رِقابًا ضِعافًا فَلَوْ أنَّكَ إذْ فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ أعْتَقْتَ رِجالًا جُلُدًا يَمْنَعُونَكَ ويُقِيمُونَ دُونَكَ. فَقالَ: يا أبَهْ، إنَّما أُرِيدُ ما أُرِيدُ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى: ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشَرَةِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ وكَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ. ولَمّا كانَ الإيمانُ أمْرًا مُعْتَنًى بِهِ في نَفْسِهِ أُخِّرَ عَنِ الِاتِّقاءِ لِيَكُونَ ذِكْرُهُ بَعْدَهُ مِن بابِ ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ.
وقِيلَ: المُرادُ أعْطى الطّاعَةَ واتَّقى المَعْصِيَةَ وصَدَّقَ بِالكَلِمَةِ الدّالَّةِ عَلى الحَقِّ كَكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. وفِيهِ أنَّ المَعْرُوفَ في الإعْطاءِ تَعَلُّقُهُ بِالمالِ خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ في مُقابَلَةِ ذِكْرِ البُخْلِ والمالِ، وأمْرُ تَأْخِيرِ الإيمانِ عَلَيْهِ بِحالِهِ وقِيلَ: أُخِّرَ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ إعْطاءِ الطّاعَةِ بِالإصْغاءِ لِتَعَلُّمِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ الَّتِي لا يَتِمُّ الإيمانُ إلّا بِها.
ومِن جُمْلَةِ الِاتِّقاءِ عَنِ الإشْراكِ وهُما مُتَقَدِّمانِ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَلَصَةِ الَّتِي تُؤَدِّي إلى يُسْرٍ وراحَةٍ كَدُخُولِ الجَنَّةِ ومَبادِيهِ مِن يُسْرِ الفَرَسِ لِلرُّكُوبِ إذا أسْرَجَها وألْجَمَها. ووَصَفَها
صفحة 149
بِاليُسْرى إمّا عَلى الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ.
الليل 92:7
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ مُبَيِّنٌ لِتَفَرُّقِها واخْتِلافِها في ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِاخْتِلافِها كَوْنُ البَعْضِ طالِبًا لِلْيَوْمِ المُتَجَلِّي، والبَعْضُ طالِبًا لِلَّيْلِ الغاشِي وبَعْضُها مُسْتَعانًا بِالذَّكَرِ وبَعْضُها مُسْتَعانًا بِالأُنْثى، فَيَكُونُ الجَوابُ شَدِيدَ المُناسَبَةِ بِالقَسَمِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ورَكاكَتُهُ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإعْطاءِ بَذْلُ المالِ ومِن هُنا قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ إنْفاقُ مالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: أعْطى حَقَّ اللَّهِ تَعالى، وظاهِرُهُ الحُقُوقُ المالِيَّةُ.
﴿واتَّقى﴾ أيْ: واتَّقى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ قَتادَةَ: واتَّقى ما نُهِيَ عَنْهُ. وفي رِوايَةٍ: مَحارِمَ اللَّهِ تَعالى. وقالَ مُجاهِدٌ: واتَّقى البُخْلَ وهو كَما تَرى.
﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ أيْ: بِالكَلِمَةِ الحُسْنى وهي كَما قالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وغَيْرُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أوْ هي ما دَلَّتْ عَلى حَقٍّ كَما قالَ بَعْضُهُمْ: وتَدْخُلُ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ بِالمِلَّةِ الحُسْنى وهي مِلَّةُ الإسْلامِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وجَماعَةٌ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: هي المَثُوبَةُ بِالخَلَفِ في الدُّنْيا مَعَ المُضاعَفَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الجَنَّةُ، وقِيلَ: المَثُوبَةُ مُطْلَقًا ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ الإعْطاءَ إشارَةٌ إلى العِبادَةِ المالِيَّةِ، والِاتِّقاءَ إشارَةٌ إلى ما يَشْمَلُ سائِرَ العِباداتِ مِن فِعْلِ الحَسَناتِ وتَرْكِ السَّيِّئاتِ مُطْلَقًا والتَّصْدِيقِ بِالحُسْنى إشارَةً إلى الإيمانِ بِالتَّوْحِيدِ أوْ بِما يَعُمُّهُ وغَيْرِهِ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وهو تَفْصِيلٌ شامِلٌ لِلْمَساعِي كُلِّها، وتَقْدِيمُ الإعْطاءِ لِما أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ ظاهِرًا؛ فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ أبُو قُحافَةَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أراكَ تُعْتِقُ رِقابًا ضِعافًا فَلَوْ أنَّكَ إذْ فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ أعْتَقْتَ رِجالًا جُلُدًا يَمْنَعُونَكَ ويُقِيمُونَ دُونَكَ. فَقالَ: يا أبَهْ، إنَّما أُرِيدُ ما أُرِيدُ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى: ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشَرَةِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ وكَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ. ولَمّا كانَ الإيمانُ أمْرًا مُعْتَنًى بِهِ في نَفْسِهِ أُخِّرَ عَنِ الِاتِّقاءِ لِيَكُونَ ذِكْرُهُ بَعْدَهُ مِن بابِ ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ.
وقِيلَ: المُرادُ أعْطى الطّاعَةَ واتَّقى المَعْصِيَةَ وصَدَّقَ بِالكَلِمَةِ الدّالَّةِ عَلى الحَقِّ كَكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. وفِيهِ أنَّ المَعْرُوفَ في الإعْطاءِ تَعَلُّقُهُ بِالمالِ خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ في مُقابَلَةِ ذِكْرِ البُخْلِ والمالِ، وأمْرُ تَأْخِيرِ الإيمانِ عَلَيْهِ بِحالِهِ وقِيلَ: أُخِّرَ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ إعْطاءِ الطّاعَةِ بِالإصْغاءِ لِتَعَلُّمِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ الَّتِي لا يَتِمُّ الإيمانُ إلّا بِها.
ومِن جُمْلَةِ الِاتِّقاءِ عَنِ الإشْراكِ وهُما مُتَقَدِّمانِ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَلَصَةِ الَّتِي تُؤَدِّي إلى يُسْرٍ وراحَةٍ كَدُخُولِ الجَنَّةِ ومَبادِيهِ مِن يُسْرِ الفَرَسِ لِلرُّكُوبِ إذا أسْرَجَها وألْجَمَها. ووَصَفَها
صفحة 149
بِاليُسْرى إمّا عَلى الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ.
الليل 92:8
﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ وقِيلَ: أيْ: بَخِلَ بِفِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ وفِيهِ ما فِيهِ.
﴿واسْتَغْنى﴾ أيْ: وزَهِدَ فِيما عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ كَأنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ سُبْحانَهُ فَلَمْ يَتَّقِهِ جَلَّ وعَلا أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ العُقْبى؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ: واتَّقى. كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ في مُقابَلَةِ: وصَدَّقَ بِالحُسْنى، والمُرادُ بِالحُسْنى فِيهِ ما مَرَّ في الأقْوالِ قَبْلُ.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ أيْ: لِلْخَصْلَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى العُسْرِ والشِّدَّةِ كَدُخُولِ النّارِ ومَبادِيهِ، ووَصَفَها بِالعُسْرى عَلى نَحْوِ ما ذُكِرَ، وأصْلُ التَّيْسِيرِ مِنَ اليُسْرِ بِمَعْنى السُّهُولَةِ لَكِنْ أُرِيدَ التَّهْيِئَةُ والإعْدادُ لِلْأمْرِ أعْنِي ما يُفْضِي إلى راحَةٍ وما يُفْضِي إلى شِدَّةٍ. والسِّينُ في ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ قِيلَ: لِلتَّأْكِيدِ وقِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الجَزاءَ المَوْعُودَ مُعْظَمُهُ يَكُونُ في الآخِرَةِ الَّتِي هي أمْرٌ مُنْتَظَرٌ مُتَراخٍ، وتَقْدِيمُ البُخْلِ فالِاسْتِغْناءُ فالتَّكْذِيبُ يُعْلَمُ وجْهُهُ مِمّا تَقَدَّمَ. وفي الإرْشادِ لَعَلَّ تَصْدِيرَ القِسْمَيْنِ بِالإعْطاءِ والبُخْلِ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما أدْنى رُتْبَةً مِمّا بَعْدُ في اسْتِتْباعِ التَّيْسِيرِ لِلْيُسْرى والتَّعْسِيرِ لِلْعُسْرى لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما أصِيلٌ فِيما ذُكِرَ لِما بَعْدَهُما مِنَ التَّصْدِيقِ والتَّقْوى والتَّكْذِيبِ والِاسْتِغْناءِ.
وقِيلَ: التَّيْسِيرُ أوَّلًا بِمَعْنى اللُّطْفِ وثانِيًا بِمَعْنى الخِذْلانِ، واليُسْرى والعُسْرى الطّاعَةُ لِكَوْنِها أيْسَرَ شَيْءٍ عَلى المُتَّقِي وأعْسَرَهُ عَلى غَيْرِهِ، والمَعْنى: أمّا مَن أعْطى فَسَنَلْطُفُ بِهِ ونُوَفِّقُهُ حَتّى تَكُونَ الطّاعَةُ عَلَيْهِ أيْسَرَ الأُمُورِ وأهْوَنَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ إلَخْ فَسَنَخْذُلُهُ ونَمْنَعُهُ الإلْطافَ حَتّى تَكُونَ الطّاعَةُ أعْسَرَ شَيْءٍ عَلَيْهِ وأشَدَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ . وأصْلُ هَذا فَسَنُيَسِّرُهُ لِلطّاعَةِ العُسْرى ثُمَّ أُرِيدَ ما ذُكِرَ عَلى أنَّ الوَصْفَ هو المَقْصُودُ بِتَعَلُّقِ التَّيْسِيرِ أعْنِي التَّعْسِيرَ لا المَوْصُوفَ أعْنِي الطّاعَةَ، ومَعَ هَذا إطْلاقُ التَّيْسِيرِ لِلْعُسْرى مُشاكَلَةً. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِاليُسْرى طَرِيقُ الجَنَّةِ وبِالعُسْرى طَرِيقُ النّارِ وبِالتَّيْسِيرِ في المَوْضِعَيْنِ مَعْنى الهِدايَةِ وهو في الآخِرَةِ وعْدًا ووَعِيدًا، وأمْرُ المُشاكَلَةِ فِيهِ عَلى حالِهِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّيْسِيرِ التَّهْيِئَةُ والإعْدادُ واليُسْرى والعُسْرى الطّاعَةُ والمَعْصِيَةُ ومَبادِئُهُما مِنَ الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ والمَذْمُومَةِ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنِ الأوَّلِ وكِلاهُما حَسَنُ الطِّباقِ لِما صَحَّ في الأخْبارِ.
أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جِنازَةٍ فَقالَ: «ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ». فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلا نَتَّكِلُ؟ فَقالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ». ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾» الآيَتَيْنِ».
وكانَ حاصِلُ ما أرادَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «اعْمَلُوا» إلَخْ عَلَيْكم شَأْنَ العُبُودِيَّةِ وما خُلِقْتُمْ لِأجْلِهِ وأُمِرْتُمْ بِهِ وكِلُوا أُمُورَ الرُّبُوبِيَّةِ المُغَيَّبَةَ إلى صاحِبِها فَلا عَلَيْكم بِشَأْنِها. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِمَن أعْطى إلَخْ وبِمَن بَخِلَ إلَخِ المُتَّصِفُ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ مُطْلَقًا وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا؛ إذِ العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. نَعَمْ هو قَطْعِيُّ الدُّخُولِ وقِيلَ: مَن أعْطى أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومَن بَخِلَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأوَّلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والثّانِي أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ ونَحْوَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى وفي هَذا نَظَرٌ؛ لِأنَّ أبا سُفْيانَ أسْلَمَ وقَوِيَ إسْلامُهُ في آخِرِ أمْرِهِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ. وفي رِوايَةِ الطَّسْتِيِّ عَنْهُ أنَّ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ إلَخْ نَزَلَ في أبِي جَهْلٍ ولَعَلَّ كُلَّ ما قِيلَ: مِنَ التَّخْصِيصِ فَهو مِن بابِ التَّنْصِيصِ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِتَحَقُّقِ دُخُولِهِ فِيهِ عِنْدَ مَن خَصَّصَ.
الليل 92:9
﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ وقِيلَ: أيْ: بَخِلَ بِفِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ وفِيهِ ما فِيهِ.
﴿واسْتَغْنى﴾ أيْ: وزَهِدَ فِيما عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ كَأنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ سُبْحانَهُ فَلَمْ يَتَّقِهِ جَلَّ وعَلا أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ العُقْبى؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ: واتَّقى. كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ في مُقابَلَةِ: وصَدَّقَ بِالحُسْنى، والمُرادُ بِالحُسْنى فِيهِ ما مَرَّ في الأقْوالِ قَبْلُ.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ أيْ: لِلْخَصْلَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى العُسْرِ والشِّدَّةِ كَدُخُولِ النّارِ ومَبادِيهِ، ووَصَفَها بِالعُسْرى عَلى نَحْوِ ما ذُكِرَ، وأصْلُ التَّيْسِيرِ مِنَ اليُسْرِ بِمَعْنى السُّهُولَةِ لَكِنْ أُرِيدَ التَّهْيِئَةُ والإعْدادُ لِلْأمْرِ أعْنِي ما يُفْضِي إلى راحَةٍ وما يُفْضِي إلى شِدَّةٍ. والسِّينُ في ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ قِيلَ: لِلتَّأْكِيدِ وقِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الجَزاءَ المَوْعُودَ مُعْظَمُهُ يَكُونُ في الآخِرَةِ الَّتِي هي أمْرٌ مُنْتَظَرٌ مُتَراخٍ، وتَقْدِيمُ البُخْلِ فالِاسْتِغْناءُ فالتَّكْذِيبُ يُعْلَمُ وجْهُهُ مِمّا تَقَدَّمَ. وفي الإرْشادِ لَعَلَّ تَصْدِيرَ القِسْمَيْنِ بِالإعْطاءِ والبُخْلِ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما أدْنى رُتْبَةً مِمّا بَعْدُ في اسْتِتْباعِ التَّيْسِيرِ لِلْيُسْرى والتَّعْسِيرِ لِلْعُسْرى لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما أصِيلٌ فِيما ذُكِرَ لِما بَعْدَهُما مِنَ التَّصْدِيقِ والتَّقْوى والتَّكْذِيبِ والِاسْتِغْناءِ.
وقِيلَ: التَّيْسِيرُ أوَّلًا بِمَعْنى اللُّطْفِ وثانِيًا بِمَعْنى الخِذْلانِ، واليُسْرى والعُسْرى الطّاعَةُ لِكَوْنِها أيْسَرَ شَيْءٍ عَلى المُتَّقِي وأعْسَرَهُ عَلى غَيْرِهِ، والمَعْنى: أمّا مَن أعْطى فَسَنَلْطُفُ بِهِ ونُوَفِّقُهُ حَتّى تَكُونَ الطّاعَةُ عَلَيْهِ أيْسَرَ الأُمُورِ وأهْوَنَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ إلَخْ فَسَنَخْذُلُهُ ونَمْنَعُهُ الإلْطافَ حَتّى تَكُونَ الطّاعَةُ أعْسَرَ شَيْءٍ عَلَيْهِ وأشَدَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ . وأصْلُ هَذا فَسَنُيَسِّرُهُ لِلطّاعَةِ العُسْرى ثُمَّ أُرِيدَ ما ذُكِرَ عَلى أنَّ الوَصْفَ هو المَقْصُودُ بِتَعَلُّقِ التَّيْسِيرِ أعْنِي التَّعْسِيرَ لا المَوْصُوفَ أعْنِي الطّاعَةَ، ومَعَ هَذا إطْلاقُ التَّيْسِيرِ لِلْعُسْرى مُشاكَلَةً. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِاليُسْرى طَرِيقُ الجَنَّةِ وبِالعُسْرى طَرِيقُ النّارِ وبِالتَّيْسِيرِ في المَوْضِعَيْنِ مَعْنى الهِدايَةِ وهو في الآخِرَةِ وعْدًا ووَعِيدًا، وأمْرُ المُشاكَلَةِ فِيهِ عَلى حالِهِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّيْسِيرِ التَّهْيِئَةُ والإعْدادُ واليُسْرى والعُسْرى الطّاعَةُ والمَعْصِيَةُ ومَبادِئُهُما مِنَ الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ والمَذْمُومَةِ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنِ الأوَّلِ وكِلاهُما حَسَنُ الطِّباقِ لِما صَحَّ في الأخْبارِ.
أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جِنازَةٍ فَقالَ: «ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ». فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلا نَتَّكِلُ؟ فَقالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ». ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾» الآيَتَيْنِ».
وكانَ حاصِلُ ما أرادَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «اعْمَلُوا» إلَخْ عَلَيْكم شَأْنَ العُبُودِيَّةِ وما خُلِقْتُمْ لِأجْلِهِ وأُمِرْتُمْ بِهِ وكِلُوا أُمُورَ الرُّبُوبِيَّةِ المُغَيَّبَةَ إلى صاحِبِها فَلا عَلَيْكم بِشَأْنِها. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِمَن أعْطى إلَخْ وبِمَن بَخِلَ إلَخِ المُتَّصِفُ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ مُطْلَقًا وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا؛ إذِ العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. نَعَمْ هو قَطْعِيُّ الدُّخُولِ وقِيلَ: مَن أعْطى أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومَن بَخِلَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأوَّلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والثّانِي أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ ونَحْوَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى وفي هَذا نَظَرٌ؛ لِأنَّ أبا سُفْيانَ أسْلَمَ وقَوِيَ إسْلامُهُ في آخِرِ أمْرِهِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ. وفي رِوايَةِ الطَّسْتِيِّ عَنْهُ أنَّ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ إلَخْ نَزَلَ في أبِي جَهْلٍ ولَعَلَّ كُلَّ ما قِيلَ: مِنَ التَّخْصِيصِ فَهو مِن بابِ التَّنْصِيصِ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِتَحَقُّقِ دُخُولِهِ فِيهِ عِنْدَ مَن خَصَّصَ.
الليل 92:10
﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ وقِيلَ: أيْ: بَخِلَ بِفِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ وفِيهِ ما فِيهِ.
﴿واسْتَغْنى﴾ أيْ: وزَهِدَ فِيما عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ كَأنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ سُبْحانَهُ فَلَمْ يَتَّقِهِ جَلَّ وعَلا أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ العُقْبى؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ: واتَّقى. كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ في مُقابَلَةِ: وصَدَّقَ بِالحُسْنى، والمُرادُ بِالحُسْنى فِيهِ ما مَرَّ في الأقْوالِ قَبْلُ.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ أيْ: لِلْخَصْلَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى العُسْرِ والشِّدَّةِ كَدُخُولِ النّارِ ومَبادِيهِ، ووَصَفَها بِالعُسْرى عَلى نَحْوِ ما ذُكِرَ، وأصْلُ التَّيْسِيرِ مِنَ اليُسْرِ بِمَعْنى السُّهُولَةِ لَكِنْ أُرِيدَ التَّهْيِئَةُ والإعْدادُ لِلْأمْرِ أعْنِي ما يُفْضِي إلى راحَةٍ وما يُفْضِي إلى شِدَّةٍ. والسِّينُ في ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ قِيلَ: لِلتَّأْكِيدِ وقِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الجَزاءَ المَوْعُودَ مُعْظَمُهُ يَكُونُ في الآخِرَةِ الَّتِي هي أمْرٌ مُنْتَظَرٌ مُتَراخٍ، وتَقْدِيمُ البُخْلِ فالِاسْتِغْناءُ فالتَّكْذِيبُ يُعْلَمُ وجْهُهُ مِمّا تَقَدَّمَ. وفي الإرْشادِ لَعَلَّ تَصْدِيرَ القِسْمَيْنِ بِالإعْطاءِ والبُخْلِ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما أدْنى رُتْبَةً مِمّا بَعْدُ في اسْتِتْباعِ التَّيْسِيرِ لِلْيُسْرى والتَّعْسِيرِ لِلْعُسْرى لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما أصِيلٌ فِيما ذُكِرَ لِما بَعْدَهُما مِنَ التَّصْدِيقِ والتَّقْوى والتَّكْذِيبِ والِاسْتِغْناءِ.
وقِيلَ: التَّيْسِيرُ أوَّلًا بِمَعْنى اللُّطْفِ وثانِيًا بِمَعْنى الخِذْلانِ، واليُسْرى والعُسْرى الطّاعَةُ لِكَوْنِها أيْسَرَ شَيْءٍ عَلى المُتَّقِي وأعْسَرَهُ عَلى غَيْرِهِ، والمَعْنى: أمّا مَن أعْطى فَسَنَلْطُفُ بِهِ ونُوَفِّقُهُ حَتّى تَكُونَ الطّاعَةُ عَلَيْهِ أيْسَرَ الأُمُورِ وأهْوَنَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ إلَخْ فَسَنَخْذُلُهُ ونَمْنَعُهُ الإلْطافَ حَتّى تَكُونَ الطّاعَةُ أعْسَرَ شَيْءٍ عَلَيْهِ وأشَدَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ . وأصْلُ هَذا فَسَنُيَسِّرُهُ لِلطّاعَةِ العُسْرى ثُمَّ أُرِيدَ ما ذُكِرَ عَلى أنَّ الوَصْفَ هو المَقْصُودُ بِتَعَلُّقِ التَّيْسِيرِ أعْنِي التَّعْسِيرَ لا المَوْصُوفَ أعْنِي الطّاعَةَ، ومَعَ هَذا إطْلاقُ التَّيْسِيرِ لِلْعُسْرى مُشاكَلَةً. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِاليُسْرى طَرِيقُ الجَنَّةِ وبِالعُسْرى طَرِيقُ النّارِ وبِالتَّيْسِيرِ في المَوْضِعَيْنِ مَعْنى الهِدايَةِ وهو في الآخِرَةِ وعْدًا ووَعِيدًا، وأمْرُ المُشاكَلَةِ فِيهِ عَلى حالِهِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّيْسِيرِ التَّهْيِئَةُ والإعْدادُ واليُسْرى والعُسْرى الطّاعَةُ والمَعْصِيَةُ ومَبادِئُهُما مِنَ الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ والمَذْمُومَةِ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنِ الأوَّلِ وكِلاهُما حَسَنُ الطِّباقِ لِما صَحَّ في الأخْبارِ.
أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جِنازَةٍ فَقالَ: «ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ». فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلا نَتَّكِلُ؟ فَقالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ». ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾» الآيَتَيْنِ».
وكانَ حاصِلُ ما أرادَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «اعْمَلُوا» إلَخْ عَلَيْكم شَأْنَ العُبُودِيَّةِ وما خُلِقْتُمْ لِأجْلِهِ وأُمِرْتُمْ بِهِ وكِلُوا أُمُورَ الرُّبُوبِيَّةِ المُغَيَّبَةَ إلى صاحِبِها فَلا عَلَيْكم بِشَأْنِها. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِمَن أعْطى إلَخْ وبِمَن بَخِلَ إلَخِ المُتَّصِفُ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ مُطْلَقًا وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا؛ إذِ العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. نَعَمْ هو قَطْعِيُّ الدُّخُولِ وقِيلَ: مَن أعْطى أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومَن بَخِلَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأوَّلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والثّانِي أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ ونَحْوَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى وفي هَذا نَظَرٌ؛ لِأنَّ أبا سُفْيانَ أسْلَمَ وقَوِيَ إسْلامُهُ في آخِرِ أمْرِهِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ. وفي رِوايَةِ الطَّسْتِيِّ عَنْهُ أنَّ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ إلَخْ نَزَلَ في أبِي جَهْلٍ ولَعَلَّ كُلَّ ما قِيلَ: مِنَ التَّخْصِيصِ فَهو مِن بابِ التَّنْصِيصِ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِتَحَقُّقِ دُخُولِهِ فِيهِ عِنْدَ مَن خَصَّصَ.
الليل 92:11
﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ أيْ: ولا يُغْنِي عَنْهُ عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ أوْ أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ
صفحة 150
مالُهُ الَّذِي يَبْخَلُ بِهِ عَلى أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ ﴿إذا تَرَدّى﴾ أيْ: هَلَكَ تَفَعَّلَ مِنَ الرَّدى وهو الهَلاكُ قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: تَرَدّى في حُفْرَةِ القَبْرِ.
وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ: تَرَدّى في جَهَنَّمَ؛ أيْ: سَقَطَ وقالَ قَوْمٌ: تَرَدّى بِأكْفانِهِ مِنَ الرِّداءِ وهو كِنايَةٌ عَنْ مَوْتِهِ وهَلاكِهِ.
الليل 92:12
﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ؛ أيْ: إنَّ عَلَيْنا بِمُوجِبِ قَضائِنا المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ حَيْثُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْعِبادَةِ؛ أيْ: نَدُلُّهم ونُرْشِدُهم إلى الحَقِّ أوْ أنْ نُبَيِّنَ لَهم طَرِيقَ الهُدى وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن طَرِيقِ الضَّلالِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ وقَدْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِما لا مُرِيدَ عَلَيْهِ فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى الوُجُوبِ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالمَعْنى الَّذِي يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ الهُدى مَوْكُولٌ عَلَيْنا لا عَلى غَيْرِنا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ ولَيْسَ المَعْنى أنَّ الهُدى يَجِبُ عَلَيْنا حَتّى يَكُونَ بِظاهِرِهِ دَلِيلًا عَلى وُجُوبِ الأصْلَحِ عَلَيْهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَثِيرًا. وفِيهِ أنَّ تَعَلُّقَ الجارِّ بِالكَوْنِ الخاصِّ أعْنِي مَوْكُولًا خِلافُ الظّاهِرِ ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا طَرِيقَةَ الهُدى عَلى مَعْنى أنَّ مَن سَلَكَ الطَّرِيقَةَ المُبَيَّنَةَ بِالهُدى والإرْشادِ إلَيْها يَصِلُ إلَيْنا كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أيْ: مَن سَلَكَ السَّبِيلَ القَصْدَ أيِ المُسْتَقِيمَ وصَلَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ:
الليل 92:13
﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ أيِ التَّصَرُّفَ الكُلِّيَّ فِيهِما كَيْفَما نَشاءُ فَنَفْعَلُ فِيهِما ما نَشاءُ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذَكَرْنا فِيمَن أعْطى وفِيمَن بَخِلَ أوْ أنَّ لَنا ذَلِكَ فَنُثِيبُ مَنِ اهْتَدى وأنْجَعَ فِيهِ هُدانا أوْ أنَّ لَنا كُلَّ ما في الدّارَيْنِ فَلا يَضُرُّنا تَرْكُكُمُ الِاهْتِداءَ وعَدَمُ انْتِفاعِكم بِهُدانا، أوْ فَلا يَنْفَعُنا اهْتِداؤُكم كَما لا يَضُرُّنا ضَلالُكُمْ؛ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها.
الليل 92:14
﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ قِيلَ: مُتَفَرِّعٌ عَلى كَوْنِ الهُدى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ؛ أيْ: فَهَدَيْتُكم بِالإنْذارِ وبالَغْتُ في هِدايَتِكم و«تَلَظّى» بِمَعْنى تَلْتَهِبُ وأصْلُهُ تَتَلَظّى بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ مِنهُ إحْداهُما. وقَدْ قَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ المُرادُ بِهِ الكافِرُ فَإنَّهُ أشْقى مِنَ الفاسِقِ ويُفْصِحُ بِذَلِكَ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ أيْ: بِالحَقِّ ﴿وتَوَلّى﴾ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ
الليل 92:15
﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ قِيلَ: مُتَفَرِّعٌ عَلى كَوْنِ الهُدى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ؛ أيْ: فَهَدَيْتُكم بِالإنْذارِ وبالَغْتُ في هِدايَتِكم و«تَلَظّى» بِمَعْنى تَلْتَهِبُ وأصْلُهُ تَتَلَظّى بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ مِنهُ إحْداهُما. وقَدْ قَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ المُرادُ بِهِ الكافِرُ فَإنَّهُ أشْقى مِنَ الفاسِقِ ويُفْصِحُ بِذَلِكَ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ أيْ: بِالحَقِّ ﴿وتَوَلّى﴾ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ
الليل 92:16
﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ قِيلَ: مُتَفَرِّعٌ عَلى كَوْنِ الهُدى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ؛ أيْ: فَهَدَيْتُكم بِالإنْذارِ وبالَغْتُ في هِدايَتِكم و«تَلَظّى» بِمَعْنى تَلْتَهِبُ وأصْلُهُ تَتَلَظّى بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ مِنهُ إحْداهُما. وقَدْ قَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ المُرادُ بِهِ الكافِرُ فَإنَّهُ أشْقى مِنَ الفاسِقِ ويُفْصِحُ بِذَلِكَ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ أيْ: بِالحَقِّ ﴿وتَوَلّى﴾ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ
الليل 92:17
﴿وسَيُجَنَّبُها﴾ أيْ: سَيُبْعَدُ عَنْها.
﴿الأتْقى﴾ المُبالِغُ في اتِّقاءِ الكُفْرِ والمَعاصِي فَلا يَحُومُ حَوْلَها. واسْتُشْكِلَ بِأنَّ صَلْيَ النّارِ دُخُولُها أوْ مُقاساةُ حَرِّها وهو لازِمُ دُخُولِها عَلى المَشْهُورِ، فالحَصْرُ السّابِقُ يَقْتَضِي أنْ لا يَصْلى المُؤْمِنُ العاصِي النّارَ لِأنَّهُ لَيْسَ داخِلًا في عُمُومِ الأشْقى المَوْصُوفِ بِما ذُكِرَ وأنَّ «سَيُجَنَّبَها الأتْقى» يَقْتَضِي بِمَفْهُومِهِ أنَّ غَيْرَ الأتْقى أعْنِي التَّقِيَّ في الجُمْلَةِ وهو المُؤْمِنُ العاصِي لا يُجَنَّبُها بَلْ يَصْلاها.
فَبَيْنَ الحَصْرَيْنِ مُخالَفَةٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ الصَّلْيَ لَيْسَ مُطْلَقَ دُخُولِ النّارِ ولا مُطْلَقَ مُقاساةِ حَرِّها، بَلْ هو مَقاساتُهُ عَلى وجْهِ الأشَدِّيَّةِ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ المُنَيِّرِ عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّ الصَّلْيَ أنْ يَحْفِرُوا حُفَيْرَةً فَيَجْمَعُوا فِيها جَمْرًا كَثِيرًا ثُمَّ يَعْمِدُوا إلى شاةٍ فَيَدُسُّوها وسَطَهُ بَيْنَ أطْباقِهِ؛ فالمَعْنى: لا يُعَذَّبُ بَيْنَ أطْباقِها ولا يُقاسِي حَرَّها عَلى وجْهِ الأشَدِّيَّةِ إلّا الأشْقى وسَيُبْعَدُ عَنْها الأتْقى فَلا يَدْخُلُها فَضْلًا عَنْ مُقاساةِ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ مِنَ الأوَّلِ أنَّ غَيْرَ الأشْقى وهو المُؤْمِنُ العاصِي لا يُعَذَّبُ بَيْنَ أطْباقِها ولا يُقاسِي حَرَّها عَلى وجْهِ الأشَدِّيَّةِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يُدْخَلَها ولا يُعَذَّبَ بِها أصْلًا فَيَجُوزُ أنْ يُدْخَلَها ويُعَذَّبَ بِها عَلى وجْهِها عَذابًا دُونَ ذَلِكَ العَذابِ. ويَلْزَمُ مِنَ الثّانِي أنَّ غَيْرَ الأتْقى لا يُجَنَّبُها ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ غَيْرَهُ أعْنِي التَّقِيَّ في الجُمْلَةِ وهو المُؤْمِنُ العاصِي يَصْلاها ويُعَذَّبُ بَيْنَ أطْباقِها أشَدَّ العَذابِ، بَلْ غايَتُهُ أنَّهُ لا يُجَنَّبُها فَيَجُوزُ أنْ يُدْخَلَها ويُعَذَّبَ بِها عَلى وجْهِها عَذابًا لَيْسَ بِالأشَدِّ فَلا مُخالَفَةَ بَيْنَ الحَصْرَيْنِ واعْتَبَرَ بَعْضُهم في الصَّلْيِ الأشَدِّيَّةَ لِما ذُكِرَ واللُّزُومُ هُنا لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها﴾ كَذا قِيلَ.
واسْتُحْسِنَ جَعْلُ السِّينِ لِلتَّأْكِيدِ لِيَكُونَ المَعْنى: يُجَنَّبُها الأتْقى ولا بُدَّ فَيُفِيدُ عَلى القَوْلِ بِالمَفْهُومِ أنَّ غَيْرَهُ وهو المُؤْمِنُ العاصِي
صفحة 151
لا يُجَنَّبُها ولا بُدَّ عَلى مَعْنى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجَنَّبَها، ويَجُوزَ أنْ لا يُجَنَّبُها بَلْ يُدْخَلُها غَيْرَ صالٍ بِها. وقَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الِاسْتِشْكالَ بِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّ كُلَّ شَقِيٍّ يَصْلاها، وكُلَّ تَقِيٍّ يُجَنَّبُها لا يَخْتَصُّ الصَّلْيُ بِأشْقى الأشْقِياءِ ولا التَّجَنُّبُ والنَّجاةُ بِأتْقى الأتْقِياءِ، وظاهِرُ الجُمْلَتَيْنِ ذَلِكَ. وأجابَ بِما حاصِلُهُ أنَّ الحَصْرَ حَيْثُ كانَتِ الآيَةُ وارِدَةً لِلْمُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ادِّعائِيٌّ مُبالَغَةً لا حَقِيقِيٌّ كانَ غَيْرُ هَذا الأشْقى غَيْرَ صالٍ وغَيْرَ هَذا الأتْقى، غَيْرُ مُجَنَّبٍ بِالكُلِّيَّةِ، واسْتَحْسَنَهُ في الكَشْفِ فَقالَ: هو مَعْنًى حَسَنٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَبْنى ما قالَهُ عَلى الِاعْتِزالِ وتَخْلِيدِ العُصاةِ في النّارِ. وقالَ القاضِي: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُدْخِلُ النّارَ إلّا الكُفّارَ كَما يَقُولُ المُرْجِئَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى نَكَّرَ النّارَ فِيها، فالمُرادُ أنَّ نارًا مِنَ النِّيرانِ لا يَصْلاها إلّا مَن هَذِهِ حالُهُ والنّارُ دَرَكاتٌ عَلى ما عُلِمَ مِنَ الآياتِ، فَمِن أيْنَ عُرِفَ أنَّ هَذِهِ النّارَ لا يَصْلاها قَوْمٌ آخَرُونَ؟
وتَعَقَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ ما يُصْنَعُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ فَقَدْ عُلِمَ أنَّ أفْسَقَ المُسْلِمِينَ يُجَنَّبُ تِلْكَ النّارَ المَخْصُوصَةَ لا الأتْقى مِنهم خاصَّةً، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَعَلَّ هَذا القائِلَ لا يَقُولُ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ ونَحْوِها فَلا تُفِيدُ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عِنْدَهُ الحَصْرَ، ويَكُونُ تَمْيِيزُ هَذا الأتْقى عِنْدَهُ بِمَجْمُوعِ التَّجَنُّبِ وما سَيُذْكَرُ بَعْدُ، ولَعَلَّ كُلَّ مَن لا يَقُولُ بِالمَفْهُومِ لا يُشْكِلُ عَلَيْهِ الأمْرُ إلّا أمْرَ الحَصْرِ فِي: لا يَصْلاها... إلَخْ. فَإنَّهُ كالنَّصِّ في بادِئِ النَّظَرِ فِيها يَدَّعِيهِ المُرْجِئَةُ لِحَمْلِهِمُ الصَّلْيَ فِيهِ عَلى مُطْلَقِ الدُّخُولِ. وأيَّدُوهُ بِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا مَن شَقِيَ». قِيلَ: ومَنِ الشَّقِيُّ؟ قالَ: «الَّذِي لا يَعْمَلُ لِلَّهِ تَعالى طاعَةً ولا يَتْرُكُ لِلَّهِ تَعالى مَعْصِيَةً»».
وهَذا الخَبَرُ ونَحْوَهُ مِنَ الأخْبارِ مِمّا يَسْتَنِدُونَ إلَيْهِ في تَحْقِيقِ دَعْواهم وأهْلُ السُّنَّةِ يُؤَوِّلُونَ ما صَحَّ مِن ذَلِكَ لِلنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى تَعْذِيبِ بَعْضٍ مِمَّنِ ارْتَكَبَ الكَبِيرَةَ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ. وقِيلَ في الجَوابِ: إنَّ المُرادَ بِالأشْقى والأتْقى الشَّقِيُّ والتَّقِيُّ، وشاعَ أفْعَلُ في مِثْلِ ذَلِكَ ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ فَإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ
فَإنَّهُ أرادَ بِواحِدٍ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَحْسِمُ مادَّةَ الإشْكالِ؛ إذْ ذَلِكَ الشَّقِيُّ في الآيَةِ لَيْسَ إلّا الكافِرَ فَيَلْزَمُ الحُصْرُ أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ أوْ لا يُعَذَّبُ بِها غَيْرُهُ مِن أنَّهُ خِلافُ المَذْهَبِ الحَقِّ، وأيْضًا أنَّ ذَلِكَ التَّقِيَّ فِيها قَدْ وُصِفَ بِما وُصِفَ فَعَلى القَوْلِ بِالمَفْهُومِ يَلْزَمُ أنْ لا يُجَنَّبَها التَّقِيُّ الغَيْرُ المَوْصُوفِ بِذَلِكَ كالتَّقِيِّ الَّذِي لا مالَ لَهُ وكَغَيْرِهِ والمُكَلَّفِينَ مِنَ الأطْفالِ والمَجانِينِ مَعَ أنَّ الحَقَّ أنَّهم يَجْتَنِبُونَها وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. ولَعَلَّكَ بَعْدَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ وتَدْقِيقِ النَّظَرِ في جَمِيعِ ما قِيلَ واسْتِحْضارِ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ في أهْلِ الجَمْعِ تَسْتَحْسِنُ إنْ قُلْتَ بِالمَفْهُومِ ما اسْتَحْسَنَهُ صاحِبُ الكَشْفِ مِمّا مَرَّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ يَقُولُ بِتَخْلِيدِ أهْلِ الكَبائِرِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَأمَّلْ.
وجَنَّبَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ فالضَّمِيرُ «ها» هُنا المَفْعُولُ الثّانِي، والأتْقى المَفْعُولُ الأوَّلُ، وهو النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ. ويُقالُ: جُنِّبَ فُلانٌ خَيْرًا وجُنِّبَ شَرًّا، وإذا أُطْلِقَ فَقِيلَ: جُنِّبَ فُلانٌ. فَمَعْناهُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: أُبْعِدَ عَنِ الخَيْرِ، وأصْلُ جَنَّبْتُهُ كَما قِيلَ: جَعَلْتُهُ عَلى جانِبٍ مِنهُ، وكَثِيرًا ما يُرادُ مِنهُ التَّبْعِيدُ، ومِنهُ ما هُنا ولِذا قُلْنا أيْ: سَيُبْعَدُ عَنْها الأتْقى.
الليل 92:18
﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ: يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ ﴿يَتَزَكّى﴾ طالِبًا أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى زاكِيًا نامِيًا لا يُرِيدُ بِهِ رِياءً ولا سُمْعَةً أوْ مُتَطَهِّرًا مِنَ الذُّنُوبِ، فالجُمْلَةُ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يُؤْتِي، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الصِّلَةِ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الفِعْلُ وحْدَهُ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ السّابِقِ وحْدَهُ، واعْتُرِضَ كِلا الوَجْهَيْنِ بِأنَّ البَدَلَ مِن قِسْمِ التّابِعِ المُعَرَّفِ بِكُلِّ ثانٍ أُعْرِبَ بِإعْرابِ سابِقِهِ ولا إعْرابَ لِلصِّلَةِ حَتّى يَثْبُتَ لَها تابِعٌ فِيهِ، وسَبَبُ الإعْرابِ وهو الرَّفْعُ في الفِعْلِ مُتَوَفِّرٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّبَعِيَّةِ وهو عَلى المَشْهُورِ تَجَرُّدُهُ عَنِ النّاصِبِ والجازِمِ فَلَيْسَ مُعْرَبًا بِإعْرابِ سابِقِهِ لِظُهُورِ
صفحة 152
ذَلِكَ في كَوْنِ إعْرابِهِ لِلتَّبَعِيَّةِ وهو هُنا لَيْسَ لَها بَلْ لِلتَّجَرُّدِ. وأُجِيبَ مَعَ الإغْماضِ عَمّا في ذَلِكَ التَّعْرِيفِ مِمّا نَبَّهَ عَلى بَعْضِهِ الرَّضِيُّ، أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنَّ المُرادَ أُعْرِبَ بِإعْرابِ سابِقِهِ إنْ كانَ لَهُ إعْرابٌ أوْ بِأنَّ المُرادَ أُعْرِبَ بِإعْرابِ سابِقِهِ وُجُودًا وعَدَمًا، وقِيلَ: إطْلاقُ التّابِعِ عَلى ذَلِكَ ونَحْوِهِ مِنَ الحَرْفِ والفِعْلِ الغَيْرِ المُعْرَبِ مَجازٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُشابِهٌ لِلتّابِعِ لِمُوافَقَتِهِ لِسابِقِهِ فِيما لَهُ، وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُقْصَدُ لِشَيْءٍ وإنْ كانَ مُتَحَقِّقًا قَبْلَ ذَلِكَ الشَّيْءِ لِأمْرٍ آخَرَ كَألِفِ التَّثْنِيَةِ وواوِ الجَمْعِ؛ فَإنَّهُ يُؤْتى بِهِما لِلدَّلالَةِ عَلى التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ فَيَتَحَقَّقانِ، ويَأْتِي عامِلُ الرَّفْعِ عَلى المُثَنّى والمَجْمُوعِ وهُما فِيهِما قَبْلَهُ فَيُقْصَدانِ لَهُ، وقالَ السَّيِّدُ عِيسى: المُرادُ بِقَوْلِهِمْ: كُلُّ ثانٍ أُعْرِبَ... إلَخْ كُلُّ ثانٍ أُعْرِبَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْرَبًا فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿يَتَزَكّى﴾ بِتَقْدِيرِ لِأنْ يَتَزَكّى مُتَعَلِّقًا بِ «يُؤْتِي» عِلَّةً لَهُ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ، وحَذْفُها مِن أنْ وأنَّ شائِعٌ، ثُمَّ حُذِفَتْ أنْ فارْتَفَعَ الفِعْلُ أوْ بَقِيَ مَنصُوبًا كَما في قَوْلِ طَرَفَةَ:
ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى
فَقَدْ رُوِيَ بِرَفْعِ أحْضُرَ وبِنَصْبِهِ. وقِيلَ: إنَّهُ بِتَقْدِيرِ لِأنْ، أوْ عَنْ أنْ أحْضُرَ فَصُنِعَ فِيهِ نَحْوُ ما سَمِعْتَ. وأيًّا ما كانَ يَدُلُّ الكَلامُ عَلى أنَّ المُرادَ بِإيتائِهِ صَرْفُهُ في وُجُوهِ البِرِّ والخَيْرِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: «يَزَّكّى» بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ.
الليل 92:19
﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما أفادَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن كَوْنِ إيتائِهِ لِلتَّزَكِّي خالِصًا لِلَّهِ تَعالى؛ أيْ: لَيْسَ لِأحَدٍ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ مِن شَأْنِها أنْ تُجْزى وتُكافَأ، فَيُقْصَدُ بِإيتاءِ ما يُؤْتى مُجازاتُها، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ بِناءَ ﴿تُجْزى﴾ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ القَصْدَ لَيْسَ لِفاعِلٍ مُعَيَّنٍ. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ فاصِلَةً، وأصْلُهُ يُجْزَ بِهِ إيّاها أوْ يَجْزِيها إيّاهُ.
