Lafzullah

Tafsir Al-Nasafi — النساء 4:1 – المائدة 5:120

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Nasafi

المحتويات
  1. النساء 4:1
  2. النساء 4:2
  3. النساء 4:3
  4. النساء 4:4
  5. النساء 4:5
  6. النساء 4:6
  7. النساء 4:7
  8. النساء 4:8
  9. النساء 4:9
  10. النساء 4:10
  11. النساء 4:11
  12. النساء 4:12
  13. النساء 4:13
  14. النساء 4:14
  15. النساء 4:15
  16. النساء 4:16
  17. النساء 4:17
  18. النساء 4:18
  19. النساء 4:19
  20. النساء 4:20
  21. النساء 4:21
  22. النساء 4:22
  23. النساء 4:23
  24. النساء 4:24
  25. النساء 4:25
  26. النساء 4:26
  27. النساء 4:27
  28. النساء 4:28
  29. النساء 4:29
  30. النساء 4:30
  31. النساء 4:31
  32. النساء 4:32
  33. النساء 4:33
  34. النساء 4:34
  35. النساء 4:35
  36. النساء 4:36
  37. النساء 4:37
  38. النساء 4:38
  39. النساء 4:39
  40. النساء 4:40
  41. النساء 4:41
  42. النساء 4:42
  43. النساء 4:43
  44. النساء 4:44
  45. النساء 4:45
  46. النساء 4:46
  47. النساء 4:47
  48. النساء 4:48
  49. النساء 4:49
  50. النساء 4:50
  51. النساء 4:51
  52. النساء 4:52
  53. النساء 4:53
  54. النساء 4:54
  55. النساء 4:55
  56. النساء 4:56
  57. النساء 4:57
  58. النساء 4:58
  59. النساء 4:59
  60. النساء 4:60
  61. النساء 4:61
  62. النساء 4:62
  63. النساء 4:63
  64. النساء 4:64
  65. النساء 4:65
  66. النساء 4:66
  67. النساء 4:67
  68. النساء 4:68
  69. النساء 4:69
  70. النساء 4:70
  71. النساء 4:71
  72. النساء 4:72
  73. النساء 4:73
  74. النساء 4:74
  75. النساء 4:75
  76. النساء 4:76
  77. النساء 4:77
  78. النساء 4:78
  79. النساء 4:79
  80. النساء 4:80
  81. النساء 4:81
  82. النساء 4:82
  83. النساء 4:83
  84. النساء 4:84
  85. النساء 4:85
  86. النساء 4:86
  87. النساء 4:87
  88. النساء 4:88
  89. النساء 4:89
  90. النساء 4:90
  91. النساء 4:91
  92. النساء 4:92
  93. النساء 4:93
  94. النساء 4:94
  95. النساء 4:95
  96. النساء 4:96
  97. النساء 4:97
  98. النساء 4:98
  99. النساء 4:99
  100. النساء 4:100
  101. النساء 4:101
  102. النساء 4:102
  103. النساء 4:103
  104. النساء 4:104
  105. النساء 4:105
  106. النساء 4:106
  107. النساء 4:107
  108. النساء 4:108
  109. النساء 4:109
  110. النساء 4:110
  111. النساء 4:111
  112. النساء 4:112
  113. النساء 4:113
  114. النساء 4:114
  115. النساء 4:115
  116. النساء 4:116
  117. النساء 4:117
  118. النساء 4:118
  119. النساء 4:119
  120. النساء 4:120
  121. النساء 4:121
  122. النساء 4:122
  123. النساء 4:123
  124. النساء 4:124
  125. النساء 4:125
  126. النساء 4:126
  127. النساء 4:127
  128. النساء 4:128
  129. النساء 4:129
  130. النساء 4:130
  131. النساء 4:131
  132. النساء 4:132
  133. النساء 4:133
  134. النساء 4:134
  135. النساء 4:135
  136. النساء 4:136
  137. النساء 4:137
  138. النساء 4:138
  139. النساء 4:139
  140. النساء 4:140
  141. النساء 4:141
  142. النساء 4:142
  143. النساء 4:143
  144. النساء 4:144
  145. النساء 4:145
  146. النساء 4:146
  147. النساء 4:147
  148. النساء 4:148
  149. النساء 4:149
  150. النساء 4:150
  151. النساء 4:151
  152. النساء 4:152
  153. النساء 4:153
  154. النساء 4:154
  155. النساء 4:155
  156. النساء 4:156
  157. النساء 4:157
  158. النساء 4:158
  159. النساء 4:159
  160. النساء 4:160
  161. النساء 4:161
  162. النساء 4:162
  163. النساء 4:163
  164. النساء 4:164
  165. النساء 4:165
  166. النساء 4:166
  167. النساء 4:167
  168. النساء 4:168
  169. النساء 4:169
  170. النساء 4:170
  171. النساء 4:171
  172. النساء 4:172
  173. النساء 4:173
  174. النساء 4:174
  175. النساء 4:175
  176. النساء 4:176
  177. المائدة 5:1
  178. المائدة 5:2
  179. المائدة 5:3
  180. المائدة 5:4
  181. المائدة 5:5
  182. المائدة 5:6
  183. المائدة 5:7
  184. المائدة 5:8
  185. المائدة 5:9
  186. المائدة 5:10
  187. المائدة 5:11
  188. المائدة 5:12
  189. المائدة 5:13
  190. المائدة 5:14
  191. المائدة 5:15
  192. المائدة 5:16
  193. المائدة 5:17
  194. المائدة 5:18
  195. المائدة 5:19
  196. المائدة 5:20
  197. المائدة 5:21
  198. المائدة 5:22
  199. المائدة 5:23
  200. المائدة 5:24
  201. المائدة 5:25
  202. المائدة 5:26
  203. المائدة 5:27
  204. المائدة 5:28
  205. المائدة 5:29
  206. المائدة 5:30
  207. المائدة 5:31
  208. المائدة 5:32
  209. المائدة 5:33
  210. المائدة 5:34
  211. المائدة 5:35
  212. المائدة 5:36
  213. المائدة 5:37
  214. المائدة 5:38
  215. المائدة 5:39
  216. المائدة 5:40
  217. المائدة 5:41
  218. المائدة 5:42
  219. المائدة 5:43
  220. المائدة 5:44
  221. المائدة 5:45
  222. المائدة 5:46
  223. المائدة 5:47
  224. المائدة 5:48
  225. المائدة 5:49
  226. المائدة 5:50
  227. المائدة 5:51
  228. المائدة 5:52
  229. المائدة 5:53
  230. المائدة 5:54
  231. المائدة 5:55
  232. المائدة 5:56
  233. المائدة 5:57
  234. المائدة 5:58
  235. المائدة 5:59
  236. المائدة 5:60
  237. المائدة 5:61
  238. المائدة 5:62
  239. المائدة 5:63
  240. المائدة 5:64
  241. المائدة 5:65
  242. المائدة 5:66
  243. المائدة 5:67
  244. المائدة 5:68
  245. المائدة 5:69
  246. المائدة 5:70
  247. المائدة 5:71
  248. المائدة 5:72
  249. المائدة 5:73
  250. المائدة 5:74
  251. المائدة 5:75
  252. المائدة 5:76
  253. المائدة 5:77
  254. المائدة 5:78
  255. المائدة 5:79
  256. المائدة 5:80
  257. المائدة 5:81
  258. المائدة 5:82
  259. المائدة 5:83
  260. المائدة 5:84
  261. المائدة 5:85
  262. المائدة 5:86
  263. المائدة 5:87
  264. المائدة 5:88
  265. المائدة 5:89
  266. المائدة 5:90
  267. المائدة 5:91
  268. المائدة 5:92
  269. المائدة 5:93
  270. المائدة 5:94
  271. المائدة 5:95
  272. المائدة 5:96
  273. المائدة 5:97
  274. المائدة 5:98
  275. المائدة 5:99
  276. المائدة 5:100
  277. المائدة 5:101
  278. المائدة 5:102
  279. المائدة 5:103
  280. المائدة 5:104
  281. المائدة 5:105
  282. المائدة 5:106
  283. المائدة 5:107
  284. المائدة 5:108
  285. المائدة 5:109
  286. المائدة 5:110
  287. المائدة 5:111
  288. المائدة 5:112
  289. المائدة 5:113
  290. المائدة 5:114
  291. المائدة 5:115
  292. المائدة 5:116
  293. المائدة 5:117
  294. المائدة 5:118
  295. المائدة 5:119
  296. المائدة 5:120

النساء 4:1

(p-٣٢٦)سُورَةُ النِساءِ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿يا أيُّها الناسُ﴾ يا بَنِي آدَمَ ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ فَرْعُكم مِن أصْلٍ واحِدٍ، وهو نَفْسُ آدَمَ أبِيكم ﴿وَخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، أنْشَأها، وخَلَقَ مِنها زَوْجَها، والمَعْنى: شَعَّبَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ هَذِهِ صِفَتُها، وهي أنَّهُ أنْشَأها مِن تُرابٍ، وخَلَقَ مِنها زَوْجَها حَوّاءَ مِن ضِلَعٍ مِن أضْلاعِهِ. ﴿وَبَثَّ مِنهُما﴾ [وَنَشَرَ مِن آدَمَ وحَوّاءَ ﴿رِجالا كَثِيرًا ونِساءً﴾ كَثِيرَةً، أيْ: وبَثَّ مِنهُما نَوْعَيْ جِنْسِ الإنْسِ، وهُما الذُكُورُ والإناثُ]. فَوَصَفَها بِصِفَةٍ هي بَيانٌ وتَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِهِمْ مِنها، أوْ عَلى خَلْقِكُمْ، والخِطابُ في ﴿يا أيُّها الناسُ﴾ لِلَّذِينِ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، والمَعْنى: خَلَقَكم مِن نَفْسِ آدَمَ، وخَلَقَ مِنها أمَّكم حَوّاءَ، وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً غَيْرَكم مِنَ الأُمَمِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ، فَإنْ قُلْتَ: الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَظْمِ أنْ يُجاءَ عَقِيبَ الأمْرِ بِالتَقْوى بِما يَدْعُو إلَيْها، فَكَيْفَ كانَ خِلْقُهُ إيّاهم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ عَلى التَفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ داعِيًا إلَيْها؟ قُلْتُ: لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، ومَن قَدَرَ عَلى نَحْوِهِ كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومِنَ المَقْدُوراتِ عِقابُ (p-٣٢٧)الكُفّارِ والفُجّارِ، فالنَظَرُ فِيهِ يُؤَدِّي إلى أنْ يَتَّقِيَ القادِرُ عَلَيْهِ، ويَخْشى عِقابَهُ، ولِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى النِعْمَةِ السابِغَةِ عَلَيْهِمْ، فَحَقُّهم أنْ يَتَّقُوهُ في كُفْرانِها، قالَ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ: « "خُلِقَتِ المَرْأةُ مِنَ الرَجُلِ فَهَمُّها في الرَجُلِ، وخُلِقَ الرَجُلُ مِنَ التُرابِ فَهَمُّهُ في التُرابِ". »﴿واتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ والأصْلُ: تَتَساءَلُونَ، فَأُدْغِمَتِ التاءُ في السِينِ بَعْدَ إبْدالِها سِينًا لِقُرْبِ التاءِ مِنَ السِينِ لِلْهَمْسِ، (تَساءَلُونَ بِهِ) بِالتَخْفِيفِ- كُوفِيٌّ، عَلى حَذْفِ التاءِ الثانِيَةِ اسْتِثْقالًا، لِاجْتِماعِ التاءَيْنِ، أيْ: يَسْألُ بَعْضُكم بَعْضًا بِاللهِ وبِالرَحِمِ، افْعَلْ كَذا، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ. ﴿والأرْحامَ﴾ بِالنَصْبِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، أيْ: واتَّقُوا الأرْحامَ أنْ تَقْطَعُوها، أوْ عَلى مَوْضِعِ الجارِّ والمَجْرُورِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، أوْ بِالجَرِّ، حَمْزَةُ، عَلى عَطْفِ الظاهِرِ عَلى الضَمِيرِ، وهو ضَعِيفٌ، لِأنَّ الضَمِيرَ المُتَّصِلَ كاسْمِهِ مُتَّصِلٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَأشْبَهَ العَطْفَ عَلى بَعْضِ الكَلِمَةِ ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ حافِظًا أوْ عالِمًا.

النساء 4:2

﴿وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ ماتَ آباؤُهم فانْفَرَدُوا عَنْهم. واليُتْمُ: الِانْفِرادُ، ومِنهُ: الدُرَّةُ اليَتِيمَةُ، وقِيلَ: اليُتْمُ في الأناسِيِّ مِن قِبَلِ الآباءِ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمَّهاتِ. وحَقُّ هَذا الِاسْمِ أنْ يَقَعَ عَلى الصِغارِ والكِبارِ، لِبَقاءِ مَعْنى الِانْفِرادِ عَنِ الآباءِ، إلّا أنَّهُ قَدْ غَلَبَ أنْ يُسَمُّوا بِهِ قَبْلَ أنْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ الرِجالِ، فَإذا اسْتَغْنَوْا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ كافِلٍ وقائِمٍ عَلَيْهِمْ زالَ هَذا الِاسْمُ عَنْهم. وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لا يُتْمَ بَعْدَ الحُلُمِ" » تَعْلِيمُ شَرِيعَةٍ لا لُغَةٌ. يَعْنِي: أنَّهُ إذا احْتَلَمَ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ أحْكامُ الصِغارِ، والمَعْنى: وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم بَعْدَ (p-٣٢٨)البُلُوغِ. وسَمّاهم يَتامى، لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ -إذا بَلَغُوا- بِالصِغَرِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى ألّا يُؤَخَّرَ دَفْعُ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ عَنْ حَدِّ البُلُوغِ إنْ أُونِسَ مِنهُمُ الرُشْدُ، وأنْ يُؤْتُوها قَبْلَ أنْ يَزُولَ عَنْهُمُ اسْمُ اليَتامى والصِغارِ ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَيِّبِ﴾ ولا تَسْتَبْدِلُوا الحَرامَ -وَهُوَ مالُ اليَتامى- بِالحَلالِ -وَهُوَ مالُكُمْ-، أوْ لا تَسْتَبْدِلُوا الأمْرَ الخَبِيثَ -وَهُوَ اخْتِزالُ أمْوالِ اليَتامى- بِالأمْرِ الطَيِّبِ -وَهُوَ حِفْظُها، والتَوَرُّعُ عَنْها-. والتَفَعُّلُ بِمَعْنى الِاسْتِفْعالِ غَيْرُ عَزِيزٍ، ومِنهُ التَعَجُّلُ بِمَعْنى الِاسْتِعْجالِ، ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ "إلى" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُضافَةً إلى أمْوالِكُمْ، والمَعْنى: ولا تَضُمُّوها إلَيْها في الإنْفاقِ حَتّى تُفَرِّقُوا بَيْنَ أمْوالِكم وأمْوالِهِمْ قِلَّةَ مُبالاةٍ بِما لا يَحِلُّ لَكُمْ، وتَسْوِيَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَلالِ. ﴿إنَّهُ﴾ إنَّ أكْلَها ﴿كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ ذَنْبًا عَظِيمًا.

النساء 4:3

﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا﴾ أيْ: لا تَعْدِلُوا، أقْسَطَ، أيْ: عَدَلَ. ﴿فِي اليَتامى﴾ [يُقالُ لِلْإناثِ اليَتامى، كَما يُقالُ لِلذُّكُورِ، وهو جَمْعُ يَتِيمَةٍ ويَتِيمٍ، وأمّا أيْتامُ فَجَمْعُ يَتِيمٍ لا غَيْرُ] ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ ما حَلَّ لَكم ﴿مِنَ النِساءِ﴾ لِأنَّ مِنهُنَّ ما حَرَّمَ اللهُ كاللاتِي في آيَةِ التَحْرِيمِ. وقِيلَ: "ما" ذَهابًا إلى الصِفَةِ، لِأنَّ "ما" يَجِيءُ في صِفاتِ مَن يَعْقِلُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الطَيِّباتِ مِنَ النِساءِ، ولِأنَّ الإناثَ مِنَ العُقَلاءِ يَجْرِينَ مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قِيلَ: كانُوا لا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الزِنا، ويَتَحَرَّجُونَ مِن وِلايَةِ اليَتامى، فَقِيلَ: إنْ خِفْتُمُ الجَوْرَ في حَقِّ اليَتامى فَخافُوا الزِنا، فانْكِحُوا ما حَلَّ لَكم مِنَ النِساءِ، ولا تَحُومُوا حَوْلَ المُحَرَّماتِ، أوْ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الوِلايَةِ في أمْوالِ اليَتامى، ولا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الِاسْتِكْثارِ مِنَ النِساءِ، مَعَ أنَّ الجَوْرَ يَقَعُ بَيْنَهُنَّ إذا كَثُرْنَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا تَحَرَّجْتُمْ مِن هَذا فَتَحَرَّجُوا مِن ذَلِكَ. وقِيلَ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا فِي﴾ نِكاحِ ﴿اليَتامى فانْكِحُوا﴾ مِنَ البالِغاتِ، يُقالُ: طابَتِ الثَمَرَةُ، (p-٣٢٩)أيْ: أدْرَكَتْ، ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ نَكِراتٍ، وإنَّما مُنِعَتِ الصَرْفَ لِلْعَدْلِ والوَصْفِ، وعَلَيْهِ دَلَّ كَلامُ سِيبَوَيْهِ، ومَحَلُّهُنَّ النَصْبُ عَلى الحالِ مِنَ النِساءِ، أوْ مِمّا طابَ، تَقْدِيرُهُ: فانْكِحُوا الطَيِّباتِ لَكم مَعْدُوداتٍ هَذا العَدَدَ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، وثَلاثًا ثَلاثًا، وأرْبَعًا أرْبَعًا. فَإنْ قُلْتَ: الَّذِي أُطْلِقَ لِلنّاكِحِ في الجَمْعِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ أوْ أرْبَعٍ، فَما مَعْنى التَكْرِيرِ في مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ؟ قُلْتُ: الخِطابُ لِلْجَمِيعِ، فَوَجَبَ التَكْرِيرُ لِيُصِيبَ كُلُّ ناكِحٍ يُرِيدُ الجَمْعَ ما أرادَ مِنَ العَدَدِ الَّذِي أُطْلِقَ لَهُ، كَما تَقُولُ لِلْجَماعَةِ: اقْتَسِمُوا هَذا المالَ -وَهُوَ ألْفُ دِرْهَمٍ- دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، وثَلاثَةً ثَلاثَةً، وأرْبَعَةً أرْبَعَةً. ولَوْ أفْرَدْتَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى. وجِيءَ بِالواوِ لِتَدُلَّ عَلى تَجْوِيزِ الجَمْعِ بَيْنَ الفِرَقِ، ولَوْ جِيءَ بَأْوْ مَكانَها لَذَهَبَ مَعْنى التَجْوِيزِ. ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا﴾ بَيْنَ هَذِهِ الأعْدادِ ﴿فَواحِدَةً﴾ فالزَمُوا، أوْ فاخْتارُوا واحِدَةً. ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ سَوّى في اليُسْرِ بَيْنَ الحُرَّةِ الواحِدَةِ وبَيْنَ الإماءِ مِن غَيْرِ حَصْرٍ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى اخْتِيارِ الواحِدَةِ والتَسَرِّي ﴿أدْنى ألا تَعُولُوا﴾ أقْرَبُ مِن ألّا تَمِيلُوا أوْ لا تَجُورُوا، يُقالُ: عالَ المِيزانَ عَوْلًا: إذا مالَ، وعالَ الحاكِمُ في حُكْمِهِ: إذا جارَ، ويُحْكى عَنِ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ألا تَعُولُوا﴾ ألّا تَكْثُرَ عِيالُكم. واعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ يُقالُ: أعالَ يُعِيلُ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ. وأُجِيبَ بِأنْ يُجْعَلَ مِن قَوْلِكَ: عالَ الرَجُلُ عِيالَهُ يَعُولُهُمْ، كَقَوْلِكَ: مانَهم يَمُونُهُمْ: إذا أنْفَقَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ مَن كَثُرَ عِيالُهُ لَزِمَهُ أنْ يَعُولَهُمْ، وفي ذَلِكَ ما يَصْعُبُ عَلَيْهِ المُحافَظَةُ عَلى حُدُودِ الوَرَعِ وكَسْبِ الحَلالِ، وكَلامُ مِثْلِهِ مِن أعْلامِ العِلْمِ حَقِيقٌ بِالحَمْلِ عَلى السَدادِ، وألّا يُظَنَّ بِهِ تَحْرِيفُ تُعِيلُوا إلى تَعُولُوا، كَأنَّهُ سَلَكَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ طَرِيقَةَ الكِناياتِ.

النساء 4:4

﴿وَآتُوا النِساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ مُهُورَهُنَّ ﴿نِحْلَةً﴾ مِن نَحَلَهُ كَذا: إذا أعْطاهُ إيّاهُ، ووَهَبَهُ لَهُ عَنْ طِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ، نِحْلَةً ونِحْلًا، وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ النِحْلَةَ والإيتاءَ بِمَعْنى الإعْطاءِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وانْحِلُوا النِساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً، أيْ: أعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ عَنْ طِيبَةِ أنْفُسِكُمْ، أوْ عَلى الحالِ مِنَ المُخاطَبِينَ، أيْ: (p-٣٣٠)آتَوْهُنَّ صَدُقاتِهِنَّ ناحِلِينَ طَيِّبِي النُفُوسِ والإعْطاءِ، أوْ مِنَ الصَدَقاتِ، أيْ: مَنحُولَةً مُعْطاةً عَنْ طِيبَةِ الأنْفُسِ، وقِيلَ: نِحْلَةً مِنَ اللهِ تَعالى: عَطِيَّةً مِن عِنْدِهِ وتَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِنَّ. وقِيلَ: النِحْلَةُ: المِلَّةُ، وفُلانٌ يَنْتَحِلُ كَذا، أيْ: يَدِينُ بِهِ، يَعْنِي: وآتَوْهُنَّ مُهُورَهُنَّ دِيانَةً، عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَها، والخِطابُ لِلْأزْواجِ، وقِيلَ: لِلْأوْلِياءِ، لِأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ مُهُورَ بَناتِهِمْ. ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ لِلْأزْواجِ ﴿عَنْ شَيْءٍ مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ الصَداقِ، إذْ هو في مَعْنى الصَدَقاتِ. ﴿نَفْسًا﴾ تَمْيِيزٌ، وتَوْحِيدُها، لِأنَّ الغَرَضَ بَيانُ الجِنْسِ، والواحِدُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: فَإنْ وهَبْنَ لَكم شَيْئًا مِنَ الصَداقِ، وتَجافَتْ عَنْهُ نُفُوسُهُنَّ طَيِّباتٍ غَيْرَ مُخْبَثاتٍ بِما يَضْطَرُّهُنَّ إلَيْهِ الهِبَةِ مِن شَكاسَةِ أخْلاقِكُمْ، وسُوءِ مُعاشَرَتِكم. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ضِيقِ المَسْلَكِ في ذَلِكَ ووُجُوبِ الِاحْتِياطِ حَيْثُ بَنى الشَرْطَ عَلى طِيبِ النَفْسِ، فَقِيلَ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنْ وهَبْنَ لَكم إعْلامًا بِأنَّ المُراعى هو تَجافِي نَفْسِها عَنِ المَوْهُوبِ طِيبَةً. ﴿فَكُلُوهُ﴾ الهاءُ تَعُودُ عَلى شَيْءٍ ﴿هَنِيئًا﴾ لا إثْمَ فِيهِ ﴿مَرِيئًا﴾ لا داءَ فِيهِ. فَسَّرَهُما النَبِيُّ ﷺ أوْ هَنِيئًا في الدُنْيا بِلا مُطالَبَةٍ، مَرِيئًا في العُقْبى لا تَبِعَةَ، وهُما صِفَتانِ مِن: هَنُؤَ الطَعامُ ومَرُؤَ، إذا كانَ سائِغًا لا تَنْغِيصَ فِيهِ، وهُما وصْفُ مَصْدَرٍ، أيْ: أكْلًا هَنِيئًا مَرِيئًا، أوْ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ، أيْ: كُلُوهُ، وهو هَنِيءٌ مَرِيءٌ. وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ المُبالَغَةِ في الإباحَةِ، وإزالَةِ التَبِعَةِ، هَنِيًّا مَرِيًّا بِغَيْرِ هَمْزٍ: يَزِيدُ، وكَذا حَمْزَةُ في الوَقْفِ، وهَمَزَهُما الباقُونَ. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إذا اشْتَكى أحَدُكم شَيْئًا فَلْيَسْألِ امْرَأتَهُ ثَلاثَةَ دَراهِمَ مِن صَداقِها، ثُمَّ لِيَشْتَرِ بِها عَسَلًا فَلْيُشِرْ بِهِ بِماءِ السَماءِ، فَيَجْمَعُ اللهُ لَهُ هَنِيئًا ومَرِيئًا وشِفاءً ومُبارَكًا.

النساء 4:5

﴿وَلا تُؤْتُوا السُفَهاءَ﴾ المُبَذِّرِينَ أمْوالَهُمُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَها فِيما لا يَنْبَغِي، ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى إصْلاحِها، وتَثْمِيرِها، والتَصَرُّفِ فِيها، والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، وأضافَ إلى الأوْلِياءِ أمْوالَ السُفَهاءِ، بِقَوْلِهِ: ﴿أمْوالَكُمُ﴾ لِأنَّهم يَلُونَها، (p-٣٣١)وَيُمْسِكُونَها. ﴿الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكم قِيامًا﴾ أيْ: قَوامًا لِأبْدانِكُمْ، ومَعاشًا لِأهْلِكُمْ، وأوْلادِكُمْ، (قِيَمًا) بِمَعْنى: قِيامًا، نافِعٌ، وشامِيٌّ، كَما جاءَ عِوَذا بِمَعْنى عِياذًا، وأصْلُ قِيامٍ: قِوامٌ فَجُعِلَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وكانَ السَلَفُ يَقُولُونَ: المالُ سِلاحُ المُؤْمِنِ، ولَأنْ أتْرُكَ ما لا يُحاسِبُنِي اللهُ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِن أنْ أحْتاجَ إلى الناسِ، وعَنْ سُفْيانَ -وَكانَ لَهُ بِضاعَةً يُقَلِّبُها-: لَوْلاها لَتَمْنَدَلَ بِيَ بَنُو العَبّاسِ، ﴿وارْزُقُوهم فِيها﴾ واجْعَلُوها مَكانًا لِرِزْقِهِمْ، بِأنْ تَتَّجِرُوا فِيها، وتَتَرَبَّحُوا، حَتّى تَكُونَ نَفَقَتُهم مِنَ الأرْباحِ لا مِن صُلْبِ المالِ، فَيَأْكُلُها الإنْفاقُ ﴿واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ قالَ ابْنُ جُرَيٍجٍ: عِدَةٌ جَمِيلَةٌ: إنْ صَلَحْتُمْ ورَشَدْتُمْ سَلَّمْنا إلَيْكم أمْوالَكم. وكُلُّ ما سَكَنَتْ إلَيْهِ النَفْسُ الحَسَنَةُ عَقْلًا أوْ شَرْعًا مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ، فَهو مَعْرُوفٌ، وما أنْكَرْتَهُ لِقُبْحِهِ، فَهو مُنْكَرٌ.

النساء 4:6

﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ واخْتَبِرُوا عُقُولَهُمْ، وذُوقُوا أحْوالَهم ومَعْرِفَتَهم بِالتَصَرُّفِ قَبْلَ البُلُوغِ، فالِابْتِلاءُ عِنْدَنا: أنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ ما يَتَصَرَّفُ فِيهِ حَتّى تَتَبَيَّنَ حالُهُ فِيما يَجِيءُ مِنهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ إذْنِ الصَبِيِّ العاقِلِ في التِجارَةِ ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِكاحَ﴾ أيِ: الحُلُمُ، لِأنَّهُ يَصْلُحُ لِلنِّكاحِ عِنْدَهُ، ولِطَلَبِ ما هو مَقْصُودٌ بِهِ، وهو التَوالُدُ. ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهُمْ﴾ تَبَيَّنْتُمْ ﴿رُشْدًا﴾ هِدايَةً في التَصَرُّفاتِ، وصَلاحًا في المُعامَلاتِ، ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ حَدِّ البُلُوغِ. ونَظَمَ هَذا الكَلامُ أنَّ ما بَعْدَ حَتّى إلى ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ جُعِلَ غايَةً لِلِابْتِلاءِ، وهي "حَتّى" الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ؎ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أشْكَلُ والواقِعَةُ بَعْدَها جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، لِأنَّ إذا مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى الشَرْطِ، وفِعْلُ الشَرْطِ: (p-٣٣٢)بَلَغُوا النِكاحَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مِن شَرْطٍ وجَزاءٍ واقِعَةٍ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، الَّذِي هو ﴿إذا بَلَغُوا النِكاحَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وابْتُلُوا اليَتامى إلى وقْتِ بُلُوغِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمْ دَفْعَ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ بِشَرْطِ إيناسِ الرُشْدِ مِنهُمْ، وتَنْكِيرُ الرُشْدِ يُفِيدُ أنَّ المُرادَ رُشْدٌ مَخْصُوصٌ، وهو الرُشْدُ في التَصَرُّفِ والتِجارَةِ، أوْ يُفِيدُ التَقْلِيلَ، أيْ: طَرَفًا مِنَ الرُشْدِ حَتّى لا يُنْتَظَرَ بِهِ تَمامُ الرُشْدِ، وهو دَلِيلٌ لَأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ في دَفْعِ المالِ عِنْدَ بُلُوغِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً ﴿وَلا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ ولا تَأْكُلُوها مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ كِبَرَهُمْ، فَإسْرافًا وبِدارًا مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، و﴿أنْ يَكْبَرُوا﴾ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ مَنصُوبُ المَوْضِعِ بِبِدارًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مَفْعُولًا لَهُما، أيْ: لِإسْرافِكم ومُبادَرَتِكم كِبَرَهم تُفَرِّطُونَ في إنْفاقِها، وتَقُولُونَ: نُنْفِقُ فِيما نَشْتَهِي قَبْلَ أنْ يَكْبُرَ اليَتامى، فَيَنْتَزِعُوها مِن أيْدِينا. ﴿وَمَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ قَسَّمَ الأمْرَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الوَصِيُّ غَنِيًّا، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ فَقِيرًا، فالغَنِيُّ يَسْتَعْفِفُ مِن أكْلِها، أيْ: يَحْتَرِزُ مِن أكْلِ مالِ اليَتِيمِ، واسْتَعَفَّ أبْلَغُ مَن عَفَّ، كَأنَّهُ طالِبٌ زِيادَةَ العِفَّةِ، والفَقِيرُ يَأْكُلُ قُوتًا مُقَدَّرًا مُحْتاطًا في أكْلِهِ، عَنْ إبْراهِيمَ: ما سَدَّ الجَوْعَةَ، ووارى العَوْرَةَ، ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ بِأنَّهم تَسَلَّمُوها وقَبَضُوها دَفْعًا لِلتَّجاحُدِ، وتَفادِيًا عَنْ تَوَجُّهِ اليَمِينِ عَلَيْكم عِنْدَ التَخاصُمِ، والتَناكُرِ ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ مُحاسِبًا، فَعَلَيْكم بِالتَصادُقِ، وإيّاكم والتَكاذُبَ، أوْ هو راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: ولا يُسْرِفْ، فَإنَّ اللهَ يُحاسِبُهُ عَلَيْهِ، ويُجازِيهِ بِهِ، وفاعِلُ كَفى: لَفْظَةُ اللهِ، والباءُ زائِدَةٌ. و"كَفى" يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، دَلِيلُهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ [البَقَرَةُ: ١٣٧].

النساء 4:7

﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ (p-٣٣٣)والأقْرَبُونَ﴾ هُمُ المُتَوارِثُونَ مِن ذَوِي القَراباتِ دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾ بَدَلٌ ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ بِتَكْرِيرِ العامِلِ. والضَمِيرُ في "مِنهُ" يَعُودُ إلى ما تَرَكَ ﴿نَصِيبًا﴾ نَصْبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، بِمَعْنى: أعْنِي نَصِيبًا. ﴿مَفْرُوضًا﴾ مَقْطُوعًا لا بُدَّ لَهم مَن أنْ يَحُوزُوهُ، رُوِيَ «أنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ تَرَكَ امْرَأتَهُ أمَّ كُحَّةَ وثَلاثَ بَناتٍ، فَزَوى ابْنا عَمِّهِ مِيراثَهُ عَنْهُنَّ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِساءَ والأطْفالَ، ويَقُولُونَ: لا يَرِثُ إلّا مَنَ طاعَنَ بِالرِماحِ، وحازَ الغَنِيمَةَ، فَجاءَتْ أمُّ كُحَّةَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَشَكَتْ، فَقالَ: "ارْجِعِي حَتّى أنْظُرَ ما يُحْدِثُ اللهُ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ. فَبَعَثَ إلَيْهِما: "لا تُفَرِّقا مِن مالِ أوْسٍ شَيْئًا، فَإنَّ اللهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ لَهُنَّ نَصِيبًا، ولَمْ يُبَيِّنْ حَتّى يُبَيِّنَ" فَنَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ﴾ فَأعْطى أمَّ كُحَّةَ الثُمُنَ والبَناتِ الثُلْثَيْنِ، والباقِي ابْنَيِ العَمِّ. »

النساء 4:8

﴿وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ أيْ: قِسْمَةَ التَرِكَةِ ﴿أُولُو القُرْبى﴾ مِمَّنْ لا يَرِثُ ﴿واليَتامى والمَساكِينُ﴾ مِنَ الأجانِبِ ﴿فارْزُقُوهُمْ﴾ فاعْطُوهم "مِنهُ" " مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ". وهو أمْرُ نَدْبٍ، وهو باقٍ لَمْ يُنْسَخْ، وقِيلَ: كانَ واجِبًا في الِابْتِداءِ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ المِيراثِ ﴿وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ عُذْرًا جَمِيلًا، وعِدَةً حَسَنَةً، وقِيلَ: القَوْلُ المَعْرُوفُ: أنْ يَقُولُوا لَهُمْ: خُذُوا بارَكَ اللهُ عَلَيْكُمْ، ويَسْتَقِلُّوا ما أعْطَوْهُمْ، ولا يَمُنُّوا عَلَيْهِمْ.

النساء 4:9

﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ المُرادُ بِهِمِ: الأوْصِياءُ، أُمِرُوا بِأنْ يَخْشَوُا اللهَ فَيَخافُوا عَلى مَن في حُجُورِهِمْ مِنَ اليَتامى، فَيُشْفِقُوا عَلَيْهِمْ، خَوَّفَهم عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ لَوْ تَرَكُوهم ضِعافًا، وأنْ يُقَدِّرُوا ذَلِكَ في أنْفُسِهِمْ، ويُصَوِّرُوهُ حَتّى لا يَجْسُرُوا عَلى خِلافِ (p-٣٣٤)الشَفَقَةِ والرَحْمَةِ، و"لَوْ" مَعَ ما في حَيِّزِهِ صِلَةٌ لِلَّذِينِ، أيْ: ولْيَخْشَ الَّذِينَ صِفَتُهم وحالُهم أنَّهم لَوْ شارَفُوا أنْ يَتْرُكُوا خَلْفَهم ذُرِّيَّةً ضِعافًا -وَذَلِكَ عِنْدَ احْتِضارِهِمْ- خافُوا عَلَيْهِمُ الضَياعَ بَعْدَهُمُ لِذَهابِ كافِلِهِمْ، وجَوابُ "لَوْ" خافُوا، والقَوْلُ السَدِيدُ مِنَ الأوْصِياءِ: أنْ يُكَلِّمُوهم كَما يُكَلِّمُونَ أوْلادَهم بِالأدَبِ الحَسَنِ، والتَرْحِيبِ، ويَدْعُوهم بِـ: يا بُنَيَّ، ويا ولَدِي.

النساء 4:10

﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ ظالِمِينَ، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ﴾ مَلْءَ بُطُونِهِمْ، ﴿نارًا﴾ أيْ: يَأْكُلُونَ ما يَجُرُّ إلى النارِ، فَكَأنَّهُ نارٌ، رُوِيَ أنَّهُ يُبْعَثُ آكِلُ مالِ اليَتامى يَوْمَ القِيامَةِ، والدُخانُ يَخْرُجُ مِن قَبْرِهِ، ومِن فِيهِ، وأنْفِهِ، وأُذُنَيْهِ، فَيَعْرِفُ الناسُ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مالَ اليَتِيمِ في الدُنْيا. ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ (وَسَيُصْلَوْنَ) شامِيٌّ، وأبُو بَكْرٍ، أيْ: سَيَدْخُلُونَ ﴿سَعِيرًا﴾ نارًا مِنَ النِيرانِ، مُبْهَمَةَ الوَصْفِ.

النساء 4:11

﴿يُوصِيكُمُ اللهُ﴾ يَعْهَدُ إلَيْكُمْ، ويَأْمُرُكم ﴿فِي أوْلادِكُمْ﴾ في شَأْنِ مِيراثِهِمْ، وهَذا إجْمالٌ تَفْصِيلُهُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: لِلذَّكَرِ مِنهُمْ، أيْ: مِن أوْلادِكُمْ، فَحَذَفَ الراجِعَ إلَيْهِ، لِأنَّهُ مَفْهُومٌ، كَقَوْلِهِمِ: السَمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، وبَدَأ بِحَظِّ الذِكْرِ، ولَمْ يَقُلْ لِلْأُنْثَيَيْنِ مِثْلُ حَظِّ الذَكَرِ، أوْ لِلْأُنْثى نِصْفُ حَظِّ الذَكَرِ لِفَضْلِهِ، كَما ضُوعِفَ حَظُّهُ لِذَلِكَ، ولِأنَّهم كانُوا يُوَرِّثُونَ الذَكَرَ دُونَ الإناثِ، وهو السَبَبُ لِوُرُودِ الآيَةِ. فَقِيلَ: كَفى الذُكُورَ أنْ ضُوعِفَ لَهم نَصِيبُ الإناثِ، فَيُتَمادى في حَظِّهِنَّ حَتّى يُحْرَمْنَ مَعَ إدْلائِهِنَّ مِنَ القَرابَةِ بِمِثْلِ ما يُدْلَوْنَ بِهِ، والمُرادُ: حالُ الِاجْتِماعِ، أيْ: إذا اجْتَمَعَ الذَكَرُ والأُنْثَيانِ كانَ لَهُ سَهْمانِ، كَما أنَّ لَهُما سَهْمَيْنِ، وأمّا في حالِ الِانْفِرادِ فالِابْنُ يَأْخُذُ المالَ كُلَّهُ، والبِنْتانِ تَأْخُذانِ الثُلُثَيْنِ، والدَلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أتْبَعَهُ حُكْمَ الِانْفِرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنَّ (p-٣٣٥)نِساءً﴾ أيْ: فَإنْ كانَتِ الأوْلادُ نِساءً خُلَّصًا، يَعْنِي: بَناتٍ لَيْسَ مَعَهُنَّ ابْنٌ ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِكانَ، أوْ صِفَةٌ لِنِساءٍ، أيْ: نِساءً زائِداتٍ عَلى اثْنَتَيْنِ، ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ أيِ: المَيِّتُ، لِأنَّ الآيَةَ لَمّا كانَتْ في المِيراثِ عُلِمَ أنَّ التارِكَ هو المَيِّتُ ﴿وَإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِصْفُ﴾ أيْ: وإنْ كانَتِ المَوْلُودَةُ مُنْفَرِدَةً. (واحِدَةٌ) مَدَّنِيٌّ عَلى كانَ التامَّةِ. والنَصْبُ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً﴾ فَإنْ قُلْتَ: قَدْ ذَكَرَ حُكْمَ البِنْتَيْنِ في حالِ اجْتِماعِهِما مَعَ الِابْنِ وحُكْمَ البَناتِ والبِنْتِ في حالِ الِانْفِرادِ، ولَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ البِنْتَيْنِ في حالِ الِانْفِرادِ فَما حُكْمُهُما؟ قُلْتُ: حُكْمُهُما مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما نَزَّلَهُما مَنزِلَةَ الواحِدَةِ، لا مَنزِلَةَ الجَماعَةِ. وغَيْرُهُ مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهم أعْطَوْهُما حُكْمَ الجَماعَةِ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَن ماتَ وخَلَّفَ بِنْتًا وابْنًا، فالثُلُثُ لِلْبِنْتِ، والثُلُثانِ لِلِابْنِ، فَإذا كانَ الثُلُثُ لِبِنْتٍ واحِدَةٍ كانَ الثُلُثانِ لِلْبِنْتَيْنِ، ولِأنَّهُ قالَ في آخِرِ السُورَةِ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهو يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ والبِنْتانِ أمَسُّ رَحِمًا بِالمَيِّتِ مِنَ الأُخْتَيْنِ، فَأوْجَبُوا لَهُما ما أوْجَبَ اللهُ لِلْأُخْتَيْنِ، ولَمْ يَنْقُصُوا حَظَّهُما عَنْ حَظِّ مَن هو أبْعَدُ مِنهُما. ولِأنَّ البِنْتَ لَمّا وجَبَ لَها مَعَ أخِيها الثُلُثُ كانَ أحْرى أنْ يَجِبَ لَها الثُلُثُ إذا كانَتْ مَعَ أُخْتٍ مِثْلِها، ويَكُونُ لِأُخْتِها مَعَها مِثْلُ ما كانَ يَجِبُ لَها أيْضًا مَعَ أخِيها لَوِ انْفَرَدَتْ مَعَهُ، فَوَجَبَ لَهُما الثُلُثانِ، وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المالَ كُلَّهُ لِلذَّكَرِ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أُنْثى، لِأنَّهُ جَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وقَدْ جَعَلَ لِلْأُنْثى النِصْفَ إذا كانَتْ مُنْفَرِدَةً، فَعُلِمَ أنَّ لِلذَّكَرِ في حالِ الِانْفِرادِ ضِعْفَ النِصْفِ، وهو الكُلُّ. والضَمِيرُ فِي: ﴿وَلأبَوَيْهِ﴾ لِلْمَيِّتِ، والمُرادُ: الأبُ والأُمُّ، إلّا أنَّهُ غُلِّبَ الذَكَرُ ﴿لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُدُسُ﴾ بَدَلٌ مِن "لِأبَوَيْهِ" بِتَكْرِيرِ العامِلِ، وفائِدَةُ هَذا البَدَلِ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: ولِأبَوَيْهِ السُدُسُ لَكانَ ظاهِرُهُ اشْتِراكُهُما فِيهِ. ولَوْ قِيلَ: ولِأبَوَيْهِ السُدُسانِ لَأوْهَمَ قِسْمَةَ السُدُسَيْنِ عَلَيْهِما عَلى التَسْوِيَةِ، وعَلى خِلافِها. ولَوْ قِيلَ: (p-٣٣٦)وَلِكُلِّ واحِدٍ مِن أبَوَيْهِ السُدُسُ لَذَهَبَتْ فائِدَةُ التَأْكِيدِ، وهو التَفْصِيلُ بَعْدَ الإجْمالِ، و"السُدُسُ": مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ "لِأبَوَيْهِ" والبَدَلُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُما لِلْبَيانِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (السُدْسُ) و(الرُبْعُ) و(الثُمْنُ) و(الثُلْثُ) بِالتَخْفِيفِ. ﴿مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ﴾ هو يَقَعُ عَلى الذَكَرِ والأُنْثى ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُلُثُ﴾ أيْ: مِمّا تَرَكَ، والمَعْنى: ﴿وَوَرِثَهُ أبَواهُ﴾ فَحَسْبُ، لِأنَّهُ إذا ورِثَهُ أبَواهُ مَعَ أحَدِ الزَوْجَيْنِ كانَ لِلْأُمِّ ثُلُثُ ما يَبْقى بَعْدَ إخْراجِ نَصِيبِ الزَوْجِ، لا ثُلُثُ ما تَرَكَ، لِأنَّ الأبَ أقْوى مِنَ الأُمِّ في الإرْثِ، بِدَلِيلِ أنَّ لَهُ ضِعْفَ حَظِّها إذا خَلَصا، فَلَوْ ضَرَبَ لَها الثُلُثَ كَمَلًا لَأدّى إلى حَطِّ نَصِيبِهِ عَنْ نَصِيبِها، فَإنَّ امْرَأةً لَوْ تَرَكَتْ زَوْجًا وأبَوَيْنِ، فَصارَ لِلزَّوْجِ النِصْفُ ولِلْأُمِّ الثُلُثُ، والباقِي لِلْأبِ، حازَتِ الأُمُّ سَهْمَيْنِ والأبُ سَهَمًا واحِدًا، فَيَنْقَلِبُ الحُكْمُ إلى أنْ يَكُونَ لِلْأُنْثى مِثْلُ حَظِّ الذَكَرَيْنِ (فَلِإمِّهِ) -بِكَسْرِ الهَمْزَةِ- حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ لِمُجاوَرَةِ كَسْرِ اللامِ. ﴿فَإنْ كانَ لَهُ﴾ أيْ: لِلْمَيِّتِ ﴿إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُدُسُ﴾ إذا كانَتْ لِلْمَيِّتِ اثْنانِ مِنَ الإخْوَةِ والأخَواتِ فَصاعِدًا فَلِأُمِّهِ السُدْسُ، والأخُ الواحِدُ لا يَحْجُبُ، والأعْيانُ والعَلّاتُ والأخْيافُ في حَجْبِ الأُمِّ سَواءٌ. ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَهُ مِن قِسْمَةِ المَوارِيثِ كُلِّها، لا بِما يَلِيهِ وحْدَهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: قِسْمَةُ هَذِهِ الأنْصِباءِ ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها﴾ هو وما بَعْدَهُ بِفَتْحِ الصادِ: مَكِّيٌّ، وشامِيٌّ، وحَمّادٌ، ويَحْيى وافَقَ الأعْشى في الأُولى، وحَفْصٌ في الثانِيَةِ لِمُجاوَرَةٍ يُورَثُ، وكَسَرَ الأُولى لِمُجاوَرَةِ يُوصِيكُمُ اللهُ. الباقُونَ بِكَسْرِ الصادَيْنِ، أيْ: يُوصِي المَيِّتُ ﴿أوْ دَيْنٍ﴾ والإشْكالُ أنَّ الدَيْنَ مُقَدَّمٌ عَلى الوَصِيَّةِ في الشَرْعِ، وقُدِّمَتِ الوَصِيَّةُ عَلى الدَيْنِ في التِلاوَةِ، والجَوابُ: إنَّ "أوْ" لا تَدُلُّ عَلى التَرْتِيبِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو كانَ المَعْنى: جاءَنِي أحَدُ الرَجُلَيْنِ، فَكانَ التَقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ مِن بَعْدِ أحَدِ هَذَيْنِ الشَيْئَيْنِ الوَصِيَّةِ، أوِ الدَيْنِ، ولَوْ قِيلَ بِهَذا اللَفْظِ لَمْ (p-٣٣٧)يُدْرَ فِيهِ التَرْتِيبُ، بَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ المُؤَخَّرِ وتَأْخِيرُ المُقَدَّمِ كَذا هُنا، وإنَّما قَدَّمْنا الدَيْنَ عَلى الوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ألا إنَّ الدِينَ قَبْلَ الوَصِيَّةِ" » ولِأنَّها تُشْبِهُ المِيراثَ مِن حَيْثُ إنَّها صِلَةٌ بِلا عِوَضٍ، فَكانَ إخْراجُها مِمّا يَشُقُّ عَلى الوَرَثَةِ، وكانَ أداؤُها مَظِنَّةً لِلتَّفْرِيطِ بِخِلافِ الدَيْنِ، فَقُدِّمَتْ عَلى الدَيْنِ لِيُسارِعُوا إلى إخْراجِها مَعَ الدَيْنِ، ﴿آباؤُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿وَأبْناؤُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ ﴿لا تَدْرُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أيُّهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿أقْرَبُ لَكُمْ﴾ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَدْرُونَ" ﴿نَفْعًا﴾ تَمْيِيزٌ، والمَعْنى: فَرَضَ اللهُ الفَرائِضَ عَلى ما هو عِنْدَهُ حِكْمَةٌ، ولَوْ وكَلَ ذَلِكَ إلَيْكم لَمْ تَعْلَمُوا أيُّهم أنْفَعُ لَكُمْ، فَوَضَعْتُمْ أنْتُمُ الأمْوالَ عَلى غَيْرِ حِكْمَةٍ، والتَفاوُتُ في السِهامِ بِتَفاوُتِ المَنافِعِ، وأنْتُمْ لا تَدْرُونَ تَفاوُتَها، فَتَوَلّى اللهُ ذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ، ولَمْ يَكِلْها إلى اجْتِهادِكم لِعَجْزِكم عَنْ مَعْرِفَةِ المَقادِيرِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ، لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ ﴿فَرِيضَةً﴾ نُصِبَ نَصْبَ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ، أيْ: فَرَضَ ذَلِكَ فَرْضًا ﴿مِنَ اللهِ إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بِالأشْياءِ قَبْلَ خَلْقِها ﴿حَكِيمًا﴾ في كُلِّ ما فَرَضَ، وقَسَّمَ مِنَ المَوارِيثِ، وغَيْرِها.

النساء 4:12

﴿وَلَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ أيْ: زَوْجاتُكم ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ أيِ: ابْنٌ، أوْ بِنْتٌ. ﴿فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ مِنكُمْ، أوْ مِن غَيْرِكُمْ، ﴿فَلَكُمُ الرُبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ ولَهُنَّ الرُبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ (p-٣٣٨)مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ والواحِدَةُ والجَماعَةُ سَواءٌ في الرُبُعِ والثُمُنِ. جَعَلَ مِيراثَ الزَوْجِ ضِعْفَ مِيراثِ الزَوْجَةِ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ﴿وَإنْ كانَ رَجُلٌ﴾ يَعْنِي: المَيِّتَ، وهو اسْمُ كانَ ﴿يُورَثُ﴾ مِن وُرِثَ، أيْ: يُورَثُ مِنهُ، وهو صِفَةٌ لِرَجُلٍ ﴿كَلالَةً﴾ خَبَرُ كانَ، أيْ: وإنْ كانَ رَجُلٌ مَوْرُوثٌ مِنهُ كَلالَةً، أوْ "يُورَثُ" خَبَرُ كانَ، و"كَلالَةً" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يُورَثُ"، و"الكَلالَةُ" تُطْلَقُ عَلى مَن لَمْ يُخَلِّفْ ولَدًا ولا والِدًا، وعَلى مَن لَيْسَ بِوَلَدٍ ولا والِدٍ مِنَ المُخَلَّفِينَ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكَلالِ، وهو ذَهابُ القُوَّةِ مِنَ الإعْياءِ. ﴿أوِ امْرَأةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى رَجُلٍ ﴿وَلَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ﴾ أيْ: لِأُمٍّ، فَإنْ قُلْتَ: قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَجُلِ والمَرْأةِ، فَلِمَ أفْرَدَ الضَمِيرُ وذَكَرَّهُ؟ قُلْتُ: أمّا إفْرادُهُ: فَلِأنَّ "أوْ" لِأحَدِ الشَيْئَيْنِ، وأمّا تَذْكِيرُهُ فَلِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى رَجُلٍ، لِأنَّهُ مُذَكَّرٌ مَبْدُوءٌ بِهِ، أوْ يَرْجِعُ إلى أحَدِهِما، وهو مُذَكَّرٌ، ﴿فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ﴾ مِن واحِدٍ ﴿فَهم شُرَكاءُ في الثُلُثِ﴾ لِأنَّهم يَسْتَحِقُّونَ بِقَرابَةِ الأُمِّ، وهي لا تَرِثُ أكْثَرَ مِنَ الثُلُثِ، ولِهَذا لا يُفَضَّلُ الذَكَرُ مِنهم عَلى الأُنْثى ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ إنَّما كُرَّرَتِ الوَصِيَّةُ لِاخْتِلافِ المُوصِينَ، فالأوَّلُ: الوالِدانِ والأوْلادُ، والثانِي: الزَوْجَةُ، والثالِثُ: الزَوْجُ، والرابِعُ: الكَلالَةُ، ﴿غَيْرَ مُضارٍّ﴾ حالٌ، أيْ: يُوصِي بِها وهو غَيْرُ مَضارٍّ لِوَرَثَتِهِ، وذَلِكَ بِأنْ ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أيْ: يُوصِيكم بِذَلِكَ وصِيَّةً ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ مِمَّنْ جارَ، أوْ عَدَلَ في وصِيَّتِهِ، ﴿حَلِيمٌ﴾ عَلى الجائِرِ لا يُعاجِلُهُ بِالعُقُوبَةِ، وهَذا وعِيدٌ، فَإنْ قُلْتَ: فَأيْنَ ذُو الحالِ فِيمَن قَرَأ يُوصِي بِها ؟ قُلْتُ: يُضْمَرُ يُوصِي فَيَنْتَصِبُ عَنْ فاعِلِهِ، لِأنَّهُ لَمّا قِيلَ: يُوصى بِها عُلِمَ أنَّ ثَمَّ مُوصِيًا. كَما كانَ "رِجالٌ" فاعِلٌ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ يُسَبَّحُ، لِأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ [النُورُ: ٣٦] عُلِمَ أنَّ ثَمَّ مُسَبِّحًا فَأضْمَرَ يُسَبِّحُ. (p-٣٣٩)واعْلَمْ أنَّ الوَرَثَةَ أصْنافٌ: أصْحابُ الفَرائِضِ، وهُمُ الَّذِينَ لَهم سِهامٌ مُقَدَّرَةٌ: كالبِنْتِ: ولَها النِصْفُ، ولِلْأكْثَرِ الثُلُثانِ، وبِنْتِ الِابْنِ وإنْ سَفُلَتْ: وهي عِنْدَ عَدَمِ الوَلَدِ كالبِنْتِ، ولَها مَعَ البِنْتِ الصُلْبِيَّةِ السُدْسُ، وتَسْقُطُ بِالِابْنِ وبِنْتَيِ الصُلْبِ إلّا أنْ يَكُونَ مَعَها غُلامٌ فَيَعْصِبُها، والأخَواتِ لِأبٍ وأُمٍّ: وهُنَّ عِنْدَ عَدَمِ الوَلَدِ ووَلَدِ الِابْنِ كالبَناتِ، والأخَواتِ لِأبٍ، وهُنَّ كالأخَواتِ لِأبٍ وأُمٍّ عِنْدَ عَدَمِهِنَّ، ويَصِيرُ الفَرِيقانِ عَصَبَةً مَعَ البِنْتِ أوْ بِنْتِ الِابْنِ، ويَسْقُطْنَ بِالِابْنِ وابْنِهِ وإنْ سَفُلَ والأبِ وبِالجَدِّ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ ووَلَدِ الأُمِّ، فَلِلْواحِدِ السُدُسِ ولِلْأكْثَرِ الثُلُثُ، وذَكَرُهم كَأُنْثاهُمْ، ويَسْقُطُونَ بِالوَلَدِ ووَلَدِ الِابْنِ وإنْ سَفُلَ والأبِ والجَدِّ، والأبُ: ولَهُ السُدُسُ مَعَ الِابْنِ أوِ ابْنِ الِابْنِ وإنْ سَفُلَ، ومَعَ البِنْتِ أوْ بِنْتِ الِابْنِ وإنْ سَفُلَتِ السُدُسُ والباقِي، والجَدُّ: وهو أبُو الأبِ، وهو كالأبِ عِنْدَ عَدَمِهِ، إلّا في رَدِّ الأُمِّ إلى ثُلُثِ ما يَبْقى، والأُمُّ: ولَها السُدُسُ مَعَ الوَلَدِ أوْ ولَدِ الِابْنِ وإنْ سَفُلَ، أوِ الِاثْنَيْنِ مِنَ الإخْوَةِ والأخَواتِ فَصاعِدًا مِن أيِّ جِهَةٍ كانا، وثُلُثُ الكُلِّ عِنْدَ عَدِمَهُمْ، وثُلُثُ ما يَبْقى بَعْدَ فَرْضِ أحَدِ الزَوْجَيْنِ في زَوْجٍ وأبَوَيْنِ، أوْ زَوْجَةٍ وأبَوَيْنِ، والجَدَّةُ: ولَها السُدُسُ وإنْ كَثُرَتْ لِأُمٍّ كانَتْ أوْ لِأبٍ، والبُعْدى تُحْجَبُ بِالقُرْبى، والكُلُّ بِالأُمِّ، والأبَوِيّاتِ بِالأبِ، والزَوْجُ: ولَهُ الرُبُعُ مَعَ الوَلَدِ، أوْ ولَدِ الِابْنِ وإنْ سَفُلَ، وعِنْدَ عَدَمِهِ النِصْفُ، والزَوْجَةُ: ولَها الثُمُنُ مَعَ الوَلَدِ أوْ ولَدِ الِابْنِ وإنْ سَفُلَ، وعِنْدَ عَدَمِهِ الرُبُعُ، والعَصَباتُ: وهُمُ الَّذِينَ يَرِثُونَ ما بَقِيَ مِنَ الفَرْضِ، وأوْلاهُمُ: الِابْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ وإنْ سَفُلَ، ثُمَّ الأبُ، ثُمَّ أبُوهُ وإنْ عَلا، ثُمَّ الأخُ لِأبٍ وأُمٍّ، ثُمَّ الأخُ لِأبٍ، ثُمَّ ابْنُ الأخِ لِأبٍ وأُمٍّ، ثُمَّ ابْنُ الأخِ لِأبٍ، ثُمَّ الأعْمامُ، ثُمَّ أعْمامُ الأبِ، ثُمَّ أعْمامُ الجَدِّ، ثُمَّ المُعْتَقُ، ثُمَّ عَصَبَتُهُ عَلى التَرْتِيبِ، واللاتِي فَرْضُهُنَّ النِصْفُ والثُلُثانِ يَصِرْنَ عَصَبَةً بِأخَواتِهِنَّ لا غَيْرِهِنَّ، وذَوُو الأرْحامِ: وهُمُ الأقارِبُ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنَ العَصَباتِ ولا مِن أصْحابِ الفَرائِضِ، وتَرْتِيبُهم كَتَرْتِيبِ العَصَباتِ.

النساء 4:13

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ الَّتِي ذُكِرَتْ في بابِ اليَتامى، والوَصايا، والمَوارِيثِ. ﴿حُدُودُ اللهِ﴾ سَمّاها حُدُودًا، لِأنَّ الشَرائِعَ كالحُدُودِ (p-٣٤٠)المَضْرُوبَةِ لِلْمُكَلَّفِينَ، لا يَجُوزُ لَهم أنْ يَتَجاوَزُوها. ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

النساء 4:14

﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ انْتَصَبَ خالِدِينَ وخالِدًا عَلى الحالِ، وجُمِعَ مَرَّةً، وأُفْرِدَ أُخْرى نَظَرًا إلى مَعْنى مَن ولَفْظِها (نُدْخِلْهُ) فِيهِما مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ. ﴿وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لِهَوانِهِ عِنْدَ اللهِ، ولا تَعَلُّقَ لِلْمُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ بِالآيَةِ فَإنَّها في حَقِّ الكُفّارِ، إذِ الكافِرُ هو الَّذِي تَعَدّى الحُدُودَ كُلَّها، وأمّا المُؤْمِنُ العاصِي فَهو مُطِيعٌ بِالإيمانِ غَيْرُ مُتَّعَدٍ حَدَّ التَوْحِيدِ، ولِهَذا فَسَّرَ الضَحّاكُ المَعْصِيَةَ هُنا بِالشِرْكِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ بِكُفْرِهِ بِقَسْمِهِ المَوارِيثَ ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ اسْتِحْلالًا.

النساء 4:15

ثُمَّ خاطَبَ الحُكّامَ فَقالَ: ﴿واللاتِي﴾ هي جَمْعُ الَّتِي، ومَوْضِعُها رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، ﴿يَأْتِينَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الزِنا لِزِيادَتِها في القُبْحِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ القَبائِحِ، يُقالُ: أتى الفاحِشَةَ، وجاءَها، ورَهِقَها، وغَشِيَها بِمَعْنًى.، ﴿مِن نِسائِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، والخَبَرُ ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فاطْلُبُوا الشَهادَةَ. ﴿أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ بِالزِنا ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ فاحْبِسُوهُنَّ ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ﴾ أيْ: مَلائِكَةُ المَوْتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النَحْلُ: ٢٨] أوْ حَتّى يَأْخُذَهُنَّ المَوْتُ، ويَسْتَوْفِيَ أرْواحَهُنَّ. ﴿أوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ﴾ قِيلَ: أوْ بِمَعْنى: إلّا أنْ. ﴿سَبِيلا﴾ غَيْرَ هَذِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: السَبِيلُ لِلْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، ولِلثَّيِّبِ الرَجْمُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ (p-٣٤١)جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَيِّبُ بِالثَيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ. »

النساء 4:16

﴿واللَذانِ﴾ يُرِيدُ: الزانِيَ والزانِيَةَ، وبِتَشْدِيدِ النُونِ، مَكِّيٌّ. ﴿يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ أيِ: الفاحِشَةَ. ﴿فَآذُوهُما﴾ بِالتَوْبِيخِ والتَعْيِيرِ، وقُولُوا لَهُما: أما اسْتَحْيَيْتُما؟ أما خِفْتُما اللهَ؟ ﴿فَإنْ تابا﴾ عَنِ الفاحِشَةِ ﴿وَأصْلَحا﴾ وغَيَّرا الحالَ ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ فاقْطَعُوا التَوْبِيخَ والمَذَمَّةَ ﴿إنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ يَقْبَلُ تَوْبَةَ التائِبِ ويَرْحَمُهُ. قالَ الحَسَنُ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِن حَدِّ الزِنا الأذى، ثُمَّ الحَبْسُ، ثُمَّ الجَلْدُ أوِ الرَجْمُ، فَكانَ تَرْتِيبُ النُزُولِ عَلى خِلافِ تَرْتِيبِ التِلاوَةِ، والحاصِلُ: أنَّهُما إذا كانا مُحْصَنَيْنِ فَحَدُّهُما: الرَجْمُ لا غَيْرُ. وإذا كانا غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ فَحَدُّهُما: الجَلْدُ لا غَيْرَ. وإنْ كانَ أحَدُهُما مُحْصَنًا والآخَرُ غَيْرُ مُحْصَنٍ: فَعَلى المُحْصَنِ مِنهُما الرَجْمُ، وعَلى الآخَرِ الجَلْدُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الآيَةُ الأُولى في السَحّاقاتِ، والثانِيَةُ في اللَوّاطِينَ، والَّتِي في سُورَةِ النُورِ في الزانِي والزانِيَةِ. وهو دَلِيلُ ظاهِرٌ لَأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ في أنَّهُ يُعَزَّرُ في اللَواطَةِ ولا يُحَدُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: آيَةُ الأذى في اللَواطَةِ.

