Tafsir Al-Alusi — القدر 97:1 – العصر 103:3
المحتويات
- القدر 97:1
- القدر 97:2
- القدر 97:3
- القدر 97:4
- القدر 97:5
- البينة 98:1
- البينة 98:2
- البينة 98:3
- البينة 98:4
- البينة 98:5
- البينة 98:6
- البينة 98:7
- البينة 98:8
- الزلزلة 99:1
- الزلزلة 99:2
- الزلزلة 99:3
- الزلزلة 99:4
- الزلزلة 99:5
- الزلزلة 99:6
- الزلزلة 99:7
- الزلزلة 99:8
- العاديات 100:1
- العاديات 100:2
- العاديات 100:3
- العاديات 100:4
- العاديات 100:5
- العاديات 100:6
- العاديات 100:7
- العاديات 100:8
- العاديات 100:9
- العاديات 100:10
- العاديات 100:11
- القارعة 101:1
- القارعة 101:2
- القارعة 101:3
- القارعة 101:4
- القارعة 101:5
- القارعة 101:6
- القارعة 101:7
- القارعة 101:8
- القارعة 101:9
- القارعة 101:10
- القارعة 101:11
- التكاثر 102:1
- التكاثر 102:2
- التكاثر 102:3
- التكاثر 102:4
- التكاثر 102:5
- التكاثر 102:6
- التكاثر 102:7
- التكاثر 102:8
- العصر 103:1
- العصر 103:2
- العصر 103:3
القدر 97:1
سُورَةُ القَدْرِ
قالَ أبُو حَيّانَ: مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِ، وحَكى اَلْماوَرْدِيُّ عَكْسَهُ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ الجَلالُ في الإتْقانِ: فِيها قَوْلانِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، ويُسْتَدَلُّ لِكَوْنِها مَدَنِيَّةً بِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مِنبَرِهِ فَساءَهُ ذَلِكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ونَزَلَتْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾» الحَدِيثَ.
وهُوَ كَما قالَ المُزَنِيُّ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. انْتَهى. وقَدْ أخْرَجَ الجَلالُ هَذا الحَدِيثَ في الدُّرِّ المَنثُورِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيِّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ أيْضًا مِن رِوايَةِ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ، وذَكَرَ فِيهِ أنَّ التِّرْمِذِيَّ أخْرَجَهُ وضَعَّفَهُ، وأنَّ الخَطِيبَ أخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ، وكَذا عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ بِلَفْظِ: «قالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أُرِيتُ بَنِي أُمَيَّةَ يَصْعَدُونَ مِنبَرِي فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ». فَأُنْزِلَتْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾» .
فَفِي قَوْلِ المُزَنِيِّ: هو مُنْكَرٌ تَرَدُّدٌ عِنْدِي، وأيًّا ما كانَ فَقَدِ اسْتُشْكِلَ وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى كَوْنِ السُّورَةِ مَدَنِيَّةً، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِيهِ: عَلى مِنبَرِهِ.
والظّاهِرُ أنْ يَكُونَ المِنبَرُ مَوْجُودًا زَمَنَ الرُّؤْيا وهو لَمْ يُتَّخَذْ إلّا في المَدِينَةِ، وآيُها سِتٌّ في المَكِّيِّ والشّامِيِّ، وخَمْسٌ فِيما عَداهُما.
وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««أنَّها تَعْدِلُ رُبْعَ القُرْآنِ»».
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُ يُسُنُّ قِراءَتُها بَعْدَ الوُضُوءِ. وقالَ بَعْضُ أئِمَّتِهِمْ: ثَلاثًا. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما
صفحة 189
قَبْلَها أنَّها كالتَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِقِراءَةِ القُرْآنِ المُتَقَدِّمِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: اقْرَأِ القُرْآنَ لِأنَّ قَدْرَهُ عَظِيمٌ وشَأْنَهُ فَخِيمٌ. وقالَ الخَطّابِيُّ: المُرادُ بِالكِتابَةِ في قَوْلِهِ تَعالى فِيها: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ ولِذا وُضِعَتْ بَعْدُ. وارْتَضاهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ وقالَ: هَذا بَدِيعٌ جِدًّا. والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ أنَّ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في ذاكَ لِاقْرَأْ... إلَخْ. عَلى ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وكَوْنُهُ أرادَ أنَّهُ لِلْمَقْرُوءِ المَفْهُومِ مِنَ اقْرَأْ فَيَكُونُ في مَعْنى رُجُوعِهِ لِلْقُرْآنِ خِلافَ الظّاهِرِ فَلا تَغْفُلْ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ الضَّمِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِلْقُرْآنِ، وادَّعى الإمامُ فِيهِ إجْماعَ المُفَسِّرِينَ وكَأنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِقَوْلِ مَن قالَ مِنهم بِرُجُوعِهِ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ غَيْرِهِ لِضَعْفِهِ، قالُوا: وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِضَمِيرِ الغائِبِ مَعَ عَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ تَعْظِيمٌ لَهُ أيُّ تَعْظِيمٍ؛ لِما أنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ كَأنَّهُ حاضِرٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ فَهو في قُوَّةِ المَذْكُورِ، وكَذا في إسْنادِ إنْزالِهِ إلى نُونِ العَظَمَةِ مَرَّتَيْنِ وتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ، وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى إفادَةِ الجُمْلَةِ اخْتِصاصَ الإنْزالِ بِهِ سُبْحانَهُ بِناءً عَلى أنَّها مِن بابِ: أنا سَعَيْتُ في حاجَتِكَ مِمّا قُدِّمَ فِيهِ الفاعِلُ المَعْنَوِيُّ عَلى الفِعْلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذَكَرُوهُ في الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ دُونَ المُتَّصِلِ كَما في اسْمِ إنَّ هُنا، نَعَمْ؛ الِاخْتِصاصُ يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ. وفِيهِ أنَّهم لَمْ يُصَرِّحُوا بِاشْتِراطِ ما ذُكِرَ في تَفْخِيمِ وقْتِ إنْزالِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ عُلُوَّها خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ دِرايَةِ الخَلْقِ لا يُعْلَمُ ذَلِكَ ولا يَعْلَمُ بِهِ إلّا عَلّامُ الغُيُوبِ كَما يُشْعِرُ بِهِ.
القدر 97:2
سُورَةُ القَدْرِ
قالَ أبُو حَيّانَ: مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِ، وحَكى اَلْماوَرْدِيُّ عَكْسَهُ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ الجَلالُ في الإتْقانِ: فِيها قَوْلانِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، ويُسْتَدَلُّ لِكَوْنِها مَدَنِيَّةً بِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مِنبَرِهِ فَساءَهُ ذَلِكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ونَزَلَتْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾» الحَدِيثَ.
وهُوَ كَما قالَ المُزَنِيُّ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. انْتَهى. وقَدْ أخْرَجَ الجَلالُ هَذا الحَدِيثَ في الدُّرِّ المَنثُورِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيِّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ أيْضًا مِن رِوايَةِ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ، وذَكَرَ فِيهِ أنَّ التِّرْمِذِيَّ أخْرَجَهُ وضَعَّفَهُ، وأنَّ الخَطِيبَ أخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ، وكَذا عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ بِلَفْظِ: «قالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أُرِيتُ بَنِي أُمَيَّةَ يَصْعَدُونَ مِنبَرِي فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ». فَأُنْزِلَتْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾» .
فَفِي قَوْلِ المُزَنِيِّ: هو مُنْكَرٌ تَرَدُّدٌ عِنْدِي، وأيًّا ما كانَ فَقَدِ اسْتُشْكِلَ وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى كَوْنِ السُّورَةِ مَدَنِيَّةً، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِيهِ: عَلى مِنبَرِهِ.
والظّاهِرُ أنْ يَكُونَ المِنبَرُ مَوْجُودًا زَمَنَ الرُّؤْيا وهو لَمْ يُتَّخَذْ إلّا في المَدِينَةِ، وآيُها سِتٌّ في المَكِّيِّ والشّامِيِّ، وخَمْسٌ فِيما عَداهُما.
وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««أنَّها تَعْدِلُ رُبْعَ القُرْآنِ»».
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُ يُسُنُّ قِراءَتُها بَعْدَ الوُضُوءِ. وقالَ بَعْضُ أئِمَّتِهِمْ: ثَلاثًا. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما
صفحة 189
قَبْلَها أنَّها كالتَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِقِراءَةِ القُرْآنِ المُتَقَدِّمِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: اقْرَأِ القُرْآنَ لِأنَّ قَدْرَهُ عَظِيمٌ وشَأْنَهُ فَخِيمٌ. وقالَ الخَطّابِيُّ: المُرادُ بِالكِتابَةِ في قَوْلِهِ تَعالى فِيها: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ ولِذا وُضِعَتْ بَعْدُ. وارْتَضاهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ وقالَ: هَذا بَدِيعٌ جِدًّا. والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ أنَّ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في ذاكَ لِاقْرَأْ... إلَخْ. عَلى ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وكَوْنُهُ أرادَ أنَّهُ لِلْمَقْرُوءِ المَفْهُومِ مِنَ اقْرَأْ فَيَكُونُ في مَعْنى رُجُوعِهِ لِلْقُرْآنِ خِلافَ الظّاهِرِ فَلا تَغْفُلْ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ الضَّمِيرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِلْقُرْآنِ، وادَّعى الإمامُ فِيهِ إجْماعَ المُفَسِّرِينَ وكَأنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِقَوْلِ مَن قالَ مِنهم بِرُجُوعِهِ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ غَيْرِهِ لِضَعْفِهِ، قالُوا: وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِضَمِيرِ الغائِبِ مَعَ عَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ تَعْظِيمٌ لَهُ أيُّ تَعْظِيمٍ؛ لِما أنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ كَأنَّهُ حاضِرٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ فَهو في قُوَّةِ المَذْكُورِ، وكَذا في إسْنادِ إنْزالِهِ إلى نُونِ العَظَمَةِ مَرَّتَيْنِ وتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ، وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى إفادَةِ الجُمْلَةِ اخْتِصاصَ الإنْزالِ بِهِ سُبْحانَهُ بِناءً عَلى أنَّها مِن بابِ: أنا سَعَيْتُ في حاجَتِكَ مِمّا قُدِّمَ فِيهِ الفاعِلُ المَعْنَوِيُّ عَلى الفِعْلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذَكَرُوهُ في الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ دُونَ المُتَّصِلِ كَما في اسْمِ إنَّ هُنا، نَعَمْ؛ الِاخْتِصاصُ يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ. وفِيهِ أنَّهم لَمْ يُصَرِّحُوا بِاشْتِراطِ ما ذُكِرَ في تَفْخِيمِ وقْتِ إنْزالِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ عُلُوَّها خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ دِرايَةِ الخَلْقِ لا يُعْلَمُ ذَلِكَ ولا يَعْلَمُ بِهِ إلّا عَلّامُ الغُيُوبِ كَما يُشْعِرُ بِهِ.
القدر 97:3
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ فَإنَّهُ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِشَأْنِها إثْرَ تَشْوِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى دِرايَتِها؛ فَإنَّ ذَلِكَ مُعْرِبٌ عَنِ الوَعْدِ بِإدْرائِها، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ كُلَّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( ما أدْراكَ ) أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما فِيهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( وما يُدْرِيكَ ) لَمْ يُعْلِمْهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ.
وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ إعْرابِ الجُمْلَتَيْنِ وفي إظْهارِ لَيْلَةِ القَدْرِ في المَوْضِعَيْنِ مِن تَأْكِيدِ التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، والمُرادُ بِإنْزالِهِ فِيها إنْزالُهُ كُلِّهِ جُمْلَةً واحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَقَدْ صَحَّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ في لَيْلَةِ القَدْرِ جُمْلَةً واحِدَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا، وكانَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ. وكانَ اللَّهُ تَعالى يُنْزِلُهُ عَلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ،» وفي رِوايَةٍ بَدَلَ: وكانَ بِمَواقِعَ... إلَخْ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِشْرِينَ سَنَةً، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أيْضًا: أُنْزِلَ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً حَتّى وُضِعَ في بَيْتِ العِزَّةِ في السَّماءِ، ونَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِجَوابِ كَلامِ العِبادِ وأعْمالِهِمْ. وفي أُخْرى أنَّهُ أُنْزِلَ في رَمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ جُمْلَةً واحِدَةً ثُمَّ أُنْزِلَ عَلى مَواقِعِ النُّجُومِ رُسُلًا في الشُّهُورِ والأيّامِ. وكَوْنُ النُّزُولِ بَعْدُ في عِشْرِينَ سَنَةً قَوْلٌ لَهُمْ، وقالَ بَعْضُهم -وهُوَ الأشْهَرُ- في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ. وقالَ آخَرُ: في خَمْسٍ وعِشْرِينَ وهَذا لِلْخِلافِ في مُدَّةِ إقامَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ البَعْثِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: المُرادُ ابْتَدَأْنا بِإنْزالِهِ فِيها. والمَشْهُورُ أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ الآياتِ: ﴿اقْرَأْ﴾ وأنَّهُ كانَ نُزُولُها بِحِراءَ نَهارًا.
نَعَمْ في البَحْرِ رَوى أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في حِراءَ كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، فَإنْ صَحَّ وكانَ المُرادُ كانَ لَيْلًا فَذاكَ وإلّا فَظاهِرُ كَلامِ الشَّعْبِيِّ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ ابْتِداءَ إنْزالِهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فِيها ولا يَلْزَمُ أنْ يَتَّحِدَ ذَلِكَ، وابْتِداءُ إنْزالِهِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الزَّمانِ ثُمَّ إنَّ في ( أنْزَلْناهُ ) عَلى ما ذُكِرَ تَجُوَّزًا في الإسْنادِ؛ لِأنَّهُ أُسْنِدَ فِيهِ ما لِلْجُزْءِ إلى الكُلِّ أوْ مَجازًا الطَّرَفِ أوْ تَضْمِينًا. وقِيلَ: المُرادُ إنْزالُهُ مِنَ اللَّوْحِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا مُفَرَّقًا في لَيالِي قَدْرٍ عَلى أنَّ المُرادَ (بِلَيْلَةِ) الجِنْسُ؛ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا في عِشْرِينَ لَيْلَةَ قَدْرٍ أوْ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ أوْ خَمْسٍ وعِشْرِينَ، وكانَ يَنْزِلُ في كُلِّ لَيْلَةٍ ما يُقَدِّرُ اللَّهُ تَعالى إنْزالَهُ في كُلِّ السَّنَةِ ثُمَّ يُنْزِلُهُ سُبْحانَهُ مُنَجَّمًا في جَمِيعِ السَّنَةِ. وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ الإمامُ احْتِمالًا ونَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُقاتِلٍ لَكِنَّهُ مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والصَّحِيحُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ كَما قالَ
صفحة 190
ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ أنَّهُ أُنْزِلَ جُمْلَةً واحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى بَيْتِ العِزَّةِ في السَّماءِ الدُّنْيا بَلْ حَكى بَعْضُهُمُ الإجْماعَ عَلَيْهِ. نَعَمْ لا يَبْعُدُ القَوْلُ بِأنَّ السَّفَرَةَ هُناكَ نَجَّمُوهُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في اللَّيالِي المَذْكُورَةِ. وأجابَ السَّيِّدُ عِيسى الصَّفْوِيُّ بِأنَّهُ مَحْذُورٌ في ذَلِكَ بِناءً عَلى جَوازِ مِثْلِ: أتَكَلَّمُ مُخْبَرًا بِهِ عَنِ التَّكَلُّمِ بِقَوْلِكَ أتَكَلَّمُ، وفي ذَلِكَ اخْتِلافٌ بَيْنَ الدَّوانِيِّ وغَيْرِهِ ذَكَرَهُ في رِسالَتِهِ الَّتِي ألَّفَها في الجَوابِ عَنْ مَسْألَةِ الحَذَرِ الأصَمِّ، أوْ يُقالُ: يَرْجِعُ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ بِاعْتِبارِ جُمْلَتِهِ وقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أجْزائِهِ فَيُخْبَرُ عَنِ الجُمْلَةِ «بِأنّا» أنْزَلْناهُ وإنْ كانَ مِن جُمْلَتِهِ: ( إنّا أنْزَلْناهُ ) المُنْدَرِجُ في جُمْلَتِهِ مِن غَيْرِ نَظِيرٍ لَهُ بِخُصُوصِهِ. وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الجُزْءَ مِن حَيْثُ هو مُسْتَقِلٌّ مُغايِرٌ لَهُ مِن حَيْثُ هو في ضِمْنِ الكُلِّ، وفي الإتْقانِ عَنْ أبِي شامَةَ: فَإنْ قُلْتَ: إنّا أنْزَلْناهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِن جُمْلَةِ القُرْآنِ الَّذِي نَزَلَ جُمْلَةً فَما نَزَلَ جُمْلَةً، وإنْ كانَ مِنَ الجُمْلَةِ فَما وجْهُ هَذِهِ العِبارَةِ؟ قُلْتُ: لَها وجْهانِ؛ أحَدُهُما أنْ يَكُونَ المَعْنى: ( إنّا ) حَكَمْنا بِإنْزالِهِ في لَيْلَةِ القَدْرِ وقَضَيْنا بِهِ «وقَدَّرْناهُ» في الأزَلِ، والثّانِي أنَّ لَفْظَ أنْزَلْناهُ ماضٍ ومَعْناهُ عَلى الِاسْتِقْبالِ؛ أيْ: تَنْزُّلُهُ جُمْلَةً في لَيْلَةِ القَدْرِ. انْتَهى. ولَمْ يَظْهَرْ لِي في كِلا وجْهَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى شامَةُ حُسْنٍ، فَأجِلْ في ذَلِكَ نَظَرًا فَلَعَلَّكَ تَرى.
وقِيلَ: المَعْنى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ في فَضْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ أوْ في شَأْنِها وحَقِّها، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ الظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ كَما في قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، وقَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ. وجَعَلَ بَعْضُهم في ذَلِكَ لِلسَّبِيَّةِ والضَّمِيرِ، قِيلَ لِلْقُرْآنِ بِالمَعْنى الدّائِرِ بَيْنَ الكُلِّ والجُزْءِ. وقِيلَ: بِمَعْنى السُّورَةِ ولا يَأْباهُ كَوْنُ إنّا أنْزَلْناهُ فِيها لِما مَرَّ آنِفًا فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: المُرادُ بِها ما عَدا ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَجْمُوعُ لِاشْتِمالِهِ عَلى ذَلِكَ وأيًّا ما كانَ فَحَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وإنَّما المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِالإنْزالِ إظْهارُ القُرْآنِ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ أوْ إثْباتُهُ لَدى السَّفَرَةِ هُناكَ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا لا يَشْكُلُ نِسْبَتُهُ إلى القُرْآنِ.
واخْتَلَفُوا في تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَقِيلَ إنَّها لِخَبَرٍ في ذَلِكَ وهو كَما قالَ الكِرْمانِيُّ غَلَطٌ؛ لِأنَّ آخِرَ الخَبَرِ يَرُدُّهُ والمُرادُ بِرَفْعِ تَعْيِينِها فِيهِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ وهو قَوْلٌ شاذٌّ غَرِيبٌ كَما في تُحْفَةِ المُحْتاجِ. وظاهِرُ ما هُنا مَعَ ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ يَرُدُّهُ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها تَنْتَقِلُ في لَيالِي السَّنَةِ فَتَكُونُ في كُلِّ سَنَةٍ في لَيْلَةٍ، ونَسَبَهُ النَّوَوِيُّ إلى أبِي حَنِيفَةَ وصاحِبَيْهِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها في شَهْرِ رَمَضانَ. فَعَنِ ابْنِ رَزِينٍ أنَّها اللَّيْلَةُ الأُولى مِنهُ. وعَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ السّابِعَةَ عَشْرَةَ لِأنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ كانَتْ في صَبِيحَتِها. وحُكِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ وابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا.
وعَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا التّاسِعَةَ عَشْرَةَ.
وحُكِيَ مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ الحادِيَةُ والعِشْرُونَ؛ لِما في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««قَدْ رَأيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ - يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ - ثُمَّ نُسِّيتُها، وقَدْ رَأيْتِنِي أسْجُدُ مِن صَبِيحَتِها في ماءٍ وطِينٍ»».
قالَ أبُو سَعِيدٍ: فَمَطَرَتِ السَّماءُ مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَوَكَفَ المَسْجِدُ فَأبْصَرَتْ عَيْنايَ رَسُولَ اللَّهِ عَلى جَبْهَتِهِ وأنْفِهِ أثَرُ الماءِ والطِّينِ مِن صَبِيحَةِ إحْدى وعِشْرِينَ. وفي مُسْلِمٍ مِن صَبِيحَةِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، ومِنهُ مَعَ ما قَبْلَهُ مالَ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ إلى أنَّها اللَّيْلَةَ الحادِيَةُ أوِ الثّالِثَةُ والعِشْرُونَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «التَمِسُوها اللَّيْلَةَ» وتِلْكَ اللَّيْلَةُ لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ».
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنْ بِلالٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ»». وفي الإتْقانِ وغَيْرِهِ أنَّها اللَّيْلَةُ الَّتِي أنْزِلُ فِيها القُرْآنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ فَقالَ: كانَ عُمَرُ وحُذَيْفَةُ وناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَشُكُّونَ أنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «التَمِسُوا لَيْلَةَ القَدْرِ
صفحة 191
فِي آخِرِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ»».
وفِي رِوايَةِ أحْمَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أنَّهُ آخِرُ لَيْلَةٍ.
وقِيلَ: هي في العَشْرِ الأوْسَطِ تَنْتَقِلُ فِيهِ، قِيلَ: في أوْتارِهِ وقِيلَ في أشْفاعِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوَتْرِ مِنَ العَشْرِ الأواخِرِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ»».
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ مَرْفُوعًا وحَدِيثَيْنِ أخْرَجَهُما ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جابِرٍ كَذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ أيْضًا بَلِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ، وبِالجُمْلَةِ الأقْوالُ فِيها مُخْتَلِفَةٌ جِدًّا إلّا أنَّ الأكْثَرِينَ عَلى أنَّها في العَشْرِ الأواخِرِ لِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ في ذَلِكَ، وأكْثَرُهم عَلى أنَّها في أوْتارِها؛ لِذَلِكَ أيْضًا وكَثِيرٌ مِنهم ذَهَبَ إلى أنَّها اللَّيْلَةُ السّابِعَةُ مِن تِلْكَ الأوْتارِ.
وصَحَّ مِن رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ ومُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ وابْنِ حِبّانَ وغَيْرِهِمْ «أنَّ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ سَألَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنْها فَحَلَفَ لا يَسْتَثْنِي أنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ فَقالَ لَهُ: بِمَ تَقُولُ ذَلِكَ يا أبا المُنْذِرِ؟
فَقالَ: بِالآيَةِ والعَلامَةِ الَّتِي قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إنَّها تُصْبِحُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ تَطْلُعُ الشَّمْسُ لَيْسَ لَها شُعاعٌ»».
وبَعْضُ الأخْبارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ، وفي بَعْضِ الِاسْتِئْناسِ لَهُ بِما يَدُلُّ عَلى جَلالَةِ شَأْنِ السَّبْعَةِ الَّتِي قالُوا فِيها إنَّها عَدَدٌ تامٌّ مِن كَوْنِ السَّماواتِ، سَبْعًا والأرْضِينَ سَبْعًا، والأيّامِ سَبْعًا، والجِمارِ سَبْعًا، والطَّوافِ بِالبَيْتِ سَبْعًا، والسُّجُودِ عَلى سَبْعٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ لِما عَلِمْتَ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ المُتَضافِرَةِ وهو زَمانُ ضَعْفِ البَدَنِ وفِيهِ يَزِيدُ أجْرُ العَمَلِ ووَقْتُ قُوَّةِ الِاسْتِعْدادِ لِلتَّجَلِّياتِ لِمَزِيدِ التَّصْفِيَةِ، وأنَّها في الأوْتارِ أرْجى لِلْأحادِيثِ أيْضًا مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ: اخْتارَ جَمْعٌ أنَّها لا تَلْزَمُ لَيْلَةً بِعَيْنِها مِنَ العَشْرِ الأواخِرِ بَلْ تَنْتَقِلُ في لَيالِيهِ فَعامًا أوْ أعْوامًا تَكُونُ وتْرًا إحْدى أوْ ثَلاثًا أوْ غَيْرَهُما، وعامًا أوْ أعْوامًا تَكُونُ شَفْعًا اثْنَتَيْنِ أوْ أرْبَعًا أوْ غَيْرَهُما. قالُوا: ولا تَجْتَمِعُ الأحادِيثُ المُتَعارِضَةُ فِيها إلّا بِذَلِكَ.
وكَلامُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الجَمْعِ بَيْنَ الأحادِيثِ يَقْتَضِيهِ. انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ الجَمْعَ بِذَلِكَ بَيْنَ الأحادِيثِ المُتَعارِضَةِ فِيها مُطْلَقًا مِمّا لا يُتَسَنّى وإنَّما يُتَسَنّى الجَمْعُ بِذَلِكَ بَيْنَ الأحادِيثِ المُتَعارِضَةِ فِيها بِالنَّظَرِ إلى العَشْرِ، وقِيلَ في الجَمْعِ مُطْلَقًا أنَّها تَنْتَقِلُ وما صَحَّ مِنَ التَّعْيِينِ في الجُمْلَةِ أوْ عَلى التَّحْقِيقِ مَحْمُولٌ عَلى لَيْلَةِ قَدْرٍ في شَهْرِ رَمَضانَ مَخْصُوصٍ بِأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّها في أوَّلِ شَهْرِ رَمَضانَ فُرِضَ لَيْلَةَ كَذا.
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «هِيَ لَيْلَةُ كَذا».
أيْ في هَذا الشَّهْرِ رَمَضانَ المَخْصُوصِ، وعَلِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّها في شَهْرِ رَمَضانَ بَعْدَهُ لَيْلَةَ كَذا غَيْرَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي ذَكَرَها قَبْلُ.
فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «هِيَ لَيْلَةُ كَذا».
وعَلِمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّها في آخِرِهِ في العَشْرِ الأخِيرِ مِنهُ فَقالَ: «هِيَ في العَشْرِ الأخِيرِ».
أيْ مِن هَذا الشَّهْرِ المَخْصُوصِ وهَكَذا وهو كَما تَرى. وعَلى القَوْلِ بِانْتِقالِها ادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ إذا كانَ أوَّلُ الشَّهْرِ لَيْلَةَ كَذا فَهي اللَّيْلَةُ السّابِعَةُ والعِشْرُونَ، وإنْ كانَتْ لَيْلَةَ كَذا فَهي اللَّيْلَةُ الحادِيَةُ والعِشْرُونَ إلى آخِرِ ما قالَ. وقَدْ ذَكَرْناهُ مَعَ نَظْمِهِ في الطِّرازِ المُذَهَّبِ ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَقُومُ حُجَّةً عَلى الغَيْرِ.
وفِي بَعْضِ الأخْبارِ ذِكْرُ عَلاماتٍ لَها؛ فَفي حَدِيثِ الإمامِ أحْمَدَ والبَيْهَقِيِّ وغَيْرِهِما عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ مِن أماراتِها أنَّها لَيْلَةٌ بَلْجَةٌ صافِيَةٌ ساكِنَةٌ لا حارَّةٌ ولا بارِدَةٌ كَأنَّ فِيها قَمَرًا ساطِعًا، لا يُرْمى فِيها بِنَجْمٍ حَتّى الصَّباحِ.
وأخْرَجَ نَحْوًا مِنهُ ابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا، وحَمْلُ ذَلِكَ إنْ صَحَّ عَلى لَيْلَةِ قَدْرٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ مَخْصُوصٍ كالمُتَعَيِّنِ لِعَدَمِ اطِّرادِهِ ولا أغْلَبِيَّتِهِ فِيما يَظْهَرُ.
والحِكْمَةُ في إخْفائِها أنْ يَجْتَهِدَ مَن يَطْلُبُها في العِبادَةِ في غَيْرِها لِيُصادِفَها كَأنْ يُحْيِيَ لَيالِيَ شَهْرِ رَمَضانَ كُلَّها كَما كانَ دَأْبُ السَّلَفِ، ولِلْإمامِ في هَذا المَقامِ كَلامٌ يُجَلُّ مِثْلُهُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِمِثْلِهِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ سَها فِيهِ سَهْوًا بَيِّنًا وأتى فِيهِ بِما يُوشِكُ أنْ يَدُلَّ عَلى جَهْلِهِ، ومَعْنى لَيْلَةِ القَدْرِ لَيْلَةُ التَّقْدِيرِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ يُقَدَّرُ
صفحة 192
فِيها ويَقْضى ما يَكُونُ في تِلْكَ السَّنَةِ مِن مَطَرٍ ورِزْقٍ وإحْياءٍ وإماتَةٍ إلى السَّنَةِ القابِلَةِ، والمُرادُ إظْهارُ تَقْدِيرِهِ تَعالى ذَلِكَ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المَأْمُورِينَ بِالحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ وإلّا فَتَقْدِيرُهُ تَعالى جَمِيعَ الأشْياءِ أزَلِيٌّ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، لَكِنْ قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: كَوْنُ التَّقْدِيرِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُ كَثِيرٍ أنَّهُ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ وهي المُرادُ بِاللَّيْلَةِ، والمُبارَكَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وأجابَ بِأنَّ هاهُنا ثَلاثَةَ أشْياءَ: الأوَّلُ نَفْسُ تَقْدِيرِ الأُمُورِ أيْ تَعْيِينُ مَقادِيرِها وأوْقاتِها، وذَلِكَ في الأزَلِ، والثّانِي إظْهارُ تِلْكَ المَقادِيرِ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأنْ تُكْتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ وذَلِكَ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، والثّالِثُ إثْباتُ تِلْكَ المَقادِيرِ في نُسَخٍ وتَسْلِيمُها إلى أرْبابِها مِنَ المُدَبِّراتِ فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ الأرْزاقِ والنَّباتاتِ والأمْطارِ إلى مِيكائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونُسْخَةُ الحُرُوبِ والرِّياحِ والجُنُودِ والزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخَسْفِ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونُسْخَةُ الأعْمالِ إلى إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونُسْخَةُ المَصائِبِ إلى مَلَكِ المَوْتِ وذَلِكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: يُقَدَّرُ في لَيْلَةِ النِّصْفِ الآجالُ والأرْزاقُ، وفي لَيْلَةِ القَدْرِ الأُمُورُ الَّتِي فِيها الخَيْرُ والبَرَكَةُ والسَّلامَةُ. وقِيلَ: يُقَدَّرُ في هَذِهِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ إعْزازُ الدِّينِ وما فِيهِ النَّفْعُ العَظِيمُ لِلْمُسْلِمِينَ وفي لَيْلَةِ النِّصْفِ يُكْتَبُ أسْماءُ مَن يَمُوتُ ويُسَلَّمُ إلى مَلَكِ المَوْتِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
وقالَ الزُّهْرِيُّ: المَعْنى لَيْلَةُ العَظَمَةِ والشَّرَفِ مِن قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ عِنْدَ فُلانٍ أيْ مَنزِلَةٌ وشَرَفٌ. وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ مَن أتى بِفِعْلِ الطّاعاتِ فِيها صارَ ذا قَدْرٍ وشَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ لِأنَّ الطّاعاتِ لَها فِيها ذَلِكَ. وقِيلَ: لِأنَّهُ نَزَلَ فِيها كِتابُ ذُو قَدْرٍ بِواسِطَةِ مَلَكٍ ذِي قَدْرٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ذِي قَدْرٍ لِأُمَّةٍ ذاتِ قَدْرٍ. وقِيلَ: لِأنَّهُ يَتَنَزَّلُ فِيها مَلائِكَةٌ ذَواتُ قَدْرٍ. وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: المَعْنى لَيْلَةُ الضِّيقِ مِن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ضُيِّقَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الأرْضَ تَضِيقُ فِيها بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وخَيْرِيَّتُها مِن ألْفِ شَهْرٍ بِاعْتِبارِ العِبادَةِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ عَلى مَعْنى أنَّ العِبادَةَ فِيها خَيْرٌ مِنَ العِبادَةِ في ألْفِ شَهْرٍ، ولا يَعْلَمُ مِقْدارَ خَيْرِيَّتِها مِنها إلّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا تَفَضُّلٌ مِنهُ تَعالى ولَهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَخُصَّ ما شاءَ بِما شاءَ، ورُبَّ عَمَلٍ قَلِيلٍ خَيْرٌ مِن عَمَلٍ كَثِيرٍ. ولا يُنافِي هَذا قاعِدَةَ أنَّ كُلَّ ما كَثُرَ وشَقَّ كانَ أفْضَلَ؛ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «أجْرُكِ عَلى قَدْرِ نَصَبِكِ»».
لِأنَّها أغْلَبِيَّةٌ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ولا شَكَّ أنَّ العَمَلَ القَلِيلَ قَدْ يَفْضُلُ الكَثِيرَ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ وبِاعْتِبارِ المَكانِ وبِاعْتِبارِ كَيْفِيَّةِ الأداءِ كَصَلاةٍ واحِدَةٍ أُدِّيَتْ بِجَماعَةٍ فَإنَّها تَعْدِلُ خَمْسًا وعِشْرِينَ مَرَّةً صَلاةً مِثْلَها أُدِّيَتْ عَلى الِانْفِرادِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. نَعَمْ هَذِهِ الأفْضَلِيَّةُ قَدْ تُعْقَلُ في بَعْضٍ وقَدْ لا؛ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ ولا حَجْرَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يَعْلَمُ ما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ إلّا هو جَلَّ شَأْنُهُ.
وتَخْصِيصُ الألْفِ بِالذِّكْرِ قِيلَ إمّا لِلتَّكْثِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ وكَثِيرًا ما يُرادُ بِالأعْدادِ ذَلِكَ. وفي البَحْرِ حِكايَةُ أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنَ الدَّهْرِ كُلِّهِ، أوْ لِما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَبِسَ السِّلاحَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ألْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ المُسْلِمُونَ مِن ذَلِكَ وتَقاصَرَتْ إلَيْهِمْ أعْمالُهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى السُّورَةَ».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُرْوَةَ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا أرْبَعَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى ثَمانِينَ عامًا لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَذَكَرَ أيُّوبَ وزَكَرِيّا وحِزْقِيلَ بْنَ العَجُوزِ، ويُوشَعَ بْنَ نُونٍ، فَعَجِبَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ذَلِكَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، عَجِبَتْ أُمَّتُكَ مِن عِبادَةِ هَؤُلاءِ النَّفَرِ ثَمانِينَ سَنَةً فَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ. فَقَرَأ عَلَيْهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ إلَخْ. ثُمَّ قالَ: هَذا أفْضَلُ مِمّا عَجِبْتَ أنْتَ وأُمَّتُكَ مِنهُ فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».
وقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ فِيما مَضى ما كانَ يُقالُ لَهُ عابِدٌ حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى ألْفَ شَهْرٍ فَأُعْطُوا لَيْلَةً إنْ أحْيَوْها كانُوا أحَقَّ
صفحة 193
بِأنْ يُسَمَّوْا عابِدِينَ مِن أُولَئِكَ العُبّادِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: كانَ مُلْكُ كُلٍّ مِن سُلَيْمانَ وذِي القَرْنَيْنِ خَمْسَمِائَةِ شَهْرٍ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى العَمَلَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِمَن أدْرَكَها خَيْرًا مِن مُلْكِهِما، وفي هَذا نَظَرٌ لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِذِي القَرْنَيْنِ الأوَّلُ فَهو عَلى القَوْلِ بِهِ قَدْ مَلَكَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الثّانِي أعْنِي قاتِلَ دارا فَهو قَدْ مَلَكَ أقَلَّ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. وقِيلَ: أُرِيَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْمارَ الأُمَمِ كافَّةً فاسْتَقْصَرَ أعْمارَ أُمَّتِهِ فَخافَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ لا يَبْلُغُوا مِنَ العَمَلِ مِثْلَ ما بَلَغَ غَيْرُهم في طُولِ العُمْرِ فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ وجَعَلَها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ لِسائِرِ الأُمَمِ، وذَكَرَهُ الإمامُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وقَدْ سَمِعْتُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الألِفَ إشارَةٌ إلى مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وكانَ عَلى ما قالَ القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ ألْفَ شَهْرٍ لا يَزِيدُ يَوْمٌ ولا يَنْقُصُ يَوْمٌ عَلى ما قِيلَ ثَمانِينَ سَنَةً وهي ألْفُ شَهْرٍ تَقْرِيبًا؛ لِأنَّها ثَلاثَةٌ وثَمانُونَ سَنَةً وأرْبَعَةَ أشْهُرٍ، ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ مُلْكُهم في جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ بَعْدُ؛ لِأنَّهُ مُلْكٌ يَسِيرٌ في بَعْضِ أطْرافِ الأرْضِ وآخِرِ عِمارَةِ العَرَبِ ولِذا لَمْ يَعُدْ مَن مَلَكَ مِنهم هُناكَ مِن خُلَفائِهِمْ.
وقالُوا بِانْقِراضِهِمْ بِهَلاكِ مَرْوانَ الحِمارِ. وطَعَنَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في كَوْنِ الآيَةِ إشارَةً لِما ذُكِرَ بِأنَّ أيّامَ بَنِي أُمَيَّةَ كانَتْ مَذْمُومَةً؛ أيْ بِاعْتِبارِ الغالِبِ فَيَبْعُدُ أنْ يُقالَ في شَأْنِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ مَذْمُومَةٍ:
ألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ إذا قِيلَ إنَّ السَّيْفَ خَيْرٌ مِنَ العَصا
وأُجِيبَ بِأنَّ تِلْكَ الأيّامَ كانَتْ عَظِيمَةً بِحَسْبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعالى: أعْطَيْتُكَ لَيْلَةً في السَّعاداتِ الدِّينِيَّةِ أفْضَلُ مِن تِلْكَ في السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلا تَبْقى فائِدَةٌ، واخْتُلِفَ في أنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ تَسْتَتْبِعُ يَوْمَها أمْ لا. فَقالَ الشَّعْبِيُّ: نَعَمْ يَوْمُها مِثْلُها، وقِيلَ: لَعَلَّ الوَجْهَ فِيهِ أنَّ ذِكْرَ اللَّيالِي يَسْتَتْبِعُ الأيّامَ ومِنهُ إذا نَذَرَ اعْتِكافَ لَيْلَتَيْنِ لَزِمَتاهُ بِيَوْمَيْهِما، والكَثِيرُ لا، لَكِنْ قِيلَ: يُسَنُّ الِاجْتِهادُ في يَوْمِها كَما يُسَنُّ فِيها. ولِذا جاءَ في وصْفِها أنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ صَبِيحَتَها ولَيْسَ لَها شُعاعٌ كَما تَقَدَّمَ أيْ لِعِظَمِ أنْوارِ المَلائِكَةِ الصّاعِدِينَ والنّازِلِينَ فِيها فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ سِوى مَعْرِفَةِ يَوْمِها ولا فائِدَةَ فِيها لَوْ لَمْ يُسَنَّ الِاجْتِهادُ فِيهِ. ومُنِعَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ مَعْرِفَتَها نَفْسِها لِيُجْتَهَدَ فِيها مِن قابِلٍ بِناءً عَلى أنَّها لا تَنْتَقِلُ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ، وأكْثَرُ الأئِمَّةِ عَلى أنَّها أفْضَلُ مِنها لِلْآيَةِ، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ فِيها القُرْآنَ وهو هو ولَمْ يُنْزِلْهُ في غَيْرِها، ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ بِطَلَبِها. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ لَيْلَةَ القَدْرِ، ولِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَها لَيْلَةَ الفَرْقِ والحُكْمِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وسَمّاها جَلَّ وعَلا لَيْلَةَ القَدْرِ؛ أيِ التَّقْدِيرِ، ولِما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اخْتارَ السّاعاتِ فاخْتارَ ساعاتِ أوْقاتِ الصَّلاةِ، واخْتارَ الأيّامَ فاخْتارَ يَوْمَ الجُمْعَةِ، واخْتارَ الشُّهُورَ فاخْتارَ شَهْرَ رَمَضانَ، واخْتارَ اللَّيالِيَ فاخْتارَ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ فَهي أفْضَلُ لَيْلَةٍ في أفْضَلِ شَهْرٍ، ولِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَثَّ عَلى العَمَلِ فِيها؛ فَقَدْ صَحَّ: ««مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ». وفي رِوايَةِ: «وما تَأخَّرَ»».
ونَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُخَصَّ لَيْلَةُ الجُمْعَةِ بِقِيامٍ ويَوْمُها بِصِيامٍ، ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أخْفاها ولَمْ يُعَيِّنْها كَما أخْفى سُبْحانَهُ أعْظَمَ أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَما أخْفى جَلَّ شَأْنُهُ أفْضَلَ الصَّلَواتِ وهي الصَّلاةُ الوُسْطى إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وذَهَبَ أكْثَرُ الحَنابِلَةِ كَأبِي الحَسَنِ الجَزَرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ وأبِي حَفْصٍ البَرْمَكِيِّ وغَيْرِهِمْ إلى أنَّ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ أفْضَلُ لِما أخْرَجَ مُقاتِلٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يَغْفِرُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ الجُمْعَةِ لِأهْلِ الإسْلامِ أجْمَعِينَ، وهَذِهِ فَضِيلَةٌ لَمْ تَجِئْ لِغَيْرِها»».
ونَحْوَهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ما مِن لَيْلَةِ جُمْعَةٍ إلّا ويَنْظُرُ اللَّهُ تَعالى إلى خَلْقِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَيَغْفِرُ لِمَن لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ تَعالى شَيْئًا»».
ولِأنَّهُ رَوى ابْنُ بَشْكُوالَ في كِتابِهِ:
صفحة 194
القُرْبَةُ إلى رَبِّ العالَمِينَ بِسَنَدِهِ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««أكْثِرُوا الصَّلاةَ عَلَيَّ في اللَّيْلَةِ الغَرّاءِ واليَوْمِ الأزْهَرِ؛ لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، ويَوْمِ الجُمْعَةِ»».
والغُرَّةُ مِنَ الشَّيْءِ خِيارُهُ ولِأنَّهُ قَدْ رَوى كَثِيرُونَ مِنهُمُ الإمامُ أحْمَدُ أنَّ يَوْمَها سَيِّدُ الأيّامِ وأعْظَمُها وأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن يَوْمِ الفِطْرِ ويَوْمَ الأضْحى.
وصَحَّحَ ابْنُ حِبّانَ خَبَرَ: ««لا تَطْلُعُ الشَّمْسُ ولا تَغْرُبُ عَلى يَوْمٍ أفْضَلَ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ»».
فَهِيَ لِذَلِكَ سَيِّدَةُ اللَّيالِي وأعْظَمُها وأفْضَلُها ولِأنَّها مُعَيَّنَةٌ مَشْهُودَةٌ يَشْهَدُها الخاصُّ والعامُّ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وصَغِيرٍ وكَبِيرٍ بَصِيرٍ وضَرِيرٍ، وتَصِلُ بَرَكَتُها إلى الأحْياءِ والأمْواتِ، ولَيْلَةُ القَدْرِ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَلا يَنْتَفِعُ بِها إلّا قَلِيلٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وأجابَ هَؤُلاءِ عَنِ الآيَةِ بِأنَّهُ لَمّا أُرِيدَ فِيها أنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ فَلْيَرِدْ أيْضًا أنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ جُمْعَةٍ، ويَدُلُّ لِلْأمْرَيْنِ أنَّ أكْثَرَ أسْبابِ النُّزُولِ السّابِقَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشُّهُورِ شُهُورُ مَن تَقَدَّمَنا وهي لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ قَدْرٍ ولا لَيْلَةُ جُمْعَةٍ، وعَنْ سائِرِ المُسْتَنَداتِ بِأنَّ بَعْضَها مَعارَضٌ وبَعْضَها لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن فَضْلِها وهو ما لَمْ يُنْكِرْهُ أحَدٌ، والأوَّلُونَ أجابُوا عَنْ مُسْتَنَداتِهِمْ بِنَحْوِ ما أجابُوا ولِلتَّعارُضِ قالَ أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ قاسِمٍ المُقْرِيُّ مِنَ الحَنابِلَةِ: إنَّ القَوْلَيْنِ في المَسْألَةِ قَوْلانِ شائِعانِ بَيْنَ الأصْحابِ ولِكُلٍّ دَلائِلَ تَدُلُّ عَلى صَوابِيَّتِهِ فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُطْلِقَ الخَطَأ عَلى قائِلِ كُلٍّ مِنهُما، وأنْتَ بَعْدَ التَّأمُّلِ في أدِلَّةِ الطَّرَفَيْنِ والوُقُوفِ عَلى أحْوالِها يَتَعَيَّنُ عِنْدَكَ أفْضَلِيَّةُ لَيْلَةِ القَدْرِ وتَعَيُّنِ لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، وهاهُنا قَوْلٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، حَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّ أبا الحَسَنِ التَّمِيمِيَّ مِنَ الحَنابِلَةِ أيْضًا كانَ يَقُولُ: لَيْلَةُ القَدْرِ الَّتِي أُنْزِلَ فِيها القُرْآنُ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ لِما حَصَلَ فِيها مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ في غَيْرِها، فَأمّا أمْثالُها مِن لَيالِي القَدْرِ فَلَيْلَةُ الجُمْعَةِ أفْضَلُ مِنها، وقِيلَ: نَظِيرُهُ في لَيْلَةِ المِعْراجِ مَعَ لَيْلَةِ الجُمْعَةِ ونَحْوِها. ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ كَلامِ بَعْضِ الحَنَفِيَّةِ كَصاحِبِ الجَوْهَرَةِ أنَّ لَيْلَةَ النَّحْرِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ وسائِرِ لَيالِي السَّنَةِ، ويَرِدُ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ أيْضًا، ولَعَلَّهُ يُجِيبُ بِنَحْوِ ما سَبَقَ آنِفًا. ونَقَلَ الطَّحاوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في حَواشِي المُخْتارِ عَنْ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ أنَّ أفْضَلَ اللَّيالِي لَيْلَةُ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ لَيْلَةُ القَدْرِ ثُمَّ لَيْلَةُ الإسْراءِ والمِعْراجِ ثُمَّ لَيْلَةُ عَرَفَةَ ثُمَّ لَيْلَةُ الجُمْعَةِ ثُمَّ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ ثُمَّ لَيْلَةُ العِيدِ وأنا لا أرى أنَّ لَهُ ما يُعَوِّلُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن كَوْنِها مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ أكْثَرُ الأخْبارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ النُّزُولِ، وصَرَّحَ بِهِ الهَيْتَمِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ القَسْطَلانِيُّ: إنَّهُ مُعْتَرَضٌ بِحَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عِنْدَ النَّسائِيِّ حَيْثُ قالَ فِيهِ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أتَكُونُ مَعَ الأنْبِياءِ فَإذا ماتُوا رُفِعَتْ؟ قالَ: «بَلْ هي باقِيَةٌ»».
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ عُمْدَةَ القائِلِينَ بِذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في سَبَبِ النُّزُولِ مِن رُؤْيَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَقاصُرَ أعْمارِ أُمَّتِهِ عَنْ أعْمارِ الأُمَمِ وتَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: هَذا مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ فَلا يَدْفَعُ الصَّرِيحَ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ كَما قالَهُ الحافِظانِ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي انْتَهى. والحَقُّ الأوَّلُ والصَّراحَةُ في حَيِّزِ المَنعِ.
وقَدْ أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى وهَبَ لِأُمَّتِي لَيْلَةَ القَدْرِ لَمْ يُعْطِها مَن كانَ قَبْلَهُمْ»». فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
القدر 97:4
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَناطِ فَضْلِها عَلى تِلْكَ المُدَّةِ المَدِيدَةِ، فَضَمِيرُ «فِيها» لِلَّيْلَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِألْفِ شَهْرٍ، والضَّمِيرَ لَها ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الضَّمِيرِ لِلْمَلائِكَةِ عَلى أنَّ «الرُّوحُ» مُبْتَدَأٌ لا مَعْطُوفٌ عَلى «المَلائِكَةُ، وفِيها» خَبَرُهُ لا مُتَعَلِّقٌ بِ «تَنَزَّلُ» والجُمْلَةُ حالٌ مِن «المَلائِكَةُ». وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
والرُّوحُ عِنْدَ الجُمْهُورِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ لِزِيادَةِ شَرَفِهِ مَعَ أنَّهُ النّازِلُ بِالذِّكْرِ. وقِيلَ: مَلَكٌ عَظِيمٌ لَوِ التَقَمَ السَّماواتِ والأرْضَ كانَ ذَلِكَ لَهُ لُقْمَةً واحِدَةً، وذُكِرَ في التَّيْسِيرِ مِن وصْفِهِ ما يُبْهِرُ العُقُولَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ.
وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ: الرُّوحُ طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ إلّا تِلْكَ اللَّيْلَةَ كالزُّهّادِ الَّذِينَ
صفحة 195
لا نَراهم إلّا يَوْمَ العِيدِ أوِ الجُمْعَةِ. وقِيلَ: حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ كالمَلائِكَةِ الحَفَظَةِ عَلَيْنا. وقِيلَ: خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى يَأْكُلُونَ ويَلْبَسُونَ لَيْسُوا مِنَ المَلائِكَةِ ولا مِنَ الإنْسِ، ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ، وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ، ولَعَلَّهم عَلى ما قِيلَ خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: هو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ لِمُطالَعَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ ولِيَزُورَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَنْزِلُونَ لِزِيارَةِ أهْلِيهِمْ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ كَما قُرِئَ: «لا تَيْأسُوا مِن رُوحِ اللَّهِ» بِالضَّمِّ وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ، والظّاهِرُ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الأخْبارُ أنَّ التَّنَزُّلَ إلى الأرْضِ، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْدُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ فِيهِ، وقِيلَ: يَنْزِلُونَ إلَيْها لِلتَّسْلِيمِ عَلى المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ فَضِيلَةَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ في الِاشْتِغالِ بِطاعَتِهِ في الأرْضِ فَهم يَنْزِلُونَ إلَيْها لِتَصِيرَ طاعاتُهم أكْثَرَ ثَوابًا كَما أنَّ الرَّجُلَ مِنّا يَذْهَبُ إلى مَكَّةَ لِتَصِيرَ طاعَتُهُ كَذَلِكَ فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ بِذَلِكَ تَرْغِيبَ الإنْسانِ في الطّاعَةِ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَنَزُّلُهم لِإدْراكِها؛ إذْ لَيْسَ في السَّماءِ لَيْلٌ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَ لا مُبَيِّنَةٌ لِمَناطِ الفَضْلِ وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى.
وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: المُرادُ تَنَزُّلُهم إلى السَّماءِ الدُّنْيا وهو خِلافُ المُتَبادِرِ، وأنْزَلُ مِنهُ بِكَثِيرٍ كَوْنُ المُرادِ بِتَنَزُّلِهِمْ تَنَزُّلَهم عَنْ مَراتِبِهِمُ العَلِيَّةِ مِنَ الِاشْتِغالِ بِاللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقِ بِمُطالَعَةِ جَلالِهِ عَزَّ وجَلَّ لِيُسَلِّمُوا عَلى المُؤْمِنِينَ.
واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَمِيعُهُمْ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ لَهم كَثْرَةً عَظِيمَةً لا تَتَحَمَّلُها الأرْضُ وكَذا السَّماءُ الدُّنْيا؛ لِأنَّها قَبْلَ نُزُولِهِمْ مَمْلُوءَةٌ؛ ««أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ؛ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ راكِعٌ أوْ قائِمٌ»». وأُجِيبَ بِأنَّهم يَنْزِلُونَ فَوْجًا فَوْجًا، فَمِن نازَلٍ وصاعِدٍ كالحُجّاجِ فَإنَّهم عَلى كَثْرَتِهِمْ يَدْخُلُونَ الكَعْبَةَ مَثَلًا بِأسْرِهِمْ لَكِنْ لا عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ بَلْ هم بَيْنَ داخِلٍ وخارِجٍ. وفي التَّعْبِيرِ بِ «تَنَزَّلُ» المُفِيدِ لِلتَّدْرِيجِ دُونَ نَزَلَ رَمْزٌ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهم لِكَوْنِهِمْ أنْوارًا لا تَزاحُمَ بَيْنَهُمْ، فالنُّورُ إذا مَلَأ حُجْرَةً مَثَلًا لا يَمْنَعُ مِن إدْخالِ ألْفِ نُورٍ عَلَيْهِ، وهو كَما تَرى.
ومِنَ النّاسِ مَنَّ خَصَّ المَلائِكَةَ بِبَعْضِ فِرَقِهِمْ وهم سُكّانُ سِدْرَةِ المُنْتَهى أوْ بَعْضٌ مِنهم.
وفِي الغُنْيَةِ لِلْقُطْبِ الرَّبّانِيِّ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إذا كانَ لَيْلَةَ القَدْرِ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَنْزِلَ إلى الأرْضِ ومَعَهُ سُكّانُ سِدْرَةِ المُنْتَهى سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ومَعَهم ألْوِيَةٌ مِن نُورٍ فَإذا هَبَطُوا إلى الأرْضِ رَكَزَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِواءَهُ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ألْوِيَتَهم في أرْبَعَةِ مَواطِنَ عِنْدَ الكَعْبَةِ وقَبْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ ومَسْجِدِ طُورِ سَيْناءَ، ثُمَّ يَقُولُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: تَفَرَّقُوا؛ فَيَتَفَرَّقُونَ ولا يَبْقى دارٌ ولا حَجَرٌ ولا بَيْتٌ ولا سَفِينَةٌ فِيها مُؤْمِنٌ أوْ مُؤْمِنَةٌ إلّا دَخَلَتْهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أوْ خِنْزِيرٌ أوْ خَمْرٌ أوْ جُنُبٌ مِن حَرامٍ أوْ صُورَةُ تَماثِيلَ، فَيُسَبِّحُونَ ويُقَدِّسُونَ ويُهَلِّلُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى إذا كانَ وقْتُ الفَجْرِ ثُمَّ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ فَيَسْتَقْبِلُهم سُكّانُ سَماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مِن أيْنَ أقْبَلْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ القَدْرِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَيَقُولُ سُكّانُ السَّماءِ الدُّنْيا: ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِحَوائِجِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ فَيَقُولُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى غَفَرَ لِصالِحِهِمْ وشَفَّعَهم في طالِحِهِمْ. فَتَرْفَعُ مَلائِكَةُ سَماءِ الدُّنْيا أصْواتَهم بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ والثَّناءِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ شُكْرًا لِما أعْطى اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ مِنَ المَغْفِرَةِ والرِّضْوانِ، ثُمَّ تُشَيِّعُهم مَلائِكَةُ السَّماءِ الدُّنْيا إلى الثّانِيَةِ كَذَلِكَ وهَكَذا إلى السّابِعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا سُكّانَ السَّماواتِ ارْجِعُوا. فَيَرْجِعُ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ إلى مَواضِعِهِمْ، فَإذا وصَلُوا إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى يَقُولُ لَهم سُكّانُها: أيْنَ كُنْتُمْ؟ فَيُجِيبُونَهم مِثْلَ ما أجابُوا أهْلَ السَّماواتِ، فَيَرْفَعُ سُكّانُ سِدْرَةِ المُنْتَهى أصْواتَهم بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والثَّناءِ فَتَسْمَعُ جَنَّةُ المَأْوى ثُمَّ جَنَّةُ النَّعِيمِ وجَنَّةُ عَدْنٍ والفِرْدَوْسُ، ويَسْمَعُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ فَيَرْفَعُ
صفحة 196
العَرْشُ صَوْتَهُ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والثَّناءِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ شُكْرًا لِما أعْطى هَذِهِ الأُمَّةَ. ويَقُولُ: إلَهِي بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ غَفَرْتَ البارِحَةَ لِصالِحِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَفَّعْتَ صالِحَها. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: صَدَقْتَ يا عَرْشِي، ولِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدِي مِنَ الكَرامَةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
وفِي رِوايَةٍ عَنْ كَعْبٍ: نُزُولُ جَمِيعِ مَلائِكَةِ سِدْرَةِ المُنْتَهى مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى، وأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَدَعُ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا صافَحَهُ.
وفِي رِوايَةٍ: لا يَدَعُ مُؤْمِنًا ولا مُؤْمِنَةَ إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ إلّا مُدْمِنَ الخَمْرِ وآكِلَ لَحْمِ الخِنْزِيرِ والمُتَضَمِّخَ بِالزَّعْفَرانِ، وإنَّ عَلامَةَ مُصافَحَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ اقْشِعْرارُ الجِلْدِ ورِقَّةُ القَلْبِ ودَمْعُ العَيْنَيْنِ.
ورُوِيَ في نُزُولِهِ مَعَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وعُرُوجِهِ مَعَهم غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضًا مِن ذَلِكَ الإمامُ وغَيْرُهُ. ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى صِحَّةَ الأخْبارِ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُقَسِّمُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ما يَنْزِلُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى يَسْتَغْرِقُ أحْياءَ المُؤْمِنِينَ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، بَقِيَ مِنَ الرَّحْمَةِ كَثِيرٌ. فَما أصْنَعُ بِهِ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: قَسِّمْ عَلى أمْواتِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. فَيُقَسِّمُ حَتّى يَسْتَغْرِقَهم فَيَقُولُ: يا رَبِّ، بَقِيَ مِنَ الرَّحْمَةِ كَثِيرٌ. فَما أصْنَعُ بِهِ؟ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ وتَعالى: قَسِّمْهُ عَلى الكُفّارِ، فَيُقَسِّمُهُ عَلَيْهِمْ، فَمَن أصابَهُ مِنهم شَيْءٌ مِن تِلْكَ الرَّحْمَةِ ماتَ عَلى الإيمانِ.
﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ «تَنَزَّلُ» أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ أيْ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِتَعْظِيمِ أمْرِ تَنَزُّلِهِمْ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أنَّهم يَرْغَبُونَ في أهْلِ الأرْضِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويَشْتاقُونَ إلَيْهِمْ فَيَسْتَأْذِنُونَ فَيُؤْذَنُ لَهُمْ، وفِيهِ نَوْعُ تَرْغِيبٍ في الِاجْتِهادِ في الطّاعَةِ. واسْتُشْكِلَ أمْرُ هَذِهِ الرَّغْبَةِ مَعَ كَثْرَةِ المَعاصِي، وأُجِيبَ بِأنَّهم غَيْرُ واقِفِينَ عَلى تَفاصِيلِها أوْ لَمْ يَعْتَبِرُوها مانِعَةً مِن ذَلِكَ لِأنَّهم يَرَوْنَ مِن أنْواعِ الطّاعاتِ ما لا يَرَوْنَهُ في السَّماءِ، أوْ لِيَسْمَعُوا أنِينَ العُصاةِ التّائِبِينَ.
فَفِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««لَأنِينُ المُذْنِبِينَ أحَبُّ إلَيَّ مِن زَجَلِ المُسَبِّحِينَ»».
أوْ لِيَجْتَمِعُوا مَعَ مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهم مُناسَبَةٌ مِنَ الصَّدِّيقِينَ أداءً لِمَراسِمِ المَحَبَّةِ؛ فَإنَّ أرْواحَ الصَّدِّيقِينَ المُتَجَرِّدَةَ عَنْ جَلابِيبِ الأبْدانِ لَمْ تَزَلْ تَزُورُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مَواضِعِهِمْ بِعُرُوجِها إلَيْهِمْ، فَناسَبَ أنْ تَزُورَهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في زَواياهُمْ، وإنِ اقْتَضى ذَلِكَ الِاجْتِماعَ مَعَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسُوا كَذَلِكَ فَإنَّهُ أمْرٌ تَبَعِيٌّ.
ولِأجْلِ عَيْنٍ ألْفُ عَيْنٍ تُكْرَمُ.
﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ أيْ: مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ تَعَلَّقَ بِهِ التَّقْدِيرُ في تِلْكَ السَّنَةِ إلى قابِلٍ، وأظْهَرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم. قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، فَمِن بِمَعْنى اللّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ «تَنَزَّلُ». قالَ عِصامُ الدِّينَ: فَإنْ قُلْتَ: المُقَدَّراتُ لا تُفْعَلُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَلْ في تَمامِ السَّنَةِ فَلِماذا تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيها لِأجْلِ تِلْكَ الأُمُورِ؟ قُلْتُ: لَعَلَّ تَنَزُّلَهم لِتَعْيِينِ إنْفاذِ تِلْكَ الأُمُورِ لَهم وتَنَزُّلُهم لِأجْلِ كُلِّ أمْرٍ لَيْسَ عَلى مَعْنى تَنَزُّلِ كُلِّ واحِدٍ لِأجْلِ كُلِّ أمْرٍ، ولا تَنَزُّلِ كُلِّ واحِدٍ لِأمْرٍ بَلْ عَلى مَعْنى تَنَزُّلِ الجَمِيعِ لِأجْلِ جَمِيعِ الأُمُورِ حَتّى يَكُونَ في الكَلامِ تَقْسِيمُ العِلَلِ عَلى المَعْلُولاتِ، انْتَهى.
وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَنَزُّلُهم لِإعْدادِ القَوابِلِ لِقَبُولِ ما أُمِرُوا بِهِ، وأشارَ بِما ذَكَرَهُ مِنَ التَّقْسِيمِ إلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُ الواحِدِ مِنهم لِعِدَّةِ أُمُورٍ، وقَوْلُهُمْ: مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ تَعَلُّقٌ إلَخْ. قَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ مِنَ البَحْثِ فَتَذَكَّرْ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: «مِن» بِمَعْنى الباءِ أيْ تَنَزَّلُ بِكُلِّ أمْرٍ، فَقِيلَ: أيْ مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، وقِيلَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وجُعِلَتِ الباءُ عَلَيْهِ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيَرْجِعُ المَعْنى إلى نَحْوِ ما مَرَّ. ومِنهم مَن جَعَلَها لِلْمُلابَسَةِ والمُرادُ بِمُلابَسَتِهِمْ لَهُ مُلابَسَتُهم لِلْأمْرِ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وهم مَأْمُورُونَ بِكُلِّ أمْرٍ يَكُونُ في السَّنَةِ، وكَوْنُهم يَتَنَزَّلُونَ وهم كَذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي فِعْلَهم جَمِيعَ ما أُمِرُوا بِهِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، والظّاهِرُ عَلى ما قالُوا أنَّ المُرادَ بِالمَلائِكَةِ المُدَبِّراتُ؛ إذْ غَيْرُهم لا تَعَلُّقَ لَهُ في الأُمُورِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها التَّقْدِيرُ لِيَتَنَزَّلُوا لِأجْلِها عَلى المَعْنى السّابِقِ وهو خِلافُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ مِن عَدَمِ اخْتِصاصِهِمْ بِالمُدَبِّراتِ فَتَدَبَّرْ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قِيلَ إنَّ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ
صفحة 197
تَعالى:
القدر 97:5
﴿سَلامٌ﴾ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى السَّلامَةِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هِيَ﴾ مُبْتَدَأٌ؛ أيْ هي سَلامٌ مِن كُلِّ أمْرٍ مَخُوفٍ، وتَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ عَلى التَّوَسُّعِ في الظَّرْفِ وإلّا فَمَعْمُولُ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ في المَشْهُورِ. وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مُقَدَّمٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، ومَن وقَفَ عَلى كَلامِ العَلّامَةِ التَّفْتازانِيِّ في أوائِلِ شَرْحِ التَّلْخِيصِ في مِثْلِ ذَلِكَ اسْتَغْنى عَمّا ذُكِرَ. وقِيلَ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ( تَنَزَّلُ ) لَكِنْ عَلى مَعْنى تَنَزَّلُ إلى الأرْضِ مُنْفَصِلَةً مِن كُلِّ أمْرٍ لَها في السَّماءِ وتارِكَةً لَهُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالتَّنَزُّلِ إلى الأرْضِ. وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.
وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلْحُصْرِ كَما فِي: تَمِيمِيٌّ أنا. والإخْبارُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ؛ أيْ: ما هي إلّا سالِمَةٌ جِدًّا حَتّى كَأنَّهُ عَيْنُ السَّلامَةِ. قالَ الضَّحّاكُ في مَعْنى ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لا يُقَدِّرُ ولا يَقْضِي فِيها إلّا السَّلامَةَ، قِيلَ: أيْ لا يَنْفُذُ تَقْدِيرُهُ تَعالى ويَتَعَلَّقُ قَضاؤُهُ إلّا بِذَلِكَ. وحاصِلُهُ لا يُوجَدُ إلّا ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّها سالِمَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ وأذاهُ. ورُوِيَ أنَّ الشَّيْطانَ لا يَخْرُجُ في لَيْلَةِ القَدْرِ حَتّى يُضِيءَ فَجْرُها ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يُصِيبَ فِيها أحَدًا بِخَبَلٍ أوْ داءٍ أوْ ضَرْبٍ مِن ضُرُوبِ الفَسادِ ولا يَنْفُذُ فِيها سِحْرُ ساحِرٍ، ولَعَلَّ ما يَصْدُرُ مِنَ المَعاصِي عَلى هَذا مِنَ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ لا بِواسِطَةِ الشَّيْطانِ. واسْتُشْكِلَ كَلامُ الضَّحّاكِ بِناءً عَلى ما قِيلَ فِيهِ بِأنَّهُ لا تَخْلُو لَيْلَةٌ مِنَ الشَّرِّ والأمْرِ المُخُوفِ ولا مُوجِدَ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَلَعَلَّهُ أرادَ ما تَقَدَّمَ نَقْلُهُ غَيْرَ بَعِيدٍ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يُقَدِّرُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ السَّلامَةَ والخَيْرَ؛ أيْ لا يُظْهِرُ سُبْحانَهُ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا تَقْدِيرَهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ما هي إلّا سَلامَةٌ؛ عَلى نَحْوَ: ما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا رَحْمَةٌ. والمُرادُ أنَّها سَبَبٌ تامٌّ لِلسَّلامَةِ والنَّجاةِ مِنَ المَهالِكِ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ إنَّ مَن قامَها إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ. وقِيلَ: السَّلامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ؛ أيْ: ما هي إلّا تَسْلِيمٌ لِكَثْرَةِ التَّسْلِيمِ والمُسَلِّمِينَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيها. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ومَنصُورٍ وجَعَلَها عَيْنَ التَّسْلِيمِ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ غايَةٌ تُبَيِّنُ تَعْمِيمَ السَّلامَةِ أوِ التَّسْلِيمِ كُلَّ اللَّيْلَةِ فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ «سَلامٌ، ومَطْلَعِ» اسْمِ زَمانٍ، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّهُ مِن يَفْعَلُ، ويَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها عَلى مَفْعِلٍ، مَفْتُوحَ العَيْنِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِمَعْنى الطُّلُوعِ ويَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ قَبْلَهُ هو وقْتٌ أوْ ما في مَعْناهُ لِتَتَّحِدَ الغايَةُ والمُغَيّا فَيَكُونانِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ. وصَحَّ تَعَلُّقُ الجارِّ بِذَلِكَ مَعَ الفَصْلِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ نَظَرًا لِلْحَقِيقَةِ. وأفادَ الطَّبَرْسِيُّ وغَيْرُهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ بِسالِمَةٍ أوْ مُسَلَّمَةٍ لِيَصِحَّ التَّعَلُّقُ أمّا لَوْ أُبْقِيَ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ فَلا يَصِحُّ لِلُزُومِ الفَصْلِ بَيْنَ الصِّلَةِ والمَوْصُولِ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالمُبْتَدَأِ مُغْتَفَرٌ، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ الغايَةُ بِ «تَنَزَّلُ» عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ تَنَزُّلُهم فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ إلى وقْتِ طُلُوعِ الفَجْرِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَعَسُّفٌ؛ لِأنَّ ( سَلامٌ ) هي أجْنَبِيٌّ ولَيْسَ بِاعْتِراضٍ فَلا يَحْسُنُ الفَصْلُ بِهِ وجَعْلُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( فِيها ) أيْ: ذاتِ سَلامَةٍ أوْ سَلامٍ لا يَخْفى حالُهُ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى ( سَلامٌ ) وهو خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ و﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ( وهي ) مُبْتَدَأٌ و﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ خَبَرُهُ.
ولَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ والطَّبَرْسِيُّ وغَيْرُهُما قالُوا: لِعَدَمِ الفائِدَةِ بِالإخْبارِ عَنْها بِأنَّها حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ؛ إذْ كُلُّ لَيْلَةٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَنْها بِأنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ وفُهِمَ أنَّها مُخالِفَةٌ لِسائِرِ اللَّيالِي في الصِّفَةِ وكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ تَوَهُّمِ أنَّ ذاتَها في المِقْدارِ مُغايِرَةٌ لِذَواتِ اللَّيالِي فِيهِ أيْضًا دُفِعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ، أيْ: لَمْ تُخالِفْ سائِرَ اللَّيالِي في ذَلِكَ وإنْ خالَفَتْها في الفَضْلِ والخَيْرِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: «مَن كُلِّ امْرِئٍ» بِهَمْزٍ في آخِرِهِ؛ أيْ: تَنَزَّلُ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ؛ أيْ مِن أجْلِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِمّا قُدِّرَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، ويَرْجِعُ إلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ أوْ مِن أجْلِ مَصْلَحَتِهِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لَهُ ونَحْوِهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ كُلُّ امْرِئٍ مُؤْمِنٍ عَلى ما قِيلَ.
وقِيلَ: الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ ( سَلامٌ ) والمُرادُ «بِكُلِّ امْرِئٍ» المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أيْ: سَلامٌ وتَحِيَّةٌ هي عَلى المُؤْمِنِينَ مِن كُلِّ مَلَكٍ، وأنْكَرَ كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وابْنٌ وثّابٍ وطَلْحَةُ وابْنُ
صفحة 198
مُحَيْصِنٍ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ: «مَطْلِعِ» بِكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالمَرْجِعِ، ويُقَدَّرُ مُضافٌ كَما سَمِعْتَ أوِ اسْمُ زَمانٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كالمَشْرِقِ فَإنَّ مَفْعِلًا بِالكَسْرِ قِياسُ يَفْعِلُ مَكْسُورَ العَيْنِ. وفي البَحْرِ قِيلَ: «مَطْلَعِ ومَطْلِعِ» بِالفَتْحِ والكَسْرِ مَصْدَرانِ في لُغَةِ تَمِيمٍ. وقِيلَ: المَصْدَرُ بِالفَتْحِ ومَوْضِعُ الطُّلُوعِ بِالكَسْرِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ انْتَهى. وإرادَةُ المَوْضِعِ هاهُنا لا مَوْضِعَ لَها كَما لا يَخْفى هَذا. واعْلَمْ أنَّهُ يُسَنُّ الدُّعاءُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ وهي أحَدُ أوْقاتِ الإجابَةِ.
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ وافَقْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ فَما أقُولُ؟ قالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي»».
ويُجْتَهَدُ فِيها بِأنْواعِ العِباداتِ مِن صَلاةٍ وغَيْرِها. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: الدُّعاءُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ أحَبُّ مِنَ الصَّلاةِ، ثُمَّ أفادَ أنَّهُ إذا قَرَأ ودَعا كانَ حَسَنًا، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَجْتَهِدُ في لَيالِي شَهْرِ رَمَضانَ ويَقْرَأُ فِيها قِراءَةً مُرَتَّلَةً لا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلّا سَألَ ولا بِآيَةِ عَذابٍ إلّا تَعَوَّذَ. وذَكَرَ ابْنُ رَجَبٍ أنَّ الأكْمَلَ الجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاةِ والقِراءَةِ والدُّعاءِ والتَّفَكُّرِ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ لا سِيَّما في العَشْرِ الأواخِرِ ويَحْصُلُ قِيامُها عَلى ما قالَ البَعْضُ بِصَلاةِ التَّراوِيحِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن صَلّى المَغْرِبَ والعِشاءَ في جَماعَةٍ حَتّى يَنْقَضِيَ شَهْرُ رَمَضانَ فَقَدْ أصابَ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ بِحَظٍّ وافِرٍ»».
وأخْرَجَ مالِكٌ وابْنُ شَيْبَةَ وابْنُ زَنْجُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: ««مَن شَهِدَ العِشاءَ لَيْلَةَ القَدْرِ في جَماعَةٍ فَقَدْ أخَذَ بِحَظِّهِ مِنها»».
وفِي تُحْفَةِ المُحْتاجِ لِابْنِ حَجَرٍ الهَيْتَمِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: يُسَنُّ لِرائِيها كَتْمُها ولا يَنالُ فَضْلَها أيْ كَمالَهُ إلّا مَن أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ عَنى بِرُؤْيَتِها رُؤْيَةَ ما يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ لَهُ بِها مِمّا خُصَّتْ بِهِ مِنَ الأنْوارِ وتَنَزُّلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ نَحَوًا مِنَ الكَشْفِ المُفِيدِ لِلْعِلْمِ مِمّا لا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ إلّا أهْلُهُ وهو كالنَّصِّ في أنَّها يَراها مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ. وقالَ أبُو حَفْصِ بْنُ شاهِينٍ عَلى ما حَكاهُ ابْنُ رَجَبٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَكْشِفْها لِأحَدٍ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ولا النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ في يَوْمٍ ولا لَيْلَةٍ إلّا نَبِيَّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّهُ لَمّا أنْزَلَها عَلَيْهِ وعَرَّفَهُ قَدْرَها أراهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها في مَنامِهِ وعَرَّفَهُ في أيِّ لَيْلَةٍ تَكُونُ، فَأصْبَحَ عالِمًا بِها، وأرادَ أنْ يُخْبِرَ بِها النّاسَ لِسُرُورِهِ فَتَلاحى بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلانِ فَأُنْسِيَها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأُمِرَ بِطَلَبِها في لَيالِي العَشْرِ الأواخِرِ لِأنَّهم لا يَرَوْنَها مُكاشَفَةً أبَدًا ولا يَراها أحَدٌ بَعْدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْلًا، فَأُمِرُوا بِذَلِكَ لِيُلْتَمَسَ فَضْلُها في اللَّيالِي المُسَمّاةِ انْتَهى.
وحَدِيثُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَآها ونَسِيَها قَدْ رَواهُ الإمامُ مالِكٌ والإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهم وهو مِمّا لا تَرَدُّدَ في صِحَّتِهِ، لَكِنَّ في دَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِها ولَمْ يَرَها بَعْدُ ولا يَراها أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أبَدًا تَرَدُّدًا، ولَعَلَّ الأمْرَ بِالتِماسِهِ في العَشْرِ الأواخِرِ مَثَلًا يُشِيرُ إلى رَجاءِ رُؤْيَتِها فِيها إذْ ما لا يُرْجى في زَمانٍ أوْ مَكانٍ لا يَحْسُنُ أنْ يُؤْمَرَ أحَدٌ بِالتِماسِها فِيهِ عادَةً، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رُؤْيَتَها مَنامًا وقَعَتْ لِغَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في المَنامِ في السَّبْعِ الأواخِرِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أرى رُؤْياكم قَدْ تَواطَأتْ في السَّبْعِ الأواخِرِ؛ فَمَن كانَ مُتَحَرِّيَها فَلْيَتَحَرَّها في السَّبْعِ الأواخِرِ»».
وحُكِيَ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ شاهِينٍ عَنْ غَيْرِهِ أيْضًا وغَلِطَ. فَفي شَرْحِ الصَّحِيحِ لِلنَّوَوِيِّ: اعْلَمْ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ مَوْجُودَةٌ وأنَّها تُرى ويَتَحَقَّقُها مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن بَنِي آدَمَ كُلَّ سَنَةٍ في رَمَضانَ كَما تَظاهَرَتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ وأخْبارُ الصّالِحِينَ بِها، ورُؤْيَتُهم لَها أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى. وأمّا قَوْلُ القاضِي عِياضٍ عَنِ المُهَلَّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ: لا يُمْكِنُ رُؤْيَتُها حَقِيقَةً فَغَلَطٌ فاحِشٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلّا يُغْتَرَّ بِهِ. انْتَهى.
صفحة 199
بَقِيَ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ اللَّيْلَةِ بَحْثٌ مُهِمٌّ؛ وهو أنَّهُ عَلى قَوْلِ المُعْتَبِرِينَ لِاخْتِلافِ المَطالِعِ يَلْزَمُ القَوْلُ بِتَعَدُّدِها في رَمَضانَ وكَوْنُها وتْرًا مِن لَيالِيهِ عِنْدَ قَوْمٍ وشَفْعًا عِنْدَ آخَرِينَ فَلا يَصِحُّ إطْلاقُ القَوْلِ بِأحَدِهِما وكَذا لا يَصِحُّ إطْلاقُ القَوْلِ بِأنَّها لَيْلَةُ كَذا كَلَيْلَةِ السّابِعِ والعِشْرِينَ أوِ الحادِي والعِشْرِينَ مَثَلًا مِنَ الشَّهْرِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا.
بَلْ لا يَصِحُّ إطْلاقُ القَوْلِ بِأنَّ وقْتَ التَّقْدِيرِ وتَنَزُّلِ المَلائِكَةِ لَيْلَةٌ؛ فاللَّيْلَةُ عِنْدَ قَوْمٍ نَهارٌ في الجِهَةِ المُسامِتَةِ لِأقْدامِهِمْ وهي قَدْ تَكُونُ مَسْكُونَةً ولَوْ بِواسِطَةِ سَفِينَةٍ تَمُرُّ فِيها، ورُبَّما يَكُونُ زَمانُ اللَّيْلِ عِنْدَ قَوْمٍ بَعْضُهُ لَيْلًا وبَعْضُهُ نَهارًا عِنْدَ آخَرِينَ كَأهْلِ بَعْضِ العُرُوضِ البَعِيدَةِ عَنْ خَطِّ الِاسْتِواءِ، بَلْ قَدْ تَنْقَضِي أشْهَرٌ بِلَيْلٍ ونَهارٍ عَلى قَوْمٍ ولَمْ يَنْقَضِ يَوْمٌ واحِدٌ في بَعْضِ العُرُوضِ، بَلْ لا يَصِحُّ أيْضًا إطْلاقُ القَوْلِ بِأنَّها في رَمَضانَ وأنَّها اللَّيْلَةُ الأُولى أوِ الأخِيرَةُ مِنهُ إذِ الشَّهْرُ دُخُولًا وخُرُوجًا مُخْتَلِفٌ بِالنِّسْبَةِ إلى سُكّانِ البَسِيطَةِ، وأجابَ بَعْضٌ بِالتِزامِ أنَّ ما أُطْلِقَ مِنَ القَوْلِ فِيها لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ فَيَكُونُ القَوْلُ بِوَتَرِيَّتِها بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ وبِشَفْعِيَّتِها بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ، وهَكَذا القَوْلُ بِأنَّها لَيْلَةُ كَذا مِنَ الشَّهْرِ وبِالتِزامِ أنَّها لَيْلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ نَهارٌ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ، وإنَّ التَّعْبِيرَ بِاللَّيْلَةِ لِرِعايَةِ مَكانِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ القُرْآنُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وغالَبَ المُؤْمِنِينَ بِهِ كَأنَّ ما هو سَمْتُ أقْدامِهِمْ مِمّا لَيْلُهم نَهارُهُ لَمْ يَعْمُرْ بِالمُسْلِمِينَ بَلْ لا يَكادُ يَعْمُرُ بِهِمْ حَتّى يَرِثَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ومَن عَلَيْها. وقالَ: إنَّها حَيْثُ كانَتْ نَهارًا عِنْدَ قَوْمٍ لا يَبْعُدُ أنْ يُعْطِيَ اللَّهَ تَعالى أجْرَها مَنِ اجْتَهَدَ مِن غَيْرِهِمْ في لَيْلَةِ ذَلِكَ النَّهارِ، وأنَّ يُعْطِيَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ أيْضًا مَنِ اجْتَهَدَ مِنهم لَيْلًا وهي عِنْدُهم نَهارٌ وعَلى نَحْوِ هَذا يُقالُ في الصُّوَرِ الَّتِي ذُكِرَتْ في البَحْثِ.
