Lafzullah

Tafsir Al-Nasafi — الأنبياء 21:1 – النور 24:64

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Nasafi

المحتويات
  1. الأنبياء 21:1
  2. الأنبياء 21:2
  3. الأنبياء 21:3
  4. الأنبياء 21:4
  5. الأنبياء 21:5
  6. الأنبياء 21:6
  7. الأنبياء 21:7
  8. الأنبياء 21:8
  9. الأنبياء 21:9
  10. الأنبياء 21:10
  11. الأنبياء 21:11
  12. الأنبياء 21:12
  13. الأنبياء 21:13
  14. الأنبياء 21:14
  15. الأنبياء 21:15
  16. الأنبياء 21:16
  17. الأنبياء 21:17
  18. الأنبياء 21:18
  19. الأنبياء 21:19
  20. الأنبياء 21:20
  21. الأنبياء 21:21
  22. الأنبياء 21:22
  23. الأنبياء 21:23
  24. الأنبياء 21:24
  25. الأنبياء 21:25
  26. الأنبياء 21:26
  27. الأنبياء 21:27
  28. الأنبياء 21:28
  29. الأنبياء 21:29
  30. الأنبياء 21:30
  31. الأنبياء 21:31
  32. الأنبياء 21:32
  33. الأنبياء 21:33
  34. الأنبياء 21:34
  35. الأنبياء 21:35
  36. الأنبياء 21:36
  37. الأنبياء 21:37
  38. الأنبياء 21:38
  39. الأنبياء 21:39
  40. الأنبياء 21:40
  41. الأنبياء 21:41
  42. الأنبياء 21:42
  43. الأنبياء 21:43
  44. الأنبياء 21:44
  45. الأنبياء 21:45
  46. الأنبياء 21:46
  47. الأنبياء 21:47
  48. الأنبياء 21:48
  49. الأنبياء 21:49
  50. الأنبياء 21:50
  51. الأنبياء 21:51
  52. الأنبياء 21:52
  53. الأنبياء 21:53
  54. الأنبياء 21:54
  55. الأنبياء 21:55
  56. الأنبياء 21:56
  57. الأنبياء 21:57
  58. الأنبياء 21:58
  59. الأنبياء 21:59
  60. الأنبياء 21:60
  61. الأنبياء 21:61
  62. الأنبياء 21:62
  63. الأنبياء 21:63
  64. الأنبياء 21:64
  65. الأنبياء 21:65
  66. الأنبياء 21:66
  67. الأنبياء 21:67
  68. الأنبياء 21:68
  69. الأنبياء 21:69
  70. الأنبياء 21:70
  71. الأنبياء 21:71
  72. الأنبياء 21:72
  73. الأنبياء 21:73
  74. الأنبياء 21:74
  75. الأنبياء 21:75
  76. الأنبياء 21:76
  77. الأنبياء 21:77
  78. الأنبياء 21:78
  79. الأنبياء 21:79
  80. الأنبياء 21:80
  81. الأنبياء 21:81
  82. الأنبياء 21:82
  83. الأنبياء 21:83
  84. الأنبياء 21:84
  85. الأنبياء 21:85
  86. الأنبياء 21:86
  87. الأنبياء 21:87
  88. الأنبياء 21:88
  89. الأنبياء 21:89
  90. الأنبياء 21:90
  91. الأنبياء 21:91
  92. الأنبياء 21:92
  93. الأنبياء 21:93
  94. الأنبياء 21:94
  95. الأنبياء 21:95
  96. الأنبياء 21:96
  97. الأنبياء 21:97
  98. الأنبياء 21:98
  99. الأنبياء 21:99
  100. الأنبياء 21:100
  101. الأنبياء 21:101
  102. الأنبياء 21:102
  103. الأنبياء 21:103
  104. الأنبياء 21:104
  105. الأنبياء 21:105
  106. الأنبياء 21:106
  107. الأنبياء 21:107
  108. الأنبياء 21:108
  109. الأنبياء 21:109
  110. الأنبياء 21:110
  111. الأنبياء 21:111
  112. الأنبياء 21:112
  113. الحج 22:1
  114. الحج 22:2
  115. الحج 22:3
  116. الحج 22:4
  117. الحج 22:5
  118. الحج 22:6
  119. الحج 22:7
  120. الحج 22:8
  121. الحج 22:9
  122. الحج 22:10
  123. الحج 22:11
  124. الحج 22:12
  125. الحج 22:13
  126. الحج 22:14
  127. الحج 22:15
  128. الحج 22:16
  129. الحج 22:17
  130. الحج 22:18
  131. الحج 22:19
  132. الحج 22:20
  133. الحج 22:21
  134. الحج 22:22
  135. الحج 22:23
  136. الحج 22:24
  137. الحج 22:25
  138. الحج 22:26
  139. الحج 22:27
  140. الحج 22:28
  141. الحج 22:29
  142. الحج 22:30
  143. الحج 22:31
  144. الحج 22:32
  145. الحج 22:33
  146. الحج 22:34
  147. الحج 22:35
  148. الحج 22:36
  149. الحج 22:37
  150. الحج 22:38
  151. الحج 22:39
  152. الحج 22:40
  153. الحج 22:41
  154. الحج 22:42
  155. الحج 22:43
  156. الحج 22:44
  157. الحج 22:45
  158. الحج 22:46
  159. الحج 22:47
  160. الحج 22:48
  161. الحج 22:49
  162. الحج 22:50
  163. الحج 22:51
  164. الحج 22:52
  165. الحج 22:53
  166. الحج 22:54
  167. الحج 22:55
  168. الحج 22:56
  169. الحج 22:57
  170. الحج 22:58
  171. الحج 22:59
  172. الحج 22:60
  173. الحج 22:61
  174. الحج 22:62
  175. الحج 22:63
  176. الحج 22:64
  177. الحج 22:65
  178. الحج 22:66
  179. الحج 22:67
  180. الحج 22:68
  181. الحج 22:69
  182. الحج 22:70
  183. الحج 22:71
  184. الحج 22:72
  185. الحج 22:73
  186. الحج 22:74
  187. الحج 22:75
  188. الحج 22:76
  189. الحج 22:77
  190. الحج 22:78
  191. المؤمنون 23:1
  192. المؤمنون 23:2
  193. المؤمنون 23:3
  194. المؤمنون 23:4
  195. المؤمنون 23:5
  196. المؤمنون 23:6
  197. المؤمنون 23:7
  198. المؤمنون 23:8
  199. المؤمنون 23:9
  200. المؤمنون 23:10
  201. المؤمنون 23:11
  202. المؤمنون 23:12
  203. المؤمنون 23:13
  204. المؤمنون 23:14
  205. المؤمنون 23:15
  206. المؤمنون 23:16
  207. المؤمنون 23:17
  208. المؤمنون 23:18
  209. المؤمنون 23:19
  210. المؤمنون 23:20
  211. المؤمنون 23:21
  212. المؤمنون 23:22
  213. المؤمنون 23:23
  214. المؤمنون 23:24
  215. المؤمنون 23:25
  216. المؤمنون 23:26
  217. المؤمنون 23:27
  218. المؤمنون 23:28
  219. المؤمنون 23:29
  220. المؤمنون 23:30
  221. المؤمنون 23:31
  222. المؤمنون 23:32
  223. المؤمنون 23:33
  224. المؤمنون 23:34
  225. المؤمنون 23:35
  226. المؤمنون 23:36
  227. المؤمنون 23:37
  228. المؤمنون 23:38
  229. المؤمنون 23:39
  230. المؤمنون 23:40
  231. المؤمنون 23:41
  232. المؤمنون 23:42
  233. المؤمنون 23:43
  234. المؤمنون 23:44
  235. المؤمنون 23:45
  236. المؤمنون 23:46
  237. المؤمنون 23:47
  238. المؤمنون 23:48
  239. المؤمنون 23:49
  240. المؤمنون 23:50
  241. المؤمنون 23:51
  242. المؤمنون 23:52
  243. المؤمنون 23:53
  244. المؤمنون 23:54
  245. المؤمنون 23:55
  246. المؤمنون 23:56
  247. المؤمنون 23:57
  248. المؤمنون 23:58
  249. المؤمنون 23:59
  250. المؤمنون 23:60
  251. المؤمنون 23:61
  252. المؤمنون 23:62
  253. المؤمنون 23:63
  254. المؤمنون 23:64
  255. المؤمنون 23:65
  256. المؤمنون 23:66
  257. المؤمنون 23:67
  258. المؤمنون 23:68
  259. المؤمنون 23:69
  260. المؤمنون 23:70
  261. المؤمنون 23:71
  262. المؤمنون 23:72
  263. المؤمنون 23:73
  264. المؤمنون 23:74
  265. المؤمنون 23:75
  266. المؤمنون 23:76
  267. المؤمنون 23:77
  268. المؤمنون 23:78
  269. المؤمنون 23:79
  270. المؤمنون 23:80
  271. المؤمنون 23:81
  272. المؤمنون 23:82
  273. المؤمنون 23:83
  274. المؤمنون 23:84
  275. المؤمنون 23:85
  276. المؤمنون 23:86
  277. المؤمنون 23:87
  278. المؤمنون 23:88
  279. المؤمنون 23:89
  280. المؤمنون 23:90
  281. المؤمنون 23:91
  282. المؤمنون 23:92
  283. المؤمنون 23:93
  284. المؤمنون 23:94
  285. المؤمنون 23:95
  286. المؤمنون 23:96
  287. المؤمنون 23:97
  288. المؤمنون 23:98
  289. المؤمنون 23:99
  290. المؤمنون 23:100
  291. المؤمنون 23:101
  292. المؤمنون 23:102
  293. المؤمنون 23:103
  294. المؤمنون 23:104
  295. المؤمنون 23:105
  296. المؤمنون 23:106
  297. المؤمنون 23:107
  298. المؤمنون 23:108
  299. المؤمنون 23:109
  300. المؤمنون 23:110
  301. المؤمنون 23:111
  302. المؤمنون 23:112
  303. المؤمنون 23:113
  304. المؤمنون 23:114
  305. المؤمنون 23:115
  306. المؤمنون 23:116
  307. المؤمنون 23:117
  308. المؤمنون 23:118
  309. النور 24:1
  310. النور 24:2
  311. النور 24:3
  312. النور 24:4
  313. النور 24:5
  314. النور 24:6
  315. النور 24:7
  316. النور 24:8
  317. النور 24:9
  318. النور 24:10
  319. النور 24:11
  320. النور 24:12
  321. النور 24:13
  322. النور 24:14
  323. النور 24:15
  324. النور 24:16
  325. النور 24:17
  326. النور 24:18
  327. النور 24:19
  328. النور 24:20
  329. النور 24:21
  330. النور 24:22
  331. النور 24:23
  332. النور 24:24
  333. النور 24:25
  334. النور 24:26
  335. النور 24:27
  336. النور 24:28
  337. النور 24:29
  338. النور 24:30
  339. النور 24:31
  340. النور 24:32
  341. النور 24:33
  342. النور 24:34
  343. النور 24:35
  344. النور 24:36
  345. النور 24:37
  346. النور 24:38
  347. النور 24:39
  348. النور 24:40
  349. النور 24:41
  350. النور 24:42
  351. النور 24:43
  352. النور 24:44
  353. النور 24:45
  354. النور 24:46
  355. النور 24:47
  356. النور 24:48
  357. النور 24:49
  358. النور 24:50
  359. النور 24:51
  360. النور 24:52
  361. النور 24:53
  362. النور 24:54
  363. النور 24:55
  364. النور 24:56
  365. النور 24:57
  366. النور 24:58
  367. النور 24:59
  368. النور 24:60
  369. النور 24:61
  370. النور 24:62
  371. النور 24:63
  372. النور 24:64

الأنبياء 21:1

(p-٣٩٣)سُورَةُ الأنْبِياءِ وهي مِائَةٌ واثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً كُوفِيٌّ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَدَنِيٌّ وبَصْرِيٌّ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿اقْتَرَبَ﴾ دَنا ﴿لِلنّاسِ﴾ اللامُ صِلَةٌ لِاقْتَرَبَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالناسِ المُشْرِكُونَ، لِأنَّ ما يَتْلُوهُ مِن صِفاتِ المُشْرِكِينَ ﴿حِسابُهُمْ﴾ وقْتُ مُحاسَبَةِ اللهِ إيّاهم ومَجازاتِهِ عَلى أعْمالِهِمْ يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ وإنَّما وصَفَهُ بِالِاقْتِرابِ لِقِلَّةِ ما بَقِيَ بِالإضافَةِ إلى ما مَضى ولِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وَهم في غَفْلَةٍ﴾ عَنْ حِسابِهِمْ وعَمّا يُفْعَلُ بِهِمْ ثَمَّ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عَنِ التَأهُّبِ لِذَلِكَ اليَوْمِ فالِاقْتِرابُ عامٌّ والغَفْلَةُ والإعْراضُ يَتَفاوَتانِ بِتَفاوُتِ المُكَلَّفِينَ فَرُبَّ غافِلٍ عَنْ حِسابِهِ لِاسْتِغْراقِهِ في دُنْياهُ وإعْراضِهِ عَنْ مَوْلاهُ، ورُبَّ غافِلٍ عَنْ حِسابِهِ لِاسْتِهْلاكِهِ في مَوْلاهُ وإعْراضِهِ عَنْ دُنْياهُ فَهو لا يُفِيقُ إلّا بِرُؤْيَةِ المَوْلى، والأوَّلُ إنَّما يُفِيقُ في عَسْكَرِ المَوْتى فالواجِبُ عَلَيْكَ أنْ تُحاسِبَ نَفْسَكَ قَبْلَ أنْ تُحاسَبَ وتَتَنَبَّهَ لِلْعَرْضِ قَبْلَ أنْ تُنَبَّهَ، وتُعْرِضَ عَنِ الغافِلِينَ وتَشْتَغِلَ بِذِكْرِ خالِقِ الخَلْقِ أجْمَعِينَ لِتَفُوزَ بِلِقاءِ رَبِّ العالَمِينَ.

الأنبياء 21:2

﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ ﴿مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ في التَنْزِيلِ إثْباتُهُ مُبْتَدَأٌ تِلاوَتَهُ قَرِيبٌ عَهْدُهُ بِاسْتِماعِهِمْ والمُرادُ بِهِ الحُرُوفُ المَنظُومَةُ ولا خِلافَ في حُدُوثِها﴿إلا اسْتَمَعُوهُ﴾ مِنَ النَبِيِّ ﷺ أوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَتْلُوهُ ﴿وَهم يَلْعَبُونَ﴾ يَسْتَهْزِؤُونَ بِهِ (p-٣٩٤)

الأنبياء 21:3

﴿لاهِيَةً﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَلْعَبُونَ أوْ وهم يَلْعَبُونَ ولاهِيَةً حالانِ مِنَ الضَمِيرِ في اسْتَمَعُوهُ ومَن قَرَأ "لاهِيَةٌ" بِالرَفْعِ يَكُونُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِقَوْلِهِ وهم، وارْتَفَعَتْ ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ بِ"لاهِيَةً" وهي مِن: لَها عَنْهُ، إذا ذَهَلَ وغَفَلَ والمَعْنى: قُلُوبُهم غافِلَةٌ عَمّا يُرادُ بِها ومِنها قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ القَلْبُ اللاهِي المَشْغُولُ بِزِينَةِ الدُنْيا وزَهْرَتِها والغافِلُ عَنِ الآخِرَةِ وأهْوالِها ﴿وَأسَرُّوا﴾ وبالَغُوا في إخْفاءِ ﴿النَجْوى﴾ وهي اسْمٌ مِنَ التَناجِي ثُمَّ أُبْدِلَ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِن واوِ وأسَرُّوا إيذانًا بِأنَّهُمُ المَوْسُومُونَ بِالظُلْمِ فِيما أسَرُّوا بِهِ أوْ جاءَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أكَلُونِي البَراغِيثُ أوْ هو مَجْرُورُ المَحَلِّ لِكَوْنِهِ صِفَةً أوْ بَدَلًا مِنَ الناسِ أوْ هو مَنصُوبُ المَحَلِّ عَلى الذَمِّ أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ "أسَرُّوا النَجْوى" فَقُدِّمَ عَلَيْهِ أيْ: والَّذِينَ ظَلَمُوا أسَرُّوا النَجْوى ﴿هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ هَذا الكَلامُ كُلُّهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بَدَلٌ "مِنَ النَجْوى" أيْ: وأسَرُّوا هَذا الحَدِيثَ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقالُوا مُضْمَرًا والمَعْنى: أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الرَسُولَ لا يَكُونُ إلّا مَلَكًا وأنَّ كُلَّ مَنِ ادَّعى الرِسالَةَ مِنَ البَشَرِ وجاءَ بِالمُعْجِزَةِ فَهو ساحِرٌ ومُعْجِزَتُهُ سِحْرٌ فَلِذَلِكَ قالُوا عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ أفَتْحْضُرُونَ السِحْرَ وأنْتُمْ تُشاهِدُونَ تُعايِنُونَ أنَّهُ سِحْرٌ.

الأنبياء 21:4

﴿قالَ رَبِّي﴾ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ أيْ: قالَ مُحَمَّدٌ، وغَيْرُهم "قُلْ رَبِّي" أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلَّذِينِ أسَرُّوا النَجْوى ﴿يَعْلَمُ القَوْلَ في السَماءِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَعْلَمُ قَوْلَ كُلِّ قائِلٍ هو في السَماءِ والأرْضِ سِرًّا كانَ أوْ جَهْرًا ﴿وَهُوَ السَمِيعُ﴾ لِأقْوالِهِمْ ﴿العَلِيمُ﴾ بِما في ضَمائِرِهِمْ.

الأنبياء 21:5

﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ أضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمْ هو سِحْرٌ إلى أنَّهُ تَخالِيطُ أحْلامٍ رَآها في نَوْمِهِ فَتَوَهَّمَها وحْيًا مِنَ اللهِ إلَيْهِ ثُمَّ إلى (p-٣٩٥)أنَّهُ كَلامٌ مُفْتَرًى مِن عِنْدِهِ ثُمَّ إلى أنَّهُ قَوْلُ شاعِرٍ وهَكَذا الباطِلُ لَجْلَجُ والمُبْطِلُ رَجّاعٌ غَيْرُ ثابِتٍ عَلى قَوْلِهِ واحِدٌ ثُمَّ قالُوا إنْ كانَ صادِقًا في دَعْواهُ ولَيْسَ الأمْرُ كَما يَظُنُّ ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ﴾ بِمُعْجِزَةٍ ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ كَما أُرْسِلَ مَن قَبْلَهُ بِاليَدِ البَيْضاءِ والعَصا وإبْراءِ الأكْمَهِ وإحْياءِ المَوْتى وصِحَّةِ التَشْبِيهِ في قَوْلِهِ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ مِن حَيْثُ إنَّهُ في مَعْنى كَما أتى الأوَّلُونَ بِالآياتِ، لِأنَّ إرْسالَ الرُسُلِ مُتَضَمِّنٌ لِلْإتْيانِ بِالآياتِ ألا تَرى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكَ أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ وبَيْنَ قَوْلِكَ أتى مُحَمَّدٌ بِالمُعْجِزَةِ فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم بِقَوْلِهِ.

الأنبياء 21:6

﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ﴾ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ﴿أهْلَكْناها﴾ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ، لِأنَّهم طَلَبُوها تَعَنُّتًا ﴿أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ لَمّا أتَتْهم أفَيُؤْمِنُ هَؤُلاءِ المُقْتَرِحُونَ لَوْ أتَيْناهم بِما اقْتَرَحُوا مَعَ أنَّهم أعْتى مِنهُمْ؟ والمَعْنى: أنَّ أهْلَ القُرى المُهْلَكَةِ اقْتَرَحُوا عَلى أنْبِيائِهِمُ الآياتِ وعاهَدُوا أنَّهم يُؤْمِنُونَ عِنْدَها فَلَمّا جاءَتْهم نَكَثُوا وخالَفُوا فَأهْلَكَهُمُ اللهُ فَلَوْ أعْطَيْنا هَؤُلاءِ ما يَقْتَرِحُونَ لَنَكَثُوا أيْضًا.

الأنبياء 21:7

﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا﴾ هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ ﴿هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] نُوحِي حَفْصٌ ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِكْرِ﴾ العُلَماءَ بِالكِتابَيْنِ فَإنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّ الرُسُلَ المُوحى إلَيْهِمْ كانُوا بَشَرًا ولَمْ يَكُونُوا مَلائِكَةً وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَعْتَمِدُونَ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ كَمَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ بِقَوْلِهِ (p-٣٩٦)

الأنبياء 21:8

﴿وَما جَعَلْناهم جَسَدًا﴾ وحَّدَ الجَسَدَ لِإرادَةِ الجِنْسِ ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَعامَ﴾ صِفَةٌ لِجَسَدٍ يَعْنِي: وما جَعَلْنا الأنْبِياءَ قَبْلَهُ ذَوِي جَسَدٍ غَيْرَ طاعِمِينَ ﴿وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ كَأنَّهم قالُوا هَلّا كانَ مَلَكًا لا يُطْعَمُ ويُخَلَّدُ إمّا مُعْتَقِدِينَ أنَّ المَلائِكَةَ لا يَمُوتُونَ أوْ مُسَمِّينَ بَقاءَهُمُ المُمْتَدَّ وحَياتَهُمُ المُتَطاوِلَةَ خُلُودًا.

الأنبياء 21:9

﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ﴾ بِإنْجائِهِمْ والأصْلُ: في الوَعْدِ، مِثْلُ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أيْ: مِن قَوْمِهِ ﴿فَأنْجَيْناهُمْ﴾ مِمّا حَلَّ بِقَوْمِهِمْ ﴿وَمَن نَشاءُ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ ﴿وَأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ الحَدَّ بِالكُفْرِ ودَلَّ الإخْبارُ بِإهْلاكِ المُسْرِفِينَ عَلى أنَّ "مَن نَشاءُ" غَيْرُهُمْ.

الأنبياء 21:10

﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ﴿كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ شَرَفُكم إنْ عَمِلْتُمْ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ بِلِسانِكم أوْ فِيهِ مَوْعِظَتُكم أوْ فِيهِ ذِكْرُ دِينِكم ودُنْياكم والجُمْلَةُ أيْ: فِيهِ ذِكْرُكم صِفَةٌ لَكِتابًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما فَضَّلْتُكم بِهِ عَلى غَيْرِكم فَتُؤْمِنُوا.

الأنبياء 21:11

﴿وَكَمْ﴾ نَصْبٌ بِقَوْلِهِ ﴿قَصَمْنا﴾ أيْ: أهْلَكْنا ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: أهْلَها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿كانَتْ ظالِمَةً﴾ كافِرَةً وهي وارِدَةٌ عَنْ غَضَبٍ شَدِيدٍ وسُخْطٍ عَظِيمٍ، لِأنَّ القَصْمَ أفْظَعُ الكَسْرِ وهو الكَسْرُ الَّذِي يُبَيَّنُ تَلاؤُمَ الأجْزاءِ بِخِلافِ الفَصْمِ فَإنَّهُ كَسْرٌ بِلا إبانَةٍ ﴿وَأنْشَأْنا﴾ خَلَقْنا ﴿بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ فَسَكَنُوا مَساكِنَهُمْ.

الأنبياء 21:12

﴿فَلَمّا أحَسُّوا﴾ أيِ المُهْلَكُونَ ﴿بَأْسَنا﴾ عَذابَنا أيْ: عَلِمُوا عِلْمَ حِسٍّ ومُشاهَدَةٍ ﴿إذا هم مِنها﴾ مِنَ القَرْيَةِ وإذا لِلْمُفاجَأةِ وهم مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿يَرْكُضُونَ﴾ يَهْرُبُونَ مُسْرِعِينَ والرَكْضُ ضَرْبُ الدابَّةِ بِالرِجْلِ فَيَجُوزُ أنْ يَرْكَبُوا دَوابَّهم يَرْكُضُونَها هارِبِينَ مِن قَرْيَتِهِمْ لَمّا أدْرَكَتْهم مُقَدِّمَةُ العَذابِ أوْ شُبِّهُوا في سُرْعَةِ عَدُوِّهِمْ عَلى أرْجُلِهِمْ بِالراكِبِينَ الراكِضِينَ لِدَوابِّهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ: (p-٣٩٧)

الأنبياء 21:13

﴿لا تَرْكُضُوا﴾ والقائِلُ بَعْضُ المَلائِكَةِ ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ نُعِّمْتُمْ فِيهِ مِنَ الدُنْيا ولِينِ العَيْشِ قالَ الخَلِيلُ: المُتْرَفُ المُوَسَّعُ عَلَيْهِ عَيْشُهُ، القَلِيلُ فِيهِ هَمُّهُ ﴿وَمَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمُ اسْتِهْزاءً بِهِمُ ارْجِعُوا إلى نَعِيمِكم ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ غَدًا عَمّا جَرى عَلَيْكم ونَزَلَ بِأمْوالِكم فَتُجِيبُوا السائِلَ عَنْ عِلْمٍ ومُشاهَدَةٍ أوِ اجْلِسُوا كَما كُنْتُمْ في مَجالِسِكم حَتّى يَسْألَكم عَبِيدُكم ومَن يَنْفُذُ فِيهِ أمْرُكم ونَهْيُكم ويَقُولُوا لَكم بِمَ تَأْمُرُونَ؟ وكَيْفَ نَأْتِي ونَذَرُ ؟ كَعادَةِ المُنَعَّمِينَ المُخَدَّمِينَ أوْ يَسْألُكُمُ الناسُ في أنْدِيَتِكُمُ المُعاوِنُ في نَوازِلِ الخُطُوبِ أوْ يَسْألُكُمُ الوافِدُونَ عَلَيْكم والطُمّاعُ ويَسْتَمْطِرُونَ سَحابَ أكُفِّكم وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا﴾ إلى مَنازِلِكم وأمْوالِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ مالًا وخَراجًا فَلا تُقْتَلُونَ فَنُودِيَ مِنَ السَماءِ يا لَثاراتِ الأنْبِياءِ وأخَذَتْهُمُ السُيُوفُ فَثَمَّ.

الأنبياء 21:14

﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ اعْتِرافُهم بِذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ.

الأنبياء 21:15

﴿فَما زالَتْ تِلْكَ﴾ هي إشارَةٌ إلى يا ويْلَنا ﴿دَعْواهُمْ﴾ دُعاءَهم، وتِلْكَ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ اسْمُ زالَتْ ودَعْواهُمُ الخَيْرَ ويَجُوزُ العَكْسُ ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا﴾ مِثْلَ الحَصِيدِ أيِ الزَرْعِ المَحْصُودِ ولَمْ يُجْمَعْ كَما لَمْ يُجْمَعِ المُقَدَّرُ ﴿خامِدِينَ﴾ مَيِّتِينَ خُمُودَ النارِ، وحَصِيدًا خامِدَيْنِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ أيْ: جَعَلْناهم جامِعِينَ لِمُماثَلَةِ الحَصِيدِ والخُمُودِ كَقَوْلِكَ جَعَلْتُهُ حُلْوًا حامِضًا أيْ: جَعَلْتُهُ جامِعًا لِلطَّعْمَيْنِ.

الأنبياء 21:16

﴿وَما خَلَقْنا السَماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ اللَعِبُ: فِعْلٌ يَرُوقُ أوَّلُهُ ولا ثَباتَ لَهُ، ولاعِبِينَ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿خَلَقْنا﴾ والمَعْنى: وما سَوَّيْنا هَذا السَقْفَ المَرْفُوعَ وهَذا المِهادَ المَوْضُوعَ وما بَيْنَهُما مِن أصْنافِ الخَلْقِ لِلَّهْوِ واللَعِبِ وإنَّما سَوَّيْناها لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى قُدْرَةِ مُدَبِّرِها ولِنُجازِيَ المُحْسِنَ والمُسِيءَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُنا (p-٣٩٨)

الأنبياء 21:17

ثُمَّ نَزَّهَ ذاتَهُ عَنْ سِماتِ الحُدُوثِ بِقَوْلِهِ ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ أيْ: ولَدًا أوِ امْرَأةً كَأنَّهُ رَدَّ عَلى مَن قالَ عِيسى ابْنُهُ ومَرْيَمُ صاحِبَتُهُ ﴿لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ مِنَ الوِلْدانِ أوِ الحُورِ ﴿إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنّا مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ولَسْنا مِمَّنْ يَفْعَلُهُ لِاسْتِحالَتِهِ في حَقِّنا وقِيلَ هو نَفْيٌ كَقَوْلِهِ ﴿وَإنْ أدْرِي﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أيْ: ما كُنّا فاعِلِينَ.

الأنبياء 21:18

﴿بَلْ نَقْذِفُ﴾ بَلْ: إضْرابٌ عَنِ اتِّخاذِ اللهْوِ وتَنْزِيهٌ مِنهُ لِذاتِهِ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَنا أنْ نَتَّخِذَ اللهْوَ بَلْ مِن سُنَّتِنا أنْ نَقْذِفَ أيْ: نَرْمِيَ ونُسَلِّطَ ﴿بِالحَقِّ﴾ بِالقُرْآنِ ﴿عَلى الباطِلِ﴾ الشَيْطانِ أوْ بِالإسْلامِ عَلى الشِرْكِ أوْ بِالجِدِّ عَلى اللَعِبِ ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ فَيَكْسِرُهُ ويَدْحَضُ الحَقُّ الباطِلَ وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ، لِأنَّ أصْلَ اسْتِعْمالِ القَذْفِ والدَمْغِ في الأجْسامِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ القَذْفُ لِإيرادِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ والدَمْغُ لِإذْهابِ الباطِلِ فالمُسْتَعارُ مِنهُ حِسِّيٌّ والمُسْتَعارُ لَهُ عَقْلِيٌّ فَكَأنَّهُ قِيلَ بَلْ نُورِدُ الحَقَّ الشَبِيهَ بِالجِسْمِ القَوِيِّ عَلى الباطِلِ الشَبِيهِ بِالجِسْمِ الضَعِيفِ فَيُبْطِلُهُ إبْطالَ الجِسْمِ القَوِيِّ الضَعِيفَ ﴿فَإذا هُوَ﴾ أيِ الباطِلُ ﴿زاهِقٌ﴾ هالِكٌ ذاهِبٌ ﴿وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ اللهَ بِهِ مِنَ الوَلَدِ ونَحْوِهِ.

الأنبياء 21:19

﴿وَلَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ خَلْقًا ومِلْكًا فَأنّى يَكُونُ شَيْءٌ مِنهُ ولَدًا لَهُ وبَيْنَهُما تَنافٍ؟ ويُوقِفُ عَلى "الأرْضِ"، لِأنَّ ﴿وَمَن عِنْدَهُ﴾ مَنزِلَةً ومَكانَةً لا مَنزِلًا ولا مَكانًا يَعْنِي: المَلائِكَةُ مُبْتَدَأٌ خَبَرَهُ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يَتَعَظَّمُونَ ﴿عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ولا يَعْيَوْنَ.

الأنبياء 21:20

﴿يُسَبِّحُونَ اللَيْلَ والنَهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يُسَبِّحُونَ أيْ: تَسْبِيحُهم مُتَّصِلٌ دائِمٌ في جَمِيعِ أوْقاتِهِمْ لا تَتَخَلَّلُهُ فَتْرَةٌ بِفَراغٍ أوْ بِشُغْلٍ آخَرَ فَتَسْبِيحُهم جارٍ مَجْرى التَنَفُّسِ مِنّا (p-٣٩٩)

الأنبياء 21:21

ثُمَّ أضْرِبَ عَنِ المُشْرِكِينَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ومُوَبِّخًا فَجاءَ بِأمِ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ فَقالَ ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ﴾ يُحْيُونَ المَوْتى ومِنَ الأرْضِ صِفَةٌ لِآلَهَةٍ لِأنَّ آلِهَتَهم كانَتْ مُتَّخَذَةً مِن جَواهِرِ الأرْضِ كالذَهَبِ والفِضَّةِ والحَجَرِ وتُعْبَدُ في الأرْضِ فَنُسِبَتْ إلَيْها كَقَوْلِكَ فُلانٌ مِنَ المَدِينَةِ أيْ: مَدَنِيٌّ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّخَذُوا ويَكُونُ فِيهِ بَيانُ غايَةِ الِاتِّخاذِ وفي قَوْلِهِ ﴿هم يُنْشِرُونَ﴾ زِيادَةُ تَوْبِيخٍ - وإنْ لَمْ يَدَّعُوا أنَّ أصْنامَهم تُحْيِي المَوْتى وكَيْفَ يَدَّعُونَ ومِن أعْظَمِ المُنْكَراتِ أنْ يَنْشُرَ المَوْتى بَعْضَ المَواتِ - لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لَها دَعْوى الإنْشارِ، لِأنَّ العاجِزَ عَنْهُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلَهًا إذْ لا يَسْتَحِقُّ هَذا الِاسْمَ إلّا القادِرُ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ والإنْشارُ مِن جُمْلَةِ المَقْدُوراتِ، وقَرَأ الحَسَنُ" يَنْشُرُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وهُما لُغَتانِ أنْشَرَ اللهُ المَوْتى ونَشَرَها أيْ: أحْياها.

الأنبياء 21:22

﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ﴾ أيْ: غَيْرُ اللهِ وُصِفَتْ آلِهَةٌ بِإلّا كَما وُصِفَتْ بِغَيْرٍ لَوْ قِيلَ: آلِهَةٌ غَيْرُ اللهِ، ولا يَجُوزُ رَفْعُهُ عَلى البَدَلِ لَأنَّ لَوْ بِمَنزِلَةِ "إنَّ" في أنَّ الكَلامَ مَعَهُ مُوجَبٌ والبَدَلُ لا يَسُوغُ إلّا في الكَلامِ غَيْرِ المُوجَبِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ [هود: ٨١] ولا يَجُوزُ نَصْبُهُ اسْتِثْناءً، لِأنَّ الجَمْعَ إذا كانَ مُنَكَّرًا لا يَجُوزُ أنْ يُسْتَثْنى مِنهُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، لِأنَّهُ لا عُمُومَ لَهُ بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِ المُسْتَثْنى لَوْلا الِاسْتِثْناءُ والمَعْنى: لَوْ كانَ يُدَبِّرُ أمْرَ السَمَواتِ والأرْضِ آلِهَةٌ شَتّى غَيْرُ الواحِدِ الَّذِي هو فاطِرُهُما ﴿لَفَسَدَتا﴾ لَخَرِبَتا لِوُجُودِ التَمانُعِ وقَدْ قَرَّرْناهُ في أُصُولِ الكَلامِ ثُمَّ نَزَّهَ ذاتَهُ فَقالَ ﴿فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِنَ الوَلَدِ والشَرِيكِ.

الأنبياء 21:23

﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾، لِأنَّهُ المالِكُ عَلى الحَقِيقَةِ ولَوِ اعْتَرَضَ عَلى السُلْطانِ بَعْضُ عَبِيدِهِ - مَعَ وُجُودِ التَجانُسِ وجَوازِ الخَطَأِ عَلَيْهِ وعَدَمِ المِلْكِ الحَقِيقِيِّ - لِاسْتُقْبِحَ ذَلِكَ وعُدَّ سَفَهًا، فَمَن هو مالِكُ المُلُوكِ ورَبُّ الأرْبابِ وفِعْلُهُ صَوابٌ كُلُّهُ أوْلى بِأنْ لا يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ ﴿وَهم يُسْألُونَ﴾، لِأنَّهم مَمْلُوكُونَ خَطّاءُونَ (p-٤٠٠)فَما أخْلَقَهم بِأنْ يُقالَ لَهم لِمَ فَعَلْتُمْ؟ في كُلِّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ وقِيلَ هم يُسْألُونَ يَرْجِعُ إلى المَسِيحِ والمَلائِكَةِ أيْ: هم مَسْؤُولُونَ فَكَيْفَ يَكُونُونَ آلِهَةً والأُلُوهِيَّةُ تُنافِي الجِنْسِيَّةَ والمَسْؤُولِي.

الأنبياء 21:24

﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ الإعادَةُ لِزِيادَةِ الإفادَةِ فالأوَّلُ لِلْإنْكارِ مِن حَيْثُ العَقْلُ والثانِي مِن حَيْثُ النَقْلُ أيْ: وصَفْتُمُ اللهَ تَعالى بِأنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ حُجَّتَكم عَلى ذَلِكَ وذا عَقْلِيٌّ وهو يَأْباهُ كَما مَرَّ أوْ نَقْلِيٌّ وهو الوَحْيُ وهو أيْضًا يَأْباهُ فَإنَّكم لا تَجِدُونَ كِتابًا مِنَ الكُتُبِ السَماوِيَّةِ إلّا وفِيهِ تَوْحِيدُهُ وتَنْزِيهُهُ عَنِ الإنْذارِ ﴿هَذا﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿ذِكْرُ مَن مَعِيَ﴾ يَعْنِي: أُمَّتَهُ ﴿وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ يَعْنِي: أُمَمَ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي وهو وارِدٌ في تَوْحِيدِ اللهِ ونَفْيِ الشُرَكاءِ عَنْهُ "مَعِيَ" حَفْصٌ فَلَمّا لَمْ يَمْتَنِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ أضْرَبَ عَنْهم فَقالَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ﴾ أيِ القُرْآنَ وهو نُصِبَ بِيَعْلَمُونَ، وقُرِئَ الحَقُّ أيْ: هو الحَقُّ ﴿فَهُمْ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عَنِ النَظَرِ فِيما يَجِبُ عَلَيْهِمْ.

الأنبياء 21:25

﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ﴾ كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ وحَمّادٍ ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ وحِّدُونِي فَهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها مِن آيِ التَوْحِيدِ.

الأنبياء 21:26

﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾ نَزَلَتْ في خُزاعَةَ حَيْثُ قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ فَنَزَّهَ ذاتَهُ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم عِبادٌ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ: بَلْ هم عِبادٌ مُكْرَمُونَ مُشَرَّفُونَ مُقَرَّبُونَ ولَيْسُوا بِأوْلادٍ إذِ العُبُودِيَّةُ تُنافِي الوِلادَةَ (p-٤٠١)

الأنبياء 21:27

﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ: بِقَوْلِهِمْ فَأُنِيبَتِ اللامُ مَنابَ الإضافَةِ والمَعْنى: أنَّهم يَتَّبِعُونَ قَوْلَهُ فَلا يَسْبِقُ قَوْلُهم قَوْلَهُ ولا يَتَقَدَّمُونَ قَوْلَهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وَهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: كَما أنَّ قَوْلَهم تابِعٌ لِقَوْلِهِ فَعَمَلُهم أيْضًا مَبْنِيٌّ عَلى أمْرِهِ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ.

الأنبياء 21:28

﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: ما قَدَّمُوا وأخَّرُوا مِن أعْمالِهِمْ ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ: لِمَن رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ أوَ قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ ﴿وَهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ خائِفُونَ.

الأنبياء 21:29

﴿وَمَن يَقُلْ مِنهُمْ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ ﴿إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ﴾ مِن دُونِ اللهِ "إنِّيَ" مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو ﴿فَذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ أيْ: فَذَلِكَ القائِلُ خَبَرُهُ ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ وهو جَوابُ الشَرْطِ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ﴾ الكافِرِينَ الَّذِينَ وضَعُوا الإلَهِيَّةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها وهَذا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَمْثِيلِ لِتَحَقُّقِ عِصْمَتِهِمْ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - وقَتادَةُ والضَحّاكُ قَدْ تَحَقَّقَ الوَعِيدُ في إبْلِيسَ فَإنَّهُ ادَّعى الإلَهِيَّةَ لِنَفْسِهِ ودَعا عَلى طاعَةِ نَفْسِهِ وعِبادَتِهِ.

الأنبياء 21:30

﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ألَمْ يَرَ مَكِّيٌّ ﴿أنَّ السَماواتِ والأرْضَ كانَتا﴾ أيْ: جَماعَةَ السَمَواتِ وجَماعَةَ الأرْضِ فَلِذا لَمْ يَقَلْ كُنَّ ﴿رَتْقًا﴾ بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ: كانَتا مَرْتُوقَتَيْنِ وهو مَصْدَرٌ فَلِذا صَلَحَ أنْ يَقَعَ مَوْقِعَ مَرْتُوقَتَيْنِ ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ فَشَقَقْناهُما والفَتْقُ الفَصْلُ بَيْنَ الشَيْئَيْنِ والرَتْقُ ضِدُّ الفَتْقِ فَإنْ قِيلَ مَتى رَأوْهُما رَتْقًا حَتّى جاءَ تَقْرِيرُهم بِذَلِكَ قُلْنا إنَّهُ وارِدٌ في القُرْآنِ الَّذِي هو مُعْجِزَةٌ فَقامَ مَقامَ المَرْئِيِّ المُشاهَدِ ولِأنَّ الرُؤْيَةَ بِمَعْنى العِلْمِ، وتَلاصُقُ الأرْضِ والسَماءِ وتَبايُنُهُما جائِزانِ في العَقْلِ فالِاخْتِصاصُ بِالتَبايُنِ دُونَ التَلاصُقِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصَّصٍ وهو القَدِيمُ جَلَّ جَلالُهُ، ثُمَّ قِيلَ:إنَّ السَماءَ كانَتْ لاصِقَةً بِالأرْضِ لا فَضاءَ بَيْنَهُما (فَفَتْقَناهُما) أيْ: فَصَلْنا بَيْنَهُما (p-٤٠٢)بِالهَواءِ، وقِيلَ كانَتِ السَمَواتُ مُرْتَتَقَةً طَبَقَةً واحِدَةً فَفَتَقَها اللهُ تَعالى وجَعَلَها سَبْعَ سَمَواتٍ وكَذَلِكَ الأرْضُ كانَتْ مُرْتَتَقَةً طَبَقَةً واحِدَةً فَفَتَقَها وجَعَلَها سَبْعَ أرَضِينَ وقِيلَ كانَتِ السَماءُ رَتْقًا لا تُمْطِرُ والأرْضُ رَتْقًا لا تَنْبُتُ فَفَتَقَ السَماءَ بِالمَطَرِ والأرْضَ بِالنَباتِ ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أيْ: خَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ كَقَوْلِهِ ﴿واللهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ [النور: ٤٥] أوْ كَأنَّما خَلَقْناهُ مِنَ الماءِ لِفَرْطِ احْتِياجِهِ إلَيْهِ وحُبِّهِ لَهُ وقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْهُ كَقَوْلِهِ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقُونَ بِما يُشاهِدُونَ.

الأنبياء 21:31

﴿وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ مِن رَسا إذا ثَبَتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ لِئَلّا تَضْطَرِبَ بِهِمْ فَحُذِفَ لا واللامُ وإنَّما جازَ حَذْفُ لا لِعَدَمِ الِالتِباسِ كَما تُزادُ لِذَلِكَ في لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا﴾ أيْ: طُرُقًا واسِعَةً جَمْعُ فَجٍّ وهو الطَرِيقُ الواسِعُ ونُصِبَ عَلى الحالِ مِن ﴿سُبُلا﴾ مُقَدَّمَةً، فَإنْ قُلْتَ أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠] وبَيْنَ هَذِهِ، قُلْتُ الأوَّلُ لِلْإعْلامِ بِأنَّهُ جَعَلَ فِيها طُرُقًا واسِعَةً والثانِي لِبَيانِ أنَّهُ حِينَ خَلَقَها خَلَقَها عَلى تِلْكَ الصِفَةِ فَهو بَيانٌ لِما أُبْهِمَ ثُمَّ ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ لِيَهْتَدُوا بِها إلى البِلادِ المَقْصُودَةِ.

الأنبياء 21:32

﴿وَجَعَلْنا السَماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ في مَوْضِعِهِ عَنِ السُقُوطِ كَما قالَ ﴿وَيُمْسِكُ السَماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] أوْ مَحْفُوظًا بِالشُهُبِ عَنِ الشَياطِينِ كَما قالَ ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] ﴿وَهُمْ﴾ أيِ الكُفّارُ ﴿عَنْ آياتِها﴾ عَنِ الأدِلَّةِ الَّتِي فِيها كالشَمْسِ والقَمَرِ والنُجُومِ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ غَيْرُ مُتَفَكِّرِينَ فِيها فَيُؤْمِنُونَ.

الأنبياء 21:33

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَيْلَ﴾ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴿والنَهارَ﴾ لِتَتَصَرَّفُوا فِيهِ ﴿والشَمْسَ﴾ لِتَكُونَ سِراجَ النَهارِ ﴿والقَمَرَ﴾ لِيَكُونَ سِراجَ اللَيْلِ ﴿كُلٌّ﴾ التَنْوِينُ فِيهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: كُلُّهم والضَمِيرُ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ، والمُرادُ (p-٤٠٣)بِهِما جِنْسُ الطَوالِعِ وجُمِعَ جَمْعَ العُقَلاءِ لِلْوَصْفِ بِفِعْلِهِمْ وهو السِباحَةُ ﴿فِي فَلَكٍ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - الفَلَكَ السَماءُ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الفَلَكَ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ تَحْتَ السَماءِ تَجْرِي فِيهِ الشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ وكُلُّ مُبْتَدَأٌ خَبَرَهُ ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يَسِيرُونَ أيْ: يَدُورُونَ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الشَمْسِ والقَمَرِ.

الأنبياء 21:34

﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ البَقاءَ الدائِمَ ﴿أفَإنْ مِتَّ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ مَدَنِيٌّ وكُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ ﴿فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ والفاءُ الأوَّلُ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ والثانِي لِجَزاءِ الشَرْطِ كانُوا يُقَدِّرُونَ أنَّهُ سَيَمُوتُ فَنَفى اللهُ عَنْهُ الشَماتَةَ بِهَذا أيْ: قُضى اللهُ أنْ لا يُخَلَّدَ في الدُنْيا بَشَرٌ فَإنْ مُتَّ أنْتَ أيَبْقى هَؤُلاءِ؟

الأنبياء 21:35

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ونَبْلُوكُمْ﴾ ونَخْتَبِرُكم سُمِّيَ ابْتِلاءً وإنْ كانَ عالِمًا بِما سَيَكُونُ مِن أعْمالِ العامِلِينَ قَبْلَ وُجُودِهِمْ، لِأنَّهُ في صُورَةِ الِاخْتِبارِ﴿بِالشَرِّ﴾ بِالفَقْرِ والضُرِّ ﴿والخَيْرِ﴾ الغِنى والنَفْعِ ﴿فِتْنَةً﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَبْلُوكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ ﴿وَإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ فَنُجازِيكم عَلى حَسَبِ ما يُوجَدُ مِنكم مِنَ الصَبْرِ والشُكْرِ، وعَنِ ابْنِ ذَكْوانَ "تَرْجِعُونَ"

الأنبياء 21:36

﴿وَإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ما يَتَّخِذُونَكَ ﴿إلا هُزُوًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لَيَتَّخِذُونَكَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ مَرَّ بِهِ النَبِيُّ ﷺ فَضَحِكَ وقالَ هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ﴾ يَعِيبُ ﴿آلِهَتَكُمْ﴾ والذِكْرُ يَكُونُ بِخَيْرٍ وبِخِلافِهِ فَإنْ كانَ الذاكِرُ صَدِيقًا فَهو ثَناءٌ وإنْ كانَ عَدُوًّا فَذَمٌّ ﴿وَهم بِذِكْرِ الرَحْمَنِ﴾ أيْ: بِذِكْرِ اللهِ وما يَجِبُ أنْ يُذْكَرَ بِهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ ﴿هم كافِرُونَ﴾ لا يُصَدِّقُونَ بِهِ أصْلًا فَهم أحَقُّ بِأنْ يُتَّخَذُوا هُزُوًا مِنكَ، فَإنَّكَ مُحِقٌّ وهم مُبْطِلُونَ وقِيلَ بِذِكْرِ الرَحْمَنِ أيْ: (p-٤٠٤)بِما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ هم كافِرُونَ جاحِدُونَ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: يَتَّخِذُونَكَ هُزُوًا وهم عَلى حالٍ هي أصْلُ الهُزْءِ والسُخْرِيَةِ وهي الكُفْرُ بِاللهِ تَعالى وكَرَّرَهم لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِأنَّ الصِلَةَ حالَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ فَأُعِيدَ المُبْتَدَأُ.

الأنبياء 21:37

﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ فُسِّرَ بِالجِنْسِ وقِيلَ نَزَلَتْ حِينَ كانَ النَضْرُ بْنُ الحارِثِ يَسْتَعْجِلُ بِالعَذابِ، والعَجَلُ والعَجَلَةُ مَصْدَرانِ وهو تَقْدِيمُ الشَيْءِ عَلى وقْتِهِ والظاهِرُ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ وأنَّهُ رُكِّبَ فِيهِ العَجَلَةُ فَكَأنَّهُ خُلِقَ مِنَ العَجَلِ ولِأنَّهُ يُكْثِرُ مِنهُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن يَكْثُرُ مِنهُ الكَرَمُ خُلِقَ مِنَ الكَرَمِ، فَقَدَّمَ أوَّلًا ذَمَّ الإنْسانِ عَلى إفْراطِ العَجَلَةِ وأنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلَيْها ثُمَّ مَنَعَهُ وزَجَرَهُ كَأنَّهُ قالَ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنهُ أنْ يَسْتَعْجِلَ فَإنَّهُ مَجْبُولٌ عَلى ذَلِكَ هو طَبْعُهُ وسَجِيَّتُهُ فَقَدْ رُكِّبَ فِيهِ، وقِيلَ العَجَلُ الطِينُ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ قالَ شاعِرُهُمْ والنَبْعُ في الصَخْرَةِ الصَمّاءِ مَنبِتُهُ والنَخْلُ تُنْبِتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ وَإنَّما مُنِعَ عَنِ الِاسْتِعْجالِ وهو مَطْبُوعٌ عَلَيْهِ كَما أمَرَهُ بِقَمْعِ الشَهْوَةِ وقَدْ رَكَّبَها فِيهِ، لِأنَّهُ أعْطاهُ القُوَّةَ الَّتِي يَسْتَطِيعُ بِها قَمْعَ الشَهْوَةِ وتَرْكَ العَجَلَةِ ومِن عَجَلٍ حالٌ أيْ: عَجَلًا ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ نَقَماتِي ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ بِالإتْيانِ بِها وهو بِالياءِ عِنْدَ يَعْقُوبَ وافَقَهُ سَهْلٌ وعَيّاشٌ في الوَصْلِ.

الأنبياء 21:38

﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ إتْيانُ العَذابِ أوِ القِيامَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قِيلَ هو أحَدُ وجْهَيِ اسْتِعْجالِهِم.

الأنبياء 21:39

﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ جَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحِينَ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمَ أيْ: لَوْ يَعْلَمُونَ الوَقْتَ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ بِقَوْلِهِمْ مَتى هَذا الوَعْدُ وهو وقْتٌ تُحِيطُ (p-٤٠٥)بِهِمْ فِيهِ النارُ مِن وراءٍ وقُدّامٍ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها ومَنعِها مِن أنْفُسِهِمْ ولا يَجِدُونَ ناصِرًا يَنْصُرُهم لَمّا كانُوا بِتِلْكَ الصِفَةِ مِنَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ ولَكِنَّ جَهْلَهم بِهِ هو الَّذِي هَوَّنَهُ عِنْدَهُمْ.

الأنبياء 21:40

﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ الساعَةُ ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ فَتُحَيِّرُهم أيْ: لا يَكَفُّونَها بَلْ تَفْجَأُهم فَتَغْلِبُهم ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها ﴿وَلا هم يُنْظَرُونَ﴾ يُمْهَلُونَ.