النساء 4:17

﴿إنَّما التَوْبَةُ﴾ هي مَن تابَ اللهُ عَلَيْهِ إذا قَبِلَ تَوْبَتَهُ، أيْ: إنَّما قَبُولُها ﴿عَلى اللهِ﴾ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الوُجُوبَ، إذْ لا يَجِبُ عَلى اللهِ شَيْءٌ، ولَكِنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ، يَعْنِي: أنَّهُ يَكُونُ لا مَحالَةَ، كالواجِبِ الَّذِي لا يُتْرَكُ. ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُوءَ﴾ الذَنْبَ لِسُوءِ عِقابِهِ ﴿بِجَهالَةٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: يَعْمَلُونَ السُوءَ جاهِلِينَ سُفَهاءَ، لِأنَّ ارْتِكابَ القَبِيحِ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ السَفَهُ. وعَنْ مُجاهِدٍ: مَن عَصى اللهَ فَهو جاهِلٌ حَتّى يَنْزِعَ عَنْ جَهالَتِهِ. وقِيلَ: جَهالَتُهُ: اخْتِيارُهُ اللَذَّةَ الفانِيَةَ عَلى الباقِيَةِ. وقِيلَ: لَمْ يَجْهَلْ أنَّهُ ذَنْبٌ، ولَكِنَّهُ جَهِلَ كُنْهَ (p-٣٤٢)عُقُوبَتِهِ ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ مِن زَمانٍ قَرِيبٍ، وهو ما قَبْلَ حَضْرَةِ المَوْتِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ وقْتَ الِاحْتِضارِ هو الوَقْتُ الَّذِي لا تُقْبَلُ فِيهِ التَوْبَةُ. وعَنِ الضَحّاكِ: كُلُّ تَوْبَةٍ قَبْلَ المَوْتِ فَهو قَرِيبٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: قَبْلَ أنْ يَنْظُرَ إلى مَلَكِ المَوْتِ. وعَنْهُ ﷺ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ". » ومِن لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: يَتُوبُونَ بَعْضَ زَمانٍ قَرِيبٍ، كَأنَّهُ سَمّى ما بَيْنَ وُجُودِ المَعْصِيَةِ وبَيْنَ حَضْرَةِ المَوْتِ زَمانًا قَرِيبًا، ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ عِدَةٌ بِأنَّهُ يَفِي ذَلِكَ، وإعْلامٌ بِأنَّ الغُفْرانَ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ بِعَزْمِهِمْ عَلى التَوْبَةِ ﴿حَكِيمًا﴾ حَكَمَ بِكَوْنِ النَدَمِ تَوْبَةً.

النساء 4:18

﴿وَلَيْسَتِ التَوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ أيْ: ولا تَوْبَةَ لِلَّذِينِ يُذْنِبُونَ، ويُسَوِّفُونَ تَوْبَتَهم إلى أنْ يَزُولَ حالُ التَكْلِيفِ بِحُضُورِ أسْبابِ المَوْتِ، ومُعايَنَةِ مَلَكِ المَوْتِ، فَإنَّ تَوْبَةَ هَؤُلاءِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، لِأنَّها حالَةُ اضْطِرارٍ لا حالَةُ اخْتِيارِ، وقَبُولُ التَوْبَةِ ثَوابٌ، ولا وعْدَ بِهِ إلّا لِمُخْتارٍ ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالعَطْفِ عَلى ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ﴾ أيْ: لَيْسَتِ التَوْبَةُ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ ولا لِلَّذِينِ يَمُوتُونَ ﴿وَهم كُفّارٌ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الآيَةُ الأُولى في المُؤْمِنِينَ، والوُسْطى في المُنافِقِينَ، والأُخْرى في الكافِرِينَ. وفي بَعْضِ المَصاحِفِ بِلامَيْنِ، وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: هَيَّأْنا مِنَ العَتِيدِ، وهو الحاضِرُ، أوِ الأصْلُ أعْدَدْنا، فَقُلِبَتِ الدالُ تاءً. (p-٣٤٣)

النساء 4:19

كانَ الرَجُلُ يَرِثُ امْرَأةَ مُوَرَّثِهِ بِأنْ يُلْقِيَ عَلَيْها ثَوْبَهُ فَيَتَزَوَّجُها بِلا مَهْرٍ، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِساءَ كَرْهًا﴾ أيْ: أنْ تَأْخُذُوهُنَّ عَلى سَبِيلِ الإرْثِ، كَما تُحازُ المَوارِيثُ، وهُنَّ كارِهاتٌ لِذَلِكَ، أوْ مُكْرَهاتٌ "كَرْهًا" بِالفَتْحِ مِنَ الكَراهَةِ، وبِالضَمِّ حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، مِنَ الإكْراهِ. مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ، والتَقْيِيدُ بِالكُرْهِ لا يَدُلُّ عَلى الجَوازِ عِنْدَ عَدَمِهِ، لِأنَّ تَخْصِيصَ الشَيْءِ بِالذِكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسْراءُ: ٣١] ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ وكانَ الرَجُلُ إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً، ولَمْ تَكُنْ مِن حاجَتِهِ حَبَسَها مَعَ سُوءِ العِشْرَةِ لِتَفْتَدِيَ مِنهُ بِمالِها وتَخْتَلِعَ، فَقِيلَ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ وهو مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى ﴿أنْ تَرِثُوا﴾ و"لا" لِتَأْكِيدِ النَفْيِ، أيْ: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِساءَ ولا أنْ تَعْضُلُوهُنَّ، أوْ مَجْزُومٌ بِالنَهْيِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، فَيَجُوزُ الوَقْفُ حِينَئِذٍ عَلى ﴿كَرْهًا﴾ والعَضْلُ: الحَبْسُ، والتَضْيِيقُ. ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ مِنَ المَهْرِ، واللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "تَعْضُلُوا" ﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ هي النُشُوزُ، وإيذاءُ الزَوْجِ وأهْلِهِ بِالبِذاءِ، أيْ: إلّا أنْ يَكُونَ سُوءُ العِشْرَةِ مِن جِهَتِهِنَّ فَقَدْ عُذِرْتُمْ في طَلَبِ الخُلْعِ، وعَنِ الحَسَنِ: الفاحِشَةُ: الزِنا، فَإنْ فَعَلَتْ حَلَّ لِزَوْجِها أنْ يَسْألَها الخُلْعَ ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ وبِفَتْحِ الياءِ مَكِّيٌّ، وأبُو بَكْرٍ. والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ عامِّ الظَرْفِ أوِ المَفْعُولِ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في جَمِيعِ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ ﴿أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ﴾ أوْ ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ ﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ﴾ وكانُوا يُسِيئُونَ مُعاشَرَةَ النِساءِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ وهو النَصَفَةُ في المَبِيتِ، والنَفَقَةِ، والإجْمالُ في القَوْلِ. ﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ لِقُبْحِهِنَّ، أوْ سُوءِ خُلُقِهِنَّ. ﴿فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللهُ فِيهِ﴾ في ذَلِكَ الشَيْءِ، أوْ في الكُرْهِ. ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ثَوْبًا جَزِيلًا، أوْ ولَدًا صالِحًا. والمَعْنى: فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَلا تُفارِقُوهُنَّ لِكَراهَةِ الأنْفُسِ وحْدَها، فَرُبَّما كَرِهَتِ النَفْسُ ما هو أصْلَحُ في (p-٣٤٤)الدِينِ، وأدْلى إلى الخَيْرِ، وأحَبَّتْ ما هو بِضِدِّ ذَلِكَ، ولَكِنْ لِلنَّظَرِ في أسْبابِ الصَلاحِ. وإنَّما صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا﴾ جَزاءً لِلشَّرْطِ، لِأنَّ المَعْنى: ﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ فاصْبِرُوا عَلَيْهِنَّ مَعَ الكَراهَةِ، فَلَعَلَّ لَكم فِيما تَكْرَهُونَهُ خَيْرًا كَثِيرًا لَيْسَ فِيما تُحِبُّونَهُ.

النساء 4:20

وَكانَ الرَجُلُ إذا رَأى امْرَأةً فَأعْجَبَتْهُ بَهَتَ الَّتِي تَحْتَهُ ورَماها بِفاحِشَةٍ، حَتّى يُلْجِئَها إلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِما أعْطاها، فَقِيلَ: ﴿وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ أيْ: تَطْلِيقَ امْرَأةٍ وتَزَوُّجَ أُخْرى، ﴿وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ﴾ وأعْطَيْتُمْ إحْدى الزَوْجاتِ، فالمُرادُ بِالزَوْجِ: الجَمْعُ، لِأنَّ الخِطابَ لِجَماعَةِ الرِجالِ، ﴿قِنْطارًا﴾ مالًا عَظِيمًا كَما مَرَّ في آلِ عِمْرانَ. وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلى المِنبَرِ: لا تُغالُوا بِصَدَقاتِ النِساءِ، فَقالَتِ امْرَأةٌ: أنَتَّبِعُ قَوْلَكَ أمْ قَوْلَ اللهِ: ﴿وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ ؟ فَقالَ عُمَرُ: كُلُّ أحَدٍ أعْلَمُ مِن عُمَرَ، تَزَوَّجُوا عَلى ما شِئْتُمْ ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ﴾ مِنَ القِنْطارِ ﴿شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ أيْ: بَيِّنًا، والبُهْتانُ: أنْ تَسْتَقْبِلَ الرَجُلَ بِأمْرٍ قَبِيحٍ تَقْذِفُهُ بِهِ وهو بَرِيءٌ مِنهُ، لِأنَّهُ يُبْهَتُ عِنْدَ ذَلِكَ، أيْ: يَتَحَيَّرُ، وانْتَصَبَ بُهْتانًا عَلى الحالِ، أيْ: باهِتِينَ وآثِمِينَ.

النساء 4:21

ثُمَّ أنْكَرَ أخْذَ المَهْرِ بَعْدَ الإفْضاءِ، فَقالَ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ: خَلا بِلا حائِلٍ، ومِنهُ الفَضاءُ، والآيَةُ حُجَّةٌ لَنا في الخَلْوَةِ الصَحِيحَةِ أنَّها تُؤَكِّدُ المَهْرَ، حَيْثُ أنْكَرَ الأخْذَ، وعَلَّلَ بِذَلِكَ ﴿وَأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عَهْدًا وثِيقًا، وهو قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البَقَرَةُ: ٢٢٩]. واللهُ تَعالى أخَذَ هَذا المِيثاقَ عَلى عِبادِهِ لِأجَلِهِنَّ، فَهو كَأخْذِهِنَّ، أوْ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: (p-٣٤٥)« "اسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا، فَإنَّهُنَّ عَوانٍ في أيْدِيكُمْ، أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ". »

النساء 4:22

وَلَمّا نَزَلَ ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِساءَ كَرْهًا﴾ قالُوا: تَرَكْنا هَذا، لا نَرِثُهُنَّ كُرْهًا ولَكِنْ نَخْطِبُهُنَّ فَنَنْكِحُهُنَّ بِرِضاهُنَّ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِساءِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالنِكاحِ: الوَطْءُ، أيْ: لا تَطَؤُوا ما وطِئَ آباؤُكُمْ، وفِيهِ تَحْرِيمُ وطْءِ مَوْطُوءَةِ الأبِ بِنِكاحٍ، أوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ، أوْ بِزِنًا، كَما هو مَذْهَبُنا، وعَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. ولَمّا قالُوا: كُنّا نَفْعَلُ ذَلِكَ، فَكَيْفَ حالُ ما كانَ مِنّا؟ قالَ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ أيْ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ، فَإنَّكم لا تُؤاخَذُونَ بِهِ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، عَنْ سِيبَوَيْهِ. ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ هَذا العَقْدِ في الحالِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ بالِغَةً في القُبْحِ ﴿وَمَقْتًا﴾ وبُغْضًا عِنْدَ اللهِ، وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ، وناسٌ مِنهم يَمْقُتُونَهُ مِن ذَوِي مُرُوءاتِهِمْ، ويُسَمُّونَهُ نِكاحَ المَقْتِ، وكانَ المَوْلُودُ عَلَيْهِ يُقالُ لَهُ: المَقْتِيُّ ﴿وَساءَ سَبِيلا﴾ وبِئْسَ الطَرِيقُ طَرِيقًا ذَلِكَ.

النساء 4:23

وَلَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُورَةِ نِكاحَ ﴿ما طابَ﴾ أيْ: حَلَّ ﴿مِنَ النِساءِ﴾ وذَكَرَ بَعْضَ ما حَرَّمَ قَبْلَ هَذا، وهو نِساءُ الآباءِ، ذَكَرَ المُحَرَّماتِ الباقِياتِ، وهُنَّ سَبْعٌ مِنَ النَسَبِ، وسَبْعٌ مِنَ السَبَبِ، وبَدَأ بِالنَسَبِ فَقالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ والمُرادُ: تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ عِنْدَ البَعْضِ، وقَدْ ذَكَرْنا المُخْتارَ في "شَرْحِ المَنارِ"، والجَدَّةُ مِن قِبَلِ الأُمِّ أوِ الأبِ مُلْحَقَةٌ بِهِنَّ ﴿وَبَناتُكُمْ﴾ وبَناتُ الِابْنِ وبَناتُ البِنْتِ مُلْحَقاتٌ بِهِنَّ، والأصْلُ: أنَّ الجَمْعَ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ يَنْقَسِمُ الآحادُ عَلى الآحادِ، فَتَحْرُمُ عَلى كُلِّ واحِدٍ أُمُّهُ وبِنْتُهُ. (p-٣٤٦)﴿وَأخَواتُكُمْ﴾ لِأبٍ وأُمٍّ، أوْ لِأبٍ أوْ لِأُمٍّ. ﴿وَعَمّاتُكُمْ﴾ مِنَ الأوْجُهِ الثَلاثَةِ، ﴿وَخالاتُكُمْ﴾ كَذَلِكَ، ﴿وَبَناتُ الأخِ﴾ كَذَلِكَ، ﴿وَبَناتُ الأُخْتِ﴾ كَذَلِكَ، ثُمَّ شَرَعَ في السَبَبِ فَقالَ: ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَضاعَةِ﴾ اللهُ تَعالى نَزَّلَ الرَضاعَةَ مَنزِلَةَ النَسَبِ، فَسَمّى المُرْضِعَةَ أمًّا لِلرَّضِيعِ، والمُراضَعَةَ أُخْتًا، وكَذَلِكَ زَوْجُ المُرْضِعَةِ أبُوهُ، وأبَواهُ جَدّاهُ، وأُخْتُهُ عَمَّتُهُ، وكُلُّ ولَدٍ وُلِدَ لَهُ مِن غَيْرِ المُرْضِعَةِ قَبْلَ الرَضاعِ وبَعْدَهُ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ، وأُمُّ المُرْضِعَةِ جَدَّتُهُ، وأُخْتُها خالَتُهُ، وكُلُّ مَن وُلِدَ لَها مِن هَذا الزَوْجِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ. ومَن وُلِدَ لَها مِن غَيْرِهِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأُمٍّ، وأصْلُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "يَحْرُمُ مِنَ الرَضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَسَبِ". »﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ وهُنَّ مُحَرَّماتٌ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ ﴿وَرَبائِبُكُمُ﴾ سُمِّي ولَدُ المَرْأةِ مِن غَيْرِ زَوْجِها رَبِيبًا ورَبِيبَةً، لِأنَّهُ يَرُبُّهُما كَما يَرُبُّ ولَدَهُ في غالِبِ الأمْرِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فَسُمِّيا بِذَلِكَ وإنْ لَمْ يَرُبَّهُما ﴿اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ قالَ داوُدُ: إذا لَمْ تَكُنْ في حِجْرِهِ لا تَحْرُمُ، قُلْنا: ذِكْرُ الحِجْرِ عَلى غَلَبَةِ الحالِ دُونَ الشَرْطِ، وفائِدَتُهُ: التَعْلِيلُ لِلتَّحْرِيمِ، وأنَّهُنَّ لِاحْتِضانِكم لَهُنَّ، أوْ لِكَوْنِهِنَّ بِصَدَدِ احْتِضانِكُمْ، كَأنَّكم في العَقْدِ عَلى بَناتِهِنَّ عاقِدُونَ عَلى بَناتِكم. ﴿مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِرَبائِبِكُمْ، أيِ: الرَبِيبَةُ مِنَ المَرْأةِ المَدْخُولِ بِها حَرامٌ عَلى الرَجُلِ، حَلالٌ لَهُ إذا لَمْ يَدْخُلْ بِها، والدُخُولُ بِهِنَّ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، كَقَوْلِهِمْ: بَنى عَلَيْها، وضَرَبَ عَلَيْها الحِجابَ، أيْ: أدْخَلْتُمُوهُنَّ السِتْرَ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، واللَمْسُ ونَحْوُهُ يَقُومُ مَقامَ الدُخُولِ، وقَدْ جَعَلَ بَعْضُ العُلَماءِ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وصْفًا لِلنِّساءِ المُتَقَدِّمَةِ والمُتَأخِّرَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّ الوَصْفَ الواحِدَ لا يَقَعُ عَلى مَوْصُوفَيْنِ مُخْتَلِفَيِ العامِلِ، وهَذا لِأنَّ النِساءَ (p-٣٤٧)الأوْلى مَجْرُورَةٌ بِالإضافَةِ، والثانِيَةَ بِمِن. ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: مَرَرْتُ بِنِسائِكَ، وهَرَبْتُ مِن نِساءِ زَيْدٍ الظَرِيفاتِ، عَلى أنْ تَكُونَ الظَرِيفاتُ نَعْتًا لِهَؤُلاءِ النِساءِ، وهَؤُلاءِ النِساءِ كَذا قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ، وهَذا أوْلى مِمّا قالَهُ صاحِبُ "الكَشّافِ" فِيهِ ﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ فَلا حَرَجَ عَلَيْكم في أنْ تَتَزَوَّجُوا بَناتِهِنَّ إذا فارَقْتُمُوهُنَّ، أوْ مُتْنَ. ﴿وَحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ جَمْعُ حَلِيلَةٍ، وهي الزَوْجَةُ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَحِلُّ لِلْآخَرِ، أوْ يَحِلُّ فِراشُ الآخَرِ، مِنَ الحِلِّ، أوْ مِنَ الحُلُولِ. ﴿الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ دُونَ مَن تَبَنَّيْتُمْ، فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ حِينَ فارَقَها زَيْدٌ، وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ [الأحْزابُ: ٣٧]. ولَيْسَ هَذا لِنَفْيِ الحُرْمَةِ عَنْ حَلِيلَةِ الِابْنِ مِنَ الرَضاعِ. ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ أيْ: في النِكاحِ، وهو في مَوْضِعِ الرَفْعِ عَطْفٌ عَلى المُحَرَّماتِ، أيْ: وحُرِّمَ عَلَيْكُمُ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ. ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ ولَكِنْ ما مَضى مَغْفُورٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَعْرِفُونَ هَذِهِ المُحَرَّماتِ إلّا نِكاحَ امْرَأةِ الأبِ، ونِكاحَ الأُخْتَيْنِ، فَلِذا قالَ فِيهِما: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾

النساء 4:24

﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ﴾ أيْ: ذَواتُ الأزْواجِ، لِأنَّهُنَّ أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ بِالتَزْوِيجِ، قَرَأ الكِسائِيُّ بِفَتْحِ الصادِ هُنا، وفي سائِرِ القُرْآنِ بِكَسْرِها. وغَيْرُهُ بِفَتْحِها في جَمِيعِ القُرْآنِ. ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ بِالسَبْيِ، وزَوْجُها في دارِ الحَرْبِ، والمَعْنى: وحُرِّمَ عَلَيْكم نِكاحُ المَنكُوحاتِ، أيِ: اللاتِي لَهُنَّ أزْواجٌ إلّا ما مَلَكْتُمُوهُنَّ بِسَبْيِهِنَّ، وإخْراجِهِنَّ بِدُونِ أزْواجِهِنَّ، لِوُقُوعِ الفُرْقَةِ بِتَبايُنِ الدارَيْنِ لا بِالسَبْيِ، فَتَحِلُّ الغَنائِمُ بِمِلْكِ اليَمِينِ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ ﴿كِتابَ اللهِ (p-٣٤٨)عَلَيْكُمْ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أيْ: كَتَبَ اللهُ ذَلِكَ عَلَيْكم كِتابًا، وفَرَضَهُ فَرِيضَةً، وهو تَحْرِيمُ ما حَرَّمَ، وعُطِفَ ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ الَّذِي نَصَبَ كِتابَ اللهِ، أيْ: كَتَبَ اللهُ عَلَيْكم تَحْرِيمَ ذَلِكَ ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ ما سِوى المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ (وَأُحِلَّ) كُوفِيٌّ، غَيْرَ أبِي بَكْرٍ عَطْفٌ عَلى (حُرِّمَتْ). ﴿أنْ تَبْتَغُوا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: بَيَّنَ لَكم ما يَحِلُّ مِمّا يَحْرُمُ، لِأنْ تَبْتَغُوا، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ ومَفْعُولُ " تَبْتَغُوا " مُقَدَّرٌ، وهو النِساءُ، والأجْوَدُ ألّا يُقَدَّرَ. ﴿بِأمْوالِكُمْ﴾ يَعْنِي: المُهُورُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِكاحَ لا يَكُونُ إلّا بِمَهْرٍ، وأنَّهُ يَجِبُ وإنْ لَمْ يُسَمَّ، وأنَّ غَيْرَ المالِ لا يَصْلُحُ مَهْرًا، وأنَّ القَلِيلَ لا يَصْلُحُ مَهْرًا، إذِ الحَبَّةُ لا تُعَدُّ مالًا عادَةً. ﴿مُحْصِنِينَ﴾ في حالِ كَوْنِكم مُحْصِنِينَ. ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ لِئَلّا تُضَيِّعُوا أمْوالَكُمْ، وتُفْقِرُوا أنْفُسَكم فِيما لا يَحِلُّ لَكم فَتَخْسَرُوا دِينَكم ودُنْياكُمْ، ولا فَسادَ أعْظَمُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الخُسْرانَيْنِ، والإحْصانُ: العِفَّةُ، وتَحْصِينُ النَفْسِ مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ، والمُسافِحُ: الزانِي، مِنَ السَفْحِ، وهو صَبُّ المَنِيِّ. ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ فَـ "ما" نَكَحْتُمُوهُ مِنهُنَّ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مُهُورَهُنَّ، لِأنَّ المَهْرَ ثَوابٌ عَلى البُضْعِ. فَـ "ما" في مَعْنى النِساءِ. و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلْبَيانِ. ويَرْجِعُ الضَمِيرُ إلَيْهِ عَلى اللَفْظِ في "بِهِ" وعَلى المَعْنى في " فَآتَوْهُنَّ " ﴿فَرِيضَةً﴾ حالٌ مِنَ الأُجُورِ، أيْ: مَفْرُوضَةً، أوْ وُضِعَتْ مَوْضِعَ إيتاءً، لِأنَّ الإيتاءَ مَفْرُوضٌ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أيْ: فَرَضَ ذَلِكَ فَرِيضَةً. ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ فِيما تَحُطُّ عَنْهُ مِنَ المَهْرِ، أوْ تَهَبُ لَهُ مِن كُلِّهِ، أوْ يَزِيدُ لَها عَلى مِقْدارِهِ، أوْ فِيما تَراضَيا بِهِ مِن مُقامٍ، أوْ فِراقٍ. ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بِالأشْياءِ قَبْلَ خَلْقِها ﴿حَكِيمًا﴾ فِيما فَرَضَ لَهم مِن عَقْدِ النِكاحِ، الَّذِي بِهِ حُفِظَتِ الأنْسابُ. (p-٣٤٩)وَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ﴾ نَزَلَتْ في المُتْعَةِ، الَّتِي كانَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ حِينَ فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ عَلى رَسُولِهِ، ثُمَّ نُسِخَتْ.

النساء 4:25

﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا﴾ فَضْلًا. يُقالُ: لِفُلانٍ عَلِيَّ طَوْلٌ، أيْ: فَضْلٌ وزِيادَةٌ، وهو مَفْعُولُ يَسْتَطِعْ. ﴿أنْ يَنْكِحَ﴾ مَفْعُولُ الطَوْلِ، فَإنَّهُ مَصْدَرٌ فَيَعْمَلُ عَمَلَ فِعْلِهِ، أوْ بَدَلٌ مِن "طَوْلًا" ﴿المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ الحَرائِرَ المُسْلِماتِ ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ أيْ: فَلْيَنْكِحْ مَمْلُوكَةً مِنَ الإماءِ المُسْلِماتِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ﴾ أيْ: فَلْيَنْكِحْ مَمْلُوكَةً مِنَ الإماءِ المُسْلِماتِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ﴾ أيْ: مِن فَتَياتِ المُسْلِمِينَ، والمَعْنى: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ زِيادَةً في المالِ وسَعَةً يَبْلُغُ بِها نِكاحَ الحُرَّةِ، فَلْيَنْكِحْ أمَةً، ونِكاحُ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ يَجُوزُ عِنْدَنا، والتَقْيِيدُ في النَصِّ لِلِاسْتِحْبابِ، بِدَلِيلِ أنَّ الإيمانَ لَيْسَ بِشَرْطٍ في الحَرائِرِ اتِّفاقًا مَعَ التَقْيِيدِ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومِمّا وسَّعَ اللهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ نِكاحُ الأمَةِ، واليَهُودِيَّةِ، والنَصْرانِيَّةِ، وإنْ كانَ مُوسِرًا. وفِيهِ دَلِيلٌ لَنا في مَسْألَةِ الطَوْلِ. ﴿واللهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى قَبُولِ ظاهِرِ إيمانِهِنَّ، ودَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ هو التَصْدِيقُ دُونَ عَمَلِ اللِسانِ، لِأنَّ العِلْمَ بِالإيمانِ المَسْمُوعِ لا يَخْتَلِفُ ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ: لا تَسْتَنْكِفُوا مِن نِكاحِ الإماءِ، فَكُلُّكم بَنُو آدَمَ، وهو تَحْذِيرٌ عَنِ التَعْيِيرِ بِالأنْسابِ، والتَفاخُرِ بِالأحْسابِ، ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ سادَتِهِنَّ، وهو حُجَّةٌ لَنا في أنَّ لَهُنَّ أنْ يُباشِرْنَ العَقْدَ بِأنْفُسِهِنَّ، لِأنَّهُ اعْتَبَرَ إذْنَ المَوالِي لا عَقْدَهُمْ، وأنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ أوْ لِلْأمَةِ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا بِإذْنِ المَوْلى. ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ وأدُّوا إلَيْهِنَّ مُهُورَهُنَّ بِغَيْرِ مَطْلٍ وإضْرارٍ، ومُلّاكُ مُهُورِهِنَّ مَوالِيهِنَّ، فَكانَ أداؤُها إلَيْهِنَّ أداءً إلى المَوالِي، لِأنَّهُنَّ وما في أيْدِيهِنَّ مالُ المَوالِي، أوِ التَقْدِيرُ: وآتُوا مَوالِيَهُنَّ، فَحَذَفَ المُضافَ ﴿مُحْصَناتٍ﴾ عَفائِفَ، حالٌ مِنَ المَفْعُولِ في "وَآتُوهُنَّ" ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ زَوانٍ عَلانِيَةً ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ زَوانٍ سِرًّا. (p-٣٥٠)والأخْدانُ: الأخِلّاءُ في السِرِّ. ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ بِالتَزْوِيجِ، (أحَصَنَّ) كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ. ﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ زِنًا ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾ أيِ: الحَرائِرِ. ﴿مِنَ العَذابِ﴾ مِنَ الحَدِّ، يَعْنِي: خَمْسِينَ جَلْدَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الجَلْدُ لا الرَجْمُ، لِأنَّ الرَجْمَ لا يَتَنَصَّفُ، وأنَّ المُحْصَناتِ هُنا: الحَرائِرُ اللاتِي لَمْ يُزَوَّجْنَ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: نِكاحُ الإماءِ. ﴿لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ لِمَن خافَ الإثْمَ الَّذِي تُؤَدِّي إلَيْهِ غَلَبَةُ الشَهْوَةِ، وأصْلُ العَنَتِ: انْكِسارُ العَظْمِ بَعْدَ الجَبْرِ، فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَشَقَّةٍ وضَرَرٍ، ولا ضَرَرَ أعْظَمُ مِن مُواقَعَةِ المَآثِمِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: هو الزِنا، لِأنَّهُ سَبَبُ الهَلاكِ. ﴿وَأنْ تَصْبِرُوا﴾ في مَحَلِّ الرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: وصَبْرُكم عَنْ نِكاحِ الإماءِ مُتَعَفِّفِينَ. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِأنَّ فِيهِ إرْقاقَ الوَلَدِ، ولِأنَّها خَرّاجَةٌ، ولّاجَةٌ، مُمْتَهَنَةٌ، مُبْتَذَلَةٌ، وذَلِكَ كُلُّهُ نُقْصانٌ يَرْجِعُ إلى الناكِحِ ومَهانَةٌ، والعِزَّةُ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ. وفي الحَدِيثِ: « "الحَرائِرُ صَلاحُ البَيْتِ، والإماءُ هَلاكُ البَيْتِ". »﴿واللهُ غَفُورٌ﴾ يَسْتُرُ المَحْظُورَ ﴿رَحِيمٌ﴾ يَكْشِفُ المَحْظُورَ.

النساء 4:26

﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أصْلُهُ: يُرِيدُ اللهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، فَزِيدَتِ اللامُ مُؤَكِّدَةً لِإرادَةِ التَبْيِينِ، كَما زِيدَتْ في لا أبا لَكَ، لِتَأْكِيدِ إضافَةِ الأبِ، والمَعْنى: يُرِيدُ اللهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكم ما هو خَفِيٌّ عَلَيْكم مِن مَصالِحِكُمْ، وأفاضِلِ أعْمالِكم. ﴿وَيَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وأنْ يَهْدِيَكم مَناهِجَ مَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الأنْبِياءِ والصالِحِينَ والطُرُقِ الَّتِي سَلَكُوها في دِينِهِمْ لِتَقْتَدُوا بِهِمْ. ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ويُوَفِّقَكم لِلتَّوْبَةِ عَمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخِلافِ ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ (p-٣٥١)بِمَصالِحِ عِبادِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما شَرَعَ لَهم.

النساء 4:27

﴿واللهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ التَكْرارُ لِلتَّأْكِيدِ، والتَقْرِيرِ، والتَقابُلِ. "وَيُرِيدُ" الفَجَرَةُ. ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ وهو المَيْلُ عَنِ القَصْدِ والحَقِّ، ولا مَيْلَ أعْظَمُ مِنهُ، بِمُساعَدَتِهِمْ ومُوافَقَتِهِمْ عَلى اتِّباعِ الشَهَواتِ. وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، لِاسْتِحْلالِهِمُ الأخَواتِ لِأبٍ، وبَناتِ الأخِ، وبَناتِ الأُخْتِ. فَلَمّا حَرَّمَهُنَّ اللهُ قالُوا: فَإنَّكم تُحِلُّونَ بِنْتَ الخالَةِ والعَمَّةِ، والخالَةُ والعَمَّةُ عَلَيْكم حَرامٌ، فانْكِحُوا بَناتِ الأُخْتِ والأخِ، فَنَزَلَتْ. يَقُولُ: يُرِيدُونَ أنْ تَكُونُوا زُناةً مِثْلَهم.

النساء 4:28

﴿يُرِيدُ اللهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ بِإحْلالِ نِكاحِ الأمَةِ وغَيْرِهِ مِنَ الرُخَصِ. ﴿وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ لا يَصْبِرُ عَنِ الشَهَواتِ، وعَلى مَشاقِّ الطاعاتِ.

النساء 4:29

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ بِما لَمْ تُبِحْهُ الشَرِيعَةُ مِن نَحْوِ السَرِقَةِ، والخِيانَةِ، والغَصْبِ، والقِمارِ، وعُقُودِ الرِبا. ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ إلّا أنْ تَقَعَ تِجارَةٌ، (تِجارَةً) كُوفِيٌّ، أيْ: ﴿إلا أنْ تَكُونَ﴾ التِجارَةُ ﴿عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ صِفَةٌ لِتِجارَةٍ، أيْ: تِجارَةٌ صادِرَةٌ عَنْ تَراضٍ بِالعَقْدِ، أوْ بِالتَعاطِي. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، مَعْناهُ: ولَكِنِ اقْصِدُوا كَوْنَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ، أوْ ولَكِنْ كَوْنُ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ، وخَصَّ التِجارَةَ بِالذِكْرِ، لِأنَّ أسْبابَ الرِزْقِ أكْثَرُها مُتَعَلِّقٌ بِها، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ البَيْعِ بِالتَعاطِي، وعَلى جَوازِ البَيْعِ المَوْقُوفِ إذا وُجِدَتِ الإجازَةُ لِوُجُودِ الرِضا، وعَلى نَفْيِ خِيارِ المَجْلِسِ، لِأنَّ فِيها إباحَةَ الأكْلِ بِالتِجارَةِ عَنْ تَراضٍ مِن غَيْرِ (p-٣٥٢)تَقْيِيدٍ بِالتَفَرُّقِ عَنْ مَكانِ العَقْدِ، والتَقْيِيدُ بِهِ زِيادَةٌ عَلى النَصِّ. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ مَن كانَ مِن جِنْسِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ ولا يَقْتُلِ الرَجُلُ نَفْسَهُ كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ، أوْ مَعْنى القَتْلِ: أكْلُ الأمْوالِ بِالباطِلِ، فَظالِمُ غَيْرِهِ كَمُهْلِكِ نَفْسِهِ، أوْ لا تَتَّبِعُوا أهْواءَها فَتَقْتُلُوها، أوْ تَرْكَبُوا ما يُوجِبُ القَتْلَ. ﴿إنَّ اللهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ولِرَحْمَتِهِ بِكم نَبَّهَكم عَلى ما فِيهِ صِيانَةُ أمْوالِكُمْ، وبَقاءُ أبْدانِكُمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَتْلِهِمْ أنْفُسَهم لِيَكُونَ تَوْبَةً لَهُمْ، وتَمْحِيصًا لِخَطاياهُمْ، و﴿كانَ بِكُمْ﴾ يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﴿رَحِيمًا﴾ حَيْثُ لَمْ يُكَلِّفْكم تِلْكَ التَكالِيفَ الصَعْبَةَ.

النساء 4:30

﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ: القَتْلَ، أيْ: ومَن يُقْدِمْ عَلى قَتْلِ الأنْفُسِ، ﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ لا خَطَأً ولا قِصاصًا، وهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ مَفْعُولٌ لَهُما. ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ نُدْخِلُهُ نارًا مَخْصُوصَةً، شَدِيدَةَ العَذابِ ﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: إصْلاؤُهُ النارَ. ﴿عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾ سَهْلًا، وهَذا الوَعِيدُ في حَقِّ المُسْتَحِلِّ لِلتَّخْلِيدِ، وفي حَقِّ غَيْرِهِ لِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِ دُخُولَ النارِ، مَعَ وعْدِ اللهِ بِمَغْفِرَتِهِ.

النساء 4:31

﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: الكَبائِرُ: كُلُّ ما نَهى اللهُ عَنْهُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِساءِ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ وعَنْهُ أيْضًا: الكَبائِرُ ثَلاثٌ: الإشْراكُ بِاللهِ، واليَأْسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أنْواعُ الكُفْرِ بِدَلِيلِ قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: (كَبِيرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) وهو الكُفْرُ. ﴿وَنُدْخِلْكم مُدْخَلا﴾ (مَدْخَلًا) مَدَنِيٌّ، وكِلاهُما بِمَعْنى المَكانِ والمَصْدَرِ. ﴿كَرِيمًا﴾ حَسَنًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الهُ عَنْهُما: ثَمانِ آياتٍ في سُورَةِ النِساءِ هي خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَمْسُ وغَرَبَتْ ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النِساءُ: ٢٦] ﴿واللهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النِساءُ: ٢٧] ﴿يُرِيدُ اللهُ أنْ (p-٣٥٣)يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النِساءُ: ٢٨] ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾ [النِساءُ: ٣١] ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النِساءُ: ٤٨] ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النِساءُ: ٤٠] ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النِساءُ:١١٠] ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ﴾ [النِساءُ: ١٤٧] وتَشَبَّثَ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الصَغائِرَ واجِبَةُ المَغْفِرَةِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، وعَلى أنَّ الكَبائِرَ غَيْرُ مَغْفُورَةٍ، باطِلٌ، لِأنَّ الكَبائِرَ والصَغائِرَ في مَشِيئَتِهِ تَعالى سَواءٌ، إنْ شاءَ عَذَّبَ عَلَيْهِما، وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُما، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِساءُ: ٤٨] فَقَدْ وعَدَ المَغْفِرَةَ لِما دُونَ الشِرْكِ، وقَرَنَها بِمَشِيئَتِهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ﴾ فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَغائِرَ والكَبائِرَ يَجُوزُ أنْ يَذْهَبا بِالحَسَناتِ، لِأنَّ لَفْظَ السَيِّئاتِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِما.

النساء 4:32

وَلَمّا كانَ أخْذُ مالِ الغَيْرِ بِالباطِلِ، وقَتْلُ النَفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، بِتَمَنِّي مالِ الغَيْرِ وجاهِهِ، نَهاهم عَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَ الناسِ عَلى بَعْضٍ مِنَ الجاهِ والمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ التَفْضِيلَ قِسْمَةٌ مِنَ اللهِ، صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ وتَدْبِيرٍ وعِلْمٍ بِأحْوالِ العِبادِ، وبِما يَنْبَغِي لِكُلِّ مَن بُسِطَ في الرِزْقِ، أوْ قُبِضَ. فَعَلى كُلِّ واحِدٍ أنْ يَرْضى بِما قُسِّمَ لَهُ، ولا يَحْسُدَ أخاهُ عَلى حَظِّهِ. فالحَسَدُ: أنْ يَتَمَنّى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَيْءُ لَهُ، ويَزُولَ عَنْ صاحِبِهِ. والغِبْطَةُ: أنْ يَتَمَنّى مِثْلَ ما لِغَيْرِهِ، وهو مُرَخَّصٌ فِيهِ، والأوَّلُ مَنهِيٌّ عَنْهُ. ولَمّا قالَ الرِجالُ: نَرْجُو أنْ يَكُونَ أجْرُنا عَلى الضِعْفِ مِن أجْرِ النِساءِ كالمِيراثِ، وقالَتِ النِساءُ: يَكُونُ وِزْرُنا عَلى نِصْفِ وِزْرِ الرِجالِ كالمِيراثِ، نَزَلَ ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ المِيراثِ، ﴿واسْألُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ﴾ فَإنَّ خَزائِنَهُ لا تَنْفَدُ، ولا تَتَمَنَّوْا ما لِلنّاسِ مِنَ الفَضْلِ. ﴿إنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فالتَفْضِيلُ مِنهُ عَنْ عِلْمٍ بِمَواضِعِ الِاسْتِحْقاقِ، قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَأْمُرْ بِالمَسْألَةِ إلّا لِيُعْطِيَ. (p-٣٥٤)وَفِي الحَدِيثِ: « "مَن لَمْ يَسْألِ اللهَ مِن فَضْلِهِ غَضِبَ عَلَيْهِ". وفِيهِ: "إنَّ اللهَ تَعالى لَيُمْسِكُ الخَيْرَ الكَثِيرَ عَنْ عَبْدِهِ، ويَقُولُ: لا أُعْطِي عَبْدِي حَتّى يَسْألَنِي". » (وَسَلُوا) مَكِّيٌّ، وعَلِيٌّ.

النساء 4:33

﴿وَلِكُلٍّ﴾ المُضافُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولِكُلِّ أحَدٍ، أوْ لِكُلِّ مالٍ. ﴿جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ وُرّاثًا يَلُونَهُ ويُحْرِزُونَهُ ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ هو صِفَةُ مالٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِكُلِّ مالٍ تَرَكَهُ الوالِدانِ، أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَوالِي، تَقْدِيرُهُ: يَرِثُونَ مِمّا تَرَكَ. ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ عاقَدَتْهم أيْدِيكُمْ، وهو مُبْتَدَأٌ ضُمِّنَ مَعْنى الشَرْطِ، فَوَقَعَ خَبَرُهُ، وهو ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ مَعَ الفاءِ. (عَقَدَتْ) كُوفِيٌّ، أيْ: عَقَدَتْ عُهُودَهم أيْمانُكم. والمُرادُ بِهِ عَقْدُ المُوالاةِ، وهي مَشْرُوعَةٌ، والوِراثَةُ بِها ثابِتَةٌ عِنْدَ عامَّةِ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهم وهو قَوْلُنا. وتَفْسِيرُهُ: إذا أسْلَمَ رَجُلٌ أوِ امْرَأةٌ لا وارِثَ لَهُ، ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ، ولا مُعْتَقٍ، فَيَقُولُ لِآخَرَ: والَيْتُكَ عَلى أنْ تَعْقِلَنِي إذا جَنَيْتُ، وتَرِثَ مِنِّي إذا مِتُّ، ويَقُولُ الآخَرُ: قَبِلْتُ، انْعَقَدَ ذَلِكَ، ويَرِثُ الأعْلى مِنَ الأسْفَلِ. ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ، وهو أبْلَغُ وعْدٍ ووَعِيدٍ.

النساء 4:34

﴿الرِجالُ قَوّامُونَ عَلى النِساءِ﴾ يَقُومُونَ عَلَيْهِنَّ آمِرِينَ ناهِينَ، كَما يَقُومُ الوُلاةُ عَلى الرَعايا، وسُمُّوا قُوّامًا لِذَلِكَ. ﴿بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ الضَمِيرُ في "بَعْضِهِمْ" لِلرِّجالِ والنِساءِ، يَعْنِي: إنَّما كانُوا مُسَيْطِرِينَ عَلَيْهِنَّ لِسَبَبِ تَفْضِيلِ اللهِ بَعْضَهم -وَهُمُ الرِجالُ- عَلى بَعْضٍ -وَهُمُ النِساءُ- بِالعَقْلِ، والعَزْمِ، والحَزْمِ، والرَمْيِ، والقُوَّةِ، والغَزْوِ، وكَمالِ الصَوْمِ والصَلاةِ، والنُبُوَّةِ، والخِلافَةِ، والإمامَةِ، والأذانِ، والخُطْبَةِ، والجَماعَةِ، والجُمْعَةِ، وتَكْبِيرِ (p-٣٥٥)التَشْرِيقِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ، والشَهادَةِ في الحُدُودِ والقِصاصِ، وتَضْعِيفِ المِيراثِ، والتَعْصِيبِ فِيهِ، ومِلْكِ النِكاحِ، والطَلاقِ، وإلَيْهِمُ الِانْتِسابُ، وهم أصْحابُ اللِحى والعَمائِمِ. ﴿وَبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ وبِأنَّ نَفَقَتَهُنَّ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ دَلِيلُ وُجُوبِ نَفَقَتِهِنَّ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَسَّمَهُنَّ عَلى نَوْعَيْنِ، النَوْعُ الأوَّلُ: ﴿فالصالِحاتُ قانِتاتٌ﴾ مُطِيعاتٌ، قائِماتٌ بِما عَلَيْهِنَّ لِلْأزْواجِ. ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ لِمَواجِبِ الغَيْبِ، وهو خِلافُ الشَهادَةِ، أيْ: إذا كانَ الأزْواجُ غَيْرُ شاهِدِينَ لَهُنَّ حَفِظْنَ ما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ حِفْظُهُ في حالِ الغَيْبَةِ مِنَ الفُرُوجِ، والبُيُوتِ، والأمْوالِ. وقِيلَ: "لِلْغَيْبِ" لِأسْرارِهِمْ، ﴿بِما حَفِظَ اللهُ﴾ بِما حَفِظَهُنَّ اللهُ حِينَ أوْصى بِهِنَّ الأزْواجَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النِساءُ: ١٩]. أوْ بِما حَفِظَهُنَّ اللهُ، وعَصَمَهُنَّ، ووَفَّقَهُنَّ لِحِفْظِ الغَيْبِ، أوْ بِحِفْظِ اللهِ إيّاهُنَّ حَيْثُ صَبَّرَهُنَّ كَذَلِكَ، والثانِي: ﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ عِصْيانَهُنَّ، وتَرَفُّعَهُنَّ عَنْ طاعَةِ الأزْواجِ، والنَشْزُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: هو أنْ تَسْتَخِفَّ بِحُقُوقِ زَوْجِها، ولا تُطِيعَ أمْرَهُ. ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ خَوِّفُوهُنَّ عُقُوبَةَ اللهِ تَعالى والضَرْبَ. والعِظَةُ: كَلامٌ يُلِينُ القُلُوبَ القاسِيَةَ، ويُرَغِّبُ الطَبائِعَ النافِرَةَ. ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ في المَراقِدِ، أيْ: لا تُداخِلُوهُنَّ تَحْتَ اللُحُفِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، أوْ هو أنْ يُوَلِّيَها ظَهْرَهُ في المَضْجَعِ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَنِ المَضاجِعِ. ﴿واضْرِبُوهُنَّ﴾ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، أمَرَ بِوَعْظِهِنَّ أوَّلًا، ثُمَّ بِهُجْرانِهِنَّ في المَضاجِعِ، ثُمَّ بِالضَرْبِ إنْ لَمْ يَنْجَحْ فِيهِنَّ الوَعْظُ والهُجْرانُ. ﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾ بِتَرْكِ النُشُوزِ ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ فَأزِيلُوا عَنْهُنَّ التَعَرُّضَ بِالأذى. و"سَبِيلًا" مَفْعُولُ تَبْغُوا، وهو مِن بَغَيْتُ الأمْرَ، أيْ: طَلَبْتَهُ. ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ أيْ: إنْ عَلَتْ أيْدِيكم عَلَيْهِنَّ، فاعْلَمُوا أنَّ قُدْرَتَهُ عَلَيْكم أعْظَمُ مِن قُدْرَتِكم عَلَيْهِنَّ، فاجْتَنِبُوا ظُلْمَهُنَّ، أوْ ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ وإنَّكم تَعْصُونَهُ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ، وكِبْرِياءِ سُلْطانِهِ، ثُمَّ تَتُوبُونَ فَيَتُوبُ عَلَيْكُمْ، فَأنْتُمْ أحَقُّ بِالعَفْوِ عَمَّنْ يَجْنِي عَلَيْكم إذا رَجَعَ. (p-٣٥٦)

النساء 4:35

ثُمَّ خاطَبَ الوُلاةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ أصْلُهُ: شِقاقًا بَيْنَهُما، فَأُضِيفَ الشِقاقُ إلى الظَرْفِ عَلى سَبِيلِ الِاتِّساعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَيْلِ والنَهارِ﴾ [سَبَأٌ: ٣٢] وأصْلُهُ: بَلْ مَكْرٌ في اللَيْلِ والنَهارِ، والشِقاقُ: العَداوَةُ والخِلافُ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَفْعَلُ ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، أوْ يَمِيلُ إلى شِقٍّ، أيْ: ناحِيَةٍ غَيْرِ شِقِّ صاحِبِهِ، والضَمِيرُ لِلزَّوْجَيْنِ، ولَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما لِجَرْيِ ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِما، وهو الرِجالُ والنِساءُ. ﴿فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ﴾ رَجُلًا يَصْلُحُ لِلْحُكُومَةِ والإصْلاحِ بَيْنَهُما، ﴿وَحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ وإنَّما كانَ بَعْثُ الحَكَمَيْنِ مِن أهْلِهِما، لِأنَّ الأقارِبَ أعْرَفُ بِبَواطِنِ الأحْوالِ، وأطْلَبُ لِلصَّلاحِ، ونُفُوسُ الزَوْجَيْنِ أسْكَنُ إلَيْهِمْ، فَيُبْرِزانِ ما في ضَمائِرِهِما مِنَ الحُبِّ، والبُغْضِ، وإرادَةِ الصُحْبَةِ والفُرْقَةِ، والضَمِيرُ فِي: ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا﴾ لِلْحَكَمَيْنِ، وفِي: ﴿يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾ الضَمِيرُ لِلزَّوْجَيْنِ، أيْ: إنْ قَصَدا إصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ، وكانَتْ نِيَّتُهُما صَحِيحَةً، بُورِكَ في وساطَتِهِما، وأوْقَعَ اللهُ بِحُسْنِ سَعْيِهِما بَيْنَ الزَوْجَيْنِ الأُلْفَةَ والوِفاقَ، وألْقى في نُفُوسِهِما المَوَدَّةَ والِاتِّفاقَ، أوِ الضَمِيرانِ لِلْحَكَمَيْنِ، أيْ: إنْ قَصَدا إصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ والنَصِيحَةَ لِلزَّوْجَيْنِ، يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما، فَيَتَفِقانِ عَلى الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، ويَتَسانَدانِ في طَلَبِ الوِفاقِ حَتّى يَتِمَّ المُرادُ، أوِ الضَمِيرانِ لِلزَّوْجَيْنِ، أيْ: إنْ يُرِيدا إصْلاحَ ما بَيْنَهُما، وطَلَبَ الخَيْرِ، وأنْ يَزُولَ عَنْهُما الشِقاقُ، يُلْقِ اللهُ بَيْنَهُما الأُلْفَةَ، وأبْدَلَهُما بِالشِقاقِ الوِفاقَ، وبِالبَغْضاءِ المَوَدَّةَ ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بِإرادَةِ الحَكَمَيْنِ ﴿خَبِيرًا﴾ بِالظالِمِ مِنَ الزَوْجَيْنِ، ولَيْسَ لَهُما وِلايَةُ التَفْرِيقِ خِلافًا لِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.

النساء 4:36

﴿واعْبُدُوا اللهَ﴾ قِيلَ: العُبُودِيَّةُ أرْبَعَةٌ: الوَفاءُ بِالعُهُودِ، والرِضا بِالمَوْجُودِ، والحِفْظُ لِلْحُدُودِ، والصَبْرُ عَلى المَفْقُودِ. ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ صَنَمًا وغَيْرَهُ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ، أيْ: إشْراكًا. ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وأحْسِنُوا (p-٣٥٧)بِهِما إحْسانًا بِالقَوْلِ، والفِعْلِ، والإنْفاقِ عَلَيْهِما عِنْدَ الِاحْتِياجِ. ﴿وَبِذِي القُرْبى﴾ وبِكُلِّ مَن بَيْنَكم وبَيْنَهُ قُرْبى مِن أخٍ، أوْ عَمٍّ، أوْ غَيْرِهِما. ﴿واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى﴾ الَّذِي قَرُبَ جِوارُهُ ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ أيِ: الَّذِي جِوارُهُ بَعِيدٌ. أوِ الجارُ القَرِيبُ: النَسِيبُ، والجارُ الجُنُبُ: الأجْنَبِيُّ. ﴿والصاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ أيِ: الزَوْجَةُ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أوِ الَّذِي صَحِبَكَ بِأنْ حَصَلَ بِجَنْبِكَ، إمّا رَفِيقًا في سَفَرٍ، أوْ شَرِيكًا في تَعَلُّمِ عِلْمٍ، أوْ غَيْرِهِ، أوْ قاعِدًا إلى جَنْبِكَ في مَجْلِسٍ أوْ مَسْجِدٍ. ﴿وابْنِ السَبِيلِ﴾ الغَرِيبِ، أوِ الضَيْفِ. ﴿وَما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ العَبِيدِ، والإماءِ. ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا﴾ مُتَكَبِّرًا يَأْنَفُ عَنْ قَرابَتِهِ وجِيرانِهِ، فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ. ﴿فَخُورًا﴾ يُعَدِّدُ مَناقِبَهُ كِبْرًا، فَإنَّ عَدَّها اعْتِرافًا كانَ شَكُورًا.

النساء 4:37

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ نَصْبٌ عَلى البَدَلِ مِن ﴿مَن كانَ مُخْتالا فَخُورًا﴾ وجُمِعَ عَلى مَعْنى مَن، أوْ عَلى الذَمِّ، أوْ رَفْعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرَهُ: هم ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ﴿وَيَأْمُرُونَ الناسَ بِالبُخْلِ﴾ (بِالبَخَلِ) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وهُما لُغَتانِ كالرُشْدِ والرَشَدِ، أيْ: يَبْخَلُونَ بِذاتِ أيْدِيِهِمْ، وبِما في أيْدِي غَيْرِهِمْ، فَيَأْمُرُونَهم بِأنْ يَبْخَلُوا بِهِ مَقْتًا لِلسَّخاءِ. قِيلَ: البُخْلُ أنْ يَأْكُلَ بِنَفْسِهِ، ولا يُؤْكِلَ غَيْرَهُ، والشُحُّ: أنْ لا يَأْكُلَ ولا يُؤْكِلَ، والسَخاءُ: أنْ يَأْكُلَ ويُؤْكِلَ، والجُودُ: أنْ يُؤْكِلَ ولا يَأْكُلَ. ﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ ويُخْفُونَ ما أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ المالِ، وسَعَةِ الحالِ. وفي الحَدِيثِ: « "إذا أنْعَمَ اللهُ عَلى عَبْدِهِ نِعْمَةً أحَبَّ أنْ يَرى نِعْمَتَهُ عَلى عَبْدِهِ". » وبَنى عامِلٌ لِلرَّشِيدِ قَصْرًا حِذاءَ قَصْرِهِ، فَنُمَّ بِهِ، فَقالَ الرَجُلُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، (p-٣٥٨)إنَّ الكَرِيمَ يَسُرُّهُ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ، فَأحْبَبْتُ أنْ أسُرَّكَ بِالنَظَرِ إلى آثارِ نِعْمَتِكَ، فَأعْجَبَهُ كَلامُهُ. قِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ اليَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ أيْ: يُهانُونَ بِهِ في الآخِرَةِ.

النساء 4:38

﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، أوْ عَلى الكافِرِينَ. ﴿رِئاءَ الناسِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِلْفِخارِ، ولِيُقالَ: ما أجْوَدَهُمْ، لا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللهِ، وهُمُ المُنافِقُونَ، أوْ مُشْرِكُو مَكَّةَ. ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ حَيْثُ حَمَلَهم عَلى البُخْلِ والرِياءِ وكُلِّ شَرٍّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لَهم بِأنَّ الشَيْطانَ يُقْرَنُ بِهِمْ في النارِ.

النساء 4:39

﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ وأيُّ تَبِعَةٍ ووَبالٍ عَلَيْهِمْ في الإيمانِ، والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ. والمُرادُ: الذَمُّ والتَوْبِيخُ، وإلّا فَكُلُّ مَنفَعَةٍ ومَصْلَحَةٍ في ذَلِكَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْعاقِّ: ما ضَرَّكَ لَوْ كُنْتَ بارًّا؟! وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ لا مَضَرَّةَ في البِرِّ، ولَكِنَّهُ ذَمٌّ وتَوْبِيخٌ ﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ وعِيدٌ.

النساء 4:40

﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ هِيَ: النَمْلَةُ الصَغِيرَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في التُرابِ، فَرَفَعَهُ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ، فَقالَ: كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ ذَرَّةٌ، وقِيلَ: كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَباءِ في الكُوَّةِ ذَرَّةٌ. ﴿وَإنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ وإنْ يَكُ مِثْقالُ الذَرَّةِ حَسَنَةً. وإنَّما أنَّثَ ضَمِيرَ المِثْقالِ لِكَوْنِهِ مُضافًا إلى مُؤَنَّثٍ. (حَسَنَةٌ) حِجازِيٌّ عَلى كانَ التامَّةِ، وحُذِفَتِ النُونُ مِن تَكُنْ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. ﴿يُضاعِفْها﴾ يُضاعِفْ ثَوابَها، (يُضَعِّفْها) مَكِّيٌّ، وشامِيٌّ. ﴿وَيُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ويُعْطِ صاحِبَها مِن عِنْدِهِ ثَوابًا عَظِيمًا، وما وصَفَهُ اللهُ بِالعِظَمِ فَمَن يَعْرِفُ مِقْدارَهُ مَعَ أنَّهُ سَمّى مَتاعَ الدُنْيا (p-٣٥٩)قَلِيلًا؟! وفِيهِ إبْطالُ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في تَخْلِيدِ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ، مَعَ أنَّ لَهُ حَسَناتٍ كَثِيرَةً.

النساء 4:41

﴿فَكَيْفَ﴾ يَصْنَعُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ ﴿إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما فَعَلُوا، وهو نَبِيُّهم. ﴿وَجِئْنا بِكَ﴾ يا مُحَمَّدُ، ﴿عَلى هَؤُلاءِ﴾ أيْ: أُمَّتِكَ ﴿شَهِيدًا﴾ حالٌ، أيْ: شاهِدًا عَلى مَن آمَنَ بِالإيمانِ، وعَلى مَن كَفَرَ بِالكُفْرِ، وعَلى مَن نافَقَ بِالنِفاقِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «أنَّهُ قَرَأ سُورَةَ النِساءِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فَبَكى رَسُولُ اللهِ ﷺ، وقالَ: "حَسْبُنا". »

النساء 4:42

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِاللهِ ﴿وَعَصَوُا الرَسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ لَوْ يُدْفَنُونَ فَتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ كَما تُسَوّى بِالمَوْتى، أوْ يَوَدُّونَ أنَّهم لَمْ يَبْعَثُوا، وأنَّهم كانُوا والأرْضَ سَواءً، أوْ تَصِيرُ البَهائِمُ تُرابًا فَيَوَدُّونَ حالَها (تَسْوى) بِفَتْحِ التاءِ وتَخْفِيفِ السِينِ والإمالَةِ وحَذْفِ إحْدى التاءَيْنِ مِن تَتَسَوّى، حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. (تَسَّوّى) بِإدْغامِ التاءِ في السِينِ مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ. ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ مُسْتَأْنَفٌ، أيْ: ولا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ، لِأنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.

النساء 4:43

وَلَمّا صَنَعَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا وشَرابًا ودَعا نَفَرًا مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهم حِينَ كانَتِ الخَمْرُ مُباحَةً، فَأكَلُوا وشَرِبُوا، فَقَدَّمُوا أحَدَهم لِيُصَلِّيَ بِهِمُ المَغْرِبَ، فَقَرَأ: قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وأنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ، نَزَلَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ أيْ: لا تَقْرَبُوها في هَذِهِ الحالَةِ ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ أيْ: تَقْرَءُونَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ رِدَّةَ السَكْرانِ لَيْسَتْ بِرِدَّةٍ، لِأنَّ قِراءَةَ سُورَةِ الكافِرُونَ بِطَرْحِ اللاماتِ كُفْرٌ، (p-٣٦٠)وَلَمْ يَحْكم بِكُفْرِهِ حَتّى خاطَبَهم بِاسْمِ الإيمانِ، وما أمَرَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالتَفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ، ولا بِتَجْدِيدِ الإيمانِ، ولِأنَّ الأُمَّةَ اجْتَمَعَتْ عَلى أنَّ مَن أجْرى كَلِمَةَ الكُفْرِ عَلى لِسانِهِ مُخْطِئًا لا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ. ﴿وَلا جُنُبًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وَأنْتُمْ سُكارى﴾ لِأنَّ مَحَلَّ الجُمْلَةِ مَعَ الواوِ النَصْبُ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ سُكارى ولا جُنُبًا، أيْ: ولا تُصَلُّوا جُنُبًا، والجُنُبُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، لِأنَّهُ اسْمٌ جَرى مَجْرى المَصْدَرِ الَّذِي هو الإجْنابُ. ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: "جُنُبًا" أيْ: لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ جُنُبًا غَيْرَ عابِرِي سَبِيلٍ، أيْ: جُنُبًا مُقِيمِينَ غَيْرَ مُسافِرِينَ، والمُرادُ بِالجُنُبِ: الَّذِينَ لَمْ يَغْتَسِلُوا، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ غَيْرَ مُغْتَسِلِينَ. ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ أيْ: إلّا أنْ تَكُونُوا مُسافِرِينَ عادِمِينَ الماءَ مُتَيَمِّمِينَ، عَبَّرَ عَنِ المُتَيَمِّمِ بِالمُسافِرِ، لِأنَّ غالِبَ حالِهِ عَدَمُ الماءِ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ﴾ أيْ: مَواضِعَ الصَلاةِ، وهي المَساجِدُ. ﴿وَلا جُنُبًا﴾ أيْ: ولا تَقْرُبُوا المَسْجِدَ جُنُبًا ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ إلّا مُجْتازِينَ فِيهِ، فَيَجُوزُ لِلْجُنُبِ العُبُورُ في المَسْجِدِ عِنْدَ الحاجَةِ. ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ أيِ: المُطْمَئِنِّ مِنَ الأرْضِ، وكانُوا يَأْتُونَهُ لِقَضاءِ الحاجَةِ، فَكَنّى بِهِ عَنِ الحَدَثِ. ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِساءَ﴾ جامَعْتُمُوهُنَّ. كَذا عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وابْنِ عَبّاسٍ. ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ فَلَمْ تَقْدِرُوا عَلى اسْتِعْمالِهِ لِعَدَمِهِ، أوْ بُعْدِهِ، أوْ فَقْدِ آلَةِ الوُصُولِ إلَيْهِ، أوْ لِمانِعٍ مِن حَيَّةٍ، أوْ سَبُعٍ، أوْ عَدُوٍّ. ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أدْخَلَ في حُكْمِ الشَرْطِ أرْبَعَةً، وهُمُ: المَرْضى، والمُسافِرُونَ، والمُحْدِثُونَ، وأهْلُ الجَنابَةِ. والجَزاءُ الَّذِي هو الأمْرُ بِالتَيَمُّمِ مُتَعَلِّقٌ بِهِمْ جَمِيعًا. فالمَرْضى إذا عَدِمُوا الماءَ لِضَعْفِ حَرَكَتِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ، والمُسافِرُونَ إذا عَدِمُوهُ لِبُعْدِهِ، والمُحْدِثُونَ وأهْلُ الجَنابَةِ إذا لَمْ يَجِدُوهُ [لِبَعْضِ الأسْبابِ]. (p-٣٦١)فَلَهم أنْ يَتَيَمَّمُوا. (لَمَسْتُمْ) حَمْزَةُ وعَلِيٌّ. ﴿صَعِيدًا﴾ قالَ الزَجّاجُ: هو وجْهُ الأرْضِ، تُرابًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وإنْ كانَ صَخْرًا لا تُرابَ عَلَيْهِ لَوْ ضَرَبَ المُتَيَمِّمُ يَدَهُ ومَسَحَ، لَكانَ ذَلِكَ طَهُورَهُ. و"مِن" في سُورَةِ المائِدَةِ لِابْتِداءِ الغايَةِ لا لِلتَّبْعِيضِ ﴿طَيِّبًا﴾ طاهِرًا ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ قِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ. ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا﴾ بِالتَرْخِيصِ، والتَيْسِيرِ ﴿غَفُورًا﴾ عَنِ الخَطَأِ والتَقْصِيرِ.

