Lafzullah

Tafsir Al-Nasafi — القصص 28:1 – الأحزاب 33:73

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Nasafi

المحتويات
  1. القصص 28:1
  2. القصص 28:2
  3. القصص 28:3
  4. القصص 28:4
  5. القصص 28:5
  6. القصص 28:6
  7. القصص 28:7
  8. القصص 28:8
  9. القصص 28:9
  10. القصص 28:10
  11. القصص 28:11
  12. القصص 28:12
  13. القصص 28:13
  14. القصص 28:14
  15. القصص 28:15
  16. القصص 28:16
  17. القصص 28:17
  18. القصص 28:18
  19. القصص 28:19
  20. القصص 28:20
  21. القصص 28:21
  22. القصص 28:22
  23. القصص 28:23
  24. القصص 28:24
  25. القصص 28:25
  26. القصص 28:26
  27. القصص 28:27
  28. القصص 28:28
  29. القصص 28:29
  30. القصص 28:30
  31. القصص 28:31
  32. القصص 28:32
  33. القصص 28:33
  34. القصص 28:34
  35. القصص 28:35
  36. القصص 28:36
  37. القصص 28:37
  38. القصص 28:38
  39. القصص 28:39
  40. القصص 28:40
  41. القصص 28:41
  42. القصص 28:42
  43. القصص 28:43
  44. القصص 28:44
  45. القصص 28:45
  46. القصص 28:46
  47. القصص 28:47
  48. القصص 28:48
  49. القصص 28:49
  50. القصص 28:50
  51. القصص 28:51
  52. القصص 28:52
  53. القصص 28:53
  54. القصص 28:54
  55. القصص 28:55
  56. القصص 28:56
  57. القصص 28:57
  58. القصص 28:58
  59. القصص 28:59
  60. القصص 28:60
  61. القصص 28:61
  62. القصص 28:62
  63. القصص 28:63
  64. القصص 28:64
  65. القصص 28:65
  66. القصص 28:66
  67. القصص 28:67
  68. القصص 28:68
  69. القصص 28:69
  70. القصص 28:70
  71. القصص 28:71
  72. القصص 28:72
  73. القصص 28:73
  74. القصص 28:74
  75. القصص 28:75
  76. القصص 28:76
  77. القصص 28:77
  78. القصص 28:78
  79. القصص 28:79
  80. القصص 28:80
  81. القصص 28:81
  82. القصص 28:82
  83. القصص 28:83
  84. القصص 28:84
  85. القصص 28:85
  86. القصص 28:86
  87. القصص 28:87
  88. القصص 28:88
  89. العنكبوت 29:1
  90. العنكبوت 29:2
  91. العنكبوت 29:3
  92. العنكبوت 29:4
  93. العنكبوت 29:5
  94. العنكبوت 29:6
  95. العنكبوت 29:7
  96. العنكبوت 29:8
  97. العنكبوت 29:9
  98. العنكبوت 29:10
  99. العنكبوت 29:11
  100. العنكبوت 29:12
  101. العنكبوت 29:13
  102. العنكبوت 29:14
  103. العنكبوت 29:15
  104. العنكبوت 29:16
  105. العنكبوت 29:17
  106. العنكبوت 29:18
  107. العنكبوت 29:19
  108. العنكبوت 29:20
  109. العنكبوت 29:21
  110. العنكبوت 29:22
  111. العنكبوت 29:23
  112. العنكبوت 29:24
  113. العنكبوت 29:25
  114. العنكبوت 29:26
  115. العنكبوت 29:27
  116. العنكبوت 29:28
  117. العنكبوت 29:29
  118. العنكبوت 29:30
  119. العنكبوت 29:31
  120. العنكبوت 29:32
  121. العنكبوت 29:33
  122. العنكبوت 29:34
  123. العنكبوت 29:35
  124. العنكبوت 29:36
  125. العنكبوت 29:37
  126. العنكبوت 29:38
  127. العنكبوت 29:39
  128. العنكبوت 29:40
  129. العنكبوت 29:41
  130. العنكبوت 29:42
  131. العنكبوت 29:43
  132. العنكبوت 29:44
  133. العنكبوت 29:45
  134. العنكبوت 29:46
  135. العنكبوت 29:47
  136. العنكبوت 29:48
  137. العنكبوت 29:49
  138. العنكبوت 29:50
  139. العنكبوت 29:51
  140. العنكبوت 29:52
  141. العنكبوت 29:53
  142. العنكبوت 29:54
  143. العنكبوت 29:55
  144. العنكبوت 29:56
  145. العنكبوت 29:57
  146. العنكبوت 29:58
  147. العنكبوت 29:59
  148. العنكبوت 29:60
  149. العنكبوت 29:61
  150. العنكبوت 29:62
  151. العنكبوت 29:63
  152. العنكبوت 29:64
  153. العنكبوت 29:65
  154. العنكبوت 29:66
  155. العنكبوت 29:67
  156. العنكبوت 29:68
  157. العنكبوت 29:69
  158. الروم 30:1
  159. الروم 30:2
  160. الروم 30:3
  161. الروم 30:4
  162. الروم 30:5
  163. الروم 30:6
  164. الروم 30:7
  165. الروم 30:8
  166. الروم 30:9
  167. الروم 30:10
  168. الروم 30:11
  169. الروم 30:12
  170. الروم 30:13
  171. الروم 30:14
  172. الروم 30:15
  173. الروم 30:16
  174. الروم 30:17
  175. الروم 30:18
  176. الروم 30:19
  177. الروم 30:20
  178. الروم 30:21
  179. الروم 30:22
  180. الروم 30:23
  181. الروم 30:24
  182. الروم 30:25
  183. الروم 30:26
  184. الروم 30:27
  185. الروم 30:28
  186. الروم 30:29
  187. الروم 30:30
  188. الروم 30:31
  189. الروم 30:32
  190. الروم 30:33
  191. الروم 30:34
  192. الروم 30:35
  193. الروم 30:36
  194. الروم 30:37
  195. الروم 30:38
  196. الروم 30:39
  197. الروم 30:40
  198. الروم 30:41
  199. الروم 30:42
  200. الروم 30:43
  201. الروم 30:44
  202. الروم 30:45
  203. الروم 30:46
  204. الروم 30:47
  205. الروم 30:48
  206. الروم 30:49
  207. الروم 30:50
  208. الروم 30:51
  209. الروم 30:52
  210. الروم 30:53
  211. الروم 30:54
  212. الروم 30:55
  213. الروم 30:56
  214. الروم 30:57
  215. الروم 30:58
  216. الروم 30:59
  217. الروم 30:60
  218. لقمان 31:1
  219. لقمان 31:2
  220. لقمان 31:3
  221. لقمان 31:4
  222. لقمان 31:5
  223. لقمان 31:6
  224. لقمان 31:7
  225. لقمان 31:8
  226. لقمان 31:9
  227. لقمان 31:10
  228. لقمان 31:11
  229. لقمان 31:12
  230. لقمان 31:13
  231. لقمان 31:14
  232. لقمان 31:15
  233. لقمان 31:16
  234. لقمان 31:17
  235. لقمان 31:18
  236. لقمان 31:19
  237. لقمان 31:20
  238. لقمان 31:21
  239. لقمان 31:22
  240. لقمان 31:23
  241. لقمان 31:24
  242. لقمان 31:25
  243. لقمان 31:26
  244. لقمان 31:27
  245. لقمان 31:28
  246. لقمان 31:29
  247. لقمان 31:30
  248. لقمان 31:31
  249. لقمان 31:32
  250. لقمان 31:33
  251. لقمان 31:34
  252. السجدة 32:1
  253. السجدة 32:2
  254. السجدة 32:3
  255. السجدة 32:4
  256. السجدة 32:5
  257. السجدة 32:6
  258. السجدة 32:7
  259. السجدة 32:8
  260. السجدة 32:9
  261. السجدة 32:10
  262. السجدة 32:11
  263. السجدة 32:12
  264. السجدة 32:13
  265. السجدة 32:14
  266. السجدة 32:15
  267. السجدة 32:16
  268. السجدة 32:17
  269. السجدة 32:18
  270. السجدة 32:19
  271. السجدة 32:20
  272. السجدة 32:21
  273. السجدة 32:22
  274. السجدة 32:23
  275. السجدة 32:24
  276. السجدة 32:25
  277. السجدة 32:26
  278. السجدة 32:27
  279. السجدة 32:28
  280. السجدة 32:29
  281. السجدة 32:30
  282. الأحزاب 33:1
  283. الأحزاب 33:2
  284. الأحزاب 33:3
  285. الأحزاب 33:4
  286. الأحزاب 33:5
  287. الأحزاب 33:6
  288. الأحزاب 33:7
  289. الأحزاب 33:8
  290. الأحزاب 33:9
  291. الأحزاب 33:10
  292. الأحزاب 33:11
  293. الأحزاب 33:12
  294. الأحزاب 33:13
  295. الأحزاب 33:14
  296. الأحزاب 33:15
  297. الأحزاب 33:16
  298. الأحزاب 33:17
  299. الأحزاب 33:18
  300. الأحزاب 33:19
  301. الأحزاب 33:20
  302. الأحزاب 33:21
  303. الأحزاب 33:22
  304. الأحزاب 33:23
  305. الأحزاب 33:24
  306. الأحزاب 33:25
  307. الأحزاب 33:26
  308. الأحزاب 33:27
  309. الأحزاب 33:28
  310. الأحزاب 33:29
  311. الأحزاب 33:30
  312. الأحزاب 33:31
  313. الأحزاب 33:32
  314. الأحزاب 33:33
  315. الأحزاب 33:34
  316. الأحزاب 33:35
  317. الأحزاب 33:36
  318. الأحزاب 33:37
  319. الأحزاب 33:38
  320. الأحزاب 33:39
  321. الأحزاب 33:40
  322. الأحزاب 33:41
  323. الأحزاب 33:42
  324. الأحزاب 33:43
  325. الأحزاب 33:44
  326. الأحزاب 33:45
  327. الأحزاب 33:46
  328. الأحزاب 33:47
  329. الأحزاب 33:48
  330. الأحزاب 33:49
  331. الأحزاب 33:50
  332. الأحزاب 33:51
  333. الأحزاب 33:52
  334. الأحزاب 33:53
  335. الأحزاب 33:54
  336. الأحزاب 33:55
  337. الأحزاب 33:56
  338. الأحزاب 33:57
  339. الأحزاب 33:58
  340. الأحزاب 33:59
  341. الأحزاب 33:60
  342. الأحزاب 33:61
  343. الأحزاب 33:62
  344. الأحزاب 33:63
  345. الأحزاب 33:64
  346. الأحزاب 33:65
  347. الأحزاب 33:66
  348. الأحزاب 33:67
  349. الأحزاب 33:68
  350. الأحزاب 33:69
  351. الأحزاب 33:70
  352. الأحزاب 33:71
  353. الأحزاب 33:72
  354. الأحزاب 33:73

القصص 28:1

(p-٦٢٧)سُورَةُ القَصَصِ مَكِّيَّةٌ ثَمانُونَ وثَمانِ آياتٍ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ يُقالُ بانَ الشَيْءُ وأبانَ بِمَعْنًى واحِدٍ ويُقالُ أبَنْتُهُ فَأبانَ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ أيْ: مُبِينٍ خَيْرُهُ وبَرَكَتُهُ أوْ مُبَيِّنٍ لِلْحَلالِ والحَرامِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والإخْلاصِ والتَوْحِيدِ.

القصص 28:2

(p-٦٢٧)سُورَةُ القَصَصِ مَكِّيَّةٌ ثَمانُونَ وثَمانِ آياتٍ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ يُقالُ بانَ الشَيْءُ وأبانَ بِمَعْنًى واحِدٍ ويُقالُ أبَنْتُهُ فَأبانَ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ أيْ: مُبِينٍ خَيْرُهُ وبَرَكَتُهُ أوْ مُبَيِّنٍ لِلْحَلالِ والحَرامِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والإخْلاصِ والتَوْحِيدِ.

القصص 28:3

﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ نَقْرَأُ عَلَيْكَ أيْ: يَقْرَؤُهُ جِبْرِيلُ بِأمْرِنا ومَفْعُولُ نَتَلُو ﴿مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ﴾ أيْ: نَتَلُو عَلَيْكَ بَعْضَ خَبَرِهِما ﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ أيْ: مُحِقِّينَ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لِمَن سَبَقَ في عِلْمِنا أنَّهُ مُؤْمِنٌ، لِأنَّ التِلاوَةَ إنَّما تَنْفَعُ هَؤُلاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ.

القصص 28:4

﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ كالتَفْسِيرِ لِلْجُمَلِ كَأنَّ قائِلًا قالَ وكَيْفَ كانَ نَبَؤُهُما فَقالَ إنَّ فِرْعَوْنَ ﴿عَلا﴾ طَغى وجاوَزَ الحَدَّ في الظُلْمِ واسْتَكْبَرَ وافْتَخَرَ بِنَفْسِهِ ونَسِيَ العُبُودِيَّةَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مَمْلَكَتِهِ يَعْنِي: مِصْرَ ﴿وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ فِرَقًا يُشَيِّعُونَهُ عَلى ما يُرِيدُ ويُطِيعُونَهُ لا يَمْلِكُ أحَدٌ مِنهم أنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ أوْ فِرَقًا مُخْتَلِفَةً يُكْرِمُ طائِفَةً ويُهِينُ أُخْرى فَأكْرَمَ القِبْطِيَّ وأهانَ الإسْرائِيلِيَّ ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ﴾ هم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ أيْ: يَتْرُكُ البَناتِ أحْياءً لِلْخِدْمَةِ (p-٦٢٨)وَسَبَبُ ذَبْحِ الأبْناءِ أنَّ كاهِنًا قالَ لَهُ يُولَدُ مَوْلُودٌ في بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُ مُلْكُكَ عَلى يَدِهِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى حُمْقِ فِرْعَوْنَ فَإنَّهُ إنْ صَدَّقَ الكاهِنَ لَمْ يَنْفَعْهُ القَتْلُ وإنْ كَذَّبَ فَما مَعْنى القَتْلِ، ويَسْتَضْعِفُ: حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في جَعَلَ أوْ صِفَةٌ لِشِيَعًا أوْ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ ويُذَبِّحُ بَدَلٌ مِن يَسْتَضْعِفُ ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: إنَّ القَتْلَ ظُلْمًا إنَّما هو فِعْلُ المُفْسِدِينَ إذْ لا طائِلَ تَحْتَهُ صَدَقَ الكاهِنُ أوْ كَذَبَ.

القصص 28:5

﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ﴾ نَتَفَضَّلُ وهو دَلِيلٌ لَنا في مَسْألَةِ الأصْلَحِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤]، لِأنَّها نَظِيرَةُ تِلْكَ في وُقُوعِها تَفْسِيرًا لِنَبَأِ مُوسى وفِرْعَوْنَ واقْتِصاصًا لَهُ أوْ حالٌ مِن يَسْتَضْعِفُ أيْ: يَسْتَضْعِفُهم فِرْعَوْنُ ونَحْنُ نُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَيْهِمْ وإرادَةُ اللهِ تَعالى كائِنَةٌ فَجُعِلَتْ كالمُقارِنَةِ لِاسْتِضْعافِهِمْ ﴿عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ قادَةً يُقْتَدى بِهِمْ في الخَيْرِ أوْ قادَةً إلى الخَيْرِ أوْ وُلاةً ومُلُوكًا ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ أيْ: يَرِثُونَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ مُلْكَهم وكُلَّ ما كانَ لَهُمْ.

القصص 28:6

﴿وَنُمَكِّنَ﴾ مَكَّنَ لَهُ إذا جَعَلَ لَهُ مَكانًا يَقْعُدُ عَلَيْهِ أوْ يَرْقُدُ، ومَعْنى التَمْكِينِ ﴿لَهم في الأرْضِ﴾ - أيْ: أرْضِ مِصْرَ والشامِ - أنْ يَجْعَلَها بِحَيْثُ لا تَنْبُو بِهِمْ ويُسَلِّطُهم ويُنَفِّذُ أمْرَهم ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما﴾ بِضَمِّ النُونِ ونَصْبِ فِرْعَوْنَ وما بَعْدَهُ وبِالياءِ ورَفْعِ فِرْعَوْنَ وما بَعْدَهُ عَلِيٌّ وحَمْزَةُ أيْ: يَرَوْنَ مِنهم ما حَذِرُوهُ مِن ذَهابِ مُلْكِهِمْ وهَلاكِهِمْ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ مِنهم ويَرى نَصْبٌ عَطْفٌ عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ كَقِراءَةِ النُونِ أوْ رَفْعٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ ﴿مِنهُمْ﴾ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ويَتَعَلَّقُ بِنُرِيَ دُونَ يَحْذَرُونَ، لِأنَّ الصِلَةَ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ الحَذَرُ التَوَقِّي مِنَ الضَرَرِ.

القصص 28:7

﴿وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ بِالإلْهامِ أوْ بِالرُؤْيا أوْ بِإخْبارِ مَلَكٍ كَما كانَ لِمَرْيَمَ ولَيْسَ هَذا وحْيَ رِسالَةٍ ولا تَكُونُ هي رَسُولًا ﴿أنْ أرْضِعِيهِ﴾ أنْ (p-٦٢٩)بِمَعْنى أيْ: أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ مِنَ القَتْلِ بِأنْ يَسْمَعَ الجِيرانَ صَوْتَهُ فَيَنِمُّوا عَلَيْهِ ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ البَحْرِ قِيلَ هو نِيلُ مِصْرَ ﴿وَلا تَخافِي﴾ مِنَ الغَرَقِ والضَياعِ ﴿وَلا تَحْزَنِي﴾ بِفِراقِهِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ بِوَجْهٍ لَطِيفٍ لِتُرَبِّيهِ ﴿وَجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ أمْرانِ ونَهْيانِ وخَبَرانِ وبِشارَتانِ، والفَرْقُ بَيْنَ الخَوْفِ والحُزْنِ أنَّ الخَوْفَ غَمٌّ يَلْحَقُ بِالإنْسانِ لِمُتَوَقَّعٍ، والحُزْنُ غَمٌّ يَلْحَقُهُ لِواقِعٍ وهو فِراقُهُ والإخْطارُ بِهِ فَنُهِيَتْ عَنْهُما وبُشِّرَتْ بِرَدِّهِ إلَيْها وجَعْلِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ، ورُوِيَ: أنَّهُ ذُبِحَ في طَلَبِ مُوسى تِسْعُونَ ألْفَ ولِيدٍ، ورُوِيَ: أنَّها حِينَ ضَرَبَها الطَلْقُ وكانَتْ بَعْضُ القَوابِلِ المُوَكَّلاتِ بِحَبالى بَنِي إسْرائِيلَ مُصافِيَةً لَها فَعالَجَتْها فَلَمّا وقَعَ إلى الأرْضِ هالَها نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ودَخَلَ حُبُّهُ قَلْبَها فَقالَتْ ما جِئْتُكِ إلّا لِأقْتُلَ مَوْلُودَكِ وأُخْبِرَ فِرْعَوْنَ ولَكِنْ وجَدْتُ لِابْنِكِ حُبًّا ما وجَدْتُ مِثْلَهُ فاحْفَظِيهِ فَلَمّا خَرَجَتِ القابِلَةُ جاءَتْ عُيُونُ فِرْعَوْنَ فَلَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ ووَضَعَتْهُ في تَنُّورٍ مَسْجُورٍ ولَمْ تَعَلَمْ ما تَصْنَعُ لِما طاشَ مِن عَقْلِها فَطَلَبُوا فَلَمْ يَلْقَوْا شَيْئًا فَخَرَجُوا وهي لا تَدْرِي مَكانَهُ فَسَمِعَتْ بُكاءَهُ مِنَ التَنُّورِ فانْطَلَقَتْ إلَيْهِ وقَدْ جَعَلَ اللهُ النارَ بَرْدًا وسَلامًا فَلَمّا ألَحَّ فِرْعَوْنُ في طَلَبِ الوَلَدِ أوْحى إلَيْها بِإلْقائِهِ في اليَمِّ فَألْقَتْهُ في اليَمِّ بَعْدَ أنْ أرْضَعَتْهُ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ.

القصص 28:8

﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ أخَذَهُ، قالَ الزَجّاجُ كانَ فِرْعَوْنُ مِن أهْلِ فارِسَ مِن إصْطَخَرَ ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ أيْ: لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى ذَلِكَ لا أنَّهم أخَذُوهُ لِهَذا كَقَوْلِهِمْ:" لِلْمَوْتِ ما تَلِدُ الوالِدَةُ"، وهي لَمْ تَلِدْ لِأنْ يَمُوتَ ولَدُها ولَكِنَّ المَصِيرَ إلى ذَلِكَ كَذا قالَهُ الزَجّاجُ، وعَنْ هَذا قالَ المُفَسِّرُونَ إنَّ هَذِهِ لامُ العاقِبَةِ والصَيْرُورَةِ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هي لامُ كَيِ الَّتِي مَعْناها التَعْلِيلُ كَقَوْلِكَ: جِئْتُكَ لِتُكْرِمَنِي، ولَكِنْ مَعْنى التَعْلِيلِ فِيها وارِدٌ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، لِأنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ نَتِيجَةَ التِقاطِهِمْ لَهُ شُبِّهَ بِالداعِي الَّذِي يَفْعَلُ الفاعِلُ القَتْلَ لِأجْلِهِ وهو الإكْرامُ الَّذِي هو نَتِيجَةُ المَجِيءِ ﴿وَحَزَنًا﴾ وحُزْنًا: (p-٦٣٠)عَلِيٌّ وحَمْزَةُ وهُما لُغَتانِ كالعَدَمِ والعُدْمِ. ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ "خاطِينَ" تَخْفِيفُ "خاطِئِينَ" أبُو جَعْفَرٍ أيْ: كانُوا مُذْنِبِينَ فَعاقَبَهُمُ اللهُ بِأنْ رَبّى عَدُوَّهم ومَن هو سَبَبُ هَلاكِهِمْ عَلى أيْدِيهِمْ وكانُوا خاطِئِينَ في كُلِّ شَيْءٍ فَلَيْسَ خَطَؤُهم في تَرْبِيَةِ عَدُوِّهِمْ بِبِدْعٍ مِنهُمْ.

القصص 28:9

﴿وَقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ رُوِيَ أنَّهم حِينَ التَقَطُوا التابُوتَ عالَجُوا فَتْحَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَعالَجُوا كَسْرَهُ فَأعْياهم فَدَنَتْ آسِيَةُ فَرَأتْ في جَوْفِ التابُوتِ نُورًا فَعالَجَتْهُ فَفَتَحَتْهُ فَإذا بِصَبِيٍّ نُورُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَأحَبُّوهُ وكانَتْ لِفِرْعَوْنَ بِنْتٌ بَرْصاءُ فَنَظَرَتْ إلى وجْهِهِ فَبَرَأتْ فَقالَتِ الغُواةُ مِن قَوْمِهِ هو الَّذِي نَحْذَرُ مِنهُ فَأْذَنْ لَنا في قَتْلِهِ فَهَمَّ بِذَلِكَ فَقالَتْ آسِيَةُ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لَكِ لا لِي، وفي الحَدِيثِ: « " لَوْ قالَ كَما قالَتْ لَهَداهُ اللهُ تَعالى كَما هَداها » وهَذا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ أيْ: لَوْ كانَ غَيْرَ مَطْبُوعٍ عَلى قَلْبِهِ كَآسِيَةَ لَقالَ مِثْلَ قَوْلِها وكانَ أسْلَمَ كَما أسْلَمَتْ و"قُرَّةُ" خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو قُرَّةٌ، و"لِي ولَكَ" صِفَتانِ لِ"قُرَّةُ" ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ خاطَبَتْهُ خِطابَ المُلُوكِ أوْ خاطَبَتِ الغُواةَ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ فَإنَّ فِيهِ مَخايِلَ اليُمْنِ ودَلائِلَ النَفْعِ وذَلِكَ لِما عايَنَتْ مِنَ النُورِ وبُرْءِ البَرْصاءِ ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ أوْ نَتَبَنّاهُ فَإنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يَكُونَ ولَدًا لِلْمُلُوكِ ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ وذُو حالِها آلُ فِرْعَوْنَ وتَقْدِيرُ الكَلامِ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ كَذا وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّهم عَلى خَطَإٍ عَظِيمٍ في التِقاطِهِ ورَجاءِ النَفْعِ مِنهُ وتَبَنِّيهِ وقَوْلُهُ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٨] الآيَةُ، جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ واقِعَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى خَطَئِهِمْ وما أحْسَنَ نَظْمَ هَذا الكَلامِ عِنْدَ أصْحابِ المَعانِي والبَيانِ! (p-٦٣١)

القصص 28:10

﴿وَأصْبَحَ﴾ [القصص: ٨٢] وصارَ ﴿فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ صِفْرًا مِنَ العَقْلِ لِما دَهَمَها مِن فَرْطِ الجَزَعِ لَمّا سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ فِرْعَوْنَ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ لَتُظْهِرُ بِهِ والضَمِيرُ لِمُوسى والمُرادُ بِأمْرِهِ وقِصَّتِهِ وأنَّهُ ولَدُها قِيلَ لَمّا رَأتِ الأمْواجَ تَلْعَبُ بِالتابُوتِ كادَتْ تَصِيحُ وتَقُولُ يابْناهُ! وقِيلَ لَمّا سَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ أخَذَ التابُوتَ لَمْ تَشُكَّ أنَّهُ قَتَلَهُ فَكادَتْ تَقُولُ وابْناهُ شَفَقَةً عَلَيْهِ وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ أيْ: إنَّها كادَتْ ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ لَوْلا رَبْطُنا عَلى قَلْبِها والرَبْطُ عَلى القَلْبِ تَقْوِيَتُهُ بِإلْهامِ الصَبْرِ ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِنا وهو إنّا رادُّوهُ إلَيْكَ وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ أيْ: لَأبْدَتْهُ أوْ فارِغًا مِنَ الهَمِّ حِينَ سَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ تَبَنّاهُ إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِأنَّهُ ولَدُها، لِأنَّها لَمْ تَمْلِكْ نَفْسَها فَرَحًا وسُرُورًا بِما سَمِعَتْ لَوْلا أنّا طامَنّا قَلَبَها وسَكَّنّا قَلَقَها الَّذِي حَدَثَ بِهِ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِوَعْدِ اللهِ لا بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ، قالَ يُوسُفُ بْنُ الحُسَيْنِ: أُمِرَتْ أُمُّ مُوسى بِشَيْئَيْنِ ونُهِيَتْ عَنْ شَيْئَيْنِ وبُشِّرَتْ بِبِشارَتَيْنِ فَلَمْ يَنْفَعْها الكُلُّ حَتّى تَوَلّى اللهُ حِياطَتَها فَرَبَطَ عَلى قَلْبِها.

القصص 28:11

﴿وَقالَتْ لأُخْتِهِ﴾ مَرْيَمَ ﴿قُصِّيهِ﴾ اتِّبِعِي أثَرَهُ لِتَعْلَمِي خَبَرَهُ ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أيْ: أبْصَرَتْهُ ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ بُعْدٍ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في بِهِ أوْ مِنَ الضَمِيرِ في بَصُرَتْ ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّها أُخْتُهُ.

القصص 28:12

﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ تَحْرِيمَ مَنعٍ لا تَحْرِيمَ شَرْعٍ أيْ: مَنَعْناهُ أنْ يَرْضَعَ ثَدْيًا غَيْرَ ثَدْيِ أُمِّهِ وكانَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ مُرْضِعٍ حَتّى أهَمَّهم ذَلِكَ والمَراضِعُ جَمْعُ مُرْضِعٍ وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ أوْ جَمْعُ مَرْضَعٍ وهو مَوْضِعُ الرَضاعِ،يَعْنِي: الثَدْيَ أوِ الرَضاعَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ أوْ مِن (p-٦٣٢)قَبْلِ أنْ نَرُدَّهُ عَلى أُمِّهِ ﴿فَقالَتْ﴾ أُخْتُهُ وقَدْ دَخَلَتْ بَيْنَ المَراضِعِ ورَأتْهُ لا يَقْبَلُ ثَدْيًا ﴿هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ أُرْشِدُكم ﴿عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ أيْ: مُوسى ﴿لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ النُصْحُ: إخْلاصُ العَمَلِ مِن شائِبَةِ الفَسادِ رُوِيَ: أنَّها لَمّا قالَتْ وهم لَهُ ناصِحُونَ قالَ هامانُ إنَّها لَتَعْرِفُهُ وتَعْرِفُ أهْلَهُ فَخُذُوها حَتّى تُخْبِرَ بِقِصَّةِ هَذا الغُلامِ فَقالَتْ إنَّما أرْدْتُ وهم لِلْمَلِكِ ناصِحُونَ فانْطَلَقَتْ إلى أُمِّها بِأمْرِهِمْ فَجاءَتْ بِها والصَبِيُّ عَلى يَدِ فِرْعَوْنَ يُعَلِّلُهُ شَفَقَةً عَلَيْهِ وهو يَبْكِي يَطْلُبُ الرَضاعَ فَحِينَ وجَدَ رِيحَها اسْتَأْنَسَ والتَقَمَ ثَدْيَها فَقالَ لَها فِرْعَوْنُ ومَن أنْتِ مِنهُ فَقَدْ أبى كُلَّ ثَدْيٍ إلّا ثَدْيَكَ فَقالَتْ إنِّي امْرَأةٌ طَيِّبَةُ الرِيحِ طَيِّبَةُ اللَبَنِ لا أوُتى بِصَبِيٍّ إلّا قَبِلَنِي فَدَفَعَهُ إلَيْها وأجْرى عَلَيْها وذَهَبَتْ بِهِ إلى بَيْتِها وأنْجَزَ اللهُ وعْدَهُ في الرَدِّ فَعِنْدَها ثَبَتَ واسْتَقَرَّ في عِلْمِها أنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا وذَلِكَ قَوْلُهُ.

القصص 28:13

﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِالمُقامِ مَعَهُ ﴿وَلا تَحْزَنَ﴾ بِفِراقِهِ ﴿وَلِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أيْ: ولِيَثْبُتَ عِلْمُها مُشاهَدَةً كَما عَلِمَتْ خَبَرًا وقَوْلُهُ و"لا تَحْزَنَ" مَعْطُوفٌ عَلى تَقَرَّ، وإنَّما حَلَّ لَها ما تَأْخُذُهُ مِنَ الدِينارِ كُلَّ يَوْمٍ كَما قالَ السُدِّيُّ، لِأنَّهُ مالُ حَرْبِيٍّ لا لِأنَّهُ أُجْرَةٌ عَلى إرْضاعِ ولَدِها ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ هو داخِلٌ تَحْتَ عِلْمِها أيْ: لِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَقٌّ فَيَرْتابُونَ ويُشْبِهُ التَعْرِيضَ بِما فَرَطَ مِنها حِينَ سَمِعَتْ بِخَبَرِ مُوسى فَجَزِعَتْ.

القصص 28:14

﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ بَلَغَ مُوسى نِهايَةَ القُوَّةِ وتَمامَ العَقْلِ وهو جَمْعُ شِدَّةٍ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ﴿واسْتَوى﴾ واعْتَدَلَ وتَمَّ اسْتِحْكامُهُ وهو أرْبَعُونَ سَنَةً ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ نُبُوَّةً ﴿وَعِلْمًا﴾ فِقْهًا أوْ عِلْمًا بِمَصالِحِ الدارَيْنِ ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: كَما (p-٦٣٣)فَعَلْنا بِمُوسى وأُمِّهِ نَفْعَلُ بِالمُؤْمِنِينَ، قالَ الزَجّاجُ: جَعَلَ اللهُ تَعالى إيتاءَ العِلْمِ والحِكْمَةِ مُجازاةً عَلى الإحْسانِ، لِأنَّهُما يُؤَدِّيانِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي هي جَزاءُ المُحْسِنِينَ والعالِمُ الحَكِيمُ: مَن يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ فَجَعَلَهم جُهّالًا إذْ لَمْ يَعْمَلُوا بِالعِلْمِ.

القصص 28:15

﴿وَدَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: مِصْرَ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُخْتَفِيًا وهو ما بَيْنَ العِشاءَيْنِ أوْ وقْتُ القائِلَةِ يَعْنِي: انْتِصافَ النَهارِ وقِيلَ لَمّا شَبَّ وعَقِلَ أخَذَ يَتَكَلَّمُ بِالحَقِّ ويُنْكِرُ عَلَيْهِمْ فَأخافُوهُ فَلا يَدْخُلُ المَدِينَةَ إلّا عَلى تَغَفُّلٍ ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ قِيلَ هو السامِرِيُّ وشِيعَةُ الرَجُلِ أتْباعُهُ وأنْصارُهُ ﴿وَهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ مِن مُخالِفِيهِ مِنَ القِبْطِ وهو فاتُونَ وقِيلَ فِيهِما "هَذا، وهَذا" وإنْ كانا غائِبَيْنِ عَلى جِهَةِ الحِكايَةِ أيْ: إذا نَظَرَ إلَيْهِما الناظِرُ قالَ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ فاسْتَنْصَرَهُ ﴿الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ ضَرَبَهُ بِجُمْعِ كَفِّهِ أوْ بِأطْرافِ أصابِعِهِ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ فَقَتَلَهُ ﴿قالَ هَذا﴾ إشارَةٌ إلى القَتْلِ الحاصِلِ بِغَيْرِ قَصْدٍ ﴿مِن عَمَلِ الشَيْطانِ﴾ وإنَّما جَعَلَ قَتْلَ الكافِرِ مِن عَمَلِ الشَيْطانِ وسَمّاهُ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ واسْتَغْفَرَ مِنهُ، لِأنَّهُ كانَ مُسْتَأمَنًا فِيهِمْ ولا يَحِلُّ قَتْلُ الكافِرِ الحَرْبِيِّ المُسْتَأْمَنِ، أوْ لِأنَّهُ قَتَلَهُ قَبْلَ أنْ يُؤْذَنَ لَهُ في القَتْلِ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ لَيْسَ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ ما لَمْ يُؤْمَرْ ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ.

القصص 28:16

﴿قالَ رَبِّ﴾ يا رَبِّ ﴿إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بِفِعْلٍ صارَ قَتْلًا ﴿فاغْفِرْ لِي﴾ زَلَّتِي ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ زَلَّتَهُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ﴾ بِإقالَةِ الزَلَلِ ﴿الرَحِيمُ﴾ بِإزالَةِ الخَجَلِ.

القصص 28:17

﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ مُعِينًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ لِلْكافِرِينَ (p-٦٣٤)وَ"بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ " قَسَمٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ بِالمَغْفِرَةِ لَأتُوبَنَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ وأرادَ بِمُظاهَرَةِ المُجْرِمِينَ صُحْبَةَ فِرْعَوْنَ وانْتِظامَهُ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرَهُ سَوادَهُ حَيْثُ كانَ يَرْكَبُ بِرُكُوبِهِ كالوَلَدِ مَعَ الوالِدِ.

القصص 28:18

﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا﴾ عَلى نَفْسِهِ مِن قَتْلِهِ القِبْطِيَّ أنْ يُؤْخَذَ بِهِ ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ حالٌ أيْ: يَتَوَقَّعُ نُصْرَةَ رَبِّهِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ بِالخَوْفِ مَن دُونِ اللهِ بِخَلافِ ما يَقُولُهُ بَعْضُ الناسِ أنَّهُ لا يَسُوغُ الخَوْفُ مِن دُونِ اللهِ ﴿فَإذا الَّذِي﴾ إذا لِلْمُفاجَأةِ وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ ﴿اسْتَنْصَرَهُ﴾ أيْ: مُوسى ﴿بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَسْتَغِيثُهُ والمَعْنى: أنَّ الإسْرائِيلِيَّ الَّذِي خَلَّصَهُ مُوسى اسْتَغاثَ بِهِ ثانِيًا مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ ﴿قالَ لَهُ مُوسى﴾ أيْ: لِلْإسْرائِيلِيِّ ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: ضالٌّ عَنِ الرُشْدِ ظاهِرُ الغَيِّ فَقَدْ قاتَلْتُ بِالأمْسِ رَجُلًا فَقَتَلْتُهُ بِسَبَبِكَ، والرَشِيدُ في التَدْبِيرِ لا يَفْعَلَ فِعْلًا يُفْضِي إلى البَلاءِ عَلى نَفْسِهِ وعَلى مَن يُرِيدُ نُصْرَتَهُ.

القصص 28:19

﴿فَلَمّا أنْ أرادَ﴾ مُوسى ﴿أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي﴾ بِالقِبْطِيِّ الَّذِي ﴿هُوَ عَدُوٌّ لَهُما﴾ لِمُوسى والإسْرائِيلِيِّ، لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِهِما، أوْ لِأنَّ القِبْطَ كانُوا أعْداءَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿قالَ﴾ الإسْرائِيلِيُّ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَدْ تَوَهَّمَ أنَّهُ أرادَ أخْذَهُ لا أخْذَ القِبْطِيِّ إذْ قالَ لَهُ إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يَعْنِي: القِبْطِيَّ ﴿بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ﴾ ما تُرِيدُ ﴿إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا﴾ أيْ: قَتّالًا بِالغَضَبِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أرْضِ مِصْرَ ﴿وَما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ في كَظْمِ الغَيْظِ وكانَ قَتْلُ القِبْطِيِّ بِالأمْسِ قَدْ شاعَ ولَكِنْ خَفِيَ قاتِلُهُ فَلَمّا أفْشى عَلى مُوسى عَلَيْهِ (p-٦٣٥)السَلامُ عَلِمَ القِبْطِيُّ أنَّ قاتِلَهُ مُوسى فَأخْبَرَ فِرْعَوْنَ فَهَمُّوا بِقَتْلِهِ.

القصص 28:20

﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وكانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ ﴿يَسْعى﴾ صِفَةٌ لِرَجُلٍ أوْ حالٌ مِن رَجُلٍ، لِأنَّهُ وُصِفَ بِقَوْلِهِ مِن أقْصى المَدِينَةِ ﴿قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ أوْ يَتَشاوَرُونَ بِسَبَبِكَ والِائْتِمارُ التَشاوُرُ يُقالُ الرَجُلانِ يَتَآمَرانِ ويَأْتَمِرانِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَأْمُرُ صاحِبَهُ بِشَيْءٍ أوْ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِأمْرٍ ﴿فاخْرُجْ﴾ مِنَ المَدِينَةِ ﴿إنِّي لَكَ مِنَ الناصِحِينَ﴾ لَكَ بَيانٌ ولَيْسَ بِصِلَةٍ لِلنّاصِحِينَ، لِأنَّ الصِلَةَ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ كَأنَّهُ قالَ إنِّي مِنَ الناصِحِينَ ثُمَّ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ فَقالَ لَكَ كَما يُقالُ سَقْيًا لَكَ ومَرْحَبًا لَكَ.

القصص 28:21

﴿فَخَرَجَ﴾ مُوسى ﴿مِنها﴾ مِنَ المَدِينَةِ ﴿خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ التَعَرُّضَ لَهُ في الطَرِيقِ أوْ أنْ يَلْحَقَهُ مَن يَقْتُلُهُ ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ أيْ: قَوْمِ فِرْعَوْنَ َ.

القصص 28:22

﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ نَحْوَها والتَوَجُّهُ الإقْبالُ عَلى الشَيْءِ ومَدْيَنُ قَرْيَةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ سُمِّيَتْ بِمَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ ولَمْ تَكُنْ في سُلْطانِ فِرْعَوْنَ وبَيْنَها وبَيْنَ مِصْرَ مَسِيرَةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - خَرَجَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِالطَرِيقِ إلّا حُسْنُ الظَنِّ بِرَبِّهِ ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَبِيلِ﴾ أيْ: وسَطَهُ ومُعْظَمَ نَهْجِهِ فَجاءَ مَلَكٌ فانْطَلَقَ بِهِ إلى مَدْيَنَ.

القصص 28:23

﴿وَلَمّا ورَدَ﴾ وصَلَ ﴿ماءَ مَدْيَنَ﴾ ماءَهُمُ الَّذِي يَسْقُونَ مِنهُ وكانَ بِئْرًا ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ عَلى جانِبِ البِئْرِ ﴿أُمَّةً﴾ جَماعَةً ﴿مِنَ الناسِ﴾ مِن أُناسٍ مُخْتَلِفِينَ ﴿يَسْقُونَ﴾ مَواشِيَهم ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ في مَكانٍ أسْفَلَ مِن (p-٦٣٦)مَكانِهِمْ ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ تَطْرُدانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ، لِأنَّ عَلى الماءِ مَن هو أقْوى مِنهُما فَلا تَتَمَكَّنانِ مِنَ السَقْيِ أوْ لِئَلّا تَخْتَلِطَ أغْنامُهُما بِأغْنامِهِمْ والذَوْدُ الطَرْدُ والدَفْعُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ ما شَأْنُكُما وحَقِيقَتُهُ ما مَخْطُوبُكُما أيْ: ما مَطْلُوبُكُما مِنَ الذِيادِ فَسُمِّي المَخْطُوبُ خَطْبًا ﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ غَنَمَنا ﴿حَتّى يُصْدِرَ الرِعاءُ﴾ مَواشِيَهم، "يَصْدُرَ" شامِيٌّ ويَزِيدُ وأبُو عَمْرٍو أيْ: يَرْجِعَ، والرِعاءُ جَمْعُ راعٍ كَقائِمٍ وقِيامٍ ﴿وَأبُونا شَيْخٌ﴾ لا يُمْكِنُهُ سَقْيُ الأغْنامِ ﴿كَبِيرٌ﴾ في حالِهِ أوْ في السِنِّ لا يَقْدِرُ عَلى رَعْيِ الغَنَمِ أبْدَتا إلَيْهِ عُذْرَهُما في تَوَلِّيهِما السَقْيَ بِأنْفُسِهِما.

القصص 28:24

﴿فَسَقى لَهُما﴾ فَسَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما رَغْبَةً في المَعْرُوفِ وإغاثَةً لِلْمَلْهُوفِ رُوِيَ: أنَّهُ نَحّى القَوْمَ عَنْ رَأْسِ البِئْرِ وسَألَهم دَلْوًا فَأعْطَوْهُ دَلْوَهم وقالُوا اسْتَقِ بِها وكانَتْ لا يَنْزِعُها إلّا أرْبَعُونَ فاسْتَقى بِها وصَبَّها في الحَوْضِ ودَعا بِالبَرَكَةِ، وتُرِكَ المَفْعُولُ في "يَسْقُونَ" و"تَذُودانِ" و"لا نَسْقِي" و"فَسَقى"، لِأنَّ الغَرَضَ هو الفِعْلُ لا المَفْعُولُ ألا تَرى أنَّهُ رَحِمَهُما، لِأنَّهُما كانَتا عَلى الذِيادِ وهم عَلى السَقْيِ ولَمْ يَرْحَمْهُما لِأنَّ مَذُودَهُما غَنَمٌ ومَسْقِيَّهم إبِلٌ مَثَلًا، وكَذا في "لا نَسْقِي" "فَسَقى" المَقْصُودُ هو السَقْيُ لا المَسْقِيُّ ووَجْهُ مُطابَقَةِ جَوابِهِما سُؤالَهُ أنَّهُ سَألَهُما عَنْ سَبَبِ الذَوْدِ فَقالَتا السَبَبُ في ذَلِكَ أنّا امْرَأتانِ مَسْتُورَتانِ ضَعِيفَتانِ لا نَقْدِرُ عَلى مُزاحَمَةِ الرِجالِ ونَسْتَحِي مِنَ الِاخْتِلاطِ بِهِمْ فَلا بُدَّ لَنا مِن تَأْخِيرِ السَقْيِ إلى أنْ يَفْرُغُوا وإنَّما رَضِيَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَلامُ لِابْنَتَيْهِ بِسَقْيِ الماشِيَةِ، لِأنَّ هَذا الأمْرَ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ والدِينُ لا يَأْباهُ وأمّا المُرُوءَةُ فَعاداتُ الناسِ في ذَلِكَ مُتَبايِنَةٌ وأحْوالُ العَرَبِ فِيهِ خِلافُ أحْوالِ العَجَمِ ومَذْهَبُ أهْلِ البَدْوِ فِيهِ غَيْرُ مَذْهَبِ أهْلِ الحَضَرِ خُصُوصًا إذا كانَتِ الحالَةُ حالَةَ ضَرُورَةٍ ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِلِّ﴾ أيْ: ظِلِّ سَمُرَةٍ وفِيهِ دَلِيلُ جَوازِ الِاسْتِراحَةِ في الدُنْيا بِخِلافِ ما يَقُولُهُ بَعْضُ المُتَقَشِّفَةِ ولَمّا طالَ البَلاءُ عَلَيْهِ أنِسَ بِالشَكْوى إذْ لا نَقْصَ في الشَكْوى إلى المَوْلى ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما﴾ لِأيِّ شَيْءٍ (p-٦٣٧)﴿أنْـزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ غَثٍّ أوْ سَمِينٍ ﴿فَقِيرٌ﴾ مُحْتاجٌ وعُدِّيَ فَقِيرٌ بِاللامِ، لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى سائِلٍ وطالِبٍ قِيلَ كانَ لَمْ يَذُقْ طَعامًا سَبْعَةَ أيّامٍ قَدْ لَصِقَ بِظَهْرِهِ بَطْنُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ إنِّي فَقِيرٌ مِنَ الدُنْيا لِأجْلِ ما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِينِ وهو النَجاةُ مِنَ الظالِمِينَ، لِأنَّهُ كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في مُلْكٍ وثَرْوَةٍ قالَ ذَلِكَ رِضًا بِالبَدَلِ السِنِيِّ وفَرَحًا بِهِ وشُكْرًا لَهُ وقالَ ابْنُ عَطاءٍ نَظَرَ مِنَ العُبُودِيَّةِ إلى الرُبُوبِيَّةِ وتَكَلَّمَ بِلِسانِ الِافْتِقارِ لِما ورَدَ عَلى سِرِّهِ مِنَ الأنْوارِ.

القصص 28:25

﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ عَلى اسْتِحْياءٍ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مُسْتَحِيَةً وهَذا دَلِيلُ كَمالِ إيمانِها وشَرَفِ عُنْصُرِها، لِأنَّها كانَتْ تَدْعُوهُ إلى ضِيافَتِها ولَمْ تَعْلَمْ أيُجِيبُها أمْ لا فَأتَتْهُ مُسْتَحِيَةً قَدِ اسْتَتَرَتْ بِكُمِّ دِرْعِها و"ما" في "ما سَقَيْتَ" مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ رُوِيَ: أنَّهُما لَمّا رَجَعَتا إلى أبِيهِما قَبْلَ الناسِ وأغْنامُهُما حُفَّلٌ قالَ لَهُما ما أعْجَلَكُما؟ قالَتا وجَدْنا رَجُلًا صالِحًا رَحِمَنا فَسَقى لَنا فَقالَ لِإحْداهُما اذْهَبِي فادْعِيهِ لِي فَتَبِعَها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ فَألْزَقَتِ الرِيحُ ثَوْبَها بِجَسَدِها فَوَصَفَتْهُ فَقالَ لَها امْشِي خَلْفِي وانْعِتِي لِيَ الطَرِيقَ ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ: قِصَّتَهُ وأحْوالَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ، والقَصَصُ: مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَقْصُوصُ ﴿قالَ﴾ لَهُ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ إذْ لا سُلْطانَ لِفِرْعَوْنَ بِأرْضِنا وفِيهِ دَلِيلُ جَوازِ العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ ولَوْ عَبْدًا أوْ أُنْثى، والمَشْيُ مَعَ الأجْنَبِيَّةِ مَعَ ذَلِكَ الِاحْتِياطِ والتَوَرُّعِ وأمّا أخْذُ الأجْرِ عَلى البَرِّ والمَعْرُوفِ فَقِيلَ إنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الحاجَةِ كَما كانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى أنَّهُ رُوِيَ أنَّها لَمّا قالَتْ لِيَجْزِيَكَ كَرِهَ ذَلِكَ وإنَّما أجابَها لِئَلّا يُخَيِّبَ قَصْدَها، لِأنَّ لِلْقاصِدِ حُرْمَةً ولَمّا وضَعَ شُعَيْبٌ الطَعامَ بَيْنَ (p-٦٣٨)يَدَيْهِ امْتَنَعَ فَقالَ شُعَيْبٌ ألَسْتَ جائِعًا؟ قالَ بَلى ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ عِوَضًا مِمّا سَقَيْتُ لَهُما وإنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِالدُنْيا ولا نَأْخُذُ عَلى المَعْرُوفِ ثَمَنًا فَقالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَلامُ هَذِهِ عادَتُنا مَعَ كُلِّ مَن يَنْزِلُ بِنا فَأكَلَ.

القصص 28:26

﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ اتَّخِذْهُ أجِيرًا لِرَعْيِ الغَنَمِ رُوِيَ: أنَّ كُبْراهُما كانَتْ تُسَمّى صَفْراءَ والصُغْرى صُفَيْراءَ، وصَفْراءُ هي الَّتِي ذَهَبَتْ بِهِ وطَلَبَتْ إلى أبِيها أنْ يَسْتَأْجِرَهُ وهي الَّتِي تَزَوَّجَها ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ فَقالَ وما عِلْمُكِ بِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ فَذَكَرَتْ نَزْعَ الدَلْوِ وأمْرَها بِالمَشْيِ خَلْفَهُ، ووَرَدَ الفِعْلُ بِلَفْظِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أمانَتَهُ وقُوَّتَهُ أمْرانِ مُتَحَقِّقانِ وقَوْلُها ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ كَلامٌ جامِعٌ، لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتْ هاتانِ الخَصْلَتانِ الكِفايَةُ والأمانَةُ في القائِمِ بِأمْرِكَ فَقَدْ فَرَغَ بالُكَ وتَمَّ مُرادُكَ وقِيلَ القَوِيُّ في دِينِهِ الأمِينُ في جَوارِحِهِ وقَدِ اسْتَغْنَتْ بِهَذا الكَلامِ الجارِي مَجْرى المَثَلِ عَنْ أنْ تَقُولَ اسْتَأْجِرْهُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أفَرَسُ الناسِ ثَلاثٌ بِنْتُ شُعَيْبٍ وصاحِبُ يُوسُفَ في قَوْلِهِ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ [يوسف: ٢١] وأبُو بَكْرٍ في عُمَرَ.

القصص 28:27

﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ﴾ أُزَوِّجَكَ ﴿إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ قَوْلَهُ "هاتَيْنِ" يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُ غَيْرُهُما وهَذِهِ مُواعَدَةٌ مِنهُ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَقْدَ نِكاحٍ إذْ لَوْ كانَ عَقْدًا لَقالَ قَدْ أنَكَحْتُكَ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ تَكُونَ أجِيرًا لِي، مِن أجَرْتُهُ: إذا كُنْتَ لَهُ أجِيرًا ﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ والحَجَّةُ السَنَةُ وجَمْعُها حِجَجٌ والتَزَوُّجُ عَلى رَعْيِ الغَنَمِ جائِزٌ بِالإجْماعِ، لِأنَّهُ مِن بابِ القِيامِ بِأمْرِ الزَوْجِيَّةِ فَلا مُناقَضَةَ بِخِلافِ التَزَوُّجِ عَلى الخِدْمَةِ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ أيْ: عَمَلَ عَشْرِ حِجَجٍ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ فَذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنكَ لَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْكَ أوْ فَإتْمامُهُ مِن عِنْدِكَ ولا أُحَتِّمُهُ عَلَيْكَ ولَكِنَّكَ إنْ فَعَلْتَهُ فَهو مِنكَ (p-٦٣٩)تَفَضُّلٌ وتَبَرُّعٌ ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِ أتَمِّ الأجَلَيْنِ وحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ شَقَقْتُ عَلَيْهِ وشَقَّ عَلَيْهِ الأمْرُ أنَّ الأمْرَ إذا تَعاظَمَكَ فَكَأنَّهُ شَقَّ عَلَيْكَ ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ تَقُولُ تارَةً أُطِيقُهُ وطَوْرًا لا أُطِيقُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصالِحِينَ﴾ في حُسْنِ المُعامَلَةِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الصَلاحُ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ حُسْنُ المُعامَلَةِ، والمُرادُ بِاشْتِراطِهِ مَشِيئَةَ اللهِ فِيما وعَدَ مِنَ الصَلاحِ، الِاتِّكالُ عَلى تَوْفِيقِهِ فِيهِ ومَعُونَتِهِ، لِأنَّهُ إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ.