الأنبياء 21:41

﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ﴾ فَحاقَ ونَزَلَ ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ جَزاءُ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ سَلّى رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِهِ بِأنَّ لَهُ في الأنْبِياءِ أُسْوَةً وأنَّ ما يَفْعَلُونَهُ بِهِ يَحِيقُ بِهِمْ كَما حاقَ بِالمُسْتَهْزِئِينَ بِالأنْبِياءِ ما فَعَلُوا.

الأنبياء 21:42

﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ يَحْفَظُكم ﴿بِاللَيْلِ والنَهارِ مِنَ الرَحْمَنِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ إنْ أتاكم لَيْلًا أوْ نَهارًا ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: بَلْ هم مُعْرِضُونَ عَنْ ذِكْرِهِ ولا يُخْطِرُونَهُ بِبالِهِمْ فَضْلًا أنْ يَخافُوا بَأْسَهُ حَتّى إذا رُزِقُوا الكَلاءَةَ مِنهُ عَرَفُوا مَنِ الكالِئُ فَصَلَحُوا لِلسُّؤالِ عَنْهُ والمَعْنى: أنَّهُ أمَرَ رَسُولَهُ بِسُؤالِهِمْ عَنِ الكالِئِ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لا يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ لِإعْراضِهِمْ عَنْ ذِكْرِ مَن يَكْلَؤُهم ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ.

الأنبياء 21:43

﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ لِما في "أمْ" مِن مَعْنى بَلْ فَقالَ ألْهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِنَ العَذابِ تَتَجاوَزُ مَنعَنا وحِفْظَنا ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ ما لَيْسَ بِقادِرٍ عَلى نَصْرِ نَفْسِهِ ومَنعِها ولا بِمَصْحُوبٍ مِنَ اللهِ بِالنَصْرِ والتَأْيِيدِ كَيْفَ يَمْنَعُ غَيْرَهُ ويَنْصُرُهُ ثُمَّ قالَ: (p-٤٠٦)

الأنبياء 21:44

﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ أيْ: ما هم فِيهِ مِنَ الحِفْظِ والكَلاءَةِ إنَّما هو مِنّا لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم مِن إهْلاكِنا، وما كَلَأْناهم وآباءَهُمُ الماضِينَ إلّا تَمْتِيعًا لَهم بِالحَياةِ الدُنْيا وإمْهالًا كَما مَتَّعْنا غَيْرَهم مِنَ الكُفّارِ وأمْهَلْناهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وظَنُّوا أنَّهم دائِمُونَ عَلى ذَلِكَ وهو أمَلٌ كاذِبٌ ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ أيْ: نَنْقُصُ أرْضَ الكُفْرِ ونَحْذِفُ أطْرافَها بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلَيْها وإظْهارِهِمْ عَلى أهْلِها ورَدِّها دارًا لِلْإسْلامٍ وذِكْرُ نَأْتِي يُشِيرُ بِأنَّ اللهَ يُجْرِيِهِ عَلى أيْدِي المُسْلِمِينَ وأنَّ عَساكِرَهم كانَتْ تَغْزُو أرْضَ المُشْرِكِينَ وتَأْتِيها غالِبَةً عَلَيْها ناقِصَةً مِن أطْرافِها ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ أوَكُفّارُ مَكَّةَ يُغْلَبُونَ بَعْدَ أنْ نَقَصْنا مِن أطْرافِ أرْضِهِمْ؟ أيْ: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَغْلِبُهم رَسُولُ اللهِ ﷺ وأصْحابُهُ بِنَصْرِنا.

الأنبياء 21:45

﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أُخَوِّفُكم مِنَ العَذابِ بِالقُرْآنِ ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُمُّ الدُعاءَ﴾ بِفَتْحِ الياءِ والمِيمِ ورَفْعِ الصُمِّ و"َلا تُسْمِعُ الصُمَّ" شامِيٌّ عَلى خِطابِ النَبِيِّ ﷺ ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ يُخَوَّفُونَ واللامُ في الصُمِّ لِلْعَهْدِ وهو إشارَةٌ إلى هَؤُلاءِ المُنْذَرِينَ والأصْلُ ولا يَسْمَعُونَ إذا ما يُنْذَرُونَ فَوُضِعَ الظاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَصامِّهِمْ وسَدِّهِمْ أسْماعَهم إذا ما أُنْذِرُوا.

الأنبياء 21:46

﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ﴾ دُفْعَةٌ يَسِيرَةٌ ﴿مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ صِفَةٌ لِنَفْحَةٍ ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ: ولَئِنْ مَسَّهم مِن هَذا الَّذِي يُنْذَرُونَ بِهِ أدْنى شَيْءٍ لَذَلُّوا ودَعَوْا بِالوَيْلِ عَلى أنْفُسِهم وأقَرُّوا أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ تَصامُّوا وأعْرَضُوا وقَدْ بُولِغَ حَيْثُ ذَكَرَ المَسَّ والنَفْحَةَ، لِأنَّ النَفْحَ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ يُقالُ نَفَحَهُ بِعَطِيَّةٍ رَضَخَهُ بِها مَعَ أنَّ بِناءَها لِلْمَرَّةِ (p-٤٠٧)

الأنبياء 21:47

﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ﴾ جَمْعُ مِيزانٍ وهو ما يُوزَنُ بِهِ الشَيْءُ فَتُعْرَفُ كَمِّيَّتُهُ، عَنِ الحَسَنِ هو مِيزانٌ لَهُ كِفَّتانِ ولِسانٌ وإنَّما جَمَعَ المَوازِينَ لِتَعْظِيمِ شَأْنِها،كَما في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الرُسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] والوَزْنُ لِصَحائِفِ الأعْمالِ في قَوْلٍ ﴿القِسْطَ﴾ وُصِفَتِ المَوازِينُ بِالقِسْطِ وهو العَدْلُ مُبالَغَةً كَأنَّها في أنْفُسِها قِسْطٌ أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: ذَواتِ القِسْطِ ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِأهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ أيْ: لِأجْلِهِمْ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ مِنَ الظُلْمِ ﴿وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ وإنْ كانَ الشَيْءُ مِثْقالَ حَبَّةٍ، ﴿مِثْقالَ﴾ بِالرَفْعِ مَدَنِيٌّ وكَذا في لُقْمانَ عَلى كانَ التامَّةِ ﴿مِن خَرْدَلٍ﴾ صِفَةٌ لِحَبَّةٍ ﴿أتَيْنا بِها﴾ أحْضَرْناها وأُنِّثَ ضَمِيرُ المِثْقالِ لِإضافَتِهِ إلى الحَبَّةِ كَقَوْلِهِمْ ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ عالِمِينَ حافِظِينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -، لِأنَّ مَن حَفِظَ شَيْئًا حَسِبَهُ وعَلِمَهُ.

الأنبياء 21:48

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا﴾ قِيلَ هَذِهِ الثَلاثَةُ هي التَوْراةُ فَهي فُرْقانٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وضِياءٌ يُسْتَضاءُ بِهِ ويُتَوَصَّلُ بِهِ إلى سَبِيلِ النَجاةِ، وذِكْرٌ أيْ: شَرَفٌ أوْ وعْظٌ وتَنْبِيهٌ أوْ ذِكْرُ ما يَحْتاجُ الناسُ إلَيْهِ في مَصالِحِ دِينِهِمْ ودَخَلَتِ الواوُ عَلى الصِفاتِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وَسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٩] وتَقُولُ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الكَرِيمِ والعالِمِ والصالِحِ ولَمّا انْتَفَعَ بِذَلِكَ المُتَّقُونَ خَصَّهم بِقَوْلِهِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾

الأنبياء 21:49

وَمَحَلُّ ﴿الَّذِينَ﴾ جَرٌّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أوْ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ أوْ رَفْعٌ عَلَيْهِ ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ يَخافُونَ ﴿بِالغَيْبِ﴾ حالٌ أيْ: يَخافُونَهُ في الخَلاءِ ﴿وَهم مِنَ الساعَةِ﴾ القِيامَةِ وأهْوالِها ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائِفُونَ.

الأنبياء 21:50

﴿وَهَذا﴾ القُرْآنُ ﴿ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ كَثِيرُ الخَيْرِ غَزِيرُ النَفْعِ ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ عَلى مُحَمَّدٍ ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ أيْ: جادُّونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ (p-٤٠٨)

الأنبياء 21:51

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ هُداهُ ﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ مُوسى وهارُونَ أوْ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَكُنّا بِهِ﴾ بِإبْراهِيمَ أوْ بِرُشْدِهِ ﴿عالِمِينَ﴾ أيْ: عَلِمْنا أنَّهُ أهْلٌ لِما آتَيْناهُ.

الأنبياء 21:52

﴿إذْ﴾ إمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِآتَيْنا أوْ بِرُشْدِهِ ﴿قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَماثِيلُ﴾ أيِ الأصْنامُ المُصَوَّرَةُ عَلى صُورَةِ السِباعِ والطُيُورِ والإنْسانِ وفِيهِ تَجاهُلٌ لَهم لِيُحَقِّرَ آلِهَتَهم مَعَ عِلْمِهِ بِتَعْظِيمِهِمْ لَها ﴿الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ أيْ: لِأجْلِ عِبادَتِها مُقِيمُونَ فَلَمّا عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِالدَلِيلِ عَلى ذَلِكَ.

الأنبياء 21:53

﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ فَقَلَّدْناهُم.

الأنبياء 21:54

﴿قالَ﴾ إبْراهِيمُ ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أرادَ أنَّ المُقَلِّدِينَ والمُقَلَّدِينَ مُنْخَرِطُونَ في سِلْكِ ضَلالٍ ظاهِرٍ لا يَخْفى عَلى عاقِلٍ وأكَّدَ بِأنْتُمْ لِيَصِحَّ العَطْفُ، لِأنَّ العَطْفَ عَلى ضَمِيرِ هو في حُكْمِ بَعْضِ الفِعْلِ مُمْتَنِعٌ.

الأنبياء 21:55

﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ﴾ بِالجِدِّ ﴿أمْ أنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ﴾ أيْ: أجادٌّ أنْتَ فِيما تَقُولُ أمْ لاعِبٌ اسْتِعْظامًا مِنهم إنْكارَهُ عَلَيْهِمْ واسْتِبْعادًا لِأنْ يَكُونَ ما هم عَلَيْهِ ضَلالًا.

الأنبياء 21:56

فَثَمَّ أضْرَبَ عَنْهم مُخْبِرًا بِأنَّهُ جادٌّ فِيما قالَ غَيْرُ لاعِبٍ مُثْبِتًا لِرُبُوبِيَّةِ المَلِكِ العَلّامِ وحُدُوثِ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ بَلْ رَبُّكم رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيِ التَماثِيلُ فَأنّى يُعْبَدُ المَخْلُوقُ ويُتْرَكُ الخالِقُ ﴿وَأنا عَلى ذَلِكُمْ﴾ المَذْكُورِ مِنَ التَوْحِيدِ شاهِدٌ ﴿مِنَ الشاهِدِينَ﴾ (p-٤٠٩)

الأنبياء 21:57

﴿وَتاللهِ﴾ أصْلُهُ: واللهِ، وفي التاءِ مَعْنى التَعَجُّبِ مِن تَسْهِيلِ الكَيْدِ عَلى يَدِهِ مَعَ صُعُوبَتِهِ وتَعَذُّرِهِ لِقُوَّةِ سُلْطَةِ نَمْرُودَ ﴿لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ لِأكْسِرَنَّها ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ بَعْدَ ذَهابِكم عَنْها إلى عِيدِكم قالَ ذَلِكَ سِرًّا مِن قَوْمِهِ فَسَمِعَهُ رَجُلٌ واحِدٌ فَعَرَّضَ بِقَوْلِهِ إنِّي سَقِيمٌ أيْ: سَأسْقَمُ لِيَتَخَلَّفَ فَرَجَعَ إلى بَيْتِ الأصْنامِ.

الأنبياء 21:58

﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ قِطَعًا، مِنَ الجَذِّ، هو القَطْعُ جَمْعُ جُذاذَةٍ كَزُجاجَةٍ وزُجاجٍ "جِذاذًا" بِالكَسْرِ عَلِيٌّ جَمْعُ جَذِيذٍ أيْ: مَجْذُوذٍ كَخَفِيفٍ وخافٍ ﴿إلا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ لِلْأصْنامِ أوْ لِلْكُفّارِ أيْ: فَكَسَرَها كُلَّها بِفَأْسٍ في يَدِهِ إلّا كَبِيرًا فَعَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ﴾ إلى الكَبِيرِ ﴿يَرْجِعُونَ﴾ فَيَسْألُونَهُ عَنْ كاسِرِها فَيَتَبَيَّنُ لَهم عَجْزُهُ أوْ إلى إبْراهِيمَ لِيَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ أوْ إلى اللهِ لَمّا رَأوْا عَجْزَ آلِهَتِهِمْ.

الأنبياء 21:59

﴿قالُوا﴾ أيِ الكُفّارُ حِينَ رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ورَأوْا ذَلِكَ ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظالِمِينَ﴾ أيْ: إنَّ مَن فَعَلَ هَذا الكَسْرَ لَشَدِيدُ الظُلْمِ لِجَراءَتِهِ عَلى الآلِهَةِ الحَقِيقَةِ عِنْدَهم بِالتَوْقِيرِ والتَعْظِيمِ.

الأنبياء 21:60

﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ الجُمْلَتانِ صِفَتانِ لِفَتًى إلّا أنَّ الأوَّلَ وهو "يَذْكُرُهُمْ" أيْ: يَعِيبُهم لا بُدَّ مِنهُ لِ"سَمِعَ"، لِأنَّكَ لا تَقُولُ سَمِعْتُ زَيْدًا وتَسْكُتُ حَتّى تَذْكَرَ شَيْئًا مِمّا يُسْمَعُ بِخِلافِ الثانِي وارْتِفاعُ ﴿إبْراهِيمُ﴾ بِأنَّهُ فاعِلُ ﴿يُقالُ﴾ فالمُرادُ الِاسْمُ لا المُسَمّى أيِ الَّذِي يُقالُ لَهُ هَذا الِاسْمُ.

الأنبياء 21:61

﴿قالُوا﴾ أيْ: نَمْرُودُ وأشْرافُ قَوْمِهِ ﴿فَأْتُوا بِهِ﴾ أحْضِرُوا إبْراهِيمَ ﴿عَلى أعْيُنِ الناسِ﴾ في مَحَلِّ الحالِ بِمَعْنى مُعايَنًا مُشاهَدًا أيْ: بِمَرْأًى مِنهم ومَنظَرٍ ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ عَلَيْهِ بِما سُمِعَ مِنهُ أوْ بِما فَعَلَهُ كَأنَّهم كَرِهُوا (p-٤١٠)عِقابَهُ بِلا بَيِّنَةٍ أوْ يَحْضُرُونَ عُقُوبَتَنا لَهُ.

الأنبياء 21:62

﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ (٦٢) ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ٦٢،٦٣ – فَلَمّا أحْضَرُوهُ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالَ﴾ إبْراهِيمُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ يَقِفُ عَلَيْهِ أيْ: فَعَلَهُ مَن فَعَلَهُ وفِيهِ حَذْفُ الفاعِلِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، وجازَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ مُسْنَدًا إلى الفَتى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] والِي إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ يا إبْراهِيمُ ثُمَّ قالَ ﴿كَبِيرُهم هَذا﴾ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والأكْثَرُ أنَّهُ لا وقْفَ والفاعِلُ كَبِيرُهم، وهَذا وصْفٌ أوْ بَدَلٌ ونَسَبَ الفِعْلَ إلى كَبِيرِهِمْ وقَصْدُهُ تَقْرِيرُهُ لِنَفْسِهِ وإثْباتُهُ لَها عَلى أُسْلُوبٍ تَعْرِيضِيٍّ تَبْكِيتًا لَهم وإلْزامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم إذا نَظَرُوا النَظَرَ الصَحِيحَ عَلِمُوا عَجْزَ كَبِيرِهِمْ وأنَّهُ لا يَصْلُحُ إلَهًا وهَذا كَما لَوْ قالَ لَكَ صاحِبُكَ وقَدْ كَتَبْتَ كِتابًا بِخَطٍّ شَيِّقٍ أنِيقٍ أأنْتَ كَتَبْتَ هَذا وصاحِبُكَ أُمِّيٌّ فَقُلْتَ لَهُ بَلْ كَتَبْتَهُ أنْتَ كانَ قَصْدُكَ بِهَذا الجَوابِ تَقْرِيرَهُ لَكَ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ لا نَفْيَهُ عَنْكَ وإثْباتَهُ لِلْأُمِّيِّ، لِأنَّ إثْباتَهُ لِلْعاجِزِ مِنكُما والأمْرُ دائِرٌ بَيْنَكُما اسْتِهْزاءٌ بِهِ وإثْباتٌ لِلْقادِرِ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ غاظَتْهُ تِلْكَ الأصْنامُ حِينَ أبْصَرَها مُصْطَفَّةً وكانَ غَيْظُ كَبِيرِها أشَدَّ لِما رَأى مِن زِيادَةِ تَعْظِيمِهِمْ لَهُ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ لِأنَّ الفِعْلَ كَما يُسْنَدُ إلى مُباشِرِهِ يُسْنَدُ إلى الحامِلِ عَلَيْهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِما يَقُودُ إلى تَجْوِيزِهِ مَذْهَبَهم كَأنَّهُ قالَ لَهم ما تُنْكِرُونَ أنْ يَفْعَلَهُ كَبِيرُهُمْ؟ فَإنَّ مِن حَقِّ مَن يُعْبَدُ ويُدْعى إلَهًا أنْ يَقْدِرَ عَلى هَذا ويُحْكى أنَّهُ قالَ غَضِبَ أنْ تُعْبَدَ هَذِهِ الصِغارُ مَعَهُ وهو أكْبَرُ مِنها فَكَسَّرَهُنَّ أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِشَرْطٍ لا يَكُونُ وهو نُطْقُ الأصْنامِ فَيَكُونُ نَفْيًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ أيْ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ وقَوْلُهُ ﴿فاسْألُوهُمْ﴾ اعْتِراضٌ وقِيلَ عَرَّضَ بِالكَبِيرِ لِنَفْسِهِ إنَّما أضافَ نَفْسَهُ إلَيْهِمْ لِاشْتِراكِهِمْ في الحُضُورِ ﴿فاسْألُوهُمْ﴾ عَنْ حالِهِمْ ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ عَجْزَهم عَنْهُ.

الأنبياء 21:63

﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ (٦٢) ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ٦٢،٦٣ – فَلَمّا أحْضَرُوهُ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالَ﴾ إبْراهِيمُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ يَقِفُ عَلَيْهِ أيْ: فَعَلَهُ مَن فَعَلَهُ وفِيهِ حَذْفُ الفاعِلِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، وجازَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ مُسْنَدًا إلى الفَتى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] والِي إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ يا إبْراهِيمُ ثُمَّ قالَ ﴿كَبِيرُهم هَذا﴾ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والأكْثَرُ أنَّهُ لا وقْفَ والفاعِلُ كَبِيرُهم، وهَذا وصْفٌ أوْ بَدَلٌ ونَسَبَ الفِعْلَ إلى كَبِيرِهِمْ وقَصْدُهُ تَقْرِيرُهُ لِنَفْسِهِ وإثْباتُهُ لَها عَلى أُسْلُوبٍ تَعْرِيضِيٍّ تَبْكِيتًا لَهم وإلْزامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم إذا نَظَرُوا النَظَرَ الصَحِيحَ عَلِمُوا عَجْزَ كَبِيرِهِمْ وأنَّهُ لا يَصْلُحُ إلَهًا وهَذا كَما لَوْ قالَ لَكَ صاحِبُكَ وقَدْ كَتَبْتَ كِتابًا بِخَطٍّ شَيِّقٍ أنِيقٍ أأنْتَ كَتَبْتَ هَذا وصاحِبُكَ أُمِّيٌّ فَقُلْتَ لَهُ بَلْ كَتَبْتَهُ أنْتَ كانَ قَصْدُكَ بِهَذا الجَوابِ تَقْرِيرَهُ لَكَ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ لا نَفْيَهُ عَنْكَ وإثْباتَهُ لِلْأُمِّيِّ، لِأنَّ إثْباتَهُ لِلْعاجِزِ مِنكُما والأمْرُ دائِرٌ بَيْنَكُما اسْتِهْزاءٌ بِهِ وإثْباتٌ لِلْقادِرِ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ غاظَتْهُ تِلْكَ الأصْنامُ حِينَ أبْصَرَها مُصْطَفَّةً وكانَ غَيْظُ كَبِيرِها أشَدَّ لِما رَأى مِن زِيادَةِ تَعْظِيمِهِمْ لَهُ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ لِأنَّ الفِعْلَ كَما يُسْنَدُ إلى مُباشِرِهِ يُسْنَدُ إلى الحامِلِ عَلَيْهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِما يَقُودُ إلى تَجْوِيزِهِ مَذْهَبَهم كَأنَّهُ قالَ لَهم ما تُنْكِرُونَ أنْ يَفْعَلَهُ كَبِيرُهُمْ؟ فَإنَّ مِن حَقِّ مَن يُعْبَدُ ويُدْعى إلَهًا أنْ يَقْدِرَ عَلى هَذا ويُحْكى أنَّهُ قالَ غَضِبَ أنْ تُعْبَدَ هَذِهِ الصِغارُ مَعَهُ وهو أكْبَرُ مِنها فَكَسَّرَهُنَّ أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِشَرْطٍ لا يَكُونُ وهو نُطْقُ الأصْنامِ فَيَكُونُ نَفْيًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ أيْ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ وقَوْلُهُ ﴿فاسْألُوهُمْ﴾ اعْتِراضٌ وقِيلَ عَرَّضَ بِالكَبِيرِ لِنَفْسِهِ إنَّما أضافَ نَفْسَهُ إلَيْهِمْ لِاشْتِراكِهِمْ في الحُضُورِ ﴿فاسْألُوهُمْ﴾ عَنْ حالِهِمْ ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ عَجْزَهم عَنْهُ.

الأنبياء 21:64

﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ فَرَجَعُوا إلى عُقُولِهِمْ وتَفَكَّرُوا بِقُلُوبِهِمْ لَمّا (p-٤١١)أخَذَ بِمُخالَفَتِهِمْ ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظالِمُونَ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ بِعِبادَةِ ما لا يَنْطِقُ لا مَن ظَلَمْتُمُوهُ حِينَ قُلْتُمْ ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٩] فَإنَّ مَن لا يَدْفَعُ عَنْ رَأْسِهِ الفَأْسَ كَيْفَ يَدْفَعُ عَنْ عابِدِيهِ البَأْسَ؟

الأنبياء 21:65

﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ قالَ أهْلُ التَفْسِيرِ أجْرى اللهُ تَعالى الحَقَّ عَلى لِسانِهِمْ في القَوْلِ الأوَّلِ ثُمَّ أدْرَكَتْهُمُ الشَقاوَةُ أيْ: رُدُّوا إلى الكُفْرِ بَعْدَ أنْ أقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالظُلْمِ يُقالُ نَكَسْتُهُ قَلَبْتُهُ فَجَعَلَتُ أسْفَلَهُ أعْلاهُ أيِ اسْتَقامُوا حِينَ رَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ وجاءُوا بِالفِكْرَةِ الصالِحَةِ ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْ تِلْكَ الحالَةِ فَأخَذُوا في المُجادَلَةِ بِالباطِلِ والمُكابَرَةِ وقالُوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فَكَيْفَ تَأْمُرُنا بِسُؤالِها والجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْتَ والمَعْنى: لَقَدْ عَلِمْتَ عَجْزَهم عَنِ النُطْقِ فَكَيْفَ نَسْألُهُمْ.

الأنبياء 21:66

﴿قالَ﴾ مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ هو في مَوْضِعِ المَصْدَرِ أيْ: نَفْعًا ﴿وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ.

الأنبياء 21:67

﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ أُفٍّ صَوْتٌ إذا صُوِّتَ بِهِ عُلِمَ أنَّ صاحِبَهُ مُتَضَجِّرٌ، أضْجَرَهُ ما رَأى مِن ثَباتِهِمْ عَلى عِبادَتِها بَعْدَ انْقِطاعِ عُذْرِهِمْ وبَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ فَتَأفَّفَ بِهِمْ واللامُ لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِهِ أيْ: لَكم ولِآلِهَتِكم هَذا التَأفُّفُ، "أُفٍّ " مَدَنِيٌّ وحَفْصٌ، "أُفَّ" مَكِّيٌّ وشامِيٌّ أُفِّ غَيْرُهم ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ مَن هَذا وصْفُهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إلَهًا فَلَمّا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وعَجَزُوا عَنِ الجَوابِ.

الأنبياء 21:68

﴿قالُوا حَرِّقُوهُ﴾ بِالنارِ، لِأنَّها أهْوَلُ ما يُعاقَبُ بِهِ وأفْظَعُ ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ بِالِانْتِقامِ مِنهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ ناصِرِينَ آلِهَتَكم نَصْرًا مُؤَزَّرًا فاخْتارُوا لَهُ أهْوَلَ المُعاقَباتِ وهو الإحْراقُ بِالنارِ وإلّا فَرَّطْتُمْ في نُصْرَتِها (p-٤١٢)والَّذِي أشارَ بِإحْراقِهِ نَمْرُودُ أوْ رَجُلٌ مِن أكْرادِ فارِسَ وقِيلَ إنَّهم حِينَ هَمُّوا بِإحْراقِهِ حَبَسُوهُ ثُمَّ بَنَوْا بَيْتًا بِكُوثى وجَمَعُوا شَهْرًا أصْنافَ الخَشَبِ ثُمَّ أشْعَلُوا نارًا عَظِيمَةً كادَتِ الطَيْرُ تَحْتَرِقُ في الجَوِّ مِن وهَجِها ثُمَّ وضَعُوهُ في المَنجَنِيقِ مُقَيَّدًا مَغْلُولًا فَرَمَوْا بِهِ فِيها وهو يَقُولُ "حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ" وقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَلْ لَكَ حاجَةٌ ؟ فَقالَ أمّا إلَيْكَ فَلا، قالَ: فَسَلْ رَبَّكَ قالَ حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي، وما أحْرَقَتِ النارُ إلّا وِثاقَهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّما نَجا بِقَوْلِهِ حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ.

الأنبياء 21:69

﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ أيْ: ذاتَ بَرْدٍ وسَلامٍ فَبُولِغَ في ذَلِكَ كَأنَّ ذاتَها بَرْدٌ وسَلامٌ ﴿عَلى إبْراهِيمَ﴾ أرادَ ابْرُدِي فَيَسْلَمَ مِنكِ إبْراهِيمُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَأهْلَكَتْهُ بِبَرْدِها والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى نَزَعَ عَنْها طَبْعَها الَّذِي طَبَعَها عَلَيْها مِنَ الحَرِّ والإحْراقِ وأبْقاها عَلى الإضاءَةِ والإشْراقِ كَما كانَتْ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

الأنبياء 21:70

﴿وَأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ إحْراقًا ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ فَأُرْسِلَ عَلى نَمْرُودَ وقَوْمِهِ البَعُوضُ فَأكَلَتْ لُحُومَهم وشَرِبَتْ دِماءَهم ودَخَلَتْ بَعُوضَةٌ في دِماغِ نَمْرُودَ فَأهْلَكَتْهُ.

الأنبياء 21:71

﴿وَنَجَّيْناهُ﴾ أيِ إبْراهِيمَ ﴿وَلُوطًا﴾ ابْنَ أخِيهِ هارُونَ مِنَ العِراقِ ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ: أرْضِ الشامِ وبَرَكَتُها أنَّ أكْثَرَ الأنْبِياءِ مِنها فانْتَشَرَتْ في العالَمِينَ آثارُهُمُ الدِينِيَّةُ وهي أرْضُ خِصْبٍ يَطِيبُ فِيها عَيْشُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ وقِيلَ ما مِن ماءٍ عَذْبٍ في الأرْضِ إلّا ويَنْبُعُ أصْلُهُ مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ رُوِيَ: أنَّهُ نَزَلَ بِفِلَسْطِينَ ولُوطًا بالمُؤْتَفِكَةِ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ وقالَ ﷺ « "إنَّها سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيارُ الناسِ إلى مُهاجَرِ إبْراهِيمَ" » (p-٤١٣)

الأنبياء 21:72

﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ قِيلَ هو مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ السابِقِ أيْ: وهَبْنا لَهُ هِبَةً وقِيلَ هي ولَدُ الوَلَدِ وقَدْ سَألَ ولَدًا فَأُعْطِيَهُ وأُعْطِيَ يَعْقُوبَ نافِلَةً أيْ: زِيادَةً وفَضْلًا مِن غَيْرِ سُؤالٍ وهي حالٌ مِن يَعْقُوبَ ﴿وَكُلا﴾ أيْ: إبْراهِيمَ وإسْحَقَ ويَعْقُوبَ وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ ﴿جَعَلْنا﴾ والثانِي ﴿صالِحِينَ﴾ في الدِينِ والنُبُوَّةِ.

الأنبياء 21:73

﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ يُقْتَدى بِهِمْ في الدِينِ ﴿يَهْدُونَ﴾ الناسَ ﴿بِأمْرِنا﴾ بِوَحْيِنا ﴿وَأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ وهي جَمِيعُ الأعْمالِ الصالِحَةِ وأصْلُهُ أنْ تُفْعَلَ الخَيْراتِ ثُمَّ فِعْلًا الخَيْراتِ وكَذَلَكَ قَوْلُهُ ﴿وَإقامَ الصَلاةِ وإيتاءَ الزَكاةِ﴾ والأصْلُ وإقامَةُ الصَلاةِ إلّا أنَّ المُضافَ إلَيْهِ جُعِلَ بَدَلًا مِنَ الهاءِ ﴿وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ لا لِلْأصْنامِ فَأنْتُمْ يا مَعْشَرَ العَرَبِ أوْلادُ إبْراهِيمَ فاتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ.

الأنبياء 21:74

﴿وَلُوطًا﴾ انْتَصَبَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ حِكْمَةً وهي ما يَجِبُ فِعْلُهُ مِنَ العَمَلِ أوْ فَصْلًا بَيْنَ الخُصُومِ أوْ نُبُوَّةً ﴿وَعِلْمًا﴾ فِقْهًا ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ﴾ مِن أهْلِها وهي سَدُومُ ﴿الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ﴾ اللُواطَةَ والضِراطَةَ وحَذْفَ المارَّةِ بِالحَصى وغَيْرَها ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ خارِجِينَ عَنْ طاعَةِ اللهِ.

الأنبياء 21:75

﴿وَأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا﴾ في أهْلِ رَحْمَتِنا أوْ في الجَنَّةِ ﴿إنَّهُ مِنَ الصالِحِينَ﴾ أيْ: جَزاءً لَهُ عَلى صَلاحِهِ كَما أهْلَكْنا قَوْمَهُ عِقابًا عَلى فَسادِهِمْ.

الأنبياء 21:76

﴿وَنُوحًا﴾ أيْ: واذْكُرْ نُوحًا ﴿إذْ نادى﴾ أيْ: دَعا عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ: دُعاءَهُ (p-٤١٤)﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ﴾ أيِ المُؤْمِنِينَ مِن ولَدِهِ وقَوْمِهِ ﴿مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ مِنَ الطُوفانِ وتَكْذِيبِ أهْلِ الطُغْيانِ.

الأنبياء 21:77

﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مَنَعْناهُ مِنهم أيْ: مِن أذاهم ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ صَغِيرَهم وكَبِيرَهم ذَكَرَهم وأُنْثاهُمْ.

الأنبياء 21:78

﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ أيْ: واذْكُرْهُما ﴿إذْ﴾ بَدَلٌ مِنهُما ﴿يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ في الزَرْعِ أوِ الكَرْمِ ﴿إذْ﴾ ظَرْفٌ لِيَحْكُمانِ ﴿نَفَشَتْ﴾ دَخَلَتْ ﴿فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ﴾ لَيْلًا فَأكَلَتْهُ وأفْسَدَتْهُ والنَفْشُ انْتِشارُ الغَنَمِ لَيْلًا بِلا راعٍ ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ﴾ أرادَهُما والمُتَحاكِمَيْنِ إلَيْهِما ﴿شاهِدِينَ﴾ أيْ: كانَ ذَلِكَ بِعِلْمِنا ومَرْأًى مِنّا.

الأنبياء 21:79

﴿فَفَهَّمْناها﴾ أيِ الحُكُومَةَ أوِ الفَتْوى ﴿سُلَيْمانَ﴾ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَوابَ كانَ مَعَ سُلَيْمانَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ. وقِصَّتَهُ: أنَّ الغَنَمَ رَعَتِ الحَرْثَ وأفْسَدَتْهُ بِلا راعٍ لَيْلًا فَتَحاكَما إلى داوُدَ فَحَكَمَ بِالغَنَمِ لِأهْلِ الحَرْثِ وقَدِ اسْتَوَتْ قِيمَتاهُما أيْ: قِيمَةُ الغَنَمِ كانَتْ عَلى قَدْرِ النُقْصانِ مِنَ الحَرْثِ فَقالَ سُلَيْمانُ وهو ابْنُ إحْدى عَشْرَةَ سَنَةً:غَيْرُ هَذا أرْفَقُ بِالفَرِيقَيْنِ فَعَزَمَ عَلَيْهِ لَيَحْكُمَنَّ فَقالَ أرى أنْ تُدْفَعَ الغَنَمُ إلى أهْلِ الحَرْثِ يَنْتَفِعُونَ بِألْبانِها وأوْلادِها وأصْوافِها والحَرْثُ إلى رَبِّ الغَنَمِ حَتّى يُصْلِحَ الحَرْثَ ويَعُودَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ أُفْسِدَ ثُمَّ يَتَرادّانِ فَقالَ: القَضاءُ ما قَضَيْتَ وأمْضى الحُكْمَ بِذَلِكَ وكانَ ذَلِكَ بِاجْتِهادٍ مِنهُما وهَذا كانَ في شَرِيعَتِهِمْ، فَأمّا في شَرِيعَتِنا فَلا ضَمانَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ – رَحِمَهُ اللهُ- بِاللَيْلِ أوْ بِالنَهارِ إلّا أنْ يَكُونَ مَعَ البَهِيمَةِ سائِقٌ أوْ قائِدٌ وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ يَجِبُ الضَمانُ بِاللَيْلِ وقالَ الجَصّاصُ إنَّما ضَمِنُوا لِأنَّهم أرْسَلُوها ونُسِخَ الضَمانُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٤١٥)والسَلامُ:" «العَجْماءُ جُبارٌ" » وقالَ مُجاهِدٌ كانَ هَذا صُلْحًا وما فَعَلَهُ داوُدُ كانَ حُكْمًا والصُلْحُ خَيْرٌ ﴿وَكُلا﴾ مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٤] نُبُوَّةً ﴿وَعِلْمًا﴾ مَعْرِفَةً بِمُوجِبِ الحُكْمِ ﴿وَسَخَّرْنا﴾ وذَلَّلْنا ﴿مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ وهو حالٌ بِمَعْنى مُسَبِّحاتٍ أوِ اسْتِئْنافٌ كَأنَّ قائِلًا قالَ كَيْفَ سَخَّرَهُنَّ؟ فَقالَ يُسَبِّحْنَ ﴿والطَيْرَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ وقُدِّمَتِ الجِبالُ عَلى الطَيْرِ، لِأنَّ تَسْخِيرَها وتَسْبِيحَها أعْجَبُ وأغْرَبُ وأدْخَلُ في الإعْجازِ، لِأنَّها جَمادٌ، رُوِيَ: أنَّهُ كانَ يَمُرُّ بِالجِبالِ مُسَبِّحًا وهي تُجاوِبُهُ، وقِيلَ كانَتْ تَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سارَ ﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ بِالأنْبِياءِ مِثْلَ ذَلِكَ وإنْ كانَ عَجَبًا عِنْدَكُمْ.

الأنبياء 21:80

﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ أيْ: عَمَلَ اللَبُوسِ والدُرُوعِ واللَبُوسِ:اللِباسُ والمُرادُ الدِرْعُ ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ شامِيٌّ وحَفْصٌ أيِ الصَنْعَةُ وبِالنُونِ أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ أيِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ وبِالياءِ غَيْرُهم أيِ اللَبُوسُ أوِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿مِن بَأْسِكُمْ﴾ مِن حَرْبِ عَدُوِّكم ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الأمْرِ أيْ: فاشْكُرُوا اللهَ عَلى ذَلِكَ.

الأنبياء 21:81

﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِيحَ﴾ أيْ: وسَخَّرَنا لَهُ الرِيحَ ﴿عاصِفَةً﴾ حالٌ أيْ: شَدِيدَةَ الهُبُوبِ ووُصِفَتْ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِالرَخاءِ، لِأنَّها تَجْرِي بِاخْتِيارِهِ فَكانَتْ في وقْتٍ رَخاءً وفي وقْتٍ عاصِفَةً لِهُبُوبِها عَلى حُكْمِ إرادَتِهِ ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ بِأمْرِ سُلَيْمانَ ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ بِكَثْرَةِ الأنْهارِ والأشْجارِ والثِمارِ والمُرادُ الشامُ وكانَ مَنزِلُهُ بِها وتَحْمِلُهُ الرِيحُ مِن نَواحِي الأرْضِ إلَيْها ﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ وقَدْ أحاطَ عِلْمُنا بِكُلِّ شَيْءٍ فَتَجْرِي الأشْياءُ كُلُّها عَلى ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُنا (p-٤١٦)

الأنبياء 21:82

﴿وَمِنَ الشَياطِينِ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا مِنهم ﴿مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ في البِحارِ بِأمْرِهِ لِاسْتِخْراجِ الدُرِّ وما يَكُونُ فِيها ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: دُونَ الغَوْصِ وهو بِناءُ المَحارِيبِ والتَماثِيلِ والقُصُورِ والقُدُورِ والجِفانِ ﴿وَكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ أنْ يَزِيغُوا عَنْ أمْرِهِ أوْ يُبَدِّلُوا أوْ يُوجَدَ مِنهم فَسادٌ فِيما هم مُسَخَّرُونَ فِيهِ.

الأنبياء 21:83

﴿وَأيُّوبَ﴾ أيْ: واذْكُرْ أيُّوبَ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي﴾ أيْ: دَعا بِأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الضُرُّ﴾ الضَرُّ بِالفَتْحِ الضَرَرُ في كُلِّ شَيْءٍ وبِالضَمِّ الضَرَرُ في النَفْسِ مَن مَرَضٍ أوْ هُزالٍ ﴿وَأنْتَ أرْحَمُ الراحِمِينَ﴾ ألْطَفُ في السُؤالِ حَيْثُ ذَكَرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُ الرَحْمَةَ، وذَكَرَ رَبَّهُ بِغايَةِ الرَحْمَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالمَطْلُوبِ فَكَأنَّهُ قالَ أنْتَ أهْلٌ أنْ تَرْحَمَ وأيُّوبُ أهْلٌ أنْ يُرْحَمَ فارْحَمْهُ واكْشِفْ عَنْهُ الضَيْمَ الَّذِي مَسَّهُ، عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أخْبَرَ عَنْ ضَعْفِهِ حِينَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى النُهُوضِ إلى الصَلاةِ ولَمْ يَشْتَكِ وكَيْفَ يَشْكُو مَن قِيلَ لَهُ ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ﴾ [ص: ٤٤] ؟ وقِيلَ إنَّما شَكا إلَيْهِ تَلَذُّذًا بِالنَجْوَةِ لا مِنهُ تَضَرُّرًا بِالشَكْوى، والشِكايَةُ إلَيْهِ غايَةُ القُرْبِ كَما أنَّ الشِكايَةَ مِنهُ غايَةُ البُعْدِ.

الأنبياء 21:84

﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أجَبْنا دُعاءَهُ ﴿فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ فَكَشَفْنا ضُرَّهُ إنْعامًا عَلَيْهِ ﴿وَآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ رُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ رُومِيًّا مِن ولَدِ إسْحَقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ولَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وسَبْعُ بَناتٍ وثَلاثَةُ آلافِ بَعِيرٍ وسَبْعَةُ آلافِ شاةٍ وخَمْسُمِائَةِ فَدّانٍ يَتْبَعُها خَمْسُمِائَةِ عَبْدٍ لِكُلِّ عَبْدٍ امْرَأةٌ ووَلَدٌ ونَخِيلٌ فابْتَلاهُ اللهُ تَعالى بِذَهابِ ولَدِهِ ومالِهِ وبِمَرَضٍ في بَدَنِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَلاثَ سِنِينَ (p-٤١٧)قالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ يَوْمًا لَوْ دَعَوْتَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ: كَمْ كانَتْ مُدَّةُ الرَخاءِ؟ فَقالَتْ ثَمانِينَ سَنَةً، فَقالَ أنا أسْتَحِي مِنَ اللهِ أنْ أدْعُوَهُ وما بَلَغَتْ مُدَّةُ بَلائِي مُدَّةَ رَخائِي فَلَمّا كَشَفَ اللهُ عَنْهُ أحْيا ولَدَهُ بِأعْيانِهِمْ ورَزَقَهُ مِثْلَهم مَعَهم ﴿رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ هو مَفْعُولٌ لَهُ ﴿وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ يَعْنِي: رَحْمَةً لِأيُّوبَ وتَذْكِرَةً لِغَيْرِهِ مِنَ العابِدِينَ لِيَصْبِرُوا كَصَبْرِهِ فَيُثابُوا كَثَوابِهِ.

الأنبياء 21:85

﴿وَإسْماعِيلَ﴾ ابْنَ إبْراهِيمَ ﴿وَإدْرِيسَ﴾ ابْنَ شِيثِ بْنِ آدَمَ ﴿وَذا الكِفْلِ﴾ أيِ اذْكُرْهم. وهو إلْياسُ أوْ زَكَرِيّا أوْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وسُمِّيَ بِهِ، لِأنَّهُ ذُو الحَظِّ مِنَ اللهِ، والكِفْلُ: الحَظُّ ﴿كُلٌّ مِنَ الصابِرِينَ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ كُلُّهم مَوْصُوفُونَ بِالصَبْرِ.

الأنبياء 21:86

﴿وَأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا﴾ نَبُوَّتِنا أوِ النِعْمَةِ في الآخِرَةِ ﴿إنَّهم مِنَ الصالِحِينَ﴾ أيْ: مِمَّنْ لا يَشُوبُ صَلاحَهم كَدَرُ الفَسادِ.

الأنبياء 21:87

﴿وَذا النُونِ﴾ أيِ اذْكُرْ صاحِبَ الحُوتِ والنُونُ الحُوتُ فَأُضِيفَ إلَيْهِ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ حالٌ أيْ: مُراغِمًا لِقَوْمِهِ ومَعْنى مُغاضَبَتِهِ لِقَوْمِهِ أنَّهُ أغْضَبَهم بِمُفارَقَتِهِ لِخَوْفِهِمْ حُلُولَ العِقابِ عَلَيْهِمْ عِنْدَها رُوِيَ: أنَّهُ بَرِمَ بِقَوْمِهِ لِطُولِ ما ذَكَّرَهم فَلَمْ يَتَّعِظُوا وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ فَراغَمَهم وظَنَّ أنَّ ذَلِكَ يَسُوغُ حَيْثُ لَمْ يَفْعَلْهُ إلّا غَضَبًا لِلَّهِ وبُغْضًا لِلْكُفْرِ وأهْلِهِ وكانَ عَلَيْهِ أنْ يُصابِرَ ويَنْتَظِرَ الإذْنَ مِنَ اللهِ تَعالى في المُهاجَرَةِ عَنْهم فابْتُلِيَ بِبَطْنِ الحُوتِ ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ﴾ نُضَيِّقَ ﴿عَلَيْهِ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّهُ دَخَلَ يَوْمًا عَلى مُعاوِيَةَ فَقالَ لَقَدْ ضَرَبَتْنِي أمْواجُ القُرْآنِ البارِحَةَ فَغَرِقْتُ فِيها فَلَمْ أجِدْ لِنَفْسِي خَلاصًا إلّا بِكَ قالَ وما هي يا مُعاوِيَةُ؟ فَقَرَأ الآيَةَ فَقالَ أوَ يَظُنُّ نَبِيُّ اللهِ أنْ لا يَقْدِرَ عَلَيْهِ؟ قالَ هَذا مِنَ القَدْرِ لا مِنَ القُدْرَةِ ﴿فَنادى في الظُلُماتِ﴾ أيْ: في الظُلْمَةِ الشَدِيدَةِ المُتَكاثِفَةِ في بَطْنِ الحُوتِ كَقَوْلِهِ ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ﴾ [البقرة: ١٧] أوْ ظُلْمَةِ اللَيْلِ والبَحْرِ وبَطْنِ الحُوتِ (p-٤١٨)﴿أنْ﴾ أيْ: بِأنَّهُ ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ﴾ أوْ بِمَعْنى أيْ: ﴿سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ﴾ لِنَفْسِي في خُرُوجِي مِن قَوْمِي قَبْلَ أنْ تَأْذَنَ لِي، في الحَدِيثِ: « "ما مِن مَكْرُوبٍ يَدْعُو بِهَذا الدُعاءِ إلّا اسْتُجِيبَ لَهُ " »، وعَنِ الحَسَنِ ما نَجّاهُ اللهُ إلّا بِإقْرارِهِ عَلى نَفْسِهِ بِالظُلْمِ.

الأنبياء 21:88

﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ﴾ غَمِّ الزَلَّةِ والوَحْشَةِ والوَحْدَةِ ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ إذا دَعَوْنا واسْتَغاثُوا بِنا "نُجِّي" شامِيٌّ وأبُو بَكْرٍ بِإدْغامِ النُونِ في الجِيمِ عِنْدَ البَعْضِ، لِأنَّ النُونَ لا تُدْغَمُ في الجِيمِ وقِيلَ تَقْدِيرُهُ:نُجِّيَ النِجاءُ المُؤْمِنِينَ فَسَكَّنَ الياءَ تَخْفِيفًا وأُسْنِدَ الفِعْلُ إلى المَصْدَرِ ونُصِبَ المُؤْمِنِينَ بِالنِجاءِ لَكِنَّ فِيهِ إقامَةَ المَصْدَرِ مَقامَ الفاعِلِ مَعَ وُجُودِ المَفْعُولِ وهَذا لا يَجُوزُ وفِيهِ تَسْكِينُ الياءِ وبابُهُ الضَرُوراتُ وقِيلَ أصْلُهُ نُنَجِّي مِنَ التَنْجِيَةِ فَحُذِفَتِ النُونُ الثانِيَةُ لِاجْتِماعِ النُونَيْنِ كَما حُذِفَتْ إحْدى التاءَيْنِ في "تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ.

الأنبياء 21:89

﴿وَزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا يَرِثُهُ ولا يَدَعَهُ وحِيدًا بِلا وارِثٍ ثُمَّ رَدَّ أمْرَهُ إلى اللهِ مُسْتَسْلِمًا فَقالَ ﴿وَأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ أيْ: فَإنْ لَمْ تَرْزُقْنِي مَن يَرِثُنِي فَلا أُبالِي فَإنَّكَ خَيْرُ وارِثٍ أيْ: باقٍ.

الأنبياء 21:90

﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ ولَدًا ﴿وَأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ جَعَلْناها صالِحَةً لِلْوِلادَةِ بَعْدَ عُقْرِها أوْ حَسَنَةً وكانَتْ سَيِّئَةَ الخُلُقِ ﴿إنَّهُمْ﴾ أيِ الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ ﴿كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ أيْ: أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا الإجابَةَ إلى طَلَباتِهِمْ لِمُبادَرَتِهِمْ أبْوابَ الخَيْرِ ومُسارَعَتِهِمْ في تَحْصِيلِها (p-٤١٩)﴿وَيَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ أيْ: طَمَعًا وخَوْفًا كَقَوْلِهِ ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] وهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أوِ المَفْعُولِ لَهُ أيْ: لِلرَّغْبَةِ فِينا والرَهْبَةِ مِنّا ﴿وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ مُتَواضِعِينَ خائِفِينَ.

الأنبياء 21:91

﴿والَّتِي﴾ أيْ: واذْكُرِ الَّتِي ﴿أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ حَفِظَتْهُ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ أجْرَيْنا فِيها رُوحَ المَسِيحِ أوْ أمَرْنا جِبْرِيلَ فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها فَأحْدَثْنا بِذَلِكَ النَفْخِ عِيسى في بَطْنِها وإضافَةُ الرُوحِ إلَيْهِ تَعالى لِتَشْرِيفِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ ﴿وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُلْ آيَتَيْنِ كَما قالَ ﴿وَجَعَلْنا اللَيْلَ والنَهارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، لِأنَّ حالَهُما بِمَجْمُوعِها آيَةٌ واحِدَةٌ وهي وِلادَتُها إيّاهُ مِن غَيْرِ فَحْلٍ أوِ التَقْدِيرُ وجَعَلْناها آيَةً وابْنَها كَذَلِكَ فَآيَةً مَفْعُولُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ آيَتَيْنِ.

الأنبياء 21:92

﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ الأُمَّةُ: المِلَّةُ وهَذِهِ إشارَةٌ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ وهي مِلَّةُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ و﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ حالٌ أيْ: مُتَوَحِّدَةً غَيْرَ مُتَفَرِّقَةٍ والعامِلُ ما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الإشارَةِ أيْ: أنَّ مِلَّةَ الإسْلامِ هي مِلَّتُكُمُ الَّتِي يَجِبُ أنْ تَكُونُوا عَلَيْها لا تَنْحَرِفُونَ عَنْها يُشارُ إلَيْها مِلَّةً واحِدَةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ ﴿وَأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ أيْ: رَبَّيْتُكُمُ اخْتِيارًا فاعْبُدُونِي شُكْرًا وافْتِخارًا والخِطابُ لِلنّاسِ كافَّةً.

الأنبياء 21:93

﴿وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ أصْلُ الكَلامِ وتَقَطَّعْتُمْ إلّا أنَّ الكَلامَ صُرِفَ إلى الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والمَعْنى: وجَعَلُوا أمْرَ دِينِهِمْ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا وصارُوا فِرَقًا وأحْزابًا ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنَّ هَؤُلاءِ الفِرَقَ المُخْتَلِفَةَ ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ فَنُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ (p-٤٢٠)

الأنبياء 21:94

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ﴾ شَيْئًا ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أيْ: فَإنَّ سَعْيَهُ مَشْكُورٌ مَقْبُولٌ والكُفْرانُ مَثَلٌ في حِرْمانِ الثَوابِ كَما أنَّ الشُكْرَ مَثَلٌ في إعْطائِهِ وقَدْ نُفِيَ نَفْيَ الجِنْسِ لِيَكُونَ أبْلَغَ ﴿وَإنّا لَهُ﴾ لِلسَّعْيِ أيِ الحَفَظَةُ بِأمْرِنا ﴿كاتِبُونَ﴾ في صَحِيفَةِ عَمَلِهِ فَنُثِيبُهُ بِهِ.

الأنبياء 21:95

﴿وَحَرامٌ﴾ "وَحِرْمٌ" كُوفِيٌّ - غَيْرَ حَفْصٍ - وخَلْفٌ وهُما لُغَتانِ كَحِلٍّ وحَلالٍ وزْنًا، وضِدُّهُ مَعْنًى، والمُرادُ بِالحَرامِ المُمْتَنِعُ وجُودُهُ ﴿عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ والمَعْنى: ومُمْتَنِعٌ عَلى مُهْلَكٍ غَيْرُ مُمْكِنٍ ألّا يَرْجِعَ إلى اللهِ بِالبَعْثِ أوْ ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ أيْ: قَدَّرْنا إهْلاكَهم أوْ حَكَمْنا بِإهْلاكِهِمْ ذاكَ وهو المَذْكُورُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ العَمَلِ الصالِحِ، والسَعْيِ المَشْكُورِ غَيْرِ المَكْفُورِ ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ إلى الإسْلامِ.