النساء 4:44

﴿ألَمْ تَرَ﴾ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ وعُدِّيَ بِإلى عَلى مَعْنى: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، أوْ بِمَعْنى: ألَمْ تَنْظُرْ إلَيْهِمْ. ﴿إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ حَظًّا مِن عِلْمِ التَوْراةِ، وهم أحْبارُ اليَهُودِ. ﴿يَشْتَرُونَ الضَلالَةَ﴾ يَسْتَبْدِلُونَها بِالهُدى، وهو البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ لَهم عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وأنَّهُ هو النَبِيُّ العَرَبِيُّ المُبَشَّرُ بِهِ في التَوْراةِ والإنْجِيلِ. ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا﴾ أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿السَبِيلَ﴾ أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ كَما ضَلُّوهُ.

النساء 4:45

﴿واللهُ أعْلَمُ﴾ مِنكم ﴿بِأعْدائِكُمْ﴾ وقَدْ أخْبَرَكم بِعَداوَةِ هَؤُلاءِ فاحْذَرُوهُمْ، ولا تَسْتَنْصِحُوهم في أُمُورِكُمْ، ﴿وَكَفى بِاللهِ ولِيًّا﴾ في النَفْعِ ﴿وَكَفى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ في الدَفْعِ، فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ، ونُصْرَتِهِ دُونَهُمْ، أوْ لا تُبالُوا بِهِمْ، فَإنَّ اللهَ يَنْصُرُكم عَلَيْهِمْ، ويَكْفِيكم مَكْرَهم. "وَلِيًّا" و"نَصِيرًا" مَنصُوبانِ عَلى التَمْيِيزِ، أوْ عَلى الحالِ.

النساء 4:46

﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِلَّذِينِ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ، أوْ بَيانٌ لِأعْدائِكُمْ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَصِيرًا﴾ أيْ: يَنْصُرُكم ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأنْبِياءُ: ٧٧]. أوْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قَوْمٌ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ فَـ "قَوْمٌ": مُبْتَدَأٌ، و"يُحَرِّفُونَ" صِفَةٌ لَهُ، والخَبَرُ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وحُذِفَ المَوْصُوفُ وهو "قَوْمٌ"، وأُقِيمَ صِفَتُهُ، وهو ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ (p-٣٦٢)مَواضِعِهِ﴾ يُمِيلُونَهُ عَنْها، ويُزِيلُونَهُ، لِأنَّهم إذا بَدَّلُوهُ ووَضَعُوا مَكانَهُ كَلِمًا غَيْرَهُ، فَقَدْ أمالُوهُ عَنْ مَواضِعِهِ في التَوْراةِ، الَّتِي وضَعَهُ اللهُ تَعالى فِيها، وأزالُوهُ عَنْها، وذَلِكَ نَحْوُ تَحْرِيفِهِمْ: "أسْمَرُ رَبْعَةٌ" عَنْ مَوْضِعِهِ في التَوْراةِ بِوَضْعِهِمْ: "آدَمُ طَوِيلٌ" مَكانَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ هُنا ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ وفي المائِدَةِ ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائِدَةُ: ٤١] فَمَعْنى "عَنْ مَواضِعِهِ" عَلى ما بَيَّنّا مِن إزالَتِهِ عَنْ مَواضِعِهِ، الَّتِي أوْجَبَتْ حِكْمَةُ اللهِ وضْعَهُ فِيها، بِما اقْتَضَتْ شَهَواتُهم مِن إبْدالِ غَيْرِهِ مَكانَهُ. ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أنَّهُ كانَ لَهُ مَواضِعُ هو جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ فِيها، فَحِينَ حَرَّفُوهُ تَرَكُوهُ كالغَرِيبِ الَّذِي لا مَوْضِعَ لَهُ بَعْدَ مَواضِعِهِ ومَقارِّهِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ. ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا﴾ قَوْلَكَ ﴿وَعَصَيْنا﴾ أمْرَكَ، قِيلَ: أسَرُّوا بِهِ ﴿واسْمَعْ﴾ قَوْلَنا ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ حالٌ مِنَ المُخاطَبِ، أيِ: اسْمَعْ وأنْتَ غَيْرُ مُسْمَعٍ، هو قَوْلٌ ذُو وجْهَيْنِ يَحْتَمِلُ الذَمَّ، أيِ: اسْمَعْ مِنّا مَدْعُوًّا عَلَيْكَ بِلا سَمِعْتَ، لِأنَّهُ لَوْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهم عَلَيْهِ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئًا، فَكانَ أصَمَّ غَيْرَ مُسْمَعٍ، قالُوا ذَلِكَ اتِّكالًا عَلى أنَّ قَوْلَهُمْ: لا سَمِعْتَ، دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُجابٍ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ، ومَعْناهُ: غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا يُوافِقُكَ، فَكَأنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ شَيْئًا، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًا تَرْضاهُ، فَسَمْعُكَ عَنْهُ نابٍ، ويَحْتَمِلُ المَدْحَ أيِ: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، مِن قَوْلِكَ: أسْمَعَ فُلانٌ فُلانًا إذا سَبَّهُ. ﴿وَراعِنا﴾ يَحْتَمِلُ راعِنا: نُكَلِّمْكَ، أيِ: ارْقُبْنا، وانْتَظِرْنا. ويَحْتَمِلُ شِبْهَ كَلِمَةٍ عِبْرانِيَّةٍ، أوْ سُرْيانِيَّةٍ كانُوا يَتَسابُّونَ بِها، وهى "راعِينا" فَكانُوا سُخْرِيَةً بِالدِينِ، وهُزُؤًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ يُكَلِّمُونَهُ بِكَلامٍ مُحْتَمِلٍ، يَنْوُونَ بِهِ الشَتِيمَةَ، والإهانَةَ، ويُظْهِرُونَ بِهِ التَوْقِيرَ، والإكْرامَ. ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ فَتْلًا بِها وتَحْرِيفًا، أيْ: يَفْتِلُونَ بِألْسِنَتِهِمُ الحَقَّ إلى الباطِلِ، حَيْثُ يَضَعُونَ "راعِنا" مَوْضِعَ "انْظُرْنا" و﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ مَوْضِعَ "لا سَمِعْتَ مَكْرُوهًا" أوْ يَفْتِلُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما يُضْمِرُونَهُ مِنَ الشَتْمِ إلى ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ التَوْقِيرِ نِفاقًا. ﴿وَطَعْنًا في الدِينِ﴾ هو قَوْلُهُمْ: لَوْ كانَ نَبِيًّا حَقًّا لَأُخْبِرَ بِما نَعْتَقِدُ فِيهِ: ﴿وَلَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ ولَمْ يَقُولُوا: ﴿وَعَصَيْنا﴾ ﴿واسْمَعْ﴾ ولَمْ يُلْحِقُوا بِهِ ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ (p-٣٦٣)﴿وانْظُرْنا﴾ مَكانَ راعِنا لَكانَ قَوْلُهم ذاكَ: ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ عِنْدَ اللهِ ﴿وَأقْوَمَ﴾ وأعْدَلَ، وأسَدَّ. ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ طَرَدَهُمْ، وأبْعَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ بِسَبَبِ اخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ، ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ مِنهم قَدْ آمَنُوا كَعَبْدِ اللهِ ابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، أوْ إلّا إيمانًا قَلِيلًا ضَعِيفًا لا يُعْبَأُ بِهِ، وهو إيمانُهم بِمَن خَلَقَهم مَعَ كُفْرِهِمْ بِغَيْرِهِ.

النساء 4:47

وَلَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا نَزَلَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ. ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ يَعْنِي: التَوْراةَ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ أيْ: نَمْحُو تَخْطِيطَ صُوَرِها مِن عَيْنٍ، وحاجِبٍ، وأنْفٍ، وفَمٍ. ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ فَنَجْعَلُها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها، وهي الأقْفاءُ مَطْمُوسَةً مِثْلَها، والفاءُ لِلتَّسْبِيبِ. وإنْ جَعَلْتَها لِلتَّعْقِيبِ عَلى أنَّهم تُوُعِّدُوا بِعِقابَيْنِ أحَدُهُما عَقِيبَ الآخَرِ، رَدُّها عَلى أدْبارِها بَعْدَ طَمْسِها، فالمَعْنى: أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنُنَكِّسَ الوُجُوهَ إلى خَلْفٍ، والأقْفاءَ إلى قُدّامٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالطَمْسِ: القَلْبُ والتَغْيِيرُ، كَما طَمَسَ أمْوالَ القِبْطِ فَقَلَبَها حِجارَةً، وبِالوُجُوهِ: رُءُوسُهم ووُجَهاؤُهُمْ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ تُغَيَّرَ أحْوالُ وُجَهائِهِمْ، فَنَسْلُبُهم إقْبالَهُمْ، ووَجاهَتَهُمْ، ونَكْسُوهم صَغارَهُمْ، وإدْبارَهم. ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَبْتِ﴾ أيْ: نُخْزِيهِمْ بِالمَسْخِ كَما مَسْخْنا أصْحابَ السَبْتِ، والضَمِيرُ يَرْجِعُ إلى الوُجُوهِ إنْ أُرِيدَ الوُجَهاءُ، أوْ إلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، والوَعِيدِ كانَ مُعَلَّقًا بِألّا يُؤْمِنَ كُلُّهُمْ، وقَدْ آمَنَ بَعْضُهُمْ، فَإنَّ ابْنَ سَلامٍ قَدْ سَمِعَ الآيَةَ قافِلًا مِنَ الشامِ، فَأتى النَبِيَّ ﷺ مُسْلِمًا قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ أهْلَهُ، وقالَ: ما كُنْتُ أرى أنْ أصِلَ إلى أهْلِي قَبْلَ أنْ يَطْمِسَ اللهُ وجْهِي، أوْ أنَّ اللهَ تَعالى أوْعَدَهم بِأحَدِ الأمْرَيْنِ بِطَمْسِ الوُجُوهِ، أوْ بِلَعْنِهِمْ فَإنْ كانَ الطَمْسُ تَبَدُّلَ أحْوالِ رُؤَسائِهِمْ فَقَدْ كانَ أحَدَ الأمْرَيْنِ، وإنْ كانَ غَيْرُهُ فَقَدْ حَصَلَ اللَعْنُ، فَإنَّهم مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ، وقِيلَ: هو مُنْتَظَرٌ في اليَهُودِ. ﴿وَكانَ أمْرُ اللهِ﴾ أيِ: المَأْمُورُ بِهِ، وهو العَذابُ، الَّذِي أُوعِدُوا بِهِ (p-٣٦٤)﴿مَفْعُولا﴾ كائِنًا لا مَحالَةَ، فَلا بُدَّ أنْ يَقَعَ أحَدُ الأمْرَيْنِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.

النساء 4:48

﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إنْ ماتَ عَلَيْهِ ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما دُونَ الشِرْكِ، وإنْ كانَ كَبِيرَةً مَعَ عَدَمِ التَوْبَةِ، والحاصِلُ: أنَّ الشِرْكَ مَغْفُورٌ عَنْهُ بِالتَوْبَةِ، وأنَّ وعْدَ غُفْرانِ ما دُونَهُ لِمَن لَمْ يَتُبْ، أيْ: لا يَغْفِرُ لِمَن يُشْرِكُ وهو مُشْرِكٌ، ويَغْفِرُ لِمَن يُذْنِبُ وهو مُذْنِبٌ، قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن لَقِيَ اللهَ تَعالى لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، ولَمْ تَضُرَّهُ خَطِيئَتُهُ". » وتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ لا يُخْرِجُهُ عَنْ عُمُومِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ [الشُورى: ١٩]. قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أحَبَّ إلَيَّ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وحَمْلُ المُعْتَزِلَةِ عَلى التائِبِ باطِلٌ، لِأنَّ الكُفْرَ مَغْفُورٌ عَنْهُ بِالتَوْبَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنْفالُ: ٣٨] فَما دُونَهُ أوْلى أنْ يُغْفَرَ بِالتَوْبَةِ، والآيَةُ سِيقَتْ لِبَيانِ التَفْرِقَةِ بَيْنَهُما، وذا فِيما ذَكَرْنا ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ كَذِبَ كَذِبًا عَظِيمًا، اسْتَحَقَّ بِهِ عَذابًا ألِيمًا.

النساء 4:49

وَنَزَلَ فِيمَن زَكّى نَفْسَهُ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى، حَيْثُ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ، وقالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى. ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ ويَدْخُلُ فِيها كُلُّ مَن زَكّى نَفْسَهُ، ووَصَفَها بِزَكاءِ العَمَلِ، وزِيادَةِ الطاعَةِ، والتَقْوى. ﴿بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ تَزْكِيَةَ اللهِ هي الَّتِي يُعْتَدُّ بِها، لا تَزْكِيَةَ غَيْرِهِ، لِأنَّهُ هو العالِمُ بِمَن هو أهْلٌ لِلتَّزْكِيَةِ، ونَحْوُهُ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النَجْمُ: ٣٢] ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ حَقَّ جَزائِهِمْ، أوْ مَن يَشاءُ يُثابُونَ عَلى زَكائِهِمْ، ولا يَنْقُصُ مِن ثَوابِهِمْ ﴿فَتِيلا﴾ قَدْرَ فَتِيلٍ، وهو ما يَحْدُثُ بِفَتْلِ الأصابِعِ مِنَ الوَسَخِ. (p-٣٦٥)

النساء 4:50

﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ﴾ في زَعْمِهِمْ أنَّهم عِنْدَ اللهِ أزْكِياءُ ﴿وَكَفى بِهِ﴾ بِزَعْمِهِمْ هَذا ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ مِن بَيْنِ سائِرِ آثامِهِمْ.

النساء 4:51

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ﴾ أيِ: الأصْنامِ، وكُلِّ ما عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللهِ. ﴿والطاغُوتِ﴾ الشَيْطانِ. ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ وذَلِكَ أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ، وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ خَرَجا إلى مَكَّةَ مَعَ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ يُحالِفُونَ قُرَيْشًا عَلى مُحارَبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ الكِتابِ، وأنْتُمْ إلى مُحَمَّدٍ أقْرَبُ مِنّا، وهو أقْرَبُ مِنكم إلَيْنا، فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكُمْ، فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى نَطْمَئِنَّ إلَيْكُمْ، فَفَعَلُوا، فَهَذا إيمانُهم بِالجِبْتِ والطاغُوتِ، لِأنَّهم سَجَدُوا لِلْأصْنامِ، وأطاعُوا إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَعْنَةُ فِيما فَعَلُوا. فَقالَ أبُو سُفْيانَ: أنَحْنُ أهْدى سَبِيلًا أمْ مُحَمَّدٌ؟ فَقالَ كَعْبٌ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا.

النساء 4:52

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ وأبْعَدَهم مَن رَحْمَتِهِ ﴿وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يُعْتَدُّ بِنَصْرِهِ.

النساء 4:53

ثُمَّ وصَفَ اليَهُودَ بِالبُخْلِ والحَسَدِ، وهُما مِن شَرِّ الخِصالِ، يَمْنَعُونَ ما لَهُمْ، ويَتَمَنَّوْنَ ما لِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ فَـ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ: الإنْكارُ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ. ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ الناسَ نَقِيرًا﴾ أيْ: لَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ -أيْ: مُلْكِ أهْلِ الدُنْيا، أوْ مُلْكِ اللهِ- فَإذًا لا يُؤْتُونَ أحَدًا مِقْدارَ نَقِيرٍ لِفَرْطِ بُخْلِهِمْ. والنَقِيرُ: النَقْرَةُ في ظَهْرِ النَواةِ، وهو مَثَلٌ في القِلَّةِ كالفَتِيلِ.

النساء 4:54

﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ بَلْ أيَحْسُدُونَ رَسُولَ اللهِ (p-٣٦٦)ﷺ والمُؤْمِنِينَ، عَلى إنْكارِ الحَسَدِ واسْتِقْباحِهِ، وكانُوا يَحْسُدُونَهم عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنَ النُصْرَةِ، والغَلَبَةِ، وازْدِيادِ العِزِّ، والتَقَدُّمِ كُلَّ يَوْمٍ. ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ﴾ أيِ: التَوْراةَ. ﴿والحِكْمَةَ﴾ المَوْعِظَةَ، والفِقْهَ. ﴿وَآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: مُلْكَ يُوسُفَ، وداوُدَ، وسُلَيْمانَ عَلَيْهِمُ السَلامُ. وهُنا إلْزامٌ لَهم بِما عَرَفُوهُ مِن إيتاءِ اللهِ الكِتابَ والحِكْمَةَ آلَ إبْراهِيمَ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ مِثْلَ ما أُوتِيَ أسْلافُهُ.

النساء 4:55

﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ﴾ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ ﴿وَمِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ وأنْكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِصِحَّتِهِ، أوْ مِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، ومِنهم مَن أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ، وأعْرَضَ عَنْهُ ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ لِلصّادِّينَ.

النساء 4:56

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ نُدْخِلُهم ﴿نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أُحْرِقَتْ ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ أعَدْنا تِلْكَ الجُلُودَ غَيْرَ مُحْتَرِقَةٍ، فالتَبْدِيلُ والتَغْيِيرُ لِتَغايُرِ الهَيْئَتَيْنِ، لا لِتَغايُرِ الأصْلَيْنِ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ، خِلافًا لِلْكَرّامِيَّةِ، وعَنْ فُضَيْلٍ: يَجْعَلُ النَضِيجَ غَيْرَ نَضِيجٍ. ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ لِيَدُومَ لَهم ذَوْقَهُ، ولا يَنْقَطِعَ، كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ: أعَزَّكَ اللهُ، أيْ: أدامَكَ عَلى عِزِّكَ. ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا﴾ غالِبًا بِالِانْتِقامِ، لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يُرِيدُهُ بِالمُجْرِمِينَ. ﴿حَكِيمًا﴾ فِيما يَفْعَلُ بِالكافِرِينَ.

النساء 4:57

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ مِنَ الأنْجاسِ، والحَيْضِ، والنِفاسِ. ﴿وَنُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ هو صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن لَفْظِ الظِلِّ لِتَأْكِيدِ مَعْناهُ، كَما يُقالُ: لَيْلٌ ألْيَلُ، (p-٣٦٧)وَهُوَ ما كانَ طَوِيلًا فَيْنانًا: لا جُوَبَ فِيهِ، ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَمْسُ، وسَجْسَجًا لا حَرَّ فِيهِ ولا بَرْدَ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا ظِلَّ الجَنَّةِ.

النساء 4:58

ثُمَّ خاطَبَ الوُلاةَ بِأداءِ الأماناتِ، والحُكْمِ بِالعَدْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ وقِيلَ: قَدْ دَخَلَ في هَذا الأمْرِ أداءُ الفَرائِضِ الَّتِي هي أمانَةُ اللهِ تَعالى، الَّتِي حَمَلَها الإنْسانُ، وحَفِظَ الحَواسَّ الَّتِي هي ودائِعُ اللهِ تَعالى. ﴿وَإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناسِ﴾ قَضَيْتُمْ ﴿أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ بِالسَوِيَّةِ، والإنْصافِ. وقِيلَ: «إنَّ عُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الدارِ كانَ سادِنَ الكَعْبَةِ، وقَدْ أخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنهُ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ أمَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِأنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَقَدْ أنْزَلَ اللهُ في شَأْنِكَ قُرْآنًا"، وقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ. فَأسْلَمَ عُثْمانُ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ وأخْبَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أنَّ السَدانَةَ في أوْلادِ عُثْمانَ أبَدًا. »﴿إنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ "ما" نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِـ "يَعِظُكم بِهِ" كَأنَّهُ قِيلَ: نِعْمَ شَيْئًا يَعِظُكم بِهِ، أوْ مَوْصُولَةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ صِلَتُها ما بَعْدَها، أيْ: نِعْمَ الشَيْءُ الَّذِي يَعِظُكم بِهِ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ: نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ ذاكَ، وهو المَأْمُورُ بِهِ مِن أداءِ الأماناتِ، والعَدْلِ في الحُكْمِ، وبِكَسْرِ النُونِ وسُكُونِ العَيْنِ، مَدَنِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. وبِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ، شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. ﴿إنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا﴾ لِأقْوالِكم ﴿بَصِيرًا﴾ بِأعْمالِكم.

النساء 4:59

لَمّا أمَرَ الوُلاةَ بِأداءِ الأماناتِ والحُكْمِ بِالعَدْلِ أمَرَ الناسَ بِأنْ يُطِيعُوهم بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ أيِ: الوُلاةَ، أوِ العُلَماءَ، لِأنَّ أمْرَهم يُنَفَّذُ عَلى الأُمَراءِ. ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾ فَإنِ اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وأُولُو الأمْرِ في شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِينِ ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَسُولِ﴾ أيِ: (p-٣٦٨)ارْجِعُوا فِيهِ إلى الكِتابِ والسُنَّةِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: إنَّ الإيمانَ يُوجِبُ الطاعَةَ دُونَ العِصْيانِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ طاعَةَ الأُمَراءِ واجِبَةٌ إذا وافَقُوا الحَقَّ، فَإذا خالَفُوهُ فَلا طاعَةَ لَهُمْ، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ". » وحُكِيَ أنَّ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ قالَ لِأبِي حازِمٍ: ألَسْتُمْ أُمِرْتُمْ بِطاعَتِنا بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ ؟ فَقالَ أبُو حازِمٍ: ألَيْسَ قَدْ نُزِعَتِ الطاعَةُ عَنْكم إذا خالَفْتُمُ الحَقَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَسُولِ﴾ ؟ أيِ: القُرْآنِ والرَسُولِ في حَياتِهِ، وإلى أحادِيثِهِ بَعْدَ وفاتِهِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الرَدِّ، أيِ: الرَدِّ إلى الكِتابِ والسُنَّةِ. ﴿خَيْرٌ﴾ عاجِلًا ﴿وَأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ عاقِبَةً.

النساء 4:60

«كانَ بَيْنَ بِشْرٍ المُنافِقِ ويَهُودِيٍّ خُصُومَةٌ، فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى النَبِيِّ ﷺ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَرْتَشِي، ودَعا المُنافِقُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ لِيَرْشُوَهُ، فاحْتَكَما إلى النَبِيِّ ﷺ، فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ، وقالَ: تَعالى نَتَحاكَمْ إلى عُمَرَ، فَقالَ اليَهُودِيُّ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَضى لى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَقالَ عُمَرُ لِلْمُنافِقِ: أكَذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عُمَرُ: مَكانَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ عُمَرُ فَأخَذَ سَيْفَهُ، ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ بِهِ عُنُقَ المُنافِقِ، فَقالَ: هَكَذا أقْضِي لِمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ وقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أنْتَ الفارُوقُ" »﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿يَزْعُمُونَ﴾ ﴿أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطاغُوتِ﴾ أيْ: كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، سَمّاهُ اللهُ طاغُوتًا، لِإفْراطِهِ في الطُغْيانِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. أوْ عَلى التَشْبِيهِ بِالشَيْطانِ، أوْ جُعِلَ اخْتِيارُ (p-٣٦٩)التَحاكُمِ إلى غَيْرِ اللهِ عَلى التَحاكُمِ إلَيْهِ تَحاكُمًا إلى الشَيْطانِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُضِلَّهُمْ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ مُسْتَمِرًّا إلى المَوْتِ.

النساء 4:61

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ لِلْمُنافِقِينَ ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْـزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ﴾ لِلتَّحاكُمِ ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ يُعْرِضُونَ عَنْكَ إلى غَيْرِكَ لِيُغْرُوهُ بِالرِشْوَةِ، فَيَقْضِيَ لَهم.

النساء 4:62

﴿فَكَيْفَ﴾ تَكُونُ حالُهُمْ، وكَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ مِن قَتْلِ عُمَرَ بِشْرًا ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ التَحاكُمِ إلى غَيْرِكَ، واتِّهامِهِمْ لَكَ في الحُكْمِ. ﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾ أيْ: أصْحابُ القَتِيلِ مِنَ المُنافِقِينَ، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ حالٌ ﴿إنْ أرَدْنا﴾ ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ. ﴿إلا إحْسانًا﴾ لا إساءَةً ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ، ولَمْ نُرِدْ مُخالَفَةً لَكَ، ولا تَسَخُّطًا لِحُكْمِكَ، وهَذا وعِيدٌ لَهم عَلى فِعْلِهِمْ، وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلَيْهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَدَمُ، ولا يُغْنِي عَنْهُمُ الِاعْتِذارُ، وقِيلَ: جاءَ أوْلِياءُ المُنافِقِ يَطْلُبُونَ بِدَمِهِ، وقَدْ أهْدَرَهُ اللهُ، فَقالُوا: ما أرَدْنا بِالتَحاكُمِ إلى عُمَرَ إلّا أنْ يُحْسِنَ إلى صاحِبِنا بِحُكُومَةِ العَدْلِ والتَوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ، وما خَطَرَ بِبالِنا أنَّهُ يَحْكُمُ لَهُ بِما حَكَمَ بِهِ.

النساء 4:63

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِفاقِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ فَأعْرِضْ عَنْ قَبُولِ الأعْذارِ، وعِظْ بِالزَجْرِ والإنْكارِ، وبالِغْ في وعْظِهِمْ بِالتَخْوِيفِ والإنْذارِ، أوْ أعْرِضْ عَنْ عِقابِهِمْ، وعِظْهم في عِتابِهِمْ، وبَلِّغْ كُنْهَ ما في ضَمِيرِكَ مِنَ الوَعْظِ بِارْتِكابِهِمْ، والبَلاغَةِ: أنْ يُبَلِّغَ بِلِسانِهِ كُنْهَ ما في جَنانِهِ. و" في أنْفُسِهِمْ " يَتَعَلَّقُ بِـ " قُلْ لَهم " أيْ: قُلْ لَهم في مَعْنى أنْفُسهمْ الخَبِيثَةِ وقُلُوبِهِمُ المَطْوِيَّةِ عَلى (p-٣٧٠)النِفاقِ ﴿قَوْلا بَلِيغًا﴾ يَبْلُغُ مِنهم ويُؤَثِّرُ فِيهِمْ.

النساء 4:64

﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ﴾ أيْ: رَسُولًا قَطُّ. ﴿لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ﴾ بِتَوْفِيقِهِ في طاعَتِهِ وتَيْسِيرِهِ، أوْ بِسَبَبِ إذْنِ اللهِ في طاعَتِهِ، وبِأنَّهُ أمَرَ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ بِأنْ يُطِيعُوهُ، لِأنَّهُ مُؤَدٍّ عَنِ اللهِ، فَطاعَتُهُ طاعَةُ اللهِ ﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ﴾ ﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالتَحاكُمِ إلى الطاغُوتِ ﴿جاءُوكَ﴾ تائِبِينَ مِنَ النِفاقِ، مُعْتَذِرِينَ عَمّا ارْتَكَبُوا مِنَ الشِقاقِ، ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللهَ﴾ مِنَ النِفاقِ والشِقاقِ ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَسُولُ﴾ بِالشَفاعَةِ لَهم. والعامِلُ في ﴿إذْ ظَلَمُوا﴾ خَبَرُ أنَّ وهو ﴿جاءُوكَ﴾ والمَعْنى: ولَوْ وقَعَ مَجِيئُهم في وقْتِ ظُلْمِهِمْ مَعَ اسْتِغْفارِهِمْ واسْتِغْفارِ الرَسُولِ. ﴿لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا﴾ لَعَلِمُوهُ تَوّابًا، أيْ: لَتابَ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَقُلْ: واسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ، وعَدَلَ عَنْهُ إلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ ﷺ، وتَعْظِيمًا لِاسْتِغْفارِهِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ شَفاعَةَ مَنِ اسْمُهُ الرَسُولُ مِنَ اللهِ بِمَكانٍ. ﴿رَحِيمًا﴾ بِهِمْ، قِيلَ: جاءَ أعْرابِيٌّ بَعْدَ دَفْنِهِ ﷺ فَرَمى بِنَفْسِهِ عَلى قَبْرِهِ، وحَثا مِن تُرابِهِ عَلى رَأْسِهِ، وقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، قَلْتَ: فَسَمِعْنا، وكانَ فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ ﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةُ، وقَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وجِئْتُكَ أسْتَغْفِرُ اللهَ مِن ذَنْبِي، فاسْتَغْفِرْ لِي مِن رَبِّي، فَنُودِيَ مِن قَبَرِهِ: قَدْ غُفِرَ لَكَ!.

النساء 4:65

﴿فَلا ورَبِّكَ﴾ أيْ: فَوَرَبِّكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ [الحِجْرُ: ٩٢] و"لا" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أوِ التَقْدِيرُ "فَلا" أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فِيما اخْتَلَفَ بَيْنَهم واخْتَلَطَ، ومِنهُ: الشَجَرُ، لِتَداخُلِ أغْصانِهِ. ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ ضِيقًا ﴿مِمّا قَضَيْتَ﴾ أيْ: لا تَضِيقُ صُدُورُهم مِن حُكْمِكَ، أوْ شَكًّا، لِأنَّ الشاكَّ في ضِيقٍ مِن أمْرِهِ (p-٣٧١)حَتّى يَلُوحَ لَهُ اليَقِينُ ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ويَنْقادُوا لِقَضائِكَ انْقِيادًا، وحَقِيقَتُهُ: سَلَّمَ نَفْسَهُ لَهُ وأسْلَمَها، أيْ: جَعَلَها سالِمَةً لَهُ، أيْ: خالِصَةً، و"تَسْلِيمًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويَنْقادُوا لِحُكْمِكَ انْقِيادًا لا شُبْهَةَ فِيهِ بِظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ. والمَعْنى: لا يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ حَتّى يَرْضَوْا بِحُكْمِكَ وقَضائِكَ.

النساء 4:66

﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ عَلى المُنافِقِينَ، أيْ: ولَوْ وقَعَ كَتْبُنا عَلَيْهِمْ. ﴿أنِ اقْتُلُوا﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: تَعَرَّضُوا لِلْقَتْلِ بِالجِهادِ، أوْ ولَوْ أوْجَبْنا عَلَيْهِمْ مِثْلَ ما أوْجَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَتْلِهِمْ أنْفُسَهُمْ، ﴿أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ بِالهِجْرَةِ ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ لِنِفاقِهِمْ، والهاءُ ضَمِيرُ أحَدِ مَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ، وهو القَتْلُ، أوِ الخُرُوجُ، أوْ ضَمِيرُ المَكْتُوبِ لِدَلالَةِ كَتَبْنا عَلَيْهِ. ﴿إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ (قَلِيلًا) شامِيٌّ، عَلى الِاسْتِثْناءِ، والرَفْعُ عَلى البَدَلِ مِن واوِ "فَعَلُوهُ". ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِنِ اتِّباعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، والِانْقِيادِ لِحُكْمِهِ. ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في الدارَيْنِ ﴿وَأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لِإيمانِهِمْ، وأبْعَدَ عَنِ الِاضْطِرابِ فِيهِ.

النساء 4:67

﴿وَإذًا﴾ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: وماذا يَكُونُ لَهم بَعْدَ التَثْبِيتِ؟ فَقِيلَ: "وَإذًا" ولَوْ ثَبَتُوا ﴿لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: ثَوابًا كَثِيرًا لا يَنْقَطِعُ.

النساء 4:68

﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: لَثَبَّتْناهم عَلى الدِينِ الحَقِّ.

النساء 4:69

﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ والرَسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ والصِدِّيقِينَ﴾ كَأفاضِلِ صَحابَةِ الأنْبِياءِ، والصِدِّيقُ: المُبالِغُ في صِدْقِ ظاهِرِهِ بِالمُعامَلَةِ، وباطِنِهِ بِالمُراقَبَةِ، أوِ الَّذِي يَصْدُقُ قَوْلُهُ بِفِعْلِهِ. ﴿والشُهَداءِ﴾ والَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا (p-٣٧٢)فِي سَبِيلِ اللهِ ﴿والصالِحِينَ﴾ ومَن صَلَحَتْ أحْوالُهُمْ، وحَسُنَتْ أعْمالُهم. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أيْ: وما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا! وهو كالصَدِيقِ، والخَلِيطِ في اسْتِواءِ الواحِدِ، والجَمْعِ فِيهِ.

النساء 4:70

﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿الفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ أوِ الفَضْلُ صِفَتُهُ و"مِنَ اللهِ" خَبَرُهُ. والمَعْنى: أنَّ ما أُعْطِي المُطِيعُونَ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ، ومُرافَقَةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، مِنَ اللهِ، لِأنَّهُ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ، أوْ أرادَ أنَّ فَضْلَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ومَرْتَبَتَهم مِنَ اللهِ ﴿وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ بِعِبادِهِ، وبِمَن هو أهْلُ الفَضْلِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ ما يَفْعَلُ اللهُ بِعِبادِهِ فَهو فَضْلٌ مِنهُ، بِخِلافِ ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ.

النساء 4:71

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ الحِذْرُ والحَذَرُ بِمَعْنًى، وهو التَحَرُّزُ، وهُما كالإثْرِ والأثَرِ، يُقالُ: أخَذَ حِذْرَهُ، إذا تَيَقَّظَ، واحْتَرَزَ مِنَ المَخُوفِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ آلَتَهُ الَّتِي يَقِي بِها نَفْسَهُ، ويَعْصِمُ بِها رُوحَهُ، والمَعْنى: احْذَرُوا واحْتَرِزُوا مِنَ العَدُوِّ. ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ فاخْرُجُوا إلى العَدُوِّ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، فالثُباتُ: الجَماعاتُ، واحِدُها: ثُبَةٌ. ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ، أوْ مَعَ النَبِيِّ ﷺ، لِأنَّ الجَمْعَ بِدُونِ السَمْعِ لا يَتِمُّ، والعِقْدَ بِدُونِ الواسِطَةِ لا يَنْتَظِمُ، أوْ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ إذا لَمْ يَعُمَّ النَفِيرُ ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ إذا عَمَّ النَفِيرُ، و"ثُباتٍ" حالٌ، وكَذا "جَمِيعًا".

النساء 4:72

واللامُ في ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن﴾ لِلِابْتِداءِ بِمَنزِلَتِها في إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ، و"مَن" مَوْصُولَةٌ ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ اللامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وإنَّ مِنكم لَمَن أُقْسِمُ بِاللهِ لِيُبَطِّئَنَّ، والقَسَمُ وجَوابُهُ صِلَةُ مَن، والضَمِيرُ الراجِعُ مِنها إلَيْهِ ما اسْتَكَنَّ في "لَيُبَطِّئَنَّ" أيْ: لَيَتَثاقَلَنَّ، ولِيَتَخَلَّفْنَ عَنِ الجِهادِ، وبَطُؤَ بِمَعْنى: أبْطَأ، أيْ: تَأخَّرَ. ويُقالُ: ما بَطُؤَ بِكَ، فَيَتَعَدّى بِالباءِ، والخِطابُ لِعَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: "مِنكُمْ" أيْ: في الظاهِرِ دُونَ الباطِنِ، يَعْنِي: المُنافِقِينَ، يَقُولُونَ: لِمَ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ، تَأنَّوْا حَتّى يَظْهَرَ الأمْرُ. ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ قَتْلٌ، أوْ هَزِيمَةٌ (p-٣٧٣)"قالَ" المُبَطِّئُ: ﴿قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ حاضِرًا، فَيُصِيبَنِي مِثْلَ ما أصابَهم.

النساء 4:73

﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ فَتْحٌ، أوْ غَنِيمَةٌ. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هَذا المُبَطِّئُ مُتَلَهِّفًا عَلى ما فاتَهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، لا طَلبًا لِلْمَثُوبَةِ، (كَأنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واسْمُها مَحْذُوفٌ، أيْ: كَأنَّهُ. (لَمْ يَكُنْ) وبِالياءِ مَكِّيٌّ، وحَفْصٌ. ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ وهي اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ، وهو "لَيَقُولَنَّ" وبَيْنَ مَفْعُولِهِ، وهو ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ والمَعْنى: كَأنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مَعَكم مُوادَّةٌ، لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُوادُّونَ المُؤْمِنِينَ في الظاهِرِ، وإنْ كانُوا يَبْغُونَ لَهُمُ الغَوائِلَ في الباطِنِ ﴿فَأفُوزَ﴾ بِالنَصْبِ، لِأنَّهُ جَوابُ التَمَنِّي ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فَآخُذَ مِنَ الغَنِيمَةِ حَظًّا وافِرًا.

النساء 4:74

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ يَبِيعُونَ ﴿الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ﴾ والمُرادُ: المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الآجِلَةَ عَلى العاجِلَةِ، ويَسْتَبْدِلُونَها بِها، أيْ: إنْ صَدَّ الَّذِينَ مَرِضَتْ قُلُوبُهُمْ، وضَعُفَتْ نِيّاتُهم عَنِ القِتالِ، فَلْيُقاتِلِ الثابِتُونَ المُخْلِصُونَ، أوْ يَشْتَرُونَ، والمُرادُ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ، وُعِظُوا بِأنْ يُغَيِّرُوا ما بِهِمْ مِنَ النِفاقِ، ويُخْلِصُوا الإيمانَ بِاللهِ ورَسُولِهِ، ويُجاهِدُوا في سَبِيلِ اللهِ حَقَّ جِهادِهِ. ﴿وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وعَدَ اللهُ المُقاتِلَ في سَبِيلِ اللهِ ظافِرًا، أوْ مَظْفُورًا بِهِ إيتاءَ الأجْرِ العَظِيمِ عَلى اجْتِهادِهِ في إعْزازِ دِينِ اللهِ. (p-٣٧٤)

النساء 4:75

﴿وَما لَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ في النَفْيِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاسْتِبْطاءِ، وفي الإثْباتِ لِلْإنْكارِ. ﴿لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها الِاسْتِقْرارُ، كَما تَقُولُ: مالَكَ قائِمًا؟ والمَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ لَكم تارِكِينَ القِتالَ، وقَدْ ظَهَرَتْ دَواعِيهِ؟! ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلى " سَبِيل اللهِ " أيْ: في سَبِيلِ اللهِ، وفي خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنهُ، أيْ: واخْتَصَّ مِن سَبِيلِ اللهِ خَلاصَ المُسْتَضْعَفِينَ [مِنَ المُسْتَضْعِفِينَ]، لِأنَّ سَبِيلَ اللهِ عامٌّ في كُلِّ خَيْرٍ، وخَلاصُ المُسْتَضْعَفِينَ المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي الكُفّارِ مِن أعْظَمِ الخَيْرِ، وأخَصِّهِ. والمُسْتَضْعَفُونَ: هُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا بِمَكَّةَ، وصَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنِ الهِجْرَةِ، فَبَقُوا بَيْنَ أظْهُرِهم مُسْتَذَلِّينَ مُسْتَضْعَفِينَ، يَلْقَوْنَ مِنهُمُ الأذى الشَدِيدَ ﴿مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ﴾ ذَكَرَ الوِلْدانِ تَسْجِيلًا بِإفْراطِ ظُلْمِهِمْ، حَيْثُ بَلَغَ أذاهُمُ الوِلْدانَ غَيْرَ المُكَلَّفِينَ إرْغامًا لِآبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، ولِأنَّ المُسْتَضْعَفِينَ كانُوا يُشْرِكُونَ صِبْيانَهم في دُعائِهِمُ اسْتِنْزالًا لِرَحْمَةِ اللهِ بِدُعاءِ صِغارِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُذْنِبُوا، كَما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ النِساءِ والوِلْدانِ. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ. ﴿الظالِمِ أهْلُها﴾ الظالِمِ: وصْفٌ لِلْقَرْيَةِ، إلّا أنَّهُ مُسْنَدٌ إلى أهْلِها، فَأُعْطِيَ إعْرابَ القَرْيَةِ، لِأنَّهُ صِفَتُها، وذُكِّرَ لِإسْنادِهِ إلى الأهْلِ، كَما تَقُولُ: مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الَّتِي ظَلَمَ أهْلُها. ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ يَتَوَلّى أمْرَنا، ويَسْتَنْقِذُنا مِن أعْدائِنا، ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُنا عَلَيْهِمْ. كانُوا يَدْعُونَ اللهَ بِالخَلاصِ، ويَسْتَنْصِرُونَهُ، فَيُسِّرَ لِبَعْضِهِمُ الخُرُوجُ إلى المَدِينَةِ، وبَقِيَ بَعْضُهم إلى الفَتْحِ، حَتّى جَعَلَ اللهُ لَهم مِن لَدُنْهِ خَيْرَ ولِيٍّ وناصِرٍ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ فَتَوَلّاهم أحْسَنَ التَوَلِّي، ونَصَرَهم أقْوى (p-٣٧٥)النَصْرِ، ولَمّا خَرَجَ مُحَمَّدٌ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، فَرَأوْا مِنهُ الوِلايَةَ والنُصْرَةَ كَما أرادُوا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: كانَ يَنْصُرُ الضَعِيفَ مِنَ القَوِيِّ، حَتّى كانُوا أعَزَّ بِها مِنَ الظَلَمَةِ.

النساء 4:76

رَغَّبَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ، فَهو ولِيُّهم وناصِرُهُمْ، وأعْداؤُهم يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الشَيْطانِ، فَلا ولِيَّ لَهم إلّا الشَيْطانُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطاغُوتِ﴾ أيِ: الشَيْطانِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَيْطانِ﴾ أيِ: الكُفّارَ، ﴿إنَّ كَيْدَ الشَيْطانِ﴾ أيْ: وساوِسَهُ، وقِيلَ: الكَيْدُ: السَعْيُ في فَسادِ الحالِ، عَلى جِهَةِ الِاحْتِيالِ ﴿كانَ ضَعِيفًا﴾ لِأنَّهُ غُرُورٌ، لا يَؤُولُ إلى مَحْصُولٍ، أوْ كَيْدُهُ في مُقابَلَةِ نَصْرِ اللهِ ضَعِيفٌ.

النساء 4:77

كانَ المُسْلِمُونَ مَكْفُوفِينَ عَنِ القِتالِ مَعَ الكُفّارِ ما دامُوا بِمَكَّةَ، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ أنْ يُؤْذَنَ لَهم فِيهِ، فَنَزَلَ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ أيْ: عَنِ القِتالِ، ﴿وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ أيْ: فُرِضَ بِالمَدِينَةِ ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ يَخافُونَ أنْ يُقاتِلَهُمُ الكُفّارُ، كَما يَخافُونَ أنْ يُنْزِلَ اللهُ عَلَيْهِمْ بَأْسَهُ، لا شَكًّا في الدِينِ، ولا رَغْبَةً عَنْهُ، ولَكِنْ نُفُورًا عَنِ الإخْطارِ بِالأرْواحِ، وخَوْفًا مِنَ المَوْتِ. قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ خَشْيَةُ طَبْعٍ، لا أنَّ ذَلِكَ مِنهم كَراهَةٌ لِحُكْمِ اللهِ وأمْرِهِ اعْتِقادًا، فالمَرْءُ مَجْبُولٌ عَلى كَراهَةِ ما فِيهِ خَوْفُ هَلاكِهِ غالِبًا، و"خَشْيَةِ اللهِ" مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، ومَحَلُّهُ النَصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْشَوْنَ" أيْ: يَخْشَوْنَ الناسَ مِثْلَ خَشْيَةِ اللهِ، أيْ: مُشْبِهِينَ لِأهْلِ خَشْيَةِ اللهِ ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى الحالِ، أيْ: أوْ أشَدَّ خَشْيَةً مِن أهْلِ خَشْيَةِ اللهِ. و"أوْ": لِلتَّخْيِيرِ، أيْ: إنْ قُلْتَ: خَشْيَتُهُمُ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ فَأنْتَ مُصِيبٌ، وإنْ قُلْتَ: إنَّها أشَدُّ فَأنْتَ مُصِيبٌ، لِأنَّهُ حَصَلَ لَهم مِثْلُها وزِيادَةٌ. ﴿وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ (p-٣٧٦)عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ هَلّا أمْهَلَتْنا إلى المَوْتِ، فَنَمُوتَ عَلى الفُرُشِ، وهو سُؤالٌ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ في فَرْضِ القِتالِ عَلَيْهِمْ، لا اعْتِراضٌ لِحُكْمِهِ، بِدَلِيلِ أنَّهم لَمْ يُوَبَّخُوا عَلى هَذا السُؤالِ، بَلْ أُجِيبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ مَتاعُ الدُنْيا قَلِيلٌ زائِلٌ، ومَتاعُ الآخِرَةِ كَثِيرٌ دائِمٌ، والكَثِيرُ إذا كانَ عَلى شَرَفِ الزَوالِ فَهو قَلِيلٌ، فَكَيْفَ القَلِيلُ الزائِلُ؟! ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ ولا تُنْقَصُونَ أدْنى شَيْءٍ مِن أُجُورِكم عَلى مَشاقِّ القَتْلِ، فَلا تَرْغَبُوا عَنْهُ، وبِالياءِ مَكِّيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.

النساء 4:78

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ الحَذَرَ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ "ما" زائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الشَرْطِ في أيْنَ ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ﴾ حُصُونٍ، أوْ قُصُورٍ. ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ مُرَفَّعَةٍ ﴿وَإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ نِعْمَةٌ مِن خِصْبٍ، ورَخاءٍ. ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ نَسَبُوها إلى اللهِ ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ بَلِيَّةٌ مِن قَحْطٍ، وشِدَّةٍ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ أضافُوها إلَيْكَ، وقالُوا: هَذِهِ مِن عِنْدِكَ، وما كانَتْ إلّا بِشُؤْمِكَ، وذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ واليَهُودَ كانُوا إذا أصابَهم خَيْرٌ حَمِدُوا اللهَ تَعالى، وإذا أصابَهم مَكْرُوهٌ نَسَبُوهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَذَّبَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ والمُضافُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: كُلُّ ذَلِكَ، فَهو يَبْسُطُ الأرْزاقَ ويَقْبِضُها. ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ﴾ يَفْهَمُونَ ﴿حَدِيثًا﴾ فَيَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ هو الباسِطُ القابِضُ، وكُلُّ ذَلِكَ صادِرٌ عَنْ حِكْمَةٍ.

النساء 4:79

ثُمَّ قالَ: ﴿ما أصابَكَ﴾ يا إنْسانُ، خِطابًا عامًّا، وقالَ الزَجّاجَ: المُخاطَبُ بِهِ النَبِيُّ ﷺ، والمُرادُ غَيْرُهُ ﴿مِن حَسَنَةٍ﴾ مِن نِعْمَةٍ، وإحْسانٍ. ﴿فَمِنَ اللهِ﴾ تَفَضُّلًا مِنهُ، وامْتِنانًا. ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ مِن بَلِيَّةٍ، ومُصِيبَةٍ ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ فَمِن عِنْدِكَ، أيْ: فَبِما كَسَبَتْ يَداكَ، ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ (p-٣٧٧)أيْدِيكُمْ﴾ ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ لا مُقَدَّرًا حَتّى نَسَبُوا إلَيْكَ الشِدَّةَ، أوْ أرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا، فَإلَيْكَ تَبْلِيغُ الرِسالَةِ، ولَيْسَ إلَيْكَ الحَسَنَةُ والسَيِّئَةُ. ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ بِأنَّكَ رَسُولُهُ، وقِيلَ: هَذا مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ، أيْ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ يَقُولُونَ: " ما أصابَكَ ". وحَمْلُ المُعْتَزِلَةِ الحَسَنَةَ والسَيِّئَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الطاعَةِ والمَعْصِيَةِ، تَعَسُّفٌ بَيِّنٌ، وقَدْ نادى عَلَيْهِ " ما أصابَكَ " إذْ يُقالُ في الأفْعالِ: ما أصَبْتَ، ولِأنَّهم لا يَقُولُونَ الحَسَناتُ مِنَ اللهِ خَلْقًا وإيجادًا، فَأنّى يَكُونُ لَهم حُجَّةٌ في ذَلِكَ؟! و"شَهِيدًا" تَمْيِيزٌ.

النساء 4:80

﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ﴾ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُ ولا يَنْهى إلّا بِما أمَرَ اللهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ، فَكانَتْ طاعَتُهُ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ طاعَةً لِلَّهِ ﴿وَمَن تَوَلّى﴾ عَنِ الطاعَةِ فَأعْرَضَ عَنْهُ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ، وتُحاسِبُهم عَلَيْها، وتُعاقِبُهم.

النساء 4:81

﴿وَيَقُولُونَ﴾ ويَقُولُ المُنافِقُونَ: إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ ﴿طاعَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أمْرُنا وشَأْنُنا طاعَةٌ. ﴿فَإذا بَرَزُوا﴾ خَرَجُوا ﴿مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ زَوَّرَ، وسَوّى، فَهو مِنَ البَيْتُوتَةِ، لِأنَّهُ قَضاءُ الأمْرِ وتَدْبِيرُهُ بِاللَيْلِ، أوْ مِن أبْياتِ الشِعْرِ، لِأنَّ الشاعِرَ يُدِيرُها ويُسَوِّيها، وبِالإدْغامِ حَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍو. ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ خِلافَ ما قُلْتَ، وما أمَرْتَ بِهِ، أوْ خِلافَ ما قالَتْ، وما ضَمِنَتْ مِنَ الطاعَةِ، لِأنَّهم أبَطَنُوا الرَدَّ لا القَبُولَ، والعِصْيانَ لا الطاعَةَ، وإنَّما يُنافِقُونَ بِما يَقُولُونَ، ويُظْهِرُونَ ﴿واللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ يُثْبِتُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ، ويُجازِيهِمْ عَلَيْهِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالِانْتِقامِ مِنهم ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ﴾ في شَأْنِهِمْ، فَإنَّ اللهَ يَكْفِيكَ مَضَرَّتَهُمْ، ويَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم (p-٣٧٨)إذا قَوِيَ أمْرُ الإسْلامِ ﴿وَكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ كافِيًا لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ.

النساء 4:82

﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ أفَلا يَتَأمَّلُونَ مَعانِيَهُ ومَبانِيَهُ. والتَدَبُّرُ: التَأمُّلُ والنَظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ، وما يَؤُولُ إلَيْهِ في عاقِبَتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ، والتَفَكُّرُ تَصَرُّفُ القَلْبِ بِالنَظَرِ في الدَلائِلِ. وهَذا يَرُدُّ قَوْلَ مَن زَعَمَ مِنَ الرَوافِضِ أنَّ القُرْآنَ لا يُفْهَمُ مَعْناهُ إلّا بِتَفْسِيرِ الرَسُولِ ﷺ، والإمامِ المَعْصُومِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القِياسِ، وعَلى بُطْلانِ التَقْلِيدِ. ﴿وَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللهِ﴾ كَما زَعَمَ الكُفّارُ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ أيْ: تَناقُضًا مِن حَيْثُ التَوْحِيدُ، والتَشْرِيكُ، والتَحْلِيلُ، والتَحْرِيمُ. أوْ تَفاوُتًا مِن حَيْثُ البَلاغَةُ، فَكانَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ، وبَعْضُهُ قاصِرًا عَنْهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، أوْ مِن حَيْثُ المَعانِي، فَكانَ بَعْضُهُ إخْبارًا بِغَيْبٍ قَدْ وافَقَ المُخْبَرَ عَنْهُ، وبَعْضُهُ إخْبارًا مُخالِفًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، وبَعْضُهُ دالًّا عَلى مَعْنًى صَحِيحٍ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي، وبَعْضُهُ دالًّا عَلى مَعْنًى فاسِدٍ غَيْرِ مُلْتَئِمٍ. وأمّا تَعَلُّقُ المُلْحِدَةِ بِآياتٍ يَدَّعُونَ فِيها اخْتِلافًا كَثِيرًا مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعْرافُ: ١٠٧] ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [النَمْلُ: ١٠] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحِجْرُ: ٩٢] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَحْمَنُ: ٣٩] فَقَدْ تَفَصّى عَنْها أهْلُ الحَقِّ، وسَتَجِدُها مَشْرُوحَةً في كِتابِنا هَذا في مَظانِّها إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

النساء 4:83

﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ هُمُ ناسٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خِبْرَةٌ بِالأحْوالِ، أوِ المُنافِقُونَ كانُوا إذا بَلَغَهم خَبَرٌ مِن سَرايا رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن أمْنٍ، وسَلامَةٍ، أوْ خَوْفٍ، وخَلَلٍ. ﴿أذاعُوا بِهِ﴾ أفْشَوْهُ، وكانَتْ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً، يُقالُ: أذاعَ السِرَّ، وأذاعَ بِهِ، والضَمِيرُ يَعُودُ إلى الأمْرِ، أوْ إلى الأمْنِ، أوِ الخَوْفِ، لِأنَّ أوْ تَقْتَضِي أحَدَهُما ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الخَبَرَ. ﴿إلى الرَسُولِ﴾ أيْ: رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿وَإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي: كُبَراءَ الصَحابَةِ البُصَراءِ بِالأُمُورِ، أوِ الَّذِينَ كانُوا يُؤَمَّرُونَ مِنهم ﴿لَعَلِمَهُ﴾ (p-٣٧٩)لَعَلِمَ تَدْبِيرَ ما أخْبَرُوا بِهِ ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ يَسْتَخْرِجُونَ تَدْبِيرَهُ بِفِطَنِهِمْ، وتَجارِبِهِمْ، ومَعْرِفَتِهِمْ بِأُمُورِ الحَرْبِ ومَكائِدِها. وقِيلَ: كانُوا يَقِفُونَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ وأُولِي الأمْرِ عَلى أمْنٍ ووُثُوقٍ بِالظُهُورِ عَلى بَعْضِ الأعْداءِ، أوْ عَلى خَوْفٍ واسْتِشْعارٍ، فَيُذِيعُونَهُ، فَيُنْشَرُ، فَيَبْلُغُ الأعْداءَ، فَتَعُودَ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً، ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ، وفَوَّضُوهُ إلَيْهِمْ، وكانُوا كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا، لَعَلِمَ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ تَدْبِيرَهُ كَيْفَ يُدَبِّرُونَهُ، وما يَأْتُونَ، ويَذَرُونَ فِيهِ، والنَبْطُ: الماءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما تُحْفَرُ، واسْتِنْباطُهُ: اسْتِخْراجُهُ، فاسْتُعِيرَ لِما يَسْتَخْرِجُهُ الرَجُلُ بِفَضْلِ ذِهْنِهِ مِنَ المَعانِي، والتَدابِيرِ فِيما يَعْضُلُ. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِإرْسالِ الرَسُولِ ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بِإنْزالِ الكِتابِ ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ﴾ لَبَقِيتُمْ عَلى الكُفْرِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ لَمْ يَتَّبِعُوهُ، ولَكِنْ آمَنُوا بِالعَقْلِ كَزَيْدِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقِسِّ بْنِ ساعِدَةَ، وغَيْرِهِما.

النساء 4:84

لَمّا ذَكَرَ في الآيِ قَبْلَها تَثَبُّطَهم عَنِ القِتالِ، وإظْهارَهُمُ الطاعَةَ، وإضْمارَهم خِلافَها، قالَ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ﴾ إنْ أفْرَدُوكَ، وتَرَكُوكَ وحْدَكَ. ﴿لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ غَيْرَ نَفْسِكَ وحْدَها أنْ تُقَدِّمَها إلى الجِهادِ، فَإنَّ اللهَ تَعالى ناصِرُكَ لا الجُنُودَ، وقِيلَ: دَعا الناسَ في بَدْرٍ الصُغْرى إلى الخُرُوجِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ واعَدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ اللِقاءَ فِيها، فَكَرِهَ بَعْضُ الناسِ أنْ يَخْرُجُوا فَنَزَلَتْ، فَخَرَجَ وما مَعَهُ إلّا سَبْعُونَ، ولَوْ لَمْ يَتَّبِعْهُ أحَدٌ لَخَرَجَ وحْدَهُ. ﴿وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ وما عَلَيْكَ في شَأْنِهِمْ إلّا التَحْرِيضُ عَلى القِتالِ فَحَسْبُ، لا التَعْنِيفُ بِهِمْ. ﴿عَسى اللهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بَطْشَهم وشِدَّتَهُمْ، وهم قُرَيْشٌ، وقَدْ كَفَّ بَأْسَهم بِالرُعْبِ فَلَمْ يَخْرُجُوا، و"عَسى" كَلِمَةٌ مُطْمِعَةٌ، غَيْرَ أنَّ إطْماعَ الكَرِيمِ أعْوَدُ مِن إنْجازِ اللَئِيمِ. ﴿واللهُ أشَدُّ بَأْسًا﴾ مِن قُرَيْشٍ ﴿وَأشَدُّ تَنْكِيلا﴾ تَعْذِيبًا، وهو تَمْيِيزٌ كَـ "بَأْسًا". (p-٣٨٠)

النساء 4:85

﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ هي الشَفاعَةُ في دَفْعِ شَرٍّ، أوْ جَلْبِ نَفْعٍ، مَعَ جَوازِها شَرْعًا. ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾ مِن ثَوابِ الشَفاعَةِ ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ هي خِلافُ الشَفاعَةِ الحَسَنَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: ما لَها مُفَسِّرٌ غَيْرِي مَعْناهُ: مَن أمَرَ بِالتَوْحِيدِ، وقاتَلَ أهْلَ الكُفْرِ، وضِدُّهُ: السَيِّئَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هو المَشْيُ بِالصُلْحِ، وضِدُّهُ: النَمِيمَةُ. ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ نَصِيبٌ ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ مُقْتَدِرًا، مِن أقاتَ عَلى الشَيْءِ: اقْتَدَرَ عَلَيْهِ، أوْ حَفِيظًا، مِنَ القُوتِ، لِأنَّهُ يُمْسِكُ النَفْسَ، ويَحْفَظُها.

النساء 4:86

﴿وَإذا حُيِّيتُمْ﴾ أيْ: سُلِّمَ عَلَيْكُمْ، فَإنَّ التَحِيَّةَ في دِينِنا بِالسَلامِ في الدارَيْنِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللهِ﴾ [النُورُ: ٦١] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحْزابُ: ٤٤] وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ عِنْدَ اللِقاءِ: حَيّاكَ اللهُ، أيْ: أطالَ اللهُ حَياتَكَ فَأُبْدِلَ ذَلِكَ بَعْدَ الإسْلامِ بِالسَلامِ. ﴿بِتَحِيَّةٍ﴾ هي تَفْعِلَةٌ، مِن حَيّا يُحَيِّي تَحِيَّةً ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ أيْ: قُولُوا: وعَلَيْكُمُ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، إذا قالَ: السَلامُ عَلَيْكُمْ، وزِيدُوا: وبَرَكاتُهُ، إذا قالَ: ورَحْمَةُ اللهِ. ويُقالُ: لِكُلِّ شَيْءٍ مُنْتَهًى، ومُنْتَهى السَلامِ: وبَرَكاتُهُ. ﴿أوْ رُدُّوها﴾ أيْ: أجِيبُوها بِمِثْلِها. ورَدُّ السَلامِ: جَوابُهُ بِمِثْلِهِ، لِأنَّ المُجِيبَ يَرُدُّ قَوْلَ المُسَلِّمِ. وفِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: رُدُّوا مِثْلَها، والتَسْلِيمُ سُنَّةٌ، والرَدُّ فَرِيضَةٌ، والأحْسَنُ فَضْلٌ. وما مِن رَجُلٍ يَمُرُّ عَلى قَوْمٍ مُسْلِمِينَ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ولا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ إلّا نُزِعَ عَنْهم رُوحُ القُدُسِ، ورَدَّتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ. ولا يُرَدُّ السَلامُ في الخُطْبَةِ، وقِراءَةِ القُرْآنِ جَهْرًا، ورِوايَةِ الحَدِيثِ، وعِنْدَ مُذاكَرَةِ العِلْمِ، والأذانِ، والإقامَةِ. وعِنْدَ أبِي يُوسُفُ رَحِمَهُ اللهُ: لا يُسَلَّمُ عَلى لاعِبِ الشِطْرَنْجِ والنَرْدِ، والمُغَنِّي، والقاعِدِ لِحاجَتِهِ، ومُطَيِّرِ الحَمامِ، والعارِي مِن غَيْرِ عُذْرٍ في حَمّامٍ أوْ غَيْرِهِ. ويُسَلِّمُ الرَجُلُ إذا دَخَلَ عَلى امْرَأتِهِ، والماشِي عَلى القاعِدِ، والراكِبُ عَلى الماشِي، وراكِبُ الفَرَسِ عَلى راكِبِ الحِمارِ، والصَغِيرُ عَلى الكَبِيرِ، والأقَلُّ عَلى الأكْثَرِ، (p-٣٨١)وَإذا التَقَيا ابْتَدَرا. وقِيلَ: ﴿بِأحْسَنَ مِنها﴾ لِأهْلِ المِلَّةِ ﴿أوْ رُدُّوها﴾ لِأهْلِ الذِمَّةِ. وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إذا سَلَّمَ أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا وعَلَيْكُمْ" » أيْ: وعَلَيْكم ما قُلْتُمْ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: السامُ عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ ﷺ: « "لا غِرارَ في تَسْلِيمٍ" » أيْ: لا يُقالُ عَلَيْكَ، بَلْ عَلَيْكُمْ، لِأنَّ كاتِبَيْهِ مَعَهُ. ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أيْ: يُحاسِبُكم عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ التَحِيَّةِ وغَيْرِها.