الليل 92:20
﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ مِن نِعْمَةٍ؛ لِأنَّ الِابْتِغاءَ لا يَنْدَرِجُ فِيها فالمَعْنى: لَكِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِابْتِغاءِ وجْهِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ وطَلَبِ رِضاهُ عَزَّ وجَلَّ لا لِمُكافَأةِ نِعْمَةٍ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: «ابْتِغاءُ» بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ «مِن نِعْمَةٍ» فَإنَّهُ الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ أوْ عَلى الِابْتِداءِ ومِن مَزِيدَةٌ والرَّفْعُ في مِثْلِ ذَلِكَ لُغَةُ تَمِيمٍ وعَلَيْها قَوْلُهُ:
وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
ورُوِيَ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ عَلى ما في البَحْرِ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ:
أضْحَتْ خَلاءً قِفارًا لا أنِيسَ بِها ∗∗∗ إلّا الجَآذِرُ والظِّلْمانُ تَخْتَلِفُ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ لا يُؤْتِي ما لَهُ لِأجْلِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأجْلِ طَلَبِ رِضا رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِمُكافَأةِ نِعْمَةٍ فَهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ والأسْبابِ، وإنَّما أُوِّلَ لِأنَّ الكَلامَ أعْنِي ﴿يُؤْتِي مالَهُ﴾ مُوجَبٌ، والِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ يَخْتَصُّ بِالنَّفْيِ عِنْدَ الجُمْهُورِ لَكِنَّهُ لَمّا عُقِّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لأحَدٍ﴾ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: أوَلا يَتَزَكّى؟ مُتَضَمِّنًا نَفْيَ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ دَلَّ عَلى المَعْنى المَذْكُورِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «إلّا ابْتِغا» مَقْصُورٌ وفِيهِ احْتِمالُ النَّصْبِ والرَّفْعِ. وهَذِهِ الآياتُ عَلى ما سَمِعْتَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِما أنَّهُ كانَ يُعْتِقُ رِقابًا ضِعافًا فَقالَ لَهُ أبُوهُ ما قالَ وأجابَهُ هو بِما أجابَ، وقَدْ أوْضَحْتُ ما أبْهَمَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قَوْلِهِ فِيهِ: إنَّما أُرِيدُ ما أُرِيدُ. وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ عَساكِرَ أنَّهُ قالَ: أيْ أبَهْ، إنَّما أُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وفي رِوايَةِ عَطاءٍ والضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا وكانَ رَقِيقًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ يُعَذِّبُهُ لِإسْلامِهِ بِرِطْلٍ مِن ذَهَبٍ فَأعْتَقَهُ فَقالَ المُشْرِكُونَ: ما أعْتَقَهُ أبُو بَكْرٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لَهُ عِنْدَهُ، فَنَزَلَتْ وهو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أحَدُ الَّذِينَ عُذِّبُوا لِإسْلامِهِمْ فاشْتَراهُمُ الصَّدِيقُ وأعْتَقَهم.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: بِلالٌ وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها وزِنِّيرَةُ وأُمُّ عُبَيْسٍ وأمَةُ بَنِي المُؤَمِّلِ وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾
صفحة 153
إلى آخِرِ السُّورَةِ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ الإمامُ عَلى أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أفْضَلُ الأُمَّةِ، وذُكِرَ أنَّ في الآياتِ ما يَأْبى قَوْلَ الشِّيعَةِ أنَّها في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ وأتى بِما لا يَخْلُو عَنْ قِيلٍ، وقالَ:
الليل 92:21
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى، والضَّمِيرُ فِيهِ لِلْأتْقى المُحَدَّثِ عَنْهُ وهو وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعِ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها؛ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الضَّمِيرِ لِلرَّبِّ تَعالى حَيْثُ قالَ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ الجُمْلَةَ عَلى رُجُوعِهِ لِلْأتْقى وفِيهِ عِنْدِي وجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّ المُرادَ أنَّهُ ما أنْفَقَ إلّا لِطَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى ولِسَوْفَ يَرْضى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهَذا عِنْدِي أعْظَمُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ رِضا اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ عَبْدِهِ أكْمَلُ لِلْعَبْدِ مِن رِضاهُ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِالجُمْلَةِ فَلا بُدَّ مِن حُصُولِ الأمْرَيْنِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ انْتَهى. والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، وقَدْ قُرِئَ: «ولَسَوْفَ يَرْضى» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإرْضاءِ وما أشارَ إلَيْهِ في مَعْنى ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ كَما سَمِعْتَ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ كَلامٌ يُعْلَمُ مِمّا سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الضحى 93:1
سُورَةُ الضُّحى
مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِلا خِلافٍ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ وكانَ سَيِّدُ الأتْقَيْنِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَقَّبَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِذِكْرِ نِعَمِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ الإمامُ: لَمّا كانَتِ الأُولى سُورَةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهَذِهِ سُورَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَقَّبَ جَلَّ وعَلا بِها ولَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُما واسِطَةً لِيُعْلَمَ أنْ لا واسِطَةَ بَيْنَ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتَقْدِيمُ سُورَةِ الصِّدِّيقِ عَلى سُورَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَدُلُّ عَلى أفْضَلِيَّتِهِ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ أوَّلًا بِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ ثُمَّ أقْسَمَ بِنَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنها السُّورَةُ السّابِقَةُ عَلى ما عَلِمْتَ، والخَدَمُ قَدْ تَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدِي السّادَةِ، وكَثِيرٌ مِنَ السُّنَنِ أُمِرَ بِتَقْدِيمِهِ عَلى فُرُوضِ العِبادَةِ ولا يَضُرُّ النَّوْرَ تَأخُّرُهُ عَنْ أغْصانِهِ ولا السِّنانَ كَوْنُهُ في أطْرافِ مِرانِهِ، ثُمَّ إنَّ ما ذَكَرَهُ زَهْرَةُ رَبِيعٍ لا تَتَحَمَّلُ الفَرْكَ كَما لا يَخْفى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والضُّحى﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ والمُرادُ بِهِ هُنا وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ الَّذِي يَلِي وقْتَ بُرُوزِها لِلنّاظِرِينَ دُونَ ضَوْئِها وارْتِفاعِها؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِما بَعْدُ. وتَخْصِيصُهُ بِالإقْسامِ بِهِ لِأنَّهُ شَبابُ النَّهارِ، وقَوْلُهُ فِيهِ قُوَّةٌ غَيْرُ قَرِيبَةٍ مِن ضِدِّها. ولِذا عُدَّ شَرَفًا يَوْمِيًّا لِلشَّمْسِ وسَعْدًا ولِأنَّهُ عَلى ما قالُوا السّاعَةُ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى فِيها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُلْقِيَ فِيهِ السَّحَرَةُ سُجَّدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ فَفِيهِ مُناسَبَةٌ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو أنَّهُ تَعالى لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُفارِقْهُ إلْطافُهُ تَعالى وتَكْلِيمُهُ سُبْحانَهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّهارُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى﴾ واعْتُرِضَ بِالفَرْقِ؛ فَإنَّهُ وقَعَ هُناكَ في مُقابَلَةِ البَياتِ وهو مُطْلَقُ اللَّيْلِ، وهُنا في مُقابَلَةِ اللَّيْلِ مُقَيَّدًا مَعْنًى بِاشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ فالمُناسِبُ أنْ يُرادَ بِهِ وقْتُ ارْتِفاعِهِ وقُوَّةُ إضاءَتِهِ. وأُجِيبَ بِمَنعِ دَلالَةِ القَيْدِ عَلى الِاشْتِدادِ وسَتَسْمَعُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما في ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ؛ أيْ: وجِنْسِ الضُّحى
الضحى 93:2
﴿واللَّيْلِ﴾ أيْ: وجِنْسِ اللَّيْلِ ﴿إذا سَجى﴾ أيْ: سَكَنَ أهْلُهُ عَلى أنَّهُ مِنَ السُّجُوِّ وهو السُّكُونُ مُطْلَقًا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ كَما قِيلَ، ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ؛ أيْ: سَكَنَ النّاسُ والأصْواتُ فِيهِ، وهَذا يَكُونُ في الغالِبِ فِيما بَيْنَ طَرَفَيْهِ أوْ بَعْدَ مُضِيِّ بُرْهَةٍ مِن أوَّلِهِ أوْ رَكَدَ ظَلامُهُ مِن سَجا البَحْرُ؛ سَكَنَتْ أمْواجُهُ. قالَ الأعْشى:
صفحة 154
وما ذَنْبُنا أنْ جاشَ بَحْرُ ابْنِ عَمِّكم وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَّعامِصا
فالسَّجْوُ قِيلَ: عَلى هَذا في الأصْلِ سُكُونُ الأمْواجِ ثُمَّ عَمَّ، والمُرادُ بِسُكُونِ ظَلامِهِ عَدَمُ تَغَيُّرِهِ بِالِاشْتِدادِ والتَّنْزِيلِ؛ أيْ: فِيما يُحَسُّ ويَظْهَرُ، وذَلِكَ إذا كَمُلَ حِسًّا بِوُصُولِ الشَّمْسِ إلى سَمْتِ القَدَمِ وقَبِيلَهُ وبُعَيْدَهُ. وصَرَّحَ بِاعْتِبارِ الِاشْتِدادِ ابْنُ الأعْرابِيِّ حَيْثُ قالَ: سَجا اللَّيْلُ: اشْتَدَّ ظَلامُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: أيْ إذا أقْبَلَ فَغَطّى كُلَّ شَيْءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ سَجا بِأقْبَلَ بِدُونِ ذِكْرِ التَّغْطِيَةِ، وأخْرَجاهُما وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: سَجا إذا ذَهَبَ، وكِلا التَّفْسِيرَيْنِ خِلافُ المَشْهُورِ. وشاعَ: لَيْلٌ ساكِنٌ أوْ ساجٍ لِما لا رِيحَ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِذَلِكَ أعْنِي السُّكُونَ قِيلَ: عَلى الحَقِيقَةِ كَما إذا قِيلَ: لَيْلٌ لا رِيحَ فِيهِ، ولا يُقالُ: إنَّ السّاكِنَ هو الرِّيحُ بِالحَقِيقَةِ لِأنَّ السُّكُونَ عَلَيْها حَقِيقَةً مُحالٌ؛ لِأنَّهُ هَواءٌ مُتَحَرِّكٌ ثُمَّ إنَّهم يَقُولُونَهُ لِما لا رِيحَ فِيهِ لا لِما سَكَنَ رِيحُهُ والتَّحْقِيقُ أنْ يُقالَ: إنَّ السُّكُونَ عَلى تَفْسِيرَيْهِ أعْنِي عَدَمَ الحَرَكَةِ عَمّا مِن شَأْنِهِ الحَرَكَةُ أوْ كَوْنَيْنِ في حَيِّزٍ واحِدٍ لا يَصِحُّ عَلى اللَّيْلِ لِأنَّهُ زَمانٌ خاصٌّ، لَكِنْ لَمّا كانَ سُكُونُ الهَواءِ بِمَنزِلَةِ عَدَمٍ لَهُ في العُرْفِ العامِّيِّ لِعَدَمِ الإحْساسِ أوْ لِتَضَمُّنِهِ عَدَمَ الرِّيحِ لا الهَواءِ قِيلَ: لَيْلٌ ساجٍ وساكِنٌ. وُصِفُ اللَّيْلُ عَلى الحَقِيقَةِ؛ أيْ: لا إسْنادَ فِيهِ إلى غَيْرِ مُلائِمٍ عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ السُّكُونُ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وجُوِّزَ حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى هَذا الشّائِعِ ولَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ الَّذِي لا رِيحَ فِيهِ أبْعَدُ عَنِ الغَوائِلِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الفُقَهاءِ أنَّ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ لَيْلًا عُذْرٌ مِن أعْذارِ الجَماعَةِ. ونُقِلَ عَنْ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ أنَّ المُرادَ بِالضُّحى هو الضُّحى الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِاللَّيْلِ لَيْلَةُ المِعْراجِ.
ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الضُّحى بِوَجْهِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واللَّيْلَ بِشَعْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما ذَكَرَ الإمامُ، وقالَ: لا اسْتِبْعادَ فِيهِ، وهو كَما تَرى. ومِثْلُهُ ما قِيلَ: الضُّحى ذُكُورُ أهْلِ بَيْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واللَّيْلُ إناثُهُمْ، وقالَ الإمامُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الضُّحى رِسالَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واللَّيْلُ زَمانُ احْتِباسِ الوَحْيِ فِيهِ؛ لِأنَّ في حالِ النُّزُولِ حَصَلَ الِاسْتِئْناسُ، وفي زَمانِ الِاحْتِباسِ حَصَلَ الِاسْتِيحاشُ، أوِ الضُّحى نُورُ عِلْمِهِ تَعالى الَّذِي يَعْرِفُ المَسْتُورَ مِنَ الغُيُوبِ واللَّيْلُ عَفْوُهُ تَعالى الَّذِي بِهِ يُسْتَرُ جَمِيعُ العُيُوبِ، أوِ الضُّحى إقْبالُ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ كانَ غَرِيبًا، واللَّيْلُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سَيَعُودُ غَرِيبًا، أوِ الضُّحى كَمالُ العَقْلِ، واللَّيْلُ حالُ المَوْتِ، أوِ الضُّحى عَلانِيَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي لا يَرى الخَلْقُ عَلَيْها عَيْبًا، واللَّيْلُ سِرُّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَعْلَمُ عالَمُ الغَيْبِ عَلَيْها عَيْبًا انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ التَّفْسِيرِ في شَيْءٍ، وبابُ التَّأْوِيلِ والإشارَةِ يَدْخُلُ فِيهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ.
وتَقْدِيمُ الضُّحى عَلى اللَّيْلِ بِناءً عَلى ما قُلْنا أوَّلًا لِرِعايَةِ شَرَفِهِ لِما فِيهِ مِن ظُهُورِ زِيادَةِ النُّورِ ولِلنُّورِ شَرَفٌ ذاتِيٌّ عَلى الظُّلْمَةِ لِكَوْنِهِ وُجُودِيًّا أوْ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِ أوْ لِمُناسَبَتِهِ لِعالَمِ المَلائِكَةِ فَإنَّها نُورانِيَّةٌ، وتَقْدِيمُ اللَّيْلِ في السُّورَةِ السّابِقَةِ لِما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ الَّتِي هي لِعَدَمِيَّتِها أصْلٌ لِلنُّورِ الحادِثِ بِإزالَتِها لِأسْبابٍ حادِثَةٍ، وقِيلَ: تَقْدِيمُهُ هُناكَ لِأنَّ السُّورَةَ في أبِي بَكْرٍ وهو قَدْ سَبَقَهُ كُفْرٌ، وتَقْدِيمُ الضُّحى هُنا لِأنَّ السُّورَةَ في رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَسْبِقْهُ ذَلِكَ.
وتَخْصِيصُهُ تَعالى الوَقْتَيْنِ بِالإقْسامِ قِيلَ: لِيُشِيرَ سُبْحانَهُ بِحالِهِما إلى حالِ ما وقَعَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُؤَيِّدُ عَزَّ وجَلَّ نَفْيَ ما تُوُهِّمَ فِيهِ؛ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الزَّمانُ ساعَةٌ؛ فَساعَةٌ ساعَةُ لَيْلٍ وساعَةُ نَهارٍ، ثُمَّ تارَةً تَزْدادُ ساعاتُ اللَّيْلِ وتَنْقُصُ ساعاتُ النَّهارِ، وأُخْرى بِالعَكْسِ، فَلا الزِّيادَةُ لِهَوًى ولا النُّقْصانُ لِقِلًى بَلْ كُلٌّ لِحِكْمَةِ، وكَذا أمْرُ الوَحْيِ مَرَّةً إنْزالٌ وأُخْرى حَبْسٌ، فَلا كانَ الإنْزالُ عَنْ هَوًى ولا الحَبْسُ عَنْ قِلًى بَلْ كُلٌّ لِحِكْمَةٍ. وقِيلَ: لِيُسَلِّي عَزَّ وجَلَّ بِحالِهِما حَبِيبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: انْظُرْ إلى هَذَيْنِ المُتَجاوِرَيْنِ لا يَسْلَمُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ بَلِ اللَّيْلُ يَغْلِبُ تارَةً والنَّهارُ أُخْرى فَكَيْفَ تَطْمَعُ أنْ تَسْلَمَ مِنَ الخَلْقِ؟ والقَوْلانِ مَبْنِيّانِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالضُّحى
صفحة 155
النَّهارُ كُلُّهُ وبِاللَّيْلِ إذا سَجى جَمِيعُ اللَّيْلِ، وتَخْصِيصُ الضُّحى عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا لِما سَمِعْتَ، وتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ وقْتُ اشْتِدادِ الظُّلْمَةِ قِيلَ: لِأنَّهُ وقْتُ خُلُوِّ المُحِبِّ بِالمَحْبُوبِ والأمْنِ مِن كُلِّ واشٍ ورَقِيبٍ. وقالَ الطِّيبِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى أقْسَمَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِوَقْتَيْنِ فِيهِما صَلاتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي جُعِلَتْ قُرَّةَ عِينَهِ وسَبَبَ مَزِيدِ قُرْبِهِ وأُنْسِهِ، أمّا الضُّحى فَلِما رَواهُ اَلدّارَقُطْنِيُّ في المُجْتَبى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ ولَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وأُمِرْتُ بِصَلاةِ الضُّحى ولَمْ تُؤْمَرُوا بِها»».
وأمّا اللَّيْلُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ إرْغامًا لِأعْدائِهِ وتَكْذِيبًا لَهم في زَعْمِ قِلاهُ وجَفائِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وحَقِّ قُرْبِكَ لَدَيْنا وزُلْفاكَ عِنْدَنا إنّا اصْطَفَيْناكَ وما هَجَرْناكَ وقَلَيْناكَ فَهو كَقَوْلِهِ:
وثَناياكَ إنَّها إغْرِيضٌ
وهُوَ مِمّا تَسْتَطِيبُهُ أهْلُ الأذْواقِ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الإقْسامُ بِاللَّيْلِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ قَتادَةَ مِن بابِ وثَناياكَ أيْضًا، وكَذا الإقْسامُ بِهِما عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ المارَّةِ كَما لا يَخْفى. وعَلى كَوْنِ المُرادِ بِالضُّحى الوَقْتَ المَعْرُوفَ مِنَ النَّهارِ وبِاللَّيْلِ جَمِيعَهُ. قِيلَ: إنَّ التَّفْرِقَةَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ تُوازِي جَمِيعَ اللَّيْلِ كَما أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُوازِي جَمِيعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولِلْإشارَةِ لِكَوْنِ النَّهارِ وقْتَ السُّرُورِ واللَّيْلِ وقْتَ الوَحْشَةِ والغَمِّ إلى أنَّ هُمُومَ الدُّنْيا وغُمُومَها أدْوَمُ مِن سُرُورِها.
وقَدْ رُوِيَ «أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ العَرْشَ أظَلَّتْ عَنْ يَسارِهِ غَمامَةٌ فَنادَتْ: ماذا أُمْطِرُ؟ فَأُمِرَتْ أنْ تُمْطِرَ الغُمُومَ والأحْزانَ فَأمْطَرَتْ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ انْكَشَفَتْ فَأُمِرَتْ مَرَّةً أُخْرى بِذَلِكَ، وهَكَذا إلى إتْمامِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ ثُمَّ أظَلَّتْ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ غَمامَةٌ بَيْضاءُ فَنادَتْ: ماذا أُمْطِرُ؟ فَأُمِرَتْ أنْ تُمْطِرَ السُّرُورَ ساعَةً». فَلِذا تَرى الغُمُومَ والأحْزانَ أدْوَمَ مِنَ المَسارِّ في الدُّنْيا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
الضحى 93:3
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ إلَخْ. جَوابُ القَسَمِ، ووَدَّعَ مِنَ التَّوْدِيعِ، وهو في الأصْلِ مِنَ الدَّعَةِ وهو أنْ تَدْعُوَ لِلْمُسافِرِ بِأنْ يَدْفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَآبَةَ السَّفَرِ، وأنْ يُبَلِّغَهُ الدَّعَةَ وخَفْضَ العَيْشِ كَما أنَّ التَّسْلِيمَ دُعاءٌ لَهُ بِالسَّلامَةِ، ثُمَّ صارَ مُتَعارَفًا في تَشْيِيعِ المُسافِرِ وتَرْكِهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في التَّرْكِ مُطْلَقًا وفُسِّرَ بِهِ هُنا؛ أيْ: ما تَرَكَكَ رَبُّكَ. وفي البَحْرِ والكَشّافِ: التَّوْدِيعُ مُبالَغَةٌ في الوَدْعِ أيِ التَّرْكِ لِأنَّ مَن ودَّعَكَ مُفارِقًا فَقَدْ بالَغَ في تَرْكِكَ، قِيلَ: وعَلَيْهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ التَّرْكَ المُبالَغَ فِيهِ دُونَ أصْلِ التَّرْكِ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ نَفْيُ ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن أنْ يُقالَ: إنَّهُ إنَّما نَفى ذَلِكَ لِأنَّهُ الواقِعُ في كَلامِ المُشْرِكِينَ الَّذِي نَزَلَتْ لَهُ الآيَةُ، أوْ أنَّ المُبالَغَةَ تَعُودُ عَلى النَّفْيِ فَيَكُونُ المُرادُ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ لا نَفْيَ المُبالَغَةِ، وقَدْ ذَكَرُوا نَظِيرَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فَتَدَبَّرْ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى ما قَطَعَكَ قَطْعَ المُوَدِّعِ عَلى أنَّ التَّوْدِيعَ مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِلتَّرْكِ وفِيهِ مِنَ اللُّطْفِ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى؛ فَإنَّ الوَداعَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الأحْبابِ ومَن تَعِزُّ مُفارَقَتُهُ كَما قالَ المُتَنَبِّي:
حَشاشَةُ نَفْسٍ ودَّعَتْ يَوْمَ ودَّعَوْا فَلَمْ أدْرِ أيَّ الظّاعِنِينَ أُشَيِّعُ
وحَقِيقَةُ التَّوْدِيعِ المُتَعارَفِ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ هاهُنا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى هَذا لا يَكُونُ رَدًّا لِما قالَهُ المُشْرِكُونَ لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا: ودَّعَهُ رَبُّهُ عَلى هَذا المَعْنى؛ كَيْفَ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ اعْتِقادِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمَحَلِّ الَّذِي هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ؟ وقِيلَ في الجَوابِ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَدُلَّ ودَّعَهُ رَبُّهُ عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّهم -قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى- قالُوهُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والسُّخْرِيَةِ، وحِينَ رَدَّ عَلَيْهِمْ قَصَدَ ما يُشْعِرُ بِهِ اللَّفْظُ عَلى التَّحْقِيقِ. وقِيلَ: إنَّ التَّرْكَ مُطْلَقٌ في كَلامِهِمْ، والظّاهِرُ مِن حالِهِمْ أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا الماهِيَّةَ مِن حَيْثُ هي ولا مِن حَيْثُ تَحَقُّقُها في ضِمْنِ ما لا يُخِلُّ بِشَرِيفِ مَقامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلِ الماهِيَّةُ مِن حَيْثُ تَحَقُّقُها في ضِمْنِ ما يُخِلُّ بِذَلِكَ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ إيناسَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإزالَةَ وحْشَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جِيءَ بِما يَتَضَمَّنُ نَفْيَ ما زَعَمُوهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا
صفحة 156
النَّوْعَ الغَيْرَ المُخِلِّ بِمَقامِكَ مِنَ التَّرْكِ لَمْ يَكُنْ فَضْلًا عَمّا زَعَمُوهُ مِنَ التَّرْكِ المُخِلِّ بِعَزِيزِ مَقامِكَ، وعِنْدِي أنَّ الظّاهِرَ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ بِأيِّ مَعْنًى كانَ صادِرٌ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ إذا كانَ المُرادُ بِالرَّبِّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وكانَ القائِلُ مِنَ المُشْرِكِينَ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ.
وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «ما ودَعَكَ» بِالتَّخْفِيفِ وهي عَلى ما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ قِراءَةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وخَرَجَتْ عَلى أنْ ودَعَ مُخَفَّفُ ودَّعَ ومَعْناهُ مَعْناهُ. قالَ في القامُوسِ: ودَعَهُ كَوَضَعَهُ ووَدَّعَ بِمَعْنًى، وقِيلَ: لَيْسَ بِمُخَفَّفَةٍ، بَلْ هو فِعْلٌ بِرَأْسِهِ بِمَعْنى تَرَكَ، وأنَّهُ يُعَكِّرُ عَلى قَوْلِ النُّحاةِ أماتَتِ العَرَبُ ماضِيَ يَدَعُ ويَذَرُ ومَصْدَرَهُما واسْمَ فاعِلِهِما واسْمَ مَفْعُولِهِما واسْتَغْنَوْا بِما لِيَتْرُكَ مِن ذَلِكَ. وفي المُغْرِبِ أنَّ النُّحاةَ زَعَمُوا أنَّ العَرَبَ أماتَتْ ذَلِكَ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أفْصَحُهُمْ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لِيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ عَنْ ودْعِهُمُ الجَماعاتِ»».
وقَرَأ: «ما ودَعَكَ». وقالَ أبُو الأُسُودِ:
لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي ما الَّذِي ∗∗∗ غالَهُ في الحُبِّ حَتّى ودَعَهْ
ومِثْلُهُ قَوْلُ آخَرَ:
وثُمَّ ودَعْنا آلَ عَمْرٍو وعامِرٍ ∗∗∗ فَرائِسَ أطْرافِ المُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
وهُوَ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى اسْتِعْمالِ ودَعَ وهو بِمَعْنى تَرَكَ المُتَعَلِّقِ بِمَفْعُولَيْنِ فَلا تَغْفُلْ.
وفِي الحَدِيثِ: ««اتْرُكُوا التُّرْكَ ما تَرَكُوكُمْ، ودَعَوُا الحَبَشَةَ ما ودَعُوكُمْ»».
وفِي المُسْتَوْفى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَدْ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ ولا عِبْرَةَ بِكَلامِ النُّحاةِ. وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ. نَعَمْ وُرُودُهُ نادِرٌ وقالَ الطِّيبِيُّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ وُرُودَهُ نَظْمًا ونَثْرًا: إنَّما حَسَّنَ هَذِهِ القِراءَةَ المُوافَقَةُ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ؛ يَعْنِي هَذِهِ وما بَعْدَها كَما في حَدِيثِ التُّرْكِ والحَبَشَةِ؛ لِأنَّ رَدَّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ وصَنْعَةَ التَّرْصِيعِ قَدْ جَبَرا مِنهُ. وقِيلَ: إنَّ القائِلِينَ إنَّما قالُوا: «ودَعَهُ رَبُّهُ» بِالتَّخْفِيفِ فَنَزَلَتْ فَيَكُونُ المُحْسِنُ لَهُ قَصْدُ المُشاكَلَةِ لِما قالُوهُ وهم تَكَلَّمُوا بِغَيْرِ المَعْرُوفِ طِيرَةً مِنهم كانَ غَيْرُ المَعْرُوفِ مِنَ اللَّفْظِ مِمّا يُتَشاءَمُ بِهِ مِنَ الفَأْلِ الرَّدِيءِ أوْ أنَّهم لَمّا قَصَدُوا السُّخْرِيَةَ حَسُنَ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ، وقَدْ قالُوا: يَحْسُنُ اسْتِعْمالُ الألْفاظِ الغَرِيبَةِ ونَحْوَها في الهِجاءِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في السُّخْرِيَةِ كَذَلِكَ. والحَقُّ أنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ وُرُودِهِ لا يَحْتاجُ إلى تَكْلِيفٍ مُحَسِّنٍ لَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالرَّبِّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ وإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما تَرَكَكَ المُتَكَفِّلُ بِمَصْلَحَتِكَ والمُبَلِّغُ لَكَ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ كَمالَكَ اللّائِقَ بِكَ.
﴿وما قَلى﴾ أيْ: وما أبْغَضَكَ، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِئَلّا يُواجَهَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنِسْبَةِ القِلى وإنْ كانَتْ في كَلامٍ مَنفِيٍّ لُطْفًا بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَفَقَةً عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِنَفْيِ صُدُورِهِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأحَدٍ مِن أصْحابِهِ ومَن أحَبَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِذِكْرِهِ مِن قَبْلُ مَعَ أنَّ فِيهِ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ. واللُّغَةُ المَشْهُورَةُ في مُضارِعِ قَلى يَقْلِي كَيَرْمِي، وطَيِّئٌ تَقُولُ: يَقْلَ بِفَتْحِ العَيْنِ كَيَرْضى، وتَفْسِيرُ القِلى بِالبُغْضِ شائِعٌ. وفي القامُوسِ مِنَ الواوِيِّ قَلا زَيْدًا قِلًا وقَلاهُ أبْغَضَهُ ومِنَ اليائِيِّ قَلاهُ كَرَماهُ ورَضِيَهُ قِلًى وقَلاهُ مَقْيِلَةً أبْغَضَهُ وكَرِهَهُ غايَةَ الكَراهَةِ فَتَرَكَهُ أوْ قَلاهُ في الهَجْرِ وقَلِيَهُ في البُغْضِ. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ القِلى شِدَّةُ البُغْضِ؛ يُقالُ: قَلاهُ يَقْلُوهُ ويَقْلِيهِ فَمَن جَعَلَهُ مِنَ الواوِيِّ فَهو مِنَ القُلُوِّ؛ أيِ الرَّمْيِ مِن قَوْلِهِمْ:
قَلَتِ النّاقَةُ بِراكِبِها قَلْوًا، وقَلَوْتُ بِالقُلَةِ فَكَأنَّ المَقْلُوَّ هو الَّذِي يَقْذِفُهُ القَلْبُ مِن بُغْضِهِ فَلا يَقْبَلُهُ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ اليائِيِّ فَمِن قَلَيْتُ البُسْرَ والسَّوِيقَ عَلى المِقْلاةِ انْتَهى. وبَيْنَهُما مُخالَفَةٌ لا تَخْفى.
وعَلى اعْتِبارِ شِدَّةِ البُغْضِ فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ في الآيَةِ لَيْسَ إلّا لِأنَّهُ الواقِعُ في كَلامِهِمْ، قالَ المُفَسِّرُونَ: أبْطَأجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ قَلاهُ رَبُّهُ ووَدَّعَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ إلَخْ قِيلَ لِامْرَأةِ أبِي لَهَبٍ أُمِّ جَمِيلٍ: إنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ
صفحة 157
وسَلَّمَ قَدْ هَجاكِ. فَأتَتْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسٌ في المَلَأِ فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، عَلامَ تَهْجُونِي؟ قالَ: «إنِّي واللَّهِ ما هَجَوْتُكِ ما هَجاكِ إلّا اللَّهُ تَعالى». فَقالَتْ: هَلْ رَأيْتَنِي أحْمِلُ حَطَبًا أوْ في جِيدِي حَبْلًا مِن مَسَدٍ؟ ثُمَّ انْطَلَقَتْ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ فَأتَتْهُ فَقالَتْ: ما أرى صاحِبَكَ إلّا قَدْ ودَّعَكَ وقَلاكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ».
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ جُنْدُبٍ البَجَلِيِّ قالَ: «رُمِيَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحَجَرٍ في أُصْبُعِهِ فَقالَ:
ما أنْتِ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ. فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا لا يَقُومُ فَقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ: ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ».
وفِي رِوايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ أيْضًا والإمامِ أحْمَدَ والبُخارِيِّ ومُسْلِمٍ والنَّسائِيِّ وجَماعَةٍ بِلَفْظِ: «اشْتَكى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾» .
ولَيْسَ فِيهِ حَدِيثُ المَرْأةِ ولا الحَجَرِ والرِّجْزِ وذَلِكَ لا يَطْعَنُ في صِحَّتِهِ.
وقالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: «إنَّ اليَهُودَ سَألُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، وعَنْ قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «سَأُخْبِرُكم غَدًا» ولَمْ يَسْتَثْنِ. فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ فَقالَ المُشْرِكُونَ ما قالُوا فَنَزَلَتْ.»
وقِيلَ: «إنَّ عُثْمانَ أهْدى إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عُنْقُودَ عِنَبٍ وقِيلَ: عَذْقَ تَمْرٍ فَجاءَ سائِلٌ فَأعْطاهُ ثُمَّ اشْتَراهُ عُثْمانُ بِدِرْهَمٍ فَقَدَّمَهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثانِيًا، ثُمَّ عادَ السّائِلُ فَأُعْطِيَهُ وهَكَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُلاطِفًا لا غَضْبانَ: «أسائِلٌ أنْتَ يا فُلانُ أمْ تاجِرٌ؟» فَتَأخَّرَ الوَحْيُ أيّامًا فاسْتَوْحَشَ فَنَزَلَتْ،» ولَعَلَّهم أيْضًا قالُوا ما قالُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن «حَدِيثِ خَوْلَةَ وكانَتْ تَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ جَرْوًا دَخَلَ تَحْتَ سَرِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَماتَ ولَمْ نَشْعُرْ بِهِ، فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أرْبَعَةَ أيّامٍ لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فَقالَ: «يا خَوْلَةُ، ما حَدَثَ في بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي؟». فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، ما أتى عَلَيْنا يَوْمٌ خَيْرٌ مِنّا اليَوْمَ، فَأخَذَ بُرْدَهُ فَلَبِسَهُ وخَرَجَ فَقُلْتُ في نَفْسِي: لَوْ هَيَّأْتُ البَيْتَ وكَنَسْتُهُ فَأهْوَيْتُ بِالمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ فَإذا بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ فَلَمْ أزَلْ بِهِ حَتّى بَدا لِي الجَرْوُ مَيِّتًا فَأخَذْتُهُ بِيَدِي فَألْقَيْتُهُ خَلْفَ الدّارِ، فَجاءَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَرْعِدُ لِحْيَتُهُ وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ أخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ. فَقالَ: يا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَرْضى﴾» .
وهَذِهِ الرِّوايَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الِانْقِطاعَ كانَ أرْبَعَةَ أيّامٍ.
وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ كانَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وعَنِ الكَلْبِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وقِيلَ: بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَمْسَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وعَنِ السُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِمّا يَتَفاوَتُ العِلْمُ بِمَبْدَئِهِ ولا يَكادُ يُعْلَمُ عَلى التَّحْقِيقِ إلّا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
فَعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: «أبْطَأ الوَحْيُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ لِخَدِيجَةَ: «إنَّ رَبِّي ودَّعَنِي وقَلانِي». يَشْكُو إلَيْها، فَقالَتْ: كَلّا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما ابْتَدَأكَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الكَرامَةِ إلّا وهو سُبْحانُهُ يُرِيدُ أنْ يُتِمَّها لَكَ فَنَزَلَتْ».
واسْتُشْكِلَ هَذا بِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَظُنَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ ودَّعَهُ وقَلاهُ، وهَلْ إلّا نَحْوٌ مَنِ العَزْلِ، وعَزْلُ النَّبِيِّ عَنِ النُّبُوَّةِ غَيْرُ جائِزٍ في حِكْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْلَمُ بِذَلِكَ ويَعْلَمُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا أنَّ إبْطاءَ الوَحْيِ وعَكْسَهُ لا يَخْلُو كُلٌّ مِنهُما عَنْ مَصْلَحَةٍ وحِكْمَةٍ. وأُجِيبَ بِأنَّ مُرادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنْ صَحَّ أنْ يُجَرِّبَها لِيَعْرِفَ قَدْرَ عِلْمِها أوْ لِيَعْرِفَ النّاسُ ذَلِكَ. فَقالَ ما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ كَأنْ يَكُونَ قَدْ قَصَدَ إنَّ رَبِّي ودَّعَنِي وقَلانِي بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ، أوْ أنَّ مُعامَلَتَهُ سُبْحانَهُ إيّايَ بِإبْطاءِ الوَحْيِ تُشْبِهُ صُورَةَ مُعامَلَةِ المُوَدِّعِ والقالِي. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ شاذَّةٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها فَلا يَنْبَغِي إتْعابُ الذِّهْنِ بِتَأْوِيلِها.
صفحة 158
ونَحْوَها ما دَلَّ عَلى أنَّ قائِلَ ذاكَ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: أبْطَأ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا فَقالَتْ خَدِيجَةُ: أرى رَبَّكَ قَدْ قَلاكَ مِمّا أرى مِن جَزَعِكَ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ﴾ . إلى آخِرِها، والقَوْلُ بِأنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أرادَتْ أنَّ هَذا الجَزَعَ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا مِن قِلى رَبِّكَ إيّاكَ، وحاشى أنْ يَقْلاكَ، فَما هَذا الجَزَعُ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، والمُعَوَّلُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وصَحَّتْ بِهِ الأخْبارُ أنَّ القائِلَ هُمُ المُشْرِكُونَ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أحْزَنَهُ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ تَعْبِيرُهم وعَدَمُ رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ مَزِيدِ حُبِّهِ إيّاهُ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما جِئْتَنِي حَتّى اشْتَقْتُ إلَيْكَ». فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: كُنْتُ أنا إلَيْكَ أشْوَقَ، ولَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وتَلا: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾» .
وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ عاتَبَهُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: أما عَلِمْتَ أنّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةٌ.
وراوِي هَذا يَرْوِي أنَّ السَّبَبَ في إبْطاءِ الوَحْيِ وُجُودُ جَرْوٍ في بَيْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والرِّواياتُ في ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الإبْطاءُ لِتَجَمُّعِ الأسْبابِ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ زَعَمَ بَعْضٌ بِناءً عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ السّابِقَةِ جَوازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِرَبِّكَ فِي: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ دُونَ ما بَعْدَ صاحِبِكَ والمُرادُ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو كَما تَرى.
الضحى 93:4
وحَيْثُ تَضَمَّنَ ما سَبَقَ مِن نَفْيِ التَّوْدِيعِ والقِلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَزالُ يُواصِلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَحْيِ والكَرامَةِ في الدُّنْيا بُشِّرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ ما سَيُؤْتاهُ في الآخِرَةِ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ فَقِيلَ: ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ لِما أنَّها باقِيَةٌ صافِيَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ عَلى الإطْلاقِ وهَذِهِ فانِيَةٌ مَشُوبَةٌ بِالمَضارِّ، وما أُوتِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ وإنْ كانَ مِمّا لا يُعادِلُهُ شَرَفٌ ولا يُدانِيهِ فَضْلٌ لَكِنَّهُ لا يَخْلُو في الدُّنْيا عَنْ بَعْضِ العَوارِضِ القادِحَةِ في تَمْشِيَةِ الأحْكامِ مَعَ أنَّهُ عِنْدَ ما أُعِدَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الآخِرَةِ مِنَ السَّبْقِ والتَّقَدُّمِ عَلى كافَّةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الجَمْعِ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ، وكَوْنِ أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شُهَداءَ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، ورَفْعِ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ وإعْلاءِ مَراتِبِهِمْ بِشَفاعَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ الَّتِي لا تُحِيطُ بِها العَبّاراتُ وتَقْصُرُ دُونَها الإشاراتُ بِمَنزِلَةِ بَعْضِ المَبادِئِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَطالِبِ كَذا في الإرْشادِ والِاخْتِصاصِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ اللّامُ قِيلَ: إضافِيٌّ عَلى مَعْنى اخْتِصاصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخَيْرِيَّةِ الآخِرَةِ دُونَ مَن آذاهُ وشَمَتَ بِتَأْخِيرِ الوَحْيِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا مانِعَ مِن عُمُومِهِ لِجَمِيعِ الفائِزِينَ كَيْفَ وقَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الخَيْرَ المُعَدَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَيْرٌ مِن المُعَدِّ لِغَيْرِهِ عَلى الإطْلاقِ، ويَكْفِي في ذَلِكَ اخْتِصاصُ المَقامِ المَحْمُودِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أنَّ اخْتِصاصَ اللّامِ لَيْسَ قَصْرِيًّا كَما قُرِّرَ في مَوْضِعِهِ، وحَمْلُ الآخِرَةِ عَلى الدّارِ الآخِرَةِ المُقابِلَةِ لِلدُّنْيا والأوْلى عَلى الدّارِ الأُولى وهي الدُّنْيا هو الظّاهِرُ المَرْوِيُّ عَنْ أبِي إسْحاقَ وغَيْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وجَماعَةٌ:
يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِما نِهايَةَ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِدايَتَهُ فاللّامُ فِيهِما لِلْعَهْدِ أوْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ؛ أيْ: لَنِهايَةُ أمْرِكَ خَيْرٌ مِن بِدايَتِهِ لا تَزالُ تَتَزايَدُ قُوَّةً وتَتَصاعَدُ رِفْعَةً. وفي بَعْضِ الأخْبارِ المَرْفُوعَةِ ما هو أظْهَرُ في الأوَّلِ.
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««عُرِضَ عَلَيَّ ما هو مَفْتُوحٌ لِأُمَّتِي بَعْدِي فَسَرَّنِي» . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾» .
ثُمَّ إنَّ رَبْطَ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَمِعْتَ هو ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ حَصَلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ فَكَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ فَقِيلَ: لَهُ ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ عَلى مَعْنى أنَّ هَذا التَّشْرِيفَ وإنْ كانَ عَظِيمًا إلّا أنَّ ما لَكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ خَيْرٌ وأعْظَمُ،
صفحة 159
وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ انْقِطاعَ الوَحْيِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِما يَتَوَهَّمُونَ لِأنَّهُ عَزْلٌ عَنِ النُّبُوَّةِ وهو مُسْتَحِيلٌ في الحِكْمَةِ بَلْ أقْصى ما في البابِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّهُ حَصَلَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ الرِّسالَةِ وذَلِكَ أمارَةُ المَوْتِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: انْقِطاعُ الوَحْيِ مَتى حَصَلَ دَلَّ عَلى المَوْتِ لَكِنَّ المَوْتَ خَيْرٌ لَكَ؛ فَإنَّ ما لَكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ أفْضَلُ مِمّا لَكَ في الدُّنْيا، وهَذا كَما تَرى دُونَ ما قَبْلَهُ بِكَثِيرٍ، والمُتَبادِرُ مِمّا قَرَّرُوهُ أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ واللّامَ فِيها ابْتِدائِيَّةٌ.
الضحى 93:5
وقَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ بِأنَّها كَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ وقالُوا: فائِدَتُها تَأْكِيدُ مَضْمُونٍ لِجُمْلَةٍ وبَعْدَها مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ إلَخْ وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ والحَذْفَ يُنافِيهِ؛ ولِذا قالَ ابْنُ الحاجِبِ: إنَّ المُبْتَدَأ المُؤَكَّدَ بِاللّامِ لا يُحْذَفُ، وإنَّ اللّامَ مَعَ المُبْتَدَأِ كَقَدْ مَعَ الفِعْلِ وإنَّ مَعَ الِاسْمِ، فَكَما لا يُحْذَفُ الفِعْلُ والِاسْمُ ويَبْقَيانِ بَعْدَ حَذْفِهِما كَذَلِكَ لا يُحْذَفُ المُبْتَدَأُ وتَبْقى اللّامُ وإنَّهُ يَلْزَمُ التَّقْدِيرُ والأصْلُ عَدَمُهُ، وأنَّ اللّامَ لِتَخَلُّصِ المُضارِعِ الَّذِي في حَيِّزِها لِلْحالِ كَتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وهو هُنا مَقْرُونٌ بِحَرْفِ التَّنْفِيسِ والتَّأْخِيرِ فَيَلْزَمُ التَّنافِي، ورُدَّ بِأنَّ المُؤَكِّدَ الجُمْلَةُ لا المُبْتَدَأُ وحْدَهُ حَتّى يُنافِيَ تَأْكِيدُهُ حَذْفَهُ، وكَلامُابْنِ الحاجِبِ لَيْسَ حُجَّةً عَلى الفارِسِيِّ وأمْثالِهِ، وأنْ يُحْذَفَ مَعَها الِاسْمُ كَثِيرًا كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ وكَذا قَدْ يُحْذَفُ بَعْدَها الفِعْلُ كَقَوْلِهِ:
أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ
مَعَ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ فَقَدْ يُفَرَّقُ كَما قالَ الطِّيبِيُّ بَيْنَ أنَّ وقَدْ وهَذِهِ اللّامِ؛ بِأنَّهُما يُؤَثِّرانِ في المَدْخُولِ عَلَيْهِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِخِلافِ هَذِهِ اللّامِ؛ فَإنَّ مُقْتَضاها أنْ تُؤَكِّدَ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ لا غَيْرَ وهو باقٍ، وإنْ حُذِفَ المُبْتَدَأُ فالقِياسُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ، والنَّحْوِيُّونَ يُقَدِّرُونَ كَثِيرًا في الكَلامِ كَما قَدَّرُوا المُبْتَدَأ في نَحْوِ: قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَهُ. وهو لِأجْلِ الصِّناعَةِ دُونَ المَعْنى كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ واللّامُ المُؤَكِّدَةُ لا نُسَلِّمُ أنَّها لِتَخْلِيصِ المُضارِعِ لِلْحالِ أيْضًا بَلْ هي لِمُطْلَقِ التَّأْكِيدِ فَقَطْ ويُفْهَمُ مَعَها الحالُ بِالقَرِينَةِ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالتَّأْكِيدِ. وعَلى تَسْلِيمِ أنَّها لِتَخْلِيصِهِ لِلْحالِ أيْضًا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها تَجَرَّدَتْ لِلتَّأْكِيدِ هُنا بِقَرِينَةِ ذِكْرِ سَوْفَ بَعْدَها، والمُرادُ تَأْكِيدُ المُؤَخَّرِ؛ أعْنِي الإعْطاءَ لا تَأْكِيدَ التَّأْخِيرِ، فالمَعْنى أنَّ الإعْطاءَ كائِنٌ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ لِحِكْمَةٍ وعَلى تَسْلِيمِ أنَّها لِلْأمْرَيْنِ ولا تُجَرَّدُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: نُزِّلَ المُسْتَقْبَلُ أعْنِي الإعْطاءَ الَّذِي يَعْقُبُهُ الرِّضا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مَنزِلَةَ الواقِعِ الحالِيِّ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وقِيلَ: يَحْسُنُ هَذا جِدًّا فِيما نَحْنُ فِيهِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الإعْطاءَ قَدْ شُرِعَ فِيهِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِناءً عَلى أحَدِ أوْجُهِها الآتِيَةِ بَعْدَ أنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وذَهَبَ بَعْضُهم بِأنَّ اللّامَ الأُولى لِلْقَسَمِ وكَذا هَذِهِ اللّامُ وبِقَسَمِيَّتِها جَزَمَ غَيْرُ واحِدٍ، فالواوُ عَلَيْهِ لِلْعَطْفِ فَكِلا الوَعْدَيْنِ داخِلٌ في المَقْسَمِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ اللَّهُ تَعالى قَدْ أقْسَمَ عَلى أرْبَعَةِ أشْياءَ؛ اثْنانِ مَنفَيانِ واثْنانِ مُثْبَتانِ وهو حَسَنٌ في نَظَرِي، واعْتُرِضَ بِأنَّ لامَ القَسَمِ لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا مَعَ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ، فَلَوْ كانَتْ لِلْقَسَمِ لَقِيلَ: «لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ» ولا يَخْفى أنَّ هَذا أحَدُ مَذْهَبَيْنِ لِلنُّحاةِ والآخَرُ أنَّهُ يُسْتَثْنى ما قُرِنَ بِحَرْفِ تَنْفِيسٍ كَما هُنا، فَفي المُغْنِي أنَّهُ تَجِبُ اللّامُ وتَمْتَنِعُ النُّونُ فِيهِ كَقَوْلِهِ:
فَوَرَبِّي لَسَوْفَ يُجْزى الَّذِي ∗∗∗ أسْلَفَ المَرْءُ سَيِّئًا أوْ جَمِيلا
وكَذا مَعَ فَصْلِ مَعْمُولٍ بَيْنَ اللّامِ والفِعْلِ نَحْوَ: ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ومَعَ كَوْنِ الفِعْلِ لِلْحالِ نَحْوَ: «لا أُقْسِمُ» وقَدْ يَمْتَنِعانِ؛ وذَلِكَ مَعَ الفِعْلِ المَنفِيِّ نَحْوَ: ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ وقَدْ يَجِبانِ؛ وذَلِكَ فِيما بَقِيَ نَحْوَ: ﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ وعَلَيْهِ لا يَتَّجِهُ الِاعْتِراضُ مَعَ أنَّ المَمْنُوعَ بِدُونِ النُّونِ في جَوابِ القَسَمِ لا في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَما هُنا فَإنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، وإنَّما ذُكِرَتِ اللّامُ تَأْكِيدًا لِلْقَسَمِ وتَذْكِيرًا بِهِ، وبِالجُمْلَةِ هَذا الوَجْهُ أقَلُّ دَغْدَغَةً مِنَ الوَجْهِ السّابِقِ ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى تَوْجِيهِ جَمِيعِ اللّامِ مَعَ سَوْفَ؛ إذْ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِن
صفحة 160
عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ بِأنَّ اللّامَ القَسَمِيَّةَ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَتَّبَعَ كُتُبَهُمْ، وظاهِرُ كَلامِ الفاضِلِ الكِلِنْبَوِيِّ أنَّ كُلًّا مِنَ اللّامَيْنِ مَوْضُوعٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الحالِ، ووَجْهُ الجَمْعِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها في الآيَةِ قَسَمِيَّةٌ بِأنَّها مَحْمُولَةٌ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ، وسَوْفَ مَحْمُولَةٌ عَلى تَأْكِيدِ الحُكْمِ؛ ولِذا قامَتْ مَقامَ إحْدى النُّونَيْنِ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وقَدْ أطالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى الكَلامَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ وأتى عَلى غَزارَةِ فَضْلِهِ بِما يُسْتَبْعَدُ صُدُورُهُ مِن مِثْلِهِ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: الأظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ: ﴿ما ودَّعَكَ﴾ حالِيَّةٌ؛ أيْ: ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلاكَ، والحالُ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى وأنْتَ تَخْتارُها عَلَيْها، ومَن حالُهُ كَذَلِكَ لا يَتْرُكُهُ رَبُّهُ فَفِيهِ إرْشادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلى ما هو مِلاكُ قُرْبِ العَبْدِ إلى الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ وتَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ التِزامِ أمْرِ الدُّنْيا والإعْراضِ عَنِ الآخِرَةِ، وحِينَئِذٍ مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾ أنَّهُ سَوْفَ يُعْطِيكَ الآخِرَةَ ولا يَخْفى حِينَئِذٍ كَمالُ اشْتِباكِ الجُمَلِ. انْتَهى.