وادَّعى أنَّ هَذا نَوْعٌ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الأحادِيثِ المُتَعارِضَةِ وأنَّ في قَوْلِهِمْ يُسَنُّ الِاجْتِهادُ في يَوْمِها رَمْزٌ إمّا لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وهو كَما تَرى. وأجابَ آخَرُ بِما يَسْتَحِي القَلَمُ مِن ذِكْرِهِ ويَرى تَرْكَهُ هو الحَرِيُّ بِقَدْرِهِ.
وسَمِعْتُ مِن بَعْضِ أحْبابِي أنَّ الشَّيْخَ إسْماعِيلَ العَجْلُونِيَّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ تَعَرَّضَ فِيما شَرَحَ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ لِشَيْءٍ مِن هَذا البَحْثِ والجَوابِ عَنْهُ ولَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، وعِنْدِي أنَّ البَحْثَ قَوِيٌّ والأمْرَ مِمّا لا مَجالَ لِعَقْلِي فِيهِ، ومِثْلُ لَيْلِ القَدْرِ فِيما ذُكِرَ وقْتُ نُزُولِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى السَّماءِ الدُّنْيا مِنَ اللَّيْلِ كَما صَحَّتْ بِهِ الأخْبارُ وكَذا ساعَةُ الإجابَةِ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ إلى أمْثالٍ أُخَرَ. ولِلشَّيْخِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى كَلامٌ طَوِيلٌ في الأوَّلِ لَمْ يَحْضُرْنِي مِنهُ الآنَ ما يَرْوِي الغَلِيلَ، ولِغَيْرِهِ كابْنِ حَجَرٍ كَلامٌ مُخْتَصَرٌ في الثّانِي وهو مَشْهُورٌ ورُبَّما يُقالُ إنَّها لِكُلِّ قَوْمٍ لَيْلَتُهم وإنِ اخْتَلَفَتْ دُخُولًا وخُرُوجًا بِالنِّسْبَةِ إلى آفاقِهِمْ كَسائِرِ لَيالِيهِمْ فَتَدْخُلُ اللَّيْلَةَ مُطْلَقًا في بَغْدادَ مَثَلًا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِيها وبَعْدَ نِصْفِ ساعَةٍ مِنهُ تَدْخُلُ في إسْتامْبُولَ مَثَلًا؛ وذَلِكَ أوَّلُ وقْتِ الغُرُوبِ فِيها وهَكَذا، والخُرُوجُ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ فَكَأنَّ اللَّيْلَةَ راكِبٌ يَسِيرُ إلى جِهَةٍ فَيَصِلُ إلى كُلِّ مَنزِلٍ في وقْتٍ ويَلْتَزِمُ أنْ تَنْزِلَ المَلائِكَةُ حَسَبَ سَيْرِها ولا يَبْعُدُ أنْ يَتَنَزَّلَ عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنهم عِنْدَ أوَّلِ دُخُولِها عِنْدَهم ويَعْرُجُونَ عِنْدَ مَطْلَعِ فَجْرِها عِنْدَهم أيْضًا أوْ يَبْقى المُتَنَزِّلُ مِنهم هُناكَ إلى أنْ تَنْقَضِيَ اللَّيْلَةُ في جَمِيعِ المَعْمُورَةِ فَيَعْرُجُونَ مَعًا عِنْدَ انْقِضائِها ويُلْتَزَمُ القَوْلُ بِتَعَدُّدِ التَّقْدِيرِ حَسَبَ السَّيْرِ أيْضًا بِأنْ يُقَدِّرَ اللَّهُ تَعالى في أيِّ جُزْءٍ شاءَ سُبْحانَهُ مِنها بِالنِّسْبَةِ إلى مَن هي عِنْدَهم أُمُورًا تَتَعَلَّقُ بِهِمْ، ومَناطُ الفَضْلِ لِكُلِّ قَوْمٍ تَحَقُّقُها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وقِيامُهم فِيها ومِثْلُ هَذِهِ اللَّيْلَةِ فِيما ذُكِرَ سائِرُ أوْقاتِ العِبادَةِ كَوَقْتِ الظُّهْرِ والعَصْرِ وغَيْرِهِما وهَذا غايَةُ ما يَخْطُرُ بِالبالِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذا الإشْكالِ، وأمْرُ ما يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مِن أخْبارِ الآحادِ سَهْلٌ عَلى أنَّ الكَثِيرَ مِنها في صِحَّتِهِ مَقالٌ فَتَأمَّلْ في ذاكَ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَتَوَلّى هُداكَ، ثُمَّ إنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ عِنْدَ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ لَيْلَةٌ يَخْتَصُّ فِيها السّالِكُ بِتَجَلٍّ خاصٍّ يَعْرِفُ بِهِ قَدْرَهُ ورُتْبَتَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَحْبُوبِهِ وهي وقْتُ ابْتِداءِ وُصُولِ السّالِكِ إلى عَيْنِ الجَمْعِ ومَقامِ البالِغِينَ في المَعْرِفَةِ، وما ألْطَفَ قَوْلَ الشَّيْخِ عُمَرَ بْنِ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ:
صفحة 200
وكُلُّ اللَّيالِي لَيْلَةُ القَدْرِ إنْ دَنَتْ كَما كَلُّ أيّامِ اللِّقا يَوْمُ جُمْعَةِ
هَذا واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
البينة 98:1
سُورَةُ البَيِّنَةِ
وتُسَمّى سُورَةَ القِيامَةِ، وسُورَةَ البَلَدِ، وسُورَةَ المُنْفَكِّينَ، وسُورَةَ البَرِيَّةِ وسُورَةَ لَمْ يَكُنْ. قالَ في البَحْرِ: مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: مَدَنِيَّةٌ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ مَدَنِيَّةٌ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، واخْتارَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ الفَرَسِ: الأشْهَرُ أنَّها مَكِّيَّةٌ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وجَزَمَ ابْنُ كَثِيرٍ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ قانِعٍ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي خَيْثَمَةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى آخِرِها قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا. فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ». فَقالَ أُبَيٌّ: أوَقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «نَعَمْ». فَبَكى».
وهَذا هو الأصَحُّ. وآيُها تِسْعٌ في البَصْرِيِّ وثَمانٍ في غَيْرِهِ.
وجاءَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ أبُو مُوسى المَدِينِيُّ في المَعْرِفَةِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ عَنْ مَطَرٍ المُزَنِيِّ أوِ المَدَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يَسْمَعُ قِراءَةَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَيَقُولُ: أبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لا أسْألُكَ عَلى حالٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَأُمَكِّنَنَّ لَكَ في الجَنَّةِ حَتّى تَرْضى»».
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيها: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ﴾ إلَخْ. كالتَّعْلِيلِ لِإنْزالِ القُرْآنِ كَأنَّهُ قِيلَ: «إنّا» أنْزَلْناهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى يَأْتِيَهم رَسُولٌ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً وهي ذَلِكَ المُنَزَّلُ؛ فَلا تَغْفُلْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ اليَهُودُ والنَّصارى، وإيرادُهم بِذَلِكَ العُنْوانِ قِيلَ لِإعْظامِ شَناعَةِ كُفْرِهِمْ، وقِيلَ: لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ فَإنَّ مَناطَ ذَلِكَ وِجْدانُهم لَهُ في كِتابِهِمْ وهو مَبْنِيٌّ عَلى وجْهٍ يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ بَعْدُ.
وإيرادُ الصِّلَةِ فِعْلًا لِما أنَّ كُفْرَهم حادِثٌ بَعْدَ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالآحادِ في صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومِن لِلتَّبْعِيضِ كَما قالَ عَلَمُ الهُدى الشَّيْخُ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ في التَّأْوِيلاتِ لا لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَكْفُرْ بَعْدَ نَبِيِّهِ وكانَ عَلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى، وعَدَّ مِن ذَلِكَ المَلْكانِيَّةَ مِنَ النَّصارى فَقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَلى الحَقِّ قَبْلَ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والتَّبْيِينُ يَقْتَضِي كُفْرَ جَمِيعِهِمْ قَبْلَ البَعْثِ والظّاهِرُ خِلافُهُ. وأُيِّدَ إرادَةُ التَّبْعِيضِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِأطْرافِ المَدِينَةِ مِن بَنِي قُرَيْظَةِ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ، وقالَ بَعْضٌ: لا نُسَلِّمُ أنَّ التَّبْيِينَ يَقْتَضِي كُفْرَ جَمِيعِهِمْ قَبْلَ البَعْثِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِالَّذِينِ كَفَرُوا بِاعْتِبارِ حالِهِمْ بَعْدَ البِعْثَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ وبُيِّنُوا بِأهْلِ الكِتابِ.
﴿والمُشْرِكِينَ﴾ وهم مِنَ اعْتَقَدُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ شَرِيكًا صَنَمًا أوْ غَيْرَهُ، وخَصَّهم بَعْضٌ بِعَبَدَةِ الأصْنامِ لِأنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ الَّذِينَ بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ وما حَوْلَهُما كانُوا كَذَلِكَ وهُمُ المَقْصُودُونَ هُنا عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ. وأيًّا ما كانَ فالعَطْفُ عَلى أهْلِ الكِتابِ، ولا يَلْزَمُ عَلى التَّبْعِيضِ أنْ لا يَكُونَ بَعْضُهم كافِرِينَ لِيَجِبَ العُدُولُ عَنْهُ لِلتَّبْيِينِ؛ لِأنَّهم بَعْضٌ مِنَ المَجْمُوعِ كَما أفادَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ. واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِالمُشْرِكِينَ أهْلُ الكِتابِ وشِرْكُهم لِقَوْلِهِمُ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وعُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. والعَطْفُ لِمُغايَرَةِ العُنْوانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقُرِئَ: «والمُشْرِكُونَ» بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ، وحَمْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى
صفحة 201
ذَلِكَ واعْتِبارُ أنَّ الجَرَّ لِلْجِوارِ لا يَخْفى حالُهُ. والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( كَفَرُوا ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ خَبَرُ يَكُنْ، والِانْفِكاكُ في الأصْلِ افْتِراقُ الأُمُورِ المُلْتَحِمَةِ بِنَوْعِ مُزايَلَةٍ، وأُرِيدَ بِهِ المُفارَقَةُ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِمّا سَتَعْرِفُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فالوَصْفُ اسْمُ فاعِلٍ مِنَ انْفَكَّ التّامَّةِ دُونَ النّاقِصَةِ الدّاخِلَةِ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ. وزَعَمَ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّهُ وصْفٌ مِنها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ واعِدِينَ اتِّباعَ الحَقِّ أوْ نَحْوَهُ. وتُعُقِّبَ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ بِأنَّ خَبَرَ كانَ وأخَواتِها لا يَجُوزُ حَذْفُهُ في السِّعَةِ لا اقْتِصارًا وحِينَ لَيْسَ مُجِيرٌ؛ أيْ في الدُّنْيا ضَرُورَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُنْفَكِّينَ والبَيِّنَةُ صِفَةٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ المُبَيِّنِ لِلْحَقِّ أوْ هي بِمَعْناها المَعْرُوفِ وهو الحُجَّةُ المُثْبِتَةُ لِلْمُدَّعِي ويُرادُ بِها المُعْجِزُ وعَلى الوَجْهَيْنِ.
البينة 98:2
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَسُولٌ﴾ بَدَلٌ مِنها بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ أوْ خَبَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ هي رَسُولٌ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ والمُرادُ بِهِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ مُفِيدٌ لِلْفَخامَةِ الإضافِيَّةِ فَهو مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في صِفَتِهِ الأُولى كَما أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ﴿صُحُفًا﴾ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في صِفَتِها الأُولى أعْنِي ﴿مُطَهَّرَةً﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصِّفَةُ أوِ الحالُ هُنا الجارَّ والمَجْرُورَ فَقَطْ، وكُتُبٌ مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإطْلاقُ البَيِّنَةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وعَلى المَعْنى الأخِيرِ بِاعْتِبارِ أنَّ أخْلاقَهُ وصِفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ بالِغَةً حَدَّ الإعْجازِ كَما قالَ الغَزالِيُّ في المُنْقِذِ مِنَ الضَّلالِ. وأشارَ إلَيْهِ البُوصِيرِيُّ بِقَوْلِهِ:
كَفاكَ بِالعِلْمِ في الأُمِّيِّ مُعْجِزَةً في الجاهِلِيَّةِ والتَّأْدِيبِ في اليُتْمِ
ويُعْلَمُ مِنهُ حِكْمَةُ جَعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَتِيمًا أوْ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ مُعْجِزاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرُ ما ذُكِرَ وظُهُورُها.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالبَيِّنَةِ القُرْآنُ لِأنَّهُ مُبَيِّنٌ لِلْحَقِّ أوْ مُعْجِزٌ مُثْبِتٌ لِلْمُدَّعى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، و( رَسُولٌ ) عَلَيْهِ قِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ أيْضًا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: بَيِّنَةٌ أوْ وحَيٌّ أوْ مُعْجِزٌ أوْ كِتابُ رَسُولٍ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيْ هي رَسُولٌ ويُقَدَّرُ مَعَهُ مُضافٌ كَما سَمِعْتَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿رَسُولٌ﴾ مُبْتَدَأً لِوَصْفِهِ، وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿يَتْلُو﴾ إلَخْ. وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ وخَبَرُهُ مُفَسِّرَةٌ لِلْبَيِّنَةِ. وقِيلَ: اعْتِراضٌ لِمَدْحِها وقِيلَ: صِفَةٌ لَها مُرادًا بِها القُرْآنُ ويُرادُ بِالصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ البَيِّنَةُ وقَدْ وُضِعَتْ مَوْضِعَ ضَمِيرِها فَكانَتِ الرّابِطَ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: «رَسُولًا» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ البَيِّنَةِ، والصُّحُفُ جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وكَذا الصِّحافُ القَراطِيسُ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها وأصْلُها المَبْسُوطُ مِنَ الشَّيْءِ، والمُرادُ بِتَطْهِيرِها تَنْزِيهُها عَنِ الباطِلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ تَطْهِيرُ مَن يَمَسُّها عَلى التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: صُحُفًا لا يَمَسُّها إلّا المُطَهَّرُونَ، والمُرادُ بِالكُتُبِ المَكْتُوباتُ وبِالقَيِّمَةِ المُسْتَقِيمَةُ واسْتِقامَتُها نُطْقُها بِالحَقِّ. وفي التَّيْسِيرِ: هي كُتُبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لَها؛ فَكَأنَّها فِيهِ ووَصْفُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتِلاوَةِ الصُّحُفِ المَذْكُورَةِ بِناءً عَلى المَشْهُورِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ الكِتابَ كَما أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ مِن بابِ التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا قَرَأ ما فِيها فَكَأنَّهُ قَرَأها. وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ مِثْلَ صُحُفٍ، وقِيلَ «فِي» ضَمِيرٌ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِتَشْبِيهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتِلاوَتِهِ مِثْلَ ما فِيها بِتالِيها أوِ الصُّحُفُ مَجازٌ عَمّا فِيها بِعَلاقَةِ الحُلُولِ. فَفي ضَمِيرِ «فِيها» اسْتِخْدامٌ لِعَوْدِهِ عَلى الصُّحُفِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِالصُّحُفِ صُحُفُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُنْتَسَخَةُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وبِتَطْهِيرِها ما سَبَقَ، والمُرادُ بِتِلاوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها ظاهِرٌ وجَعْلُها
صفحة 202
مَجازًا عَنْ وحْيِهِ إيّاها غَيْرُ وجِيهٍ، والأوْلى حَمْلُ الرَّسُولِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ وغَيْرِهِما. وقَدِ اخْتَلَفُوا في المَعْنى المُرادِ بِالآيَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا حَتّى قالَ الواحِدِيُّ في كِتابِ البَسِيطِ: إنَّها مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وبُيِّنَ ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ الكُفْرَ وصْفٌ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ قَبْلَ البَعْثَةِ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُنْفَكِّينَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ حَتّى يَأْتِيَهُمُ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ و«حَتّى» لِانْتِهاءِ الغايَةِ فَتَقْتَضِي أنَّهُمُ انْفَكُّوا عَنْ كُفْرِهِمْ عِنْدَ إتْيانِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو خِلافُ الواقِعِ، ويُناقِضُهُ
البينة 98:3
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَسُولٌ﴾ بَدَلٌ مِنها بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ أوْ خَبَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ هي رَسُولٌ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ والمُرادُ بِهِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ مُفِيدٌ لِلْفَخامَةِ الإضافِيَّةِ فَهو مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في صِفَتِهِ الأُولى كَما أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ ﴿صُحُفًا﴾ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في صِفَتِها الأُولى أعْنِي ﴿مُطَهَّرَةً﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصِّفَةُ أوِ الحالُ هُنا الجارَّ والمَجْرُورَ فَقَطْ، وكُتُبٌ مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإطْلاقُ البَيِّنَةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وعَلى المَعْنى الأخِيرِ بِاعْتِبارِ أنَّ أخْلاقَهُ وصِفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ بالِغَةً حَدَّ الإعْجازِ كَما قالَ الغَزالِيُّ في المُنْقِذِ مِنَ الضَّلالِ. وأشارَ إلَيْهِ البُوصِيرِيُّ بِقَوْلِهِ:
كَفاكَ بِالعِلْمِ في الأُمِّيِّ مُعْجِزَةً في الجاهِلِيَّةِ والتَّأْدِيبِ في اليُتْمِ
ويُعْلَمُ مِنهُ حِكْمَةُ جَعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَتِيمًا أوْ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ مُعْجِزاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرُ ما ذُكِرَ وظُهُورُها.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالبَيِّنَةِ القُرْآنُ لِأنَّهُ مُبَيِّنٌ لِلْحَقِّ أوْ مُعْجِزٌ مُثْبِتٌ لِلْمُدَّعى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، و( رَسُولٌ ) عَلَيْهِ قِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ أيْضًا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: بَيِّنَةٌ أوْ وحَيٌّ أوْ مُعْجِزٌ أوْ كِتابُ رَسُولٍ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيْ هي رَسُولٌ ويُقَدَّرُ مَعَهُ مُضافٌ كَما سَمِعْتَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿رَسُولٌ﴾ مُبْتَدَأً لِوَصْفِهِ، وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿يَتْلُو﴾ إلَخْ. وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ وخَبَرُهُ مُفَسِّرَةٌ لِلْبَيِّنَةِ. وقِيلَ: اعْتِراضٌ لِمَدْحِها وقِيلَ: صِفَةٌ لَها مُرادًا بِها القُرْآنُ ويُرادُ بِالصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ البَيِّنَةُ وقَدْ وُضِعَتْ مَوْضِعَ ضَمِيرِها فَكانَتِ الرّابِطَ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: «رَسُولًا» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ البَيِّنَةِ، والصُّحُفُ جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وكَذا الصِّحافُ القَراطِيسُ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها وأصْلُها المَبْسُوطُ مِنَ الشَّيْءِ، والمُرادُ بِتَطْهِيرِها تَنْزِيهُها عَنِ الباطِلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ تَطْهِيرُ مَن يَمَسُّها عَلى التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: صُحُفًا لا يَمَسُّها إلّا المُطَهَّرُونَ، والمُرادُ بِالكُتُبِ المَكْتُوباتُ وبِالقَيِّمَةِ المُسْتَقِيمَةُ واسْتِقامَتُها نُطْقُها بِالحَقِّ. وفي التَّيْسِيرِ: هي كُتُبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لَها؛ فَكَأنَّها فِيهِ ووَصْفُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتِلاوَةِ الصُّحُفِ المَذْكُورَةِ بِناءً عَلى المَشْهُورِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ الكِتابَ كَما أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ مِن بابِ التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا قَرَأ ما فِيها فَكَأنَّهُ قَرَأها. وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ مِثْلَ صُحُفٍ، وقِيلَ «فِي» ضَمِيرٌ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِتَشْبِيهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتِلاوَتِهِ مِثْلَ ما فِيها بِتالِيها أوِ الصُّحُفُ مَجازٌ عَمّا فِيها بِعَلاقَةِ الحُلُولِ. فَفي ضَمِيرِ «فِيها» اسْتِخْدامٌ لِعَوْدِهِ عَلى الصُّحُفِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِالصُّحُفِ صُحُفُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُنْتَسَخَةُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وبِتَطْهِيرِها ما سَبَقَ، والمُرادُ بِتِلاوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها ظاهِرٌ وجَعْلُها
صفحة 202
مَجازًا عَنْ وحْيِهِ إيّاها غَيْرُ وجِيهٍ، والأوْلى حَمْلُ الرَّسُولِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ وغَيْرِهِما. وقَدِ اخْتَلَفُوا في المَعْنى المُرادِ بِالآيَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا حَتّى قالَ الواحِدِيُّ في كِتابِ البَسِيطِ: إنَّها مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا، وبُيِّنَ ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ الكُفْرَ وصْفٌ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ قَبْلَ البَعْثَةِ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُنْفَكِّينَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ حَتّى يَأْتِيَهُمُ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ و«حَتّى» لِانْتِهاءِ الغايَةِ فَتَقْتَضِي أنَّهُمُ انْفَكُّوا عَنْ كُفْرِهِمْ عِنْدَ إتْيانِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو خِلافُ الواقِعِ، ويُناقِضُهُ
البينة 98:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ كُفْرَهم قَدْ زادَ عِنْدَ ذَلِكَ فَقالَ جارُ اللَّهِ: كانَ الكُفّارُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَقُولُونَ قَبْلَ المَبْعَثِ: لا نَنْفَكُّ عَمّا نَحْنُ فِيهِ مِن دِينِنا حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ المَوْعُودَ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وهو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَحَكى اللَّهُ تَعالى ما كانُوا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ وأقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيئُهُ، ونَظِيرُهُ في الكَلامِ أنْ يَقُولَ الفَقِيرُ الفاسِقُ لِمَن يَعِظُهُ: لَسْتُ بِمُنْفَكٍّ مِمّا أنا فِيهِ حَتّى يَرْزُقَنِي اللَّهُ تَعالى الغِنى. فَيَرْزُقَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ فَيَزْدادَ فِسْقًا، فَيَقُولُ واعِظُهُ: لَمْ تَكُنْ مُنْفَكًّا عَنِ الفِسْقِ حَتّى تُوسَرَ وما غَمَسْتَ رَأْسَكَ في الفِسْقِ إلّا بَعْدَ اليَسارِ. يُذَكِّرُهُ ما كانَ يَقُولُهُ تَوْبِيخًا وإلْزامًا. وحاصِلُهُ أنَّ الأوَّلَ مِن بابِ الحِكايَةِ لِزَعْمِهِمْ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ إلْزامٌ عَلَيْهِمْ؛ حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَهم عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والتَّعْيِيرِ فَقالَ: هَذا هو الثَّمَرَةُ. وظاهِرُهُ أنَّهُ أرادَ بِتَفَرُّقِهِمْ عَنِ الحَقِّ وحُمِلَ عَلى الكُفْرِ والباطِلِ لِاسْتِلْزامِهِ إيّاهُ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْمُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ لِعِلْمِ حالِهِمْ مِن حالِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِالأوْلى. وقِيلَ: وهو قَرِيبٌ مِن ذاكَ مِن وجْهٍ وفِيهِ إيضاحٌ لَهُ مَن وجْهٍ؛ أيْ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ والإيمانِ بِالرَّسُولِ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ إلى أنْ أتاهم ما جَعَلُوهُ مِيقاتًا لِلِاجْتِماعِ والِاتِّفاقِ فاجْعَلُوهُ مِيقاتًا لِلِانْفِكاكِ والِافْتِراقِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ. وفي التَّعْبِيرِ بِ ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ إشارَةٌ إلى وكادَةِ وعْدِهِمْ.
وهُوَ مِن أهْلِ الكِتابِ مَشْهُورٌ حَتّى أنَّهم كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ ويَقُولُونَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ عَلَيْنا وانْصُرْنا بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ، ويَقُولُونَ لِأعْدائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ: قَدْ أظَلَّ زَمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ ما قُلْنا فَنَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ.
ومِنَ المُشْرِكِينَ لَعَلَّهُ وقَعَ مِن مُتَأخِّرِيهِمْ بَعْدَ ما شاعَ مِن أهْلِ الكِتابِ واعْتَقَدُوا صِحَّتَهُ مِمّا شاهَدُوا مَثَلًا مِن بَعْضِ مَن يُوثَقُ بِهِ بَيْنَهم مِن قَوْمِهِمْ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَقَدْ كانَ يَتَطَلَّبُ نَبِيًّا مِنَ العَرَبِ ويَقُولُ: قَدْ أظَلَّ زَمانُهُ وإنَّهُ مِن قُرَيْشٍ، بَلْ مِن بَنِي هاشِمٍ، بَلْ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّهم قُبَيْلَ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَمّى مِنهم غَيْرُ واحِدٍ ولَدَهُ بِمُحَمَّدٍ رَجاءَ أنْ يَكُونَ النَّبِيَّ المَبْعُوثَ، واللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ. والتَّعْبِيرُ عَنْ إتْيانِهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ بِاعْتِبارِ حالِ المَحْكِيِّ لا بِاعْتِبارِ حالِ الحِكايَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ أيْ تَلَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ كَلامٌ مَسُوقٌ لِمَزِيدِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً بِبَيانِ أنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنَ الِانْفِكاكِ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِباهٍ في الأمْرِ بَلْ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وتَبَيُّنِ الحالِ وانْقِطاعِ الأعْذارِ بِالكُلِّيَّةِ وهو السِّرُّ في وصْفِهِمْ بِإيتاءِ الكِتابِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِن مُطالَعَتِهِ والإحاطَةِ بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ والأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَتَعَلَّقُ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وصِحَّةِ بِعْثَتِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ فِيما سَبَقَ بِما هو جارٍ مَجْرى اسْمِ الجِنْسِ لِلطّائِفَتَيْنِ.
ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ والمُشْرِكُونَ بِاعْتِبارِ اتِّفاقِهِمْ عَلى الرَّأْيِ المَذْكُورِ في حُكْمِ فَرِيقٍ واحِدٍ عُبِّرَ عَمّا صَدَرَ مِنهم عَقِيبَ الِاتِّفاقِ عِنْدَ الإخْبارِ بِوُقُوعِهِ بِالِانْفِكاكِ، وعِنْدَ بَيانِ كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ بِالتَّفَرُّقِ اعْتِبارًا لِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِن
صفحة 203
فَرِيقَيْ أهْلِ الكِتابِ وإيذانًا بِأنَّ انْفِكاكَهم عَنِ الرَّأْيِ المَذْكُورِ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاتِّفاقِ عَلى رَأْيٍ آخَرَ بَلْ بِطَرِيقِ الِاخْتِلافِ القَدِيمِ. وتُعُقِّبَ التَّقْرِيرانِ بِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ إلّا عَلى إرادَةِ مُنْفَكِّينَ عَنِ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ. وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: المَعْنى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وإنْ جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّ تَفْسِيرَ لِفَظِّ حَتّى بِما ذُكِرَ لَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ في شَيْءٍ، ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ وأنَّ في الكَلامِ حَذْفًا؛ أيْ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ حَتّى وقَتِ أنْ تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِما ذُكِرَ لِأنَّهُ أخْصَرُ، وفِيهِ أيْضًا ما لا يَخْفى.
وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالمَناقِبِ والفَضائِلِ إلى أنْ أتاهم فَحِينَئِذٍ تَفَرَّقُوا فِيهِ، وقالَ كُلٌّ مِنهم فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلًا زُورًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ عَلى إرادَةِ ما قُدِّرَ مُتَعَلِّقُ الِانْفِكاكِ. وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ إلى وقْتِ مَجِيءِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلَمّا جاءَهم تَفَرَّقُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن أصَرَّ عَلى كُفْرِهِ ويَكْفِي ذَلِكَ في العَمَلِ بِمُوجِبِ حَتّى.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ظاهِرَ ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ ذَمٌّ لِجَمِيعِهِمْ وتَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ بَعْدُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلَخْ ويَبْعُدُ ذَلِكَ عَلى حَمْلِ التَّفَرُّقِ عَلى إيمانِ بَعْضٍ وإصْرارِ بَعْضٍ. وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ بِأنْ يَتَرَدَّدُوا فِيهِ بَلْ كانُوا جازِمِينَ بِهِ مُعْتَقَدِينَ حَقِّيَّتَهُ إلى أنْ أتاهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعِنْدَ ذَلِكَ اضْطَرَبَتْ خَواطِرُهم وأفْكارُهم وتَشَكَّكَ كُلٌّ في دِينِهِ ومَقالَتِهِ وفِيهِ ما لا يَخْفى.
وقِيلَ: مَعْنى: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ هالِكِينَ مِن قَوْلِهِمُ انْفَكَّ صِلا المَرْأةَ عِنْدَ الوِلادَةِ وهو أنْ يَنْفَصِلَ فَلا يَلْتَئِمُ، والمَعْنى لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، وقَرِيبٌ مِنهُ مَعْنًى ما قِيلَ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الحَياةِ بِأنْ يَمُوتُوا ويَهْلَكُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ وهو كَما تَرى. وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم لَمْ يَنْفَكُّوا عَنْ دِينِهِمْ حَقِيقَةً إلى مَجِيءِ الرَّسُولِ التّالِي لِلصُّحُفِ المُبَيِّنَةِ نَسْخَهُ وبُطْلانَهُ ولَمّا جاءَ وتَبَيَّنَ ذَلِكَ انْفَكُّوا عَنْهُ حَقِيقَةً وإنْ بَقُوا عَلَيْهِ صُورَةً وفِيهِ ما فِيهِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ أيْ مُنْفَصِلًا بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم مُقِرًّا الآخَرَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِمّا اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ هَذا مِنَ اعْتِقادِهِ بِشَرِيعَتِهِ وهَذا مِنَ اعْتِقادِهِ بِأصْنامِهِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ اتَّصَلَتْ مَوَدَّتُهم واجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم إلى أنْ أتَتْهُمُ البَيِّنَةُ.
﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ أيْ مِنَ المُشْرِكِينَ وانْفَصَلَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ فَقالَ كُلٌّ ما يَدُلُّ عِنْدَهُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ.
﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وكانَ يَقْتَضِي عِنْدَ مَجِيئِها أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى اتِّباعِها ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ: (بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم إلَخْ في حَيِّزِ المَنعِ. وأيْضًا حُمِلَ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ عَلى ما حَمْلُهُ عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هاهُنا وجْهٌ بارِعُ المَعْنى وذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ونَظَرِهِ سُبْحانَهُ حَتّى يَبْعَثَ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا يُقِيمُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ ويُتِمُّ عَلى مَن آمَنَ بِهِ النِّعْمَةَ فَكَأنَّهُ قالَ: ما كانُوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ هَذا ما ظَفِرْنا بِهِ سُؤالًا وجَوابًا وجَرْحًا وتَعْدِيلًا.
ثُمَّ إنِّي أقُولُ ما تَقَدَّمَ في تَقْرِيرِ الإشْكالِ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ القائِلِينَ بِمَفْهُومِ الغايَةِ وهم أكْثَرُ الفُقَهاءِ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ كالقاضِي أبِي بَكْرٍ والقاضِي عَبْدِ الجَبّارِ وأبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ وغَيْرِهِمْ دُونَ مَذْهَبِ الغَيْرِ القائِلِينَ بِهِ وهم أصْحابُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ وجَماعَةٍ مِنَ الفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ، واخْتارَهُ الآمِدِيُّ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِما اسْتَدَلَّ ورَدَّ ما يُعارِضُهُ مِن أدِلَّةِ المُخالِفِ، وعَلَيْهِ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أوَّلًا حالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى وقْتِ إتْيانِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ أيْ: عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ حَسَبَ اعْتِقادِهِمْ فِيهِ إلى أنْ يَأْتِيَهُمُ الرَّسُولُ، ولَمّا لَمْ يَتَعَرَّضْ في ذَلِكَ عَلى ذَلِكَ المَذْهَبِ لِحالِهِمْ بَعْدَ إتْيانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ
صفحة 204
جَلَّ وعَلا: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلَخْ؛ أيْ: وما تَفَرَّقُوا فَعَرَفَ بَعْضٌ مِنهُمُ الحَقَّ وآمَنَ وعَرَفَهُ بَعْضٌ آخَرُ مِنهم وعانَدَ فَلَمْ يُؤْمِن في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، وطَوى سُبْحانَهُ ذِكْرَ حالِ المُشْرِكِينَ لِعِلْمِهِ بِالأوْلى مِن حالِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ حالِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِ والكافِرِ وما لَهُ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ مِمّا تَقَدَّمَ كَوْنُ الِانْفِكاكِ عَنِ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ، ولَعَلَّ القَرِينَةَ عَلى اعْتِبارِهِ حالِيَّةٌ، ويَحْتَمِلُ نَحْوًا آخَرَ مِنَ التَّوْجِيهِ وذَلِكَ بِأنْ يُجْعَلَ الكَلامُ مِن بابِ الأعْمالِ فَيُقالُ: إنَّ «مُنْفَكِّينَ» يَقْتَضِي مُتَعَلِّقًا هو المُنْفَكُّ عَنْهُ و«تَأْتِيَهُمْ» يَقْتَضِي فاعِلًا ولَيْسَ في الكَلامِ سِوى البَيِّنَةِ فَكُلٌّ مِنهُما يَقْتَضِيهِ، فَأُعْمِلَ فِيهِ «تَأْتِيَهُمْ» وحُذِفَ مَعْمُولُ ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُنْفَكِّينَ عَنِ البَيِّنَةِ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، وحَيْثُ كانَ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ الرَّسُولَ كانَ الكَلامُ في قُوَّةِ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الرَّسُولِ حَتّى يَأْتِيَهم. ويُرادُ بِعَدَمِ الِانْفِكاكِ عَنِ الرَّسُولِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا إذْ ذاكَ عَدَمُ الِانْفِكاكِ عَنْ ذِكْرِهِ والوَعْدِ بِاتِّباعِهِ ويَكُونُ باقِي الكَلامِ في الآيَةِ عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ إلَخْ أنَّهُ عَلى مَعْنى: وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابِ عَنِ الرَّسُولِ وما انْفَكُّوا عَنْهُ بِالإصْرارِ عَلى الكُفْرِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهم فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما أتَيْناكَ بِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.
البينة 98:5
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِغايَةِ قُبْحِ ما فَعَلُوا والمُرادُ بِالأمْرِ مُطْلَقُ التَّكْلِيفِ ومُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، والكَلامُ في تَعْلِيلِ أفْعالِهِ تَعالى شَهِيرٌ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ؛ أيْ: والحالُ أنَّهم ما كُلِّفُوا في كِتابِهِمْ بِما كُلِّفُوا بِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأجْلِ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى.
وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَجْعَلُ اللّامَ مَوْضِعَ «أنْ» في الأمْرِ كَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ، وكَذا في الإرادَةِ كَ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ فَهي هُنا بِمَعْنى أنْ؛ أيْ: إلّا بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «إلّا أنْ يَعْبُدُوا» فَيَكُونُ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى هي المَأْمُورَ بِها والأمْرُ عَلى ظاهِرِهِ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ وعَلَيْهِ قالَ عَلَمُ الهُدى أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ عُلِمَ مِنها مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيْ إلّا لِأمْرِهِمْ بِالعِبادَةِ، فَيُعْلَمُ المُطِيعُ مِنَ العاصِي، وهو كَما قالَ الشِّهابُ كَلامٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ.
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ جاعِلِينَ دِينَهم خالِصًا لَهُ تَعالى فَلا يُشْرِكُونَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ فالدِّينُ مَفْعُولٌ لِمُخْلِصِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، ومَفْعُولُ ﴿مُخْلِصِينَ﴾ مَحْذُوفٌ؛ أيْ جاعِلِينَ أنْفُسَهم خالِصَةً لَهُ تَعالى في الدِّينِ. وقَرَأ الحَسَنُ: «مُخْلَصِينَ» بِفَتْحِ اللّامِ وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ هَذا الوَجْهُ في الدِّينِ ولا يَتَسَنّى الأوَّلُ. نَعَمْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ والعامِلُ ﴿لِيَعْبُدُوا﴾ أيْ: لِيَدِينُوا اللَّهَ تَعالى بِالعِبادَةِ الدِّينَ.
﴿حُنَفاءَ﴾ أيْ: مائِلِينَ عَنْ جَمِيعِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ إلى الإسْلامِ وفِيهِ مِن تَأْكِيدِ الإخْلاصِ ما فِيهِ، فالحَنَفُ المَيْلُ إلى الِاسْتِقامَةِ وسَمِّيَ مائِلُ الرَّجُلِ إلى الِاعْوِجاجِ أحْنَفَ لِلتَّفاؤُلِ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ حُنَفاءَ هُنا بِ «حُجّاجًا». وعَنْ قَتادَةَ بِمُخْتَتِنِينَ مُحَرِّمِينَ لِنِكاحِ الأُمِّ والمَحارِمِ وعَنْ أبِي قُلابَةَ بِمُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وعَنْ مُجاهِدٍ بِمُتَّبَعِينَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ بِمُسْتَقْبِلِينَ القِبْلَةَ بِالصَّلاةِ، وعَنْ بَعْضٍ: بِجامِعِينَ كُلَّ الدِّينِ وحالُ الأقْوالِ لا يَخْفى.
﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِما ما في شَرِيعَتِهِمْ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فالأمْرُ بِهِما ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ ما في شَرِيعَتِنا فَمَعْنى أمْرِهِمْ بِهِما في كِتابِهِمْ أنَّ أمْرَهم بِاتِّباعِ شَرِيعَتِنا أمْرٌ لَهم بِجَمِيعِ أحْكامِها الَّتِي هُما مِن جُمْلَتِها.
﴿وذَلِكَ﴾ إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وما فِيهِ مِنَ البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ.
﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيْ الكُتُبِ القَيِّمَةِ
صفحة 205
فَألْ لِلْعَهْدِ إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَثِ الطّالَقانِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيِ الأُمَّةُ القَيِّمَةُ أيِ المُسْتَقِيمَةُ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أيِ المِلَّةُ القَيِّمَةُ والتَّغايُرُ الِاعْتِبارِيُّ بَيْنَ الدِّينِ والمِلَّةِ يُصَحِّحُ الإضافَةَ، وبَعْضُهم لَمْ يُقَدِّرْ مَوْصُوفًا، ويَجْعَلُ ﴿القَيِّمَةِ﴾ بِمَعْنى المِلَّةِ وقِيلَ: أيِ الحُجَجِ القَيِّمَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «الدِّينُ القَيِّمَةُ» فَقِيلَ: التَّأْنِيثُ عَلى تَأْوِيلِ الدِّينِ بِالمِلَّةِ، وقِيلَ: الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
البينة 98:6
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ قِيلَ: بَيانٌ لِحالِ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا، وذَكَرَ المُشْرِكِينَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصاصُ الحُكْمِ بِأهْلِ الكِتابِ حَسَبَ اخْتِصاصِ مُشاهَدَةِ شَواهِدِ النُّبُوَّةِ في الكِتابِ بِهِمْ، فالمُرادُ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المُتَقَدِّمُونَ في صَدْرِ السُّورَةِ وفي ذَلِكَ احْتِمالٌ أشَرْنا إلَيْهِ فَلا تَغْفُلْ.