القصص 28:28

﴿قالَ﴾ مُوسى ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأُ وهو إشارَةٌ إلى ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ شُعَيْبٌ والخَبَرُ ﴿بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ يَعْنِي: ذَلِكَ الَّذِي قُلْتَهُ وعاهَدْتَنِي فِيهِ وشارَطْتَنِي عَلَيْهِ قائِمٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا يَخْرُجُ كِلانا عَنْهُ لا أنا فِيما شَرَطْتُ عَلَيَّ ولا أنْتَ فِيما شَرَطْتَ عَلى نَفْسِكَ ثُمَّ قالَ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ أيْ: أيَّ أجْلٍ قَضَيْتُ مِنَ الأجَلَيْنِ يَعْنِي: العَشْرَةَ أوِ الثَمانِيَةَ وأيَّ: نُصِبَ بِقَضَيْتُ وما زائِدَةٌ ومُؤَكِّدَةٌ لِإبْهامِ أيٍّ: وهي شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أيْ: لا يُعْتَدى عَلَيَّ في طَلَبِ الزِيادَةِ عَلَيْهِ قالَ المُبَرِّدُ: قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ في أيِّهِما ولَكِنْ جَمَعَهُما لِيَجْعَلَ الأقَلَّ كالأتَمِّ في الوَفاءِ وكَما أنَّ طَلَبَ الزِيادَةِ عَلى الأتَمِّ عُدْوانٌ فَكَذا طَلَبُ الزِيادَةِ عَلى الأقَلِّ ﴿واللهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ هو مِن وكَلَ إلَيْهِ الأمْرَ وعُدِّيَ بِعَلى، لِأنَّهُ اسْتُعْمِلَ في مَوْضِعِ الشاهِدِ والرَقِيبِ رُوِيَ: أنَّ شُعَيْبًا كانَتْ عِنْدَهُ عِصِيُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ فَقالَ لِمُوسى بِاللَيْلِ ادْخُلْ ذَلِكَ البَيْتَ فَخُذْ عَصًا مِن تِلْكَ العِصِيِّ فَأخَذَ عَصًا هَبَطَ بِها آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ولَمْ يَزَلِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ يَتَوارَثُونَها حَتّى وقَعَتْ إلى شُعَيْبٍ فَمَسَّها وكانَ مَكْفُوفًا فَضَنَّ بِها فَقالَ خُذْ غَيْرَها فَما وقَعَ في يَدِهِ إلّا هي سَبْعَ مَرّاتٍ فَعَلِمَ أنَّ لَهُ شَأْنًا ولَمّا أصْبَحَ قالَ لَهُ شُعَيْبٌ إذا بَلَغْتَ مَفْرِقَ الطَرِيقِ فَلا تَأْخُذْ عَلى يَمِينِكَ فَإنَّ الكَلَأ وإنْ كانَ بِها أكْثَرَ إلّا أنَّ فِيها تِنِّينًا أخْشاهُ عَلَيْكَ وعَلى الغَنَمِ فَأخَذَتِ الغَنَمُ ذاتَ اليَمِينِ ولَمْ يَقْدِرْ (p-٦٤٠)عَلى كَفِّها فَمَشى عَلى أثَرِها فَإذا عُشْبٌ ورِيفٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ فَنامَ فَإذا التِنِّينُ قَدْ أقْبَلَ فَحارَبَتْهُ العَصا حَتّى قَتَلَتْهُ وعادَتْ إلى جَنْبِ مُوسى دامِيَةً فَلَمّا أبْصَرَها دامِيَةً والتِنِّينَ مَقْتُولًا ارْتاحَ لِذَلِكَ ولَمّا رَجَعَ إلى شُعَيْبٍ مَسَّ الغَنَمَ فَوَجَدَها مَلْأى البُطُونِ غَزِيرَةَ اللَبَنِ فَأخْبَرَهُ مُوسى فَفَرِحَ وعَلِمَ أنَّ لِمُوسى والعَصا شَأْنًا وقالَ لَهُ إنِّي وهَبْتُ لَكَ مِن نِتاجِ غَنَمِي هَذا العامُ كُلَّ أدْرَعَ ودَرْعاءَ فَأُوحِيَ إلَيْهِ في المَنامِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ مُسْتَقى الغَنَمِ فَفَعَلَ ثُمَّ سَقى فَوَضَعَتْ كُلُّهُنَّ أدْرَعَ ودَرْعاءَ فَوَفى لَهُ بِشَرْطِهِ.

القصص 28:29

﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ قالَ عَلَيْهِ السَلامُ قَضى أوْفاهُما وتَزَوَّجَ صُغْراهُما وهَذا بِخِلافِ الرِوايَةِ الَّتِي مَرَّتْ ﴿وَسارَ بِأهْلِهِ﴾ بِامْرَأتِهِ نَحْوَ مِصْرَ قالَ ابْنُ عَطاءٍ لَمّا أتَمَّ أجَلَ المِحْنَةِ ودَنا أيّامَ الزُلْفَةِ وظَهَرَتْ أنْوارُ النُبُوَّةِ سارَ بِأهْلِهِ لِيَشْتَرِكُوا مَعَهُ في لَطائِفِ صُنْعِ رَبِّهِ ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُورِ نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ عَنِ الطَرِيقِ، لِأنَّهُ قَدْ ضَلَّ الطَرِيقَ ﴿أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾

القصص 28:30

﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ بِالنِسْبَةِ إلى مُوسى ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ بِتَكْلِيمِ اللهِ تَعالى فِيها ﴿مِنَ الشَجَرَةِ﴾ العُنّابِ أوِ العَوْسَجِ ﴿أنْ يا مُوسى﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ ﴿إنِّي أنا اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قالَ جَعْفَرٌ أبْصَرَ نارًا دَلَّتْهُ عَلى الأنْوارِ، لِأنَّهُ رَأى النُورَ في هَيْئَةِ النارِ فَلَمّا دَنا مِنها شَمَلَتْهُ أنْوارُ القُدْسِ وأحاطَتْ بِهِ جَلابِيبُ الأُنْسِ فَخُوطِبَ بِألْطَفِ خِطابٍ واسْتَدْعى مِنهُ أحْسَنَ جَوابٍ فَصارَ بِذَلِكَ مُكَلَّمًا شَرِيفًا أُعْطِيَ ما سَألَ وأمِنَ مِمّا خافَ "الجَذْوَةُ" - بِاللُغاتِ الثَلاثِ وقُرِئَ بِهِنَّ فَعاصِمٌ فَتَحَ الجِيمَ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ بِضَمِّها (p-٦٤١)وَغَيْرُهم بِكَسْرِها-: العُودُ الغَلِيظُ كانَتْ في رَأْسِهِ نارًا أوْلَمْ تَكُنْ، "مِن" الأُولى والثانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: أتاهُ النِداءُ مِن شاطِئِ الوادِي مِن قِبَلِ الشَجَرَةِ و"مِنَ الشَجَرَةِ" بَدَلٌ "مِن شاطِئِ الوادِي" بَدَلَ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ الشَجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشاطِئِ أيِ الجانِبِ.

القصص 28:31

﴿وَأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ ونُودِيَ أنْ ألْقِ عَصاكَ فَألْقاها فَقَلَبَها اللهُ ثُعْبانًا ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ تَتَحَرَّكُ ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ حَيَّةٌ في سَعْيِها وهي ثُعْبانٌ في جُثَّتِها ﴿وَلّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ يَرْجِعْ فَقِيلَ لَهُ ﴿يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ أيْ: أمِنتَ مِن أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ مِنَ الحَيَّةِ.

القصص 28:32

﴿اسْلُكْ﴾ أدْخِلْ ﴿يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ جَيْبِ قَمِيصِكَ ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ لَها شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَمْسِ ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ بَرَصٍ ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَهْبِ﴾ حِجازِيٌّ بِفَتْحَتَيْنِ وبَصْرِيٌّ "الرَهْبِ" حَفْصٌ، "الرُهْبِ" غَيْرُهم، ومَعْنى الكُلِّ الخَوْفُ والمَعْنى: واضْمُمْ يَدَكَ إلى صَدْرِكَ يَذْهَبْ ما بِكَ مِن فَرَقٍ أيْ: لِأجْلِ الحَيَّةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - كُلُّ خائِفٍ إذا وضَعَ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ زالَ خَوْفُهُ، وقِيلَ مَعْنى ضَمِّ الجَناحِ أنَّ اللهَ تَعالى لَمّا قَلَبَ العَصا حَيَّةً فَزِعَ مُوسى واتَّقاها بِيَدِهِ كَما يَفْعَلُ الخائِفُ مِنَ الشَيْءِ فَقِيلَ لَهُ:إنَّ اتِّقاءَكَ بِيَدِكَ فِيهِ غَضاضَةٌ عِنْدَ الأعْداءِ فَإذا ألْقَيْتَها فَكَما تَنْقَلِبُ حَيَّةً فَأدْخِلْ يَدَكَ تَحْتَ عَضُدِكَ مَكانَ اتِّقائِكَ بِها ثُمَّ أخْرِجْها بَيْضاءَ لِيَحْصُلَ الأمْرانِ: اجْتِنابُ ما هو غَضاضَةٌ عَلَيْكَ وإظْهارُ مُعْجِزَةٍ أُخْرى، والمُرادُ بِالجَناحِ: اليَدُ، لِأنَّ يَدَيِ الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطائِرِ وإذا أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِهِ اليُسْرى فَقَدْ ضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ أوْ أُرِيدَ بِضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ تَجَلُّدُهُ وضَبْطُهُ نَفْسَهُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً حَتّى لا يَضْطَرِبَ ولا يَرْهَبَ، اسْتِعارَةٌ مِن فِعْلِ الطائِرِ، لِأنَّهُ إذا خافَ نَشَرَ جَناحَيْهِ وأرْخاهُما وإلّا فَجَناحاهُ مَضْمُومانِ إلَيْهِ مُشَمِّرانِ، ومَعْنى "مِنَ الرَهْبِ" مِن أجْلِ الرَهْبِ أيْ: إذا (p-٦٤٢)أصابَكَ الرَهْبُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الحَيَّةِ فاضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، جَعَلَ الرَهْبَ الَّذِي كانَ يُصِيبُهُ سَبَبًا أوْ عِلَّةً فِيما أُمِرَ بِهِ مِن ضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ ومَعْنى ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ عَلى أحَدِ التَفْسِيرَيْنِ واحِدٌ ولَكِنْ خُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ إذِ الغَرَضُ في أحَدِهِما خُرُوجُ اليَدِ بَيْضاءَ وفي الثانِي إخْفاءُ الرَهْبِ ومَعْنى واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ في طَهَ أدْخِلْ يُمْناكَ تَحْتَ يُسْراكَ ﴿فَذانِكَ﴾ مُخَفَّفًا مُثَنّى ذاكَ، ومُشَدَّدًا مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو مُثَنّى ذَلِكَ فَإحْدى النُونَيْنِ عِوَضٌ مِنَ اللامِ المَحْذُوفَةِ والمُرادُ اليَدُ والعَصا ﴿بُرْهانانِ﴾ حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ بَيِّنَتانِ وسُمِّيَتِ الحُجَّةُ بُرْهانًا لِإنارَتِها، مِن قَوْلِهِمْ لِلْمَرْأةِ البَيْضاءِ: بَرَهْرَهَةٌ ﴿مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: أرْسَلْناكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ كافِرِينَ.

القصص 28:33

﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ بِهِ. وبِالياءِ يَعْقُوبُ.

القصص 28:34

﴿وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ حَفْصٌ "رِدْءًا" حالٌ أيْ: عَوْنًا يُقالُ رَدَأْتُهُ أعَنْتُهُ وبِلا هَمْزٍ مَدَنِيٌّ ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ عاصِمٌ وحَمْزَةُ صِفَةٌ أيْ: رِدْءًا مُصَدِّقًا لِي، وغَيْرُهُما بِالجَزْمِ جَوابٌ لِأرْسِلْهُ ومَعْنى تَصْدِيقِهِ مُوسى إعانَتُهُ إيّاهُ بِزِيادَةِ البَيانِ في مَظانِّ الجِدالِ إنِ احْتاجَ إلَيْهِ لِيُثْبِتَ دَعْواهُ لا أنْ يَقُولَ لَهُ صَدَقْتَ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ﴾ وفَضْلُ الفَصاحَةِ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ لِتَقْرِيرِ البُرْهانِ لا لِقَوْلِهِ صَدَقْتَ فَسَحْبانُ وباقِلٌ فِيهِ يَسْتَوِيانِ ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ يُكَذِّبُونِي في الحالَيْنِ: يَعْقُوبُ.

القصص 28:35

﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ سَنُقَوِّيكَ بِهِ إذِ اليَدُ تَشْتَدُّ بِشِدَّةِ العَضُدِ، (p-٦٤٣)لِأنَّهُ قِوامُ اليَدِ والجُمْلَةُ تُقَوِّي بِشِدَّةِ اليَدِ عَلى مُزاوَلَةِ الأُمُورِ ﴿وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ غَلَبَةً وتَسَلُّطًا وهَيْبَةً في قُلُوبِ الأعْداءِ ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا﴾ الباُءُ تَتَعَلَّقُ بِيَصِلُونَ أيْ: لا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِسَبَبِ آياتِنا وتَمَّ الكَلامُ أوْ فَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا أيْ: نُسَلِّطُكُما بِآياتِنا أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ اذْهَبا بِآياتِنا أوْ هو بَيانٌ لَلْغالِبُونَ لا صِلَةٌ أوْ قَسَمٌ جَوابُهُ لا يَصِلُونَ مُقَدَّما عَلَيْهِ ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾

القصص 28:36

﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتٍ ﴿قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أيْ: سِحْرٌ تَعَمَلُهُ أنْتَ ثُمَّ تَفْتَرِيهِ عَلى اللهِ أوْ سِحْرٌ مَوْصُوفٌ بِالِافْتِراءِ كَسائِرِ أنْواعِ السِحْرِ ولَيْسَ بِمُعْجِزَةٍ مِن عِنْدِ اللهِ ﴿وَما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ "فِي آبائِنا" حالٌ مَنصُوبَةٌ عَنْ "هَذا" أيْ: كائِنًا في زَمانِهِمْ يَعْنِي: ما حُدِّثْنا بِكَوْنِهِ فِيهِمْ.

القصص 28:37

﴿وَقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾ أيْ: رَبِّي أعْلَمُ مِنكم بِحالِ مَن أهَّلَهُ اللهُ لِلْفَلاحِ الأعْظَمِ حَيْثُ جَعَلَهُ نَبِيًّا وبَعَثَهُ بِالهُدى ووَعَدَهُ حُسْنَ العُقْبى يَعْنِي: نَفْسَهُ ولَوْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ ساحِرًا مُفْتَرِيًا لَما أهَّلَهُ لِذَلِكَ، لِأنَّهُ غَنِيٌّ حَكِيمٌ لا يُرْسِلُ الكاذِبِينَ ولا يُنَبِّئُ الساحِرِينَ ولا يُفْلِحُ عِنْدَهُ الظالِمُونَ وعاقِبَةُ الدارِ هي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدارِ﴾ [الرعد: ٢٢] جَنّاتُ عَدْنٍ" والمُرادُ بِالدارِ الدُنْيا وعاقِبَتُها أنْ يُخْتَمَ لِلْعَبْدِ بِالرَحْمَةِ والرِضْوانِ وتَلَقِّي المَلائِكَةِ بِالبُشْرى والغُفْرانِ، "قالَ مُوسى" بِغَيْرِ واوٍ:مَكِّيٌّ وهو حَسَنٌ، لِأنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ سُؤالٍ وبَحْثٍ عَمّا أجابَهم بِهِ مُوسى عِنْدَ تَسْمِيَتِهِمْ مِثْلَ تِلْكَ الآياتِ العِظامِ سِحْرًا مُفْتَرًى ووَجْهُ الأُخْرى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ وقالَ مُوسى هَذا لِيُوازِنَ الناظِرُ بَيْنَ القَوْلِ والقَوْلِ ويَتَبَصَّرَ فَسادَ أحَدِهِما وصِحَّةَ الآخَرِ (p-٦٤٤)"رَبِّي أعْلَمُ" حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو و"مَن يَكُونُ" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ.

القصص 28:38

﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ قَصَدَ بِنَفْيِ عِلْمِهِ بِإلَهٍ غَيْرِهِ نَفْيَ وجُودِهِ أيْ: ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي أوْ هو عَلى ظاهِرِهِ وأنَّ إلَهًا غَيْرَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ ﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِينِ﴾ أيِ اطْبُخْ لِي الآجُرَّ واتَّخِذْهُ وإنَّما لَمْ يَقُلْ هَذا، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن عَمِلَ الآجُرَّ فَهو يُعَلِّمُهُ الصَنْعَةَ بِهَذِهِ العِبارَةِ ولِأنَّهُ أفْصَحُ وأشْبَهُ بِكَلامِ الجَبابِرَةِ إذْ أمْرُ هامانَ وهو وزِيرُهُ بِالإيقادِ عَلى الطِينِ مُنادًى بِاسْمِهِ بِ"يا" في وسَطَ الكَلامِ دَلِيلُ التَعَظُّمِ والتَجَبُّرُ ﴿فاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ قَصْرًا عالِيًا ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ﴾ أيْ: أصْعَدُ فالطُلُوعُ والِاطِّلاعُ الصُعُودُ ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ حَسِبَ أنَّهُ تَعالى في مَكانٍ كَما كانَ هو في مَكانٍ ﴿وَإنِّي لأظُنُّهُ﴾ أيْ: مُوسى ﴿مِنَ الكاذِبِينَ﴾ في دَعْواهُ أنَّ لَهُ إلَهًا وأنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا رَسُولًا وقَدْ تَناقَضَ المَخْذُولُ فَإنَّهُ قالَ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي ثُمَّ أظْهَرَ حاجَتَهُ إلى هامانَ وأثْبَتَ لِمُوسى إلَهًا وأخْبَرَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ بِكَذِبِهِ وكَأنَّهُ تَحَصَّنَ مِن عَصا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ فَلَبَّسَ وقالَ لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى، رُوِيَ: أنَّ هامانَ جَمَعَ خَمْسِينَ ألْفَ بَنّاءٍ وبَنى صَرْحًا لَمْ يَبْلُغْهُ بِناءُ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ فَضَرَبَ الصَرْحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ بِجَناحِهِ فَقَطَّعَهُ ثَلاثَ قِطَعٍ، وقَعَتْ قِطْعَةٌ عَلى عَسْكَرِ فِرْعَوْنَ فَقَتَلَتْ ألْفَ ألْفِ رَجُلٍ وقِطْعَةٌ في البَحْرِ وقِطْعَةٌ في المَغْرِبِ ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِن عُمّالِهِ إلّا هَلَكَ.

القصص 28:39

﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ﴾ تَعَظَّمَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أرْضِ مِصْرَ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ فالِاسْتِكْبارُ بِاللهِ تَعالى وهو المُتَكَبِّرُ عَلى الحَقِيقَةِ أيِ المُتَبالِغُ في كِبْرِياءِ الشَأْنِ كَما حَكى رَسُولُنا عَنْ رَبِّهِ « " الكِبْرِياءُ رِدائِي والعَظْمَةُ إزارِي فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النارِ" » وكُلُّ مُسْتَكْبِرٍ (p-٦٤٥)سِواهُ فاسْتِكْبارُهُ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴿وَظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ يَرْجِعُونَ نافِعٌ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وخَلَفٌ ويَعْقُوبُ.

القصص 28:40

﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ مِنَ الكَلامِ المُفْحِمِ الَّذِي دَلَّ بِهِ عَلى عَظَمَةِ شَأْنِهِ شَبَّهَهُمُ اسْتِقْلالًا لِعَدَدِهِمْ وإنْ كانُوا الجَمَّ الغَفِيرَ بِحَصَياتٍ أخَذَهُنَّ آخِذٌ بِكَفِّهِ فَطَرَحَهُنَّ في البَحْرِ ﴿فانْظُرْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ﴾ وحَذِّرْ قَوْمَكَ فَإنَّكَ مَنصُورٌ عَلَيْهِمْ.

القصص 28:41

﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ قادَةً ﴿يَدْعُونَ إلى النارِ﴾ أيْ: عَمَلِ أهْلِ النارِ قالَ ابْنُ عَطاءٍ نَزَعَ عَنْ أسْرارِهِمُ التَوْفِيقَ وأنْوارَ التَحْقِيقِ فَهم في ظُلُماتِ نُفُوسِهِمْ لا يَدُلُّونَ عَلى سَبِيلِ الرَشادِ. وفِيهِ دَلالَةُ خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ مِنَ العَذابِ.

القصص 28:42

﴿وَأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً﴾ ألْزَمْناهم طَرْدًا وإبْعادًا عَنِ الرَحْمَةِ وقِيلَ هو ما يَلْحَقُهم مِن لَعْنِ الناسِ إيّاهم بِعَدِّهِمْ ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ المَطْرُودِينَ المُبْعَدِينَ أوِ المُهْلَكِينَ المُشَوَّهِينَ بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ ويَوْمَ ظَرْفٌ لِلْمَقْبُوحِين.

القصص 28:43

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ التَوْراةَ ﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ قَوْمَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِمُ السَلامُ ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ والبَصِيرَةُ نُورُ القَلْبِ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ الرُشْدَ والسَعادَةَ كَما أنَّ البَصَرَ نُورُ العَيْنِ الَّذِي تُبْصِرُ بِهِ. يُرِيدُ آتَيْناهُ التَوْراةَ أنْوارًا لِلْقُلُوبِ، لِأنَّها كانَتْ عُمْيًا لا تَسْتَبْصِرُ ولا تَعْرِفُ حَقًّا مِن باطِلٍ ﴿وَهُدًى﴾ وإرْشادًا، لِأنَّهم كانُوا يَخْبِطُونَ في ضَلالٍ ﴿وَرَحْمَةً﴾ لِمَنِ اتَّبَعَها، لِأنَّهم إذا عَمِلُوا بِها وصَلُوا إلى نَيْلِ الرَحْمَةِ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ (p-٦٤٦)

القصص 28:44

﴿وَما كُنْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿بِجانِبِ﴾ الجَبَلِ ﴿الغَرْبِيِّ﴾ وهو المَكانُ الواقِعُ في شَقِّ الغَرْبِ وهو الَّذِي وقَعَ فِيهِ مِيقاتُ مُوسى ﴿إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ أيْ: كَلَّمْناهُ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ﴿وَما كُنْتَ مِنَ الشاهِدِينَ﴾ مِن جُمْلَةِ الشاهِدَيْنِ لِلْوَحْيِ إلَيْهِ حَتّى تَقِفَ مِن جِهَةِ المُشاهَدَةِ عَلى ما جَرى مِن أمْرِ مُوسى في مِيقاتِهِ.

القصص 28:45

﴿وَلَكِنّا أنْشَأْنا﴾ بَعْدَ مُوسى ﴿قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ أيْ: طالَتْ أعْمارُهم وفَتَرَتِ النُبُوَّةُ وكادَتِ الأخْبارُ تَخْفى وانْدَرَسَتِ العُلُومُ ووَقَعَ التَحْرِيفُ في كَثِيرٍ مِنها فَأرْسَلْناكَ مُجَدِّدًا لِتِلْكَ الأخْبارِ مُبَيِّنًا ما وقَعَ فِيهِ مِن تَحْرِيفٍ وأعْطَيْناكَ العِلْمَ بِقَصَصِ الأنْبِياءِ وقِصَّةِ مُوسى كَأنَّهُ قالَ ما كُنْتَ شاهِدًا لِمُوسى وما جَرى عَلَيْهِ ولَكِنّا أوْحَيْناهُ إلَيْكَ فَذَكَرَ سَبَبَ الوَحْيِ الَّذِي هو إطالَةُ الفَتْرَةِ ودَلَّ بِهِ عَلى المُسَبَّبِ اخْتِصارًا فَإذا هَذا الِاسْتِدْراكُ شَبِيهُ الِاسْتِدَراكَيْنِ بَعْدَهُ ﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا﴾ مُقِيمًا ﴿فِي أهْلِ مَدْيَنَ﴾ وهو شُعَيْبٌ والمُؤْمِنُونَ بِهِ ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ تَقْرَؤُها عَلَيْهِمْ تَعَلُّمًا مِنهم يُرِيدُ الآياتِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ شُعَيْبٍ وقَوْمِهِ وتَتْلُو في مَوْضِعِ نَصْبٍ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في ثاوِيًا ﴿وَلَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ولَكِنّا أرْسَلْناكَ وأخْبَرْناكَ بِها وعَلَّمْناكَه.

القصص 28:46

﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُورِ إذْ نادَيْنا﴾ مُوسى أنْ خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةِ ﴿وَلَكِنْ﴾ أعْلَمْناكَ وأرْسَلْناكَ ﴿رَحْمَةً﴾ لِلرَّحْمَةِ ﴿مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ في زَمانِ الفَتْرَةِ بَيْنَكَ وبَيْنَ عِيسى وهو خَمْسُمِائَةٍ وخَمْسُونَ سَنَةً ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ (p-٦٤٧)

القصص 28:47

﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ عُقُوبَةٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ والظُلْمِ ولَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُزاوَلُ بِالأيْدِي نُسِبَتِ الأعْمالُ إلى الأيْدِي وإنْ كانَتْ مِن أعْمالِ القُلُوبِ تَغْلِيبًا لِلْأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ ﴿فَيَقُولُوا﴾ عِنْدَ العَذابِ ﴿رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ لَوْلا الأُولى امْتِناعِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ والثانِيَةُ تَحْضِيضِيَّةُ والفاءُ الأُولى لِلْعِطْفِ والثانِيَةُ جَوابُ لَوْلا لِكَوْنِها في حُكْمِ الأمْرِ إذِ الأمْرُ باعِثٌ عَلى الفِعْلِ والباعِثُ والمُحَضِّضُ مِن وادٍ واحِدٍ والفاءُ تَدْخُلُ في جَوابِ الأمْرِ والمَعْنى: لَوْلا أنَّهم قائِلُونَ إذا عُوقِبُوا بِما قَدَّمُوا مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا مُحْتَجِّينَ عَلَيْنا بِذَلِكَ لَما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ يَعْنِي: أنَّ إرْسالَ الرَسُولِ إلَيْهِمْ إنَّما هو لِيُلْزَمُوا الحُجَّةَ ولا يُلْزِمُوها كَقَوْلِهِ ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] فَإنْ قُلْتَ كَيْفَ اسْتَقامَ هَذا المَعْنى؟ وقَدْ جُعِلَتِ العُقُوبَةُ هي السَبَبَ في الإرْسالِ لا القَوْلُ لِدُخُولِ لَوْلا الِامْتِناعِيَّةِ عَلَيْها دُونَهُ قُلْتُ القَوْلُ هو المَقْصُودُ بِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْإرْسالِ ولَكِنَّ العُقُوبَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْقَوْلِ وكانَ وُجُودُهُ بِوُجُودِها جُعِلَتِ العُقُوبَةُ كَأنَّها سَبَبُ الإرْسالِ فَأُدْخِلَتْ عَلَيْها لَوْلا وجِيءَ بِالقَوْلِ مَعْطُوفًا عَلَيْها بِالفاءِ المُعْطِيَةِ مَعْنى السَبَبِيَّةِ ويَؤُولُ مَعْناهُ: إلى قَوْلِكَ:وَلَوْلا قَوْلُهم هَذا إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ لَما أرْسَلْنا.

القصص 28:48

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا﴾ أيِ القُرْآنُ أوِ الرَسُولُ المُصَدِّقُ بِالكِتابِ المُعْجِزِ ﴿قالُوا﴾ أيْ: كُفّارُ مَكَّةَ ﴿لَوْلا أُوتِيَ﴾ هَلّا أُعْطِيَ ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ مِنَ الكِتابِ المُنَزَّلِ جُمْلَةً واحِدَةً ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ يَعْنِي: أبْناءَ جِنْسِهِمْ ومَن مَذْهَبُهم مَذْهَبُهم وعِنادُهم عِنادُهم وهُمُ الكَفَرَةُ في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ﴿بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ القُرْآنِ ﴿قالُوا﴾ في مُوسى وهارُونَ (p-٦٤٨)﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ تَعاوَنا "سِحْرانِ" كُوفِيٌّ أيْ: ذَوا سِحْرٍ أوْ جَعَلُوهُما سِحْرَيْنِ مُبالَغَةً في وصْفِهِما بِالسِحْرِ ﴿وَقالُوا إنّا بِكُلٍّ﴾ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿كافِرُونَ﴾ وقِيلَ إنَّ أهْلَ مَكَّةَ كَما كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِالقُرْآنِ فَقَدْ كَفَرُوا بِمُوسى والتَوْراةِ وقالُوا في مُوسى ومُحَمَّدٍ ساحِرانِ تَظاهَرا أوْ في التَوْراةِ والقُرْآنِ سِحْرانِ تَظاهَرا وذَلِكَ حِينَ بَعَثُوا الرَهْطَ إلى رُؤَساءِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ يَسْألُونَهم عَنْ مُحَمَّدٍ فَأخْبَرَهم أنَّهُ في كِتابِهِمْ فَرَجَعَ الرَهْطُ إلى قُرَيْشٍ فَأخْبَرَهم بِقَوْلِ اليَهُودِ فَقالُوا عِنْدَ ذَلِكَ ساحِرانِ تَظاهَرا.

القصص 28:49

﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ مِمّا أُنْزِلَ عَلى مُوسى ومِمّا أُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿أتَّبِعْهُ﴾ جَوابُ فَأْتُوا ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّهُما سِحْرانِ.

القصص 28:50

﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا دُعاءَكَ إلى الإتْيانِ بِالكِتابِ الأهْدى فاعْلَمْ أنَّهم قَدْ أُلْزِمُوا ولَمْ يَبْقَ لَهم حُجَّةٌ إلّا اتِّباعَ الهَوى ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ في الدِينِ هَواهُ وبِغَيْرِ هُدًى حالٌ أيْ: مَخْذُولًا ولا مُخْلًى بَيْنَهُ وبَيْنَ هَواهُ ﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾

القصص 28:51

﴿وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ التَوْصِيلُ تَكْثِيرُ الوَصْلِ وتَكْرِيرُهُ يَعْنِي: أنَّ القُرْآنَ أتاهم مُتَتابِعًا مُتَواصِلًا وعْدًا ووَعِيدًا وقَصَصًا وعِبَرًا ومَواعِظَ لِيَذْكُرُوا فَيُفْلِحُوا (p-٦٤٩)

القصص 28:52

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْلِ القُرْآنِ وخَبَرُ الَّذِينَ ﴿هم بِهِ﴾ بِالقُرْآنِ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ نَزَلَتْ في مُؤْمِنِيِ أهْلِ الكِتابِ.

القصص 28:53

﴿وَإذا يُتْلى﴾ القُرْآنُ ﴿عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ ﴿مُسْلِمِينَ﴾ كائِنَيْنِ عَلى دِينِ الإسْلامِ مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُ إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ بِهِ، لِأنَّ كَوْنَهُ حَقًّا مِنَ اللهِ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤْمِنَ بِهِ وقَوْلُهُ إنّا بَيانٌ لِقَوْلِهِ آمَنّا، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إيمانًا قَرِيبَ العَهْدِ وبِعِيدَهُ فَأخْبَرُوا بِأنَّ إيمانَهم بِهِ مُتَقادِمٌ.

القصص 28:54

﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ بِصَبْرِهِمْ عَلى الإيمانِ بِالتَوْراةِ والإيمانِ بِالقُرْآنِ أوْ بِصَبْرِهِمْ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ نُزُولِهِ وبَعْدَ نُزُولِهِ أوْ بِصَبْرِهِمْ عَلى أذى المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَيِّئَةَ﴾ يَدْفَعُونَ بِالطاعَةِ المَعْصِيَةَ أوْ بِالحِلْمِ الأذى ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ يُزَكُّونَ.

القصص 28:55

﴿وَإذا سَمِعُوا اللَغْوَ﴾ الباطِلَ أوِ الشَتْمَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا﴾ لِلّاغِينَ ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أمانٌ مِنّا لَكم بِأنْ نُقابِلَ لَغْوَكم بِمِثْلِهِ ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ لا نُرِيدُ مُخالَطَتَهم وصُحْبَتَهُمْ.

القصص 28:56

﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ لا تَقْدِرُ أنْ تُدْخِلَ في الإسْلامِ كُلَّ مَن أحْبَبْتَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مِن قَوْمِكَ وغَيْرِهِمْ ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ يَخْلُقُ فِعْلَ الِاهْتِداءِ فِيمَن يَشاءُ ﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ بِمَن يَخْتارُ الهِدايَةَ ويَقْبَلُها ويَتَّعِظُ بِالدَلائِلِ والآياتِ، قالَ الزَجّاجُ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها «نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ وذَلِكَ أنَّهُ قالَ عِنْدَ مَوْتِهِ يا مَعْشَرَ بَنِي هاشِمٍ صَدِّقُوا مُحَمَّدًا تُفْلِحُوا فَقالَ ﷺ يا عَمِّ تَأْمُرُهم بِالنَصِيحَةِ لِأنْفُسِهِمْ وتَدَعُها لِنَفْسِكَ! قالَ فَما (p-٦٥٠)تُرِيدُ يا بْنَ أخِي قالَ أُرِيدَ مِنكَ أنْ تَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ قالَ يابْنَ أخِي أنا قَدْ عَلِمْتُ أنَّكَ صادِقٌ ولَكِنِّي أكْرَهُ أنْ يُقالَ خَرِعَ عِنْدَ المَوْتِ ». وإنْ كانَتِ الصِيغَةُ عامَّةً، والآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ، لِأنَّهم يَقُولُونَ الهُدى هو البَيانُ قَدْ هَدى الناسَ أجْمَعَ ولَكِنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ فَدَلَّ أنَّ ما وراءَ البَيانِ ما يُسَمّى هِدايَةً وهو خَلْقُ الِاهْتِداءِ وإعْطاءُ التَوْفِيقِ والقُدْرَةِ.

القصص 28:57

﴿وَقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ قالَتْ قُرَيْشٌ نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّكَ عَلى الحَقِّ ولَكِنّا نَخافُ إنِ اتَّبَعْناكَ وخالَفْنا العَرَبَ بِذَلِكَ أنْ يَتَخَطَّفُونا مِن أرْضِنا فَألْقَمَهُمُ اللهُ الحَجَرَ بِأنَّهُ مَكَّنَ لَهم في الحَرَمِ الَّذِي آمَنَهُ بِحُرْمَةِ البَيْتِ وآمَنَ قَطّانَهُ بِحُرْمَتِهِ والثَمَراتُ تَجِيءُ إلَيْهِ مِن كُلِّ أوْبٍ وهم كَفَرَةٌ فَأنّى يَسْتَقِيمُ أنْ يُعَرِّضَهم لِلتَّخَطُّفِ ويَسْلُبَهُمُ الأمْنَ إذا ضَمُّوا إلى حُرْمَةِ البَيْتِ حُرْمَةَ الإسْلامِ ؟!وَإسْنادُ الأمْنِ إلى أهْلِ الحَرَمِ حَقِيقَةٌ وإلى الحَرَمِ مَجازٌ ﴿يُجْبى إلَيْهِ﴾ وبِالتاءِ مَدَنِيٌّ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ أيْ: تُجْلَبُ وتُجْمَعُ ﴿ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعْنى الكُلِّيَّةِ الكَثْرَةُ كَقَوْلِهِ ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] ﴿رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ هو مَصْدَرٌ، لِأنَّ مَعْنى "يُجْبى إلَيْهِ" يُرْزَقُ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ مِنَ الثَمَراتِ إنْ كانَ بِمَعْنى مَرْزُوقٍ لِتَخَصُّصِها بِالإضافَةِ كَما تُنْصَبُ عَنِ النَكِرَةِ المُتَخَصِّصَةِ بِالصِفَةِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمِن لَدُنّا أيْ: قَلِيلٌ مِنهم يُقِرُّونَ بِأنَّ ذَلِكَ رِزْقٌ مِن عِنْدِ اللهِ وأكْثَرُهم جَهَلَةٌ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولَوْ عَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ لَعَلِمُوا أنَّ الخَوْفَ والأمْنَ عِنْدَهُ ولَما خافُوا التَخَطُّفَ إذا آمَنُوا بِهِ (p-٦٥١)

القصص 28:58

﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ هَذا تَخْوِيفٌ لِأهْلِ مَكَّةَ مِن سُوءِ عاقِبَةِ قَوْمٍ كانُوا في مِثْلِ حالِهِمْ بِإنْعامِ اللهِ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَشْكُرُوا النِعْمَةَ وقابَلُوها بِالبَطَرِ فَأُهْلِكُوا وكَمْ نَصْبٌ بِأهْلَكْنا ومَعِيشَتَها بِحَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ أيْ: في مَعِيشَتِها والبَطَرُ سُوءُ احْتِمالِ الغِنى وهو أنْ لا يَحْفَظَ حَقَّ اللهِ فِيهِ ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ﴾ مَنازِلُهم باقِيَةَ الآثارِ يُشاهِدُونَها في الأسْفارِ كَبِلادِ ثَمُودَ وقَوْمِ شُعَيْبٍ وغَيْرِهِمْ ﴿لَمْ تُسْكَنْ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيها الإشارَةُ ﴿مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا﴾ مِنَ السُكْنى أيْ: لَمْ يَسْكُنْها إلّا المُسافِرُ ومارُّ الطَرِيقِ يَوْمًا أوْ ساعَةً ﴿وَكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ لِتِلْكَ المَساكِنِ مِن ساكِنِيها أيْ: لا يَمْلِكُ التَصَرُّفَ فِيها غَيْرُنا.

القصص 28:59

﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ في كُلِّ وقْتٍ ﴿حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها﴾ وبِكَسْرِ الهَمْزَةِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ أيْ: في القَرْيَةِ الَّتِي هي أُمُّها أيْ: أصْلُها ومُعْظَمُها ﴿رَسُولا﴾ لِإلْزامِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ أوْ وما كانَ في حُكْمِ اللهِ وسابِقِ قَضائِهِ أنْ يُهْلِكَ القُرى في الأرْضِ حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّ القُرى يَعْنِي: مَكَّةَ، لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها ﴿رَسُولا﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أيْ: وما أهْلَكْناهم لِلِانْتِقامِ إلّا وأهْلُها مُسْتَحِقُّونَ العَذابَ بِظُلْمِهِمْ وهو إصْرارُهم عَلى كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ بَعْدَ الإعْذارِ إلَيْهِمْ.

القصص 28:60

﴿وَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا وزِينَتُها﴾ وأيُّ شَيْءٍ أصَبْتُمُوهُ مِن أسْبابِ الدُنْيا فَما هو إلّا تَمَتُّعٌ وزِينَةٌ أيّامًا قَلائِلَ وهي مُدَّةُ الحَياةِ الفانِيَةِ ﴿وَما عِنْدَ اللهِ﴾ وهو ثَوابُهُ ﴿خَيْرٌ﴾ في نَفْسِهِ مِن ذَلِكَ ﴿وَأبْقى﴾، لِأنَّهُ دائِمٌ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ الباقِيَ خَيْرٌ مِنَ الفانِي وخَيَّرَ أبُو عَمْرٍو بَيْنَ الياءِ والتاءِ والباقُونَ (p-٦٥٢)بِالتاءِ لا غَيْرُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الدُنْيا وجَعَلَ أهْلَها ثَلاثَةَ أصْنافِ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ والكافِرُ فالمُؤْمِنُ يَتَزَوَّدُ والمُنافِقُ يَتَزَيَّنُ والكافِرُ يَتَمَتَّعُ ثُمَّ قَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ.

القصص 28:61

﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ أيِ الجَنَّةَ فَلا شَيْءَ أحْسَنُ مِنها لِأنَّها دائِمَةٌ ولِذا سُمِّيَتِ الجَنَّةُ بِالحُسْنى ﴿فَهُوَ لاقِيهِ﴾ أيْ: رائِيهِ ومُدْرِكُهُ ومُصِيبُهُ ﴿كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ أُحْضِرُوا النارَ ونَحْوُهُ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] نَزَلَتْ في رَسُولِ اللهِ ﷺ وأبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللهُ أوْ في عَلِيٍّ وحَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ أوْ في المُؤْمِنِ والكافِرِ ومَعْنى الفاءِ الأُولى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ التَفاوُتَ بَيْنَ مَتاعِ الحَياةِ الدُنْيا وما عِنْدَ اللهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ أفَمَن وعَدْناهُ أيْ: أبَعْدَ هَذا التَفاوُتِ الجَلِيِّ يُسَوِّي بَيْنَ أبْناءِ الدُنْيا وأبْناءِ الآخِرَةِ؟ والفاءُ الثانِيَةُ لِلتَّسْبِيبِ، لِأنَّ لِقاءَ المَوْعُودِ مُسَبِّبٌ عَنِ الوَعْدِ وثُمَّ لِتَراخِي حالِ الإحْضارِ عَنْ حالِ التَمَتُّعِ، "ثُمَّ هْوَ" عَلِيٌّ كَما قِيلَ عَضْدُ في عَضُدٍ شُبِّهَ المُنْفَصِلُ بِالمُتَّصِلِ.

القصص 28:62

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ يُنادِي اللهُ الكُفّارَ نِداءَ تَوْبِيخٍ وهو عَطْفٌ عَلى يَوْمَ القِيامَةِ أوْ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ ﴿فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ومَفْعُولا تَزْعُمُونَ مَحْذُوفانِ تَقْدِيرُهُ: كُنْتُمْ تَزْعُمُونَهم شُرَكائِي ويَجُوزُ حَذْفُ المَفْعُولَيْنِ في بابِ ظَنَنْتُ ولا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما.

القصص 28:63

﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيِ الشَياطِينُ أوْ أئِمَّةُ الكُفْرِ ومَعْنى حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ وجَبَ عَلَيْهِمْ مُقْتَضاهُ وثَبَتَ وهو قَوْلُهُ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ أيْ: دَعَوْناهم إلى الشِرْكِ وسَوَّلْنا لَهُمُ الغَيَّ صِفَةٌ والراجِعُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ والخَبَرُ ﴿أغْوَيْناهُمْ﴾ والكافُ في ﴿كَما غَوَيْنا﴾ صِفَةٌ مَصْدَرٍ (p-٦٥٣)مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أغْوَيْناهم فَغَوَوْا غَيًّا مِثْلَ ما غَوَيْنا يَعْنُونَ أنّا لَمْ نَغْوَ إلّا بِاخْتِيارِنا فَهَؤُلاءِ كَذَلِكَ غَوَوْا بِاخْتِيارِهِمْ، لِأنَّ إغْواءَنا لَهم لَمْ يَكُنْ إلّا وسْوَسَةً وتَسْوِيلًا فَلا فَرْقَ إذًا بَيْنَ غَيِّنا وغَيِّهِمْ وإنْ كانَ تَسْوِيلُنا داعِيًا لَهم إلى الكُفْرِ فَقَدْ كانَ في مُقابَلَتِهِ دُعاءُ اللهِ لَهم إلى الإيمانِ بِما وضَعَ فِيهِمْ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ وما بَعَثَ إلَيْهِمْ مِنَ الرُسُلِ وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الكُتُبِ وهو كَقَوْلِهِ ﴿وَقالَ الشَيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾ مِنهم ومِمّا اخْتارُوهُ مِنَ الكُفْرِ ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ بَلْ يَعْبُدُونَ أهْواءَهم ويُطِيعُونَ شَهَواتِهِمْ وإخْلاءُ الجُمْلَتَيْنِ مِنَ العاطِفِ لِكَوْنِهِما مُقَرِّرَتَيْنِ لِمَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى.

القصص 28:64

﴿وَقِيلَ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ أيِ الأصْنامَ لِتَخَلُّصِكم مِنَ العَذابِ ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ فَلَمْ يُجِيبُوهم ﴿وَرَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أيْ: لَمّا رَأوُا العَذابَ.

القصص 28:65

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْكم حَكى أوَّلًا ما يُوَبِّخُهم بِهِ مِنِ اتِّخاذِهِمْ لَهُ شُرَكاءَ ثُمَّ ما يَقُولُهُ الشَياطِينُ هُمُ الَّذِينَ اسْتَغْوَوْهم ثُمَّ ما يُشْبِهُ الشَماتَةَ بِهِمْ لِاسْتِغاثَتِهِمْ آلِهَتَهم وعَجْزِهِمْ عَنْ نُصْرَتِهِمْ ثُمَّ ما يُبَكَّتُونَ بِهِ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُسُلِ وإزاحَةِ العِلَلِ.

القصص 28:66

﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ خَفِيَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَجُ أوِ الأخْبارُ وقِيلَ خَفِيَ عَلَيْهِمُ الجَوابُ فَلَمْ يَدْرُوا بِماذا يُجِيبُونَ؟ إذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم جَوابٌ ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ العُذْرِ والحُجَّةِ رَجاءَ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عُذْرٌ وحُجَّةٌ، لِأنَّهم يَتَساوُونَ في العَجْزِ عَنِ الجَوابِ.

القصص 28:67

﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ مِنَ الشِرْكِ ﴿وَآمَنَ﴾ بِرَبِّهِ وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ (p-٦٥٤)﴿وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ أيْ: فَعَسى أنْ يُفْلِحَ عِنْدَ اللهِ وعَسى مِنَ الكِرامِ تَحْقِيقٌ وفِيهِ بِشارَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى الإسْلامِ وتَرْغِيبٌ لِلْكافِرِينَ عَلى الإيمانِ ونَزَلَ جَوابًا لِقَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ﴿لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يَعْنِي: نَفْسَهُ أوْ أبا مَسْعُودٍ ٍ.

القصص 28:68

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ وفِيهِ دَلالَةُ خَلْقِ الأفْعالِ ويُوقَفُ عَلى ﴿وَيَخْتارُ﴾ أيْ: ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ورَبُّكَ يَخْتارُ ما يَشاءُ ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهم أنْ يَخْتارُوا عَلى اللهِ شَيْئًا ما، ولَهُ الخِيَرَةُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُدْخِلِ العاطِفَ في ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾، لِأنَّهُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ويَخْتارُ إذِ المَعْنى: أنَّ الخِيَرَةَ لِلَّهِ وهو أعْلَمُ بِوُجُودِ الحِكْمَةِ في أفْعالِهِ فَلَيْسَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ أنْ يَخْتارَ عَلَيْهِ ومَن وصَلَ عَلى مَعْنى ويَخْتارُ الَّذِي لَهم فِيهِ الخِيَرَةَ فَقَدْ أبْعَدَ بَلْ "ما" لِنَفْيِ اخْتِيارِ الخَلْقِ تَقْدِيرًا لِاخْتِيارِ الحَقِّ ومَن قالَ ومَعْناهُ: ويَخْتارُ لِلْعِبادِ ما هو خَيْرٌ لَهم وأصْلَحُ فَهو مائِلٌ إلى الِاعْتِزالِ والخِيَرَةُ مِنَ التَخَيُّرِ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَصْدَرِ وهو التَخَيُّرُ وبِمَعْنى المُتَخَيَّرِ كَقَوْلِهِمْ: مُحَمَّدٌ خِيَرَةُ اللهِ مِن خَلْقِهِ ﴿سُبْحانَ اللهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيِ اللهُ بَرِيءٌ مِن إشْراكِهِمْ وهو مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ اخْتِيارٌ.

القصص 28:69

﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ﴾ تُضْمِرُ ﴿صُدُورُهُمْ﴾ مِن عَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وحَسَدِهِ ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ مِن مَطاعِنِهِمْ فِيهِ وقَوْلِهِمْ هَلّا اخْتِيرَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ في النُبُوَّةِ.

القصص 28:70

﴿وَهُوَ اللهُ﴾ وهو المُسْتَأْثِرُ بِالإلَهِيَّةِ المُخْتَصُّ بِها ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ كَقَوْلِكَ القِبْلَةُ الكَعْبَةُ لا قِبْلَةَ إلّا هي ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى﴾ الدُنْيا والآخِرَةِ، هو قَوْلُهُمُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] (p-٦٥٥)﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] والتَحْمِيدُ ثَمَّةَ عَلى وجْهِ اللَذَّةِ لا الكُلْفَةِ ﴿وَلَهُ الحُكْمُ﴾ القَضاءُ بَيْنَ عِبادِهِ ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بِالبَعْثِ والنُشُورِ وبِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ يَعْقُوبُ.

القصص 28:71

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ عَلِيٌّ ﴿إنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَيْلَ سَرْمَدًا﴾ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ أيْ: دائِمًا مِنَ السَرْدِ وهو المُتابَعَةُ ومِنهُ قَوْلُهم في الأشْهُرِ الحُرُمِ ثَلاثَةٌ سَرْدٌ وواحِدٌ فَرْدٌ والمِيمُ مَزِيدَةٌ ووَزْنُهُ فَعْمَلٌ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ والمَعْنى: أخْبِرُونِي مَن يَقْدِرُ عَلى هَذا؟

القصص 28:72

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ بِنَهارٍ تَتَصَرَّفُونَ فِيهِ كَما قالَ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ بَلْ ذَكَرَ الضِياءَ وهو ضَوْءُ الشَمْسِ، لِأنَّ المَنافِعَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِ مُتَكاثِرَةً لَيْسَ التَصَرُّفُ في المَعاشِ وحْدَهُ، والظَلامُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ ومِن ثَمَّ قَرَنَ بِالضِياءِ أفَلا تَسْمَعُونَ، لِأنَّ السَمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن ذِكْرِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ وقَرَنَ بِاللَيْلِ أفَلا تُبْصِرُونَ، لِأنَّ غَيْرَكَ يُبْصِرُ مِن مَنفَعَةِ الظَلامِ ما تُبْصِرُهُ مِنَ السُكُونِ ونَحْوِهِ.

القصص 28:73

﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: لِتَسْكُنُوا بِاللَيْلِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ في النَهارِ فَيَكُونُ مِن بابِ اللَفِّ والنَشْرِ ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ اللهَ عَلى نِعَمِهِ وقالَ الزَجّاجُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: لِتَسْكُنُوا فِيهِما ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ فِيهِما ويَكُونُ المَعْنى: جَعَلَ لَكُمُ الزَمانَ لَيْلًا ونَهارًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ فِيهِ (p-٦٥٦)

القصص 28:74

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كَرَّرَ التَوْبِيخَ لِاتِّخاذِ الشُرَكاءِ لِيُؤْذِنَ أنْ لا شَيْءَ أجْلَبُ لِغَضَبِ اللهِ مِنَ الإشْراكِ بِهِ كَما لا شَيْءَ أدْخَلُ في مَرْضاتِهِ مِن تَوْحِيدِهِ.

القصص 28:75

﴿وَنَـزَعْنا﴾ وأخْرَجْنا ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ يَعْنِي: نَبِيَّهم، لِأنَّ الأنْبِياءَ لِلْأُمَمِ شُهَداءُ عَلَيْهِمْ يَشْهَدُونَ بِما كانُوا عَلَيْهِ ﴿فَقُلْنا﴾ لِلْأُمَمِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ فِيما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِرْكِ ومُخالَفَةِ الرُسُلِ ﴿فَعَلِمُوا﴾ حِينَئِذٍ ﴿أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ التَوْحِيدَ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ وغابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَيْءِ الضائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أُلُوهِيَّةِ غَيْرِ اللهِ والشَفاعَةِ لَهُمْ.

القصص 28:76

﴿إنَّ قارُونَ﴾ لا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ ولَوْ كانَ فاعُولا مِنَ قَرَنْتُ الشَيْءَ لانْصَرَفَ ﴿كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ كانَ إسْرائِيلِيًّا ابْنَ عَمٍّ لِمُوسى فَهو قارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ ومُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ قاهِثَ وكانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ وكانَ أقْرَأ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ ولَكِنَّهُ نافَقَ كَما نافَقَ السامِرِيُّ ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ مِنَ البَغْيِ وهو الظُلْمُ قِيلَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَظَلَمَهم أوْ مِنَ البَغْيِ الكِبْرِ تَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ بِكَثْرَةِ مالِهِ ووَلَدِهِ أوْ زادَ عَلَيْهِمْ في الثِيابِ شِبْرًا ﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ ما بِمَعْنى الَّذِي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآتَيْنا وأنَّ واسْمُها وخَبَرُها صِلَةُ الَّذِي ولِهَذا كُسِرَتْ إنَّ، والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ أوْ مَفْتَحٍ بِالفَتْحِ وهو الخِزانَةُ والأصْوَبُ أنَّها المَقالِيدُ ﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ لِتُثْقِلَ العُصْبَةَ فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ يُقالُ ناءَ بِهِ الحِمْلُ إذا أثْقَلَهُ حَتّى أمالَهُ والعُصْبَةُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ وكانَ يَحْمِلُ مَفاتِيحَ خَزائِنِهِ سِتُّونَ بَغْلًا لِكُلِّ خِزانَةٍ مِفْتاحٌ ولا يَزِيدُ المِفْتاحُ عَلى أُصْبُعٍ وكانَتْ مِن جُلُودِ ﴿أُولِي القُوَّةِ﴾ الشِدَّةِ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ وقِيلَ القائِلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ (p-٦٥٧)وَمَحَلُّ إذْ نَصْبٌ بِتَنُوءُ ﴿لا تَفْرَحْ﴾ لا تَبْطَرْ بِكَثْرَةِ المالِ كَقَوْلِهِ ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] ولا يَفْرَحُ بِالدُنْيا إلّا مَن رَضِيَ بِها واطْمَأنَّ وأمّا مَن قَلْبُهُ إلى الآخِرَةِ ويَعْلَمُ أنَّهُ يَتْرُكُها عَنْ قَرِيبٍ فَلا يَفْرَحُ بِها ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ البَطِرِينَ بِالمالِ.

القصص 28:77

﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ﴾ مِنَ الغِنى والثَرْوَةِ ﴿الدارَ الآخِرَةَ﴾ بِأنْ تَتَصَدَّقَ عَلى الفُقَراءِ وتَصِلَ الرَحِمَ وتَصْرِفَ إلى أبْوابِ الخَيْرِ ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُنْيا﴾ وهو أنْ تَأْخُذَ ما يَكْفِيكَ ويُصْلِحُكَ وقِيلَ مَعْناهُ: واطْلُبْ بِدُنْياكَ آخِرَتَكَ فَإنَّ ذَلِكَ حَظُّ المُؤْمِنِ مِنها ﴿وَأحْسِنْ﴾ إلى عِبادِ اللهِ ﴿كَما أحْسَنَ اللهُ إلَيْكَ﴾ أوْ أحْسِنْ بِشُكْرِكَ وطاعَتِكَ لِخالِقِ الأنامِ كَما أحْسَنَ إلَيْكَ بِالإنْعامِ ﴿وَلا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ بِالظُلْمِ والبَغْيِ ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾

القصص 28:78

﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ﴾ أيِ المالَ ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أيْ: عَلى اسْتِحْقاقٍ لِما فِيَّ مِنَ العِلْمِ الَّذِي فَضَلْتُ بِهِ الناسَ وهو عِلْمُ التَوْراةِ أوْ عِلْمُ الكِيمْياءِ وكانَ يَأْخُذُ الرَصاصَ والنُحاسَ فَيَجْعَلُهُما ذَهَبًا أوِ العِلْمُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ مِنَ التِجارَةِ والزِراعَةِ، و"عِنْدِي" صِفَةٌ لِعِلْمٍ، قالَ سَهْلٌ ما نَظَرَ أحَدٌ إلى نَفْسِهِ فَأفْلَحَ والسَعِيدُ مَن صُرِفَ بَصَرُهُ عَنْ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وفُتِحَ لَهُ سَبِيلُ رُؤْيَةِ مِنَّةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ في جَمِيعِ الأفْعالِ والأقْوالِ والشَقِيُّ مَن زَيَّنَ في عَيْنِهِ أفْعالَهُ وأقْوالَهُ وأحْوالَهُ فافْتَخَرَ بِها وادَّعاها لِنَفْسِهِ فَشُؤْمُهُ يُهْلِكُهُ يَوْمًا كَما خُسِفَ بِقارُونَ لَمّا ادَّعى لِنَفْسِهِ فَضْلًا ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ قارُونُ ﴿أنَّ اللهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً﴾ هو إثْباتٌ لِعِلْمِهِ بِأنَّ اللهَ قَدْ أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ قَبْلَهُ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى، لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَوْراةِ كَأنَّهُ قِيلَ أوْ لَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ (p-٦٥٨)وَقُوَّتِهِ أوْ نَفْيٌ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ أُوتِيَتْهُ عَلى عِلْمِ عِنْدِي قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ ورَأى نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النافِعَ حَتّى يَقِيَ بِهِ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ ﴿وَأكْثَرُ جَمْعًا﴾ لِلْمالِ أوْ أكْثَرُ جَماعَةً وعَدَدًا ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ لِعِلْمِهِ تَعالى بِهِمْ بَلْ يَدْخُلُونَ النارَ بِغَيْرِ حِسابٍ أوْ يَعْتَرِفُونَ بِها بِغَيْرِ سُؤالٍ أوْ يُعْرَفُونَ بِسِيماهم فَلا يُسْألُونَ أوْ لا يُسْألُونَ لِتَعَلُّمٍ مِن جِهَتِهِمْ بَلْ يُسْألُونَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ أوْ لا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِ الماضِينَ المُجْرِمُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.

