Tafsir Al-Baydawi — الروم 30:1 – سبأ 34:54
المحتويات
- الروم 30:1
- الروم 30:2
- الروم 30:3
- الروم 30:4
- الروم 30:5
- الروم 30:6
- الروم 30:7
- الروم 30:8
- الروم 30:9
- الروم 30:10
- الروم 30:11
- الروم 30:12
- الروم 30:13
- الروم 30:14
- الروم 30:15
- الروم 30:16
- الروم 30:17
- الروم 30:18
- الروم 30:19
- الروم 30:20
- الروم 30:21
- الروم 30:22
- الروم 30:23
- الروم 30:24
- الروم 30:25
- الروم 30:26
- الروم 30:27
- الروم 30:28
- الروم 30:29
- الروم 30:30
- الروم 30:31
- الروم 30:32
- الروم 30:33
- الروم 30:34
- الروم 30:35
- الروم 30:36
- الروم 30:37
- الروم 30:38
- الروم 30:39
- الروم 30:40
- الروم 30:41
- الروم 30:42
- الروم 30:43
- الروم 30:44
- الروم 30:45
- الروم 30:46
- الروم 30:47
- الروم 30:48
- الروم 30:49
- الروم 30:50
- الروم 30:51
- الروم 30:52
- الروم 30:53
- الروم 30:54
- الروم 30:55
- الروم 30:56
- الروم 30:57
- الروم 30:58
- الروم 30:59
- الروم 30:60
- لقمان 31:1
- لقمان 31:2
- لقمان 31:3
- لقمان 31:4
- لقمان 31:5
- لقمان 31:6
- لقمان 31:7
- لقمان 31:8
- لقمان 31:9
- لقمان 31:10
- لقمان 31:11
- لقمان 31:12
- لقمان 31:13
- لقمان 31:14
- لقمان 31:15
- لقمان 31:16
- لقمان 31:17
- لقمان 31:18
- لقمان 31:19
- لقمان 31:20
- لقمان 31:21
- لقمان 31:22
- لقمان 31:23
- لقمان 31:24
- لقمان 31:25
- لقمان 31:26
- لقمان 31:27
- لقمان 31:28
- لقمان 31:29
- لقمان 31:30
- لقمان 31:31
- لقمان 31:32
- لقمان 31:33
- لقمان 31:34
- السجدة 32:1
- السجدة 32:2
- السجدة 32:3
- السجدة 32:4
- السجدة 32:5
- السجدة 32:6
- السجدة 32:7
- السجدة 32:8
- السجدة 32:9
- السجدة 32:10
- السجدة 32:11
- السجدة 32:12
- السجدة 32:13
- السجدة 32:14
- السجدة 32:15
- السجدة 32:16
- السجدة 32:17
- السجدة 32:18
- السجدة 32:19
- السجدة 32:20
- السجدة 32:21
- السجدة 32:22
- السجدة 32:23
- السجدة 32:24
- السجدة 32:25
- السجدة 32:26
- السجدة 32:27
- السجدة 32:28
- السجدة 32:29
- السجدة 32:30
- الأحزاب 33:1
- الأحزاب 33:2
- الأحزاب 33:3
- الأحزاب 33:4
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:7
- الأحزاب 33:8
- الأحزاب 33:9
- الأحزاب 33:10
- الأحزاب 33:11
- الأحزاب 33:12
- الأحزاب 33:13
- الأحزاب 33:14
- الأحزاب 33:15
- الأحزاب 33:16
- الأحزاب 33:17
- الأحزاب 33:18
- الأحزاب 33:19
- الأحزاب 33:20
- الأحزاب 33:21
- الأحزاب 33:22
- الأحزاب 33:23
- الأحزاب 33:24
- الأحزاب 33:25
- الأحزاب 33:26
- الأحزاب 33:27
- الأحزاب 33:28
- الأحزاب 33:29
- الأحزاب 33:30
- الأحزاب 33:31
- الأحزاب 33:32
- الأحزاب 33:33
- الأحزاب 33:34
- الأحزاب 33:35
- الأحزاب 33:36
- الأحزاب 33:37
- الأحزاب 33:38
- الأحزاب 33:39
- الأحزاب 33:40
- الأحزاب 33:41
- الأحزاب 33:42
- الأحزاب 33:43
- الأحزاب 33:44
- الأحزاب 33:45
- الأحزاب 33:46
- الأحزاب 33:47
- الأحزاب 33:48
- الأحزاب 33:49
- الأحزاب 33:50
- الأحزاب 33:51
- الأحزاب 33:52
- الأحزاب 33:53
- الأحزاب 33:54
- الأحزاب 33:55
- الأحزاب 33:56
- الأحزاب 33:57
- الأحزاب 33:58
- الأحزاب 33:59
- الأحزاب 33:60
- الأحزاب 33:61
- الأحزاب 33:62
- الأحزاب 33:63
- الأحزاب 33:64
- الأحزاب 33:65
- الأحزاب 33:66
- الأحزاب 33:67
- الأحزاب 33:68
- الأحزاب 33:69
- الأحزاب 33:70
- الأحزاب 33:71
- الأحزاب 33:72
- الأحزاب 33:73
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:4
- سبأ 34:5
- سبأ 34:6
- سبأ 34:7
- سبأ 34:8
- سبأ 34:9
- سبأ 34:10
- سبأ 34:11
- سبأ 34:12
- سبأ 34:13
- سبأ 34:14
- سبأ 34:15
- سبأ 34:16
- سبأ 34:17
- سبأ 34:18
- سبأ 34:19
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:22
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:25
- سبأ 34:26
- سبأ 34:27
- سبأ 34:28
- سبأ 34:29
- سبأ 34:30
- سبأ 34:31
- سبأ 34:32
- سبأ 34:33
- سبأ 34:34
- سبأ 34:35
- سبأ 34:36
- سبأ 34:37
- سبأ 34:38
- سبأ 34:39
- سبأ 34:40
- سبأ 34:41
- سبأ 34:42
- سبأ 34:43
- سبأ 34:44
- سبأ 34:45
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:48
- سبأ 34:49
- سبأ 34:50
- سبأ 34:51
- سبأ 34:52
- سبأ 34:53
- سبأ 34:54
الروم 30:1
(p-201)( 30 سُورَةُ الرُّومِ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ وآيُها سِتُّونَ أوْ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( ﴿الم﴾ .
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أرْضِ العَرَبِ مِنهم لِأنَّها الأرْضُ المَعْهُودَةُ عِنْدَهم، أوْ في أدْنى أرْضِهِمْ مِنَ العَرَبِ واللّامُ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ. ﴿وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وقُرِئَ «غَلْبِهِمْ» وهو لُغَةٌ كالجَلَبِ والجَلْبِ. ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ .
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ رُوِيَ «أنَّ فارِسَ غَزَوُا الرُّومَ فَوافُوهم بِأذْرِعاتٍ وبُصْرى، وقِيلَ بِالجَزِيرَةِ وهي أدْنى أرْضِ الرُّومِ مِنَ الفُرْسِ فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ وبَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ ونَحْنُ وفارِسُ أُمِّيُّونَ وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكم ولَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكم فَنَزَلَتْ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ: لا يُقِرَّنَ اللَّهُ أُعِينَكم فَواللَّهِ لَتَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلى فارِسَ بَعْدَ بِضْعِ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ: كَذَبْتَ اجْعَلْ بَيْنَنا أجَلًا أُناحِبُكَ عَلَيْهِ، فَناحَبَهُ عَلى عَشْرِ قَلائِصَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وجَعَلا الأجَلَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَأخْبَرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ فَزايَدَهُ في الخَطَرِ ومادَّهُ في الأجَلِ، فَجَعَلاهُ مِائَةَ قَلُوصٍ إلى تِسْعِ سِنِينَ وماتَ أُبَيٌّ مِن جَرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قُفُولِهِ مِن أُحُدٍ وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ الخَطَرَ مِن ورَثَةِ أُبَيٍّ، وجاءَ بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ تَصَدَّقْ بِهِ» .
واسْتَدَلَّتْ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى جَوازِ العُقُودِ الفاسِدَةِ في دارِ الحَرْبِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ، والآيَةُ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّها إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ. وقُرِئَ «غَلَبَتْ» بِالفَتْحِ و «سَيُغْلَبُونَ» بِالضَّمِّ ومَعْناهُ أنَّ الرُّومَ غَلَبُوا عَلى رِيفِ الشّامِ والمُسْلِمُونَ سَيَغْلِبُونَهم، وفي السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِن نُزُولِهِ غَزاهُمُ المُسْلِمُونَ وفَتَحُوا بَعْضَ بِلادِهِمْ وعَلى هَذا تَكُونُ إضافَةُ الغَلَبِ إلى الفاعِلِ. ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ مِن قَبْلِ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ أيْ لَهُ الأمْرُ حِينَ غَلَبُوا وحِينَ يُغْلَبُونَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُما إلّا بِقَضائِهِ، وقُرِئَ «مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ» مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ قَبْلًا وبَعْدًا أيْ أوَّلًا وآخِرًا. ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ ويَوْمَ تَغْلِبُ الرُّومُ. ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ لِما فِيهِ مِنَ انْقِلابِ التَّفاؤُلِ وظُهُورِ صِدْقِهِمْ فِيما أخْبَرا بِهِ المُشْرِكِينَ وغَلَبَتِهِمْ في رِهانِهِمْ وازْدِيادِ يَقِينِهِمْ وثَباتِهِمْ في دِينِهِمْ، وقِيلَ بِنَصْرِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِإظْهارِ صِدْقِهِمْ أوْ بِأنْ ولِيَ بَعْضُ أعْدائِهِمْ بَعْضًا حَتّى تَفانَوْا. ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ فَيَنْصُرُ هَؤُلاءِ تارَةً وهَؤُلاءِ أُخْرى. ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عِبادِهِ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ تارَةً ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ أُخْرى.(p-202)
الروم 30:2
(p-201)( 30 سُورَةُ الرُّومِ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ وآيُها سِتُّونَ أوْ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( ﴿الم﴾ .
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أرْضِ العَرَبِ مِنهم لِأنَّها الأرْضُ المَعْهُودَةُ عِنْدَهم، أوْ في أدْنى أرْضِهِمْ مِنَ العَرَبِ واللّامُ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ. ﴿وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وقُرِئَ «غَلْبِهِمْ» وهو لُغَةٌ كالجَلَبِ والجَلْبِ. ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ .
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ رُوِيَ «أنَّ فارِسَ غَزَوُا الرُّومَ فَوافُوهم بِأذْرِعاتٍ وبُصْرى، وقِيلَ بِالجَزِيرَةِ وهي أدْنى أرْضِ الرُّومِ مِنَ الفُرْسِ فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ وبَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ ونَحْنُ وفارِسُ أُمِّيُّونَ وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكم ولَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكم فَنَزَلَتْ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ: لا يُقِرَّنَ اللَّهُ أُعِينَكم فَواللَّهِ لَتَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلى فارِسَ بَعْدَ بِضْعِ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ: كَذَبْتَ اجْعَلْ بَيْنَنا أجَلًا أُناحِبُكَ عَلَيْهِ، فَناحَبَهُ عَلى عَشْرِ قَلائِصَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وجَعَلا الأجَلَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَأخْبَرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ فَزايَدَهُ في الخَطَرِ ومادَّهُ في الأجَلِ، فَجَعَلاهُ مِائَةَ قَلُوصٍ إلى تِسْعِ سِنِينَ وماتَ أُبَيٌّ مِن جَرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قُفُولِهِ مِن أُحُدٍ وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ الخَطَرَ مِن ورَثَةِ أُبَيٍّ، وجاءَ بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ تَصَدَّقْ بِهِ» .
واسْتَدَلَّتْ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى جَوازِ العُقُودِ الفاسِدَةِ في دارِ الحَرْبِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ، والآيَةُ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّها إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ. وقُرِئَ «غَلَبَتْ» بِالفَتْحِ و «سَيُغْلَبُونَ» بِالضَّمِّ ومَعْناهُ أنَّ الرُّومَ غَلَبُوا عَلى رِيفِ الشّامِ والمُسْلِمُونَ سَيَغْلِبُونَهم، وفي السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِن نُزُولِهِ غَزاهُمُ المُسْلِمُونَ وفَتَحُوا بَعْضَ بِلادِهِمْ وعَلى هَذا تَكُونُ إضافَةُ الغَلَبِ إلى الفاعِلِ. ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ مِن قَبْلِ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ أيْ لَهُ الأمْرُ حِينَ غَلَبُوا وحِينَ يُغْلَبُونَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُما إلّا بِقَضائِهِ، وقُرِئَ «مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ» مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ قَبْلًا وبَعْدًا أيْ أوَّلًا وآخِرًا. ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ ويَوْمَ تَغْلِبُ الرُّومُ. ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ لِما فِيهِ مِنَ انْقِلابِ التَّفاؤُلِ وظُهُورِ صِدْقِهِمْ فِيما أخْبَرا بِهِ المُشْرِكِينَ وغَلَبَتِهِمْ في رِهانِهِمْ وازْدِيادِ يَقِينِهِمْ وثَباتِهِمْ في دِينِهِمْ، وقِيلَ بِنَصْرِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِإظْهارِ صِدْقِهِمْ أوْ بِأنْ ولِيَ بَعْضُ أعْدائِهِمْ بَعْضًا حَتّى تَفانَوْا. ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ فَيَنْصُرُ هَؤُلاءِ تارَةً وهَؤُلاءِ أُخْرى. ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عِبادِهِ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ تارَةً ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ أُخْرى.(p-202)
الروم 30:3
(p-201)( 30 سُورَةُ الرُّومِ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ وآيُها سِتُّونَ أوْ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( ﴿الم﴾ .
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أرْضِ العَرَبِ مِنهم لِأنَّها الأرْضُ المَعْهُودَةُ عِنْدَهم، أوْ في أدْنى أرْضِهِمْ مِنَ العَرَبِ واللّامُ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ. ﴿وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وقُرِئَ «غَلْبِهِمْ» وهو لُغَةٌ كالجَلَبِ والجَلْبِ. ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ .
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ رُوِيَ «أنَّ فارِسَ غَزَوُا الرُّومَ فَوافُوهم بِأذْرِعاتٍ وبُصْرى، وقِيلَ بِالجَزِيرَةِ وهي أدْنى أرْضِ الرُّومِ مِنَ الفُرْسِ فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ وبَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ ونَحْنُ وفارِسُ أُمِّيُّونَ وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكم ولَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكم فَنَزَلَتْ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ: لا يُقِرَّنَ اللَّهُ أُعِينَكم فَواللَّهِ لَتَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلى فارِسَ بَعْدَ بِضْعِ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ: كَذَبْتَ اجْعَلْ بَيْنَنا أجَلًا أُناحِبُكَ عَلَيْهِ، فَناحَبَهُ عَلى عَشْرِ قَلائِصَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وجَعَلا الأجَلَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَأخْبَرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ فَزايَدَهُ في الخَطَرِ ومادَّهُ في الأجَلِ، فَجَعَلاهُ مِائَةَ قَلُوصٍ إلى تِسْعِ سِنِينَ وماتَ أُبَيٌّ مِن جَرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قُفُولِهِ مِن أُحُدٍ وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ الخَطَرَ مِن ورَثَةِ أُبَيٍّ، وجاءَ بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ تَصَدَّقْ بِهِ» .
واسْتَدَلَّتْ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى جَوازِ العُقُودِ الفاسِدَةِ في دارِ الحَرْبِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ، والآيَةُ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّها إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ. وقُرِئَ «غَلَبَتْ» بِالفَتْحِ و «سَيُغْلَبُونَ» بِالضَّمِّ ومَعْناهُ أنَّ الرُّومَ غَلَبُوا عَلى رِيفِ الشّامِ والمُسْلِمُونَ سَيَغْلِبُونَهم، وفي السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِن نُزُولِهِ غَزاهُمُ المُسْلِمُونَ وفَتَحُوا بَعْضَ بِلادِهِمْ وعَلى هَذا تَكُونُ إضافَةُ الغَلَبِ إلى الفاعِلِ. ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ مِن قَبْلِ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ أيْ لَهُ الأمْرُ حِينَ غَلَبُوا وحِينَ يُغْلَبُونَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُما إلّا بِقَضائِهِ، وقُرِئَ «مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ» مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ قَبْلًا وبَعْدًا أيْ أوَّلًا وآخِرًا. ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ ويَوْمَ تَغْلِبُ الرُّومُ. ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ لِما فِيهِ مِنَ انْقِلابِ التَّفاؤُلِ وظُهُورِ صِدْقِهِمْ فِيما أخْبَرا بِهِ المُشْرِكِينَ وغَلَبَتِهِمْ في رِهانِهِمْ وازْدِيادِ يَقِينِهِمْ وثَباتِهِمْ في دِينِهِمْ، وقِيلَ بِنَصْرِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِإظْهارِ صِدْقِهِمْ أوْ بِأنْ ولِيَ بَعْضُ أعْدائِهِمْ بَعْضًا حَتّى تَفانَوْا. ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ فَيَنْصُرُ هَؤُلاءِ تارَةً وهَؤُلاءِ أُخْرى. ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عِبادِهِ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ تارَةً ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ أُخْرى.(p-202)
الروم 30:4
(p-201)( 30 سُورَةُ الرُّومِ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ وآيُها سِتُّونَ أوْ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( ﴿الم﴾ .
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أرْضِ العَرَبِ مِنهم لِأنَّها الأرْضُ المَعْهُودَةُ عِنْدَهم، أوْ في أدْنى أرْضِهِمْ مِنَ العَرَبِ واللّامُ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ. ﴿وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وقُرِئَ «غَلْبِهِمْ» وهو لُغَةٌ كالجَلَبِ والجَلْبِ. ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ .
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ رُوِيَ «أنَّ فارِسَ غَزَوُا الرُّومَ فَوافُوهم بِأذْرِعاتٍ وبُصْرى، وقِيلَ بِالجَزِيرَةِ وهي أدْنى أرْضِ الرُّومِ مِنَ الفُرْسِ فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ وبَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ ونَحْنُ وفارِسُ أُمِّيُّونَ وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكم ولَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكم فَنَزَلَتْ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ: لا يُقِرَّنَ اللَّهُ أُعِينَكم فَواللَّهِ لَتَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلى فارِسَ بَعْدَ بِضْعِ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ: كَذَبْتَ اجْعَلْ بَيْنَنا أجَلًا أُناحِبُكَ عَلَيْهِ، فَناحَبَهُ عَلى عَشْرِ قَلائِصَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وجَعَلا الأجَلَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَأخْبَرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ فَزايَدَهُ في الخَطَرِ ومادَّهُ في الأجَلِ، فَجَعَلاهُ مِائَةَ قَلُوصٍ إلى تِسْعِ سِنِينَ وماتَ أُبَيٌّ مِن جَرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قُفُولِهِ مِن أُحُدٍ وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ الخَطَرَ مِن ورَثَةِ أُبَيٍّ، وجاءَ بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ تَصَدَّقْ بِهِ» .
واسْتَدَلَّتْ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى جَوازِ العُقُودِ الفاسِدَةِ في دارِ الحَرْبِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ، والآيَةُ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّها إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ. وقُرِئَ «غَلَبَتْ» بِالفَتْحِ و «سَيُغْلَبُونَ» بِالضَّمِّ ومَعْناهُ أنَّ الرُّومَ غَلَبُوا عَلى رِيفِ الشّامِ والمُسْلِمُونَ سَيَغْلِبُونَهم، وفي السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِن نُزُولِهِ غَزاهُمُ المُسْلِمُونَ وفَتَحُوا بَعْضَ بِلادِهِمْ وعَلى هَذا تَكُونُ إضافَةُ الغَلَبِ إلى الفاعِلِ. ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ مِن قَبْلِ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ أيْ لَهُ الأمْرُ حِينَ غَلَبُوا وحِينَ يُغْلَبُونَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُما إلّا بِقَضائِهِ، وقُرِئَ «مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ» مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ قَبْلًا وبَعْدًا أيْ أوَّلًا وآخِرًا. ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ ويَوْمَ تَغْلِبُ الرُّومُ. ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ لِما فِيهِ مِنَ انْقِلابِ التَّفاؤُلِ وظُهُورِ صِدْقِهِمْ فِيما أخْبَرا بِهِ المُشْرِكِينَ وغَلَبَتِهِمْ في رِهانِهِمْ وازْدِيادِ يَقِينِهِمْ وثَباتِهِمْ في دِينِهِمْ، وقِيلَ بِنَصْرِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِإظْهارِ صِدْقِهِمْ أوْ بِأنْ ولِيَ بَعْضُ أعْدائِهِمْ بَعْضًا حَتّى تَفانَوْا. ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ فَيَنْصُرُ هَؤُلاءِ تارَةً وهَؤُلاءِ أُخْرى. ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عِبادِهِ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ تارَةً ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ أُخْرى.(p-202)
الروم 30:5
(p-201)( 30 سُورَةُ الرُّومِ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ وآيُها سِتُّونَ أوْ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( ﴿الم﴾ .
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أرْضِ العَرَبِ مِنهم لِأنَّها الأرْضُ المَعْهُودَةُ عِنْدَهم، أوْ في أدْنى أرْضِهِمْ مِنَ العَرَبِ واللّامُ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ. ﴿وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وقُرِئَ «غَلْبِهِمْ» وهو لُغَةٌ كالجَلَبِ والجَلْبِ. ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ .
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ رُوِيَ «أنَّ فارِسَ غَزَوُا الرُّومَ فَوافُوهم بِأذْرِعاتٍ وبُصْرى، وقِيلَ بِالجَزِيرَةِ وهي أدْنى أرْضِ الرُّومِ مِنَ الفُرْسِ فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ وبَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ ونَحْنُ وفارِسُ أُمِّيُّونَ وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكم ولَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكم فَنَزَلَتْ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ: لا يُقِرَّنَ اللَّهُ أُعِينَكم فَواللَّهِ لَتَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلى فارِسَ بَعْدَ بِضْعِ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ: كَذَبْتَ اجْعَلْ بَيْنَنا أجَلًا أُناحِبُكَ عَلَيْهِ، فَناحَبَهُ عَلى عَشْرِ قَلائِصَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وجَعَلا الأجَلَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَأخْبَرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ فَزايَدَهُ في الخَطَرِ ومادَّهُ في الأجَلِ، فَجَعَلاهُ مِائَةَ قَلُوصٍ إلى تِسْعِ سِنِينَ وماتَ أُبَيٌّ مِن جَرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قُفُولِهِ مِن أُحُدٍ وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ الخَطَرَ مِن ورَثَةِ أُبَيٍّ، وجاءَ بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ تَصَدَّقْ بِهِ» .
واسْتَدَلَّتْ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى جَوازِ العُقُودِ الفاسِدَةِ في دارِ الحَرْبِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ، والآيَةُ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّها إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ. وقُرِئَ «غَلَبَتْ» بِالفَتْحِ و «سَيُغْلَبُونَ» بِالضَّمِّ ومَعْناهُ أنَّ الرُّومَ غَلَبُوا عَلى رِيفِ الشّامِ والمُسْلِمُونَ سَيَغْلِبُونَهم، وفي السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِن نُزُولِهِ غَزاهُمُ المُسْلِمُونَ وفَتَحُوا بَعْضَ بِلادِهِمْ وعَلى هَذا تَكُونُ إضافَةُ الغَلَبِ إلى الفاعِلِ. ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ مِن قَبْلِ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ أيْ لَهُ الأمْرُ حِينَ غَلَبُوا وحِينَ يُغْلَبُونَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُما إلّا بِقَضائِهِ، وقُرِئَ «مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ» مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ قَبْلًا وبَعْدًا أيْ أوَّلًا وآخِرًا. ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ ويَوْمَ تَغْلِبُ الرُّومُ. ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ لِما فِيهِ مِنَ انْقِلابِ التَّفاؤُلِ وظُهُورِ صِدْقِهِمْ فِيما أخْبَرا بِهِ المُشْرِكِينَ وغَلَبَتِهِمْ في رِهانِهِمْ وازْدِيادِ يَقِينِهِمْ وثَباتِهِمْ في دِينِهِمْ، وقِيلَ بِنَصْرِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِإظْهارِ صِدْقِهِمْ أوْ بِأنْ ولِيَ بَعْضُ أعْدائِهِمْ بَعْضًا حَتّى تَفانَوْا. ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ فَيَنْصُرُ هَؤُلاءِ تارَةً وهَؤُلاءِ أُخْرى. ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عِبادِهِ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ تارَةً ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ أُخْرى.(p-202)
الروم 30:6
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ لِأنَّ ما قَبْلَهُ في مَعْنى الوَعْدِ. ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ لِامْتِناعِ الكَذِبِ عَلَيْهِ تَعالى. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وعْدَهُ ولا صِحَّةَ وعْدِهِ لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ.
﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ما يُشاهِدُونَهُ مِنها والتَّمَتُّعُ بِزَخارِفِها. ﴿وَهم عَنِ الآخِرَةِ﴾ الَّتِي هي غايَتُها والمَقْصُودُ مِنها. ﴿هم غافِلُونَ﴾ لا تَخْطُرُ بِبالِهِمْ، و ( هم ) الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلْأُولى أوْ مُبْتَدَأٌ و ( غافِلُونَ ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأُولى، وهو عَلى الوَجْهَيْنِ مُنادٍ عَلى تَمَكُّنِ غَفْلَتِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ المُحَقِّقَةِ لِمُقْتَضى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ المُبْدَلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ تَقْرِيرًا لِجَهالَتِهِمْ وتَشْبِيهًا لَهم بِالحَيَواناتِ المَقْصُورِ إدْراكُها مِنَ الدُّنْيا بِبَعْضِ ظاهِرِها، فَإنَّ مِنَ العِلْمِ بِظاهِرِها مَعْرِفَةَ حَقائِقِها وصِفاتِها وخَصائِصِها وأفْعالِها وأسْبابِها وكَيْفِيَّةِ صُدُورِها مِنها وكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ فِيها ولِذَلِكَ نَكَّرَ ظاهِرًا، وأمّا باطِنُها فَإنَّها مَجازٌ إلى الآخِرَةِ ووَصْلَةٌ إلى نَيْلِها وأُنْمُوذَجٌ لِأحْوالِها وإشْعارًا بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِ العِلْمِ والعِلْمِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِظاهِرِ الدُّنْيا.
الروم 30:7
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ لِأنَّ ما قَبْلَهُ في مَعْنى الوَعْدِ. ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ لِامْتِناعِ الكَذِبِ عَلَيْهِ تَعالى. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وعْدَهُ ولا صِحَّةَ وعْدِهِ لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ.
﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ما يُشاهِدُونَهُ مِنها والتَّمَتُّعُ بِزَخارِفِها. ﴿وَهم عَنِ الآخِرَةِ﴾ الَّتِي هي غايَتُها والمَقْصُودُ مِنها. ﴿هم غافِلُونَ﴾ لا تَخْطُرُ بِبالِهِمْ، و ( هم ) الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلْأُولى أوْ مُبْتَدَأٌ و ( غافِلُونَ ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأُولى، وهو عَلى الوَجْهَيْنِ مُنادٍ عَلى تَمَكُّنِ غَفْلَتِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ المُحَقِّقَةِ لِمُقْتَضى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ المُبْدَلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ تَقْرِيرًا لِجَهالَتِهِمْ وتَشْبِيهًا لَهم بِالحَيَواناتِ المَقْصُورِ إدْراكُها مِنَ الدُّنْيا بِبَعْضِ ظاهِرِها، فَإنَّ مِنَ العِلْمِ بِظاهِرِها مَعْرِفَةَ حَقائِقِها وصِفاتِها وخَصائِصِها وأفْعالِها وأسْبابِها وكَيْفِيَّةِ صُدُورِها مِنها وكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ فِيها ولِذَلِكَ نَكَّرَ ظاهِرًا، وأمّا باطِنُها فَإنَّها مَجازٌ إلى الآخِرَةِ ووَصْلَةٌ إلى نَيْلِها وأُنْمُوذَجٌ لِأحْوالِها وإشْعارًا بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِ العِلْمِ والعِلْمِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِظاهِرِ الدُّنْيا.
الروم 30:8
﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ أوَلَمْ يُحْدِثُوا التَّفَكُّرَ فِيها، أوْ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أمْرِ أنْفُسِهِمْ فَإنَّها أقْرَبُ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِها ومِرْآةٌ يُجْتَلى فِيها لِلْمُسْتَبْصِرِ ما يُجْتَلى لَهُ في المُمْكِناتِ بِأسْرِها لِيَتَحَقَّقَ لَهم قُدْرَةُ مُبْدِعِها عَلى إعادَتِها مِثْلَ قُدْرَتِهِ عَلى إبْدائِها. ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ أوْ عِلْمٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ. ﴿وَأجَلٍ مُسَمًّى﴾ تَنْتَهِي عِنْدَهُ ولا تَبْقى بَعْدَهُ. ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ بِلِقاءِ جَزائِهِ عِنْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ المُسَمّى أوْ قِيامِ السّاعَةِ. ﴿لَكافِرُونَ﴾ جاحِدُونَ يَحْسَبُونَ أنَّ الدُّنْيا أبَدِيَّةٌ وأنَّ الآخِرَةَ لا تَكُونُ.
الروم 30:9
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِسَيْرِهِمْ في أقْطارِ الأرْضِ ونَظَرِهِمْ في آثارِ المُدَمَّرِينَ قَبْلَهم. ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ كَعادٍ وثَمُودَ. ﴿وَأثارُوا الأرْضَ﴾ وقَلَّبُوا وجْهَها لِاسْتِنْباطِ المِياهِ واسْتِخْراجِ المَعادِنِ وزَرْعِ البُذُورِ وغَيْرِها. ﴿وَعَمَرُوها﴾ وعَمَرُوا الأرْضَ. ﴿أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ مِن عِمارَةِ أهْلِ مَكَّةَ إيّاها فَإنَّهم أهْلُ وادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ لا تَبَسُّطَ لَهم في غَيْرِها، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم مُغْتَرُّونَ بِالدُّنْيا مُفْتَخِرُونَ بِها وهم أضْعَفُ حالًا فِيها، إذْ مَدارُ أمْرِها عَلى التَّبَسُّطِ في البِلادِ والتَّسَلُّطِ عَلى العِبادِ والتَّصَرُّفِ في أقْطارِ الأرْضِ بِأنْواعِ العِمارَةِ وهم ضُعَفاءُ مُلْجَؤُونَ إلى دارٍ لا نَفْعَ لَها. ﴿وَجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ أوِ الآياتِ الواضِحاتِ. ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ لِيَفْعَلَ بِهِمْ ما تَفْعَلُ الظَّلَمَةُ فَيُدَمِّرُهم مِن غَيْرِ جُرْمٍ ولا تَذْكِيرٍ. ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ عَمِلُوا ما أدّى إلى تَدْمِيرِهِمْ.
الروم 30:10
﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى﴾ أيْ ثُمَّ كانَ عاقِبَتُهُمُ العاقِبَةَ ﴿السُّوأى﴾ أوِ الخَصْلَةَ ( السُّوأى )، (p-203)
فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما اقْتَضى أنْ تَكُونَ تِلْكَ عاقِبَتَهم وأنَّهم جاءُوا بِمِثْلِ أفْعالِهِمْ، و ( السُّوأى ) تَأْنِيثُ الأسْوَأِ كالحُسْنى أوْ مَصْدَرٌ كالبُشْرى نُعِتَ بِهِ. ﴿أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ عِلَّةٌ أوْ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لِـ ( السُّوأى )، أوْ خَبَرُ كانَ و ( السُّوأى ) مَصْدَرُ ( أساءُوا ) أوْ مَفْعُولُهُ بِمَعْنى، ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ﴾ الَّذِينَ اقْتَرَفُوا الخَطِيئَةَ أنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ واسْتَهْزَءُوا بِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( السُّوأى ) صِلَةَ الفِعْلِ و ( أنْ كَذَّبُوا ) تابِعَها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِلْإبْهامِ والتَّهْوِيلِ، وأنْ تَكُونَ ( أنْ ) مُفَسِّرَةً لِأنَّ الإساءَةَ إذا كانَتْ مُفَسَّرَةً بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ كانَتْ مُتَضَمِّنَةً مَعْنى القَوْلِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ ( عاقِبَةَ ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الِاسْمَ ( السُّوأى ) و ( أنْ كَذَّبُوا ) عَلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.
الروم 30:11
﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ يُنْشِئُهم. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يَبْعَثُهم. ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ والعُدُولُ إلى الخِطابِ لِلْمُبالَغَةِ في المَقْصُودِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوحٌ بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ يَسْكُتُونَ مُتَحَرِّينَ آيِسِينَ يُقالُ ناظَرْتُهُ فَأُبْلِسَ إذا سَكَتَ وآيَسَ مِن أنْ يَحْتَجَّ ومِنهُ النّاقَةُ المُبْلاسُ الَّتِي لا تَرْغُو، وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ مِن أبْلَسَهُ إذا أسْكَتَهُ.
الروم 30:12
﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ يُنْشِئُهم. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يَبْعَثُهم. ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ والعُدُولُ إلى الخِطابِ لِلْمُبالَغَةِ في المَقْصُودِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوحٌ بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ يَسْكُتُونَ مُتَحَرِّينَ آيِسِينَ يُقالُ ناظَرْتُهُ فَأُبْلِسَ إذا سَكَتَ وآيَسَ مِن أنْ يَحْتَجَّ ومِنهُ النّاقَةُ المُبْلاسُ الَّتِي لا تَرْغُو، وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ مِن أبْلَسَهُ إذا أسْكَتَهُ.
الروم 30:13
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ﴾ مِمَّنْ أشْرَكُوهم بِاللَّهِ. ﴿شُفَعاءُ﴾ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ، ومَجِيئُهُ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِهِ. ﴿وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ يَكْفُرُونَ بِآلِهَتِهِمْ حِينَ يَئِسُوا مِنهم، وقِيلَ كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِهِمْ، وكُتِبَ في المُصْحَفِ ( شَفْعُواءُ ) و ( عَلْمُواءُ بَنِي إسْرائِيلَ ) بِالواوِ وكَذا ( السُّوأى ) بِالألِفِ إثْباتًا لِلْهَمْزَةِ عَلى صُورَةِ الحَرْفِ الَّذِي مِنهُ حَرَكَتُها.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى:
الروم 30:14
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ﴾ مِمَّنْ أشْرَكُوهم بِاللَّهِ. ﴿شُفَعاءُ﴾ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ، ومَجِيئُهُ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِهِ. ﴿وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ يَكْفُرُونَ بِآلِهَتِهِمْ حِينَ يَئِسُوا مِنهم، وقِيلَ كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِهِمْ، وكُتِبَ في المُصْحَفِ ( شَفْعُواءُ ) و ( عَلْمُواءُ بَنِي إسْرائِيلَ ) بِالواوِ وكَذا ( السُّوأى ) بِالألِفِ إثْباتًا لِلْهَمْزَةِ عَلى صُورَةِ الحَرْفِ الَّذِي مِنهُ حَرَكَتُها.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى:
الروم 30:15
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ﴾ أرْضٍ ذاتِ أزْهارٍ وأنْهارٍ. ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُسَرُّونَ سُرُورًا تَهَلَّلَتْ لَهُ وُجُوهُهم.
﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ مُدْخَلُونَ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ.
الروم 30:16
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ﴾ أرْضٍ ذاتِ أزْهارٍ وأنْهارٍ. ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُسَرُّونَ سُرُورًا تَهَلَّلَتْ لَهُ وُجُوهُهم.
﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ مُدْخَلُونَ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ.
الروم 30:17
﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إخْبارٌ في مَعْنى الأمْرِ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيها قُدْرَتُهُ وتَتَجَدَّدُ فِيها نِعْمَتُهُ، أوْ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما يَحْدُثُ فِيها مِنَ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِتَنَزُّهِهِ واسْتِحْقاقِهِ الحَمْدَ مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ مِن أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وتَخْصِيصُ التَّسْبِيحِ بِالمَساءِ والصَّباحِ لِأنَّ آثارَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ فِيهِما أظْهَرُ، وتَخْصِيصُ الحَمْدِ بِالعَشِيِّ الَّذِي هو آخِرُ النَّهارِ مِن عَشى العَيْنُ إذا نَقَصَ نُورُها والظَّهِيرَةُ الَّتِي هي وسَطُهُ لِأنَّ تَجَدُّدَ النِّعَمِ فِيهِما أكْثَرُ، (p-204)
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( عَشِيًّا ) مَعْطُوفًا عَلى ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ وقَوْلُهُ ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اعْتِراضًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ ( تُمْسُونَ ) صَلاتا المَغْرِبِ والعَشاءِ، و ( تُصْبِحُونَ ) صَلاةُ الفَجْرِ، و ( عَشِيًّا ) صَلاةُ العَصْرِ، و ( تُظْهِرُونَ ) صَلاةُ الظُّهْرِ. ولِذَلِكَ زَعَمَ الحَسَنُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كانَ الواجِبُ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ في أيِّ وقْتٍ اتَّفَقَتا وإنَّما فَرْضُهُ الخَمْسَ بِالمَدِينَةِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّها فُرِضَتْ بِمَكَّةَ.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن سَرَّهُ أنْ يُكالَ لَهُ بِالقَفِيزِ الأوْفى فَلْيَقُلْ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ الآيَةَ» .
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ إلى قَوْلِهِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ، ومَن قالَهُ حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ» .
وَقُرِئَ «حِينًا تُمْسُونَ» و «حِينًا تُصْبِحُونَ» أيْ تُمْسُونَ فِيهِ وتُصْبِحُونَ فِيهِ.
الروم 30:18
﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إخْبارٌ في مَعْنى الأمْرِ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيها قُدْرَتُهُ وتَتَجَدَّدُ فِيها نِعْمَتُهُ، أوْ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما يَحْدُثُ فِيها مِنَ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِتَنَزُّهِهِ واسْتِحْقاقِهِ الحَمْدَ مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ مِن أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وتَخْصِيصُ التَّسْبِيحِ بِالمَساءِ والصَّباحِ لِأنَّ آثارَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ فِيهِما أظْهَرُ، وتَخْصِيصُ الحَمْدِ بِالعَشِيِّ الَّذِي هو آخِرُ النَّهارِ مِن عَشى العَيْنُ إذا نَقَصَ نُورُها والظَّهِيرَةُ الَّتِي هي وسَطُهُ لِأنَّ تَجَدُّدَ النِّعَمِ فِيهِما أكْثَرُ، (p-204)
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( عَشِيًّا ) مَعْطُوفًا عَلى ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ وقَوْلُهُ ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اعْتِراضًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ ( تُمْسُونَ ) صَلاتا المَغْرِبِ والعَشاءِ، و ( تُصْبِحُونَ ) صَلاةُ الفَجْرِ، و ( عَشِيًّا ) صَلاةُ العَصْرِ، و ( تُظْهِرُونَ ) صَلاةُ الظُّهْرِ. ولِذَلِكَ زَعَمَ الحَسَنُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كانَ الواجِبُ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ في أيِّ وقْتٍ اتَّفَقَتا وإنَّما فَرْضُهُ الخَمْسَ بِالمَدِينَةِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّها فُرِضَتْ بِمَكَّةَ.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن سَرَّهُ أنْ يُكالَ لَهُ بِالقَفِيزِ الأوْفى فَلْيَقُلْ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ الآيَةَ» .
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ إلى قَوْلِهِ وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ، ومَن قالَهُ حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ» .
وَقُرِئَ «حِينًا تُمْسُونَ» و «حِينًا تُصْبِحُونَ» أيْ تُمْسُونَ فِيهِ وتُصْبِحُونَ فِيهِ.
الروم 30:19
﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ كالإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والطّائِرِ مِنَ البَيْضَةِ. ﴿وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ، أوْ يَعْقُبُ الحَياةَ المَوْتُ وبِالعَكْسِ. ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ﴾ بِالنَّباتِ. ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ يُبْسِها. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ. ﴿تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم فَإنَّهُ أيْضًا تَعْقِيبٌ لِلْحَياةِ المَوْتُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ.
الروم 30:20
﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ في أصْلِ الإنْشاءِ لِأنَّهُ خَلَقَ أصْلَهم مِنهُ. ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ ثُمَّ فاجَأْتُمْ وقْتَ كَوْنِكم بَشَرًا مُنْتَشِرِينَ في الأرْضِ.
﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ لِأنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن ضِلْعِ آدَمَ وسائِرَ النِّساءِ خُلِقْنَ مِن نُطَفِ الرِّجالِ، أوْ لِأنَّهُنَّ مِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسٍ آخَرَ. ﴿لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ لِتَمِيلُوا إلَيْها وتَأْلَفُوا بِها فَإنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةٌ لِلضَّمِّ والِاخْتِلافِ سَبَبٌ لِلتَّنافُرِ. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، أوْ بَيْنَ أفْرادِ الجِنْسِ. ﴿مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ بِواسِطَةِ الزَّواجِ حالَ الشَّبَقِ وغَيْرِها بِخِلافِ سائِرِ الحَيَواناتِ نَظْمًا لِأمْرِ المَعاشِ، أوْ بِأنَّ تَعَيُّشَ الإنْسانِ مُتَوَقِّفٌ عَلى التَّعارُفِ والتَّعاوُنِ المُحْوِجِ إلى التَّوادِّ والتَّراحُمِ، وقِيلَ المَوَدَّةُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ والرَّحْمَةُ عَنِ الوَلَدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ . ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَيَعْلَمُونَ ما في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ.
الروم 30:21
﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ في أصْلِ الإنْشاءِ لِأنَّهُ خَلَقَ أصْلَهم مِنهُ. ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ ثُمَّ فاجَأْتُمْ وقْتَ كَوْنِكم بَشَرًا مُنْتَشِرِينَ في الأرْضِ.
﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ لِأنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن ضِلْعِ آدَمَ وسائِرَ النِّساءِ خُلِقْنَ مِن نُطَفِ الرِّجالِ، أوْ لِأنَّهُنَّ مِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسٍ آخَرَ. ﴿لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ لِتَمِيلُوا إلَيْها وتَأْلَفُوا بِها فَإنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةٌ لِلضَّمِّ والِاخْتِلافِ سَبَبٌ لِلتَّنافُرِ. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، أوْ بَيْنَ أفْرادِ الجِنْسِ. ﴿مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ بِواسِطَةِ الزَّواجِ حالَ الشَّبَقِ وغَيْرِها بِخِلافِ سائِرِ الحَيَواناتِ نَظْمًا لِأمْرِ المَعاشِ، أوْ بِأنَّ تَعَيُّشَ الإنْسانِ مُتَوَقِّفٌ عَلى التَّعارُفِ والتَّعاوُنِ المُحْوِجِ إلى التَّوادِّ والتَّراحُمِ، وقِيلَ المَوَدَّةُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ والرَّحْمَةُ عَنِ الوَلَدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ . ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَيَعْلَمُونَ ما في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ.
الروم 30:22
﴿وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ لُغاتِكم بِأنْ عَلَّمَ كُلَّ صِنْفٍ لُغَتَهُ أوْ ألْهَمَهُ وضْعَها وأقْدَرَهُ عَلَيْها، أوْ أجْناسَ نُطْقِكم وأشْكالِهِ فَإنَّكَ لا تَكادُ تَسْمَعُ مَنطِقَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ. ﴿وَألْوانِكُمْ﴾ بَياضُ الجِلْدِ وسَوادُهُ، أوْ تَخْطِيطاتُ الأعْضاءِ وهَيْئاتُها وألْوانُها، وحَلّاها بِحَيْثُ وقَعَ التَّمايُزُ والتَّعارُفُ حَتّى أنَّ التَّوْأمَيْنِ مَعَ تَوافُقِ مَوادِّهِما وأسْبابِهِما والأُمُورِ المُلاقِيَةِ لَهُما في التَّخْلِيقِ يَخْتَلِفانِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لا مَحالَةَ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ لا تَكادُ تَخْفى عَلى عاقِلٍ مَن مَلَكٍ أوْ إنْسٍ أوْ جِنٍّ، وقَرَأ حَفْصٌ بِكَسْرِ اللّامِ ويُؤَيِّدُ قَوْلَهُ: ﴿وَما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ .(p-205)
الروم 30:23
﴿وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ مَنامُكم في الزَّمانَيْنِ لِاسْتِراحَةِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ وتَقَوِّي القُوى الطَّبِيعِيَّةِ وطَلَبِ مَعاشِكم فِيهِما، أوْ مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم بِالنَّهارِ فَلَفَّ وضَمَّ بَيْنَ الزَّمانَيْنِ والفِعْلَيْنِ بِعاطِفَيْنِ إشْعارًا بِأنَّ كُلًّا مِنَ الزَّمانَيْنِ وإنِ اخْتَصَّ بِأحَدِهِما فَهو صالِحٌ لِلْآخَرِ عِنْدَ الحاجَةِ، ويُؤَيِّدُهُ سائِرُ الآياتِ الوارِدَةِ فِيهِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ تَفَهُّمٍ واسْتِبْصارٍ فَإنَّ الحِكْمَةَ فِيهِ ظاهِرَةٌ.