الأنبياء 21:96

﴿حَتّى﴾ هي الَّتِي يُحْكى بَعْدَها الكَلامُ والكَلامُ المَحْكِيُّ الجُمْلَةُ مِنَ الشَرْطِ والجَزاءِ أعْنِي ﴿إذا﴾ وما في حَيِّزِها ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ أيْ: فُتِحَ سَدُّهُما فَحُذِفَ المُضافُ كَما حُذِفَ المُضافُ إلى "قَرْيَةٍ" "فُتِّحَتْ" شامِيٌّ وهُما قَبِيلَتانِ مِن جِنْسِ الإنْسِ يُقالُ الناسُ عَشْرَةُ أجْزاءٍ تِسْعَةٌ مِنها يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ ﴿وَهُمْ﴾ راجِعٌ إلى الناسِ المَسُوقِينَ إلى المَحْشَرِ وقِيلَ هم يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ يَخْرُجُونَ حِينَ يُفْتَحُ السَدُّ ﴿مِن كُلِّ حَدَبٍ﴾ نَشَزٍ مِنَ الأرْضِ أيِ ارْتِفاعٍ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يُسْرِعُونَ.

الأنبياء 21:97

﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ أيِ القِيامَةُ وجَوابُ إذا ﴿فَإذا هِيَ﴾ وهي إذا المُفاجَأةُ وهي تَقَعُ في المُجازاةِ سادَّةً مَسَدَّ الفاءِ كَقَوْلِهِ ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] فَإذا جاءَتِ الفاءُ مَعَها تَعاوَنَتا عَلى وصْلِ الجَزاءِ بِالشَرْطِ فَيَتَأكَّدُ ولَوْ قِيلَ "فَهِيَ شاخِصَةٌ" أوْ إذا "هِيَ شاخِصَةٌ" كانَ سَدِيدًا (p-٤٢١)وَ"هِيَ" ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُوَضِّحُهُ الأبْصارُ ويُفَسِّرُهُ ﴿شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةُ الأجْفانِ لا تَكادُ تَطْرُفُ مَن هَوْلِ ما هم فِيهِ ﴿يا ويْلَنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ يا ويْلَنا ويَقُولُونَ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ اليَوْمِ ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ بِوَضْعِنا العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها.

الأنبياء 21:98

﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ وإبْلِيسَ وأعْوانَهُ، لِأنَّهم بِطاعَتِهِمْ لَهم واتِّباعِهِمْ خُطُواتِهِمْ في حُكْمِ عَبَدَتِهِمْ ﴿حَصَبُ﴾ حَطَبُ وقُرِئَ حَطَبُ ﴿جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ فِيها داخِلُونَ.

الأنبياء 21:99

﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً﴾ كَما زَعَمْتُمْ ﴿ما ورَدُوها﴾ ما دَخَلُوا النارَ ﴿وَكُلٌّ﴾ أيِ العابِدُ والمَعْبُودُ ﴿فِيها﴾ في النارِ ﴿خالِدُونَ﴾

الأنبياء 21:100

﴿لَهُمْ﴾ لِلْكُفّارِ ﴿فِيها زَفِيرٌ﴾ أنِينٌ وبُكاءٌ وعَوِيلٌ ﴿وَهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ شَيْئًا، لِأنَّهم صارُوا صُمًّا وفي السَماعِ نَوْعُ أُنْسٍ فَلَمْ يُعْطَوْهُ.

الأنبياء 21:101

﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الخَصْلَةُ المُفَضَّلَةُ في الحُسْنِ تَأْنِيثُ الأحْسَنِ وهي السَعادَةُ أوِ البُشْرى بِالثَوابِ أوِ التَوْفِيقُ لِلطّاعَةِ نَزَلَتْ جَوابًا لِقَوْلِ ابْنِ الزِبْعَرى عِنْدَ تِلاوَتِهِ ﷺ عَلى صَنادِيدِ قُرَيْشٍ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] إلى قَوْلِهِ ﴿خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢] ألَيْسَ اليَهُودُ عَبَدُوا عُزَيْرًا والنَصارى المَسِيحَ وبَنُو مَلِيحٍ المَلائِكَةَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ "وَما تَعْبُدُونَ يَتَناوَلُهُمْ"، لِأنَّ ما لِمَن لا يَعْقِلُ إلّا أنَّهم أهْلُ عِنادٍ فَزِيدَ (p-٤٢٢)فِي البَيانِ ﴿أُولَئِكَ﴾ يَعْنِي: عُزَيْرًا والمَسِيحَ والمَلائِكَةَ ﴿عَنْها﴾ عَنْ جَهَنَّمَ ﴿مُبْعَدُونَ﴾، لِأنَّهم لَمْ يَرْضَوْا بِعِبادَتِهِمْ وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ لِما رُوِيَ: أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ أنا مِنهم وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُبَيْرُ وسَعْدٌ وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وقالَ الجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللهُ: سَبَقَتْ لَهم مِنّا العِنايَةُ في البِدايَةِ فَظَهَرَتْ لَهُمُ الوِلايَةُ في النِهايَةِ.

الأنبياء 21:102

﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ صَوْتَها الَّذِي يُحَسُّ وحَرَكَةَ تَلَهُّبِها وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في الإبْعادِ عَنْها أيْ: لا يَقْرَبُونَها حَتّى لا يَسْمَعُوا صَوْتَها وصَوْتَ مَن فِيها ﴿وَهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهُمْ﴾ مِنَ النَعِيمِ ﴿خالِدُونَ﴾ مُقِيمُونَ والشَهْوَةُ طَلَبُ النَفْسِ اللَذَّةَ.

الأنبياء 21:103

﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ النَفْخَةُ الأخِيرَةُ ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: تَسْتَقْبِلُهُمُ المَلائِكَةُ مُهَنِّئِينَ عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ يَقُولُونَ ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أيْ: هَذا وقْتُ ثَوابِكُمُ الَّذِي وعَدَكم رَبُّكم في الدُنْيا.

الأنبياء 21:104

العامِلُ في ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَماءَ﴾ لا يَحْزَنُهم أوْ تَتَلَقّاهم، "تُطْوى السَماءُ" يَزِيدُ، وطَيُّها تَكْوِيرُ نُجُومِها ومَحْوُ رُسُومِها أوْ هو ضِدُّ النَشْرِ نَجْمَعُها ونَطْوِيها ﴿كَطَيِّ السِجِلِّ﴾ أيِ الصَحِيفَةِ ﴿لِلْكُتُبِ﴾ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ أيْ: لِلْمَكْتُوباتِ أيْ: لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، وغَيْرُهُمُ "الكِتابِ" أيْ: كَما يُطْوى الطُومارُ لِلْكِتابَةِ أيْ: لِما يُكْتَبُ فِيهِ، لِأنَّ الكِتابَ أصْلُهُ المَصْدَرُ كالبِناءِ ثُمَّ يُوقَعُ عَلى المَكْتُوبِ وقِيلَ السِجِلُّ مَلَكٌ يَطْوِي كُتُبَ بْنِي آدَمَ إذا رُفِعَتْ إلَيْهِ وقِيلَ كاتِبٌ كانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ والكِتابُ عَلى هَذا اسْمُ الصَحِيفَةِ المَكْتُوبِ فِيها والطَيُّ مُضافٌ إلى الفاعِلِ وعَلى الأوَّلِ إلى المَفْعُولِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ انْتَصَبَ الكافُ بِفِعْلٍ (p-٤٢٣)مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ، ما مَوْصُولَةٌ أيْ: نُعِيدُهُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ نُعِيدُهُ، وأوَّلَ خَلْقٍ ظَرْفٌ لِبَدَأْنا أيْ: أوَّلَ ما خُلِقَ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ المَوْصُولِ الساقِطِ مِنَ اللَفْظِ الثابِتِ في المَعْنى: وأوَّلُ الخَلْقِ إيجادُهُ أيْ: فَكَما أوْجَدَهُ أوَّلًا يُعِيدُهُ ثانِيًا تَشْبِيهًا لِلْإعادَةِ بِالإبْداءِ في تَناوُلِ القُدْرَةِ لَهُما عَلى السَواءِ والتَنْكِيرُ في خَلْقٍ مِثْلُهُ في قَوْلِكَ: هو أوَّلُ رَجُلٍ جاءَنِي، تُرِيدُ أوَّلَ الرِجالِ ولَكِنَّكَ وحَّدْتَهُ ونَكَّرْتَهُ إرادَةَ تَفْصِيلِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا، فَكَذَلِكَ مَعْنى ﴿أوَّلَ خَلْقٍ﴾ أوَّلُ الخَلْقِ بِمَعْنى أوَّلِ الخَلائِقِ، لِأنَّ الخَلْقَ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ ﴿وَعْدًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ نُعِيدُهُ عِدَةٌ لِلْإعادَةِ ﴿عَلَيْنا﴾ أيْ: وعْدًا كائِنًا لا مَحالَةَ ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ ذَلِكَ أيْ: مُحَقِّقِينَ هَذا الوَعْدَ فاسْتَعِدُّوا لَهُ وقَدِّمُوا صالِحَ الأعْمالِ لِلْخَلاصِ مِن هَذِهِ الأهْوالِ.

الأنبياء 21:105

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَبُورِ﴾ كِتابِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿مِن بَعْدِ الذِكْرِ﴾ التَوْراةِ ﴿أنَّ الأرْضَ﴾ أيِ الشامَ ﴿يَرِثُها عِبادِيَ﴾ ساكِنَةُ الياءِ حَمْزَةُ، غَيْرُهُ بِفَتْحِ الياءِ ﴿الصالِحُونَ﴾ أيْ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أوِ الزَبُورُ بِمَعْنى المَزْبُورِ أيِ المَكْتُوبِ يَعْنِي: ما أُنْزِلَ عَلى الأنْبِياءِ مِنَ الكُتُبِ و"الذِكْرِ" أُمُّ الكِتابِ يَعْنِي: اللَوْحَ، لِأنَّ الكُلَّ أخَذُوا مِنهُ دَلِيلُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ وخَلَفٍ بِضَمِّ الزايِ عَلى جَمْعِ الزُبُرِ بِمَعْنى المَزْبُورِ والأرْضُ أرْضُ الجَنَّةِ.

الأنبياء 21:106

﴿إنَّ في هَذا﴾ أيِ القُرْآنِ أوْ في المَذْكُورِ في هَذِهِ السُورَةِ مِنَ الأخْبارِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والمَواعِظِ ﴿لَبَلاغًا﴾ لَكِفايَةً وأصْلُهُ ما تَبْلُغُ بِهِ البُغْيَةَ ﴿لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ مُوَحِّدِينَ وهم أمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ

الأنبياء 21:107

﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً﴾ قالَ ﷺ «:"إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ" »﴿لِلْعالَمِينَ﴾، لِأنَّهُ جاءَ بِما يُسْعِدُهم إنِ اتَّبَعُوهُ ومَن لَمْ يَتَّبِعْ فَإنَّما أُتِيَ مِن عِنْدِ (p-٤٢٤)نَفْسِهِ حَيْثُ ضَيَّعَ نَصِيبَهُ مِنها وقِيلَ هو رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدارَيْنِ والكافِرِينَ في الدُنْيا بِتَأْخِيرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ والمَسْخِ والخَسْفِ ورَحْمَةً مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ أيْ: ذا رَحْمَةٍ.

الأنبياء 21:108

﴿قُلْ إنَّما﴾ إنَّما لِقَصْرِ الحُكْمِ عَلى شَيْءٍ أوْ لِقَصْرِ الشَيْءِ عَلى حُكْمٍ نَحْوُ إنَّما زَيْدٌ قائِمٌ وإنَّما يَقُومُ زَيْدٌ وفاعِلُ ﴿يُوحى إلَيَّ﴾ "أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ" والتَقْدِيرُ يُوحى إلَيَّ وحْدانِيَّةُ إلَهِي ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ الَّذِي يُوحى إلَيَّ فَتَكُونُ ما مَوْصُولَةً ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الأمْرِ أيْ أسْلِمُوا.

الأنبياء 21:109

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الإسْلامِ ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ﴾ أعْلَمْتُكم ما أُمِرْتُ ﴿عَلى سَواءٍ﴾ حالٌ أيْ: مُسْتَوِينَ في الإعْلامِ بِهِ ولَمْ أخْصُصْ بَعْضَكم وفِيهِ دَلِيلُ بُطْلانِ مَذْهَبِ الباطِنِيَّةِ ﴿وَإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ: لا أدْرِي مَتى يَكُونُ يَوْمُ القِيامَةِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُطْلِعْنِي عَلَيْهِ ولَكِنِّي أعْلَمُ بِأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ ولا أدْرِي مَتى يَحِلُّ بِكُمُ العَذابُ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا.

الأنبياء 21:110

﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ أيْ: إنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ يَعْلَمُ ما تُجاهِرُونَنِي بِهِ مِنَ الطَعْنِ في الإسْلامِ وما تَكْتُمُونَهُ في صُدُورِكم مِنَ الأحْقادِ لِلْمُسْلِمِينَ وهو مُجازِيكم عَلَيْهِ.

الأنبياء 21:111

﴿وَإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ وما أدْرِي لَعَلَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْكم في الدُنْيا امْتِحانٌ لَكم لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿وَمَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ وتَمْتِيعٌ لَكم إلى المَوْتِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْكُمْ.

الأنبياء 21:112

﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ اقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ بِالعَدْلِ أوْ بِما يَحِقُّ عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ ولا تُحابِهِمْ وشَدِّدْ عَلَيْهِمْ كَما قالَ «:"واشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى (p-٤٢٥)مُضَرَ » " قالَ رَبِّ" حَفْصٌ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ "رَبِّيَ أحْكَمُ" يَزِيدُ، عَنْ يَعْقُوبَ ﴿وَرَبُّنا الرَحْمَنُ﴾ العاطِفُ عَلى خَلْقِهِ ﴿المُسْتَعانُ﴾ المَطْلُوبُ مِنهُ المَعُونَةُ ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ وعَنِ ابْنِ ذَكْوانَ بِالياءِ كانُوا يَصِفُونَ الحالَ عَلى خِلافِ ما جَرَتْ عَلَيْهِ وكانُوا يَطْمَعُونَ أنْ تَكُونَ الشَوْكَةُ لَهم والغَلَبَةُ فَكَذَّبَ اللهُ ظُنُونَهم وخَيَّبَ آمالَهم ونَصَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وخَذَلَهم أيِ: الكُفّارَ، وهو المُسْتَعانُ عَلى ما يَصِفُونَ.

الحج 22:1

(p-٤٢٦)سُورَةُ الحَجِّ مَكِّيَّةٌ وهي ثَمانٍ وسَبْعُونَ آيَةً بِسْمَ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿يا أيُّها الناسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أمَرَ بَنِي آدَمَ بِالتَقْوى ثُمَّ عَلَّلَ وُجُوبَها عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ الساعَةِ ووَصَفَها بِأهْوَلِ صِفَةٍ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ لِيَنْظُرُوا إلى تِلْكَ الصِفَةِ بِبَصائِرِهِمْ ويَتَصَوَّرُوها بِعُقُولِهِمْ حَتّى يُبْقُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ويَرْحَمُوها مِن شَدائِدِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِامْتِثالِ ما أمَرَهم بِهِ رَبُّهم مِنَ التَرَدِّي بِلِباسِ التَقْوى الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِن تِلْكَ الأفْزاعِ والزَلْزَلَةُ:شِدَّةُ التَحْرِيكِ والإزْعاجِ، وإضافَةُ الزَلْزَلَةِ إلى الساعَةِ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ كَأنَّها هي الَّتِي تُزَلْزِلُ الأرْضَ عَلى المَجازِ الحُكْمِيِّ أوْ إلى الظَرْفِ، لِأنَّها تَكُونُ فِيها كَقَوْلِهِ ﴿بَلْ مَكْرُ اللَيْلِ والنَهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] ووَقْتُها يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ عِنْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها ولا حُجَّةَ فِيها لِلْمُعْتَزِلَةِ في تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا فَإنَّ هَذا اسْمٌ لَها حالَ وُجُودِها.

الحج 22:2

وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها﴾ أيِ الزَلْزَلَةَ أوِ الساعَةَ بِقَوْلِهِ ﴿تَذْهَلُ﴾ تَغْفُلُ والذُهُولُ الغَفْلَةُ ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ عَنْ إرْضاعِها أوْ عَنِ الَّذِي أرْضَعَتْهُ وهو الطِفْلُ وقِيلَ مُرْضِعَةٌ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الهَوْلَ إذا حَدَثَ وقَدْ ألْقَمَتِ الرَضِيعَ ثَدْيَها نَزْعَتْهُ عَنْ فِيهِ لِما يَلْحَقُها مِنَ الدَهْشَةِ (p-٤٢٧)إذِ المُرْضِعَةُ هي الَّتِي في حالِ الإرْضاعِ مُلْقِمَةً ثَدْيَها الصَبِيَّ، والمُرْضِعُ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُرْضِعَ وإنْ لَمْ تُباشِرِ الإرْضاعَ في حالِ وصْفِها بِهِ ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ﴾ أيْ: حُبْلى ﴿حَمْلَها﴾ ولَدَها قَبْلَ تَمامِهِ عَنِ الحَسَنِ: تَذْهَلُ المُرْضِعَةُ عَنْ ولَدِها لِغَيْرِ فِطامٍ وتَضَعُ الحامِلُ ما في بَطْنِها لِغَيْرِ تَمامٍ ﴿وَتَرى الناسَ﴾ أيُّها الناظِرُ ﴿سُكارى﴾ عَلى التَشْبِيهِ لَمّا شاهَدُوا بِساطَ العِزَّةِ وسَلْطَنَةَ الجَبَرُوتِ وسُرادِقَ الكِبْرِياءِ حَتّى قالَ كُلُّ نَبِيٍّ نَفْسِي نَفْسِي ﴿وَما هم بِسُكارى﴾ عَلى التَحْقِيقِ ﴿وَلَكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ فَخَوْفُ عَذابِ اللهِ هو الَّذِي أذْهَبَ عُقُولَهم ورَدَّهم في نَحْوِ حالِ مَن يَذْهَبُ السُكْرُ بِعَقْلِهِ، وعَنِ الحَسَنِ وتَرى الناسَ سُكارى مِنَ الخَوْفِ وما هم بِسُكارى مِنَ الشَرابِ، "سَكْرى" فِيهِما بِالإمالةِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وهو كَعَطْشى في عَطْشانَ رُوِيَ: أنَّهُ نَزَلَتِ الآيَتانِ لَيْلًا في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلَقِ فَقَرَأهُما النَبِيُّ ﷺ فَلَمْ نَرَ أكْثَرَ باكِيًا مِن تِلْكَ اللَيْلَةِ.

الحج 22:3

﴿وَمِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهِ﴾ [الحج: ٨] في دِينِ اللهِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ، نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ جَدِلًا يَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ والقُرْآنُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ واللهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى إحْياءِ مَن بَلِيَ أوْ هي عامَّةٌ في كُلِّ مَن يُخاصِمُ في الدِينِ بِالهَوى ﴿وَيَتَّبِعُ﴾ في ذَلِكَ ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ عاتٍ مُسْتَمِرٍّ في الشَرِّ ولا وقْفَ في مَرِيدٍ، لِأنَّ ما بَعْدَهُ صِفَتُهُ.

الحج 22:4

﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قَضى عَلى الشَيْطانِ ﴿يُضِلُّهُ﴾ عَنْ سَواءِ السَبِيلِ ﴿وَيَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَعِيرِ﴾ النارِ قالَ الزَجّاجُ: الفاءُ (p-٤٢٨)فِي "فَأنَّهُ" لِلْعَطْفِ و"أنَّ" مُكَرَّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، ورَدَّ عَلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ وقالَ إنَّ مَن إنْ كانَ لِلشَّرْطِ فالفاءُ دَخَلَ لِجَزاءِ الشَرْطِ وإنْ كانَ بِمَعْنى الَّذِي فالفاءُ دَخَلَ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ والتَقْدِيرُ فالأمْرُ أنَّهُ يُضِلُّهُ، قالَ والعَطْفُ والتَأْكِيدُ يَكُونُ بَعْدَ تَمامِ الأوَّلِ والمَعْنى: "كُتِبَ" عَلى الشَيْطانِ إضْلالُ مَن تَوَلّاهُ وهِدايَتُهُ إلى النارِ.

الحج 22:5

ثُمَّ ألْزَمَ الحُجَّةَ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ فَقالَ ﴿يا أيُّها الناسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ يَعْنِي: إنِ ارْتَبْتُمْ في البَعْثِ فَمُزِيلُ رَيْبِكم أنْ تَنْظُرُوا في بَدْءِ خَلْقِكم وقَدْ كُنْتُمْ في الِابْتِداءِ تُرابًا وماءً ولَيْسَ سَبَبُ إنْكارِكُمُ البَعْثَ إلّا هَذا وهو صَيْرُورَةُ الخَلْقِ تُرابًا وماءً ﴿فَإنّا خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ أباكم ﴿مِن تُرابٍ ثُمَّ﴾ خُلِقْتُمْ ﴿مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ أيْ: قِطْعَةِ دَمٍ جامِدَةٍ ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ أيْ: لَحْمَةٍ صَغِيرَةٍ قَدْرَ ما يُمْضَغُ ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ المُخَلَّقَةُ المُسَوّاةُ المَلْساءُ مِنَ النُقْصانِ والعَيْبِ كَأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَخْلُقُ المُضَغَ مُتَفاوِتَةً مِنها ما هو كامِلُ الخِلْقَةِ أمْلَسُ مِنَ العُيُوبِ ومِنها ما هو عَلى عَكْسِ ذَلِكَ فَيَتْبَعُ ذَلِكَ التَفاوُتَ تَفاوُتُ الناسِ في خَلْقِهِمْ وصُوَرِهِمْ وطُولِهِمْ وقِصَرِهِمْ وتَمامِهِمْ ونُقْصانِهِمْ وإنَّما نَقَلْناكَمْ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن خِلْقَةٍ إلى خِلْقَةٍ ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ بِهَذا التَدْرِيجِ كَمالَ قُدْرَتِنا وحِكْمَتِنا وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ البَشَرِ مِن تُرابٍ أوَّلًا ثُمَّ نُطْفَةٍ ثانِيًا ولا مُناسَبَةَ بَيْنَ التُرابِ والماءِ وقَدَرَ أنْ يَجْعَلَ النُطْفَةَ عَلَقَةً والعَلَقَةَ مُضْغَةً والمُضْغَةَ عِظامًا قَدَرَ عَلى إعادَةِ ما بَدَأهُ ﴿وَنُقِرُّ﴾ بِالرَفْعِ عِنْدَ غَيْرِ المُفَضَّلِ مُسْتَأْنَفٌ بَعْدَ وقْفٍ أيْ: نَحْنُ نُثَبِّتُ ﴿فِي الأرْحامِ ما نَشاءُ﴾ ثُبُوتَهُ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ: وقْتِ الوِلادَةِ وما لَمْ نَشَأْ ثُبُوتَهُ أيْ: أسْقَطَتْهُ الأرْحامُ ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ مِنَ الرَحِمِ ﴿طِفْلا﴾ حالٌ وأُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ فَلِذا لَمْ يُجْمَعُ أوْ أُرِيدَ بِهِ ثُمَّ نُخْرِجُ كُلَّ واحِدٍ مِنكم طِفْلًا ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا﴾ ثُمَّ نُرَبِّيكم لِتَبْلُغُوا ﴿أشُدَّكُمْ﴾ كَمالَ عَقْلِكم وقُوَّتِكم وهو مِن ألْفاظِ الجُمُوعِ الَّتِي لا يُسْتَعْمَلُ (p-٤٢٩)لَها واحِدٌ ﴿وَمِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ عِنْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ أوْ قَبْلَهُ أبُو بَعْدَهُ ﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ أخَسِّهِ يَعْنِي: الهَرَمَ والخَرَفَ ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أيْ: لِكَيْلا يَعْلَمَ شَيْئًا مِن بَعْدِ ما كانَ يَعْلَمُهُ أوْ لِكَيْلا يَسْتَفِيدَ عِلْمًا ويَنْسى ما كانَ عالِمًا بِهِ ثُمَّ ذَكَرَ دَلِيلًا آخَرَ عَلى البَعْثِ فَقالَ ﴿وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ مَيْتَةً يابِسَةً ﴿فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ﴾ تَحَرَّكَتْ بِالنَباتِ ﴿وَرَبَتْ﴾ وانْتَفَخَتْ، "وَرَبَأتْ" حَيْثُ كانَ: يَزِيدُ، ارْتَفَعَتْ ﴿وَأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ صِنْفٍ ﴿بَهِيجٍ﴾ حَسَنٍ سارٍّ لِلنّاظِرِينَ إلَيْهِ.

الحج 22:6

﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرَهُ ﴿بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا مِن خَلْقِ بَنِي آدَمَ وإحْياءِ الأرْضِ مَعَ ما في تَضاعِيفَ ذَلِكَ مِن أصْنافِ الحِكَمِ حاصِلٌ بِهَذا وهو أنَّ اللهَ هو الحَقُّ أيِ الثابِتُ الوُجُودِ ﴿وَأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ كَما أحْيا الأرْضَ ﴿وَأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قادِرٌ.

الحج 22:7

﴿وَأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ أيْ: أنَّهُ حَكِيمٌ لا يُخْلِفُ المِيعادَ وقَدْ وعَدَ الساعَةَ والبَعْثَ فَلا بُدَّ أنْ يَفِيَ بِما وعَدَ.

الحج 22:8

﴿وَمِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهِ﴾ في صِفاتِهِ فَيَصِفُهُ بِغَيْرِ ما هو لَهُ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ضَرُورِيٍّ ﴿وَلا هُدًى﴾ أيِ اسْتِدْلالِيٍّ، لِأنَّهُ يَهْدِي إلى المَعْرِفَةِ ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أيْ: وحْيٍ والعَلَمُ لِلْإنْسانِ مِن أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَلاثَةِ.

الحج 22:9

﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ حالٌ أيْ: لاوِيًا عُنُقَهُ عَنْ طاعَةِ اللهِ كِبْرًا وخُيَلاءَ (p-٤٣٠)﴿لِيُضِلَّ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْمُجادَلَةِ "لِيَضِلَّ" مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ دِينِهِ ﴿لَهُ في الدُنْيا خِزْيٌ﴾ أيِ القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ عَذابُ الدارِينَ.

الحج 22:10

﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أيِ السَبَبُ في عَذابِ الدارِينَ هو ما قَدَّمَتْ نَفْسُهُ مِنَ الكُفْرِ والتَكْذِيبِ وكَنّى عَنْها بِاليَدِ، لِأنَّ اليَدَ آلَةُ الكَسْبِ ﴿وَأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فَلا يَأْخُذُ أحَدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ ولا بِذَنَبِ غَيْرِهِ وهو عَطْفٌ عَلى "بِما" أيْ: وبِأنَّ اللهَ وذُكِرَ الظَلّامُ بِلَفْظِ المُبالَغَةِ لِاقْتِرانِهِ بِلَفْظِ الجَمْعِ وهو العَبِيدُ ولِأنَّ قَلِيلَ الظُلْمِ مِنهُ - مَعَ عِلْمِهِ بِقُبْحِهِ واسْتِغْنائِهِ- كالكَثِيرِ مِنّا.

الحج 22:11

﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ عَلى طَرَفٍ مِنَ الدِينِ لا في وسَطِهِ وقَلْبِهِ وهَذا مَثَلٌ لِكَوْنِهِمْ عَلى قَلَقٍ واضْطِرابٍ في دِينِهِمْ لا عَلى سُكُونٍ وطُمَأْنِينَةٍ وهو حالٌ أيْ: مُضْطَرِبًا ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ﴾ صِحَّةٌ في جِسْمِهِ وسَعَةٌ في مَعِيشَتِهِ ﴿اطْمَأنَّ﴾ سَكَنَ واسْتَقَرَّ ﴿بِهِ﴾ بِالخَيْرِ الَّذِي أصابَهُ أوْ بِالدِينِ فَعَبَدَ اللهَ ﴿وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ شَرٌّ وبَلاءٌ في جَسَدِهِ وضِيقٍ في مَعِيشَتِهِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ جِهَتِهِ أيِ ارْتَدَّ ورَجَعَ إلى الكُفْرِ كالَّذِي يَكُونُ عَلى طَرَفٍ مِنَ العَسْكَرِ فَإنْ أحَسَّ بِظَفَرٍ وغَنِيمَةٍ قَرَّ واطْمَأنَّ وإلّا فَرَّ وطارَ عَلى وجْهِهِ قالُوا: نَزَلَتْ في أعارِيبَ قَدِمُوا المَدِينَةَ مُهاجِرِينَ وكانَ أحَدُهم إذا صَحَّ بَدَنُهُ ونَتَجَتْ فَرَسُهُ مُهْرًا سَوِيًّا ووَلَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا سَوِيًّا وكَثُرَ مالُهُ وماشِيَتُهُ قالَ ما أصَبْتُ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِي هَذا إلّا خَيْرًا واطْمَأنَّ، وإنْ كانَ الأمْرُ بِخِلافِهِ قالَ ما أصَبْتُ إلّا شَرًّا وانْقَلَبَ عَنْ دِينِهِ ﴿خَسِرَ الدُنْيا والآخِرَةَ﴾ حالٌ وقَدْ مَقَدَّرَةٌ دَلِيلُهُ قِراءَةُ رَوْحٍ وزَيْدٍ "خاسِرَ الدُنْيا والآخِرَةِ" والخُسْرانُ في الدُنْيا بِالقَتْلِ فِيها وفي الآخِرَةِ بِالخُلُودِ في النارِ (p-٤٣١)﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: خُسْرانُ الدارَيْنِ ﴿هُوَ الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ الظاهِرُ الَّذِي لا يَخْفى عَلى أحَدٍ.

الحج 22:12

﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ﴾ يَعْنِي: الصَنَمَ فَإنَّهُ بَعْدَ الرِدَّةِ يَفْعَلُ كَذَلِكَ ﴿ما لا يَضُرُّهُ﴾ إنْ لَمْ يَعْبُدْهُ ﴿وَما لا يَنْفَعُهُ﴾ إنْ عَبَدَهُ ﴿ذَلِكَ هو الضَلالُ البَعِيدُ﴾ مِنَ الصَوابِ.

الحج 22:13

﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ والإشْكالُ أنَّهُ تَعالى نَفى الضَرَّ والنَفْعَ عَنِ الأصْنامِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وأثْبَتَهُما لَها هُنا، والجَوابُ أنَّ المَعْنى إذا فُهِمَ ذَهَبَ هَذا الوَهْمُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى سَفَّهَ الكافِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ جَمادًا لا يَمْلِكُ ضَرًّا ولا نَفْعًا وهو يَعْتَقِدُ فِيهِ أنَّهُ يَنْفَعُهُ ثُمَّ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ هَذا الكافِرُ - بِدُعاءٍ وصُراخٍ حِينَ يَرى اسْتِضْرارَهُ بِالأصْنامِ ولا يَرى لَها أثَرَ الشَفاعَةِ -:( لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ) ﴿لَبِئْسَ المَوْلى﴾ أيِ الناصِرُ ﴿وَلَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ الصاحِبُ، وكَرَّرَ "يَدْعُو" كَأنَّهُ قالَ يَدْعُو يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ، ثُمَّ قالَ لَمَن ضَرُّهُ بِكَوْنِهِ مَعْبُودًا أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ بِكَوْنِهِ شَفِيعًا.

الحج 22:14

﴿إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ هَذا وعْدٌ لِمَن عَبَدَ اللهَ بِكُلِّ حالٍ لا لِمَن عَبَدَ اللهَ عَلى حَرْفٍ.

الحج 22:15

﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ﴾ المَعْنى: أنَّ اللهَ ناصِرُ رَسُولِهِ في الدُنْيا والآخِرَةِ فَمَن ظَنَّ مِن أعادِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ بِحَبْلٍ ﴿إلى السَماءِ﴾ إلى سَماءِ بَيْتِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ بِهِ وسُمِّيَ الِاخْتِناقُ قَطْعًا، لِأنَّ المُخْتَنِقَ يَقْطَعُ نَفَسَهُ بِحَبْسِ مَجارِيهِ، وبِكَسْرِ اللامِ بَصْرِيٌّ وشامِيٌّ ﴿فَلْيَنْظُرْ (p-٤٣٢)هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ أيِ الَّذِي يَغِيظُهُ أوْ ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: غَيْظَهُ والمَعْنى: فَلْيُصَوِّرْ في نَفْسِهِ أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ يَذْهَبُ نَصْرُ اللهِ الَّذِي يَغِيظُهُ، وسَمّى فِعْلَهُ كَيْدًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، لِأنَّهُ لَمْ يَكِدْ بِهِ مَحْسُودَهُ إنَّما كادَ بِهِ نَفْسَهُ والمُرادُ لَيْسَ في يَدِهِ إلّا ما لَيْسَ بِمُذْهِبٍ لِما يَغِيظُ.

الحج 22:16

﴿وَكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ أنْزَلَ القُرْآنَ كُلَّهُ ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتٍ ﴿وَأنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أيْ: ولِأنَّ اللهَ يَهْدِي بِهِ الَّذِينَ يَعْلَمُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ أوْ يُثَبِّتُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَزِيدُهم هُدًى أنْزَلَهُ كَذَلِكَ مُبَيَّنًا.

الحج 22:17

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصابِئِينَ والنَصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ قِيلَ: الأدْيانُ خَمْسَةٌ أرْبَعَةٌ لِلشَّيْطانِ وواحِدٌ لِلرَّحْمَنِ الصابِئُونَ نَوْعٌ مِنَ النَصارى فَلا تَكُونُ سِتَّةً ﴿إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في الأحْوالِ والأماكِنِ فَلا يُجازِيهِمْ جَزاءً واحِدًا ولا يَجْمَعُهُ في مَوْطِنٍ واحِدٍ وخَبَرُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ كَما تَقُولُ إنَّ زَيْدًا إنَّ أباهُ قائِمٌ ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ عالِمٌ بِهِ حافِظٌ لَهُ فَلْيَنْظُرْ كُلُّ امْرِئٍ مُعْتَقَدَهُ وقَوْلَهُ وفِعْلَهُ وهو أبْلَغُ وعِيدٍ.

الحج 22:18

﴿ألَمْ تَرَ﴾ ألَمْ تَعْلَمْ يا مُحَمَّدُ عِلْمًا يَقُومُ مَقامَ العِيانِ ﴿أنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ والجِبالُ والشَجَرُ والدَوابُّ﴾ قِيلَ إنَّ الكُلَّ يَسْجُدُ لَهُ ولَكِنّا لا نَقِفُ عَلَيْهِ كَما لا نَقِفُ عَلى تَسْبِيحِها، قالَ اللهُ تَعالى ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقِيلَ سُمِّيَتْ مُطاوَعَةُ غَيْرِ المُكَلَّفِ لَهُ فِيما يَحْدَثُ فِيهِ مِن أفْعالِهِ وتَسْخِيرِهِ لَهُ سُجُودًا لَهُ تَشْبِيهًا لِمُطاوَعَتِهِ بِسُجُودِ المُكَلَّفِ الَّذِي كُلُّ خُضُوعٍ دُونَهُ ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ (p-٤٣٣)الناسِ﴾ أيْ: ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ سُجُودَ طاعَةٍ وعِبادَةٍ أوْ هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ ومِنَ الناسِ صِفَةٌ لَهُ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ وهو مُثابٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ أيْ: وكَثِيرٌ مِنهم حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ بِكُفْرِهِ وإبائِهِ السُجُودَ ﴿وَمَن يُهِنِ اللهُ﴾ بِالشَقاوَةِ ﴿فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ بِالسَعادَةِ ﴿إنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الإكْرامِ والإهانَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها يَنْقُضُ عَلى المُعْتَزِلَةِ قَوْلَهم، لِأنَّهم يَقُولُونَ شاءَ أشْياءَ ولَمْ يَفْعَلْ وهو يَقُولُ ما يَشاءُ.

الحج 22:19

﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ أيْ: فَرِيقانِ مُخْتَصِمانِ فالخَصْمُ صِفَةٌ وُصِفَ بِها الفَرِيقُ وقَوْلُهُ ﴿اخْتَصَمُوا﴾ لِلْمَعْنى وهَذانِ لِلَّفْظِ والمُرادُ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - رَجَعَ إلى أهْلِ الأدْيانِ المَذْكُورَةِ فالمُؤْمِنُونَ وسائِرُ الخَمْسَةِ خَصْمٌ ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ في دِينِهِ وصِفاتِهِ ثُمَّ بَيَّنَ جَزاءَ كُلِّ خَصْمٍ بِقَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهو فَصْلُ الخُصُومَةِ المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الحج: ١٧] ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ كَأنَّ اللهَ يُقَدِّرُ لَهم نِيرانًا عَلى مَقادِيرِ جُثَّتِهِمْ تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ كَما تُقَطَّعُ الثِيابُ المَلْبُوسَةُ واخْتِيرَ لَفْظُ الماضِي، لِأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ فَهو كالثابِتِ المُتَحَقِّقِ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ﴾ بِكَسْرِ الهاءِ والمِيمِ بَصْرِيٌّ وبِضَمِّها حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وخَلَفٌ، وبِكَسْرِ الهاءِ وضَمِّ المِيمِ غَيْرُهم ﴿الحَمِيمُ﴾ الماءُ الحارُّ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: لَوْ سَقَطَتْ مِنهُ نُقْطَةٌ عَلى جِبالِ الدُنْيا لَأذابَتْها.

الحج 22:20

﴿يُصْهَرُ﴾ يُذابُ ﴿بِهِ﴾ بِالحَمِيمِ ﴿ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ أيْ: يُذِيبُ أمْعاءَهم وأحْشاءَهم كَما يُذِيبُ جُلُودَهم فَيُؤَثِّرُ في الظاهِرِ والباطِنِ.

الحج 22:21

﴿وَلَهم مَقامِعُ﴾ سِياطٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ يُضْرَبُونَ بِها (p-٤٣٤)

الحج 22:22

﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ مِنَ النارِ ﴿مِن غَمٍّ﴾ بَدَلُ الِاشْتِمالِ مِن "مِنها" بِإعادَةِ الجارِّ أوِ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ والثانِيَةُ بِمَعْنى مِن أجْلِ، يَعْنِي: كُلَّما أرادُوا الخُرُوجَ مِنَ النارِ مِن أجْلِ غَمٍّ يَلْحَقُهم فَخَرَجُوا ﴿أُعِيدُوا فِيها﴾ بِالمَقامِعِ ومَعْنى الخُرُوجِ عِنْدَ الحَسَنِ أنَّ النارَ تَضْرِبُهم بِلَهَبِها فَتُلْقِيهِمْ إلى أعْلاها فَضُرِبُوا بِالمَقامِعِ فَهَوُوا فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا والمُرادُ إعادَتُهم إلى مُعْظَمِ النارِ لا أنَّهم يَنْفَصِلُونَ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَيْها ﴿وَذُوقُوا﴾ أيْ: وقِيلَ لَهم ذُوقُوا ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ هو الغَلِيظُ مِنَ النارِ المُنْتَشِرُ العَظِيمُ الإهْلاكِ.

الحج 22:23

ثُمَّ ذَكَرَ جَزاءَ الخَصْمِ الآخَرِ فَقالَ ﴿إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ﴾ جَمْعُ أسْوِرَةٍ جُمْعُ سِوارٍ ﴿مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ بِالنَصْبِ مَدَنِيٌّ وعاصِمٌ، عَلى: ويُؤْتُونَ "لُؤْلُؤًا"، وبِالجَرِّ غَيْرُهم عَطْفًا عَلى "مِن ذَهَبٍ" وبِتَرْكِ الهَمْزَةِ الأُولى في كُلِّ القُرْآنِ أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ إبْرِيسَمُ.

الحج 22:24

﴿وَهُدُوا إلى الطَيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ أيْ: أُرْشِدَ هَؤُلاءِ في الدُنْيا إلى كَلِمَةِ التَوْحِيدِ وإلى صِراطِ الحَمِيدِ أيِ الإسْلامِ أوْ هَداهُمُ اللهُ في الآخِرَةِ ألْهَمَهم أنْ يَقُولُوا " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ" وهَداهم إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ والحَمِيدُ اللهُ المَحْمُودُ بِكُلِّ لِسانٍ.

الحج 22:25

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَ عَنِ الدُخُولِ في الإسْلامِ ويَصُدُّونَ حالٌ مِن فاعِلِ كَفَرُوا أيْ: وهم يَصُدُّونَ أيِ الصُدُودُ مِنهم دائِمٌ مُتَسَمِّرٌ كَما يُقالُ فُلانٌ يُحْسِنُ إلى الفُقَراءِ فَإنَّهُ يُرادُ (p-٤٣٥)بِهِ اسْتِمْرارُ وُجُودِ الإحْسانِ مِنهُ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: ويَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والدُخُولِ فِيهِ ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ حاضِرٍ وبادٍ فَإنْ أُرِيدَ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ مَكَّةُ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا تُباعُ دُورُ مَكَّةَ وإنْ أُرِيدَ بِهِ البَيْتُ فالمَعْنى: أنَّهُ قِبْلَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ "سَواءً" بِالنَصْبِ: حَفْصٌ، مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلْناهُ أيْ: جَعَلْناهُ مُسْتَوِيًا ﴿العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾ وغَيْرُ المُقِيمِ بِالياءِ مَكِّيٌّ وافَقَهُ أبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ وغَيْرُهُ بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ والمُبْتَدَأُ مُؤَخَّرٌ أيْ: العاكِفُ فِيهِ والبادُ سَواءٌ والجُمْلَةُ مَفْعُولٌ ثانٍ ولِلنّاسِ حالٌ ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ﴾ في المَسْجِدِ الحَرامِ ﴿بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ حالانِ مُتَرادِفانِ ومَفْعُولُ يُرِدْ مَتْرُوكٌ لِيَتَناوَلَ كُلَّ مُتَناوَلٍ كَأنَّهُ قالَ ومَن يُرِدْ فِيهِ مُرادًا ما عادِلًا عَنِ القَصْدِ ظالِمًا فالإلْحادُ العُدُولُ عَنِ القَصْدِ ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: ٢٦] عَذابٌ ألِيمٌ في الآخِرَةِ وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ الشَرْطِ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ نُذِيقُهم مِن عَذابٍ ألِيمٍ وكُلُّ مَنِ ارْتَكَبَ فِيهِ ذَنْبًا فَهو كَذَلِكَ.

الحج 22:26

﴿وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ حِينَ جَعَلْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ مَباءَةً أيْ: مَرْجِعًا يُرْجَعُ إلَيْهِ لِلْعِمارَةِ والعِبادَةِ وقَدْ رُفِعَ البَيْتُ إلى السَماءِ أيّامَ الطُوفانِ وكانَ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ فَأعْلَمَ اللهُ إبْراهِيمَ مَكانَهُ بِرِيحٍ أرْسَلَها فَكَنَسَتْ مَكانَ البَيْتِ فَبَناهُ عَلى أُسِّهِ القَدِيمِ ﴿أنْ﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ أيْ: قائِلِينَ لَهُ ﴿لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأقْذارِ وبِفَتْحِ الياءِ مَدَنِيٌّ وحَفْصٌ ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ لِمَن يَطُوفُ بِهِ ﴿والقائِمِينَ﴾ والمُقِيمِينَ بِمَكَّةَ ﴿والرُكَّعِ السُجُودِ﴾ المُصَلِّينَ جَمْعُ راكِعٍ وساجِدٍ (p-٤٣٦)

الحج 22:27

﴿وَأذِّنْ في الناسِ بِالحَجِّ﴾ نادِ فِيهِمْ والحَجُّ هو القَصْدُ البَلِيغُ إلى مَقْصِدٍ مَنِيعٍ، ورُوِيَ: أنَّهُ صَعِدَ أبا قُبَيْسٍ فَقالَ يا أيُّها الناسُ حُجُّوا بَيْتَ رَبِّكم فَأجابَ مَن قُدِّرَ لَهُ أنْ يَحُجَّ مِنَ الأصْلابِ والأرْحامِ بِلَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ خِطابٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أُمِرَ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ والأوَّلُ أظْهَرُ وجَوابُ الأمْرِ ﴿يَأْتُوكَ رِجالا﴾ مُشاةً،جَمْعُ راجِلٍ كَقائِمٍ وقِيامٍ ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى "رِجالًا" كَأنَّهُ قالَ رِجالًا ورُكْبانًا والضامِرُ البَعِيرُ المَهْزُولُ وقُدِّمَ الرِجالُ عَلى الرُكْبانِ إظْهارًا لِفَضِيلَةِ المُشاةِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ ﴿يَأْتِينَ﴾ صِفَةٌ لِكُلِّ ضامِرٍ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ "يَأْتُونَ" صِفَةٌ لِلرِّجالِ والرُكْبانِ ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ﴾ طَرِيقٍ ﴿عَمِيقٍ﴾ بِعِيدٍ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ ياسِينَ قالَ لِي شَيْخٌ في الطَوافِ مِن أيْنَ أنْتَ؟ فَقُلْتُ مِن خُراسانَ قالَ كَمْ بَيْنَكم وبَيْنَ البَيْتِ قُلْتُ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ قالَ فَأنْتُمْ جِيرانُ البَيْتِ فَقُلْتُ أنْتَ مِن أيْنَ جِئْتَ قالَ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِ سَنَواتٍ وخَرَجْتُ وأنا شابٌّ فاكْتَهَلْتُ قُلْتُ واللهِ هَذِهِ الطاعَةُ الجَمِيلَةُ والمَحَبَّةُ الصادِقَةُ فَضَحِكَ وقالَ ؎ زُرْ مَن هَوِيتَ وإنْ شَطَّتْ بِكَ الدارُ وحالَ مِن دُونِهِ حُجْبٌ وأسْتارُ ؎ لا يَمْنَعْنَكَ بُعْدٌ عَنْ زِيارَتِهِ ؎ إنَّ المُحِبَّ لِمَن يَهْواهُ زَوّارُ.

الحج 22:28

واللامُ في ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ لِيَحْضُرُوا مُعَلَّقٌ بِأذِّنْ أوْ بِيَأْتُوكَ ﴿مَنافِعَ لَهُمْ﴾ نَكَّرَها، لِأنَّهُ أرادَ مَنافِعَ مُخْتَصَّةً بِهَذِهِ العِبادَةِ دِينِيَّةٍ ودُنْيَوِيَّةٍ لا تُوجَدُ في غَيْرِها مِنَ العِبادَةِ وهَذا، لِأنَّ العِبادَةَ شُرِعَتْ لِلِابْتِلاءِ بِالنَفْسِ كالصَلاةِ والصَوْمِ أوْ بِالمالِ كالزَكاةِ وقَدِ اشْتَمَلَ الحَجُّ عَلَيْهِما مَعَ ما فِيهِ مِن تَحَمُّلِ الأثْقالِ ورُكُوبِ الأهْوالِ وخَلْعِ الأسْبابِ وقَطِيعَةِ الأصْحابِ وهَجْرِ البِلادِ والأوْطانِ وفُرْقَةِ الأوْلادِ والخِلّانِ والتَنْبِيهِ عَلى ما يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ إذا انْتَقَلَ مِن دارِ الفَناءِ إلى دارِ البَقاءِ فالحاجُّ إذا دَخَلَ البادِيَةَ لا يَتَّكِلُ فِيها إلّا عَلى عَتادِهِ ولا يَأْكُلُ إلّا مِن زادِهِ فَكَذا المَرْءُ إذا خَرَجَ مِن شاطِئِ الحَياةِ ورَكِبَ (p-٤٣٧)بَحْرَ الوَفاةِ لا يَنْفَعُ وحْدَتَهُ إلّا ما سَعى في مَعاشِهِ لِمَعادِهِ ولا يُؤْنِسُ وحْشَتَهُ إلّا ما كانَ يَأْنَسُ بِهِ مِن أوْرادِهِ، وغُسْلُ مَن يُحْرِمُ وتَأهُّبُهُ ولُبْسُهُ غَيْرَ المَخِيطِ وتَطَيُّبُهُ مِرْآةٌ لِما سَيَأْتِي عَلَيْهِ مِن وضْعِهِ عَلى سَرِيرِهِ لِغُسْلِهِ وتَجْهِيزِهِ مُطَيَّبًا بِالحَنُوطِ مُلَفَّفًا في كَفَنٍ غَيْرِ مَخِيطٍ ثُمَّ المُحْرِمُ يَكُونُ أشْعَثَ حَيْرانَ فَكَذا يَوْمَ الحَشْرِ يَخْرُجُ مِنَ القَبْرِ لَهْفانَ ووُقُوفُ الحَجِيجِ بِعَرَفاتٍ آمِلِينَ رَغَبًا ورَهَبًا سائِلِينَ خَوْفًا وطَمَعًا وهم مِن بَيْنِ مَقْبُولٍ ومَخْذُولٍ كَمَوْقِفِ العَرَصاتِ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] والإفاضَةُ إلى المُزْدَلِفَةِ بِالمَساءِ هو السَوْقُ لِفَصْلِ القَضاءِ ومِنًى هو مَوْقِفُ المُنى لِلْمُذْنِبِينَ إلى شَفاعَةِ الشافِعِينَ وحَلْقُ الرَأْسِ والتَنْظِيفُ كالخُرُوجِ مِنَ السَيِّئاتِ بِالرَحْمَةِ والتَخْفِيفِ والبَيْتُ الحَرامُ الَّذِي مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا مِنَ الإيذاءِ والقِتالِ أُنْمُوذَجٌ لِدارِ السَلامِ الَّتِي هي مَن نَزَلَها بَقِيَ سالِمًا مِنَ الفَناءِ والزَوالِ غَيْرَ أنَّ الجَنَّةَ حُفَّتْ بِمَكارِهِ النَفْسِ العادِيَةِ كَما أنَّ الكَعْبَةَ حُفَّتْ بِمَتالِفِ البادِيَةِ فَمَرْحَبًا بِمَن جاوَزَ مَهالِكَ البَوادِي شَوْقًا إلى اللِقاءِ يَوْمَ التَنادِي ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ﴾ عِنْدَ الذَبْحِ ﴿فِي أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ وآخِرُها يَوْمُ النَحْرِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ رَحِمَهُمُ اللهُ وعِنْدَ صاحِبَيْهِ هي أيّامُ النَحْرِ وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ أيْ: عَلى ذَبْحِهِ وهو يُؤَيِّدُ قَوْلَهُما، والبَهِيمَةُ: مُبْهَمَةٌ في كُلِّ ذاتِ أرْبَعٍ في البَرِّ والبَحْرِ فَبُيِّنَتْ بِالأنْعامِ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والضَأْنُ والمَعْزُ ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ مِن لُحُومِها والأمْرُ لِلْإباحَةِ ويَجُوزُ الأكْلُ مِن هَدْيِ التَطَوُّعِ والمُتْعَةِ والقِرانِ، لِأنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَأشْبَهَ الأُضْحِيَةَ ولا يَجُوزُ الأكْلُ مِن بَقِيَّةِ الهَدايا ﴿وَأطْعِمُوا البائِسَ﴾ الَّذِي أصابَهُ بُؤْسٌ أيْ: شِدَّةٌ، "الفَقِيرَ": الَّذِي أضْعَفَهُ الإعْسارُ.