القصص 28:79

﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ في الحُمْرَةِ والصُفْرَةِ وقِيلَ خَرَجَ يَوْمَ السَبْتِ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها الأُرْجُوانُ وعَلَيْها سُرُجٌ مِن ذَهَبٍ ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافٍ عَلى زِيِّهِ وقِيلَ عَلَيْهِمْ وعَلى خُيُولِهِمُ الدَيْباجُ الأحْمَرُ، وعَنْ يَمِينِهِ ثَلَثُمِائَةِ غُلامٍ، وعَنْ يَسارِهِ ثَلَثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِنَّ الحُلِيُّ والدَيْباجُ و"فِي زِينَتِهِ" حالٌ مِن فاعِلِ خَرَجَ أيْ: مُتَزَيِّنًا ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُنْيا﴾ قِيلَ كانُوا مُسْلِمِينَ وإنَّما تَمَنَّوْا عَلى سَبِيلِ الرَغْبَةِ في اليَسارِ كَعادَةِ البَشَرِ وقِيلَ كانُوا كُفّارًا ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ قالُوهُ غِبْطَةً والغابِطُ هو الَّذِي يَتَمَنّى مِثْلَ نِعْمَةِ صاحِبِهِ مِن غَيْرِ أنْ تَزُولَ عَنْهُ كَهَذِهِ الآيَةِ والحاسِدُ هو الَّذِي يَتَمَنّى أنْ تَكُونَ نِعْمَةُ صاحِبِهِ لَهُ دُونَهُ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] «وَقِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ هَلْ تَضُرُّ الغِبْطَةُ قالَ لا إلّا كَما يَضُرُّ العِضاةَ الخَبَطُ »﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ الحَظُّ الجَدُّ وهو البَخْتُ والدَوْلَةُ.

القصص 28:80

﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ بِالثَوابِ والعِقابِ وفَناءِ الدُنْيا وبَقاءِ (p-٦٥٩)العُقْبى لِغابِطِي قارُونَ ﴿وَيْلَكُمْ﴾ أصْلُ ويْلَكَ الدُعاءُ بِالهَلاكِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الزَجْرِ والرَدْعِ والبَعْثِ عَلى تَرْكِ ما لا يُرْضى وفي التِبْيانِ في إعْرابِ القُرْآنِ" هو مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٌ أيْ: ألْزَمَكُمُ اللهُ "وَيْلَكُمْ" ﴿ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: لا يُلَقَّنُ هَذِهِ الكَلِمَةَ وهي ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ ﴿إلا الصابِرُونَ﴾ عَلى الطاعاتِ، وعَنِ الشَهَواتِ وزِينَةِ الدُنْيا وعَلى ما قَسَمَ اللهُ مِنَ القَلِيلِ عَنِ الكَثِيرِ.

القصص 28:81

﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ كانَ قارُونُ يُؤْذِي مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ كُلَّ وقْتٍ وهو يُدارِيهِ لِلْقَرابَةِ الَّتِي بَيْنَهُما حَتّى نَزَلَتِ الزَكاةُ فَصالَحَهُ عَنْ كُلِّ ألْفِ دِينارٍ عَلى دِينارٍ، وعَنْ كُلِّ ألْفِ دِرْهَمٍ عَلى دِرْهَمٍ فَحَسَبَهُ فاسْتَكْثَرَهُ فَشَحَّتْ بِهِ نَفْسُهُ فَجَمَعَ بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْخُذَ أمَوالَكم فَقالُوا أنْتَ كَبِيرُنا فَمُرْ بِما شِئْتَ قالَ: نُبَرْطِلُ فُلانَةَ البَغِيَّ حَتّى تَرْمِيهِ بِنَفْسِها فَتَرْفُضَهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَجَعَلَ لَها ألْفَ دِينارٍ أوْ طَسْتًا مِن ذَهَبٍ أوْ حُكْمَها، فَلَمّا كانَ يَوْمُ عِيدٍ قامَ مُوسى فَقالَ يا بَنِي إسْرائِيلَ مَن سَرَقَ قَطَعْناهُ ومَنِ افْتَرى جَلَدْناهُ ومَن زَنى وهو غَيْرُ مُحْصَنٍ جَلَدْناهُ وإنْ أحْصَنَ رَجَمْناهُ فَقالَ قارُونُ وإنْ كُنْتَ أنْتَ قالَ وإنْ كُنْتُ أنا قالَ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَزْعُمُونَ أنَّكَ فَجَرْتَ بِفُلانَةٍ فَأُحْضِرَتْ فَناشَدَها بِالَّذِي فَلَقَ البَحْرَ وأنْزَلَ التَوْراةَ أنَّ تَصْدُقَ فَقالَتْ جَعَلَ لِي قارُونُ جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي وقالَ يا رَبِّ إنْ كُنْتُ رَسُولَكَ فاغْضَبْ لِي فَأوْحى اللهُ إلَيْهِ أنْ مُرِ الأرْضَ بِما شِئْتَ فَإنَّها مُطِيعَةٌ لَكَ فَقالَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنَّ اللهَ بَعَثَنِي إلى قارُونَ كَما بَعَثَنِي إلى فِرْعَوْنَ فَمَن كانَ مَعَهُ فَلْيَلْزَمْ مَكانَهُ ومَن كانَ مَعِي فَلْيَعْتَزِلْ فاعْتَزَلُوا جَمِيعًا غَيْرَ رَجُلَيْنِ ثُمَّ قالَ يا أرْضُ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الرُكَبِ ثُمَّ قالَ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الأوْساطِ ثُمَّ قالَ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الأعْناقِ وقارُونُ وأصْحابُهُ يَتَضَرَّعُونَ إلى مُوسى ويُناشِدُونَهُ بِاللهِ والرَحِمِ ومُوسى لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ ثُمَّ قالَ (p-٦٦٠)خُذِيهِمْ فانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَقالَ اللهُ تَعالى اسْتَغاثَ بِكَ مِرارًا فَلَمْ تَرْحَمْهُ فَوَعِزَّتِي لَوِ اسْتَرْحَمَنِي مَرَّةً لَرَحِمْتُهُ فَقالَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ إنَّما أهْلَكَهُ لِيَرِثَ مالَهُ فَدَعا اللهُ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ﴾ جَماعَةٌ ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ﴾ يَمْنَعُونَهُ مِن عَذابِ اللهِ ﴿وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ مِنَ المُنْتَقِمِينَ مِن مُوسى أوْ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِن عَذابِ اللهِ يُقالُ نَصَرَهُ مِن عَدُوِّهُ فانْتَصَرَ أيْ: مَنَعَهُ مِنهُ فامْتَنَعَ.

القصص 28:82

﴿وَأصْبَحَ﴾ وصارَ ﴿الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ﴾ مَنزِلَتَهُ مِنَ الدُنْيا ﴿بِالأمْسِ﴾ ظَرْفٌ لِتَمَنَّوْا ولَمْ يُرِدْ بِهِ اليَوْمَ الَّذِي قَبِلَ يَوْمِكَ ولَكِنِ الوَقْتَ القَرِيبَ اسْتِعارَةً ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ ويْ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ كَأنَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ قالَ سِيبَوَيْهِ ويْ كَلِمَةٌ تَنْبِيهٍ عَلى الخَطَأِ وتَنَدُّمٍ يَسْتَعْمِلُها النادِمُ بِإظْهارِ نَدامَتِهِ يَعْنِي: أنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا عَلى خَطَئِهِمْ في تَمَنِّيهِمْ وقَوْلِهِمْ ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ [القصص: ٧٩] وتَنَدَّمُوا ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ بِصَرْفِ ما كُنّا نَتَمَنّاهُ بِالأمْسِ ﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ وبِفَتْحَتَيْنِ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ وفِيهِ ضَمِيرُ اللهِ تَعالى ﴿وَيْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ أيْ: تَنَدَّمُوا ثُمَّ قالُوا كَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ.

القصص 28:83

﴿تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ﴾ تِلْكَ تَعْظِيمٌ لَها وتَفْخِيمٌ لِشَأْنِها يَعْنِي: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِذِكْرِها وبَلَغَكَ وصْفُها وقَوْلُهُ ﴿نَجْعَلُها﴾ خَبَرُ تِلْكَ والدارُ نَعْتُها ﴿لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ بَغْيًا ابْنُ جُبَيْرٍ أوْ ظُلْمًا (p-٦٦١)الضَحّاكُ ﴿وَلا فَسادًا﴾ عَمَلًا بِالمَعاصِي أوْ قَتْلَ النَفْسِ أوْ دُعاءً إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللهِ ولَمْ يُعَلِّقِ المَوْعِدَ بِتَرْكِ العُلُوِّ والفَسادِ ولَكِنْ بِتَرْكِ إرادَتِهِما ومَيْلِ القُلُوبِ إلَيْهِما كَما قالَ ﴿وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] فَعَلَّقَ الوَعِيدَ بِالرُكُونِ، وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - إنِ الرَجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها، وعَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ قَرَأها ثُمَّ قالَ ذَهَبَتِ الأمانِيُّ هَهُنا، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها حَتّى قُبِضَ وقالَ بَعْضُهم حَقِيقَتُهُ التَنْفِيرُ عَنْ مُتابَعَةِ فِرْعَوْنَ وقارُونَ مُتَشَبِّثًا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] ﴿وَلا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ [القصص: ٧٧] ﴿والعاقِبَةُ﴾ المَحْمُودَةُ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾

القصص 28:84

﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ مَرَّ في النَمْلِ ﴿وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ﴾ مَعْناهُ: فَلا يُجْزَوْنَ فَوَضَعَ الَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ مَوْضِعَ الضَمِيرِ، لِأنَّ في إسْنادِ عَمَلِ السَيِّئَةِ إلَيْهِمْ مُكَرَّرًا فَضْلَ تَهْجِينٍ بِحالِهِمْ وزِيادَةَ تَبْغِيضٍ لِلسَّيِّئَةِ إلى قُلُوبِ السامِعِينَ ﴿إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ومِن فَضْلِهِ العَظِيمِ أنْ لا يَجْزِيَ السَيِّئَةَ إلّا بِمِثْلِها ويَجْزِي الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها وبِسَبْعِمِائَ.

القصص 28:85

﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ أوْجَبَ عَلَيْكَ تِلاوَتَهُ وتَبْلِيغَهُ والعَمَلَ بِما فِيهِ ﴿لَرادُّكَ﴾ بَعْدَ المَوْتِ ﴿إلى مَعادٍ﴾ أيِّ مَعادٍ و"إلى مَعادٍ" لَيْسَ لِغَيْرِكَ مِنَ البَشَرِ فَلِذا نَكَّرَهُ أوِ المُرادُ بِهِ مَكَّةُ والمُرادُ رَدُّهُ إلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، لِأنَّها كانَتْ في ذَلِكَ اليَوْمِ مَعادًا لَهُ شَأْنٌ ومَرْجِعًا لَهُ اعْتِدادٌ لِغَلَبَةِ رَسُولِ اللهِ وقَهْرِهِ لِأهْلِها ولِظُهُورِ عِزِّ الإسْلامِ وأهْلِهِ وذُلِّ الشِرْكِ وحِزْبِهِ والسُورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالجَحْفَةِ لا بِمَكَّةَ ولا بِالمَدِينَةِ حِينَ اشْتاقَ إلى مَوْلِدِهِ (p-٦٦٢)وَمَوْلِدُ آبائِهِ ولَمّا وعَدَ رَسُولَهُ الرَدَّ إلى مَعادٍ قالَ ﴿قُلْ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى﴾ يَعْنِي: نَفْسَهُ وما لَهُ مِنَ الثَوابِ في مَعادٍ ﴿وَمَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ وما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ في مَعادِهِمْ "مَن" في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: يَعْلَمُ.

القصص 28:86

﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى﴾ يُوحى ﴿إلَيْكَ الكِتابُ﴾ القُرْآنُ ﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى: أيْ: وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ أوْ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ لِلِاسْتِدْراكِ أيْ: ولَكِنْ لِرَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ مُعِينًا لَهم عَلى دِينِهِمْ.

القصص 28:87

﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ﴾ هو عَلى الجَمْعِ أيْ: لا يَمْنَعَنَّكَ هَؤُلاءِ عَنِ العَمَلِ بِآياتِ اللهِ أيِ القُرْآنِ ﴿بَعْدَ إذْ أُنْـزِلَتْ إلَيْكَ﴾ الآياتُ أيْ: بَعْدَ وقْتِ إنْزالِهِ وإذْ يُضافُ إلَيْهِ أسْماءُ الزَمانِ كَقَوْلِكَ حِينَئِذٍ ويَوْمَئِذٍ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ إلى تَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

القصص 28:88

﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما – الخِطابُ في الظاهِرِ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أهْلُ دِينِهِ ولِأنَّ العِصْمَةَ لا تَمْنَعُ النَهْيَ، والوَقْفُ عَلى "آخَرَ" لازِمٌ، لِأنَّهُ لَوْ وصَلَ لَصارَ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ صِفَةً لِإلَهًا آخَرَ وفِيهِ مِنَ الفَسادِ ما فِيهِ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ أيْ: إلّا إيّاهُ فالوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الذاتِ وقالَ مُجاهِدٌ يَعْنِي: عِلْمَ العُلَماءِ إذا أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللهِ ﴿لَهُ الحُكْمُ﴾ القَضاءُ في خَلْقِهِ ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وبِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ يَعْقُوبُ واللهُ أعْلَمُ.

العنكبوت 29:1

(p-٦٦٣)سُورَةُ العَنْكَبُوتِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وسِتُّونَ آيَةً بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ الناسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ الحِسْبانُ: قُوَّةُ أحَدِ النَقِيضَيْنِ عَلى الآخَرِ كالظَنِّ بِخِلافِ الشَكِّ فَهو الوُقُوفُ بَيْنَهُما والعِلْمُ فَهو القَطْعُ عَلى أحَدِهِما ولا يَصِحُّ تَعْلِيقِهِما لِمَعانِي المُفْرَداتِ ولَكِنْ بِمَضامِينِ الجُمَلِ فَلَوْ قُلْتَ حَسِبْتُ زَيْدًا وظَنَنْتُ الفَرَسَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا حَتّى تَقُولَ حَسِبْتُ زَيْدًا عالِمًا وظَنَنْتُ الفَرَسَ جَوادًا، لِأنَّ قَوْلَكَ زَيْدٌ عالِمٌ والفَرَسٌ جَوادٌ كَلامٌ دالٌّ عَلى مَضْمُونٍ فَإذا أرَدْتَ الإخْبارَ عَنِ ذَلِكَ المَضْمُونِ ثابِتًا عِنْدَكَ عَلى وجْهِ الظَنِّ لا اليَقِينِ أدْخَلْتَ عَلى شَطْرَيِ الجُمْلَةِ فِعْلَ الحِسْبانِ حَتّى يَتِمَّ لَكَ غَرَضَكَ والكَلامُ الدالُّ عَلى المَضْمُونِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الحِسْبانُ هُنا ﴿أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ وذَلِكَ أنَّ تَقْدِيرَهُ أحَسِبُوا تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونَيْنِ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا، فالتَرْكُ أوَّلُ مَفْعُولَيْ حَسِبَ ولِقَوْلِهِمْ آمَنّا هو الخَبَرُ وأمّا غَيْرَ مَفْتُونِينَ فَتَتِمَّةُ التَرْكِ، لِأنَّهُ مِنَ التَرْكِ الَّذِي هو بِمَعْنى التَصْيِيرِ كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ ؎ فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِباعِ يَنُشْنَهُ (p-٦٦٤)ألا تَرى أنَّكَ قَبْلَ المَجِيءِ بالحِسْبانِ تَقْدِرُ أنْ تَقُولَ: تَرْكُهم غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا عَلى تَقْدِيرِ "حاصِلٌ ومُسْتَقِرٌّ" قَبْلَ اللامِ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ والفِتْنَةُ الِامْتِحانُ بِشَدائِدِ التَكْلِيفِ مِن مُفارَقَةِ الأوْطانِ ومُجاهَدَةِ الأعْداءِ وسائِرِ الطاعاتِ الشاقَّةِ وهَجْرِ الشَهَواتِ وبِالفَقْرِ والقَحْطِ وأنْواعِ المَصائِبِ في الأنْفُسِ والأمْوالِ ومُصابَرَةِ الكُفّارِ عَلى أذاهم وكَيْدِهِمْ، ورُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَدْ جَزِعُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ أوْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وكانَ يُعَذَّبُ في اللهِ.

العنكبوت 29:2

(p-٦٦٣)سُورَةُ العَنْكَبُوتِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وسِتُّونَ آيَةً بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ الناسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ الحِسْبانُ: قُوَّةُ أحَدِ النَقِيضَيْنِ عَلى الآخَرِ كالظَنِّ بِخِلافِ الشَكِّ فَهو الوُقُوفُ بَيْنَهُما والعِلْمُ فَهو القَطْعُ عَلى أحَدِهِما ولا يَصِحُّ تَعْلِيقِهِما لِمَعانِي المُفْرَداتِ ولَكِنْ بِمَضامِينِ الجُمَلِ فَلَوْ قُلْتَ حَسِبْتُ زَيْدًا وظَنَنْتُ الفَرَسَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا حَتّى تَقُولَ حَسِبْتُ زَيْدًا عالِمًا وظَنَنْتُ الفَرَسَ جَوادًا، لِأنَّ قَوْلَكَ زَيْدٌ عالِمٌ والفَرَسٌ جَوادٌ كَلامٌ دالٌّ عَلى مَضْمُونٍ فَإذا أرَدْتَ الإخْبارَ عَنِ ذَلِكَ المَضْمُونِ ثابِتًا عِنْدَكَ عَلى وجْهِ الظَنِّ لا اليَقِينِ أدْخَلْتَ عَلى شَطْرَيِ الجُمْلَةِ فِعْلَ الحِسْبانِ حَتّى يَتِمَّ لَكَ غَرَضَكَ والكَلامُ الدالُّ عَلى المَضْمُونِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الحِسْبانُ هُنا ﴿أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ وذَلِكَ أنَّ تَقْدِيرَهُ أحَسِبُوا تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونَيْنِ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا، فالتَرْكُ أوَّلُ مَفْعُولَيْ حَسِبَ ولِقَوْلِهِمْ آمَنّا هو الخَبَرُ وأمّا غَيْرَ مَفْتُونِينَ فَتَتِمَّةُ التَرْكِ، لِأنَّهُ مِنَ التَرْكِ الَّذِي هو بِمَعْنى التَصْيِيرِ كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ ؎ فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِباعِ يَنُشْنَهُ (p-٦٦٤)ألا تَرى أنَّكَ قَبْلَ المَجِيءِ بالحِسْبانِ تَقْدِرُ أنْ تَقُولَ: تَرْكُهم غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا عَلى تَقْدِيرِ "حاصِلٌ ومُسْتَقِرٌّ" قَبْلَ اللامِ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ والفِتْنَةُ الِامْتِحانُ بِشَدائِدِ التَكْلِيفِ مِن مُفارَقَةِ الأوْطانِ ومُجاهَدَةِ الأعْداءِ وسائِرِ الطاعاتِ الشاقَّةِ وهَجْرِ الشَهَواتِ وبِالفَقْرِ والقَحْطِ وأنْواعِ المَصائِبِ في الأنْفُسِ والأمْوالِ ومُصابَرَةِ الكُفّارِ عَلى أذاهم وكَيْدِهِمْ، ورُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَدْ جَزِعُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ أوْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وكانَ يُعَذَّبُ في اللهِ.

العنكبوت 29:3

﴿وَلَقَدْ فَتَنّا﴾ اخْتَبَرْنا وهو مَوْصُولٌ بِأحَسِبَ أوْ بِلا يُفْتَنُونَ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ بِأنْواعِ الفِتَنِ فَمِنهم مَن يُوضَعُ المِنشارُ عَلى رَأْسِهِ فَيُفْرَقُ فِرْقَتَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ومِنهم مَن يُمَشَّطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ﴾ بِالِامْتِحانِ ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الإيمانِ ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ فِيهِ، ومَعْنى عِلْمِهِ تَعالى وهو عالِمٌ بِذَلِكَ فِيما لَمْ يَزَلْ أنْ يَعْلَمَهُ مَوْجُودًا عِنْدَ وُجُودِهِ كَما عَلِمَهُ قَبْلَ وُجُودِهِ أنَّهُ يُوجَدُ والمَعْنى: ولِيَتَمَيَّزَنَّ الصادِقُ مِنهم مِنَ الكاذِبِ قالَ ابْنُ عَطاءٍ يَتَبَيَّنُ صِدْقَ العَبْدِ مِن كَذِبِهِ في أوْقاتِ الرَخاءِ والبَلاءِ فَمَن شَكَرَ في أيّامِ الرَخاءِ وصَبَرَ في أيّامِ البَلاءِ فَهو مِنَ الصادِقِينَ ومَن بَطَرَ في أيّامِ الرَخاءِ وجَزِعَ في أيّامِ البَلاءِ فَهو مِنَ الكاذِبِينَ.

العنكبوت 29:4

﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ أنْ﴾ أيِ الشِرْكَ والمَعاصِيَ ﴿أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا يَعْنِي: أنَّ الجَزاءَ يَلْحَقُهم لا مَحالَةَ واشْتِمالُ صِلَةِ "أنْ" عَلى مُسْنَدٍ ومُسْنَدٍ إلَيْهِ سَدَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ حَسِبَ مَعْنى قَدَّرَ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الإضْرابِ فِيها أنَّ هَذا الحِسْبانَ أبْطَلُ مِنَ الحِسْبانِ الأوَّلِ، لِأنَّ ذَلِكَ يُقَدِّرُ أنَّهُ لا يُمْتَحَنُ لِإيمانِهِ وهَذا يَظُنُّ أنَّهُ لا يُجازى بِمَساوِيهِ وقالُوا الأوَّلُ في المُؤْمِنِينَ وهَذا في الكافِرِينَ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى (p-٦٦٥)مَعْنى ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم أوْ نَصْبٌ عَلى مَعْنى ساءَ حُكْمًا يَحْكُمُونَ والمَخْصُوصُ بِالذَمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: بِئْسَ حُكْمًا يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهُمْ.

العنكبوت 29:5

﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللهِ﴾ أيْ: يَأْمُلُ ثَوابَهُ أوْ يَخافُ حِسابَهُ فالرَجاءُ يَحْتَمِلُهُما ﴿فَإنَّ أجَلَ اللهِ﴾ المَضْرُوبَ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿لآتٍ﴾ لا مَحالَةَ فَلْيُبادِرْ لِلْعَمَلِ الصالِحِ الَّذِي يُصَدِّقُ رَجاءَهُ ويُحَقِّقُ أمَلَهُ ﴿وَهُوَ السَمِيعُ﴾ لِما يَقُولُهُ عِبادُهُ ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يَفْعَلُونَهُ فَلا يَفُوتُهُ شَيْءٌ ما، وقالَ الزَجّاجُ مَن لِلشَّرْطِ ويَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ وجَوابُ الشَرْطِ فَإنَّ أجَلَ اللهِ لَآتٍ كَقَوْلِكَ إنْ كانَ زَيْدٌ في الدارِ فَقَدْ صَدَقَ الوَعْدَ.

العنكبوت 29:6

﴿وَمَن جاهَدَ﴾ نَفْسَهُ بِالصَبْرِ عَلى طاعَةِ اللهِ أوِ الشَيْطانِ بِدَفْعِ وساوِسِهِ أوِ الكُفّارِ ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾، لِأنَّ مَنفَعَةَ ذَلِكَ تَرْجِعُ إلَيْها ﴿إنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ وعَنْ طاعَتِهِمْ ومُجاهَدَتِهِمْ وإنَّما أمَرَ ونَهى رَحْمَةً لِعِبادِهِ.

العنكبوت 29:7

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ الشِرْكَ والمَعاصِيَ بِالإيمانِ والتَوْبَةِ ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ في الإسْلامِ.

العنكبوت 29:8

﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ وصّى حُكْمُهُ حُكْمُ أمَرَ في مَعْناهُ وتَصَرُّفِهِ، يُقالُ: وصَّيْتُ زَيْدًا بِأنْ يَفْعَلَ خَيْرًا كَما تَقُولُ أمَرْتُهُ بِأنْ يَفْعَلَ ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢] أيْ: وصّاهم بِكَلِمَةِ التَوْحِيدِ وأمَرَهم بِها وقَوْلُكَ وصَّيْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو مَعْناهُ: وصَّيْتُهُ بِتَعَهُّدِ عَمْرٍوِ ومُراعاتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ ووَصَّيْناهُ بِإيتاءِ والِدَيْهِ حُسْنًا أوْ بِإيلاءِ والِدَيْهِ حُسْنًا أيْ: فِعْلًا ذا حُسْنٍ أوْ ما هو في ذاتِهِ حَسَنٌ لِفَرْطِ حُسْنِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ حُسْنًا مِن بابِ قَوْلِكَ زَيْدًا بِإضْمارِ (p-٦٦٦)اضْرِبْ إذا رَأيْتَهُ مُتَهَيِّئًا لِلضَّرْبِ، فَتَنْصِبُهُ بِإضْمارِ: أوْلِهِما أوْ أعْطِهِما أوِ افْعَلْ بِهِما حُسْنًا، لِأنَّ التَوْصِيَةَ بِهِما دالَّةٌ عَلَيْهِ وما بَعْدَهُ مُطابِقٌ لَهُ كَأنَّهُ قالَ قُلْنا أوْلِهِما مَعْرُوفًا ولا تُطِعْهُما في الشِرْكِ إذا حَمَلاكَ عَلَيْهِ وعَلى هَذا التَفْسِيرَ إنْ وُقِفَ عَلى ﴿بِوالِدَيْهِ﴾ وابْتُدِئَ ﴿حُسْنًا﴾ حَسُنَ الوَقْفُ، وعَلى التَفْسِيرِ الأوَّلِ لابُدَّ مِن إضْمارِ القَوْلِ مَعْناهُ: وقُلْنا ﴿وَإنْ جاهَداكَ﴾ أيُّها الإنْسانُ ﴿لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا عِلْمَ بِإلَهِيَّتِهِ والمُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ كَأنَّهُ قالَ لِتُشْرِكَ بِي شَيْئًا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلَهًا ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ فَلا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ مَرْجِعُ مَن آمَنَ مِنكم ومَن أشْرَكَ ﴿فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَأُجازِيكم حَقَّ جَزائِكم وفي ذِكْرِ المَرْجِعِ والوَعِيدِ تَحْذِيرٌ مِن مُتابَعَتِهِما عَلى الشِرْكِ وحَثٌّ عَلى الثَباتِ والِاسْتِقامَةِ في الدِينِ رُوِيَ: «أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ لَمّا أسْلَمُ نَذَرَتْ أُمُّهُ أنْ لا تَأْكُلَ ولا تَشْرَبَ حَتّى يَرْتَدَّ فَشَكا إلى النَبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ » والَّتِي في لُقْمانَ والَّتِي في الأحْقافِ.

العنكبوت 29:9

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ هو مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصالِحِينَ﴾ في جُمْلَتِهِمْ والصَلاحُ مِن أبْلَغِ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ وهو مُتَمَنّى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] أوْ في مَدْخَلِ الصالِحِينَ وهو الجَنَّةُ.

العنكبوت 29:10

وَنَزَلَتْ في المُنافِقِينَ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ﴾ أيْ: إذا مَسَّهُ أذًى مِنَ الكُفّارِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ أيْ: (p-٦٦٧)جَزِعَ مِن ذَلِكَ كَما يَجْزَعُ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: وإذا نَصَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ وغَنَّمَهُمُ اعْتَرَضُوهم وقالُوا إنّا كُنّا مَعَكم أيْ: مُتابِعِينَ لَكم في دِينِكم ثابِتِينَ عَلَيْهِ بِثَباتِكم فَأعْطُونا نَصِيبَنا مِنَ الغُنْمِ ﴿أوَلَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: هو أعْلَمُ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ مِنَ العالَمِينَ بِما في صُدُورِهِمْ ومِن ذَلِكَ ما في صُدُورِ هَؤُلاءِ مِنَ النِفاقِ وما في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الإخْلاصِ ثُمَّ وعَدَ المُؤْمِنِينَ وأوْعَدَ المُنافِقِينَ بِقَوْلِهِ.

العنكبوت 29:11

﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ أيْ: حالُهُما ظاهِرَةٌ عِنْدَ مَن يَمْلِكُ الجَزاءَ عَلَيْهِما.

العنكبوت 29:12

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أمَرُوهم بِاتِّباعِ سَبِيلِهِمْ وهي طَرِيقَتُهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في دِينِهِمْ وأمَرُوا أنْفُسَهم بِحَمْلِ خَطاياهم فَعَطَفَ الأمْرَ عَلى الأمْرِ وأرادُوا لِيَجْتَمِعْ هَذانِ الأمْرانِ في الحُصُولِ: أنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا وأنْ نَحْمِلَ خَطاياكم، والمَعْنى: تَعْلِيقُ الحَمْلِ بِالِاتِّباعِ أيْ: إنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم وهَذا قَوْلُ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ كانُوا يَقُولُونَ لِمَن آمَنَ مِنهم لا نُبْعَثُ نَحْنُ ولا أنْتُمْ فَإنْ كانَ ذَلِكَ فَإنّا نَتَحَمَّلُ عَنْكُمُ الإثْمَ ﴿وَما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ وقُلُوبُهم عَلى خِلافِهِ كالكاذِبِينَ الَّذِينَ يَعِدُونَ الشَيْءَ وفي قُلُوبِهِمْ نِيَّةُ الخُلْفِ.

العنكبوت 29:13

﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ أيْ: أثْقالَ أنْفُسِهِمْ يَعْنِي: أوْزارَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ﴿وَأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ أيْ: أثْقالًا أُخَرَ غَيْرَ الخَطايا الَّتِي ضَمِنُوا لِلْمُؤْمِنِينَ حَمْلَها وهي أثْقالُ الَّذِينَ كانُوا سَبَبًا في ضَلالِهِمْ وهو كَما قالَ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] (p-٦٦٨)﴿وَلَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَخْتَلِقُونَ مِنَ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ.

العنكبوت 29:14

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا﴾ كانَ عُمْرُهُ ألْفًا وخَمْسِينَ سَنَةً بُعِثَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ ولَبِثَ في قَوْمِهِ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً وعاشَ بَعْدَ الطُوفانِ سِتِّينَ، وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ عاشَ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ فَقالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ يا أطْوَلَ الأنْبِياءِ عُمْرًا كَيْفَ وجَدْتَ الدُنْيا قالَ كَدارٍ لَها بابانِ دَخَلْتُ وخَرَجْتُ ولَمْ يَقُلْ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ كَذَلِكَ لَجازَ أنْ يُتَوَهَّمَ إطْلاقُ هَذا العَدَدِ عَلى أكْثَرِهِ وهَذا التَوَهُّمُ زائِلٌ هُنا فَكَأنَّهُ قِيلَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً كامِلَةً وافِيَةَ العَدَدِ إلّا أنَّ ذَلِكَ أخْصَرُ وأعْذَبُ لَفْظًا وأمْلَأُ بِالفائِدَةِ ولِأنَّ القِصَّةَ سِيقَتْ لِما ابْتُلِيَ بِهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ مِن أُمَّتِهِ وما كابَدَهُ مِن طُولِ المُصابَرَةِ تَسْلِيَةً لِنَبِيِّنا ﷺ فَكانَ ذِكْرُ الألْفِ أفْخَمَ وأوْصَلَ إلى الغَرَضِ وجِيءَ بِالمُمَيِّزِ أوَّلًا بِالسَنَةِ ثُمَّ بِالعامِّ، لِأنَّ تَكْرارَ لَفْظٍ واحِدٍ في كَلامٍ واحِدٍ حَقِيقٌ بِالِاجْتِنابِ في البَلاغَةِ ﴿فَأخَذَهُمُ الطُوفانُ﴾ هو ما أطافَ وأحاطَ بِكَثْرَةٍ وغَلَبَةٍ مِن سَيْلٍ أوْ ظَلامِ لَيْلٍ أوْ نَحْوِهِما ﴿وَهم ظالِمُونَ﴾ أنْفُسَهم بِالكُفْرِ.

العنكبوت 29:15

﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ أيْ: نُوحًا ﴿وَأصْحابَ السَفِينَةِ﴾ وكانُوا ثَمانِيَةً وسَبْعِينَ نَفْسًا نِصْفُهم ذُكُورٌ ونِصْفُهم إناثٌ مِنهم أوْلادُ نُوحٍ سامٌ وحامٌ ويافِثُ ونِساؤُهم ﴿وَجَعَلْناها﴾ أيِ السَفِينَةَ أوِ الحادِثَةَ أوِ القِصَّةَ ﴿آيَةً﴾ عِبْرَةً وعِظَةً ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ يَتَّعِظُونَ بِها.

العنكبوت 29:16

﴿وَإبْراهِيمَ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ وأُبْدِلَ عَنْهُ ﴿إذْ قالَ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ، لِأنَّ الأحْيانَ تَشْتَمِلُ عَلى ما فِيها أوْ مَعْطُوفٌ عَلى نُوحٍ أيْ: وأرْسَلْنا إبْراهِيمَ أوْ ظَرْفٌ لِأرْسَلْنا يَعْنِي: أرْسَلْناهُ حِينَ بَلَغَ مِنَ السِنِّ أوِ العِلْمِ مَبْلَغًا صَلَحَ فِيهِ لِأنْ يَعِظَ قَوْمَهُ ويَأْمُرَهم بِالعِبادَةِ (p-٦٦٩)والتَقْوى وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما – "وَإبْراهِيمُ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: ومِنَ المُرْسَلِينَ "إبْراهِيمُ" ﴿لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إنْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِما هو خَيْرٌ لَكم مِمّا هو شَرٌّ لَكُمْ.

العنكبوت 29:17

﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أوْثانًا﴾ أصْنامًا ﴿وَتَخْلُقُونَ﴾ وتَكْذِبُونَ أوْ تَصْنَعُونَ وقَرَأ أبُو حُذَيْفَةَ والسُلَمِيُّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما – "وَتُخَلِّقُونَ" مِن خَلَّقَ بِمَعْنى التَكْثِيرِ في خَلَقَ ﴿إفْكًا﴾ وقُرِئَ "أفِكًا" وهو مَصْدَرٌ نَحْوُ كَذِبٍ ولَعِبٍ والإفْكُ مُخَفَّفٌ مِنهُ كالكِذْبِ واللِعْبِ مِن أصْلِهِما واخْتِلاقُهُمُ الإفْكَ تَسْمِيَتُهُمُ الأوْثانَ آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرْزُقُوكم شَيْئًا مِنَ الرِزْقِ ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِزْقَ﴾ كُلَّهُ فَإنَّهُ هو الرَزّاقُ وحْدَهُ لا يَرْزُقُ غَيْرُهُ ﴿واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فاسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ بِعِبادَتِهِ والشُكْرِ لَهُ عَلى أنْعُمِهِ، وبِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ يَعْقُوبُ.

العنكبوت 29:18

﴿وَإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: وإنْ تُكَذِّبُونِي فَلا تَضُرُّونِي بِتَكْذِيبِكم فَإنَّ الرُسُلَ قَبَلِي قَدْ كَذَّبَتْهم أُمَمُهم وما ضَرُّوهم وإنَّما ضَرُّوا أنْفُسَهم حَيْثُ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ وأمّا الرَسُولُ فَقَدْ تَمَّ أمْرُهُ حَيْثُ بَلَّغَ البَلاغَ المُبِينَ الَّذِي زالَ مَعَهُ الشَكُّ وهو اقْتِرانُهُ بِآياتِ اللهِ ومُعْجِزاتِهِ أوْ وإنْ كُنْتُ مُكَذَّبًا فِيما بَيْنَكم فَلِي في سائِرِ الأنْبِياءِ أُسْوَةٌ حَيْثُ كُذِّبُوا وعَلى الرَسُولِ أنْ يُبَلِّغَ وما عَلَيْهِ أنْ يُصَدَّقَ ولا يُكَذَّبَ وهَذِهِ الآيَةُ والآياتُ الَّتِي بَعْدَها إلى قَوْلِهِ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: ٢٤] (p-٦٧٠)مُحْتَمِلَةٌ أنْ تَكُونَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْمِهِ والمُرادُ بِالأُمَمِ قَبْلَهُ قَوْمُ شِيثٍ وإدْرِيسَ ونُوحٍ وغَيْرُهم وأنْ تَكُونَ آياتٍ وقَعَتْ مُعْتَرِضَةً في شَأْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وشَأْنِ قُرَيْشٍ بَيْنَ أوَّلِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ وآخِرِها فَإنْ قُلْتَ فالجُمَلُ الِاعْتِراضِيَّةُ لا بُدَّ لَها مِنِ اتِّصالٍ بِما وقَعَتْ مُعْتَرِضَةً فِيهِ فَلا تَقُولُ: مَكَّةُ - وزَيْدٌ قائِمٌ- خَيْرُ بِلادِ اللهِ، قُلْتُ نَعَمْ وبَيانُهُ أنَّ إيرادَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَيْسَ إلّا إرادَةً لِلتَّنْفِيسِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأنْ تَكُونَ مَسْلاةً لَهُ بِأنَّ أباهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مُبْتَلًى نَحْوَ ما ابْتُلِيَ بِهِ مِن شِرْكِ قَوْمِهِ وعِبادَتِهِمُ الأوْثانَ فاعْتَرَضَ بِقَوْلِهِ وإنْ تُكَذِّبُوا عَلى مَعْنى "إنَّكم يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنْ تُكَذِّبُوا مُحَمَّدًا فَقَدْ كَذَّبَ إبْراهِيمُ قَوْمَهُ وكُلُّ أُمَّةٍ نَبِيَّها، لِأنَّ قَوْلَهُ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم لابُدَّ مِن تَناوُلِهِ لِأُمَّةِ إبْراهِيمَ وهو كَما تَرى اعْتِراضٌ مُتَّصِلٌ ثُمَّ سائِرُ الآياتِ بَعْدَها مِن تَوابِعِها لِكَوْنِها ناطِقَةً بِالتَوْحِيدِ ودَلائِلِهِ وهَدْمِ الشِرْكِ وتَوْهِينِ قَواعِدِهِ وصِفَةِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى وسُلْطانِهِ ووُضُوحِ حُجَّتِهِ وبُرْهانِهِ.

العنكبوت 29:19

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ وبِالتاءِ كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الخَلْقَ﴾ أيْ: قَدْ رَأوْا ذَلِكَ وعَلِمُوهُ وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ عَلى يُبْدِئُ ولَيْسَتِ الرُؤْيَةُ واقِعَةً عَلَيْهِ وإنَّما هو إخْبارٌ عَلى حِيالِهِ بِالإعادَةِ بَعْدَ المَوْتِ كَما وقَعَ النَظَرُ في قَوْلِهِ ﴿كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَشْأةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] عَلى البَدْءِ دُونَ الإنْشاءِ بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الخَلْقَ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ الإعادَةَ ﴿عَلى اللهِ يَسِيرٌ﴾ سَهْلٌ.

العنكبوت 29:20

﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ وإنْ كانَ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ فَتَقْدِيرُهُ: وأوْحَيْنا إلَيْهِ أنْ قُلْ ﴿سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ عَلى كَثْرَتِهِمْ واخْتِلافِ أحْوالِهِمْ لِتَعْرِفُوا عَجائِبَ فِطْرَةِ اللهِ بِالمُشاهَدَةِ، وبَدَأ وأبْدَأ بِمَعْنًى ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَشْأةَ الآخِرَةَ﴾ أيِ البَعْثَ، وبِالمَدِّ حَيْثُ كانَ: مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو وهَذا (p-٦٧١)دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما نَشْأتانِ وأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما إنْشاءٌ أيِ ابْتِداءٌ واخْتِراعٌ وإخْراجٌ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ غَيْرَ أنَّ الآخِرَةَ إنْشاءٌ بَعْدَ إنْشاءٍ مِثْلِهِ والأُولى لَيْسَتْ كَذِلَكَ والقِياسُ أنْ يُقالَ: كَيْفَ بَدَأ اللهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُنْشِئُ النَشْأةَ الآخِرَةَ وإنَّما قِيلَ "كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَشْأةَ الآخِرَةَ"، لِأنَّ الكَلامَ مَعَهم وقَعَ في الإعادَةِ فَلَمّا قَرَّرَهم في الإبْداءِ بِأنَّهُ مِنَ اللهِ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الإعادَةَ إنْشاءٌ مِثْلُ الإبْداءِ فَإذا لَمْ يُعْجِزْهُ الإبْداءُ وجَبَ أنْ لا تُعْجِزَهُ الإعادَةُ فَكَأنَّهُ قالَ ثُمَّ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ النَشْأةَ الأُولى هو الَّذِي يُنْشِئُ النَشْأةَ الآخِرَةَ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى هَذا المَعْنى: أبْرَزَ اسْمَهُ وأوْقَعَهُ مُبْتَدَأً ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قادِرٌ.

العنكبوت 29:21

﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ بِالخِذْلانِ ﴿وَيَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ بِالهِدايَةِ أوْ بِالحِرْصِ والقَناعَةِ أوْ بِسُوءِ الخُلُقِ وحُسْنِهِ أوِ الإعْراضِ عَنِ اللهِ وبِالإقْبالِ عَلَيْهِ أوْ بِمُتابَعَةِ البِدَعِ وبِمُلازِمَةِ السُنَّةِ ﴿وَإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ تُرَدُّونَ وتُرْجَعُونَ.

العنكبوت 29:22

﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ رَبَّكم أيْ: لا تَفُوتُونَهُ إنْ هَرَبْتُمْ مِن حُكْمِهِ وقَضائِهِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ الفَسِيحَةِ ﴿وَلا في السَماءِ﴾ الَّتِي هي أفْسَحُ مِنها وأبْسَطُ لَوْ كُنْتُمْ فِيها ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن ولِيٍّ﴾ يَتَوَلّى أُمُورَكم ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ ولا ناصِرَ يَمْنَعُكم مِن عَذابِي.

العنكبوت 29:23

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ بِدَلائِلِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وكُتُبِهِ ومُعْجِزاتِهِ ﴿وَلِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾ جَنَّتِي ﴿وَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

العنكبوت 29:24

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ قَوْمِ إبْراهِيمَ حِينَ دَعاهم إلى الإيمانِ ﴿إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أوْ قالَهُ واحِدٌ مِنهم وكانَ الباقُونَ راضِينَ فَكانُوا جَمِيعًا في حُكْمِ القائِلِينَ فاتَّفَقُوا عَلى تَحْرِيقِهِ﴿فَأنْجاهُ اللهُ مِنَ النارِ﴾ (p-٦٧٢)حِينَ قَذَفُوهُ فِيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ فِيما فَعَلُوا بِهِ وفَعَلْنا ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يُنْتَفَعْ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِالنارِ يَعْنِي: يَوْمَ أُلْقِيَ إبْراهِيمُ في النارِ وذَلِكَ لِذَهابِ حَرِّها.

العنكبوت 29:25

قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُنْيا﴾ حَمْزَةُ وحَفْصٌ، "مَوَدَّةً بَيْنَكُمْ":مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وحَمّادٌ ويَحْيى وخَلَفٌ، "مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ": مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ وعَلِيٌّ، "مَوَدَّةٌ بَيْنَكُمُ" الشَمُونِيُّ والبَرْجَمِيُّ فالنَصْبُ عَلى وجْهَيْنِ عَلى التَعْلِيلِ أيْ: لِتَتَوادُّوا بَيْنَكم وتَتَواصَلُوا لِاجْتِماعِكم عَلى عِبادَتِها واتِّفاقِكم عَلَيْها كَما يَتَّفِقُ الناسُ عَلى مَذْهَبٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ تَحابِّهِمْ وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا كَقَوْلِهِ ﴿اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] وما كافَّةٌ أيِ اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ سَبَبَ المَوَدَّةِ بَيْنَكم عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةً بَيْنَكم أيْ: مَوْدُودَةً بَيْنَكم كَقَوْلِهِ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وفي الرَفْعِ وجْهانِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِإنَّ، وما مَوْصُولَةٌ وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، والمَعْنى: أنَّ الأوْثانَ مَوَدَّةٌ بَيْنَكم أيْ: مَوْدُودَةٌ أوْ سَبَبُ مَوَدَّةٍ ومَن أضافَ المَوَدَّةَ جَعَلَ بَيْنَكُمُ اسْمًا لا ظَرْفًا كَقَوْلِهِ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] ومَن نَوَّنَ مَوَدَّةً ونَصَبَ بَيْنَكم فَعَلى الظَرْفِ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ تَتَبَرَّأُ الأصْنامُ مِن عابِدِيها ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ يَقُومُ بَيْنَكُمُ التَلاعُنُ فَيَلْعَنُ الأتْباعُ القادَةَ ﴿وَمَأْواكُمُ النارُ﴾ أيْ: مَأْوى العابِدِ والمَعْبُودِ والتابِعِ والمَتْبُوعِ ﴿وَما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ثَمَّةَ.

العنكبوت 29:26

﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿لُوطٌ﴾ هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ وهو أوَّلُ مَن آمَنَ لَهُ حِينَ رَأى النارَ لَمْ تَحْرِقْهُ ﴿وَقالَ﴾ إبْراهِيمُ (p-٦٧٣)﴿إنِّي مُهاجِرٌ﴾ مَن كَوْثى وهي مِن سَوادِ الكُوفَةِ إلى حَرّانَ ثُمَّ مِنها إلى فِلَسْطِينَ وهي مِن بَرِّيَّةِ الشامِ ومِن ثَمَّ قالُوا لِكُلِّ نَبِيٍّ هِجْرَةٌ ولِإبْراهِيمَ هِجْرَتانِ وكانَ مَعَهُ في هِجْرَتِهِ لُوطٌ وسارَّةُ وقَدْ تَزَوَّجَها إبْراهِيمُ ﴿إلى رَبِّي﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْهِ ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي يَمْنَعُنِي مِن أعْدائِي ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَأْمُرُنِي إلّا بِما هو خَيْرٌ.

العنكبوت 29:27

﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ ولَدًا ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ ولَدَ ولَدٍ ولَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ لِشُهْرَتِهِ ﴿وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُبُوَّةَ﴾ أيْ: في ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ فَإنَّهُ شَجَرَةُ الأنْبِياءِ ﴿والكِتابَ﴾ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ يَعْنِي: التَوْراةَ والإنْجِيلَ والزَبُورَ والفُرْقانَ ﴿وَآتَيْناهُ﴾ أيْ: إبْراهِيمَ ﴿أجْرَهُ﴾ الثَناءَ الحَسَنَ والصَلاةَ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَهْرِ ومَحَبَّةَ أهْلِ المِلَلِ لَهُ أوْ هو بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ ﴿فِي الدُنْيا﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُعْطِي الأجْرَ في الدُنْيا ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ أيْ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ، عَنِ الحَسَنِ:

العنكبوت 29:28

﴿وَلُوطًا﴾ أيْ: واذْكُرْ لُوطًا ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ الفِعْلَةَ البالِغَةَ في القُبْحِ وهي اللُواطَةُ ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفِعْلَةِ كَأنَّ قائِلًا قالَ لِمَ كانَتْ فاحِشَةً فَقِيلَ، لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها قالُوا لَمْ يَنْزِلْ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ.

العنكبوت 29:29

﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ وتَقْطَعُونَ السَبِيلَ﴾ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ كَما هو عَمَلُ قُطّاعِ الطَرِيقِ وقِيلَ اعْتِراضُهُمُ السابِلَةَ بِالفاحِشَةِ ﴿وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ مَجْلِسِكم ولا يُقالُ لِلْمَجْلِسِ نادٍ إلّا مادامَ فِيهِ أهْلُهُ ﴿المُنْكَرَ﴾ أيِ المُضارَطَةَ والمُجامَعَةَ والسُبابَ والفُحْشَ في المِزاحِ والحَذْفَ بِالحَصى (p-٦٧٤)وَمَضْغَ العَلْكِ والفَرْقَعَةَ والسِواكَ بَيْنَ الناسِ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا مِن نُزُولِ العَذابِ "إنَّكُمْ" "أيِنَّكُمْ" شامِيٌّ وحَفْصٌ وهو المَوْجُودُ في الإمامِ، وكُلُّ واحِدَةٍ بِهَمْزَتَيْنِ كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ "آيِنَّكُمْ" بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ بَعْدَها ياءٌ مَكْسُورَةٌ أبُو عَمْرٍو "أيِنَّكُمْ" بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ مَكْسُورَةٌ مَكِّيٌّ ونافِعٌ غَيْرَ قالُونَ وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ غَيْرَ زَيْدٍ.

العنكبوت 29:30

﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ بِإنْزالِ العَذابِ ﴿عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ كانُوا يُفْسِدُونَ الناسَ بِحَمْلِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي والفَواحِشِ.

العنكبوت 29:31

﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ بِالبِشارَةِ لِإبْراهِيمَ بِالوَلَدِ والنافِلَةُ يَعْنِي: إسْحَقَ ويَعْقُوبَ ﴿قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ إضافَةُ مُهْلِكُو لَمْ تُفِدْ تَعْرِيفًا، لِأنَّها بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ والقَرْيَةُ سَدُومُ الَّتِي قِيلَ فِيها "أجْوَرُ مِن قاضِي سَدُومَ" وهَذِهِ القَرْيَةُ تُشْعِرُ بِأنَّها قَرِيبَةٌ مِن مَوْضِعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالُوا إنَّها كانَتْ عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن مَوْضِعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ أيِ الظُلْمُ قَدِ اسْتَمَرَّ مِنهم في الأيّامِ السالِفَةِ وهم عَلَيْهِ مُصِرُّونَ وظُلْمُهم كُفْرُهم وأنْواعُ مَعاصِيهِمْ.

العنكبوت 29:32

﴿قالَ﴾ إبْراهِيمُ ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ أيْ: أتُهْلِكُونَهم وفِيهِمْ مَن هو بَرِيءٌ مِنَ الظُلْمِ وهو لُوطٌ ﴿قالُوا﴾ أيِ المَلائِكَةُ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ﴾ مِنكَ ﴿بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ "لِنُنْجِيَنَّهُ" يَعْقُوبٌ وكُوفِيٌّ غَيْرَ عاصِمٍ (p-٦٧٥)﴿وَأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ الباقِينَ في العَذابِ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ مَسِيرِ المَلائِكَةِ إلى لُوطِ بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِ.

العنكبوت 29:33

﴿وَلَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ ساءَهُ مَجِيئُهم وأنْ صِلَةٌ أكَّدَتْ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُرَتَّبًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَمانِ كَأنَّهُ قِيلَ كَما أحْسَنَ بِمَجِيئِهِمْ فاجَأتْهُ المَساءَةُ مِن غَيْرِ رَيْثٍ خِيفَةً عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ أنْ يَتَناوَلُوهُمِ بِالفُجُورِ، "سِيءَ بِهِمْ" مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وعَلِيٌّ ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ وضاقَ بِشَأْنِهِمْ وبِتَدْبِيرِ أمْرِهِمْ ذَرْعُهُ أيْ: طاقَتُهُ وقَدْ جَعَلُوا ضِيقَ الذَرْعِ والذِراعَ عِبارَةً عَنْ فَقْدِ الطاقَةِ كَما قالُوا رَحْبُ الذَرْعِ إذا كانَ مُطِيقًا والأصْلُ فِيهِ أنَّ الرَجُلَ إذا طالَتْ ذِراعُهُ نالَ ما لا يَنالُهُ القَصِيرُ الذِراعِ فَضُرِبَ ذَلِكَ مَثَلًا في العَجْزِ والمَقْدِرَةِ وهو نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ ﴿وَقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ﴾ وبِالتَخْفِيفِ مَكِّيٌّ وكُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ ﴿وَأهْلَكَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ الجَرِّ ونُصِبَ أهْلُكَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ونُنَجِّي أهْلَكَ ﴿إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾

العنكبوت 29:34

﴿إنّا مُنْـزِلُونَ﴾ مُنَزِّلُونَ شامِيٌّ ﴿عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا﴾ عَذابًا ﴿مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بِفِسْقِهِمْ وخُرُوجِهِمْ عَنْ طاعَةِ اللهِ ورَسُولِهِ.

