Tafsir Al-Nasafi — الدخان 44:1 – الطور 52:49
المحتويات
- الدخان 44:1
- الدخان 44:2
- الدخان 44:3
- الدخان 44:4
- الدخان 44:5
- الدخان 44:6
- الدخان 44:7
- الدخان 44:8
- الدخان 44:9
- الدخان 44:10
- الدخان 44:11
- الدخان 44:12
- الدخان 44:13
- الدخان 44:14
- الدخان 44:15
- الدخان 44:16
- الدخان 44:17
- الدخان 44:18
- الدخان 44:19
- الدخان 44:20
- الدخان 44:21
- الدخان 44:22
- الدخان 44:23
- الدخان 44:24
- الدخان 44:25
- الدخان 44:26
- الدخان 44:27
- الدخان 44:28
- الدخان 44:29
- الدخان 44:30
- الدخان 44:31
- الدخان 44:32
- الدخان 44:33
- الدخان 44:34
- الدخان 44:35
- الدخان 44:36
- الدخان 44:37
- الدخان 44:38
- الدخان 44:39
- الدخان 44:40
- الدخان 44:41
- الدخان 44:42
- الدخان 44:43
- الدخان 44:44
- الدخان 44:45
- الدخان 44:46
- الدخان 44:47
- الدخان 44:48
- الدخان 44:49
- الدخان 44:50
- الدخان 44:51
- الدخان 44:52
- الدخان 44:53
- الدخان 44:54
- الدخان 44:55
- الدخان 44:56
- الدخان 44:57
- الدخان 44:58
- الدخان 44:59
- الجاثية 45:1
- الجاثية 45:2
- الجاثية 45:3
- الجاثية 45:4
- الجاثية 45:5
- الجاثية 45:6
- الجاثية 45:7
- الجاثية 45:8
- الجاثية 45:9
- الجاثية 45:10
- الجاثية 45:11
- الجاثية 45:12
- الجاثية 45:13
- الجاثية 45:14
- الجاثية 45:15
- الجاثية 45:16
- الجاثية 45:17
- الجاثية 45:18
- الجاثية 45:19
- الجاثية 45:20
- الجاثية 45:21
- الجاثية 45:22
- الجاثية 45:23
- الجاثية 45:24
- الجاثية 45:25
- الجاثية 45:26
- الجاثية 45:27
- الجاثية 45:28
- الجاثية 45:29
- الجاثية 45:30
- الجاثية 45:31
- الجاثية 45:32
- الجاثية 45:33
- الجاثية 45:34
- الجاثية 45:35
- الجاثية 45:36
- الجاثية 45:37
- الأحقاف 46:1
- الأحقاف 46:2
- الأحقاف 46:3
- الأحقاف 46:4
- الأحقاف 46:5
- الأحقاف 46:6
- الأحقاف 46:7
- الأحقاف 46:8
- الأحقاف 46:9
- الأحقاف 46:10
- الأحقاف 46:11
- الأحقاف 46:12
- الأحقاف 46:13
- الأحقاف 46:14
- الأحقاف 46:15
- الأحقاف 46:16
- الأحقاف 46:17
- الأحقاف 46:18
- الأحقاف 46:19
- الأحقاف 46:20
- الأحقاف 46:21
- الأحقاف 46:22
- الأحقاف 46:23
- الأحقاف 46:24
- الأحقاف 46:25
- الأحقاف 46:26
- الأحقاف 46:27
- الأحقاف 46:28
- الأحقاف 46:29
- الأحقاف 46:30
- الأحقاف 46:31
- الأحقاف 46:32
- الأحقاف 46:33
- الأحقاف 46:34
- الأحقاف 46:35
- محمد 47:1
- محمد 47:2
- محمد 47:3
- محمد 47:4
- محمد 47:5
- محمد 47:6
- محمد 47:7
- محمد 47:8
- محمد 47:9
- محمد 47:10
- محمد 47:11
- محمد 47:12
- محمد 47:13
- محمد 47:14
- محمد 47:15
- محمد 47:16
- محمد 47:17
- محمد 47:18
- محمد 47:19
- محمد 47:20
- محمد 47:21
- محمد 47:22
- محمد 47:23
- محمد 47:24
- محمد 47:25
- محمد 47:26
- محمد 47:27
- محمد 47:28
- محمد 47:29
- محمد 47:30
- محمد 47:31
- محمد 47:32
- محمد 47:33
- محمد 47:34
- محمد 47:35
- محمد 47:36
- محمد 47:37
- محمد 47:38
- الفتح 48:1
- الفتح 48:2
- الفتح 48:3
- الفتح 48:4
- الفتح 48:5
- الفتح 48:6
- الفتح 48:7
- الفتح 48:8
- الفتح 48:9
- الفتح 48:10
- الفتح 48:11
- الفتح 48:12
- الفتح 48:13
- الفتح 48:14
- الفتح 48:15
- الفتح 48:16
- الفتح 48:17
- الفتح 48:18
- الفتح 48:19
- الفتح 48:20
- الفتح 48:21
- الفتح 48:22
- الفتح 48:23
- الفتح 48:24
- الفتح 48:25
- الفتح 48:26
- الفتح 48:27
- الفتح 48:28
- الفتح 48:29
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:3
- الحجرات 49:4
- الحجرات 49:5
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:8
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:10
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:13
- الحجرات 49:14
- الحجرات 49:15
- الحجرات 49:16
- الحجرات 49:17
- الحجرات 49:18
- ق 50:1
- ق 50:2
- ق 50:3
- ق 50:4
- ق 50:5
- ق 50:6
- ق 50:7
- ق 50:8
- ق 50:9
- ق 50:10
- ق 50:11
- ق 50:12
- ق 50:13
- ق 50:14
- ق 50:15
- ق 50:16
- ق 50:17
- ق 50:18
- ق 50:19
- ق 50:20
- ق 50:21
- ق 50:22
- ق 50:23
- ق 50:24
- ق 50:25
- ق 50:26
- ق 50:27
- ق 50:28
- ق 50:29
- ق 50:30
- ق 50:31
- ق 50:32
- ق 50:33
- ق 50:34
- ق 50:35
- ق 50:36
- ق 50:37
- ق 50:38
- ق 50:39
- ق 50:40
- ق 50:41
- ق 50:42
- ق 50:43
- ق 50:44
- ق 50:45
- الذاريات 51:1
- الذاريات 51:2
- الذاريات 51:3
- الذاريات 51:4
- الذاريات 51:5
- الذاريات 51:6
- الذاريات 51:7
- الذاريات 51:8
- الذاريات 51:9
- الذاريات 51:10
- الذاريات 51:11
- الذاريات 51:12
- الذاريات 51:13
- الذاريات 51:14
- الذاريات 51:15
- الذاريات 51:16
- الذاريات 51:17
- الذاريات 51:18
- الذاريات 51:19
- الذاريات 51:20
- الذاريات 51:21
- الذاريات 51:22
- الذاريات 51:23
- الذاريات 51:24
- الذاريات 51:25
- الذاريات 51:26
- الذاريات 51:27
- الذاريات 51:28
- الذاريات 51:29
- الذاريات 51:30
- الذاريات 51:31
- الذاريات 51:32
- الذاريات 51:33
- الذاريات 51:34
- الذاريات 51:35
- الذاريات 51:36
- الذاريات 51:37
- الذاريات 51:38
- الذاريات 51:39
- الذاريات 51:40
- الذاريات 51:41
- الذاريات 51:42
- الذاريات 51:43
- الذاريات 51:44
- الذاريات 51:45
- الذاريات 51:46
- الذاريات 51:47
- الذاريات 51:48
- الذاريات 51:49
- الذاريات 51:50
- الذاريات 51:51
- الذاريات 51:52
- الذاريات 51:53
- الذاريات 51:54
- الذاريات 51:55
- الذاريات 51:56
- الذاريات 51:57
- الذاريات 51:58
- الذاريات 51:59
- الذاريات 51:60
- الطور 52:1
- الطور 52:2
- الطور 52:3
- الطور 52:4
- الطور 52:5
- الطور 52:6
- الطور 52:7
- الطور 52:8
- الطور 52:9
- الطور 52:10
- الطور 52:12
- الطور 52:13
- الطور 52:14
- الطور 52:15
- الطور 52:16
- الطور 52:17
- الطور 52:18
- الطور 52:19
- الطور 52:20
- الطور 52:21
- الطور 52:22
- الطور 52:23
- الطور 52:24
- الطور 52:25
- الطور 52:26
- الطور 52:27
- الطور 52:28
- الطور 52:29
- الطور 52:30
- الطور 52:31
- الطور 52:32
- الطور 52:33
- الطور 52:34
- الطور 52:35
- الطور 52:36
- الطور 52:37
- الطور 52:38
- الطور 52:39
- الطور 52:40
- الطور 52:41
- الطور 52:42
- الطور 52:43
- الطور 52:44
- الطور 52:45
- الطور 52:47
- الطور 52:48
- الطور 52:49
الدخان 44:1
(p-٢٨٦)سُورَةُ "اَلدُّخانِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
فِي الخَبَرِ: « "مَن قَرَأها لَيْلَةَ جُمْعَةٍ أصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ"، »﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنِ، الواوُ في "والكِتابِ"، واوُ القَسَمِ، إنْ جُعِلَتْ "حـم"، تَعْدِيدًا لِلْحُرُوفِ، أوِ اسْمًا لِلسُّورَةِ، مَرْفُوعًا عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المَحْذُوفِ، وواوُ العَطْفِ إنْ كانَتْ "حـم"، مُقْسَمًا بِها، وجَوابُ القَسَمِ:
الدخان 44:2
(p-٢٨٦)سُورَةُ "اَلدُّخانِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
فِي الخَبَرِ: « "مَن قَرَأها لَيْلَةَ جُمْعَةٍ أصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ"، »﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنِ، الواوُ في "والكِتابِ"، واوُ القَسَمِ، إنْ جُعِلَتْ "حـم"، تَعْدِيدًا لِلْحُرُوفِ، أوِ اسْمًا لِلسُّورَةِ، مَرْفُوعًا عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المَحْذُوفِ، وواوُ العَطْفِ إنْ كانَتْ "حـم"، مُقْسَمًا بِها، وجَوابُ القَسَمِ:
الدخان 44:3
﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ أيْ: لَيْلَةِ القَدْرِ، أوْ لَيْلَةِ النِصْفِ مِن "شَعْبانَ"، وقِيلَ: بَيْنَها وبَيْنَ لَيْلَةِ القَدْرِ أرْبَعُونَ لَيْلَةً، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولَيْلَةَ القَدْرِ - في أكْثَرِ الأقاوِيلِ - في شَهْرِ رَمَضانَ، ثُمَّ قالُوا: أنْزَلَهُ جُمْلَةً مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ، إلى السَماءِ الدُنْيا، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ في وقْتِ وُقُوعِ الحاجَةِ إلى نَبِيِّهِ ﷺ، وقِيلَ: اِبْتِداءُ نُزُولِهِ في لَيْلَةِ القَدْرِ، و"اَلْمُبارَكَةُ": اَلْكَثِيرَةُ الخَيْرِ، لِما يَنْزِلُ فِيها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، ويُسْتَجابُ مِنَ الدُعاءِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ فِيها (p-٢٨٧)إلّا إنْزالُ القُرْآنِ وحْدَهُ لَكَفى بِهِ بَرَكَةً،
﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ﴾، هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ، مَلْفُوفَتانِ، فَسَّرَ بِهِما جَوابَ القَسَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: "أنْزَلْناهُ لِأنَّ مِن شَأْنِنا الإنْذارَ والتَحْذِيرَ مِنَ العِقابِ، وكانَ إنْزالُنا إيّاهُ في هَذِهِ اللَيْلَةِ خُصُوصًا لِأنَّ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ الأُمُورِ الحَكِيمَةِ، وهَذِهِ اللَيْلَةُ مَفْرِقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ"، ومَعْنى "يُفْرَقُ": يُفَصَّلُ، ويُكْتَبُ كُلُّ أمْرٍ، مِن أرْزاقِ العِبادِ، وآجالِهِمْ، وجَمِيعِ أُمُورِهِمْ، مِن هَذِهِ اللَيْلَةِ إلى لَيْلَةِ القَدْرِ الَّتِي تَجِيءُ في السَنَةِ المُقْبِلَةِ،
﴿حَكِيمٍ﴾، ذِي حِكْمَةٍ، أيْ: مَفْعُولٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وهو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِأنَّ الحُكْمَ صِفَةُ صاحِبِ الأمْرِ عَلى الحَقِيقَةِ، ووَصَفَ الأمْرَ بِهِ مَجازًا.
الدخان 44:4
﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ أيْ: لَيْلَةِ القَدْرِ، أوْ لَيْلَةِ النِصْفِ مِن "شَعْبانَ"، وقِيلَ: بَيْنَها وبَيْنَ لَيْلَةِ القَدْرِ أرْبَعُونَ لَيْلَةً، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولَيْلَةَ القَدْرِ - في أكْثَرِ الأقاوِيلِ - في شَهْرِ رَمَضانَ، ثُمَّ قالُوا: أنْزَلَهُ جُمْلَةً مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ، إلى السَماءِ الدُنْيا، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ في وقْتِ وُقُوعِ الحاجَةِ إلى نَبِيِّهِ ﷺ، وقِيلَ: اِبْتِداءُ نُزُولِهِ في لَيْلَةِ القَدْرِ، و"اَلْمُبارَكَةُ": اَلْكَثِيرَةُ الخَيْرِ، لِما يَنْزِلُ فِيها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، ويُسْتَجابُ مِنَ الدُعاءِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ فِيها (p-٢٨٧)إلّا إنْزالُ القُرْآنِ وحْدَهُ لَكَفى بِهِ بَرَكَةً،
﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ﴾، هُما جُمْلَتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ، مَلْفُوفَتانِ، فَسَّرَ بِهِما جَوابَ القَسَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: "أنْزَلْناهُ لِأنَّ مِن شَأْنِنا الإنْذارَ والتَحْذِيرَ مِنَ العِقابِ، وكانَ إنْزالُنا إيّاهُ في هَذِهِ اللَيْلَةِ خُصُوصًا لِأنَّ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ الأُمُورِ الحَكِيمَةِ، وهَذِهِ اللَيْلَةُ مَفْرِقُ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ"، ومَعْنى "يُفْرَقُ": يُفَصَّلُ، ويُكْتَبُ كُلُّ أمْرٍ، مِن أرْزاقِ العِبادِ، وآجالِهِمْ، وجَمِيعِ أُمُورِهِمْ، مِن هَذِهِ اللَيْلَةِ إلى لَيْلَةِ القَدْرِ الَّتِي تَجِيءُ في السَنَةِ المُقْبِلَةِ،
﴿حَكِيمٍ﴾، ذِي حِكْمَةٍ، أيْ: مَفْعُولٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وهو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِأنَّ الحُكْمَ صِفَةُ صاحِبِ الأمْرِ عَلى الحَقِيقَةِ، ووَصَفَ الأمْرَ بِهِ مَجازًا.
الدخان 44:5
﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، جَعَلَ كُلَّ أمْرٍ جَزْلًا فَخْمًا بِأنْ وصَفَهُ بِالحَكِيمِ، ثُمَّ زادَهُ جَزالَةً وفَخامَةً بِأنْ قالَ: "أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا، كَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا، وتَدْبِيرُنا"،
﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾، بَدَلٌ مِن "إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ".
الدخان 44:6
﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، مَفْعُولٌ لَهُ، عَلى مَعْنى: "إنّا أنْزَلْنا القُرْآنَ لِأنَّ مِن شَأْنِنا وعادَتِنا إرْسالَ الرُسُلِ بِالكُتُبِ إلى عِبادِنا لِأجْلِ الرَحْمَةِ عَلَيْهِمْ"، أوْ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: "أمْرًا مِن عِنْدِنا"، و"رَحْمَةً"، مَفْعُولٌ بِهِ، وقَدْ وصَفَ الرَحْمَةَ بِالإرْسالِ، كَما وصَفَها بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، والأصْلُ: "إنّا كُنّا مُرْسَلِينَ رَحْمَةً مِنّا"، فَوُضِعَ الظاهِرُ مَوْضِعَ الضَمِيرِ، إيذانًا بِأنَّ الرُبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَحْمَةَ عَلى المَرْبُوبِينَ،
﴿إنَّهُ هو السَمِيعُ﴾، لِأقْوالِهِمْ،
﴿العَلِيمُ﴾، بِأحْوالِهِمْ.
الدخان 44:7
﴿رَبِّ﴾ "كُوفِيٌّ"، بَدَلٌ مِن "رَبِّكَ"، وغَيْرُهم بِالرَفْعِ، أيْ: "هُوَ رَبُّ"،
﴿السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، ومَعْنى الشَرْطِ أنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ رَبًّا وخالِقًا، فَقِيلَ لَهُمْ: إنَّ إرْسالَ الرُسُلِ، وإنْزالَ الكُتُبِ، رَحْمَةٌ مِنَ الرَبِّ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ هَذا الرَبَّ هو السَمِيعُ العَلِيمُ، الَّذِي (p-٢٨٨)أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ، ومُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما، إنْ كانَ إقْرارُكم عَنْ عِلْمٍ وإيقانٍ، كَما تَقُولُ: "إنَّ هَذا إنْعامُ زَيْدٍ الَّذِي تَسامَعَ الناسُ بِكَرَمِهِ، إنْ بَلَغَكَ حَدِيثُهُ وحُدِّثْتَ بِقِصَّتِهِ".
الدخان 44:8
﴿لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكُمْ﴾ أيْ: هو رَبُّكُمْ،
﴿وَرَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾، عَطْفٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ أنْ يَكُونُوا مُوقِنِينَ، بِقَوْلِهِ:
الدخان 44:9
﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وإنَّ إقْرارَهم غَيْرُ صادِرٍ عَنْ عِلْمٍ وتَيَقُّنٍ، بَلْ قَوْلٌ مَخْلُوطٌ بِهُزُؤٍ ولَعِبٍ.
الدخان 44:10
﴿فارْتَقِبْ﴾، فانْتَظِرْ،
﴿يَوْمَ تَأْتِي السَماءُ بِدُخانٍ﴾، يَأْتِي مِنَ السَماءِ، قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، يَدْخُلُ في أسْماعِ الكَفَرَةِ، حَتّى يَكُونَ رَأْسُ الواحِدِ كالرَأْسِ الحَنِيذِ، ويَعْتَرِي المُؤْمِنَ مِنهُ كَهَيْئَةِ الزُكامِ، وتَكُونُ الأرْضُ كُلُّها كَبَيْتٍ أُوقِدَ فِيهِ، لَيْسَ فِيهِ خَصاصٌ، وقِيلَ: إنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ دَعا عَلَيْهِمْ، فَقالَ: « "اَللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرٍ، واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ"، » فَأصابَهُمُ الجَهْدُ، حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ، والعِلْهِزَ، وكانَ الرَجُلُ يَرى بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ الدُخانَ، وكانَ يُحَدِّثُ الرَجُلُ فَيَسْمَعُ كَلامَهُ، ولا يَراهُ، مِنَ الدُخانِ،
﴿مُبِينٍ﴾، ظاهِرٍ حالُهُ، لا يَشُكُّ أحَدٌ في أنَّهُ دُخانٌ.
الدخان 44:11
﴿يَغْشى الناسَ﴾، يَشْمَلُهُمْ، ويُلْبِسُهُمْ، وهو في مَحَلِّ الجَرِّ، صِفَةٌ،
﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾
الدخان 44:12
﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: سَنُؤْمِنُ إنْ تَكْشِفْ عَنّا العَذابَ، مَنصُوبُ المَحَلِّ، بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وهو "يَقُولُونَ"، و"يَقُولُونَ"، مَنصُوبُ المَحَلِّ، عَلى الحالِ، أيْ: قائِلِينَ ذَلِكَ.
الدخان 44:13
(p-٢٨٩)﴿أنّى لَهُمُ الذِكْرى﴾، كَيْفَ يَذَّكَّرُونَ ويَتَّعِظُونَ ويَفُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ،
﴿وَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ ؟! أيْ: وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ وأدْخَلُ في وُجُوبِ الِاذِّكارِ مِن كَشْفِ الدُخانِ، وهو ما ظَهَرَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، مِنَ الكِتابِ المُعْجِزِ، وغَيْرِهِ، فَلَمْ يَذَّكَّرُوا، وتَوَلَّوْا عَنْهُ، وبَهَتُوهُ بِأنَّ عَدّاسًا - غُلامًا أعْجَمِيًّا لِبَعْضِ ثَقِيفٍ - هو الَّذِي عَلَّمَهُ، ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ.
الدخان 44:14
(p-٢٨٩)﴿أنّى لَهُمُ الذِكْرى﴾، كَيْفَ يَذَّكَّرُونَ ويَتَّعِظُونَ ويَفُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ العَذابِ،
﴿وَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ ؟! أيْ: وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ وأدْخَلُ في وُجُوبِ الِاذِّكارِ مِن كَشْفِ الدُخانِ، وهو ما ظَهَرَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، مِنَ الكِتابِ المُعْجِزِ، وغَيْرِهِ، فَلَمْ يَذَّكَّرُوا، وتَوَلَّوْا عَنْهُ، وبَهَتُوهُ بِأنَّ عَدّاسًا - غُلامًا أعْجَمِيًّا لِبَعْضِ ثَقِيفٍ - هو الَّذِي عَلَّمَهُ، ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ.
الدخان 44:15
﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا﴾، زَمانًا قَلِيلًا، أوْ كَشْفًا قَلِيلًا،
﴿إنَّكم عائِدُونَ﴾، إلى الكُفْرِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ، أوْ إلى العَذابِ.
الدخان 44:16
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى﴾، هي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يَوْمَ "بَدْرٍ"،
﴿إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ: نَنْتَقِمُ مِنهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وانْتِصابُ "يَوْمَ نَبْطِشُ"، بِـ "اُذْكُرُوا"، بِما دَلَّ عَلَيْهِ "إنّا مُنْتَقِمُونَ"، وهو "نَنْتَقِمُ"، لا بِـ "مُنْتَقِمُونَ"، لِأنَّ ما بَعْدَ "إنَّ"، لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
الدخان 44:17
﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ﴾، قَبْلَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ فِعْلَ المُخْتَبِرِ، لِيَظْهَرَ مِنهم ما كانَ باطِنًا،
﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾، عَلى اللهِ، وعَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، حَسِيبٌ، نَسِيبٌ، لِأنَّ اللهَ (تَعالى) لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا مِن سَراةِ قَوْمِهِ وكِرامِهِمْ.
الدخان 44:18
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ﴾، هي "أنْ"، اَلْمُفَسِّرَةُ، لِأنَّ مَجِيءَ الرَسُولِ إلى مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى القَوْلِ، لِأنَّهُ لا يَجِيئُهم إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا وداعِيًا إلى اللهِ، أوِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، ومَعْناهُ: وجاءَهم بِأنَّ الشَأْنَ والحَدِيثَ: أدُّوا إلَيَّ، سَلِّمُوا إلَيَّ،
﴿عِبادَ اللهِ﴾، هو مَفْعُولٌ بِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ، يَقُولُ: "أدُّوهم إلَيَّ وأرْسِلُوهم مَعِي"، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نِداءً لَهُمْ، عَلى مَعْنى: "أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللهِ ما هو واجِبٌ لِي (p-٢٩٠)عَلَيْكُمْ، مِنَ الإيمانِ لِي، وقَبُولِ دَعْوَتِي، واتِّباعِ سَبِيلِي"، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ أيْ: عَلى رِسالَتِي، غَيْرُ مُتَّهَمٍ.
الدخان 44:19
﴿وَأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللهِ﴾، "أنْ"، هَذِهِ مِثْلُ الأُولى في وجْهَيْها، أيْ: "لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى اللهِ بِالِاسْتِهانَةِ بِرَسُولِهِ، ووَحْيِهِ"، أوْ "لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى نَبِيِّ اللهِ"،
﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ، تَدُلُّ عَلى أنِّي نَبِيٌّ.
الدخان 44:20
﴿وَإنِّي عُذْتُ﴾، مُدْغَمٌ "أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ"،
﴿بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾، أنْ تَقْتُلُونِي رَجْمًا، ومَعْناهُ أنَّهُ عائِذٌ بِرَبِّهِ، مُتَّكِلٌ عَلى أنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنهُمْ، ومِن كَيْدِهِمْ، فَهو غَيْرُ مُبالٍ بِما كانُوا يَتَوَعَّدُونَهُ مِنَ الرَجْمِ، والقَتْلِ.
الدخان 44:21
﴿وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَلا مُوالاةَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن لا يُؤْمِنُ، فَتَنَحُّوا عَنِّي، أوْ فَخَلُّونِي كَفافًا، لا لِي، ولا عَلَيَّ، ولا تَتَعَرَّضُوا لِي بِشَرِّكُمْ، وأذاكُمْ، فَلَيْسَ جَزاءُ مَن دَعاكم إلى ما فِيهِ فَلاحُكم ذَلِكَ، "تَرْجُمُونِي"، "فاعْتَزِلُونِي"، في الحالَيْنِ، "يَعْقُوبُ".
الدخان 44:22
﴿فَدَعا رَبَّهُ﴾، شاكِيًا قَوْمَهُ،
﴿أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾، بِأنَّ هَؤُلاءِ، أيْ: دَعا رَبَّهُ بِذَلِكَ، قِيلَ: كانَ دُعاؤُهُ: "اَللَّهُمَّ عَجِّلْ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَهُ بِإجْرامِهِمْ"، وقِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]، وقُرِئَ: "إنَّ هَؤُلاءِ"، بِالكَسْرِ، عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: "فَدَعا رَبَّهُ فَقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ".
الدخان 44:23
﴿فَأسْرِ﴾، مِن "أسْرى"، "فاسْرِ"، بِالوَصْلِ، "حِجازِيٌّ"، مِن "سَرى"، والقَوْلُ مُضْمَرٌ بَعْدَ الفاءِ، أيْ: "فَقالَ: أسْرِ"،
﴿بِعِبادِي﴾ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ،
﴿لَيْلا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ أيْ: "دَبَّرَ اللهُ أنْ تَتَقَدَّمُوا، ويَتَّبِعَكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَيُنْجِيَ المُتَقَدِّمِينَ، ويُغْرِقَ التابِعِينَ".
الدخان 44:24
(p-٢٩١)﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾، ساكِنًا، أرادَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا جاوَزَ البَحْرَ أنْ يَضْرِبَهُ بِعَصاهُ، فَيَنْطَبِقَ، فَأُمِرَ بِأنْ يَتْرُكَهُ ساكِنًا عَلى هَيْئَتِهِ، قارًّا عَلى حالِهِ مِنَ انْتِصابِ الماءِ، وكَوْنِ الطَرِيقِ يَبَسًا، لا يَضْرِبَهُ بِعَصاهُ، ولا يُغَيِّرَ مِنهُ شَيْئًا، لِيَدْخُلَهُ القِبْطُ، فَإذا حَصَلُوا فِيهِ، أطْبَقَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: "اَلرَّهْوُ": اَلْفَجْوَةُ الواسِعَةُ، أيْ: اُتْرُكْهُ مَفْتُوحًا عَلى حالِهِ، مُنْفَرِجًا،
﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾، بَعْدَ خُرُوجِكم مِنَ البَحْرِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ، أيْ: "لِأنَّهُمْ".
الدخان 44:25
﴿كَمْ﴾، عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ، مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ هو ما كانَ لَهم مِنَ المَنازِلِ الحَسَنَةِ، وقِيلَ: اَلْمَنابِرِ.
الدخان 44:26
﴿كَمْ﴾، عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ، مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ هو ما كانَ لَهم مِنَ المَنازِلِ الحَسَنَةِ، وقِيلَ: اَلْمَنابِرِ.
الدخان 44:27
﴿وَنَعْمَةٍ﴾، تَنَعُّمٍ،
﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾، مُتَنَعِّمِينَ.
الدخان 44:28
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: اَلْأمْرُ كَذَلِكَ، فالكافُ في مَوْضِعِ الرَفْعِ، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مُضْمَرٍ،
﴿وَأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾، لَيْسُوا مِنهم في شَيْءٍ مِن قَرابَةٍ، ولا دِينٍ، ولا ولاءٍ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ.
الدخان 44:29
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَماءُ والأرْضُ﴾، لِأنَّهم ماتُوا كُفّارًا، والمُؤْمِنُ إذا ماتَ تَبْكِي عَلَيْهِ السَماءُ والأرْضُ، فَيَبْكِي عَلى المُؤْمِنِ مِنَ الأرْضِ مُصَلّاهُ، ومِنَ السَماءِ مَصْعَدُ عَمَلِهِ، وعَنِ الحَسَنِ: "أهْلُ السَماءِ والأرْضِ"،
﴿وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أيْ: لَمْ يُنْظَرُوا إلى وقْتٍ آخَرَ، ولَمْ يُمْهَلُوا.
الدخان 44:30
﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ أيْ: اَلِاسْتِخْدامِ، والِاسْتِعْبادِ، وقَتْلِ الأوْلادِ.
الدخان 44:31
﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾، بَدَلٌ مِن "اَلْعَذابِ المُهِينِ"، بِإعادَةِ الجارِّ، كَأنَّهُ نَفْسُهُ كانَ عَذابًا مُهِينًا، لِإفْراطِهِ في تَعْذِبِيهِمْ، وإهانَتِهِمْ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ذَلِكَ مِن فِرْعَوْنَ،
﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا﴾، مُتَكَبِّرًا،
﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾، خَبَرٌ ثانٍ، أيْ: "كانَ مُتَكَبِّرًا، مُسْرِفًا".
الدخان 44:32
(p-٢٩٢)﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ﴾ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ،
﴿عَلى عِلْمٍ﴾، حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ: "عالِمِينَ بِمَكانِ الخِيرَةِ، وبِأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُخْتارُوا،
﴿عَلى العالَمِينَ﴾، عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ.
الدخان 44:33
﴿وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ﴾، كَفَلْقِ البَحْرِ، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَلْوى، وغَيْرِ ذَلِكَ،
﴿ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾، نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ، أوِ اخْتِبارٌ ظاهِرٌ، لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ.
الدخان 44:34
﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾، يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ،
﴿لَيَقُولُونَ﴾
الدخان 44:35
﴿إنْ هِيَ﴾، ما المَوْتَةُ،
﴿إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾، والإشْكالُ أنَّ الكَلامَ وقَعَ في الحَياةِ الثانِيَةِ، لا في المَوْتِ، فَهَلّا قِيلَ: إنْ هي إلّا حَياتُنا الأُولى؟ وما مَعْنى ذِكْرُ الأُولى، كَأنَّهم وُعِدُوا مَوْتَةً أُخْرى، حَتّى جَحَدُوها، وأثْبَتُوا الأُولى، والجَوابُ أنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: إنَّكم تَمُوتُونَ مَوْتَةً تَتَعَقَّبُها حَياةٌ، كَما تَقَدَّمَتْكم مَوْتَةٌ قَدْ تَعَقَّبَتْها حَياةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فَقالُوا: إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى، يُرِيدُونَ: ما المَوْتَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يَتَعَقَّبَها حَياةٌ إلّا المَوْتَةُ الأُولى، فَلا فَرْقَ إذًا بَيْنَ هَذا، وبَيْنَ قَوْلِهِ: "إلّا حَياتُنا الدُنْيا"، في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا إنْكارًا لِما في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] ﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾، بِمَبْعُوثِينَ، يُقالُ: "أنْشَرَ اللهُ المَوْتى"، و"نَشَرَهُمْ"، إذا بَعَثَهم.
الدخان 44:36
﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾، خِطابٌ لِلَّذِينَ كانُوا يَعِدُونَهُمُ النُشُورَ، مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ،
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: إنْ صَدَقْتُمْ فِيما تَقُولُونَ، فَعَجِّلُوا لَنا إحْياءَ مَن ماتَ مِن آبائِنا، بِسُؤالِكم رَبَّكم ذَلِكَ، حَتّى يَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنَّ ما تَعِدُونَهُ مِن قِيامِ الساعَةِ، وبَعْثِ المَوْتى، حَقٌّ.
الدخان 44:37
﴿أهم خَيْرٌ﴾، في القُوَّةِ والمَنعَةِ،
﴿أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾، هو تُبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ، كانَ (p-٢٩٣)مُؤْمِنًا، وقَوْمُهُ كافِرِينَ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وفي الحَدِيثِ: « "ما أدْرِي أكانَ تُبَّعٌ نَبِيًّا أوْ غَيْرَ نَبِيٍّ"، »﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، مَرْفُوعٌ بِالعَطْفِ عَلى "قَوْمُ تُبَّعٍ"،
﴿أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾، كافِرِينَ، مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ.
الدخان 44:38
﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَ الجِنْسَيْنِ،
﴿لاعِبِينَ﴾، حالٌ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْثٌ ولا حِسابٌ ولا ثَوابٌ كانَ خَلْقُ الخَلْقِ لِلْفَناءِ خاصَّةً، فَيَكُونَ لَعِبًا.
الدخان 44:39
﴿ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ﴾، بِالجَدِّ، ضِدُّ اللَعِبِ،
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾، أنَّهُ خُلِقَ لِذَلِكَ.
الدخان 44:40
﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ﴾، بَيْنَ المُحِقِّ، والمُبْطِلِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ،
﴿مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾، وقْتُ مَوْعِدِهِمْ كُلِّهِمْ.
الدخان 44:41
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ أيْ: ولِيٌّ، أيَّ ولِيٍّ كانَ، عَنْ أيِّ ولِيٍّ كانَ، شَيْئًا مِن إغْناءٍ، أيْ: قَلِيلًا مِنهُ،
﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾، اَلضَّمِيرُ لِلْمَوْلى، لِأنَّهم في المَعْنى كَثِيرٌ، لِتَناوُلِ اللَفْظِ عَلى الإبْهامِ والشِياعِ كُلَّ مَوْلًى.
الدخان 44:42
﴿إلا مَن رَحِمَ اللهُ﴾، في مَحَلِّ الرَفْعِ، عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ في "يُنْصَرُونَ"، أيْ: لا يُمْنَعُ مِنَ العَذابِ إلّا مَن رَحِمَهُ اللهُ،
﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾، اَلْغالِبُ عَلى أعْدائِهِ،
﴿الرَحِيمُ﴾، لِأوْلِيائِهِ.
الدخان 44:43
﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَقُّومِ﴾، هي عَلى صُورَةِ شَجَرِ الدُنْيا، لَكِنَّها في النارِ، والزَقُّومُ ثَمَرُها، وهو كُلُّ طَعامٍ ثَقِيلٍ.
الدخان 44:44
(p-٢٩٤)﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾، هو الفاجِرُ، الكَثِيرُ الآثامِ، وعَنْ أبِي الدَرْداءِ أنَّهُ كانَ يُقْرِئُ رَجُلًا، فَكانَ يَقُولُ: "طَعامُ اليَتِيمِ"، فَقالَ: قُلْ: "طَعامُ الفاجِرِ"، يا هَذا، وبِهَذا تَسْتَدِلُّ عَلى أنَّ إبْدالَ الكَلِمَةِ مَكانَ الكَلِمَةِ جائِزٌ إذا كانَتْ مُؤَدِّيَةً مَعْناها، ومِنهُ أجازَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - القِراءَةَ بِالفارِسِيَّةِ، بِشَرْطِ أنْ يُؤَدِّيَ القارِئُ المَعانِيَ كُلَّها عَلى كَمالِها، مِن غَيْرِ أنْ يَخْرِمَ مِنها شَيْئًا، قالُوا: وهَذِهِ الشَرِيطَةُ تَشْهَدُ أنَّها إجازَةٌ كَـ "لا إجازَةَ"، لِأنَّ في كَلامِ العَرَبِ - خُصُوصًا في القُرْآنِ، الَّذِي هو مُعْجِزٌ بِفَصاحَتِهِ، وغَرابَةِ نَظْمِهِ وأسالِيبِهِ - مِن لَطائِفِ المَعانِي والدَقائِقِ ما لا يَسْتَقِلُّ بِأدائِهِ لِسانٌ مِن فارِسِيَّةٍ وغَيْرِها، ويُرْوى رُجُوعُهُ إلى قَوْلِهِما، وعَلَيْهِ الِاعْتِمادُ.
الدخان 44:45
﴿كالمُهْلِ﴾، هو دُرْدِيُّ الزَيْتِ، والكافُ رَفْعٌ، خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ،
﴿يَغْلِي في البُطُونِ﴾، وبِالياءِ "مَكِّيٌّ وحَفْصٌ"، فالتاءُ لِلشَّجَرَةِ، والياءُ لِلطَّعامِ.
الدخان 44:46
﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ أيْ: اَلْماءِ الحارِّ، الَّذِي انْتَهى غَلَيانُهُ، ومَعْناهُ: "غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ، فالكافُ مَنصُوبُ المَحَلِّ، ثُمَّ يُقالُ لِلزَّبانِيَةِ:
الدخان 44:47
﴿خُذُوهُ﴾ أيْ: اَلْأثِيمَ،
﴿فاعْتِلُوهُ﴾، فَقُودُوهُ بِعُنْفٍ، وغِلْظَةٍ، "فاعْتُلُوهُ"، "مَكِّيٌّ ونافِعٌ وشامِيٌّ وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ"،
﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾، إلى وسَطِها، ومُعْظَمِها.
الدخان 44:48
﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾، اَلْمَصْبُوبُ هو الحَمِيمُ، (p-٢٩٥)لا عَذابُهُ، إلّا أنَّهُ إذا صُبَّ عَلَيْهِ الحَمِيمُ فَقَدْ صُبَّ عَلَيْهِ عَذابُهُ، وشِدَّتُهُ، وصَبُّ العَذابِ اسْتِعارَةٌ، ويُقالُ لَهُ:
الدخان 44:49
﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾، عَلى سَبِيلِ الهُزُؤِ، والتَهَكُّمِ، "أنَّكَ" - أيْ: "لِأنَّكَ" - "عَلِيٌّ".
الدخان 44:50
﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ: اَلْعَذابَ، أوْ هَذا الأمْرَ، هو ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، تَشُكُّونَ.
الدخان 44:51
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ﴾، بِالفَتْحِ، وهو مَوْضِعُ القِيامِ، والمُرادُ المَكانُ، وهو مِنَ الخاصِّ الَّذِي وقَعَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى العُمُومِ، وبِالضَمِّ، "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ"، وهو مَوْضِعُ الإقامَةِ،
﴿أمِينٍ﴾، مِن "أمِنَ الرَجُلُ، أمانَةً، فَهو أمِينٌ"، وهو ضِدُّ الخائِنِ، فَوُصِفَ بِهِ المَكانُ اسْتِعارَةً، لِأنَّ المَكانَ المُخِيفَ كَأنَّما يَخُونُ صاحِبَهُ بِما يَلْقى فِيهِ مِنَ المَكارِهِ.
الدخان 44:52
﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾، بَدَلٌ مِن "مَقامٍ أمِينٍ".
الدخان 44:53
﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ﴾، ما رَقَّ مِنَ الدِيباجِ،
﴿وَإسْتَبْرَقٍ﴾، ما غَلُظَ مِنهُ، وهو تَعْرِيبُ "اِسْتَبْرَهْ"، واللَفْظُ إذا عُرِّبَ خَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ أعْجَمِيًّا، لِأنَّ مَعْنى التَعْرِيبِ أنْ يُجْعَلَ عَرَبِيًّا بِالتَصَرُّفِ فِيهِ، وتَغْيِيرِهِ عَنْ مِنهاجِهِ، وإجْرائِهِ عَلى أوْجُهِ الإعْرابِ، فَساغَ أنْ يَقَعَ في القُرْآنِ العَرَبِيِّ،
﴿مُتَقابِلِينَ﴾، في مَجالِسِهِمْ، وهو أتَمُّ لِلْأُنْسِ.
الدخان 44:54
﴿كَذَلِكَ﴾، اَلْكافُ مَرْفُوعَةٌ، أيْ: اَلْأمْرُ كَذَلِكَ،
﴿وَزَوَّجْناهُمْ﴾، وقَرَنّاهُمْ، ولِهَذا عُدِّيَ بِالباءِ،
﴿بِحُورٍ﴾، جَمْعُ "حَوْراءُ"، وهي الشَدِيدَةُ سَوادِ العَيْنِ، والشَدِيدَةُ بَياضِها،
﴿عِينٍ﴾، جَمْعُ "عَيْناءُ"، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ.
الدخان 44:55
﴿يَدْعُونَ فِيها﴾، يَطْلُبُونَ في الجَنَّةِ،
﴿بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، مِنَ الزَوالِ، والِانْقِطاعِ، وتَوَلُّدِ الضَرَرِ مِنَ الإكْثارِ.
الدخان 44:56
(p-٢٩٦)﴿لا يَذُوقُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ،
﴿المَوْتَ﴾، اَلْبَتَّةَ،
﴿إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾، إلّا سِوى المَوْتَةِ الأُولى الَّتِي ذاقُوها في الدُنْيا، وقِيلَ: لَكِنَّ المَوْتَةَ قَدْ ذاقُوها في الدُنْيا،
﴿وَوَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾
الدخان 44:57
﴿فَضْلا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِلْفَضْلِ، فَهو مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: "وَوَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ"، تَفَضُّلٌ مِنهُ لَهُمْ، لِأنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى اللهِ شَيْئًا،
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: صَرْفُ العَذابِ، ودُخُولُ الجَنَّةِ،
﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
الدخان 44:58
﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ﴾ أيْ: اَلْكِتابَ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُورَةِ،
﴿بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، يَتَّعِظُونَ.
الدخان 44:59
﴿فارْتَقِبْ﴾، فانْتَظِرْ ما يَحِلُّ بِهِمْ،
﴿إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾، مُنْتَظِرُونَ ما يَحِلُّ بِكَ مِنَ الدَوائِرِ.
الجاثية 45:1
(p-٢٩٧)سُورَةُ "اَلْجاثِيَةِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿حم﴾، إنْ جَعَلَتْها اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَهي مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ:
الجاثية 45:2
﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ﴾، صِلَةٌ لِلتَّنْزِيلِ، وإنْ جَعَلْتَها تَعْدِيدًا لِلْحُرُوفِ، كانَ "تَنْزِيلُ الكِتابِ"، مُتَبَدَأً، والظَرْفُ خَبَرًا،
﴿العَزِيزِ﴾، في انْتِقامِهِ،
﴿الحَكِيمِ﴾، في تَدْبِيرِهِ.