وفِيهِ أنَّ دُخُولَ اللّامِ عَلَيْها مَعَ دُخُولِهِ عَلى الجُمْلَةِ بَعْدَها وسَبْقَهُما بِالقَسَمِ يُبْعِدُ الحالِيَّةَ جِدًّا، وأيْضًا المَعْنى ذِكْرُهُ عَلى تَقْدِيرِها غَيْرُ ظاهِرٍ مِنَ الآيَةِ وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ عِنْدَكَ بَدَلٌ لَكَ كَما لا يَخْفى عَلَيْكَ.
واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ﴾ إلَخْ فَقِيلَ: هو عِدَةٌ كَرِيمَةٌ شامِلَةٌ لِما أعْطاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في الدُّنْيا مِن كَمالِ النَّفْسِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وظُهُورِ الأمْرِ وإعْلاءِ الدِّينِ بِالفُتُوحِ الواقِعَةِ في عَصْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي أيّامِ خُلَفائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُلُوكِ الإسْلامِيَّةِ وفُشُوِّ الدَّعْوَةِ والإسْلامِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ولِما ادَّخَرَ جَلَّ وعَلا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الآخِرَةِ مِنَ الكَراماتِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هو جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نُوالُهُ وقِيلَ: عِدَةٌ بِما أعْطاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في الدُّنْيا مِن فَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ عِدَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هي الشَّفاعَةُ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ حَرْبِ بْنِ شُرَيْحٍ قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَلى جَدِّهِمْ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أرَأيْتَ هَذِهِ الشَّفاعَةَ الَّتِي يَتَحَدَّثُ بِها أهْلُ العِراقِ أحَقٌّ هِيَ؟ قالَ: إي واللَّهِ؛ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «أشْفَعُ لِأُمَّتِي حَتّى يُنادِيَ رَبِّي: أرَضِيتَ يا مُحَمَّدُ؟ فَأقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ رَضِيتُ». ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيَّ فَقالَ: إنَّكم تَقُولُونَ يا مَعْشَرَ أهْلِ العِراقِ: إنَّ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهِ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ قُلْتُ: إنّا لَنَقُولُ ذَلِكَ. قالَ: فَكُلُّنا أهْلَ البَيْتِ نَقُولُ: إنَّ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ وقالَ: هي الشَّفاعَةُ».
وقِيلَ: هي أعَمُّ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها ويُرْشِدُ إلَيْهِ ما أخْرَجَهُ العَسْكَرِيُّ في المَواعِظِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى فاطِمَةَ وهي تَطْحَنُ بِالرَّحا وعَلَيْها كِساءٌ مِن جِلْدِ الإبِلِ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها قالَ: «يا فاطِمَةُ تَعَجَّلِي مَرارَةَ الدُّنْيا بِنَعِيمِ الآخِرَةِ غَدًا». فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾» .
وقالَ أبُو حَيّانَ: الأوْلى العُمُومُ لِما في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، والخَبَرُ المَذْكُورُ لَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ لا يَأْبى ذَلِكَ. نَعَمْ عَطايا الآخِرَةِ أعْظَمُ مِن عَطايا الدُّنْيا بِكَثِيرٍ، فَقَدْ رَوى الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الجَنَّةِ ألْفَ قَصْرٍ مِن لُؤْلُؤٍ، تُرابُهُ المِسْكُ في كُلِّ قَصْرٍ ما يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الأزْواجِ والخَدَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ مِن رِضا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ لا يَدْخُلَ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ النّارَ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رِضاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُدْخِلَ أُمَّتَهُ كُلَّهُمُ الجَنَّةَ، وفي رِوايَةِ الخَطِيبِ في تَلْخِيصِ المُتَشابِهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ: لا يَرْضى مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأحَدٌ مِن أُمَّتِهِ في النّارِ، وهَذا ما تَقْتَضِيهِ
صفحة 161
شَفَقَتُهُ العَظِيمَةُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أُمَّتِهِ؛ فَقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَرِيصًا عَلَيْهِمْ رَءُوفًا بِهِمْ مُهْتَمًّا بِأمْرِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَلا قَوْلَ اللَّهِ تَعالى في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ وقَوْلَهُ تَعالى في عِيسى: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ الآيَةَ. فَرَفَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدَيْهِ وقالَ: «اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي» وبَكى فَقالَ اللَّهُ تَعالى: يا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْ لَهُ: إنّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ ولا نَسُوؤُكَ».
وفِي إعادَةِ اسْمِ الرَّبِّ مَعَ إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى أيْضًا مِنَ اللُّطْفِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
الضحى 93:6
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ تَعْدِيلٌ لِما أفاضَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى وقْتِ النُّزُولِ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ العِظامِ لِيَسْتَشْهِدَ بِالخاصِّ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقَّبِ المَوْعُودِ فَيَزْدادُ قَلْبُهُ الشَّرِيفُ وصَدْرُهُ الرَّحِيبُ طُمَأْنِينَةً وسُرُورًا وانْشِراحًا وحُبُورًا؛ ولِذا فُصِلَتِ الجُمْلَةُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ وتَقْرِيرِ النَّفْيِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ وجَدَكَ... إلَخْ. ووَجَدْتُهُ عَلى ما قالَ الرَّضِيُّ بِمَعْنى أصَبْتُهُ عَلى صِفَةٍ ويُرادُ بِالوُجُودِ فِيهِ العِلْمُ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ.
وفِي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: لِوُجُودِ اضْرِبْ وُجُودٌ بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ، ووُجُودٌ بِالقُوى الباطِنَةِ، ووُجُودٌ بِالعَقْلِ، وما نُسِبَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الوُجُودِ فَبِمَعْنى العِلْمِ المُجَرَّدِ؛ إذْ كانَ اللَّهُ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الوَصْفِ بِالجَوارِحِ والآلاتِ، وقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُهم هُنا بِالعِلْمِ وجَعَلَ مَفْعُولَهُ الأوَّلَ الضَّمِيرَ ومَفْعُولَهُ الثّانِيَ: ﴿يَتِيمًا﴾ وبَعْضُهم بِالمُصادَفَةِ وجَعَلَهُ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ فَ ﴿يَتِيمًا﴾ حالًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُصادَفَةَ لا تَصِحُّ في حَقِّهِ تَعالى؛ لِأنَّها مُلاقاةٌ ما لَمْ يَكُنْ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَقْدِيرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّجَوُّزِ بِها عَنْ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ. والَيْتُمُ انْقِطاعُ الصَّبِيِّ عَنْ أبِيهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ، والإيواءُ ضَمُّ الشَّيْءِ إلى آخَرَ. يُقالُ: آوى إلَيْهِ فُلانًا؛ أيْ: ضَمَّهُ إلى نَفْسِهِ؛ أيْ: ألَمْ يُعَلِّمْكَ طِفْلًا لا أبا لَكَ فَضَمَّكَ إلى مَن قامَ بِأمْرِكَ. رُوِيَ أنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ أبا رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَمْتارُ تَمْرًا مِن يَثْرِبَ فَتُوُفِّيَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَنِينٌ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ سِتَّةُ أشْهُرٍ فَلَمّا وضَعَتْهُ كانَ في حِجْرِ جَدِّهِ مَعَ أُمِّهِ فَماتَتْ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، ولَمّا بَلَغَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثَمانِيَ سِنِينَ ماتَ جَدُّهُ فَكَفَلَهُ عَمُّهُ الشَّفِيقُ الشَّقِيقُ أبُو طالِبٍ بِوَصِيَّةٍ مِن أبِيهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وفي الكَشّافِ: ماتَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو ابْنُ ثَمانِي سِنِينَ فَكَفَلَهُ عَمُّهُ وكانَ شَدِيدَ الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ إلى أنَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى وكانَ يَرى مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في صِغَرِهِ ما لَمْ يَرَ مِن صَغِيرٍ.
رُوِيَ أنَّهُ قالَ يَوْمًا لِأخِيهِ العَبّاسِ: ألا أُخْبِرُكَ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما رَأيْتُ مِنهُ.
فَقالَ: بَلى. قالَ: إنِّي ضَمَمْتُهُ إلَيَّ فَكُنْتُ لا أُفارِقُهُ ساعَةً مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ ولَمْ أئْتَمِن عَلَيْهِ أحَدًا حَتّى أنِّي كُنْتُ أُنَوِّمُهُ في فِراشِي، فَأمَرْتُهُ لَيْلَةً أنْ يَخْلَعَ ثِيابَهُ ويَنامَ مَعِي فَرَأيْتُ الكَراهِيَةَ في وجْهِهِ وكَرِهَ أنْ يُخالِفَنِي فَقالَ: يا عَمّاهُ، اصْرِفْ وجْهَكَ عَنِّي حَتّى أخْلَعَ ثِيابِي؛ إنِّي لا أُحِبُّ أنْ تَنْظُرَ إلى جَسَدِي، فَتَعَجَّبْتُ مِن قَوْلِهِ وصَرَفْتُ بَصَرِي حَتّى دَخَلَ الفِراشَ، فَلَمّا دَخَلْتُ مَعَهُ الفِراشَ إذا بَيْنِي وبَيْنَهُ ثَوْبٌ، واللَّهِ ما أدْخَلْتُهُ في فِراشِي، فَإذا هو في غايَةِ اللِّينِ وطِيبِ الرّاحَةِ، كَأنَّهُ غُمِسَ في المِسْكِ، فَجَهَدْتُ لِأنْظُرَ إلى جَسَدِهِ فَما كُنْتُ أرى شَيْئًا وكَثِيرًا ما كُنْتُ أفْقِدُهُ مِن فِراشِي فَإذا قُمْتُ لِأطْلُبَهُ نادانِي: ها أنا يا عَمُّ فارْجِعْ، وكُنْتُ كَثِيرًا ما أسْمَعُ مِنهُ كَلامًا يُعْجِبُنِي وذَلِكَ عِنْدَ ما مَضى بَعْضُ اللَّيْلِ وكُنّا لا نُسَمِّي عَلى الطَّعامِ والشَّرابِ ولا نَحْمَدُ وكانَ يَقُولُ في أوَّلِ الطَّعامِ: بِسْمِ اللَّهِ الأحَدِ، فَإذا فَرَغَ مِن طَعامِهِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَكُنْتُ أعْجَبُ مِنهُ ولَمْ أرَ مِنهُ كِذْبَةً ولا ضَحِكًا ولا جاهِلِيَّةً ولا وقَفَ مَعَ الصِّبْيانِ وهم يَلْعَبُونَ وهَذا لَعَمْرِي غَيْضٌ مِن فَيْضٍ:
فِي المَهْدِ يُعْرِبُ عَنْ سَعادَةِ جَدِّهِ أثَرُ النَّجابَةِ ساطِعُ البُرْهانِ
صفحة 162
وقِيلَ: المَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا أبَتْكَ المَراضِعُ فَآواكَ مِن مُرْضِعَةٍ تَحْنُو عَلَيْكَ بِأنْ رَزَقَها بِصُحْبَتِكَ الخَيْرَ والبَرَكَةَ حَتّى أحَبَّتْكَ وتَكَفَّلَتْكَ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَتَعْلَمُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ يَتِيمًا مِن قَوْلِهِمْ: دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ، والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ واحِدًا في قُرَيْشٍ عَدِيمَ النَّظِيرِ فَآواكَ، والأوْلى عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: ألَمْ يَجِدْكَ واحِدًا عَدِيمَ النَّظِيرِ في الخَلِيقَةِ لَمْ يَحْوِ مِثْلَكَ صَدَفُ الإمْكانِ فَآواكَ إلَيْهِ وجَعَلَكَ في حَقِّ اصْطِفائِهِ. وقَرَأ أبُو الأشْعَثِ: «فَأوى» ثُلاثِيًّا فَجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن أواهُ بِمَعْنى آواهُ، وأنْ يَكُونَ مِن أوى لَهُ؛ أيْ: رَحِمَهُ ومَصْدَرُهُ أياوايَةٌ وماوِيَّةٌ وماوِيَةٌ، وتَحْقِيقُهُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ؛ أيْ: رَجَعَ إلَيْهِ بِقَلْبِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ:
أوْ أنِّي ولا كُفْرانَ لِلَّهِ أيَّةً
الضحى 93:7
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ عَطْفٌ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإنْكارُ السّابِقُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ أوْ عَلى المُضارِعِ المَنفِيِّ بِلَمْ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: أما وجَدَكَ يَتِيمًا فَآوى، ووَجَدَكَ غافِلًا عَنِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَهْتَدِي إلَيْها العُقُولُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ فَهَداكَ إلى مَناهِجِها في تَضاعِيفِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ المُبِينِ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وعَلى هَذا -كَما قالَ الواحِدِيُّ- أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
ورَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سافَرَ مَعَ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ إلى الشّامِ فَبَيْنَما هو راكِبٌ ناقَةً ذاتَ لَيْلَةٍ ظَلْماءَ وهو نائِمٌ جاءَهُ إبْلِيسٌ فَأخَذَ بِزِمامِ النّاقَةِ فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَفَخَ إبْلِيسَ نَفْخَةً وقَعَ مِنها بِالحَبَشَةِ ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَما في الآيَةِ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ضَلَّ وهو صَغِيرٌ عَنْ جَدِّهِ في شِعابِ مَكَّةَ فَرَآهُ أبُو جَهْلٍ مُنْصَرِفًا مِن أغْنامِهِ فَرَدَّهُ لِجَدِّهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَرُدَّ إلَيْهِ مُحَمَّدًا، وذُكِرَ لَهُ أنَّهُ لَمّا رَآهُ أناخَ النّاقَةَ وأرْكَبَهُ مِن خَلْفِهِ فَأبَتْ أنْ تَقُومَ فَأرْكَبَهُ أمامَهُ فَقامَتْ، فَكانَتِ النّاقَةُ تَقُولُ: يا أحْمَقُ، هو الإمامُ فَكَيْفَ يَقُومُ خَلْفَ المُقْتَدِي. وفي إرْجاعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أهْلِهِ عَلى يَدِ أبِي جَهْلٍ وقَدْ عَلِمَ سُبْحانَهُ مِنهُ أنَّهُ فَرَعَوْنُهُ يُشْبِهُ إرْجاعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أُمِّهِ عَلى يَدِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: ضَلَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَرَّةً أُخْرى وطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَطافَ عَبْدُ المُطَّلِبِ بِالكَعْبَةِ سَبْعًا وتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى فَسَمِعُوا مُنادِيًا يُنادِي مِنَ السَّماءِ: يا مَعْشَرَ النّاسِ، لا تَضِجُّوا؛ فَإنَّ لِمُحَمَّدٍ رَبًّا لا يَخْذُلُهُ ولا يُضَيِّعُهُ، وإنَّ مُحَمَّدًا بِوادِي تِهامَةَ عِنْدَ شَجَرَةِ السَّمُرِ، فَسارَ عَبْدُ المُطَّلِبِ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَإذا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قائِمٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَلْعَبُ بِالأغْصانِ والأوْراقِ.
وقِيلَ: أضَلَّتْهُ مُرْضِعَتُهُ حَلِيمَةُ عِنْدَ بابِ مَكَّةَ حِينَ فَطَمَتْهُ وجاءَتْ بِهِ لِتَرُدَّهُ عَلى عَبْدِ المُطَّلِبِ «فَضالًّا» عَلى هَذِهِ الرِّواياتِ مِن ضَلَّ في طَرِيقِهِ إذا سَلَكَ طَرِيقًا غَيْرَ مَوْصُولَةٍ لِمَقْصِدِهِ وضُعِّفَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ مِثْلَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما تَقَدَّمَ لا يُعَدُّ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى مِثْلِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّتِي يَمْتَنُّ سُبْحانَهُ بِها عَلَيْهِ. وقِيلَ: الضّالُّ الشَّجَرَةُ المُنْفَرِدَةُ في البَيْداءِ لَيْسَ حَوْلَها شَجَرٌ، والمُرادُ أما وجَدَكَ وحْدَكَ لَيْسَ مَعَكَ أحَدٌ فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ ولَمْ يَتْرُكْكَ مُنْفَرِدًا. وقالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: أيْ وجَدَكَ مُتَحَيِّرًا في بَيانِ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْكَ فَهَداكَ لِبَيانِهِ وفِيهِ قُرْبٌ ما مِنَ الأوَّلِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: وجَدَكَ غافِلًا عَنْ قَدْرِ نَفْسِكَ فَأطْلَعَكَ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّكَ. وقِيلَ: وجَدَكَ ضالًّا عَنْ مَعْنى مَحْضِ المَوَدَّةِ فَسَقاكَ كَأْسًا مِن شَرابِ القُرْبَةِ والمَوَدَّةِ فَهَداكَ بِهِ إلى مَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كُنْتَ ضالًّا عَنْ مَحَبَّتِي لَكَ في الأزَلِ فَمَنَنْتُ عَلَيْكَ بِمَعْرِفَتِي وهو قَرِيبٌ مِن سابِقِهِ.
وقالَ الحَرِيرِيُّ: أيْ: وجَدَكَ مُتَرَدِّدًا في غَوامِضِ مَعانِي المَحَبَّةِ فَهَداكَ لَها وهو أيْضًا كَذَلِكَ، وكُلٌّ ذَلِكَ مَنزَعٌ صُوفِيٌّ. ورَأى أبُو حَيّانَ في مَنامِهِ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والمَعْنى: ووَجَدَ رَهْطَكَ ضالًّا فَهَدى بِكَ وهو كَما تَرى في يَقَظَتِكَ.
الضحى 93:8
وقَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 163
﴿ووَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ عَلى نَمَطِ سابِقِهِ، والعائِلُ المُفْتَقِرُ مِن عالَ يَعِيلُ عَيْلًا وعَيْلَةً وعُيُولًا ومَعِيلًا افْتَقَرَ؛ أيْ: وجَدَكَ عَدِيمَ المُقْتَنَياتِ فَأغْناكَ بِما حَصَلَ لَكَ مِن رِبْحِ التِّجارَةِ وذَلِكَ في سَفَرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ مَيْسَرَةَ إلى الشّامِ وبِما وهَبَتْهُ لَكَ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِنَ المالِ وكانَتْ ذا مالٍ كَثِيرٍ فَلَمّا تَزَوَّجَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهَبَتْهُ جَمِيعَهُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِئَلّا يَقُولَ قائِلٌ ما يَثْقُلُ عَلى سَمْعِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِمالِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكانَ أيْضًا ذا مالٍ فَأتى بِهِ كُلِّهِ رَسُولَ اللَّهِ.
«فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما تَرَكْتَ لِعِيالِكَ؟» فَقالَ: تَرَكْتُ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».
وقِيلَ: بِما أفاءَ عَلَيْكَ مِنَ الغَنائِمِ وفِيهِ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والغَنائِمَ إنَّما كانَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ وقِيلَ: المُرادُ قَنَّعَكَ وأغْنى قَلْبَكَ؛ فَإنَّ غِنى القَلْبِ هو الغِنى، وقَدْ قِيلَ: مَن عُدِمَ القَناعَةَ لَمْ يُفِدْهُ المالُ غِنًى، وقِيلَ: أغْناكَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ عَمّا سِواهُ وهَذا الغِنى بِالِافْتِقارِ إلَيْهِ تَعالى.
وفِي الحَدِيثِ: ««اللَّهُمَّ أغْنِنِي بِالِافْتِقارِ إلَيْكَ ولا تُفْقِرْنِي بِالِاسْتِغْناءِ عَنْكَ»».
وبِهَذا ألَمَّ بَعْضُ الشُّعَراءِ فَقالَ:
ويُعْجِبُنِي فَقْرِي إلَيْكَ ولَمْ يَكُنْ لِيُعْجِبَنِي لَوْلا مَحَبَّتُكَ الفَقْرُ
وشاعَ حَدِيثُ: ««الفَقْرُ فَخْرِي»».
وحُمِلَ الفَقْرُ فِيهِ عَلى هَذا المَعْنى وهو عَلى ما قالَ ابْنُ حَجَرٍ باطِلٌ مَوْضُوعٌ وأشَدُّ مِنهُ وضْعًا وبُطْلانًا ما يَذْكُرُهُ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ إذا تَمَّ الفَقْرُ فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وقَدْ خاضُوا في بَيانِ المُرادِ بِهِ بِما لا يَدْفَعُ بَشاعَتَهُ بَلْ لا يَقْتَضِي اسْتِقامَتَهُ. وقِيلَ: ﴿عائِلا﴾ أيْ: ذا عِيالٍ مِن عالَ يَعُولُ عَوْلًا وعِيالَةً كَثُرَ عِيالُهُ، ويَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُ جَرِيرٍ:
اللَّهُ نَزَّلَ في الكِتابِ فَرِيضَةً ∗∗∗ لِابْنِ السَّبِيلِ ولِلْفَقِيرِ العائِلِ
ولَعَلَّ الثّانِيَ فِيهِ أظْهَرُ ورُجِّحَ الأوَّلُ في الآيَةِ بِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَدِيمًا» وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ ذا عِيالٍ في أوَّلِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ: «عَيِّلًا» كَ «سَيٍّدًا» بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، هَذا وذَكَرَ عِصامُ الدِّينِ في هَذِهِ الآياتِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِاليَتِيمِ فاقِدُ المُعَلِّمِ؛ فَإنَّ الآباءَ ثَلاثَةٌ: مَن عَلَّمَكَ ومَن زَوَّجَكَ ومَن ولَدَكَ، ويُناسِبُهُ حَمْلُ الضَّلالِ عَلى الضَّلالِ عَنِ العِلْمِ، وحَمْلُ العِيالِ أيْ: عَلى تَفْسِيرِ ﴿عائِلا﴾ بِذا عِيالٍ عَلى عَيّالِ الأُمَّةِ الطّالِبَةِ مِنهُ مَعْرِفَةَ مَصالِحِ الدِّينِ مَعَ احْتِياجِهِ إلى المَعْرِفَةِ فَأغْناهُ اللَّهُ تَعالى بِالوَحْيِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْفى ما فِيهِ. وحُذِفَ المَفْعُولُ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ لِظُهُورِ المُرادِ مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ. وقِيلَ: لِيَدُلَّ عَلى سِعَةِ الكَرَمِ، والمُرادُ آواكَ وآوى لَكَ وبِكَ وهَداكَ ولَكَ وبِكَ وأغْناكَ ولَكَ وبِكَ وظاهِرُ الفاءِ مَعَ تِلْكَ الأفْعالِ تَأْبى ذَلِكَ. وأطالَ الإمامُ الكَلامَ في الآياتِ وأتى فِيها بِغَثٍّ وسَمِينٍ ولَوْلا خَشْيَةُ المَلَلِ لَذَكَرْنا ما فِيهِ.
الضحى 93:9
﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فَلا تَسْتَذِلَّهُ كَما قالَ ابْنُ سَلّامٍ وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ: لا تَحْتَقِرْ. وقالَ سُفْيانُ:
لا تَظْلِمْهُ بِتَضْيِيعِ مالِهِ. وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: لا تَغْلِبْهُ عَلى مالِهِ، ولَعَلَّ التَّقْيِيدَ لِمُراعاةِ الغالِبِ والأوْلى حَمْلُ القَهْرِ عَلى الغَلَبَةِ والتَّذْلِيلِ مُعابانِ يُرادُ التَّسَلُّطُ بِما يُؤْذِي أوْ بِاسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ عَلى القَوْلِ بِجَوازِهِ، وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: القَهْرُ الغَلَبَةُ والتَّذْلِيلُ مَعًا، ويُسْتَعْمَلُ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: «فَلا تَكْهَرْ». بِالكافِ بَدَلَ القافِ، ومَعْناهُ عَلى ما في البَحْرِ: فَلا تَقْهَرْ. وفي تَهْذِيبِ الأزْهَرِيِّ: الكَهْرُ القَهْرُ، والكَهْرُ عُبُوسُ الوَجْهِ، والكَهْرُ الشَّتْمُ، واخْتارَ بَعْضُهم هُنا أوْسَطَها، فالمَعْنى فَلا تَعْبَسْ في وجْهِهِ وهو نَهْيٌ عَنِ الشَّتْمِ والقَهْرِ عَلى ما سَمِعْتَ مِن مَعْناهُ مِن بابِ الأوْلى، وأيًّا ما كانَ فَفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ اليَتِيمِ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ««مَن مَسَحَ عَلى رَأْسِ يَتِيمٍ كانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَيْها يَدُهُ نُورٌ يَوْمَ القِيامَةِ»».
وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا أيْضًا: ««إنَّ اليَتِيمَ إذا بَكى اهْتَزَّ لِبُكائِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِمَلائِكَتِهِ: يا مَلائِكَتِي، مَن أبْكى هَذا اليَتِيمَ
صفحة 164
الَّذِي غُيِّبَ أبُوهُ في التُّرابِ؟ فَيَقُولُ المَلائِكَةُ: أنْتَ أعْلَمُ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: يا مَلائِكَتِي، إنِّي أُشْهِدُكم أنَّ عَلَيَّ لِمَن أسْكَتَهُ وأرْضاهُ أنْ أُرْضِيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ»».
فَكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إذا رَأى يَتِيمًا مَسَحَ رَأْسَهُ وأعْطاهُ شَيْئًا ولَمْ يَصِحَّ في كَيْفِيَّةِ مَسْحِهِ شَيْءٌ، والرِّوايَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ذَلِكَ قَدْ قِيلَ فِيها ما قِيلَ.
ورُوِيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««أنا وكافِلُ اليَتِيمِ كَهاتَيْنِ إذا اتَّقى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ». وأشارَ بِالسَّبّابَةِ والوُسْطى». إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ.
الضحى 93:10
﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أيْ: فَلا تَزْجُرْهُ ولَكِنْ تَفَضَّلْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أوْ رُدَّهُ بِقَوْلٍ جَمِيلٍ، وأُرِيدَ بِهِ عِنْدَ جَمْعٍ: السّائِلُ المُسْتَجْدِي الطّالِبُ لِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا، وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ أيْضًا وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُّؤّالُ يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ، وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ: السّائِلُ يُرِيدُ الآخِرَةَ يَجِيءُ إلى بابِ أحَدِكم فَيَقُولُ: أتَبْعَثُونَ إلى أهْلِيكم بِشَيْءٍ.
وِشاعَ حَدِيثُ: ««لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ»».
وقَدْ قالَ فِيهِ الإمامُ أحْمَدُ كَما في تَمْيِيزِ الطَّيِّبِ مِنَ الخَبِيثِ: لا أصْلَ لَهُ. وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَوْقُوفًا وسَكَتَ عَنْهُ، وقالَ العِراقِيُّ: سَنَدُهُ جَيِّدٌ، وتَبِعَهُ غَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إنَّهُ لَيْسَ بِالقَوِيِّ وعَوَّلَ كَثِيرٌ عَلى ما قالَ الإمامُ أحْمَدُ: وفي مَعْناهُ احْتِمالانِ كُلٌّ مِنهُما يُؤْذِنُ بِالِاهْتِمامِ بِأمْرِ السّائِلِ. ورُوِيَ مِن طُرُقٍ عَنْ عائِشَةَ وغَيْرِها: لَوْ صَدَقَ السّائِلُ ما أفْلَحَ مَن رَدَّهُ. وهو أيْضًا عَلى ما قالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: لا أصْلَ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: جَمِيعُ أسانِيدِهِ لَيْسَتْ بِالقَوِيَّةِ. نَعَمْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا ما يَقْرُبُ مِنهُ وهُوَ: ««لَوْلا أنَّ المَساكِينَ يَكْذِبُونَ ما أفْلَحَ مَن رَدَّهُمْ»».
ولَمْ أقِفْ عَلى مَن تَعَقَّبَهُ. ثُمَّ النَّهْيُ عَلى النَّهْرِ عَلى ما قالُوا إذا لَمْ يُلِحَّ في السُّؤالِ فَإنْ ألَحَّ ولَمْ يَنْفَعِ الرَّدُّ اللَّيِّنُ فَلا بَأْسَ بِالزَّجْرِ. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ والحَسَنُ وسُفْيانُ وغَيْرُهُمُ: المُرادُ بِالسّائِلِ هُنا السّائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِّينِ لا سائِلُ المالِ. ولَعَلَّ النَّهْيَ عَنْ زَجْرِهِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ يُعْلَمُ بِالأوْلى ويَشْهَدُ لِلْأوْلَوِيَّةِ أنَّهُ لا وعِيدَ عَلى تَرْكِ إعْطاءِ المُسْتَجْدِي لِمَن يَجِدُ ما يَسْتَجْدِيهِ بِخِلافِ تَرْكِ جَوابِ سائِلِ العِلْمِ لِمَن يَعْلَمُ، فَفي الحَدِيثِ: ««مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ»». وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما قِيلَ مِن أنَّ الظّاهِرَ الثّانِي مِنَ القَوْلَيْنِ.
الضحى 93:11
﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ فَإنَّ التَّحَدُّثَ بِها شُكْرٌ لَها كَما قالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وقَتادَةُ والفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وأبُو يَعْلى وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا: ««مَن أُعْطِيَ عَطاءً فَوَجَدَ فَلْيُجْزِ بِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَثْنِ بِهِ، فَمَن أثْنى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، ومَن كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ، ومَن تَحَلّى بِما لَمْ يُعْطَ كانَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»».
ولِذا اسْتَحَبَّ بَعْضُ السَّلَفِ التَّحَدُّثَ بِما عَمِلَهُ مِنَ الخَيْرِ إذْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الرِّياءَ والِافْتِخارَ وعَلِمَ الِاقْتِداءَ بِهِ بَلْ بَعْضُ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم حَمَلَ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مِقْسَمٍ قالَ: لَقِيتُ الحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأرْضاهُما فَقُلْتُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ فَقالَ: الرَّجُلُ المُؤْمِنُ يَعْمَلُ عَمَلًا صالِحًا فَيُخْبِرُ بِهِ أهْلَ بَيْتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ فِيها: إذا أصَبْتَ خَيْرًا فَحَدِّثْ إخْوانَكَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالنِّعْمَةِ ما أفاضَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن فُنُونِ النِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرَها بِالنُّبُوَّةِ ورَوَوْا عَنْهُ أيْضًا تَفْسِيرَها بِالقُرْآنِ ووافَقَهُ في الأوَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وفي الثّانِي الكَلْبِيُّ، وعَلَيْهِما المُرادُ بِالتَّحْدِيثِ التَّبْلِيغُ، ولا يَخْفى أنَّ كِلا التَّفْسِيرَيْنِ غَيْرُ مُناسِبٍ لِما قَبْلُ، وهَذِهِ الجُمَلُ الثَّلاثُ مُرَتَّبَةٌ عَلى ما قَبْلَها فَقِيلَ: عَلى اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوَّشِ، وحاصِلُ المَعْنى: أنَّكَ كُنْتَ يَتِيمًا وضالًّا وعائِلًا فَآواكَ وهَداكَ وأغْناكَ فَمَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَنْسَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ في هَذِهِ الثَّلاثِ، واقْتَدِ بِاللَّهِ تَعالى فَتَعَطَّفْ عَلى اليَتِيمِ وتَرَحَّمْ عَلى السّائِلِ فَقَدْ ذُقْتَ اليُتْمَ والفَقْرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ﴾ إلَخْ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ لِعُمُومِهِ وشُمُولِهِ لِهِدايَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ
صفحة 165
الضَّلالِ بِتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ، ولَمْ يُراعِ التَّرْتِيبَ لِتَقْدِيمِ حُقُوقِ العِبادِ عَلى حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، وقِيلَ: لِتَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ أوْ لِلتَّرَقِّي أوْ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ ونُظِرَ في كُلِّ ذَلِكَ. وقالَ الطِّيبِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالسّائِلِ طالِبُ العِلْمِ لا المُسْتَجْدِي وعَلَيْهِ لا مانِعَ مِن كَوْنِ التَّفْصِيلِ عَلى التَّرْتِيبِ فَيُقالُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أحْوالَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى وفْقِ التَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ بِأنْ يُرادَ بِهِدايَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما يَعُمُّ تَوْفِيقَهُ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ في صِباهُ؛ فَقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُوَفَّقًا لِذَلِكَ ولِذا لَمْ يَعْبُدْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَنَمًا، أوْ يُرادُ بِإغْنائِهِ ما كانَ بَعْدَ البَعْثَةِ ثُمَّ فَصَّلَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ فَجَعَلَ عَدَمَ قَهْرِ اليَتِيمِ في مُقابَلَةِ إيوائِهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في يُتْمِهِ، وعَدَمَ زَجْرِ السّائِلِ طالِبِ العِلْمِ والمُتَعَلِّمِ مِنهُ في مُقابَلَةِ هِدايَتِهِ لَهُ، والتَّحَدُّثُ بِالنِّعْمَةِ في مُقابَلَةِ الغِنى، وإنْ كانَتِ النِّعْمَةُ شامِلَةً لَهُ ولِغَيْرِهِ. وآثَرَ سُبْحانَهُ: ﴿فَحَدِّثْ﴾ عَلى «فَخَبِّرْ» قِيلَ: لِيَكُونَ ذِكْرُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَدِيثًا لا يَنْساهُ ويُوجِدُهُ ساعَةً غِبَّ ساعَةٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ونُدِبَ التَّكْبِيرُ عِنْدَ خاتِمَةِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ وكَذا ما بَعْدَها إلى آخِرِ القُرْآنِ العَظِيمِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ أبِي الحَسَنِ البَزِّيِّ المُقْرِي قالَ: «سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بْنَ سُلَيْمانَ يَقُولُ: قَرَأْتُ عَلى إسْماعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ فَلَمّا بَلَغْتُ: ﴿والضُّحى﴾ قالَ: كَبِّرْ عِنْدَ خاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ حَتّى تَخْتِمَ؛ فَإنِّي قَرَأْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ فَلَمّا بَلَغْتُ: ﴿والضُّحى﴾ قالَ: كَبِّرْ حَتّى تَخْتِمَ، وأخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ عَلى مُجاهِدٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ وأخْبَرَهُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أمَرَهُ بِذَلِكَ وأخْبَرَهُ أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمَرَهُ بِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أمَرَهُ بِذَلِكَ،» وكانَ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ بَعْدَ تَأخُّرِهِ وبُطْئِهِ حَتّى قِيلَ ما قِيلَ، هَذا وعَلى ذَلِكَ عَمَلُ النّاسِ اليَوْمَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الشرح 94:1
سُورَةُ الشَّرْحِ
وتُسَمّى سُورَةَ الشَّرْحِ، وهي كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مَكِّيَّةٌ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ زِيادَةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ الضُّحى، وزَعَمَ البِقاعِيُّ أنَّها عِنْدَهُ مَدَنِيَّةٌ، وفي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيها: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، لَكِنْ في صِحَّةِ الحَدِيثِ تَوَقَّفٌ، وآيُها ثَمانٍ بِالِاتِّفاقِ وهي شَدِيدَةُ الِاتِّصالِ بِسُورَةِ الضُّحى حَتّى أنَّهُ رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُما كانا يَقُولانِ: هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، وكانا يَقْرَآنِهِما في الرَّكْعَةِ الواحِدَةِ وما كانا يَفْصِلانِ بَيْنَهُما بِ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وعَلى ذَلِكَ الشِّيعَةُ كَما حَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ مِنهم.
قالَ الإمامُ: والَّذِي دَعا إلى ذَلِكَ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ كالعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأوَّلَ كانَ عِنْدَ اغْتِمامِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن إيذائِهِ الكَفَرَةَ وكانَتِ الحالَةُ حالَ مِحْنَةٍ وضِيقِ صَدْرٍ، والثّانِي يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حالَ النُّزُولِ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ طَيِّبَ القَلْبِ، فَأنّى يَجْتَمِعانِ؟ وفِيهِ نَظَرٌ، والحَقُّ أنَّ مَدارَ مِثْلَ ذَلِكَ الرِّوايَةُ لا الدّارِيَةُ، والمُتَواتِرُ كَوْنُهُما سُورَتَيْنِ والفَصْلُ بَيْنَهُما بِالبَسْمَلَةِ. نَعَمْ هُما مُتَّصِلَتانِ مَعْنًى جِدًّا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما في حَدِيثِ الإسْراءِ الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يا مُحَمَّدُ، ألَمْ أجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُ، وضالًّا فَهَدَيْتُ، وعائِلًا فَأغْنَيْتُ، وشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ، وحَطَطْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ، ورَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ، فَلا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي»». الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ الشَّرْحُ في الأصْلِ الفَسْحُ والتَّوْسِعَةُ، وشاعَ اسْتِعْمالُهُ
صفحة 166
فِي الإيضاحِ، ومِنهُ: شَرَحَ الكِتابَ إذا أوْضَحَهُ لِما أنَّ فَسْحَ الشَّيْءِ وبَسْطَهُ مُسْتَلْزِمٌ لِإظْهارِ باطِنِهِ وما خَفِيَ مِنهُ، وكَذا شاعَ في سُرُورِ النَّفْسِ حَتّى لَوْ قِيلَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِيهِ لَمْ يَبْعُدْ وذَلِكَ إذا تَعَلَّقَ بِالقَلْبِ كَأنْ قِيلَ: شَرَحَ قَلْبَهُ بِكَذا؛ أيْ: سَرَّهُ بِهِ لِما أنَّ القَلْبَ كالمَنزِلِ لِلنَّفْسِ، ويَلْزَمُ عادَةً مِن فَسْحِ المَنزِلِ وتَوْسِعَتِهِ سُرُورُ النّازِلِ فِيهِ وكَذا إذا تَعَلَّقَ بِالصَّدْرِ الَّذِي هو مَحَلُّ القَلْبِ ورُبَّما يُؤْذِنُ ذَلِكَ بِسِعَةِ القَلْبِ لِما أنَّ العادَةَ كالمُطَّرِدَةِ في أنَّ تَوْسِعَةَ ما حَوالَيِ المَنزِلِ إنَّما تَكُونُ إذا كانَ المَنزِلُ واسِعًا فَيُوَسَّعُ ما حَوالَيْهِ لِتَحْصِيلِ زِيادَةِ بَهْجَةٍ ونَحْوِها فِيهِ فَيَنْتَقِلُ مِنهُ إلى سُرُورِ النَّفْسِ بِالواسِطَةِ. وقَدْ يُرادُ بِهِ إذا تَعَلَّقَ بِالقَلْبِ أوِ الصَّدْرِ أيْضًا تَكْثِيرُ ما فِيهِ مِنَ المَعْلُوماتِ فَقِيلَ: يُتَخَيَّلُ أنَّها تَحْتاجُ إلى فَضاءٍ تَكُونُ فِيهِ وأنَّ ذَلِكَ مَحَلٌّ لَها، فَمَتى كانَتْ كَثِيرَةً اقْتَضَتْ أنْ يَكُونَ مَحَلُّها واسِعًا لِيَسَعَها. وقَدْ يُرادُ بِها تَكْثِيرُ ما في النَّفْسِ مِن ذَلِكَ فَقِيلَ أيْضًا: يُتَخَيَّلُ أنَّ تَكْثِيرَ مَعْلُوماتِها يَسْتَدْعِي تَوْسِيعَها، وتَوْسِيعُها يَسْتَدْعِي تَوْسِيعَ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَحَلِّها، وقَدْ يُرادُ بِهِ تَأْيِيدُ النَّفْسِ بِقُوَّةٍ قُدْسِيَّةٍ وأنْوارٍ إلَهِيَّةٍ بِحَيْثُ تَكُونُ مَيْدانًا لِمَواكِبِ المَعْلُوماتِ، وسَماءً لِكَواكِبِ المَلَكاتِ، وعَرْشًا لِأنْواعِ التَّجَلِّياتِ، وفَرْشًا لِسَوائِمِ الوارِداتِ، فَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، ويَسْتَوِي لَدَيْهِ يَكُونُ وكائِنٌ وكانَ. ووَجْهُ نِسْبَتِهِ إلى الصَّدْرِ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ، وإرادَةُ القَلْبِ مِنَ الصَّدْرِ والنَّفْسِ مِنَ القَلْبِ بِعَلاقَةِ المَحَلِّيَّةِ ونَحْوِها مِمّا لا تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ، وإرادَةُ كُلٍّ مِمّا ذُكِرَ بِقَرِينَةِ المَقامِ، والأنْسَبُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ هُنا إرادَةُ هَذا المَعْنى الأخِيرِ. وجَوَّزَ غَيْرُهُ فالمَعْنى: ألَمْ نُفْسِحْ صَدْرَكَ حَتّى حَوى عالَمَيِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وجَمَعَ بَيْنَ مَلَكَتِي الِاسْتِفادَةِ والإفادَةِ فَما صَدَّكَ المُلابَسَةُ بِالعَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ عَنِ اقْتِباسِ أنْوارِ المَلَكاتِ الرُّوحانِيَّةِ، وما عاقَكَ التَّعَلُّقُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في شُؤُونِ الحَقِّ. وقِيلَ: المَعْنى: ألَمْ نُزِلْ هَمَّكَ وغَمَّكَ بِاطِّلاعِكَ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ وحَقارَةِ الدُّنْيا فَهانَ عَلَيْكَ احْتِمالُ المَكارِهِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ونُقِلَ عَنِ الجُمْهُورِ أنَّ المَعْنى: ألَمْ نُفْسِحْهُ بِالحِكْمَةِ ونُوَسِّعْهُ بِتَيْسِيرِنا لَكَ تَلَقِّيَ ما يُوحى إلَيْكَ بَعْدَ ما كانَ يَشُقُّ عَلَيْكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى شَقِّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ في صِباهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ وقَعَ هَذا الشَّقُّ عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ وهو عِنْدَ مُرْضَعَتِهِ حَلِيمَةَ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنْها أنَّها قالَتْ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى الزِّيادَةَ والخَيْرَ حَتّى مَضَتْ سَنَتاهُ وفَصَلْتُهُ فَكانَ يَشِبُّ شَبابًا لا يَشُبُّهُ الغِلْمانُ، فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتّى كانَ غُلامًا جَفْرًا، فَقَدِمْنا بِهِ عَلى أُمِّهِ ونَحْنُ أحْرَصُ شَيْءٍ عَلى بَقائِهِ عِنْدَنا لِما نَرى مِن بَرَكَتِهِ، فَقُلْنا لِأُمِّهِ: لَوْ تَرَكْتِيهِ عِنْدَنا حَتّى يَغْلُظَ فَإنّا نَخْشى عَلَيْهِ وباءَ مَكَّةَ، فَلَمْ نَزَلْ بِها حَتّى رَدَّتْهُ مَعَنا فَرَجَعْنا بِهِ، فَواللَّهِ إنَّهُ لَبَعْدَ مَقْدِمِنا بِهِ بِشَهْرٍ أوْ ثَلاثَةٍ مَعَ أخِيهِ مِنَ الرَّضاعَةِ لَفي بُهْمٍ لَنا خَلْفَ بُيُوتِنا جاءَ أخُوهُ يَشْتَدُّ فَقالَ: ذاكَ أخِي القُرَشِيُّ قَدْ جاءَهُ رَجُلانِ عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ فَأضْجَعاهُ وشَقّا بَطْنَهُ، فَخَرَجْتُ أنا وأبُوهُ نَشْتَدُّ نَحْوَهُ فَوَجَدْناهُ قائِمًا مُنْتَقِعًا لَوْنُهُ، فاعْتَنَقَهُ أبُوهُ وقالَ: أيْ بُنَيَّ، ما شَأْنُكَ؟ قالَ: جاءَنِي رَجُلانِ عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ فَأضْجَعانِي فَشَقّا بَطْنِي ثُمَّ اسْتَخْرَجا مِنهُ شَيْئًا، فَطَرَحاهُ ثُمَّ رَدّاهُ كَما كانَ فَرَجَعْنا بِهِ مَعَنا. فَقالَ أبُوهُ: يا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكُونَ ابْنِي قَدْ أُصِيبَ فانْطَلِقِي فَرُدِّيهِ إلى أهْلِهِ قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ بِهِ ما نَتَخَوَّفُهُ، قالَتْ: فاحْتَمَلْناهُ إلى أُمِّهِ، فَقالَتْ: ما رَدَّكُما بِهِ؟ فَقَدْ كُنْتُما حَرِيصَيْنِ عَلَيْهِ؟ قُلْنا: نَخْشى الِاخْتِلافَ والأحْداثَ. فَقالَتْ ما ذاكَ بِكُما فاصْدُقانِي شَأْنَكُما؟ فَلَمْ تَدَعْنا حَتّى أخْبَرْناها خَبَرَهُ. فَقالَتْ: أخَشِيتُما عَلَيْهِ الشَّيْطانَ، لا واللَّهِ ما لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وإنَّهُ لَكائِنٌ لِابْنِي هَذا شَأْنٌ فَدَعاهُ عِنْدَكُما».