ومَعْنى كَوْنِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ أنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ لَكِنْ لِتَحَقُّقِ ذَلِكَ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ اسْمِيَّةً أوْ يُقَدَّرُ مُتَعَلِّقُ الجارِّ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ أوْ أنَّهم فِيها الآنَ عَلى إطْلاقِ نارِ جَهَنَّمَ عَلى ما يُوجِبُها مِنَ الكُفْرِ مَجازًا مُرْسَلًا بِإطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ. وجُوِّزَتِ الِاسْتِعارَةُ وقِيلَ: إنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي عَيْنُ النّارِ إلّا أنَّها ظَهَرَتْ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَةٍ عَرَضِيَّةٍ وسَتَخْلَعُها في النَّشْأةِ الآخِرَةِ وتَظْهَرُ بِصُورَتِها الحَقِيقِيَّةِ وقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، واشْتِراكُ الفَرِيقَيْنِ في دُخُولِ النّارِ بِطَرِيقِ الخُلُودِ لا يُنافِي تَفاوُتَ عَذابِهِما في الكَيْفِيَّةِ؛ فَإنَّ جَهَنَّمَ -والعِياذُ بِاللَّهِ- تَعالى دَرَكاتٌ، وعَذابُها ألْوانٌ، فَيُعَذَّبُ أهْلُ الكِتابِ في دَرْكٍ مِنها نَوْعًا مِنَ العَذابِ، والمُشْرِكُونَ في دَرْكٍ أسْفَلَ مِنهُ بِعَذابٍ أشَدَّ؛ لِأنَّ كُفْرَهم أشَدُّ مِن كُفْرِ أهْلِ الكِتابِ، وكَوْنُ أهْلِ الكِتابِ كَفَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِنُعُوتِهِ الشَّرِيفَةِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ مِن كِتابِهِمْ ولَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ عِلْمٌ بِذَلِكَ كَعِلْمِهِمْ لا يُوجِبُ كَوْنَ عَذابِهِمْ أشَدَّ مِن عَذابِ المُشْرِكِينَ ولا مُساوِيًا لَهُ؛ فَإنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ. وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ مِن أنْواعِ الكُفْرِ في المُشْرِكِينَ مِمّا لَيْسَ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى خُلُودِ الكُفّارِ مُطْلَقًا في النّارِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةً إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ القَبائِحِ المَذْكُورَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ أيْ أُولَئِكَ البُعَداءُ المَذْكُورُونَ ﴿هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ أيِ الخِلْقِيَّةِ وقِيلَ: أيِ البَشَرِ، والمُرادُ قِيلَ: هم شَرُّ البَرِيَّةِ أعْمالًا فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ لِخُلُودِهِمْ في النّارِ. وقِيلَ: شَرُّها مَقامًا ومَصِيرًا فَتَكُونُ تَأْكِيدًا لِفَظاعَةِ حالِهِمْ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ المُوافِقُ لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ المُؤْمِنِينَ. وأيًّا ما كانَ فالعُمُومُ عَلى ما قِيلَ مُشْكِلٌ؛ فَإنَّ إبْلِيسَ وجُنُودَهُ شَرٌّ مِنهم أعْمالًا ومَقامًا، وكَذا المُشْرِكُونَ والمُنافِقُونَ حَيْثُ ضَمُّوا إلى الشِّرْكِ النِّفاقَ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وقالَ بَعْضٌ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُفّارِ الأُمَمِ مَن هو شَرٌّ مِنهم كَفِرْعَوْنَ وعاقِرِ النّاقَةِ. وأجابَ بِأنَّ المُرادَ بِالبَرِيَّةِ المُعاصِرُونَ لَهم ولا يَخْفى أنَّهُ يَبْقى مَعَهُ الإشْكالُ بِإبْلِيسَ ونَحْوِهِ. وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ الحَصْرُ حَقِيقِيًّا وأمّا إذا كانَ إضافِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ بِحَسْبِ زَعْمِهِمْ فَلا إشْكالَ؛ إذْ يَكُونُ المَعْنى: أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ لا غَيْرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما يَزْعُمُونَ مَآلًا أوْ حالًا. وقِيلَ: يُرادُ بِالبَرِيَّةِ البَشَرُ. ويُرادُ بِشَرِّيَّتِهِمْ شَرِّيَّتُهم بِحَسْبِ الأعْمالِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا بِحَسْبِ ذَلِكَ هم شَرُّ جَمِيعِ البَرِيَّةِ لِما أنَّ كُفْرَهم مَعَ العِلْمِ بِصِحَّةِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُشاهَدَةِ مُعْجِزاتِهِ الذّاتِيَّةِ والخارِجِيَّةِ ووَعْدِ الإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَعَ إدْخالِهِمْ بِهِ الشُّبْهَةَ في قُلُوبِ مَن يَأْتِي بَعْدَهم وتَسَبُّبِهِمْ بِهِ ضَلالُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَهُ واسْتَلْزَمَهُ مِنَ القَبائِحِ شَرُّ كُفْرٍ وأقْبَحُهُ لا يَتَسَنّى مِثْلُهُ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وكَذا سائِرُ أعْمالِهِمْ مِن تَحْرِيفِ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ وصَدِّ النّاسِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومُحارَبَتِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَوْنُ كُفْرِ فِرْعَوْنَ وعاقِرِ النّاقَةِ وفِعْلُهُما بِتِلْكَ المَثابَةِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ، ويُلْتَزَمُ دُخُولُ المُنافِقِينَ في عُمُومِ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ كَوْنُ كُفْرِهِمْ وأعْمالِهِمْ دُونَ كُفْرِ وأعْمالِ
صفحة 206
المَذْكُورِينَ وفِيهِ شَيْءٌ لا يَخْفى فَتَأمَّلْ.
وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا أقْوامًا مَخْصُوصِينَ وهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم أوَّلًا بَلِ الأعَمُّ الشّامِلُ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِن سالِفِ الدَّهْرِ إلى آخِرِهِ وهو عَلى ما فِيهِ لا يَتِمُّ بِدُونِ حَمْلِ البَرِيَّةِ عَلى البَشَرِ فَلا تَغْفُلْ.
وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ: «البَرِيئَةِ» هُنا وفِيما بَعْدُ بِالهَمْزَةِ فَقِيلَ: هو الأصْلُ مِن بَرَأهُمُ اللَّهُ تَعالى بِمَعْنى ابْتَدَأهم واخْتَرَعَ خَلْقَهم فَهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ، لَكِنَّ عامَّةَ العَرَبِ إلّا أهْلَ مَكَّةَ التَزَمُوا تَسْهِيلَ الهَمْزَةِ بِالإبْدالِ والإدْغامِ فَقالُوا: البَرِيَّةُ؛ كَما قالُوا الذُّرِّيَّةُ والخابِيَةُ. وقِيلَ: لَيْسَ بِالأصْلِ وإنَّما البَرِيَّةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ مِنَ البَرى المَقْصُورِ يَعْنِي التُّرابَ فَهو أصْلٌ بِرَأْسِهِ والقِراءَتانِ مُخْتَلِفَتانِ أصْلًا ومادَّةً ومُتَّفِقَتانِ مَعْنًى في رَأْيٍ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ عَلَيْهِما البَشَرَ، ومُخْتَلِفانِ فِيهِ أيْضًا في رَأْيٍ آخَرَ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمَهْمُوزِ الخَلِيفَةَ الشّامِلَةَ لِلْمَلائِكَةِ والجِنِّ كالبَشَرِ، وبِغَيْرِ المَهْمُوزِ البَشَرُ المَخْلُوقُونَ مِنَ التُّرابِ فَقَطْ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَتِ القِراءَةُ بِالهَمْزِ خَطَأً، كَيْفَ وقَدْ نُقِلَتْ عَمَّنْ ثَبَتَتْ عِصْمَتُهُ مَعَ أنَّ الهَمْزَ لُغَةُ قَوْمِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
البينة 98:7
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيانٌ لِمَحاسِنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ جَرْيًا عَلى السُّنَّةِ القُرْآنِيَّةِ مِن شَفْعِ التَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ أوْ هو عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ إذْ لا تَحْقِيقَ لِكَوْنِها المِلَّةَ القَيِّمَةَ فَوْقَ أنْ يَكُونَ جَزاءُ المُعْرِضِ هَذا وجَزاءُ المُمْتَثِلِ ذَلِكَ إلّا أنَّ ذَلِكَ اقْتَضى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ وكَأنَّهُ فُصِلَ لِتَخْيِيلِ عَدَمِ المُناسَبَةِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ لا في المُسْنَدِ إلَيْهِ ولا في المُسْنَدِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَنعُوتُونَ بِما هو الغايَةُ القاصِيَةُ مِنَ الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ وقَرَأ حُمَيْدٌ وعامِرُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ «هم خِيارُ البَرِيَّةِ» وهو جَمْعُ خِيرٍ كَجِيادٍ وجِيدٍ.
البينة 98:8
﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بِمُقابَلَةِ ما لَهم مِنَ الإيمانِ والطّاعاتِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ. وفي تَقْدِيمِ مَدْحِهِمْ بِخَيْرِ البَرِيَّةِ وذِكْرِ الجَزاءِ المُؤْذِنِ يَكُونُ ما مُنِحَ في مُقابَلَةِ ما وُصِفُوا بِهِ وبَيانِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ تَعالى والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ وجَمْعِ الجَنّاتِ وتَقْيِيدِها بِالإضافَةِ وبِما يَزِيدُها نَعِيمًا، وتَأْكِيدِ الخُلُودِ بِالأبَدِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غايَةِ حُسْنِ حالِهِمْ ما لا يُخْفى.
والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وكَذا ما بَعْدُ، وزَعَمَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ الأنْسَبَ بِالعَدِيلِ السّابِقِ أنْ تُجْعَلَ مُعْتَرِضَةً ويَكُونُ الخَبَرُ ما بَعْدَها وفِيهِ نَظَرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ وإخْبارٌ عَمّا تَفَضَّلَ عَزَّ وجَلَّ بِهِ زِيادَةً عَلى ما ذُكِرَ مِن أجِزْيَةِ أعْمالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانِيًّا جَوابًا لِمَن يَقُولُ: ألَهم فَوْقَ ذَلِكَ أمْرٌ آخَرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ أوْ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ دُعاءً لَهم مِن رَبِّهِمْ وهو مَجازٌ عَنِ الإيجادِ مَعَ زِيادَةِ التَّكْرِيمِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ويُبْعِدُهُ عَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ عَلَيْهِ وعُلِّلَ رِضاهم بِأنَّهم بَلَغُوا مِنَ المَطالِبِ قاصِيَتَها ومِنَ المَآرِبِ ناصِيَتَها، وأُتِيحَ لَهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذَكَرَهُ مِنَ الجَزاءِ والرِّضْوانِ ﴿لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ فَإنَّ الخَشْيَةَ مِلاكُ السَّعادَةِ الحَقِيقِيَّةِ والفَوْزِ بِالمَراتِبِ العَلِيَّةِ؛ إذْ لَوْلاها لَمْ تُتْرَكِ المَناهِي والمَعاصِي ولا اسْتُعِدَّ لِيَوْمٍ يُؤْخَذُ فِيهِ بِالأقْدامِ والنَّواصِي. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُجَرَّدَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لَيْسَ مُوَصِّلًا إلى أقْصى المَراتِبِ ورِضْوانٍ مِنَ اللَّهِ أكْبَرَ، بَلِ المُوَصِّلُ لَهُ خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى و﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ ولِذا قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: الرِّضا عَلى قَدْرِ قُوَّةِ العِلْمِ والرُّسُوخِ في المَعْرِفَةِ، وقالَ عِصامُ الدِّينِ: الأظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ والرِّضْوانُ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ غَفْلَةً عَمّا ذُكِرَ وعَنْ أنَّهُ لا يَكُونُ حِينَئِذٍ
صفحة 207
لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ إلَخْ كَبِيرُ فائِدَةٍ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُعْرِبَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الخَشْيَةِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الِاغْتِرارِ بِالتَّرْبِيَةِ. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ عَلى أنَّ البَشَرَ أفْضَلُ مِنَ المَلَكِ لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُؤْمِنُونَ مِنَ البَشَرِ، وفي الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««أتَعْجَبُونَ لِمَنزِلَةِ المَلائِكَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنزِلَةُ العَبْدِ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمُ مِن مَنزِلَةِ المَلَكِ؛ واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ تَعالى؟ قالَ: «يا عائِشَةُ، أما تَقْرَئِينَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾»».
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِالبَرِيَّةِ الخَلِيقَةُ مُطْلَقًا لِيَتِمَّ الِاسْتِدْلالُ، ثُمَّ إنَّهُ يَحْتاجُ أيْضًا إلى إدْخالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في عُمُومِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِأنْ لا يُرادَ بِهِمْ قَوْمٌ بِخُصُوصِهِمْ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَدْخُلُوا لَزِمَ تَفْضِيلُ عَوامِّ البَشَرِ أيِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأنْبِياءَ مِنهم عَلى خَواصِّ المَلائِكَةِ أعْنِي رُسُلَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وذَلِكَ مِمّا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ بَلْ هم يُكَفِّرُونَ مَن يَقُولُ بِهِ فَلْيُتَفَطَّنْ. والإمامُ قَدْ ضَعَّفَ الِاسْتِدْلالَ في تَفْسِيرِهِ بِما لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ولَعَلَّ الأبْعَدَ عَنِ القِيلِ والقالِ جَعْلُ الحَصْرِ إضافِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَزْعُمُهُ أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ قالًا أوْ حالًا مِن أنَّهم هم خَيْرُ البَرِيَّةِ وكَذا يُجْعَلُ الحَصْرُ السّابِقُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ المُؤْمِنِينَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ، وصِحَّةُ ما سَبَقَ مِنَ الآثارِ في حَيِّزِ المَنعِ. ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِ ( الَّذِينَ آمَنُوا ) إلَخْ مُقابِلُ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) والأقْوَمُ مِنَ الَّذِينَ أنْصَفُوا بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِخُصُوصِهِمْ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم مَخْصُوصُونَ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ؟ هم أنْتَ وشِيعَتُكَ ومَوْعِدِي ومَوْعِدُكُمُ الحَوْضُ، إذا جَثَتِ الأُمَمُ لِلْحِسابِ يُدْعَوْنَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ»». ورَوى نَحْوَهُ الإمامِيَّةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَراحِيلَ الأنْصارِيِّ كاتِبِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
وفِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ الوَفاةِ ورَأْسُهُ الشَّرِيفُ عَلى صَدْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ: «هُوَ أنْتَ وشِيعَتُكَ يَوْمَ القِيامَةِ راضِينَ مَرْضِيِّينَ»».
وذَلِكَ ظاهِرٌ في التَّخْصِيصِ وكَذا ما ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ الإمامِيُّ في مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ عَنِ الضَّحّاكِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: نَزَلَتْ في عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأهْلِ بَيْتِهِ». وهَذا إنْ سُلِّمَتْ صِحَّتُهُ لا مَحْذُورَ فِيهِ؛ إذْ لا يَسْتَدْعِي التَّخْصِيصَ بَلِ الدُّخُولَ في العُمُومِ وهم بَلا شُبْهَةٍ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأمّا ما تَقَدَّمَ فَلا تُسَلَّمُ صِحَّتُهُ فَإنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ خَيْرًا مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والإمامِيَّةُ وإنْ قالُوا إنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ خَيْرٌ مِنَ الأنْبِياءِ حَتّى أُولِي العَزْمِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومِنَ المَلائِكَةِ حَتّى المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَقُولُونَ بِخَيْرِيَّتِهِ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَإنْ قالُوا بِأنَّ البَرِيَّةَ عَلى ذَلِكَ مَخْصُوصَةٌ بِمَن عَداهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَيْرٌ مِنهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قِيلَ: إنَّها مَخْصُوصَةٌ أيْضًا بِمَن عَدا الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ ومَن قالَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ بِخَيْرِيَّتِهِ لِلدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى خَيْرِيَّتِهِمْ. وبِالجُمْلَةِ لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتابَ في عَدَمِ تَخْصِيصِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وشِيعَتِهِ ولا بِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأهْلِ بَيْتِهِ وإنَّ دُونَ إثْباتِ صِحَّةِ تِلْكَ الأخْبارِ خَرْطَ القَتادِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ الرِّواياتِ في أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ قَدْ نُسِخَ مِنها كَثِيرٌ -كَثِيرَةٌ؛ مِنها أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أُبَيٍّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ
صفحة 208
القُرْآنَ». فَقَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ فَقَرَأ فِيها: «ولَوْ أنَّ ابْنَ آدَمَ سَألَ وادِيًا مَن مالٍ فَأُعْطِيَهُ يَسْألُ ثانِيًا، ولَوْ سَألَ ثانِيًا فَأُعْطِيَهُ يَسْألُ ثالِثًا، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ، وإنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ غَيْرُ المُشْرِكَةِ ولا اليَهُودِيَّةِ ولا النَّصْرانِيَّةِ، ومَن يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلَنْ يُكْفَرَهُ»».
وفِي بَعْضِ الآثارِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقْرَأهُ هَكَذا: «ما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً، فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ، إنَّ أقْوَمَ الدِّينِ الحَنِيفِيَّةُ، مُسْلِمَةٌ غَيْرُ مُشْرِكَةٍ ولا يَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ، ومَن يَعْمَلْ صالِحًا فَلَنْ يُكْفَرَهُ، وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وفارَقُوا الكِتابَ لَمّا جاءَهم أُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ شَرُّ البَرِيَّةِ ما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً ثُمَّ أرْسَلَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ يَأْمُرُونَ النّاسَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويَعْبُدُونَ اللَّهَ وحْدَهُ أُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُ البَرِيَّةِ، جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ»».
أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو مُخالِفٌ لِما صَحَّ عَنْهُ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى العارِفِ بِعِلْمِ الحَدِيثِ.
الزلزلة 99:1
سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
ويُقالُ: سُورَةُ إذا زُلْزِلَتْ، وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ.
واسْتُدِلَّ لَهُ في الإتْقانِ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ إلَخْ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي لَراءٍ عَمَلِي؟ قالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: تِلْكَ الكِبارُ الكِبارُ؟ قالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: الصِّغارُ الصِّغارُ؟ قالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: واثُكْلَ أُمِّي؟ قالَ: «أبْشِرْ يا أبا سَعِيدٍ؛ فَإنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها»» الحَدِيثَ.
وأبُو سَعِيدٍ لَمْ يَكُنْ إلّا بِالمَدِينَةِ ولَمْ يَبْلُغْ إلّا بَعْدَ أُحُدٍ. وآيُها ثَمانٍ في الكُوفِيِّ والمَدَنِيِّ الأوَّلِ، وتِسْعٌ في الباقِيَةِ.
وصَحَّ في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ والبَيْهَقِيِّ وغَيْرِهِما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««إذا زُلْزِلَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ»».
وجاءَ في حَدِيثٍ آخَرَ تَسْمِيَتُها رُبْعًا؛ ووَجْهُ ما في الأوَّلِ بِأنَّ أحْكامَ القُرْآنِ تَنْقَسِمُ إلى أحْكامِ الدُّنْيا وأحْكامِ الآخِرَةِ، وهَذِهِ السُّورَةُ تَشْتَمِلُ عَلى أحْكامِ الآخِرَةِ إجْمالًا وزادَتْ عَلى القارِعَةِ بِإخْراجِ الأثْقالِ وبِحَدِيثِ الأخْبارِ وما في الآخِرِ بِأنَّ الإيمانَ بِالبَعْثِ الَّذِي قَرَّرَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ رُبْعُ الإيمانِ.
فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ التِّرْمِذِيُّ: ««لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتّى يُؤْمِنَ بِأرْبَعٍ: يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالحَقِّ، ويُؤْمِنُ بِالمَوْتِ، ويُؤْمِنُ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ويُؤْمِنُ بِالقَدَرِ»».
وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ، وكَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ في السُّورَةِ السّابِقَةِ جَزاءَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ كانَ ذَلِكَ كالمُحَرِّكِ لِلسُّؤالِ عَنْ وقْتِهِ فَبَيَّنَهُ جَلَّ شَأْنُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ﴾ أيْ حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا عَنِيفًا مُتَدارَكًا مُتَكَرِّرًا.
﴿زِلْزالَها﴾ أيِ الزِّلْزالَ المَخْصُوصَ بِها الَّذِي تَقْتَضِيهِ بِحَسْبِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ لِلْبِنْيَةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ وهو الزِّلْزالُ الشَّدِيدُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ زِلْزالٌ؛ فَكَأنَّ ما سِواهُ لَيْسَ زِلْزالًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أوْ زِلْزالَها العَجِيبَ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فالإضافَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الِاسْتِغْراقُ لِأنَّ زِلْزالًا مَصْدَرٌ مُضافٌ فَيَعُمُّ؛ أيْ زِلْزالَها كُلَّهُ، وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ قُصِدَ بِهِ المُبالَغَةُ وهو مُرادُ مَن قالَ أيْ زِلْزالَها الدّاخِلَ في حَيِّزِ الإمْكانِ أوْ عَنى بِذَلِكَ العَهْدَ أيْضًا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى «زَلْزالَها» بِفَتْحِ الزّايِ وهو عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ مَصْدَرٌ كالزِّلْزالِ بِالكَسْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَكْسُورُ مَصْدَرٌ، والمَفْتُوحُ
صفحة 209
اسْمٌ لِلْحَرَكَةِ المَعْرُوفَةِ، وانْتَصَبَ هاهُنا عَلى المَصْدَرِ تَجَوُّزًا لِسَدِّهِ مَسَدَّ المَصْدَرِ. وقالَ أيْضًا:
لَيْسَ في الأبْنِيَةِ فَعْلالٌ بِالفَتْحِ إلّا في المُضاعَفِ، وذَكَرُوا أنَّهُ يَجُوزُ في ذَلِكَ الفَتْحُ والكَسْرُ؛ إلّا أنَّ الأغْلَبَ فِيهِ إذا فُتِحَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ كَصَلْصالٍ بِمَعْنى مُصَلْصَلٍ، وقَضْقاضٍ بِمَعْنى مُقَضْقَضٍ ووَسْواسٍ بِمَعْنى مُوَسْوَسٍ، ولَيْسَ مَصْدَرًا عِنْدَ ابْنِ مالِكٍ، وأمّا في غَيْرِ المُضاعَفِ فَلَمْ يُسْمَعْ إلّا نادِرًا سَواءٌ كانَ صِفَةً أوِ اسْمًا جامِدًا، وبَهْرامٌ وبَسْطامٌ مُعْرَبانِ إنْ قِيلَ بِصِحَّةِ الفَتْحِ فِيهِما ومِنَ النّادِرِ خَزْعالُ بِمُعْجَمَتَيْنِ وهو النّاقَةُ الَّتِي بِها ظَلَعٌ ولَمْ يُثْبِتْ بَعْضُهم غَيْرَهُ. وزادُ ثَعْلَبٌ قَهْقازًا وهو الحَجَرُ الصُّلْبُ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ، وقِيلَ: هو لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ والفَصِيحَةُ قَهْقَرٌّ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ. وزادَ آخَرُ قِسْطالًا وهو الغُبارُ وهَذا الزِّلْزالُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى:
الزلزلة 99:2
﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ فَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: مَوْتاها. وقالَ النَّقّاشُ والزَّجّاجُ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: أيْ: كُنُوزَها ومَوْتاها. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: وهَذِهِ الكُنُوزُ عَلى هَذا القَوْلِ غَيْرُ الكُنُوزِ الَّتِي تَخْرُجُ أيّامَ الدَّجّالِ عَلى ما ورَدَتْ بِهِ الأخْبارُ؛ وذَلِكَ بِأنْ تُخْرِجَ بَعْضًا في أيّامِهِ وبَعْضًا عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ولا بُعْدَ في أنْ تَكُونَ بَعْدَ الدَّجّالِ كُنُوزٌ أيْضًا فَتُخْرِجَها مَعَ ما كانَ قَدْ بَقِيَ يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: هو عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى، وأثْقالُها ما في جَوْفِها مِنَ الكُنُوزِ أوْ مِنها ومِنَ الأمْواتِ ويُعْتَبَرُ الوَقْتُ مُمْتَدًّا وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْراجُ المَوْتى كالكُنُوزِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى وإحْياؤُها في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وتَكُونُ عَلى وجْهِ الأرْضِ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ خِلافُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وقِيلَ: إنَّها تُزَلْزَلُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى فَتُخْرِجُ كُنُوزَها، وتُزَلْزَلُ عِنْدَ الثّانِيَةِ فَتُخْرِجُ مَوْتاها. وأُرِيدَ هُنا بِوَقْتِ الزِّلْزالِ ما يَعُمُّ الوَقْتَيْنِ. واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى تَفْسِيرِ الأثْقالِ بِالكُنُوزِ مَعَ كَوْنِ المُرادِ بِالوَقْتِ وقْتَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وقالَ: تُخْرِجُ الأرْضُ كُنُوزَها يَوْمَ القِيامَةِ لِيَراها أهْلُ المَوْقِفِ فَيَتَحَسَّرُ العُصاةُ إذا نَظَرُوا إلَيْها حَيْثُ عَصَوُا اللَّهَ تَعالى فِيها، ثُمَّ تَرَكُوها لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا.
وفِي الحَدِيثِ: ««تُلْقِي الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها أمْثالَ الأُسْطُواناتِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ فَيَجِيءُ القاتِلُ فَيَقُولُ: في هَذا قَتَلْتُ. ويَجِيءُ القاطِعُ فَيَقُولُ: في هَذا قَطَعْتُ رَحِمِي، ويَجِيءُ السّارِقُ فَيَقُولُ: في هَذا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلا يَأْخُذُونَ مِنهُ شَيْئًا،» وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِتُكْوى بِها جِباهُ الَّذِينَ كَنَزُوا وجَنُوبُهم وظُهُورُهم. وأيًّا ما كانَ فالأثْقالُ جَمْعُ ثِقَلٍ بِالتَّحْرِيكِ وهو عَلى ما في القامُوسِ مَتاعُ المُسافِرِ وكُلُّ نَفِيسٍ مَصُونٍ، وتَجُوزُ بِهِ هاهُنا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ عَنِ الثّانِي ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ثِقْلٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ بِمَعْنى حَمْلِ البَطْنِ عَلى التَّشْبِيهِ والِاسْتِعارَةِ أيْضًا كَما قالَ الشَّرِيفُ المُرْتَضى في الدُّرَرِ، وأشارَ إلى أنَّهُ لا يُطْلَقُ عَلى ما ذُكِرَ إلّا بِطْرِيقِ الِاسْتِعارَةِ ومِنهم مَن فَسَّرَ الأثْقالَ هاهُنا بِالأسْرارِ وهو مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْمَأْثُورِ بَعِيدٌ، وإظْهارُ الأرْضِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وقِيلَ: لِلْإيماءِ إلى تَبْدِيلِ الأرْضِ غَيْرَ الأرْضِ، أوْ لِأنَّ إخْراجَ الأرْضِ حالُ بَعْضِ أجْزائِها. والظّاهِرُ أنَّ إخْراجَها ذَلِكَ مُسَبَّبٌ عَنِ الزِّلْزالِ كَما يُنْفَضُ البِساطُ لِيُخْرِجَ ما فِيهِ مِنَ الغُبارِ ونَحْوِهِ، وإنَّما اخْتِيرَتِ الواوُ عَلى الفاءِ تَفْوِيضًا لِذِهْنِ السّامِعِ كَذا قِيلَ. ولَعَلَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لَمْ تُرَدِ السَّبَبِيَّةُ والمُسَبَّبِيَّةُ بَلْ ذُكِرَ كُلٌّ مِمّا ذُكِرَ مِنَ الحَوادِثِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتُسَبِّبِ شَيْءٍ مِنها عَلى الآخَرِ.
الزلزلة 99:3
﴿وقالَ الإنْسانُ﴾ أيْ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الإنْسانِ لِما يُبْهِرُهم مِنَ الطّامَّةِ التّامَّةِ ويَدْهَمُهم مِنَ الدّاهِيَةِ العامَّةِ: ﴿ما لَها﴾ وزُلْزِلَتْ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ الزِّلْزالِ وأخْرَجَتْ ما فِيها مِنَ الأثْقالِ اسْتِعْظامًا لِما شاهَدُوهُ مِنَ الأمْرِ الهائِلِ وقَدْ سُيِّرَتِ الجِبالُ في الجَوِّ وصُيِّرَتْ هَباءً، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الكافِرُ غَيْرُ المُؤْمِنِ بِالبَعْثِ والأظْهَرُ هو الأوَّلُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَقُولُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْظامِ والكافِرَ بِطَرِيقِ التَّعَجُّبِ.
الزلزلة 99:4
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بَدَلٌ مِن إذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ أيِ الأرْضُ، واحْتِمالُ كَوْنِ الفاعِلِ المُخاطَبِ كَما زَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ لا وجْهَ لَهُ عامِلٌ فِيهِما. وقِيلَ: العامِلُ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجُمَلِ بَعْدُ، والتَّقْدِيرُ: يُحْشَرُونَ إذا زُلْزِلَتْ.
و«يَوْمَئِذٍ» مُتَعَلِّقٌ
صفحة 210
بِ «تُحَدِّثُ، وإذا» عَلَيْهِ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ. وقِيلَ: هي نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ «اذْكُرْ» مَحْذُوفًا؛ أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ فَلَيْسَتْ ظَرْفِيَّةً ولا شَرْطِيَّةً، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً مَنصُوبٌ بِجَوابٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ يَكُونُ ما لا يُدْرَكُ كُنْهُهُ أوْ نَحْوُهُ والمُرادُ يَوْمَ إذا زُلْزِلَتْ زِلْزالَها وأخْرَجَتْ أثْقالَها وقالَ الإنْسانُ ما لَها تُحَدِّثُ الخَلْقَ ما عِنْدَها مِنَ الأخْبارِ وذَلِكَ بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى فِيها حَياةً وإدْراكًا وتَتَكَلَّمُ حَقِيقَةً فَتَشْهَدُ بِما عُمِلَ عَلَيْها مِن طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والثَّوْرِيِّ وغَيْرِهِما، ويَشْهَدُ لَهُ الحَدِيثُ الحَسَنُ الصَّحِيحُ الغَرِيبُ.
أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ثُمَّ قالَ: «أتُدْرُونَ ما أخْبارُها»؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: «فَإنَّ أخْبارَها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ وأمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ يَوْمَ كَذا كَذا، فَهَذِهِ أخْبارُها»».
الزلزلة 99:5
والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أيْ: تُحَدِّثُ بِسَبَبِ إيحاءِ رَبِّكَ لَها وأمْرِهِ سُبْحانَهُ إيّاها بِالتَّحْدِيثِ، واللّامُ بِمَعْنى إلى؛ أيْ: أوْحى إلَيْها لِأنَّ المَعْرُوفَ تَعَدِّي الوَحْيِ بِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ لَكِنْ قَدْ يَتَعَدّى بِاللّامِ كَما في قَوْلِ العَجّاجِ يَصِفُ الأرْضَ:
أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ
ولَعَلَّ اخْتِيارَها لِمُراعاةِ الفَواصِلِ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أوِ المَنفَعَةِ؛ لِأنَّ الأرْضَ بِتَحْدِيثِها بِعَمَلِ العُصاةِ يَحْصُلُ لَها تَشَفٍّ مِنهم بِفَضْحِها إيّاهم بِذِكْرِ قَبائِحِهِمْ والمُوحى إلَيْهِ هي أيْضًا، والوَحْيُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ وأنْ يَكُونَ وحْيَ إرْسالٍ؛ بِأنْ يُرْسِلَ سُبْحانَهُ إلَيْها رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ بِذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ وقَوْمٌ:
التَّحْدِيثُ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِمُطْلَقِ دَلالَةِ حالِها، والإيحاءُ إحْداثُ ما تَدُلُّ بِهِ فَيُحْدِثُ عَزَّ وجَلَّ فِيها مِنَ الأحْوالِ ما يَكُونُ بِهِ دَلالَةٌ تَقُومُ مَقامَ التَّحْدِيثِ بِاللِّسانِ حَتّى يَنْظُرَ مَن يَقُولُ: ما لَها إلى تِلْكَ الأحْوالِ فَيَعْلَمُ لِمَ زُلْزِلَتْ ولِمَ لَفَظَتِ الأمْواتَ، وإنَّ هَذا ما كانَتِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُنْذِرُونَهُ ويُحَذِّرُونَ مِنهُ وما يَعْلَمُ هو أخْبارَها.
وقِيلَ: الإيحاءُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ التَّحْدِيثِ حَقِيقِيًّا أيْضًا مَجازٌ عَنْ إحْداثِ حالَةٍ يُنْطِقُها سُبْحانَهُ بِها كَإيجادِ الحَياةِ وقُوَّةِ التَّكَلُّمِ والإخْبارِ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: تُحَدِّثَ بِما أخْرَجَتْ مِن أثْقالِها ويَشْهَدُ لَهُ ما في حَدِيثِ ابْنِ ماجَهْ في سُنَنِهِ: ««تَقُولُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبِّ، هَذا ما اسْتَوْدَعْتَنِي»».
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُحَدِّثُ بِقِيامِ السّاعَةِ إذا قالَ الإنْسانُ: ما لَها، فَتُخْبِرُ أنَّ أمْرَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضى وأمْرَ الآخِرَةِ قَدْ أتى فَيَكُونُ ذَلِكَ جَوابًا لَهم عِنْدَ سُؤالِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تُحَدِّثُ بِتَحْدِيثِ أنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها أخْبارَها عَلى أنَّ تَحْدِيثَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها تَحْدِيثٌ بِإخْبارِها كَما تَقُولُ: نَصَحْتَنِي كُلَّ نَصِيحَةٍ؛ بِأنْ نَصَحْتَنِي في الدِّينِ. فَأخْبارُها عَلَيْهِ هو أنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها والباءُ تَجْرِيدِيَّةٌ مِثْلُها في قَوْلِكَ: لَئِنْ لَقِيتَ فُلانًا لَتَلْقَيَنَّ بِهِ رَجُلًا مُتَناهِيًا في الخَيْرِ.
وكانَ الظّاهِرُ: تُحَدِّثُ بِخَبَرِها بِالإفْرادِ وكَذا عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الوَجْهَيْنِ، لَكِنْ جُمِعَ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ المِثالُ ونَحْوُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَأنالَنِي كُلَّ المُنى بِزِيارَةٍ ∗∗∗ كانَتْ مُخالَسَةً كَخَطْفَةِ طائِرِ
فَلَوِ اسْتَطَعْتَ خَلَعْتَ عَلى الدُّجى ∗∗∗ لِتَطُولَ لَيْلَتُنا - سَوادَ النّاظِرِ
ولا يَخْفى بُعْدُهُ. وبالَغَ أبُو حَيّانَ في الحَطِّ عَلَيْهِ، فَقالَ: هو عَفْشٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وأرادَ بِالعَفْشِ - بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وفاءٍ وشِينٍ مُعْجَمَةٍ: ما يُدَنِّسُ المَنزِلَ مِنَ الكُناسَةِ، وهي كَلِمَةٌ تَسْتَعْمِلُها في ذَلِكَ عَوامُّ أهْلِ المَغْرِبِ ولَيْسَ كَما قالَ.
وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ﴾ إلَخْ بَدَلًا مِن: ﴿أخْبارَها﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: حَدَّثْتُهُ كَذا، وحَدَّثْتُهُ بِكَذا فَيَصِحُّ إبْدالُ «بِأنَّ» إلَخْ مِن «أخْبارَها» وأنَّ أحَدَهُما مَجْرُورٌ والآخَرَ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّهُ يَحُلُّ مَحَلَّهُ في بَعْضِ الِاسْتِعْمالاتِ ولَيْسَ ذَلِكَ في الِامْتِناعِ خِلافًا لِأبِي حَيّانِ كاسْتَغْفَرْتُ الذَّنْبَ العَظِيمِ؛ بِنَصْبِ الذَّنْبِ وجَرِّ العَظِيمِ، عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لَهُ بِاعْتِبارِ قَوْلِهِمُ: اسْتَغْفَرْتُ مِنَ الذَّنْبِ؛ لِأنَّ
صفحة 211
البَدَلَ هو المَقْصُودُ فَهو في قُوَّةِ عامِلٍ آخَرَ بِخِلافِ النَّعْتِ. نَعَمْ هو أيْضًا خِلافُ الظّاهِرِ وبَعْدَ كُلِّ ذَلِكَ اللّائِقُ أنْ لا يُعْدَلَ عَنِ المَأْثُورِ لا سِيَّما إذا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَقِيَ هاهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في نَحْوِ:
حُدِّثْتُ: هَلْ هو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ أوْ إلى أكْثَرَ؟ فَذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ إلى الثّانِي، وهو عِنْدُهم مُلْحَقٌ بِأفْعالِ القُلُوبِ فَيَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ كَحَدَّثْتُ زَيْدًا الخَبَرَ، أوْ ثَلاثَةٍ كَحَدَّثْتُهُ عَمْرًا قائِمًا. فَأخْبارُها عَلَيْهِ هو المَفْعُولُ الثّانِي والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ولَمْ يُذْكَرْ لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِهِ غَرَضٌ؛ إذِ الغَرَضُ تَهْوِيلُ اليَوْمِ، وأنَّهُ مِمّا يَنْطِقُ فِيهِ الجَمادُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المُحَدَّثِ كائِنًا مَن كانَ. وقالَ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ:
إنَّما هو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ وما جاءَ بَعْدَهُ لِتَعَيُّنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ فَعَمْرًا قائِمًا فِي: حَدَّثْتُ زَيْدًا عَمْرًا قائِمًا. مَنصُوبٌ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ المَصْدَرِ لا لِكَوْنِهِ مَفْعُولًا ثانِيًا وثالِثًا، ولا يُقالُ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقَعَ ما لَيْسَ بِفِعْلٍ في المَعْنى؛ أعْنِي: عَمْرًا قائِمًا مَصْدَرًا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَصْدَرًا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ عَمْرًا قائِمًا، ولَكِنْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حَدِيثًا مَخْصُوصًا، فالوَجْهُ الَّذِي صَحَّحَ الإخْبارَ بِهِ عَنِ الحَدِيثِ إذا قُلْتَ: حَدِيثُ زَيْدٍ: عَمْرٌو قائِمٌ. هو الَّذِي صَحَّحَ وُقُوعَهُ مَصْدَرًا. فَإخْبارُها عَلَيْهِ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ لِما تَقَدَّمَ، بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّكَ إذا قُلْتَ: حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا أوْ خَبَرًا فَلا نِزاعَ في أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، والظّاهِرُ أنَّ الإخْبارَ في زَعْمِهِ كَذَلِكَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّحْدِيثِ والحَدِيثِ، والأوَّلُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ كَيْفَ وهو يُجَرُّ بِالباءِ فَتَقُولُ: حَدَّثْتُهُ الخَبَرَ وبِالخَبَرِ. ومَعْلُومٌ أنَّ ما دَخَلَ عَلَيْهِ الباءُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، وقَدْ يُقالُ: كَوْنُ الشَّيْخِ لَمْ يُفَرِّقْ في حَيِّزِ المَنعِ وكَيْفَ يَخْفى مِثْلُ ذَلِكَ عَلى مِثْلِهِ لَكِنَّهُ قائِلٌ بِأنَّ أثَرَ المَصْدَرِ ومُتَعَلِّقِهِ قَدْ سَدَّ مَسَدَّهُ فِيما ذُكِرَ كَما سَدَّ مَسَدَّهُ آلَتُهُ في نَحْوِ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، ولَعَلَّ ما قَرَّرَهُ في غَيْرِ ما دَخَلَتْهُ الباءُ. وقالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ حَدَّثَ وأخَواتِها مُتَعَدِّياتٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ حَقِيقَةً، وجَعْلُها مُتَعَدِّياتٍ إلى ثَلاثَةٍ أوْ إلى اثْنَيْنِ تَجَوُّزٌ أوْ تَضْمِينٌ لِمَعْنى الإعْلامِ واسْتَأْنَسَ لَهُ بِكَلامٍ نَقَلَهُ عَنِ المُفَصَّلِ وكَلامٍ نَقَلَهُ عَنْ صاحِبِ الإقْلِيدِ فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «تُنَبِّئُ أخْبارَها» وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «تُنْبِئُ». بِالتَّخْفِيفِ.
الزلزلة 99:6
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ ما ذُكِرَ وهو يَقَعُ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾ يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ بَعْدَ أنْ دُفِنُوا فِيها إلى مَوْقِفِ الحِسابِ ﴿أشْتاتًا﴾ مُتَفَرِّقِينَ بِحَسَبِ طَبَقاتِهِمْ، بِيضَ الوُجُوهِ آمِنِينَ وسُودَ الوُجُودِ فَزِعِينَ، وراكِبِينَ وماشِينَ، ومُقَيَّدِينَ بِالسَّلاسِلِ وغَيْرَ مُقَيَّدِينَ. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: مُتَفَرِّقِينَ إلى سَعِيدٍ وأسْعَدَ، وشَقِيٍّ وأشْقى.