العنكبوت 29:35

﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها﴾ مِنَ القَرْيَةِ ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ هي آثارُ مَنازِلِهِمُ الخَرِبَةِ وقِيلَ الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ ﴿لِقَوْمٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِتَرَكْنا أوْ بِ"بَيِّنَةً" ﴿يَعْقِلُونَ﴾

العنكبوت 29:36

﴿وَإلى مَدْيَنَ﴾ وأرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ ﴿أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ (p-٦٧٦)اعْبُدُوا اللهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ وافْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ الثَوابَ في العاقِبَةِ أوْ خافُوهُ ﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قاصِدِينَ الفَسادَ.

العنكبوت 29:37

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ﴾ الزَلْزَلَةُ الشَدِيدَةُ أوْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ القُلُوبَ رَجَفَتْ بِها ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ في بَلَدِهِمْ وأرْضِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ بارِكَيْنِ عَلى الرُكَبِ مَيِّتِينَ.

العنكبوت 29:38

﴿وَعادًا﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أهْلَكْنا، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ﴾ [العنكبوت: ٣٧] يَدُلُّ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ في مَعْنى الإهْلاكِ ﴿وَثَمُودَ﴾ حَمْزَةُ وحَفْصٌ وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ ذَلِكَ يَعْنِي: ما وصَفَهُ مِن إهْلاكِهِمْ ﴿مِن مَساكِنِهِمْ﴾ مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ إذا نَظَرْتُمْ إلَيْها عِنْدَ مُرُورِكم بِها وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ فَيُبْصِرُونَها ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَبِيلِ﴾ السَبِيلِ الَّذِي أُمِرُوا بِسُلُوكِهِ وهو الإيمانُ بِاللهِ ورُسُلِهِ ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ عُقَلاءَ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَظَرِ وتَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ولَكِنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا.

العنكبوت 29:39

﴿وَقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ أيْ: وأهْلَكْناهم ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ فائِتِينَ أدْرَكَهم أمْرُ اللهِ فَلَمْ يَفُوتُوهُ.

العنكبوت 29:40

﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ فِيهِ رَدٌّ عَلى مَن يُجَوِّزُ العُقُوبَةَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ هي رِيحٌ عاصِفٌ فِيها حَصْباءُ وهي لِقَوْمِ لُوطٍ ﴿وَمِنهم (p-٦٧٧)مَن أخَذَتْهُ الصَيْحَةُ﴾ هي لِمَدْيَنَ وثَمُودَ ﴿وَمِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ يَعْنِي: قارُونَ ﴿وَمِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ يَعْنِي: قَوْمَ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ ﴿وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ لِيُعاقِبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِالكُفْرِ والطُغْيانِ.

العنكبوت 29:41

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أوْلِياءَ﴾ أيْ: آلِهَةً يَعْنِي: مَثَلَ مَن أشْرَكَ بِاللهِ الأوْثانَ في الضَعْفِ وسُوءِ الِاخْتِيارِ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ أيْ: كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ فِيما تَتَّخِذُهُ لِنَفْسِها مِن بَيْتٍ فَإنَّ ذَلِكَ بَيْتٌ لا يَدْفَعُ عَنْها الحَرَّ والبَرْدَ ولا يَقِي ما تَقِي البُيُوتُ فَكَذَلِكَ الأوْثانُ لا تَنْفَعُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ،جَعَلَ حاتِمٌ "اتَّخَذَتْ" حالًا ﴿وَإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ لا بَيْتَ أوْهَنُ مِن بَيْتِها عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - طَهِّرُوا بُيُوتَكم مِن نَسْجِ العَنْكَبُوتِ فَإنَّ تَرْكَهُ يُورِثُ الفَقْرَ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ هَذا مَثَلَهم وأنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ هَذِهِ الغايَةَ مِنَ الوَهَنِ وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي يَعْبُدُ الوَثَنَ بِالقِياسِ إلى المُؤْمِنِ الَّذِي يَعْبُدُ اللهَ مَثَلُ عَنْكَبُوتٍ تَتَّخِذُ بَيْتًا بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ يَبْنِي بَيْتًا بِآجُرٍّ وجَصٍّ أوْ يَنْحِتُهُ مِن صَخْرٍ وكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا بَيْتًا بَيْتُ العَنْكَبُوتِ كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا دِينًا عِبادَةُ الأوْثانِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وقالَ الزَجّاجُ في جَماعَةٍ تَقْدِيرُ الآيَةِ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَن دُونِ اللهِ أوْلِياءَ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ.

العنكبوت 29:42

﴿إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ﴾ بِالياءِ بَصْرِيٌّ وعاصِمٌ غَيْرَ الأعْشى والبَرْجَمِيُّ وما بِمَعْنى الَّذِي وهو مَفْعُولُ يَعْلَمُ ومَفْعُولُ يَدْعُونَ مُضْمَرٌ في يَدْعُونَهُ يَعْنِي: يَعْبُدُونَهُ ﴿مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ مِن في "مِن (p-٦٧٨)شَيْءٍ" لِلتَّبْيِينِ ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ وفِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم حَيْثُ عَبَدُوا جَمادًا لا عِلْمَ لَهُ ولا قُدْرَةَ وتَرَكُوا عِبادَةَ القادِرِ القاهِرِ عَلى كُلِّ شَيْءِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ إلّا بِحِكْمَةٍ وتَدْبِيرٍ.

العنكبوت 29:43

﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ﴾ الأمْثالُ نَعْتٌ والخَبَرُ ﴿نَضْرِبُها﴾ نُبَيِّنُها ﴿لِلنّاسِ﴾ كانَ سُفَهاءُ قُرَيْشٍ وجَهَلَتُهم يَقُولُونَ إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَضْرِبُ المَثَلَ بِالذُبابِ والعَنْكَبُوتِ ويَضْحَكُونَ مِن ذَلِكَ فَلِذَلِكَ قالَ ﴿وَما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ بِهِ وبِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ أيْ: لا يَعْقِلُ صِحَّتَها وحُسْنَها ولا يَفْهَمُ فائِدَتَها إلّا هم، لِأنَّ الأمْثالَ والتَشْبِيهاتِ إنَّما هي الطُرُقُ إلى المَعانِي المُسْتَتِرَةِ حَتّى تُبْرِزَها وتُصَوِّرَها لِلْأفْهامِ كَما صَوَّرَ هَذا التَشْبِيهُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِ وحالِ المُوَحِّدِ، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ العالِمُ مَن عَقَلَ عَنِ اللهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ »، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى فَضْلِ العِلْمِ عَلى العَقْلِ.

العنكبوت 29:44

﴿خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُحِقًّا يَعْنِي: لَمْ يَخْلُقْهُما باطِلًا بَلْ لِحِكْمَةٍ وهي أنْ تَكُونا مَساكِنَ عِبادِهِ وعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنهم ودَلائِلَ عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ ألا تَرى قَوْلَهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِانْتِفاعِهِمْ بِها.

العنكبوت 29:45

﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ تَقَرُّبًا إلى اللهِ تَعالى بِقِراءَةِ كَلامِهِ ولِتَقِفَ عَلى ما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ﴾ أيْ: دُمْ عَلى إقامَةِ الصَلاةِ ﴿إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ الفِعْلَةِ القَبِيحَةِ كالزِنا مَثَلًا ﴿والمُنْكَرِ﴾ هو ما يُنْكِرُهُ الشَرْعُ والعَقْلُ قِيلَ مَن كانَ مُراعِيًا لِلصَّلاةِ جَرَّهُ ذَلِكَ إلى أنْ يَنْتَهِيَ عَنِ السَيِّئاتِ يَوْمًا ما، فَقَدَ رُوِيَ: «أنَّهُ قِيلَ يَوْمًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ (p-٦٧٩)إنَّ فُلانًا يُصَلِّي بِالنَهارِ ويَسْرِقُ بِاللَيْلِ فَقالَ إنَّ صَلاتَهُ لَتَرْدَعُهُ »، ورُوِيَ: «أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ يُصَلِّي مَعَهُ الصَلَواتِ ولا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ إلّا رَكِبَهُ فَوُصِفَ لَهُ فَقالَ إنَّ صَلاتَهُ سَتَنْهاهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ »، وقالَ ابْنُ عَوْفٍ إنَّ الصَلاةَ تَنْهى إذا كُنْتَ فِيها فَأنْتَ في مَعْرُوفٍ وطاعَةٍ وقَدْ حَجَزَتْكَ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وعَنِ الحَسَنِ: مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلَيْسَتْ صَلاتُهُ بِصَلاةٍ وهي وبالٌ عَلَيْهِ ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ﴾ أيِ الصَلاةُ أكْبَرُ مِن غَيْرِها مِنَ الطاعاتِ وإنَّما قالَ ولَذِكْرُ اللهِ لِيَسْتَقِلَّ بِالتَعْلِيلِ كَأنَّهُ قالَ والصَلاةُ أكْبَرُ، لِأنَّها ذِكْرُ اللهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - ولَذِكْرُ اللهِ إيّاكم بِرَحْمَتِهِ أكْبَرُ مِن ذِكْرِكِمْ إيّاهُ بِطاعَتِهِ وقالَ ابْنُ عَطاءٍ ذِكْرُ اللهِ لَكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكِمْ لَهُ، لِأنَّ ذِكْرَهُ بِلا عِلَّةٍ وذِكْرَكم مَشُوبٌ بِالعِلَلِ والأمانِيِّ ولِأنَّ ذِكْرَهُ لا يَفْنى وذِكْرَكم لا يَبْقى وقالَ سَلْمانُ: ذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وأفْضَلُ فَقَدْ قالَ ﷺ «ألا أُنَبِّئُكم بِخَيْرِ أعْمالِكم وأزْكاها عِنْدَ مَلِيكِكم وأرْفَعِها في دَرَجاتِكم وخَيْرٍ مِن إعْطاءِ الذَهَبِ والفِضَّةِ وأنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكم فَتَضْرِبُوا أعْناقَهم ويَضْرِبُوا أعْناقَكم قالُوا وما ذاكَ يا رَسُولَ اللهِ قالَ: ذِكْرُ اللهِ »، «وَسُئِلَ أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ قالَ أنْ تُفارِقَ الدُنْيا ولِسانُكَ رَطْبٌ بِذِكْرِ اللهِ »، أوْ ذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ مِن أنْ تَحْوِيَهُ أفْهامُكم وعُقُولُكم أوْ ذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ مِن أنْ تَبْقى مَعَهُ مَعْصِيَةٌ أوْ ذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ في النَهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكِرِ مِن غَيْرِهِ ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ مِنَ الخَيْرِ والطاعَةِ فَيُثِيبُكم أحْسَنَ الثَوابِ.

العنكبوت 29:46

﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي (p-٦٨٠)أحْسَنُ وهي مُقابَلَةُ الخُشُونَةِ بِاللِينِ والغَضَبَ بِالكَظْمِ كَما قالَ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] (إلّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنهُمْ) فَأفْرَطُوا في الِاعْتِداءِ والعِنادِ ولَمْ يَقْبَلُوا النُصْحَ ولَمْ يَنْفَعْ فِيهِمُ الرِفْقُ فاسْتَعْمِلُوا مَعَهُمُ الغِلْظَةَ وقِيلَ إلّا الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ أوْ إلّا الَّذِينَ أثْبَتُوا الوَلَدَ والشَرِيكَ وقالُوا يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ أوْ مَعْناهُ: ولا تُجادِلُوا الداخِلِينَ في الذِمَّةِ المُؤَدِّينَ لِلْجِزْيَةِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فَنَبَذُوا الذِمَّةَ ومَنَعُوا الجِزْيَةَ فَمُجادَلَتُهم بِالسَيْفِ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ المُناظَرَةِ مَعَ الكَفَرَةِ في الدِينِ وعَلى جَوازِ تَعَلُّمِ عِلْمِ الكَلامِ الَّذِي بِهِ تَتَحَقَّقُ المُجادَلَةُ وقَوْلُهُ ﴿وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْنا وأُنْـزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مِن جِنْسِ المُجادَلَةِ بِالأحْسَنِ وقالَ ﷺ «ما حَدَّثَكم أهْلُ الكِتابِ فَلا تُصَدِّقُوهم ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا آمَنّا بِاللهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ فَإنْ كانَ باطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهم وإنْ كانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهم »

العنكبوت 29:47

﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ ﴿أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيْ: أنْزَلْناهُ مُصَدِّقًا لِسائِرِ الكُتُبِ السَماوِيَّةِ أوْ كَما أنْزَلْنا الكُتُبَ إلى مَن قَبْلَكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ هم عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ومَن مَعَهُ ﴿وَمِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أوْ أرادَ بِالَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا عَهْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مَعَ ظُهُورِها وزَوالِ الشُبْهَةِ عَنْها ﴿إلا الكافِرُونَ﴾ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ المُصَمِّمُونَ عَلَيْهِ كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأضْرابِهِ (p-٦٨١)

العنكبوت 29:48

﴿وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْلِ القُرْآنِ ﴿مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ خُصَّ اليَمِينُ، لِأنَّ الكِتابَةَ غالِبًا تَكُونُ بِاليَمِينِ أيْ: ما كُنْتَ قَرَأْتَ كِتابًا مِنَ الكُتُبِ ولا كُنْتَ كاتِبًا ﴿إذًا﴾ أيْ: لَوْ كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ أيْ: مِنَ التِلاوَةِ ومِنَ الخَطِّ ﴿لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ وقالُوا الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في كُتُبِنا أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ ولَيْسَ بِهِ أوْ لارْتابَ مُشْرِكُو مَكَّةَ وقالُوا لَعَلَّهُ تَعَلَّمَهُ أوْ كَتَبَهُ بِيَدِهِ وسَمّاهم مُبْطِلِينَ لِإنْكارِهِمْ نُبُوَّتَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ والشَعْبِيِّ ما ماتَ النَبِيُّ ﷺ حَتّى كَتَبَ وقَرَأ َ.

العنكبوت 29:49

﴿بَلْ هُوَ﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: في صُدُورِ العُلَماءِ بِهِ وحُفّاظِهِ وهُما مِن خَصائِصِ القُرْآنِ:كَوْنُ آياتِهِ بَيِّناتِ الإعْجازِ، وكَوْنُهُ مَحْفُوظًا في الصُدُورِ بِخِلافِ سائِرِ الكُتُبِ فَإنَّها لَمْ تَكُنْ مُعْجِزاتٍ ولا كانَتْ تُقْرَأُ إلّا مِنَ المَصاحِفِ ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ الواضِحَةِ ﴿إلا الظالِمُونَ﴾ أيِ المُتَوَغِّلُونَ في الظُلْمِ.

العنكبوت 29:50

﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ﴾ آيَةٌ بِغَيْرِ ألِفٍ مَكِّيٌّ وكُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ أرادُوا هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِثْلُ الناقَةِ والعَصا ومائِدَةِ عِيسى عَلَيْهِمُ السَلامُ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾ يُنْزِلُ أيَّتَها شاءَ ولَسْتُ أمْلِكُ شَيْئًا مِنها ﴿وَإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كُلِّفْتُ الإنْذارَ وإبانَتَهُ بِما أُعْطِيتُ مِنَ الآياتِ ولَيْسَ لِي أنْ أقُولَ أنْزِلْ عَلَيَّ آيَةَ كَذا دُونَ آيَةِ كَذا مَعَ عِلْمِي أنَّ المُرادَ مِنَ الآياتِ ثُبُوتُ الدَلالَةِ والآياتُ كُلُّها في حُكْمِ آيَةٍ واحِدَةٍ في ذَلِكَ.

العنكبوت 29:51

﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ آيَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنْ سائِرِ الآياتِ - إنْ كانُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُتَعَنِّتِينَ - هَذا القُرْآنُ الَّذِي تَدُومُ تِلاوَتُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ فَلا يَزالُ مَعَهم آيَةٌ ثابِتَةٌ (p-٦٨٢)لا تَزُولُ كَما تَزُولُ كُلُّ آيَةٍ بَعْدَ كَوْنِها أوْ تَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ المَوْجُودَةِ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ إلى آخِرِ الدَهْرِ ﴿لَرَحْمَةً﴾ لَنِعْمَةً عَظِيمَةً ﴿وَذِكْرى﴾ وتَذْكِرَةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ دُونَ المُتَعَنِّتِي.

العنكبوت 29:52

﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ: شاهِدًا بِصِدْقِ ما أدَّعِيهِ مِنَ الرِسالَةِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيَّ وبِتَكْذِيبِكم ﴿يَعْلَمُ ما في السَماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو مُطَّلِعٌ عَلى أمْرِي وأمْرِكم وعالِمٌ بِحَقِّي وباطِلِكم ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ مِنكم وهو ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ﴿وَكَفَرُوا بِاللهِ﴾ وآياتِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ والمَغْبُونُونَ في صَفْقَتِهِمْ حَيْثُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ إلّا أنَّ الكَلامَ ورَدَ مَوْرِدَ الإنْصافِ كَقَوْلِهِ ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] ورُوِيَ: «أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ وأصْحابَهُ قالُوا يا مُحَمَّدُ مَن يَشْهَدُ لَكَ بِأنَّكَ رَسُولُ اللهِ فَنَزَلَتْ »

العنكبوت 29:53

﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ بِقَوْلِهِمْ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةُ ﴿وَلَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ يَوْمُ بَدْرٍ أوْ وقْتُ فَنائِهِمْ بِآجالِهِمْ والمَعْنى: ولَوْلا أجَلٌ قَدْ سَمّاهُ اللهُ وبَيَّنَهُ في اللَوْحِ لَعَذَّبَهم والحِكْمَةُ تَقْتَضِي تَأْخِيرَهُ إلى ذَلِكَ الأجَلِ المُسَمّى ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ عاجِلًا ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ العَذابُ عاجِلًا أوَلَيَأْتِيَنَّهُمُ العَذابُ في الأجَلِ المُسَمّى ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِوَقْتِ مَجِيئِهِ.

العنكبوت 29:54

﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: سَتُحِيطُ بِهِمْ.

العنكبوت 29:55

﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن (p-٦٨٣)فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ "﴾ [الزمر: ١٦] ولا وقْفَ عَلى ﴿بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤]، لِأنَّ يَوْمَ ظَرْفُ إحاطَةِ النارِ بِهِمْ ﴿وَيَقُولُ﴾ بِالياءِ كُوفِيٌّ ونافِعٌ وقَوْلُهُ ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: جَزاءَ أعْمالِكُمْ.

العنكبوت 29:56

﴿يا عِبادِيَ﴾ وبِسُكُونِ الياءِ بَصْرِيٌّ وكُوفِيٌّ غَيْرَ عاصِمٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ وبِفَتْحِ الياءِ شامِيٌّ يَعْنِي: أنَّ المُؤْمِنَ إذا لَمْ يَتَسَهَّلْ لَهُ العِبادَةُ في بَلَدٍ هو فِيهِ ولَمْ يَتَمَشَّ لَهُ أمْرُ دِينِهِ فَلْيُهاجِرْ عَنْهُ إلى بَلَدٍ يُقَدِّرُ أنَّهُ فِيهِ أسْلَمُ قَلْبًا وأصَحُّ دِينًا وأكْثَرُ عِبادَةً، والبِقاعُ تَتَفاوَتُ في ذَلِكَ تَفاوُتًا كَثِيرًا وقالُوا لَمْ نَجِدْ أعْوَنَ عَلى قَهْرِ النَفْسِ وأجْمَعَ لِلْقَلْبِ وأحَثَّ عَلى القَناعَةِ وأطْرَدَ لِلشَّيْطانِ وأبْعَدَ مِنَ الفِتَنِ وأرْبَطَ لِلْأمْرِ الدِينِيِّ مِن مَكَّةَ حَرَسَها اللهُ تَعالى، وعَنْ سَهْلٍ إذا ظَهَرَتِ المَعاصِي والبِدَعُ في أرْضٍ فاخْرُجُوا مِنها إلى أرْضِ المُطِيعِينَ، وعَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ «مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبَ الجَنَّةَ »﴿فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ وبِالياءِ يَعْقُوبُ وتَقْدِيرُهُ: فَإيّايَ فاعْبُدُونِي وجِيءَ بِالفاءِ في فاعْبُدُونِ، لِأنَّهُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، لِأنَّ المَعْنى: إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإنْ لَمْ تُخْلِصُوا العِبادَةَ لِي في أرْضٍ فَأخْلِصُوها في غَيْرِها ثُمَّ حُذِفَ الشَرْطُ وعُوِّضَ عَنْ حَذْفِهِ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ مَعَ إفادَةِ تَقْدِيمِهِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ والإخْلاصِ ثُمَّ شَجَّعَ المُهاجِرَ بِقَوْلِهِ.

العنكبوت 29:57

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ: واجِدَةٌ مَرارَتَهُ وكُرْبَهُ كَما يَجِدُ الذائِقُ طَعْمَ المَذُوقِ، لِأنَّها إذا تَيَقَّنَتْ بِالمَوْتِ سَهُلَ عَلَيْها مُفارَقَةُ وطَنِها ﴿ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ بَعْدَ المَوْتِ لِلثَّوابِ والعَقابِ، يُرْجَعُونَ يَحْيى تَرْجِعُونَ يَعْقُوبُ.

العنكبوت 29:58

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ لِنُنْزِلَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ (p-٦٨٤)عَلالِيَ "لَنُثْوِيَنَّهُمْ" كُوفِيٌّ غَيْرَ عاصِمٍ مِنَ الثِواءِ وهو النُزُولُ لِلْإقامَةِ، وثَوِيَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَإذا تَعَدّى بِزِيادَةِ الهَمْزَةِ لَمْ يُجاوِزْ مَفْعُولًا واحِدًا والوَجْهُ في تَعْدِيَتِهِ إلى ضَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وإلى الغُرَفِ إمّا إجْراؤُهُ مَجْرى لِنُنْزِلَنَّهم أوْ لَنُؤْوِيَنَّهم أوْ حَذْفُ الجارِّ وإيصالُ الفِعْلِ أوْ تَشْبِيهُ الظَرْفِ المُؤَقَّتِ بِالمُبْهَمِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ ويُوقَفُ عَلى العامِلِينَ عَلى أنَّ.

العنكبوت 29:59

﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُمُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مُفارَقَةِ الأوْطانِ وعَلى أذى المُشْرِكِينَ وعَلى المِحَنِ والمَصائِبِ وعَلى الطاعاتِ، وعَنِ المَعاصِي، والوَصْلُ أجْوَدُ لِيَكُونَ الَّذِينَ نَعْتًا لِلْعامِلِينَ ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ولَمْ يَتَوَكَّلُوا في جَمِيعِ ذَلِكَ إلّا عَلى اللهِ.

العنكبوت 29:60

وَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَن أسْلَمَ مِن مَكَّةَ بِالهِجْرَةِ خافُوا الفَقْرَ والضَيْعَةَ فَنَزَلَتْ ﴿وَكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ﴾ أيْ: وكَمْ مِن دابَّةٍ و"كائِنٍ" بِالمَدِّ والهَمْزِ مَكِّيٌّ والدابَّةُ كُلُّ نَفْسٍ دَبَّتْ عَلى وجْهِ الأرْضِ عَقَلَتْ أمْ لَمْ تَعْقِلْ ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لا تُطِيقُ أنْ تَحْمِلَهُ لِضَعْفِها عَنْ حَمْلِهِ ﴿اللهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ أيْ: لا يَرْزُقُ تِلْكَ الدَوابَّ الضِعافَ إلّا اللهُ ولا يَرْزُقُكم أيْضًا أيُّها الأقْوِياءُ إلّا هو وإنْ كُنْتُمْ مُطِيقِينَ لِحَمْلِ أرْزاقِكم وكَسْبِها، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّرْكم ولَمْ يُقَدِّرْ لَكم أسْبابَ الكَسْبِ لَكُنْتُمْ أعْجَزَ مِنَ الدَوابِّ الَّتِي لا تَحْمِلُ، وعَنِ الحَسَنِ: لا تَحْمِلُ رِزْقَها لا تَدَّخِرُهُ إنَّما تُصْبِحُ فَيَرْزُقُها اللهُ وقِيلَ لا يَدَّخِرُ شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ قُوتًا إلّا ابْنَ آدَمَ والفَأْرَةَ والنَمْلَةَ ﴿وَهُوَ السَمِيعُ﴾ لِقَوْلِكم نَخْشى الفَقْرَ والعَيْلَةَ ﴿العَلِيمُ﴾ بِما في ضَمائِرِكُمْ.

العنكبوت 29:61

﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ﴾ أيْ: ولَئِنْ سَألْتَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ مَن خَلَقَ السَمَواتِ والأرْضَ عَلى كِبَرِهِما وسَعَتِهِما ومَنَ الَّذِي سَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (p-٦٨٥)فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ تَوْحِيدِ اللهِ مَعَ إقْرارِهِمْ بِهَذا كُلِّهِ؟

العنكبوت 29:62

﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيْ: لِمَن يَشاءُ فَوَضَعَ الضَمِيرَ مَوْضِعَ مَن يَشاءُ، لِأنَّ مَن يَشاءُ مُبْهَمٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَكانَ الضَمِيرُ مُبْهَمًا مِثْلَهُ، قَدَرَ الرِزْقَ وقَتَرَهُ بِمَعْنًى: إذا ضَيَّقَهُ ﴿إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ ما يُصْلِحُ العِبادَ وما يُفْسِدُهم، في الحَدِيثِ: « " إنَّ مِن عِبادِي مَن لا يُصْلِحُ إيمانَهُ إلّا الغِنى ولَوْ أفْقَرْتُهُ لَأفْسَدَهُ ذَلِكَ وإنَّ مِن عِبادِي مَن لا يُصْلِحُ إيمانَهُ إلّا الفَقْرُ ولَوْ أغْنَيْتُهُ لَأفْسَدَهُ ذَلِكَ »

العنكبوت 29:63

﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن نَـزَّلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ أيْ: هم مُقِرُّونَ بِذَلِكَ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى إنْزالِهِ الماءَ لِإحْياءِ الأرْضِ أوْ عَلى أنَّهُ مِمَّنْ أقَرَّ بِنَحْوِ ما أقَرُّوا بِهِ ثُمَّ نَفَعَهُ ذَلِكَ في تَوْحِيدِ اللهِ ونَفْيِ الشُرَكاءِ عَنْهُ ولَمْ يَكُنْ إقْرارًا عاطِلًا كَإقْرارِ المُشْرِكِينَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ لا يَتَدَبَّرُونَ بِما فِيهِمْ مِنَ العُقُولِ فِيما نُرِيهِمْ مِنَ الآياتِ ونُقِيمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الدَلالاتِ أوْ لا يَعْقِلُونَ ما تُرِيدُ بِقَوْلِكَ الحَمْدُ لِلَّهِ.

العنكبوت 29:64

﴿وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ أيْ: وما هي لِسُرْعَةِ زَوالِها عَنْ أهْلِها ومَوْتِهِمْ عَنْها إلّا كَما يَلْعَبُ الصِبْيانُ ساعَةً ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ وفِيهِ ازْدِراءٌ بِالدُنْيا وتَصْغِيرٌ لِأمْرِها وكَيْفَ لا يُصَغِّرُها وهي لا تَزِنُ عِنْدَهُ جَناحَ بَعُوضَةٍ واللهْوُ ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الإنْسانُ فَيُلْهِيهِ ساعَةً ثُمَّ يَنْقَضِي ﴿وَإنَّ الدارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ أيِ الحَياةُ، أيْ: لَيْسَ فِيها إلّا حَياةٌ مُسْتَمِرَّةٌ دائِمَةٌ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّها في ذاتِها حَياةٌ، والحَيَوانُ مَصْدَرُ حَيَّ وقِياسُهُ حَيَيانِ فَقُلِبَتِ الياءُ الثانِيَةُ (p-٦٨٦)واوًا ولَمْ يَقُلْ لَهي الحَياةُ لِما في بِناءِ فَعَلانٍ مِن مَعْنى الحَرَكَةِ والِاضْطِرابِ، والحَياةُ حَرَكَةٌ والمَوْتُ سُكُونٌ فَمَجِيئُهُ عَلى بِناءٍ دالٍّ عَلى مَعْنى الحَرَكَةِ مُبالَغَةٌ في مَعْنى الحَياةِ، ويُوقَفُ عَلى الحَيَوانِ، لِأنَّ التَقْدِيرَ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ حَقِيقَةَ الدارَيْنِ لَما اخْتارُوا اللهْوَ الفانِيَ عَلى الحَيَوانِ الباقِي ولَوْ وصَلَ لَصارَ وصْفُ الحَيَوانِ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عِلْمِهِمْ ذَلِكَ ولَيْسَ كَذَلِكَ.

العنكبوت 29:65

﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ هو مُتَّصِلٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما وصَفَهم بِهِ وشَرَحَ مِن أمْرِهِمْ مَعْناهُ: هم عَلى ما وُصِفُوا بِهِ مِنَ الشِرْكِ والعِنادِ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ﴾ كائِنِينَ في صُورَةِ مَن يُخْلِصُ الدِينَ لِلَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ لا يَذْكُرُونَ إلّا اللهَ ولا يَدْعُونَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ﴾ وأمِنُوا ﴿إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ عادُوا إلى حالِ الشِرْكِ.

العنكبوت 29:66

﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ مِنَ النِعْمَةِ قِيلَ هي لامُ كَيْ وكَذا في ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ فِيمَن قَرَأها بِالكَسْرِ أيْ: لِكَيْ يَكْفُرُوا وكَيْ يَتَمَتَّعُوا والمَعْنى: يَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ لِيَكُونُوا بِالعَوْدِ إلى شِرْكِهِمْ كافِرِينَ بِنِعْمَةِ النَجاةِ قاصِدِينَ التَمَتُّعَ بِها والتَلَذُّذَ لا غَيْرُ عَلى خِلافِ عادَةِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ عَلى الحَقِيقَةِ فَإنَّهم يَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللهِ إذا أنْجاهم ويَجْعَلُونَ نِعْمَةَ النَجاةِ ذَرِيعَةً إلى ازْدِيادِ الطاعَةِ لا إلى التَلَذُّذِ والتَمَتُّعِ وعَلى هَذا لا وقْفَ عَلى يُشْرِكُونَ ومَن جَعَلَهُ لامَ الأمْرِ مُتَثَبِّتًا بِقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وحَمْزَةَ وعَلِيٍّ "وَلْيَتَمَتَّعُوا" بِسُكُونِ اللامِ عَلى وجْهِ التَهْدِيدِ كَقَوْلِهِ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وتَحْقِيقُهُ في أُصُولِ الفِقْهِ تَقِفُ عَلَيْهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سُوءَ تَدْبِيرِهِمْ عِنْدَ تَدْمِيرِهِمْ.

العنكبوت 29:67

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ " إنّا جَعَلْنا" بَلَدَهم ﴿حَرَمًا﴾ مَمْنُوعًا مَصُونًا ﴿آمِنًا﴾ يَأْمَنُ داخِلُهُ ﴿وَيُتَخَطَّفُ الناسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ يُسْتَلَبُونَ قَتْلًا وسَبْيًا (p-٦٨٧)﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بِالشَيْطانِ والأصْنامِ ﴿وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: بِمُحَمَّدٍ ﷺ والإسْلامِ ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨]

العنكبوت 29:68

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ جَعَلَ لَهُ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ﴾ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والكِتابِ ﴿لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا في تَكْذِيبِهِ حِينَ سَمِعُوهُ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ هَذا تَقْرِيرٌ لِثَوائِهِمْ في جَهَنَّمَ، لِأنَّ هَمْزَةَ الإنْكارِ إذا أدْخَلَتْ عَلى النَفْيِ صارَ إيجابًا يَعْنِي: ألا يَثْوُونَ فِيها وقَدِ افْتَرَوْا مِثْلَ هَذا التَكْذِيبِ عَلى اللهِ وكَذَّبُوا بِالحَقِّ مِثْلَ هَذا التَكْذِيبِ أوْ ألَمْ يَصِحَّ عِنْدَهم أنَّ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ حِينَ اجْتَرَءُوا مِثْلَ هَذِهِ الجَرْأةِ وذِكْرُ المَثْوى في مُقابَلَةِ لَنُبَوِّئِنَّهم يُؤَيِّدُ قِراءَةَ الثانِي.

العنكبوت 29:69

﴿والَّذِينَ جاهَدُوا﴾ أطْلَقَ المُجاهَدَةَ ولَمْ يُقَيِّدْها بِمَفْعُولٍ لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما تَجِبُ مُجاهَدَتُهُ مِنَ النَفْسِ والشَيْطانِ وأعْداءِ الدِينِ ﴿فِينا﴾ في حَقِّنا ومِن أجْلِنا ولِوَجْهِنا خالِصًا ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ سُبْلَنا أبُو عَمْرٍو أيْ: لَنَزِيدَنَّهم هِدايَةً إلى سُبُلِ الخَيْرِ وتَوْفِيقًا، وعَنِ الدارانِي والَّذِينَ جاهَدُوا فِيما عَلِمُوا لَنَهْدِيَنَّهم إلى ما لَمْ يَعْلَمُوا فَقَدْ قِيلَ مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ وُفِّقَ لِما لا يَعْلَمُ، وقِيلَ إنَّ الَّذِي تَرى مِن جَهْلِنا بِما لا نَعْلَمُ إنَّما هو لِتَقْصِيرِنا فِيما نَعْلَمُ، وعَنْ فُضَيْلٍ:والَّذِينَ جاهَدُوا في طَلَبِ العِلْمِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ العَمَلِ بِهِ، وعَنْ سَهْلٍ والَّذِينَ جاهَدُوا في إقامَةِ السُنَّةِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ الجَنَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَطاءٍ: جاهَدُوا في رِضانا لَنَهْدِيَنَّهُمُ الوُصُولَ إلى مَحَلِّ الرِضْوانِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جاهَدُوا في طاعَتِنا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ ثَوابِنا، وعَنِ الجُنَيْدِ جاهَدُوا في التَوْبَةِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ الإخْلاصِ أوْ جاهَدُوا في خِدْمَتِنا لَنَفْتَحَنَّ عَلَيْهِمْ سُبُلَ المُناجاةِ مَعَنا (p-٦٨٨)والأُنْسِ بِنا أوْ جاهَدُوا في طَلَبِنا تَحَرِّيًا لِرِضانا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ الوُصُولِ إلَيْنا ﴿وَإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنُصْرَةِ والمَعُونَةِ في الدُنْيا وبِالثَوابِ والمَغْفِرَةِ في العُقْبى.

الروم 30:1

(p-٦٨٩)سُورَةُ الرُومِ مَكِّيَّةٌ وهي سِتُّونَ أوْ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً والِاخْتِلافُ في بِضْعِ سِنِينَ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُومُ﴾ أيْ: غَلَبَتْ فارِسُ الرُومَ.

الروم 30:2

(p-٦٨٩)سُورَةُ الرُومِ مَكِّيَّةٌ وهي سِتُّونَ أوْ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً والِاخْتِلافُ في بِضْعِ سِنِينَ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُومُ﴾ أيْ: غَلَبَتْ فارِسُ الرُومَ.

الروم 30:3

﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أيْ: أقْرَبِ أرْضِ العَرَبِ، لِأنَّ الأرْضَ المَعْهُودَةَ عِنْدَ العَرَبِ أرْضُهم والمَعْنى: غُلِبُوا في أدْنى أرْضِ العَرَبِ مِنهم وهي أطْرافُ الشامِ أوْ أرادَ أرْضَهم عَلى إنابَةِ اللامِ مَنابَ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: في أدْنى أرْضِهِمْ إلى عَدُوِّهِمْ ﴿وَهُمْ﴾ أيِ الرُومُ ﴿مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أيْ: غَلْبَةِ فارِسَ إيّاهم وقُرِئَ بِسُكُونِ اللامِ فالغَلَبُ والغَلْبِ مَصْدَرانِ وقَدْ أُضِيفَ المَصْدَرُ إلى المَفْعُولِ ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارِسَ ولا وقْفَ عَلَيْهِ لِتَعَلُّقِ.

الروم 30:4

﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ بِهِ وهو ما بَيْنَ الثَلاثِ إلى العَشْرَةِ قِيلَ «احْتَرَبَتْ فارِسُ والرُومُ بَيْنَ أذْرِعاتٍ وبُصْرى فَغَلَبَتْ فارِسُ الرُومَ والمَلِكُ بِفارِسَ يَوْمَئِذٍ كِسْرى أبْرَوِيزَ فَبَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ فَشَقَّ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، لِأنَّ فارِسَ (p-٦٩٠)مَجُوسٌ لا كِتابَ لَهم والرُومُ أهْلُ كِتابٍ وفَرِحَ المُشْرِكُونَ وشَمِتُوا وقالُوا أنْتُمْ والنَصارى أهْلُ كِتابٍ ونَحْنُ وفارِسُ أُمِّيُّونَ وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكم ولَنَظْهَرَنَّ نَحْنُ عَلَيْكم فَنَزَلَتْ فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ واللهِ لَيَظْهَرَنَّ الرُومُ عَلى فارِسَ بَعْدَ بِضْعِ سِنِينَ فَقالَ لَهُ أُبَيُّ ابْنُ خَلَفٍ كَذَبْتَ فَناحَبَهُ عَلى عَشْرِ قَلائِصَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وجَعَلَ الأجَلَ ثَلاثَ سِنِينَ فَأخْبَرَ أبُو بَكْرٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَ ﷺ زِدْ في الخَطْرِ وأبْعِدْ في الأجَلِ" فَجَعَلاها مِائَةَ قَلُوصٍ إلى تِسْعِ سِنِينَ وماتَ أُبَيٌّ مِن جُرْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وظَهَرَتِ الرُومُ عَلى فارِسَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أوْ يَوْمَ بَدْرٍ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ الخَطْرَ مِن ذُرِّيَّةِ أُبَيٍّ فَقالَ ﷺ تَصَدَّقَ بِهِ » وَهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللهِ، لِأنَّها إنْباءٌ عَنْ عِلْمِ الغَيْبِ وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ، عَنْ قَتادَةَ ومِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ أنَّ العُقُودَ الفاسِدَةَ كَعَقْدِ الرِبا وغَيْرِهِ جائِزَةٌ في دارِ الحَرْبِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ وقَدِ احْتَجّا عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ بِهَذِهِ القِصَّةِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ كُلِّ شَيْءٍ ومِن بَعْدِ كُلِّ شَيْءٍ أوْ حِينَ غُلِبُوا وحِينَ يَغْلِبُونَ كَأنَّهُ قِيلَ مِن قَبْلِ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ ومِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ يَعْنِي: أنَّ كَوْنَهم مَغْلُوبِينَ أوَّلًا وغالِبِينَ آخِرًا لَيْسَ إلّا بِأمْرِ اللهِ وقَضائِهِ ﴿وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ الناسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ ويَوْمَ تَغْلِبُ الرُومُ عَلى فارِسَ ويَحُلُّ ما وعَدَ اللهُ مِن غَلَبَتِهِمْ ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾

الروم 30:5

﴿بِنَصْرِ اللهِ﴾ وتَغْلِيبِهِ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ وغَيْظِ مَن شَمِتَ بِهِمْ مِن كُفّارِ مَكَّةَ وقِيلَ نَصْرُ اللهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُومِ والباءُ يَتَّصِلُ بِيَفْرَحُ فَيُوقَفُ عَلى "اللهِ" (p-٦٩١)لا عَلى "المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ" ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى أعْدائِهِ ﴿الرَحِيمُ﴾ العاطِفُ عَلى أوْلِيائِهِ.

الروم 30:6

﴿وَعْدَ اللهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ وعْدٌ مِنَ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَوْلُهُ ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ بِمَنزِلَةِ وعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ وعْدًا ﴿لا يُخْلِفُ اللهُ وعْدَهُ﴾ بِنَصْرِ الرُومِ عَلى فارِسَ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ.

الروم 30:7

﴿يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] بَدَلٌ مِن ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] وفِيهِ بَيانٌ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِ العِلْمِ الَّذِي هو الجَهْلُ وبَيْنَ وُجُودِ العِلْمِ الَّذِي لا يَتَجاوَزُ تَحْصِيلَ الدُنْيا وقَوْلُهُ ﴿ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُنْيا﴾ يُفِيدُ أنَّ لِلدُّنْيا ظاهِرًا وباطِنًا فَظاهِرُها ما يَعْرِفُهُ الجُهّالُ مِنَ التَمَتُّعِ بِزَخارِفِها وباطِنُها أنَّها مَجازٌ إلى الآخِرَةِ يَتَزَوَّدُ مِنها إلَيْها بِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ وتَنْكِيرُ الظاهِرِ يُفِيدُ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا واحِدًا مِن جُمْلَةِ ظَواهِرِها ﴿وَهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ هُمُ الثانِيَةُ مُبْتَدَأٌ وغافِلُونَ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ "هُمْ" الأُولى وفِيهِ بَيانٌ أنَّهم مَعْدِنُ الغَفْلَةِ عَنِ الآخِرَةِ ومَقَرُّها.

الروم 30:8

﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا كَأنَّهُ قِيلَ أوْ لَمْ يُثْبِتُوا التَفَكُّرَ في أنْفُسِهِمْ أيْ: في قُلُوبِهِمُ الفارِغَةِ مِنَ الفِكْرِ، والتَفَكُّرُ لا يَكُونُ إلّا في القُلُوبِ ولَكِنَّهُ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِحالِ المُتَفَكِّرِينَ كَقَوْلِكَ اعْتَقِدْهُ في قَلْبِكَ وأنْ يَكُونَ صِلَةً لِلتَّفَكُّرِ نَحْوُ تَفَكَّرَ في الأمْرِ وأجالَ فِيهِ فِكْرَهَ ومَعْناهُ: عَلى هَذا أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمُ الَّتِي هي أقْرَبُ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِها مِنَ المَخْلُوقاتِ وهم أعْلَمُ بِأحْوالِها مِنهم بِأحْوالِ ما عَداها فَيَتَدَبَّرُوا ما أوْدَعَها اللهُ ظاهِرًا وباطِنًا مِن غَرائِبِ الحِكْمَةِ الدالَّةِ عَلى التَدْبِيرِ دُونَ الإهْمالِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَها مِنَ الِانْتِهاءِ إلى وقْتٍ تُجازى فِيهِ عَلى الإحْسانِ إحْسانًا وعَلى الإساءَةِ مِثْلَها حَتّى يَعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنَّ سائِرَ الخَلائِقِ كَذَلِكَ أمْرُها جارٍ عَلى الحِكْمَةِ في التَدْبِيرِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَها مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿ما خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ المَحْذُوفِ ومَعْناهُ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فَيَقُولُوا هَذا القَوْلَ وقِيلَ مَعْناهُ: (p-٦٩٢)فَيَعْلَمُوا، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ ﴿إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ: ما خَلَقَهُما باطِلًا وعَبَثًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ بالِغَةٍ ولا لِتَبْقى خالِدَةً إنَّما خَلَقَها مَقْرُونَةً بِالحَقِّ مَصْحُوبَةً بِالحِكْمَةِ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى لا بُدَّ لَها مِن أنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِ وهو قِيامُ الساعَةِ ووَقْتُ الحِسابِ والثَوابِ والعِقابِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] كَيْفَ سَمّى تَرْكَهم غَيْرَ راجِعِينَ إلَيْهِ عَبَثًا ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ بِالبَعْثِ والجَزاءِ ﴿لَكافِرُونَ﴾ لَجاحِدُونَ وقالَ الزَجّاجُ أيْ: لَكافِرُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ.

الروم 30:9

﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ هو تَقْرِيرٌ لِسَيْرِهِمْ في البِلادِ ونَظَرِهِمْ إلى آثارِ المُدَمَّرِينَ مِن عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ العاتِيَةِ ثُمَّ وصَفَ حالَهم فَقالَ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ﴾ وحَرَثُوها ﴿وَعَمَرُوها﴾ أيِ المُدَمَّرُونَ ﴿أكْثَرَ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وما مَصْدَرِيَّةٌ في ﴿مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: مِن عِمارَةِ أهْلِ مَكَّةَ ﴿وَجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ وتَقِفُ عَلَيْها لِحَقِّ الحَذْفِ أيْ: فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَأُهْلِكُوا ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فَما كانَ تَدْمِيرُهُ إيّاهم ظُلْمًا لَهم ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ عَمِلُوا ما أوْجَبَ تَدْمِيرَهُمْ.

الروم 30:10

﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ﴾ بِالنَصْبِ شامِيٌّ وكُوفِيٌّ ﴿الَّذِينَ أساءُوا السُوأى﴾ تَأْنِيثُ الأسْوَأِ وهو الأقْبَحُ كَما أنَّ الحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ ومَحَلُّها رَفْعٌ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ عِنْدَ مَن نَصَبَ عاقِبَةً عَلى الخَبَرِ ونَصْبٌ عِنْدَ مَن رَفَعَها والمَعْنى: أنَّهم عُوقِبُوا في الدُنْيا بِالدَمارِ ثُمَّ كانَتْ عاقِبَتَهُمُ السُوأى إلّا أنَّهُ وضَعَ المُظْهَرِ وهو الَّذِينَ أساءُوا مَوْضِعَ المُضْمَرِ أيِ العُقُوبَةَ الَّتِي هي أسْوَأُ العَقُوباتِ في الآخِرَةِ وهي النارُ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴿أنْ كَذَّبُوا﴾، لِأنْ (p-٦٩٣)كَذَّبُوا أوْ بِأنْ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى أساءُوا كَفَرُوا ﴿بِآياتِ اللهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَعْنِي: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الكافِرِينَ النارُ لِتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللهِ واسْتِهْزائِهِمْ بِها.

الروم 30:11

﴿اللهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ يُنْشِئُهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وبِالياءِ أبُو عَمْرٍو وسَهْلٌ.

الروم 30:12

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يُبْلِسُ﴾ يَيْأسُ ويَتَحَيَّرُ يُقالُ ناظَرْتُهُ فَأبْلَسَ إذا لَمْ يَنْبِسْ ويَئِسَ مِن أنْ يَحْتَجَّ ﴿المُجْرِمُونَ﴾ المُشْرِكُونَ.

الروم 30:13

﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ﴾ مِنَ الَّذِينَ عَبَدُوهم " مِن دُونِ اللهِ " وكُتِبَ شُفَعَؤُا في المُصْحَفِ بِواوٍ قَبْلَ الألْفِ كَما كُتِبَ عُلَمَؤُا بِنِي إسْرائِيلَ وكَذَلِكَ كُتِبَتِ السُوأى بِالألِفِ قَبْلَ الياءِ إثْباتًا لِلْهَمْزَةِ عَلى صُورَةِ الحَرْفِ الَّذِي مِنهُ حَرَكَتُها ﴿وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ: يَكْفُرُونَ بِآلِهَتِهِمْ ويَجْحَدُونَها أوْ وكانُوا في الدُنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِهِمْ.

الروم 30:14

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ الضَمِيرُ في يَتَفَرَّقُونَ لِلْمُسْلِمِينَ والكافِرِينَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ حَيْثُ قالَ.

الروم 30:15

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ﴾ أيْ: بُسْتانٍ وهي الجَنَّةُ والتَنْكِيرُ لِإبْهامِ أمْرِها وتَفْخِيمِهِ ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُسَرُّونَ يُقالُ حَبَرَهُ إذا سَرَّهُ سُرُورًا تَهَلَّلَ لَهُ وجْهُهُ وظَهَرَ فِيهِ أثَرُهُ ثُمَّ اخْتُلِفَ فِيهِ لِاحْتِمالِ وُجُوهِ المَسارِّ فَقِيلَ يُكْرَمُونَ وقِيلَ يُحَلَّوْنَ وقِيلَ هو السَماعُ في الجَنَّةِ.

الروم 30:16

﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيِ البَعْثِ ﴿فَأُولَئِكَ في (p-٦٩٤)العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ مُقِيمُونَ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ ولا يُخَفَّفُ عَنْهم كَقَوْلِهِ ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائدة: ٣٧]

الروم 30:17

لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ أتْبَعَهُ ذِكْرَ ما يُوصِلُ إلى الوَعْدِ ويُنْجِي مِنَ الوَعِيدِ فَقالَ ﴿فَسُبْحانَ اللهِ﴾ والمُرادُ بِالتَسْبِيحِ ظاهِرُهُ الَّذِي هو تَنْزِيهُ اللهِ مِنَ السُوءِ والثَناءُ عَلَيْهِ بِالخَيْرِ في هَذِهِ الأوْقاتِ لِما يَتَجَدَّدُ فِيها مِن نِعْمَةِ اللهِ الظاهِرَةِ أوِ الصَلاةِ فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ هَلْ تَجِدُ الصَلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ فَقالَ نَعَمْ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ وهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ والمَعْنى: نَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ أوْ صَلُّوا لِلَّهِ ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةَ المَغْرِبِ والعِشاءِ ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةَ الفَجْرِ.

الروم 30:18

﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَماواتِ والأرْضِ﴾ اعْتِراضٌ ومَعْناهُ: أنَّ عَلى المُمَيِّزِينَ كُلِّهِمْ مِن أهْلِ السَمَواتِ والأرْضِ أنْ يَحْمَدُوهُ وفى السَمَواتِ حالٌ مِنَ الحَمْدِ ﴿وَعَشِيًّا﴾ صَلاةُ العَصْرِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُهْرِ. أظْهَرَ أيْ:دَخَلَ في وقْتِ الظُهْرِ والقَوْلُ الأكَثْرُ أنَّ الصَلَواتِ الخَمْسَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ.

الروم 30:19

﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الطائِرَ مِنَ البَيْضَةِ أوِ الإنْسانَ مِنَ النُطْفَةِ أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ﴿وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ البَيْضَةَ مِنَ الطائِرِ أوِ النُطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ "والمَيْتَ" بِالتَخْفِيفِ فِيهِما مَكِّيٌّ وشامِيٌّ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ، بِالتَشْدِيدِ غَيْرُهم ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ﴾ بِالنَباتِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ يَبَسِها ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ تَخْرُجُونَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وخَلَفٌ أيْ: ومِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم والكافُ في مَحَلِّ النَصْبِ بِتُخْرَجُونَ والمَعْنى: أنَّ الإبْداءَ والإعادَةَ يَتَساوَيانِ في قُدْرَةِ مَن هو قادِرٌ عَلى إخْراجِ المَيِّتِ (p-٦٩٥)مِنَ الحَيِّ وعَكْسِهِ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ «مَن قَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] إلى الثَلاثِ وآخِرَ سُورَةِ والصافّاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ كُتِبَ لَهُ مِنَ الحَسَناتِ عَدَدُ نُجُومِ السَماءِ وقَطْرِ الأمْطارِ ووَرَقِ الأشْجارِ وتُرابِ الأرْضِ فَإذا ماتَ أُجْرِيَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ في قَبْرِهِ" » وعَنْهُﷺ قالَ « " مَن قَرَأ حِينَ يُصْبِحُ ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ »

الروم 30:20

﴿وَمِن آياتِهِ﴾ ومِن عَلاماتِ رُبُوبِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ﴿أنْ خَلَقَكُمْ﴾ أيْ: أباكم ﴿مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ﴾ أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ تَنْصَرِفُونَ فِيما فِيهِ مَعاشُكم وإذا لِلْمُفاجَأةِ وتَقْدِيرُهُ: ثُمَّ فاجَأْتُمْ وقْتَ كَوْنِكم بَشَرًا مُنْتَشِرِينَ في الأرْضِ.

الروم 30:21

﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ أيْ: حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن ضِلَعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ والنِساءُ بَعْدَها خُلِقْنَ مِن أصْلابِ الرِجالِ أوْ مِن شَكْلِ أنْفُسِكم وجِنْسِها لا مِن جِنْسٍ آخَرَ وذَلِكَ لِما بَيْنَ الِاثْنَيْنِ مَن جِنْسٍ واحِدٍ مِنَ الإلْفِ والسُكُونِ وما بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ مِنَ التَنافُرِ يُقالُ سَكَنَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ أيْ: جَعَلَ بَيْنَكُمُ التَوادَّ والتَراحُمَ بِسَبَبِ الزَواجِ، وعَنِ الحَسَنِ: المَوَدَّةُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ والرَحْمَةُ عَنِ الوَلَدِ وقِيلَ المَوَدَّةُ لِلشّابَّةِ والرَحْمَةُ لِلْعَجُوزِ وقِيلَ المَوَدَّةُ والرَحْمَةُ مِنَ اللهِ والفَرْكُ مِنَ الشَيْطانِ أيْ: بُغْضُ المَرْأةِ زَوْجَها وبُغْضُ الزَوْجِ المَرْأةَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَيَعْلَمُونَ أنَّ قِوامَ الدُنْيا بِوُجُودِ التَناسُلِ (p-٦٩٦)

الروم 30:22

﴿وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيِ اللُغاتِ أوْ أجْناسِ النُطْقِ وأشْكالِهِ ﴿وَألْوانِكُمْ﴾ كالسَوادِ والبَياضِ وغَيْرِهِما ولِاخْتِلافِ ذَلِكَ وقَعَ التَعارُفُ وإلّا فَلَوْ تَشاكَلَتْ واتَّفَقَتْ لَوَقَعَ التَجاهُلُ والِالتِباسُ ولَتَعَطَّلَتِ المَصالِحُ وفي ذَلِكَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ حَيْثُ وُلِدُوا مِن أبٍ واحِدٍ وهم عَلى الكَثْرَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللهُ مُتَفاوِتُونَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ جَمْعُ عالَمٍ، وبِكَسْرِ اللامِ حَفْصٌ جَمْعُ عالِمٍ ويَشْهَدُ لِلْكَسْرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]

الروم 30:23

﴿وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَيْلِ والنَهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ هَذا مِن بابِ اللَفِّ، وتَرْتِيبُهُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِاللَيْلِ والنَهارِ إلّا أنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِالقَرِينَيْنِ الآخَرَيْنِ أوِ المُرادُ مَنامُكم في الزَمانَيْنِ وابْتِغاؤُكم فِيهِما والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ لِتَكَرُّرِهِ في القُرْآنِ وأسَدُّ المَعانِي ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: يَسْمَعُونَ سَماعَ تَدَبُّرٍ بِآذانٍ واعِيَةٍ.