النساء 4:87

﴿اللهُ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ خَبَرٌ، أوِ اعْتِراضٌ، والخَبَرُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ ومَعْناهُ: اللهُ، واللهِ لَيَجْمَعَنَّكم. ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: لَيَحْشُرَنَّكم إلَيْهِ، والقِيامَةُ: القِيامُ، كالطِلابَةِ والطِلابِ، وهي قِيامُهم مِنَ القُبُورِ، أوْ قِيامُهم لِلْحِسابِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المُطَفِّفِينَ:٦] ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو حالٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ، والهاءُ يَعُودُ إلى اليَوْمِ، أوْ صِفَةُ المَصْدَرِ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: جَمْعًا لا رَيْبَ فِيهِ، والهاءُ يَعُودُ إلى الجَمْعِ. ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ تَمْيِيزٌ، وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى النَفْيِ، أيْ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنهُ في إخْبارِهِ، ووَعْدِهِ، ووَعِيدِهِ، لِاسْتِحالَةِ الكَذِبِ عَلَيْهِ لِقُبْحِهِ، لِكَوْنِهِ إخْبارًا عَنِ الشَيْءِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ.

النساء 4:88

﴿فَما لَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أيْ: ما لَكُمُ اخْتَلَفْتُمْ في شَأْنِ قَوْمٍ قَدْ نافَقُوا نِفاقًا ظاهِرًا، وتَفَرَّقْتُمْ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ، وما لَكَمَ لَمْ تَقْطَعُوا القَوْلَ بِكُفْرِهِمْ. وذَلِكَ أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ في الخُرُوجِ إلى البَدْوِ مُعْتَلِّينَ بِاجْتِواءِ المَدِينَةِ، فَلَمّا خَرَجُوا لَمْ يَزالُوا راحِلِينَ مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً حَتّى لَحِقُوا بِالمُشْرِكِينَ، فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ فِيهِمْ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هم كُفّارٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هم مُسْلِمُونَ. و"فِئَتَيْنِ" حالٌ، كَقَوْلِكَ: ما لَكَ قائِمًا؟ قالَ سِيبَوَيْهِ: إذا قُلْتَ ما لَكَ قائِمًا؟ فَمَعْناهُ: لِمَ قُمْتَ؟ ونَصْبُهُ عَلى (p-٣٨٢)تَأْوِيلِ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَقِرُّ لَكَ في هَذِهِ الحالِ؟! ﴿واللهُ أرْكَسَهُمْ﴾ رَدَّهم إلى حُكْمِ الكُفّارِ ﴿بِما كَسَبُوا﴾ مِنِ ارْتِدادِهِمْ ولُحُوقِهِمْ بِالمُشْرِكِينَ، فَرُدُّوهم أيْضًا، ولا تَخْتَلِفُوا في كُفْرِهِمْ، ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا﴾ أنْ تَجْعَلُوا مِن جُمْلَةِ المُهْتَدِينَ ﴿مَن أضَلَّ اللهُ﴾ مَن جَعَلَهُ اللهُ ضالًّا. أوْ أتُرِيدُونَ أنْ تُسَمُّوهم مُهْتَدِينَ، وقَدْ أظْهَرَ اللهُ ضَلالَهُمْ، فَيَكُونُ تَعْيِيرًا لِمَن سَمّاهم مُهْتَدِينَ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا في إثْباتِ الكَسْبِ لِلْعَبْدِ، والخَلْقِ لِلرَّبِّ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ. ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا إلى الهِدايَةِ.

النساء 4:89

﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ الكافُ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كُفْرًا مِثْلَ كُفْرِهِمْ ﴿فَتَكُونُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى "تَكْفُرُونَ" ﴿سَواءً﴾ أيْ: مُسْتَوِينَ أنْتُمْ وهم في الكُفْرِ ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ فَلا تُوالُوهم حَتّى يُؤْمِنُوا، لِأنَّ الهِجْرَةَ في سَبِيلِ اللهِ بِالإسْلامِ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الإيمانِ ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ كَما كانَ حُكْمُ سائِرِ المُشْرِكِينَ ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ وإنْ بَذَلُوا لَكُمُ الوِلايَةَ والنُصْرَةَ فَلا تَقْبَلُوا مِنهم.

النساء 4:90

﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ﴾ أيْ: يَنْتَهُونَ إلَيْهِمْ، ويَتَّصِلُونَ بِهِمْ، والِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ دُونَ المُوالاةِ ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ القَوْمُ هُمُ الأسْلَمِيُّونَ، كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَهْدٌ، وذَلِكَ أنَّهُ وادَعَ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى مَكَّةَ هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرَ الأسْلَمِيَّ عَلى ألّا يُعِينَهُ ولا يَعِينَ عَلَيْهِ، وعَلى أنَّ مَن وصَلَ إلى هِلالٍ، والتَجَأ إلَيْهِ، فَلَهُ مِنَ الجِوارِ مِثْلُ الَّذِي لِهِلالٍ، أيْ: فاقْتُلُوهم إلّا مَنِ اتَّصَلَ بِقَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴿أوْ جاءُوكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى صِفَةِ قَوْمٍ، أيْ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ مُعاهَدِينَ، أوْ قَوْمٍ مُمْسِكِينَ عَنِ القِتالِ لا لَكم ولا عَلَيْكُمْ، أوْ عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، أيْ: إلّا الَّذِينَ يَتَّصِلُونَ (p-٣٨٣)بِالمُعاهَدِينَ، أوِ الَّذِينَ لا يُقاتِلُونَكم ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ والحَصْرُ: الضِيقُ، والِانْقِباضُ. ﴿أنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ عَنْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ، أيْ: عَنْ قِتالِكم. ﴿أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ مَعَكم ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ﴾ بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ، وإزالَةِ الحَصْرِ عَنْها، ﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "لَسَلَّطَهُمْ" ودُخُولُ اللامِ لِلتَّأْكِيدِ ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ فَإنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَكم ﴿فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَلَمَ﴾ أيِ: الِانْقِيادَ، والِاسْتِسْلامَ. ﴿فَما جَعَلَ اللهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا إلى القِتالِ.

النساء 4:91

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾ بِالنِفاقِ ﴿وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ بِالوِفاقِ، هم قَوْمٌ مِن أسَدٍ وغَطَفانَ، كانُوا إذا أتَوُا المَدِينَةَ أسْلَمُوا، وعاهَدُوا لِيَأْمَنُوا المُسْلِمِينَ، فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ كَفَرُوا، ونَكَثُوا عُهُودَهم. ﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ كُلَّما دَعاهم قَوْمُهم إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ. ﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ قُلِبُوا فِيها أقْبَحَ قَلْبٍ وأشْنَعَهُ، كانُوا شَرًّا فِيها مِن كُلِّ عَدُوٍّ ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا قِتالَكُمْ، ﴿وَيُلْقُوا إلَيْكُمُ السَلَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ، أيْ: ولَمْ يَنْقادُوا لَكم بِطَلَبِ الصُلْحِ ﴿وَيَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ أيْضًا، أيْ: ولَمْ يُمْسِكُوا عَنْ قِتالِكم. ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ حَيْثُ تَمَكَّنْتُمْ مِنهُمْ، وظَفِرْتُمْ بِهِمْ. ﴿وَأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً واضِحَةً لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ، وانْكِشافِ حالِهِمْ في الكُفْرِ والغَدْرِ، وإضْرارِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ، أوْ تَسَلُّطًا ظاهِرًا حَيْثُ أذِنّا لَكم في قَتْلِهِمْ.

النساء 4:92

﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ وما صَحَّ لَهُ، ولا اسْتَقامَ ولا لاقَ بِحالِهِ، ﴿أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ ابْتِداءً مِن غَيْرِ قَصاصٍ، أيْ: لَيْسَ المُؤْمِنُ كالكافِرِ الَّذِي تَقَدَّمَ إباحَةُ دَمِهِ، ﴿إلا خَطَأً﴾ إلّا عَلى وجْهِ الخَطَأِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنى: (p-٣٨٤)لَكِنْ، أيْ: لَكِنْ إنْ وقَعَ خَطَأٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَصْدَرِ، أيْ: إلّا قَتْلًا خَطَأً، والمَعْنى: مِن شَأْنِ المُؤْمِنِ أنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ وُجُودُهُ قَتْلَ المُؤْمِنِ ابْتِداءً البَتَّةَ، إلّا إذا وُجِدَ مِنهُ خَطَأٌ مِن غَيْرِ قَصْدٍ بِأنْ يَرْمِيَ كافِرًا، فَيُصِيبَ مُسْلِمًا، أوْ يَرْمِيَ شَخْصًا عَلى أنَّهُ كافِرٌ، فَإذا هو مُسْلِمٌ. ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قَتْلًا خَطَأً. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، والتَحْرِيرُ: الإعْتاقُ، والحُرُّ والعَتِيقُ: الكَرِيمُ، لِأنَّ الكَرَمَ في الأحْرارِ، كَما أنَّ اللُؤْمَ في العَبِيدِ، ومِنهُ عِتاقُ الطَيْرِ، وعِتاقُ الخَيْلِ لِكِرامِها. والرَقَبَةُ: النَسَمَةُ، ويُعَبَّرُ عَنْها بِالرَأْسِ في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَمْلِكُ كَذا رَأْسًا مِنَ الرَقِيقِ. ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ قِيلَ: لَمّا أخْرَجَ نَفْسًا مُؤْمِنَةً مِن جُمْلَةِ الأحْياءِ، لَزِمَهُ أنْ يُدْخِلَ نَفْسًا مِثْلَها في جُمْلَةِ الأحْرارِ، لِأنَّ إطْلاقَها مِن قَيْدِ الرِقِّ كَإحْيائِها، مِن قِبَلِ أنَّ الرَقِيقَ مُلْحَقٌ بِالأمْواتِ، إذِ الرِقُّ أثَرٌ مِن آثارِ الكُفْرِ، والكُفْرُ مَوْتٌ حُكْمًا. ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنْعامُ: ١٢٢] ولِهَذا مَنَعَ مِن تَصَرُّفِ الأحْرارِ، وهَذا مُشْكِلٌ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ في العَمْدِ أيْضًا، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّما وجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأنَّ اللهَ تَعالى أبْقى لِلْقاتِلِ نَفْسًا مُؤْمِنَةً، حَيْثُ لَمْ يُوجِبِ القِصاصَ، فَأوْجَبَ عَلَيْهِ مِثْلَها رَقَبَةً مُؤْمِنَةً. ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ مُؤَدّاةً إلى ورَثَتِهِ يَقْتَسِمُونَها، كَما يَقْتَسِمُونَ المِيراثَ، لا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ التَرِكَةِ في كُلِّ شَيْءٍ، فَيَقْضِي مِنها الدَيْنَ، وتُنَفَّذُ الوَصِيَّةَ، وإذا لَمْ يَبْقَ وارِثٌ فَهي لِبَيْتِ المالِ، وقَدْ ورَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ امْرَأةَ أشْيَمَ الضَبابِيِّ مِن عَقْلِ زَوْجِها أشْيَمَ، لَكِنَّ الدِيَةَ عَلى العاقِلَةِ، والكَفّارَةَ عَلى القاتِلِ. ﴿إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إلّا أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ بِالدِيَةِ، أيْ: يَعْفُوا عَنْهُ، والتَقْدِيرُ: فَعَلَيْهِ دِيَةٌ في كُلِّ حالٍ، إلّا في حالِ التَصَدُّقِ عَلَيْهِ بِها ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ فَإنْ كانَ المَقْتُولُ خَطَأً مِن قَوْمٍ أعْداءٍ لَكُمْ، أيْ: كَفَرَةٍ، فالعَدُوُّ يُطْلَقُ عَلى الجَمِيعِ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أيِ: المَقْتُولُ مُؤْمِنٌ. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ يَعْنِي: إذا أسْلَمَ الحَرْبِيُّ في دارِ الحَرْبِ، ولَمْ يُهاجِرْ إلَيْنا، فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ خَطَأً، تَجِبُ (p-٣٨٥)الكَفّارَةُ بِقَتْلِهِ لِلْعِصْمَةِ المُؤَثِمَةِ، وهي الإسْلامُ، ولا تَجِبُ الدِيَةُ، لِأنَّ العِصْمَةَ المُقَوِّمَةَ بِالدارِ، ولَمْ تُوجَدْ ﴿وَإنْ كانَ﴾ أيِ: المَقْتُولُ، ﴿مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. ﴿وَبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ عَهْدٌ ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ: وإنْ كانَ المَقْتُولُ ذِمِّيًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ المُسْلِمِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ دِيَةَ الذِمِّيِّ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، وهو قَوْلُنا ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ رَقَبَةً، أيْ: لَمْ يَمْلِكْها، ولا ما يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها. ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾ فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ ﴿مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ﴾ قَبُولًا مِنَ اللهِ، ورَحْمَةً مِنهُ، مَن تابَ اللهُ عَلَيْهِ إذا قَبِلَ تَوْبَتَهُ، يَعْنِي: شَرَعَ ذَلِكَ تَوْبَةً مِنهُ، أوْ فَلْيَتُبْ تَوْبَةً، فَهي نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ بِما أمَرَ ﴿حَكِيمًا﴾ فِيما قَدَّرَ.

النساء 4:93

﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ القاتِلِ، أيْ: قاصِدًا قَتْلَهُ لِإيمانِهِ، وهو كُفْرٌ، أوْ قَتْلُهُ مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِهِ، وهو كُفْرٌ أيْضًا. ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ أيْ: إنْ جازاهُ، قالَ ﷺ: « "هِيَ جَزاؤُهُ إنْ جازاهُ". » والخُلُودُ قَدْ يُرادُ بِهِ طُولُ المَقامِ، وقَوْلُ المُعْتَزِلَةِ بِالخُرُوجِ مِنَ الإيمانِ يُخالِفُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةُ: ١٧٨] ﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ﴾ أيِ: انْتَقَمَ مِنهُ، وطَرَدَهُ مِن رَحْمَتِهِ ﴿وَأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ لِارْتِكابِهِ أمْرًا عَظِيمًا، وخَطْبًا جَسِيمًا، في الحَدِيثِ: « "لَزَوالُ الدُنْيا أهْوَنُ عَلى اللهِ مِن قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ". »

النساء 4:94

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ﴾ سِرْتُمْ في طَرِيقِ الغَزْوِ. (p-٣٨٦)﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ (فَتَثَبَّتُوا) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. وهُما مِنَ التَفَعُّلِ بِمَعْنى الِاسْتِفْعالِ، أيِ: اطْلُبُوا بَيانَ الأمْرِ وثَباتَهُ، ولا تَتَهَوَّكُوا فِيهِ. ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَلامَ﴾ (السِلْمَ): مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ، وحَمْزَةُ. وهُما الِاسْتِسْلامُ، وقِيلَ: الإسْلامُ، وقِيلَ: التَسْلِيمُ الَّذِي هو تَحِيَّةُ أهْلِ الإسْلامِ. ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ في مَوْضِعِ النَصْبِ بِالقَوْلِ، رُوِيَ «أنَّ مِرْداسَ بْنَ نَهْيِكَ أسْلَمَ، ولَمْ يُسْلِمْ مِن قَوْمِهِ غَيْرُهُ، فَغَزَتْهم سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَهَرَبُوا، وبَقِيَ مِرْداسٌ لِثِقَتِهِ بِإسْلامِهِ، فَلَمّا رَأى الخَيْلَ ألْجَأ غَنَمَهُ إلى مُنْعَرَجٍ مِنَ الجَبَلِ وصَعِدَ، فَلَمّا تَلاحَقُوا وكَبُرُوا كَبِرَ، ونَزَلَ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، السَلامُ عَلَيْكم. فَقَتَلَهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، واسْتاقَ غَنَمَهُ، فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَجَدَ وجْدًا شَدِيدًا، وقالَ: "قَتَلْتُمُوهُ إرادَةَ ما مَعَهُ؟! ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ عَلى أُسامَةَ، »﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُنْيا﴾ تَطْلُبُونَ الغَنِيمَةَ الَّتِي هي حُطامٌ سَرِيعُ النَفادِ، فَهو الَّذِي يَدْعُوكم إلى تَرْكِ التَثَبُّتِ، وقِلَّةِ البَحْثِ عَنْ حالِ مَن تَقْتُلُونَهُ. والعَرَضُ: المالُ، سُمِّيَ بِهِ لِسُرْعَةِ فَنائِهِ. و"تَبْتَغُونَ" حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "تَقُولُوا" ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ يُغْنِمُكُمُوها، تُغْنِيكم عَنْ قَتْلِ رَجُلٍ يُظْهِرُ الإسْلامَ، ويَتَعَوَّذُ بِهِ مِنَ التَعَرُّضِ لَهُ لِتَأْخُذُوا مالَهُ، ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أوَّلَ ما دَخَلْتُمْ في الإسْلامِ سُمِعَتْ مِن أفْواهِكم كَلِمَةُ الشَهادَةِ، فَحَصَّنَتْ دِماءَكم وأمْوالَكم مِن غَيْرِ انْتِظارِ الِاطِّلاعِ عَلى مُواطَأةِ قُلُوبِكم لِألْسِنَتِكُمْ، والكافُ في "كَذَلِكَ" خَبَرُ كانَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْها وعَلى اسْمِها، ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِالِاسْتِقامَةِ، والِاشْتِهارِ بِالإيمانِ، فافْعَلُوا بِالداخِلِينَ في الإسْلامِ كَما فُعِلَ بِكُمْ، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَبَيُّنِ لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ﴿إنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَلا تَتَهافَتُوا في القَتْلِ، وكُونُوا مُحْتَرِزِينَ، مُحْتاطِينَ في ذَلِكَ. (p-٣٨٧)

النساء 4:95

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾ عَنِ الجِهادِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ﴾ بِالنَصْبِ: مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ، وعَلِيٌّ، لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ القاعِدِينَ، أوْ حالٌ مِنهُمْ، وبِالجَرِّ: عَنْ حَمْزَةَ، صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وبِالرَفْعِ غَيْرُهُمْ، صِفَةٌ لِلْقاعِدِينَ، والضَرَرُ: المَرَضُ، أوِ العاهَةُ مِن عَمًى، أوْ عَرَجٍ، أوْ زَمانَةٍ، أوْ نَحْوِها. ﴿والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "القاعِدُونَ". ونَفى التَساوِيَ بَيْنَ المُجاهِدِ والقاعِدِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا، وتَوْبِيخًا لِلْقاعِدِ عَنِ الجِهادِ، وتَحْرِيكًا لَهُ عَلَيْهِ، ونَحْوُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُمَرُ: ٩] فَهو تَحْرِيكٌ لِطَلَبِ العِلْمِ، وتَوْبِيخٌ عَلى الرِضا بِالجَهْلِ، ﴿فَضَّلَ اللهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ﴾ ذَكَرَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَيانًا لِلْجُمْلَةِ الأُولى، مُوَضِّحَةً لِما نَفى مِنِ اسْتِواءِ القاعِدِينَ والمُجاهِدِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم لا يَسْتَوُونَ؟! فَأُجِيبَ بِذَلِكَ. ﴿دَرَجَةً﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِوُقُوعِها مَوْقِعَ المَرَّةِ مِنَ التَفْضِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَأنَّهُ فَضَّلَهم تَفْضِيلَةً، كَقَوْلِكَ: ضَرَبَهُ سَوْطًا، ونَصْبُ ﴿وَكُلا﴾ أيْ: وكُلَّ فَرِيقٍ مِنَ القاعِدِينَ والمُجاهِدِينَ ونُصِبَ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللهُ﴾ والثانِي: ﴿الحُسْنى﴾ أيِ: المَثُوبَةَ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ، وإنْ كانَ المُجاهِدُونَ مُفَضَّلِينَ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً. ﴿وَفَضَّلَ اللهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ بِغَيْرِ عُذْرٍ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾

النساء 4:96

﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ قِيلَ: انْتَصَبَ "أجْرًا" بِـ "فَضَلَّ"، لِأنَّهُ في مَعْنى أجَرَهم أجْرًا، ودَرَجاتٍ، ومَغْفِرَةً، ورَحْمَةً: بَدَلٌ مِن "أجْرًا"، أوِ انْتَصَبَ "دَرَجاتٍ" نَصْبَ "دَرَجَةً"، كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَهم تَفْضِيلاتٍ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبَهُ أسْواطًا، أيْ: ضَرَباتٍ، و" أجْرًا عَظِيمًا " عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النَكِرَةِ، الَّتِي هي "دَرَجاتٍ " مُقَدَّمَةً عَلَيْها، مَغْفِرَةً ورَحْمَةً بِإضْمارِ فِعْلِهِما، أيْ: وغَفَرَ لَهم ورَحِمَهم مَغْفِرَةً ورَحْمَةً، وحاصِلُهُ: أنَّ اللهَ تَعالى فَضَّلَ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ بِعُذْرٍ دَرَجَةً، وعَلى القاعِدِينَ بِغَيْرِ عُذْرٍ بِأمْرِ النَبِيِّ ﷺ اكْتِفاءً بِغَيْرِهِمْ، (p-٣٨٨)دَرَجاتٍ، لِأنَّ الجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا﴾ بِتَكْفِيرِ العُذْرِ ﴿رَحِيمًا﴾ بِتَوْفِيرِ الأجْرِ.

النساء 4:97

وَنَزَلَ فِيمَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ، حِينَ كانَتِ الهِجْرَةُ فَرِيضَةً، وخَرَجَ مَعَ المُشْرِكِينَ إلى بَدْرٍ مُرْتَدًّا فَقُتِلَ كافِرًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا لِقِراءَةِ مَن قَرَأ: (تَوَفَّتْهُمْ) ومُضارِعًا بِمَعْنى: نَتَوَفّاهُمْ، وحُذِفَتِ التاءُ الثانِيَةُ، لِاجْتِماعِ التاءَيْنِ. والتَوَفِّي: قَبْضُ الرُوحِ، والمَلائِكَةُ: مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في تَوَفّاهُمْ، أيْ: في حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِالكُفْرِ، وتَرْكِ الهِجْرَةِ. ﴿قالُوا﴾ أيِ: المَلائِكَةُ لِلْمُتَوَفَّيْنَ ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أيْ: في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ في أمْرِ دِينِكُمْ؟ ومَعْناهُ: التَوْبِيخُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِينِ. ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ عاجِزِينَ عَنِ الهِجْرَةِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أرْضِ مَكَّةَ، فَأخْرَجُونا كارِهِينَ. ﴿قالُوا﴾ أيِ: المَلائِكَةُ مُوَبِّخِينَ لَهم. ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ أرادُوا أنَّكم كُنْتُمْ قادِرِينَ عَلى الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ إلى بَعْضِ البِلادِ، الَّتِي لا تُمْنَعُونَ فِيها مِن إظْهارِ دِينِكُمْ، ومِنَ الهِجْرَةِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ. ونَصْبُ "فَتُهاجِرُوا" عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ خَبَرُ "إنَّ" "فَأُولَئِكَ". ودُخُولُ الفاءِ لِما في الَّذِينَ مِنَ الإبْهامِ المُشابِهِ بِالشَرْطِ، أوْ ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: قالُوا لَهُمْ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن إقامَةِ دِينِهِ في بَلَدٍ كَما يَجِبُ، وعَلِمَ أنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِن إقامَتِهِ في غَيْرِهِ حَقَّتْ عَلَيْهِ المُهاجَرَةُ. وفي الحَدِيثِ: « "مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وكانَ رَفِيقَ أبِيهِ إبْراهِيمَ ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ". »

النساء 4:98

﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ﴾ اسْتَثْنى مِن أهْلِ الوَعِيدِ (p-٣٨٩)المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ في الخُرُوجِ مِنها لِفَقْرِهِمْ وعَجْزِهِمْ ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ ولا مَعْرِفَةَ لَهم بِالمَسالِكِ. و﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوْ لِلرِّجالِ، والنِساءِ، والوَلَدانِ. وإنَّما جازَ ذَلِكَ والجُمَلُ نَكِراتٌ، لِأنَّ المَوْصُوفَ وإنْ كانَ فِيهِ حَرْفُ التَعْرِيفِ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ، كَقَوْلِهِ: ؎ ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَئِيمِ يَسُبُّنِي.

النساء 4:99

﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ وعَسى وإنْ كانَ لِلْإطْماعِ فَهو مِنَ اللهِ واجِبٌ، لِأنَّ الكَرِيمَ إذا أطْمَعَ أنْجَزَ ﴿وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ لِعِبادِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهم.

النساء 4:100

﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا﴾ مُهاجِرًا وطَرِيقًا، يُراغِمُ بِسُلُوكِهِ قَوْمَهُ، أيْ: يُفارِقُهم عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ. والرَغْمُ: الذُلُّ، والهَوانُ. وأصْلُهُ: لُصُوقُ الأنْفِ بِالرَغامِ، وهو التُرابُ. يُقالُ: راغَمْتُ الرَجُلَ، إذا فارَقَتْهُ وهو يَكْرَهُ مُفارَقَتَكَ لِمَذَلَّةٍ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ. ﴿كَثِيرًا وسَعَةً﴾ في الرِزْقِ، أوْ في إظْهارِ الدِينِ، أوْ في الصَدْرِ، لِتَبَدُّلِ الخَوْفِ بِالأمْنِ ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُ" ﴿إلى اللهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى حَيْثُ أمَرَ اللهُ ورَسُولُهُ ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾ قَبْلَ بُلُوغِهِ مُهاجَرَهُ، وهو عَطْفٌ عَلى "يَخْرُجُ" ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ﴾ أيْ: حَصَلَ لَهُ الأجْرُ بِوَعْدِ اللهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ، فَلا شَيْءَ يَجِبُ عَلى اللهِ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قالُوا: كُلُّ هِجْرَةٍ لِطَلَبِ عِلْمٍ، أوْ حَجٍّ، أوْ جِهادٍ، أوْ فِرارٍ إلى بَلَدٍ يَزْدادُ فِيهِ طاعَةً، أوْ قَناعَةً، أوْ زُهْدًا، أوِ ابْتِغاءَ رِزْقٍ طَيِّبٍ، فَهي هِجْرَةٌ إلى اللهِ ورَسُولِهِ، وإنْ أدْرَكَهُ المَوْتُ في طَرِيقِهِ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ. (p-٣٩٠)

النساء 4:101

﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ سافَرْتُمْ فِيها، فالضَرْبُ في الأرْضِ هو السَفَرُ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ حَرَجٌ ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ في أنْ تَقْصُرُوا ﴿مِنَ الصَلاةِ﴾ مِن أعْدادِ رَكَعاتِ الصَلاةِ، فَتُصَلُّوا الرُباعِيَّةَ رَكْعَتَيْنِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ القَصْرَ رُخْصَةٌ في السَفَرِ، والإكْمالُ عَزِيمَةٌ، كَما قالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ "جُناحَ" يُسْتَعْمَلُ في مَوْضِعِ التَخْفِيفِ، والرُخْصَةِ لا في مَوْضِعِ العَزِيمَةِ. وقُلْنا: القَصْرُ عَزِيمَةٌ غَيْرُ رُخْصَةٍ، ولا يَجُوزُ الإكْمالُ لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «صَلاةُ السَفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ، » وأمّا الآيَةُ فَكَأنَّهم ألِفُوا الإتْمامَ، فَكانُوا مَظِنَّةً لِأنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ أنَّ عَلَيْهِمْ نُقْصانًا في القَصْرِ، فَنَفى عَنْهُمُ الجُناحَ لِتَطْلِيبِ أنْفُسِهِمْ بِالقَصْرِ، ويَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إنْ خَشِيتُمْ أنْ يَقْصِدَكُمُ الكُفّارُ بِقَتْلٍ، أوْ جُرْحٍ، أوْ أخْذٍ. والخَوْفُ: شَرْطُ جَوازِ القَصْرِ عِنْدَ الخَوارِجِ ظاهِرُ النَصِّ، وعِنْدَ الجُمْهُورِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، لِما رُوِيَ «عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ: ما بالُنا نَقْصُرُ وقَدْ أمِنّا؟ فَقالَ: عَجِبْتُ مِمّا تَعَجَّبْتَ مِنهُ، فَسَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِها عَلَيْكُمْ، فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ". » وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإكْمالُ في السَفَرِ، لِأنَّ التَصَدُّقَ بِما لا يَحْتَمِلُ التَمْلِيكَ إسْقاطٌ مَحْضٌ لا يَحْتَمِلُ الرَدَّ، وإنْ كانَ المُتَصَدِّقُ مِمَّنْ لا تَلْزَمُ طاعَتُهُ كَوَلِيِّ القِصاصِ إذا عَفا، فَمَن تَلْزَمُ طاعَتُهُ أوْلى، ولِأنَّ حالَهم حِينَ نُزُولِ الآيَةِ كَذَلِكَ، فَنَزَلَتْ عَلى وفْقِ الحالِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النُورُ: ٣٣] دَلِيلُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ: (مِنَ الصَلاةِ أنْ يَفْتِنَكُمْ) أيْ: لِئَلّا يَفْتِنَكُمْ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ قَصْرُ الأحْوالِ، وهو أنْ يُومِئَ عَلى الدابَّةِ عِنْدَ الخَوْفِ، أوْ يُخَفِّفَ القِراءَةَ والرُكُوعَ والسُجُودَ والتَسْبِيحَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: ﴿إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ فَتَحَرَّزُوا عَنْهم. (p-٣٩١)

النساء 4:102

﴿وَإذا كُنْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿فِيهِمْ﴾ في أصْحابِكَ ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَلاةَ﴾ فَأرَدْتَ أنْ تُقِيمَ الصَلاةَ بِهِمْ، وبِظاهِرِهِ تَعَلَّقَ أبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ فَلا يَرى صَلاةَ الخَوْفِ بَعْدَهُ عَلَيْهِ السَلامُ. وقالا: الأئِمَّةُ نُوّابٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في كُلِّ عَصْرٍ، فَكانَ الخِطابُ لَهُ مُتَناوِلًا لِكُلِّ إمامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التَوْبَةُ: ١٠٣]. دَلِيلُهُ فِعْلُ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهم بَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ فاجْعَلْهم طائِفَتَيْنِ، فَلْتَقُمْ إحْداهُما مَعَكَ فَصَلِّ بِهِمْ، وتَقُومُ طائِفَةٌ تُجاهَ العَدُوِّ ﴿وَلْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ تُجاهَ العَدُوِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ المُصَلِّينَ، فَقالُوا: يَأْخُذُونَ مِنَ السِلاحِ ما لا يَشْغَلُهم عَنِ الصَلاةِ، كالسَيْفِ، والخِنْجَرِ، ونَحْوِهِما. ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ أيْ: قَيَّدُوا رَكْعَتَهم بِسَجْدَتَيْنِ، فالسُجُودُ عَلى ظاهِرِهِ عِنْدَنا، وعِنْدَ مالِكٍ بِمَعْنى الصَلاةِ ﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ أيْ: إذا صَلَّتْ هَذِهِ الطائِفَةُ الَّتِي مَعَكَ رَكْعَةً، فَلْيَرْجِعُوا لِيَقِفُوا بِإزاءِ العَدُوِّ. ﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا﴾ في مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِطائِفَةٍ ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ أيْ: ولْتَحْضُرِ الطائِفَةُ الواقِعَةُ بِإزاءِ العَدُوِّ، فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ الرَكْعَةَ الثانِيَةَ. ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ ما يَتَحَرَّزُونَ بِهِ مِنَ العَدُوِّ، كالدِرْعِ، ونَحْوِهِ. ﴿وَأسْلِحَتَهُمْ﴾ جَمْعُ سِلاحٍ، وهو ما يُقاتِلُ بِهِ، وأخْذُ السِلاحِ شَرْطٌ عِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، وعِنْدَنا مُسْتَحَبٌّ، وكَيْفِيَّةُ صَلاةِ الخَوْفِ مَعْرُوفَةٌ. ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكُمْ﴾ أيْ: تَمَنَّوْا أنْ يَنالُوا مِنكم غِرَّةً في صَلاتِكم ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً﴾ فَيَشُدُّونَ عَلَيْكم شِدَّةً واحِدَةً ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا﴾ في أنْ تَضَعُوا ﴿أسْلِحَتَكم وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ رَخَّصَ لَهم في وضْعِ الأسْلِحَةِ إنْ ثَقُلَ (p-٣٩٢)عَلَيْهِمْ حَمْلُها، بِسَبَبِ ما يَبُلُّهم مِن مَطَرٍ، أوْ يُضْعِفُهم مِن مَرَضٍ، وأمَرَهم مَعَ ذَلِكَ بِأخْذِ الحَذَرِ لِئَلّا يَغْفُلُوا، فَيَهْجُمَ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ. ﴿إنَّ اللهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ أخْبَرَ أنَّهُ يُهِينُ عَدُوَّهُمْ، لِتَقْوى قُلُوبُهُمْ، ولِيَعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ بِالحَذَرِ لَيْسَ لِتَوَقُّعِ غَلَبَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإنَّما هو تَعَبُّدٌ مِنَ اللهِ تَعالى.

النساء 4:103

﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَلاةَ﴾ فَرَغْتُمْ مِنها ﴿فاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: دُومُوا عَلى ذِكْرِ اللهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ، أوْ فَإذا أرَدْتُمْ أداءَ الصَلاةِ فَصَلُّوا قِيامًا إنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، وقُعُودًا إنْ عَجَزْتُمْ عَنِ القِيامِ، ومُضْطَجِعِينَ إنْ عَجَزْتُمْ عَنِ القُعُودِ، ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ سَكَنْتُمْ بِزَوالِ الخَوْفِ ﴿فَأقِيمُوا الصَلاةَ﴾ فَأتِمُّوها بِطائِفَةٍ واحِدَةٍ، أوْ إذا أقَمْتُمْ فَأتِمُّوا ولا تَقْصُرُوا، أوْ إذا اطْمَأْنَنْتُمْ بِالصِحَّةِ فَأتَمُّوا القِيامَ، والرُكُوعَ، والسُجُودَ. ﴿إنَّ الصَلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ مَكْتُوبًا مَحْدُودًا بِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ.

النساء 4:104

﴿وَلا تَهِنُوا﴾ ولا تَضْعُفُوا، ولا تَتَوانَوْا. ﴿فِي ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ في طَلَبِ الكُفّارِ بِالقِتالِ، والتَعَرُّضِ بِهِ لَهُمْ، ثُمَّ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ ما يَجِدُونَ مِنَ الألَمِ بِالجُرْحِ والقَتْلِ مُخْتَصًّا بِكُمْ، بَلْ هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم وبَيْنَهم يُصِيبُهم كَما يُصِيبُكُمْ، ثُمَّ إنَّهم يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ فَما لَكم لا تَصْبِرُونَ مِثْلَ صَبْرِهِمْ؟! مَعَ أنَّكم أجْدَرُ مِنهم بِالصَبْرِ، لِأنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ، مِن إظْهارِ دِينِكم عَلى سائِرِ الأدْيانِ، ومِنَ الثَوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ بِما يَجِدُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الألَمِ ﴿حَكِيمًا﴾ في تَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ.

النساء 4:105

رُوِيَ «أنَّ طَعْمَةَ بْنَ أُبِيرِقَ - أحَدَ بَنِي ظُفَرَ- سَرَقَ دِرْعًا مِن جارٍ لَهُ اسْمُهُ قَتادَةُ بْنُ النُعْمانِ، في جِرابِ دَقِيقٍ، فَجَعَلَ الدَقِيقُ يَنْتَثِرُ مِن خَرْقٍ فِيهِ، (p-٣٩٣)وَخَبَّأها عِنْدَ زَيْدِ بْنِ السَمِينِ -رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ- فالتَمُسِتِ الدِرْعُ عِنْدَ طُعْمَةَ فَلَمْ تُوجَدْ، وحَلَفَ ما أخَذَها، وما لَهُ بِها عِلْمٌ، فَتَرَكُوهُ، واتَّبَعُوا أثَرَ الدَقِيقِ حَتّى انْتَهى إلى مَنزِلِ اليَهُودِيِّ فَأخَذُوها، فَقالَ: دَفَعَها إلَيَّ طُعْمَةُ، وشَهِدَ لَهُ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَتْ بَنُو ظُفَرَ: انْطَلِقُوا بِنا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَألُوهُ أنْ يُجادِلَ عَنْ صاحِبِهِمْ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَفْعَلْ هَلَكَ صاحِبُنا، وافْتَضَحَ، وبَرِئَ اليَهُودِيُّ، فَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَفْعَلَ فَنَزَلَ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ » أيْ: مُحِقًّا ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بِما أراكَ اللهُ﴾ بِما عَرَّفَكَ، وأوْحى بِهِ إلَيْكَ، وقالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: بِما ألْهَمَكَ بِالنَظَرِ في أُصُولِهِ المُنَزَّلَةِ، وفِيهِ دَلالَةُ جَوازِ الِاجْتِهادِ في حَقِّهِ. ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ لِأجْلِ الخائِنِينَ ﴿خَصِيمًا﴾ مُخاصِمًا، أيْ: ولا تُخاصِمِ اليَهُودَ لِأجْلِ بَنِي ظُفَرَ.

النساء 4:106

﴿واسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ مِمّا هَمَمْتَ بِهِ ﴿إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

النساء 4:107

﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ يَخُونُونَها بِالمَعْصِيَةِ، جُعِلَتْ مَعْصِيَةُ العُصاةِ خِيانَةً مِنهم لِأنْفُسِهِمْ، لِأنَّ الضَرَرَ راجِعٌ إلَيْهِمْ، والمُرادُ بِهِ: طُعْمَةُ، ومَن عاوَنَهُ مِن قَوْمِهِ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ سارِقٌ، أوْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِيَتَناوَلَ طُعْمَةَ، وكُلَّ مَن خانَ خِيانَتَهُ. ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ وإنَّما قِيلَ: بِلَفْظِ المُبالَغَةِ، لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ مِن طُعْمَةَ أنَّهُ مُفْرِطٌ في الخِيانَةِ، ورُكُوبِ المَآثِمِ. ورُوِيَ أنَّ طُعْمَةَ هَرَبَ إلى مَكَّةَ، وارْتَدَّ، ونَقَبَ حائِطًا بِمَكَّةَ لِيَسْرِقَ أهْلَهُ، فَسَقَطَ الحائِطُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إذا عَثَرْتَ مِن رَجُلٍ عَلى سَيِّئَةٍ فاعْلَمْ أنَّ لَها أخَواتٍ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّهُ أمَرَ بِقَطْعِ يَدِ سارِقٍ، فَجاءَتْ أُمُّهُ تَبْكِي، وتَقُولُ: هَذِهِ أوَّلُ سَرِقَةٍ سَرَقَها فاعْفُ عَنْهُ، فَقالَ: كَذَبْتِ إنَّ اللهَ لا يُؤاخِذُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ.

النساء 4:108

﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يَسْتَتِرُونَ ﴿مِنَ الناسِ﴾ حَياءً مِنهُمْ، وخَوْفًا مِن ضَرَرِهِمْ. ﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾ ولا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ وهو عالِمٌ بِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ، لا يَخْفى عَلَيْهِ خافٍ مِن سِرِّهِمْ، وكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ ناعِيَةً عَلى الناسِ ما هم فِيهِ مِن قِلَّةِ الحَياءِ، والخَشْيَةِ مِن رَبِّهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهم في حَضْرَتِهِ لا سُتْرَةَ، ولا غَيْبَةَ ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ﴾ يُدَبِّرُونَ، وأصْلُهُ: أنْ يَكُونَ لَيْلًا. ﴿ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ وهو تَدْبِيرُ طُعْمَةَ أنْ يَرْمِيَ بِالدِرْعِ في دارِ زَيْدٍ لِيُسَرَّقَ دُونَهُ، ويَحْلِفُ أنَّهُ لَمْ يَسْرِقْها، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكَلامَ هو المَعْنى القائِمُ بِالنَفْسِ، حَيْثُ سَمّى التَدْبِيرَ قَوْلًا: ﴿وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ عالِمًا عِلْمَ إحاطَةٍ.

النساء 4:109

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ "ها" لِلتَّنْبِيهِ في "أنْتُمْ"، و"أُولاءِ"، وهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. و﴿جادَلْتُمْ﴾ خاصَمْتُمْ وهي جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِوُقُوعِ "أُولاءِ" خَبَرًا، كَقَوْلِكَ لِبَعْضِ الأسْخِياءِ: أنْتَ حاتِمٌ تَجُودُ بِمالِكَ، أوْ "أُولاءِ" اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى، الَّذِينَ، وجادَلْتُمْ صِلَتُهُ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم خاصَمْتُمْ ﴿عَنْهُمْ﴾ عَنْ طُعْمَةَ وقَوْمِهِ ﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا فَمَن يُجادِلُ اللهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَمَن يُخاصِمُ عَنْهم في الآخِرَةِ إذا أخَذَهُمُ اللهُ بِعَذابِهِ، وقُرِئَ: (عَنْهُ) أيْ: عَنْ طُعْمَةَ. ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ حافِظًا، ومُحامِيًا مِن بَأْسِ اللهِ، وعَذابِهِ.

النساء 4:110

﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ ذَنْبًا دُونَ الشِرْكِ ﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بِالشَرَكِ، أوْ "سُوءًا" قَبِيحًا يَتَعَدّى ضَرَرُهُ إلى الغَيْرِ، كَما فَعَلَ طُعْمَةُ بِقَتادَةَ واليَهُودِيِّ، ﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بِما يَخْتَصُّ بِهِ كالحَلِفِ الكاذِبِ ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ يَسْألْ مَغْفِرَتَهُ. ﴿يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لَهُ، وهَذا بَعْثٌ لِطُعْمَةَ عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَوْبَةِ.

النساء 4:111

﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ لِأنَّ وبالَهُ عَلَيْها ﴿وَكانَ (p-٣٩٥)اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فَلا يُعاقِبُ بِالذَنْبِ غَيْرَ فاعِلِهِ.

النساء 4:112

﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ صَغِيرَةً ﴿أوْ إثْمًا﴾ أوْ كَبِيرَةً، أوِ الأوَّلُ ذَنْبٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، والثانِي: ذَنْبٌ في مَظالِمِ العِبادِ، ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ كَما رَمى طُعْمَةُ زَيْدًا ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا﴾ كَذِبًا عَظِيمًا ﴿وَإثْمًا مُبِينًا﴾ ذَنْبًا ظاهِرًا، وهَذا لِأنَّهُ بِكَسْبِ الإثْمِ آثِمٌ، وبِرَمْيِ البَرِيءِ باهِتٌ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، والبُهْتانُ: كَذِبٌ يَبْهَتُ مَن قِيلَ عَلَيْهِ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ.

النساء 4:113

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ أيْ: عِصْمَتُهُ، ولُطْفُهُ مِنَ الإطْلاعِ عَلى سِرِّهِمْ. ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ مِن بَنِي ظُفَرَ، أوِ المُرادُ بِالطائِفَةِ: بَنُو ظُفَرَ، والضَمِيرُ في "مِنهُمْ" يَعُودُ إلى الناسِ، ﴿أنْ يُضِلُّوكَ﴾ عَنِ القَضاءِ بِالحَقِّ، وتَوَخِّي طَرِيقِ العَدْلِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ الجانِيَ صاحِبُهم. ﴿وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ لِأنَّ وبالَهُ عَلَيْهِمْ. ﴿وَما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ لِأنَّكَ إنَّما عَمِلْتَ بِظاهِرِ الحالِ، وما كانَ يَخْطُرُ بِبالِكَ أنَّ الحَقِيقَةَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. ﴿وَأنْـزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ ﴿والحِكْمَةَ﴾ والسُنَّةَ ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ مِن أُمُورِ الدِينِ، والشَرائِعِ، أوْ مِن خَفِيّاتِ الأُمُورِ، وضَمائِرِ القُلُوبِ، ﴿وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ فِيما عَلَّمَكَ، وأنْعَمَ عَلَيْكَ.

النساء 4:114

﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ مِن تَناجِي الناسِ. ﴿إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ إلّا نَجْوى مَن أمَرَ، وهو مَجْرُورٌ وبَدَلٌ مِن "كَثِيرٍ" أوْ مِن "نَجْواهُمْ"، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِانْقِطاعِ بِمَعْنى: ولَكِنْ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، فَفي نَجْواهُ الخَيْرُ. ﴿أوْ مَعْرُوفٍ﴾ أيْ: قَرْضٌ، أوْ إغاثَةُ مَلْهُوفٍ، أوْ كُلُّ جَمِيلٍ، أوِ المُرادُ بِالصَدَقَةِ: الزَكاةُ، وبِالمَعْرُوفِ: التَطَوُّعُ. ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ الناسِ﴾ أيْ: (p-٣٩٦)إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المَذْكُورَ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ طَلَبَ رِضا اللهِ، وخَرَجَ عَنْهُ مِن فِعْلِ ذَلِكَ رِياءً، أوْ تَرَؤُّسًا، وهو مَفْعُولٌ لَهُ، والإشْكالُ أنَّهُ قالَ: ﴿إلا مَن أمَرَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ والجَوابُ أنَّهُ ذَكَرَ الأمْرَ بِالخَيْرِ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى فاعِلِهِ، لِأنَّهُ إذا دَخَلَ الآمِرُ بِهِ في زُمْرَةِ الخَيِّرِينَ كانَ الفاعِلُ فِيهِمْ أدْخَلَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ فَذَكَرَ الفاعِلَ، وقَرَنَ بِهِ الوَعْدَ بِالأجْرِ العَظِيمِ، أوِ المُرادُ ومَن يَأْمُرْ بِذَلِكَ، فَعَبَّرَ عَنِ الأمْرِ بِالفِعْلِ. ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ (يُؤْتِيهِ) أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ.

النساء 4:115

﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ ومَن يُخالِفِ الرَسُولَ مِن بَعْدِ وُضُوحِ الدَلِيلِ، وظُهُورِ الرُشْدِ. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: السَبِيلَ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الدِينِ الحَنِيفِيِّ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ لا تَجُوزُ مُخالَفَتُها، كَما لا تَجُوزُ مُخالَفَةُ الكِتابِ والسُنَّةِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى جَمَعَ بَيْنَ اتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ مُشاقَّةِ الرَسُولِ في الشَرْطِ، وجَعَلَ جَزاءَهُ الوَعِيدَ الشَدِيدَ، فَكانَ اتِّباعُهم واجِبًا كَمُوالاةِ الرَسُولِ. ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّى مِنَ الضَلالِ، ونَدَعْهُ وما اخْتارَهُ في الدُنْيا. ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ في العُقْبى ﴿وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ قِيلَ: هي في طُعْمَةَ، وارْتِدادِهِ.

النساء 4:116

﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في هَذِهِ السُورَةِ ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ عَنِ الصَوابِ.

النساء 4:117

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ﴿إلا إناثًا﴾ جَمْعُ أُنْثى، وهي اللاتُ، والعُزّى، ومَناةُ، ولَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا ولَهم صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ، يُسَمُّونَهُ: أُنْثى بَنِي فُلانٍ. وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ في (p-٣٩٧)أصْنامِهِمْ: هُنَّ بَناتُ اللهِ. ﴿وَإنْ يَدْعُونَ﴾ ما يَعْبُدُونَ ﴿إلا شَيْطانًا﴾ لِأنَّهُ هو الَّذِي أغْراهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، فَأطاعُوهُ، فَجُعِلَتْ طاعَتُهم لَهُ عِبادَةً ﴿مَرِيدًا﴾ خارِجًا عَنِ الطاعَةِ، عارِيًا عَنِ الخَيْرِ، ومِنهُ: الأمْرَدُ.

النساء 4:118

﴿لَعَنَهُ اللهُ وقالَ لأتَّخِذَنَّ﴾ صِفَتانِ، يَعْنِي: شَيْطانًا مَرِيدًا جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللهِ، وهَذا القَوْلِ الشَنِيعِ. ﴿مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ مَقْطُوعًا واجِبًا لِي، مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ، وواحِدًا لِلَّهِ.

النساء 4:119

﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ بِالدُعاءِ إلى الضَلالَةِ، والتَزْيِينِ، والوَسْوَسَةِ، ولَوْ كانَ إنْفاذُ الضَلالَةِ إلَيْهِ لَأضَلَّ الكُلَّ ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ ولَأُلْقِيَنَّ في قُلُوبِهِمُ الأمانِيَّ الباطِلَةَ مِن: طُولِ الأعْمارِ، وبُلُوغِ الآمالِ. ﴿وَلآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ البَتْكُ: القَطْعُ، والتَبْتِيكُ: لِلتَّكْثِيرِ والتَكْرِيرِ، أيْ: لَأحْمِلَنَّهم عَلى أنْ يَقْطَعُوا آذانَ الأنْعامِ، كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ الناقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِها ﴿وَلآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ بِفَقْءِ عَيْنِ الحامِي، وإعْفائِهِ عَنِ الرُكُوبِ، أوْ بِالخِصاءِ، وهو مُباحٌ في البَهائِمِ مَحْظُورٌ في بَنِي آدَمَ، أوْ بِالوَشْمِ، أوْ بِنَفْيِ الأنْسابِ واسْتِلْحاقِها، أوْ بِتَغْيِيرِ الشَيْبِ بِالسَوادِ، أوْ بِالتَحْرِيمِ والتَحْلِيلِ، أوْ بِالتَخَنُّثِ، أوْ بِتَبْدِيلِ فِطْرَةِ اللهِ الَّتِي هي دِينُ الإسْلامِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الرُومُ: ٣٠] ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللهِ﴾ وأجابَ إلى ما دَعاهُ إلَيْهِ ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ في الدارَيْنِ.

النساء 4:120

﴿يَعِدُهُمْ﴾ يُوَسْوِسُ إلَيْهِمْ أنْ لا جَنَّةَ، ولا نارَ، ولا بَعْثَ، ولا حِسابَ. ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ما لا يَنالُونَ ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ هو أنْ يَرى شَيْئًا يَظْهَرُ خِلافُهُ. (p-٣٩٨)

النساء 4:121

﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ مَعْدِلًا، ومَفَرًّا.

النساء 4:122

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ ولَمْ يَتَّبِعُوا الشَيْطانَ في الأمْرِ بِالكُفْرِ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وقَرَأ النَخَعِيُّ: (سَيُدْخِلُهُمْ) ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرانِ، الأوَّلُ: مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ، والثانِي: مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ. ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلا﴾ قَوْلًا. وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى النَفْيِ، أيْ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنهُ. وهو تَأْكِيدٌ ثالِثٌ، وفائِدَةُ هَذِهِ التَوْكِيداتِ مُقابَلَةُ مَواعِيدِ الشَيْطانِ الكاذِبَةِ لِقُرَنائِهِ بِوَعْدِ اللهِ الصادِقِ لِأوْلِيائِهِ.

النساء 4:123

﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ لَيْسَ الأمْرُ عَلى شَهَواتِكم وأمانِيِّكم -أيُّها المُشْرِكُونَ- أنْ تَنْفَعَكُمُ الأصْنامُ. ﴿وَلا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ ولا عَلى شَهَواتِ اليَهُودِ والنَصارى، حَيْثُ قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائِدَةُ: ١٨] ﴿لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البَقَرَةُ: ٨٠] ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ، وأهْلِ الكِتابِ: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ وهَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ، لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ:

النساء 4:124

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حالٌ، و"مِن" الأُولى: لِلتَّبْعِيضِ، والثانِيَةُ: لِبَيانِ الإبْهامِ فِيمَن يَعْمَلُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأعْمالَ لَيْسَتْ مِنَ الإيمانِ. ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ (يُدْخَلُونَ) مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ. ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ قَدْرُ النَقِيرِ، وهو النَقْرَةُ في ظَهْرِ النَواةِ. والراجِعُ في ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ لِعُمّالِ السُوءِ وعُمّالِ الصالِحاتِ جَمِيعًا، وجازَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ عِنْدَ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ دَلِيلًا عَلى ذِكْرِهِ (p-٣٩٩)عِنْدَ الآخَرِ. وقَوْلُهُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ تَمَنِّي أهْلِ الكِتابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البَقَرَةُ: ٨١] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ /

النساء 4:125

﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وجَعَلَها سالِمَةً لَهُ، لا يَعْرِفُ لَها رَبًّا ولا مَعْبُودًا سِواهُ. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ عامِلٌ لِلْحَسَناتِ ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ، وهو حالٌ مِنَ المُتَّبِعِ، أوْ مِن إبْراهِيمَ. ﴿واتَّخَذَ اللهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ هو الأصْلُ: المُخالُّ، وهُوَ: الَّذِي يُخالُّكَ، أيْ: يُوافِقُكَ في خِلالِكَ، أوْ يُداخِلُكَ خِلالَ مَنزِلِكَ، أوْ يَسُدُّ خَلَلَكَ كَما يَسُدُّ خَلَلُهُ. فالخُلَّةُ: صَفاءُ مَوَدَّةٍ تُوجِبُ الِاخْتِصاصَ بِتَخَلُّلِ الأسْرارِ، والمَحَبَّةُ أصْفى، لِأنَّها مِن حَبَّةِ القَلْبِ. وهي جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَقَوْلِهِ: ؎.... والحَوادِثُ جَمَّةٌ وَفائِدَتُها: تَأْكِيدُ وُجُوبِ اتِّباعِ مِلَّتِهِ وطَرِيقَتِهِ، لِأنَّ مَن بَلَغَ مِنَ الزُلْفى عِنْدَ اللهِ أنِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، كانَ جَدِيرًا بِأنَّ تُتَّبَعَ مِلَّتُهُ وطَرِيقَتُهُ، ولَوْ جَعْلَتَها مَعْطُوفَةً عَلى الجُمَلِ قَبْلَها لَمْ يَكُنْ لَها مَعْنًى، وفي الحَدِيثِ: « "اتَّخَذَ اللهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا لِإطْعامِهِ الطَعامَ، وإفْشائِهِ السَلامَ، وصَلاتِهِ بِاللَيْلِ والناسُ نِيامٌ". » وقِيلَ: أُوحِيَ إلَيْهِ: إنَّما اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا، لِأنَّكَ تُحِبُّ أنْ تُعْطِيَ ولا تُعْطى. وفي رِوايَةٍ: لِأنَّكَ تُعْطِي الناسَ ولا تَسْألُهم. (p-٤٠٠)

النساء 4:126

وَفي قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اتِّخاذَهُ خَلِيلًا لِاحْتِياجِ الخَلِيلِ إلَيْهِ، لا لِاحْتِياجِهِ تَعالى إلَيْهِ، لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ عالِمًا.

النساء 4:127

﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِساءِ﴾ ويَسْألُونَكَ الإفْتاءَ في النِساءِ، والإفْتاءُ: تَبَيُّنُ المُبْهَمِ ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِساءِ﴾ أيِ: اللهُ يُفْتِيكُمْ، والمَتْلُوُّ في الكِتابِ، أيِ: القُرْآنُ في مَعْنى اليَتامى، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النِساءُ: ٣] وهو مِن قَوْلِكَ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ. "وَما يُتْلى": في مَحَلِّ الرَفْعِ بِالعَطْفِ عَلى الضَمِيرِ في "يُفْتِيكُمْ" أوْ عَلى لَفْظِ "اللهِ". و﴿فِي يَتامى النِساءِ﴾ صِلَةُ يُتْلى، أيْ: يُتْلى عَلَيْكم في مَعْناهُنَّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "فِي يَتامى النِساءِ" بَدَلًا مِن "فِيهِنَّ". والإضافَةُ بِمَعْنى مِن ﴿اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ ما فَرَضَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ. وكانَ الرَجُلُ مِنهم يَضُمُّ اليَتِيمَةَ إلى نَفْسِهِ ومالَها، فَإنْ كانَتْ جَمِيلَةً تَزَوَّجَها، وأكَلَ المالَ، وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً عَضَلَها عَنِ التَزَوُّجِ حَتّى تَمُوتَ، فَيَرِثُها ﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أيْ: في أنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِجَمالِهِنَّ، أوْ عَنْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِدَمامَتِهِنَّ. ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ أيِ: اليَتامى، وهو مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلى يَتامى النِساءِ، وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ إنَّما يُورِثُونَ الرِجالَ القَوّامَ بِالأُمُورِ، دُونَ الأطْفالِ والنِساءِ. ﴿وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى﴾ مَجْرُورٌ كالمُسْتَضْعَفِينَ، بِمَعْنى: يُفْتِيكم في يَتامى النِساءِ وفي المُسْتَضْعَفِينَ، وفي أنْ تَقُومُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِمَعْنى: ويَأْمُرُكم أنْ تَقُومُوا. وهو خِطابٌ لِلْأئِمَّةِ في أنْ يَنْظُرُوا لَهُمْ، ويَسْتَوْفُوا لَهم حُقُوقَهم. ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ في مِيراثِهِمْ ومالِهِمْ ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ شَرْطٌ وجَوابُهُ: ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ أيْ: فَيُجازِيكم عَلَيْهِ. (p-٤٠١)

النساء 4:128

﴿وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ تَوَقَّعَتْ مِنهُ ذَلِكَ، لِما لاحَ لَها مِن مَخايِلِهِ، وأمارَتِهِ. والنُشُوزُ: أنْ يَتَجافى عَنْها بِأنْ يَمْنَعَها نَفْسَهُ ونَفَقَتَهُ، وأنْ يُؤْذِيَها بِسَبٍّ، أوْ ضَرْبٍ. ﴿أوْ إعْراضًا﴾ عَنْها، بِأنْ يُقِلَّ مُحادَثَتَها ومُؤانَسَتَها بِسَبَبِ كِبَرِ سِنٍّ، أوْ دَمامَةٍ، أوْ شَيْءٍ في خَلْقٍ أوْ خُلُقٍ، أوْ مِلالٍ، أوْ طُمُوحِ عَيْنٍ إلى أُخْرى، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما) كُوفِيٌّ، (يَصّالَحا) غَيْرُهُمْ، أيْ: يَتَصالَحا، وهو أصْلُهُ، فَأُبْدِلَتِ التاءُ صادًا، وأُدْغِمَتْ ﴿صُلْحًا﴾ في مَعْنى مَصْدَرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ. ومَعْنى الصُلْحِ: أنْ يَتَصالَحا عَلى أنْ تَطِيبَ لَهُ نَفْسًا عَنِ القِسْمَةِ، أوْ عَنْ بَعْضِها، أوْ تَهَبُ لَهُ بَعْضَ المَهْرِ، أوْ كُلَّهُ، أوِ النَفَقَةَ. ﴿والصُلْحُ خَيْرٌ﴾ مِنَ الفُرْقَةِ، أوْ مِنَ النُشُوزِ، أوْ مِنَ الخُصُومَةِ في كُلِّ شَيْءٍ، أوْ ﴿والصُلْحُ خَيْرٌ﴾ مِنَ الخُيُورِ، كَما أنَّ الخُصُومَةَ شَرٌّ مِنَ الشُرُورِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُحَّ﴾ أيْ: جُعِلَ الشُحُّ حاضِرًا لَها لا يَغِيبُ عَنْها أبَدًا، ولا تَنْفَكُّ عَنْهُ، يَعْنِي: أنَّها مَطْبُوعَةٌ عَلَيْهِ، والمُرادُ: أنَّ المَرْأةَ لا تَكادُ تَسْمَحُ بِقَسْمِها، والرَجُلُ لا يَكادُ يَسْمَحُ بِأنْ يَقْسِمَ لَها إذا رَغِبَ عَنْها، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَطْلُبُ ما فِيهِ راحَتُهُ. وأُحْضِرَتْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والأوَّلُ: الأنْفُسُ، ثُمَّ حَثَّ عَلى مُخالَفَةِ الطَبْعِ، ومُتابَعَةِ الشَرْعِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُحْسِنُوا﴾ بِالإقامَةِ عَلى نِسائِكُمْ، وإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ، وأحْبَبْتُمْ غَيْرَهُنَّ، وتَصْبِرُوا عَلى ذَلِكَ مُراعاةً لِحَقِّ الصُحْبَةِ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النُشُوزَ والإعْراضَ، وما يُؤَدِّي إلى الأذى، والخُصُومَةِ ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الإحْسانِ، والتَقْوى ﴿خَبِيرًا﴾ فَيُثِيبُكم عَلَيْهِ. وَكانَ عُمَرُ الخارِجِيُّ مِن أدَمِّ بَنِي آدَمَ، وامْرَأتُهُ مِن أجْمَلِهِمْ فَنَظَرَتْ إلَيْهِ، وقالَتِ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى أنِّي وإيّاكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ. قالَ: كَيْفَ؟ فَقالَتْ: لِأنَّكَ (p-٤٠٢)رُزِقْتَ مِثْلِي فَشَكَرْتَ، ورُزِقْتُ مِثْلَكَ فَصَبَرَتْ، والجَنَّةُ مَوْعُودَةٌ لِلشّاكِرِينَ والصابِرِينَ.