الحج 22:29

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ ثُمَّ لْيُزِيلُوا عَنْهم أدْرانَهم كَذا قالَهُ نِفْطَوَيْهِ قِيلَ قَضاءُ التَفَثِ قَصُّ الشارِبِ والأظافِرِ ونَتْفُ الإبِطِ والِاسْتِحْدادُ، (p-٤٣٨)والتَفَثُ الوَسَخُ والمُرادُ قَضاءُ إزالَةِ التَفَثِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَضاءُ التَفَثِ مَناسِكُ الحَجِّ كُلُّها ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ مَواجِبَ حَجِّهِمْ والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَن خَرَجَ عَمّا وجَبَ عَلَيْهِ وفى بِنَذْرِهِ وإنْ لَمْ يُنْذِرْ أوْ ما يُنْذِرُونَهُ مِن أعْمالِ البِرِّ في حَجِّهِمْ "وَلْيُوَفُّوا" بِسُكُونِ اللامِ والتَشْدِيدِ أبُو بَكْرٍ ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طَوافَ الزِيارَةِ الَّذِي هو رُكْنُ الحَجِّ ويَقَعُ بِهِ تَمامُ التَحَلُّلِ، اللاماتُ الثَلاثُ ساكِنَةٌ عِنْدَ غَيْرِ ابْنِ عَيّاشٍ وأبِي عَمْرٍو ﴿بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ القَدِيمِ، لِأنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ يُوضَعُ لِلنّاسِ بَناهُ آدَمُ ثُمَّ جَدَّدَهُ إبْراهِيمُ، أوِ الكَرِيمِ ومِنهُ عِتاقُ الخَيْلِ لِكَرائِمِها وعِتاقُ الرَقِيقِ لِخُرُوجِهِ مِن ذُلِّ العُبُودِيَّةِ إلى كَرَمِ الحُرِّيَّةِ، أوْ لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنَ الغَرَقِ، لِأنَّهُ رُفِعَ زَمَنَ الطُوفانِ أوْ مِن أيْدِي الجَبابِرَةِ، كَمْ مِن جَبّارٍ سارَ إلَيْهِ لِيَهْدِمَهُ فَمَنَعَهُ اللهُ! أوْ مِن أيْدِي المُلّاكِ فَلَمْ يُمْلَكْ قَطُّ، وهو مَطافُ أهْلِ الغَبْراءِ كَما أنَّ العَرْشَ مَطافُ أهْلِ السَماءِ فَإنَّ الطالِبَ إذا هاجَتْهُ مَعِيَّةُ الطَرَبِ وجَذَبَتْهُ جَواذِبُ الطَلَبِ جَعَلَ يَقْطَعُ مَناكِبَ الأرْضِ مَراحِلَ ويَتَّخِذُ مَسالِكَ المَهالِكِ مَنازِلَ فَإذا عايَنَ البَيْتَ لَمْ يَزِدْهُ التَسَلِّي بِهِ إلّا اشْتِياقًا ولَمْ يُفِدْهُ التَشَفِّي بِاسْتِلامِ الحَجَرِ إلّا احْتِراقًا فَيُذِبْذِبُهُ الأسَفُ لَهْفانَ ويُرَدِّدُهُ اللهَفُ حَوْلَهُ في الدَوَرانِ وطَوافُ الزِيارَةِ آخِرُ فَرائِضِ الحَجِّ الثَلاثِ وأوَّلُها الإحْرامُ وهو عَقْدُ الِالتِزامِ يُشْبِهُ الِاعْتِصامَ بِعُرْوَةِ الإسْلامِ حَتّى لا يَرْتَفِضَ بِارْتِكابِ ما هو مَحْظُورٌ فِيهِ ويَبْقى عَقْدُهُ مَعَ ما يُفْسِدُهُ ويُنافِيهِ كَما أنَّ عَقْدَ الإسْلامِ لا يَنْحَلُّ بِازْدِحامِ الآثارِ وتَرْتَفِعُ ألْفُ حَوْبَةٍ بِتَوْبَةٍ وثانِيها الوُقُوفُ بِعَرَفاتٍ بِسِمَةِ الِابْتِهالِ، في صِفَةِ الِاهْتِبالِ وصِدْقِ الِاعْتِزالِ عَنْ دَفْعِ الِاتِّكالِ عَلى مَراتِبِ الأعْمالِ وشَواهِدِ الأحْوالِ.

الحج 22:30

﴿ذَلِكَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوْ تَقْدِيرُهُ: (p-٤٣٩)لِيَفْعَلُوا ذَلِكَ ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ﴾ الحُرْمَةُ ما لا يَحِلُّ هَتْكُهُ وجَمِيعُ ما كَلَّفَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَذِهِ الصِفَةِ مِن مَناسِكِ الحَجِّ وغَيْرِها فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عامًّا في جَمِيعِ تَكالِيفِهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خاصًّا بِما يَتَعَلَّقُ بِالحَجِّ وقِيلَ حُرُماتُ اللهِ البَيْتُ الحَرامُ والمَشْعَرُ الحَرامُ والشَهْرُ الحَرامُ والبَلَدُ الحَرامُ والمَسْجِدُ الحَرامُ ﴿فَهُوَ﴾ أيِ التَعْظِيمُ ﴿خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ومَعْنى التَعْظِيمِ العِلْمُ بِأنَّها واجِبَةُ المُراعاةِ والحِفْظِ والقِيامِ بِمُراعاتِها ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ أيْ: كُلَّها ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ آيَةُ تَحْرِيمِهِ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآيَةُ والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى أحَلَّ لَكُمُ الأنْعامَ كُلَّها إلّا ما بَيَّنَ في كِتابِهِ فَحافِظُوا عَلى حُدُودِهِ ولا تُحَرِّمُوا شَيْئًا مِمّا أُحِلَّ كَتَحْرِيمِ البَعْضِ البَحِيرَةَ ونَحْوَها ولا تُحِلُّوا مِمّا حَرَّمَ كَإحْلالِهِمْ أكْلَ المَوْقُوذَةِ والمَيْتَةِ وغَيْرِهِما ولَمّا حَثَّ عَلى تَعْظِيمِ حُرُماتِهِ أتْبَعَهُ الأمْرَ بِاجْتِنابِ الأوْثانِ وقَوْلِ الزُورِ بِقَوْلِهِ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُورِ﴾، لِأنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الحُرُماتِ وأسْبَقِها "وَمِنَ الأوْثانِ" بَيانٌ لِلرِّجْسِ، لِأنَّ الرِجْسَ مُبْهَمٌ يَتَناوَلُ غَيْرَ شَيْءٍ كَأنَّهُ قِيلَ فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ وسَمّى الأوْثانَ رِجْسًا عَلى طَرِيقَةِ التَشْبِيهِ يَعْنِي: أنَّكم تَنْفِرُونَ بِطِباعِكم عَنِ الرِجْسِ فَعَلَيْكم أنْ تَنْفِرُوا عَنْها وجَمَعَ بَيْنَ الشِرْكِ وقَوْلِ الزُورِ أيِ الكَذِبِ والبُهْتانِ أوْ شَهادَةِ الزُورِ وهو مِنَ الزَوَرِ وهو الِانْحِرافُ، لِأنَّ الشِرْكَ مِن بابِ الزُورِ إذِ المُشْرِكُ زاعِمٌ أنَّ الوَثَنَ يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.

الحج 22:31

﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ مُسْلِمِينَ ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ حالٌ كَحُنَفاءَ ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأنَّما خَرَّ﴾ سَقَطَ ﴿مِنَ السَماءِ﴾ إلى الأرْضِ ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَيْرُ﴾ أيْ: تَسْلُبُهُ بِسُرْعَةٍ " فَتَخَطَّفُهُ" أيْ: تَتَخَطَّفُهُ: مَدَنِيٌّ ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِيحُ﴾ أيْ: تُسْقِطُهُ (p-٤٤٠)والهُوِيُّ: السُقُوطُ ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ بِعِيدٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَرَّقًا فَإنْ كانَ تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا فَكَأنَّهُ قالَ مَن أشْرَكَ بِاللهِ فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ إهْلاكًا لَيْسَ بَعْدَهُ، بِأنْ صَوَّرَ حالَهُ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِنَ السَماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَيْرُ فَتَفَرَّقَ قِطَعًا في حَواصِلِها أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَهالِكِ البَعِيدَةِ وإنْ كانَ مُفَرَّقًا فَقَدْ شَبَّهَ الإيمانَ في عُلُوِّهِ بِالسَماءِ، والَّذِي أشْرَكَ بِاللهِ بِالساقِطِ مِنَ السَماءِ، والأهْواءَ المُرْدِيَةِ بِالطَيْرِ المُخْتَلِفَةِ، والشَيْطانَ الَّذِي هو يُوقِعُهُ في الضَلالِ بِالرِيحِ الَّتِي تَهْوِي بِما عَصَفَتْ بِهِ في بَعْضِ المَهاوِي المُتْلِفَةِ.

الحج 22:32

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ تَعْظِيمُ الشَعائِرِ وهي الهَدايا، لِأنَّها مِن مَعالِمِ الحَجِّ أنْ يَخْتارَها عِظامَ الأجْرامِ حِسانًا سِمانًا غالِيَةَ الأثْمانِ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن أفْعالِ ذَوِي تَقْوى القُلُوبِ فَحُذِفَتْ هَذِهِ المُضافاتُ وإنَّما ذُكِرَتِ القُلُوبُ، لِأنَّها مَراكِزُ التَقْوى.

الحج 22:33

﴿لَكم فِيها مَنافِعُ﴾ مِنَ الرُكُوبِ عِنْدَ الحاجَةِ وشُرْبِ ألْبانِها عِنْدَ الضَرُورَةِ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أنْ تُنْحَرَ ﴿ثُمَّ مَحِلُّها﴾ أيْ: وقْتُ وُجُوبِ نَحْرِها مُنْتَهِيَةٌ ﴿إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ والمُرادُ نَحْرُها في الحَرَمِ الَّذِي هو في حُكْمِ البَيْتِ إذا الحَرَمُ حَرِيمُ البَيْتِ ومِثْلُهُ في الِاتِّساعِ قَوْلُكَ بَلَغْتُ البَلَدَ،وَإنَّما اتَّصَلَ مَسِيرُكَ بِحُدُودِهِ وقِيلَ الشَعِائِرُ: المَناسِكُ كُلُّها وتَعْظِيمُها: إتْمامُها و" مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ" يَأْباهُ.

الحج 22:34

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ جَماعَةٍ مُؤْمِنَةٍ قَبْلَكم ﴿جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ حَيْثُ كانَ بِكَسْرِ السِينِ بِمَعْنى المَوْضِعِ عَلِيٌّ وحَمْزَةُ أيْ: مَوْضِعَ قُرْبانِ وغَيْرُهُما بِالفَتْحِ عَلى المَصْدَرِ أيْ: إراقَةَ الدِماءِ وذَبْحَ القَرابِينِ ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ﴾ دُونَ غَيْرِهِ ﴿ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ أيْ: عِنْدَ نَحْرِها وذَبْحِها (p-٤٤١)﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيِ اذْكُرُوا عَلى الذَبْحِ اسْمَ اللهِ وحْدَهُ فَإنَّ إلَهَكم إلَهٌ واحِدٌ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللهِ شَرْطُ الذَبْحِ يَعْنِي: أنَّ اللهَ تَعالى شَرَعَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أنْ يَنْسَكُوا لَهُ أيْ: يَذْبَحُوا لَهُ عَلى وجْهِ التَقَرُّبِ وجَعَلَ العِلَّةَ في ذَلِكَ أنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ - تَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ - عَلى النِسائِكِ وقَوْلُهُ ﴿فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ أيْ: أخْلِصُوا لَهُ الذِكْرَ خاصَّةً واجْعَلُوهُ لَهُ سالِمًا أيْ: خالِصًا لا تَشُوبُوهُ بِإشْراكٍ ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ المُطْمَئِنِّينَ بِذِكْرِ اللهِ أوِ المُتَواضِعِينَ الخاشِعِينَ، مِنَ الخَبْتِ وهو المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ وإذا ظُلِمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا وقِيلَ تَفْسِيرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ:

الحج 22:35

﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ خافَتْ مِنهُ هَيْبَةً ﴿والصابِرِينَ عَلى ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ المِحَنِ والمَصائِبِ ﴿والمُقِيمِي الصَلاةِ﴾ في أوْقاتِها ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ يَتَصَدَّقُونَ.

الحج 22:36

﴿والبُدْنَ﴾ جَمْعُ بُدْنَةٍ سُمِّيَتْ لِعِظَمِ بَدَنِها وفي الشَرِيعَةِ يَتَناوَلُ الإبِلَ والبَقَرَ وقُرِئَ بِرَفْعِها وهو كَقَوْلِهِ ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ﴾ [يس: ٣٩] ﴿جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللهِ﴾ أيْ: مِن أعْلامِ الشَرِيعَةِ الَّتِي شَرَعَها اللهُ وإضافَتُها إلى اسْمِهِ تَعْظِيمٌ لَها ومِن شَعائِرِ اللهِ ثانِي مَفْعُولَيْ جَعَلْنا ﴿لَكم فِيها خَيْرٌ﴾ النَفْعُ في الدُنْيا والأجْرُ في العُقْبى ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾ عِنْدَ نَحْرِها ﴿صَوافَّ﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ أيْ: قائِماتٍ قَدْ صَفَفْنَ أيْدِيَهُنَّ وأرْجُلَهُنَّ ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ وُجُوبُ الجَنُوبِ وُقُوعُها عَلى الأرْضِ مِن وجَبَ الحائِطُ وجْبَةً إذا سَقَطَ أيْ: إذا سَقَطَتْ جُنُوبُها عَلى الأرْضِ بَعْدَ نَحْرِها وسَكَنَتْ حَرَكَتُها ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ إنْ شِئْتُمْ ﴿وَأطْعِمُوا القانِعَ﴾ السائِلَ مِن قَنَعْتُ إلَيْهِ إذا خَضَعْتَ لَهُ وسَألْتَهُ (p-٤٤٢)قُنُوعًا ﴿والمُعْتَرَّ﴾ الَّذِي يُرِيكَ نَفْسَهُ ويَتَعَرَّضُ ولا يَسْألُ وقِيلَ القانِعُ الراضِي بِما عِنْدَهُ وبِما يُعْطى مِن غَيْرِ سُؤالٍ مِن قَنِعْتُ قُنْعًا وقَناعَةً والمُعْتَرُّ المُتَعَرِّضُ لِلسُّؤالِ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ أيْ: كَما أمَرْناكم بِنَحْرِها لَكم أوْ هو كَقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ﴾ [الحج: ٣٢] ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ سَخَّرْناها لَكم أيْ: ذَلَّلْناها لَكم مَعَ قُوَّتِها وعِظَمِ أجْرامِها لِتَتَمَكَّنُوا مِن نَحْرِها ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ لِكَيْ تَشْكُرُوا إنْعامَ اللهِ عَلَيْكُمْ.

الحج 22:37

﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَقْوى مِنكُمْ﴾ أيْ: لَنْ يَتَقَبَّلَ اللهُ اللُحُومَ والدِماءَ ولَكِنْ يَتَقَبَّلُ التَقْوى أوْ لَنْ يُصِيبَ رِضا اللهِ اللُحُومُ المُتَصَدَّقُ بِها ولا الدِماءُ المُراقَةُ بِالنَحْرِ والمُرادُ أصْحابُ اللُحُومِ والدِماءِ والمَعْنى: لَنْ يُرْضِيَ المُضَحُّونَ والمُقَرِّبُونَ رَبَّهم إلّا بِمُراعاةِ النِيَّةِ والإخْلاصِ ورِعايَةِ شُرُوطِ التَقْوى وقِيلَ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا نَحَرُوا الإبِلَ نَضَحُوا الدِماءَ حَوْلَ البَيْتِ ولَطَّخُوهُ بِالدَمِ فَلَمّا حَجَّ المُسْلِمُونَ أرادُوا مِثْلَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ أيِ البُدْنَ ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ لِتُسَمُّوا اللهَ عِنْدَ الذَبْحِ أوْ لِتُعَظِّمُوا اللهَ ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ عَلى ما أرْشَدَكم إلَيْهِ ﴿وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ المُمْتَثِلِينَ أوامِرَهُ بِالثَوابِ.

الحج 22:38

﴿إنَّ اللهَ يُدافِعُ﴾ "يَدْفَعُ" مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ وغَيْرُهُما "يُدافِعُ" أيْ: يُبالِغُ في الدَفْعِ عَنْهم ﴿عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: يَدْفَعُ غائِلَةَ المُشْرِكِينَ عَنِ المُؤْمِنِينَ ونَحْوُهُ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٥١] ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ﴾ في أمانَةِ اللهِ ﴿كَفُورٍ﴾ لِنِعْمَةِ اللهِ أيْ: (p-٤٤٣)لِأنَّهُ لا يُحِبُّ أضْدادَهم وهُمُ الخَوَنَةُ الَّذِينَ يَخُونُونَ اللهَ والرَسُولَ ويَخُونُونَ أماناتِهِمْ ويَكْفُرُونَ بِنِعَمِ اللهِ ويَغْمِطُونَهَ.

الحج 22:39

﴿أُذِنَ﴾ مَدَنِيٌّ وبَصْرِيٌّ وعاصِمٌ ﴿لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ بِفَتْحِ التاءِ مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وحَفْصٌ والمَعْنى: أُذِنَ لَهم في القِتالِ فَحُذِفَ المَأْذُونُ فِيهِ لِدَلالَةِ يُقاتَلُونَ عَلَيْهِ ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مَظْلُومِينَ وهم أصْحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ «كانَ مُشْرِكُو مَكَّةَ يُؤْذُونَهم أذًى شَدِيدًا وكانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِن بَيْنِ مَضْرُوبٍ ومَشْجُوجٍ يَتَظَلَّمُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُمُ:" اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِالقِتالِ" حَتّى هاجَرَ فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ »، وهي أوَّلُ آيَةٍ أُذِنَ فِيها بِالقِتالِ بَعْدَ ما نُهِيَ عَنْهُ في نَيِّفٍ وسَبْعِينَ آيَةً ﴿وَإنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ﴾ عَلى نَصْرِ المُؤْمِنِينَ ﴿لَقَدِيرٌ﴾ قادِرٌ وهو بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنُصْرَةِ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]

الحج 22:40

﴿الَّذِينَ﴾ في مَحَلِّ جَرِّ بَدَلٍ مِنَ "الَّذِينَ" أوْ نَصْبٍ بِأعْنِي أوْ رَفْعٍ بِإضْمارِ "هُمْ" ﴿أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ بِمَكَّةَ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللهُ﴾ أيْ: بِغَيْرِ مُوجِبٍ سِوى التَوْحِيدِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُوجِبَ التَمْكِينِ لا مُوجِبَ الإخْراجِ ومِثْلُهُ ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللهِ﴾ [المائدة: ٥٩] ومَحَلُّ "أنْ يَقُولُوا" جَرٌّ بَدَلًا مِن حَقٍّ والمَعْنى:ما أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ إلّا بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ﴾ دِفاعُ مَدَنِيٌّ ويَعْقُوبُ ﴿الناسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ﴾ وبِالتَخْفِيفِ حِجازِيٌّ ﴿صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ﴾ أيْ: لَوْلا إظْهارُهُ وتَسْلِيطُهُ المُسْلِمِينَ عَلى الكافِرِينَ بِالمُجاهَدَةِ لاسْتَوْلى المُشْرِكُونَ عَلى أهْلِ المِلَلِ المُخْتَلِفَةِ في أزْمِنَتِهِمْ وعَلى مُتَعَبَّداتِهِمْ فَهَدَمُوها ولَمْ يَتْرُكُوا لِلنَّصارى بِيَعًا (p-٤٤٤)وَلا لِرُهْبانِهِمْ صَوامِعَ، ولا لِلْمُسْلِمِينَ مَساجِدَ، أوْ لَغَلَبَ المُشْرِكُونَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى المُسْلِمِينَ وعَلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ في ذِمَّتِهِمْ وهَدَّمُوا مُتَعَبَّداتِ الفَرِيقَيْنِ وقَدَّمَ غَيْرَ المَساجِدِ عَلَيْها لِتَقَدُّمِها وُجُودًا أوْ لِقُرْبِها مِنَ التَهْدِيمِ ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللهِ كَثِيرًا﴾ في المَساجِدِ أوْ في جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ أيْ: يَنْصُرُ دِينَهُ وأوْلِياءَهُ ﴿إنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ﴾ عَلى نَصْرِأوْلِيائِهِ ﴿عَزِيزٌ﴾ عَلى انْتِقامِ أعْدائِهِ.

الحج 22:41

﴿الَّذِينَ﴾ مَحَلُّهُ نَصْبٌ بَدَلٌ مِن مَن يَنْصُرُهُ أوْ جَرٌّ تابِعٌ لِلَّذِينِ أُخْرِجُوا ﴿إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ هو إخْبارٌ مِنَ اللهِ عَمّا سَتَكُونُ عَلَيْهِ سِيرَةُ المُهاجِرِينَ إنْ مَكَّنَهم في الأرْضِ وبَسَطَ لَهم في الدُنْيا وكَيْفَ يَقُومُونَ بِأمْرِ الدِينِ وفِيهِ دَلِيلُ صِحَّةِ أمْرِ الخُلَفاءِ الراشِدِينَ، لِأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أعْطاهُمُ التَمْكِينَ ونَفاذَ الأمْرِ مَعَ السِيرَةِ العادِلَةِ، وعَنِ الحَسَنِ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: مَرْجِعُها إلى حُكْمِهِ وتَقْدِيرُهُ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما وعَدَهُ مِن إظْهارِ أوْلِيائِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ.

الحج 22:42

﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مِن تَكْذِيبِ أهْلِ مَكَّةَ إيّاهُ أيْ: لَسْتَ بِأوْحَدِيٍّ في التَكْذِيبِ ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قَبْلَ قَوْمِكَ ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نُوحًا ﴿وَعادٌ﴾ هُودًا ﴿وَثَمُودُ﴾ صالِحًا.

الحج 22:43

﴿وَقَوْمُ إبْراهِيمَ﴾ إبْراهِيمَ ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ لُوطًا.

الحج 22:44

﴿وَأصْحابُ مَدْيَنَ﴾ شُعَيْبًا ﴿وَكُذِّبَ مُوسى﴾ كَذَّبَهُ فِرْعَوْنُ والقِبْطُ (p-٤٤٥)وَلَمْ يَقُلْ وقَوْمُ مُوسى، لِأنَّ مُوسى ما كَذَّبَهُ قَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُ قَوْمِهِ أوْ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ ما ذَكَرَ تَكْذِيبَ كُلِّ قَوْمٍ رَسُولَهم وكُذِّبَ مُوسى أيْضًا مَعَ وُضُوحِ آياتِهِ وظُهُورِ مُعْجِزاتِهِ فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أمْهَلْتُهم وأخَّرْتُ عُقُوبَتَهم ﴿ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ عاقَبْتُهم عَلى كُفْرِهِمْ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ إنْكارِي وتَغْيِيرِي حَيْثُ أبْدَلْتُهم بِالنِعَمِ نِقَمًا وبِالحَياةِ هَلاكًا وبِالعِمارَةِ خَرابًا "نَكِيرِي" بِالياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ يَعْقُوبُ.

الحج 22:45

﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ "أهْلَكْتُها" بَصْرِيٌّ ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالٌ أيْ: وأهْلُها مُشْرِكُونَ ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ ساقِطَةٌ مِن خَوى النَجْمُ إذا سَقَطَ ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ يَتَعَلَّقُ بِخاوِيَةٍ والمَعْنى: أنَّها ساقِطَةٌ عَلى سُقُوفِها أيْ: خَرَّتْ سُقُوفُها عَلى الأرْضِ ثُمَّ تَهَدَّمَتْ حِيطانُها فَسَقَطَتْ فَوْقَ السُقُوفِ ولا مَحَلَّ لِ ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ مِنَ الإعْرابِ، لِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى أهْلَكْناها وهَذا الفِعْلُ لَيْسَ لَهُ مَحَلٌّ وهَذا إذا جَعَلْنا كَأيِّنْ مَنصُوبَ المَحَلِّ عَلى تَقْدِيرِ كَثِيرًا مِنَ القُرى أهْلَكْناها ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أيْ: مَتْرُوكَةٍ لِفَقْدِ دَلْوِها ورِشائِها ورَفْضِ تَفَقُّدِها أوْ هي عامِرَةٌ فِيها الماءُ ومَعَها آلاتُ الِاسْتِقاءِ إلّا أنَّها عُطِّلَتْ أيْ: تُرِكَتْ لا يُسْتَقى مِنها لِهَلاكِ أهْلِها ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ مُجَصَّصٍ مِنَ الشَيْدِ الجِصُّ أوْ مَرْفُوعُ البُنْيانِ مِن شادَ البِناءَ رَفَعَهُ والمَعْنى: كَمْ قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وكَمْ بِئْرٍ عَطَّلْناها عَنْ سُقاتِها وقَصْرٍ مَشِيدٍ أخْلَيْناهُ عَنْ ساكِنِيهِ! أيْ: أهْلَكْنا البادِيَةَ والحاضِرَةَ جَمِيعًا فَخَلَتِ القُصُورُ عَنْ أرْبابِها والآبارُ عَنْ وارِدِها والأظْهَرُ أنَّ البِئْرَ والقَصْرَ عَلى العُمُومِ.

الحج 22:46

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ هَذا حَثٌّ عَلى السَفَرِ لِيَرَوْا مَصارِعَ مَن أهْلَكَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ ويُشاهِدُوا آثارَهم فَيَعْتَبِرُوا ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ: يَعْقِلُونَ ما يَجِبُ أنْ يُعْقَلَ مِنَ التَوْحِيدِ ونَحْوِهِ ويَسْمَعُونَ (p-٤٤٦)ما يَجِبُ سَماعُهُ مِنَ الوَحْيِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُدُورِ﴾ الضَمِيرُ في فَإنَّها ضَمِيرُ القِصَّةِ أوْ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ الأبْصارُ أيْ: فَما عَمِيَتْ أبْصارُهم عَنِ الإبْصارِ بَلْ قُلُوبُهم عَنِ الِاعْتِبارِ ولِكُلِّ إنْسانٍ أرْبَعُ أعْيُنٍ عَيْنانِ في رَأْسِهِ وعَيْنانِ في قَلْبِهِ فَإذا أبْصَرَ ما في القَلْبِ وعَمِيَ ما في الرَأْسِ لَمْ يَضُرَّهُ وإنْ أبْصَرَ ما في الرَأْسِ وعَمِيَ ما في القَلْبِ لَمْ يَنْفَعْهُ وذَكَرَ الصُدُورَ لِبَيانِ أنَّ مَحَلَّ العِلْمِ القَلْبُ ولِئَلّا يُقالَ إنَّ القَلْبَ يَعْنِي: بِهِ غَيْرَ هَذا العُضْوِ كَما يُقالُ القَلْبُ لُبُّ كُلِّ شَيْءٍ.

الحج 22:47

﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ الآجِلِ اسْتِهْزاءً ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وعْدَهُ﴾ كَأنَّهُ قالَ ولِمَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِهِ؟ كَأنَّهم يُجَوِّزُونَ الفَوْتَ وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى مِيعادِ مَن يَجُوزُ عَلَيْهِ الخُلْفُ ولَنْ يُخْلِفَ اللهُ وعْدَهُ وما وعَدَهُ لَيُصِيبَنَّهم ولَوْ بَعْدَ حِينٍ ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ "يَعُدُّونَ" مَكِّيٌّ وكُوفِيٌّ غَيْرَ عاصِمٍ أيْ: كَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِ مَن يَوْمٌ واحِدٌ مِن أيّامِ عَذابِهِ في طُولِ ألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِيكم، لِأنَّ أيّامَ الشَدائِدِ طِوالٌ.

الحج 22:48

﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ﴾ أيْ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا مِثْلَكم ظالِمِينَ قَدْ أنْظَرْتُهم حِينًا ﴿ثُمَّ أخَذْتُها﴾ بِالعَذابِ ﴿وَإلَيَّ المَصِيرُ﴾ أيِ المَرْجِعُ إلَيَّ فَلا يَفُوتُنِي شَيْءٌ وإنَّما كانَتِ الأُولى أيْ: فَكَأيِّنْ مَعْطُوفَةً بِالفاءِ وهَذِهِ أيْ: وكَأيِّنْ بِالواوِ لِأنَّ الأُولى وقَعَتْ بَدَلًا عَنْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ وأمّا هَذِهِ فَحُكْمُها حُكْمُ ما تَقَدَّمَها مِنَ الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ بِالواوِ وهُما ولَنْ يُخْلِفَ اللهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ.

الحج 22:49

﴿قُلْ يا أيُّها الناسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُلْ بَشِيرٌ ونَذِيرٌ لِذِكْرِ (p-٤٤٧)الفَرِيقَيْنِ بَعْدَهُ، لِأنَّ الحَدِيثَ مَسُوقٌ إلى المُشْرِكِينَ ويا أيُّها الناسُ نِداءٌ لَهم وهُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ أفَلَمْ يَسِيرُوا ووُصِفُوا بِالِاسْتِعْجالِ وإنَّما أُقْحِمَ المُؤْمِنُونَ وثَوابُهم لِيُغاظُوا أوْ تَقْدِيرُهُ: نَذِيرٌ مُبِينٌ وبَشِيرٌ فَبَشَّرَ أوَّلًا فَقالَ.

الحج 22:50

﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ حَسَنٌ ثُمَّ أنْذَرَ فَقالَ.

الحج 22:51

﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ سَعى في أمْرِ فُلانٍ إذا أفْسَدَهُ بِسَعْيِهِ ﴿فِي آياتِنا﴾ أيِ القُرْآنِ ﴿مُعاجِزِينَ﴾ حالٌ "مُعَجِّزِينَ" حَيْثُ كانَ: مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍوٍ، وعاجَزَهُ: سابَقَهُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في طَلَبِ إعْجازِ الآخَرِ عَنِ اللِحاقِ بِهِ فَإذا سَبَقَهُ قِيلَ أعْجَزَهُ وعَجَّزَهُ والمَعْنى: سَعَوْا في مَعْناها بِالفَسادِ مِنَ الطَعْنِ فِيها حَيْثُ سَمَّوْها سِحْرًا وشِعْرًا وأساطِيرَ مُسابِقِينَ في زَعْمِهِمْ وتَقْدِيرِهِمْ طامِعِينَ أنَّ كَيْدَهم لِلْإسْلامِ يَتِمُّ لَهم ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أيِ النارِ المُوقَدَةِ.

الحج 22:52

﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿مِن رَسُولٍ﴾ مِن زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَفْيِ ﴿وَلا نَبِيٍّ﴾ هَذا دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى ثُبُوتِ التَغايُرِ بَيْنَ الرَسُولِ والنَبِيِّ بِخِلافِ ما يَقُولُ البَعْضُ إنَّهُما واحِدٌ «وَسُئِلَ النَبِيُّ ﷺ عَنِ الأنْبِياءِ فَقالَ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا فَقِيلَ فَكَمُ الرُسُلُ مِنهم فَقالَ ثَلَثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ » والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الرَسُولَ مَن جَمَعَ إلى المُعْجِزَةِ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ والنَبِيُّ مَن لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ كِتابٌ وإنَّما أُمِرَ أنْ يَدْعُوَ إلى شَرِيعَةِ مَن قَبْلَهُ وقِيلَ الرَسُولُ واضِعُ شَرْعٍ والنَبِيُّ حافِظُ شَرْعِ غَيْرِهِ ﴿إلا إذا تَمَنّى﴾ قَرَأ، قالَ ؎ تَمَنّى كِتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ....... تَمَنِّيَ داوُدَ الزَبُورَ عَلى رِسْلِ ﴿ألْقى الشَيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ تِلاوَتِهِ قالُوا «إنَّهُ ﷺ كانَ في (p-٤٤٨)نادِي قَوْمِهِ يَقْرَأُ ﴿والنَجْمِ﴾ [النجم: ١] فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ ﴿وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] جَرى عَلى لِسانِهِ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى ولَمْ يَفْطِنْ لَهُ حَتّى أدْرَكَتْهُ العِصْمَةُ فَتَنَبَّهَ عَلَيْهِ » وقِيلَ نَبَّهَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ فَأخْبَرَهم أنَّ ذَلِكَ كانَ مِنَ الشَيْطانِ وهَذا القَوْلُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَتَكَلَّمَ النَبِيُّ ﷺ بِها عَمْدًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ، لِأنَّهُ كُفْرٌ ولِأنَّهُ بُعِثَ طاعِنًا لِلْأصْنامِ لا مادِحًا لَها أوْ أجْرى الشَيْطانُ ذَلِكَ عَلى لِسانِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ جَبْرًا بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِنهُ وهو مُمْتَنِعٌ، لِأنَّ الشَيْطانَ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فَفي حَقِّهِ أوْلى أوْ جَرى ذَلِكَ عَلى لِسانِهِ سَهْوًا وغَفْلَةً وهو مَرْدُودٌ أيْضًا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ مِثْلُ هَذِهِ الغَفْلَةِ عَلَيْهِ في حالِ تَبْلِيغِ الوَحْيِ ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَبَطَلَ الِاعْتِمادُ عَلى قَوْلِهِ ولِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] وقالَ ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فَلَمّا بَطَلَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ لَمْ يَبْقَ إلّا وجْهٌ واحِدٌ وهو أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ سَكَتَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] فَتَكَلَّمَ الشَيْطانُ بِهَذِهِ الكَلِماتِ مُتَّصِلًا بِقِراءَةِ النَبِيِّ ﷺ فَوَقَعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنَّهُ ﷺ هو الَّذِي تَكَلَّمَ بِها فَيَكُونُ هَذا إلْقاءً في قِراءَةِ النَبِيِّ ﷺ وكانَ الشَيْطانُ يَتَكَلَّمُ في زَمَنِ النَبِيِّ ﷺ ويَسْمَعُ كَلامَهُ فَقَدْ رُوِيَ: أنَّهُ نادى يَوْمَ أُحُدٍ ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ وقالَ يَوْمَ بَدْرٍ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ الناسِ وإنِّي جارٌ لَكم ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَيْطانُ﴾ أيْ: يَذْهَبُ بِهِ ويُبْطِلُهُ ويُخْبِرُ أنَّهُ مِنَ الشَيْطانِ ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ أيْ: يُثْبِتُها ويَحْفَظُها مِن لُحُوقِ الزِيادَةِ مِنَ الشَيْطانِ ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ بِما أوْحى إلى نَبِيِّهِ وبِقَصْدِ الشَيْطانِ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَدَعُهُ حَتّى يَكْشِفَهُ ويُزِيلَهُ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ لِيَفْتِنَ اللهُ تَعالى بِهِ قَوْمًا بِقَوْلِهِ (p-٤٤٩)

الحج 22:53

﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَيْطانُ فِتْنَةً﴾ مِحْنَةً وابْتِلاءً ﴿لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شَكٌّ ونِفاقٌ ﴿والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ فَيَزْدادُوا بِهِ شَكًّا وظُلْمَةً ﴿وَإنَّ الظالِمِينَ﴾ أيِ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ وأصْلُهُ وإنَّهم فَوُضِعَ الظاهِرُ مَوْضِعَ الضَمِيرِ قَضاءً عَلَيْهِمْ بِالظُلْمِ ﴿لَفِي شِقاقٍ﴾ خِلافٍ ﴿بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ.

الحج 22:54

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ بِاللهِ وبِدِينِهِ وبِالآياتِ ﴿أنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ بِالقُرْآنِ ﴿فَتُخْبِتَ﴾ فَتَطْمَئِنَّ ﴿لَهُ قُلُوبُهم وإنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَيَتَأوَّلُونَ ما يَتَشابَهُ في الدِينِ بِالتَأْوِيلاتِ الصَحِيحَةِ ويَطْلُبُونَ لِما أُشْكِلَ مِنهُ المَحْمَلَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الأُصُولُ المُحْكَمَةُ حَتّى لا تَلْحَقَهم حَيْرَةٌ ولا تَعْتَرِيَهم شُبْهَةٌ.

الحج 22:55

﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ﴾ شَكٍّ ﴿مِنهُ﴾ مِنَ القُرْآنِ أوْ مِنَ الصِراطِ المُسْتَقِيمِ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً﴾ فَجْأةً ﴿أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ فَهو عَقِيمٌ عَنْ أنْ يَكُونَ لِلْكافِرِينَ فِيهِ فَرَجٌ أوْ راحَةٌ كالرِيحِ العَقِيمِ لا تَأْتِي بِخَيْرٍ أوْ شَدِيدٍ لا رَحْمَةَ فِيهِ أوْ لا مِثْلَ لَهُ في عِظَمِ أمْرِهِ لِقِتالِ المَلائِكَةِ فِيهِ، وعَنِ الضَحّاكِ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ وأنَّ المُرادَ بِالساعَةِ مُقَدِّماتُهُ.

الحج 22:56

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ثُمَّ خَصَّ قَوْمًا مِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِفَضِيلَةٍ فَقالَ.

الحج 22:57

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ثُمَّ خَصَّ قَوْمًا مِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِفَضِيلَةٍ فَقالَ.

الحج 22:58

﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ خَرَجُوا مِن أوْطانِهِمْ مُجاهِدِينَ ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ في الجِهادِ "قُتِّلُوا" شامِيٌّ ﴿أوْ ماتُوا﴾ حَتْفَ أنْفِهِمْ ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قِيلَ الرِزْقُ الحَسَنُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ أبَدًا ﴿وَإنَّ اللهَ لَهو خَيْرُ الرازِقِينَ﴾، لِأنَّهُ المُخْتَرِعُ لِلْخَلْقِ بِلا مِثالٍ المُتَكَفِّلُ لِلرِّزْقِ بِلا مالٍ.

الحج 22:59

﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا﴾ بِفَتْحِ المِيمِ مَدَنِيٌّ والمُرادُ الجَنَّةُ ﴿يَرْضَوْنَهُ﴾، لِأنَّ فِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ ﴿وَإنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِ مَن قَضى نَحْبَهُ مُجاهِدًا وآمالِ مَن ماتَ وهو يَنْتَظِرُ مُعاهِدًا ﴿حَلِيمٌ﴾ بِإمْهالِ مَن قاتَلَهم مُعانِدًا رُوِيَ: «أنَّ طَوائِفَ مِن أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ قالُوا يا نَبِيَّ اللهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا قَدْ عَلِمْنا ما أعْطاهُمُ اللهُ مِنَ الخَيْرِ ونَحْنُ نُجاهِدُ مَعَكَ كَما جاهَدُوا فَما لَنا إنْ مُتْنا مَعَكَ فَأنْزَلَ اللهُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ »

الحج 22:60

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ وما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ ﴿وَمَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ سُمِّيَ الِابْتِداءُ بِالجَزاءِ عُقُوبَةً لِمُلابَسَتِهِ لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ وذَلِكَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ﴾ أيْ: مَن جازى بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِهِ مِنَ الظُلْمِ ثُمَّ ظُلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَقَّ عَلى اللهِ أنْ يَنْصُرَهُ ﴿إنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ﴾ يَمْحُو آثارَ الذُنُوبِ ﴿غَفُورٌ﴾ يَسْتُرُ أنْواعَ العُيُوبِ وتَقْرِيبُ الوَصْفَيْنِ بِسِياقِ الآيَةِ أنَّ المُعاقِبَ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللهِ عَلى العَفْوِ وتَرْكِ العُقُوبَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَحَيْثُ لَمْ يُؤْثِرْ ذَلِكَ وانْتَصَرَ فَهو تارِكٌ لِلْأفْضَلِ وهو ضامِنٌ لِنَصْرِهِ في (p-٤٥١)الكَرَّةِ الثانِيَةِ إذا تَرَكَ العَفْوَ وانْتَقَمَ مِنَ الباغِي وعَرَّضَ مَعَ ذَلِكَ بِما كانَ أوْلى بِهِ مِنَ العَفْوِ بِذِكْرِ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ،أوْ دَلَّ بِذِكْرِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى العُقُوبَةِ إذْ لا يُوصَفُ بِالعَفْوِ إلّا القادِرُ عَلى ضِدِّهِ كَما قِيلَ العَفْوُ عِنْدَ القُدْرَةِ.

الحج 22:61

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ويُولِجُ النَهارَ في اللَيْلِ وأنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أيْ: ذَلِكَ النَصْرُ لِلْمَظْلُومِ بِسَبَبِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ ومِن آياتِ قُدْرَتِهِ أنَّهُ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ويُولِجُ النَهارَ في اللَيْلِ أيْ: يَزِيدُ مِن هَذا في ذَلِكَ ومِن ذَلِكَ في هَذا أوْ بِسَبَبِ أنَّهُ خالِقُ اللَيْلِ والنَهارِ ومُصَرِّفُهُما فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَجْرِي فِيهِما عَلى أيْدِي عِبادِهِ مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ والبَغْيِ والإنْصافِ وأنَّهُ سَمِيعٌ لِما يَقُولُونَ ولا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ وإنِ اخْتَلَفَتْ في النَهارِ الأصْواتُ بِفُنُونِ اللُغاتِ بَصِيرٌ بِما يَفْعَلُونَ ولا يَسْتَتِرُ عَنْهُ شَيْءٌ بِشَيْءٍ في اللَيالِي وإنْ تَوالَتِ الظُلُماتُ.

الحج 22:62

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ﴾ عِراقِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ ﴿مِن دُونِهِ هو الباطِلُ وأنَّ اللهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَصْفُ بِخَلْقِهِ اللَيْلَ والنَهارَ وإحاطَتِهِ بِما يَجْرِي فِيهِما وإدْراكِهِ قَوْلَهم وفِعْلَهم بِسَبَبِ أنَّ اللهَ الحَقُّ الثابِتُ إلَهِيَّتُهُ وأنَّ كُلَّ ما يُدْعى إلَهًا دُونَهُ باطِلُ الدَعْوَةِ وأنَّهُ لا شَيْءَ أعْلى مِنهُ شَأْنًا وأكْبَرُ سُلْطانًا.

الحج 22:63

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً﴾ مَطَرًا ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بِالنَباتِ بَعْدَ ما كانَتْ مُسْوَدَّةً يابِسَةً وإنَّما صُرِفَ إلى لَفْظِ المُضارِعِ ولَمْ يَقُلْ فَأصْبَحَتْ لِيُفِيدَ بَقاءَ أثَرِ المَطَرِ زَمانًا بَعْدَ زَمانٍ كَما تَقُولُ أنْعَمَ عَلَيَّ فُلانٌ فَأرُوحُ وأغْدُو شاكِرًا لَهُ، ولَوْ قُلْتَ: فَرُحْتُ وغَدَوْتُ، لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ المَوْقِعَ. (p-٤٥٢)وَإنَّما رُفِعَ " فَتُصْبِحُ" ولَمْ يُنْصَبْ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ لِأنَّهُ لَوْ نُصِبَ لَبَطَلَ الغَرَضُ وهَذا، لِأنَّ مَعْناهُ: إثْباتُ الِاخْضِرارِ فَيَنْقَلِبُ بِالنَصْبِ إلى نَفْيِ الِاخْضِرارِ، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: ألَمْ تَرَ أنِّي أنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَتَشْكُرُ، إنْ نَصَبْتَهُ نَفَيْتَ شُكْرَهُ وشَكَوْتَ مِن تَفْرِيطِهِ فِيهِ، وإنْ رَفَعْتَهُ أثْبَتَّ شُكْرَهُ ﴿إنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ واصِلٌ عَمَلُهُ أوْ فَضْلُهُ إلى كُلٍّ شَيْءٍ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِمَصالِحِ الخَلْقِ ومَنافِعِهِمْ أوِ اللَطِيفُ المُخْتَصُّ بِدَقِيقِ التَدْبِيرِ الخَبِيرُ المُحِيطُ بِكُلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ.

الحج 22:64

﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مُلْكًا ومِلْكًا ﴿وَإنَّ اللهَ لَهو الغَنِيُّ﴾ المُسْتَغْنِي بِكَمالِ قُدْرَتِهِ بَعْدَ فَناءِ ما في السَمَواتِ وما في الأرْضِ ﴿الحَمِيدُ﴾ المَحْمُودُ بِنِعْمَتِهِ قَبْلَ ثَناءِ مَن في السَمَواتِ ومَن في الأرْضِ.

الحج 22:65

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ مِنَ البَهائِمِ مُذَلَّلَةً لِلرُّكُوبِ في البَرِّ ﴿والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: ومِنَ المَراكِبِ جارِيَةً في البَحْرِ ونُصِبَ الفُلْكُ عَطْفًا عَلى "ما" وتَجْرِي حالُها أيْ: وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ في حالِ جَرْيِها ﴿وَيُمْسِكُ السَماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ أيْ: يَحْفَظُها مِن أنْ تَقَعَ ﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ بِأمْرِهِ أوْ بِمَشِيئَتِهِ ﴿إنَّ اللهَ بِالناسِ لَرَءُوفٌ﴾ بِتَسْخِيرِ ما في الأرْضِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِإمْساكِ السَماءِ لِئَلّا تَقَعَ عَلى الأرْضِ،عَدَّدَ آلاءَهُ مَقْرُونَةً بِأسْمائِهِ لِيَشْكُرُوهُ عَلى آلائِهِ ويَذْكُرُوهُ بِأسْمائِهِ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ في الآياتِ الثَمانِيَةِ يُسْتَجابُ لِقُرّائِها ألْبَتَّةَ.

الحج 22:66

﴿وَهُوَ الَّذِي أحْياكُمْ﴾ في أرْحامِ أُمَّهاتِكم ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ لِإيصالِ جَزائِكم ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ لَجَحُودٌ لِما أفاضَ عَلَيْهِ مِن ضُرُوبِ النِعَمِ ودَفَعَ عَنْهُ مِن صُنُوفِ النِقَمِ أوْ (p-٤٥٣)لا يَعْرِفُ نِعْمَةَ الإنْشاءِ المُبْدِئِ لِلْوُجُودِ ولا الإفْناءِ المُقَرِّبِ إلى المَوْعُودِ ولا الإحْياءِ المُوَصِّلِ إلى المَقْصُودِ.

الحج 22:67

﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أهْلِ دِينٍ ﴿جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ مَرَّ بَيانُهُ وهو رَدٌّ لِقَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّ الذَبْحَ لَيْسَ بِشَرِيعَةِ اللهِ إذْ هو شَرِيعَةُ كُلِّ أُمَّةٍ ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ عامِلُونَ بِهِ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ﴾ فَلا يُجادِلُنَّكَ والمَعْنى: فَلا تَلْتَفِتْ إلى قَوْلِهِمْ ولا تُمَكِّنْهم مِن أنْ يُنازِعُوكَ ﴿فِي الأمْرِ﴾ أمْرِ الذَبائِحِ أوِ الدِينِ، نَزَلَتْ حِينَ قالَ المُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ما لَكم تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَهُ اللهُ يَعْنِي: المَيْتَةَ ﴿وادْعُ﴾ الناسَ ﴿إلى رَبِّكَ﴾ إلى عِبادَةِ رَبِّكَ ﴿إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ طَرِيقٍ قَوِيمٍ ولَمْ يَذْكُرِ الواوَ في ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ، لِأنَّ تِلْكَ وقَعَتْ مَعَ ما يُناسِبُها مِنَ الآيِ الوارِدَةِ في أمْرِ النَسائِكِ، فَعُطِفَتْ عَلى أخَواتِها، وهَذِهِ وقَعَتْ مَعَ أباعِدَ عَنْ مَعْناها فَلَمْ تَجِدْ مَعْطَفًا.

الحج 22:68

﴿وَإنْ جادَلُوكَ﴾ مِراءً وتَعَنُّتًا كَما يَفْعَلُهُ السُفَهاءُ بَعْدَ اجْتِهادِكَ أنْ لا يَكُونَ بَيْنَكم وبَيْنَهم تَنازُعٌ وجِدالٌ ﴿فَقُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَلا تُجادِلْهم وادْفَعْهم بِهَذا القَوْلِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ أعْلَمُ بِأعْمالِكم وما تَسْتَحِقُّونَ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ فَهو مُجازِيكم بِهِ وهَذا وعِيدٌ وإنْذارٌ ولَكِنْ بِرِفْقٍ ولِينٍ وتَأْدِيبٍ يُجابُ بِهِ كُلُّ مُتَعَنِّتٍ.

الحج 22:69

﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ أيْ: يَفْصِلُ بَيْنَكم بِالثَوابِ والعِقابِ ومَسْلاةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِمّا كانَ يَلْقى مِنهُمْ.

الحج 22:70

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في السَماءِ والأرْضِ﴾ أيْ: كَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ ما تَعْمَلُونَ ومَعْلُومٌ عِنْدَ العُلَماءِ بِاللهِ أنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ ما يَحْدُثُ في السَمَواتِ والأرْضِ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ المَوْجُودَ فِيهِما ﴿فِي كِتابٍ﴾ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ ﴿إنَّ ذَلِكَ (p-٤٥٤)عَلى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: عِلْمُهُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَسِيرٌ.

الحج 22:71

ثُمَّ أشارَ إلى جَهالَةِ الكُفّارِ لِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ المُسْتَحِقِّ لَها بِقَوْلِهِ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ﴾ "يُنْزِلْ" مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ ﴿سُلْطانًا﴾ حُجَّةً وبُرْهانًا ﴿وَما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لَمْ يَتَمَسَّكُوا في عِبادَتِهِمْ لَها بِبُرْهانٍ سَماوِيٍّ مِن جِهَةِ الوَحْيِ ولا حَمَلَهم عَلَيْها دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ " وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصار" وما لِلَّذِينَ ارْتَكَبُوا مِثْلَ هَذا الظُلْمِ مِن أحَدٍ يَنْصُرُهم ويُصَوِّبُ مَذْهَبَهُمْ.

الحج 22:72

﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ الإنْكارَ بِالعُبُوسِ والكَراهَةِ، والمُنْكَرُ: مَصْدَرٌ ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ﴾ يَبْطِشُونَ والسَطْوُ الوَثْبُ والبَطْشُ ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ هُمُ النَبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ﴾ مِن غَيْظِكم عَلى التالِينَ وسَطْوِكم عَلَيْهِمْ أوْ مِمّا أصابَكم مِنَ الكَراهَةِ والضَجَرِ بِسَبَبِ ما تُلِيَ عَلَيْكم ﴿النارُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّ قائِلًا قالَ ما هُوَ؟ فَقِيلَ: النارُ أيْ: هو النارُ ﴿وَعَدَها اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ ﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ النارُ.

الحج 22:73

وَلَمّا كانَتْ دَعْواهم بِأنَّ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا جارِيَةً في الغَرابَةِ والشُهْرَةِ مَجْرى الأمْثالِ المُسَيَّرَةِ قالَ اللهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الناسُ ضُرِبَ﴾ بُيِّنَ ﴿مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ لِضَرْبِ هَذا المَثَلِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ يَدْعُونَ: سَهْلٌ ويَعْقُوبُ ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ آلِهَةً ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ لَنْ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ وتَأْكِيدِهِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ خَلْقَ الذُبابِ مِنهم مُسْتَحِيلٌ كَأنَّهُ قالَ مُحالٌ أنْ يَخْلُقُوا،وَتَخْصِيصُ الذُبابِ لِمَهانَتِهِ وضَعْفِهِ واسْتِقْذارِهِ وسُمِّيَ ذُبابًا، لِأنَّهُ كُلَّما ذُبَّ (p-٤٥٥)لِاسْتِقْذارِهِ آبَ لِاسْتِكْبارِهِ ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ لِخَلْقِ الذُبابِ ومَحَلُّهُ النَصْبُ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ مُسْتَحِيلٌ مِنهم أنْ يَخْلُقُوا الذُبابَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمُ اجْتِماعُهم جَمِيعًا لِخَلْقِهِ وتَعاوُنِهِمْ عَلَيْهِ وهَذا مِن أبْلَغِ ما أُنْزِلَ في تَجْهِيلِ قُرَيْشٍ حَيْثُ وصَفُوا بِالإلَهِيَّةِ - الَّتِي تَقْتَضِي الِاقْتِدارَ عَلى المَقْدُوراتِ كُلِّها والإحاطَةَ بِالمَعْلُوماتِ عَنْ آخِرِها - صُوَرًا وتَماثِيلَ يَسْتَحِيلُ مِنها أنْ تَقْدِرَ عَلى أقَلِّ ما خَلَقَهُ اللهُ تَعالى وأذَلِّهِ ولَوِ اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ ﴿وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُبابُ شَيْئًا﴾ ثانِي مَفْعُولَيْ يَسْلُبْهُمُ ﴿لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ أيْ: هَذا الخَلْقُ الأقَلُّ الأذَلُّ لَوِ اخْتَطَفَ مِنهم شَيْئًا فاجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَسْتَخْلِصُوهُ مِنهُ لَمْ يَقْدِرُوا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّهم كانُوا يَطْلُونَها بِالزَعْفَرانِ ورُءُوسَها بِالعَسَلِ فَإذا سَلَبَهُ الذُبابُ عَجَزَتِ الأصْنامُ عَنْ أخْذِهِ ﴿ضَعُفَ الطالِبُ﴾ أيْ: الصَنَمُ يُطْلَبُ ما سُلِبَ مِنهُ ﴿والمَطْلُوبُ﴾ الذُبابُ يَطْلُبُ ما سَلَبَ، وهَذا كالتَسْوِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الذُبابِ في الضَعْفِ ولَوْ حَقَّقْتَ وجَدْتَ الطالِبَ أضْعَفَ وأضْعَفَ فَإنَّ الذُبابَ حَيَوانٌ وهو جَمادٌ وهو غالِبٌ وذاكَ مَغْلُوبٌ.

الحج 22:74

﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ﴾ ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ حَيْثُ جَعَلُوا هَذا الصَنَمَ الضَعِيفَ شَرِيكًا لَهُ ﴿إنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أيْ: إنَّ اللهَ قادِرٌ وغالِبٌ فَكَيْفَ يَتَّخِذُ العاجِزُ المَغْلُوبَ شَبِيهًا بِهِ أوْ لَقَوِيٌّ بِنَصْرِ أوْلِيائِهِ عَزِيزٌ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ.

الحج 22:75

﴿اللهُ يَصْطَفِي﴾ يَخْتارُ ﴿مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾ كَجِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ وغَيْرِهِمْ ﴿وَمِنَ الناسِ﴾ رُسُلًا كَإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٍ وغَيْرِهِمْ عَلَيْهِمُ السَلامُ هَذا رَدٌّ لِما أنْكَرُوهُ مِن أنْ يَكُونَ الرَسُولُ مِنَ البَشَرِ وبَيانٌ أنَّ رُسُلَ اللهِ عَلى ضَرْبَيْنِ مَلَكٌ وبَشَرٌ وقِيلَ نَزَلَتْ حِينَ قالُوا ﴿أأُنْـزِلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] ﴿إنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لِقَوْلِهِمْ ﴿بَصِيرٌ﴾ بِمَن يَخْتارُهُ لِرِسالَتِهِ أوْ سَمِيعٌ لِأقْوالِ الرُسُلِ فِيما تَقْبَلُهُ العُقُولُ (p-٤٥٦)بَصِيرٌ بِأحْوالِ الأُمَمِ في الرَدِّ والقَبُولِ.

الحج 22:76

﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ ما مَضى ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ ما لَمْ يَأْتِ أوْ ما عَمِلُوهُ وما سَيَعْمَلُوهُ أوْ أمْرَ الدُنْيا وأمْرَ الآخِرَةِ ﴿وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: إلَيْهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ كُلُّها والَّذِي هو بِهَذِهِ الصِفاتِ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ في حُكْمِهِ وتَدابِيرِهِ واخْتِيارِهِ رُسُلَهُ "تَرْجِعُ" شامِيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ.

الحج 22:77

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ في صَلاتِكم وكانَ أوَّلَ ما أسْلَمُوا يُصَلُّونَ بِلا رُكُوعٍ وسُجُودٍ فَأُمِرُوا أنْ تَكُونَ صَلاتُهم بِرُكُوعٍ وسُجُودٍ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأعْمالَ لَيْسَتْ مِنَ الإيمانِ وأنَّ هَذِهِ السَجْدَةَ لِلصَّلاةِ لا لِلتِّلاوَةِ ﴿واعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ واقْصِدُوا بِرُكُوعِكم وسُجُودِكم وجْهَ اللهِ لا الصَنَمَ ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ قِيلَ لَمّا كانَ لِلذِّكْرِ مَزِيَّةٌ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الطاعاتِ دَعا المُؤْمِنِينَ أوَّلًا إلى الصَلاةِ الَّتِي هي ذِكْرٌ خالِصٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ثُمَّ إلى العِبادَةِ بِغَيْرِ الصَلاةِ كالصَوْمِ والحَجِّ وغَيْرِهِما ثُمَّ عَمَّ الحَثَّ عَلى سائِرِ الخَيْراتِ وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ صِلَةُ الأرْحامِ ومَكارِمُ الأخْلاقِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: كَيْ تَفُوزُوا وافْعَلُوا هَذا كُلَّهُ وأنْتُمْ راجُونَ لِلْفَلاحِ غَيْرُ مُسْتَيْقِنِينَ ولا تَتَّكِلُوا عَلى أعْمالِكُمْ.

الحج 22:78

﴿وَجاهِدُوا﴾ أمْرٌ بِالغَزْوِ أوْ مُجاهَدَةِ النَفْسِ والهَوى وهو الجِهادُ الأكْبَرُ أوْ هو كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ أمِيرٍ جائِرٍ ﴿فِي اللهِ﴾ أيْ: في ذاتِ اللهِ ومِن أجْلِهِ ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ وهو أنْ لا يَخافَ في اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ يُقالُ هو حَقُّ عالِمٍ وجَدُّ عالِمٍ أيْ: حَقًّا وجِدًّا ومِنهُ حَقَّ جِهادِهِ وكانَ القِياسُ حَقَّ الجِهادِ فِيهِ أوْ حَقَّ جِهادِكم فِيهِ لَكِنَّ الإضافَةَ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ واخْتِصاصٍ فَلَمّا كانَ الجِهادُ مُخْتَصًّا بِاللهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَفْعُولٌ لِوَجْهِهِ ومِن أجْلِهِ صَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ ويَجُوزُ أنْ يُتَّسَعَ في الظَرْفِ كَقَوْلِهِ (p-٤٥٧) ؎ ويَوْمَ شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا....... هُوَ ﴿اجْتَباكُمْ﴾ اخْتارَكم لِدِينِهِ ونُصْرَتِهِ ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِينِ مِن حَرَجٍ﴾ ضِيقٍ بَلْ رَخَّصَ لَكم في جَمِيعِ ما كَلَّفَكم مِنَ الطَهارَةِ والصَلاةِ والصَوْمِ والحَجِّ بِالتَيَمُّمِ والإيماءِ والقَصْرِ والإفْطارِ بِعُذْرِ السَفَرِ والمَرَضِ، وعَدَمِ الراحِلَةِ ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ أيِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ أبِيكم أوْ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ: أعْنِي بِالدِينِ مِلَّةَ أبِيكم وسَمّاهُ أبًا وإنْ لَمْ يَكُنْ أبًا لِلْأُمَّةِ كُلِّها، لِأنَّهُ أبُو رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكانَ أبًا لِأُمَّتِهِ، لِأنَّ أُمَّةَ الرَسُولِ في حُكْمِ أوْلادِهِ قالَ ﷺ « "إنَّما أنا لَكم مِثْلُ الوالِدِ" »﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ اللهُ بِدَلِيلِ قِراءَةِ أُبَيٍّ "اللهُ سَمّاكُمْ" ﴿مِن قَبْلُ﴾ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿وَفِي هَذا﴾ أيْ: في القُرْآنِ أيْ: فَضَّلَكم عَلى سائِرِ الأُمَمِ وسَمّاكم بِهَذا الِاسْمِ الأكْرَمِ ﴿لِيَكُونَ الرَسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَكم رِسالَةَ رَبِّكم ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ﴾ بِتَبْلِيغِ الرُسُلِ رِسالاتِ اللهِ إلَيْهِمْ وإنَّما خَصَّكم بِهَذِهِ الكَرامَةِ والأثَرَةِ ﴿فَأقِيمُوا الصَلاةَ﴾ بِواجِباتِها ﴿وَآتُوا الزَكاةَ﴾ بِشَرائِطِها ﴿واعْتَصِمُوا بِاللهِ﴾ وثِقُوا بِاللهِ وتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ لا بِالصَلاةِ والزَكاةِ ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ: مالِكُكم وناصِرُكم ومُتَوَلِّي أُمُورِكم ﴿فَنِعْمَ المَوْلى﴾ حَيْثُ لَمْ يَمْنَعْكم رِزْقَكم بِعِصْيانِكم ﴿وَنِعْمَ النَصِيرُ﴾ أيِ الناصِرُ هو أعانَكم عَلى طاعَتِكم وقَدْ أفْلَحَ مَن هو مَوْلاهُ وناصِرُهُ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

المؤمنون 23:1

(p-٤٥٨)سُورَةُ المُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ وثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ قَدْ نَقِيضَةُ "لَمّا" هي تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ و"لَمّا" تَنْفِيهِ، وكانَ المُؤْمِنُونَ يَتَوَقَّعُونَ مِثْلَ هَذِهِ البِشارَةِ وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ،والفَلاحُ الظَفَرُ بِالمَطْلُوبِ والنَجاةُ مِنَ المَرْهُوبِ أيْ: فازُوا بِما طَلَبُوا أوْ نَجَوْا مِمّا هَرَبُوا والإيمانُ في اللُغَةِ التَصْدِيقُ والمُؤْمِنُ المُصَدِّقِ لُغَةً وفي الشَرْعِ كُلُّ مَن نَطَقَ بِالشَهادَتَيْنِ مُواطِئًا قَلْبُهُ لِسانَهُ فَهو مُؤْمِنٌ قالَ ﷺ «خَلَقَ اللهُ الجَنَّةَ فَقالَ لَها تَكَلَّمِي فَقالَتْ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ثَلاثًا أنا حَرامٌ عَلى كُلِّ بَخِيلٍ مُراءٍ، » لِأنَّهُ بِالرِياءِ أبْطَلَ العِباداتِ البَدَنِيَّةَ ولَيْسَ لَهُ عِبادَةٌ مالِيَّةٌ ٌ.

المؤمنون 23:2

﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ خائِفُونَ بِالقَلْبِ ساكِنُونَ بِالجَوارِحِ وقِيلَ الخُشُوعُ في الصَلاةِ جَمْعُ الهِمَّةِ لَها والإعْراضُ عَمّا سِواها وأنْ لا يُجاوِزَ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ وأنْ لا يَلْتَفِتَ ولا يَعْبَثَ ولا يُسْدِلَ ولا يُفَرْقِعَ أصابِعَهُ ولا يُقَلِّبَ الحَصى ونَحْوُ ذَلِكَ، وعَنْ أبِي الدَرْداءِ هو إخْلاصُ المَقالِ وإعْظامُ المَقامِ واليَقِينُ التامُّ وجَمْعُ الِاهْتِمامِ،وَأُضِيفَتِ الصَلاةُ إلى المُصَلِّينَ لا إلى (p-٤٥٩)المُصَلّى لَهُ لِانْتِفاعِ المُصَلِّي بِها وحْدَهُ وهي عُدَّتُهُ وذَخِيرَتُهُ وأمّا المُصَلّى لَهُ فَغَنِيٌّ عَنْها.

المؤمنون 23:3

﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ اللَغْوُ كُلُّ كَلامٍ ساقِطٍ حَقُّهُ أنْ يُلْغى كالكَذِبِ والشَتْمِ والهَزْلِ يَعْنِي: أنَّ لَهم مِنَ الجِدِّ ما شَغَلَهم عَنِ الهَزْلِ ولَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَلاةِ أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَغْوِ لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَرْكَ الشاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَكْلِيفِ.

المؤمنون 23:4

﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ مُؤَدُّونَ ولَفْظُ فاعِلُونَ يَدُلُّ عَلى المُداوَمَةِ بِخِلافِ مُؤَدُّونَ وقِيلَ الزَكاةُ اسْمٌ مُشْتَرِكٌ يُطْلَقُ عَلى العَيْنِ وهو القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي مِنَ النِصابِ إلى الفَقِيرِ، وعَلى المَعْنى: وهو فِعْلُ المُزَكِّي الَّذِي هو التَزْكِيَةُ وهو المُرادُ هُنا فَجَعَلَ المُزَكِّينَ فاعِلِينَ لَهُ، لِأنَّ لَفْظَ الفِعْلِ يَعُمُّ جَمِيعَ الأفْعالِ كالضَرْبِ والقَتْلِ ونَحْوِهِما تَقُولُ لِلضّارِبِ والقاتِلِ والمُزَكِّي: فَعَلَ الضَرْبَ والقَتْلَ والتَزْكِيَةَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَكاةِ العَيْنُ ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو الأداءُ ودَخَلَ اللامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ وضَعْفِ اسْمِ الفاعِلِ في العَمَلِ فَإنَّكَ تَقُولُ هَذا ضارِبٌ لِزَيْدٍ، ولا تَقُولُ: ضَرَبَ لِزَيْدٍ.

المؤمنون 23:5

﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ الفَرْجُ يَشْمَلُ سَوْءَةَ الرَجُلِ والمَرْأةِ.

المؤمنون 23:6

﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ مِن قَوْلِكَ: كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ أيْ: والِيًا عَلَيْها، والمَعْنى: أنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ في جَمِيعِ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَزَوُّجِهِمْ أوْ تَسَرِّيهِمْ أوْ تُعَلَّقُ ﴿عَلى﴾ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَلامُونَ ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ أيْ: يَلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرَةٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وقالَ الفَرّاءُ إلّا مِن أزْواجِهِمْ أيْ: زَوْجاتِهِمْ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ أيْ: إمائِهِمْ ولَمْ يَقُلْ مِن، لِأنَّ المَمْلُوكَ جَرى (p-٤٦٠)مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ ولِهَذا يُباعُ كَما تُباعُ البَهائِمُ ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أيْ: لا لَوْمَ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يَحْفَظُوا فُرُوجَهم عَنْ نِسائِهِمْ وإمائِهِمْ.

المؤمنون 23:7

﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ طَلَبَ قَضاءَ شَهْوَةٍ مِن غَيْرِ هَذَيْنِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ الكامِلُونَ في العُدْوانِ وفِيهِ دَلِيلُ تَحْرِيمِ المُتْعَةِ والِاسْتِمْتاعِ بِالكَفِّ لِإرادَةِ الشَهْوَةِ.

المؤمنون 23:8

﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ﴾ "لِأمانَتِهِمْ" مَكِّيٌّ وسَهْلٌ، سَمّى الشَيْءَ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ والمُعاهَدَ عَلَيْهِ أمانَةً وعَهْدًا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] وإنَّما تُؤَدّى العُيُونُ لا المَعانِي والمُرادُ بِهِ العُمُومُ في كُلِّ ما ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ وعُوهِدُوا مِن جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ومِن جِهَةِ الخَلْقِ ﴿راعُونَ﴾ حافِظُونَ والراعِي القائِمُ عَلى الشَيْءِ بِحِفْظٍ وإصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ.

المؤمنون 23:9

﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ﴾ "صَلاتِهِمْ" كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ ﴿يُحافِظُونَ﴾ يُداوِمُونَ في أوْقاتِها، وإعادَةُ ذِكْرِ الصَلاةِ، لِأنَّها أهَمُّ ولِأنَّ الخُشُوعَ فِيها غَيْرُ المُحافَظَةِ عَلَيْها، أوْ لِأنَّها وُحِّدَتْ أوَّلًا لِيُفادَ الخُشُوعُ في جِنْسِ الصَلاةِ أيَّةَ صَلاةٍ كانَتْ وجُمِعَتْ آخِرًا لِيُفادَ المُحافَظَةُ عَلى أنْواعِها مِنَ الفَرائِضِ والواجِباتِ والسُنَنِ والنَوافِلِ.

المؤمنون 23:10

﴿أُولَئِكَ﴾ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ الأحِقّاءُ بِأنْ يُسَمَّوْا وُرّاثًا دُونَ مَن عَداهم ثُمَّ تَرْجَمَ الوارِثِينَ بِقَوْلِهِ.

المؤمنون 23:11

﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ﴾ مِنَ الكُفّارِ في الحَدِيثِ: « " ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ مَنزِلانِ مَنزِلٌ في الجَنَّةِ ومَنزِلٌ في النارِ فَإنْ ماتَ ودَخَلَ الجَنَّةَ ورِثَ أهْلُ النارِ (p-٤٦١)مَنزِلَهُ وإنْ ماتَ ودَخَلَ النارَ ورِثَ أهْلُ الجَنَّةِ مَنزِلَهُ" »﴿الفِرْدَوْسَ﴾ هو البُسْتانُ الواسِعُ الجامِعُ لِأصْنافِ الثَمَرِ وقالَ قُطْرُبٌ هو أعْلى الجِنانِ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ أنَّثَ الفِرْدَوْسَ بِتَأْوِيلِ الجَنَّةِ.

المؤمنون 23:12

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ أيْ: آدَمَ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ مِن لِلِابْتِداءِ والسُلالَةُ الخُلاصَةُ، لِأنَّها تُسَلُّ مِن بَيْنِ الكَدَرِ وقِيلَ إنَّما سُمِّيَ التُرابُ الَّذِي خُلِقَ آدَمُ مِنهُ سُلالَةً، لِأنَّهُ سُلَّ مِن كُلِّ تُرْبَةٍ ﴿مِن طِينٍ﴾ مِن لِلْبَيانِ كَقَوْلِهِ ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]

المؤمنون 23:13

﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ أيْ: نَسْلَهُ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَصِرْ نُطْفَةً وهو كَقَوْلِهِ ﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] وقِيلَ الإنْسانُ بَنُو آدَمَ والسُلالَةُ النُطْفَةُ والعَرَبُ تُسَمِّي النُطْفَةَ سُلالَةً أيْ: ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ يَعْنِي: مِن نُطْفَةٍ مَسْلُولَةٍ مِن طِينٍ أيْ: مِن مَخْلُوقٍ مِن طِينٍ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿نُطْفَةً﴾ ماءً قَلِيلًا ﴿فِي قَرارٍ﴾ مُسْتَقَرٍّ يَعْنِي: الرَحِمَ ﴿مَكِينٍ﴾ حَصِينٍ.

المؤمنون 23:14

﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُطْفَةَ﴾ أيْ: صَيَّرْناها بِدَلالَةِ تَعَدِّيهِ إلى مَفْعُولَيْنِ والخَلْقُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ ﴿عَلَقَةً﴾ قِطْعَةَ دَمٍ والمَعْنى: أحَلْنا النُطْفَةَ البَيْضاءَ عَلَقَةً حَمْراءَ ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ لَحْمًا قَدْرَ ما يُمْضَغُ ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ فَصَيَّرْناها عَظامًا ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ فَأنْبَتْنا عَلَيْها اللَحْمَ فَصارَ لَها كاللِباسِ عَظْمًا " العَظْمَ" شامِيٌّ وأبُو بَكْرٍ "عَظْمًا" "العِظامَ" زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ "عِظامًا" "العَظْمَ" عَنْ أبِي زَيْدٍ وُضِعَ الواحِدُ مَوْضِعَ الجَمْعِ (p-٤٦٢)لِعَدَمِ اللَبْسِ إذِ الإنْسانُ ذُو عِظامٍ كَثِيرَةٍ ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ﴾ الضَمِيرُ يَعُودُ إلى الإنْسانِ أوْ إلى المَذْكُورِ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ: خَلَقًا مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا وكانَ جَمادًا وناطِقًا وسَمِيعًا وبَصِيرًا وكانَ بِضِدِّ هَذِهِ الصِفاتِ ولِهَذا قُلْنا إذا غَصَبَ بَيْضَةً فَأفْرَخَتْ عِنْدَهُ يَضْمَنُ البَيْضَةَ ولا يَرُدُّ الفَرْخَ، لِأنَّهُ خَلْقٌ آخَرُ سِوى البَيْضَةِ ﴿فَتَبارَكَ اللهُ﴾ فَتَعالى أمْرُهُ في قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ ﴿أحْسَنُ﴾ بَدَلٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ ولَيْسَ بِصِفَةٍ، لِأنَّهُ نَكِرَةٌ وإنْ أُضِيفَ، لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ عِوَضٌ مِن "مِن" ﴿الخالِقِينَ﴾ المُقَدِّرِينَ أيْ: أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا فَتُرِكَ ذِكْرُ المُمَيِّزِ لِدَلالَةِ الخالِقِينَ عَلَيْهِ وقِيلَ «إنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كاتِبَ النَبِيِّ ﷺ نَطَقَ بِذَلِكَ قَبْلَ إمْلائِهِ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ "هَكَذا نَزَلَتْ" فَقالَ عَبْدُ اللهِ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا يُوحى إلَيْهِ فَأنا نَبِيٌّ يُوحى إلَيَّ فارْتَدَّ ولَحِقَ بِمَكَّةَ ثُمَّ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ » وقِيلَ هَذِهِ الحِكايَةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، لِأنَّ ارْتِدادَهُ كانَ بِالمَدِينَةِ وهَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ القائِلُ عُمَرُ أوْ مُعاذٌ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -

المؤمنون 23:15

﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بَعْدَ ما ذَكَرْنا مِن أمْرِكم ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكُمْ.

المؤمنون 23:16

﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ تَحْيَوْنَ لِلْجَزاءِ.

المؤمنون 23:17

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ جَمْعُ طَرِيقَةٍ وهي السَمَواتُ كَأنَّهُ قالَ خَلَقْناها فَوْقَكم وما كُنّا غافِلِينَ عَنْ حِفْظِها أوْ أرادَ بِهِ الناسَ وأنَّهُ إنَّما خَلَقْنا فَوْقَهم لِيَفْتَحَ عَلَيْهِمُ الأرْزاقَ والبَرَكاتِ مِنها وما كانَ غافِلًا عَنْهم وعَمّا يُصْلِحُهم (p-٤٦٣)

المؤمنون 23:18

﴿وَأنْـزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً﴾ مَطَرًا ﴿بِقَدَرٍ﴾ بِتَقْدِيرٍ يَسَلَمُونَ مَعَهُ مِنَ المَضَرَّةِ ويَصِلُونَ إلى المَنفَعَةِ أوْ بِمِقْدارِ ما عَلِمْنا مِن حاجاتِهِمْ ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] وقِيلَ جَعَلْناهُ ثابِتًا في الأرْضِ فَماءُ الأرْضِ كُلُّهُ مِنَ السَماءِ ثُمَّ اسْتَأدّى شُكْرَهم بِقَوْلِهِ ﴿وَإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ أيْ: كَما قَدَرْنا عَلى إنْزالِهِ نَقْدِرُ عَلى إذْهابِهِ فَقَيِّدُوا هَذِهِ النِعْمَةَ بِالشُكْرِ.

المؤمنون 23:19

﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ﴾ بِالماءِ ﴿جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ﴾ ﴿وَأعْنابٍ لَكم فِيها﴾ في الجَنّاتِ ﴿فَواكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ سِوى النَخِيلِ والأعْنابِ ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الجَنّاتِ أيْ: مِن ثِمارِها ويَجُوزُ أنَّ هَذا مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَةٍ يَحْتَرِفُها ومِن صَنْعَةٍ يَغْتَلُّها أيْ: أنَّها طُعْمَتُهُ وجِهَتُهُ الَّتِي مِنها يُحَصِّلُ رِزْقَهُ كَأنَّهُ قالَ: وهَذِهِ الجَنّاتُ وُجُوهُ أرْزاقِكم ومَعايِشِكم مِنها تُرْزَقُونَ وتَتَعَيَّشُون.

المؤمنون 23:20

﴿وَشَجَرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى جَنّاتٍ وهي شَجَرَةُ الزَيْتُونِ ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ طُورُ سَيْناءَ وطُورُ سِينِينَ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُضافَ الطُورُ إلى بُقْعَةٍ اسْمُها سَيْناءُ وسِينُونَ وإمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْجَبَلِ مُرَكَّبًا مِن مُضافٍ ومُضافٍ إلَيْهِ كامْرِئِ القَيْسِ وهو جَبَلُ فِلَسْطِينَ، وسَيْناءُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ بِكُلِّ حالٍ، مَكْسُورُ السِينِ كَقِراءَةِ الحِجازِيِّ وأبِي عَمْرٍو لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ أوْ مَفْتُوحُها كَقِراءَةِ غَيْرِهِمْ، لِأنَّ الألْفَ لِلتَّأْنِيثِ كَصَحْراءَ ﴿تَنْبُتُ بِالدُهْنِ﴾ قالَ الزَجّاجُ الباءُ لِلْحالِ أيْ: تَنْبُتُ ومَعَها الدُهْنُ "تُنْبِتُ" مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو إمّا، لِأنَّ أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ كَقَوْلِهِ: حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ أوْ، لِأنَّ مَفْعُولَهُ مَحْذُوفٌ أيْ: تُنْبِتُ زَيْتُونَها وفِيهِ الدُهْنُ ﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ أيْ: إدامٍ لَهم قالَ مُقاتِلٌ جَعَلَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ إدامًا ودُهْنًا فالإدامُ الزَيْتُونُ والدُهْنُ الزَيْتُ (p-٤٦٤)وَقِيلَ هي أوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ بَعْدَ الطُوفانِ وخَصَّ هَذِهِ الأنْواعَ الثَلاثَةَ، لِأنَّها أكْرَمُ الشَجَرِ وأفْضَلُها وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ.

المؤمنون 23:21

﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ﴾ جَمْعُ نَعَمٍ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ ﴿لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ﴾ وبِفَتْحِ النُونِ شامِيٌّ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ وسَقى وأسْقى لُغَتانِ ﴿مِمّا في بُطُونِها﴾ أيْ: نُخْرِجُ لَكم مِن بُطُونِها لَبَنًا سائِغًا ﴿وَلَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ سِوى الألْبانِ وهي مَنافِعُ الأصْوافِ والأوْبارِ والأشْعارِ ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ أيْ: لُحُومِها.

المؤمنون 23:22

﴿وَعَلَيْها﴾ وعَلى الأنْعامِ في البَرِّ ﴿وَعَلى الفُلْكِ﴾ في البَحْرِ ﴿تُحْمَلُونَ﴾ في أسْفارِكم وهَذا يُشِيرُ إلى أنَّ المُرادَ بِالأنْعامِ الإبِلَ، لِأنَّها هي المَحْمُولُ عَلَيْها في العادَةِ فَلِذا قَرَنَها بِالفُلْكِ الَّتِي هي السَفائِنُ، لِأنَّها سَفائِنُ البَرِّ قالَ ذُو الرُمَّةِ ؎.......... سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها يُرِيدُ ناقَتَهُ.

المؤمنون 23:23

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحِّدُوهُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ﴾ مَعْبُودٌ ﴿غَيْرُهُ﴾ بِالرَفْعِ عَلى المَحَلِّ وبِالجَرِّ عَلى اللَفْظِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ تَجْرِي مَجْرى التَعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَةَ اللهِ الَّذِي هو رَبُّكم وخالِقُكم إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ مِمّا لَيْسَ مِنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ في شَيْءٍ.

المؤمنون 23:24

﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ: أشْرافُهم لِعَوامِّهِمْ ﴿ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَطْلُبُ الفَضْلَ عَلَيْكم (p-٤٦٥)وَيَتَرَأَّسُ ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ﴾ إرْسالَ رَسُولٍ ﴿لأنْـزَلَ مَلائِكَةً﴾ لَأرْسَلَ مَلائِكَةً ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيْ: بِإرْسالِ بَشَرٍ رَسُولًا أوْ بِما يَأْمُرُنا بِهِ مِنَ التَوْحِيدِ وسَبِّ آلِهَتِنا، والعَجَبُ مِنهم أنَّهم رَضُوا بِالأُلُوهِيَّةِ لِلْحَجَرِ ولَمْ يَرْضَوْا بِالنُبُوَّةِ لِلْبَشَرِ ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾

المؤمنون 23:25

﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ جُنُونٌ ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ فانْتَظِرُوا واصْبِرُوا عَلَيْهِ إلى زَمانٍ حَتّى يَنْجَلِيَ أمْرُهُ فَإنْ أفاقَ مِن جُنُونِهِ وإلّا قَتَلْتُمُوهُ.

المؤمنون 23:26

﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ فَلَمّا أيِسَ مِن إيمانِهِمْ دَعا اللهَ بِالِانْتِقامِ مِنهم والمَعْنى: أهْلِكْهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ إذْ في نُصْرَتِهِ إهْلاكُهم أوِ انْصُرْنِي بَدَلَ "ما كَذَّبُونِ" كَقَوْلِكَ هَذا بِذاكَ أيْ: بَدَلَ ذاكَ والمَعْنى: أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النُصْرَةِ عَلَيْهِمْ.

المؤمنون 23:27

﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ: أجَبْنا دُعاءَهُ فَأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴿أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: تَصْنَعُهُ وأنْتَ واثِقٌ بِحِفْظِ اللهِ لَكَ ورُؤْيَتِهِ إيّاكَ أوْ بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا كَأنَّ مَعَكَ مِنَ اللهِ حُفّاظًا يَكْلَؤُونَكَ بِعُيُونِهِمْ لِئَلّا يَتَعَرَّضَ لَكَ ولا يُفْسِدَ عَلَيْكَ مُفْسِدٌ عَمَلَكَ ومِنهُ قَوْلُهم عَلَيْهِ مِنَ اللهِ عَيْنٌ كالِئَةٌ ﴿وَوَحْيِنا﴾ أمْرِنا وتَعْلِيمِنا إيّاكَ صَنْعَتَها رُوِيَ: أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَها عَلى مِثالِ جُؤْجُؤِ الطائِرِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: عَذابُنا بِأمْرِنا ﴿وَفارَ التَنُّورُ﴾ أيْ: فارَ الماءُ مِن تَنُّورِ الخُبْزِ أيْ: أُخْرِجَ سَبَبُ الغَرَقِ مِن مَوْضِعِ الحَرْقِ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الإنْذارِ والِاعْتِبارِ رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِنُوحٍ إذا رَأيْتَ الماءَ يَفُورُ مِنَ التَنُّورِ فارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ في السَفِينَةِ فَلَمّا نَبَعَ الماءُ مِنَ التَنُّورِ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبَ وكانَ تَنُّورَ آدَمَ فَصارَ إلى نُوحٍ وكانَ مِن حِجارَةٍ واخْتُلِفَ في مَكانِهِ فَقِيلَ في مَسْجِدِ الكُوفَةِ وقِيلَ بِالشامِ وقِيلَ بِالهِنْدِ ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ فَأدْخِلْ (p-٤٦٦)فِي السَفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ مِن كُلِّ أُمَّةٍ زَوْجَيْنِ وهُما أُمَّةُ الذَكَرِ وأُمَّةُ الأُنْثى كالجِمالِ والنُوقِ والحِصانِ والرِماكِ ﴿اثْنَيْنِ﴾ واحِدَيْنِ مُزْدَوِجَيْنِ كالجَمَلِ والناقَةِ والحِصانِ والرَمَكَةِ، رُوِيَ: أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ إلّا ما يَلِدُ ويَبِيضُ، ﴿مِن كُلٍّ﴾ حَفْصٌ أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ واثْنَيْنِ تَأْكِيدٌ وزِيادَةُ بَيانٍ ﴿وَأهْلَكَ﴾ ونِساءَكَ وأوْلادَكَ ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ مِنَ اللهِ بِإهْلاكِهِ وهو ابْنُهُ وإحْدى زَوْجَتَيْهِ فَجِيءَ بِعَلى مَعَ سَبْقِ الضارِّ كَما جِيءَ بِاللامِ مَعَ سَبْقِ النافِعِ في قَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ونَحْوُها ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ولا تَسْألْنِي نَجاةَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَإنِّي أُغْرِقُهُمْ.

المؤمنون 23:28

﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ فَإذا تَمَكَّنْتُمْ عَلَيْها راكِبِينَ ﴿فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ أُمِرَ بِالحَمْدِ عَلى هَلاكِهِمْ والنَجاةِ مِنهم ولَمْ يَقُلْ فَقُولُوا، وإنْ كانَ" ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ في مَعْنى إذا اسْتَوَيْتُمْ، لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم فَكانَ قَوْلُهُ قَوْلَهم مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُبُوَّةِ.

المؤمنون 23:29

﴿وَقُلْ﴾ حِينَ رَكِبْتَ عَلى السَفِينَةِ أوْ حِينَ خَرَجْتَ مِنها ﴿رَبِّ أنْـزِلْنِي مُنْـزَلا﴾ أيْ: إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ، "مَنزِلًا" أبُو بَكْرٍ أيْ: مَكانًا ﴿مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ والبَرَكَةُ في السَفِينَةِ النَجاةُ فِيها وبَعْدَ الخُرُوجِ مِنها كَثْرَةُ النَسْلِ وتَتابُعُ الخَيْراتِ (p-٤٦٧)

المؤمنون 23:30

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ فِيما فُعِلَ بِنُوحٍ وقَوْمِهِ ﴿لآياتٍ﴾ لَعِبَرًا ومَواعِظَ ﴿وَإنْ﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ المُثَقَّلَةِ واللامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ النافِيَةِ وبَيْنَها والمَعْنى: وإنَّ الشَأْنَ والقِصَّةَ ﴿كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ مُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ وعِقابٍ شَدِيدٍ أوْ مُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِنَنْظُرَ مَن يَعْتَبِرُ ويَذَّكَّرُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥]

المؤمنون 23:31

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا﴾ خَلَقْنا ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ هُمُ عادٌ وقَوْمُ هُودٍ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ هُودٍ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] ومَجِيءُ قِصَّةِ هُودٍ عَلى أثَرِ قِصَّةِ نُوحٍ في الأعْرافِ وهُودٍ والشُعَراءِ.

المؤمنون 23:32

﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ﴾ الإرْسالُ يُعَدّى بِإلى ولَمْ يُعَدَّ بِفي هُنا وفي قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرعد: ٣٠] ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ [الأعراف: ٩٤] ولَكِنَّ الأُمَّةَ والقَرْيَةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ ؎ أرْسَلْتُ فِيها مُصْعَبًا ذا إقْحامِ....... ﴿رَسُولا﴾ هو هُودٌ ﴿مِنهُمْ﴾ مِن قَوْمِهِمْ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِأرْسَلْنا أيْ: قُلْنا لَهم عَلى لِسانِ الرَسُولِ اعْبُدُوا اللهَ.

المؤمنون 23:33

﴿وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ﴾ ذَكَرَ مَقالَ قَوْمِ هُودٍ في جَوابِهِ في الأعْرافِ وهُودٍ بِغَيْرِ واوٍ، لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ قالَ: فَما قالَ قَوْمُهُ فَقِيلَ لَهُ: قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ وهَهُنا مَعَ الواوِ، لِأنَّهُ عَطْفٌ لِما قالُوهُ عَلى ما قالَهُ الرَسُولُ ومَعْناهُ: أنَّهُ اجْتَمَعَ في الحُصُولِ هَذا الحَقُّ وهَذا الباطِلُ ولَيْسَ بِجَوابٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُتَّصِلٍ بِكَلامِهِ ولَمْ يَكُنْ بِالفاءِ وجِيءَ بِالفاءِ في قِصَّةِ نُوحٍ، لِأنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِهِ واقِعٌ عَقِيبَهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صِفَةٌ لِلْمَلَأِ أوَلِقَوْمِهِ ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ (p-٤٦٨)أيْ: بِلِقاءِ ما فِيها مِنَ الحِسابِ والثَوابِ والعِقابِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وَأتْرَفْناهُمْ﴾ ونَعَّمْناهم ﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا﴾ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ ﴿ما هَذا﴾ أيِ النَبِيُّ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ: مِنهُ فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: مِن أيْنَ يَدَّعِي رِسالَةَ اللهِ مِن بَيْنِكم وهو مِثْلُكُمْ.

المؤمنون 23:34

﴿وَلَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ أيْ: فِيما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ ﴿إنَّكم إذًا﴾ واقِعٌ في جَزاءِ الشَرْطِ وجَوابٌ لِلَّذِينِ قاوَلُوهم مِن قَوْمِهِمْ ﴿لَخاسِرُونَ﴾ بِالِانْقِيادِ لِمِثْلِكم ومِن حُمْقِهِمْ أنَّهم أبَوُا اتِّباعَ مِثْلِهِمْ وعَبَدُوا أعْجَزَ مِنهُمْ.

المؤمنون 23:35

﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ بِالكَسْرِ:نافِعٌ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ، وغَيْرُهم بِالضَمِّ ﴿وَكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مَبْعُوثُونَ لِلسُّؤالِ والحِسابِ والثَوابِ والعِقابِ وثَنّى "أنَّكُمْ" لِلتَّأْكِيدِ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الأوَّلِ والثانِي بِالظَرْفِ ومُخْرَجُونَ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ والتَقْدِيرُ أيَعِدُكم أنَّكم مُخْرَجُونَ إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا.

المؤمنون 23:36

﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ وبِكَسْرِ التاءِ: يَزِيدُ، ورُوِيَ: عَنْهُ بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ فِيهِما، والكِسائِيُّ يَقِفُ بِالهاءِ وغَيْرُهُ بِالتاءِ وهو اسْمٌ لِلْفِعْلِ واقِعٌ مَوْقِعَ "بَعُدَ" فاعِلُها مُضْمَرٌ أيْ: بَعُدَ ما تُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ.

المؤمنون 23:37

﴿إنْ هِيَ﴾ هَذا ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يَعْنِيبِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ وأصْلُهُ إنِ الحَياةُ ﴿إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] ثُمَّ وضَعَ هي مَوْضِعَ الحَياةِ، لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْها ويُبَيِّنُها والمَعْنى: لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها ودَنَتْ مِنّا وهَذا، لِأنَّ إنِ النافِيَةَ دَخَلَتْ عَلى هي الَّتِي في مَعْنى الحَياةِ الدالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها فَوازَنَتْ لا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ: يَمُوتُ (p-٤٦٩)بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ يَنْقَرِضُ قَرْنٌ فَيَأْتِي قَرْنٌ آخَرُ أوْ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: نَحْيا ونَمُوتُ وهو قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بَعْدَ المَوْتِ.

المؤمنون 23:38

﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ أيْ: ما هو إلّا مُفْتَرٍ عَلى اللهِ فِيما يَدَّعِيهِ مِنِ اسْتِنْبائِهِ لَهُ وفِيما يَعِدُنا مِنَ البَعْثِ ﴿وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بِمُصَدِّقِينَ.

المؤمنون 23:39

﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ فَأجابَ اللهُ دُعاءَ الرَسُولِ بِقَوْلِهِ.

المؤمنون 23:40

﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ﴾ "ما" زائِدَةٌ أوْ بِمَعْنى شَيْءٍ أوْ زَمَنٍ و"قَلِيلٍ" بَدَلٌ مِنها، وجَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ ﴿لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ إذا عايَنُوا ما يَحِلُّ بِهِمْ.

المؤمنون 23:41

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ﴾ أيْ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ صاحَ عَلَيْهِمْ فَدَمَّرَهم ﴿بِالحَقِّ﴾ بِالعَدْلِ مِنَ اللهِ يُقالُ فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ أيْ: بِالعَدْلِ ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ شَبَّهَهم في دَمارِهِمْ بِالغُثاءِ وهو حَمِيلُ السَيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ ﴿فَبُعْدًا﴾ فَهَلاكًا يُقالُ بَعِدَ بَعَدا وبُعْدًا أيْ: هَلَكَ وهو مِنَ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها ﴿لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ﴾ بَيانٌ لِمَن دُعِيَ عَلَيْهِ بِالبُعْدِ نَحْوُ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] "

المؤمنون 23:42

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ قَوْمَ صالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ وغَيْرَهُمْ.

المؤمنون 23:43

﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ﴾ "مِن" صِلَةٌ أيْ: ما تَسْبِقُ أُمَّةٌ ﴿أجَلَها﴾ المَكْتُوبَ لَها والوَقْتَ الَّذِي حُدَّ لِهَلاكِها وكُتِبَ ﴿وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ لا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ.

المؤمنون 23:44

﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ " فَعْلى". والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ كَسَكْرى، لِأنَّ الرُسُلَ جَماعَةٌ ولِذا لا يُنَوَّنُ، لِأنَّهُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ "تَتْرًى" بِالتَنْوِينِ مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو ويَزِيدُ عَلى أنَّ الألِفَ لِلْإلْحاقِ كَأرْطًى وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ في القِراءَتَيْنِ (p-٤٧٠)أيْ: مُتَتابِعِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وِتاؤُها فِيهِما بَدَلٌ مِنَ الواوِ والأصْلُ "وِتْرى" مِنَ الوِتْرِ وهو الفَرْدُ فَقُلِبَتِ الواوُ تاءً كَتُراثٍ ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ الرَسُولُ يُلابِسُ المُرْسَلَ والمُرْسَلَ إلَيْهِ والإضافَةُ تَكُونُ بِالمُلابَسَةِ فَتَصِحُّ إضافَتُهُ إلَيْهِما ﴿فَأتْبَعْنا﴾ الأُمَمَ والقُرُونَ ﴿بَعْضَهم بَعْضًا﴾ في الهَلاكِ ﴿وَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ أخْبارًا يُسْمَعُ بِها ويُتَعَجَّبُ مِنها والأحادِيثُ تَكُونُ اسْمَ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ ومِنهُ أحادِيثُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وتَكُونُ جَمْعًا لِلْأُحْدُوثَةِ وهو ما يَتَحَدَّثُ بِهِ الناسُ تَلَهِّيًا وتَعَجُّبًا وهو المُرادُ هُنا ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾

المؤمنون 23:45

﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ﴾ بَدَلٌ مِن أخاهُ ﴿بِآياتِنا﴾ التِسْعِ ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ وحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ.

المؤمنون 23:46

﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا﴾ امْتَنَعُوا عَنْ قَبُولِ الإيمانِ تَرَفُّعًا وتَكَبُّرًا ﴿وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ مُتَكَبِّرِينَ مُتَرَفِّعِينَ.

المؤمنون 23:47

﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ البَشَرُ يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا، ومِثْلٌ وغَيْرٌ يُوصَفُ بِهِما الِاثْنانِ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ﴿وَقَوْمُهُما﴾ أيْ: بَنُو إسْرائِيلَ ﴿لَنا عابِدُونَ﴾ خاضِعُونَ مُطِيعُونَ وكُلُّ مَن دانَ لِمَلِكٍ فَهو عابِدٌ لَهُ عِنْدَ العَرَبِ.

المؤمنون 23:48

﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ بِالغَرَقِ.

المؤمنون 23:49

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى﴾ أيْ:قَوْمَ مُوسى ﴿الكِتابَ﴾ التَوْراةَ ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ يَعْمَلُونَ بِشَرائِعِها ومَواعِظِها.

المؤمنون 23:50

﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ تَدَلُّ عَلى قُدْرَتِنا عَلى ما نَشاءُ، لِأنَّهُ خُلِقَ مِن غَيْرِ نُطْفَةٍ وُحِّدَ لِأنَّ الأُعْجُوبَةَ فِيهِما واحِدَةٌ أوِ المُرادُ وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً وأُمَّهَ آيَةً فَحُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثانِيَةِ عَلَيْها ﴿وَآوَيْناهُما﴾ جَعَلْنا (p-٤٧١)مَأْواهُما أيْ: مَنزِلَهُما ﴿إلى رَبْوَةٍ﴾ شامِيٌّ وعاصِمٌ، "رُبْوَةٍ" غَيْرُهُما أيْ: أرْضٍ مُرْتَفِعَةٍ وهي بَيْتُ المَقْدِسِ أوْ دِمَشْقُ أوِ الرَمْلَةُ أوْ مِصْرُ ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ مُسْتَقَرٍّ مِن أرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ مُنْبَسِطَةٍ أوْ ذاتِ ثِمارٍ وماءٍ يَعْنِي: أنَّهُ لِأجْلِ الثِمارِ يَسْتَقِرُّ فِيها ساكِنُوها ﴿وَمَعِينٍ﴾ وماءٍ ظاهِرٍ جارٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ وهو مَفْعُولٌ أيْ: مُدْرَكٌ بِالعَيْنِ بِظُهُورِهِ مِن: عانَهُ إذا أدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ أوْ فَعِيلٌ أنَّهُ نَفّاعٌ بِظُهُورِهِ وجَرْيِهِ مِنَ الماعُونِ وهو المَنفَعَةُ.

المؤمنون 23:51

﴿يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ﴾ هَذا النِداءُ والخِطابُ لَيْسا عَلى ظاهِرِهِما، لِأنَّهم أُرْسِلُوا مُتَفَرِّقِينَ في أزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وإنَّما المَعْنى: الإعْلامُ بِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ في زَمانِهِ نُودِيَ بِذَلِكَ ووُصِّيَ بِهِ لِيَعْتَقِدَ السامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ أنْ يُؤْخَذَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ أوْ هو خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِفَضْلِهِ وقِيامِهِ مَقامَ الكُلِّ في زَمانِهِ وكانَ يَأْكُلُ مِنَ الغَنائِمِ أوْ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ لِاتِّصالِ الآيَةِ بِذِكْرِهِ وكانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ وهو أطْيَبُ الطَيِّباتِ والمُرادُ بِالطَيِّباتِ ما حَلَّ والأمْرُ لِلتَّكْلِيفِ أوْ ما يُسْتَطابُ ويُسْتَلَذُّ والأمْرُ لِلتَّرْفِيهِ والإباحَةِ ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ مُوافِقًا لِلشَّرِيعَةِ ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فَأُجازِيكم عَلى أعْمالِكُمْ.

المؤمنون 23:52

﴿وَإنَّ هَذِهِ﴾ كُوفِيٌّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، "وَأنَّ" حِجازِيٌّ وبَصْرِيٌّ بِمَعْنى ولِأنَّ أيْ "فاتَّقُونِ" لِأنَّ هَذِهِ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ: "بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ" وبِأنَّ هَذِهِ، أوْ تَقْدِيرُهُ واعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ أيْ: مِلَّتُكم وشَرِيعَتُكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ مِلَّةً واحِدَةً وهي شَرِيعَةُ الإسْلامِ وانْتِصابُ "أُمَّةً" عَلى الحالِ والمَعْنى: وإنَّ الدِينَ دِينٌ واحِدٌ وهو الإسْلامُ ومِثْلُهُ "إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ" ﴿وَأنا رَبُّكُمْ﴾ وحْدِي ﴿فاتَّقُونِ﴾ فَخافُوا عِقابِي في مُخالَفَتِكم أمْرِي.

المؤمنون 23:53

﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ تَقَطَّعَ بِمَعْنى قَطَّعَ أيْ: قَطَّعُوا أمْرَ دِينِهِمْ (p-٤٧٢)﴿زُبُرًا﴾ جَمْعُ زَبُورٍ أيْ: كُتُبًا مُخْتَلِفَةً يَعْنِي: جَعَلُوا دِينَهم أدْيانًا وقِيلَ تَفَرَّقُوا في دِينِهِمْ فِرَقًا كُلُّ فِرْقَةٍ تَنْتَحِلُ كِتابًا، وعَنِ الحَسَنِ قَطَّعُوا كِتابَ اللهِ قِطَعًا وحَرَّفُوهُ. وقُرِئَ "زُبَرًا" جَمْعُ زُبْرَةٍ أيْ: قِطَعًا ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ كُلُّ فِرْقَةٍ مِن فِرَقِ هَؤُلاءِ المُخْتَلِفِينَ المُتَقَطِّعَيْنِ دِينَهم ﴿بِما لَدَيْهِمْ﴾ مِنَ الكِتابِ والدِينِ أوْ مِنَ الهَوى والرَأْيِ ﴿فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ مُعْتَقِدُونَ أنَّهم عَلى الحَقِّ.

المؤمنون 23:54

﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ جَهالَتِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: إلى أنْ يَقْتُلُوا أوْ يَمُوتُوا.

المؤمنون 23:55

﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ما بِمَعْنى الَّذِي وخَبَرُ أنَّ.

المؤمنون 23:56

﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ والعائِدُ مِن خَبَرِ إنَّ إلى اسْمِها مَحْذُوفٌ أيْ: نُسارِعُ لَهم بِهِ والمَعْنى: أنَّ هَذا الإمْدادَ لَيْسَ إلّا اسْتِدْراجًا لَهم إلى المَعاصِي وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً لَهم في الخَيْراتِ ومُعاجَلَةً بِالثَوابِ جَزاءً عَلى حُسْنِ صَنِيعِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ الأصْلَحِ، لِأنَّهم يَقُولُونَ إنَّ اللهَ لا يَفْعَلُ بِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ إلّا ما هو أصْلَحُ لَهُ في الدِينِ وقَدْ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِخَيْرٍ لَهم في الدِينِ ولا أصْلَحَ ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بَلِ اسْتِدْراكٌ لِقَوْلِهِ ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] أيْ: أنَّهم أشْباهُ البَهائِمِ لا شُعُورَ لَهم حَتّى يَتَأمَّلُوا في ذَلِكَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ أوْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ.

المؤمنون 23:57

ثُمَّ بَيَّنَ ذِكْرَ أوْلِيائِهِ فَقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ.

المؤمنون 23:58

﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بِكُتُبِ اللهِ كُلِّها لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ كُتُبِهِ كالَّذِينِ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وهم أهْلُ الكِتابِ.

المؤمنون 23:59

﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ كَمُشْرِكِي العَرَبِ (p-٤٧٣)

المؤمنون 23:60

﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ أيْ: يُعْطُونَ ما أعْطَوْا مِنَ الزَكاةِ والصَدَقاتِ وقُرِئَ "يُؤْتُونَ ما أتَوْا" بِالقَصْرِ أيْ: يَفْعَلُونَ ما فَعَلُوا ﴿وَقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ خائِفَةٌ أنْ لا تُقْبَلَ مِنهم لِتَقْصِيرِهِمْ ﴿أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ التَقْدِيرَ، لِأنَّهم. وخَبَرُ ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] "

المؤمنون 23:61

﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ يَرْغَبُونَ في الطاعاتِ فَيُبادِرُونَها ﴿وَهم لَها سابِقُونَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الخَيْراتِ سابِقُونَ إلى الجَنّاتِ أوْ لِأجْلِها سَبَقُوا الناسَ.

المؤمنون 23:62

﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ أيْ: طاقَتَها يَعْنِي: أنَّ الَّذِي وُصِفَ بِهِ الصالِحُونَ غَيْرُ خارِجٍ عَنْ حَدِّ الوُسْعِ والطاقَةِ وكَذَلِكَ كُلُّ ما كَلَّفَهُ عِبادَهُ وهو رَدٌّ عَلى مَن جَوَّزَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ﴾ أيِ اللَوْحُ أوْ صَحِيفَةُ الأعْمالِ ﴿يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ لا يَقْرَءُونَ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا ما هو صِدْقٌ وعَدْلٌ لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نُقْصانَ ولا يُظْلَمُ مِنهم أحَدٌ بِزِيادَةِ عِقابٍ أوْ نُقْصانِ ثَوابٍ أوْ بِتَكْلِيفِ ما لا وُسْعَ لَهُ بِهِ.

المؤمنون 23:63

﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ بَلْ قُلُوبُ الكَفَرَةِ في غَفْلَةٍ غامِرَةٍ لَها مِمّا عَلَيْهِ هَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ: ولَهم أعْمالٌ خَبِيثَةٌ مُتَجاوِزَةٌ مُتَخَطِّيَةٌ لِذَلِكَ أيْ: لِما وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ وعَلَيْها مُقِيمُونَ لا يُفْطَمُونَ عَنْها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللهُ بِالعَذابِ.

المؤمنون 23:64

﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ مُتَنَعِّمِيهِمْ ﴿بِالعَذابِ﴾ عَذابِ الدُنْيا وهو القَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ حِينَ دَعا عَلَيْهِمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أوْ قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ و﴿حَتّى﴾ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَرْطِيَّةُ ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ يَصْرُخُونَ اسْتِغاثَةً والجُؤارُ الصُراخُ بِاسْتِغاثَةٍ فَيُقالُ لَهم (p-٤٧٤)

المؤمنون 23:65

﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ فَإنَّ الجُؤارَ غَيْرُ نافِعٍ لَكم ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ: مِن جِهَتِنا لا يَلْحَقُكم نَصْرٌ ومَعُونَةٌ.

المؤمنون 23:66

﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ تَرْجِعُونَ القَهْقَرى والنُكُوصُ أنْ يَرْجِعَ القَهْقَرى وهو أقْبَحُ مِشْيَةٍ، لِأنَّهُ لا يَرى ما وراءَهُ.

المؤمنون 23:67

﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ مُتَكَبِّرِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، حالٌ مِن ﴿تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿بِهِ﴾ بِالبَيْتِ أوَ بِالحَرَمِ، لِأنَّهم يَقُولُونَ لا يَظْهَرُ عَلَيْنا أحَدٌ، لِأنّا أهْلُ الحَرَمِ، والَّذِي سَوَّغَ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ أوْ "بِآياتِي"، لِأنَّها في مَعْنى كِتابِي ومَعْنى اسْتِكْبارِهِمْ بِالقُرْآنِ تَكْذِيبُهم بِهِ اسْتِكْبارًا. ضُمِّنَ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ مَعْنى مُكَذِّبِينَ فَعُدِّي تَعْدِيَتَهُ أوْ يَتَعَلَّقُ الباءُ بِقَوْلِهِ ﴿سامِرًا﴾ تَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ وبِالطَعْنِ فِيهِ وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ يَسْمُرُونَ وكانَتْ عامَّةُ سَمَرِهِمْ ذِكْرَ القُرْآنِ وتَسْمِيَتَهُ شِعْرًا وسِحْرًا والسامِرُ نَحْوَ الحاضِرِ في الإطْلاقِ عَلى الجَمْعِ وقُرِئَ "سُمّارًا" أوْ بِقَوْلِهِ ﴿تَهْجُرُونَ﴾ وهو مِنَ الهُجْرِ: الهَذَيانُ، "تَهْجِرُونَ" نافِعٌ مِن أهْجَرَ في مَنطِقِهِ إذا أفْحَشَ.

المؤمنون 23:68

﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ أفَلَمْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ المُبِينُ فَيُصَدِّقُوا بِهِ وبِمَن جاءَ بِهِ ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ بَلْ أجاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ فَلِذَلِكَ أنْكَرُوهُ واسَتَبْدَعُوه.

المؤمنون 23:69

﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ مُحَمَّدًا بِالصِدْقِ والأمانَةِ ووُفُورِ العَقْلِ وصِحَّةِ النَسَبِ وحُسْنِ الأخْلاقِ أيْ: عَرَفُوهُ بِهَذِهِ الصِفاتِ ﴿فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ بَغْيًا وحَسَدًا.

المؤمنون 23:70

﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ جُنُونٌ ولَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ أرْجَحُهم (p-٤٧٥)عَقْلًا وأثَقَبُهم ذِهْنًا ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ الأبْلَجِ والصِراطِ المُسْتَقِيمِ وبِما خالَفَ شَهَواتِهِمْ وأهْواءَهم وهو التَوْحِيدُ والإسْلامُ ولَمْ يَجِدُوا لَهُ مَرَدًّا ولا مَدْفَعًا فَلِذَلِكَ نَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ ﴿وَأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّهم ما كانَ كارِهًا لِلْحَقِّ بَلْ كانَ تارِكًا لِلْإيمانِ بِهِ أنَفَةً واسْتِنْكافًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ وأنْ يَقُولُوا صَبِأ وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ كَأبِي طالِبٍ ٍ.

المؤمنون 23:71

﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ﴾ أيِ اللهُ ﴿أهْواءَهُمْ﴾ فِيما يَعْتَقِدُونَ مِنَ الآلِهَةِ ﴿لَفَسَدَتِ السَماواتُ والأرْضُ﴾ كَما قالَ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ﴿وَمَن فِيهِنَّ﴾ خَصَّ العُقَلاءَ بِالذِكْرِ، لِأنَّ غَيْرَهم تَبَعٌ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ بِالكِتابِ الَّذِي هو ذِكْرُهم أيْ: وعْظُهم أوْ شَرَفُهم، لِأنَّ الرَسُولَ مِنهم والقُرْآنَ بِلُغَتِهِمْ أوْ بِالذِكْرِ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ الآيَةَ ﴿فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ.

المؤمنون 23:72

﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ حِجازِيٌّ وبَصْرِيٌّ وعاصِمٌ "خُرْجًا.... فَخَرْجُ " شامِيٌّ،"خَراجًا....فَخَراجُ" عَلِيٌّ وحَمْزَةُ وهو ما تُخْرِجُهُ إلى الإمامِ مِن زَكاةِ أرْضِكَ وإلى كُلِّ عامِلٍ مِن أُجْرَتِهِ وجُعْلِهِ والخَرْجُ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ تَقُولُ خَراجُ القَرْيَةِ وخَرْجُ الكُرْدَةِ فَزِيادَةُ اللَفْظِ لِزِيادَةِ المَعْنى: ولِذا حَسُنَتِ القِراءَةُ الأُولى يَعْنِي: أمْ تَسْألُهم عَلى هِدايَتِكَ لَهم قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ فالكَثِيرُ مِنَ الخالِقِ خَيْرٌ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازِقِينَ﴾ أفْضَلُ المُعْطِينَ (p-٤٧٦)

المؤمنون 23:73

﴿وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو دِينُ الإسْلامِ فَحَقِيقٌ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ.

المؤمنون 23:74

﴿وَإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِراطِ لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ عَنْ هَذا الصِراطِ المَذْكُورِ وهو الصِراطُ المُسْتَقِيمُ.

المؤمنون 23:75

﴿وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ لَمّا أخَذَهُمُ اللهُ بِالسِنِينَ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ «جاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ لَهُ أنْشُدُكَ اللهَ والرَحِمَ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فَقالَ بَلى فَقالَ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ » والمَعْنى: لَوْ كَشَفَ اللهُ عَنْهم هَذا الضُرَّ وهو القَحْطُ الَّذِي أصابَهم بِرَحْمَتِهِ لَهم ووَجَدُوا الخِصْبَ ﴿لَلَجُّوا﴾ أيْ: لَتَمادَوْا ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَتَرَدَّدُونَ يَعْنِي: لَعادُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ولَذَهَبَ عَنْهم هَذا التَمَلُّقُ بَيْنَ يَدَيْهِ.

المؤمنون 23:76

﴿وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا﴾ اسْتَفْعَلَ مِنَ الكَوْنِ أيِ انْتَقَلَ مَن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ كَما قِيلَ اسْتَحالَ إذا انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ.

المؤمنون 23:77

﴿حَتّى إذا فَتَحْنا﴾ "فَتَّحْنا" يَزِيدُ ﴿عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: بابَ (p-٤٧٧)الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ ﴿إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ مُتَحَيِّرُونَ آيِسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ وجاءَ أعْتاهم وأشَدُّهم شَكِيمَةً في العِنادِ لِيَسْتَعْطِفَكَ أوْ مَحَنّاهم بِكُلِّ مِحْنَةٍ مِنَ القَتْلِ والجُوعِ فَما رُئِي فِيهِمْ لِينُ مَقادَةٍ وهم كَذَلِكَ حَتّى إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يُبْلِسُونَ كَقَوْلِهِ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]

المؤمنون 23:78

﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ خَصَّها بِالذِكْرِ، لِأنَّها يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ المَنافِعِ الدِينِيَّةِ والدُنْيَوِيَّةِ ما لا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِها ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: تَشْكُرُونَ شُكْرًا قَلِيلًا وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ بِمَعْنى حَقًّا والمَعْنى: إنَّكم لَمْ تَعْرِفُوا عَظِيمَ هَذِهِ النِعَمِ ووَضَعْتُمُوها غَيْرَ مَواضِعِها فَلَمْ تُعْمِلُوا أبْصارَكم وأسْماعَكم في آياتِ اللهِ وأفْعالِهِ ولَمْ تَسْتَدِلُّوا بِقُلُوبِكم فَتَعْرِفُوا المُنْعِمَ ولَمْ تَشْكُرُوا لَهُ شَيْئًا.

المؤمنون 23:79

﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأكُمْ﴾ خَلَقَكم وبَثَّكم بِالتَناسُلِ ﴿فِي الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تُجْمَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ تَفَرُّقِكُمْ.

المؤمنون 23:80

﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: يُحْيِي النَسَمَ بِالإنْشاءِ ويُمِيتُها بِالإفْناءِ ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَيْلِ والنَهارِ﴾ أيْ: مَجِيءُ أحَدِهِما عَقِيبَ الآخَرِ واخْتِلافُهُما في الظُلْمَةِ والنُورِ أوْ في الزِيادَةِ والنُقْصانِ وهو مُخْتَصٌّ بِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى تَصْرِيفِهِما غَيْرُهُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْرِفُوا قُدْرَتَنا عَلى البَعْثِ أوْ فَتَسْتَدِلُّوا بِالصُنْعِ عَلى الصانِعِ فَتُؤْمِنُوا.

المؤمنون 23:81

﴿بَلْ قالُوا﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ ﴿مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ أيِ الكُفّارُ قَبْلَهم ثُمَّ بَيَّنَ ما قالُوا بِقَوْلِهِ (p-٤٧٨)

المؤمنون 23:82

﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ "مِتْنا" نافِعٌ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ.

المؤمنون 23:83

﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا﴾ أيِ البَعْثَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ جَمْعُ أسْطارٍ جَمْعُ سَطْرٍ وهي ما كَتَبَهُ الأوَّلُونَ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ وجَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْفَقُ.

المؤمنون 23:84

ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهُمْ.

المؤمنون 23:85

﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، لِأنَّهم مُقِرُّونَ بِأنَّهُ الخالِقُ فَإذا قالُوا ﴿قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ فَتَعْلَمُوا أنَّ مَن فَطَرَ الأرْضَ ومَن فِيها كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ الخَلْقِ وكانَ حَقِيقًا بِأنْ لا يُشْرِكَ بِهِ بَعْضُ خَلْقِهِ في الرُبُوبِيَّةِ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ بِالتَخْفِيفِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ وبِالتَشْدِيدِ غَيْرُهُمْ.

المؤمنون 23:86

﴿قُلْ مَن رَبُّ السَماواتِ السَبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أفَلا تَخافُونَهُ فَلا تُشْرِكُوا بِهِ أوْ أفَلا تَتَّقُونَ في جُحُودِكم قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ مَعَ اعْتِرافِكم بِقُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ.

المؤمنون 23:87

﴿قُلْ مَن رَبُّ السَماواتِ السَبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أفَلا تَخافُونَهُ فَلا تُشْرِكُوا بِهِ أوْ أفَلا تَتَّقُونَ في جُحُودِكم قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ مَعَ اعْتِرافِكم بِقُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ.

المؤمنون 23:88

﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ المَلَكُوتُ المُلْكُ والواوُ والتاءُ لِلْمُبالَغَةِ فَتُنْبِئُ عَنْ عِظَمِ المُلْكِ ﴿وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أجْرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ: إذا أغَثْتَهُ مِنهُ ومَنَعْتَهُ يَعْنِي: وهو يُغِيثُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ ولا يُغِيثُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا (p-٤٧٩)

المؤمنون 23:89

﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ تُخْدَعُونَ عَنِ الحَقِّ أوْ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ والخادِعُ هو الشَيْطانُ والهَوى. الأوَّلُ "لِلَّهِ" بِالإجْماعِ إذِ السُؤالُ لِمَن وكَذا الثانِي والثالِثُ عِنْدَ غَيْرِ أهْلِ البَصْرَةِ عَلى المَعْنى:، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ مَن رَبُّ هَذا؟ فَمَعْناهُ: لِمَن هَذا؟ فَيُجابُ لِفُلانٍ كَقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ إذا قِيلَ مَن رَبُّ المَزالِفِ والقُرى ورَبُّ الجِيادِ الجُرْدِ ؟ قِيلَ: لِخالِدٍ أيْ: لِمَنِ المَزالِفُ، ومَن قَرَأ بِحَذْفِهِ فَعَلى الظاهِرِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ مَن رَبُّ هَذا؟ فَجَوابُهُ فُلانٌ.

المؤمنون 23:90

﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ بِأنَّ نِسْبَةَ الوَلَدِ إلَيْهِ مُحالٌ والشِرْكَ باطِلٌ ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في قَوْلِهِمُ اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا ودُعائِهِمُ الشَرِيكَ ثُمَّ أكَّدَ كَذِبَهم بِقَوْلِهِ.

المؤمنون 23:91

﴿ما اتَّخَذَ اللهُ مِن ولَدٍ﴾، لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَوْعِ والجِنْسِ ووَلَدُ الرَجُلِ مِن جِنْسِهِ ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ ولَيْسَ مَعَهُ شَرِيكٌ في الأُلُوهِيَّةِ ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ لانْفَرَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الآلِهَةِ بِالَّذِي خَلَقَهُ فاسْتَبَدَّ بِهِ ولَتَمَيَّزَ مُلْكُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَنِ الآخَرِ ﴿وَلَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ ولَغَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا كَما تَرَوْنَ حالَ مُلُوكِ الدُنْيا مَمالِكُهُمَ مُتَمايِزَةٌ وهم مُتَغالِبُونَ وحِينَ لَمْ تَرَوْا أثَرًا لِتَمايُزِ المَمالِكِ ولِلتَّغالُبِ فاعْلَمُوا أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ولا يُقالُ: "إذًا" لا تَدْخُلُ إلّا عَلى كَلامٍ هو جَزاءٌ وجَوابٌ وهَهُنا وقَعَ لَذَهَبَ جَزاءً وجَوابًا ولَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَرْطٌ ولا سُؤالُ سائِلٍ، لِأنَّ الشَرْطَ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: "وَلَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ " لِدَلالَةِ "وَما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ" عَلَيْهِ وهو جَوابٌ لِمَن حاجَّهُ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِنَ الأنْدادِ والأوْلادِ.

المؤمنون 23:92

﴿عالِمِ﴾ بِالجَرِّ صِفَةٌ لِلَّهِ وبِالرَفْعِ مَدَنِيٌّ وكُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ خَبَرُ (p-٤٨٠)مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ ﴿الغَيْبِ والشَهادَةِ﴾ السِرِّ والعَلانِيَةِ ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها.

المؤمنون 23:93

﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ إمّا والنُونُ مُؤَكِّدانِ أيْ: إنْ كانَ لابُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِي ما تَعِدُهم مِنَ العَذابِ في الدُنْيا أوْ في الآخِرَةِ.

المؤمنون 23:94

﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ أيْ: فَلا تَجْعَلْنِي قَرِينًا لَهم ولا تُعَذِّبْنِي بِعَذابِهِمْ، عَنِ الحَسَنِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أخْبَرَهُ اللهُ أنَّ لَهُ في أُمَّتِهِ نِقْمَةً ولَمْ يُخْبِرْهُ مَتى وقَتُها فَأمَرَ أنْ يَدْعُوَ هَذا الدُعاءَ ويَجُوزُ أنْ يَسْألَ النَبِيُّ المَعْصُومُ ﷺ رَبَّهُ ما عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ وأنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ إظْهارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وتَواضُعًا لِرَبِّهِ واسْتِغْفارُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إذْ قامَ مِن مَجْلِسِهِ سَبْعِينَ مَرَّةً لِذَلِكَ والفاءُ في فَلا لِجَوابِ الشَرْطِ و"رَبِّ" اعْتِراضٌ بَيْنَهُما لِلتَّأْكِيدِ.

المؤمنون 23:95

﴿وَإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ كانُوا يُنْكِرُونَ المَوْعِدَ بِالعَذابِ ويَضْحَكُونَ مِنهُ فَقِيلَ لَهم إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى إنْجازِ ما وعَدَ إنْ تَأمَّلْتُمْ فَما وجْهُ هَذا الإنْكارِ.

المؤمنون 23:96

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي﴾ بِالخَصْلَةِ الَّتِي ﴿هِيَ أحْسَنُ السَيِّئَةَ﴾ هو أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: بِالحَسَنَةِ السَيِّئَةَ لِما فِيهِ مِنَ التَفْصِيلِ كَأنَّهُ قالَ ادْفَعْ بِالحُسْنى السَيِّئَةَ والمَعْنى: الصَفْحُ عَنْ إساءَتِهِمْ ومُقابَلَتُها بِما أمْكَنَ مِنَ الإحْسانِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - هي شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، والسَيِّئَةُ الشِرْكُ أوِ الفُحْشُ بِالسَلامِ أوِ المُنْكَرُ بِالمَوْعِظَةِ وقِيلَ هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ وقِيلَ مُحْكَمَةٌ إذِ المُداراةُ مَحْثُوثٌ عَلَيْها ما لَمْ تُؤَدِّ إلى ثَلْمِ دِينٍ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ مِنَ الشِرْكِ أوْ بِوَصْفِهِمْ لَكَ وسُوءِ ذِكْرِهِمْ فَنُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.

المؤمنون 23:97

﴿وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَياطِينِ﴾ مِن وساوِسِهِمْ ونَخَساتِهِمْ، والهَمْزُ: النَخْسُ والهَمَزاتُ جَمْعُ المَرَّةِ مِنهُ، ومِنهُ مِهْمازُ الرائِضِ، والمَعْنى: أنَّ (p-٤٨١)الشَياطِينَ يَحُثُّونَ الناسَ عَلى المَعاصِي كَما تَهْمِزُ الراضَةُ الدَوابَّ حَثًّا لَها عَلى المَشْيِ.

المؤمنون 23:98

﴿وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ أمْرٌ بِالتَعَوُّذِ مِن نَخَساتِهِمْ بِلَفْظِ المُبْتَهِلِ إلى رَبِّهِ المُكَرِّرِ لِنِدائِهِ وبِالتَعَوُّذِ مِن أنْ يَحْضُرُوهُ أصْلًا أوْ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ أوْ عِنْدَ النَزْعِ.

المؤمنون 23:99

﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ حَتّى يَتَعَلَّقُ بِيَصِفُونَ أيْ: لا يَزالُونَ يُشْرِكُونَ إلى وقْتِ مَجِيءِ المَوْتِ أوْ لا يَزالُونَ عَلى سُوءِ الذِكْرِ إلى هَذا الوَقْتِ وما بَيْنَهُما مَذْكُورٌ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ والتَأْكِيدِ لِلْإغْضاءِ عَنْهم مُسْتَعِينًا بِاللهِ عَلى الشَيْطانِ أنْ يَسْتَزِلَّهُ عَنِ الحِلْمِ ويُغْرِيَهُ عَلى الِانْتِصارِ مِنهم ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ أيْ: رُدُّونِي إلى الدُنْيا خاطَبَ اللهَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَخِطابِ المُلُوكِ.

المؤمنون 23:100

﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ في المَوْضِعِ الَّذِي تَرَكْتُ وهو الدُنْيا، لِأنَّهُ تَرَكَ الدُنْيا وصارَ إلى العُقْبى، قالَ قَتادَةُ: ما تَمَنّى أنْ يَرْجِعَ إلى أهْلٍ ولا إلى عَشِيرَةٍ ولَكِنْ لِيَتَدارَكَ ما فَرَطَ، ﴿لَعَلِّي﴾ ساكِنَةَ الياءِ كُوفِيٌّ وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ الرَجْعَةِ وإنْكارٌ واسْتِبْعادٌ ﴿إنَّها كَلِمَةٌ﴾ المُرادُ بِالكَلِمَةِ: الطائِفَةُ مِنَ الكَلامِ المُنْتَظِمُ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ وهو قَوْلُهُ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ ﴿هُوَ قائِلُها﴾ لا مَحالَةَ لا يُخَلِّيها ولا يَسْكُتُ عَنْها لِاسْتِيلاءِ الحَسْرَةِ والنَدَمِ عَلَيْهِ ﴿وَمِن ورائِهِمْ﴾ أيْ: أمامَهم والضَمِيرُ لِلْجَماعَةِ ﴿بَرْزَخٌ﴾ حائِلٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُجُوعِ إلى الدُنْيا ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ لَمْ يُرَدْ أنَّهم يَرْجِعُونَ يَوْمَ البَعْثِ وإنَّما هو إقْناطٌ كُلِّيٌّ لَمّا عُلِمَ أنْ لا رُجُوعَ بَعْدَ البَعْثِ إلّا إلى الآخِرَةِ (p-٤٨٢)

المؤمنون 23:101

﴿فَإذا نُفِخَ في الصُورِ﴾ قِيلَ إنَّها النَفْخَةُ الثانِيَةُ ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ﴾ وبِالإدْغامِ أبُو بَكْرٍ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ وإنْ كانا مِن كَلِمَتَيْنِ يَعْنِي: يَقَعُ التَقاطُعُ بَيْنَهم حَيْثُ يَتَفَرَّقُونَ مُثابِينَ ومُعاقَبِينَ ولا يَكُونُ التَواصُلُ بَيْنَهم بِالأنْسابِ إذْ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ وإنَّما يَكُونُ بِالأعْمالِ ﴿وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ سُؤالَ تَواصُلٍ كَما كانُوا يَتَساءَلُونَ في الدُنْيا، لِأنَّ كُلًّا مَشْغُولٌ عَنْ سُؤالِ صاحِبِهِ بِحالِهِ ولا تَناقُضَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] فَلِلْقِيامَةِ مَواطِنُ فَفي مَوْطِنٍ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمُ الخَوْفُ فَلا يَتَساءَلُونَ وفي مَوْطِنٍ يُفِيقُونَ فَيَتَساءَلُون.

المؤمنون 23:102

﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ جَمْعُ مَوْزُونٍ وهي المَوْزُوناتُ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ الَّتِي لَها وزْنٌ وقَدْرٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

المؤمنون 23:103

﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ بِالسَيِّئاتِ والمُرادُ الكُفّارُ ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ غَبَنُوها ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ولا مَحَلَّ لِلْبَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، لِأنَّهُ الصِلَةَ لا مَحَلَّ لَها. أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِ"أُولَئِكَ" أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ.

المؤمنون 23:104

﴿تَلْفَحُ﴾ أيْ: تُحْرِقُ ﴿وُجُوهَهُمُ النارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ عابِسُونَ فَيُقالُ لَهُمْ.

المؤمنون 23:105

﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ في الدُنْيا ﴿فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ وتَزْعُمُونَ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ اللهِ تَعالى.

المؤمنون 23:106

﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا﴾ مَلَكَتْنا ﴿شِقْوَتُنا﴾ "شَقاوَتُنا" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، وكِلاهُما مَصْدَرٌ أيْ: شَقِينا بِأعْمالِنا السَيِّئَةِ الَّتِي عَمِلْناها، وقَوْلُ أهْلِ التَأْوِيلِ (p-٤٨٣)غَلَبَ عَلَيْنا ما كُتِبَ عَلَيْنا مِنَ الشَقاوَةِ لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ إنَّما يَكْتُبُ ما يَفْعَلُ العَبْدُ وما يَعْلَمُ أنَّهُ يَخْتارُهُ ولا يَكْتُبُ غَيْرَ الَّذِي عَلِمَ أنَّهُ يَخْتارُهُ فَلا يَكُونُ مَغْلُوبًا ومُضْطَرًّا في الفِعْلِ، وهَذا، لِأنَّهم إنَّما يَقُولُونَ ذَلِكَ القَوْلَ اعْتِذارًا لِما كانَ مِنهم مِنَ التَفْرِيطِ في أمْرِهِ فَلا يَجْمُلُ أنْ يَطْلُبُوا لِأنْفُسِهِمْ عُذْرًا فِيما كانَ مِنهم ﴿وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ عَنِ الحَقِّ والصَوابِ.

المؤمنون 23:107

﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ أيْ: مِنَ النارِ ﴿فَإنْ عُدْنا﴾ إلى الكُفْرِ والتَكْذِيبِ ﴿فَإنّا ظالِمُونَ﴾ لِأنْفُسِنا.

المؤمنون 23:108

﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها﴾ اسْكُتُوا سُكُوتَ ذِلَّةٍ وهَوانٍ ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ في رَفْعِ العَذابِ عَنْكم فَإنَّهُ لا يُرْفَعُ ولا يُخَفَّفُ قِيلَ هو آخِرُ كَلامٍ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ ثَمَّ، ولا كَلامَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا الشَهِيقُ والزَفِيرُ،"أنْ يَحْضُرُونِي" "ارْجِعُونِي" "وَلا تُكَلِّمُونِي": بِالياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ:يَعْقُوبُ وغَيْرُهُ بِلا ياءٍ.

المؤمنون 23:109

﴿إنَّهُ﴾ إنَّ الأمْرَ والشَأْنَ ﴿كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الراحِمِينَ﴾

المؤمنون 23:110

﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ، وبِالضَمِّ مَدَنِيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ، وكِلاهُما مَصْدَرُ سَخِرَ كالسُخْرِ إلّا أنَّ في ياءِ النِسْبَةِ مُبالَغَةً قِيلَ هُمُ الصَحابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهم وقِيلَ أهْلُ الصُفَّةِ خاصَّةً ومَعْناهُ: اتَّخَذْتُمُوهم هُزُؤًا وتَشاغَلْتُمْ بِهِمْ ساخِرِينَ ﴿حَتّى أنْسَوْكُمْ﴾ بِتَشاغُلِكم بِهِمْ عَلى تِلْكَ الصِفَةِ ﴿ذِكْرِي﴾ فَتَرَكْتُمُوهُ أيْ: كانَ التَشاغُلُ بِهِمْ سَبَبًا لِنِسْيانِكم ذِكْرِي ﴿وَكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ اسْتِهْزاءً بِهِمْ.

المؤمنون 23:111

﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا﴾ بِصَبْرِهِمْ ﴿أنَّهُمْ﴾ أيْ: لِأنَّهم ﴿هُمُ الفائِزُونَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا أيْ: جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ فَوْزَهم، لِأنَّ جَزى يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً﴾ [الإنسان: ١٢] "إنَّهُمْ" حَمْزَةُ (p-٤٨٤)وَعَلِيٌّ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ: إنَّهم هُمُ الفائِزُونَ لا أنْتُمْ.

المؤمنون 23:112

﴿قالَ﴾ أيِ اللهُ أوِ المَأْمُورُ بِسُؤالِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، "قُلْ" مَكِّيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ أمْرٌ لِمالِكٍ أنْ يَسْألَهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ في الدُنْيا" عَدَد السِنِينَ" أيْ: كَمْ عَدَدَ سِنِينَ لَبِثْتُمْ فَكَمْ نَصْبٌ بِلَبِثْتُمْ وعَدَدَ تَمْيِيزٌ.

المؤمنون 23:113

﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُنْيا بالإضافَةِ إلى خُلُودِهِمْ ولِما هم فِيهِ مِن عَذابِها، لِأنَّ المُمْتَحَنَ يَسْتَطِيلُ أيّامِ مِحْنَتِهِ ويَسْتَقْصِرُ ما مَرَّ عَلَيْهِ مِن أيّامِ الدَعَةِ ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ أيِ الحِسابَ أوِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أعْمارَ العِبادِ وأعْمالَهم "فَسَلْ" بِلا هَمْزٍ:مَكِّيٍّ وعَلِيٌّ.

المؤمنون 23:114

﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ أيْ: ما لَبِثْتُمْ في الدُنْيا، وبَّخَهم عَلى غَفْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها "قُلْ إنْ" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ.

المؤمنون 23:115

﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ حالٌ أيْ: عابِثِينَ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: لِلْعَبَثِ ﴿وَأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ ويَعْقُوبُ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنَّما خَلَقْناكُمْ﴾ أوْ عَلى ﴿عَبَثًا﴾ أيْ: لِلْعَبَثِ ولِنَتْرُكَكم غَيْرَ مَرْجُوعِينَ بَلْ خَلَقْناكم لِلتَّكْلِيفِ ثُمَّ لِلرُّجُوعِ مِن دارِ التَكْلِيفِ إلى دارِ الجَزاءِ فَنُثِيبُ المُحْسِنَ ونُعاقِبُ المُسِيءَ.

المؤمنون 23:116

﴿فَتَعالى اللهُ﴾ عَنْ أنْ يَخْلُقَ عَبَثًا ﴿المَلِكُ الحَقُّ﴾ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ المُلْكُ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ وإلَيْهِ أوِ الثابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ ولا يَزُولُ مُلْكُهُ ﴿لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ وُصِفَ العَرْشُ بِالكَرَمِ، لِأنَّ الرَحْمَةَ تَنْزِلُ مِنهُ أوْ لِنِسْبَتِهِ إلى أكْرَمِ الأكْرَمِينَ، وقُرِئَ شاذًّا بِرَفْعِ الكَرِيمِ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى (p-٤٨٥)

المؤمنون 23:117

﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ﴾ أيْ: لا حُجَّةَ ﴿لَهُ بِهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَرْطِ والجَزاءِ كَقَوْلِكَ: مَن أحْسَنَ إلى زَيْدٍ - لا أحَقَّ بِالإحْسانِ مِنهُ - فَإنَّ اللهَ مُثِيبُهُ، أوْ صِفَةٌ لازِمَةٌ جِيءَ بِها لِلتَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِ ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] لا أنْ يَكُونَ في الآلِهَةِ ما يَجُوزُ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بُرْهانٌ ﴿فَإنَّما حِسابُهُ﴾ أيْ: جَزاؤُهُ، وهَذا جَزاءُ الشَرْطِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أيْ: فَهو يُجازِيهِ لا مَحالَةَ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ جَعَلَ فاتِحَةَ السُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وخاتِمَتَها ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ فَشَتّانَ ما بَيْنَ الفاتِحَةِ والخاتِمَةِ ثُمَّ عَلَّمَنا سُؤالَ المَغْفِرَةِ والرَحْمَةِ بِقَوْلِهِ.

المؤمنون 23:118

﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ﴾ ثُمَّ قالَ ﴿وَأنْتَ خَيْرُ الراحِمِينَ﴾، لِأنَّ رَحْمَتَهُ إذا أدْرَكَتْ أحَدًا أغْنَتْهُ عَنْ رَحْمَةِ غَيْرِهِ ورَحْمَةُ غَيْرِهِ لا تُغْنِيهِ عَنْ رَحْمَتِهِ.

النور 24:1

(p-٤٨٦)سُورَةُ النُورِ مَدَنَيَّةٌ وهي سِتُّونَ وأرْبَعُ آياتٍ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿سُورَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هَذِهِ سُورَةٌ ﴿أنْـزَلْناها﴾ صِفَةٌ لَها وقَرَأ طَلْحَةُ "سُورَةً " عَلى: زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، أوَ عَلى اتْلُ "سُورَةً" والسُورَةُ: الجامِعَةُ لِجُمَلِ آياتِ بِفاتِحَةٍ لَها وخاتِمَةٍ واشْتِقاقُها مِن سُورِ المَدِينَةِ ﴿وَفَرَضْناها﴾ أيْ: أحْكامَها الَّتِي فِيها وأصْلُ الفَرْضِ القَطْعُ أيْ: جَعَلْناها مَقْطُوعًا بِها، وبِالتَشْدِيدِ مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو لِلْمُبالَغَةِ في الإيجابِ وتَوْكِيدِهِ، أوْ لِأنَّ فِيها فَرائِضَ شَتّى أوْ لِكَثْرَةِ المَفْرُوضِ عَلَيْهِمْ مِنَ السَلَفِ ومَن بَعْدَهم ﴿وَأنْـزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ: دَلائِلَ واضِحاتٍ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ لِكَيْ تَتَّعِظُوا، وبِتَخْفِيفِ الذالِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وخَلَفٌ وحَفْصٌ ثُمَّ فَصَّلَ أحْكامَها فَقالَ.

النور 24:2

﴿الزانِيَةُ والزانِي﴾ رَفْعُها عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: فِيما فُرِضَ عَلَيْكُمُ "الزانِيَةُ والزانِي أيْ: جَلْدُهُما أوِ الخَبَرُ "فاجْلِدُوا" ودَخَلَتِ الفاءُ لِكَوْنِ الألِفُ واللامُ بِمَعْنى الَّذِي وتَضْمِينُهُ مَعْنى الشَرْطِ وتَقْدِيرُهُ: الَّتِي زَنَتْ والَّذِي زَنى فاجْلِدُوهُما، كَما تَقُولُ مَن زَنى فاجْلِدُوهُ وكَقَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِالنَصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ، وهو أحْسَنُ مِن "سُورَةً أنْزَلْناها" لِأجْلِ الأمْرِ ﴿فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ الجَلْدُ ضَرْبُ الجِلْدِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى (p-٤٨٧)أنَّهُ لا يُبالَغُ لِيَصِلَ الألَمُ إلى اللَحْمِ، والخِطابُ لِلْأئِمَّةِ، لِأنَّ إقامَةَ الحَدِّ مِنَ الدِينِ وهي عَلى الكُلِّ إلّا أنَّهم لا يُمْكِنُهُمُ الِاجْتِماعُ فَيَنُوبُ الإمامُ مَنابَهم وهَذا حُكْمُ حُرٍّ لَيْسَ بِمُحَصَنٍ إذْ حُكْمُ المُحْصَنِ الرَجْمُ وشَرائِطُ إحْصانِ الرَجْمِ الحُرِّيَّةُ والعَقْلُ والبُلُوغُ والإسْلامُ والتَزَوُّجُ بِنِكاحٍ صَحِيحٍ والدُخُولُ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَغْرِيبَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، لِأنَّ الفاءَ إنَّما يَدْخُلُ عَلى الجَزاءِ وهو اسْمٌ لِلْكافِي والتَغْرِيبُ المَرْوِيُّ مَنسُوخٌ بِالآيَةِ كَما نُسِخَ الحَبْسُ والأذى في قَوْلِهِ ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] وقَوْلِهِ ﴿فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦] بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ﴾ أيْ: رَحْمَةٌ والفَتْحُ لُغَةٌ وهي قِراءَةُ مَكِّيٍّ وقِيلَ الرَأْفَةُ في دَفْعِ المَكْرُوهِ والرَحْمَةُ في إيصالِ المَحْبُوبِ والمَعْنى: أنَّ الواجِبَ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَصَلَّبُوا في دِينِ اللهِ ولا يَأْخُذَهُمُ اللِينُ في اسْتِيفاءِ حُدُودِهِ فَيُعَطِّلُوا الحُدُودَ أوْ يُخَفِّفُوا الضَرْبَ ﴿فِي دِينِ اللهِ﴾ أيْ: في طاعَةِ اللهِ أوْ حُكْمِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ مِن بابِ التَهَيِيجِ وإلْهابِ الغَضَبِ لِلَّهِ ولِدِينِهِ وجَوابُ الشَرْطِ مُضْمَرٌ أيْ: فاجْلِدُوا ولا تُعَطِّلُوا الحَدَّ ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما﴾ ولْيَحْضُرْ مَوْضِعَ حَدِّهِما. وتَسْمِيَتُهُ عَذابًا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ عُقُوبَةٌ ﴿طائِفَةٌ﴾ فِرْقَةٌ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ حَلْقَةً لِيَعْتَبِرُوا ويَنْزَجِرَ هو وأقَلُّها ثَلاثَةٌ أوْ أرْبَعَةٌ وهي صِفَةٌ غالِبَةٌ كَأنَّها الجَماعَةُ الحافَّةُ حَوْلَ شَيْءٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أرْبَعَةٌ إلى أرْبَعِينَ رَجُلًا ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِاللهِ ِ.

النور 24:3

﴿الزانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾ أيِ الخَبِيثُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الزِنا لا يَرْغَبُ في نِكاحِ الصَوالِحِ مِنَ النِساءِ وإنَّما يَرْغَبُ في خَبِيثَةٍ مِن شَكْلِهِ أوْ في مُشْرِكَةٍ والخَبِيثَةُ المُسافِحَةُ كَذَلِكَ لا يَرْغَبُ في نِكاحِها الصُلَحاءُ مِنَ الرِجالِ وإنَّما يَرْغَبُ فِيها مَن هو مِن شَكْلِها مِنَ الفَسَقَةِ أوَ المُشْرَكِينَ، فالآيَةُ تَزْهِيدٌ في نِكاحِ البَغايا إذِ الزِنا عَدِيلُ الشِرْكِ في القُبْحِ والإيمانُ قَرِينُ العَفافِ والتَحَصُّنِ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿الخَبِيثاتُ (p-٤٨٨)لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦] وقِيلَ: كانَ نِكاحُ الزانِيَةِ مُحَرَّمًا في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقِيلَ المُرادُ بِالنِكاحِ الوَطْءُ، لِأنَّ غَيْرَ الزانِي يَسْتَقْذِرُ الزانِيَةَ ولا يَشْتَهِيها وهو صَحِيحٌ لَكِنَّهُ يُؤَدِّي إلى قَوْلِكَ الزانِي لا يَزْنِي إلّا بِزانِيَةٍ والزانِيَةُ لا يَزْنِي بِها إلّا زانٍ، «وَسُئِلَ ﷺ عَمَّنْ زَنى بِامْرَأةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَها فَقالَ "أوَّلُهُ سِفاحٌ وآخِرُهُ نِكاحٌ" » ومَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى: صِفَةُ الزانِي بِكَوْنِهِ غَيْرَ راغِبٍ في العَفائِفِ ولَكِنْ في الفَواجِرِ، ومَعْنى الثانِيَةِ صِفَةُ الزانِيَةِ بِكَوْنِها غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيها لِلْأعِفّاءِ ولَكِنْ لِلزُّناةِ وهُما مَعْنَيانِ مُخْتَلِفانِ، وقُدِّمَتِ الزانِيَةُ عَلى الزانِي أوَّلًا ثُمَّ قُدِّمَ عَلَيْها ثانِيًا، لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ سِيقَتْ لِعُقُوبَتِهِما عَلى ما جَنَيا، والمَرْأةُ هي المادَّةُ الَّتِي مِنها نَشَأتْ تِلْكَ الجِنايَةُ، لِأنَّها لَوْ لَمْ تُطْمِعِ الرَجُلَ ولَمْ تُومِضْ لَهُ ولَمْ تُمَكِّنْهُ لَمْ يَطْمَعْ ولَمْ يَتَمَكَّنْ فَلَمّا كانَتْ أصْلًا في ذَلِكَ بُدِئَ بِذِكْرِها وأمّا الثانِيَةُ فَمَسُوقَةٌ لِذِكْرِ النِكاحِ والرَجُلُ أصْلٌ فِيهِ، لِأنَّهُ الخاطِبُ ومِنهُ بَدْءُ الطَلَبِ، وقُرِئَ "لا يَنْكِحْ" بِالجَزْمِ عَلى النَهْيِ، وفي المَرْفُوعِ أيْضًا مَعْنى النَهْيِ ولَكِنْ أبْلَغُ وآكَدُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مَحْضًا عَلى مَعْنى أنَّ عادَتَهُما جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ، وعَلى المُؤْمِنِ أنْ لا يُدْخِلَ نَفْسَهُ تَحْتَ هَذِهِ العادَةِ ويَتَصَوَّنَ عَنْها ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الزِنا أوْ نِكاحُ البَغايا لِقَصْدِ التَكَسُّبِ بِالزِنا أوْ لِما فِيهِ مِنَ التَشَبُّهِ بِالفُسّاقِ وحُضُورِ مَواقِعِ التُهْمَةِ والتَسَبُّبِ لِسُوءِ القالَةِ فِيهِ والغِيبَةِ ومُجالَسَةِ الخاطِئِينَ كَمْ فِيها مِنَ التَعَرُّضِ لِاقْتِرافِ الآثامِ؟ فَكَيْفَ بِمُزاوَجَةِ الزَوانِي والقِحابِ؟!

النور 24:4

﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ وبِكَسْرِ الصادِ: عَلِيٌّ أيْ: يَقْذِفُونَ بِالزِنا الحَرائِرَ والعَفائِفَ المُسْلِماتِ المُكَلَّفاتِ، والقَذْفُ يَكُونُ بِالزِنا وبِغَيْرِهِ والمُرادُ هُنا قَذْفُهُنَّ بِالزِنا بِأنْ يَقُولَ يا زانِيَةُ لِذِكْرِ المُحْصَناتِ عَقِيبَ الزَوانِي ولِاشْتِراطِ أرْبَعَةِ شُهَداءَ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ أيْ: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهُودٍ يَشْهَدُونَ عَلى الزِنا، لِأنَّ القَذْفَ بِغَيْرِ الزِنا بِأنْ يَقُولَ يا فاسِقُ يا آكِلَ الرِبا يَكْفِي فِيهِ شاهِدانِ وعَلَيْهِ التَعْزِيرُ، وشُرُوطُ إحْصانِ القَذْفِ الحُرِّيَّةُ (p-٤٨٩)والعَقْلُ والبُلُوغُ والإسْلامُ والعِفَّةُ عَنِ الزِنا والمُحْصَنُ كالمُحْصَنَةِ في وُجُوبِ حَدِّ القَذْفِ ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ إنْ كانَ القاذِفُ حُرًّا ونَصْبُ ثَمانِينَ نَصْبَ المَصادِرِ كَما نُصِبَ "مِائَةَ جَلْدَةٍ" وجَلْدَةً نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ نَكَّرَ شَهادَةً في مَوْضِعِ النَفْيِ فَتَعُمُّ كُلَّ شَهادَةٍ ورَدُّ الشَهادَةِ مِنَ الحَدِّ عِنْدَنا ويَتَعَلَّقُ بِاسْتِيفاءِ الحَدِّ أوْ بَعْضِهِ عَلى ما عُرِفَ وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَتَعَلَّقُ رَدُّ شَهادَتِهِ بِنَفْسِ القَذْفِ فَعِنْدَنا جَزاءُ الشَرْطِ الَّذِي هو الرَمْيُ الجَلْدُ ورَدُّ الشَهادَةِ عَلى التَأْبِيدِ وهو مُدَّةُ حَياتِهِمْ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ جَزاءِ الشَرْطِ كَأنَّهُ حِكايَةُ حالِ الرامِينَ عِنْدَ اللهِ تَعالى بَعْدَ انْقِضاءِ الجُمْلَةِ الشَرْطِيَّةِ.

النور 24:5

وَقَوْلُهُ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ القَذْفِ ﴿وَأصْلَحُوا﴾ أحْوالَهُمُ. اسْتِثْناءٌ مِنَ ﴿الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: يَغْفِرُ ذُنُوبَهم ويَرْحَمُهم، وحَقُّ الِاسْتِثْناءِ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عِنْدَنا، لِأنَّهُ عَنْ مُوجَبٍ وعِنْدَ مَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُتَعَلِّقًا بِالجُمْلَةِ الثانِيَةِ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بَدَلًا مِن هم في لَهُمْ.

النور 24:6

وَلَمّا ذَكَرَ حُكْمَ قَذْفِ الأجْنَبِيّاتِ بَيَّنَ حُكْمَ قَذْفِ الزَوْجاتِ فَقالَ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ أيْ: يَقْذِفُونَ زَوْجاتِهِمْ بِالزِنا ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم عَلى تَصْدِيقِ قَوْلِهِمْ مَن يَشْهَدُ لَهم بِهِ ﴿إلا أنْفُسُهُمْ﴾ يَرْتَفِعُ عَلى البَدَلِ مِن "شُهَداءُ" ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ﴾ بِالرَفْعِ كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ "فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ" وعَلى هَذا خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَواجِبٌ شَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ ﴿شَهاداتٍ بِاللهِ إنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ﴾ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِنا (p-٤٩٠)

النور 24:7

﴿والخامِسَةُ﴾ خِلافٌ في رَفْعِ الخامِسَةِ هُنا في المَشْهُورِ والتَقْدِيرُ والشَهادَةُ الخامِسَةُ ﴿أنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ فَهي مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِنا.

النور 24:8

﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ ويَدْفَعُ عَنْها الحَبْسَ وفاعِلُ يَدْرَأُ ﴿أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إنَّهُ﴾ إنَّ الزَوْجَ ﴿لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِنا.

النور 24:9

﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إنْ كانَ﴾ أيِ الزَوْجُ ﴿مِنَ الصادِقِينَ﴾ فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِنا، ونَصَبَ حَفْصٌ الخامِسَةَ عَطْفًا عَلى ﴿أرْبَعَ شَهاداتٍ﴾ [النور: ٨] وغَيْرُهُ بِالِابْتِداءِ و﴿أنَّ غَضَبَ اللهِ﴾ خَبَرُهُ وخَفَّفَ نافِعٌ "أنْ لَعْنَةُ اللهِ " و"أنْ غَضِبَ اللهِ" بِكَسْرِ الضادِ وهُما في حُكْمِ المُثَقَّلَةِ و"أنْ غَضَبُ اللهِ" سَهْلٌ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ، وجَعَلَ الغَضَبُ في جانِبِها، لِأنَّ النِساءَ يَسْتَعْمِلْنَ اللَعْنَ كَثِيرًا كَما ورَدَ بِهِ الحَدِيثُ فَرُبَّما يَجْتَرِئْنَ عَلى الإقْدامِ لِكَثْرَةِ جَرْيِ اللَعْنِ عَلى ألْسِنَتِهِنَّ وسُقُوطِ وُقُوعِهِ عَنْ قُلُوبِهِنَّ فَذَكَرَ الغَضَبَ في جانِبِهِنَّ لِيَكُونَ رادِعًا لَهُنَّ، والأصْلُ: أنَّ اللِعانَ عِنْدَنا شَهاداتٌ مُؤَكَّداتٌ بِالأيْمانِ مَقْرُونَةٌ بِاللَعْنِ قائِمَةٌ مَقامَ حَدِّ القَذْفِ في حَقِّهِ ومَقامَ حَدِّ الزِنا في حَقِّها، لِأنَّ اللهَ تَعالى سَمّاهُ شَهادَةً فَإذا قَذَفَ الزَوْجُ زَوْجَتَهُ بِالزِنا وهُما مِن أهْلِ الشَهادَةِ صَحَّ اللِعانُ بَيْنَهُما وإذا التَعْنا كَما بَيَّنَ في النَهْرِ لا تَقَعُ الفُرْقَةُ حَتّى يُفَرِّقَ القاضِي بَيْنَهُما وعِنْدَ زُفَرَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى تَقَعُ بِتَلاعُنِهِما والفُرْقَةُ تَطْلِيقَةٌ بائِنَةٌ وعِنْدَ أبِي يُوسُفَ وزُفَرَ والشافِعِيِّ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ «وَنَزَلَتْ آيَةُ اللِعانِ في هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ أوْ عُوَيْمِرٍ حَيْثُ قالَ وجَدْتُ عَلى بَطْنِ امْرَأتِي خَوْلَةَ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ فَكَذَّبَتْهُ فَلاعَنَ النَبِيُّ ﷺ بَيْنَهُما » (p-٤٩١)

النور 24:10

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ﴾ تَفَضُّلُهُ ﴿عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ نِعْمَتُهُ ﴿وَأنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ جَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ أيْ: لَفَضَحَكم أوْ لَعاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ.

النور 24:11

﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ هو أبْلَغُ ما يَكُونُ مِنَ الكَذِبِ والِافْتِراءِ وأصْلُهُ الأفْكُ وهو القَلْبُ، لِأنَّهُ قَوْلٌ مَأْفُوكٌ عَنْ وجْهِهِ والمُرادُ: ما أُفِكَ بِهِ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها «قالَتْ عائِشَةُ فَقُدْتُ عِقْدًا في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلَقِ فَتَخَلَّفْتُ ولَمْ يُعْرَفْ خُلُوُّ الهَوْدَجِ لِخِفَّتِي فَلَمّا ارْتَحَلُوا أناخَ لِي صَفْوانُ بْنُ المُعَطِّلِ بِعِيرَهُ وساقَهُ حَتّى أتاهم بَعْدَ ما نَزَلُوا فَهَلَكَ فِيَّ مَن هَلَكَ فاعْتَلَلْتُ شَهْرًا وكانَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَسْألُ كَيْفَ أنْتِ؟ ولا أرى مِنهُ لُطْفًا كُنْتُ أراهُ حَتّى عَثَرَتْ خالَةُ أبِي - أمُّ مِسْطَحٍ- فَقالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ فَأنْكَرْتُ عَلَيْها فَأخْبَرَتْنِي بِالإفْكِ، فَلَمّا سَمِعْتُ ازْدَدْتُ مَرَضًا وبِتُّ عِنْدَ أبَوَيَّ لا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وما أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ وهُما يَظُنّانِ أنَّ الدَمْعَ فالِقٌ كَبِدِي حَتّى قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ:" أبْشِرِي يا حُمَيْراءُ فَقَدْ أنْزَلَ اللهُ بَراءَتَكِ" فَقُلْتُ بِحَمْدِ اللهِ لا بِحَمْدِكَ »﴿عُصْبَةٌ﴾ جَماعَةٌ مِنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ واعْصَوْصَبُوا اجْتَمَعُوا وهم عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ النِفاقِ وزَيْدُ بْنُ رِفاعَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحِمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ومَن ساعَدَهم ﴿مِنكُمْ﴾ مِن جَماعَةِ المُسْلِمِينَ وهم ظَنُّوا أنَّ الإفْكَ وقَعَ مِنَ الكُفّارِ دُونَ مَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿لا تَحْسَبُوهُ﴾ أيِ الإفْكَ ﴿شَرًّا لَكُمْ﴾ عِنْدَ اللهِ ﴿بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾، لِأنَّ اللهَ أثابَكم عَلَيْهِ وأنْزَلَ في البَراءَةِ مِنهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً والخِطابُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعائِشَةَ وصَفْوانَ ومَن ساءَهُ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ أيْ: عَلى كُلِّ امْرِئٍ مِنَ العُصْبَةِ جَزاءُ إثْمِهِ عَلى مِقْدارِ خَوْضِهِ فِيهِ وكانَ بَعْضُهم ضَحِكَ وبَعْضُهم تَكَلَّمَ فِيهِ وبَعْضُهم سَكَتَ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ﴾ أيْ: عِظَمَهُ (p-٤٩٢)عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ العُصْبَةِ ﴿لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: جَهَنَّمُ، يُحْكى أنَّ صَفْوانَ مَرَّ بِهَوْدَجَها عَلَيْهِ وهو في مَلَأٍ مِن قَوْمِهِ فَقالَ: مَن هَذِهِ ؟ فَقالُوا: عائِشَةُ، فَقالَ: واللهِ ما نَجَتْ مِنهُ ولا نَجا مِنها، ثُمَّ وبَّخَ الخائِضِينَ فَقالَ.

النور 24:12

﴿لَوْلا﴾ هَلّا ﴿إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أيِ الإفْكَ ﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ﴾ بِالَّذِينِ مِنهم فالمُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ وهو كَقَوْلِهِ ﴿وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] ﴿خَيْرًا﴾ عَفافًا وصَلاحًا وذَلِكَ نَحْوُ ما يُرْوى «أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قالَ لِرَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنا قاطِعٌ بِكَذِبِ المُنافِقِينَ، لِأنَّ اللهَ عَصَمَكَ مِن وُقُوعِ الذُبابِ عَلى جِلْدِكَ، لِأنَّهُ يَقَعُ عَلى النَجاساتِ فَيَتَلَطَّخُ بِها فَلَمّا عَصَمَكَ اللهُ مِن ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ القَذَرِ فَكَيْفَ لا يَعْصِمُكَ عَنْ صُحْبَةِ مَن تَكُونُ مُتَلَطِّخَةً بِمِثْلِ هَذِهِ الفاحِشَةِ وقالَ عُثْمانُ إنَّ اللهَ ما أوْقَعَ ظِلَّكَ عَلى الأرْضِ لِئَلّا يَضَعَ إنْسانٌ قَدَمَهُ عَلى ذَلِكَ الظِلِّ فَلَمّا لَمْ يُمَكِّنْ أحَدًا مِن وضْعِ القَدَمِ عَلى ظِلِّكَ كَيْفَ يُمَكِّنُ أحَدًا مِن تَلْوِيثِ عِرْضِ زَوْجَتِكَ، وكَذا قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - إنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَكَ أنَّ عَلى نَعْلَيْكَ قَذَرًا وأمَرَكَ بِإخْراجِ النَعْلِ عَنْ رِجْلِكَ بِسَبَبِ ما التَصَقَ بِهِ مِنَ القَذَرِ فَكَيْفَ لا يَأْمُرُكَ بِإخْراجِها بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ مُتَلَطِّخَةً بِشَيْءٍ مِنَ الفَواحِشِ »، وَرُوِيَ: أنَّ أبا أيُّوبَ الأنْصارِيَّ قالَ لِامَرْأتِهِ ألا تَرَيْنَ ما يُقالُ فَقالَتْ لَوْ كُنْتَ بَدَلَ صَفْوانَ أكُنْتَ تَظُنُّ بِحَرَمِ رَسُولِ اللهِ سُوءًا فَقالَ لا، قالَتْ: لَوْ كُنْتُ أنا بَدَلَ عائِشَةَ ما خُنْتُ رَسُولَ اللهِ، فَعائِشَةُ خَيْرٌ مِنِّي وصَفْوانُ خَيْرٌ مِنكَ، وإنَّما عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وعَنِ الضَمِيرِ إلى الظاهِرِ ﴿وَقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ﴾ [النور: ١٣] وَلَمْ يَقُلْ ظَنَنْتُمْ بِأنْفُسِكم خَيْرًا وقُلْتُمْ لِيُبالِغَ في التَوْبِيخِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ ولِيَدُلَّ التَصْرِيحُ بِلَفْظِ الإيمانِ عَلى أنَّ الإشْراكَ فِيهِ يَقْتَضِي أنْ لا يُصَدِّقَ مُؤْمِنٌ عَلى أخِيهِ ولا مُؤْمِنَةٌ عَلى أُخْتِها قَوْلَ عائِبٍ ولا طاعِنٍ وهَذا مِنَ الأدَبِ الحَسَنِ الَّذِي قَلَّ القائِمُ بِهِ الحافِظُ لَهُ ولَيْتَكَ تَجِدُ مَن يَسْمَعُ فَيَسْكُتُ ولا يُشِيعُ ما سَمِعَهُ بِإخْوانِهِ ﴿وَقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ كَذِبٌ ظاهِرٌ لا يَلِيقُ بِهِما (p-٤٩٣)

النور 24:13

﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ هَلّا جاؤُوا عَلى القَذْفِ لَوْ كانُوا صادِقِينَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُهَداءِ﴾ الأرْبَعَةِ ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ وشَرِيعَتِهِ ﴿هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيِ القاذِفُونَ، لِأنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ التَفْضِلَةَ بَيْنَ الرَمْيِ الصادِقِ والكاذِبِ ثُبُوتَ شَهادَةِ الشُهُودِ الأرْبَعَةِ وانْتِفاءَها والَّذِينَ رَمَوْا عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها لَمْ يَكُنْ لَهم بَيِّنَةً عَلى قَوْلِهِمْ فَكانُوا كاذِبِينَ.

النور 24:14

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ "لَوْلا" هَذِهِ لِامْتِناعِ الشَيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ أيْ: ولَوْلا أنِّي قَضَيْتُ أنْ أتَفَضَّلَ عَلَيْكم في الدُنْيا بِضُرُوبِ النِعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإمْهالُ لِلتَّوْبَةِ وأنْ أتَرَحَّمَ عَلَيْكم في الآخِرَةِ في العَفْوِ والمَغْفِرَةِ لَعاجَلْتُكم بِالعِقابِ عَلى ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ يُقالُ أفاضَ في الحَدِيثِ وخاضَ وانْدَفَعَ.

النور 24:15

﴿إذْ﴾ ظَرْفٌ لِمَسَّكم أوْ لِأفَضْتُمْ ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ يَأْخُذُهُ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ يُقالُ تَلَقّى القَوْلَ وتَلَقَّنَهُ وتَلَقَّفَهُ ﴿بِألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ: أنَّ بَعْضَكم كانَ يَقُولُ لِبَعْضٍ هَلْ بَلَغَكَ حَدِيثُ عائِشَةَ حَتّى شاعَ فِيما بَيْنَهم وانْتَشَرَ فَلَمْ يَبْقَ بَيْتٌ ولا نادٍ إلّا طارَ فِيهِ ﴿وَتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ إنَّما قُيِّدَ بِالأفْواهِ مَعَ أنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ، لِأنَّ الشَيْءَ المَعْلُومَ يَكُونُ عِلْمُهُ في القَلْبِ ثُمَّ يُتَرْجِمُ عَنْهُ اللِسانُ وهَذا الإفْكُ لَيْسَ إلّا قَوْلًا يَدُورُ في أفْواهِكم مِن غَيْرِ تَرْجَمَةٍ عَنْ عِلْمٍ بِهِ في القَلْبِ كَقَوْلِهِ ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ﴿وَتَحْسَبُونَهُ﴾ أيْ: خَوْضَكم في عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها ﴿هَيِّنًا﴾ صَغِيرَةً ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ كَبِيرَةٌ جَزَعَ بَعْضُهم عِنْدَ المَوْتِ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ أخافُ ذَنْبًا لَمْ يَكُنْ مِنِّي عَلى بالٍ وهو عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ (p-٤٩٤)

النور 24:16

﴿وَلَوْلا﴾ وهَلّا ﴿إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ فَصَلَ بَيْنَ لَوْلا وقُلْتُمْ بِالظَرْفِ، لِأنَّ لِلظُّرُوفِ شَأْنًا وهو تَنَزُّلُها مِنَ الأشْياءِ مَنزِلَةَ أنْفُسِها لِوُقُوعِها فِيها وأنَّها لا تَنْفَكُّ عَنْها فَلِذا يُتَّسَعُ فِيها ما لا يُتَّسَعُ في غَيْرِها وفائِدَةُ تَقْدِيمِ الظَرْفِ أنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَفادَوْا أوَّلَ ما سَمِعُوا بِالإفْكِ عَنِ التَكَلُّمِ بِهِ فَلَمّا كانَ ذِكْرُ الوَقْتِ أهَمَّ قُدِّمَ والمَعْنى: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧] هَلّا قُلْتُمْ إذْ سَمِعْتُمُ الإفْكَ ما يَصِحُّ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا ﴿سُبْحانَكَ﴾ لِلتَّعَجُّبِ مِن عِظَمِ الأمْرِ ومَعْنى التَعَجُّبِ في كَلِمَةِ التَسْبِيحِ أنَّ الأصْلَ أنْ يُسَبَّحَ اللهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَجِيبِ مِن صَنائِعِهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ أوْ لِتَنْزِيهِ اللهِ مِن أنْ تَكُونَ حُرْمَةُ نَبِيِّهِ فاجِرَةً وإنَّما جازَ أنْ تَكُونَ امْرَأةُ النَبِيِّ كافِرَةً كامْرَأةِ نُوحٍ ولُوطٍ ولَمْ يَجُزْ أنْ تَكُونَ فاجِرَةً، لِأنَّ النَبِيَّ مَبْعُوثٌ إلى الكُفّارِ لِيَدْعُوَهم فَيَجِبُ أنْ لا يَكُونَ مَعَهُ ما يُنَفِّرُهم عَنْهُ والكُفْرُ غَيْرُ مُنَفِّرٍ عِنْدَهم وأمّا الكَشْخَنَةُ فَمِن أعْظَمِ المُنَفِّراتِ ﴿هَذا بُهْتانٌ﴾ زُورٌ يَبْهَتُ مَن يَسْمَعُ ﴿عَظِيمٌ﴾ وذُكِرَ فِيما تَقَدَّمَ هَذا إفْكٌ مُبِينٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِهِما مُبالِغَةً في التَبَرِّي.

النور 24:17

﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أنْ تَعُودُوا﴾ في أنْ تَعُودُوا ﴿لِمِثْلِهِ﴾ لِمِثْلِ هَذا الحَدِيثِ مِنَ القَذْفِ أوِ اسْتِماعِ حَدِيثِهِ ﴿أبَدًا﴾ ما دُمْتُمْ أحْياءً مُكَلَّفِينَ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ تَهْيِيجٌ لَهم لِيَتَّعِظُوا وتَذْكِيرٌ بِما يُوجِبُ تَرْكَ العَوْدِ وهو الإيمانُ الصادُّ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ.

النور 24:18

﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ الدَلالاتِ الواضِحاتِ وأحْكامَ الشَرائِعِ والآدابَ الجَمِيلَةَ ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ بِكم وبِأعْمالِكم ﴿حَكِيمٌ﴾ يَجْزِي عَلى وفْقِ أعْمالِكم، أوْ عَلِمَ صِدْقَ نَزاهَتِها وحَكَمَ بِبَراءَتِها (p-٤٩٥)

النور 24:19

﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ما قَبُحَ جِدًّا والمَعْنى: يُشِيعُونَ الفاحِشَةَ عَنْ قَصْدِ الإشاعَةِ ومَحَبَّةٍ لَها ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُنْيا﴾ بِالحَدِّ ولَقَدْ ضَرَبَ النَبِيُّ ﷺ ابْنَ أُبَيٍّ وحَسّانًا ومِسْطَحًا الحَدَّ ﴿والآخِرَةِ﴾ بِالنارِ وعَدَها إنْ لَمْ يَتُوبُوا ﴿واللهُ يَعْلَمُ﴾ بَواطِنَ الأُمُورِ وسَرائِرَ الصُدُورِ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَحَبَّةَ مَن أحَبَّ الإشاعَةَ وهو مُعاقِبُهُ عَلَيْها.

النور 24:20

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ لَعَجَّلَ لَكُمُ العَذابَ وكَرَّرَ المِنَّةَ بِتَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعِقابِ مَعَ حَذْفِ الجَوابِ مُبالَغَةً في المِنَّةِ عَلَيْهِمْ والتَوْبِيخِ لَهم ﴿وَأنَّ اللهَ رَءُوفٌ﴾ حَيْثُ أظْهَرَ بَراءَةَ المَقْذُوفِ وأثابَ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِغُفْرانِهِ جِنايَةَ القاذِفِ إذا تابَ.

النور 24:21

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ﴾ أيْ: آثارَهُ ووَساوِسَهُ بِالإصْغاءِ إلى الإفْكِ والقَوْلِ فِيهِ ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَيْطانِ فَإنَّهُ﴾ فَإنَّ الشَيْطانَ ﴿يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ ما أفْرَطَ قُبْحَهُ ﴿والمُنْكَرِ﴾ ما تُنْكِرُهُ النُفُوسُ فَتَنْفِرُ عَنْهُ ولا تَرْتَضِيهِ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ ولَوْلا أنَّ اللهَ تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِالتَوْبَةِ المُمَحِّصَةِ لَما طَهُرَ مِنكم أحَدٌ آخِرَ الدَهْرِ مِن دَنَسِ إثْمِ الإفْكِ ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ يُطَهِّرُ التائِبِينَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ إذا مَحَّضُوها ﴿واللهُ سَمِيعٌ﴾ لِقَوْلِهِمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِضَمائِرِهِمْ وإخْلاصِهِمْ.

النور 24:22

﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ ولا يَحْلِفْ، مِنِ ائْتَلى: إذا حَلَفَ، افْتِعالٌ مِنَ الألِيَّةِ، أوْ: لا يُقَصِّرْ، مِنَ الألْوِ ﴿أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ في الدِينِ ﴿والسَعَةِ﴾ في الدُنْيا ﴿أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ أيْ: لا يَحْلِفُوا عَلى أنْ لا يُحْسِنُوا (p-٤٩٦)إلى المُسْتَحِقِّينَ لَلْإحِسانِ أوْ لا يَقْتَصِرُوا في أنْ يُحْسِنُوا إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهم شَحْناءُ لِجِنايَةٍ اقْتَرَفُوها ﴿وَلْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا﴾ العَفْوُ السِتْرُ والصَفْحُ الإعْراضُ أيْ: ولْيَتَجاوَزُوا عَنِ الجَفاءِ ولْيُعْرِضُوا عَنِ العُقُوبَةِ ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ فَلْيَفْعَلُوا بِهِمْ ما يَرْجُونَ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ رَبُّهم مَعَ كَثْرَةِ خَطاياهم ﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَتَأدَّبُوا بِأدَبِ اللهِ واغْفِرُوا وارْحَمُوا نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - حِينَ حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحٍ ابْنِ خالَتِهِ لِخَوْضِهِ في عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها وكانَ مِسْكِينًا بَدْرِيًّا مُهاجِرًا ولَمّا قَرَأها النَبِيُّ ﷺ عَلى أبِي بَكْرٍ قالَ: بَلى أُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي ورَدَّ إلى مِسْطَحٍ نَفَقَتَهُ.

النور 24:23

﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ العَفائِفَ ﴿الغافِلاتِ﴾ السَلِيماتِ الصُدُورِ النَقِيّاتِ القُلُوبِ اللاتِي لَيْسَ فِيهِنَّ دَهاءٌ ولا مَكْرٌ لِأنَّهُنَّ لَمْ يُجَرِّبْنَ الأُمُورَ ﴿المُؤْمِناتِ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ،عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - هُنَّ أزْواجُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وقِيلَ هُنَّ جَمِيعُ المُؤْمِناتِ إذِ العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَفْظِ لا بِخُصُوصِ السَبَبِ، وقِيلَ أُرِيدَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها وحْدَها وإنَّما جُمِعَ، لِأنَّ مَن قَذَفَ واحِدَةً مِن نِساءِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَكَأنَّهُ قَذَفَهُنَّ ﴿لُعِنُوا في الدُنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ جَعَلَ القَذْفَةَ مَلْعُونِينَ في الدارَيْنِ وتَوَعَّدَهم بِالعَذابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا.

النور 24:24

والعامِلُ في ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ يُعَذَّبُونَ، وبِالياءِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ ﴿ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِما أفَكُوا أوْ بَهَتُوا.

النور 24:25

والعامِلُ في ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ بِالنَصْبِ صِفَةٌ لِلدِّينِ وهو الجَزاءُ ومَعْنى الحَقِّ:الثابِتُ الَّذِي هم أهْلُهُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِالرَفْعِ صِفَةً كَقِراءَةِ أُبَيٍّ (يُوَفِّيهِمُ اللهُ الحَقُّ دِينَهُمْ) وعَلى قِراءَةِ النَصْبِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَقُّ وصْفًا لِلَّهِ بِأنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ ﴿وَيَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿أنَّ اللهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ (p-٤٩٧)لِارْتِفاعِ الشُكُوكِ وحُصُولِ العِلْمِ الضَرُورِيِّ ولَمْ يُغَلِّظِ اللهُ تَعالى في القُرْآنِ في شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي تَغْلِيظَهُ في إفْكِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها فَأوْجَزَ في ذَلِكَ وأشْبَعَ وفَصَّلَ وأجْمَلَ وأكَّدَ وكَرَّرَ وما ذَلِكَ إلّا لِأمْرٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مَن أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ تابَ مِنهُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ إلّا مَن خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ، وهَذا مِنهُ تَعْظِيمٌ ومُبالَغَةٌ في أمْرِ الإفْكِ ولَقَدْ بَرَّأ اللهُ تَعالى أرْبَعَةً بَرَّأ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ بِشاهِدٍ مِن أهْلِها ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن قَوْلِ اليَهُودِ فِيهِ بِالحَجَرِ الَّذِي ذَهَبَ بِثَوْبِهِ ومَرْيَمَ رَضِيَ اللهُ عَنْها بِإنْطاقِ ولَدِها وعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها بِهَذِهِ الآيِ العِظامِ في كِتابِهِ المُعْجِزِ المَتْلُوِّ عَلى وجْهِ الدَهْرِ بِهَذِهِ المُبالَغاتِ فانْظُرْ كَمْ بَيْنَها وبَيْنَ تَبْرِئَةِ أُولَئِكَ وما ذَلِكَ إلّا لِإظْهارِ عُلُوِّ مَنزِلَةِ رَسُولِهِ والتَنْبِيهِ عَلى إنافَةِ مَحَلِّهِ ﷺ وعَلى آلِهِ.

النور 24:26

﴿الخَبِيثاتُ﴾ مِنَ القَوْلِ تُقالُ ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ ﴿والخَبِيثُونَ﴾ مِنهم يَتَعَرَّضُونَ ﴿لِلْخَبِيثاتِ﴾ مِنَ القَوْلِ وكَذَلِكَ ﴿والطَيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ أيْ: فِيهِمْ، و" ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الطَيِّبِينَ وأنَّهم مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُ الخَبِيثُونَ مِن خَبِيثاتِ الكَلِمِ وهو كَلامٌ جارٍ مَجْرى المَثَلِ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها وما رُمِيَتْ بِهِ مِن قَوْلٍ لا يُطابِقُ حالَها في النَزاهَةِ والطِيبَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى أهْلِ البَيْتِ وأنَّهم مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُ أهْلُ الإفْكِ وأنْ يُرادَ بِالخَبِيثاتِ والطَيِّباتِ النِساءُ الخَبائِثُ يَتَزَوَّجْنَ الخِباثَ والخِباثُ تَتَزَوَّجُ الخَبائِثَ وكَذا أهْلُ الطِيبِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ مُسْتَأْنَفٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الجَنَّةِ ودَخَلَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها في مَرَضِها وهي خائِفَةٌ مِنَ القُدُومِ عَلى اللهِ تَعالى فَقالَ لا تَخافِي، لِأنَّكِ لا تَقْدُمِينَ إلّا عَلى مَغْفِرَةٍ ورِزْقٍ كَرِيمٍ وتَلا الآيَةَ فَغُشِيَ عَلَيْها فَرَحًا بِما تَلا، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها لَقَدْ أُعْطِيتُ تِسْعًا ما أُعْطِيَتْهُنَّ امْرَأةٌ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِصُورَتِي في راحَتِهِ حِينَ أمَرَ ﷺ أنْ يَتَزَوَّجَنِي،وَتَزَوَّجَنِي بِكْرًا وما تَزَوَّجَ بِكْرًا غَيْرِي وتُوُفِّي (p-٤٩٨)- عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ – ورَأسُهُ في حِجْرِي وقُبِرَ في بَيْتِي ونَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ وأنا في لِحافِهِ وأنا ابْنَةُ خَلِيفَتِهِ وصَدِيقِهِ ونَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَماءِ وخُلِقْتُ طَيِّبَةً عِنْدَ طَيِّبٍ ووُعِدْتُ مَغْفِرَةً ورِزْقًا كَرِيمًا، وقالَ حَسّانٌ مُتَعَذِّرًا في حَقِّها ؎ حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ ؎ حَلِيلَةُ خَيْرِ الناسِ دِينًا ومَنصِبًا ∗∗∗ نَبِيِّ الهُدى والمَكْرُماتِ الفَواضِلِ ؎ عَقِيلَةُ حَيٍّ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبِ ∗∗∗ كِرامِ المَباغِي مَجْدُها غَيْرُ زائِلِ ؎ مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللهُ خَيْمَها ∗∗∗ وطَهَّرَها مِن كُلِّ شَيْنٍ وباطِلِ.

النور 24:27

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: بُيُوتًا لَسْتُمْ تَمْلِكُونَها ولا تَسْكُنُونَها ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أيْ: تَسْتَأْذِنُوا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - وقَدْ قَرَأ بِهِ والِاسْتِئْناسُ في الأصْلِ الِاسْتِعْلامُ والِاسْتِكْشافُ، اسْتِفْعالٌ مِن آنَسَ الشَيْءَ إذا أبْصَرَهُ ظاهِرًا مَكْشُوفًا أيْ: حَتّى تَسْتَعْلِمُوا أيُطْلَقُ لَكُمُ الدُخُولُ أمْ لا؟ وذَلِكَ بِتَسْبِيحَةٍ أوْ بِتَكْبِيرَةٍ أوْ بِتَحْمِيدَةٍ أوْ بِتَنَحْنُحٍ ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ والتَسْلِيمُ أنْ يَقُولَ السَلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَإنْ أُذِنَ لَهُ وإلّا رَجَعَ وقِيلَ إنْ تَلاقَيا يُقَدِّمُ التَسْلِيمَ وإلّا فالِاسْتِئْذانُ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الِاسْتِئْذانُ والتَسْلِيمُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن تَحِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ والدُمُورِ - وهو الدُخُولُ بِغَيْرِ إذْنٍ- وكانَ الرَجُلَ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ إذا دَخَلَ بَيْتَ غَيْرِهِ يَقُولُ حُيِّيتُمْ صَباحًا وحُيِّيتُمْ مَساءً ثُمَّ يَدْخُلُ فَرُبَّما أصابَ الرَجُلَ مَعَ امْرَأتِهِ في لِحافٍ واحِدٍ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: قِيلَ لَكم هَذا لِكَيْ تَذَكَّرُوا وتَتَّعِظُوا وتَعْمَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ في بابِ الِاسْتِئْذانِ.

النور 24:28

﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها﴾ في البُيُوتِ ﴿أحَدًا﴾ مِنَ الآذِنِينَ ﴿فَلا تَدْخُلُوها حَتّى (p-٤٩٩)يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ حَتّى تَجِدُوا مَن يَأْذَنُ لَكم أوْ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا مِن أهْلِها ولَكم فِيها حاجَةٌ فَلا تَدْخُلُوها إلّا بِإذْنِ أهْلِها، لِأنَّ التَصَرُّفَ في مِلْكِ الغَيْرِ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ بِرِضاهُ ﴿وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا﴾ أيْ: إذا كانَ فِيهِ قَوْمٌ فَقالُوا ارْجِعُوا ﴿فارْجِعُوا﴾ ولا تُلِحُّوا في إطْلاقِ الإذْنِ ولا تَلِجُّوا في تَسْهِيلِ الحِجابِ ولا تَقِفُوا عَلى الأبْوابِ، لِأنَّ هَذا مِمّا يَجْلِبُ الكَراهَةَ فَإذا نَهى عَنْ ذَلِكَ لِأدائِهِ إلى الكَراهَةِ وجَبَ الِانْتِهاءُ عَنْ كُلِّ ما يُؤَدِّي إلَيْها مِن قَرْعِ البابِ بِعُنْفٍ والتَصْيِيحِ بِصاحِبِ الدارِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ ما قَرَعْتُ بابًا عَلى عالِمٍ قَطُّ ﴿هُوَ أزْكى لَكُمْ﴾ أيِ الرُجُوعُ أطْيَبُ وأطْهَرُ لِما فِيهِ مِن سَلامَةِ الصُدُورِ والبُعْدِ عَنِ الرِيبَةِ أوْ أنْفَعُ وأنْمى خَيْرًا ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وعِيدٌ لِلْمُخاطَبِينَ بِأنَّهُ عالِمٌ بِما يَأْتُونَ وما يَذْرُونَ مِمّا خُوطِبُوا بِهِ فَمُوَفٍّ جَزاءَهُ عَلَيْهِ.

النور 24:29

﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا﴾ في أنْ تَدْخُلُوا ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ اسْتَثْنى مِنَ البُيُوتِ الَّتِي يَجِبُ الِاسْتِئْذانُ عَلى داخِلِها ما لَيْسَ بِمَسْكُونٍ مِنها كالخاناتِ والرُبُطِ وحَوانِيتِ التُجّارِ ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مَنفَعَةٌ كالِاسْتِكْنانِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ وإيواءِ الرِحالِ والسِلَعِ والشِراءِ والبَيْعِ وقِيلَ الخَرِباتُ يَتَبَرَّزُ فِيها والمَتاعُ التَبَرُّزُ ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ وعِيدٌ لِلَّذِينِ يَدْخُلُونَ الخَرِباتِ والدُورَ الخالِيَةَ مِن أهْلِ الرِيبَةِ.

النور 24:30

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ والمُرادُ غَضُّ البَصَرِ عَمّا يَحْرُمُ والِاقْتِصارُ بِهِ عَلى ما يَحِلُّ ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ عَنِ الزِنا ولَمْ يَدْخُلْ مِن هُنا، لِأنَّ الزِنا لا رُخْصَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ ويَجُوزُ النَظَرُ إلى وجْهِ الأجْنَبِيَّةِ وكَفِّها وقَدَمَيْها في رِوايَةٍ وإلى رَأْسِ المَحارِمِ والصَدْرِ والساقَيْنِ والعَضُدَيْنِ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: غَضُّ البَصَرِ وحِفْظُ الفَرْجِ ﴿أزْكى لَهُمْ﴾ أيْ: أطْهَرُ مِن دَنَسٍ الإثْمِ ﴿إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ فِيهِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ يَعْنِي: أنَّهُ خَبِيرٌ (p-٥٠٠)بِأحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وكَيْفَ يُخِينُونَ أبْصارَهم ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُدُورُ﴾ [غافر: ١٩] فَعَلَيْهِمْ إذا عَرَفُوا ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا مِنهُ عَلى تَقْوى وحَذَرٍ في كُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ.

النور 24:31

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أُمِرْنَ بِغَضِّ الأبْصارِ فَلا يَحِلُّ لِلْمَرْأةِ أنْ تَنْظُرَ مِنَ الأجْنَبِيِّ إلى ما تَحْتَ سُرَّتِهِ إلى رُكْبَتَيْهِ وإنِ اشْتَهَتْ غَضَّتْ بَصَرَها رَأسًا ولا تَنْظُرُ إلى المَرْأةِ إلّا إلى مِثْلٍ ذَلِكَ وغَضُّ بَصَرِها مِنَ الأجانِبِ أصْلًا أوْلى بِها وإنَّما قَدَّمَ غَضَّ الأبْصارِ عَلى حِفْظِ الفُرُوجِ، لِأنَّ النَظَرَ بَرِيدُ الزِنا ورائِدُ الفُجُورِ فَبَذْرُ الهَوى طُمُوحُ العَيْنِ ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزِينَةُ ما تَزَيَّنَتْ بِهِ المَرْأةُ مِن حُلِيٍّ أوْ كُحْلٍ أوْ خِضابٍ والمَعْنى: ولا يُظْهِرْنَ مَواضِعَ الزِينَةِ إذْ إظْهارُ عَيْنِ الزِينَةِ - وهي الحُلِيُّ ونَحْوُها - مُباحٌ، فالمُرادُ بِها مَواضِعُها أوْ إظْهارُها وهي في مَواضِعِها لِإظْهارِ مَواضِعِها لا لِإظْهارِ أعْيانِها ومَواضِعُها: الرَأْسُ والأُذُنُ والعُنُقُ والصَدْرُ والعَضُدانِ والذِراعُ والساقُ، فَهي لِلْإكْلِيلِ، والقُرْطُ والقِلادَةُ والوِشاحُ والدُمْلُجُ والسُوارُ والخَلْخالُ ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ إلّا ما جَرَتِ العادَةُ والجِبِلَّةُ عَلى ظُهُورِهِ وهو الوَجْهُ والكَفّانِ والقَدَمانِ فَفي سَتْرِها حَرَجٌ بَيِّنٌ فَإنَّ المَرْأةَ لا تَجِدُ بُدًّا مِن مُزاوَلَةِ الأشْياءِ بِيَدَيْها ومِنَ الحاجَةِ إلى كَشْفِ وجْهِها خُصُوصًا في الشَهادَةِ والمُحاكَمَةِ والنِكاحِ وتُضْطَرُّ إلى المَشْيِ في الطُرُقاتِ وظُهُورِ قَدَمَيْها وخاصَّةً الفَقِيراتِ مِنهُنَّ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ ولِيَضَعْنَ، مِن قَوْلِكَ:ضَرَبْتُ بِيَدِي عَلى الحائِطِ، إذا وضَعْتَها عَلَيْهِ ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ جَمْعُ خِمارٍ ﴿عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ بِضَمِّ الجِيمِ مَدَنِيٌّ وبَصْرِيٌّ وعاصِمٌ، كانَتْ جُيُوبُهُنَّ واسِعَةً تَبْدُو مِنها صُدُورُهُنَّ وما حَوالَيْها وكُنَّ يَسْدِلْنَ الخُمُرَ مِن ورائِهِنَّ فَتَبْقى مَكْشُوفَةً فَأُمِرْنَ بِأنْ يُسْدِلْنَها مِن قُدّامِهِنَّ حَتّى تُغَطِّينَها ﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ لِأزْواجِهِنَّ جَمْعُ بَعْلٍ ﴿أوْ آبائِهِنَّ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِمُ الأجْدادُ ﴿أوْ آباءِ (p-٥٠١)بُعُولَتِهِنَّ﴾ فَقَدْ صارُوا مَحارِمَ ﴿أوْ أبْنائِهِنَّ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِمُ النَوافِلُ ﴿أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ فَقَدْ صارُوا مَحارِمَ أيْضًا ﴿أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِمُ النَوافِلُ وسائِرُ المَحارِمِ كالأعْمامِ والأخْوالِ وغَيْرُهم دَلالَةً ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ أيِ الحَرائِرِ، لِأنَّ مُطْلَقَ هَذا اللَفْظِ يَتَناوَلُ الحَرائِرَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ أيِ إمائِهِنَّ ولا يَحِلُّ لِعَبْدِها أنْ يَنْظُرَ إلى هَذِهِ المَواضِعِ مِنها خَصِيًّا كانَ أوْ عِنِّينًا أوْ فَحْلًا، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: لا تُغْرُنَّكم سُورَةُ النُورِ فَإنَّها في الإماءِ دُونَ الذُكُورِ، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها أنَّها أباحَتِ النَظَرَ إلَيْها لِعَبْدِها ﴿أوِ التابِعِينَ غَيْرِ﴾ بِالنَصْبِ شامِيٌّ ويَزِيدُ وأبُو بَكْرٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ أوِ الحالُ وغَيْرُهم بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ أوْ عَلى الوَصْفِيَّةِ ﴿أُولِي الإرْبَةِ﴾ الحاجَةِ إلى النِساءِ قِيلَ هُمُ الَّذِينَ يَتْبَعُونَكم لِيُصِيبُوا مِن فَضْلِ طَعامِكم ولا حاجَةَ لَهم إلى النِساءِ، لِأنَّهم بُلْهٌ لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن أمْرِهِنَّ أوْ شُيُوخٌ صُلَحاءُ أوِ العِنِّينُ أوِ الخَصِيُّ أوِ المُخَنَّثُ، وفى الأثَرِ أنَّهُ المَجْبُوبُ والأوَّلُ الوَجْهُ ﴿مِنَ الرِجالِ﴾ حالٌ ﴿أوِ الطِفْلِ الَّذِينَ﴾ هو جِنْسٌ فَصَلَحَ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمْعُ ﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِساءِ﴾ أيْ: لَمْ يَطَّلِعُوا لِعَدَمِ الشَهْوَةِ، مِن ظَهَرَ عَلى الشَيْءِ: إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يَبْلُغُوا أوانَ القُدْرَةِ عَلى الوَطْءِ مِن ظَهَرَ عَلى فُلانٍ إذا قَوِيَ عَلَيْهِ ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ كانَتِ المَرْأةُ تَضْرِبُ الأرْضَ بِرِجْلَيْها إذا مَشَتْ لِتُسْمِعَ قَعْقَعَةَ خَلْخالِها فَيُعْلَمَ أنَّها ذاتُ خَلْخالٍ فَنُهِينَ عَنْ ذَلِكَ إذْ سَماعُ صَوْتِ الزِينَةِ كَإظْهارِها ومِنهُ سُمِّيَ صَوْتُ الحُلِيِّ وسْواسًا ﴿وَتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيُّهُ شامِيٌّ إتْباعًا لِلضَّمَّةِ قَبْلَها بَعْدَ حَذْفِ الألِفِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ وغَيْرُهُ عَلى فَتْحِ الهاءِ لِأنَّ بَعْدَها ألِفًا في التَقْدِيرِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ (p-٥٠٢)العَبْدُ لا يَخْلُو عَنْ سَهْوٍ وتَقْصِيرٍ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وإنِ اجْتَهَدَ فَلِذا وصّى المُؤْمِنِينَ جَمِيعًا بِالتَوْبَةِ وبِتَأْمِيلِ الفَلاحِ إذا تابُوا وقِيلَ أحْوَجُ الناسِ إلى التَوْبَةِ مَن تَوَهَّمَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ حاجَةٌ بِالتَوْبَةِ وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العِصْيانَ لا يُنافِي الإيمانَ.

النور 24:32

﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ الأيامى جَمْعُ أيِّمٍ وهو مَن لا زَوْجَ لَهُ رَجُلًا كانَ أوِ امْرَأةً بِكْرًا كانَ أوْ ثَيِّبًا وأصْلُهُ أيائِمُ فَقُلِبَتْ ﴿والصالِحِينَ﴾ أيْ: الخَيِّرِينَ أوِ المُؤْمِنِينَ والمَعْنى: زَوَّجُوا مَن تَأيَّمَ مِنكم مِنَ الأحْرارِ والحَرائِرِ ومَن كانَ فِيهِ صَلاحٌ ﴿مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ أيْ: مِن غِلْمانِكم وجَوارِيكم والأمْرُ لِلنَّدْبِ إذِ النِكاحُ مَندُوبٌ إلَيْهِ ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ﴾ مِنَ المالِ ﴿يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] بِالكِفايَةِ والقَناعَةِ أوْ بِاجْتِماعِ الرِزْقَيْنِ وفي الحَدِيثِ: « " التَمِسُوا الرِزْقَ بِالنِكاحِ »، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مِثْلُهُ ﴿واللهُ واسِعٌ﴾ غَنِيٌّ ذُو سَعَةٍ لا يَرْزَؤُهُ إغْناءُ الخَلائِقِ ﴿عَلِيمٌ﴾ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وقِيلَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَزْوِيجَ النِساءِ والأيامى إلى الأوْلِياءِ كَما أنَّ تَزْوِيجَ العَبِيدِ والإماءِ إلى المَوالِي قُلْنا الرَجُلُ لا يَلِي عَلى الرَجُلِ الأيِّمِ إلّا بِإذْنِهِ فَكَذا لا يَلِي عَلى المَرْأةِ إلّا بِإذْنِها، لِأنَّ الأيِّمَ يَنْتَظِمُها.

النور 24:33

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ﴾ ولْيَجْتَهِدُوا في العِفَّةِ كَأنَّ المُسْتَعِفَّ طالِبٌ مِن نَفْسِهِ العَفافَ ﴿لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ اسْتِطاعَةَ تَزَوُّجٍ مِنَ المَهْرِ والنَفَقَةِ ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ حَتّى يُقَدِّرَهم عَلى المَهْرِ والنَفَقَةِ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ «: " يا مَعْشَرَ الشَبابِ مَنِ اسْتَطاعَ مِنكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَوْمِ فَإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ" »، فانْظُرْ كَيْفَ رَتَّبَ هَذِهِ الأوامِرَ (p-٥٠٣)فَأمَرَ أوَّلًا بِما يَعْصِمُ مِنَ الفِتْنَةِ ويُبْعِدُ عَنْ مُواقَعَةِ المَعْصِيَةِ وهو غَضُّ البَصَرِ ثُمَّ بِالنِكاحِ المُحَصِّنِ لِلدِّينِ المَغْنِي عَنِ الحَرامِ ثُمَّ بِعِزَّةِ النَفْسِ الأمّارَةِ بِالسُوءِ عَنِ الطُمُوحِ إلى الشَهْوَةِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ النِكاحِ إلى أنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيِ المَمالِيكُ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الكِتابَةَ فالَّذِينَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ وهو لِلنَّدْبِ ودَخَلَتِ الفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَرْطِ والكِتابُ والمُكاتَبَةُ كالعِتابِ والمُعاتَبَةِ وهو أنْ يَقُولَ لِمَمْلُوكِهِ كاتَبْتُكَ عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ فَإنْ أدّاها عُتِقَ ومَعْناهُ: كَتَبْتُ لَكَ عَلى نَفْسِي أنْ تُعْتَقَ مِنِّي إذا وفَيْتَ بِالمالِ وكَتَبْتَ لِي عَلى نَفْسِكَ أنْ تَفِيَ بِذَلِكَ أوْ كَتَبْتُ عَلَيْكَ الوَفاءَ بِالمالِ وكَتَبْتُ عَلَيَّ العِتْقَ ويَجُوزُ حالًّا ومُؤَجَّلًا ومُنَجَّمًا وغَيْرَ مُنَجَّمٍ لِإطْلاقِ الأمْرِ ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قُدْرَةً عَلى الكَسْبِ أوْ أمانَةً ودِيانَةً والنَدْبِيَّةُ مُعَلَّقَةٌ بِهَذا الشَرْطِ ﴿وَآتُوهم مِن مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ أمْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى وجْهِ الوُجُوبِ بِإعانَةِ المُكاتَبِينَ وإعْطائِهِمْ سَهْمَهم مِنَ الزَكاةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَفِي الرِقابِ﴾ [التوبة: ٦٠] وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ مَعْناهُ: حُطُّوا مِن بَدَلِ الكِتابَةِ رُبْعًا وهَذا عِنْدَنا عَلى وجْهِ النَدْبِ والأوَّلُ الوَجْهُ، لِأنَّ الإيتاءَ هو التَمْلِيكُ فَلا يَقَعُ عَلى الحَطِّ سَألَ صُبَيْحٌ مَوْلاهُ حُوَيْطِبًا أنْ يُكاتِبَهُ فَأبى فَنَزَلَتْ واعْلَمْ أنَّ العَبِيدَ أرْبَعَةٌ قِنٌّ مُقْتَنًى لِلْخِدْمَةِ ومَأْذُونٌ في التِجارَةِ ومُكاتَبٌ وآبِقٌ، فَمِثالُ الأوَّلِ ولِيُّ العُزْلَةِ الَّذِي حَصَلَ العِزُّ لَهُ بِإيثارِ الخَلْوَةِ وتَرْكِ العِشْرَةِ والثانِي ولِيُّ العِشْرَةِ فَهو نَجِيُّ الحَضْرَةِ يُخالِطُ الناسَ لِلْخِبْرَةِ ويَنْظُرُ إلَيْهِمْ بِالعِبْرَةِ ويَأْمُرُهم بِالعِبْرَةِ فَهو خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَحْكُمُ بِحُكْمِ اللهِ ويَأْخُذُ لِلَّهِ ويُعْطِي في اللهِ ويَفْهَمُ عَنِ اللهِ ويَتَكَلَّمُ مَعَ اللهِ فالدُنْيا سُوقُ تِجارَتِهِ والعَقْلُ رَأْسُ بِضاعَتِهِ والعَدْلُ في الغَضَبِ والرِضا مِيزانُهُ والقَصْدُ في الفَقْرِ والغِنى عُنْوانُهُ والعِلْمُ مَفْزَعُهُ ومَنحاهُ والقُرْآنُ كِتابُ الإذْنِ مِن مَوْلاهُ فَهو كائِنٌ في الناسِ بِظَواهِرِهِ بائِنٌ مِنهم بِسَرائِرِهِ فَقَدْ هَجَرَهم فِيما لَهُ عَلَيْهِمْ في اللهِ باطِنًا ثُمَّ وصَلَهم فِيما لَهم عَلَيْهِ لِلَّهِ ظاهِرًا (p-٥٠٤)وَما هو مِنهُمُ بِالعَيْشِ فِيهِمْ ولَكِنْ مَعْدِنَ الذَهَبِ الرَغامُ يَأْكُلُ ما يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُ ما يَشْرَبُونَ وما يُدْرِيهِمْ أنَّهُ ضَيْفُ اللهِ يَرى السَمَواتِ والأرْضَ قائِماتٍ بِأمْرِهِ وكَأنَّهُ قِيلَ فِيهِ: ؎ فَإنْ تَفُقِ الأنامُ وأنْتَ مِنهم فَإنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزالِ فَحالُ ولِيِّ العُزْلَةِ أصْفى وأحْلى وحالُ ولِيِّ العِشْرَةِ أوْفى وأعْلى ونُزِّلَ الأوَّلُ مِنَ الثانِي في حَضْرَةِ الرَحْمَنِ مَنزِلَةَ النَدِيمِ مِنَ الوَزِيرِ عِنْدَ السُلْطانِ أمّا النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَهو كَرِيمُ الطَرَفَيْنِ ومَعْدِنُ الشَذَرَيْنِ ومَجْمَعُ الحالَيْنِ ومَنبَعُ الزُلالَيْنِ فَباطِنُ أحْوالِهِ مُهْتَدِي ولِيِّ العُزْلَةِ وظاهِرُ أعْمالِهِ مُقْتَدى ولِيِّ العِشْرَةِ والثالِثُ المُجاهِدُ المُحاسِبُ العامِلُ المُطالِبُ بِالضَرائِبِ كَنُجُومِ المُكاتَبِ عَلَيْهِ في اليَوْمِ واللَيْلَةِ خَمْسٌ وفى المِائَتَيْنِ خَمْسَةٌ وفي السَنَةِ شَهْرٌ وفي العُمْرِ زَوْرَةٌ فَكَأنَّهُ اشْتَرى نَفْسَهُ مِن رَبِّهِ بِهَذِهِ النُجُومِ المُرَتَّبَةِ فَيَسْعى في فِكاكِ رَقَبَتِهِ خَوْفًا مِنَ البَقاءِ في رِبْقَةِ العُبُودِيَّةِ وطَمَعًا في فَتْحِ بابِ الحُرِّيَّةِ لِيَسْرَحَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَيَتَمَتَّعَ بِمُناهُ ويَفْعَلُ ما يَشاؤُهُ ويَهْواهُ والرابِعُ الأُبّاقُ فَما أكْثَرَهم فَمِنهُمُ القاضِي الجائِرُ والعالِمُ غَيْرُ العامِلِ والعامِلُ المُرائِي والواعِظُ الَّذِي لا يَفْعَلُ ما يَقُولُ ويَكُونُ أكْثَرَ أقْوالِهِ الفُضُولُ وعَلى كُلِّ ما لا يَنْفَعُهُ يَصُولُ فَضْلًا عَنِ السارِقِ والزانِي والغاصِبِ فَعَنْهم أخْبَرَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ «:"إنَّ اللهَ لَيَنْصُرُ هَذا الدِينَ بِقَوْمٍ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ" »«﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ كانَ لِابْنِ أُبَيٍّ سِتُّ جَوارٍ: مُعاذَةُ ومُسَيْلَةُ وأُمَيْمَةُ وعَمْرَةُ وأرْوى وقَتِيلَةُ يُكْرِهُهُنَّ عَلى البِغاءِ وضَرَبَ عَلَيْهِنَّ الضَرائِبَ فَشَكَتْ ثِنْتانِ مِنهُنَّ إلى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَنَزَلَتْ » ويُكَنّىْ بِالفَتى والفَتاةِ عَنِ العَبْدِ والأمَةِ والبِغاءُ الزِنا لِلنِّساءِ خاصَّةً وهو مَصْدَرٌ لِبَغَتْ ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تَعَفُّفًا عَنِ الزِنا وإنَّما قَيَّدَهُ بِهَذا الشَرْطِ، لِأنَّ الإكْراهَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ إرادَةِ التَحَصُّنِ فَآمِرُ الطَيِّعَةِ لِلْبِغاءِ (p-٥٠٥)لا يُسَمّى مُكْرِهًا ولا أمْرُهُ إكْراهًا ولِأنَّها نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ فَوَقَعَ النَهْيُ عَلى تِلْكَ الصِفَةِ وفِيهِ تَوْبِيخٌ لِلْمَوالِي أيْ: إذا رَغِبْنَ في التَحَصُّنِ فَأنْتُمْ أحَقُّ بِذَلِكَ ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُنْيا﴾ أيْ: لِتَبْتَغُوا بِإكْراهِهِنَّ عَلى الزِنا أُجُورَهُنَّ وأوْلادَهُنَّ ﴿وَمَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لَهُنَّ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ، وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ لَهُنَّ واللهِ، ولَعَلَّ الإكْراهَ كانَ دُونَ ما اعْتَبَرَتْهُ الشَرِيعَةُ وهو الَّذِي يُخافُ مِنهُ التَلَفُ فَكانَتْ آثِمَةً أوْ لَهم إذا تابُوا.

النور 24:34

﴿وَلَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ بِفَتْحِ الياءِ حِجازِيٌّ وبَصْرِيٌّ وأبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ والمُرادُ الآياتُ الَّتِي بُيِّنَتْ في هَذِهِ السُورَةِ وأُوضِحَتْ في مَعانِي الأحْكامِ والحُدُودِ وجازَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ مُبَيَّنًا فِيها فاتَّسَعَ في الظَرْفِ أيْ: أُجْرِيَ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِهِ "وَيَوْمَ شَهِدْناهُ" وبِكَسْرِها غَيْرُهم أيْ: بَيَّنَتْ هي الأحْكامَ والحُدُودَ جَعَلَ الفِعْلَ لَها مَجازًا أوْ مِن بَيَّنَ بِمَعْنى تَبَيَّنَ ومِنهُ المَثَلُ ؎ قَدْ بَيَّنَ الصُبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ ﴿وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ ومَثَلًا مِن أمْثالِ مَن قَبَلَكم أيْ: قِصَّةً عَجِيبَةً مِن قَصَصِهِمْ كَقِصَّةِ يُوسُفَ ومَرْيَمَ يَعْنِي: قِصَّةَ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ ما وعَظَ بِهِ مِنَ الآياتِ والمَثَلِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللهِ﴾ [النور: ٢] ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٢] ﴿وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٦] ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ [النور: ١٧] ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها وإنْ كانَتْ مَوْعِظَةً لِلْكُلِّ نَظِيرُ قَوْلِهِ.

النور 24:35

﴿اللهُ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ﴾ قَوْلُكَ زَيْدٌ كَرَمٌ وجُودٌ، ثُمَّ تَقُولُ يُنْعِشُ الناسَ بِكَرَمِهِ وجُودِهِ والمَعْنى: ذُو نُورِ السَمَواتِ، ونُورُ السَمَواتِ والأرْضِ الحَقُّ شَبَّهَهُ بِالنُورِ في ظُهُورِهِ وبَيانِهِ كَقَوْلِهِ ﴿اللهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أيْ: مِنَ الباطِلِ إلى الحَقِّ وأضافَ النُورَ إلَيْهِما لِلدَّلالَةِ (p-٥٠٦)عَلى سَعَةِ إشْراقِهِ وفُشُوِّ إضاءَتِهِ حَتّى تُضِيءَ لَهُ السَمَواتُ والأرْضُ وجازَ أنَّ المُرادَ أهْلُ السَمَواتِ والأرْضِ وأنَّهم يَسْتَضِيئُونَ بِهِ ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أيْ: صِفَةُ نُورِهِ العَجِيبَةُ الشَأْنِ في الإضاءَةِ وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما " ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أيْ: نُورِ اللهِ الَّذِي هَدى بِهِ المُؤْمِنَ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " مَثَلُ نُورِهِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ" وقَرَأ أُبَيٌّ " مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ " ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ كَصِفَةِ مِشْكاةٍ وهي الكُوَّةُ في الجِدارِ غَيْرِ النافِذَةِ ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ أيْ: سِراجٌ ضَخْمٌ ثاقِبٌ ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ في قِنْدِيلٍ مِن زُجاجٍ شامِيٌّ بِكَسْرِ الزايِ ﴿الزُجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ مُضِيءٌ بِضَمِّ الدالِ وتَشْدِيدِ الياءِ مَنسُوبٌ إلى الدُرِّ لِفَرْطِ ضِيائِهِ وصَفائِهِ وبِالكَسْرِ والهَمْزَةِ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ كَأنَّهُ يَدْرَأُ الظَلامَ بِضَوْئِهِ وبِالضَمِّ والهَمْزَةِ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ شُبِّهَ في زَهْرَتِهِ بِأحَدِ الكَواكِبِ الدَرارِيِّ كالمُشْتَرِي والزُهْرَةِ ونَحْوِهِما ﴿يُوقَدُ﴾ بِالتَخْفِيفِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ أيِ الزُجاجَةُ ويُوقِدُ بِالتَخْفِيفِ شامِيٌّ ونافِعٌ وحَفْصٌ و"تَوَقَّدُ" مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ أيْ: هَذا المِصْباحِ ﴿مِن شَجَرَةٍ﴾ أيِ ابْتِداءُ ثُقُوبِهِ مِن زَيْتِ شَجَرَةِ الزَيْتُونِ يَعْنِي: رُوِّيَتْ زُبالَتُهُ بِزَيْتِها ﴿مُبارَكَةٍ﴾ كَثِيرَةِ المَنافِعِ، أوْ لِأنَّها نَبَتَتْ في الأرْضِ الَّتِي بُورِكَ فِيها لِلْعالَمِينَ وقِيلَ بارَكَ فِيها سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بَدَلٌ مِن شَجَرَةٍ نَعْتُها ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ أيْ: مَنبَتُها الشامُ يَعْنِي: لَيْسَتْ مِنَ المَشْرِقِ ولا مِنَ المَغْرِبِ بَلْ في الوَسَطِ مِنهُما وهو الشامُ وأجْوَدُ الزَيْتُونِ زَيْتُونُ الشامِ وقِيلَ لَيْسَتْ مِمّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَمْسُ في وقْتِ شُرُوقِها أوْ غُرُوبِها فَقَطْ بَلْ تُصِيبُها بِالغَداةِ والعَشِيِّ جَمِيعًا فَهي شَرْقِيَّةٌ وغَرْبِيَّةٌ ﴿يَكادُ زَيْتُها﴾ دُهْنُها ﴿يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ وُصِفَ الزَيْتُ بِالصَفاءِ (p-٥٠٧)والوَمِيضِ وأنَّهُ لَتَلَأْلُؤِهِ يَكادُ يُضِيءُ مِن غَيْرِ نارٍ ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ أيْ: هَذا النُورُ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ الحَقُّ نُورٌ مُتَضاعَفٌ قَدْ تَناصَرُ فِيهِ المِشْكاةُ والزُجاجَةُ والمِصْباحُ والزَيْتُ حَتّى لَمْ تَبْقَ بَقِيَّةٌ مِمّا يُقَوِّي النُورَ وهَذا، لِأنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في مَكانٍ مُتَضايِقٍ كالمِشْكاةِ كانَ أجْمَعَ لِنُورِهِ بِخِلافِ المَكانِ الواسِعِ فَإنَّ الضَوْءَ يَنْتَشِرُ فِيهِ والقِنْدِيلُ أعْوَنُ شَيْءٍ عَلى زِيادَةِ الإنارَةِ وكَذَلِكَ الزَيْتُ وصَفاؤُهُ وضَرْبُ المَثَلِ يَكُونُ بِدَنِيءٍ مَحْسُوسٍ مَعْهُودٍ لا بِعَلِيٍّ غَيْرِ مُعايَنٍ ولا مَشْهُودٍ فَأبُو تَمّامٍ لَمّا قالَ في المَأْمُونِ: ؎ إقْدامُ عَمْرٍو في سَماحَةِ حاتِمٍ في حِلْمِ أحْنَفَ في ذَكاءِ إياسٍ وَقِيلَ لَهُ إنَّ الخَلِيفَةَ فَوْقَ مَن مَثَّلْتَهُ بِهِمْ فَقالَ مُرْتَجِلًا ؎ لا تُنْكِرُوا ضَرْبِي مَن دُونَهُ مَثَلًا شَرُودًا في النَدى والباسِ ؎ فاللهُ قَدْ ضَرَبَ الأقَلَّ لِنُورِهِ ∗∗∗ مَثَلًا مِنَ المِشْكاةِ والنِبْراسِ ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ﴾ أيْ: لِهَذا النُورِ الثاقِبِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ أيْ: يُوَفِّقُ لِإصابَةِ الحَقِّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِإلْهامٍ مِنَ اللهِ أوْ بِنَظَرِهِ في الدَلِيلِ ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ تَقْرِيبًا إلى أفْهامِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا فَيُؤْمِنُوا ﴿واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَيُبَيِّنُ كُلَّ شَيْءٍ بِما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ بِهِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مَثَلُ نُورِهِ أيْ: نُورِ اللهِ الَّذِي هَدى بِهِ المُؤْمِنَ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَحِمَهُ اللهُ "مَثَلَ نُورِهِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ " وقَرَأ أُبَيٌّ "مَثَلَ نُورِ المُؤْمِنِ"

النور 24:36

﴿فِي بُيُوتٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمِشْكاةٍ أيْ: كَمِشْكاةٍ في بَعْضِ بُيُوتِ اللهِ وهي المَساجِدُ كَأنَّهُ قِيلَ "مَثَلُ نُورِهِ" كَما تَرى في المَسْجِدِ نُورَ المِشْكاةِ الَّتِي مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتَ أوْ بِ"تُوقَدُ" أيْ تُوقَدُ في بُيُوتٍ أوْ بِ"يُسَبِّحُ" أيْ: يُسَبِّحُ لَهُ رِجالٌ في بُيُوتٍ و"فِيها" تَكْرِيرٌ فِيهِ تَوْكِيدٌ نَحْوُ زَيْدٌ في الدارِ جالِسٌ فِيها أوْ بِمَحْذُوفٍ أيْ: سَبَّحُوا في بُيُوتٍ ﴿أذِنَ اللهُ﴾ أيْ: أمَرَ ﴿أنْ تُرْفَعَ﴾ تُبْنى ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ﴾ [البقرة: ١٢٧] أوْ تَعْظُمُ، مِنَ (p-٥٠٨)الرِفْعَةِ، وعَنِ الحَسَنِ ما أمَرَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ بِالبِناءِ ولَكِنْ بِالتَعْظِيمِ ﴿وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ يُتْلى فِيها كِتابُهُ أوْ هو عامٌّ في كُلِّ ذِكْرٍ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ أيْ: يُصَلِّي لَهُ فِيها بِالغَداةِ صَلاةَ الفَجْرِ وبِالآصالِ صَلاةَ الظُهْرِ والعَصْرِ والعِشاءَيْنِ وإنَّما وحَّدَ الغُدُوَّ، لِأنَّ صَلاتَهُ صَلاةٌ واحِدَةٌ وفي الآصالِ صَلَواتٌ والآصالُ جَمْعُ أُصُلٍ جَمْعُ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ.

النور 24:37

﴿رِجالٌ﴾ فاعِلُ يُسْبِّحُ، "يُسَبَّحُ": شامِيٌّ وأبُو بَكْرٍ ويُسْنَدُ إلى أحَدِ الظُرُوفِ الثَلاثَةِ أعْنِي ﴿لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ﴾ [النور: ٣٦] ورِجالٌ مَرْفُوعٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ يُسَبِّحُ أيْ: يُسَبِّحُ لَهُ ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾ لا تَشْغَلُهم ﴿تِجارَةٌ﴾ في السَفَرِ ﴿وَلا بَيْعٌ﴾ في الحَضَرِ وقِيلَ التِجارَةُ الشِراءُ إطْلاقًا لِاسْمِ الجِنْسِ عَلى النَوْعِ أوْ خَصَّ البَيْعَ بَعْدَ ما عَمَّ، لِأنَّهُ أوْغَلُ في الإلْهاءِ مِنَ الشِراءِ، لِأنَّ الرِبْحَ في البَيْعَةِ الرابِحَةِ مُتَيَقَّنٌ وفي الشِراءِ مَظْنُونٌ ﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ بِاللِسانِ والقَلْبِ ﴿وَإقامِ الصَلاةِ﴾ أيْ: عَنْ إقامَةِ الصَلاةِ، التاءُ في إقامَةٍ عِوَضٌ مِنَ العَيْنِ الساقِطَةِ لِلْإعْلالِ الأصْلُ إقْوامٌ فَلَمّا قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا اجْتَمَعَ ألِفانِ فَحُذِفَتْ إحَداهُما لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ فَأُدْخِلَتِ التاءُ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ فَلَمّا أُضِيفَتْ أُقِيمَتِ الإضافَةُ مَقامَ التاءِ فَأُسْقِطَتْ ﴿وَإيتاءِ الزَكاةِ﴾ أيْ:، وعَنْ إيتاءِ الزَكاةِ والمَعْنى: لا تِجارَةَ لَهم حَتّى تُلْهِيَهم كَأوْلِياءِ العُزْلَةِ أوْ يَبِيعُونَ ويَشْتَرُونَ ويَذْكُرُونَ اللهَ مَعَ ذَلِكَ وإذا حَضَرَتِ الصَلاةُ قامُوا إلَيْها غَيْرَ مُتَثاقِلِينَ كَأوْلِياءِ العِشْرَةِ ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ ويَخافُونَ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في تُلْهِيهِمْ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِرِجالٍ ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ﴾ بِبُلُوغِها إلى الحَناجِرِ ﴿والأبْصارُ﴾ بِالشُخُوصِ والزُرْقَةِ أوْ تَتَقَلَّبُ القُلُوبُ إلى الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرانِ والأبْصارُ إلى العِيانِ بَعْدَ إنْكارِهِ لِلطُّغْيانِ كَقَوْلِهِ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]

النور 24:38

﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يُسَبِّحُونَ ويَخافُونَ (p-٥٠٩)﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ﴾ جَزاءَ أعْمالِهِمْ أيْ: لِيَجْزِيَهم ثَوابَهم مُضاعَفًا ويَزِيدَهم عَلى الثَوابِ المَوْعُودِ عَلى العَمَلِ تَفَضُّلًا ﴿واللهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: يُثِيبُ مَن يَشاءُ ثَوابًا لا يَدْخُلُ في حِسابِ الخَلْقِ هَذِهِ صِفاتُ المُهْتَدِينَ بِنُورِ اللهِ فَأمّا الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْهُ فالمَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ.

النور 24:39

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ﴾ هو ما يُرى في الفَلاةِ مِن ضَوْءِ الشَمْسِ وقْتَ الظُهْرِ يَسْرُبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كَأنَّهُ ماءٌ يَجْرِي ﴿بِقِيعَةٍ﴾ بِقاعٍ أوْ جَمْعِ قاعٍ وهو المُنْبَسِطُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ كَجِيرَةٍ في جارٍ ﴿يَحْسَبُهُ الظَمْآنُ﴾ يَظُنُّهُ العَطْشانُ ﴿ماءً حَتّى إذا جاءَهُ﴾ أيْ: جاءَ إلى ما تَوَهَّمَ أنَّهُ ماءٌ ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ كَما ظَنَّهُ ﴿وَوَجَدَ اللهَ﴾ أيْ: جَزاءَ اللهِ كَقَوْلِهِ ﴿يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] أيْ: يَجِدُ مَغْفِرَتَهُ ورَحْمَتَهُ ﴿عِنْدَهُ﴾ عِنْدَ الكافِرِ ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ أيْ: أعْطاهُ جَزاءَ عَمَلِهِ وافِيًا كامِلًا وحَّدَ بَعْدَ الجَمْعِ حَمْلًا عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الكُفّارِ ﴿واللهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾، لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى عَدٍّ وعَقْدٍ ولا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ أوْ قَرِيبٌ حِسابُهُ، لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ شَبَّهَ ما يَعْمَلُهُ مَن لا يَعْتَقِدُ الإيمانَ ولا يَتَّبِعُ الحَقَّ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ الَّتِي يَحْسَبُها تَنْفَعُهُ عِنْدَ اللهِ وتُنْجِيهِ مِن عَذابِهِ ثُمَّ يُخَيِّبُ في العاقِبَةِ أمَلَهُ ويَلْقى خِلافَ ما قَدَّرَ بِسَرابٍ يَراهُ الكافِرُ بِالساهِرَةِ وقَدْ غَلَبَهُ عَطَشُ يَوْمِ القِيامَةِ فَيَحْسَبُهُ ماءً فَيَأْتِيهِ فَلا يَجِدُ ما رَجاهُ ويَجِدُ زَبانِيَةَ اللهِ عِنْدَهُ يَأْخُذُونَهُ فَيَعْتِلُونَهُ إلى جَهَنَّمَ فَيَسْقُونَهُ الحَمِيمَ والغَسّاقَ وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللهُ فِيهِمْ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿وَهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] قِيلَ نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ كانَ يَتَرَهَّبُ مُلْتَمِسًا لِلدِّينِ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَفَرَ.

النور 24:40

﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ﴾ أوْ هُنا كَأوْ في أوْ كَصَيِّبٍ ﴿لُجِّيٍّ﴾ عَمِيقٍ كَثِيرِ الماءِ مَنسُوبٌ إلى اللُجِّ وهو مُعْظَمُ ماءِ البَحْرِ (p-٥١٠)﴿يَغْشاهُ﴾ يَغْشى البَحْرَ أوْ مَن فِيهِ أيْ: يَعْلُوهُ ويُغَطِّيهِ ﴿مَوْجٌ﴾ هو ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ ﴿مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ المَوْجِ مَوْجٌ آخَرُ ﴿مِن فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ مِن فَوْقِ المَوْجِ الأعْلى سَحابٌ ﴿ظُلُماتٌ﴾ أيْ:هَذِهِ ظُلُماتٌ:ظُلْمَةُ السَحابِ وظُلْمَةُ المَوْجِ وظُلْمَةُ البَحْرِ ﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ ظُلْمَةُ المَوْجِ عَلى ظُلْمَةِ البَحْرِ وظُلْمَةُ المَوْجِ عَلى المَوْجِ وظُلْمَةُ السَحابِ عَلى المَوْجِ ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ﴾ أيِ الواقِعُ فِيهِ ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ مُبالَغَةً في لَمْ يَرَها أيْ: لَمْ يَقْرُبْ أنْ يَراها فَضْلًا عَنْ أنْ يَراها شَبَّهَ أعْمالَهم أوَّلًا في فَواتِ نَفْعِها وحُضُورِ ضَرَرِها بِسَرابٍ لَمْ يَجِدْهُ مَن خَدَعَهُ مَن بِعِيدٍ شَيْئًا ولَمْ يَكْفِهِ خَيْبَةً وكَمَدًا أنْ يَجِدَ شَيْئًا كَغَيْرِهِ مِنَ السَرابِ حَتّى وجَدَ عِنْدَهُ الزَبانِيَةَ تَعْتِلُهُ إلى النارِ وشَبَّهَها ثانِيًا في ظُلْمَتِها وسَوادِها لِكَوْنِها باطِلَةً وفي خُلُوِّها عَنْ نُورِ الحَقِّ بِظُلُماتٍ مُتَراكِمَةٍ مِن لُجِّ البَحْرِ والأمْواجِ والسَحابِ ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ مَن لَمْ يَهْدِهِ اللهُ لَمْ يَهْتَدِ عَنِ الزَجّاجِ، في الحَدِيثِ: « " خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ فَمَن أصابَهُ مِن ذَلِكَ النُورِ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ" »

النور 24:41

﴿ألَمْ تَرَ﴾ ألَمْ تَعْلَمْ يا مُحَمَّدُ عِلْمًا يَقُومُ مَقامَ العِيانِ في الإيقانِ ﴿أنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ والطَيْرُ﴾ عَطْفٌ عَلى مَن ﴿صافّاتٍ﴾ حالٌ مِنَ الطَيْرِ أيْ: يَصْفُفْنَ أجْنِحَتَهُنَّ في الهَواءِ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ الضَمِيرُ في عَلِمَ لِكُلٍّ أوِ اللهِ وكَذا في صَلاتِهِ وتَسْبِيحِهِ والصَلاةُ الدُعاءِ ولَمْ يَبْعُدْ أنْ يُلْهِمَ اللهُ الطَيْرَ دُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ كَما ألْهَمَها سائِرَ العُلُومِ الدَقِيقَةِ الَّتِي لا يَكادُ العُقَلاءُ يَهْتَدُونَ إلَيْها ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ.

النور 24:42

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ﴾، لِأنَّهُ خالِقُها ومَن مَلَكَ شَيْئًا فَبِتَمْلِيكِهِ إيّاهُ ﴿وَإلى اللهِ المَصِيرُ﴾ مَرْجِعُ الكُلِّ (p-٥١١)

النور 24:43

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُزْجِي﴾ يَسُوقُ إلى حَيْثُ يُرِيدُ ﴿سَحابًا﴾ جَمْعُ سَحابَةٍ دَلِيلُهُ ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ وتَذْكِيرُهُ لِلَّفْظِ أيْ: يَضُمُّ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ مُتَراكِمًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ المَطَرَ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ مِن فُتُوقِهِ ومَخارِجِهِ جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ في جَبَلٍ ﴿وَيُنَـزِّلُ﴾ "وَيُنْزِلُ" مَكِّيٌّ ومَدَنِيٌّ وبَصْرِيٌّ ﴿مِنَ السَماءِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، لِأنَّ ابْتِداءَ الإنْزالِ مِنَ السَماءِ ﴿مِن جِبالٍ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ ما يُنْزِلُهُ اللهُ بَعْضُ تِلْكَ الجِبالِ الَّتِي ﴿فِيها﴾ في السَماءِ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ لِلْبَيانِ أوِ الأوْلَيانِ لِلِابْتِداءِ والآخِرَةُ لِلتَّبْعِيضِ ومَعْناهُ: أنَّهُ يُنْزِلُ البَرَدَ مِنَ السَماءِ مِن جِبالٍ فِيها وعَلى الأوَّلِ مَفْعُولُ يُنَزِّلُ مِن جِبالٍ أيْ: بَعْضَ جِبالٍ فِيها ومَعْنى مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرْدٍ أنْ يَخْلُقَ اللهُ في السَماءِ جِبالَ بَرَدٍ كَما خَلَقَ في الأرْضِ جِبالَ حَجَرٍ أوْ يُرِيدُ الكَثْرَةَ بِذِكْرِ الجِبالِ كَما يُقالُ فُلانٌ يَمْلِكُ جِبالًا مِن ذَهَبٍ ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ بِالبَرَدِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُصِيبُ الإنْسانَ وزَرْعَهُ ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ﴾ فَلا يُصِيبُهُ أوْ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشاءُ فَلا يُعَذِّبُهُ ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ ضَوْئِهِ ﴿يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ يَخْطِفُها "يُذْهِبُ": يَزِيدُ، عَلى زِيادَةِ الباءِ.

النور 24:44

﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَيْلَ والنَهارَ﴾ يُصَرِّفُهُما في الِاخْتِلافِ طُولًا وقِصَرًا، والتَعاقُبِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ في إزْجاءِ السَحابِ وإنْزالِ الوَدْقِ والبَرَدِ وتَقْلِيبِ اللَيْلِ والنَهارِ ﴿لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾ لِذَوِي العُقُولِ وهَذا مِن تَعْدِيدِ الدَلائِلِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ حَيْثُ ذَكَرَ تَسْبِيحَ مَن في السَمَواتِ والأرْضِ وما يَطِيرُ بَيْنَهُما ودُعاءَهم لَهُ وتَسْخِيرَ السَحابِ إلى آخِرِ ما ذَكَرَ فَهي بَراهِينُ لائِحَةٌ عَلى وُجُودِهِ ودَلائِلُ واضِحَةٌ عَلى صِفاتِهِ لِمَن نَظَرَ وتَدَبَّرَ ثُمَّ بَيَّنَ دَلِيلًا آخَرَ فَقالَ تَعالى.

النور 24:45

﴿واللهُ خَلَقَ كُلَّ﴾ "خالِقُ كُلِّ": حَمْزَةُ وعَلِيٌّ ﴿دابَّةٍ﴾ كُلَّ حَيَوانٍ (p-٥١٢)يَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ ﴿مِن ماءٍ﴾ أيْ: مِن نَوْعٍ مِنَ الماءِ مُخْتَصٍّ بِتِلْكَ الدابَّةِ أوْ مِن ماءٍ مَخْصُوصٍ وهو النُطْفَةُ ثُمَّ خالَفَ بَيْنَ المَخْلُوقاتِ مِنَ النُطْفَةِ فَمِنها هَوامُّ ومِنها بَهائِمُ ومِنها أناسِيُّ وهو كَقَوْلِهِ ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ لَها خالِقًا ومُدَبِّرًا وإلّا لَمْ تَخْتَلِفْ لِاتِّفاقِ الأصْلِ وإنَّما عَرَّفَ الماءَ في قَوْلِهِ ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، لِأنَّ المَقْصُودَ ثَمَّ: أنَّ أجْناسَ الحَيَوانِ مَخْلُوقَةٌ مِن جِنْسِ الماءِ وأنَّهُ هو الأصْلُ وإنْ تَخَلَّلَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَها وسائِطُ قالُوا إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ الماءُ فَخَلَقَ مِنهُ النارَ والرِيحَ والطِينَ فَخَلَقَ مِنَ النارِ الجِنَّ ومِنَ الرِيحِ المَلائِكَةَ ومِنَ الطِينِ آدَمَ ودَوابَّ الأرْضِ ولَمّا كانَتِ الدابَّةُ تَشْمَلُ المُمَيِّزَ وغَيْرَ المُمَيِّزِ غُلِّبَ المُمَيِّزُ فَأُعْطِيَ ما وراءَهُ حُكْمَهُ كَأنَّ الدَوابَّ كُلَّهم مُمَيِّزُونَ فَمِن ثَمَّ قِيلَ ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ كالحَيَّةِ والحُوتِ وسُمِّيَ الزَحْفُ عَلى البَطْنِ مَشْيًا اسْتِعارَةً كَما يُقالُ في الأمْرِ المُسْتَمِرِّ قَدْ مَشى هَذا الأمْرُ أوْ عَلى طَرائِقِ المُشاكَلَةِ لِذِكْرِ الزاحِفِ مَعَ الماشِينَ ﴿وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنْسانِ والطَيْرِ ﴿وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ كالبَهائِمِ وقَدَّمَ ما هو أعْرَقُ في القُدْرَةِ وهو الماشِي بِغَيْرِ آلَةِ مَشْيٍ مِن أرْجُلٍ أوْ غَيْرِها ثُمَّ الماشِي عَلى رِجْلَيْنِ ثُمَّ الماشِي عَلى أرْبَعٍ ﴿يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ كَيْفَ يَشاءُ ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

النور 24:46

﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ بِلُطْفِهِ ومَشِيئَتِهِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي يُوصِلُ إلى جَنَّتِهِ فالآياتُ لِإلْزامِ حُجَّتِهِ.

النور 24:47

لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الآياتِ ذَكَرَ بَعْدَها افْتِراقَ الناسِ إلى ثَلاثِ فِرَقٍ فِرْقَةٍ صَدَّقَتْ ظاهِرًا وكَذَّبَتْ باطِنًا وهُمُ المُنافِقُونَ وفِرْقَةٍ صَدَّقَتْ ظاهِرًا وباطِنًا وهُمُ المُخْلِصُونَ وفِرْقَةٍ كَذَّبَتْ ظاهِرًا وباطِنًا وهُمُ الكافِرُونَ عَلى هَذا التَرْتِيبِ وبَدَأ بِالمُنافِقِينَ فَقالَ ﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وبِالرَسُولِ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ ﴿وَأطَعْنا﴾ اللهَ (p-٥١٣)والرَسُولَ ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى﴾ يُعْرِضُ عَنِ الِانْقِيادِ لِحُكْمِ اللهِ ورَسُولِهِ ﴿فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ قَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا بِاللهِ وبِالرَسُولِ وأطَعْنا﴾ "وَما أُوْلَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ" أيِ المُخْلِصِينَ وهو إشارَةٌ إلى القائِلِينَ آمَنّا وأطَعْنا لا إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي وحْدَهُ وفِيهِ إعْلامٌ مِنَ اللهِ بِأنَّ جَمِيعَهم مُنْتَفٍ عَنْهُمُ الإيمانُ لِاعْتِقادِهِمْ ما يَعْتَقِدُ هَؤُلاءِ والِاعْتِراضُ وإنْ كانَ مِن بَعْضِهِمْ فالرِضا بِالإعْراضِ مِن كُلِّهِمْ.

النور 24:48

﴿وَإذا دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: إلى رَسُولِ اللهِ كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ تُرِيدُ كَرَمَ زَيْدٍ ﴿لِيَحْكُمَ﴾ الرَسُولُ ﴿بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: فاجَأ مِن فَرِيقٍ مِنهُمُ الإعْراضُ أُنْزِلَتْ في بِشْرٍ المُنافِقِ، وخَصْمِهِ اليَهُودِيِّ حِينَ اخْتَصَما في أرْضٍ فَجَعَلَ اليَهُودِيُّ يَجُرُّهُ إلى رَسُولِ اللهِ – صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ – والمُنافِقُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ويَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنا.

النور 24:49

﴿وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: إذا كانَ الحَقُّ لَهم عَلى غَيْرِهِمْ ﴿يَأْتُوا إلَيْهِ﴾ إلى الرَسُولِ ﴿مُذْعِنِينَ﴾ حالٌ أيْ: مُسْرِعِينَ في الطاعَةِ طَلَبًا لِحَقِّهِمْ لا رِضًا بِحُكْمِ رَسُولِهِمْ، قالَ الزَجّاجُ: الإذْعانُ: الإسْراعُ مَعَ الطاعَةِ والمَعْنى: أنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مَعَكَ إلّا الحَقُّ المُرُّ والعَدْلُ البَحْتُ الخالِصُ يَمْتَنِعُونَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْكَ إذا رَكِبَهُمُ الحَقُّ لِئَلّا تَنْتَزِعَهُ مِن أحْداقِهِنَّ بِقَضائِكَ عَلَيْهِمْ لِخُصُومِهِمْ وإنْ ثَبَتَ لَهم حَقٌّ عَلى خَصْمٍ أسْرَعُوا إلَيْكَ ولَمْ يَرْضَوْا إلّا بِحُكُومَتِكَ لِتَأْخُذَ لَهم ما وجَبَ لَهم في ذِمَّةِ الخَصْمِ.

النور 24:50

﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ قَسَّمَ الأمْرَ في صُدُودِهِمْ عَنْ حُكُومَتِهِ إذا كانَ الحَقُّ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَكُونُوا مَرْضى القُلُوبِ مُنافِقِينَ أوْ مُرْتابِينَ في أمْرِ نُبُوَّتِهِ أوْ خائِفِينَ الحَيْفَ في قَضائِهِ ثُمَّ أبْطَلَ خَوْفَهم حَيْفَهُ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ عَلَيْهِمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ (p-٥١٤)بِحالِهِ وإنَّما هم ظالِمُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَظْلِمُوا مَن لَهُ الحَقُّ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ شَيْءٌ لا يَسْتَطِيعُونَهُ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَمِن ثَمَّ يَأْبَوْنَ المُحاكَمَةَ إلَيْهِ.

النور 24:51

﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ وعَنِ الحَسَنِ قَوْلُ بِالرَفْعِ والنَصْبُ أقْوى، لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِكانَ أوْغَلُهُما في التَعْرِيفِ وأنْ يَقُولُوا أوْغَلُ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ ﴿إذا دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ﴾ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِيَحْكُمَ أيْ: لِيَفْعَلَ الحُكْمَ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ بِحُكْمِ اللهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ قَوْلَهُ ﴿وَأطَعْنا﴾ أمْرَهُ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ.

النور 24:52

﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ﴾ في فَرائِضِهِ ﴿وَرَسُولَهُ﴾ في سُنَنِهِ ﴿وَيَخْشَ اللهَ﴾ عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فِيما يَسْتَقْبِلُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ وعَنْ بَعْضِ المُلُوكِ أنَّهُ سَألَ عَنْ آيَةٍ كافِيَةٍ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ وهي جامِعَةٌ لِأسْبابِ الفَوْزِ، "وَيَتَّقِهْ" بِسُكُونِ الهاءِ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ بِنِيَّةِ الوَقْفِ وبِسُكُونِ القافِ وبِكَسْرِ الهاءِ مُخْتَلَسَةً حَفْصٌ وبِكَسْرِ القافِ والهاءِ غَيْرُهُمْ.

النور 24:53

﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ: حَلَفَ المُنافِقُونَ بِاللهِ جَهْدَ اليَمِينِ، لِأنَّهم بَذَلُوا فِيها مَجْهُودَهم وجَهْدَ يَمِينِهِ مُسْتَعارٌ مِن جَهِدَ نَفْسَهُ إذا بَلَغَ أقْصى وُسْعِها وذَلِكَ إذا بالَغَ في اليَمِينِ وبَلَغَ غايَةَ شِدَّتِها ووَكادَتِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - مَن قالَ بِاللهِ فَقَدَ جَهِدَ يَمِينَهُ وأصْلُ أقْسَمَ جَهْدَ اليَمِينِ أقْسَمَ بِجَهْدِ اليَمِينِ جَهْدًا فَحُذِفَ الفِعْلُ وقُدِّمَ المَصْدَرُ فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ" ﴿فَضَرْبَ الرِقابِ﴾ [محمد: ٤] وحُكْمُ هَذا المَنصُوبِ حُكْمُ الحالِ كَأنَّهُ قالَ جاهِدِينَ أيْمانَهم ﴿لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ﴾ أيْ: لَئِنْ أمَرَنا مُحَمَّدٌ بِالخُرُوجِ إلى الغَزْوِ لَغَزَوْنا أوْ بِالخُرُوجِ مِن دِيارِنا لَخَرَجْنا ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ لا تَحْلِفُوا كاذِبِينَ، لِأنَّهُ مَعْصِيَةٌ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن هَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ (p-٥١٥)الخَبَرِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيِ الَّذِي يُطْلَبُ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مَعْلُومَةٌ لا يُشَكُّ فِيها ولا يُرْتابُ كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ لا أيْمانَ تُقْسِمُونَ بِها بِأفْواهِكم، وقُلُوبُكم عَلى خِلافِها ﴿إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يَعْلَمُ ما في ضَمائِرِكم ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٍ مِن سَرائِرِكم وإنَّهُ فاضِحُكم لا مَحالَةَ ومُجازِيكم عَلى نِفاقِكُمْ.

النور 24:54

﴿قُلْ أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ﴾ صَرْفُ الكَلامِ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ هو أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ يُرِيدُ فَإنْ تَتَوَلَّوْا فَما ضَرَرْتُمُوهُ وإنَّما ضَرَرْتُمْ أنْفُسَكم فَإنَّ الرَسُولَ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا ما حَمَّلَهُ اللهُ تَعالى وكَلَّفَهُ مِن أداءِ الرِسالَةِ فَإذا أدّى فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ تَكْلِيفِهِ وأمّا أنْتُمْ فَعَلَيْكم ما كُلِّفْتُمْ مِنَ التَلَقِّي بِالقَبُولِ والإذْعانِ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا وتَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ عَرَّضْتُمْ نُفُوسَكم لِسُخْطِ اللهِ وعَذابِهِ ﴿وَإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ أيْ: وإنْ أطَعْتُمُوهُ فِيما يَأْمُرُكم ويَنْهاكم فَقَدْ أحْرَزْتُمْ نَصِيبَكم مِنَ الهُدى فالضَرَرُ في تَوَلِّيكم والنَفْعُ عائِدانِ إلَيْكم ﴿وَما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ وما عَلى الرَسُولِ إلّا أنْ يُبَلِّغَ ما لَهُ نَفْعٌ في قَبُولِكم ولا عَلَيْهِ ضَرَرٌ في تَوَلِّيكم والبَلاغُ بِمَعْنى التَبْلِيغِ كالأداءِ بِمَعْنى التَأْدِيَةِ والمُبِينُ الظاهِرُ لِكَوْنِهِ مَقْرُونًا بِالآياتِ والمُعْجِزاتِ ثُمَّ ذَكَرَ المُخْلِصِينَ فَقالَ.

النور 24:55

﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ولِمَن مَعَهُ ﴿مِنكُمْ﴾ لِلْبَيانِ وقِيلَ المُرادُ بِهِ المُهاجِرُونَ ومِن لِلتَّبْعِيضِ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ الكُفّارِ وقِيلَ:أرْضُ المَدِينَةِ والصَحِيحُ أنَّهُ عامٌّ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ «:" لَيَدْخُلَنَّ هَذا الدِينُ عَلى ما دَخَلَ عَلَيْهِ اللَيْلُ" »﴿كَما اسْتَخْلَفَ﴾ "اسْتُخْلِفَ": أبُو بَكْرٍ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم (p-٥١٦)دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ "وَلِيُبَدِلَنَّهُمْ" بِالتَخْفِيفِ مَكِّيٌّ وأبُو بَكْرٍ ﴿مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ وعَدَهُمُ اللهُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ ويُورِثَهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلَهم فِيها خُلَفاءَ كَما فَعَلَ بِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ أوْرَثَهم مِصْرَ والشامَ بَعْدَ إهْلاكِ الجَبابِرَةِ وأنْ يُمَيِّزَ الدِينَ المُرْتَضى وهو دِينُ الإسْلامِ وتَمْكِينُهُ: تَثْبِيتُهُ وتَعْضِيدُهُ وأنْ يُؤَمِّنَ سِرْبَهم ويُزِيلَ عَنْهُمُ الخَوْفَ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وأصْحابَهُ مَكَثُوا بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ خائِفِينَ، ولَمّا هاجَرُوا كانُوا بِالمَدِينَةِ يُصْبِحُونَ في السِلاحِ ويُمْسُونَ فِيهِ حَتّى قالَ رَجُلٌ ما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِلاحَ فَنَزَلَتْ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ:" لا تَغْبُرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ" فَأنْجَزَ اللهُ وعْدَهُ وأظْهَرَهم عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ وافْتَتَحُوا أبْعَدَ بِلادِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ ومَلَكُوا خَزائِنَهم واسْتَوْلَوْا عَلى الدُنْيا » والقَسَمُ المُتَلَقّى بِاللامِ والنُونِ في "لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وعَدَهُمُ اللهُ وأقْسَمَ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم أوْ نُزِّلَ وعْدُ اللهِ في التَحَقُّقِ مَنزِلَةَ القَسَمِ، يُتَلَقّى بِما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ كَأنَّهُ أقْسَمَ اللهُ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ، ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ إنْ جَعَلْتَهُ اسْتِئْنافًا فَلا مَحَلَّ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ ما لَهم يُسْتَخْلَفُونَ ويُؤَمَّنُونَ؟ فَقالَ "يَعْبُدُونَنِي" وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْ "وَعَدَ اللهُ " أيْ: وعَدَهُمُ اللهُ ذَلِكَ في حالِ عِبادَتِهِمْ فَمَحَلُّهُ النَصْبُ ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَعْبُدُونَ أيْ: يَعْبُدُونَنِي مُوَحِّدِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بَدَلًا مِنَ الحالِ الأُولى ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ الوَعْدِ والمُرادُ كُفْرانُ النِعْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللهِ﴾ [النحل: ١١٢] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ هُمُ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِعْمَةَ الجَسِيمَةَ وجَسَرُوا عَلى غَمْطِها قالُوا: أوَّلُ مَن كَفَرَ هَذِهِ النِعْمَةَ قَتَلَةُ عُثْمانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – فاقْتَتَلُوا (p-٥١٧)بَعْدَما كانُوا إخْوانًا وزالَ عَنْهُمُ الخَوْفُ والآيَةُ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى صِحَّةِ خِلافَةِ الخُلَفاءِ الراشِدِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، لِأنَّ المُسْتَخْلَفِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ هُمْ.

النور 24:56

﴿وَأقِيمُوا الصَلاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ وإنْ طالَ ﴿وَآتُوا الزَكاةَ وأطِيعُوا الرَسُولَ﴾ فِيما يَدْعُوكم إلَيْهِ وكُرِّرَتْ طاعَةُ الرَسُولِ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِها ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تُرْحَمُوا فَإنَّها مِن مُسْتَجْلِباتِ الرَحْمَةِ ثُمَّ ذَكَرَ الكافِرِينَ فَقالَ.

النور 24:57

﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: فائِتِينَ اللهَ بِأنْ لا يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ فِيها فالتاءُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وهو الفاعِلُ والمَفْعُولانِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و﴿مُعْجِزِينَ﴾ وبِالياءِ شامِيٌّ وحَمْزَةُ والفاعِلُ النَبِيُّ ﷺ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ والمَفْعُولانِ الَّذِينَ كَفَرُوا ومُعْجِزِينَ ﴿وَمَأْواهُمُ النارُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللهَ ومَأْواهُمُ النارُ ﴿وَلَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ المَرْجِعُ، النارُ.

النور 24:58

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أمْرٌ بِأنْ يَسْتَأْذِنَ العَبِيدُ والإماءُ ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ أيِ الأطْفالُ الَّذِينَ لَمْ يَحْتَلِمُوا مِنَ الأحْرارِ وقُرِئَ بِسُكُونِ اللامِ تَخْفِيفًا ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ في اليَوْمِ واللَيْلَةِ وهي ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾، لِأنَّهُ وقْتُ القِيامِ مِنَ المَضاجِعِ وطَرْحِ ما يُنامُ فِيهِ مِنَ الثِيابِ ولُبْسِ ثِيابِ لْيَقَظَةِ ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَهِيرَةِ﴾ وهي نِصْفُ النَهارِ في القَيْظِ، لِأنَّها وقْتُ وضْعِ الثِيابِ لِلْقَيْلُولَةِ ﴿وَمِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾، لِأنَّهُ وقْتُ التَجَرُّدِ مِن ثِيابِ اليَقَظَةِ والِالتِحافِ بِثِيابِ النَوْمِ ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ أيْ: هي أوْقاتُ ثَلاثِ عَوْراتٍ فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ والمُضافُ، وبِالنَصْبِ كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ (p-٥١٨)بَدَلًا مِن "ثَلاثَ مَرّاتٍ" أيْ: أوْقاتَ ثَلاثِ عَوْراتٍ وسُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ عَوْرَةً، لِأنَّ الإنْسانَ يَخْتَلُّ تَسَتُّرُهُ فِيها والعَوْرَةُ الخَلَلُ ومِنها الأعْوَرُ المُخْتَلُّ العَيْنِ، دَخَلَ غُلامٌ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ مُدْلِجُ بْنُ عَمْرٍو عَلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وقْتَ الظَهِيرَةِ وهو نائِمٌ وقَدِ انْكَشَفَ عَنْهُ ثَوْبُهُ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: " ودِدْتُ أنَّ اللهَ نَهى عَنِ الدُخُولِ في هَذِهِ الساعَةِ إلّا بِالإذْنِ فانْطَلَقَ إلى النَبِيِّ ﷺ وقَدْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ ثُمَّ عَذَرَهم في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ وراءَ هَذِهِ المَرّاتِ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم وعَلى المَذْكُورِينَ في الدُخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ بَعْدَهُنَّ ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ في هَذِهِ الأوْقاتِ بِقَوْلِهِ ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: هم طَوّافُونَ بِحَوائِجِ البَيْتِ ﴿بَعْضُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ وتَقْدِيرُهُ: بَعْضُكم طائِفٌ عَلى بَعْضٍ فَحُذِفَ طائِفٌ لِدَلالَةِ طَوّافُونَ عَلَيْهِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ بَدَلًا مِنَ الَّتِي قَبْلَها وأنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً مُؤَكِّدَةً يَعْنِي: أنَّ بِكم وبِهِمْ حاجَةً إلى المُخالَطَةِ والمُداخَلَةِ يَطُوفُونَ عَلَيْكم لِلْخِدْمَةِ وتَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ لِلِاسْتِخْدامِ فَلَوْ جَزَمَ الأمْرَ بِالِاسْتِئْذانِ في كُلِّ وقْتٍ لَأفْضى إلى الحَرَجِ وهو مَدْفُوعٌ في الشَرْعِ بِالنَصِّ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ: كَما بَيَّنَ حُكْمَ الِاسْتِئْذانِ يُبَيِّنُ لَكم غَيْرَهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي احْتَجْتُمْ إلى بَيانِها ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ بِمَصالِحِ عِبادِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ في بَيانِ مُرادِهِ.

النور 24:59

﴿وَإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ﴾ أيِ الأحْرارُ دُونَ المَمالِيكِ ﴿الحُلُمَ﴾ أيِ الِاحْتِلامَ أيْ: إذا بَلَغُوا وأرادُوا الدُخُولَ عَلَيْكم ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في جَمِيعِ الأوْقاتِ ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ بَلَغُوا الحُلُمَ مِن قَبْلِهِمْ وهُمُ الرِجالُ أوِ الَّذِينَ ذُكِرُوا مِن قَبْلِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا (p-٥١٩)بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا﴾ [النور: ٢٧] الآيَةُ، والمَعْنى: أنَّ الأطْفالَ مَأْذُونٌ لَهم في الدُخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ إلّا في العَوْراتِ الثَلاثِ فَإذا اعْتادَ الأطْفالُ ذَلِكَ ثُمَّ بَلَغُوا بِالِاحْتِلامِ أوْ بِالسِنِّ وجَبَ أنْ يُفْطَمُوا عَنْ تِلْكَ العادَةِ ويُحْمَلُوا عَلى أنْ يَسْتَأْذِنُوا في جَمِيعِ الأوْقاتِ كالرِجالِ الكِبارِ الَّذِينَ لَمْ يَعْتادُوا الدُخُولَ عَلَيْكم إلّا بِإذْنٍ، والناسُ عَنْ هَذا غافِلُونَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - ثَلاثُ آياتٍ جَحَدَهُنَّ الناسُ الإذْنُ كُلُّهُ وقَوْلُهُ ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ﴿وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨]، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ يَقُولُونَ هي مَنسُوخَةٌ واللهِ ما هي بِمَنسُوخَةٍ وقَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ واللهُ عَلِيمٌ﴾ بِمَصالِحِ الأنامِ ﴿حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨] فِيما بَيَّنَ مِنَ الأحْكامِ.

النور 24:60

﴿والقَواعِدُ﴾ جَمْعُ قاعِدٍ، لِأنَّها مِنَ الصِفاتِ المُخْتَصَّةِ بِالنِساءِ كالطالِقِ والحائِضِ أيِ اللاتِي قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ والوَلَدِ لِكِبَرِهِنَّ ﴿مِنَ النِساءِ﴾ حالٌ ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ لا يَطْمَعْنَ فِيهِ وهي في مَحَلِّ الرَفْعِ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ وهي القَواعِدُ والخَبَرُ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ﴾ إثْمٌ ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في المُبْتَدَأِ مِن مَعْنى الشَرْطِ بِسَبَبِ الألِفِ واللامِ ﴿أنْ يَضَعْنَ﴾ في أنْ يَضَعْنَ ﴿ثِيابَهُنَّ﴾ أيِ الظاهِرَةَ كالمِلْحَفَةِ والجِلْبابِ الَّذِي فَوْقَ الخِمارِ ﴿غَيْرَ﴾ حالٌ ﴿مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مُظْهِراتٍ زِينَةً يُرِيدُ الزِينَةَ الخَفِيَّةَ كالشَعْرِ والنَحْرِ والساقِ ونَحْوِ ذَلِكَ أيْ: لا يَقْصِدْنَ بِوَضْعِها التَبَرُّجَ ولَكِنِ التَخْفِيفَ وحَقِيقَةُ التَبَرُّجِ تَكَلُّفُ إظْهارِ ما يَجِبُ إخْفاؤُهُ ﴿وَأنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ أيْ: يَطْلُبْنَ العِفَّةَ عَنْ وضْعِ الثِيابِ فَيَسْتَتِرْنَ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ واللهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يُعْلِنَّ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يَقْصِدْنَ.

النور 24:61

﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ قالَ (p-٥٢٠)سَعِيدُ ابْنُ المُسَيِّبِ كانَ المُسْلِمُونَ إذا خَرَجُوا إلى الغَزْوَةِ مَعَ النَبِيِّ ﷺ وضَعُوا مَفاتِيحَ بُيُوتِهِمْ عِنْدَ الأعْمى والمَرِيضِ والأعْرَجِ وعِنْدَ أقارِبِهِمْ ويَأْذَنُونَهم أنْ يَأْكُلُوا مِن بُيُوتِهِمْ وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن ذَلِكَ ويَقُولُونَ نَخْشى أنْ لا تَكُونَ أنْفُسُهم بِذَلِكَ طَيِّبَةً فَنَزَلَتِ الآيَةُ رُخْصَةً لَهم ﴿وَلا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: حَرَجٌ ﴿أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: بُيُوتِ أوْلادِكم، لِأنَّ ولَدَ الرَجُلِ بَعْضُهُ وحُكْمُهُ حُكْمُ نَفْسِهِ ولِذا لَمْ يَذْكُرِ الأوْلادَ في الآيَةِ وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ »، أوْ بُيُوتِ أزْواجِكم، لِأنَّ الزَوْجَيْنِ صارا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ فَصارَ بَيْتُ المَرْأةِ كَبَيْتِ الزَوْجِ ﴿أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ﴾، لِأنَّ الإذْنَ مِن هَؤُلاءِ ثابِتٌ دَلالَةً ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ جَمْعُ مِفْتَحٍ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ الغُلْقُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - هو وكِيلُ الرَجُلِ وقَيِّمُهُ في ضَيْعَتِهِ وماشِيَتِهِ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِن ثَمَرِ ضَيْعَتِهِ ويَشْرَبَ مِن لَبَنِ ماشِيَتِهِ، وأُرِيدَ بِمِلْكِ المَفاتِحِ كَوْنُها في يَدِهِ وحِفْظِهِ، وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ بَيْتُ عَبْدِهِ، لِأنَّ العَبْدَ وما في يَدِهِ لِمَوْلاهُ ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ يَعْنِي: أوْ بُيُوتِ أصْدِقائِكم والصَدِيقُ يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا وهو مَن يَصْدُقُكَ في مَوَدَّتِهِ وكانَ الرَجُلُ مِنَ السَلَفِ يَدْخُلُ دارَ صَدِيقِهِ وهو غائِبٌ فَيَسْألُ جارِيَتَهُ كِيسَهُ فَيَأْخُذُ ما شاءَ فَإذا حَضَرَ مَوْلاها فَأخَبَرَتْهُ أعْتَقَها سُرُورًا بِذَلِكَ فَأمّا الآنَ فَقَدْ غَلَبَ الشُحُّ عَلى الناسِ فَلا يُؤْكَلُ إلّا بِإذْنٍ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ مُجْتَمِعِينَ ﴿أوْ أشْتاتًا﴾ مُتَفَرِّقِينَ جَمْعُ (p-٥٢١)شَتَّ، نَزَلَتْ في بَنِي لَيْثِ بْنِ عَمْرٍو كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَأْكُلَ الرَجُلُ وحْدَهُ فَرُبَّما قَعَدَ مُنْتَظِرًا نَهارَهُ إلى اللَيْلِ فَإنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُؤاكِلُهُ أكَلَ ضَرُورَةً أوْ في قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ لا يَأْكُلُونَ إلّا مَعَ ضَيْفِهِمْ أوْ تَحَرَّجُوا عَنِ الِاجْتِماعِ عَلى الطَعامِ لِاخْتِلافِ الناسُ في الأكْلِ وزِيادَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ مِن هَذِهِ البُيُوتِ لِتَأْكُلُوا ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ فابْدَءُوا بِالسَلامِ عَلى أهْلِها الَّذِينَ هم مِنكم دِينًا وقَرابَةً أوْ بُيُوتًا فارِغَةً أوْ مَسْجِدًا فَقُولُوا السَلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللهِ الصالِحِينَ ﴿تَحِيَّةً﴾ نُصِبَ بِسَلِّمُوا، لِأنَّها في مَعْنى تَسْلِيمًا نَحْوُ قَعَدْتُ جُلُوسًا ﴿مِن عِنْدِ اللهِ﴾ أيْ: ثابِتَةً بِأمْرِهِ مَشْرُوعَةً مِن لَدُنْهُ، أوْ لِأنَّ التَسْلِيمَ والتَحِيَّةَ طَلَبُ سَلامَةٍ، وحَياةٌ لِلْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ والمُحَيّا مِن عِنْدِ اللهِ ﴿مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ وصَفَها بِالبَرَكَةِ والطِيبِ، لِأنَّها دَعْوَةُ مُؤْمِنٍ لِمُؤْمِنٍ يُرْجى بِها مِنَ اللهِ زِيادَةُ الخَيْرِ وطِيبُ الرِزْقِ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ لَكى تَعْقِلُوا أوْ تَفْهَمُوا.

النور 24:62

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ أيِ الَّذِي يُجْمَعُ لَهُ الناسُ نَحْوُ الجِهادِ والتَدْبِيرِ في الحَرْبِ وكُلِّ اجْتِماعٍ في اللهِ حَتّى الجُمْعَةِ والعِيدَيْنِ ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ أيْ: ويَأْذَنَ لَهم ولَمّا أرادَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُرِيَهم عِظَمَ الجِنايَةِ في ذَهابِ الذاهِبِ عَنْ مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِغَيْرِ إذْنِهِ إذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ جَعَلَ تَرْكَ ذَهابِهِمْ حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ ثالِثَ الإيمانِ بِاللهِ والإيمانِ بِرَسُولِهِ وجَعَلَهُما كالتَشْبِيبِ لَهُ والبِساطِ لِذِكْرِهِ وذَلِكَ مَعَ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِإنَّما وإيقاعِ المُؤْمِنِينَ مُبْتَدَأً مُخْبَرًا عَنْهُ بِمَوْصُولٍ أحاطَتْ صِلَتُهُ بِذِكْرِ الإيمانَيْنِ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما يَزِيدُهُ تَوْكِيدًا وتَشْدِيدًا حَيْثُ أعادَهُ عَلى أُسْلُوبٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾ وضَمَّنَهُ شَيْئًا آخَرَ وهو أنَّهُ جَعَلَ الِاسْتِئْذانَ كالمِصْداقِ لِصِحَّةِ (p-٥٢٢)الإيمانَيْنِ وعَرَّضَ بِحالِ المُنافِقِينَ وتَسَلُّلِهِمْ لِواذًا ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ﴾ في الِانْصِرافِ ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أمْرِهِمْ ﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ فِيهِ رَفَعُ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وذِكْرُ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُسْتَأْذِنِينَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأفْضَلَ أنْ لا يَسْتَأْذِنَ قالُوا ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الناسُ كَذِلَكَ مَعَ أئِمَّتِهِمْ ومُقَدَّمِيهِمْ في الدِينِ والعِلْمِ يُظاهِرُونَهم ولا يَتَفَرَّقُونَ عَنْهم إلّا بِالإذْنِ، قِيلَ نَزَلَتْ يَوْمَ الخَنْدَقِ كانَ المُنافِقُونَ يَرْجِعُونَ إلى مَنازِلِهِمْ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ.

النور 24:63

﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ أيْ إذا احْتاجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى اجْتِماعِكم عِنْدَهُ لِأمْرٍ فَدَعاكم فَلا تَفَرَّقُوا عَنْهُ إلّا بِإذْنِهِ ولا تَقِيسُوا دُعاءَهُ إيّاكم عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا ورُجُوعَكم عَنِ المَجْمَعِ بِغَيْرِ إذْنِ الداعِي أوْ لا تَجْعَلُوا تَسْمِيَتَهُ ونِداءَهُ بَيْنَكم كَما يُسَمِّي بَعْضُكم بَعْضًا ويُنادِيهِ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِهِ أبَواهُ فَلا تَقُولُوا يا مُحَمَّدُ ولَكِنْ يا نَبِيَّ اللهِ يا رَسُولَ اللهِ مَعَ التَوْفِيرِ والتَعْظِيمِ والصَوْتِ المَخْفُوضِ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ يَخْرُجُونَ قَلِيلًا قَلِيلًا ﴿مِنكم لِواذًا﴾ حال أيْ: مَلاوِذِينَ، اللِواذُ والمُلاوَذَةُ: هو أنْ يَلُوذَ هَذا بِذاكَ وذاكَ بِهَذا أيْ: يَنْسَلُّونَ عَنِ الجَماعَةِ في الخُفْيَةِ عَلى سَبِيلِ المُلاوَذَةِ واسْتِتارِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ أمْرِهِ دُونَ المُؤْمِنِينَ وهُمُ المُنافِقُونَ يُقالُ: خالَفَهُ إلى الأمْرِ إذا ذَهَبَ إلَيْهِ دُونَهُ، ومِنهُ ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] وخالَفَهُ عَنِ الأمْرِ: إذا صَدَّ عَنْهُ دُونَهُ، والضَمِيرُ في "أمْرِهِ" لِلَّهِ سُبْحانَهُ أوْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والمَعْنى: عَنْ طاعَتِهِ ودِينِهِ ومَفْعُولُ يَحْذَرُ ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ مِحْنَةٌ في الدُنْيا أوْ قَتْلٌ أوْ زَلازِلُ وأهْوالٌ أوْ تَسْلِيطُ سُلْطانٍ جائِرٍ أوْ قَسْوَةُ القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ الرَبِّ (p-٥٢٣)أوْ إسْباغُ النِعَمِ اسْتِدْراجًا ﴿أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْإيجابِ.

النور 24:64

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ﴾ ألا تَنْبِيهٌ عَلى أنْ لا يُخالِفُوا أمْرَ مَن لَهُ ما في السَمَواتِ والأرْضِ ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أدْخَلَ قَدْ لِيُؤَكِّدَ عِلْمَهُ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ المُخالَفَةِ عَنِ الدِينِ ويَرْجِعُ تَوْكِيدُ العِلْمِ إلى تَوْكِيدِ الوَعِيدِ والمَعْنى: أنَّ جَمِيعَ ما في السَمَواتِ والأرْضِ مُخْتَصٌّ بِهِ خَلْقًا ومِلْكًا وعِلْمًا فَكَيْفَ تَخْفى عَلَيْهِ أحْوالُ المُنافِقِينَ وإنْ كانُوا يَجْتَهِدُونَ في سَتْرِها؟ ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ﴾ وبِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الجِيمِ يَعْقُوبُ أيْ: ويَعْلَمُ يَوْمَ يُرَدُّونَ إلى جَزائِهِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ والخِطابُ والغَيْبَةُ في قَوْلِهِ ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونا جَمِيعًا لِلْمُنافِقِينَ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ عامًّا، "وَيُرْجَعُونَ " لِلْمُنافِقِينَ ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِما عَمِلُوا﴾ بِما أبْطَنُوا مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ ويُجازِيهِمْ حَقَّ جَزائِهِمْ ﴿واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، ورُوِيَ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَرَأ سُورَةَ النُورِ عَلى المِنبَرِ في المَوْسِمِ وفَسَّرَها عَلى وجْهٍ لَوْ سَمِعَتِ الرُومُ بِهِ لَأسْلَمَتْ، واللهُ أعْلَمُ.