الروم 30:24

﴿وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ في يُرِيكم وجْهانِ: إضْمارُ أنْ كَما في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وإنْزالُ الفِعْلِ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ وبِهِما فُسِّرَ المَثَلُ "تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ" أيْ: أنْ تَسْمَعَ أوْ سَماعُكَ ﴿خَوْفًا﴾ مِنَ الصاعِقَةِ أوْ مِنَ الإخْلافِ ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغَيْثِ أوْ خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْحاضِرِ وهُما مَنصُوبانِ عَلى المَفْعُولِ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ أيْ: إرادَةَ خَوْفٍ وإرادَةَ طَمَعٍ أوْ عَلى الحالِ أيْ: خائِفِينَ وطامِعِينَ ﴿وَيُنَـزِّلُ مِنَ السَماءِ﴾ وبِالتَّخْفِيفِ مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ (p-٦٩٧)﴿ماءً﴾ مَطَرًا ﴿فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَتَفَكَّرُونَ بِعُقُولِهِمْ.

الروم 30:25

﴿وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ﴾ تَثْبُتُ بِلا عَمَدٍ ﴿السَماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِإقامَتِهِ وتَدْبِيرِهِ وحِكْمَتِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكُمْ﴾ لِلْبَعْثِ ﴿دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم هَذا كَقَوْلِهِ ﴿يُرِيكُمُ﴾ [الروم: ٢٤] في إيقاعِ الجُمْلَةِ مَوْقِعَ المُفْرَدِ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قالَ:وَمِن آياتِهِ قِيامُ السَمَواتِ والأرْضِ واسْتِمْساكِها بِغَيْرِ عَمَدٍ ثُمَّ خُرُوجُ المَوْتى مِنَ القُبُورِ إذا دَعاهم دَعْوَةً واحِدَةً يا أهْلَ القُبُورِ اخْرُجُوا والمُرادُ سُرْعَةُ وُجُودِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ وإنَّما عَطَفَ هَذا عَلى قِيامِ السَمَواتِ والأرْضِ بِثُمَّ بَيانًا لِعِظَمِ ما يَكُونُ مِن ذَلِكَ الأمْرِ واقْتِدارِهِ عَلى مِثْلِهِ وهو أنْ يَقُولَ يا أهْلَ القُبُورِ قُومُوا فَلا تَبْقى نَسَمَةٌ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ إلّا قامَتْ تَنْظُرُ كَما قالَ ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] وإذا الأُولى لِلشَّرْطِ والثانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ وهي تَنُوبُ مَنابَ الفاءِ في جَوابِ الشَرْطِ ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ لا بِالمَصْدَرِ وقَوْلُكَ دَعَوْتُهُ مِن مَكانِ كَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَكانَكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَكانَ صاحِبِكَ.

الروم 30:26

﴿وَلَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِوُجُودِ أفْعالِهِ فِيهِمْ لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ أوْ مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّ.

الروم 30:27

﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ: يُنْشِئُهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لِلْبَعْثِ ﴿وَهُوَ﴾ أيِ البَعْثُ ﴿أهْوَنُ﴾ أيْسَرُ ﴿عَلَيْهِ﴾ عِنْدَكم، لِأنَّ الإعادَةَ عِنْدَكم أسْهَلُ مِنَ الإنْشاءِ فَلِمَ أنْكَرْتُمُ الإعادَةَ؟، وأُخِّرَتِ الصِلَةُ في قَوْلِهِ ﴿وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وقُدِّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] لِقَصْدِ الِاخْتِصاصِ هُناكَ وأمّا هُنا فَلا مَعْنى لِلِاخْتِصاصِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَجّاجُ وغَيْرُهُما: الأهْوَنُ (p-٦٩٨)بِمَعْنى الهَيِّنِ فَيُوصَفُ بِهِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا كَما قالُوا اللهُ أكْبَرُ أيْ كَبِيرٌ والإعادَةُ في نَفْسِها عَظِيمَةٌ ولَكِنَّها هُوِّنَتْ بِالقِياسِ إلى الإنْشاءِ أوْ هو أهْوَنُ عَلى الخَلْقِ مِنَ الإنْشاءِ، لِأنَّ قِيامَهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ أسْهَلُ مِن كَوْنِهِمْ نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا إلى تَكْمِيلِ خَلْقِهِمْ ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ الوَصْفُ الأعَلى الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ وقَدْ عُرِفَ بِهِ ووُصِفَ في السَمَواتِ والأرْضِ عَلى ألْسِنَةِ الخَلائِقِ وألْسِنَةِ الدَلائِلِ وهو أنَّهُ القادِرُ الَّذِي لا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ مِن إنْشاءٍ وإعادَةٍ وغَيْرِهِما مِنَ المَقْدُوراتِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ أيِ القاهِرُ لِكُلِّ مَقْدُورٍ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَجْرِي كُلُّ فِعْلٍ عَلى قَضايا حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما المَثَلُ الأعْلى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَمِيعُ البَصِيرُ، وعَنْ مُجاهِدٍ هو قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللهُ ومَعْناهُ: ولَهُ الوَصْفُ الأرْفَعُ الَّذِي هو الوَصْفُ بِالوَحْدانِيَّةِ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ.

الروم 30:28

﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَن جَعَلَ لَهُ شَرِيكًا مِن خَلْقِهِ "مِن" لِلِابْتِداءِ كَأنَّهُ قالَ أخَذَ مَثَلًا وانْتَزَعَهُ مِن أقْرَبِ شَيْءٍ مِنكم وهي أنْفُسُكم ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ مَعاشِرَ الأحْرارِ ﴿مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣] عَبِيدِكم ومِن لِلتَّبْعِيضِ ﴿مِن شُرَكاءَ﴾ مِن مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِفْهامِ الجارِي مَجْرى النَفْيِ ومَعْناهُ: هَلْ تَرْضَوْنَ لِأنْفُسِكم - وعَبِيدُكم أمْثالُكم بَشَرٌ كَبَشَرٍ وعَبِيدٌ كَعَبِيدٍ – أنْ يُشارِكَكم بَعْضُهم ﴿فِي ما رَزَقْناكُمْ﴾ مِنَ الأمْوالِ وغَيْرِها ﴿فَأنْتُمْ﴾ مَعاشِرَ الأحْرارِ والعَبِيدِ ﴿فِيهِ﴾ في ذَلِكَ الرِزْقِ ﴿سَواءٌ﴾ مِن غَيْرِ تَفْضِلَةٍ بَيْنَ حُرٍّ وعَبْدٍ يَحْكُمُ مَمالِيكُكم في أمْوالِكم كَحُكْمِكم ﴿تَخافُونَهُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في سَواءٍ أيْ: مُتَساوُونَ خائِفًا بَعْضُكم بَعْضًا مُشارَكَتَهُ في المالِ والمَعْنى: تَخافُونَ مَعاشِرَ السادَةِ عَبِيدَكم فِيها فَلا تُمْضُونَ فِيها حُكْمًا دُونَ إذْنِهِمْ خَوْفًا مِن لائِمَةٍ تَلْحَقُكم مِن جِهَتِهِمْ ﴿كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ يَعْنِي: كَما يَخافُ بَعْضُ (p-٦٩٩)الأحْرارِ بَعْضًا فِيما هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَهم فَإذا لَمْ تَرْضَوْا بِذَلِكَ لِأنْفُسِكم فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِرَبِّ الأرْبابِ ومالِكِ الأحْرارِ والعَبِيدِ أنْ تَجْعَلُوا بَعْضَ عَبِيدِهِ لَهُ شُرَكاءَ؟! ﴿كَذَلِكَ﴾ مَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ أيْ: مِثْلَ هَذا التَفْصِيلِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ نُبَيِّنُها لِأنَّ التَمْثِيلَ مِمّا يَكْشِفُ المَعانِيَ ويُوَضِّحُها ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَتَدَبَّرُونَ في ضَرْبِ الأمْثالِ فَلَمّا لَمْ يَنَزَجِرُوا أضْرَبَ عَنْهم فَقالَ.

الروم 30:29

﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنْفُسَهم بِما أشْرَكُوا كَما قالَ اللهُ تَعالى ﴿إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ﴿أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيِ اتَّبَعُوا أهْواءَهم جاهِلِينَ ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللهُ﴾ أيْ: أضَلَّهُ اللهُ تَعالى ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ مِنَ العَذابِ.

الروم 30:30

﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ فَقَوِّمْ وجْهَكَ لَهُ وعُدْ لَهُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ عَنْهُ يَمِينًا ولا شِمالًا وهو تَمْثِيلٌ لِإقْبالِهِ عَلى الدِينِ واسْتِقامَتِهِ عَلَيْهِ واهْتِمامِهِ بِأسْبابِهِ فَإنَّ مَنِ اهْتَمَّ بِالشَيْءِ عَقَدَ عَلَيْهِ طَرْفَهُ وسَدَّدَ إلَيْهِ نَظَرَهُ وقَوَّمَ لَهُ وجْهَهُ ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِنَ المَأْمُورِ أوْ مِنَ الدِينِ ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ أيِ الزَمُوا فِطْرَةَ اللهِ والفِطْرَةُ الخِلْقَةُ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ فالمَعْنى: أنَّهُ خَلَقَهم قابِلَيْنِ لِلتَّوْحِيدِ والإسْلامِ غَيْرَ نائِينَ عَنْهُ ولا مُنْكِرِينَ لَهُ لِكَوْنِهِ مُجاوِبًا لِلْعَقْلِ مُساوِقًا لِلنَّظَرِ الصَحِيحِ حَتّى لَوْ تُرِكُوا لَما اخْتارُوا عَلَيْهِ دِينًا آخَرَ ومَن غَوى مِنهم فَبِإغْواءِ شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ « "كُلُّ عِبادِي خَلَقْتُ حُنَفاءَ فاجْتالَتْهُمُ الشَياطِينُ عَنْ دِينِهِمْ وأمَرُوهم أنْ يُشْرِكُوا بِي غَيْرِي" » وقَوْلُهُ ﷺ « " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى يَكُونَ أبَواهُ هُما اللَذانِ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ" » وقالَ الزَجّاجُ مَعْناهُ: أنَّ اللهَ تَعالى فَطَرَ الخَلْقَ (p-٧٠٠)عَلى الإيمانِ بِهِ عَلى ما جاءَ في الحَدِيثِ « "إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أخْرَجَ مِن صُلْبِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ كالذَرِّ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ خالِقُهم فَقالَ ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] إلى قَوْلِهِ ﴿قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] » وكُلُّ مَوْلُودٍ هو مِن تِلْكَ الذُرِّيَّةِ الَّتِي شَهِدَتْ بِأنَّ اللهَ تَعالى خالِقُها فَمَعْنى ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ دِينُ اللهِ ﴿الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها﴾ أيْ: خَلَقَ ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي أنْ تُبَدَّلَ تِلْكَ الفِطْرَةُ أوْ تُغَيَّرَ وقالَ الزَجّاجُ مَعْناهُ: لا تَبْدِيلَ لِدِينِ اللهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ﴾ أيِ المُسْتَقِيمُ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ حَقِيقَةَ ذَلِكَ.

الروم 30:31

﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في الزَمُوا وقَوْلُهُ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا وتَكُونُوا مَعْطُوفٌ عَلى هَذا المُضْمَرِ أوْ مِن قَوْلِهِ فَأقِمْ وجْهَكَ، لِأنَّ الأمْرَ لَهُ ﷺ أمْرٌ لِأُمَّتِهِ فَكَأنَّهُ قالَ فَأقِيمُوا وُجُوهَكم مُنِيبِينَ إلَيْهِ أوِ التَقْدِيرُ كُونُوا مُنِيبِينَ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ واتَّقُوهُ ﴿أقِيمُوا الصَلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] أيْ: أدُّوها في أوْقاتِها ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مِمَّنْ يُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ.

الروم 30:32

﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ بَدَلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِإعادَةِ الجارِّ ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ جَعَلُوهُ أدْيانًا مُخْتَلِفَةً لِاخْتِلافِ أهْوائِهِمْ "فارَقُوا" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أيْ: تَرَكُوا دِينَ الإسْلامِ ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ فِرَقًا كُلُّ واحِدَةٍ تُشايِعُ إمامَها الَّذِي أضَلَّها ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ مِنهم ﴿بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فَرِحٌ بِمَذْهَبِهِ مَسْرُورٌ يَحْسَبُ باطِلَهُ حَقًّا.

الروم 30:33

﴿وَإذا مَسَّ الناسَ ضُرٌّ﴾ شِدَّةٌ مِن هُزالٍ أوْ مَرَضٍ أوْ قَحْطٍ أوْ (p-٧٠١)غَيْرِ ذَلِكَ ﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ أيْ: خَلاصًا مِنَ الشِدَّةِ ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ في العِبادَةِ.

الروم 30:34

﴿لِيَكْفُرُوا﴾ هَذِهِ لامُ كَيْ وقِيلَ لامُ الأمْرِ لِلْوَعِيدِ ﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾ مِنَ النِعَمِ ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ بِكُفْرِكم قَلِيلًا أمْرَ وعِيدٍ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبالَ تَمَتُّعِكُمْ.

الروم 30:35

﴿أمْ أنْـزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ حُجَّةً ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ وتَكَلُّمُهُ مَجازٌ كَما تَقُولُ كِتابُهُ ناطِقٌ بِكَذا وهَذا مِمّا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ ومَعْناهُ: الشَهادَةُ كَأنَّهُ قالَ فَهو يَشْهَدُ بِشِرْكِهِمْ وبِصِحَّتِهِ ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: بِكَوْنِهِمْ بِاللهِ يُشْرِكُونَ أوْ مَوْصُولَةٌ ويَرْجِعُ الضَمِيرُ إلَيْها أيْ: فَهو يَتَكَلَّمُ بِالأمْرِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يُشْرِكُونَ أوْ مَعْنى الآيَةِ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ ذا سُلْطانٍ أيْ: مَلَكًا مَعَهُ بُرْهانٌ فَذَلِكَ المَلَكُ يَتَكَلَّمُ بِالبُرْهانِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يُشْرِكُونَ.

الروم 30:36

﴿وَإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً مِن مَطَرٍ أوْ سَعَةٍ أوْ صِحَّةٍ ﴿فَرِحُوا بِها﴾ بَطَرُوا بِسَبَبِها ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ مِن جَدْبٍ أوْ ضِيقٍ أوْ مَرَضٍ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِسَبَبِ شُؤْمِ مَعاصِيهِمْ ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ مِنَ الرَحْمَةِ، إذا لِلْمُفاجَأةِ جَوابُ الشَرْطِ نابَتْ عَنِ الفاءِ لِتَآخِيهِما في التَعْقِيبِ.

الروم 30:37

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا بِأنَّهُ القابِضُ الباسِطُ فَما لَهم يَقْنَطُونَ مِن رَحْمَتِهِ وما لَهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ تائِبِينَ عَنِ المَعاصِي الَّتِي عُوقِبُوا بِالشِدَّةِ مِن أجْلِها حَتّى يُعِيدَ إلَيْهِمْ رَحْمَتَهُ.

الروم 30:38

وَلَمّا ذَكَرَ أنَّ السَيِّئَةَ أصابَتْهم بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ أتْبَعَهُ ذِكْرَ ما يَجِبُ أنْ (p-٧٠٢)يَفْعَلَ وما يَجِبُ أنْ يَتْرَكَ فَقالَ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى﴾ أعْطِ قَرِيبَكَ ﴿حَقَّهُ﴾ مِنَ البَرِّ والصِلَةِ ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ﴾ نَصِيبَهُما مِنَ الصَدَقَةِ المُسَمّاةِ لَهُما وفِيهِ دَلِيلُ وُجُوبِ النَفَقَةِ لِلْمَحارِمِ كَما هو مَذْهَبُنا ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: إيتاءُ حُقُوقِهِمْ ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللهِ﴾ أيْ: ذاتَهُ أيْ: يَقْصِدُونَ بِمَعْرُوفِهِمْ إيّاهُ خالِصًا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

الروم 30:39

﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ﴾ يُرِيدُ وما أعْطَيْتُمْ أكَلَةَ الرِبا مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِهِمْ ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ﴾ فَلا يَزْكُو عِنْدَ اللهِ ولا يُبارَكُ فِيهِ وقِيلَ هو مِنَ الرِبا الحَلالِ أيْ: وما تُعْطُونَهُ مِنَ الهَدِيَّةِ لِتَأْخُذُوا أكْثَرَ مِنها فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ، لِأنَّكم لَمْ تُرِيدُوا بِذَلِكَ وجْهَ اللهِ ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ﴾ صَدَقَةٍ ﴿تُرِيدُونَ وجْهَ اللهِ﴾ تَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَهُ خالِصًا لا تَطْلُبُونَ بِهِ مُكافَأةً ولا رِياءً وسُمْعَةً ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ ذَوُو الإضْعافِ مِنَ الحَسَناتِ ونَظِيرُ المُضْعِفِ المُقْوِي والمُوسِرُ لِذِي القُوَّةِ واليَسارِ، "أتَيْتُمْ مِن رِبًا" بِلا مَدٍّ مَكِّيٌّ، أيْ: وما غَشِيتُمُوهُ مِن إعْطاءِ رِبًا "لِتُرْبُوا" مَدَنِيٌّ، أيْ: لِتَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ، وقَوْلُهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ التِفاتٌ حَسَنٌ، لِأنَّهُ يُفِيدُ التَعْمِيمَ كَأنَّهُ قِيلَ:مَن فَعَلَ هَذا فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ المُخاطَبِينَ والمَعْنى: المُضْعِفُونَ بِهِ، لِأنَّهُ لابُدَّ لَهُ مِن ضَمِيرٍ يَرْجِعُ إلى ما المَوْصُولَةِ وقالَ الزَجّاجُ في قَوْلِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ أيْ: فَأهْلُها هُمُ المُضْعِفُونَ أيْ: هُمُ الَّذِينَ يُضاعَفُ لَهُمُ الثَوابُ يُعْطَوْنَ بِالحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها ثُمَّ أشارَ إلى عَجْزِ آلِهَتِهِمْ فَقالَ.

الروم 30:40

﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [الروم: ٥٤] مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أيْ: هو المُخْتَصُّ بِالخَلْقِ والرِزْقِ والإماتَةِ والإحْياءِ ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ أيْ: أصْنامِكُمُ الَّتِي زَعَمْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ ﴿مَن (p-٧٠٣)يَفْعَلُ مَن ذَلِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الخَلْقِ والرِزْقِ والإماتَةِ والإحْياءِ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: شَيْئًا مِن تِلْكَ الأفْعالِ، فَلَمْ يُجِيبُوا عَجْزًا فَقالَ اسْتِبْعادًا ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ و"مِن" الأوْلى والثانِيَةُ والثالِثَةُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ مُسْتَقِلَّةٌ بِتَأْكِيدٍ لِتَعْجِيزِ شُرَكائِهِمْ وتَجْهِيلِ عَبَدَتِهِمْ.

الروم 30:41

﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ نَحْوُ القَحْطِ وقِلَّةِ الأمْطارِ والرِيعِ في الزِراعاتِ والرِبْحِ في التِجاراتِ ووُقُوعِ المَوَتانِ في الناسِ والدَوابِّ وكَثْرَةِ الحَرْقِ والغَرَقِ ومَحْقِ البَرَكاتِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي الناسِ﴾ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وشِرْكِهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أيْ: لِيُذِيقَهم وبالَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُنْيا قَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِجَمِيعِها في الآخِرَةِ وبِالنُونِ عَنْ قُنْبُلٍ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي ثُمَّ أكَّدَ تَسْبِيبَ المَعاصِي لِغَضَبِ اللهِ ونَكالِهِ بِقَوْلِهِ.

الروم 30:42

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ حَيْثُ أمَرَهم بِأنْ يَسِيرُوا فَيَنْظُرُوا كَيْفَ أهْلَكَ اللهُ الأُمَمَ وأذاقَهم سُوءَ العاقِبَةِ بِمَعاصِيهِمْ.

الروم 30:43

﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ البَلِيغِ الِاسْتِقامَةِ الَّذِي لا يَتَأتّى فِيهِ عِوَجٌ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ﴾ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرَدِّ ﴿مِنَ اللهِ﴾ يَتَعَلَّقُ بِيَأتِيَ والمَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ [الأنبياء: ٤٠] أوْ بِ"مَرَدَّ" عَلى مَعْنى لا يَرُدُّهُ هو بَعْدَ أنْ يَجِيءَ بِهِ ولا رَدَّ لَهُ مِن جِهَتِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ يَتَصَدَّعُونَ أيْ: يَتَفَرَّقُونَ (p-٧٠٤)

الروم 30:44

ثُمَّ أشارَ إلى غِناهُ فَقالَ ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: وبالُ كُفْرِهِ ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أيْ: يُسَوُّونَ لِأنْفُسِهِمْ ما يُسَوِّيهِ لِنَفَسِهِ الَّذِي يُمَهِّدُ لِنَفْسِهِ فِراشَهُ ويُوَطِّئُهُ لِئَلّا يُصِيبَهُ في مَضْجَعَهِ ما يُنَغِّصُ عَلَيْهِ مَرْقَدَهُ مِن نُتُوءٍ وغَيْرِهِ والمَعْنى: أنَّهُ يُمَهِّدُ لَهُمُ الجَنَّةَ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ فَأُضِيفَ إلَيْهِمْ وتَقْدِيمُ الظَرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ضَرَرَ الكُفْرِ لا يَعُودُ إلّا عَلى الكافِرِ ومَنفَعَةَ الإيمانِ والعَمَلِ الصالِحِ يَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ لا تُجاوِزُهُ.

الروم 30:45

﴿لِيَجْزِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَمْهَدُونَ تَعْلِيلٌ لَهُ وتَكْرِيرٌ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ وتُرِكَ الضَمِيرُ إلى الصَرِيحِ لِتَقْدِيرِ أنَّهُ لا يُفْلِحُ عِنْدَهُ إلّا المُؤْمِنُ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَطائِهِ وقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ عَلى الطَرْدِ والعَكْسِ.

الروم 30:46

﴿وَمِن آياتِهِ﴾ أيْ: ومِن آياتِ قُدْرَتِهِ ﴿أنْ يُرْسِلَ الرِياحَ﴾ هي الجَنُوبُ والشَمالُ والصَبا وهي رِياحُ الرَحْمَةِ وأمّا الدَبُورُ فَرِيحُ العَذابِ ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «اللهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا » وقَدْ عَدَّدَ الفَوائِدَ في إرْسالِها فَقالَ ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ أيْ: أرْسَلَها لِلْبِشارَةِ بِالغَيْثِ ﴿وَلِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ ولِإذاقَةِ الرَحْمَةِ وهي نُزُولُ المَطَرِ وحُصُولُ الخِصْبِ الَّذِي يَتْبَعُهُ والرَوْحُ الَّذِي مَعَ هُبُوبِ الرِيحِ وزَكاءُ الأرْضِ وغَيْرُ ذَلِكَ ولِيُذِيقَكم مَعْطُوفٌ عَلى مُبَشِّراتٍ عَلى المَعْنى: كَأنَّهُ قِيلَ لِيُبَشِّرَكم ولِيُذِيقَكم ﴿وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ﴾ في البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِها ﴿بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِتَدْبِيرِهِ أوْ تَكْوِينِهِ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا﴾ [يس: ٨٢] الآيَةُ ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ يُرِيدُ تِجارَةَ البَحْرِ ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ولِتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ فِيها (p-٧٠٥)

الروم 30:47

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: فَآمَنَ بِهِمْ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِمْ قَوْمٌ ويَدُلُّ عَلى هَذا الإضْمارِ قَوْلُهُ ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: كَفَرُوا بِالإهْلاكِ في الدُنْيا ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وكانَ نَصْرُ المُؤْمِنِينَ حَقًّا عَلَيْنا بِإنْجائِهِمْ مَعَ الرُسُلِ وقَدْ يُوقَفُ عَلى حَقًّا ومَعْناهُ: وكانَ الِانْتِقامُ مِنهم حَقًّا ثُمَّ تَبْتَدِئُ ﴿عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ والأوَّلُ أصَحُّ.

الروم 30:48

﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ﴾ الرِيحَ مَكِّيٌّ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ﴾ أيِ السَحابَ ﴿فِي السَماءِ﴾ أيْ: في سَمْتِ السَماءِ وشَقِّها كَقَوْلِهِ ﴿وَفَرْعُها في السَماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ مِن ناحِيَةِ الشَمالِ أوِ الجَنُوبِ أوِ الدَبُورِ أوِ الصَبا ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قِطَعًا جَمْعُ كْسْفَةٍ أيْ: يَجْعَلُهُ مُنْبَسِطًا يَأْخُذُ وجْهَ السَماءِ مَرَّةً ويَجْعَلُهُ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً غَيْرَ مُنْبَسِطَةٍ مَرَّةً "كِسْفًا":يَزِيدُ وابْنُ ذَكْوانَ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ المَطَرَ ﴿يَخْرُجُ﴾ في التارَتَيْنِ جَمِيعًا ﴿مِن خِلالِهِ﴾ وسَطِهِ ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ بِالوَدْقِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ يُرِيدُ إصابَةَ بِلادِهِمْ وأراضِيهِمْ ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يَفْرَحُونَ.

الروم 30:49

﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ المَطَرُ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ [الحشر: ١٧] ومَعْنى التَوْكِيدِ فِيها الدَلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اغْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ آيِسِينَ.

الروم 30:50

﴿فانْظُرْ إلى آثارِ﴾ شامِيٌّ وكُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، وغَيْرُهم "أثَرِ" ﴿رَحْمَتِ اللهِ﴾ أيِ المَطَرِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ﴾ بِالنَباتِ وأنْواعِ الثِمارِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ اللهَ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ القادِرَ الَّذِي يُحْيِي (p-٧٠٦)الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها هو الَّذِي يُحْيِي الناسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ فَهَذا اسْتِدْلالٌ بِإحْياءِ المَواتِ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ المَقْدُوراتِ قادِرٌ وهَذا مِن جُمْلَةِ المَقْدُوراتِ بِدَلِيلِ الإنْشاءِ.

الروم 30:51

﴿وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ أيِ الدَبُورَ ﴿فَرَأوْهُ﴾ أيْ: أثَرَ رَحْمَةِ اللهِ، لِأنَّ رَحْمَةَ اللهِ هي الغَيْثُ وأثَرُها النَباتُ ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ رَجَعَ الضَمِيرُ إلى مَعْناهُ:، لِأنَّ مَعْنى آثارِ الرَحْمَةِ النَباتُ واسْمُ النَباتِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يَنْبُتُ ﴿مُصْفَرًّا﴾ بَعْدَ اخْضِرارِهِ وقالَ مُصْفَرًّا، لِأنَّ تِلْكَ صُفْرَةٌ حادِثَةٌ وقِيلَ فَرَأوُا السَحابَ مُصْفَرًّا، لِأنَّ السَحابَ الأصْفَرَ لا يُمْطِرُ واللامُ في لَئِنْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ الشَرْطِ وسَدَّ مَسَدَّ جَوابَيِ القَسَمِ والشَرْطِ ﴿لَظَلُّوا﴾ ومَعْناهُ: لَيَظَلُّنَّ ﴿مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِهِ أوْ مِن بَعْدِ الِاسْتِبْشارِ ذَمَّهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ إذا حَبَسَ عَنْهُمُ المَطَرَ قَنِطُوا مَن رَحْمَتِهِ وضَرَبُوا أذْقانَهم عَلى صُدُورِهِمْ مُبْلِسِينَ فَإذا أصابَهم بِرَحْمَتِهِ ورَزَقَهُمُ المَطَرَ اسْتَبْشَرُوا فَإذا أرْسَلَ رِيحًا فَضَرَبَ زُرُوعَهم بِالصَفارِ ضَجُّوا وكَفَرُوا بِنِعْمَةِ اللهِ فَهم في جَمِيعِ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى الصِفَةِ المَذْمُومَةِ وكانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى اللهِ وفَضْلِهِ فَقَنِطُوا وأنْ يَشْكُرُوا نِعْمَتَهُ ويَحْمَدُوهُ عَلَيْها فَفَرِحُوا وأنْ يَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ فَكَفَرُوا.

الروم 30:52

﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ أيْ: مَوْتى القُلُوبِ أوْ هَؤُلاءِ في حُكْمِ المَوْتى فَلا تَطْمَعْ أنْ يَقْبَلُوا مِنكَ ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُمَّ الدُعاءَ﴾ ولا يَسْمَعُ الصُمُّ: مَكِّيٌّ ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ فَإنْ قُلْتَ الأصَمُّ لا يَسْمَعُ مُقْبِلًا أوْ مُدْبِرًا فَما فائِدَةُ هَذا التَخْصِيصِ قُلْتُ هو إذا كانَ مُقْبِلًا يَفْهَمُ بِالرَمْزِ والإشارَةِ فَإذا ولّى لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ بِالإشارَةِ.

الروم 30:53

﴿وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ [النمل: ٨١] أيْ: عُمْيُ القُلُوبِ "وَما أنْتَ تَهْدِي العُمْيَ":حَمْزَةُ ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: لا يُمْكِنُكَ أنْ تَهْدِيَ الأعْمى إلى طَرِيقٍ قَدْ ضَلَّ (p-٧٠٧)عَنْهُ بِإشارَةٍ مِنكَ لَهُ إلَيْهِ ﴿إنْ تُسْمِعُ﴾ ما تُسْمِعُ ﴿إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِأوامِرِ اللهِ تَعالى.

الروم 30:54

﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ مِنَ النُطَفِ كَقَوْلِهِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ يَعْنِي: حالَ الشَبابِ وبُلُوغِ الأشُدِّ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ يَعْنِي: حالَ الشَيْخُوخَةِ والهَرَمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِن ضَعْفٍ وقُوَّةٍ وشَبابٍ وشَيْبَةٍ ﴿وَهُوَ العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِهِمْ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى تَغْيِيرِهِمْ وهَذا التَرْدِيدُ في الأحْوالِ أبْيَنُ دَلِيلٍ عَلى الصانِعِ العَلِيمِ القَدِيرِ، فَتَحَ الضادَ في الكُلِّ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وضَمَّ غَيْرُهُما وهو اخْتِيارٌ حَفْصٍ وهُما لُغَتانِ والضَمُّ أقْوى في القِراءَةِ لِما رُوِيَ: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ قَرَأْتُها عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ضَعْفٍ فَأقْرَأنِي مِن ضُعْفٍ »

الروم 30:55

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ﴾ أيِ القِيامَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُنْيا، أوْ لِأنَّها تَقَعُ بَغْتَةً كَما تَقُولُ" في ساعَةٍ" لِمَن تَسْتَعْجِلُهُ وجَرَتْ عَلَمًا لَها كالنَجْمِ لِلثُّرَيّا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ﴾ يَحْلِفُ الكافِرُونَ ولا وقْفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ ﴿ما لَبِثُوا﴾ في القُبُورِ أوْ في الدُنْيا ﴿غَيْرَ ساعَةٍ﴾ جَوابُ القَسَمِ اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في القُبُورِ أوْ في الدُنْيا لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ وطُولِ مُقامِهِمْ في شَدائِدِها أوْ يَنْسَوْنَ أوْ يَكْذِبُونَ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الصَرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ عَنِ الصِدْقِ إلى الكَذِبِ في الدُنْيا ويَقُولُونَ ما هي إلّا حَياتُنا الدُنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ.

الروم 30:56

﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ (p-٧٠٨)﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللهِ﴾ في عِلْمِ اللهِ المُثْبَتِ في اللَوْحِ أوْ في حُكْمِ اللهِ وقَضائِهِ ﴿إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ رَدُّوا ما قالُوهُ وحَلَفُوا عَلَيْهِ وأطْلَعُوهم عَلى الحَقِيقَةِ ثُمَّ وصَلُوا ذَلِكَ بِتَقْرِيعِهِمْ عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِمْ ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ﴾ في الدُنْيا" لا يَعْلَمُونَ " أنَّهُ حَقٌّ لِتَفْرِيطِكم في طَلَبِ الحَقِّ واتِّباعِهِ، والفاءُ لِجَوابِ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُنْكِرِينَ البَعْثَ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ.

الروم 30:57

﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ﴾ بِالياءِ كُوفِيٌّ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كَفَرُوا ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ عُذْرُهم ﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: لا يُقالُ لَهم أرْضُوا رَبَّكم بِتَوْبَةٍ، مِن قَوْلِكَ: اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ أيِ اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ.

الروم 30:58

﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ولَقَدْ وصَفْنا لَهم كُلَّ صِفَةٍ كَأنَّها مَثَلٌ في غَرابَتِها وقَصَصْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ قِصَّةٍ عَجِيبَةِ الشَأْنِ كَصِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ وقِصَّتُهم وما يَقُولُونَ وما يُقالُ لَهم وما لا يَنْفَعُ مِنِ اعْتِذارِهِمْ ولا يُسْمَعُ مِنِ اسْتِعْتابِهِمْ ولَكِنَّهم لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ إذا جِئْتَهم بِآيَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ قالُوا جِئْتَنا بِزُورٍ وباطِلٍ.

الروم 30:59

﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَبْعِ وهو الخَتْمُ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الجَهَلَةِ الَّذِينَ عَلِمَ اللهُ مِنهُمُ اخْتِيارَ الضَلالِ حَتّى يُسَمُّوا المُحِقِّينَ مُبْطِلِينَ وهم أعْرَقُ خَلْقِ اللهِ في تِلْكَ الصِفَةِ.

الروم 30:60

﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم أوْ عَداوَتِهِمْ ﴿إنَّ وعْدَ اللهِ﴾ بِنُصْرَتِكَ عَلى أعْدائِكَ وإظْهارِ دِينِ الإسْلامِ عَلى كُلِّ دِينٍ ﴿حَقٌّ﴾ لا بُدَّ مِن إنْجازِهِ (p-٧٠٩)والوَفاءِ بِهِ ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ عَلى الخِفَّةِ والعَجَلَةِ في الدُعاءِ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ أوْ لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ والقَلَقِ جَزَعًا مِمّا يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ فَإنَّهم ضُلّالٌ شاكُّونَ لا يُسْتَبْدَعُ مِنهم ذَلِكَ "وَلا يَسْتَخِفَّنْكَ" بِسُكُونِ النُونِ عَنْ يَعْقُوبَ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

لقمان 31:1

(p-٧١٠)سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثٌ أوْ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ذِي الحِكْمَةِ أوْ وُصِفَ بِصِفَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ.

لقمان 31:2

(p-٧١٠)سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثٌ أوْ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ذِي الحِكْمَةِ أوْ وُصِفَ بِصِفَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ.

لقمان 31:3

﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ حالانِ مِنَ الآياتِ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ في تِلْكَ حَمْزَةُ بِالرَفْعِ عَلى أنَّ تِلْكَ مُبْتَدَأٌ وآياتُ الكِتابِ خَبَرُهُ وهَدًى خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ:هُوَ، أوْ: هي هُدًى ورَحْمَةٌ ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ الحَسَناتِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ.

لقمان 31:4

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُ أوْسٍ: ؎ الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَنَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا أوْ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ جَمِيعَ ما يَحْسُنُ ثُمَّ خَصَّ مِنهُمُ القائِمِينَ بِهَذِهِ الثَلاثَةِ لِفَضْلِها (p-٧١١)

لقمان 31:5

﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ صِفَةٌ لِهُدًى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ.

لقمان 31:6

﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ يَشْتَرِي أخْبارَ الأكاسِرَةِ مِن فارِسَ ويَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا يَقُصُّ طَرَفًا مِن قِصَّةِ عادٍ وثَمُودَ فَأنا أُحَدِّثُكم بِأحادِيثِ الأكاسِرَةِ فَيَمِيلُونَ إلى حَدِيثِهِ ويَتْرُكُونَ اسْتِماعَ القُرْآنِ، واللهْوُ: كُلُّ باطِلٍ ألْهى عَنِ الخَيْرِ وعَمّا يَعْنِي، ولَهْوُ الحَدِيثِ نَحْوُ السَمَرِ بِالأساطِيرِ الَّتِي لا أصْلَ لَها والغِناءِ وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - يَحْلِفانِ أنَّهُ الغِناءُ وقِيلَ الغِناءُ مَفْسَدَةٌ لِلْقَلْبِ مَنفَدَةٌ لِلْمالِ مَسْخَطَةٌ لِلرَّبِّ، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ «ما مِن رَجُلٍ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالغِناءِ إلّا بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِ شَيْطانَيْنِ أحَدُهُما عَلى هَذا المَنكِبِ والآخَرُ عَلى هَذا المَنكِبِ فَلا يَزالانِ يَضْرِبانِهِ بِأرْجُلِهِما حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَسْكُتُ » والِاشْتِراءُ مِنَ الشِراءِ كَما رُوِيَ: عَنِ النَضْرِ أوْ مِن قَوْلِهِ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ أيِ اسْتَبْدَلُوهُ مِنهُ واخْتارُوهُ عَلَيْهِ أيْ: يَخْتارُونَ حَدِيثَ الباطِلِ عَلى حَدِيثِ الحَقِّ وإضافَةُ اللهْوِ إلى الحَدِيثِ لِلتَّبْيِينِ بِمَعْنى مِن لَأنَّ اللهْوَ يَكُونُ مِنَ الحَدِيثِ ومِن غَيْرِهِ فَبُيِّنَ بِالحَدِيثِ والمُرادُ بِالحَدِيثِ الحَدِيثُ المُنْكَرُ كَما جاءَ في الحَدِيثِ:" «الحَدِيثُ في المَسْجِدِ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ البَهِيمَةُ الحَشِيشَ » "أوْ لِلتَّبْعِيضِ كَأنَّهُ قِيلَ "وَمِنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي بَعْضَ الحَدِيثِ الَّذِي هو اللهْوُ مِنهُ ﴿لِيُضِلَّ﴾ أيْ: لِيَصُدَّ الناسَ عَنِ الدُخُولِ في الإسْلامِ واسْتِماعِ القُرْآنِ "لِيَضِلَّ" مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو أيْ لِيَثْبُتَ عَلى ضَلالِهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ ويَزِيدَ فِيهِ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ عَنْ دِينِ الإسْلامِ والقُرْآنِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: جَهْلًا مِنهُ بِما عَلَيْهِ مِنَ الوِزْرِ بِهِ ﴿وَيَتَّخِذَها﴾ أيِ السَبِيلَ بِالنَصْبِ كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ (p-٧١٢)عَطْفًا عَلى لِيُضِلَّ ومَن رَفَعَ عَطَفَهُ عَلى يَشْتَرِي ﴿هُزُوًا﴾ بِسُكُونِ الزايِ والهَمْزَةِ حَمْزَةُ وبِضَمِّ الزايِ بِلا هَمْزٍ حَفْصٌ وغَيْرُهم بِضَمِّ الزايِ والهَمْزَةِ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ: يُهِينُهم ومَن لِإبْهامِهِ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ أيِ النَضِرِ وأمْثالِهِ.

لقمان 31:7

﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أعْرَضَ عَنْ تَدَبُّرِها مُتَكَبِّرًا رافِعًا نَفْسَهُ عَنِ الإصْغاءِ إلى القُرْآنِ ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ يُشْبِهُ حالُهُ في ذَلِكَ حالَ مَن لَمْ يَسْمَعْها وهو حالٌ مِن مُسْتَكْبِرًا والأصْلُ كَأنَّهُ والضَمِيرُ ضَمِيرُ الشَأْنِ ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ ثِقْلًا وهو حالٌ مِن لَمْ يَسْمَعْها "أُذْنَيْهِ" نافِعٌ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾

لقمان 31:8

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَعِيمِ﴾ ولا وقْفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ.

لقمان 31:9

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في لَهم ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ الأوَّلُ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ والثانِي مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ إذْ لَهم جَنّاتُ النَعِيمِ في مَعْنى وعَدَهُمُ اللهُ جَنّاتِ النَعِيمِ فَأكَّدَ مَعْنى الوَعْدِ بِالوَعْدِ و"حَقًّا" يَدُلُّ عَلى مَعْنى الثَباتِ فَأُكِّدَ بِهِ مَعْنى الوَعْدِ ومُؤَكَّدُهُما ﴿لَهم جَنّاتُ النَعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ فَيُهِينُ أعْداءَهُ بِالعَذابِ المُهِينِ ﴿الحَكِيمُ﴾ بِما يَفْعَلُ فَيُثِيبُ أوْلِياءَهُ بِالنَعِيمِ المُقِيمِ.

لقمان 31:10

﴿خَلَقَ السَماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جَمْعُ عِمادٍ ﴿تَرَوْنَها﴾ الضَمِيرُ لِلسَّمَواتِ وهو اسْتِشْهادٌ بِرُؤْيَتِهِمْ لَها غَيْرَ مَعْمُودَةٍ عَلى قَوْلِهِ بِغَيْرِ عَمَدٍ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ أنا بِلا سَيْفٍ ولا رُمْحٍ تَرانِي ولا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ في مَحَلِّ الجَرِّ صِفَةٌ لَعَمَدٍ أيْ: بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ يَعْنِي: أنَّهُ (p-٧١٣)عَمَدَها بِعَمَدٍ لا تُرى وهو إمْساكُها بِقُدْرَتِهِ ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ لِئَلّا تَضْطَرِبَ بِكم ﴿وَبَثَّ﴾ ونَشَرَ ﴿فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْـزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ صِنْفٍ ﴿كَرِيمٍ﴾ حَسَنٍ.

لقمان 31:11

﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ﴿خَلْقُ اللهِ﴾ أيْ: مَخْلُوقُهُ ﴿فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي: آلِهَتَهم بَكَّتَهم بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ العَظِيمَةَ مِمّا خَلَقَهُ اللهُ فَأرُونِي ما خَلَقَتْهُ آلِهَتُكم حَتّى اسْتَوْجَبُوا عِنْدَكُمُ العِبادَةَ ﴿بَلِ الظالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أضْرَبَ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ إلى التَسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالتَوَرُّطِ في ضَلالٍ لَيْسَ بَعْدَهُ ضَلالٌ.

لقمان 31:12

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ وهو لُقْمانُ بْنُ باعُوراءَ، ابْنُ أُخْتِ أيُّوبَ أوِ ابْنُ خالَتِهِ وقِيلَ كانَ مِن أوْلادِ آزَرَ وعاشَ ألْفَ سَنَةٍ وأدْرَكَ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ وأخَذَ مِنهُ العِلْمَ وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمّا بُعِثَ قَطَعَ الفَتْوى فَقِيلَ لَهُ فَقالَ ألا أكْتَفِي إذا كُفِيتُ وقِيلَ كانَ خَيّاطًا وقِيلَ نَجّارًا وقِيلَ راعِيًا وقِيلَ كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ عِكْرِمَةُ والشَعْبِيُّ كانَ نَبِيًّا، والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ كانَ حَكِيمًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وقِيلَ خُيِّرَ بَيْنَ النُبُوَّةِ والحِكْمَةِ فاخْتارَ الحِكْمَةَ وهي الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ وقِيلَ تَتَلْمَذَ لِألْفِ نَبِيٍّ وتَتَلْمَذَ لَهُ ألْفُ نَبِيٍّ، وأنْ في ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ مُفَسِّرَةٌ والمَعْنى: أيِ اشْكُرْ لِلَّهِ، لِأنَّ إيتاءَ الحِكْمَةِ في مَعْنى القَوْلِ وقَدْ نَبَّهَ اللهُ تَعالى عَلى أنَّ الحِكْمَةَ الأصْلِيَّةَ والعِلْمَ الحَقِيقِيَّ هو العَمَلُ بِهِما وعِبادَةُ اللهِ والشُكْرُ لَهُ حَيْثُ فَسَّرَ إيتاءَ الحِكْمَةِ بِالحَثِّ عَلى الشُكْرِ وقِيلَ لا يَكُونُ الرَجُلُ حَكِيمًا حَتّى يَكُونَ حَكِيمًا في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ ومُعاشَرَتِهِ وصْحْبَتِهِ وقالَ السَرِيُّ السَقْطِيُّ:الشُكْرُ ألّا (p-٧١٤)تَعْصِيَ اللهَ بِنِعَمِهِ وقالَ الجُنَيْدُ أنْ لا تَرى مَعَهُ شَرِيكًا في نِعَمِهِ وقِيلَ هو الإقْرارُ بِالعَجُزِ عَنِ الشُكْرِ والحاصِلُ أنَّ شُكْرَ القَلْبِ المَعْرِفَةُ وشُكْرَ اللِسانِ الحَمْدُ وشُكْرَ الأرْكانِ الطاعَةُ ورُؤْيَةُ العَجْزِ في الكُلِّ دَلِيلُ قَبُولِ الكُلِّ ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، لِأنَّ مَنفَعَتَهُ تَعُودُ إلَيْهِ فَهو يُرِيدُ المَزِيدَ ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ النِعْمَةَ ﴿فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ﴾ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى الشُكْرِ ﴿حَمِيدٌ﴾ حَقِيقٌ بِأنْ يُحْمَدَ وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ.

لقمان 31:13

﴿وَإذْ﴾ أيْ: واذْكُرْ إذْ ﴿قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ﴾ أنْعَمَ أوْ أشْكَمَ ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ﴾ بِالإسْكانِ مَكِّيٌّ ﴿يا بُنَيَّ﴾ حَفْصٌ بِفَتْحِهِ في كُلِّ القُرْآنِ ﴿لا تُشْرِكْ بِاللهِ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، لِأنَّهُ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ مَن لا نِعْمَةَ إلّا وهي مِنهُ ومَن لا نِعْمَةَ لَهُ أصْلًا.

لقمان 31:14

﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ أيْ: حَمَلَتْهُ تَهِنُ وهْنًا عَلى وهْنٍ أيْ: تَضْعُفُ ضَعْفًا فَوْقَ ضَعْفٍ أيْ: يَتَزايَدُ ضَعْفُها ويَتَضاعَفُ، لِأنَّ الحَمْلَ كُلَّما ازْدادَ أوْ عَظُمَ ازْدادَتْ ثِقْلًا وضَعْفًا ﴿وَفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ أيْ: فِطامُهُ عَنِ الرَضاعِ لِتَمامِ عامَيْنِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ هو تَفْسِيرٌ لِوَصَّيْنا أيْ: وصَّيْناهُ بِشُكْرِنا وبِشُكْرِ والِدَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُفَسَّرِ والمُفَسِّرِ، لِأنَّهُ لَمّا وصّى بِالوالِدَيْنِ ذَكَرَ ما تُكابِدُهُ الأُمُّ وتُعانِيهِ مِنَ المَشاقِّ في حَمْلِهِ وفِصالِهِ هَذِهِ المُدَّةَ الطَوِيلَةَ تَذْكِيرًا بِحَقِّها العَظِيمِ مُفْرَدًا، وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: مَن صَلّى الصَلَواتِ الخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللهَ ومَن دَعا لِلْوالِدَيْنِ في أدْبارِ الصَلَواتِ الخَمْسِ فَقَدْ شَكَرَهُما ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ أيْ: مَصِيرُكَ إلَيَّ وحِسابُكَ عَلَيَّ (p-٧١٥)

لقمان 31:15

﴿وَإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أرادَ بِنَفْيِ العِلْمِ بِهِ نَفْيَهُ أيْ: لا تُشْرِكْ بِي ما لَيْسَ بِشَيْءٍ يُرِيدُ الأصْنامَ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في الشِرْكِ ﴿وَصاحِبْهُما في الدُنْيا مَعْرُوفًا﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: صِحابًا مَعْرُوفًا حَسَنًا بِخُلُقٍ جَمِيلٍ وحِلْمٍ واحْتِمالٍ وبِرٍّ وصِلَةٍ ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ أيْ: سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ في دِينِكَ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَهُما فِيهِ وإنْ كُنْتَ مَأْمُورًا بِحُسْنِ مُصاحَبَتِهِما في الدُنْيا وقالَ ابْنُ عَطاءٍ صاحِبْ مَن تَرى عَلَيْهِ أنْوارَ خِدْمَتِي ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: مَرْجِعُكَ ومَرْجِعُهُما ﴿فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَأُجازِيكَ عَلى إيمانِكَ وأُجازِيهِما عَلى كُفْرِهِما وقَدِ اعْتَرَضَ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى سَبِيلِّ الِاسْتِطْرادِ تَأْكِيدًا لِما في وصِيَّةِ لُقْمانَ مِنَ النَهْيِ عَنِ الشِرْكِ يَعْنِي: إنّا وصَّيْناهُ بِوالِدَيْهِ وأمَرْناهُ أنْ لا يُطِيعَهُما في الشِرْكِ وإنْ جَهِدا كُلَّ الجَهْدِ لِقُبْحِهِ.

لقمان 31:16

﴿يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ بِالرَفْعِ مَدَنِيٌّ والضَمِيرُ لِلْقِصَّةِ وأنَّثَ المِثْقالَ لِإضافَتِهِ إلى الحَبَّةِ كَما قالَ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَمِ وَكانَ تامَّةٌ والباقُونَ بِالنَصْبِ والضَمِيرُ لِلْهَيْئَةِ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ أيْ: إنْ كانَتْ مَثَلًا في الصِغَرِ كَحَبَّةِ خَرْدَلٍ ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: فَكانَتْ مَعَ صِغَرِها في أخْفى مَوْضِعٍ وأحْرَزِهِ كَجَوْفِ الصَخْرَةِ (p-٧١٦)أوْ حَيْثُ كانَتْ في العالَمِ العُلْوِيِّ أوِ السُفْلِيِّ والأكْثَرُ عَلى أنَّها الصَخْرَةُ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ وهي السِجِّينُ تُكْتَبُ فِيها أعْمالُ الفُجّارِ ولَيْسَتْ مِنَ الأرْضِ ﴿يَأْتِ بِها اللهُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُحاسِبُ بِها عامِلَها ﴿إنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ بِتَوَصُّلِ عِلْمِهِ إلى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ بِكُنْهِهِ أوْ لَطَيْفٌ بِاسْتِخْراجِها خَبِيرٌ بِمُسْتَقَرِّهَ.

لقمان 31:17

﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ في ذاتِ اللهِ تَعالى إذا أمَرْتَ بِالمَعْرُوفِ ونَهَيْتَ عَنِ المُنْكَرِ أوْ عَلى ما أصابَكَ مِنَ المِحَنِ فَإنَّها تُورِثُ المِنَحَ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ الَّذِي وصَّيْتُكَ بِهِ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: مِمّا عَزَمَهُ اللهُ مِنَ الأُمُورِ أيْ: قَطَعَهُ قَطْعَ إيجابٍ وإلْزامٍ أيْ: أمَرَ بِهِ أمْرًا حَتْمًا وهو مِن تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ وأصْلُهُ مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ أيْ: مَقْطُوعاتِها ومَفْرُوضاتِها وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الطاعاتِ كانَتْ مَأْمُورًا بِها في سائِرِ الأُمَمِ.

لقمان 31:18

﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: ولا تُعْرِضْ عَنْهم تَكَبُّرًا "تُصاعِرْ" أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وهو بِمَعْنى تُصَعِّرُ، والصَعْرُ: داءٌ يُصِيبُ البَعِيرَ يَلْوِي مِنهُ عُنُقَهُ والمَعْنى: أقْبِلْ عَلى الناسِ بِوَجْهِكَ تَواضُعًا ولا تُولِهِمْ شِقَّ وجْهِكَ وصَفْحَتَهُ كَما يَفْعَلُهُ المُتَكَبِّرُونَ ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: تَمْرَحُ مَرَحًا أوْ أوْقَعَ المَصْدَرَ مَوْقِعَ الحالِ أيْ: مَرِحًا أوْ لا تَمْشِ لِأجْلِ المَرَحِ والأشَرِ ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ مُتَكَبِّرٍ ﴿فَخُورٍ﴾ مَن يُعَدِّدُ مَناقِبَهُ تَطاوُلًا.

لقمان 31:19

﴿واقْصِدْ﴾ القَصْدُ التَوَسُّطُ بَيْنَ العُلُوِّ والتَقْصِيرِ ﴿فِي مَشْيِكَ﴾ أيِ اعْلُ فِيهِ حَتّى يَكُونَ مَشْيًا بَيْنَ مَشْيَيْنِ لا تَدِبُّ دَبِيبَ المُتَماوِتِينَ ولا تَثِبُ وُثُوبَ الشُطّارِ قالَ ﷺ «سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بِهاءَ (p-٧١٧)المُؤْمِنِ » وأمّا قَوْلُ عائِشَةَ في عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ كانَ إذا مَشى أسْرَعَ فَإنَّما أرادَتِ السُرْعَةَ المُرْتَفِعَةَ عَنْ دَبِيبِ المُتَماوِتِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - كانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ خَبَبِ اليَهُودِ ودَبِيبِ النَصارى ولَكِنْ مَشْيًا بَيْنَ ذَلِكَ وقِيلَ مَعْناهُ: وانْظُرْ مَوْضِعَ قَدَمَيْكَ مُتَواضِعًا ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ وانْقُصْ مِنهُ أيِ اخْفِضْ صَوْتَكَ ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ﴾ أيْ: أوْحَشَها ﴿لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾، لِأنَّ أوَّلَهُ زَفِيرٌ وآخِرَهُ شَهِيقٌ كَصَوْتِ أهْلِ النارِ، وعَنِ الثَوْرِيِّ صِياحُ كُلِّ شَيْءٍ تَسْبِيحٌ إلّا الحِمارَ فَإنَّهُ يَصِيحُ لِرُؤْيَةِ الشَيْطانِ ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللهُ مُنْكَرًا وفي تَشْبِيهِ الرافِعِينَ أصْواتَهم بِالحَمِيرِ وتَمْثِيلِ أصْواتِهِمْ بِالنِهاقِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ رَفْعَ الصَوْتِ في غايَةِ الكَراهَةِ يُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ: «أنَّهُ ﷺ كانَ يُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ الرَجُلُ خَفِيضَ الصَوْتِ ويَكْرَهُ أنْ يَكُونَ مَجْهُورَ الصَوْتِ » وإنَّما وحَّدَ صَوْتَ الحَمِيرِ ولَمْ يَجْمَعْ، لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَذْكُرَ صَوْتَ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ هَذا الجِنْسِ حَتّى يَجْمَعَ بَلِ المُرادُ أنَّ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ لَهُ صَوْتٌ وأنْكَرُ أصْواتِ هَذِهِ الأجْناسِ صَوْتُ هَذا الجِنْسِ فَوَجَبَ تَوْحِيدُهُ.