النساء 4:129

﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِساءِ﴾ ولَنْ تَسْتَطِيعُوا العَدْلَ بَيْنَ النِساءِ والتَسْوِيَةَ حَتّى لا يَقَعَ مَيْلٌ البَتَّةَ. فَتَمامُ العَدْلِ أنْ يُسَوّى بَيْنَهُنَّ بِالقِسْمَةِ، والنَفَقَةِ، والتَعَهُّدِ، والنَظَرِ، والإقْبالِ، والمُمالَحَةِ: والمُفاكَهَةِ: وغَيْرِها. وقِيلَ. مَعْناهُ: أنْ تَعْدِلُوا في المَحَبَّةِ. «وَكانَ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ويَقُولُ: "هَذِهِ قِسْمَتِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ". » يَعْنِي: المَحَبَّةَ، لِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها كانَتْ أحَبَّ إلَيْهِ. ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ بالَغْتُمْ في تَحَرِّي ذَلِكَ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ فَلا تَجُورُوا عَلى المَرْغُوبِ عَنْها كُلَّ الجَوْرِ فَتَمْنَعُوها قَسْمَها مِن غَيْرِ رِضًا مِنها، يَعْنِي: أنَّ اجْتِنابَ كُلَّ المَيْلِ في حَدِّ اليُسْرِ، فَلا تُفْرِطُوا فِيهِ وإنْ وقَعَ مِنكُمُ التَفْرِيطُ في العَدْلِ كُلِّهِ. وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَوْبِيخِ. وكُلَّ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ لَهُ حُكْمَ ما يُضافُ إلَيْهِ، ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ وهِيَ: الَّتِي لَيْسَتْ بِذاتِ بَعْلٍ، ولا مُطَلَّقَةً ﴿وَإنْ تُصْلِحُوا﴾ بَيْنَهُنَّ، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الجَوْرَ ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَغْفِرُ لَكم مَيْلَ قُلُوبِكُمْ، ويَرْحَمُكم فَلا يُعاقِبُكم.

النساء 4:130

﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا﴾ أيْ: إنْ لَمْ يَصْطَلِحِ الزَوْجانِ عَلى شَيْءٍ، وتَفَرَّقا بِالخُلْعِ، أوْ بِتَطْلِيقِهِ إيّاها، وإيفائِهِ مَهْرَها، ونَفَقَةَ عِدَّتِها. ﴿يُغْنِ اللهُ كُلا﴾ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ﴿مِن سَعَتِهِ﴾ مِن غِناهُ، أيْ: يَرْزُقُهُ زَوْجًا خَيْرًا مِن زَوْجِهِ، وعَيْشًا أهْنَأ مِن عَيْشِهِ ﴿وَكانَ اللهُ واسِعًا﴾ بِتَحْلِيلِ النِكاحِ ﴿حَكِيمًا﴾ بِالإذْنِ في السَراحِ، فالسَعَةُ: الغِنى والقُدْرَةُ، والواسِعُ: الغَنِيُّ المُقْتَدِرُ. (p-٤٠٣)

النساء 4:131

ثُمَّ بَيَّنَ غِناهُ وقُدْرَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا، والمُتَمَلِّكُ عَبِيدَهُ رِقًّا ﴿وَلَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هو اسْمٌ لِلْجِنْسِ فَيَتَناوَلُ الكُتُبَ السَماوِيَّةَ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ السالِفَةِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ "وَصَّيْنا" أوْ بِـ "أُوتُوا". ﴿وَإيّاكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الَّذِينَ "أُوتُوا" ﴿أنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ بِأنِ اتَّقَوْا، أوْ تَكُونُ "أنْ" المُفَسِّرَةَ، لِأنَّ التَوْصِيَةَ في مَعْنى القَوْلِ، والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ وصِيَّةٌ قَدِيمَةٌ ما زالَ يُوصِي اللهُ بِها عِبادَهُ -وَلَسْتُمْ بِها مَخْصُوصِينَ-، لِأنَّهم بِالتَقْوى يَسْعَدُونَ عِنْدَهُ. ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "اتَّقُوا"، لِأنَّ المَعْنى: أمَرْناهُمْ، وأمَرْناكم بِالتَقْوى، وقُلْنا لَهم ولَكُمْ: ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللهُ غَنِيًّا﴾ عَنْ خَلْقِهِ، وعَنْ عِبادَتِهِمْ ﴿حَمِيدًا﴾ مُسْتَحِقًّا، لِأنْ يُحْمَدَ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ. وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما هو مُوجِبٌ تَقْواهُ، لِأنَّ الخَلْقَ لَمّا كانَ كُلُّهُ لَهُ، وهو خالِقُهم ومالِكُهُمْ، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ مُطاعًا في خَلْقِهِ غَيْرَ مَعْصِيٍّ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَقْوى أصْلُ الخَيْرِ كُلِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا﴾ عَقِيبَ التَقْوى دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ: الِاتِّقاءُ عَنِ الشِرْكِ.

النساء 4:132

﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ فاتَّخِذُوهُ وكِيلًا، ولا تَتَّكِلُوا عَلى غَيْرِهِ.

النساء 4:133

ثُمَّ خَوَّفَهم وبَيَّنَ قُدْرَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يُعْدِمْكم ﴿أيُّها الناسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ويُوجِدْ إنْسًا آخَرِينَ مَكانَكُمْ، أوْ خَلْقًا آخَرِينَ غَيْرَ الإنْسِ ﴿وَكانَ اللهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ بَلِيغَ القُدْرَةِ.

النساء 4:134

﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُنْيا﴾ كالمُجاهِدِ يُرِيدُ بِجِهادِهِ الغَنِيمَةَ ﴿فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُنْيا والآخِرَةِ﴾ فَما لَهُ يَطْلُبُ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، والَّذِي يَطْلُبُهُ (p-٤٠٤)أخَسُّهُما ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعًا﴾ لِلْأقْوالِ ﴿بَصِيرًا﴾ بِالأفْعالِ، وهو وعْدٌ ووَعِيدٌ.

النساء 4:135

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ مُجْتَهِدِينَ في إقامَةِ العَدْلِ حَتّى لا تَجُورُوا ﴿شُهَداءَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: تُقِيمُونَ شَهاداتِكم لِوَجْهِ اللهِ ﴿وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ولَوْ كانَتِ الشَهادَةُ عَلى أنْفُسِكُمْ، والشَهادَةُ عَلى نَفْسِهِ هي الإقْرارُ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ في مَعْنى الشَهادَةِ عَلَيْها بِإلْزامِ الحَقِّ، وهَذا لِأنَّ الدَعْوى والشَهادَةَ والإقْرارَ يَشْتَرِكُ جَمِيعُها في الإخْبارِ عَنْ حَقٍّ لِأحَدٍ عَلى أحَدٍ، غَيْرَ أنَّ الدَعْوى إخْبارٌ عَنْ حَقٍّ لِنَفْسِهِ عَلى الغَيْرِ، والإقْرارُ: لِلْغَيْرِ عَلى نَفْسِهِ، والشَهادَةُ لِلْغَيْرِ عَلى الغَيْرِ. ﴿أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ أيْ: ولَوْ كانَتِ الشَهادَةُ عَلى آبائِكُمْ، وأُمَّهاتِكُمْ، وأقارِبِكم. ﴿إنْ يَكُنْ﴾ المَشْهُودُ عَلَيْهِ ﴿غَنِيًّا﴾ فَلا يَمْنَعُ الشَهادَةَ عَلَيْهِ لِغِناهُ طَلَبًا لِرِضاهُ ﴿أوْ فَقِيرًا﴾ فَلا يَمْنَعُها تَرَحُّمًا عَلَيْهِ ﴿فاللهُ أوْلى بِهِما﴾ بِالغَنِيِّ والفَقِيرِ، أيْ: بِالنَظَرِ لَهُما والرَحْمَةِ وإنَّما ثَنّى الضَمِيرَ في بِهِما، وكانَ حَقَّهُ أنْ يُوَحَّدَ، لِأنَّ المَعْنى: إنْ يَكُنْ أحَدُ هَذَيْنِ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا" وهو جِنْسُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فاللهُ أوْلى بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، أيْ: بِالأغْنِياءِ والفُقَراءِ ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾ إرادَةَ ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ عَنِ الحَقِّ مِنَ العُدُولِ، أوْ كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ الناسِ مِنَ العَدْلِ (وَإنْ تَلُوا ) بِواوٍ واحِدَةٍ وضَمِّ اللامِ، شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، مِنَ الوِلايَةِ. ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ أيْ: وإنْ وُلِّيتُمْ إقامَةَ الشَهادَةِ، أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْ إقامَتِها، غَيْرُهُما. تَلْوُوا بِواوَيْنِ وسُكُونِ اللامِ، مِنَ: اللَيِّ، أيْ: وإنْ تَلْوُوا ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ، أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ، أوْ تُعْرِضُوا عَنِ الشَهادَةِ بِما عِنْدَكُمْ، وتَمْنَعُوها ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

النساء 4:136

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿آمَنُوا﴾ اثْبُتُوا عَلى (p-٤٠٥)الإيمانِ، ودُومُوا عَلَيْهِ، أوْ لِأهْلِ الكِتابِ، لِأنَّهم آمَنُوا بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُسُلِ، وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، أوِ المُنافِقِينَ، أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا نِفاقًا آمِنُوا إخْلاصًا ﴿بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ أيِ: القُرْآنِ، ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: جِنْسِ ما أنْزَلَ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ (نَزَّلَ) و(أنْزَلَ) مَكِّيٌّ، وشامِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. وعَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فِيهِما غَيْرُهم. وإنَّما قِيلَ: نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ، وأنْزَلَ مِن قَبْلُ، لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا في عِشْرِينَ سَنَةً، بِخِلافِ الكُتُبِ قَبْلَهُ ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: ومَن يَكْفُرُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ لِأنَّ الكُفْرَ بِبَعْضِهِ كُفْرٌ بِكُلِّهِ.

النساء 4:137

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بِمُوسى مِن بَعْدِ عَوْدِهِ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ إلى النَجاةِ، أوْ إلى الجَنَّةِ، أوْ هُمُ المُنافِقُونَ آمَنُوا في الظاهِرِ، وكَفَرُوا في السِرِّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وازْدِيادُ الكُفْرِ مِنهُمْ: ثَباتُهم عَلَيْهِ إلى المَوْتِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ:

النساء 4:138

﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ أيْ: أخْبِرْهُمْ، ووُضِعَ "بَشِّرْ" مَكانَهُ تَهَكُّمًا بِهِمْ ﴿بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ مُؤْلِمًا.

النساء 4:139

﴿الَّذِينَ﴾ نَصْبٌ عَلى الذَمِّ، أوْ رَفْعٌ، بِمَعْنى: أُرِيدَ الَّذِينَ، أوْ هُمُ الَّذِينَ ﴿يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ كانَ المُنافِقُونَ يُوالُونَ الكَفَرَةَ، يَطْلُبُونَ مِنهُمُ المَنعَةَ والنُصْرَةَ، ويَقُولُونَ: لا يَتِمُّ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ولِمَن أعَزَّهُ كالنَبِيِّ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، كَما قالَ: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنافِقُونَ: ٨]. ٤٠٦

النساء 4:140

(p-٤٠٦)﴿وَقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهم إنَّ اللهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ ١٤٠ ( وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ) بِفَتْحِ النُونِ: عاصِمٌ، وبِضَمِّها: غَيْرُهُ. ﴿فِي الكِتابِ﴾ القُرْآنِ ﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ حَتّى يَشْرَعُوا في كَلامٍ غَيْرِ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ بِالقُرْآنِ. والخَوْضُ: الشُرُوعُ، و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، أيْ: أنَّهُ إذا سَمِعْتُمْ، أيْ: نَزَلَ عَلَيْكم أنَّ الشَأْنَ كَذا، والشَأْنُ: ما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ بِشَرْطِها وجَزائِها، وأنْ مَعَ ما في حَيِّزِها في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِـ "نُزِّلَ"، أوْ في مَوْضِعِ النَصْبِ بِـ "نَزَّلَ"، والمُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ في الكِتابِ هو ما نَزَلَ عَلَيْهِمْ بِمَكَّةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنْعامُ: ٦٨] وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَخُوضُونَ في ذِكْرِ القُرْآنِ في مَجالِسِهِمْ فَيَسْتَهْزِءُونَ بِهِ، فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنِ القُعُودِ مَعَهم ما دامُوا خائِضِينَ فِيهِ. وكانَ المُنافِقُونَ بِالمَدِينَةِ يَفْعَلُونَ نَحْوَ فِعْلِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، فَنُهُوا أنْ يَقْعُدُوا مَعَهُمْ، كَما نُهُوا عَنْ مُجالَسَةِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ أيْ: في الوِزْرِ إذا مَكَثْتُمْ مَعَهُمْ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ التَمْثِيلَ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَإنَّ خَوْضَ المُنافِقِينَ فِيهِ كُفْرٌ، ومُكْثُ هَؤُلاءِ مَعَهم مَعْصِيَةٌ. ﴿إنَّ اللهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ لِاجْتِماعِهِمْ في الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ.

النساء 4:141

﴿الَّذِينَ﴾ بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ" أوْ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَمِّ مِنهم ﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ يَنْتَظِرُونَ بِكم ما يَتَجَدَّدُ لَكم مِن ظَفَرٍ، أوْ إخْفاقٍ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللهِ﴾ نُصْرَةٌ، وغَنِيمَةٌ ﴿قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ مُظاهِرِينَ، فَأشْرِكُونا في الغَنِيمَةِ ﴿وَإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ سَمّى ظَفَرَ المُسْلِمِينَ فَتْحًا، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ، لِأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ تُفْتَحُ لَهُ أبْوابُ السَماءِ، وظَفَرَ (p-٤٠٧)الكافِرِينَ نَصِيبًا تَخْسِيسًا لِحَظِّهِمْ، لِأنَّهُ لُمْظَةٌ مِنَ الدُنْيا يُصِيبُونَها ﴿قالُوا﴾ لِلْكُفّارِ ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألَمْ نَغْلِبْكُمْ، ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكُمْ، فَأبْقَيْنا عَلَيْكُمْ، والِاسْتِحْواذُ: الِاسْتِيلاءُ، والغَلَبَةُ. ﴿وَنَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِأنْ ثَبَّطْناهم عَنْكُمْ، وخَيَّلْنا لَهم ما ضَعُفَتْ قُلُوبُهم بِهِ، ومَرِضُوا عَنْ قِتالِكُمْ، وتَوانَيْنا في مُظاهَرَتِهِمْ عَلَيْكُمْ، فَهاتُوا نَصِيبًا لَنا مِمّا أصَبْتُمْ ﴿فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ والمُنافِقُونَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَيُدْخِلُ المُنافِقِينَ النارَ، والمُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ أيْ: في القِيامَةِ، بِدَلِيلِ أوَّلِ الآيَةِ، كَذا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أوْ حُجَّةً، كَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما.

النساء 4:142

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ مِن إظْهارِ الإيمانِ، وإبْطالِ الكُفْرِ. والمُنافِقُ: مَن أظْهَرَ الإيمانَ، وأبْطَنَ الكُفْرَ، أوْ أوْلِياءَ اللهِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. فَأضافَ خِداعَهم إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهم ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ وهو فاعِلٌ بِهِمْ ما يَفْعَلُ المُغالِبُ في الخِداعِ، حَيْثُ تَرَكَهم مَعْصُومِي الدِماءِ والأمْوالِ في الدُنْيا، وأعَدَّ لَهُمُ الدَرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النارِ في العُقْبى. والخادِعُ: اسْمُ فاعِلٍ مَن خادَعْتُهُ فَخَدَعْتُهُ إذا غَلَبْتَهُ، وكُنْتَ أخْدَعَ مِنهُ. وقِيلَ: يَجْزِيهِمْ جَزاءَ خِداعِهِمْ ﴿وَإذا قامُوا إلى الصَلاةِ قامُوا كُسالى﴾ مُتَثاقِلِينَ كَراهَةً. أمّا الغَفْلَةُ فَقَدْ يُبْتَلى بِها المُؤْمِنُ. وهو جَمْعُ كَسْلانَ، كَسُكارى في سَكْرانَ ﴿يُراءُونَ الناسَ﴾ حالٌ، أيْ: يَقْصِدُونَ بِصَلاتِهِمُ الرِياءَ، والسُمْعَةَ. والمُراءاةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ الرُؤْيَةِ، لِأنَّ المُرائِي يُرِيهِمْ عَمَلَهُ، وهم يَرَوْنَهُ اسْتِحْسانًا ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إلا قَلِيلا﴾ ولا يُصَلُّونَ إلّا قَلِيلًا، لِأنَّهم لا يُصَلُّونَ قَطُّ غائِبِينَ (p-٤٠٨)عَنْ عُيُونِ الناسِ، أوْ لا يَذْكُرُونَ اللهَ بِالتَسْبِيحِ، والتَهْلِيلِ إلّا ذِكْرًا قَلِيلًا نادِرًا. قالَ الحَسَنُ: لَوْ كانَ ذَلِكَ القَلِيلُ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ كَثِيرًا.

النساء 4:143

﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ نَصْبٌ عَلى الذَمِّ، أيْ: مُرَدَّدِينَ، يَعْنِي: ذَبْذَبَهُمُ الشَيْطانُ والهَوى بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ، فَهم مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَهُما، مُتَحَيِّرُونَ، وحَقِيقَةُ المُذَبْذَبِ: الَّذِي يَذُبُّ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ، أيْ: يَدْفَعُ فَلا يَقَرُّ في جانِبٍ واحِدٍ إلّا أنَّ الذَبْذَبَةَ فِيها تَكْرِيرٌ لَيْسَ في الذَبِّ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ ﴿لا إلى هَؤُلاءِ﴾ لا مَنسُوبَيْنِ إلى هَؤُلاءِ، فَيَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿وَلا إلى هَؤُلاءِ﴾ ولا مَنسُوبِينَ إلى هَؤُلاءِ، فَيُسَمَّوْا مُشْرِكِينَ ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا إلى الهُدى.

النساء 4:144

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً بَيِّنَةً في تَعْذِيبِكم.

النساء 4:145

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ﴾ أيْ: في الطَبَقِ الَّذِي في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها مُتَدارِكَةٌ، مُتَتابِعَةٌ، بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وإنَّما كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِنَ الكافِرِ، لِأنَّهُ أمِنَ السَيْفَ في الدُنْيا فاسْتَحَقَّ الدَرْكَ الأسْفَلَ في العُقْبى تَعْدِيلًا، ولِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضُمَّ إلى كَفْرِهِ الِاسْتِهْزاءُ بِالإسْلامِ وأهْلِهِ، و(الدَرْكُ) -بِسُكُونِ الراءِ- كُوفِيٌّ، غَيْرَ الأعْشى. وبِفَتْحِ الراءِ: غَيْرُهُمْ، وهُما لُغَتانِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ الِاخْتِيارَ فَتْحُ الراءِ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ يَمْنَعُهم مِنَ العَذابِ. (p-٤٠٩)

النساء 4:146

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ مِنَ النِفاقِ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَمِيرِ المَجْرُورِ في ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ ﴿وَأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا مِن أسْرارِهِمْ، وأحْوالِهِمْ في حالِ النِفاقِ. ﴿واعْتَصَمُوا بِاللهِ﴾ ووَثِقُوا بِهِ كَما يَثِقُ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ ﴿وَأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ لا يَبْتَغُونَ بِطاعَتِهِمْ إلّا وجْهَهُ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَهم أصْحابُ المُؤْمِنِينَ، ورِفاقُهم في الدارَيْنِ ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ فَيُشارِكُونَهم فِيهِ، وحُذِفَتِ الياءُ في الخَطِّ هُنا اتِّباعًا لِلَّفْظِ.

النساء 4:147

ثُمَّ اسْتَفْهَمَ مُقَرِّرًا أنَّهُ لا يُعَذِّبُ المُؤْمِنَ الشاكِرَ، فَقالَ: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ لِلَّهِ ﴿وَآمَنتُمْ﴾ بِهِ، فَـ "ما" مَنصُوبَةٌ بِـ "يَفْعَلُ" أيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ بِعَذابِكُمْ، فالإيمانُ: مَعْرِفَةُ المُنْعِمِ، والشُكْرُ: الِاعْتِرافُ بِالنِعْمَةِ، والكَفْرُ بِالمُنْعِمِ والنِعْمَةِ عِنادٌ، فَلِذا اسْتَحَقَّ الكافِرُ العَذابَ، وقَدَّمَ الشُكْرَ عَلى الإيمانِ، لِأنَّ العاقِلَ يَنْظُرُ إلى ما عَلَيْهِ مِنَ النِعْمَةِ العَظِيمَةِ في خَلْقِهِ وتَعْرِيضِهِ لِلْمَنافِعِ، فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا، فَإذا انْتَهى بِهِ النَظَرُ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ آمَنَ بِهِ، ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا، فَكانَ الشُكْرُ مُتَقَدِّمًا عَلى الإيمانِ ﴿وَكانَ اللهُ شاكِرًا﴾ يَجْزِيكم عَلى شُكْرِكُمْ، أوْ يَقْبَلُ اليَسِيرَ مِنَ العَمَلِ، ويُعْطِي الجَزِيلَ مِنَ الثَوابِ ﴿عَلِيمًا﴾ عالِمًا بِما تَصْنَعُونَ.

النساء 4:148

﴿لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ ولا غَيْرَ الجَهْرِ، ولَكِنَّ الجَهْرَ أفْحَشُ ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ، اسْتَثْنى مِنَ الجَهْرِ الَّذِي لا يُحِبُّهُ اللهُ جَهْرَ المَظْلُومِ، وهو أنْ يَدْعُوَ عَلى الظالِمِ، ويُذَكِّرَهُ بِما فِيهِ مِنَ السُوءِ. وقِيلَ: ﴿الجَهْرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ هو الشَتْمُ ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ فَإنَّهُ إنْ رَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهُ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعًا﴾ لِشَكْوى المَظْلُومِ ﴿عَلِيمًا﴾ بِظُلْمِ الظالِمِ. (p-٤١٠)

النساء 4:149

ثُمَّ حَثَّ عَلى العَفْوِ، وألّا يَجْهَرَ أحَدٌ لِأحَدٍ بِسُوءٍ وإنْ كانَ عَلى وجْهِ الِانْتِصارِ بَعْدَ ما أطْلَقَ الجَهْرَ بِهِ، حَثًّا عَلى الأفْضَلِ. وذَكَرَ إبْداءَ الخَيْرِ وإخْفاءَهُ تَسْبِيبًا لِلْعَفْوِ، فَقالَ: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ مَكانَ جَهْرَ السُوءِ ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ فَتَعْمَلُوهُ سِرًّا، ثُمَّ عَطَفَ العَفْوَ عَلَيْهِما فَقالَ، ﴿أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ أيْ: تَمْحُوهُ عَنْ قُلُوبِكُمْ، والدَلِيلُ عَلى أنَّ العَفْوَ هو المَقْصُودُ بِذِكْرِ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أيْ: إنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَفُوًّا عَنِ الآثامِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم أنْ تَقْتَدُوا بِسُنَّتِهِ.

النساء 4:150

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ كاليَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَلامُ، والإنْجِيلِ، والقُرْآنِ. وكالنَصارى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ. ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ أيْ: دِينًا وسَطًا بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما.

النساء 4:151

﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ هُمُ الكامِلُونَ في الكُفْرِ، لِأنَّ الكُفْرَ بِواحِدٍ كَفْرٌ بِالكُلِّ ﴿حَقًّا﴾ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، كَقَوْلِكَ: هَذا عَبْدُ اللهِ حَقًّا، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، وهو كَوْنُهم كامِلِينَ في الكُفْرِ، أوْ هو صِفَةٌ لِمَصْدَرِ الكافِرِينَ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا كُفْرًا حَقًّا، ثابِتًا، يَقِينًا، لا شَكَّ فِيهِ ﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ في الآخِرَةِ.

النساء 4:152

﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ وإنَّما جازَ دُخُولُ "بَيْنَ" عَلى أحَدٍ، لِأنَّهُ عامٌّ في الواحِدِ، المُذَكَّرِ، والمُؤَنَّثِ، وتَثْنِيَتِهِما، (p-٤١١)وَجَمْعِهِما (أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ) وبِالياءِ حَفْصٌ، ﴿أُجُورَهُمْ﴾ أيِ: الثَوابَ المَوْعُودَ لَهم ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا﴾ يَسْتُرُ السَيِّئاتِ ﴿رَحِيمًا﴾ يَقْبَلُ الحَسَناتِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في تَخْلِيدِ المُرْتَكِبِ الكَبِيرَةَ، لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّ مَن آمَنَ بِاللهِ ورُسُلِهِ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم يُؤْتِيهِ أجْرَهُ، ومُرْتَكِبُ الكَبِيرَةِ مِمَّنْ آمَنَ بِاللهِ ورُسُلِهِ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ الوَعْدِ، وعَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن لا يَقُولُ بِقِدَمِ صِفاتِ الفِعْلِ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَحْمَةِ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وهم يَقُولُونَ: ما كانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا في الأزَلِ، ثُمَّ صارَ غَفُورًا رَحِيمًا.

النساء 4:153

وَلَمّا قالَ فُنْحاصٌ وأصْحابُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا فَأْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَماءِ جُمْلَةً، كَما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، نَزَلَ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ﴾ وبِالتَخْفِيفِ، مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. ﴿كِتابًا مِنَ السَماءِ﴾ أيْ: جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَوْراةُ جُمْلَةً، وإنَّما اقْتَرَحُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَعَنُّتِ، وقالَ الحَسَنُ: ولَوْ سَألُوهُ مُسْتَرْشِدِينَ لَأعْطاهُمْ، لِأنَّ إنْزالَ القُرْآنِ جُمْلَةً مُمْكِنٌ. ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ هَذا جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، مَعْناهُ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ، وإنَّما أسْنَدَ السُؤالَ إلَيْهِمْ، وقَدْ وُجِدَ مِن آبائِهِمْ في أيّامِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهُمُ النُقَباءُ السَبْعُونَ، لِأنَّهم كانُوا عَلى مَذْهَبِهِمْ، وراضِينَ بِسُؤالِهِمْ ﴿فَقالُوا أرِنا اللهَ جَهْرَةً﴾ عِيانًا، أيْ: أرِنا نَرَهُ جَهْرَةً. ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ﴾ العَذابُ الهائِلُ، أوِ النارُ المُحْرِقَةُ ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ عَلى أنْفُسِهِمْ بِسُؤالِ شَيْءٍ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أوْ بِالتَحَكُّمِ عَلى نَبِيِّهِمْ في الآياتِ، وتَعَنُّتِهِمْ في سُؤْلِ الرُؤْيَةِ، لا بِسُؤالِ الرُؤْيَةِ، لِأنَّها مُمْكِنَةٌ كَما نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً، (p-٤١٢)وَلَوْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ سُؤالِ الرُؤْيَةِ لَكانَ مُوسى بِذَلِكَ أحَقَّ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ وما أخَذَتْهُ الصاعِقَةُ، بَلْ أطْمَعَهُ وقَيَّدَهُ بِالمُمْكِنِ، ولا يُعَلَّقُ بِالمُمْكِنِ إلّا ما هو مُمْكِنُ الثُبُوتِ، ثُمَّ أحْياهُمْ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلَهًا ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ التَوْراةُ، والمُعْجِزاتُ التِسْعُ ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾ تَفَضُّلًا، ولَمْ نَسْتَأْصِلْهم ﴿وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً ظاهِرَةً عَلى مَن خالَفَهُ.

النساء 4:154

﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ لِيَخافُوا، فَلا يَنْقُضُوهُ ﴿وَقُلْنا لَهُمُ﴾ والطُورُ مُظِلٌّ عَلَيْهِمْ ﴿ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ أيِ: ادْخُلُوا بابَ إيلِياءَ مُطَأْطِئِينَ عِنْدَ الدُخُولِ رءوسكم ﴿وَقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا﴾ لا تُجاوِزُوا الحَدَّ (تَعَدَّوْا) ورْشٌ، (تَعْدُّوا) بِإسْكانِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدالِ: مَدَّنِيٌّ غَيْرَ ورْشٍ. وهُما مُدْغَمًا (تَعْتَدُوا) وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ، إلّا أنَّهُ أدْغَمَ التاءَ في الدالِ، وأبْقى العَيْنَ ساكِنَةً في رِوايَةٍ، وفي رِوايَةٍ نَقَلَ فَتْحَ التاءِ إلى العَيْنِ ﴿فِي السَبْتِ﴾ بِأخْذِ السَمَكِ ﴿وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عَهْدًا مُؤَكَّدًا.

النساء 4:155

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ أيْ: فَبِنَقْضِهِمْ، و"ما" مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والباءُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ بِنَقْضِهِمْ ﴿مِيثاقَهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ ومَعْنى التَوْكِيدِ: تَحْقِيقُ أنَّ تَحْرِيمَ الطَيِّباتِ لَمْ يَكُنْ إلّا بِنَقْضِ العَهْدِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وقَتْلِ الأنْبِياءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ﴾ أيْ: مُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ﴿وَقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ﴾ كَزَكَرِيّا، ويَحْيى، وغَيْرِهِما. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بِغَيْرِ سَبَبٍ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ القَتْلَ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ جَمْعُ أغْلَفَ، أيْ: مَحْجُوبَةٌ لا يَتَوَصَّلُ إلَيْها شَيْءٌ مِنَ الذِكْرِ، والوَعْظِ ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ (p-٤١٣)عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ هو رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وأصْحابِهِ.

النساء 4:156

﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ أوْ عَلى ما يَلِيهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ ولَمّا تَكَرَّرَ مِنهُمُ الكُفْرَ، لِأنَّهم كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَطَفَ بَعْضَ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ هو النِسْبَةُ إلى الزِنا.

النساء 4:157

﴿وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ سُمِّي مَسِيحًا، لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ مَسَحَهُ بِالبَرَكَةِ، فَهو مَمْسُوحٌ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ المَرِيضَ، والأكَمَهَ، والأبْرَصَ فَيَبْرَأُ، فَسُمِّيَ مَسِيحًا بِمَعْنى الماسِحِ ﴿عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ هم لَمْ يَعْتَقِدُوهُ رَسُولَ اللهِ، لَكِنَّهم قالُوا اسْتِهْزاءً كَقَوْلِ الكُفّارِ لِرَسُولِنا: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ويُحْتَمَلُ أنَّ اللهَ وصَفَهُ بِهِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ ﴿وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ رُوِيَ أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَبُّوهُ، وسَبُّوا أُمَّهُ، فَدَعا عَلَيْهِمِ: اللهُمَّ أنْتَ رَبِّي، وبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، اللهُمَّ العَنْ مَن سَبَّنِي وسَبَّ والِدَتِي. فَمَسَخَ اللهُ مَن سَبُّهُما قِرَدَةً وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ، فَأخْبَرَهُ اللهُ بِأنَّهُ يَرْفَعُهُ إلى السَماءِ، ويُطَهِّرُهُ مِن صُحْبَةِ اليَهُودِ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يَرْضى أنْ يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ، ويُصْلَبَ، ويُدْخَلَ الجَنَّةَ؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: أنا، فَألْقى اللهُ عَلَيْهِ شَبَهَهُ، فَقُتِلَ، وصُلِبَ. وقِيلَ: كانَ رَجُلٌ يُنافِقُ عِيسى، فَلَمّا أرادُوا قَتْلَهُ قالَ: أنا أدُلُّكم عَلَيْهِ، فَدَخَلَ بَيْتَ عِيسى، ورُفِعَ عِيسى، وألْقى اللهُ شَبَهَهُ عَلى المُنافِقِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَتَلُوهُ، وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ عِيسى، وجازَ هَذا عَلى قَوْمٍ مُتَعَنِّتِينَ حُكْمَ اللهِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ. و"شُبِّهَ" مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ وهو "لَهُمْ" كَقَوْلِكَ: خُيِّلَ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ وقَعَ (p-٤١٤)لَهُمُ التَشْبِيهُ. أوْ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ لِدَلالَةِ: ﴿إنّا قَتَلْنا﴾ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ مَن قَتَلُوهُ ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ في عِيسى، يَعْنِي: اليَهُودَ، قالُوا: إنَّ الوَجْهَ وجْهُ عِيسى، والبَدَنَ بَدَنُ صاحِبِنا، أوِ اخْتَلَفَ النَصارى قالُوا: إلَهٌ، وابْنُ إلَهٍ، وثالِثُ ثَلاثَةٍ. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ اتِّباعَ الظَنِّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العِلْمِ، يَعْنِي: ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَنَّ، وإنَّما وُصِفُوا بِالشَكِّ، وهو ألّا يَتَرَجَّحَ أحَدُ الجانِبَيْنِ، ثُمَّ وُصِفُوا بِالظَنِّ، وهو أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُهُما، لِأنَّ المُرادَ: أنَّهم شاكُّونَ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ، ولَكِنْ إنْ لاحَتْ لَهم أمارَةٌ، فَظَنُّوا فَذاكَ. وقِيلَ: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: في قَتْلِهِ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: مِن قَتْلِهِ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنْ كانَ هَذا عِيسى، فَأيْنَ صاحِبُنا؟ وإنْ كانَ هَذا صاحِبُنا، فَأيْنَ عِيسى؟ ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أيْ: قَتْلًا يَقِينًا، أوْ ما قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ، أوْ ما قَتَلُوهُ حَقًّا، فَيُجْعَلُ يَقِينًا تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَما قَتَلُوهُ﴾ أيْ: حَقَّ انْتِفاءُ قَتْلِهِ حَقًّا.

النساء 4:158

﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ﴾ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ فِيهِ لِغَيْرِ اللهِ، أوْ إلى السَماءِ ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزًا﴾ في انْتِقامِهِ مِنَ اليَهُودِ ﴿حَكِيمًا﴾ فِيما دَبَّرَ مِن رَفْعِهِ إلَيْهِ.

النساء 4:159

﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ "لِيُؤْمِنَنَّ بِهِ" جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أحَدٌ ﴿إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ ونَحْوُهُ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافّاتُ: ١٦٤]. والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ والنَصارى أحَدٌ إلّا لِيُؤْمِنَنَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وبِأنَّهُ عَبْدُ اللهِ ورَسُولِهِ، يَعْنِي: إذا عايَنَ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَكْلِيفِ، أوِ الضَمِيرانِ لِعِيسى، يَعْنِي: وإنْ مِنهم أحَدٌ إلّا لِيُؤْمِنَنَّ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِ عِيسى، وهم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في زَمانِ نُزُولِهِ. رُوِيَ أنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ في آخِرِ الزَمانِ، فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ، حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً، وهي مِلَّةُ (p-٤١٥)الإسْلامِ، أوِ الضَمِيرُ في "بِهِ" يَرْجِعُ إلى اللهِ، أوْ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والثانِي: إلى الكِتابِ. ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ، وعَلى النَصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللهِ.

النساء 4:160

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وهي ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنْعامُ: ١٤٦] الآيَةُ. والمَعْنى: ما حَرَّمْنا عَلَيْهِمُ الطَيِّباتِ إلّا لِظُلْمٍ عَظِيمٍ ارْتَكَبُوهُ وهو ما عَدَّدَ قَبْلَ هَذا ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ ويَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ ﴿كَثِيرًا﴾ أيْ: خَلْقًا كَثِيرًا، أوْ صَدًّا كَثِيرًا.

النساء 4:161

﴿وَأخْذِهِمُ الرِبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ كانَ الرِبا مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ، كَما حُرِّمَ عَلَيْنا، وكانُوا يَتَعاطَوْنَهُ. ﴿وَأكْلِهِمْ أمْوالَ الناسِ بِالباطِلِ﴾ بِالرِشْوَةِ، وسائِرِ الوُجُوهِ المُحَرَّمَةِ ﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهُمْ﴾ دُونَ مَن آمَنَ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ في الآخِرَةِ.

النساء 4:162

﴿لَكِنِ الراسِخُونَ في العِلْمِ﴾ أيِ: الثابِتُونَ فِيهِ، المُتَّقُونَ، كابْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ. وارْتَفَعَ الراسِخُونَ عَلى الِابْتِداءِ ﴿مِنهُمْ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ أيِ: المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وارْتَفَعَ الراسِخُونَ عَلى الِابْتِداءِ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ خَبَرُهُ ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ أيِ: القُرْآنِ ﴿وَما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ: سائِرِ الكُتُبِ ﴿والمُقِيمِينَ الصَلاةَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ لِبَيانِ فَضْلِ الصَلاةِ،ِ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ (والمُقِيمُونَ) وهي قِراءَةُ مالِكِ بْنِ دِينارٍ، وغَيْرِهِ ﴿والمُؤْتُونَ الزَكاةَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، والخَبَرُ ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وبِالياءِ: حَمْزَةُ. (p-٤١٦)

النساء 4:163

﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ سُؤالِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَماءِ، واحْتِجاجِهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ شَأْنَهُ في الوَحْيِ إلَيْهِ كَشَأْنِ سائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ سَلَفُوا ﴿كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ كَـ: هُودٍ، وصالِحٍ، وشُعَيْبٍ، وغَيْرِهِمْ. ﴿وَأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ أيْ: أوْلادِ يَعْقُوبَ ﴿وَعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ (زُبُورًا) حَمْزَةُ. مَصْدَرٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، سُمِّيَ بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ.

النساء 4:164

﴿وَرُسُلا﴾ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ في مَعْنى ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وهو أرْسَلْنا، ونَبَّأْنا ﴿قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ هَذِهِ السُورَةِ ﴿وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ «سَألَ أبُو ذَرٍّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الأنْبِياءِ؟ قالَ: "مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا". قالَ: كَمِ الرُسُلُ مِنهُمْ؟ قالَ: "ثَلَثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، أوَّلُ الرُسُلِ آدَمُ، وآخِرُهم نَبِيُّكم مُحَمَّدٌ ﷺ" وأرْبَعَةٌ مِنَ العَرَبِ: هُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ومُحَمَّدٌ ﷺ". » والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ الرُسُلِ بِأعْيانِهِمْ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الإيمانِ، بَلْ مِن شَرْطِهِ أنْ يُؤْمِنَ بِهِمْ جَمِيعًا، إذْ لَوْ كانَ مَعْرِفَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم شَرْطًا لَقَصَّ عَلَيْنا كُلَّ ذَلِكَ ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ أيْ: بِلا واسِطَةٍ.

النساء 4:165

﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ الأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ، أيْ: أعْنِي رُسُلًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا، أيْ: وأرْسَلْنا رُسُلًا، واللامُ فِي: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ﴾ يَتَعَلَّقُ (p-٤١٧)بِمُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، والمَعْنى: أنَّ إرْسالَهم إزاحَةٌ لِلْعِلَّةِ، وتَتْمِيمٌ لِإلْزامِهِمُ الحُجَّةَ، لِئَلّا يَقُولُوا: لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، فَيُوقِظَنا مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، ويُنَبِّهَنا بِما وجَبَ الِانْتِباهُ لَهُ، ويُعَلِّمَنا ما سَبِيلُ مَعْرِفَتِهِ السَمْعُ كالعِباداتِ، والشَرائِعِ، أعْنِي:فِي حَقِّ مَقادِيرِها، وأوْقاتِها، وكَيْفِيّاتِها، دُونَ أُصُولِها، فَإنَّها مِمّا يُعْرَفُ بِالفِعْلِ ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزًا﴾ في العِقابِ عَلى الإنْكارِ ﴿حَكِيمًا﴾ في بَعْثِ الرُسُلِ لِلْإنْذارِ.

النساء 4:166

وَلَمّا نَزَلَ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ بِهَذا، فَنَزَلَ: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أنْـزَلَ إلَيْكَ﴾ ومَعْنى شَهادَةِ اللهِ بِما أنْزَلَ إلَيْهِ: إثْباتُهُ لِصِحَّتِهِ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ، كَما يُثْبِتُ الدَعاوى بِالبَيِّناتِ، إذِ الحَكِيمُ لا يُؤَيِّدُ الكاذِبَ بِالمُعْجِزَةِ ﴿أنْـزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أيْ: أنْزَلَهُ وهو عالِمٌ بِأنَّكَ أهْلٌ لِإنْزالِهِ إلَيْكَ، وأنَّكَ مُبَلِّغُهُ، أوْ أنْزَلَهُ بِما عَلِمَ مِن مَصالِحِ العِبادِ. وفِيهِ نَفْيُ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في إنْكارِ الصِفاتِ، فَإنَّهُ أثْبَتَ لِنَفْسِهِ العِلْمَ. ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ لَكَ بِالنُبُوَّةِ ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ شاهِدًا، وإنْ لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُ.

النساء 4:167

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهُمُ: اليَهُودُ. ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ ومَنَعُوا الناسَ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ بِقَوْلِهِمْ لِلْعَرَبِ: إنّا لا نَجِدُ في كِتابِنا. ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ عَنِ الرُشْدِ.

النساء 4:168

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِاللهِ ﴿وَظَلَمُوا﴾ مُحَمَّدًا ﷺ بِتَغْيِيرِ نَعْتِهِ، وإنْكارِ نُبُوَّتِهِ. ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ما دامُوا عَلى الكُفْرِ.

النساء 4:169

﴿وَلا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾ وكانَ تَخْلِيدُهم في جَهَنَّمَ سَهْلًا عَلَيْهِ. والتَقْدِيرُ: يُعاقِبُهم ﴿خالِدِينَ﴾ (p-٤١٨)فَهُوَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، والآيَتانِ في قَوْمٍ عَلِمَ اللهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ويَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ.

النساء 4:170

﴿يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: بِالإسْلامِ، أوْ هو حالٌ، أيْ: مُحِقًّا. ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ وكَذَلِكَ ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النِساءُ: ١٧١] انْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا بَعَثَهم عَلى الإيمانِ، وعَلى الِانْتِهاءِ عَنِ التَثْلِيثِ عَلِمَ أنَّهُ يَحْمِلُهم عَلى أمْرٍ، فَقالَ: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ أيِ: اقْصِدُوا، وائْتُوا أمْرًا خَيْرًا لَكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَثْلِيثِ، وهُوَ: الإيمانُ بِهِ والتَوْحِيدُ ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ﴾ فَلا يَضُرُّهُ كُفْرُكم ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ بِمَن يُؤْمِنُ، وبِمَن يَكْفُرُ ﴿حَكِيمًا﴾ يُسَوِّي بَيْنَها في الجَزاءِ.

النساء 4:171

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ لا تُجاوِزُوا الحَدَّ، فَغَلَتِ اليَهُودُ في حَطِّ المَسِيحِ عَنْ مَنزِلَتِهِ، حَتّى قالُوا: إنَّهُ ابْنُ الزِنا، وغَلَتِ النَصارى في رَفْعِهِ عَنْ مِقْدارِهِ حَيْثُ جَعَلُوهُ ابْنَ اللهِ ﴿وَلا تَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ﴾ وهو تَنْزِيهُهُ عَنِ الشَرِيكِ، والوَلَدِ ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا ابْنُ اللهِ ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وهو المَسِيحُ و"عِيسى" عَطْفُ بَيانٍ، أوْ بَدَلٌ ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى "رَسُولِ اللهِ"، وقِيلَ لَهُ: كَلِمَةٌ، لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِالكَلامِ ﴿ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ حالٌ، و"قَدْ" مَعَهُ مُرادَةٌ، أيْ: أوْصَلَها إلَيْها، وحَصَّلَها فِيها. ﴿وَرُوحٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ أيْضًا، وقِيلَ لَهُ: رُوحٌ، لِأنَّهُ كانَ يُحْيِي المَوْتى، كَما سَمّى القُرْآنَ رُوحًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشُورى: ٥٢] لِما أنَّهُ يُحْيِي القُلُوبَ "مِنهُ" أيْ: بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثِيَةُ: ١٣] وبِهِ أجابَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ واقَدٍ غُلامًا نَصْرانِيًّا كانَ لِلرَّشِيدِ في مَجْلِسِهِ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ (p-٤١٩)فِي كِتابِكم حُجَّةً عَلى أنَّ عِيسى مِنَ اللهِ ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ولا تَقُولُوا الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ ﴿انْتَهُوا﴾ عَنِ التَثْلِيثِ ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والتَصْرِيحُ مِنهم بِأنَّ اللهَ والمَسِيحَ ومَرْيَمَ ثَلاثَةُ آلِهَةٍ وأنَّ المَسِيحَ ولَدُ اللهِ مِن مَرْيَمَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ [المائِدَةُ: ١١٦] ﴿وَقالَتِ النَصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ [التَوْبَةُ: ٣٠] ﴿إنَّما اللهُ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿إلَهٌ﴾ خَبَرُهُ ﴿واحِدٌ﴾ تَوْكِيدٌ ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ بَيانٌ لِتَنَزُّهِهِ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ بِمَعْنى أنَّ كُلَّ ما فِيهِما خَلْقُهُ ومُلْكُهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ بَعْضُ مُلْكِهِ جُزْءًا مِنهُ؟! إذِ النُبُوَّةُ والمُلْكُ لا يَجْتَمِعانِ عَلى أنَّ الجُزْءَ إنَّما يَصِحُّ في الأجْسامِ، وهو يَتَعالى عَنْ أنْ يَكُونَ جِسْمًا ﴿وَكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ حافِظًا، ومُدَبِّرًا لَهُما، ولِما فِيهِما، ومَن عَجَزَ عَنْ كِفايَةِ أمْرٍ يَحْتاجُ إلى ولَدٍ يُعِينُهُ.

النساء 4:172

وَلَمّا «قالَ وفْدُ نَجْرانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: لِمَ تَعِيبُ صاحِبَنا عِيسى؟ قالَ: "وَأيُّ شَيْءٍ أقُولُ؟" قالُوا: تَقُولُ: إنَّهُ عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ. قالَ: "إنَّهُ لَيْسَ بِعارٍ أنْ يَكُونَ عَبْدَ اللهِ". قالُوا: بَلى، » نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾ أيْ: لَنْ يَأْنَفَ ﴿أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ هو رَدٌّ عَلى النَصارى ﴿وَلا المَلائِكَةُ﴾ رَدٌّ عَلى مَن يَعْبُدُهم مِنَ العَرَبِ، وهو عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ ﴿المُقَرَّبُونَ﴾ أيِ: الكُرُوبِيُّونَ الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ، كَجِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ومَن في طَبَقَتِهِمْ. والمَعْنى: ﴿وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ أنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلَّهِ، فَحُذِفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ ﴿عَبْدًا لِلَّهِ﴾ عَلَيْهِ إيجازًا. وتَشَبَّثَتِ المُعْتَزِلَةُ والقائِلُونَ بِتَفْضِيلِ المَلَكِ عَلى البَشَرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: الِارْتِقاءُ إنَّما يَكُونُ (p-٤٢٠)إلى الأعْلى، يُقالُ: فُلانٌ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ خِدْمَتِي، ولا أبُوهُ، ولَوْ قالَ: ولا عَبْدُهُ لَمْ يُحْسِنْ، وكانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ ولا مَن هو أعْلى مِنهُ قَدْرًا، وأعْظَمُ مِنهُ خَطَرًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: تَخْصِيصُ المُقَرَّبِينَ. والجَوابُ: إنّا نُسَلِّمُ تَفْضِيلَ الثانِي عَلى الأوَّلِ، لَكِنَّ هَذا لا يَمَسُّ ما تَنازَعْنا فِيهِ، لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ بِأجْمَعِهِمْ أفْضَلُ مِن عِيسى، ونَحْنُ نُسَلِّمُ بِأنَّ جَمِيعَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ أفْضَلُ مِن رَسُولٍ واحِدٍ مِنَ البَشَرِ. إلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ السُنَّةِ، ولِأنَّ المُرادَ: أنَّ المَلائِكَةَ مَعَ ما لَهم مِنَ القُدْرَةِ الفائِقَةِ قَدْرَ البَشَرِ والعُلُومِ اللَوْحِيَّةِ، وتَجَرُّدِهِمْ عَنِ التَوَلُّدِ الِازْدِواجِيِّ رَأْسًا لا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ، فَكَيْفَ بِمَن يَتَوَلَّدُ مِن آخَرَ، ولا يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُونَ، ولا يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ؟! وهَذا لِأنَّ شِدَّةَ البَطْشِ، وسَعَةَ العُلُومِ، وغَرابَةَ التَكَوُّنِ هي الَّتِي تُورِثُ الحَمْقى -أمْثالَ النَصارى- وهُمُ التَرَفُّعُ عَنِ العُبُودِيَّةِ، حَيْثُ رَأوُا المَسِيحَ وُلِدَ مِن غَيْرِ أبٍ، وهو يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُحْيِي المَوْتى، ويُنْبِئُ بِما يَأْكُلُونَ، ويَدَّخِرُونَ في بُيُوتِهِمْ فَبَرَّؤُوهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ، فَقِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ الأوْصافُ في المَلائِكَةِ أتَمُّ مِنها في المَسِيحِ، ومَعَ هَذا لَمْ يَسْتَنْكِفُوا عَنِ العُبُودِيَّةِ، فَكَيْفَ المَسِيحُ؟! والحاصِلُ أنَّ خَواصَّ البَشَرِ -وَهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ- أفْضَلُ مِن خَواصِّ المَلائِكَةِ -وَهُمُ الرُسُلُ- مِنهُمْ: كَجِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وعِزْرائِيلَ، ونَحْوِهِمْ. وخَواصُّ المَلائِكَةِ أفْضَلُ مِن عَوامِّ المُؤْمِنِينَ مِنَ البَشَرِ، وعَوامِّ المُؤْمِنِينَ مِنَ البَشَرِ أفْضَلُ مِن عَوامِّ المَلائِكَةِ. ودَلِيلُنا عَلى تَفْضِيلِ البَشَرِ عَلى المَلِكِ ابْتِداءً: أنَّهم قَهَرُوا نَوازِعَ الهَوى في ذاتِ اللهِ تَعالى، مَعَ أنَّهم جُبِلُوا عَلَيْها، فَضاهَتِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَلامُ في العِصْمَةِ، وتُفِضِّلُوا عَلِيهِمْ في قَهْرِ البَواعِثِ النَفْسانِيَّةِ، والدَواعِي الجَسَدانِيَّةِ، فَكانَتْ طاعَتُهم أشُقَّ، لِكَوْنِها مَعَ الصَوارِفِ بِخِلافِ طاعَةِ المَلائِكَةِ، لِأنَّهم جُبِلُوا عَلَيْها، فَكانَتْ أزْيَدَ ثَوابًا بِالحَدِيثِ ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ﴾ بِتَرَفُّعٍ، ويَطْلُبُ الكِبْرِياءَ ﴿فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى اسْتِنْكافِهِمْ. واسْتِكْبارُهم ثُمَّ فَصَّلَ، فَقالَ: (p-٤٢١)

النساء 4:173

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ فَإنْ قُلْتَ: التَفْصِيلُ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْمُفَصَّلِ، لِأنَّ التَفْصِيلَ اشْتَمَلَ عَلى الفَرِيقَيْنِ، والمُفَصَّلُ عَلى فَرِيقٍ واحِدٍ، قُلْتُ: هو مِثْلَ قَوْلِكَ: جَمَعَ الإمامُ الخَوارِجَ، فَمَن لَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِ كَساهُ وحَمَلَهُ، ومَن خَرَجَ عَلَيْهِ نَكَّلَ بِهِ. وصِحَّةٌ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ ذِكْرَ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ لِدَلالَةِ التَفْصِيلِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ ذِكْرَ أحَدِهِما يَدُلُّ عَلى ذِكْرِ الثانِي، كَما حَذَفَ أحَدَهُما في التَفْصِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ والثانِي: أنَّ الإحْسانَ إلى غَيْرِهِمْ مِمّا يَغُمُّهُمْ، فَكانَ داخِلًا في جُمْلَةِ التَنْكِيلِ بِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ، ويَسْتَكْبِرْ فَسَيُعَذَّبُ بِالحَسْرَةِ إذا رَأى أُجُورَ العامِلِينَ، وبِما يُصِيبُهُ مِن عَذابِ اللهِ.

النساء 4:174

﴿يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: رَسُولُهُ يَبْهَرُ المُنْكِرَ بِالإعْجازِ ﴿وَأنْـزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ قُرْآنًا يُسْتَضاءُ بِهِ في ظُلُماتِ الحَيْرَةِ.

النساء 4:175

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ بِاللهِ، أوْ بِالقُرْآنِ ﴿فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ﴾ أيْ: جَنَّةٍ ﴿وَفَضْلٍ﴾ زِيادَةِ النِعْمَةِ ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾ ويُرْشِدُهم ﴿إلَيْهِ﴾ إلى اللهِ، أوْ إلى الفَضْلِ، أوْ إلى صِراطِهِ ﴿صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فِـ "صِراطًا": حالٌ مِنَ المُضافِ المَحْذُوفِ.

النساء 4:176

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ «كانَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَرِيضًا، فَعادَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي كَلالَةٌ، فَكَيْفَ أصْنَعُ في مالِي؟ (p-٤٢٢)فَنَزَلَتْ »﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ ارْتَفَعَ امْرُؤٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ. ومَحَلُّ ﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ الرَفْعُ عَلى الصِفَةِ، أيْ: إنْ هَلَكَ امْرُؤٌ غَيْرُ ذِي ولَدٍ. والمُرادُ بِالوَلَدِ: الِابْنُ، وهو مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلى الذَكَرِ والأُنْثى، لِأنَّ الِابْنَ يُسْقِطُ الأُخْتَ، ولا تُسْقِطُها البِنْتُ. ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ أيْ: لِأبٍ وأُمٍّ، أوْ لِأبٍ ﴿فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ أيِ: المَيِّتُ ﴿وَهُوَ يَرِثُها﴾ أيِ: الأخُ يَرِثُ الأُخْتَ جَمِيعَ مالِها إنْ قُدِّرَ الأمْرُ عَلى العَكْسِ مِن مَوْتِها، وبَقائِهِ بَعْدَها ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾ أيِ: ابْنٌ، لِأنَّ الِابْنَ يُسْقِطُ الأخَ دُونَ البِنْتِ. فَإنْ قُلْتَ: الِابْنُ لا يُسْقِطُ الأخَ وحْدَهُ، فالأبُ نَظِيرُهُ في الإسْقاطِ، فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلى نَفْيِ الوَلَدِ؟ قُلْتُ: بَيَّنَ حُكْمَ انْتِفاءِ الوَلَدِ، ووَكَلَ حُكْمَ انْتِفاءِ الوَلَدِ إلى بَيانِ السُنَّةِ، وهو قَوْلُهُ ﷺ: « "ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها، فَما بَقِيَ فَلِأوْلى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ". » والأبُ أوْلى مِنَ الأخِ ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ﴾ أيْ: فَإنْ كانَتِ الأُخْتانِ اثْنَتَيْنِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ ﴿فَلَهُما الثُلُثانِ مِمّا تَرَكَ وإنْ كانُوا إخْوَةً﴾ أيْ: وإنْ كانَ مَن يَرِثُ بِالأُخُوَّةِ. والمُرادُ بِالأُخُوَّةِ: الإخْوَةُ والأخَواتُ، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الذُكُورَةِ ﴿رِجالا ونِساءً﴾ ذَكُورًا وإناثًا ﴿فَلِلذَّكَرِ﴾ مِنهم ﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ﴾ الحَقَّ، فَهو مَفْعُولُ ﴿يُبَيِّنُ﴾ ﴿أنْ تَضِلُّوا﴾ كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا. ﴿واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ الأشْياءَ بِكُنْهِها قَبْلَ كَوْنِها وبَعْدَهُ.

المائدة 5:1

(p-٤٢٣)سُورَةُ المائِدَةِ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ يُقالُ: وفى بِالعَهْدِ، وأوْفى بِهِ. والعَقْدُ: العَهْدُ المُوَثَّقُ. شُبِّهَ بِعَقْدِ الحَبْلِ ونَحْوِهِ، وهِيَ: عُقُودُ اللهِ الَّتِي عَقَدَها عَلى عِبادِهِ، وألْزَمَها إيّاهم مِن مَواجِبِ التَكْلِيفِ، أوْ ما عَقَدَ اللهُ عَلَيْكُمْ، وما تَعاقَدْتُمْ بَيْنَكُمْ، والظاهِرُ: أنَّها عُقُودُ اللهِ عَلَيْهِمْ في دِينِهِ مِن تَحْلِيلِ حَلالِهِ، وتَحْرِيمِ حَرامِهِ، وأنَّهُ كَلامٌ قُدِّمَ مُجْمَلًا، ثُمَّ عُقِّبَ بِالتَفْصِيلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ والبَهِيمَةُ: كُلُّ ذاتِ أرْبَعِ قَوائِمَ في البَرِّ والبَحْرِ، وإضافَتُها إلى الأنْعامِ لِلْبَيانِ، وهي بِمَعْنى "مِن"، كَخاتَمِ فِضَّةٍ، ومَعْناهُ: البَهِيمَةُ مِنَ الأنْعامِ، وهي الأزْواجُ الثَمانِيَةُ. وقِيلَ: بَهِيمَةُ الأنْعامِ: الظِباءُ، وبَقْرُ الوَحْشِ، ونَحْوُهُما. ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ آيَةُ تَحْرِيمِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ الآيَةُ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَكُمْ" أيْ: أُحِلَّتْ لَكم هَذِهِ الأشْياءُ، لا مَحِلِّينَ الصَيْدَ. ﴿وَأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حالٌ مِن مُحِلِّي الصَيْدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أحْلَلْنا لَكَ بَعْضَ الأنْعامِ في حالِ امْتِناعِكم مِنَ الصَيْدِ وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ، لِئَلّا يُضَيَّقُ عَلَيْكُمْ، والحَرَمُ: جَمْعُ حَرامٍ، وهو المُحْرِمُ. ﴿إنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ مِنَ الأحْكامِ، أوْ مِنَ التَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ. (p-٤٢٤)

المائدة 5:2

وَنَزَلَ نَهْيًا عَنْ تَحْلِيلِ ما حَرَّمَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وهي اسْمُ ما أُشْعِرَ، أيْ: جُعِلَ شِعارًا وعَلَمًا لِلنُّسُكِ بِهِ مِن مَواقِفِ الحَجِّ، ومَرامِي الجِمارِ، والمَطافِ، والمَسْعى، والأفْعالِ الَّتِي هي عَلاماتُ الحاجِّ، يُعْرَفُ بِها مِنَ الإحْرامِ، والطَوافِ، والسَعْيِ، والحَلْقِ، والنَحْرِ. ﴿وَلا الشَهْرَ الحَرامَ﴾ أيْ: أشْهُرَ الحَجِّ ﴿وَلا الهَدْيَ﴾ وهو ما أُهْدِيَ إلى البَيْتِ، وتُقُرِّبَ بِهِ إلى اللهِ تَعالى مِنَ النِسائِكِ، وهو جَمْعُ هَدِيَّةٍ. ﴿وَلا القَلائِدَ﴾ جَمْعُ قِلادَةٍ، وهي ما قُلِّدَ بِهِ الهَدْيُ مِن نَعْلٍ، أوْ عُرْوَةِ مَزادَةٍ، أوْ لِحاءِ الشَجَرِ، أوْ غَيْرِهِ. ﴿وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ ولا تُحِلُّوا قَوْمًا قاصِدِينَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وهُمُ الحُجّاجُ، والعُمّارُ. وإحْلالُ هَذِهِ الأشْياءِ: أنْ يُتَهاوَنَ بِحُرْمَةِ الشَعائِرِ، وأنْ يُحالَ بَيْنَها وبَيْنَ المُتَنَسِّكِينَ بِها، وأنْ يُحْدِثُوا في أشْهُرِ الحَجِّ ما يَصُدُّونَ بِهِ الناسَ عَنِ الحَجِّ، وأنْ يَتَعَرَّضُوا لِلْهَدْيِ بِالغَصْبِ، أوْ بِالمَنعِ مِن بُلُوغِ مَحَلِّهِ، وأمّا القَلائِدُ فَجازَ أنْ يُرادَ بِها ذَواتُ القَلائِدِ، وهي البُدْنُ، وتُعْطَفُ عَلى الهَدْيِ لِلِاخْتِصاصِ، لِأنَّها أشْرَفُ الهَدْيِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةُ: ٩٨] كَأنَّهُ قِيلَ: والقَلائِدُ مِنها خُصُوصًا، وجازَ أنْ يَنْهى عَنِ التَعَرُّضِ لِقَلائِدِ الهَدْيِ مُبالَغَةً في النَهْيِ عَنِ التَعَرُّضِ لِلْهَدْيِ، أيْ: ولا تُحِلُّوا قَلائِدَها فَضْلًا أنْ تُحِلُّوها، كَما قالَ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النُورُ: ٣١] فَنَهى عَنْ إبْداءِ الزِينَةِ مُبالَغَةً في النَهْيِ عَنْ إبْداءِ مَواقِعِها ﴿يَبْتَغُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "آمِّينَ" ﴿فَضْلا مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ: ثَوابًا ﴿وَرِضْوانًا﴾ وأنْ يَرْضى عَنْهم. لا تَتَعَرَّضُوا لِقَوْمٍ هَذِهِ صِفَتُهم تَعْظِيمًا لَهم ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ﴾ خَرَجْتُمْ مِنَ الإحْرامِ ﴿فاصْطادُوا﴾ إباحَةً لِلِاصْطِيادِ بَعْدَ حَظْرِهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ "جَرَمَ" مِثْلُ "كَسَبَ" في تَعْدِيَتِهِ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ واثْنَيْنِ، تَقُولُ: جَرَمَ ذَنْبًا، نَحْوُ: (p-٤٢٥)كَسَبَهُ، وجَرَمْتُهُ ذَنْبًا، نَحْوُ: كَسَبْتُهُ إيّاهُ، وأوَّلُ المَفْعُولَيْنِ ضَمِيرُ المُخاطَبِينَ، والثانِي: أنْ تَعْتَدُوا. و﴿أنْ صَدُّوكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالشَنَآنِ بِمَعْنى العِلَّةِ، وهو شِدَّةُ البُغْضِ. وبِسُكُونِ النُونِ: شامِيٌّ، وأبُو بَكْرٍ. والمَعْنى: ولا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ - لِأنْ صَدُّوكُمُ - الِاعْتِداءَ، ولا يَحْمِلَنَّكم عَلَيْهِ. (إنْ صَدُّوكُمْ) عَلى الشَرْطِ: مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. ومَعْنى صَدِّهِمْ إيّاهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ مَنعُ أهْلِ مَكَّةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَنِ العُمْرَةِ. ومَعْنى الِاعْتِداءِ: الِانْتِقامُ مِنهم بِإلْحاقِ مَكْرُوهٍ بِهِمْ ﴿وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَقْوى﴾ عَلى العَفْوِ والإغْضاءِ ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ عَلى الِانْتِقامِ والتَشَفِّي، أوِ البِرُّ: فِعْلُ المَأْمُورِ، والتَقْوى: تَرْكُ المَحْظُورِ، والإثْمُ: تَرْكُ المَأْمُورِ، والعُدْوانُ: فِعْلُ المَحْظُورِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ العُمُومُ لِكُلِّ بِرٍّ وتَقْوى، ولِكُلِّ إثْمٍ وعُدْوانٍ، فَيَتَناوَلُ بِعُمُومِهِ: العَفْوَ، والِانْتِصارَ. ﴿واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَن عَصاهُ، وما اتَّقاهُ.