الجاثية 45:3
﴿إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ﴾، لَدَلالاتٍ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ في خَلْقِ السماوات والأرْضِ لَآياتٍ،
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ:
الجاثية 45:4
﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾، ويُعْطَفُ ﴿وَما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾، عَلى الخَلْقِ المُضافِ، لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ، مُتَّصِلٌ، يَقْبُحُ العَطْفُ عَلَيْهِ،
﴿آياتٌ﴾، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، بِالنَصْبِ، وغَيْرُهُما بِالرَفْعِ، مِثْلَ قَوْلِكَ: "إنَّ زَيْدًا في الدارِ وعَمْرًا في السُوقِ"، أوْ "وَعَمْرٌو في السُوقِ"،
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
الجاثية 45:5
﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ وما أنْـزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِن رِزْقٍ﴾ أيْ: مَطَرٍ، وسُمِّي بِهِ لِأنَّهُ سَبَبُ الرِزْقِ،
﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِياحِ﴾، "اَلرِّيحِ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"،
﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، بِالنَصْبِ، "عَلِيٌّ وحَمْزَةُ"، وغَيْرُهُما بِالرَفْعِ، وهَذا مِنَ (p-٢٩٨)العَطْفِ عَلى عامِلَيْنِ، سَواءٌ نَصَبْتَ، أوْ رَفَعْتَ، فالعامِلانِ إذا نَصَبْتَ "إنَّ"، و"فِي"، أُقِيمَتِ الواوُ مَقامَهُما، فَعَمِلَتِ الجَرَّ في "واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ"، والنَصْبَ في "آياتٍ"، وإذا رَفَعْتَ فالعامِلانِ الِابْتِداءُ، و"فِي"، عَمِلَتِ الواوُ الرَفْعَ في "آياتٌ"، والجَرَّ في "واخْتِلافِ"، هَذا مَذْهَبُ الأخْفَشِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ العَطْفُ عَلى عامِلَيْنِ، وأمّا سِيبَوَيْهِ فَإنَّهُ لا يُجِيزُهُ، وتَخْرِيجُ الآيَةِ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ "فِي"، والَّذِي حَسَّنَهُ تَقْدِيمُ ذِكْرِ "فِي"، في الآيَتَيْنِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "وَفِي اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ"، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ "آياتٌ"، عَلى الِاخْتِصاصِ بَعْدَ انْقِضاءِ المَجْرُورِ، مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، أوْ عَلى التَكْرِيرِ، تَوْكِيدًا لِـ "آياتٍ"، اَلْأُولى، كَأنَّهُ قِيلَ: "آياتٍ آياتٍ"، ورَفْعُهُما بِإضْمارِ "هِيَ"، والمَعْنى في تَقْدِيمِ الإيمانِ عَلى الإيقانِ، وتَوْسِيطِهِ، وتَأْخِيرِ الآخَرِ أنَّ المُنْصِفِينَ مِنَ العِبادِ إذا نَظَرُوا في السَماواتِ والأرْضِ نَظَرًا صَحِيحًا، عَلِمُوا أنَّها مَصْنُوعَةٌ، وأنَّهُ لا بُدَّ لَها مِن صانِعٍ، فَآمَنُوا بِاللهِ، فَإذا نَظَرُوا في خَلْقِ أنْفُسِهِمْ وتَنَقُّلِها مِن حالٍ إلى حالٍ، وفي خَلْقِ ما ظَهَرَ عَلى الأرْضِ مِن صُنُوفِ الحَيَوانِ، ازْدادُوا إيمانًا، وأيْقَنُوا، فَإذا نَظَرُوا في سائِرِ الحَوادِثِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ في كُلِّ وقْتٍ، كاخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ، ونُزُولِ الأمْطارِ، وحَياةِ الأرْضِ بِها بَعْدَ مَوْتِها، وتَصْرِيفِ الرِياحِ جَنُوبًا وشَمالًا، وقُبُولًا ودُبُورًا، عَقَلُوا، واسْتَحْكَمَ عِلْمُهُمْ، وخَلَصَ يَقِينُهم.
الجاثية 45:6
﴿تِلْكَ﴾، إشارَةٌ إلى الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، أيْ: تِلْكَ الآياتُ،
﴿آياتُ اللهِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿نَتْلُوها﴾، في مَحَلِّ الحالِ، أيْ: مَتْلُوَّةً،
﴿عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾، والعامِلُ ما دَلَّ عَلَيْهِ "تِلْكَ"، مِن مَعْنى الإشارَةِ،
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وآياتِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ آياتِ اللهِ، كَقَوْلِهِمْ: "أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرْمُهُ"، يُرِيدُونَ "أعْجَبَنِي كَرَمُ زَيْدٍ"،
﴿يُؤْمِنُونَ﴾، "حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو وسَهْلٌ وحَفْصٌ"، بِالتاءِ غَيْرُهُمْ، عَلى تَقْدِيرِ: "قُلْ يا مُحَمَّدُ... ".
الجاثية 45:7
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ﴾، كَذّابٍ،
﴿أثِيمٍ﴾، مُتَبالِغٍ في اقْتِرافِ الآثامِ.
الجاثية 45:8
(p-٢٩٩)﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ﴾، في مَوْضِعِ جَرِّ، صِفَةٌ،
﴿تُتْلى عَلَيْهِ﴾، حالٌ مِن "آياتِ اللهِ"،
﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾، يُقْبِلُ عَلى كُفْرِهِ، ويُقِيمُ عَلَيْهِ،
﴿مُسْتَكْبِرًا﴾، عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ، والإذْعانِ لِما تَنْطِقُ بِهِ مِنَ الحَقِّ، مُزْدَرِيًا لَها، مُعْجَبًا بِما عِنْدَهُ، قِيلَ: نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ، وما كانَ يَشْتَرِي مِن أحادِيثِ العَجَمِ، ويَشْغَلُ بِها الناسَ عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ، والآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ مَن كانَ مُضارًّا لِدِينِ اللهِ، وجِيءَ بِـ "ثُمَّ"، لِأنَّ الإصْرارَ عَلى الضَلالَةِ، والِاسْتِكْبارَ عَنِ الإيمانِ عِنْدَ سَماعِ آياتِ القُرْآنِ مُسْتَبْعَدٌ في العُقُولِ،
﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾، "كَأنْ"، مُخَفِّفَةٌ، والأصْلُ "كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْها"، والضَمِيرُ ضَمِيرُ الشَأْنِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: يَصِيرُ مِثْلَ غَيْرِ السامِعِ،
﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾، فَأخْبِرْهُ خَبَرًا يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى البَشَرَةِ.
الجاثية 45:9
﴿وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا﴾، وإذا بَلَغَهُ شَيْءٌ مِن آياتِنا، وعَلِمَ أنَّهُ مِنها،
﴿اتَّخَذَها﴾، اِتَّخَذَ الآياتِ،
﴿هُزُوًا﴾، ولَمْ يَقُلْ: "اِتَّخَذَهُ"، لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ إذا أحَسَّ بِشَيْءٍ مِنَ الكَلامِ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ الآياتِ، خاضَ في الِاسْتِهْزاءِ، بِجَمِيعِ الآياتِ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِما بَلَغَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَمِيرُ إلى الشَيْءِ، لِأنَّهُ في مَعْنى "اَلْآيَةُ"، كَقَوْلِ أبِي العَتاهِيَةِ:
؎ نَفْسِي بِشَيْءٍ مِنَ الدُنْيا مُعَلَّقَةٌ اَللَّهُ والقائِمُ المَهْدِيُّ يَكْفِيها
حَيْثُ أرادَ عَتْبَهُ،
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ﴿كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] لِشُمُولِهِ الأفّاكِينَ،
﴿لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾، مُخْزٍ.
الجاثية 45:10
﴿مِن ورائِهِمْ﴾، مِن قُدّامِهِمْ، "اَلْوَراءُ": اِسْمٌ لِلْجِهَةِ الَّتِي يُوارِيها الشَخْصُ مِن خَلْفٍ، أوْ قُدّامٍ،
﴿جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا﴾، مِنَ الأمْوالِ،
﴿شَيْئًا﴾، مِن عَذابِ اللهِ،
﴿وَلا ما اتَّخَذُوا﴾، "ما"، فِيهِما مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ،
﴿مِن دُونِ اللهِ﴾، مِنَ الأوْثانِ،
﴿أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، في جَهَنَّمَ.
الجاثية 45:11
(p-٣٠٠)﴿هَذا هُدًى﴾، إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾، لِأنَّ آياتِ رَبِّهِمْ هي القُرْآنُ، أيْ: هَذا القُرْآنُ كامِلٌ في الهِدايَةِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ رَجُلٌ"، أيْ: كامِلٌ في الرُجُولِيَّةِ،
﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾، هو أشَدُّ العَذابِ،
﴿ألِيمٌ﴾، بِالرَفْعِ، "مَكِّيٌّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ"، صِفَةٌ لِـ "عَذابٌ"، وغَيْرُهم بِالجَرِّ، صِفَةٌ لِـ "رِجْزٍ".
الجاثية 45:12
﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾، بِإذْنِهِ،
﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾، بِالتِجارَةِ، أوْ بِالغَوْصِ عَلى اللُؤْلُؤِ والمَرْجانِ، واسْتِخْراجِ اللَحْمِ الطَرِيِّ،
﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
الجاثية 45:13
﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾، هو تَأْكِيدُ "ما في السَماواتِ"، وهو مَفْعُولُ "سَخَّرَ"، وقِيلَ: "جَمِيعًا"، نَصْبٌ عَلى الحالِ،
﴿مِنهُ﴾، حالٌ، أيْ: "سَخَّرَ هَذِهِ الأشْياءَ كائِنَةً مِنهُ، حاصِلَةً مِن عِنْدِهِ"، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ النِعَمُ كُلُّها مِنهُ، أوْ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: تَسْخِيرًا مِنهُ،
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
الجاثية 45:14
﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: اِغْفِرُوا، يَغْفِرُوا"، فَحَذَفَ المَقُولَ، لِأنَّ الجَوابَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومَعْنى "يَغْفِرُوا": يَعْفُوا، ويَصْفَحُوا، وقِيلَ: إنَّهُ مَجْزُومٌ بِلامٍ مُضْمَرَةٍ، تَقْدِيرُهُ: لِيَغْفِرُوا، فَهو أمْرٌ مُسْتَأْنَفٌ، وجازَ حَذْفُ اللامِ لِلدَّلالَةِ عَلى الأمْرِ،
﴿لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللهِ﴾، لا يَتَوَقَّعُونَ وقائِعَ اللهِ بِأعْدائِهِ، مِن قَوْلِهِمْ لِوَقائِعِ العَرَبِ: "أيّامُ العَرَبِ"، وقِيلَ: لا يُؤَمِّلُونَ الأوْقاتَ الَّتِي وقَّتَها اللهُ (تَعالى) لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ، ووَعَدَهُمُ الفَوْزَ فِيها، قِيلَ: نَزَلَتْ في عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، حِينَ شَتَمَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، مِن بَنِي غِفارٍ، فَهَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِهِ،
﴿لِيَجْزِيَ﴾، تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ، أيْ: إنَّما أُمِرُوا بِأنْ يَغْفِرُوا، لِيُوَفِّيَهم جَزاءَ مَغْفِرَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَنْكِيرُ ﴿قَوْمًا﴾، عَلى المَدْحِ لَهُمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: "لِيَجْزِيَ أيَّما قَوْمٍ، وقَوْمًا مَخْصُوصِينَ بِصَبْرِهِمْ عَلى أذى أعْدائِهِمْ"، "لِنَجْزِيَ"، "شامِيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، (p-٣٠١)"لِيُجْزى قَوْمًا"، "يَزِيدُ"، أيْ: "لِيُجْزى الخَيْرُ قَوْمًا"، فَأضْمَرَ الخَيْرَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَما أضْمَرَ "اَلشَّمْسُ"، في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ﴾ [ص: ٣١] دَلِيلًا عَلى تَوارِي الشَمْسِ، ولَيْسَ التَقْدِيرُ "لِيُجْزى الجَزاءُ قَوْمًا"، لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَقُومُ مَقامَ الفاعِلِ، ومَعَكَ مَفْعُولٌ صَحِيحٌ، أمّا إقامَةُ المَفْعُولِ الثانِي مَقامَ الفاعِلِ فَجائِزٌ، وأنْتَ تَقُولُ: "جَزاكَ اللهُ خَيْرًا"،
﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، مِنَ الإحْسانِ.
الجاثية 45:15
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ أيْ: لَها الثَوابُ، وعَلَيْها العِقابُ،
﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: إلى جَزائِهِ.
الجاثية 45:16
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾، اَلتَّوْراةَ،
﴿والحُكْمَ﴾، اَلْحِكْمَةَ، والفِقْهَ، أوْ فَصْلَ الخُصُوماتِ بَيْنَ الناسِ، لِأنَّ المُلْكَ كانَ فِيهِمْ،
﴿والنُبُوَّةَ﴾، خَصَّها بِالذِكْرِ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - فِيهِمْ،
﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ﴾، مِمّا أحَلَّ اللهُ لَهم وأطابَ مِنَ الأرْزاقِ،
﴿وَفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾، عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ.
الجاثية 45:17
﴿وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ﴾، آياتٍ ومُعْجِزاتٍ،
﴿مِنَ الأمْرِ﴾، مِن أمْرِ الدِينِ،
﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾، فَما وقَعَ الخِلافُ بَيْنَهم في الدِينِ،
﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهم ما هو مُوجِبٌ لِزَوالِ الخِلافِ، وهو العِلْمُ، وإنَّما اخْتَلَفُوا لِبَغْيٍ حَدَثَ بَيْنَهُمْ، أيْ: لِعَداوَةٍ وحَسَدٍ بَيْنَهُمْ،
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، قِيلَ: اَلْمُرادُ اخْتِلافُهم في أوامِرِ اللهِ، ونَواهِيهِ، في التَوْراةِ، حَسَدًا، وطَلَبًا وجَلْبًا لِلرِّياسَةِ، لا عَنْ جَهْلٍ يَكُونُ الإنْسانُ بِهِ مَعْذُورًا.
الجاثية 45:18
﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ﴾، بَعْدَ اخْتِلافِ أهْلِ الكِتابِ،
﴿عَلى شَرِيعَةٍ﴾، عَلى طَرِيقَةٍ ومِنهاجٍ،
﴿مِنَ الأمْرِ﴾، مِن أمْرِ الدِينِ،
﴿فاتَّبِعْها﴾، فاتَّبِعْ شَرِيعَتَكَ الثابِتَةَ بِالحُجَجِ والدَلائِلِ،
﴿وَلا تَتَّبِعْ (p-٣٠٢)أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، ولا تَتَّبِعْ ما لا حُجَّةَ عَلَيْهِ مِن أهْواءِ الجُهّالِ ودِينِهِمُ المَبْنِيِّ عَلى هَوًى وبِدْعَةٍ، وهم رُؤَساءُ قُرَيْشٍ، حِينَ قالُوا: اِرْجِعْ إلى دِينِ آبائِكَ.
الجاثية 45:19
﴿إنَّهُمْ﴾، إنَّ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ،
﴿لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وإنَّ الظالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ واللهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾، وهم مُوالُوهُ، وما أبْيَنَ الفَضْلَ بَيْنَ الوَلايَتَيْنِ!
الجاثية 45:20
﴿هَذا﴾ أيْ: اَلْقُرْآنُ،
﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾، جَعَلَ ما فِيهِ مِن مَعالِمِ الدِينِ والشَرائِعِ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ في القُلُوبِ، كَما جُعِلَ رُوحًا وحَياةً،
﴿وَهُدًى﴾، مِنَ الضَلالَةِ،
﴿وَرَحْمَةٌ﴾، مِنَ العَذابِ،
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، لِمَن آمَنَ وأيْقَنَ بِالبَعْثِ.
الجاثية 45:21
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ﴾، "أمْ"، مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها إنْكارُ الحُسْبانِ،
﴿اجْتَرَحُوا السَيِّئاتِ﴾، اِكْتَسَبُوا المَعاصِيَ، والكُفْرَ، ومِنهُ "اَلْجَوارِحُ"، و"فُلانٌ جارِحَةُ أهْلِهِ"، أيْ: كاسِبُهُمْ،
﴿أنْ نَجْعَلَهُمْ﴾، أنْ نُصَيِّرَهُمْ، وهو مِن "جَعَلَ"، اَلْمُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، فَأوَّلُهُما الضَمِيرُ، والثانِي الكافُ في ﴿كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾، والجُمْلَةُ الَّتِي هي "سَواءٌ مَّحْياهم ومَماتُهُمْ"، بَدَلٌ مِنَ الكافِ، لِأنَّ الجُمْلَةَ تَقَعُ مَفْعُولًا ثانِيًا، فَكانَتْ في حُكْمِ المُفْرَدِ، "سَواءً"، "عَلِيٌّ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ"، بِالنَصْبِ، عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "نَجْعَلُهُمْ"، ويَرْتَفِعُ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ"، بِـ "سَواءً"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَمَماتَهُمْ"، بِالنَصْبِ، جَعَلَ "مَحْياهم ومَماتَهُمْ"، ظَرْفَيْنِ، كَـ "مَقْدِمَ الحاجِّ"، أيْ: "سَواءً في مَحْياهم وفي مَماتِهِمْ"، والمَعْنى إنْكارُ أنْ يَسْتَوِيَ المُسِيئُونَ، والمُحْسِنُونَ، مَحْيًا، وأنْ يَسْتَوُوا مَماتًا، لِافْتِراقِ أحْوالِهِمْ أحْياءً، حَيْثُ عاشَ هَؤُلاءِ عَلى القِيامِ بِالطاعاتِ، وأُولَئِكَ عَلى اقْتِرافِ السَيِّئاتِ، ومَماتًا حَيْثُ ماتَ هَؤُلاءِ عَلى البُشْرى بِالرَحْمَةِ والكَرامَةِ، وأُولَئِكَ عَلى اليَأْسِ مِنَ الرَحْمَةِ، والنَدامَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ إنْكارُ أنْ يَسْتَوُوا في المَماتِ، كَما اسْتَوَوْا في الحَياةِ في الرِزْقِ، والصِحَّةِ، وعَنْ تَمِيمٍ الدارِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ يُصَلِّي ذاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ المَقامِ، فَبَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ فَجَعَلَ يَبْكِي، ويُرَدِّدُها إلى الصَباحِ، وعَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ بَلَغَها (p-٣٠٣)فَجَعَلَ يُرَدِّدُها ويَبْكِي، ويَقُولُ: "يا فُضَيْلُ، لَيْتَ شِعْرِي، مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ أنْتَ؟!"،
﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾، بِئْسَ ما يَقْضُونَ إذا حَسِبُوا أنَّهم كالمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مَن أُقْعِدَ عَلى بِساطِ المُوافَقَةِ كَمَن أُقْعِدَ عَلى مَقامِ المُخالَفَةِ، بَلْ نُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ، فَنُعْلِي المُؤْمِنِينَ، ونُخْزِي الكافِرِينَ.
الجاثية 45:22
﴿وَخَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾، لِيَدُلَّ عَلى قُدْرَتِهِ،
﴿وَلِتُجْزى﴾، مَعْطُوفٌ عَلى هَذا المُعَلَّلِ المَحْذُوفِ،
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
الجاثية 45:23
﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ أيْ: هو مِطْواعٌ لِهَوى النَفْسِ، يَتَّبِعُ ما تَدْعُوهُ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ يَعْبُدُهُ، كَما يَعْبُدُ الرَجُلُ إلَهَهُ،
﴿وَأضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ﴾، مِنهُ، بِاخْتِيارِهِ الضَلالَ، أوْ أنَشَأ فِيهِ فِعْلَ الضَلالِ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِذَلِكَ،
﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ﴾، فَلا يَقْبَلُ وعْظًا،
﴿وَقَلْبِهِ﴾، فَلا يَعْتَقِدُ حَقًّا،
﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾، فَلا يُبْصِرُ عِبْرَةً، "غَشْوَةً"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"،
﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللهِ﴾، مِن بَعْدِ إضْلالِ اللهِ إيّاهُ،
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، بِالتَخْفِيفِ، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ"، وغَيْرُهم بِالتَشْدِيدِ، فَأصْلُ الشَرِّ مُتابَعَةُ الهَوى، والخَيْرُ كُلُّهُ في مُخالَفَتِهِ، فَنِعْمَ ما قالَ:
؎ إذا طَلَبَتْكَ النَفْسُ يَوْمًا بِشَهْوَةٍ وكانَ إلَيْها لِلْخِلافِ طَرِيقُ ؎ فَدَعْها وخالِفْ ما هَوَيْتَ فَإنَّما ∗∗∗ هَواكَ عَدُوٌّ والخِلافُ صَدِيقُ.
الجاثية 45:24
﴿وَقالُوا ما هِيَ﴾ أيْ: ما الحَياةُ، لِأنَّهم وُعِدُوا حَياةً ثانِيَةً،
﴿إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ الَّتِي نَحْنُ فِيها ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾، نَمُوتُ نَحْنُ، ونَحْيا بِبَقاءِ أوْلادِنا، أوْ يَمُوتُ بَعْضٌ ويَحْيا بَعْضٌ، أوْ نَكُونُ مَواتًا نُطَفًا في الأصْلابِ، ونَحْيا بَعْدَ ذَلِكَ، أوْ يُصِيبُنا الأمْرانِ، المَوْتُ والحَياةُ، يُرِيدُونَ الحَياةَ في الدُنْيا، والمَوْتَ بَعْدَها، ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ حَياةٌ، وقِيلَ: هَذا كَلامُ مَن يَقُولُ بِالتَناسُخِ، أيْ: يَمُوتُ الرَجُلُ ثُمَّ (p-٣٠٤)تُجْعَلُ رُوحُهُ في مَواتٍ، فَيَحْيا بِهِ،
﴿وَما يُهْلِكُنا إلا الدَهْرُ﴾، كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مُرُورَ الأيّامِ واللَيالِي هو المُؤَثِّرُ في هَلاكِ الأنْفُسِ، ويُنْكِرُونَ مَلَكَ المَوْتِ، وقَبَضَهُ الأرْواحَ بِإذْنِ اللهِ، وكانُوا يُضِيفُونَ كُلَّ حادِثَةٍ تَحْدُثُ إلى الدَهْرِ والزَمانِ، وتَرى أشْعارَهم ناطِقَةً بِشَكْوى الزَمانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "لا تَسُبُّوا الدَهْرَ فَإنَّ اللهَ هو الدَهْرُ"، » أيْ: فَإنَّ اللهَ هو الآتِي بِالحَوادِثِ، لا الدَهْرُ،
﴿وَما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾، وما يَقُولُونَ ذَلِكَ مِن عِلْمٍ ويَقِينٍ، ولَكِنْ مِن ظَنٍّ وتَخْمِينٍ.
الجاثية 45:25
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: اَلْقُرْآنُ، يَعْنِي ما فِيهِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ،
﴿بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ﴾، وسَمّى قَوْلَهم "حُجَّةً"، وإنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، لِأنَّهُ في زَعْمِهِمْ حُجَّةٌ،
﴿إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا﴾ أيْ: أحْيُوهُمْ،
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، في دَعْوى البَعْثِ، و"حُجَّتَهُمْ"، خَبَرُ "كانَ"، واسْمُها "أنْ قالُوا"، والمَعْنى: "ما كانَ حُجَّتَهم إلّا مَقالَتُهُمْ: اِئْتُوا بِآبائِنا"، وقُرِئَ: "حُجَّتُهُمْ"، بِالرَفْعِ، عَلى أنَّها اسْمُ "كانَ"، و"أنْ قالُوا"، اَلْخَبَرُ.
الجاثية 45:26
﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ﴾، في الدُنْيا،
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾، فِيها، عِنْدَ انْتِهاءِ أعْمارِكُمْ،
﴿ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: يَبْعَثُكم يَوْمَ القِيامَةِ جَمِيعًا، ومَن كانَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى الإتْيانِ بِآبائِكم ضَرُورَةً،
﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في الجَمْعِ،
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾، قُدْرَةَ اللهِ عَلى البَعْثِ، لِإعْراضِهِمْ عَنِ التَفَكُّرِ في الدَلائِلِ.
الجاثية 45:27
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ عامِلُ النَصْبِ في "يَوْمَ تَقُومُ": "يَخْسَرُ"، و"يَوْمَئِذٍ"، بَدَلٌ مِن "يَوْمَ تَقُومُ".
الجاثية 45:28
﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾، جالِسَةً عَلى الرُكَبِ، يُقالُ: "جَثا فُلانٌ، يَجْثُو"، إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، وقِيلَ: "جاثِيَةً": مُجْتَمِعَةً،
﴿كُلَّ أُمَّةٍ﴾، بِالرَفْعِ، عَلى الِابْتِداءِ، (p-٣٠٥)"كُلَّ"، بِالفَتْحِ، "يَعْقُوبُ"، عَلى الإبْدالِ مِن "كُلَّ أُمَّةٍ"،
﴿تُدْعى إلى كِتابِها﴾، إلى صَحائِفِ أعْمالِها، فاكْتَفى بِاسْمِ الجِنْسِ، فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُنْيا.
الجاثية 45:29
﴿هَذا كِتابُنا﴾، أُضِيفَ الكِتابُ إلَيْهِمْ، لِمُلابَسَتِهِ إيّاهُمْ، لِأنَّ أعْمالَهم مُثْبَتَةٌ فِيهِ، وإلى اللهِ (تَعالى)، لِأنَّهُ مالِكُهُ، والآمِرُ مَلائِكَتَهُ أنْ يَكْتُبُوا فِيهِ أعْمالَ عِبادِهِ،
﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾، يَشْهَدُ عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ،
﴿بِالحَقِّ﴾، مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ،
﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: نَسْتَكْتِبُ المَلائِكَةَ أعْمالَكُمْ، وقِيلَ: "نَسَخْتُ"، و"اِسْتَنْسَخْتُ"، بِمَعْنًى، ولَيْسَ ذَلِكَ بِنَقْلٍ مِن كِتابٍ، بَلْ مَعْناهُ: نُثْبِتُ.
الجاثية 45:30
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ﴾، جَنَّتِهِ،
﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾
الجاثية 45:31
﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، والمَعْنى: "ألَمْ يَأْتِكم رُسُلِي، فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ؟"، فَحَذَفَ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ،
﴿فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾، عَنِ الإيمانِ بِها،
﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾، كافِرِينَ.
الجاثية 45:32
﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللهِ﴾، بِالجَزاءِ،
﴿حَقٌّ والساعَةُ﴾، بِالرَفْعِ، عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ "إنَّ"، واسْمِها، "والساعَةَ"، "حَمْزَةُ"، عَطْفٌ عَلى "وَعْدَ اللهِ"،
﴿لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما الساعَةُ﴾ أيُّ شَيْءٍ الساعَةُ،
﴿إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا﴾، أصْلُهُ: "نَظُنُّ ظَنًّا"، ومَعْناهُ إثْباتُ الظَنِّ فَحَسْبُ، فَأدْخَلَ حَرْفَ النَفْيِ والِاسْتِثْناءِ، لِيُفادَ إثْباتُ الظَنِّ، مَعَ نَفْيِ ما سِواهُ، وزِيدَ نَفْيُ ما سِوى الظَنِّ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾
الجاثية 45:33
﴿وَبَدا لَهُمْ﴾، ظَهَرَ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ،
﴿سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾، قَبائِحُ أعْمالِهِمْ، أوْ عُقُوباتُ أعْمالِهِمُ السَيِّئاتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ونَزَلَ بِهِمْ جَزاءُ اسْتِهْزائِهِمْ.
الجاثية 45:34
(p-٣٠٦)﴿وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: نَتْرُكُكم في العَذابِ، كَما تَرَكْتُمْ عُدَّةَ لِقاءِ يَوْمِكُمْ، وهي الطاعَةُ، وإضافَةُ اللِقاءِ إلى اليَوْمِ، كَإضافَةِ المَكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَيْلِ والنَهارِ﴾ [سبإ: ٣٣]، أيْ: نَسِيتُمْ لِقاءَ اللهِ (تَعالى) في يَوْمِكم هَذا، ولِقاءَ جَزائِهِ،
﴿وَمَأْواكُمُ النارُ﴾ أيْ: مُنْزَلُكُمْ،
﴿وَما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]
الجاثية 45:35
﴿ذَلِكُمْ﴾، اَلْعَذابُ،
﴿بِأنَّكُمُ﴾، بِسَبَبِ أنَّكُمْ،
﴿اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾، "لا يَخْرُجُونَ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"،
﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾، ولا يُطْلَبُ مِنهم أنْ يَعْتِبُوا رَبَّهُمْ، أيْ: يُرْضُوهُ.
الجاثية 45:36
﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: فاحْمَدُوا اللهَ الَّذِي هو رَبُّكُمْ، ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، مِنَ السَماواتِ، والأرْضِ، والعالَمِينَ، فَإنَّ مِثْلَ هَذِهِ الرُبُوبِيَّةِ العامَّةِ تُوجِبُ الحَمْدَ، والثَناءَ عَلى كُلِّ مَرْبُوبٍ.
الجاثية 45:37
﴿وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَماواتِ والأرْضِ﴾، وكَبِّرُوهُ، فَقَدْ ظَهَرَتْ آثارُ كِبْرِيائِهِ، وعَظَمَتِهِ، في السَماواتِ والأرْضِ،
﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾، في انْتِقامِهِ،
﴿الحَكِيمُ﴾، في أحْكامِهِ.
الأحقاف 46:1
(p-٣٠٧)سُورَةُ "اَلْأحْقافِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾
الأحقاف 46:2
(p-٣٠٧)سُورَةُ "اَلْأحْقافِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾
الأحقاف 46:3
﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾، مُلْتَبِسًا بِالحِكْمَةِ،
﴿وَأجَلٍ مُسَمًّى﴾، يُنْتَهى إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ،
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا﴾، عَمّا أنُذِرُوهُ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي لا بُدَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِنَ انْتِهائِهِ إلَيْهِ،
﴿مُعْرِضُونَ﴾، لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، ولا يَهْتَمُّونَ بِالِاسْتِعْدادِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما"، مَصْدَرِيَّةً، أيْ: "عَنْ إنْذارِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ".
الأحقاف 46:4
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾، أخْبِرُونِي،
﴿ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾، تَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ،
﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيَّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِمّا في الأرْضِ إنْ كانُوا آلِهَةً؟ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ﴾، شَرِكَةٌ مَعَ اللهِ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ،
﴿ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ، وهو القُرْآنُ، يَعْنِي أنَّ هَذا الكِتابَ ناطِقٌ بِالتَوْحِيدِ، وإبْطالِ الشِرْكِ، وما مِن كِتابٍ أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ مِن كُتُبِ اللهِ إلّا وهو ناطِقٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَأْتُوا بِكِتابٍ واحِدٍ مُنَزَّلٍ مِن قَبْلِهِ شاهَدٍ بِصِحَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللهِ،
﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، أوْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ بَقِيَتْ عَلَيْكم مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ،
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، أنَّ اللهَ أمَرَكم بِعِبادَةِ الأوْثانِ.
الأحقاف 46:5
(p-٣٠٨)﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ أيْ: أبَدًا.
الأحقاف 46:6
﴿وَإذا حُشِرَ الناسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: اَلْأصْنامُ لِعَبَدَتِها،
﴿وَكانُوا﴾ أيْ: الأصْنامُ،
﴿بِعِبادَتِهِمْ﴾، بِعِبادَةِ عَبَدَتِهِمْ،
﴿كافِرِينَ﴾، يَقُولُونَ: ما دَعَوْناهم إلى عِبادَتِنا، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ في "مَن أضَلُّ"، إنْكارُ أنْ يَكُونَ في الضُلّالِ كُلِّهِمْ أبْلَغُ ضَلالَةً مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، حَيْثُ يَتْرُكُونَ دُعاءَ السَمِيعِ المُجِيبِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْعُونَ مِن دُونِهِ جَمادًا لا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى اسْتِجابَةِ أحَدٍ مِنهُمْ، ما دامَتِ الدُنْيا، وإلى أنْ تَقُومَ القِيامَةُ، وإذا قامَتِ القِيامَةُ، وحُشِرَ الناسُ، كانُوا لَهم أعْداءً، وكانُوا عَلَيْهِمْ ضِدًّا، فَلَيْسُوا في الدارَيْنِ إلّا عَلى نَكَدٍ، ومَضَرَّةٍ، لا تَتَوَلّاهم في الدُنْيا بِالِاسْتِجابَةِ، وفي الآخِرَةِ تُعادِيهِمْ، وتَجْحَدُ عِبادَتَهُمْ، ولَمّا أسْنَدَ إلَيْهِمْ ما يُسْنَدُ إلى أُولِي العِلْمِ، مِنَ الِاسْتِجابَةِ، والغَفْلَةِ، قِيلَ: "مَن"، و"هُمْ"، ووَصْفُهم بِتَرْكِ الِاسْتِجابَةِ، والغَفْلَةِ، طَرِيقُهُ طَرِيقُ التَهَكُّمِ بِها، وبِعَبَدَتِها، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]
الأحقاف 46:7
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾، جَمْعُ "بَيِّنَةٌ"، وهي الحُجَّةُ، والشاهِدُ، أوْ: "واضِحاتٍ مُبَيِّناتٍ"،
﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾، اَلْمُرادُ بِالحَقِّ: اَلْآياتُ، وبِالَّذِينِ كَفَرُوا: اَلْمَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ، فَوُضِعَ الظاهِرانِ مَوْضِعَ الضَمِيرَيْنِ، لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، ولِلْمَتْلُوِّ بِالحَقِّ،
﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ: بادَؤُوهُ بِالجُحُودِ ساعَةَ أتاهُمْ، وأوَّلَ ما سَمِعُوهُ، مِن غَيْرِ إجالَةِ فِكْرٍ، ولا إعادَةِ نَظَرٍ،
﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، ظاهِرٌ أمْرُهُ في البُطْلانِ، لا شُبْهَةَ فِيهِ.
الأحقاف 46:8
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾، إضْرابٌ عَنْ ذِكْرِ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا، إلى ذِكْرِ قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ افْتَراهُ، أيْ: اِخْتَلَقَهُ، وأضافَهُ إلى اللهِ كَذِبًا، والضَمِيرُ (p-٣٠٩)لِـ "اَلْحَقِّ"، والمُرادُ بِهِ الآياتُ،
﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ أيْ: إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، عاجَلَنِي اللهُ بِعُقُوبَةِ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، فَلا تَقْدِرُونَ عَلى كَفِّهِ عَنْ مُعالَجَتِي، ولا تُطِيقُونَ دَفْعَ شَيْءٍ مِن عِقابِهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ؟! ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَنْدَفِعُونَ فِيهِ، مِنَ القَدْحِ في وحْيِ اللهِ، والطَعْنِ في آياتِهِ، وتَسْمِيَتِهِ سِحْرًا تارَةً، وفِرْيَةً أُخْرى،
﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾، يَشْهَدُ لِي بِالصِدْقِ، والبَلاغِ، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالجُحُودِ، والإنْكارِ، ومَعْنى ذِكْرِ العِلْمِ والشَهادَةِ: وعِيدٌ بِجَزاءِ إفاضَتِهِمْ،
﴿وَهُوَ الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾، مَوْعِدَةٌ بِالغُفْرانِ، والرَحْمَةِ، إنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ، وآمَنُوا.
الأحقاف 46:9
﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُسُلِ﴾ أيْ: "بَدِيعًا"، كَـ "اَلْخِفُّ"، بِمَعْنى "اَلْخَفِيفُ"، والمَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِأوَّلِ مُرْسَلٍ فَتُنْكِرُوا نُبُوَّتِي،
﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ: ما يَفْعَلُ اللهُ بِي وبِكُمْ، فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَمانِ، وعَنِ الكَلْبِيِّ: «قالَ لَهُ أصْحابُهُ - وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ -: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا؟ فَقالَ: "ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ، أأُتْرَكُ بِمَكَّةَ، أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ لِي، ورَأيْتُها - يَعْنِي في مَنامِهِ - ذاتِ نَخِيلٍ وشَجَرٍ"، » و"ما"، في "ما يُفْعَلُ"، يَجُوزُ أنْ تَكُونُ مَوْصُولَةً مَنصُوبَةً، وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مَرْفُوعَةً، وإنَّما دَخَلَ "لا"، في قَوْلِهِ: "وَلا بِكُمْ"، مَعَ أنَّ "يُفْعَلُ"، مُثْبَتٌ غَيْرُ مَنفِيٍّ، لِتَناوُلِ النَفْيِ في "ما أدْرِي"، "ما"، وما في حَيِّزِهِ،
﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
الأحقاف 46:10
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ﴾، اَلْقُرْآنُ،
﴿مِن عِنْدِ اللهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾، هو عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، عِنْدَ الجُمْهُورِ، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، لِأنَّ إسْلامَ ابْنِ سَلامٍ بِالمَدِينَةِ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ، نَظَرَ إلى (p-٣١٠)وَجْهِهِ فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذّابٍ، وقالَ لَهُ: "إنِّي سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ، لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ، ما أوَّلُ أشْراطِ الساعَةِ؟ وما أوَّلُ طَعامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ؟ وما بالَ الوَلَدِ يَنْزِعُ إلى أبِيهِ، أوْ إلى أُمِّهِ؟"، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أمّا أوَّلُ أشْراطِ الساعَةِ فَنارٌ تَحْشُرُهم مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا أوَّلُ طَعامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ فَزِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وأمّا الوَلَدُ فَإذا سَبَقَ ماءُ الرَجُلِ نَزَعَهُ، وإنْ سَبَقَ ماءُ المَرْأةِ نَزَعَتْهُ"، فَقالَ: "أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا"، »﴿عَلى مِثْلِهِ﴾، اَلضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، أيْ: مِثْلِهِ في المَعْنى، وهو ما في التَوْراةِ مِنَ المَعانِي المُطابِقَةِ لِمَعانِي القُرْآنِ، مِنَ التَوْحِيدِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، وشَهِدَ شاهِدٌ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ"، يَعْنِي كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللهِ،
﴿فَآمَنَ﴾، اَلشّاهِدُ، وقَدْ،
﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]، عَنِ الإيمانِ بِهِ، وجَوابُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: "إنْ كانَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ؟"، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾، والواوُ الأُولى عاطِفَةٌ لِـ "كَفَرْتُمْ"، عَلى فِعْلِ الشَرْطِ، وكَذَلِكَ الواوُ الأخِيرَةُ عاطِفَةٌ لِـ "اِسْتَكْبَرْتُمْ"، عَلى "شَهِدَ شاهِدٌ"، وأمّا الواوُ في "وَشَهِدَ"، فَقَدْ عَطَفَتْ جُمْلَةَ قَوْلِهِ: "وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ"، عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: "كانَ مِن عِنْدِ اللهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ"، والمَعْنى: "قُلْ أخْبِرُونِي إنِ اجْتَمَعَ كَوْنُ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللهِ، مَعَ كُفْرِكم بِهِ، واجْتَمَعَ شَهادَةُ أعْلَمِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى نُزُولِ مِثْلِهِ، فَإيمانُهُ بِهِ، مَعَ اسْتِكْبارِكم عَنْهُ، وعَنِ الإيمانِ بِهِ، ألَسْتُمْ أضَلَّ الناسِ وأظْلَمَهُمْ؟".
الأحقاف 46:11
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ، وهو كَلامُ كُفّارِ مَكَّةَ، قالُوا: إنَّ عامَّةَ مَن يَتْبَعُ مُحَمَّدًا السُقّاطُ، يَعْنُونَ الفُقَراءَ، مِثْلَ عَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ،
﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾، لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ هَؤُلاءِ،
﴿وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، اَلْعامِلُ في "إذْ"، مَحْذُوفٌ، لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، (p-٣١١)تَقْدِيرُهُ: "وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ظَهَرَ عِنادُهُمْ"، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، مُسَبَّبٌ عَنْهُ، وقَوْلُهُمْ: "إفْكٌ قَدِيمٌ"، أيْ: كَذِبٌ مُتَقَدِّمٌ، كَقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
الأحقاف 46:12
﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنِ،
﴿كِتابُ مُوسى﴾ أيْ: اَلتَّوْراةُ، وهو مُبْتَدَأٌ، و"مِن قَبْلِهِ"، ظَرْفٌ واقِعٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، وهو ناصِبُ ﴿إمامًا﴾، عَلى الحالِ، نَحْوَ: "فِي الدارِ زَيْدٌ قائِمًا"، ومَعْنى "إمامًا": قُدْوَةً، يُؤْتَمُّ بِهِ في دِينِ اللهِ، وشَرائِعِهِ، كَما يُؤْتَمُّ بِالإمامِ،
﴿وَرَحْمَةً﴾، لِمَن آمَنَ بِهِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ،
﴿وَهَذا﴾، اَلْقُرْآنُ،
﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾، لِكِتابِ مُوسى، أوْ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وتَقَدَّمَهُ، مِن جَمِيعِ الكُتُبِ،
﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾، حالٌ مِن ضَمِيرِ الكِتابِ، في "مُصَدِّقُ"، والعامِلُ فِيهِ: "مُصَدِّقُ"، أوْ مِن "كِتابٌ"، لِتَخَصُّصِهِ بِالصِفَةِ، ويَعْمَلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِـ "مُصَدِّقُ"، أيْ: "يَصَدِّقُ ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ"، وهو الرَسُولُ،
﴿لِيُنْذِرَ﴾ أيْ: اَلْكِتابُ، "لِتُنْذِرَ"، "حِجازِيٌّ وشامِيٌّ"،
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، كَفَرُوا،
﴿وَبُشْرى﴾، في مَحَلِّ النَصْبِ، مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ "لِيُنْذِرَ"، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ،
﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾، لِلْمُؤْمِنِينَ، المُطِيعِينَ.
الأحقاف 46:13
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾، عَلى تَوْحِيدِ اللهِ، وشَرِيعَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، في القِيامَةِ،
﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾، عِنْدَ المَوْتِ.
الأحقاف 46:14
﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها﴾، حالٌ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ "أُولَئِكَ"،
﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، "جَزاءً"، مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: جُوزُوا جَزاءً.