لقمان 31:20

﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَماواتِ﴾ يَعْنِي: الشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومَ والسَحابَ وغَيْرَ ذَلِكَ ﴿وَما في الأرْضِ﴾ يَعْنِي: البِحارَ والأنْهارَ والمَعادِنَ والدَوابَّ وغَيْرَ ذَلِكَ ﴿وَأسْبَغَ﴾ وأتَمَّ ﴿عَلَيْكم نِعَمَهُ﴾ مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو وسَهْلٌ وحَفْصٌ، "نِعْمَةً":غَيْرُهم،والنِعْمَةُ كُلُّ نَفْعٍ قُصِدَ بِهِ الإحْسانُ ﴿ظاهِرَةً﴾ بِالمُشاهَدَةِ ﴿وَباطِنَةً﴾ ما لا يُعْلَمُ إلّا بِدَلِيلٍ ثُمَّ قِيلَ الظاهِرَةُ البَصَرُ والسَمْعُ واللِسانُ وسائِرُ الجَوارِحِ الظاهِرَةِ، والباطِنَةُ القَلْبُ والعَقْلُ والفَهْمُ وما أشْبَهَ ذَلِكَ ويُرْوى في دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلَهِي دُلَّنِي عَلى أخْفى نِعْمَتِكَ عَلى عِبادِكَ فَقالَ أخْفى نِعْمَتِي عَلَيْهِمُ النَفَسُ وقِيلَ: تَخْفِيفُ الشَرائِعِ وتَضْعِيفُ الذَرائِعِ والخَلْقُ والخُلُقُ ونَيْلُ العَطايا وصَرْفُ البَلايا وقَبُولُ الخَلْقِ ورِضا الرَبِّ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (p-٧١٨)الظاهِرَةُ: ما سَوّى مِن خَلْقِكَ والباطِنَةُ: ما سَتَرَ مِن عُيُوبِكَ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ وقَدْ مَرَّ في الحَجِّ.

لقمان 31:21

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَعِيرِ﴾ مَعْناهُ: أيَتِّبُعُونَهم ولَوْ كانَ الشَيْطانُ يَدْعُوهم أيْ: في حالِ دُعاءِ الشَيْطانِ إيّاهم إلى العَذابِ.

لقمان 31:22

﴿وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللهِ﴾ عُدِّي هُنا بِإلى وفي ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِاللامِ، فَمَعْناهُ مَعَ اللامِ: أنَّهُ جَعَلَ وجْهَهُ وهو ذاتَهُ ونَفْسَهُ سالِمًا لِلَّهِ أيْ: خالِصًا لَهُ، ومَعْناهُ مَعَ إلى" أنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهِ نَفْسَهُ كَما يُسَلِّمُ المَتاعَ إلى الرَجُلِ إذا دُفِعَ إلَيْهِ والمُرادُ التَوَكُّلُ عَلَيْهِ والتَفْوِيضُ إلَيْهِ ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فِيما يَعْمَلُ ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ تَمَسَّكَ وتَعَلَّقَ ﴿بِالعُرْوَةِ﴾ هي ما يُعَلَّقُ بِهِ الشَيْءُ ﴿الوُثْقى﴾ تَأْنِيثُ الأوْثَقِ، مَثَّلَ حالَ المُتَوَكِّلِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَدَلّى مِن شاهِقٍ فاحْتاطَ لِنَفْسِهِ بِأنِ اسْتَمْسَكَ بِأوْثَقِ عُرْوَةٍ مِن حَبْلٍ مَتِينٍ مَأْمُونٍ انْقِطاعُهُ ﴿وَإلى اللهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: هي صائِرَةٌ إلَيْهِ فَيُجازِي عَلَيْها.

لقمان 31:23

﴿وَمَن كَفَرَ﴾ ولَمْ يُسْلِمْ وجْهَهُ لِلَّهِ ﴿فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ مِن حَزَنَ، "يُحْزِنْكَ" نافِعٌ مِن أحْزَنَ أيْ: لا يَهُمَّنَّكَ كُفْرُ مَن كَفَرَ ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ فَنُعاقِبُهم عَلى أعْمالِهِمْ ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في صُدُورِ عِبادِهِ فَيَفْعَلُ بِهِمْ عَلى حَسَبِهِ.

لقمان 31:24

﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾ زَمانًا ﴿قَلِيلا﴾ بِدُنْياهم ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ نُلْجِئُهم ﴿إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ شَدِيدٍ شَبَّهَ إلْزامَهُمُ التَعْذِيبَ وإرْهاقَهم إيّاهُ بِاضْطِرارِ المُضْطَرِّ (p-٧١٩)إلى الشَيْءِ والغِلْظُ مُسْتَعارٌ مِنَ الأجْرامِ الغَلِيظَةِ والمُرادُ الشِدَّةُ والثِقَلُ عَلى المُعَذَّبِ.

لقمان 31:25

﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلْزامٌ لَهم عَلى إقْرارِهِمْ بِأنَّ الَّذِي خَلَقَ السَمَواتِ والأرْضَ هو اللهُ وحْدَهُ وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ الحَمْدُ والشُكْرُ وأنْ لا يُعْبَدَ مَعَهُ غَيْرُهُ ثُمَّ قالَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهم وإذا نُبِّهُوا عَلَيْهِ لَمْ يَتَنَبَّهُوا.

لقمان 31:26

﴿لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ إنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ ﴿الحَمِيدُ﴾ المُسْتَحِقِّ لِلْحَمْدِ وإنْ لَمْ يَحْمَدُوهُ.

لقمان 31:27

قالَ المُشْرِكُونَ إنَّ هَذا أيِ الوَحْيَ كَلامٌ سَيَنْفَدُ فَأعْلَمَ اللهُ أنَّ كَلامَهُ لا يَنْفَدُ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾ "والبَحْرَ" بِالنَصْبِ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ عَطْفًا عَلى اسْمٍ أنَّ وهو "ما" والرَفْعُ عَلى مَحَلِّ أنَّ ومَعْمُولِها أيْ: ولَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الأشْجارِ أقْلامًا وثَبَتَ البَحْرُ مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ أوْ عَلى الِابْتِداءِ والواوُ لِلْحالِ عَلى مَعْنى: ولَوْ أنَّ الأشْجارَ أقْلامٌ في حالِ كَوْنِ البَحْرِ مَمْدُودًا، وقُرِئَ "يُمِدُّهُ" وكانَ مُقْتَضى الكَلامِ أنْ يُقالَ ولَوْ أنَّ الشَجَرَ أقْلامٌ والبَحْرَ مِدادٌ لَكِنْ أغْنى عَنْ ذِكْرِ المِدادِ قَوْلُهُ "يَمُدُّهُ"، لِأنَّهُ مِن قَوْلِكَ مَدَّ الدَواةَ وأمَدَّها، جَعَلَ البَحْرَ الأعْظَمَ بِمَنزِلَةِ الدَواةِ وجَعَلَ الأبْحُرَ السَبْعَةَ مَمْلُوءَةً مِدادًا فَهي تَصُبُّ فِيهِ مِدادَها أبَدًا صَبًّا لا يَنْقَطِعُ والمَعْنى: ولَوْ أنَّ أشْجارَ الأرْضِ أقْلامٌ والبَحْرُ مَمْدُودٌ بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ وكُتِبَتْ بِتِلْكَ الأقْلامِ وبِذَلِكَ المِدادِ كَلِماتُ اللهِ لَما نَفِدَتْ كَلِماتُهُ ونَفِدَتِ الأقْلامُ والمِدادُ كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] فَإنْ قُلْتَ زَعَمْتَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ حالٌ في أحَدِ وجْهَيِ الرَفْعِ ولَيْسَ فِيهِ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى ذِي (p-٧٢٠)الحالِ قُلْتُ: هو كَقَوْلِكَ: جِئْتُ والجَيْشُ مُصْطَفٌّ وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي حُكْمُها حُكْمُ الظُرُوفِ وإنَّما ذَكَرَ شَجَرَةً عَلى التَوْحِيدِ، لِأنَّهُ أُرِيدَ تَفْصِيلُ الشَجَرِ وتَقَصِّيها شَجَرَةً شَجَرَةً حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَجَرِ ولا واحِدَةٌ إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا وأُوثِرَ الكَلِماتُ وهي جَمْعُ قِلَّةٍ عَلى الكَلِمِ وهي جَمْعُ كَثِيرَةٌ، لِأنَّ مَعْناهُ: أنَّ كَلِماتِهِ لا تَفِي بِكِتْبَتِها البِحارُ فَكَيْفَ بِكَلِمِهِ؟! " أنَّ اللهَ عَزِيزٌ" لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَخْرُجُ مِن عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ شَيْءٌ فَلا تَنْفَدُ كَلِماتُهُ وحِكَمُهُ.

لقمان 31:28

﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ: سَواءٌ في قُدْرَتِهِ القَلِيلُ والكَثِيرُ فَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ ﴿إنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ إنَّهُ لا بَعْثَ ﴿بَصِيرٌ﴾ بِأعْمالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ.

لقمان 31:29

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ﴾ يُدْخِلُ ظُلْمَةَ اللَيْلِ في ضَوْءِ النَهارِ إذا أقْبَلَ اللَيْلُ ﴿وَيُولِجُ النَهارَ في اللَيْلِ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ﴾ لِمَنافِعِ العِبادِ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَمْسِ والقَمَرِ ﴿يَجْرِي﴾ في فَلَكِهِ ويَقْطَعُهُ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أوْ إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ الشَمْسُ إلى آخِرِ السَنَةِ والقَمَرُ إلى آخِرِ الشَهْرِ ﴿وَأنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وبِالياءِ عَيّاشٌ دَلَّ أيْضًا بِتَعاقُبِ اللَيْلِ والنَهارِ وزِيادَتِهِما ونُقْصانِهِما وجَرْيِ النَيِّرَيْنِ في فَلَكَيْهِما عَلى تَقْدِيرٍ وحِسابٍ وبِإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ أعْمالِ الخَلْقِ عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ.

لقمان 31:30

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ﴾ بِالياءِ عِراقِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ ﴿مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَصْفُ الَّذِي وُصِفَ بِهِ مِن عَجائِبِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْها الأحْياءُ القادِرُونَ العالِمُونَ فَكَيْفَ بِالجَمادِ الَّذِي يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللهِ؟! إنَّما هو بِسَبَبِ أنَّهُ هو الحَقُّ الثابِتُ الإلَهِيَّةِ وأنَّ مَن دُونَهُ باطِلُ الإلَهِيَّةِ وأنَّهُ هو العَلِيُّ الشَأْنِ الكَبِيرُ السُلْطانِ.

لقمان 31:31

(p-٧٢١)﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ﴾ وقُرِئَ "الفُلُكَ" وكُلُّ فُعْلٍ يَجُوزُ فِيهِ فُعُلٌ كَما يَجُوزُ في كُلِّ فُعُلٍ فُعْلٌ ﴿تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ﴾ بِإحْسانِهِ ورَحْمَتِهِ أوْ بِالرِيحِ، لِأنَّ الرِيحَ مِن نِعَمِ اللهِ ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ عَجائِبَ قُدْرَتِهِ في البَحْرِ إذا رَكِبْتُمُوها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِنَعْمائِهِ وهُما صِفَتا المُؤْمِنِ فالإيمانُ نِصْفانِ نِصْفُهُ شُكْرٌ ونِصْفُهُ صَبْرٌ فَكَأنَّهُ قالَ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ.

لقمان 31:32

﴿وَإذا غَشِيَهُمْ﴾ أيِ الكُفّارَ ﴿مَوْجٌ كالظُلَلِ﴾ المَوْجُ يَرْتَفِعُ فَيَعُودُ مِثْلَ الظُلَلِ والظُلَّةُ كُلُّ ما أظَلَّكَ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ أيْ: باقٍ عَلى الإيمانِ والإخْلاصِ الَّذِي كانَ مِنهُ ولَمْ يَعُدْ إلى الكُفْرِ أوْ مُتَوَسِّطٌ في الكُفْرِ والظُلْمِ، انْزَجَرَ بَعْضَ الِانْزِجارِ ولا يَغْلُو في كُفْرِهِ أوْ مُقْتَصِدٌ في الإخْلاصِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ في البَحْرِ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ الإخْلاصَ الحادِثَ عِنْدَ الخَوْفِ لا يَبْقى لِأحَدٍ قَطُّ والمُقْتَصِدُ قَلِيلٌ نادِرٌ ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ أيْ: بِحَقِيقَتِها ﴿إلا كُلُّ خَتّارٍ﴾ غَدّارٍ والخَتْرُ أقْبَحُ الغَدْرِ ﴿كَفُورٍ﴾ لِرَبِّهِ.

لقمان 31:33

﴿يا أيُّها الناسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ لا يَقْضِي عَنْهُ شَيْئًا والمَعْنى: لا يَجْزِي فِيهِ فَحُذِفَ ﴿وَلا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ وارِدٌ عَلى طَرِيقٍ مِنَ التَوْكِيدِ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ ما هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ آكُدُ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ وقَدِ انْضَمَّ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ "هُوَ" وقَوْلُهُ (p-٧٢٢)"مَوْلُودٌ" والسَبَبُ في ذَلِكَ أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعِلْيَتُهم قُبِضَ آباؤُهم عَلى الكُفْرِ فَأُرِيدَ حَسْمُ أطْماعِهِمْ أنْ يَنْفَعُوا آباءَهم بِالشَفاعَةِ في الآخِرَةِ ومَعْنى التَأْكِيدِ في لَفْظِ المَوْلُودِ أنَّ الواحِدَ مِنهم لَوْ شَفَعَ لِلْأبِ الأدْنى الَّذِي وُلِدَ مِنهُ لَمْ تُقْبَلْ شَفاعَتُهُ فَضْلًا أنْ يَشْفَعَ لِأجْدادِهِ إذِ الوَلَدُ يَقَعُ عَلى الوَلَدِ ووَلَدِ الوَلَدِ بِخِلافِ المَوْلُودِ فَإنَّهُ لِمَن وُلِدَ مِنكَ كَذا في الكَشّافِ ﴿إنَّ وعْدَ اللهِ﴾ بِالبَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ ﴿حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ بِزِينَتِها فَإنَّ نِعْمَتَها دانِيَةٌ ولَذَّتَها فانِيَةٌ ﴿وَلا يَغُرَّنَّكم بِاللهِ الغَرُورُ﴾ الشَيْطانُ أوِ الدُنْيا أوِ الأمَلُ.

لقمان 31:34

﴿إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ﴾ أيْ: وقْتُ قِيامِها ﴿وَيُنَـزِّلُ﴾ بِالتَشْدِيدِ شامِيٌّ ومَدَنِيٌّ وعاصِمٌ وهو عَطْفٌ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظَرْفُ مِنَ الفِعْلِ تَقْدِيرُهُ: إنَّ اللهَ يَثْبُتُ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ ويُنَزِّلُ ﴿الغَيْثَ﴾ في إبّانِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ ﴿وَيَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ أذَكَرٌ أمْ أُنْثى وتامٌّ أمْ ناقِصٌ؟ ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ بَرَّةٌ أوْ فاجِرَةٌ ﴿ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ورُبَّما كانَتْ عازِمَةً عَلى خَيْرٍ فَعَمِلَتْ شَرًّا أوْ عازِمَةً عَلى شَرٍّ فَعَمِلَتْ خَيْرًا ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ أيْ: أيْنَ تَمُوتُ؟ ورُبَّما أقامَتْ بِأرْضٍ وضَرَبَتْ أوْتادَها وقالَتْ لا أبْرَحُها فَتَرْمِي بِها مَرامِي القَدَرِ حَتّى تَمُوتَ في مَكانٍ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِها، رُوِيَ: أنَّ مَلَكَ المَوْتِ مَرَّ عَلى سُلَيْمانَ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى رَجُلٍ مِن جُلَسائِهِ فَقالَ الرَجُلُ مَن هَذا؟ قالَ لَهُ: مَلَكُ المَوْتِ، قالَ كَأنَّهُ يُرِيدُنِي وسَألَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَحْمِلَهُ عَلى الرِيحِ ويُلْقِيَهُ بِبِلادِ الهِنْدِ فَفَعَلَ ثُمَّ قالَ مَلَكُ المَوْتِ لِسُلَيْمانَ كانَ دَوامُ نَظَرِي إلَيْهِ تَعَجُّبًا مِنهُ لِأنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْبِضَ رُوحَهُ بِالهِنْدِ وهو عِنْدَكَ وجُعِلَ العِلْمُ لِلَّهِ والدِرايَةُ لِلْعَبِيدِ، لِما في الدِرايَةِ مِن مَعْنى الخَتْلِ والحِيلَةِ والمَعْنى: أنَّها لا تَعْرِفُ وإنْ أعْمَلَتْ حِيَلَها ما يَخْتَصُّ بِها (p-٧٢٣)وَلا شَيْءَ أخَصُّ بِالإنْسانِ مِن كَسْبِهِ وعاقَبْتِهِ فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إلى مَعْرِفَتِهِما كانَ مَعْرِفَةُ ما عَداهُما أبْعَدَ وأمّا المُنَجِّمُ الَّذِي يُخْبِرُ بِوَقْتِ الغَيْثِ والمَوْتِ فَإنَّهُ يَقُولُ بِالقِياسِ والنَظَرِ في الطالِعِ وما يُدْرَكُ بِالدَلِيلِ لا يَكُونُ غَيْبًا عَلى أنَّهُ مُجَرَّدُ الظَنِّ والظَنُّ غَيْرُ العِلْمِ، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ «مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ »، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - مَنِ ادَّعى عِلْمَ هَذِهِ الخَمْسَةِ فَقَدْ كَذَبَ، ورَأى المَنصُورُ في مَنامِهِ صُورَةَ مَلَكِ المَوْتِ وسَألَهُ عَنْ مُدَّةِ عُمُرِهِ فَأشارَ بِأصابِعِهِ الخَمْسِ فَعَبَّرَها المُعَبِّرُونَ بِخَمْسِ سَنَواتٍ وبِخَمْسَةِ أشْهُرٍ وبِخَمْسَةِ أيّامٍ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - هو إشارَةٌ إلى هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ هَذِهِ العُلُومَ الخَمْسَةَ لا يَعْلَمُها إلّا اللهُ ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ بِالغُيُوبِ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِما كانَ ويَكُونُ، وعَنِ الزُهْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ "أكْثِرُوا قِراءَةَ سُورَةِ لُقْمانَ فَإنَّ فِيها أعاجِيبَ.

السجدة 32:1

(p-٥)سُورَةُ "اَلسَّجْدَةِ" بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ الـم، عَلى أنَّها اسْمُ السُورَةِ، مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ﴾، وإنْ جَعَلْتَها تَعْدِيدًا لِلْحُرُوفِ ارْتَفَعَ "تَنْزِيلُ"، بِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، أوْ يَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾، و"لا رَيْبَ فِيهِ"، اِعْتِراضٌ لا مَحَلَّ لَهُ، والضَمِيرُ في "فِيهِ"، راجِعٌ إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قالَ: "لا رَيْبَ في ذَلِكَ"، أيْ: في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ"، لِأنَّهُ مُعْجِزٌ لِلْبَشَرِ، ومِثْلُهُ أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الرَيْبِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أيْ: اِخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ، لِأنَّ "أمْ"، هي المُنْقَطِعَةُ الكائِنَةُ بِمَعْنى "بَلْ"، والهَمْزَةِ، مَعْناهُ: "بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ؟!"، إنْكارًا لِقَوْلِهِمْ، وتَعْجِيبًا مِنهُمْ، لِظُهُورِ أمْرِهِ في عَجْزِ بُلَغائِهِمْ عَنْ مِثْلِ ثَلاثِ آياتٍ مِنهُ، ﴿بَلْ هو الحَقُّ﴾، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ إلى إثْباتِ أنَّهُ الحَقُّ، ﴿مِن رَبِّكَ﴾، ولَمْ يَفْتَرِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ كَما قالُوا، تَعَنُّتًا وجَهْلًا، ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ أيْ: اَلْعَرَبَ، ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾، "ما"، لِلنَّفْيِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِـ "قَوْمًا"، ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾، عَلى (p-٦)التَرَجِّي مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَما كانَ "لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ"، عَلى التَرَجِّي مِن مُوسى وهارُونَ.

السجدة 32:2

(p-٥)سُورَةُ "اَلسَّجْدَةِ" بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ الـم، عَلى أنَّها اسْمُ السُورَةِ، مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ﴾، وإنْ جَعَلْتَها تَعْدِيدًا لِلْحُرُوفِ ارْتَفَعَ "تَنْزِيلُ"، بِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، أوْ يَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾، و"لا رَيْبَ فِيهِ"، اِعْتِراضٌ لا مَحَلَّ لَهُ، والضَمِيرُ في "فِيهِ"، راجِعٌ إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قالَ: "لا رَيْبَ في ذَلِكَ"، أيْ: في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ"، لِأنَّهُ مُعْجِزٌ لِلْبَشَرِ، ومِثْلُهُ أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الرَيْبِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أيْ: اِخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ، لِأنَّ "أمْ"، هي المُنْقَطِعَةُ الكائِنَةُ بِمَعْنى "بَلْ"، والهَمْزَةِ، مَعْناهُ: "بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ؟!"، إنْكارًا لِقَوْلِهِمْ، وتَعْجِيبًا مِنهُمْ، لِظُهُورِ أمْرِهِ في عَجْزِ بُلَغائِهِمْ عَنْ مِثْلِ ثَلاثِ آياتٍ مِنهُ، ﴿بَلْ هو الحَقُّ﴾، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ إلى إثْباتِ أنَّهُ الحَقُّ، ﴿مِن رَبِّكَ﴾، ولَمْ يَفْتَرِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ كَما قالُوا، تَعَنُّتًا وجَهْلًا، ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ أيْ: اَلْعَرَبَ، ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾، "ما"، لِلنَّفْيِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِـ "قَوْمًا"، ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾، عَلى (p-٦)التَرَجِّي مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَما كانَ "لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ"، عَلى التَرَجِّي مِن مُوسى وهارُونَ.

السجدة 32:3

(p-٥)سُورَةُ "اَلسَّجْدَةِ" بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ الـم، عَلى أنَّها اسْمُ السُورَةِ، مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ﴾، وإنْ جَعَلْتَها تَعْدِيدًا لِلْحُرُوفِ ارْتَفَعَ "تَنْزِيلُ"، بِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، أوْ يَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾، و"لا رَيْبَ فِيهِ"، اِعْتِراضٌ لا مَحَلَّ لَهُ، والضَمِيرُ في "فِيهِ"، راجِعٌ إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قالَ: "لا رَيْبَ في ذَلِكَ"، أيْ: في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ"، لِأنَّهُ مُعْجِزٌ لِلْبَشَرِ، ومِثْلُهُ أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الرَيْبِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أيْ: اِخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ، لِأنَّ "أمْ"، هي المُنْقَطِعَةُ الكائِنَةُ بِمَعْنى "بَلْ"، والهَمْزَةِ، مَعْناهُ: "بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ؟!"، إنْكارًا لِقَوْلِهِمْ، وتَعْجِيبًا مِنهُمْ، لِظُهُورِ أمْرِهِ في عَجْزِ بُلَغائِهِمْ عَنْ مِثْلِ ثَلاثِ آياتٍ مِنهُ، ﴿بَلْ هو الحَقُّ﴾، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ إلى إثْباتِ أنَّهُ الحَقُّ، ﴿مِن رَبِّكَ﴾، ولَمْ يَفْتَرِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ كَما قالُوا، تَعَنُّتًا وجَهْلًا، ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ أيْ: اَلْعَرَبَ، ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾، "ما"، لِلنَّفْيِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِـ "قَوْمًا"، ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾، عَلى (p-٦)التَرَجِّي مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَما كانَ "لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ"، عَلى التَرَجِّي مِن مُوسى وهارُونَ.

السجدة 32:4

﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾، اِسْتَوْلى عَلَيْهِ بِإحْداثِهِ، ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ﴾، مِن دُونِ اللهِ، ﴿مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: إذا جاوَزْتُمْ رِضاهُ، لَمْ تَجِدُوا لِأنْفُسِكم ولِيًّا، أيْ: ناصِرًا يَنْصُرُكُمْ، ولا شَفِيعًا يَشْفَعُ لَكُمْ، ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾، تَتَّعِظُونَ بِمَواعِظِ اللهِ.

السجدة 32:5

﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ: أمْرَ الدُنْيا، ﴿مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ﴾، إلى أنْ تَقُومَ الساعَةُ، ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾، ذَلِكَ الأمْرُ كُلُّهُ، أيْ: يَصِيرُ إلَيْهِ لِيَحْكُمَ فِيهِ، ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، ﴿مِمّا تَعُدُّونَ﴾، مِن أيّامِ الدُنْيا، ولا تَمَسُّكَ لِلْمُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ: "إلَيْهِ"، في إثْباتِ الجِهَةِ، لِأنَّ مَعْناهُ: "إلى حَيْثُ يَرْضاهُ"، أوْ "أمْرُهُ"، كَما لا تَشَبُّثَ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللهِ﴾ [النساء: ١٠٠]

السجدة 32:6

﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ﴾ أيْ: اَلْمَوُصُوفُ بِما مَرَّ، عالِمُ ما غابَ عَنِ الخَلْقِ، وما شاهَدُوهُ، ﴿العَزِيزُ﴾، اَلْغالِبُ أمْرُهُ، ﴿الرَحِيمُ﴾، البالِغُ لُطْفُهُ، وتَيْسِيرُهُ، وقِيلَ: لا وقْفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ.

السجدة 32:7

﴿الَّذِي﴾ صِفَتُهُ، ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: حَسَّنَهُ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُرَتَّبٌ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ، ﴿خَلَقَهُ﴾، كُوفِيٌّ ونافِعٌ وسَهْلٌ عَلى الوَصْفِ، أيْ: "كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَقَدْ أحْسَنَ خَلْقَهُ"، غَيْرُهم عَلى البَدَلِ أيْ: "أحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ"، ﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾، آدَمَ، ﴿مِن طِينٍ﴾

السجدة 32:8

(p-٧)﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾، ذُرِّيَّتَهُ، ﴿مِن سُلالَةٍ﴾، مِن نُطْفَةٍ، ﴿مِن ماءٍ﴾ أيْ: مَنِيٍّ، وهو بَدَلٌ مِن "سُلالَةٍ"، ﴿مَهِينٍ﴾، ضَعِيفٍ، حَقِيرٍ.

السجدة 32:9

﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾، قَوَّمَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ﴿وَنَفَخَ﴾، أدْخَلَ، ﴿فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾، اَلْإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَنَفَخَ فِيهِ مِنَ الشَيْءِ الَّذِي اخْتُصَّ هو بِهِ، وبِعِلْمِهِ"، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾، لِتَسْمَعُوا، وتُبْصِرُوا، وتَعْقِلُوا، ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: تَشْكُرُونَ قَلِيلًا.

السجدة 32:10

﴿وَقالُوا﴾، اَلْقائِلُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، ولِرِضاهم بِقَوْلِهِ أُسْنِدَ إلَيْهِمْ، ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أيْ: صِرْنا تُرابًا، وذَهَبْنا مُخْتَلِطِينَ بِتُرابِ الأرْضِ، لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، كَما يَضِلُّ الماءُ في اللَبَنِ، أوْ غِبْنا في الأرْضِ بِالدَفْنِ فِيها، وقَرَأ عَلِيٌّ: "ضَلِلْنا"، بِكَسْرِ اللامِ، يُقالُ: "ضَلَّ، يَضِلُّ"، و"ضَلَّ، يَضَلُّ"، وانْتَصَبَ الظَرْفُ في "أإذا ضَلَلْنا"، بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، وهو "نُبْعَثُ"، ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾، جاحِدُونَ، لَمّا ذَكَرَ كُفْرَهم بِالبَعْثِ أضْرَبَ عَنْهُ إلى ما هو أبْلَغُ، وهو أنَّهم كافِرُونَ بِجَمِيعِ ما يَكُونُ في العاقِبَةِ، لا بِالبَعْثِ وحْدَهُ.

السجدة 32:11

﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِقَبْضِ أرْواحِكُمْ، ثُمَّ تُرْجِعُونَ إلى رَبِّكم بَعْدَ ذَلِكَ، مَبْعُوثِينَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وهَذا مَعْنى لِقاءِ اللهِ، و"اَلتَّوَفِّي": اِسْتِيفاءُ النَفْسِ - وهي الرُوحُ -، أيْ: يَقْبِضُ أرْواحَكم أجْمَعِينَ، مِن قَوْلِكَ: "تَوَفَّيْتُ حَقِّي مِن فُلانٍ"، إذا أخَذْتَهُ وافِيًا، كَمَلًا، مِن غَيْرِ نُقْصانٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: "حُوِّيَتْ لِمَلَكِ المَوْتِ الأرْضُ، وجُعِلَتْ لَهُ مِثْلَ الطَسْتِ، يَتَناوَلُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ"، وقِيلَ: مَلَكُ المَوْتِ يَدْعُو الأرْواحَ فَتُجِيبُهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ أعْوانَهُ بِقَبْضِها، واللهُ (تَعالى) هو الآمِرُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وهو الخالِقُ لِأفْعالِ المَخْلُوقاتِ، وهَذا وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ (p-٨)الآيَةِ، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١]، وقَوْلِهِ: ﴿اللهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢]

السجدة 32:12

﴿وَلَوْ تَرى﴾، اَلْخِطابُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ، و"لَوْ"، اِمْتِناعِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: "لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا"، ﴿إذِ المُجْرِمُونَ﴾، هُمُ الَّذِينَ قالُوا: "أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ"، و"لَوْ"، و"إذْ"، لِلْمُضِيِّ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ المُتَرَقَّبَ مِنَ اللهِ بِمَنزِلَةِ المَوْجُودِ، ولا يُقَدَّرُ لِـ "تَرى"، ما يَتَناوَلُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: "وَلَوْ تَكُونُ مِنكَ الرُؤْيَةُ"، و"إذْ"، ظَرْفٌ لَهُ، ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾، مِنَ الذُلِّ، والحَياءِ، والنَدَمِ، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، عِنْدَ حِسابِ رَبِّهِمْ، ويُوقَفُ عَلَيْهِ، لِحَقِّ الحَذْفِ، إذِ التَقْدِيرُ: يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾، صَدَقَ وعْدُكَ، ووَعِيدُكَ، وسَمِعْنا مِنكَ تَصْدِيقَ رُسُلِكَ، أوْ: كُنّا عُمْيًا، وصُمًّا، فَأبْصَرْنا، وسَمِعْنا، ﴿فارْجِعْنا﴾، إلى الدُنْيا، ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ أيْ: اَلْإيمانَ والطاعَةَ، ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾، بِالبَعْثِ والحِسابِ الآنَ.

السجدة 32:13

﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾، في الدُنْيا، أيْ: لَوْ شِئْنا أعْطَيْنا كُلَّ نَفْسٍ ما عِنْدَنا مِنَ اللُطْفِ الَّذِي لَوْ كانَ مِنهُمُ اخْتِيارُ ذَلِكَ لاهْتَدَوْا، لَكِنْ لَمْ نُعْطِهِمْ ذَلِكَ اللُطْفَ لَمّا عَلِمْنا مِنهُمُ اخْتِيارَ الكُفْرِ وإيثارَهُ، وهو حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّ عِنْدَهم شاءَ اللهُ أنْ يُعْطِيَ كُلَّ نَفْسٍ ما بِهِ اهْتَدَتْ، وقَدْ أعْطاها، لَكِنَّها لَمْ تَهْتَدِ، وهم أوَّلُوا الآيَةَ بِمَشِيئَةِ الجَبْرِ، وهو تَأْوِيلٌ فاسِدٌ، لِما عُرِفَ في تَبْصِرَةِ الأدِلَّةِ، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾، ولَكِنْ وجَبَ القَوْلُ مِنِّي بِما عَلِمْتُ أنَّهُ يَكُونُ مِنهم ما يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ جَهَنَّمَ، وهو ما عَلِمَ مِنهم أنَّهم يَخْتارُونَ الرَدَّ، والتَكْذِيبَ، وفي تَخْصِيصِ الإنْسِ، والجِنِّ إشارَةٌ إلى أنَّهُ عَصَمَ مَلائِكَتَهُ عَنْ عَمَلٍ يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ جَهَنَّمَ.

السجدة 32:14

﴿فَذُوقُوا﴾، اَلْعَذابَ، ﴿بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ﴾، بِما تَرَكْتُمْ مِن عِلْمِ لِقاءِ ﴿يَوْمِكم (p-٩)هَذا﴾، وهو الإيمانُ بِهِ، ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾، تَرَكْناكم في العَذابِ كالمَنسِيِّ، ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ أيْ: اَلْعَذابَ الدائِمَ الَّذِي لا انْقِطاعَ لَهُ، ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

السجدة 32:15

﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ أيْ: وُعِظُوا بِها، ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾، سَجَدُوا لِلَّهِ تَواضُعًا، وخُشُوعًا، وشُكْرًا عَلى ما رَزَقَهم مِنَ الإسْلامِ، ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، ونَزَّهُوا اللهَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، وأثْنَوْا عَلَيْهِ حامِدِينَ لَهُ، ﴿وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، عَنِ الإيمانِ بِهِ، والسُجُودِ لَهُ.

السجدة 32:16

﴿تَتَجافى﴾، تَرْتَفِعُ، وتَتَنَحّى، ﴿جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾، عَنِ الفُرُشِ، ومَضاجِعِ النَوْمِ، قالَ سَهْلٌ: وهَبَ لِقَوْمٍ هِبَةً، وهو أنْ أذِنَ لَهم في مُناجاتِهِ، وجَعَلَهم مِن أهْلِ وسِيلَتِهِ، ثُمَّ مَدَحَهم عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ﴾، داعِينَ، ﴿رَبَّهُمْ﴾، عابِدِينَ لَهُ، ﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾، مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: "لِأجْلِ خَوْفِهِمْ مِن سُخْطِهِ، وطَمَعِهِمْ في رَحْمَتِهِ"، وهُمُ المُتَهَجِّدُونَ، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ في تَفْسِيرِها -: « "قِيامُ العَبْدِ مِنَ اللَيْلِ"، » وعَنِ ابْنِ عَطاءٍ: "أبَتْ جَنُوبُهم أنْ تَسْكُنَ عَلى بِساطِ الغَفْلَةِ، وطَلَبَتْ بِساطَ القُرْبَةِ"، يَعْنِي صَلاةَ اللَيْلِ، وعَنْ أنَسٍ: كانَ أُناسٌ مِن أصْحابٍ النَبِيِّ ﷺ يُصَلُّونَ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى صَلاةِ العِشاءِ الأخِيرَةِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ العَتَمَةِ، لا يَنامُونَ عَنْها، ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾، في طاعَةِ اللهِ (تَعالى).

السجدة 32:17

﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾، "ما"، بِمَعْنى "اَلَّذِي"، "أُخْفِي"، عَلى حِكايَةِ النَفْسِ، "حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ"، ﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما أُعِدَّ لِهَؤُلاءِ مِنَ (p-١٠)الكَرامَةِ، ﴿جَزاءً﴾، مَصْدَرٌ، أيْ: جُوزُوا جَزاءً، ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، عَنِ الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللهُ -: "أخْفى القَوْمُ أعْمالًا في الدُنْيا، فَأخْفى اللهُ لَهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ"، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ الصَلاةُ في جَوْفِ اللَيْلِ، لِيَكُونَ الجَزاءُ وِفاقًا،

السجدة 32:18

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَن كانَ في نُورِ الطاعَةِ والإيمانِ يَسْتَوِي مَعَ مَن هو في ظُلْمَةِ الكُفْرِ، والعِصْيانِ، بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ أيْ: كافِرًا، وهُما مَحْمُولانِ عَلى لَفْظِ "مَن"، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾، عَلى المَعْنى، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:

السجدة 32:19

﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾، هي نَوْعٌ مِنَ الجِنانِ، تَأْوِي إلَيْها أرْواحُ الشُهَداءِ، وقِيلَ: هي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، ﴿نُـزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، عَطاءً بِأعْمالِهِمْ، و"اَلنُّزُلُ": عَطاءُ النازِلِ، ثُمَّ صارَ عامًّا.

السجدة 32:20

﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النارُ﴾ أيْ: مَلْجَؤُهُمْ، ومَنزِلُهُمْ، ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ: تَقُولُ: لَهم خَزَنَةُ النارِ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفاسِقِ الكافِرُ، إذِ التَكْذِيبُ يُقابِلُ الإيمانَ.

السجدة 32:21

﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ أيْ: عَذابِ الدُنْيا، مِنَ الأسْرِ، وما مُحِنُوا بِهِ مِنَ السَنَةِ سَبْعَ سِنِينَ، ﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ أيْ: عَذابِ الآخِرَةِ، أيْ: نُذِيقُهم عَذابَ الدُنْيا قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلى الآخِرَةِ، عَنِ الدارانِيِّ: "اَلْعَذابُ الأدْنى الخُذْلانُ، والعَذابُ الأكْبَرُ الخُلُودُ في النِيرانِ"، وقِيلَ: اَلْعَذابُ الأدْنى عَذابُ القَبْرِ، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾، لَعَلَّ المُعَذَّبِينَ بِالعَذابِ الأدْنى ﴿يَرْجِعُونَ﴾، يَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ.

السجدة 32:22

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ﴾، وعْظٌ ﴿بِآياتِ رَبِّهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ، ﴿ثُمَّ أعْرَضَ (p-١١)عَنْها﴾ أيْ: فَتَوَلّى عَنْها، ولَمْ يَتَدَبَّرْ فِيها، و"ثُمَّ"، لِلِاسْتِبْعادِ، أيْ: إنَّ الإعْراضَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الآياتِ في وُضُوحِها، وإنارَتِها، وإرْشادِها إلى سَواءِ السَبِيلِ، والفَوْزِ بِالسَعادَةِ العُظْمى، بَعْدَ التَذْكِيرِ بِها، مُسْتَبْعَدٌ في العَقْلِ، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: "وَجَدْتُ مِثْلَ تِلْكَ الفُرْصَةِ ثُمَّ لَمْ تَنْتَهِزْها؟!"، اِسْتِبْعادًا لِتَرْكِهِ الِانْتِهازَ، ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ: "مِنهُ"، لِأنَّهُ إذا جَعَلَهُ أظَلَمَ كُلِّ ظالِمٍ ثُمَّ تَوَعَّدَ المُجْرِمِينَ عامَّةً بِالِانْتِقامِ مِنهُمْ، فَقَدْ دَلَّ عَلى إصابَةِ الأظْلَمِ النَصِيبَ الأوْفَرَ مِنَ الِانْتِقامِ، ولَوْ قالَهُ بِالضَمِيرِ، لَمْ يُفِدْ هَذِهِ الفائِدَةَ.

السجدة 32:23

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾، اَلتَّوْراةَ، ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ﴾، شَكٍّ، ﴿مِن لِقائِهِ﴾، مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ، أوْ مِن لِقائِكَ مُوسى لَيْلَةَ المِعْراجِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ مِن لِقاءِ مُوسى رَبَّهُ في الآخِرَةِ، كَذا عَنِ النَبِيِّ ﷺ، ﴿وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾، وجَعَلْنا الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلى مُوسى لِقَوْمِهِ هُدًى.

السجدة 32:24

﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً﴾، بِهَمْزَتَيْنِ، "كُوفِيٌّ، وشامِيٌّ"، ﴿يَهْدُونَ﴾، بِذَلِكَ الناسَ، ويَدْعُونَهم إلى ما في التَوْراةِ مِن دِينِ اللهِ، وشَرائِعِهِ، ﴿بِأمْرِنا﴾، إيّاهم بِذَلِكَ، ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾، حِينَ صَبَرُوا عَلى الحَقِّ بِطاعَةِ اللهِ، أوْ عَنِ المَعاصِي، "لِما صَبَرُوا"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، أيْ: لِصَبْرِهِمْ عَلى الدُنْيا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَبْرَ ثَمَرَتُهُ إمامَةُ الناسِ، ﴿وَكانُوا بِآياتِنا﴾، اَلتَّوْراةِ، ﴿يُوقِنُونَ﴾، يَعْلَمُونَ عِلْمًا لا يُخالِجُهُ شَكٌّ.

السجدة 32:25

﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ﴾، يَقْضِي، ﴿بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾، بَيْنَ الأنْبِياءِ، وأُمَمِهِمْ، أوْ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، والمُشْرِكِينَ، ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فَيَظْهَرُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ.

السجدة 32:26

﴿أوَلَمْ﴾، اَلْواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ مَنوِيٍّ، مِن جِنْسِ المَعْطُوفِ، أيْ: "أوَلَمْ يَدْعُ"، ﴿يَهْدِ﴾، يُبَيِّنْ، والفاعِلُ اللهُ، بِدَلِيلِ قِراءَةِ زَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ: (p-١٢)"نَهْدِ"، ﴿لَهُمْ﴾، لِأهْلِ مَكَّةَ،، كَمْ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "كَمْ"، فاعِلَ "يَهْدِ"، لِأنَّ "كَمْ"، لِلِاسْتِفْهامِ، فَلا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ، ومَحَلُّهُ نَصْبٌ، بِقَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾، كَعادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ، يَمُرُّونَ في مَتاجِرِهِمْ عَلى دِيارِهِمْ، وبِلادِهِمْ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾، اَلْمَواعِظَ فَيَتَّعِظُوا.

السجدة 32:27

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ﴾، نُجْرِي المَطَرَ، والأنْهارَ، ﴿إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ أيْ: اَلْأرْضِ الَّتِي جَرِزَ نَباتُها، أيْ: قُطِعَ، إمّا لِعَدَمِ الماءِ، أوْ لِأنَّهُ رُعِيَ، ولا يُقالُ: لِلَّتِي لا تُنْبِتُ - كالسِباخِ -: "جُرُزٌ"، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾، بِالماءِ، ﴿زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ﴾، مِنَ الزَرْعِ، ﴿أنْعامُهُمْ﴾، مِن عَصْفِهِ، ﴿وَأنْفُسُهُمْ﴾، مِن حَبِّهِ، ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾، بِأعْيُنِهِمْ، فَيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إحْياءِ المَوْتى؟!

السجدة 32:28

﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ﴾، اَلنَّصْرُ، أوِ الفَصْلُ بِالحُكُومَةِ، مِن قَوْلِهِ: "رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا"، وكانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: إنَّ اللهَ سَيَفْتَحُ لَنا عَلى المُشْرِكِينَ، أوْ يَفْتَحُ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، فَإذا سَمِعَ المُشْرِكُونَ ذَلِكَ قالُوا: مَتى هَذا الفَتْحُ؟ أيْ: في أيِّ وقْتٍ يَكُونُ؟ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، في أنَّهُ كائِنٌ.

السجدة 32:29

﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ الفَصْلِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وأعْدائِهِمْ، أوْ "يَوْمَ نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ"، أوْ "يَوْمَ بَدْرٍ"، أوْ "يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ"، ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾، وهَذا الكَلامُ لَمْ يَنْطَبِقْ جَوابًا عَلى سُؤالِهِمْ ظاهِرًا، ولَكِنْ لَمّا كانَ غَرَضُهم في السُؤالِ عَنْ وقْتِ الفَتْحِ اسْتِعْجالًا مِنهم عَلى وجْهِ التَكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، أجِيبُوا عَلى حَسَبِ ما عُرِفَ مِن غَرَضِهِمْ في سُؤالِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: لا تَسْتَعْجِلُوا بِهِ، ولا تَسْتَهْزِئُوا، فَكَأنِّي بِكم وقَدْ حَصَلْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وآمَنتُمْ، فَلا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، أوِ اسْتَنْظَرْتُمْ في إدْراكِ العَذابِ، فَلَمْ تُنْظَرُوا، ومَن (p-١٣)فَسَّرَهُ بِـ "يَوْمَ الفَتْحِ"، أوْ بِـ "يَوْمَ بَدْرٍ"، فَهو يُرِيدُ المَقْتُولِينَ مِنهُمْ، فَإنَّهم لا يَنْفَعُهم إيمانُهم في حالِ القَتْلِ، كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ عِنْدَ الغَرَقِ.

السجدة 32:30

﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ﴾، النُصْرَةَ عَلَيْهِمْ، وهَلاكَهُمْ، ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾، اَلْغَلَبَةَ عَلَيْكُمْ، وهَلاكَكُمْ، «وَكانَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ "الـم تَنْزِيلُ"، "اَلسَّجْدَةَ"، و"تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ"، » وقالَ: « "مَن قَرَأ "الـم تَنْزِيلُ"، في بَيْتِهِ لَمْ يَدْخُلْهُ الشَيْطانُ ثَلاثَةَ أيّامٍ"، » وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: قالَ: "سُورَةُ "الـم تَنْزِيلُ"، هي المانِعَةُ، تَمْنَعُ مِن عَذابِ القَبْرِ".

الأحزاب 33:1

(p-١٤)سُورَةُ "اَلْأحْزابِ" بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لِزِرٍّ: كَمْ تَعُدُّونَ سُورَةَ "اَلْأحْزابِ"؟ قالَ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ، قالَ: فَوالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ أُبَيٌّ إنْ كانَتْ لَتَعْدِلُ سُورَةَ "اَلْبَقَرَةِ"، أوْ أطْوَلَ، ولَقَدْ قَرَأْنا مِنها آيَةَ الرَجْمِ: (اَلشَّيْخُ والشَيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللهِ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، أرادَ أُبَيٌّ أنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ، وأمّا ما يُحْكى أنَّ تِلْكَ الزِيادَةَ كانَتْ في صَحِيفَةٍ في بَيْتِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها - فَأكَلَتْها الداجِنُ، فَمِن تَأْلِيفاتِ المَلاحِدَةِ، والرَوافِضِ. ﴿يا أيُّها النَبِيُّ﴾، وبِالهَمْزِ "نافِعٌ"، أيْ: "يا أيُّها المُخْبَرُ عَنّا، المَأْمُونُ عَلى أسْرارِنا، المُبَلِّغُ خِطابَنا إلى أحْبابِنا"، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: "يا مُحَمَّدُ"، كَما قالَ: "يا آدَمُ"، "يا مُوسى"، تَشْرِيفًا لَهُ، وتَنْوِيهًا بِفَضْلِهِ، وتَصْرِيحُهُ بِاسْمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، ونَحْوِهِ، لِتَعْلِيمِ الناسِ بِأنَّهُ رَسُولُ اللهِ، ﴿اتَّقِ اللهَ﴾، اُثْبُتْ عَلى تَقْوى اللهِ، ودُمْ عَلَيْهِ، وازْدَدْ مِنهُ، فَهو بابٌ لا يُدْرَكُ مَداهُ ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ ولا تُساعِدْهم عَلى شَيْءٍ، واحْتَرِسْ مِنهُمْ، فَإنَّهم أعْداءُ اللهِ، (p-١٥)والمُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السُلَمِيَّ، قَدِمُوا المَدِينَةَ بَعْدَ قِتالِ "أُحُدٍ"، فَنَزَلُوا عَلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، وأعْطاهُمُ النَبِيُّ الأمانَ، عَلى أنْ يُكَلِّمُوهُ، فَقالُوا: اُرْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا، وقُلْ: إنَّها تَنْفَعُ، وتَشْفَعُ، ووازَرَهُمُ المُنافِقُونَ عَلى ذَلِكَ، فَهَمَّ المُسْلِمُونَ بِقَتْلِهِمْ، فَنَزَلَتْ، » أيْ: "اِتَّقِ اللهَ في نَقْضِ العَهْدِ، ولا تُطِعِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةَ فِيما طَلَبُوا، ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا﴾، بِخُبْثِ أعْمالِهِمْ، ﴿حَكِيمًا﴾، في تَأْخِيرِ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ.

الأحزاب 33:2

﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾، في الثَباتِ عَلى التَقْوى، وتَرْكِ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، ﴿إنَّ اللهَ﴾، اَلَّذِي يُوحِي إلَيْكَ، ﴿كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أيْ: لَمْ يَزَلْ عالِمًا بِأعْمالِكُمْ، وقِيلَ: إنَّما جَمَعَ لِأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: "اِتَّبِعْ"، هُوَ، وأصْحابُهُ، وبِالياءِ "أبُو عَمْرٍو"، أيْ: بِما يَعْمَلُ الكافِرُونَ، والمُنافِقُونَ، مِن كَيْدِهِمْ لَكُمْ، ومَكْرِهِمْ بِكم.

الأحزاب 33:3

﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ﴾، أسْنِدْ أمْرَكَ إلَيْهِ، وكِلْهُ إلى تَدْبِيرِهِ، ﴿وَكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾، حافِظًا، مَوْكُولًا إلَيْهِ كُلُّ أمْرٍ، وقالَ الزَجّاجُ: لَفْظُهُ وإنْ كانَ لَفْظَ الخَبَرِ، فالمَعْنى: "اِكْتَفِ بِاللهِ وكِيلًا".

الأحزاب 33:4

﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ أيْ: ما جَمَعَ اللهُ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ، ولا زَوْجِيَّةً وأُمُومَةً في امْرَأةٍ، ولا بُنُوَّةً ودَعْوَةً في رَجُلٍ، والمَعْنى أنَّهُ (تَعالى) كَما لَمْ يَجْعَلْ لِإنْسانٍ قَلْبَيْنِ - لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَفْعَلَ بِالآخَرِ فِعْلًا مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَأحَدُهُما فَضْلَةٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، وإمّا أنْ يَفْعَلَ بِهَذا غَيْرَ ما يَفْعَلُ بِذاكَ، (p-١٦)فَذَلِكَ يُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الجُمْلَةِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا، عالِمًا ظانًّا، مُوقِنًا شاكًّا، في حالَةٍ واحِدَةٍ - لَمْ يَحْكم أيْضًا أنْ تَكُونَ المَرْأةُ الواحِدَةُ أُمًّا لِرَجُلٍ، وزَوْجًا لَهُ، لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ، والمَرْأةَ خادِمَةٌ، وبَيْنَهُما مُنافاةٌ، وأنْ يَكُونَ الرَجُلُ الواحِدُ دَعِيًّا لِرَجُلٍ، وابْنًا لَهُ، لِأنَّ البُنُوَّةَ أصالَةٌ في النَسَبِ، والدَعْوَةُ إلْصاقٌ عارِضٌ بِالتَسْمِيَةِ، لا غَيْرُ، ولا يَجْتَمِعُ في الشَيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا، غَيْرَ أصِيلٍ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ (تَعالى) في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وهو رَجُلٌ مِن كَلْبٍ، سُبِيَ صَغِيرًا، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَلَمّا تَزَوَّجَها رَسُولُ اللهِ ﷺ وهَبَتْهُ لَهُ، فَطَلَبَهُ أبُوهُ وعَمُّهُ، فَخُيِّرَ، فاخْتارَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأعْتَقَهُ وتَبَنّاهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا تَزَوَّجَ النَبِيُّ ﷺ زَيْنَبَ، وكانَتْ تَحْتَ زَيْدٍ، قالَ المُنافِقُونَ: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأةَ ابْنِهِ، وهو يَنْهى عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ: كانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: لِمُحَمَّدٍ قَلْبانِ، قَلْبٌ مَعَكُمْ، وقَلْبٌ مَعَ أصْحابِهِ، وقِيلَ: كانَ أبُو مَعْمَرٍ أحْفَظَ العَرَبِ، فَقِيلَ لَهُ: "ذُو القَلْبَيْنِ"، فَأكْذَبَ اللهُ قَوْلَهُمْ، وضَرَبَهُ مَثَلًا في الظِهارِ، والتَبَنِّي. والتَنْكِيرُ في "رَجُلٍ"، وإدْخالُ "مِن"، اَلِاْسْتِغْراقِيَّةِ عَلى "قَلْبَيْنِ"، وذِكْرُ "اَلْجَوْفِ"، لِلتَّأْكِيدِ، "اَللّائِي"، بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، حَيْثُ كانَ، "كُوفِيٌّ، وشامِيٌّ"، "اَللّاءِ"، "نافِعٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ"، وهي جَمْعُ "اَلَّتِي"، "تُظاهِرُونَ"، "عاصِمٌ"، مِن "ظاهَرَ"، إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: "أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي"، "تَظاهَرُونَ"، "عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ"، "تَظّاهَرُونَ"، "شامِيٌّ"، مِن "اِظّاهَرَ"، بِمَعْنى: "تَظاهَرَ"، غَيْرُهُمْ: "تَظَّهَّرُونَ"، مِن "اِظَّهَّرَ"، بِمَعْنى: "تَظَهَّرَ"، وعُدِّيَ بِـ "مِن"، لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى البُعْدِ، لِأنَّهُ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، ونَظِيرُهُ "آلى مِنَ امْرَأتِهِ"، لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى التَباعُدِ عُدِّيَ بِـ "مِن"، وإلّا فَـ "آلى"، في أصْلِهِ - الَّذِي هو مَعْنى "حَلَفَ"، و"أقْسَمَ" - لَيْسَ هَذا بِحُكْمِهِ. وَ"اَلدَّعِيُّ": "فَعِيلٌ"، بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"، وهو الَّذِي يُدْعى "وَلَدًا"، وجُمِعَ عَلى "أفْعِلاءُ"، شاذًّا، لِأنَّ بابَهُ ما كانَ مِنهُ بِمَعْنى "فاعِلٌ"، كَـ "تَقِيٌّ"، و"أتْقِياءُ"، و"شَقِيٌّ"، و"أشْقِياءُ"، ولا يَكُونُ ذَلِكَ في نَحْوِ "رَمِيٌّ"، و"سَمِيٌّ"، لِلتَّشْبِيهِ اللَفْظِيِّ، ﴿ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ أيْ: إنَّ قَوْلَكم لِلزَّوْجَةِ: "هِيَ أمٌّ"، ولِلدَّعِيِّ: "هُوَ ابْنٌ"، قَوْلٌ تَقُولُونَهُ بِألْسِنَتِكُمْ، لا حَقِيقَةَ لَهُ، إذْ الِابْنُ يَكُونُ بِالوِلادَةِ، وكَذا الأُمُّ، ﴿واللهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ أيْ: ما هو حَقٌّ ظاهِرُهُ، وباطِنُهُ، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَبِيلَ﴾ أيْ: (p-١٧)سَبِيلَ الحَقِّ، ثُمَّ قالَ ما هو الحَقُّ، وهَدى إلى ما هو سَبِيلُ الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ:

الأحزاب 33:5

﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ﴾، أعْدَلُ، ﴿عِنْدَ اللهِ﴾، وبَيَّنَ أنَّ دُعاءَهم لِآبائِهِمْ هو أدْخَلُ الأمْرَيْنِ في القِسْطِ، والعَدْلِ، وقِيلَ: كانَ الرَجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا أعْجَبَهُ ولَدُ الرَجُلِ ضَمَّهُ إلى نَفْسِهِ، وجَعَلَ لَهُ مِثْلَ نَصِيبِ الذَكَرِ مِن أوْلادِهِ مِن مِيراثِهِ، وكانَ يُنْسَبُ إلَيْهِ، فَيُقالُ: "فُلانُ بْنُ فُلانٍ"، ثُمَّ انْظُرْ إلى فَصاحَةِ هَذا الكَلامِ، حَيْثُ وصَلَ الجُمَلَ الطَلَبِيَّةَ، ثُمَّ فَصَلَ الخَبَرِيَّةَ عَنْها، ووَصَلَ بَيْنَها، ثُمَّ فَصَلَ الِاسْمِيَّةَ عَنْها، ووَصَلَ بَيْنَها، ثُمَّ فَصَلَ بِالطَلَبِيَّةِ، ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾، "فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا لَهم آباءً تَنْسُبُونَهم إلَيْهِمْ، ﴿فَإخْوانُكم في الدِينِ ومَوالِيكُمْ﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكم في الدِينِ وأوْلِياؤُكم في الدِينِ، فَقالُوا: "هَذا أخِي"، و"هَذا مَوْلايَ"، و"يا أخِي"، و"يا مَوْلايَ"، يُرِيدُ الأُخُوَّةَ في الدِينِ، والوِلايَةَ فِيهِ، ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْتُمُوهُ مِن ذَلِكَ مُخْطِئِينَ، جاهِلِينَ، قَبْلَ وُرُودِ النَهْيِ، ﴿وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، ولَكِنَّ الإثْمَ عَلَيْكم فِيما تَعَمَّدْتُمُوهُ بَعْدَ النَهْيِ أوْ لا إثْمَ عَلَيْكم إذا قُلْتُمْ لِوَلَدِ غَيْرِكُمْ: "يا بُنَيَّ"، عَلى سَبِيلِ الخَطَإ، وسَبْقِ اللِسانِ، ولَكِنْ إذا قُلْتُمُوهُ مُتَعَمِّدِينَ، و"ما"، في مَوْضِعِ الجَرِّ، عَطْفٌ عَلى "ما"، اَلْأُولى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ العَفْوُ عَنِ الخَطَإ، دُونَ العَمْدِ، عَلى سَبِيلِ العُمُومِ، ثُمَّ تَناوَلَ لِعُمُومِهِ خَطَأ التَبَنِّي، وعَمْدَهُ، وإذا وُجِدَ التَبَنِّي، فَإنْ كانَ المُتَبَنّى مَجْهُولَ النِسَبِ، وأصْغَرَ سِنًّا مِنهُ، ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنهُ، وعُتِقَ إنْ كانَ عَبْدًا لَهُ، وإنْ كانَ أكْبَرَ سِنًّا مِنهُ لَمْ يَثْبُتِ النَسَبُ، وعُتِقَ، عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ - وأمّا المَعْرُوفُ النَسَبِ فَلا يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِالتَبَنِّي، وعُتِقَ إنْ كانَ عَبْدًا، ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، لا يُؤاخِذُكم بِالخَطَإ، ويَقْبَلُ التَوْبَةَ مِنَ المُتَعَمِّدِ.