المائدة 5:3

ثُمَّ بَيَّنَ ما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَهُ فَقالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ أيِ: البَهِيمَةُ الَّتِي تَمُوتُ حَتْفَ أنْفِها ﴿والدَمُ﴾ أيِ: المَسْفُوحُ، وهو السائِلُ ﴿وَلَحْمُ الخِنْـزِيرِ﴾ وكُلُّهُ نَجِسٌ، وإنَّما خُصَّ اللَحْمُ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَقْصُودِ ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ أيْ: رُفِعَ الصَوْتُ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، وهو قَوْلُهُمْ: بِاسْمِ اللاتِ والعُزّى عِنْدَ ذَبْحِهِ ﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ الَّتِي خَنَقُوها حَتّى ماتَتْ، أوِ انْخَنَقَتْ بِالشَبَكَةِ، أوْ غَيْرِها. ﴿والمَوْقُوذَةُ﴾ الَّتِي أثْخَنُوها ضَرْبًا بِعَصًا، أوْ حَجَرٍ، حَتّى ماتَتْ. ﴿والمُتَرَدِّيَةُ﴾ الَّتِي تَرَدَّتْ مِن جَبَلٍ، أوْ في بِئْرٍ فَماتَتْ. ﴿والنَطِيحَةُ﴾ المَنطُوحَةُ، وهي الَّتِي نَطَحَتْها أُخْرى فَماتَتْ بِالنَطْحِ. ﴿وَما أكَلَ السَبُعُ﴾ بَعْضَهُ، وماتَ بِجُرْحِهِ. ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ إلّا ما أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ، وهو يَضْطَرِبُ اضْطِرابَ المَذْبُوحِ. والِاسْتِثْناءُ يَرْجِعُ إلى المُنْخَنِقَةِ وما بَعْدَها، فَإنَّهُ إذا أدْرَكَها وبِها حَياةٌ، فَذَبَحَها، وسَمّى عَلَيْها حَلَّتْ. ﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُصُبِ﴾ كانَتْ لَهم حِجارَةٌ مَنصُوبَةٌ حَوْلَ البَيْتِ (p-٤٢٦)يَذْبَحُونَ عَلَيْها يُعَظِّمُونَها بِذَلِكَ، ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْها تُسَمّى: الأنْصابُ. واحِدُها: نُصُبٌ، أوْ هو جَمْعٌ، والواحِدُ: نِصابٌ. ﴿وَأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِالعَطْفِ عَلى المَيْتَةِ، أيْ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ، وكَذا وكَذا، والِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ: وهي القِداحُ المُعَلَّمَةُ واحِدُها زَلَمٌ وزُلَمٌ، كانَ أحَدُهم إذا أرادَ سَفَرًا، أوْ غَزْوًا، أوْ تِجارَةً، أوْ نِكاحًا، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ يَعْمِدُ إلى قِداحٍ ثَلاثَةٍ، عَلى واحِدٍ مِنها مَكْتُوبٌ: أمَرَنِي رَبِّي، وعَلى الآخَرِ: نَهانِي، والثالِثُ غُفْلٌ، فَإنْ خَرَجَ الآمِرُ مَضى لِحاجَتِهِ، وإنْ خَرَجَ الناهِي أمَسَكَ، وإنْ خَرَجَ الغُفْلُ أعادَهُ، فَمَعْنى الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ: طَلَبُ مَعْرِفَةِ ما قُسِمَ لَهُ مِمّا لَمْ يُقْسَمْ لَهُ بِالأزْلامِ. قالَ الزَجّاجُ: لا فَرْقَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِ المُنَجِّمِينَ: لا تَخْرُجْ مِن أجْلِ نَجْمِ كَذا، واخْرُجْ لِطُلُوعِ نَجْمِ كَذا. و"فِي شَرْحِ التَأْوِيلاتِ" رَدُّ هَذا، وقالَ: لا يَقُولُ المُنَجِّمُ: إنَّ نَجْمَ كَذا يَأْمُرُ بِكَذا، ونَجْمَ كَذا يَنْهى عَنْ كَذا، كَما كانَ فِعْلَ أُولَئِكَ، ولَكِنَّ المَنَجِّمَ جَعَلَ النُجُومَ دَلالاتٍ وعَلاماتٍ عَلى أحْكامِ اللهِ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ اللهُ في النُجُومِ مَعانِيَ وأعْلامًا يُدْرِكُ بِها الأحْكامَ، ويَسْتَخْرِجُ بِها الأشْياءَ، ولا لائِمَةَ في ذَلِكَ، إنَّما اللائِمَةُ عَلَيْهِ فِيما يَحْكُمُ عَلى اللهِ، ويَشْهَدُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو المَيْسِرُ، وقِسْمَتُهُمُ الجَزُورَ عَلى الأنْصِباءِ المَعْلُومَةِ. ﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ خُرُوجٌ عَنِ الطاعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى كُلِّ مُحَرَّمٍ في الآيَةِ ﴿اليَوْمَ﴾ ظَرْفٌ لِـ "يَئِسَ". ولَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ بِعَيْنِهِ، وإنَّما مَعْناهُ: الآنَ، وهَذا كَما تَقُولُ: أنا اليَوْمَ قَدْ كَبِرْتُ، تُرِيدُ: الآنَ. وقِيلَ: أُرِيدَ يَوْمَ نُزُولِها، وقَدْ نَزَلَتْ يَوْمَ الجُمْعَةِ، وكانَ يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ العَصْرِ في حَجَّةِ الوَداعِ، ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ يَئِسُوا مِنهُ أنْ يُبْطِلُوهُ، أوْ يَئِسُوا مِن دِينِكم أنْ يَغْلِبُوهُ، لِأنَّ اللهَ تَعالى وفّى بِوَعْدِهِ مِن إظْهارِهِ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ بَعْدَ إظْهارِ الدِينِ وزَوالِ الخَوْفِ مِنَ الكُفّارِ، وانْقِلابِهِمْ مَغْلُوبِينَ بَعْدَ ما كانُوا غالِبِينَ. (واخْشَوْنِ) بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، أيْ: أخْلِصُوا لِيَ الخَشْيَةَ ﴿اليَوْمَ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ بِأنْ كَفَيْتُكم خَوْفَ عَدُوِّكُمْ، وأظْهَرْتُكم (p-٤٢٧)عَلَيْهِمْ، كَما يَقُولُ المُلُوكُ: اليَوْمَ كَمُلَ لَنا المُلْكُ، أيْ: كُفِينا مَن كُنّا نَخافُهُ، أوْ أكْمَلْتُ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ في تَكْلِيفِكم مِن تَعْلِيمِ الحَلالِ والحَرامِ، والتَوْقِيفِ عَلى شَرائِعِ الإسْلامِ وقَوانِينِ القِياسِ. ﴿وَأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ بِفَتْحِ مَكَّةَ، ودُخُولِها آمِنِينَ ظاهِرِينَ، وهَدْمِ الجاهِلِيَّةِ، ومَناسِكِهِمْ. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ حالٌ. اخْتَرْتُهُ لَكم مِن بَيْنِ الأدْيانِ، وآذَنْتُكم بِأنَّهُ هو الدِينُ المَرْضِيُّ وحْدَهُ. ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٨٥] ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ المُحَرَّماتِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ اعْتِراضٌ أُكِّدَ بِهِ مَعْنى التَحْرِيمِ. وكَذا ما بَعْدَهُ، لِأنَّ تَحْرِيمَ هَذِهِ الخَبائِثِ مِن جُمْلَةِ الدِينِ الكامِلِ والنِعْمَةِ التامَّةِ، والإسْلامِ المَنعُوتِ بِالرِضا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المِلَلِ، ومَعْناهُ: فَمَنِ اضْطُرَّ إلى المَيْتَةِ، أوْ إلى غَيْرِها ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ مَجاعَةٍ ﴿غَيْرَ﴾ حالٌ ﴿مُتَجانِفٍ لإثْمٍ﴾ مائِلٍ إلى إثْمٍ، أيْ: غَيْرَ مُتَجاوِزٍ سَدَّ الرَمَقِ ﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِإباحَةِ المَحْظُورِ لِلْمَعْذُورِ.

المائدة 5:4

﴿يَسْألُونَكَ﴾ في السُؤالِ مَعْنى القَوْلِ، فَلِذا وقَعَ بَعْدَهُ ﴿ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَقُولُونَ لَكَ: ﴿ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: ماذا أحِلُّ لَنا؟ حِكايَةً لِما قالُوا، لِأنَّ "يَسْألُونَكَ" بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، كَقَوْلِكَ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ، ولَوْ قِيلَ: لَأفْعَلَنَّ، وأُحِلَّ لَنا لَكانَ صَوابًا. و"ماذا" مُبْتَدَأٌ، و﴿أُحِلَّ لَهُمْ﴾ خَبَرُهُ، كَقَوْلِكَ: أيُّ شَيْءٍ أحِلُّ لَهُمْ؟ ومَعْناهُ: ماذا أُحِلَّ لَهم مِنَ المَطاعِمِ. كَأنَّهم حِينَ تَلا عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِن خَبِيثاتِ المَآكِلِ، سَألُوا عَمّا أحِلُّ لَهم مِنها، فَقالَ: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ﴾ أيْ: ما لَيْسَ بِخَبِيثٍ مِنها، أوْ هو كُلُّ ما لَمْ يَأْتِ تَحْرِيمُهُ في كِتابِ اللهِ، أوْ سُنَّةِ، أوْ إجْماعٍ، أوْ قِياسٍ. ﴿وَما عَلَّمْتُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الطَيِّباتِ، أيْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ، وصَيْدِ ما عُلِّمْتُمْ، فَحُذِفَ المُضافُ، أوْ تَجْعَلُ "ما" شَرْطِيَّةً وجَوابُها "فَكُلُوا" ﴿مِنَ الجَوارِحِ﴾ أيِ: الكَواسِبِ لِلصَّيْدِ مِن سِباعِ البَهائِمِ والطَيْرِ، كالكَلْبِ، والفَهْدِ، والعُقابِ، والصَقْرِ، والبازِي، (p-٤٢٨)والشاهِينِ. وقِيلَ: هي مِنَ الجِراحَةِ، فَيُشْتَرَطُ لِلْحَلِّ الجُرْحُ ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ حالٌ مِن عَلَّمْتُمْ، وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ - مَعَ أنَّهُ اسْتَغْنى عَنْها بِـ "عَلَّمْتُمْ"- أنْ يَكُونَ مَن يُعَلِّمُ الجَوارِحَ مَوْصُوفًا بِالتَكْلِيبِ. والمُكَلِّبُ مُؤَدِّبُ الجَوارِحِ ومُعَلِّمُها، مُشْتَقٌّ مِنَ الكَلَبِ، لِأنَّ التَأْدِيبَ في الكِلابِ أكْثَرُ، فاشْتُقَّ مَن لَفْظِهِ لِكَثْرَتِهِ في جِنْسِهِ، أوْ لِأنَّ السَبُعَ يُسَمّى كَلْبًا، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "اللهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ" » فَأكَلَهُ الأسَدُ ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حالٌ، أوِ اسْتِئْنافٌ، ولا مَوْضِعَ لَهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَلى كُلِّ آخِذٍ عِلْمًا عَلى ألّا يَأْخُذَهُ إلّا مِن أقْتَلِ أهْلِهِ عِلْمًا، وأنْحَرِهِمْ دِرايَةً، فَكَمْ مِن آخِذٍ مِن غَيْرِ مُتْقِنٍ قَدْ ضَيَّعَ أيّامَهُ، وعَضَّ عِنْدَ لِقاءِ النَحارِيرِ أنامِلَهُ؟! ﴿مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ مِنَ التَكْلِيبِ ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الإمْساكُ عَلى صاحِبِهِ ألّا يَأْكُلَ مِنهُ، فَإنْ أكَلَ مِنهُ لَمْ يُؤْكَلْ إذا كانَ صَيْدَ كَلْبٍ ونَحْوِهِ، فَأمّا صَيْدُ البازِي ونَحْوُهُ فَأكْلُهُ لا يُحَرِّمُهُ، وقَدْ عُرِفَ في مَوْضِعِهِ، والضَمِيرُ في ﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ يَرْجِعُ إلى " ما أمْسَكْنَ " عَلى مَعْنى: وسَمُّوا عَلَيْهِ إذا أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ. أوْ إلى " ما عَلِمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ " أيْ: سَمُّوا عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسالِهِ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ واحْذَرُوا مُخالَفَةَ أمْرِهِ في هَذا كُلِّهِ ﴿إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ إنَّهُ مُحاسِبُكم عَلى أفْعالِكُمْ، ولا يَلْحَقُهُ فِيهِ لَبِثَ.

المائدة 5:5

﴿اليَوْمَ﴾ الآنَ ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ﴾ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِلْمِنَّةِ ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ أيْ: ذَبائِحُهُمْ، لِأنَّ سائِرَ الأطْعِمَةِ لا يَخْتَصُّ حِلُّها بِالمِلَّةِ ﴿وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ فَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تُطْعِمُوهُمْ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ حَرامًا عَلَيْهِمْ طَعامُ المُؤْمِنِينَ لَما ساغَ لَهم إطْعامُهم ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ هي الحَرائِرُ، أوِ العَفائِفُ، ولَيْسَ هَذا بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ النِكاحِ، بَلْ هو لِلِاسْتِحْبابِ، لِأنَّهُ يَصِحُّ نِكاحُ الإماءِ مِنَ المُسْلِماتِ، ونِكاحُ غَيْرِ العَفائِفِ. وتَخْصِيصُهُنَّ بَعْثٌ عَلى (p-٤٢٩)تَخَيُّرِ المُؤْمِنِينَ لِنُطَفِهِمْ. وهو مَعْطُوفٌ عَلى الطَيِّباتِ، أوْ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ حِلٌّ لَكم ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ هي الحَرائِرُ الكِتابِيّاتُ، أوِ العَفائِفُ الكِتابِيّاتُ. ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أعْطَيْتُمُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ مُتَزَوِّجِينَ غَيْرَ زانِينَ ﴿وَلا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾ صَدائِقَ، والخِدْنُ: يَقَعُ عَلى الذَكَرِ والأُنْثى ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾ بِشَرائِعِ الإسْلامِ، وما أحَلَّ اللهُ، وحَرَّمَ ﴿فَقَدْ حَبِطَ﴾ بَطَلَ ﴿عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

المائدة 5:6

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أيْ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلى الصَلاةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ [النَحْلُ: ٩٨] أيْ: إذا أرَدْتَ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ، فَعَبِّرْ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ بِالفِعْلِ، لِأنَّ الفِعْلَ مُسَبَّبٌ عَنِ الإرادَةِ، فَأُقِيمَ المُسَبَّبُ مَقامَ السَبَبِ، لِمُلابَسَةٍ بَيْنَهُما طَلَبًا لِلْإيجازِ، ونَحْوُهُ: كَما تَدِينُ تُدانُ، عَبَّرَ عَنِ الفِعْلِ الِابْتِدائِيِّ، الَّذِي هو سَبَبُ الجَزاءِ، بِلَفْظِ الجَزاءِ، الَّذِي هو مُسَبَّبٌ عَنْهُ. وتَقْدِيرُهُ: وأنْتُمْ مُحَدِّثُونَ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أوْ مِنَ النَوْمِ، لِأنَّهُ دَلِيلُ الحَدَثِ، «وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ والصَحابَةُ يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ. » وقِيلَ: كانَ الوُضُوءُ لِكُلِّ صَلاةٍ واجِبًا أوَّلَ ما فُرِضَ، ثُمَّ نَسَخَ ﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ "إلى" تُفِيدُ مَعْنى الغايَةِ مُطْلَقًا، فَأمّا دُخُولُها في الحُكْمِ وخُرُوجُها فَأمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَلِيلِ. فَما فِيهِ دَلِيلٌ عَلى الخُرُوجِ ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البَقَرَةُ: ٢٨٠]، لِأنَّ الإعْسارَ عِلَّةُ الإنْظارِ وبِوُجُودِ المَيْسَرَةِ تَزُولُ العِلَّةُ، ولَوْ دَخَلَتِ المُيَسَّرَةُ فِيهِ لَكانَ مَنظَرًا في الحالَتَيْنِ مُعْسِرًا ومُوسِرًا. وكَذَلِكَ ﴿أتِمُّوا الصِيامَ إلى اللَيْلِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٨٧] لَوْ دَخَلَ اللَيْلُ (p-٤٣٠)لَوَجَبَ الوِصالُ. ومِمّا فِيهِ دَلِيلٌ عَلى الدُخُولِ، قَوْلُكَ: حَفِظْتُ القُرْآنَ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِحِفْظِ القُرْآنِ كُلِّهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسْراءُ: ١] لِوُقُوعِ العِلْمِ بِأنَّهُ ﷺ لا يُسْرى بِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلى المَرافِقِ﴾ لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ، فَأخَذَ الجُمْهُورُ بِالِاحْتِياطِ، فَحَكَمُوا بِدُخُولِها في الغَسْلِ، وأخَذَ زُفَرُ وداوُدُ بِالمُتَيَقَّنِ فَلَمْ يُدْخِلاها. وعَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يُدِيرُ الماءَ عَلى مِرْفَقَيْهِ. »﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ المُرادُ: إلْصاقُ المَسْحِ بِالرَأْسِ، وماسِحُ بَعْضِهِ ومُسْتَوْعِبُهُ بِالمَسْحِ كِلاهُما مُلْصِقٌ لِلْمَسْحِ بِرَأْسِهِ، فَأخَذَ مالِكٌ بِالِاحْتِياطِ فَأوْجَبَ الِاسْتِيعابَ، والشافِعِيُّ بِاليَقِينِ فَأوْجَبَ أقَلَّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ المَسْحِ. وأخَذْنا بِبَيانِ النَبِيِّ ﷺ، وهو ما رُوِيَ: «أنَّهُ مَسَحَ عَلى ناصِيَتِهِ. » وقُدِّرَتِ الناصِيَةُ بِرُبُعِ الرَأْسِ. (وَأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ) بِالنَصْبِ: شامِيٌّ، ونافِعٌ، وعَلِيٌّ، وحَفْصٌ. والمَعْنى: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ، وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ، وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكم عَلى التَقْدِيمِ والتَأْخِيرِ. غَيْرُهم بِالجَرِّ بِالعَطْفِ عَلى الرُؤُوسِ، لِأنَّ الأرْجُلَ مِن بَيْنِ الأعْضاءِ الثَلاثَةِ المَغْسُولَةِ، تُغْسَلُ بِصَبِّ الماءِ عَلَيْها، فَكانَتْ مَظِنَّةَ لِلْإسْرافِ المَنهِيِّ عَنْهُ، فَعُطِفَتْ عَلى المَمْسُوحِ لا لِتُمْسَحَ، ولَكِنْ لِيُنَبَّهَ عَلى وُجُوبِ الِاقْتِصادِ في صَبِّ الماءِ عَلَيْها. وقِيلَ: "إلى الكَعْبَيْنِ" فَجِيءَ بِالغايَةِ إماطَةً لِظَنِّ ظانٍّ يَحْسَبُها مَمْسُوحَةً، لِأنَّ المَسْحَ لَمْ تُضْرَبْ لَهُ غايَةٌ في الشَرِيعَةِ. وقالَ في "جامِعِ العُلُومِ": إنَّها مَجْرُورَةٌ لِلْجِوارِ، وقَدْ صَحَّ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ رَأى قَوْمًا يَمْسَحُونَ عَلى أرْجُلِهِمْ، فَقالَ: "وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النارِ". » وعَنْ عَطاءٍ: واللهِ ما عَلِمْتُ أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَسَحَ عَلى القَدَمَيْنِ، وإنَّما أمَرَ بِغَسْلِ هَذِهِ الأعْضاءِ لِيُطَهِّرَها مِنَ الأوْساخِ، الَّتِي تَتَّصِلُ بِها، لِأنَّها تَبْدُو كَثِيرًا. والصَلاةُ: (p-٤٣١)خِدْمَةُ اللهِ تَعالى، والقِيامُ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَطَهِّرًا مِنَ الأوْساخِ أقْرَبُ إلى التَعْظِيمِ، فَكانَ أكْمَلَ في الخِدْمَةِ، كَما في الشاهِدِ إذا أرادَ أنْ يَقُومَ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ الأوْلى أنْ يُصَلِّيَ الرَجُلُ في أحْسَنِ ثِيابِهِ، وإنَّ الصَلاةَ مُتَعَمِّمًا أفْضَلُ مِنَ الصَلاةِ مَكْشُوفَ الرَأْسِ، لِما أنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في التَعْظِيمِ ﴿وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ فاغْسِلُوا أبْدانَكم ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكُمْ﴾ قالَ الرازِيُّ: مَعْناهُ: وجاءَ، حَتّى لا يَلْزَمَ المَرِيضَ والمُسافِرَ التَيَمُّمُ بِلا حَدَثٍ. ﴿مِنَ الغائِطِ﴾ المَكانِ المُطْمَئِنِّ، وهو كِنايَةٌ عَنْ قَضاءِ الحاجَةِ. ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِساءَ﴾ جامَعْتُمْ، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ في بابِ الطَهارَةِ، حَتّى لا يُرَخَّصَ لَكم في التَيَمُّمِ. ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ بِالتُرابِ إذا أعْوَزَكُمُ التَطَهُّرُ بِالماءِ ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ولِيَتِمَّ بِرُخَصِهِ إنْعامَهُ عَلَيْكم بِعَزائِمِهِ. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَتَهُ فَيُثِيبَكم.

المائدة 5:7

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِالإسْلامِ ﴿وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: عاقَدَكم بِهِ عَقْدًا وثِيقًا، وهو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ بايَعَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى السَمْعِ والطاعَةِ في حالِ اليُسْرِ والعُسْرِ، والمَنشَطِ والمَكْرَهِ، فَقَبِلُوا، وقالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا. وقِيلَ: هو المِيثاقُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وفي بَيْعَةِ الرِضْوانِ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في نَقْضِ المِيثاقِ ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ بِسَرائِرِ الصُدُورِ مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ، وهو وعْدٌ ووَعِيدٌ. (p-٤٣٢)

المائدة 5:8

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾ عُدِّيَ "يَجْرِمَنَّكُمْ" بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ مُضَمَّنًا مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى تَرْكِ العَدْلِ فِيهِمْ. ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أيِ: العَدْلُ أقْرَبُ إلى التَقْوى. نَهاهم أوَّلًا أنْ تَحْمِلَهُمُ البَغْضاءُ عَلى تَرْكِ العَدْلِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَصَرَّحَ لَهم بِالأمْرِ بِالعَدْلِ تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَذَكَرَ لَهم وجْهَ الأمْرِ بِالعَدْلِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ وإذا كانَ وُجُوبُ العَدْلِ مَعَ الكُفّارِ بِهَذِهِ الصِفَةِ مِنَ القُوَّةِ، فَما الظَنُّ بِوُجُوبِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ؟! ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ فِيما أمَرَ ونَهى ﴿إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ، ولِذا ذَكَرَ بَعْدَها آيَةَ الوَعْدِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى:

المائدة 5:9

﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ وعَدَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فالأوَّلُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والثانِي مَحْذُوفٌ، اسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ والوَعِيدُ وهو قَوْلُهُ:

المائدة 5:10

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أيْ: لا يُفارِقُونَها.

المائدة 5:11

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أتى بَنِي قُرَيْظَةَ، ومَعَهُ الشَيْخانِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، والخَتَنانِ، يَسْتَقْرِضُهم دِيَةَ مُسْلِمَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَمْرِيُّ خَطَأً يَحْسِبُهُما (p-٤٣٣)مُشْرِكَيْنِ، فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ، اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكَ، ونُقْرِضَكَ، فَأجْلَسُوهُ في صُفَّةٍ، وهَمُّوا بِالفَتْكِ بِهِ، وعَمَدَ عَمْرُو بْنُ جِحاشٍ إلى رَحى عَظِيمَةٍ يَطْرَحُها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللهُ يَدَهُ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ النَبِيُّ ﷺ، ونَزَلَتِ الآيَةُ. » إذْ ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ، ﴿أنْ يَبْسُطُوا﴾ بِأنْ يَبْسُطُوا ﴿إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ بِالقَتْلِ، يُقالُ: بَسَطَ لِسانَهُ إلَيْهِ، إذا شَتَمَهُ، وبَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ إذا بَطَشَ بِهِ. ﴿وَيَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُوءِ﴾ [المُمْتَحِنَةُ: ٢] ومَعْنى بَسْطِ اليَدِ: مَدُّها إلى المَبْطُوشِ بِهِ. ﴿فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ فَمَنَعَها أنْ تُمَدَّ إلَيْكم ﴿واتَّقُوا اللهَ وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ الكافِي، والدافِعُ، والمانِعُ.

المائدة 5:12

﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ هو الَّذِي يُنَقِّبُ عَنْ أحْوالِ القَوْمِ، ويُفَتِّشُ عَنْها، ولَمّا اسْتَقَرَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِمِصْرَ، بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ أمَرَهُمُ اللهُ بِالمَسِيرِ إلى أرِيحاءَ أرْضِ الشامِ، وكانَ يَسْكُنُها الكَنْعانِيُّونَ الجَبابِرَةُ، وقالَ لَهُمْ: إنِّي كَتَبْتُها لَكم دارًا، وقَرارًا، فاخْرُجُوا إلَيْها، وجاهِدُوا مَن فِيها، وإنِّي ناصِرُكم. وأمَرَ اللهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا يَكُونُ كَفِيلًا عَلى قَوْمِهِ بِالوَفاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ تَوْثِقَةً عَلَيْهِمْ، فاخْتارَ النُقَباءُ، وأُخِذَ المِيثاقُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَكَفَّلَ لَهُمُ النُقَباءُ، وسارَ بِهِمْ، فَلَمّا دَنا مِن أرْضِ كَنْعانَ بَعَثَ النُقَباءُ يَتَجَسَّسُونَ، فَرَأوْا أجْرامًا عَظِيمَةً، وقُوَّةً، وشَوْكَةً، فَهابُوا، ورَجَعُوا، فَحَدَّثُوا قَوْمَهُمْ، وقَدْ نَهاهم أنْ يُحَدِّثُوهُمْ، فَنَكَثُوا المِيثاقَ إلّا كالَبَ بْنَ يُوقِنا، ويُوشَعَ بْنَ نُونَ، وكانا مِنَ النُقَباءِ ﴿وَقالَ اللهُ إنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ: ناصِرُكُمْ، ومُعِينُكم. وتَقِفُ هُنا (p-٤٣٤)لِابْتِدائِكَ بِالشَرْطِ الداخِلِ عَلَيْهِ اللامُ المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهو ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَلاةَ وآتَيْتُمُ الزَكاةَ﴾ وكانَتا فَرِيضَتَيْنِ عَلَيْهِمْ ﴿وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾ مِن غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ وعَظَّمْتُمُوهُمْ، أوْ نَصَرْتُمُوهم بِأنْ تَرُدُّوا عَنْهم أعْدائِهِمْ، والعَزْرُ في اللُغَةِ: الرَدُّ، ويُقالُ: عَزَّرْتُ فُلانًا، أيْ: أدَّبْتَهُ، يَعْنِي: فَعَلْتَ بِهِ ما يَرْدَعُهُ عَنِ القَبِيحِ، كَذا قالَهُ الزَجّاجُ. ﴿وَأقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بِلا مَنٍّ، وقِيلَ: هو كُلُّ خَيْرٍ. ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ اللامُ جَوابٌ لَلْقَسَمِ، وهَذا الجَوابُ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَرْطِ جَمِيعًا. ﴿وَلأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ الشَرْطِ المُؤَكَّدِ المُتَعَلِّقِ بِالوَعْدِ العَظِيمِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ﴾ أخْطَأ طَرِيقَ الحَقِّ، نَعَمْ مَن كَفَرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ أيْضًا، ولَكِنَّ الضَلالَ بَعْدَهُ أظَهَرُ وأعْظَمُ.

المائدة 5:13

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ "ما" مَزِيدَةٌ لِإفادَةِ تَفْخِيمِ الأمْرِ، ﴿لَعَنّاهُمْ﴾ طَرَدْناهُمْ، وأخْرَجْناهم مَن رَحْمَتِنا، أوْ مَسَخْناهُمْ، أوْ ضَرَبْنا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ. ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ يابِسَةً لا رَحْمَةَ فِيها، ولا لِينَ. (قَسِيَّةً) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، أيْ: رَدِيئَةً مِن قَوْلِهِمْ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ، أيْ: رَدِيءٌ. ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يُفَسِّرُونَهُ عَلى غَيْرِ ما أُنْزِلَ، وهو بَيانٌ لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، لِأنَّهُ لا قَسْوَةَ أشَدُّ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللهِ، وتَغْيِيرِ وحْيِهِ ﴿وَنَسُوا حَظًّا﴾ وتَرَكُوا نَصِيبًا جَزِيلًا، وقِسْطًا وافِيًا. ﴿مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ مِنَ التَوْراةِ، يَعْنِي: إنَّ تَرْكَهم وإعْراضَهم عَنِ التَوْراةِ إغْفالُ حَظٍّ عَظِيمٍ، أوْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وفَسَدَتْ، فَحَرَّفُوا التَوْراةَ، وزَلَّتْ أشْياءُ مِنها عَنْ حِفْظِهِمْ. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ (p-٤٣٥)عَنْهُ: قَدْ يَنْسى المَرْءُ بَعْضَ العِلْمِ بِالمَعْصِيَةِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وقِيلَ: أوْ تَرَكُوا نَصِيبَ أنْفُسِهِمْ مِمّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وبَيانُ نَعْتِهِ ﴿وَلا تَزالُ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: هَذِهِ عادَتُهُمْ، وكانَ عَلَيْها أسْلافُهُمْ، كانُوا يَخُونُونَ الرُسُلَ، وهَؤُلاءِ يَخُونُونَكَ، ويَهُمُّونَ بِالفَتْكِ بِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿عَلى خائِنَةٍ﴾ أيْ: عَلى خِيانَةٍ، أوْ عَلى فِعْلَةٍ ذاتِ خِيانَةٍ، أوْ عَلى نَفْسٍ، أوْ فِرْقَةٍ خائِنَةٍ. ويُقالُ: رَجُلٌ خائِنَةٌ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ راوِيَةٌ لِلشِّعْرِ، لِلْمُبالَغَةِ. ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ بَعْثٌ عَلى مُخالَفَتِهِمْ، أوْ فاعْفُ عَنْ مُؤْمِنِيهِمْ، ولا تُؤاخِذْهم بِما سَلَفَ مِنهم ﴿واصْفَحْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

المائدة 5:14

﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ١٤ و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ وهو الإيمانُ بِاللهِ، والرُسُلِ، وأفْعالِ الخَيْرِ. يَتَعَلَّقُ بِأخَذْنا، أيْ: وأخَذْنا مِنَ الَّذِينَ قالُوا: إنّا نَصارى مِيثاقَهُمْ، فَقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ الجارِّ والمَجْرُورِ، وفُصِلَ بَيْنَ الفِعْلِ والواوِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ. وإنَّما لَمْ يُقَلْ مِنَ النَصارى، لِأنَّهم إنَّما سَمَّوْا أنْفُسَهم بِذَلِكَ ادِّعاءً لِنَصْرِ اللهِ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لِعِيسى: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللهِ﴾ ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ نَسْطُورِيَّةَ، ويَعْقُوبِيَّةَ، ومَلْكانِيَّةَ أنْصارًا لِلشَّيْطانِ. ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا﴾ فَألْصَقْنا، وألْزَمْنا، مِن غَرى بِالشَيْءِ إذا لَزِمَهُ، ولَصِقَ بِهِ، ومِنهُ الغِراءُ، الَّذِي يُلْصَقُ بِهِ. ﴿بَيْنَهُمُ﴾ بَيْنَ فِرَقِ النَصارى المُخْتَلِفِينَ ﴿العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِالأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أيْ: في القِيامَةِ بِالجَزاءِ والعِقابِ.

المائدة 5:15

﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى، والكِتابُ لِلْجِنْسِ. (p-٤٣٦)﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ مِن نَحْوِ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ومِن نَحْوِهِ الرَجْمُ ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِمّا تُخْفُونَهُ لا يُبَيِّنُهُ، أوْ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنكم لا يُؤاخِذُهُ. ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ لِكَشْفِهِ ظُلُماتِ الشِرْكِ والشَكِّ، ولِإبانَتِهِ ما كانَ خافِيًا عَلى الناسِ مِنَ الحَقِّ، أوْ لِأنَّهُ ظاهِرُ الإعْجازِ، أوِ النُورُ مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، كَما سُمِّيَ سِراجًا.

المائدة 5:16

﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ ومَن آمَنَ مِنهم ﴿سُبُلَ السَلامِ﴾ طُرُقَ السَلامَةِ والنَجاةِ مِن عَذابِ اللهِ، أوْ سُبُلَ اللهِ. فالسَلامُ: السَلامَةُ، أوِ اللهُ ﴿وَيُخْرِجُهم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ﴾ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإسْلامِ ﴿بِإذْنِهِ﴾ [بِإرادَتِهِ، وتَوْفِيقِهِ] ﴿وَيَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

المائدة 5:17

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ مَعْناهُ: بَتَّ القَوْلَ عَلى أنَّ اللهَ هو المَسِيحُ لا غَيْرُ، قِيلَ: كانَ في النَصارى قَوْمٌ يَقُولُونَ ذَلِكَ، أوْ لِأنَّ مَذْهَبَهم يُؤَدِّي إلَيْهِ حَيْثُ إنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ يَخْلُقُ، ويُحْيِي، ويُمِيتُ. ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ فَمِن يَمْنَعُ مِن قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ شَيْئًا ﴿إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: إنْ أرادَ أنْ (p-٤٣٧)يَهْلِكُ مَن دَعَوْهُ إلَهًا مِنَ المَسِيحِ وأمِّهِ، يَعْنِي: أنَّ المَسِيحَ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ كَسائِرِ العِبادِ، وعُطِفَ "مَن في الأرْضِ جَمِيعًا" عَلى المَسِيحِ وأُمِّهِ إبانَةً أنَّهُما مِن جِنْسِهِمْ، لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما وبَيْنَهُمْ، والمَعْنى: أنَّ مَنِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ رَحِمَ الأُمُومِيَّةِ مَتّى يُفارِقُهُ نَقْصُ البَشَرِيَّةِ؟ ومَن لاحَتْ عَلَيْهِ شَواهِدُ الحَدَثَيَّةِ أنّى يَلِيقُ بِهِ نَعْتُ الرُبُوبِيَّةِ؟ ولَوْ قَطَعَ البَقاءَ عَنْ جَمِيعِ ما أوْجَدَ لَمْ يَعُدْ نَقْصٌ إلى الصَمَدِيَّةِ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يَخْلُقُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، ويَخْلُقُ مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ كَما خَلَقَ عِيسى، [وَيَخْلُقُ مِن ذَكَرٍ مِن غَيْرِ أُنْثى كَما خَلَقَ حَوّاءَ مِن آدَمَ] ويَخْلُقُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ وأُنْثى كَما خَلَقَ آدَمَ. أوْ يَخْلُقُ كَما يَشاءُ كَخَلْقِ الطَيْرِ عَلى يَدِ عِيسى مُعْجِزَةً لَهُ، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ الفَعّالُ لِما يُرِيدُ ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

المائدة 5:18

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَصارى نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ أيْ: أعِزَّةٌ عَلَيْهِ كالِابْنِ عَلى الأبِ، أوْ أشْياعُ ابْنَيِ اللهِ: عُزَيْرٍ، والمَسِيحِ، كَما قِيلَ لِأشْياعِ أبِي خُبَيْبٍ -وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ-: الخُبَيْبِيُّونَ، كَما كانَ يَقُولُ رَهْطُ مُسَيْلِمَةَ: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ، ويَقُولُ أقْرِباءُ المَلِكِ وحَشَمُهُ: نَحْنُ أبْناءُ المُلُوكِ، أوْ نَحْنُ أبْناءُ رُسُلِ اللهِ. ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: فَإنْ صَحَّ أنَّكم أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ، فَلِمَ تُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِكم بِالمَسْخِ والنارِ أيّامًا مَعْدُودَةً عَلى زَعْمِكُمْ؟ وهَلْ يَمْسَخُ الأبُ ولَدَهُ؟ وهَلْ يُعَذِّبُ الوالِدُ ولَدَهُ بِالنارِ؟ ثُمَّ قالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أيْ: أنْتُمْ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ، لا بَنُوهُ. ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ لِمَن تابَ عَنِ الكُفْرِ، فَضْلًا ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ مَن ماتَ عَلَيْهِ عَدْلًا ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عُبُودِيَّةِ المَسِيحِ، لِأنَّ المَلِكَ والنُبُوَّةَ مُتَنافِيانِ. (p-٤٣٨)

المائدة 5:19

﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ أيِ: الشَرائِعَ، وحُذِفَ لِظُهُورِهِ، أوْ ما كُنْتُمْ تُخْفُونَ، وحُذِفَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، أوْ لا يُقَدَّرُ المُبَيَّنُ، ويَكُونُ المَعْنى: يَبْذُلُ لَكُمُ البَيانَ، وهو حالٌ، أيْ: مُبَيِّنًا لَكم ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جاءَكُمْ"، أيْ: جاءَكم في حِينِ فُتُورٍ مِن إرْسالِ الرُسُلِ، وانْقِطاعٍ مِنَ الوَحْيِ. وكانَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَلامُ سِتُّمِائَةُ سَنَةٍ، أوْ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وسِتُّونَ سَنَةً. ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ كَراهَةَ ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ والفاءُ في ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: لا تَعْتَذِرُوا فَقَدْ جاءَكم ﴿بَشِيرٍ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿وَنَذِيرٌ﴾ لِلْكافِرِينَ، والمَعْنى: الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الرَسُولَ بُعِثَ إلَيْهِمْ حِينَ انْطَمَسَتْ آثارُ الوَحْيِ، أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْهِ، لِيَهُشُّوا إلَيْهِ، ويُعِدُّوهُ أعْظَمَ نِعْمَةٍ مِنَ اللهِ، وتَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ، فَلا يَعْتَلُّوا غَدًا بِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ مَن يُنَبِّهُهم مِن غَفْلَتِهِمْ ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَكانَ قادِرًا عَلى إرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ ضَرُورَةً.

المائدة 5:20

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بُعِثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ لِأنَّهُ مَلَّكَهم بَعْدَ فِرْعَوْنَ مُلْكَهُ، وبَعْدَ الجَبابِرَةِ مُلْكَهُمْ، ولِأنَّ المُلُوكَ تَكاثَرُوا فِيهِمْ تَكاثُرَ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: المَلِكُ: مَن لَهُ مَسْكَنٌ واسِعٌ فِيهِ ماءٌ جارٍ، وكانَتْ مَنازِلُهم واسِعَةً فِيها مِياهٌ جارِيَةٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ بَيْتٌ وخَدَمٌ، ولِأنَّهم كانُوا مَمْلُوكِينَ في أيْدِي القِبْطِ، فَأنْقَذَهُمُ اللهُ، فَسَمّى إنْقاذَهم مُلْكًا ﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مِن فَلْقِ البَحْرِ، وإغْراقِ العَدُوِّ، وإنْزالِ المَنِّ والسَلْوى، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ، أوْ أرادَ عالِمِي زَمانِهِمْ.

المائدة 5:21

﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ أيِ: المُطَهَّرَةُ، أوِ المُبارَكَةُ، وهي (p-٤٣٩)أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، أوِ الشامِ. ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قَسَمَها لَكُمْ، أوْ سَمّاها، أوْ كَتَبَ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ أنَّها مَساكِنُ لَكم. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ ولا تَرْجِعُوا عَلى أعْقابِكم مُدْبِرِينَ، مُنْهَزِمِينَ، مِن خَوْفِ الجَبابِرَةِ جُبْنًا، أوْ لا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم في دِينِكم ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ فَتَرْجِعُوا خاسِرِينَ ثَوابَ الدُنْيا والآخِرَةِ.

المائدة 5:22

﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ الجَبّارُ فَعّالٌ: مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ بِمَعْنى: أجْبَرَهُ عَلَيْهِ، وهو العاتِي الَّذِي يَجْبُرُ الناسَ عَلى ما يُرِيدُ ﴿وَإنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾ بِالقِتالِ ﴿حَتّى يَخْرُجُوا مِنها﴾ بِغَيْرِ قِتالٍ ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ بِلا قِتالٍ ﴿فَإنّا داخِلُونَ﴾ بِلادَهم حِينَئِذٍ.

المائدة 5:23

﴿قالَ رَجُلانِ﴾ كالِبٌ، ويُوشَعُ. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ اللهَ، ويَخْشَوْنَهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: رَجُلانِ مِنَ المُتَّقِينَ، وهو في مَحَلِّ الرَفْعِ صِفَةٌ لَرَجُلانِ، وكَذا ﴿أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما﴾ بِالخَوْفِ مِنهُ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ أيْ: بابَ المَدِينَةِ ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ أيِ: انْهَزَمُوا، وكانَتِ الغَلَبَةُ لَكُمْ، وإنَّما عَلِما ذَلِكَ بِإخْبارِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ﴿وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إذِ الإيمانُ بِهِ يَقْتَضِي التَوَكُّلَ عَلَيْهِ، وهو قَطْعُ العَلائِقِ، وتَرْكُ التَمَلُّقِ لِلْخَلائِقِ.

المائدة 5:24

﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾ هَذا نَفْيٌ لِدُخُولِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ عَلى وجْهِ التَوْكِيدِ ﴿أبَدًا﴾ تَعْلِيقٌ لِلنَّفْيِ المُؤَكَّدِ بِالدَهْرِ المُتَطاوِلِ ﴿ما دامُوا فِيها﴾ بَيانٌ لِلْأبَدِ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ مِنَ العُلَماءِ مَن حَمَلَهُ عَلى الظاهِرِ، وقالَ: إنَّهُ كُفْرٌ مِنهُمْ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ لَوْ قالُوا ذَلِكَ اعْتِقادًا، وكَفَرُوا بِهِ لَحارَبَهم مُوسى، ولَمْ تَكُنْ مُقاتَلَةُ الجَبّارِينَ أوْلى مِن مُقاتَلَةِ هَؤُلاءِ، ولَكِنَّ الوَجْهَ فِيهِ أنْ يُقالَ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ يُعِينُكَ عَلى قِتالِكَ، أوْ ﴿وَرَبُّكَ﴾ أيْ: وسَيِّدُكُ، وهو (p-٤٤٠)أخُوكَ الأكْبَرُ هارُونَ، أوْ لَمْ يُرَدْ بِهِ حَقِيقَةُ الذَهابِ، ولَكِنْ كَما نَقُولُ: كَلَّمْتُهُ فَذَهَبَ يُجِيبُنِي، تُرِيدُ: مَعْنى الإرادَةِ، كَأنَّهم قالُوا: أُرِيدُ قِتالَهم ﴿فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ماكِثُونَ، لا نُقاتِلُهم لِنُصْرَةِ دِينِكم. فَلَمّا عَصَوْهُ وخالَفُوهُ.

المائدة 5:25

﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ﴾ لِنُصْرَةِ دِينِكَ ﴿إلا نَفْسِي وأخِي﴾ وهو مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى "نَفْسِي" أوْ عَلى اسْمِ إنَّ، أيْ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ. أوْ مَرْفُوعٌ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلٍّ إنَّ واسْمِها، أوْ عَلى الضَمِيرِ في "لا أمْلِكُ" وجازَ لِلْفَصْلِ، أيْ: ولا يَمْلِكُ أخِي إلّا نَفْسَهُ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: وأخِي كَذَلِكَ، وهَذا مِنَ البَثِّ والشَكْوى إلى اللهِ، ورِقَّةِ القَلْبِ الَّتِي بِمِثْلِها تُسْتَجْلَبُ الرَحْمَةُ، وتُسْتَنْزَلُ النُصْرَةُ، وكَأنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِالرَجُلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ كُلَّ الوُثُوقِ، فَلَمْ يَذْكُرْ إلّا النَبِيَّ المَعْصُومَ، أوْ أرادَ ومَن يُؤاخِينِي عَلى دِينِي. ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ فافْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما هم أهْلُهُ، وهو في مَعْنى الدُعاءِ عَلَيْهِمْ، أوْ فَباعِدْنا بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، وخَلِّصْنا مِن صُحْبَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ [التَحْرِيمُ: ١١].

المائدة 5:26

﴿قالَ فَإنَّها﴾ أيِ: الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ لا يَدْخُلُونَها، وهو تَحْرِيمُ مَنعٍ، لا تَحْرِيمُ تَعَبُّدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القَصَصُ: ١٢]. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ أيْ: بِشَرْطِ أنْ تُجاهِدُوا أهْلَها، فَلَمّا أبَوُا الجِهادَ قِيلَ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أوِ المُرادُ: فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴿أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ فَإذا مَضى الأرْبَعُونَ كانَ ما كُتِبَ، فَقَدْ سارَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ يُوشَعُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ فَفَتَحَها، وأقامَ فِيها ما شاءَ اللهُ، ثُمَّ قُبِضَ. و"أرْبَعِينَ" ظَرْفُ التَحْرِيمِ، والوَقْفُ عَلى "سَنَةٍ" أوْ ظَرْفُ ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَسِيرُونَ فِيها مُتَحَيِّرِينَ لا يَهْتَدُونَ طَرِيقًا أرْبَعِينَ سَنَةً، والوَقْفُ عَلى "عَلَيْهِمْ"، وإنَّما عُوقِبُوا بِالحَبْسِ لِاخْتِيارِهِمُ (p-٤٤١)المُكْثَ، فَكانُوا مَعَ شِدَّةِ سَيْرِهِمْ يُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا، ويُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا في سِتَّةِ فَراسِخَ، ولَمّا نَدِمَ عَلى الدُعاءِ عَلَيْهِمْ قِيلَ لَهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ فَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم فاسِقُونَ. قِيلَ: لَمْ يَكُنْ مُوسى وهارُونُ مَعَهم في التِيهِ، لِأنَّهُ كانَ عِقابًا، وقَدْ سَألَ مُوسى رَبَّهُ أنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما وبَيْنَهُمْ، وقِيلَ: كانا مَعَهم إلّا أنَّهُ كانَ ذَلِكَ رَوْحًا لَهُما، وسَلامًا لا عُقُوبَةَ، وماتَ هارُونُ في التِيهِ، ومُوسى فِيهِ بَعْدَهُ بِسَنَةٍ، وماتَ النُقَباءُ في التِيهِ إلّا كالِبَ ويُوشَعَ.

المائدة 5:27

أمَرَ اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَقُصَّ عَلى حاسِدِيهِ ما جَرى بِسَبَبِ الحَسَدِ لِيَتْرُكُوهُ ويُؤْمِنُوا، بِقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى أهْلِ الكِتابِ ﴿نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ﴾ ومِن صُلْبِهِ هابِيلَ وقابِيلَ، أوْ هُما رَجُلانِ مِن بِنِي إسْرائِيلَ. ﴿بِالحَقِّ﴾ نَبَأً مُلْتَبِسًا بِالصِدْقِ، مُوافِقًا لِما في كُتُبِ الأوَّلِينَ، أوْ تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالصِدْقِ، والصِحَّةِ، أوْ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ وأنْتَ مُحِقٌّ صادِقٌ، ﴿إذْ قَرَّبا﴾ نُصِبَ بِالنَبَأِ، أيْ: قِصَّتُهُما وحَدِيثُهُما في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ بَدَلٌ مِنَ النَبَأِ، أيِ: اتْلُ عَلَيْهِمُ النَبَأ نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ، عَلى تَقْدِيرِ: حَذْفِ المُضافِ ﴿قُرْبانًا﴾ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللهِ مِن نَسِيكَةٍ، أوْ صَدَقَةٍ. يُقالُ: قَرَّبَ صَدَقَةً، وتَقَرَّبَ بِها، لِأنَّ تَقَرَّبَ مُطاوِعُ قَرَّبَ. والمَعْنى: إذْ قَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قُرْبانَهُ، دَلِيلُهُ: ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما﴾ قُرْبانُهُ، وهو هابِيلُ. ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ قُرْبانُهُ وهو قابِيلُ، رُوِيَ أنَّهُ أوْحى اللهُ تَعالى إلى آدَمَ أنْ يُزَوِّجَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما تَوْأمَةَ الآخَرِ، وكانَتْ تَوْأمَةُ قابِيلَ أجْمَلَ، واسْمُها: إقْلِيما، فَحَسَدَهُ عَلَيْها أخُوهُ، وسَخِطَ. فَقالَ لَهُما آدَمُ: قَرِّبا قُرْبانًا، فَمِن أيِّكُما قُبِلَ يَتَزَوَّجُها، فَقُبِلَ قُرْبانُ هابِيلَ بِأنْ نَزَلَتْ نارٌ فَأكَلَتْهُ، فازْدادَ قابِيلُ حَسَدًا، وسُخْطًا، وتَوَعَّدَهُ بِالقَتْلِ. ﴿قالَ لأقْتُلَنَّكَ﴾ أيْ: قالَ لِهابِيلَ: ﴿قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وتَقْدِيرُهُ: قالَ: لِمَ تَقْتُلُنِي؟ قالَ: لِأنَّ اللهَ قَبِلَ قُرْبانَكَ، ولَمْ يَقْبَلْ قُرْبانِي! فَقالَ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وأنْتَ غَيْرُ (p-٤٤٢)مُتَّقٍ، فَإنَّما أُوتِيتَ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ لِانْسِلاخِها مِن لِباسِ التَقْوى، لا مِن قِبَلِي. وَعَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أنَّهُ بَكى حِينَ حَضَرَتْهُ الوَفاةُ، فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ وقَدْ كُنْتَ وكُنْتَ؟ قالَ: إنِّي أسْمَعُ اللهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾

المائدة 5:28

﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾ مَدَدْتَ ﴿إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ﴾ بِمادٍّ (يَدِيَ) مَدَنِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ. ﴿لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: كانَ أقْوى مِنَ القاتِلِ، وأبْطَشَ مِنهُ، ولَكِنْ تَحَرَّجَ عَنْ قَتْلِ أخِيهِ، واسْتَسْلَمَ لَهُ خَوْفًا مِنَ اللهِ تَعالى، لِأنَّ الدَفْعَ لَمْ يَكُنْ مُباحًا في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: بَلْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا، فَإنَّ فِيهِ إهْلاكَ نَفْسِهِ، ومُشارَكَةً لِلْقاتِلِ في إثْمِهِ، وإنَّما مَعْناهُ: ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ مُبْتَدِئًا، كَقَصْدِكَ ذَلِكَ مِنِّي، وكانَ هابِيلُ عازِمًا عَلى مُدافَعَتِهِ إذا قَصَدَ قَتَلَهُ، وإنَّما قَتَلَهُ فَتْكًا عَلى غَفْلَةِ مِنهُ. (إنِّي أخافُ) حِجازِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو.

المائدة 5:29

﴿إنِّي أُرِيدُ﴾ (إنِّيَ) مَدَنِيٌّ ﴿أنْ تَبُوءَ﴾ أنْ تَحْتَمِلَ، أوْ تَرْجِعَ، ﴿بِإثْمِي﴾ بِإثْمِ قَتْلِي إذا قَتَلْتَنِي ﴿وَإثْمِكَ﴾ الَّذِي لِأجْلِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُكَ. وهو عُقُوقُ الأبِ، والحَسَدُ، والحِقْدُ. وإنَّما أرادَ ذَلِكَ لِكُفْرِهِ بِرَدِّهِ قَضِيَّةَ اللهِ تَعالى، أوْ كانَ ظالِمًا، وجَزاءُ الظالِمِ جائِزٌ أنْ يُرادَ ﴿فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾

المائدة 5:30

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ فَوَسِعَتْهُ ويَسَّرَتْهُ، مِن طاعَ لَهُ المَرْتَعُ، إذا اتَّسَعَ. ﴿فَقَتَلَهُ﴾ عِنْدَ عَقَبَةِ حِراءَ، أوْ بِالبَصْرَةِ، والمَقْتُولُ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

المائدة 5:31

﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ﴾ أيِ: اللهُ، أوِ الغُرابُ. ﴿كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ عَوْرَةَ أخِيهِ، وما لا يَجُوزُ أنْ يَنْكَشِفَ مِن جَسَدِهِ. (p-٤٤٣)رُوِيَ: أنَّهُ أوَّلُ قَتِيلٍ قُتِلَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن بَنِي آدَمَ، ولَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ بِهِ، فَخافَ عَلَيْهِ السِباعَ، فَحَمَلَهُ في جِرابٍ عَلى ظَهْرِهِ سَنَةً حَتّى أرْوَحَ، وعَكَفَتْ عَلَيْهِ السِباعُ. فَبَعَثَ اللهُ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا، فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ فَحَفَرَ لَهُ بِمِنقارِهِ ورِجْلَيْهِ، ثُمَّ ألْقاهُ في الحُفْرَةِ، فَحِينَئِذٍ ﴿قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ﴾ عَطْفٌ عَلى "أكُونَ" ﴿سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النادِمِينَ﴾ عَلى قَتْلِهِ، لِما تَعِبَ فِيهِ مِن حَمْلِهِ، وتَحَيُّرِهِ في أمْرِهِ، ولَمْ يَنْدَمْ نَدَمَ التائِبِينَ، أوْ كانَ النَدَمُ تَوْبَةً لَنا خاصَّةً، أوْ عَلى حَمْلِهِ لا عَلى قَتْلِهِ. ورُوِيَ: أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ، وكانَ أبْيَضَ، فَسَألَهُ آدَمُ عَنْ أخِيهِ، فَقالَ: ما كُنْتُ عَلَيْهِ وكِيلًا، فَقالَ: بَلْ قَتَلْتَهُ، ولِذا اسْوَّدَ جَسَدُكَ، فالسُودانُ مِن ولَدِهِ. وما رُوِيَ أنَّ آدَمَ رَثاهُ بِشَعْرٍ فَلا يَصِحُّ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَعْصُومُونَ مِنَ الشِعْرِ.

المائدة 5:32

﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وبِعِلَّتِهِ. و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى القَتْلِ المَذْكُورِ، قِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِالآيَةِ الأُولى، فَيُوقَفُ عَلى ذَلِكَ، أيْ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النادِمِينَ﴾ لِأجْلِ حَمْلِهِ، ولِأجْلِ قَتْلِهِ. وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ، والوَقْفُ عَلى "النادِمِينَ" و"مِن" يَتَعَلَّقُ بِـ "كَتَبْنا"، لا بِـ "النادِمِينَ" ﴿كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ خَصَّهم بِالذِكْرِ وإنِ اشْتَرَكَ الكُلُّ في ذَلِكَ، لِأنَّ التَوْراةَ أوَّلُ كِتابٍ فِيهِ الأحْكامُ ﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا﴾ الضَمِيرُ لِلشَّأْنِ، و"مَن" شَرْطِيَّةٌ ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى نَفْسٍ، أيْ: بِغَيْرِ فَسادٍ في الأرْضِ، وهو الشِرْكُ، أوْ قَطْعُ الطَرِيقِ، أوْ كُلُّ فَسادٍ يُوجِبُ القَتْلَ. ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا﴾ أيْ: في الذَنْبِ، عَنِ الحَسَنِ، لِأنَّ قاتِلَ النَفْسِ جَزاؤُهُ جَهَنَّمُ، وغَضَبُ اللهِ عَلَيْهِ، والعَذابُ العَظِيمُ، ولَوْ قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا لَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ. ﴿وَمَن أحْياها﴾ ومِنَ اسْتَنْقَذَها مِن أسْبابِ الهَلَكَةِ مِن قَتْلٍ، أوْ غَرَقٍ، أوْ حَرْقٍ، أوْ هَدْمٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. ﴿فَكَأنَّما أحْيا الناسَ جَمِيعًا﴾ جَعَلَ قَتْلَ (p-٤٤٤)الواحِدِ كَقَتْلِ الجَمِيعِ، وكَذَلِكَ الإحْياءُ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، لِأنَّ المُتَعَرِّضَ لِقَتْلِ النَفْسِ إذا تَصَوَّرَ أنَّ قَتْلَها كَقَتْلِ الناسِ جَمِيعًا عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَثَبَّطَهُ. وكَذا الَّذِي أرادَ إحْياءَها إذا تَصَوَّرَ أنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ إحْياءِ جَمِيعِ الناسِ، رَغِبَ في إحْيائِها ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ﴾ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ، ﴿رُسُلُنا﴾ (رُسْلُنا) أبُو عَمْرٍو ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ بِالآياتِ الواضِحاتِ، ﴿ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بَعْدَما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ، أوْ بَعْدَ مَجِيءِ الرُسُلِ بِالآياتِ. ﴿فِي الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ في القَتْلِ، لا يُبالُونَ بِعَظَمَتِهِ.

المائدة 5:33

﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: أوْلِياءَ اللهِ، في الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ تَعالى: مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ" »﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ مُفْسِدِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ: لِلْفَسادِ، وخَبَرُ "جَزاءُ" ﴿أنْ يُقَتَّلُوا﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وأفادَ التَشْدِيدُ الواحِدَ بَعْدَ الواحِدِ، ومَعْناهُ: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا﴾ مِن غَيْرِ صَلْبٍ إنْ أفْرَدُوا القَتْلَ ﴿أوْ يُصَلَّبُوا﴾ مَعَ القَتْلِ إنْ جَمَعُوا بَيْنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ ﴿أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ إنْ أخَذُوا المالَ ﴿مِن خِلافٍ﴾ حالٌ مِنَ الأيْدِي والأرْجُلِ، أيْ: مُخْتَلِفَةً. ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ بِالحَبْسِ إذا لَمْ يَزِيدُوا عَلى الإخافَةِ ﴿ذَلِكَ﴾ المَذْكُورُ ﴿لَهم خِزْيٌ في الدُنْيا﴾ ذُلٌّ، وفَضِيحَةٌ ﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾

المائدة 5:34

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فَتَسْقُطُ عَنْهم هَذِهِ الحُدُودُ، (p-٤٤٥)لا ما هو حَقُّ العِبادِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ لَهم بِالتَوْبَةِ، ويَرْحَمُهم فَلا يُعَذِّبُهم.

المائدة 5:35

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾ فَلا تُؤْذُوا عِبادَ اللهِ ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ هي كُلُّ ما يُتَوَسَّلُ بِهِ، أيْ: يُتَقَرَّبُ مِن قَرابَةٍ، أوْ صَنِيعَةٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فاسْتُعِيرَتْ لِما يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى اللهِ تَعالى مِن فِعْلِ الطاعاتِ، وتَرْكِ السَيِّئاتِ ﴿وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

المائدة 5:36

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِن صُنُوفِ الأمْوالِ ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ وأنْفَقُوهُ ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ لِيَجْعَلُوهُ فِدْيَةً لِأنْفُسِهِمْ، و"لَوْ" مَعَ "ما" في حَيِّزِهِ خَبَرُ "إنَّ". ووُحِّدَ الراجِعُ في ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ وقَدْ ذُكِرَ شَيْئانِ، لِأنَّهُ أجْرى الضَمِيرَ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَفْتَدُواْ بِذَلِكَ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَلا سَبِيلَ لَهم إلى النَجاةِ بِوَجْهٍ.

المائدة 5:37

﴿يُرِيدُونَ﴾ يَطْلُبُونَ، أوْ يَتَمَنَّوْنَ ﴿أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ.