الأحقاف 46:15
﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ "كُوفِيٌّ"، أيْ: وصَّيْناهُ بِأنْ يُحْسِنَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا، "حَسَنًا"، غَيْرُهُمْ، أيْ: وصَّيْناهُ بِوالِدَيْهِ أمْرًا ذا حُسْنٍ، أوْ بِأمْرٍ ذِي حُسْنٍ، فَهو في مَوْضِعِ البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "بِوالِدَيْهِ"، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، (p-٣١٢)﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، وبِفَتْحِ الكافَيْنِ "حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو"، وهُما لُغَتانِ في مَعْنى المَشَقَّةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، أيْ: "ذاتَ كُرْهٍ"، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: "حَمْلًا ذا كُرْهٍ"،
﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ﴾، ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِطامِهِ،
﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، لِأنَّ مُدَّةَ الرَضاعَ إذا كانَتْ حَوْلَيْنِ - لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] -، بَقِيَتْ لِلْحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ - رَحِمَهُما اللهُ -، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ -: "اَلْمُرادُ بِهِ الحَمْلُ بِالأكُفِّ"، "وَفَصْلُهُ"، "يَعْقُوبُ"، و"اَلْفَصْلُ"، و"اَلْفِصالُ"، كَـ "اَلْعَظْمُ"، و"اَلْعِظامُ"، بِناءً، ومَعْنًى،
﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾، هو جَمْعٌ، لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وكانَ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ: واحِدُهُ: "شِدَّةٌ"، وبُلُوغُ الأشُدِّ: أنْ يُكْتَهَلَ، ويَسْتَوْفِيَ السِنَّ الَّتِي فِيها قُوَّتُهُ، وعَقْلُهُ، وذَلِكَ إذا أنافَ عَلى الثَلاثِينَ، وناطَحَ الأرْبَعِينَ، وعَنْ قَتادَةَ: ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أوَّلَ الأشُدِّ، وغايَتُهُ الأرْبَعُونَ،
﴿وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾، ألْهِمْنِي،
﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾، اَلْمُرادُ بِهِ نِعْمَةُ التَوْحِيدِ، والإسْلامِ، وجَمَعَ بَيْنَ شُكْرَيِ النِعْمَةِ عَلَيْهِ وعَلى والِدَيْهِ، لِأنَّ النِعْمَةَ عَلَيْهِما نِعْمَةٌ عَلَيْهِ،
﴿وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾، قِيلَ: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ،
﴿وَأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: اِجْعَلْ ذَرِّيَّتِي مَوْقِعًا لِلصَّلاحِ، ومَظِنَّةً لَهُ،
﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ﴾، مِن كُلِّ ذَنْبٍ،
﴿وَإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾، مِنَ المُخْلِصِينَ.
الأحقاف 46:16
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ"، "يُتَقَبَّلُ"، و"يُتَجاوَزُ"، "أحْسَنُ"، غَيْرُهُمْ،
﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾، هو كَقَوْلِكَ: "أكْرَمَنِي الأمِيرُ في ناسٍ مِن أصْحابِهِ"، تُرِيدُ "أكْرَمَنِي في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهُمْ، ونَظَمَنِي في عِدادِهِمْ"، ومَحَلُّهُ النَصْبُ عَلى الحالِ، عَلى مَعْنى "كائِنِينَ في أصْحابِ الجَنَّةِ، ومَعْدُودِينَ فِيهِمْ"،
﴿وَعْدَ الصِدْقِ﴾، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: "نَتَقَبَّلُ"، و"نَتَجاوَزُ"، وعْدٌ مِنَ اللهِ لَهم بِالتَقَبُّلِ، والتَجاوُزِ، (p-٣١٣)قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، وفي أبِيهِ، أبِي قُحافَةَ، وأُمِّهِ، أمِّ الخَيْرِ، وفي أوْلادِهِ، واسْتِجابَةُ دُعائِهِ فِيهِمْ، فَإنَّهُ آمَنَ بِالنَبِيِّ ﷺ وهو ابْنُ ثَمانٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، ودَعا لَهُما وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الصَحابَةِ - مِنَ المُهاجِرِينَ مِنهم والأنْصارِ - أسْلَمَ هو ووالِداهُ وبَنُوهُ وبَناتُهُ غَيْرُ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -،
﴿الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾، في الدُنْيا.
الأحقاف 46:17
﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾، مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ "أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ"، والمُرادُ بِـ "اَلَّذِي قالَ": اَلْجِنْسُ القائِلُ ذَلِكَ القَوْلَ، ولِذَلِكَ وقَعَ الخَبَرُ مَجْمُوعًا، وعَنِ الحَسَنِ: هو في الكافِرِ العاقِّ لِوالِدَيْهِ، المُكَذِّبِ بِالبَعْثِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، قَبْلَ إسْلامِهِ، ويَشْهَدُ لِبُطْلانِهِ كِتابُ مُعاوِيَةَ إلى مَرْوانَ لِيَأْمُرَ الناسَ بِالبَيْعَةِ لِيَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: "لَقَدْ جِئْتُمْ بِها هِرَقْلِيَّةً، أتُبايِعُونَ لِأبْنائِكُمْ؟!"، فَقالَ مَرْوانُ: يا أيُّها الناسُ، هَذا الَّذِي قالَ اللهُ (تَعالى) فِيهِ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾، فَسَمِعَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -، فَغَضِبَتْ، وقالَتْ: "واللهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ لِسَمَّيْتُهُ، ولَكِنَّ اللهَ (تَعالى) لَعَنَ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ، فَأنْتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللهِ"، أيْ: قِطْعَةٌ،
﴿أُفٍّ لَكُما﴾، "مَدَنِيٌّ وحَفْصٌ"، "أُفَّ"، "مَكِّيٌّ وشامِيٌّ"، "أُفِّ"، غَيْرُهُمْ، وهو صَوْتٌ إذا صَوَّتَ بِهِ الإنْسانُ عُلِمَ أنَّهُ مُتَضَجِّرٌ، كَما إذا قالَ: "حَسِّ"، عُلِمَ أنَّهُ مُتَوَجِّعٌ، واللامُ لِلْبَيانِ، أيْ: هَذا التَأْفِيفُ لَكُما خاصَّةً، ولِأجْلِكُما، دُونَ غَيْرِكُما،
﴿أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾، أنْ أُبْعَثَ وأُخْرَجَ مِنَ الأرْضِ،
﴿وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾، ولَمْ يُبْعَثْ مِنهم أحَدٌ،
﴿وَهُما﴾، أبَواهُ،
﴿يَسْتَغِيثانِ اللهَ﴾، يَقُولانِ: اَلْغِياثُ بِاللهِ مِنكَ، ومِن قَوْلِكَ، وهو اسْتِعْظامٌ لِقَوْلِهِ، ويَقُولانِ لَهُ: ﴿وَيْلَكَ﴾، دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُبُورِ، والمُرادُ بِهِ الحَثُّ والتَحْرِيضُ عَلى الإيمانِ، لا حَقِيقَةُ الهَلاكِ،
﴿آمِن﴾، بِاللهِ، وبِالبَعْثِ،
﴿إنَّ وعْدَ اللهِ﴾، بِالبَعْثِ،
﴿حَقٌّ﴾، صِدْقٌ،
﴿فَيَقُولُ﴾، (p-٣١٤)لَهُما،
﴿ما هَذا﴾، اَلْقَوْلُ،
﴿إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾
الأحقاف 46:18
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: "لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ"،
﴿فِي أُمَمٍ﴾، في جُمْلَةِ أُمَمٍ،
﴿قَدْ خَلَتْ﴾، قَدْ مَضَتْ،
﴿مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾
الأحقاف 46:19
﴿وَلِكُلٍّ﴾، مِنَ الجِنْسَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، الأبْرارِ، والفُجّارِ،
﴿دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ: مَنازِلُ ومَراتِبُ، مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ، والشَرِّ، أوْ مِن أجْلِ ما عَمِلُوا مِنها، وإنَّما قالَ: "دَرَجاتٍ" - وقَدْ جاءَ: "اَلْجَنَّةُ دَرَجاتٌ، والنارُ دَرَكاتٌ" -، عَلى وجْهِ التَغْلِيبِ،
﴿وَلِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ﴾، بِالياءِ، "مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ وعاصِمٌ"،
﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: ولِيُوَفِّيَهم أعْمالُهم ولا يَظْلِمَهم حُقُوقَهُمْ، قَدَّرَ جَزاءَهم عَلى مَقادِيرِ أعْمالِهِمْ، فَجَعَلَ الثَوابَ دَرَجاتٍ، والعِقابَ دَرَكاتٍ، واللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ.
الأحقاف 46:20
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ﴾، عَرْضُهم عَلى النارِ تَعْذِيبُهم بِها، مِن قَوْلِهِمْ: "عُرِضَ بَنُو فُلانٍ عَلى السَيْفِ"، إذا قُتِلُوا بِهِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ عَرْضُ النارِ عَلَيْهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ: "عَرَضْتُ الناقَةَ عَلى الحَوْضِ"، يُرِيدُونَ عَرْضَ الحَوْضِ عَلَيْها، فَقَلَبُوا،
﴿أذْهَبْتُمْ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: أذْهَبْتُمْ، وهو ناصِبُ الظَرْفِ،
﴿طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُنْيا﴾ أيْ: ما كُتِبَ لَكم حَظٌّ مِنَ الطَيِّباتِ، إلّا ما قَدْ أصَبْتُمُوهُ في دُنْياكُمْ، وقَدْ ذَهَبْتُمْ بِهِ، وأخَذْتُمُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَكم بَعْدَ اسْتِيفاءِ حَظِّكم شَيْءٌ مِنها، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "لَوْ شِئْتُ لَكُنْتُ أطْيَبَكم طَعامًا، وأحْسَنَكم لِباسًا، ولَكِنِّي أسْتَبْقِي طَيِّباتِي"،
﴿واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾، بِالطَيِّباتِ،
﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيْ: اَلْهَوانِ، وقُرِئَ بِهِ،
﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، تَتَكَبَّرُونَ،
﴿فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ أيْ: بِاسْتِكْبارِكُمْ، وفِسْقِكم.
الأحقاف 46:21
(p-٣١٥)﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ أيْ: هُودًا،
﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ﴾، جَمْعُ "حِقْفٌ"، وهو رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ، مُرْتَفِعٌ، فِيهِ انْحِناءٌ، مِن "اِحْقَوْقَفَ الشَيْءُ"، إذا اعْوَجَّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "هُوَ وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهَرَةَ،
﴿وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ﴾، جَمْعُ "نَذِيرٌ"، بِمَعْنى "اَلْمُنْذِرُ"، أوْ "اَلْإنْذارُ"،
﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، مِن قَبْلِ هُودٍ، ومِن خَلْفِ هُودٍ، وقَوْلُهُ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ"، وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ "أنْذَرَ قَوْمَهُ"، وبَيْنَ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، والمَعْنى: "واذْكُرْ إنْذارَ هُودٍ قَوْمَهُ عاقِبَةَ الشِرْكِ، والعَذابَ العَظِيمَ، وقَدْ أنْذَرَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُسُلِ، ومَن تَأخَّرَ عَنْهُ، مِثْلَ ذَلِكَ".
الأحقاف 46:22
﴿قالُوا﴾ أيْ: قَوْمُ هُودٍ،
﴿أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا﴾، لِتَصْرِفَنا، فَـ "اَلْأفْكُ": اَلصَّرْفُ، يُقالُ: "أفَكَهُ عَنْ رَأْيِهِ"،
﴿عَنْ آلِهَتِنا﴾، عَنْ عِبادَتِها،
﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾، مِن مُعالَجَةِ العَذابِ عَلى الشِرْكِ،
﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾، في وعِيدِكَ.
الأحقاف 46:23
﴿قالَ إنَّما العِلْمُ﴾، بِوَقْتِ مَجِيءِ العَذابِ،
﴿عِنْدَ اللهِ﴾، ولا عِلْمَ لِي بِالوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ تَعْذِيبُكُمْ،
﴿وَأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾، وبِالتَخْفِيفِ "أبُو عَمْرٍو"، أيْ: اَلَّذِي هو شَأْنِي أنْ أُبَلِّغَكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ مِنَ الإنْذارِ والتَخْوِيفِ،
﴿وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أيْ: ولَكِنَّكم جاهِلُونَ، لا تَعْلَمُونَ أنَّ الرُسُلَ بُعِثُوا مُنْذِرِينَ، لا مُقْتَرِحِينَ، ولا سائِلِينَ غَيْرَ ما أُذِنَ لَهم فِيهِ.
الأحقاف 46:24
﴿فَلَمّا رَأوْهُ﴾، اَلضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى "ما تَعِدُنا"، أوْ هو مُبْهَمٌ، وضَّحَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عارِضًا﴾، إمّا تَمْيِيزًا، أوْ حالًا، و"اَلْعارِضُ": اَلسَّحابُ الَّذِي يَعْرِضُ في أُفُقِ السَماءِ ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾، رُوِيَ أنَّ المَطَرَ قَدِ احْتَبَسَ عَنْهُمْ، فَرَأوْا سَحابَةً اسْتَقْبَلَتْ أوْدِيَتَهُمْ، فَقالُوا: هَذا سَحابٌ يَأْتِينا بِالمَطَرِ، (p-٣١٦)وَأظْهَرُوا مِن ذَلِكَ فَرَحًا، وإضافَةُ "مُسْتَقْبِلَ"، و"مُمْطِرُ"، مَجازِيَّةٌ، غَيْرُ مُعَرَّفَةٍ، بِدَلِيلِ وُقُوعِهِما - وهُما مُضافانِ إلى مَعْرِفَتَيْنِ - وصْفًا لِلنَّكِرَةِ،
﴿بَلْ هُوَ﴾ أيْ: قالَ هُودٌ: "بَلْ هُوَ"، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "قالَ هُودٌ بَلْ هُوَ"،
﴿ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾، مِنَ العَذابِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ، فَقالَ: ﴿رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾
الأحقاف 46:25
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾، تُهْلِكُ مِن نُفُوسٍ عادٍ، وأمْوالِهِمُ الجَمَّ الكَثِيرَ، فَعَبَّرَ عَنِ الكَثْرَةِ بِالكُلِّيَّةِ،
﴿بِأمْرِ رَبِّها﴾، رَبِّ الرِيحِ،
﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ﴾، "عاصِمٌ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ"، أيْ: لا يُرى شَيْءٌ إلّا مَساكِنُهُمْ، غَيْرُهُمْ: "لا تَرى إلّا مَساكِنَهُمْ"، والخِطابُ لِلرّائِي، مَن كانَ،
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ نَجْزِي مَن أجْرَمَ مِثْلَ جُرْمِهِمْ، وهو تَحْذِيرٌ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "اِعْتَزَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن مَعَهُ في حَظِيرَةٍ، ما يُصِيبُهم مِنَ الرِيحِ إلّا ما تَلَذُّهُ الأنْفُسُ، وإنَّها لَتَمُرُّ مِن عادٍ بِالظَعْنِ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وتَدْمَغُهم بِالحِجارَةِ".
الأحقاف 46:26
﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾، "إنْ"، نافِيَةٌ، أيْ: فِيما ما مَكَّنّاكم فِيهِ، إلّا أنَّ "إنْ"، أحْسَنُ في اللَفْظِ، لِما في مُجامَعَةِ "ما"، مِثْلَها مِنَ التَكْرِيرِ المُسْتَبْشِعِ، ألا تَرى أنَّ الأصْلَ في "مَهْما": "ما ما"، فَلِبَشاعَةِ التَكْرِيرِ قَلَبُوا الألِفَ هاءً؟ وقَدْ جُعِلَتْ "إنْ"، صِلَةً، وتُؤَوَّلُ بِـ "إنّا مَكَّنّاهم في مِثْلِ ما مَكَّنّاكم فِيهِ"، والوَجْهُ هو الأوَّلُ، فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا﴾ [غافر: ٨٢]، و"ما"، بِمَعْنى "اَلَّذِي"، أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ،
﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ أيْ: آلاتِ الدَرْكِ والفَهْمِ،
﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن شَيْءٍ مِنَ الإغْناءِ، وهو القَلِيلُ مِنهُ،
﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ﴾، "إذْ"، نُصِبَ بِقَوْلِهِ: "فَما أغْنى"، وجَرى مُجْرى التَعْلِيلِ، لِاسْتِواءِ مُؤَدّى التَعْلِيلِ، والظَرْفِ، في قَوْلِكَ: "ضَرَبْتُهُ لِإساءَتِهِ"، و"ضَرَبْتُهُ إذْ أساءَ"، لِأنَّكَ إذا ضَرَبْتَهُ في وقْتِ إساءَتِهِ فَإنَّما ضَرَبْتَهُ فِيهِ لِوُجُودِ إساءَتِهِ فِيهِ، إلّا (p-٣١٧)أنَّ "إذْ"، و"حَيْثُ"، غَلَبَتا دُونَ سائِرِ الظُرُوفِ في ذَلِكَ،
﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾، ونَزَلَ بِهِمْ،
﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ، وهَذا تَهْدِيدٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ، ثُمَّ زادَهم تَهْدِيدًا بِقَوْلِهِ:
الأحقاف 46:27
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ﴾، يا أهْلَ مَكَّةَ،
﴿مِنَ القُرى﴾، نَحْوَ حِجْرِ ثَمُودٍ، وقُرى قَوْمِ لُوطٍ، والمُرادُ أهْلُ القُرى، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وَصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: كَرَّرْنا عَلَيْهِمُ الحُجَجَ، وأنْواعَ العِبَرِ، لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الطُغْيانِ إلى الإيمانِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا.
الأحقاف 46:28
﴿فَلَوْلا﴾، فَهَلّا؟ ﴿نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾، "اَلْقُرْبانُ": ما تُقُرِّبَ بِهِ إلى اللهِ (تَعالى)، أيْ: اِتَّخَذُوهم شُفَعاءَ، مُتَقَرَّبًا بِهِمْ إلى اللهِ (تَعالى)، حَيْثُ قالُوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨]، وأحَدُ مَفْعُولَيْ "اِتَّخَذَ"، اَلرّاجِعُ إلى "اَلَّذِينَ"، مَحْذُوفٌ، أيْ: "اِتَّخَذُوهُمْ"، والثانِي: "آلِهَةً"، و"قُرْبانًا"، حالٌ،
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾، غابُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ،
﴿وَذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾، "وَذَلِكَ"، إشارَةٌ إلى امْتِناعِ نُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ، وضَلالِهِمْ عَنْهُمْ، أيْ: وذَلِكَ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وثَمَرَةُ شِرْكِهِمْ، وافْتِرائِهِمْ عَلى اللهِ الكَذِبَ.
الأحقاف 46:29
﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا﴾، أمَلْناهم إلَيْكَ، وأقْبَلْنا بِهِمْ نَحْوَكَ، و"اَلنَّفَرُ": دُونَ العَشْرَةِ،
﴿مِنَ الجِنِّ﴾، جِنِّ نَصِيبِينَ،
﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾، مِنهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -،
﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ أيْ: الرَسُولَ ﷺ، أوِ القُرْآنَ، أيْ: كانُوا مِنهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ،
﴿قالُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ،
﴿أنْصِتُوا﴾، اُسْكُتُوا مُسْتَمِعِينَ، رُوِيَ «أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَمْعَ، فَلَمّا حُرِسَتِ السَماءُ ورُجِمُوا بِالشُهُبِ، قالُوا: ما هَذا إلّا لِنَبَإٍ حَدَثَ، فَنَهَضَ سَبْعَةُ نَفَرٍ، أوْ تِسْعَةٌ، مِن أشْرافِ جِنِّ (p-٣١٨)نَصِيبِينَ، أوْ نِينَوى، مِنهم زَوْبَعَةٌ، فَضَرَبُوا حَتّى بَلَغُوا تِهامَةَ ثُمَّ انْدَفَعُوا إلى وادِي نَخْلَةَ، فَوافَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وهو قائِمٌ في جَوْفِ اللَيْلِ يُصَلِّي، أوْ في صَلاةِ الفَجْرِ، فاسْتَمَعُوا لِقِراءَتِهِ، » وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: « "ما قَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى الجِنِّ، ولا رَآهُمْ، وإنَّما كانَ يَتْلُو في صَلاتِهِ، فَمَرُّوا بِهِ، فَوَقَفُوا مُسْتَمِعِينَ، وهو لا يَشْعُرُ، فَأنْبَأهُ اللهُ بِاسْتِماعِهِمْ"، » وقِيلَ: بَلِ اللهُ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ، ويَقْرَأ عَلَيْهِمْ، فَصَرَفَ إلَيْهِ نَفَرًا مِنهُمْ، فَقالَ: « "إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلى الجِنِّ اللَيْلَةَ، فَمَن يَتْبَعُنِي؟"، قالَها ثَلاثًا، فَأطْرَقُوا إلّا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، قالَ: "لَمْ يَحْضُرْهُ لَيْلَةَ الجِنِّ أحَدٌ غَيْرِي، فانْطَلَقْنا حَتّى إذا كُنّا بِأعْلى مَكَّةَ في شِعْبِ الحَجُونِ، فَخَطَّ لِي خَطًّا، وقالَ: "لا تَخْرُجْ مِنهُ حَتّى أعُودَ إلَيْكَ"، ثُمَّ افْتَتَحَ القُرْآنَ، وسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا، فَقالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: "هَلْ رَأيْتَ شَيْئًا؟"، قُلْتُ: نَعَمُ، رِجالًا سُودًا، فَقالَ: "أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا"، » والسُورَةُ الَّتِي قَرَأها عَلَيْهِمْ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ﴿فَلَمّا قُضِيَ﴾ أيْ: فَرَغَ النَبِيُّ ﷺ مِنَ القِراءَةِ،
﴿وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾، إيّاهم.
الأحقاف 46:30
﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْـزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾، وإنَّما قالُوا: "مِن بَعْدِ مُوسى"، لِأنَّهم كانُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّ الجِنَّ لَمْ تَكُنْ سَمِعَتْ بِأمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -،
﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، مِنَ الكُتُبِ،
﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾، إلى اللهِ (تَعالى)،
﴿وَإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
الأحقاف 46:31
﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ أيْ: مُحَمَّدًا ﷺ،
﴿وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾، قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا ثَوابَ لَهم إلّا النَجاةُ مِنَ النارِ لِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ مالِكٌ، وابْنُ (p-٣١٩)أبِي لَيْلى، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمُ اللهُ -: لَهُمُ الثَوابُ والعِقابُ، وعَنِ الضِحاكِ أنَّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، ويَأْكُلُونَ، ويَشْرَبُونَ، لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]
الأحقاف 46:32
﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ أيْ: لا يُنْجِي مِنهُ مَهْرَبٌ،
﴿وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
الأحقاف 46:33
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾، هو كَقَوْلِهِ: ﴿وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، ويُقالُ: "عَيِيتُ بِالأمْرِ"، إذا لَمْ تَعْرِفْ وجْهَهُ،
﴿بِقادِرٍ﴾، مَحَلُّهُ الرَفْعُ، لِأنَّهُ خَبَرُ "أنَّ"، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ: "قادِرٌ"، وإنَّما دَخَلَتِ الباءُ لِاشْتِمالِ النَفْيِ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى "أنَّ"، وما في حَيِّزِها، وقالَ الزَجّاجُ: لَوْ قُلْتَ: "ما ظَنَنْتُ أنَّ زَيْدًا بِقائِمٍ"، جازَ، كَأنَّهُ قِيلَ: "ألَيْسَ اللهُ بِقادِرٍ؟!"، ألا تَرى إلى وُقُوعِ "بَلى"، مُقَرِّرَةً لِلْقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، مِنَ البَعْثِ، وغَيْرِهِ، لا لِرُؤْيَتِهِمْ؟ ﴿عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى﴾، هو جَوابُ النَفْيِ،
﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
الأحقاف 46:34
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ﴾، يُقالُ لَهُمْ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾، وناصِبُ الظَرْفِ القَوْلُ المُضْمَرُ، و"هَذا"، إشارَةٌ إلى العَذابِ،
﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، بِكَفْرِكم في الدُنْيا.
الأحقاف 46:35
﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ﴾، أُولُو الجِدِّ، والثَباتِ، والصَبْرِ،
﴿مِنَ الرُسُلِ﴾، "مِن"، لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ بِـ ﴿أُولُو العَزْمِ﴾، ما ذُكِرَ في "اَلْأحْزابِ": ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، ويُونُسُ لَيْسَ مِنهُمْ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]، وكَذا آدَمُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، أوْ لِلْبَيانِ، فَيَكُونُ "أُولُو العَزْمِ"، صِفَةَ (p-٣٢٠)الرُسُلِ كُلِّهِمْ،
﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾، لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِالعَذابِ، أيْ: لا تَدْعُ لَهم بِتَعْجِيلِهِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، وإنْ تَأخَّرَ،
﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ أيْ: إنَّهم يَسْتَقْصِرُونَ حِينَئِذٍ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُنْيا، حَتّى يَحْسَبُوها ساعَةً مِن نَهارٍ،
﴿بَلاغٌ﴾، هَذا بَلاغٌ، أيْ: هَذا الَّذِي وُعِظْتُمْ بِهِ كِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ، أوْ هَذا تَبْلِيغٌ مِنَ الرَسُولِ،
﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾، هَلاكَ عَذابٍ، والمَعْنى: فَلَنْ يُهْلَكَ بِعَذابِ اللهِ ﴿إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ أيْ: اَلْمُشْرِكُونَ، الخارِجُونَ عَنْ الِاتِّعاظِ بِهِ، والعَمَلِ بِمُوجِبِهِ.
محمد 47:1
(p-٣٢١)سُورَةُ "مُحَمَّدٍ" ﷺ
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أيْ: أعْرَضُوا، وامْتَنَعُوا عَنِ الدُخُولِ في الإسْلامِ، أوْ صَدُّوا غَيْرَهم عَنْهُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: "صَدَّ عَنْهُ، يَصُدُّ، صُدُودًا": أعْرَضَ، و"صَدَّهُ عَنِ الأمْرِ، صَدًّا": مَنَعَهُ، وصَرَفَهُ عَنْهُ، وهُمُ المُطْعِمُونَ يَوْمَ "بَدْرٍ"، أوْ أهْلُ الكِتابِ، أوْ عامٌّ في كُلِّ مَن كَفَرَ وصَدَّ،
﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾، أبْطَلَها، وأحْبَطَها، وحَقِيقَتُهُ جَعْلُها ضالَّةً ضائِعَةً، لَيْسَ لَها مَن يَتَقَبَّلُها، ويُثِيبُ عَلَيْها، كالضالَّةِ مِنَ الإبِلِ، و"أعْمالُهُمْ": ما عَمِلُوهُ في كُفْرِهِمْ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وإطْعامِ الطَعامِ، وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، أوْ ما عَمِلُوهُ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، والصَدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ.
محمد 47:2
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾، هم ناسٌ مِن قُرَيْشٍ، أوْ مِنَ الأنْصارِ، أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ عامٌّ،
﴿وَآمَنُوا بِما نُـزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾، وهو القُرْآنُ، وتَخْصِيصُ الإيمانِ بِالمُنْزَلِ عَلى رَسُولِهِ مِن بَيْنِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنُ، وقِيلَ: إنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ هو الحَقُّ، إذْ لا يَرِدُ عَلَيْهِ النَسْخُ، وهو ناسِخٌ لِغَيْرِهِ،
﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾، سَتَرَ بِإيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصالِحَ ما كانَ مِنهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، لِرُجُوعِهِمْ عَنْها، وتَوْبَتِهِمْ،
﴿وَأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهُمْ، وشَأْنَهُمْ، بِالتَوْفِيقِ في أُمُورِ (p-٣٢٢)الدِينِ، وبِالتَسْلِيطِ عَلى الدُنْيا بِما أعْطاهم مِنَ النُصْرَةِ والتَأْيِيدِ.
محمد 47:3
﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ "ذَلِكَ"، مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، أيْ: "ذَلِكَ الأمْرُ - وهو إضْلالُ أعْمالِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، وتَكْفِيرُ سَيِّئاتِ الثانِي، والإصْلاحُ - كائِنٌ بِسَبَبِ اتِّباعِ هَؤُلاءِ الباطِلَ - وهو الشَيْطانُ -، وهَؤُلاءِ الحَقَّ - وهو القُرْآنُ"،
﴿كَذَلِكَ﴾، مِثْلَ ذَلِكَ الضَرْبِ،
﴿يَضْرِبُ اللهُ﴾ أيْ: يُبَيِّنُ اللهُ،
﴿لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾، والضَمِيرُ راجِعٌ إلى "اَلنّاسِ"، أوْ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ يَضْرِبُ أمْثالَهم لِأجْلِ الناسِ، لِيَعْتَبِرُوا بِهِمْ، وقَدْ جَعَلَ اتِّباعَ الباطِلِ مَثَلًا لِعَمَلِ الكافِرِينَ، واتِّباعَ الحَقِّ مَثَلًا لِعَمَلِ المُؤْمِنِينَ، أوْ جَعَلَ الإضْلالَ مَثَلًا لِخَيْبَةِ الكُفّارِ، وتَكْفِيرَ السَيِّئاتِ مَثَلًا لِفَوْزِ الأبْرارِ.
محمد 47:4
﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، مِن "اَللِّقاءُ"، وهو الحَرْبُ،
﴿فَضَرْبَ الرِقابِ﴾، أصْلُهُ: "فاضْرِبُوا الرِقابَ ضَرْبًا"، فَحَذَفَ الفِعْلَ، وقَدَّمَ المَصْدَرَ، فَأُنِيبَ مَنابَهُ، مُضافًا إلى المَفْعُولِ، وفِيهِ اخْتِصارٌ، مَعَ إعْطاءِ مَعْنى التَوْكِيدِ، لِأنَّكَ تَذْكُرُ المَصْدَرَ، وتَدُلُّ عَلى الفِعْلِ بِالنَصْبَةِ الَّتِي فِيهِ، و"ضَرْبُ الرِقابِ"، عِبارَةٌ عَنِ القَتْلِ، لا أنَّ الواجِبَ أنْ تَضْرِبَ الرِقابَ خاصَّةً، دُونَ غَيْرِها مِنَ الأعْضاءِ، ولِأنَّ قَتْلَ الإنْسانِ أكْثَرُ ما يَكُونُ بِضَرْبِ رَقَبَتِهِ، فَوَقَعَ عِبارَةً عَنِ القَتْلِ، وإنْ ضَرَبَ غَيْرَ رَقَبَتِهِ،
﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾، أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ القَتْلَ،
﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾، فَأسِرُوهُمْ، و"اَلْوَثاقُ"، بِالفَتْحِ، والكَسْرِ: اِسْمُ ما يُوثَقُ بِهِ، والمَعْنى: فَشُدُّوا وثاقَ الأُسارى، حَتّى لا يُفْلِتُوا مِنكُمْ،
﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهُمْ،
﴿وَإمّا فِداءً﴾، "مَنًّا"، و"فِداءً"، مَنصُوبانِ بِفِعْلَيْهِما مُضْمَرَيْنِ، أيْ: "فَإمّا تُمَنُّونَ مَنًّا، أوْ تَفْدُونَ فِداءً"، والمَعْنى التَخْيِيرُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ بَعْدَ الأسْرِ، بَيْنَ أنْ يَمُنُّوا عَلَيْهِمْ فَيُطْلِقُوهُمْ، وبَيْنَ أنْ يُفادُوهُمْ، وحُكْمُ أُسارى المُشْرِكِينَ عِنْدَنا: اَلْقَتْلُ، أوْ الِاسْتِرْقاقُ، والمَنُّ والفِداءُ المَذْكُورانِ في الآيَةِ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، لِأنَّ (p-٣٢٣)سُورَةَ "بَراءَةٌ"، مِن آخِرِ ما نَزَلَ، عَنْ مُجاهِدٍ: "لَيْسَ اليَوْمَ مَنٌّ ولا فِداءٌ، إنَّما هو الإسْلامُ أوْ ضَرْبُ العُنُقِ"، أوِ المُرادُ بِالمَنِّ أنْ يُمَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ القَتْلِ، ويُسْتَرَقُّوا، أوْ يُمَنَّ عَلَيْهِمْ فَيُخَلَّوْا لِقَبُولِهِمُ الجِزْيَةَ، وبِالفِداءِ أنْ يُفادى بِأُساراهم أُسارى المُسْلِمِينَ، فَقَدْ رَواهُ الطَحاوِيُّ مَذْهَبًا عَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ -، وهو قَوْلُهُما، والمَشْهُورُ أنَّهُ لا يَرى فِداءَهُمْ، لا بِمالٍ، ولا بِغَيْرِهِ، لِئَلّا يَعُودُوا حَرْبًا عَلَيْنا، وعِنْدَ الشافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ (تَعالى) -: لِلْإمامِ أنْ يَخْتارَ أحَدَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ: اَلْقَتْلَ، والِاسْتِرْقاقَ، والفِداءَ بِأُسارى المُسْلِمِينَ، والمَنَّ،
﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾، أثْقالَها، وآلاتِها، الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها، كالسِلاحِ، والكُراعِ، وقِيلَ: "أوْزارَها": آثامَها، يَعْنِي: "حَتّى يَتْرُكَ أهْلُ الحَرْبِ - وهُمُ المُشْرِكُونَ - شِرْكَهُمْ، بِأنْ يُسْلِمُوا"، أوْ "حَتّى"، لا يَخْلُو مِن أنْ يَتَعَلَّقَ بِالضَرْبِ والشَدِّ، أوْ بِالمَنِّ والفِداءِ، فالمَعْنى عَلى كِلا المُتَعَلَّقَيْنِ عِنْدَ الشافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ - أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى ذَلِكَ أبَدًا، إلى ألّا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ إذا لَمْ يَبْقَ لَهم شَوْكَةٌ، وقِيلَ: إذا نَزَلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ -: إذا عُلِّقَ بِالضَرْبِ والشَدِّ، فالمَعْنى أنَّهم يُقْتَلُونَ، ويُؤْسَرُونَ، حَتّى تَضَعَ جِنْسُ الحَرْبِ الأوْزارَ، وذَلِكَ حِينَ لا تَبْقى شَوْكَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وإذا عُلِّقَ بِالمَنِّ والفِداءِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُمَنُّ عَلَيْهِمْ، ويُفادَوْنَ، حَتّى تَضَعَ حَرْبُ "بَدْرٍ"، أوْزارَها، إلّا أنْ يُتَأوَّلَ المَنُّ والفِداءُ بِما ذَكَرْنا مِنَ التَأْوِيلِ،
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: الأمْرُ ذَلِكَ، فَهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ: اِفْعَلُوا بِهِمْ ذَلِكَ، فَهو في مَحَلِّ النَصْبِ،
﴿وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾، لانْتَقَمَ مِنهم بِغَيْرِ قِتالٍ، بِبَعْضِ أسْبابِ الهَلاكِ، كالخَسْفِ، أوِ الرَجْفَةِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ،
﴿وَلَكِنْ﴾، أمَرَكم بِالقِتالِ،
﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾،، أيْ: اَلْمُؤْمِنِينَ بِالكافِرِينَ، تَمْحِيصًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَمْحِيقًا لِلْكافِرِينَ،
﴿والَّذِينَ قُتِلُوا﴾، "بَصْرِيٌّ وحَفْصٌ"، "قاتَلُوا"، غَيْرُهُمْ،
﴿فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾
محمد 47:5
(p-٣٢٤)﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾، إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، أوْ إلى الصَوابِ في جَوابِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ،
﴿وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾، يُرْضِي خُصَماءَهُمْ، ويَقْبَلُ أعْمالَهم.
محمد 47:6
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾، عَنْ مُجاهِدٍ: "عَرَّفَهم مَساكِنَهم فِيها، حَتّى لا يَحْتاجُوا أنْ يَسْألُوا"، أوْ طَيَّبَها لَهُمْ، مِن "اَلْعَرْفُ"، وهو طِيبُ الرائِحَةِ.
محمد 47:7
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللهَ﴾ أيْ: دِينَ اللهِ، ورَسُولَهُ،
﴿يَنْصُرْكُمْ﴾، عَلى عَدُوِّكُمْ، ويَفْتَحْ لَكُمْ،
﴿وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾، في مَواطِنِ الحَرْبِ، أوْ عَلى مَحَجَّةِ الإسْلامِ.
محمد 47:8
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾، في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾، وعَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وَأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾، عَلى الفِعْلِ الَّذِي نَصَبَ "تَعْسًا"، لِأنَّ المَعْنى: "فَقالَ: تَعْسًا لَهُمْ"، و"اَلتَّعْسُ": اَلْعُثُورُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "يُرِيدُ في الدُنْيا القَتْلَ، وفي الآخِرَةِ التَرَدِّي في النارِ".
محمد 47:9
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: اَلتَّعْسُ والضَلالُ،
﴿بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْـزَلَ اللهُ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنَ،
﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾
محمد 47:10
﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾، يَعْنِي: كُفّارُ أُمَّتِكَ،
﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾، أهْلَكَهم هَلاكَ اسْتِئْصالٍ،
﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾، مُشْرِكِي قُرَيْشٍ،
﴿أمْثالُها﴾، أمْثالُ تِلْكَ الهَلَكَةِ، لِأنَّ التَدْمِيرَ يَدُلُّ عَلَيْها.
محمد 47:11
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: نَصْرُ المُؤْمِنِينَ، وسُوءُ عاقِبَةِ الكافِرِينَ،
﴿بِأنَّ اللهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولِيُّهُمْ، وناصِرُهُمْ،
﴿وَأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ: لا ناصِرَ لَهُمْ، فَإنَّ اللهَ مَوْلى العِبادِ جَمِيعًا، مِن جِهَةِ الِاخْتِراعِ، ومِلْكِ التَصَرُّفِ فِيهِمْ، ومَوْلى المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، مِن جِهَةِ النُصْرَةِ.
محمد 47:12
(p-٣٢٥)﴿إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾، يَنْتَفِعُونَ بِمَتاعِ الحَياةِ الدُنْيا أيّامًا قَلائِلَ،
﴿وَيَأْكُلُونَ﴾، غافِلِينَ، غَيْرَ مُتَفَكِّرِينَ في العاقِبَةِ،
﴿كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾، في مَعالِفِها، ومَسارِحِها، غافِلَةً عَمّا هي بِصَدَدِهِ مِنَ النَحْرِ، والذَبْحِ،
﴿والنارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، مُنْزَلٌ ومُقامٌ.
محمد 47:13
﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: "كَمْ مِن قَرْيَةٍ!"، لِلتَّكْثِيرِ، وأرادَ بِالقَرْيَةِ أهْلَها، ولِذَلِكَ قالَ: "أهْلَكْناهُمْ"،
﴿هِيَ أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ أيْ: "وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أشَدَّ قُوَّةً مِن قَوْمِكَ الَّذِينَ أخْرَجُوكَ!"، أيْ: كانُوا سَبَبَ خُرُوجِكَ،
﴿أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ أيْ: فَلَمْ يَكُنْ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم.
محمد 47:14
﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: عَلى حُجَّةٍ مِن عِنْدِهِ، وبُرْهانٍ، وهو القُرْآنُ المُعْجِزُ، وسائِرُ المُعْجِزاتِ، يَعْنِي رَسُولَ اللهِ ﷺ،
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، هم أهْلُ مَكَّةَ، الَّذِينَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ شِرْكَهُمْ، وعَداوَتَهم لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وقالَ: "سُوءُ عَمَلِهِ"،
﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾، لِلْحَمْلِ عَلى لَفْظِ "مَن"، ومَعْناهُ.
محمد 47:15
﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾، صِفَةُ الجَنَّةِ العَجِيبَةِ الشَأْنِ،
﴿الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾، عَنِ الشِرْكِ،
﴿فِيها أنْهارٌ﴾، داخِلٌ في حُكْمِ الصِلَةِ، كالتَكْرِيرِ لَها، ألا تَرى إلى صِحَّةِ قَوْلِكَ: "اَلَّتِي فِيها أنْهارٌ"، أوْ حالٌ، أيْ: "مُسْتَقِرَّةً فِيها أنْهارٌ"،
﴿مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾، غَيْرِ مُتَغَيِّرِ اللَوْنِ والرِيحِ والطَعْمِ، يُقالُ: "أسِنَ الماءُ"، إذا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ ورِيحُهُ، "أسِنٍ"، "مَكِّيٌّ"،
﴿وَأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾، كَما تَتَغَيَّرُ ألْبانُ الدُنْيا إلى الحُمُوضَةِ، وغَيْرِها،
﴿وَأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ﴾، تَأْنِيثُ "لَذٌّ"، وهو اللَذِيذُ،
﴿لِلشّارِبِينَ﴾ أيْ: ما هو إلّا التَلَذُّذُ الخالِصُ، لَيْسَ مَعَهُ ذَهابُ عَقْلٍ، ولا خَمارٌ، ولا صُداعٌ، ولا آفَةٌ مِن آفاتِ الخَمْرِ،
﴿وَأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾، لَمْ يُخْرَجْ مِن بُطُونِ النَحْلِ، فَيُخالِطَهُ الشَمْعُ وغَيْرُهُ،
﴿وَلَهم فِيها (p-٣٢٦)مِن كُلِّ الثَمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾، "مَثَلُ"، مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾، حارًّا، في النِهايَةِ،
﴿فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾، والتَقْدِيرُ: "أمَثَلُ الجَنَّةِ كَمَثَلِ جَزاءِ مَن هو خالِدٌ في النارِ؟!"، وهو كَلامٌ في صُورَةِ الإثْباتِ، ومَعْناهُ النَفْيُ، لِانْطِوائِهِ تَحْتَ حُكْمِ كَلامٍ مُصَدَّرٍ بِحَرْفِ الإنْكارِ، ودُخُولِهِ في حَيِّزِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤]، وفائِدَةُ حَذْفِ حَرْفِ الإنْكارِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِمُكابَرَةِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ التَمَسُّكِ بِالبَيِّنَةِ، والتابِعِ لِهَواهُ، وأنَّهُ بِمَنزِلَةِ مَن يُثْبِتُ التَسْوِيَةَ بَيْنَ الجَنَّةِ - الَّتِي تَجْرِي فِيها تِلْكَ الأنْهارُ - وبَيْنَ النارِ - الَّتِي يُسْقى أهْلُها الحَمِيمُ.