وقِيلَ: إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ، وأهْلُ كُلِّ دِينٍ عَلى حِدَةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: كُلَّ واحِدٍ وحْدَهُ لا ناصِرَ لَهُ ولا عاضِدَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ وقِيلَ: مُتَفَرِّقِينَ بِحَسَبِ الأقْطارِ.
﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: لِيُبْصِرُوا جَزاءَ أعْمالِهِمْ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، فالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ عَلى أنَّهُ تَجُوُّزٌ بِالأعْمالِ عَمّا يَتَسَبَّبُ عَنْها مِنَ الجَزاءِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم كُتُبَ أوْ صَحائِفَ، وقالَ آخَرُ: لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ والأعْمالُ تُجَسَّمُ نُورانِيَّةً وظُلْمانِيَّةٍ بَلْ يَجُوزُ رُؤْيَتُها مَعَ عَرْضِيَّتِها وهو كَما تَرى.
وقِيلَ: المُرادُ: لِيَعْرِفُوا أعْمالَهم ويُوقَفُوا عَلَيْها تَفْصِيلًا عِنْدَ الحِسابِ فَلا يَحْتاجُ إلى ما ذُكِرَ أيْضًا. وقالَ النِّقاشُ: الصُّدُورُ مُقابِلُ الوُرُودِ، فَيَرِدُونَ المَحْشَرَ ويُصْدَرُونَ مِنهُ مُتَفَرِّقِينَ، فَقَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ لِيُرَوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ ولَيْسَ بِذاكَ. وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرَوْا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ: ﴿يَصْدُرُ﴾ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿أوْحى لَها﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وقَتادَةُ وحَمّادُ بْنَ سَلَمَةَ والزُّهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى ونافِعٌ في رِوايَةٍ: «لِيَرَوْا» بِفَتْحِ الياءِ.
الزلزلة 99:7
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ تَفْصِيلٌ لِيُرَوْا، والذَّرَّةُ نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ، ويُقالُ: إنَّها تَجْرِي إذا مَضى لَها حَوْلٌ وهي عَلَمٌ في القِلَّةِ.
صفحة 212
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا
وقِيلَ: الذَّرُّ ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ مِنَ الهَباءِ. وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ثُمَّ رَفَعَها ثُمَّ نَفَخَ فِيها وقالَ: كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ.
وانْتِصابُ «خَيْرًا، وشَرًّا» عَلى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِقْدارٌ. وقِيلَ: عَلى البَدَلِيَّةَ مِن ( مِثْقالَ ) والظّاهِرُ أنَّ «مِن» في المَوْضِعَيْنِ عامَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، وأنَّ المُرادَ مِن رُؤْيَةِ ما يُعادِلُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ مُشاهَدَةُ جَزائِهِ بِأنْ يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ. واسْتُشْكِلَ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إثابَةَ الكافِرِ بِحَسَناتِهِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ الخَيْرِ مَعَ أنَّهم قالُوا: أعْمالُ الكَفَرَةِ مُحْبَطَةٌ، وادَّعى في شَرْحِ المَقاصِدِ الإجْماعَ عَلى ذَلِكَ، كَيْفَ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ الآيَةَ... وكَوْنُ خَيْرِهِمُ الَّذِي يَرَوْنَهُ تَخْفِيفَ العَذابِ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ ويَقْتَضِي أيْضًا عِقابَ المُؤْمِنِ بِصَغائِرِهِ إذا اجْتَنَبَ الكَبائِرَ مَعَ أنَّهم قالُوا: إنَّها مُكَفِّرَةٌ حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ وقَوْلِ ابْنِ المُنَيِّرِ: إنَّ الِاجْتِنابَ لا يُوجِبُ التَّكْفِيرَ عِنْدَ الجَماعَةِ بَلِ التَّوْبَةَ أوْ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ والِاجْتِنابَ سَواءٌ في حُكْمِ النَّصِّ، ومَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى هي السَّبَبُ الأصِيلُ فالتَزَمَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ بِمَن الأُولى السُّعَداءَ، وبِمَن الثّانِيَةِ الأشْقِياءَ؛ بِناءً عَلى أنَّ ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِ ﴿يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ وكانَ مُفَسَّرًا بِما حاصِلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ فالمُناسِبُ أنْ يَرْجِعَ كُلُّ فِقْرَةٍ إلى فِرْقَةٍ لِتَطابُقِ المُفَصَّلِ المُجْمَلَ؛ ولِأنَّ الظّاهِرَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: «فَمَن يَعْمَلْ، ومَن يَعْمَلْ» بِتَكْرِيرِ أداةِ الشَّرْطِ يَقْتَضِي التَّغايُرَ بَيْنَ العامِلَيْنِ وقالَ آخَرُونَ بِالعُمُومِ إلّا أنَّ مِنهم مَن قالَ: في الكَلامِ قَيْدٌ مُقَدَّرٌ، تُرِكَ لِظُهُورِهِ والعِلْمِ بِهِ مِن آياتٍ أُخَرَ. فالتَّقْدِيرُ: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ إنْ لَمْ يُحْبَطْ. ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ إنْ لَمْ يُكَفَّرْ. ومِنهم مَن جَعَلَ الرُّؤْيَةَ أعَمَّ مِمّا تَكُونُ في الدُّنْيا وما تَكُونُ في الآخِرَةِ، فالكافِرُ يَرى جَزاءَ خَيْرِهِ في الدُّنْيا وجَزاءَ شَرِّهِ في الآخِرَةِ، والمُؤْمِنُ يَرى جَزاءَ شَرِّهِ في الدُّنْيا وجَزاءَ خَيْرِهِ في الآخِرَةِ؛ فَقَدْ رَوى البَغَوِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ وهو كافِرٌ فَإنَّهُ يَرى ثَوابَ ذَلِكَ في الدُّنْيا في نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ حَتّى يَبْلُغَ الآخِرَةَ ولَيْسَ عَلَيْهِ فِيها خَيْرٌ، ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ وهو مُؤْمِنٌ كُوفِئَ ذَلِكَ في الدُّنْيا في نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ حَتّى يَبْلُغَ الآخِرَةَ ولَيْسَ عَلَيْهِ فِيها شَرٌّ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «بَيْنَما أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَأْكُلُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآيَةَ. فَرَفَعَ أبُو بَكْرٍ يَدَهُ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي لَراءٍ ما عَمِلْتُ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يا أبا بَكْرٍ، أرَأيْتَ ما تَرى في الدُّنْيا مِمّا تَكْرَهُ فَبِمَثاقِيلِ ذَرِّ الشَّرِّ، ويُدَّخَرُ لَكَ مَثاقِيلُ ذَرِّ الخَيْرِ حَتّى تُوَفّاهُ يَوْمَ القِيامَةِ»».
وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ إذْ رَفَعَ يَدَهُ: ««مَن عَمِلَ مِنكم خَيْرًا فَجَزاؤُهُ في الآخِرَةِ، ومَن عَمِلَ مِنكم شَرًّا يَرَهُ في الدُّنْيا مُصِيباتٍ وأمْراضًا، ومَن يَكُنْ فِيهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ دَخَلَ الجَنَّةَ»».
ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِن رُؤْيَةِ ما يُعادِلُ ذَلِكَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ مُشاهَدَةُ نَفْسِهِ عَنْ غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ مَعَهُ الجَزاءُ ولا عَدَمُهُ بَلْ يُفَوَّضُ كُلٌّ مِنهُما إلى سائِرِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ بِعَفْوِ صَغائِرِ المُؤْمِنِ المُجْتَذِبِ عَنِ الكَبائِرِ وإثْباتِهِ بِجَمِيعِ حَسَناتِهِ وبِحُبُوطِ حَسَناتِ الكافِرِ ومُعاقَبَتِهِ بِجَمِيعِ مَعاصِيهِ وبِهِ يُشْعِرُ ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ في الآيَةِ: لَيْسَ مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ عَمِلَ خَيْرًا وشَرًّا في
صفحة 213
الدُّنْيا إلّا أراهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ؛ فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَرى حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ فَيَغْفِرُ لَهُ مِن سَيِّئاتِهِ ويُثِيبُهُ بِحَسَناتِهِ، وأمّا الكافِرُ فَيُرِيهِ حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ، فَيَرُدُّ حَسَناتِهِ ويُعَذِّبُهُ بِسَيِّئاتِهِ.
واخْتارَ هَذا الطِّيبِيُّ فَقالَ: إنَّهُ يُساعِدُهُ النَّظْمُ والمَعْنى والأُسْلُوبُ، أمّا النَّظْمُ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِما عُقِّبَ بِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ فَيَجِبُ التَّوافُقُ، والأعْمالُ جَمْعٌ مُضافٌ يُفِيدُ الشُّمُولَ والِاسْتِغْراقَ، ويَصْدُرُ النّاسُ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أشْتاتًا﴾ فَيُفِيدُ أنَّهم عَلى طَرائِقَ شَتّى لِلنُّزُولِ في مَنازِلِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ بِحَسْبِ أعْمالِهِمِ المُخْتَلِفَةِ، ومِن ثَمَّ كانَتِ الجَنَّةُ ذاتَ دَرَجاتٍ والنّارُ ذاتَ دَرَكاتٍ. وأمّا المَعْنى فَإنَّها ورَدَتْ لِبَيانِ الِاسْتِقْصاءِ في عَرْضِ الأعْمالِ والجَزاءِ عَلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ وأمّا الأُسْلُوبُ فَإنَّها مِنَ الجَوامِعِ الحاوِيَةِ لِفَوائِدِ الدِّينِ أصْلًا وفَرْعًا.
رُوِّينا عَنِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الحُمُرِ أيْ عَنْ صَدَقَتِها قالَ: «لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيها شَيْءٌ إلّا هَذِهِ الآيَةُ الجامِعَةُ الفاذَّةُ»».
أيِ المُتَفَرِّدَةُ في مَعْناها فَتَلاها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ عَمِّ الفَرَزْدَقِ أنَّهُ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ فَقالَ: «حَسْبِي لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ مِنَ القُرْآنِ غَيْرَها»». انْتَهى.
وأقُولُ: الظّاهِرُ عُمُومُ مِن، وكَوْنُ المُرادِ رُؤْيَةَ الجَزاءِ كَما تَقَدَّمَ، وكَذا الظّاهِرُ كَوْنُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ ولا إشْكالَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الفِقْرَةَ الأُولى وعْدٌ والثّانِيَةَ وعِيدٌ، ومَذْهَبُنا أنَّ الوَعْدَ لازِمُ الوُقُوعِ تَفَضُّلًا وكَرَمًا، والوَعِيدُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَيُفَوَّضُ أمْرُ الشَّرِّ في الثّانِيَةِ عَلى الدَّلائِلِ وهي ناطِقَةٌ بِأنَّهُ إنْ كانَ كُفْرًا لا يُغْفَرُ وإنْ كانَ صَغِيرَةً مِن مُؤْمِنٍ مُجْتَنِبٍ الكَبائِرَ يُكَفَّرُ، وإنْ كانَ كَبِيرَةً مِن مُؤْمِنٍ أوْ صَغِيرَةً مِنهُ وهو غَيْرُ مُجْتَنِبٍ الكَبائِرَ فَتَحْتَ المَشِيئَةِ. وخَبَرا أنَسٍ وأبِي أيُّوبَ السّابِقانِ لا يَأْبَيانِ ذَلِكَ بَعْدَ التَّأمُّلِ ولا يَبْعُدُ فِيما أرى أنْ يَكُونَ ما عَدا الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ كَذَلِكَ. وأمّا أمْرُ الخَيْرِ فَباقٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ وهو بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِ ظاهِرٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الكافِرِ فَتَخْفِيفُ العَذابِ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ؛ فَقَدْ ورَدَ أنَّ حاتِمًا يُخَفِّفُ اللَّهَ تَعالى عَنْهُ لِكَرَمِهِ، وأنَّ أبا لَهَبٍ كَذَلِكَ لِسُرُورِهِ بِوِلادَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإعْتاقِهِ لِجارِيَتِهِ ثُوَيْبَةَ حِينَ بَشَّرَتْهُ بِذَلِكَ، والحَدِيثُ في تَخْفِيفِ عَذابِ أبِي طالِبٍ مَشْهُورٌ، وما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَخْفِيفِ العَذابِ فالعَذابُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلى عَذابِ الكُفْرِ بِحَسَبِ مَراتِبِهِ فَهو الَّذِي لا يُخَفَّفُ، والعَذابُ الَّذِي دَلَّتِ الأخْبارُ عَلى تَخْفِيفِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، ومَعْنى إحْباطِ أعْمالِ الكُفّارِ أنَّها لا تُنَجَيِّهِمْ مِنَ العَذابِ المُخَلِّدِ كَأعْمالِ غَيْرِهِمْ وهو مَعْنى كَوْنِها سَرابًا وهَباءً. ودَعْوى الإجْماعِ عَلى إحْباطِها بِالكُلِّيَّةِ غَيْرُ تامَّةٍ كَيْفَ وهَمَ مُخاطَبُونَ بِالتَّكالِيفِ في المُعامَلاتِ والجِناياتِ اتِّفاقًا، والخِلافُ إنَّما هو في خِطابِهِمْ في غَيْرِها مِنَ الفُرُوعِ ولا شَكَّ أنَّهُ لا مَعْنى لِلْخِطابِ بِها إلّا عِقابُ تارِكِها وثَوابُ فاعِلِها. وأقَلُّهُ التَّخْفِيفُ وإلى هَذا ذَهَبَ العَلّامَةُ شِهابُ الدِّينِ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ثُمَّ قالَ: وما في التَّبْصِرَةِ وشَرْحِ المَشارِقِ وتَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ مِن أنَّ أعْمالَ الكَفَرَةِ الحَسَنَةَ الَّتِي لا يُشْتَرَطُ فِيها الإيمانُ كَإنْجاءِ الغَرِيقِ وإطْفاءِ الحَرِيقِ وإطْعامِ ابْنِ السَّبِيلِ يُجْزَوْنَ عَلَيْها في الدُّنْيا ولا تُدَّخَرُ لَهم في الآخِرَةِ كالمُؤْمِنِينَ بِالإجْماعِ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ في الأحادِيثِ، فَإنْ عَمِلَ أحَدُهم في كُفْرِهِ حَسَناتٍ ثُمَّ أسْلَمَ اخْتُلِفَ فِيهِ: هَلْ يُثابُ عَلَيْها في الآخِرَةِ أمْ لا؟ بِناءً عَلى أنَّ اشْتِراطَ الإيمانِ في الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ وعَدَمِ إحْباطِها هَلْ هو بِمَعْنى وُجُودِ الإيمانِ عِنْدَ العَمَلِ أوْ وُجُودِهِ ولَوْ بَعْدُ؛ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الحَدِيثِ: ««أسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ»».
غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ودَعْوى الإجْماعِ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأنَّ كَوْنَ وُقُوعِ جَزائِهِمْ في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ كالمُؤْمِنِينَ مَذْهَبٌ لِبَعْضِهِمْ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى الجَزاءِ بِالتَّخْفِيفِ وقالَ الكِرْمانِيُّ: إنَّ التَّخْفِيفَ واقِعٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ بَلْ لِأمْرٍ آخَرَ كَشَفاعَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَجائِهِ، ومِنهُ ما يَكُونُ
صفحة 214
لِأبِي لَهَبٍ كَما قالَ الزَّرْكَشِيُّ. انْتَهى.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الشَّفاعَةَ مِن آثارِ عَمَلِ المَشْفُوعِ الخَيْرَ أيْضًا. فَتَأمَّلْ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ كانَ المُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أنَّهم لا يُؤْجَرُونَ عَلى الشَّيْءِ القَلِيلِ إذا أعْطَوْهُ فَيَجِيءُ المِسْكِينُ إلى أبْوابِهِمْ فَيَسْتَقِلُّونَ أنْ يُعْطُوهُ التَّمْرَةَ والبُسْرَةَ فَيَرُدُّونَهُ ويَقُولُونَ: ما هَذا بِشَيْءٍ إنَّما نُؤْجَرُ عَلى ما نُعْطِي ونَحْنُ نُحِبُّهُ، وكانَ آخَرُونَ يَرَوْنَ أنَّهم لا يُلامُونَ عَلى الذَّنْبِ اليَسِيرِ الكِذْبَةِ والنَّظْرَةِ والغِيبَةِ وأشْباهِ ذَلِكَ ويَقُولُونَ: إنَّما وعَدَ اللَّهُ تَعالى النّارَ عَلى الكَبائِرِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ تُرَغِّبُهم في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ أنْ يَعْمَلُوهُ، وتُحَذِّرَهُمُ اليَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَعْمَلُوهُ. وفِيها مِن دَلالَةِ الخِطابِ ما لا يَخْفى وقَدْ كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بَعْدَها يَتَصَدَّقُونَ بِما قَلَّ وكَثُرَ. فَقَدْ رُوِيَ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بَعَثَ إلَيْها ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمِائَةِ ألْفٍ وثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ في غِرارَتَيْنِ فَدَعَتْ بِطَبَقٍ وجَعَلَتْ تُقَسِّمُها بَيْنَ النّاسِ، فَلَمّا أمْسَتْ قالَتْ جارِيَتُها: هَلُمِّي وكانَتْ صائِمَةً، فَجاءَتْ بِخُبْزٍ وزَيْتٍ فَقالَتْ: ما أمْسَكْتِ لَنا دِرْهَمًا نَشْتَرِي بِهِ لَحْمًا نُفْطِرُ عَلَيْهِ. فَقالَتْ: لَوْ ذَكَّرْتِنِي لَفَعَلْتُ. وجاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ أنَّها أعْطَتْ سائِلًا يَوْمًا حَبَّةً مِن عِنَبٍ، فَقِيلَ لَها في ذَلِكَ. فَقالَتْ: هَذِهِ أثْقَلُ مِن ذَرٍّ كَثِيرٍ ثُمَّ قَرَأتِ الآيَةَ. ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ عُمَرَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وسَعْدِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وكانَ غَرَضُهم تَعْلِيمَ النّاسِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِالتَّصَدُّقِ بِالقَلِيلِ ولَهم بِذَلِكَ أُسْوَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
فَقَدْ أخْرَجَ الزَّجّاجِيُّ في أمالِيهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنْ سائِلًا أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأعْطاهُ تَمْرَةً، فَقالَ السّائِلُ: نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ تَصَدَّقَ بِتَمْرَةٍ. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أما عَلِمْتَ فِيها مَثاقِيلَ ذَرٍّ كَثِيرَةً»».
وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««اتَّقَوُا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»». ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ.
وتَقْدِيمُ عَمَلِ الخَيْرِ لِأنَّهُ أشْرَفُ القِسْمَيْنِ والمَقْصُودُ بِالأصالَةِ لا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِهِ ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ هَذا الإحْصاءَ لا يُنافِي كَرَمَهُ عَزَّ وجَلَّ المُطْلَقَ وما يُحْكى مِن أنَّ أعْرابِيًّا أخَّرَ «خَيْرًا يَرَهُ» فَقِيلَ لَهُ: قَدَّمْتَ وأخَّرْتَ فَقالَ:
خُذا بَطْنَ هَرْشى أوْ قَفاها فَإنَّهُ ∗∗∗ كِلا جانِبَيْ هَرْشى لَهُنَّ طَرِيقُ
فَغَفَلَ عَنِ اللَّطائِفِ القُرْآنِيَّةِ أوْ لَعَلَّهُ أرادَ أنَّهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالعَمَلِ لا بَأْسَ بِهِ قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ لا أنَّ القِراءَةَ بِهِ جائِزَةٌ. وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى جَدِّهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَيْوَةَ والكَلْبِيُّ وخُلَيْدُ بْنُ نَشِيطٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيُّ في رِوايَةِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: «يُرَهُ» بِضَمِّ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ هِشامٌ وأبُو بَكْرٍ: «يَرَهْ» بِسُكُونِ الهاءِ فِيها وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّها مُشْبَعَةً، وباقِي السَّبْعَةِ بِالإشْباعِ في الأوَّلِ والسُّكُونِ في الثّانِي، والإسْكانُ في الوَصْلِ لُغَةٌ حَكاها الأخْفَشُ ولَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ وحَكاها الكِسائِيُّ أيْضًا عَنْ بَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: «يَراهُ» بِالألِفِ فِيهِما وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَرى الجَزْمَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى حَرْفِ العِلَّةِ كَما حَكى الأخْفَشُ أوْ عَلى ما يُقالُ في غَيْرِ القُرْآنِ مِن تَوَهُّمِ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: «إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ» في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ ياءَ يَتَّقِ وجَزَمَ يَصْبِرْ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الألِفُ لِلْإشْباعِ والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الزلزلة 99:8
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ تَفْصِيلٌ لِيُرَوْا، والذَّرَّةُ نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ، ويُقالُ: إنَّها تَجْرِي إذا مَضى لَها حَوْلٌ وهي عَلَمٌ في القِلَّةِ.
صفحة 212
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا
وقِيلَ: الذَّرُّ ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ مِنَ الهَباءِ. وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ثُمَّ رَفَعَها ثُمَّ نَفَخَ فِيها وقالَ: كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ.
وانْتِصابُ «خَيْرًا، وشَرًّا» عَلى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِقْدارٌ. وقِيلَ: عَلى البَدَلِيَّةَ مِن ( مِثْقالَ ) والظّاهِرُ أنَّ «مِن» في المَوْضِعَيْنِ عامَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، وأنَّ المُرادَ مِن رُؤْيَةِ ما يُعادِلُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ مُشاهَدَةُ جَزائِهِ بِأنْ يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ. واسْتُشْكِلَ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إثابَةَ الكافِرِ بِحَسَناتِهِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ الخَيْرِ مَعَ أنَّهم قالُوا: أعْمالُ الكَفَرَةِ مُحْبَطَةٌ، وادَّعى في شَرْحِ المَقاصِدِ الإجْماعَ عَلى ذَلِكَ، كَيْفَ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ الآيَةَ... وكَوْنُ خَيْرِهِمُ الَّذِي يَرَوْنَهُ تَخْفِيفَ العَذابِ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ ويَقْتَضِي أيْضًا عِقابَ المُؤْمِنِ بِصَغائِرِهِ إذا اجْتَنَبَ الكَبائِرَ مَعَ أنَّهم قالُوا: إنَّها مُكَفِّرَةٌ حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ وقَوْلِ ابْنِ المُنَيِّرِ: إنَّ الِاجْتِنابَ لا يُوجِبُ التَّكْفِيرَ عِنْدَ الجَماعَةِ بَلِ التَّوْبَةَ أوْ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ والِاجْتِنابَ سَواءٌ في حُكْمِ النَّصِّ، ومَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى هي السَّبَبُ الأصِيلُ فالتَزَمَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ بِمَن الأُولى السُّعَداءَ، وبِمَن الثّانِيَةِ الأشْقِياءَ؛ بِناءً عَلى أنَّ ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِ ﴿يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ وكانَ مُفَسَّرًا بِما حاصِلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ فالمُناسِبُ أنْ يَرْجِعَ كُلُّ فِقْرَةٍ إلى فِرْقَةٍ لِتَطابُقِ المُفَصَّلِ المُجْمَلَ؛ ولِأنَّ الظّاهِرَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: «فَمَن يَعْمَلْ، ومَن يَعْمَلْ» بِتَكْرِيرِ أداةِ الشَّرْطِ يَقْتَضِي التَّغايُرَ بَيْنَ العامِلَيْنِ وقالَ آخَرُونَ بِالعُمُومِ إلّا أنَّ مِنهم مَن قالَ: في الكَلامِ قَيْدٌ مُقَدَّرٌ، تُرِكَ لِظُهُورِهِ والعِلْمِ بِهِ مِن آياتٍ أُخَرَ. فالتَّقْدِيرُ: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ إنْ لَمْ يُحْبَطْ. ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ إنْ لَمْ يُكَفَّرْ. ومِنهم مَن جَعَلَ الرُّؤْيَةَ أعَمَّ مِمّا تَكُونُ في الدُّنْيا وما تَكُونُ في الآخِرَةِ، فالكافِرُ يَرى جَزاءَ خَيْرِهِ في الدُّنْيا وجَزاءَ شَرِّهِ في الآخِرَةِ، والمُؤْمِنُ يَرى جَزاءَ شَرِّهِ في الدُّنْيا وجَزاءَ خَيْرِهِ في الآخِرَةِ؛ فَقَدْ رَوى البَغَوِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ وهو كافِرٌ فَإنَّهُ يَرى ثَوابَ ذَلِكَ في الدُّنْيا في نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ حَتّى يَبْلُغَ الآخِرَةَ ولَيْسَ عَلَيْهِ فِيها خَيْرٌ، ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ وهو مُؤْمِنٌ كُوفِئَ ذَلِكَ في الدُّنْيا في نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ حَتّى يَبْلُغَ الآخِرَةَ ولَيْسَ عَلَيْهِ فِيها شَرٌّ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «بَيْنَما أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَأْكُلُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآيَةَ. فَرَفَعَ أبُو بَكْرٍ يَدَهُ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي لَراءٍ ما عَمِلْتُ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يا أبا بَكْرٍ، أرَأيْتَ ما تَرى في الدُّنْيا مِمّا تَكْرَهُ فَبِمَثاقِيلِ ذَرِّ الشَّرِّ، ويُدَّخَرُ لَكَ مَثاقِيلُ ذَرِّ الخَيْرِ حَتّى تُوَفّاهُ يَوْمَ القِيامَةِ»».
وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ إذْ رَفَعَ يَدَهُ: ««مَن عَمِلَ مِنكم خَيْرًا فَجَزاؤُهُ في الآخِرَةِ، ومَن عَمِلَ مِنكم شَرًّا يَرَهُ في الدُّنْيا مُصِيباتٍ وأمْراضًا، ومَن يَكُنْ فِيهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ دَخَلَ الجَنَّةَ»».
ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِن رُؤْيَةِ ما يُعادِلُ ذَلِكَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ مُشاهَدَةُ نَفْسِهِ عَنْ غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ مَعَهُ الجَزاءُ ولا عَدَمُهُ بَلْ يُفَوَّضُ كُلٌّ مِنهُما إلى سائِرِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ بِعَفْوِ صَغائِرِ المُؤْمِنِ المُجْتَذِبِ عَنِ الكَبائِرِ وإثْباتِهِ بِجَمِيعِ حَسَناتِهِ وبِحُبُوطِ حَسَناتِ الكافِرِ ومُعاقَبَتِهِ بِجَمِيعِ مَعاصِيهِ وبِهِ يُشْعِرُ ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ في الآيَةِ: لَيْسَ مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ عَمِلَ خَيْرًا وشَرًّا في
صفحة 213
الدُّنْيا إلّا أراهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ؛ فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَرى حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ فَيَغْفِرُ لَهُ مِن سَيِّئاتِهِ ويُثِيبُهُ بِحَسَناتِهِ، وأمّا الكافِرُ فَيُرِيهِ حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ، فَيَرُدُّ حَسَناتِهِ ويُعَذِّبُهُ بِسَيِّئاتِهِ.
واخْتارَ هَذا الطِّيبِيُّ فَقالَ: إنَّهُ يُساعِدُهُ النَّظْمُ والمَعْنى والأُسْلُوبُ، أمّا النَّظْمُ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِما عُقِّبَ بِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ فَيَجِبُ التَّوافُقُ، والأعْمالُ جَمْعٌ مُضافٌ يُفِيدُ الشُّمُولَ والِاسْتِغْراقَ، ويَصْدُرُ النّاسُ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أشْتاتًا﴾ فَيُفِيدُ أنَّهم عَلى طَرائِقَ شَتّى لِلنُّزُولِ في مَنازِلِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ بِحَسْبِ أعْمالِهِمِ المُخْتَلِفَةِ، ومِن ثَمَّ كانَتِ الجَنَّةُ ذاتَ دَرَجاتٍ والنّارُ ذاتَ دَرَكاتٍ. وأمّا المَعْنى فَإنَّها ورَدَتْ لِبَيانِ الِاسْتِقْصاءِ في عَرْضِ الأعْمالِ والجَزاءِ عَلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ وأمّا الأُسْلُوبُ فَإنَّها مِنَ الجَوامِعِ الحاوِيَةِ لِفَوائِدِ الدِّينِ أصْلًا وفَرْعًا.
رُوِّينا عَنِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الحُمُرِ أيْ عَنْ صَدَقَتِها قالَ: «لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيها شَيْءٌ إلّا هَذِهِ الآيَةُ الجامِعَةُ الفاذَّةُ»».
أيِ المُتَفَرِّدَةُ في مَعْناها فَتَلاها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ عَمِّ الفَرَزْدَقِ أنَّهُ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ فَقالَ: «حَسْبِي لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ مِنَ القُرْآنِ غَيْرَها»». انْتَهى.
وأقُولُ: الظّاهِرُ عُمُومُ مِن، وكَوْنُ المُرادِ رُؤْيَةَ الجَزاءِ كَما تَقَدَّمَ، وكَذا الظّاهِرُ كَوْنُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ ولا إشْكالَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الفِقْرَةَ الأُولى وعْدٌ والثّانِيَةَ وعِيدٌ، ومَذْهَبُنا أنَّ الوَعْدَ لازِمُ الوُقُوعِ تَفَضُّلًا وكَرَمًا، والوَعِيدُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَيُفَوَّضُ أمْرُ الشَّرِّ في الثّانِيَةِ عَلى الدَّلائِلِ وهي ناطِقَةٌ بِأنَّهُ إنْ كانَ كُفْرًا لا يُغْفَرُ وإنْ كانَ صَغِيرَةً مِن مُؤْمِنٍ مُجْتَنِبٍ الكَبائِرَ يُكَفَّرُ، وإنْ كانَ كَبِيرَةً مِن مُؤْمِنٍ أوْ صَغِيرَةً مِنهُ وهو غَيْرُ مُجْتَنِبٍ الكَبائِرَ فَتَحْتَ المَشِيئَةِ. وخَبَرا أنَسٍ وأبِي أيُّوبَ السّابِقانِ لا يَأْبَيانِ ذَلِكَ بَعْدَ التَّأمُّلِ ولا يَبْعُدُ فِيما أرى أنْ يَكُونَ ما عَدا الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ كَذَلِكَ. وأمّا أمْرُ الخَيْرِ فَباقٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ وهو بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِ ظاهِرٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الكافِرِ فَتَخْفِيفُ العَذابِ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ؛ فَقَدْ ورَدَ أنَّ حاتِمًا يُخَفِّفُ اللَّهَ تَعالى عَنْهُ لِكَرَمِهِ، وأنَّ أبا لَهَبٍ كَذَلِكَ لِسُرُورِهِ بِوِلادَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإعْتاقِهِ لِجارِيَتِهِ ثُوَيْبَةَ حِينَ بَشَّرَتْهُ بِذَلِكَ، والحَدِيثُ في تَخْفِيفِ عَذابِ أبِي طالِبٍ مَشْهُورٌ، وما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَخْفِيفِ العَذابِ فالعَذابُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلى عَذابِ الكُفْرِ بِحَسَبِ مَراتِبِهِ فَهو الَّذِي لا يُخَفَّفُ، والعَذابُ الَّذِي دَلَّتِ الأخْبارُ عَلى تَخْفِيفِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، ومَعْنى إحْباطِ أعْمالِ الكُفّارِ أنَّها لا تُنَجَيِّهِمْ مِنَ العَذابِ المُخَلِّدِ كَأعْمالِ غَيْرِهِمْ وهو مَعْنى كَوْنِها سَرابًا وهَباءً. ودَعْوى الإجْماعِ عَلى إحْباطِها بِالكُلِّيَّةِ غَيْرُ تامَّةٍ كَيْفَ وهَمَ مُخاطَبُونَ بِالتَّكالِيفِ في المُعامَلاتِ والجِناياتِ اتِّفاقًا، والخِلافُ إنَّما هو في خِطابِهِمْ في غَيْرِها مِنَ الفُرُوعِ ولا شَكَّ أنَّهُ لا مَعْنى لِلْخِطابِ بِها إلّا عِقابُ تارِكِها وثَوابُ فاعِلِها. وأقَلُّهُ التَّخْفِيفُ وإلى هَذا ذَهَبَ العَلّامَةُ شِهابُ الدِّينِ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ثُمَّ قالَ: وما في التَّبْصِرَةِ وشَرْحِ المَشارِقِ وتَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ مِن أنَّ أعْمالَ الكَفَرَةِ الحَسَنَةَ الَّتِي لا يُشْتَرَطُ فِيها الإيمانُ كَإنْجاءِ الغَرِيقِ وإطْفاءِ الحَرِيقِ وإطْعامِ ابْنِ السَّبِيلِ يُجْزَوْنَ عَلَيْها في الدُّنْيا ولا تُدَّخَرُ لَهم في الآخِرَةِ كالمُؤْمِنِينَ بِالإجْماعِ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ في الأحادِيثِ، فَإنْ عَمِلَ أحَدُهم في كُفْرِهِ حَسَناتٍ ثُمَّ أسْلَمَ اخْتُلِفَ فِيهِ: هَلْ يُثابُ عَلَيْها في الآخِرَةِ أمْ لا؟ بِناءً عَلى أنَّ اشْتِراطَ الإيمانِ في الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ وعَدَمِ إحْباطِها هَلْ هو بِمَعْنى وُجُودِ الإيمانِ عِنْدَ العَمَلِ أوْ وُجُودِهِ ولَوْ بَعْدُ؛ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الحَدِيثِ: ««أسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ»».
غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ودَعْوى الإجْماعِ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأنَّ كَوْنَ وُقُوعِ جَزائِهِمْ في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ كالمُؤْمِنِينَ مَذْهَبٌ لِبَعْضِهِمْ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى الجَزاءِ بِالتَّخْفِيفِ وقالَ الكِرْمانِيُّ: إنَّ التَّخْفِيفَ واقِعٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ بَلْ لِأمْرٍ آخَرَ كَشَفاعَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَجائِهِ، ومِنهُ ما يَكُونُ
صفحة 214
لِأبِي لَهَبٍ كَما قالَ الزَّرْكَشِيُّ. انْتَهى.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الشَّفاعَةَ مِن آثارِ عَمَلِ المَشْفُوعِ الخَيْرَ أيْضًا. فَتَأمَّلْ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ كانَ المُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أنَّهم لا يُؤْجَرُونَ عَلى الشَّيْءِ القَلِيلِ إذا أعْطَوْهُ فَيَجِيءُ المِسْكِينُ إلى أبْوابِهِمْ فَيَسْتَقِلُّونَ أنْ يُعْطُوهُ التَّمْرَةَ والبُسْرَةَ فَيَرُدُّونَهُ ويَقُولُونَ: ما هَذا بِشَيْءٍ إنَّما نُؤْجَرُ عَلى ما نُعْطِي ونَحْنُ نُحِبُّهُ، وكانَ آخَرُونَ يَرَوْنَ أنَّهم لا يُلامُونَ عَلى الذَّنْبِ اليَسِيرِ الكِذْبَةِ والنَّظْرَةِ والغِيبَةِ وأشْباهِ ذَلِكَ ويَقُولُونَ: إنَّما وعَدَ اللَّهُ تَعالى النّارَ عَلى الكَبائِرِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ تُرَغِّبُهم في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ أنْ يَعْمَلُوهُ، وتُحَذِّرَهُمُ اليَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَعْمَلُوهُ. وفِيها مِن دَلالَةِ الخِطابِ ما لا يَخْفى وقَدْ كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بَعْدَها يَتَصَدَّقُونَ بِما قَلَّ وكَثُرَ. فَقَدْ رُوِيَ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بَعَثَ إلَيْها ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمِائَةِ ألْفٍ وثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ في غِرارَتَيْنِ فَدَعَتْ بِطَبَقٍ وجَعَلَتْ تُقَسِّمُها بَيْنَ النّاسِ، فَلَمّا أمْسَتْ قالَتْ جارِيَتُها: هَلُمِّي وكانَتْ صائِمَةً، فَجاءَتْ بِخُبْزٍ وزَيْتٍ فَقالَتْ: ما أمْسَكْتِ لَنا دِرْهَمًا نَشْتَرِي بِهِ لَحْمًا نُفْطِرُ عَلَيْهِ. فَقالَتْ: لَوْ ذَكَّرْتِنِي لَفَعَلْتُ. وجاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ أنَّها أعْطَتْ سائِلًا يَوْمًا حَبَّةً مِن عِنَبٍ، فَقِيلَ لَها في ذَلِكَ. فَقالَتْ: هَذِهِ أثْقَلُ مِن ذَرٍّ كَثِيرٍ ثُمَّ قَرَأتِ الآيَةَ. ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ عُمَرَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وسَعْدِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وكانَ غَرَضُهم تَعْلِيمَ النّاسِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِالتَّصَدُّقِ بِالقَلِيلِ ولَهم بِذَلِكَ أُسْوَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
فَقَدْ أخْرَجَ الزَّجّاجِيُّ في أمالِيهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنْ سائِلًا أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأعْطاهُ تَمْرَةً، فَقالَ السّائِلُ: نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ تَصَدَّقَ بِتَمْرَةٍ. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أما عَلِمْتَ فِيها مَثاقِيلَ ذَرٍّ كَثِيرَةً»».
وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««اتَّقَوُا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»». ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ.
وتَقْدِيمُ عَمَلِ الخَيْرِ لِأنَّهُ أشْرَفُ القِسْمَيْنِ والمَقْصُودُ بِالأصالَةِ لا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِهِ ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ هَذا الإحْصاءَ لا يُنافِي كَرَمَهُ عَزَّ وجَلَّ المُطْلَقَ وما يُحْكى مِن أنَّ أعْرابِيًّا أخَّرَ «خَيْرًا يَرَهُ» فَقِيلَ لَهُ: قَدَّمْتَ وأخَّرْتَ فَقالَ:
خُذا بَطْنَ هَرْشى أوْ قَفاها فَإنَّهُ ∗∗∗ كِلا جانِبَيْ هَرْشى لَهُنَّ طَرِيقُ
فَغَفَلَ عَنِ اللَّطائِفِ القُرْآنِيَّةِ أوْ لَعَلَّهُ أرادَ أنَّهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالعَمَلِ لا بَأْسَ بِهِ قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ لا أنَّ القِراءَةَ بِهِ جائِزَةٌ. وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى جَدِّهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَيْوَةَ والكَلْبِيُّ وخُلَيْدُ بْنُ نَشِيطٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيُّ في رِوايَةِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: «يُرَهُ» بِضَمِّ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأ هِشامٌ وأبُو بَكْرٍ: «يَرَهْ» بِسُكُونِ الهاءِ فِيها وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّها مُشْبَعَةً، وباقِي السَّبْعَةِ بِالإشْباعِ في الأوَّلِ والسُّكُونِ في الثّانِي، والإسْكانُ في الوَصْلِ لُغَةٌ حَكاها الأخْفَشُ ولَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ وحَكاها الكِسائِيُّ أيْضًا عَنْ بَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: «يَراهُ» بِالألِفِ فِيهِما وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَرى الجَزْمَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى حَرْفِ العِلَّةِ كَما حَكى الأخْفَشُ أوْ عَلى ما يُقالُ في غَيْرِ القُرْآنِ مِن تَوَهُّمِ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: «إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ» في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ ياءَ يَتَّقِ وجَزَمَ يَصْبِرْ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الألِفُ لِلْإشْباعِ والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
العاديات 100:1
سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ أنَسٍ وقَتادَةَ وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ البَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَيْلًا فاسْتَمَرَّتْ شَهْرًا لا يَأْتِيهِ مِنها خَبَرٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿والعادِياتِ﴾ إلَخْ».
صفحة 215
وآيُها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ مِن مُرْسَلِ الحَسَنِ أنَّها تَعْدِلُ بِنِصْفِ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا ولَمْ أقِفْ عَلى سِرِّهِ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها الجَزاءَ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ وأتْبَعَ ذَلِكَ فِيها بِتَعْنِيتِ مَن آثَرَ دُنْياهُ عَلى آخِرَتِهِ ولَمْ يَسْتَعِدَّ لَها بِفِعْلِ الخَيْرِ. ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِ تَعالى هُناكَ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ هُنا: ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ مِنَ المُناسَبَةِ أوِ العَلاقَةِ عَلى ما سَمِعْتَ مِن أنَّ المُرادَ بِالأثْقالِ ما في جَوْفِها مِنَ الأمْواتِ أوْ ما يَعُمُّهم والكُنُوزُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والعادِياتِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ قَسَمٌ بِخَيْلِ الغُزاةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَعْدُو؛ أيْ تَجْرِي بِسُرْعَةٍ نَحْوَ العَدُوِّ، وأصْلُ العادِياتِ العادُواتُ بِالواوِ فَقُلِبَتْ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَبْحًا﴾ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ أيْ: تَضْبَحُ أوْ يَضْبَحْنَ ضَبْحًا والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وضَبْحُها صَوْتُ أنْفاسِها عِنْدَ عَدْوِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الخَيْلُ إذا عَدَتْ قالَتْ احْ احْ فَذَلِكَ ضَبْحُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: الضَّبْحُ مِنَ الخَيْلِ الحَمْحَمَةُ ومِنَ الإبِلِ التَّنَفُّسُ.