وفِي حَدِيثٍ لِأبِي يَعْلى وأبِي نُعَيْمٍ وابْنِ عَساكِرَ ما يَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِ وُقُوعِ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو عِنْدَ حَلِيمَةَ، وقَدْ وقَعَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا بَعْدَ بُلُوغِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَفي الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أوَّلُ ما رَأيْتَ مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ؟ فاسْتَوى رَسُولُ
صفحة 167
اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسًا، وقالَ: «لَقَدْ سَألْتَ أبا هُرَيْرَةَ، إنِّي لَفي صَحْراءَ ابْنَ عِشْرِينَ سَنَةً وأشْهُرٍ، إذا بِكَلامٍ فَوْقَ رَأْسِي وإذا رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أهُوَ هُوَ، فاسْتَقْبَلانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أرَها بِخَلْقٍ قَطُّ، وأرْواحٍ لَمْ أجِدْها مِن خَلْقٍ قَطُّ، وثِيابٍ لَمْ أجِدْها عَلى أحَدٍ قَطُّ، فَأقْبَلا إلَيَّ يَمْشِيانِ حَتّى إذا دَنَيا أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِعَضُدِي لا أجِدُ لِأخْذِهِما مَسًّا، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: افْلِقْ صَدْرَهُ، فَهَوى أحَدُهُما إلى صَدْرِي فَفَلَقَهُ فِيما أرى بِلا دَمٍ ولا وجَعٍ، فَقالَ لَهُ: أخْرِجِ الغِلَّ والحَسَدَ، فَأخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ العَلَقَةِ، ثُمَّ نَبَذَها، فَقالَ لَهُ: أدْخِلِ الرَّأْفَةَ والرَّحْمَةَ، فَإذا مِثْلُ الَّذِي أخْرَجَ شِبْهَ الفِضَّةِ، ثُمَّ حَزَّ إبْهامَ رِجْلِي اليُمْنى وقالَ: اغْدُ واسْلَمْ، فَرَجَعْتُ أغْدُو بِها رَأْفَةً عَلى الصَّغِيرِ ورَحْمَةً عَلى الكَبِيرِ»».
والَّذِي رَأيْتُهُ في شَرْحِ الهَمْزِيَّةِ لِابْنِ حَجَرٍ المَكِّيِّ رِوايَةُ هَذا الخَبَرِ بِلَفْظٍ آخَرَ وفِيهِ: ««إنِّي لَفي صَحْراءَ واسِعَةٍ ابْنَ عَشْرِ حُجَجٍ إذا أنا بِرَجُلَيْنِ فَوْقَ رَأْسِي يَقُولُ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أهُوَ هُوَ»».
إلى آخِرِ ما فِيهِ فَيَكُونُ الشَّقُّ عَلَيْهِ قَبْلَ البُلُوغِ أيْضًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ عَلى الرِّوايَتَيْنِ لَيْسَ نَصًّا عَلى نَفْيِ وُقُوعِ شَقٍّ قَبْلَهُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الَّذِي اسْتَشْعَرَ مِنهُ النُّبُوَّةَ هو هَذا لا ما قَبْلَهُ، ووَقَعَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا عِنْدَ مَجِيءِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ في غارِ حِراءَ ومِمَّنْ رَوى ذَلِكَ الطَّيالِسِيُّ والحارِثُ في مُسْنَدَيْهِما وكَذا أبُو نُعَيْمٍ ولَفْظُهُ: أنَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ شَقّا صَدْرَهُ وغَسَلاهُ ثُمَّ قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الآياتِ. ووَقَعَ أيْضًا مَرَّةً أُخْرى تَواتَرَتْ بِها الرِّواياتُ خِلافًا لِمَن أنْكَرَها لَيْلَةَ الإسْراءِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ قَتادَةَ قالَ: حَدَّثَنا أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «بَيْنا أنا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ فِيها ماءُ زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي إلى كَذا وكَذا». قالَ قَتادَةُ: قُلْتُ: يَعْنِي لِأنَسٍ: ما تَعْنِي قالَ إلى أسْفَلِ بَطْنِي؟ قالَ: «فاسْتُخْرِجَ قَلْبِي فَغُسِلَ بِماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ أُعِيدَ مَكانَهُ ثُمَّ حُشِيَ إيمانًا وحِكْمَةً، ثُمَّ أُتِيَ بِدابَّةٍ دُونَ البَغْلِ وفَوْقَ الحِمارِ البُراقِ فانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أتَيْنا السَّماءَ الدُّنْيا»». الحَدِيثَ.
وطَعَنَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في ذَلِكَ بِما حاصِلُهُ أنَّهُ يَلْزُمُ عَلى وُقُوعِهِ في الصِّغَرِ وقَبْلَ النُّبُوَّةِ تَقَدُّمُ المُعْجِزَةِ عَلى النُّبُوَّةِ وهو لا يَجُوزُ ووُقُوعُهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وإنْ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ إلّا أنَّ ما ذُكِرَ مَعَهُ مِن حَدِيثِ الغَسْلِ وإدْخالِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ وحَشْوِ الإيمانِ والحِكْمَةِ يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ الغَسْلَ مِمّا لا أثَرَ لَهُ في التَّكْمِيلِ الرُّوحانِيِّ وإنَّما هو لِإزالَةِ أمْرٍ جُسْمانِيٍّ، وأنَّهُ لا يَصِحُّ إدْخالُ ما ذُكِرَ وحَشْوُهُ فَإنَّما هو شَيْءٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في القَلْبِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ فَإنَّ تَقَدُّمَ الخارِقِ عَلى النُّبُوَّةِ جائِزٌ عِنْدَنا ونُسَمِّيهِ إرْهاصًا، والأخْبارُ كَثِيرَةٌ في وُقُوعِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، والغَسْلُ بِالماءِ كانَ لِإزالَةِ أمْرٍ جُسْمانِيٍّ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أزالَهُ وغَسَلَ المَحَلَّ بِماءٍ مَخْصُوصٍ كَماءِ زَمْزَمَ عَلى ما صَحَّ في بَعْضِ الرِّواياتِ ولِذا قالَ البُلْقِينِيُّ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن ماءِ الكَوْثَرِ مُوجِبًا لِتَبْدِيلِ المِزاجِ، وهو مِمّا لَهُ دَخْلٌ في التَّكْمِيلِ الرُّوحانِيِّ ولِذا يَأْمُرُ المَشايِخُ السّالِكِينَ لَدَيْهِمْ بِالرِّياضَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها تَبْدِيلُ المِزاجِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ تَغَيُّرُ أحْوالِ النَّفْسِ وأخْلاقِها صِبًا وكُهُولَةً وشَيْخُوخَةً.
والمُرادُ مِن إدْخالِ الرَّأْفَةِ وحَشْوِ الإيمانِ مَثَلًا إدْخالُ ما بِهِ يَحْصُلُ كَمالُ ذَلِكَ وكَثِيرًا ما يُسَمّى المُسَبَّبُ بِاسْمِ السَّبَبِ مَجازًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وتَجَسُّمُ المَعانِي جائِزٌ. وقالَ العارِفُ بْنُ أبِي جَمْرَةَ كَما في المَواهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ لِلْعَسْقَلانِيِّ ما حاصِلُهُ: إنَّ ما دَلَّ كَلامُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى جَوْهَرِيَّتِهِ وجِسْمِيَّتِهِ مِن أعْيانِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَيْسَ لِلْحَواسِّ إلى إدْراكِها سَبِيلٌ هو كَما دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في نَفْسِ الأمْرِ، وأنَّ الحُكْمَ مِنَ المُتَكَلِّمِ أوْ نَحْوِهِ عَلَيْها بِالعَرْضِيَّةِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ ما ظَهَرَ لَهُ بِعَقْلِهِ، والعَقْلُ حُرٌّ يَقِفُ عِنْدَهُ، والحَقِيقَةُ في الحَقِيقَةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ الشّارِعِ المُؤَيَّدُ بِالوَحْيِ الإلَهِيِّ والنُّورِ القُدْسِيِّ المُحَلِّقِ بِجَناحَيْهِما في جَوِّ الحَقائِقِ إلى حَيْثُ لا يُسْمَعُ لِنَحْلَةِ العَقْلِ دَنْدَنَةٌ ولا لِلرُّواةِ عَنْهُ عَنْعَنَةٌ، فالإيمانُ والحِكْمَةُ ونَحْوَهُما مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُ النَّبِيِّ
صفحة 168
صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى جَوْهَرِيَّتِها جَواهِرُ مَحْسُوسَةٌ لا مَعانٍ وإنْ حَسَبَها مَن حَسَبَها كَذَلِكَ انْتَهى.
والأمْرُ فِيهِ اعْتِقادًا وإنْكارًا إلَيْكَ ولا أُلْزِمُكَ الِاعْتِقادَ فَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ؛ إذْ تَمْثِيلُ المَعانِي قَدْ وقَعَ كَثِيرًا كَما مَثَّلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الجَنَّةَ والنّارَ في عُرْضِ حائِطِ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ، وفائِدَتُهُ كَشْفُ المَعْنَوِيِّ بِالمَحْسُوسِ وهو مَيْلٌ إلى عَدَمِ الوُقُوعِ حَقِيقَةً. وقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: جَمِيعُ ما ورَدَ مِنَ الشَّرْقِ، وإخْراجُ القَلْبِ وغَيْرُهُما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وإنْ كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ ولا يَجُوزُ تَأْوِيلُهُ لِصَلاحِيَةِ القُدْرَةِ لَهُ، ومَن زَعَمَ ذَلِكَ وقَعَ في هُوَّةِ المُعْتَزِلَةِ في تَأْوِيلِهِمْ نُصُوصَ سُؤالِ المَلَكَيْنِ وعَذابِ القَبْرِ ووَزْنِ الأعْمالِ والصِّراطِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِالتَّشَهِّي، وأمّا حِكْمَةُ ذَلِكَ مَعَ إمْكانِ إيجادِ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِدُونِهِ فَقَدْ أطالُوا الكَلامَ في بَيانِها في مَوْضِعِهِ، نَعَمْ حَمْلُ الشَّرْحِ في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ الشَّقِّ ضَعِيفٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ والتَّعْبِيرُ عَنْ ثُبُوتِ الشَّرْحِ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَنِ انْتِفائِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَهُ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِغَيْرِ بَلى، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ لِلْإيذانِ بِعَظَمَتِهِ وجَلالَةِ قَدْرِهِ وزِيادَةُ الجارِّ والمَجْرُورِ مَعَ تَوْسِيطِهِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ الشَّرْحَ مِن مَنافِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَصالِحِهِ مُسارَعَةً إلى إدْخالِ المَسَرَّةِ في قَلْبِهِ الشَّرِيفِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَشْوِيقًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما يُعْقِبُهُ لِيَتَمَكَّنَ عِنْدَهُ وقْتَ وُرُودِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: «ألَمْ نَشْرَحَ» بِفَتْحِ الحاءِ، وخَرَّجَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وجَماعَةٌ عَلى أنَّ الأصْلَ: «ألَمْ نَشْرَحَنْ» بِنُونِ التَّأْكِيدِ الخَفِيفَةِ فَأبْدَلَ مِنَ النُّونِ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا كَما في قَوْلِهِ:
أضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
ولا يَخْفى أنَّ الحَذْفَ هُنا أضْعَفُ مِمّا في البَيْتِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في الأمْرِ وهَذا في النَّفْيِ، ولِهَذا رَوى ابْنُ جِنِّيٍّ في المُنْتَقى عَنْ أبِي مُجاهِدٍ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أصْلًا؛ فَنُونُ التَّوْكِيدِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ الإسْهابُ والإطْنابُ لا الإيجازُ والِاخْتِصارُ، والبَيْتُ يُقالُ إنَّهُ مَصْنُوعٌ، والأوْلى في التَّمْثِيلِ ما أنْشَدَهُ أبُو زَيْدٍ في نَوادِرِهِ:
مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرْ ∗∗∗ أيَوْمٌ لَمْ يُقَدَّرْ أمْ يَوْمٌ قُدِرْ
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: لَعَلَّ أبا جَعْفَرٍ بَيَّنَ الحاءَ وأشْبَعَها في مَخْرَجِها فَظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ فَتَحَها. وفي البَحْرِ أنَّ لِهَذِهِ القِراءَةِ تَخْرِيجًا أحْسَنَ مِمّا ذُكِرَ؛ وهو أنَّ الفَتْحَ عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ مِنَ النَّصْبِ بِلَمْ، فَقَدْ حَكى اللِّحْيانِيُّ في نَوادِرِهِ أنَّ مِنهم مَن يَنْصِبُ بِها ويَجْزِمُ بِلَنْ عَكْسَ المَعْرُوفِ عِنْدَ النّاسِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ عائِشَةَ بِنْتِ الأعْجَمِ تَمْدَحُ المُخْتارَ بْنَ أبِي عُبَيْدٍ:
فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضى رَأْيَهُ قُدُمًا ∗∗∗ ولَمْ يُشاوِرَ في الأمْرِ الَّذِي فَعَلا
وخَرَّجَها بَعْضُهم عَلى أنَّ الفَتْحَ لِمُجاوَرَةِ ما بَعْدَها كالكَسْرِ في قِراءَةِ: «الحَمْدِ لِلَّهِ» بِالجَرِّ وهو لا يَتَأتّى في بَيْتِ عائِشَةَ ويَتَأتّى فِيما عَداهُ مِمّا مَرَّ.
الشرح 94:2
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ عُطِفَ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن مَدْلُولِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ ووَضْعَنا إلَخْ. و«عَنْكَ» مُتَعَلِّقٌ بِ «وضَعْنا» وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِنَ القَصْدِ إلى تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ولِما أنَّ في وصْفِهِ نَوْعَ طُولٍ فَتَأْخِيرُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَنْهُ مُخِلٌّ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، والوِزْرُ الحَمْلُ الثَّقِيلُ؛ أيْ: وحَطَطْنا عَنْكَ حِمْلَكَ الثَّقِيلَ.
الشرح 94:3
﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أيْ: حَمَلَهُ عَلى النَّقِيضِ وهو صَوْتُ الِانْتِقاضِ والِانْفِكاكِ أعْنِي الصَّرِيرَ ولا يَخْتَصُّ بِصَوْتِ المَحامِلِ والرِّجالِ، بَلْ يُضافُ إلى المَفاصِلِ فَيُقالُ: نَقِيضُ المَفاصِلِ ويُرادُ صَوْتُها فَنَقِيضُ الظَّهْرِ ما يُسْمَعُ مِن مَفاصِلِهِ مِنَ الصَّوْتِ لِثِقَلِ الحِمْلِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسَ:
وأنْقُضُ ظَهْرِي ما تَطَوَّيْتُ مِنهُمُ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنا
صفحة 169
وإسْنادُ الإنْقاضِ لِلْحِمْلِ إسْنادٌ لِلسَّبَبِ الحامِلِ مَجازًا، والمُرادُ بِالحِمْلِ المُنْقِضِ هُنا ما صَدَرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ البَعْثَةِ مِمّا يَشُقُّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَذَكُّرُهُ لِكَوْنِهِ في نَظَرِهِ العالِي دُونَ ما هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدُ، أوْ غَفْلَتُهُ عَنِ الشَّرائِعِ ونَحْوِها مِمّا لا يُدْرَكُ إلّا بِالوَحْيِ مَعَ تَطَلُّبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ أوْ حَيْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بَعْضِ الأُمُورِ كَأداءِ حَقِّ الرِّسالَةِ أوِ الوَحْيِ وتَلَقِّيهِ؛ فَقَدْ كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ابْتِداءِ أمْرِهِ جِدًّا، أوْ ما كانَ يَرى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ضَلالِ قَوْمِهِ مَعَ العَجْزِ عَنْ إرْشادِهِمْ لِعَدَمِ طاعَتِهِمْ لَهُ وإذْعانِهِمْ لِلْحَقِّ، أوْ ما كانَ يَرى مِن تَعَدِّيهِمْ في إيذائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ هَمِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن وفاةِ أبِي طالِبٍ وخَدِيجَةَ بِناءً عَلى نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ وفاتِهِما، ويُرادُ بِوَضْعِهِ عَلى الأوَّلِ مَغْفِرَتُهُ، وعَلى الثّانِي إزالَتُهُ غَفْلَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ بِتَعْلِيمِهِ إيّاهُ بِالوَحْيِ ونَحْوِهِ، وعَلى الثّالِثِ إزالَةُ ما يُؤَدِّي لِلْحَيْرَةِ، وعَلى الرّابِعِ تَيْسِيرُهُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَدَرُّبِهِ واعْتِيادِهِ لَهُ، وعَلى الخامِسِ تَوْفِيقُ بَعْضِهِمْ لِلْإسْلامِ كَحَمْزَةَ وعُمَرَ وغَيْرِهِما، وعَلى السّادِسِ تَقْوِيَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى التَّحَمُّلِ، وعَلى السّابِعِ إزالَةُ ذَلِكَ بِرَفْعِهِ إلى السَّماءِ حَتّى لَقِيَهُ كُلُّ مَلَكٍ وحَيّاهُ، وفَوْزُهُ بِمُشاهَدَةِ مَحْبُوبِهِ الأعْظَمِ ومَوْلاهُ عَزَّ وجَلَّ. وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، والوَضْعُ تَرْشِيحٌ لَها ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لَنا في العِصْمَةِ كَما لا يَخْفى. واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ وضْعِ الوِزْرِ كِنايَةً عَنْ عِصْمَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الذُّنُوبِ وتَطْهِيرِهِ مِنَ الأدْناسِ. عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَضْعِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في انْتِفاءِ ذَلِكَ كَما يَقُولُ القائِلُ: رَفَعْتُ عَنْكَ مَشَقَّةَ الزِّيارَةِ. لِمَن لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ زِيارَةٌ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ في انْتِفاءِ الزِّيارَةِ مِنهُ لَهُ، والتَّمْثِيلُ عَلَيْهِ بِحالِهِ عَلى ما قِيلَ. وقِيلَ: المُرادُ وِزْرُ أُمَّتِكَ وإنَّما أُضِيفَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِاهْتِمامِهِ بِشَأْنِهِ وتَفَكُّرِهِ في أمْرِهِ، والمُرادُ بِوَضْعِهِ رَفْعُ غائِلَتِهِ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العاجِلِ ما دامَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ وما دامُوا يَسْتَغْفِرُونَ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا الوَجْهِ. وقَرَأ أنَسٌ: «وحَطَطْنا» و: «حَلَلْنا» مَكانَ: ( وضَعْنا ) . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «وحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ».
الشرح 94:4
﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها، وأيُّ رَفْعٍ مِثْلَ أنْ قَرَنَ اسْمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاسْمِهِ عَزَّ وجَلَّ في كَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ، وجَعَلَ طاعَتَهُ طاعَتَهُ، وصَلّى عَلَيْهِ في مَلائِكَتِهِ، وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، وخاطَبَهُ بِالألْقابِ كَ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾ وذَكَرَهُ سُبْحانَهُ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وأخَذَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأُمَمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ والضَّحّاكِ والحَسَنِ وغَيْرِهِمْ أنَّهم قالُوا في ذَلِكَ: «لا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي».
وفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ: أخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، قالَ: إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي»».
وكانَ ذَلِكَ مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى ما هو أعْظَمُ قَدْرًا مِن إفْرادِ رَفْعِ الذِّكْرِ، ويُشِيرُ إلى عِظَمِ قَدْرِهِ قَوْلُ حَسّانَ:
أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خاتَمٌ مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ
وضَمَّ الإلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إلى اسْمِهِ ∗∗∗ إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنُ أشْهَدُ
ولا يَخْفى لُطْفُ ذِكْرِ الرَّفْعِ بَعْدَ الوَضْعِ، والكَلامُ في العَطْفِ وزِيادَةِ ( لَكَ ) كالَّذِي سَلَفَ.
الشرح 94:5
والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ عَلى ما في الكَشّافِ فَصِيحَةٌ. والكَلامُ وعْدٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَسُوقٌ لِلتَّسْلِيَةِ والتَّنْفِيسِ. قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يُعَيِّرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
صفحة 170
والمُؤْمِنِينَ بِالفَقْرِ والضِّيقَةِ حَتّى سَبَقَ إلى ذِهْنِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهم رَغِبُوا عَنِ الإسْلامِ لِافْتِقارِ أهْلِهِ واحْتِقارِهِمْ، فَذَكَّرَهُ سُبْحانَهُ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ ثُمَّ قالَ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: خَوَّلْناكَ ما خَوَّلْناكَ فَلا تَيْأسْ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ يُسْرًا وهو ظاهِرٌ في أنَّ (ألْ) في العُسْرِ لِلْعَهْدِ، وأمّا التَّنْوِينُ في «يُسْرًا» فَلِلتَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا عَظِيمًا وأيَّ يُسْرٍ، والمُرادُ بِهِ ما تَيَسَّرَ لَهم مِنَ الفُتُوحِ في أيّامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ يُسْرُ الدُّنْيا مُطْلَقًا.
الشرح 94:6
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِتَقْرِيرِ مَعْناها في النُّفُوسِ وتَمْكِينِها في القُلُوبِ كَما هو شَأْنُ التَّكْرِيرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعْدًا مُسْتَأْنَفًا وألْ والتَّنْوِينُ عَلى ما سَبَقَ بَيْدَ أنَّ المُرادَ بِاليُسْرِ هُنا ما تَيَسَّرَ لَهم في أيّامِ الخُلَفاءِ أوْ يُسْرُ الآخِرَةِ، واحْتِمالُ الِاسْتِئْنافِ هو الرّاجِحُ لِما عُلِمَ مِن فَضْلِ التَّأْسِيسِ عَلى التَّأْكِيدِ كَيْفَ وكَلامُ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى أبْلَغِ الِاحْتِمالَيْنِ وأوْفاهُما، والمَقامُ كَما تَقَدَّمَ مَقامُ التَّسْلِيَةِ والتَّنْفِيسِ والِاسْتِئْنافُ نَحْوِيٌّ، وتَجَرُّدُهُ عَنِ الواوِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، ولا يُحْتاجَ إلى بَيانِ نُكْتَةٍ لِأنَّهُ الأصْلُ، وقالَ عِصامُ الدِّينِ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ نُكْتَةُ الفَصْلِ كَوْنَهُ في صُورَةِ التَّكْرِيرِ فاحْفَظْهُ، فَإنَّهُ مِنَ البَدائِعِ وتُعُقِّبَ بِنَحْوِ ما ذَكَرْنا وكانَ الظّاهِرُ عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ المُرادِ بِاليُسْرِ تَعْرِيفُهُ إلّا أنَّهُ أُوثِرَ التَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ فائِدَتَهُ الظُّهُورُ في التَّأْسِيسِ لِأنَّ النَّكِرَةَ المُعادَةَ ظاهِرُها التَّغايُرُ والإشْعارُ بِالفَرْقِ بَيْنَ العُسْرِ واليُسْرِ، ويَظْهَرُ مِمّا ذُكِرَ وجْهُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَرِحًا مَسْرُورًا وهو يَضْحَكُ ويَقُولُ: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا»».
وأفادَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ الكَلامَ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ وعِدَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَيْسِيرِ كُلِّ عَسِيرٍ. فالفاءُ قِيلَ: سَبَبِيَّةٌ، ودَخَلَتْ عَلى السَّبَبِ وإنْ تَعارَفَ دُخُولُها عَلى المُسَبَّبِ لِتُسَبِّبِ ذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِهِ فَإنَّ ذِكْرَ أحَدِهِما يَسْتَدْعِي ذِكْرَ الآخَرِ، وألْ في العُسْرِ لِلِاسْتِغْراقِ فَيَدْخُلُ فِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ. والتَّنْوِينُ في ( يُسْرًا ) عَلى ما سَبَقَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا لَكَ كَذا وكَذا؛ لِأنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ كَضِيقِ الصَّدْرِ والوِزْرِ المُنْقِضِ لِلظَّهْرِ والخُمُولِ يُسْرًا عَظِيمًا كالشَّرْحِ والوَضْعِ ورَفْعِ الذِّكْرِ فَلا تَيْأسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى إذا عَراكَ ما يَغُمُّكَ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ وهو مِن قَبِيلِ تَفْرِيعِ الحُكْمِ عَلى الدَّلِيلِ في صُورَةِ الِاسْتِدْلالِ بِالجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ؛ وذَلِكَ كَما تَقُولُ: أما تَرى إلى الإنْسانِ والفَرَسَ والغَنَمَ كُلَّها تُحَرِّكُ الفَكَّ الأسْفَلَ عِنْدَ المَضْغِ، فاعْلَمْ بِذَلِكَ أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يَفْعَلُ كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
وفِي الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ الِاحْتِمالانِ السّابِقانِ والِاسْتِئْنافُ أيْضًا هو الرّاجِحُ لِما تَقَدَّمَ. وعَلى اتِّحادِ العُسْرِ وتَعَدُّدِ اليُسْرِ يَكُونُ الحاصِلُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِذَيْنِكَ اليُسْرَيْنِ يُسْرٌ دُنْيَوِيٌّ ويُسْرٌ أُخْرَوِيٌّ. وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ تَكْرِيرٌ لِلْأُولى وتَأْكِيدٌ لَها، فاليُسْرُ فِيها عَيْنُ اليُسْرِ في الأُولى كَما أنَّ العُسْرَ كَذَلِكَ، والكَلامُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: إنَّ مَعَ الفارِسِ رُمْحًا، إنَّ مَعَ الفارِسِ رُمْحًا. وهو ظاهِرٌ في وحْدَةِ الفارِسِ والرُّمْحِ. ««ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»». لَيْسَ نَصًّا في الحَمْلِ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ إذْ يَصِحُّ عَلى التَّأْكِيدِ أيْضًا بِأنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى كَوْنِ التَّنْوِينِ في ( يُسْرًا ) لِلتَّفْخِيمِ فَحُمِلَ لِقُوَّةِ الرَّجاءِ عَلى يُسْرِ الدّارَيْنِ وذَلِكَ يُسْرانِ في الحَقِيقَةِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مَعَ أنَّهُ جاءَ عَنْهُ أيْضًا: ««لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»» وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ الخَبَرُ عَلى أنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العُسْرِ ذِكْرَ اليُسْرِ مَرَّتَيْنِ وتَكْرِيرَهُ في مَقامِ الوَعْدِ وهو كَما تَرى.
والمَشْهُورُ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ أنَّهُ شِبْهُ التَّقارُبِ بِالتَّقارُنِ فاسْتُعِيرَ لَفْظُ «مَعَ» لِمَعْنى بَعْدَ؛ وذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في مُعاقَبَةِ اليُسْرِ العُسْرَ واتِّصالِهِ بِهِ. واسْتُشْكِلَ أمْرُ الِاسْتِغْراقِ بِأنَّ مِنَ العُسْرِ
صفحة 171
ما لا يَعْقُبُهُ يُسْرٌ دُنْيَوِيٌّ كالفَقْرِ والمَرَضِ الدّائِمَيْنِ إلى المَوْتِ ولا أراكَ تَرْضى القَوْلَ بِأنَّ المَوْتَ يُسْرٌ دُنْيَوِيٌّ وإنَّ مِنَ العُسْرِ ما لا يَعْقُبُهُ يُسْرٌ أُخْرَوِيٌّ أيْضًا كَعُسْرِ الكافِرِ، والجَوابُ بِأنَّ الحُكْمَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ كَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّسْلِيَةِ والتَّنْفِيسِ ويُشْعِرُ بِهِ ما رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كَتَبَ أبُو عُبَيْدَةَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ وما يَتَخَوَّفُ مِنهم فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّهُ مَهْما يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ شِدَّةٌ يَجْعَلُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَهُ فَرَجًا، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. لا يَحْسِمُ الإشْكالَ؛ إذْ يَبْقى مَعَهُ أنَّ مِن عُسْرِ المُؤْمِنِ ما لا يَعْقُبُهُ يُسْرٌ دُنْيَوِيٌّ كَما هو ظاهِرٌ، بَلْ مِنهُ ما لا يَعْقُبُهُ يُسْرٌ أُخْرَوِيٌّ أيْضًا؛ وذَلِكَ كَعُسْرِ المُؤْمِنِ الجازِعِ فَإنَّهُ لا يُثابُ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ.
والظّاهِرُ مِنَ اليُسْرِ الأُخْرَوِيِّ هو الثَّوابُ فِيها عَلى ذَلِكَ العُسْرِ، وإرادَةُ المُؤْمِنِ الصّابِرِ يَبْقى مَعَها أنَّ مِن عُسْرِهِ أيْضًا ما لا يَعْقُبُهُ اليُسْرُ الدُّنْيَوِيُّ، وأجابَ بَعْضٌ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ بِأنَّ الِاسْتِغْراقَ عُرْفِيٌّ، ويَكْفِي فِيهِ أنَّ العُسْرَ في الغالِبِ يَعْقُبُهُ يُسْرٌ. وعَلى وجْهِ التَّأْسِيسِ بِهَذا مَعَ كَوْنِ الحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِ الصّابِرِ وآخَرَ بِأنَّ الحُكْمَ مَشْرُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى وإنْ لَمْ تُذْكَرْ. قِيلَ: ويُشْعِرُ بِذَلِكَ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَشَّرَ بِهَذِهِ الآيَةِ أصْحابَهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى يُسْرَيْنِ»».
ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأفاضِلِ أنَّهُ يَجُوزُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ أنْ يَكُونَ (مَعَ) عَلى ظاهِرِها والتَّنْوِينُ في ( يُسْرًا ) لِلنَّوْعِيَّةِ ولا إشْكالَ في الِاسْتِغْراقِ؛ إذْ لا يَخْلُو المَرْءُ في حالِ العُسْرِ عَنْ نَوْعٍ مِنَ اليُسْرِ، وأقَلُّهُ دَفْعُ ما هو أعْظَمُ مِمّا أصابَهُ عَنْهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْضًا ويَكُونُ اليُسْرُ العَظِيمُ المُقارِنُ لِلْعُسْرِ هو دَفْعُ ذَلِكَ الأعْظَمِ وما مِن عُسْرٍ إلّا وعِنْدَ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِنهُ وأعْظَمُ، وأنَّهُ لا يَأْبى ذَلِكَ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إمّا لِأنَّ المَعْنى لَنْ يَغْلِبَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العُسْرِ ذِكْرَ اليُسْرِ مَرَّتَيْنِ في مَقامِ التَّسْلِيَةِ، أوْ لِأنَّ الآيَةَ أفادَتْ أنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا وقَدْ عُلِمَ أنَّ بَعْدَهُ آخَرُ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ الغالِبَةُ أوْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ إنْ كانَ نُزُولُهُ مُتَقَدِّمًا. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَعِيَّةَ عَلى حَقِيقَتِها عِنْدَ الخاصَّةِ عَلى مَعْنى أنَّ كُلَّ ما فَعَلَ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ الشَّيْخِ عُمَرَ بْنِ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ:
وتَعْذِيبُكم عَذْبٌ لَدَيَّ وجَوْرُكم عَلَيَّ بِما يَقْضِي الهَوى لَكم عَدْلُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
بر جانم از تو هر جه رسد جاي منت است ∗∗∗ ر ناوك جفاست و ر خنجر ستم
وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ عُسْرًا لِأنَّهُ في نَفْسِهِ وعِنْدَ العامَّةِ كَذَلِكَ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن أصابَهُ مِنَ المُحِبِّينَ المُسْتَعْذِبِينَ لَهُ، والكُلُّ كَما تَرى، ثُمَّ إنَّهُ يُبْعِدُ إرادَةَ المَعِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ ما أخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسًا وحِيالَهُ جُحْرٌ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَوْ جاءَ العُسْرُ فَدَخَلَ هَذا الجُحْرَ لَجاءَ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ». فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ إلَخْ». ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ: وتَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ .
وإرادَةُ العَهْدِ أسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ، وكَأنَّ مَنِ اخْتارَهُ اخْتارَهُ لِذَلِكَ مَعَ الِاسْتِئْناسِ لَهُ بِسَبَبِ النُّزُولِ، لَكِنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظَّواهِرُ ومَقاماتُها الخَطابِيَّةُ الِاسْتِغْراقُ. فَإذا قِيلَ بِهِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِ مَن أصابَهُ العُسْرُ واثِقًا بِاللَّهِ تَعالى حَسَنَ الرَّجاءِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ مُنْقَطِعًا إلَيْهِ سُبْحانَهُ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ القُيُودِ فَتَدَبَّرْ. واللَّهُ تَعالى المُيَسِّرُ لِكُلِّ ما يَتَعَسَّرُ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وأبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: «العُسُرِ» و«يُسُرًا» في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ السِّينِ.
الشرح 94:7
﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ أيْ: مِن عِبادَةٍ كَتَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿فانْصَبْ﴾ فاتْعَبْ في عِبادَةٍ أُخْرى شُكْرًا لِما عَدَدْنا عَلَيْكَ مِنَ النِّعَمِ السّالِفَةِ ووَعَدْناكَ مِنَ الآلاءِ الآنِفَةِ كَأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ ما عَدَّدَ ووَعَدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما وعَدَ بَعَثَهُ عَلى الشُّكْرِ والِاجْتِهادِ في العِبادَةِ وأنْ لا يُخْلِيَ وقْتًا مِن أوْقاتِهِ مِنها، فَإذا فَرَغَ مِن
صفحة 172
عِبادَةٍ أتْبَعَها بِأُخْرى.
الشرح 94:8
﴿وإلى رَبِّكَ﴾ وحْدَهُ ﴿فارْغَبْ﴾ فاحْرِصْ بِالسُّؤالِ ولا تَسْألْ غَيْرَهُ تَعالى فَإنَّهُ القادِرُ عَلى الإسْعافِ لا غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ أيْ: إذا ﴿فَرَغْتَ﴾ مِنَ الصَّلاةِ ﴿فانْصَبْ﴾ في الدُّعاءِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْ: إذا ﴿فَرَغْتَ﴾ مِنَ الفَرائِضِ ﴿فانْصَبْ﴾ في قِيامِ اللَّيْلِ. وعَنِ الحَسَنِ أيْ: إذا ﴿فَرَغْتَ﴾ مِنَ الغَزْوِ فاجْتَهِدْ في العِبادَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ؛ أيْ: إذا فَرَغْتَ مِن أسْبابِ نَفْسِكَ، وفي لَفْظٍ: مِن دُنْياكَ ( فَصَلِّ )، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأنْسَبُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن مَعَهُ فَهو تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ العِباداتِ فَراغًا وشُغْلًا إمّا مِثالًا لِأنَّ اللَّفْظَ خاصٌّ وهو الأظْهَرُ وكَذا يُقالُ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وإمّا لِأنَّ الصَّلاةَ أُمُّ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والدُّعاءُ مُخُّ العِبادَةِ فَهُما هُما. وقَوْلُ الحَسَنِ فِيهِ ما شاعَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ»».
وهُوَ قَرِيبٌ إلّا أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والأمْرَ بِالجِهادِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، ولَعَلَّهُ يَقُولُ بِمَدَنِيَّتِها أوْ مَدَنِيَّةِ هَذِهِ الآيَةِ أوْ أنَّها مِمّا تَأخَّرَ حُكْمُهُ عَنْ نُزُولِهِ كَآياتٍ أُخَرَ. وقَوْلُ مُجاهِدٍ نَظَرَ فِيهِ إلى أنَّ الفَراغَ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الخُلُوِّ عَنِ الأشْغالِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اغْتَنِمْ فَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ»».
وهُوَ أضْعَفُ الأقْوالِ لِبُعْدِهِ عَمّا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ وتُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: الأنْسَبُ أنْ يُرادَ ﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ مِن يُسْرٍ ﴿فانْصَبْ﴾ بِعُسْرٍ آخَرَ طَلَبًا لِلْيُسْرَيْنِ، فَإذا كُنْتَ كَذَلِكَ فَكُنْ راغِبًا إلى رَبِّكَ يَعْنِي لا تَتَحَمَّلْ عُسْرَ الدُّنْيا طَمَعًا في يُسْرَيْنِ فِيها، بَلْ تَحَمَّلْ عُسْرَ طَلَبِ الرَّبِّ وقُرْبَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِلْيُسْرَيْنِ انْتَهى. ولَعَمْرِي إنَّهُ خِلافُ ما يَفْهَمُهُ مَن لا سَقَمَ في ذِهْنِهِ مِنَ اللَّفْظِ.
وأشْعَرَتِ الآيَةُ بِأنَّ اللّائِقَ بِحالِ العَبْدِ أنْ يَسْتَغْرِقَ أوْقاتَهُ بِالعِبادَةِ أوْ بِأنْ يَفْرَغَ إلى العِبادَةِ بَعْدَ أنْ يَفْرَغَ مِن أُمُورِ دُنْياهُ عَلى ما سَمِعْتَ مِن قَوْلِ مُجاهِدٍ فِيها، وذَكَرُوا أنَّ قُعُودَ الرَّجُلِ فارِغًا مِن غَيْرِ شُغْلٍ أوِ اشْتِغالَهُ بِما لا يَعْنِيهِ في دِينِهِ أوْ دُنْياهُ مِن سَفَهِ الرَّأْيِ وسَخافَةِ العَقْلِ واسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنِّي لَأكْرَهُ أنْ أرى أحَدَكم فارِغًا سَبَهْلَلًا لا في عَمَلِ دُنْياهُ ولا في عَمَلِ آخِرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّ شَرِيكًا مَرَّ بِرَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: ما بِهَذا أُمِرَ الفارِغُ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ «فَرِغْتَ» بِكَسْرِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَتْ بِفَصِيحَةٍ. وقَرَأ قَوْمٌ: «فانْصَبْ» بِشَدِّ الباءِ مَفْتُوحَةً مِنَ الِانْصِبابِ، والمُرادُ فَتَوَجَّهْ إلى عِبادَةٍ أُخْرى كُلَّ التَّوَجُّهِ. ونُسِبَ إلى بَعْضِ الإمامِيَّةِ أنَّهُ قَرَأ: «فانْصِبْ» بِكَسْرِ الصّادِ فَقِيلَ: أيْ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ مِنَ النُّبُوَّةِ ﴿فانْصَبْ﴾ عَلِيًّا لِلْإمامَةِ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِيَّةِ الفُعُولِ، فَلِلسُّنِّيِّ أنْ يُقَدِّرَهُ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَإنِ احْتَجَّ الإمامِيُّ بِما وقَعَ في غَدِيرِ خُمٍّ مَنَعَ السُّنِّيُّ دَلالَتَهُ عَلى ما ثَبَتَ عِنْدَهُ عَلى النَّصْبِ، وصِحَّتُهُ عَلى ما يَرْوِيهِ الإمامِيُّ. واحْتَجَّ لِما قَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مُرُوا أبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنّاسِ»».
وقالَ: إنَّهُ أوْفَقُ بِ «إذا فَرَغْتَ» لِما أنَّهُ صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَرَضِ وفاتِهِ قَبْلَ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخِلافِ ما كانَ في الغَدِيرِ؛ فَإنَّهُ لا يُظْهِرُ أنَّ زَمانَهُ فَراغٌ مِنَ النُّبُوَّةِ ظُهُورُ كَوْنِ زَمانِ الأمْرِ كَذَلِكَ وإنْ رَجَعَ. وقالَ: المُرادُ ﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ مِنَ الحَجِّ ﴿فانْصَبْ﴾ عَلِيًّا، ورُدَّ عَلَيْهِ أمْرُ مَكِّيَّةِ السُّورَةِ مَعَ ما لا يَخْفى.
وقالَ في الكَشّافِ: لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لِلرّافِضِيِّ لَصَحَّ لِلنّاصِبِيِّ أنْ يَقْرَأ هَكَذا ويَجْعَلَهُ أمْرًا بِالنَّصْبِ الَّذِي هو بُغْضُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَداوَتُهُ وفِيهِ نَظَرٌ. ومِنَ النّاسِ مَن قَدَّرَ المَفْعُولَ خَلِيفَةً، والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عَنْ عالِمٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «فَرَغِّبْ» أمْرٌ مِن رَغِبَ بِشَدِّ الغَيْنِ أيْ: فَرَغِّبِ النّاسَ إلى طَلَبِ ما عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ.
التين 95:1
صفحة 173
سُورَةُ والتِّينِ
ويُقالُ لَها سُورَةُ التِّينِ بِلا واوٍ، مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةُ وكَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى ما في البَحْرِ ومَجْمَعِ البَيانِ بِرِوايَةِ المُعَدَّلِ.
وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ الضَّرِيسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ ما يُوافِقُ قَوْلَ الجُمْهُورِ، ويُؤَيِّدُهُ إشارَةُ الحُضُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِ مَكَّةُ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ فِيما نَعْلَمُ. وآيُها ثَمانِي آياتٍ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في السُّورَةِ السّابِقَةِ حالَ أكْمَلِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ بِالِاتِّفاقِ بَلْ أكْمَلِ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الإطْلاقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ حالَ النَّوْعِ وما يَنْتَهِي إلَيْهِ أمْرُهُ وما أعَدَّ سُبْحانَهُ لِمَن آمَنَ مِنهُ بِذَلِكَ الفَرْدِ الأكْمَلِ وفَخْرِ هَذا النَّوْعِ المُفَضَّلِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَرَّفَ وعَظُمَ وكَرَّمَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ إقْسامٌ بِبِقاعٍ مُبارَكَةٍ شَرِيفَةٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ، فَأمّا البَلَدُ الأمِينُ فَمَكَّةُ حَماها اللَّهُ تَعالى بِلا خِلافٍ. وجاءَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: ««وهُوَ مَكانُ البَيْتِ الَّذِي هو هُدًى لِلْعالَمِينَ»». ومَوْلِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَبْعَثُهُ و«الأمِينِ» فَعِيلٌ إمّا بِمَعْنى فاعِلٍ؛ أيِ الآمِنِ مِن أمُنَ الرَّجُلُ - بِضَمِّ المِيمِ - أمانَةً فَهو أمِينٌ، وجاءَ أمانٌ أيْضًا كَما جاءَ كَرِيمٌ وكِرامٌ ولَمْ يُسْمَعْ آمِنٌ اسْمَ فاعِلٍ، وسُمِعَ عَلى مَعْنى النَّسَبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ ) بِمَعْنى ذِي أمْنٍ، وأمانَتُهُ أنْ يُحْفَظَ مَن دَخَلَهُ كَما يَحْفَظُ الأمِينُ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، فَفِيهِ تَشْبِيهٌ بِالرَّجُلِ الأمِينِ، وإمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيِ المَأْمُونِ مِن أمَّنَهُ أيْ: لَمْ يُخِفْهُ.
ونِسْبَتُهُ إلى البَلَدِ مَجازِيَّةٌ، والمَأْمُونُ حَقِيقَةُ النّاسِ؛ أيْ: لا تُخافُ غَوائِلُهم فِيهِ أوِ الكَلامُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ أيِ المَأْمُونُ فِيهِ مِنَ الغَوائِلِ، وإقْحامُ اسْمِ الإشارَةِ لِلتَّعْظِيمِ.
وأمّا (طُورِ سِينِينَ) فالجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُقالُ لَهُ طُورُ سَيْناءَ - بِكَسْرِ السِّينِ والمَدِّ وبِفَتْحِها والمَدِّ - وقَدْ قَرَأ بِالأوَّلِ هُنا بَدَلَ ﴿سِينِينَ﴾ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ والحَسَنُ وبِالثّانِي عُمَرُ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ و«طُورِ سَيْنِينَ» بِفَتْحِ السِّينِ وهي لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ. وقَدْ قَرَأ بِها ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وأبُو رَجاءٍ، وفي البَحْرِ أنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ في أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّهُ خِلافُ المَشْهُورِ؛ فَإنَّ المَعْرُوفَ اليَوْمَ بِطُورِ سِينا ما هو بِقُرْبِ التِّيهِ بَيْنَ مِصْرَ والعَقَبَةِ. و«سِينِينَ» قِيلَ: اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ الَّتِي فِيها الجَبَلُ أُضِيفَ إلَيْهِ الطُّورُ ويُعامَلُ في الإعْرابِ مُعامَلَةَ بِيرُونَ ونَحْوِهِ فَيُعْرَبُ بِالواوِ والياءِ ويُقَرُّ عَلى الياءِ وتُحَرَّكُ النُّونُ بِحَرَكاتِ الإعْرابِ.
وقالَ الأخْفَشُ ﴿سِينِينَ﴾ جَمْعٌ بِمَعْنى شَجَرٍ واحِدَتُهُ سِينَةٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: طُورُ الأشْجارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿سِينِينَ﴾ هو الحَسَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ عَنِ الضَّحّاكِ وكَذَلِكَ أخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ بِزِيادَةِ: بِلِسانِ الحَبَشَةِ. وأخْرَجَ هو أيْضًا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُما عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: سِينِينَ مُبارَكٌ حَسَنٌ ذُو شَجَرٍ، والإضافَةُ عَلى ما ذُكِرَ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ. وأمّا ( التِّينِ والزَّيْتُونِ ) فَرَوى جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الأوَّلَ مِنهُما الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والثّانِي الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ. ويُقالُ عَلى ما أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي حَبِيبٍ الحارِثِ بْنِ مُحَمَّدٍ لِلْأوَّلِ: طُورُ تِينا، ولِلثّانِي طُورُ زِيتًا، وذَلِكَ لِأنَّهُما مَنبَتا التِّينِ والزَّيْتُونِ، وكانَ الكَلامُ عَلى هَذا إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ عَلى التَّجَوُّزِ؛ بِأنْ يَكُونَ قَدْ تَجَوَّزَ التِّينُ والزَّيْتُونُ عَنْ مَنبِتَيْهِما وشاعَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الفارِسِيِّ أنَّ التِّينَ مَسْجِدُ دِمَشْقَ والزَّيْتُونَ بَيْتُ المَقْدِسِ، ولَعَلَّ إطْلاقَهُما عَلَيْهِما لِأنَّ فِيهِما شَجَرًا مِن جِنْسِهِما. وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُما دِمَشْقُ وإيلِياءُ بَلَدُ بَيْتِ المَقْدِسِ وكَأنَّ تَسْمِيَتَها بِذَلِكَ مِن تَسْمِيَةِ المَحَلِّ بِاسْمِ الحالِّ فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُما
صفحة 174
مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ ومَسْجِدُ إيلِياءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُما مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ وبَيْتُ المَقْدِسِ. وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّهُما الكُوفَةُ والشّامُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الكُوفَةَ بَلْدَةٌ إسْلامِيَّةٌ مَصَّرَها سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ في أيّامِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَعَلَّهُ أرادَ الأرْضَ الَّتِي تُسَمّى اليَوْمَ بِالكُوفَةِ؛ فَقَدْ كانَتْ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ مَنزِلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الكُوفَةَ بَلَدٌ كانَتْ قَبْلُ لَكِنَّها خَرِبَتْ فَجُدِّدَتْ في أيّامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: هُما جِبالٌ ما بَيْنَ حُلْوانَ وهَمَذانَ وجِبالِ الشّامِ؛ لِأنَّهُما مَنابِتُهُما وأيًّا ما كانَ فالمُتَعاطِفاتُ مُتَناسِبَةٌ في أنَّ المُرادَ بِها أماكِنُ مَخْصُوصَةٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِما الشَّجَرانِ المَعْرُوفانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «التِّينُ والزَّيْتُونُ» الفاكِهَةُ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وحَكاهُ في البَحْرِ أيْضًا عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ وخَصَّهُما اللَّهُ تَعالى عَلى هَذا القَوْلِ بِالإقْسامِ بِهِما مِن بِينَ الثِّمارِ لِاخْتِصاصِهِما بِخَواصَّ جَلِيلَةٍ، فَإنَّ التِّينَ فاكِهَةٌ طَيِّبَةٌ لا فُضْلَ لَها، وغِذاءٌ لَطِيفٌ سَرِيعُ الِانْهِضامِ، بَلْ قِيلَ: إنَّهُ أصَحُّ الفَواكِهِ غِذاءً إذا أُكِلَ عَلى الخَلاءِ ولَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ، وهو دَواءٌ كَثِيرُ النَّفْعِ يَفْتَحُ السُّدَدَ، ويُقَوِّي الكَبِدَ ويُذْهِبُ الطُّحالَ وعُسْرَ البَوْلِ وهُزالَ الكُلى والخَفَقانَ والرَّبْوَ وعُسْرَ النَّفَسِ والسُّعالَ وأوْجاعَ الصَّدْرِ وخُشُونَةَ القَصَبَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وعَنْ عَلَيِّ الرِّضا بْنِ مُوسى الكاظِمِ عَلى جَدِّهِما وعَلَيْهِما السَّلامُ أنَّهُ يُزِيلُ نَكْهَةَ الفَمِ ويُطَوِّلُ الشَّعْرَ وهو أمانٌ مِنَ الفالِجِ.