محمد 47:16
﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا﴾، هُمُ المُنافِقُونَ، كانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَسْمَعُونَ كَلامَهُ، ولا يَعُونَهُ، ولا يُلْقُونَ لَهُ بالًا تَهاوُنًا مِنهُمْ، فَإذا خَرَجُوا قالُوا لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الصَحابَةِ: ماذا قالَ الساعَةَ؟ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ،
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾
محمد 47:17
﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾، بِالإيمانِ، واسْتِماعِ القُرْآنِ،
﴿زادَهُمْ﴾، اَللَّهُ،
﴿هُدًى﴾ أيْ: بَصِيرَةً، وعِلْمًا، أوْ شَرَحَ صُدُورَهُمْ،
﴿وَآتاهم تَقْواهُمْ﴾، أعانَهم عَلَيْها، أوْ آتاهم جَزاءَ تَقْواهُمْ، أوْ بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ.
محمد 47:18
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا الساعَةَ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُونَ،
﴿أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ أيْ: إتْيانَها، فَهو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "اَلسّاعَةَ"،
﴿بَغْتَةً﴾، فَجْأةً،
﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾، عَلاماتُها، وهو مَبْعَثُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وانْشِقاقُ القَمَرِ، والدُخانُ، وقِيلَ: قَطْعُ الأرْحامِ، وقِلَّةُ الكِرامِ، وكَثْرَةُ اللِئامِ،
﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾، قالَ الأخْفَشُ: اَلتَّقْدِيرُ: "فَأنّى لَهم ذِكْراهم إذا جاءَتْهُمْ؟!".
محمد 47:19
﴿فاعْلَمْ أنَّهُ﴾، أنَّ الشَأْنَ،
﴿لا إلَهَ إلا اللهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ (p-٣٢٧)والمُؤْمِناتِ﴾، والمَعْنى: فاثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ بِوَحْدانِيَّةِ اللهِ، وعَلى التَواضُعِ، وهَضْمِ النَفْسِ، بِاسْتِغْفارِ ذَنْبِكَ وذُنُوبِ مَن عَلى دِينِكَ، وفي شَرْحِ التَأْوِيلاتِ جازَ أنْ يَكُونَ لَهُ ذَنْبٌ، فَأْمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ لَهُ، ولَكِنّا لا نَعْلَمُهُ، غَيْرَ أنَّ ذَنْبَ الأنْبِياءِ تَرْكُ الأفْضَلِ دُونَ مُباشَرَةِ القَبِيحِ، وذُنُوبُنا مُباشَرَةُ القَبائِحِ مِنَ الصَغائِرِ، والكَبائِرِ، وقِيلَ: اَلْفاءاتُ في هَذِهِ الآياتِ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، بَيْنَهُما اتِّصالٌ،
﴿واللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾، في مَعايِشِكُمْ، ومَتاجِرِكُمْ،
﴿وَمَثْواكُمْ﴾، ويَعْلَمُ حَيْثُ تَسْتَقِرُّونَ مِن مَنازِلِكُمْ، أوْ مُتَقَلَّبَكم في حَياتِكُمْ، ومَثْواكم في القُبُورِ، أوْ مُتَقَلَّبَكم في أعْمالِكُمْ، ومَثْواكم في الجَنَّةِ، والنارِ، ومِثْلُهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى ويُخْشى، وأنْ يُسْتَغْفَرَ، وسُئِلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ فَضْلِ العِلْمِ، فَقالَ: "ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ؟ فَأُمِرَ بِالعَمَلِ بَعْدَ العِلْمِ".
محمد 47:20
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُـزِّلَتْ سُورَةٌ﴾، فِيها ذِكْرُ الجِهادِ،
﴿فَإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ﴾، في مَعْنى الجِهادِ،
﴿مُحْكَمَةٌ﴾، مُبَيِّنَةٌ، غَيْرُ مُتَشابِهَةٍ، لا تَحْتَمِلُ وجْهًا إلّا وُجُوبَ القِتالِ، وعَنْ قَتادَةَ: "كُلُّ سُورَةٍ فِيها ذِكْرُ القِتالِ فَهي مُحْكَمَةٌ، لِأنَّ النَسْخَ لا يَرِدُ عَلَيْها، مِن قِبَلِ أنَّ القِتالَ نَسَخَ ما كانَ مِنَ الصَفْحِ، والمُهادَنَةِ، وهو غَيْرُ مَنسُوخٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ"،
﴿وَذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ أيْ: أُمِرَ فِيها بِالجِهادِ،
﴿رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، نِفاقٌ، أيْ: رَأيْتَ المُنافِقِينَ فِيما بَيْنَهم يَضْجَرُونَ مِنها،
﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ أيْ: تَشْخَصُ أبْصارُهم جُبْنًا، وجَزَعًا، كَما يَنْظُرُ مَن أصابَتْهُ الغَشْيَةُ عِنْدَ المَوْتِ،
﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾، وعِيدٌ بِمَعْنى: "فَوَيْلٌ لَهُمْ"، وهو "أفْعَلُ"، مِن "اَلْوُلْيُ"، وهو القُرْبُ، ومَعْناهُ: اَلدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَلِيَهُمُ المَكْرُوهُ.
محمد 47:21
﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، أيْ: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، خَيْرٌ لَهُمْ،
﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾، فَإذا جَدَّ الأمْرُ، ولَزِمَهم فَرْضُ القِتالِ،
﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ﴾، (p-٣٢٨)فِي الإيمانِ والطاعَةِ،
﴿لَكانَ﴾، اَلصِّدْقُ،
﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾، مِن كَراهَةِ الجِهادِ، ثُمَّ التَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، بِضَرْبٍ مِنَ التَوْبِيخِ والإرْهابِ، فَقالَ:
محمد 47:22
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ أيْ: فَلَعَلَّكم إنْ أعْرَضْتُمْ عَنْ دِينِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وسُنَّتِهِ، أنْ تَرْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، مِنَ الإفْسادِ في الأرْضِ، بِالتَغاوُرِ، والتَناهُبِ، وقَطْعِ الأرْحامِ، بِمُقاتَلَةِ بَعْضِ الأقارِبِ بَعْضًا، ووَأْدِ البَناتِ، وخَبَرُ "عَسى": "أنْ تُفْسِدُوا"، والشَرْطُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الِاسْمِ، والخَبَرِ، والتَقْدِيرُ: "فَهَلْ عَسَيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ، وتُقَطِّعُوا أرْحامَكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ".
محمد 47:23
﴿أُولَئِكَ﴾، إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ،
﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾، أبْعَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ،
﴿فَأصَمَّهُمْ﴾، عَنِ اسْتِماعِ المَوْعِظَةِ،
﴿وَأعْمى أبْصارَهُمْ﴾، عَنْ إبْصارِهِمْ طَرِيقَ الهُدى.
محمد 47:24
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾، فَيَعْرِفُوا ما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ، والزَواجِرِ، ووَعِيدِ العُصاةِ، حَتّى لا يَجْسُرُوا عَلى المَعاصِي، و"أمْ"، في ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾، بِمَعْنى: "بَلْ"، وهَمْزَةِ التَقْرِيرِ، لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ قُلُوبَهم مُقْفَلَةٌ، لا يَتَوَصَّلُ إلَيْها ذِكْرٌ، ونُكِّرَتِ القُلُوبُ لِأنَّ المُرادَ "عَلى قُلُوبٍ قاسِيَةٍ، مُبْهَمٍ أمْرُها في ذَلِكَ"، والمُرادُ بَعْضُ القُلُوبِ، وهي قُلُوبُ المُنافِقِينَ، وأُضِيفَتِ الأقْفالُ إلى القُلُوبِ لِأنَّ المُرادَ الأقْفالُ المُخْتَصَّةُ بِها، وهي أقْفالُ الكُفْرِ، الَّتِي اسْتَغْلَقَتْ، فَلا تَنْفَتِحُ، نَحْوَ الرَيْنِ، والخَتْمِ، والطَبْعِ.
محمد 47:25
﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ أيْ: اَلْمُنافِقِينَ، رَجَعُوا إلى الكُفْرِ سِرًّا، بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ لَهُمْ،
﴿الشَيْطانُ سَوَّلَ﴾، زَيَّنَ،
﴿لَهُمُ﴾، جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ وخَبَرٍ، وقَعَتْ خَبَرًا لِـ "إنَّ"، نَحْوَ: "إنَّ زَيْدًا عَمْرٌو مَرَّ بِهِ"،
﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾، ومَدَّ لَهم في الآمالِ، والأمانِيِّ، "وَأُمْلِيَ"، "أبُو عَمْرٍو"، أيْ: أُمْهِلُوا، ومُدَّ في عُمُرِهِمْ.
محمد 47:26
(p-٣٢٩)﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَـزَّلَ اللهُ﴾ أيْ: اَلْمُنافِقُونَ قالُوا لِلْيَهُودِ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ أيْ: عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والقُعُودِ عَنْ نُصْرَتِهِ،
﴿واللهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾، عَلى المَصْدَرِ، مِن "أسَرَّ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ"، "أسْرارَهُمْ"، غَيْرُهُمْ، جَمْعُ "سِرٌّ".
محمد 47:27
﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَعْمَلُونَ؟! وما حِيلَتُهم حِينَئِذٍ؟! ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "لا يُتَوَفّى أحَدٌ عَلى مَعْصِيَةٍ إلّا يُضْرَبُ مِنَ المَلائِكَةِ في وجْهِهِ ودُبُرِهِ".
محمد 47:28
﴿ذَلِكَ﴾، إشارَةٌ إلى التَوَفِّي المَوْصُوفِ،
﴿بِأنَّهُمُ﴾، بِسَبَبِ أنَّهُمْ،
﴿اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللهَ﴾، مِن مُعاوَنَةِ الكافِرِينَ،
﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾، مِن نُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ،
﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾
محمد 47:29
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أضْغانَهُمْ﴾، أحْقادَهُمْ، والمَعْنى: "أظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ اللهَ (تَعالى) لا يُبْرِزُ بُغْضَهُمْ، وعَداوَتَهم لِلْمُؤْمِنِينَ؟!".
محمد 47:30
﴿وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ﴾، لَعَرَّفْناكَهُمْ، ودَلَلْناكَ عَلَيْهِمْ،
﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾، بِعَلامَتِهِمْ، وهو أنْ يَسِمَهُمُ اللهُ بِعَلامَةٍ يُعْلَمُونَ بِها، وعَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: « "ما خَفِيَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ أحَدٌ مِنَ المُنافِقِينَ، كانَ يَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ"، »﴿وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾، في نَحْوِهِ، وأُسْلُوبِهِ الحَسَنِ، في فَحْوى كَلامِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِ ما في أنْفُسِهِمْ، واللامُ في "فَلَعَرَفْتَهُمْ"، داخِلَةٌ في جَوابِ "لَوْ"، كالَّتِي في "لَأرَيْناكَهُمْ"، كُرِّرَتْ في المَعْطُوفِ، وأمّا اللامُ في "وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ"، فَواقِعَةٌ مَعَ النُونِ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، (p-٣٣٠)﴿واللهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾، فَيُمَيِّزُ خَيْرَها مِن شَرِّها.
محمد 47:31
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، بِالقِتالِ، إعْلامًا، لا اسْتِعْلامًا، أوْ نُعامِلُكم مُعامَلَةً المُخْتَبِرِ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في إظْهارِ العَدْلِ،
﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصابِرِينَ﴾، عَلى الجِهادِ، أيْ: نَعْلَمَ كائِنًا ما عَلِمْناهُ أنَّهُ سَيَكُونُ،
﴿وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾، أسْرارَكُمْ، "وَلَيَبْلُونَكم حَتّى يَعْلَمَ... ويَبْلُوَ"، "أبُو بَكْرٍ"، وعَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها بَكى، وقالَ: "اَللَّهُمَّ لا تَبْلُنا فَإنَّكَ إنْ بَلَوْتَنا فَضَحْتَنا، وهَتَكْتَ أسْتارَنا، وعَذَّبْتَنا".
محمد 47:32
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وشاقُّوا الرَسُولَ﴾، وعادَوْهُ، يَعْنِي المُطْعِمِينَ يَوْمَ "بَدْرٍ"، وقَدْ مَرَّ،
﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾، مِن بَعْدِ ما ظَهَرَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ، وعَرَفُوا الرَسُولَ،
﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾، اَلَّتِي عَمِلُوها في مُشاقَّةِ الرَسُولِ، أيْ: سَيُبْطِلُها، فَلا يَصِلُونَ مِنها إلى أغْراضِهِمْ.
محمد 47:33
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾، بِالنِفاقِ أوْ بِالرِياءِ.
محمد 47:34
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾، قِيلَ: هم أصْحابُ القَلِيبِ، والظاهِرُ العُمُومُ.
محمد 47:35
﴿فَلا تَهِنُوا﴾، فَلا تَضْغُفُوا، ولا تُذَلُّوا لِلْعَدُوِّ،
﴿وَتَدْعُوا إلى السَلْمِ﴾، وبِالكَسْرِ "حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ"، وهُما المُسالَمَةُ، أيْ: ولا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُلْحِ،
﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ أيْ: اَلْأغْلَبُونَ، و"تَدْعُوا"، مَجْزُومٌ لِدُخُولِهِ في حُكْمِ النَهْيِ،
﴿واللهُ مَعَكُمْ﴾، بِالنُصْرَةِ، أيْ: ناصِرُكُمْ،
﴿وَلَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾، ولَنْ يُنْقِصَكم أجْرَ أعْمالِكم.
محمد 47:36
(p-٣٣١)﴿إنَّما الحَياةُ الدُنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾، تَنْقَطِعُ في أسْرَعِ مُدَّةٍ،
﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا﴾، بِاللهِ، ورَسُولِهِ،
﴿وَتَتَّقُوا﴾، اَلشِّرْكَ،
﴿يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾، ثَوابَ إيمانِكُمْ، وتَقْواكُمْ،
﴿وَلا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ أيْ: لا يَسْألْكم جَمِيعَها، بَلْ رُبْعَ العُشْرِ، والفاعِلُ "اَللَّهُ"، أوْ "اَلرَّسُولُ"، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: "غَيْضًا مِن فَيْضٍ".
محمد 47:37
﴿إنْ يَسْألْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ﴾ أيْ: يُجْهِدْكُمْ، ويَطْلُبْهُ كُلَّهُ، و"اَلْإحْفاءُ": اَلْمُبالَغَةُ، وبُلُوغُ الغايَةِ في كُلِّ شَيْءٍ، يُقالُ: "أحْفاهُ في المَسْألَةِ"، إذا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الإلْحاحِ، و"أحْفى شارِبَهُ"، إذا اسْتَأْصَلَهُ،
﴿تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ﴾ أيْ: اَللَّهُ، أوِ البُخْلُ،
﴿أضْغانَكُمْ﴾، عِنْدَ الِامْتِناعِ، أوْ عِنْدَ سُؤالِ الجَمِيعِ، لِأنَّهُ عِنْدَ مَسْألَةِ المالِ تَظْهَرُ العَداوَةُ، والحِقْدُ.
محمد 47:38
﴿ها أنْتُمْ﴾، "ها"، لِلتَّنْبِيهِ،
﴿هَؤُلاءِ﴾، مَوْصُولٌ، بِمَعْنى "اَلَّذِينَ"، صِلَتُهُ: ﴿تُدْعَوْنَ﴾ أيْ: أنْتُمُ اَلَّذِينَ تُدْعَوْنَ،
﴿لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾، هي النَفَقَةُ في الغَزْوِ، أوِ الزَكاةُ، كَأنَّهُ قالَ: اَلدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَوْ أحْفاكم لَبَخِلْتُمْ، وكَرِهْتُمُ العَطاءَ، أنَّكم تُدْعَوْنَ إلى أداءِ رُبْعِ العُشْرِ،
﴿فَمِنكم مَن يَبْخَلُ﴾، بِالرَفْعِ، لِأنَّ "مَن"، هَذِهِ، لَيْسَتْ لِلشَّرْطِ، أيْ: فَمِنكم ناسٌ يَبْخَلُونَ بِهِ،
﴿وَمَن يَبْخَلْ﴾، بِالصَدَقَةِ، وأداءِ الفَرِيضَةِ،
﴿فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ: يَبْخَلُ عَنْ داعِي نَفْسِهِ، لا عَنْ داعِي رَبِّهِ، وقِيلَ: يَبْخَلُ عَلى نَفْسِهِ، يُقالُ: "بَخِلْتُ عَلَيْهِ"، و"عَنْهُ"،
﴿واللهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ أيْ: إنَّهُ لا يَأْمُرُ بِذَلِكَ لِحاجَتِهِ إلَيْهِ، لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الحاجاتِ، ولَكِنْ لِحاجَتِكُمْ، وفَقْرِكم إلى الثَوابِ،
﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا﴾، وإنْ تُعْرِضُوا أيُّها العَرَبُ عَنْ طاعَتِهِ، وطاعَةِ رَسُولِهِ، والإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى "وَإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا"،
﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾، يَخْلُقُ قَوْمًا خَيْرًا مِنكُمْ، وأطْوَعَ، وهم فارِسُ، «وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ القَوْمِ، وكانَ سَلْمانُ إلى جَنْبِهِ، فَضَرَبَ عَلى فَخْذِهِ، وقالَ: (p-٣٣٢)"هَذا وقَوْمُهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإيمانُ مَنُوطًا بِالثُرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ"، »﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ أيْ: ثُمَّ لا يَكُونُوا في الطاعَةِ أمْثالَكُمْ، بَلْ أطْوَعَ مِنكم.
الفتح 48:1
(p-٣٣٣)سُورَةُ "اَلْفَتْحِ
بِسْمَ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، "اَلْفَتْحُ": اَلظَّفَرُ بِالبَلْدَةِ عَنْوَةً، أوْ صُلْحًا، بِحَرْبٍ، أوْ بِغَيْرِ حَرْبٍ، لِأنَّهُ مُنْغَلِقٌ ما لَمْ يُظْفَرُ بِهِ، فَإذا ظُفِرَ بِهِ فَقَدْ فُتِحَ، ثُمَّ قِيلَ: هو فَتْحُ مَكَّةَ، وقَدْ نَزَلَتْ مَرْجِعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ مَكَّةَ، عامَ الحُدَيْبِيَةِ، عِدَةً لَهُ بِالفَتْحِ، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الماضِي، لِأنَّها في تَحَقُّقِها بِمَنزِلَةِ الكائِنَةِ، وفي ذَلِكَ مِنَ الفَخامَةِ والدَلالَةِ عَلى عُلُوِّ شَأْنِ المُخْبَرِ عَنْهُ، وهو الفَتْحُ، ما لا يَخْفى، وقِيلَ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ قِتالٌ شَدِيدٌ، ولَكِنْ تَرامٍ بَيْنَ القَوْمِ بِسِهامٍ، وحِجارَةٍ، فَرَمى المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ، حَتّى أدْخَلُوهم دِيارَهُمْ، وسَألُوا الصُلْحَ، فَكانَ فَتْحًا مُبِينًا، وقالَ الزَجّاجُ: كانَ في فَتْحِ الحُدَيْبِيَةِ آيَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَظِيمَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ نَزَحَ ماؤُها، ولَمْ يَبْقَ فِيها قَطْرَةٌ، فَتَمَضْمَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ مَجَّهُ في البِئْرِ، فَدَرَّتْ بِالماءِ، حَتّى شَرِبَ جَمِيعُ الناسِ، وقِيلَ: هو فَتْحُ خَيْبَرَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: قَضَيْنا لَكَ قَضاءً بَيِّنًا عَلى أهْلِ مَكَّةَ، أنْ تَدْخُلَها أنْتَ وأصْحابُكَ مِن قابِلٍ، لِتَطُوفُوا بِالبَيْتِ، مِن "اَلْفَتاحَةُ"، وهي الحُكُومَةُ.
الفتح 48:2
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾، قِيلَ: اَلْفَتْحُ لَيْسَ بِسَبَبِ المَغْفِرَةِ، والتَقْدِيرُ: "إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا فاسْتَغْفِرْ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهَ"، ومِثْلُهُ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، (p-٣٣٤)إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَتْحُ مَكَّةَ - مِن حَيْثُ إنَّهُ جِهادٌ لِلْعَدُوِّ - سَبَبًا لِلْغُفْرانِ، وقِيلَ: اَلْفَتْحُ لَمْ يَكُنْ لِيَغْفِرَ لَهُ، بَلْ لِإتْمامِ النِعْمَةِ، وهِدايَةِ الصِراطِ المُسْتَقِيمِ، والنَصْرِ العَزِيزِ، ولَكِنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ هَذِهِ النِعَمَ، وصَلَها بِما هو أعْظَمُ النِعَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَسَّرْنا لَكَ فَتْحَ مَكَّةَ، أوْ كَذا لِنَجْمَعَ لَكَ بَيْنَ عِزِّ الدارَيْنِ، وأغْراضِ العاجِلِ، والآجِلِ،
﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾، يُرِيدُ جَمِيعَ ما فَرَطَ مِنكَ، أوْ ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ مارِيَةً، وما تَأخَّرَ مِنَ امْرَأةِ زَيْدٍ،
﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾، بِإعْلاءِ دِينِكَ، وفَتْحِ البِلادِ عَلى يَدِكَ،
﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾، يُثَبِّتَكَ عَلى الدِينِ المَرْضِيِّ.
الفتح 48:3
﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، قَوِيًّا، لا ذُلَّ بَعْدَهُ أبَدًا.
الفتح 48:4
﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ السَكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾، "اَلسَّكِينَةُ"، لِلسُّكُونِ، كَـ "اَلْبَهِيتَةُ"، لِلْبُهْتانِ، أيْ: أنْزَلَ اللهُ في قُلُوبِهِمُ السُكُونَ، والطُمَأْنِينَةَ، بِسَبَبِ الصُلْحِ، لِيَزْدادُوا يَقِينًا إلى يَقِينِهِمْ، وقِيلَ: "اَلسَّكِينَةُ": اَلصَّبْرُ عَلى ما أمَرَ اللهُ، والثِقَةُ بِوَعْدِ اللهِ، والتَعْظِيمُ لِأمْرِ اللهِ،
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ أيْ: ولِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ، يُسَلِّطُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ، كَما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ، وحِكْمَتُهُ، ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ سَكَّنَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِصُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، ووَعَدَهم أنْ يَفْتَحَ لَهُمْ، وإنَّما قَضى ذَلِكَ لِيَعْرِفَ المُؤْمِنُونَ نِعْمَةَ اللهِ فِيهِ، ويَشْكُرُوها، فَيُثِيبَهُمْ، ويُعَذِّبُ الكافِرِينَ، والمُنافِقِينَ، لِما غاظَهم مِن ذَلِكَ، وكَرِهُوهُ،
﴿الظانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَوْءِ﴾، وقْعَ السَوْءِ، عِبارَةٌ عَنْ رَداءَةِ الشَيْءِ، وفَسادِهِ، (p-٣٣٥)يُقالُ: "فِعْلُ سَوْءٍ"، أيْ: مَسْخُوطٌ، فاسِدٌ، والمُرادُ ظَنُّهم أنَّ اللهَ (تَعالى) لا يَنْصُرُ الرَسُولَ والمُؤْمِنِينَ، ولا يُرْجِعُهم إلى مَكَّةَ ظافِرِينَ، فاتِحِيها عَنْوَةً وقَهْرًا، "عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السُوءِ"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو"، أيْ: ما يَظُنُّونَهُ، ويَتَرَبَّصُونَهُ بِالمُؤْمِنِينَ، فَهو حائِقٌ بِهِمْ، ودائِرٌ عَلَيْهِمْ، و"اَلسُّوءُ": اَلْهَلاكُ، والدَمارُ، وغَيْرُهُما: "دائِرَةُ السَوْءِ"، بِالفَتْحِ، أيْ: اَلدّائِرَةُ الَّتِي يَذُمُّونَها، ويَسْخَطُونَها، "اَلسُّوءُ"، و"اَلسَّوْءُ"، كَـ "اَلْكَرْهُ"، و"اَلْكُرْهُ"، و"اَلضَّعْفُ"، و"الضُعْفُ"، إلّا أنَّ المَفْتُوحَ غَلَبَ في أنْ يُضافَ إلَيْهِ ما يُرادُ ذَمُّهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا "اَلسُّوءُ"، فَجارٍ مُجْرى الشَرِّ، الَّذِي هو نَقِيضُ الخَيْرِ،
﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾، جَهَنَّمُ.
الفتح 48:5
﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ السَكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾، "اَلسَّكِينَةُ"، لِلسُّكُونِ، كَـ "اَلْبَهِيتَةُ"، لِلْبُهْتانِ، أيْ: أنْزَلَ اللهُ في قُلُوبِهِمُ السُكُونَ، والطُمَأْنِينَةَ، بِسَبَبِ الصُلْحِ، لِيَزْدادُوا يَقِينًا إلى يَقِينِهِمْ، وقِيلَ: "اَلسَّكِينَةُ": اَلصَّبْرُ عَلى ما أمَرَ اللهُ، والثِقَةُ بِوَعْدِ اللهِ، والتَعْظِيمُ لِأمْرِ اللهِ،
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ أيْ: ولِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ، يُسَلِّطُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ، كَما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ، وحِكْمَتُهُ، ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ سَكَّنَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِصُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، ووَعَدَهم أنْ يَفْتَحَ لَهُمْ، وإنَّما قَضى ذَلِكَ لِيَعْرِفَ المُؤْمِنُونَ نِعْمَةَ اللهِ فِيهِ، ويَشْكُرُوها، فَيُثِيبَهُمْ، ويُعَذِّبُ الكافِرِينَ، والمُنافِقِينَ، لِما غاظَهم مِن ذَلِكَ، وكَرِهُوهُ،
﴿الظانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَوْءِ﴾، وقْعَ السَوْءِ، عِبارَةٌ عَنْ رَداءَةِ الشَيْءِ، وفَسادِهِ، (p-٣٣٥)يُقالُ: "فِعْلُ سَوْءٍ"، أيْ: مَسْخُوطٌ، فاسِدٌ، والمُرادُ ظَنُّهم أنَّ اللهَ (تَعالى) لا يَنْصُرُ الرَسُولَ والمُؤْمِنِينَ، ولا يُرْجِعُهم إلى مَكَّةَ ظافِرِينَ، فاتِحِيها عَنْوَةً وقَهْرًا، "عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السُوءِ"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو"، أيْ: ما يَظُنُّونَهُ، ويَتَرَبَّصُونَهُ بِالمُؤْمِنِينَ، فَهو حائِقٌ بِهِمْ، ودائِرٌ عَلَيْهِمْ، و"اَلسُّوءُ": اَلْهَلاكُ، والدَمارُ، وغَيْرُهُما: "دائِرَةُ السَوْءِ"، بِالفَتْحِ، أيْ: اَلدّائِرَةُ الَّتِي يَذُمُّونَها، ويَسْخَطُونَها، "اَلسُّوءُ"، و"اَلسَّوْءُ"، كَـ "اَلْكَرْهُ"، و"اَلْكُرْهُ"، و"اَلضَّعْفُ"، و"الضُعْفُ"، إلّا أنَّ المَفْتُوحَ غَلَبَ في أنْ يُضافَ إلَيْهِ ما يُرادُ ذَمُّهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا "اَلسُّوءُ"، فَجارٍ مُجْرى الشَرِّ، الَّذِي هو نَقِيضُ الخَيْرِ،
﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾، جَهَنَّمُ.
الفتح 48:6
﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ السَكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾، "اَلسَّكِينَةُ"، لِلسُّكُونِ، كَـ "اَلْبَهِيتَةُ"، لِلْبُهْتانِ، أيْ: أنْزَلَ اللهُ في قُلُوبِهِمُ السُكُونَ، والطُمَأْنِينَةَ، بِسَبَبِ الصُلْحِ، لِيَزْدادُوا يَقِينًا إلى يَقِينِهِمْ، وقِيلَ: "اَلسَّكِينَةُ": اَلصَّبْرُ عَلى ما أمَرَ اللهُ، والثِقَةُ بِوَعْدِ اللهِ، والتَعْظِيمُ لِأمْرِ اللهِ،
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ أيْ: ولِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ، يُسَلِّطُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ، كَما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ، وحِكْمَتُهُ، ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ سَكَّنَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِصُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، ووَعَدَهم أنْ يَفْتَحَ لَهُمْ، وإنَّما قَضى ذَلِكَ لِيَعْرِفَ المُؤْمِنُونَ نِعْمَةَ اللهِ فِيهِ، ويَشْكُرُوها، فَيُثِيبَهُمْ، ويُعَذِّبُ الكافِرِينَ، والمُنافِقِينَ، لِما غاظَهم مِن ذَلِكَ، وكَرِهُوهُ،
﴿الظانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَوْءِ﴾، وقْعَ السَوْءِ، عِبارَةٌ عَنْ رَداءَةِ الشَيْءِ، وفَسادِهِ، (p-٣٣٥)يُقالُ: "فِعْلُ سَوْءٍ"، أيْ: مَسْخُوطٌ، فاسِدٌ، والمُرادُ ظَنُّهم أنَّ اللهَ (تَعالى) لا يَنْصُرُ الرَسُولَ والمُؤْمِنِينَ، ولا يُرْجِعُهم إلى مَكَّةَ ظافِرِينَ، فاتِحِيها عَنْوَةً وقَهْرًا، "عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السُوءِ"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو"، أيْ: ما يَظُنُّونَهُ، ويَتَرَبَّصُونَهُ بِالمُؤْمِنِينَ، فَهو حائِقٌ بِهِمْ، ودائِرٌ عَلَيْهِمْ، و"اَلسُّوءُ": اَلْهَلاكُ، والدَمارُ، وغَيْرُهُما: "دائِرَةُ السَوْءِ"، بِالفَتْحِ، أيْ: اَلدّائِرَةُ الَّتِي يَذُمُّونَها، ويَسْخَطُونَها، "اَلسُّوءُ"، و"اَلسَّوْءُ"، كَـ "اَلْكَرْهُ"، و"اَلْكُرْهُ"، و"اَلضَّعْفُ"، و"الضُعْفُ"، إلّا أنَّ المَفْتُوحَ غَلَبَ في أنْ يُضافَ إلَيْهِ ما يُرادُ ذَمُّهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا "اَلسُّوءُ"، فَجارٍ مُجْرى الشَرِّ، الَّذِي هو نَقِيضُ الخَيْرِ،
﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾، جَهَنَّمُ.
الفتح 48:7
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ﴾، فَيَدْفَعُ كَيْدَ مَن عادى نَبِيَّهُ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، بِما شاءَ مِنها،
﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزًا﴾، غالِبًا، فَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ،
﴿حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤]، فِيما دَبَّرَ.
الفتح 48:8
﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾، تَشْهَدُ عَلى أُمَّتِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذِهِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ،
﴿وَمُبَشِّرًا﴾، لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ،
﴿وَنَذِيرًا﴾، لِلْكافِرِينَ مِنَ النارِ.
الفتح 48:9
﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾، اَلْخِطابُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، ولِأُمَّتِهِ،
﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾، وتُقَوُّوهُ بِالنَصْرِ،
﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾، وتُعَظِّمُوهُ،
﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾، مِن "اَلتَّسْبِيحُ"، أوْ مِن "اَلسُّبْحَةُ"، والضَمائِرُ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والمُرادُ بِتَعْزِيرِ اللهِ: تَعْزِيرُ دِينِهِ، ورَسُولِهِ، ومَن فَرَّقَ الضَمائِرَ، فَجَعَلَ الأوَّلَيْنِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ أبْعَدَ، "لِيُؤْمِنُوا"، مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو"، والضَمِيرُ لِلنّاسِ، وكَذا الثَلاثَةُ الأخِيرَةُ بِالياءِ عِنْدَهُما،
﴿بُكْرَةً﴾، صَلاةَ الفَجْرِ،
﴿وَأصِيلا﴾، اَلصَّلَواتِ الأرْبَعَ.
الفتح 48:10
﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ﴾ أيْ: بَيْعَةَ الرِضْوانِ، ولَمّا قالَ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾، أكَّدَهُ تَأْكِيدًا عَلى طَرِيقَةِ التَخْيِيلِ، فَقالَ ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾، يُرِيدُ أنَّ يَدَ (p-٣٣٦)رَسُولِ اللهِ ﷺ، الَّتِي تَعْلُو أيْدِي المُبايِعِينَ، هي يَدُ اللهِ، واللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوارِحِ، وعَنْ صِفاتِ الأجْسامِ، وإنَّما المَعْنى تَقْرِيرُ أنَّ عَقْدَ المِيثاقِ مَعَ الرَسُولِ كَعَقْدِهِ مَعَ اللهِ، مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما، كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠]، و"إنَّما يُبايِعُونَ اللهَ"، خَبَرُ "إنَّ"،
﴿فَمَن نَكَثَ﴾، نَقَضَ العَهْدَ، ولَمْ يَفِ بِالبَيْعَةِ،
﴿فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾، فَلا يَعُودُ ضَرَرُ نَكْثِهِ إلّا عَلَيْهِ، «قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: بايَعْنا رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ الشَجَرَةِ، عَلى المَوْتِ، وعَلى ألّا نَفِرَّ، فَما نَكَثَ أحَدٌ مِنّا البَيْعَةَ إلّا جَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ مُنافِقًا، اخْتَبَأ تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرِهِ، ولَمْ يَسِرْ مَعَ القَوْمِ، »﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ﴾، يُقالُ: "وَفَيْتُ بِالعَهْدِ"، و"أوْفَيْتُ بِهِ"، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿عَلَيْهُ اللهَ﴾ "حَفْصٌ"،
﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾، وبِالنُونِ "حِجازِيٌّ وشامِيٌّ"،
﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾، اَلْجَنَّةَ.
الفتح 48:11
﴿سَيَقُولُ لَكَ﴾، إذا رَجَعْتَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ،
﴿المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾، هُمُ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنِ الحُدَيْبِيَةِ، وهم أعْرابُ غِفارٍ، ومُزَيْنَةَ، وجُهَيْنَةَ، وأسْلَمَ، وأشْجَعَ والدِيلِ، وذَلِكَ أنَّهُ ﷺ حِينَ أرادَ السَيْرَ إلى مَكَّةَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا، اسْتَنْفَرَ مَن حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ الأعْرابِ، وأهْلِ البَوادِي، لِيَخْرُجُوا مَعَهُ، حَذَرًا مِن قُرَيْشٍ أنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبٍ، أوْ يَصُدُّوهُ عَنِ البَيْتِ، وأحْرَمَ هو ﷺ، وساقَ مَعَهُ الهَدْيَ، لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُرِيدُ حَرْبًا، فَتَثاقَلَ كَثِيرٌ مِنَ الأعْرابِ، وقالُوا: يَذْهَبُ إلى قَوْمٍ غَزَوْهُ في عُقْرِ دارِهِ بِالمَدِينَةِ، وقَتَلُوا أصْحابَهُ، فَيُقاتِلُهُمْ، وظَنُّوا أنَّهُ يَهْلِكُ، فَلا يَنْقَلِبُ إلى المَدِينَةِ،
﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾، هي جَمْعُ "أهْلٌ"، اِعْتَلُّوا بِالشُغْلِ بِأهالِيهِمْ، وأمْوالِهِمْ، وأنَّهُ لَيْسَ لَهم مَن يَقُومُ بِأشْغالِهِمْ،
﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾، لِيَغْفِرَ لَنا اللهُ تَخَلُّفَنا عَنْكَ،
﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾، تَكْذِيبٌ لَهم في اعْتِذارِهِمْ، وأنَّ الَّذِي خَلَّفَهم لَيْسَ ما يَقُولُونَ، وإنَّما هو الشَكُّ في اللهِ، والنِفاقُ، (p-٣٣٧)فَطَلَبُهم الِاسْتِغْفارَ أيْضًا لَيْسَ بِصادِرٍ عَنْ حَقِيقَةٍ،
﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾، فَمَن يَمْنَعُكم مِن مَشِيئَةِ اللهِ وقَضائِهِ،
﴿إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا﴾، ما يَضُرُّكُمْ، مِن قَتْلٍ، أوْ هَزِيمَةٍ، "ضُرًّا"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"،
﴿أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾، مِن غَنِيمَةٍ وظَفَرٍ،
﴿بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
الفتح 48:12
﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا وزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكُمْ﴾، زَيَّنَهُ الشَيْطانُ،
﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَوْءِ﴾، مِن عُلُوِّ الكُفْرِ، وظُهُورِ الفَسادِ،
﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾، جَمْعُ "بائِرٌ"، كَـ "عائِذٌ"، و"عُوذٌ"، مِن "بارَ الشَيْءُ"، هَلَكَ وفَسَدَ، أيْ: وكُنْتُمْ قَوْمًا فاسِدِينَ في أنْفُسِكُمْ، وقُلُوبِكُمْ، ونِيّاتِكُمْ، لا خَيْرَ فِيكُمْ، أوْ هالِكِينَ عِنْدَ اللهِ، مُسْتَحِقِّينَ لِسُخْطِهِ، وعِقابِهِ.
الفتح 48:13
﴿وَمَن لَمْ يُؤْمِن بِاللهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: لَهُمْ، فَأُقِيمَ الظاهِرُ مَقامَ الضَمِيرِ، لِلْإيذانِ بِأنَّ مَن لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ - الإيمانِ بِاللهِ، والإيمانِ بِرَسُولِهِ - فَهو كافِرٌ، ونَكَّرَ ﴿سَعِيرًا﴾، لِأنَّها نارٌ مَخْصُوصَةٌ، كَما نَكَّرَ ﴿نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤]
الفتح 48:14
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ يُدَبِّرُهُ تَدْبِيرَ قادِرٍ حَكِيمٍ،
﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾، يَغْفِرُ، ويُعَذِّبُ، بِمَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ، وحِكْمَتُهُ المَغْفِرَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والتَعْذِيبُ لِلْكافِرِينَ،
﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ.
الفتح 48:15
﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾، اَلَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الحُدَيْبِيَةِ،
﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ﴾ أيْ: غَنائِمَ خَيْبَرَ،
﴿لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكم يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾، "كَلِمَ اللهِ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، أيْ: يُرِيدُونَ أنْ يُغَيِّرُوا مَوْعِدَ اللهِ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، (p-٣٣٨)وَذَلِكَ أنَّهُ وعَدَهم أنْ يُعَوِّضَهم مِن مَغانِمِ خَيْبَرَ، إذا قَفَلُوا مُوادِعِينَ، لا يُصِيبُونَ مِنهم شَيْئًا،
﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾، إلى خَيْبَرَ، وهو إخْبارٌ مِنَ اللهِ بِعَدَمِ اتِّباعِهِمْ، ولا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ،
﴿كَذَلِكم قالَ اللهُ مِن قَبْلُ﴾، اِنْصِرافِهِمْ إلى المَدِينَةِ، إنَّ غَنِيمَةَ خَيْبَرَ لِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ، دُونَ غَيْرِهِمْ،
﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أيْ: لَمْ يَأْمُرْكُمُ اللهُ بِهِ، بَلْ تَحْسُدُونَنا أنْ نُشارِكَكم في الغَنِيمَةِ،
﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ﴾، مِن كَلامِ اللهِ،
﴿إلا قَلِيلا﴾، إلّا شَيْئًا قَلِيلًا، يَعْنِي مُجَرَّدَ القَوْلِ، والفَرْقُ بَيْنَ الإضْرابَيْنِ أنَّ الأوَّلَ رَدُّ أنْ يَكُونَ حُكْمُ اللهِ ألّا يَتَّبِعُوهُمْ، وإثْباتُ الحَسَدِ، والثانِي إضْرابٌ عَنْ وصْفِهِمْ بِإضافَةِ الحَسَدِ إلى المُؤْمِنِينَ، إلى وصْفِهِمْ بِما هو أطَمُّ مِنهُ، وهو الجَهْلُ، وقِلَّةُ الفِقْهِ.
الفتح 48:16
﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ﴾، هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الحُدَيْبِيَةِ،
﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، يَعْنِي بَنِي حَنِيفَةَ، قَوْمَ مُسَيْلِمَةَ، وأهْلَ الرِدَّةِ، الَّذِينَ حارَبَهم أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، لِأنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ والمُرْتَدِّينَ هُمُ الَّذِينَ لا يُقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامُ، أوِ السَيْفُ، وقِيلَ: هم فارِسُ، وقَدْ دَعاهم عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -،
﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ أيْ: يَكُونُ أحَدُ الأمْرَيْنِ، إمّا المُقاتَلَةُ، أوِ الإسْلامُ، ومَعْنى "يُسْلِمُونَ"، عَلى هَذا التَأْوِيلِ: "يَنْقادُونَ"، لِأنَّ فارِسَ مَجُوسٌ، تُقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ، وفي الآيَةِ دَلالَةُ صِحَّةِ خِلافِ الشَيْخَيْنِ، حَيْثُ وعَدَهُمُ الثَوابَ عَلى طاعَةِ الداعِي عِنْدَ دَعْوَتِهِ، بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ تُطِيعُوا﴾، مَن دَعاكم إلى قِتالِهِ،
﴿يُؤْتِكُمُ اللهُ أجْرًا حَسَنًا﴾، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الداعِي مُفْتَرَضَ الطاعَةِ،
﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: عَنِ الحُدَيْبِيَةِ،
﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾، في الآخِرَةِ.
الفتح 48:17
﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾، نَفى الحَرَجَ عَنْ ذَوِي العاهاتِ في التَخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ،
﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ﴾، في الجِهادِ، وغَيْرِ (p-٣٣٩)ذَلِكَ،
﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ﴾، يُعْرِضْ عَنِ الطاعَةِ،
﴿يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا﴾، "نُدْخِلْهُ"، و"نُعَذِّبْهُ"، "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ".
الفتح 48:18
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَجَرَةِ﴾، هي بَيْعَةُ الرِضْوانِ، سُمِّيَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقِصَّتُها «أنَّ النَبِيَّ ﷺ حِينَ نَزَلَ بِالحُدَيْبِيَةِ بَعَثَ حِراشَ بْنَ أُمَيَّةَ الخُزاعِيَّ رَسُولًا إلى مَكَّةَ، فَهَمُّوا بِهِ، فَمَنَعَهُ الأحابِيشُ، فَلَمّا رَجَعَ دَعا بِعُمَرَ لِيَبْعَثَهُ، فَقالَ: إنِّي أخافُهم عَلى نَفْسِي، لِما عُرِفَ مِن عَداوَتِي إيّاهُمْ، فَبَعَثَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، فَخَبَّرَهم أنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِحَرْبٍ، وإنَّما جاءَ زائِرًا لِلْبَيْتِ، فَوَقَّرُوهُ، واحْتَبَسَ عِنْدَهُمْ، فَأُرْجِفَ بِأنَّهم قَتَلُوهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَ القَوْمَ"، ودَعا الناسَ إلى البَيْعَةِ، فَبايَعُوهُ عَلى أنْ يُناجِزُوا قُرَيْشًا، ولا يَفِرُّوا، تَحْتَ الشَجَرَةِ، » وكانَتْ سَمُرَةً، وكانَ عَدَدُ المُبايِعِينَ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ،
﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾، مِنَ الإخْلاصِ، وصِدْقِ الضَمائِرِ، فِيما بايَعُوا عَلَيْهِ،
﴿فَأنْـزَلَ السَكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: اَلطُّمَأْنِينَةَ، والأمْنَ، بِسَبَبِ الصُلْحِ، عَلى قُلُوبِهِمْ،
﴿وَأثابَهُمْ﴾، وجازاهُمْ،
﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾، هو فَتْحُ خَيْبَرَ، غَبَّ انْصِرافِهِمْ مِن مَكَّةَ.