وفِي البَحْرِ: تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَّدِيدِ لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ بَلْ هو غَيْرُ الصَّوْتِ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يُنْسَبُ هو إلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ يَضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، ولا يَصِحُّ عَنْهُ؛ فَإنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتِ الضَّبْحَ في الإبِلِ والأسْوَدِ مِنَ الحَيّاتِ والبُومِ والأرْنَبِ والثَّعْلَبِ ورُبَّما تُسْنِدُهُ إلى القَوْسِ. أنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَتِها:
حَنّانَةٌ مِن نَشَمٍ أوْ تالِبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضُباحَ الثَّعْلَبِ
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ أصْلَهُ لِلثَّعْلَبِ فاسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ كَما في قَوْلِ عَنْتَرَةَ:
والخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْ ∗∗∗ بَحُ في حِياضِ المَوْتِ ضَبْحا
وإنَّهُ مِن ضَبَحَتْهُ النّارُ غَيَّرَتْ لَوْنَهُ ولَمْ تُبالِغْ فِيهِ. ويُقالُ: انْضَبَحَ لَوْنُهُ تَغَيَّرَ إلى السَّوادِ قَلِيلًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ:
الضَّبْحُ وكَذا الضَّبْعُ بِمَعْنى العَدْوِ الشَّدِيدِ؛ وعَلَيْهِ قِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِلْعادِياتِ ولَيْسَ هُناكَ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ. وجُوِّزَ عَلى تَفْسِيرِهِ بِما تَقَدَّمَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِهِ أيْضًا لَكِنْ بِاعْتِبارِ أنَّ العَدْوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلضَّبْحِ فَهو في قُوَّةِ فِعْلِ الضَّبْحِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الحالِ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ فِيها أنْ تَكُونَ غَيْرَ جامِدَةٍ؛ أيْ والعادِياتِ ضابِحاتٍ.
العاديات 100:2
﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ الإيراءُ إخْراجُ النّارِ، والقَدْحُ هو الضَّرْبُ والصَّكُّ المَعْرُوفُ. يُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى إذا أخْرَجَ النّارَ، وقَدَحَ فَأصْلَدَ إذا قَدَحَ ولَمْ يُخْرِجْها، والمُرادُ بِها الخَيْلُ أيْضًا؛ أيْ فالَّتِي تُورِي النّارَ مِن صَدْمِ حَوافِرِها لِلْحِجارَةِ وتُسَمّى تِلْكَ النّارُ نارَ الحَباحِبِ، وهو اسْمُ رَجُلٍ بَخِيلٍ كانَ لا يُوقِدُ إلّا نارًا ضَعِيفَةً مَخافَةَ الضِّيفانِ، فَضَرَبُوا بِها المَثَلَ حَتّى قالُوا ذَلِكَ لِما تَقْدَحُهُ الخَيْلُ بِحَوافِرِها والإبِلُ بِأخْفافِها.
وانْتِصابُ «قَدْحًا» كانْتِصابِ «ضَبْحًا» عَلى ما تَقَدَّمَ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ؛ أيْ: فالمُورى قَدْحُها، ولَعَلَّهُ أمْيَزُ وأبْعَدُ عَنِ القَدْحِ.
وعَنْ قَتادَةَ: المُورِياتُ مَجازٌ في الخَيْلِ تُورِي نارَ الحَرْبِ وتُوقِدُها وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
العاديات 100:3
﴿فالمُغِيراتِ﴾ مِن أغارَ عَلى العَدُوِّ هَجَمَ عَلَيْهِ بَغْتَةً بِخَيْلِهِ لِنَهْبٍ أوْ قَتْلٍ أوْ إسارٍ، فالإغارَةُ صِفَةُ أصْحابِ الخَيْلِ، وإسْنادُها إلَيْها إمّا بِالتَّجَوُّزِ فِيهِ أوْ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، والأصْلُ فالمُغِيرُ أصْحابُها أيْ فالَّتِي يُغِيرُ أصْحابُها عَلى العَدُوِّ عَلَيْها، وقِيلَ: بِسَبَبِها ﴿صُبْحًا﴾ أيْ: في وقْتِ الصُّبْحِ فَهو نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ وذَلِكَ هو المُعْتادُ في الغاراتِ كانُوا يَعْدُونَ لَيْلًا لِئَلّا يَشْعُرَ بِهِمُ العَدُوُّ ويَهْجُمُونَ صَباحًا لِيَرَوْا ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، وكانُوا يَتَحَمَّسُونَ بِذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
قَوْمِي الَّذِينَ صَبَّحُوا الصَّباحا يَوْمَ النَّخِيلِ غارَةً مِلْحاحا
العاديات 100:4
صفحة 216
﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ مِنَ الإثارَةِ وهي التَّهْيِيجُ وتَحْرِيكُ الغُبارِ ونَحْوِهِ. والأصْلُ: أثْوَرْنَ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى ما قَبْلَها وقُلِبَتْ ألِفًا وحُذِفَتْ لِاجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ، والفِعْلُ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ قَبْلَهُ وهو العادِياتُ، أوْ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ وهو في مَعْنى الفِعْلِ خُصُوصًا إذا وقَعَ صِلَةً فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاللّاتِي عَدَوْنَ فَأوْرَيْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ. ولا شُذُوذَ في مِثْلِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ تابِعٌ فَلا يَلْزَمُ دُخُولُ ألْ عَلَيْهِ ولا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ هو مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ. والحِكْمَةُ في مَجِيءِ هَذا فِعْلًا بَعْدَ اسْمِ فاعِلٍ عَلى ما قالَ ابْنُ المُنَيِّرِ تَصْوِيرُ هَذِهِ الأفْعالِ في النَّفْسِ؛ فَإنَّ التَّصْوِيرَ يَحْصُلُ بِإيرادِ الفِعْلِ بَعْدَ الِاسْمِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّخالُفِ وهو أبْلَغُ مِنَ التَّصْوِيرِ بِالأسْماءِ المُتَناسِقَةِ وكَذَلِكَ التَّصْوِيرُ بِالمُضارِعِ بَعْدَ المُضارِعِ كَقَوْلِ ابْنِ مَعْدِ يكَرِبَ:
بِأنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ يَهْوِي بِشُهْبٍ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحانِ
فَآخُذُهُ فَأضْرِبُهُ فَخَرَّتْ ∗∗∗ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ
وخُصَّ هَذا المَقامُ مِنَ الفائِدَةِ عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ أنَّ الخَيْلَ وُصِفَتْ بِالأوْصافِ الثَّلاثَةِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْها ما قَصَدَ مِنَ الظَّفَرِ بِالفَتْحِ فَجِيءَ بِهَذا الفِعْلِ الماضِي وما بَعْدَهُ مُسَبَّبَيْنِ عَنْ أسْماءِ الفاعِلِينَ فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ المُداوَمَةَ أنْتَجَتْ هاتَيْنِ البُغْيَتَيْنِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الفاءَ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَمّا قَبْلَها وجَعْلِهِ مُسَبَّبًا عَنْهُ وسَيَأْتِي الكَلامُ فِيها قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وضَمِيرُ «بِهِ» لِلصُّبْحِ، والباءُ ظَرْفِيَّةٌ أيْ فَهَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿نَقْعًا﴾ أيْ: غُبارًا، وتَخْصِيصُ إثارَتِهِ بِالصُّبْحِ لِأنَّهُ لا يَثُورُ أوْ لا يَظْهَرُ ثَوَرانُهُ بِاللَّيْلِ، وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ الإيراءَ الَّذِي لا يَظْهَرُ في النَّهارِ واقِعٌ في اللَّيْلِ. وفي ذِكْرِ إثارَةِ الغُبارِ إشارَةٌ بِلا غُبارٍ إلى شِدَّةِ العَدْوِ وكَثْرَةِ الكَرِّ والفَرِّ وكَثِيرًا ما يُشِيرُونَ بِهِ إلى ذَلِكَ ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ رَواحَةَ:
عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كَداءِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّقْعُ رَفْعُ الصَّوْتِ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
فَمَتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ∗∗∗ يَحْلِبُوهُ ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ
وقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَدْ قِيلَ لَهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ: إنَّ النِّساءَ قَدِ اجْتَمَعْنَ يَبْكِينَ عَلى خالِدٍ: ما عَلى نِساءِ بَنِي المُغِيرَةِ أنْ يَسْفِكْنَ عَلى أبِي سُلَيْمانَ دُمُوعَهُنَّ وهُنَّ جُلُوسٌ ما لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ ولا لَقْلَقَةٌ.
والمَعْنى عَلَيْهِ فَهَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ صِياحًا وهو صِياحُ مَن هُجِمَ عَلَيْهِ وأُوقِعَ بِهِ. والمَشْهُورُ المَعْنى الأوَّلُ، وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ «بِهِ» لِلْعَدُوِّ الدّالِّ عَلَيْهِ «العادِياتِ» أوْ لِلْإغارَةِ الدّالِّ عَلَيْها «المُغِيراتِ» والتَّذْكِيرِ لِتَأْوِيلِها بِالجَرْيِ ونَحْوِهِ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ وجُوِّزَ كَوْنُها ظَرْفِيَّةً أيْضًا والضَّمِيرُ لِلْمَكانِ الدّالِّ عَلَيْهِ السِّياقُ والأوَّلُ أظْهَرُ وألْطَفُ.
العاديات 100:5
ومِثْلُهُ ضَمِيرُ «بِهِ» في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ﴾ أيْ: فَتَوَسَّطْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿جَمْعًا﴾ مِن جُمُوعِ الأعْداءِ وجُوِّزَ فِيهِ وفي بائِهِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ في «بِهِ» قَبْلَهُ، وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلنَّقْعِ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ فَتَوَسَّطْنَ مُلْتَبِساتٍ بِالنَّقْعِ جَمْعًا أوْ هي عَلى ما قِيلَ لِلتَّعْدِيَةِ إنْ أُرِيدَ أنَّها وسَّطَتِ الغُبارَ والفاءاتِ كَما في الإرْشادِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ ما بَعْدَ كُلٍّ مِنها عَلى ما قَبْلَهُ فَتَوَسُّطُ الجَمْعِ مُتَرَتِّبٌ عَلى الإثارَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الإيراءِ المُتَرَتِّبِ عَلى العَدْوِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «فَأثَّرْنَ» و«فَوَسَّطْنَ» بِتَشْدِيدِ الثّاءِ والسِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى الأوَّلَ كالجُمْهُورِ، والثّانِيَ كَذَيْنِ. والمَعْنى عَلى تَشْدِيدِ الأوَّلِ فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارِ وعَلى تَشْدِيدِ الثّانِي عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ. فَقَدْ نَقَلُوا أنَّ وسَطَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنَّهُما لُغَتانِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: المَعْنى مَيَّزْنَ بِهِ جَمْعًا؛ أيْ:
صفحة 217
جَعَلْنَهُ شَطْرَيْنِ أيْ قِسْمَيْنِ وشِقَّيْنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّشْدِيدُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: «وأتَوْا بِهِ» في قِراءَةٍ؛ وهي مُبالَغَةٌ فِي: ( وسَطْنَ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَلْبُ ثَوَرْنَ إلى وثَرْنَ ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً فالمَعْنى عَلى ما مَرَّ وهو تَمَحُّلٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.
وعَنِ السُّدِّيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّهم قالُوا: العادِياتُ هي الإبِلُ تَعْدُو ضَبْحًا مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى. ونُسِبَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما أنا في الحِجْرِ جالِسٌ إذْ أتانِي رَجُلٌ فَسَألَنِي عَنْ ( العادِياتِ ضَبْحًا ) فَقُلْتُ: الخَيْلُ حِينَ تُغِيرُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ تَأْوِي إلى اللَّيْلِ فَيَصْنَعُونَ طَعامَهم ويُورُونَ نارَهُمْ، فانْفَتَلَ عَنِّي فَذَهَبَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو جالِسٌ تَحْتَ سِقايَةِ زَمْزَمَ، فَسَألَهُ عَنِ العادِياتِ ضَبْحًا فَقالَ: سَألْتَ عَنْها أحَدًا قَبْلِي؟ قالَ: نَعَمْ. سَألْتُ عَنْها ابْنَ عَبّاسٍ.
فَقالَ: هي الخَيْلُ حِينَ تُغِيرُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: اذْهَبْ فادْعُهُ لِي، فَلَمّا وقَفْتُ عَلى رَأْسِهِ قالَ: تُفْتِي النّاسَ بِما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، واللَّهِ إنْ كانَتْ لَأوَّلَ غَزْوَةٍ في الإسْلامِ لَبَدْرٌ، وما كانَ مَعَنا إلّا فَرَسانِ، فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ وفَرَسٌ لِلْمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ فَكَيْفَ تَكُونُ العادِياتُ ضَبْحًا؟ إنَّما العادِياتُ ضَبْحًا الإبِلُ تَعْدُو مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، فَإذا أوَوْا إلى المُزْدَلِفَةِ أوْرَوُا النِّيرانَ.
﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى فَذَلِكَ جَمْعٌ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فَهو نَقْعُ الأرْضِ حِينَ تَطَؤُها بِخِفافِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَنَزَعْتُ عَنْ قَوْلِي إلى قَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ورَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
واسْتُشْكِلَ رَدُّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كَوْنَ المُرادِ بِها الخَيْلَ بِما كانَ مِن أمْرِ غَزْوَةِ بَدْرٍ بِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَدَّعِ أنَّ ألْ في العادِياتِ لِلْعَهْدِ، وأنَّها إشارَةٌ إلى عادِياتِ بَدْرٍ، ولا أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ تِلْكَ الغَزْوَةِ لِيَلْزَمَ تَحَقُّقُ ذَلِكَ فِيها ودُخُولُها تَحْتَ العُمُومِ، بَلْ ظاهِرُ كَلامِهِ حَمْلُ ذَلِكَ عَلى جِنْسِ الخَيْلِ الَّتِي تَعْدُو في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنْ حُمِلَتْ عَلى العَهْدِ. وقِيلَ: إنَّ المَعْهُودَ هو الخَيْلُ الَّتِي بَعَثَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْغَزْوِ عَلى ما سَمِعْتَ صَدْرَ السُّورَةِ، وكَذا عَلى ما رُوِيَ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ إلى أُناسٍ مِن بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ وكانَ أحَدَ النُّقَباءِ فَأبْطَأ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَبَرَها شَهْرًا، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّهم قُتِلُوا، فَنَزَلَتِ السُّورَةُ إخْبارًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسَلامَتِها وبِشارَةً لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإغارَتِها عَلى القَوْمِ» لَمْ يَبْعُدْ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أرادَ أنَّ غَزْوَةَ بَدْرٍ هي أفْضَلُ غَزَواتِ الإسْلامِ وبَدْرُها الَّذِي لَيْسَ فِيهِ انْثِلامٌ فَيَتَعَيَّنُ أنْ لا تَكُونَ المُرادَ ذَلِكَ. ويُسْلَكُ في الآيَةِ ما يُناسِبُها مِنَ المَسالِكِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا الجَوابَ لا يَتَحَمَّلُ لِمَزِيدِ ضَعْفِهِ الإغارَةَ عَلَيْهِ وإطْلاقَ أعِنَّةِ عادِياتِ الأفْكارِ إلَيْهِ، والأحْرى أنَّ الخَبَرَ لا صِحَّةَ لَهُ وتَصْحِيحَ الحاكِمِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ الأثَرِ بِكَثْرَةِ التَّساهُلِ فِيهِ وأنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، ثُمَّ إنَّ النَّقْلَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في المُرادِ بِالعادِياتِ مُتَعارِضٌ بِما تَقَدَّمَ أنَّهُ إبِلُ الحُجّاجِ. ونَقَلَ صاحِبُ التَّأْوِيلاتِ أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَسَّرَها بِإبِلِ بَدْرٍ، وأنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ هو الَّذِي فَسَّرَها بِإبِلِ الحُجّاجِ. ويُرَجِّحُ إرادَةَ الخَيْلِ أنَّ إثارَةَ النَّقْعِ فِيها أظْهَرُ مِنها في الإبِلِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الخَبَرَ يَقْتَضِي أنَّ لِلْقَسَمِ بِهِ نَوْعانِ؛ الخَيْلَ والإبِلَ وجَماعَةَ الغُزاةِ أوِ الحُجّاجِ المُوقِدَةِ نارًا لِطَعامِها أوْ نَحْوِهِ. وفي بَعْضِ الآثارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما هو أصْرَحُ مِمّا تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ المُورِياتِ بِما يُغايِرُ العادِياتِ بِالذّاتِ فَفي البَحْرِ عَنْهُ أنَّها الجَماعَةُ الَّتِي تُورِي نارَها بِاللَّيْلِ لِحاجَتِها وطَعامِها. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ تِلْكَ جَماعَةُ الغُزاةِ تُكْثِرُ النّارَ إرْهابًا، ورُوِيَتِ المُغايَرَةُ عَنْ آخَرِينَ أيْضًا. فَعَنْ مُجاهِدٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وهي رِوايَةٌ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي الجَماعَةُ تَمْكُرُ في الحَرْبِ، فالعَرَبُ تَقُولُ إذا أرادَتِ المَكْرَ بِالرَّجُلِ: واللَّهِ لَأُورِينَّ لَهُ، ومِنَ الغَرِيبِ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها ألْسِنَةُ الرِّجالِ تُورِي النّارَ مِن عَظِيمِ ما يُتَكَلَّمُ بِهِ، ويَظْهَرُ مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ وإظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ. وهو كَما تَرى.
ومِنَ البُطُونِ والإشاراتِ أنْ
صفحة 218
يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ النُّفُوسَ العادِيَةَ إثْرَ كَمالِهِنَّ المُورِياتِ بِأفْكارِهِنَّ أنْوارَ المَعارِفِ والمُغِيراتِ عَلى الهَوى والعاداتِ إذا ظَهَرَ لَهُنَّ مِثْلُ أنْوارِ القُدْسِ فَأثَرْنَ بِهِ شَوْقًا فَوَسَطْنَ بِذَلِكَ الشَّوْقِ جَمْعًا مِن جُمُوعِ العِلِّيِّينَ. ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ قَسَمٌ بِالهِمَمِ القالَبِيَّةِ الَّتِي تَعْدُو في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى خارِجًا مِن جَوْفِ اشْتِياقِها صَوْتُ الدُّعاءِ مِن شِدَّةِ العَدْوِ وغايَةِ الشَّوْقِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الرُّوحانِيُّونَ ضَجِيجَ دُعائِها وتَضَرُّعِها والتِماسِها تَسْهِيلَ سُلُوكِ الطَّرِيقِ الوَعْرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِجِبالِ القالَبِ المُورِياتِ بِحَوافِرِ الذِّكْرِ نارَ الهِدايَةِ المُسْتَكِنَّةَ في حِجْرِ القالَبِ وقْتَ تَخْمِيرِ اللَّطِيفَةِ والمُغِيراتِ بَعْدَ سُلُوكِها في جِبالِ القالَبِ الرّاسِيَةِ في ظَلامِ اللَّيْلِ القالَبِيِّ وعُبُورِها عَنْها إلى أُفُقِ عالَمِ النَّفْسِ وتَنَفُّسِ صُبْحِ النَّفْسِ عَلى الخَواطِرِ النَّفْسِيَّةِ وشُؤُونِها فَهَيَّجْنَ بِذَلِكَ الجَرْيِ غُبارَ الخَواطِرِ وأثَرْنَهُ لِئَلّا يَخْتَفِيَ خاطِرٌ مِنَ الخَواطِرِ، فَوَسَطْنَ بِذَلِكَ جَمْعًا مِن جُنُودِ القُوى القَلْبِيَّةِ وحِزْبِ الخَواطِرِ الذِّكْرِيَّةِ الَّتِي هي حِزْبُ الرَّحْمَنِ في وسَطِ عالَمِ النَّفْسِ ولَهم في هَذا البابِ غَيْرُ ذَلِكَ.
وأيًّا ما كانَ فالمُقْسَمُ عَلَيْهِ
العاديات 100:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ أيْ: لَكَفُورٌ جَحُودٌ مِنَ كَنَدَ النِّعْمَةَ كَفَرَها ولَمْ يَشْكُرْها وأنْشَدُوا:
كَنُودٌ لِنَعْماءِ الرِّجالِ ومَن يَكُنْ كَنُودًا لِنَعْماءِ الرِّجالِ يُبْعَدِ
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ العاصِي، وبِلِسانِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ الكَفُورُ، وبِلِسانِ كِنانَةَ البَخِيلُ السَّيِّئُ المَلَكَةِ، ومِنهُ الأرْضُ الكَنُودُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا. وقالَ الكَلْبِيُّ نَحْوُهُ إلّا أنَّهُ قالَ: وبِلِسانِ بَنِي مالِكٍ البَخِيلُ ولَمْ يَذْكُرْ حَضْرَمَوْتَ بَلِ اقْتَصَرَ عَلى كِنْدَةَ.
وتَفْسِيرُهُ بِالكَفُورِ هُنا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هو اللّائِمُ لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ يَعُدُّ السَّيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أتَدْرُونَ ما الكَنُودُ؟» قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: «هُوَ الكَفُورُ الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَمْنَعُ رَفْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ»».
وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما تَفْسِيرَهُ بِالَّذِي يَمْنَعُ رَفْدَهُ ويَنْزِلُ وحْدَهُ ويَضْرِبُ عَبْدَهُ مَوْقُوفًا عَلى أبِي أُمامَةَ. والجُمْهُورُ عَلى تَفْسِيرِهِ بِالكَفُورِ، وكُلٌّ مِمّا ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ كُفْرانٍ، والكُفْرانُ المُبالَغُ فِيهِ يَجْمَعُ صُنُوفًا مِنهُ. وألْ في «الإنْسانَ» لِلْجِنْسِ، والحُكْمُ عَلَيْهِ بِما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ بَعْضِ الأفْرادِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِهِ كافِرٌ مُعَيَّنٌ؛ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ، وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ إلَخْ. لِأنَّهُ لا يَلِيقُ إلّا بِالكافِرِ. وفي الأمْرَيْنِ نَظَرٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ كُلُّ النّاسِ عَلى مَعْنى أنَّ طَبْعَ الإنْسانِ يَحْمِلُهُ عَلى ذَلِكَ إلّا إذا عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِلُطْفِهِ وتَوْفِيقِهِ مِن ذَلِكَ واخْتارَهُ عِصامُ الدِّينِ وقالَ: فِيهِ مَدْحٌ لِلْغُزاةِ لِسَعْيِهِمْ عَلى خِلافِ طَبْعِهِمْ. و«لِرَبِّهِ» مُتَعَلِّقٌ بِ «كَنُودٌ» واللّامُ غَيْرُ مانِعَةٍ مِن ذَلِكَ، وقُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ مَعَ كَوْنِهِ أهَمَّ مِن حَيْثُ إنَّ الذَّمَّ البالِغَ إنَّما هو عَلى كَنُودِ نِعْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ لِلتَّخْصِيصِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.
العاديات 100:7
و «إنَّهُ» أيِ الإنْسانَ كَما قالَ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ﴿عَلى ذَلِكَ﴾ أيْ عَلى كُنُودِهِ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ لِظُهُورِ أثَرِهِ عَلَيْهِ فالشَّهادَةُ بِلِسانِ الحالِ الَّذِي هو أفْصَحُ مِن لِسانِ المَقالِ. وقِيلَ: هي بِلِسانِ المَقالِ لَكِنْ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: شَهِيدٌ مِنَ الشُّهُودِ لا مِنَ الشَّهادَةِ بِمَعْنى أنَّهُ كَفُورٌ مَعَ عِلْمِهِ بِكُفْرانِهِ وعَمَلِ السُّوءِ مَعَ العِلْمِ بِهِ غايَةَ المَذَمَّةِ والظّاهِرُ الأوَّلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: ضَمِيرُ «إنَّهُ» عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: وإنَّ رَبَّهُ سُبْحانَهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الكَلامُ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ، واخْتارَهُ التَّبْرِيزِيُّ فَقالَ: هو الأصَحُّ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ قَبْلَهُ. وفِيهِ أنَّ الوُجُوبَ مَمْنُوعٌ، واتِّساقُ الضَّمائِرِ وعَدَمُ تَفْكِيكِها يُرَجِّحُ الأوَّلَ؛ فَإنَّ الضَّمِيرَ السّابِقَ أعْنِي ضَمِيرَ ﴿لِرَبِّهِ﴾ لِلْإنْسانِ ضَرُورَةً وكَذا الضَّمِيرُ اللّاحِقُ أعْنِي الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ،
صفحة 219
ووَرَدَ بِهَذا المَعْنى في القُرْآنِ كَثِيرًا حَتّى زَعَمَ عِكْرِمَةُ أنَّ الخَيْرَ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ هو المالُ وخَصَّهُ بَعْضُهم بِالمالِ الكَثِيرِ وفُسِّرَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ وإطْلاقُ كَوْنِهِ خَيْرًا بِاعْتِبارِ ما يَراهُ النّاسُ وإلّا فَمِنهُ ما هو شَرٌّ يَوْمَ القِيامَةِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ إنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ أيْ: لَبَخِيلٌ كَما قِيلَ، وكَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ شَدِيدٌ يُقالُ لَهُ مُتَشَدِّدٌ كَما في قَوْلِ طَرَفَةَ:
أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
وشَدِيدٌ فِيهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ كَأنَّ البَخِيلَ شَدَّ عَنِ الإفْضالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ؛ كَأنَّهُ شَدَّ صُرَّتَهُ فَلا يُخْرِجُ مِنها شَيْئًا. وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يُرادَ بِالشَّدِيدِ القَوِيُّ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ وكَأنَّ اللّامَ عَلَيْهِ بِمَعْنى فِي؛ أيْ: وإنَّهُ لَقَوِيٌّ مُبالِغٌ في حُبِّ المالِ. والمُرادُ قُوَّةُ حُبِّهِ لَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِ الدُّنْيا وطَلَبِها قَوِيٌّ مُطِيقٌ وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وشُكْرِ نِعْمَتِهِ سُبْحانَهُ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ؛ تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. وجَعَلَ النَّيْسابُورِيُّ اللّامَ عَلى هَذا لِلتَّعْلِيلِ ولَيْسَ بِظاهِرٍ. فَتَأمَّلْ.
وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ يَعْنِي أنَّهُ يُحِبُّ المالَ ويُحِبُّ كَوْنَهُ مُحِبًّا لَهُ إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِالحُبِّ الأوَّلِ عَنِ الثّانِي كَما قالَ تَعالى: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ أيْ في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ فاكْتَفى بِالأوَّلِ عَنِ الثّانِي. وقالَ قُطْرُبٌ: أيْ إنَّهُ شَدِيدٌ لِحُبِّ الخَيْرِ كَقَوْلِكَ: إنَّهُ لِزَيْدٍ ضَرُوبٌ، فِي: إنَّهُ ضَرُوبٌ لِزَيْدٍ. وظاهِرُ التَّمْثِيلِ أنَّهُ اعْتَبَرَ حُبَّ الخَيْرِ مَفْعُولًا بِهِ لِشَدِيدٍ، وإنَّ «شَدِيدٌ» اسْمُ فاعِلٍ جِيءَ بِهِ عَلى فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ وأنَّ اللّامَ في ﴿لِحُبِّ﴾ لِلتَّقْوِيَةِ وفِيهِ ما فِيهِ.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ أنَّ شَدِيدًا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ كانَتْ مُضافَةً إلى مَرْفُوعِها وهو «حُبِّ» المُضافُ إلى الخَيْرِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، ثُمَّ حُوِّلَ الإسْنادُ وانْتَصَبَ المَرْفُوعُ عَلى التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ قُدِّمَ وجُرَّ بِاللّامِ وفِيهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّكَلُّفِ أنَّ تَقَدُّمَ مَعْمُولِ الصِّفَةِ عَلَيْها لا يَجُوزُ، وكَوْنُهُ مَجْرُورًا في مِثْلِ ذَلِكَ لا يُجْدِي نَفْعًا؛ إذْ لَيْسَ هو فِيهِ نَحْوَ: زَيْدٌ بِكَ فَرِحٌ كَما لا يَخْفى.
ويُفْهِمُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ في الكَشّافِ جَوازُ أنْ يُرادَ بِهِ ما هو عِنْدَهُ تَعالى مِنَ الطّاعاتِ عَلى أنَّ المَعْنى: إنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٍ ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ.
العاديات 100:8
و «إنَّهُ» أيِ الإنْسانَ كَما قالَ الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ﴿عَلى ذَلِكَ﴾ أيْ عَلى كُنُودِهِ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ لِظُهُورِ أثَرِهِ عَلَيْهِ فالشَّهادَةُ بِلِسانِ الحالِ الَّذِي هو أفْصَحُ مِن لِسانِ المَقالِ. وقِيلَ: هي بِلِسانِ المَقالِ لَكِنْ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: شَهِيدٌ مِنَ الشُّهُودِ لا مِنَ الشَّهادَةِ بِمَعْنى أنَّهُ كَفُورٌ مَعَ عِلْمِهِ بِكُفْرانِهِ وعَمَلِ السُّوءِ مَعَ العِلْمِ بِهِ غايَةَ المَذَمَّةِ والظّاهِرُ الأوَّلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: ضَمِيرُ «إنَّهُ» عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: وإنَّ رَبَّهُ سُبْحانَهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الكَلامُ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ، واخْتارَهُ التَّبْرِيزِيُّ فَقالَ: هو الأصَحُّ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ قَبْلَهُ. وفِيهِ أنَّ الوُجُوبَ مَمْنُوعٌ، واتِّساقُ الضَّمائِرِ وعَدَمُ تَفْكِيكِها يُرَجِّحُ الأوَّلَ؛ فَإنَّ الضَّمِيرَ السّابِقَ أعْنِي ضَمِيرَ ﴿لِرَبِّهِ﴾ لِلْإنْسانِ ضَرُورَةً وكَذا الضَّمِيرُ اللّاحِقُ أعْنِي الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ،
صفحة 219
ووَرَدَ بِهَذا المَعْنى في القُرْآنِ كَثِيرًا حَتّى زَعَمَ عِكْرِمَةُ أنَّ الخَيْرَ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ هو المالُ وخَصَّهُ بَعْضُهم بِالمالِ الكَثِيرِ وفُسِّرَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ وإطْلاقُ كَوْنِهِ خَيْرًا بِاعْتِبارِ ما يَراهُ النّاسُ وإلّا فَمِنهُ ما هو شَرٌّ يَوْمَ القِيامَةِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ إنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ أيْ: لَبَخِيلٌ كَما قِيلَ، وكَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ شَدِيدٌ يُقالُ لَهُ مُتَشَدِّدٌ كَما في قَوْلِ طَرَفَةَ:
أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
وشَدِيدٌ فِيهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ كَأنَّ البَخِيلَ شَدَّ عَنِ الإفْضالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ؛ كَأنَّهُ شَدَّ صُرَّتَهُ فَلا يُخْرِجُ مِنها شَيْئًا. وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يُرادَ بِالشَّدِيدِ القَوِيُّ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ وكَأنَّ اللّامَ عَلَيْهِ بِمَعْنى فِي؛ أيْ: وإنَّهُ لَقَوِيٌّ مُبالِغٌ في حُبِّ المالِ. والمُرادُ قُوَّةُ حُبِّهِ لَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: وإنَّهُ لِحُبِّ المالِ وإيثارِ الدُّنْيا وطَلَبِها قَوِيٌّ مُطِيقٌ وهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وشُكْرِ نِعْمَتِهِ سُبْحانَهُ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ؛ تَقُولُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا. وجَعَلَ النَّيْسابُورِيُّ اللّامَ عَلى هَذا لِلتَّعْلِيلِ ولَيْسَ بِظاهِرٍ. فَتَأمَّلْ.
وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ يَعْنِي أنَّهُ يُحِبُّ المالَ ويُحِبُّ كَوْنَهُ مُحِبًّا لَهُ إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِالحُبِّ الأوَّلِ عَنِ الثّانِي كَما قالَ تَعالى: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ أيْ في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ فاكْتَفى بِالأوَّلِ عَنِ الثّانِي. وقالَ قُطْرُبٌ: أيْ إنَّهُ شَدِيدٌ لِحُبِّ الخَيْرِ كَقَوْلِكَ: إنَّهُ لِزَيْدٍ ضَرُوبٌ، فِي: إنَّهُ ضَرُوبٌ لِزَيْدٍ. وظاهِرُ التَّمْثِيلِ أنَّهُ اعْتَبَرَ حُبَّ الخَيْرِ مَفْعُولًا بِهِ لِشَدِيدٍ، وإنَّ «شَدِيدٌ» اسْمُ فاعِلٍ جِيءَ بِهِ عَلى فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ وأنَّ اللّامَ في ﴿لِحُبِّ﴾ لِلتَّقْوِيَةِ وفِيهِ ما فِيهِ.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ أنَّ شَدِيدًا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ كانَتْ مُضافَةً إلى مَرْفُوعِها وهو «حُبِّ» المُضافُ إلى الخَيْرِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، ثُمَّ حُوِّلَ الإسْنادُ وانْتَصَبَ المَرْفُوعُ عَلى التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ قُدِّمَ وجُرَّ بِاللّامِ وفِيهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّكَلُّفِ أنَّ تَقَدُّمَ مَعْمُولِ الصِّفَةِ عَلَيْها لا يَجُوزُ، وكَوْنُهُ مَجْرُورًا في مِثْلِ ذَلِكَ لا يُجْدِي نَفْعًا؛ إذْ لَيْسَ هو فِيهِ نَحْوَ: زَيْدٌ بِكَ فَرِحٌ كَما لا يَخْفى.
ويُفْهِمُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ في الكَشّافِ جَوازُ أنْ يُرادَ بِهِ ما هو عِنْدَهُ تَعالى مِنَ الطّاعاتِ عَلى أنَّ المَعْنى: إنَّهُ لِحُبِّ الخَيْراتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٍ ولَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ.
العاديات 100:9
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ إلَخْ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ومَفْعُولُ يَعْلَمُ مَحْذُوفٌ؛ وهو العامِلُ في «إذا» وهي ظَرْفِيَّةٌ؛ أيْ: أيَفْعَلُ ما يَفْعَلُ مِنَ القَبائِحِ أوْ ألا يُلاحِظُ فَلا يَعْلَمُ الآنَ مَآلَهُ إذا بُعْثِرَ مَن في القُبُورِ مِنَ المَوْتى وإيرادُ ما لِكَوْنِهِمْ إذْ ذاكَ بِمَعْزِلٍ مِن رُتْبَةِ العُقَلاءِ. وقالَ الحُوفِيُّ: العامِلُ في «إذا» الظَّرْفِيَّةِ ﴿يَعْلَمُ﴾ وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُرادُ مِنهُ العِلْمُ في ذَلِكَ الوَقْتِ بَلِ العِلْمُ في الدُّنْيا. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَرِدُ إذا كانَ ضَمِيرُ ( يَعْلَمُ ) راجِعًا إلى الإنْسانِ وذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ عَلى هَذا القَوْلِ لِجَوازِ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَكُونَ مَفْعُولا يَعْلَمُ مَحْذُوفَيْنِ.
والتَّقْدِيرُ: أفَلا يَعْلَمُهُمُ اللَّهُ تَعالى عامِلِينَ بِما عَمِلُوا إذا بُعْثِرَ عَلى أنْ يَكُونَ العِلْمُ كِنايَةً عَنِ المُجازاةِ، والمَعْنى: أفَلا يُجازِيهِمْ إذا بُعْثِرَ ويَكُونُ الجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ بَعْدُ تَحْقِيقًا وتَقْرِيرًا لِهَذا المَعْنى وهو كَما تَرى.
وقِيلَ: إنَّ «إذا» مَفْعُولٌ بِهِ لِ «يَعْلَمُ» عَلى مَعْنى: أفَلا يَعْلَمُ ذَلِكَ الوَقْتَ ويَعْرِفُ تَحَقُّقَهُ، وقُلْ إنَّ العامِلَ فِيها بُعْثِرَ بِناءً عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ غَيْرُ مُضافَةٍ. قالُوا: ولَمْ يُجَوَّزْ أنْ يَعْمَلَ فِيها «لَخَبِيرٌ» لِأنَّ ما بَعْدَ إنْ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وأوْجَهُ الأوْجُهِ ما قَدَّمْناهُ، وتَعِدِّي العِلْمِ إذا كانَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ لِواحِدٍ شائِعٌ، وتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى البَعْثَرَةِ فَتَذَكَّرْ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: «بُحْثِرَ» بِالحاءِ والثّاءِ المُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ الأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ: «بُحِثَ» بِهِما. بِدُونِ راءٍ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: «بُحْثِرَ» كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ لَكِنْ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ.
العاديات 100:10
﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ أيْ جُمِعَ ما في القُلُوبِ مِنَ العَزائِمِ المُصَمِّمَةِ، وأُظْهِرَ كَإظْهارِ اللُّبِّ مِنَ القِشْرِ، وجَمَعَهُ أوْ مَيَّزَ خَيْرَهُ مِن شَرِّهِ؛ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ حَصَّلَ الشَّيْءَ بِمَعْنى مَيَّزَهُ مِن غَيْرِهِ كَما في البَحْرِ. وأصْلُ التَّحْصِيلِ إخْراجُ اللُّبِّ مِنَ القِشْرِ، كَإخْراجِ الذَّهَبِ مِن حَجَرِ المَعْدِنِ
صفحة 220
والبُرِّ مِنَ التِّبْنِ وتَخْصِيصُ ما في القُلُوبِ لِأنَّهُ الأصْلُ لِأعْمالِ الجَوارِحِ ولِذا كانَتِ الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ وكانَ أوَّلُ الفِكْرِ آخِرَ العَمَلِ، فَجَمِيعُ ما عُمِلَ تابِعٌ لَهُ، فَيَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ صَرِيحًا وكِنايَةً، وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي مَعْدانَ: «وحَصَّلَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ ونَصْرٌ أيْضًا: «حَصَلَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خَفِيفَ الصّادِ فَما عَلَيْهِ هو الفاعِلُ
العاديات 100:11
﴿إنَّ رَبَّهُمْ﴾ أيِ المَبْعُوثِينَ كَنّى عَنْهم بَعْدَ الإحْياءِ الثّانِي بِضَمِيرِ العُقَلاءِ بَعْدَما عَبَّرَ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ بِما بِناءً عَلى تَفاوُتِهِمْ في الحالَيْنِ.
﴿بِهِمْ﴾ بِذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ بِتَفاصِيلِها.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ يَكُونُ ما عُدَّ مِن بَعْثِ ما في القُبُورِ وتَحْصِيلِ ما في الصُّدُورِ، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَخَبِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِظَواهِرِ ما عَمِلُوا وبَواطِنِهِ عِلْمًا مُوجِبًا لِلْجَزاءِ مُتَّصِلًا بِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ، وإلّا فَمُطْلَقُ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما كانَ وما سَيَكُونُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ والحَجّاجُ: «أنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ خَبِيرٌ» بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ وإسْقاطِ لامِ التَّأْكِيدِ، فَأنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَعْمُولٍ لِ «يَعْلَمُ» عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، وأُيِّدَ بِهِ كَوْنُ يَعْلَمُ مُعَلَّقَةً عَنِ العَمَلِ في أنَّ رَبَّهم إلَخْ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ لِمَكانِ اللّامِ وإذا عَلى هَذا لا يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِ «خَبِيرٌ» أيْضًا لِكَوْنِهِ في صِفَةِ أنَّ المَصْدَرِيَّةِ فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْها. ويُعْلَمُ أمْرُهُ مِمّا تَقَدَّمَ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِ «حُصِّلَ» كَأنَّهُ قِيلَ: وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ؛ لِأنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ خَبِيرٌ، والأوَّلُ أظْهَرُ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وأخْبَرُ.