ورَوى أبُو ذَرٍّ أنَّهُ «أُهْدِيَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَبَقٌ مِن تِينٍ فَأكَلَ مِنهُ وقالَ لِأصْحابِهِ: «كُلُوا، فَلَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً نَزَلَتْ مِنَ الجَنَّةِ لَقُلْتُ هَذِهِ؛ لِأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عُجْمٍ فَكُلُوها فَإنَّها تَقْطَعُ البَواسِيرَ وتَنْفَعُ مِنَ النِّقْرِسِ»».
ولَمْ أقِفْ لِلْمُحَدِّثِينَ عَلى شَيْءٍ في هَذا الحَدِيثِ، لَكِنْ قالَ داوُدُ الطَّبِيبُ بَعْدَ سَرْدِ نُبْذَةٍ مِن خَواصِّ التِّينِ وفي نَفْعِهِ مِنَ البَواسِيرِ؛ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وذُكِرَ أنَّ نَفْعَهُ مِنَ النِّقْرِسِ إذا دُقَّ مَعَ دَقِيقِ الشَّعِيرِ أوِ القَمْحِ أوِ الحُلْبَةِ، وذُكِرَ أنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْفَعُ مِنَ الأوْرامِ الغَلِيظَةِ وأوْجاعِ المَفاصِلِ ولَهُ مُفْرَدًا ومُرَكَّبًا خَواصُّ أُخْرى كَثِيرَةٌ، وكَذا لِشَجَرَتِهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ الطِّبِّ وما أشْبَهَ شَجَرَتَهُ بِمُؤَثِّرٍ عَلى نَفْسِهِ وبِكَرِيمٍ يَفْعَلُ ولا يَقُولُ. وأمّا الزَّيْتُونُ فَهو إدامٌ ودَواءٌ وفاكِهَةٌ فِيما قِيلَ، وقالُوا: إنَّ المُكَلَّسَ مِنهُ لا شَيْءَ مِثْلُهُ في الهَضْمِ والتَّسْمِينِ وتَقْوِيَةِ الأعْضاءِ ويَكْفِيهِ فَضْلًا دُهْنُهُ الَّذِي عَمَّ الِاصْطِباحُ بِهِ في المَساجِدِ ونَحْوِها مَعَ ما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ كَتَحْسِينِ الألْوانِ وتَصْفِيَةِ الأخْلاطِ وشَدِّ الأعْصابِ وكَفَتْحِ السُّدَدِ وإخْراجِ الدُّودِ والإدْرارِ وتَفْتِيتِ الحَصى وإصْلاحِ الكُلى شُرْبًا بِالماءِ الحارِّ وكَقَلْعِ البَياضِ وتَقْوِيَةِ البَصَرِ اكْتِحالًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وشَجَرَتُهُ مِنَ الشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ المَشْهُودِ لَها في التَّنْزِيلِ، وإذا تَتَبَّعْتَ خَواصَّ أجْزائِها ظَهَرَ لَكَ أنَّها أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا.
«وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ مَرَّ بِشَجَرَةِ زَيْتُونٍ فَأخَذَ مِنها سِواكًا فاسْتاكَ بِهِ وقالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «نِعْمَ السِّواكُ الزَّيْتُونُ مِنَ الشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ يُطَيِّبُ الفَمَ ويَذْهَبُ بِالحَفْرَةِ»». وسَمِعْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: ««هُوَ سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلِي»».
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ تَفْسِيرَهُما بِما ذُكِرَ هو الصَّحِيحُ، وكَأنَّ المُرادَ عَلَيْهِ تِينُ تِلْكَ الأماكِنِ المُقَدَّسَةِ وزَيْتُونُها، والغَرَضُ مِنَ القَسَمِ بِتِلْكَ الأشْياءِ الإبانَةُ عَنْ شَرَفِ البِقاعِ المُبارَكَةِ وما ظَهَرَ فِيها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، ويَرْجِعُ إلى القَسَمِ بِالأرْضِ المُبارَكَةِ وبِالبَلَدِ الأمِينِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى فَضْلِ البَلَدِ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ صاحِبِ الكَشّافِ وبَيَّنُ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ:
وذَلِكَ أنَّهُ فَصَلَ بَرَكَتَيِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ بِذِكْرِ الشَّجَرَتَيْنِ أوْ تَمْرَتَيْهِما، والطُّورُ الَّذِي نُودِيَ مِنهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونابَ المَجْمُوعُ مَنابَ والأرْضِ المُبارَكَةِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، فَظَهَرَ التَّناسُبُ في العَطْفِ عَلى وجْهٍ بَيِّنٍ؛ إذْ عَطَفَ البَلَدَ عَلى مَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّها
صفحة 175
كالفَرْدِ بِهَذا الِاعْتِبارِ كَأنَّهُ قِيلَ: والأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها دِينًا ودُنْيا، والبَلَدِ الآمِنِ مَن دَخَلَهُ في الدّارَيْنِ وذَلِكَ بَرَكَةٌ يَتَضاءَلُ دُونَها كُلُّ بَرَكَةٍ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أنَّ شَرَفَ تِلْكَ البِقاعِ بِمُناجاةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ أيّامًا مَعْدُودَةً، وكَمْ نُوجِيَتْ في البَلَدِ الأمِينِ ثُمَّ قالَ: والحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ أُرِيدَ المَنابِتُ أوِ الشَّجَرُ أنْ يَفُوتَهُ المُناسَبَةُ بَيْنَ الأوَّلَيْنِ والبَلَدِ الأمِينِ؛ لِأنَّ مُناسِبَةَ طُورِ سِينِينَ لِلْبَلَدِ غَيْرُ مُناسَبَتِهِ لَهُما، والكَلامُ مَسُوقٌ لِلْأوَّلِ. انْتَهى. فَتَأمَّلْ؛ فَإنَّهُ دَقِيقٌ.
وأيًّا ما كانَ فَجَوابُ القَسَمِ.
التين 95:2
صفحة 173
سُورَةُ والتِّينِ
ويُقالُ لَها سُورَةُ التِّينِ بِلا واوٍ، مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةُ وكَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى ما في البَحْرِ ومَجْمَعِ البَيانِ بِرِوايَةِ المُعَدَّلِ.
وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ الضَّرِيسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ ما يُوافِقُ قَوْلَ الجُمْهُورِ، ويُؤَيِّدُهُ إشارَةُ الحُضُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِ مَكَّةُ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ فِيما نَعْلَمُ. وآيُها ثَمانِي آياتٍ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في السُّورَةِ السّابِقَةِ حالَ أكْمَلِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ بِالِاتِّفاقِ بَلْ أكْمَلِ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الإطْلاقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ حالَ النَّوْعِ وما يَنْتَهِي إلَيْهِ أمْرُهُ وما أعَدَّ سُبْحانَهُ لِمَن آمَنَ مِنهُ بِذَلِكَ الفَرْدِ الأكْمَلِ وفَخْرِ هَذا النَّوْعِ المُفَضَّلِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَرَّفَ وعَظُمَ وكَرَّمَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ إقْسامٌ بِبِقاعٍ مُبارَكَةٍ شَرِيفَةٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ، فَأمّا البَلَدُ الأمِينُ فَمَكَّةُ حَماها اللَّهُ تَعالى بِلا خِلافٍ. وجاءَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: ««وهُوَ مَكانُ البَيْتِ الَّذِي هو هُدًى لِلْعالَمِينَ»». ومَوْلِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَبْعَثُهُ و«الأمِينِ» فَعِيلٌ إمّا بِمَعْنى فاعِلٍ؛ أيِ الآمِنِ مِن أمُنَ الرَّجُلُ - بِضَمِّ المِيمِ - أمانَةً فَهو أمِينٌ، وجاءَ أمانٌ أيْضًا كَما جاءَ كَرِيمٌ وكِرامٌ ولَمْ يُسْمَعْ آمِنٌ اسْمَ فاعِلٍ، وسُمِعَ عَلى مَعْنى النَّسَبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ ) بِمَعْنى ذِي أمْنٍ، وأمانَتُهُ أنْ يُحْفَظَ مَن دَخَلَهُ كَما يَحْفَظُ الأمِينُ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، فَفِيهِ تَشْبِيهٌ بِالرَّجُلِ الأمِينِ، وإمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيِ المَأْمُونِ مِن أمَّنَهُ أيْ: لَمْ يُخِفْهُ.
ونِسْبَتُهُ إلى البَلَدِ مَجازِيَّةٌ، والمَأْمُونُ حَقِيقَةُ النّاسِ؛ أيْ: لا تُخافُ غَوائِلُهم فِيهِ أوِ الكَلامُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ أيِ المَأْمُونُ فِيهِ مِنَ الغَوائِلِ، وإقْحامُ اسْمِ الإشارَةِ لِلتَّعْظِيمِ.
وأمّا (طُورِ سِينِينَ) فالجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُقالُ لَهُ طُورُ سَيْناءَ - بِكَسْرِ السِّينِ والمَدِّ وبِفَتْحِها والمَدِّ - وقَدْ قَرَأ بِالأوَّلِ هُنا بَدَلَ ﴿سِينِينَ﴾ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ والحَسَنُ وبِالثّانِي عُمَرُ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ و«طُورِ سَيْنِينَ» بِفَتْحِ السِّينِ وهي لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ. وقَدْ قَرَأ بِها ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وأبُو رَجاءٍ، وفي البَحْرِ أنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ في أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّهُ خِلافُ المَشْهُورِ؛ فَإنَّ المَعْرُوفَ اليَوْمَ بِطُورِ سِينا ما هو بِقُرْبِ التِّيهِ بَيْنَ مِصْرَ والعَقَبَةِ. و«سِينِينَ» قِيلَ: اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ الَّتِي فِيها الجَبَلُ أُضِيفَ إلَيْهِ الطُّورُ ويُعامَلُ في الإعْرابِ مُعامَلَةَ بِيرُونَ ونَحْوِهِ فَيُعْرَبُ بِالواوِ والياءِ ويُقَرُّ عَلى الياءِ وتُحَرَّكُ النُّونُ بِحَرَكاتِ الإعْرابِ.
وقالَ الأخْفَشُ ﴿سِينِينَ﴾ جَمْعٌ بِمَعْنى شَجَرٍ واحِدَتُهُ سِينَةٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: طُورُ الأشْجارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿سِينِينَ﴾ هو الحَسَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ عَنِ الضَّحّاكِ وكَذَلِكَ أخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ بِزِيادَةِ: بِلِسانِ الحَبَشَةِ. وأخْرَجَ هو أيْضًا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُما عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: سِينِينَ مُبارَكٌ حَسَنٌ ذُو شَجَرٍ، والإضافَةُ عَلى ما ذُكِرَ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ. وأمّا ( التِّينِ والزَّيْتُونِ ) فَرَوى جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الأوَّلَ مِنهُما الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والثّانِي الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ. ويُقالُ عَلى ما أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي حَبِيبٍ الحارِثِ بْنِ مُحَمَّدٍ لِلْأوَّلِ: طُورُ تِينا، ولِلثّانِي طُورُ زِيتًا، وذَلِكَ لِأنَّهُما مَنبَتا التِّينِ والزَّيْتُونِ، وكانَ الكَلامُ عَلى هَذا إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ عَلى التَّجَوُّزِ؛ بِأنْ يَكُونَ قَدْ تَجَوَّزَ التِّينُ والزَّيْتُونُ عَنْ مَنبِتَيْهِما وشاعَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الفارِسِيِّ أنَّ التِّينَ مَسْجِدُ دِمَشْقَ والزَّيْتُونَ بَيْتُ المَقْدِسِ، ولَعَلَّ إطْلاقَهُما عَلَيْهِما لِأنَّ فِيهِما شَجَرًا مِن جِنْسِهِما. وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُما دِمَشْقُ وإيلِياءُ بَلَدُ بَيْتِ المَقْدِسِ وكَأنَّ تَسْمِيَتَها بِذَلِكَ مِن تَسْمِيَةِ المَحَلِّ بِاسْمِ الحالِّ فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُما
صفحة 174
مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ ومَسْجِدُ إيلِياءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُما مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ وبَيْتُ المَقْدِسِ. وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّهُما الكُوفَةُ والشّامُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الكُوفَةَ بَلْدَةٌ إسْلامِيَّةٌ مَصَّرَها سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ في أيّامِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَعَلَّهُ أرادَ الأرْضَ الَّتِي تُسَمّى اليَوْمَ بِالكُوفَةِ؛ فَقَدْ كانَتْ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ مَنزِلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الكُوفَةَ بَلَدٌ كانَتْ قَبْلُ لَكِنَّها خَرِبَتْ فَجُدِّدَتْ في أيّامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: هُما جِبالٌ ما بَيْنَ حُلْوانَ وهَمَذانَ وجِبالِ الشّامِ؛ لِأنَّهُما مَنابِتُهُما وأيًّا ما كانَ فالمُتَعاطِفاتُ مُتَناسِبَةٌ في أنَّ المُرادَ بِها أماكِنُ مَخْصُوصَةٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِما الشَّجَرانِ المَعْرُوفانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «التِّينُ والزَّيْتُونُ» الفاكِهَةُ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وحَكاهُ في البَحْرِ أيْضًا عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ وخَصَّهُما اللَّهُ تَعالى عَلى هَذا القَوْلِ بِالإقْسامِ بِهِما مِن بِينَ الثِّمارِ لِاخْتِصاصِهِما بِخَواصَّ جَلِيلَةٍ، فَإنَّ التِّينَ فاكِهَةٌ طَيِّبَةٌ لا فُضْلَ لَها، وغِذاءٌ لَطِيفٌ سَرِيعُ الِانْهِضامِ، بَلْ قِيلَ: إنَّهُ أصَحُّ الفَواكِهِ غِذاءً إذا أُكِلَ عَلى الخَلاءِ ولَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ، وهو دَواءٌ كَثِيرُ النَّفْعِ يَفْتَحُ السُّدَدَ، ويُقَوِّي الكَبِدَ ويُذْهِبُ الطُّحالَ وعُسْرَ البَوْلِ وهُزالَ الكُلى والخَفَقانَ والرَّبْوَ وعُسْرَ النَّفَسِ والسُّعالَ وأوْجاعَ الصَّدْرِ وخُشُونَةَ القَصَبَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وعَنْ عَلَيِّ الرِّضا بْنِ مُوسى الكاظِمِ عَلى جَدِّهِما وعَلَيْهِما السَّلامُ أنَّهُ يُزِيلُ نَكْهَةَ الفَمِ ويُطَوِّلُ الشَّعْرَ وهو أمانٌ مِنَ الفالِجِ.
ورَوى أبُو ذَرٍّ أنَّهُ «أُهْدِيَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَبَقٌ مِن تِينٍ فَأكَلَ مِنهُ وقالَ لِأصْحابِهِ: «كُلُوا، فَلَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً نَزَلَتْ مِنَ الجَنَّةِ لَقُلْتُ هَذِهِ؛ لِأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عُجْمٍ فَكُلُوها فَإنَّها تَقْطَعُ البَواسِيرَ وتَنْفَعُ مِنَ النِّقْرِسِ»».
ولَمْ أقِفْ لِلْمُحَدِّثِينَ عَلى شَيْءٍ في هَذا الحَدِيثِ، لَكِنْ قالَ داوُدُ الطَّبِيبُ بَعْدَ سَرْدِ نُبْذَةٍ مِن خَواصِّ التِّينِ وفي نَفْعِهِ مِنَ البَواسِيرِ؛ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وذُكِرَ أنَّ نَفْعَهُ مِنَ النِّقْرِسِ إذا دُقَّ مَعَ دَقِيقِ الشَّعِيرِ أوِ القَمْحِ أوِ الحُلْبَةِ، وذُكِرَ أنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْفَعُ مِنَ الأوْرامِ الغَلِيظَةِ وأوْجاعِ المَفاصِلِ ولَهُ مُفْرَدًا ومُرَكَّبًا خَواصُّ أُخْرى كَثِيرَةٌ، وكَذا لِشَجَرَتِهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ الطِّبِّ وما أشْبَهَ شَجَرَتَهُ بِمُؤَثِّرٍ عَلى نَفْسِهِ وبِكَرِيمٍ يَفْعَلُ ولا يَقُولُ. وأمّا الزَّيْتُونُ فَهو إدامٌ ودَواءٌ وفاكِهَةٌ فِيما قِيلَ، وقالُوا: إنَّ المُكَلَّسَ مِنهُ لا شَيْءَ مِثْلُهُ في الهَضْمِ والتَّسْمِينِ وتَقْوِيَةِ الأعْضاءِ ويَكْفِيهِ فَضْلًا دُهْنُهُ الَّذِي عَمَّ الِاصْطِباحُ بِهِ في المَساجِدِ ونَحْوِها مَعَ ما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ كَتَحْسِينِ الألْوانِ وتَصْفِيَةِ الأخْلاطِ وشَدِّ الأعْصابِ وكَفَتْحِ السُّدَدِ وإخْراجِ الدُّودِ والإدْرارِ وتَفْتِيتِ الحَصى وإصْلاحِ الكُلى شُرْبًا بِالماءِ الحارِّ وكَقَلْعِ البَياضِ وتَقْوِيَةِ البَصَرِ اكْتِحالًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وشَجَرَتُهُ مِنَ الشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ المَشْهُودِ لَها في التَّنْزِيلِ، وإذا تَتَبَّعْتَ خَواصَّ أجْزائِها ظَهَرَ لَكَ أنَّها أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا.
«وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ مَرَّ بِشَجَرَةِ زَيْتُونٍ فَأخَذَ مِنها سِواكًا فاسْتاكَ بِهِ وقالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «نِعْمَ السِّواكُ الزَّيْتُونُ مِنَ الشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ يُطَيِّبُ الفَمَ ويَذْهَبُ بِالحَفْرَةِ»». وسَمِعْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: ««هُوَ سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلِي»».
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ تَفْسِيرَهُما بِما ذُكِرَ هو الصَّحِيحُ، وكَأنَّ المُرادَ عَلَيْهِ تِينُ تِلْكَ الأماكِنِ المُقَدَّسَةِ وزَيْتُونُها، والغَرَضُ مِنَ القَسَمِ بِتِلْكَ الأشْياءِ الإبانَةُ عَنْ شَرَفِ البِقاعِ المُبارَكَةِ وما ظَهَرَ فِيها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، ويَرْجِعُ إلى القَسَمِ بِالأرْضِ المُبارَكَةِ وبِالبَلَدِ الأمِينِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى فَضْلِ البَلَدِ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ صاحِبِ الكَشّافِ وبَيَّنُ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ:
وذَلِكَ أنَّهُ فَصَلَ بَرَكَتَيِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ بِذِكْرِ الشَّجَرَتَيْنِ أوْ تَمْرَتَيْهِما، والطُّورُ الَّذِي نُودِيَ مِنهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونابَ المَجْمُوعُ مَنابَ والأرْضِ المُبارَكَةِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، فَظَهَرَ التَّناسُبُ في العَطْفِ عَلى وجْهٍ بَيِّنٍ؛ إذْ عَطَفَ البَلَدَ عَلى مَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّها
صفحة 175
كالفَرْدِ بِهَذا الِاعْتِبارِ كَأنَّهُ قِيلَ: والأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها دِينًا ودُنْيا، والبَلَدِ الآمِنِ مَن دَخَلَهُ في الدّارَيْنِ وذَلِكَ بَرَكَةٌ يَتَضاءَلُ دُونَها كُلُّ بَرَكَةٍ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أنَّ شَرَفَ تِلْكَ البِقاعِ بِمُناجاةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ أيّامًا مَعْدُودَةً، وكَمْ نُوجِيَتْ في البَلَدِ الأمِينِ ثُمَّ قالَ: والحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ أُرِيدَ المَنابِتُ أوِ الشَّجَرُ أنْ يَفُوتَهُ المُناسَبَةُ بَيْنَ الأوَّلَيْنِ والبَلَدِ الأمِينِ؛ لِأنَّ مُناسِبَةَ طُورِ سِينِينَ لِلْبَلَدِ غَيْرُ مُناسَبَتِهِ لَهُما، والكَلامُ مَسُوقٌ لِلْأوَّلِ. انْتَهى. فَتَأمَّلْ؛ فَإنَّهُ دَقِيقٌ.
وأيًّا ما كانَ فَجَوابُ القَسَمِ.
التين 95:3
صفحة 173
سُورَةُ والتِّينِ
ويُقالُ لَها سُورَةُ التِّينِ بِلا واوٍ، مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةُ وكَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى ما في البَحْرِ ومَجْمَعِ البَيانِ بِرِوايَةِ المُعَدَّلِ.
وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ الضَّرِيسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ ما يُوافِقُ قَوْلَ الجُمْهُورِ، ويُؤَيِّدُهُ إشارَةُ الحُضُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِ مَكَّةُ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ فِيما نَعْلَمُ. وآيُها ثَمانِي آياتٍ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في السُّورَةِ السّابِقَةِ حالَ أكْمَلِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ بِالِاتِّفاقِ بَلْ أكْمَلِ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الإطْلاقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ حالَ النَّوْعِ وما يَنْتَهِي إلَيْهِ أمْرُهُ وما أعَدَّ سُبْحانَهُ لِمَن آمَنَ مِنهُ بِذَلِكَ الفَرْدِ الأكْمَلِ وفَخْرِ هَذا النَّوْعِ المُفَضَّلِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَرَّفَ وعَظُمَ وكَرَّمَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ إقْسامٌ بِبِقاعٍ مُبارَكَةٍ شَرِيفَةٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ، فَأمّا البَلَدُ الأمِينُ فَمَكَّةُ حَماها اللَّهُ تَعالى بِلا خِلافٍ. وجاءَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: ««وهُوَ مَكانُ البَيْتِ الَّذِي هو هُدًى لِلْعالَمِينَ»». ومَوْلِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَبْعَثُهُ و«الأمِينِ» فَعِيلٌ إمّا بِمَعْنى فاعِلٍ؛ أيِ الآمِنِ مِن أمُنَ الرَّجُلُ - بِضَمِّ المِيمِ - أمانَةً فَهو أمِينٌ، وجاءَ أمانٌ أيْضًا كَما جاءَ كَرِيمٌ وكِرامٌ ولَمْ يُسْمَعْ آمِنٌ اسْمَ فاعِلٍ، وسُمِعَ عَلى مَعْنى النَّسَبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ ) بِمَعْنى ذِي أمْنٍ، وأمانَتُهُ أنْ يُحْفَظَ مَن دَخَلَهُ كَما يَحْفَظُ الأمِينُ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، فَفِيهِ تَشْبِيهٌ بِالرَّجُلِ الأمِينِ، وإمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيِ المَأْمُونِ مِن أمَّنَهُ أيْ: لَمْ يُخِفْهُ.
ونِسْبَتُهُ إلى البَلَدِ مَجازِيَّةٌ، والمَأْمُونُ حَقِيقَةُ النّاسِ؛ أيْ: لا تُخافُ غَوائِلُهم فِيهِ أوِ الكَلامُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ أيِ المَأْمُونُ فِيهِ مِنَ الغَوائِلِ، وإقْحامُ اسْمِ الإشارَةِ لِلتَّعْظِيمِ.
وأمّا (طُورِ سِينِينَ) فالجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُقالُ لَهُ طُورُ سَيْناءَ - بِكَسْرِ السِّينِ والمَدِّ وبِفَتْحِها والمَدِّ - وقَدْ قَرَأ بِالأوَّلِ هُنا بَدَلَ ﴿سِينِينَ﴾ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ والحَسَنُ وبِالثّانِي عُمَرُ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ و«طُورِ سَيْنِينَ» بِفَتْحِ السِّينِ وهي لُغَةُ بَكْرٍ وتَمِيمٍ. وقَدْ قَرَأ بِها ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وأبُو رَجاءٍ، وفي البَحْرِ أنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ في أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّهُ خِلافُ المَشْهُورِ؛ فَإنَّ المَعْرُوفَ اليَوْمَ بِطُورِ سِينا ما هو بِقُرْبِ التِّيهِ بَيْنَ مِصْرَ والعَقَبَةِ. و«سِينِينَ» قِيلَ: اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ الَّتِي فِيها الجَبَلُ أُضِيفَ إلَيْهِ الطُّورُ ويُعامَلُ في الإعْرابِ مُعامَلَةَ بِيرُونَ ونَحْوِهِ فَيُعْرَبُ بِالواوِ والياءِ ويُقَرُّ عَلى الياءِ وتُحَرَّكُ النُّونُ بِحَرَكاتِ الإعْرابِ.
وقالَ الأخْفَشُ ﴿سِينِينَ﴾ جَمْعٌ بِمَعْنى شَجَرٍ واحِدَتُهُ سِينَةٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: طُورُ الأشْجارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿سِينِينَ﴾ هو الحَسَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ عَنِ الضَّحّاكِ وكَذَلِكَ أخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ بِزِيادَةِ: بِلِسانِ الحَبَشَةِ. وأخْرَجَ هو أيْضًا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُما عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: سِينِينَ مُبارَكٌ حَسَنٌ ذُو شَجَرٍ، والإضافَةُ عَلى ما ذُكِرَ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ. وأمّا ( التِّينِ والزَّيْتُونِ ) فَرَوى جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الأوَّلَ مِنهُما الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، والثّانِي الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ. ويُقالُ عَلى ما أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي حَبِيبٍ الحارِثِ بْنِ مُحَمَّدٍ لِلْأوَّلِ: طُورُ تِينا، ولِلثّانِي طُورُ زِيتًا، وذَلِكَ لِأنَّهُما مَنبَتا التِّينِ والزَّيْتُونِ، وكانَ الكَلامُ عَلى هَذا إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ عَلى التَّجَوُّزِ؛ بِأنْ يَكُونَ قَدْ تَجَوَّزَ التِّينُ والزَّيْتُونُ عَنْ مَنبِتَيْهِما وشاعَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الفارِسِيِّ أنَّ التِّينَ مَسْجِدُ دِمَشْقَ والزَّيْتُونَ بَيْتُ المَقْدِسِ، ولَعَلَّ إطْلاقَهُما عَلَيْهِما لِأنَّ فِيهِما شَجَرًا مِن جِنْسِهِما. وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُما دِمَشْقُ وإيلِياءُ بَلَدُ بَيْتِ المَقْدِسِ وكَأنَّ تَسْمِيَتَها بِذَلِكَ مِن تَسْمِيَةِ المَحَلِّ بِاسْمِ الحالِّ فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُما
صفحة 174
مَسْجِدُ أصْحابِ الكَهْفِ ومَسْجِدُ إيلِياءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُما مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ وبَيْتُ المَقْدِسِ. وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّهُما الكُوفَةُ والشّامُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الكُوفَةَ بَلْدَةٌ إسْلامِيَّةٌ مَصَّرَها سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ في أيّامِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَعَلَّهُ أرادَ الأرْضَ الَّتِي تُسَمّى اليَوْمَ بِالكُوفَةِ؛ فَقَدْ كانَتْ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ مَنزِلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الكُوفَةَ بَلَدٌ كانَتْ قَبْلُ لَكِنَّها خَرِبَتْ فَجُدِّدَتْ في أيّامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: هُما جِبالٌ ما بَيْنَ حُلْوانَ وهَمَذانَ وجِبالِ الشّامِ؛ لِأنَّهُما مَنابِتُهُما وأيًّا ما كانَ فالمُتَعاطِفاتُ مُتَناسِبَةٌ في أنَّ المُرادَ بِها أماكِنُ مَخْصُوصَةٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِما الشَّجَرانِ المَعْرُوفانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «التِّينُ والزَّيْتُونُ» الفاكِهَةُ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وحَكاهُ في البَحْرِ أيْضًا عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ وخَصَّهُما اللَّهُ تَعالى عَلى هَذا القَوْلِ بِالإقْسامِ بِهِما مِن بِينَ الثِّمارِ لِاخْتِصاصِهِما بِخَواصَّ جَلِيلَةٍ، فَإنَّ التِّينَ فاكِهَةٌ طَيِّبَةٌ لا فُضْلَ لَها، وغِذاءٌ لَطِيفٌ سَرِيعُ الِانْهِضامِ، بَلْ قِيلَ: إنَّهُ أصَحُّ الفَواكِهِ غِذاءً إذا أُكِلَ عَلى الخَلاءِ ولَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ، وهو دَواءٌ كَثِيرُ النَّفْعِ يَفْتَحُ السُّدَدَ، ويُقَوِّي الكَبِدَ ويُذْهِبُ الطُّحالَ وعُسْرَ البَوْلِ وهُزالَ الكُلى والخَفَقانَ والرَّبْوَ وعُسْرَ النَّفَسِ والسُّعالَ وأوْجاعَ الصَّدْرِ وخُشُونَةَ القَصَبَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وعَنْ عَلَيِّ الرِّضا بْنِ مُوسى الكاظِمِ عَلى جَدِّهِما وعَلَيْهِما السَّلامُ أنَّهُ يُزِيلُ نَكْهَةَ الفَمِ ويُطَوِّلُ الشَّعْرَ وهو أمانٌ مِنَ الفالِجِ.
ورَوى أبُو ذَرٍّ أنَّهُ «أُهْدِيَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَبَقٌ مِن تِينٍ فَأكَلَ مِنهُ وقالَ لِأصْحابِهِ: «كُلُوا، فَلَوْ قُلْتُ إنَّ فاكِهَةً نَزَلَتْ مِنَ الجَنَّةِ لَقُلْتُ هَذِهِ؛ لِأنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ بِلا عُجْمٍ فَكُلُوها فَإنَّها تَقْطَعُ البَواسِيرَ وتَنْفَعُ مِنَ النِّقْرِسِ»».
ولَمْ أقِفْ لِلْمُحَدِّثِينَ عَلى شَيْءٍ في هَذا الحَدِيثِ، لَكِنْ قالَ داوُدُ الطَّبِيبُ بَعْدَ سَرْدِ نُبْذَةٍ مِن خَواصِّ التِّينِ وفي نَفْعِهِ مِنَ البَواسِيرِ؛ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وذُكِرَ أنَّ نَفْعَهُ مِنَ النِّقْرِسِ إذا دُقَّ مَعَ دَقِيقِ الشَّعِيرِ أوِ القَمْحِ أوِ الحُلْبَةِ، وذُكِرَ أنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْفَعُ مِنَ الأوْرامِ الغَلِيظَةِ وأوْجاعِ المَفاصِلِ ولَهُ مُفْرَدًا ومُرَكَّبًا خَواصُّ أُخْرى كَثِيرَةٌ، وكَذا لِشَجَرَتِهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ الطِّبِّ وما أشْبَهَ شَجَرَتَهُ بِمُؤَثِّرٍ عَلى نَفْسِهِ وبِكَرِيمٍ يَفْعَلُ ولا يَقُولُ. وأمّا الزَّيْتُونُ فَهو إدامٌ ودَواءٌ وفاكِهَةٌ فِيما قِيلَ، وقالُوا: إنَّ المُكَلَّسَ مِنهُ لا شَيْءَ مِثْلُهُ في الهَضْمِ والتَّسْمِينِ وتَقْوِيَةِ الأعْضاءِ ويَكْفِيهِ فَضْلًا دُهْنُهُ الَّذِي عَمَّ الِاصْطِباحُ بِهِ في المَساجِدِ ونَحْوِها مَعَ ما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ كَتَحْسِينِ الألْوانِ وتَصْفِيَةِ الأخْلاطِ وشَدِّ الأعْصابِ وكَفَتْحِ السُّدَدِ وإخْراجِ الدُّودِ والإدْرارِ وتَفْتِيتِ الحَصى وإصْلاحِ الكُلى شُرْبًا بِالماءِ الحارِّ وكَقَلْعِ البَياضِ وتَقْوِيَةِ البَصَرِ اكْتِحالًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وشَجَرَتُهُ مِنَ الشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ المَشْهُودِ لَها في التَّنْزِيلِ، وإذا تَتَبَّعْتَ خَواصَّ أجْزائِها ظَهَرَ لَكَ أنَّها أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا.
«وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ مَرَّ بِشَجَرَةِ زَيْتُونٍ فَأخَذَ مِنها سِواكًا فاسْتاكَ بِهِ وقالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «نِعْمَ السِّواكُ الزَّيْتُونُ مِنَ الشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ يُطَيِّبُ الفَمَ ويَذْهَبُ بِالحَفْرَةِ»». وسَمِعْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: ««هُوَ سِواكِي وسِواكُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلِي»».
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ تَفْسِيرَهُما بِما ذُكِرَ هو الصَّحِيحُ، وكَأنَّ المُرادَ عَلَيْهِ تِينُ تِلْكَ الأماكِنِ المُقَدَّسَةِ وزَيْتُونُها، والغَرَضُ مِنَ القَسَمِ بِتِلْكَ الأشْياءِ الإبانَةُ عَنْ شَرَفِ البِقاعِ المُبارَكَةِ وما ظَهَرَ فِيها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، ويَرْجِعُ إلى القَسَمِ بِالأرْضِ المُبارَكَةِ وبِالبَلَدِ الأمِينِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى فَضْلِ البَلَدِ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ صاحِبِ الكَشّافِ وبَيَّنُ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ:
وذَلِكَ أنَّهُ فَصَلَ بَرَكَتَيِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ بِذِكْرِ الشَّجَرَتَيْنِ أوْ تَمْرَتَيْهِما، والطُّورُ الَّذِي نُودِيَ مِنهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونابَ المَجْمُوعُ مَنابَ والأرْضِ المُبارَكَةِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، فَظَهَرَ التَّناسُبُ في العَطْفِ عَلى وجْهٍ بَيِّنٍ؛ إذْ عَطَفَ البَلَدَ عَلى مَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّها
صفحة 175
كالفَرْدِ بِهَذا الِاعْتِبارِ كَأنَّهُ قِيلَ: والأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها دِينًا ودُنْيا، والبَلَدِ الآمِنِ مَن دَخَلَهُ في الدّارَيْنِ وذَلِكَ بَرَكَةٌ يَتَضاءَلُ دُونَها كُلُّ بَرَكَةٍ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أنَّ شَرَفَ تِلْكَ البِقاعِ بِمُناجاةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ أيّامًا مَعْدُودَةً، وكَمْ نُوجِيَتْ في البَلَدِ الأمِينِ ثُمَّ قالَ: والحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ أُرِيدَ المَنابِتُ أوِ الشَّجَرُ أنْ يَفُوتَهُ المُناسَبَةُ بَيْنَ الأوَّلَيْنِ والبَلَدِ الأمِينِ؛ لِأنَّ مُناسِبَةَ طُورِ سِينِينَ لِلْبَلَدِ غَيْرُ مُناسَبَتِهِ لَهُما، والكَلامُ مَسُوقٌ لِلْأوَّلِ. انْتَهى. فَتَأمَّلْ؛ فَإنَّهُ دَقِيقٌ.
وأيًّا ما كانَ فَجَوابُ القَسَمِ.
التين 95:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ إلَخْ. وأُرِيدَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ؛ فَهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ لا مَخْصُوصَ بِالثّانِي، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ وأنَّ الأصْلَ فِيهِ الِاتِّصالُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الإنْسانِ؛ أيْ: كائِنًا في تَقْوِيمٍ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، والتَّقْوِيمُ التَّثْقِيفُ والتَّعْدِيلُ وهو فِعْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَمَعْنى كَوْنِ الإنْسانِ كائِنًا في ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِهِ، نَظِيرَ قَوْلِكَ: فُلانٌ في رِضا زَيْدٍ. بِمَعْنى أنَّهُ مَرْضِيٌّ عَنْهُ. وقالَ الخَفاجِيُّ: هو مُؤَوَّلٌ بِمَعْنى القَوّامِ أوِ المُقَوِّمِ، وفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: قَوامٍ أحْسَنِ تَقْوِيمٍ أوْ «فِي زائِدَةٌ» وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ وقَدْ نابَ فِيهِ عَنِ المَصْدَرِ صِفَتُهُ. والتَّقْدِيرُ: قَوَّمْناهُ تَقْوِيمًا أحْسَنَ تَقْوِيمٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ جَعْلُهُ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ صُورَةً ومَعْنًى، فَيَشْمَلُ ما لَهُ مِنَ انْتِصابِ القامَةِ وحُسْنِ الصُّورَةِ والإحْساسِ وجَوْدَةِ العَقْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ومَن أمْعَنَ نَظَرَهُ في أمْرِهِ وأجالَ فِكْرَهُ في دَقائِقِ ظاهِرِهِ وسِرِّهِ رَآهُ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: مَجْمَعُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ومَطْلَعُ نَيِّرَيْ فَلَكَيِ الإفادَةِ والِاسْتِفادَةِ، والنُّسْخَةُ الجامِعَةُ لِما في رَسائِلِ إخْوانِ الصَّفا وسائِرِ المُتُونِ والشّارِحِ بِطُورِ طُرُوسِ العَجائِبِ الإلَهِيَّةِ المُودَعَةِ فِيهِ لِما كانَ وسَيَكُونُ وظَهَرَ لَهُ صِدْقُ ما قِيلَ: ونُسِبَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ:
دَواؤُكَ فِيكَ ولا تَشْعُرُ وداؤُكَ مِنكَ وما تُبْصِرُ
وتَزْعُمُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ ∗∗∗ وفِيكَ انْطَوى العالَمُ الأكْبَرُ
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أحْسَنِيَّةِ تَقْوِيمِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَسَمَ فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ ما تُذَكِّرُهُ صِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَدُلُّهُ عَلَيْها فَجَعَلَهُ عالِمًا مُرِيدًا قادِرًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وقالَ تَعالى: «تَخَلَّقُوا بِأخْلاقِ اللَّهِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ما لِلسَّيِّدِ عَلى العَبْدِ حَرامٌ».
ويَكْفِي في هَذا البابِ وهو القَوْلُ الفَصْلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ وأمَرَ سُبْحانَهُ مَلائِكَتَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالسُّجُودِ لَهُ وهُمُ المُكَرَّمُونَ لَدَيْهِ.
وجاءَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ، وفي رِوايَةٍ: عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ.
وهِيَ تَأْبى احْتِمالَ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى آدَمَ عَلى مَعْنى خَلَقَهُ غَيْرَ مُتَنَقِّلٍ في الأطْوارِ كَبَنِيهِ ولِكَوْنِهِ النُّسْخَةَ الجامِعَةَ. قالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ الرّازِيُّ: مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ. والنّاسُ يَزْعُمُونَهُ حَدِيثًا ولَيْسَ -كَما قالَ النَّوَوِيُّ- بِثابِتٍ. وعَنْ يَحْيى بْنِ أكْثَمَ وبَعْضِ الحَنَفِيَّةِ أنَّهُما أفْتَيا مَن قالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ لَمْ تَكُونِي أحْسَنَ مِنَ القَمَرِ فَأنْتِ طالِقٌ بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلاقِ، واسْتَدَلّا بِهَذِهِ الآيَةِ في قِصَّةٍ مَشْهُورَةٍ. ولِلشُّعَراءِ في تَفْضِيلِ مَعْشُوقِهِمْ عَلى القَمَرِ لَيْلَةَ تِمِّهِ ما يَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ الحَصْرِ، والحَقُّ أنَّ الفَرْقَ مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ.
التين 95:5
وثُمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوِ الرُّتَبِيِّ والرَّدُّ إمّا بِمَعْنى الجَعْلِ فَيَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ أصْلُهُما المُبْتَدَأُ والخَبَرُ كَما في قَوْلِهِ:
فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودًا
فَأسْفَلَ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ هُنا والمَعْنى: ثُمَّ جَعَلْناهُ مِن أهْلِ النّارِ الَّذِينَ هم أقْبَحُ مِن كُلِّ قَبِيحٍ، وأسْفَلَ مِن كُلِّ سافِلٍ خَلْقًا وتَرْكِيبًا لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى مُوجِبِ ما خَلَقْناهُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّدِّ
صفحة 176
تَغْيِيرَ الحالِ فَهو مُتَعَدٍّ لِواحِدَةٍ. و«أسْفَلَ» حالٌ مِنَ المَفْعُولِ؛ أيْ: رَدَدْناهُ حالَ كَوْنِهِ أقْبَحَ مِن قُبْحِ صُورَةٍ، وأشْوَهَهَ خِلْقَةً، وهم أصْحابُ النّارِ، وأنْ يَكُونَ الرَّدُّ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ، و«أسْفَلَ» مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وجُعِلَ الأسْفَلُ عَلَيْهِ صِفَةً لِمَكانٍ. وأُرِيدَ بِالسّافِلِينَ الأمْكِنَةُ السّافِلَةُ؛ أيْ: رَدَدْناهُ إلى مَكانٍ أسْفَلِ الأمْكِنَةِ السّافِلَةِ وهو جَهَنَّمُ أوِ الدَّرْكُ الأسْفَلُ مِنَ النّارِ، ويُعَكِّرُ عَلى هَذا جَمْعُها جَمْعَ العُقَلاءِ وكَوْنُهُ لِلْفاصِلَةِ أوِ التَّنْزِيلِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ لَيْسَ مِمّا يُهْتَشُّ لَهُ. ولَعَلَّ الأوْلى عَلى ذَلِكَ أنْ يُرادَ إلى أسْفَلَ مَن سَفُلَ مِن أهْلِ الدَّرَكاتِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والنَّخَعِيُّ وقَتادَةُ في رِوايَةٍ: المُرادُ بِذَلِكَ رَدُّهُ إلى الهَرَمِ وضَعْفِ القُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ؛ أيْ: ثُمَّ رَدَدْناهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّقْوِيمِ والتَّحْسِينِ أسْفَلَ مِن سُفْلٍ في حُسْنِ الصُّورَةِ والشَّكْلِ حَيْثُ نَكَّسْناهُ في خَلْقِهِ فَقُوِّسَ ظَهْرُهُ بَعْدَ اعْتِدالِهِ، وابْيَضَّ شَعْرُهُ بَعْدَ سَوادِهِ، وتَشَنَّنَ جِلْدُهُ وكانَ بَضًّا، وكَلَّ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وكانا حَدِيدَيْنِ، وتَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنهُ؛ فَمَشْيُهُ دَلِيفٌ، وصَوْتُهُ خِفاتٌ، وقُوَّتُهُ ضَعْفٌ، وشَهامَتُهُ خَرَفٌ. والآيَةُ عَلى هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ وهو بِاعْتِبارِ الجِنْسِ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلَّ الإنْسانِ كَذَلِكَ وفي إعْرابِ «أسْفَلَ» قِيلَ: الأوْجُهُ السّابِقَةُ والأوْجَهُ مِنهُ غَيْرٌ خَفِيٍّ، ثُمَّ المُتَبادِرُ مِنَ السِّياقِ الإشارَةُ إلى حالِ الكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ وأنَّهُ يَكُونُ عَلى أقْبَحِ صُورَةٍ وأبْشَعِها بَعْدَ أنْ كانَ عَلى أحْسَنِ صُورَةٍ وأبْدَعِها لِعَدَمِ شُكْرِهِ تِلْكَ النِّعْمَةَ، وعَمَلِهِ بِمُوجِبِها، وإرادَةُ ما ذُكِرَ لا يُلائِمُهُ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، والظّاهِرُ ما لاءَمَ ذَلِكَ كَما هو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ وابْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ أيْضًا.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: «السّافِلِينَ» مَقْرُونًا بِألْ.
التين 95:6
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ رَدَدْناهُ العائِدِ عَلى الإنْسانِ؛ فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ؛ فالمُؤْمِنُونَ لا يُرَدُّونَ أسْفَلَ سافِلِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ولا تُقَبَّحُ صُوَرُهم بَلْ يَزْدادُونَ بَهْجَةً إلى بَهْجَتِهِمْ وحُسْنًا إلى حُسْنِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ مِن خُرُوجِهِمْ عَنْ حُكْمِ الرَّدِّ ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ حالِهِمْ وعَلى الأخِيرِ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ: لَهم أجْرٌ خَبَرُهُ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ والكَلامُ عَلى مَعْنى الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لَهم أجْرٌ... إلَخْ. وهو لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ التَّساوِيَ في أرْذَلِ العُمْرِ يَقْتَضِي التَّساوِيَ في غَيْرِهِ فَلا يَرِدُ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ مُنْقَطِعًا والمُؤْمِنُونَ داخِلُونَ في المَرْدُودِينَ إلى أرْذَلِ العُمْرِ غَيْرُ مُخالِفِينَ لِغَيْرِهِمْ في الحُكْمِ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الِانْقِطاعُ لِأنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ إخْراجُهم مِنَ الحُكْمِ وهو مَدارُ الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ -كَما صَرَّحَ بِهِ في الأُصُولِ- لا الخُرُوجِ والدُّخُولِ فَلا تَغْفُلْ.
وحَمَلَ غَيْرُ واحِدٍ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ عَلى الصّالِحِينَ مِنَ الهَرْمى كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنَّ الَّذِينَ كانُوا صالِحِينَ مِنَ الهَرْمى لَهم ثَوابٌ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ لِصَبْرِهِمْ عَلى ما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الهَرَمِ والشَّيْخُوخَةِ المانِعَيْنِ إيّاهم عَنِ النُّهُوضِ لِأداءِ وظائِفِهِمْ مِنَ العِبادَةِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إذا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سافَرَ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا».
وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ ثُمَّ قَرَأ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾» .
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ: إذا ابْتَلَيْتُ عَبْدًا مِن عِبادِي مُؤْمِنًا فَحَمِدَنِي عَلى ما ابْتَلَيْتُهُ فَإنَّهُ يَقُومُ مِن مَضْجَعِهِ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الخَطايا، ويَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ: إنِّي أنا قَيَّدْتُ عَبْدِي هَذا وابْتَلَيْتُهُ فَأجْرُوا لَهُ ما كُنْتُمْ تُجْرُونَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ»». وهو صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إذا كَبِرَ العَبْدُ وضَعُفَ عَنِ العَمَلِ كُتِبَ لَهُ أجْرُ ما كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَهم عَلى قُرّاءِ القُرْآنِ وجَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلًا مُخْرِجًا لَهم عَنْ حُكْمِ الرَّدِّ إلى أرْذَلِ العُمْرِ بِناءً عَلى ما أخْرَجَ الحاكِمُ
صفحة 177
وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَبْرِ قالَ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمْرِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: إلّا الَّذِينَ قَرَءُوا القُرْآنَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُنَزَّلُ تِلْكَ المَنزِلَةَ -يَعْنِي الهَرَمَ- كَيْ لا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا أحَدٌ مِن قُرّاءِ القُرْآنِ ولا يَخْفى أنَّ تَخْصِيصَ ( الَّذِينَ آمَنُوا ) بِما خُصِّصَ بِهِ خِلافُ الظّاهِرِ. وفي كَوْنِ أحَدٍ مِنَ القُرّاءِ لا يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمْرِ تَوَقُّفٌ فَلْيُتَتَبَّعْ.
التين 95:7
والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِلْإنْسانِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ التَّوْبِيخِ عَنِ البَيانِ السّابِقِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. والمُرادُ بِالدِّينِ الجَزاءُ بَعْدَ البَعْثِ أيْ: فَما يَجْعَلُكَ كاذِبًا بِسَبَبِ الجَزاءِ وإنْكارِهِ بَعْدَ هَذا الدَّلِيلِ، والمَعْنى أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ وتَقْوِيمَهُ عَلى وجْهٍ يُبْهِرُ الأذْهانَ ويَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ البَيانِ أوْ هَذا مَعَ تَحْوِيلِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى البَعْثِ والجَزاءِ فَأيُّ شَيْءٍ يَضْطَرُّكَ أيُّها الإنْسانُ بَعْدَ هَذا الدَّلِيلِ القاطِعِ إلى أنْ تَكُونَ كاذِبًا بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ، فَإنَّ كُلَّ مُكَذِّبٍ بِالحَقِّ فَهو كاذِبٌ. وقالَ قَتادَةُ والأخْفَشُ والفَرّاءُ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ أيْ: فَأيُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُكَ بِالجَزاءِ بَعْدَ ظُهُورِ دَلِيلِهِ، وهو مِن بابِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ بِالمُكَذِّبِينَ؛ أيْ أنَّهُ لا يُكَذِّبُكَ شَيْءٌ ما بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالجَزاءِ لا كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى ولا يَرْفَعُونَ بِها رَأْسًا، فالِاسْتِفْهامُ لِنَفْيِ التَّكْذِيبِ وإفادَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِاسْتِمْرارِ الدَّلائِلِ وتَعاضُدِها مُسْتَمِرٌّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن عَدَمِ التَّكْذِيبِ. وفِيهِ مِنَ اللُّطْفِ ما لَيْسَ في الأوَّلِ. وجُوِّزَ عَلى هَذا الوَجْهِ كَوْنُ الباءِ بِمَعْنى في وكَوْنُها لِلسَّبَبِيَّةِ وتَقْدِيرُ مُضافٍ عَلَيْهِما، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ يَنْسَبِكُ إلى الكَذِبِ في إخْبارِكَ بِالجَزاءِ أوْ بِسَبَبِ إخْبارِكَ بِهِ بَعْدَ هَذا الدَّلِيلِ، وكَوْنُها صِلَةَ التَّكْذِيبِ والدِّينِ بِمَعْناهُ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِدِينِ الإسْلامِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، والِاسْتِفْهامُ عَلى ما سَمِعْتَ.
وجُوِّزَ كَوْنُ الدِّينِ بِمَعْناهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا، وبَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى كَوْنِ الخِطابِ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَعَلَ ما بِمَعْنى مَن؛ لَأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ أظْهَرُ، وضَعُفَ بِأنَّهُ خِلافُ المَعْرُوفِ في ما فَلا يَنْبَغِي ارْتِكابُهُ مَعَ صِحَّةِ بَقائِها عَلى المَعْرُوفِ فِيها.
التين 95:8
﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ أيْ: ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا حَتّى يُتَوَهَّمَ عَدَمُ الإعادَةِ والجَزاءِ وحَيْثُ اسْتَحالَ عَدَمُ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ أحْكَمَ الحاكِمِينَ تَعَيَّنَ الإعادَةُ والجَزاءُ. والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها وقِيلَ: الحُكْمُ بِمَعْنى القَضاءِ فَهي وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِما هم أهْلُهُ مِنَ العَذابِ، وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِفْهامُ عَلى ما قِيلَ: تَقْرِيرٌ بِما بَعْدَ النَّفْيِ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن قَرَأ مِنكم والتِّينِ والزَّيْتُونِ فانْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ فَلْيُقِلَ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ»».
وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ««أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ إذا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ: سُبْحانَكَ فَبَلى»».
وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا في تَفْسِيرِ سُورَةِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَتَذَكَّرْ.
العلق 96:1
سُورَةُ العَلَقِ
وتُسَمّى سُورَةَ اقْرَأْ، لا خِلافَ في مَكِّيَّتِها وإنَّما الخِلافُ في عَدَدِ آيِها، فَفي الحِجازِيِّ عِشْرُونَ آيَةً، وفي العِراقِيِّ تِسْعَ عَشْرَةَ، وفي الشّامِيِّ ثَمانِي عَشْرَةَ، وفي أنَّها أوَّلُ نازِلٍ أوْ لا فَذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّها أوَّلُ نازِلٍ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ بِسَنَدِهِ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ قالَ: «كانَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ يُقْرِئُنا فَيُجْلِسُنا حِلَقًا، عَلَيْهِ ثَوْبانِ أبْيَضانِ، فَإذا تَلا هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾
صفحة 178
قالَ: هَذِهِ أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».
وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وصَحَّحاهُ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ثُمَّ ﴿ن والقَلَمِ﴾ ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: «سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: أيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أوَّلًا؟
قالَ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ. قُلْتُ: يَقُولُونَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ؟ قالَ: أُحَدِّثُكم بِما حَدَّثَنا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ،» فَساقَ الحَدِيثَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى ما ادَّعاهُ وأجابَ عَنْهُ الأوَّلُونَ بِعِدَّةِ أجْوِبَةٍ مَرَّ ذِكْرُها. وقِيلَ: الفاتِحَةُ. واحْتُجَّ لَهُ بِحَدِيثٍ مُرْسَلٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ بَكِيرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُمَرَ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ ما فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَمّا نَزَلَ بَعْدَ اقْرَأْ، ويا أيُّها المُدَّثِّرُ، مَعَ أنَّ غَيْرَهُ أقْوى مِنهُ رِوايَةً وجَزَمَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ بِأنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ اقْرَأْ، ثُمَّ «ن»، ثُمَّ يا أيُّها المُزَّمِّلُ، ثُمَّ يا أيُّها المُدَّثِّرُ، ثُمَّ الفاتِحَةُ. وقِيلَ: أوَّلُ ما نَزَلَ صَدْرُها إلى ما لَمْ يَعْلَمْ في غارِ حِراءَ ثُمَّ نَزَلَ آخِرُها بَعْدَ ذَلِكَ بِما شاءَ اللَّهُ تَعالى وهو ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهم مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ في حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ، وفِيهِ: ««فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدَ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾». فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ إلى أنْ قالَتْ: ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ ورَقَةُ أنْ تُوَفِّيَ وفَتَرَ الوَحْيُ».
وفِي آخِرِ ما رَوَوْا قالَ ابْنُ شِهابٍ: وأخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيِّ قالَ وهو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ فَقالَ في حَدِيثِهِ: ««بَيْنا أنا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإذا المَلِكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَرُعِبْتُ مِنهُ فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ فَحَمِيَ الوَحْيُ وتَتابَعَ»».
ويُعْلَمُ مِنهُ ضَعْفُ الِاسْتِدْلالِ عَلى كَوْنِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ أوَّلَ نازِلٍ مِنَ القُرْآنِ عَلى الإطْلاقِ بِما رُوِيَ أوَّلًا عَنْ جابِرٍ المَذْكُورِ كَما لا يَخْفى عَلى الواقِفِ عَلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ صَدْرَ الكَلامِ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ لِقَوْلِهِ فِيهِ وهو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ، وقَوْلِهِ: «فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءَ»، وقَوْلِهِ: «فَحَمِيَ الوَحْيُ وتَتابَعَ»، أيْ بَعْدِ فَتْرَتِهِ. وبِالجُمْلَةِ: الصَّحِيحُ كَما قالَ البَعْضُ وهو الَّذِي أخْتارُهُ أنَّ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ هو أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى الإطْلاقِ، كَيْفَ وقَدْ ورَدَ حَدِيثُ بَدْءِ الوَحْيِ المَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ مِن أصَحِّ الأحادِيثِ، وفِيهِ: «فَجاءَهُ المَلَكُ فَقالَ: اقْرَأْ. فَقالَ: قُلْتُ: «ما أنا بِقارِئٍ، فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ...»» إلَخْ. والظّاهِرُ أنَّ «ما» فِيهِ نافِيَةٌ، بَلْ قالَ النَّوَوِيُّ هو الصَّوابُ وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ أوَّلًا، وإلّا لَكانَ الِامْتِناعُ مِن أشَدِّ المَعاصِي، ويُطابِقُهُ ما ذَكَرَهُ الأئِمَّةُ في بابِ تَأْخِيرِ البَيانِ وسَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وفي الكَشْفِ: الوَجْهُ حَمْلُ قَوْلِ جابِرٍ عَلى السُّورَةِ الكامِلَةِ، وفي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: الصَّوابُ أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: ﴿اقْرَأْ﴾ أيْ: مُطْلَقًا، وأوَّلَ ما نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أوَّلُ ما نَزَلَ الفاتِحَةُ فَبُطْلانُهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُذْكُرَ انْتَهى.
وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في سُورَةِ التِّينِ خَلْقَ الإنْسانِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ بَيَّنَ عَزَّ وجَلَّ هُنا أنَّهُ تَعالى خَلَقُ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ فَكانَ ما تَقَدَّمَ كالبَيانِ لِلْعِلَّةِ الصُّورِيَّةِ، وهَذا كالبَيانِ لِلْعِلَّةِ المادِّيَّةِ. وذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا أيْضًا مِن أحْوالِهِ في الآخِرَةِ ما هو أبْسَطُ مِمّا ذَكَرَهُ عَزَّ وجَلَّ هُناكَ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْرَأْ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ، فالمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ بِقَرِينَةِ المَقامِ كَما قِيلَ: ولَيْسَ الفِعْلُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولا أنَّ مَفْعُولَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ عَلى أنَّ الباءَ زائِدَةٌ كَما قالَ
صفحة 179
أبُو عُبَيْدَةَ وزَعَمَ أنَّ المَعْنى: اذْكُرْ رَبَّكَ، بَلْ هي أصْلِيَّةٌ ومَعْناها المُلابَسَةُ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ.
والمَعْنى ﴿اقْرَأْ﴾ مُبْتَدِئًا أوْ مُفْتَتِحًا ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ: قُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ اقْرَأْ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ لَوِ افْتَتَحَ بِغَيْرِ اسْمِهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ البَسْمَلَةَ جُزْءٌ مِن كُلِّ سُورَةٍ وفِيهِ بَحْثُ وكَذا الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ لِلْمُقابَلَةِ؛ إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّها تُخَصِّصُ القُرْآنَ المُقَدَّرَ مَفْعُولًا بِغَيْرِها. وبَعْضُهُمُ اسْتَدَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ في أوائِلِ السُّوَرِ بِأنَّها لَمْ تُذْكَرْ فِيما صَحَّ مِن أخْبارِ بَدْءِ الوَحْيِ الحاكِيَةِ لِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ كَذا أفادَهُ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، ثُمَّ قالَ: وجَوابُ المُثْبِتِينَ أنَّها لَمْ تَنْزِلْ أوَّلًا بَلْ نَزَلَتْ في وقْتٍ آخَرَ كَما نَزَلَ باقِي السُّورَةِ كَذَلِكَ وهَذا خِلافُ ما أخْرَجَ الواحِدَيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ أنَّهُما قالا: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمِ، وأوَّلُ سُورَةٍ اقْرَأْ. وكَذا خِلافُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: يا مُحَمَّدُ، اسْتَعِذْ ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،» وقَدْ عُدَّ القَوْلُ بِأنَّها أوَّلُ ما نَزَلَ أحَدَ الأقْوالِ في تَعْيِينِ أوَّلِ مُنَزَّلٍ مِنَ القُرْآنِ.
وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: إنَّ هَذا القَوْلَ لا يُعَدُّ عِنْدِي قَوْلًا بِرَأْسِهِ؛ فَإنَّهُ مِن ضَرُورَةِ نُزُولِ السُّورَةِ نُزُولُ البَسْمَلَةِ مَعَها فَهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى الإطْلاقِ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ كَما لا يَخْفى.
وجُوِّزَ كَوْنُ الباءِ لِلِاسْتِعانَةِ مُتَعَلِّقَةً بِما عِنْدَها أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا ورُجِّحَتِ المُلابَسَةُ بِسَلامَتِها عَنْ إيهامِ كَوْنِ اسْمِهِ تَعالى آلَةً لِغَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أوَّلَ الكِتابِ، ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ في الأمْرِ المَذْكُورِ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ سَواءٌ دَلَّ الأمْرُ عَلى الفَوْرِ أمْ لا؛ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلِمَ أنَّ ما أُوحِيَ قُرْآنٌ فَهو المُكَلَّفُ بِقِراءَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا مَحْذُورَ في كَوْنِ اقْرَأْ إلَخْ مَأْمُورًا بِقِراءَتِهِ لِصِدْقِ المَأْمُورِ بِقِراءَتِهِ عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِشَخْصٍ: اسْمَعْ ما أقُولُ لَكَ، فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِسَماعِ هَذا اللَّفْظِ أيْضًا. وقَدْ ذَكَرَ جَمْعٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ أنَّ هَذا بَيانٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ في قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿اقْرَأْ﴾ المَذْكُورِ في حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ. قالَ الآمِدِيُّ عِنْدَ ذِكْرِ أدِلَّةِ جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ الحَنَفِيَّةِ وغَيْرِهِمْ: ومِنَ الأدِلَّةِ ما رُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿اقْرَأْ﴾ قالَ: «وما أقْرَأُ؟» كَرَّرَ عَلَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ ثُمَّ قالَ لَهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾» .
فَأُخِّرَ بَيانُ ما أمَرَهُ بِهِ أوَّلًا مَعَ إجْمالِهِ إلى ما بَعْدَ ثَلاثِ مَرّاتٍ مِن أمْرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وسُؤالِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ إمْكانِ بَيانِهِ أوَّلًا وذَلِكَ دَلِيلُ جَوازِ التَّأْخِيرِ إلى آخِرِ ما قالَ سُؤالًا وجَوابًا لا يَتَعَلَّقُ بِهِما غَرَضُنا، ولا يَخْفى أنْ يَكُونَ هَذا بَيانًا لِلْمُرادِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ ظاهِرٌ وكَوْنُهُ كَذَلِكَ بِجَعْلِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخِرِ ما نَزَلَ أوْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْرَأْ﴾ إلَخْ ما ادَّعاهُ الجَلالُ مَعْمُولَ اقْرَأْ المُكَرَّرَ في كَلامِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا أظُنُّ أنَّ أُصُولِيًّا يَقُولُ بِهِ، ومِثْلُهُ كَوْنُهُ كَذَلِكَ بِحَمْلِ الآيَةِ عَلى ما سَمِعْتَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. وأمّا بِناءُ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِحِراءَ بِنَمَطٍ مِن دِيباجٍ مَكْتُوبٍ فِيهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامَ: «ما أنا بِقارِئٍ» قالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ. بِأنْ يَكُونَ اقْرَأْ... إلَخْ بَيانًا وتِلاوَةً مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما في النَّمَطِ المُنَزَّلِ لِعَدَمِ العِلْمِ بِما فِيهِ وإنْ كانَ مُشاهَدًا مَنزِلَةُ المُجْمَلِ الغَيْرِ المَعْلُومِ فَلا يَخْفى حالُهُ فَتَأمَّلْ. ثُمَّ إنَّ في كَلامِ الآمِدِيِّ مِن حَيْثُ رِوايَةُ الخَبَرِ ما فِيهِ فَلا تَغْفُلْ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ شَيْئًا فَشَيْئًا مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْإشْعارِ بِتَبْلِيغِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ بِإنْزالِ الوَحْيِ المُتَواتِرِ.
ووَصْفُ الرَّبِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لِتَذْكِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلَ النَّعْماءِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ
صفحة 180
عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنهُ سُبْحانَهُ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى تَعْلِيمِ القِراءَةِ بِألْطَفِ وجْهٍ، وقِيلَ: لِتَأْكِيدِ عَدَمِ إرادَةِ غَيْرِهِ تَعالى مِنَ الرَّبِّ؛ فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا لَكِنَّهم لا يَنْسُبُونَ الخَلْقَ إلَيْها، والفِعْلُ إمّا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيِ الَّذِي لَهُ الخَلْقُ، أوْ مُقَدَّرٌ مَفْعُولُهُ عامًّا أيِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ. والأوَّلُ يُفِيدُ العُمُومَ أيْضًا؛ فَعَلى الوَجْهَيْنِ يَكُونُ وجْهُ تَخْصِيصِ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى:
العلق 96:2
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ أنَّهُ أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ وفِيهِ مِن بَدائِعِ الصُّنْعِ والتَّدْبِيرِ ما فِيهِ؛ فَهو أدَلُّ عَلى وُجُوبِ العِبادَةِ المَقْصُودَةِ مِنَ القِراءَةِ مَعَ أنَّ التَّنْزِيلَ إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ خَلْقُ الإنْسانِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أوَّلًا وذُكِرَ ثانِيًا قَصْدًا لِتَفْخِيمِهِ بِالإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ. وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ المُناسِبَ أنْ يُرادَ خَلْقُ الإنْسانِ بَعْدَ الأمْرِ بِقِراءَةِ القُرْآنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ لِلْقِراءَةِ والدِّرايَةِ كَما أنَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ عَقِيبَ تَعْلِيمِ القُرْآنِ أوَّلَ سُورَةِ الرَّحْمَنِ لِنَحْوِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَلَقٍ﴾ أيْ: دَمٍ جامِدٍ لِبَيانِ كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى بِإظْهارِ ما بَيْنَ حالَتَيْهِ الأُولى والآخِرَةِ مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ، وأتى بِهِ دالًّا عَلى الجَمْعِ لِأنَّ الإنْسانَ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ فَهو في مَعْنى الجَمْعِ فَأتى بِما خُلِقَ مِنهُ كَذَلِكَ لِيُطابِقَهُ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ، ولَعَلَّهُ عَلى ما قِيلَ: السِّرُّ في تَخْصِيصِ هَذا الطَّوْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ أطْوارِ الفِطْرَةِ الإنْسانِيَّةِ مِن كَوْنِ النُّطْفَةِ والتُّرابِ أدَلَّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ لِكَوْنِهِما أبْعَدَ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِيَّةِ. وفي البَحْرِ: لَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ مادَّةَ الأصْلِ يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو التُّرابُ لِأنَّ خَلْقَهُ مِن ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَقَرِّرًا عِنْدَ الكُفّارِ، فَذَكَرَ مادَّةَ الفَرْعِ وخَلْقَهُ مِنها، وتَرَكَ مادَّةَ أصْلِ الخِلْقَةِ تَقْرِيبًا لِإفْهامِهِمْ وهو عَلى ما فِيهِ لا يَحْسِمُ مادَّةَ السُّؤالِ.
وقِيلَ: خُصَّ هَذا الطَّوْرُ تَذْكِيرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما وقَعَ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وإخْراجِ العَلَقِ مِنهُ لِيَتَهَيَّأ تَهَيُّئًا تامًّا لِما يَكُونُ لَهُ بَعْدُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِن جِنْسِ ما أخْرَجَهُ مِن صَدْرِكَ الشَّرِيفِ لِيُهَيِّئَكَ بِذَلِكَ لِمِثْلِ ما يُلْقى إلَيْكَ الآنَ وبِهَذا تَقْوى مُناسِبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِسُورَةِ الشَّرْحِ قَبْلَها أتَمَّ مُناسَبَةً لا سِيَّما عَلى تَفْسِيرِ الشَّرْحِ بِالشَّقِّ فَتَدَبَّرْهُ.
ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ المَعْنى خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ يَعْلَقُ بِاليَدِ وهو مِمّا لا تَعْلَقُ بِهِ يَدُ القَبُولِ، ولَمّا كانَ خَلْقُ الإنْسانِ أوَّلَ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ مِنهُ تَعالى وأقْدَمَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِهِ عَزَّ وجَلَّ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ وصَفَ ذاتَهُ تَعالى بِذَلِكَ أوَّلًا لِيَسْتَشْهِدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ عَلى تَمْكِينِهِ تَعالى لَهُ مِنَ القِراءَةِ.
العلق 96:3
ثُمَّ كَرَّرَ جَلَّ وعَلا الأمْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ تَأْكِيدًا لِلْإيجابِ وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وأرادَ لِإزاحَةِ ما بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ العُذْرِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ قالَ لَهُ اقْرَأْ فَقالَ: «ما أنا بِقارِئٍ».
يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وأنا أُمِّيٌّ فَقِيلَ: ﴿ورَبُّكَ﴾ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ مُفْتَتِحًا ومُبْتَدَئًا بِاسْمِهِ ﴿الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ: عَلَّمَ ما عُلِّمَ بِواسِطَةِ القَلَمِ لا غَيْرِهِ تَعالى، فَكَما عَلَّمَ سُبْحانَهُ القارِئَ بِواسِطَةِ الكِتابَةِ بِالقَلَمِ يُعَلِّمُكَ بِدُونِها. وحَقِيقَةُ الكَرَمِ إعْطاءُ ما يَنْبَغِي لا لِغَرَضٍ فَهو صِفَةٌ لا يُشارِكُهُ تَعالى في إطْلاقِها أحَدٌ فافْعَلْ لِلْمُبالَغَةِ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ اقْرَأْ هَذا تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ وإنَّما ذُكِرَ لِيُوصَلَ بِهِ ما يُزِيحُ العُذْرَ. فَجُمْلَةُ: ﴿ورَبُّكَ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ.
العلق 96:4
ثُمَّ كَرَّرَ جَلَّ وعَلا الأمْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ تَأْكِيدًا لِلْإيجابِ وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وأرادَ لِإزاحَةِ ما بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ العُذْرِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ قالَ لَهُ اقْرَأْ فَقالَ: «ما أنا بِقارِئٍ».
يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وأنا أُمِّيٌّ فَقِيلَ: ﴿ورَبُّكَ﴾ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ مُفْتَتِحًا ومُبْتَدَئًا بِاسْمِهِ ﴿الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ أيْ: عَلَّمَ ما عُلِّمَ بِواسِطَةِ القَلَمِ لا غَيْرِهِ تَعالى، فَكَما عَلَّمَ سُبْحانَهُ القارِئَ بِواسِطَةِ الكِتابَةِ بِالقَلَمِ يُعَلِّمُكَ بِدُونِها. وحَقِيقَةُ الكَرَمِ إعْطاءُ ما يَنْبَغِي لا لِغَرَضٍ فَهو صِفَةٌ لا يُشارِكُهُ تَعالى في إطْلاقِها أحَدٌ فافْعَلْ لِلْمُبالَغَةِ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ اقْرَأْ هَذا تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ وإنَّما ذُكِرَ لِيُوصَلَ بِهِ ما يُزِيحُ العُذْرَ. فَجُمْلَةُ: ﴿ورَبُّكَ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ.
العلق 96:5
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن عَلَّمَ بِالقَلَمِ؛ أيْ: عَلَّمَهُ بِهِ وبِدُونِهِ مِنَ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ والجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ، في حَذْفِ المَفْعُولِ أوَّلًا وإيرادِهِ بِعُنْوانِ عَدَمِ المَعْلُومِيَّةِ ثانِيًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى وكَمالِ كَرَمِهِ عَزَّ وجَلَّ والإشْعارِ بِأنَّهُ تَعالى يُعَلِّمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العُلُومِ ما لا يُحِيطُ بِهِ العُقُولُ ما لا يَخْفى قالَهُ في الإرْشادِ.
وقَدَّرَ بَعْضُهم مَفْعُولَ عَلَّمَ الخَطَّ، وجَعَلَ «بِالقَلَمِ» مُتَعَلِّقًا بِهِ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ
صفحة 181
ابْنِ الزُّبَيْرِ: «الَّذِي عَلَّمَ الخَطَّ بِالقَلَمِ» حَيْثُ صَرَّحَ فِيها بِذَلِكَ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ ﴿اقْرَأْ﴾ الأوَّلَ أمْرٌ بِالقِراءَةِ لِنَفْسِهِ. وقِيلَ: مُطْلَقًا. والثّانِي أمْرٌ بِالقِراءَةِ لِلتَّبْلِيغِ، وقِيلَ: في الصَّلاةِ المُشارِ إلَيْها فِيما بَعْدُ. وجُمْلَةُ ( ورَبُّكَ ) إلَخْ تَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ والِاسْتِئْنافِيَّةَ، وحاصِلُ المَعْنى عَلى إرادَةِ القِراءَةِ لِلتَّبْلِيغِ في قَوْلٍ بَلِّغْ قَوْمَكَ.
﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ الَّذِي يُثِيبُكَ عَلى عَمَلِكَ بِما يَقْتَضِيهِ كَرَمُهُ ويُقَوِّيكَ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ لِتُبَلِّغَهُ. وأوْلى الأوْجُهِ وأظْهَرُها التَّأْكِيدُ وأبْعَدَ بَعْضُهم جِدًّا فَزَعَمَ أنَّ «بِسْمِ» في البَسْمَلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِ «اقْرَأْ» الأوَّلِ، وبِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِ «اقْرَأْ» الثّانِي لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ اخْتِصاصَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى بِالِابْتِداءِ. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يُبْقى بِاسْمِ اللَّهِ عَلى ما هو المَشْهُورُ فِيهِ، واقْرَأْ أمْرٌ بِإحْداثِ القِراءَةِ وبِاسْمِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِ «اقْرَأْ» الثّانِي لِذَلِكَ ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ تَعَلُّقُ بِاسْمِ رَبِّكَ بِما عِنْدَهُ، وتَقْدِيمُ الفِعْلِ هاهُنا أوْقَعُ لِأنَّ السُّورَةَ المَذْكُورَةَ عَلى ما سَبَقَ مِنَ التَّصْحِيحِ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ فالقِراءَةُ فِيها أهَمُّ نَظَرًا لِلْمَقامِ. وقِيلَ: إنَّهُ لَوْ سُلِّمَ كَوْنُ غَيْرِها نازِلًا قَبْلَها لا يَضُرُّ في حُسْنِ تَقْدِيمِ الفِعْلِ؛ لَأنَّ المَعْنى كَما سَمِعْتَ عَنْ قَتادَةَ: اقْرَأْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبِّكَ؛ أيْ: قُلْ بِاسْمِ اللَّهِ ثُمَّ اقْرَأْ فَلَوِ افْتَتَحَ بِغَيْرِ البَسْمَلَةِ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَفْتَتِحَ بِما يُضادُّها مِن أسْماءِ الأصْنامِ، ولَوْ قُدِّمَ أفادَ مَعْنًى آخَرَ وهو أنَّ المَطْلُوبَ عِنْدَ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الِافْتِتاحُ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى لا باسِمِ الأصْنامِ ولا تَكُونُ القِراءَةُ في نَفْسِها مَطْلُوبَةً لِما عُلِمَ أنَّ مُقْتَضى التَّقْدِيمِ أنْ يَكُونَ أصْلُ الفِعْلِ مُسَلَّمًا عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن زَمانٍ طَلَبًا كانَ أوْ خَبَرًا، وأجابَ مَن عَلَّقَ الجارَّ بِالثّانِي بِأنَّ مَطْلُوبِيَّةَ القِراءَةِ في نَفْسِها اسْتُفِيدَتْ مِنَ «اقْرَأْ» الأوَّلِ فَلا تَغْفُلْ.
والظّاهِرُ أنَّ المُعَلَّمَ بِالقَلَمِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وقِيلَ: هو كُلُّ نَبِيٍّ كَتَبَ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوَّلُ مَن خَطَّ. وقالَ كَعْبٌ: هو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوَّلُ مَن كَتَبَ. وقَدْ نَسَبُوا لِآدَمَ وإدْرِيسَ عَلَيْهِما السَّلامُ نُقُوشًا مَخْصُوصَةً في كِتابَةِ حُرُوفِ الهِجاءِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ عَدَمُ صِحَّةِ ذَلِكَ، وقَدْ أدْمَجَ سُبْحانَهُ وتَعالى التَّنْبِيهَ عَلى فَضْلِ عِلْمِ الكِتابَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ العَظِيمَةِ ونَيْلِ الرُّتَبِ الفَخِيمَةِ ولَوْلاهُ لَمْ يَقُمْ دِينٌ ولَمْ يَصْلُحْ عَيْشٌ ولَوْ لَمْ يَكُنْ عَلى دَقِيقِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى ولَطِيفِ تَدْبِيرِهِ سُبْحانَهُ دَلِيلٌ إلّا أمْرُ القَلَمِ والخَطِّ لَكَفى بِهِ، وقَدْ قِيلَ فِيهِ:
لُعابُ الأفاعِي القاتِلاتِ لُعابُهُ وأرْيُ الجَنى اشْتارَتْهُ أيْدٍ عَواسِلُ
ومِمّا نَسَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ وعَنى عَلى ما قِيلَ نَفْسَهُ:
ورَواقِمِ رَقْشٍ كَمِثْلِ أراقِمَ ∗∗∗ قَطْفُ الخُطى نَيّالَةٌ أقْصى المَدى
سُودُ القَوائِمِ ما يَجِدُّ مَسِيرُها ∗∗∗ إلّا إذا لَعِبَتْ بِها بِيضُ المَدى
ولَهم في هَذا البابِ كَلامٌ فَصْلٌ يَضِيقُ عَنْهُ الكِتابُ، وظاهِرُ الآثارِ أنَّ الكِتابَةَ في الأُمَمِ غَيْرِ العَرَبِ قَدِيمَةٌ وفِيهِمْ حادِثَةٌ لا سِيَّما في أهْلِ الحِجازِ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الكِتابَةَ نُقِلَتْ إلَيْهِمْ مِن أهْلِ الحِيرَةِ وأنَّهم أخَذُوها مِن أهْلِ الأنْبارِ، وذَكَرَ الكَلْبِيُّ والهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ أنَّ النّاقِلَ لِلْخَطِّ العَرَبِيِّ مِنَ العِراقِ إلى الحِجازِ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ وكانَ قَدْ قَدِمَ الحِيرَةَ فَعادَ إلى مَكَّةَ بِهِ، وأنَّهُ قِيلَ لِابْنِهِ أبِي سُفْيانَ: مِمَّنْ أخَذَ أبُوكَ هَذا الخَطَّ؟ فَقالَ: مِن أسْلَمَ بْنِ سِدْرَةَ. وقالَ: سَألْتُ أسْلَمَ: مِمَّنْ أخَذْتَ هَذا الخَطَّ؟ فَقالَ: مِن واضِعِهِ مُرامِرِ بْنِ مُرَّةَ. وقِيلَ: كانَ لِحِمْيَرَ كِتابَةٌ يُسَمُّونَها المُسْنَدَ مُنْفَصِلَةً غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ، وكانَ لَها شَأْنٌ عِنْدَهم فَلا يَتَعاطاها إلّا مَن أُذِنَ لَهُ في تَعَلُّمِها، وأصْنافُ الكِتابَةِ كَثِيرَةٌ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ جُلَّ كِتاباتِ الأُمَمِ اثْنا عَشَرَ صِنْفًا: العَرَبِيَّةُ والحِمْيَرِيَّةُ والفارِسِيَّةُ والعِبْرانِيَّةُ واليُونانِيَّةُ والرُّومِيَّةُ والقِبْطِيَّةُ والبَرْبَرِيَّةُ والأنْدَلُسِيَّةُ والهِنْدِيَّةُ والصِّينِيَّةُ والسُّرْيانِيَّةُ، ولَعَلَّ هَذا إنْ صَحَّ بِاعْتِبارِ الأُصُولِ وإلّا فالفُرُوعُ تُوشِكُ أنْ لا يُحْصِيَها قَلَمٌ كَما لا يَخْفى. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ولَمْ يَرَ بَعْضُ العُلَماءِ مِنَ الأدَبِ وصْفَ غَيْرِهِ تَعالى بِالأكْرَمِ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في رَسائِلِهِمْ فَيَكْتُبُونَ: إلى فُلانٍ الأكْرَمِ ومَعَ هَذا يَعُدُّونَهُ وصْفًا نازِلًا ويَسْتَهْجِنُونَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُلُوكِ ونَحْوِهِمْ مِنَ الأكابِرِ، وقَدْ يَصِفُونَ
صفحة 182
بِهِ اليَهُودِيَّ والنَّصْرانِيَّ ونَحْوَهُما مَعَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ فَعَلى العَبْدِ أنْ يُراعِيَ الأدَبَ مَعَ مَوْلاهُ شاكِرًا كَرَمَهُ الَّذِي أوْلاهُ.
العلق 96:6
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِمَن كَفَرَ مِن جِنْسِ الإنْسانِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ بِطُغْيانِهِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ إلى هَذا المَقْطَعِ يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ مِنَّتِهِ تَعالى عَلى الإنْسانِ فَإذا قِيلَ: ﴿كَلا﴾ كانَ رَدْعًا لِلْإنْسانِ الَّذِي قابَلَ تِلْكَ النِّعَمَ الحَلائِلَ بِالكُفْرانِ وبِالطُّغْيانِ، وكَذَلِكَ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ أيْ: لَيَتَجاوَزُ الحَدَّ في المَعْصِيَةِ واتِّباعِ هَوى النَّفْسِ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أيْ: لَيَرْتَفِعُ عَنْ مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ في اللِّباسِ والطَّعامِ وغَيْرِهِما ولَيْسَ بِذاكَ، وقَدَّرَ بَعْضُهم بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ لِيَشْكُرَ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ فَطَغى وكَفَرَ ﴿كَلا﴾ .
وقِيلَ: كَلّا بِمَعْنى حَقًّا لِعَدَمِ ما يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الرَّدْعُ والزَّجْرُ ظاهِرًا فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِما أُرِيدَ إحْقاقُهُ وهَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ قِيلَ: نَزَلَ في أبِي جَهْلٍ بَعْدَ زَمانٍ مِن نُزُولِ الآياتِ السّابِقَةِ وهو الظّاهِرُ، ومَعَ نُزُولِهِ في ذَلِكَ اللَّعِينِ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ.
العلق 96:7
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ؛ أيْ: يَطْغى لِأنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا عَلى أنَّ جُمْلَةَ ﴿اسْتَغْنى﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِرَأى لِأنَّهُ بِمَعْنى عَلِمَ، ولِذَلِكَ ساغَ كَوْنُ فاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ ضَمِيرَيْ واحِدٍ نَحْوَ: عَلَّمْتَنِي. فَقَدْ قالُوا: إنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ في غَيْرِ أفْعالِ القُلُوبِ وفُقِدَ وعُدِمَ، وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنْ رَأى البَصَرِيَّةَ قَدْ تُعْطى حُكْمَ القَلْبِيَّةِ في ذَلِكَ وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ عائِشَةَ: «لَقَدْ رَأيْتُنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما لَنا طَعامٌ إلّا الأسْوَدانِ». وأنْشَدُوا:
ولَقَدْ أرانِي لِلرِّماحِ دَرِيئَةً مِن عَنْ يَمِينِي تارَةً وأمامِي
فَإذا جُعِلَتْ رَأى هُنا بَصَرِيَّةً فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وتَعْلِيلُ طُغْيانِهِ بِرُؤْيَتِهِ لا بِنَفْسِ الِاسْتِغْناءِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ طُغْيانِهِ زَعْمُهُ الفاسِدُ عَلى الأوَّلِ، ومُجَرَّدُ رُؤْيَتِهِ ظاهِرُ الحالِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ وتَأمُّلٍ في حَقِيقَتِهِ عَلى الثّانِي، وعَلى الوَجْهَيْنِ المُرادُ بِالِاسْتِغْناءِ الغِنى بِالمالِ أعْنِي مُقابِلَ الفَقْرِ المَعْرُوفِ. وقِيلَ: المُرادُ أنْ رَأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ بِعَشِيرَتِهِ وأمْوالِهِ وقُوَّتِهِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ويُبْعِدُهُ ظاهِرُ ما رُوِيَ«أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أتَزْعُمُ أنَّ مَنِ اسْتَغْنى طَغى فاجْعَلْ لَنا جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا وفِضَّةً لَعَلَّنا نَأْخُذُ مِنها فَنَطْغى فَنَدَعُ دِينَنا ونَتَّبِعُ دِينَكَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ فَعَلْنا ذَلِكَ ثُمَّ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا بِأصْحابِ المائِدَةِ، فَكَفَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الدُّعاءِ إبْقاءً عَلَيْهِمْ». وقَرَأ قُنْبُلٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: «أنْ رَأهُ» بِحَذْفِ الألِفِ الَّتِي بَعْدَ الهَمْزَةِ وهي لامُ الفِعْلِ، ورَوى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ مُجاهِدٍ وغَلَّطَهُ فِيهِ وقالَ: إنَّ ذَلِكَ حَذْفٌ لا يَجُوزُ، وفي البَحْرِ: يَنْبَغِي أنْ لا يُغَلِّطَهُ بَلْ يَتَطَلَّبُ لَهُ وجْهًا، وقَدْ حُذِفَتِ الألْفُ في نَحْوٍ مِن هَذا؛ قالَ:
وصّانِي العَجّاجُ فِيمَن وصَّنِي. يُرِيدُ: وصّانِي فَحَذَفَ الألِفَ وهي لامُ الفِعْلِ وقَدْ حُذِفَتْ في مُضارِعِ رَأى في قَوْلِهِمْ: أصابَ النّاسَ جَهْدٌ لَوْ تَرَ أهْلَ مَكَّةَ، وهو حَذْفٌ لا يَنْقاسُ، لَكِنْ إذا صَحَّتِ الرِّوايَةُ وجَبَ القَبُولُ فالقِراءاتُ جاءَتْ عَلى لُغَةِ العَرَبِ قِياسُها وشاذُّها.
العلق 96:8
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ تَهْدِيدٌ لِلطّاغِي وتَحْذِيرٌ لَهُ مِن عاقِبَةِ الطُّغْيانِ، والخِطابُ قِيلَ لِلْإنْسانِ، والِالتِفاتُ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. والمُرادُ أيْضًا تَهْدِيدُ الطّاغِي وتَحْذِيرُهُ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ نَظَرًا إلى الخِطاباتِ قَبْلَهُ والرُّجْعى مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرُّجُوعِ كالبُشْرى والألِفُ فِيها لِلتَّأْنِيثِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ؛ أيْ: إنَّ إلى رَبِّكَ رُجُوعَ الكُلِّ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا فَتَرى حِينَئِذٍ عاقِبَةَ الطُّغْيانِ. وفي هَذِهِ الآياتِ عَلى ما قِيلَ: إدْماجُ التَّنْبِيهِ عَلى مَذَمَّةِ المالِ كَما أنَّ في الآياتِ الأُوَلِ إدْماجُ التَّنْبِيهِ عَلى مَدْحِ العِلْمِ وكَفى ذَلِكَ مُرَغِّبًا في الدِّينِ والعِلْمِ ومُنَفِّرًا عَنِ الدُّنْيا والمالِ.
العلق 96:9
وقَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 183
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ذِكْرٌ لِبَعْضِ آثارِ الطُّغْيانِ ووَعِيدٌ عَلَيْها. ولَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في أنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ هو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والنّاهِيَ هو اللَّعِينُ أبُو جَهْلٍ.
فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ أبا جَهْلٍ حَلَفَ بِاللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي لَيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَيُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو يُصَلِّي لِيَفْعَلَ فَما فَجَأهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ: لَهُ: ما لَكَ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا». وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ».
وقَوْلُ الحَسَنِ هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ كانَ يَنْهى سَلْمانَ عَنِ الصَّلاةِ لا يَكادُ يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ إسْلامَ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ بِالمَدَنِيَّةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ كَما أنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ. نَعَمْ حُكْمُ الآيَةِ عامٌّ فَإنْ كانَ ما حُكِيَ عَنْ أُمَيَّةَ واقِعًا فَحُكْمُها شامِلٌ لَهُ، والصَّلاةُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآيَةُ كانَتْ عَلى ما حَكى أبُو حَيّانَ صَلاةَ الظُّهْرِ، وحَكى أيْضًا أنَّها كانَتْ تُصَلّى جَماعَةً وهي أوَّلُ جَماعَةٍ أُقِيمَتْ في الإسْلامِ وأنَّهُ كانَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَمَرَّ أبُو طالِبٍ ومَعَهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ فَقالَ لَهُ: يا بُنَيَّ صِلْ جَناحَ ابْنِ عَمِّكَ، وانْصَرَفَ مَسْرُورًا وأنْشَأ يَقُولُ:
إنَّ عَلِيًّا وجَعْفَرًا ثِقَتِي عِنْدَ مُلِمِّ الزَّمانِ والكَرْبِ
واللَّهِ لا أخْذُلُ النَّبِيَّ ولا ∗∗∗ يَخْذُلُهُ مَن يَكُونُ مِن حَسَبِي
لا تَخْذُلا وانْصُرا ابْنَ عَمِّكُما ∗∗∗ أخِي لِأُمِّي مِن بِينَهِمْ وأبِي
وفِي هَذا نَظَرٌ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإسْراءِ بِلا خِلافٍ، وادَّعى ابْنُ حَزْمٍ الإجْماعَ عَلى أنَّهُ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وجَزَمَ ابْنُ فارِسٍ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَها بِسَنَةٍ وثَلاثَةِ أشْهُرٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: بِسَنَةٍ وخَمْسَةِ أشْهُرٍ، ومَوْتُ أبِي طالِبٍ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِنَحْوِ ثَلاثِ سِنِينَ؛ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ وفاةِ خَدِيجَةَ بِثَلاثَةٍ، وقِيلَ: بِخَمْسَةِ أيّامٍ، وكانَتْ وفاتُها بَعْدَ البِعْثَةِ بِعَشْرِ سِنِينَ عَلى الصَّحِيحِ، فَأبُو طالِبٍ عَلى هَذا لَمْ يُدْرِكْ فَرْضِيَّةَ الصَّلاةِ. نَعَمْ حَكى القاضِي عِياضٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ورَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ والقُرْطُبِيُّ أنَّ الإسْراءَ كانَ بَعْدَ البَعْثِ بِخَمْسِ سِنِينَ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ فَلْيُراجَعْ.
والنَّهْيُ قِيلَ: بِمَعْنى المَنعِ وعُبِّرَ بِهِ إشارَةً إلى عَدَمِ اقْتِدارِ اللَّعِينِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ. وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما ظاهِرُهُ أنَّهُ حَصَلَ مِنهُ نَهْيٌ لَفْظِيٌّ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «قالَ: كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا؟ ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا... الحَدِيثَ». والتَّعْبِيرُ بِما يُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ لِنَوْعِ غَرابَةٍ. والرُّؤْيَةُ قِيلَ قَلْبِيَّةٌ، وكَذا في
العلق 96:10
وقَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 183
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ذِكْرٌ لِبَعْضِ آثارِ الطُّغْيانِ ووَعِيدٌ عَلَيْها. ولَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في أنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ هو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والنّاهِيَ هو اللَّعِينُ أبُو جَهْلٍ.
فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ أبا جَهْلٍ حَلَفَ بِاللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي لَيَطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ ولَيُعَفِّرَنَّ وجْهَهُ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو يُصَلِّي لِيَفْعَلَ فَما فَجَأهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ: لَهُ: ما لَكَ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا». وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ».
وقَوْلُ الحَسَنِ هو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ كانَ يَنْهى سَلْمانَ عَنِ الصَّلاةِ لا يَكادُ يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ إسْلامَ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ بِالمَدَنِيَّةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ كَما أنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ. نَعَمْ حُكْمُ الآيَةِ عامٌّ فَإنْ كانَ ما حُكِيَ عَنْ أُمَيَّةَ واقِعًا فَحُكْمُها شامِلٌ لَهُ، والصَّلاةُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآيَةُ كانَتْ عَلى ما حَكى أبُو حَيّانَ صَلاةَ الظُّهْرِ، وحَكى أيْضًا أنَّها كانَتْ تُصَلّى جَماعَةً وهي أوَّلُ جَماعَةٍ أُقِيمَتْ في الإسْلامِ وأنَّهُ كانَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَمَرَّ أبُو طالِبٍ ومَعَهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ فَقالَ لَهُ: يا بُنَيَّ صِلْ جَناحَ ابْنِ عَمِّكَ، وانْصَرَفَ مَسْرُورًا وأنْشَأ يَقُولُ:
إنَّ عَلِيًّا وجَعْفَرًا ثِقَتِي عِنْدَ مُلِمِّ الزَّمانِ والكَرْبِ
واللَّهِ لا أخْذُلُ النَّبِيَّ ولا ∗∗∗ يَخْذُلُهُ مَن يَكُونُ مِن حَسَبِي
لا تَخْذُلا وانْصُرا ابْنَ عَمِّكُما ∗∗∗ أخِي لِأُمِّي مِن بِينَهِمْ وأبِي
وفِي هَذا نَظَرٌ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإسْراءِ بِلا خِلافٍ، وادَّعى ابْنُ حَزْمٍ الإجْماعَ عَلى أنَّهُ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وجَزَمَ ابْنُ فارِسٍ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَها بِسَنَةٍ وثَلاثَةِ أشْهُرٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: بِسَنَةٍ وخَمْسَةِ أشْهُرٍ، ومَوْتُ أبِي طالِبٍ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِنَحْوِ ثَلاثِ سِنِينَ؛ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ وفاةِ خَدِيجَةَ بِثَلاثَةٍ، وقِيلَ: بِخَمْسَةِ أيّامٍ، وكانَتْ وفاتُها بَعْدَ البِعْثَةِ بِعَشْرِ سِنِينَ عَلى الصَّحِيحِ، فَأبُو طالِبٍ عَلى هَذا لَمْ يُدْرِكْ فَرْضِيَّةَ الصَّلاةِ. نَعَمْ حَكى القاضِي عِياضٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ورَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ والقُرْطُبِيُّ أنَّ الإسْراءَ كانَ بَعْدَ البَعْثِ بِخَمْسِ سِنِينَ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ فَلْيُراجَعْ.