الفتح 48:19
﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾، هي مَغانِمُ خَيْبَرَ، وكانَتْ أرْضًا ذاتَ عَقارٍ، وأمْوالٍ، فَقَسَّمَها عَلَيْهِمْ،
﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزًا﴾، مَنِيعًا، فَلا يُغالَبُ،
﴿حَكِيمًا﴾، فِيما يَحْكُمُ، فَلا يُعارَضُ.
الفتح 48:20
﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾، هي ما أصابُوهُ مَعَ النَبِيِّ ﷺ، وبَعْدَهُ، إلى يَوْمِ القِيامَةِ،
﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾، اَلْمَغانِمَ، يَعْنِي مَغانِمَ خَيْبَرَ،
﴿وَكَفَّ أيْدِيَ الناسِ عَنْكُمْ﴾، يَعْنِي أيْدِيَ أهْلِ خَيْبَرَ، وحُلَفائِهِمْ مِن أسَدٍ، وغَطَفانَ، حِينَ جاءوا لِنُصْرَتِهِمْ، فَقَذَفَ اللهُ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ، فانْصَرَفُوا، وقِيلَ: أيْدِي أهْلِ مَكَّةَ، (p-٣٤٠)بِالصُلْحِ،
﴿وَلِتَكُونَ﴾، هَذِهِ الكَفَّةَ،
﴿آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وعِبْرَةً، يَعْرِفُونَ بِها أنَّهم مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِمَكانٍ، وأنَّهُ ضامِنٌ نَصْرَهُمْ، والفَتْحَ عَلَيْهِمْ، وفَعَلَ ذَلِكَ،
﴿وَيَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾، ويَزِيدَكم بَصِيرَةً، ويَقِينًا، وثِقَةً بِفَضْلِ اللهِ.
الفتح 48:21
﴿وَأُخْرى﴾، مَعْطُوفَةُ عَلى "هَذِهِ"، أيْ: فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ المَغانِمَ، ومَغانِمَ أُخْرى، هي مَغانِمُ هَوازِنَ، في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ،
﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾، لِما كانَ فِيها مِنَ الجَوْلَةِ،
﴿قَدْ أحاطَ اللهُ بِها﴾ أيْ: قَدِرَ عَلَيْها، واسْتَوْلى، وأظْهَرَكم عَلَيْها، ويَجُوزُ في "أُخْرى"، اَلنَّصْبُ، بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، يُفَسِّرُهُ "قَدْ أحاطَ اللهُ بِها"، تَقْدِيرُهُ: "وَقَضى اللهُ أُخْرى قَدْ أحاطَ بِها"، وأمّا "لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها"، فَصِفَةٌ لِـ "أُخْرى"، والرَفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، لِكَوْنِها مَوْصُوفَةً بِـ "لَمْ تَقْدِرُوا"، و"قَدْ أحاطَ اللهُ بِها"، خَبَرُ المُبْتَدَإ،
﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، قادِرًا.
الفتح 48:22
﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، مِن أهْلِ مَكَّةَ، ولَمْ يُصالِحُوا، أوْ مِن حُلَفاءِ أهْلِ خَيْبَرَ،
﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾، لَغُلِبُوا، وانْهَزَمُوا،
﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾، يَلِي أمْرَهُمْ،
﴿وَلا نَصِيرًا﴾، يَنْصُرُهم.
الفتح 48:23
﴿سُنَّةَ اللهِ﴾، في مَوْضِعِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ، أيْ: "سَنَّ اللهُ غَلَبَةَ أنْبِيائِهِ سُنَّةً"، وهو قَوْلُهُ: ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا﴾، تَغْيِيرًا.
الفتح 48:24
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ أيْ: أيْدِيَ أهْلِ مَكَّةَ،
﴿وَأيْدِيَكم عَنْهُمْ﴾، عَنْ أهْلِ مَكَّةَ، يَعْنِي: قَضى بَيْنَهم وبَيْنَكُمُ المُكافَّةَ، والمُحاجَزَةَ، بَعْدَما خَوَّلَكُمُ الظَفَرَ عَلَيْهِمْ، والغَلَبَةَ، وذَلِكَ يَوْمَ الفَتْحِ، وبِهِ اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ - عَلى أنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، لا صُلْحًا، وقِيلَ: كانَ في غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ، لِما رُوِيَ «أنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ خَرَجَ في خَمْسِمِائَةٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَن هَزَمَهُ، وأدْخَلَهُ (p-٣٤١)حِيطانَ مَكَّةَ، » وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "أظْهَرَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِالحِجارَةِ، حَتّى أدْخَلُوهُمُ البُيُوتَ"،
﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ أيْ: بِمَكَّةَ، أوْ بِالحُدَيْبِيَةِ، لِأنَّ بَعْضَها مَنسُوبٌ إلى الحَرَمِ،
﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أقْدَرَكم وسَلَّطَكُمْ،
﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾، وبِالياءِ "أبُو عَمْرٍو".
الفتح 48:25
﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ﴾، هو ما يُهْدى إلى الكَعْبَةِ، ونَصَبَهُ عَطْفًا عَلى "كُمْ"، في "صَدُّوكُمْ"، أيْ: وصَدُّوا الهَدْيَ،
﴿مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ﴾، مَحْبُوسًا أنْ يَبْلُغَ، و"مَعْكُوفًا"، حالٌ، وكانَ ﷺ ساقَ سَبْعِينَ بَدَنَةً،
﴿مَحِلَّهُ﴾، مَكانَهُ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ نَحْرُهُ، أيْ: يَجِبُ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُحْصِرَ مَحِلُّ هَدْيِهِ الحَرَمُ، والمُرادُ المَحِلُّ المَعْهُودُ، وهو "مِنًى"،
﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾، بِمَكَّةَ،
﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾، صِفَةٌ لِلرِّجالِ والنِساءِ، جَمِيعًا،
﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾، بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُمْ، أوْ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ في "تَعْلَمُوهُمْ"،
﴿فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ﴾، إثْمٌ، وشِدَّةٌ، وهي "مَفْعَلَةٌ"، مِن "عَرَّهُ"، بِمَعْنى "عَراهُ"، إذا دَهاهُ ما يَكْرَهُهُ، ويَشُقُّ عَلَيْهِ، وهو الكَفّارَةُ إذا قَتَلَهُ خَطَأً، وسُوءُ قالَةِ المُشْرِكِينَ أنَّهم فَعَلُوا بِأهْلِ دِينِهِمْ مِثْلَما فَعَلُوا بِنا، مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ، والإثْمُ إذا قُصِرَ،
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، مُتَعَلِّقٌ بِـ "أنْ تَطَؤُوهُمْ"، يَعْنِي: "أنْ تَطَؤُوهم غَيْرَ عالِمِينَ بِهِمْ"، والوَطْءُ عِبارَةٌ عَنِ الإيقاعِ، والإبادَةِ، والمَعْنى أنَّهُ كانَ بِمَكَّةَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مُخْتَلِطُونَ بِالمُشْرِكِينَ، غَيْرُ مُتَمَيِّزِينَ مِنهُمْ، فَقِيلَ: "وَلَوْلا"، كَراهَةَ أنْ تُهْلِكُوا ناسًا مُؤْمِنِينَ بَيْنَ ظَهْرانِي المُشْرِكِينَ، وأنْتُمْ غَيْرُ عارِفِينَ بِهِمْ، فَيُصِيبَكم بِإهْلاكِهِمْ مَكْرُوهٌ، ومَشَقَّةٌ، لَمّا كَفَّ أيْدِيَكم عَنْهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ اللهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾، تَعْلِيلٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ، وسِيقَتْ لَهُ، مِن كَفِّ الأيْدِي عَنْ أهْلِ مَكَّةَ، والمَنعِ عَنْ قَتْلِهِمْ، صَوْنًا (p-٣٤٢)لِما بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ قالَ: "كانَ الكَفُّ ومَنَعُ التَعْذِيبِ لِيُدْخِلَ اللهُ في رَحْمَتِهِ - أيْ: في تَوْفِيقِهِ، لِزِيادَةِ الخَيْرِ والطاعَةِ - مُؤْمِنِيهِمْ"، أوْ لِيُدْخِلَ في الإسْلامِ مَن رَغِبَ فِيهِ مِن مُشْرِكِيهِمْ،
﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾، لَوْ تَفَرَّقُوا، وتَمَيَّزَ المُسْلِمُونَ مِنَ الكافِرِينَ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ، أغْنى عَنْهُ جَوابُ "لَوْ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "لَوْ تَزَيَّلُوا"، كالتَكْرِيرِ، لِـ "لَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ"، لِمَرْجِعِهِما إلى مَعْنًى واحِدٍ، ويَكُونَ ﴿لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، هو الجَوابَ، تَقْدِيرُهُ: "وَلَوْلا أنْ تَطَؤُوا رِجالًا مُؤْمِنِينَ، ونِساءً مُؤْمِناتٍ، ولَوْ كانُوا مُتَمَيِّزِينَ لَعَذَّبْناهم بِالسَيْفِ"،
﴿مِنهُمْ﴾، مِن أهْلِ مَكَّةَ،
﴿عَذابًا ألِيمًا﴾
الفتح 48:26
والعامِلُ في ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ - أيْ: قُرَيْشًا -، "لَعَذَّبْنا"، أيْ: "لَعَذَّبْناهم في ذَلِكَ الوَقْتِ"، أوْ "اُذْكُرْ"،
﴿فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْـزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾، اَلْمُرادُ بِحَمِيَّةِ الَّذِينَ كَفَرُوا - وهي الأنَفَةُ -، وسَكِينَةِ المُؤْمِنِينَ - وهي الوَقارُ -، ما يُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ بِالحُدَيْبِيَةِ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ العُزّى، ومِكْرَزَ بْنَ حَفْصٍ، عَلى أنْ يَعْرِضُوا عَلى النَبِيِّ ﷺ أنْ يَرْجِعَ مِن عامِهِ ذَلِكَ، عَلى أنْ تُخَلِّيَ لَهُ قُرَيْشٌ مَكَّةَ مِنَ العامِ القابِلِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وكَتَبُوا بَيْنَهم كِتابًا، فَقالَ ﷺ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "اُكْتُبْ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، فَقالَ سُهَيْلٌ وأصْحابُهُ: ما نَعْرِفُ هَذا، ولَكِنِ اكْتُبْ: "بِاسْمِكَ اللهُمَّ"، ثُمَّ قالَ: "اُكْتُبْ: هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ"، فَقالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ ما صَدَدْناكَ عَنِ البَيْتِ، ولا قاتَلْناكَ، ولَكِنِ اكْتُبْ: "هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أهْلَ مَكَّةَ"، فَقالَ ﷺ: "اُكْتُبْ ما يُرِيدُونَ، فَأنا أشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللهِ، وأنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ"، فَهَمَّ المُسْلِمُونَ أنْ يَأْبَوْا ذَلِكَ، ويَشْمَئِزُّوا مِنهُ، فَأنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ السَكِينَةَ، فَتَوَقَّرُوا، وحَلُمُوا، »﴿وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَقْوى﴾، اَلْجُمْهُورُ عَلى أنَّها كَلِمَةُ (p-٣٤٣)الشَهادَةِ، وقِيلَ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، والإضافَةُ إلى التَقْوى بِاعْتِبارِ أنَّها سَبَبُ التَقْوى، وأساسُها، وقِيلَ: "كَلِمَةَ أهْلِ التَقْوى"،
﴿وَكانُوا﴾ أيْ: اَلْمُؤْمِنُونَ،
﴿أحَقَّ بِها﴾، مِن غَيْرِهِمْ،
﴿وَأهْلَها﴾، بِتَأْهِيلِ اللهِ إيّاهُمْ،
﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، فَيُجْرِي الأُمُورَ عَلى مَصالِحِها.
الفتح 48:27
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُؤْيا﴾ أيْ: صَدَقَهُ في رُؤْياهُ، ولَمْ يَكْذِبْهُ، (تَعالى) اللهُ عَنِ الكَذِبِ، فَحَذَفَ الجارَّ، وأوْصَلَ الفِعْلَ، كَقَوْلِهِ: ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأى قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الحُدَيْبِيَةِ كَأنَّهُ وأصْحابَهُ قَدْ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ، وقَدْ حَلَّقُوا، وقَصَّرُوا، فَقَصَّ الرُؤْيا عَلى أصْحابِهِ، فَفَرِحُوا، وحَسِبُوا أنَّهم داخِلُوها في عامِهِمْ، وقالُوا: إنَّ رُؤْيا رَسُولِ اللهِ ﷺ حَقٌّ، فَلَمّا تَأخَّرَ ذَلِكَ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، وغَيْرُهُ: واللهِ ما حَلَّقْنا، ولا قَصَّرْنا، ولا رَأيْنا المَسْجِدَ الحَرامَ، فَنَزَلَتْ، »﴿بِالحَقِّ﴾، مُتَعَلِّقٌ بِـ "صَدَقَ"، أيْ: "صَدَقَهُ فِيما رَأى، وفي كَوْنِهِ وحُصُولِهِ صِدْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ"، أيْ: بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ، وذَلِكَ ما فِيهِ مِنَ الِابْتِلاءِ والتَمْيِيزِ بَيْنَ المُؤْمِنِ الخالِصِ، وبَيْنَ مَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "بِالحَقِّ"، قَسَمًا، إمّا "بِالحَقِّ"، الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ، أوْ "بِالحَقِّ"، الَّذِي هو مِن أسْمائِهِ، وجَوابُهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾، وعَلى الأوَّلِ هو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ،
﴿إنْ شاءَ اللهُ﴾، حِكايَةٌ مِنَ اللهِ (تَعالى) قَوْلَ رَسُولِهِ لِأصْحابِهِ، وقَصِّهِمْ عَلَيْهِ، أوْ تَعْلِيمٌ لِعِبادِهِ أنْ يَقُولُوا في عِداتِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ، مُتَأدِّبِينَ بِأدَبِ اللهِ، ومُقْتَدِينَ بِسُنَّتِهِ،
﴿آمِنِينَ﴾، حالٌ، والشَرْطٌ مُعْتَرِضٌ،
﴿مُحَلِّقِينَ﴾، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "آمِنِينَ"،
﴿رُءُوسَكُمْ﴾ أيْ: جَمِيعَ شُعُورِها،
﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾، بَعْضَ شُعُورِها،
﴿لا تَخافُونَ﴾، حالٌ مُؤَكِّدَةٌ،
﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾، مِنَ الحِكْمَةِ في تَأْخِيرِ فَتْحِ مَكَّةَ إلى العامِ القابِلِ، (p-٣٤٤)﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن دُونِ فَتْحِ مَكَّةَ،
﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾، وهو فَتْحُ خَيْبَرَ، لِيَسْتَرْوِحَ إلَيْهِ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ، إلى أنْ يَتَيَسَّرَ الفَتْحُ المَوْعُودُ.
الفتح 48:28
﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾، بِالتَوْحِيدِ،
﴿وَدِينِ الحَقِّ﴾ أيْ: اَلْإسْلامِ،
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾، لِيُعْلِيَهُ ﴿عَلى الدِينِ كُلِّهِ﴾، عَلى جِنْسِ الدِينِ، يُرِيدُ الأدْيانَ المُخْتَلِفَةَ، مِنَ أدْيانِ المُشْرِكِينَ، وأهْلِ الكِتابِ، ولَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ -، فَإنَّكَ لا تَرى دِينًا قَطُّ إلّا ولِلْإسْلامِ دُونَهُ العِزَّةُ والغَلَبَةُ، وقِيلَ: هو عِنْدَ نُزُولِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -، حِينَ لا يَبْقى عَلى وجْهِ الأرْضِ كافِرٌ، وقِيلَ: هو إظْهارٌ بِالحُجَجِ، والآياتِ،
﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾، عَلى أنَّ ما وعَدَهُ كائِنٌ، وعَنِ الحَسَنِ: "شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ سَيُظْهِرُ دِينَهُ"، والتَقْدِيرُ: "وَكَفاهُ اللهُ شَهِيدًا"، و"شَهِيدًا"، تَمْيِيزٌ، أوْ حالٌ.
الفتح 48:29
﴿مُحَمَّدٌ﴾، خَبَرُ مُبْتَدَإٍ، أيْ: "هُوَ مُحَمَّدٌ"، لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: "هُوَ الَّذِي أرْسَلْ رَسُولَهُ"، أوْ مُبْتَدَأُ، خَبَرُهُ: ﴿رَسُولُ اللهِ﴾، وقَفَ عَلَيْهِ نُصَيْرٌ،
﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ أيْ: أصْحابُهُ، مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾، أوْ "مُحَمَّدٌ"، مُبْتَدَأٌ، و"رَسُولُ اللهِ"، عَطْفُ بَيانٍ، و"اَلَّذِينَ مَعَهُ"، عَطْفٌ عَلى المُبْتَدَإ، و"أشِدّاءُ"، خَبَرٌ عَنِ الجَمِيعِ، ومَعْناهُ: غِلاظٌ،
﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾، مُتَعاطِفُونَ، وهو خَبَرٌ ثانٍ، وهُما جَمْعا "شَدِيدٌ"، و"رَحِيمٌ"، ونَحْوُهُ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، وبَلَغَ مِن تَشَدُّدِهِمْ عَلى الكُفّارِ أنَّهم كانُوا يَتَحَرَّزُونَ مِن ثِيابِهِمْ أنْ تَلْزَقَ بِثِيابِهِمْ، ومِن أبْدانِهِمْ أنْ تَمَسَّ أبْدانَهُمْ، وبَلَغَ مِن تَراحُمِهِمْ فِيما بَيْنَهم أنَّهُ كانَ لا يَرى مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا إلّا صافَحَهُ، وعانَقَهُ،
﴿تَراهم رُكَّعًا﴾، راكِعِينَ،
﴿سُجَّدًا﴾، ساجِدِينَ،
﴿يَبْتَغُونَ﴾، حالٌ، كَما أنَّ "رُكَّعًا"، و"سُجَّدًا"، كَذَلِكَ،
﴿فَضْلا مِنَ اللهِ ورِضْوانًا سِيماهُمْ﴾، عَلامَتُهُمْ،
﴿فِي وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُجُودِ﴾ أيْ: مِنَ التَأْثِيرِ الَّذِي يُؤَثِّرُهُ السُجُودُ، وعَنْ عَطاءٍ: "اِسْتَنارَتْ وُجُوهُهم مِن طُولِ ما صَلَّوْا (p-٣٤٥)بِاللَيْلِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَيْلِ حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَهارِ"، »﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: اَلْمَذْكُورُ،
﴿مَثَلُهُمْ﴾، صِفَتُهُمْ،
﴿فِي التَوْراةِ﴾، وعَلَيْهِ وقْفٌ،
﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾، مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ﴾، فِراخَهُ، يُقالُ: "أشْطَأ الزَرْعُ"، إذا فَرَّخَ،
﴿فَآزَرَهُ﴾، قَوّاهُ، "فَأزَرَهُ"، "شامِيٌّ"،
﴿فاسْتَغْلَظَ﴾، فَصارَ مِنَ الرِقَّةِ إلى الغِلَظِ،
﴿فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾، فاسْتَقامَ عَلى قَصَبِهِ، جَمْعُ "ساقٌ"،
﴿يُعْجِبُ الزُرّاعَ﴾، يَتَعَجَّبُونَ مِن قُوَّتِهِ، وقِيلَ: مَكْتُوبٌ في الإنْجِيلِ: (سَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَنْبُتُونَ نَباتَ الزَرْعِ، يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ)، وعَنْ عِكْرِمَةَ: "أخْرَجَ شَطْأهُ بِأبِي بَكْرٍ، فَآزَرَهُ بِعُمَرَ، فاسْتَغْلَظَ بِعُثْمانَ، فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ بِعَلِيٍّ - رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ"، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ (تَعالى) لِبَدْءِ الإسْلامِ، وتَرَقِّيهِ في الزِيادَةِ إلى أنْ قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، لِأنَّ النَبِيَّ ﷺ قامَ وحْدَهُ، ثُمَّ قَوّاهُ اللهُ (تَعالى) بِمَن آمَنَ مَعَهُ، كَما يُقَوِّي الطاقَةَ الأُولى مِنَ الزَرْعِ ما يَحْتَفُّ بِها مِمّا يَتَوَلَّدُ مِنها، حَتّى يُعْجِبَ الزُرّاعَ،
﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾، تَعْلِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ تَشْبِيهُهم بِالزَرْعِ مِن نَمائِهِمْ، وتَرَقِّيهِمْ في الزِيادَةِ، والقُوَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَلَّلَ بِهِ ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾، لِأنَّ الكُفّارَ إذا سَمِعُوا بِما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ، مَعَ ما يُعِزُّهم بِهِ في الدُنْيا، غاظَهم ذَلِكَ، و"مِن"، في "مِنهُمْ"، لِلْبَيانِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، يَعْنِي: فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ، وقَوْلِكَ: "أنْفِقْ مِنَ الدَراهِمِ"، أيْ: اِجْعَلْ نَفَقَتَكَ هَذا الجِنْسَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ قَوْلَ الرَوافِضِ: إنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ وفاةِ النَبِيِّ ﷺ، إذِ الوَعْدُ لَهم بِالمَغْفِرَةِ والأجْرِ العَظِيمِ إنَّما يَكُونُ أنْ لَوْ ثَبَتُوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في حَياتِهِ.
الحجرات 49:1
(p-٣٤٦)سُورَةُ "اَلْحُجُراتِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا﴾، "قَدَّمَهُ"، و"أقْدَمَهُ"، مَنقُولانِ بِتَثْقِيلِ الحَشْوِ، والهَمْزَةِ، مِن "قَدَمَهُ"، إذا تَقَدَّمَهُ، في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ [هود: ٩٨]، وحَذَفَ المَفْعُولَ لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما وقَعَ في النَفْسِ مِمّا يُقَدَّمُ مِنَ القَوْلِ، أوِ الفِعْلِ، وجازَ ألّا يُقْصَدَ مَفْعُولٌ، والنَهْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى نَفْسِ التَقْدِمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [المؤمنون: ٨٠] أوْ هو مِن "قَدَّمَ"، بِمَعْنى "تَقَدَّمَ"، كَـ "وَجَّهَ"، بِمَعْنى "تَوَجَّهَ"، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ، وهي الجَماعَةُ المُتَقَدِّمَةُ مِنهُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ: "لا تَقَدَّمُوا"، بِحَذْفِ إحْدى تاءَيْ "تَتَقَدَّمُوا"،
﴿بَيْنَ يَدَيِ اللهِ ورَسُولِهِ﴾، حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: "جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْ فُلانٍ"، أنْ تَجْلِسَ بَيْنَ الجِهَتَيْنِ المُسامِتَتَيْنِ لِيَمِينِهِ وشِمالِهِ، قَرِيبًا مِنهُ، فَسُمِّيَتِ الجِهَتانِ "يَدَيْنِ"، لِكَوْنِهِما عَلى سَمْتِ اليَدَيْنِ، مَعَ القُرْبِ مِنهُما، تَوَسُّعًا، كَما يُسَمّى الشَيْءُ بِاسْمِ غَيْرِهِ، إذا جاوَرَهُ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ ضَرْبٌ مِنَ المَجازِ الَّذِي يُسَمّى "تَمْثِيلًا"، وفِيهِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَصْوِيرُ الهُجْنَةِ، والشَناعَةِ فِيما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الإقْدامِ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، دُونَ الِاحْتِذاءِ عَلى أمْثِلَةِ الكِتابِ والسُنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ (p-٣٤٧)يُجْرى مُجْرى قَوْلِكَ: "سَرَّنِي زَيْدٌ وحُسْنُ حالِهِ"، أيْ: "سَرَّنِي حُسْنُ حالِ زَيْدٍ"، فَكَذَلِكَ هُنا المَعْنى "بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ"، وفائِدَةُ هَذا الأُسْلُوبِ الدَلالَةُ عَلى قُوَّةِ الِاخْتِصاصِ، ولَمّا كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ اللهِ بِالمَكانِ الَّذِي لا يَخْفى، سَلَكَ بِهِ هَذا المَسْلَكَ، وفي هَذا تَمْهِيدٌ لِما نَقَمَ مِنهُمْ، مِن رَفْعِ أصْواتِهِمْ فَوْقَ صَوْتِهِ ﷺ، لِأنَّ مَن فَضَّلَهُ اللهُ بِهَذِهِ الأثَرَةِ، واخْتَصَّهُ هَذا الِاخْتِصاصَ، كانَ أدْنى ما يَجِبُ لَهُ مِنَ التَهَيُّبِ، والإجْلالِ، أنْ يُخْفَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ الصَوْتُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ أُناسًا ذَبَحُوا يَوْمَ الأضْحى قَبْلَ الصَلاةِ، فَنَزَلَتْ، وأمَرَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُعِيدُوا ذَبْحًا آخَرَ، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها - أنَّها نَزَلَتْ في النَهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَكِّ،
﴿واتَّقُوا اللهَ﴾، فَإنَّكم إنِ اتَّقَيْتُمُوهُ عاقَتْكُمُ التَقْوى عَنِ التَقْدِمَةِ المَنهِيِّ عَنْها،
﴿إنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾، لِما تَقُولُونَ،
﴿عَلِيمٌ﴾، بِما تَعْمَلُونَ، وحَقُّ مِثْلِهِ أنْ يُتَّقى.
الحجرات 49:2
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إعادَةُ النِداءِ عَلَيْهِمُ اسْتِدْعاءٌ مِنهم لِتَجْدِيدِ الِاسْتِبْصارِ عِنْدَ كُلِّ خِطابٍ وارِدٍ، وتَحْرِيكٌ مِنهُمْ، لِئَلّا يَغْفُلُوا عَنْ تَأمُّلِهِمْ،
﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَبِيِّ﴾ أيْ: إذا نَطَقَ ونَطَقْتُمْ، فَعَلَيْكم ألّا تَبْلُغُوا بِأصْواتِكم وراءَ الحَدِّ الَّذِي يَبْلُغُهُ بِصَوْتِهِ، وأنْ تَغُضُّوا مِنها، بِحَيْثُ يَكُونُ كَلامُهُ عالِيًا لِكَلامِكُمْ، وجَهْرُهُ باهِرًا لِجَهْرِكُمْ، حَتّى تَكُونَ مَزِيَّتُهُ عَلَيْكم لائِحَةً، وسابِقَتُهُ لَدَيْكم واضِحَةً،
﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ أيْ: إذا كَلَّمْتُمُوهُ، وهو صامِتٌ، فَإيّاكم والعُدُولَ عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ، مِن رَفْعِ الصَوْتِ، بَلْ عَلَيْكم ألّا تَبْلُغُوا بِهِ الجَهْرَ الدائِرَ بَيْنَكُمْ، وأنْ تَتَعَمَّدُوا في مُخاطَبَتِهِ القَوْلَ اللَيِّنَ، المُقَرَّبَ مِنَ الهَمْسِ، الَّذِي يُضادُّ الجَهْرَ، أوْ لا تَقُولُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، يا أحْمَدُ، وخاطِبُوهُ بِالنُبُوَّةِ، والسَكِينَةِ، والتَعْظِيمِ، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما كَلَّمَ النَبِيَّ ﷺ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، إلّا كَأخِي السِرارِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّها نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ (p-٣٤٨)شَمّاسٍ، وكانَ في أُذُنِهِ وقْرٌ، وكانَ جَهْوَرِيَّ الصَوْتِ، وكانَ إذا كَلَّمَ رَفَعَ صَوْتَهُ، ورُبَّما كانَ يُكَلِّمُ النَبِيَّ ﷺ فَيَتَأذّى بِصَوْتِهِ، وكافُ التَشْبِيهِ في مَحَلِّ النَصْبِ، أيْ: لا تَجْهَرُوا لَهُ جَهْرًا مِثْلَ جَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، وفي هَذا أنَّهم لَمْ يُنْهَوْا عَنِ الجَهْرِ مُطْلَقًا، حَتّى لا يَسُوغَ لَهم إلّا أنْ يُكَلِّمُوهُ بِالمُخافَتَةِ، وإنَّما نُهُوا عَنْ جَهْرٍ مَخْصُوصٍ، أعْنِي الجَهْرَ المَنعُوتَ بِمُماثَلَةِ ما قَدِ اعْتادُوهُ مِنهُ فِيما بَيْنَهُمْ، وهو الخُلُوُّ مِن مُراعاةِ أُبَّهَةِ النُبُوَّةِ، وجَلالَةِ مِقْدارِها،
﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾، مَنصُوبُ المَوْضِعِ، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى النَهْيِ، والمَعْنى: "اِنْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ لِحُبُوطِ أعْمالِكُمْ"، أيْ: لِخَشْيَةِ حُبُوطِها، عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ،
﴿وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾
الحجرات 49:3
﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللهِ﴾، تَمَّ اسْمُ "إنَّ"، عِنْدَ "رَسُولِ اللهِ"، والمَعْنى: "يَخْفِضُونَ أصْواتَهم في مَجْلِسِهِ، تَعْظِيمًا لَهُ،
﴿أُولَئِكَ﴾، مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾، وتَمَّ صِلَةُ "اَلَّذِينَ"، عِنْدَ قَوْلِهِ: "لِلتَّقْوى"، و"أُولَئِكَ"، مَعَ خَبَرِهِ، خَبَرُ "إنَّ"، والمَعْنى: "أخْلَصَها لِلتَّقْوى"، مِن قَوْلِهِمْ: "اِمْتَحَنَ الذَهَبَ"، و"فَتَنَهُ"، إذا أذابَهُ، فَخَلَّصَ إبْرِيزَهُ مِن خَبَثِهِ، ونَقّاهُ، وحَقِيقَتُهُ: "عامَلَها مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ، فَوَجَدَها مُخْلِصَةً"، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "أذْهَبَ الشَهَواتِ عَنْها"، و"اَلِامْتِحانُ": "اِفْتِعالٌ"، مِن "مَحَنَهُ"، وهو اخْتِبارٌ بَلِيغٌ، أوْ بَلاءٌ جَهِيدٌ،
﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾، جُمْلَةٌ أُخْرى، قِيلَ: نَزَلَتْ في الشَيْخَيْنِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -، لِما كانَ مِنهُما مِن غَضِّ الصَوْتِ، وهَذِهِ الآيَةُ بِنَظْمِها الَّذِي رُتِّبَتْ عَلَيْهِ، مِن إيقاعِ الغاضِّينَ أصْواتَهُمُ اسْمًا لِـ "إنَّ"، اَلْمُؤَكِّدَةِ، وتَصْيِيرِ خَبَرِها جُمْلَةً مِن مُبْتَدَإٍ وخَبَرٍ مَعْرِفَتَيْنِ، مَعًا، والمُبْتَدَإ اسمَ الإشارَةِ، واسْتِئْنافِ الجُمْلَةِ المُسْتَوْدَعَةِ ما هو جَزاؤُهم عَلى عَمَلِهِمْ، وإيرادِ الجَزاءِ نَكِرَةً مُبْهَمًا أمْرُهُ، دالَّةٌ عَلى غايَةِ الِاعْتِدادِ، والِارْتِضاءِ بِفِعْلِ الخافِضِينَ أصْواتَهُمْ، وفِيها تَعْرِيضٌ لِعَظِيمِ ما ارْتَكَبَ الرافِعُونَ أصْواتَهم.
الحجرات 49:4
(p-٣٤٩)﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾، نَزَلَتْ في وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، أتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وقْتَ الظَهِيرَةِ، وهو راقِدٌ، وفِيهِمُ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، ونادَوُا النَبِيَّ ﷺ مِن وراءِ حُجُراتِهِ، وقالُوا: اُخْرُجْ إلَيْنا يا مُحَمَّدُ، فَإنَّ مَدْحَنا زَيْنٌ، وذَمَّنا شَيْنٌ، فاسْتَيْقَظَ، وخَرَجَ، و"اَلْوَراءُ": اَلْجِهَةُ الَّتِي يُوارِيها عَنْكَ الشَخْصُ بِظِلِّهِ، مِن خَلْفٍ، أوْ قُدّامٍ، و"مِن"، لِابْتِداءِ الغايَةِ، وأنَّ المُناداةَ نَشَأتْ مِن ذَلِكَ المَكانِ، و"اَلْحُجْرَةُ": اَلرُّقْعَةُ مِنَ الأرْضِ، المَحْجُورَةُ بِحائِطٍ يُحَوِّطُ عَلَيْها، وهي "فُعْلَةٌ"، بِمَعْنى "مَفْعُولَةٌ"، كَـ "اَلْقُبْضَةُ"، وجَمْعُها "اَلْحُجُراتُ"، بِضَمَّتَيْنِ، و"اَلْحُجَراتُ"، بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ "يَزِيدَ"، والمُرادُ "حُجُراتُ نِساءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ"، كانَتْ لِكُلٍّ مِنهُنَّ حُجْرَةٌ، ومُناداتُهم مِن ورائِها، ولَعَلَّهم تَفَرَّقُوا عَلى الحُجُراتِ مُتَطَلِّبِينَ لَهُ، أوْ نادَوْهُ مِن وراءِ الحُجْرَةِ الَّتِي كانَ ﷺ فِيها، ولَكِنَّها جُمِعَتْ إجْلالًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، والفِعْلُ وإنْ كانَ مُسْنَدًا إلى جَمِيعِهِمْ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّاهُ بَعْضُهُمْ، وكانَ الباقُونَ راضِينَ، فَكَأنَّهم تَوَلَّوْهُ جَمِيعًا، "أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ"، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن قُصِدَ اسْتِثْناؤُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ النَفْيَ العامَّ، إذِ القِلَّةُ تَقَعُ مَوْقِعَ النَفْيِ، ووُرُودُ الآيَةِ عَلى النَمَطِ الَّذِي ورَدَتْ عَلَيْهِ فِيهِ ما لا يَخْفى مِن إجْلالِ مَحَلِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مِنها التَسْجِيلُ عَلى الصائِحِينَ بِهِ بِالسَفَهِ، والجَهْلِ، ومِنها إيقاعُ لَفْظِ "اَلْحُجُراتِ"، كِنايَةً عَنْ مَوْضِعِ خَلْوَتِهِ، ومَقِيلِهِ مَعَ بَعْضِ نِسائِهِ، ومِنها التَعْرِيفُ بِاللامِ دُونَ الإضافَةِ، ولَوْ تَأمَّلَ مُتَأمِّلٌ مِن أوَّلِ السُورَةِ إلى آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ لَوَجَدَها كَذَلِكَ، فَتَأمَّلْ كَيْفَ ابْتَدَأ بِإيجابِ أنْ تَكُونَ الأُمُورُ الَّتِي تَنْتَمِي إلى اللهِ ورَسُولِهِ مُتَقَدِّمَةً عَلى الأُمُورِ كُلِّها، مِن غَيْرِ تَقَيُّدٍ، ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ النَهْيَ عَمّا هو مِن جِنْسِ التَقْدِيمِ، مِن رَفْعِ الصَوْتِ، والجَهْرِ، كَأنَّ الأوَّلَ بِساطٌ لِلثّانِي، ثُمَّ أثْنى عَلى الغاضِّينَ أصْواتَهُمْ، لِيَدُلَّ عَلى عَظِيمِ مَوْقِعِهِ عِنْدَ اللهِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما هو أطَمُّ، وهُجْنَتُهُ أتَمُّ، مِنَ الصِياحِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ في حالِ خَلْوَتِهِ مِن وراءِ الجُدُرِ، كَما (p-٣٥٠)يُصاحُ بِأهْوَنِ الناسِ قَدْرًا، لِيُنَبِّهَ عَلى فَظاعَةِ ما جَسَرُوا عَلَيْهِ، لِأنَّ مَن رَفَعَ اللهُ قَدْرَهُ عَنْ أنْ يُجْهَرَ لَهُ بِالقَوْلِ، كانَ صَنِيعُ هَؤُلاءِ مِنَ المُنْكَرِ الَّذِي بَلَغَ في التَفاحُشِ مَبْلَغًا.
الحجرات 49:5
﴿وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا﴾ أيْ: ولَوْ ثَبَتَ صَبْرُهُمْ، ومَحَلُّ "أنَّهم صَبَرُوا"، اَلرَّفْعُ، عَلى الفاعِلِيَّةِ، و"اَلصَّبْرُ": حَبْسُ النَفْسِ عَنْ أنْ تُنازِعَ إلى هَواها، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]، وقَوْلُهُمْ: "صَبَرَ عَنْ كَذا"، مَحْذُوفٌ مِنهُ المَفْعُولُ، وهو النَفْسُ، وقِيلَ: "اَلصَّبْرُ مُرٌّ، لا يَتَجَرَّعُهُ إلّا حُرٌّ"، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ﴾، يُفِيدُ أنَّهُ لَوْ خَرَجَ، ولَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُ إلَيْهِمْ، ولِأجْلِهِمْ، لَلَزِمَهم أنْ يَصْبِرُوا إلى أنْ يَعْلَمُوا أنَّ خُرُوجَهُ إلَيْهِمْ،
﴿لَكانَ﴾، اَلصَّبْرُ،
﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾، في دِينِهِمْ،
﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، بَلِيغُ الغُفْرانِ والرَحْمَةِ، واسِعُهُما، فَلَنْ يُضَيِّقَ غُفْرانَهُ ورَحْمَتَهُ عَنْ هَؤُلاءِ إنْ تابُوا وأنابُوا.
الحجرات 49:6
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾، أجْمَعُوا أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وقَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُصَدِّقًا إلى بَنِي المُصْطَلِقِ، وكانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم إحْنَةٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا شارَفَ دِيارَهُمْ، رَكِبُوا مُسْتَقْبِلِينَ إلَيْهِ، فَحَسِبَهم مُقاتِلِيهِ، فَرَجَعَ، وقالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: «قَدِ ارْتَدُّوا، ومَنَعُوا الزَكاةَ، فَبَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فَوَجَدَهم يُصَلُّونَ، فَسَلَّمُوا إلَيْهِ الصَدَقاتِ، فَرَجَعَ، » وفي تَنْكِيرِ الفاسِقِ، والنَبَإ، شِياعٌ في الفُسّاقِ، والأنْباءِ، كَأنَّهُ قالَ: "أيُّ فاسِقٍ جاءَكم بِأيِّ نَبَإٍ"،
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، فَتَوَقَّفُوا فِيهِ، وتَطَلَّبُوا بَيانَ الأمْرِ، وانْكِشافَ الحَقِيقَةِ، ولا تَعْتَمِدُوا قَوْلَ الفاسِقِ، لِأنَّ مَن لا يَتَحامى جِنْسَ الفُسُوقِ، لا يَتَحامى الكَذِبَ، الَّذِي هو نَوْعٌ مِنهُ، وفي الآيَةِ دَلالَةُ قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ العَدْلِ، لِأنّا لَوْ تَوَقَّفْنا في خَبَرِهِ، لَسَوَّيْنا بَيْنَهُ وبَيْنَ الفاسِقِ، ولَخَلا التَخْصِيصُ بِهِ عَنِ الفائِدَةِ، و"اَلْفُسُوقُ": اَلْخُرُوجُ مِنَ الشَيْءِ، ويُقالُ: "فَسَقَتِ الرُطَبَةُ عَنْ قِشْرِها"، ومِن مَقْلُوبِهِ: "فَقَسْتُ البَيْضَةَ"، إذا كَسَرْتَها، (p-٣٥١)وَأخْرَجْتَ ما فِيها، ومِن مَقْلُوبِهِ أيْضًا: "قَفَسْتُ الشَيْءَ"، إذا أخْرَجْتُهُ مِن يَدِ مالِكِهِ، مُغْتَصِبًا لَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الخُرُوجِ عَنِ القَصْدِ، بِرُكُوبِ الكَبائِرِ، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ": "فَتَثَبَّتُوا"، و"اَلتَّثَبُّتُ"، و"اَلتَّبَيُّنُ"، مُتَقارِبانِ، وهُما طَلَبُ الثَباتِ، والبَيانِ، والتَعَرُّفِ،
﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾، لِئَلّا تُصِيبُوا،
﴿بِجَهالَةٍ﴾، حالٌ، يَعْنِي: "جاهِلِينَ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ وكُنْهِ القِصَّةِ"،
﴿فَتُصْبِحُوا﴾، فَتَصِيرُوا،
﴿عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾، "اَلنَّدَمُ": ضَرْبٌ مِنَ الغَمِّ، وهو أنْ تَغْتَمَّ عَلى ما وقَعَ مِنكَ، تَتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ، وهو غَمٌّ يَصْحَبُ الإنْسانَ صُحْبَةً لَها دَوامٌ.