الروم 30:24
﴿وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ مُقَدَّرٌ بِأنِ المَصْدَرِيَّةِ كَقَوْلِهِ:
؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرُ الوَغى. . . وأنْ أشَهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخَلِّدِي
أوِ الفِعْلُ فِيهِ مَنزِلَةُ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: تَسْمَعُ بِالمُعَيِّدِي خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ، أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ آيَةٌ يُرِيكم بِها البَرْقَ كَقَوْلِهِ:
؎ فَما الدَّهْرُ إلا تارَتانِ فَمِنهُما. . . ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
خَوْفًا مِنَ الصّاعِقَةِ لِلْمُسافِرِ. ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغَيْثِ لِلْمُقِيمِ، ونَصْبُهُما عَلى العِلَّةِ لِفِعْلٍ يُلْزِمُ المَذْكُورَ فَإنَّ إراءَتَهم تَسْتَلْزِمُ رُؤْيَتَهم أوَّلَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ نَحْوَ إرادَةِ خَوْفٍ وطَمَعٍ، أوْ تَأْوِيلِ الخَوْفِ والطَّمَعِ بِالإخافَةِ والإطْماعِ كَقَوْلِكَ فَعَلْتُهُ رَغْمًا لِلشَّيْطانِ، أوْ عَلى الحالِ مِثْلَ كَلَّمْتُهُ شِفاهًا. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ﴾ بِالنَّباتِ. ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ يُبْسِها. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في اسْتِنْباطِ أسْبابِها وكَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِها لِيُظْهِرَ لَهم كَمالَ قُدْرَةِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ.
الروم 30:25
﴿وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ قِيامُهُما بِإقامَتِهِ لَهُما وإرادَتِهِ لِقِيامِهِما في حَيِّزَيْهِما المُعَيَّنَيْنِ مِن غَيْرِ مُقِيمٍ مَحْسُوسٍ، والتَّعْبِيرُ بِالأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في كَمالِ القُدْرَةِ والغِنى عَنِ الآلَةِ. ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ عُطِفَ عَلى ( أنْ تَقُومَ ) عَلى تَأْوِيلِ مُفْرَدٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ قِيامُ السَّمَواتِ والأرْضِ بِأمْرِهِ ثُمَّ خُرُوجُكم مِنَ القُبُورِ ﴿إذا دَعاكم دَعْوَةً﴾ واحِدَةً فَيَقُولُ أيُّها المَوْتى اخْرُجُوا، والمُرادُ تَشْبِيهُ سُرْعَةِ تَرَتُّبِ حُصُولِ ذَلِكَ عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِلا تَوَقُّفٍ واحْتِياجٍ إلى تَجَشُّمِ عَمَلٍ بِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ إجابَةِ الدّاعِي المُطاعِ عَلى دُعائِهِ، وثُمَّ إمّا لِتَراخِي زَمانِهِ أوْ لِعَظَمِ ما فِيهِ ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا كَقَوْلِكَ: دَعْوَتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ لا بِتَخْرُجُونَ لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، و ( إذا ) الثّانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ ولِذَلِكَ نابَتْ مَنابَ الفاءِ في جَوابِ الأُولى.
﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِفِعْلِهِ فِيهِمْ لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ.
الروم 30:26
﴿وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ قِيامُهُما بِإقامَتِهِ لَهُما وإرادَتِهِ لِقِيامِهِما في حَيِّزَيْهِما المُعَيَّنَيْنِ مِن غَيْرِ مُقِيمٍ مَحْسُوسٍ، والتَّعْبِيرُ بِالأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في كَمالِ القُدْرَةِ والغِنى عَنِ الآلَةِ. ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ عُطِفَ عَلى ( أنْ تَقُومَ ) عَلى تَأْوِيلِ مُفْرَدٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ قِيامُ السَّمَواتِ والأرْضِ بِأمْرِهِ ثُمَّ خُرُوجُكم مِنَ القُبُورِ ﴿إذا دَعاكم دَعْوَةً﴾ واحِدَةً فَيَقُولُ أيُّها المَوْتى اخْرُجُوا، والمُرادُ تَشْبِيهُ سُرْعَةِ تَرَتُّبِ حُصُولِ ذَلِكَ عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِلا تَوَقُّفٍ واحْتِياجٍ إلى تَجَشُّمِ عَمَلٍ بِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ إجابَةِ الدّاعِي المُطاعِ عَلى دُعائِهِ، وثُمَّ إمّا لِتَراخِي زَمانِهِ أوْ لِعَظَمِ ما فِيهِ ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا كَقَوْلِكَ: دَعْوَتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ لا بِتَخْرُجُونَ لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، و ( إذا ) الثّانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ ولِذَلِكَ نابَتْ مَنابَ الفاءِ في جَوابِ الأُولى.
﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِفِعْلِهِ فِيهِمْ لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ.
الروم 30:27
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ هَلاكِهِمْ. ﴿وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ والإعادَةُ أسْهَلُ عَلَيْهِ مِنَ الأصْلِ بِالإضافَةِ إلى قَدْرِكم والقِياسِ عَلى أُصُولِكم وإلّا فَهُما عَلَيْهِ سَواءٌ ولِذَلِكَ قِيلَ الهاءُ لِـ ( الخَلْقَ )، وقِيلَ ( أهْوَنُ ) بِمَعْنى هَيِّنٍ وتَذْكِيرُ هو لِأهْوَنُ أوْ لِأنَّ الإعادَةَ بِمَعْنى أنْ يُعِيدَ. ﴿وَلَهُ المَثَلُ﴾ الوَصْفُ العَجِيبُ الشَّأْنِ كالقُدْرَةِ العامَّةِ والحِكْمَةِ التّامَّةِ ومَن فَسَّرَهُ بِقَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أرادَ بِهِ الوَصْفَ بِالوَحْدانِيَّةِ. ﴿الأعْلى﴾ الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُساوِيهِ أوْ يُدانِيهِ. ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَصِفُهُ بِهِ ما فِيها دَلالَةً ونُطْقًا. ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الَّذِي لا يَعْجَزُ عَنْ إبْداءِ مُمْكِنٍ وإعادَتِهِ. ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يُجْرِي الأفْعالَ عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِهِ.
الروم 30:28
﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مُنْتَزَعًا مِن أحْوالِها الَّتِي هي أقْرَبُ الأُمُورِ إلَيْكم. ﴿هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مِن مَمالِيكِكم. ﴿مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ﴾ مِنَ الأمْوالِ وغَيْرِها. ﴿فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ فَتَكُونُونَ أنْتُمْ وهم فِيهِ شَرْعًا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ كَتَصَرُّفِكم مَعَ أنَّهم بَشَرٌ مُثُلُكم وأنَّها مُعارَةٌ لَكم، و ( مِن ) الأُولى لِلِابْتِداءِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ والثّالِثَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِفْهامِ الجارِي مَجْرى النَّفْيِ. ﴿تَخافُونَهُمْ﴾ أنْ يَسْتَبِدُّوا بِتَصَرُّفٍ فِيهِ.
﴿كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ كَما يَخافُ الأحْرارُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ. ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ نُبَيِّنُها فَإنَّ التَّفْصِيلَ مِمّا يَكْشِفُ المَعانِيَ ويُوَضِّحُها. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في تَدَبُّرِ الأمْثالِ.
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالإشْراكِ. ﴿أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ جاهِلِينَ لا يَكُفُّهم شَيْءٌ فَإنَّ العالِمَ إذا اتَّبَعَ هَواهُ رُبَّما رَدَعَهُ عِلْمُهُ. ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ فَمَن يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ. ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ يُخَلِّصُونَهم مِنَ الضَّلالَةِ ويَحْفَظُونَهم عَنْ آفاتِها.
الروم 30:29
﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مُنْتَزَعًا مِن أحْوالِها الَّتِي هي أقْرَبُ الأُمُورِ إلَيْكم. ﴿هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مِن مَمالِيكِكم. ﴿مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ﴾ مِنَ الأمْوالِ وغَيْرِها. ﴿فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ فَتَكُونُونَ أنْتُمْ وهم فِيهِ شَرْعًا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ كَتَصَرُّفِكم مَعَ أنَّهم بَشَرٌ مُثُلُكم وأنَّها مُعارَةٌ لَكم، و ( مِن ) الأُولى لِلِابْتِداءِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ والثّالِثَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِفْهامِ الجارِي مَجْرى النَّفْيِ. ﴿تَخافُونَهُمْ﴾ أنْ يَسْتَبِدُّوا بِتَصَرُّفٍ فِيهِ.
﴿كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ كَما يَخافُ الأحْرارُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ. ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ نُبَيِّنُها فَإنَّ التَّفْصِيلَ مِمّا يَكْشِفُ المَعانِيَ ويُوَضِّحُها. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في تَدَبُّرِ الأمْثالِ.
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالإشْراكِ. ﴿أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ جاهِلِينَ لا يَكُفُّهم شَيْءٌ فَإنَّ العالِمَ إذا اتَّبَعَ هَواهُ رُبَّما رَدَعَهُ عِلْمُهُ. ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ فَمَن يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ. ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ يُخَلِّصُونَهم مِنَ الضَّلالَةِ ويَحْفَظُونَهم عَنْ آفاتِها.
الروم 30:30
﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ فَقَوِّمْهُ لَهُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ أوْ مُلْتَفِتٍ عَنْهُ، وهو تَمْثِيلٌ لِلْإقْبالِ والِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ والِاهْتِمامِ بِهِ. ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ خِلْقَتَهُ نُصِبَ عَلى الإغْراءِ أوِ المَصْدَرِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَها. ﴿الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ خَلَقَهم عَلَيْها وهي قَبُولُهم لِلْحَقِّ وتَمَكُّنُهم مِن إدْراكِهِ، أوْ مِلَّةُ الإسْلامِ فَإنَّهم لَوْ خُلُّوا وما خُلِقُوا عَلَيْهِ أدّى بِهِمْ إلَيْها، وقِيلَ العَهْدُ المَأْخُوذُ مِن آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُغَيِّرَهُ أوْ ما يَنْبَغِي أنْ يُغَيَّرَ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الدِّينِ المَأْمُورِ بِإقامَةِ الوَجْهِ لَهُ أوِ الفِطْرَةِ إنْ فُسِّرَتْ بِالمِلَّةِ. ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ اسْتِقامَتَهُ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ.
﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ مِن أنابَ إذا رَجَعَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقِيلَ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ مِنَ النّابِ وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في النّاصِبِ المُقَدَّرِ لِفِطْرَةِ اللَّهِ أوْ في أقِمْ لِأنَّ الآيَةَ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ والأُمَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ غَيْرَ أنَّها صُدِّرَتْ بِخِطابِ الرَّسُولِ ﷺ تَعْظِيمًا لَهُ.
الروم 30:31
﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ فَقَوِّمْهُ لَهُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ أوْ مُلْتَفِتٍ عَنْهُ، وهو تَمْثِيلٌ لِلْإقْبالِ والِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ والِاهْتِمامِ بِهِ. ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ خِلْقَتَهُ نُصِبَ عَلى الإغْراءِ أوِ المَصْدَرِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَها. ﴿الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ خَلَقَهم عَلَيْها وهي قَبُولُهم لِلْحَقِّ وتَمَكُّنُهم مِن إدْراكِهِ، أوْ مِلَّةُ الإسْلامِ فَإنَّهم لَوْ خُلُّوا وما خُلِقُوا عَلَيْهِ أدّى بِهِمْ إلَيْها، وقِيلَ العَهْدُ المَأْخُوذُ مِن آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُغَيِّرَهُ أوْ ما يَنْبَغِي أنْ يُغَيَّرَ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الدِّينِ المَأْمُورِ بِإقامَةِ الوَجْهِ لَهُ أوِ الفِطْرَةِ إنْ فُسِّرَتْ بِالمِلَّةِ. ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ اسْتِقامَتَهُ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ.
﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ مِن أنابَ إذا رَجَعَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقِيلَ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ مِنَ النّابِ وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في النّاصِبِ المُقَدَّرِ لِفِطْرَةِ اللَّهِ أوْ في أقِمْ لِأنَّ الآيَةَ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ والأُمَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ غَيْرَ أنَّها صُدِّرَتْ بِخِطابِ الرَّسُولِ ﷺ تَعْظِيمًا لَهُ.
الروم 30:32
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَفْرِيقُهُمُ اخْتِلافُهم فِيما يَعْبُدُونَهُ عَلى اخْتِلافِ أهْوائِهِمْ، (p-207)
وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( فارَقُوا ) بِمَعْنى تَرَكُوا دِينَهُمُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ. ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ فِرَقًا تُشايِعُ كُلٌّ إمامَها الَّذِي أضَلَّ دِينَها. ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ ظَنًّا بِأنَّهُ الحَقُّ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ( فَرِحُونَ ) صِفَةَ ( كُلُّ ) عَلى أنَّ الخَبَرَ ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ .
الروم 30:33
﴿وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ﴾ شِدَّةٌ. ﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ مِن دُعاءِ غَيْرِهِ. ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ خَلاصًا مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ. ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهم بِالإشْراكِ بِرَبِّهِمُ الَّذِي عافاهم.
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْعاقِبَةِ وقِيلَ لِلْأمْرِ بِمَعْنى التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ غَيْرَ أنَّهُ التَفَتَ فِيهِ مُبالَغَةً وقُرِئَ و «لْيَتَمَتَّعُوا» . ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَمَتُّعِكم، وقُرِئَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ تَمَتَّعُوا ماضٍ.
﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ حُجَّةً وقِيلَ ذا سُلْطانٍ أيْ مَلَكًا مَعَهُ بُرْهانٌ. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ تَكَلُّمَ دَلالَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ أوْ نَطَقَ. ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ بِإشْراكِهِمْ وصِحَّتِهِ، أوْ بِالأمْرِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يُشْرِكُونَ بِهِ في أُلُوهِيَّتِهِ.
الروم 30:34
﴿وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ﴾ شِدَّةٌ. ﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ مِن دُعاءِ غَيْرِهِ. ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ خَلاصًا مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ. ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهم بِالإشْراكِ بِرَبِّهِمُ الَّذِي عافاهم.
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْعاقِبَةِ وقِيلَ لِلْأمْرِ بِمَعْنى التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ غَيْرَ أنَّهُ التَفَتَ فِيهِ مُبالَغَةً وقُرِئَ و «لْيَتَمَتَّعُوا» . ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَمَتُّعِكم، وقُرِئَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ تَمَتَّعُوا ماضٍ.
﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ حُجَّةً وقِيلَ ذا سُلْطانٍ أيْ مَلَكًا مَعَهُ بُرْهانٌ. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ تَكَلُّمَ دَلالَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ أوْ نَطَقَ. ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ بِإشْراكِهِمْ وصِحَّتِهِ، أوْ بِالأمْرِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يُشْرِكُونَ بِهِ في أُلُوهِيَّتِهِ.
الروم 30:35
﴿وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ﴾ شِدَّةٌ. ﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ مِن دُعاءِ غَيْرِهِ. ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ خَلاصًا مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ. ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهم بِالإشْراكِ بِرَبِّهِمُ الَّذِي عافاهم.
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْعاقِبَةِ وقِيلَ لِلْأمْرِ بِمَعْنى التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ غَيْرَ أنَّهُ التَفَتَ فِيهِ مُبالَغَةً وقُرِئَ و «لْيَتَمَتَّعُوا» . ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ تَمَتُّعِكم، وقُرِئَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ تَمَتَّعُوا ماضٍ.
﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ حُجَّةً وقِيلَ ذا سُلْطانٍ أيْ مَلَكًا مَعَهُ بُرْهانٌ. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ تَكَلُّمَ دَلالَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ أوْ نَطَقَ. ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ بِإشْراكِهِمْ وصِحَّتِهِ، أوْ بِالأمْرِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يُشْرِكُونَ بِهِ في أُلُوهِيَّتِهِ.
الروم 30:36
﴿وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وسِعَةٍ. ﴿فَرِحُوا بِها﴾ بَطَرُوا بِسَبَبِها. ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ شِدَّةٌ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ. ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ فاجَؤُوا القُنُوطَ مِن رَحْمَتِهِ وقَرَأ الكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ النُّونِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ فَما لَهم لَمْ يَشْكُرُوا ولَمْ يَحْتَسِبُوا في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ كالمُؤْمِنِينَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فَيَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.
الروم 30:37
﴿وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وسِعَةٍ. ﴿فَرِحُوا بِها﴾ بَطَرُوا بِسَبَبِها. ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ شِدَّةٌ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ. ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ فاجَؤُوا القُنُوطَ مِن رَحْمَتِهِ وقَرَأ الكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ النُّونِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ فَما لَهم لَمْ يَشْكُرُوا ولَمْ يَحْتَسِبُوا في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ كالمُؤْمِنِينَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فَيَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.
الروم 30:38
﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ كَصِلَةِ الرَّحِمِ، واحْتَجَّ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمَحارِمِ وهو غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهِ.
﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ ما وُظِّفَ لَهُما مِنَ الزَّكاةِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِمَن بُسِطَ لَهُ ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ ذاتَهُ أوْ جِهَتَهُ أيْ يَقْصِدُونَ بِمَعْرُوفِهِمْ إيّاهُ خالِصًا، أوْ جِهَةَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ لا جِهَةً أُخْرى. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ حَيْثُ حَصَّلُوا بِما بُسِطَ لَهُمُ النَّعِيمَ المُقِيمَ.
الروم 30:39
﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا﴾ زِيادَةٍ مُحَرَّمَةٍ في المُعامَلَةِ أوْ عَطِيَّةٍ يُتَوَقَّعُ بِها مَزِيدُ مُكافَأةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالقَصْرِ بِمَعْنى ما جِئْتُمْ بِهِ مِن إعْطاءِ رِبًا. ﴿لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾ لِيَزِيدَ ويَزْكُوَ في أمْوالِهِمْ. ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَلا (p-208)
يَزْكُو عِنْدَهُ ولا يُبارِكُ فِيهِ، وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ ( لِتَرْبُوا ) أيْ لِتَزِيدُوا أوْ لِتَصِيرُوا ذَوِي رِبًا. ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ تَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَهُ خالِصًا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ ذَوُو الأضْعافِ مِنَ الثَّوابِ ونَظِيرُ المُضْعِفِ المُقَوِّي والمُوسِرُ لِذِي القُوَّةِ واليَسارِ، أوِ الَّذِينَ ضَعَّفُوا ثَوابَهم وأمْوالَهم بِبَرَكَةِ الزَّكاةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَغْيِيرُهُ عَنْ سُنَنِ المُقابَلَةِ عِبارَةً ونَظْمًا لِلْمُبالَغَةِ، والِالتِفاتُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ كَأنَّهُ خاطَبَ بِهِ المَلائِكَةَ وخَواصَّ الخَلْقِ تَعْرِيفًا لِحالِهِمْ، أوْ لِلتَّعْمِيمِ كَأنَّهُ قالَ: فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ، والرّاجِعُ مِنهُ مَحْذُوفٌ إنْ جُعِلَتْ ما مَوْصُولَةً تَقْدِيرُهُ المُضْعِفُونَ بِهِ، أوْ فَمُؤْتُوهُ أُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ.
الروم 30:40
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ أثْبَتَ لَهُ لَوازِمَ الأُلُوهِيَّةِ ونَفاها رَأْسًا عَمّا اتَّخَذُوهُ شُرَكاءَ لَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مُؤَكَّدًا بِالإنْكارِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ البُرْهانُ والعِيانُ ووَقَعَ عَلَيْهِ الوِفاقُ، ثُمَّ اسْتَنْتَجَ مِن ذَلِكَ تَقَدُّسَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكاءُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ المَوْصُولَةُ صِفَةً والخَبَرُ ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ والرّابِطُ ﴿مِن ذَلِكُمْ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى مِن أفْعالِهِ، و ﴿مِن﴾ الأُولى والثّانِيَةُ تُفِيدُ أنَّ شُيُوعَ الحُكْمِ في جِنْسِ الشُّرَكاءِ والأفْعالِ والثّالِثَةُ مَزِيدَةٌ لِتَعْمِيمِ المَنفِيِّ وكُلٌّ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِتَأْكِيدٍ لِتَعْجِيزِ الشُّرَكاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ.
الروم 30:41
﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ كالجَدْبِ والمَوَتانِ وكَثْرَةِ الحَرْقِ والغَرَقِ وإخْفاقِ الغاصَّةِ ومَحْقِ البَرَكاتِ وكَثْرَةِ المَضارِّ، أوِ الضَّلالَةُ والظُّلْمُ. وقِيلَ المُرادُ بِالبَحْرِ قُرى السَّواحِلِ وقُرِئَ و «البُحُورُ» . ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ أوْ بِكَسْبِهِمْ إيّاهُ، وقِيلَ ظَهَرَ الفَسادُ فى البَرِّ بِقَتْلِ قابِيلَ أخاهُ وفي البَحْرِ بِأنَّ جُلَنْدا مَلِكَ عُمانَ كانَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا. ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ بَعْضَ جَزائِهِ فَإنَّ تَمامَهُ في الآخِرَةِ واللّامُ لِلْعِلَّةِ أوْ لِلْعاقِبَةِ. وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ويَعْقُوبَ ﴿لِنُذِيقَهُمْ﴾ بِالنُّونِ. ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ.
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ لِتُشاهِدُوا مِصْداقَ ذَلِكَ وتَتَحَقَّقُوا صِدْقَهُ.
﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ كانَ لِفُشُوِّ الشِّرْكِ وغَلَبَتِهِ فِيهِمْ، أوْ كانَ الشِّرْكُ في أكْثَرِهِمْ وما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي في قَلِيلٍ مِنهم.
الروم 30:42
﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ كالجَدْبِ والمَوَتانِ وكَثْرَةِ الحَرْقِ والغَرَقِ وإخْفاقِ الغاصَّةِ ومَحْقِ البَرَكاتِ وكَثْرَةِ المَضارِّ، أوِ الضَّلالَةُ والظُّلْمُ. وقِيلَ المُرادُ بِالبَحْرِ قُرى السَّواحِلِ وقُرِئَ و «البُحُورُ» . ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ أوْ بِكَسْبِهِمْ إيّاهُ، وقِيلَ ظَهَرَ الفَسادُ فى البَرِّ بِقَتْلِ قابِيلَ أخاهُ وفي البَحْرِ بِأنَّ جُلَنْدا مَلِكَ عُمانَ كانَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا. ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ بَعْضَ جَزائِهِ فَإنَّ تَمامَهُ في الآخِرَةِ واللّامُ لِلْعِلَّةِ أوْ لِلْعاقِبَةِ. وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ويَعْقُوبَ ﴿لِنُذِيقَهُمْ﴾ بِالنُّونِ. ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ.
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ لِتُشاهِدُوا مِصْداقَ ذَلِكَ وتَتَحَقَّقُوا صِدْقَهُ.
﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ كانَ لِفُشُوِّ الشِّرْكِ وغَلَبَتِهِ فِيهِمْ، أوْ كانَ الشِّرْكُ في أكْثَرِهِمْ وما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي في قَلِيلٍ مِنهم.
الروم 30:43
﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ البَلِيغِ الِاسْتِقامَةِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ﴾ لا يَقْدِرُ أنْ يَرُدَّهُ أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَأْتِيَ )، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ( مَرَدَّ ) لِأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى مَعْنى لا يَرُدُّهُ اللَّهُ لِتَعَلُّقِ إرادَتِهِ القَدِيمَةِ بِمَجِيئِهِ. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ يَتَصَدَّعُونَ أيْ يَتَفَرَّقُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ كَما قالَ:
الروم 30:44
﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ وبالُهُ وهو النّارُ المُؤَبَّدَةُ. ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ يُسَوُّونَ مَنزِلًا في الجَنَّةِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ.(p-209)
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ عِلَّةٌ لِـ ( يَمْهَدُونَ ) أوْ لِـ ( يَصَّدَّعُونَ )، والِاقْتِصارُ عَلى جَزاءِ المُؤْمِنِينَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ والِاكْتِفاءِ عَلى فَحْوى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ فِيهِ إثْباتَ البُغْضِ لَهم والمَحَبَّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَأْكِيدُ اخْتِصاصِ الصَّلاحِ المَفْهُومِ مِن تَرْكِ ضَمِيرِهِمْ إلى التَّصْرِيحِ بِهِمْ تَعْلِيلٌ لَهُ ومِن فَضْلِهِ دالٌّ عَلى أنَّ الإثابَةَ تَفَضُّلٌ مَحْضٌ، وتَأْوِيلُهُ بِالعَطاءِ أوِ الزِّيادَةِ عَلى الثَّوابِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ.
الروم 30:45
﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ وبالُهُ وهو النّارُ المُؤَبَّدَةُ. ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ يُسَوُّونَ مَنزِلًا في الجَنَّةِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ.(p-209)
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ عِلَّةٌ لِـ ( يَمْهَدُونَ ) أوْ لِـ ( يَصَّدَّعُونَ )، والِاقْتِصارُ عَلى جَزاءِ المُؤْمِنِينَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ والِاكْتِفاءِ عَلى فَحْوى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ فِيهِ إثْباتَ البُغْضِ لَهم والمَحَبَّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَأْكِيدُ اخْتِصاصِ الصَّلاحِ المَفْهُومِ مِن تَرْكِ ضَمِيرِهِمْ إلى التَّصْرِيحِ بِهِمْ تَعْلِيلٌ لَهُ ومِن فَضْلِهِ دالٌّ عَلى أنَّ الإثابَةَ تَفَضُّلٌ مَحْضٌ، وتَأْوِيلُهُ بِالعَطاءِ أوِ الزِّيادَةِ عَلى الثَّوابِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ.
الروم 30:46
﴿وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ﴾ الشَّمالَ والصَّبا والجَنُوبَ فَإنَّها رِياحُ الرَّحْمَةِ وأمّا الدَّبُّورُ فَرِيحُ العَذابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ«اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الرِّيحَ ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ. ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ بِالمَطَرِ. ﴿وَلِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ يَعْنِي المَنافِعَ التّابِعَةَ لَها، وقِيلَ الخِصْبُ التّابِعُ لِنُزُولِ المَطَرِ المُسَبَّبِ عَنْها أوِ الرُّوحُ الَّذِي هو مَعَ هُبُوبِها والعَطْفُ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها ( مُبَشِّراتٍ ) أوْ عَلَيْها بِاعْتِبارِ المَعْنى، أوْ عَلى ( يُرْسِلَ ) بِإضْمارِ فِعْلٍ مُعَلِّلٍ دَلَّ عَلَيْهِ. ﴿وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي تِجارَةَ البَحْرِ. ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ولِتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى فِيها.
الروم 30:47
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ بِالتَّدْمِيرِ. ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ الِانْتِقامَ لَهم وإظْهارٌ لِكَرامَتِهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم مُسْتَحِقِّينَ عَلى اللَّهِ أنْ يَنْصُرَهم، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ما مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلا ذَلِكَ» . وقَدْ يُوقَفُ عَلى ( حَقًّا ) عَلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالِانْتِقامِ.
الروم 30:48
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ﴾ مُتَصِّلًا تارَةً. ﴿فِي السَّماءِ﴾ في سَمْتِها. ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ سائِرًا أوْ واقِفًا مُطْبِقًا وغَيْرَ مُطْبِقٍ مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قِطَعًا تارَةً أُخْرى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالسُّكُونِ عَلى أنَّهُ مُخَفَّفٌ أوْ جَمْعُ كِسْفَةٍ أوْ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ المَطَرَ. ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ في التّارَّتَيْنِ. ﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ يَعْنِي بِلادَهم وأراضِيَهم. ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ لِمَجِيءِ الخِصْبِ.
﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ المَطَرُ. ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والدَّلالَةِ عَلى تَطاوُلِ عَهْدِهِمْ بِالمَطَرِ واسْتِحْكامِ يَأْسِهِمْ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمَطَرِ أوِ السَّحابِ أوِ الإرْسالِ. ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ لِآيِسِينَ.
الروم 30:49
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ﴾ مُتَصِّلًا تارَةً. ﴿فِي السَّماءِ﴾ في سَمْتِها. ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ سائِرًا أوْ واقِفًا مُطْبِقًا وغَيْرَ مُطْبِقٍ مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قِطَعًا تارَةً أُخْرى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالسُّكُونِ عَلى أنَّهُ مُخَفَّفٌ أوْ جَمْعُ كِسْفَةٍ أوْ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ المَطَرَ. ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ في التّارَّتَيْنِ. ﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ يَعْنِي بِلادَهم وأراضِيَهم. ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ لِمَجِيءِ الخِصْبِ.
﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ المَطَرُ. ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والدَّلالَةِ عَلى تَطاوُلِ عَهْدِهِمْ بِالمَطَرِ واسْتِحْكامِ يَأْسِهِمْ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمَطَرِ أوِ السَّحابِ أوِ الإرْسالِ. ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ لِآيِسِينَ.
الروم 30:50
(p-210)﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ أثَرِ الغَيْثِ مِنَ النَّباتِ والأشْجارِ وأنْواعِ الثِّمارِ ولِذَلِكَ جَمَعَهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ. ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ الرَّحْمَةِ. ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي إنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها. ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ فَإنَّهُ إحْداثٌ لِمِثْلِ ما كانَ في مَوادِّ أبْدانِهِمْ مِنَ القُوى الحَيَوانِيَّةِ، كَما أنَّ إحْياءَ الأرْضِ إحْداثٌ لِمِثْلِ ما كانَ فِيها مِنَ القُوى النَّباتِيَّةِ، هَذا ومِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يَكُونَ مِنَ الكائِناتِ الرّاهِنَةِ ما يَكُونُ مِن مَوادَّ تَفَتَّتَتْ وتَبَدَّدَتْ مِن جِنْسِها في بَعْضِ الأعْوامِ السّالِفَةِ. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِأنَّ نِسْبَةَ قُدْرَتِهِ إلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عَلى سَواءٍ.
الروم 30:51
﴿وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ فَرَأوُا الأثَرَ أوِ الزَّرْعَ فَإنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ السَّحابُ لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ واللّامُ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ الشَّرْطِ وقَوْلُهُ: ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ جَوابٌ سَدَّ مَسَدَّ الجَزاءِ ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِالِاسْتِقْبالِ. وهَذِهِ الآيَةُ ناعِيَةٌ عَلى الكُفّارِ بِقِلَّةِ تَثَبُّتِهِمْ وعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ وسُرْعَةِ تَزَلْزُلِهِمْ لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ وسُوءِ رَأْيِهِمْ، فَإنَّ النَّظَرَ السَّوِيَّ يَقْتَضِي أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ ويَلْتَجِئُوا إلَيْهِ بِالِاسْتِغْفارِ إذا احْتَبَسَ القَطْرُ عَنْهم ولا يَيْأسُوا مِن رَحْمَتِهِ، وأنْ يُبادِرُوا إلى الشُّكْرِ والِاسْتِدامَةِ بِالطّاعَةِ إذا أصابَهم بِرَحْمَتِهِ ولَمْ يُفَرِّطُوا في الِاسْتِبْشارِ وأنْ يَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ إذا ضَرَبَ زَرُوعَهم بِالِاصْفِرارِ ولا يَكْفُرُوا نِعَمَهُ.
الروم 30:52
﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ وهم مِثْلُهم لَمّا سَدُّوا عَنِ الحَقِّ مَشاعِرَهم. ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ قَيَّدَ الحُكْمَ بِهِ لِيَكُونَ أشَدَّ اسْتِحالَةً، فَإنَّ الأصَمَّ المُقْبِلَ وإنْ لَمْ يَسْمَعِ الكَلامَ يَفْطَنُ مِنهُ بِواسِطَةِ الحَرَكاتِ شَيْئًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ مَفْتُوحَةً ورَفَعَ ( الصُّمُّ ) .
﴿وَما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ سَمّاهم عُمْيًا لِفَقْدِهِمُ المَقْصُودَ الحَقِيقِيَّ مِنَ الأبْصارِ أوْ لِعَمى قُلُوبِهِمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ «تَهْدِي العُمْيَ» . ﴿إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ فَإنَّ إيمانَهم يَدْعُوهم إلى تَلَقِّي اللَّفْظِ وتَدَبُّرِ المَعْنى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمُؤْمِنِ المَشارِفُ لِلْإيمانِ. ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ لِما تَأْمُرُهم بِهِ.
الروم 30:53
﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ وهم مِثْلُهم لَمّا سَدُّوا عَنِ الحَقِّ مَشاعِرَهم. ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ قَيَّدَ الحُكْمَ بِهِ لِيَكُونَ أشَدَّ اسْتِحالَةً، فَإنَّ الأصَمَّ المُقْبِلَ وإنْ لَمْ يَسْمَعِ الكَلامَ يَفْطَنُ مِنهُ بِواسِطَةِ الحَرَكاتِ شَيْئًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ مَفْتُوحَةً ورَفَعَ ( الصُّمُّ ) .
﴿وَما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ سَمّاهم عُمْيًا لِفَقْدِهِمُ المَقْصُودَ الحَقِيقِيَّ مِنَ الأبْصارِ أوْ لِعَمى قُلُوبِهِمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ «تَهْدِي العُمْيَ» . ﴿إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ فَإنَّ إيمانَهم يَدْعُوهم إلى تَلَقِّي اللَّفْظِ وتَدَبُّرِ المَعْنى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمُؤْمِنِ المَشارِفُ لِلْإيمانِ. ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ لِما تَأْمُرُهم بِهِ.
الروم 30:54
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ أيِ ابْتَدَأكم ضُعَفاءَ وجَعَلَ الضَّعْفَ أساسَ أمْرِكم كَقَوْلِهِ ﴿وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ أوْ خَلَقَكم مِن أصْلٍ ضَعِيفٍ وهو النُّطْفَةُ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وذَلِكَ إذا بَلَغْتُمُ الحُلُمُ أوْ تَعَلَّقَ بِأبْدانِكُمُ الرُّوحُ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ إذا أخَذَ مِنكُمُ السِّنُّ، وفَتَحَ عاصِمٌ وحَمْزَةُ الضّادَ في جَمِيعِها والضَّمُّ أقْوى لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «قَرَأْتُها عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مِن ضَعْفٍ فَأقْرَأنِي مِن ضُعْفٍ» . وهُما لُغَتانِ كالفَقْرِ والفُقْرِ والتَّنْكِيرُ مَعَ التَّكْرِيرِ لِأنَّ المُتَأخِّرَ لَيْسَ عَيْنَ المُتَقَدِّمِ. ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِن ضَعْفٍ وقُوَّةٍ وشَبْيَةٍ وشَيْبَةٍ. ﴿وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ فَإنَّ التَّرْدِيدَ في الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ مَعَ إمْكانِ غَيْرِهِ دَلِيلُ العِلْمِ والقُدْرَةِ.
الروم 30:55
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ القِيامَةُ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا، أوْ لِأنَّها تَقَعُ بَغْتَةً (p-211)
وَصارَتْ عَلَمًا لَها بِالغَلَبَةِ كالكَوْكَبِ لِلزُّهْرَةِ. ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا﴾ في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ أوْ فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا والبَعْثِ وانْقِطاعِ عَذابِهِمْ، وفي الحَدِيثِ «ما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا والبَعْثِ أرْبَعُونَ» وهو مُحْتَمِلٌ لِلسّاعاتِ والأيّامِ والأعْوامِ. ﴿غَيْرَ ساعَةٍ﴾ اسْتَقَلُّوا مُدَّةً لُبْثِهِمْ إضافَةً إلى مُدَّةِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أوْ نِسْيانًا. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ عَنِ الصِّدْقِ والتَّحْقِيقِ. ﴿كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُصْرَفُونَ في الدُّنْيا.
الروم 30:56
﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والإنْسِ. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ﴾ في عِلْمِهِ أوْ قَضائِهِ، أوْ ما كَتَبَهُ لَكم أيْ أوْجَبَهُ أوِ اللَّوْحِ أوِ القُرْآنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وَمِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ . ﴿إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ رَدُّوا بِذَلِكَ ما قالُوهُ وحَلَفُوا عَلَيْهِ. ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ. ﴿وَلَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ لِتَفْرِيطِكم في النَّظَرِ، والفاءُ لِجَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُنْكِرِينَ البَعْثَ فَهَذا يَوْمُهُ، أيْ فَقَدْ تَبَيَّنَ بُطْلانُ إنْكارِكم.
( فَيَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ) وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِالياءِ لِأنَّ المَعْذِرَةَ بِمَعْنى العُذْرِ، أوْ لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُما. ﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ لا يُدْعَوْنَ إلى ما يَقْتَضِي إعْتابَهم أيْ إزالَةُ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دُعُوا إلَيْهِ في الدُّنْيا مِن قَوْلِهِمُ اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ أيِ اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ.
الروم 30:57
﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والإنْسِ. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ﴾ في عِلْمِهِ أوْ قَضائِهِ، أوْ ما كَتَبَهُ لَكم أيْ أوْجَبَهُ أوِ اللَّوْحِ أوِ القُرْآنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وَمِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ . ﴿إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ رَدُّوا بِذَلِكَ ما قالُوهُ وحَلَفُوا عَلَيْهِ. ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ. ﴿وَلَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ لِتَفْرِيطِكم في النَّظَرِ، والفاءُ لِجَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُنْكِرِينَ البَعْثَ فَهَذا يَوْمُهُ، أيْ فَقَدْ تَبَيَّنَ بُطْلانُ إنْكارِكم.
( فَيَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ) وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِالياءِ لِأنَّ المَعْذِرَةَ بِمَعْنى العُذْرِ، أوْ لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُما. ﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ لا يُدْعَوْنَ إلى ما يَقْتَضِي إعْتابَهم أيْ إزالَةُ عَتْبِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ والطّاعَةِ كَما دُعُوا إلَيْهِ في الدُّنْيا مِن قَوْلِهِمُ اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ أيِ اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ.
الروم 30:58
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ولَقَدْ وصَفْناهم فِيهِ بِأنْواعِ الصِّفاتِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ، مِثْلَ صِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما يَقُولُونَ وما يُقالُ لَهم وما لا يَكُونُ لَهم مِنَ الِانْتِفاعِ بِالمَعْذِرَةِ والِاسْتِعْتابِ، أوْ بَيَّنّا لَهم مِن كُلِّ مَثَلٍ يُنَبِّهُهم عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وصِدْقِ الرَّسُولِ. ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ. ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن فَرْطِ عِنادِهِمْ وقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ. ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ يَعْنُونَ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ. ﴿إلا مُبْطِلُونَ﴾ مُزَوِّرُونَ.
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ. ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يَطْلُبُونَ العِلْمَ ويُصِرُّونَ عَلى خُرافاتٍ اعْتَقَدُوها فَإنَّ الجَهْلَ المُرَكَّبَ يَمْنَعُ إدْراكَ الحَقِّ ويُوجِبُ تَكْذِيبَ المُحِقِّ.
الروم 30:59
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ولَقَدْ وصَفْناهم فِيهِ بِأنْواعِ الصِّفاتِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ، مِثْلَ صِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما يَقُولُونَ وما يُقالُ لَهم وما لا يَكُونُ لَهم مِنَ الِانْتِفاعِ بِالمَعْذِرَةِ والِاسْتِعْتابِ، أوْ بَيَّنّا لَهم مِن كُلِّ مَثَلٍ يُنَبِّهُهم عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وصِدْقِ الرَّسُولِ. ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ﴾ مِن آياتِ القُرْآنِ. ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن فَرْطِ عِنادِهِمْ وقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ. ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ يَعْنُونَ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ. ﴿إلا مُبْطِلُونَ﴾ مُزَوِّرُونَ.
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ. ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يَطْلُبُونَ العِلْمَ ويُصِرُّونَ عَلى خُرافاتٍ اعْتَقَدُوها فَإنَّ الجَهْلَ المُرَكَّبَ يَمْنَعُ إدْراكَ الحَقِّ ويُوجِبُ تَكْذِيبَ المُحِقِّ.
الروم 30:60
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم. ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِنُصْرَتِكَ وإظْهارِ دِينِكَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ. ﴿حَقٌّ﴾ لا بُدَّ مِن إنْجازِهِ. ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ ولا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ والقَلَقِ. ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ بِتَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ فَإنَّهم شاكُّونَ ضالُّونَ لا يُسْتَبْدَعُ مِنهم ذَلِكَ. وعَنْ يَعْقُوبَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقُرِئَ «وَلا يَسْتَحِقَّنَّكَ» أيْ لا يُزِيغَنَّكَ فَيَكُونُوا أحَقَّ بِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَن قَرَأ سُورَةَ الرُّومِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ مَلَكٍ سَبَّحَ اللَّهَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وأدْرَكَ ما ضَيَّعَ في يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ» .
لقمان 31:1
(p-212)سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً وهي ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فَإنَّ وُجُوبَهُما بِالمَدِينَةِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا يُنافِي شَرْعِيَّتَهُما بِمَكَّةَ وقِيلَ إلّا ثَلاثًا مِن قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ وهي أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في «يُونُسَ» .
﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ حالانِ مِنَ الآياتِ والعامِلُ فِيهِما مَعْنى الإشارَةِ، ورَفَعَهُما حَمْزَةُ عَلى الخَبَرِ بَعْدَ الخَبَرِ أوِ الخَبَرِ لِمَحْذُوفٍ.
لقمان 31:2
(p-212)سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً وهي ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فَإنَّ وُجُوبَهُما بِالمَدِينَةِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا يُنافِي شَرْعِيَّتَهُما بِمَكَّةَ وقِيلَ إلّا ثَلاثًا مِن قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ وهي أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في «يُونُسَ» .
﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ حالانِ مِنَ الآياتِ والعامِلُ فِيهِما مَعْنى الإشارَةِ، ورَفَعَهُما حَمْزَةُ عَلى الخَبَرِ بَعْدَ الخَبَرِ أوِ الخَبَرِ لِمَحْذُوفٍ.
لقمان 31:3
(p-212)سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً وهي ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فَإنَّ وُجُوبَهُما بِالمَدِينَةِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا يُنافِي شَرْعِيَّتَهُما بِمَكَّةَ وقِيلَ إلّا ثَلاثًا مِن قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ وهي أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في «يُونُسَ» .
﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ حالانِ مِنَ الآياتِ والعامِلُ فِيهِما مَعْنى الإشارَةِ، ورَفَعَهُما حَمْزَةُ عَلى الخَبَرِ بَعْدَ الخَبَرِ أوِ الخَبَرِ لِمَحْذُوفٍ.
لقمان 31:4
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ بَيانٌ لِإحْسانِهِمْ أوْ تَخْصِيصٌ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ مِن شُعَبِهِ لِفَضْلِ اعْتِدادٍ بِها وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلتَّوْكِيدِ ولِما حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَبَرِهِ.
﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ لِاسْتِجْماعِهِمُ العَقِيدَةَ الحَقَّةَ والعَمَلَ الصّالِحَ.
لقمان 31:5
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ بَيانٌ لِإحْسانِهِمْ أوْ تَخْصِيصٌ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ مِن شُعَبِهِ لِفَضْلِ اعْتِدادٍ بِها وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلتَّوْكِيدِ ولِما حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَبَرِهِ.
﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ لِاسْتِجْماعِهِمُ العَقِيدَةَ الحَقَّةَ والعَمَلَ الصّالِحَ.
لقمان 31:6
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ ما يُلْهِي عَمّا يَعْنِي كالأحادِيثِ الَّتِي لا أصْلَ لَها والأساطِيرِ الَّتِي لا اعْتِبارَ بِها والمَضاحِكِ وفُضُولِ الكَلامِ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن وهي تَبْيِينِيَّةٌ إنْ أرادَ بِالحَدِيثِ المُنْكَرَ وتَبْعِيضِيَّةٌ إنْ أرادَ بِهِ الأعَمَّ مِنهُ. وقِيلَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ اشْتَرى كُتُبَ الأعاجِمِ وكانَ يُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا ويَقُولُ:
إنْ كانَ مُحَمَّدٌ يُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ عادٍ وثَمُودَ فَأنا أُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ رُسْتُمَ وإسْفِنْدَيارَ والأكاسِرَةِ. وقِيلَ كانَ يَشْتَرِي القِيانَ ويَحْمِلُهُنَّ عَلى مُعاشَرَةِ مَن أرادَ الإسْلامَ ومَنعُهُ عَنْهُ. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دِينِهِ أوْ قِراءَةِ كِتابِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ بِمَعْنى لِيَثْبُتَ عَلى ضَلالِهِ ويَزِيدَ فِيهِ. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بِحالِ ما يَشْتَرِيهِ أوْ بِالتِّجارَةِ حَيْثُ اسْتَبْدَلَ اللَّهْوَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ. ﴿وَيَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ ويَتَّخِذَ السَّبِيلَ سُخْرِيَةً، وقَدْ نَصَبَهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ عَطْفًا عَلى ( لِيُضِلَّ ) . ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لِإهانَتِهِمُ الحَقَّ بِاسْتِئْثارِ الباطِلِ عَلَيْهِ.(p-213)
لقمان 31:7
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ مُتَكَبِّرًا لا يَعْبَأُ بِها. ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ مُشابِهًا حالَهُ حالَ مَن لَمْ يَسْمَعْها. ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ مُشابِهًا مَن في أُذُنَيْهِ ثِقَلٌ لا يَقْدِرُ أنْ يَسْمَعَ، والأُولى حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في ﴿وَلّى﴾ أوْ في ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾، والثّانِيَةُ بَدَلٌ مِنها أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في ﴿لَمْ يَسْمَعْها﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْتِئْنافَيْنِ، وقَرَأ نافِعٌ ﴿فِي أُذُنَيْهِ﴾ . ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أعْلِمْهُ بِأنَّ العَذابَ يَحِيقُ بِهِ لا مَحالَةَ وذَكَرَ البِشارَةَ عَلى التَّهَكُّمِ.
لقمان 31:8
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ أيْ لَهم نَعِيمُ الجَنّاتِ فَعَكَسَ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لَهُمْ﴾ أوْ مِن ﴿جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ والعامِلُ ما تَعَلَّقَ بِهِ اللّامُ. ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ الأوَّلُ لِنَفْسِهِ والثّانِي لِغَيْرِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَهم جَنّاتُ﴾ وعْدٌ ولَيْسَ كُلُّ وعْدٍ حَقًّا. ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ فَيَمْنَعُهُ عَنْ إنْجازِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ. ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَسْتَدْعِيهِ حِكْمَتُهُ.