والنَّهْيُ قِيلَ: بِمَعْنى المَنعِ وعُبِّرَ بِهِ إشارَةً إلى عَدَمِ اقْتِدارِ اللَّعِينِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ. وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما ظاهِرُهُ أنَّهُ حَصَلَ مِنهُ نَهْيٌ لَفْظِيٌّ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «قالَ: كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي فَجاءَ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا؟ ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا... الحَدِيثَ». والتَّعْبِيرُ بِما يُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ لِنَوْعِ غَرابَةٍ. والرُّؤْيَةُ قِيلَ قَلْبِيَّةٌ، وكَذا في
العلق 96:11
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ المَوْصُولِ ولِلثّانِي والثّالِثِ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ أوِ اسْمُ إشارَةٍ يُشارُ بِهِ إلَيْهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلثّالِثِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ والأوَّلانِ مُتَوَجِّهانِ إلَيْهِ أيْضًا وهو مُقَدَّرٌ عِنْدَهُما، وتُرِكَ إظْهارُهُ اخْتِصارًا ونَظِيرُ ذَلِكَ أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ إنْ وفَدْتَ عَلَيْهِ، أخْبِرْنِي عَنْهُ إنِ اسْتَخْبَرْتَهُ، أخْبِرْنِي عَنْهُ إنْ تَوَسَّلْتَ إلَيْهِ، أما يُوجِبُ حَقِّي ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ الجُمَلَ لا يَصِحُّ إضْمارُها وإنَّما هو مِنَ الطَّلَبِ المَعْنَوِيِّ والحَذْفِ في غَيْرِ التَّنازُعِ، وجَوابُ الشَّرْطِ في الجُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ «ألَمْ يَعْلَمْ» عَلَيْهِ ويُقَدَّرْ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الصِّناعَةُ، وقِيلَ: يَدُلُّ عَلَيْهِ: ( أرَأيْتَ ) مُرادًا بِهِ ما سَيُذْكَرُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ويُقَدَّرُ كَذَلِكَ، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا نَظِيرُ ما مَرَّ آنِفًا، والضَّمائِرُ المُسْتَتِرَةُ في كانَ وما بَعْدُ مِنَ الأفْعالِ لِلنّاهِي والمُرادُ مِن: «أرَأيْتَ» أخْبِرْنِي؛
صفحة 184
فَإنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْعِلْمِ أُجْرِيَ الِاسْتِفْهامُ عَنْها مَجْرى الِاسْتِخْبارِ عَنْ مُتَعَلِّقِها والِاسْتِفْهامُ الواقِعُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الثّانِي هو مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ هُنا، وهَذا الإجْراءُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأئِمَّةِ يَكُونُ مَعَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ والرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ ولِلنُّحاةِ فِيهِ قَوْلانِ، والخِطابُ في الكُلِّ عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبًا مِمَّنْ لَهُ مُسْكَةٌ. وقِيلَ: لِلْإنْسانِ كالخِطابِ في ﴿إلى رَبِّكَ﴾ .
وتَنْوِينُ «عَبْدًا» عَلى ما هو ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ لِلتَّنْكِيرِ، وتَقْيِيدُ النَّهْيِ بِالظَّرْفِ يُشْعِرُ بِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ حالَ التَّلَبُّسِ بِها وفُصِلَ بَيْنَ الجُمَلِ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّشْنِيعِ والوَعِيدِ حَيْثُ أشْعَرَ أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مَقْصُودَةٌ عَلى حِيالِها فَشَنَّعَ سُبْحانَهُ عَلى النّاهِي أوَّلًا بِنَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ، وأوْعَدَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي يا مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ أوْ أيُّها الإنْسانُ عَمَّنْ يَنْهى عَنِ الصَّلاةِ بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ تَعالى ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَرى ويَطَّلِعُ فَيُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ النَّهْيِ. وشَنَّعَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ ثانِيًا بِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ وأوْعَدَهُ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ عَلى زَعْمِهِ عَلى هُدًى ورُشْدٍ في نَفْسِ النَّهْيِ أوْ أنَّهُ أمَرَ بِواسِطَتِهِ بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ أوْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، فَقالَ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ فَيُجازِيهِ إنْ كانَ عَلى هُدًى ورُشْدٍ في نَفْسِ النَّهْيِ أوْ كانَ أمْرًا بِواسِطَتِهِ بِالتَّقْوى كَما يَزْعُمُ. وشَنَّعَ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ ثالِثًا بِذَلِكَ وأوْعَدَهُ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ وفِيما يَقُولُهُ تَعالى مُكَذِّبًا بِحَقِّيَّةِ الصَّلاةِ مُتَوَلِّيًا عَنْها مُعْرِضًا عَنْ فِعْلِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ إنْ كَذَّبَ بِحَقِّيَّةِ ما نَهى عَنْهُ وأعْرَضَ عَنْ فِعْلِهِ عَلى ما نَقُولُهُ نَحْنُ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى شَنَّعَ وأوْعَدَ عَلى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ بِدُونِ تَعَرُّضٍ لِحالِ النّاهِي الزَّعْمِيِّ أوِ الحَقِيقِيِّ، ثُمَّ شَنَّعَ وأوْعَدَ جَلَّ وعَلا عَلَيْهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِحالِهِ الزَّعْمِيِّ، ثُمَّ شَنَّعَ عَزَّ وجَلَّ وأوْعَدَ عَلَيْهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِحالِهِ الحَقِيقِيِّ وهَذا كالتَّرَقِّي في التَّشْنِيعِ.
والجُمْهُورُ عَلى عَدَمِ تَقْيِيدِ ما في حَيِّزِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ بِما ذَكَرْنا حَيْثُ قالُوا: إنْ كانَ عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كانَ أمْرًا بِالمَعْرُوفِ والتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ كَما يَزْعُمُ أوْ كانَ مُكَذِّبًا لِلْحَقِّ ومُتَوَلِّيًا عَنِ الصَّوابِ كَما نَقُولُ، وذُكِرَ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ تَكْرارٌ لِلْأوَّلِ لِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ: أنَّهُ لَيْسَ عَلى الهُدى، وأُوضِحَ بِأنَّ إدْخالَ حَرْفِ الشَّرْطِ في الأوَّلِ لِإرْخاءِ العِنانِ صُورَةً والتَّهَكُّمِ حَقِيقَةً؛ إذْ لا يَكُونُ في النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى والأمْرِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ هُدًى البَتَّةَ، وفي الثّانِي لِذَلِكَ والتَّهَكُّمِ عَلى عَكْسِ الأوَّلِ؛ إذْ لا شَكَّ أنَّهُ مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ فَمَآلُهُما إلى واحِدٍ. وقِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ في الجُمْلَةِ الأُولى بَصَرِيَّةٌ فَلا تَحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ، وفي الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ قَلْبِيَّةٌ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى ما تَقَدَّمَ والمَفْعُولُ الثّانِي سَدَّ مَسَدَّهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها وهو في الأخِيرَةِ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ إلَخْ. لِمَذْكُورٍ وفِيما قَبْلَها مَحْذُوفٌ دَلَّ هو عَلَيْهِ، ولَمْ تُعْطَفِ الأخِيرَةُ عَلى ما قَبْلَها لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِها بِالوُقُوعِ في نَفْسِ الأمْرِ وبِاسْتِتْباعِ الوَعِيدِ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ الجَوابُ، وأمّا قَبْلَها فَأمْرُ الشَّرْطِ فِيهِ لَيْسَ إلّا لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ وهو السِّرُّ في تَجْرِيدِهِ عَنِ الجَوابِ والإحالَةِ بِهِ عَلى جَوابِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَهُ، والخِطابُ في الكُلِّ لِمَن يَصْلُحُ لَهُ، والتَّنْوِينُ في «عَبْدًا» لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتِعْظامِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ مِنهُ والمَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي إنْ كانَ عَلى الهُدى فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى إلَخْ ما ذُكِرَ آنِفًا ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَرى ويَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ فَيُجازِيهِ بِها حَتّى اجْتَرَأ عَلى ما فَعَلَ. وقِيلَ: إنَّ «أرَأيْتَ» في الجُمَلِ الثَّلاثِ مِنَ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأُولى المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ اكْتِفاءً عَنْهُ بِجَوابِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ إذْ عُلِمَ مِن ضَرُورَةِ التَّقابُلِ. و«أرَأيْتَ» الثّانِيَةُ تَكْرارٌ لِلْأُولى، و«أرَأيْتَ» الثّالِثَةُ ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِلْقَرِينَةِ مُسْتَقِلَّةً؛ لِأنَّها تُقابِلُ الأُولى لِلتَّقابُلِ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ كانَ﴾ إلَخْ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ:
صفحة 185
﴿إنْ كَذَّبَ﴾ إلَخْ. وفي الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ مِن دُونِ العَطْفِ تَرْشِيحٌ لِلْكَلامِ المُبَكِّتِ وتَنْبِيهٌ عَلى حَقِّيَّةِ الشَّرْطِ، ولِهَذا صَرَّحَ بِجَوابِهِ لِيَتَمَحَّضَ وعِيدًا والخِطابُ عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا والكَلامُ مِن قَبِيلِ الكَلامِ المُنْصِفِ وإرْخاءِ العِنانِ، ولِذا قِيلَ: «عَبْدًا» ولَمْ يَقُلْ: نَبِيًّا مُجْتَبًى فَكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْنِي يا مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ عَنْ حالِ هَذا الَّذِي يَنْهى بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ المُجْتَبى عَنْ صَلاتِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى هُدًى فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كانَ آمِرًا بِالتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ كَما يَزْعُمُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ عَلى التَّكْذِيبِ لِلْحَقِّ والتَّوَلِّي عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ كَما تَقُولُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ إلَخْ.
وقِيلَ: ( أرَأيْتَ ) في الجُمْلَتَيْنِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ تَكْرارٌ لِلْأُولى والشَّرْطِيَّتانِ بِجَوابِهِما سادَّتانِ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْأُولى، و«ألَمْ يَعْلَمْ» إلَخْ جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي وجَوابُ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَقُلْ: أوَإنْ كَذَّبَ إلَخْ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَسِيمٍ لِما قَبْلَهُ عَلى ما قِيلَ. والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ، وأُورِدَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ في تَجْوِيزِ الإتْيانِ بِالِاسْتِفْهامِ في جَزاءِ الشَّرْطِ مِن غَيْرِ الفاءِ وإنْ صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَشّافِهِ وارْتَضاهُ الرَّضِيُّ واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ بَحْثًا لِأنَّ ظاهِرَ نَقْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ نَفْسِهِ في المُفَصَّلِ ونَقْلِ غَيْرِهِ وُجُوبُ الفاءِ إذا كانَ الجَزاءُ جُمْلَةً إنْشائِيَّةً والِاسْتِفْهامُ وإنْ لَمْ يَبْقَ عَلى الحَقِيقَةِ لَمْ يَخْرُجْ عَلى ما في الكَشْفِ مِنَ الإنْشاءِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ وُقُوعَ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِغَيْرِ فاءٍ لا أعْلَمُ أحَدًا أجازَهُ بَلْ نَصُّوا عَلى وُجُوبِ الفاءِ في كُلِّ ما اقْتَضى طَلَبًا بِوَجْهٍ ما، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةٍ أوْ شِعْرٍ. وقالَ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ: إنَّ جَعْلَ: هَلْ يَهْلَكُ جَزاءً مُشْكِلٌ لِعَدَمِ اقْتِرانِهِ بِالفاءِ، والِاقْتِرانُ بِها في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ. واعْتُرِضَ أيْضًا جَعْلُ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِ «أرَأيْتَ» بِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ وجَماعَةٌ، أوْ قَسَمِيَّةٌ كَما في الإرْشادِ. وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ جَعْلَ الشَّرْطِيَّةِ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ والجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في مَوْقِعِ جَوابِ الشَّرْطِ إمّا عَلى ظاهِرِهِ أوْ عَلى أنَّهُما لِدَلالَتِهِما عَلى ذَلِكَ جُعِلا كَأنَّهُما كَذَلِكَ لِسَدِّهِما مَسَدَّ المَفْعُولِ والجَوابُ وبِما ذُكِرَ صَرَّحَ الرَّضِيُّ والدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ في بابِ اسْمِ الإشارَةِ فَما قِيلَ مِن أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِ «أرَأيْتَ» لا يَكُونُ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً مُخالِفٌ لِما صَرَّحُوا بِأنَّهُ مُخْتارُ سِيبَوَيْهِ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولَمْ يَجْعَلُوا فِيما ذُكِرَ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا لِلْكافِرِ النّاهِي لِأنَّ السِّياقَ مُقْتَضٍ لِخُرُوجِ النّاهِي والمَنهِيِّ عَنْ مَوْرِدِ الخِطابِ. واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ جَعْلَهُ لِلنَّبِيِّ وجَوَّزَ غَيْرُهُ جَعْلَهُ لِلْكافِرِ. والمُرادُ تَصْوِيرُ الحالِ بِعُنْوانٍ كُلِّيٍّ وهو كَما تَرى.
وقِيلَ: الضَّمِيرانِ في «إنْ كانَ، وأمَرَ» لِلْعَبْدِ المُصَلِّي، والضَّمائِرُ في «كَذَّبَ وتَوَلّى، ويَعْلَمْ» لِلَّذِي يَنْهى. وحاصِلُ المَعْنى عَلى ما قالَ الفَرّاءُ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي، والمَنهِيُّ عَلى الهُدى وآمِرٌ بِالتَّقْوى والنّاهِي مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ فَما أعْجَبَ مِن ذا. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهُوَ: فَما أعْجَبَ مِن ذا بِقَرِينَةِ ( أرَأيْتَ ) فَإنَّهُ يُفِيدُ التَّعَجُّبَ، والرُّؤْيَةُ فِيهِ قِيلَ عِلْمِيَّةٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ نَحْوَ هَذا الجَوابِ وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ و«ألَمْ يَعْلَمْ» إلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ، وأوْ تَقْسِيمِيَّةٌ بِمَعْنى الواوِ. وقِيلَ: الخِطابُ في ( أرَأيْتَ ) الثّانِيَةِ لِلْكافِرِ وفي الثّانِيَةِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو عَزَّ وجَلَّ كالحاكِمِ الَّذِي حَضَرَ الخَصْمانِ يُخاطِبُ هَذا مَرَّةً والآخَرَ أُخْرى، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: يا كافِرُ أخْبِرْنِي إنْ كانَتْ صَلاتُهُ هَدًى ودُعاؤُهُ إلى اللَّهِ تَعالى أمْرًا بِالتَّقْوى أتَنْهاهُ؟ وأخْبِرْنِي أيُّها الرَّسُولُ إنْ كانَ النّاهِي مُكَذِّبًا بِالحَقِّ مُتَوَلِّيًا عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُجازِيهِ. وسَكَتَ هَذا القائِلُ عَنِ الخِطابِ في ( أرَأيْتَ ) الأوَّلِ فَقِيلَ: لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وقِيلَ: لِلْإنْسانِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالخِطابِ في الثّالِثِ. وقَوْلُهُ: أتَنْهاهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ جَعَلَهُ مَفْعُولًا لِرَأيْتَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ أوْ كَما في سابِقِهِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الأمْرِ بِالتَّقْوى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّ
صفحة 186
النَّهْيَ عَلى ما قِيلَ كانَ عَنِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِها وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ أنْ يُذْكَرَ في الجُمْلَةِ الأُولى أيْضًا بِأنْ يُقالَ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى لَكِنَّهُ حُذِفَ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ في الثّانِيَةِ، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ ولَمْ يَعْكِسْ لِأنَّ الأمْرَ بِالتَّقْوى دَعْوَةٌ قَوْلِيَّةٌ، والصَّلاةُ دَعْوَةٌ فِعْلِيَّةٌ، والفِعْلُ أقْوى مِنَ القَوْلِ. وإنَّما كانَتْ دَعْوَةً وأمْرًا لِأنَّ المُقْتَدى بِهِ إذا فَعَلَ فِعْلًا كانَ في قُوَّةِ قَوْلِهِ: افْعَلُوا هَذا. وقِيلَ: المَذْكُورُ أوَّلًا لَيْسَ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ بَلِ النَّهْيَ حِينَ الصَّلاةِ وهو مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ لَها أوْ لِغَيْرِها، وعامَّةُ أحْوالِ الصَّلاةِ لِما انْحَصَرَتْ في تَكْمِيلِ نَفْسِ المُصَلِّي بِالعِبادَةِ وتَكْمِيلِ غَيْرِهِ بِالدَّعْوَةِ فَنَهْيُهُ في تِلْكَ الحالَةِ يَكُونُ عَنِ الصَّلاةِ والدَّعْوَةِ مَعًا فَلِذا ذُكِرَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ انْتَهى. فَلا تَغْفُلْ.
وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الخِطابِ في الكُلِّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ في بَيانِ مَعْنى ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ﴾ إلَخْ أرَأيْتَ إنْ صارَ عَلى الهُدى واشْتَغَلَ بِأمْرِ نَفْسِهِ، أما كانَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ إذْ هو رَجُلٌ عاقِلٌ ذُو ثَرْوَةٍ، فَلَوِ اخْتارَ الرَّأْيَ الصّائِبَ والِاهْتِداءَ والأمْرَ بِالتَّقْوى أما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى والنَّهْيِ عَنْ خِدْمَتِهِ سُبْحانَهُ وطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ؟ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: تَلَهَّفْ عَلَيْهِ كَيْفَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ المَراتِبَ العَلِيَّةَ وقَنِعَ بِالمَراتِبِ الرَّدِيَّةِ.
واعْتَبَرَ عِصامُ الدِّينَ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَوْبِيخًا عَلى تَفْوِيتِ ما يَنْفَعُ وما بَعْدَها تَوْبِيخًا عَلى كَسْبِ ما يَضُرُّ فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( أرَأيْتَ الَّذِي ) إلَخِ اسْتِشْهادٌ لِطُغْيانِ الإنْسانِ أنْ رَآهُ مُسْتَغْنِيًا والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى الإبْصارِ؛ أيْ: أشاهَدْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى وعَرَفْتَ طُغْيانَ الإنْسانِ المُسْتَغْنِي وأنَّهُ لا يَكْفِي بِكُفْرانِهِ ويَتَجاوَزُ إلى تَكْلِيفِ العَبْدِ الَّذِي أُرْسِلَ لِلْمَنعِ عَنِ الكُفْرانِ بِالكُفْرانِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ﴾ إلَخْ تَوْبِيخٌ لَهُ عَلى فَوْتِ ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ بِفَوْتِ الهُدى والأمْرِ بِالتَّقْوى، يَعْنِي: أعَلِمْتَ أنَّهُ عَلى أيِّ فَوْزٍ إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ﴾ إلَخْ تَوْبِيخٌ لَهُ بِما كَسَبَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العَذابِ والبُعْدِ عَنْ رَبِّ الأرْبابِ؛ أيْ: أعَلِمْتَ أنَّهُ عَلى أيِّ عُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ إلَخْ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ بَعْدَ التَّوْبِيخِ عَلى كَسْبِ حالِ الشَّقِيِّ وفَوْتِ حالِ السَّعِيدِ انْتَهى. وهو كَما تَرى فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ، واللَّهُ تَعالى بِمُرادِهِ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ الآيَةَ وإنْ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَكِنَّ كُلَّ مَن نَهى عَنِ الصَّلاةِ ومَنَعَ مِنها فَهو شَرِيكُهُ في الوَعِيدِ ولا يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ المَنعُ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في الدّارِ المَغْصُوبَةِ والأوْقاتِ المَكْرُوهَةِ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ عَنِ الصَّلاةِ نَفْسِها بَلْ عَنْ وصْفِها المُقارِنِ وأشْهَدَ الِاحْتِياطُ تَحاشِيَ بَعْضِهِمْ عَنِ النَّهْيِ مُطْلَقًا.
فَرُوِيَ «عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ رَأى في المُصَلّى أقْوامًا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ، فَقالَ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ألا تَنْهاهُمْ؟ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أخْشى أنْ أدْخُلَ تَحْتَ وعِيدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ وفي رِوايَةٍ: لا أُحِبُّ أنْ أنْهى عَبْدًا إذا صَلّى، ولَكِنْ أُحَدِّثُهم بِما رَأيْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».
وقَدْ سَلَكَ نَحْوَ هَذا المَسْلَكِ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا يُوسُفَ قالَ لَهُ:
أيَقُولُ المُصَلِّي حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؟ فَقالَ: يَقُولُ: رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ ويَسْجُدُ. ولَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ، ويُقاسُ عَلى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ النَّهْيُ عَنْ غَيْرِها مِن أنْواعِ العِبادَةِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ النَّهْيِ القالِيِّ والنَّهْيِ الحالِيِّ، ومِنهُ أنْ يَشْغَلَ المَرْءُ المَرْءَ عَنْ ذَلِكَ وقَدِ ابْتُلِيَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ.
العلق 96:12
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ المَوْصُولِ ولِلثّانِي والثّالِثِ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ أوِ اسْمُ إشارَةٍ يُشارُ بِهِ إلَيْهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلثّالِثِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ والأوَّلانِ مُتَوَجِّهانِ إلَيْهِ أيْضًا وهو مُقَدَّرٌ عِنْدَهُما، وتُرِكَ إظْهارُهُ اخْتِصارًا ونَظِيرُ ذَلِكَ أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ إنْ وفَدْتَ عَلَيْهِ، أخْبِرْنِي عَنْهُ إنِ اسْتَخْبَرْتَهُ، أخْبِرْنِي عَنْهُ إنْ تَوَسَّلْتَ إلَيْهِ، أما يُوجِبُ حَقِّي ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ الجُمَلَ لا يَصِحُّ إضْمارُها وإنَّما هو مِنَ الطَّلَبِ المَعْنَوِيِّ والحَذْفِ في غَيْرِ التَّنازُعِ، وجَوابُ الشَّرْطِ في الجُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ «ألَمْ يَعْلَمْ» عَلَيْهِ ويُقَدَّرْ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الصِّناعَةُ، وقِيلَ: يَدُلُّ عَلَيْهِ: ( أرَأيْتَ ) مُرادًا بِهِ ما سَيُذْكَرُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ويُقَدَّرُ كَذَلِكَ، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا نَظِيرُ ما مَرَّ آنِفًا، والضَّمائِرُ المُسْتَتِرَةُ في كانَ وما بَعْدُ مِنَ الأفْعالِ لِلنّاهِي والمُرادُ مِن: «أرَأيْتَ» أخْبِرْنِي؛
صفحة 184
فَإنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْعِلْمِ أُجْرِيَ الِاسْتِفْهامُ عَنْها مَجْرى الِاسْتِخْبارِ عَنْ مُتَعَلِّقِها والِاسْتِفْهامُ الواقِعُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الثّانِي هو مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ هُنا، وهَذا الإجْراءُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأئِمَّةِ يَكُونُ مَعَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ والرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ ولِلنُّحاةِ فِيهِ قَوْلانِ، والخِطابُ في الكُلِّ عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبًا مِمَّنْ لَهُ مُسْكَةٌ. وقِيلَ: لِلْإنْسانِ كالخِطابِ في ﴿إلى رَبِّكَ﴾ .
وتَنْوِينُ «عَبْدًا» عَلى ما هو ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ لِلتَّنْكِيرِ، وتَقْيِيدُ النَّهْيِ بِالظَّرْفِ يُشْعِرُ بِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ حالَ التَّلَبُّسِ بِها وفُصِلَ بَيْنَ الجُمَلِ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّشْنِيعِ والوَعِيدِ حَيْثُ أشْعَرَ أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مَقْصُودَةٌ عَلى حِيالِها فَشَنَّعَ سُبْحانَهُ عَلى النّاهِي أوَّلًا بِنَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ، وأوْعَدَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي يا مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ أوْ أيُّها الإنْسانُ عَمَّنْ يَنْهى عَنِ الصَّلاةِ بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ تَعالى ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَرى ويَطَّلِعُ فَيُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ النَّهْيِ. وشَنَّعَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ ثانِيًا بِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ وأوْعَدَهُ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ عَلى زَعْمِهِ عَلى هُدًى ورُشْدٍ في نَفْسِ النَّهْيِ أوْ أنَّهُ أمَرَ بِواسِطَتِهِ بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ أوْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، فَقالَ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ فَيُجازِيهِ إنْ كانَ عَلى هُدًى ورُشْدٍ في نَفْسِ النَّهْيِ أوْ كانَ أمْرًا بِواسِطَتِهِ بِالتَّقْوى كَما يَزْعُمُ. وشَنَّعَ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ ثالِثًا بِذَلِكَ وأوْعَدَهُ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ وفِيما يَقُولُهُ تَعالى مُكَذِّبًا بِحَقِّيَّةِ الصَّلاةِ مُتَوَلِّيًا عَنْها مُعْرِضًا عَنْ فِعْلِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ إنْ كَذَّبَ بِحَقِّيَّةِ ما نَهى عَنْهُ وأعْرَضَ عَنْ فِعْلِهِ عَلى ما نَقُولُهُ نَحْنُ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى شَنَّعَ وأوْعَدَ عَلى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ بِدُونِ تَعَرُّضٍ لِحالِ النّاهِي الزَّعْمِيِّ أوِ الحَقِيقِيِّ، ثُمَّ شَنَّعَ وأوْعَدَ جَلَّ وعَلا عَلَيْهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِحالِهِ الزَّعْمِيِّ، ثُمَّ شَنَّعَ عَزَّ وجَلَّ وأوْعَدَ عَلَيْهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِحالِهِ الحَقِيقِيِّ وهَذا كالتَّرَقِّي في التَّشْنِيعِ.
والجُمْهُورُ عَلى عَدَمِ تَقْيِيدِ ما في حَيِّزِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ بِما ذَكَرْنا حَيْثُ قالُوا: إنْ كانَ عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كانَ أمْرًا بِالمَعْرُوفِ والتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ كَما يَزْعُمُ أوْ كانَ مُكَذِّبًا لِلْحَقِّ ومُتَوَلِّيًا عَنِ الصَّوابِ كَما نَقُولُ، وذُكِرَ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ تَكْرارٌ لِلْأوَّلِ لِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ: أنَّهُ لَيْسَ عَلى الهُدى، وأُوضِحَ بِأنَّ إدْخالَ حَرْفِ الشَّرْطِ في الأوَّلِ لِإرْخاءِ العِنانِ صُورَةً والتَّهَكُّمِ حَقِيقَةً؛ إذْ لا يَكُونُ في النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى والأمْرِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ هُدًى البَتَّةَ، وفي الثّانِي لِذَلِكَ والتَّهَكُّمِ عَلى عَكْسِ الأوَّلِ؛ إذْ لا شَكَّ أنَّهُ مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ فَمَآلُهُما إلى واحِدٍ. وقِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ في الجُمْلَةِ الأُولى بَصَرِيَّةٌ فَلا تَحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ، وفي الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ قَلْبِيَّةٌ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى ما تَقَدَّمَ والمَفْعُولُ الثّانِي سَدَّ مَسَدَّهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها وهو في الأخِيرَةِ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ إلَخْ. لِمَذْكُورٍ وفِيما قَبْلَها مَحْذُوفٌ دَلَّ هو عَلَيْهِ، ولَمْ تُعْطَفِ الأخِيرَةُ عَلى ما قَبْلَها لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِها بِالوُقُوعِ في نَفْسِ الأمْرِ وبِاسْتِتْباعِ الوَعِيدِ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ الجَوابُ، وأمّا قَبْلَها فَأمْرُ الشَّرْطِ فِيهِ لَيْسَ إلّا لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ وهو السِّرُّ في تَجْرِيدِهِ عَنِ الجَوابِ والإحالَةِ بِهِ عَلى جَوابِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَهُ، والخِطابُ في الكُلِّ لِمَن يَصْلُحُ لَهُ، والتَّنْوِينُ في «عَبْدًا» لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتِعْظامِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ مِنهُ والمَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي إنْ كانَ عَلى الهُدى فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى إلَخْ ما ذُكِرَ آنِفًا ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَرى ويَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ فَيُجازِيهِ بِها حَتّى اجْتَرَأ عَلى ما فَعَلَ. وقِيلَ: إنَّ «أرَأيْتَ» في الجُمَلِ الثَّلاثِ مِنَ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأُولى المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ اكْتِفاءً عَنْهُ بِجَوابِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ إذْ عُلِمَ مِن ضَرُورَةِ التَّقابُلِ. و«أرَأيْتَ» الثّانِيَةُ تَكْرارٌ لِلْأُولى، و«أرَأيْتَ» الثّالِثَةُ ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِلْقَرِينَةِ مُسْتَقِلَّةً؛ لِأنَّها تُقابِلُ الأُولى لِلتَّقابُلِ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ كانَ﴾ إلَخْ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ:
صفحة 185
﴿إنْ كَذَّبَ﴾ إلَخْ. وفي الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ مِن دُونِ العَطْفِ تَرْشِيحٌ لِلْكَلامِ المُبَكِّتِ وتَنْبِيهٌ عَلى حَقِّيَّةِ الشَّرْطِ، ولِهَذا صَرَّحَ بِجَوابِهِ لِيَتَمَحَّضَ وعِيدًا والخِطابُ عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا والكَلامُ مِن قَبِيلِ الكَلامِ المُنْصِفِ وإرْخاءِ العِنانِ، ولِذا قِيلَ: «عَبْدًا» ولَمْ يَقُلْ: نَبِيًّا مُجْتَبًى فَكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْنِي يا مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ عَنْ حالِ هَذا الَّذِي يَنْهى بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ المُجْتَبى عَنْ صَلاتِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى هُدًى فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كانَ آمِرًا بِالتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ كَما يَزْعُمُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ عَلى التَّكْذِيبِ لِلْحَقِّ والتَّوَلِّي عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ كَما تَقُولُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ إلَخْ.
وقِيلَ: ( أرَأيْتَ ) في الجُمْلَتَيْنِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ تَكْرارٌ لِلْأُولى والشَّرْطِيَّتانِ بِجَوابِهِما سادَّتانِ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْأُولى، و«ألَمْ يَعْلَمْ» إلَخْ جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي وجَوابُ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَقُلْ: أوَإنْ كَذَّبَ إلَخْ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَسِيمٍ لِما قَبْلَهُ عَلى ما قِيلَ. والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ، وأُورِدَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ في تَجْوِيزِ الإتْيانِ بِالِاسْتِفْهامِ في جَزاءِ الشَّرْطِ مِن غَيْرِ الفاءِ وإنْ صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَشّافِهِ وارْتَضاهُ الرَّضِيُّ واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ بَحْثًا لِأنَّ ظاهِرَ نَقْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ نَفْسِهِ في المُفَصَّلِ ونَقْلِ غَيْرِهِ وُجُوبُ الفاءِ إذا كانَ الجَزاءُ جُمْلَةً إنْشائِيَّةً والِاسْتِفْهامُ وإنْ لَمْ يَبْقَ عَلى الحَقِيقَةِ لَمْ يَخْرُجْ عَلى ما في الكَشْفِ مِنَ الإنْشاءِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ وُقُوعَ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِغَيْرِ فاءٍ لا أعْلَمُ أحَدًا أجازَهُ بَلْ نَصُّوا عَلى وُجُوبِ الفاءِ في كُلِّ ما اقْتَضى طَلَبًا بِوَجْهٍ ما، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةٍ أوْ شِعْرٍ. وقالَ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ: إنَّ جَعْلَ: هَلْ يَهْلَكُ جَزاءً مُشْكِلٌ لِعَدَمِ اقْتِرانِهِ بِالفاءِ، والِاقْتِرانُ بِها في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ. واعْتُرِضَ أيْضًا جَعْلُ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِ «أرَأيْتَ» بِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ وجَماعَةٌ، أوْ قَسَمِيَّةٌ كَما في الإرْشادِ. وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ جَعْلَ الشَّرْطِيَّةِ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ والجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في مَوْقِعِ جَوابِ الشَّرْطِ إمّا عَلى ظاهِرِهِ أوْ عَلى أنَّهُما لِدَلالَتِهِما عَلى ذَلِكَ جُعِلا كَأنَّهُما كَذَلِكَ لِسَدِّهِما مَسَدَّ المَفْعُولِ والجَوابُ وبِما ذُكِرَ صَرَّحَ الرَّضِيُّ والدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ في بابِ اسْمِ الإشارَةِ فَما قِيلَ مِن أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِ «أرَأيْتَ» لا يَكُونُ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً مُخالِفٌ لِما صَرَّحُوا بِأنَّهُ مُخْتارُ سِيبَوَيْهِ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولَمْ يَجْعَلُوا فِيما ذُكِرَ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا لِلْكافِرِ النّاهِي لِأنَّ السِّياقَ مُقْتَضٍ لِخُرُوجِ النّاهِي والمَنهِيِّ عَنْ مَوْرِدِ الخِطابِ. واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ جَعْلَهُ لِلنَّبِيِّ وجَوَّزَ غَيْرُهُ جَعْلَهُ لِلْكافِرِ. والمُرادُ تَصْوِيرُ الحالِ بِعُنْوانٍ كُلِّيٍّ وهو كَما تَرى.
وقِيلَ: الضَّمِيرانِ في «إنْ كانَ، وأمَرَ» لِلْعَبْدِ المُصَلِّي، والضَّمائِرُ في «كَذَّبَ وتَوَلّى، ويَعْلَمْ» لِلَّذِي يَنْهى. وحاصِلُ المَعْنى عَلى ما قالَ الفَرّاءُ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي، والمَنهِيُّ عَلى الهُدى وآمِرٌ بِالتَّقْوى والنّاهِي مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ فَما أعْجَبَ مِن ذا. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهُوَ: فَما أعْجَبَ مِن ذا بِقَرِينَةِ ( أرَأيْتَ ) فَإنَّهُ يُفِيدُ التَّعَجُّبَ، والرُّؤْيَةُ فِيهِ قِيلَ عِلْمِيَّةٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ نَحْوَ هَذا الجَوابِ وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ و«ألَمْ يَعْلَمْ» إلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ، وأوْ تَقْسِيمِيَّةٌ بِمَعْنى الواوِ. وقِيلَ: الخِطابُ في ( أرَأيْتَ ) الثّانِيَةِ لِلْكافِرِ وفي الثّانِيَةِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو عَزَّ وجَلَّ كالحاكِمِ الَّذِي حَضَرَ الخَصْمانِ يُخاطِبُ هَذا مَرَّةً والآخَرَ أُخْرى، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: يا كافِرُ أخْبِرْنِي إنْ كانَتْ صَلاتُهُ هَدًى ودُعاؤُهُ إلى اللَّهِ تَعالى أمْرًا بِالتَّقْوى أتَنْهاهُ؟ وأخْبِرْنِي أيُّها الرَّسُولُ إنْ كانَ النّاهِي مُكَذِّبًا بِالحَقِّ مُتَوَلِّيًا عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُجازِيهِ. وسَكَتَ هَذا القائِلُ عَنِ الخِطابِ في ( أرَأيْتَ ) الأوَّلِ فَقِيلَ: لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وقِيلَ: لِلْإنْسانِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالخِطابِ في الثّالِثِ. وقَوْلُهُ: أتَنْهاهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ جَعَلَهُ مَفْعُولًا لِرَأيْتَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ أوْ كَما في سابِقِهِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الأمْرِ بِالتَّقْوى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّ
صفحة 186
النَّهْيَ عَلى ما قِيلَ كانَ عَنِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِها وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ أنْ يُذْكَرَ في الجُمْلَةِ الأُولى أيْضًا بِأنْ يُقالَ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى لَكِنَّهُ حُذِفَ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ في الثّانِيَةِ، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ ولَمْ يَعْكِسْ لِأنَّ الأمْرَ بِالتَّقْوى دَعْوَةٌ قَوْلِيَّةٌ، والصَّلاةُ دَعْوَةٌ فِعْلِيَّةٌ، والفِعْلُ أقْوى مِنَ القَوْلِ. وإنَّما كانَتْ دَعْوَةً وأمْرًا لِأنَّ المُقْتَدى بِهِ إذا فَعَلَ فِعْلًا كانَ في قُوَّةِ قَوْلِهِ: افْعَلُوا هَذا. وقِيلَ: المَذْكُورُ أوَّلًا لَيْسَ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ بَلِ النَّهْيَ حِينَ الصَّلاةِ وهو مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ لَها أوْ لِغَيْرِها، وعامَّةُ أحْوالِ الصَّلاةِ لِما انْحَصَرَتْ في تَكْمِيلِ نَفْسِ المُصَلِّي بِالعِبادَةِ وتَكْمِيلِ غَيْرِهِ بِالدَّعْوَةِ فَنَهْيُهُ في تِلْكَ الحالَةِ يَكُونُ عَنِ الصَّلاةِ والدَّعْوَةِ مَعًا فَلِذا ذُكِرَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ انْتَهى. فَلا تَغْفُلْ.
وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الخِطابِ في الكُلِّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ في بَيانِ مَعْنى ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ﴾ إلَخْ أرَأيْتَ إنْ صارَ عَلى الهُدى واشْتَغَلَ بِأمْرِ نَفْسِهِ، أما كانَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ إذْ هو رَجُلٌ عاقِلٌ ذُو ثَرْوَةٍ، فَلَوِ اخْتارَ الرَّأْيَ الصّائِبَ والِاهْتِداءَ والأمْرَ بِالتَّقْوى أما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى والنَّهْيِ عَنْ خِدْمَتِهِ سُبْحانَهُ وطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ؟ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: تَلَهَّفْ عَلَيْهِ كَيْفَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ المَراتِبَ العَلِيَّةَ وقَنِعَ بِالمَراتِبِ الرَّدِيَّةِ.
واعْتَبَرَ عِصامُ الدِّينَ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَوْبِيخًا عَلى تَفْوِيتِ ما يَنْفَعُ وما بَعْدَها تَوْبِيخًا عَلى كَسْبِ ما يَضُرُّ فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( أرَأيْتَ الَّذِي ) إلَخِ اسْتِشْهادٌ لِطُغْيانِ الإنْسانِ أنْ رَآهُ مُسْتَغْنِيًا والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى الإبْصارِ؛ أيْ: أشاهَدْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى وعَرَفْتَ طُغْيانَ الإنْسانِ المُسْتَغْنِي وأنَّهُ لا يَكْفِي بِكُفْرانِهِ ويَتَجاوَزُ إلى تَكْلِيفِ العَبْدِ الَّذِي أُرْسِلَ لِلْمَنعِ عَنِ الكُفْرانِ بِالكُفْرانِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ﴾ إلَخْ تَوْبِيخٌ لَهُ عَلى فَوْتِ ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ بِفَوْتِ الهُدى والأمْرِ بِالتَّقْوى، يَعْنِي: أعَلِمْتَ أنَّهُ عَلى أيِّ فَوْزٍ إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ﴾ إلَخْ تَوْبِيخٌ لَهُ بِما كَسَبَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العَذابِ والبُعْدِ عَنْ رَبِّ الأرْبابِ؛ أيْ: أعَلِمْتَ أنَّهُ عَلى أيِّ عُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ إلَخْ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ بَعْدَ التَّوْبِيخِ عَلى كَسْبِ حالِ الشَّقِيِّ وفَوْتِ حالِ السَّعِيدِ انْتَهى. وهو كَما تَرى فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ، واللَّهُ تَعالى بِمُرادِهِ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ الآيَةَ وإنْ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَكِنَّ كُلَّ مَن نَهى عَنِ الصَّلاةِ ومَنَعَ مِنها فَهو شَرِيكُهُ في الوَعِيدِ ولا يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ المَنعُ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في الدّارِ المَغْصُوبَةِ والأوْقاتِ المَكْرُوهَةِ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ عَنِ الصَّلاةِ نَفْسِها بَلْ عَنْ وصْفِها المُقارِنِ وأشْهَدَ الِاحْتِياطُ تَحاشِيَ بَعْضِهِمْ عَنِ النَّهْيِ مُطْلَقًا.
فَرُوِيَ «عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ رَأى في المُصَلّى أقْوامًا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ، فَقالَ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ألا تَنْهاهُمْ؟ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أخْشى أنْ أدْخُلَ تَحْتَ وعِيدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ وفي رِوايَةٍ: لا أُحِبُّ أنْ أنْهى عَبْدًا إذا صَلّى، ولَكِنْ أُحَدِّثُهم بِما رَأيْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».
وقَدْ سَلَكَ نَحْوَ هَذا المَسْلَكِ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا يُوسُفَ قالَ لَهُ:
أيَقُولُ المُصَلِّي حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؟ فَقالَ: يَقُولُ: رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ ويَسْجُدُ. ولَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ، ويُقاسُ عَلى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ النَّهْيُ عَنْ غَيْرِها مِن أنْواعِ العِبادَةِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ النَّهْيِ القالِيِّ والنَّهْيِ الحالِيِّ، ومِنهُ أنْ يَشْغَلَ المَرْءُ المَرْءَ عَنْ ذَلِكَ وقَدِ ابْتُلِيَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ.
العلق 96:13
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ المَوْصُولِ ولِلثّانِي والثّالِثِ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ أوِ اسْمُ إشارَةٍ يُشارُ بِهِ إلَيْهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلثّالِثِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ والأوَّلانِ مُتَوَجِّهانِ إلَيْهِ أيْضًا وهو مُقَدَّرٌ عِنْدَهُما، وتُرِكَ إظْهارُهُ اخْتِصارًا ونَظِيرُ ذَلِكَ أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ إنْ وفَدْتَ عَلَيْهِ، أخْبِرْنِي عَنْهُ إنِ اسْتَخْبَرْتَهُ، أخْبِرْنِي عَنْهُ إنْ تَوَسَّلْتَ إلَيْهِ، أما يُوجِبُ حَقِّي ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ الجُمَلَ لا يَصِحُّ إضْمارُها وإنَّما هو مِنَ الطَّلَبِ المَعْنَوِيِّ والحَذْفِ في غَيْرِ التَّنازُعِ، وجَوابُ الشَّرْطِ في الجُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ «ألَمْ يَعْلَمْ» عَلَيْهِ ويُقَدَّرْ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الصِّناعَةُ، وقِيلَ: يَدُلُّ عَلَيْهِ: ( أرَأيْتَ ) مُرادًا بِهِ ما سَيُذْكَرُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ويُقَدَّرُ كَذَلِكَ، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا نَظِيرُ ما مَرَّ آنِفًا، والضَّمائِرُ المُسْتَتِرَةُ في كانَ وما بَعْدُ مِنَ الأفْعالِ لِلنّاهِي والمُرادُ مِن: «أرَأيْتَ» أخْبِرْنِي؛
صفحة 184
فَإنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْعِلْمِ أُجْرِيَ الِاسْتِفْهامُ عَنْها مَجْرى الِاسْتِخْبارِ عَنْ مُتَعَلِّقِها والِاسْتِفْهامُ الواقِعُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الثّانِي هو مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ هُنا، وهَذا الإجْراءُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأئِمَّةِ يَكُونُ مَعَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ والرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ ولِلنُّحاةِ فِيهِ قَوْلانِ، والخِطابُ في الكُلِّ عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبًا مِمَّنْ لَهُ مُسْكَةٌ. وقِيلَ: لِلْإنْسانِ كالخِطابِ في ﴿إلى رَبِّكَ﴾ .
وتَنْوِينُ «عَبْدًا» عَلى ما هو ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ لِلتَّنْكِيرِ، وتَقْيِيدُ النَّهْيِ بِالظَّرْفِ يُشْعِرُ بِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ حالَ التَّلَبُّسِ بِها وفُصِلَ بَيْنَ الجُمَلِ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّشْنِيعِ والوَعِيدِ حَيْثُ أشْعَرَ أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مَقْصُودَةٌ عَلى حِيالِها فَشَنَّعَ سُبْحانَهُ عَلى النّاهِي أوَّلًا بِنَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ، وأوْعَدَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي يا مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ أوْ أيُّها الإنْسانُ عَمَّنْ يَنْهى عَنِ الصَّلاةِ بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ تَعالى ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَرى ويَطَّلِعُ فَيُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ النَّهْيِ. وشَنَّعَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ ثانِيًا بِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ وأوْعَدَهُ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ عَلى زَعْمِهِ عَلى هُدًى ورُشْدٍ في نَفْسِ النَّهْيِ أوْ أنَّهُ أمَرَ بِواسِطَتِهِ بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ أوْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، فَقالَ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ فَيُجازِيهِ إنْ كانَ عَلى هُدًى ورُشْدٍ في نَفْسِ النَّهْيِ أوْ كانَ أمْرًا بِواسِطَتِهِ بِالتَّقْوى كَما يَزْعُمُ. وشَنَّعَ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ ثالِثًا بِذَلِكَ وأوْعَدَهُ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ وفِيما يَقُولُهُ تَعالى مُكَذِّبًا بِحَقِّيَّةِ الصَّلاةِ مُتَوَلِّيًا عَنْها مُعْرِضًا عَنْ فِعْلِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ إنْ كَذَّبَ بِحَقِّيَّةِ ما نَهى عَنْهُ وأعْرَضَ عَنْ فِعْلِهِ عَلى ما نَقُولُهُ نَحْنُ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى شَنَّعَ وأوْعَدَ عَلى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ بِدُونِ تَعَرُّضٍ لِحالِ النّاهِي الزَّعْمِيِّ أوِ الحَقِيقِيِّ، ثُمَّ شَنَّعَ وأوْعَدَ جَلَّ وعَلا عَلَيْهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِحالِهِ الزَّعْمِيِّ، ثُمَّ شَنَّعَ عَزَّ وجَلَّ وأوْعَدَ عَلَيْهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِحالِهِ الحَقِيقِيِّ وهَذا كالتَّرَقِّي في التَّشْنِيعِ.