الحجرات 49:7
﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللهِ﴾، فَلا تَكْذِبُوا، فَإنَّ اللهَ يُخْبِرُهُ، فَيَنْهَتِكَ سِتْرُ الكاذِبِ، أوْ فارْجِعُوا إلَيْهِ، اطْلُبُوا رَأْيَهُ، ثُمَّ قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، لَوَقَعْتُمْ في الجَهْدِ، والهَلاكِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ زَيَّنُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ الإيقاعَ بِبَنِي المُصْطَلِقِ، وتَصْدِيقَ قَوْلِ الوَلِيدِ، وأنَّ بَعْضَهم كانُوا يَتَصَوَّنُونَ، ويَزَعُهم جِدُّهم في التَقْوى عَنِ الجَسارَةِ عَلى ذَلِكَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَثْناهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى، ولَمّا كانَتْ صِفَةُ الَّذِينَ حَبَّبَ اللهُ إلَيْهِمُ الإيمانَ غايَرَتْ صِفَةَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ، وقَعَتْ "لَكِنَّ"، في حاقِّ مَوْقِعِها مِنَ الِاسْتِدْراكِ، وهو مُخالَفَةُ ما بَعْدَها لِما قَبْلَهُ، نَفْيًا، وإثْباتًا،
﴿وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ﴾، وهو تَغْطِيَةُ نِعَمِ اللهِ، وغَمْطُها بِالجُحُودِ،
﴿والفُسُوقَ﴾، وهو الخُرُوجُ عَنْ مَحَجَّةِ الإيمانِ، بِرُكُوبِ الكَبائِرِ،
﴿والعِصْيانَ﴾، وهو تَرْكُ الِانْقِيادِ لِما أمَرَ بِهِ الشارِعُ،
﴿أُولَئِكَ هُمُ الراشِدُونَ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المُسْتَثْنَوْنَ هُمُ الراشِدُونَ، يَعْنِي أصابُوا طَرِيقَ الحَقِّ، ولَمْ يَمِيلُوا عَنْ الِاسْتِقامَةِ، و"اَلرُّشْدُ": اَلِاسْتِقامَةُ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ، مَعَ تَصَلُّبٍ فِيهِ، مِن "اَلرَّشادَةُ"، وهي الصَخْرَةُ.
الحجرات 49:8
﴿فَضْلا مِنَ اللهِ ونِعْمَةً﴾، اَلْفَضْلُ والنِعْمَةُ بِمَعْنى الإفْضالِ والإنْعامِ، (p-٣٥٢)والِانْتِصابُ عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أيْ: حَبَّبَ، وكَرَّهَ لِلْفَضْلِ والنِعْمَةِ،
﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾، بِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وما بَيْنَهم مِنَ التَمايُزِ، والتَفاضُلِ،
﴿حَكِيمٌ﴾، حِينَ يُفْضِلُ ويُنْعِمُ بِالتَوْفِيقِ عَلى الأفاضِلِ.
الحجرات 49:9
﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾، «وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى مَجْلِسِ بَعْضِ الأنْصارِ، وهو عَلى حِمارٍ، فَبالَ الحِمارُ، فَأمْسَكَ ابْنُ أُبَيٍّ بِأنْفِهِ، وقالَ: خَلِّ سَبِيلَ حِمارِكَ، فَقَدْ آذانا نُتْنُهُ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ: "واللهِ إنَّ بَوْلَ حِمارِهِ لِأطْيَبُ مِن مِسْكِكَ"، ومَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ، وطالَ الخَوْضُ بَيْنَهُما حَتّى اسْتَبّا، وتَجالَدا، وجاءَ قَوْماهُما، وهُما الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَتَجالَدُوا بِالعِصِيِّ، وقِيلَ: بِالأيْدِي، والنِعالِ، والسَعَفِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ، » ونَزَلَتْ، وجَمَعَ "اِقْتَتَلُوا"، حَمْلًا عَلى المَعْنى، لِأنَّ الطائِفَتَيْنِ في مَعْنى "اَلْقَوْمُ"، و"اَلنّاسُ"، وثَنّى في "فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما"، نَظَرًا إلى اللَفْظِ،
﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾، "اَلْبَغْيُ": اَلِاسْتِطالَةُ، والظُلْمُ، وإباءُ الصُلْحِ،
﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ﴾ أيْ: تَرْجِعَ، و"اَلْفَيْءُ": اَلرُّجُوعُ، وقَدْ سُمِّيَ بِهِ الظِلُّ، والغَنِيمَةُ، لِأنَّ الظِلَّ يَرْجِعُ بَعْدَ نَسْخِ الشَمْسِ، والغَنِيمَةَ ما يَرْجِعُ مِن أمْوالِ الكُفّارِ إلى المُسْلِمِينَ، وحُكْمُ الفِئَةِ الباغِيَةِ وُجُوبُ قِتالِها، ما قاتَلَتْ، فَإذا كَفَّتْ، وقَبَضَتْ عَنِ الحَرْبِ أيْدِيَها، تُرِكَتْ،
﴿إلى أمْرِ اللهِ﴾، اَلْمَذْكُورِ في كِتابِهِ، مِنَ الصُلْحِ وزَوالِ الشَحْناءِ،
﴿فَإنْ فاءَتْ﴾، عَنِ البَغْيِ، إلى أمْرِ اللهِ،
﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾، بِالإنْصافِ،
﴿وَأقْسِطُوا﴾، واعْدِلُوا، وهو أمْرٌ بِاسْتِعْمالِ القِسْطِ، عَلى طَرِيقِ العُمُومِ، بَعْدَ ما أُمِرَ بِهِ في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ،
﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾، اَلْعادِلِينَ، و"اَلْقَسْطُ": اَلْجَوْرُ، و"اَلْقِسْطُ": اَلْعَدْلُ، والفِعْلُ مِنهُ: "أقْسَطَ"، وهَمْزَتُهُ لِلسَّلْبِ، أيْ: أزالَ القَسْطُ، وهو الجَوْرُ.
الحجرات 49:10
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾، هَذا تَقْرِيرٌ لِما ألْزَمَهُ مَن تَوَلّى (p-٣٥٣)الإصْلاحَ بَيْنَ مَن وقَعَتْ بَيْنَهُمُ المُشاقَّةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وبَيانُ أنَّ الإيمانَ قَدْ عَقَدَ بَيْنَ أهْلِهِ مِنَ السَبَبِ القَرِيبِ، والنَسَبِ اللاصِقِ، ما إنْ لَمْ يَفْضُلِ الأُخُوَّةَ لَمْ يَنْقُصْ عَنْها، ثُمَّ قَدْ جَرَتِ العادَةُ عَلى أنَّهُ إذا نَشِبَ مِثْلُ ذَلِكَ بَيْنَ الأخَوَيْنِ وِلادًا أُلْزِمَ السائِرُ أنْ يَتَناهَضُوا في رَفْعِهِ، وإزاحَتِهِ، بِالصُلْحِ بَيْنَهُما، فالأُخُوَّةُ في الدِينِ أحَقُّ بِذَلِكَ، "إخْوَتِكُمْ"، "يَعْقُوبُ"،
﴿واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: واتَّقُوا اللهَ، فالتَقْوى تَحْمِلُكم عَلى التَواصُلِ، والِائْتِلافِ، وكانَ عِنْدَ فِعْلِكم ذَلِكَ وُصُولُ رَحْمَةِ اللهِ إلَيْكم مَرْجُوًّا، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ البَغْيَ لا يُزِيلُ اسْمَ الإيمانِ، لِأنَّهُ سَمّاهم "مُؤْمِنِينَ"، مَعَ وُجُودِ البَغْيِ.
الحجرات 49:11
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ﴾، "اَلْقَوْمُ": اَلرِّجالُ خاصَّةً، لِأنَّهُمُ القُوّامُ بِأُمُورِ النِساءِ، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿الرِجالُ قَوّامُونَ عَلى النِساءِ﴾ [النساء: ٣٤]، وهو في الأصْلِ جَمْعُ "قائِمٌ"، كَـ "صَوْمٌ"، و"زَوْرٌ"، في جَمْعِ "صائِمٌ"، و"زائِرٌ"، واخْتِصاصُ القَوْمِ بِالرِجالِ صَرِيحٌ في الآيَةِ، إذْ لَوْ كانَتِ النِساءُ داخِلَةً في "قَوْمٌ"، لَمْ يَقُلْ: "وَلا نِساءٌ"، وحَقَّقَ ذَلِكَ زُهَيْرٌ في قَوْلِهِ:
؎ وما أدْرِي ولَسْتُ إخالُ أدْرِي... أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ
وَأمّا قَوْلُهم في "قَوْمُ فِرْعَوْنَ"، و"قَوْمُ عادٍ"، هُمُ الذُكُورُ، والإناثُ، فَلَيْسَ لَفْظُ القَوْمِ بِمُتَعاطٍ لِلْفَرِيقَيْنِ، ولَكِنْ قُصِدَ ذِكْرُ الذُكُورِ، وتَرْكُ ذِكْرِ الإناثِ، لِأنَّهُنَ تَوابِعُ لِرِجالِهِنَّ، وتَنْكِيرُ القَوْمِ والنِساءِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أنْ يُرادَ "لا يَسْخَرْ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مِن بَعْضٍ"، وأنْ يُقْصَدَ إفادَةُ الشِياعِ، وأنْ يَصِيرَ كُلُّ جَماعَةٍ مِنهم مَنهِيَّةً مِنَ السُخْرِيَةِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: "رَجُلٌ مِن رَجُلٍ"، ولا "اِمْرَأةٌ مِنَ امْرَأةٍ"، عَلى التَوْحِيدِ، إعْلامًا بِإقْدامِ غَيْرِ واحِدٍ مِن رِجالِهِمْ، وغَيْرِ واحِدَةٍ مِن نِسائِهِمْ، عَلى السُخْرِيَةِ، واسْتِفْظاعًا لِلشَّأْنِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ورَدَ مَوْرِدَ جَوابِ المُسْتَخْبِرِ عَنْ عِلَّةِ النَهْيِ، وإلّا فَقَدَ كانَ حَقُّهُ أنْ يُوصَلَ بِما قَبْلَهُ بِالفاءِ، والمَعْنى وُجُوبُ أنْ يَعْتَقِدَ كُلُّ واحِدٍ أنَّ (p-٣٥٤)المَسْخُورَ مِنهُ رُبَّما كانَ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا مِنَ الساخِرِ، إذْ لا اطِّلاعَ لِلنّاسِ إلّا عَلى الظَواهِرِ، ولا عِلْمَ لَهم بِالسَرائِرِ، والَّذِي يَزِنُ عِنْدَ اللهِ خُلُوصُ الضَمائِرِ، فَيَنْبَغِي ألّا يَجْتَرِئَ أحَدٌ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِمَن تَقْتَحِمُهُ عَيْنُهُ، إذا رَآهُ رَثَّ الحالِ، أوْ ذا عاهَةٍ في بَدَنِهِ، أوْ غَيْرَ لَبِيقٍ في مُحادَثَتِهِ، فَلَعَلَّهُ أخْلَصُ ضَمِيرًا، وأتْقى قَلْبًا مِمَّنْ هو عَلى ضِدِّ صِفَتِهِ، فَيَظْلِمَ نَفْسَهُ بِتَحْقِيرِ مَن وقَّرَهُ اللهُ (تَعالى)، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "اَلْبَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالقَوْلِ، لَوْ سَخِرْتُ مِن كَلْبٍ لَخَشِيتُ أنْ أُحَوَّلَ كَلْبًا"،
﴿وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾، ولا تَطْعَنُوا أهْلَ دِينِكُمْ، و"اَللَّمْزُ": اَلطَّعْنُ، والضَرْبُ بِاللِسانِ، "وَلا تُلَمِّزُوا"، "يَعْقُوبُ وسَهْلٌ"، والمُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، فَإذا عابَ المُؤْمِنُ المُؤْمِنَ، فَكَأنَّما عابَ نَفْسَهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: "لا تَفْعَلُوا ما تُلْمَزُونَ بِهِ"، لِأنَّ مَن فَعَلَ ما اسْتَحَقَّ بِهِ اللَمْزَ فَقَدْ لَمَزَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً،
﴿وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾، اَلتَّنابُزُ بِالألْقابِ: اَلتَّداعِي بِها، و"اَلنَّبْزُ": لَقَبُ السُوءِ، والتَلْقِيبُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو ما يَتَداخَلُ المَدْعُوَّ بِهِ كَراهَةٌ، لِكَوْنِهِ تَقْصِيرًا بِهِ، وذَمًّا لَهُ، فَأمّا ما يُحِبُّهُ فَلا بَأْسَ بِهِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا مِن بَنِي تَمِيمٍ اسْتَهْزَؤُوا بِبِلالٍ، وخَبّابٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، فَنَزَلَتْ، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها - أنَّها كانَتْ تَسْخَرُ مِن زَيْنَبَ بِنْتِ خُزَيْمَةَ، وكانَتْ قَصِيرَةً، وعَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "عَيَّرَتْ نِساءُ النَبِيِّ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ بِالقِصَرِ، ورُوِيَ «أنَّها نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وكانَ بِهِ وقْرٌ، فَكانُوا يُوَسِّعُونَ لَهُ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَسْمَعَ، فَأتى يَوْمًا وهو يَقُولُ: تَفَسَّحُوا، حَتّى انْتَهى إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ لِرَجُلٍ: تَنَحَّ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقالَ: مَن هَذا؟ فَقالَ الرَجُلُ: أنا فُلانٌ، فَقالَ: بَلْ أنْتَ ابْنُ فُلانَةَ، يُرِيدُ أُمًّا كانَ يُعَيَّرُ بِها في الجاهِلِيَّةِ، فَخَجِلَ الرَجُلُ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ ثابِتٌ: لا أفْخَرُ عَلى أحَدٍ في الحَسَبِ بَعْدَها أبَدًا، »﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾، "اَلِاسْمُ"، هَهُنا، بِمَعْنى "اَلذِّكْرُ"، مِن قَوْلِهِمْ: "طارَ اسْمُهُ في الناسِ بِالكَرَمِ، أوْ بِاللُؤْمِ"، وحَقِيقَتُهُ ما سَما مِن ذِكْرِهِ (p-٣٥٥)وارْتَفَعَ بَيْنَ الناسِ، كَأنَّهُ قِيلَ: "بِئْسَ الذِكْرُ المُرْتَفِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ ارْتِكابِ هَذِهِ الجَرائِمِ أنْ يُذْكَرُوا بِالفِسْقِ"، وقَوْلُهُ: "بَعْدَ الإيمانِ"، اِسْتِقْباحٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الإيمانِ، وبَيْنَ الفِسْقِ، الَّذِي يَحْظُرُهُ الإيمانُ، كَما تَقُولُ: "بِئْسَ الشَأْنُ بَعْدَ الكَبْرَةِ الصَبْوَةُ"، وقِيلَ: كانَ في شَتائِمِهِمْ لِمَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ: "يا يَهُودِيُّ، يا فاسِقُ"، فَنُهُوا عَنْهُ، وقِيلَ لَهُمْ: "بِئْسَ الذِكْرُ أنْ تَذْكُرُوا الرَجُلَ بِالفِسْقِ واليَهُودِيَّةِ بَعْدَ إيمانِهِ"،
﴿وَمَن لَمْ يَتُبْ﴾، عَمّا نُهِيَ عَنْهُ،
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾، وحَّدَ وجَمَعَ لِلَفْظِ "مَن"، ومَعْناهُ.
الحجرات 49:12
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَنِّ﴾، يُقالُ: "جَنَّبَهُ الشَرَّ"، إذا أبْعَدَهُ عَنْهُ، وحَقِيقَتُهُ جَعْلُهُ في جانِبٍ، فَيُعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ومُطاوَعَهُ: "اِجْتَنَبَ الشَرَّ"، فَنَقُصَ مَفْعُولًا، والمَأْمُورُ بِاجْتِنابِهِ بَعْضُ الظَنِّ، وذَلِكَ البَعْضُ مَوْصُوفٌ بِالكَثْرَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ﴾، قالَ الزَجّاجُ: هو ظَنُّكَ بِأهْلِ الخَيْرِ سُوءًا، فَأمّا أهْلُ الفِسْقِ فَلَنا أنْ نَظُنَّ فِيهِمْ مِثْلَ الَّذِي ظَهَرَ مِنهُمْ، أوْ مَعْناهُ: "اِجْتِنابًا كَثِيرًا"، أوْ "اِحْتَرِزُوا مِنَ الكَثِيرِ، لِيَقَعَ التَحَرُّزُ عَنِ البَعْضِ، و"اَلْإثْمُ": اَلذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ العِقابَ، ومِنهُ قِيلٌ لِعُقُوبَتِهِ: "اَلْأثامُ"، "فَعالٌ"، مِنهُ، كَـ "اَلنَّكالُ"، و"اَلْعَذابُ"،
﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أيْ: لا تَتَّبِعُوا عَوْراتِ المُسْلِمِينَ، ومَعايِبَهُمْ، يُقالُ: "تَجَسَّسَ الأمْرَ"، إذا تَطَلَّبَهُ، وبَحَثَ عَنْهُ، "تَفَعُّلٌ"، مِن "اَلْجَسُّ"، وعَنْ مُجاهِدٍ: "خُذُوا ما ظَهَرَ، ودَعُوا ما سَتَرَ اللهُ"، وقالَ سَهْلٌ: "لا تَبْحَثُوا عَنْ طَلَبِ مَعايِبِ ما سَتَرَهُ اللهُ عَلى عِبادِهِ"،
﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾، "اَلْغِيبَةُ": اَلذِّكْرُ بِالعَيْبِ في ظَهْرِ الغَيْبِ، وهي مِن "اَلِاغْتِيابُ"، كَـ "اَلْغِيلَةُ"، مِن "اَلِاغْتِيالُ"، وفي الحَدِيثِ: « "هُوَ أنْ تَذْكُرَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ، فَإنْ كانَ فِيهِ فَهو غِيبَةٌ، وإلّا فَهو بُهْتانٌ"، » وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "اَلْغِيبَةُ إدامُ كِلابِ الناسِ"،
﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾، "مَيِّتًا"، "مَدَنِيٌّ"، وهَذا (p-٣٥٦)تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِما يَنالُهُ المُغْتابُ مِن عِرْضِ المُغْتابِ، عَلى أفْحَشِ وجْهٍ، وفِيهِ مُبالَغاتٌ، مِنها الِاسْتِفْهامُ، الَّذِي مَعْناهُ التَقْرِيرُ، ومِنها جَعْلُ ما هو في الغايَةِ مِنَ الكَراهَةِ، مَوْصُولًا بِالمَحَبَّةِ، ومِنها إسْنادُ الفِعْلِ إلى "أحَدُكُمْ"، والإشْعارُ بِأنَّ أحَدًا مِنَ الأحَدِينَ لا يُحِبُّ ذَلِكَ، ومِنها أنْ لَمْ يُقْتَصَرْ عَلى تَمْثِيلِ الِاغْتِيابِ بِأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ، حَتّى جُعِلَ الإنْسانُ أخًا، ومِنها أنْ لَمْ يُقْتَصَرْ عَلى لَحْمِ الأخِ حَتّى جُعِلَ مَيْتًا، وعَنْ قَتادَةَ: "كَما تَكْرَهُ إنْ وجَدْتَ جِيفَةً مُدَوِّدَةً أنْ تَأْكُلَ مِنها، كَذَلِكَ فاكْرَهْ لَحْمَ أخِيكَ وهو حَيٌّ"، وانْتَصَبَ "مَيْتًا"، عَلى الحالِ مِنَ اللَحْمِ، أوْ مِن "أخِيهِ"، ولَمّا قَرَّرَهم بِأنَّ أحَدًا مِنهم لا يُحِبُّ أكْلَ جِيفَةِ أخِيهِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أيْ: فَتَحَقَّقَتْ كَراهَتُكم لَهُ بِاسْتِقامَةِ العَقْلِ، فَلْيَتَحَقَّقْ أنْ تَكْرَهُوا ما هو نَظِيرُهُ مِنَ الغِيبَةِ، بِاسْتِقامَةِ الدِينِ،
﴿واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾، "اَلتَّوّابُ": اَلْبَلِيغُ في قَبُولِ التَوْبَةِ، والمَعْنى: واتَّقُوا اللهَ بِتَرْكِ ما أُمِرْتُمْ بِاجْتِنابِهِ، والنَدَمِ عَلى ما وُجِدَ مِنكم مِنهُ، فَإنَّكم إنِ اتَّقَيْتُمْ تَقَبَّلَ اللهُ تَوْبَتَكُمْ، وأنْعَمَ عَلَيْكم بِثَوابِ المُتَّقِينَ التائِبِينَ، ورُوِيَ «أنَّ سَلْمانَ كانَ يَخْدِمُ رَجُلَيْنِ مِنَ الصَحابَةِ، ويُسَوِّيَ لَهُما طَعامَهُما، فَنامَ عَنْ شَأْنِهِ يَوْمًا، فَبَعَثاهُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَبْغِي لَهُما إدامًا، وكانَ أُسامَةُ عَلى طَعامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ: ما عِنْدِي شَيْءٌ، فَأخْبَرَهُما سَلْمانُ، فَقالا: لَوْ بَعَثْناهُ إلى بِئْرٍ سُمَيْحَةٍ لَغارَ ماؤُها، فَلَمّا راحا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ لَهُما: "ما لِي أرى خُضْرَةَ اللَحْمِ في أفْواهِكُما؟!"، فَقالا: ما تَناوَلْنا لَحْمًا، قالَ: "إنَّكُما قَدِ اغْتَبْتُما، ومَنِ اغْتابَ مُسْلِمًا فَقَدْ أكَلَ لَحْمَهُ"، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، » وقِيلَ: "غِيبَةُ الخَلْقِ إنَّما تَكُونُ مِنَ الغَيْبَةِ عَنِ الحَقِّ".
الحجرات 49:13
﴿يا أيُّها الناسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾، مِن آدَمَ، وحَوّاءَ، أوْ: كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن أبٍ وأُمٍّ، فَما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وهو يُدْلِي بِمِثْلِ ما يُدْلِي بِهِ الآخَرُ، سَواءً بِسَواءٍ، فَلا مَعْنى لِلتَّفاخُرِ، والتَفاضُلِ في النَسَبِ،
﴿وَجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ﴾، "اَلشَّعْبُ": اَلطَّبَقَةُ الأُولى مِنَ الطَبَقاتِ السِتِّ، الَّتِي عَلَيْها العَرَبُ، وهِيَ: اَلشَّعْبُ، (p-٣٥٧)والقَبِيلَةُ، والعِمارَةُ، والبَطْنُ، والفَخْذُ، والفَصِيلَةُ، فالشَعْبُ يَجْمَعُ القَبائِلَ، والقَبِيلَةَ تَجْمَعُ العَمائِرَ، والعِمارَةُ تَجْمَعُ البُطُونَ، والبَطْنُ يَجْمَعُ الأفْخاذَ، والفَخْذُ تَجْمَعُ الفَصائِلَ، "خُزَيْمَةُ"، شَعْبٌ، و"كِنانَةُ"، قَبِيلَةٌ، و"قُرَيْشٌ"، عِمارَةٌ، و"قُصَيٌّ"، بَطْنٌ، و"هاشِمٌ"، فَخْذٌ، و"اَلْعَبّاسُ"، فَصِيلَةٌ، وسُمِّيَتْ "اَلشُّعُوبُ"، لِأنَّ القَبائِلَ تَشَعَّبَتْ مِنها،
﴿لِتَعارَفُوا﴾ أيْ: إنَّما رَتَّبَكم عَلى شُعُوبٍ وقَبائِلَ، لِيَعْرِفَ بَعْضُكم نَسَبَ بَعْضٍ، فَلا يُعْتَزى إلى غَيْرِ آبائِهِ، لا أنْ تَتَفاخَرُوا بِالآباءِ والأجْدادِ، وتَدَّعُوا التَفاضُلَ في الأنْسابِ، ثُمَّ بَيَّنَ الخَصْلَةَ الَّتِي يَفْضُلُ بِها الإنْسانُ غَيْرَهُ، ويَكْتَسِبُ الشَرَفَ والكَرَمَ عِنْدَ اللهِ، فَقالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ﴾، في الحَدِيثِ: « "مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أكْرَمَ الناسِ فَلْيَتَّقِ اللهَ"، » وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "كَرَمُ الدُنْيا الغِنى، وكَرَمُ الآخِرَةِ التَقْوى"، ورُوِيَ «أنَّهُ ﷺ طافَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَحَمِدَ اللهَ، وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنْكم عُبِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وتَكَبُّرَها، يا أيُّها الناسُ، إنَّما الناسُ رَجُلانِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللهِ، وفاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلى اللهِ"، » ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، وعَنْ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ: «مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ في سُوقِ المَدِينَةِ، فَرَأى غُلامًا أسْوَدَ يَقُولُ: مَنِ اشْتَرانِي فَعَلى شَرْطِ ألّا يَمْنَعَنِي مِنَ الصَلَواتِ الخَمْسِ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فاشْتَراهُ بَعْضُهُمْ، فَمَرِضَ، فَعادَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ تُوُفِّيَ، فَحَضَرَ دَفْنَهُ، فَقالُوا في ذَلِكَ شَيْئًا، » فَنَزَلَتْ،
﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾، كَرَمَ القُلُوبِ وتَقْواها،
﴿خَبِيرٌ﴾، بِهِمَمَ النُفُوسِ في هَواها.
الحجرات 49:14
﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾ أيْ: بَعْضُ الأعْرابِ، لِأنَّ مِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهم أعْرابُ بَنِي أسَدٍ، قَدِمُوا المَدِينَةَ في سَنَةٍ جَدْبَةٍ، فَأظْهَرُوا الشَهادَةَ، يُرِيدُونَ الصَدَقَةَ، ويَمُنُّونَ عَلَيْهِ،
﴿آمَنّا﴾ أيْ: ظاهِرًا وباطِنًا،
﴿قُلْ﴾، لَهم (p-٣٥٨)يا مُحَمَّدُ،
﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾، لَمْ تُصَدِّقُوا بِقُلُوبِكُمْ،
﴿وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾، فالإيمانُ هو التَصْدِيقُ، والإسْلامُ الدُخُولُ في السِلْمِ، والخُرُوجُ مِن أنْ يَكُونَ حَرْبًا لِلْمُؤْمِنِينَ، بِإظْهارِ الشَهادَتَيْنِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ ؟ فَأعْلَمَ أنَّ ما يَكُونُ مِنَ الإقْرارِ بِاللِسانِ، مِن غَيْرِ مُواطَأةِ القَلْبِ، فَهو إسْلامٌ، وما واطَأ فِيهِ القَلْبُ اللِسانَ فَهو إيمانٌ، وهَذا مِن حَيْثُ اللُغَةُ، وأمّا في الشَرْعِ فالإيمانُ والإسْلامُ واحِدٌ لِما عُرِفَ، وفي "لَمّا"، مَعْنى التَوَقُّعِ، وهو دالٌّ عَلى أنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ قَدْ آمَنُوا فِيما بَعْدُ، والآيَةُ تَنْقُضُ عَلى الكَرامِيَّةِ مَذْهَبَهم أنَّ الإيمانَ لا يَكُونُ بِالقَلْبِ، ولَكِنْ بِاللِسانِ، فَإنْ قُلْتَ: مُقْتَضى نَظْمِ الكَلامِ أنْ يُقالَ: "قُلْ لا تَقُولُوا آمَنّا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا"، أوْ "قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ"، قُلْتُ: أفادَ هَذا النَظْمُ تَكْذِيبَ دَعْواهم أوَّلًا، فَقِيلَ: "قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا"، مَعَ أدَبٍ حَسَنٍ، فَلَمْ يَقُلْ: "كَذَبْتُمْ"، تَصْرِيحًا، ووَضَعَ "لَمْ تُؤْمِنُوا"، اَلَّذِي هو نَفْيُ ما ادَّعَوْا إثْباتَهُ، مَوْضِعَهُ، واسْتَغْنى بِقَوْلِهِ: "لَمْ تُؤْمِنُوا"، عَنْ أنْ يُقالَ: "لا تَقُولُوا آمَنّا"، لِاسْتِهْجانِ أنْ يُخاطَبُوا بِلَفْظٍ مُؤَدّاهُ النَهْيُ عَنِ القَوْلِ بِالإيمانِ، ولَمْ يَقُلْ: "وَلَكِنْ أسْلَمْتُمْ"، لِيَكُونَ خارِجًا مُخْرَجَ الزَعْمِ والدَعْوى، كَما كانَ قَوْلُهُمْ: "آمَنّا"، كَذَلِكَ، ولَوْ قِيلَ: "وَلَكِنْ أسْلَمْتُمْ"، لَكانَ كالتَسْلِيمِ والِاعْتِدادِ بِقَوْلِهِمْ، وهو غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، ولَيْسَ قَوْلُهُ "وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ"، تَكْرِيرًا لِمَعْنى قَوْلِ: "لَمْ تُؤْمِنُوا"، فَإنَّ فائِدَةَ قَوْلِهِ: "لَمْ تُؤْمِنُوا"، تَكْذِيبٌ لِدَعْواهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ تَوْقِيتٌ لِما أُمِرُوا بِهِ أنْ يَقُولُوهُ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: "وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا حِينَ لَمْ تَثْبُتْ مُواطَأةُ قُلُوبِكم لِألْسِنَتِكُمْ، لِأنَّهُ كَلامٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "قُولُوا"،
﴿وَإنْ تُطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ﴾، في السِرِّ، بِتَرْكِ النِفاقِ،
﴿لا يَلِتْكُمْ﴾، "لا يَأْلِتْكُمْ"، "بَصْرِيٌّ"،
﴿مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَنْقُصْكم مِن ثَوابِ حَسَناتِكم شَيْئًا، "ألَتَ، يَأْلِتُ"، و"ألاتَ، يَلِيتُ"، و"لاتَ يَلِيتُ"، بِمَعْنًى، وهو النَقْصُ،
﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾، يَسْتُرُ الذُنُوبَ،
﴿رَحِيمٌ﴾، بِهِدايَتِهِمْ لِلتَّوْبَةِ عَنِ العُيُوبِ.
الحجرات 49:15
(p-٣٥٩)وَصَفَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ، فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾، "اِرْتابَ"، مُطاوَعُ "رابَهُ"، إذا أوْقَعَهُ في الشَكِّ، مَعَ التُهْمَةِ، والمَعْنى أنَّهم آمَنُوا ثُمَّ لَمْ يَقَعْ في نُفُوسِهِمْ شَكٌّ فِيما آمَنُوا بِهِ، ولا اتِّهامٌ لِمَن صَدَّقُوهُ، ولَمّا كانَ الإيقانُ وزَوالُ الرَيْبِ مِلاكُ الإيمانِ، أُفْرِدَ بِالذِكْرِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإيمانِ، تَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِ، وعُطِفَ عَلى الإيمانِ بِكَلِمَةِ التَراخِي إشْعارًا بِاسْتِقْرارِهِ في الأزْمِنَةِ المُتَراخِيَةِ، المُتَطاوِلَةِ، غَضًّا جَدِيدًا،
﴿وَجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُجاهَدُ مَنوِيًّا، وهو العَدُوُّ المُحارِبُ، أوِ الشَيْطانُ، أوِ الهَوى، وأنْ يَكُونَ "جاهَدَ"، مُبالَغَةً في "جَهَدَ"، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمُجاهَدَةِ بِالنَفْسِ الغَزْوُ، وأنْ يَتَناوَلَ العِباداتِ بِأجْمَعِها، وبِالمُجاهَدَةِ بِالمالِ نَحْوُ صَنِيعِ عُثْمانَ، في جَيْشِ العُسْرَةِ، وأنْ يَتَناوَلَ الزَكاةَ، وكُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالمالِ مِن أعْمالِ البِرِّ، وخَبَرُ المُبْتَدَإ - الَّذِي هو "اَلْمُؤْمِنُونَ" -: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصادِقُونَ﴾ أيْ: اَلَّذِينَ صَدَقُوا في قَوْلِهِمْ: "آمَنّا"، ولَمْ يَكْذِبُوا كَما كَذَبَ أعْرابُ بَنِي أسَدٍ، أوْ هُمُ الَّذِينَ إيمانُهم إيمانُ صِدْقٍ وحَقٍّ، وقَوْلُهُ: "اَلَّذِينَ آمَنُوا"، صِفَةٌ لَهُمْ، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جاءوا وحَلَفُوا أنَّهم مُخْلِصُونَ، فَنَزَلَ:
الحجرات 49:16
﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ﴾ أيْ: أتُخْبِرُونَهُ بِتَصْدِيقِ قُلُوبِكُمْ،
﴿واللهُ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، مِنَ النِفاقِ، والإخْلاصِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
الحجرات 49:17
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ﴾ أيْ: بِأنْ،
﴿أسْلَمُوا﴾، يَعْنِي: بِإسْلامِهِمْ، و"اَلْمَنُّ": ذِكْرُ الأيادِي، تَعْرِيضًا لِلشُّكْرِ، ونُهِينا عَنْهُ،
﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: اَلْمِنَّةُ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ،
﴿أنْ هَداكُمْ﴾، بِأنْ هَداكُمْ، أوْ لِأنْ،
﴿لِلإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، إنْ صَحَّ زَعْمُكُمْ، وصَدَقَتْ دَعْواكُمْ، إلّا أنَّكم تَزْعُمُونَ، وتَدَّعُونَ ما اللهُ عَلِيمٌ بِخِلافِهِ، وجَوابُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ، لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: (p-٣٦٠)"إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ادِّعائِكُمُ الإيمانَ بِاللهِ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْكُمْ، وقُرِئَ: "إنْ هَداكُمْ".
الحجرات 49:18
﴿إنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾، وبِالياءِ "مَكِّيٌّ"، وهَذا بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ غَيْرَ صادِقِينَ في دَعْواهُمْ، يَعْنِي أنَّهُ (تَعالى) يَعْلَمُ كُلَّ مُسْتَتِرٍ في العالَمِ، ويُبْصِرُ كُلَّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَهُ في سِرِّكُمْ، وعَلانِيَتِكُمْ، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ ما في ضَمائِرِكُمْ؟!
ق 50:1
(p-٣٦١)سُورَةُ "ق"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
اَلْكَلامُ في ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾، كالكَلامِ في ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢]، سَواءٌ بِسَواءٍ، لِالتِقائِهِما في أُسْلُوبٍ واحِدٍ، و"اَلْمَجِيدُ": ذُو المَجْدِ، والشَرَفِ، عَلى غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، ومَن أحاطَ عِلْمًا بِمَعانِيهِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ، مُجِّدَ عِنْدَ اللهِ، وعِنْدَ الناسِ، وقَوْلُهُ: "بَلْ عَجِبُوا"، أيْ: كُفّارُ مَكَّةَ،
﴿أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ، إنْكارٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، وهو أنْ يُنْذِرَهم بِالمَخُوفِ رَجُلٌ مِنهُمْ، قَدْ عَرَفُوا عَدالَتَهُ، وأمانَتَهُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا ناصِحًا لِقَوْمِهِ، خائِفًا أنْ يَنالَهم مَكْرُوهٌ، وإذا عَلِمَ أنَّ مَخُوفًا أظَلَّهُمْ، لَزِمَهُ أنْ يُنْذِرَهُمْ، فَكَيْفَ بِما هو غايَةُ المَخاوِفِ؟! وإنْكارٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِمّا أنْذَرَهم بِهِ مِنَ البَعْثِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِقُدْرَةِ اللهِ (تَعالى) عَلى خَلْقِ السماوات والأرْضِ وما بَيْنَهُما، وعَلى اخْتِراعِ كُلِّ شَيْءٍ، وإقْرارِهِمْ بِالنَشْأةِ الأُولى، مَعَ شَهادَةِ العَقْلِ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجَزاءِ، ثُمَّ عَوَّلَ عَلى أحَدِ الإنْكارَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾
ق 50:2
(p-٣٦١)سُورَةُ "ق"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
اَلْكَلامُ في ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾، كالكَلامِ في ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢]، سَواءٌ بِسَواءٍ، لِالتِقائِهِما في أُسْلُوبٍ واحِدٍ، و"اَلْمَجِيدُ": ذُو المَجْدِ، والشَرَفِ، عَلى غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، ومَن أحاطَ عِلْمًا بِمَعانِيهِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ، مُجِّدَ عِنْدَ اللهِ، وعِنْدَ الناسِ، وقَوْلُهُ: "بَلْ عَجِبُوا"، أيْ: كُفّارُ مَكَّةَ،
﴿أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ، إنْكارٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، وهو أنْ يُنْذِرَهم بِالمَخُوفِ رَجُلٌ مِنهُمْ، قَدْ عَرَفُوا عَدالَتَهُ، وأمانَتَهُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا ناصِحًا لِقَوْمِهِ، خائِفًا أنْ يَنالَهم مَكْرُوهٌ، وإذا عَلِمَ أنَّ مَخُوفًا أظَلَّهُمْ، لَزِمَهُ أنْ يُنْذِرَهُمْ، فَكَيْفَ بِما هو غايَةُ المَخاوِفِ؟! وإنْكارٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِمّا أنْذَرَهم بِهِ مِنَ البَعْثِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِقُدْرَةِ اللهِ (تَعالى) عَلى خَلْقِ السماوات والأرْضِ وما بَيْنَهُما، وعَلى اخْتِراعِ كُلِّ شَيْءٍ، وإقْرارِهِمْ بِالنَشْأةِ الأُولى، مَعَ شَهادَةِ العَقْلِ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجَزاءِ، ثُمَّ عَوَّلَ عَلى أحَدِ الإنْكارَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾
ق 50:3
"أإذا مُتْنا وكُنّا تُرابًا"، دَلالَةً عَلى أنَّ تَعَجُّبَهم مِنَ البَعْثِ أدْخَلُ في الِاسْتِبْعادِ، وأحَقُّ بِالإنْكارِ، ووَضَعَ "اَلْكافِرُونَ"، مَوْضِعَ الضَمِيرِ، لِلشَّهادَةِ عَلى أنَّهم في قَوْلِهِمْ هَذا مُقْدِمُونَ عَلى الكُفْرِ العَظِيمِ، وهَذا إشارَةٌ إلى (p-٣٦٢)الرَجْعِ، و"إذا"، مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ، مَعْناهُ: "أحِينَ نَمُوتُ ونَبْلى نُرْجَعُ، "مِتْنا"، "نافِعٌ وعَلِيٌّ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ"،
﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، مُسْتَبْعَدٌ، مُسْتَنْكَرٌ، كَقَوْلِكَ: "هَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ"، أيْ: بَعِيدٌ مِنَ الوَهْمِ، والعادَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَجْعُ بِمَعْنى: "اَلرُّجُوعُ"، وهو الجَوابُ، ويَكُونَ مِن كَلامِ اللهِ (تَعالى)، اسْتِبْعادًا لِإنْكارِهِمْ ما أُنْذِرُوا بِهِ مِنَ البَعْثِ، والوَقْفُ عَلى "تُرابًا"، عَلى هَذا، حَسَنٌ، وناصِبُ الظَرْفِ إذا كانَ الرَجْعُ بِمَعْنى "اَلرُّجُوعُ"، ما دَلَّ عَلَيْهِ المُنْذِرُ مِنَ المُنْذَرِ بِهِ، وهو البَعْثُ.
ق 50:4
﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾، رَدٌّ لِاسْتِبْعادِهِمُ الرَجْعَ، لِأنَّ مَن لَطُفَ عِلْمُهُ حَتّى عَلِمَ ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِن أجْسادِ المَوْتى، وتَأْكُلُهُ مِن لُحُومِهِمْ، وعِظامِهِمْ، كانَ قادِرًا عَلى رَجْعِهِمْ أحْياءً، كَما كانُوا،
﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾، مَحْفُوظٌ مِنَ الشَياطِينِ، ومِنَ التَغَيُّرِ، وهو اللَوْحُ المَحْفُوظُ، أوْ حافِظٌ لِما أُودِعَهُ وكُتِبَ فِيهِ.
ق 50:5
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾، إضْرابٌ أتْبَعَ الإضْرابَ الأوَّلَ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم جاءوا بِما هو أفْظَعُ مِن تَعَجُّبِهِمْ، وهو التَكْذِيبُ بِالحَقِّ، الَّذِي هو النُبُوَّةُ الثابِتَةُ بِالمُعْجِزاتِ في أوَّلِ وهْلَةٍ، مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ، ولا تَدَبُّرٍ،
﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾، مُضْطَرِبٍ، يُقالُ: "مَرَجَ الخاتَمُ في الإصْبَعِ"، إذا اضْطَرَبَ مِن سَعَتِهِ، فَيَقُولُونَ تارَةً: شاعِرٌ، وطَوْرًا: ساحِرٌ، ومَرَّةً: كاهِنٌ، لا يَثْبُتُونَ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، وقِيلَ: اَلْحَقُّ: اَلْقُرْآنُ، وقِيلَ: اَلْإخْبارُ بِالبَعْثِ، ثُمَّ دَلَّهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ، فَقالَ:
ق 50:6
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾، حِينَ كَفَرُوا بِالبَعْثِ،
﴿إلى السَماءِ فَوْقَهُمْ﴾، إلى آثارِ قُدْرَةِ اللهِ (تَعالى) في خَلْقِ العالَمِ،
﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾، رَفَعْناها بِغَيْرِ عَمَدٍ،
﴿وَزَيَّنّاها﴾، بِالنَيِّراتِ،
﴿وَما لَها مِن فُرُوجٍ﴾، مِن فُتُوقٍ، وشُقُوقٍ، أيْ أنَّها سَلِيمَةٌ مِنَ العُيُوبِ، لا فَتْقَ فِيها، ولا صَدْعَ، ولا خَلَلَ.
ق 50:7
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾، دَحَوْناها،
﴿وَألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾، جِبالًا ثَوابِتَ، لَوْلا هي لَمالَتْ،
﴿وَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾، صِنْفٍ،
﴿بَهِيجٍ﴾، يُبْتَهَجُ بِهِ لِحُسْنِهِ.
ق 50:8
(p-٣٦٣)﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى﴾، لِنُبَصِّرَ بِهِ، ونُذَكِّرَ،
﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾، راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُفَكِّرٍ في بَدائِعِ خَلْقِهِ.
ق 50:9
﴿وَنَـزَّلْنا مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا﴾، كَثِيرَ المَنافِعِ،
﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: وحَبَّ الزَرْعِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُحْصَدَ، كالحِنْطَةِ والشَعِيرِ وغَيْرِهِما.
ق 50:10
﴿والنَخْلَ باسِقاتٍ﴾، طِوالًا في السَماءِ،
﴿لَها طَلْعٌ﴾، هو كُلُّ ما يَطْلُعُ مِن ثَمَرِ النَخِيلِ،
﴿نَضِيدٌ﴾، مَنضُورٌ، بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، لِكَثْرَةِ الطَلْعِ، وتَراكُمِهِ، أوْ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ الثَمَرِ.
ق 50:11
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ أيْ: أنْبَتْناها رِزْقًا لِلْعِبادِ، لِأنَّ الإنْباتَ في مَعْنى الرِزْقِ، فَيَكُونُ "رِزْقًا"، مَصْدَرًا مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، أوْ هو مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: أنْبَتْناها لِرِزْقِهِمْ،
﴿وَأحْيَيْنا بِهِ﴾،بِذَلِكَ الماءِ،
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾، قَدْ جَفَّ نَباتُها،
﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ أيْ: كَما حَيِيَتْ هَذِهِ البَلْدَةُ المَيْتَةُ، كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أحْياءً بَعْدَ مَوْتِكُمْ، لِأنَّ إحْياءَ المَواتِ كَإحْياءِ الأمْواتِ، والكافُ في مَحَلِّ الرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.