لقمان 31:9
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ أيْ لَهم نَعِيمُ الجَنّاتِ فَعَكَسَ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لَهُمْ﴾ أوْ مِن ﴿جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ والعامِلُ ما تَعَلَّقَ بِهِ اللّامُ. ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ الأوَّلُ لِنَفْسِهِ والثّانِي لِغَيْرِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَهم جَنّاتُ﴾ وعْدٌ ولَيْسَ كُلُّ وعْدٍ حَقًّا. ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ فَيَمْنَعُهُ عَنْ إنْجازِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ. ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَسْتَدْعِيهِ حِكْمَتُهُ.
لقمان 31:10
﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ قَدْ سَبَقَ في «الرَّعْدِ» . ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ جِبالًا شَوامِخَ.
﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِكم، فَإنَّ تَشابُهَ أجْزائِها يَقْتَضِي تَبَدُّلَ أحْيازِها وأوْضاعِها لِامْتِناعِ اخْتِصاصِ كُلٍّ مِنها لِذاتِهِ أوْ لِشَيْءٍ مِن لَوازِمِهِ بِحَيِّزٍ ووَضْعٍ مُعَيَّنَيْنِ. ﴿وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ مِن كُلِّ صِنْفٍ كَثِيرِ المَنفَعَةِ وكَأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى عِزَّتِهِ الَّتِي هي كَمالُ القُدْرَةِ، وحِكْمَتِهِ الَّتِي هي كَمالُ العِلْمِ، ومَهَّدَ بِهِ قاعِدَةَ التَّوْحِيدِ وقَرَّرَها بِقَوْلِهِ:
﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ هَذا الَّذِي ذَكَرَ مَخْلُوقُهُ فَماذا خَلَقَ آلِهَتُكم حَتّى اسْتَحَقُّوا مُشارَكَتَهُ، و ( ماذا ) نُصِبَ بِـ ( خَلْقٌ ) أوْ ما مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ذا بِصِلَتِهِ ( فَأرُونِي ) مُعَلَّقٌ عَنْهُ. ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ إلى التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ الَّذِي لا يَخْفى عَلى ناظِرٍ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ظالِمُونَ بِإشْراكِهِمْ.
لقمان 31:11
﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ قَدْ سَبَقَ في «الرَّعْدِ» . ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ جِبالًا شَوامِخَ.
﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِكم، فَإنَّ تَشابُهَ أجْزائِها يَقْتَضِي تَبَدُّلَ أحْيازِها وأوْضاعِها لِامْتِناعِ اخْتِصاصِ كُلٍّ مِنها لِذاتِهِ أوْ لِشَيْءٍ مِن لَوازِمِهِ بِحَيِّزٍ ووَضْعٍ مُعَيَّنَيْنِ. ﴿وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ مِن كُلِّ صِنْفٍ كَثِيرِ المَنفَعَةِ وكَأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى عِزَّتِهِ الَّتِي هي كَمالُ القُدْرَةِ، وحِكْمَتِهِ الَّتِي هي كَمالُ العِلْمِ، ومَهَّدَ بِهِ قاعِدَةَ التَّوْحِيدِ وقَرَّرَها بِقَوْلِهِ:
﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ هَذا الَّذِي ذَكَرَ مَخْلُوقُهُ فَماذا خَلَقَ آلِهَتُكم حَتّى اسْتَحَقُّوا مُشارَكَتَهُ، و ( ماذا ) نُصِبَ بِـ ( خَلْقٌ ) أوْ ما مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ذا بِصِلَتِهِ ( فَأرُونِي ) مُعَلَّقٌ عَنْهُ. ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ إلى التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ الَّذِي لا يَخْفى عَلى ناظِرٍ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ظالِمُونَ بِإشْراكِهِمْ.
لقمان 31:12
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ يَعْنِي لُقْمانَ بْنَ باعُوراءَ مِن أوْلادِ آزَرَ ابْنِ أُخْتِ أيُّوبَ أوْ خالَتِهِ، وعاشَ حَتّى أدْرَكَ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأخَذَ مِنهُ العِلْمَ وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ كانَ حَكِيمًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.
والحِكْمَةُ في عُرْفِ العُلَماءِ: اسْتِكْمالُ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ بِاقْتِباسِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، واكْتِسابِ المَلَكَةِ التّامَّةِ عَلى الأفْعالِ الفاضِلَةِ عَلى قَدْرِ طاقَتِها. ومِن حِكْمَتِهِ أنَّهُ صَحِبَ داوُدَ شُهُورًا وكانَ يَسْرُدُ الدِّرْعَ فَلَمْ يَسْألْهُ عَنْها فَلَمّا أتَمَّها لَبِسَها وقالَ: نِعْمَ لَبُوسُ الحَرْبِ أنْتَ فَقالَ: الصَّمْتُ حُكْمٌ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ، وأنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ يَوْمًا كَيْفَ أصْبَحْتَ فَقالَ أصْبَحْتُ في يَدِي غَيْرِي، فَتَفَكَّرَ داوُدُ فِيهِ فَصُعِقَ صَعْقَةً. وأنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَذْبَحَ شاةً ويَأْتِيَ بِأطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ مِنها فَأتى بِاللِّسانِ والقَلْبِ، ثُمَّ بَعْدَ أيّامٍ أمَرَهُ بِأنْ يَأْتِيَ بِأخْبَثِ مُضْغَتَيْنِ مِنها فَأتى بِهِما أيْضًا فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هُما أطْيَبُ شَيْءٍ (p-214)
إذا طابا وأخْبَثُ شَيْءٍ إذا خَبُثا. ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ لِأنَّ أشْكُرَ أوْ أيْ أشْكُرُ فَإنَّ إيتاءَ الحِكْمَةِ في مَعْنى القَوْلِ. ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَهُ عائِدٌ إلَيْها وهو دَوامُ النِّعْمَةِ واسْتِحْقاقُ مَزِيدِها. ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ لا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ. ﴿حَمِيدٌ﴾ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ وإنْ لَمْ يُحْمَدْ، أوْ مَحْمُودٌ يَنْطِقُ بِحَمْدِهِ جَمِيعُ مَخْلُوقاتِهِ بِلِسانِ الحالِ.
لقمان 31:13
﴿وَإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ﴾ أنْعَمَ أوْ أشْكَمَ أوْ ماثانَ. ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ﴾ تَصْغِيرُ إشْفاقٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا وفي ﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ بِإسْكانِ الياءِ، وحَفْصٌ فِيهِما وفي ﴿يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ ومِثْلُهُ البَزِّيُّ في الأخِيرِ وقَرَأ الباقُونَ في الثَّلاثَةِ بِكَسْرِ الياءِ. ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قِيلَ كانَ كافِرًا فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى أسْلَمَ، ومَن وقَفَ عَلى ( لا تُشْرِكْ ) جَعَلَ بِاللَّهِ قَسَمًا. ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ لِأنَّهُ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ مَن لا نِعْمَةَ إلّا مِنهُ ومَن لا نِعْمَةَ مِنهُ.
لقمان 31:14
﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا﴾ ذاتَ وهْنٍ أوْ تَهِنُ وهْنًا ﴿عَلى وهْنٍ﴾ أيْ تَضْعُفُ ضَعْفًا فَوْقَ ضَعْفٍ فَإنَّها لا تَزالُ يَتَضاعَفُ ضَعْفُها والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقُرِئَ بِالتَّحْرِيكِ يُقالُ وهَنَ يَهِنُ وهَنًا ووَهَنَ يُوهِنُ وهْنًا. ﴿وَفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ وفِطامُهُ في انْقِضاءِ عامَيْنِ وكانَتْ تُرْضِعُهُ في تِلْكَ المُدَّةِ، وقُرِئَ «وَفَصْلُهُ في عامَيْنِ» وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقْصى مُدَّةِ الرَّضاعِ حَوْلانِ. ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ تَفْسِيرٌ لِـ ( وصَّيْنا ) أوْ عِلَّةٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِن والِدَيْهِ بَدَلَ الِاشْتِمالِ، وذِكْرُ الحَمْلِ والفِصالِ في البَيْنِ اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ لِلتَّوْصِيَةِ في حَقِّها خُصُوصًا ومِن ثَمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَن قالَ مَن أبُرُّ «أُمَّكَ ثُمَّ أمَّكَ ثُمَّ أمَّكَ ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ أباكَ» .
﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ فَأُحاسِبُكَ عَلى شُكْرِكَ وكُفْرِكَ.
لقمان 31:15
﴿وَإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بِاسْتِحْقاقِهِ الإشْراكَ تَقْلِيدًا لَهُما، وقِيلَ أرادَ بِنَفْيِ العِلْمِ بِهِ نَفْيَهُ. ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ. ﴿وَصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ صَحابًا مَعْرُوفًا يَرْتَضِيهِ الشَّرْعُ ويَقْتَضِيهِ الكَرَمُ. ﴿واتَّبِعْ﴾ في الدِّينِ ﴿سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ في الطّاعَةِ. ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ مَرْجِعُكَ ومَرْجِعُهُما. ﴿فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِأنْ أُجازِيَكَ عَلى إيمانِكَ وأُجازِيَهُما عَلى كَفْرِهِما، والآيَتانِ مُعْتَرِضَتانِ في تَضاعِيفِ وصِيَّةِ لُقْمانَ تَأْكِيدًا لِما فِيها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ كَأنَّهُ قالَ: وقَدْ وصَّيْنا بِمِثْلِ ما وصّى بِهِ، وذَكَرَ الوالِدَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ فَإنَّهُما مَعَ أنَّهُما تِلْوَ البارِي في اسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ والطّاعَةِ لا يَجُوزُ أنْ يَسْتَحِقّاهُ في الإشْراكِ فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِما ونُزُولِهِما في سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ وأُمِّهِ مَكَثَتْ لِإسْلامِهِ ثَلاثًا لَمْ تَطْعَمْ فِيها شَيْئًا، ولِذَلِكَ قِيلَ مَن أنابَ إلَيْهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ أسْلَمَ بِدَعْوَتِهِ.
لقمان 31:16
﴿يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ أيْ أنَّ الخَصْلَةَ مِنَ الإحْسانِ أوِ الإساءَةِ إنْ تَكُ مَثَلًا في الصِّغَرِ كَحَبَّةِ الخَرْدَلِ. ورَفَعَ نافِعٌ ﴿مِثْقالَ﴾ عَلى أنَّ الهاءَ ضَمِيرُ القِصَّةِ وكانَ تامَّةٌ وتَأْنِيثُها لِإضافَةِ المِثْقالِ إلى الحَبَّةِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ(p-215)
أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الحَسَنَةُ أوِ السَّيِّئَةُ. ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ في أخْفى مَكانٍ وأحْرَزِهِ كَجَوْفِ صَخْرَةٍ أوْ أعْلاهُ كَمُحَدَّبِ السَّمَواتِ أوْ أسْفَلِهِ كَمُقَعَّرِ الأرْضِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ مِن وكَنَ الطّائِرُ إذا اسْتَقَرَّ في وُكْنَتِهِ. ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ يُحْضِرْها فَيُحاسِبَ عَلَيْها. ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ يَصِلُ عِلْمَهُ إلى كُلِّ خَفِيٍّ. ﴿خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ بِكُنْهِهِ.
لقمان 31:17
﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ تَكْمِيلًا لِنَفْسِكَ. ﴿وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ﴾ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ تَكْمِيلًا لِغَيْرِكَ. ﴿واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ مِنَ الشَّدائِدِ سِيَّما في ذَلِكَ. ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الصَّبْرِ أوْ إلى كُلِّ ما أمَرَ بِهِ. ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ مِمّا عَزَمَهُ اللَّهُ مِنَ الأُمُورِ أيْ قَطَعَهُ قَطْعَ إيجابٍ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ لِلْمَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ أيْ جَدَّ.
لقمان 31:18
﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تُمِلْهُ عَنْهم ولا تُوَلِّهِمْ صَفْحَةَ وجْهِكَ كَما يَفْعَلُهُ المُتَكَبِّرُونَ مِنَ الصَّعَرِ وهو داءٌ يَعْتَرِي البَعِيرَ فَيَلْوِي عُنُقَهُ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ولا ( تُصاعِرْ )، وقُرِئَ «وَلا تَصْعَرْ» والكُلُّ واحِدٌ مِثْلَ عُلاهُ وأعْلاهُ وعالاهُ. ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ فَرَحًا مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ أيْ تَمْرَحُ مَرَحًا أوْ لِأجْلِ المَرَحِ وهو البَطَرُ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ وتَأْخِيرُ الـ ( فَخُورٍ ) وهو مُقابِلٌ لِلْمُصَعِّرِ خَدَّهُ والمُخْتالُ لِلْماشِي مَرَحًا لِتَوافُقِ رُؤُوسِ الآيِ.
﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ تَوَسَّطْ فِيهِ بَيْنَ الدَّبِيبِ والإسْراعِ.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهاءَ المُؤْمِنِ»، وقَوْلُ عائِشَةَ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كانَ إذا مَشى أسْرَعَ فالمُرادُ ما فَوْقَ دَبِيبِ المُتَماوِتِ، وقُرِئَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ مِن أقْصَدَ الرّامِي إذا سَدَّدَ سَهْمَهُ نَحْوَ الرَّمْيَةِ. ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ وانَقُصْ مِنهُ واقَصُرْ. ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ﴾ أوْحَشَها. ﴿لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ والحِمارُ مَثَلٌ في الذَّمِّ سِيَّما نُهاقُهُ ولِذَلِكَ يُكَنّى عَنْهُ فَيُقالُ طَوِيلُ الأُذُنَيْنِ، وفي تَمْثِيلِ الصَّوْتِ المُرْتَفِعِ بِصَوْتِهِ ثُمَّ إخْراجِهِ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ مُبالَغَةٌ شَدِيدَةٌ وتَوْحِيدُ الصَّوْتِ لِأنَّ المُرادَ تَفْضِيلُ الجِنْسِ في النَّكِيرِ دُونَ الآحادِ أوْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ.
لقمان 31:19
﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تُمِلْهُ عَنْهم ولا تُوَلِّهِمْ صَفْحَةَ وجْهِكَ كَما يَفْعَلُهُ المُتَكَبِّرُونَ مِنَ الصَّعَرِ وهو داءٌ يَعْتَرِي البَعِيرَ فَيَلْوِي عُنُقَهُ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ولا ( تُصاعِرْ )، وقُرِئَ «وَلا تَصْعَرْ» والكُلُّ واحِدٌ مِثْلَ عُلاهُ وأعْلاهُ وعالاهُ. ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ فَرَحًا مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ أيْ تَمْرَحُ مَرَحًا أوْ لِأجْلِ المَرَحِ وهو البَطَرُ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ وتَأْخِيرُ الـ ( فَخُورٍ ) وهو مُقابِلٌ لِلْمُصَعِّرِ خَدَّهُ والمُخْتالُ لِلْماشِي مَرَحًا لِتَوافُقِ رُؤُوسِ الآيِ.
﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ تَوَسَّطْ فِيهِ بَيْنَ الدَّبِيبِ والإسْراعِ.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهاءَ المُؤْمِنِ»، وقَوْلُ عائِشَةَ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كانَ إذا مَشى أسْرَعَ فالمُرادُ ما فَوْقَ دَبِيبِ المُتَماوِتِ، وقُرِئَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ مِن أقْصَدَ الرّامِي إذا سَدَّدَ سَهْمَهُ نَحْوَ الرَّمْيَةِ. ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ وانَقُصْ مِنهُ واقَصُرْ. ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ﴾ أوْحَشَها. ﴿لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ والحِمارُ مَثَلٌ في الذَّمِّ سِيَّما نُهاقُهُ ولِذَلِكَ يُكَنّى عَنْهُ فَيُقالُ طَوِيلُ الأُذُنَيْنِ، وفي تَمْثِيلِ الصَّوْتِ المُرْتَفِعِ بِصَوْتِهِ ثُمَّ إخْراجِهِ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ مُبالَغَةٌ شَدِيدَةٌ وتَوْحِيدُ الصَّوْتِ لِأنَّ المُرادَ تَفْضِيلُ الجِنْسِ في النَّكِيرِ دُونَ الآحادِ أوْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ.
لقمان 31:20
﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ﴾ بِأنْ جَعَلَهُ أسْبابًا مُحَصِّلَةً لِمَنافِعِكم. ﴿وَما في الأرْضِ﴾ بِأنْ مَكَّنَكم مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ بِوَسَطٍ أوْ غَيْرِ وسَطٍ ﴿وَأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ مَحْسُوسَةً ومَعْقُولَةً ما تَعْرِفُونَهُ وما لا تَعْرِفُونَهُ وقَدْ مَرَّ شَرْحُ النِّعْمَةِ وتَفْصِيلُها في الفاتِحَةِ، وقُرِئَ «وَأصْبَغَ» بِالإبْدالِ وهو جارٍ في كُلِّ سِينٍ اجْتَمَعَ مِنَ الغَيْنِ أوِ الخاءِ أوِ القافِ كَصَلَخَ وصَقَرَ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ ( نِعَمَهُ ) بِالجَمْعِ والإضافَةِ.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُسْتَفادٍ مِن دَلِيلٍ. ﴿وَلا هُدًى﴾ راجِعٍ إلى رَسُولٍ. ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ بَلْ بِالتَّقْلِيدِ كَما قالَ:
لقمان 31:21
﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وهو مَنعٌ صَرِيحٌ مِنَ التَّقْلِيدِ في الأُصُولِ. ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهم ولِآبائِهِمْ. ﴿إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ إلى ما يَؤُولُ إلَيْهِ مِنَ التَّقْلِيدِ أوِ الإشْراكِ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ مِثْلَ لاتَّبَعُوهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ.
﴿وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ بِأنْ فَوَّضَ أمْرَهُ إلَيْهِ وأقْبَلَ بِشَراشِرِهِ عَلَيْهِ مِن أسْلَمْتُ المَتاعَ إلى الزَّبُونِ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ وحَيْثُ عُدِّيَ بِاللّامِ فَلِتَضَمُّنِ مَعْنى الإخْلاصِ. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عَمَلِهِ. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ تَعَلَّقَ بِأوْثَقَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِلْمُتَوَكِّلِ المُشْتَغِلِ بِالطّاعَةِ بِمَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى الحَبْلِ المُتَدَلِّي مِنهُ. ﴿وَإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ إذِ الكُلُّ صائِرٌ إلَيْهِ.
لقمان 31:22
﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وهو مَنعٌ صَرِيحٌ مِنَ التَّقْلِيدِ في الأُصُولِ. ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهم ولِآبائِهِمْ. ﴿إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ إلى ما يَؤُولُ إلَيْهِ مِنَ التَّقْلِيدِ أوِ الإشْراكِ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ مِثْلَ لاتَّبَعُوهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ.
﴿وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ بِأنْ فَوَّضَ أمْرَهُ إلَيْهِ وأقْبَلَ بِشَراشِرِهِ عَلَيْهِ مِن أسْلَمْتُ المَتاعَ إلى الزَّبُونِ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ وحَيْثُ عُدِّيَ بِاللّامِ فَلِتَضَمُّنِ مَعْنى الإخْلاصِ. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عَمَلِهِ. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ تَعَلَّقَ بِأوْثَقَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِلْمُتَوَكِّلِ المُشْتَغِلِ بِالطّاعَةِ بِمَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى الحَبْلِ المُتَدَلِّي مِنهُ. ﴿وَإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ إذِ الكُلُّ صائِرٌ إلَيْهِ.
لقمان 31:23
﴿وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقُرِئَ «فَلا يَحْزَنْكَ» مِن أحْزَنَ ولَيْسَ بِمُسْتَفِيضٍ. ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ في الدّارَيْنِ. ﴿فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ بِالإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَمُجازٍ عَلَيْهِ فَضْلًا عَمّا في الظّاهِرِ.
﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا﴾ تَمْتِيعًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا فَإنَّ ما يَزُولُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَدُومُ قَلِيلٌ. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ ثِقَلَ الأجْرامِ الغِلاظِ أوْ يَضُمُّ إلى الإحْراقِ الضَّغْطَ.
لقمان 31:24
﴿وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقُرِئَ «فَلا يَحْزَنْكَ» مِن أحْزَنَ ولَيْسَ بِمُسْتَفِيضٍ. ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ في الدّارَيْنِ. ﴿فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ بِالإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَمُجازٍ عَلَيْهِ فَضْلًا عَمّا في الظّاهِرِ.
﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا﴾ تَمْتِيعًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا فَإنَّ ما يَزُولُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَدُومُ قَلِيلٌ. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ ثِقَلَ الأجْرامِ الغِلاظِ أوْ يَضُمُّ إلى الإحْراقِ الضَّغْطَ.
لقمان 31:25
﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لِوُضُوحِ الدَّلِيلِ المانِعِ مِن إسْنادِ الخَلْقِ إلى غَيْرِهِ بِحَيْثُ اضْطُرُّوا إلى إذْعانِهِ. ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى إلْزامِهِمْ وإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِما يُوجِبُ بُطْلانَ مُعْتَقَدِهِمْ.
﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهم.
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ.
﴿الحَمِيدُ﴾ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ وإنْ لَمْ يُحْمَدْ.
لقمان 31:26
﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لِوُضُوحِ الدَّلِيلِ المانِعِ مِن إسْنادِ الخَلْقِ إلى غَيْرِهِ بِحَيْثُ اضْطُرُّوا إلى إذْعانِهِ. ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى إلْزامِهِمْ وإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِما يُوجِبُ بُطْلانَ مُعْتَقَدِهِمْ.
﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهم.
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فِيهِما غَيْرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ.
﴿الحَمِيدُ﴾ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ وإنْ لَمْ يُحْمَدْ.
لقمان 31:27
﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ ولَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الأشْجارِ أقْلامًا، وتَوْحِيدُ شَجَرَةٍ لِأنَّ المُرادَ تَفْصِيلُ الآحادِ. ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ والبَحْرُ المُحِيطُ بِسِعَتِهِ مِدادًا مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِ المِدادِ يَمُدُّهُ لِأنَّهُ مِن مَدَّ الدَّواةَ وأمَدَّها، ورَفَعَهُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحَلِّ أنَّ ومَعْمُولَيْها و ( يَمُدُّهُ ) حالٌ أوْ لِلِابْتِداءِ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ أوِ الواوُ لِلْحالِ، ونَصَبَهُ البَصْرِيّانِ بِالعَطْفِ عَلى اسْمٍ ( أنَّ ) أوْ إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ( يَمُدُّهُ )، وقُرِئَ «تَمُدُّهُ» «وَيَمُدُّهُ» بِالياءِ والتّاءِ. ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ بِكَتْبِها بِتِلْكَ الأقْلامِ بِذَلِكَ المِدادِ وإيثارُ جَمْعِ القِلَّةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَفِي بِالقَلِيلِ فَكَيْفَ بِالكَثِيرِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ أمْرٌ، والآيَةُ جَوابٌ لِلْيَهُودِ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أوْ أمَرُوا وفْدَ قُرَيْشٍ أنْ يَسْألُوهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ وقَدْ أنْزَلَ التَّوْراةَ وفِيها عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ.(p-217)
لقمان 31:28
﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها إذْ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ لِأنَّهُ يَكْفِي لِوُجُودِ الكُلِّ تَعَلُّقُ إرادَتِهِ الواجِبَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ الذّاتِيَّةِ كَما قالَ ( إنَّما أمْرُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) .
﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ ﴿بَصِيرٌ﴾ يُبْصِرُ كُلَّ مُبْصِرٍ لا يَشْغَلُهُ إدْراكُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ فَكَذَلِكَ الخَلْقُ.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي﴾ كُلٌّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ يَجْرِي في فَلَكِهِ. ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى مُنْتَهى مَعْلُومِ الشَّمْسِ إلى آخِرِ السَّنَةِ والقَمَرِ إلى آخِرِ الشَّهْرِ.
وَقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ أنَّ الـ ( أجَلٍ ) ها هُنا مُنْتَهى الجَرْيِ وثَمَّةَ غَرَضُهُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا وكِلا المَعْنَيَيْنِ حاصِلٌ في الغاياتِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ بِكُنْهِهِ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِي ذُكِرَ مِن سِعَةِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ وعَجائِبِ الصُّنْعِ واخْتِصاصِ البارِي بِها.
﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ بِسَبَبِ أنَّهُ الثّابِتُ في ذاتِهِ الواجِبُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوِ الثّابِتُ إلَهِيَّتُهُ. ( وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ) الباطِلُ المَعْدُومُ في حَدِّ ذاتِهِ لِأنَّهُ لا يُوجِدُ ولا يَتَّصِفُ إلّا بِجَعْلِهِ أوِ الباطِلُ إلَهِيَّتُهُ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ بِالياءِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ مُتَرَفِّعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ومُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ.
لقمان 31:29
﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها إذْ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ لِأنَّهُ يَكْفِي لِوُجُودِ الكُلِّ تَعَلُّقُ إرادَتِهِ الواجِبَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ الذّاتِيَّةِ كَما قالَ ( إنَّما أمْرُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) .
﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ ﴿بَصِيرٌ﴾ يُبْصِرُ كُلَّ مُبْصِرٍ لا يَشْغَلُهُ إدْراكُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ فَكَذَلِكَ الخَلْقُ.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي﴾ كُلٌّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ يَجْرِي في فَلَكِهِ. ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى مُنْتَهى مَعْلُومِ الشَّمْسِ إلى آخِرِ السَّنَةِ والقَمَرِ إلى آخِرِ الشَّهْرِ.
وَقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ أنَّ الـ ( أجَلٍ ) ها هُنا مُنْتَهى الجَرْيِ وثَمَّةَ غَرَضُهُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا وكِلا المَعْنَيَيْنِ حاصِلٌ في الغاياتِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ بِكُنْهِهِ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِي ذُكِرَ مِن سِعَةِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ وعَجائِبِ الصُّنْعِ واخْتِصاصِ البارِي بِها.
﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ بِسَبَبِ أنَّهُ الثّابِتُ في ذاتِهِ الواجِبُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوِ الثّابِتُ إلَهِيَّتُهُ. ( وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ) الباطِلُ المَعْدُومُ في حَدِّ ذاتِهِ لِأنَّهُ لا يُوجِدُ ولا يَتَّصِفُ إلّا بِجَعْلِهِ أوِ الباطِلُ إلَهِيَّتُهُ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ بِالياءِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ مُتَرَفِّعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ومُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ.
لقمان 31:30
﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ إلّا كَخَلْقِها وبَعْثِها إذْ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ لِأنَّهُ يَكْفِي لِوُجُودِ الكُلِّ تَعَلُّقُ إرادَتِهِ الواجِبَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ الذّاتِيَّةِ كَما قالَ ( إنَّما أمْرُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) .
﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ كُلَّ مَسْمُوعٍ ﴿بَصِيرٌ﴾ يُبْصِرُ كُلَّ مُبْصِرٍ لا يَشْغَلُهُ إدْراكُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ فَكَذَلِكَ الخَلْقُ.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي﴾ كُلٌّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ يَجْرِي في فَلَكِهِ. ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى مُنْتَهى مَعْلُومِ الشَّمْسِ إلى آخِرِ السَّنَةِ والقَمَرِ إلى آخِرِ الشَّهْرِ.
وَقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ أنَّ الـ ( أجَلٍ ) ها هُنا مُنْتَهى الجَرْيِ وثَمَّةَ غَرَضُهُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا وكِلا المَعْنَيَيْنِ حاصِلٌ في الغاياتِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ بِكُنْهِهِ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِي ذُكِرَ مِن سِعَةِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ وعَجائِبِ الصُّنْعِ واخْتِصاصِ البارِي بِها.
﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ بِسَبَبِ أنَّهُ الثّابِتُ في ذاتِهِ الواجِبُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوِ الثّابِتُ إلَهِيَّتُهُ. ( وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ) الباطِلُ المَعْدُومُ في حَدِّ ذاتِهِ لِأنَّهُ لا يُوجِدُ ولا يَتَّصِفُ إلّا بِجَعْلِهِ أوِ الباطِلُ إلَهِيَّتُهُ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ بِالياءِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ مُتَرَفِّعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ومُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ.
لقمان 31:31
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ بِإحْسانِهِ في تَهْيِئَةِ أسْبابِهِ وهو اسْتِشْهادٌ آخَرُ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ وشُمُولِ إنْعامِهِ والباءُ لِلصِّلَةِ أوِ الحالِ، وقُرِئَ «الفُلَّكَ» بِالتَّثْقِيلِ و «بِنِعْماتِ اللَّهِ» بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَدْ جُوِّزَ في مَثَلِهِ الكَسْرُ والفَتْحُ والسُّكُونُ. ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ دَلائِلَهُ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى المَشاقِّ فَيُتْعِبُ نَفْسَهُ بِالتَّفَكُّرِ في الآفاقِ والأنْفُسِ. ﴿شَكُورٍ﴾ يَعْرِفُ النِّعَمَ ويَتَعَرَّفُ مانِحَها، أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّ الإيمانَ نِصْفانِ نِصْفٌ صَبْرٌ ونِصْفٌ شُكْرٌ.
﴿وَإذا غَشِيَهُمْ﴾ عَلاهم وغَطّاهم. ﴿مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ كَما يُظَلُّ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما، وقُرِئَ ( كالظِّلالِ ) جَمْعُ ظُلَّةٍ كَقِلَّةٍ وقِلالٍ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لِزَوالِ ما يُنازِعُ الفِطْرَةَ مِنَ الهَوى والتَّقْلِيدِ بِما دَهاهم مِنَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ. ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ مُقِيمٌ عَلى الطَّرِيقِ القَصْدِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، أوْ مُتَوَسِّطٌ في الكُفْرِ لِانْزِجارِهِ بَعْضَ الِانْزِجارِ. ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ﴾ غَدّارٍ فَإنَّهُ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ الفِطْرِيِّ، أوْ لِما كانَ في البَحْرِ والخَتْرِ أشَدُّ الغَدْرِ. ﴿كَفُورٍ﴾ لِلنِّعَمِ.
لقمان 31:32
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ بِإحْسانِهِ في تَهْيِئَةِ أسْبابِهِ وهو اسْتِشْهادٌ آخَرُ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ وشُمُولِ إنْعامِهِ والباءُ لِلصِّلَةِ أوِ الحالِ، وقُرِئَ «الفُلَّكَ» بِالتَّثْقِيلِ و «بِنِعْماتِ اللَّهِ» بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَدْ جُوِّزَ في مَثَلِهِ الكَسْرُ والفَتْحُ والسُّكُونُ. ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ دَلائِلَهُ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى المَشاقِّ فَيُتْعِبُ نَفْسَهُ بِالتَّفَكُّرِ في الآفاقِ والأنْفُسِ. ﴿شَكُورٍ﴾ يَعْرِفُ النِّعَمَ ويَتَعَرَّفُ مانِحَها، أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّ الإيمانَ نِصْفانِ نِصْفٌ صَبْرٌ ونِصْفٌ شُكْرٌ.
﴿وَإذا غَشِيَهُمْ﴾ عَلاهم وغَطّاهم. ﴿مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ كَما يُظَلُّ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما، وقُرِئَ ( كالظِّلالِ ) جَمْعُ ظُلَّةٍ كَقِلَّةٍ وقِلالٍ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لِزَوالِ ما يُنازِعُ الفِطْرَةَ مِنَ الهَوى والتَّقْلِيدِ بِما دَهاهم مِنَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ. ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ مُقِيمٌ عَلى الطَّرِيقِ القَصْدِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، أوْ مُتَوَسِّطٌ في الكُفْرِ لِانْزِجارِهِ بَعْضَ الِانْزِجارِ. ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ﴾ غَدّارٍ فَإنَّهُ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ الفِطْرِيِّ، أوْ لِما كانَ في البَحْرِ والخَتْرِ أشَدُّ الغَدْرِ. ﴿كَفُورٍ﴾ لِلنِّعَمِ.
لقمان 31:33
﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ لا يَقْضِي عَنْهُ، وقُرِئَ «لا يُجْزِئُ» مِن (p-218)
أجْزَأ إذا أغْنى والرّاجِعُ إلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ أيْ لا يُجْزى فِيهِ. ﴿وَلا مَوْلُودٌ﴾ عُطِفَ عَلى ( والِدٌ ) أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ وتَغْيِيرُ النَّظْمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْلُودَ أوْلى بِأنْ لا يَجْزِيَ، وقَطْعِ طَمَعِ مَن تَوَقَّعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْفَعَ أباهُ الكافِرَ في الآخِرَةِ. ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِالثَّوابِ والعِقابِ. ﴿حَقٌّ﴾ لا يُمْكِنُ خُلْفُهُ.
﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ الشَّيْطانُ بِأنْ يُرَجِّيَكُمُ التَّوْبَةَ والمَغْفِرَةَ فَيُجَسِّرَكم عَلى المَعاصِي.
لقمان 31:34
﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ عِلْمُ وقْتِ قِيامِها. لِما رُوِيَ «أنَّ الحَرْثَ بْنَ عَمْرٍو أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: مَتى قِيامُ السّاعَةِ ؟ وإنِّي قَدْ ألْقَيْتُ حَبّاتِي في الأرْضِ فَمَتى السَّماءُ تُمْطِرُ ؟ وحَمْلُ امْرَأتِي أذَكَرٌ أمْ أُنْثى ؟ وما أعْمَلُ غَدًا وأيْنَ أمُوتُ ؟ فَنَزَلَتْ» .
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ» وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. ﴿وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ في إبّانِهِ المُقَدَّرِ لَهُ والمَحَلِّ المُعَيَّنِ لَهُ في عِلْمِهِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وَيَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ أذَكَرٌ أمْ أُنْثى أتامٌّ أمْ ناقِصٌ. ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ورُبَّما تَعْزِمُ عَلى شَيْءٍ وتَفْعَلُ خِلافَهُ. ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ كَما لا تَدْرِي في أيِّ وقْتٍ تَمُوتُ.
رُوِيَ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ مَرَّ عَلى سُلَيْمانَ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى رَجُلٍ مِن جُلَسائِهِ يُدِيمُ النَّظَرَ إلَيْهِ، فَقالَ الرَّجُلُ مَن هَذا ؟ قالَ: مَلَكُ المَوْتِ فَقالَ كَأنَّهُ يُرِيدُنِي فَمُرِ الرِّيحَ أنْ تَحْمِلَنِي وتُلْقِيَنِي بِالهِنْدِ فَفَعَلَ فَقالَ المَلَكُ: كانَ دَوامُ نَظَرِي إلَيْهِ تَعَجُبًّا مِنهُ إذْ أُمِرْتُ أنْ أقْبِضَ رُوحَهُ بِالهِنْدِ وهو عِنْدَكَ»، وإنَّما جَعَلَ العِلْمَ لِلَّهِ تَعالى والدِّرايَةَ لِلْعَبْدِ لِأنَّ فِيها مَعْنى الحِيلَةِ فَيَشْعُرُ بِالفَرْقِ بَيْنَ العِلْمَيْنِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنْ أعْمَلَ حِيلَةً وأنْفَذَ فِيها وُسْعَهُ لَمْ يُعْرَفْ ما هو الحَقُّ بِهِ مِن كَسْبِهِ وعاقِبَتُهُ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِمّا لَمْ يُنْصَبْ لَهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وقُرِئَ «بِأيَّةِ أرْضٍ» وشَبَّهَ سِيبَوَيْهُ تَأْنِيثَها بِتَأْنِيثِ كُلٍّ في ( كُلُّهُنَّ ) . ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ الأشْياءَ كُلَّها. ﴿خَبِيرٌ﴾ يَعْلَمُ بَواطِنَها كَما يَعْلَمُ ظَواهِرَها.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قَرَأ سُورَةَ لُقْمانَ كانَ لَهُ لُقْمانُ رَفِيقًا يَوْمَ القِيامَةِ، وأُعْطِيَ مِنَ الحَسَناتِ عَشْرًا عَشْرًا بِعَدَدِ مَن عَمِلَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ» .
السجدة 32:1
(p-219)سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ وآيُها ثَلاثُونَ آيَةً وقِيلَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ أوِ القُرْآنِ فَمُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ:
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ عَلى أنَّ التَّنْزِيلَ بِمَعْنى المُنَزَّلِ، وإنْ جُعِلَ تَعْدِيدًا لِلْحُرُوفِ كانَ ﴿تَنْزِيلُ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فَيَكُونُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فِيهِ﴾ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا ولا ( رَيْبَ فِيهِ ) حالٌ مِنَ ( الكِتابِ )، أوِ اعْتِراضٌ والضَّمِيرُ فِيهِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ:
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ فَإنَّهُ إنْكارٌ لِكَوْنِهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لَهُ، ونَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا أنَّهُ أشارَ أوَّلًا إلى إعْجازِهِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ أنَّ تَنْزِيلَهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وقَرَّرَ ذَلِكَ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنْهُ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما يَقُولُونَ فِيهِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ إنْكارًا لَهُ وتَعْجِيبًا مِنهُ، فَإنَّ ﴿أمْ﴾ مُنْقَطِعَةٌ ثُمَّ أضْرَبَ عَنْهُ إلى إثْباتِ أنَّهُ الحَقُّ المُنَزَّلُ مِنَ اللَّهِ وبَيْنَ المَقْصُودِ مِن تَنْزِيلِهِ فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ إذْ كانُوا أهْلَ الفَتْرَةِ. ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ بِإنْذارِكَ إيّاهم.
السجدة 32:2
(p-219)سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ وآيُها ثَلاثُونَ آيَةً وقِيلَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ أوِ القُرْآنِ فَمُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ:
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ عَلى أنَّ التَّنْزِيلَ بِمَعْنى المُنَزَّلِ، وإنْ جُعِلَ تَعْدِيدًا لِلْحُرُوفِ كانَ ﴿تَنْزِيلُ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فَيَكُونُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فِيهِ﴾ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا ولا ( رَيْبَ فِيهِ ) حالٌ مِنَ ( الكِتابِ )، أوِ اعْتِراضٌ والضَّمِيرُ فِيهِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ:
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ فَإنَّهُ إنْكارٌ لِكَوْنِهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لَهُ، ونَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا أنَّهُ أشارَ أوَّلًا إلى إعْجازِهِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ أنَّ تَنْزِيلَهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وقَرَّرَ ذَلِكَ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنْهُ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما يَقُولُونَ فِيهِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ إنْكارًا لَهُ وتَعْجِيبًا مِنهُ، فَإنَّ ﴿أمْ﴾ مُنْقَطِعَةٌ ثُمَّ أضْرَبَ عَنْهُ إلى إثْباتِ أنَّهُ الحَقُّ المُنَزَّلُ مِنَ اللَّهِ وبَيْنَ المَقْصُودِ مِن تَنْزِيلِهِ فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ إذْ كانُوا أهْلَ الفَتْرَةِ. ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ بِإنْذارِكَ إيّاهم.
السجدة 32:3
(p-219)سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ وآيُها ثَلاثُونَ آيَةً وقِيلَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ أوِ القُرْآنِ فَمُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ:
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ عَلى أنَّ التَّنْزِيلَ بِمَعْنى المُنَزَّلِ، وإنْ جُعِلَ تَعْدِيدًا لِلْحُرُوفِ كانَ ﴿تَنْزِيلُ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فَيَكُونُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فِيهِ﴾ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا ولا ( رَيْبَ فِيهِ ) حالٌ مِنَ ( الكِتابِ )، أوِ اعْتِراضٌ والضَّمِيرُ فِيهِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ:
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ فَإنَّهُ إنْكارٌ لِكَوْنِهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لَهُ، ونَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا أنَّهُ أشارَ أوَّلًا إلى إعْجازِهِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ أنَّ تَنْزِيلَهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وقَرَّرَ ذَلِكَ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنْهُ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما يَقُولُونَ فِيهِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ إنْكارًا لَهُ وتَعْجِيبًا مِنهُ، فَإنَّ ﴿أمْ﴾ مُنْقَطِعَةٌ ثُمَّ أضْرَبَ عَنْهُ إلى إثْباتِ أنَّهُ الحَقُّ المُنَزَّلُ مِنَ اللَّهِ وبَيْنَ المَقْصُودِ مِن تَنْزِيلِهِ فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ إذْ كانُوا أهْلَ الفَتْرَةِ. ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ بِإنْذارِكَ إيّاهم.
السجدة 32:4
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ مَرَّ بَيانُهُ في «الأعْرافِ» . ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ . ( ما لَكم ) إذا جاوَزْتُمْ رِضا اللَّهِ أحَدٌ يَنْصُرُكم ويَشْفَعُ لَكم، أوْ ما لَكم سِواهُ ولِي ولا شَفِيعٌ بَلْ هو الَّذِي يَتَوَلّى مَصالِحَكم ويَنْصُرُكم في مُواطِنِ نَصْرِكم عَلى أنَّ الشَّفِيعَ مُتَجَوَّزٌ بِهِ لِلنّاصِرِ، فَإذا خَذَلَكم لَمْ يَبْقَ لَكم ولِيٌّ ولا ناصِرٌ. ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ بِمَواعِظِ اللَّهِ تَعالى.
السجدة 32:5
﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ كالمَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ آثارُها إلى الأرْضِ. ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ ثُمَّ يَصْعَدُ إلَيْهِ ويَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا. ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ مُتَطاوِلَةٍ يَعْنِي بِذَلِكَ اسْتِطالَةَ ما بَيْنَ التَّدْبِيرِ والوُقُوعِ، وقِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ بِإظْهارِهِ في اللَّوْحِ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ، لِأنَّ مَسافَةَ نُزُولِهِ وعُرُوجِهِ مَسِيرَةُ ألْفِ سَنَةٍ فَإنَّ ما بَيْنَ (p-220)
السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ. وقِيلَ يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ ثُمَّ يَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ. وقِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ إلى قِيامِ السّاعَةِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ الأمْرُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ يُدَبِّرُ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الطّاعاتِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ بِالوَحْيِ، ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْهِ خالِصًا كَما يَرْتَضِيهِ إلّا في مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخْلِصِينَ والأعْمالِ الخُلَّصِ، وقُرِئَ «يَعْرُجُ» و «يَعْدُونَ» .
﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فَيُدَبِّرُ أمْرَهُما عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ. ﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ. ﴿الرَّحِيمُ﴾ عَلى العِبادِ في تَدْبِيرِهِ، وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُ يُراعِي المَصالِحَ تَفَضُّلًا وإحْسانًا.
السجدة 32:6
﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ كالمَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ آثارُها إلى الأرْضِ. ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ ثُمَّ يَصْعَدُ إلَيْهِ ويَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا. ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ مُتَطاوِلَةٍ يَعْنِي بِذَلِكَ اسْتِطالَةَ ما بَيْنَ التَّدْبِيرِ والوُقُوعِ، وقِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ بِإظْهارِهِ في اللَّوْحِ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ، لِأنَّ مَسافَةَ نُزُولِهِ وعُرُوجِهِ مَسِيرَةُ ألْفِ سَنَةٍ فَإنَّ ما بَيْنَ (p-220)
السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ. وقِيلَ يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ ثُمَّ يَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ. وقِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ إلى قِيامِ السّاعَةِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ الأمْرُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ يُدَبِّرُ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الطّاعاتِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ بِالوَحْيِ، ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْهِ خالِصًا كَما يَرْتَضِيهِ إلّا في مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخْلِصِينَ والأعْمالِ الخُلَّصِ، وقُرِئَ «يَعْرُجُ» و «يَعْدُونَ» .
﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فَيُدَبِّرُ أمْرَهُما عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ. ﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ. ﴿الرَّحِيمُ﴾ عَلى العِبادِ في تَدْبِيرِهِ، وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُ يُراعِي المَصالِحَ تَفَضُّلًا وإحْسانًا.
السجدة 32:7
﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ خِلْقَةً مُوَفِّرًا عَلَيْهِ ما يَسْتَعِدُّ لَهُ ويَلِيقُ بِهِ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، وخَلَقَهُ بَدَلٌ مِن ( كُلَّ ) بَدَلَ الِاشْتِمالِ وقُلْ عَلِمَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ مِن قَوْلِهِمْ قِيمَةُ المَرْءِ ما يُحْسِنُهُ أيْ يَحْسُنُ مَعْرِفَتُهُ، و ( خَلَقَهُ ) مَفْعُولٌ ثانٍ. وقَرَأ نافِعٌ والكُوفِيُّونَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى الوَصْفِ فالشَّيْءُ عَلى الأوَّلِ مَخْصُوصٌ بِمُنْفَصِلٍ وعَلى الثّانِي بِمُتَّصِلٍ. ﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ يَعْنِي آدَمَ. ﴿مِن طِينٍ﴾ .
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ ذُرِّيَّتَهُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَنْسَلُّ مِنهُ أيْ تَنْفَصِلُ. ﴿مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مُمْتَهَنٍ.
﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ قَوَّمَّهُ بِتَصْوِيرِ أعْضائِهِ عَلى ما يَنْبَغِي. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ إضافَةً إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وإشْعارًا بِأنَّهُ خَلْقٌ عَجِيبٌ، وأنَّ لَهُ شَأْنًا لَهُ مُناسَبَةٌ ما إلى الحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ولِأجْلِهِ قِيلَ مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ خُصُوصًا لِتَسْمَعُوا وتُبْصِرُوا وتَعْقِلُوا. ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ تَشْكُرُونَ شُكْرًا قَلِيلًا.