والجُمْهُورُ عَلى عَدَمِ تَقْيِيدِ ما في حَيِّزِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ بِما ذَكَرْنا حَيْثُ قالُوا: إنْ كانَ عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كانَ أمْرًا بِالمَعْرُوفِ والتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ كَما يَزْعُمُ أوْ كانَ مُكَذِّبًا لِلْحَقِّ ومُتَوَلِّيًا عَنِ الصَّوابِ كَما نَقُولُ، وذُكِرَ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ تَكْرارٌ لِلْأوَّلِ لِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ: أنَّهُ لَيْسَ عَلى الهُدى، وأُوضِحَ بِأنَّ إدْخالَ حَرْفِ الشَّرْطِ في الأوَّلِ لِإرْخاءِ العِنانِ صُورَةً والتَّهَكُّمِ حَقِيقَةً؛ إذْ لا يَكُونُ في النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى والأمْرِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ هُدًى البَتَّةَ، وفي الثّانِي لِذَلِكَ والتَّهَكُّمِ عَلى عَكْسِ الأوَّلِ؛ إذْ لا شَكَّ أنَّهُ مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ فَمَآلُهُما إلى واحِدٍ. وقِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ في الجُمْلَةِ الأُولى بَصَرِيَّةٌ فَلا تَحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ، وفي الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ قَلْبِيَّةٌ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى ما تَقَدَّمَ والمَفْعُولُ الثّانِي سَدَّ مَسَدَّهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها وهو في الأخِيرَةِ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ إلَخْ. لِمَذْكُورٍ وفِيما قَبْلَها مَحْذُوفٌ دَلَّ هو عَلَيْهِ، ولَمْ تُعْطَفِ الأخِيرَةُ عَلى ما قَبْلَها لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِها بِالوُقُوعِ في نَفْسِ الأمْرِ وبِاسْتِتْباعِ الوَعِيدِ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ الجَوابُ، وأمّا قَبْلَها فَأمْرُ الشَّرْطِ فِيهِ لَيْسَ إلّا لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ وهو السِّرُّ في تَجْرِيدِهِ عَنِ الجَوابِ والإحالَةِ بِهِ عَلى جَوابِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَهُ، والخِطابُ في الكُلِّ لِمَن يَصْلُحُ لَهُ، والتَّنْوِينُ في «عَبْدًا» لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتِعْظامِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ مِنهُ والمَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي إنْ كانَ عَلى الهُدى فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى إلَخْ ما ذُكِرَ آنِفًا ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَرى ويَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ فَيُجازِيهِ بِها حَتّى اجْتَرَأ عَلى ما فَعَلَ. وقِيلَ: إنَّ «أرَأيْتَ» في الجُمَلِ الثَّلاثِ مِنَ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأُولى المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ اكْتِفاءً عَنْهُ بِجَوابِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ إذْ عُلِمَ مِن ضَرُورَةِ التَّقابُلِ. و«أرَأيْتَ» الثّانِيَةُ تَكْرارٌ لِلْأُولى، و«أرَأيْتَ» الثّالِثَةُ ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِلْقَرِينَةِ مُسْتَقِلَّةً؛ لِأنَّها تُقابِلُ الأُولى لِلتَّقابُلِ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ كانَ﴾ إلَخْ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ:
صفحة 185
﴿إنْ كَذَّبَ﴾ إلَخْ. وفي الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ مِن دُونِ العَطْفِ تَرْشِيحٌ لِلْكَلامِ المُبَكِّتِ وتَنْبِيهٌ عَلى حَقِّيَّةِ الشَّرْطِ، ولِهَذا صَرَّحَ بِجَوابِهِ لِيَتَمَحَّضَ وعِيدًا والخِطابُ عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا والكَلامُ مِن قَبِيلِ الكَلامِ المُنْصِفِ وإرْخاءِ العِنانِ، ولِذا قِيلَ: «عَبْدًا» ولَمْ يَقُلْ: نَبِيًّا مُجْتَبًى فَكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْنِي يا مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ عَنْ حالِ هَذا الَّذِي يَنْهى بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ المُجْتَبى عَنْ صَلاتِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى هُدًى فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كانَ آمِرًا بِالتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ كَما يَزْعُمُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ عَلى التَّكْذِيبِ لِلْحَقِّ والتَّوَلِّي عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ كَما تَقُولُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ إلَخْ.
وقِيلَ: ( أرَأيْتَ ) في الجُمْلَتَيْنِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ تَكْرارٌ لِلْأُولى والشَّرْطِيَّتانِ بِجَوابِهِما سادَّتانِ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْأُولى، و«ألَمْ يَعْلَمْ» إلَخْ جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي وجَوابُ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَقُلْ: أوَإنْ كَذَّبَ إلَخْ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَسِيمٍ لِما قَبْلَهُ عَلى ما قِيلَ. والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ، وأُورِدَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ في تَجْوِيزِ الإتْيانِ بِالِاسْتِفْهامِ في جَزاءِ الشَّرْطِ مِن غَيْرِ الفاءِ وإنْ صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَشّافِهِ وارْتَضاهُ الرَّضِيُّ واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ بَحْثًا لِأنَّ ظاهِرَ نَقْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ نَفْسِهِ في المُفَصَّلِ ونَقْلِ غَيْرِهِ وُجُوبُ الفاءِ إذا كانَ الجَزاءُ جُمْلَةً إنْشائِيَّةً والِاسْتِفْهامُ وإنْ لَمْ يَبْقَ عَلى الحَقِيقَةِ لَمْ يَخْرُجْ عَلى ما في الكَشْفِ مِنَ الإنْشاءِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ وُقُوعَ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِغَيْرِ فاءٍ لا أعْلَمُ أحَدًا أجازَهُ بَلْ نَصُّوا عَلى وُجُوبِ الفاءِ في كُلِّ ما اقْتَضى طَلَبًا بِوَجْهٍ ما، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةٍ أوْ شِعْرٍ. وقالَ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ: إنَّ جَعْلَ: هَلْ يَهْلَكُ جَزاءً مُشْكِلٌ لِعَدَمِ اقْتِرانِهِ بِالفاءِ، والِاقْتِرانُ بِها في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ. واعْتُرِضَ أيْضًا جَعْلُ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِ «أرَأيْتَ» بِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ وجَماعَةٌ، أوْ قَسَمِيَّةٌ كَما في الإرْشادِ. وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ جَعْلَ الشَّرْطِيَّةِ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ والجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في مَوْقِعِ جَوابِ الشَّرْطِ إمّا عَلى ظاهِرِهِ أوْ عَلى أنَّهُما لِدَلالَتِهِما عَلى ذَلِكَ جُعِلا كَأنَّهُما كَذَلِكَ لِسَدِّهِما مَسَدَّ المَفْعُولِ والجَوابُ وبِما ذُكِرَ صَرَّحَ الرَّضِيُّ والدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ في بابِ اسْمِ الإشارَةِ فَما قِيلَ مِن أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِ «أرَأيْتَ» لا يَكُونُ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً مُخالِفٌ لِما صَرَّحُوا بِأنَّهُ مُخْتارُ سِيبَوَيْهِ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولَمْ يَجْعَلُوا فِيما ذُكِرَ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا لِلْكافِرِ النّاهِي لِأنَّ السِّياقَ مُقْتَضٍ لِخُرُوجِ النّاهِي والمَنهِيِّ عَنْ مَوْرِدِ الخِطابِ. واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ جَعْلَهُ لِلنَّبِيِّ وجَوَّزَ غَيْرُهُ جَعْلَهُ لِلْكافِرِ. والمُرادُ تَصْوِيرُ الحالِ بِعُنْوانٍ كُلِّيٍّ وهو كَما تَرى.
وقِيلَ: الضَّمِيرانِ في «إنْ كانَ، وأمَرَ» لِلْعَبْدِ المُصَلِّي، والضَّمائِرُ في «كَذَّبَ وتَوَلّى، ويَعْلَمْ» لِلَّذِي يَنْهى. وحاصِلُ المَعْنى عَلى ما قالَ الفَرّاءُ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي، والمَنهِيُّ عَلى الهُدى وآمِرٌ بِالتَّقْوى والنّاهِي مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ فَما أعْجَبَ مِن ذا. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهُوَ: فَما أعْجَبَ مِن ذا بِقَرِينَةِ ( أرَأيْتَ ) فَإنَّهُ يُفِيدُ التَّعَجُّبَ، والرُّؤْيَةُ فِيهِ قِيلَ عِلْمِيَّةٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ نَحْوَ هَذا الجَوابِ وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ و«ألَمْ يَعْلَمْ» إلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ، وأوْ تَقْسِيمِيَّةٌ بِمَعْنى الواوِ. وقِيلَ: الخِطابُ في ( أرَأيْتَ ) الثّانِيَةِ لِلْكافِرِ وفي الثّانِيَةِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو عَزَّ وجَلَّ كالحاكِمِ الَّذِي حَضَرَ الخَصْمانِ يُخاطِبُ هَذا مَرَّةً والآخَرَ أُخْرى، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: يا كافِرُ أخْبِرْنِي إنْ كانَتْ صَلاتُهُ هَدًى ودُعاؤُهُ إلى اللَّهِ تَعالى أمْرًا بِالتَّقْوى أتَنْهاهُ؟ وأخْبِرْنِي أيُّها الرَّسُولُ إنْ كانَ النّاهِي مُكَذِّبًا بِالحَقِّ مُتَوَلِّيًا عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُجازِيهِ. وسَكَتَ هَذا القائِلُ عَنِ الخِطابِ في ( أرَأيْتَ ) الأوَّلِ فَقِيلَ: لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وقِيلَ: لِلْإنْسانِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالخِطابِ في الثّالِثِ. وقَوْلُهُ: أتَنْهاهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ جَعَلَهُ مَفْعُولًا لِرَأيْتَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ أوْ كَما في سابِقِهِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الأمْرِ بِالتَّقْوى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّ
صفحة 186
النَّهْيَ عَلى ما قِيلَ كانَ عَنِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِها وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ أنْ يُذْكَرَ في الجُمْلَةِ الأُولى أيْضًا بِأنْ يُقالَ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى لَكِنَّهُ حُذِفَ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ في الثّانِيَةِ، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ ولَمْ يَعْكِسْ لِأنَّ الأمْرَ بِالتَّقْوى دَعْوَةٌ قَوْلِيَّةٌ، والصَّلاةُ دَعْوَةٌ فِعْلِيَّةٌ، والفِعْلُ أقْوى مِنَ القَوْلِ. وإنَّما كانَتْ دَعْوَةً وأمْرًا لِأنَّ المُقْتَدى بِهِ إذا فَعَلَ فِعْلًا كانَ في قُوَّةِ قَوْلِهِ: افْعَلُوا هَذا. وقِيلَ: المَذْكُورُ أوَّلًا لَيْسَ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ بَلِ النَّهْيَ حِينَ الصَّلاةِ وهو مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ لَها أوْ لِغَيْرِها، وعامَّةُ أحْوالِ الصَّلاةِ لِما انْحَصَرَتْ في تَكْمِيلِ نَفْسِ المُصَلِّي بِالعِبادَةِ وتَكْمِيلِ غَيْرِهِ بِالدَّعْوَةِ فَنَهْيُهُ في تِلْكَ الحالَةِ يَكُونُ عَنِ الصَّلاةِ والدَّعْوَةِ مَعًا فَلِذا ذُكِرَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ انْتَهى. فَلا تَغْفُلْ.
وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الخِطابِ في الكُلِّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ في بَيانِ مَعْنى ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ﴾ إلَخْ أرَأيْتَ إنْ صارَ عَلى الهُدى واشْتَغَلَ بِأمْرِ نَفْسِهِ، أما كانَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ إذْ هو رَجُلٌ عاقِلٌ ذُو ثَرْوَةٍ، فَلَوِ اخْتارَ الرَّأْيَ الصّائِبَ والِاهْتِداءَ والأمْرَ بِالتَّقْوى أما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى والنَّهْيِ عَنْ خِدْمَتِهِ سُبْحانَهُ وطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ؟ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: تَلَهَّفْ عَلَيْهِ كَيْفَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ المَراتِبَ العَلِيَّةَ وقَنِعَ بِالمَراتِبِ الرَّدِيَّةِ.
واعْتَبَرَ عِصامُ الدِّينَ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَوْبِيخًا عَلى تَفْوِيتِ ما يَنْفَعُ وما بَعْدَها تَوْبِيخًا عَلى كَسْبِ ما يَضُرُّ فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( أرَأيْتَ الَّذِي ) إلَخِ اسْتِشْهادٌ لِطُغْيانِ الإنْسانِ أنْ رَآهُ مُسْتَغْنِيًا والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى الإبْصارِ؛ أيْ: أشاهَدْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى وعَرَفْتَ طُغْيانَ الإنْسانِ المُسْتَغْنِي وأنَّهُ لا يَكْفِي بِكُفْرانِهِ ويَتَجاوَزُ إلى تَكْلِيفِ العَبْدِ الَّذِي أُرْسِلَ لِلْمَنعِ عَنِ الكُفْرانِ بِالكُفْرانِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ﴾ إلَخْ تَوْبِيخٌ لَهُ عَلى فَوْتِ ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ بِفَوْتِ الهُدى والأمْرِ بِالتَّقْوى، يَعْنِي: أعَلِمْتَ أنَّهُ عَلى أيِّ فَوْزٍ إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ﴾ إلَخْ تَوْبِيخٌ لَهُ بِما كَسَبَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العَذابِ والبُعْدِ عَنْ رَبِّ الأرْبابِ؛ أيْ: أعَلِمْتَ أنَّهُ عَلى أيِّ عُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ إلَخْ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ بَعْدَ التَّوْبِيخِ عَلى كَسْبِ حالِ الشَّقِيِّ وفَوْتِ حالِ السَّعِيدِ انْتَهى. وهو كَما تَرى فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ، واللَّهُ تَعالى بِمُرادِهِ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ الآيَةَ وإنْ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَكِنَّ كُلَّ مَن نَهى عَنِ الصَّلاةِ ومَنَعَ مِنها فَهو شَرِيكُهُ في الوَعِيدِ ولا يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ المَنعُ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في الدّارِ المَغْصُوبَةِ والأوْقاتِ المَكْرُوهَةِ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ عَنِ الصَّلاةِ نَفْسِها بَلْ عَنْ وصْفِها المُقارِنِ وأشْهَدَ الِاحْتِياطُ تَحاشِيَ بَعْضِهِمْ عَنِ النَّهْيِ مُطْلَقًا.
فَرُوِيَ «عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ رَأى في المُصَلّى أقْوامًا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ، فَقالَ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ألا تَنْهاهُمْ؟ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أخْشى أنْ أدْخُلَ تَحْتَ وعِيدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ وفي رِوايَةٍ: لا أُحِبُّ أنْ أنْهى عَبْدًا إذا صَلّى، ولَكِنْ أُحَدِّثُهم بِما رَأيْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».
وقَدْ سَلَكَ نَحْوَ هَذا المَسْلَكِ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا يُوسُفَ قالَ لَهُ:
أيَقُولُ المُصَلِّي حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؟ فَقالَ: يَقُولُ: رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ ويَسْجُدُ. ولَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ، ويُقاسُ عَلى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ النَّهْيُ عَنْ غَيْرِها مِن أنْواعِ العِبادَةِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ النَّهْيِ القالِيِّ والنَّهْيِ الحالِيِّ، ومِنهُ أنْ يَشْغَلَ المَرْءُ المَرْءَ عَنْ ذَلِكَ وقَدِ ابْتُلِيَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ.
العلق 96:14
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ المَوْصُولِ ولِلثّانِي والثّالِثِ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ أوِ اسْمُ إشارَةٍ يُشارُ بِهِ إلَيْهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلثّالِثِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ والأوَّلانِ مُتَوَجِّهانِ إلَيْهِ أيْضًا وهو مُقَدَّرٌ عِنْدَهُما، وتُرِكَ إظْهارُهُ اخْتِصارًا ونَظِيرُ ذَلِكَ أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ إنْ وفَدْتَ عَلَيْهِ، أخْبِرْنِي عَنْهُ إنِ اسْتَخْبَرْتَهُ، أخْبِرْنِي عَنْهُ إنْ تَوَسَّلْتَ إلَيْهِ، أما يُوجِبُ حَقِّي ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّنازُعِ؛ لِأنَّ الجُمَلَ لا يَصِحُّ إضْمارُها وإنَّما هو مِنَ الطَّلَبِ المَعْنَوِيِّ والحَذْفِ في غَيْرِ التَّنازُعِ، وجَوابُ الشَّرْطِ في الجُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ «ألَمْ يَعْلَمْ» عَلَيْهِ ويُقَدَّرْ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الصِّناعَةُ، وقِيلَ: يَدُلُّ عَلَيْهِ: ( أرَأيْتَ ) مُرادًا بِهِ ما سَيُذْكَرُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ويُقَدَّرُ كَذَلِكَ، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا نَظِيرُ ما مَرَّ آنِفًا، والضَّمائِرُ المُسْتَتِرَةُ في كانَ وما بَعْدُ مِنَ الأفْعالِ لِلنّاهِي والمُرادُ مِن: «أرَأيْتَ» أخْبِرْنِي؛
صفحة 184
فَإنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْعِلْمِ أُجْرِيَ الِاسْتِفْهامُ عَنْها مَجْرى الِاسْتِخْبارِ عَنْ مُتَعَلِّقِها والِاسْتِفْهامُ الواقِعُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الثّانِي هو مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ هُنا، وهَذا الإجْراءُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأئِمَّةِ يَكُونُ مَعَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ والرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ ولِلنُّحاةِ فِيهِ قَوْلانِ، والخِطابُ في الكُلِّ عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبًا مِمَّنْ لَهُ مُسْكَةٌ. وقِيلَ: لِلْإنْسانِ كالخِطابِ في ﴿إلى رَبِّكَ﴾ .
وتَنْوِينُ «عَبْدًا» عَلى ما هو ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ لِلتَّنْكِيرِ، وتَقْيِيدُ النَّهْيِ بِالظَّرْفِ يُشْعِرُ بِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ حالَ التَّلَبُّسِ بِها وفُصِلَ بَيْنَ الجُمَلِ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّشْنِيعِ والوَعِيدِ حَيْثُ أشْعَرَ أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مَقْصُودَةٌ عَلى حِيالِها فَشَنَّعَ سُبْحانَهُ عَلى النّاهِي أوَّلًا بِنَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ، وأوْعَدَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي يا مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ أوْ أيُّها الإنْسانُ عَمَّنْ يَنْهى عَنِ الصَّلاةِ بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ تَعالى ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَرى ويَطَّلِعُ فَيُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ النَّهْيِ. وشَنَّعَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ ثانِيًا بِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ وأوْعَدَهُ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ عَلى زَعْمِهِ عَلى هُدًى ورُشْدٍ في نَفْسِ النَّهْيِ أوْ أنَّهُ أمَرَ بِواسِطَتِهِ بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ أوْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، فَقالَ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ فَيُجازِيهِ إنْ كانَ عَلى هُدًى ورُشْدٍ في نَفْسِ النَّهْيِ أوْ كانَ أمْرًا بِواسِطَتِهِ بِالتَّقْوى كَما يَزْعُمُ. وشَنَّعَ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِ ثالِثًا بِذَلِكَ وأوْعَدَهُ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ وفِيما يَقُولُهُ تَعالى مُكَذِّبًا بِحَقِّيَّةِ الصَّلاةِ مُتَوَلِّيًا عَنْها مُعْرِضًا عَنْ فِعْلِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ﴾ إلَخْ؛ أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ إنْ كَذَّبَ بِحَقِّيَّةِ ما نَهى عَنْهُ وأعْرَضَ عَنْ فِعْلِهِ عَلى ما نَقُولُهُ نَحْنُ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى شَنَّعَ وأوْعَدَ عَلى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ بِدُونِ تَعَرُّضٍ لِحالِ النّاهِي الزَّعْمِيِّ أوِ الحَقِيقِيِّ، ثُمَّ شَنَّعَ وأوْعَدَ جَلَّ وعَلا عَلَيْهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِحالِهِ الزَّعْمِيِّ، ثُمَّ شَنَّعَ عَزَّ وجَلَّ وأوْعَدَ عَلَيْهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِحالِهِ الحَقِيقِيِّ وهَذا كالتَّرَقِّي في التَّشْنِيعِ.
والجُمْهُورُ عَلى عَدَمِ تَقْيِيدِ ما في حَيِّزِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ بِما ذَكَرْنا حَيْثُ قالُوا: إنْ كانَ عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كانَ أمْرًا بِالمَعْرُوفِ والتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ كَما يَزْعُمُ أوْ كانَ مُكَذِّبًا لِلْحَقِّ ومُتَوَلِّيًا عَنِ الصَّوابِ كَما نَقُولُ، وذُكِرَ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ تَكْرارٌ لِلْأوَّلِ لِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ: أنَّهُ لَيْسَ عَلى الهُدى، وأُوضِحَ بِأنَّ إدْخالَ حَرْفِ الشَّرْطِ في الأوَّلِ لِإرْخاءِ العِنانِ صُورَةً والتَّهَكُّمِ حَقِيقَةً؛ إذْ لا يَكُونُ في النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى والأمْرِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ هُدًى البَتَّةَ، وفي الثّانِي لِذَلِكَ والتَّهَكُّمِ عَلى عَكْسِ الأوَّلِ؛ إذْ لا شَكَّ أنَّهُ مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ فَمَآلُهُما إلى واحِدٍ. وقِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ في الجُمْلَةِ الأُولى بَصَرِيَّةٌ فَلا تَحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ، وفي الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ قَلْبِيَّةٌ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى ما تَقَدَّمَ والمَفْعُولُ الثّانِي سَدَّ مَسَدَّهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها وهو في الأخِيرَةِ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ إلَخْ. لِمَذْكُورٍ وفِيما قَبْلَها مَحْذُوفٌ دَلَّ هو عَلَيْهِ، ولَمْ تُعْطَفِ الأخِيرَةُ عَلى ما قَبْلَها لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِها بِالوُقُوعِ في نَفْسِ الأمْرِ وبِاسْتِتْباعِ الوَعِيدِ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ الجَوابُ، وأمّا قَبْلَها فَأمْرُ الشَّرْطِ فِيهِ لَيْسَ إلّا لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ وهو السِّرُّ في تَجْرِيدِهِ عَنِ الجَوابِ والإحالَةِ بِهِ عَلى جَوابِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَهُ، والخِطابُ في الكُلِّ لِمَن يَصْلُحُ لَهُ، والتَّنْوِينُ في «عَبْدًا» لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتِعْظامِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ مِنهُ والمَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ النّاهِي إنْ كانَ عَلى الهُدى فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى إلَخْ ما ذُكِرَ آنِفًا ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَرى ويَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ فَيُجازِيهِ بِها حَتّى اجْتَرَأ عَلى ما فَعَلَ. وقِيلَ: إنَّ «أرَأيْتَ» في الجُمَلِ الثَّلاثِ مِنَ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِلْأُولى المَوْصُولُ، ومَفْعُولُها الثّانِي الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الأُولى بِجَوابِها المَحْذُوفِ اكْتِفاءً عَنْهُ بِجَوابِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ إذْ عُلِمَ مِن ضَرُورَةِ التَّقابُلِ. و«أرَأيْتَ» الثّانِيَةُ تَكْرارٌ لِلْأُولى، و«أرَأيْتَ» الثّالِثَةُ ومَفْعُولُها الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِلْقَرِينَةِ مُسْتَقِلَّةً؛ لِأنَّها تُقابِلُ الأُولى لِلتَّقابُلِ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ كانَ﴾ إلَخْ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ:
صفحة 185
﴿إنْ كَذَّبَ﴾ إلَخْ. وفي الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ مِن دُونِ العَطْفِ تَرْشِيحٌ لِلْكَلامِ المُبَكِّتِ وتَنْبِيهٌ عَلى حَقِّيَّةِ الشَّرْطِ، ولِهَذا صَرَّحَ بِجَوابِهِ لِيَتَمَحَّضَ وعِيدًا والخِطابُ عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا والكَلامُ مِن قَبِيلِ الكَلامِ المُنْصِفِ وإرْخاءِ العِنانِ، ولِذا قِيلَ: «عَبْدًا» ولَمْ يَقُلْ: نَبِيًّا مُجْتَبًى فَكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْنِي يا مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ عَنْ حالِ هَذا الَّذِي يَنْهى بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ المُجْتَبى عَنْ صَلاتِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى هُدًى فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كانَ آمِرًا بِالتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ كَما يَزْعُمُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ عَلى التَّكْذِيبِ لِلْحَقِّ والتَّوَلِّي عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ كَما تَقُولُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ إلَخْ.
وقِيلَ: ( أرَأيْتَ ) في الجُمْلَتَيْنِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ تَكْرارٌ لِلْأُولى والشَّرْطِيَّتانِ بِجَوابِهِما سادَّتانِ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْأُولى، و«ألَمْ يَعْلَمْ» إلَخْ جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي وجَوابُ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَقُلْ: أوَإنْ كَذَّبَ إلَخْ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَسِيمٍ لِما قَبْلَهُ عَلى ما قِيلَ. والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ، وأُورِدَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ في تَجْوِيزِ الإتْيانِ بِالِاسْتِفْهامِ في جَزاءِ الشَّرْطِ مِن غَيْرِ الفاءِ وإنْ صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَشّافِهِ وارْتَضاهُ الرَّضِيُّ واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ بَحْثًا لِأنَّ ظاهِرَ نَقْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ نَفْسِهِ في المُفَصَّلِ ونَقْلِ غَيْرِهِ وُجُوبُ الفاءِ إذا كانَ الجَزاءُ جُمْلَةً إنْشائِيَّةً والِاسْتِفْهامُ وإنْ لَمْ يَبْقَ عَلى الحَقِيقَةِ لَمْ يَخْرُجْ عَلى ما في الكَشْفِ مِنَ الإنْشاءِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ وُقُوعَ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِغَيْرِ فاءٍ لا أعْلَمُ أحَدًا أجازَهُ بَلْ نَصُّوا عَلى وُجُوبِ الفاءِ في كُلِّ ما اقْتَضى طَلَبًا بِوَجْهٍ ما، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةٍ أوْ شِعْرٍ. وقالَ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ: إنَّ جَعْلَ: هَلْ يَهْلَكُ جَزاءً مُشْكِلٌ لِعَدَمِ اقْتِرانِهِ بِالفاءِ، والِاقْتِرانُ بِها في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ. واعْتُرِضَ أيْضًا جَعْلُ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِ «أرَأيْتَ» بِأنَّ مَفْعُولَها الثّانِيَ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ وجَماعَةٌ، أوْ قَسَمِيَّةٌ كَما في الإرْشادِ. وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ جَعْلَ الشَّرْطِيَّةِ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ والجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في مَوْقِعِ جَوابِ الشَّرْطِ إمّا عَلى ظاهِرِهِ أوْ عَلى أنَّهُما لِدَلالَتِهِما عَلى ذَلِكَ جُعِلا كَأنَّهُما كَذَلِكَ لِسَدِّهِما مَسَدَّ المَفْعُولِ والجَوابُ وبِما ذُكِرَ صَرَّحَ الرَّضِيُّ والدَّمامِينِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ في بابِ اسْمِ الإشارَةِ فَما قِيلَ مِن أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِ «أرَأيْتَ» لا يَكُونُ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً مُخالِفٌ لِما صَرَّحُوا بِأنَّهُ مُخْتارُ سِيبَوَيْهِ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولَمْ يَجْعَلُوا فِيما ذُكِرَ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا لِلْكافِرِ النّاهِي لِأنَّ السِّياقَ مُقْتَضٍ لِخُرُوجِ النّاهِي والمَنهِيِّ عَنْ مَوْرِدِ الخِطابِ. واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ جَعْلَهُ لِلنَّبِيِّ وجَوَّزَ غَيْرُهُ جَعْلَهُ لِلْكافِرِ. والمُرادُ تَصْوِيرُ الحالِ بِعُنْوانٍ كُلِّيٍّ وهو كَما تَرى.
وقِيلَ: الضَّمِيرانِ في «إنْ كانَ، وأمَرَ» لِلْعَبْدِ المُصَلِّي، والضَّمائِرُ في «كَذَّبَ وتَوَلّى، ويَعْلَمْ» لِلَّذِي يَنْهى. وحاصِلُ المَعْنى عَلى ما قالَ الفَرّاءُ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي، والمَنهِيُّ عَلى الهُدى وآمِرٌ بِالتَّقْوى والنّاهِي مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ فَما أعْجَبَ مِن ذا. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهُوَ: فَما أعْجَبَ مِن ذا بِقَرِينَةِ ( أرَأيْتَ ) فَإنَّهُ يُفِيدُ التَّعَجُّبَ، والرُّؤْيَةُ فِيهِ قِيلَ عِلْمِيَّةٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ نَحْوَ هَذا الجَوابِ وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ و«ألَمْ يَعْلَمْ» إلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ، وأوْ تَقْسِيمِيَّةٌ بِمَعْنى الواوِ. وقِيلَ: الخِطابُ في ( أرَأيْتَ ) الثّانِيَةِ لِلْكافِرِ وفي الثّانِيَةِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو عَزَّ وجَلَّ كالحاكِمِ الَّذِي حَضَرَ الخَصْمانِ يُخاطِبُ هَذا مَرَّةً والآخَرَ أُخْرى، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: يا كافِرُ أخْبِرْنِي إنْ كانَتْ صَلاتُهُ هَدًى ودُعاؤُهُ إلى اللَّهِ تَعالى أمْرًا بِالتَّقْوى أتَنْهاهُ؟ وأخْبِرْنِي أيُّها الرَّسُولُ إنْ كانَ النّاهِي مُكَذِّبًا بِالحَقِّ مُتَوَلِّيًا عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُجازِيهِ. وسَكَتَ هَذا القائِلُ عَنِ الخِطابِ في ( أرَأيْتَ ) الأوَّلِ فَقِيلَ: لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وقِيلَ: لِلْإنْسانِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالخِطابِ في الثّالِثِ. وقَوْلُهُ: أتَنْهاهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ جَعَلَهُ مَفْعُولًا لِرَأيْتَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ أوْ كَما في سابِقِهِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الأمْرِ بِالتَّقْوى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّ
صفحة 186
النَّهْيَ عَلى ما قِيلَ كانَ عَنِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِها وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ أنْ يُذْكَرَ في الجُمْلَةِ الأُولى أيْضًا بِأنْ يُقالَ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى لَكِنَّهُ حُذِفَ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ في الثّانِيَةِ، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ ولَمْ يَعْكِسْ لِأنَّ الأمْرَ بِالتَّقْوى دَعْوَةٌ قَوْلِيَّةٌ، والصَّلاةُ دَعْوَةٌ فِعْلِيَّةٌ، والفِعْلُ أقْوى مِنَ القَوْلِ. وإنَّما كانَتْ دَعْوَةً وأمْرًا لِأنَّ المُقْتَدى بِهِ إذا فَعَلَ فِعْلًا كانَ في قُوَّةِ قَوْلِهِ: افْعَلُوا هَذا. وقِيلَ: المَذْكُورُ أوَّلًا لَيْسَ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ بَلِ النَّهْيَ حِينَ الصَّلاةِ وهو مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ لَها أوْ لِغَيْرِها، وعامَّةُ أحْوالِ الصَّلاةِ لِما انْحَصَرَتْ في تَكْمِيلِ نَفْسِ المُصَلِّي بِالعِبادَةِ وتَكْمِيلِ غَيْرِهِ بِالدَّعْوَةِ فَنَهْيُهُ في تِلْكَ الحالَةِ يَكُونُ عَنِ الصَّلاةِ والدَّعْوَةِ مَعًا فَلِذا ذُكِرَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ انْتَهى. فَلا تَغْفُلْ.
وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الخِطابِ في الكُلِّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ في بَيانِ مَعْنى ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ﴾ إلَخْ أرَأيْتَ إنْ صارَ عَلى الهُدى واشْتَغَلَ بِأمْرِ نَفْسِهِ، أما كانَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ إذْ هو رَجُلٌ عاقِلٌ ذُو ثَرْوَةٍ، فَلَوِ اخْتارَ الرَّأْيَ الصّائِبَ والِاهْتِداءَ والأمْرَ بِالتَّقْوى أما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى والنَّهْيِ عَنْ خِدْمَتِهِ سُبْحانَهُ وطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ؟ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: تَلَهَّفْ عَلَيْهِ كَيْفَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ المَراتِبَ العَلِيَّةَ وقَنِعَ بِالمَراتِبِ الرَّدِيَّةِ.
واعْتَبَرَ عِصامُ الدِّينَ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَوْبِيخًا عَلى تَفْوِيتِ ما يَنْفَعُ وما بَعْدَها تَوْبِيخًا عَلى كَسْبِ ما يَضُرُّ فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( أرَأيْتَ الَّذِي ) إلَخِ اسْتِشْهادٌ لِطُغْيانِ الإنْسانِ أنْ رَآهُ مُسْتَغْنِيًا والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى الإبْصارِ؛ أيْ: أشاهَدْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى وعَرَفْتَ طُغْيانَ الإنْسانِ المُسْتَغْنِي وأنَّهُ لا يَكْفِي بِكُفْرانِهِ ويَتَجاوَزُ إلى تَكْلِيفِ العَبْدِ الَّذِي أُرْسِلَ لِلْمَنعِ عَنِ الكُفْرانِ بِالكُفْرانِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ﴾ إلَخْ تَوْبِيخٌ لَهُ عَلى فَوْتِ ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ بِفَوْتِ الهُدى والأمْرِ بِالتَّقْوى، يَعْنِي: أعَلِمْتَ أنَّهُ عَلى أيِّ فَوْزٍ إنْ كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى.
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ﴾ إلَخْ تَوْبِيخٌ لَهُ بِما كَسَبَ مِنَ اسْتِحْقاقِ العَذابِ والبُعْدِ عَنْ رَبِّ الأرْبابِ؛ أيْ: أعَلِمْتَ أنَّهُ عَلى أيِّ عُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ إلَخْ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ بَعْدَ التَّوْبِيخِ عَلى كَسْبِ حالِ الشَّقِيِّ وفَوْتِ حالِ السَّعِيدِ انْتَهى. وهو كَما تَرى فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ، واللَّهُ تَعالى بِمُرادِهِ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ الآيَةَ وإنْ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَكِنَّ كُلَّ مَن نَهى عَنِ الصَّلاةِ ومَنَعَ مِنها فَهو شَرِيكُهُ في الوَعِيدِ ولا يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ المَنعُ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في الدّارِ المَغْصُوبَةِ والأوْقاتِ المَكْرُوهَةِ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ عَنِ الصَّلاةِ نَفْسِها بَلْ عَنْ وصْفِها المُقارِنِ وأشْهَدَ الِاحْتِياطُ تَحاشِيَ بَعْضِهِمْ عَنِ النَّهْيِ مُطْلَقًا.
فَرُوِيَ «عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ رَأى في المُصَلّى أقْوامًا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ، فَقالَ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ألا تَنْهاهُمْ؟ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أخْشى أنْ أدْخُلَ تَحْتَ وعِيدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ وفي رِوايَةٍ: لا أُحِبُّ أنْ أنْهى عَبْدًا إذا صَلّى، ولَكِنْ أُحَدِّثُهم بِما رَأيْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».
وقَدْ سَلَكَ نَحْوَ هَذا المَسْلَكِ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا يُوسُفَ قالَ لَهُ:
أيَقُولُ المُصَلِّي حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؟ فَقالَ: يَقُولُ: رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ ويَسْجُدُ. ولَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ، ويُقاسُ عَلى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ النَّهْيُ عَنْ غَيْرِها مِن أنْواعِ العِبادَةِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ النَّهْيِ القالِيِّ والنَّهْيِ الحالِيِّ، ومِنهُ أنْ يَشْغَلَ المَرْءُ المَرْءَ عَنْ ذَلِكَ وقَدِ ابْتُلِيَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ.
العلق 96:15
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلنّاهِي اللَّعِينِ وزَجْرٌ لَهُ. واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ؛ أيْ: واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا هو عَلَيْهِ ولَمْ يَنْزَجِرْ ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ أيْ: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، والسَّفْعُ قالَ المُبَرِّدُ: الجَذْبُ بِشِدَّةٍ، وسَفَعَ بِناصِيَةِ فَرَسِهِ جَذَبَ. قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ:
قَوْمٌ إذا كَثُرَ الصِّياحُ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سافِعِ
صفحة 187
وقالَ مُؤَرِّجٌ: السَّفْعُ الأخْذُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ. والنّاصِيَةُ شَعْرُ الجَبْهَةِ، وتُطْلَقُ عَلى مَكانِ الشَّعْرِ، وألْ فِيها لِلْعَهْدِ، واكْتُفِيَ بِها عَنِ الإضافَةِ وهو مَعْنى كَوْنِها عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ في مِثْلِهِ، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ سَحْبِهِ إلى النّارِ، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ إنَّهُ عَبَّرَ بِالنّاصِيَةِ عَنْ جَمِيعِ الشَّخْصِ لا يَخْفى ما فِيهِ. وقِيلَ: المُرادُ لَنَسْحَبَنَّهُ عَلى وجْهِهِ في الدُّنْيا يَوْمَ بَدْرٍ وفِيهِ بِشارَةٌ بِأنَّهُ تَعالى يُمَكِّنُ المُسْلِمِينَ مِن ناصِيَتِهِ حَتّى يَجُرُّوهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ، وقَدْ فَعَلَ عَزَّ وجَلَّ؛ فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الرَّحْمَنِ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن يَقْرَؤُها عَلى رُؤَساءِ قُرَيْشٍ؟» فَقامَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِضَعْفِهِ وصِغَرِ جُثَّتِهِ حَتّى قالَها ثَلاثًا وفي كُلِّ مَرَّةٍ كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأذِنَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأتاهم وهم مُجْتَمِعُونَ حَوْلَ الكَعْبَةِ فَشَرَعَ في القِراءَةِ فَقامَ أبُو جَهْلٍ فَلَطَمَهُ وشَقَّ أُذُنَهُ وأدْماهُ، فَرَجَعَ وعَيْناهُ تَدْمَعانِ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ضاحِكًا فَقالَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «سَتَعْلَمُ» فَلَمّا كانَ يَوْمَبَدْرٍ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: التَمِسُوا أبا جَهْلٍ في القَتْلى. فَرَآهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مَصْرُوعًا يَخُورُ فارْتَقى عَلى صَدْرِهِ فَفَتَحَ عَيْنَهُ فَعَرَفَهُ، فَقالَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا يا رُوَيْعِيَّ الغَنَمِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الإسْلامُ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ. فَعالَجَ قَطْعَ رَأْسِهِ فَقالَ اللَّعِينُ: دُونَكَ فاقْطَعْهُ بِسَيْفِي. فَقَطَعَهُ ولَمْ يَقْدِرْ عَلى حَمْلِهِ فَشَقَّ أُذُنَهُ وجَعَلَ فِيها خَيْطًا وجَعَلَ يَجُرُّهُ حَتّى جاءَ بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضْحَكُ ويَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أُذُنٌ بِأُذُنٍ والرَّأْسُ زِيادَةٌ،» وكَأنَّ تَخْصِيصَ النّاصِيَةِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ اللَّعِينَ كانَ شَدِيدَ الِاهْتِمامِ بِتَرْجِيلِها وتَطْيِيبِها، أوْ لِأنَّ السَّفْعَ بِها غايَةَ الإذْلالِ عِنْدَ العَرَبِ؛ إذْ لا يَكُونُ إلّا مَعَ مَزِيدِ التَّمَكُّنِ والِاسْتِيلاءِ ولِأنَّ عادَتَهم ذَلِكَ في البَهائِمِ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ وهارُونُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: «لَنَسْفَعَنَّ» بِالنُّونِ الشَّدِيدَةِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «لَأسْفَعَنَّ» كَذَلِكَ مَعَ إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، وكُتِبَتِ النُّونُ الخَفِيفَةُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ ألِفًا اعْتِبارًا بِحالِ الوَقْفِ فَإنَّهُ يُوقَفُ عَلَيْها بِالألِفِ تَشْبِيهًا لَها بِالتَّنْوِينِ، وقاعِدَةُ الكِتابَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلى حالِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ومَهْما تَشَأْ مِنهُ فَزارَةُ تَمْنَعا
وقَوْلُهُ: يَحْسَبُهُ الجاهِلُ ما لَمْ يَعْلَما
العلق 96:16
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ وجازَ إبْدالُها عَنِ المَعْرِفَةِ وهي نَكِرَةٌ لِأنَّها وُصِفَتْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ فاسْتَقَلَّتْ بِالإفادَةِ، وقَدْ ذَكَرَ البَصْرِيُّونَ أنَّهُ يُشْتَرَطُ لِإبْدالِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ الإفادَةُ لا غَيْرَ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّها تُبْدَلُ مِنها بِشَرْطَيْنِ؛ اتِّحادِ اللَّفْظِ ووَصْفِ النَّكِرَةِ، ولِيَشْمَلَ بِظاهِرِهِ كُلَّ ناصِيَةٍ هَذِهِ صِفَتُها وهَذا مِمّا يَتَأتّى عَلى سائِرِ المَذاهِبِ، ووَصْفُ النّاصِيَةِ بِما ذُكِرَ مَعَ أنَّهُ صِفَةُ صاحِبِها لِلْمُبالَغَةِ حَيْثُ يَدُلُّ عَلى وصْفِهِ بِالكَذِبِ والخَطَأِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ويُفِيدُ أنَّهُ لِشِدَّةِ كَذِبِهِ وخَطَئِهِ كَأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ يُكَذِّبُ ويَخْطَأُ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ وقَوْلِهِمْ: وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ. فالإسْنادُ مَجازِيٌّ مِن إسْنادِ ما لِلْكُلِّ إلى الجُزْءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: «ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً» بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ عَلى الشَّتْمِ، والكِسائِيُّ في رِوايَةٍ بِرَفْعِها؛ أيْ: هي ناصِيَةٌ إلَخْ.
العلق 96:17
﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ النّادِي المَجْلِسُ الَّذِي يَنْتَدِي فِيهِ القَوْمُ؛ أيْ: يَجْتَمِعُونَ لِلْحَدِيثِ ويُجْمَعُ عَلى أنْدِيَةٍ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ؛ أيْ: فَلْيَدْعُ أهْلَ نادِيهِ، أوِ الإسْنادُ فِيهِ مَجازِيٌّ أوْ أُطْلِقَ اسْمُ المَحَلِّ عَلى مَن حَلَّ فِيهِ، ومِثْلُهُ في هَذا المَجْلِسِ ونَحْوِهِ كَما قالَ جَرِيرٌ أوْ ذُو الرُّمَّةِ:
لَهم مَجْلِسٌ صُهْبُ السِّبالِ أذِلَّةٌ سَواسِيَةٌ أحْرارُها وعَبِيدُها
وقالَ زُهَيْرٌ:
وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
وهَذا إشارَةٌ إلى ما صَحَّ مِن «أنَّ أبا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو يُصَلِّي فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ فَأغْلَظَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ، فَقالَ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ أهْلِ الوادِي نادِيًا،» والأمْرُ عَلى ما في البَحْرِ لِلتَّعْجِيزِ والإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ.
العلق 96:18
صفحة 188
﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أيْ: مَلائِكَةَ العَذابِ لِيَجُرُّوهُ إلى النّارِ وهو في الأصْلِ الشُّرَطُ؛ أيْ: أعْوانُ الوُلاةِ. واخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعَبادِيدَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُهُ زِبْنِيَةٌ - بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ - كَعِفْرِيَةٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: واحِدُهُ زِبْنى - بِالكَسْرِ - كَأنَّهُ نُسِبَ إلى الزَّبْنِ - بِالفَتْحِ - وهو الدَّفْعُ ثُمَّ غُيِّرَ لِلنَّسَبِ، وكُسِرَ أوَّلُهُ كَإنْسِيٍّ، وأصْلُ الجَمْعِ زَبانِيُّ فَقِيلَ: زَبانِيَةٌ بِحَذْفِ إحْدى ياءَيْهِ وتَعْوِيضِ التّاءِ عَنْها. وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ والأخْفَشُ: واحِدُهُ زابِنٌ. والعَرَبُ قَدْ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى مَنِ اشْتَدَّ بَطْشُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أعْوانِ الوُلاةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
مَطاعِمُ في القُصْوى مَطاعِينُ في الوَغى زَبانِيَةٌ غُلْبٌ عِظامٌ حُلُومُها
وسُمِّيَ مَلائِكَةُ العَذابِ بِذَلِكَ لِدَفْعِهِمْ مَن يُعَذِّبُونَهُ إلى النّارِ. وهَذا الدُّعاءُ في الدُّنْيا بِناءً عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّهُ لَوْ دَعا نادِيَهُ لَأخَذَتْهُ الزَّبانِيَةُ عِيانًا، والظّاهِرُ أنَّ ﴿سَنَدْعُ﴾ مَرْفُوعٌ لِتَجَرُّدِهِ عَنِ النّاصِبِ والجازِمِ، ورُسِمَ في المَصاحِفِ بِدُونِ واوٍ لِاتِّباعِ الرَّسْمِ لِلَّفْظِ؛ فَإنَّها مَحْذُوفَةٌ فِيهِ عَنِ الوَصْلِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أوْ لِمُشاكَلَةِ ﴿فَلْيَدْعُ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ وفِيهِ نَظَرٌ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «سَيُدْعى الزَّبانِيَةُ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ «الزَّبانِيَةِ».
العلق 96:19
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِذَلِكَ اللَّعِينِ بَعْدَ رَدْعٍ وزَجْرٍ لَهُ إثْرَ زَجْرٍ.
﴿لا تُطِعْهُ﴾ أيْ: دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن مُعاصاتِهِ.
﴿واسْجُدْ﴾ وواظِبْ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ عَلى سُجُودِكَ وهو عَلى ظاهِرِهِ أوْ مَجازٌ عَنِ الصَّلاةِ.
﴿واقْتَرِبْ﴾ وتَقَرَّبْ بِذَلِكَ إلى رَبِّكَ.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ؛ فَأكْثِرُوا الدُّعاءَ»».
وفِي الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ مَرْفُوعًا: ««عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ؛ فَإنَّهُ لا تَسْجُدُ لِلَّهِ تَعالى سَجْدَةً إلّا رَفَعَكَ اللَّهُ تَعالى بِها دَرَجَةً وحَطَّ عَنْكَ بِها خَطِيئَةً»».
ولِهَذِهِ الأخْبارِ ونَحْوِها ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ السُّجُودَ أفْضَلُ أرْكانِ الصَّلاةِ، ومِنَ الغَرِيبِ أنَّ العِزَّ بْنَ عَبْدِ السَّلامِ مِن أجِلَّةِ أئِمَّةِ الشّافِعِيَّةِ قالَ بِوُجُوبِ الدُّعاءِ فِيهِ.
وفِي البَحْرِ: ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَجَدَ فِي: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾» وفي هَذِهِ السُّورَةِ، وهي مِنَ العَزائِمِ عِنْدَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وكانَ مالِكٌ يَسْجُدُ فِيها في خاصَّةِ نَفْسِهِ. واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.