ق 50:12
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾، قَبْلَ قُرَيْشٍ،
﴿قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَسِّ﴾، هو بِئْرٌ لَمْ تُطْوَ، وهم قَوْمٌ بِاليَمامَةِ، وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ،
﴿وَثَمُودُ﴾
ق 50:13
﴿وَعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾، أرادَ بِـ "فِرْعَوْنُ"، قَوْمَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ﴾ [يونس: ٨٣]، لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ "قَوْمُ نُوحٍ"، والمَعْطُوفاتُ جَماعَةٌ،
﴿وَإخْوانُ لُوطٍ﴾
ق 50:14
﴿وَأصْحابُ الأيْكَةِ﴾، سَمّاهم إخْوانَهُ لِأنَّ بَيْنَهم وبَيْنَهُ نَسَبًا قَرِيبًا،
﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾، هو مَلِكٌ بِاليَمَنِ، أسْلَمَ، ودَعا قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ، فَكَذَّبُوهُ، وسُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ تَبَعِهِ،
﴿كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ،
﴿كَذَّبَ الرُسُلَ﴾، لِأنَّ مَن كَذَّبَ رَسُولًا واحِدًا، فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَهُمْ،
﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾، فَوَجَبَ، وحَلَّ وعِيدِي، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وتَهْدِيدٌ لَهم.
ق 50:15
﴿أفَعَيِينا﴾، "أعْيا بِالأمْرِ"، إذا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِ عَمَلِهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، (p-٣٦٤)﴿بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ أيْ: إنّا لَمْ نَعْجِزْ عَنِ الخَلْقِ الأوَّلِ، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنِ الثانِي؟! والِاعْتِرافُ بِذَلِكَ اعْتِرافٌ بِالإعادَةِ،
﴿بَلْ هم في لَبْسٍ﴾، في خَلْطٍ وشُبْهَةٍ، قَدْ لَبَسَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ، وحَيَّرَهُمْ، وذَلِكَ تَسْوِيلُهُ إلَيْهِمْ، أنَّ إحْياءَ المَوْتى أمْرٌ خارِجٌ عَنِ العادَةِ، فَتَرَكُوا لِذَلِكَ الِاسْتِدْلالَ الصَحِيحَ، وهو أنَّ مَن قَدِرَ عَلى الإنْشاءِ، كانَ عَلى الإعادَةِ أقْدَرَ،
﴿مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّما نَكَّرَ الخَلْقَ الجَدِيدَ لِيَدُلَّ عَلى عَظَمَةِ شَأْنِهِ، وأنَّ حَقَّ مَن سَمِعَ بِهِ أنْ يَخافَ ويَهْتَمَّ بِهِ.
ق 50:16
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، اَلْوَسْوَسَةُ: اَلصَّوْتُ الخَفِيُّ، ووَسْوَسَةُ النَفْسِ: ما يَخْطُرُ بِبالِ الإنْسانِ، ويَهْجِسُ في ضَمِيرِهِ مِن حَدِيثِ النَفْسِ، والباءُ مِثْلُها في قَوْلِهِ: "صَوَّتَ بِكَذا"،
﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ﴾، اَلْمُرادُ قُرْبُ عِلْمِهِ مِنهُ،
﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾، هو مَثَلٌ في فَرْطِ القُرْبِ، و"اَلْوَرِيدُ": عِرْقٌ في باطِنِ العُنُقِ، و"اَلْحَبْلُ": اَلْعِرْقُ، والإضافَةُ لِلْبَيانِ، كَقَوْلِهِمْ: "بَعِيرُ سانِيَةٍ".
ق 50:17
﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾، يَعْنِي المَلَكَيْنِ الحافِظَيْنِ،
﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِمالِ قَعِيدٌ﴾، "اَلتَّلَقِّي": اَلتَّلَقُّنُ بِالحِفْظِ، والكِتابَةِ، و"اَلْقَعِيدُ": اَلْمُقاعِدُ، كَـ "اَلْجَلِيسُ"، بِمَعْنى "اَلْمُجالِسُ"، وتَقْدِيرُهُ: "عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِمالِ قَعِيدٌ مِنَ المُتَلَقِّيَيْنِ"، فَتَرَكَ أحَدَهُما لِدَلالَةِ الثانِي عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ:
؎ رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي... بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَوِيِّ رَمانِي
أيْ: رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ بَرِيئًا، وكانَ والِدِي مِنهُ بَرِيئًا، و"إذا"، مَنصُوبٌ بِـ "أقْرَبُ"، لِما فِيهِ مِن مَعْنى "يَقْرُبُ"، والمَعْنى: "إنَّهُ لَطِيفٌ، يَتَوَصَّلُ عِلْمُهُ إلى خَطَراتِ النَفْسِ، وما لا شَيْءَ أخْفى مِنهُ، وهو أقْرَبُ مِنَ الإنْسانِ مِن كُلِّ قَرِيبٍ، حِينَ يَتَلَقّى الحَفِيظانِ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ"، إيذانًا بِأنَّ اسْتِحْفاظَ المَلَكَيْنِ أمْرٌ هو غَنِيٌّ عَنْهُ، وكَيْفَ لا يَسْتَغْنِي عَنْهُ وهو مُطَّلِعٌ عَلى أخْفى الخَفِيّاتِ؟! وإنَّما ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ، وهي ما في كَتْبَةِ المَلَكَيْنِ، وحَفِظِهِما، وعَرْضِ صَحائِفِ العَمَلِ يَوْمَ القِيامَةِ، مِن زِيادَةِ لُطْفٍ لَهُ، في الِانْتِهاءِ عَنِ السَيِّئاتِ، والرَغْبَةِ في الحَسَناتِ.
ق 50:18
(p-٣٦٥)﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، ما يَتَكَلَّمُ بِهِ، وما يَرْمِي بِهِ مِن فِيهِ،
﴿إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾، حافِظٌ،
﴿عَتِيدٌ﴾، حاضِرٌ، ثُمَّ قِيلَ: يَكْتُبانِ كُلَّ شَيْءٍ، حَتّى أنِينَهُ في مَرَضِهِ، وقِيلَ: لا يَكْتُبانِ إلّا ما فِيهِ أجْرٌ أوْ وِزْرٌ، وقِيلَ: إنَّ المَلَكَيْنِ لا يَجْتَنِبانِهِ إلّا عِنْدَ الغائِطِ، والجِماعِ، لَمّا ذَكَرَ إنْكارَهُمُ البَعْثَ، واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَتِهِ، وعِلْمِهِ، أعْلَمَهم أنَّ ما أنْكَرُوهُ هم لاقُوهُ عَنْ قَرِيبٍ، عِنْدَ مَوْتِهِمْ، وعِنْدَ قِيامِ الساعَةِ، ونَبَّهَ عَلى اقْتِرابِ ذَلِكَ بِأنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي، وهو قَوْلُهُ:
ق 50:19
﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ أيْ: شِدَّتُهُ، الذاهِبَةُ بِالعَقْلِ، مُلْتَبِسَةً ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، أوْ بِالحِكْمَةِ،
﴿ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ﴾، اَلْإشارَةُ إلى المَوْتِ، والخِطابُ لِلْإنْسانِ، في قَوْلِهِ: "وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ"، عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ،
﴿تَحِيدُ﴾، تَنْفِرُ وتَهْرُبُ.
ق 50:20
﴿وَنُفِخَ في الصُورِ﴾، يَعْنِي نَفْخَةَ البَعْثِ،
﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: "وَقْتُ ذَلِكَ الوَعِيدِ"، عَلى حَذْفِ المُضافِ، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ "نَفَخَ".
ق 50:21
﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ أيْ: مَلَكانِ، أحَدُهُما يَسُوقُهُ إلى المَحْشَرِ، والآخَرُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، ومَحَلُّ "مَعَها سائِقٌ"، اَلنَّصْبُ عَلى الحالِ مِن "كُلُّ"، لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ إلى ما هو في حُكْمِ المَعْرِفَةِ.
ق 50:22
﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ ﴿فِي غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾، اَلنّازِلِ بِكَ اليَوْمَ،
﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ أيْ: فَأنْزَلْنا غَفْلَتَكَ بِما تُشاهِدُ،
﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾، جُعِلَتِ الغَفْلَةُ كَأنَّها غِطاءٌ غَطّى بِهِ جَسَدَهُ كُلَّهُ، أوْ غِشاوَةٌ غَطّى بِها عَيْنَيْهِ، فَهو لا يُبْصِرُ شَيْئًا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ تَيَقَّظَ، وزالَتْ عَنْهُ الغَفْلَةُ، وغِطاؤُها، فَيُبْصِرُ ما لَمْ يُبْصِرْهُ مِنَ الحَقِّ، ورَجَعَ بَصَرُهُ الكَلِيلُ عَنِ الإبْصارِ - لِغَفْلَتِهِ - حَدِيدًا، لِتَيَقُّظِهِ.
ق 50:23
﴿وَقالَ قَرِينُهُ﴾، اَلْجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ المَلَكُ الكاتِبُ، الشَهِيدُ عَلَيْهِ،
﴿هَذا﴾ أيْ: دِيوانُ عَمَلِهِ، مُجاهِدٌ: "شَيْطانُهُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ، في قَوْلِهِ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ (p-٣٦٦)قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] "، "هَذا"، أيْ: اَلَّذِي وُكِّلْتُ بِهِ،
﴿ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، "هَذا"، مُبْتَدَأٌ و"ما"، نَكِرَةٌ بِمَعْنى "شَيْءٌ"، والظَرْفُ بَعْدَهُ وصْفٌ لَهُ، وكَذَلِكَ "عَتِيدٌ"، و"ما"، وصِفَتُها خَبَرُ "هَذا"، والتَقْدِيرُ: "هَذا شَيْءٌ ثابِتٌ لَدَيَّ عَتِيدٌ"، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ (تَعالى):
ق 50:24
﴿ألْقِيا﴾، والخِطابُ لِلسّائِقِ والشَهِيدِ، أوْ لِمالِكٍ، وكَأنَّ الأصْلَ: "ألْقِ، ألْقِ"، فَنابَ "ألْقِيا"، عَنْ "ألْقِ، ألْقِ"، لِأنَّ الفاعِلَ كالجُزْءِ مِنَ الفِعْلِ، فَكانَتْ تَثْنِيَةُ الفاعِلِ نائِبَةً عَنْ تَكْرارِ الفِعْلِ، وقِيلَ: أصْلُهُ: "ألْقِيَنْ"، والألِفُ بَدَلٌ مِنَ النُونِ، إجْراءً لِلْوَصْلِ مُجْرى الوَقْفِ، دَلِيلُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ: "ألْقِيَنْ"،
﴿فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ﴾، بِالنِعَمِ، والمُنْعِمِ،
﴿عَنِيدٍ﴾، مُعانِدٍ، مُجانِبٍ لِلْحَقِّ، مُعادٍ لِأهْلِهِ.
ق 50:25
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾، كَثِيرِ المَنعِ لِلْمالِ عَنْ حُقُوقِهِ، أوْ "مَنّاعٍ لِجِنْسِ الخَيْرِ أنْ يَصِلَ إلى أهْلِهِ"،
﴿مُعْتَدٍ﴾، ظالِمٍ، مُتَخَطٍّ لِلْحَقِّ،
﴿مُرِيبٍ﴾، شاكٍّ في اللهِ، وفي دِينِهِ.
ق 50:26
﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾، مُبْتَدَأٌ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَرْطِ، خَبَرُهُ: ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَدِيدِ﴾، أوْ بَدَلٌ مِن "كُلَّ كَفّارٍ"، "فَألْقِياهُ"، تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ "كَفّارٍ"، لِأنَّ النَكِرَةَ لا تُوصَفُ بِالمَوْصُولِ.
ق 50:27
﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ أيْ: شَيْطانُهُ الَّذِي قُرِنَ بِهِ، وهو شاهِدٌ لِمُجاهِدٍ - رَحِمَهُ اللهُ - وإنَّما أُخْلِيَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الواوِ، دُونَ الأُولى، لِأنَّ الأُولى واجِبٌ عَطْفُها، لِلدَّلالَةِ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ مَعْناها ومَعْنى ما قَبْلَها، في الحُصُولِ، أعْنِي مَجِيءَ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ المَلَكَيْنِ، وقَوْلَ قَرِينِهِ ما قالَ لَهُ، وأمّا هَذِهِ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ، كَما نَسْتَأْنِفُ الجُمَلَ الواقِعَةَ في حِكايَةِ التَقاوُلِ، كَما في مُقاوَلَةِ مُوسى وفِرْعَوْنَ، فَكَأنَّ الكافِرَ قالَ: رَبِّ هو أطْغانِي، فَقالَ قَرِينُهُ: ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: ما أوْقَعْتُهُ في الطُغْيانِ، ولَكِنَّهُ طَغى، واخْتارَ الضَلالَةَ عَلى الهُدى.
ق 50:28
﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا﴾، هو اسْتِئْنافٌ، مِثْلُ قَوْلِهِ (تَعالى): "قالَ قَرِينُهُ"، كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَماذا قالَ اللهُ؟ فَقِيلَ: قالَ: "لا تَخْتَصِمُوا"،
﴿لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾، (p-٣٦٧)أيْ: لا تَخْتَصِمُوا في دارِ الجَزاءِ، ومَوْقِفِ الحِسابِ، فَلا فائِدَةَ في اخْتِصامِكُمْ، ولا طائِلَ تَحْتَهُ، وقَدْ أوْعَدْتُكم بِعَذابِي عَلى الطُغْيانِ في كُتُبِي، وعَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي، فَما تَرَكْتُ لَكم حُجَّةً عَلَيَّ، والباءُ في "بِالوَعِيدِ"، مَزِيدَةٌ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]، أوْ مُعَدِّيَةٌ، عَلى أنَّ "قَدَّمَ"، مُطاوَعٌ، بِمَعْنى "تَقَدَّمَ".
ق 50:29
﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيْ: لا تَطْمَعُوا أنْ أُبَدِّلَ قَوْلِي ووَعِيدِي بِإدْخالِ الكُفّارِ في النارِ،
﴿وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، فَلا أُعَذِّبُ عَبْدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ، وقالَ: "بِظَلّامٍ"، عَلى لَفْظِ المُبالَغَةِ، لِأنَّهُ مِن قَوْلِكَ: "هُوَ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ، وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ".
ق 50:30
﴿يَوْمَ﴾، نُصِبَ بِـ "ظَلّامٍ"، أوْ بِمُضْمَرٍ، هو "اُذْكُرْ"، و"أنْذِرْ"، "يَقُولُ"، "نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ"، أيْ: يَقُولُ اللهُ،
﴿لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾، وهو مَصْدَرٌ، كَـ "اَلْمَجِيدُ"، أيْ أنَّها تَقُولُ بَعْدَ امْتِلائِها: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: هَلْ بَقِيَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ؟!"، يَعْنِي: "قَدِ امْتَلَأْتُ"، أوْ أنَّها تَسْتَزِيدُ، وفِيها مَوْضِعٌ لِلْمَزِيدِ، وهَذا عَلى تَحْقِيقِ القَوْلِ مِن جَهَنَّمَ، وهو غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ، كَإنْطاقِ الجَوارِحِ، والسُؤالُ لِتَوْبِيخِ الكَفَرَةِ، لِعِلْمِهِ (تَعالى) بِأنَّها امْتَلَأتْ أمْ لا.
ق 50:31
﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾، "غَيْرَ"، نَصْبٌ، عَلى الظَرْفِ، أيْ: "مَكانًا غَيْرَ بَعِيدٍ"، أوْ عَلى الحالِ، وتَذْكِيرُهُ لِأنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ، كَـ "اَلصَّلِيلُ"، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، أوْ عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ، أيْ: شَيْئًا غَيْرَ بَعِيدٍ، ومَعْناهُ التَوْكِيدُ، كَما تَقُولُ: "هُوَ قَرِيبٌ غَيْرُ بَعِيدٍ، وعَزِيزٌ غَيْرُ ذَلِيلٍ".
ق 50:32
﴿هَذا﴾، مُبْتَدَأٌ، وهو إشارَةٌ إلى الثَوابِ، أوْ إلى مَصْدَرِ "أُزْلِفَتْ"،
﴿ما تُوعَدُونَ﴾، صِفَةٌ، وبِالياءِ "مَكِّيٌّ"،
﴿لِكُلِّ أوّابٍ﴾، رَجّاعٍ إلى ذِكْرِ اللهِ، خَبَرُهُ: ﴿حَفِيظٍ﴾، حافِظٍ لِحُدُودِهِ، جاءَ في الحَدِيثِ: « "مَن حافَظَ عَلى أرْبَعِ رَكْعاتٍ في أوَّلِ النَهارِ كانَ أوّابًا حَفِيظًا" ».
ق 50:33
(p-٣٦٨)﴿مَن﴾، مَجْرُورُ المَحَلِّ، بَدَلٌ مِن "أوّابٍ"، أوْ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: "اُدْخُلُوها"، عَلى تَقْدِيرِ: "يُقالُ لَهُمْ: اُدْخُلُوها بِسَلامٍ"، لِأنَّ "مَن"، في مَعْنى الجَمْعِ،
﴿خَشِيَ الرَحْمَنَ﴾، اَلْخَشْيَةُ: اِنْزِعاجُ القَلْبِ عِنْدَ ذِكْرِ الخَطِيئَةِ، وقَرَنَ الخَشْيَةَ بِاسْمِهِ الدالِّ عَلى سَعَةِ الرَحْمَةِ، لِلثَّناءِ البَلِيغِ عَلى الخاشِي، وهو خَشْيَتُهُ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ الواسِعُ الرَحْمَةِ، كَما أثْنى عَلَيْهِ بِأنَّهُ خاشٍ، مَعَ أنَّ المَخْشِيَّ مِنهُ غائِبٌ،
﴿بِالغَيْبِ﴾، حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: خَشِيَهُ وهو غائِبٌ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ "خَشِيَ"، أيْ: خَشِيَهُ خَشْيَةً مُلْتَبِسَةً بِالغَيْبِ، حَيْثُ خَشِيَ عِقابَهُ وهو غائِبٌ، الحَسَنُ: "إذا أغْلَقَ البابَ وأرْخى السِتْرَ"،
﴿وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾، راجِعٍ إلى اللهِ، وقِيلَ: بِسَرِيرَةٍ مَرَضِيَّةٍ، وعَقِيدَةٍ صَحِيحَةٍ.
ق 50:34
﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ أيْ: سالِمِينَ مِن زَوالِ النِعَمِ، وحُلُولِ النِقَمِ،
﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ أيْ: يَوْمُ تَقْدِيرِ الخُلُودِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، أيْ: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ.
ق 50:35
﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾، عَلى ما يَشْتَهُونَ، الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ رُؤْيَةُ اللهِ (تَعالى)، بِلا "كَيْفَ".
ق 50:36
﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾، قَبْلَ قَوْمِكَ،
﴿مِن قَرْنٍ﴾، مِنَ القُرُونِ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ،
﴿هم أشَدُّ مِنهُمْ﴾، مِن قَوْمِكَ،
﴿بَطْشًا﴾، قُوَّةً وسَطْوَةً،
﴿فَنَقَّبُوا﴾، فَخَرَّقُوا،
﴿فِي البِلادِ﴾، وطافُوا، والتَنْقِيبُ: اَلتَّنْقِيرُ عَنِ الأمْرِ، والبَحْثُ والطَلَبُ، ودَخَلَتِ الفاءُ لِلتَّسْبِيبِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: شِدَّةُ بَطْشِهِمْ أقْدَرَتْهم عَلى التَنْقِيبِ، وقُوَّتُهم عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: "فَنَقَّبَ أهْلُ مَكَّةَ في أسْفارِهِمْ، ومَسايِرِهِمْ في بِلادِ القُرُونِ، فَهَلْ رَأوْا لَهم مَحِيصًا حَتّى يُؤَمِّلُوا مِثْلَهُ لِأنْفُسِهِمْ؟!"، ويَدُلَّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "فَنَقِّبُوا"، عَلى الأمْرِ،
﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾، مَهْرَبٍ مِنَ اللهِ، أوْ مِنَ المَوْتِ.
ق 50:37
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾، اَلْمَذْكُورِ،
﴿لَذِكْرى﴾، تَذْكِرَةً، وعِظَةً،
﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾، (p-٣٦٩)واعٍ، لِأنَّ مَن لا يَعِي قَلْبُهُ، فَكَأنَّهُ لا قَلْبَ لَهُ،
﴿أوْ ألْقى السَمْعَ﴾، أصْغى إلى المَواعِظِ،
﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، حاضِرٌ بِفِطْنَتِهِ، لِأنَّ مَن لا يَحْضُرُ ذِهْنُهُ فَكَأنَّهُ غائِبٌ.
ق 50:38
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾، إعْياءٍ، قِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ - لُعِنَتْ - تَكْذِيبًا لِقَوْلِهِمْ: خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ، أوَّلُها الأحَدُ، وآخِرُها الجُمُعَةُ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَبْتِ، واسْتَلْقى عَلى العَرْشِ، وقالُوا: إنَّ الَّذِي وقَعَ مِنَ التَشْبِيهِ في هَذِهِ الأُمَّةِ إنَّما وقَعَ مِنَ اليَهُودِ، ومِنهم أُخِذَ، وأنْكَرَ اليَهُودُ التَرْبِيعَ في الجُلُوسِ، وزَعَمُوا أنَّهُ جَلَسَ تِلْكَ الجِلْسَةَ يَوْمَ السَبْتِ.
ق 50:39
﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: عَلى ما يَقُولُ اليَهُودُ، ويَأْتُونَ بِهِ مِنَ الكُفْرِ، والتَشْبِيهِ، أوْ عَلى ما يَقُولُ المُشْرِكُونَ في أمْرِ البَعْثِ، فَإنَّ مَن قَدِرَ عَلى خَلْقِ العالَمِ، قَدِرَ عَلى بَعْثِهِمْ، والِانْتِقامِ مِنهُمْ،
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، حامِدًا رَبَّكَ، والتَسْبِيحُ مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، أوْ عَلى الصَلاةِ، فالصَلاةُ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ﴾، اَلْفَجْرُ،
﴿وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾، اَلظُّهْرُ، والعَصْرُ.
ق 50:40
﴿وَمِنَ اللَيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾، اَلْعِشاءانِ، أوِ التَهَجُّدُ،
﴿وَأدْبارَ السُجُودِ﴾، اَلتَّسْبِيحُ في آثارِ الصَلَواتِ، والسُجُودُ والرُكُوعُ يُعَبَّرُ بِهِما عَنِ الصَلاةِ، وقِيلَ: اَلنَّوافِلُ بَعْدَ المَكْتُوباتِ، أوِ الوَتَرُ بَعْدَ العَشاءِ، و"اَلْأدْبارُ": جَمْعُ دُبُرٍ، "وَإدْبارَ"، "حِجازِيٌّ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ"، مِن "أدْبَرَتِ الصَلاةُ"، إذا انْقَضَتْ، وتَمَّتْ، ومَعْناهُ: وقْتُ انْقِضاءِ السُجُودِ، كَقَوْلِهِمْ: "آتِيكَ خُفُوقَ النَجْمِ".
ق 50:41
﴿واسْتَمِعْ﴾، لِما أُخْبِرُكَ بِهِ، مِن حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وفي ذاكَ تَهْوِيلٌ، وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِ المُخْبَرِ بِهِ، وقَدْ وقَفَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ، وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾، بِما دَلَّ عَلَيْهِ "ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ"، أيْ: "يَوْمَ يُنادِي المُنادِي يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ"، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: "واسْتَمِعْ حَدِيثَ يَوْمِ يُنادِي المُنادِي"، "اَلْمُنادِي"، بِالياءِ في (p-٣٧٠)الحالَيْنِ، "مَكِّيٌّ وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ"، وفي الوَصْلِ "مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو"، وغَيْرُهم بِغَيْرِ ياءٍ فِيهِما، والمُنادِي إسْرافِيلُ، في الصُورِ، ويُنادِي: « "أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ، والأوْصالُ المُتَقَطِّعَةُ، واللُحُومُ المُتَمَزِّقَةُ، والشُعُورُ المُتَفَرِّقَةُ، إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُنَّ أنْ تَجْتَمِعْنَ لِفَصْلِ القَضاءِ"، » وقِيلَ: إسْرافِيلُ يَنْفُخُ، وجِبْرِيلُ يُنادِي بِالحَشْرِ،
﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾، مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَماءِ، بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا، وهي وسَطُ الأرْضِ.
ق 50:42
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَيْحَةَ﴾، بَدَلٌ مِن "يَوْمَ يُنادِي"، اَلصَّيْحَةُ: اَلنَّفْخَةُ الثانِيَةُ،
﴿بِالحَقِّ﴾، مُتَعَلِّقٌ بِالصَيْحَةِ، والمُرادُ بِهِ البَعْثُ، والحَشْرُ لِلْجَزاءِ،
﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾، مِنَ القُبُورِ.
ق 50:43
﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي﴾، اَلْخَلْقَ،
﴿وَنُمِيتُ﴾ أيْ: نُمِيتُهم في الدُنْيا،
﴿وَإلَيْنا المَصِيرُ﴾ أيْ: مَصِيرُهم.
ق 50:44
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ﴾، خَفِيفٌ، "كُوفِيٌّ وأبُو عَمْرٍو"، وغَيْرُهم بِالتَشْدِيدِ،
﴿الأرْضُ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَتَصَدَّعُ الأرْضُ فَيَخْرُجُ المَوْتى مِن صُدُوعِها،
﴿سِراعًا﴾، حالٌ مِنَ المَجْرُورِ، أيْ: مُسْرِعِينَ،
﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾، هَيِّنٌ، وتَقْدِيمُ الظَرْفِ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، أيْ: لا يَتَيَسَّرُ مِثْلُ ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ إلّا عَلى القادِرِ الَّذِي لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ.
ق 50:45
﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾، فِيكَ، وفِينا، تَهْدِيدٌ لَهُمْ، وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ،
﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾، كَقَوْلِهِ: بِمُسَيْطِرٍ، أيْ: ما أنْتَ بِمُسَلَّطٍ عَلَيْهِمْ، إنَّما أنْتَ داعٍ، وباعِثٌ، قِيلَ: هو مِن "جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ"، بِمَعْنى "أجْبَرَهُ"، أيْ: ما أنْتَ بِوالٍ عَلَيْهِمْ، تَجْبُرُهم عَلى الإيمانِ،
﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥]، لِأنَّهُ لا يَنْفَعُ إلّا فِيهِ.
الذاريات 51:1
(p-٣٧١)سُورَةُ "اَلذّارِياتِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿والذارِياتِ﴾، اَلرِّياحِ، لِأنَّها تَذْرُو التُرابَ، وغَيْرَهُ، وبِإدْغامِ التاءِ في الذالِ "حَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو"،
﴿ذَرْوًا﴾، مَصْدَرٌ، والعامِلُ فِيهِ اسْمُ الفاعِلِ.
الذاريات 51:2
﴿فالحامِلاتِ﴾، اَلسَّحابِ، لِأنَّها تَحْمِلُ المَطَرَ،
﴿وِقْرًا﴾، مَفْعُولُ الحامِلاتِ.
الذاريات 51:3
﴿فالجارِياتِ﴾، اَلْفُلْكِ،
﴿يُسْرًا﴾، جَرْيًا ذا يُسْرٍ، أيْ: ذا سُهُولَةٍ.
الذاريات 51:4
﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾، اَلْمَلائِكَةِ، لِأنَّها تُقَسِّمُ الأُمُورَ، مِنَ الأمْطارِ، والأرْزاقِ، وغَيْرِهِما، أوْ تَفْعَلُ التَقْسِيمَ مَأْمُورَةً بِذَلِكَ، أوْ تَتَوَلّى تَقْسِيمَ أمْرِ العِبادِ، فَجِبْرِيلُ لِلْغِلْظَةِ، ومِيكائِيلُ لِلرَّحْمَةِ، ومَلَكُ المَوْتِ لَقَبْضِ الأرْواحِ، وإسْرافِيلُ لِلنَّفْخِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الرِياحُ لا غَيْرُ، لِأنَّها تُنْشِئُ السَحابَ، وتُقِلُّهُ، وتَصْرِفُهُ، وتَجْرِي في الجَوِّ جَرْيًا سَهْلًا، وتُقَسِّمُ الأمْطارَ بِتَصْرِيفِ السَحابِ، ومَعْنى الفاءِ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ أقْسَمَ بِالرِياحِ، فَبِالسَحابِ، الَّتِي تَسُوقُهُ، فَبِالفُلْكِ الَّتِي تُجْرِيها بِهُبُوبِها، فَبِالمَلائِكَةِ الَّتِي تُقَسِّمُ الأرْزاقَ بِإذْنِ اللهِ، مِنَ الأمْطارِ، وتِجاراتِ البَحْرِ، ومَنافِعِها، أوْ عَلى الثانِي أنَّها تَبْتَدِئُ في الهُبُوبِ، فَتَذْرُو التُرابَ والحَصْباءَ، فَتَقِلُّ السَحابَ، فَتَجْرِي في الجَوِّ باسِطَةً لَهُ، فَتُقَسِّمُ المَطَرَ.
الذاريات 51:5
﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٤]، جَوابُ القَسَمِ، و"ما"، مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمَوْعُودُ البَعْثُ،
﴿لَصادِقٌ﴾، وعْدٌ صادِقٌ، كَـ "عِيشَةٌ راضِيَةٌ"، أيْ: ذاتُ رِضًا.
الذاريات 51:6
﴿وَإنَّ الدِينَ﴾، اَلْجَزاءَ عَلى الأعْمالِ،
﴿لَواقِعٌ﴾، لَكائِنٌ.
الذاريات 51:7
(p-٣٧٢)﴿والسَماءِ﴾، هَذا قَسَمٌ آخَرُ،
﴿ذاتِ الحُبُكِ﴾، اَلطَّرائِقِ الحَسَنَةِ، مِثْلَ ما يَظْهَرُ عَلى الماءِ مِن هُبُوبِ الرِيحِ، وكَذَلِكَ "حُبُكُ الشَعْرِ"، آثارُ تَثَنِّيهِ، وتَكَسُّرِهِ، جَمْعُ "حَبِيكَةٌ"، كَـ "طَرِيقَةٌ"، و"طُرُقٌ"، ويُقالُ: إنَّ خِلْقَةَ السَماءِ كَذَلِكَ، وعَنِ الحَسَنِ: "حُبُكُها: نُجُومُها"، جَمْعُ حِباكٍ.
الذاريات 51:8
﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ أيْ قَوْلَهم في الرَسُولِ: ساحِرٌ، وشاعِرٌ، ومَجْنُونٌ، وفي القُرْآنِ: سِحْرٌ، وشِعْرٌ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ.
الذاريات 51:9
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾، اَلضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، أوِ الرَسُولِ، أيْ: يُصْرَفُ عَنْهُ مَن صُرِفَ الصَرْفَ الَّذِي لا صَرْفَ أشَدُّ مِنهُ وأعْظَمُ، أوْ يُصْرَفُ عَنْهُ مَن صُرِفَ في سابِقِ عِلْمِ اللهِ، أيْ: عَلِمَ فِيما لَمْ يَزَلْ أنَّهُ مَأْفُوكٌ عَنِ الحَقِّ، لا يَرْعَوِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِـ "ما تُوعَدُونَ"، أوْ لِلدِّينِ، أقْسَمَ بِالذارِياتِ عَلى أنَّ وُقُوعَ أمْرِ القِيامَةِ حَقٌّ، ثُمَّ أقْسَمَ بِالسَماءِ عَلى أنَّهم في قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ في وُقُوعِهِ، فَمِنهم شاكٌّ، ومِنهم جاحِدٌ، ثُمَّ قالَ: يُؤْفَكُ عَنِ الإقْرارِ بِأمْرِ القِيامَةِ مَن هو المَأْفُوكُ.
الذاريات 51:10
﴿قُتِلَ﴾، لُعِنَ، وأصْلُهُ الدُعاءُ بِالقَتْلِ، والهَلاكِ، ثُمَّ جَرى مُجْرى "لُعِنَ"،
﴿الخَرّاصُونَ﴾، اَلْكَذّابُونَ، المُقَدِّرُونَ ما لا يَصِحُّ، وهم أصْحابُ القَوْلِ المُخْتَلِفِ، واللامُ إشارَةٌ إلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: "قُتِلَ هَؤُلاءِ الخَرّاصُونَ".
الذاريات 51:11
﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ﴾، في جَهْلٍ يَغْمُرُهُمْ،
﴿ساهُونَ﴾، غافِلُونَ عَمّا أُمِرُوا بِهِ.
الذاريات 51:12
﴿يَسْألُونَ﴾، فَيَقُولُونَ: ﴿أيّانَ يَوْمُ الدِينِ﴾ أيْ: مَتى يَوْمُ الجَزاءِ؟ وتَقْدِيرُهُ: "أيّانَ وُقُوعُ يَوْمِ الدِينِ"، لِأنَّهُ إنَّما تَقَعُ الأحْيانُ ظُرُوفًا لَلْحُدْثانِ، وانْتَصَبَ اليَوْمُ الواقِعُ في الجَوابِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، دَلَّ عَلَيْهِ السُؤالُ، أيْ: "يَقَعُ".
الذاريات 51:13
﴿يَوْمَ هم عَلى النارِ يُفْتَنُونَ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وهو الجُمْلَةُ، ومَحَلُّهُ نَصْبٌ بِالمُضْمَرِ الَّذِي هو "يَقَعُ"، أوْ رَفْعٌ عَلى "هُوَ يَوْمُ هم عَلى النارِ يُفْتَنُونَ"، أيْ: يُحْرَقُونَ.
الذاريات 51:14
(p-٣٧٣)﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ أيْ: تَقُولُ لَهم خَزَنَةُ النارِ: "ذُوقُوا عَذابَكم وإحْراقَكم بِالنارِ،
﴿هَذا﴾، مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿الَّذِي﴾ أيْ: هَذا العَذابُ هو الَّذِي ﴿كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾، في الدُنْيا، بِقَوْلِكُمْ: "فَأْتِنا بِما تَعِدُنا"، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ:
الذاريات 51:15
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ: وتَكُونُ العُيُونُ - وهي الأنْهارُ الجارِيَةُ - بِحَيْثُ يَرَوْنَها، وتَقَعُ عَلَيْها أبْصارُهُمْ، لا أنَّهم فِيها.
الذاريات 51:16
﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾، قابِلِينَ لِكُلِّ ما أعْطاهم مِنَ الثَوابِ، راضِينَ بِهِ، و"آخِذِينَ"، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في الظَرْفِ، وهو خَبَرُ "إنَّ"،
﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾، قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ في الدُنْيا،
﴿مُحْسِنِينَ﴾، قَدْ أحْسَنُوا أعْمالَهُمْ، وتَفْسِيرُ إحْسانِهِمْ ما بَعْدَهُ:
الذاريات 51:17
﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾، يَنامُونَ، و"ما"، مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، و"يَهْجَعُونَ"، خَبَرُ "كانَ"، والمَعْنى: "كانُوا يَهْجَعُونَ في طائِفَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ اللَيْلِ"، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَقْدِيرُ: "كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَيْلِ هُجُوعُهُمْ"، فَيَرْتَفِعُ هُجُوعُهم لِكَوْنِهِ بَدَلًا مِنَ الواوِ في "كانُوا"، لا بِـ "قَلِيلًا"، لِأنَّهُ صارَ مَوْصُوفًا بِقَوْلِهِ: "مِنَ اللَيْلِ"، خَرَجَ مِن شَبَهِ الفِعْلِ، وعَمَلُهُ بِاعْتِبارِ المُشابَهَةِ، أيْ: "كانَ هُجُوعُهم قَلِيلًا مِنَ اللَيْلِ"، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما"، نافِيَةً، عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَهْجَعُونَ مِنَ اللَيْلِ قَلِيلًا، ويُحْيُونَهُ كُلَّهُ لِأنَّ "ما"، اَلنّافِيَةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها، لا تَقُولُ: زَيْدًا ما ضَرَبْتُ".
الذاريات 51:18
﴿وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وصَفَهم بِأنَّهم يُحْيُونَ اللَيْلَ مُتَهَجِّدِينَ، فَإذا أسْحَرُوا أخَذُوا في الِاسْتِغْفارِ، كَأنَّهم أسْلَفُوا في لَيْلِهِمُ الجَرائِمَ، و"اَلسَّحَرُ": اَلسُّدُسُ الأخِيرُ مِنَ اللَيْلِ.
الذاريات 51:19
﴿وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ﴾، لِمَن يَسْألُ لِحاجَتِهِ،
﴿والمَحْرُومِ﴾ أيْ: اَلَّذِي يَتَعَرَّضُ، ولا يَسْألُ، حَياءً.
الذاريات 51:20
﴿وَفِي الأرْضِ آياتٌ﴾، تَدُلُّ عَلى الصانِعِ، وقُدْرَتِهِ، وحِكْمَتِهِ، وتَدْبِيرِهِ، (p-٣٧٤)حَيْثُ هي مَدْحُوَّةٌ كالبِساطِ لِما فَوْقَها، وفِيها المَسالِكُ، والفِجاجُ لِلْمُتَقَلِّبِينَ فِيها، وهي مُجَزَّأةٌ - فَمِن سَهْلٍ، ومِن جَبَلٍ -، وصُلْبَةٌ، ورَخْوَةٌ، وعَذاةٌ، وسَبَخَةٌ، وفِيها عُيُونٌ مُتَفَجِّرَةٌ، ومَعادِنُ مُفَتَّتَةٌ، ودَوابُّ مُنْبَثَّةٌ، مُخْتَلِفَةُ الصُوَرِ والأشْكالِ، مُتَبايِنَةُ الهَيْئاتِ والأفْعالِ،
﴿لِلْمُوقِنِينَ﴾، لِلْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ سَلَكُوا الطَرِيقَ السَوِيَّ البُرْهانِيَّ، المُوَصِّلَ إلى المَعْرِفَةِ، فَهم نَظّارُونَ بِعُيُونٍ باصِرَةٍ، وأفْهامٍ نافِذَةٍ، كُلَّما رَأوْا آيَةً عَرَفُوا وجْهَ تَأمُّلِها، فازْدادُوا إيقانًا عَلى إيقانِهِمْ.
الذاريات 51:21
﴿وَفِي أنْفُسِكُمْ﴾، في حالِ ابْتِدائِها، وتَنَقُّلِها مِن حالٍ إلى حالٍ، وفي بَواطِنِها وظَواهِرِها، مِن عَجائِبِ الفَطْرِ، وبَدائِعِ الخَلْقِ، ما نَتَحَيَّرُ فِيهِ الأذْهانُ، وحَسْبُكَ بِالقُلُوبِ وما رَكَّزَ فِيها مِنَ العُقُولِ، وبِالألْسُنِ والنُطْقِ ومَخارِجِ الحُرُوفِ، وما في تَرْكِيبِها وتَرْتِيبِها ولَطائِفِها مِنَ الآياتِ الساطِعَةِ، والبَيِّناتِ القاطِعَةِ عَلى حِكْمَةِ مُدَبِّرِها، وصانِعِها، دَعِ الأسْماعَ، والأبْصارَ، والأطْرافَ، وسائِرَ الجَوارِحِ، وتَأتِّيها لِما خُلِقَتْ لَهُ، وما سَوّى في الأعْضاءِ مِنَ المَفاصِلِ، لِلِانْعِطافِ والتَثَنِّي، فَإنَّهُ إذا جَسا مِنها شَيْءٌ جاءَ العَجْزُ، وإذا اسْتَرْخى أناخَ الذُلُّ، فَتَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، وما قِيلَ: إنَّ التَقْدِيرَ: "أفَلا تُبْصِرُونَ في أنْفُسِكُمْ"، ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ يُفْضِي إلى تَقْدِيمِ ما في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ،
﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾، تَنْظُرُونَ نَظَرَ مَن يَعْتَبِرُ.
الذاريات 51:22
﴿وَفِي السَماءِ رِزْقُكُمْ﴾ أيْ: اَلْمَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأقْواتِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا رَأى السَحابَ قالَ لِأصْحابِهِ: "فِيهِ واللهِ رِزْقُكُمْ، ولَكِنَّكم تُحْرَمُونَهُ بِخَطاياكُمْ"،
﴿وَما تُوعَدُونَ﴾، اَلْجَنَّةُ، فَهي عَلى ظَهْرِ السَماءِ السابِعَةِ، تَحْتَ العَرْشِ، أوْ أرادَ أنَّ ما تُرْزَقُونَهُ في الدُنْيا، وما تُوعَدُونَهُ في العُقْبى، كُلُّهُ مَقْدُورٌ مَكْتُوبٌ في السَماءِ.
الذاريات 51:23
﴿فَوَرَبِّ السَماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾، اَلضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الرِزْقِ، أوْ إلى "ما تُوعَدُونَ"، " ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾، بِالرَفْعِ، "كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ"، صِفَةٌ لِلْحَقِّ، أيْ: (p-٣٧٥)"حَقٌّ مِثْلُ نُطْقِكُمْ"، وغَيْرُهم بِالنَصْبِ، أيْ: "إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ نُطْقِكُمْ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَتْحًا لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، و"ما"، مَزِيدَةٌ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: "أقْبَلْتُ مِن جامِعِ البَصْرَةِ، فَطَلَعَ أعْرابِيٌّ عَلى قَعُودٍ، فَقالَ: مَنِ الرَجُلُ؟ فَقُلْتُ: مِن بَنِي أصْمَعَ، قالَ: مِن أيْنَ أقْبَلْتَ؟ قُلْتُ: مِن مَوْضِعٍ يُتْلى فِيهِ كَلامُ اللهِ، قالَ: اُتْلُ عَلَيَّ، فَتَلَوْتُ: ﴿والذارِياتِ﴾ [الذاريات: ١]، فَلَمّا بَلَغْتُ قَوْلَهُ: ﴿وَفِي السَماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢]، قالَ: حَسْبُكَ، فَقامَ إلى ناقَتِهِ، فَنَحَرَها، ووَزَّعَها عَلى مَن أقْبَلَ وأدْبَرَ، وعَمَدَ إلى سَيْفِهِ وقَوْسِهِ، فَكَسَرَهُما، ووَلّى، فَلَمّا حَجَجْتُ مَعَ الرَشِيدِ، طَفِقْتُ أطُوفُ، فَإذا أنا بِمَن يَهْتِفُ بِي بِصَوْتٍ رَقِيقٍ، فالتَفَتُّ فَإذا أنا بِالأعْرابِيِّ قَدْ نَحَلَ واصْفَرَّ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، واسْتَقْرَأ السُورَةَ، فَلَمّا بَلَغْتُ الآيَةَ صاحَ، وقالَ: قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا، ثُمَّ قالَ: وهَلْ غَيْرُ هَذا؟ فَقَرَأْتُ: ﴿فَوَرَبِّ السَماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾، فَصاحَ، وقالَ: يا سُبْحانَ اللهِ، مَن ذا الَّذِي أغْضَبَ الجَلِيلَ حَتّى حَلَفَ؟ لَمْ يُصَدِّقُوهُ بِقَوْلِهِ حَتّى حَلَفَ، قالَها ثَلاثًا، وخَرَجَتْ مَعَها نَفْسُهُ".