السجدة 32:8
﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ خِلْقَةً مُوَفِّرًا عَلَيْهِ ما يَسْتَعِدُّ لَهُ ويَلِيقُ بِهِ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، وخَلَقَهُ بَدَلٌ مِن ( كُلَّ ) بَدَلَ الِاشْتِمالِ وقُلْ عَلِمَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ مِن قَوْلِهِمْ قِيمَةُ المَرْءِ ما يُحْسِنُهُ أيْ يَحْسُنُ مَعْرِفَتُهُ، و ( خَلَقَهُ ) مَفْعُولٌ ثانٍ. وقَرَأ نافِعٌ والكُوفِيُّونَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى الوَصْفِ فالشَّيْءُ عَلى الأوَّلِ مَخْصُوصٌ بِمُنْفَصِلٍ وعَلى الثّانِي بِمُتَّصِلٍ. ﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ يَعْنِي آدَمَ. ﴿مِن طِينٍ﴾ .
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ ذُرِّيَّتَهُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَنْسَلُّ مِنهُ أيْ تَنْفَصِلُ. ﴿مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مُمْتَهَنٍ.
﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ قَوَّمَّهُ بِتَصْوِيرِ أعْضائِهِ عَلى ما يَنْبَغِي. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ إضافَةً إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وإشْعارًا بِأنَّهُ خَلْقٌ عَجِيبٌ، وأنَّ لَهُ شَأْنًا لَهُ مُناسَبَةٌ ما إلى الحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ولِأجْلِهِ قِيلَ مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ خُصُوصًا لِتَسْمَعُوا وتُبْصِرُوا وتَعْقِلُوا. ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ تَشْكُرُونَ شُكْرًا قَلِيلًا.
السجدة 32:9
﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ خِلْقَةً مُوَفِّرًا عَلَيْهِ ما يَسْتَعِدُّ لَهُ ويَلِيقُ بِهِ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، وخَلَقَهُ بَدَلٌ مِن ( كُلَّ ) بَدَلَ الِاشْتِمالِ وقُلْ عَلِمَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ مِن قَوْلِهِمْ قِيمَةُ المَرْءِ ما يُحْسِنُهُ أيْ يَحْسُنُ مَعْرِفَتُهُ، و ( خَلَقَهُ ) مَفْعُولٌ ثانٍ. وقَرَأ نافِعٌ والكُوفِيُّونَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى الوَصْفِ فالشَّيْءُ عَلى الأوَّلِ مَخْصُوصٌ بِمُنْفَصِلٍ وعَلى الثّانِي بِمُتَّصِلٍ. ﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ يَعْنِي آدَمَ. ﴿مِن طِينٍ﴾ .
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ ذُرِّيَّتَهُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَنْسَلُّ مِنهُ أيْ تَنْفَصِلُ. ﴿مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مُمْتَهَنٍ.
﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ قَوَّمَّهُ بِتَصْوِيرِ أعْضائِهِ عَلى ما يَنْبَغِي. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ إضافَةً إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وإشْعارًا بِأنَّهُ خَلْقٌ عَجِيبٌ، وأنَّ لَهُ شَأْنًا لَهُ مُناسَبَةٌ ما إلى الحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ولِأجْلِهِ قِيلَ مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ خُصُوصًا لِتَسْمَعُوا وتُبْصِرُوا وتَعْقِلُوا. ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ تَشْكُرُونَ شُكْرًا قَلِيلًا.
السجدة 32:10
﴿وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أيْ صِرْنا تُرابًا مَخْلُوطًا بِتُرابِ الأرْضِ لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، أوْ غِبْنا فِيها.
وَقُرِئَ «ضَلِلْنا» بِالكَسْرِ مِن ضَلَّ يَضِلُّ «وَصَلَلْنا» مِن صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «إذا» عَلى الخَبَرِ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ. ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو: نُبْعَثُ أوْ يُجَدَّدُ خَلْقُنا. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ «أنا» عَلى الخَبَرِ، والقائِلُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وإسْنادُهُ إلى جَمِيعِهِمْ لِرِضاهم بِهِ. ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ بِالبَعْثِ أوْ بِتَلَقِّي مَلَكِ المَوْتِ وما بَعْدَهُ. ﴿كافِرُونَ﴾ جاحِدُونَ.
﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ﴾ يَسْتَوْفِي نُفُوسَكم لا يَتْرُكُ مِنها شَيْئًا ولا يُبْقِي مِنكم أحَدًا، والتَّفَعُّلُ والِاسْتِفْعالُ يَلْتَقِيانِ كَثِيرًا كَتَقَصَّيْتُهُ واسْتَقْصَيْتُهُ وتَعَجَّلْتُهُ واسْتَعْجَلْتُهُ. ﴿مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ بِقَبْضِ أرْواحِكم وإحْصاءِ آجالِكم. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
السجدة 32:11
﴿وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أيْ صِرْنا تُرابًا مَخْلُوطًا بِتُرابِ الأرْضِ لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، أوْ غِبْنا فِيها.
وَقُرِئَ «ضَلِلْنا» بِالكَسْرِ مِن ضَلَّ يَضِلُّ «وَصَلَلْنا» مِن صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «إذا» عَلى الخَبَرِ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ. ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو: نُبْعَثُ أوْ يُجَدَّدُ خَلْقُنا. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ «أنا» عَلى الخَبَرِ، والقائِلُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وإسْنادُهُ إلى جَمِيعِهِمْ لِرِضاهم بِهِ. ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ بِالبَعْثِ أوْ بِتَلَقِّي مَلَكِ المَوْتِ وما بَعْدَهُ. ﴿كافِرُونَ﴾ جاحِدُونَ.
﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ﴾ يَسْتَوْفِي نُفُوسَكم لا يَتْرُكُ مِنها شَيْئًا ولا يُبْقِي مِنكم أحَدًا، والتَّفَعُّلُ والِاسْتِفْعالُ يَلْتَقِيانِ كَثِيرًا كَتَقَصَّيْتُهُ واسْتَقْصَيْتُهُ وتَعَجَّلْتُهُ واسْتَعْجَلْتُهُ. ﴿مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ بِقَبْضِ أرْواحِكم وإحْصاءِ آجالِكم. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
السجدة 32:12
﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِنَ الحَياءِ والخِزْيِ. ﴿رَبَّنا﴾ قائِلِينَ رَبَّنا. ﴿أبْصَرْنا﴾ ما وعَدْتَنا. ﴿وَسَمِعْنا﴾ مِنكَ تَصْدِيقَ رُسُلِكَ. ﴿فارْجِعْنا﴾ إلى الدُّنْيا. ﴿نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ إذْ لَمْ يَبْقَ لَنا (p-221)
شَكٌّ بِما شاهَدْنا، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّمَنِّي والمُضِيِّ فِيها وفي ( إذْ ) لِأنَّ الثّابِتَ في عِلْمِ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ، ولا يُقَدَّرُ لِـ ( تَرى ) مَفْعُولٌ لِأنَّ المَعْنى لَوْ يَكُونُ مِنكَ رُؤْيَةٌ في هَذا الوَقْتِ، أوْ يُقَدَّرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ صِلَةُ إذْ والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ.
السجدة 32:13
﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ ما تَهْتَدِي بِهِ إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ. ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ ثَبَتَ قَضائِي وسَبَقَ وعِيدِي وهو ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ لِعَدَمِ المَشِيئَةِ المُسَبَّبِ عَنْ سَبْقِ الحُكْمِ بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ، ولا يَدْفَعُهُ جَعْلُ ذَوْقِ العَذابِ مُسَبَّبًا عَنْ نِسْيانِهِمُ العاقِبَةَ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فِيها بِقَوْلِهِ:
﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ فَإنَّهُ مِنَ الوَسائِطِ والأسْبابِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ. ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ تَرَكْناكم مِنَ الرَّحْمَةِ، أوْ في العَذابِ تَرْكَ المَنسِيِّ وفي اسْتِئْنافِهِ وبِناءِ الفِعْلِ عَلى أنَّ واسْمَها تَشْدِيدٌ في الِانْتِقامِ مِنهم.
﴿وَذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ لِلتَّأْكِيدِ ولِما نِيطَ بِهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِمَفْعُولِهِ وتَعْلِيلُهُ بِأفْعالِهِمُ السَّيِّئَةِ مِنَ التَّكْذِيبِ والمَعاصِي كَما عَلَّلَهُ بِتَرْكِهِمْ تَدَبُّرَ أمْرِ العاقِبَةِ والتَّفَكُّرِ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنْ كُلًّا مِنهُما يَقْتَضِي ذَلِكَ.
السجدة 32:14
﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ ما تَهْتَدِي بِهِ إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ. ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ ثَبَتَ قَضائِي وسَبَقَ وعِيدِي وهو ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ لِعَدَمِ المَشِيئَةِ المُسَبَّبِ عَنْ سَبْقِ الحُكْمِ بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ، ولا يَدْفَعُهُ جَعْلُ ذَوْقِ العَذابِ مُسَبَّبًا عَنْ نِسْيانِهِمُ العاقِبَةَ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فِيها بِقَوْلِهِ:
﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ فَإنَّهُ مِنَ الوَسائِطِ والأسْبابِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ. ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ تَرَكْناكم مِنَ الرَّحْمَةِ، أوْ في العَذابِ تَرْكَ المَنسِيِّ وفي اسْتِئْنافِهِ وبِناءِ الفِعْلِ عَلى أنَّ واسْمَها تَشْدِيدٌ في الِانْتِقامِ مِنهم.
﴿وَذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ لِلتَّأْكِيدِ ولِما نِيطَ بِهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِمَفْعُولِهِ وتَعْلِيلُهُ بِأفْعالِهِمُ السَّيِّئَةِ مِنَ التَّكْذِيبِ والمَعاصِي كَما عَلَّلَهُ بِتَرْكِهِمْ تَدَبُّرَ أمْرِ العاقِبَةِ والتَّفَكُّرِ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنْ كُلًّا مِنهُما يَقْتَضِي ذَلِكَ.
السجدة 32:15
﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ وُعِظُوا بِها. ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ خَوْفًا مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿وَسَبَّحُوا﴾ نَزَّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ كالعَجْزِ عَنِ البَعْثِ. ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ حامِدِينَ لَهُ شُكْرًا عَلى ما وفَّقَهم لِلْإسْلامِ وآتاهُمُ الهُدى. ﴿وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ كَمْ يَفْعَلُ مَن يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا.
﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ تَرْتَفِعُ وتَتَنَحّى. عَنِ المَضاجِعِ الفُرُشِ ومَواضِعِ النَّوْمِ. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ داعِينَ إيّاهُ. ﴿خَوْفًا﴾ مِن سُخْطِهِ وطَمَعًا في رَحْمَتِهِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَفْسِيرِها «قِيامُ العَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ» .
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إذا جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ جاءَ مُنادٍ يُنادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الخَلائِقَ كُلَّهم: سَيَعْلَمُ أهْلُ الجَمْعِ اليَوْمَ مَن أوْلى بِالكَرَمِ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُنادِي: لِيَقُمُ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُنادِي: لِيَقُمُ الَّذِينَ كانُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ، فَيُسَرَّحُونَ جَمِيعًا إلى الجَنَّةِ ثُمَّ يُحاسَبُ سائِرُ النّاسِ»
وَقِيلَ كانَ أُناسٌ مِنَ الصَّحابَةِ يُصَلُّونَ مِنَ المَغْرِبِ إلى العِشاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ في وُجُوهِ الخَيْرِ.
السجدة 32:16
﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ وُعِظُوا بِها. ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ خَوْفًا مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿وَسَبَّحُوا﴾ نَزَّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ كالعَجْزِ عَنِ البَعْثِ. ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ حامِدِينَ لَهُ شُكْرًا عَلى ما وفَّقَهم لِلْإسْلامِ وآتاهُمُ الهُدى. ﴿وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ كَمْ يَفْعَلُ مَن يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا.
﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ تَرْتَفِعُ وتَتَنَحّى. عَنِ المَضاجِعِ الفُرُشِ ومَواضِعِ النَّوْمِ. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ داعِينَ إيّاهُ. ﴿خَوْفًا﴾ مِن سُخْطِهِ وطَمَعًا في رَحْمَتِهِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَفْسِيرِها «قِيامُ العَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ» .
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إذا جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ جاءَ مُنادٍ يُنادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الخَلائِقَ كُلَّهم: سَيَعْلَمُ أهْلُ الجَمْعِ اليَوْمَ مَن أوْلى بِالكَرَمِ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُنادِي: لِيَقُمُ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُنادِي: لِيَقُمُ الَّذِينَ كانُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ، فَيُسَرَّحُونَ جَمِيعًا إلى الجَنَّةِ ثُمَّ يُحاسَبُ سائِرُ النّاسِ»
وَقِيلَ كانَ أُناسٌ مِنَ الصَّحابَةِ يُصَلُّونَ مِنَ المَغْرِبِ إلى العِشاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ. ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ في وُجُوهِ الخَيْرِ.
السجدة 32:17
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. ﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ مِمّا تَقَرُّ بِهِ عُيُونُهم.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «يَقُولُ اللَّهُ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْهَ ما أطْلَعْتُهم عَلَيْهِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾» .
وَقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ ﴿أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ أُخْفِيَتْ، وقُرِئَ «نُخْفِيَ» و «أُخْفِيَ» والفاعِلُ لِلْكُلِّ هو اللَّهُ، «وَقَرَأتْ أعْيُنٌ» (p-222)
لِاخْتِلافِ أنْواعِها والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ و ( ما ) مَوْصُولَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ جُزُوا جَزاءً أوْ أُخْفِيَ لِلْجَزاءِ فَإنَّ إخْفاءَهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ. وقِيلَ هَذا لِقَوْمٍ أخْفَوْا أعْمالَهم فَأخْفى اللَّهُ ثَوابَهم.
السجدة 32:18
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ خارِجًا عَنِ الإيمانِ ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ في الشَّرَفِ والمَثُوبَةِ تَأْكِيدٌ وتَصْرِيحٌ والجَمْعُ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى.
﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ فَإنَّها المَأْوى الحَقِيقِيُّ والدُّنْيا مَنزِلٌ مُرْتَحَلٌ عَنْها لا مَحالَةَ، وقِيلَ المَأْوى جَنَّةٌ مِنَ الجِنانِ. ﴿نُزُلا﴾ سَبَقَ في سُورَةِ «آلَ عِمْرانَ» . ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ أوْ عَلى أعْمالِهِمْ.
السجدة 32:19
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ خارِجًا عَنِ الإيمانِ ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ في الشَّرَفِ والمَثُوبَةِ تَأْكِيدٌ وتَصْرِيحٌ والجَمْعُ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى.
﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ فَإنَّها المَأْوى الحَقِيقِيُّ والدُّنْيا مَنزِلٌ مُرْتَحَلٌ عَنْها لا مَحالَةَ، وقِيلَ المَأْوى جَنَّةٌ مِنَ الجِنانِ. ﴿نُزُلا﴾ سَبَقَ في سُورَةِ «آلَ عِمْرانَ» . ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ أوْ عَلى أعْمالِهِمْ.
السجدة 32:20
﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ مَكانُ جَنَّةِ المَأْوى لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ عِبارَةٌ عَنْ خُلُودِهِمْ فِيها. ﴿وَقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ إهانَةً لَهم وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ.
﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ عَذابِ الدُّنْيا يُرِيدُ ما مُحِنُوا بِهِ مِنَ السَّنَةِ سَبْعَ سِنِينَ والقَتْلِ والأسْرِ.
﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ عَذابِ الآخِرَةِ. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لَعَلَّ مَن بَقِيَ مِنهم. ﴿يَرْجِعُونَ﴾ يَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ. رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ فاخَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ.
السجدة 32:21
﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ مَكانُ جَنَّةِ المَأْوى لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ عِبارَةٌ عَنْ خُلُودِهِمْ فِيها. ﴿وَقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ إهانَةً لَهم وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ.
﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ عَذابِ الدُّنْيا يُرِيدُ ما مُحِنُوا بِهِ مِنَ السَّنَةِ سَبْعَ سِنِينَ والقَتْلِ والأسْرِ.
﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ عَذابِ الآخِرَةِ. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لَعَلَّ مَن بَقِيَ مِنهم. ﴿يَرْجِعُونَ﴾ يَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ. رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ فاخَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ.
السجدة 32:22
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ فَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها، و ( ثُمَّ ) لِاسْتِبْعادِ الإعْراضِ عَنْها مَعَ فَرْطِ وُضُوحِها وإرْشادِها إلى أسْبابِ السَّعادَةِ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِها عَقْلًا كَما في بَيْتِ الحَماسَةِ:
؎ ولا يَكْشِفُ الغُماءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ. . . يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ فَكَيْفَ مِمَّنْ كانَ أظْلَمَ مِن كُلِّ ظالِمٍ.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ كَما آتَيْناكَ. ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ﴾ في شَكٍّ. ﴿مِن لِقائِهِ﴾ مِن لِقائِكَ الكِتابَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ فَإنّا آتَيْناكَ مِنَ الكِتابِ مِثْلَ ما آتَيْناهُ مِنهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ لَمْ يَكُنْ قَطُّ حَتّى تَرْتابَ فِيهِ، أوْ مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ أوْ مِن لِقائِكَ مُوسى.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي مُوسى ﷺ رَجُلًا آدَمَ طُوالًا جَعْدًا كَأنَّهُ مِن رِجالٍ شَنُوءَةَ» .
﴿وَجَعَلْناهُ﴾ أيِ المُنَزَّلَ عَلى مُوسى. ﴿هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ .(p-223)
﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ النّاسَ إلى ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ. ﴿بِأمْرِنا﴾ إيّاهم بِهِ أوْ بِتَوْفِيقِنا لَهُ.
﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ورُوَيْسٌ ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ أيْ لِصَبْرِهِمْ عَلى الطّاعَةِ أوْ عَنِ الدُّنْيا. ﴿وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ لِإمْعانِهِمْ فِيها النَّظَرَ.
السجدة 32:23
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ فَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها، و ( ثُمَّ ) لِاسْتِبْعادِ الإعْراضِ عَنْها مَعَ فَرْطِ وُضُوحِها وإرْشادِها إلى أسْبابِ السَّعادَةِ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِها عَقْلًا كَما في بَيْتِ الحَماسَةِ:
؎ ولا يَكْشِفُ الغُماءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ. . . يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ فَكَيْفَ مِمَّنْ كانَ أظْلَمَ مِن كُلِّ ظالِمٍ.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ كَما آتَيْناكَ. ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ﴾ في شَكٍّ. ﴿مِن لِقائِهِ﴾ مِن لِقائِكَ الكِتابَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ فَإنّا آتَيْناكَ مِنَ الكِتابِ مِثْلَ ما آتَيْناهُ مِنهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ لَمْ يَكُنْ قَطُّ حَتّى تَرْتابَ فِيهِ، أوْ مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ أوْ مِن لِقائِكَ مُوسى.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي مُوسى ﷺ رَجُلًا آدَمَ طُوالًا جَعْدًا كَأنَّهُ مِن رِجالٍ شَنُوءَةَ» .
﴿وَجَعَلْناهُ﴾ أيِ المُنَزَّلَ عَلى مُوسى. ﴿هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ .(p-223)
﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ النّاسَ إلى ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ. ﴿بِأمْرِنا﴾ إيّاهم بِهِ أوْ بِتَوْفِيقِنا لَهُ.
﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ورُوَيْسٌ ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ أيْ لِصَبْرِهِمْ عَلى الطّاعَةِ أوْ عَنِ الدُّنْيا. ﴿وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ لِإمْعانِهِمْ فِيها النَّظَرَ.
السجدة 32:24
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ فَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها، و ( ثُمَّ ) لِاسْتِبْعادِ الإعْراضِ عَنْها مَعَ فَرْطِ وُضُوحِها وإرْشادِها إلى أسْبابِ السَّعادَةِ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِها عَقْلًا كَما في بَيْتِ الحَماسَةِ:
؎ ولا يَكْشِفُ الغُماءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ. . . يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ فَكَيْفَ مِمَّنْ كانَ أظْلَمَ مِن كُلِّ ظالِمٍ.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ كَما آتَيْناكَ. ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ﴾ في شَكٍّ. ﴿مِن لِقائِهِ﴾ مِن لِقائِكَ الكِتابَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ فَإنّا آتَيْناكَ مِنَ الكِتابِ مِثْلَ ما آتَيْناهُ مِنهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ لَمْ يَكُنْ قَطُّ حَتّى تَرْتابَ فِيهِ، أوْ مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ أوْ مِن لِقائِكَ مُوسى.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي مُوسى ﷺ رَجُلًا آدَمَ طُوالًا جَعْدًا كَأنَّهُ مِن رِجالٍ شَنُوءَةَ» .
﴿وَجَعَلْناهُ﴾ أيِ المُنَزَّلَ عَلى مُوسى. ﴿هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ .(p-223)
﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ النّاسَ إلى ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ. ﴿بِأمْرِنا﴾ إيّاهم بِهِ أوْ بِتَوْفِيقِنا لَهُ.
﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ورُوَيْسٌ ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ أيْ لِصَبْرِهِمْ عَلى الطّاعَةِ أوْ عَنِ الدُّنْيا. ﴿وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ لِإمْعانِهِمْ فِيها النَّظَرَ.
السجدة 32:25
﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقْضِي فَيُمَيِّزُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ بِتَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ. ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ.
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَنَوِيٍّ مِن جِنْسِ المَعْطُوفِ والفاعِلُ ضَمِيرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ. ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ كَثْرَةُ مَن أهْلَكْناهم مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ، أوْ ضَمِيرُ اللَّهِ بِدَلِيلِ القِراءَةِ بِالنُّونِ.
﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ يَمُرُّونَ في مَتاجِرِهِمْ عَلى دِيارِهِمْ، وقُرِئَ «يُمَشُّونَ» بِالتَّشْدِيدِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ تَدَبُّرٍ واتِّعاظٍ.
السجدة 32:26
﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَقْضِي فَيُمَيِّزُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ بِتَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ. ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ.
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَنَوِيٍّ مِن جِنْسِ المَعْطُوفِ والفاعِلُ ضَمِيرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ. ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ كَثْرَةُ مَن أهْلَكْناهم مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ، أوْ ضَمِيرُ اللَّهِ بِدَلِيلِ القِراءَةِ بِالنُّونِ.
﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ يَمُرُّونَ في مَتاجِرِهِمْ عَلى دِيارِهِمْ، وقُرِئَ «يُمَشُّونَ» بِالتَّشْدِيدِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ تَدَبُّرٍ واتِّعاظٍ.
السجدة 32:27
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ الَّتِي جُرِزَ نَباتُها أيْ قُطِعَ وأُزِيلَ لا الَّتِي لا تُنْبِتُ لِقَوْلِهِ:
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ وقِيلَ اسْمُ مَوْضِعٍ بِاليَمَنِ. ﴿تَأْكُلُ مِنهُ﴾ مِنَ الزَّرْعِ. ﴿أنْعامُهُمْ﴾ كالتِّينِ والوَرَقِ.
﴿وَأنْفُسُهُمْ﴾ كالحَبِّ والثَّمَرِ. ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ فَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وفَضْلِهِ.
السجدة 32:28
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ النَّصْرُ أوِ الفَصْلُ بِالحُكُومَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا﴾ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في الوَعْدِ بِهِ.
﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمُ نَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ والفَصْلِ بَيْنَهم. وقِيلَ يَوْمُ بَدْرٍ أوْ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا المَقْتُولُونَ مِنهم فِيهِ فَإنَّهم لا يَنْفَعُهم إيمانُهم حالَ القَتْلِ ولا يُمْهَلُونَ وانْطِباقُهُ جَوابًا عَلى سُؤالِهِمْ مِن حَيْثُ المَعْنى بِاعْتِبارِ ما عُرِفَ مِن غَرَضِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا أرادُوا بِهِ الِاسْتِعْجالَ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً أُجِيبُوا بِما يَمْنَعُ الِاسْتِعْجالَ.
السجدة 32:29
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ النَّصْرُ أوِ الفَصْلُ بِالحُكُومَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا﴾ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في الوَعْدِ بِهِ.
﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمُ نَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ والفَصْلِ بَيْنَهم. وقِيلَ يَوْمُ بَدْرٍ أوْ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا المَقْتُولُونَ مِنهم فِيهِ فَإنَّهم لا يَنْفَعُهم إيمانُهم حالَ القَتْلِ ولا يُمْهَلُونَ وانْطِباقُهُ جَوابًا عَلى سُؤالِهِمْ مِن حَيْثُ المَعْنى بِاعْتِبارِ ما عُرِفَ مِن غَرَضِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا أرادُوا بِهِ الِاسْتِعْجالَ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً أُجِيبُوا بِما يَمْنَعُ الِاسْتِعْجالَ.
السجدة 32:30
﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ، وقِيلَ هو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿وانْتَظِرْ﴾ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ. ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ الغَلَبَةَ عَلَيْكَ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى أنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهم أوْ أنَّ المَلائِكَةَ يَنْتَظِرُونَهُ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن قَرَأ «الم تَنْزِيلُ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَأنَّما أحْيا لَيْلَةَ القَدْرِ» .
وَعَنْهُ «مَن قَرَأ «الم تَنْزِيلُ في بَيْتِهِ لَمْ يَدْخُلِ الشَّيْطانُ بَيْتَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ» .
الأحزاب 33:1
(p-224)سُورَةُ الأحْزابِ
مَدَنِيَّةٌ وآيُها ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ناداهُ بِالنَّبِيِّ وأمَرَهُ بِالتَّقْوى تَعْظِيمًا لَهُ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِ التَّقْوى، والمُرادُ بِهِ الأمْرُ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مانِعًا لَهُ عَمّا نَهى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ فِيما يَعُودُ بِوَهْنٍ في الدِّينِ.
رُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهِلٍ وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا عَلَيْهِ في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم وقامَ مَعَهُمُ ابْنُ أُبَيٍّ ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لَهُ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا وقُلْ إنَّ لَها شَفاعَةً ونَدَعْكَ ورَبَّكَ فَنَزَلَتْ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بِالمَصالِحِ والمَفاسِدِ. ﴿حَكِيمًا﴾ لا يَحْكُمُ إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
الأحزاب 33:2
﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ كالنَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِمْ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَمُوحٍ إلَيْكَ ما تَصْلُحُ بِهِ أعْمالُكَ ويُغْنِي عَنِ الِاسْتِماعِ إلى الكَفَرَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ عَلى أنَّ الواوَ ضَمِيرُ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ أيْ أنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَكايِدِهِمْ فَيَدْفَعُها عَنْكَ.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ وكِلْ أمْرَكَ إلى تَدْبِيرِهِ. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ مَوْكُولًا إلَيْهِ الأُمُورُ كُلُّها.
الأحزاب 33:3
﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ كالنَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِمْ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَمُوحٍ إلَيْكَ ما تَصْلُحُ بِهِ أعْمالُكَ ويُغْنِي عَنِ الِاسْتِماعِ إلى الكَفَرَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ عَلى أنَّ الواوَ ضَمِيرُ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ أيْ أنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَكايِدِهِمْ فَيَدْفَعُها عَنْكَ.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ وكِلْ أمْرَكَ إلى تَدْبِيرِهِ. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ مَوْكُولًا إلَيْهِ الأُمُورُ كُلُّها.
الأحزاب 33:4
﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ أيْ ما جَمَعَ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ لِأنَّ القَلْبَ مَعْدِنُ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ المُتَعَلِّقِ بِالنَّفْسِ الإنْسانِيِّ أوَّلًا ومَنعُ القُوى بِأسْرِها وذَلِكَ يَمْنَعُ التَّعَدُّدَ. ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ وما جَمَعَ الزَّوْجِيَّةَ والأُمُومَةَ في امْرَأةٍ ولا الدَّعْوَةَ والبُنُوَّةَ في رَجُلٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ رَدُّ ما كانَتِ العَرَبُ تَزْعُمُ مِن أنَّ اللَّبِيبَ الأرِيبَ لَهُ قَلْبانِ ولِذَلِكَ قِيلَ لِأبِي مَعْمَرٍ أوْ جَمِيلِ بْنِ أسَدٍ الفِهْرَيِّ ذُو القَلْبَيْنِ، والزَّوْجَةُ المَظاهَرُ عَنْها كالأُمِّ ودَعِيُّ الرَّجُلِ ابْنَهُ ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ الكَلْبِيِّ عَتِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُ مُحَمَّدٍ، أوِ المُرادُ نَفْيُ الأُمُومَةِ والبُنُوَّةِ عَنِ المَظاهَرِ عَنْها والمُتَبَنّى ونَفْيُ القَلْبَيْنِ لِتَمْهِيدِ أصْلٍ يَحْمِلانِ عَلَيْهِ. والمَعْنى كَما لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ لِأدائِهِ إلى التَّناقُضِ وهو أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما أصْلًا لِكُلِّ القُوى وغَيْرَ أصْلٍ لَمْ يَجْعَلِ الزَّوْجَةَ والدَّعِيَّ اللَّذَيْنِ لا وِلادَةَ بَيْنَهُما وبَيْنَهُ أُمَّهُ وابْنَهُ اللَّذَيْنِ بَيْنَهُما وبَيْنَهُ وِلادَةٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «اللّايِ» بِالياءِ وحْدَهُ عَلى أنَّ أصْلَهُ اللّاءِ بِهَمْزَةٍ فَخُفِّفَتْ وعَنِ الحِجازِيِّينَ مِثْلُهُ، وعَنْهُما وعَنْ يَعْقُوبَ بِالهَمْزِ وحْدَهُ، وأصْلُ تُظْهِرُونَ تَتَظَّهَرُونَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في الظّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ تَظّاهَرُونَ بِالإدْغامِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالحَذْفِ وعاصِمٌ ( تُظاهِرُونَ ) مِن ظاهَرَ، وقُرِئَ «تُظْهِرُونَ» مِن ظَهَرَ بِمَعْنى ظاهَرَ كَعَقَدَ بِمَعْنى عاقِدٍ و «تَظْهَرُونَ» مِنَ الظُّهُورِ. ومَعْنى الظِّهارِ: أنْ يَقُولَ لِلزَّوْجَةِ: أنْتِ عَلَيَّ (p-225)
كَظَهْرِ أُمِّي، مَأْخُوذٌ مِنَ الظَّهْرِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ كالتَّلْبِيَةِ مِن لَبَّيْكَ وتَعْدِيَتُهُ بِمَن لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّجَنُّبِ لِأنَّهُ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ وهو في الإسْلامِ يَقْتَضِي الطَّلاقَ أوِ الحُرْمَةَ إلى أداءِ الكَفّارَةِ كَما عُدِّيَ آلى بِها، وهو بِمَعْنى حَلَفَ وذُكِرَ الظَّهْرُ لِلْكِنايَةِ عَنِ البَطْنِ الَّذِي هو عَمُودُهُ فَإنَّ ذِكْرَهُ يُقارِبُ ذِكْرَ الفَرْجِ، أوْ لِلتَّغْلِيظِ في التَّحْرِيمِ فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ إتْيانَ المَرْأةِ وظَهْرُها إلى السَّماءِ، وأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ عَلى الشُّذُوذِ وكَأنَّهُ شُبِّهَ بِفَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ فَجُمِعَ جَمْعُهُ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ أوْ إلى الأخِيرِ. ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الأعْيانِ كَقَوْلِ الهاذِي. ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ ما لَهُ حَقِيقَةٌ عَيْنِيَّةٌ مُطابِقَةٌ لَهُ. ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ سَبِيلَ الحَقِّ.
الأحزاب 33:5
﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ انْسِبُوهم إلَيْهِمْ، وهو إفْرادٌ لِلْمَقْصُودِ مِن أقْوالِهِ الحَقَّةِ وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ، والضَّمِيرُ لِمَصْدَرِ ( ادْعُوهم ) و ( أقْسَطُ ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ قُصِدَ بِهِ الزِّيادَةُ مُطْلَقًا مِنَ القِسْطِ بِمَعْنى العَدْلِ ومَعْناهُ البالِغُ في الصِّدْقِ. ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾ فَتَنْسِبُوهم إلَيْهِمْ. ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ. ﴿وَمَوالِيكُمْ﴾ وأوْلِياؤُكم فِيهِ فَقُولُوا هَذا أخِي ومَوْلايَ بِهَذا التَّأْوِيلِ. ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ ولا إثْمَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْتُمُوهُ مِن ذَلِكَ مُخْطِئِينَ قَبْلَ النَّهْيِ أوْ بَعْدَهُ عَلى النِّسْيانِ أوْ سَبْقِ اللِّسانِ. ﴿وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ولَكِنَّ الجُناحَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم أوْ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ الجُناحَ. ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لِعَفْوِهِ عَنِ المُخْطِئِ. واعْلَمْ أنَّ التَّبَنِّيَ لا عِبْرَةَ بِهِ عِنْدَنا وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يُوجِبُ عِتْقَ مَمْلُوكِهِ ويُثْبِتُ النَّسَبَ لِمَجْهُولِهِ الَّذِي يُمْكِنُ إلْحاقُهُ بِهِ.
الأحزاب 33:6
﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ في الأُمُورِ كُلِّها فَإنَّهُ لا يَأْمُرُهم ولا يَرْضى مِنهم إلّا بِما فِيهِ صَلاحُهم ونَجاحُهم بِخِلافِ النَّفْسِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأمْرُهُ أنْفَذَ عَلَيْهِمْ مِن أمْرِها وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ أتَمَّ مِن شَفَقَتِهِمْ عَلَيْها.
رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرادَ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَأمَرَ النّاسَ بِالخُرُوجِ فَقالَ ناسٌ: نَسْتَأْذِنُ آباءَنا وأُمَّهاتِنا فَنَزَلَتْ» .
وَقُرِئَ «وَهُوَ أبٌ لَهم» أيْ في الدِّينِ فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أبٌ لِأُمَّتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أصْلٌ فِيما بِهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ ولِذَلِكَ صارَ المُؤْمِنُونَ إخْوَةً. ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ مُنَزَّلاتٌ مَنزِلَتُهُنَّ في التَّحْرِيمِ واسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ وفِيما عَدا ذَلِكَ فَكالأجْنَبِيّاتِ، ولِذَلِكَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: لَسْنا أُمَّهاتِ النِّساءِ. ﴿وَأُولُو الأرْحامِ﴾ وذَوُو القَراباتِ. ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في التَّوارُثِ وهو نَسْخٌ لِما كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ مِنَ التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ والمُوالاةِ في الدِّينِ. ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ في اللَّوْحِ أوْ فِيما أُنْزِلَ، وهو هَذِهِ الآيَةُ أوْ آيَةُ المَوارِيثِ أوْ فِيمَ فَرَضَ اللَّهُ. ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ بَيانٌ لِأُولِي الأرْحامِ، أوْ صِلَةٌ لِأُولِي أيْ أُولُو الأرْحامِ بِحَقِّ القَرابَةِ أوْلى بِالمِيراثِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِحَقِّ الدِّينِ ومِنَ المُهاجِرِينَ بِحَقِّ الهِجْرَةِ. ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ ما يُقَدِّرُ الأوْلَوِيَّةَ فِيهِ مِنَ النَّفْعِ والمُرادُ بِفِعْلِ المَعْرُوفِ التَّوْصِيَةُ أوْ مُنْقَطِعٌ ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ كانَ ما ذُكِرَ في الآيَتَيْنِ ثابِتًا في اللَّوْحِ أوِ القُرْآنِ. وقِيلَ في التَّوْراةِ.
الأحزاب 33:7
﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ ومِيثاقُهم عُهُودُهم بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والدُّعاءِ إلى الدِّينِ القَيِّمِ.
﴿وَمِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهم مَشاهِيرُ أرْبابُ الشَّرائِعِ وقَدَّمَ نَبِيَّنا (p-226)
عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ وتَكْرِيمًا لِشَأْنِهِ. ﴿وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عَظِيمَ الشَّأْنِ أوْ مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ، والتَّكْرِيرُ لِبَيانِ هَذا الوَصْفِ تَعْظِيمًا لَهُ.
﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَسْألَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ الأنْبِياءَ الَّذِينَ صَدَقُوا عَهْدَهم عَمّا قالُوهُ لِقَوْمِهِمْ، أوْ تَصْدِيقَهم إيّاهم تَبْكِيتًا لَهم أوِ المُصَدِّقِينَ لَهم عَنْ تَصْدِيقِهِمْ فَإنَّ مُصَدِّقَ الصّادِقِ صادِقٌ، أوِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا عَهْدَهم حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهم. ﴿وَأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ عُطِفَ عَلى ( أخَذْنا ) مِن جِهَةِ أنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ وأخْذِ المِيثاقِ مِنهم لِإثابَةِ المُؤْمِنِينَ، أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ كَأنَّهُ قالَ فَأثابَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ.
الأحزاب 33:8
﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ ومِيثاقُهم عُهُودُهم بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والدُّعاءِ إلى الدِّينِ القَيِّمِ.
﴿وَمِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهم مَشاهِيرُ أرْبابُ الشَّرائِعِ وقَدَّمَ نَبِيَّنا (p-226)
عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ وتَكْرِيمًا لِشَأْنِهِ. ﴿وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عَظِيمَ الشَّأْنِ أوْ مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ، والتَّكْرِيرُ لِبَيانِ هَذا الوَصْفِ تَعْظِيمًا لَهُ.
﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَسْألَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ الأنْبِياءَ الَّذِينَ صَدَقُوا عَهْدَهم عَمّا قالُوهُ لِقَوْمِهِمْ، أوْ تَصْدِيقَهم إيّاهم تَبْكِيتًا لَهم أوِ المُصَدِّقِينَ لَهم عَنْ تَصْدِيقِهِمْ فَإنَّ مُصَدِّقَ الصّادِقِ صادِقٌ، أوِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا عَهْدَهم حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهم. ﴿وَأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ عُطِفَ عَلى ( أخَذْنا ) مِن جِهَةِ أنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ وأخْذِ المِيثاقِ مِنهم لِإثابَةِ المُؤْمِنِينَ، أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ كَأنَّهُ قالَ فَأثابَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ.
الأحزاب 33:9
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ يَعْنِي الأحْزابَ وهم قُرَيْشٌ وغَطَفانُ ويَهُودُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وكانُوا زُهاءَ اثْنَيْ عَشَرَ ألَفًا. ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ رِيحَ الصَّبا. ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةَ.
رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا سَمِعَ بِإقْبالِهِمْ ضَرَبَ الخَنْدَقَ عَلى المَدِينَةِ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ في ثَلاثَةِ آلافٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، ومَضى عَلى الفَرِيقَيْنِ قَرِيبٌ مِن شَهْرٍ لا حَرْبَ بَيْنَهم إلّا التَّرامِي بِالنَّبْلِ والحِجارَةِ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا بارِدَةً في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَأخْصَرَتْهم وسَفَتِ التُّرابَ في وُجُوهِهِمْ وأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَلَعَتْ خِيامَهم وماجَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ وكَبَّرَتِ المَلائِكَةُ في جَوانِبِ العَسْكَرِ، فَقالَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ أمّا مُحَمَّدٌ فَقَدْ بَدَأكم بِالسِّحْرِ فالنَّجاءَ النَّجاءَ فانْهَزَمُوا مِن غَيْرِ قِتالٍ.
﴿وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن حَفْرِ الخَنْدَقِ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ بِالياءِ أيْ بِما يَعْمَلُ المُشْرِكُونَ مِنَ التَّحَزُّبِ والمُحارَبَةِ. ﴿بَصِيرًا﴾ رائِيًا.
الأحزاب 33:10
﴿إذْ جاءُوكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ( إذْ جاءَتْكم ) . ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ مِن أعْلى الوادِي مِن قِبَلِ المَشْرِقِ بَنُو غَطَفانَ. ﴿وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن قِبَلِ المَغْرِبِ قُرَيْشٌ. ﴿وَإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مالَتْ عَنْ مُسْتَوى نَظَرِها حَيْرَةً وشُخُوصًا. ﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ رُعْبًا فَإنَّ الرِّئَةَ تَنْتَفِخُ مِن شِدَّةِ الرَّوْعِ فَيَرْتَفِعُ القَلْبُ بِارْتِفاعِها إلى رَأْسِ الحَنْجَرَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ مَدْخَلِ الطَّعامِ والشَّرابِ. ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ الأنْواعَ مِنَ الظَّنِّ فَظَنَّ المُخْلِصُونَ الثَّبْتُ القُلُوبِ أنَّ اللَّهَ مُنْجَزٌ وعْدَهُ في إعْلاءِ دِينِهِ، أوْ مُمْتَحِنُهم فَخافُوا الزَّلَلَ وضَعْفَ الِاحْتِمالِ والضِّعافُ القُلُوبِ والمُنافِقُونَ ما حُكِيَ عَنْهم، والألِفُ مَزِيدَةٌ في أمْثالِهِ تَشْبِيهًا لِلْفَواصِلِ بِالقَوافِي وقَدْ أجْرى نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ فِيها الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، ولَمْ يُزِدْها أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ مُطْلَقًا وهو القِياسُ.
الأحزاب 33:11
﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ اخْتُبِرُوا فَظَهَرَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ والثّابِتُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ. ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ وقُرِئَ «زَلْزالًا» بِالفَتْحِ.
﴿وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ضَعْفُ اعْتِقادٍ. ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ الظَّفَرِ وإعْلاءِ الدِّينِ. ﴿إلا غُرُورًا﴾ وعْدًا باطِلًا. قِيلَ قائِلُهُ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ قالَ يَعِدُنا مُحَمَّدٌ بِفَتْحِ فارِسَ والرُّومِ وأحَدُنا لا يَقْدِرُ أنْ يَتَبَرَّزَ فَرَقًا ما هَذا إلّا وعْدُ غُرُورٍ.(p-227)
الأحزاب 33:12
﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ اخْتُبِرُوا فَظَهَرَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ والثّابِتُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ. ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ وقُرِئَ «زَلْزالًا» بِالفَتْحِ.
﴿وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ضَعْفُ اعْتِقادٍ. ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ الظَّفَرِ وإعْلاءِ الدِّينِ. ﴿إلا غُرُورًا﴾ وعْدًا باطِلًا. قِيلَ قائِلُهُ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ قالَ يَعِدُنا مُحَمَّدٌ بِفَتْحِ فارِسَ والرُّومِ وأحَدُنا لا يَقْدِرُ أنْ يَتَبَرَّزَ فَرَقًا ما هَذا إلّا وعْدُ غُرُورٍ.(p-227)
الأحزاب 33:13
﴿وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي أوْسَ بْنَ قَيْظِيٍّ وأتْباعَهُ. ﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ أهْلَ المَدِينَةِ، وقِيلَ هو اسْمُ أرْضٍ وقَعَتِ المَدِينَةُ في ناحِيَةٍ مِنها. ﴿لا مُقامَ﴾ لا مَوْضِعَ قِيامٍ. ﴿لَكُمْ﴾ ها هُنا، وقَرَأ حَفْصٌ بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ مَكانٌ أوْ مَصْدَرٌ مِن أقامَ. ﴿فارْجِعُوا﴾ إلى مَنازِلِكم هارِبِينَ، وقِيلَ المَعْنى لا مُقامَ لَكم عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ فارْجِعُوا إلى الشِّرْكِ وأسْلِمُوهُ لِتَسْلَمُوا، أوْ لا مُقامَ لَكم بِيَثْرِبَ فارْجِعُوا كُفّارًا لِيُمْكِنَكُمُ المُقامُ بِها. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ لِلرُّجُوعِ. ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ غَيْرُ حَصِينَةٍ وأصْلُها الخَلَلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفُ العَوْرَةِ مَن عَوِرَتِ الدّارُ إذا اخْتَلَتْ وقَدْ قُرِئَ بِها. ﴿وَما هي بِعَوْرَةٍ﴾ بَلْ هي حَصِينَةٌ. ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ أيْ وما يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إلّا الفِرارَ مِنَ القِتالِ.
الأحزاب 33:14
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ دُخِلَتِ المَدِينَةُ أوْ بُيُوتُهم. ﴿مِن أقْطارِها﴾ مِن جَوانِبِها وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْإيماءِ بِأنَّ دُخُولَ هَؤُلاءِ المُتَحَزِّبِينَ عَلَيْهِمْ ودُخُولَ غَيْرِهِمْ مِنَ العَساكِرِ سِيّانِ في اقْتِضاءِ الحُكْمِ المُرَتَّبِ عَلَيْهِ. ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ الرِّدَّةَ ومُقاتِلَةَ المُسْلِمِينَ. ﴿لآتَوْها﴾ لَأعْطَوْها، وقَرَأ الحِجازِيّانِ بِالقَصْرِ بِمَعْنى لَجاءُوها وفَعَلُوها. ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها﴾ بِالفِتْنَةِ أوْ بِإعْطائِها. ﴿إلا يَسِيرًا﴾ رَيْثَما يَكُونُ السُّؤالُ والجَوابُ، وقِيلَ ما لَبِثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ تَمامِ الِارْتِدادِ إلّا يَسِيرًا.
الأحزاب 33:15
﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ يَعْنِي بَنِي حارِثَةَ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ فَشِلُوا ثُمَّ تابُوا أنْ لا يَعُودُوا لِمِثْلِهِ. ﴿وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ عَنِ الوَفاءِ بِهِ مُجازًى عَلَيْهِ.
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّهُ لا بُدَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِن حَتْفِ أنْفٍ، أوْ قَتْلٍ في وقْتٍ مُعِينٍ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ وجَرى عَلَيْهِ القَلَمُ. ﴿وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ أيْ وإنْ نَفَعَكُمُ الفِرارُ مَثَلًا فَمُتِّعْتُمْ بِالتَّأْخِيرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمْتِيعُ إلّا تَمْتِيعًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا.
الأحزاب 33:16
﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ يَعْنِي بَنِي حارِثَةَ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ فَشِلُوا ثُمَّ تابُوا أنْ لا يَعُودُوا لِمِثْلِهِ. ﴿وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ عَنِ الوَفاءِ بِهِ مُجازًى عَلَيْهِ.