المائدة 5:38

﴿والسارِقُ والسارِقَةُ﴾ ارْتَفَعا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "و" فِيما يُتْلى عَلَيْكم " السارِق والسارِقَة ". أوِ الخَبَرُ ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ أيْ: يَدَيْهِما، والمُرادُ: اليَمِينانِ، بِدَلِيلِ قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِهِما مَعْنى الشَرْطِ، لِأنَّ المَعْنى: والَّذِي سَرَقَ، والَّتِي سَرَقَتْ ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ والِاسْمُ المَوْصُولُ يُضَمَّنُ مَعْنى الشَرْطِ، وبَدَأ بِالرَجُلِ لِأنَّ السَرِقَةَ مِنَ الجَراءَةِ، وهي في الرِجالِ أكْثَرُ، وأخَّرَ الزانِيَ، لِأنَّ الزِنا يَنْبَعِثُ مِنَ الشَهْوَةِ، وهي في النِساءِ أوْفَرُ، وقُطِعَتِ اليَدُ، لِأنَّها آلَةُ السَرِقَةِ، ولَمْ تُقْطَعْ آلَةُ الزِنا تَفادِيًا (p-٤٤٦)عَنْ قَطْعِ النَسْلِ ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ ﴿نَكالا مِنَ اللهِ﴾ أيْ: عُقُوبَةً مِنهُ، وهو بَدَلٌ مِن جَزاءٍ ﴿واللهُ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ، لا يُعارَضُ في حُكْمِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما حَكَمَ مِن قَطْعِ يَدِ السارِقِ والسارِقَةِ.

المائدة 5:39

﴿فَمَن تابَ﴾ مِنَ السُرّاقِ ﴿مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ سَرِقَتِهِ ﴿وَأصْلَحَ﴾ بِرَدِّ المَسْرُوقِ ﴿فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ ذَنْبَهُ، ويَرْحَمُهُ.

المائدة 5:40

﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾ يا مُحَمَّدُ، أوْ يا مُخاطَبُ ﴿أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ ﴿وَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ لِمَن تابَ عَنِ الكُفْرِ ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ التَعْذِيبِ، والمَغْفِرَةِ، وغَيْرِهِما. ﴿قَدِيرٌ﴾ قادِرٌ، وقَدَّمَ التَعْذِيبَ عَلى المَغْفِرَةِ هُنا لِتَقَدُّمِ السَرِقَةِ عَلى التَوْبَةِ.

المائدة 5:41

﴿يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ أيْ: لا تَهْتَمَّ، ولا تُبالِ بِمُسارَعَةِ المُنافِقِينَ في الكُفْرِ، أيْ: في إظْهارِهِ بِما يَلُوحُ مِنهم مَن آثارِ الكَيْدِ لِلْإسْلامِ، ومِن مُوالاةِ المُشْرِكِينَ، فَإنِّي ناصِرُكَ عَلَيْهِمْ، وكافِيكَ شَرَّهم. يُقالُ: أسْرَعَ فِيهِ الشَيْبُ، أيْ: وقَعَ فِيهِ سَرِيعًا، فَكَذَلِكَ مُسارَعَتُهم في الكُفْرِ وُقُوعُهم فِيهِ أسْرَعَ شَيْءٍ، إذا وجَدُوا فُرْصَةً لَمْ يُخْطِئُوها ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا﴾ تَبْيِينٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ ﴿آمَنّا﴾ مَفْعُولُ "قالُوا" ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "قالُوا" أيْ: قالُوا بِأفْواهِهِمْ: آمَنّا. ﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ واليَهُودِ، ويَرْتَفِعُ ﴿سَمّاعُونَ (p-٤٤٧)لِلْكَذِبِ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هم سَمّاعُونَ، والضَمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ، أوْ "سَمّاعُونَ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " مِنَ الَّذِينَ هادَوْا ". وعَلى هَذا يُوقَفُ عَلى "قُلُوبِهِمْ" وعَلى الأوَّلِ عَلى "هادُوا"، ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ يَسْمَعُونَ مِنكَ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ بِأنْ يَمْسَخُوا ما سَمِعُوا مِنكَ بِالزِيادَةِ، والنُقْصانِ، والتَبْدِيلِ، والتَغْيِيرِ. ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أيْ: سَمّاعُونَ مِنكَ لِأجْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ مِنَ اليَهُودِ وجَّهُوهم عُيُونًا، لِيُبَلِّغُوهم ما سَمِعُوا مِنكَ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أيْ: يُزِيلُونَهُ، ويُمِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللهُ فِيها، فَيُهْمِلُونَهُ بِغَيْرِ مَواضِعَ بَعْدَ أنْ كانَ ذا مَوْضِعٍ. ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ صِفَةٌ لِقَوْمٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هم يُحَرِّفُونَ، والضَمِيرُ مَرْدُودٌ عَلى لَفْظِ الكَلِمِ ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا﴾ المُحَرَّفَ المُزالَ عَنْ مَواضِعِهِ، و"يَقُولُونَ" مِثْلُ "يُحَرِّفُونَ". وجازَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يُحَرِّفُونَ". ﴿فَخُذُوهُ﴾ فاعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ، واعْمَلُوا بِهِ ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ وأفْتاكم مُحَمَّدٌ بِخِلافِهِ ﴿فاحْذَرُوا﴾ فَإيّاكم وإيّاهُ، فَهو الباطِلُ، رُوِيَ: «أنَّ شَرِيفًا زَنى بِشَرِيفَةٍ بِخَيْبَرَ، وهُما مُحْصَنانِ، وحَدُّهُما الرَجْمُ في التَوْراةِ، فَكَرِهُوا رَجْمَهُما لِشَرَفِهِما، فَبَعَثُوا رَهْطًا مِنهم لِيَسْألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وقالُوا: إنْ أمَرَكم بِالجَلْدِ والتَحْمِيمِ فاقْبَلُوا، وإنْ أمَرَكم بِالرَجْمِ فَلا تَقْبَلُوا، فَأمَرَهم بِالرَجْمِ، فَأبَوْا أنْ يَأْخُذُوا بِهِ »﴿وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ﴾ ضَلالَهُ. وهو حُجَّةٌ عَلى مَن يَقُولُ: يُرِيدُ اللهُ الإيمانَ، ولا يُرِيدُ الكُفْرَ. ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ قَطَعَ رَجاءَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنْ إيمانِ هَؤُلاءِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ عَنِ الكُفْرِ لِعِلْمِهِ مِنهُمُ اخْتِيارَ الكُفْرِ، وهو حُجَّةٌ لَنا عَلَيْهِمْ أيْضًا ﴿لَهم في الدُنْيا (p-٤٤٨)خِزْيٌ﴾ لِلْمُنافِقِينَ فَضِيحَةٌ، ولِلْيَهُودِ خِزْيَةٌ. ﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيِ: التَخْلِيدُ في النارِ.

المائدة 5:42

﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: هم سَمّاعُونَ، ومِثْلُهُ: ﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وهو كُلُّ ما لا يَحِلُّ كَسْبُهُ، وهو مَن سَحَتَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ، لِأنَّهُ مَسْحُوتُ البَرَكَةِ، وفي الحَدِيثِ هو « "الرِشْوَةُ في الحُكْمِ"، » وكانُوا يَأْخُذُونَ الرِشا عَلى الأحْكامِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ، وبِالتَثْقِيلِ مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ، وعَلِيٌّ. ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قِيلَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُخَيَّرًا إذا تَحاكَمَ إلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ بَيْنَ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم وبَيْنَ ألّا يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، وقِيلَ: نُسِخَ التَخْيِيرُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ [المائِدَةُ: ٤٩] ﴿وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ فَلَنْ يَقْدِرُوا عَلى الإضْرارِ بِكَ، لِأنَّ اللهَ تَعالى يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ ﴿وَإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ العادِلِينَ.

المائدة 5:43

﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَحْكِيمِهِمْ لِمَن لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وبِكِتابِهِ، مَعَ أنَّ الحُكْمَ مَنصُوصٌ في كِتابِهِمُ الَّذِي يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ. ﴿فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ حالٌ مِنَ "التَوْراةِ"، وهي مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ "عِنْدَهُمْ". ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى "يُحَكِّمُونَكَ". أيْ: ثُمَّ يُعْرِضُونَ مِن بَعْدِ تَحْكِيمِكَ عَنْ حُكْمِكَ المُوافِقِ لِما في كِتابِهِمْ، لا يَرْضَوْنَ بِهِ ﴿وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ بِكَ، أوْ بِكِتابِهِمْ كَما يَدَّعُونَ. (p-٤٤٩)

المائدة 5:44

﴿إنّا أنْـزَلْنا التَوْراةَ فِيها هُدًى﴾ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴿وَنُورٌ﴾ يُبَيِّنُ ما اسْتُبْهِمَ مِنَ الأحْكامِ ﴿يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ انْقادُوا لِحُكْمِ اللهِ في التَوْراةِ، وهو صِفَةٌ أُجْرِيَتْ لِلنَّبِيِّينَ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ، وأُرِيدَ بِإجْرائِها التَعْرِيضُ بِاليَهُودِ، لِأنَّهم بُعَداءُ مِن مِلَّةِ الإسْلامِ، الَّتِي هي دِينُ الأنْبِياءِ كُلِّهِمْ. ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، واللامُ يَتَعَلَّقُ بِـ "يَحْكُمُ". ﴿والرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى "النَبِيُّونَ"، أيِ: الزُهّادُ والعُلَماءُ ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا﴾ اسْتُودِعُوا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " بِها" في ﴿يَحْكُمُ بِها﴾ ﴿مِن كِتابِ اللهِ﴾ مِنَ التَبْيِينِ، والضَمِيرُ في "اسْتُحْفِظُوا" لِلْأنْبِياءِ، والرَبّانِيِّينَ، والأحْبارِ جَمِيعًا، ويَكُونُ الِاسْتِحْفاظُ مِنَ اللهِ، أيْ: كَلَّفَهُمُ اللهُ حِفْظَهُ. أوْ لِـ "الرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ" ويَكُونُ الِاسْتِحْفاظُ مِنَ الأنْبِياءِ ﴿وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ رُقَباءَ لِئَلّا يُبَدَّلَ ﴿فَلا تَخْشَوُا الناسَ﴾ نَهْيٌ لِلْحُكّامِ عَنْ خَشْيَتِهِمْ غَيْرَ اللهِ في حُكُوماتِهِمْ، وإمْضائِها عَلى خِلافِ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ العَدْلِ خَشْيَةَ سُلْطانٍ ظالِمٍ، أوْ خِيفَةَ أذِيَّةِ أحَدٍ. ﴿واخْشَوْنِ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِي، وبِالياءِ فِيهِما سَهْلٌ، وافَقَهُ أبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾ ولا تَسْتَبْدِلُوا بِآياتِ اللهِ وأحْكامِهِ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ وهو الرِشْوَةُ، وابْتِغاءُ الجاهِ، ورِضا الناسِ ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ مُسْتَهِينًا بِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: مَن لَمْ يَحْكم جاحِدًا فَهو كافِرٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جاحِدًا فَهو فاسِقٌ ظالِمٌ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: هو عامٌّ في اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ.

المائدة 5:45

﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ وفَرَضْنا عَلى اليَهُودِ في التَوْراةِ ﴿أنَّ النَفْسَ﴾ (p-٤٥٠)مَأْخُوذَةٌ ﴿بِالنَفْسِ﴾ مَقْتُولَةٌ بِها إذا قَتَلَتْها بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿والعَيْنَ﴾ مَفْقُوءَةٌ ﴿بِالعَيْنِ والأنْفَ﴾ مَجْدُوعٌ ﴿بِالأنْفِ والأُذُنَ﴾ مَقْطُوعَةٌ ﴿بِالأُذُنِ والسِنَّ﴾ مَقْلُوعَةٌ ﴿بِالسِنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ أيْ: ذاتُ قِصاصٍ، وهو المُقاصَّةُ، ومَعْناهُ: ما يُمْكِنُ فِيهِ القِصاصَ، وإلّا فَحُكُومَةُ عَدْلٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: كانُوا لا يَقْتُلُونَ الرَجُلَ بِالمَرْأةِ، فَنَزَلَتْ. وقَوْلُهُ: ﴿أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالذِمِّيِّ، والرَجُلُ بِالمَرْأةِ، والحُرُّ بِالعَبْدِ. نَصَبَ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ المَعْطُوفاتِ كُلَّها لِلْعَطْفِ عَلى ما عَمِلَتْ فِيهِ "أنَّ"، ورَفَعَها عَلِيٌّ لِلْعَطْفِ عَلى مَحَلِّ "أنَّ النَفْسَ"، لِأنَّ المَعْنى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ النَفْسُ بِالنَفْسِ إجْراءً لِكَتَبْنا مَجْرى قُلْنا، ونَصَبَ الباقُونَ الكُلَّ، ورَفَعُوا "الجُرُوحَ". و(الأُذْنَ) بِسُكُونِ الذالِ حَيْثُ كانَ نافِعٌ والباقُونَ بِضَمِّها. وهُما لُغَتانِ كالسُحْتِ، والسُحُتِ. ﴿فَمَن تَصَدَّقَ﴾ مِن أصْحابِ الحَقِّ ﴿بِهِ﴾ بِالقِصاصِ، وعَفا عَنْهُ ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ فالتَصَدُّقُ بِهِ كَفّارَةٌ لِلْمُتَصَدِّقِ بِإحْسانِهِ. قالَ ﷺ: « "مَن تَصَدَّقَ بِدَمٍ فَما دُونَهُ كانَ كَفّارَةً لَهُ مِن يَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ" »﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ بِالِامْتِناعِ عَنْ ذَلِكَ.

المائدة 5:46

﴿وَقَفَّيْنا﴾ مَعْنى قَفَّيْتُ الشَيْءَ بِالشَيْءِ: جَعَلْتَهُ في أثَرِهِ كَأنَّهُ جُعِلَ في قَفاهُ يُقالُ: قَفاهُ يَقْفُوهُ: إذا تَبِعَهُ ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ عَلى آثارِ النَبِيِّينَ الَّذِينَ أسْلَمُوا ﴿بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا﴾ هو حالٌ مِن عِيسى ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ﴾ أيْ: ﴿وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ ثابِتًا ﴿فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا﴾ فَنَصْبُ "مُصَدِّقًا" بِالعَطْفِ عَلى ثابِتًا الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ "فِيهِ" وقامَ مَقامَهُ فِيهِ. وارْتَفَعَ "هُدًى ونُورٌ" بِـ "ثابِتًا" الَّذِي قامَ مَقامَهُ "فِيهِ" (p-٤٥١)﴿وَهُدًى ومَوْعِظَةً﴾ انْتَصَبا عَلى الحالِ، أيْ:هادِيًا واعِظًا ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ لِأنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِهِ.

المائدة 5:47

﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْـزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ وقُلْنا لَهُمُ: احْكُمُوا بِمُوجِبِهِ، فاللامُ لامُ الأمْرِ، وأصْلُهُ الكَسْرُ، وإنَّما سُكِّنَ اسْتِثْقالًا لِفَتْحَةٍ وكَسْرَةٍ وفَتْحَةٍ، (وَلِيَحْكُمَ) بِكَسْرِ اللامِ وفَتْحِ المِيمِ: حَمْزَةُ، عَلى أنَّها لامُ كَيْ، أيْ: وقَفَّيْنا لِيُؤْمِنُوا، ولِيَحْكُمَ ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ الخارِجُونَ عَنِ الطاعَةِ. قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى الجُحُودِ في الثَلاثِ، فَيَكُونَ كافِرًا، ظالِمًا، فاسِقًا، لِأنَّ الفاسِقَ المُطْلَقَ، والظالِمَ المُطْلَقَ هو الكافِرُ. وقِيلَ: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ فَهو كافِرٌ بِنِعْمَةِ اللهِ، ظالِمٌ في حُكْمِهِ، فاسِقٌ في فِعْلِهِ.

المائدة 5:48

﴿وَأنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القُرْآنَ. فَحَرْفُ التَعْرِيفِ فِيهِ لِلْعَهْدِ ﴿بِالحَقِّ﴾ بِسَبَبِ الحَقِّ، وإثْباتِهِ، وتَبْيِينِ الصَوابِ مِنَ الخَطَأِ ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لِما تَقَدَّمَهُ نُزُولًا. وإنَّما قِيلَ لِما قَبْلَ الشَيْءِ: هو بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأنَّ ما تَأخَّرَ عَنْهُ يَكُونُ وراءَهُ وخَلْفَهُ، فَما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ يَكُونُ قُدّامَهُ، وبَيْنَ يَدَيْهِ. ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ المُرادُ بِهِ جِنْسُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، لِأنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِجَمِيعِ كُتُبِ اللهِ، فَكانَ حَرْفُ التَعْرِيفِ فِيهِ لِلْجِنْسِ. ومَعْنى تَصْدِيقِهِ الكُتُبَ: مُوافَقَتُها في التَوْحِيدِ والعِبادَةِ ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنْبِياءُ: ٢٥] ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ وشاهِدًا، لِأنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالصِحَّةِ، والثَباتِ. ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ أيْ: بِما في القُرْآنِ ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ نَهى أنْ يَحْكُمَ بِما حَرَّفُوهُ، وبَدَّلُوهُ اعْتِمادًا عَلى قَوْلِهِمْ، ضُمِّنَ ﴿وَلا تَتَّبِعْ﴾ مَعْنى: ولا تَنْحَرِفْ، فَلِذا عُدِّيَ بِعْنَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: (p-٤٥٢)وَلا تَنْحَرِفْ ﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ مُتَّبِعًا أهْواءَهُمْ، أوِ التَقْدِيرُ: عادِلًا ﴿عَمّا جاءَكَ﴾ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكُمْ﴾ أيُّها الناسُ ﴿شِرْعَةً﴾ شَرِيعَةً ﴿وَمِنهاجًا﴾ وطَرِيقًا واضِحًا، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ: إنَّ شَرِيعَةَ مَن قَبْلْنا لا تَلْزَمُنا، ذَكَرَ اللهُ إنْزالَ التَوْراةِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ إنْزالَ الإنْجِيلِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لِلسَّماعِ فَحَسْبُ، بَلْ لِلْحُكْمِ بِهِ، فَقالَ في الأوَّلِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ﴾ وفي الثانِي: ﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ﴾ وفي الثالِثِ: ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ جَماعَةً مُتَّفِقَةً عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ ﴿وَلَكِنْ﴾ أرادَ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ ﴿فِي ما آتاكُمْ﴾ مِنَ الشَرائِعِ المُخْتَلِفَةِ، فَتَعَبَّدَ كُلَّ أُمَّةٍ بِما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ فابْتَدِرُوها، وسابِقُوا نَحْوَها قَبْلَ الفَواتِ بِالوَفاةِ، والمُرادُ بِالخَيْراتِ: كُلُّ ما أمَرَ اللهُ تَعالى بِهِ ﴿إلى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَعْلِيلِ لِاسْتِباقِ الخَيْراتِ ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَجْرُورِ، والعامِلُ: المَصْدَرُ المُضافُ، لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ: إلَيْهِ تُرْجَعُونَ. ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُخْبِرُكم بِما لا تَشُكُّونَ مَعَهُ مِنَ الجَزاءِ الفاصِلِ بَيْنَ مُحِقِّكُمْ، ومُبْطِلِكُمْ، وعامِلِكُمْ، ومُفَرِّطِكم في العَمَلِ.

المائدة 5:49

﴿وَأنِ احْكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "بِالحَقِّ" أيْ: ﴿وَأنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ وبِأنِ احْكم ﴿بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ﴾ أيْ: يَصْرِفُوكَ، وهو مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: مَخافَةَ أنْ يَفْتِنُوكَ، وإنَّما حَذَّرَهُ -وَهُوَ رَسُولٌ مَأْمُونٌ- لِقَطْعِ أطْماعِ القَوْمِ، ﴿عَنْ بَعْضِ ما أنْـزَلَ اللهُ إلَيْكَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللهُ إلَيْكَ، وأرادُوا غَيْرَهُ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: بِذَنْبِ التَوَلِّي عَنْ حُكْمِ اللهِ، وإرادَةِ خِلافِهِ، فَوَضَعَ ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ مَوْضِعَ ذَلِكَ، وهَذا الإبْهامُ لِتَعْظِيمِ التَوَلِّي، وفِيهِ تَعْظِيمُ الذُنُوبِ، فَإنَّ بَعْضَها مُهْلِكٌ، (p-٤٥٣)فَكَيْفَ بِكُلِّها؟! ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ لَفاسِقُونَ﴾ لَخارِجُونَ عَنْ أمْرِ اللهِ.

المائدة 5:50

﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ يَطْلُبُونَ، وبِالتاءِ: شامِيٌّ، يُخاطِبُ بَنِي النَضِيرِ في تَفاضُلِهِمْ عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وقَدْ قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "القَتْلى سَواءٌ"، فَقالَ بَنُو النَضِيرِ: نَحْنُ لا نَرْضى بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. » وسُئِلَ طاوُوسٌ عَنِ الرَجُلِ يُفَضِّلُ بَعْضَ ولَدِهِ عَلى بَعْضٍ، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وناصِبُ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ﴾ "يَبْغُونَ" ﴿وَمَن أحْسَنُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وهو اسْتِفْهامٌ في مَعْنى النَفْيِ، أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ ﴿مِنَ اللهِ حُكْمًا﴾ هو تَمْيِيزٌ. ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ اللامُ لِلْبَيانِ، كاللامِ في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يُوسُفُ: ٢٣]. أيْ: هَذا الخِطابُ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَتَبَيَّنُونَ: أنْ لا أعْدَلَ مِنَ اللهِ، ولا أحْسَنَ حُكْمًا مِنهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى "لِقَوْمٍ": عِنْدَ قَوْمٍ، لِأنَّ اللامَ و"عِنْدَ" يَتَقارَبانِ في المَعْنى.

المائدة 5:51

وَنَزَلَ نَهْيًا عَنْ مُوالاةِ أعْداءِ الدِينِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَصارى أوْلِياءَ﴾ أيْ: لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ تَنْصُرُونَهُمْ، وتَسْتَنْصِرُونَهُمْ، وتُؤاخُونَهُمْ، وتُعاشِرُونَهم مُعاشَرَةَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ عَلَّلَ النَهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وكُلُّهم أعْداءُ المُؤْمِنِينَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ مِن جُمْلَتِهِمْ، وحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ، وهَذا تَغْلِيظٌ مِنَ اللهِ وتَشْدِيدٌ في وُجُوبِ مُجانَبَةِ المُخالِفِ في الدِينِ ﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ لا يُرْشِدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمُوالاةِ الكَفَرَةِ.

المائدة 5:52

﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ نِفاقٌ ﴿يُسارِعُونَ﴾ حالٌ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ "فَتَرى" مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، أوِ القَلْبِ. ﴿فِيهِمْ﴾ في (p-٤٥٤)مُعاوَنَتِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ، ومُوالاتِهِمْ ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ: في أنْفُسِهِمْ، لِقَوْلِهِ: ﴿عَلى ما أسَرُّوا﴾ ﴿نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ أيْ: حادِثَةٌ تَدُورُ بِالحالِ، الَّتِي يَكُونُونَ عَلَيْها ﴿فَعَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى أعْدائِهِ، وإظْهارِ المُسْلِمِينَ ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ: يُؤْمَرُ النَبِيُّ ﷺ بِإظْهارِ إسْرارِ المُنافِقِينَ، وقَتْلِهِمْ ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ أيِ: المُنافِقُونَ ﴿عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ النِفاقِ ﴿نادِمِينَ﴾ خَبَرٌ ﴿فَيُصْبِحُوا﴾

المائدة 5:53

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ ذَلِكَ. (وَيَقُولَ) بَصْرِيٌّ عَطْفًا عَلى ﴿أنْ يَأْتِيَ﴾ (يَقُولُ) بِغَيْرِ واوٍ شامِيٌّ، وحِجازِيٌّ، عَلى أنَّهُ جَوابُ قائِلٍ يَقُولُ، فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: " يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا " ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ أيْ: أقْسَمُوا لَكم بِأغْلاظِ الأيْمانِ أنَّهم أوْلِياؤُكُمْ، ومُعاضِدُوكم عَلى الكُفّارِ، و﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ في تَقْدِيرِ الحالِ، أيْ: مُجْتَهِدِينَ في تَوْكِيدِ أيْمانِهِمْ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ ضاعَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوها رِياءً وسُمْعَةً، لا إيمانًا وعَقِيدَةً، وهَذا مِن قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ شَهادَةٌ لَهم بِحُبُوطِ الأعْمالِ، لَهم وتَعْجِيبًا مِن سُوءِ حالِهِمْ ﴿فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ في الدُنْيا، والعُقْبى لِفَواتِ المَعُونَةِ، ودَوامِ العُقُوبَةِ.

المائدة 5:54

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ مِن يَرْجِعْ مِنكم عَنْ دِينِ الإسْلامِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ. (يَرْتَدِدْ): مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ يَرْضى عَنْهم أعْمالَهُمْ، ويُثْنِي عَلَيْهِمْ بِها، ويُطِيعُونَهُ، ويُؤْثِرُونَ رِضاهُ. وفِيهِ دَلِيلُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، حَيْثُ أخْبَرَهم بِما لَمْ يَكُنْ فَكانَ، وإثْباتُ خِلافَةِ الصِدِّيقِ، لِأنَّهُ جاهَدَ المُرْتَدِّينَ، وفي صِحَّةِ خِلافَتِهِ وخِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما. «وَسُئِلَ النَبِيُّ ﷺ عَنْهُمْ، فَضَرَبَ عَلى عاتِقِ (p-٤٥٥)سَلْمانَ وقالَ: "هَذا وذَوُوهُ، لَوْ كانَ الإيمانُ مُعَلَقًّا بِالثُرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن أبْناءِ فارِسَ". » والراجِعُ مِنَ الجَزاءِ إلى الِاسْمِ المُتَضَمَّنِ لِمَعْنى الشَرْطِ مَحْذُوفٌ، مَعْناهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ﴾ مَكانَهم ﴿أذِلَّةٍ﴾ جَمْعُ ذَلِيلٍ، وأمّا ذَلُولٌ فَجَمْعُهُ: ذُلُلٌ. ومَن زَعَمَ أنَّهُ مِنَ الذِلِ، الَّذِي هو ضِدُّ الصُعُوبَةِ، فَقَدْ سَها، لِأنَّ ذَلُولًا لا يُجْمَعُ عَلى أذِلَّةٍ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الذُلُّ ضِدُّ العِزِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُلِّ، وقَوْمٌ أذِلّاءُ، وأذِلَّةٌ. والذِلُّ بِالكَسْرِ-: اللِينُ، وهو ضِدُّ الصُعُوبَةِ، يُقالُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ، ودَوابُّ ذُلُلٌ. ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لِلْمُؤْمِنِينَ، لِتَضَمُّنِ الذُلِّ مَعْنى الحُنُوِّ والعَطْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عاطِفِينَ عَلَيْهِمْ، عَلى وجْهِ التَذَلُّلِ، والتَواضُعِ. ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ أشِدّاءُ عَلَيْهِمْ، والعَزازُ: الأرْضُ الصُلْبَةُ، فَهم مَعَ المُؤْمِنِينَ كالوَلَدِ لِوالِدِهِ، والعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، ومَعَ الكافِرِينَ كالسَبُعِ عَلى فَرِيسَتِهِ. ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ يُقاتِلُونَ الكُفّارَ، وهو صِفَةٌ لِقَوْمٍ كَـ: يُحِبُّهُمْ، وأعِزَّةٍ، وأذِلَّةٍ. ﴿وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ الواوُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْحالِ، أيْ: يُجاهِدُونَ وحالُهم في المُجاهَدَةِ خِلافُ حالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّهم كانُوا مُوالِينَ لِلْيَهُودِ، فَإذا خَرَجُوا في جَيْشِ المُؤْمِنِينَ خافُوا أوْلِياءَهُمُ اليَهُودَ، فَلا يَعْمَلُونَ شَيْئًا مِمّا يَعْلَمُونَ أنَّهُ يَلْحَقُهم فِيهِ لَوْمٌ مِن جِهَتِهِمْ. وأمّا المُؤْمِنُونَ فَمُجاهَدَتُهم لِلَّهِ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، وأنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ، أيْ: مِن صِفَتِهِمُ المُجاهِدَةُ في سَبِيلِ اللهِ، وهم صِلابٌ في دِينِهِمْ إذا شَرَعُوا في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِينِ، لا تَزَعُهم لَوْمَةُ لائِمٍ، واللَوْمَةُ: المَرَّةُ مِنَ اللَوْمِ، وفِيها وفي التَنْكِيرِ مُبالَغَتانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَخافُونَ شَيْئًا قَطُّ مِن لَوْمٍ واحِدٍ مِنَ اللُوّامِ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما وصَفَ بِهِ القَوْمَ مِنَ المَحَبَّةِ، والذِلَّةِ، والعِزَّةِ، والمُجاهَدَةِ، وانْتِفاءِ خَوْفَ اللَوْمَةِ ﴿فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ﴾ كَثِيرُ الفَواضِلِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِمَن هو مِن أهْلِها. (p-٤٥٦)

المائدة 5:55

عَقِبَ النَهْيِ عَنْ مُوالاةِ مَن تَجِبُ مُعاداتِهِمْ، ذَكَرَ مَن تَجِبُ مُوالاتُهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ و"إنَّما" يُفِيدُ اخْتِصاصَهم بِالمُوالاةِ، ولَمْ يُجْمَعِ الوَلِيُّ -وَإنْ كانَ المَذْكُورُ جَماعَةً- تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الوِلايَةَ لِلَّهِ أصْلٌ، ولِغَيْرِهِ تَبَعٌ، ولَوْ قِيلَ: إنَّما أوْلِياؤُكُمُ اللهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ أصْلٌ وتَبَعٌ، ومَحَلُّ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ﴾ الرَفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ "الَّذِينَ آمَنُوا"، أوْ عَلى "هُمُ الَّذِينَ"، أوِ النَصْبُ عَلى المَدْحِ. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَكاةَ﴾ والواوُ في ﴿وَهم راكِعُونَ﴾ لِلْحالِ، أيْ: يُؤْتُونَها في حالِ رُكُوعِهِمْ في الصَلاةِ، قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ سَألَهُ سائِلٌ وهو راكِعٌ في صِلاتِهِ، فَطَرَحَ لَهُ خاتَمَهُ، كَأنَّهُ كانَ مَرِجًا في خِنْصَرِهِ، فَلَمْ يَتَكَلَّفْ لِخَلْعِهِ كَثِيرَ عَمَلٍ يُفْسِدُ صِلاتِهِ. ووَرَدَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وإنْ كانَ السَبَبُ فِيهِ واحِدًا تَرْغِيبًا لِلنّاسِ في مِثْلِ فِعْلِهِ لِيَنالُوا مِثْلَ ثَوابِهِ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ الصَدَقَةِ في الصَلاةِ، وعَلى أنَّ الفِعْلَ القَلِيلَ لا يُفْسِدُ الصَلاةَ.

المائدة 5:56

﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَتَّخِذْهُ ولِيًّا، أوْ يَكُنْ ولِيًّا ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن إقامَةِ الظاهِرِ مَقامَ الضَمِيرِ، أيْ: فَإنَّهم هُمُ الغالِبُونَ، أوِ المُرادُ بِحِزْبِ اللهِ: الرَسُولُ والمُؤْمِنُونَ، أيْ: ومَن يَتَوَلَّهم فَقَدْ تَوَلّى حِزْبَ اللهِ، واعْتَضَدَ بِمَن لا يُغالَبُ، وأصْلُ الحِزْبِ: القَوْمُ يَجْتَمِعُونَ لِأمْرِ حِزْبِهِمْ، أيْ: أصابَهم.

المائدة 5:57

وَرُوِيَ أنَّ رِفاعَةَ بْنَ زَيْدٍ، وسُوَيْدَ بْنَ الحَرْثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ، ثُمَّ نافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَنَزَلَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ يَعْنِي: اتِّخاذُهم دِينَكم هُزُوًا ولِعَبًا لا يَصِحُّ أنْ يُقابَلَ بِاتِّخاذِكم إيّاهم أوْلِياءَ، بَلْ يُقابَلُ ذَلِكَ بِالبَغْضاءِ، والمُنابَذَةِ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا (p-٤٥٧)الكِتابَ﴾ "مِن" لِلْبَيانِ ﴿مِن قَبْلِكم والكُفّارَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ، وهو عَطْفٌ عَلى "الَّذِينَ" المَنصُوبَةِ، و(الكُفّارِ) بَصْرِيٌّ، وعَلِيٌّ، عَطْفٌ عَلى الَّذِينَ المَجْرُورَةِ، أيْ: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مَن قَبْلِكُمْ، ومِنَ الكُفّارِ ﴿أوْلِياءَ واتَّقُوا اللهَ﴾ في مُوالاةِ الكُفّارِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ حَقًّا، لِأنَّ الإيمانَ حَقًّا يَأْبى مُوالاةَ أعْداءِ الدِينِ.

المائدة 5:58

﴿وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَلاةِ اتَّخَذُوها﴾ أيِ: الصَلاةَ، أوِ المُناداةَ. ﴿هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّ لَعِبَهم وهُزُؤُهم مِن أفْعالِ السُفَهاءِ والجَهَلَةِ، فَكَأنَّهم لا عَقْلَ لَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ الأذانِ بِنَصْبِ الكِتابِ، لا بِالمَنامِ وحْدَهُ.

المائدة 5:59

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي: هَلْ تَعِيبُونَ مِنّا، وتُنْكِرُونَ إلّا الإيمانَ بِاللهِ، وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ كُلِّها؟! ﴿وَأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ بِاللهِ، وما أُنْزِلَ، وبِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ. والمَعْنى: أعادَيْتُمُونا لِأنّا اعْتَقَدْنا تَوْحِيدَ اللهِ، وصِدْقَ أنْبِيائِهِ، وفِسْقَكم لِمُخالَفَتِكم لَنا في ذَلِكَ؟! ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ، أيْ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ بِاللهِ، مَعَ أنَّكم فاسِقُونَ.

المائدة 5:60

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ﴾ أيْ: ثَوابًا، وهو نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، والمَثُوبَةُ وإنْ كانَتْ مُخْتَصَّةً بِالإحْسانِ، ولَكِنَّها وُضِعَتْ مَوْضِعَ العُقُوبَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] وكانَ اليَهُودُ يَزْعُمُونَ أنَّ المُسْلِمِينَ مُسْتَوْجِبُونَ لِلْعُقُوبَةِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللهُ﴾ شَرٌّ عُقُوبَةً في الحَقِيقَةِ مِن أهْلِ الإسْلامِ في زَعْمِكم. و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى المُتَقَدِّمِ، أيْ: (p-٤٥٨)الإيمانِ، أيْ: بِشَرٍّ مِمّا نَقَمْتُمْ مِن إيمانِنا ثَوابًا، أيْ: جَزاءً، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ مُضافٍ قَبْلَهُ، أوْ قَبْلَ "مِن" تَقْدِيرُهُ: بِشَرٍّ مِن أهْلِ ذَلِكَ، أوْ دِينِ مَن لَعَنَهُ اللهُ، ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ﴾ يَعْنِي: أصْحابَ السَبْتِ ﴿والخَنازِيرَ﴾ أيْ: كُفّارَ أهْلِ مائِدَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، أوْ كِلا المَسْخَيْنِ مِن أصْحابِ السَبْتِ، فَشُبّانُهم مُسِخُوا قِرَدَةً، ومَشايِخُهم مُسِخُوا خَنازِيرَ ﴿وَعَبَدَ الطاغُوتَ﴾ أيِ: العِجْلَ، أوِ الشَيْطانَ، لِأنَّ عِبادَتَهُمُ العَجَلَ بِتَزْيِينِ الشَيْطانِ، وهو عَطْفٌ عَلى صِلَةِ مَن، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن عَبَدَ الطاغُوتَ (وَعَبِدَ الطاغُوتِ) حَمْزَةُ، جَعَلَهُ اسْمًا مَوْضُوعًا لِلْمُبالَغَةِ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ حَذِرٌ، وفَطِنٌ، لِلْبَلِيغِ في الحَذَرِ، والفِطْنَةِ. وهو مَعْطُوفٌ عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، أيْ: جَعَلَ اللهُ مِنهم عَبِدَ الطاغُوتِ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَمْسُوخُونَ، المَلْعُونُونَ. ﴿شَرٌّ مَكانًا﴾ جُعِلَتِ الشِرارَةُ لِلْمَكانِ، وهي لِأهْلِهِ مُبالَغَةً. ﴿وَأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَبِيلِ﴾ عَنْ قَصْدِ الطَرِيقِ المُوصِلِ إلى الجَنَّةِ.

المائدة 5:61

وَنَزَلَ في ناسٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَبِيِّ ﷺ، ويُظْهِرُونَ لَهُ الإيمانَ نِفاقًا: ﴿وَإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ الباءُ لِلْحالِ، أيْ: دَخَلُوا كافِرِينَ، وخَرَجُوا كافِرِينَ، وتَقْدِيرُهُ: مُلْتَبِسِينَ بِالكُفْرِ، وكَذَلِكَ "قَدّ دَخَلُوا "، ﴿وَهم قَدْ خَرَجُوا﴾ ولِذا دَخَلَتْ "قَدْ" تَقْرِيبًا لِلْماضِي مِنَ الحالِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا آمَنّا، أيْ: قالُوا ذَلِكَ وهَذِهِ حالُهم ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ مِنَ النِفاقِ.

المائدة 5:62

﴿وَتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ مِنَ اليَهُودِ ﴿يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ الكَذِبِ ﴿والعُدْوانِ﴾ الظُلْمِ، أوِ الإثْمُ: ما يُخْتَصُّ بِهِمْ، والعُدْوانُ: ما يَتَعَدّاهم إلى غَيْرِهِمْ، والمُسارَعَةُ في الشَيْءِ: الشُرُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ ﴿وَأكْلِهِمُ السُحْتَ﴾ الحَرامَ ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَبِئْسَ شَيْئًا عَمِلُوهُ. (p-٤٥٩)

المائدة 5:63

﴿لَوْلا﴾ هَلّا، وهو تَحْضِيضٌ. ﴿يَنْهاهُمُ الرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ هَذا ذَمٌّ لِلْعُلَماءِ، والأوَّلُ لِلْعامَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: هي أشَدُّ آيَةٍ في القُرْآنِ، حَيْثُ أُنْزِلَ تارِكُ النَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَنزِلَةَ مُرْتَكِبِ المُنْكَرِ في الوَعِيدِ.

المائدة 5:64

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ -لَعَنَهُمُ اللهُ- لَمّا كَذَّبُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كَفَّ اللهُ ما بَسَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَعَةِ، وكانُوا مِن أكْثَرِ الناسِ مالًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فَنُحاصُ: يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ، ورَضِيَ بِقَوْلِهِ الآخَرُونَ، فَأُشْرِكُوا فِيهِ. وغَلُّ اليَدِ وبَسْطُها: مَجازٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسْراءُ: ٢٩] ولا يَقْصِدُ المُتَكَلِّمُ بِهِ إثْباتَ يَدٍ، ولا غَلٍّ، ولا بَسْطٍ، حَتّى إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في مَلَكٍ يُعْطِي ويَمْنَعُ بِالإشارَةِ مِن غَيْرِ اسْتِعْمالِ اليَدِ، ولَوْ أعْطى الأقْطَعُ إلى المَنكِبِ عَطاءً جَزْلًا لَقالُوا: ما أبْسَطَ يَدَهُ بِالنَوالِ! وقَدِ اسْتُعْمِلَ حَيْثُ لا تَصِحُّ اليَدُ، يُقالُ: بَسَطَ البَأْسُ كَفَّيْهِ في صَدْرِي، فَجَعَلَ لِلْبَأْسِ -الَّذِي هو مِنَ المَعانِي- كَفّانِ. ومَن لَمْ يَنْظُرْ في عِلْمِ البَيانِ يَتَحَيَّرْ في تَأْوِيلِ أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ، ومِن ثَمَّ كانُوا أبْخَلَ خَلْقِ اللهِ، أوْ تُغَلُّ في جَهَنَّمَ، فَهي كَأنَّها غُلَّتْ، وإنَّما ثُنِّيَتِ اليَدُ في ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ وهي مُفْرَدَةٌ في قَوْلِهِمْ: " يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ "، لِيَكُونَ رَدُّ قَوْلِهِمْ وإنْكارُهُ أبْلَغَ، وأدَلَّ عَلى إثْباتِ غايَةِ السَخاءِ لَهُ، ونَفْيِ البُخْلِ عَنْهُ، فَغايَةُ ما يَبْذُلُهُ السَخِيُّ أنْ يُعْطِيَهُ بِيَدَيْهِ ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْوَصْفِ بِالسَخاءِ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُنْفِقُ إلّا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ مِنَ اليَهُودِ ﴿ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: يَزْدادُونَ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ لِحَسَدِهِمْ، تَمادِيًا في الجُحُودِ، وكُفْرًا بِآياتِ اللهِ، وهَذا مِن إضافَةِ الفِعْلِ إلى السَبَبِ، كَما (p-٤٦٠)قالَ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التَوْبَةُ: ١٢٥] ﴿وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَكَلِمُهم أبَدًا مُخْتَلِفٌ، وقُلُوبُهم شَتّى، لا يَقَعُ بَيْنَهُمُ اتِّفاقٌ، ولا تَعاضُدٌ. ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ﴾ كُلَّما أرادُوا مُحارَبَةَ أحَدٍ غُلِبُوا وقُهِرُوا، لَمْ يَقُمْ لَهم نَصْرٌ مِنَ اللهِ عَلى أحَدٍ قَطُّ، وقَدْ أتاهُمُ الإسْلامُ وهم في مِلْكِ المَجُوسِ. وقِيلَ: كُلَّما حارَبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ نُصِرَ عَلَيْهِمْ. عَنْ قَتادَةَ: لا تَلْقى يَهُودِيًّا في بَلَدٍ إلّا وقَدْ وجَدْتَهُ مِن أذَلِّ الناسِ ﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ ويَجْتَهِدُونَ في دَفْعِ الإسْلامِ، ومَحْوِ ذِكْرِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن كُتُبِهِمْ ﴿واللهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾

المائدة 5:65

﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا﴾ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وبِما جاءَ بِهِ مَعَ ما عَدَّدْنا مِن سَيِّئَآتِهِمْ ﴿واتَّقَوْا﴾ أيْ: وقَرَنُوا إيمانَهم بِالتَقْوى ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ولَمْ نُؤاخِذْهم بِها ﴿وَلأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ مَعَ المُسْلِمِينَ.

المائدة 5:66

﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ: أقامُوا أحْكامَهُما، وحُدُودَهُما، وما فِيهِما مِن نَعْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿وَما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ مِن سائِرِ كُتُبِ اللهِ، لِأنَّهم مُكَلَّفُونَ الإيمانَ بِجَمِيعِها، فَكَأنَّها أُنْزِلَتْ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ يَعْنِي: الثِمارَ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمْ ﴿وَمِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي: الزُرُوعَ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ التَوْسِعَةِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ في النِعْمَةِ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ بِطاعَةِ اللهِ تَعالى سَبَبٌ لِسَعَةِ الرِزْقِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَماءِ والأرْضِ﴾ [الأعْرافُ: ٦٦] ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَلاقُ: ٢- ٣] ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ الآياتُ (p-٤٦١)[نُوحٌ: ١٠ وما بَعْدَها] ﴿وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَرِيقَةِ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجِنُّ: ١٦] ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ طائِفَةٌ حالُها أمَمٌ في عَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وقِيلَ: هي الطائِفَةُ المُؤْمِنَةُ، وهم عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وأصْحابُهُ، وثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِنَ النَصارى ﴿وَكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ مَعْنى التَعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وكَثِيرٌ مِنهم ما أسْوَأ عَمَلَهُمْ! وقِيلَ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وأصْحابُهُ، وغَيْرُهم.

المائدة 5:67

﴿يا أيُّها الرَسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وأيَّ شَيْءٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ غَيْرَ مُراقِبٍ في تَبْلِيغِهِ أحَدًا، ولا خائِفٍ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ ﴿وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ وإنْ لَمْ تُبَلِّغْ جَمِيعَهُ كَما أمَرْتُكَ ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ (رِسالاتِهِ) مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ، وأبُو بَكْرٍ. أيْ: فَلَمْ تُبَلِّغْ إذًا ما كُلِّفْتَ مِن أداءِ الرِسالَةِ، ولَمْ تُؤَدِّ مِنها شَيْئًا قَطُّ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَها لَيْسَ بِأوْلى بِالأداءِ مِن بَعْضٍ، فَإذا لَمْ تُؤَدِّ بَعْضَها فَكَأنَّكَ أغْفَلْتَ أداءَها جَمِيعًا، كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها كانَ كَمَن لَمْ يُؤْمِن بِكُلِّها، لِكَوْنِها في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ لِدُخُولِها تَحْتَ خِطابٍ واحِدٍ، والشَيْءُ الواحِدُ لا يَكُونُ مُبَلَّغًا غَيْرَ مُبَلَّغٍ، مُؤْمَنًا بِهِ غَيْرَ مُؤْمَنٍ. قالَتِ المُلْحِدَةُ -لَعَنَهُمُ اللهُ تَعالى-: هَذا كَلامٌ لا يُفِيدُ، وهو كَقَوْلِكَ لِغُلامِكَ: كُلْ هَذا الطَعامَ، فَإنْ لَمْ تَأْكُلْهُ فَإنَّكَ ما أكَلْتَهُ. قُلْنا: هَذا أمْرٌ بِتَبْلِيغِ الرِسالَةِ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ في المُسْتَقْبَلِ، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ، أيْ: إنْ لَمْ تُبَلِّغِ الرِسالَةَ في المُسْتَقْبَلِ، فَكَأنَّكَ لَمْ تُبَلِّغِ الرِسالَةَ أصْلًا، أوْ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الآنَ، ولا تَنْتَظِرْ بِهِ كَثْرَةَ الشَوْكَةِ والعُدَّةِ، فَإنْ لَمْ تُبَلِّغْ كُنْتَ كَمَن لَمْ يُبَلِّغْ أصْلًا، أوْ بَلِّغْ ذَلِكَ غَيْرَ خائِفٍ أحَدًا، فَإنْ لَمْ تُبَلِّغْ عَلى هَذا الوَصْفِ، فَكَأنَّكَ لَمْ تُبَلِّغِ الرِسالَةَ أصْلًا، ثُمَّ قالَ مُشَجِّعًا لَهُ في التَبْلِيغِ: ﴿واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ﴾ يَحْفَظُكَ مِنهم قَتْلًا، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وإنْ شُجَّ في وجْهِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ، أوْ نَزَلَتْ بَعْدَما أصابَهُ ما أصابَهُ. (p-٤٦٢)والناسُ: الكُفّارُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ لا يُمَكِّنُهم مِمّا يُرِيدُونَ إنْزالَهُ بِكَ مِنَ الهَلاكِ.

المائدة 5:68

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ عَلى دِينٍ يُعْتَدُّ بِهِ، حَتّى يُسَمّى شَيْئًا لِبُطْلانِهِ ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ إضافَةُ زِيادَةِ الكُفْرِ والطُغْيانِ إلى القُرْآنِ بِطَرِيقِ التَسْبِيبِ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فَلا تَتَأسَّفْ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ يَعُودُ إلَيْهِمْ، لا إلَيْكَ.

المائدة 5:69

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِألْسِنَتِهِمْ، وهُمُ المُنافِقُونَ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائِدَةُ: ٤١] ﴿والَّذِينَ هادُوا والصابِئُونَ والنَصارى﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ البَصْرِيِّيِنَ: ارْتَفَعَ الصابِئُونَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والنِيَّةُ بِهِ التَأْخِيرُ عَمّا في حَيِّزِ "إنَّ" مِنِ اسْمِها وخَبَرِها، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادَوْا والنَصارى ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والصابِئُونَ كَذَلِكَ، أيْ: مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فَقَدَّمَهُ وحَذَفَ الخَبَرَ، كَقَوْلِهِ: ؎ فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ أيْ: فَإنِّي لَغَرِيبٌ، وقَيّارٌ كَذَلِكَ، ودَلَّ اللامُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، ولا يَرْتَفِعُ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، لِأنَّ ذا لا يَصِحُّ قَبْلَ الفَراغِ مِنَ الخَبَرِ، (p-٤٦٣)لا تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا وعَمْرٌو مُنْطَلِقانِ، وإنَّما يَجُوزُ: إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ وعَمْرٌو. والصابِئُونَ مَعَ خَبَرِهِ المَحْذُوفِ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا" إلى آخِرِهِ. ولا مَحَلَّ لَها، كَما لا مَحَلَّ لِلَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها، وفائِدَةُ التَقْدِيمِ: التَنْبِيهُ عَلى أنَّ الصابِئِينَ -وَهم أبْيَنُ هَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ ضَلالًا، وأشُدُّهم غَيًّا- يُتابُ عَلَيْهِمْ إنْ صَحَّ مِنهُمُ الإيمانُ، فَما الظَنُّ بِغَيْرِهِمْ؟! ومَحَلُّ "مَن آمَنَ" الرَفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَرْطِ، ثُمَّ الجُمْلَةُ كَما هي خَبَرُ "إنَّ" والراجِعُ إلى اسْمِ إنَّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَن آمَنَ مِنهم.

المائدة 5:70

﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِالتَوْحِيدِ ﴿وَأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا﴾ لِيَقِفُوهم عَلى ما يَأْتُونَ، وما يَذَرُونَ في دِينِهِمْ ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ صِفَةً لِرُسُلًا، والراجِعُ مَحْذُوفٌ، أيْ: رَسُولٌ مِنهم ﴿بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ بِما يُخالِفُ هَواهُمْ، ويُضادُّ شَهَواتِهِمْ مِن مَشاقِّ التَكْلِيفِ، والعَمَلِ بِالشَرائِعِ، وجَوابُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِنهم ناصَبُوهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ جَوابٌ مُسْتَأْنَفٌ لِقائِلٍ، كَأنَّهُ يَقُولُ: كَيْفَ فَعَلُوا بِرُسُلِهِمْ؟ وقالَ: "يَقْتُلُونَ" بِلَفْظِ المُضارِعِ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، اسْتِفْظاعًا لِلْقَتْلِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ القَتْلَ مِن شَأْنِهِمْ، وانْتَصَبَ "فَرِيقًا"، و"فَرِيقًا" عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ "كَذَّبُوا"، و َ"يَقْتُلُونَ". وقِيلَ: التَكْذِيبُ مُشْتَرَكَ بَيْنَ اليَهُودِ والنَصارى، والقَتْلُ مُخْتَصٌّ بِاليَهُودِ، فَهم قَتَلُوا زَكَرِيّا، ويَحْيى.

المائدة 5:71

﴿وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (ألّا تَكُونُ) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، عَلى أنَّ "أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، أصْلُهُ: أنَّهُ لا تَكُونُ، فَخُفِّفَتْ أنْ، وحُذِفَ ضَمِيرُ الشَأْنِ، ونُزِّلَ حُسْبانُهم لِقُوَّتِهِ في صُدُورِهِمْ مَنزِلَةَ العِلْمِ، فَلِذا دَخَلَ فِعْلُ الحُسْبانِ عَلى أنِ الَّتِي هي لِلتَّحْقِيقِ ﴿فِتْنَةٌ﴾ بَلاءٌ وعَذابٌ، أيْ: وحَسِبَ بَنُو إسْرائِيلَ أنَّهم لا يُصِيبُهم مِنَ اللهِ عَذابٌ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ، وتَكْذِيبِ الرُسُلِ، وسَدَّ (p-٤٦٤)ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ صِلَةُ "أنْ"، و"أنْ" مِنَ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ فَلَمْ يَعْمَلُوا بِما رَأوْا، ولا بِما سَمِعُوا، أوْ فَعَمُوا عَنِ الرُشْدِ، وصَمُّوا عَنِ الوَعْظِ ﴿ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ رَزَقَهُمُ التَوْبَةَ ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ هو بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ، أيِ: الواوُ، وهو بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أُولَئِكَ كَثِيرٌ مِنهم ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ.

المائدة 5:72

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ لَمْ يُفَرِّقْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في أنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ، لِيَكُونَ حُجَّةً عَلى النَصارى ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ﴾ في عِبادَتِهِ غَيْرَ اللهِ ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ الَّتِي هي دارُ المُوَحِّدِينَ، أيْ: حَرَمَهُ دُخُولَها، ومَنَعَهُ مِنهُ ﴿وَمَأْواهُ النارُ﴾ أيْ: مَرْجِعُهُ، ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ: الكافِرِينَ ﴿مِن أنْصارٍ﴾ وهو مِن كَلامِ اللهِ، أوْ مِن كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.

المائدة 5:73

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ أيْ: ثالِثُ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ، والإشْكالُ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائِدَةُ: ١٧] وقالَ في الثانِيَةِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ والجَوابُ: أنَّ بَعْضَ النَصارى كانُوا يَقُولُونَ: كانَ المَسِيحُ بِعَيْنِهِ هو اللهُ، لِأنَّ اللهَ رُبَّما يَتَجَلّى في بَعْضِ الأزْمانِ في شَخْصٍ، فَتَجَلّى في ذَلِكَ الوَقْتِ في شَخْصِ عِيسى، ولِهَذا كانَ يَظْهَرُ مِن شَخْصِ عِيسى أفْعالٌ (p-٤٦٥)لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللهُ، وبَعْضُهم ذَهَبُوا إلى آلِهَةٍ ثَلاثَةٍ: اللهُ، ومَرْيَمُ، والمَسِيحُ، وأنَّهُ ولَدُ اللهِ مِن مَرْيَمَ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٌ واحِدٌ﴾ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: وما إلَهٌ قَطُّ في الوُجُودِ إلّا إلَهٌ مَوْصُوفٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، لا ثانِيَ لَهُ، وهو اللهُ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ لِلْبَيانِ كالَّتِي في ﴿فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحَجُّ: ٣٠] ولَمْ يَقُلْ: لَيَمَسَّنَّهُمْ، لِأنَّ في إقامَةِ الظاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ تَكْرِيرًا لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ بَقُوا عَلى الكُفْرِ مِنهُمْ، لِأنَّ كَثِيرًا مِنهم تابُوا عَنِ النَصْرانِيَّةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ نَوْعٌ شَدِيدُ الألَمِ مِنَ العَذابِ.

المائدة 5:74

﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ ألا يَتُوبُونَ -بَعْدَ هَذِهِ الشَهادَةِ المُكَرَّرَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وهَذا الوَعِيدِ الشَدِيدِ- مِمّا هم عَلَيْهِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن إصْرارِهِمْ ﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ لِهَؤُلاءِ إنْ تابُوا، ولِغَيْرِهِمْ.

المائدة 5:75

﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ﴾ فِيهِ نَفْيُ الأُلُوهِيَّةِ عَنْهُ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُسُلُ﴾ صِفَةُ الرَسُولِ، أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ، وإبْراؤُهُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وإحْياؤُهُ المَوْتى لَمْ يَكُنْ مِنهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ إلَهًا، بَلِ اللهُ أبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وأحْيا المَوْتى عَلى يَدِهِ، كَما أحْيا العَصا، وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى عَلى يَدِ مُوسى، وخَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ كَخَلْقِ آدَمَ مِن غَيْرِ ذَكَرِ وأُنْثى ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أيْ: وما أمُّهُ أيْضًا إلّا كَبَعْضِ النِساءِ المُصَدِّقاتِ لِلْأنْبِياءِ المُؤْمِناتِ بِهِمْ، ووَقَعَ اسْمُ الصِدِّيقَةِ عَلَيْهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ [التَحْرِيمُ: ١٢]. ثُمَّ أبْعَدَهُما عَمّا نُسِبَ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَعامَ﴾ لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى الِاغْتِذاءِ بِالطَعامِ، (p-٤٦٦)وَما يَتْبَعُهُ مِنَ الهَضْمِ والنَفْضِ لَمْ يَكُنْ إلّا جِسْمًا مُرَكَّبًا مِن لَحْمٍ، وعَظْمٍ، وعُرُوقٍ، وأعْصابٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَصْنُوعٌ مُؤَلَّفٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الأجْسامِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الأعْلامَ مِنَ الأدِلَّةِ الظاهِرَةِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وتَأمُّلِهِ بَعْدَ هَذا البَيانِ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللهِ تَعالى في ذَهابِهِمْ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ الرَبِّ والمَرْبُوبِ.

المائدة 5:76

﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ هو عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ: شَيْئًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَضُرَّكم بِمِثْلِ ما يَضُرُّكم بِهِ اللهُ مِنَ البَلاءِ، والمَصائِبِ في الأنْفُسِ والأمْوالِ، ولا أنْ يَنْفَعَكم بِمِثْلِ ما يَنْفَعُكم بِهِ مِن صِحَّةِ الأبْدانِ، والسَعَةِ، والخِصْبِ، لِأنَّ كُلَّ ما يَسْتَطِيعُهُ البَشَرُ مِنَ المَضارِّ والمَنافِعِ فَبِتَخْلِيقِهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ لا يَمْلِكُ مِنهُ شَيْئًا، وهَذا دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ أمْرَهُ مُنافٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ حَيْثُ جَعَلَهُ لا يَسْتَطِيعُ ضَرًّا ولا نَفْعًا، وصِفَةُ الرَبِّ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَخْرُجُ مَقْدُورٌ عَنْ قُدْرَتِهِ ﴿واللهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ: أتَعْبُدُونَ، أيْ: أتُشْرِكُونَ بِاللهِ، ولا تَخْشَوْنَهُ، وهو الَّذِي يَسْمَعُ ما تَقُولُونَهُ، ويَعْلَمُ ما تَعْتَقِدُونَهُ.

المائدة 5:77

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ الغُلُوُّ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، فَغُلُوُّ النَصارى: رَفْعُهُ فَوْقَ قَدْرِهِ بِاسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ، وغُلُوُّ اليَهُودِ: وضْعُهُ عَنِ اسْتِحْقاقِ النُبُوَّةِ ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ، يَعْنِي: غُلُوًّا باطِلًا ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: أسْلافِكِمْ (p-٤٦٧)وَأئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى الضَلالِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ ﷺ ﴿وَأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ مِمَّنْ شايَعَهم ﴿وَضَلُّوا﴾ لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿عَنْ سَواءِ السَبِيلِ﴾ حِينَ كَذَّبُوهُ، وحَسَدُوهُ، وبَغَوْا عَلَيْهِ.

المائدة 5:78

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قِيلَ: إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَبْتِ، قالَ داوُدُ: اللهُمَّ العَنْهُمْ، واجْعَلْهم آيَةً، فَمُسِخُوا قِرَدَةً. ولَمّا كَفَرَ أصْحابُ عِيسى بَعْدَ المائِدَةِ، قالَ عِيسى: اللهُمَّ عَذِّبْ مَن كَفَرَ بَعْدَ ما أكَلَ مِنَ المائِدَةِ عَذابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، والعَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَبْتِ، فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ. وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ذَلِكَ اللَعْنُ بِعِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ.

المائدة 5:79

ثُمَّ فَسَّرَ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ﴾ لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ عَنْ قَبِيحٍ فَعَلُوهُ، ومَعْنى وصْفِ المُنْكَرِ بِفَعَلُوهُ -وَلا يَكُونُ النَهْيُ بَعْدَ الفِعْلِ- أنَّهم لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، أوْ عَنْ مِثْلِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، أوْ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ، أوِ المُرادُ: لا يَنْتَهُونَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، بَلْ يُصِرُّونَ عَلَيْهِ. يُقالُ: تَناهى عَنِ الأمْرِ، وانْتَهى عَنْهُ: إذا امْتَنَعَ مِنهُ، وتَرَكَهُ، ثُمَّ عَجِبَ مِن سُوءِ فِعْلِهِمْ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ بِالقَسَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَرْكَ النَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مِنَ العَظائِمِ، فَيا حَسْرَةً عَلى المُسْلِمِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْهُ!.

المائدة 5:80

﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هُمُ مُنافِقُو أهْلِ الكِتابِ، كانُوا يُوالُونَ المُشْرِكِينَ، ويُصافُونَهم ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ (p-٤٦٨)سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ لَبِئْسَ شَيْئًا قَدَّمُوهُ لِأنْفُسِهِمْ سَخَطُ اللهِ عَلَيْهِمْ، أيْ: مُوجِبُ سَخَطِ اللهِ ﴿وَفِي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ أيْ: في جَهَنَّمَ.

المائدة 5:81

﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ إيمانًا خالِصًا بِلا نِفاقٍ ﴿والنَبِيِّ﴾ أيْ: مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَما أُنْـزِلَ إلَيْهِ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ ما اتَّخَذُوا المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ المُشْرِكِينَ تَدُلُّ عَلى نِفاقِهِمْ ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ مُسْتَمِرُّونَ في كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، أوْ مَعْناهُ: ولَوْ كانَ هَؤُلاءِ اليَهُودُ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وبِمُوسى وما أُنْزِلَ إلَيْهِ، يَعْنِي: التَوْراةَ، ما اتَّخَذُوا المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ، كَما لَمْ يُوالِهِمُ المُسْلِمُونَ، ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ، خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ، فَلا دِينَ لَهم أصْلًا.

المائدة 5:82

﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ الناسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ﴾ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَجِدَنَّ، و"عَداوَةً" تَمْيِيزٌ ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِمْ ﴿وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ اللامُ تَتَعَلَّقُ بِعَداوَةً ومَوَدَّةً. وصَفَ اليَهُودَ بِشِدَّةِ الشَكِيمَةِ، والنَصارى بِلِينِ العَرِيكَةِ. وجُلُّ اليَهُودِ قُرَناءُ المُشْرِكِينَ في شِدَّةِ العَداوَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ونَبَّهَ عَلى تَقَدُّمِ قِدَمِهِمْ فِيها بِتَقْدِيمِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ أيْ: عُلَماءَ وعُبّادًا ﴿وَأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَلَّلَ سُهُولَةَ مَأْخَذِ النَصارى، وقُرْبَ مَوَدَّتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا، وأنَّ فِيهِمْ تَواضُعًا واسْتِكانَةً، واليَهُودُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِلْمَ أنْفَعُ شَيْءٍ، وأهْداهُ إلى الخَيْرِ، وإنْ كانَ عِلْمُ القِسِّيسِينَ، وكَذا عِلْمُ الآخِرَةِ وإنْ كانَ في راهِبٍ، والبَراءَةُ مِنَ الكِبْرِ وإنْ كانَتْ في نَصْرانِيٍّ. (p-٤٦٩)

المائدة 5:83

﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْـزِلَ إلى الرَسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ وصَفَهم بِرِقَّةِ القُلُوبِ، وأنَّهم يَبْكُونَ عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ، كَما رُوِيَ عَنِ النَجاشِيِّ أنَّهُ قالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ -حِينَ اجْتَمَعَ في مَجْلِسِهِ المُهاجِرُونَ إلى الحَبَشَةِ والمُشْرِكُونَ وهم يَقْرَءُونَهُ عَلَيْهِمْ-: هَلْ في كِتابِكم ذِكْرُ مَرْيَمَ؟ قالَ جَعْفَرٌ: فِيهِ سُورَةٌ تُنْسَبُ إلى مَرْيَمَ، فَقَرَأها إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [مَرْيَمُ: ٣٤] وقَرَأ سُورَةَ طَهَ إلى قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طَهَ: ٩] فَبَكى النَجاشِيُّ، وكَذَلِكَ فَعَلَ قَوْمُهُ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وهم سَبْعُونَ رَجُلًا، حِينَ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يَسْ فَبَكَوْا ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَمْعِ﴾ تَمْتَلِئُ مِنَ الدَمْعِ حَتّى تَفِيضَ، لِأنَّ الفَيْضَ أنْ يَمْتَلِئَ الإناءُ، أوْ غَيْرُهُ، حَتّى يَطْلُعَ ما فِيهِ مِن جَوانِبِهِ، فَوُضِعَ الفَيْضُ الَّذِي هو مِنَ الِامْتِلاءِ مَوْضِعَ الِامْتِلاءِ، أوْ قُصِدَتِ المُبالَغَةُ في وصْفِهِمْ بِالبُكاءِ، فَجُعِلَتْ أعْيُنُهم كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها، أيْ: تَسِيلُ مِن أجْلِ البُكاءِ، ومِن في ﴿مِمّا عَرَفُوا﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، عَلى أنَّ فَيْضَ الدَمْعِ ابْتَدَأ، ونَشَأ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ. و"مِن" في ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ لِتَبْيِينِ المَوْصُولِ الَّذِي هو "ما عَرَفُوا"، أوْ لِلتَّبْعِيضِ عَلى أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ، فَأبْكاهُمْ، فَكَيْفَ إذا عَرَفُوا كُلَّهُ، وقَرَءُوا القُرْآنَ، وأحاطُوا بِالسُنَّةِ؟! " يَقُولُونَ" حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "عَرَفُوا" ﴿رَبَّنا آمَنّا﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ: إنْشاءُ الإيمانِ، والدُخُولُ فِيهِ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ﴾ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِينَ هم شُهَداءُ عَلى سائِرِ الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٤٣] وقالُوا ذَلِكَ، لِأنَّهم وجَدُوا ذِكْرَهم في الإنْجِيلِ كَذَلِكَ.

المائدة 5:84

﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِانْتِفاءِ الإيمانِ، مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ، وهو الطَمَعُ في إنْعامِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِصُحْبَةِ الصالِحِينَ، وقِيلَ: لَمّا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ لامُوهُمْ، فَأجابُوهم بِذَلِكَ. و"ما لَنا" مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و"لا نُؤْمِنُ" حالٌ، أيْ: غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِكَ: مالَكَ قائِمًا ؟ ﴿وَما جاءَنا﴾ وبِما جاءَنا ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ (p-٤٧٠)يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ والقُرْآنَ ﴿وَنَطْمَعُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "نُؤْمِنُ" والتَقْدِيرُ: ونَحْنُ نَطْمَعُ ﴿أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا﴾ الجَنَّةَ ﴿مَعَ القَوْمِ الصالِحِينَ﴾ الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ.

المائدة 5:85

﴿فَأثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا﴾ أيْ: بِقَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا آمَنّا﴾ وتَصْدِيقِهِمْ لِذَلِكَ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإقْرارَ داخِلٌ في الإيمانِ، كَما هو مَذْهَبُ الفُقَهاءِ، وتَعَلَّقَتِ الكَرّامِيَّةُ في أنَّ الإيمانَ مُجَرَّدُ القَوْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما قالُوا﴾ لَكِنَّ الثَناءَ بِفَيْضِ الدَمْعِ في السِياقِ، والإحْسانِ في السِياقِ، يَدْفَعُ ذَلِكَ. وأنّى يَكُونُ مُجَرَّدُ القَوْلِ إيمانًا؟، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةُ: ٨] نَفى الإيمانَ عَنْهم مَعَ قَوْلِهِمْ: " آمِنًا بِاللهِ " لِعَدَمِ التَصْدِيقِ بِالقَلْبِ، وقالَ أهْلُ المَعْرِفَةِ: المَوْجُودُ مِنهم ثَلاثَةُ أشْياءَ: البُكاءُ عَلى الجَفاءِ، والدُعاءُ عَلى العَطاءِ، والرِضا بِالقَضاءِ. فَمَنِ ادَّعى المَعْرِفَةَ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الثَلاثَةُ، فَلَيْسَ بِصادِقٍ في دَعْواهُ.

المائدة 5:86

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ هَذا أثَرُ الرَدِّ في حَقِّ الأعْداءِ، والأوَّلُ أثَرُ القَبُولِ لِلْأوْلِياءِ ونَزَلَ في جَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهم حَلَفُوا أنْ يَتَرَهَّبُوا، ويَلْبَسُوا المُسُوحَ، ويَقُومُوا اللَيْلَ، ويَصُومُوا النَهارَ، ويَسِيحُوا في الأرْضِ، ويَجَبُّوا مَذاكِيرَهُمْ، ولا يَأْكُلُوا اللَحْمَ والوَدَكَ، ولا يَقْرَبُوا النِساءَ والطِيبَ.

المائدة 5:87

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ ما طابَ، ولَذَّ مِنَ الحَلالِ، ومَعْنى لا تُحَرِّمُوا: لا تَمْنَعُوها أنْفُسَكم كَمَنعِ التَحْرِيمِ، أوْ لا تَقُولُوا: حَرَّمْناها عَلى أنْفُسِنا، مُبالَغَةً مِنكم في العَزْمِ عَلى تَرْكِها تَزَهُّدًا (p-٤٧١)مِنكُمْ، وتَقَشُّفًا. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَأْكُلُ الدَجاجَ والفالُوذَ، وكانَ يُعْجِبُهُ الحَلْواءَ والعَسَلَ، » وقالَ: « "إنَّ المُؤْمِنَ حُلْوٌ يُحِبُّ الحَلاوَةَ" » وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ دُعِيَ إلى طَعامٍ ومَعَهُ فَرَقَدٌ السِنْجِيُّ وأصْحابُهُ، فَقَعَدُوا عَلى المائِدَةِ وعَلَيْها الألْوانُ مِنَ الدَجاجِ المُسَمَّنِ والفالُوذِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فاعْتَزَلَ فَرَقَدٌ ناحِيَةً، فَسَألَ الحَسَنُ: أهُوَ صائِمٌ؟ قالُوا: لا ولَكِنَّهُ يَكْرَهُ هَذِهِ الألْوانَ، فَأقْبَلَ الحَسَنُ عَلَيْهِ وقالَ: يا فُرَيْقِدُ، أتَرى لُعابَ النَحْلِ بِلُبابِ البُرِّ بِخالِصِ السَمْنِ يَعِيبُهُ مُسْلِمٌ؟ وعَنْهُ: أنَّهُ قِيلَ لَهُ: فُلانٌ لا يَأْكُلُ الفالُوذَ، ويَقُولُ: لا أُؤَدِّي شُكْرَهُ، فَقالَ: أفَيَشْرَبُ الماءَ البارِدَ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: إنَّهُ جاهِلٌ أنَّ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِ في الماءِ البارِدِ أكْبَرُ مِن نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ في الفالُوذِ ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ ولا تُجاوِزُوا الحَدَّ الَّذِي حُدَّ عَلَيْكم في تَحْلِيلٍ أوْ تَحْرِيمٍ، أوْ ولا تَتَعَدَّوْا حُدُودَ ما أُحِلَّ لَكم إلى ما حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، أوْ ولا تُسْرِفُوا في تَناوُلِ الطَيِّباتِ ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ حُدُودَهُ.

المائدة 5:88

﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ حالٌ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ تَوْكِيدٌ لِلتَّوْصِيَةِ بِما أمَرَ بِهِ، وزادَهُ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ بِهِ يُوجِبُ التَقْوى فِيما أمَرَ بِهِ، ونَهى.

المائدة 5:89

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ اللَغْوُ في اليَمِينِ: الساقِطُ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وهو أنْ يَحْلِفَ عَلى شَيْءٍ يَرى أنَّهُ كَذَلِكَ ولَيْسَ كَما ظَنَّ، وكانُوا حَلَفُوا عَلى تَحْرِيمِ الطَيِّباتِ عَلى ظَنِّ أنَّهُ قُرْبَةٌ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ قالُوا: فَكَيْفَ بِأيْمانِنا؟ فَنَزَلَتْ. وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: ما يَجْرِي عَلى اللِسانِ بِلا قَصْدٍ ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ أيْ: بِتَعْقِيدِكُمُ الأيْمانَ، (p-٤٧٢)وَهُوَ تَوْثِيقُها. وبِالتَخْفِيفِ: كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ. والعَقْدُ: العَزْمُ عَلى الوَطْءِ، وذا لا يُتَصَوَّرُ في الماضِي، فَلا كَفّارَةَ في الغَمُوسِ، وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: القَصْدُ بِالقَلْبِ، ويَمِينُ الغَمُوسِ مَقْصُودَةٌ، فَكانَتْ مَعْقُودَةً، فَكانَتِ الكَفّارَةُ فِيها مَشْرُوعَةً. والمَعْنى: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمْ إذا حَنِثْتُمْ، فَحَذَفَ وقْتَ المُؤاخَذَةِ، لِأنَّهُ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم. أوْ بِنَكْثِ ما عَقَّدْتُمْ، فَحُذِفَ المُضافُ ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾ أيْ: فَكَفّارَةُ نَكْثِهِ، أوْ فَكَفّارَةُ مَعْقُودِ الأيْمانِ والكَفّارَةُ الفَعْلَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُكَفِّرَ الخَطِيئَةَ، أيْ: تَسْتُرُها ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ هو أنْ يُغَدِّيَهم ويُعَشِّيهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطِيَهم بِطَرِيقِ التَمْلِيكِ، وهو لِكُلِّ أحَدٍ نِصْفُ صاعٍ مَن بُرٍّ، أوْ صاعٌ مِن شَعِيرٍ، أوْ صاعٌ مَن تَمْرٍ. وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: مَدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ أيْ: غَداءً وعَشاءً مِن بُرٍّ: إذِ الأوْسَعُ، ثَلاثُ مَرّاتٍ مَعَ الإدامِ، والأدْنى: مَرَّةٌ مِن تَمْرٍ، أوْ شَعِيرٍ ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "إطْعامٌ" أوْ عَلى مَحَلِّ ﴿مِن أوْسَطِ﴾ ووَجْهُهُ أنْ ﴿مِن أوْسَطِ﴾ بَدَلٌ مِن "إطْعامٌ" والبَدَلُ هو المَقْصُودُ في الكَلامِ، وهو ثَوْبٌ يُغَطِّي العَوْرَةَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: إزارٌ، أوْ قَمِيصٌ، أوْ رِداءٌ. ﴿أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مُؤْمِنَةٍ، أوْ كافِرَةٍ لِإطْلاقِ النَصِّ، وشَرْطُ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ الإيمانَ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ في كَفّارَةِ القَتْلِ. ومَعْنى "أوْ" التَخْيِيرُ، وإيجابُ إحْدى الكَفّاراتِ الثَلاثِ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ إحْداها ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ مُتَتابِعَةً، لِقِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ ﴿ذَلِكَ﴾ المَذْكُورُ، ﴿كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ وحَنِثْتُمْ، فَتَرَكَ ذِكْرَ الحَنَثِ لِوُقُوعِ العِلْمِ بِأنَّ الكَفّارَةَ لا تَجِبُ بِنَفْسِ الحَلِفِ، ولِذا لَمْ يَجُزِ التَكْفِيرُ قَبْلَ الحَنَثِ ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ فَبِرُّوا فِيها، ولا تَحْنَثُوا إذا لَمْ يَكُنِ الحَنَثُ خَيْرًا، أوْ ولا تَحْلِفُوا أصْلًا (p-٤٧٣)﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ﴾ أعْلامَ شَرِيعَتِهِ، وأحْكامَهُ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَتَهُ فِيما يُعَلِّمُكُمْ، ويُسَهِّلُ عَلَيْكُمُ المَخْرَجَ مِنهُ.

المائدة 5:90

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ أيِ: القِمارُ ﴿والأنْصابُ﴾ الأصْنامُ، لِأنَّها تُنْصَبُ فَتُعْبَدُ ﴿والأزْلامُ﴾ وهي القِداحُ الَّتِي مَرَّتْ ﴿رِجْسٌ﴾ نَجَسٌ، أوْ خَبِيثٌ مُسْتَقْذَرٌ ﴿مِن عَمَلِ الشَيْطانِ﴾ لِأنَّهُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ عَمَلُهُ، والضَمِيرُ في ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ يَرْجِعُ إلى الرِجْسِ، أوْ إلى عَمَلِ الشَيْطانِ، أوْ إلى المَذْكُورِ، أوْ إلى المُضافِ المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما تَعاطِي الخَمْرِ والمَيْسِرِ، ولِذا قالَ: "رِجْسٌ" ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أكَّدَ تَحْرِيمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ مِن وُجُوهٍ، حَيْثُ صَدَّرَ الجُمْلَةَ بِإنَّما، وقَرَنَهُما بِعِبادَةِ الأصْنامِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ"، » وجَعَلَهُما رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَيْطانِ، ولا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَرُّ البَحْتُ، وأمَرَ بِالِاجْتِنابِ وجَعَلَ الِاجْتِنابَ مِنَ الفَلاحِ، وإذا كانَ الِاجْتِنابُ فَلاحًا كانَ الِارْتِكابُ خَسارًا.

المائدة 5:91

﴿إنَّما يُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصَلاةِ﴾ ذَكَرَ ما يَتَوَلَّدُ مِنهُما مِنَ الوَبالِ، وهو وُقُوعُ التَعادِي والتَباغُضِ بَيْنَ أصْحابِ الخَمْرِ والقِمارِ، وما يُؤَدِّيانِ إلَيْهِ مِنَ الصَدِّ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وعَنْ مُراعاةِ أوْقاتِ الصَلاةِ. وخَصَّ الصَلاةَ مِن بَيْنِ الذِكْرِ لِزِيادَةِ دَرَجَتِها، كَأنَّهُ قالَ: وعَنِ الصَلاةِ خُصُوصًا، وإنَّما جَمَعَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ مَعَ الأنْصابِ والأزْلامِ أوَّلًا، ثُمَّ أفْرَدَهُما آخِرًا، لِأنَّ الخِطابَ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وإنَّما نَهاهم عَمّا كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِن شُرْبِ الخَمْرِ، واللَعِبِ بِالمَيْسِرِ، وذَكَرَ الأنْصابَ والأزْلامَ، لِتَأْكِيدِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وإظْهارِ أنَّ ذَلِكَ جَمِيعًا مِن أعْمالِ أهْلِ الشِرْكِ. فَكَأنَّهُ (p-٤٧٤)لا مُبايَنَةَ بَيْنَ عابِدِ الصَنَمِ وشارِبِ الخَمْرِ والمُقامِرِ، ثُمَّ أفْرَدَهُما بِالذِكْرِ لِيُعْلَمَ أنَّهُما المَقْصُودُ بِالذِكْرِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ مِن أبْلَغِ ما يُنْتَهى بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكم ما فِيهِما مِنَ الصَوارِفِ والزَواجِرِ، فَهَلْ أنْتُمْ مَعَ هَذِهِ الصَوارِفِ مُنْتَهُونَ، أمْ أنْتُمْ عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ كَأنْ لَمْ تُوعَظُوا، ولَمْ تُزْجَرُوا؟!.

المائدة 5:92

﴿وَأطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ واحْذَرُوا﴾ وكُونُوا حَذِرِينَ خاشِعِينَ، لِأنَّهم إذا حَذِرُوا دَعاهُمُ الحَذَرُ إلى اتِّقاءِ كُلِّ سَيِّئَةٍ، وعَمَلِ كُلِّ حَسَنَةٍ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَنْ ذَلِكَ ﴿فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: فاعْلَمُوا أنَّكم لَمْ تَضُرُّوا بِتَوَلِّيكُمُ الرَسُولَ، لِأنَّهُ ما كُلِّفَ إلّا البَلاغَ المُبِينَ بِالآياتِ، وإنَّما ضَرَرْتُمْ أنْفُسَكم حِينَ أعْرَضْتُمْ عَمّا كُلِّفْتُمُوهُ.

المائدة 5:93

وَنَزَلَ فِيمَن تَعاطى شَيْئًا مِنَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قَبْلَ التَحْرِيمِ ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أيْ: شَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ، وأكَلُوا مِن مالِ القِمارِ قَبْلَ تَحْرِيمِهِما ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾ الشِرْكَ ﴿وَآمَنُوا﴾ بِاللهِ ﴿وَعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ بَعْدَ الإيمانِ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الخَمْرَ والمَيْسِرَ بَعْدَ التَحْرِيمِ ﴿وَآمَنُوا﴾ بِتَحْرِيمِهِما. ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ سائِرَ المُحَرَّماتِ. أوِ الأوَّلُ عَنِ الشِرْكِ، والثانِي: عَنِ المُحَرَّماتِ، والثالِثُ: عَنِ الشُبُهاتِ ﴿وَأحْسَنُوا﴾ إلى الناسِ ﴿واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

المائدة 5:94

وَلَمّا ابْتَلاهُمُ اللهُ بِالصَيْدِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وهم مُحْرِمُونَ، وكَثُرَ عِنْدَهُمْ، حَتّى كانَ يَغْشاهم في رِحالِهِمْ فَيَسْتَمْكِنُونَ مِن صَيْدِهِ أخْذًا بِأيْدِيهِمْ، وطَعْنًا بِرِماحِهِمْ، نَزَلَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ ومَعْنى يَبْلُو: يَخْتَبِرُ، وهو مِنَ اللهِ لِإظْهارِ ما عَلِمَ مِنَ العَبْدِ عَلى ما عَلِمَ، لا لِعِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمْ. و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، إذْ لا يُحَرَّمُ كُلُّ صَيْدٍ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ لِيَعْلَمَ اللهُ خَوْفَ الخائِفِ مِنهُ بِالِامْتِناعِ عَنِ (p-٤٧٥)الِاصْطِيادِ مَوْجُودًا، كَما كانَ يَعْلَمُ قَبْلَ وُجُودِهِ أنَّهُ يُوجَدُ لِيُثِيبَهُ عَلى عَمَلِهِ، لا عَلى عِلْمِهِ بِهِ ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ فَصادَ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الِابْتِلاءِ ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قَلَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَيْدِ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الفِتَنِ العِظامِ. و"تَنالُهُ" صِفَةٌ لِشَيْءٍ.

المائدة 5:95

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَيْدَ﴾ أيِ: المَصِيدَ، إذِ القَتْلُ إنَّما يَكُونُ فِيهِ ﴿وَأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أيْ: مُحْرِمُونَ، جَمْعُ حَرامٍ، كَرُدُحٍ في جَمْعِ رَداحٍ. في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "تَقْتُلُوا" ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ: ذاكِرًا لِإحْرامِهِ، أوْ عالِمًا أنَّ ما يَقْتُلُهُ مِمّا يَحْرُمُ قَتْلُهُ عَلَيْهِ، فَإنْ قَتَلَهُ ناسِيًا لِإحْرامِهِ، أوْ رَمى صَيْدًا وهو يَظُنُّ أنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ فَهو مُخْطِئٌ. وإنَّما شَرَطَ التَعَمُّدَ في الآيَةِ -مَعَ أنَّ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ يَسْتَوِي فِيها العَمْدُ والخَطَأُ- لِأنَّ مَوْرِدَ الآيَةِ فِيمَن تَعَمَّدَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَنَّ لَهم في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ حِمارُ وحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أبُو اليُسْرِ فَقَتَلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ قَتَلْتَ الصَيْدَ وأنْتَ مُحْرِمٌ، فَنَزَلَتْ. ولِأنَّ الأصْلَ فِعْلُ المُتَعَمِّدِ، والخَطَأُ مُلْحَقٌ بِهِ لِلتَّغْلِيظِ. وعَنِ الزُهْرِيِّ: نَزَلَ الكِتابُ بِالعَمْدِ، ووَرَدَتِ السُنَّةِ بِالخَطَأِ (فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ) كُوفِيٌّ. أيْ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ يُماثِلُ ما قَتَلَ مِنَ الصَيْدِ، وهو قِيمَةُ الصَيْدِ، يُقَوَّمُ حَيْثُ صِيدَ، فَإنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَمَنَ هَدْيٍ خُيِّرَ بَيْنَ أنْ يَهْدِيَ مِنَ النَعَمِ ما قَيْمَتُهُ قِيمَةُ الصَيْدِ، وبَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِقِيمَتِهِ طَعامًا فَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مَن بُرٍّ، أوْ صاعًا مِن غَيْرِهِ، وإنْ شاءَ صامَ عَنْ طَعامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا. وعِنْدَ مُحَمَّدٍ والشافِعِيِّ رَحِمَهُما اللهُ تَعالى مِثْلُهُ: نَظِيرُهُ مِنَ النَعَمِ. فَإنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ نَظِيرٌ مِنَ النَعَمِ فَكَما مَرَّ. "فَجَزاءُ مِثْلِ" عَلى الإضافَةِ، غَيْرُهم. وأصْلُهُ: فَجَزاءٌ مِثْلَ ما قَتَلَ، أيْ: فَعَلَيْهِ أنْ يَجْزِيَ مِثْلَ ما قَتَلَ، ثُمَّ أُضِيفَ، كَما تَقُولُ: عَجِبْتُ مَن ضَرْبٍ زَيْدًا، ثُمَّ مِن ضَرْبِ زَيْدٍ ﴿مِنَ النَعَمِ﴾ حالٌ مِنَ (p-٤٧٦)الضَمِيرِ في قَتَلَ، إذِ المَقْتُولُ يَكُونُ مِنَ النَعَمِ، أوْ صِفَةٌ لِجَزاءٌ ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ بِمِثْلِ ما قَتَلَ ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ حَكَمانِ عادِلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المِثْلَ القِيمَةُ، لِأنَّ التَقْوِيمَ مِمّا يَحْتاجُ إلى النَظَرِ والِاجْتِهادِ دُونَ الأشْياءِ المُشاهَدَةِ، ولِأنَّ المِثْلَ المُطْلَقَ في الكِتابِ، والسُنَّةِ، والإجْماعِ مُقَيَّدٌ بِالصُورَةِ والمَعْنى. أوْ بِالمَعْنى لا بِالصُورَةِ، أوْ بِالصُورَةِ بِلا مَعْنًى. والقِيمَةُ أُرِيدَتْ فِيما لا مِثْلَ لَهُ صُورَةً إجْماعًا، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُها مُرادًا، إذْ لا عُمُومَ لِلْمُشْتَرِكِ. فَإنْ قُلْتَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَعَمِ﴾ يُنافِي تَفْسِيرَ المِثْلِ بِالقِيمَةِ، قُلْتُ: مَن أوْجَبَ القِيمَةَ خُيِّرَ بَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِها هَدْيًا، أوْ طَعامًا، أوْ يَصُومَ كَما خَيَّرَ اللهُ تَعالى في الآيَةِ، فَكانَ " مِنَ النَعَمِ" بَيانًا لِلْهَدْيِ المُشْتَرى بِالقِيمَةِ في أحَدِ وُجُوهِ التَخْيِيرِ، لِأنَّ مَن قَوَّمَ الصَيْدَ واشْتَرى بِالقِيمَةِ هَدْيًا فَأهْداهُ، فَقَدْ جَزى بِمِثْلِ ما قَتَلَ مِنَ النَعَمِ، عَلى أنَّ التَخْيِيرَ الَّذِي في الآيَةِ بَيْنَ أنْ يَجْزِيَ بِالهَدْيِ، أوْ يُكَفِّرَ بِالطَعامِ، أوِ الصَوْمِ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا قَوَّمَ ونَظَرَ بَعْدَ التَقْوِيمِ أيَّ الثَلاثَةِ يَخْتارُ؟ فَأمّا إذا عَمَدَ إلى النَظِيرِ، وجَعَلَهُ الواجِبَ وحْدَهُ مِن غَيْرِ تَخْيِيرٍ، فَإذا كانَ شَيْئًا لا نَظِيرَ لَهُ قُوِّمَ حِينَئِذٍ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ الطَعامِ والصِيامِ، فَفِيهِ نُبُوٌّ عَمّا في الآيَةِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ كَيْفَ خَيَّرَ بَيْنَ الأشْياءِ الثَلاثَةِ، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا بِالتَقْوِيمِ ﴿هَدْيًا﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ في بِهِ، أيْ: يَحْكُمُ بِهِ في حالِ الهَدْيِ ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِهَدْيًا، لِأنَّ إضافَتَهُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ. ومَعْنى بُلُوغِهِ الكَعْبَةَ: أنْ يُذْبَحَ بِالحَرَمِ، فَأمّا التَصَدُّقُ بِهِ فَحَيْثُ شِئْتَ. وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: في الحَرَمِ. ﴿أوْ كَفّارَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "جَزاءٌ" "طَعامٌ" بَدَلٌ مِن كَفّارَةٌ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي طَعامٌ. (أوْ كَفّارَةُ طَعامٍ) عَلى الإضافَةِ مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ. وهَذِهِ الإضافَةُ لِتَبْيِينِ المُضافِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ كَفارَّةٌ مِن طَعامِ ﴿مَساكِينَ﴾ كَما تَقُولُ: خاتَمُ فِضَّةٍ، أيْ: خاتَمٌ مِن فِضَّةٍ. ﴿أوْ عَدْلُ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ العَيْنِ، قالَ الفَرّاءُ: العَدْلُ: ما عَدَلَ الشَيْءَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ كالصَوْمِ والإطْعامِ، والعِدْلُ مِثْلُهُ مِن جِنْسِهِ، ومِنهُ: عِدْلا الحَمْلِ. يُقالُ: عِنْدِي غُلامٌ عِدْلَ غُلامِكَ بِالكَسْرِ- إذا كانَ مِن جِنْسِهِ. فَإنْ أُرِيدَ أنَّ قِيمَتَهُ كَقِيمَتِهِ، ولَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ، قِيلَ: هو عَدْلُ غُلامِكَ (p-٤٧٧)-بِالفَتْحِ- ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الطَعامِ ﴿صِيامًا﴾ تَمْيِيزٌ، نَحْوُ: لِي مِثْلُهُ رَجُلًا. والخِيارُ في ذَلِكَ إلى القاتِلِ، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ إلى الحَكَمَيْنِ ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ أنْ يُجازِيَ، أوْ يُكَفِّرَ، لِيَذُوقَ سُوءَ عِقابِ عاقِبَةِ هَتْكِهِ لِحُرْمَةِ الإحْرامِ، والوَبالُ: المَكْرُوهُ، والضَرَرُ الَّذِي يُنالُ في العاقِبَةِ مِن عَمَلِ سُوءٍ لِثِقَلِهِ عَلَيْهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ [المُزَّمِّلُ: ١٦] أيْ: ثَقِيلًا شَدِيدًا، والطَعامُ الوَبِيلُ: الَّذِي يَثْقُلُ عَلى المَعِدَةِ فَلا يُسْتَمْرَأُ. ﴿عَفا اللهُ عَمّا سَلَفَ﴾ لَكم مِنَ الصَيْدِ قَبْلَ التَحْرِيمِ ﴿وَمَن عادَ﴾ إلى قَتْلِ الصَيْدِ بَعْدَ التَحْرِيمِ، أوْ في ذَلِكَ الإحْرامِ ﴿فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنهُ﴾ بِالجَزاءِ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فَهو يَنْتَقِمُ اللهُ مِنهُ ﴿واللهُ عَزِيزٌ﴾ بِإلْزامِ الأحْكامِ. ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ لِمَن جاوَزَ حُدُودَ الإسْلامِ.

المائدة 5:96

﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ مَصِيداتُ البَحْرِ مِمّا يُؤْكَلُ، ومِمّا لا يُؤْكَلُ. ﴿وَطَعامُهُ﴾ وما يُطْعَمُ مِن صَيْدِهِ، والمَعْنى: أُحِلَّ لَكُمُ الِانْتِفاعُ بِجَمِيعِ ما يُصادُ في البَحْرِ، وأُحِلَّ لَكم أكْلُ المَأْكُولِ مِنهُ، وهو السَمَكُ وحْدَهُ. ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ: أُحِلَّ لَكم تَمْتِيعًا لَكم ﴿وَلِلسَّيّارَةِ﴾ ولِلْمُسافِرِينَ، والمَعْنى: أُحِلَّ لَكم طَعامُهُ تَمْتِيعًا لِتِنائِكم يَأْكُلُونَهُ طَرِيًّا، ولِسَيّارَتِكم يَتَزَوَّدُونَهُ قَدِيدًا، كَما تَزَوَّدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الحُوتَ في مَسِيرِهِ إلى الخَضِرِ ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ ما صِيدَ فِيهِ. وهو ما يُفْرِخُ فِيهِ وإنْ كانَ يَعِيشُ في الماءِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كالبَطِّ، فَإنَّهُ يُرى، لِأنَّهُ يَتَوَلَّدُ في البَرِّ، والبَحْرُ لَهُ مَرْعًى، كَما لِلنّاسِ مَتْجَرٌ ﴿ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ مُحْرِمِينَ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في الِاصْطِيادِ في الحَرَمِ، أوْ في الإحْرامِ ﴿الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تُبْعَثُونَ فَيَجْزِيكم عَلى أعْمالِكم.

المائدة 5:97

(p-٤٧٨)﴿جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ﴾ أيْ: صَيَّرَ ﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾ بَدَلٌ، أوَعَطْفُ بَيانٍ ﴿قِيامًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ جَعَلَ بِمَعْنى خَلَقَ، وقِيامًا: حالٌ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيِ: انْتِعاشًا لَهم في أمْرِ دِينِهِمْ، ونُهُوضًا إلى أغْراضِهِمْ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، لِما يَتِمُّ لَهم مِن أمْرِ حَجِّهِمْ، وعُمْرَتِهِمْ، وأنْواعِ مَنافِعِهِمْ. قِيلَ: لَوْ تَرَكُوهُ عامًا لَمْ يُنْظَرُوا، ولَمْ يُؤَخِّرُوا. ﴿والشَهْرَ الحَرامَ﴾ والشَهْرُ الَّذِي يُؤَدّى فِيهِ الحَجُّ، وهو ذُو الحِجَّةِ، لِأنَّ في اخْتِصاصِهِ مِن بَيْنِ الأشْهُرِ بِإقامَةِ مَوْسِمِ الحَجِّ فِيهِ شَأْنًا قَدْ عَلِمَهُ اللهُ، أوْ أُرِيدَ بِهِ جِنْسُ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وهِيَ: رَجَبٌ، وذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ. ﴿والهُدى﴾ ما يُهْدى إلى مَكَّةَ ﴿والقَلائِدَ﴾ والمُقَلَّدُ مِنهُ خُصُوصًا، وهو البُدْنُ، فالثَوابُ فِيهِ أكْثَرُ، وبَهاءُ الحَجِّ مَعَهُ أظْهَرُ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى جَعْلِ الكَعْبَةِ قِيامًا، أوْ إلى ما ذُكِرَ مِن حِفْظِ حُرْمَةِ الإحْرامِ بِتَرْكِ الصَيْدِ، وغَيْرِهِ ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَصالِحَ ما في السَمَواتِ وما في الأرْضِ، وكَيْفَ لا يَعْلَمُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؟!.

المائدة 5:98

﴿اعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَنِ اسْتَخَفَّ بِالحَرَمِ والإحْرامِ ﴿وَأنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لِآثامِ مَن عَظَّمَ المَشاعِرَ العِظامَ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالجانِي المُلْتَجِئِ إلى البَلَدِ الحَرامِ.

المائدة 5:99

﴿ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ﴾ تَشْدِيدٌ في إيجابِ القِيامِ بِما أُمِرَ بِهِ، وأنَّ الرَسُولَ قَدْ فَرَغَ مِمّا وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ التَبْلِيغِ، وقامَتْ عَلَيْكُمُ الحُجَّةُ، ولَزِمَتْكُمُ الطاعَةُ، فَلا عُذْرَ لَكم في التَفْرِيطِ ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ نِفاقُكُمْ، ووِفاقُكم.

المائدة 5:100

﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَيِّبُ﴾ لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يَعْلَمُ ما يُبْدُونَ (p-٤٧٩)وَما يَكْتُمُونَ، ذَكَرَ أنَّهُ لا يَسْتَوِي خَبِيثُهم وطَيِّبُهُمْ، بَلْ يُمَيِّزُ بَيْنَهُما فَيُعاقِبُ الخَبِيثَ، أيِ: الكافِرَ، ويُثِيبُ الطَيِّبَ، أيِ: المُسْلِمَ ﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فاتَّقُوا اللهَ﴾ وآثِرُوا الطَيِّبَ -وَإنْ قَلَّ- عَلى الخَبِيثِ -وَإنْ كَثُرَ-. وقِيلَ: هو عامٌّ في حَلالِ المالِ وحَرامِهِ، وصالِحِ العَمَلِ وطالِحِهِ، وجَيِّدِ الناسِ ورَدِيئِهِمْ ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيِ: العُقُولِ الخالِصَةِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

المائدة 5:101

كانُوا يَسْألُونَ النَبِيَّ ﷺ عَنْ أشْياءَ امْتِحانًا، فَنَزَلَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ: أصْلُهُ: شَيْئاءُ بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ، وهي فَعْلاءُ مِن لَفْظِ شَيْءٍ، وهَمْزَتُها الثانِيَةُ لِلتَّأْنِيثِ، ولِذا لَمْ تَنْصَرِفُ كَحَمْراءَ، وهي مُفْرَدَةٌ لَفْظًا، جَمْعٌ مَعْنًى، ولَمّا اسْتُثْقِلَتِ الهَمْزَتانِ المُجْتَمِعَتانِ قُدِّمَتِ الأُولى الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ، فَجُعِلَتْ قَبْلَ الشِينِ، فَصارَ وزْنُها لَفْعاءَ، والجُمْلَةُ الشَرْطِيَّةُ والمَعْطُوفَةُ عَلَيْها، أيْ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَـزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ صِفَةٌ لِأشْياءَ، أيْ: وإنْ تَسْألُوا عَنْ هَذِهِ التَكالِيفِ الصَعْبَةِ في زَمانِ الوَحْيِ، وهو مادامَ الرَسُولُ بَيْنَ أظْهُرِكم تُبْدَ لَكم تِلْكَ التَكالِيفُ الَّتِي تَسُوؤُكُمْ، أيْ: تَغُمُّكُمْ، وتَشُقُّ عَلَيْكُمْ، تُؤْمَرُونَ بِتَحَمُّلِها فَتُعَرِّضُونَ أنْفُسَكم لِغَضَبِ اللهِ بِالتَفْرِيطِ فِيها ﴿عَفا اللهُ عَنْها﴾ عَفا اللهُ عَمّا سَلَفَ مِن مَسْألَتِكُمْ، فَلا تَعُودُوا إلى مِثْلِها ﴿واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يُعاقِبُكم إلّا بَعْدَ الإنْذارِ.

المائدة 5:102

والضَمِيرُ في ﴿قَدْ سَألَها﴾ لا يَرْجِعُ إلى أشْياءَ حَتّى يُعَدّى بِعْنَ، بَلْ يَرْجِعُ إلى المَسْألَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها "لا تَسْألُوا" أيْ: قَدْ سَألَ هَذِهِ المَسْألَةَ ﴿قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مِنَ الأوَّلِينَ ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها﴾ صارُوا بِسَبَبِها ﴿كافِرِينَ﴾ كَما عُرِفَ في بَنِي إسْرائِيلَ.

المائدة 5:103

﴿ما جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا (p-٤٨٠)نَتَجَتِ الناقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ آخِرُها ذَكَرٌ بَحَرُوا أُذُنَها -أيْ: شَقُّوها- وامْتَنَعُوا عَنْ رُكُوبِها، وذَبْحِها، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ ولا مَرْعًى، واسْمُها: البَحِيرَةُ، وكانَ يَقُولُ الرَجُلُ: إذا قَدِمْتُ مِن سَفَرِي، أوْ بَرَأْتُ مِن مَرَضِي، فَناقَتِي سائِبَةٌ، وجَعَلَها كالبَحِيرَةِ في تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ بِها. وقِيلَ: كانَ الرَجُلُ إذا أعْتَقَ عَبْدًا قالَ: هو سائِبَةٌ، فَلا عَقْلَ بَيْنَهُما، ولا مِيراثَ. وكانَتِ الشاةُ إذا ولَدَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ، فَإنْ كانَ السابِعُ ذَكَرًا أكَلَهُ الرِجالُ، وإنْ كانَ أُنْثى أُرْسِلَتْ في الغَنَمِ وكَذا إنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى، وقالُوا: وصَلَتْ أخاها. فالوَصِيلَةُ بِمَعْنى الواصِلَةِ، وإذا نَتَجَتْ مِن صُلْبِ الفَحْلِ عَشْرَةَ أبْطُنٍ قالُوا: قَدْ حَمِيَ ظَهْرُهُ، فَلا يُرْكَبُ، ولا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، ولا يُمْنَعُ مِن ماءٍ ولا مَرْعًى. ومَعْنى: "ما جَعَلَ" ما شَرَعَ ذَلِكَ، ولا أمَرَ بِهِ ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِتَحْرِيمِهِمْ ما حَرَّمُوا ﴿يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ﴾ في نِسْبَتِهِمْ هَذا التَحْرِيمَ إلَيْهِ ﴿وَأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّ اللهَ لَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ، وهم عَوامُّهم.

المائدة 5:104

﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْـزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ﴾ أيْ: هَلُمُّوا إلى حُكْمِ اللهِ ورَسُولِهِ بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ ﴿قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ: كافِينا ذَلِكَ "حَسْبُنا" مُبْتَدَأُ، والخَبَرُ ﴿ما وجَدْنا﴾ و"ما" بِمَعْنى: الَّذِي. والواوُ فِي: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ لِلْحالِ، قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، وتَقْدِيرُهُ: "أ"حَسْبُهم ذَلِكَ " ولَوْ كانَ آباؤُهم " ﴿لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ أيِ: الِاقْتِداءُ إنَّما يَصِحُّ بِالعالِمِ المُهْتَدِي. وإنَّما يُعْرَفُ اهْتِداؤُهُ بِالحُجَّةِ.

المائدة 5:105

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ انْتَصَبَ "أنْفُسَكُمْ" بِـ "عَلَيْكُمْ". وهو مِن أسْماءِ الأفْعالِ، أيِ: الزَمُوا إصْلاحَ أنْفُسِكُمْ، والكافُ والمِيمُ في "عَلَيْكُمْ" في مَوْضِعِ جَرٍّ، لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ هو الجارُّ والمَجْرُورُ لا "عَلى" وحْدَها ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ جَزْمٌ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وإنَّما ضُمَّتِ الراءُ إتْباعًا لِضَمَّةِ الضادِ ﴿مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ كانَ المُؤْمِنُونَ تَذْهَبُ أنْفُسُهم (p-٤٨١)حَسْرَةً عَلى أهْلِ العِنادِ مِنَ الكَفَرَةِ، يَتَمَنَّوْنَ دُخُولَهم في الإسْلامِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ وما كُلِّفْتُمْ مِن إصْلاحِها ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ الضُلّالُ عَنْ دِينِكم إذا كُنْتُمْ مُهْتَدِينَ. ولَيْسَ المُرادُ: تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَإنَّ تَرْكَهُما مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِما لا يَجُوزُ ﴿إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ رُجُوعُكم ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ يَجْزِيكم عَلى أعْمالِكم.

المائدة 5:106

رُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ بَدِيلٌ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ -وَكانَ مِنَ المُهاجِرِينَ- مَعَ عَدِيٍّ وتَمِيمٍ -وَكانا نَصْرانِيَّيْنِ- إلى الشامِ، فَمَرِضَ بَدِيلٌ، وكَتَبَ كِتابًا فِيهِ ما مَعَهُ، وطَرَحَهُ في مَتاعِهِ، ولَمْ يُخْبِرْ بِهِ صاحِبَيْهِ. وأوْصى إلَيْهِما بِأنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إلى أهْلِهِ، وماتَ. فَفَتَّشا مَتاعَهُ، فَأخَذا إناءً مِن فِضَّةٍ، فَأصابَ أهْلُ بَدِيلٍ الصَحِيفَةَ، فَطالَبُوهُما بِالإناءِ، فَجَحَدا. فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ﴾ ارْتَفَعَ اثْنانِ، لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وهو "شَهادَةُ" بِتَقْدِيرِ "شَهادَةُ بَيْنِكم شَهادَةُ اثْنَيْنِ"، أوْ لِأنَّهُ فاعِلُ شَهادَةِ بَيْنِكُمْ، أيْ: فِيما فُرِضَ عَلَيْكم أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ، واتُّسِعَ في "بَيْنَ" فَأُضِيفَ إلَيْهِ المَصْدَرُ ﴿وَإذا حَضَرَ﴾ ظَرْفٌ لِلشَّهادَةِ. و﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وفي إبْدالِهِ مِنهُ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ، لِأنَّ حُضُورَ المَوْتِ مِنَ الأُمُورِ الكائِنَةِ. و﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، فَيَدُلُّ عَلى وُجُودِ الوَصِيَّةِ، ولَوْ وُجِدَتْ بِدُونِ الِاخْتِيارِ لَسَقَطَ الِابْتِلاءُ، فَنُقِلَ إلى الوُجُوبِ، وحُضُورُ المَوْتِ: مُشارَفَتُهُ، وظُهُورُ أماراتِ بُلُوغِ الأجَلِ. ﴿ذَوا عَدْلٍ﴾ صِفَةٌ لِاثْنَيْنِ ﴿مِنكُمْ﴾ مِن أقارِبِكُمْ، لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ المَيِّتِ ﴿أوْ آخَرانِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿اثْنانِ﴾ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ مِنَ الأجانِبِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ سافَرْتُمْ فِيها. و"أنْتُمْ" فاعِلُ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ أوْ "مِنكُمْ" مِنَ المُسْلِمِينَ، و"مَن غَيْرِكُمْ" مِن أهْلِ الذِمَّةِ، وقِيلَ: مَنسُوخٌ، إذْ لا يَجُوزُ شَهادَةُ الذِمِّيِّ عَلى المُسْلِمِ، وإنَّما جازَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ تَقِفُونَهُما (p-٤٨٢)لِلْحَلِفِ، هو اسْتِئْنافُ كَلامٍ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ مَحْبُوسانِ. و﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِفَةِ والمَوْصُوفِ ﴿مِن بَعْدِ الصَلاةِ﴾ مِن بَعْدِ صَلاةِ العَصْرِ، لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ الناسِ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ: بَعْدَ العَصْرِ أوِ الظُهْرِ، لِأنَّ أهْلَ الحِجازِ كانُوا يَقْعُدُونَ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَهُما، وفي حَدِيثِ بَدِيلٍ: أنَّهُما لَمّا نَزَلَتْ صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاةَ العَصْرِ، ودَعا بِـ عَدِيٍّ، وتَمِيمٍ، فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ، فَحَلَفا، ثُمَّ وُجِدَ الإناءُ بِمَكَّةَ، فَقالُوا: إنّا اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾ فَيَحْلِفانِ بِهِ ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ في أمانَتِهِما، وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ يُقْسِمانِ وجَوابِهِ، وهو ﴿لا نَشْتَرِي﴾ وجَوابُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ أغْنى عَنْهُ مَعْنى الكَلامِ، والتَقْدِيرُ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في شَأْنِهِما فَحَلِّفُوهُما ﴿بِهِ﴾ بِاللهِ، أوْ بِالقَسَمِ ﴿ثَمَنًا﴾ عِوَضًا مِنَ الدُنْيا ﴿وَلَوْ كانَ﴾ أيِ: المُقْسَمُ لَهُ ﴿ذا قُرْبى﴾ أيْ: لا نَحْلِفُ بِاللهِ كاذِبِينَ لِأجْلِ المالِ، ولَوْ كانَ مَن نُقْسِمُ لَهُ قَرِيبًا مِنّا ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ﴾ أيِ: الشَهادَةَ الَّتِي أمَرَ اللهُ بِحِفْظِها وتَعْظِيمِها ﴿إنّا إذًا﴾ إنْ كَتَمْنا ﴿لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ وقِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِهِما الشاهِدانِ فَقَدْ نُسِخَ تَحْلِيفُ الشاهِدَيْنِ، وإنْ أُرِيدَ الوَصِيّانِ فَلَمْ يُنْسَخْ تَحْلِيفُهُما.

المائدة 5:107

﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ فَإنِ اطُّلِعَ ﴿عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ فِعْلًا ما أوْجَبَ إثْمًا، واسْتَوْجَبا أنْ يُقالَ: إنَّهُما لَمِنَ الآثِمِينَ ﴿فَآخَرانِ﴾ فَشاهِدانِ آخَرانِ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أيْ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ الإثْمُ، ومَعْناهُ: مِنَ الَّذِينَ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ، وفي قِصَّةِ بَدِيلٍ: أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ خِيانَةُ الرَجُلَيْنِ حَلَفَ رَجُلانِ مِن ورَثَتِهِ إنَّهُ إناءُ صاحِبِهُما، وإنَّ شَهادَتَهُما أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما ﴿الأوْلَيانِ﴾ الأحْقّانِ بِالشَهادَةِ لِقَرابَتِهِما، أوْ (p-٤٨٣)مَعْرِفَتِهِما. وارْتِفاعُهُما عَلى هُما "الأوَّلِيّانِ" كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما؟ فَقِيلَ: "الأوْلَيانِ" أوْ هو بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَقُومانِ" أوْ مِن "فَآخَرانِ" (اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ) حَفْصٌ. أيْ: "مِن" الوَرَثَةِ ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ مِن بَيْنِهِمْ بِالشَهادَةِ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِالشَهادَةِ، ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبِينَ. (الأوَّلِينَ) حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلَّذِينِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مَجْرُورٌ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وسُمُّوا: أوَّلِينَ، لِأنَّهم كانُوا أوَّلِينَ في الذِكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ أيْ: لَيَمِينُنا أحَقُّ بِالقَبُولِ مِن يَمِينِ هَذَيْنِ الوَصِيَّيْنِ الخائِنَيْنِ ﴿وَما اعْتَدَيْنا﴾ وما تَجاوَزْنا الحَقَّ في يَمِينِنا ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ﴾ أيْ: إنْ حَلَفْنا كاذِبِينَ.

المائدة 5:108

﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ مِن بَيانِ الحُكْمِ ﴿أدْنى﴾ أقْرَبُ ﴿أنْ يَأْتُوا﴾ أيِ: الشُهَداءُ عَلى نَحْوِ تِلْكَ الحادِثَةِ ﴿بِالشَهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ كَما حَمَلُوها بِلا خِيانَةٍ فِيها ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ: تُكَرَّرَ أيْمانُ شُهُودٍ آخَرِينَ بَعْدَ أيْمانِهِمْ، فَيَفْتَضِحُوا بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في الخِيانَةِ، واليَمِينِ الكاذِبَةِ ﴿واسْمَعُوا﴾ سَمْعَ قَبُولٍ، وإجابَةٍ ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ الخارِجِينَ عَنِ الطاعَةِ، فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى "أوْ" هُنا؟ قُلْتُ: مَعْناهُ: ذَلِكَ أقْرَبُ مِن أنْ يُؤَدُّوا الشَهادَةَ بِالحَقِّ والصِدْقِ، إمّا لِلَّهِ، أوْ لِخَوْفِ العارِ والِافْتِضاحِ بِرَدِّ الأيْمانِ، وقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَن يَرى رَدَّ اليَمِينِ عَلى المُدَّعِي. والجَوابُ: أنَّ الوَرَثَةَ قَدِ ادَّعَوْا عَلى النَصْرانِيَّيْنِ أنَّهُما قَدِ اخْتانا، فَحَلَفا، فَلَمّا ظَهَرَ كَذِبُهُما ادَّعَيا الشِراءَ فِيما كَتَما، فَأنْكَرَتِ الوَرَثَةُ، فَكانَتِ اليَمِينُ عَلى الوَرَثَةِ لِإنْكارِهِما الشِراءَ.

المائدة 5:109

﴿يَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ بِاذْكُرُوا، أوِ احْذَرُوا ﴿يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ ما الَّذِي أجابَتْكم بِهِ أُمَمُكم حِينَ دَعَوْتُمُوهم إلى الإيمانِ. وهَذا السُؤالُ تَوْبِيخٌ لِمَن أنْكَرُهم. و"ماذا" مَنصُوبٌ بِأُجِبْتُمْ، نَصْبَ المَصْدَرِ عَلى (p-٤٨٤)مَعْنى: أيَّ إجابَةٍ أُجِبْتُمْ؟ ﴿قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ بِإخْلاصِ قَوْمِنا. دَلِيلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ أوْ بِما أحْدَثُوا بَعْدَنا، دَلِيلُهُ ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائِدَةُ: ١١٧]، أوْ قالُوا ذَلِكَ تَأدُّبًا، أيْ: عِلْمُنا ساقِطٌ مَعَ عِلْمِكَ، ومَغْمُورٌ بِهِ، فَكَأنَّهُ لا عِلْمَ لَنا.

المائدة 5:110

﴿إذْ قالَ اللهُ﴾ بَدَلٌ مِن " يَوْمَ يَجْمَعُ" ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ حَيْثُ طَهَّرْتُها، واصْطَفَيْتُها عَلى نِساءِ العالَمِينَ، والعامِلُ في ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ أيْ: قَوَّيْتُكَ ﴿نِعْمَتِي﴾ ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، أُيِّدَ بِهِ لِتَثْبُتَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، أوْ بِالكَلامِ الَّذِي يَحْيا بِهِ الدِينُ. وأضافَهُ إلى القُدْسِ، لِأنَّهُ سَبَبُ الطُهْرِ مِن أوَضارِ الآثامِ، دَلِيلُهُ: ﴿تُكَلِّمُ الناسَ في المَهْدِ﴾ حالٌ، أيْ: تُكَلِّمُهم طِفْلًا، إعْجازًا ﴿وَكَهْلا﴾ تَبْلِيغًا ﴿وَإذْ عَلَّمْتُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ ونَحْوُهُ: ﴿وَإذْ تَخْلُقُ﴾ ﴿وَإذْ تُخْرِجُ﴾ ﴿وَإذْ كَفَفْتُ﴾ ﴿وَإذْ أوْحَيْتُ﴾ ﴿الكِتابَ﴾ الخَطَّ ﴿والحِكْمَةَ﴾ الكَلامَ المُحْكَمَ الصَوابَ ﴿والتَوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ﴾ تُقْدِرُ ﴿مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ﴾ هَيْئَةً مِثْلَ هَيْئَةِ الطَيْرِ ﴿بِإذْنِي﴾ بِتَسْهِيلِي. ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ الضَمِيرُ لِلْكافِ، لِأنَّها صِفَةُ الهَيْئَةِ الَّتِي كانَ يَخْلُقُها عِيسى، ويَنْفُخُ فِيها، ولا يَرْجِعُ إلى الهَيْئَةِ المُضافِ إلَيْها، لِأنَّها لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ، وكَذا الضَمِيرُ في ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي﴾ وعُطِفَ ﴿وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي﴾ عَلى ﴿تَخْلُقُ﴾ ﴿وَإذْ تُخْرِجُ المَوْتى﴾ مِنَ القُبُورِ أحْياءً ﴿بِإذْنِي﴾ قِيلَ: أخْرَجَ سامَ بْنَ نُوحٍ، ورَجُلَيْنِ، وامْرَأةً، وجارِيَةً. ﴿وَإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ أيِ: اليَهُودَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ ﴿إذْ جِئْتَهُمْ﴾ ظَرْفٌ لَكَفَفْتُ ﴿بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (ساحِرٌ): حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. (p-٤٨٥)

المائدة 5:111

﴿وَإذْ أوْحَيْتُ﴾ ألْهَمْتُ ﴿إلى الحَوارِيِّينَ﴾ الخَواصِّ، أوِ الأصْفِياءِ ﴿أنْ آمِنُوا﴾ أيْ: آمِنُوا ﴿بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: اشْهَدْ بِأنَّنا مُخْلِصُونَ، مِن أسْلَمَ وجْهَهُ.

المائدة 5:112

﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ أيِ: اذْكُرُوا إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ "عِيسى" نُصِبَ عَلى اتِّباعِ حَرَكَتِهِ حَرَكَةَ الِابْنِ، نَحْوُ يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هَلْ يَفْعَلُ؟ أوْ هَلْ يُعْطِيكَ رَبُّكَ إنْ سَألْتَهُ؟ فاسْتَطاعَ وأطاعَ بِمَعْنًى، كاسْتَجابَ وأجابَ. (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ): عَلِيٌّ. أيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤالَ رَبِّكَ، فَحُذِفَ المُضافُ، والمَعْنى: هَلْ تَسْألُهُ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَصْرِفُكَ عَنْ سُؤالِهِ؟ ﴿أنْ يُنَـزِّلَ عَلَيْنا﴾ (يَنْزِلُ) مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ. ﴿مائِدَةً مِنَ السَماءِ﴾ هِيَ: الخَوانُ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَعامُ، مِن مادَهُ إذا أعْطاهُ، كَأنَّها تَمِيدُ مَن تَقَدَّمَ إلَيْها ﴿قالَ اتَّقُوا اللهَ﴾ في اقْتِراحِ الآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إذِ الإيمانُ يُوجِبُ التَقْوى.

المائدة 5:113

﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ تَبَرُّكًا ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ ونَزْدادُ يَقِينًا، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البَقَرَةُ: ٢٦٠] ﴿وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾ أيْ: نَعْلَمُ صِدْقَكَ عِيانًا، كَما عَلِمْناهُ اسْتِدْلالًا ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشاهِدِينَ﴾ بِما عايَنّا لِمَن بَعْدَنا.

المائدة 5:114

وَلَمّا كانَ السُؤالُ لِزِيادَةِ العِلْمِ لا لِلتَّعَنُّتِ ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ﴾ (p-٤٨٦)أصْلُهُ: يا أللَّهُ، فَحُذِفَ يا، وعُوِّضَ مِنهُ المِيمُ ﴿رَبَّنا﴾ نِداءٌ ثانٍ ﴿أنْـزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ أيْ: يَكُونُ يَوْمُ نُزُولِها عِيدًا، قِيلَ: هو يَوْمُ الأحَدِ، ومِن ثَمَّ اتَّخَذَهُ النَصارى عِيدًا، أوِ العِيدُ: السُرُورُ العائِدُ، ولِذا يُقالُ: يَوْمُ عِيدٍ، فَكانَ مَعْناهُ: تَكُونُ لَنا سُرُورًا وفَرَحًا ﴿لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ بَدَلٌ مِن "لَنا" بِتَكْرِيرِ العامِلِ، أيْ: لِمَن في زَمانِنا مِن أهْلِ دِينِنا، ولِمَن يَأْتِي بَعْدَنا، أوْ يَأْكُلُ مِنها آخِرُ الناسِ كَما يَأْكُلُ أوَّلُهُمْ، أوْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ مِنّا والأتْباعِ ﴿وَآيَةً مِنكَ﴾ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرازِقِينَ﴾ وأعْطِنا ما سَألْناكَ، وأنْتَ خَيْرُ المُعْطِينَ.

المائدة 5:115

﴿قالَ اللهُ إنِّي مُنَـزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ١١٥ ( قالَ اللهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ) بِالتَشْدِيدِ: مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ، وعاصِمٌ. وعَدَ الإنْزالَ، وشَرَطَ عَلَيْهِمْ شَرْطًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ بَعْدَ إنْزالها ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾ أيْ: تَعْذِيبًا، كالسَلامِ بِمَعْنى التَسْلِيمِ، والضَمِيرُ في " لا أُعَذِّبُهُ " لِلْمَصْدَرِ، ولَوْ أُرِيدَ بِالعَذابِ ما يُعَذَّبُ بِهِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الباءِ ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ عَنِ الحَسَنِ: أنَّ المائِدَةَ لَمْ تَنْزِلْ، ولَوْ نَزَلَتْ لَكانَتْ عِيدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِقَوْلِهِ: "وَآخِرِنا" والصَحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ، فَعَنْ وهْبٍ: نَزَلَتْ مائِدَةٌ مَنكُوسَةٌ تَطِيرُ بِها المَلائِكَةُ، عَلَيْها كُلُّ طَعامٍ إلّا اللَحْمَ، وقِيلَ: كانُوا يَجِدُونَ عَلَيْها ما شاءُوا، وقِيلَ: كانَتْ تَنْزِلُ حَيْثُ كانُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا.

المائدة 5:116

﴿وَإذْ قالَ اللهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذا السُؤالَ يَكُونُ في يَوْمِ القِيامَةِ، دَلِيلُهُ: سِياقُ الآيَةِ وسِباقُها، وقِيلَ: خاطَبَهُ بِهِ حِينَ رَفَعَهُ إلى السَماءِ، دَلِيلُهُ: لَفْظُ "إذْ" ﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾ مِن أنْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ ما يَنْبَغِي لِي ﴿أنْ أقُولَ ما لَيْسَ (p-٤٨٧)لِي بِحَقٍّ﴾ أنْ أقُولَ قَوْلًا لا يَحِقُّ لِي أنْ أقُولَهُ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ إنْ صَحَّ أنِّي قُلْتُهُ فِيما مَضى فَقَدْ عَلِمْتَهُ، والمَعْنى: أنِّي لا أحْتاجُ إلى الِاعْتِذارِ، لِأنَّكَ تَعْلَمُ أنِّي لَمْ أقُلْهُ، ولَوْ قَلْتُهُ عَلِمْتَهُ، لِأنَّكَ ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ ذاتِي ﴿وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ ذاتِكَ. فَنَفْسُ الشَيْءِ: ذاتُهُ، وهُوِيَّتُهُ. والمَعْنى: تَعْلَمُ مَعْلُومِي، ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ مَعًا، لِأنَّ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ النُفُوسُ مِن جُمْلَةِ الغُيُوبِ، ولِأنَّ ما يَعْلَمُ عَلّامُ الغُيُوبِ لا يَنْتَهِي إلَيْهِ عِلْمُ أحَدٍ.

المائدة 5:117

﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ، ثُمَّ فَسَرَّ ما أمَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ فَـ "إنْ" مُفَسِّرَةٌ بِمَعْنى: أيْ ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ رَقِيبًا ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ مُدَّةَ كَوْنِي فِيهِمْ ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ الحَفِيظَ ﴿وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مِن قَوْلِي، وفِعْلِي، وقَوْلِهِمْ، وفِعْلِهِمْ.

المائدة 5:118

﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قالَ الزَجّاجُ: عَلِمَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ مِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن أقامَ عَلى الكُفْرِ، فَقالَ في جُمْلَتِهِمْ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ أيْ: إنْ تُعَذِّبْ مَن كَفَرَ مِنهم ﴿فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ الَّذِينَ عَلِمْتَهم جاحِدِينَ لِآياتِكَ، مُكَذِّبِينَ لِأنْبِيائِكَ، وأنْتَ العادِلُ في ذَلِكَ، فَإنَّهم قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ وُجُوبِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ: لِمَن أقْلَعَ مِنهم وآمَنَ، فَذَلِكَ فَضْلٌ مِنكَ، وأنْتَ عَزِيزٌ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْكَ ما تُرِيدُ، حَكِيمٌ في ذَلِكَ. أوْ "عَزِيزٌ" قَوِيٌّ، قادِرٌ عَلى الثَوابِ، "حَكِيمٌ" لا يُعاقِبُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ.

المائدة 5:119

﴿قالَ اللهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ بِرَفْعِ اليَوْمِ والإضافَةِ عَلى أنَّهُ (p-٤٨٨)خَبَرُ هَذا، أيْ: يَقُولُ اللهُ تَعالى: هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ فِيهِ صِدْقُهُمُ المُسْتَمِرُّ في دُنْياهم وآخِرَتِهِمْ. والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، كَما تَقُولُ. قالَ زَيْدٌ: عَمْرٌو مُنْطَلِقٌ. وبِالنَصْبِ نافِعٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ: قالَ اللهُ هَذا لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ﴾ بِالسَعْيِ المَشْكُورِ، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بِالجَزاءِ المَوْفُورِ، ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ لِأنَّهُ باقٍ بِخِلافِ الفَوْزِ في الدُنْيا، فَهو غَيْرُ باقٍ.

المائدة 5:120

﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ﴾ عَظَّمَ نَفْسَهُ عَمّا قالَتِ النَصارى: إنَّ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مِنَ المَنعِ، والإعْطاءِ، والإيجادِ، والإفْناءِ. نَسْألُهُ أنْ يُوَفِّقَنا لِمَرْضاتِهِ، ويَجْعَلَنا مِنَ الفائِزِينَ بِجَنّاتِهِ. وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.