الذاريات 51:24
﴿هَلْ أتاكَ﴾، تَفْخِيمٌ لِلْحَدِيثِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِلْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وإنَّما عَرَفَهُ بِالوَحْيِ، وانْتِظامُها بِما قَبْلَها بِاعْتِبارِ أنَّهُ قالَ: "وَفِي الأرْضِ آياتٌ"، وقالَ في آخِرِ هَذِهِ القِصَّةِ: "وَتَرَكْنا فِيها آيَةً"،
﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾، "اَلضَّيْفُ"، لِلْواحِدِ، والجَماعَةِ، كَـ "اَلصَّوْمُ"، و"اَلزُّورُ"، لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرُ "ضافَهُ"، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا، وقِيلَ: تِسْعَةٌ، عاشِرُهم جِبْرِيلُ، وجَعَلَهم ضَيْفًا لِأنَّهم كانُوا في صُورَةِ الضَيْفِ، حَيْثُ أضافَهم إبْراهِيمُ، أوْ لِأنَّهم كانُوا في حُسْبانِهِ كَذَلِكَ،
﴿المُكْرَمِينَ﴾، عِنْدَ اللهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقِيلَ: لِأنَّهُ خَدَمَهم بِنَفْسِهِ، وأخْدَمَهُمُ امْرَأتَهُ، وعَجَّلَ لَهُمُ القِرى.
الذاريات 51:25
﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾، نُصِبَ بِـ "اَلْمُكْرَمِينَ"، إذا فُسِّرَ بِإكْرامِ إبْراهِيمَ لَهُمْ، وإلّا فَبِإضْمارِ "اُذْكُرْ"،
﴿فَقالُوا سَلامًا﴾، مَصْدَرٌ سادٌّ مَسَدَّ الفِعْلِ، مُسْتَغْنًى بِهِ عَنْهُ، وأصْلُهُ: "نُسَلِّمُ عَلَيْكم سَلامًا"،
﴿قالَ سَلامٌ﴾ أيْ: "عَلَيْكم سَلامٌ"، فَهو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، (p-٣٧٦)وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والعُدُولُ إلى الرَفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى إثْباتِ السَلامِ، كَأنَّهُ قَصَدَ أنْ يُحَيِّيَهم بِأحْسَنَ مِمّا حَيَّوْهُ بِهِ، أخْذًا بِأدَبِ اللهِ، وهَذا أيْضًا مِن إكْرامِهِ لَهُمْ، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ": "سِلْمٌ"، و"اَلسِّلْمُ": اَلسَّلامُ،
﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ: أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، فَعَرِّفُونِي مَن أنْتُمْ.
الذاريات 51:26
﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾، فَذَهَبَ إلَيْهِمْ في خُفْيَةٍ مِن ضُيُوفِهِ، ومِن أدَبِ المُضِيفِ أنْ يُخْفِيَ أمْرَهُ، وأنْ يُبادِرَ بِالقِرى مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ الضَيْفُ، حَذَرًا مِن أنْ يَكُفَّهُ، وكانَ عامَّةُ مالِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - البَقَرَ،
﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾
الذاريات 51:27
﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ﴾، لِيَأْكُلُوا مِنهُ، فَلَمْ يَأْكُلُوا،
﴿قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَرْكَ الأكْلِ، أوْ حَثَّهم عَلَيْهِ.
الذاريات 51:28
﴿فَأوْجَسَ﴾، فَأضْمَرَ،
﴿مِنهم خِيفَةً﴾، خَوْفًا، لِأنَّ مَن لَمْ يَأْكُلْ طَعامَكَ لَمْ يَحْفَظْ ذِمامَكَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "وَقَعَ في نَفْسِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ، أُرْسِلُوا لِلْعَذابِ"،
﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾، إنّا رُسُلُ اللهِ، وقِيلَ: مَسَحَ جِبْرِيلُ العِجْلَ، فَقامَ ولَحِقَ بِأُمِّهِ،
﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ: يَبْلُغُ، ويَعْلَمُ، والمُبَشَّرُ بِهِ إسْحاقُ، عِنْدَ الجُمْهُورِ.
الذاريات 51:29
﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾، في صَيْحَةٍ، مِن "صَرَّ القَلَمَ، والبابَ"، قالَ الزَجّاجُ: "صَرَّةٍ"، شِدَّةِ الصِياحِ، هَهُنا، ومَحَلُّهُ النَصْبُ، عَلى الحالِ، أيْ: فَجاءَتْ صارَّةً، وقِيلَ: فَأخَذَتْ في صِياحٍ، وصَرَّتُها قَوْلُها: "يا ويْلَتا"،
﴿فَصَكَّتْ وجْهَها﴾، فَلَطَمَتْ بِبَسْطِ يَدَيْها، وقِيلَ: فَضَرَبَتْ بِأطْرافِ أصابِعِها جَبْهَتَها، فِعْلَ المُتَعَجِّبِ،
﴿وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ أيْ: أنا عَجُوزٌ، فَكَيْفَ ألِدُ؟! كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]
الذاريات 51:30
﴿قالُوا كَذَلِكَ﴾، مِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي قُلْنا، وأخْبَرْنا بِهِ،
﴿قالَ رَبُّكِ﴾ أيْ: إنَّما نُخْبِرُكِ عَنِ اللهِ (تَعالى)، واللهُ قادِرٌ عَلى ما تَسْتَبْعِدِينَ،
﴿إنَّهُ هو الحَكِيمُ﴾، في فِعْلِهِ،
﴿العَلِيمُ﴾، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ قالَ لَها - حِينَ اسْتَبْعَدَتْ -: (p-٣٧٧)"اُنْظُرِي إلى سَقْفِ بَيْتِكِ"، فَنَظَرَتْ، فَإذا جُذُوعُهُ مُورِقَةٌ مُثْمِرَةٌ.
الذاريات 51:31
وَلَمّا عَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ، وأنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا بِأمْرِ اللهِ رُسُلًا في بَعْضِ الأُمُورِ،
﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: فَما شَأْنُكُمْ؟ وما طِلْبَتُكُمْ؟ وفِيمَ أُرْسِلْتُمْ؟ ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾، أُرْسِلْتُمْ بِالبِشارَةِ خاصَّةً، أوْ لِأمْرٍ آخَرَ، أوْ لَهُما؟
الذاريات 51:32
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: قَوْمِ لُوطٍ.
الذاريات 51:33
﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾، يُرِيدُ السِجِّيلَ، وهو طِينٌ طُبِخَ، كَما يُطْبَخُ الآجُرُّ، حَتّى صارَ في صَلابَةِ الحِجارَةِ.
الذاريات 51:34
﴿مُسَوَّمَةً﴾، مُعَلَّمَةً، مِن "اَلسُّومَةُ"، وهي العَلامَةُ، عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها اسْمُ مَن يَهْلِكُ بِهِ،
﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾، في مُلْكِهِ، وسُلْطانِهِ،
﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾، سَمّاهم "مُسْرِفِينَ"، كَما سَمّاهم "عادِينَ"، لِإسْرافِهِمْ، وعُدْوانِهِمْ في عَمَلِهِمْ، حَيْثُ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِما أُبِيحَ لَهم.
الذاريات 51:35
﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها﴾، في القَرْيَةِ، ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِكَوْنِها مَعْلُومَةً،
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، يَعْنِي لُوطًا ومَن آمَنَ بِهِ.
الذاريات 51:36
﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ أهْلِ بَيْتٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ واحِدٌ لِأنَّ المَلائِكَةَ سَمَّوْهم "مُؤْمِنِينَ"، و"مُسْلِمِينَ"، هُنا.
الذاريات 51:37
﴿وَتَرَكْنا فِيها﴾، في قُراهُمْ،
﴿آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾، عَلامَةً يَعْتَبِرُ بِها الخائِفُونَ، دُونَ القاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ، قِيلَ: هي ماءٌ أسْوَدُ مُنْتِنٌ.
الذاريات 51:38
﴿وَفِي مُوسى﴾، مَعْطُوفٌ عَلى "وَفِي الأرْضِ آياتٌ"، أوْ عَلى قَوْلِهِ: "وَتَرَكْنا فِيها آيَةً"، عَلى مَعْنى: "وَجَعَلْنا في مُوسى آيَةً"، كَقَوْلِهِ:
؎ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا................
﴿إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، بِحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ، وهي اليَدُ، والعَصا.
الذاريات 51:39
(p-٣٧٨)﴿فَتَوَلّى﴾، فَأعْرَضَ عَنِ الإيمانِ،
﴿بِرُكْنِهِ﴾، بِما كانَ يَتَقَوّى بِهِ مِن جُنُودِهِ، ومُلْكِهِ، و"اَلرُّكْنُ": ما يَرْكَنُ إلَيْهِ الإنْسانُ مِن مالٍ، وجُنْدٍ،
﴿وَقالَ ساحِرٌ﴾ أيْ: هو ساحِرٌ،
﴿أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]
الذاريات 51:40
﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ وهو مُلِيمٌ﴾، آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْهِ مِن كُفْرِهِ، وعِنادِهِ، وإنَّما وُصِفُ يُونُسُ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]، لِأنَّ مُوجِباتِ اللَوْمِ تَخْتَلِفُ، وعَلى حَسَبِ اخْتِلافِها تَخْتَلِفُ مَقادِيرُ اللَوْمِ، فَراكِبُ الكُفْرِ مَلُومٌ عَلى مِقْدارِهِ، وراكِبُ الكَبِيرَةِ والصَغِيرَةِ والزَلَّةِ كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ مَعَ الواوِ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "فَأخَذْناهُ".
الذاريات 51:41
﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ﴾، هي الَّتِي لا خَيْرَ فِيها، مِن إنْشاءِ مَطَرٍ، أوْ إلْقاحِ شَجَرٍ، وهي رِيحُ الهَلاكِ، واخْتُلِفَ فِيها، والأظْهَرُ أنَّها الدَبُورُ، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "نُصِرْتُ بِالصَبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَبُورِ" ».
الذاريات 51:42
﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كالرَمِيمِ﴾، هو كُلُّ ما رُمَّ، أيْ: بَلِيَ، وتَفَتَّتَ، مِن عَظْمٍ، أوْ نَباتٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: "ما تَتْرُكُ مِن شَيْءٍ هَبَّتْ عَلَيْهِ مِن أنْفُسِهِمْ، وأنْعامِهِمْ، وأمْوالِهِمْ، إلّا أهْلَكَتْهُ".
الذاريات 51:43
﴿وَفِي ثَمُودَ﴾، آيَةٌ أيْضًا،
﴿إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾، تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [هود: ٦٥]
الذاريات 51:44
﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾، فاسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِهِ،
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ﴾، اَلْعَذابُ، وكُلُّ عَذابٍ مُهْلِكٍ صاعِقَةٌ، "اَلصَّعْقَةُ"، "عَلِيٌّ"، وهي المَرَّةُ مِن مَصْدَرِ "صَعَقَتْهُمُ الصاعِقَةُ"،
﴿وَهم يَنْظُرُونَ﴾، لِأنَّها كانَتْ نَهارًا، يُعايِنُونَها.
الذاريات 51:45
﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ﴾ أيْ: هَرَبٍ، أوْ هو مِن قَوْلِهِمْ: "ما يَقُومُ بِهِ"، إذا (p-٣٧٩)عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ،
﴿وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾، مُمْتَنِعِينَ مِنَ العَذابِ، أوْ لَمْ يُمْكِنْهم مُقابَلَتُنا بِالعَذابِ، لِأنَّ مَعْنى الِانْتِصارِ المُقابَلَةُ.
الذاريات 51:46
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أيْ: وأهْلَكْنا قَوْمَ نُوحٍ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، أوْ "واذْكُرْ قَوْمَ نُوحٍ"، وبِالجَرِّ "أبُو عَمْرٍو وعَلِيٌّ وحَمْزَةُ"، أيْ: وفي قَوْمِ نُوحٍ آيَةٌ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ: "وَفِي قَوْمِ نُوحٍ"،
﴿مِن قَبْلُ﴾، مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ،
﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾، كافِرِينَ.
الذاريات 51:47
﴿والسَماءَ﴾، نُصِبَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾، بِقُوَّةٍ، و"اَلْأيْدُ": اَلْقُوَّةُ،
﴿وَإنّا لَمُوسِعُونَ﴾، لَقادِرُونَ، مِن "اَلْوُسْعُ"، وهي الطاقَةُ، و"اَلْمُوسِعُ": اَلْقَوِيُّ عَلى الإنْفاقِ، أوْ "لَمُوسِعُونَ ما بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ".
الذاريات 51:48
﴿والأرْضَ فَرَشْناها﴾، بَسَطْناها، ومَهَّدْناها، وهي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: فَرَشْنا الأرْضَ فَرَشْناها،
﴿فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾، نَحْنُ.
الذاريات 51:49
.
﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ﴾، مِنَ الحَيَوانِ،
﴿خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾، ذَكَرًا، وأُنْثى، وعَنِ الحَسَنِ: "اَلسَّماءُ والأرْضُ، واللَيْلُ والنَهارُ، والشَمْسُ والقَمَرُ، والبَرُّ والبَحْرُ، والمَوْتُ والحَياةُ"، فَعَدَّدَ أشْياءَ، وقالَ: "كُلُّ اثْنَيْنِ مِنها زَوْجٌ"، واللهُ (تَعالى) فَرْدٌ، لا مِثْلَ لَهُ،
﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ كُلَّهُ، مِن بِناءِ السَماءِ، وفَرْشِ الأرْضِ، وخَلْقِ الأزْواجِ، لِتَتَذَكَّرُوا، فَتَعْرِفُوا الخالِقَ، وتَعْبُدُوهُ.
الذاريات 51:50
﴿فَفِرُّوا إلى اللهِ﴾ أيْ: مِنَ الشِرْكِ إلى الإيمانِ بِاللهِ، أوْ مِن طاعَةِ الشَيْطانِ إلى طاعَةِ الرَحْمَنِ، أوْ مِمّا سِواهُ إلَيْهِ،
﴿إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
الذاريات 51:51
﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، والتَكْرِيرُ لِلتَّوْكِيدِ، والإطالَةُ في الوَعِيدِ أبْلَغُ.
الذاريات 51:52
﴿كَذَلِكَ﴾، "اَلْأمْرُ مِثْلُ ذَلِكَ"، و"ذَلِكَ"، إشارَةٌ إلى تَكْذِيبِهِمُ الرَسُولَ، وتَسْمِيَتِهِ "ساحِرًا"، أوْ "مَجْنُونًا"، ثُمَّ فَسَّرَ ما أجْمَلَ، بِقَوْلِهِ: ﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، مِن قَبْلِ قَوْمِكَ، (p-٣٨٠)﴿مِن رَسُولٍ إلا قالُوا﴾، هو ﴿ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾، رَمَوْهم بِالسِحْرِ، أوِ الجُنُونِ، لِجَهْلِهِمْ.
الذاريات 51:53
﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾، اَلضَّمِيرُ لِلْقَوْلِ، أيْ: أتَواصى الأوَّلُونَ والآخَرُونَ بِهَذا القَوْلِ حَتّى قالُوهُ جَمِيعًا، مُتَّفِقِينَ عَلَيْهِ؟! ﴿بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ: لَمْ يَتَواصَوْا بِهِ، لِأنَّهم لَمْ يَتَلاقَوْا في زَمانٍ واحِدٍ، بَلْ جَمَعَتْهُمُ العِلَّةُ الواحِدَةُ، وهي الطُغْيانُ، والطُغْيانُ هو الحامِلُ عَلَيْهِ.
الذاريات 51:54
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، فَأعْرِضْ عَنِ الَّذِينَ كَرَّرْتَ عَلَيْهِمُ الدَعْوَةَ فَلَمْ يُجِيبُوا عِنادًا،
﴿فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾، فَلا لَوْمَ عَلَيْكَ في إعْراضِكَ بَعْدَما بَلَّغْتَ الرِسالَةَ، وبَذَلْتَ مَجْهُودَكَ في البَلاغِ والدَعْوَةِ.
الذاريات 51:55
﴿وَذَكِّرْ﴾، وعِظْ بِالقُرْآنِ،
﴿فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾، بِأنْ تَزِيدَ في عِلْمِهِمْ.
الذاريات 51:56
﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾، اَلْعِبادَةُ إنْ حُمِلَتْ عَلى حَقِيقَتِها، فَلا تَكُونُ الآيَةُ عامَّةً، بَلِ المُرادُ بِها المُؤْمِنُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، دَلِيلُهُ السِياقُ، أعْنِي: "وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ"، وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ"، وهَذا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ الَّذِينَ عَلِمَ مِنهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ لِلْعِبادَةِ، لِأنَّهُ إذا خَلَقَهم لِلْعِبادَةِ، وأرادَ مِنهُمُ العِبادَةَ، فَلا بُدَّ أنْ تُوجَدَ مِنهُمْ، فَإذا لَمْ يُؤْمِنُوا عُلِمَ أنَّهُ خَلَقَهم لِجَهَنَّمَ، كَما قالَ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقِيلَ: "إلّا لِآمُرَهم بِالعِبادَةِ"، وهو مَنقُولٌ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، وقِيلَ: "إلّا لِيَكُونُوا عِبادًا لِي"، والوَجْهُ أنْ تُحْمَلَ العِبادَةُ عَلى التَوْحِيدِ، فَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "كُلُّ عِبادَةٍ في القُرْآنِ فَهي تَوْحِيدٌ"، والكُلُّ يُوَحِّدُونَهُ في الآخِرَةِ، لِما عُرِفَ أنَّ الكُفّارَ كُلُّهم مُؤْمِنُونَ مُوَحِّدُونَ في الآخِرَةِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، نَعَمْ قَدْ أشْرَكَ البَعْضُ في الدُنْيا، لَكِنَّ مُدَّةَ الدُنْيا - بِالإضافَةِ إلى الأبَدِ - أقَلُّ مِن يَوْمٍ، ومَنِ اشْتَرى غُلامًا وقالَ: "ما اشْتَرَيْتُهُ إلّا (p-٣٨١)لِلْكِتابَةِ"، كانَ صادِقًا في قَوْلِهِ: "ما اشْتَرَيْتُهُ إلّا لِلْكِتابَةِ"، وإنِ اسْتَعْمَلَهُ في يَوْمٍ مِن عُمُرِهِ لِعَمَلٍ آخَرَ.
الذاريات 51:57
﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ﴾، ما خَلَقْتُهم لِيَرْزُقُوا أنْفُسَهُمْ، أوْ واحِدًا مِن عِبادِي،
﴿وَما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾، قالَ ثَعْلَبٌ: "أنْ يُطْعِمُوا عِبادِي"، وهي إضافَةُ تَخْصِيصٍ، كَقَوْلِهِ ﷺ خَبَرًا عَنِ اللهِ (تَعالى) -: « "مَن أكْرَمَ مُؤْمِنًا فَقَدْ أكْرَمَنِي، ومَن آذى مُؤْمِنًا فَقَدْ آذانِي" ».
الذاريات 51:58
﴿إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾، اَلشَّدِيدُ القُوَّةِ، و"اَلْمَتِينُ"، بِالرَفْعِ، صِفَةٌ لِـ "ذُو"، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالجَرِّ، صِفَةً لِـ "اَلْقُوَّةِ"، عَلى تَأْوِيلِ الِاقْتِدارِ.
الذاريات 51:59
﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، رَسُولَ اللهِ، بِالتَكْذِيبِ، مِن أهْلِ مَكَّةَ،
﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾، نَصِيبًا مِن عَذابِ اللهِ، مِثْلَ نَصِيبِ أصْحابِهِمْ، ونُظَرائِهِمْ مِنَ القُرُونِ المُهْلَكَةِ، قالَ الزَجّاجُ: "اَلذَّنُوبُ"، في اللُغَةِ: اَلنَّصِيبُ،
﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، نُزُولَ العَذابِ، وهَذا جَوابُ النَضْرِ وأصْحابِهِ، حِينَ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ.
الذاريات 51:60
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أيْ: مِن يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: مِن يَوْمِ "بَدْرٍ"، "لِيَعْبُدُونِي"، "أنْ يُطْعِمُونِي"، "فَلا يَسْتَعْجِلُونِي"، بِالياءِ في الحالَيْنِ، "يَعْقُوبُ"، وافَقَهُ سَهْلٌ في الوَصْلِ، الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ.
الطور 52:1
(p-٣٨٢)سُورَةُ "اَلطُّورِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿والطُورِ﴾، هو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللهُ عَلَيْهِ مُوسى وهو بِمَدْيَنَ.
الطور 52:2
﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾، هو القُرْآنُ، ونُكِّرَ لِأنَّهُ كِتابٌ مَخْصُوصٌ مِن بَيْنِ سائِرِ الكُتُبِ، أوِ اللَوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ التَوْراةُ.
الطور 52:3
﴿فِي رَقٍّ﴾، هو الصَحِيفَةُ، أوِ الجِلْدُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ،
﴿مَنشُورٍ﴾، مَفْتُوحٍ، لا خَتْمَ عَلَيْهِ، أوْ لائِحٍ.
الطور 52:4
﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ أيْ: الضُراحِ، وهو بَيْتٌ في السَماءِ، حِيالَ الكَعْبَةِ، وعُمْرانُهُ بِكَثْرَةِ زُوّارِهِ مِنَ المَلائِكَةِ، رُوِيَ أنَّهُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ويَخْرُجُونَ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ أبَدًا، وقِيلَ: اَلْكَعْبَةُ، لِكَوْنِها مَعْمُورَةً بِالحُجّاجِ، والعُمّارِ.
الطور 52:5
﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ أيْ: السَماءِ، أوِ العَرْشِ.
الطور 52:6
﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾، اَلْمَمْلُوءِ، أوِ المُوقَدِ، والواوُ الأُولى لِلْقَسَمِ، والبَواقِي لِلْعَطْفِ، وجَوابُ القَسَمِ:
الطور 52:7
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ﴾ أيْ: الَّذِي أوْعَدَ الكُفّارَ بِهِ،
﴿لَواقِعٌ﴾، لَنازِلٌ، قالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: «أتَيْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُكَلِّمُهُ في الأُسارى، فَلَقِيتُهُ في صَلاةِ الفَجْرِ يَقْرَأُ سُورَةَ "اَلطُّورِ"، فَلَمّا بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾، أسْلَمْتُ، خَوْفًا مِن أنْ يَنْزِلَ العَذابُ ».
الطور 52:8
(p-٣٨٣)﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، لا يَمْنَعُهُ مانِعٌ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِـ "واقِعٌ"، أيْ: واقِعٌ غَيْرَ مَدْفُوعٍ، والعامِلُ في "يَوْمَ": "لَواقِعٌ"، أيْ: يَقَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أوْ "اُذْكُرْ".
الطور 52:9
﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾، تَدُورُ كالرَحى، مُضْطَرِبَةً،
﴿السَماءُ مَوْرًا﴾
الطور 52:10
﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾، في الهَواءِ، كالسَحابِ، لِأنَّها تَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا.
الطور 52:12
﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾، غَلَبَ الخَوْضُ في الِانْدِفاعِ في الباطِلِ، والكَذِبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥]
الطور 52:13
وَيُبْدَلُ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾، مِن "يَوْمَ تَمُورُ"، و"اَلدَّعُّ": اَلدَّفْعُ العَنِيفُ وذَلِكَ أنَّ خَزَنَةَ النارِ يَغُلُّونَ أيْدِيَهم إلى أعْناقِهِمْ، ويَجْمَعُونَ نَواصِيَهم إلى أقْدامِهِمْ، ويَدْفَعُونَهم إلى النارِ دَفْعًا عَلى وُجُوهِهِمْ، وزَخًّا في أقْفِيَتِهِمْ، فَيُقالُ لَهُمْ:
الطور 52:14
﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾، في الدُنْيا.
الطور 52:15
﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾، "هَذا"، مُبْتَدَأٌ، و"سِحْرٌ"، خَبَرُهُ، يَعْنِي: "كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْوَحْيِ: "هَذا سِحْرٌ، أفَسِحْرٌ هَذا؟!"، يُرِيدُ: "أهَذا المِصْداقُ أيْضًا سِحْرٌ؟!"، ودَخَلَتِ الفاءُ لِهَذا المَعْنى،
﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾، كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُنْيا، يَعْنِي: "أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ عَنْهُ، كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ؟!"، وهَذا تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ.
الطور 52:16
﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾، خَبَرُ "سَواءٌ"، مَحْذُوفٌ، أيْ: "سَواءٌ عَلَيْكُمُ الأمْرانِ، الصَبْرُ وعَدَمُهُ"، وقِيلَ: عَلى العَكْسِ، وعَلَّلَ اسْتِواءَ الصَبْرِ وعَدَمَهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، لِأنَّ الصَبْرَ إنَّما يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، لِنَفْعِهِ في العاقِبَةِ بِأنْ يُجازى عَلَيْهِ الصابِرُ جَزاءَ الخَيْرِ، وأمّا الصَبْرُ عَلى العَذابِ، الَّذِي هو الجَزاءُ، ولا عاقِبَةَ لَهُ، ولا مَنفَعَةَ، فَلا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى الجَزَعِ.
الطور 52:17
(p-٣٨٤)﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ﴾، في أيَّةِ جَنّاتٍ،
﴿وَنَعِيمٍ﴾ أيْ: وأيِّ نَعِيمٍ، بِمَعْنى الكَمالِ في الصِفَةِ، أوْ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ، مَخْصُوصَةٍ بِالمُتَّقِينَ، خُلِقَتْ لَهم خاصَّةً.
الطور 52:18
﴿فاكِهِينَ﴾، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في الظَرْفِ، والظَرْفُ خَبَرٌ، أيْ: مُتَلَذِّذِينَ،
﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾، وعَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وَوَقاهم رَبُّهُمْ﴾، عَلى "فِي جَنّاتٍ"، أيْ: "إنَّ المُتَّقِينَ اسْتَقَرُّوا في جَنّاتٍ، ووَقاهم رَبُّهُمْ"، أوْ عَلى "آتاهم رَبُّهُمْ"، عَلى أنْ تَجْعَلَ "ما"، مَصْدَرِيَّةً، والمَعْنى "فاكِهِينَ بِإيتائِهِمْ رَبُّهم ووِقايَتِهِمْ"،
﴿عَذابَ الجَحِيمِ﴾ أوِ الواوُ لِلْحالِ، و"قَدْ"، بَعْدَها مُضْمَرَةٌ، يُقالُ لَهُمْ:
الطور 52:19
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا، أوْ طَعامًا وشَرابًا هَنِيئًا، وهو الَّذِي لا تَنْغِيصَ فِيهِ.
الطور 52:20
﴿مُتَّكِئِينَ﴾، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "كُلُوا واشْرَبُوا"،
﴿عَلى سُرُرٍ﴾، جَمْعُ "سَرِيرٌ"،
﴿مَصْفُوفَةٍ﴾، مَوْصُولٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ،
﴿وَزَوَّجْناهُمْ﴾، وقَرَنّاهُمْ،
﴿بِحُورٍ﴾ جَمْعُ "حَوْراءُ"،
﴿عِينٍ﴾، عِظامِ الأعْيُنِ، حِسانِها.
الطور 52:21
﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾، مُبْتَدَأٌ، و"ألْحَقْنا بِهِمْ"، خَبَرُهُ،
﴿واتَّبَعَتْهُمْ﴾، "وَأتْبَعْناهُمْ"، "أبُو عَمْرٍو"،
﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾، أوْلادَهُمْ،
﴿بِإيمانٍ﴾، حالٌ مِنَ الفاعِلِ،
﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ: نُلْحِقُ الأوْلادَ بِإيمانِهِمْ وأعْمالِهِمْ دَرَجاتِ الآباءِ، وإنْ قَصُرَتْ أعْمالُ الذُرِّيَّةِ عَنْ أعْمالِ الآباءِ، وقِيلَ: إنَّ الذُرِّيَّةَ، وإنْ لَمْ يَبْلُغُوا مَبْلَغًا يَكُونُ مِنهُمُ الإيمانُ اسْتِدْلالًا، وإنَّما تَلَقَّنُوا مِنهم تَقْلِيدًا، فَهم يَلْحَقُونَ بِالآباءِ، "ذُرِّيَّتُهم... ذُرِّيّاتِهِمْ"، "مَدَنِيٌّ"، "ذُرِّيّاتِهم... ذُرِّيّاتِهِمْ"، "أبُو عَمْرٍو"، و"ذُرِّيّاتُهم... ذُرِّيّاتِهِمْ"، "شامِيٌّ"،
﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾، وما نَقَصْناهم مِن ثَوابِ عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ، "ألِتْناهُمْ"، مَكِّيٌّ"، "ألَتَ، يَأْلِتُ"، و"ألِتَ، يَأْلَتُ"، لُغَتانِ، "مِنَ"، اَلْأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "ألَتْناهُمْ"، والثانِيَةُ زائِدَةٌ،
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أيْ: مَرْهُونٌ، فَنَفْسُ المُؤْمِنِ مَرْهُونَةٌ بِعَمَلِهِ، وتُجازى بِهِ.
الطور 52:22
﴿وَأمْدَدْناهُمْ﴾، وزِدْناهم في وقْتٍ بَعْدَ وقْتٍ،
﴿بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾، وإنْ لَمْ يَقْتَرِحُوا.
الطور 52:23
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾، خَمْرًا، أيْ: (p-٣٨٥)يَتَعاطَوْنَ، ويَتَعاوَرُونَ هم وجُلَساؤُهم مِن أقْرِبائِهِمْ، يَتَناوَلُ هَذا الكَأْسَ مِن يَدِ هَذا، وهَذا مِن يَدِ هَذا،
﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾، في شُرْبِها،
﴿وَلا تَأْثِيمٌ﴾ أيْ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغى، يَعْنِي: لا يَجْرِي بَيْنَهم باطِلٌ، ولا ما فِيهِ إثْمٌ، لَوْ فَعَلَهُ فاعِلٌ في دارِ التَكْلِيفِ، مِنَ التَكْذِيبِ، والشَتْمِ، ونَحْوِهِما، كَشارِبِي خَمْرِ الدُنْيا، لِأنَّ عُقُولَهم ثابِتَةٌ، فَيَتَكَلَّمُونَ بِالحِكَمِ، والكَلامِ الحَسَنِ، "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ"، "مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ".
الطور 52:24
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾، مَمْلُوكُونَ لَهُمْ، مَخْصُوصُونَ بِهِمْ،
﴿كَأنَّهُمْ﴾، مِن بَياضِهِمْ، وصَفائِهِمْ،
﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾، في الصَدَفِ، لِأنَّهُ رَطْبًا أحْسَنُ وأصْفى، أوْ "مَخْزُونٌ"، لِأنَّهُ لا يُخْزَنُ إلّا الثَمِينُ الغالِي القِيمَةِ، في الحَدِيثِ: « "إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً مَن يُنادِي الخادِمَ مِن خُدّامِهِ فَيُجِيبُهُ ألْفٌ بِبابِهِ: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ" ».
الطور 52:25
﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾، يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِهِ، وأعْمالِهِ، وما اسْتَحَقَّ بِهِ نَيْلَ ما عِنْدَ اللهِ.
الطور 52:26
﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ﴾ أيْ: في الدُنْيا،
﴿فِي أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾، أرِقّاءَ القُلُوبِ، مِن خَشْيَةِ اللهِ، أوْ خائِفِينَ مِن نَزْعِ الإيمانِ، وفَوْتِ الأمانِ، أوْ مِن رَدِّ الحَسَناتِ، والأخْذِ بِالسَيِّئاتِ.
الطور 52:27
﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾، بِالمَغْفِرَةِ، والرَحْمَةِ،
﴿وَوَقانا عَذابَ السَمُومِ﴾، هي الرِيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، فَسُمِّيَتْ بِها نارُ جَهَنَّمَ، لِأنَّها بِهَذِهِ الصِفَةِ.
الطور 52:28
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ﴾، مِن قَبْلِ لِقاءِ اللهِ (تَعالى)، والمَصِيرِ إلَيْهِ، يَعْنُونَ في الدُنْيا،
﴿نَدْعُوهُ﴾، نَعْبُدُهُ، ولا نَعْبُدُ غَيْرَهُ، ونَسْألُهُ الوِقايَةَ،
﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾، اَلْمُحْسِنُ،
﴿الرَحِيمُ﴾، اَلْعَظِيمُ الرَحْمَةِ، الَّذِي إذا عُبِدَ أثابَ، وإذا سُئِلَ أجابَ، "أنَّهُ"، بِالفَتْحِ، "مَدَنِيٌّ وعَلِيٌّ"، أيْ: بِأنَّهُ، أوْ لِأنَّهُ.
الطور 52:29
﴿فَذَكِّرْ﴾، فاثْبُتْ عَلى تَذْكِيرِ الناسِ ومَوْعِظَتِهِمْ،
﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾، بِرَحْمَةِ رَبِّكَ وإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِالنُبُوَّةِ، ورَجاحَةِ العَقْلِ،
﴿بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾، كَما (p-٣٨٦)زَعَمُوا، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، والتَقْدِيرُ: "لَسْتَ كاهِنًا، ولا مَجْنُونًا، مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ".
الطور 52:30
﴿أمْ يَقُولُونَ﴾، هُوَ،
﴿شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾، حَوادِثَ الدَهْرِ، أيْ: نَنْتَظِرُ نَوائِبَ الزَمانِ، فَيَهْلِكُ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُعَراءِ، زُهَيْرٌ، والنابِغَةُ، و"أمْ"، في أوائِلِ هَذِهِ الآيِ مُنْقَطِعَةٌ، بِمَعْنى "بَلْ"، والهَمْزَةِ.
الطور 52:31
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾، أتَرَبَّصُ هَلاكَكُمْ، كَما تَتَرَبَّصُونَ هَلاكِي.
الطور 52:32
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ﴾، عُقُولُهُمْ،
﴿بِهَذا﴾، اَلتَّناقُضِ في القَوْلِ، وهو قَوْلُهُمْ: كاهِنٌ، وشاعِرٌ، مَعَ قَوْلِهِمْ: مَجْنُونٌ، وكانَتْ قُرَيْشٌ يُدْعَوْنَ "أهْلَ الأحْلامِ والنُهى"،
﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾، مُجاوِزُونَ الحَدَّ في العِنادِ، مَعَ ظُهُورِ الحَقِّ لَهُمْ، وإسْنادُ الأمْرِ إلى الأحْلامِ مَجازٌ.
الطور 52:33
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾، اِخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ،
﴿بَلْ﴾، رَدٌّ عَلَيْهِمْ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا،
﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾، فَلِكُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ يَرْمُونَ بِهَذِهِ المَطاعِنِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِبُطْلانِ قَوْلِهِمْ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَقَوَّلٍ، لِعَجْزِ العَرَبِ عَنْهُ، وما مُحَمَّدٌ إلّا واحِدٌ مِنَ العَرَبِ.
الطور 52:34
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ﴾، مُخْتَلَقٍ،
﴿مِثْلِهِ﴾، مِثْلِ القُرْآنِ،
﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾، في أنَّ مُحَمَّدًا تَقَوَّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، لِأنَّهُ بِلِسانِهِمْ، وهم فُصَحاءُ.
الطور 52:35
﴿أمْ خُلِقُوا﴾، أمْ أُحْدِثُوا، وقُدِّرُوا التَقْدِيرَ الَّذِي عَلَيْهِ فِطْرَتُهُمْ،
﴿مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾، مِن غَيْرِ مُقَدِّرٍ،
﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾، أمْ هُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا أنْفُسَهُمْ، حَيْثُ لا يَعْبُدُونَ الخالِقَ، وقِيلَ: أخُلِقُوا مِن أجْلِ لا شَيْءَ مِن جَزاءٍ، ولا حِسابٍ، أمْ هُمُ الخالِقُونَ، فَلا يَأْتَمِرُونَ.
الطور 52:36
﴿أمْ خَلَقُوا السَماواتِ والأرْضَ﴾، فَلا يَعْبُدُونَ خالِقَهُما، (p-٣٨٧)﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَتَدَبَّرُونَ في الآياتِ فَيَعْلَمُوا خالِقَهُمْ، وخالِقَ السَماواتِ والأرْضِ.
الطور 52:37
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾، مِنَ النُبُوَّةِ، والرِزْقِ، وغَيْرِهِما، فَيَخُصُّوا مَن شاؤُوا بِما شاؤُوا،
﴿أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾، اَلْأرْبابُ الغالِبُونَ، حَتّى يُدَبِّرُوا أمْرَ الرُبُوبِيَّةِ، ويُبَيِّنُوا الأُمُورَ عَلى مَشِيئَتِهِمْ، وبِالسِينِ "مَكِّيٌّ وشامِيٌّ".
الطور 52:38
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾، مَنصُوبٌ، يَرْتَقُونَ بِهِ إلى السَماءِ،
﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾، كَلامَ المَلائِكَةِ، وما يُوحى إلَيْهِمْ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، حَتّى يَعْلَمُوا ما هو كائِنٌ، مَن يَتَقَدَّمُ هَلاكُهُ عَلى هَلاكِهِمْ، وظَفَرَهم في العاقِبَةِ دُونَهُ، كَما يَزْعُمُونَ، قالَ الزَجّاجُ: "يَسْتَمِعُونَ فِيهِ"، أيْ: عَلَيْهِ،
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ اسْتِماعَ مُسْتَمِعِهِمْ.
الطور 52:39
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾، ثُمَّ سَفَّهَ أحْلامَهُمْ، حَيْثُ اخْتارُوا لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ، وهم حُكَماءُ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ.
الطور 52:40
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾، عَلى التَبْلِيغِ، والإنْذارِ،
﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾، "اَلْمَغْرَمُ": أنْ يَلْتَزِمَ الإنْسانُ ما لَيْسَ عَلَيْهِ، أيْ: لَزِمَهم مَغْرَمٌ ثَقِيلٌ فَدَحَهُمْ، فَزَهَّدَهم ذَلِكَ في اتِّباعِكَ؟
الطور 52:41
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ أيْ: اَللَّوْحُ المَحْفُوظُ،
﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾، ما فِيهِ، حَتّى يَقُولُوا: لا نُبْعَثُ، وإنْ بُعِثْنا لَمْ نُعَذَّبْ؟
الطور 52:42
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾، وهو كَيْدُهم في دارِ النَدْوَةِ بِرَسُولِ اللهِ، وبِالمُؤْمِنِينَ،
﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، إشارَةٌ إلَيْهِمْ، أوْ أُرِيدَ بِهِمْ كُلُّ مَن كَفَرَ بِاللهِ (تَعالى)،
﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾، هُمُ الَّذِينَ يَعُودُ عَلَيْهِمْ وبالُ كَيْدِهِمْ، وحِيقَ بِهِمْ مَكْرُهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ هُمُ المَغْلُوبُونَ في الكَيْدِ، مِن "كايَدْتُهُ، فَكِدْتُهُ".
الطور 52:43
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ﴾، يَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللهِ،
﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
الطور 52:44
(p-٣٨٨).
﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ﴾، و"اَلْكِسْفُ": اَلْقِطْعَةُ، وهو جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، يُرِيدُ أنَّهم لِشِدَّةِ طُغْيانِهِمْ وعِنادِهِمْ لَوْ أسْقَطْناهُ عَلَيْهِمْ لَقالُوا: هَذا سَحابٌ ﴿مَرْكُومٌ﴾، قَدْ رُكِمَ، أيْ: جُمِعَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، يُمْطِرُنا، ولَمْ يُصَدِّقُوا أنَّهُ كِسْفٌ ساقِطٌ لِلْعَذابِ.
الطور 52:45
﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾، بِضَمِّ الياءِ، "عاصِمٌ وشامِيٌّ"، اَلْباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ، يُقالُ: "صَعَقَهُ فَصَعِقَ"، وذَلِكَ عِنْدَ النَفْخَةِ الأُولى، نَفْخَةِ الصَعْقِ.
الطور 52:47
﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وإنَّ لِهَؤُلاءِ الظَلَمَةِ،
﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾، دُونَ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو القَتْلُ بِـ "بَدْرٍ"، والقَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ، وعَذابُ القَبْرِ،
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾، ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالصَبْرِ إلى أنْ يَقَعَ بِهِمُ العَذابُ، فَقالَ:
الطور 52:48
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾، بِإمْهالِهِمْ، وبِما يَلْحَقُكَ فِيهِ مِنَ المَشَقَّةِ،
﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِحَيْثُ نَراكَ، ونَكْلَؤُكَ، وجَمَعَ العَيْنَ لِأنَّ الضَمِيرَ بِلَفْظِ الجَماعَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾، لِلصَّلاةِ، وهو ما يُقالُ بَعْدَ التَكْبِيرِ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ"، أوْ مِن أيِّ مَكانٍ قُمْتَ، أوْ مِن مَنامِكَ.
الطور 52:49
﴿وَمِنَ اللَيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُجُومِ﴾، وإذا أدْبَرَتِ النُجُومُ مِن آخِرِ اللَيْلِ، "وَأدْبارَ"، "زَيْدٌ"، أيْ: في أعْقابِ النُجُومِ، وآثارِها، إذا غَرَبَتْ، والمُرادُ الأمْرُ بِقَوْلِ: "سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ"، في هَذِهِ الأوْقاتِ، وقِيلَ: "اَلتَّسْبِيحُ": اَلصَّلاةُ، إذا قامَ مِن نَوْمِهِ، و"مِنَ اللَيْلِ": صَلاةَ العِشاءَيْنِ، و"إدْبارَ النُجُومِ": صَلاةَ الفَجْرِ.