القارعة 101:1
سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وآيُها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً في الكُوفِيِّ وعَشْرٌ في الحِجازِيِّ وثَمانٍ في البَصْرِيِّ والشّامِيِّ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أظْهَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّها القِيامَةُ نَفْسُها ومَبْدَؤُها النَّفْخَةُ الأُولى ومُنْتَهاها فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ، وقِيلَ: صَوْتُ النَّفْخَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وأيًّا ما كانَ فَهي مِنَ القَرْعِ وهو الضَّرْبُ بِشِدَّةٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنهُ صَوْتٌ شَدِيدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها وكَذا ما يُعْلَمُ مِنهُ إعْرابُ ما ذُكِرَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ وقَرَأ عِيسى: «القارِعَةَ» بِالنَّصْبِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ؛ أيِ اذْكُرِ القارِعَةَ.
القارعة 101:2
سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وآيُها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً في الكُوفِيِّ وعَشْرٌ في الحِجازِيِّ وثَمانٍ في البَصْرِيِّ والشّامِيِّ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أظْهَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّها القِيامَةُ نَفْسُها ومَبْدَؤُها النَّفْخَةُ الأُولى ومُنْتَهاها فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ، وقِيلَ: صَوْتُ النَّفْخَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وأيًّا ما كانَ فَهي مِنَ القَرْعِ وهو الضَّرْبُ بِشِدَّةٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنهُ صَوْتٌ شَدِيدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها وكَذا ما يُعْلَمُ مِنهُ إعْرابُ ما ذُكِرَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ وقَرَأ عِيسى: «القارِعَةَ» بِالنَّصْبِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ؛ أيِ اذْكُرِ القارِعَةَ.
القارعة 101:3
سُورَةُ القارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وآيُها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً في الكُوفِيِّ وعَشْرٌ في الحِجازِيِّ وثَمانٍ في البَصْرِيِّ والشّامِيِّ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أظْهَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّها القِيامَةُ نَفْسُها ومَبْدَؤُها النَّفْخَةُ الأُولى ومُنْتَهاها فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ، وقِيلَ: صَوْتُ النَّفْخَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وأيًّا ما كانَ فَهي مِنَ القَرْعِ وهو الضَّرْبُ بِشِدَّةٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنهُ صَوْتٌ شَدِيدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها وكَذا ما يُعْلَمُ مِنهُ إعْرابُ ما ذُكِرَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ وقَرَأ عِيسى: «القارِعَةَ» بِالنَّصْبِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ؛ أيِ اذْكُرِ القارِعَةَ.
القارعة 101:4
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ قِيلَ أيْضًا: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ تَفْخِيمِ أمْرِ القارِعَةِ وتَشْوِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى مَعْرِفَتِها اذْكُرْ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ إلَخْ. فَإنَّهُ يُدْرِيكَ ما هي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ القارِعَةُ؛ أيْ تَقْرَعُ يَوْمَ. وقالَ الحُوفِيُّ: ظَرْفٌ تَأتّى مُقَدَّرًا وبَعْضُهم قَدَّرَ هَذا الفِعْلَ مُقَدَّمًا عَلى القارِعَةِ وجَعَلَها فاعِلًا لَهُ أيْضًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ظَرْفٌ لِلْقارِعَةِ نَفْسِها مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ ولَمْ يُبَيِّنْ أيَّ القَوارِعِ أرادَ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ إنْ أرادَ اللَّفْظَ الأوَّلَ ورَدَ عَلَيْهِ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ وهو في صِلَةِ ألْ والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ وهو لا يَجُوزُ، وإنْ أرادَ الثّانِيَ أوِ الثّالِثَ فَلا يَلْتَئِمُ مَعْنى الظَّرْفِ مَعَهُ. وأُيِّدَ بِقِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ «يَوْمُ» بِالرَّفْعِ عَلى ذَلِكَ، وقَدَّرَ بَعْضُهم المُبْتَدَأ «وقْتَها»؛ والفَراشُ قالَ في الصِّحاحِ: جَمْعُ فَراشَةٍ الَّتِي تَطِيرُ وتَهافَتَ في النّارِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ. وقِيلَ: هو طَيْرٌ رَقِيقٌ يَقْصِدُ النّارَ ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو غَوْغاءُ الجَرادِ الَّذِي يَنْتَشِرُ في الأرْضِ ويَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنَ الهَوْلِ، وقالَ صاحِبُ التَّأْوِيلاتِ: اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِهِ عَلى وُجُوهٍ؛ لَكِنَّ كُلَّها تَرْجِعُ
صفحة 221
إلى مَعْنًى واحِدٍ؛ وهو الإشارَةُ إلى الحَيْرَةِ والِاضْطِرابِ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وقالُوا: شُبِّهُوا في الكَثْرَةِ والِانْتِشارِ والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والمَجِيءِ والذَّهابِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جِهَةٍ حِينِ يَدْعُوهم إلى المَحْشَرِ بِالفَراشِ المُتَفَرِّقِ المُتَطايِرِ قالَ جَرِيرٌ:
إنَّ الفَرَزْدَقَ ما عَلِمْتُ وقَوْمَهُ مِثْلَ الفَراشِ غَشِينَ نارَ المُصْطَلِي
القارعة 101:5
﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيِ الصُّوفِ مُطْلَقًا أوِ المَصْبُوغِ كَما قَيَّدَهُ الرّاغِبُ بِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في المَعارِجِ وكانَ بِمَعْنى صارَ؛ أيْ: وتَصِيرُ جَمِيعُ الجِبالِ كالعِهْنِ.
﴿المَنفُوشِ﴾ المُفَرَّقِ بِالأُصْبُعِ ونَحْوِها في تَفَرُّقِ أجْزائِها وتَطايُرِها في الجَوِّ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ غَيْرُ آيَةٍ.
القارعة 101:6
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ إلى آخِرِهِ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لَتَحَزَّبِ النّاسِ حِزْبَيْنِ وتَنْبِيهٌ عَلى كَيْفِيَّةِ الأحْوالِ الخاصَّةِ بِكُلٍّ مِنهُما إثْرَ بَيانِ الأحْوالِ الشّامِلَةِ لِلْكُلِّ.
وهَذا إشارَةٌ إلى وزْنِ الأعْمالِ وهو مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ حَقِيقَةً ولا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ، ويَكُونُ بَعْدَ تَطايُرِ الصُّحُفِ وأخْذِها بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ وبَعْدَ السُّؤالِ والحِسابِ كَما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ. وجَزَمَ بِهِ صاحِبُ كَنْزِ الأسْرارِ بِمِيزانٍ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ كَإطْباقِ السَّماواتِ والأرْضِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِماهِيَّتِهِ. وقَدْ رُوِيَ القَوْلُ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وعَزاهُ في شَرْحِ المَقاصِدِ لِكَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ ومَكانُهُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ كَما في نَوادِرِ الأُصُولِ، وذَكَرَ: يَتَقَبَّلُ بِهِ العَرْشَ، يَأْخُذُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَمُودِهِ ناظِرًا إلى لِسانِهِ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمِينٌ عَلَيْهِ، والأشْهَرُ الأصَحُّ أنَّهُ مِيزانٌ واحِدٌ كَما ذَكَرْنا لِجَمِيعِ الأُمَمِ ولِجَمِيعِ الأعْمالِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ( مَوازِينُهُ ) وهو جَمْعُ مِيزانٍ، وأصْلُهُ مُوزانٌ بِالواوِ لَكِنْ قُلِبَتْ ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها قِيلَ لِلتَّعْظِيمِ كالجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ في وجْهٍ أوْ بِاعْتِبارِ أجْزائِهِ نَحْوَ: شابَتْ مُفارِقُهُ أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأفْرادِ لِلتَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ:
لَمَعانُ بَرْقٍ أوْ شُعاعُ شُمُوسٍ
وزَعَمَ الرّازِيُّ عَلى ما نُقِلَ عَنْهُ أنَّ فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا. وقالَ آخَرُونَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ فَتُصَوَّرُ الصّالِحَةُ بِصُوَرٍ حَسَنَةٍ نُورانِيَّةٍ ثُمَّ تُطْرَحُ في كِفَّةِ النُّورِ وهي اليُمْنى المُعَدَّةُ لِلْحَسَناتِ فَتَثْقُلُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، وتُصَوَّرَ الأعْمالُ السَّيِّئَةُ بِصُوَرٍ قَبِيحَةٍ ظُلْمانِيَّةٍ ثُمَّ تُطْرَحُ في كِفِّةِ الظُّلْمَةِ وهي الشِّمالُ فَتُخَفَّفُ بِعَدْلِ اللَّهِ تَعالى، وامْتِناعُ قَلْبِ الحَقائِقِ في مَقامِ خَرْقِ العاداتِ مَمْنُوعٌ أوْ مُقَيَّدٌ بِبَقاءِ آثارِ الحَقِيقَةِ الأُولى، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ أجْسامًا عَلى عَدَدِ تِلْكَ الأعْمالِ مِن غَيْرِ قَلْبٍ لَها، وادَّعى أنَّ فِيهِ أثَرًا. والظّاهِرُ أنَّ الثِّقَلَ والخِفَّةَ مِثْلُهُما في الدُّنْيا؛ فَما ثَقُلَ نَزَلَ إلى أسْفَلَ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ إلى عِلِّيِّينَ وما خَفَّ طاشَ إلى أعْلى ثُمَّ نَزَلَ إلى سِجِّينٍ، وبِهِ صَرَّحالقُرْطُبِيُّ وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: هُما عَلى خِلافِ ما في الدُّنْيا، وأنَّ عَمَلَ المُؤْمِنِ إذا رَجَحَ صَعِدَ وثَقُلَتْ سَيِّئاتُهُ، وأنَّ الكافِرَ تَثْقُلُ كِفَّتُهُ لِخُلُوِّ الأُخْرى مِنَ الحَسَناتِ ثُمَّ تَلا: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وفي كَوْنِهِ دَلِيلًا نَظَرٌ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ صِفَةَ الوَزْنِ أنْ يُجْعَلَ جَمِيعُ أعْمالِ العِبادِ في المِيزانِ مَرَّةً واحِدَةً؛ الحَسَناتُ في كِفَّةِ النُّورِ، عَنْ يَمِينِ العَرْشِ جِهَةَ الجَنَّةِ، والسَّيِّئاتُ في كِفَّةِ الظُّلْمَةِ جِهَةَ النّارِ، ويَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى لِكُلِّ إنْسانٍ عِلْمًا ضَرُورِيًّا يُدْرَكُ بِهِ خِفَّةَ أعْمالِهِ وثِقَلَها. وقِيلَ نَحْوُهُ إلّا أنَّ عَلامَةَ الرُّجْحانِ عَمُودٌ مِن نُورٍ يَثُورُ مِن كِفَّةِ الحَسَناتِ حَتّى يَكْسُوَ كِفَّةَ السَّيِّئاتِ، وعَلامَةُ الخِفَّةِ عَمُودُ ظُلْمَةٍ يَثُورُ مِن كِفَّةِ السَّيِّئاتِ حَتّى يَكْسُوَ كِفَّةَ الحَسَناتِ فالكَيْفِيّاتُ أرْبَعٌ وسَتَظْهَرُ حَقِيقَةُ الحالِ بِالعِيانِ وهو كَما قالَ القُرْطُبِيُّ: لا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ لِما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««فَيُقالُ: يا مُحَمَّدُ، أدْخِلِ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البابِ الأيْمَنِ»» الحَدِيثَ. وأحْرى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ وإنَّما يَبْقى الوَزْنُ لِمَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وذَكَرَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ أنَّ أهْلَ الصَّبْرِ لا تُوزَنُ أعْمالُهم وإنَّما يُصَبُّ لَهُمُ
صفحة 222
الأجْرُ صَبًّا. والظّاهِرُ أنَّهُ يُدْرَجُ المُنافِقُ في الكافِرِ، والحَقُّ أنَّ أعْمالَهم مُطْلَقًا تُوزَنُ لِظَواهِرِ الآياتِ والأحادِيثِ الكَثِيرَةِ. والمُرادُ في الآيَةِ وزْنًا نافِعًا. والصَّحِيحُ أنَّ الجِنَّ مُؤْمِنَهم وكافِرَهم كالإنْسِ في هَذا الشَّأْنِ كَما قُرِّرَ في مَحَلِّهِ. والتَّقْسِيمُ فِيما نَحْنُ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ القُرْطُبِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن تُوزَنُ أعْمالُهُ لا بِالنِّسْبَةِ إلى النّاسِ مُطْلَقًا. وأنْكَرَ المُعْتَزِلَةُ الوَزْنَ حَقِيقَةً، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةُ مِنهم مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ والأعْمَشُ قالُوا: إنَّ الأعْمالَ أعْراضٌ إنْ أمْكَنَ بَقاؤُها لا يُمْكِنُ وزْنُها، فالوَزْنُ عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ السَّوِيِّ والحُكْمِ العادِلِ، وجَوَّزُوا فِيما هُنا أنْ تَكُونَ المَوازِينُ جَمْعَ مَوْزُونٍ؛ وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأنَّ مَعْنى ثِقَلِها رُجْحانُها، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ أيْ فَمَن تَرَجَّحَتْ مَقادِيرُ حَسَناتِهِ ورُتَبُها ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ المَشْهُورُ جَعْلُ ذَلِكَ مِن بابِ النَّسَبِ؛ أيْ ذاتِ رِضًا. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( راضِيَةٍ ) بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ مَرَضِيَّةٍ عَلى التَّجَوُّزِ في الكَلِمَةِ نَفْسِها، وأنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا وهو حَقِيقَةٌ إلى صاحِبِ العِيشَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ عَلى ما قُرِّرَ في كُتُبِ المَعانِي لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ هاهُنا كَلامًا نَفِيسًا؛ وهو أنَّ ما كانَ لِلنَّسَبِ يُؤَوَّلُ بِذِي كَذا فَلا يُؤَنَّثُ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلى مَوْصُوفٍ فَأُلْحِقَ بِالجَوامِدِ، ونُقِلَ عَنِ السِّيرافِيِّ أنَّهُ قالَ: يَقْدَحُ فِيما عَلَّلُوا بِهِ سُقُوطَ الهاءِ في ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ بِمَعْنى أنَّها راضِيَةٌ أهْلَها فَهي مُلازِمَةٌ لَهم راضِيَةٌ بِهِمْ. والآخَرُ أنْ تَكُونَ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ورَوّايَةٍ ووُجِّهَ بِأنَّ الهاءَ لَزِمَتْ لِئَلّا تَسْقُطَ الياءُ فَيُخِلُّ بِالبِنْيَةِ كَناقَةٍ مُشْلِيَةٍ وكَلْبَةٍ مُجْرِيَةٍ وهم يَقُولُونَ: ظَبْيَةٌ مُطْفِلٌ ومُشْدِنٌ وبابُ مُفْعِلٍ ومِفْعالٍ لا يُؤَنَّثُ. وقَدْ أدْخَلُوا الهاءَ في بَعْضِهِ كَمِصَكَّةٍ. انْتَهى.
ثُمَّ قالَ: إنَّ هَذا حَقِيقٌ بِالقَبُولِ ومُحَصَّلُهُ الجَوابُ بِوُجُوهٍ: أحَدُهُما: أنَّ ( راضِيَةٍ ) هُنا فِيهِ لَيْسَ مِن بابِ النَّسَبِ بَلْ هو اسْمُ فاعِلٍ أُرِيدَ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ؛ لِأنَّ مَن شاءَ شَيْئًا ورَضِيَ بِهِ لازَمَهُ فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ أوِ اسْتِعارَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ مَجازٌ في الإسْنادِ وما ذُكِرَ بَيانٌ لِمَعْناهُ الثّانِي أنَّ الهاءَ لِلْمُبالَغَةِ ولا تَخْتَصُّ بِفَعّالٍ، ولِذا مَثَّلَ بِرَوّايَةٍ أيْضًا، والثّالِثُ أنَّهُ يَجُوزُ إلْحاقُ الهاءِ في المُعْتَلِّ لِحِفْظِ البِنْيَةِ ومِصَكَّةٌ إمّا شاذًّا ولِتَشْبِيهِ المُضاعَفِ بِالمُعْتَلِّ انْتَهى. فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ نَفِيسٌ خَلا عَنْهُ أكْثَرُ الكُتُبِ.
القارعة 101:7
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ إلى آخِرِهِ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لَتَحَزَّبِ النّاسِ حِزْبَيْنِ وتَنْبِيهٌ عَلى كَيْفِيَّةِ الأحْوالِ الخاصَّةِ بِكُلٍّ مِنهُما إثْرَ بَيانِ الأحْوالِ الشّامِلَةِ لِلْكُلِّ.
وهَذا إشارَةٌ إلى وزْنِ الأعْمالِ وهو مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ حَقِيقَةً ولا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ، ويَكُونُ بَعْدَ تَطايُرِ الصُّحُفِ وأخْذِها بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ وبَعْدَ السُّؤالِ والحِسابِ كَما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ. وجَزَمَ بِهِ صاحِبُ كَنْزِ الأسْرارِ بِمِيزانٍ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ كَإطْباقِ السَّماواتِ والأرْضِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِماهِيَّتِهِ. وقَدْ رُوِيَ القَوْلُ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وعَزاهُ في شَرْحِ المَقاصِدِ لِكَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ ومَكانُهُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ كَما في نَوادِرِ الأُصُولِ، وذَكَرَ: يَتَقَبَّلُ بِهِ العَرْشَ، يَأْخُذُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَمُودِهِ ناظِرًا إلى لِسانِهِ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمِينٌ عَلَيْهِ، والأشْهَرُ الأصَحُّ أنَّهُ مِيزانٌ واحِدٌ كَما ذَكَرْنا لِجَمِيعِ الأُمَمِ ولِجَمِيعِ الأعْمالِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ( مَوازِينُهُ ) وهو جَمْعُ مِيزانٍ، وأصْلُهُ مُوزانٌ بِالواوِ لَكِنْ قُلِبَتْ ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها قِيلَ لِلتَّعْظِيمِ كالجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ في وجْهٍ أوْ بِاعْتِبارِ أجْزائِهِ نَحْوَ: شابَتْ مُفارِقُهُ أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأفْرادِ لِلتَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ:
لَمَعانُ بَرْقٍ أوْ شُعاعُ شُمُوسٍ
وزَعَمَ الرّازِيُّ عَلى ما نُقِلَ عَنْهُ أنَّ فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا. وقالَ آخَرُونَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ فَتُصَوَّرُ الصّالِحَةُ بِصُوَرٍ حَسَنَةٍ نُورانِيَّةٍ ثُمَّ تُطْرَحُ في كِفَّةِ النُّورِ وهي اليُمْنى المُعَدَّةُ لِلْحَسَناتِ فَتَثْقُلُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، وتُصَوَّرَ الأعْمالُ السَّيِّئَةُ بِصُوَرٍ قَبِيحَةٍ ظُلْمانِيَّةٍ ثُمَّ تُطْرَحُ في كِفِّةِ الظُّلْمَةِ وهي الشِّمالُ فَتُخَفَّفُ بِعَدْلِ اللَّهِ تَعالى، وامْتِناعُ قَلْبِ الحَقائِقِ في مَقامِ خَرْقِ العاداتِ مَمْنُوعٌ أوْ مُقَيَّدٌ بِبَقاءِ آثارِ الحَقِيقَةِ الأُولى، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ أجْسامًا عَلى عَدَدِ تِلْكَ الأعْمالِ مِن غَيْرِ قَلْبٍ لَها، وادَّعى أنَّ فِيهِ أثَرًا. والظّاهِرُ أنَّ الثِّقَلَ والخِفَّةَ مِثْلُهُما في الدُّنْيا؛ فَما ثَقُلَ نَزَلَ إلى أسْفَلَ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ إلى عِلِّيِّينَ وما خَفَّ طاشَ إلى أعْلى ثُمَّ نَزَلَ إلى سِجِّينٍ، وبِهِ صَرَّحالقُرْطُبِيُّ وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: هُما عَلى خِلافِ ما في الدُّنْيا، وأنَّ عَمَلَ المُؤْمِنِ إذا رَجَحَ صَعِدَ وثَقُلَتْ سَيِّئاتُهُ، وأنَّ الكافِرَ تَثْقُلُ كِفَّتُهُ لِخُلُوِّ الأُخْرى مِنَ الحَسَناتِ ثُمَّ تَلا: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وفي كَوْنِهِ دَلِيلًا نَظَرٌ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ صِفَةَ الوَزْنِ أنْ يُجْعَلَ جَمِيعُ أعْمالِ العِبادِ في المِيزانِ مَرَّةً واحِدَةً؛ الحَسَناتُ في كِفَّةِ النُّورِ، عَنْ يَمِينِ العَرْشِ جِهَةَ الجَنَّةِ، والسَّيِّئاتُ في كِفَّةِ الظُّلْمَةِ جِهَةَ النّارِ، ويَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى لِكُلِّ إنْسانٍ عِلْمًا ضَرُورِيًّا يُدْرَكُ بِهِ خِفَّةَ أعْمالِهِ وثِقَلَها. وقِيلَ نَحْوُهُ إلّا أنَّ عَلامَةَ الرُّجْحانِ عَمُودٌ مِن نُورٍ يَثُورُ مِن كِفَّةِ الحَسَناتِ حَتّى يَكْسُوَ كِفَّةَ السَّيِّئاتِ، وعَلامَةُ الخِفَّةِ عَمُودُ ظُلْمَةٍ يَثُورُ مِن كِفَّةِ السَّيِّئاتِ حَتّى يَكْسُوَ كِفَّةَ الحَسَناتِ فالكَيْفِيّاتُ أرْبَعٌ وسَتَظْهَرُ حَقِيقَةُ الحالِ بِالعِيانِ وهو كَما قالَ القُرْطُبِيُّ: لا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ لِما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««فَيُقالُ: يا مُحَمَّدُ، أدْخِلِ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البابِ الأيْمَنِ»» الحَدِيثَ. وأحْرى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ وإنَّما يَبْقى الوَزْنُ لِمَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وذَكَرَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ أنَّ أهْلَ الصَّبْرِ لا تُوزَنُ أعْمالُهم وإنَّما يُصَبُّ لَهُمُ
صفحة 222
الأجْرُ صَبًّا. والظّاهِرُ أنَّهُ يُدْرَجُ المُنافِقُ في الكافِرِ، والحَقُّ أنَّ أعْمالَهم مُطْلَقًا تُوزَنُ لِظَواهِرِ الآياتِ والأحادِيثِ الكَثِيرَةِ. والمُرادُ في الآيَةِ وزْنًا نافِعًا. والصَّحِيحُ أنَّ الجِنَّ مُؤْمِنَهم وكافِرَهم كالإنْسِ في هَذا الشَّأْنِ كَما قُرِّرَ في مَحَلِّهِ. والتَّقْسِيمُ فِيما نَحْنُ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ القُرْطُبِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن تُوزَنُ أعْمالُهُ لا بِالنِّسْبَةِ إلى النّاسِ مُطْلَقًا. وأنْكَرَ المُعْتَزِلَةُ الوَزْنَ حَقِيقَةً، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةُ مِنهم مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ والأعْمَشُ قالُوا: إنَّ الأعْمالَ أعْراضٌ إنْ أمْكَنَ بَقاؤُها لا يُمْكِنُ وزْنُها، فالوَزْنُ عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ السَّوِيِّ والحُكْمِ العادِلِ، وجَوَّزُوا فِيما هُنا أنْ تَكُونَ المَوازِينُ جَمْعَ مَوْزُونٍ؛ وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأنَّ مَعْنى ثِقَلِها رُجْحانُها، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ أيْ فَمَن تَرَجَّحَتْ مَقادِيرُ حَسَناتِهِ ورُتَبُها ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ المَشْهُورُ جَعْلُ ذَلِكَ مِن بابِ النَّسَبِ؛ أيْ ذاتِ رِضًا. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( راضِيَةٍ ) بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ مَرَضِيَّةٍ عَلى التَّجَوُّزِ في الكَلِمَةِ نَفْسِها، وأنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا وهو حَقِيقَةٌ إلى صاحِبِ العِيشَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ عَلى ما قُرِّرَ في كُتُبِ المَعانِي لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ هاهُنا كَلامًا نَفِيسًا؛ وهو أنَّ ما كانَ لِلنَّسَبِ يُؤَوَّلُ بِذِي كَذا فَلا يُؤَنَّثُ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلى مَوْصُوفٍ فَأُلْحِقَ بِالجَوامِدِ، ونُقِلَ عَنِ السِّيرافِيِّ أنَّهُ قالَ: يَقْدَحُ فِيما عَلَّلُوا بِهِ سُقُوطَ الهاءِ في ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ بِمَعْنى أنَّها راضِيَةٌ أهْلَها فَهي مُلازِمَةٌ لَهم راضِيَةٌ بِهِمْ. والآخَرُ أنْ تَكُونَ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ورَوّايَةٍ ووُجِّهَ بِأنَّ الهاءَ لَزِمَتْ لِئَلّا تَسْقُطَ الياءُ فَيُخِلُّ بِالبِنْيَةِ كَناقَةٍ مُشْلِيَةٍ وكَلْبَةٍ مُجْرِيَةٍ وهم يَقُولُونَ: ظَبْيَةٌ مُطْفِلٌ ومُشْدِنٌ وبابُ مُفْعِلٍ ومِفْعالٍ لا يُؤَنَّثُ. وقَدْ أدْخَلُوا الهاءَ في بَعْضِهِ كَمِصَكَّةٍ. انْتَهى.
ثُمَّ قالَ: إنَّ هَذا حَقِيقٌ بِالقَبُولِ ومُحَصَّلُهُ الجَوابُ بِوُجُوهٍ: أحَدُهُما: أنَّ ( راضِيَةٍ ) هُنا فِيهِ لَيْسَ مِن بابِ النَّسَبِ بَلْ هو اسْمُ فاعِلٍ أُرِيدَ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ؛ لِأنَّ مَن شاءَ شَيْئًا ورَضِيَ بِهِ لازَمَهُ فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ أوِ اسْتِعارَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ مَجازٌ في الإسْنادِ وما ذُكِرَ بَيانٌ لِمَعْناهُ الثّانِي أنَّ الهاءَ لِلْمُبالَغَةِ ولا تَخْتَصُّ بِفَعّالٍ، ولِذا مَثَّلَ بِرَوّايَةٍ أيْضًا، والثّالِثُ أنَّهُ يَجُوزُ إلْحاقُ الهاءِ في المُعْتَلِّ لِحِفْظِ البِنْيَةِ ومِصَكَّةٌ إمّا شاذًّا ولِتَشْبِيهِ المُضاعَفِ بِالمُعْتَلِّ انْتَهى. فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ نَفِيسٌ خَلا عَنْهُ أكْثَرُ الكُتُبِ.
القارعة 101:8
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ بِأنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْتَدُّ بِها أوْ ثَقُلَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ ﴿فَأُمُّهُ﴾ أيْ: فَمَأْواهُ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ ﴿هاوِيَةٌ﴾ أُرِيدَ بِها النّارُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ .
فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لَها بَعْدَ إبْهامِها والإشْعارِ بِخُرُوجِها عَنِ المَعْهُودِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. وذُكِرَ أنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْها لِغايَةِ عُمْقِها وبُعْدِ مَهْواها، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أهْلَ النّارِ تَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا وخَصَّها بَعْضُهم بِالبابِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ وعَبَّرَ عَنِ المَأْوى بِالأُمِّ عَلى التَّشْبِيهِ بِها فالأُمُّ مَفْزَعُ الوَلَدِ ومَأْواهُ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِ. وقِيلَ: شَبَّهَ النّارَ بِالأُمِّ في أنَّها تُحِيطُ بِهِ إحاطَةَ رَحِمِ الوَلَدِ بِالأُمِّ. وعَنْ قَتادَةَ وأبِي صالِحٍ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ وغَيْرِهِمْ: المَعْنى فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ قَتادَةَ هو مِن قَوْلِهِمْ إذا دَعَوْا عَلى الرَّجُلِ بِالهَلَكَةِ:
هَوَتْ أُمُّهُ؛ لِأنَّهُ إذا هَوى أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ:
هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا وماذا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَؤُوبُ
وفِي الكَشْفِ أنَّ هَذا أحْسَنُ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ. وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ الأظْهَرُ ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ. والضَّمِيرُ أعْنِي هي عَلَيْهِ لِلدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها الكَلامُ، وعَلى ما قَدَّمْنا لِ «هاوِيَةٌ». وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في نارٍ وما أدْراكَ ماهِيَهْ إلَخْ.
والهاءُ المُلْحَقَةُ في ﴿هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. ورُفِعَ ﴿نارٌ﴾ عَلى أنَّها خَبَرُ
صفحة 223
مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي نارٌ. و«حامِيَةٌ» نَعْتٌ لَها وهو مِنَ الحُمّى اشْتِدادُ الحُرِّ قالَ في القامُوسِ: حَمى الشَّمْسُ والنّارُ حَمْيًا وحُمِيًّا وحَمْوًا اشْتَدَّ حَرُّهُما. وجَعَلَهُ بَعْضُهم عَلى ما قِيلَ مِن حَمِيَتِ القِدْرُ فَهي مَحْمِيَّةٌ، فَفَسَّرَهُ بِذاتِ حُمّى، وهو كَما تَرى.
وقَرَأ طَلْحَةُ: «فَإمُّهُ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَيَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
القارعة 101:9
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ بِأنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْتَدُّ بِها أوْ ثَقُلَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ ﴿فَأُمُّهُ﴾ أيْ: فَمَأْواهُ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ ﴿هاوِيَةٌ﴾ أُرِيدَ بِها النّارُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ .
فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لَها بَعْدَ إبْهامِها والإشْعارِ بِخُرُوجِها عَنِ المَعْهُودِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. وذُكِرَ أنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْها لِغايَةِ عُمْقِها وبُعْدِ مَهْواها، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أهْلَ النّارِ تَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا وخَصَّها بَعْضُهم بِالبابِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ وعَبَّرَ عَنِ المَأْوى بِالأُمِّ عَلى التَّشْبِيهِ بِها فالأُمُّ مَفْزَعُ الوَلَدِ ومَأْواهُ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِ. وقِيلَ: شَبَّهَ النّارَ بِالأُمِّ في أنَّها تُحِيطُ بِهِ إحاطَةَ رَحِمِ الوَلَدِ بِالأُمِّ. وعَنْ قَتادَةَ وأبِي صالِحٍ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ وغَيْرِهِمْ: المَعْنى فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ قَتادَةَ هو مِن قَوْلِهِمْ إذا دَعَوْا عَلى الرَّجُلِ بِالهَلَكَةِ:
هَوَتْ أُمُّهُ؛ لِأنَّهُ إذا هَوى أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ:
هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا وماذا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَؤُوبُ
وفِي الكَشْفِ أنَّ هَذا أحْسَنُ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ. وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ الأظْهَرُ ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ. والضَّمِيرُ أعْنِي هي عَلَيْهِ لِلدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها الكَلامُ، وعَلى ما قَدَّمْنا لِ «هاوِيَةٌ». وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في نارٍ وما أدْراكَ ماهِيَهْ إلَخْ.
والهاءُ المُلْحَقَةُ في ﴿هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. ورُفِعَ ﴿نارٌ﴾ عَلى أنَّها خَبَرُ
صفحة 223
مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي نارٌ. و«حامِيَةٌ» نَعْتٌ لَها وهو مِنَ الحُمّى اشْتِدادُ الحُرِّ قالَ في القامُوسِ: حَمى الشَّمْسُ والنّارُ حَمْيًا وحُمِيًّا وحَمْوًا اشْتَدَّ حَرُّهُما. وجَعَلَهُ بَعْضُهم عَلى ما قِيلَ مِن حَمِيَتِ القِدْرُ فَهي مَحْمِيَّةٌ، فَفَسَّرَهُ بِذاتِ حُمّى، وهو كَما تَرى.
وقَرَأ طَلْحَةُ: «فَإمُّهُ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَيَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
القارعة 101:10
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ بِأنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْتَدُّ بِها أوْ ثَقُلَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ ﴿فَأُمُّهُ﴾ أيْ: فَمَأْواهُ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ ﴿هاوِيَةٌ﴾ أُرِيدَ بِها النّارُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ .
فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لَها بَعْدَ إبْهامِها والإشْعارِ بِخُرُوجِها عَنِ المَعْهُودِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. وذُكِرَ أنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْها لِغايَةِ عُمْقِها وبُعْدِ مَهْواها، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أهْلَ النّارِ تَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا وخَصَّها بَعْضُهم بِالبابِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ وعَبَّرَ عَنِ المَأْوى بِالأُمِّ عَلى التَّشْبِيهِ بِها فالأُمُّ مَفْزَعُ الوَلَدِ ومَأْواهُ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِ. وقِيلَ: شَبَّهَ النّارَ بِالأُمِّ في أنَّها تُحِيطُ بِهِ إحاطَةَ رَحِمِ الوَلَدِ بِالأُمِّ. وعَنْ قَتادَةَ وأبِي صالِحٍ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ وغَيْرِهِمْ: المَعْنى فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ قَتادَةَ هو مِن قَوْلِهِمْ إذا دَعَوْا عَلى الرَّجُلِ بِالهَلَكَةِ:
هَوَتْ أُمُّهُ؛ لِأنَّهُ إذا هَوى أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ:
هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا وماذا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَؤُوبُ
وفِي الكَشْفِ أنَّ هَذا أحْسَنُ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ. وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ الأظْهَرُ ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ. والضَّمِيرُ أعْنِي هي عَلَيْهِ لِلدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها الكَلامُ، وعَلى ما قَدَّمْنا لِ «هاوِيَةٌ». وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في نارٍ وما أدْراكَ ماهِيَهْ إلَخْ.
والهاءُ المُلْحَقَةُ في ﴿هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. ورُفِعَ ﴿نارٌ﴾ عَلى أنَّها خَبَرُ
صفحة 223
مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي نارٌ. و«حامِيَةٌ» نَعْتٌ لَها وهو مِنَ الحُمّى اشْتِدادُ الحُرِّ قالَ في القامُوسِ: حَمى الشَّمْسُ والنّارُ حَمْيًا وحُمِيًّا وحَمْوًا اشْتَدَّ حَرُّهُما. وجَعَلَهُ بَعْضُهم عَلى ما قِيلَ مِن حَمِيَتِ القِدْرُ فَهي مَحْمِيَّةٌ، فَفَسَّرَهُ بِذاتِ حُمّى، وهو كَما تَرى.
وقَرَأ طَلْحَةُ: «فَإمُّهُ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَيَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
القارعة 101:11
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ بِأنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْتَدُّ بِها أوْ ثَقُلَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ ﴿فَأُمُّهُ﴾ أيْ: فَمَأْواهُ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ ﴿هاوِيَةٌ﴾ أُرِيدَ بِها النّارُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ .
فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لَها بَعْدَ إبْهامِها والإشْعارِ بِخُرُوجِها عَنِ المَعْهُودِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. وذُكِرَ أنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْها لِغايَةِ عُمْقِها وبُعْدِ مَهْواها، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أهْلَ النّارِ تَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا وخَصَّها بَعْضُهم بِالبابِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ وعَبَّرَ عَنِ المَأْوى بِالأُمِّ عَلى التَّشْبِيهِ بِها فالأُمُّ مَفْزَعُ الوَلَدِ ومَأْواهُ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِ. وقِيلَ: شَبَّهَ النّارَ بِالأُمِّ في أنَّها تُحِيطُ بِهِ إحاطَةَ رَحِمِ الوَلَدِ بِالأُمِّ. وعَنْ قَتادَةَ وأبِي صالِحٍ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ وغَيْرِهِمْ: المَعْنى فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ قَتادَةَ هو مِن قَوْلِهِمْ إذا دَعَوْا عَلى الرَّجُلِ بِالهَلَكَةِ:
هَوَتْ أُمُّهُ؛ لِأنَّهُ إذا هَوى أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ:
هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا وماذا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَؤُوبُ
وفِي الكَشْفِ أنَّ هَذا أحْسَنُ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ. وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ الأظْهَرُ ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ. والضَّمِيرُ أعْنِي هي عَلَيْهِ لِلدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها الكَلامُ، وعَلى ما قَدَّمْنا لِ «هاوِيَةٌ». وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في نارٍ وما أدْراكَ ماهِيَهْ إلَخْ.
والهاءُ المُلْحَقَةُ في ﴿هِيَهْ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ. ورُفِعَ ﴿نارٌ﴾ عَلى أنَّها خَبَرُ
صفحة 223
مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي نارٌ. و«حامِيَةٌ» نَعْتٌ لَها وهو مِنَ الحُمّى اشْتِدادُ الحُرِّ قالَ في القامُوسِ: حَمى الشَّمْسُ والنّارُ حَمْيًا وحُمِيًّا وحَمْوًا اشْتَدَّ حَرُّهُما. وجَعَلَهُ بَعْضُهم عَلى ما قِيلَ مِن حَمِيَتِ القِدْرُ فَهي مَحْمِيَّةٌ، فَفَسَّرَهُ بِذاتِ حُمّى، وهو كَما تَرى.
وقَرَأ طَلْحَةُ: «فَإمُّهُ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَيَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
التكاثر 102:1
سُورَةُ التَّكاثُرِ
وكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي هِلالٍ يُسَمُّونَها المَقْبَرَةَ وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ أبُو حَيّانَ عِنْدَ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: عَلى الأشْهَرِ، ويَدُلُّ لِكَوْنِها مَدَنِيَّةً وهو المُخْتارُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرَيْدَةَ فِيها. قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ في بَنِي حارِثَةَ وبَنِي الحارِثِ تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا فَقالَتْ إحْداهُما: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ وفُلانٍ؟ وقالَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، تَفاخَرُوا بِالأحْياءِ ثُمَّ قالُوا:
انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ؟ تُشِيرُ إلى القَبْرِ ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلَخْ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: كُنّا نَرى هَذا مِنَ القُرْآنِ: «لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِن مالٍ لَتَمَنّى وادِيًا ثالِثًا، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ». حَتّى نَزَلَتْ: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ. إلَخْ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: ما زِلْنا نَشُكُّ في عَذابِ القَبْرِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ .
وعَذابُ القَبْرِ لَمْ يُذْكَرْ إلّا في المَدِينَةِ كَما في الصَّحِيحِ في قِصَّةِ اليَهُودِيَّةِ. انْتَهى. ولِقُوَّةِ الأدِلَّةِ عَلى مَدَنِيَّتِها قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ إنَّهُ الحَقُّ. وآيُها ثَمانٍ بِالِاتِّفاقِ، وهي تَعْدِلُ ألْفَ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ.
أخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ألا يَسْتَطِيعُ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ؟». قالُوا: ومَن يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ؟
قالَ: «أما يَسْتَطِيعُ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ؟»».
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ألْفَ آيَةٍ لَقِيَ اللَّهَ تَعالى وهو ضاحِكٌ في وجْهِهِ» فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن يَقْوى عَلى ألْفِ آيَةٍ؟ فَقَرَأ سُورَةَ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ إلى آخِرِها، ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ألْفَ آيَةٍ»».