الأحزاب 33:6

﴿النَبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أحَقَّ بِهِمْ في كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِينِ، والدُنْيا، وحُكْمُهُ أنْفَذُ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَبْذُلُوها دُونَهُ، ويَجْعَلُوها فِداءَهُ، أوْ هو أوْلى بِهِمْ، أيْ: أرْأفَ بِهِمْ، وأعْطَفُ عَلَيْهِمْ، وأنْفَعُ (p-١٨)لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "اَلنَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهُمْ"، وقالَ مُجاهِدٌ: "كُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ"، ولِذَلِكَ صارَ المُؤْمِنُونَ إخْوَةً، لِأنَّ النَبِيَّ ﷺ أبُوهم في الدِينِ، ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾، في تَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ، ووُجُوبِ تَعْظِيمِهِنَّ، وهُنَّ فِيما وراءَ ذَلِكَ كالإرْثِ ونَحْوِهِ، كالأجْنَبِيّاتِ، ولِهَذا لَمْ يَتَعَدَّ التَحْرِيمُ إلى بَناتِهِنَّ، ﴿وَأُولُو الأرْحامِ﴾، وذَوُو القَراباتِ، ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾، في التَوارُثِ، وكانَ المُسْلِمُونَ في صَدْرِ الإسْلامِ يَتَوارَثُونَ بِالوَلايَةِ في الدِينِ، وبِالهِجْرَةِ، لا بِالقَرابَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وجُعِلَ التَوارُثُ بِحَقِّ القَرابَةِ، ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾، في حُكْمِهِ، وقَضائِهِ، أوْ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ فِيما فَرَضَ اللهُ، ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِأُولِي الأرْحامِ، أيْ: اَلْأقْرِباءِ مِن هَؤُلاءِ، بَعْضُهم أوْلى بِأنْ يَرِثَ بَعْضًا مِنَ الأجانِبِ، وأنْ يَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: "أُولُو الأرْحامِ بِحَقِّ القَرابَةِ أوْلى بِالمِيراثِ مِنَ المُؤْمِنِينَ"، أيْ: "اَلْأنْصارِ بِحَقِّ الوَلايَةِ في الدِينِ، مِنَ المُهاجِرِينَ بِحَقِّ الهِجْرَةِ"، ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾، اَلِاسْتِثْناءُ مِن خِلافِ الجِنْسِ، أيْ: "لَكِنَّ فِعْلَكم إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا جائِزٌ، وهو أنْ تُوصُوا لِمَن أحْبَبْتُمْ مِن هَؤُلاءِ بِشَيْءٍ، فَيَكُونَ ذَلِكَ بِالوَصِيَّةِ، لا بِالمِيراثِ"، وعُدِّيَ "تَفْعَلُوا"، بِـ "إلى"، لِأنَّهُ في مَعْنى "تُسْدُوا"، والمُرادُ بِالأوْلِياءِ: اَلْمُؤْمِنُونَ، والمُهاجِرُونَ، لِلْوَلايَةِ في الدِينِ، ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: اَلتَّوارُثُ بِالأرْحامِ كانَ مَسْطُورًا في اللَوْحِ.

الأحزاب 33:7

﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾، واذْكُرْ حِينَ أخَذْنا مِنَ النَبِيِّينَ مِيثاقَهم بِتَبْلِيغِ الرِسالَةِ، والدُعاءِ إلى الدِينِ القَيِّمِ، ﴿وَمِنكَ﴾، خُصُوصًا، وقُدِّمَ رَسُولُ اللهِ عَلى نُوحٍ، ومَن بَعْدَهُ، لِأنَّ هَذا العَطْفَ لِبَيانِ فَضِيلَةِ هَؤُلاءِ، لِأنَّهم أُولُو العَزْمِ، وأصْحابُ الشَرائِعِ، فَلَمّا كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ أفْضَلَ هَؤُلاءِ، قُدِّمَ عَلَيْهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَقُدِّمَ مَن قَدَّمَهُ زَمانُهُ، ﴿وَمِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾، (p-١٩)وَثِيقًا، وأعادَ ذِكْرَ المِيثاقِ، لِانْضِمامِ الوَصْفِ إلَيْهِ، وإنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ،

الأحزاب 33:8

﴿لِيَسْألَ﴾، اَللَّهُ، ﴿الصادِقِينَ﴾ أيْ: اَلْأنْبِياءَ، ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾، عَمّا قالُوهُ لِقَوْمِهِمْ، أوْ: لِيَسْألَ المُصَدِّقِينَ لِلْأنْبِياءِ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ، لِأنَّ مَن قالَ لِلصّادِقِ: "صَدَقْتَ"، كانَ صادِقًا في قَوْلِهِ، أوْ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ ما الَّذِي أجابَتْهم أُمَمُهُمْ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] ﴿وَأعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾، بِالرُسُلِ، ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾، وهو عَطْفٌ عَلى "أخَذْنا"، لِأنَّ المَعْنى أنَّ اللهَ أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَعْوَةَ إلى دِينِهِ، لِأجْلِ إثابَةِ المُؤْمِنِينَ، وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا، أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ "لِيَسْألَ الصادِقِينَ"، كَأنَّهُ قالَ: "فَأثابَ المُؤْمِنِينَ، وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ... ".

الأحزاب 33:9

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: ما أنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكم يَوْمَ الأحْزابِ، وهو يَوْمُ الخَنْدَقِ، وكانَ بَعْدَ حَرْبِ "أُحُدٍ"، بِسَنَةٍ، ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ أيْ: اَلْأحْزابُ، وهم قُرَيْشٌ، وغَطَفانُ، وقُرَيْظَةُ، والنَضِيرُ، ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ أيْ: اَلصَّبا، قالَ ﷺ "نُصِرْتُ بِالصَبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَبُورِ"، ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾، وهُمُ المَلائِكَةِ، وكانُوا ألْفًا، بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ صَبا بارِدَةً، في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَأخْصَرَتْهُمْ، وأسَفَّتِ التُرابَ في وُجُوهِهِمْ، وأمَرَ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتِ الأطْنابَ، وأطْفَأتِ النِيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وماجَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وقُذِفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبُ، وكَبَّرَتِ المَلائِكَةُ في جَوانِبِ عَسْكَرِهِمْ، فانْهَزَمُوا مِن غَيْرِ قِتالٍ، وحِينَ سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإقْبالِهِمْ، ضَرَبَ الخَنْدَقَ عَلى المَدِينَةِ، بِإشارَةِ سَلْمانَ، ثُمَّ خَرَجَ في ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَضَرَبَ مُعَسْكَرَهُ والخَنْدَقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْمِ، وأمَرَ بِالذَرارِيِّ والنِسْوانِ، فَرُفِعُوا في الآطامِ، واشْتَدَّ الخَوْفُ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ أقْبَلَتْ في عَشْرَةِ آلافٍ مِنَ (p-٢٠)الأحابِيشِ، وبَنِي كِنانَةَ وأهْلِ تِهامَةَ، وقائِدُهم أبُو سُفْيانَ، وخَرَجَ غَطَفانُ في ألْفٍ، ومَن تابَعَهم مِن أهْلِ نَجْدٍ، وقائِدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وعامِرُ بْنُ الطُفَيْلِ في هَوازِنَ، وضامَّتْهُمُ اليَهُودُ مِن قُرَيْظَةَ، والنَضِيرِ، ومَضى عَلى الفَرِيقَيْنِ قَرِيبٌ مِن شَهْرٍ لا حَرْبَ بَيْنَهم إلّا التَرامِي بِالنِبْلِ والحِجارَةِ، حَتّى أنْزَلَ اللهُ النَصْرَ، ﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِعَمَلِكم أيُّها المُؤْمِنُونَ، مِنَ التَحَصُّنِ بِالخَنْدَقِ، والثَباتِ عَلى مُعاوَنَةٍ النَبِيِّ ﷺ، ﴿بَصِيرًا﴾، وبِالياءِ "أبُو عَمْرٍو"، أيْ: بِما يَعْمَلُ الكُفّارُ، مِنَ البَغْيِ، والسَعْيِ في إطْفاءِ نُورِ اللهِ.

الأحزاب 33:10

﴿إذْ جاءُوكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن "إذْ جاءَتْكُمْ"، ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ أيْ: مِن أعْلى الوادِي، مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، بَنُو غَطَفانَ، ﴿وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي، مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، قُرَيْشٌ، ﴿وَإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، مالَتْ عَنْ سَنَنِها، ومُسْتَوى نَظَرِها حَيْرَةً، أوْ عَدَلَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمْ تَلْتَفِتْ إلّا إلى عَدُوِّها، لِشِدَّةِ الرَوْعِ، ﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾، "اَلْحَنْجَرَةُ": رَأْسُ الغَلْصَمَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ، و"اَلْحُلْقُومُ": مَدْخَلُ الطَعامِ والشَرابِ، قالُوا: إذا انْتَفَخَتِ الرِئَةُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ، أوِ الغَضَبِ، رَبَتْ وارْتَفَعَ القَلْبُ بِارْتِفاعِها إلى رَأْسِ الحَنْجَرَةِ، وقِيلَ: هو مَثَلٌ في اضْطِرابِ القُلُوبِ، وإنْ لَمْ تَبْلُغِ الحَناجِرَ حَقِيقَةً، رُوِيَ «أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: هَلْ مِن شَيْءٍ تَقُولُهُ، فَقَدْ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ؟ قالَ: "نَعَمْ، قُولُوا: اَللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِنا، وآمِن رَوْعاتِنا"، »﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُنُونا﴾، خِطابٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا، ومِنهم ثُبَّتُ القُلُوبِ والأقْدامِ، والضِعافُ القُلُوبِ، الَّذِينَ هم عَلى حَرْفٍ، والمُنافِقُونَ، فَظَنَّ الأوَّلُونَ بِاللهِ أنَّهُ يَبْتَلِيهِمْ، فَخافُوا الزَلَلَ، وضَعْفَ الِاحْتِمالِ، وأمّا الآخَرُونَ فَظَنُّوا بِاللهِ ما حُكِيَ عَنْهُمْ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "اَلظُّنُونَ"، بِغَيْرِ ألِفٍ في الوَصْلِ، والوَقْفِ، وهو القِياسُ، وبِالألِفِ فِيهِما "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وأبُو بَكْرٍ"، إجْراءً لِلْوَصْلِ مُجْرى الوَقْفِ، وبِالألِفِ في الوَقْفِ "مَكِّيٌّ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ"، (p-٢١)وَمِثْلُهُ "اَلرَّسُولا"، و"اَلسَّبِيلا"، زادُوها في الفاصِلَةِ، كَما زادُوها في القافِيَةِ، مَن قالَ: أقِلِّي اللَوْمَ عاذِلَ والعِتابا............................ وَهُنَّ كُلُّهُنَّ في الإمامِ بِألِفٍ.

الأحزاب 33:11

﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾، امْتُحِنُوا بِالصَبْرِ عَلى الإيمانِ، ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾، وحُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا بَلِيغًا.

الأحزاب 33:12

﴿وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى الأوَّلِ، ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، قِيلَ هو وصْفُ المُنافِقِينَ بِالواوِ، كَقَوْلِهِ: ؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُما مِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ وَقِيلَ: هم قَوْمٌ لا بَصِيرَةَ لَهم في الدِينِ، كانَ المُنافِقُونَ يَسْتَمِيلُونَهم بِإدْخالِ الشُبَهِ عَلَيْهِمْ، ﴿ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾، رُوِيَ أنَّ مُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ حِينَ رَأى الأحْزابَ قالَ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ فَتْحَ فارِسَ والرُومِ، وأحَدُنا لا يَقْدِرُ أنْ يَتَبَرَّزَ فَرَقًا، ما هَذا إلّا وعْدُ غُرُورٍ.

الأحزاب 33:13

﴿وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾، مِنَ المُنافِقِينَ، وهم عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، وأصْحابُهُ، ﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ هم أهْلُ المَدِينَةِ، ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾، وبِضَمِّ المِيمِ "حَفْصٌ"، أيْ: لا قَرارَ لَكم هَهُنا، ولا مَكانَ تَقُومُونَ فِيهِ، أوْ تُقِيمُونَ، ﴿فارْجِعُوا﴾، عَنِ الإيمانِ إلى الكُفْرِ، أوْ مِن عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ إلى المَدِينَةِ، ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَبِيَّ﴾ أيْ: (p-٢٢)بَنُو حارِثَةَ، ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ذاتُ عَوْرَةٍ، ﴿وَما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾، "اَلْعَوْرَةُ": اَلْخَلَلُ، و"اَلْعَوِرَةُ": ذاتُ العَوْرَةِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، يُقالُ: "عَوِرَ المَكانُ عَوَرًا"، إذا بَدا مِنهُ خَلَلٌ يُخافُ مِنهُ العَدُوُّ، والسارِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "عَوْرَةٌ"، تَخْفِيفَ "عَوِرَةٌ"، اِعْتَذَرُوا أنَّ بُيُوتَهم عُرْضَةٌ لِلْعَدُوِّ والسارِقِ، لِأنَّها غَيْرُ مُحَصَّنَةٍ، فاسْتَأْذَنُوهُ لِيُحَصِّنُوها، ثُمَّ يَرْجِعُوا إلَيْهِ، فَأكْذَبَهُمُ اللهُ بِأنَّهم لا يَخافُونَ ذَلِكَ، وإنَّما يُرِيدُونَ الفِرارَ مِنَ القِتالِ.

الأحزاب 33:14

﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾، اَلْمَدِينَةُ، أوْ بُيُوتُهُمْ، مِن قَوْلِكَ: "دَخَلْتُ عَلى فُلانٍ دارَهُ"، ﴿مِن أقْطارِها﴾، مِن جَوانِبِها، أيْ: ولَوْ دَخَلَتْ هَذِهِ العَساكِرُ المُتَحَزِّبَةُ الَّتِي يَفِرُّونَ خَوْفًا مِنها مَدِينَتَهُمْ، أوْ بُيُوتَهم مِن نَواحِيها كُلِّها، وانْثالَتْ عَلى أهالِيهِمْ وأوْلادِهِمْ، ناهِبِينَ، سابِينَ، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾، عِنْدَ ذَلِكَ الفَزَعِ، ﴿الفِتْنَةَ﴾ أيْ: اَلرِّدَّةَ والرَجْعَةَ إلى الكُفْرِ، ومُقاتَلَةَ المُسْلِمِينَ، ﴿لآتَوْها﴾، لَأعْطَوْها، "لَأتَوْها"، بِلا مَدٍّ "حِجازِيٌّ"، أيْ: لَجاءوها وفَعَلُوها، ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها﴾، بِإجابَتِها، ﴿إلا يَسِيرًا﴾، رَيْثَما يَكُونُ السُؤالُ والجَوابُ، مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ، أوْ "ما لَبِثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ارْتِدادِهِمْ إلّا يَسِيرًا، فَإنَّ اللهَ يُهْلِكُهُمْ"، والمَعْنى أنَّهم يَتَعَلَّلُونَ بِاعْوِرارِ بُيُوتِهِمْ لِيَفِرُّوا عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وعَنْ مُصافَّةِ الأحْزابِ الَّذِينَ مَلَؤُوهم هَوْلًا ورُعْبًا، هَؤُلاءِ الأحْزابِ كَما هم لَوْ كَبَسُوا عَلَيْهِمْ أرْضَهم ودِيارَهُمْ، وعُرِضَ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ، وقِيلَ لَهُمْ: كُونُوا عَلى المُسْلِمِينَ، لَسارَعُوا إلَيْهِ، وما تَعَلَّلُوا بِشَيْءٍ، وما ذَلِكَ إلّا لِمَقْتِهِمُ الإسْلامَ وحُبِّهِمُ الكُفْرَ.

الأحزاب 33:15

﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: بَنُو حارِثَةَ، مِن قَبْلِ الخَنْدَقِ، أوْ مِن قَبْلِ نَظَرِهِمْ إلى الأحْزابِ، ﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾، مُنْهَزِمِينَ، ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولا﴾، مَطْلُوبًا، مُقْتَضًى حَتّى يُوَفّى بِهِ.

الأحزاب 33:16

(p-٢٣)﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ أيْ: إنْ كانَ حَضَرَ أجَلُكُمْ، لَمْ يَنْفَعْكُمُ الفِرارُ، وإنْ لَمْ يَحْضُرْ وفَرَرْتُمْ، لَمْ تُمَتَّعُوا في الدُنْيا إلّا قَلِيلًا، وهو مُدَّةُ أعْمارِكُمْ، وذَلِكَ قَلِيلٌ، وعَنْ بَعْضِ المَرْوانِيَّةِ أنَّهُ مَرَّ بِحائِطٍ مائِلٍ، فَأسْرَعَ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: ذَلِكَ القَلِيلَ نَطْلُبُ.

الأحزاب 33:17

﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللهِ﴾ أيْ: مِمّا أرادَ اللهُ إنْزالَهُ بِكُمْ، ﴿إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾، في أنْفُسِكُمْ، مِن قَتْلٍ، أوْ غَيْرِهِ، ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ أيْ: إطالَةَ عُمُرٍ في عافِيَةٍ وسَلامَةٍ، أيْ: مَن يَمْنَعُ اللهَ مِن أنْ يَرْحَمَكم إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً، لِما في العِصْمَةِ مِن مَعْنى المَنعِ، ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾، ناصِرًا.

الأحزاب 33:18

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مَن يُعَوِّقُ عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أيْ: يَمْنَعُ، وهُمُ المُنافِقُونَ، ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾، في الظاهِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا، ودَعُوا مُحَمَّدًا، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، فَإنَّهم يُسَوُّونَ فِيهِ بَيْنَ الواحِدِ، والجَماعَةِ، وأمّا تَمِيمٌ فَيَقُولُونَ: "هَلُمَّ يا رَجُلُ"، و"هَلُمُّوا يا رِجالُ"، وهو صَوْتٌ سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، نَحْوَ: "اُحْضُرْ"، و"قَرِّبْ"، ﴿وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ أيْ: اَلْحَرْبَ، ﴿إلا قَلِيلا﴾، إلّا إتْيانًا قَلِيلًا، أيْ: يَحْضُرُونَ ساعَةً رِياءً، يَقِفُونَ قَلِيلًا، مِقْدارَ ما يُرى شُهُودُهُمْ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ.

الأحزاب 33:19

﴿أشِحَّةً﴾، جَمْعُ شَحِيحٍ، وهو البَخِيلُ، نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَأْتُونَ"، أيْ: يَأْتُونَ الحَرْبَ بُخَلاءَ، ﴿عَلَيْكُمْ﴾، بِالظَفَرِ، والغَنِيمَةِ، ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ﴾، مِن قِبَلِ العَدُوِّ، أوْ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - ﴿رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾، في تِلْكَ الحالَةِ، ﴿تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾، يَمِينًا، وشِمالًا، ﴿كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾، كَما يَنْظُرُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ، حَذَرًا، وخَوَرًا، ولِواذًا بِكَ، ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ﴾، زالَ ذَلِكَ الخَوْفُ، وأمِنُوا، وحِيزَتِ الغَنائِمُ، ﴿سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾، (p-٢٤)خاطَبُوكم مُخاطَبَةً شَدِيدَةً، وآذَوْكم بِالكَلامِ، "خَطِيبٌ مِسْلَقٌ": فَصِيحٌ، و"رَجُلٌ مِسْلاقٌ": مُبالِغٌ في الكَلامِ، أيْ: يَقُولُونَ: وفِّرُوا قِسْمَتَنا فَإنّا قَدْ شاهَدْناكُمْ، وقاتَلْنا مَعَكُمْ، وبِمَكانِنا غَلَبْتُمْ عَدُوَّكُمْ، ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ أيْ: خاطَبُوكم أشِحَّةً عَلى المالِ، والغَنِيمَةِ، و"أشِحَّةً"، حالٌ مِن فاعِلِ "سَلَقُوكُمْ"، ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾، في الحَقِيقَةِ، بَلْ بِالألْسِنَةِ، ﴿فَأحْبَطَ اللهُ أعْمالَهُمْ﴾، أبْطَلَ بِإضْمارِهِمُ الكُفْرَ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الأعْمالِ، ﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾، إحْباطُ أعْمالِهِمْ، ﴿عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾، هَيِّنًا.

الأحزاب 33:20

﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ: لِجُبْنِهِمْ يَظُنُّونَ أنَّ الأحْزابَ لَمْ يَنْهَزِمُوا، ولَمْ يَنْصَرِفُوا، مَعَ أنَّهم قَدِ انْصَرَفُوا، ﴿وَإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾، كَرَّةً ثانِيَةً، ﴿يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾، "اَلْبادُونَ": جَمُعُ "اَلْبادِي"، أيْ: يَتَمَنّى المُنافِقُونَ لِجُبْنِهِمْ أنَّهم خارِجُونَ مِنَ المَدِينَةِ إلى البادِيَةِ، حاصِلُونَ بَيْنَ الأعْرابِ، لِيَأْمَنُوا عَلى أنْفُسِهِمْ، ويَعْتَزِلُوا مِمّا فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ القِتالِ، ﴿يَسْألُونَ﴾، كُلَّ قادِمٍ مِنهُمْ، مِن جانِبِ المَدِينَةِ، ﴿عَنْ أنْبائِكُمْ﴾، عَنْ أخْبارِكُمْ، وعَمّا جَرى عَلَيْكُمْ، ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾، ولَمْ يَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ، وكانَ قِتالٌ، ﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾، رِياءً وسُمْعَةً.

الأحزاب 33:21

﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ﴾، بِالضَمِّ حَيْثُ كانَ، "عاصِمٌ"، أيْ: قُدْوَةٌ، وهو المُؤْتَسى بِهِ، أيْ: المُقْتَدى بِهِ، كَما تَقُولُ "فِي البَيْضَةِ عِشْرُونَ مَنًّا حَدِيدًا"، أيْ: هي في نَفْسِها هَذا المَبْلَغُ مِنَ الحَدِيدِ، أوْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِن حَقِّها أنْ يُؤْتَسى بِها، حَيْثُ قاتَلَ بِنَفْسِهِ، ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾، يَخافُ اللهَ، ويَخافُ اليَوْمَ الآخِرَ، أوْ يَأْمُلُ ثَوابَ اللهِ، ونَعِيمَ اليَوْمِ الآخِرِ، قالُوا: "لِمَن"، بَدَلٌ مِن "لَكُمْ"، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ البَدَلُ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، وقِيلَ "لِمَن"، يَتَعَلَّقُ بِـ "حَسَنَةٌ"، أيْ: أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، كائِنَةٌ "لِمَن كانَ..."، (p-٢٥)﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ أيْ: في الخَوْفِ، والرَجاءِ، والشِدَّةِ، والرَخاءِ.

الأحزاب 33:22

﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾، وعَدَهُمُ اللهُ أنْ يُزَلْزَلُوا حَتّى يَسْتَغِيثُوهُ، ويَسْتَنْصِرُوهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]، إلى قَوْلِهِ: ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، فَلَمّا جاءَ الأحْزابُ، واضْطَرَبُوا، ورُعِبُوا الرُعْبَ الشَدِيدَ، ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللهُ ورَسُولُهُ﴾، وعَلِمُوا أنَّ الغَلَبَةَ والنُصْرَةَ قَدْ وجَبَتْ لَهُمْ، «وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: "إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم في آخِرِ تِسْعِ لَيالٍ، أوْ عَشْرٍ"، فَلَمّا رَأوْهم قَدْ أقْبَلُوا لِلْمِيعادِ قالُوا ذَلِكَ، » و"هَذا"، إشارَةٌ إلى الخَطْبِ أوِ البَلاءِ، ﴿وَما زادَهُمْ﴾، ما رَأوْا مِنَ اجْتِماعِ الأحْزابِ عَلَيْهِمْ، ومَجِيئِهِمْ، ﴿إلا إيمانًا﴾، بِاللهِ، وبِمَواعِيدِهِ، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾، لِقَضائِهِ، وقَدَرِهِ.

الأحزاب 33:23

﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: فِيما عاهَدُوهُ عَلَيْهِ، فَحَذَفَ الجارَّ، كَما في المَثَلِ: "صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ"، أيْ: صَدَقَنِي في سِنِّ بَكْرِهِ، بِطَرْحِ الجارِّ، وإيصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ، نَذَرَ رِجالٌ مِنَ الصَحابَةِ أنَّهم إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَبَتُوا، وقاتَلُوا حَتّى يُسْتَشْهَدُوا، وهم عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وطَلْحَةُ، وسَعْدُ بْنُ زَيْدٍ، وحَمْزَةُ، ومُصْعَبٌ، وغَيْرُهُمْ، ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ أيْ: ماتَ شَهِيدًا، كَحَمْزَةَ، ومُصِعَبٍ، وقَضاءُ النَحْبِ صارَ عِبارَةً عَنِ المَوْتِ، لِأنَّ كُلَّ حَيٍّ مِنَ المُحْدَثاتِ لا بُدَّ لَهُ أنْ يَمُوتَ، فَكَأنَّهُ نَذْرٌ لازِمٌ في رَقَبَتِهِ، فَإذا ماتَ فَقَدْ قَضى نَحْبَهُ، أيْ: نَذْرَهُ، ﴿وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾، اَلْمَوْتَ، (p-٢٦)كَعُثْمانَ، وطَلْحَةَ، ﴿وَما بَدَّلُوا﴾، اَلْعَهْدَ، ﴿تَبْدِيلا﴾، ولا غَيَّرُوهُ، لا المُسْتَشْهَدُ، ولا مَن يَنْتَظِرُ الشَهادَةَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِمَن بَدَّلُوا مِن أهْلِ النِفاقِ، ومَرْضى القُلُوبِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ [الأحزاب: ١٥]

الأحزاب 33:24

﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، بِوَفائِهِمْ بِالعَهْدِ، ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ﴾، إذا لَمْ يَتُوبُوا، ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، إنْ تابُوا، ﴿إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا﴾، بِقَبُولِ التَوْبَةِ، ﴿رَحِيمًا﴾، بِعَفْوِ الحَوْبَةِ، جَعَلَ المُنافِقِينَ كَأنَّهم قَصَدُوا عاقِبَةَ السُوءِ، وأرادُوها بِتَبْدِيلِهِمْ، كَما قَصَدَ الصادِقُونَ عاقِبَةَ الصِدْقِ بِوَفائِهِمْ، لِأنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ مَسُوقٌ إلى عاقِبَتِهِ مِنَ الثَوابِ، والعِقابِ، فَكَأنَّهُما اسْتَوَيا في طَلَبِها، والسَعْيِ في تَحْصِيلِها.

الأحزاب 33:25

﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، اَلْأحْزابَ، ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾، حالٌ، أيْ: مَغِيظِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾، ظَفَرًا، أيْ: لَمْ يَظْفَرُوا بِالمُسْلِمِينَ، وسَمّاهُ "خَيْرًا"، بِزَعْمِهِمْ، وهو حالٌ، أيْ: غَيْرَ ظافِرِينَ، ﴿وَكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾، بِالرِيحِ، والمَلائِكَةِ، ﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، قادِرًا، غالِبًا.

الأحزاب 33:26

﴿وَأنْـزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾، عاوَنُوا الأحْزابَ، ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، مِن بَنِي قُرَيْظَةَ، ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾، مِن حُصُونِهِمْ، و"اَلصِّيصِيَةُ": ما تُحُصِّنُ بِهِ، رُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أتى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَبِيحَةَ اللَيْلَةِ الَّتِي انْهَزَمَ فِيها الأحْزابُ، ورَجَعَ المُسْلِمُونَ إلى المَدِينَةِ، ووَضَعُوا سِلاحَهُمْ، عَلى فَرَسِهِ الحَيْزُومُ، والغُبارُ عَلى وجْهِ الفَرَسِ، وعَلى السَرْجِ، فَقالَ: "ما هَذا يا جِبْرِيلُ؟"، قالَ: "مِن مُتابَعَةِ قُرَيْشٍ"، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ الغُبارَ عَنْ وجْهِ الفَرَسِ، (p-٢٧)وَعَنْ سَرْجِهِ، فَقالَ: "يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ المَلائِكَةَ لَمْ تَضَعِ السِلاحَ، إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ بِالمَسِيرِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وأنا عامِدٌ إلَيْهِمْ، فَإنَّ اللهَ داقُّهم دَقَّ البَيْضِ عَلى الصَفا، وإنَّهم لَكم طُعْمَةٌ"، فَأذَّنَ في الناسِ أنْ مَن كانَ سامِعًا مُطِيعًا فَلا يُصَلِّ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ"، فَحاصَرُوهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "تَنْزِلُونَ عَلى حُكْمِي"، فَأبَوْا، فَقالَ: "عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ"، فَرَضُوا بِهِ، فَقالَ سَعْدٌ: حَكَمْتُ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهُمْ، وتُسْبى ذَرارِيهِمْ، ونِساؤُهُمْ، فَكَبَّرَ النَبِيُّ ﷺ، وقالَ: "لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ"، ثُمَّ اسْتَنْزَلَهُمْ، وخَنْدَقَ في سُوقِ المَدِينَةِ خَنْدَقًا، وقَدَّمَهم فَضَرَبَ أعْناقَهُمْ، » وهم مِن ثَمانِمِائَةٍ إلى تِسْعِمِائَةٍ، وقِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ مُقاتِلٍ، وسَبْعَمِائَةِ أسِيرٍ، ﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ﴾، اَلْخَوْفَ، وبِضَمِّ العَيْنِ "شامِيٌّ وعَلِيٌّ"، ونُصِبَ ﴿فَرِيقًا﴾، بِقَوْلِهِ: ﴿تَقْتُلُونَ﴾، وهُمُ الرِجالُ، ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، وهُمُ النِساءُ، والذَرارِيُّ.

الأحزاب 33:27

﴿وَأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهُمْ﴾ أيْ: اَلْمَواشِي، والنُقُودَ، والأمْتِعَةَ، رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ عَقارَهم لِلْمُهاجِرِينَ، دُونَ الأنْصارِ، وقالَ لَهُمْ: "إنَّكم في مَنازِلِكُمْ"، ﴿وَأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾، بِقَصْدِ القِتالِ، وهي مَكَّةُ، أوْ فارِسُ، والرُومُ، أوْ خَيْبَرُ، وكُلُّ أرْضٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، قادِرًا.

الأحزاب 33:28

﴿يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها﴾ أيْ: اَلسَّعادَةَ في الدُنْيا، وكَثْرَةَ الأمْوالِ، ﴿فَتَعالَيْنَ﴾، أصْلُ "تَعالَ"، أنْ يَقُولَهُ مَن في المَكانِ (p-٢٨)المُرْتَفِعِ لِمَن في المَكانِ المُسْتَوْطِئِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتَوى في اسْتِعْمالِهِ الأمْكِنَةُ، ومَعْنى "تَعالَيْنَ": أقْبِلْنَ بِإرادَتِكُنَّ، واخْتِيارِكُنَّ، لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، ولَمْ يُرِدْ نُهُوضَهُنَّ إلَيْهِ بِأنْفُسِهِنَّ، كَقَوْلِهِ: "قامَ يُهَدِّدُنِي"، ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾، أُعْطِكُنَّ مُتْعَةَ الطَلاقِ، وتُسْتَحَبُّ المُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، إلّا المُفَوَّضَةَ قَبْلَ الوَطْءِ، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾، وأُطَلِّقْكُنَّ، ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾، لا ضِرارَ فِيهِ، أرَدْنَ شَيْئًا مِنَ الدُنْيا، مِن ثِيابٍ، وزِيادَةِ نَفَقَةٍ، وتَغايَرْنَ، فَغَمَّ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ، فَبَدَأ بِعائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -، وكانَتْ أحَبَّهُنَّ إلَيْهِ، فَخَيَّرَها، وقَرَأ عَلَيْها القُرْآنَ، فاخْتارَتِ اللهَ ورَسُولَهُ والدارَ الآخِرَةَ، فَرُئِي الفَرَحُ في وجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ اخْتارَ جَمِيعُهُنَّ اخْتِيارَها، ورُوِيَ أنَّهُ «قالَ لِعائِشَةَ: "إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا، ولا عَلَيْكِ أنْ تُعَجِّلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ"، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْها القُرْآنَ، فَقالَتْ: "أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟! فَإنِّي أُرِيدُ اللهَ ورَسُولَهُ والدارَ الآخِرَةَ"، » وحُكْمُ التَخْيِيرِ في الطَلاقِ أنَّهُ إذا قالَ لَها: "اِخْتارِي"، فَقالَتْ: "اِخْتَرْتُ نَفْسِي"، أنْ تَقَعَ تَطْلِيقَةٌ بائِنَةٌ، وإذا اخْتارَتْ زَوْجَها لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "إذا اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ".

الأحزاب 33:29

﴿وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ ورَسُولَهُ والدارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾، "مِن"، لِلْبَيانِ، لا لِلتَّبْعِيضِ، ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾

الأحزاب 33:30

﴿يا نِساءَ النَبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾، سَيِّئَةٍ بَلِيغَةٍ في القُبْحِ، ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾، ظاهِرٌ فُحْشُها، مِن "بَيَّنَ"، بِمَعْنى: "تَبَيَّنَ"، وبِفَتْحِ الياءِ، "مَكِّيٌّ وأبُو بَكْرٍ"، قِيلَ: هي عِصْيانُهُنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، ونُشُوزُهُنَّ، وقِيلَ: اَلزِّنا، واللهُ عاصِمٌ رَسُولَهُ مِن ذَلِكَ، ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ﴾، "يُضَعِّفْ لَها العَذابَ"، "مَكِّيٌّ وشامِيٌّ"، (p-٢٩)"يُضَعَّفْ"، "أبُو عَمْرٍو ويَزِيدُ ويَعْقُوبُ"، ﴿ضِعْفَيْنِ﴾، ضِعْفَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِساءِ، لِأنَّ ما قَبُحَ مِن سائِرِ النِساءِ كانَ أقْبَحَ مِنهُنَّ، فَزِيادَةُ قُبْحِ المَعْصِيَةِ تَتْبَعُ زِيادَةَ الفَضْلِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النِساءِ مِثْلُ فَضْلِ نِساءِ النَبِيِّ ﷺ، ولِذا كانَ الذَمُّ لِلْعاصِي العالِمِ أشَدَّ مِنَ العاصِي الجاهِلِ، لِأنَّ المَعْصِيَةَ مِنَ العالِمِ أقْبَحُ، ولِذا فَضُلَ حَدُّ الأحْرارِ عَلى العَبِيدِ، ولا يُرْجَمُ الكافِرُ، ﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: تَضْعِيفُ العَذابِ عَلَيْهِنَّ، ﴿عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾، هَيِّنًا.

الأحزاب 33:31

﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾، "اَلْقُنُوتُ": اَلطّاعَةُ، ﴿وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها﴾، وبِالياءِ فِيهِما "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، ﴿أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾، مِثْلَيْ ثَوابِ غَيْرِها، ﴿وَأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾، جَلِيلَ القَدْرِ، وهو الجَنَّةُ.

الأحزاب 33:32

﴿يا نِساءَ النَبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِساءِ﴾ أيْ: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِساءِ، إذا تُقُصِّيَتْ أُمَّةُ النِساءِ جَماعَةً جَماعَةٍ، لَمْ تُوجَدْ مِنهُنَّ جَماعَةٌ واحِدَةٌ تُساوِيكُنَّ في الفَضْلِ، و"أحَدٌ"، في الأصْلِ: "وَحَدٌ"، وهو الواحِدُ، ثُمَّ وُضِعَ في النَفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ، وما وراءَهُ، ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾، إنْ أرَدْتُنَّ التَقْوى، أوْ إنْ كُنْتُنَّ مُتَّقِياتٍ، ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ أيْ: إذا كَلَّمْتُنَّ الرِجالَ مِن وراءِ الحِجابِ فَلا تَجِئْنَ بِقَوْلِكُنَّ خاضِعًا، أيْ: لَيِّنًا خَنِثًا، مِثْلَ كَلامِ المُرِيباتِ، ﴿فَيَطْمَعَ﴾، بِالنَصْبِ، عَلى جَوابِ النَهْيِ، ﴿الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، رِيبَةٌ، وفُجُورٌ، ﴿وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾، حَسَنًا، مَعَ كَوْنِهِ خَشِنًا.

الأحزاب 33:33

﴿وَقَرْنَ﴾، "مَدَنِيٌّ وعاصِمٌ، غَيْرَ هُبَيْرَةَ"، وأصْلُهُ: "اِقْرَرْنَ"، فَحُذِفَتِ الراءُ تَخْفِيفًا، وأُلْقِيَتْ فَتْحَتُها عَلى ما قَبْلَها، أوْ مِن "قارَّ"، يَقارُّ"، إذا اجْتَمَعَ، والباقُونَ: "قِرْنَ"، مِن "وَقَرَ، وقارًا"، أوْ مِن "قَرَّ، يَقَرُّ"، حُذِفَتِ الأُولى مِن "را"، أيْ: "اِقْرَرْنَ، قَرارًا"، مِنَ التَكْرارِ، نُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى القافِ، ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، بِضَمِّ الباءِ، "بَصْرِيٌّ ومَدَنِيٌّ وحَفْصٌ"، ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ أيْ: اَلْقَدِيمَةِ، (p-٣٠)وَ"اَلتَّبَرُّجُ": اَلتَّبَخْتُرُ في المَشْيِ، أوْ إظْهارُ الزِينَةِ، والتَقْدِيرُ: "وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجًا مِثْلَ تَبَرُّجِ النِساءِ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى"، وهي الزَمانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ، أوْ ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ - عَلَيْهِما السَلامُ -، أوْ مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما السَلامُ -، أوِ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةُ الكُفْرِ، قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةُ الفُسُوقِ والفُجُورِ في الإسْلامِ، ﴿وَأقِمْنَ الصَلاةَ وآتِينَ الزَكاةَ وأطِعْنَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾، خَصَّ الصَلاةَ والزَكاةَ بِالأمْرِ، ثُمَّ عَمَّ بِجَمِيعِ الطاعاتِ، تَفْضِيلًا لَهُما، لِأنَّ مَن واظَبَ عَلَيْهِما جَرَّتاهُ إلى ما وراءَهُما، ﴿إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾، نُصِبَ عَلى النِداءِ، أوْ عَلى المَدْحِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ نِساءَهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وقالَ: "عَنْكُمْ"، لِأنَّهُ أُرِيدَ الرِجالُ والنِساءُ مِن آلِهِ، بِدَلالَةِ ﴿وَيُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾، مِن نَجاسَةِ الآثامِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما نَهاهُنَّ وأمَرَهُنَّ ووَعَظَهُنَّ لِئَلّا يُقارِفَ أهْلُ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ المَآثِمَ، ولِيَتَصَوَّنُوا عَنْها بِالتَقْوى، واسْتَعارَ لِلذُّنُوبِ الرِجْسَ، ولِلتَّقْوى الطُهْرَ، لِأنَّ عِرْضَ المُقْتَرِفِ لِلْمُقَبَّحاتِ يَتَلَوَّثُ بِها، كَما يَتَلَوَّثُ بَدَنُهُ بِالأرْجاسِ، وأمّا المُحْسِناتُ فالعِرْضُ مِنها نَقِيٌّ كالثَوْبِ الطاهِرِ، وفِيهِ تَنْفِيرٌ لِأُولِي الألْبابِ عَنِ المَناهِي، وتَرْغِيبٌ لَهم في الأوامِرِ.

الأحزاب 33:34

﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ﴾، اَلْقُرْآنِ، ﴿والحِكْمَةِ﴾ أيْ: السُنَّةِ، أوْ بَيانِ مَعانِي القُرْآنِ، ﴿إنَّ اللهَ كانَ لَطِيفًا﴾، عالِمًا بِغَوامِضِ الأشْياءِ، ﴿خَبِيرًا﴾، عالِمًا بِحَقائِقِها، أيْ: هو عالِمٌ بِأفْعالِكُنَّ، وأقْوالِكُنَّ، فاحْذَرْنَ مُخالَفَةَ أمْرِهِ، ونَهْيِهِ، ومَعْصِيَةَ رَسُولِهِ.

الأحزاب 33:35

وَلَمّا نَزَلَ في نِساءِ النَبِيِّ ﷺ ما نَزَلَ، قالَ نِساءُ المُؤْمِنِينَ: فَما نَزَلَ فِينا شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾، "اَلْمُسْلِمُ": اَلدّاخِل في السِلْمِ بَعْدَ الحَرْبِ، المُنْقادُ الَّذِي لا يُعانِدُ، أوِ المُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللهِ، المُتَوَكِّلُ عَلَيْهِ، مَن (p-٣١)أسْلَمَ وجْهَهُ إلى اللهِ، ﴿والمُؤْمِنِينَ﴾، اَلْمُصَدِّقِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ، وبِما يَجِبُ أنْ يُصَدَّقَ بِهِ، ﴿والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ﴾، اَلْقائِمِينَ بِالطاعَةِ، ﴿والقانِتاتِ والصادِقِينَ﴾، في النِياتِ والأقْوالِ، والأعْمالِ، ﴿والصادِقاتِ والصابِرِينَ والصابِراتِ﴾، عَلى الطاعاتِ، وعَنِ السَيِّئاتِ، ﴿والخاشِعِينَ﴾، اَلْمُتَواضِعِينَ لِلَّهِ بِالقُلُوبِ، والجَوارِحِ، أوِ الخائِفِينَ، ﴿والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ﴾، فَرْضًا ونَفْلًا، ﴿والصائِمِينَ والصائِماتِ﴾، فَرْضًا ونَفْلًا، وقِيلَ: مَن تَصَدَّقَ في كُلِّ أُسْبُوعٍ بِدِرْهَمٍ فَهو مِنَ المُتَصَدِّقِينَ، ومَن صامَ البِيضَ مِن كُلِّ شَهْرٍ فَهو مِنَ الصائِمِينَ، ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ﴾، عَمّا لا يَحِلُّ، ﴿والحافِظاتِ والذاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا﴾، بِالتَسْبِيحِ والتَحْمِيدِ والتَهْلِيلِ والتَكْبِيرِ وقِراءَةِ القُرْآنِ، والِاشْتِغالُ بِالعِلْمِ مِنَ الذِكْرِ، والمَعْنى: "والحافِظاتِ فُرُوجَهُنَّ"، "والذاكِراتِ اللهَ"، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، والفَرْقُ بَيْنَ عَطْفِ الإناثِ عَلى الذُكُورِ وعَطْفِ الزَوْجَيْنِ عَلى الزَوْجَيْنِ، أنَّ الأوَّلَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥]، في أنَّهُما جِنْسانِ مُخْتَلِفانِ، واشْتَرَكا في حُكْمٍ واحِدٍ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَوَسُّطِ العاطِفِ بَيْنَهُما، وأمّا الثانِي فَمِن عَطْفِ الصِفَةِ عَلى الصِفَةِ بِحَرْفِ الجَمْعِ، ومَعْناهُ أنَّ الجامِعِينَ والجامِعاتِ لِهَذِهِ الطاعاتِ، ﴿أعَدَّ اللهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾، عَلى طاعاتِهِمْ.

الأحزاب 33:36

خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، بِنْتَ عَمَّتِهِ أُمَيْمَةَ، عَلى مَوْلاهُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَأبَتْ، وأبى أخُوها عَبْدُ اللهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ: وما صَحَّ لِرَجُلٍ مُؤْمِنٍ، ولا امْرَأةٍ مُؤْمِنَةٍ، ﴿إذا قَضى اللهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: رَسُولُ اللهِ، ﴿أمْرًا﴾، مِنَ الأُمُورِ، ﴿أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾، أنْ يَخْتارُوا مِن أمْرِهِمْ (p-٣٢)ما شاؤُوا، بَلْ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَجْعَلُوا رَأْيَهم تَبَعًا لِرَأْيِهِ، واخْتِيارَهم تِلْوًا لِاخْتِيارِهِ، فَقالا: رَضِينا يا رَسُولَ اللهِ، فَأنْكَحَها إيّاهُ، وساقَ عَنْهُ إلَيْها مَهْرَها، وإنَّما جَمَعَ الضَمِيرَ في "لَهُمْ"، وإنْ كانَ مِن حَقِّهِ أنْ يُوَحِّدَ، لِأنَّ المَذْكُورَيْنِ وقَعا تَحْتَ النَفْيِ، فَعَمّا كُلَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، فَرَجَعَ الضَمِيرُ إلى المَعْنى، لا إلى اللَفْظِ، و"يَكُونَ"، بِالياءِ، "كُوفِيٌّ"، و"اَلْخِيرَةُ": ما يُتَخَيَّرُ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾، فَإنْ كانَ العِصْيانُ عِصْيانَ رَدٍّ وامْتِناعٍ عَنِ القَبُولِ، فَهو ضَلالُ كُفْرٍ، وإنْ كانَ عِصْيانَ فِعْلٍ مَعَ قَبُولِ الأمْرِ، واعْتِقادِ الوُجُوبِ، فَهو ضَلالُ خَطَإٍ وفِسْقٍ.

الأحزاب 33:37

﴿وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾، بِالإسْلامِ، الَّذِي هو أجَلُّ النِعَمِ، ﴿وَأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾، بِالإعْتاقِ، والتَبَنِّي، فَهو مُتَقَلِّبٌ في نِعْمَةِ اللهِ، ونِعْمَةِ رَسُولِهِ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أبْصَرَها بَعْدَما أنْكَحَها إيّاهُ، فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ، فَقالَ: « "سُبْحانَ اللهِ مُقَلِّبِ القُلُوبِ"، » وذَلِكَ أنَّ نَفْسَهُ كانَتْ تَجْفُو عَنْها قَبْلَ ذَلِكَ، لا تُرِيدُها، وسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِالتَسْبِيحَةِ، فَذَكَرَتْها لِزَيْدٍ، فَفَطِنَ، وألْقى اللهُ في نَفْسِهِ كَراهَةَ صُحْبَتِها، والرَغْبَةَ عَنْها لِرَسُولِ اللهِ، «فَقالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أُفارِقَ صاحِبَتِي، فَقالَ: "ما لَكَ؟ أرابَكَ مِنها شَيْءٌ؟""، قالَ: لا واللهِ، ما رَأيْتُ مِنها إلّا خَيْرًا، ولَكِنَّها تَتَعَظَّمُ عَلَيَّ لِشَرَفِها، وتُؤْذِينِي، فَقالَ لَهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللهَ﴾، فَلا تُطَلِّقْها"، » وهو نَهْيُ تَنْزِيهٍ، إذِ الأوْلى ألّا يُطَلِّقَ، أوْ "واتَّقِ اللهَ"، فَلا تَذُمَّها بِالنِسْبَةِ إلى الكِبْرِ وأذى الزَوْجِ، ﴿وَتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللهُ مُبْدِيهِ﴾ أيْ: تُخْفِي في نَفْسِكَ نِكاحَها إنْ طَلَّقَها زَيْدٌ، وهو الَّذِي أبْداهُ اللهُ، وقِيلَ: اَلَّذِي أخْفى في نَفْسِهِ (p-٣٣)تَعَلُّقُ قَلْبِهِ بِها، ومَوَدَّةُ مُفارَقَةِ زَيْدٍ إيّاها، والواوُ في "وَتُخْفِي في نَفْسِكَ"، ﴿وَتَخْشى الناسَ﴾ أيْ: قالَةَ الناسِ: إنَّهُ نَكَحَ امْرَأةَ ابْنِهِ، ﴿واللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾، واوُ الحالِ، أيْ: تَقُولُ لِزَيْدٍ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مُخْفِيًا في نَفْسِكَ إرادَةَ ألّا يُمْسِكُها، وتُخْفِي خاشِيًا قالَةَ الناسِ، وتَخْشى الناسَ حَقِيقًا في ذَلِكَ بِأنْ تَخْشى اللهَ، «وَعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -: "لَوْ كَتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ"، ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ »، "اَلْوَطَرُ": اَلْحاجَةُ، فَإذا بَلَغَ البالِغُ حاجَتَهُ مِن شَيْءٍ لَهُ فِيهِ هِمَّةٌ قِيلَ: "قَضى مِنهُ وطَرَهُ"، والمَعْنى: فَلَمّا لَمْ يَبْقَ لِزَيْدٍ فِيها حاجَةٌ، وتَقاصَرَتْ عَنْها هِمَّتُهُ، وطَلَّقَها، وانْقَضَتْ عِدَّتُها، ﴿زَوَّجْناكَها﴾، رُوِيَ أنَّها لَمّا اعْتَدَّتْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْدٍ: "ما أجِدُ أحَدًا أوْثَقُ في نَفْسِي مِنكَ، اخْطُبْ عَلَيَّ زَيْنَبَ"، قالَ زَيْدٌ: فانْطَلَقْتُ، وقُلْتُ: يا زَيْنَبُ، أبْشِرِي، إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُكِ، فَفَرِحَتْ، وتَزَوَّجَها رَسُولُ اللهِ ﷺ، ودَخَلَ بِها، وما أوْلَمَ عَلى امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ ما أوْلَمَ عَلَيْها، ذَبَحَ شاةً وأطْعَمَ الناسَ الخُبْزَ واللَحْمَ، حَتّى امْتَدَّ النَهارُ، ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾، قِيلَ: قَضاءُ الوَطَرِ: إدْراكُ الحاجَةِ، وبُلُوغُ المُرادِ مِنهُ، ﴿وَكانَ أمْرُ اللهِ﴾، اَلَّذِي يُرِيدُ أنْ يَكُونَهُ، ﴿مَفْعُولا﴾، مَكُونًا لا مَحالَةَ، وهو مَثَلٌ لِما أرادَ كَوْنَهُ مِن تَزْوِيجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ.

الأحزاب 33:38

﴿ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ﴾، أُحِلَّ لَهُ، وأُمِرَ لَهُ، وهو نِكاحُ زَيْنَبَ، امْرَأةِ زَيْدٍ، أوْ قُدِّرَ لَهُ مِن عَدَدِ النِساءِ، ﴿سُنَّةَ اللهِ﴾، اِسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، كَقَوْلِهِمْ: "تُرابًا"، و"جَنْدَلًا"، مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: "سَنَّ اللهُ ذَلِكَ سُنَّةً في الأنْبِياءِ الماضِينَ، وهو ألّا يُحَرِّجَ عَلَيْهِمْ في الإقْدامِ عَلى ما أباحَ لَهُمْ، ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ في بابِ النِكاحِ، وغَيْرِهِ"، وقَدْ كانَتْ (p-٣٤)تَحْتَهُمُ المَهائِرُ والسَرارِي، وكانَتْ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ، وثَلاثُمِائَةِ سِرِّيَّةٍ، ولِسُلَيْمانَ ثَلاثُمِائَةِ حُرَّةٍ، وسَبْعُمِائَةِ سِرِّيَّةٍ، ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾، في الأنْبِياءِ الَّذِينَ مَضَوْا مِن قَبْلُ، ﴿وَكانَ أمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، قَضاءً مَقْضِيًّا، وحُكْمًا مَبْتُوتًا، ولا وقْفَ عَلَيْهِ إنْ جَعَلْتَ.