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّهُ لا بُدَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِن حَتْفِ أنْفٍ، أوْ قَتْلٍ في وقْتٍ مُعِينٍ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ وجَرى عَلَيْهِ القَلَمُ. ﴿وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ أيْ وإنْ نَفَعَكُمُ الفِرارُ مَثَلًا فَمُتِّعْتُمْ بِالتَّأْخِيرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمْتِيعُ إلّا تَمْتِيعًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا.
الأحزاب 33:17
﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ أيْ أوْ يُصِيبُكم بِسُوءٍ إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً فاخْتَصَرَ الكَلامَ كَما في قَوْلِهِ:
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
أوْ حَمْلُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِما في العِصْمَةِ مِن مَعْنى المَنعِ. ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يَنْفَعُهم. ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ الضُّرَّ عَنْهم.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ المُثَبِّطِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهُمُ المُنافِقُونَ. ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ مِن (p-228)
ساكِنِي المَدِينَةِ. ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا وقَدْ ذُكِرَ أصْلُهُ في «الأنْعامِ» . ﴿وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ إلّا إتْيانًا أوْ زَمانًا أوْ بَأْسًا قَلِيلًا، فَإنَّهم يَعْتَذِرُونَ ويَتَثَبَّطُونَ ما أمْكَنَ لَهم، أوْ يَخْرُجُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ولَكِنْ لا يُقاتِلُونَ إلّا قَلِيلًا كَقَوْلِهِ ﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ وقِيلَ إنَّهُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِمْ ومَعْناهُ لا يَأْتِي أصْحابُ مُحَمَّدٍ حَرْبَ الأحْزابِ ولا يُقاوِمُونَهم إلّا قَلِيلًا.
الأحزاب 33:18
﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ أيْ أوْ يُصِيبُكم بِسُوءٍ إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً فاخْتَصَرَ الكَلامَ كَما في قَوْلِهِ:
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
أوْ حَمْلُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِما في العِصْمَةِ مِن مَعْنى المَنعِ. ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يَنْفَعُهم. ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ الضُّرَّ عَنْهم.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ المُثَبِّطِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهُمُ المُنافِقُونَ. ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ مِن (p-228)
ساكِنِي المَدِينَةِ. ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا وقَدْ ذُكِرَ أصْلُهُ في «الأنْعامِ» . ﴿وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ إلّا إتْيانًا أوْ زَمانًا أوْ بَأْسًا قَلِيلًا، فَإنَّهم يَعْتَذِرُونَ ويَتَثَبَّطُونَ ما أمْكَنَ لَهم، أوْ يَخْرُجُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ولَكِنْ لا يُقاتِلُونَ إلّا قَلِيلًا كَقَوْلِهِ ﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ وقِيلَ إنَّهُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِمْ ومَعْناهُ لا يَأْتِي أصْحابُ مُحَمَّدٍ حَرْبَ الأحْزابِ ولا يُقاوِمُونَهم إلّا قَلِيلًا.
الأحزاب 33:19
﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بُخَلاءَ عَلَيْكم بِالمُعاوَنَةِ أوِ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ الظَّفَرِ أوِ الغَنِيمَةِ، جَمْعُ شَحِيحٍ ونَصْبُها عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَأْتُونَ أوِ المُعَوِّقِينَ أوْ عَلى الذَّمِّ. ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ في أحْداقِهِمْ. ﴿كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ﴾ كَنَظَرِ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ أوْ كَدَوَرانِ عَيْنَيْهِ، أوْ مُشَبَّهِينَ بِهِ أوْ مُشَبَّهَةٌ بِعَيْنِهِ. ﴿مِنَ المَوْتِ﴾ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ خَوْفًا ولِواذًا بِكَ. ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ﴾ وحِيزَتِ الغَنائِمُ. ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ ضَرَبُوكم. ﴿بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ ذَرِبَةٍ يَطْلُبُونَ الغَنِيمَةَ، والسَّلْقُ البَسْطُ بِقَهْرٍ بِاليَدِ أوْ بِاللِّسانِ.
﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ أوِ الذَّمِّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الرَّفْعِ ولَيْسَ بِتَكْرِيرٍ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُقَيَّدٌ مِن وجْهٍ. ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ إخْلاصًا. ﴿فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ﴾ فَأظْهَرَ بُطْلانَها إذْ لَمْ تَثْبُتْ لَهم أعْمالٌ فَتَبْطُلُ أوْ أبْطَلَ تَصَنُّعَهم ونِفاقَهم. ﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ الإحْباطُ. ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هَيِّنًا لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ بِهِ وعَدَمِ ما يَمْنَعُهُ عَنْهُ.
الأحزاب 33:20
﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ لِجُبْنِهِمْ يَظُنُّونَ أنَّ الأحْزابَ لَمْ يَنْهَزِمُوا، وقَدِ انْهَزَمُوا فَفَرُّوا إلى داخِلِ المَدِينَةِ. ﴿وَإنْ يَأْتِ﴾ الأحْزابُ كَرَّةً ثانِيَةً. ﴿يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾ تَمَنَّوْا أنَّهم خارِجُونَ إلى البَدْوِ حاصِلُونَ بَيْنَ الأعْرابِ. ﴿يَسْألُونَ﴾ كُلَّ قادِمٍ مِن جانِبِ المَدِينَةِ. ﴿عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ عَمّا جَرى عَلَيْكم.
﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ هَذِهِ الكُرَةَ ولَمْ يَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ وكانَ قِتالٌ. ﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ رِياءً وخَوْفًا مِنَ التَّعْيِيرِ.
الأحزاب 33:21
﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ خَصْلَةٌ حَسَنَةٌ مِن حَقِّها أنْ يُؤْتَسى بِها كالثَّباتِ في الحَرْبِ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ، أوْ هو في نَفْسِهِ قُدْوَةً يَحْسُنُ التَّأسِّي بِهِ كَقَوْلِكَ في البَيْضَةِ عِشْرُونَ مِنًّا حَدِيدًا أيْ هي في نَفْسِها هَذا القَدْرُ مِنَ الحَدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وهو لُغَةٌ فِيهِ. ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ ثَوابَ اللَّهِ أوْ لِقاءَهُ ونَعِيمَ الآخِرَةِ، أوْ أيّامَ اللَّهِ واليَوْمَ الآخِرَ خُصُوصًا. وقِيلَ هو كَقَوْلِكَ أرْجُو زَيْدًا وفَضْلَهُ، فَإنَّ اليَوْمَ الآخِرَ داخِلٌ فِيها بِحَسَبِ الحُكْمِ والرَّجاءُ يَحْتَمِلُ الأمَلَ والخَوْفَ و ( لِمَن كانَ ) صِلَةٌ لِحَسَنَةٍ أوْ صِفَةٌ لَها. وقِيلَ بَدَلٌ مِن ( لَكم ) والأكْثَرُ عَلى أنَّ ضَمِيرَ المُخاطَبِ لا يُبْدَلُ مِنهُ. ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وقَرَنَ بِالرَّجاءِ كَثْرَةَ الذِّكْرِ المُؤَدِّيَةَ إلى مُلازَمَةِ الطّاعَةِ، فَإنَّ المُؤْتَسِيَ بِالرَّسُولِ مَن كانَ كَذَلِكَ.
الأحزاب 33:22
﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «سَيَشْتَدُّ الأمْرُ بِاجْتِماعِ الأحْزابِ عَلَيْكم والعاقِبَةُ لَكم عَلَيْهِمْ» . وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّهم سائِرُونَ إلَيْكم بَعْدَ تِسْعٍ أوْ عَشْرٍ» وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ. ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ ظَهَرَ صِدْقُ خَبَرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أوْ صَدَقا في النُّصْرَةِ والثَّوابِ كَما صَدَقا في البَلاءِ، وإظْهارُ الِاسْمِ لِلتَّعْظِيمِ. ﴿وَما زادَهُمْ﴾ فِيهِ ضَمِيرُ ( لَمّا ) رَأوْا، أوِ الخَطْبُ أوِ البَلاءُ. ﴿إلا إيمانًا﴾ بِاللَّهِ ومَواعِيدِهِ. ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لِأوامِرِهِ ومَقادِيرِهِ.
الأحزاب 33:23
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ مِنَ الثَّباتِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ والمُقاتَلَةِ لِإعْلاءِ الدِّينِ مِن صَدَقَنِي إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ، فَإنَّ المُعاهَدَ إذا وفّى بِعَهْدِهِ فَقَدْ صَدَقَ فِيهِ. ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ نَذْرَهُ بِأنْ قاتَلَ حَتّى اسْتُشْهِدَ كَحَمْزَةَ ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وأنَسِ بْنِ النَّضْرِ، والنَّحْبُ النَّذْرُ واسْتُعِيرَ لِلْمَوْتِ لِأنَّهُ كَنَذْرٍ لازِمٍ في رَقَبَةِ كُلِّ حَيَوانٍ. ﴿وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ الشَّهادَةَ كَعُثْمانَ وطَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. ﴿وَما بَدَّلُوا﴾ العَهْدَ ولا غَيَّرُوهُ. ﴿تَبْدِيلا﴾ شَيْئًا مِنَ التَّبْدِيلِ.
رُوِيَ «أنَّ طَلْحَةَ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ» وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِأهْلِ النِّفاقِ ومَرَضِ القَلْبِ بِالتَّبْدِيلِ، وقَوْلُهُ:
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْمَنطُوقِ والمُعَرَّضِ بِهِ، فَكَأنَّ المُنافِقِينَ قَصَدُوا بِالتَّبْدِيلِ عاقِبَةَ السُّوءِ كَما قَصَدَ المُخْلِصُونَ بِالثَّباتِ والوَفاءِ العاقِبَةَ الحُسْنى، والتَّوْبَةُ عَلَيْهِمْ مَشْرُوطَةٌ بِتَوْبَتِهِمْ أوِ المُرادُ بِها التَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لِمَن تابَ.
الأحزاب 33:24
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ مِنَ الثَّباتِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ والمُقاتَلَةِ لِإعْلاءِ الدِّينِ مِن صَدَقَنِي إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ، فَإنَّ المُعاهَدَ إذا وفّى بِعَهْدِهِ فَقَدْ صَدَقَ فِيهِ. ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ نَذْرَهُ بِأنْ قاتَلَ حَتّى اسْتُشْهِدَ كَحَمْزَةَ ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وأنَسِ بْنِ النَّضْرِ، والنَّحْبُ النَّذْرُ واسْتُعِيرَ لِلْمَوْتِ لِأنَّهُ كَنَذْرٍ لازِمٍ في رَقَبَةِ كُلِّ حَيَوانٍ. ﴿وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ الشَّهادَةَ كَعُثْمانَ وطَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. ﴿وَما بَدَّلُوا﴾ العَهْدَ ولا غَيَّرُوهُ. ﴿تَبْدِيلا﴾ شَيْئًا مِنَ التَّبْدِيلِ.
رُوِيَ «أنَّ طَلْحَةَ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ» وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِأهْلِ النِّفاقِ ومَرَضِ القَلْبِ بِالتَّبْدِيلِ، وقَوْلُهُ:
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْمَنطُوقِ والمُعَرَّضِ بِهِ، فَكَأنَّ المُنافِقِينَ قَصَدُوا بِالتَّبْدِيلِ عاقِبَةَ السُّوءِ كَما قَصَدَ المُخْلِصُونَ بِالثَّباتِ والوَفاءِ العاقِبَةَ الحُسْنى، والتَّوْبَةُ عَلَيْهِمْ مَشْرُوطَةٌ بِتَوْبَتِهِمْ أوِ المُرادُ بِها التَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لِمَن تابَ.
الأحزاب 33:25
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي الأحْزابَ. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ مُتَغَيِّظِينَ. ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ غَيْرَ ظافِرِينَ وهُما حالانِ بِتَداخُلٍ أوْ تَعاقُبٍ. ﴿وَكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِالرِّيحِ والمَلائِكَةِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ عَلى إحْداثِ ما يُرِيدُهُ. ﴿عَزِيزًا﴾ غالِبًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
الأحزاب 33:26
﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ ظاهَرُوا الأحْزابَ. ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ يَعْنِي قُرَيْظَةَ. ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ مِن حُصُونِهِمْ جَمْعُ صَيْصِيَةٍ وهي ما يُتَحَصَّنُ بِهِ ولِذَلِكَ يُقالُ لِقَرْنِ الثَّوْرِ والظَّبْيِّ وشَوْكَةِ الدِّيكِ. ﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ الخَوْفَ وقُرِئَ بِالضَّمِّ. ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ رُوِيَ: «أنَّ جِبْرِيلَ أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ صَبِيحَةَ اللَّيْلَةِ الَّتِي انْهَزَمَ فِيها الأحْزابُ فَقالَ: أتَنْزَعُ لِأُمَّتِكَ والمَلائِكَةُ لَمْ يَضَعُوا السِّلاحَ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِالسَّيْرِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ وأنا عامِدٌ إلَيْهِمْ فَأُذِّنَ في النّاسِ أنْ لا يُصَلُّوا العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ، فَحاصَرَهم إحْدى وعِشْرِينَ أوْ خَمْسًا وعِشْرِينَ حَتّى جَهَدَهُمُ الحِصارُ فَقالَ لَهم: تَنْزِلُونَ عَلى (p-230)
حُكْمِي فَأبَوْا فَقالَ: عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَرَضُوا بِهِ، فَحَكَمَ سَعْدٌ بِقَتْلِ مُقاتِلِيهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيهِمْ ونِسائِهِمْ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، فَقَتَلَ مِنهم سِتَّمِائَةٍ أوْ أكْثَرَ وأسَرَ مِنهم سَبْعَمِائَةٍ.
الأحزاب 33:27
﴿وَأوْرَثَكم أرْضَهُمْ﴾ مَزارِعَهم. ﴿وَدِيارَهُمْ﴾ حُصُونَهم. ﴿وَأمْوالَهُمْ﴾ نُقُودَهم ومَواشِيَهم وأثاثَهم.
رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَعَلَ عَقارَهم لِلْمُهاجِرِينَ فَتَكَلَّمَ فِيهِ الأنْصارُ فَقالَ: إنَّكم في مَنازِلِكم وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أما تُخَمِّسُ كَما خَمَّسْتَ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: لا إنَّما جُعِلَتْ هَذِهِ لِي طُعْمَةً» .
﴿وَأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ كَفارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ خَيْبَرُ وقِيلَ كُلُّ أرْضٍ تُفْتَحُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فَيَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ.
الأحزاب 33:28
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ السِّعَةَ والتَّنَعُّمَ فِيها. ﴿وَزِينَتَها﴾ زَخارِفَها.
﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ. ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ طَلاقًا مِن غَيْرِ ضِرارٍ وبِدْعَةٍ.
رُوِيَ أنَّهُنَّ سَألْنَهُ ثِيابَ الزِّينَةِ وزِيادَةَ النَّفَقَةِ فَنَزَلَتْ. فَبَدَأ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَخَيَّرَها فاخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ اخْتارَتِ الباقِياتُ اخْتِيارَها فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُنَّ ذَلِكَ فَأنْزَلَ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ وتَعْلِيقُ التَّسْرِيحِ بِإرادَتِهِنَّ الدُّنْيا وجَعْلِها قَسِيمًا لِإرادَتِهِنَّ الرَّسُولَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُخَيَّرَةَ إذا اخْتارَتْ زَوْجَها لَمْ تُطَلَّقْ خِلافًا لِزَيْدٍ والحَسَنِ ومالِكٍ وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاخْتَرْناهُ» . ولَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا وتَقْدِيمُ التَّمَتُّعِ عَلى التَّسْرِيحِ المُسَبَّبِ عَنْهُ مِنَ الكَرَمِ وحُسْنِ الخُلُقِ. قِيلَ لِأنَّ الفُرْقَةَ كانَتْ بِإرادَتِهِنَّ كاخْتِيارِ المُخَيَّرَةِ نَفْسَها فَإنَّهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ عِنْدَنا وبائِنَةٌ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، واخْتُلِفَ في وُجُوبِهِ لِلْمَدْخُولِ بِها ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقُرِئَ «أُمَتِّعُكُنَّ وأُسَرِّحُكُنَّ» بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
﴿وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ الدُّنْيا وزَيَّنْتُها ومِن لِلتَّبْيِينِ لِأنَّهُنَّ كُلَّهُنَّ كُنَّ مُحْسِناتٍ.
الأحزاب 33:29
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ السِّعَةَ والتَّنَعُّمَ فِيها. ﴿وَزِينَتَها﴾ زَخارِفَها.
﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أُعْطِكُنَّ المُتْعَةَ. ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ طَلاقًا مِن غَيْرِ ضِرارٍ وبِدْعَةٍ.
رُوِيَ أنَّهُنَّ سَألْنَهُ ثِيابَ الزِّينَةِ وزِيادَةَ النَّفَقَةِ فَنَزَلَتْ. فَبَدَأ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَخَيَّرَها فاخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ اخْتارَتِ الباقِياتُ اخْتِيارَها فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُنَّ ذَلِكَ فَأنْزَلَ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ وتَعْلِيقُ التَّسْرِيحِ بِإرادَتِهِنَّ الدُّنْيا وجَعْلِها قَسِيمًا لِإرادَتِهِنَّ الرَّسُولَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُخَيَّرَةَ إذا اخْتارَتْ زَوْجَها لَمْ تُطَلَّقْ خِلافًا لِزَيْدٍ والحَسَنِ ومالِكٍ وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاخْتَرْناهُ» . ولَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا وتَقْدِيمُ التَّمَتُّعِ عَلى التَّسْرِيحِ المُسَبَّبِ عَنْهُ مِنَ الكَرَمِ وحُسْنِ الخُلُقِ. قِيلَ لِأنَّ الفُرْقَةَ كانَتْ بِإرادَتِهِنَّ كاخْتِيارِ المُخَيَّرَةِ نَفْسَها فَإنَّهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ عِنْدَنا وبائِنَةٌ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، واخْتُلِفَ في وُجُوبِهِ لِلْمَدْخُولِ بِها ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقُرِئَ «أُمَتِّعُكُنَّ وأُسَرِّحُكُنَّ» بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
﴿وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ الدُّنْيا وزَيَّنْتُها ومِن لِلتَّبْيِينِ لِأنَّهُنَّ كُلَّهُنَّ كُنَّ مُحْسِناتٍ.
الأحزاب 33:30
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ بِكَبِيرَةٍ. ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ظاهِرٍ قُبْحُها عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي بَكْرٍ والباقُونَ بِكَسْرِ الياءِ. ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ضَعْفَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ أيْ مِثْلَيْهِ، لِأنَّ الذَّنْبَ مِنهُنَّ أقْبَحُ فَإنَّ زِيادَةَ قُبْحِهِ تَتْبَعُ زِيادَةَ فَضْلِ المُذْنِبِ والنِّعْمَةِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ جَعَلَ حَدَّ الحُرِّ ضَعْفَيْ حَدِّ العَبْدِ، وعُوتِبَ الأنْبِياءُ بِما لا يُعاتَبُ بِهِ غَيْرُهم وقَرَأ البَصْرِيّانِ «يُضَعَّفُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفَعَ ( العَذابُ ) وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ «نُضَعِّفُ» بِالنُّونِ وبِناءِ الفاعِلِ ونَصْبِ ( العَذابَ ) . ﴿وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يَمْنَعُهُ عَنِ التَّضْعِيفِ كَوْنُهُنَّ نِساءَ النَّبِيِّ وكَيْفَ وهو سَبَبُهُ.
﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ ومَن يَدُمْ عَلى الطّاعَةِ. ﴿لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ولَعَلَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِلتَّعْظِيمِ أوْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَتَعْمَلْ (p-231)صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ مَرَّةً عَلى الطّاعَةِ ومَرَّةً عَلى طَلَبِهِنَّ رِضا النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالقَناعَةِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «وَيَعْمَلْ» بِالياءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ «مَن ويُؤْتِها» عَلى أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ اسْمِ اللَّهِ، وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا في الجَنَّةِ زِيادَةً عَلى أجْرِها.
الأحزاب 33:31
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ بِكَبِيرَةٍ. ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ظاهِرٍ قُبْحُها عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي بَكْرٍ والباقُونَ بِكَسْرِ الياءِ. ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ضَعْفَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ أيْ مِثْلَيْهِ، لِأنَّ الذَّنْبَ مِنهُنَّ أقْبَحُ فَإنَّ زِيادَةَ قُبْحِهِ تَتْبَعُ زِيادَةَ فَضْلِ المُذْنِبِ والنِّعْمَةِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ جَعَلَ حَدَّ الحُرِّ ضَعْفَيْ حَدِّ العَبْدِ، وعُوتِبَ الأنْبِياءُ بِما لا يُعاتَبُ بِهِ غَيْرُهم وقَرَأ البَصْرِيّانِ «يُضَعَّفُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفَعَ ( العَذابُ ) وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ «نُضَعِّفُ» بِالنُّونِ وبِناءِ الفاعِلِ ونَصْبِ ( العَذابَ ) . ﴿وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يَمْنَعُهُ عَنِ التَّضْعِيفِ كَوْنُهُنَّ نِساءَ النَّبِيِّ وكَيْفَ وهو سَبَبُهُ.
﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ ومَن يَدُمْ عَلى الطّاعَةِ. ﴿لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ولَعَلَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِلتَّعْظِيمِ أوْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَتَعْمَلْ (p-231)صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ مَرَّةً عَلى الطّاعَةِ ومَرَّةً عَلى طَلَبِهِنَّ رِضا النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالقَناعَةِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «وَيَعْمَلْ» بِالياءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ «مَن ويُؤْتِها» عَلى أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ اسْمِ اللَّهِ، وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا في الجَنَّةِ زِيادَةً عَلى أجْرِها.
الأحزاب 33:32
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أصْلُ أحَدٍ وحَدٌ بِمَعْنى الواحِدِ، ثُمَّ وُضِعَ في النَّفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والكَثِيرُ، والمَعْنى لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ في الفَضْلِ. ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ مُخالَفَةَ حُكْمِ اللَّهِ ورِضا رَسُولِهِ. ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ فَلا تَجِئْنَ بِقَوْلِكُنَّ خاضِعًا لَيِّنًا مِثْلَ قَوْلِ المُرِيباتِ. ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ فَجَوْرٌ، وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ فِعْلِ النَّهْيِ عَلى أنَّهُ نُهِيَ مَرِيضُ القَلْبِ عَنِ الطَّمَعِ عَقِيبَ نَهْيِهِنَّ عَنِ الخُضُوعِ بِالقَوْلِ. ﴿وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ حَسَنًا بَعِيدًا عَنِ الرِّيبَةِ.
الأحزاب 33:33
﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ مِن وقَرَ يَقِرُ وقارًا أوْ مِن قَرَّ يَقَرُّ حُذِفَتِ الأُولى مِن راءَيِ اقْرُرْنَ ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى القافِ، فاسْتُغْنِيَ عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ نافِعٍ وعاصِمٍ بِالفَتْحِ مِن قَرَرْتُ أقَرُّ وهو لُغَةٌ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قارَّ يَقارُّ إذا اجْتَمَعَ. ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ﴾ ولا تَتَبَخْتَرْنَ في مَشْيِكُنَّ. ﴿تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ تَبَرُّجًا مِثْلَ تَبَرُّجِ النِّساءِ في أيّامِ الجاهِلِيَّةِ القَدِيمَةِ، وقِيلَ هي ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ الزَّمانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَتِ المَرْأةُ تَلْبَسُ دِرْعًا مِنَ اللُّؤْلُؤِ فَتَمْشِي وسَطَ الطَّرِيقِ تَعْرِضُ نَفْسَها عَلى الرِّجالِ والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةُ الكُفْرِ قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةُ الفُسُوقِ في الإسْلامِ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إنَّ فِيكَ جاهِلِيَّةً، قالَ جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ أوْ إسْلامٍ قالَ بَلْ جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ» .
﴿وَأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في سائِرِ ما أمَرَكُنَّ بِهِ ونَهاكُنَّ عَنْهُ. ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الذَّنْبَ المُدَنِّسَ لِعَرْضِكم وهو تَعْلِيلٌ لِأمْرِهِنَّ ونَهْيِهِنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ ولِذَلِكَ عَمَّمَ الحُكْمَ. ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ نُصِبَ عَلى النِّداءِ أوِ المَدْحِ.
﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ عَنِ المَعاصِي. ﴿تَطْهِيرًا﴾ واسْتِعارَةُ الرِّجْسِ لِلْمَعْصِيَةِ والتَّرْشِيحِ بِالتَّطْهِيرِ لِلتَّنْفِيرِ عَنْها، وتَخْصِيصُ الشِّيعَةِ أهْلَ البَيْتِ بِفاطِمَةَ وعَلِيٍّ وابْنَيْهِما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ ذاتَ غَدْوَةٍ وعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ فَجَلَسَ فَأتَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَأدْخَلَها فِيهِ، ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ فَأدْخَلَهُ فِيهِ ثُمَّ جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَأدْخَلَهُما فِيهِ ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾»، والِاحْتِجاجُ بِذَلِكَ عَلى عِصْمَتِهِمْ وكَوْنِ إجْماعِهِمْ حُجَّةً ضَعِيفٌ لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِهِمْ لا يُناسِبُ ما قَبْلَ الآيَةِ وما بَعْدَها، والحَدِيثُ يَقْتَضِي أنَّهم مِن أهْلِ البَيْتِ لا أنَّهُ لَيْسَ غَيْرُهم.
الأحزاب 33:34
﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ مِنَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو تَذْكِيرٌ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ مِن حَيْثُ جَعَلَهُنَّ أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطِ الوَحْيِ وما شاهَدْنَ مِن بُرَحاءَ الوَحْيِ مِمّا يُوجِبُ قُوَّةَ الإيمانِ والحِرْصَ عَلى الطّاعَةِ حَثًّا عَلى الِانْتِهاءِ والِائْتِمارِ فِيما كُلِّفْنَ بِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ يَعْلَمُ ويُدَبِّرُ ما يَصْلُحُ في الدِّينِ ولِذَلِكَ خَيَّرَكُنَّ ووَعَظَكُنَّ، أوْ يَعْلَمُ مَن يَصْلُحُ لِنُبُوَّتِهِ ومَن يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ أهْلَ بَيْتِهِ.(p-232)
الأحزاب 33:35
﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الدّاخِلِينَ في السِّلْمِ المُنْقادِينَ لِحُكْمِ اللَّهِ. ﴿والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ المُصَدِّقِينَ بِما يَجِبُ أنْ يُصَدِّقَ بِهِ. ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ المُداوِمِينَ عَلى الطّاعَةِ. ﴿والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ﴾ في القَوْلِ والعَمَلِ ﴿والصّابِرِينَ والصّابِراتِ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي. ﴿والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ﴾ المُتَواضِعِينَ لِلَّهِ بِقُلُوبِهِمْ وجَوارِحِهِمْ. ﴿والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ﴾ بِما وجَبَ في مالِهِمْ. ﴿والصّائِمِينَ والصّائِماتِ﴾ الصَّوْمَ المَفْرُوضَ. ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ﴾ عَنِ الحَرامِ. ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ بِقُلُوبِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ. ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً﴾ لِما اقْتَرَفُوا مِنَ الصَّغائِرِ لِأنَّهُنَّ مُكَفِّراتٌ. ﴿وَأجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى طاعَتِهِمْ، والآيَةُ وعْدٌ لَهُنَّ ولِأمْثالِهِمْ عَلى الطّاعَةِ والتَّدَرُّعِ بِهَذِهِ الخِصالِ.
رُوِيَ: «أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرَ اللَّهُ الرِّجالَ في القُرْآنِ بِخَيْرٍ فَما فِينا خَيْرٌ نُذْكَرُ بِهِ فَنَزَلَتْ» .
وَقِيلَ: لَمّا نَزَلَ فِيهِنَّ ما نَزَلَ قالَ نِساءُ المُسْلِمِينَ فَما نَزَلَ فِينا شَيْءٌ فَنَزَلَتْ. وعَطْفُ الإناثِ عَلى الذُّكُورِ لِاخْتِلافِ الجِنْسَيْنِ وهو ضَرُورِيٌّ، وعَطْفُ الزَّوْجَيْنِ عَلى الزَّوْجَيْنِ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ فَلَيْسَ بِضَرُورِيٍّ ولِذَلِكَ تُرِكَ في قَوْلِهِ (﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾ ) وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ إعْدادَ المُعَدِّ لَهم لِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ.
الأحزاب 33:36
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ ما صَحَّ لَهُ. ﴿إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾ أيْ قَضى رَسُولُ اللَّهِ، وذُكِرَ اللَّهُ لِتَعْظِيمِ أمْرِهِ والإشْعارِ بِأنَّ قَضاءَهُ قَضاءُ اللَّهِ، لِأنَّهُ نَزَلَ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِنْتِ عَمَّتِهِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ خَطَبَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ فَأبَتْ هي وأخُوها عَبْدُ اللَّهِ. وقِيلَ في أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَزَوَّجَها مِن زَيْدٍ. ( أنْ تَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ) أنْ يَخْتارُوا مِن أمْرِهِمْ شَيْئًا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوا اخْتِيارَهم تَبَعًا لِاخْتِيارِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والخِيَرَةُ ما يُتَخَيَّرُ وجَمْعُ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِعُمُومِ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ مِن حَيْثُ إنَّهُما في سِياقِ النَّفْيِ، وجَمْعُ الثّانِي لِلتَّعْظِيمِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وهِشامٌ «يَكُونَ» بِالياءِ. ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾ بَيِّنَ الِانْحِرافِ عَنِ الصَّوابِ.
الأحزاب 33:37
﴿وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بِتَوْفِيقِهِ لِلْإسْلامِ وتَوْفِيقِكَ لِعِتْقِهِ واخْتِصاصِهِ. ﴿وَأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بِما وفَّقَكَ اللَّهُ فِيهِ وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ زَيْنَبَ. وذَلِكَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبْصَرَها بَعْدَ ما أنْكَحَها إيّاهُ فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ فَقالَ سُبْحانَ اللَّهِ مُقَلِّبَ القُلُوبِ، وسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِالتَّسْبِيحَةِ فَذَكَرَتْ لِزَيْدٍ فَفَطِنَ لِذَلِكَ ووَقَعَ في نَفْسِهِ كَراهَةَ صُحْبَتِها، فَأتى النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: أُرِيدُ أنْ أُفارِقَ صاحِبَتِي، فَقالَ: ما لَكَ أرابَكَ مِنها شَيْءٌ، فَقالَ: لا واللَّهِ ما رَأيْتُ مِنها إلّا خَيْرًا ولَكِنَّها لِشَرَفِها تَتَعَظَّمُ عَلَيَّ، فَقالَ لَهُ: أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» . ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمْرِها فَلا تُطَلِّقْها ضِرارًا وتَعَلُّلًا بِتَكَبُّرِها.
﴿وَتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهو نِكاحُها إنْ طَلَّقَها أوْ إرادَةُ طَلاقِها. ﴿وَتَخْشى النّاسَ﴾ تَعْيِيرَهم إيّاكَ بِهِ. ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ إنْ (p-233)
كانَ فِيهِ ما يُخْشى، والواوُ لِلْحالِ، ولَيْسَتِ المُعاتَبَةُ عَلى الإخْفاءِ وحْدَهُ فَإنَّهُ حَسَنٌ بَلْ عَلى الإخْفاءِ مَخافَةَ قالَةِ النّاسِ وإظْهارِ ما يُنافِي إضْمارَهُ، فَإنَّ الأوْلى في أمْثالِ ذَلِكَ أنْ يَصْمُتَ أوْ يُفَوِّضَ الأمْرَ إلى رَبِّهِ. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ حاجَةً بِحَيْثُ مَلَّها ولَمْ يَبْقَ لَهُ فِيها حاجَةٌ وطَلَّقَها وانْقَضَتْ عِدَّتُها. ﴿زَوَّجْناكَها﴾ وقِيلَ قَضاءُ الوَطَرِ كِنايَةٌ عَنِ الطَّلاقِ مِثْلَ لا حاجَةَ لِي فِيكَ. وقُرِئَ «زَوَّجْتُكَها»، والمَعْنى أنَّهُ أمَرَ بِتَزْوِيجِها مِنهُ أوْ جَعَلَها زَوْجَتَهُ بِلا واسِطَةِ عَقْدٍ. ويُؤَيِّدُهُ أنَّها كانَتْ تَقُولُ لِسائِرِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَلّى إنْكاحِي وأنْتُنَّ زَوَّجَكُنَّ أوْلِياؤُكُنَّ. وقِيلَ كانَ زَيْدٌ السَّفِيرَ في خِطْبَتِها وذَلِكَ ابْتِلاءٌ عَظِيمٌ وشاهِدٌ بَيِّنٌ عَلى قُوَّةِ إيمانِهِ. ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ عِلَّةً لِلتَّزْوِيجِ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَهُ وحُكْمَ الأُمَّةِ واحِدٌ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ أمْرَهُ الَّذِي يُرِيدُهُ مَفْعُولًا مُكَوَّنًا لا مَحالَةَ كَما كانَ تَزْوِيجُ زَيْنَبَ.
الأحزاب 33:38
﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ قَسَمٌ لَهُ وقَدْرٌ مِن قَوْلِهِمْ فَرَضَ لَهُ في الدِّيوانِ، ومِنهُ فُرُوضُ العَسْكَرِ لِأرْزاقِهِمْ. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ سَنَّ ذَلِكَ سُنَّةً. ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ مِنَ الأنْبِياءِ، وهو نَفْيُ الحَرَجِ عَنْهم فِيما أباحَ لَهم. ﴿وَكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ قَضاءً مَقْضِيًّا وحُكْمًا مَبْتُوتًا.
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِلَّذِينِ خَلَوْا أوْ مَدْحٌ لَهم مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ، وقُرِئَ «رِسالَةَ اللَّهِ» .
﴿وَيَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ﴾ تَعْرِيضٌ بَعْدَ تَصْرِيحٍ. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ كافِيًا لِلْمَخاوِفِ أوْ مُحاسِبًا فَيَنْبَغِي أنْ لا يُخْشى إلّا مِنهُ.
الأحزاب 33:39
﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ قَسَمٌ لَهُ وقَدْرٌ مِن قَوْلِهِمْ فَرَضَ لَهُ في الدِّيوانِ، ومِنهُ فُرُوضُ العَسْكَرِ لِأرْزاقِهِمْ. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ سَنَّ ذَلِكَ سُنَّةً. ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ مِنَ الأنْبِياءِ، وهو نَفْيُ الحَرَجِ عَنْهم فِيما أباحَ لَهم. ﴿وَكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ قَضاءً مَقْضِيًّا وحُكْمًا مَبْتُوتًا.
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِلَّذِينِ خَلَوْا أوْ مَدْحٌ لَهم مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ، وقُرِئَ «رِسالَةَ اللَّهِ» .
﴿وَيَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ﴾ تَعْرِيضٌ بَعْدَ تَصْرِيحٍ. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ كافِيًا لِلْمَخاوِفِ أوْ مُحاسِبًا فَيَنْبَغِي أنْ لا يُخْشى إلّا مِنهُ.
الأحزاب 33:40
﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ فَيَثْبُتُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ما بَيْنَ الوالِدِ ووَلَدِهِ مِن حُرْمَةِ المُصاهَرَةِ وغَيْرِها، ولا يَنْتَقِضُ عُمُومُهُ بِكَوْنِهِ أبًا لِلطّاهِرِ والقاسِمِ وإبْراهِيمَ لِأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ الرِّجالِ ولَوْ بَلَغُوا كانُوا رِجالَهُ لا رِجالَهم. ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ وكُلُّ رَسُولٍ أبُو أُمَّتِهِ لا مُطْلَقًا بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ شَفِيقٌ ناصِحٌ لَهم، واجِبُ التَّوْقِيرِ والطّاعَةِ عَلَيْهِمْ وزَيْدٌ مِنهم لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ وِلادَةً. وقُرِئَ «رَسُولُ اللَّهِ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ولَكِنْ بِالتَّشْدِيدِ عَلى حَذْفِ الخَبَرِ أيْ ولَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ مَن عَرَفْتُمْ أنَّهُ لَمْ يَعِشْ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ.
﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وآخِرُهُمُ الَّذِي خَتَمَهم أوْ خُتِمُوا بِهِ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ بِالفَتْحِ، ولَوْ كانَ لَهُ ابْنٌ بالِغٌ لاقَ بِمَنصِبِهِ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إبْراهِيمَ حِينَ تَوَفّى: «لَوْ عاشَ لَكانَ نَبِيًّا»، ولا يَقْدَحُ فِيهِ نُزُولُ عِيسى بَعْدَهُ لِأنَّهُ إذا نَزَلَ كانَ عَلى دِينِهِ، مَعَ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ آخِرُ مَن نُبِّئَ. ﴿وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فَيَعْلَمُ مَن يَلِيقُ بِأنْ يَخْتِمَ بِهِ النُّبُوَّةَ وكَيْفَ يَنْبَغِي شَأْنُهُ.
الأحزاب 33:41
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ يَغْلِبُ الأوْقاتَ ويَعُمُّ الأنْواعَ بِما هو أهْلُهُ مِنَ التَّقْدِيسِ والتَّحْمِيدِ والتَّهْلِيلِ والتَّمْجِيدِ.
﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ خُصُوصًا، وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِهِما عَلى سائِرِ الأوْقاتِ لِكَوْنِهِما مَشْهُودَيْنِ كَأفْرادِ التَّسْبِيحِ مِن جُمْلَةِ الأذْكارِ لِأنَّهُ العُمْدَةُ فِيها. وقِيلَ الفِعْلانِ مُوَجَّهانِ (p-234)
إلَيْهِما. وقِيلَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ.
الأحزاب 33:42
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ يَغْلِبُ الأوْقاتَ ويَعُمُّ الأنْواعَ بِما هو أهْلُهُ مِنَ التَّقْدِيسِ والتَّحْمِيدِ والتَّهْلِيلِ والتَّمْجِيدِ.
﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ خُصُوصًا، وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِهِما عَلى سائِرِ الأوْقاتِ لِكَوْنِهِما مَشْهُودَيْنِ كَأفْرادِ التَّسْبِيحِ مِن جُمْلَةِ الأذْكارِ لِأنَّهُ العُمْدَةُ فِيها. وقِيلَ الفِعْلانِ مُوَجَّهانِ (p-234)
إلَيْهِما. وقِيلَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ.
الأحزاب 33:43
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ بِالرَّحْمَةِ. ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ بِالِاسْتِغْفارِ لَكم والِاهْتِمامِ بِما يُصْلِحُكم، والمُرادُ بِالصَّلاةِ المُشْتَرَكُ وهو العِنايَةُ بِصَلاحِ أمْرِكم وظُهُورِ شَرَفِكم مُسْتَعارٌ مِنَ الصَّلْوِ. وقِيلَ التَّرَحُّمُ والِانْعِطافُ المَعْنَوِيُّ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّلاةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الِانْعِطافِ الصُّورِيِّ الَّذِي هو الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، واسْتِغْفارُ المَلائِكَةِ ودُعاؤُهم لِلْمُؤْمِنِينَ تَرَحُّمٌ عَلَيْهِمْ سِيَّما وهو السَّبَبُ لِلرَّحْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّهم مُجابُو الدَّعْوَةِ. ﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ إلى نُورَيِ الإيمانِ والطّاعَةِ. ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ حَيْثُ اعْتَنى بِصَلاحِ أمْرِهِمْ وإنافَةِ قَدْرِهِمْ واسْتَعْمَلَ في ذَلِكَ مَلائِكَتَهُ المُقَرَّبِينَ.
﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ أيْ يُحَيَّوْنَ. ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَوْمَ لِقائِهِ عِنْدَ المَوْتِ أوِ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ، أوْ دُخُولِ الجَنَّةِ. ﴿سَلامٌ﴾ إخْبارٌ بِالسَّلامَةِ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وآفَةٍ. ﴿وَأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ هي الجَنَّةُ، ولَعَلَّ اخْتِلافَ النَّظْمِ لِمُحافَظَةِ الفَواصِلِ والمُبالَغَةِ فِيما هو أهَمُّ.
الأحزاب 33:44
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ بِالرَّحْمَةِ. ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ بِالِاسْتِغْفارِ لَكم والِاهْتِمامِ بِما يُصْلِحُكم، والمُرادُ بِالصَّلاةِ المُشْتَرَكُ وهو العِنايَةُ بِصَلاحِ أمْرِكم وظُهُورِ شَرَفِكم مُسْتَعارٌ مِنَ الصَّلْوِ. وقِيلَ التَّرَحُّمُ والِانْعِطافُ المَعْنَوِيُّ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّلاةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الِانْعِطافِ الصُّورِيِّ الَّذِي هو الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، واسْتِغْفارُ المَلائِكَةِ ودُعاؤُهم لِلْمُؤْمِنِينَ تَرَحُّمٌ عَلَيْهِمْ سِيَّما وهو السَّبَبُ لِلرَّحْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّهم مُجابُو الدَّعْوَةِ. ﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ إلى نُورَيِ الإيمانِ والطّاعَةِ. ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ حَيْثُ اعْتَنى بِصَلاحِ أمْرِهِمْ وإنافَةِ قَدْرِهِمْ واسْتَعْمَلَ في ذَلِكَ مَلائِكَتَهُ المُقَرَّبِينَ.
﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ أيْ يُحَيَّوْنَ. ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَوْمَ لِقائِهِ عِنْدَ المَوْتِ أوِ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ، أوْ دُخُولِ الجَنَّةِ. ﴿سَلامٌ﴾ إخْبارٌ بِالسَّلامَةِ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وآفَةٍ. ﴿وَأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ هي الجَنَّةُ، ولَعَلَّ اخْتِلافَ النَّظْمِ لِمُحافَظَةِ الفَواصِلِ والمُبالَغَةِ فِيما هو أهَمُّ.
الأحزاب 33:45
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ بِتَصْدِيقِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ ونَجاتِهِمْ وضَلالِهِمْ وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ. ﴿وَمُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ .
﴿وَداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ إلى الإقْرارِ بِهِ وبِتَوْحِيدِهِ وما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن صِفاتِهِ. ﴿بِإذْنِهِ﴾ بِتَيْسِيرِهِ وأطْلَقَ لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مِن أسْبابِهِ وقَيَّدَ بِهِ الدَّعْوَةَ إيذانًا بِأنَّهُ أمْرٌ صَعْبٌ لا يَتَأتّى إلّا بِمَعُونَةٍ مِن جَنابِ قُدْسِهِ. ﴿وَسِراجًا مُنِيرًا﴾ يُسْتَضاءُ بِهِ عَنْ ظُلُماتِ الجَهالاتِ ويُقْتَبَسُ مِن نُورِهِ أنْوارُ البَصائِرِ.
الأحزاب 33:46
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ بِتَصْدِيقِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ ونَجاتِهِمْ وضَلالِهِمْ وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ. ﴿وَمُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ .
﴿وَداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ إلى الإقْرارِ بِهِ وبِتَوْحِيدِهِ وما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن صِفاتِهِ. ﴿بِإذْنِهِ﴾ بِتَيْسِيرِهِ وأطْلَقَ لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مِن أسْبابِهِ وقَيَّدَ بِهِ الدَّعْوَةَ إيذانًا بِأنَّهُ أمْرٌ صَعْبٌ لا يَتَأتّى إلّا بِمَعُونَةٍ مِن جَنابِ قُدْسِهِ. ﴿وَسِراجًا مُنِيرًا﴾ يُسْتَضاءُ بِهِ عَنْ ظُلُماتِ الجَهالاتِ ويُقْتَبَسُ مِن نُورِهِ أنْوارُ البَصائِرِ.
الأحزاب 33:47
﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ عَلى سائِرِ الأُمَمِ أوْ عَلى جَزاءِ أعْمالِهِمْ، ولَعَلَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ مِثْلَ فَراقِبْ أحْوالَ أُمَّتِكَ.
﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ تَهْيِيجٌ لَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن مُخالَفَتِهِمْ. ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ إيذاءَهم إيّاكَ ولا تَحْتَفِلْ بِهِ، أوْ إيذاءَكَ إيّاهم مُجازاةً أوْ مُؤاخَذَةً عَلى كُفْرِهِمْ، ولِذَلِكَ قِيلَ إنَّهُ مَنسُوخٌ. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ يَكْفِيكَهم. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ مَوْكُولًا إلَيْهِ الأمْرُ في الأحْوالِ كُلِّها، ولَعَلَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهُ بِخَمْسِ صِفاتٍ قابَلَ كُلًّا مِنها بِخِطابٍ يُناسِبُهُ، فَحَذَفَ مُقابِلَ الشّاهِدِ وهو الأمْرُ بِالمُراقَبَةِ لِأنَّ ما بَعْدَهُ كالتَّفْصِيلِ لَهُ، وقابَلَ المُبَشَّرَ بِالأمْرِ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ والنَّذِيرَ بِالنَّهْيِ عَنْ مُراقَبَةِ الكُفّارِ والمُبالاةَ بِأذاهم والدّاعِيَ إلى اللَّهِ بِتَيْسِيرِهِ بِالأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والسِّراجَ المُنِيرَ بِالِاكْتِفاءِ بِهِ فَإنَّ مَن أنارَهُ اللَّهُ بُرْهانًا عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُكْتَفى بِهِ عَنْ غَيْرِهِ.
الأحزاب 33:48
﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ عَلى سائِرِ الأُمَمِ أوْ عَلى جَزاءِ أعْمالِهِمْ، ولَعَلَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ مِثْلَ فَراقِبْ أحْوالَ أُمَّتِكَ.
﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ تَهْيِيجٌ لَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن مُخالَفَتِهِمْ. ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾ إيذاءَهم إيّاكَ ولا تَحْتَفِلْ بِهِ، أوْ إيذاءَكَ إيّاهم مُجازاةً أوْ مُؤاخَذَةً عَلى كُفْرِهِمْ، ولِذَلِكَ قِيلَ إنَّهُ مَنسُوخٌ. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ يَكْفِيكَهم. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ مَوْكُولًا إلَيْهِ الأمْرُ في الأحْوالِ كُلِّها، ولَعَلَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهُ بِخَمْسِ صِفاتٍ قابَلَ كُلًّا مِنها بِخِطابٍ يُناسِبُهُ، فَحَذَفَ مُقابِلَ الشّاهِدِ وهو الأمْرُ بِالمُراقَبَةِ لِأنَّ ما بَعْدَهُ كالتَّفْصِيلِ لَهُ، وقابَلَ المُبَشَّرَ بِالأمْرِ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ والنَّذِيرَ بِالنَّهْيِ عَنْ مُراقَبَةِ الكُفّارِ والمُبالاةَ بِأذاهم والدّاعِيَ إلى اللَّهِ بِتَيْسِيرِهِ بِالأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والسِّراجَ المُنِيرَ بِالِاكْتِفاءِ بِهِ فَإنَّ مَن أنارَهُ اللَّهُ بُرْهانًا عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُكْتَفى بِهِ عَنْ غَيْرِهِ.
الأحزاب 33:49
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ تُجامِعُوهُنَّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِألِفٍ وضَمِّ التّاءِ. ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ﴾ أيّامٍ يَتَرَبَّصْنَ فِيها بِأنْفُسِهِنَّ. ﴿تَعْتَدُّونَها﴾ تَسْتَوْفُونَ عَدَدَها مِن عَدَدْتُ الدَّراهِمَ فاعْتَدَّها كَقَوْلِكَ: كِلْتُهُ فاكْتالَهُ، أوْ تُعِدُّونَها. والإسْنادُ إلى الرِّجالِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العِدَّةَ حَقُّ الأزْواجِ كَما أشْعَرَ بِهِ ﴿فَما لَكُمْ﴾، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ﴿تَعْتَدُّونَها﴾ مُخَفَّفًا عَلى إبْدالِ إحْدى الدّالَيْنِ بِالياءِ أوْ عَلى أنَّهُ مِنَ الِاعْتِداءِ بِمَعْنى تَعْتَدُونَ فِيها، وظاهِرُهُ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ العِدَّةِ بِمُجَرَّدِ الخَلْوَةِ وتَخْصِيصَ المُؤْمِناتِ والحُكْمُ عامٌّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مِن شَأْنِ المُؤْمِنِ أنْ لا يَنْكِحَ إلّا مُؤْمِنَةً تَخَيُّرًا لِنُطْفَتِهِ، وفائِدَةُ ثُمَّ إزاحَةُ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ تَراخِي الطَّلاقِ رَيْثَما تَمَكَّنَ الإصابَةَ كَما يُؤَثِّرُ في النَّسَبِ يُؤَثِّرُ في العِدَّةِ. ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أيْ إنْ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا لَها فَإنَّ الواجِبَ لِلْمَفْرُوضِ لَها نِصْفُ المَفْرُوضِ دُونَ المُتْعَةِ ويَجُوزُ أنْ يُؤَوَّلَ التَّمْتِيعُ بِما يَعُمُّهُما، أوِ الأمْرُ بِالمُشْتَرَكِ بَيْنَ الوُجُوبِ والنَّدْبِ فَإنَّ المُتْعَةَ سُنَّةٌ لِلْمَفْرُوضِ لَها. ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ أخْرَجُوهُنَّ مِن مَنازِلِكم إذْ لَيْسَ لَكم عَلَيْهِنَّ عِدَّةٌ. ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ مِن غَيْرِ ضِرارٍ ولا مَنعِ حَقٍّ، ولا يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِالطَّلاقِ السُّنِّيِّ لِأنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلى الطَّلاقِ والضَّمِيرُ لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِهِنَّ.
الأحزاب 33:50
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ مُهُورَهُنَّ لِأنَّ المَهْرَ أجْرٌ عَلى البُضْعِ، وتَقْيِيدُ الإحْلالِ لَهُ بِإعْطائِها مُعَجَّلَةً لا لِتَوَقُّفِ الحِلِّ عَلَيْهِ بَلْ لِإيثارِ الأفْضَلِ لَهُ كَتَقْيِيدِ إحْلالِ المَمْلُوكَةِ بِكَوْنِها مَسْبِيَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ فَإنَّ المُشْتَراةَ لا يَتَحَقَّقُ بَدْءُ أمْرِها وما جَرى عَلَيْها، وتَقْيِيدُ القَرائِبِ بِكَوْنِها مُهاجِراتٍ مَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ ويُحْتَمَلُ تَقْيِيدُ الحِلِّ بِذَلِكَ في حَقِّهِ خاصَّةً ويُعَضِّدُهُ قَوْلُ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ: «خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاعْتَذَرْتُ إلَيْهِ فَعَذَرَنِي، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَلَمْ أحِلَّ لَهُ لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ، كُنْتُ مِنَ الطُّلَقاءِ» .
﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما قَبْلَهُ أوْ عُطِفَ عَلى ما سَبَقَ، ولا يَدْفَعُهُ التَّقْيِيدُ بِأنَّ الَّتِي لِلِاسْتِقْبالِ فَإنَّ المَعْنى بِالإحْلالِ الإعْلامُ بِالحِلِّ أيْ: أعْلَمْناكَ حِلَّ امْرَأةٍ مُؤْمِنَةٍ تَهَبُ لَكَ نَفْسَها ولا تَطْلُبُ مَهْرًا إنِ اتَّفَقَ ولِذَلِكَ نَكَّرَها. واخْتُلِفَ في اتِّفاقٍ ذَلِكَ والقائِلِ بِهِ ذَكَرَ أرْبَعًا: مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَرْثِ، وزَيْنَبَ بِنْتِ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيَّةَ، وأُمَّ شَرِيكٍ بِنْتَ جابِرٍ، وخَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ. وقُرِئَ «أنْ» بِالفَتْحِ أيْ لِأنْ وهَبَتْ أوْ مُدَّةَ أنْ وهَبَتْ كَقَوْلِكَ: اجْلِسْ ما دامَ زَيْدٌ جالِسًا. ﴿إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ شَرْطٌ لِلشَّرْطِ الأوَّلِ في اسْتِيجابِ الحِلِّ فَإنَّ هِبَتَها نَفْسَها مِنهُ لا تُوجِبُ لَهُ حِلَّها إلّا بِإرادَتِهِ نِكاحَها، فَإنَّها جارِيَةٌ مَجْرى القَبُولِ والعُدُولُ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ بِلَفْظِ النَّبِيِّ مُكَرَّرًا، ثُمَّ الرُّجُوعُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ إيذانٌ بِأنَّهُ مِمّا خُصَّ بِهِ لِشَرَفِ نُبُوَّتِهِ وتَقْرِيرٌ لِاسْتِحْقاقِ الكَرامَةِ لِأجْلِهِ. واحْتَجَّ بِهِ أصْحابُنا عَلى أنَّ النِّكاحَ لا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الهِبَةِ لِأنَّ اللَّفْظَ تابِعٌ لِلْمَعْنى وقَدْ خُصَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمَعْنى فَيَخْتَصُّ بِاللَّفْظِ، والِاسْتِنْكاحُ طَلَبُ النِّكاحِ والرَّغْبَةِ فِيهِ، و ( خالِصَةً ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ خَلُصَ إحْلالُها أوْ إحْلالُ ما أحْلَلْنا لَكَ عَلى القُيُودِ المَذْكُورَةِ خُلُوصًا لَكَ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( وهَبَتْ ) أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ هِبَةٌ خالِصَةٌ. ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ﴾ مِن شَرائِطِ العَقْدِ ووُجُوبِ القَسَمِ والمَهْرِ بِالوَطْءِ حَيْثُ لَمْ يُسَمَّ. ﴿وَما مَلَكَتْ (p-236)أيْمانُهُمْ﴾ مِن تَوْسِيعِ الأمْرِ فِيها أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ ومُتَعَلِّقِهِ وهو ( خالِصَةً ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ في نَحْوِ ذَلِكَ لا لِمُجَرَّدِ قَصْدِ التَّوْسِيعِ عَلَيْهِ، بَلْ لِمُعانٍ تَقْتَضِي التَّوْسِيعَ عَلَيْهِ والتَّضْيِيقَ عَلَيْهِمْ تارَةً وبِالعَكْسِ أُخْرى. ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. ﴿رَحِيمًا﴾ بِالتَّوْسِعَةِ في مَظانِّ الحَرَجِ.
الأحزاب 33:51
﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ تُؤَخِّرُها وتَتْرُكُ مُضاجَعَتَها. ﴿وَتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ وتَضُمُّ إلَيْكَ مَن تَشاءُ وتُضاجِعُها، أوْ تُطَلِّقُ مَن تَشاءُ وتُمْسِكُ مَن تَشاءُ. وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ( تُرْجِي ) بِالياءِ والمَعْنى واحِدٌ. ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ طَلَبْتَ. ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ طَلَّقْتَ بِالرَّجْعَةِ. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ ذَلِكَ التَّفْوِيضُ إلى مَشِيئَتِكَ أقْرَبُ إلى قُرَّةِ عُيُونِهِنَّ وقِلَّةِ حُزْنِهِنَّ ورِضاهُنَّ جَمِيعًا، لِأنَّ حُكْمَ كُلِّهِنَّ فِيهِ سَواءٌ، ثُمَّ إنْ سَوَّيْتَ بَيْنَهُنَّ وجَدْنَ ذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنكَ وإنْ رَجَّحْتَ بَعْضَهُنَّ عَلِمْنَ أنَّهُ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى فَتَطْمَئِنُّ بِهِ نُفُوسُهُنَّ، وقُرِئَ «تُقِرَّ» بِضَمِّ التّاءِ و «أعْيُنَهُنَّ» بِالنَّصْبِ و «تُقَرُّ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ و «كُلُّهُنَّ» تَأْكِيدُ نُونِ ( يَرْضَيْنَ )، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ تَأْكِيدًا لَهُنَّ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ فاجْتَهِدُوا في إحْسانِهِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بِذاتِ الصُّدُورِ. ﴿حَلِيمًا﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى.
الأحزاب 33:52
﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ﴾ بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الجَمْعِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ بِالتّاءِ. ﴿مِن بَعْدُ﴾ مِن بَعْدِ التِّسْعِ وهو في حَقِّهِ كالأرْبَعِ في حَقِّنا، أوْ مِن بَعْدِ اليَوْمِ حَتّى لَوْ ماتَتْ واحِدَةٌ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكاحُ أُخْرى. ﴿وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ فَتُطَلِّقَ واحِدَةً وتَنْكِحَ مَكانَها أُخْرى و ( مِن ) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ. ﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ حُسْنُ الأزْواجِ المُسْتَبْدَلَةِ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ ( تَبَدَّلَ ) دُونَ مَفْعُولِهِ وهو ﴿مِن أزْواجٍ﴾ لِتَوَغُّلِهِ في التَّنْكِيرِ، وتَقْدِيرُهُ مَفْرُوضًا إعْجابُكَ بِهِنَّ واخْتُلِفَ في أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ عَلى المَعْنى الثّانِي فَإنَّهُ وإنْ تَقَدَّمَها قِراءَةٌ فَهو مَسْبُوقٌ بِها نُزُولًا. وقِيلَ المَعْنى لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدِ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ اللّاتِي نَصَّ عَلى إحْلالِهِنَّ لَكَ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ أزْواجًا مِن أجْناسٍ أُخَرَ.
﴿إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ النِّساءِ لِأنَّهُ يَتَناوَلُ الأزْواجَ والإماءَ، وقِيلَ مُنْقَطِعٌ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ فَتَحْفَظُوا أمْرَكم ولا تَتَخَطَّوْا ما حُدَّ لَكم.
الأحزاب 33:53
.(p-237)
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلّا وقْتَ أنْ يُؤْذَنَ لَكم أوْ إلّا مَأْذُونًا لَكم.
﴿إلى طَعامٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يُؤْذَنَ ) لِأنَّهُ مُتَضَمَّنٌ مَعْنى يُدْعى لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ الدُّخُولُ عَلى الطَّعامِ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ وإنْ أُذِنَ كَما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ وقْتَهُ، أوْ إدْراكَهُ حالٌ مِن فاعِلِ ( لا تَدْخُلُوا ) أوِ المَجْرُورِ في ( لَكم ) . وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةٌ لِطَعامٍ فَيَكُونُ جارِيًا عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ بِلا إبْرازِ الضَّمِيرِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وقَدْ أمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ إناهُ لِأنَّهُ مَصْدَرُ أنى الطَّعامَ إذا أدْرَكَ. ﴿وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا﴾ تَفَرَّقُوا ولا تَمْكُثُوا، ولِأنَّهُ خِطابٌ لِقَوْمٍ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَدْخُلُونَ ويَقْعُدُونَ مُنْتَظِرِينَ لِإدْراكِهِ، مَخْصُوصَةٌ بِهِمْ وبِأمْثالِهِمْ وإلّا لَما جازَ لِأحَدٍ أنْ يَدْخُلَ بُيُوتَهُ بِالإذْنِ لِغَيْرِ الطَّعامِ ولا اللُّبْثِ بَعْدَ الطَّعامِ لِمُهِمٍّ. ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ لِحَدِيثِ بَعْضِكم بَعْضًا، أوْ لِحَدِيثِ أهْلِ البَيْتِ بِالتَّسَمُّعِ لَهُ عُطِفَ عَلى ﴿ناظِرِينَ﴾ أوْ مُقَدَّرٌ بِفِعْلٍ أيْ: ولا تَدْخُلُوا أوْ ولا تَمْكُثُوا مُسْتَأْنِسِينَ. ﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ اللُّبْثَ ﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ لِتَضْيِيقِ المَنزِلِ عَلَيْهِ وعَلى أهْلِهِ وإشْغالِهِ بِما لا يَعْنِيهِ. ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾ مِن إخْراجِكم بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ يَعْنِي أنَّ إخْراجَكم حَقٌّ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُتْرَكَ حَياءً كَما لَمْ يَتْرُكْهُ اللَّهُ تَرْكَ الحَيِيِّ فَأمَرَكم بِالخُرُوجِ، وقُرِئَ «لا يَسْتَحِي» بِحَذْفِ الياءِ الأُولى وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الحاءِ. ﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا﴾ شَيْئًا يُنْتَفَعُ بِهِ. ﴿فاسْألُوهُنَّ﴾ المَتاعَ. ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ سِتْرٍ.
رُوِيَ «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجابِ فَنَزَلَتْ» .
وَقِيلَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَطْعَمُ ومَعَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ، فَأصابَتْ يَدُ رَجُلٍ يَدَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ» .
﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ مِنَ الخَواطِرِ النَّفْسانِيَّةِ الشَّيْطانِيَّةِ. ﴿وَما كانَ لَكُمْ﴾ وما صَحَّ لَكم. ﴿أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ أنْ تَفْعَلُوا ما يَكْرَهُهُ. ﴿وَلا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا﴾ مِن بَعْدِ وفاتِهِ أوْ فِراقِهِ، وخَصَّ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها، لِما رُوِيَ أنَّ أشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ تَزَوَّجَ المُسْتَعِيذَةَ في أيّامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهَمَّ بِرَجْمِها، فَأُخْبِرَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فارَقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها فَتَرَكَها مِن غَيْرِ نَكِيرٍ.
﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ يَعْنِي إيذاءَهُ ونِكاحَ نِسائِهِ. ﴿كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ ذَنْبًا عَظِيمًا، وفِيهِ تَعْظِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ وإيجابٌ لِحُرْمَتِهِ حَيًّا ومَيِّتًا ولِذَلِكَ بالَغَ في الوَعِيدِ عَلَيْهِ فَقالَ:
الأحزاب 33:54
﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ كَنِكاحِهِنَّ عَلى ألْسِنَتِكم. ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ في صُدُورِكم. ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فَيَعْلَمُ ذَلِكَ فَيُجازِيكم بِهِ، وفي هَذا التَّعْمِيمِ مَعَ البُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ مَزِيدُ تَهْوِيلٍ ومُبالَغَةٍ في الوَعِيدِ.
﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ﴾ اسْتِثْناءٌ لِمَن لا يَجِبُ الِاحْتِجابُ عَنْهم.
رُوِيَ: «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ قالَ الآباءُ والأبْناءُ والأقارِبُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أوَنُكَلِّمُهُنَّ أيْضًا مِن وراءِ حِجابٍ فَنَزَلَتْ» .
وَإنَّما لَمْ يَذْكُرِ العَمَّ والخالَ لِأنَّهُما بِمَنزِلَةِ الوالِدَيْنِ ولِذَلِكَ سَمّى العَمَّ أبًا في قَوْلِهِ ﴿وَإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أوْ لِأنَّهُ كَرِهَ تَرْكَ الِاحْتِجابِ عَنْهُما مَخافَةَ أنْ يَصِفا لِأبْنائِهِما. ﴿وَلا نِسائِهِنَّ﴾ يَعْنِي نِساءَ المُؤْمِناتِ. ﴿وَلا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، وقِيلَ مِنَ الإماءِ خاصَّةً وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ «النُّورِ» . ﴿واتَّقِينَ اللَّهَ﴾ فِيما أُمِرْتُنَّ بِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
الأحزاب 33:55
﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ كَنِكاحِهِنَّ عَلى ألْسِنَتِكم. ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ في صُدُورِكم. ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فَيَعْلَمُ ذَلِكَ فَيُجازِيكم بِهِ، وفي هَذا التَّعْمِيمِ مَعَ البُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ مَزِيدُ تَهْوِيلٍ ومُبالَغَةٍ في الوَعِيدِ.
﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ﴾ اسْتِثْناءٌ لِمَن لا يَجِبُ الِاحْتِجابُ عَنْهم.
رُوِيَ: «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ قالَ الآباءُ والأبْناءُ والأقارِبُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أوَنُكَلِّمُهُنَّ أيْضًا مِن وراءِ حِجابٍ فَنَزَلَتْ» .
وَإنَّما لَمْ يَذْكُرِ العَمَّ والخالَ لِأنَّهُما بِمَنزِلَةِ الوالِدَيْنِ ولِذَلِكَ سَمّى العَمَّ أبًا في قَوْلِهِ ﴿وَإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أوْ لِأنَّهُ كَرِهَ تَرْكَ الِاحْتِجابِ عَنْهُما مَخافَةَ أنْ يَصِفا لِأبْنائِهِما. ﴿وَلا نِسائِهِنَّ﴾ يَعْنِي نِساءَ المُؤْمِناتِ. ﴿وَلا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، وقِيلَ مِنَ الإماءِ خاصَّةً وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ «النُّورِ» . ﴿واتَّقِينَ اللَّهَ﴾ فِيما أُمِرْتُنَّ بِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
الأحزاب 33:56
.(p-238)
﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ يَعْتَنُونَ بِإظْهارِ شَرَفِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ اعْتَنُوا أنْتُمْ أيْضًا فَإنَّكم أوْلى بِذَلِكَ وقُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ. ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وقُولُوا السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ وقِيلَ وانْقادُوا لِأوامِرِهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ، وقِيلَ تَجِبُ الصَّلاةُ كُلَّما جَرى ذِكْرُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «رَغِمَ أنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» وقَوْلِهِ «مَن ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فَدَخَلَ النّارَ فَأبْعَدَهُ اللَّهُ»، وتَجُوزُ الصَّلاةُ عَلى غَيْرِهِ تَبَعًا. وتُكْرَهُ اسْتِقْلالًا لِأنَّهُ في العُرْفِ صارَ شَعارًا لِذِكْرِ الرَّسُولِ ﷺ ولِذَلِكَ كَرِهَ أنْ يُقالَ مُحَمَّدٌ عَزَّ وجَلَّ وإنْ كانَ عَزِيزًا وجَلِيلًا.
الأحزاب 33:57
﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَرْتَكِبُونَ ما يَكْرَهانِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، أوْ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ بِكَسْرِ رُباعِيَّتِهِ وقَوْلِهِمْ شاعِرٍ مَجْنُونٍ ونَحْوِ ذَلِكَ وذَكَرَ اللَّهَ لِلتَّعْظِيمِ لَهُ. ومَن جَوَّزَ إطْلاقَ اللَّفْظِ عَلى مَعْنَيَيْنِ فَسَّرَهُ بِالمَعْنَيَيْنِ بِاعْتِبارِ المَعْمُولَيْنِ. ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ. ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ يُهِينُهم مَعَ الإيلامِ.
﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾ بِغَيْرِ جِنايَةٍ اسْتَحَقُّوا بِها الإيذاءَ. ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ظاهِرًا. قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا يُؤْذُونَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ في أهْلِ الإفْكِ، وقِيلَ في زُناةٍ كانُوا يَتَّبِعُونَ النِّساءَ وهُنَّ كارِهاتٍ.
الأحزاب 33:58
﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَرْتَكِبُونَ ما يَكْرَهانِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، أوْ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ بِكَسْرِ رُباعِيَّتِهِ وقَوْلِهِمْ شاعِرٍ مَجْنُونٍ ونَحْوِ ذَلِكَ وذَكَرَ اللَّهَ لِلتَّعْظِيمِ لَهُ. ومَن جَوَّزَ إطْلاقَ اللَّفْظِ عَلى مَعْنَيَيْنِ فَسَّرَهُ بِالمَعْنَيَيْنِ بِاعْتِبارِ المَعْمُولَيْنِ. ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ. ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ يُهِينُهم مَعَ الإيلامِ.
﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾ بِغَيْرِ جِنايَةٍ اسْتَحَقُّوا بِها الإيذاءَ. ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ظاهِرًا. قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا يُؤْذُونَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ في أهْلِ الإفْكِ، وقِيلَ في زُناةٍ كانُوا يَتَّبِعُونَ النِّساءَ وهُنَّ كارِهاتٍ.
الأحزاب 33:59
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ وأبْدانَهُنَّ بِمَلاحِفِهِنَّ إذا بَرَزْنَ لِحاجَةٍ، و ( مِن ) لِلتَّبْعِيضِ فَإنَّ المَرْأةَ تُرْخِي بَعْضَ جِلْبابِها وتَتَلَفَّعُ بِبَعْضِ ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ يُمَيَّزْنَ مِنَ الإماءِ والقَيْناتِ. ﴿فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ فَلا يُؤْذِيهُنَّ أهْلُ الرِّيبَةِ بِالتَّعَرُّضِ لَهُنَّ. ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما سَلَفَ. ﴿رَحِيمًا﴾ بِعِبادِهِ حَيْثُ يُراعِي مَصالِحَهم حَتّى الجُزْئِيّاتِ مِنها.
الأحزاب 33:60
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ﴾ عَنْ نِفاقِهِمْ. ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ضَعْفُ إيمانٍ وقِلَّةُ ثَباتٍ عَلَيْهِ، أوْ فَجَوْرٌ عَنْ تَزَلْزُلِهِمْ في الدِّينِ أوْ فَجَوْرِهِمْ. ﴿والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾ يُرْجِفُونَ أخْبارَ السُّوءِ عَنْ سَرايا المُسْلِمِينَ ونَحْوِها مِن إرْجافِهِمْ، وأصْلُهُ التَّحْرِيكُ مِنَ الرَّجْفَةِ وهي الزَّلْزَلَةُ سُمِّيَ بِهِ الإخْبارَ الكاذِبَ لِكَوْنِهِ مُتَزَلْزِلًا غَيْرَ ثابِتٍ. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لَنَأْمُرَنَّكَ بِقِتالِهِمْ وإجْلائِهِمْ، أوْ ما يَضْطَرُّهم إلى طَلَبِ الجَلاءِ. ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ عُطِفَ عَلى ( لَنُغْرِيَنَّكَ )، و ( ثُمَّ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الجَلاءَ ومُفارَقَةَ جِوارِ الرَّسُولِ أعْظَمُ ما يُصِيبُهم. ﴿فِيها﴾ في المَدِينَةِ. ﴿إلا قَلِيلا﴾ زَمانًا أوْ جِوارًا قَلِيلًا.
الأحزاب 33:61
﴿مَلْعُونِينَ﴾ نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ أوِ الحالِ والِاسْتِثْناءُ شامِلٌ لَهُ أيْضًا أيْ: لا يُجاوِرُونَكَ إلّا مَلْعُونِينَ، ولا (p-239)
يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ، وهو أنْ يُقْتَلَ الَّذِينَ نافَقُوا الأنْبِياءَ وسَعَوْا في وهَنِهِمْ بِالإرْجافِ ونَحْوِهِ أيْنَما ثُقِفُوا. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ لِأنَّهُ لا يُبَدِّلُها ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُبَدِّلَها.
الأحزاب 33:62
﴿مَلْعُونِينَ﴾ نُصِبَ عَلى الشَّتْمِ أوِ الحالِ والِاسْتِثْناءُ شامِلٌ لَهُ أيْضًا أيْ: لا يُجاوِرُونَكَ إلّا مَلْعُونِينَ، ولا (p-239)
يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ، وهو أنْ يُقْتَلَ الَّذِينَ نافَقُوا الأنْبِياءَ وسَعَوْا في وهَنِهِمْ بِالإرْجافِ ونَحْوِهِ أيْنَما ثُقِفُوا. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ لِأنَّهُ لا يُبَدِّلُها ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُبَدِّلَها.
الأحزاب 33:63
﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ﴾ عَنْ وقْتِ قِيامِها اسْتِهْزاءً وتَعَنُّتًا أوِ امْتِحانًا. ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ مَلَكًا ولا نَبِيًّا. ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ شَيْئًا قَرِيبًا أوْ تَكُونُ السّاعَةُ عَنْ قَرِيبٍ وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّذْكِيرَ لِأنَّ السّاعَةَ في مَعْنى اليَوْمِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ لِلْمُسْتَعْجِلِينَ وإسْكاتٌ لِلْمُتَعَنِّتِينَ.
الأحزاب 33:64
﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ نارًا شَدِيدَةَ الِاتِّقادِ.
﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ يَحْفَظُهم. ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم.
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ تُصَرَّفُ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ كاللَّحْمِ يُشْوى بِالنّارِ، أوْ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقُرِئَ «تَقَلَّبُ» بِمَعْنى تَتَقَلَّبُ و «تُقْلَبُ» ومُتَعَلِّقُ الظَّرْفِ. ﴿يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ فَلَنْ نُبْتَلى بِهَذا العَذابِ.
الأحزاب 33:65
﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ نارًا شَدِيدَةَ الِاتِّقادِ.
﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ يَحْفَظُهم. ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم.
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ تُصَرَّفُ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ كاللَّحْمِ يُشْوى بِالنّارِ، أوْ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقُرِئَ «تَقَلَّبُ» بِمَعْنى تَتَقَلَّبُ و «تُقْلَبُ» ومُتَعَلِّقُ الظَّرْفِ. ﴿يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ فَلَنْ نُبْتَلى بِهَذا العَذابِ.
الأحزاب 33:66
﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ نارًا شَدِيدَةَ الِاتِّقادِ.
﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ يَحْفَظُهم. ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم.
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ تُصَرَّفُ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ كاللَّحْمِ يُشْوى بِالنّارِ، أوْ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقُرِئَ «تَقَلَّبُ» بِمَعْنى تَتَقَلَّبُ و «تُقْلَبُ» ومُتَعَلِّقُ الظَّرْفِ. ﴿يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ فَلَنْ نُبْتَلى بِهَذا العَذابِ.
الأحزاب 33:67
﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ يَعْنُونَ قادَتَهُمُ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ «ساداتِنا» عَلى جَمْعِ الجَمْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ. ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ بِما زَيَّنُوا لَنا.
﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ مِثْلَيْ ما آتَيْتَنا مِنهُ لِأنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا. ﴿والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ كَثِيرَ العَدَدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالباءِ أيْ لَعْنًا هو أشَدُّ اللَّعْنِ وأعْظَمُهُ.
الأحزاب 33:68
﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ يَعْنُونَ قادَتَهُمُ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ «ساداتِنا» عَلى جَمْعِ الجَمْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ. ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ بِما زَيَّنُوا لَنا.
﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ مِثْلَيْ ما آتَيْتَنا مِنهُ لِأنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا. ﴿والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ كَثِيرَ العَدَدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالباءِ أيْ لَعْنًا هو أشَدُّ اللَّعْنِ وأعْظَمُهُ.
الأحزاب 33:69
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ فَأظْهَرَ بَراءَتَهُ مِن مَقُوَلِهِمْ يَعْنِي مُؤَدّاهُ ومَضْمُونَهُ، وذَلِكَ أنَّ قارُونَ حَرَّضَ امْرَأةً عَلى قَذْفِهِ بِنَفْسِها فَعَصَمَهُ اللَّهُ كَما مَرَّ في «القَصَصِ»، أوِ اتَّهَمَهُ ناسٌ بِقَتْلِ هارُونَ لَمّا خَرَجَ مَعَهُ إلى الطُّورِ فَماتَ هُناكَ، فَحَمَلَتْهُ المَلائِكَةُ ومَرُّوا بِهِ حَتّى رَأوْهُ غَيْرَ مَقْتُولٍ. وقِيلَ أحْياهُ اللَّهُ فَأخْبَرَهم بِبَراءَتِهِ، أوْ قَذَفُوهُ بِعَيْبٍ في بَدَنِهِ مِن بَرَصٍ أوْ أُدْرَةٍ لِفَرْطِ تَسَتُّرِهِ حَياءً فَأطْلَعَهُمُ اللَّهُ عَلى أنَّهُ بَرِيءٌ مِنهُ. ﴿وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ ذا قُرْبَةٍ ووَجاهَةٍ، وقُرِئَ «وَكانَ عَبْدَ اللَّهِ وجِيهًا» .
الأحزاب 33:70
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ارْتِكابِ ما يَكْرَهُهُ فَضْلًا عَمّا يُؤْذِي رَسُولَهُ. ﴿وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ (p-240)
قاصِدًا إلى الحَقِّ مِن سَدَّ يَسُدُّ سَدادًا، والمُرادُ النَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ كَحَدِيثِ زَيْنَبَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ.
﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكُمْ﴾ يُوَفِّقْكم لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ، أوْ يُصْلِحْها بِالقَبُولِ والإثابَةِ عَلَيْها. ﴿وَيَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ ويَجْعَلْها مُكَفَّرَةً بِاسْتِقامَتِكم في القَوْلِ والعَمَلِ. ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في الأوامِرِ والنَّواهِي. ﴿فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ يَعِيشُ في الدُّنْيا حَمِيدًا وفي الآخِرَةِ سَعِيدًا.
الأحزاب 33:71
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ارْتِكابِ ما يَكْرَهُهُ فَضْلًا عَمّا يُؤْذِي رَسُولَهُ. ﴿وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ (p-240)
قاصِدًا إلى الحَقِّ مِن سَدَّ يَسُدُّ سَدادًا، والمُرادُ النَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ كَحَدِيثِ زَيْنَبَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ.
﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكُمْ﴾ يُوَفِّقْكم لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ، أوْ يُصْلِحْها بِالقَبُولِ والإثابَةِ عَلَيْها. ﴿وَيَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ ويَجْعَلْها مُكَفَّرَةً بِاسْتِقامَتِكم في القَوْلِ والعَمَلِ. ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في الأوامِرِ والنَّواهِي. ﴿فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ يَعِيشُ في الدُّنْيا حَمِيدًا وفي الآخِرَةِ سَعِيدًا.
الأحزاب 33:72
﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْوَعْدِ السّابِقِ بِتَعْظِيمِ الطّاعَةِ، وسَمّاها أمانَةً مِن حَيْثُ إنَّها واجِبَةُ الأداءِ، والمَعْنى أنَّها لِعَظَمَةِ شَأْنِها بِحَيْثُ لَوْ عُرِضَتْ عَلى هَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ وكانَتْ ذاتَ شُعُورٍ وإدْراكٍ لَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها، ﴿وَأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ مَعَ ضَعْفِ بِنْيَتِهِ ورَخاوَةِ قُوَّتِهِ لا جَرَمَ فازَ الرّاعِي لَها والقائِمُ بِحُقُوقِها بِخَيْرِ الدّارَيْنِ. ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا﴾ حَيْثُ لَمْ يَفِ بِها ولَمْ يُراعِ حَقَّها. ﴿جَهُولا﴾ بِكُنْهِ عاقِبَتِها، وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ. وقِيلَ المُرادُ بِـ ( الأمانَةَ ) الطّاعَةُ الَّتِي تَعُمُّ الطَّبِيعِيَّةَ والِاخْتِيارِيَّةَ، وبِعَرْضِها اسْتِدْعاؤُها الَّذِي يَعُمُّ طَلَبَ الفِعْلِ مِنَ المُخْتارِ وإرادَةَ صُدُورِهِ مِن غَيْرِهِ، وبِحَمْلِها الخِيانَةُ فِيها والِامْتِناعُ عَنْ أدائِها ومِنهُ قَوْلُهم حامِلُ الأمانَةِ ومُحْتَمِلُها لِمَن لا يُؤَدِّيها فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ، فَيَكُونُ الإباءُ عَنْهُ إتْيانًا بِما يُمْكِنُ أنْ يَتَأتّى مِنهُ والظُّلْمُ والجَهالَةُ الخِيانَةَ والتَّقْصِيرَ. وقِيلَ إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ خَلَقَ فِيها فَهْمًا وقالَ لَها: إنِّي فَرَضْتُ فَرِيضَةً وخَلَقْتُ جَنَّةً لِمَن أطاعَنِي فِيها، ونارًا لِمَن عَصانِي، فَقُلْنَ نَحْنُ مُسَخَّراتٌ عَلى ما خَلَقْتَنا لا نَحْتَمِلُ فَرِيضَةً ولا نَبْتَغِي ثَوابًا ولا عِقابًا، ولَمّا خَلَقَ آدَمَ عَرْضَ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَحَمَلَهُ، وكانَ ظَلُومًا لِنَفْسِهِ بِتَحَمُّلِهِ ما يَشُقُّ عَلَيْها جَهُولًا بِوَخامَةِ عاقِبَتِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِـ ( الأمانَةَ ) العَقْلُ أوِ التَّكْلِيفُ، وبِعَرْضِها عَلَيْهِنَّ اعْتِبارُها بِالإضافَةِ إلى اسْتِعْدادِهِنَّ، وبِإبائِهِنَّ الإباءَ الطَّبِيعِيَّ الَّذِي هو عَدَمُ اللِّياقَةِ والِاسْتِعْدادِ، وبِحَمْلِ الإنْسانِ قابِلِيَّتُهُ واسْتِعْدادُهُ لَها وكَوْنُهُ ظَلُومًا جَهُولًا لِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ والشَّهَوِيَّةِ، وعَلى هَذا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْحَمْلِ عَلَيْهِ فَإنَّ مِن فَوائِدِ العَقْلِ أنْ يَكُونَ مُهَيْمِنًا عَلى القُوَّتَيْنِ حافِظًا لَهُما عَنِ التَّعَدِّي ومُجاوَزَةِ الحَدِّ، ومُعْظَمُ مَقْصُودِ التَّكْلِيفِ تَعْدِيلُهُما وكَسْرُ سَوْرَتِهِما.
الأحزاب 33:73
﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْحَمْلِ مِن حَيْثُ إنَّهُ نَتِيجَتُهُ كالتَّأْدِيبِ لِلضَّرْبِ في ضَرْبَتِهِ تَأْدِيبًا، وذِكْرُ التَّوْبَةِ في الوَعْدِ إشْعارٌ بِأنَّهُ كَوْنُهم ظَلُومًا جَهُولًا في جِبِلَّتِهِمْ لا يُخَلِّيهِمْ عَنْ فُرُطاتٍ. ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ حَيْثُ تابَ عَنْ فُرُطاتِهِمْ وأثابَ بِالفَوْزِ عَلى طاعاتِهِمْ.
قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قَرَأ سُورَةَ الأحْزابِ وعَلَّمَها أهْلَهُ أوْ ما مَلَكَتْ يَمِينُهُ أُعْطِيَ الأمانَ مِن عَذابِ القَبْرِ» .
سبأ 34:1
(p-241)سُورَةُ سَبَأٍ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ الآيَةَ، وآيُها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ونِعْمَةً، فَلَهُ الحَمْدُ في الدُّنْيا لِكَمالِ قُدْرَتِهِ وعَلى تَمامِ نِعْمَتِهِ. ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ لِأنَّ ما في الآخِرَةِ أيْضًا كَذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا مِن عَطْفِ المُقَيَّدِ عَلى المُطْلَقِ فَإنَّ الوَصْفَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُنْعِمُ بِالنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَيَّدَ الحَمْدَ بِها، وتَقْدِيمُ الصِّلَةِ لِلِاخْتِصاصِ فَإنَّ النِّعَمَ الدُّنْيَوِيَّةَ قَدْ تَكُونُ بِواسِطَةِ مَن يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ لِأجْلِها ولا كَذَلِكَ نَعِمُ الآخِرَةِ. ﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أُمُورَ الدّارَيْنِ. ﴿الخَبِيرُ﴾ بِبَواطِنِ الأشْياءِ.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ كالغَيْثِ يَنْفُذُ في مَوْضِعٍ ويَنْبُعُ في آخَرَ، وكالكُنُوزِ والدَّفائِنِ والأمْواتِ. ﴿وَما يَخْرُجُ مِنها﴾ كالحَيَوانِ والنَّباتِ والفِلِزّاتِ وماءِ العُيُونِ. ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ كالمَلائِكَةِ والكُتُبِ والمَقادِيرِ والأرْزاقِ والأنْداءِ والصَّواعِقِ. ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ كالمَلائِكَةِ وأعْمالِ العِبادِ والأبْخِرَةِ والأدْخِنَةِ. ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ لِلْمُفَرِّطِينَ في شُكْرِ نِعْمَتِهِ مَعَ كَثْرَتِها، أوْ في الآخِرَةِ مَعَ ما لَهُ مِن سَوابِقِ هَذِهِ النِّعَمِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ.
سبأ 34:2
(p-241)سُورَةُ سَبَأٍ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ الآيَةَ، وآيُها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ونِعْمَةً، فَلَهُ الحَمْدُ في الدُّنْيا لِكَمالِ قُدْرَتِهِ وعَلى تَمامِ نِعْمَتِهِ. ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ لِأنَّ ما في الآخِرَةِ أيْضًا كَذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا مِن عَطْفِ المُقَيَّدِ عَلى المُطْلَقِ فَإنَّ الوَصْفَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُنْعِمُ بِالنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَيَّدَ الحَمْدَ بِها، وتَقْدِيمُ الصِّلَةِ لِلِاخْتِصاصِ فَإنَّ النِّعَمَ الدُّنْيَوِيَّةَ قَدْ تَكُونُ بِواسِطَةِ مَن يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ لِأجْلِها ولا كَذَلِكَ نَعِمُ الآخِرَةِ. ﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أُمُورَ الدّارَيْنِ. ﴿الخَبِيرُ﴾ بِبَواطِنِ الأشْياءِ.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ كالغَيْثِ يَنْفُذُ في مَوْضِعٍ ويَنْبُعُ في آخَرَ، وكالكُنُوزِ والدَّفائِنِ والأمْواتِ. ﴿وَما يَخْرُجُ مِنها﴾ كالحَيَوانِ والنَّباتِ والفِلِزّاتِ وماءِ العُيُونِ. ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ كالمَلائِكَةِ والكُتُبِ والمَقادِيرِ والأرْزاقِ والأنْداءِ والصَّواعِقِ. ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ كالمَلائِكَةِ وأعْمالِ العِبادِ والأبْخِرَةِ والأدْخِنَةِ. ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ لِلْمُفَرِّطِينَ في شُكْرِ نِعْمَتِهِ مَعَ كَثْرَتِها، أوْ في الآخِرَةِ مَعَ ما لَهُ مِن سَوابِقِ هَذِهِ النِّعَمِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ.
سبأ 34:3
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ إنْكارٌ لِمَجِيئِها أوِ اسْتِبْطاءُ اسْتِهْزاءٍ بِالوَعْدِ بِهِ. ﴿قُلْ بَلى﴾ رَدٌّ لِكَلامِهِمْ وإثْباتٌ لِما نَفَوْهُ. ﴿وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمِ الغَيْبِ﴾ تَكْرِيرٌ لِإيجابِهِ مُؤَكَّدًا بِالقَسَمِ مُقَرِّرًا لِوَصْفِ المُقْسَمِ بِهِ بِصِفاتٍ تُقَرِّرُ إمْكانَهُ وتَنْفِي اسْتِبْعادَهُ عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «عَلّامِ الغَيْبِ» لِلْمُبالَغَةِ، ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ورُوَيْسٌ ( عالِمِ الغَيْبِ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ ( لا يَعْزِبُ ) بِالكَسْرِ. ﴿وَلا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِنَفْيِ العُزُوبِ، ورَفَعَهُما بِالِابْتِداءِ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالفَتْحِ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ، ولا يَجُوزُ عَطْفُ المَرْفُوعِ عَلى ( مِثْقالُ ) والمَفْتُوحِ عَلى ( ذَرَّةٍ ) بِأنَّهُ فَتَحَ في مَوْضِعِ الجَرِّ لِامْتِناعِ الصَّرْفِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ يَمْنَعُهُ، اللَّهُمَّ إلّا إذا جُعِلَ الضَّمِيرُ في ( عَنْهُ ) لِلْغَيْبِ وجُعِلَ المُثْبَتُ في اللَّوْحِ خارِجًا عَنْهُ لِظُهُورِهِ عَلى المُطالِعِينَ لَهُ فَيَكُونُ المَعْنى لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ.
سبأ 34:4
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وبَيانٌ لِما يَقْتَضِي إتْيانَها. ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا تَعَبَ فِيهِ ولا مَنٌّ عَلَيْهِ.
﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ بِإبْطالِ وتَزْهِيدِ النّاسِ فِيها. ﴿مُعاجِزِينَ﴾ مُسابِقِينَ كَيْ يَفُوتُونا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ( مُعَجِّزِينَ ) أيْ مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ. ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ مِن سَيِّئِ العَذابِ. ﴿ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ، ورَفَعَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ.
سبأ 34:5
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وبَيانٌ لِما يَقْتَضِي إتْيانَها. ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا تَعَبَ فِيهِ ولا مَنٌّ عَلَيْهِ.
﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ بِإبْطالِ وتَزْهِيدِ النّاسِ فِيها. ﴿مُعاجِزِينَ﴾ مُسابِقِينَ كَيْ يَفُوتُونا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ( مُعَجِّزِينَ ) أيْ مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ. ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ مِن سَيِّئِ العَذابِ. ﴿ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ، ورَفَعَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ.
سبأ 34:6
﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ ويَعْلَمُ أُولُو العِلْمِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن شايَعَهم مِنَ الأُمَّةِ، أوْ مِن مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ. ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ القُرْآنُ. ﴿هُوَ الحَقَّ﴾ ومَن رَفَعَ ( الحَقُّ ) جَعَلَ هو مُبْتَدَأً و ( الحَقُّ ) خَبَرَهُ والجُمْلَةُ ثانِي مَفْعُولَيْ ( يَرى )، وهو مَرْفُوعٌ مُسْتَأْنَفٌ لِلِاسْتِشْهادِ بِأُولِي العِلْمِ عَلى الجَهَلَةِ السّاعِينَ في الآياتِ. وقِيلَ مَنصُوبٌ مَعْطُوفٌ عَلى ( لِيَجْزِيَ ) أيْ ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ أنَّهُ الحَقُّ عَيانًا كَما عَلِمُوهُ الآنَ بُرْهانًا ﴿وَيَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والتَّدَرُّعُ بِلِباسِ التَّقْوى.
سبأ 34:7
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يُحَدِّثُكم بِأعْجَبِ الأعاجِيبِ. ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إنَّكم تُنْشَؤُونَ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ أنْ تَمَزَّقَ أجْسادُكم كُلَّ تَمْزِيقٍ وتَفْرِيقٍ بِحَيْثُ تَصِيرُ تُرابًا، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلدَّلالَةِ عَلى البُعْدِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ فَإنَّ ما قَبْلَهُ لَمْ يُقارِنْهُ وما بَعْدَهُ مُضافٌ إلَيْهِ، أوْ مَحْجُوبٌ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِأنْ ( ومُمَزَّقٍ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَكانًا بِمَعْنى إذا مُزِّقْتُمْ وذَهَبَتْ بِكُمُ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ وطُرِحْتُمْ كُلَّ مَطْرَحٍ و ( جَدِيدٍ ) بِمَعْنى فاعِلٍ مِن جَدَّ كَحَدِيدٍ مِن حَدَّ، وقِيلَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن جَدَّ النَّسّاجُ الثَّوْبَ إذا قَطَعَهُ.
﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، واسْتُدِلَّ بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ قَسِيمَ الِافْتِراءِ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ صِدْقَهُ عَلى أنَّ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ واسِطَةٌ، وهو كُلُّ خَبَرٍ لا يَكُونُ عَنْ بَصِيرَةٍ بِالمُخْبَرِ عَنْهُ وضَعْفُهُ بَيِّنٌ لِأنَّ الِافْتِراءَ أخَصُّ مِنَ الكَذِبِ. ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ رَدٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ تَرْدِيدَهم وإثْباتٌ لَهم ما هو أفْظَعُ مِنَ القِسْمَيْنِ، وهو الضَّلالُ البَعِيدُ عَنِ الصَّوابِ بِحَيْثُ لا يُرْجى الخَلاصُ مِنهُ وما هو مُؤَدّاهُ مِنَ العَذابِ، وجَعَلَهُ رَسِيلًا لَهُ في الوُقُوعِ ومُقَدَّمًا عَلَيْهِ في اللَّفْظِ لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ، والبُعْدُ في الأصْلِ صِفَةُ الضّالِّ ووَصَفَ الضَّلالَ بِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ.
سبأ 34:8
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يُحَدِّثُكم بِأعْجَبِ الأعاجِيبِ. ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إنَّكم تُنْشَؤُونَ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ أنْ تَمَزَّقَ أجْسادُكم كُلَّ تَمْزِيقٍ وتَفْرِيقٍ بِحَيْثُ تَصِيرُ تُرابًا، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلدَّلالَةِ عَلى البُعْدِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ فَإنَّ ما قَبْلَهُ لَمْ يُقارِنْهُ وما بَعْدَهُ مُضافٌ إلَيْهِ، أوْ مَحْجُوبٌ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِأنْ ( ومُمَزَّقٍ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَكانًا بِمَعْنى إذا مُزِّقْتُمْ وذَهَبَتْ بِكُمُ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ وطُرِحْتُمْ كُلَّ مَطْرَحٍ و ( جَدِيدٍ ) بِمَعْنى فاعِلٍ مِن جَدَّ كَحَدِيدٍ مِن حَدَّ، وقِيلَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن جَدَّ النَّسّاجُ الثَّوْبَ إذا قَطَعَهُ.
﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، واسْتُدِلَّ بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ قَسِيمَ الِافْتِراءِ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ صِدْقَهُ عَلى أنَّ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ واسِطَةٌ، وهو كُلُّ خَبَرٍ لا يَكُونُ عَنْ بَصِيرَةٍ بِالمُخْبَرِ عَنْهُ وضَعْفُهُ بَيِّنٌ لِأنَّ الِافْتِراءَ أخَصُّ مِنَ الكَذِبِ. ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ رَدٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ تَرْدِيدَهم وإثْباتٌ لَهم ما هو أفْظَعُ مِنَ القِسْمَيْنِ، وهو الضَّلالُ البَعِيدُ عَنِ الصَّوابِ بِحَيْثُ لا يُرْجى الخَلاصُ مِنهُ وما هو مُؤَدّاهُ مِنَ العَذابِ، وجَعَلَهُ رَسِيلًا لَهُ في الوُقُوعِ ومُقَدَّمًا عَلَيْهِ في اللَّفْظِ لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ، والبُعْدُ في الأصْلِ صِفَةُ الضّالِّ ووَصَفَ الضَّلالَ بِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ.
سبأ 34:9
﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ تَذْكِيرٌ بِما يُعايِنُونَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وما يَحْتَمِلُ فِيهِ إزاحَةً لِاسْتِحالَتِهِمُ الإحْياءَ حَتّى جَعَلُوهُ افْتِراءً وهَزْءًا، وتَهْدِيدًا عَلَيْها والمَعْنى أعَمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا أهم أشَدُّ خَلْقًا، أمِ السَّماءُ، وإنّا إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا، لِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَشَأْ ) و ( يَخْسِفْ ) و ( يُسْقِطْ ) بِالياءِ لِقَوْلِهِ: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ﴾ . والكِسائِيُّ وحْدَهُ بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ وحَفْصٌ ( كِسَفًا ) بِالتَّحْرِيكِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ النَّظَرِ والتَّفَكُّرِ فِيهِما (p-243)
وَما يَدُلّانِ عَلَيْهِ. ﴿لآيَةً﴾ لَدَلالَةً. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ فَإنَّهُ يَكُونُ كَثِيرَ التَّأمُّلِ في أمْرِهِ.
سبأ 34:10
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ أيْ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ وهو ما ذُكِرَ بَعْدُ، أوْ عَلى سائِرِ النّاسِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ النُّبُوَّةُ والكِتابُ والمَلَكُ والصَّوْتُ الحَسَنُ. ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ أوِ النَّوْحَةَ عَلى الذَّنْبِ، وذَلِكَ إمّا بِخَلْقِ صَوْتٍ مِثْلَ صَوْتِهِ فِيها أوْ بِحَمْلِها إيّاهُ عَلى التَّسْبِيحِ إذا تَأمَّلَ ما فِيها، أوْ سِيرِي مَعَهُ حَيْثُ سارَ. وقُرِئَ «أُوبِي» مِنَ الأوْبِ أيِ ارْجِعِي في التَّسْبِيحِ كُلَّما رَجَعَ فِيهِ، وهو بَدَلٌ مِن ( فَضْلًا ) أوْ مَن ( آتَيْنا ) بِإضْمارِ قَوْلِنا أوْ قُلْنا. ﴿والطَّيْرَ﴾ عُطِفَ عَلى مَحَلِّ الجِبالِ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِها تَشْبِيهًا لِلْحَرَكَةِ البِنائِيَّةِ العارِضَةِ بِالحَرَكَةِ الإعْرابِيَّةِ أوْ عَلى ( فَضْلًا )، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ لِـ ( أوِّبِي ) وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِهِ وكانَ الأصْلُ: ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا تَأْوِيبَ الجِبالِ والطَّيْرِ، فَبَدَّلَ بِهَذا النَّظْمَ لِما فِيهِ مِنَ الفَخامَةِ والدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ وكِبْرِياءِ سُلْطانِهِ، حَيْثُ جَعَلَ الجِبالَ والطُّيُورَ كالعُقَلاءِ المُنْقادِينَ لِأمْرِهِ في نَفاذِ مَشِيئَتِهِ فِيها. ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ جَعَلْناهُ في يَدِهِ كالشَّمْعِ يَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشاءُ مِن غَيْرِ إحْماءٍ وطَرْقٍ بِآلاتِهِ أوْ بِقُوَّتِهِ.
﴿أنِ اعْمَلْ﴾ أمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ فَـ ( أنْ ) مُفَسِّرَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. ﴿سابِغاتٍ﴾ دُرُوعًا واسِعاتٍ، وقُرِئَ «صابِغاتٍ» وهو أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَها. ﴿وَقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ وقَدِّرْ في نَسْجِها بِحَيْثُ يَتَناسَبُ حِلَقُها، أوْ قَدِّرْ مَسامِيرَها فَلا تَجْعَلْها دِقاقًا فَتُقْلِقُ ولا غِلاظًا فَتَنْخَرِقُ.
وَرَدَ بِأنَّ دُرُوعَهُ لَمْ تَكُنْ مُسَمَّرَةً ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ .
﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِداوُدَ وأهْلِهِ. ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَأُجازِيكم عَلَيْهِ.
سبأ 34:11
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ أيْ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ وهو ما ذُكِرَ بَعْدُ، أوْ عَلى سائِرِ النّاسِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ النُّبُوَّةُ والكِتابُ والمَلَكُ والصَّوْتُ الحَسَنُ. ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ أوِ النَّوْحَةَ عَلى الذَّنْبِ، وذَلِكَ إمّا بِخَلْقِ صَوْتٍ مِثْلَ صَوْتِهِ فِيها أوْ بِحَمْلِها إيّاهُ عَلى التَّسْبِيحِ إذا تَأمَّلَ ما فِيها، أوْ سِيرِي مَعَهُ حَيْثُ سارَ. وقُرِئَ «أُوبِي» مِنَ الأوْبِ أيِ ارْجِعِي في التَّسْبِيحِ كُلَّما رَجَعَ فِيهِ، وهو بَدَلٌ مِن ( فَضْلًا ) أوْ مَن ( آتَيْنا ) بِإضْمارِ قَوْلِنا أوْ قُلْنا. ﴿والطَّيْرَ﴾ عُطِفَ عَلى مَحَلِّ الجِبالِ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِها تَشْبِيهًا لِلْحَرَكَةِ البِنائِيَّةِ العارِضَةِ بِالحَرَكَةِ الإعْرابِيَّةِ أوْ عَلى ( فَضْلًا )، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ لِـ ( أوِّبِي ) وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِهِ وكانَ الأصْلُ: ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا تَأْوِيبَ الجِبالِ والطَّيْرِ، فَبَدَّلَ بِهَذا النَّظْمَ لِما فِيهِ مِنَ الفَخامَةِ والدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ وكِبْرِياءِ سُلْطانِهِ، حَيْثُ جَعَلَ الجِبالَ والطُّيُورَ كالعُقَلاءِ المُنْقادِينَ لِأمْرِهِ في نَفاذِ مَشِيئَتِهِ فِيها. ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ جَعَلْناهُ في يَدِهِ كالشَّمْعِ يَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشاءُ مِن غَيْرِ إحْماءٍ وطَرْقٍ بِآلاتِهِ أوْ بِقُوَّتِهِ.
﴿أنِ اعْمَلْ﴾ أمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ فَـ ( أنْ ) مُفَسِّرَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. ﴿سابِغاتٍ﴾ دُرُوعًا واسِعاتٍ، وقُرِئَ «صابِغاتٍ» وهو أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَها. ﴿وَقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ وقَدِّرْ في نَسْجِها بِحَيْثُ يَتَناسَبُ حِلَقُها، أوْ قَدِّرْ مَسامِيرَها فَلا تَجْعَلْها دِقاقًا فَتُقْلِقُ ولا غِلاظًا فَتَنْخَرِقُ.
وَرَدَ بِأنَّ دُرُوعَهُ لَمْ تَكُنْ مُسَمَّرَةً ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ .
﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِداوُدَ وأهْلِهِ. ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَأُجازِيكم عَلَيْهِ.
سبأ 34:12
﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ، وقُرِئَ «الرِّيحُ» بِالرَّفْعِ أيْ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ مُسَخَّرَةٌ وقُرِئَ «الرِّياحُ» . ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ جَرْيُها بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وبِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، وقُرِئَ «غُدْوَتُها» «وَرَوْحَتُها» . ﴿وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ النُّحاسَ المُذابَ أسالَهُ لَهُ مِن مَعْدِنِهِ فَنَبَعَ مِنهُ نُبُوعَ الماءِ مِنَ اليَنْبُوعِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ عَيْنًا وكانَ ذَلِكَ بِاليَمَنِ. ﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ عُطِفَ عَلى ( الرِّيحَ ) ( ومِنَ الجِنِّ ) حالٌ مُقَدَّمَةٌ، أوْ جُمْلَةٌ مِنَ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ. ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِأمْرِهِ. ﴿وَمَن يَزِغْ مِنهُمْ﴾ ومَن يَعْدِلْ مِنهم ﴿عَنْ أمْرِنا﴾ عَمّا أمَرْناهُ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ، وقُرِئَ «يَزُغْ» مِن أزاغَهُ. ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ عَذابِ الآخِرَةِ.
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ﴾ قُصُورٍ حَصِينَةٍ ومَساكِنَ شَرِيفَةٍ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها يَذُبُّ عَنْها ويُحارِبُ عَلَيْها. ﴿وَتَماثِيلَ﴾ وصُوَرًا هي تَماثِيلُ لِلْمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلى ما اعْتادُوا مِنَ العِباداتِ لِيَراها النّاسُ فَيَعْبُدُوا نَحْوَ عِبادَتِهِمْ وحُرْمَةُ التَّصاوِيرِ شَرْعٌ مُجَدَّدٌ.
رُوِيَ أنَّهم عَمِلُوا لَهُ أسَدَيْنِ في أسْفَلِ كُرْسِيِّهِ ونَسْرَيْنِ فَوْقَهُ، فَإذا أرادَ أنْ يَصْعَدَ بَسَطَ الأسَدانِ لَهُ ذِراعَيْهِما وإذا قَعَدَ أظَلَّهُ النَّسْرانِ بِأجْنِحَتِهِما.
﴿وَجِفانٍ﴾ وصِحافٍ. ﴿كالجَوابِ﴾ كالحِياضِ الكِبارِ جَمْعُ جابِيَةٍ مِنَ الجِبايَةِ وهي مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ كالدّابَّةِ. ﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ ثابِتاتٍ عَلى الأثافِيِّ لا تَنْزِلُ عَنْها لِعِظَمِها. ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ حِكايَةٌ عَمّا قِيلَ لَهم ( وشُكْرًا ) نُصِبَ عَلى العِلَّةِ أيِ: اعْمَلُوا لَهُ واعْبُدُوهُ شُكْرًا، أوِ المَصْدَرِ لِأنَّ العَمَلَ لَهُ شُكْرًا أوِ الوَصْفِ لَهُ أوِ الحالِ أوِ المَفْعُولِ بِهِ. ﴿وَقَلِيلٌ مِن (p-244)عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ المُتَوَفِّرُ عَلى أداءِ الشُّكْرِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ وجَوارِحِهِ أكْثَرَ أوْقاتِهِ ومَعَ ذَلِكَ لا يُوَفّى حَقُّهُ، لِأنَّ تَوْفِيقَهُ الشُّكْرَ نِعْمَةٌ تَسْتَدْعِي شُكْرًا آخَرَ لا إلى نِهايَتِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ الشَّكُورُ مَن يَرى عَجْزَهُ عَنِ الشُّكْرِ.
سبأ 34:13
﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ، وقُرِئَ «الرِّيحُ» بِالرَّفْعِ أيْ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ مُسَخَّرَةٌ وقُرِئَ «الرِّياحُ» . ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ جَرْيُها بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وبِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، وقُرِئَ «غُدْوَتُها» «وَرَوْحَتُها» . ﴿وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ النُّحاسَ المُذابَ أسالَهُ لَهُ مِن مَعْدِنِهِ فَنَبَعَ مِنهُ نُبُوعَ الماءِ مِنَ اليَنْبُوعِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ عَيْنًا وكانَ ذَلِكَ بِاليَمَنِ. ﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ عُطِفَ عَلى ( الرِّيحَ ) ( ومِنَ الجِنِّ ) حالٌ مُقَدَّمَةٌ، أوْ جُمْلَةٌ مِنَ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ. ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِأمْرِهِ. ﴿وَمَن يَزِغْ مِنهُمْ﴾ ومَن يَعْدِلْ مِنهم ﴿عَنْ أمْرِنا﴾ عَمّا أمَرْناهُ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ، وقُرِئَ «يَزُغْ» مِن أزاغَهُ. ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ عَذابِ الآخِرَةِ.
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ﴾ قُصُورٍ حَصِينَةٍ ومَساكِنَ شَرِيفَةٍ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها يَذُبُّ عَنْها ويُحارِبُ عَلَيْها. ﴿وَتَماثِيلَ﴾ وصُوَرًا هي تَماثِيلُ لِلْمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلى ما اعْتادُوا مِنَ العِباداتِ لِيَراها النّاسُ فَيَعْبُدُوا نَحْوَ عِبادَتِهِمْ وحُرْمَةُ التَّصاوِيرِ شَرْعٌ مُجَدَّدٌ.
رُوِيَ أنَّهم عَمِلُوا لَهُ أسَدَيْنِ في أسْفَلِ كُرْسِيِّهِ ونَسْرَيْنِ فَوْقَهُ، فَإذا أرادَ أنْ يَصْعَدَ بَسَطَ الأسَدانِ لَهُ ذِراعَيْهِما وإذا قَعَدَ أظَلَّهُ النَّسْرانِ بِأجْنِحَتِهِما.
﴿وَجِفانٍ﴾ وصِحافٍ. ﴿كالجَوابِ﴾ كالحِياضِ الكِبارِ جَمْعُ جابِيَةٍ مِنَ الجِبايَةِ وهي مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ كالدّابَّةِ. ﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ ثابِتاتٍ عَلى الأثافِيِّ لا تَنْزِلُ عَنْها لِعِظَمِها. ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ حِكايَةٌ عَمّا قِيلَ لَهم ( وشُكْرًا ) نُصِبَ عَلى العِلَّةِ أيِ: اعْمَلُوا لَهُ واعْبُدُوهُ شُكْرًا، أوِ المَصْدَرِ لِأنَّ العَمَلَ لَهُ شُكْرًا أوِ الوَصْفِ لَهُ أوِ الحالِ أوِ المَفْعُولِ بِهِ. ﴿وَقَلِيلٌ مِن (p-244)عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ المُتَوَفِّرُ عَلى أداءِ الشُّكْرِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ وجَوارِحِهِ أكْثَرَ أوْقاتِهِ ومَعَ ذَلِكَ لا يُوَفّى حَقُّهُ، لِأنَّ تَوْفِيقَهُ الشُّكْرَ نِعْمَةٌ تَسْتَدْعِي شُكْرًا آخَرَ لا إلى نِهايَتِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ الشَّكُورُ مَن يَرى عَجْزَهُ عَنِ الشُّكْرِ.
سبأ 34:14
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ أيْ عَلى سُلَيْمانَ. ﴿ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ﴾ ما دَلَّ الجِنُّ وقِيلَ آلُهُ. ﴿إلا دابَّةُ الأرْضِ﴾ أيِ الأرَضَةُ أُضِيفَتْ إلى فِعْلِها، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو تَأثُّرُ الخَشَبَةِ مِن فِعْلِها يُقالُ: أرْضَتِ الأرَضَةُ الخَشَبَةَ أرَضًا فَأرْضَتْ أرَضًا مِثْلَ أكَلَتِ القَوادِحُ الأسْنانَ أكْلًا فَأكَلَتْ أكْلًا. ﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾ عَصاهُ مِن نَسَأتِ البَعِيرُ إذا طَرَدَتْهُ لِأنَّها يُطْرَدُ بِها، وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ قَلْبًا وحَذْفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ إذِ القِياسُ إخْراجُها بَيْنَ بَيْنَ، و «مِنساءَتَهُ» عَلى مِفْعالَةٍ كَمِيضاءَةٍ في مَيْضَأةٍ و «مِن سَأتِهِ» أيْ طَرَفُ عَصاهُ مُسْتَعارٌ مِن سَأتِ القَوْسِ، وفِيهِ لُغَتانِ كَما في قِحَةٍ وقُحَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو مِنسَأتَهُ بِألِفٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ وابْنُ ذَكْوانَ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ وحَمْزَةُ إذا وقَفَ جَعَلَها بَيْنَ بَيْنَ. ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ عَلِمَتِ الجِنُّ بَعْدَ التِباسِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ.
﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ أنَّهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ كَما يَزْعُمُونَ لَعَلِمُوا مَوْتَهُ حِينَما وقَعَ فَلَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَهُ حَوْلًا في تَسْخِيرِهِ إلى أنْ خَرَّ، أوْ ظَهَرَتِ الجِنُّ وأنَّ بِما في حَيِّزِهِ بَدَلٌ مِنهُ أيْ ظَهَرَ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ. وذَلِكَ أنَّ داوُدَ أسَّسَ بَيْتَ المَقْدِسِ في مَوْضِعِ فُسْطاطِ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَماتَ قَبْلَ تَمامِهِ، فَوَصّى بِهِ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَعْمَلَ الجِنَّ فِيهِ فَلَمْ يَتِمَّ بَعْدَ إذْ دَنا أجَلُهُ وأُعْلِمَ بِهِ، فَأرادَ أنْ يُعَمِّيَ عَلَيْهِمْ مَوْتَهُ لِيُتِمُّوهُ فَدَعاهم فَبَنَوْا عَلَيْهِ صَرْحًا مِن قَوارِيرَ لَيْسَ لَهُ بابٌ، فَقامَ يُصَلِّي مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ فَقُبِضَ رُوحُهُ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها، فَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى أكَلَتْها الأرَضَةُ فَخَرَّ ثُمَّ فَتَحُوا عَنْهُ وأرادُوا أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ مَوْتِهِ، فَوَضَعُوا الأرَضَةَ عَلى العَصا فَأكَلَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً مِقْدارًا فَحَسَبُوا عَلى ذَلِكَ فَوَجَدُوهُ قَدْ ماتَ مُنْذُ سَنَةٍ، وكانَ عُمُرُهُ ثَلاثًا وخَمْسِينَ سَنَةً ومَلَكَ وهو ابْنُ ثَلاثَةَ عَشْرَةَ سَنَةً، وابْتَدَأ عِمارَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ لِأرْبَعٍ مَضَيْنَ مِن مُلْكِهِ. ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ لِأوْلادِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، ومَنَعَ الصَّرْفَ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو لِأنَّهُ صارَ اسْمَ القَبِيلَةِ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ قَلْبُ هَمْزَتِهِ ألِفًا ولَعَلَّهُ أخْرَجَهُ بَيْنَ بَيْنَ فَلْمْ يُؤَدِّهِ الرّاوِي كَما وجَبَ. ( في مَساكِنِهِمْ ) في مَواضِعِ سُكْناهم، وهي بِاليَمَنِ يُقالُ لَها مَأْرَبٌ، بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ بِالإفْرادِ والفَتْحِ، والكِسائِيُّ بِالكَسْرِ حَمْلًا عَلى ما شَذَّ مِنَ القِياسِ كالمَسْجِدِ والمَطْلَعِ. ﴿آيَةٌ﴾ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ مَجازٌ لِلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ مُعاضَدَةٌ لِلْبُرْهانِ السّابِقِ كَما في قِصَّتَيْ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿جَنَّتانِ﴾ بَدَلٌ مِن ( آيَةٌ ) أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الآيَةُ جَنَّتانِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ والمُرادُ جَماعَتانِ مِنَ البَساتِينِ.
﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ جَماعَةٌ عَنْ يَمِينِ بَلَدِهِمْ وجَماعَةٌ عَنْ شِمالِهِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في تَقارُبِها وتَضامِّهِما كَأنَّها جَنَّةٌ واحِدَةٌ، أوْ بُسْتانا كُلِّ رَجُلٍ مِنهم عَنْ يَمِينِ مَسْكَنِهِ وعَنْ شِمالِهِ. ﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ﴾ حِكايَةٌ لِما قالَ لَهم نَبِيُّهم، أوْ لِسانُ الحالِ أوْ دَلالَةٌ بِأنَّهم كانُوا أحِقّاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلدَّلالَةِ عَلى مُوجِبِ الشُّكْرِ، أيْ هَذِهِ البَلْدَةُ الَّتِي فِيها رِزْقُكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبُّكُمُ الَّذِي رَزَقَكم وطَلَبَ شُكْرَكم رَبٌّ غَفُورٌ فُرُطاتِ مَن يَشْكُرُهُ. وقُرِئَ ( الكُلَّ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. قِيلَ كانَتْ أخْصَبَ البِلادِ وأطْيَبَها لَمْ يَكُنْ فِيها عاهَةٌ ولا هامَّةٌ.
سبأ 34:15
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ أيْ عَلى سُلَيْمانَ. ﴿ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ﴾ ما دَلَّ الجِنُّ وقِيلَ آلُهُ. ﴿إلا دابَّةُ الأرْضِ﴾ أيِ الأرَضَةُ أُضِيفَتْ إلى فِعْلِها، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو تَأثُّرُ الخَشَبَةِ مِن فِعْلِها يُقالُ: أرْضَتِ الأرَضَةُ الخَشَبَةَ أرَضًا فَأرْضَتْ أرَضًا مِثْلَ أكَلَتِ القَوادِحُ الأسْنانَ أكْلًا فَأكَلَتْ أكْلًا. ﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾ عَصاهُ مِن نَسَأتِ البَعِيرُ إذا طَرَدَتْهُ لِأنَّها يُطْرَدُ بِها، وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ قَلْبًا وحَذْفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ إذِ القِياسُ إخْراجُها بَيْنَ بَيْنَ، و «مِنساءَتَهُ» عَلى مِفْعالَةٍ كَمِيضاءَةٍ في مَيْضَأةٍ و «مِن سَأتِهِ» أيْ طَرَفُ عَصاهُ مُسْتَعارٌ مِن سَأتِ القَوْسِ، وفِيهِ لُغَتانِ كَما في قِحَةٍ وقُحَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو مِنسَأتَهُ بِألِفٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ وابْنُ ذَكْوانَ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ وحَمْزَةُ إذا وقَفَ جَعَلَها بَيْنَ بَيْنَ. ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ عَلِمَتِ الجِنُّ بَعْدَ التِباسِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ.
﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ أنَّهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ كَما يَزْعُمُونَ لَعَلِمُوا مَوْتَهُ حِينَما وقَعَ فَلَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَهُ حَوْلًا في تَسْخِيرِهِ إلى أنْ خَرَّ، أوْ ظَهَرَتِ الجِنُّ وأنَّ بِما في حَيِّزِهِ بَدَلٌ مِنهُ أيْ ظَهَرَ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ. وذَلِكَ أنَّ داوُدَ أسَّسَ بَيْتَ المَقْدِسِ في مَوْضِعِ فُسْطاطِ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَماتَ قَبْلَ تَمامِهِ، فَوَصّى بِهِ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَعْمَلَ الجِنَّ فِيهِ فَلَمْ يَتِمَّ بَعْدَ إذْ دَنا أجَلُهُ وأُعْلِمَ بِهِ، فَأرادَ أنْ يُعَمِّيَ عَلَيْهِمْ مَوْتَهُ لِيُتِمُّوهُ فَدَعاهم فَبَنَوْا عَلَيْهِ صَرْحًا مِن قَوارِيرَ لَيْسَ لَهُ بابٌ، فَقامَ يُصَلِّي مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ فَقُبِضَ رُوحُهُ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها، فَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى أكَلَتْها الأرَضَةُ فَخَرَّ ثُمَّ فَتَحُوا عَنْهُ وأرادُوا أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ مَوْتِهِ، فَوَضَعُوا الأرَضَةَ عَلى العَصا فَأكَلَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً مِقْدارًا فَحَسَبُوا عَلى ذَلِكَ فَوَجَدُوهُ قَدْ ماتَ مُنْذُ سَنَةٍ، وكانَ عُمُرُهُ ثَلاثًا وخَمْسِينَ سَنَةً ومَلَكَ وهو ابْنُ ثَلاثَةَ عَشْرَةَ سَنَةً، وابْتَدَأ عِمارَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ لِأرْبَعٍ مَضَيْنَ مِن مُلْكِهِ. ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ لِأوْلادِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، ومَنَعَ الصَّرْفَ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو لِأنَّهُ صارَ اسْمَ القَبِيلَةِ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ قَلْبُ هَمْزَتِهِ ألِفًا ولَعَلَّهُ أخْرَجَهُ بَيْنَ بَيْنَ فَلْمْ يُؤَدِّهِ الرّاوِي كَما وجَبَ. ( في مَساكِنِهِمْ ) في مَواضِعِ سُكْناهم، وهي بِاليَمَنِ يُقالُ لَها مَأْرَبٌ، بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ بِالإفْرادِ والفَتْحِ، والكِسائِيُّ بِالكَسْرِ حَمْلًا عَلى ما شَذَّ مِنَ القِياسِ كالمَسْجِدِ والمَطْلَعِ. ﴿آيَةٌ﴾ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ مَجازٌ لِلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ مُعاضَدَةٌ لِلْبُرْهانِ السّابِقِ كَما في قِصَّتَيْ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿جَنَّتانِ﴾ بَدَلٌ مِن ( آيَةٌ ) أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الآيَةُ جَنَّتانِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ والمُرادُ جَماعَتانِ مِنَ البَساتِينِ.
﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ جَماعَةٌ عَنْ يَمِينِ بَلَدِهِمْ وجَماعَةٌ عَنْ شِمالِهِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في تَقارُبِها وتَضامِّهِما كَأنَّها جَنَّةٌ واحِدَةٌ، أوْ بُسْتانا كُلِّ رَجُلٍ مِنهم عَنْ يَمِينِ مَسْكَنِهِ وعَنْ شِمالِهِ. ﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ﴾ حِكايَةٌ لِما قالَ لَهم نَبِيُّهم، أوْ لِسانُ الحالِ أوْ دَلالَةٌ بِأنَّهم كانُوا أحِقّاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلدَّلالَةِ عَلى مُوجِبِ الشُّكْرِ، أيْ هَذِهِ البَلْدَةُ الَّتِي فِيها رِزْقُكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبُّكُمُ الَّذِي رَزَقَكم وطَلَبَ شُكْرَكم رَبٌّ غَفُورٌ فُرُطاتِ مَن يَشْكُرُهُ. وقُرِئَ ( الكُلَّ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. قِيلَ كانَتْ أخْصَبَ البِلادِ وأطْيَبَها لَمْ يَكُنْ فِيها عاهَةٌ ولا هامَّةٌ.
سبأ 34:16
﴿فَأعْرَضُوا﴾ عَنِ الشُّكْرِ. ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ سَيْلَ الأمْرِ العَرِمِ أيِ الصَّعْبُ مِن عَرِمَ الرَّجُلُ فَهو عارِمٌ، وعَرِمَ إذا شَرِسَ خُلُقُهُ وصَعُبَ، أوِ المَطَرُ الشَّدِيدُ أوِ الجُرَذُ، أضافَ إلَيْهِ الـ ( سَيْلَ ) لِأنَّهُ نَقَبَ عَلَيْهِمْ سَكْرًا ضَرَبَتْهُ لَهم بَلْقِيسُ فَحَقَنَتْ بِهِ ماءَ الشَّجَرِ وتَرَكَتْ فِيهِ ثُقْبًا عَلى مِقْدارِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، أوِ المُسْناةُ الَّتِي عَقَدَتْ سَكْرًا عَلى أنَّهُ جَمْعُ عَرْمَةٍ وهي الحِجارَةُ المَرْكُومَةُ، وقِيلَ اسْمُ وادٍ جاءَ السَّيْلُ مِن قِبَلِهِ وكانَ ذَلِكَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ ثَمَرٍ بَشِعٍ فَإنَّ الخَمْطَ كُلُّ نَبْتٍ أُخِذَ طُعْمًا مِن مَرارَةٍ، وقِيلَ الأراكُ أوْ كُلُّ شَجَرٍ لا شَوْكَ لَهُ، والتَّقْدِيرُ أكَلَ أكْلَ خَمْطٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ في كَوْنِهِ بَدَلًا، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. ﴿وَأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى ( أُكُلٍ ) لا عَلى ( خَمْطٍ )، فَإنَّ الأثْلَ هو الطَّرْفاءُ ولا ثَمَرَ لَهُ، وقُرِئا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( جَنَّتَيْنِ ) ووُصِفَ السِّدْرُ بِالقِلَّةِ فَإنْ جَناهُ وهو النَّبْقُ مِمّا يَطِيبُ أكْلُهُ ولِذَلِكَ يُغْرَسُ في البَساتِينِ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ ( جَنَّتَيْنِ ) لِلْمُشاكَلَةِ والتَّهَكُّمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «ذَواتَيْ أُكُلِ» بِغَيْرِ تَنْوِينِ اللّامِ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ بِتَخْفِيفِ ( أُكُلٍ ) .
﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا﴾ بِكُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ أوْ بِكُفْرِهِمْ بِالرُّسُلِ، إذْ رُوِيَ أنَّهُ بُعِثَ إلَيْهِمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَذَّبُوهم، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّعْظِيمِ لا لِلتَّخْصِيصِ. ( وهَلْ يُجازى إلا الكَفُورُ ) وهَلْ يُجازى بِمِثْلِ ما فَعَلْنا بِهِمْ إلّا البَلِيغُ في الكُفْرانِ أوِ الكُفْرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ ( نُجازِي ) بِالنُّونِ و ( الكَفُورَ ) بِالنَّصْبِ.
سبأ 34:17
﴿فَأعْرَضُوا﴾ عَنِ الشُّكْرِ. ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ سَيْلَ الأمْرِ العَرِمِ أيِ الصَّعْبُ مِن عَرِمَ الرَّجُلُ فَهو عارِمٌ، وعَرِمَ إذا شَرِسَ خُلُقُهُ وصَعُبَ، أوِ المَطَرُ الشَّدِيدُ أوِ الجُرَذُ، أضافَ إلَيْهِ الـ ( سَيْلَ ) لِأنَّهُ نَقَبَ عَلَيْهِمْ سَكْرًا ضَرَبَتْهُ لَهم بَلْقِيسُ فَحَقَنَتْ بِهِ ماءَ الشَّجَرِ وتَرَكَتْ فِيهِ ثُقْبًا عَلى مِقْدارِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، أوِ المُسْناةُ الَّتِي عَقَدَتْ سَكْرًا عَلى أنَّهُ جَمْعُ عَرْمَةٍ وهي الحِجارَةُ المَرْكُومَةُ، وقِيلَ اسْمُ وادٍ جاءَ السَّيْلُ مِن قِبَلِهِ وكانَ ذَلِكَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ ثَمَرٍ بَشِعٍ فَإنَّ الخَمْطَ كُلُّ نَبْتٍ أُخِذَ طُعْمًا مِن مَرارَةٍ، وقِيلَ الأراكُ أوْ كُلُّ شَجَرٍ لا شَوْكَ لَهُ، والتَّقْدِيرُ أكَلَ أكْلَ خَمْطٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ في كَوْنِهِ بَدَلًا، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. ﴿وَأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى ( أُكُلٍ ) لا عَلى ( خَمْطٍ )، فَإنَّ الأثْلَ هو الطَّرْفاءُ ولا ثَمَرَ لَهُ، وقُرِئا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( جَنَّتَيْنِ ) ووُصِفَ السِّدْرُ بِالقِلَّةِ فَإنْ جَناهُ وهو النَّبْقُ مِمّا يَطِيبُ أكْلُهُ ولِذَلِكَ يُغْرَسُ في البَساتِينِ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ ( جَنَّتَيْنِ ) لِلْمُشاكَلَةِ والتَّهَكُّمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «ذَواتَيْ أُكُلِ» بِغَيْرِ تَنْوِينِ اللّامِ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ بِتَخْفِيفِ ( أُكُلٍ ) .
﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا﴾ بِكُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ أوْ بِكُفْرِهِمْ بِالرُّسُلِ، إذْ رُوِيَ أنَّهُ بُعِثَ إلَيْهِمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَذَّبُوهم، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّعْظِيمِ لا لِلتَّخْصِيصِ. ( وهَلْ يُجازى إلا الكَفُورُ ) وهَلْ يُجازى بِمِثْلِ ما فَعَلْنا بِهِمْ إلّا البَلِيغُ في الكُفْرانِ أوِ الكُفْرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ ( نُجازِي ) بِالنُّونِ و ( الكَفُورَ ) بِالنَّصْبِ.
سبأ 34:18
﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ بِالتَّوْسِعَةِ عَلى أهْلِها وهي قُرى الشَّأْمِ. ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ مُتَواصِلَةً يَظْهَرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ، أوْ راكِبَةً مَتْنَ الطَّرِيقِ ظاهِرَةً لِأبْناءِ السَّبِيلِ. ﴿وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ بِحَيْثُ يُقِيلُ الغادِي في قَرْيَةٍ ويَبِيتُ الرّائِحُ في قَرْيَةٍ إلى أنْ يَبْلُغَ الشّامَ. ﴿سِيرُوا فِيها﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ. ﴿لَيالِيَ وأيّامًا﴾ مَتّى شِئْتُمْ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ. ﴿آمِنِينَ﴾ لا يَخْتَلِفُ الأمْنُ فِيها بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، أوْ سِيرُوا آمِنِينَ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ سَفَرِكم فِيها، أوْ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ أعْمارِكم وأيّامَها لا تَلْقَوْنَ فِيها إلّا الأمْنَ.
﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ أشِرُوا النِّعْمَةَ ومَلُّوا العافِيَةَ كَبَنِي إسْرائِيلَ فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ مَفاوِزَ لِيَتَطاوَلُوا فِيها عَلى الفُقَراءِ بِرُكُوبِ الرَّواحِلِ وتَزَوُّدِ الأزْوادِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ بِتَخْرِيبِ القُرى المُتَوَسِّطَةِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ «بَعِّدْ»، ويَعْقُوبُ ﴿رَبَّنا باعِدْ﴾ بِلَفْظِ الخَبَرِ عَلى أنَّهُ شَكْوى مِنهم لِبُعْدِ سَفَرِهِمْ إفْراطًا في التَّرَفُّهِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، ومِثْلُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ «رَبَّنا بَعِّدْ» أوْ «بَعُدَ» عَلى النِّداءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى بَيْنَ. ﴿وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ بَطَرُوا النِّعْمَةَ ولَمْ يَعْتَدُّوا بِها. ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِهِمْ تَعَجُبًّا وضُرِبَ مَثَلٌ فَيَقُولُونَ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبَأٍ. ﴿وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فَفَرَّقْناهم غايَةَ التَّفْرِيقِ حَتّى لَحِقَ غَسّانُ مِنهم بِالشَّأْمِ، وأنْمارٌ بِيَثْرِبَ، وجُذامُ بِتِهامَةَ، والأزْدُ بِعُمانَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ فِيما ذُكِرَ. ﴿لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَنِ المَعاصِي. ﴿شَكُورٍ﴾ عَلى النِّعَمِ.
سبأ 34:19
﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ بِالتَّوْسِعَةِ عَلى أهْلِها وهي قُرى الشَّأْمِ. ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ مُتَواصِلَةً يَظْهَرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ، أوْ راكِبَةً مَتْنَ الطَّرِيقِ ظاهِرَةً لِأبْناءِ السَّبِيلِ. ﴿وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ بِحَيْثُ يُقِيلُ الغادِي في قَرْيَةٍ ويَبِيتُ الرّائِحُ في قَرْيَةٍ إلى أنْ يَبْلُغَ الشّامَ. ﴿سِيرُوا فِيها﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ. ﴿لَيالِيَ وأيّامًا﴾ مَتّى شِئْتُمْ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ. ﴿آمِنِينَ﴾ لا يَخْتَلِفُ الأمْنُ فِيها بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، أوْ سِيرُوا آمِنِينَ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ سَفَرِكم فِيها، أوْ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ أعْمارِكم وأيّامَها لا تَلْقَوْنَ فِيها إلّا الأمْنَ.
﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ أشِرُوا النِّعْمَةَ ومَلُّوا العافِيَةَ كَبَنِي إسْرائِيلَ فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ مَفاوِزَ لِيَتَطاوَلُوا فِيها عَلى الفُقَراءِ بِرُكُوبِ الرَّواحِلِ وتَزَوُّدِ الأزْوادِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ بِتَخْرِيبِ القُرى المُتَوَسِّطَةِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ «بَعِّدْ»، ويَعْقُوبُ ﴿رَبَّنا باعِدْ﴾ بِلَفْظِ الخَبَرِ عَلى أنَّهُ شَكْوى مِنهم لِبُعْدِ سَفَرِهِمْ إفْراطًا في التَّرَفُّهِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، ومِثْلُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ «رَبَّنا بَعِّدْ» أوْ «بَعُدَ» عَلى النِّداءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى بَيْنَ. ﴿وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ بَطَرُوا النِّعْمَةَ ولَمْ يَعْتَدُّوا بِها. ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِهِمْ تَعَجُبًّا وضُرِبَ مَثَلٌ فَيَقُولُونَ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبَأٍ. ﴿وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فَفَرَّقْناهم غايَةَ التَّفْرِيقِ حَتّى لَحِقَ غَسّانُ مِنهم بِالشَّأْمِ، وأنْمارٌ بِيَثْرِبَ، وجُذامُ بِتِهامَةَ، والأزْدُ بِعُمانَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ فِيما ذُكِرَ. ﴿لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَنِ المَعاصِي. ﴿شَكُورٍ﴾ عَلى النِّعَمِ.
سبأ 34:20
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أيْ صَدَقَ في ظَنِّهِ أوْ صَدَقَ بِظَنِّ ظَنِّهِ مِثْلَ فَعَلْتَهُ جُهْدَكَ، ويَجُوزُ أنْ يُعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ كَما في: ( صَدَقَ وعْدَهُ ) . لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، وشَدَّدَهُ الكُوفِيُّونَ بِمَعْنى حَقَّقَ ظَنَّهُ أوْ وجَدَهُ صادِقًا. وقُرِئَ بِنَصْبِ إبْلِيسَ ورُفِعَ الظَّنُّ مَعَ التَّشْدِيدِ بِمَعْنى وجَدَهُ ظَنَّهُ صادِقًا، والتَّخْفِيفُ بِمَعْنى قالَ لَهُ ظَنُّهُ الصِّدْقُ حِينَ خَيَّلَهُ إغْواءَهم، وبِرَفْعِهِما والتَّخْفِيفِ عَلى الأبْدانِ وذَلِكَ إمّا ظَنُّهُ بِسَبَأٍ حِينَ رَأى انْهِماكَهم في الشَّهَواتِ أوْ بِبَنِي آدَمَ حِينَ رَأى أباهُمُ النَّبِيَّ ضَعِيفَ العَزْمِ، أوْ ما رُكِّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ، أوْ سَمِعَ مِنَ المَلائِكَةِ قَوْلَهم ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ فَقالَ: ( لَأُضِلَّنَّهم ) و ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ .
﴿فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ إلّا فَرِيقًا هُمُ المُؤْمِنُونَ لَمْ يَتَبِّعُوهُ، وتَقْلِيلُهم بِالإضافَةِ إلى الكُفّارِ، أوْ إلّا فَرِيقًا مِن فِرَقِ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ في العِصْيانِ وهُمُ المُخْلَصُونَ.
﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ تَسَلُّطٍ واسْتِيلاءٍ بِالوَسْوَسَةِ والِاسْتِغْواءِ. ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ إلّا لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِذَلِكَ تَعَلُّقًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، أوْ لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ مِنَ الشّاكِّ، أوْ لِيُؤْمِنَ مَن قُدِّرَ إيمانُهُ ويَشُكَّ مَن قُدِّرَ ضَلالُهُ، والمُرادُ مِن حُصُولِ العِلْمِ حُصُولُ مُتَعَلِّقِهِ مُبالَغَةً، وفي نَظْمِ الصِّلَتَيْنِ نُكْتَةٌ لا تَخْفى. ﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ مُحافِظٌ والزِّنَتانِ مُتَآخِيَتانِ.
سبأ 34:21
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أيْ صَدَقَ في ظَنِّهِ أوْ صَدَقَ بِظَنِّ ظَنِّهِ مِثْلَ فَعَلْتَهُ جُهْدَكَ، ويَجُوزُ أنْ يُعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ كَما في: ( صَدَقَ وعْدَهُ ) . لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، وشَدَّدَهُ الكُوفِيُّونَ بِمَعْنى حَقَّقَ ظَنَّهُ أوْ وجَدَهُ صادِقًا. وقُرِئَ بِنَصْبِ إبْلِيسَ ورُفِعَ الظَّنُّ مَعَ التَّشْدِيدِ بِمَعْنى وجَدَهُ ظَنَّهُ صادِقًا، والتَّخْفِيفُ بِمَعْنى قالَ لَهُ ظَنُّهُ الصِّدْقُ حِينَ خَيَّلَهُ إغْواءَهم، وبِرَفْعِهِما والتَّخْفِيفِ عَلى الأبْدانِ وذَلِكَ إمّا ظَنُّهُ بِسَبَأٍ حِينَ رَأى انْهِماكَهم في الشَّهَواتِ أوْ بِبَنِي آدَمَ حِينَ رَأى أباهُمُ النَّبِيَّ ضَعِيفَ العَزْمِ، أوْ ما رُكِّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ، أوْ سَمِعَ مِنَ المَلائِكَةِ قَوْلَهم ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ فَقالَ: ( لَأُضِلَّنَّهم ) و ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ .
﴿فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ إلّا فَرِيقًا هُمُ المُؤْمِنُونَ لَمْ يَتَبِّعُوهُ، وتَقْلِيلُهم بِالإضافَةِ إلى الكُفّارِ، أوْ إلّا فَرِيقًا مِن فِرَقِ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ في العِصْيانِ وهُمُ المُخْلَصُونَ.
﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ تَسَلُّطٍ واسْتِيلاءٍ بِالوَسْوَسَةِ والِاسْتِغْواءِ. ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ إلّا لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِذَلِكَ تَعَلُّقًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، أوْ لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ مِنَ الشّاكِّ، أوْ لِيُؤْمِنَ مَن قُدِّرَ إيمانُهُ ويَشُكَّ مَن قُدِّرَ ضَلالُهُ، والمُرادُ مِن حُصُولِ العِلْمِ حُصُولُ مُتَعَلِّقِهِ مُبالَغَةً، وفي نَظْمِ الصِّلَتَيْنِ نُكْتَةٌ لا تَخْفى. ﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ مُحافِظٌ والزِّنَتانِ مُتَآخِيَتانِ.
سبأ 34:22
﴿قُلِ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ. ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً، وهُما مَفْعُولا زَعَمَ حُذِفَ الأوَّلُ لِطُولِ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ والثّانِي لِقِيامِ صِفَتِهِ مَقامَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو مَفْعُولَهُ الثّانِيَ لِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَ الضَّمِيرِ كَلامًا ولا ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لِأنَّهم لا يَزْعُمُونَهُ. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى ادْعُوهم فِيما يُهِمُّكم مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ لَعَلَّهم يَسْتَجِيبُونَ لَكم إنْ صَحَّ دَعْواكم، ثُمَّ أجابَ عَنْهم إشْعارًا بِتَعَيُّنِ الجَوابِ وأنَّهُ لا يَقْبَلُ المُكابَرَةَ فَقالَ: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ في أمْرٍ ما وذَكَرَهُما لِلْعُمُومِ العُرْفِيِّ، أوْ لِأنَّ آلِهَتَهم بَعْضُها سَماوِيَّةٌ كالمَلائِكَةِ والكَواكِبِ وبَعْضُها أرْضِيَّةٌ كالأصْنامِ، أوْ لِأنَّ الأسْبابَ القَرِيبَةَ لِلشَّرِّ والخَيْرِ سَماوِيَّةٌ وأرْضِيَّةٌ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمْ. ﴿وَما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ﴾ مِن شَرِكَةٍ لا خَلْقًا ولا مَلَكًا. ﴿وَما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ يُعِينُهُ عَلى تَدْبِيرِ أمْرِهِما.
﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ﴾ فَلا يَنْفَعُهم شَفاعَةٌ أيْضًا كَما يَزْعُمُونَ إذْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَ اللَّهِ. ﴿إلا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ أذِنَ لَهُ أنْ يَشْفَعَ، أوْ أذِنَ أنْ يَشْفَعَ لَهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، واللّامُ عَلى الأوَّلِ كاللّامِ في قَوْلِكَ: الكَرْمُ لِزَيْدٍ وعَلى الثّانِي كاللّامِ في قَوْلِكَ: جِئْتُكَ لِزَيْدٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الهَمْزَةِ. ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ غايَةً لِمَفْهُومِ الكَلامِ مِن أنَّ ثُمَّ تَوَقُّفًا وانْتِظارًا لِلْإذْنِ أيْ: يَتَرَبَّصُونَ فَزِعِينَ حَتّى إذا كُشِفَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِ الشّافِعِينَ والمَشْفُوعِ لَهم بِالإذْنِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم ضِمْنًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ( فَزَّعَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقُرِئَ «فُرِّغَ» أيْ نُفِيَ الوَجَلُ مِن فَرَغَ الزّادُ إذا فَنِيَ. ﴿قالُوا﴾ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ في الشَّفاعَةِ. ﴿قالُوا الحَقَّ﴾ قالُوا قالَ القَوْلَ الحَقَّ وهو الإذْنُ بِالشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ مَقُولُهُ الحَقُّ. ﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ ذُو العُلُوِّ والكِبْرِياءِ لَيْسَ لِمَلَكٍ ولا نَبِيَّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَتَكَلَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ إلّا بِإذْنِهِ.
سبأ 34:23
﴿قُلِ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ. ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً، وهُما مَفْعُولا زَعَمَ حُذِفَ الأوَّلُ لِطُولِ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ والثّانِي لِقِيامِ صِفَتِهِ مَقامَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو مَفْعُولَهُ الثّانِيَ لِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَ الضَّمِيرِ كَلامًا ولا ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لِأنَّهم لا يَزْعُمُونَهُ. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى ادْعُوهم فِيما يُهِمُّكم مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ لَعَلَّهم يَسْتَجِيبُونَ لَكم إنْ صَحَّ دَعْواكم، ثُمَّ أجابَ عَنْهم إشْعارًا بِتَعَيُّنِ الجَوابِ وأنَّهُ لا يَقْبَلُ المُكابَرَةَ فَقالَ: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ في أمْرٍ ما وذَكَرَهُما لِلْعُمُومِ العُرْفِيِّ، أوْ لِأنَّ آلِهَتَهم بَعْضُها سَماوِيَّةٌ كالمَلائِكَةِ والكَواكِبِ وبَعْضُها أرْضِيَّةٌ كالأصْنامِ، أوْ لِأنَّ الأسْبابَ القَرِيبَةَ لِلشَّرِّ والخَيْرِ سَماوِيَّةٌ وأرْضِيَّةٌ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمْ. ﴿وَما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ﴾ مِن شَرِكَةٍ لا خَلْقًا ولا مَلَكًا. ﴿وَما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ يُعِينُهُ عَلى تَدْبِيرِ أمْرِهِما.
﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ﴾ فَلا يَنْفَعُهم شَفاعَةٌ أيْضًا كَما يَزْعُمُونَ إذْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَ اللَّهِ. ﴿إلا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ أذِنَ لَهُ أنْ يَشْفَعَ، أوْ أذِنَ أنْ يَشْفَعَ لَهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، واللّامُ عَلى الأوَّلِ كاللّامِ في قَوْلِكَ: الكَرْمُ لِزَيْدٍ وعَلى الثّانِي كاللّامِ في قَوْلِكَ: جِئْتُكَ لِزَيْدٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الهَمْزَةِ. ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ غايَةً لِمَفْهُومِ الكَلامِ مِن أنَّ ثُمَّ تَوَقُّفًا وانْتِظارًا لِلْإذْنِ أيْ: يَتَرَبَّصُونَ فَزِعِينَ حَتّى إذا كُشِفَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِ الشّافِعِينَ والمَشْفُوعِ لَهم بِالإذْنِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم ضِمْنًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ( فَزَّعَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقُرِئَ «فُرِّغَ» أيْ نُفِيَ الوَجَلُ مِن فَرَغَ الزّادُ إذا فَنِيَ. ﴿قالُوا﴾ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ في الشَّفاعَةِ. ﴿قالُوا الحَقَّ﴾ قالُوا قالَ القَوْلَ الحَقَّ وهو الإذْنُ بِالشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ مَقُولُهُ الحَقُّ. ﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ ذُو العُلُوِّ والكِبْرِياءِ لَيْسَ لِمَلَكٍ ولا نَبِيَّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَتَكَلَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ إلّا بِإذْنِهِ.
سبأ 34:24
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ بِهِ تَقْرِيرَ قَوْلِهِ ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ . ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ إذْ لا جَوابَ سِواهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم إنْ سَكَتُوا أوْ تَلَعْثَمُوا في الجَوابِ مَخافَةَ الإلْزامِ فَهم مُقِرُّونَ بِهِ بِقُلُوبِهِمْ. ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ وإنَّ أحَدَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ المُوَحِّدِينَ المُتَوَحِّدِ بِالرِّزْقِ والقُدْرَةِ الذّاتِيَّةِ بِالعِبادَةِ، والمُشْرِكِينَ بِهِ الجَمادِ النّازِلِ في أدْنى المَراتِبِ الإمْكانِيَّةِ لَعَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ مِنَ الهُدى والضَّلالِ المُبَيَّنَيْنِ، وهو بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّقْرِيرِ البَلِيغِ الدّالِّ عَلى مَن هو عَلى الهُدى ومَن هو في الضَّلالِ أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ لِأنَّهُ في صُورَةِ الإنْصافِ المُسْكِتِ لِلْخَصْمِ المُشاغِبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ حَسّانَ:
؎ أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ. . . فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
وَقِيلَ إنَّهُ عَلى اللَّفِّ والنَّشْرِ وفِيهِ نَظَرٌ، واخْتِلافُ الحَرْفَيْنِ لِأنَّ الهادِيَ كَمَن صَعِدَ مَنارًا يَنْظُرُ الأشْياءَ ويَتَطَلَّعُ عَلَيْها أوْ رَكِبَ جَوادًا يُرْكِضُهُ حَيْثُ يَشاءُ، والضّالُّ كَأنَّهُ مُنْغَمِسٌ في ظَلامٍ مُرْتَبِكٌ لا يَرى شَيْئًا أوْ مَحْبُوسٌ في مَطْمُورَةٍ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَفَصّى مِنها.
سبأ 34:25
﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ هَذا أدْخَلُ في الإنْصافِ وأبْلَغُ في الإخْباتِ حَيْثُ أُسْنِدَ الإجْرامُ إلى أنْفُسِهِمْ والعَمَلُ إلى المُخاطِبِينَ.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ يَحْكُمُ ويَفْصِلُ بِأنْ يُدْخِلَ المُحِقِّينَ الجَنَّةَ والمُبْطِلِينَ النّارَ. ﴿وَهُوَ الفَتّاحُ﴾ الحاكِمُ الفاصِلُ في القَضايا المُنْغَلِقَةِ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يَنْبَغِي أنْ يُقْضى بِهِ.
سبأ 34:26
﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ هَذا أدْخَلُ في الإنْصافِ وأبْلَغُ في الإخْباتِ حَيْثُ أُسْنِدَ الإجْرامُ إلى أنْفُسِهِمْ والعَمَلُ إلى المُخاطِبِينَ.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ يَحْكُمُ ويَفْصِلُ بِأنْ يُدْخِلَ المُحِقِّينَ الجَنَّةَ والمُبْطِلِينَ النّارَ. ﴿وَهُوَ الفَتّاحُ﴾ الحاكِمُ الفاصِلُ في القَضايا المُنْغَلِقَةِ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يَنْبَغِي أنْ يُقْضى بِهِ.
سبأ 34:27
﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾ لِأرى بِأيِّ صِفَةٍ ألْحَقْتُمُوهم بِاللَّهِ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وهو اسْتِفْسارٌ عَنْ شُبْهَتِهِمْ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في تَبْكِيتِهِمْ. ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنِ المُشارَكَةِ بَعْدَ إبْطالِ المُقايَسَةِ.
﴿بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ المَوْصُوفُ بِالغَلَبَةِ وكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وهَؤُلاءِ المُلْحَقُونَ بِهِ مُتَّسِمُونَ بِالذِّلَّةِ مُتَأبِّيَةٌ عَنْ قَبُولِ العِلْمِ والقُدْرَةِ رَأْسًا، والضَّمِيرُ لِلَّهِ أوْ لِلشَّأْنِ.
﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ إلّا إرْسالَةً عامَّةً لَهم مِنَ الكَفِّ فَإنَّها إذا عَمَّتْهم فَقَدْ كَفَتْهم أنْ يَخْرُجَ مِنها أحَدٌ مِنهم، أوْ إلّا جامِعًا لَهم في الإبْلاغِ فَهي حالٌ مِنَ الكافِ والتّاءِ لِلْمُبالَغَةِ، ولا يَجُوزُ جَعْلُها حالًا مِنَ النّاسِ عَلى المُخْتارِ. ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيَحْمِلُهم جَهْلُهم عَلى مُخالَفَتِكَ.
سبأ 34:28
﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾ لِأرى بِأيِّ صِفَةٍ ألْحَقْتُمُوهم بِاللَّهِ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وهو اسْتِفْسارٌ عَنْ شُبْهَتِهِمْ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في تَبْكِيتِهِمْ. ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنِ المُشارَكَةِ بَعْدَ إبْطالِ المُقايَسَةِ.
﴿بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ المَوْصُوفُ بِالغَلَبَةِ وكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وهَؤُلاءِ المُلْحَقُونَ بِهِ مُتَّسِمُونَ بِالذِّلَّةِ مُتَأبِّيَةٌ عَنْ قَبُولِ العِلْمِ والقُدْرَةِ رَأْسًا، والضَّمِيرُ لِلَّهِ أوْ لِلشَّأْنِ.
﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ إلّا إرْسالَةً عامَّةً لَهم مِنَ الكَفِّ فَإنَّها إذا عَمَّتْهم فَقَدْ كَفَتْهم أنْ يَخْرُجَ مِنها أحَدٌ مِنهم، أوْ إلّا جامِعًا لَهم في الإبْلاغِ فَهي حالٌ مِنَ الكافِ والتّاءِ لِلْمُبالَغَةِ، ولا يَجُوزُ جَعْلُها حالًا مِنَ النّاسِ عَلى المُخْتارِ. ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيَحْمِلُهم جَهْلُهم عَلى مُخالَفَتِكَ.
سبأ 34:29
﴿وَيَقُولُونَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ. ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ يَعْنُونَ المُبَشَّرَ بِهِ والمُنْذَرَ عَنْهُ أوِ المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ . ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يُخاطِبُونَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ.
﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ﴾ وعْدُ يَوْمٍ أوْ زَمانُ وعْدٍ، وإضافَتُهُ إلى اليَوْمِ لِلتَّبْيِينِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «يَوْمَ» عَلى البَدَلِ، وقُرِئَ «يَوْمًا» بِإضْمارٍ أعْنِي. ﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ إذا فاجَأكم وهو جَوابُ تَهْدِيدٍ جاءَ مُطابِقًا لِما قَصَدُوهُ بِسُؤالِهِمْ مِنَ التَّعَنُّتِ والإنْكارِ.(p-248)
سبأ 34:30
﴿وَيَقُولُونَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ. ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ يَعْنُونَ المُبَشَّرَ بِهِ والمُنْذَرَ عَنْهُ أوِ المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ . ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يُخاطِبُونَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ.
﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ﴾ وعْدُ يَوْمٍ أوْ زَمانُ وعْدٍ، وإضافَتُهُ إلى اليَوْمِ لِلتَّبْيِينِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «يَوْمَ» عَلى البَدَلِ، وقُرِئَ «يَوْمًا» بِإضْمارٍ أعْنِي. ﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ إذا فاجَأكم وهو جَوابُ تَهْدِيدٍ جاءَ مُطابِقًا لِما قَصَدُوهُ بِسُؤالِهِمْ مِنَ التَّعَنُّتِ والإنْكارِ.(p-248)
سبأ 34:31
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ولا بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ الدّالَّةِ عَلى النَّعْتِ. قِيلَ إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ سَألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ فَأخْبَرُوهم أنَّهم يَجِدُونَ نَعْتَهُ في كُتُبِهِمْ فَغَضِبُوا وقالُوا ذَلِكَ، وقِيلَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ في مَوْضِعِ المُحاسَبَةِ. ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ يَتَحاوَرُونَ ويَتَراجَعُونَ القَوْلَ. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ يَقُولُ الأتْباعُ. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ لِلرُّؤَساءِ. ﴿لَوْلا أنْتُمْ﴾ لَوْلا إضْلالُكم وصَدُّكم إيّانا عَنِ الإيمانِ. ﴿لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ .
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ أنْكَرُوا أنَّهم كانُوا صادِّينَ لَهم عَنِ الإيمانِ وأثْبَتُوا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ صَدُّوا أنْفُسَهم حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ الهُدى وآثَرُوا التَّقْلِيدَ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ بَنَوُا الإنْكارَ عَلى الِاسْمِ.
سبأ 34:32
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ولا بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ الدّالَّةِ عَلى النَّعْتِ. قِيلَ إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ سَألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ فَأخْبَرُوهم أنَّهم يَجِدُونَ نَعْتَهُ في كُتُبِهِمْ فَغَضِبُوا وقالُوا ذَلِكَ، وقِيلَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ في مَوْضِعِ المُحاسَبَةِ. ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ يَتَحاوَرُونَ ويَتَراجَعُونَ القَوْلَ. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ يَقُولُ الأتْباعُ. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ لِلرُّؤَساءِ. ﴿لَوْلا أنْتُمْ﴾ لَوْلا إضْلالُكم وصَدُّكم إيّانا عَنِ الإيمانِ. ﴿لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ .
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ أنْكَرُوا أنَّهم كانُوا صادِّينَ لَهم عَنِ الإيمانِ وأثْبَتُوا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ صَدُّوا أنْفُسَهم حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ الهُدى وآثَرُوا التَّقْلِيدَ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ بَنَوُا الإنْكارَ عَلى الِاسْمِ.
سبأ 34:33
﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ إضْرابٌ عَنْ إضْرابِهِمْ أيْ: لَمْ يَكُنْ إجْرامُنا الصّادَّ بَلْ مَكْرُكم لَنا دائِبًا لَيْلًا ونَهارًا حَتّى أعْوَرْتُمْ عَلَيْنا رَأْيَنا. ﴿إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ والعاطِفُ يَعْطِفُهُ عَلى كَلامِهِمُ الأوَّلِ وإضافَةُ الـ ( مَكْرٌ ) إلى الظَّرْفِ عَلى الِاتِّساعِ، وقُرِئَ «مَكْرَ اللَّيْلِ» بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ و «مَكْرٌ اللَّيْلَ» بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ الظَّرْفِ و «مَكَرُّ اللَّيْلِ» مِنَ الكُرُورِ. ﴿وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ وأضْمَرَ الفَرِيقانِ النَّدامَةَ عَلى الضَّلالِ والإضْلالِ وأخْفاها كُلٌّ عَنْ صاحِبِهِ مَخافَةَ التَّعْيِيرِ، أوْ أظْهَرُوها فَإنَّهُ مِنَ الأضْدادِ إذِ الهَمْزَةُ تَصْلُحُ لِلْإثْباتِ والسَّلْبِ كَما في أشْكَيْتُهُ. ﴿وَجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ في أعْناقِهِمْ فَجاءَ بِالظّاهِرِ تَنْوِيهًا بِذَمِّهِمْ وإشْعارًا بِمُوجِبِ أغْلالِهِمْ. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا يُفْعَلُ بِهِمْ ما يُفْعَلُ إلّا جَزاءً عَلى أعْمالِهِمْ، وتَعْدِيَةُ يُجْزى إمّا لِتَضْمِينِ مَعْنى يَقْضِي أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ.
سبأ 34:34
﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا مُنِيَ بِهِ مِن قَوْمِهِ، وتَخْصِيصُ المُتَنَعِّمِينَ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّ الدّاعِيَ المُعَظِّمَ إلَيْهِ التَّكَبُّرُ والمُفاخَرَةُ بِزَخارِفِ الدُّنْيا والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والِاسْتِهانَةِ بِمَن لَمْ يَحْظَ مِنها، ولِذَلِكَ ضَمُّوا التَّهَكُّمَ والمُفاخَرَةَ إلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ عَلى مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ.(p-249)
﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا﴾ فَنَحْنُ أوْلى بِما تَدَّعُونَهُ إنْ أمْكَنَ. ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ إمّا لِأنَّ العَذابَ لا يَكُونُ، أوْ لِأنَّهُ أكْرَمَنا بِذَلِكَ فَلا يُهِينُنا بِالعَذابِ.
﴿قُلْ﴾ رَدًّا لِحُسْبانِهِمْ. ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ ولِذَلِكَ يَخْتَلِفُ فِيهِ الأشْخاصُ المُتَماثِلَةُ في الخَصائِصِ والصِّفاتِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِكَرامَةٍ وهَوانٍ يُوجِبانِهِ لَمْ يَكُنْ بِمَشِيئَتِهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيَظُنُّونَ أنَّ كَثْرَةَ الأمْوالِ والأوْلادِ لِلشَّرَفِ والكَرامَةِ وكَثِيرًا ما يَكُونُ لِلِاسْتِدْراجِ كَما قالَ:
سبأ 34:35
﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا مُنِيَ بِهِ مِن قَوْمِهِ، وتَخْصِيصُ المُتَنَعِّمِينَ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّ الدّاعِيَ المُعَظِّمَ إلَيْهِ التَّكَبُّرُ والمُفاخَرَةُ بِزَخارِفِ الدُّنْيا والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والِاسْتِهانَةِ بِمَن لَمْ يَحْظَ مِنها، ولِذَلِكَ ضَمُّوا التَّهَكُّمَ والمُفاخَرَةَ إلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ عَلى مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ.(p-249)
﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا﴾ فَنَحْنُ أوْلى بِما تَدَّعُونَهُ إنْ أمْكَنَ. ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ إمّا لِأنَّ العَذابَ لا يَكُونُ، أوْ لِأنَّهُ أكْرَمَنا بِذَلِكَ فَلا يُهِينُنا بِالعَذابِ.
﴿قُلْ﴾ رَدًّا لِحُسْبانِهِمْ. ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ ولِذَلِكَ يَخْتَلِفُ فِيهِ الأشْخاصُ المُتَماثِلَةُ في الخَصائِصِ والصِّفاتِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِكَرامَةٍ وهَوانٍ يُوجِبانِهِ لَمْ يَكُنْ بِمَشِيئَتِهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيَظُنُّونَ أنَّ كَثْرَةَ الأمْوالِ والأوْلادِ لِلشَّرَفِ والكَرامَةِ وكَثِيرًا ما يَكُونُ لِلِاسْتِدْراجِ كَما قالَ:
سبأ 34:36
﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا مُنِيَ بِهِ مِن قَوْمِهِ، وتَخْصِيصُ المُتَنَعِّمِينَ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّ الدّاعِيَ المُعَظِّمَ إلَيْهِ التَّكَبُّرُ والمُفاخَرَةُ بِزَخارِفِ الدُّنْيا والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والِاسْتِهانَةِ بِمَن لَمْ يَحْظَ مِنها، ولِذَلِكَ ضَمُّوا التَّهَكُّمَ والمُفاخَرَةَ إلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ عَلى مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ.(p-249)
﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا﴾ فَنَحْنُ أوْلى بِما تَدَّعُونَهُ إنْ أمْكَنَ. ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ إمّا لِأنَّ العَذابَ لا يَكُونُ، أوْ لِأنَّهُ أكْرَمَنا بِذَلِكَ فَلا يُهِينُنا بِالعَذابِ.
﴿قُلْ﴾ رَدًّا لِحُسْبانِهِمْ. ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ ولِذَلِكَ يَخْتَلِفُ فِيهِ الأشْخاصُ المُتَماثِلَةُ في الخَصائِصِ والصِّفاتِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِكَرامَةٍ وهَوانٍ يُوجِبانِهِ لَمْ يَكُنْ بِمَشِيئَتِهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيَظُنُّونَ أنَّ كَثْرَةَ الأمْوالِ والأوْلادِ لِلشَّرَفِ والكَرامَةِ وكَثِيرًا ما يَكُونُ لِلِاسْتِدْراجِ كَما قالَ:
سبأ 34:37
﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ قُرْبَةً والَّتِي إمّا لِأنَّ المُرادَ وما جَماعَةُ أمْوالِكم وأوْلادِكم، أوْ لِأنَّها صِفَةُ مَحْذُوفٍ كالتَّقْوى والخَصْلَةِ. وقُرِئَ «بالَّذِي» أيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُقَرِّبُكم. ﴿إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ ( تُقَرِّبُكم )، أيِ الأمْوالُ والأوْلادُ لا تُقَرِّبُ أحَدًا إلّا المُؤْمِنَ الصّالِحَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ويُعَلِّمُ ولَدَهُ الخَيْرَ ويُرَبِّيهِ عَلى الصَّلاحِ، أوْ مِن أمْوالِكم وأوْلادِكم عَلى حَذْفِ المُضافِ. ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أنْ يُجازَوُا الضِّعْفَ إلى عَشْرٍ فَما فَوْقَهُ، والإضافَةُ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وقُرِئَ ( بِالأعْمالِ ) عَلى الأصْلِ وعَنْ يَعْقُوبَ رَفْعُهُما عَلى إبْدالِ الضِّعْفِ، ونُصِبَ الجَزاءُ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ المَصْدَرِ لِفِعْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَهم. ﴿بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ مِنَ المَكارِهِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِها، وقَرَأ حَمْزَةُ «فِي الغُرْفَةِ» عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا﴾ بِالرَّدِّ والطَّعْنِ فِيها. ﴿مُعاجِزِينَ﴾ مُسابِقِينَ لِأنْبِيائِنا أوْ ظانِّينَ أنَّهم يَفُوتُونَنا.
﴿أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ .
سبأ 34:38
﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ قُرْبَةً والَّتِي إمّا لِأنَّ المُرادَ وما جَماعَةُ أمْوالِكم وأوْلادِكم، أوْ لِأنَّها صِفَةُ مَحْذُوفٍ كالتَّقْوى والخَصْلَةِ. وقُرِئَ «بالَّذِي» أيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُقَرِّبُكم. ﴿إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ ( تُقَرِّبُكم )، أيِ الأمْوالُ والأوْلادُ لا تُقَرِّبُ أحَدًا إلّا المُؤْمِنَ الصّالِحَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ويُعَلِّمُ ولَدَهُ الخَيْرَ ويُرَبِّيهِ عَلى الصَّلاحِ، أوْ مِن أمْوالِكم وأوْلادِكم عَلى حَذْفِ المُضافِ. ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أنْ يُجازَوُا الضِّعْفَ إلى عَشْرٍ فَما فَوْقَهُ، والإضافَةُ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وقُرِئَ ( بِالأعْمالِ ) عَلى الأصْلِ وعَنْ يَعْقُوبَ رَفْعُهُما عَلى إبْدالِ الضِّعْفِ، ونُصِبَ الجَزاءُ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ المَصْدَرِ لِفِعْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَهم. ﴿بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ مِنَ المَكارِهِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِها، وقَرَأ حَمْزَةُ «فِي الغُرْفَةِ» عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا﴾ بِالرَّدِّ والطَّعْنِ فِيها. ﴿مُعاجِزِينَ﴾ مُسابِقِينَ لِأنْبِيائِنا أوْ ظانِّينَ أنَّهم يَفُوتُونَنا.
﴿أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ .
سبأ 34:39
﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ يُوَسِّعُ عَلَيْهِ تارَةً ويُضَيِّقُ عَلَيْهِ أُخْرى، فَهَذا في شَخْصٍ واحِدٍ بِاعْتِبارِ وقْتَيْنِ وما سَبَقَ في شَخْصَيْنِ فَلا تَكْرِيرَ. ﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ عِوَضًا إمّا عاجِلًا أوْ آجِلًا. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ فَإنَّ غَيْرَهُ وسَطٌ في إيصالِ رِزْقِهِ لا حَقِيقَةَ لِرازِقِيَّتِهِ.
سبأ 34:40
( ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ) المُسْتَكْبِرِينَ والمُسْتَضْعَفِينَ ( ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ ) تَقْرِيعًا لِلْمُشْرِكِينَ وتَبْكِيتًا لَهم وإقْناطًا لَهم عَمّا يَتَوَقَّعُونَ مِن شَفاعَتِهِمْ، وتَخْصِيصُ المَلائِكَةِ لِأنَّهم أشْرَفُ شُرَكائِهِمْ والصّالِحُونَ لِلْخِطابِ مِنهم، ولِأنَّ عِبادَتَهم مَبْدَأُ الشِّرْكِ وأصْلُهُ. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ بِالياءِ فِيهِما.
﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ أنْتَ الَّذِي نُوالِيهِ مِن دُونِهِمْ لا مُوالاةَ بَيْنِنا وبَيْنَهم، كَأنَّهم بَيَّنُوا بِذَلِكَ بَراءَتَهم مِنَ الرِّضا بِعِبادَتِهِمْ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ ونَفَوْا أنَّهم عَبَدُوهم عَلى الحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ أيِ الشَّياطِينَ حَيْثُ أطاعُوهم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. وقِيلَ كانُوا يَتَمَثَّلُونَ لَهم ويُخَيِّلُونَ إلَيْهِمْ أنَّهُمُ (p-250)
المَلائِكَةُ فَيَعْبُدُونَهم. ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْإنْسِ أوْ لِلْمُشْرِكِينَ، والأكْثَرُ بِمَعْنى الكُلِّ والثّانِي لِـ ( الجِنَّ ) .
سبأ 34:41
( ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ) المُسْتَكْبِرِينَ والمُسْتَضْعَفِينَ ( ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ ) تَقْرِيعًا لِلْمُشْرِكِينَ وتَبْكِيتًا لَهم وإقْناطًا لَهم عَمّا يَتَوَقَّعُونَ مِن شَفاعَتِهِمْ، وتَخْصِيصُ المَلائِكَةِ لِأنَّهم أشْرَفُ شُرَكائِهِمْ والصّالِحُونَ لِلْخِطابِ مِنهم، ولِأنَّ عِبادَتَهم مَبْدَأُ الشِّرْكِ وأصْلُهُ. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ بِالياءِ فِيهِما.
﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ أنْتَ الَّذِي نُوالِيهِ مِن دُونِهِمْ لا مُوالاةَ بَيْنِنا وبَيْنَهم، كَأنَّهم بَيَّنُوا بِذَلِكَ بَراءَتَهم مِنَ الرِّضا بِعِبادَتِهِمْ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ ونَفَوْا أنَّهم عَبَدُوهم عَلى الحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ أيِ الشَّياطِينَ حَيْثُ أطاعُوهم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. وقِيلَ كانُوا يَتَمَثَّلُونَ لَهم ويُخَيِّلُونَ إلَيْهِمْ أنَّهُمُ (p-250)
المَلائِكَةُ فَيَعْبُدُونَهم. ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْإنْسِ أوْ لِلْمُشْرِكِينَ، والأكْثَرُ بِمَعْنى الكُلِّ والثّانِي لِـ ( الجِنَّ ) .
سبأ 34:42
﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ إذِ الأمْرُ فِيهِ كُلُّهُ لَهُ لِأنَّ الدّارَ دارُ جَزاءٍ وهو المَجازِي وحْدَهُ. ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( لا يَمْلِكُ ) مُبَيِّنٌ لِلْمَقْصُودِ مِن تَمْهِيدِهِ.
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا﴾ يَعْنُوَنَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ فَيَسْتَتْبِعُكم بِما يَسْتَبْدِعُهُ. ﴿وَقالُوا ما هَذا﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ. ﴿إلا إفْكٌ﴾ لِعَدَمِ مُطابَقَةِ ما فِيهِ الواقِعَ. ﴿مُفْتَرًى﴾ بِإضافَتِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ أوْ لِلْإسْلامِ أوْ لِلْقُرْآنِ، والأوَّلُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ وهَذا بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وإعْجازِهِ. ﴿إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ سِحْرِيَّتُهُ، وفي تَكْرِيرِ الفِعْلِ والتَّصْرِيحِ بِذِكْرِ الكَفَرَةِ وما في اللّامَيْنِ مِنَ الإشارَةِ إلى القائِلِينَ والمَقُولِ فِيهِ، وما في ( لَمّا ) مِنَ المُبادَهَةِ إلى البَتِّ بِهَذا القَوْلِ إنْكارٌ عَظِيمٌ لَهُ وتَعْجِيبٌ بَلِيغٌ مِنهُ.
سبأ 34:43
﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ إذِ الأمْرُ فِيهِ كُلُّهُ لَهُ لِأنَّ الدّارَ دارُ جَزاءٍ وهو المَجازِي وحْدَهُ. ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( لا يَمْلِكُ ) مُبَيِّنٌ لِلْمَقْصُودِ مِن تَمْهِيدِهِ.
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا﴾ يَعْنُوَنَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ فَيَسْتَتْبِعُكم بِما يَسْتَبْدِعُهُ. ﴿وَقالُوا ما هَذا﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ. ﴿إلا إفْكٌ﴾ لِعَدَمِ مُطابَقَةِ ما فِيهِ الواقِعَ. ﴿مُفْتَرًى﴾ بِإضافَتِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ أوْ لِلْإسْلامِ أوْ لِلْقُرْآنِ، والأوَّلُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ وهَذا بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وإعْجازِهِ. ﴿إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ سِحْرِيَّتُهُ، وفي تَكْرِيرِ الفِعْلِ والتَّصْرِيحِ بِذِكْرِ الكَفَرَةِ وما في اللّامَيْنِ مِنَ الإشارَةِ إلى القائِلِينَ والمَقُولِ فِيهِ، وما في ( لَمّا ) مِنَ المُبادَهَةِ إلى البَتِّ بِهَذا القَوْلِ إنْكارٌ عَظِيمٌ لَهُ وتَعْجِيبٌ بَلِيغٌ مِنهُ.
سبأ 34:44
﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ فِيها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الإشْراكِ. ﴿وَما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ يَدْعُوهم إلَيْهِ ويُنْذِرُهم عَلى تَرْكِهِ، وقَدْ بانَ مِن قَبْلُ أنْ لا وجْهَ لَهُ فَمِن أيْنَ وقَعَ لَهم هَذِهِ الشُّبْهَةُ، وهَذا في غايَةِ التَّجْهِيلِ لَهم والتَّسْفِيهِ لِرَأْيِهِمْ ثُمَّ هَدَّدَهم فَقالَ:
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ كَما كَذَّبُوا. ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ وما بَلَغَ هَؤُلاءِ عُشْرَ ما آتَيْنا أُولَئِكَ مِنَ القُوَّةِ وطُولِ العُمُرِ وكَثْرَةِ المالِ، أوْ ما بَلَغَ أُولَئِكَ عُشْرَ ما آتَيْنا هَؤُلاءِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى. ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ فَحِينَ كَذَّبُوا رُسُلِي جاءَهم إنْكارِي بِالتَّدْمِيرِ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِي لَهم فَلْيَحْذَرْ هَؤُلاءِ مِن مِثْلِهِ، ولا تَكْرِيرَ في كَذَّبَ لِأنَّ الأوَّلَ لِلتَّكْثِيرِ والثّانِي لِلتَّكْذِيبِ، أوِ الأوَّلَ مُطْلَقٌ والثّانِي مُقَيَّدٌ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالفاءِ.
سبأ 34:45
﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ فِيها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الإشْراكِ. ﴿وَما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ يَدْعُوهم إلَيْهِ ويُنْذِرُهم عَلى تَرْكِهِ، وقَدْ بانَ مِن قَبْلُ أنْ لا وجْهَ لَهُ فَمِن أيْنَ وقَعَ لَهم هَذِهِ الشُّبْهَةُ، وهَذا في غايَةِ التَّجْهِيلِ لَهم والتَّسْفِيهِ لِرَأْيِهِمْ ثُمَّ هَدَّدَهم فَقالَ:
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ كَما كَذَّبُوا. ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ وما بَلَغَ هَؤُلاءِ عُشْرَ ما آتَيْنا أُولَئِكَ مِنَ القُوَّةِ وطُولِ العُمُرِ وكَثْرَةِ المالِ، أوْ ما بَلَغَ أُولَئِكَ عُشْرَ ما آتَيْنا هَؤُلاءِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى. ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ فَحِينَ كَذَّبُوا رُسُلِي جاءَهم إنْكارِي بِالتَّدْمِيرِ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِي لَهم فَلْيَحْذَرْ هَؤُلاءِ مِن مِثْلِهِ، ولا تَكْرِيرَ في كَذَّبَ لِأنَّ الأوَّلَ لِلتَّكْثِيرِ والثّانِي لِلتَّكْذِيبِ، أوِ الأوَّلَ مُطْلَقٌ والثّانِي مُقَيَّدٌ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالفاءِ.
سبأ 34:46
﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ أُرْشِدُكم وأنْصَحُ لَكم بِخَصْلَةٍ واحِدَةٍ هي ما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ وهو القِيامُ مِن مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوِ الِانْتِصابُ في الأمْرِ خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ مُعْرِضًا عَنِ المِراءِ والتَّقْلِيدِ. ﴿مَثْنى وفُرادى﴾ مُتَفَرِّقِينَ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وواحِدًا واحِدًا، فَإنَّ الِازْدِحامَ يُشَوِّشُ الخاطِرَ ويَخْلِطُ القَوْلَ. ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما جاءَ بِهِ لِتَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ، ومَحَلُّهُ الجَرُّ عَلى البَدَلِ أوِ البَيانِ أوِ الرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ بِإضْمارِ هو أوْ أعْنِي. ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ فَتَعْلَمُوا ما بِهِ مِن جُنُونٍ يَحْمِلُهُ عَلى ذَلِكَ، أوِ اسْتِئْنافٌ مُنَبِّهٌ لَهم عَلى أنَّ ما عَرَفُوا مِن رَجاحَةِ عَقْلِهِ كافٍ في تَرْجِيحِ صِدْقِهِ، فَإنَّهُ لا يَدَعُهُ أنْ يَتَصَدّى لِادِّعاءِ أمْرٍ خَطِيرٍ وخَطْبٍ عَظِيمٍ مِن (p-251)
غَيْرِ تَحَقُّقٍ ووُثُوقٍ بِبُرْهانٍ، فَيَفْتَضِحُ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ ويُلْقِي نَفْسَهُ إلى الهَلاكِ، فَكَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ مُعْجِزاتٌ كَثِيرَةٌ. وقِيلَ ( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ والمَعْنى: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا أيُّ شَيْءٍ بِهِ مِن آثارِ الجُنُونِ: ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ قُدّامَهُ لِأنَّهُ مَبْعُوثٌ في نَسَمِ السّاعَةِ.
سبأ 34:47
﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ أيُّ شَيْءٍ سَألْتُكم مِن أجْرٍ عَلى الرِّسالَةِ. ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ والمُرادُ نَفْيُ السُّؤالِ عَنْهُ، كَأنَّهُ جَعَلَ التَّنَبِّيَ مُسْتَلْزِمًا لِأحَدِ الأمْرَيْنِ إمّا الجُنُونُ وإمّا تَوَقُّعُ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ أوْ لِغَيْرِهِ وأيًّا ما كانَ يَلْزَمُ أحَدَهُما ثُمَّ نَفى كُلًّا مِنهُما. وقِيلَ ( ما ) مَوْصُولَةٌ مُرادٌ بِها ما سَألَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ واتِّخاذُ السَّبِيلِ يَنْفَعُهم وقُرْباهُ قُرْباهم. ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مَطَّلِعٌ يَعْلَمُ صِدْقِي وخُلُوصَ نِيَّتِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإسْكانِ الياءِ.
سبأ 34:48
﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ يُلْقِيهِ ويُنْزِلُهُ عَلى مَن يَجْتَبِيهِ مِن عِبادِهِ، أوْ يَرْمِي بِهِ الباطِلَ فَيَدْمَغُهُ أوْ يَرْمِي بِهِ إلى أقْطارِ الآفاقِ، فَيَكُونُ وعْدًا بِإظْهارِ الإسْلامِ وإفْشائِهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ. ﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾ صِفَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلى مَحَلِّ ( إنَّ ) واسْمِها، أوْ بَدَلٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في ( يَقْذِفُ ) أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ.
وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ صِفَةً لِـ ( رَبِّي ) أوْ مُقَدَّرًا بِأعْنِي. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ «الغُيُوبِ» بِالكَسْرِ كالبُيُوتِ وبِالضَّمِّ كالعُشُورِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ كالصَّبُورِ عَلى أنَّهُ مُبالَغَةُ غائِبٍ.
﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ الإسْلامُ. ﴿وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ وزَهَقَ الباطِلُ أيِ الشِّرْكُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ مَأْخُوذٌ مِن هَلاكِ الحَيِّ، فَإنَّهُ إذا هَلَكَ لَمْ يَبْقَ لَهُ إبْداءٌ ولا إعادَةٌ قالَ:
؎ أقْفَرَ مِن أهْلِهِ عَبِيدُ. . . فاليَوْمَ لا يُبْدِي ولا يُعِيدُ
وَقِيلَ الباطِلُ إبْلِيسُ أوِ الصَّنَمُ، والمَعْنى لا يُنْشِئُ خَلْقًا ولا يُعِيدُهُ، أوْ لا يُبْدِئُ خَيْرًا لِأهْلِهِ ولا يُعِيدُهُ.
وَقِيلَ ( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُنْتَصِبَةٌ بِما بَعْدَها.
سبأ 34:49
﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ يُلْقِيهِ ويُنْزِلُهُ عَلى مَن يَجْتَبِيهِ مِن عِبادِهِ، أوْ يَرْمِي بِهِ الباطِلَ فَيَدْمَغُهُ أوْ يَرْمِي بِهِ إلى أقْطارِ الآفاقِ، فَيَكُونُ وعْدًا بِإظْهارِ الإسْلامِ وإفْشائِهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ. ﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾ صِفَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلى مَحَلِّ ( إنَّ ) واسْمِها، أوْ بَدَلٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في ( يَقْذِفُ ) أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ.
وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ صِفَةً لِـ ( رَبِّي ) أوْ مُقَدَّرًا بِأعْنِي. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ «الغُيُوبِ» بِالكَسْرِ كالبُيُوتِ وبِالضَّمِّ كالعُشُورِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ كالصَّبُورِ عَلى أنَّهُ مُبالَغَةُ غائِبٍ.
﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ الإسْلامُ. ﴿وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ وزَهَقَ الباطِلُ أيِ الشِّرْكُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ مَأْخُوذٌ مِن هَلاكِ الحَيِّ، فَإنَّهُ إذا هَلَكَ لَمْ يَبْقَ لَهُ إبْداءٌ ولا إعادَةٌ قالَ:
؎ أقْفَرَ مِن أهْلِهِ عَبِيدُ. . . فاليَوْمَ لا يُبْدِي ولا يُعِيدُ
وَقِيلَ الباطِلُ إبْلِيسُ أوِ الصَّنَمُ، والمَعْنى لا يُنْشِئُ خَلْقًا ولا يُعِيدُهُ، أوْ لا يُبْدِئُ خَيْرًا لِأهْلِهِ ولا يُعِيدُهُ.
وَقِيلَ ( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُنْتَصِبَةٌ بِما بَعْدَها.
سبأ 34:50
﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ﴾ عَنِ الحَقِّ. ﴿فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ فَإنَّ وبالَ ضَلالِي عَلَيْها لِأنَّهُ بِسَبَبِها إذْ هي الجاهِلَةُ بِالذّاتِ والأمّارَةُ بِالسُّوءِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ قابِلَ الشُّرْطِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ فَإنَّ الِاهْتِداءَ بِهِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ يُدْرِكُ قَوْلَ كُلِّ ضالٍّ ومُهْتَدٍ وفِعْلَهُ وإنْ أخْفاهُ.
سبأ 34:51
﴿وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ عِنْدَ المَوْتِ أوِ البَعْثِ أوْ يَوْمَ بَدْرٍ، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا. ﴿فَلا فَوْتَ﴾ فَلا يَفُوتُونَ اللَّهَ بِهَرَبٍ أوْ تَحَصُّنٍ. ﴿وَأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ مِن ظَهْرِ الأرْضِ إلى بَطْنِها، أوْ مِنَ المَوْقِفِ إلى النّارِ أوْ مِن صَحْراءِ بَدْرٍ إلى القَلِيبِ، والعَطْفُ عَلى ( فَزِعُوا ) أوْ لا فَوْتَ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «وَأُخِذَ» عَطْفًا عَلى مَحَلِّهِ أيْ: فَلا فَوْتَ هُناكَ وهُناكَ أُخِذَ.
سبأ 34:52
.(p-252)
﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ﴾ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ﴾ . ﴿وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ ومِن أيْنَ لَهم أنْ يَتَناوَلُوا الإيمانَ تَناوُلًا سَهْلًا. ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ فَإنَّهُ في حَيِّزِ التَّكْلِيفِ وقَدْ بَعُدَ عَنْهم، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في الِاسْتِخْلاصِ بِالإيمانِ بَعْدَ ما فاتَ عَنْهم أوانُهُ وبَعُدَ عَنْهم، بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَ الشَّيْءَ مِن غَلْوَةِ تَناوُلِهِ مِن ذِراعٍ في الِاسْتِحالَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكُوفِيُّونَ غَيْرَ حَفْصٍ بِالهَمْزِ عَلى قَلْبِ الواوِ لِضَمَّتِها.
أوْ أنَّهُ مِن نَأشْتُ الشَّيْءَ إذا طَلَبْتُهُ قالَ رُؤْبَةُ:
؎ أقْحَمَنِي جارُ أبِي الجامُوشِ. . . إلَيْكَ نَأْشَ القَدَرِ النُّؤُوشِ
أوْ مِن نَأشْتُ إذا تَأخَّرْتُ ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎ تَمَنّى نَشِيشًا أنْ يَكُونَ أطاعَنِي. . . ∗∗∗ وقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ
فَيَكُونُ بِمَعْنى التَّناوُلِ مِن بَعْدُ.
سبأ 34:53
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ بِالعَذابِ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ ذَلِكَ أوانُ التَّكْلِيفِ.
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ﴾ ويَرْجُمُونَ بِالظَّنِّ ويَتَكَلَّمُونَ بِما لَمْ يَظْهَرْ لَهم في الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المُطاعِنِ، أوْ في العَذابِ مِنَ البَتِّ عَلى نَفْيِهِ. ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ مِن جانِبٍ بَعِيدٍ مِن أمْرِهِ، وهو الشُّبَهُ الَّتِي تَمَحَّلُوها في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ، أوْ حالُ الآخِرَةِ كَما حَكاهُ مِن قَبْلُ. ولَعَلَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في ذَلِكَ بِحالِ مَن يَرْمِي شَيْئًا لا يَراهُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لا مَجالَ لِلظَّنِّ في لُحُوقِهِ، وقُرِئَ «وَيُقْذَفُونَ» عَلى أنَّ الشَّيْطانَ يُلْقِي إلَيْهِمْ ويُلَقِّنُهم ذَلِكَ، والعَطْفُ عَلى ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ عَلى قالُوا فَيَكُونُ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ بِحالِ القاذِفِ في تَحْصِيلِ ما ضَيَّعُوهُ مِنَ الإيمانِ في الدُّنْيا.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ مِن نَفْعِ الإيمانِ والنَّجاةِ بِهِ مِنَ النّارِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِإشْمامِ الضَّمِّ لِلِحاءِ. ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾ بِأشْباهِهِمْ مِن كَفَرَةِ الأُمَمِ الدّارِجَةِ. ﴿إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ مَوْقِعٌ في الرِّيبَةِ، أوْ ذِي رِيبَةٍ مَنقُولٌ مِنَ المُشَكِّكِ، أوِ الشَّكُّ نُعِتَ بِهِ الشَّكُّ لِلْمُبالَغَةِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن قَرَأ سُورَةَ سَبَأٍ لَمْ يَبْقَ رَسُولٌ ولا نَبِيٌّ إلّا كانَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ رَفِيقًا ومُصافِحًا» .
سبأ 34:54
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ بِالعَذابِ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ ذَلِكَ أوانُ التَّكْلِيفِ.
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ﴾ ويَرْجُمُونَ بِالظَّنِّ ويَتَكَلَّمُونَ بِما لَمْ يَظْهَرْ لَهم في الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المُطاعِنِ، أوْ في العَذابِ مِنَ البَتِّ عَلى نَفْيِهِ. ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ مِن جانِبٍ بَعِيدٍ مِن أمْرِهِ، وهو الشُّبَهُ الَّتِي تَمَحَّلُوها في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ، أوْ حالُ الآخِرَةِ كَما حَكاهُ مِن قَبْلُ. ولَعَلَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في ذَلِكَ بِحالِ مَن يَرْمِي شَيْئًا لا يَراهُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لا مَجالَ لِلظَّنِّ في لُحُوقِهِ، وقُرِئَ «وَيُقْذَفُونَ» عَلى أنَّ الشَّيْطانَ يُلْقِي إلَيْهِمْ ويُلَقِّنُهم ذَلِكَ، والعَطْفُ عَلى ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ عَلى قالُوا فَيَكُونُ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ بِحالِ القاذِفِ في تَحْصِيلِ ما ضَيَّعُوهُ مِنَ الإيمانِ في الدُّنْيا.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ مِن نَفْعِ الإيمانِ والنَّجاةِ بِهِ مِنَ النّارِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِإشْمامِ الضَّمِّ لِلِحاءِ. ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾ بِأشْباهِهِمْ مِن كَفَرَةِ الأُمَمِ الدّارِجَةِ. ﴿إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ مَوْقِعٌ في الرِّيبَةِ، أوْ ذِي رِيبَةٍ مَنقُولٌ مِنَ المُشَكِّكِ، أوِ الشَّكُّ نُعِتَ بِهِ الشَّكُّ لِلْمُبالَغَةِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن قَرَأ سُورَةَ سَبَأٍ لَمْ يَبْقَ رَسُولٌ ولا نَبِيٌّ إلّا كانَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ رَفِيقًا ومُصافِحًا» .