وذَكَرَ ناصِرُ الدِّينِ بْنُ المَيْلَقِ في سِرِّ ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ سِتَّةُ آلافٍ ومِائَتا آيَةٍ وكَسْرٌ، فَإذا تَرَكْنا الكَسْرَ كانَ الألْفُ سُدْسَ القُرْآنِ وهَذِهِ السُّورَةُ تَشْتَمِلُ عَلى سُدْسٍ مِن مَقاصِدِ القُرْآنِ؛ فَإنَّها عَلى ما ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ سِتَّةٌ: ثَلاثَةٌ مُهِمَّةٌ؛ وهي تَعْرِيفُ المَدْعُوِّ إلَيْهِ، وتَعْرِيفُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وتَعْرِيفُ الحالِ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وثَلاثَةٌ مُتِمَّةٌ؛ وهي تَعْرِيفُ أحْوالِ المُطِيعِينَ وحِكايَةُ أقْوالِ الجاحِدِينَ، وتَعْرِيفُ مَنازِلِ الطَّرِيقِ وأحَدُها مَعْرِفَةُ الآخِرَةِ المُشارِ إلَيْهِ بِتَعْرِيفِ الحالِ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ تَعالى المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ السُّورَةُ. والتَّعْبِيرُ عَلى هَذا المَعْنى بِألْفِ آيَةٍ أفْخَمُ وأجَلُّ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالسُّدْسِ. انْتَهى. والأمْرُ -واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- وراءَ ذَلِكَ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألْهاكُمُ﴾ أيْ: شَغَلَكُمْ، وأصْلُ اللَّهْوِ الغَفْلَةُ، ثُمَّ شاعَ في كُلِّ شاغِلٍ وخَصَّهُ العُرْفُ بِالشّاغِلِ الَّذِي يَسُرُّ المَرْءَ وهو قَرِيبٌ مِنَ اللَّعِبِ؛ ولِذا ورَدَ بِمَعْناهُ كَثِيرًا. وقالَ الرّاغِبُ: اللَّهْوُ ما يَشْغَلُكَ عَمّا يَعْنِي ويَهُمُّ. وقِيلَ: ولَيْسَ بِذاكَ. المُرادُ بِهِ هُنا الغَفْلَةُ والمَعْنى: جَعَلَكم لاهِينَ غافِلِينَ.
﴿التَّكاثُرُ﴾ أيِ التَّبارِي في الكَثْرَةِ والتَّباهِي بِها بِأنْ يَقُولَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أكْثَرُ وهَؤُلاءِ نَحْنُ أكْثَرُ.
التكاثر 102:2
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ حَتّى إذا اسْتَوْعَبْتُمْ عَدَدَ الأحْياءِ
صفحة 224
صِرْتُمْ إلى المَقابِرِ وانْتَقَلْتُمْ إلى ذِكْرِ مَن فِيها فَتَكاثَرْتُمْ بِالأمْواتِ، فالغايَةُ داخِلَةٌ في المُغَيّا، وقَدْ تَقَدَّمَ مِن سَبَبِ النُّزُولِ ما يُوَضِّحُ ذَلِكَ. وعَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ تَفاخَرُوا أيُّهم أكْثَرُ عَدَدًا فَكَثَرَتْهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ فَقالَتْ بَنُو سَهْمٍ: إنِ البَغْيَ أهْلَكَنا في الجاهِلِيَّةِ فَعادُّونا بِالأحْياءِ والأمْواتِ فَكَثَرَتْهم بَنُو سَهْمٍ، وزِيارَةُ المَقابِرِ عَلى ما تَقَدَّمَ عَلى ظاهِرِها، وأمّا عَلى هَذا فَقَدْ عَبَّرَ بِها عَنْ بُلُوغِهِمْ ذِكْرَ المَوْتى كِنايَةً أوْ مَجازًا، واسْتُحْسِنَ جَعْلُهُ تَمْثِيلًا، وفي الكَشّافِ: عَبَّرَ بِذَلِكَ عَمّا ذُكِرَ تَهَكُّمًا بِهِمْ، ووَجَّهَ بَعْضٌ بِأنَّهُ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتُمْ في فِعْلِكم هَذا كَمَنَ يَزُورُ القُبُورَ مِن غَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وبَعْضٌ آخَرُ بِأنَّ زِيارَةَ القُبُورِ لِلِاتِّعاظِ وتَذَكُّرِ المَوْتِ وهم عَكَسُوا؛ فَجَعَلُوها سَبَبًا لِلْغَفْلَةِ وهَذا أوْلى. والمَعْنى: ألْهاكم ذَلِكَ وهو لا يَعْنِيكم ولا يُجْدِي عَلَيْكم في دُنْياكم وآخِرَتِكم عَمّا يَعْنِيكم مِن أمْرِ الدِّينِ الَّذِي هو أهَمُّ وأعْنى مِن كُلِّ مُهِمٍّ، وحَذَفَ المُلْهِي عَنْهُ لِلتَّعْظِيمِ المَأْخُوذِ مِنَ الإبْهامِ بِالحَذْفِ والمُبالَغَةِ في الذَّمِّ حَيْثُ أشارَ إلى أنَّ ما يُلْهِي مَذْمُومٌ فَضْلًا عَنِ المُلْهِي عَنْ أمْرِ الدِّينِ.
وقِيلَ: المُرادُ: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ إلى أنْ مُتُّمْ وقُبِرْتُمْ مُنْفِقِينَ أعْمارَكم في طَلَبِ الدُّنْيا والِاشْتِياقِ إلَيْها والتَّهالُكِ عَلَيْها إلى أنْ أتاكُمُ المَوْتُ لا هَمَّ لَكم غَيْرُها عَمّا هو أوْلى بِكم مِنَ السَّعْيِ لِعاقِبَتِكم والعَمَلِ لِآخِرَتِكُمْ، وصَدْرُهُ قَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ، وزِيارَةُ المَقابِرِ عَلَيْهِ عِبارَةٌ عَنِ المَوْتِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
إنِّي رَأيْتُ الضَّمْدَ شَيْئًا نُكْرًا لَنْ يُخْلِصَ العامَ خَلِيلٌ عَشْرا
ذاقَ الضِّمادَ أوْ يَزُورَ القَبْرا
وقالَ جَرِيرٌ:
زارَ القُبُورَ أبُو مالِكٍ ∗∗∗ فَأصْبَحَ ألْأمَ زُوّارِها
وفِي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَحَقُّقِ البَعْثِ. يُحْكى أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ ذَلِكَ فَقالَ: بُعِثَ القَوْمُ لِلْقِيامَةِ ورَبِّ الكَعْبَةِ؛ فَإنَّ الزّائِرَ مُنْصَرِفٌ لا مُقِيمٌ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ قالَ: لا بُدَّ لِمَن زارَ أنْ يَرْجِعَ إلى جَنَّةٍ أوْ نارٍ وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى قَصْرِ زَمَنِ اللُّبْثِ في القُبُورِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ أوْ لِتَغْلِيبِ مَن ماتَ أوَّلًا أوْ لِجَعْلِ مَوْتِ آبائِهِمْ بِمَنزِلَةِ مَوْتِهِمْ. ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَتَكَلَّمُ بِهَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ القِيامَةِ تَعْيِيرًا لِلْكُفّارِ وهم في ذَلِكَ الوَقْتِ قَدْ تَقَدَّمَتْ مِنهم زِيارَةُ القُبُورِ. وقِيلَ: هَذا تَأْنِيبٌ عَلى الإكْثارِ مِن زِيارَةِ القُبُورِ تَكَثُّرًا بِمَن سَلَفَ ومُباهاةً وتَفاخُرًا بِهِ لا اتِّعاظًا وتَذَكُّرًا لِلْآخِرَةِ كَما هو المَشْرُوعُ، ويُشِيرُ إلَيْهِ خَبَرُ أبِي داوُدَ: ««نَهَيْتُكم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ فَزُورُوها فَإنَّها تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ»».
ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، نَعَمْ لا كَلامَ في ذَمِّ زِيارَةِ القُبُورِ لِلتَّفاخُرِ بِالمَزُورِ أوْ لِلتَّباهِي بِالزِّيارَةِ كَما يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ المُنْتَسِبِينَ إلى المُتَصَوِّفَةِ في زِياراتِهِمْ لِقُبُورِ المَشايِخِ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ هَذا مَعَ ما لَهم فِيها مِن مُنْكَراتٍ اعْتَقَدُوها طاعاتٍ وشَنائِعُ اتَّخَذُوها شَرائِعَ إلى أُمُورٍ تَضِيقُ عَنْها صُدُورُ السُّطُورِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةَ ومُعاوِيَةَ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وأبُو صالِحٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وأبُو الجَوْزاءِ وجَماعَةٌ: «آلَهاكُمْ» بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والشَّعْبِيِّ وأبِي العالِيَةِ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ والكِسائِيِّ في رِوايَةً: «أألْهاكُمْ» بِهَمْزَتَيْنِ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ.
التكاثر 102:3
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ بِما لا يَعْنِيهِ عَمّا يَعْنِيهِ وتَنْبِيهٌ عَلى الخَطَأِ فِيهِ لِأنَّ عاقِبَتَهُ وخِيمَةٌ.
﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ سُوءَ مَغَبَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ إذا عايَنْتُمْ عاقِبَتَهُ، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ.
﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَ أبْلَغُ كَما يَقُولُ العَظِيمُ لِعَبْدِهِ: أقُولُ لَكَ ثُمَّ أقُولُ لَكَ لا تَفْعَلْ. قِيلَ: ولِكَوْنِهِ أبْلَغَ نُزِّلَ مَنزِلَةَ المُغايَرَةِ فَعُطِفَ، وإلّا فالمُؤَكَّدُ لا يُعْطَفُ عَلى المُؤَكِّدِ لِما بَيْنَهُما مِن شِدَّةِ الِاتِّصالِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَنعَ هو رَأْيُ اللُّغَوِيِّينَ، وقَدْ صَرَّحَ المُفَسِّرُونَ والنُّحاةُ بِخِلافِهِ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: الأوَّلُ في القُبُورِ والثّانِي في النُّشُورِ فَلا تَكْرِيرَ، والتَّراخِي عَلى ظاهِرِهِ ولا كَلامَ في العَطْفِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الزَّجْرُ الأوَّلُ ووَعِيدُهُ
صفحة 225
لِلْكافِرِينَ وما بَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
التكاثر 102:4
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ بِما لا يَعْنِيهِ عَمّا يَعْنِيهِ وتَنْبِيهٌ عَلى الخَطَأِ فِيهِ لِأنَّ عاقِبَتَهُ وخِيمَةٌ.
﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ سُوءَ مَغَبَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ إذا عايَنْتُمْ عاقِبَتَهُ، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ.
﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَ أبْلَغُ كَما يَقُولُ العَظِيمُ لِعَبْدِهِ: أقُولُ لَكَ ثُمَّ أقُولُ لَكَ لا تَفْعَلْ. قِيلَ: ولِكَوْنِهِ أبْلَغَ نُزِّلَ مَنزِلَةَ المُغايَرَةِ فَعُطِفَ، وإلّا فالمُؤَكَّدُ لا يُعْطَفُ عَلى المُؤَكِّدِ لِما بَيْنَهُما مِن شِدَّةِ الِاتِّصالِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَنعَ هو رَأْيُ اللُّغَوِيِّينَ، وقَدْ صَرَّحَ المُفَسِّرُونَ والنُّحاةُ بِخِلافِهِ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: الأوَّلُ في القُبُورِ والثّانِي في النُّشُورِ فَلا تَكْرِيرَ، والتَّراخِي عَلى ظاهِرِهِ ولا كَلامَ في العَطْفِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الزَّجْرُ الأوَّلُ ووَعِيدُهُ
صفحة 225
لِلْكافِرِينَ وما بَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
التكاثر 102:5
﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما بَيْنَ أيْدِيكم عِلْمَ الأمْرِ المُتَيَقَّنِ أيْ كَعِلْمِكم ما تَسْتَيْقِنُونَهُ مِنَ الأُمُورِ، فالعِلْمُ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ، واليَقِينُ بِمَعْنى المُتَيَقَّنِ صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الإضافَةِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ؛ أيِ العِلْمِ اليَقِينِ، وفائِدَةُ الوَصْفِ ظاهِرَةٌ بِناءً عَلى أنَّ العِلْمَ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ اليَقِينِ، وجَوابُ «لَوْ» مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ؛ أيْ: لَوْ تَعْلَمُونَ كَذَلِكَ لَفَعَلْتُمْ ما لا يُوَصَفُ ولا يُكْتَنَهُ أوْ لَشَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ التَّكاثُرِ وغَيْرِهِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
التكاثر 102:6
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ أُكِّدَ بِهِ الوَعِيدُ وشُدِّدَ بِهِ التَّهْدِيدُ، وأُوضِحَ بِهِ ما أُنْذَرُوهُ بَعْدَ إبْهامِهِ تَفْخِيمًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابَ لَوِ الِامْتِناعِيَّةِ لِأنَّهُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ، وجَوابُها لا يَكُونُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: يَجُوزُ؛ ويَكُونُ المَعْنى: سَوْفَ تَعْلَمُونَ الجَزاءَ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: لَوْ تَعْلَمُونَ الجَزاءَ عِلْمَ اليَقِينِ الآنَ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ يَعْنِي تَكُونُ الجَحِيمُ دائِمًا في نَظَرِكم لا تَغِيبُ عَنْكم وهو كَما تَرى.
التكاثر 102:7
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى الأبْلَغِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ الأُولى إذا رَأتْهم مِن بَعِيدٍ، والثّانِي إذا ورَدُوها أوْ إذا دَخَلُوها أوِ الأُولى إذا ورَدُوها والثّانِيَةُ إذا دَخَلُوها، أوِ الأُولى المَعْرِفَةُ والثّانِيَةُ المُشاهَدَةُ والمُعايَنَةُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، إشارَةً إلى الخُلُودِ وهَذا نَحْوَ التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.
﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيِ الرُّؤْيَةَ الَّتِي هي نَفْسُ اليَقِينِ، فَإنَّ الِانْكِشافَ بِالرُّؤْيَةِ والمُشاهَدَةِ فَوْقَ سائِرِ الِانْكِشافاتِ فَهو أحَقُّ بِأنْ يَكُونَ عَيْنَ اليَقِينِ، فَ «عَيْنَ» بِمَعْنى النَّفْسِ، مِثْلُهُ في نَحْوِ: جاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ، وهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ: رُؤْيَةَ عَيْنِ اليَقِينِ، والعامِلُ فِيهِ: ﴿لَتَرَوُنَّها﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَنازَعًا فِيهِ لِلْفِعْلَيْنِ قَبْلَهُ، وفي إطْلاقِهِ كَلامٌ لا أظُنُّهُ يَخْفى عَلَيْكَ. واليَقِينُ في اللُّغَةِ عَلى ما قالَ السَّيِّدُ السَّنَدُ: العِلْمُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وفي الِاصْطِلاحِ: اعْتِقادُ الشَّيْءِ أنَّهُ كَذا مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إلّا كَذا اعْتِقادًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ غَيْرَ مُمْكِنِ الزَّوالِ. وقالَ الرّاغِبُ: اليَقِينُ مِن صِفَةِ العِلْمِ فَوْقَ المَعْرِفَةِ والدِّرايَةِ وإخْوَتِهِما. يُقالُ: عِلْمَ يَقِينٍ، ولا يُقالُ: مَعْرِفَةَ يَقِينٍ، وهو سُكُونُ النَّفْسِ مَعَ ثَباتِ الفَهْمِ. وفَسَّرَ السَّيِّدُ اليَقِينَ بِما سَمِعْتَ، ونُقِلَ عَنْ أهْلِ الحَقِيقَةِ عِدَّةُ تَفْسِيراتٍ فِيهِ، وعِلْمُ اليَقِينِ بِما أعْطاهُ الدَّلِيلُ مِن إدْراكِ الشَّيْءِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، وعَيْنُ اليَقِينِ بِما أعْطاهُ المُشاهَدَةُ والكَشْفُ، وجُعِلَ وراءَ ذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ، وقالَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ عِلْمُ كُلِّ عاقِلٍ بِالمَوْتِ عَلْمُ اليَقِينِ، وإذا عايَنَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهو عَيْنُ اليَقِينِ، وإذا ذاقَ المَوْتَ فَهو حَقُّ اليَقِينِ، ولَهم غَيْرُ ذَلِكَ. ومَبْنى أكْثَرِ ما قالُوهُ عَلى الِاصْطِلاحِ فَلا تَغْفُلْ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: «لَتُرَوُنَّ» بِضَمِّ التّاءِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ وعاصِمٌ كَذَلِكَ بِفَتْحِها فِي: «لَتَرَوُنَّ» وضَمِّها في «لَتُرَوُنَّها» ومُجاهِدٌ وأشْهَبُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّها فِيهِما. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما أنَّهُما هَمَزا الواوَيْنِ، ووُجِّهَ بِأنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا الضَّمَّةَ عَلى الواوِ فَهَمَزُوا لِلتَّخْفِيفِ كَما هَمَزُوا في وقْتٍ، وكانَ القِياسُ تَرْكَ الهَمْزِ؛ لِأنَّ الضَّمَّةَ حَرَكَةٌ عارِضَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَلا يُعْتَدُّ بِها لَكِنْ لَمّا لَزِمَتِ الكَلِمَةَ بِحَيْثُ لا تَزُولُ أشْبَهَتِ الحَرَكَةَ الأصْلِيَّةَ فَهَمَزُوا، وقَدْ هَمَزُوا مِنَ الحَرَكَةِ العارِضَةِ الَّتِي تَزُولُ في الوَقْفِ نَحْوَ: «اشْتَرَؤُا الضَّلالَةَ» فالهَمْزُ مِن هَذِهِ أوْلى.
التكاثر 102:8
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُقاتِلٍ واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ.
و«النَّعِيمِ» عامٌّ لِكُلِّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِن مَطْعَمٍ ومَشْرَبٍ ومَفْرَشٍ ومَرْكَبٍ، وكَذا قِيلَ في الخِطاباتِ السّابِقَةِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّ الخِطابَ فِي: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ، وحَمَلُوا الرُّؤْيَةَ عَلَيْهِ عَلى رُؤْيَةِ الدُّخُولِ، وحَمَلُوا السُّؤالَ هُنا عَلى سُؤالِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِما أنَّهم لَمْ يُشْرِكُوا ذَلِكَ بِالإيمانِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، والسُّؤالُ قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ
صفحة 226
بَعْدَ رُؤْيَةِ الجَحِيمِ ودُخُولِها كَما يُسْألُونَ كَذَلِكَ عَنْ أشْياءَ أُخَرَ عَلى ما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ أشَدُّ إيلامًا وأدْعى لِلِاعْتِرافِ بِالتَّقْصِيرِ، فَثُمَّ عَلى ظاهِرِها، وأنْ يَكُونَ في مَوْقِفِ الحِسابِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَتَكُونُ «ثُمَّ» لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ، وقِيلَ: الخِطابُ مَخْصُوصٌ بِكُلِّ مَن ألْهاهُ دُنْياهُ عَنْ دِينِهِ، والنَّعِيمُ مَخْصُوصٌ بِما شَغَلَهُ عَنْ ذَلِكَ لِظُهُورِ أنَّ الخِطابَ في ﴿ألْهاكُمُ﴾ إلَخْ لِلْمُلْهَيْنِ فَيَكُونُ قَرِينَةً عَلى ما ذُكِرَ ولِلنُّصُوصِ الكَثِيرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ و﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وهَذا أيْضًا يَحْمِلُ السُّؤالَ عَلى سُؤالِ التَّوْبِيخِ، ويَدْخُلُ فِيما ذِكْرُ الكُفّارِ وفَسَقَةِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: الخِطابُ عامٌّ وكَذا السُّؤالُ يَعُمُّ سُؤالَ التَّوْبِيخِ وغَيْرَهُ، والنَّعِيمُ خاصٌّ، واخْتُلِفَ فِيهِ عَلى أقْوالٍ.
فَأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ««هُوَ الأمْنُ والصِّحَّةُ»».
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: النَّعِيمُ العافِيَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا: «أكْلُ خُبْزِ البُرِّ، والنَّوْمُ في الظِّلِّ، وشُرْبُ ماءِ الفُراتِ مُبَرَّدًا»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ مَرْفُوعًا: ««النَّعِيمُ المَسْؤُولُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ كَسْرَةٌ تَقُوتُهُ، وماءٌ يَرْوِيهِ، وثَوْبٌ يُوارِيهِ»».
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُفَسِّرُهُ قالَ: «الخِصافُ والماءُ وفَلْقُ الكِسَرِ»».
ورُوِيَ عَنْهُ وعَنْ جابِرٍ أنَّهُ مَلاذُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو تَخْفِيفُ الشَّرائِعِ وتَيْسِيرُ القُرْآنِ.
ويُرْوى عَنْ جابِرٍ الجَعْفِيِّ مِنَ الإمامِيَّةِ قالَ: دَخَلْتُ عَلى الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: ما يَقُولُ أرْبابُ التَّأْوِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ ؟ فَقُلْتُ: يَقُولُونَ: الظِّلُّ والماءُ البارِدُ. فَقالَ: لَوْ أنَّكَ أدْخَلَتْ بَيْتَكَ أحَدًا وأقْعَدْتَهُ في ظِلٍّ، وسَقَيْتَهُ. أتَمُنُّ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: لا. فَقالَ: فاللَّهُ تَعالى أكْرَمُ مِن أنْ يُطْعِمَ عَبْدَهُ ويَسْقِيَهُ ثُمَّ يَسْألُهُ عَنْهُ. قُلْتُ: ما تَأْوِيلُهُ؟ قالَ: النَّعِيمُ هو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى أهْلِ العالَمِ فاسْتَنْقَذَهم بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، أما سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا﴾ .
ومِن رِوايَةِ العَيّاشِيِّ مِنَ الإمامِيَّةِ أيْضًا أنَّ أبا عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لِأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الآيَةِ: ما النَّعِيمُ عِنْدَكَ يا نُعْمانُ؟ فَقالَ: القُوتُ مِنَ الطَّعامِ والماءُ البارِدُ. فَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَئِنْ أوْقَفَكَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يَسْألَكَ عَنْ كُلِّ أكْلَةٍ أكَلْتَها أوْ شَرْبَةٍ شَرِبْتَها لِيَطُولَنَّ وُقُوفُكَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: فَما النَّعِيمُ؟ قالَ: نَحْنُ -أهْلَ البَيْتِ- النَّعِيمُ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِنا عَلى العِبادِ وبِنا ائْتَلَفُوا بَعْدَ أنْ كانُوا مُخْتَلِفِينَ، وبِنا ألَّفَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وجَعَلَهم إخْوانًا بَعْدَ أنْ كانُوا أعْداءً، وبِنا هُداهم إلى الإسْلامِ وهو النِّعْمَةُ الَّتِي لا تَنْقَطِعُ واللَّهُ تَعالى سائِلُهم عَنْ حَقِّ النَّعِيمِ الَّذِي أنْعَمَ سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْهِمْ وهو مُحَمَّدٌ وعِتْرَتُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وكِلا الخَبَرَيْنِ لا أرى لَهُما صِحَّةً وفِيهِما ما يُنادِي عَنْ عَدَمِ صِحَّتِهِما كَما لا يَخْفى عَلى مَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، والحَقُّ عُمُومُ الخِطابِ والنَّعِيمِ بَيْدَ أنَّ المُؤْمِنَ لا يُثَرَّبُ عَلَيْهِ في شَيْءٍ نالَهُ مِنهُ في الدُّنْيا، بَلْ يُسْألُ غَيْرَ مُثَرَّبٍ، وإنَّما يُثَرَّبُ عَلى الكافِرِ كَما ورَدَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
ويَدُلُّ عَلى عُمُومِ الخِطابِ ما أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وآخَرُونَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذاتَ يَوْمٍ فَإذا هو بِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقالَ: «ما أخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما هَذِهِ السّاعَةَ؟». قالا: الجُوعُ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرَجَنِي الَّذِي أخْرَجَكُما فَقُومُوا». فَقامُوا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأتى رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَإذا هو لَيْسَ في بَيْتِهِ فَلَمّا رَأتْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَرْأةُ قالَتْ: مَرْحَبًا. فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أيْنَ فُلانٌ؟» قالَتِ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنا الماءَ، إذْ جاءَ الأنْصارِيُّ فَنَظَرَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصاحِبَيْهِ فَقالَ:
الحَمْدُ لِلَّهِ ما أحَدٌ اليَوْمَ أكْرَمَ أضْيافًا مِنِّي. فانْطَلَقَ فَجاءَ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هَذا. وأخَذَ المُدْيَةَ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إيّاكَ والحَلُوبَ». فَذَبَحَ لَهم فَأكَلُوا مِنَ الشّاةِ ومِن ذَلِكَ
صفحة 227
العِذْقِ وشَرِبُوا. فَلَمّا شَبِعُوا ورَوَوْا قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْألُنَّ عَنْ هَذا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ»».
وفِي رِوايَةِ ابْنِ حِبّانَ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصاحِبَيْهِ انْطَلَقُوا إلى مَنزِلِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ فَقالَتِ امْرَأتُهُ:
مَرْحَبًا بِنَبِيِّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ، فَجاءَ أبُو أيُّوبَ فَقَطَعَ عِذْقًا فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما أرَدْتُ أنْ تَقْطَعَ لَنا هَذا ألا جَنَيْتَ مِن تَمْرِهِ؟» قالَ: أحْبَبْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ تَأْكُلُوا مِن تَمْرِهِ وبُسْرِهِ ورُطَبِهِ. ثُمَّ ذَبَحَ جَدْيًا فَشَوى نِصْفَهُ وطَبَخَ نَصْفَهُ، فَلَمّا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَ مِنَ الجَدْيِ فَجَعَلَهُ في رَغِيفٍ. وقالَ: «يا أبا أيُّوبَ، أبْلِغْ هَذا فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها؛ فَإنَّها لَمْ تُصِبْ مِثْلَ هَذا مُنْذُ أيّامٍ، فَذَهَبَ بِهِ أبُو أيُّوبَ إلى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، فَلَمّا أكَلُوا وشَبِعُوا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «خُبْزٌ ولَحْمٌ وتَمْرٌ وبْسْرٌ ورُطَبٌ». ودَمَعَتْ عَيْناهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ هَذا لَهو النَّعِيمُ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ فَهَذا النَّعِيمُ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ». فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «بَلى، إذا أصَبْتُمْ مِثْلَ هَذا فَضَرَبْتُمْ بِأيْدِيكم فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا شَبِعْتُمْ فَقُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أشْبَعَنا وأنْعَمَ عَلَيْنا وأفْضَلَ؛ فَإنَّ هَذا كَفافٌ بِذاكَ»».
ولَيْسَ المُرادُ في هَذا الخَبَرِ حَصْرَ النَّعِيمِ مُطْلَقًا فِيما ذُكِرَ بَلْ حَصْرُ النَّعِيمِ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي كانُوا فِيهِ جِياعًا وكَذا فِيما يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها الِاقْتِصارُ عَلى شَيْءٍ أوْ شَيْئَيْنِ أوْ أكْثَرَ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ بِبَعْضِ أفْرادٍ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأمْرٍ اقْتَضاهُ الحالُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غَيْرِ رِوايَةٍ عِنْدَ ذِكْرِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ: «هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ بِمَن التَّبْعِيضِيَّةِ. وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ: الحَقُّ أنَّ السُّؤالَ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ عَنْ جَمِيعِ النِّعَمِ سَواءٌ كانَ ما لا بُدَّ مِنهُ أوْ لا؛ لِأنَّ كُلَّ ما يَهَبُ اللَّهُ تَعالى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا إلى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ لا إلى مَعْصِيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَكُونُ السُّؤالُ واقِعًا عَنِ الكُلِّ ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا تَزُولُ قَدَما العَبْدِ حَتّى يُسْألَ عَنْ أرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أفْناهُ، وعَنْ شَبابِهِ فِيمَ أبْلاهُ، وعَنْ مالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَنْ عِلْمِهِ ماذا عَمِلَ بِهِ»».
لِأنَّ كُلَّ نَعِيمٍ داخِلٌ فِيما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإمامِ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ثَلاثٌ لا يُحاسَبُ بِهِنَّ العَبْدُ: ظِلُّ خُصٍّ يَسْتَظِلُّ بِهِ، وكِسْرَةٌ يَشُدُ بِها صُلْبَهُ، وثَوْبٌ يُوارِي بِهِ عَوْرَتَهُ»».
وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنْ صَحَّ فالمُرادُ لا يُناقَشُ الحِسابَ بِهِنَّ. وقِيلَ: المُرادُ ما يُضْطَرُّ العَبْدُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ لِحَياتِهِ فَتَأمَّلْ. ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ الطَّعامَ الَّذِي يُؤْكَلُ مَعَ اليَتِيمِ لا يُسْألُ عَنْهُ، وكانَ ذَلِكَ لِأنَّ في الأكْلِ مَعَهُ جَبْرًا لِقَلْبِهِ وإزالَةً لِوَحْشَتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الشُّكْرِ فَلا يُسْألُ عَنْهُ سُؤالَ تَقْرِيعٍ. وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ ذَلِكَ شَيْءٌ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
العصر 103:1
سُورَةُ العَصْرِ
مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ والجُمْهُورِ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ. وآيُها ثَلاثٌ بِلا خِلافٍ، وهي عَلى قِصَرِها جَمَعَتْ مِنَ العُلُومِ ما جَمَعَتْ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّهُ قالَ: لَوْ لَمْ يَنْزِلْ غَيْرُ هَذِهِ السُّورَةِ لَكَفَتِ النّاسَ؛ لِأنَّها شَمِلَتْ جَمِيعَ عُلُومِ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي حُذَيْفَةَ وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قالَ: كانَ الرَّجُلانِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا التَقَيا لَمْ يَتَفَرَّقا حَتّى يَقْرَأ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ سُورَةَ «والعَصْرِ» ثُمَّ يُسَلِّمُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ. وفِيها إشارَةٌ إلى حالِ مَن لَمْ يُلْهِهِ التَّكاثُرُ ولِذا وُضِعَتْ بَعْدَ سُورَتِهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والعَصْرِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِصَلاةِ العَصْرِ لِفَضْلِها لِأنَّها الصَّلاةُ الوُسْطى عِنْدَ الجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ»».
ولِما في مُصْحَفِ
صفحة 228
حَفْصَةَ: ««والصَّلاةُ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ»».
وفِي الحَدِيثِ: ««مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ»».
ورُوِيَ «أنَّ امْرَأةً كانَتْ تَصِيحُ في سِكَكِ المَدِينَةِ: دُلُّونِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَرَآها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَسَألَها: ماذا حَدَثَ؟
فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي غابَ فَزَنَيْتُ فَجاءَنِي ولَدٌ مِنَ الزِّنا فَألْقَيْتُ الوَلَدَ في دِنِّ خَلٍّ فَماتَ، ثُمَّ بِعْتُ ذَلِكَ الخَلَّ. فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أمّا الزِّنا فَعَلَيْكِ الرَّجْمُ بِسَبَبِهِ، وأمّا القَتْلُ فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ، وأمّا بَيْعُ الخَلِّ فَقَدِ ارْتَكَبْتِ كَبِيرًا، لَكِنْ ظَنَنْتُ أنَّكِ تَرَكْتِ صَلاةَ العَصْرِ»».
ذَكَرَهُ الإمامُ وهو لَعَمْرِي إمامٌ في نَقْلِ مِثْلِ ذَلِكَ مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أئِمَّةِ الحَدِيثِ؛ فَإيّاكَ والِاقْتِداءَ بِهِ. وخُصَّتْ بِالفَضْلِ لِأنَّ التَّكْلِيفَ في أدائِها أشَقُّ لِتَهافُتِ النّاسِ في تِجاراتِهِمْ ومَكاسِبِهِمْ آخِرَ النَّهارِ واشْتِغالِهِمْ بِمَعايِشِهِمْ. وقِيلَ: أقْسَمَ عَزَّ وجَلَّ بِوَقْتِ تِلْكَ الصَّلاةِ لِفَضِيلَةِ صَلاتِهِ أوْ لِخَلْقِ آدَمَ أبِي البَشَرِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ وإلى هَذا ذَهَبَ قَتادَةُ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: العَصْرُ العَشِيُّ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهِ كَما أقْسَمَ بِالضُّحى لِما فِيهِما مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ:
العَصْرُ اليَوْمُ، والعَصْرُ اللَّيْلَةُ، وعَلَيْهِ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:
ولَمْ يَلْبَثِ العَصْرانِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ إذا طَلَبا أنْ يُدْرِكا ما تَيَمَّما
وقِيلَ: العَصْرُ بُكْرَةً والعَصْرُ عَشِيَّةً؛ وهُما الإبْرادانِ وعَلَيْهِ وعَلى ما قَبْلَهُ يَكُونُ القَسَمُ بِواحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ عَصْرُ النُّبُوَّةِ وكَأنَّهُ عَنى بِهِ وقْتَ حَياتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَأنَّهُ أشْرَفُ الأعْصارِ لِتَشْرِيفِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقِيلَ: هو زَمانُ حَياتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ومِقْدارُهُ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ مِقْدارُ وقْتِ العَصْرِ مِنَ النَّهارِ ويُؤْذِنُ بِذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّما بَقاؤُكم فِيمَن سَلَفَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ»».
وشَرَفُهُ لِكَوْنِهِ زَمانَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأُمَّتُهُ الَّتِي هي خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ولا يَضُرُّهُ تَأْخِيرُهُ كَما لا يَضُرُّ السِّنانَ تَأخُّرُهُ عَنْ أطْرافِ مِرانِهِ، والنَّوْرَ تَأخُّرُهُ عَنْ أطْرافِ أغْصانِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الدَّهْرُ أقْسَمَ عَزَّ وجَلَّ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى أصْنافِ العَجائِبِ؛ ولِذا قِيلَ لَهُ أبُو العَجَبِ وكَأنَّهُ تَعالى يُذَكِّرُ بِالقَسَمِ بِهِ ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وأضْدادِها لِتَنْبِيهِ الإنْسانِ المُسْتَعِدِّ لِلْخُسْرانِ والسَّعادَةِ ويُعَرِّضُ عَزَّ وجَلَّ لِما في الإقْسامِ بِهِ مِنَ التَّعْظِيمِ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُ خُسْرانٌ أوْ دَخْلٌ فِيهِ كَما يَزْعُمُهُ مَن يُضِيفُ الحَوادِثَ إلَيْهِ، وفي إضافَةِ الخُسْرانِ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْإنْسانِ إشْعارٌ بِأنَّهُ صِفَةٌ لَهُ لا لِلزَّمانِ كَما قِيلَ:
يَعِيبُونَ الزَّمانَ ولَيْسَ فِيهِ ∗∗∗ مَعايِبُ غَيْرَ أهْلٍ لِلزَّمانِ
وتُعُقِّبَ بِأنَّ اسْتِعْمالَ العَصْرِ بِذَلِكَ المَعْنى غَيْرُ ظاهِرٍ.
العصر 103:2
﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ أيْ خُسْرانٍ في مَتاجِرِهِمْ ومَساعِيهِمْ وصَرْفِ أعْمارِهِمْ في مَباغِيهِمُ الَّتِي لا يَنْتَفِعُونَ بِها في الآخِرَةِ بَلْ رُبَّما تَضُرُّ بِهِمْ إذا حَلُّوا السّاهِرَةَ.
والتَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْراقِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ، والتَّنْكِيرُ قِيلَ لِلتَّعْظِيمِ أيْ في خُسْرٍ عَظِيمٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ؛ أيْ نَوْعٍ مِنَ الخُسْرِ غَيْرِ ما يَعْرِفُهُ الإنْسانُ.
العصر 103:3
﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنَّهم في تِجارَةٍ لَنْ تَبُورَ حَيْثُ باعُوا الفانِي الخَسِيسَ واشْتَرَوُا الباقِيَ النَّفِيسَ. واسْتَبْدَلُوا الباقِياتِ الصّالِحاتِ بِالغادِياتِ الرّائِحاتِ فَيا لَها مِن صَفْقَةٍ ما أرْبَحَها، ومَنفَعَةٍ جامِعَةٍ لِلْخَيْرِ ما أوْضَحَها.
والمُرادُ بِالمَوْصُولِ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ لا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ رِضى اللَّهِ تَعالى عَنْهُ فَقَطْ كَما يُتَوَهَّمُ مِنَ اقْتِصارِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في الذِّكْرِ عَلَيْهِما، بَلْ هُما داخِلانِ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ومِثْلُ ذَلِكَ اقْتِصارُهُ في الإنْسانِ الخاسِرِ عَلى أبِي جَهْلٍ وهو ظاهِرٌ. وهَذا بَيانٌ لِتَكْمِيلِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِتَكْمِيلِهِمْ
صفحة 229
لِغَيْرِهِمْ، أيْ وصّى بَعْضُهم بَعْضًا بِالأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ ولا زَوالَ في الدّارَيْنِ لِمَحاسِنِ آثارِهِ، وهو الخَيْرُ كُلُّهُ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واتِّباعِ كُتُبِهِ ورُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في كُلِّ عَقْدٍ وعَمَلٍ.
﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَنِ المَعاصِي الَّتِي تَشْتاقُ إلَيْها النَّفْسُ بِحُكْمِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ وعَلى الطّاعاتِ الَّتِي يَشُقُّ عَلَيْها أداؤُها وعَلى ما يَبْتَلِي اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ مِنَ المَصائِبِ والصَّبْرُ المَذْكُورُ داخِلٌ في الحَقِّ، وذُكِرَ بَعْدَهُ مَعَ إعادَةِ الجارِّ والفِعْلِ المُتَعَلِّقِ هو بِهِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ عِبارَةَ رُتْبَةِ العِبادَةِ الَّتِي هي فِعْلُ ما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى، والثّانِي عِبارَةُ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ الَّتِي هي الرِّضا بِما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى؛ فَإنَّ المُرادَ بِالصَّبْرِ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَبْسِ النَّفْسِ عَمّا تَتُوقُ إلَيْهِ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ بَلْ هو تَلَقِّي ما ورَدَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بِالجَمِيلِ والرِّضا بِهِ باطِنًا وظاهِرًا.
وقَرَأ سَلّامٌ وهارُونُ وابْنُ مُوسى عَنْ أبِي عَمْرٍو: «والعَصِرِ» بِكَسْرِ الصّادِ «والصَّبِرِ» بِكَسْرِ الباءِ؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَجُوزُ إلّا في الوَقْفِ عَلى نَقْلِ الحَرَكَةِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالصَّبِرِ بِكَسْرِ الباءِ إشْمامًا، وهَذا كَما قالَ لا يَكُونُ أيْضًا إلّا في الوَقْفِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَرَأ عِيسى البَصْرَةِ: «بِالصَّبِرِ» بِنَقْلِ حَرَكَةِ الرّاءِ إلى الباءِ؛ لِئَلّا يُحْتاجَ إلى أنْ يُؤْتى بِبَعْضِ الحَرَكَةِ في الوَقْفِ ولا إلى أنْ يُسَكِّنَ فَيُجْمَعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وذَلِكَ لُغَةٌ شائِعَةٌ ولَيْسَتْ بِشاذَّةٍ بَلْ مُسْتَفِيضَةٌ، وذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى الإعْرابِ وانْفِصالٌ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وتَأْدِيَةُ حَقِّ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنَ السُّكُونِ انْتَهى.
ومِن هَذا كَما في البَحْرِ قَوْلُهُ:
أنا جَرِيرٌ كُنْيَتِي أبُو عَمِرْ أضْرِبُ بِالسَّيْفِ وسَعْدٌ في العَصِرْ
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ:
«والعَصْرِ ونَوائِبِ الدَّهْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ وإنَّهُ لَفِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ».
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ قَرَأ: «والعَصْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ وإنَّهُ لَفِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا». وذَكَرَ أنَّها قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، هَذا واسْتَدَلَّ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ بِما في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ مُخَلَّدٌ في النّارِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ فِيها عَنِ الخُسْرِ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إلَخْ. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى أكْثَرَ مِن كَوْنِ غَيْرِ المُسْتَثْنى في خُسْرٍ، وأمّا عَلى كَوْنِهِ مُخَلَّدًا في النّارِ فَلا كَيْفَ، والخُسْرٌ عامٌّ؛ فَهو إمّا بِالخُلُودِ إنْ ماتَ كافِرًا، وإمّا بِالدُّخُولِ النّارَ إنْ ماتَ عاصِيًا، ولَمْ يَغْفِرُوا ما بِفَوْتِ الدَّرَجاتِ العالِياتِ إنْ غَفَرَ وهو جَوابٌ حَسَنٌ. ولِلشَّيْخِ الماتُرِيدِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في التَّقَصِّي عَنْ ذَلِكَ تَكَلُّفاتٌ مَذْكُورَةٌ في التَّأْوِيلاتِ فَلا تَغْفُلْ. وفي السُّورَةِ مِنَ النَّدْبِ إلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وأنْ يُحِبَّ المَرْءُ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ما لا يَخْفى.