الأحزاب 33:39

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾، بَدَلًا مِن "اَلَّذِينَ"، اَلْأوَّلِ، وقِفْ إنْ جَعَلْتَهُ في مَحَلِّ الرَفْعِ، أوِ النَصْبِ، عَلى المَدْحِ، أيْ: "هُمُ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ"، أوْ: "أعْنِي الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ"، ﴿وَيَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهَ﴾، وصْفُ الأنْبِياءِ بِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ إلّا اللهَ تَعْرِيضٌ بَعْدَ التَصْرِيحِ في قَوْلِهِ: "وَتَخْشى الناسَ واللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ"، ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾، كافِيًا لِلْمَخاوِفِ، ومُحاسِبًا عَلى الصَغِيرَةِ والكَبِيرَةِ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ تَخْشى مِنهُ.

الأحزاب 33:40

﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ أبا رَجُلٍ مِنكم حَقِيقَةً، حَتّى يَثْبُتَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ما يَثْبُتُ بَيْنَ الأبِ ووَلَدِهِ، مِن حُرْمَةِ الصَهْرِ، والنِكاحِ، والمُرادُ مِن "رِجالِكُمْ"، اَلْبالِغِينَ، والحَسَنُ والحُسَيْنُ لَمْ يَكُونا بالِغَيْنِ حِينَئِذٍ، والطاهِرُ والطَيِّبُ والقاسِمُ وإبْراهِيمُ تُوُفُّوا صِبْيانًا، ﴿وَلَكِنْ﴾، كانَ، ﴿رَسُولَ اللهِ﴾، وكُلُّ رَسُولٍ أبُو أُمَّتِهِ، فِيما يَرْجِعُ إلى وُجُوبِ التَوْقِيرِ والتَعْظِيمِ لَهُ عَلَيْهِمْ، ووُجُوبِ الشَفَقَةِ والنَصِيحَةِ لَهم عَلَيْهِ في سائِرِ الأحْكامِ الثابِتَةِ بَيْنَ الآباءِ والأبْناءِ، وزَيْدٌ واحِدٌ مِن رِجالِكُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأوْلادِهِ حَقِيقَةً، فَكانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِكُمْ، والتَبَنِّي مِن بابِ الِاخْتِصاصِ والتَقْرِيبِ، لا غَيْرُ، ﴿وَخاتَمَ النَبِيِّينَ﴾، بِفَتْحِ التاءِ، "عاصِمٌ"، بِمَعْنى "اَلطّابَعُ"، أيْ: آخِرُهُمْ، يَعْنِي لا يُنَبَّأُ أحَدٌ بَعْدَهُ، وعِيسى مِمَّنْ نُبِّئَ قَبْلَهُ، وحِينَ يَنْزِلُ يَنْزِلُ عامِلًا عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ بَعْضُ أُمَّتِهِ، وغَيْرُهُ بِكَسْرِ التاءِ، بِمَعْنى "اَلطّابِعُ"، وفاعِلُ الخَتْمِ، وتُقَوِّيهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَكِنْ نَبِيًّا خَتَمَ النَبِيِّينَ"، ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾

الأحزاب 33:41

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، أثْنُوا عَلَيْهِ بِضُرُوبِ الثَناءِ، وأكْثِرُوا ذَلِكَ.

الأحزاب 33:42

﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً﴾، أوَّلَ النَهارِ، ﴿وَأصِيلا﴾، آخِرَ النَهارِ، وخُصّا بِالذِكْرِ لِأنَّ مَلائِكَةَ اللَيْلِ ومَلائِكَةَ النَهارِ يَجْتَمِعُونَ فِيهِما، وعَنْ قَتادَةَ: "قُولُوا "سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ واللهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ"، والفِعْلانِ - أيْ: "اُذْكُرُوا اللهَ"، و"سَبِّحُوهُ" -، مُوَجَّهانِ إلى البُكْرَةِ والأصِيلِ، كَقَوْلِكَ: "صُمْ وصَلِّ يَوْمَ الجُمُعَةِ"، والتَسْبِيحُ مِن جُمْلَةِ الذِكْرِ، وإنَّما اخْتُصَّ مِن بَيْنِ أنْواعِهِ اخْتِصاصَ "جِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ"، مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ، إبانَةً لِفَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأذْكارِ، لِأنَّ مَعْناهُ تَنْزِيهُ ذاتِهِ عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الصِفاتِ، وجازَ أنْ يُرادَ بِالذِكْرِ، وإكْثارِهِ، تَكْثِيرُ الطاعاتِ، والعِباداتِ، فَإنَّها مِن جُمْلَةِ الذِكْرِ، ثُمَّ خَصَّ مِن ذَلِكَ التَسْبِيحِ بُكْرَةً، وهي صَلاةُ الفَجْرِ، و"أصِيلًا"، وهي صَلاةُ الظُهْرِ، والعَصْرِ، والمَغْرِبِ، والعِشاءِ، أوْ صَلاةُ الفَجْرِ والعِشاءَيْنِ.

الأحزاب 33:43

﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾، لَمّا كانَ مِن شَأْنِ المُصَلِّي أنْ يَنْعَطِفَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ، اسْتُعِيرَ لِمَن يَتَعَطَّفُ عَلى غَيْرِهِ حُنُوًّا عَلَيْهِ، وتَرَؤُّفًا، كَعائِدِ المَرِيضِ في انْعِطافِهِ عَلَيْهِ، والمَرْأةِ في حُنُوِّها عَلى ولَدِها، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في الرَحْمَةِ، والتَرَؤُّفِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "صَلّى اللهُ عَلَيْكَ"، أيْ: تَرَحَّمَ عَلَيْكَ وتَرَأَّفَ، والمُرادُ بِصَلاةِ المَلائِكَةِ قَوْلُهُمْ: "اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلى المُؤْمِنِينَ"، جُعِلُوا لِكَوْنِهِمْ مُسْتَجابِي الدَعْوَةِ كَأنَّهم فاعِلُونَ الرَحْمَةَ والرَأْفَةَ، والمَعْنى: "هُوَ الَّذِي يَتَرَحَّمُ عَلَيْكُمْ، ويَتَرَأَّفُ حِينَ يَدْعُوكم إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُكم بِإكْثارِ الذِكْرِ والتَوَفُّرِ عَلى الصَلاةِ والطاعَةِ، ﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ﴾، مِن ظُلُماتِ المَعْصِيَةِ، إلى نُورِ الطاعَةِ، ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، هو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَلاةِ الرَحْمَةُ، ورُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ: ﴿إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، قالَ أبُو بَكْرٍ: "ما خَصَّكَ اللهُ يا رَسُولَ اللهِ بِشَرَفٍ إلّا وقَدْ أشْرَكَنا فِيهِ"، فَنَزَلَتْ: »

الأحزاب 33:44

﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾، مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ: تَحِيَّةُ اللهِ لَهُمْ، ﴿يَوْمَ (p-٣٦)يَلْقَوْنَهُ﴾، يَرَوْنَهُ، ﴿سَلامٌ﴾، يَقُولُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: (اَلسَّلامُ عَلَيْكُمْ)، ﴿وَأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾، يَعْنِي الجَنَّةَ.

الأحزاب 33:45

﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾، عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ، وعَلى تَكْذِيبِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ، أيْ: مَقْبُولًا قَوْلُكَ عِنْدَ اللهِ لَهُمْ، وعَلَيْهِمْ، كَما يُقْبَلُ قَوْلُ الشاهِدِ العَدْلِ في الحُكْمِ، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ، كَما تَقُولُ: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ غَدًا"، أيْ: مُقَدٌرًِا بِهِ الصَيْدَ غَدًا، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾، لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ، ﴿وَنَذِيرًا﴾، لِلْكافِرِينَ بِالنارِ.

الأحزاب 33:46

﴿وَداعِيًا إلى اللهِ بِإذْنِهِ﴾، بِأمْرِهِ، وبِتَيْسِيرِهِ، والكُلُّ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ﴿وَسِراجًا مُنِيرًا﴾، جَلا بِهِ اللهُ ظُلُماتِ الشِرْكِ، واهْتَدى بِهِ الضالُّونَ، كَما يُجْلى ظَلامُ اللَيْلِ بِالسِراجِ المُنِيرِ، ويُهْتَدى بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ القُرْآنُ، فَيَكُونُ التَقْدِيرُ: "وَذا سِراجٍ مُنِيرٍ"، أوْ: "وَتالِيًا سِراجًا مُنِيرًا"، ووُصِفَ بِالإنارَةِ لِأنَّ مِنَ السُرُجِ ما لا يُضِيءُ إذا قَلَّ سَلِيطُهُ، ودَقَّتْ فَتِيلَتُهُ، أوْ: "شاهِدًا بِوَحْدانِيَّتِنا، ومُبَشِّرًا بِرَحْمَتِنا، ونَذِيرًا بِنِقْمَتِنا، وداعِيًا إلى عِبادَتِنا، وسِراجًا وحُجَّةً ظاهِرَةً لِحَضْرَتِنا".

الأحزاب 33:47

﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾، ثَوابًا عَظِيمًا.

الأحزاب 33:48

﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾، اَلْمُرادُ بِهِ التَهْيِيجُ، أوِ الدَوامُ والثَباتُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ، ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾، هو بِمَعْنى الإيذاءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ: "اِجْعَلْ إيذاءَهم إيّاكَ في جانِبٍ، ولا تُبالِ بِهِمْ، ولا تَخَفْ مِن إيذائِهِمْ"، أوْ إلى المَفْعُولِ، أيْ: "دَعْ إيذاءَكَ إيّاهم مُكافَأةً لَهُمْ"، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ﴾، فَإنَّهُ يَكْفِيكَهُمْ، ﴿وَكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾، وكَفى بِهِ مُفَوَّضًا إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ (تَعالى) وصَفَهُ بِخَمْسَةِ أوْصافٍ، وقابَلَ كُلًّا مِنها بِخِطابٍ (p-٣٧)مُناسِبٍ لَهُ، قابَلَ الشاهِدَ بِقَوْلِهِ: "وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ"، لِأنَّهُ يَكُونُ شاهِدًا عَلى أُمَّتِهِ، وهم يَكُونُونَ شُهَداءَ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وهو الفَضْلُ الكَبِيرُ، والمُبَشِّرَ بِالإعْراضِ عَنِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، لِأنَّهُ إذا أعْرَضَ عَنْهم أقْبَلَ جَمِيعَ إقْبالِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، وهو مُناسِبٌ لِلْبِشارَةِ، والنَذِيرَ بِـ "دَعْ أذاهُمْ"، لِأنَّهُ إذا تَرَكَ أذاهم في الحاضِرِ - والأذى لا بُدَّ لَهُ مِن عِقابٍ عاجِلٍ أوْ آجِلٍ - كانُوا مُنْذَرِينَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، والداعِيَ إلى اللهِ بِتَيْسِيرِهِ، بِقَوْلِهِ: "وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ"، فَإنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللهِ يَسَّرَ عَلَيْهِ كُلَّ عَسِيرٍ، والسِراجَ المُنِيرَ، بِالِاكْتِفاءِ بِهِ وكِيلًا، لِأنَّ مَن أنارَهُ اللهُ بُرْهانًا عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ كانَ جَدِيرًا بِأنْ يُكْتَفى بِهِ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ.

الأحزاب 33:49

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ أيْ: تَزَوَّجْتُمْ، والنِكاحُ هو الوَطْءُ في الأصْلِ، وتَسْمِيَةُ العَقْدِ نِكاحًا لِمُلابَسَتِهِ لَهُ، مِن حَيْثُ إنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ، كَتَسْمِيَةِ الخَمْرِ إثْمًا لِأنَّها سَبَبُهُ، وكَقَوْلِ الراجِزِ: أسْنِمَةُ الآبالِ في سَحابِهِ سَمّى الماءَ بِأسْنِمَةِ الآبالِ، لِأنَّهُ سَبَبُ سِمَنِ الآبالِ، وارْتِفاعِ أسْنِمَتِهِ، ولَمْ يَرِدْ لَفْظُ النِكاحِ في كِتابِ اللهِ (تَعالى)، إلّا في مَعْنى العَقْدِ، لِأنَّهُ في مَعْنى الوَطْءِ، مِن بابِ التَصْرِيحِ بِهِ، ومِن آدابِ القُرْآنِ الكِنايَةُ عَنْهُ بِلَفْظِ المُلامَسَةِ والمُماسَّةِ والقُرْبانِ، والتَغَشِّي والإتْيانِ، وفي تَخْصِيصِ المُؤْمِناتِ - مَعَ أنَّ الكِتابِيّاتِ تُساوِي المُؤْمِناتِ في هَذا الحُكْمِ - إشارَةٌ إلى أنَّ الأوْلى بِالمُؤْمِنِ أنْ يَنْكِحَ مُؤْمِنَةً. ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، والخَلْوَةُ الصَحِيحَةُ كالمَسِّ، ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾، فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِدَّةَ تَجِبُ عَلى النِساءِ لِلرِّجالِ، ومَعْنى "تَعْتَدُّونَها": تَسْتَوْفُونَ عَدَدَها، "تَفْتَعِلُونَ"، مِن "اَلْعَدُّ"، ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾، والمُتْعَةُ تَجِبُ لِلَّتِي طَلَّقَها قَبْلَ الدُخُولِ بِها، ولَمْ يُسَمَّ لَها مَهْرٌ، دُونَ غَيْرِها، ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ أيْ: لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا، وأخْرِجُوهُنَّ مِن مَنازِلِكُمْ، إذْ لا عِدَّةَ لَكم عَلَيْهِنَّ.

الأحزاب 33:50

(p-٣٨)﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، مُهُورَهُنَّ، إذِ المَهْرُ أجْرٌ عَلى البِضْعِ، ولِهَذا قالَ الكَرْخِيُّ: إنَّ النِكاحَ بِلَفْظِ الإجارَةِ جائِزٌ، وقُلْنا: اَلتَّأْبِيدُ مِن شَرْطِ النِكاحِ، والتَأْقِيتُ مِن شَرْطِ الإجارَةِ، وبَيْنَهُما مُنافاةٌ، وإيتاؤُها: إعْطاؤُها عاجِلًا، أوْ فَرْضُها، وتَسْمِيَتُها في العَقْدِ، ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾، وهي صَفِيَّةُ، وجُوَيْرِيَةُ، فَأعْتَقَهُما، وتَزَوَّجَهُما، ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾، و"مَعَ"، لَيْسَ لِلْقِرانِ، بَلْ لِوُجُودِها فَحَسْبُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ﴾ [النمل: ٤٤]، وعَنْ أُمٍّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ: "خَطَبَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فاعْتَذَرْتُ، فَعَذَرَنِي، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمْ أحِلَّ لَهُ، لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ، ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾، وأحْلَلْنا لَكَ ما وقَعَ لَها أنْ تَهَبَ لَكَ نَفْسَها، ولا تَطْلُبَ مَهْرًا، مِنَ النِساءِ المُؤْمِناتِ، إنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، ولِذا نَكَّرَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو بَيانُ حُكْمٍ في المُسْتَقْبَلِ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أحَدٌ مِنهُنَّ بِالهِبَةِ، وقِيلَ: اَلْواهِبَةُ نَفْسَها: مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ، أوْ زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ، أوْ أمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ جابِرٍ، أوْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "أنْ"، بِالفَتْحِ، عَلى التَعْلِيلِ، بِتَقْدِيرِ حَذْفِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بِغَيْرِ "إنْ"، ﴿إنْ أرادَ النَبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾، اِسْتِنْكاحُها: طَلَبُ نِكاحِها، والرَغْبَةُ فِيهِ، وقِيلَ: "نَكَحَ"، و"اِسْتَنْكَحَ"، بِمَعْنًى، والشَرْطُ الثانِي تَقْيِيدٌ لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، شَرْطٌ في الإحْلالِ هِبَتُها نَفْسَها، وفي الهِبَةِ إرادَةُ اسْتِنْكاحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: أحْلَلْناها لَكَ إنْ وهَبَتْ لَكَ نَفْسَها، وأنْتَ تُرِيدُ أنْ تَسْتَنْكِحَها، لِأنَّ إرادَتَهُ هي قَبُولُ الهِبَةِ، وما بِهِ تَتِمُّ، وفِيهِ دَلِيلُ جَوازِ النِكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ، لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وأُمَّتَّهُ سَواءٌ في الأحْكامِ، إلّا فِيما خَصَّهُ، الدَلِيلُ: ﴿خالِصَةً﴾، بِلا مَهْرٍ، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في (p-٣٩)"وَهَبَتْ"، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أيْ: خَلُصَ لَكَ إحْلالُ ما أحْلَلْنا لَكَ خالِصَةً، بِمَعْنى "خُلُوصًا"، والفاعِلَةُ في المَصادِرِ غَيْرُ "عَزِيزٌ"، كَـ "اَلْعافِيَةُ"، و"اَلْكاذِبَةُ"، ﴿لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾، بَلْ يَجِبُ المَهْرُ لِغَيْرِكَ، وإنْ لَمْ يُسَمِّهِ، أوْ نَفاهُ، عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: "إنْ أرادَ النَبِيُّ"، ثُمَّ رَجَعَ إلى الخِطابِ، لِيُؤْذِنَ أنَّ الِاخْتِصاصَ تَكْرِمَةٌ لَهُ، لِأجْلِ النُبُوَّةِ، وتَكْرِيرُهُ - أيْ: تَكْرِيرُ "اَلنَّبِيُّ" - تَفْخِيمٌ لَهُ، ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ﴾ أيْ: ما أوْجَبْنا مِنَ المُهُورِ عَلى أُمَّتِكَ في زَوْجاتِهِمْ، أوْ ما أوْجَبْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ مِنَ الحُقُوقِ، ﴿وَما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾، بِالشِراءِ، وغَيْرِهِ مِن وُجُوهِ المِلْكِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾، ضِيقٌ، مُتَّصِلٌ بِـ "خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ"، وقَوْلُهُ: "قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ"، جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ" ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، بِالتَوْسِعَةِ عَلى عِبادِهِ.

الأحزاب 33:51

﴿تُرْجِي﴾، بِلا هَمْزٍ، "مَدَنِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ"، وبِهَمْزٍ، غَيْرُهُمْ: "تُؤَخِّرُ"، ﴿مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾، تَضُمُّ، بِمَعْنى: "تَتْرُكُ مُضاجَعَةَ مَن تَشاءُ مِنهُنَّ، وتُضاجِعُ مَن تَشاءُ، أوْ تُطَلِّقُ مَن تَشاءُ، وتُمْسِكُ مَن تَشاءُ، أوْ لا تَقْسِمَ لِأيَّتِهِنَّ شِئْتَ، وتَقْسِمُ لِمَن شِئْتَ، أوْ تَتْرُكُ تَزَوُّجَ مَن شِئْتَ مِن نِساءِ أُمَّتِكَ، وتَتَزَوَّجُ مَن شِئْتَ"، وهَذِهِ قِسْمَةٌ جامِعَةٌ لِما هو الغَرَضُ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يُطَلِّقَ وإمّا أنْ يُمْسِكَ، فَإذا أمْسَكَ ضاجَعَ، أوْ تَرَكَ وقَسَمَ، أوْ لَمْ يَقْسِمْ، وإذا طَلَّقَ وعَزَلَ فَإمّا أنْ يُخَلِّيَ المَعْزُولَةَ لا يَبْتَغِيها، أوْ يَبْتَغِيها، ورُوِيَ أنَّهُ أرْجى مِنهُنَّ جُوَيْرِيَةَ وسَوْدَةَ وصْفِيَّةَ ومَيْمُونَةَ وأُمَّ حَبِيبَةَ، وكانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ ما شاءَ، كَما شاءَ، وكانَتْ مِمَّنْ آوى إلَيْهِ عائِشَةُ وحَفْصَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ وزَيْنَبُ، أرْجى خَمْسًا وآوى أرْبَعًا، ورُوِيَ أنَّهُ (p-٤٠)كانَ يُسَوِّي، مَعَ ما أُطْلِقَ لَهُ، وخُيِّرَ فِيهِ، إلّا سَوْدَةَ، فَإنَّها وهَبَتْ لَيْلَتَها لِعائِشَةَ، وقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي حَتّى أُحْشَرَ في زُمْرَةِ نِسائِكَ، ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ أيْ: ومَن دَعَوْتَ إلى فِراشِكَ، وطَلَبْتَ صُحْبَتَها، مِمَّنْ عَزَلَتْ عَنْ نَفْسِكَ بِالِإرْجاءِ، فَضُيِّقَ عَلَيْكَ في ذَلِكَ، أيْ: لَيْسَ إذا عَزَلْتَها لَمْ يَجُزْ لَكَ رَدُّها إلى نَفْسِكَ، و"مَن"، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ "فَلا جُناحَ"، ﴿ذَلِكَ﴾، اَلتَّفْوِيضُ إلى مَشِيئَتِكَ، ﴿أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أيْ: أقْرَبُ إلى قُرَّةِ عُيُونِهِنَّ، وقِلَّةِ حُزْنِهِنَّ، ورِضاهُنَّ جَمِيعًا، لِأنَّهُنَّ إذا عَلِمْنَ أنَّ هَذا التَفْوِيضَ مِن عِنْدِ اللهِ اطْمَأنَّتْ نُفُوسُهُنَّ، وذَهَبَ التَغايُرُ، وحَصَلَ الرِضا، وقَرَّتِ العُيُونُ، "كُلُّهُنَّ"، بِالرَفْعِ"، تَأْكِيدٌ لِنُونِ "يَرْضَيْنَ"، وقُرِئَ: "وَيَرْضَيْنَ كُلُّهُنَّ بِما آتَيْتَهُنَّ"، عَلى التَقْدِيمِ، وقُرِئَ شاذًّا: "كُلَّهُنَّ"، بِالنَصْبِ، تَأْكِيدًا لِـ "هُنَّ"، في "آتَيْتَهُنَّ"، ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ﴾، فِيهِ وعِيدٌ لِمَن لَمْ يَرْضَ مِنهُنَّ بِما دَبَّرَ اللهُ مِن ذَلِكَ، وفَوَّضَ إلى مَشِيئَةِ رَسُولِهِ، ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾، بِذاتِ الصُدُورِ، ﴿حَلِيمًا﴾، لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ، فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى، ويُحْذَرَ.

الأحزاب 33:52

﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ﴾، بِالتاءِ "أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ"، وغَيْرُهُما بِالتَذْكِيرِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ الجَمْعِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وإذا جازَ بِغَيْرِ فَصْلٍ في ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: ٣٠]، فَمَعَ الفَصْلِ أجْوَزُ، ﴿مِن بَعْدُ﴾، مِن بَعْدِ التِسْعِ، لِأنَّ التِسْعَ نِصابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مِنَ الأزْواجِ، كَما أنَّ الأرْبَعَ نِصابُ أُمَّتِهِ، ﴿وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾، بِالطَلاقِ، والمَعْنى: ولا أنْ تَسْتَبْدِلَ بِهَؤُلاءِ التِسْعِ أزْواجًا أُخَرَ، بِكُلِّهِنَّ، أوْ بَعْضِهِنَّ، كَرامَةً لَهُنَّ، وجَزاءً عَلى ما اخْتَرْنَ، ورَضِينَ، فَقُصِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِنَّ، وهُنَّ التِسْعُ الَّتِي ماتَ عَنْهُنَّ: عائِشَةُ، حَفْصَةُ، أمُّ حَبِيبَةَ، سَوْدَةُ، أمُّ سَلَمَةَ، صَفِيَّةُ، مَيْمُونَةُ، زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، جُوَيْرِيَةُ، و"مِن"، في "مِن أزْواجٍ"، لِتَأْكِيدِ النَفْيِ، وفائِدَتُهُ اسْتِغْراقُ جِنْسِ الأزْواجِ بِالتَحْرِيمِ، ﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، في مَوْضِعِ (p-٤١)الحالِ مِنَ الفاعِلِ، وهو الضَمِيرُ في "تَبَدَّلَ"، أيْ: "تَتَبَدَّلَ"، لا مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي هو "مِن أزْواجٍ"، لِتَوَغُّلِهِ في التَنْكِيرِ، وتَقْدِيرُهُ: "مَفْرُوضًا إعْجابُكَ بِهِنَّ"، وقِيلَ هي أسْماءُ بِنْتُ عَمِيسٍ، امْرَأةُ جَعْفَرَ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَإنَّها مِمَّنْ أعْجَبَهُ حُسْنُهُنَّ، وعَنْ عائِشَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ: "ما ماتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى أُحِلَّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ النِساءِ ما شاءَ"، يَعْنِي أنَّ الآيَةَ نُسِخَتْ، ونَسْخُها إمّا بِالسُنَّةِ، أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وتَرْتِيبُ النُزُولِ لَيْسَ عَلى تَرْتِيبِ المُصْحَفِ، ﴿إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، اِسْتَثْنى مِمَّنْ حَرَّمَ عَلَيْهِ الإماءَ، ومَحَلُّ "ما"، رَفْعٌ، بَدَلٌ مِن "اَلنِّساءُ"، ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾، حافِظًا، وهو تَحْذِيرٌ عَنْ مُجاوَزَةِ حُدُودِهِ.

الأحزاب 33:53

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾، "أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ"، في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: لا تَدْخُلُوا إلّا مَأْذُونًا لَكُمْ، أوْ في مَعْنى الظَرْفِ، تَقْدِيرُهُ: إلّا وقْتَ أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ، و"غَيْرَ ناظِرِينَ"، حالٌ مِن "لا تَدْخُلُوا"، وقَعَ الِاسْتِثْناءُ عَلى الوَقْتِ، والحالِ، مَعًا، كَأنَّهُ قِيلَ: "لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَبِيِّ إلّا وقْتَ الإذْنِ، ولا تَدْخُلُوها إلّا غَيْرَ ناظِرِينَ"، أيْ: غَيْرَ مُنْتَظِرِينَ، وهَؤُلاءِ قَوْمٌ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَدْخُلُونَ، ويَقْعُدُونَ مُنْتَظِرِينَ لِإدْراكِهِ، ومَعْناهُ: "لا تَدْخُلُوا يا أيُّها المُتَحَيِّنُونَ الطَعامَ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ"، و"إنى الطَعامِ": إدْراكُهُ، يُقالُ: "أنى الطَعامُ إنًى"، كَقَوْلِكَ: "قَلاهُ، قِلًي"، وقِيلَ: "إناهُ": وقْتُهُ، أيْ: غَيْرَ ناظِرِينَ وقْتَ الطَعامِ، وساعَةَ أكْلِهِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ أوْلَمَ عَلى زَيْنَبَ بِتَمْرٍ، وسَوِيقٍ، وشاةٍ، وأمَرَ أنَسًا أنْ يَدْعُوَ بِالناسِ، فَتَرادَفُوا أفْواجًا، يَأْكُلُ فَوْجٌ ويَخْرُجُ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَوْجٌ، إلى أنْ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، دَعَوْتُ حَتّى ما أجِدُ أحَدًا أدْعُوهُ، فَقالَ: "اِرْفَعُوا طَعامَكُمْ"، وتَفَرَّقَ الناسُ، وبَقِيَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ يَتَحَدَّثُونَ، فَأطالُوا، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَخْرُجُوا، فَطافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحُجُراتِ، وسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ، ودَعَوْنَ لَهُ، ورَجَعَ، فَإذا الثَلاثَةُ جُلُوسٌ يَتَحَدَّثُونَ، (p-٤٢)وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَدِيدَ الحَياءِ، فَتَوَلّى، فَلَمّا رَأوْهُ مُتَوَلِّيًا خَرَجُوا، فَرَجَعَ، ونَزَلَتْ، ﴿وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا﴾، فَتَفَرَّقُوا، ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، هو مَجْرُورٌ، مَعْطُوفٌ عَلى "ناظِرِينَ"، أوْ مَنصُوبٌ، أيْ: "وَلا تَدْخُلُوها مُسْتَأْنِسِينَ"، نُهُوا عَنْ أنْ يُطِيلُوا الجُلُوسَ، يَسْتَأْنِسُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، لِأجْلِ حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ بِهِ، ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾، مِن إخْراجِكُمْ، ﴿واللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾، يَعْنِي أنَّ إخْراجَكم حَقٌّ، ما يَنْبَغِي أنْ يُسْتَحْيا مِنهُ، ولَمّا كانَ الحَياءُ مِمّا يَمْنَعُ الحَيِيَّ مِن بَعْضِ الأفْعالِ، قِيل: "لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ"، أيْ: لا يَمْتَنِعُ مِنهُ، ولا يَتْرُكُهُ تَرْكَ الحَيِيِّ مِنكُمْ، هَذا أدَبٌ أدَّبَ اللهُ بِهِ الثُقَلاءَ، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -: "حَسْبُكَ في الثُقَلاءِ أنَّ اللهَ (تَعالى) لَمْ يَحْتَمِلْهُمْ، وقالَ: ﴿فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا﴾ ﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ﴾، اَلضَّمِيرُ لِنِساءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِدَلالَةِ بُيُوتِ النَبِيِّ، لِأنَّ فِيها نِساءَهُ، ﴿مَتاعًا﴾، عارِيَةً، أوْ حاجَةً، ﴿فاسْألُوهُنَّ﴾، اَلْمَتاعَ، ﴿مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾، مِن خَواطِرِ الشَيْطانِ، وعَوارِضِ الفِتَنِ، وكانَتِ النِساءُ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يَبْرُزْنَ لِلرِّجالِ، وكانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يُحِبُّ ضَرْبَ الحِجابِ عَلَيْهِنَّ، ويَوَدُّ أنْ يَنْزِلَ فِيهِ، وقالَ: يا رَسُولَ اللهِ: يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجابِ، فَنَزَلَتْ، وذُكِرَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: أنُنْهى أنْ نُكَلِّمَ بَناتِ عَمِّنا إلّا مِن وراءِ حِجابٍ؟! لَئِنْ ماتَ مُحَمَّدٌ لَأتَزَوَّجَنَّ فُلانَةَ، فَنَزَلَ: ﴿وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا﴾ أيْ: وما صَحَّ لَكم إيذاءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ولا نِكاحُ أزْواجِهِ مِن (p-٤٣)بَعْدِ مَوْتِهِ، ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا﴾ أيْ: ذَنْبًا عَظِيمًا.

الأحزاب 33:54

﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾، مِن إيذاءِ النَبِيِّ ﷺ أوْ مِن نِكاحِهِنَّ، ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾، في أنْفُسِكم مِن ذَلِكُمْ، ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، فَيُعاقِبَكم بِهِ.

الأحزاب 33:55

وَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ، قالَ الآباءُ والأبْناءُ والأقارِبُ: يا رَسُولَ اللهِ: أوَنَحْنُ أيْضًا نُكَلِّمُهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ؟! فَنَزَلَ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ﴾ أيْ: نِساءِ المُؤْمِناتِ، ﴿وَلا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْهِنَّ في ألّا يَحْتَجِبْنَ مِن هَؤُلاءِ، ولَمْ يَذْكُرِ العَمَّ، والخالَ، لِأنَّهُما يُجْرَيانِ مُجْرى الوالِدَيْنِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ العَمِّ أبًا، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿وَإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، وإسْماعِيلُ عَمُّ يَعْقُوبَ. وَعَبِيدُهُنَّ، عِنْدَ الجُمْهُورِ كَأجانِبَ، ثُمَّ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وفي هَذا النَقْلِ فَضْلُ تَشْدِيدٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿واتَّقِينَ اللهَ﴾، فِيما أُمِرْتُنَّ بِهِ مِنَ الِاحْتِجابِ، وأنْزِلُ فِيهِ الوَحْيِ مِنَ الِاسْتِتارِ، واحْتَطْنَ فِيهِ، ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾، عالِمًا، قالَ ابْنُ عَطاءٍ: "اَلشَّهِيدُ": اَلَّذِي يَعْلَمُ خَطَراتِ القُلُوبِ، كَما يَعْلَمُ حَرَكاتِ الجَوارِحِ.

الأحزاب 33:56

﴿إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ أيْ: (p-٤٤)قُولُوا: "اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ"، أوْ "صَلّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ"، ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أيْ: قُولُوا: "اَللَّهُمَّ سَلِّمْ عَلى مُحَمَّدٍ"، أوِ انْقادُوا لِأمْرِهِ وحُكْمِهِ انْقِيادًا، وسُئِلَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: « "إنْ اللهَ وكَّلَ بِي مَلَكَيْنِ، فَلا أُذْكَرُ عِنْدَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ فَيُصَلِّي عَلَيَّ إلّا قالَ ذانِكَ المَلَكانِ: غَفَرَ اللهُ لَكَ، وقالَ اللهُ ومَلائِكَتُهُ - جَوابًا لَذَيْنِكَ المَلَكَيْنِ -: (آمِينَ)، ولا أُذْكَرُ عِنْدَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ إلّا قالَ ذانِكَ المَلَكانِ: لا غَفَرَ اللهُ لَكَ، وقالَ اللهُ ومَلائِكَتُهُ - جَوابًا لِذَيْنِكَ المَلَكَيْنِ » -: (آمِينَ)"، ثُمَّ هي واجِبَةٌ "مَرَّةً"، عِنْدَ الطَحاوِيِّ، وكُلَّما ذُكِرَ اسْمُهُ عِنْدَ الكَرْخِيِّ، وهو الِاحْتِياطُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وإنْ صَلّى عَلى غَيْرِهِ - عَلى سَبِيلِ التَبَعِ كَقَوْلِهِ: صَلّى اللهُ عَلى النَبِيِّ وآلِهِ -، فَلا كَلامَ فِيهِ، وأمّا إذا أفْرَدَ غَيْرَهُ مِن أهْلِ البَيْتِ بِالصَلاةِ، فَمَكْرُوهٌ، وهو مِن شَعائِرِ الرَوافِضِ.

الأحزاب 33:57

﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ، وذُكِرَ اسْمُ اللهِ لِلتَّشْرِيفِ، أوْ عَبَّرَ بِإيذاءِ اللهِ ورَسُولِهِ عَنْ فِعْلِ ما لا يُرْضِي اللهَ ورَسُولَهُ، كالكُفْرِ، وإنْكارِ النُبُوَّةِ، مَجازًا، وإنَّما جُعِلَ مَجازًا فِيهِما - وحَقِيقَةُ الإيذاءِ يُتَصَوَّرُ في رَسُولِ اللهِ - لِئَلّا يَجْتَمِعَ المَجازُ والحَقِيقَةُ في لَفْظٍ واحِدٍ، ﴿لَعَنَهُمُ اللهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ﴾، طَرَدَهُمُ اللهُ مِن رَحْمَتِهِ في الدارَيْنِ، ﴿وَأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾، في الآخِرَةِ.

الأحزاب 33:58

﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾، أطْلَقَ إيذاءَ اللهِ ورَسُولِهِ، وقَيَّدَ إيذاءَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، لِأنَّ ذاكَ يَكُونُ غَيْرَ حَقٍّ أبَدًا، وأمّا هَذا فَمِنهُ حَقٌّ - كالحَدِّ، والتَعْزِيرِ -، ومِنهُ باطِلٌ، قِيلَ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ يُؤْذُونَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، ويُسْمِعُونَهُ، وقِيلَ: في زُناةٍ كانُوا يَتَّبِعُونَ النِساءَ وهُنَّ كارِهاتٍ، وعَنِ الفُضَيْلِ: لا يَحِلُّ لَكَ أنْ تُؤْذِيَ كَلْبًا، أوْ خِنْزِيرًا (p-٤٥)بِغَيْرِ حَقٍّ، فَكَيْفَ إيذاءُ المُؤْمِنِينَ، والمُؤْمِناتِ؟! ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا﴾، تَحَمَّلُوا، ﴿بُهْتانًا﴾، كَذِبًا عَظِيمًا، ﴿وَإثْمًا مُبِينًا﴾، ظاهِرًا.

الأحزاب 33:59

﴿يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾، "اَلْجِلْبابُ": ما يَسْتُرُ الكُلَّ، مِثْلَ المِلْحَفَةِ، عَنِ المُبَرِّدِ، ومَعْنى "يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ": يُرْخِينَها عَلَيْهِنَّ، ويُغَطِّينَ بِها وُجُوهَهُنَّ، وأعْطافَهُنَّ، يُقالُ: إذا زَلَّ الثَوْبُ عَنْ وجْهِ المَرْأةِ أدْنِ ثَوْبَكَ عَلى وجْهِكَ، و"مِن"، لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: تُرْخِي بَعْضَ جِلْبابِها، وفَضْلَهُ، عَلى وجْهِها، تَتَقَنَّعُ، حَتّى تَتَمَيَّزَ مِنَ الأمَةِ، أوِ المُرادُ أنْ يَتَجَلْبَبْنَ بِبَعْضِ ما لَهُنَّ مِنَ الجَلابِيبِ، وألّا تَكُونَ المَرْأةُ مُتَبَذِّلَةً في دِرْعٍ وخِمارٍ كالأمَةِ، ولَها جِلْبابانِ فَصاعِدًا في بَيْتِها، وذَلِكَ أنَّ النِساءَ كُنَّ في أوَّلِ الإسْلامِ عَلى هَجِّيراهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ مُتَبَذِّلاتٍ، تَبْرُزُ المَرْأةُ في دِرْعٍ وخِمارٍ، لا فَصْلَ بَيْنَ الحُرَّةِ والأمَةِ، وكانَ الفِتْيانُ يَتَعَرَّضُونَ إذا خَرَجْنَ بِاللَيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ في النَخْلِ، والغِيطانِ، لِلْإماءِ، ورُبَّما تَعَرَّضُوا لِلْحُرَّةِ، لِحُسْبانِ الأمَةِ، فَأُمِرْنَ أنْ يُخالِفْنَ بِزِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الإماءِ، بِلُبْسِ المَلاحِفِ، وسَتْرِ الرءوس، والوُجُوهِ، فَلا يَطْمَعُ فِيهِنَّ طامِعٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ أيْ: أوْلى وأجْدَرُ بِأنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُتَعَرَّضَ لَهُنَّ، ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا﴾، لِما سَلَفَ مِنهُنَّ مِنَ التَفْرِيطِ، ﴿رَحِيمًا﴾، بِتَعْلِيمِهِنَّ آدابَ المَكارِمِ.

الأحزاب 33:60

﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، "فُجُورٌ"، وهُمُ الزُناةُ، مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾، هم أُناسٌ كانُوا يُرْجِفُونَ بِأخْبارِ السُوءِ عَنْ سَرايا رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيَقُولُونَ: هُزِمُوا، وقُتِلُوا، وجَرى عَلَيْهِمْ كَيْتُ وكَيْتُ، فَيَكْسِرُونَ بِذَلِكَ قُلُوبَ (p-٤٦)المُؤْمِنِينَ، يُقالُ أرْجَفَ بِكَذا، إذا أخْبَرَ بِهِ عَلى غَيْرِ حَقِيقَةٍ، لِكَوْنِهِ خَبَرًا مُتَزَلْزِلًا غَيْرَ ثابِتٍ مِن "اَلرَّجْفَةُ"، وهي الزَلْزَلَةُ، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾، لِنَأْمُرَنَّكَ بِقِتالِهِمْ، أوْ لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾، في المَدِينَةِ، وهو عَطْفٌ عَلى "لَنُغْرِيَنَّكَ"، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجابَ بِهِ القَسَمُ، لِصِحَّةِ قَوْلِكَ: "لَئِنْ لَمْ يَنْتَهُوا لا يُجاوِرُونَكَ"، ولَما كانَ الجَلاءُ عَنِ الوَطَنِ أعْظَمَ مِن جَمِيعِ ما أُصِيبُوا بِهِ، عَطَفَ بِـ "ثُمَّ"، لِبُعْدِ حالِهِ عَنْ حالِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ﴿إلا قَلِيلا﴾، زَمانًا قَلِيلًا، والمَعْنى: "لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ عَنْ عَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ، والفَسَقَةُ عَنْ فُجُورِهِمْ، والمُرْجِفُونَ عَمّا يُؤَلِّفُونَ مِن أخْبارِ السُوءِ، لَنَأْمُرَنَّكَ بِأنْ تَفْعَلَ الأفْعالَ الَّتِي تَسُوؤُهُمْ، ثُمَّ بِأنْ تَضْطَرَّهم إلى طَلَبِ الجَلاءِ عَنِ المَدِينَةِ، وإلى ألّا يُساكِنُوكَ فِيها إلّا زَمانًا قَلِيلًا، رَيْثَما يَرْتَحِلُونَ"، فَسُمِّيَ ذَلِكَ إغْراءً - وهو التَحْرِيشُ - عَلى سَبِيلِ المَجازِ.

الأحزاب 33:61

﴿مَلْعُونِينَ﴾، نُصِبَ عَلى الشَتْمِ، أوِ الحالِ، أيْ: "لا يُجاوِرُونَكَ إلّا مَلْعُونِينَ"، فالِاسْتِثْناءُ دَخَلَ عَلى الظَرْفِ، والحالِ، مَعًا، كَما مَرَّ، ولا يَنْتَصِبُ عَنْ "أُخِذُوا"، لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾، وُجِدُوا، ﴿أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾، والتَشْدِيدُ يَدُلُّ عَلى التَكْثِيرِ.

الأحزاب 33:62

﴿سُنَّةَ اللهِ﴾، في مَوْضِعِ مَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ، أيْ: "سَنَّ اللهُ في الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ أنْ يُقْتَلُوا أيْنَما وُجِدُوا، ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾، مَضَوْا، ﴿مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا﴾ أيْ: لا يُبَدِّلُ اللهُ سُنَّتَهُ، بَلْ يُجْرِيها مُجْرًى واحِدًا في الأُمَمِ.

الأحزاب 33:63

﴿يَسْألُكَ الناسُ عَنِ الساعَةِ﴾، كانَ المُشْرِكُونَ يَسْألُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ، اسْتِعْجالًا، عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ، واليَهُودُ يَسْألُونَهُ امْتِحانًا، لِأنَّ اللهَ (تَعالى) عَمّى وقْتَها في التَوْراةِ، وفي كُلِّ كِتابٍ، فَأمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَهم بِأنَّهُ عِلْمٌ قَدِ اسْتَأْثَرَ اللهُ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ لِرَسُولِهِ أنَّها قَرِيبَةُ الوُقُوعِ، تَهْدِيدًا لِلْمُسْتَعْجِلِينَ، وإسْكانًا لِلْمُمْتَحِنِينَ، بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، (p-٤٧)شَيْئًا قَرِيبًا، أوْ لِأنَّ الساعَةَ في مَعْنى "اَلزَّمانُ".

الأحزاب 33:64

﴿إنَّ اللهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾، نارًا شَدِيدَةَ الِاتِّقادِ.

الأحزاب 33:65

﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾، هَذا يَرُدُّ مَذْهَبَ الجَهْمِيَّةِ، لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الجَنَّةَ والنارَ تَفْنَيانِ، ولا وقْفَ عَلى "سَعِيرًا"، لِأنَّ قَوْلَهُ: "خالِدِينَ فِيها"، حالٌ عَنِ الضَمِيرِ في "لَهُمْ"، ﴿لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾، ناصِرًا يَمْنَعُهم. اُذْكُرْ.

الأحزاب 33:66

﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النارِ﴾، تُصَرَّفُ في الجِهاتِ، كَما تَرى البِضْعَةَ تَدُورُ في القِدْرِ إذا غَلَتْ، وخُصِّصَتِ الوُجُوهُ لِأنَّ الوَجْهَ أكْرَمُ مَوْضِعٍ عَلى الإنْسانِ مِن جَسَدِهِ، أوْ يَكُونُ الوَجْهُ عِبارَةً عَنِ الجُمْلَةِ، ﴿يَقُولُونَ﴾، حالٌ، ﴿يا لَيْتَنا أطَعْنا اللهَ وأطَعْنا الرَسُولا﴾، فَنَخْلُصُ مِن هَذا العَذابِ، فَتَمَنَّوْا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ التَمَنِّي.

الأحزاب 33:67

﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا﴾، جَمْعُ "سَيِّدٌ"، "ساداتِنا"، "شامِيٌّ وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ"، جَمْعُ الجَمْعِ، والمُرادُ رُؤَساءُ الكَفَرَةِ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ وزَيَّنُوهُ لَهُمْ، ﴿وَكُبَراءَنا﴾، ذَوِي الأسْنانِ مِنّا، أوْ عُلَماءَنا، ﴿فَأضَلُّونا السَبِيلا﴾، يُقالُ: "ضَلَّ السَبِيلَ"، و"أضَلَّهُ إيّاهُ"، وزِيادَةُ الألِفِ لِإطْلاقِ الصَوْتِ، جُعِلَتْ فَواصِلُ الآيِ كَقَوافِي الشِعْرِ، وفائِدَتُها الوَقْفُ، والدَلالَةُ عَلى أنَّ الكَلامَ قَدِ انْقَطَعَ، وأنَّ ما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ.

الأحزاب 33:68

﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾، لِلضَّلالِ، والإضْلالِ، ﴿والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾، بِالباءِ "عاصِمٌ"، لِيَدُلَّ عَلى أشَدِّ اللَعْنِ، وأعْظَمِهِ، وغَيْرُهُ بِالثاءِ، تَكْثِيرًا لِأعْدادِ اللَعائِنِ، ونَزَلَ في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، وما سُمِعَ فِيهِ مِن قالَةِ بَعْضِ الناسِ.

الأحزاب 33:69

(p-٤٨)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللهُ مِمّا قالُوا﴾، "ما"، مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، وأيَّهُما كانَ فالمُرادُ البَراءَةُ عَنْ مَضْمُونِ القَوْلِ، ومُؤَدّاهُ، وهو الأمْرُ المَعِيبُ، وأذى مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - هو حَدِيثُ المُومِسَةِ الَّتِي أرادَها قارُونُ عَلى قَذْفِهِ بِنَفْسِها، أوِ اتِّهامُهم إيّاهُ بِقَتْلِ هارُونَ، فَأحْياهُ اللهُ (تَعالى)، فَأخْبَرَهم بِبَراءَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -، كَما بَرَّأ نَبِيَّنا ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وجِيهًا﴾، ذا جاهٍ، ومَنزِلَةٍ، مُسْتَجابَ الدَعْوَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ: "وَكانَ عَبْدًا لِلَّهِ وجِيهًا".

الأحزاب 33:70

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾، صِدْقًا وصَوابًا، أوْ قاصِدًا إلى الحَقِّ، و"اَلسَّدادُ": اَلْقَصْدُ إلى الحَقِّ، والقَوْلُ بِالعَدْلِ، والمُرادُ نَهْيُهم عَمّا خاضُوا فِيهِ مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ، مِن غَيْرِ قَصْدٍ وعَدْلٍ في القَوْلِ، والبَعْثُ عَلى أنْ يُسَدِّدُوا قَوْلَهم في كُلِّ بابٍ، لِأنَّ حِفْظَ اللِسانِ، وسَدادَ القَوْلِ، رَأْسُ كُلِّ خَيْرٍ، ولا تَقِفْ عَلى "سَدِيدًا"، لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ قَوْلُهُ:

الأحزاب 33:71

﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكُمْ﴾، يَقْبَلْ طاعاتِكُمْ، أوْ يُوَفِّقْكم لِصالِحِ العَمَلِ، ﴿وَيَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ: يَمْحُها، والمَعْنى: راقِبُوا اللهَ في حِفْظِ ألْسِنَتِكُمْ، وتَسْدِيدِ قَوْلِكُمْ، فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أعْطاكم ما هو غايَةُ الطِلْبَةِ مِن تَقَبُّلِ حَسَناتِكُمْ، والإثابَةِ عَلَيْها، ومِن مَغْفِرَةِ سَيِّئاتِكُمْ، وتَكْفِيرِها، وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، بُنِيَتْ تِلْكَ عَلى النَهْيِ عَمّا يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﷺ، وهَذِهِ عَلى الأمْرِ بِاتِّقاءِ اللهِ في حِفْظِ اللِسانِ، لِيَتَرادَفَ عَلَيْهِمُ النَهْيُ والأمْرُ مَعَ إتْباعِ النَهْيِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ مِن قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -، وإتْباعِ الأمْرِ الوَعْدَ البَلِيغَ، فَيُقَوِّيَ الصارِفَ عَنِ الأذى، والداعِيَ إلى تَرْكِهِ، ولَمّا عَلَّقَ بِالطاعَةِ الفَوْزَ العَظِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ:

الأحزاب 33:72

﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ والجِبالِ﴾، وهو يُرِيدُ بِالأمانَةِ (p-٤٩)الطاعَةَ لِلَّهِ، وبِحَمْلِ الأمانَةِ الخِيانَةَ، يُقالُ: "فُلانٌ حامِلٌ لِلْأمانَةِ، ومُحْتَمِلٌ لَها"، أيْ: لا يُؤَدِّيها إلى صاحِبِها، حَتّى تَزُولَ عَنْ ذِمَّتِهِ، إذِ الأمانَةُ كَأنَّها راكِبَةٌ لِلْمُؤْتَمَنِ عَلَيْها، وهو حامِلُها، ولِهَذا يُقالُ: "رَكِبَتْهُ الدُيُونُ"، و"لِي عَلَيْهِ حَقٌّ"، فَإذا أدّاها لَمْ تَبْقَ راكِبَةٌ لَهُ، ولا هو حامِلٌ لَها، يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ والجِبالِ قَدِ انْقادَتْ لِأمْرِ اللهِ، انْقِيادَ مِثْلِها، وهو ما يَتَأتّى مِنَ الجَماداتِ، وأطاعَتْ لَهُ الطاعَةَ الَّتِي تَلِيقُ بِها، حَيْثُ لَمْ تَمْتَنِعْ عَلى مَشِيئَتِهِ، وإرادَتِهِ، إيجادًا وتَكْوِينًا، وتَسْوِيَةً عَلى هَيْئاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأشْكالٍ مُتَنَوِّعَةٍ، كَما قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وأخْبَرَ أنَّ الشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومَ والجِبالَ والشَجَرَ والدَوابَّ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ، وأنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللهِ، وأمّا الإنْسانُ فَلَمْ تَكُنْ حالُهُ فِيما يَصِحُّ مِنهُ مِنَ الطاعَةِ، ويَلِيقُ بِهِ مِنَ الِانْقِيادِ لِأوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ، وهو حَيَوانٌ عاقِلٌ، صالِحٌ لِلتَّكْلِيفِ، مِثْلَ حالِ تِلْكَ الجَماداتِ فِيما يَصِحُّ مِنها ويَلِيقُ بِها مِنَ الِانْقِيادِ، وعَدَمِ الِامْتِناعِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها﴾ أيْ: أبَيْنَ الخِيانَةَ فِيها، وألّا يُؤَدِّينَها، ﴿وَأشْفَقْنَ مِنها﴾، وخِفْنَ مِنَ الخِيانَةِ فِيها، ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ﴾ أيْ: خانَ فِيها، وأبى ألّا يُؤَدِّيَها، ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا﴾، لِكَوْنِهِ تارِكًا لِأداءِ الأمانَةِ، ﴿جَهُولا﴾، لِإخْطائِهِ ما يُسْعِدُهُ، مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنهُ، وهو أداؤُها، قالَ الزُجاجَ: اَلْكافِرَ والمُنافِقَ حَمَلا الأمانَةَ، أيْ: خانا، ولَمْ يُطِيعا، ومَن أطاعَ مِنَ الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ فَلا يُقالُ: كانَ ظَلُومًا جَهُولًا، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ ما كُلِّفَهُ الإنْسانُ بَلَغَ مِن عِظَمِهِ أنَّهُ عُرِضَ عَلى أعْظَمِ ما خَلَقَ اللهُ مِنَ الأجْرامِ، وأقْواهُ، فَأبى حَمْلَهُ، وأشْفَقَ مِنهُ، وحَمَلَهُ الإنْسانُ - عَلى ضَعْفِهِ -، إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا، حَيْثُ حَمَلَ الأمانَةَ ثُمَّ لَمْ يَفِ بِها، وضَمِنَها ثُمَّ خانَ بِضَمانِهِ فِيها، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ كَثِيرٌ في لِسانِ العَرَبِ، وما جاءَ القُرْآنُ إلّا عَلى أسالِيبِهِمْ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "لَوْ قِيلَ لِلشَّحْمِ أيْنَ تَذْهَبُ؟ لَقالَ: أُسَوِّي العِوَجَ.

الأحزاب 33:73

واللامُ في ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾، (p-٥٠)لِلتَّعْلِيلِ، لِأنَّ التَعْذِيبَ هَنا نَظِيرُ التَأْدِيبِ في قَوْلِكَ: "ضَرَبْتُهُ لِلتَّأْدِيبِ"، فَلا تَقِفْ عَلى "جَهُولًا"، ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَيَتُوبُ اللهُ"، بِالرَفْعِ، لِيَجْعَلَ العِلَّةَ قاصِرَةً عَلى فِعْلِ الحامِلِ، ويَبْتَدِئَ "وَيَتُوبُ اللهُ"، ومَعْنى المَشْهُورَةِ: "لِيُعَذِّبَ اللهُ حامِلَ الأمانَةِ، ويَتُوبَ عَلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَحْمِلْها"، لِأنَّهُ إذا تِيبَ عَلى الوافِي كانَ نَوْعًا مِن عَذابِ الغادِرِ، أوْ لِلْعاقِبَةِ، أيْ: "حَمَلَها الإنْسانُ فَآلَ الأمْرُ إلى تَعْذِيبِ الأشْقِياءِ، وقَبُولِ تَوْبَةِ السُعَداءِ"، ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا﴾، لِلتّائِبِينَ، ﴿رَحِيمًا﴾، بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ.