Tafsir Al-Nasafi — النجم 53:1 – المنافقون 63:11
المحتويات
- النجم 53:1
- النجم 53:2
- النجم 53:3
- النجم 53:4
- النجم 53:5
- النجم 53:6
- النجم 53:7
- النجم 53:8
- النجم 53:9
- النجم 53:10
- النجم 53:11
- النجم 53:12
- النجم 53:13
- النجم 53:14
- النجم 53:15
- النجم 53:16
- النجم 53:17
- النجم 53:18
- النجم 53:19
- النجم 53:20
- النجم 53:21
- النجم 53:22
- النجم 53:23
- النجم 53:24
- النجم 53:25
- النجم 53:26
- النجم 53:27
- النجم 53:28
- النجم 53:29
- النجم 53:30
- النجم 53:31
- النجم 53:32
- النجم 53:33
- النجم 53:34
- النجم 53:35
- النجم 53:36
- النجم 53:37
- النجم 53:38
- النجم 53:39
- النجم 53:40
- النجم 53:41
- النجم 53:42
- النجم 53:43
- النجم 53:44
- النجم 53:46
- النجم 53:47
- النجم 53:48
- النجم 53:49
- النجم 53:50
- النجم 53:51
- النجم 53:52
- النجم 53:53
- النجم 53:54
- النجم 53:55
- النجم 53:56
- النجم 53:57
- النجم 53:58
- النجم 53:59
- النجم 53:60
- النجم 53:61
- النجم 53:62
- القمر 54:1
- القمر 54:2
- القمر 54:3
- القمر 54:4
- القمر 54:5
- القمر 54:6
- القمر 54:7
- القمر 54:8
- القمر 54:9
- القمر 54:10
- القمر 54:11
- القمر 54:12
- القمر 54:13
- القمر 54:14
- القمر 54:15
- القمر 54:16
- القمر 54:17
- القمر 54:18
- القمر 54:19
- القمر 54:20
- القمر 54:24
- القمر 54:25
- القمر 54:26
- القمر 54:27
- القمر 54:28
- القمر 54:29
- القمر 54:31
- القمر 54:34
- القمر 54:35
- القمر 54:36
- القمر 54:37
- القمر 54:38
- القمر 54:40
- القمر 54:41
- القمر 54:42
- القمر 54:43
- القمر 54:44
- القمر 54:45
- القمر 54:46
- القمر 54:47
- القمر 54:48
- القمر 54:49
- القمر 54:50
- القمر 54:51
- القمر 54:52
- القمر 54:53
- القمر 54:54
- القمر 54:55
- الرحمن 55:1
- الرحمن 55:2
- الرحمن 55:3
- الرحمن 55:4
- الرحمن 55:5
- الرحمن 55:6
- الرحمن 55:7
- الرحمن 55:8
- الرحمن 55:9
- الرحمن 55:10
- الرحمن 55:11
- الرحمن 55:12
- الرحمن 55:13
- الرحمن 55:14
- الرحمن 55:15
- الرحمن 55:17
- الرحمن 55:18
- الرحمن 55:19
- الرحمن 55:20
- الرحمن 55:21
- الرحمن 55:22
- الرحمن 55:24
- الرحمن 55:25
- الرحمن 55:26
- الرحمن 55:27
- الرحمن 55:28
- الرحمن 55:29
- الرحمن 55:30
- الرحمن 55:31
- الرحمن 55:32
- الرحمن 55:33
- الرحمن 55:35
- الرحمن 55:37
- الرحمن 55:39
- الرحمن 55:41
- الرحمن 55:42
- الرحمن 55:43
- الرحمن 55:44
- الرحمن 55:45
- الرحمن 55:46
- الرحمن 55:48
- الرحمن 55:50
- الرحمن 55:52
- الرحمن 55:53
- الرحمن 55:54
- الرحمن 55:56
- الرحمن 55:58
- الرحمن 55:60
- الرحمن 55:62
- الرحمن 55:64
- الرحمن 55:66
- الرحمن 55:67
- الرحمن 55:68
- الرحمن 55:69
- الرحمن 55:70
- الرحمن 55:71
- الرحمن 55:72
- الرحمن 55:73
- الرحمن 55:74
- الرحمن 55:76
- الرحمن 55:77
- الرحمن 55:78
- الواقعة 56:1
- الواقعة 56:2
- الواقعة 56:3
- الواقعة 56:4
- الواقعة 56:5
- الواقعة 56:6
- الواقعة 56:7
- الواقعة 56:8
- الواقعة 56:9
- الواقعة 56:10
- الواقعة 56:11
- الواقعة 56:12
- الواقعة 56:13
- الواقعة 56:14
- الواقعة 56:15
- الواقعة 56:16
- الواقعة 56:17
- الواقعة 56:18
- الواقعة 56:19
- الواقعة 56:20
- الواقعة 56:21
- الواقعة 56:22
- الواقعة 56:23
- الواقعة 56:24
- الواقعة 56:25
- الواقعة 56:26
- الواقعة 56:28
- الواقعة 56:29
- الواقعة 56:30
- الواقعة 56:31
- الواقعة 56:32
- الواقعة 56:33
- الواقعة 56:34
- الواقعة 56:35
- الواقعة 56:36
- الواقعة 56:37
- الواقعة 56:38
- الواقعة 56:39
- الواقعة 56:40
- الواقعة 56:41
- الواقعة 56:42
- الواقعة 56:43
- الواقعة 56:44
- الواقعة 56:45
- الواقعة 56:46
- الواقعة 56:47
- الواقعة 56:48
- الواقعة 56:49
- الواقعة 56:50
- الواقعة 56:51
- الواقعة 56:52
- الواقعة 56:53
- الواقعة 56:54
- الواقعة 56:55
- الواقعة 56:56
- الواقعة 56:57
- الواقعة 56:58
- الواقعة 56:59
- الواقعة 56:60
- الواقعة 56:61
- الواقعة 56:62
- الواقعة 56:63
- الواقعة 56:64
- الواقعة 56:65
- الواقعة 56:66
- الواقعة 56:67
- الواقعة 56:68
- الواقعة 56:69
- الواقعة 56:70
- الواقعة 56:71
- الواقعة 56:72
- الواقعة 56:73
- الواقعة 56:74
- الواقعة 56:75
- الواقعة 56:76
- الواقعة 56:77
- الواقعة 56:78
- الواقعة 56:79
- الواقعة 56:80
- الواقعة 56:81
- الواقعة 56:82
- الواقعة 56:83
- الواقعة 56:84
- الواقعة 56:85
- الواقعة 56:86
- الواقعة 56:87
- الواقعة 56:88
- الواقعة 56:89
- الواقعة 56:91
- الواقعة 56:92
- الواقعة 56:93
- الواقعة 56:94
- الواقعة 56:95
- الواقعة 56:96
- الحديد 57:1
- الحديد 57:2
- الحديد 57:3
- الحديد 57:4
- الحديد 57:6
- الحديد 57:7
- الحديد 57:8
- الحديد 57:9
- الحديد 57:10
- الحديد 57:11
- الحديد 57:12
- الحديد 57:13
- الحديد 57:14
- الحديد 57:15
- الحديد 57:16
- الحديد 57:17
- الحديد 57:18
- الحديد 57:19
- الحديد 57:20
- الحديد 57:21
- الحديد 57:22
- الحديد 57:23
- الحديد 57:24
- الحديد 57:25
- الحديد 57:26
- الحديد 57:27
- الحديد 57:28
- الحديد 57:29
- المجادلة 58:1
- المجادلة 58:2
- المجادلة 58:3
- المجادلة 58:4
- المجادلة 58:5
- المجادلة 58:6
- المجادلة 58:7
- المجادلة 58:8
- المجادلة 58:9
- المجادلة 58:10
- المجادلة 58:11
- المجادلة 58:12
- المجادلة 58:13
- المجادلة 58:14
- المجادلة 58:15
- المجادلة 58:16
- المجادلة 58:17
- المجادلة 58:18
- المجادلة 58:19
- المجادلة 58:20
- المجادلة 58:21
- المجادلة 58:22
- الحشر 59:1
- الحشر 59:2
- الحشر 59:3
- الحشر 59:4
- الحشر 59:5
- الحشر 59:6
- الحشر 59:7
- الحشر 59:8
- الحشر 59:9
- الحشر 59:10
- الحشر 59:11
- الحشر 59:12
- الحشر 59:13
- الحشر 59:14
- الحشر 59:15
- الحشر 59:16
- الحشر 59:17
- الحشر 59:18
- الحشر 59:19
- الحشر 59:20
- الحشر 59:21
- الحشر 59:22
- الحشر 59:23
- الحشر 59:24
- الممتحنة 60:1
- الممتحنة 60:2
- الممتحنة 60:3
- الممتحنة 60:4
- الممتحنة 60:5
- الممتحنة 60:6
- الممتحنة 60:7
- الممتحنة 60:8
- الممتحنة 60:9
- الممتحنة 60:10
- الممتحنة 60:11
- الممتحنة 60:12
- الممتحنة 60:13
- الصف 61:1
- الصف 61:2
- الصف 61:3
- الصف 61:4
- الصف 61:5
- الصف 61:6
- الصف 61:7
- الصف 61:8
- الصف 61:9
- الصف 61:10
- الصف 61:11
- الصف 61:12
- الصف 61:13
- الصف 61:14
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:4
- الجمعة 62:5
- الجمعة 62:6
- الجمعة 62:7
- الجمعة 62:8
- الجمعة 62:9
- الجمعة 62:10
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:2
- المنافقون 63:3
- المنافقون 63:4
- المنافقون 63:5
- المنافقون 63:6
- المنافقون 63:7
- المنافقون 63:8
- المنافقون 63:9
- المنافقون 63:10
- المنافقون 63:11
النجم 53:1
(p-٣٨٩)سُورَةُ "اَلنَّجْمِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿والنَجْمِ﴾، أقْسَمَ بِالثُرَيّا، أوْ بِجِنْسِ النُجُومِ،
﴿إذا هَوى﴾، إذا غَرَبَ، أوِ انْتَثَرَ يَوْمَ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ:
النجم 53:2
﴿ما ضَلَّ﴾، عَنْ قَصْدِ الحَقِّ،
﴿صاحِبُكُمْ﴾ أيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ، والخِطابُ لِقُرَيْشٍ،
﴿وَما غَوى﴾، في اتِّباعِ الباطِلِ، وقِيلَ: "اَلضَّلالُ": نَقِيضُ الهُدى، و"اَلْغَيُّ": نَقِيضُ الرُشْدِ، أيْ: هو مُهْتَدٍ، راشِدٌ، ولَيْسَ كَما تَزْعُمُونَ مِن نِسْبَتِكم إيّاهُ إلى الضَلالِ، والغَيِّ.
النجم 53:3
﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾، وما أتاكم بِهِ مِنَ القُرْآنِ لَيْسَ بِمَنطِقٍ يَصْدُرُ عَنْ هَواهُ ورَأْيِهِ، إنَّما هو وحْيٌ مِن عِنْدِ اللهِ، يُوحى إلَيْهِ، ويَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن لا يَرى الِاجْتِهادَ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -، ويُجابُ بِأنَّ اللهَ (تَعالى) إذا سَوَّغَ لَهم الِاجْتِهادَ وقَرَّرَهم عَلَيْهِ كانَ كالوَحْيِ، لا نُطْقًا عَنِ الهَوى.
النجم 53:4
﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾، وما أتاكم بِهِ مِنَ القُرْآنِ لَيْسَ بِمَنطِقٍ يَصْدُرُ عَنْ هَواهُ ورَأْيِهِ، إنَّما هو وحْيٌ مِن عِنْدِ اللهِ، يُوحى إلَيْهِ، ويَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن لا يَرى الِاجْتِهادَ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -، ويُجابُ بِأنَّ اللهَ (تَعالى) إذا سَوَّغَ لَهم الِاجْتِهادَ وقَرَّرَهم عَلَيْهِ كانَ كالوَحْيِ، لا نُطْقًا عَنِ الهَوى.
النجم 53:5
﴿عَلَّمَهُ﴾، عَلَّمَ مُحَمَّدًا - ﷺ ﴿شَدِيدُ القُوى﴾، مَلَكٌ شَدِيدٌ قُواهُ، والإضافَةُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، لِأنَّها إضافَةُ الصِفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى فاعِلِها، وهو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ -، عِنْدَ الجُمْهُورِ، ومِن قُوَّتِهِ أنَّهُ اقْتَلَعَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ مِنَ الماءِ الأسْوَدِ، وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ، ورَفَعَها إلى السَماءِ، ثُمَّ قَلَبَها، وصاحَ صَيْحَةً بِثَمُودَ، فَأصْبَحُوا جاثِمِينَ.
النجم 53:6
(p-٣٩٠)﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ ذُو مَنظَرٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -،
﴿فاسْتَوى﴾، فاسْتَقامَ عَلى صُورَةِ نَفْسِهِ الحَقِيقِيَّةِ، دُونَ الصُورَةِ الَّتِي كانَ يَتَمَثَّلُ بِها كُلَّما هَبَطَ بِالوَحْيِ، وكانَ يَنْزِلُ في صُورَةِ دِحْيَةَ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أحَبَّ أنْ يَراهُ في صُورَتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها، فاسْتَوى لَهُ في الأُفُقِ الأعْلى، وهو أُفُقُ الشَمْسِ، فَمَلَأ الأُفُقَ، وقِيلَ: ما رَآهُ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - في صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ سِوى مُحَمَّدٍ ﷺ، مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في الأرْضِ، ومَرَّةً في السَماءِ.
النجم 53:7
﴿وَهُوَ﴾ أيْ: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - ﴿بِالأُفُقِ الأعْلى﴾، مَطْلَعِ الشَمْسِ.
النجم 53:8
﴿ثُمَّ دَنا﴾، جِبْرِيلُ، مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ،
﴿فَتَدَلّى﴾، فَزادَ في القُرْبِ، و"اَلتَّدَلِّي"، هو النُزُولُ بِقُرْبِ الشَيْءِ.
النجم 53:9
﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ﴾، مِقْدارَ قَوْسَيْنِ عَرَبِيَّتَيْنِ، وقَدْ جاءَ التَقْدِيرُ بِالقَوْسِ، والرُمْحِ، والسَوْطِ، والذِراعِ، والباعِ، ومِنهُ: "لا صَلاةَ إلى أنْ تَرْتَفِعَ الشَمْسُ مِقْدارَ رُمْحَيْنِ"، وفي الحَدِيثِ: "لَقابُ قَوْسِ أحَدِكم مِنَ الجَنَّةِ، ومَوْضِعُ قَدِّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُنْيا وما فِيها"، و"اَلْقَدُّ": اَلسَّوْطُ، وتَقْدِيرُهُ: "فَكانَ مِقْدارُ مَسافَةِ قُرْبِهِ مِثْلَ قابِ قَوْسَيْنِ"، فَحُذِفَتْ هَذِهِ المُضافاتُ،
﴿أوْ أدْنى﴾ أيْ: عَلى تَقْدِيرِكُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، وهَذا لِأنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ، ومِقْدارِ فَهْمِهِمْ، وهم يَقُولُونَ: "هَذا قَدْرُ رُمْحَيْنِ، أوْ أنْقَصُ"، وقِيلَ: "بَلْ أدْنى".
النجم 53:10
﴿فَأوْحى﴾، جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ -،
﴿إلى عَبْدِهِ﴾، إلى عَبْدِ اللهِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِاسْمِهِ ذِكْرٌ، لِأنَّهُ لا يَلْتَبِسُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها﴾ [فاطر: ٤٥] ﴿ما أوْحى﴾، تَفْخِيمٌ لِلْوَحْيِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ، قِيلَ: « "أُوحِيَ إلَيْهِ أنَّ الجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ حَتّى تَدْخُلَها، وعَلى الأُمَمِ حَتّى تَدْخُلَها أُمَّتُكَ" ».
النجم 53:11
﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾، فُؤادُ مُحَمَّدٍ،
﴿ما رَأى﴾، ما رَآهُ بِبَصَرِهِ مِن صُورَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ -، أيْ: ما قالَ فُؤادُهُ لَمّا رَآهُ: "لَمْ أعْرِفْكَ"، ولَوْ قالَ ذَلِكَ لَكانَ كاذِبًا، لِأنَّهُ عَرَفَهُ، يَعْنِي أنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، وعَرَفَهُ بِقَلْبِهِ، ولَمْ يَشُكَّ في أنَّ ما رَآهُ حَقٌّ، (p-٣٩١)وَقِيلَ: اَلْمَرْئِيُّ هو اللهُ - سُبْحانَهُ -، رَآهُ بِعَيْنِ رَأْسِهِ، وقِيلَ بِقَلْبِهِ،
النجم 53:12
﴿أفَتُمارُونَهُ﴾، أفَتُجادِلُونَهُ، مِن "اَلْمِراءُ"، وهو المُجادَلَةُ، واشْتِقاقُهُ مِن "مَرْيُ الناقَةِ"، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَجادِلَيْنِ يَمْرِي ما عِنْدَ صاحِبِهِ، "أفَتَمْرُونَهُ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وخَلَفٌ ويَعْقُوبُ"، "أفَتَغْلِبُونَهُ في المِراءِ؟!"، مِن "مارَيْتُهُ فَمَرَيْتُهُ"، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى الغَلَبَةِ، قالَ: ﴿عَلى ما يَرى﴾، فَعَدّى بِـ "عَلى"، كَما تَقُولُ: "غَلَبْتُهُ عَلى كَذا"، وقِيلَ: "أفَتَمْرُونَهُ": أفَتَجْحَدُونَهُ؟! يُقالُ: "مَرَيْتُهُ حَقَّهُ"، إذا جَحَدْتَهُ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "عَلى"، لا تَصِحُّ إلّا عَلى مَذْهَبِ التَضْمِينِ.
النجم 53:13
﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾، رَأى مُحَمَّدٌ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِما السَلامُ -،
﴿نَـزْلَةً أُخْرى﴾، مَرَّةً أُخْرى، مِن "اَلنُّزُولُ"، نُصِبَتِ النَزْلَةُ نَصْبَ الظَرْفِ الَّذِي هو "مَرَّةً"، لِأنَّ الفَعْلَةَ اسْمٌ لِلْمَرَّةِ، مِن "اَلْفَعْلُ"، فَكانَتْ في حُكْمِها، أيْ: نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - نَزْلَةً أُخْرى في صُورَةِ نَفْسِهِ، فَرَآهُ عَلَيْها، وذَلِكَ لَيْلَةَ المِعْراجِ.
النجم 53:14
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾، اَلْجُمْهُورُ عَلى أنَّها شَجَرَةُ نَبْقٍ في السَماءِ السابِعَةِ، عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، و"اَلْمُنْتَهى"، بِمَعْنى: "مَوْضِعُ الِانْتِهاءِ"، أوْ "اَلِانْتِهاءُ"، كَأنَّها في مُنْتَهى الجَنَّةِ، وآخِرِها، وقِيلَ: لَمْ يُجاوِزْها أحَدٌ، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ المَلائِكَةِ، وغَيْرُهُمْ، ولا يَعْلَمُ أحَدٌ ما وراءَها، وقِيلَ: تَنْتَهِي إلَيْها أرْواحُ الشُهَداءِ.
النجم 53:15
﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ أيْ: اَلْجَنَّةُ الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها المُتَّقُونَ، وقِيلَ: تَأوِي إلَيْها أرْواحُ الشُهَداءِ.
النجم 53:16
﴿إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى﴾ أيْ: رَآهُ إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى، وهو تَعْظِيمٌ، وتَكْثِيرٌ لِما يَغْشاها، فَقَدْ عُلِمَ بِهَذِهِ العِبارَةِ أنَّ ما يَغْشاها مِنَ الخَلائِقِ - الدالَّةِ عَلى عَظَمَةِ اللهِ (تَعالى)، وجَلالِهِ - أشْياءُ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقَدْ قِيلَ: يَغْشاها الجَمُّ الغَفِيرُ مِنَ المَلائِكَةِ، يَعْبُدُونَ اللهَ (تَعالى) عِنْدَها، وقِيلَ: يَغْشاها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ.
النجم 53:17
﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾، بَصَرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ما عَدَلَ عَنْ رُؤْيَةِ العَجائِبِ الَّتِي مَرَّ بِرُؤْيَتِها، ومُكِّنَ مِنها،
﴿وَما طَغى﴾، وما جاوَزَ ما أُمِرَ بِرُؤْيَتِهِ.
النجم 53:18
(p-٣٩٢)﴿لَقَدْ رَأى﴾، "واللهِ لَقَدْ رَأى"،
﴿مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾، اَلآياتِ الَّتِي هي كُبْراها وعُظْماها، يَعْنِي: حِينَ رُقِيَ بِهِ إلى السَماءِ، فَأُرِيَ عَجائِبَ المَلَكُوتِ.
النجم 53:19
﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿وَمَناةَ الثالِثَةَ﴾ أيْ: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -، هَلْ لَها مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ؟! "اَللّاتُ"، و"اَلْعُزّى"، و"مَناةُ": أصْنامٌ لَهُمْ، وهي مُؤَنَّثاتٌ، فَـ "اَللّاتُ"، كانَ لِثَقِيفٍ، بِالطائِفِ، وقِيلَ: كانَتْ بِنَخْلَةٍ تَعْبُدُها قُرَيْشٌ، وهي "فَعْلَةٌ"، مِن "لَوى"، لِأنَّهم كانُوا يَلْوُونَ عَلَيْها، ويَعْكُفُونَ لِلْعِبادَةِ، و"اَلْعُزّى"، كانَتْ لِغَطَفانَ، وهي سَمُرَةٌ، وأصْلُها تَأْنِيثُ "اَلْأعَزُّ"، وقَطَعَها خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، و"مَناةُ"، صَخْرَةٌ كانَتْ لِهُذَيْلٍ، وخُزاعَةَ، وقِيلَ: لِثَقِيفٍ، وكَأنَّها سُمِّيَتْ "مَناةَ"، لِأنَّ دِماءَ النَسائِكِ كانَتْ تُمْنى عِنْدَها، أيْ: تُراقُ، "وَمَناءَةَ"، "مَكِّيٌّ"، "مَفْعَلَةٌ"، مِن "اَلنَّوْءُ"، كَأنَّهم كانُوا يَسْتَمْطِرُونَ عِنْدَها الأنْواءَ، تَبَرُّكًا بِها،
﴿الأُخْرى﴾، هي صِفَةُ ذَمٍّ، أيْ: اَلْمُتَأخِّرَةَ، الوَضِيعَةَ المِقْدارِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قالَتْ أُخْراهم لأُولاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨]، أيْ: وُضَعاؤُهم لِرُؤَسائِهِمْ، وأشْرافِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأوَّلِيَّةُ والتَقَدُّمُ عِنْدَهم لِلّاتِ، والعُزّى، كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ الأصْنامَ، بَناتُ اللهِ، وكانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللهِ، مَعَ وأْدِهِمُ البَناتِ، وكَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، فَقِيلَ لَهُمْ:
النجم 53:20
﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿وَمَناةَ الثالِثَةَ﴾ أيْ: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -، هَلْ لَها مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ؟! "اَللّاتُ"، و"اَلْعُزّى"، و"مَناةُ": أصْنامٌ لَهُمْ، وهي مُؤَنَّثاتٌ، فَـ "اَللّاتُ"، كانَ لِثَقِيفٍ، بِالطائِفِ، وقِيلَ: كانَتْ بِنَخْلَةٍ تَعْبُدُها قُرَيْشٌ، وهي "فَعْلَةٌ"، مِن "لَوى"، لِأنَّهم كانُوا يَلْوُونَ عَلَيْها، ويَعْكُفُونَ لِلْعِبادَةِ، و"اَلْعُزّى"، كانَتْ لِغَطَفانَ، وهي سَمُرَةٌ، وأصْلُها تَأْنِيثُ "اَلْأعَزُّ"، وقَطَعَها خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، و"مَناةُ"، صَخْرَةٌ كانَتْ لِهُذَيْلٍ، وخُزاعَةَ، وقِيلَ: لِثَقِيفٍ، وكَأنَّها سُمِّيَتْ "مَناةَ"، لِأنَّ دِماءَ النَسائِكِ كانَتْ تُمْنى عِنْدَها، أيْ: تُراقُ، "وَمَناءَةَ"، "مَكِّيٌّ"، "مَفْعَلَةٌ"، مِن "اَلنَّوْءُ"، كَأنَّهم كانُوا يَسْتَمْطِرُونَ عِنْدَها الأنْواءَ، تَبَرُّكًا بِها،
﴿الأُخْرى﴾، هي صِفَةُ ذَمٍّ، أيْ: اَلْمُتَأخِّرَةَ، الوَضِيعَةَ المِقْدارِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قالَتْ أُخْراهم لأُولاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨]، أيْ: وُضَعاؤُهم لِرُؤَسائِهِمْ، وأشْرافِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأوَّلِيَّةُ والتَقَدُّمُ عِنْدَهم لِلّاتِ، والعُزّى، كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ الأصْنامَ، بَناتُ اللهِ، وكانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللهِ، مَعَ وأْدِهِمُ البَناتِ، وكَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، فَقِيلَ لَهُمْ:
النجم 53:21
﴿ألَكُمُ الذَكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أيْ: "جَعْلُكم لِلَّهِ البَناتِ، ولَكُمُ البَنِينَ، قِسْمَةٌ ضِيزى، أيْ: جائِرَةٌ، مِن "ضازَهُ، يَضِيزُهُ"، إذا أضامَهُ، و"ضِيزى"، "فُعْلى"، إذْ لا "فِعْلى"، في النُعُوتِ، فَكُسِرَتِ الضادُ لِلْياءِ، كَما قِيلَ: "بِيضٌ"، وهو "بُوضٌ"، مِثْلُ "حُمْرٌ"، و"سُودٌ"، "ضِئْزى"، بِالهَمْزِ، "مَكِّيٌّ"، مِن "ضَأزَهُ"، مِثْلُ "ضازَهُ".
النجم 53:22
﴿ألَكُمُ الذَكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أيْ: "جَعْلُكم لِلَّهِ البَناتِ، ولَكُمُ البَنِينَ، قِسْمَةٌ ضِيزى، أيْ: جائِرَةٌ، مِن "ضازَهُ، يَضِيزُهُ"، إذا أضامَهُ، و"ضِيزى"، "فُعْلى"، إذْ لا "فِعْلى"، في النُعُوتِ، فَكُسِرَتِ الضادُ لِلْياءِ، كَما قِيلَ: "بِيضٌ"، وهو "بُوضٌ"، مِثْلُ "حُمْرٌ"، و"سُودٌ"، "ضِئْزى"، بِالهَمْزِ، "مَكِّيٌّ"، مِن "ضَأزَهُ"، مِثْلُ "ضازَهُ".
النجم 53:23
﴿إنْ هِيَ﴾، ما الأصْنامُ،
﴿إلا أسْماءٌ﴾، لَيْسَ تَحْتَها في الحَقِيقَةِ مُسَمَّياتٌ، لِأنَّكم تَدَّعُونَ الإلَهِيَّةَ لِما هو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنها، وأشَدُّ مُنافاةً لَها،
﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ أيْ: سَمَّيْتُمْ بِها، يُقالُ: "سَمَّيْتُهُ زَيْدًا"، و"سَمَّيْتُهُ بِزَيْدٍ"،
﴿أنْتُمْ وآباؤُكم ما (p-٣٩٣)أنْزَلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾، حُجَّةٍ،
﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ﴾، إلّا تَوَهُّمَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ،
﴿وَما تَهْوى الأنْفُسُ﴾، وما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهُمْ،
﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾، اَلرَّسُولُ، والكِتابُ، فَتَرَكُوهُ، ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ.
النجم 53:24
﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾، هي "أمْ"، اَلْمُنْقَطِعَةُ، ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ، أيْ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ - يَعْنِي الكافِرَ - ما تَمَنّى، مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ، أوْ مِن قَوْلِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]، وقِيلَ: هو تَمَنِّي بَعْضِهِمْ أنْ يَكُونَ هو النَبِيَّ.
النجم 53:25
﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ أيْ: هو مالِكُهُما، ولَهُ الحُكْمُ فِيهِما، يُعْطِي النُبُوَّةَ، والشَفاعَةَ مَن شاءَ وارْتَضى، لا مَن تَمَنّى.
النجم 53:26
﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾، يَعْنِي أنَّ أمْرَ الشَفاعَةِ ضَيِّقٌ، فَإنَّ المَلائِكَةَ - مَعَ قُرْبَتِهِمْ، وكَثْرَتِهِمْ - لَوْ شَفَعُوا بِأجْمَعِهِمْ لِأحَدٍ لَمْ تُغْنِ شَفاعَتُهم شَيْئًا قَطُّ، ولَمْ تَنْفَعْ، إلّا إذا شَفَعُوا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللهُ لَهم في الشَفاعَةِ، لِمَن يَشاءُ الشَفاعَةَ لَهُ، ويَرْضاهُ، ويَراهُ أهْلًا لِأنْ يُشْفَعَ لَهُ، فَكَيْفَ تَشْفَعُ الأصْنامُ إلَيْهِ لَعَبَدَتِهِمْ؟!
النجم 53:27
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ،
﴿تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾، لِأنَّهم إذا قالُوا: اَلْمَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، فَقَدْ سَمَّوْا كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِنْتًا، وهي تَسْمِيَةُ الأُنْثى.
النجم 53:28
﴿وَما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: بِما يَقُولُونَ، وقُرِئَ بِها، أيْ: بِالمَلائِكَةِ، أوِ التَسْمِيَةِ،
﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ﴾، هو تَقْلِيدُ الآباءِ،
﴿وَإنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ أيْ: إنَّما يُعْرَفُ الحَقُّ - الَّذِي هو حَقِيقَةُ الشَيْءِ، وما هو عَلَيْهِ - بِالعِلْمِ، والتَيَقُّنِ، لا بِالظَنِّ، والتَوَهُّمِ.
النجم 53:29
﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾، فَأعْرِضْ عَمَّنْ رَأيْتَهُ مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ (p-٣٩٤)اللهِ، أيْ: اَلْقُرْآنِ،
﴿وَلَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُنْيا﴾
النجم 53:30
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: اِخْتِيارُهُمُ الدُنْيا، والرِضا بِها،
﴿مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾، مُنْتَهى عِلْمِهِمْ،
﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ أيْ: هو أعْلَمُ بِالضالِّ، والمُهْتَدِي، ومَجازِيهِما.
النجم 53:31
﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا﴾، بِعِقابِ ما عَمِلُوا مِنَ السُوءِ، أوْ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ السُوءِ،
﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾، بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ، أوْ بِسَبَبِ الأعْمالِ الحُسْنى، والمَعْنى أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - إنَّما خَلَقَ العالَمَ وسَوّى هَذِهِ المَلَكُوتَ لِيَجْزِيَ المُحْسِنَ مِنَ المُكَلِّفِينَ، والمُسِيءَ مِنهُمْ، إذِ المَلِكُ أهْلٌ لِنَصْرِ الأوْلِياءِ، وقَهْرِ الأعْداءِ.
النجم 53:32
﴿الَّذِينَ﴾، بَدَلٌ أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى المَدْحِ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ،
﴿يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ أيْ: اَلْكَبائِرَ مِنَ الإثْمِ، لِأنَّ الإثْمَ جِنْسٌ يَشْتَمِلُ عَلى كَبائِرَ وصَغائِرَ، و"اَلْكَبائِرُ": اَلذُّنُوبُ الَّتِي يَكْبُرُ عِقابُها، "كَبِيرَ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، أيْ: اَلنَّوْعَ الكَبِيرَ مِنهُ،
﴿والفَواحِشَ﴾، ما فَحُشَ مِنَ الكَبائِرِ، كَأنَّهُ قالَ: "والفَواحِشَ مِنها خاصَّةً"، قِيلَ: "اَلْكَبائِرُ": ما أوْعَدَ اللهُ عَلَيْهِ النارَ، و"اَلْفَواحِشُ": ما شَرَعَ فِيها الحَدَّ،
﴿إلا اللَمَمَ﴾ أيْ: اَلصَّغائِرَ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكَبائِرِ، والفَواحِشِ، وهو كالنَظْرَةِ، والقُبْلَةِ، واللَمْسَةِ، والغَمْزَةِ،
﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾، فَيَغْفِرُ ما شاءَ مِنَ الذُنُوبِ، مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ،
﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكُمْ﴾ أيْ: أباكُمْ،
﴿مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ﴾، جَمْعُ "جَنِينٌ"،
﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾، فَلا تَنْسُبُوها إلى زَكاءِ العَمَلِ، وزِيادَةِ الخَيْرِ والطاعاتِ، أوْ إلى الزَكاةِ، والطَهارَةِ مِنَ المَعاصِي، ولا تُثْنُوا عَلَيْها، واهْضِمُوها، فَقَدْ عَلِمَ اللهُ الزَكِيَّ مِنكُمْ، والتَقِيَّ، أوَّلًا وآخِرًا، قَبْلَ أنْ يُخْرِجَكم مِن صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -، وقَبْلَ أنْ تَخْرُجُوا مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ، وقِيلَ: كانَ ناسٌ يَعْمَلُونَ أعْمالًا حَسَنَةً ثُمَّ يَقُولُونَ: "صَلاتُنا، وصِيامُنا، وحَجُّنا"، فَنَزَلَتْ، وهَذا إذا كانَ عَلى سَبِيلِ الإعْجابِ أوِ الرِياءِ، لا عَلى سَبِيلِ الِاعْتِرافِ بِالنِعْمَةِ، فَإنَّهُ جائِزٌ، لِأنَّ المَسَرَّةَ بِالطاعَةِ طاعَةٌ، وذِكْرُها شُكْرٌ، (p-٣٩٥)﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾، فاكْتَفُوا بِعِلْمِهِ عَنْ عِلْمِ الناسِ، وبِجَزائِهِ عَنْ ثَناءِ الناسِ.
النجم 53:33
﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾، أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ.
النجم 53:34
﴿وَأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾، قَطَعَ عَطِيَّتَهُ، وأمْسَكَ، وأصْلُهُ "إكْداءُ الحافِرِ"، وهو أنْ تَلْقاهُ كُدْيَةً، وهي صَلابَةٌ، كالصَخْرَةِ، فَيُمْسِكُ عَنِ الحَفْرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "فِيمَن كَفَرَ بَعْدَ الإسْلامِ"، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وكانَ قَدِ اتَّبَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَعَيَّرَهُ بَعْضُ الكافِرِينَ، وقالَ لَهُ: تَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ، وزَعَمْتَ أنَّهم في النارِ؟! قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللهِ، فَضَمِنَ لَهُ إنْ هو أعْطاهُ شَيْئًا مِن مالِهِ، ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ، أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللهِ، فَفَعَلَ، وأعْطى الَّذِي عاتَبَهُ بَعْضَ ما كانَ ضَمِنَ لَهُ، ثُمَّ بَخِلَ بِهِ، ومَنَعَهُ.
النجم 53:35
﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾، فَهو يَعْلَمُ أنَّ ما ضَمِنَهُ مِن عَذابِ اللهِ حَقٌّ؟!
النجم 53:36
﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾، يُخْبَرْ،
﴿بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ أيْ: اَلتَّوْراةِ.
النجم 53:37
﴿وَإبْراهِيمَ﴾ أيْ: وفي صُحُفِ إبْراهِيمَ،
﴿الَّذِي وفّى﴾ أيْ: وفَّرَ، وأتَمَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وإطْلاقُهُ لِيَتَناوَلَ كُلَّ وفاءٍ وتَوْفِيَةٍ، وقُرِئَ مُخَفَّفًا، والتَشْدِيدُ مُبالَغَةٌ في الوَفاءِ، وعَنِ الحَسَنِ: "ما أمَرَهُ اللهُ بِشَيْءٍ إلّا وفّى بِهِ"، وعَنْ عَطاءِ بْنِ السائِبِ: "عَهِدَ ألّا يَسْألَ مَخْلُوقًا، فَلَمّا قُذِفَ في النارِ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: "ألَكَ حاجَةٌ؟"، فَقالَ: "أمّا إلَيْكَ فَلا"، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "وَفّى عَمَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ، بِأرْبَعِ رَكْعاتٍ في صَدْرِ النَهارِ، وهي صَلاةُ الضُحى"، » ورُوِيَ: « "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللهَ خَلِيلَهُ "اَلَّذِي وفّى؟ كانَ يَقُولُ إذا أصْبَحَ، وإذا أمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧]، إلى ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] "، » وقِيلَ: "وَفّى سِهامَ الإسْلامِ، وهي ثَلاثُونَ، عَشَرَةٌ في "اَلتَّوْبَةِ": "اَلتّائِبُونَ... "، وعَشَرَةٌ في "اَلْأحْزابِ": "إنَّ المُسْلِمِينَ... "، وعَشَرَةٌ في "اَلْمُؤْمِنُونَ": "قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ... "، (p-٣٩٦)ثُمَّ أعْلَمَ بِما في صُحُفِ مُوسى، وإبْراهِيمَ، فَقالَ:
النجم 53:38
﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، "تَزِرُ"، مِن "وَزَرَ، يَزِرُ"، إذا اكْتَسَبَ وِزْرًا، وهو الإثْمُ، و"أنْ"، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، والمَعْنى: "أنَّهُ لا تَزِرُ"، والضَمِيرُ ضَمِيرُ الشَأْنِ، ومَحَلُّ "أنْ"، وما بَعْدَها الجَرُّ، بَدَلًا مِن "ما في صُحُفِ مُوسى"، أوِ الرَفْعُ، عَلى "هُوَ أنْ لا تَزِرُ"، كَأنَّ قائِلًا قالَ: "وَما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ؟"، فَقِيلَ: "أنْ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى"، أيْ: "أنْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ ذَنْبَ نَفْسٍ".
النجم 53:39
﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾، إلّا سَعْيُهُ، وهَذِهِ أيْضًا مِمّا في صُحُفِ إبْراهِيمَ، ومُوسى، وأمّا ما صَحَّ في الأخْبارِ مِنَ الصَدَقَةِ عَنِ المَيْتِ، والحَجِّ عَنْهُ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ سَعْيَ غَيْرِهِ، لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُ إلّا مَبْنِيًّا عَلى سَعْيِ نَفْسِهِ، وهو أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، كانَ سَعْيُ غَيْرِهِ كَأنَّهُ سَعْيُ نَفْسِهِ، لِكَوْنِهِ تابِعًا لَهُ، وقائِمًا بِقِيامِهِ، ولِأنَّ سَعْيَ غَيْرِهِ لا يَنْفَعُهُ إذا عَمِلَهُ لِنَفْسِهِ، ولَكِنْ إذا نَواهُ بِهِ، فَهو بِحُكْمِ الشَرْعِ كالنائِبِ عَنْهُ، والوَكِيلِ القائِمِ مَقامَهُ.
النجم 53:40
﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ أيْ: يَرى هو سَعْيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في مِيزانِهِ.
النجم 53:41
﴿ثُمَّ يُجْزاهُ﴾، ثُمَّ يُجْزى العَبْدُ سَعْيَهُ، يُقالُ: "جَزاهُ اللهُ عَمَلَهُ"، و"جَزاهُ عَلى عَمَلِهِ"، بِحَذْفِ الجارِّ، وإيصالِ الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْجَزاءِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾، أوْ أبْدَلَهُ عَنْهُ.
النجم 53:42
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾، هَذا كُلُّهُ في الصُحُفِ الأُولى، و"اَلْمُنْتَهى": مَصْدَرٌ بِمَعْنى "اَلِانْتِهاءُ"، أيْ: يَنْتَهِي إلَيْهِ الخَلْقُ، ويُرْجَعُونَ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإلى اللهِ المَصِيرُ﴾ [النور: ٤٢]
النجم 53:43
﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾، خَلَقَ الضَحِكَ والبُكاءَ، وقِيلَ: خَلَقَ الفَرَحَ والحُزْنَ، وقِيلَ: أضْحَكَ المُؤْمِنِينَ في العُقْبى بِالمَواهِبِ، وأبْكاهم في الدُنْيا بِالنَوائِبِ.
النجم 53:44
﴿وَأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾، قِيلَ: أماتَ الآباءَ، وأحْيا الأبْناءَ، أوْ أماتَ بِالكُفْرِ، وأحْيا بِالإيمانِ، أوْ أماتَ هُنا، وأحْيا ثَمَّةَ.
النجم 53:46
﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾، إذا تُدْفَقُ في الرَحِمِ، (p-٣٩٧)يُقالُ: "مَنى"، و"أمْنى".
النجم 53:47
﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَشْأةَ الأُخْرى﴾، اَلْإحْياءَ بَعْدَ المَوْتِ.
النجم 53:48
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾، وأعْطى القِنْيَةَ، وهي المالُ الَّذِي تَأثَّلْتَهُ وعَزَمْتَ ألّا تُخْرِجَهُ مِن يَدِكَ.
النجم 53:49
﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِعْرى﴾، هو كَوْكَبٌ يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، في شِدَّةِ الحَرِّ، وكانَتْ خُزاعَةُ تَعْبُدُها، فَأعْلَمَ اللهُ أنَّهُ رَبُّ مَعْبُودِهِمْ هَذا.
النجم 53:50
﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾، هم قَوْمُ هُودٍ، وعادٌ الأُخْرى: إرَمُ، "عادَ اللُولى"، "مَدَنِيٌّ وبَصْرِيٌّ غَيْرَ سَهْلٍ"، بِإدْغامِ التَنْوِينِ في اللامِ، وطَرْحِ هَمْزَةِ "أُولى"، ونَقْلِ ضَمَّتِها إلى لامِ التَعْرِيفِ.
النجم 53:51
﴿وَثَمُودَ فَما أبْقى﴾، "حَمْزَةُ وعاصِمٌ"، اَلْباقُونَ: "وَثَمُودًا"، وهو مَعْطُوفٌ عَلى "عادًا"، ولا يُنْصَبُ بِـ "فَما أبْقى"، لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، لا تَقُولُ: "زَيْدًا فَضَرَبْتُ"، وكَذا ما بَعْدَ النَفْيِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، والمَعْنى: "وَأهْلَكَ ثَمُودَ فَما أبْقاهُمْ".
النجم 53:52
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أيْ: وأهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ،
﴿مِن قَبْلُ﴾، مِن قَبْلِ عادٍ، وثَمُودَ،
﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾، مِن عادٍ، وثَمُودَ، لِأنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَهُ حَتّى لا يَكُونُ بِهِ حَراكٌ، ويُنَفِّرُونَ عَنْهُ، حَتّى كانُوا يُحَذِّرُونَ صِبْيانَهم أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ.
النجم 53:53
﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾، والقُرى الَّتِي ائْتُفِكَتْ بِأهْلِها، أيْ: اِنْقَلَبَتْ، وهم قَوْمُ لُوطٍ، يُقالُ: "أفَكَهُ، فَأْتُفِكَ"،
﴿أهْوى﴾ أيْ: رَفَعَها إلى السَماءِ عَلى جَناحِ جِبْرِيلَ، ثُمَّ أهْواها إلى الأرْضِ، أيْ: أسْقَطَها، و"اَلْمُؤْتَفِكَةَ"، مَنصُوبٌ بِـ "أهْوى".
النجم 53:54
﴿فَغَشّاها﴾، ألْبَسَها،
﴿ما غَشّى﴾، تَهْوِيلٌ وتَعْظِيمٌ لِما صُبَّ عَلَيْها مِنَ العَذابِ، وأُمْطِرَ عَلَيْها مِنَ الصَخْرِ المَنضُودِ.
النجم 53:55
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ﴾ أيُّها المُخاطَبُ،
﴿تَتَمارى﴾، تَتَشَكَّكُ بِما أوْلاكَ مِنَ النِعَمِ، أوْ بِما كَفاكَ مِنَ النِقَمِ؟! أوْ بِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الدالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، ورُبُوبِيَّتِهِ تُشَكِّكُ؟!
النجم 53:56
(p-٣٩٨)﴿هَذا نَذِيرٌ﴾ أيْ: مُحَمَّدٌ، مُنْذِرٌ،
﴿مِنَ النُذُرِ الأُولى﴾، مِنَ المُنْذِرِينَ الأوَّلِينَ، وقالَ "اَلْأُولى"، عَلى تَأْوِيلِ الجَماعَةِ، أوْ "هَذا القُرْآنُ نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى"، أيْ: إنْذارٌ مِن جِنْسِ الإنْذاراتِ الأُولى، الَّتِي أنْذَرَ بِها مَن قَبْلَكم.
النجم 53:57
﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾، قَرُبَتِ المَوْصُوفَةُ بِالقُرْبِ في قَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ الساعَةُ﴾ [القمر: ١]
النجم 53:58
﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ أيْ: لَيْسَ لَها نَفْسٌ كاشِفَةٌ، أيْ: مُبَيِّنَةٌ مَتى تَقُومُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، أوْ لَيْسَ لَها نَفْسٌ كاشِفَةٌ، أيْ: قادِرَةٌ عَلى كَشْفِها إذا وقَعَتْ، إلّا اللهُ (تَعالى)، غَيْرَ أنَّهُ لا يَكْشِفُها.
النجم 53:59
﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنِ،
﴿تَعْجَبُونَ﴾، إنْكارًا.
النجم 53:60
﴿وَتَضْحَكُونَ﴾، اِسْتِهْزاءً،
﴿وَلا تَبْكُونَ﴾، خُشُوعًا.
النجم 53:61
﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾، غافِلُونَ، أوْ لاهُونَ، لاعِبُونَ، وكانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ عارَضُوهُ بِالغِناءِ، لِيَشْغَلُوا الناسَ عَنِ اسْتِماعِهِ.
النجم 53:62
﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ أيْ: فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوهُ، ولا تَعْبُدُوا الآلِهَةَ.
القمر 54:1
(p-٣٩٩)سُورَةُ "اَلْقَمَرِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿اقْتَرَبَتِ الساعَةُ﴾، قَرُبَتِ القِيامَةُ،
﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾، نِصْفَيْنِ، وقُرِئَ: "وَقَدِ انْشَقَّ"، أيْ: اِقْتَرَبَتِ الساعَةُ وقَدْ حَصَلَ مِن آياتِ اقْتِرابِها أنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ، كَما تَقُولُ: "أقْبَلَ الأمِيرُ، وقَدْ جاءَ المُبَشِّرُ بِقُدُومِهِ"، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "رَأيْتُ حِراءَ بَيْنَ فِلْقَتَيِ القَمَرِ "، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ، وهو المَرْوِيُّ في الصَحِيحَيْنِ، ولا يُقالُ: لَوِ انْشَقَّ لَما خَفِيَ عَلى أهْلِ الأقْطارِ، ولَوْ ظَهَرَ عِنْدَهم لَنَقَلُوهُ مُتَواتِرًا، لِأنَّ الطِباعَ جُبِلَتْ عَلى نَشْرِ العَجائِبِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَحْجُبَهُ اللهُ عَنْهم بِغَيْمٍ.
القمر 54:2
﴿وَإنْ يَرَوْا﴾، يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ،
﴿آيَةً﴾، تَدُلُّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ،
﴿يُعْرِضُوا﴾، عَنِ الإيمانِ بِهِ،
﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، مُحْكَمٌ، قَوِيٌّ، مِن "اَلْمَرَّةُ": "اَلْقُوَّةُ"، أوْ دائِمٌ مُطَّرِدٌ، أوْ مارٌّ ذاهِبٌ، يَزُولُ، ولا يَبْقى.
القمر 54:3
﴿وَكَذَّبُوا﴾، اَلنَّبِيَّ ﷺ،
﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾، وما زَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ مِن دَفْعِ الحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ،
﴿وَكُلُّ أمْرٍ﴾، وعَدَهُمُ اللهُ،
﴿مُسْتَقِرٌّ﴾، كائِنٌ في وقْتِهِ، وقِيلَ: كُلُّ ما قُدِّرَ واقِعٌ، وقِيلَ: كُلُّ أمْرٍ مِن أمْرِهِمْ واقِعٌ مُسْتَقِرٌّ، (p-٤٠٠)أيْ: سَيَثْبُتُ ويَسْتَقِرُّ عِنْدَ ظُهُورِ العِقابِ والثَوابِ.
القمر 54:4
﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾، أهْلُ مَكَّةَ،
﴿مِنَ الأنْباءِ﴾، مِنَ القُرْآنِ المُودَعِ أنْباءَ القُرُونِ الخالِيَةِ، أوْ أنْباءَ الآخِرَةِ، وما وُصِفَ مِن عَذابِ الكُفّارِ،
﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، اِزْدِجارٌ عَنِ الكُفْرِ، تَقُولُ: "زَجَرْتُهُ، وأزْجَرْتُهُ"، أيْ: "مَنَعْتُهُ"، وأصْلُهُ: "اِزْتَجَرَ"، ولَكِنَّ التاءَ إذا وقَعَتْ بَعْدَ زايٍ ساكِنَةٍ، أُبْدِلَتْ دالًا، لِأنَّ التاءَ حَرْفٌ مَهْمُوسٌ، والزايَ حَرْفٌ مَجْهُورٌ، فَأُبْدِلَ مِنَ التاءِ حَرْفٌ مَجْهُورٌ، وهو الدالُ، لِيَتَناسَبا، وهَذا في آخِرِ كِتابِ سِيبَوَيْهِ.
القمر 54:5
﴿حِكْمَةٌ﴾، بَدَلٌ مِن "ما"، أوْ عَلى "هُوَ حِكْمَةٌ"،
﴿بالِغَةٌ﴾، نِهايَةُ الصَوابِ، أوْ "بالِغَةٌ"، مِنَ اللهِ إلَيْهِمْ،
﴿فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾، "ما"، نَفْيٌ، و"اَلنُّذُرُ": جَمْعُ "نَذِيرٌ"، وهُمُ الرُسُلُ، أوِ المُنْذَرُ بِهِ، أوْ "اَلنُّذُرُ"، مَصْدَرٌ بِمَعْنى "اَلْإنْذارُ".
القمر 54:6
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، لِعِلْمِكَ أنَّ الإنْذارَ لا يُغْنِي فِيهِمْ، نُصِبَ ﴿يَوْمَ يَدْعُ الداعِ﴾، بِـ "يَخْرُجُونَ"، أوْ بِإضْمارِ "اُذْكُرْ"، "اَلدّاعِي"، "إلى الداعِي"، " سَهْلٌ ويَعْقُوبُ ومَكِّيٌّ"، فِيهِما، ووافَقَ مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ، ومَن أسْقَطَ الياءَ اكْتَفى بِالكَسْرَةِ عَنْها، وحَذْفُ الواوِ مِن "يَدْعُ"، في الكِتابَةِ لِمُتابَعَةِ اللَفْظِ، و"اَلدّاعِي": إسْرافِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ -،
﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾، مُنْكَرٍ فَظِيعٍ، تُنْكِرُهُ النُفُوسُ، لِأنَّها لَمْ تَعْهَدْ بِمِثْلِهِ، وهو هَوْلُ يَوْمِ القِيامَةِ، "نُكْرٌ"، بِالتَخْفِيفِ، "مَكِّيٌّ".
القمر 54:7
"خاشِعًا أبْصارُهُمْ"، "عِراقِيٌّ غَيْرَ عاصِمٍ "، وهو حالٌ مِنَ الخارِجِينَ، وهو فِعْلٌ لِلْأبْصارِ، وذُكِّرَ، كَما تَقُولُ: "يَخْشَعُ أبْصارُهُمْ"، غَيْرُهُمْ: "خُشَّعًا"، عَلى "يَخْشَعْنَ أبْصارُهُمْ"، وهي لُغَةُ مَن يَقُولُ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في "خُشَّعًا"، ضَمِيرُهُمْ، وتَقَعُ أبْصارُهم بَدَلًا عَنْهُ، وخُشُوعُ الأبْصارِ كِنايَةٌ عَنِ الذِلَّةِ، لِأنَّ تَذَلُّلَ الذَلِيلِ وعِزَّةَ العَزِيزِ تَظْهَرانِ في عُيُونِهِما،
﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾، مِنَ (p-٤٠١)القُبُورِ،
﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾، في كَثْرَتِهِمْ، وتَفَرُّقِهِمْ في كُلِّ جِهَةٍ، والجَرادُ مَثَلٌ في الكَثْرَةِ، والتَمَوُّجِ، يُقالُ في الجَيْشِ الكَثِيرِ المائِجِ بَعْضُهُ في بَعْضٍ: "جاءوا كالجَرادِ".
القمر 54:8
﴿مُهْطِعِينَ إلى الداعِ﴾، مُسْرِعِينَ، مادِّي أعْناقِهِمْ إلَيْهِ،
﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾، صَعْبٌ، شَدِيدٌ.
القمر 54:9
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾، قَبْلَ أهْلِ مَكَّةَ،
﴿قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾، نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ -، مَعْنى تَكْرارِ التَكْذِيبِ أنَّهم كَذَّبُوهُ تَكْذِيبًا عَلى عَقِبِ تَكْذِيبٍ، كُلَّما مَضى مِنهم قَرْنٌ مُكَذِّبٌ، تَبِعَهُ قَرْنٌ مُكَذِّبٌ، أوْ " كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الرُسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا "، أيْ: لَمّا كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالرُسُلِ، جاحِدِينَ لِلنُّبُوَّةِ رَأْسًا، كَذَّبُوا نُوحًا، لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الرُسُلِ،
﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ: هو مَجْنُونٌ،
﴿وازْدُجِرَ﴾، "زُجِرَ عَنْ أداءِ الرِسالَةِ، بِالشَتْمِ، وهُدِّدَ بِالقَتْلِ، أوْ "هُوَ مِن جُمْلَةِ قِيلِهِمْ، أيْ: قالُوا: هو مَجْنُونٌ، وقَدِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ، وتَخَبَّطَتْهُ، وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ.
القمر 54:10
﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي﴾ أيْ: بِأنِّي،
﴿مَغْلُوبٌ﴾، غَلَبَنِي قَوْمِي، فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنِّي، واسْتَحْكَمَ اليَأْسُ مِن إجابَتِهِمْ لِي،
﴿فانْتَصِرْ﴾، فانْتَقِمْ لِي مِنهُمْ، بِعَذابٍ تَبْعَثُهُ عَلَيْهِمْ.
القمر 54:11
﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَماءِ﴾، "فَفَتَّحْنا"، "شامِيٌّ ويَزِيدُ وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ "،
﴿بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾، مُنْصَبٍّ في كَثْرَةٍ، وتَتابُعٍ، لَمْ يَنْقَطِعْ أرْبَعِينَ يَوْمًا.
القمر 54:12
﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾، وجَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها كَأنَّها عُيُونٌ تَتَفَجَّرُ، وهو أبْلَغُ مِنَ قَوْلِكَ: "وَفَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ"،
﴿فالتَقى الماءُ﴾ أيْ: مِياهُ السَماءِ، والأرْضِ، وقُرِئَ: "اَلْماءانِ"، أيْ: اَلنَّوْعانِ مِنَ الماءِ: اَلسَّماوِيُّ والأرْضِيُّ،
﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾، عَلى حالٍ قَدَّرَها اللهُ كَيْفَ شاءَ، أوْ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِّرَ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ أنَّهُ يَكُونُ، وهو هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ بِالطُوفانِ.
القمر 54:13
(p-٤٠٢)﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾، أرادَ السَفِينَةَ، وهي مِنَ الصِفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفاتِ، فَتَنُوبُ مَنابَها، وتُؤَدِّي مُؤَدّاها، بِحَيْثُ لا يُفْصَلُ بَيْنَها وبَيْنَها، ونَحْوُهُ:
؎................. ولَكِنْـ... ـنَ قَمِيصِي مَسْرُودَةٌ مِن حَدِيدِ
أرادَ: "وَلَكِنَّ قَمِيصِي دِرْعٌ"، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ جَمَعْتَ بَيْنَ السَفِينَةِ، وبَيْنَ هَذِهِ الصِفَةِ، لَمْ يَصِحَّ، وهَذا مِن فَصِيحِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ، و"اَلدُّسُرُ": جَمْعُ "دِسارٌ"، وهو المِسْمارُ، "فِعالٌ"، مِن "دَسَرَهُ"، إذا دَفَعَهُ، لِأنَّهُ يُدْسَرُ بِهِ مَنفَذُهُ.
القمر 54:14
﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾، بِمَرْأًى مِنّا، أوْ بِحِفْظِنا، أوْ "بِأعْيُنِنا"، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "تَجْرِي"، أيْ: "مَحْفُوظَةً بِنا"،
﴿جَزاءً﴾، مَفْعُولٌ لَهُ لِما قُدِّمَ مِن فَتْحِ أبْوابِ السَماءِ، وما بَعْدَهُ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ جَزاءً،
﴿لِمَن كانَ كُفِرَ﴾، هو نُوحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - وجَعَلَهُ مَكْفُورًا، لِأنَّ النَبِيَّ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ، ورَحْمَةٌ، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فَكانَ نُوحٌ نِعْمَةً مَكْفُورَةً.
القمر 54:15
﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ أيْ: اَلسَّفِينَةَ، أوِ الفَعْلَةُ، أيْ: جَعَلْناها ﴿آيَةً﴾، يُعْتَبَرُ بِها، وعَنْ قَتادَةَ: "أبْقاها اللهُ أرْضَ الجَزِيرَةِ"، وقِيلَ: عَلى الجُودِيِّ دَهْرًا طَوِيلًا، حَتّى نَظَرَ إلَيْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ،
﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾، مُتَّعِظٍ يَتَّعِظُ ويَعْتَبِرُ، وأصْلُهُ: "مُذْتَكِرْ"، بِالذالِ، والتاءِ، ولَكِنَّ التاءَ أُبْدِلَتْ مِنها الذالُ، والذالُ والدالُ مِن مَوْضِعٍ، فَأُدْغِمَتِ الذالُ في الدالِ.
القمر 54:16
﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٨]، جَمْعُ "نَذِيرٌ"، وهو الإنْذارُ، "وَنُذُرِي"، " يَعْقُوبُ "، فِيهِما، وافَقَهُ سَهْلٌ في الوَصْلِ، غَيْرُهُما بِغَيْرِ ياءٍ، وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ ما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُورَةِ.
القمر 54:17
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾، سَهَّلْناهُ لِلِادِّكارِ، والِاتِّعاظِ، بِأنْ شَحَنّاهُ (p-٤٠٣)بِالمَواعِظِ الشافِيَةِ، وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ،
﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾، مُتَّعِظٍ يَتَّعِظُ، وقِيلَ: ولَقَدْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، فَهَلْ مِن طالِبٍ لِحِفْظِهِ، لِيُعانَ عَلَيْهِ، يُرْوى أنَّ كُتُبَ أهْلِ الأدْيانِ - نَحْوَ التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ - لا يَتْلُوها أهْلُها إلّا نَظَرُوا، ولا يَحْفَظُونَها ظاهِرًا كالقُرْآنِ.
القمر 54:18
﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ: وإنْذاراتِي لَهم بِالعَذابِ، قَبْلَ نُزُولِهِ، أوْ وإنْذاراتِي في تَعْذِيبِهِمْ لِمَن بَعْدَهم.
القمر 54:19
﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾، بارِدَةً، أوْ شَدِيدَةَ الصَوْتِ،
﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾، شُؤْمٍ،
﴿مُسْتَمِرٍّ﴾، دائِمِ الشَرِّ، فَقَدِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ حَتّى أهْلَكَهُمْ، وكانَ في "أرْبِعاءَ"، في آخِرِ الشَهْرِ.
القمر 54:20
﴿تَنْـزِعُ الناسَ﴾، تَقْلَعُهم عَنْ أماكِنِهِمْ، وكانُوا يَصْطَفُّونَ آخِذًا بَعْضُهم بِأيْدِي بَعْضٍ، ويَتَداخَلُونَ في الشِعابِ، ويَحْفِرُونَ الحُفَرَ، فَيَنْدَسُّونَ فِيها، فَتَنْزِعُهُمْ، وتَكُبُّهُمْ، وتَدُقُّ رِقابَهُمْ،
﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، أُصُولُ نَخْلٍ مُنْقَلِعٍ عَنْ مَغارِسِهِ، وشُبِّهُوا بِأعْجازِ النَخْلِ، لِأنَّ الرِيحَ كانَتْ تَقْطَعُ رءوسهُمْ، فَتَبْقى أجْسادًا بِلا رءوس، فَيَتَساقَطُونَ عَلى الأرْضِ أمْواتًا، وهم جُثَثٌ طِوالٌ، كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ، وهي أُصُولُها، بِلا فُرُوعٍ، وذَكَّرَ صِفَةَ "نَخْلٍ"، عَلى اللَفْظِ، ولَوْ حَمَلَها عَلى المَعْنى لَأنَّثَ، كَما قالَ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]
القمر 54:24
﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا﴾، اِنْتَصَبَ "بَشَرًا"، بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿نَتَّبِعُهُ﴾، تَقْدِيرُهُ: "أنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنّا واحِدًا؟!"،
﴿إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾، كانَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَتَّبِعُونِي كُنْتُمْ في ضَلالٍ عَنِ الحَقِّ، و"سُعُرٍ"، ونِيرانٍ، جَمْعُ "سَعِيرٌ"، فَعَكَسُوا عَلَيْهِ، فَقالُوا: إنِ اتَّبَعْناكَ كُنّا كَما تَقُولُ، وقِيلَ: "اَلضَّلالُ": اَلْخَطَأُ، والبُعْدُ عَنِ الصَوابِ، و"اَلسُّعُرُ": اَلْجُنُونُ"، وقَوْلُهُمْ: "أبَشَرًا"، إنْكارٌ لِأنْ يَتَّبِعُوا (p-٤٠٤)مِثْلَهم في الجِنْسِيَّةِ، وطَلَبُوا أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، وقالُوا: "مِنّا"، لِأنَّهُ إذا كانَ مِنهم كانَتِ المُماثَلَةُ أقْوى، وقالُوا: "واحِدًا"، إنْكارًا لِأنْ تَتَّبِعَ الأُمَّةُ رَجُلًا واحِدًا، أوْ أرادُوا: "واحِدًا"، مِن أفْنائِهِمْ، لَيْسَ بِأشْرَفِهِمْ، وأفْضَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:
القمر 54:25
﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ أيْ: أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ مِن بَيْنِنا، وفِينا مَن هو أحَقُّ مِنهُ بِالِاخْتِيارِ لِلنُّبُوَّةِ؟! ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾، بَطِرٌ، مُتَكَبِّرٌ، حَمَلَهُ بَطَرُهُ وطَلَبُهُ التَعَظُّمَ عَلَيْنا عَلى ادِّعاءِ ذَلِكَ.
القمر 54:26
﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾، عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ،
﴿مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾، أصالِحٌ، أمْ مَن كَذَّبَهُ، "سَتَعْلَمُونَ"، "شامِيٌّ وحَمْزَةُ "، عَلى حِكايَةِ ما قالَ لَهم صالِحٌ، مُجِيبًا لَهُمْ، أوْ هو كَلامُ اللهِ، عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ.
القمر 54:27
﴿إنّا مُرْسِلُو الناقَةِ﴾، باعِثُوها، ومُخْرِجُوها، مِنَ الهَضْبَةِ، كَما سَألُوا،
﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾، اِمْتِحانًا لَهُمْ، وابْتِلاءً، وهو مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ حالٌ،
﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾، فانْتَظِرْهُمْ، وتَبَصَّرْ ما هم صانِعُونَ،
﴿واصْطَبِرْ﴾، عَلى أذاهُمْ، ولا تَعْجَلْ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرِي.
القمر 54:28
﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾، مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ، لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ، وقالَ: "بَيْنَهُمْ"، تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ،
﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾، مَحْضُورٌ، يَحْضُرُ القَوْمُ الشِرْبَ يَوْمًا، وتَحْضُرُ الناقَةُ يَوْمًا.
القمر 54:29
﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾، قِدارَ بْنَ سالِفٍ، أُحَيْمِرَ ثَمُودَ،
﴿فَتَعاطى﴾، فاجْتَرَأ عَلى تَعاطِي الأمْرِ العَظِيمِ، غَيْرَ مُكْتَرِثٍ لَهُ،
﴿فَعَقَرَ﴾، اَلنّاقَةَ، أوْ فَتَعاطى الناقَةَ، فَعَقَرَها، أوْ فَتَعاطى السَيْفَ، وإنَّما قالَ: ﴿فَعَقَرُوا الناقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، في آيَةٍ أُخْرى، لِرِضاهم بِهِ، أوْ لِأنَّهُ عَقَرَ بِمَعُونَتِهِمْ.
القمر 54:31
﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾، في اليَوْمِ الرابِعِ مِن عَقْرِها،
﴿صَيْحَةً واحِدَةً﴾، صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ -،
﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾، و"اَلْهَشِيمُ": اَلشَّجَرُ اليابِسُ المُتَهَشِّمُ المُتَكَسِّرُ، و"اَلْمُحْتَظِرُ": اَلَّذِي يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ، وما يُحْتَظَرُ بِهِ يَيْبَسُ بِطُولِ الزَمانِ، وتَتَوَطَّؤُهُ البَهائِمُ فَيَتَحَطَّمُ، ويَتَهَشَّمُ، وقَرَأ (p-٤٠٥)الحَسَنُ بِفَتْحِ الظاءِ، وهو مَوْضِعُ الِاحْتِظارِ، أيْ: الحَظِيرَةُ.
القمر 54:34
﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾، يَعْنِي عَلى قَوْمِ لُوطٍ،
﴿حاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠]، رِيحًا تَحْصِبُهم بِالحِجارَةِ، أيْ: تَرْمِيهِمْ،
﴿إلا آلَ لُوطٍ﴾، اِبْنَتَيْهِ، ومَن آمَنَ مَعَهُ،
﴿نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾، مِنَ الأسْحارِ، ولِذا صَرَفَهُ، ويُقالُ: "لَقِيتُهُ بِسَحَرَ"، إذا لَقِيتَهُ في سَحَرِ يَوْمِهِ، وقِيلَ: هم سَحَرانِ، فالسَحَرُ الأعْلى قَبْلَ انْصِداعِ الفَجْرِ، والآخَرُ عِنْدَ انْصِداعِهِ.
القمر 54:35
﴿نِعْمَةً﴾، مَفْعُولٌ لَّهُ، أيْ: إنْعامًا،
﴿مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ نِعْمَةُ اللهِ بِإيمانِهِ، وطاعَتِهِ.
القمر 54:36
﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهُمْ﴾، لُوطٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -،
﴿بَطْشَتَنا﴾، أخْذَتَنا بِالعَذابِ،
﴿فَتَمارَوْا بِالنُذُرِ﴾، فَكَذَّبُوا بِالنُذُرِ مُتَشاكِّينَ.
القمر 54:37
﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾، طَلَبُوا الفاحِشَةَ مِن أضْيافِهِ،
﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾، أعْمَيْناهُمْ، وقِيلَ: مَسَحْناها، وجَعَلْناها كَسائِرِ الوَجْهِ، لا يُرى لَها شَقٌّ، رُوِيَ أنَّهم لَمّا عالَجُوا بابَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِيَدْخُلُوا، قالَتِ المَلائِكَةُ: "خَلِّهِمْ يَدْخُلُوا، إنّا رُسُلُ رَبِّكَ، لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ"، فَصَفَقَهم جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِجَناحِهِ صَفْقَةً، فَتَرَكَهم يَتَرَدَّدُونَ، ولا يَهْتَدُونَ إلى البابِ، حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ،
﴿فَذُوقُوا﴾، فَقُلْتُ لَهُمْ: "ذُوقُوا"، عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ،
﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾
القمر 54:38
﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾، أوَّلَ النَهارِ،
﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾، ثابِتٌ، قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِمْ، إلى أنْ يُفْضِيَ بِهِمْ إلى عَذابِ الآخِرَةِ.
القمر 54:40
وَفائِدَةُ تَكْرِيرِ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾، أنْ يُجَدِّدُوا، عِنْدَ اسْتِماعِ كُلِّ نَبَإٍ مِن أنْباءٍ الأوَّلِينَ، ادِّكارًا واتِّعاظًا، وأنْ يَسْتَأْنِفُوا (p-٤٠٦)تَنَبُّها واسْتِيقاظًا، إذا سَمِعُوا الحَثَّ عَلى ذَلِكَ، والبَعْثَ عَلَيْهِ، وهَذا حُكْمُ التَكْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣]، عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ عَدَّها، وقَوْلِهِ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٤]، عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أوْرَدَها، وكَذَلِكَ تَكْرِيرُ الأنْباءِ والقِصَصِ في أنْفُسِها، لِتَكُونَ تِلْكَ العِبَرُ حاضِرَةً لِلْقُلُوبِ، مُصَوَّرَةً لِلْأذْهانِ، مَذْكُورَةً، غَيْرَ مَنسِيَّةٍ في كُلِّ أوانٍ.
القمر 54:41
﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾، مُوسى، وهارُونُ، وغَيْرُهُما مِنَ الأنْبِياءِ، أوْ هو جَمْعُ "نَذِيرٌ"، وهو الإنْذارُ.
القمر 54:42
﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها﴾، بِالآياتِ التِسْعِ،
﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ﴾، لا يُغالَبُ،
﴿مُقْتَدِرٍ﴾، لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
القمر 54:43
﴿أكُفّارُكُمْ﴾، يا أهْلَ مَكَّةَ،
﴿خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾، اَلْكُفّارِ المَعْدُودِينَ، قَوْمِ نُوحٍ، وهُودٍ، وصالِحٍ، ولُوطٍ، وآلِ فِرْعَوْنَ، أيْ: أهم خَيْرٌ قُوَّةً، وآلَةً، ومَكانَةً في الدُنْيا، أوْ أقَلُّ كُفْرًا وعِنادًا؟! يَعْنِي: إنَّ كُفّارَكم مِثْلُ أُولَئِكَ، بَلْ شَرٌّ مِنهُمْ،
﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُبُرِ﴾، أمْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكم يا أهْلَ مَكَّةَ بَراءَةٌ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، أنَّ مَن كَفَرَ مِنكم وكَذَّبَ الرُسُلَ، كانَ آمِنًا مِن عَذابِ اللهِ، فَأمِنتُمْ بِتِلْكَ البَراءَةِ؟!
القمر 54:44
﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ﴾، جَماعَةٌ، أمْرُنا مُجْتَمِعٌ،
﴿مُنْتَصِرٌ﴾، مُمْتَنِعٌ، لا نُرامُ، ولا نُضامُ.
القمر 54:45
﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾، جَمْعُ أهْلِ مَكَّةَ،
﴿وَيُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ أيْ: اَلْأدْبارَ، كَما قالَ:
؎ كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا....................
أيْ: يَنْصَرِفُونَ مُنْهَزِمِينَ، يَعْنِي يَوْمَ "بَدْرٍ"، وهَذِهِ مِن عَلاماتِ النُبُوَّةِ.
القمر 54:46
﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾، مَوْعِدُ عَذابِهِمْ بَعْدَ " بَدْرٍ "،
﴿والساعَةُ أدْهى﴾، أشَدُّ مِن (p-٤٠٧)مَوْقِفِ "بَدْرٍ "، و"اَلدّاهِيَةُ": اَلْأمْرُ المُنْكَرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ،
﴿وَأمَرُّ﴾، مَذاقًا، مِن عَذابِ الدُنْيا، أوْ أشَدُّ، مِن "اَلْمَرَّةُ".
القمر 54:47
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ﴾، عَنِ الحَقِّ، في الدُنْيا،
﴿وَسُعُرٍ﴾، ونِيرانٍ في الآخِرَةِ، أوْ في هَلاكٍ ونِيرانٍ.
القمر 54:48
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ﴾، يُجَرُّونَ فِيها،
﴿عَلى وُجُوهِهِمْ﴾، ويُقالُ لَهُمْ،
﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾، كَقَوْلِكَ: "وَجَدَ مَسَّ الحُمّى، وذاقَ طَعْمَ الضَرْبِ"، لِأنَّ النارَ إذا أصابَتْهم بِحَرِّها، فَكَأنَّها تَمَسُّهم مَسًّا بِذَلِكَ، و"سَقَرُ"، غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلتَّأْنِيثِ والتَعْرِيفِ، لِأنَّها عَلَمٌ لِجَهَنَّمَ، مِن "سَقَرَتْهُ النارُ"، إذا لَوَحَتْهُ.
القمر 54:49
﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، "كُلَّ"، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ، وقُرِئَ بِالرَفْعِ شاذًّا، والنَصْبُ أوْلى، لِأنَّهُ لَوْ رُفِعَ لَأمْكَنَ أنْ يَكُونَ "خَلَقْناهُ"، في مَوْضِعِ الجَرِّ، وصْفًا لِـ "شَيْءٍ"، ويَكُونَ الخَبَرُ "بِقَدَرٍ"، وتَقْدِيرُهُ: "إنّا كُلُّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ لَنا، كائِنٌ بِقَدَرٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَلَقْناهُ"، هو الخَبَرَ، وتَقْدِيرُهُ: "إنّا كُلُّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ لَنا بِقَدَرٍ"، فَلَمّا تَرَدَّدَ الأمْرُ في الرَفْعِ، عُدِلَ إلى النَصْبِ، وتَقْدِيرُهُ: "إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ"، فَيَكُونُ الخَلْقُ عامًّا لِكُلِّ شَيْءٍ، وهو المُرادُ بِالآيَةِ، ولا يَجُوزُ في النَصْبِ أنْ يَكُونَ "خَلَقْناهُ"، صِفَةً لِـ "شَيْءٍ"، لِأنَّهُ تَفْسِيرُ الناصِبِ، والصِفَةُ لا تَعْمَلُ في المَوْصُوفِ، و"اَلْقَدَرُ"، و"اَلْقَدْرُ": اَلتَّقْدِيرُ، أيْ: بِتَقْدِيرٍ سابِقٍ، أوْ "خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُرَتَّبًا عَلى حَسْبِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ"، أوْ "مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَوْحِ، مَعْلُومًا قَبْلَ كَوْنِهِ، قَدْ عَلِمْناهُ، حالَهُ، وزَمانَهُ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: « "جاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ إلى النَبِيِّ ﷺ، يُخاصِمُونَهُ في القَدَرِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ » "، وكانَ عُمَرُ يَحْلِفُ أنَّها نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ.
القمر 54:50
﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ﴾، إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، أيْ: وما أمْرُنا لِشَيْءٍ نُرِيدُ تَكْوِينَهُ إلّا أنْ نَقُولُ لَهُ: (كُنْ)، فَيَكُونُ،
﴿كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾، عَلى قَدْرِ ما يَلْمَحُ أحَدُكم بِبَصَرِهِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِـ "أمْرُنا": اَلْقِيامَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أمْرُ الساعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧]
القمر 54:51
(p-٤٠٨)﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾، أشْباهَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ،
﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾، مُتَّعِظٍ.
القمر 54:52
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ أيْ: أُولَئِكَ الكُفّارُ، أيْ: وكُلُّ شَيْءٍ مَفْعُولٍ لَهم ثابِتٌ،
﴿فِي الزُبُرِ﴾، في دَواوِينِ الحَفَظَةِ، فَـ "فَعَلُوهُ"، في مَوْضِعِ جَرٍّ، نَعْتٌ لِـ "شَيْءٍ"، و"فِي الزُبُرِ"، خَبَرٌ لِـ "كُلُّ".
القمر 54:53
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾، مِنَ الأعْمالِ، ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ،
﴿مُسْتَطَرٌ﴾، مَسْطُورٌ في اللَوْحِ.
القمر 54:54
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾، وأنْهارٍ، اكْتَفى بِاسْمِ الجِنْسِ، وقِيلَ: هو السَعَةُ، والضِياءُ، ومِنهُ: "اَلنَّهارُ".
القمر 54:55
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾، في مَكانٍ مَرْضِيٍّ،
﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾، عِنْدِيَّةَ مَنزِلَةٍ وكَرامَةٍ، لا مَسافَةٍ ومُماسَّةٍ،
﴿مُقْتَدِرٍ﴾، قادِرٍ، وفائِدَةُ التَنْكِيرِ فِيها أنْ يُعْلَمَ أنْ لا شَيْءَ إلّا وهو تَحْتَ مُلْكِهِ، وقُدْرَتِهِ.
الرحمن 55:1
(p-٤٠٩)سُورَةُ "اَلرَّحْمَنِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الرَحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ أيْ: اَلْجِنْسَ، أوْ آدَمَ، أوْ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.
الرحمن 55:2
(p-٤٠٩)سُورَةُ "اَلرَّحْمَنِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الرَحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ أيْ: اَلْجِنْسَ، أوْ آدَمَ، أوْ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.
الرحمن 55:3
(p-٤٠٩)سُورَةُ "اَلرَّحْمَنِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الرَحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ أيْ: اَلْجِنْسَ، أوْ آدَمَ، أوْ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.
الرحمن 55:4
﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾، عَدَّدَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - آلاءَهُ، فَأرادَ أنْ يُقَدِّمَ أوَّلَ شَيْءٍ ما هو أسْبَقُ قِدَمًا مِن ضُرُوبِ آلائِهِ، وصُنُوفِ نَعْمائِهِ، وهي نِعْمَةُ الدِينِ، وقَدَّمَ مِن نِعْمَةِ الدِينِ ما هو في أعْلى مَراتِبِها، وأقْصى مَراتِبِها، وهو إنْعامُهُ بِالقُرْآنِ، وتَنْزِيلُهُ، وتَعْلِيمُهُ، لِأنَّهُ أعْظَمُ وحْيِ اللهِ رُتْبَةً، وأعْلاهُ مَنزِلَةً، وأحْسَنُهُ في أبْوابِ الدِينِ أثَرًا، وهو سَنامُ الكُتُبِ السَماوِيَّةِ، ومِصْداقُها، والعِيارُ عَلَيْها، وأخَّرَ ذِكْرَ خَلْقِ الإنْسانِ عَنْ ذِكْرِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ إيّاهُ، لِيُعْلَمَ أنَّهُ إنَّما خَلَقَهُ لِلدِّينِ، ولِيُحِيطَ عِلْمًا بِوَحْيِهِ، وكُتُبِهِ، وقَدَّمَ ما خَلَقَ الإنْسانَ مِن أجْلِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَمَيَّزَ بِهِ مِن سائِرِ الحَيَوانِ، مِنَ البَيانِ، وهو المَنطِقُ الفَصِيحُ المُعْرِبُ عَمّا في الضَمِيرِ، و"اَلرَّحْمَنُ"، مُبْتَدَأٌ، وهَذِهِ الأفْعالُ، مَعَ ضَمائِرِها، أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ، وإخْلاؤُها مِنَ العاطِفِ لِمَجِيئِها عَلى نَمَطِ التَعْدِيدِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ أغْناكَ بَعْدَ فَقْرٍ، أعَزَّكَ بَعْدَ ذُلٍّ، كَثَّرَكَ بَعْدَ قِلَّةٍ، فَعَلَ بِكَ ما لَمْ يَفْعَلْ أحَدٌ بِأحَدٍ، فَما تُنْكِرُ مِن إحْسانِهِ؟!".
الرحمن 55:5
﴿الشَمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾، بِحِسابٍ مَعْلُومٍ، وتَقْدِيرٍ سَوِيٍّ، يَجْرِيانِ في (p-٤١٠)بُرُوجِهِما، ومَنازِلِهِما، وفي ذَلِكَ مَنافِعُ لِلنّاسِ، مِنها عِلْمُ السِنِينِ والحِسابِ.
الرحمن 55:6
﴿والنَجْمُ﴾، اَلنَّباتُ الَّذِي يَنْجُمُ مِنَ الأرْضِ، لا ساقَ لَهُ، كالبُقُولِ،
﴿والشَجَرُ﴾، اَلَّذِي لَهُ ساقٌ، وقِيلَ: "اَلنَّجْمُ": نُجُومُ السَماءِ،
﴿يَسْجُدانِ﴾، يَنْقادانِ لِلَّهِ (تَعالى) فِيما خُلِقا لَهُ، تَشْبِيهًا بِالساجِدِ مِنَ المُكَلَّفِينَ في انْقِيادِهِ، واتَّصَلَتْ هاتانِ الجُمْلَتانِ بِـ "اَلرَّحْمَنُ"، بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ، لَمّا عُلِمَ أنَّ الحُسْبانَ حُسْبانُهُ، والسُجُودَ لَهُ، لا لِغَيْرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: "اَلشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانِهِ، والنَجْمُ والشَجَرُ يَسْجُدانِ لَهُ"، ولَمْ يَذْكُرِ العاطِفَ في الجُمَلِ الأُوَلِ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ بَعْدُ، لِأنَّ الأُوَلَ ورَدَتْ عَلى سَبِيلِ التَعْدادِ، تَبْكِيتًا لِمَن أنْكَرَ آلاءَهُ، كَما يُبَكَّتُ مُنْكِرُ أيادِي المُنْعِمِ عَلَيْهِ مِنَ الناسِ، بِتَعْدِيدِها عَلَيْهِ في المِثالِ المَذْكُورِ، ثُمَّ رَدَّ الكَلامَ إلى مِنهاجِهِ بَعْدَ التَبْكِيتِ، في وصْلِ ما يَجِبُ وصْلُهُ، لِلتَّناسُبِ والتَقارُبِ بِالعاطِفِ، وبَيانُ التَناسُبِ أنَّ الشَمْسَ والقَمَرَ سَماوِيّانِ، والنَجْمَ والشَجَرَ أرْضِيّانِ، فَبَيْنَ القَبِيلَيْنِ تَناسُبٌ مِن حَيْثُ التَقابُلُ، وأنَّ السَماءَ والأرْضَ لا تَزالانِ تُذْكَرانِ قَرِينَتَيْنِ، وأنَّ جَرْيَ الشَمْسِ والقَمَرِ بِحُسْبانٍ، مِن جِنْسِ الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللهِ، فَهو مُناسِبٌ لِسُجُودِ النَجْمِ والشَجَرِ.
الرحمن 55:7
﴿والسَماءَ رَفَعَها﴾، خَلَقَها مَرْفُوعَةً، ومَسْمُوكَةً، حَيْثُ جَعَلَها مَنشَأ أحْكامِهِ، ومَصْدَرَ قَضاياهُ، ومَسْكَنَ مَلائِكَتِهِ الَّذِينَ يَهْبِطُونَ بِالوَحْيِ عَلى أنْبِيائِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى كِبْرِياءِ شَأْنِهِ، ومُلْكِهِ، وسُلْطانِهِ،
﴿وَوَضَعَ المِيزانَ﴾ أيْ: كُلَّ ما تُوزَنُ بِهِ الأشْياءُ، وتُعْرَفُ مَقادِيرُها، مِن مِيزانٍ، وقَرَسْطُونٍ، ومِكْيالٍ، ومِقْياسٍ، أيْ: خَلَقَهُ مَوْضُوعًا عَلى الأرْضِ، حَيْثُ عَلَّقَ بِهِ أحْكامَ عِبادِهِ مِنَ التَسْوِيَةِ، والتَعْدِيلِ في أخْذِهِمْ، وإعْطائِهِمْ.
الرحمن 55:8
﴿ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾، لِئَلّا تَطْغَوْا، أوْ هي "أنْ"، اَلْمُفَسِّرَةُ.
الرحمن 55:9
﴿وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾، وقَوِّمُوا وزْنَكم بِالعَدْلِ،
﴿وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾، ولا تَنْقُصُوهُ، أمَرَ بِالتَسْوِيَةِ، ونَهى عَنِ الطُغْيانِ، الَّذِي هو اعْتِداءٌ، وزِيادَةٌ، وعَنِ الخُسْرانِ، الَّذِي هو تَطْفِيفٌ، ونُقْصانٌ، وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ، وتَقْوِيَةً لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ، والحَثِّ عَلَيْهِ.
الرحمن 55:10
(p-٤١١)﴿والأرْضَ وضَعَها﴾، خَفَضَها مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ،
﴿لِلأنامِ﴾، لِلْخَلْقِ، وهو كُلُّ ما عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مِن دابَّةٍ، وعَنِ الحَسَنِ: "اَلْإنْسُ والجِنُّ"، فَهي كالمِهادِ لَهُمْ، يَتَصَرَّفُونَ فَوْقَها.
الرحمن 55:11
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾، ضُرُوبٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ،
﴿والنَخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾، هي أوْعِيَةُ التَمْرِ، الواحِدُ: "كِمٌّ"، بِكَسْرِ الكافِ، أوْ كُلُّ ما يَكُمُّ، أيْ: يُغَطِّي، مِن لِيفِهِ، وسَعَفِهِ، وكُفُرّاهُ، وكُلُّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ، كَما يُنْتَفَعُ بِالمَكْمُومِ مِن ثَمَرِهِ، وجُمّارُهُ، وجُذُوعُهُ.
الرحمن 55:12
﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾، هو ورَقُ الزَرْعِ، أوِ التِبْنُ،
﴿والرَيْحانُ﴾، اَلرِّزْقُ، وهو اللُبُّ، أرادَ: فِيها ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِنَ الفَواكِهِ، والجامِعُ بَيْنَ التَلَذُّذِ والتَغَذِّي، وهو ثَمَرُ النَخْلِ، وما يُتَغَذّى بِهِ، وهو الحَبُّ، "والرَيْحانِ"، بِالجَرِّ، " حَمْزَةُ وعَلِيٌّ "، أيْ: والحَبُّ ذُو العَصْفِ - الَّذِي هو عَلَفُ الأنْعامِ -، والرَيْحانِ - الَّذِي هو مَطْعَمُ الأنامِ -، والرَفْعُ عَلى "وَذُو الرَيْحانِ"، فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وفِيها الرَيْحانُ، الَّذِي يُشَمُّ، "والحَبَّ ذا العَصْفِ والرَيْحانَ"، "شامِيٌّ"، أيْ: "وَخَلَقَ الحَبَّ والرَيْحانَ"، أوْ "وَأخُصُّ الحَبَّ والرَيْحانَ".
الرحمن 55:13
﴿فَبِأيِّ آلاءِ﴾ أيْ: اَلنِّعَمِ، مِمّا عَدَّدَ مِن أوَّلِ السُورَةِ، جَمْعُ "ألًى"، و"إلًى"،
﴿رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، اَلْخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ، بِدَلالَةِ "اَلْأنامِ"، عَلَيْهِما.
الرحمن 55:14
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ﴾، طِينٍ يابِسٍ، لَهُ صَلْصَلَةٌ،
﴿كالفَخّارِ﴾ أيْ: اَلطِّينِ المَطْبُوخِ بِالنارِ، وهو "اَلْخَزَفُ"، ولا اخْتِلافَ في هَذا وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] ﴿مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، لِاتِّفاقِها مَعْنًى، لِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ طِينًا، ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا.
الرحمن 55:15
﴿وَخَلَقَ الجانَّ﴾، أبا الجِنِّ، قِيلَ: هو إبْلِيسُ،
﴿مِن مارِجٍ﴾، هو اللهَبُ الصافِي، الَّذِي لا دُخانَ فِيهِ، وقِيلَ: اَلْمُخْتَلِطُ بِسَوادِ النارِ، مِن "مَرَجَ الشَيْءُ"، إذا اضْطَرَبَ واخْتَلَطَ،
﴿مِن نارٍ﴾، هو بَيانٌ لِـ "مارِجٍ"، كَأنَّهُ قِيلَ: "مِن صافٍ مِن نارٍ"، أوْ "مُخْتَلِطٍ مِن نارٍ"، أوْ أرادَ: "مِن نارٍ مَخْصُوصَةٍ"، (p-٤١٢)كَقَوْلِهِ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤]
الرحمن 55:17
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾، أرادَ مَشْرِقَيِ الشَمْسِ في الصَيْفِ، والشِتاءِ، ومَغْرِبَيْهِما.
الرحمن 55:18
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦]
الرحمن 55:19
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ أيْ: أرْسَلَ البَحْرَ المِلْحَ، والبَحْرَ العَذْبَ، مُتَجاوِرَيْنِ، مُتَلاقِيَيْنِ، لا فَصْلَ بَيْنَ الماءَيْنِ في مَرْأى العَيْنِ.
الرحمن 55:20
﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾، حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللهِ (تَعالى)،
﴿لا يَبْغِيانِ﴾، لا يَتَجاوَزانِ حَدَّيْهِما، ولا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ.
الرحمن 55:21
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨]
الرحمن 55:22
﴿يَخْرُجُ مِنهُما﴾، "يُخْرَجُ"، "مَدَنِيٌّ وبَصْرِيٌّ"،
﴿اللُؤْلُؤُ﴾، وبِلا هَمْزٍ، " أبُو بَكْرٍ ويَزِيدُ "، وهو كِبارُ الدُرِّ،
﴿والمَرْجانُ﴾، صِغارُهُ، وإنَّما قالَ: "مِنهُما"، وهُما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ، لِأنَّهُما لَمّا التَقَيا، وصارا كالشَيْءِ الواحِدِ، جازَ أنْ يُقالَ: "يَخْرُجانِ مِنهُما"، كَما يُقالُ: "يُخْرَجانِ مِنَ البَحْرِ"، ولا يُخْرَجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ، ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ، وتَقُولُ: "خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ"، وإنَّما خَرَجْتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ، وقِيلَ: لا يُخْرَجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ.
الرحمن 55:24
﴿وَلَهُ﴾، ولِلَّهِ،
﴿الجَوارِ﴾، اَلسُّفُنُ، جَمْعُ "جارِيَةٌ"، قالَ الزَجّاجُ: اَلْوَقْفُ عَلَيْهِما بِالياءِ، والِاخْتِيارُ وصْلُها، وإنْ وقَفَ عَلَيْها واقِفٌ بِغَيْرِ ياءٍ، فَذا جائِزٌ عَلى بُعْدٍ، ولَكِنْ يَرُومُ الكَسْرَ في الراءِ، لِيَدُلَّ عَلى حَذْفِ الياءِ،
﴿المُنْشَآتُ﴾، اَلْمَرْفُوعاتُ الشُرُعِ،
﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾، "اَلْمُنْشِئاتُ"، بِكَسْرِ الشِينِ، "حَمْزَةُ ويَحْيى"، اَلرّافِعاتُ الشُرُعِ، أوِ اللاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ،
﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾، جَمْعُ "عَلَمٌ"، وهو الجَبَلُ الطَوِيلُ.
الرحمن 55:25
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣]
الرحمن 55:26
﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾، عَلى الأرْضِ،
﴿فانٍ﴾
الرحمن 55:27
﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾، ذاتُهُ،
﴿ذُو الجَلالِ﴾، (p-٤١٣)ذُو العَظْمَةِ، والسُلْطانِ، وهو صِفَةُ الوَجْهِ،
﴿والإكْرامِ﴾، بِالتَجاوُزِ والإحْسانِ، وهَذِهِ الصِفَةُ مِن عَظِيمِ صِفاتِ اللهِ، وفي الحَدِيثِ: « "ألِظُّوا بِـ (يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ)" »، ورُوِيَ أنَّهُ ﷺ «مَرَّ بِرَجُلٍ وهو يُصَلِّي، ويَقُولُ: يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، فَقالَ: "قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ" ».
الرحمن 55:28
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، والنِعْمَةُ في الفَناءِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُؤْمِنِينَ بِهِ يَصِلُونَ إلى النَعِيمِ السَرْمَدِ، وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: "حَبَّذا المَوْتُ، فَهو الَّذِي يُقَرِّبُ الحَبِيبَ إلى الحَبِيبِ ".
الرحمن 55:29
﴿يَسْألُهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾، وقَفَ عَلَيْها نافِعٌ، كُلٌّ مِن أهْلِ السَماواتِ والأرْضِ مُفْتَقِرُونَ إلَيْهِ، فَيَسْألُهُ أهْلُ السَماواتِ ما يَتَعَلَّقُ بِدِينِهِمْ، وأهْلُ الأرْضِ ما يَتَعَلَّقُ بِدِينِهِمْ، ودُنْياهُمْ، ويَنْتَصِبُ ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾، ظَرْفًا، بِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾ أيْ: "كُلَّ وقْتٍ وحِينٍ يُحْدِثُ أُمُورًا ويُجَدِّدُ أحْوالا"، كَما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ تَلاها، فَقِيلَ لَهُ: وما ذَلِكَ الشَأْنُ؟ فَقالَ: "مِن شَأْنِهِ أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، ويُفَرِّجَ كَرْبًا، ويَرْفَعَ قَوْمًا، ويَضَعَ آخَرِينَ" »، وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: "اَلدَّهْرُ عِنْدَ اللهِ يَوْمانِ، أحَدُهُما اليَوْمُ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُنْيا، فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَهْيُ والإحْياءُ والإماتَةُ والإعْطاءُ والمَنعُ، والآخَرُ يَوْمُ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ"، وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، حِينَ قالُوا: إنَّ اللهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَبْتِ شَأْنًا، وسَألَ بَعْضُ المُلُوكِ وزِيرَهُ عَنِ الآيَةِ، فاسْتَمْهَلَهُ إلى الغَدِ، وذَهَبَ كَئِيبًا يُفَكِّرُ فِيها، فَقالَ غُلامٌ لَهُ أسْوَدُ: يا مَوْلايَ أخْبِرْنِي ما أصابَكَ، لَعَلَّ اللهَ يُسَهِّلُ لَكَ عَلى يَدَيَّ، فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: أنا أُفَسِّرُها لِلْمَلِكِ، فَأعْلِمْهُ، فَقالَ: أيُّها المَلِكُ، شَأْنُ اللهِ أنَّهُ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ، ويُولِجُ النَهارَ في اللَيْلِ، ويُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ، ويَشْفِي سَقِيمًا، ويُسْقِمُ سَلِيمًا، ويَبْتَلِي مُعافًى، ويُعافِي مُبْتَلًى، ويُعِزُّ ذَلِيلًا، ويُذِلُّ عَزِيزًا، ويُفْقِرُ غَنِيًّا، ويُغْنِي فَقِيرًا، فَقالَ الأمِيرُ: أحْسَنْتَ، (p-٤١٤)وَأمَرَ الوَزِيرَ أنْ يَخْلَعَ عَلَيْهِ ثِيابَ الوِزارَةِ، فَقالَ: يا مَوْلايَ، هَذا مِن شَأْنِ اللهِ، وقِيلَ: سَوْقُ المَقادِيرِ إلى المَواقِيتِ، وقِيلَ: إنَّ عَبَدَ اللهِ بْنَ طاهِرٍ دَعا الحُسَيْنَ بْنَ الفَضْلِ، وقالَ لَهُ: أشْكَلَتْ عَلَيَّ ثَلاثُ آياتٍ، دَعَوْتُكَ لِتَكْشِفَها لِي، قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]، وقَدْ صَحَّ أنَّ النَدَمَ تَوْبَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾، وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩]، فَما بالَ الأضْعافِ؟! فَقالَ الحُسَيْنُ: يَجُوزُ ألّا يَكُونَ النَدَمُ تَوْبَةً في تِلْكَ الأُمَّةِ، وقِيلَ: إنَّ نَدَمَ قابِيلَ لَمْ يَكُنْ عَلى قَتْلِ هابِيلَ، ولَكِنْ عَلى حَمْلِهِ، وكَذا قِيلَ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩]، مَخْصُوصٌ بِقَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى - عَلَيْهِما السَلامُ -، أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾، فَإنَّها شُؤُونٌ يُبْدِيها، لا شُؤُونٌ يَبْتَدِيها، فَقامَ عَبْدُ اللهِ وقَبَّلَ رَأْسَهُ، وسَوَّغَ خَراجَهُ.
الرحمن 55:30
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨]
الرحمن 55:31
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾، مُسْتَعارٌ مِن قَوْلِ الرَجُلِ لِمَن يَتَهَدَّدُهُ: "سَأفْرُغُ لَكَ"، يُرِيدُ: سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما يَشْغَلُنِي عَنْهُ، والمُرادُ التَوَفُّرُ عَلى النِكايَةِ فِيهِ، والِانْتِقامِ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: سَتَنْتَهِي الدُنْيا، وتَبْلُغُ آخِرَها، وتَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ شُؤُونُ الخَلْقِ الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، فَلا يَبْقى إلّا شَأْنٌ واحِدٌ، وهو جَزاؤُكُمْ، فَجَعَلَ ذَلِكَ فَراَغًا لَهم عَلى طَرِيقِ المَثَلِ، "سَيَفْرُغُ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، أيْ: اَللَّهُ (تَعالى)،
﴿أيُّهَ الثَقَلانِ﴾، اَلْإنْسُ، والجِنُّ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِأنَّهُما ثَقَّلا الأرْضَ.
الرحمن 55:32
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٠]
الرحمن 55:33
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾، هو كالتَرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ: "أيُّها الثَقَلانِ"،
﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ أيْ: إنْ قَدِرْتُمْ أنْ تَخْرُجُوا مِن جَوانِبِ السَماواتِ والأرْضِ هَرَبًا مِن قَضائِي، فاخْرُجُوا، ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَنْفُذُونَ﴾، لا تَقْدِرُونَ عَلى النُفُوذِ،
﴿إلا بِسُلْطانٍ﴾، بِقُوَّةٍ، وقَهْرٍ، وغَلَبَةٍ، وأنّى لَكم ذَلِكَ؟! وقِيلَ: دَلَّهم عَلى العَجْزِ عَنْ قُوَّتِهِمْ لِلْحِسابِ غَدًا، بِالعَجْزِ عَنْ نُفُوذِ الأقْطارِ اليَوْمَ، (p-٤١٥)وَقِيلَ: يُقالُ لَهم هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، حِينَ تُحْدِقُ بِهِمُ المَلائِكَةُ، فَإذا رَآهُمُ الجِنُّ والإنْسُ هَرَبُوا، فَلا يَأْتُونَ وجْهًا إلّا وجَدُوا المَلائِكَةَ، أحاطَتْ بِهِ.
الرحمن 55:35
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ﴾، وبِكَسْرِ الشِينِ، "مَكِّيٌّ"، وكِلاهُما اللهَبُ الخالِصُ،
﴿وَنُحاسٌ﴾ أيْ: دُخانٌ، "وَنُحاسٍ"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو "، فالرَفْعُ عَطْفٌ عَلى "شُواظٌ"، والجَرُّ عَلى "نارٍ"، والمَعْنى: "إذا خَرَجْتُمْ مِن قُبُورِكم يُرْسَلُ عَلَيْكُما لَهَبٌ خاصٌّ مِن نارٍ ودُخانٌ يَسُوقُكم إلى المَحْشَرِ،
﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾، فَلا تُمْنَعانِ مِنهُما.
الرحمن 55:37
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَماءُ﴾، اِنْفَكَّ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، لِقِيامِ الساعَةِ،
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾، فَصارَتْ كَلَوْنِ الوَرْدِ الأحْمَرِ، وقِيلَ: أصْلُ لَوْنِ السَماءِ الحُمْرَةُ، ولَكِنْ مِن بُعْدِها تُرى زَرْقاءَ،
﴿كالدِهانِ﴾، كَدَهْنِ الزَيْتِ، كَما قالَ: ﴿كالمُهْلِ﴾ [الدخان: ٤٥]، وهو دُرْدِيُّ الزَيْتِ، وهو جَمْعُ "دَهْنٌ"، وقِيلَ: اَلْأدِيمُ الأحْمَرُ.
الرحمن 55:39
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: فَيَوْمَ تَنْشَقُّ السَماءُ،
﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ أيْ: ولا جِنٌّ، فَوَضَعَ الجانَّ - الَّذِي هو أبُو الجِنِّ - مَوْضِعَ الجِنِّ، كَما يُقالُ: "هاشِمٌ"، ويُرادُ ولَدُهُ، والتَقْدِيرُ: لا يُسْألُ إنْسٌ ولا جانٌّ عَنْ ذَنْبِهِ، والتَوْفِيقُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، أنَّ ذَلِكَ يَوْمٌ طَوِيلٌ، وفِيهِ مَواطِنُ، فَيُسْألُونَ في مَوْطِنٍ، ولا يُسْألُونَ في آخَرَ، وقالَ قَتادَةُ: "قَدْ كانَتْ مَسْألَةٌ، ثُمَّ خَتَمَ عَلى أفْواهِ قَوْمٍ، وتَكَلَّمَتْ أيْدِيهِمْ، وأرْجُلُهُمْ، بِما كانُوا يَعْمَلُونَ"، وقِيلَ: "لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ لِيُعْلَمَ مِن جِهَتِهِ، ولَكِنْ يُسْألُ لِلتَّوْبِيخِ.
الرحمن 55:41
﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾، بِسَوادِ وُجُوهِهِمْ، وزُرْقَةِ عُيُونِهِمْ،
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ﴾ أيْ: يُؤْخَذُ تارَةً بِالنَواصِي، وتارَةً بِالأقْدامِ.
الرحمن 55:42
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٠]
الرحمن 55:43
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾، ماءٍ حارٍّ، قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، أيْ: يُعاقَبُ عَلَيْهِمْ بَيْنَ التَصْلِيَةِ بِالنارِ وبَيْنَ شُرْبِ الحَمِيمِ.
الرحمن 55:44
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾، ماءٍ حارٍّ، قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، أيْ: يُعاقَبُ عَلَيْهِمْ بَيْنَ التَصْلِيَةِ بِالنارِ وبَيْنَ شُرْبِ الحَمِيمِ.
الرحمن 55:45
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٢]، والنِعْمَةُ في هَذا نَجاةُ الناجِي مِنهُ، بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وما في الإنْذارِ بِهِ مِنَ التَنْبِيهِ.
الرحمن 55:46
﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾، مَوْقِفَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَتْرُكُ المَعاصِي، أوْ فَأدّى الفَرائِضَ، وقِيلَ: هو مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: "وَنَفَيْتُ عَنْهُ مَقامَ الذِئْبِ"، أيْ: "وَنَفَيْتُ عَنْهُ الذِئْبَ"،
﴿جَنَّتانِ﴾، جَنَّةُ الإنْسِ، وجَنَّةُ الجِنِّ، لِأنَّ الخِطابَ لِلثَّقَلَيْنِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: "لِكُلِّ خائِفَيْنِ مِنكُما جَنَّتانِ، جَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ".
الرحمن 55:48
﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾، أغْصانٍ، جَمْعُ "فَنَنٌ"، وخَصَّ الأفْنانَ لِأنَّها هي الَّتِي تُورِقُ، وتُثْمِرُ، فَمِنها تَمْتَدُّ الظِلالُ، ومِنها تُجْتَنى الثِمارُ، أوْ "ألْوانٍ"، جَمْعُ "فَنٌّ"، أيْ: لَهُ فِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ، قالَ:
؎ ومِن كُلِّ أفْنانِ اللَذاذَةِ والصِبا... لَهَوْتُ بِهِ والعَيْشُ أخْضَرُ ناضِرُ.
الرحمن 55:50
﴿فِيهِما﴾، في الجَنَّتَيْنِ،
﴿عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾، حَيْثُ شاؤُوا، في الأعالِي والأسافِلِ، وعَنِ الحَسَنِ: "تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُلالِ، إحْداهُما التَسْنِيمُ، والأُخْرى السَلْسَبِيلُ ".
الرحمن 55:52
﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾، صِنْفانِ، صِنْفٌ مَعْرُوفٌ، وصِنْفٌ غَرِيبٌ.
الرحمن 55:53
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥١]
الرحمن 55:54
﴿مُتَّكِئِينَ﴾، نُصِبَ عَلى المَدْحِ لِلْخائِفِينَ، أوْ حالٌ مِنهُمْ، لِأنَّ "مَن خافَ"، في مَعْنى الجَمْعِ،
﴿عَلى فُرُشٍ﴾، جَمْعُ "فِراشٌ"،
﴿بَطائِنُها﴾، جَمْعُ "بِطانَةٌ"،
﴿مِن إسْتَبْرَقٍ﴾، دِيباجٍ ثَخِينٍ، وهو مُعَرَّبٌ، قِيلَ: "ظَهائِرُها مِن سُنْدُسٍ"، وقِيلَ: لا يَعْلَمُها إلّا اللهُ،
﴿وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾، وثَمَرُها قَرِيبٌ، يَنالُهُ القائِمُ والقاعِدُ والمُتَّكِئُ.
الرحمن 55:56
﴿فِيهِنَّ﴾، في الجَنَّتَيْنِ، لِاشْتِمالِهِما عَلى أماكِنَ وقُصُورٍ ومَجالِسَ، أوْ في هَذِهِ الآلاءِ المَعْدُودَةِ، مِنَ الجَنَّتَيْنِ، والعَيْنَيْنِ، والفاكِهَةِ، والفُرُشِ، والجَنى،
﴿قاصِراتُ الطَرْفِ﴾، نِساءٌ قَصَرْنَ أبْصارَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ،
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾، بِكَسْرِ المِيمِ: " اَلدُّورِيُّ "، و" عَلِيٌّ ": بِضَمِّ المِيمِ، و"اَلطَّمْثُ": اَلْجِماعُ بِالتَدْمِيَةِ،
﴿إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنَّ يَطْمِثُونَ كَما يَطْمِثُ الإنْسُ.
الرحمن 55:58
﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ﴾، صَفاءً،
﴿والمَرْجانُ﴾، بَياضًا، فَهو أبْيَضُ مِنَ اللُؤْلُؤِ.
الرحمن 55:60
﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾، في العَمَلِ،
﴿إلا الإحْسانُ﴾، في الثَوابِ، وقِيلَ: ما جَزاءُ مَن قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، إلّا الجَنَّةُ؟! وعَنْ إبْراهِيمَ الخَواصِّ فِيهِ: "هَلْ جَزاءُ الإسْلامِ إلّا دارُ السَلامِ؟!".
الرحمن 55:62
﴿وَمِن دُونِهِما﴾، ومِن دُونِ تَيْنِكَ الجَنَّتَيْنِ المَوْعُودَتَيْنِ لِلْمُقَرَّبِينَ،
﴿جَنَّتانِ﴾، لِمَن دُونُهم مِنَ أصْحابِ اليَمِينِ.
الرحمن 55:64
﴿مُدْهامَّتانِ﴾، سَوْداوانِ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ، قالَ الخَلِيلُ: "اَلدُّهْمَةُ": اَلسَّوادُ.
الرحمن 55:66
﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾، فَوّارَتانِ بِالماءِ، لا تَنْقَطِعانِ.
الرحمن 55:67
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٦٩]
الرحمن 55:68
﴿فِيهِما فاكِهَةٌ﴾، ألْوانُ الفَواكِهِ،
﴿وَنَخْلٌ ورُمّانٌ﴾، والرُمّانُ والتَمْرُ لَيْسا مِنَ الفَواكِهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ - لِلْعَطْفِ، ولِأنَّ التَمْرَ فاكِهَةٌ وغِذاءٌ، والرُمّانَ فاكِهَةٌ ودَواءٌ، فَلَمْ يَخْلُصا لِلتَّفَكُّهِ، وهُما - قالا - إنَّما عُطِفا عَلى الفاكِهَةِ لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما جِنْسانِ آخَرانِ، لِما لَهُما مِنَ المَزِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]
الرحمن 55:69
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧١]
الرحمن 55:70
﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ أيْ: "خَيِّراتٌ"، فَخُفِّفَتْ، وقُرِئَ: "خَيِّراتٌ"، عَلى الأصْلِ، والمَعْنى: فاضِلاتُ الأخْلاقِ، حِسانُ (p-٤١٨)الخَلْقِ.
الرحمن 55:71
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٣]
الرحمن 55:72
﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ أيْ: مُخَدِّراتٌ، يُقالُ: "اِمْرَأةٌ قَصِيرَةٌ، ومَقْصُورَةٌ"، أيْ: مُخَدِّرَةٌ، وقِيلَ: اَلْخِيامُ مِنَ الدُرِّ المُجَوَّفِ.
الرحمن 55:73
.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٥]
الرحمن 55:74
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾، قَبْلَ أصْحابِ الجَنَّتَيْنِ، ودَلَّ عَلَيْهِمْ ذِكْرُ الجَنَّتَيْنِ،
﴿وَلا جانٌّ﴾
الرحمن 55:76
﴿مُتَّكِئِينَ﴾، نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ،
﴿عَلى رَفْرَفٍ﴾، هو كُلُّ ثَوْبٍ عَرِيضٍ، وقِيلَ: اَلْوَسائِدُ،
﴿خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾، دِيباجٍ، أوْ طَنافِسَ.
الرحمن 55:77
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، وإنَّما تَقاصَرَتْ صِفاتُ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ عَنِ الأُولَيَيْنِ، حَتّى قِيلَ: "وَمِن دُونِهِما"، لِأنَّ "مُدْهامَّتانِ"، دُونَ "ذَواتا أفْنانٍ"، و"نَضّاخَتانِ"، دُونَ "تَجْرِيانِ"، و"فاكِهَةٌ"، دُونَ "كُلِّ فاكِهَةٍ"، وكَذَلِكَ صِفَةُ الحُورِ والمُتَّكَأِ.
الرحمن 55:78
﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ﴾، ذِي العَظَمَةِ، "ذُو الجَلالِ"، "شامِيٌّ"، صِفَةٌ لِلِاسْمِ،
﴿والإكْرامِ﴾، لِأوْلِيائِهِ بِالإنْعامِ.
رَوى جابِرٌ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قَرَأ سُورَةَ "اَلرَّحْمَنِ"، فَقالَ: "ما لِي أراكم سُكُوتًا؟! اَلْجِنُّ كانُوا أحْسَنَ مِنكم رَدًّا، ما أتَيْتُ عَلى قَوْلِ اللهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧]، إلّا قالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ، ولَكَ الشُكْرُ"، » وكُرِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُورَةِ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً، ذَكَرَ ثَمانِيَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها تَعْدادُ عَجائِبِ خَلْقِ اللهِ، وبَدائِعِ صُنْعِهِ، ومَبْدَإ الخَلْقِ، ومَعادِهِمْ، ثُمَّ سَبْعَةً مِنها عَقِبَ آياتٍ فِيها ذِكْرُ النارِ وشَدائِدِها، عَلى عَدَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ، وبَعْدَ هَذِهِ السَبْعَةِ ثَمانِيَةً في وصْفِ الجَنَّتَيْنِ، وأهْلِهِما، عَلى عَدَدِ أبْوابِ الجَنَّةِ، وثَمانِيَةً أُخْرى بَعْدَها لِلْجَنَّتَيْنِ اللَتَيْنِ دُونَهُما، فَمَنِ اعْتَقَدَ الثَمانِيَةَ الأُولى، وعَمِلَ بِمُوجِبِها، فُتِّحَتْ لَهُ أبْوابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ عَنْهُ أبْوابُ جَهَنَّمَ.
الواقعة 56:1
(p-٤١٩)سُورَةَ "اَلْواقِعَةِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، قامَتِ القِيامَةُ، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِالوُقُوعِ لِأنَّها تَقَعُ لا مَحالَةَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: "إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ الَّتِي لا بُدَّ مِن وُقُوعِها"، و"وُقُوعُ الأمْرِ": نُزُولُهُ، يُقالُ: "وَقَعَ ما كُنْتُ أتَوَقَّعُهُ"، أيْ: نَزَلَ ما كُنْتُ أتَرَقَّبُ نُزُولَهُ، وانْتِصابُ "إذا"، بِإضْمارِ "اُذْكُرْ".
الواقعة 56:2
﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾، نَفْسٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا تَكُونُ حِينَ تَقَعُ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللهِ، وتَكْذِبُ في تَكْذِيبِ الغَيْبِ، لِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ حِينَئِذٍ مُؤْمِنَةٌ صادِقَةٌ مُصَدِّقَةٌ، وأكْثَرُ النُفُوسِ اليَوْمَ كَواذِبُ مُكَذِّباتٌ، واللامُ مِثْلُها في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤]
الواقعة 56:3
﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، تَرْفَعُ أقْوامًا، وتَضَعُ آخَرِينَ.
الواقعة 56:4
﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾، حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا شَدِيدًا، حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ شَيْءٍ فَوْقَها، مِن جَبَلٍ، وبِناءٍ، وهو بَدَلٌ مِن "إذا وقَعَتْ"، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِـ "خافِضَةٌ رافِعَةٌ"، أيْ: تَخْفِضُ، وتَرْفَعُ، وقْتَ رَجِّ الأرْضِ، وبَسِّ الجِبالِ.
الواقعة 56:5
(p-٤٢٠)﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، وفُتِلَتْ حَتّى تَعُودَ كالسَوِيقِ، أوْ سِيقَتْ، مِن "بَسَّ الغَنَمَ"، إذا ساقَها، كَقَوْلِهِ: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [النبإ: ٢٠]
الواقعة 56:6
﴿فَكانَتْ هَباءً﴾، غُبارًا،
﴿مُنْبَثًّا﴾، مُتَفَرِّقًا.
الواقعة 56:7
﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا﴾، أصْنافًا، يُقالُ لِلْأصْنافِ الَّتِي بَعْضُها مِن بَعْضٍ، أوْ يُذْكَرُ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ: "أزْواجٌ"،
﴿ثَلاثَةً﴾، صِنْفانِ في الجَنَّةِ، وصِنْفٌ في النارِ، ثُمَّ فَسَّرَ الأزْواجَ، فَقالَ:
الواقعة 56:8
﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، مُبْتَدَأٌ، وهُمُ الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ،
﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهُما خَبَرُ المُبْتَدَإ الأوَّلِ، وهو تَعَجُّبٌ مِن حالِهِمْ في السَعادَةِ، وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: "ما هُمْ؟! وأيُّ شَيْءٍ هُمْ؟!".
الواقعة 56:9
﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيْ: اَلَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِشَمائِلِهِمْ، أوْ "أصْحابُ المَنزِلَةِ السَنِيَّةِ، وأصْحابُ المَنزِلَةِ الدَنِيَّةِ الخَسِيسَةِ"، مِن قَوْلِكَ: "فُلانٌ مِنِّي بِاليَمِينِ، وفُلانٌ مِنِّي بِالشِمالِ"، إذا وصَفْتَهُما بِالرِفْعَةِ عِنْدَكَ، والضَعَةِ، وذَلِكَ لِتَيَمُّنِهِمْ بِالمَيامِنِ، وتَشاؤُمِهِمْ بِالشَمائِلِ، وقِيلَ: يُؤْخَذُ بِأهْلِ الجَنَّةِ ذاتَ اليَمِينِ، وبِأهْلِ النارِ ذاتَ الشِمالِ،
﴿ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هُمْ؟! وهو تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بِالشَقاءِ.
الواقعة 56:10
﴿والسابِقُونَ﴾، مُبْتَدَأٌ،
﴿السابِقُونَ﴾، خَبَرُهُ، تَقْدِيرُهُ: "اَلسّابِقُونَ إلى الخَيْراتِ، السابِقُونَ إلى الجَنّاتِ"، وقِيلَ: اَلثّانِي تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ، والخَبَرُ:
الواقعة 56:11
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾، والأوَّلُ أوْجَهُ.
الواقعة 56:12
﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ أيْ: هم في جَنّاتِ النَعِيمِ.
الواقعة 56:13
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ: هم ثُلَّةٌ، و"اَلثُّلَّةُ": اَلْأُمَّةُ مِنَ الناسِ، الكَثِيرَةُ، والمَعْنى أنَّ السابِقِينَ كَثِيرٌ مِنَ الأوَّلِينَ، وهُمُ الأُمَمُ (p-٤٢١)مِن لَدُنْ آدَمَ، إلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما السَلامُ -، "وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ"، هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قِيلَ: مِنَ الأوَّلِينَ مِن مُتَقَدِّمِي هَذِهِ الأُمَّةِ، و"مِنَ الآخِرِينَ"، مِن مُتَأخِّرِيها، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: "اَلثُّلَّتانِ جَمِيعًا مِن أُمَّتِي".
الواقعة 56:14
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ: هم ثُلَّةٌ، و"اَلثُّلَّةُ": اَلْأُمَّةُ مِنَ الناسِ، الكَثِيرَةُ، والمَعْنى أنَّ السابِقِينَ كَثِيرٌ مِنَ الأوَّلِينَ، وهُمُ الأُمَمُ (p-٤٢١)مِن لَدُنْ آدَمَ، إلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما السَلامُ -، "وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ"، هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قِيلَ: مِنَ الأوَّلِينَ مِن مُتَقَدِّمِي هَذِهِ الأُمَّةِ، و"مِنَ الآخِرِينَ"، مِن مُتَأخِّرِيها، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: "اَلثُّلَّتانِ جَمِيعًا مِن أُمَّتِي".
الواقعة 56:15
﴿عَلى سُرُرٍ﴾، جَمْعُ "سَرِيرٌ"، كَـ "كَثِيبٌ"، و"كُثُبٌ"،
﴿مَوْضُونَةٍ﴾، مَرْمُولَةٍ، مَنسُوجَةٍ بِالذَهَبِ، مُشَبَّكَةٍ بِالدُرِّ، والياقُوتِ.
الواقعة 56:16
﴿مُتَّكِئِينَ﴾، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "عَلى"، وهو العامِلُ فِيها، أيْ: "اِسْتَقَرُّوا عَلَيْها مُتَّكِئِينَ"،
﴿عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾، يَنْظُرُ بَعْضُهم في وُجُوهِ بَعْضٍ، ولا يَنْظُرُ بَعْضُهم في أقْفاءِ بَعْضٍ، وُصِفُوا بِحُسْنِ العِشْرَةِ، وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ، وصَفاءِ المَوَدَّةِ، و"مُتَقابِلِينَ"، حالٌ أيْضًا.
الواقعة 56:17
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾، يَخْدِمُهُمْ،
﴿وِلْدانٌ﴾، غِلْمانٌ، جَمْعُ "وَلِيدٌ"،
﴿مُخَلَّدُونَ﴾، مُبْقَوْنَ أبَدًا عَلى شَكْلِ الوِلْدانِ، لا يَتَحَوَّلُونَ عَنْهُ، وقِيلَ: مُقَرَّطُونَ، و"اَلْخِلْدَةُ": اَلْقُرْطُ، قِيلَ: هم أوْلادُ أهْلِ الدُنْيا، لَمْ تَكُنْ لَهم حَسَناتٌ فَيُثابُوا عَلَيْها، ولا سِيِّئاتٌ فَيُعاقَبُوا عَلَيْها، وفي الحَدِيثِ: " «أوْلادُ الكُفّارِ خُدّامُ أهْلِ الجَنَّةِ » ".
الواقعة 56:18
﴿بِأكْوابٍ﴾، جَمْعُ "كُوبٌ"، وهي آنِيَةٌ لا عُرْوَةَ لَها، ولا خُرْطُومَ،
﴿وَأبارِيقَ﴾، جَمْعُ "إبْرِيقٌ"، وهو ما لَهُ خُرْطُومٌ، وعُرْوَةٌ،
﴿وَكَأْسٍ﴾، وقَدَحٍ فِيهِ شَرابٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرابٌ فَلَيْسَ بِكَأْسٍ،
﴿مِن مَعِينٍ﴾، مِن خَمْرٍ تَجْرِي مِنَ العُيُونِ.
الواقعة 56:19
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ: بِسَبَبِها، وحَقِيقَتُهُ: "لا يَصْدُرُ صُداعُهم عَنْها"، أوْ: "لا يُفَرَّقُونَ عَنْها"، "وَلا يُنْزَفُونَ"، ولا يَسْكَرُونَ، "نُزِفَ الرَجُلُ"، ذَهَبَ عَقْلُهُ بِالسُكْرِ، "وَلا يُنْزِفُونَ"، بِكَسْرِ الزايِ، "كُوفِيٌّ"، أيْ: لا يَنْفَدُ شَرابُهُمْ، يُقالُ: "أُنْزِفَ القَوْمُ"، إذا فَنِيَ شَرابُهم.
الواقعة 56:20
(p-٤٢٢)﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾، يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ، وأفْضَلَهُ.
الواقعة 56:21
﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾، يَتَمَنَّوْنَ.
الواقعة 56:22
﴿وَحُورٌ﴾، جَمْعُ "حَوْراءُ"،
﴿عِينٌ﴾، جَمْعُ "عَيْناءُ"، أيْ: وفِيها حُورٌ عِينٌ، أوْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "وِلْدانٌ"، "وَحُورٍ"، "يَزِيدُ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، عَطْفًا عَلى "جَنّاتِ النَعِيمِ"، كَأنَّهُ قالَ: "هم في جَنّاتِ النَعِيمِ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ".
الواقعة 56:23
﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ﴾، في الصَفاءِ، والنَقاءِ،
﴿المَكْنُونِ﴾، اَلْمَصُونِ، قالَ الزَجّاجُ: كَأمْثالِ الدُرِّ حِينَ يَخْرُجُ مِن صَدَفِهِ، لَمْ يُغَيِّرْهُ الزَمانُ، واخْتِلافُ أحْوالِ الِاسْتِعْمالِ.
الواقعة 56:24
﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، "جَزاءً"، مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: يُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلُّهُ لِجَزاءِ أعْمالِهِمْ، أوْ مَصْدَرٌ، أيْ: يُجْزَوْنَ جَزاءً.
الواقعة 56:25
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها﴾، في الجَنَّةِ،
﴿لَغْوًا﴾، باطِلًا،
﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾، هَذَيانًا.
الواقعة 56:26
﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾، إلّا قَوْلًا ذا سَلامَةٍ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا"، بَدَلٌ مِن "قِيلًا"، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ "قِيلًا"، أيْ: "لا يَسْمَعُونَ فِيها إلّا أنْ يَقُولُوا: سَلامًا سَلامًا"، والمَعْنى أنَّهم يُفْشُونَ السَلامَ بَيْنَهُمْ، فَيُسَلِّمُونَ سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ.
الواقعة 56:28
﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾، "اَلسِّدْرُ": شَجَرُ النَبْقِ، و"اَلْمَخْضُودُ": اَلَّذِي لا شَوْكَ لَهُ، كَأنَّما خُضِّدَ شَوْكُهُ.
الواقعة 56:29
﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾، "اَلطَّلْحُ": شَجَرُ المَوْزِ، و"اَلْمَنضُودُ": اَلَّذِي نُضِّدَ بِالحَمْلِ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ساقٌ بارِزَةٌ.
الواقعة 56:30
﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، مُمْتَدٍّ، مُنْبَسِطٍ، كَظِلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَمْسِ،
الواقعة 56:31
(p-٤٢٣)﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، جارٍ، بِلا حَدٍّ، ولا خَدٍّ، أيْ: تَجْرِي عَلى الأرْضِ في غَيْرِ أُخْدُودٍ.
الواقعة 56:32
﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أيْ: كَثِيرَةِ الأجْناسِ.
الواقعة 56:33
﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾، لا تَنْقَطِعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كَفَواكِهِ الدُنْيا، بَلْ هي دائِمَةٌ،
﴿وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾، لا تُمْنَعُ عَنْ مُتَناوِلِها بِوَجْهٍ، وقِيلَ: لا مَقْطُوعَةٍ بِالأزْمانِ، ولا مَمْنُوعَةٍ بِالأثْمانِ.
الواقعة 56:34
﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾، رَفِيعَةِ القَدْرِ، أوْ نُضِّدَتْ حَتّى ارْتَفَعَتْ، أوْ مَرْفُوعَةٍ عَلى الأسِرَّةِ، وقِيلَ: هي النِساءُ، لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ، مَرْفُوعَةٍ عَلى الأرائِكِ، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:
الواقعة 56:35
﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، اِبْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً، مِن غَيْرِ وِلادَةٍ، فَإمّا أنْ يُرادَ اللاتِي ابْتُدِئَ إنْشاؤُهُنَّ، أوِ اللاتِي أُعِيدَ إنْشاؤُهُنَّ، وعَلى غَيْرِ هَذا التَأْوِيلِ أُضْمِرَ لَهُنَّ، لِأنَّ ذِكْرَ الفُرُشِ - وهي المَضاجِعُ - دَلَّ عَلَيْهِنَّ.
الواقعة 56:36
﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، عَذارى، كُلَّما أتاهُنَّ أزْواجُهُنَّ وجَدُوهُنَّ أبْكارًا.
الواقعة 56:37
﴿عُرُبًا﴾، " حَمْزَةُ وخَلَفٌ ويَحْيى وحَمّادٌ "، جَمْعُ "عَرُوبٌ"، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها، الحَسَنَةُ التَبَعُّلِ،
﴿أتْرابًا﴾، مُسْتَوِياتٍ في السِنِّ، بَناتِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ، وأزْواجُهُنَّ كَذَلِكَ، واللامُ في.
الواقعة 56:38
﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾، مِن صِلَةِ "أنْشَأْنا".
الواقعة 56:39
﴿ثُلَّةٌ﴾ أيْ: أصْحابُ اليَمِينِ ثُلَّةٌ،
﴿مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قالَ قَبْلَ هَذا: "وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ"، ثُمَّ قالَ هُنا: " ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "، قُلْتُ: ذاكَ في السابِقِينَ، وهَذا في أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم يَتَكاثَرُونَ مِنَ الأوَّلِينَ، والآخِرِينَ، جَمِيعًا، وعَنِ الحَسَنِ: "سابِقُو الأُمَمِ أكْثَرُ مِن سابِقِي أُمَّتِنا، وتابِعُو الأُمَمِ مِثْلُ تابِعِي هَذِهِ الأُمَّةِ".
الواقعة 56:40
﴿ثُلَّةٌ﴾ أيْ: أصْحابُ اليَمِينِ ثُلَّةٌ،
﴿مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قالَ قَبْلَ هَذا: "وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ"، ثُمَّ قالَ هُنا: " ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ "، قُلْتُ: ذاكَ في السابِقِينَ، وهَذا في أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم يَتَكاثَرُونَ مِنَ الأوَّلِينَ، والآخِرِينَ، جَمِيعًا، وعَنِ الحَسَنِ: "سابِقُو الأُمَمِ أكْثَرُ مِن سابِقِي أُمَّتِنا، وتابِعُو الأُمَمِ مِثْلُ تابِعِي هَذِهِ الأُمَّةِ".
الواقعة 56:41
﴿وَأصْحابُ الشِمالِ ما أصْحابُ الشِمالِ﴾، "اَلشِّمالُ"، و"اَلْمَشْأمَةُ"، واحِدَةٌ.
الواقعة 56:42
(p-٤٢٤)﴿فِي سَمُومٍ﴾، في حَرِّ نارٍ يَنْفُذُ في المَسامِّ،
﴿وَحَمِيمٍ﴾، وماءٍ حارٍّ، مُتَناهِي الحَرارَةِ.
الواقعة 56:43
﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، مِن دُخانٍ أسْوَدَ.
الواقعة 56:44
.
﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾، نَفْيٌ لِصِفَتَيِ الظِلِّ عَنْهُ، يُرِيدُ أنَّهُ ظِلٌّ ولَكِنْ لا كَسائِرِ الظِلالِ، سَمّاهُ "ظِلًّا"، ثُمَّ نَفى عَنْهُ بَرْدَ الظِلِّ، ورُوحَهُ ونَفْعَهُ مَن يَأْوِي إلَيْهِ مِن أذى الحَرِّ، وذَلِكَ كَرَمُهُ، لِيَمْحَقَ ما في مَدْلُولِ الظِلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّهُ ظِلٌّ حارٌّ ضارٌّ.
الواقعة 56:45
﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أيْ: في الدُنْيا،
﴿مُتْرَفِينَ﴾، مُنَعَّمِينَ، فَمَنَعَهم ذَلِكَ مِنَ الِانْزِجارِ، وشَغَلَهم عَنْ الِاعْتِبارِ.
الواقعة 56:46
﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ﴾، يُداوِمُونَ،
﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ أيْ: عَلى الذَنْبِ العَظِيمِ، أوْ عَلى الشِرْكِ، لِأنَّهُ نَقْضُ عَهْدِ المِيثاقِ، و"اَلْحِنْثُ": نَقْضُ العَهْدِ المُؤَكَّدِ بِاليَمِينِ، أوِ الكُفْرُ بِالبَعْثِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]
الواقعة 56:47
﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، تَقْدِيرُهُ: "أنُبْعَثُ إذا مِتْنا، وهو العامِلُ في الظَرْفِ، وجازَ حَذْفُهُ، إذْ "مَبْعُوثُونَ"، يَدُلُّ عَلَيْهِ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ "مَبْعُوثُونَ"، لِأنَّ "إنَّ"، والِاسْتِفْهامَ، يَمْنَعانِ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُما فِيما قَبْلَهُما.
الواقعة 56:48
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾، دَخَلَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، وحَسُنَ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ في "لَمَبْعُوثُونَ"، مِن غَيْرِ تَوْكِيدٍ بِـ "نَحْنُ"، لِلْفاصِلِ الَّذِي هو الهَمْزَةُ، كَما حَسُنَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، لِفَصْلِ "لا"، اَلْمُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ، "أوْ آباؤُنا"، "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ".
الواقعة 56:49
﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، إلى ما وُقِّتَ (p-٤٢٥)بِهِ الدُنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى "مِن"، كَـ "خاتَمُ فِضَّةٍ"، و"اَلْمِيقاتُ": ما وُقِّتَ بِهِ الشَيْءُ، أيْ: حُدَّ، ومِنهُ "مَواقِيتُ الإحْرامِ"، وهي الحُدُودُ الَّتِي لا يُجاوِزُها مَن يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ إلّا مُحْرِمًا.
الواقعة 56:50
﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، إلى ما وُقِّتَ (p-٤٢٥)بِهِ الدُنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى "مِن"، كَـ "خاتَمُ فِضَّةٍ"، و"اَلْمِيقاتُ": ما وُقِّتَ بِهِ الشَيْءُ، أيْ: حُدَّ، ومِنهُ "مَواقِيتُ الإحْرامِ"، وهي الحُدُودُ الَّتِي لا يُجاوِزُها مَن يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ إلّا مُحْرِمًا.
الواقعة 56:51
﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ﴾، عَنِ الهُدى،
﴿المُكَذِّبُونَ﴾، بِالبَعْثِ، وهم أهْلُ مَكَّةَ، ومَن في مِثْلِ حالِهِمْ.
الواقعة 56:52
﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ﴾، "مِن"، لِابْتِداءِ الغايَةِ،
﴿مِن زَقُّومٍ﴾، "مِن"، لِبَيانِ الشَجَرِ.
الواقعة 56:53
﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾، أنَّثَ ضَمِيرَ الشَجَرِ عَلى المَعْنى، وذَكَّرَهُ عَلى اللَفْظِ، في "مِنها"، و"عَلَيْهِ".
الواقعة 56:54
﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾، أنَّثَ ضَمِيرَ الشَجَرِ عَلى المَعْنى، وذَكَّرَهُ عَلى اللَفْظِ، في "مِنها"، و"عَلَيْهِ".
الواقعة 56:55
﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ﴾، بِضَمِّ الشِينِ، "مَدَنِيٌّ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وسَهْلٌ "، وبِفَتْحِ الشِينِ غَيْرُهُمْ، وهُما مَصْدَرانِ،
﴿الهِيمِ﴾، هي إبِلٌ عِطاشٌ لا تَرْوى، جَمْعُ "أهْيَمُ"، و"هَيْماءُ"، والمَعْنى أنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَقُّومِ، الَّذِي هو كالمُهْلِ، فَإذا مَلَؤُوا مِنهُ البُطُونَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ، الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهُمْ، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الهِيمِ، وإنَّما صَحَّ عَطْفُ الشارِبِينَ عَلى الشارِبِينَ، وهُما لِذَواتٍ مُتَّفِقَةٍ، وصِفَتانِ مُتَّفِقَتانِ، لِأنَّ كَوْنَهم شارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن تَناهِي الحَرارَةِ، وقَطْعِ الأمْعاءِ، أمْرٌ عَجِيبٌ، وشُرْبُهم لَهُ عَلى ذَلِكَ كَما يَشْرَبُ الهِيمُ الماءَ أمْرٌ عَجِيبٌ أيْضًا، فَكانَتا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
الواقعة 56:56
﴿هَذا نُـزُلُهُمْ﴾، هو الرِزْقُ الَّذِي يُعَدُّ لِلنّازِلِ تَكْرِمَةً لَهُ،
﴿يَوْمَ الدِينِ﴾، يَوْمَ الجَزاءِ.
الواقعة 56:57
﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا﴾، فَهَلّا،
﴿تُصَدِّقُونَ﴾، تَحْضِيضٌ عَلى التَصْدِيقِ، إمّا بِالخَلْقِ، لِأنَّهم - وإنْ كانُوا مُصَدِّقِينَ بِهِ - إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَذْهَبُهم خِلافَ ما يَقْتَضِيهِ التَصْدِيقُ، فَكَأنَّهم مُكَذِّبُونَ بِهِ، وإمّا بِالبَعْثِ، لِأنَّ مَن خَلَقَ أوَّلًا، لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ أنْ يَخْلُقَ ثانِيًا.
الواقعة 56:58
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، ما تُمْنُونَهُ، أيْ: تَقْذِفُونَهُ في الأرْحامِ، مِنَ النُطَفِ.
الواقعة 56:59
(p-٤٢٦)﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾، تُقَدِّرُونَهُ، وتُصَوِّرُونَهُ، وتَجْعَلُونَهُ بَشَرًا سَوِيًّا،
﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾
الواقعة 56:60
﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾، تَقْدِيرًا، وقَسَّمْناهُ عَلَيْكم قِسْمَةَ الأرْزاقِ، عَلى اخْتِلافٍ وتَفاوُتٍ، كَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُنا، فاخْتَلَفَتْ أعْمارُكُمْ، مِن قَصِيرٍ، وطَوِيلٍ، ومُتَوَسِّطٍ، "قَدَرْنا"، بِالتَخْفِيفِ، "مَكِّيٌّ"، "سَبَقْتُهُ بِالشَيْءِ"، إذا أعْجَزْتُهُ عَنْهُ، وغَلَبْتُهُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ:
الواقعة 56:61
﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ إنّا قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا تَغْلِبُونَنا عَلَيْهِ، و"أمْثالَكُمْ"، جَمْعُ "مِثْلٌ"، أيْ: عَلى أنْ نُبَدِّلَ مِنكُمْ، ومَكانَكُمْ، أشْباهَكم مِنَ الخَلْقِ،
﴿وَنُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾، وعَلى أنْ نُنْشِئَكم في خَلْقٍ لا تَعْلَمُونَها، وما عَهِدْتُمْ بِمِثْلِها، يَعْنِي: إنّا نَقْدِرُ عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، عَلى خَلْقِ ما يُماثِلُكُمْ، وما لا يُماثِلُكُمْ، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ إعادَتِكُمْ؟! ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أمْثالَكُمْ"، جَمْعَ "مَثَلٌ"، أيْ: عَلى أنْ نُبَدِّلَ ونُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها في خَلْقِكُمْ، وأخْلاقِكُمْ، ونُنْشِئَكم في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها.
الواقعة 56:62
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى﴾، "اَلنَّشاءَةَ"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو "،
﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾، أنَّ مَن قَدَرَ عَلى شَيْءٍ مَرَّةً، لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ ثانِيًا، وفِيهِ دَلِيلُ صِحَّةِ القِياسِ، حَيْثُ جَهَّلَهم في تَرْكِ قِياسِ النَشْأةِ الأُخْرى عَلى الأُولى.
الواقعة 56:63
﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾، ما تَحْرُثُونَهُ مِنَ الطَعامِ، أيْ: تُثِيرُونَ الأرْضَ، وتُلْقُونَ فِيها البَذْرَ.
الواقعة 56:64
﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾، تُنْبِتُونَهُ، وتَرُدُّونَهُ نَباتًا،
﴿أمْ نَحْنُ الزارِعُونَ﴾، اَلْمُنْبِتُونَ، وفي الحَدِيثِ: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: زَرَعْتُ، ولَيَقُلْ: حَرَثْتُ".
الواقعة 56:65
(p-٤٢٧)﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾، هَشِيمًا، مُتَكَسِّرًا، قَبْلَ إدْراكِهِ،
﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾، تَعْجَبُونَ، أوْ تَنْدَمُونَ عَلى تَعَبِكم فِيهِ، وإنْفاقِكم عَلَيْهِ، أوْ عَلى ما اقْتَرَفْتُمْ مِنَ المَعاصِي الَّتِي أُصِبْتُمْ بِذَلِكَ مِن أجْلِها.
الواقعة 56:66
﴿إنّا﴾ أيْ: تَقُولُونَ: إنّا، "أإنا"، " أبُو بَكْرٍ "،
﴿لَمُغْرَمُونَ﴾، لَمُلْزَمُونَ غَرامَةَ ما أنْفَقْنا، أوْ مُهْلَكُونَ لِهَلاكِ رِزْقِنا، مِن "اَلْغَرامُ"، وهو الهَلاكُ.
الواقعة 56:67
﴿بَلْ نَحْنُ﴾، قَوْمٌ،
﴿مَحْرُومُونَ﴾، مُحارَفُونَ، مَحْدُودُونَ، لا مَجْدُودُونَ، لا حَظَّ لَنا، ولا بَخْتَ لَنا، ولَوْ كُنّا مَجْدُودِينَ لَما جَرى عَلَيْنا هَذا.
الواقعة 56:68
﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ أيْ: اَلْماءَ العَذْبَ، الصالِحَ لِلشُّرْبِ.
الواقعة 56:69
﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾، اَلسَّحابِ الأبْيَضِ، وهو أعْذَبُ ماءٍ،
﴿أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾، بِقُدْرَتِنا.
الواقعة 56:70
﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾، مِلْحًا، أوْ مُرًّا، لا يُقْدَرُ عَلى شُرْبِهِ،
﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾، فَهَلّا تَشْكُرُونَ؟ ودَخَلَتِ اللامُ عَلى جَوابِ "لَوْ"، في قَوْلِهِ: "لَجَلَعْناهُ حُطامًا"، ونُزِعَتِ مِنهُ هُنا، لِأنَّ "لَوْ"، لَمّا كانَتْ داخِلَةً عَلى جُمْلَتَيْنِ، مُعَلَّقَةٍ ثانِيَتُهُما بِالأُولى تَعَلُّقَ الجَزاءِ بِالشَرْطِ، ولَمْ تَكُنْ مُخْلَصَةً لِلشَّرْطِ، كَـ "إنْ"، ولا عامِلَةً مِثْلَها، وإنَّما سَرى فِيهِ مَعْنى الشَرْطِ اتِّفاقًا، مِن حَيْثُ إفادَتُها في مَضْمُونَيْ جُمْلَتَيْها، أنَّ الثانِي امْتَنَعَ لِامْتِناعِ الأوَّلِ، افْتَقَرَتْ في جَوابِها إلى ما يَنْصِبُ عَلَمًا عَلى هَذا التَعَلُّقِ، فَزِيدَتْ هَذِهِ اللامُ، لِتَكُونَ عَلَمًا عَلى ذَلِكَ، ولَمّا شُهِرَ مَوْقِعُهُ لَمْ يُبالَ بِإسْقاطِهِ عَنِ اللَفْظِ، لِعِلْمِ كُلِّ أحَدٍ بِهِ، وتَساوِي حالَيْ حَذْفِهِ، وإثْباتِهِ، عَلى أنَّ تَقَدُّمَ ذِكْرِها - والمَسافَةُ قَصِيرَةٌ - مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِها ثانِيَةً، ولِأنَّ هَذِهِ اللامَ تُفِيدُ مَعْنى التَأْكِيدِ، لا مَحالَةَ، فَأُدْخِلَتْ في آيَةِ المَطْعُومِ، دُونَ آيَةِ المَشْرُوبِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أمْرَ المَطْعُومِ مُقَدَّمٌ عَلى أمْرِ المَشْرُوبِ، وأنَّ الوَعِيدَ بِفَقْدِهِ أشَدُّ وأصْعَبُ، مِن قِبَلِ أنَّ المَشْرُوبَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ تَبَعًا لِلْمَطْعُومِ، ولِهَذا قُدِّمَتْ آيَةُ المَطْعُومِ عَلى آيَةِ المَشْرُوبِ.
الواقعة 56:71
(p-٤٢٨)﴿أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ﴾، تَقْدَحُونَها، وتَسْتَخْرِجُونَها مِنَ الزِنادِ، والعَرَبُ تَقْدَحُ بِعُودَيْنِ، تَحُكُّ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، ويُسَمُّونَ الأعْلى: "اَلزَّنْدَ"، والأسْفَلَ: "اَلزَّنْدَةَ"، شَبَّهُوهُما بِالفَحْلِ، والطَرُوقَةِ.
الواقعة 56:72
﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾، اَلَّتِي مِنها الزِنادُ،
﴿أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾، اَلْخالِقُونَ لَها ابْتِداءً.
الواقعة 56:73
﴿نَحْنُ جَعَلْناها﴾ أيْ: اَلنّارَ،
﴿تَذْكِرَةً﴾، تَذْكِيرًا لِنارِ جَهَنَّمَ، حَيْثُ عَلَّقْنا بِها أسْبابَ المَعاشِ، وعَمَّمْنا بِالحاجَةِ إلَيْها البَلْوى، لِتَكُونَ حاضِرَةً لِلنّاسِ، يَنْظُرُونَ إلَيْها، ويَذْكُرُونَ ما أُوعِدُوا بِهِ،
﴿وَمَتاعًا﴾، ومَنفَعَةً،
﴿لِلْمُقْوِينَ﴾، لِلْمُسافِرِينَ، النازِلِينَ في القَواءِ، وهي القَفْرُ، أوِ الَّذِينَ خَلَتْ بُطُونُهُمْ، أوْ مَزاوِدُهم مِنَ الطَعامِ، مِن قَوْلِهِمْ: "أقْوَتِ الدارُ"، إذا خَلَتْ مِن ساكِنِيها، بَدَأ بِذِكْرِ خَلْقِ الإنْسانِ، فَقالَ: " ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] "، لِأنَّ النِعْمَةَ فِيهِ سابِقَةٌ عَلى جَمِيعِ النِعَمِ، ثُمَّ بِما بِهِ قِوامُهُ، وهو الحَبُّ، فَقالَ: " ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] "، ثُمَّ بِما يَعْجِنُ بِهِ ويَشْرَبُ عَلَيْهِ، وهو الماءُ، ثُمَّ بِما يَخْبِزُ بِهِ، وهو النارُ، فَحُصُولُ الطَعامِ بِمَجْمُوعِ الثَلاثَةِ، ولا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الجَسَدُ ما دامَ حَيًّا.
الواقعة 56:74
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، فَنَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ أيُّها المُسْتَمِعُ، المُسْتَدِلُّ، أوْ أرادَ بِالِاسْمِ الذِكْرَ، أيْ: "سَبِّحْ بِذِكْرِ رَبِّكَ"،
﴿العَظِيمِ﴾، صِفَةٌ لِلْمُضافِ، أوْ لِلْمُضافِ إلَيْهِ، وقِيلَ: "قُلْ سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ"، وجاءَ - مَرْفُوعًا - أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ ﷺ: " «اِجْعَلُوها في رُكُوعِكم » ".
الواقعة 56:75
﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ أيْ: "فَأُقْسِمُ"، و"لا"، مَزِيدَةٌ، مُؤَكِّدَةٌ، مِثْلُها في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وقُرِئَ: "فَلَأُقْسِمُ"، ومَعْناهُ: "فَلَأنا أُقْسِمُ"، اَللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةٍ مِن مُبْتَدَإٍ وخَبَرٍ، وهِيَ: "أنا أُقْسِمُ"، ثُمَّ حُذِفَ المُبْتَدَأُ، ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ اللامُ لامَ القَسَمِ، لِأنَّ حَقَّها أنْ تُقْرَنَ بِها النُونُ المُؤَكِّدَةُ،
﴿بِمَواقِعِ النُجُومِ﴾، بِمَساقِطِها، ومَغارِبِها، "بِمَوْقِعِ"، "حَمْزَةُ (p-٤٢٩)وَعَلِيٌّ"، ولَعَلَّ لِلَّهِ (تَعالى) في آخِرِ اللَيْلِ، إذا انْحَطَّتِ النُجُومُ إلى المَغْرِبِ، أفْعالًا مَخْصُوصَةً عَظِيمَةً، أوْ لِلْمَلائِكَةِ عِباداتٍ مَوْصُوفَةٍ، أوْ لِأنَّهُ وقْتُ قِيامِ المُتَهَجِّدِينَ، ونُزُولِ الرَحْمَةِ والرِضْوانِ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ أقْسَمَ بِمَواقِعِها، واسْتَعْظَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
الواقعة 56:76
﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾، وهو اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، لِأنَّهُ اعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ القَسَمِ، والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ:
الواقعة 56:77
﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، حَسَنٌ، مَرْضِيٌّ، أوْ نَفّاعٌ، جَمُّ المَنافِعِ، أوْ كَرِيمٌ عَلى اللهِ، واعْتَرَضَ بِـ "لَوْ تَعْلَمُونَ"، بَيْنَ المَوْصُوفِ، وصِفَتِهِ.
الواقعة 56:78
﴿فِي كِتابٍ﴾ أيْ: اَللَّوْحِ المَحْفُوظِ،
﴿مَكْنُونٍ﴾، مَصُونٍ عَنْ أنْ يَأْتِيَهُ الباطِلُ، أوْ مِن غَيْرِ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَن سِواهم.
الواقعة 56:79
﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾، مِن جَمِيعِ الأدْناسِ، أدْناسِ الذُنُوبِ، وغَيْرِها، إنْ جَعَلْتَ الجُمْلَةَ صِفَةً لِـ "كِتابٍ مَكْنُونٍ"، وهو اللَوْحُ، وإنْ جَعَلْتَها صِفَةً لِلْقُرْآنِ، فالمَعْنى: لا يَنْبَغِي أنْ يَمَسَّهُ إلّا مَن هو عَلى الطَهارَةِ مِنَ الناسِ، والمُرادُ مَسُّ المَكْتُوبِ مِنهُ.
الواقعة 56:80
﴿تَنْـزِيلٌ﴾، صِفَةٌ رابِعَةٌ لِلْقُرْآنِ، أيْ: مُنَزَّلٌ،
﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾، أوْ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، لِأنَّهُ نَزَلَ نُجُومًا، مِن بَيْنِ سائِرِ كُتُبِ اللهِ، فَكَأنَّهُ في نَفْسِهِ تَنْزِيلٌ، ولِذَلِكَ جَرى مُجْرى بَعْضِ أسْمائِهِ، فَقِيلَ: "جاءَ في التَنْزِيلِ كَذا"، و"نَطَقَ بِهِ التَنْزِيلُ"، أوْ "هُوَ تَنْزِيلٌ"، عَلى حَذْفِ المُبْتَدَإ.
الواقعة 56:81
﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنِ،
﴿أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾، مُتَهاوِنُونَ بِهِ، كَمَن يُدْهِنُ في بَعْضِ الأمْرِ، أيْ: يَلِينُ جانِبُهُ، ولا يَتَصَلَّبُ فِيهِ، تَهاوُنًا بِهِ.
الواقعة 56:82
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ: تَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمُ التَكْذِيبَ، أيْ: وضَعْتُمُ التَكْذِيبَ مَوْضِعَ الشُكْرِ، وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وهي (p-٤٣٠)قِراءَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ"، أيْ: تَجْعَلُونَ شُكْرَكم لِنِعْمَةِ القُرْآنِ أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الأنْواءِ، ونِسْبَتِهِمُ السُقْيا إلَيْها، و"اَلرِّزْقُ": اَلْمَطَرُ، أيْ: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ ما يَرْزُقُكُمُ اللهُ مِنَ الغَيْثِ أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِكَوْنِهِ مِنَ اللهِ، حَيْثُ تَنْسِبُونَهُ إلى النُجُومِ.
الواقعة 56:83
﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ﴾، اَلنَّفْسُ، أيْ: اَلرُّوحُ، عِنْدَ المَوْتِ،
﴿الحُلْقُومَ﴾، مَمَرَّ الطَعامِ والشَرابِ.
الواقعة 56:84
﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾، اَلْخِطابُ لِمَن حَضَرَ المَيِّتَ تِلْكَ الساعَةَ.
الواقعة 56:85
﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ﴾، إلى المُحْتَضَرِ،
﴿مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾، لا تَعْقِلُونَ، ولا تَعْلَمُونَ.
الواقعة 56:86
﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾، مَرْبُوبِينَ، مِن "دانَ السُلْطانُ الرَعِيَّةَ"، إذا ساسَهم.
الواقعة 56:87
﴿تَرْجِعُونَها﴾، تَرُدُّونَ النَفْسَ، وهي الرُوحُ، إلى الجَسَدِ، بَعْدَ بُلُوغِ الحُلْقُومِ،
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، أنَّكم غَيْرُ مَرْبُوبِينَ مَقْهُورَيْنِ، فَـ "لَوْلا"، في الآيَتَيْنِ، لِلتَّحْضِيضِ، يَسْتَدْعِي فِعْلًا، وذا قَوْلُهُ: "تَرْجِعُونَها"، واكْتَفى بِذِكْرِهِ مَرَّةً، وتَرْتِيبُ الآيَةِ: "فَلَوْلا تَرْجِعُونَها إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ"، و"فَلَوْلا"، اَلثّانِيَةُ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، "وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ"، يا أهْلَ المَيِّتِ، بِقُدْرَتِنا، وعِلْمِنا، أوْ بِمَلائِكَةِ المَوْتِ، والمَعْنى: إنَّكم في جُحُودِكم آياتِ اللهِ في كُلِّ شَيْءٍ، إنْ أنْزَلَ عَلَيْكم كِتابًا مُعْجِزًا قُلْتُمْ: سِحْرٌ، وافْتِراءٌ، وإنْ أرْسَلَ إلَيْكم رَسُولًا صادِقًا، قُلْتُمْ: ساحِرٌ كَذّابٌ، وإنْ رَزَقَكم مَطَرًا يُحْيِيكم بِهِ، قُلْتُمْ: نَوْءُ كَذا، عَلى مَذْهَبٍ يُؤَدِّي إلى الإهْمالِ، والتَعْطِيلِ، فَما لَكم لا تَرْجِعُونَ الرُوحَ إلى البَدَنِ بَعْدَ بُلُوغِهِ الحُلْقُومَ، إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ قابِضٌ، وكُنْتُمْ صادِقِينَ في تَعْطِيلِكُمْ، وكُفْرِكم بِالمُحْيِي المُمِيتِ، المُبْدِئِ المُعِيدِ.
الواقعة 56:88
﴿فَأمّا إنْ كانَ﴾، اَلْمُتَوَفّى،
﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾، مِنَ السابِقِينَ مِنَ الأزْواجِ الثَلاثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ السُورَةِ.
الواقعة 56:89
﴿فَرَوْحٌ﴾، فَلَهُ اسْتِراحَةٌ،
﴿وَرَيْحانٌ﴾، ورِزْقٌ،
﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾
الواقعة 56:91
﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ أيْ: (p-٤٣١)فَسَلامٌ لَكَ يا صاحِبَ اليَمِينِ، مِن إخْوانِكَ أصْحابِ اليَمِينِ، أيْ: يُسَلِّمُونَ عَلَيْكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦]
الواقعة 56:92
﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضالِّينَ﴾، هُمُ الصِنْفُ الثالِثُ مِنَ الأزْواجِ الثَلاثَةِ، وهُمُ الَّذِينَ قِيلَ لَهم في هَذِهِ السُورَةِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١]
الواقعة 56:93
﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أيْ: إدْخالٌ فِيهِ، وفي هَذِهِ الآياتِ إشارَةٌ إلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ، وأنَّ أصْحابَ الكَبائِرِ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، لِأنَّهم غَيْرُ مُكَذِّبِينَ.
الواقعة 56:94
﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أيْ: إدْخالٌ فِيهِ، وفي هَذِهِ الآياتِ إشارَةٌ إلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ، وأنَّ أصْحابَ الكَبائِرِ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، لِأنَّهم غَيْرُ مُكَذِّبِينَ.
الواقعة 56:95
﴿إنَّ هَذا﴾، اَلَّذِي أُنْزِلَ في هَذِهِ السُورَةِ،
﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ أيْ: اَلْحَقُّ الثابِتُ مِنَ اليَقِينِ.
الواقعة 56:96
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾
رُوِيَ «أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - دَخَلَ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، في مَرَضِ مَوْتِهِ، فَقالَ لَهُ: "ما تَشْتَكِي؟"، فَقالَ: "ذُنُوبِي"، فَقالَ: "ما تَشْتَهِي؟"، قالَ: "رَحْمَةَ رَبِّي"، قالَ: "أفَلا نَدْعُو الطَبِيبَ؟"، قالَ: "اَلطَّبِيبُ أمْرَضَنِي"، فَقالَ: "ألا نَأْمُرُ بِعَطائِكَ؟"، قالَ: "لا حاجَةَ لِي فِيهِ"، قالَ: "نَدْفَعُهُ إلى بَناتِكَ"، قالَ: "لا حاجَةَ لَهُنَّ فِيهِ، قَدْ أمَرْتُهُنَّ أنْ يَقْرَأْنَ سُورَةَ "اَلْواقِعَةِ"، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأ سُورَةَ "اَلْواقِعَةِ"، في كُلِّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا" ».
وَلَيْسَ في هَذِهِ السُوَرِ الثَلاثِ ذِكْرُ "اَللَّهُ": "اِقْتَرَبَتْ"، "اَلرَّحْمَنِ"، "اَلْواقِعَةِ".
الحديد 57:1
(p-٤٣٢)سُورَةُ "اَلْحَدِيدِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، جاءَ في بَعْضِ الفَواتِحِ "سَبَّحَ"، بِلَفْظِ الماضِي، وفي بَعْضِها بِلَفْظِ المُضارِعِ، وفي "بَنِي إسْرائِيلَ "، بِلَفْظِ المَصْدَرِ، وفي "اَلْأعْلى"، بِلَفْظِ الأمْرِ، اسْتِيعابًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ مِن جَمِيعِ جِهاتِها، وهي أرْبَعٌ: اَلْمَصْدَرُ، والماضِي، والمُضارِعُ، والأمْرُ، وهَذا الفِعْلُ قَدْ عُدِّيَ بِاللامِ تارَةً، وبِنَفْسِهِ أُخْرى، في قَوْلِهِ: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، وأصْلُهُ التَعَدِّي بِنَفْسِهِ، لِأنَّ مَعْنى "سَبَّحْتُهُ"، بَعَّدْتُهُ مِنَ السُوءِ، مَنقُولٌ مِن "سَبَحَ"، إذا ذَهَبَ وبَعُدَ، فاللامُ إمّا أنْ تَكُونَ مِثْلَ اللامِ في "نَصَحْتُهُ"، و"نَصَحْتُ لَهُ"، وإمّا أنْ يُرادَ بِـ "سَبَّحَ لِلَّهِ": اِكْتَسَبَ التَسْبِيحَ لِأجْلِ اللهِ، ولِوَجْهِهِ خالِصًا،
﴿ما في السَماواتِ والأرْضِ﴾، ما يَتَأتّى مِنهُ التَسْبِيحُ، ويَصِحُّ،
﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾، اَلْمُنْتَقِمُ مِن مُكَلَّفٍ لَمْ يُسَبِّحْ لَهُ عِنادًا،
﴿الحَكِيمُ﴾، في مُجازاةِ مَن سَبَّحَ لَهُ انْقِيادًا.
الحديد 57:2
﴿لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ﴾، لا لِغَيْرِهِ، ومَوْضِعُ ﴿يُحْيِي﴾ [الأعراف: ١٥٨] رَفْعٌ، أيْ: هو يُحْيِي المَوْتى،
﴿وَيُمِيتُ﴾، اَلْأحْياءَ، أوْ نَصْبٌ، أيْ: لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ مُحْيِيًا، ومُمِيتًا،
﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
الحديد 57:3
﴿هُوَ الأوَّلُ﴾، هو القَدِيمُ، الَّذِي كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ،
﴿والآخِرُ﴾، اَلَّذِي يَبْقى (p-٤٣٣)بَعْدَ هَلاكِ كُلِّ شَيْءٍ،
﴿والظاهِرُ﴾، بِالأدِلَّةِ الدالَّةِ عَلَيْهِ،
﴿والباطِنُ﴾، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُدْرَكٍ بِالحَواسِّ، وإنْ كانَ مَرْئِيًّا، والواوُ الأُولى مَعْناها الدَلالَةُ عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ الصِفَتَيْنِ، الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ، والثالِثَةُ عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ الظُهُورِ والخَفاءِ، وأمّا الوُسْطى، فَعَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِفَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، ومَجْمُوعِ الصِفَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ، فَهو المُسْتَمِرُّ الوُجُودِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، الماضِيَةِ، والآتِيَةِ، وهو في جَمِيعِها ظاهِرٌ، وباطِنٌ، وقِيلَ: "اَلظّاهِرُ": اَلْعالِي عَلى كُلِّ شَيْءِ، الغالِبُ لَهُ، مِن "ظَهَرَ عَلَيْهِ"، إذا عَلاهُ وغَلَبَهُ، و"اَلْباطِنُ": اَلَّذِي بَطَنَ كُلَّ شَيْءِ، أيْ: عَلَمَ باطِنَهُ،
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
الحديد 57:4
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾، عَنِ الحَسَنِ: "مِن أيّامِ الدُنْيا"، ولَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَها في طَرْفَةِ عَيْنٍ لَفَعَلَ، ولَكِنْ جَعَلَ السِتَّةَ أصْلًا، لِيَكُونَ عَلَيْها المَدارُ،
﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾، اِسْتَوْلى،
﴿عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾، ما يَدْخُلُ في الأرْضِ مِنَ البَذْرِ، والقَطْرِ، والكُنُوزِ، والمَوْتى،
﴿وَما يَخْرُجُ مِنها﴾، مِنَ النَباتِ، وغَيْرِهِ،
﴿وَما يَنْـزِلُ مِنَ السَماءِ﴾، مِنَ المَلائِكَةِ، والأمْطارِ،
﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾، مِنَ الأعْمالِ، والدَعَواتِ،
﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾، بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ عُمُومًا، وبِالفَضْلِ والرَحْمَةِ خُصُوصًا،
﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، فَيُجازِيكم عَلى حَسَبِ أعْمالِكم.
الحديد 57:6
﴿يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ﴾، يُدْخِلُ اللَيْلَ في النَهارِ، بِأنْ يَنْقُصَ مِنَ اللَيْلِ، ويَزِيدَ مِنَ النَهارِ،
﴿وَيُولِجُ النَهارَ في اللَيْلِ وهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾
الحديد 57:7
﴿آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾، يَحْتَمِلُ الزَكاةَ، والإنْفاقَ في سَبِيلِ اللهِ،
﴿وَأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾، يَعْنِي أنَّ الأمْوالَ الَّتِي في أيْدِيكم إنَّما هي أمْوالُ اللهِ، (p-٤٣٤)بِخَلْقِهِ، وإنْشائِهِ لَها، وإنَّما مَوَّلَكم إيّاها لِلِاسْتِمْتاعِ بِها، وجَعَلَكم خُلَفاءَ في التَصَرُّفِ فِيها، فَلَيْسَتْ هي بِأمْوالِكم في الحَقِيقَةِ، وما أنْتُمْ فِيها إلّا بِمَنزِلَةِ الوُكَلاءِ، والنُوّابِ، فَأنْفِقُوا مِنها في حُقُوقِ اللهِ (تَعالى)، ولْيَهُنْ عَلَيْكُمُ الإنْفاقُ مِنها كَما يَهُونُ عَلى الرَجُلِ الإنْفاقُ مِن مالِ غَيْرِهِ إذا أذِنَ لَهُ فِيهِ، أوْ جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم فِيما في أيْدِيكُمْ، بِتَوْرِيثِهِ إيّاكُمْ، وسَيُنْقَلُ مِنكم إلى مَن بَعْدَكُمْ، فاعْتَبِرُوا بِحالِهِمْ، ولا تَبْخَلُوا بِهِ،
﴿فالَّذِينَ آمَنُوا﴾، بِاللهِ ورَسُولِهِ،
﴿مِنكم وأنْفَقُوا لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾
الحديد 57:8
﴿وَما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾، هو حالٌ مِن مَعْنى الفِعْلِ في "ما لَكُمْ"، كَما تَقُولُ: "ما لَكَ قائِمًا؟!"، بِمَعْنى: "ما تَصْنَعُ قائِمًا؟!"، أيْ: "وَما لَكم كافِرِينَ بِاللهِ؟!"، والواوُ في ﴿والرَسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾، واوُ الحالِ، فَهُما حالانِ مُتَداخِلَتانِ، والمَعْنى: "وَأيُّ عُذْرٍ لَكم في تَرْكِ الإيمانِ، والرَسُولُ يَدْعُوكُمْ؟!"،
﴿لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾، وقَبْلَ ذَلِكَ قَدْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَكم بِقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، أوْ بِما رَكَّبَ فِيكم مِنَ العُقُولِ، ومَكَّنَكم مِنَ النَظَرِ في الأدِلَّةِ، فَإذا لَمْ تَبْقَ لَكم عِلَّةٌ بَعْدَ أدِلَّةِ العُقُولِ، وتَنْبِيهِ الرَسُولِ، فَما لَكَمَ لا تُؤْمِنُونَ؟! ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، لِمُوجِبٍ ما، فَإنَّ هَذا المُوجِبَ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، "أُخِذَ مِيثاقُكُمْ"، "أبُو عَمْرٍو".
الحديد 57:9
﴿هُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ عَلى عَبْدِهِ﴾، مُحَمَّدٍ ﷺ،
﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾، يَعْنِي القُرْآنَ،
﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾، اَللَّهُ (تَعالى)، أوْ مُحَمَّدٌ، بِدَعْوَتِهِ،
﴿مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ﴾، مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ، إلى نُورِ الإيمانِ،
﴿وَإنَّ اللهَ بِكم لَرَءُوفٌ﴾، بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، "حِجازِيٌّ وشامِيٌّ وحَفْصٌ "،
﴿رَحِيمٌ﴾، "اَلرَّأْفَةُ"، أشَدُّ الرَحْمَةِ.
الحديد 57:10
﴿وَما لَكم ألا تُنْفِقُوا﴾، في ألّا تُنْفِقُوا،
﴿فِي سَبِيلِ اللهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَماواتِ والأرْضِ﴾، يَرِثُ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِما، لا يَبْقى مِنهُ باقٍ لِأحَدٍ، مِن مالٍ، وغَيْرِهِ، يَعْنِي: وأيُّ (p-٤٣٥)غَرَضٍ لَكم في تَرْكِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، والجِهادِ مَعَ رَسُولِهِ، واللهُ مُهْلِكُكُمْ، فَوارِثُ أمْوالِكُمْ؟! وهو مِن أبْلَغِ البَعْثِ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ بَيَّنَ التَفاوُتَ بَيْنَ المُنْفِقِينَ مِنهُمْ، فَقالَ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ أيْ: فَتْحِ مَكَّةَ، قَبْلَ عِزِّ الإسْلامِ، وقُوَّةِ أهْلِهِ، ودُخُولِ الناسِ في دِينِ اللهِ أفْواجًا، ومَن أنْفَقَ مِن بَعْدِ الفَتْحِ، فَحُذِفَ لِأنَّ قَوْلَهُ: "مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ"، يَدُلُّ عَلَيْهِ،
﴿أُولَئِكَ﴾، اَلَّذِينَ أنْفَقُوا قَبْلَ الفَتْحِ، وهُمُ السابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ النَبِيُّ ﷺ: « "لَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ، ولا نَصِيفَهُ" »،
﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ،
﴿وَعَدَ اللهُ الحُسْنى﴾ أيْ: اَلْمَثُوبَةَ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ، مَعَ تَفاوُتِ الدَرَجاتِ، و"كُلًّا"، مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ "وَعَدَ"، و"اَلْحُسْنى"، مَفْعُولٌ ثانٍ، "وَكُلٌّ"، شامِيٌّ، أيْ: "وَكُلٌّ وعَدَهُ اللهُ الحُسْنى"، نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن أسْلَمَ، وأوَّلُ مَن أنْفَقَ في سَبِيلِ اللهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِهِ، وتَقَدُّمِهِ،
﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، فَيُجازِيكم عَلى قَدْرِ أعْمالِكم.
الحديد 57:11
﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، بِطِيبِ نَفْسِهِ، والمُرادُ الإنْفاقُ في سَبِيلِهِ، واسْتُعِيرَ لَفْظُ القَرْضِ، لِيَدُلَّ عَلى التِزامِ الجَزاءِ،
﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ أيْ: يُعْطِيَهُ أجْرَهُ عَلى إنْفاقِهِ مُضاعَفًا أضْعافًا، مِن فَضْلِهِ،
﴿وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: وذَلِكَ الأجْرُ المَضْمُومُ إلَيْهِ الأضْعافُ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، "فَيُضَعِّفُهُ"، "مَكِّيٌّ"، "فَيُضَعِّفَهُ"، "شامِيٌّ"، "فَيُضاعِفَهُ"، " عاصِمٌ وسَهْلٌ "، "فَيُضاعِفُهُ"، غَيْرُهُمْ، فالنَصْبُ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، والرَفْعُ عَلى "فَهُوَ يُضاعِفُهُ"، أوْ عَطْفٌ عَلى "يُقْرِضُ".
الحديد 57:12
﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾، ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: "وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ"، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "اُذْكُرْ"، تَعْظِيمًا لِذَلِكَ اليَوْمِ،
﴿يَسْعى﴾، يَمْضِي،
﴿نُورُهُمْ﴾، نُورُ (p-٤٣٦)التَوْحِيدِ، والطاعاتِ، وإنَّما قالَ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾، لِأنَّ السُعَداءَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ، كَما أنَّ الأشْقِياءَ يُؤْتَوْنَها مِن شَمائِلِهِمْ، ووَراءِ ظُهُورِهِمْ، فَيُجْعَلُ النُورُ في الجِهَتَيْنِ شِعارًا لَهُمْ، وآيَةً لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ بِحَسَناتِهِمْ سُعِدُوا، أوْ بِصَحائِفِهِمُ البِيضِ أفْلَحُوا، فَإذا ذُهِبَ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ، ومَرُّوا عَلى الصِراطِ، يَسْعَوْنَ، سَعى بِسَعْيِهِمْ ذَلِكَ النُورُ، وتَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ: ﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ﴾ أيْ: دُخُولُ جَنّاتٍ، لِأنَّ البِشارَةَ تَقَعُ بِالأجْداثِ، دُونَ الجُثَثِ،
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
الحديد 57:13
﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾، هو بَدَلٌ مِن يَوْمَ تَرى،
﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا﴾ أيْ: اِنْتَظِرُونا، لِأنَّهُ يُسْرَعُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ كالبُرُوقِ الخاطِفَةِ، "أنْظِرُونا"، " حَمْزَةُ "، مِن "اَلنَّظْرَةُ"، وهي الإمْهالُ، جَعِلَ اتِّئادُهم في المُضِيِّ إلى أنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ إنْظارًا لَهُمْ،
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾، نُصِبْ مِنهُ، وذَلِكَ أنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فَيَسْتَنِيرُوا بِهِ،
﴿قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾، طَرْدٌ لَهُمْ، وتَهَكُّمٌ بِهِمْ، أيْ: تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ - أوِ المُؤْمِنُونَ -: اِرْجِعُوا إلى المَوْقِفِ، حَيْثُ أُعْطِينا هَذا النُورَ، فالتَمِسُوهُ هُنالِكَ، فَمِن ثَمَّ يُقْتَبَسُ، أوْ: اِرْجِعُوا إلى الدُنْيا، فالتَمِسُوا بِتَحْصِيلِ سَبَبِهِ، وهو الإيمانُ،
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾، بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ،
﴿بِسُورٍ﴾، بِحائِطٍ، حائِلٍ بَيْنَ شِقِّ الجَنَّةِ، وشِقِّ النارِ، قِيلَ: هو الأعْرافُ،
﴿لَهُ﴾، لِذَلِكَ السُورِ،
﴿بابٌ﴾، لِأهْلِ الجَنَّةِ، يَدْخُلُونَ مِنهُ،
﴿باطِنُهُ﴾، باطِنُ السُورِ، أوِ البابِ، وهو الشِقُّ الَّذِي يَلِي الجَنَّةَ،
﴿فِيهِ الرَحْمَةُ﴾ أيْ: اَلنُّورُ، أوِ الجَنَّةُ،
﴿وَظاهِرُهُ﴾، ما ظَهَرَ لِأهْلِ النارِ،
﴿مِن قِبَلِهِ﴾، مِن عِنْدِهِ، ومِن جِهَتِهِ،
﴿العَذابُ﴾ أيْ: اَلظُّلْمَةُ، أوِ النارُ.
الحديد 57:14
﴿يُنادُونَهُمْ﴾ أيْ: يُنادِي المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ،
﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾، يُرِيدُونَ مُرافَقَتَهم في الظاهِرِ،
﴿قالُوا﴾ أيْ: المُؤْمِنُونَ،
﴿بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾، مَحَنْتُمُوها بِالنِفاقِ، وأهْلَكْتُمُوها،
﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾، بِالمُؤْمِنِينَ الدَوائِرَ،
﴿وارْتَبْتُمْ﴾، وشَكَكْتُمْ في (p-٤٣٧)التَوْحِيدِ،
﴿وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾، طُولُ الآمالِ، والطَمَعُ في امْتِدادِ الأعْمارِ،
﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللهِ﴾ أيْ: اَلْمَوْتُ،
﴿وَغَرَّكم بِاللهِ الغَرُورُ﴾، وغَرَّكُمُ الشَيْطانُ بِأنَّ اللهَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ، لا يُعَذِّبُكُمْ، أوْ بِأنَّهُ لا بَعْثَ، ولا حِسابَ.
الحديد 57:15
﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ﴾، وبِالتاءِ "شامِيٌّ"،
﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها المُنافِقُونَ،
﴿فِدْيَةٌ﴾، ما يُفْتَدى بِهِ،
﴿وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النارُ﴾، مَرْجِعُكُمْ،
﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾، هي أوْلى بِكُمْ، وحَقِيقَةُ "مَوْلاكُمْ": مَحْراكُمْ، أيْ: مَكانُكُمُ الَّذِي يُقالُ فِيهِ: هو أوْلى بِكُمْ، كَما يُقالُ: "هُوَ مَئِنَّةٌ لِلْكَرَمِ"، أيْ: مَكانٌ لِقَوْلِ القائِلِ: إنَّهُ لَكَرِيمٌ،
﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾، اَلنّارُ.
الحديد 57:16
﴿ألَمْ يَأْنِ﴾، مِن "أنى الأمْرُ، يَأْنى"، إذا جاءَ إناهُ، أيْ: وقْتُهُ، قِيلَ: كانُوا مُجْدِبِينَ بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرُوا أصابُوا الرِزْقَ، والنِعْمَةَ، فَفَتَرُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عُوتِبْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أرْبَعُ سِنِينَ"، وعَنْ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قُرِئَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وعِنْدَهُ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمامَةِ، فَبَكَوْا بُكاءً شَدِيدًا، فَنَظَرَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: "هَكَذا كُنّا حَتّى قَسَتِ القُلُوبُ"،
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللهِ وما نَـزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾، اَلْقُرْآنِ، لِأنَّهُ جامِعٌ لِلْأمْرَيْنِ، لِلذِّكْرِ، والمَوْعِظَةِ، وأنَّهُ حَقٌّ، نازِلٌ مِنَ السَماءِ، "وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ"، اَلْقِراءَةُ بِالياءِ، عَطْفٌ عَلى "تَخْشَعَ"، وبِالتاءِ "وَرْشٌ"، عَلى الِالتِفاتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا لَهم عَنْ مُماثَلَةِ أهْلِ الكِتابِ في قَسْوَةِ القُلُوبِ، بَعْدَ أنْ وُبِّخُوا، وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الحَقُّ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ شَهَواتِهِمْ، وإذا سَمِعُوا التَوْراةَ (p-٤٣٨)والإنْجِيلَ خَشَعُوا لِلَّهِ، ورَقَّتْ قُلُوبُهُمْ، فَلَمّا طالَ عَلَيْهِمُ الزَمانُ غَلَبَهُمُ الجَفاءُ، والقَسْوَةُ، واخْتَلَفُوا، وأحْدَثُوا ما أحْدَثُوا مِنَ التَحْرِيفِ، وغَيْرِهِ،
﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾، اَلْأجَلُ والزَمانُ،
﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، بِاتِّباعِ الشَهَواتِ،
﴿وَكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾، خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ، رافِضُونَ لِما في الكِتابَيْنِ، أيْ: وقَلِيلٌ مِنهم مُؤْمِنُونَ.
الحديد 57:17
﴿اعْلَمُوا أنَّ اللهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، قِيلَ: هَذا تَمْثِيلٌ لِأثَرِ الذِكْرِ في القُلُوبِ، وأنَّهُ يُحْيِيها كَما يُحْيِي الغَيْثُ الأرْضَ.
الحديد 57:18
"إنَّ المُصَدِّقِينَ والمُصَدِّقاتِ"، بِتَشْدِيدِ الدالِ وحْدَهُ، "مَكِّيٌّ وأبُو بَكْرٍ "، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن "صَدَّقَ"، وهُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ ورَسُولَهُ، يَعْنِي المُؤْمِنِينَ، الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الصادِ والدالِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن "تَصَدَّقَ"، فَأُدْغِمَتِ التاءُ في الصادِ، وقُرِئَ عَلى الأصْلِ،
﴿وَأقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، هو عَطْفٌ عَلى مَعْنى الفِعْلِ في "اَلْمُصَدِّقِينَ"، لِأنَّ اللامَ بِمَعْنى "اَلَّذِينَ"، واسْمُ الفاعِلِ بِمَعْنى الفِعْلِ، وهو "اِصَّدَّقُوا"، كَأنَّهُ قِيلَ: "إنَّ الَّذِينَ اصَّدَّقُوا وأقْرَضُوا"، و"اَلْقَرْضُ الحَسَنُ": أنْ يَتَصَدَّقَ مِنَ الطَيِّبِ، عَنْ طِيبَةِ النَفْسِ، وصِحَّةِ النِيَّةِ، عَلى المُسْتَحِقِّ لِلصَّدَقَةِ،
﴿يُضاعَفُ لَهُمْ﴾، "يَضَعَّفُ"، "مَكِّيٌ وشامِيٌّ"،
﴿وَلَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: اَلْجَنَّةُ.
الحديد 57:19
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ والشُهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، يُرِيدُ أنَّ المُؤْمِنِينَ بِاللهِ، ورُسُلِهِ، هم عِنْدَ اللهِ بِمَنزِلَةِ الصِدِّيقِينَ والشُهَداءِ، وهُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى التَصْدِيقِ، واسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللهِ،
﴿لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أجْرِ الصِدِّيقِينَ والشُهَداءِ، ومِثْلُ نُورِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "والشُهَداءُ"، مُبْتَدَأً، و"لَهم (p-٤٣٩)أجْرُهُمْ"، خَبَرَهُ،
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾
الحديد 57:20
﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُنْيا لَعِبٌ﴾، كَلَعِبِ الصِبْيانِ،
﴿وَلَهْوٌ﴾، كَلَهْوِ الفِتْيانِ،
﴿وَزِينَةٌ﴾، كَزِينَةِ النِسْوانِ،
﴿وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾، كَتَفاخُرِ الأقْرانِ،
﴿وَتَكاثُرٌ﴾، كَتَكاثُرِ الدِهْقانِ،
﴿فِي الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ أيْ: مُباهاةٌ بِهِما، و"اَلتَّكاثُرُ": اِدِّعاءُ الِاسْتِكْثارِ،
﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾، بَعْدَ خُضْرَتِهِ،
﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾، مُتَفَتِّتًا، شَبَّهَ حالَ الدُنْيا، وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، مَعَ قِلَّةِ جَدْواها، بِنَباتٍ أنْبَتَهُ الغَيْثُ، فاسْتَوى، وقَوِيَ، وأُعْجِبَ بِهِ الكُفّارُ، الجاحِدُونَ لِنِعْمَةِ اللهِ فِيما رَزَقَهم مِنَ الغَيْثِ والنَباتِ، فَبَعَثَ عَلَيْهِ العاهَةَ، فَهاجَ، واصْفَرَّ، وصارَ حُطامًا، عُقُوبَةً لَهم عَلى جُحُودِهِمْ، كَما فَعَلَ بِأصْحابِ الجَنَّةِ، وصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ، وقِيلَ: "اَلْكُفّارُ": اَلزُّرّاعُ،
﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾
﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾، لِلْكُفّارِ،
﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورِضْوانٌ﴾، لِلْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي أنَّ الدُنْيا وما فِيها لَيْسَتْ إلّا مِن مُحَقَّراتِ الأُمُورِ، وهي اللَعِبُ، واللهْوُ والزِينَةُ، والتَفاخُرُ، والتَكاثُرُ، وأمّا الآخِرَةُ فَما هي إلّا أُمُورٌ عِظامٌ، وهي العَذابُ الشَدِيدُ، والمَغْفِرَةُ والرِضْوانُ مِنَ اللهِ الحَمِيدِ، والكافُ في "كَمَثَلِ غَيْثٍ"، في مَحَلِّ رَفْعٍ، عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ: اَلْحَياةُ الدُنْيا مِثْلُ غَيْثٍ،
﴿وَما الحَياةُ الدُنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾، إنْ رُكِنَ إلَيْها، واعْتُمِدَ عَلَيْها، قالَ ذُو النُونِ: "يا مَعْشَرَ المُرِيدِينَ، لا تَطْلُبُوا الدُنْيا، وإنْ طَلَبْتُمُوها فَلا تُحِبُّوها، فَإنَّ الزادَ مِنها، والمَقِيلَ في غَيْرِها"، ولَمّا حَقَّرَ الدُنْيا، وصَغَّرَ أمْرَها، وعَظَّمَ أمْرَ الآخِرَةِ، بَعَثَ عِبادَهُ عَلى المُسارَعَةِ إلى نَيْلِ ما وعَدَ مِن ذَلِكَ، وهي المَغْفِرَةُ، المُنْجِيَةُ مِنَ العَذابِ الشَدِيدِ، والفَوْزُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، بِقَوْلِهِ:
الحديد 57:21
﴿سابِقُوا﴾ أيْ: بِالأعْمالِ الصالِحَةِ،
﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾، وقِيلَ: سارِعُوا مُسارَعَةَ السابِقِينَ لِأقْرانِهِمْ في المِضْمارِ،
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَماءِ والأرْضِ﴾، قالَ السُدِّيُّ: "كَعَرْضِ سَبْعِ السَماواتِ، وسَبْعِ الأرْضِينَ، (p-٤٤٠)وَذَكَرَ العَرْضَ، دُونَ الطُولِ، لِأنَّ كُلَّ ما لَهُ عَرْضٌ وطُولٌ فَإنَّ عَرْضَهُ أقَلُّ مِن طُولِهِ، فَإذا وُصِفَ عَرْضُهُ بِالبَسْطَةِ، عُرِفَ أنَّ طُولَهُ أبْسَطُ، أوْ أُرِيدَ بِالعَرْضِ البَسْطَةُ، وهَذا يَنْفِي قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ الجَنَّةَ في السَماءِ الرابِعَةِ، لِأنَّ الَّتِي في إحْدى السَماواتِ لا تَكُونُ في عَرْضِ السَماواتِ والأرْضِ،
﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ﴾، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ،
﴿ذَلِكَ﴾، اَلْمَوْعُودُ، مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ،
﴿فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ إلّا بِفَضْلِ اللهِ،
﴿واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ كُلَّ كائِنٍ بِقَضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ، بِقَوْلِهِ:
الحديد 57:22
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ﴾، مِنَ الجَدْبِ، وآفاتِ الزُرُوعِ، والثِمارِ، وقَوْلُهُ: "فِي الأرْضِ"، في مَوْضِعِ الجَرِّ، أيْ: ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ ثابِتَةٍ في الأرْضِ،
﴿وَلا في أنْفُسِكُمْ﴾، مِنَ الأمْراضِ، والأوْصابِ، ومَوْتِ الأوْلادِ،
﴿إلا في كِتابٍ﴾، في اللَوْحِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: "إلّا مَكْتُوبًا في اللَوْحِ"،
﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾، مِن قَبْلِ أنْ نَخْلُقَ الأنْفُسَ،
﴿إنَّ ذَلِكَ﴾، إنَّ تَقْدِيرَ ذَلِكَ، وإثْباتَهُ في كِتابٍ،
﴿عَلى اللهِ يَسِيرٌ﴾، وإنْ كانَ عَسِيرًا عَلى العِبادِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ، وبَيَّنَ الحِكْمَةِ فِيهِ، بِقَوْلِهِ:
الحديد 57:23
﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾، تَحْزَنُوا حُزْنًا يُطْغِيكُمْ،
﴿عَلى ما فاتَكُمْ﴾، مِنَ الدُنْيا، وسَعَتِها، أوْ مِنَ العافِيَةِ وصِحَّتِها،
﴿وَلا تَفْرَحُوا﴾، فَرَحَ المُخْتالِ الفَخُورِ،
﴿بِما آتاكُمْ﴾، أعْطاكم مِن "اَلْإيتاءُ"، " أبُو عَمْرٍو ": "أتاكُمْ"، أيْ: جاءَكُمْ، مِن "اَلْإتْيانُ"، يَعْنِي: إنَّكم إذا عَلِمْتُمْ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرٌ، مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللهِ، قَلَّ أساكم عَلى الفائِتِ، وفَرَحُكم عَلى الآتِي، لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ ما عِنْدَهُ مَفْقُودٌ لا مَحالَةَ، لَمْ يَتَفاقَمْ جَزَعُهُ عِنْدَ فَقْدِهِ، لِأنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى ذَلِكَ، وكَذَلِكَ مَن عَلِمَ أنَّ بَعْضَ الخَيْرِ واصِلٌ إلَيْهِ، وأنَّ وُصُولَهُ لا يَفُوتُهُ بِحالٍ، لَمْ يَعْظُمْ فَرَحُهُ عِنْدَ نَيْلِهِ، ولَيْسَ أحَدٌ إلّا وهو يَفْرَحُ عِنْدَ مَنفَعَةٍ (p-٤٤١)تُصِيبُهُ، ويَحْزَنُ عِنْدَ مَضَرَّةٍ تَنْزِلُ بِهِ، ولَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الفَرَحُ شُكْرًا، والحُزْنُ صَبْرًا، وإنَّما يُذَمُّ مِنَ الحُزْنِ الجَزَعُ المُنافِي لِلصَّبْرِ، ومِنَ الفَرَحِ الأشَرُ المُطْغِي المُلْهِي عَنِ الشُكْرِ،
﴿واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾، لِأنَّ مَن فَرِحَ بِحَظٍّ مِنَ الدُنْيا، وعَظُمَ في نَفْسِهِ، اخْتالَ، وافْتَخَرَ، وتَكَبَّرَ عَلى الناسِ.
الحديد 57:24
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن "كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ"، كَأنَّهُ قالَ: "لا يُحِبُّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ"، يُرِيدُ: اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ الفَرَحَ المُطْغِي، إذا رُزِقُوا مالًا، وحَظًّا مِنَ الدُنْيا، فَلِحُبِّهِمْ لَهُ، وعِزَّتِهِ عِنْدَهُمْ، يَزْوُونَهُ عَنْ حُقُوقِ اللهِ، ويَبْخَلُونَ بِهِ،
﴿وَيَأْمُرُونَ الناسَ بِالبُخْلِ﴾، ويَحُضُّونَ غَيْرَهم عَلى البُخْلِ، ويُرَغِّبُونَهم في الإمْساكِ،
﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾، يُعْرِضْ عَنِ الإنْفاقِ، أوْ عَنْ أوامِرِ اللهِ، ونَواهِيهِ، ولَمْ يَنْتَهِ عَمّا نَهى عَنْهُ، مِنَ الأسى عَلى الفائِتِ، والفَرَحِ بِالآتِي،
﴿فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ﴾، عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، فَكَيْفَ عَنْهُ؟! ﴿الحَمِيدُ﴾، في أفْعالِهِ، "فَإنَّ اللهَ الغَنِيُّ"، بِتَرْكِ "هُوَ"، "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ".
الحديد 57:25
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾، يَعْنِي: أرْسَلْنا المَلائِكَةَ إلى الأنْبِياءِ،
﴿بِالبَيِّناتِ﴾، بِالحُجَجِ، والمُعْجِزاتِ،
﴿وَأنْـزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: اَلْوَحْيَ، وقِيلَ: اَلرُّسُلُ، الأنْبِياءُ، والأوَّلُ أوْلى، لِقَوْلِهِ: "مَعَهُمْ"، لِأنَّ الأنْبِياءَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الكِتابُ،
﴿والمِيزانَ﴾، رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِالمِيزانِ، فَدَفَعَهُ إلى نُوحٍ، وقالَ: مُرْ قَوْمَكَ يَزِنُوا بِهِ،
﴿لِيَقُومَ الناسُ﴾، لِيَتَعامَلُوا بَيْنَهم إيفاءً، واسْتِيفاءً،
﴿بِالقِسْطِ﴾، بِالعَدْلِ، ولا يَظْلِمَ أحَدٌ أحَدًا،
﴿وَأنْـزَلْنا الحَدِيدَ﴾، قِيلَ: نَزَلَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ خَمْسَةُ أشْياءَ مِن حَدِيدٍ: اَلسَّنَدانُ، والكَلْبَتانِ، والمِيقَعَةُ، والمِطْرَقَةُ، والإبْرَةُ، ورُوِيَ: ومَعَهُ المَرُّ، والمِسْحاقُ، وعَنِ الحَسَنِ: " ﴿وَأنْـزَلْنا الحَدِيدَ﴾ ": "خَلَقْناهُ"،
﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، وهو القِتالُ بِهِ،
﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾، في مَصالِحِهِمْ، ومَعايِشِهِمْ، وصَنائِعِهِمْ، فَما مِن صِناعَةٍ إلّا والحَدِيدُ آلَةٌ فِيها، أوْ ما يُعْمَلُ بِالحَدِيدِ،
﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ﴾، (p-٤٤٢)بِاسْتِعْمالِ السُيُوفِ والرِماحِ وسائِرِ السِلاحِ، في مُجاهَدَةِ أعْداءِ الدِينِ، وقالَ الزَجّاجُ: لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يُقاتِلُ مَعَ رَسُولِهِ في سَبِيلِهِ بِالغَيْبِ، غائِبًا عَنْهُمْ،
﴿إنَّ اللهَ قَوِيٌّ﴾، يَدْفَعُ بِقُوَّتِهِ بَأْسَ مَن يُعْرِضُ عَنْ مِلَّتِهِ،
﴿عَزِيزٌ﴾، يَرْبِطُ بِعِزَّتِهِ جَأْشَ مَن يَتَعَرَّضُ لِنُصْرَتِهِ، والمُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ الثَلاثَةِ أنَّ الكِتابَ قانُونُ الشَرِيعَةِ، ودُسْتُورُ الأحْكامِ والحُدُودِ، ويَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، ويَنْهى عَنِ البَغْيِ والطُغْيانِ، واسْتِعْمالُ العَدْلِ والِاجْتِنابُ عَنِ الظُلْمِ، إنَّما يَقَعُ بِآلَةٍ يَقَعُ بِها التَعامُلُ، ويَحْصُلُ بِها التَساوِي والتَعادُلُ، وهي المِيزانُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الكِتابَ الجامِعَ لِلْأوامِرِ الإلَهِيَّةِ، والآلَةَ المَوْضُوعَةَ لِلتَّعامُلِ بِالسَوِيَّةِ، إنَّما تُحْفَظُ العامَّةُ عَلى اتِّباعِهِما بِالسَيْفِ، الَّذِي هو حُجَّةُ اللهِ عَلى مَن جَحَدَ، وعَنَدَ، ونَزَعَ عَنْ صَفْقَةِ الجَماعَةِ اليَدَ، وهو الحَدِيدُ، الَّذِي وُصِفَ بِالبَأْسِ الشَدِيدِ.
الحديد 57:26
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ﴾، خُصًّا بِالذِكْرِ، لِأنَّهُما أبَوانِ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -،
﴿وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما﴾، أوْلادِهِما،
﴿النُبُوَّةَ والكِتابَ﴾، اَلْوَحْيَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "اَلْخَطَّ بِالقَلَمِ"، يُقالُ "كَتَبَ كِتابًا، وكِتابَةً"،
﴿فَمِنهُمْ﴾، فَمِنَ الذُرِّيَّةِ، أوْ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِمْ ذِكْرُ الإرْسالِ والمُرْسَلِينَ،
﴿مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾، هَذا تَفْصِيلٌ لِحالِهِمْ، أيْ: فَمِنهم مَنِ اهْتَدى بِاتِّباعِ الرُسُلِ، ومِنهم مَن فَسَقَ، أيْ: خَرَجَ عَنِ الطاعَةِ، والغَلَبَةُ لِلْفُسّاقِ.
الحديد 57:27
﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ أيْ: نُوحٍ، وإبْراهِيمَ، ومَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ،
﴿بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً﴾، مَوَدَّةً، ولِينًا،
﴿وَرَحْمَةً﴾، تَعَطُّفًا عَلى إخْوانِهِمْ، كَما قالَ في صِفَةِ أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾، هي تَرَهُّبُهم في (p-٤٤٣)الجِبالِ، فارِّينَ مِنَ الفِتْنَةِ في الدِينِ، مُخْلِصِينَ أنْفُسَهم لِلْعِبادَةِ، وهي الفَعْلَةُ المَنسُوبَةُ إلى الرَهْبانِ، وهو الخائِفُ، "فَعْلانُ"، مِن "رَهِبَ"، كَـ "خَشْيانُ"، مِن "خَشِيَ"، وانْتِصابُها بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: "وابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها"، أيْ: أخْرَجُوها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ونَذَرُوها،
﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾، لَمْ نَفْرِضْها نَحْنُ عَلَيْهِمْ،
﴿إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ﴾، اِسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ،
﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾، كَما يَجِبُ عَلى الناذِرِ رِعايَةُ نَذْرِهِ، لِأنَّهُ عَهْدٌ مَعَ اللهِ لا يَحِلُّ نَكْثُهُ،
﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ الرَأْفَةِ والرَحْمَةِ، الَّذِينَ اتَّبَعُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -، أوِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ،
﴿وَكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾، كافِرُونَ.
الحديد 57:28
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، اَلْخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ،
﴿اتَّقُوا اللهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾، مُحَمَّدٍ ﷺ،
﴿يُؤْتِكُمْ﴾، اَللَّهُ،
﴿كِفْلَيْنِ﴾، نَصِيبَيْنِ،
﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾، لِإيمانِكم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وإيمانِكم بِمَن قَبْلَهُ،
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ﴾، يَوْمَ القِيامَةِ،
﴿نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، وهو النُورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٢]، اَلْآيَةَ،
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، ذُنُوبَكُمْ،
﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
الحديد 57:29
﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾، لِيَعْلَمَ،
﴿أهْلُ الكِتابِ﴾، اَلَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا، و"لا"، مَزِيدَةٌ،
﴿ألا يَقْدِرُونَ﴾، "أنْ"، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، أصْلُهُ: "أنَّهُ لا يَقْدِرُونَ"، يَعْنِي أنَّ الشَأْنَ لا يَقْدِرُونَ،
﴿عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللهِ﴾ أيْ: لا يَنالُونَ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ مِن فَضْلِ اللهِ، مِنَ الكِفْلَيْنِ، والنُورِ، والمَغْفِرَةِ، لِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَنْفَعْهم إيمانُهم بِمَن قَبْلَهُ، ولَمْ يُكْسِبْهم فَضْلًا قَطُّ،
﴿وَأنَّ الفَضْلَ﴾، عَطْفٌ عَلى "أنْ لا يَقْدِرُونَ"،
﴿بِيَدِ اللهِ﴾ أيْ: في مِلْكِهِ وتَصَرُّفِهِ،
﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾، مِن عِبادِهِ،
﴿واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
المجادلة 58:1
(p-٤٤٤)سُورَةُ "اَلْمُجادَلَةِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ﴾، تُحاوِرُكَ، وقُرِئَ بِها، وهي «خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، امْرَأةُ أوْسِ بْنِ الصامِتِ، أخِي عُبادَةَ، رَآها وهي تُصَلِّي، وكانَتْ حَسَنَةَ الجِسْمِ، فَلَمّا سَلَّمَتْ راوَدَها، فَأبَتْ، فَغَضِبَ، فَظاهَرَ مِنها، فَأتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقالَتْ: إنَّ أوْسًا تَزَوَّجَنِي وأنا شابَّةٌ، مَرْغُوبٌ فِيَّ، فَلَمّا خَلا سِنِّي، ونَثَرَتْ بَطْنِي، أيْ: كَثُرَ ولَدِي، جَعَلَنِي عَلَيْهِ كَأُمِّهِ، ورُوِيَ أنَّها قالَتْ: إنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا، إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا، فَقالَ ﷺ: "ما عِنْدِي في أمْرِكِ شَيْءٌ"، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لَها: "حَرُمْتِ عَلَيْهِ"، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، ما ذَكَرَ طَلاقًا، وإنَّما هو أبُو ولَدِي، وأحَبُّ الناسِ إلَيَّ، فَقالَ: "حَرُمْتِ عَلَيْهِ"، فَقالَتْ: أشْكُو إلى اللهِ فاقَتِي ووَجْدِي، كُلَّما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "حَرُمْتِ عَلَيْهِ"، هَتَفَتْ، وشَكَتْ، فَنَزَلَتْ، »﴿فِي زَوْجِها﴾، في شَأْنِهِ، ومَعْناهُ: ﴿وَتَشْتَكِي إلى اللهِ﴾، تُظْهِرُ ما بِها مِنَ المَكْرُوهِ،
﴿واللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾، (p-٤٤٥)مُراجَعَتَكُما الكَلامَ، مِن "حارَ"، إذا رَجَعَ،
﴿إنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾، يَسْمَعُ شَكْوى المُضْطَرِّ،
﴿بَصِيرٌ﴾، بِحالِهِ.
المجادلة 58:2
﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾، " عاصِمٌ "، "يُظَهِّرُونَ"، "حِجازِيٌّ وبَصْرِيٌّ"، غَيْرُهُمْ: "يَظّاهَرُونَ"، وفي ﴿مِنكُمْ﴾، تَوْبِيخٌ لِلْعَرَبِ، لِأنَّهُ كانَ مِن أيْمانِ أهْلِ جاهِلِيَّتِهِمْ خاصَّةً، دُونَ سائِرِ الأُمَمِ،
﴿مِن نِسائِهِمْ﴾، زَوْجاتِهِمْ،
﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾، "أُمَّهاتُهُمْ"، "اَلْمُفَضَّلُ"، اَلْأوَّلُ "حِجازِيٌّ"، والثانِي "تَمِيمِيٌّ"،
﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ﴾، يُرِيدُ أنَّ الأُمَّهاتِ عَلى الحَقِيقَةِ: اَلْوالِداتُ، والمُرْضِعاتُ مُلْحَقاتٌ بِالوالِداتِ، بِواسِطَةِ الرَضاعِ، وكَذا أزْواجُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لِزِيادَةِ حُرْمَتِهِنَّ، وأمّا الزَوْجاتُ فَأبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الأُمُومَةِ، فَلِذا قالَ: ﴿وَإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ﴾، تُنْكِرُهُ الحَقِيقَةُ، والأحْكامُ الشَرْعِيَّةُ،
﴿وَزُورًا﴾، وكَذِبًا، باطِلًا، مُنْحَرِفًا عَنِ الحَقِّ،
﴿وَإنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾، لِما سَلَفَ مِنهم.
المجادلة 58:3
﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾، بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ ذَلِكَ مِن قائِلِهِ مُنْكَرٌ، وزُورٌ، وبَيَّنَ في الثانِيَةِ حُكْمَ الظِهارِ،
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾، "اَلْعَوْدُ": اَلصَّيْرُورَةُ ابْتِداءً، أوْ بِناءً، فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، ومِنَ الثانِي: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨]، ويُعَدّى بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: "عُدْتُهُ"، إذا أتَيْتَهُ، وصِرْتَ إلَيْهِ، وبِحَرْفِ الجَرِّ، بِـ "إلى"، و"عَلى"، و"فِي"، واللامِ، كَقَوْلِهِ:﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ومِنهُ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ أيْ: يَعُودُونَ لِنَقْضٍ ما قالُوا، أوْ لِتَدارُكِهِ، عَلى حَذْفِ المُضافِ، وعَنْ ثَعْلَبَةَ: "يَعُودُونَ لِتَحْلِيلِ ما حَرَّمُوا"، عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْضًا، غَيْرَ أنَّهُ أرادَ بِـ "ما قالُوا": ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، بِلَفْظِ الظِهارِ، تَنْزِيلًا لِلْقَوْلِ مَنزِلَةَ المَقُولِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠]، أرادَ المَقُولَ فِيهِ، وهو المالُ، والوَلَدُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا أنَّ النَقْضَ بِماذا يَحْصُلُ، فَعِنْدَنا: بِالعَزْمِ عَلى الوَطْءِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -، والحَسَنِ وقَتادَةَ، وعِنْدَ الشافِعِيِّ: بِمُجَرَّدِ الإمْساكِ، وهو ألّا يُطَلِّقَها عُقَيْبَ (p-٤٤٦)الظِهارِ،
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، فَعَلَيْهِ إعْتاقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، أوْ كافِرَةٍ، ولَمْ يَجُزِ المُدَبِّرُ، وأُمُّ الوَلَدِ، والمُكاتَبُ الَّذِي أدّى شَيْئًا،
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، اَلضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ المُظاهِرِ، والمَظاهَرِ مِنها، و"اَلْمُماسَّةُ": اَلِاسْتِمْتاعُ بِها، مِن جِماعٍ، أوْ لَمْسٍ بِشَهْوَةٍ، أوْ نَظَرٍ إلى فَرْجِها بِشَهْوَةٍ،
﴿ذَلِكُمْ﴾، اَلْحُكْمُ،
﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾، لِأنَّ الحُكْمَ بِالكَفّارَةِ دَلِيلٌ عَلى ارْتِكابِ الجِنايَةِ، فَيَجِبُ أنْ تَتَّعِظُوا بِهَذا الحُكْمِ، حَتّى لا تَعُودُوا إلى الظِهارِ، وتَخافُوا عِقابَ اللهِ عَلَيْهِ،
﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، والظِهارُ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ لِامْرَأتِهِ: "أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي"، وإذا وضَعَ مَوْضِعَ "أنْتِ"، عُضْوًا مِنها، يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ الجُمْلَةِ، أوْ مَكانَ الظَهْرِ عُضْوًا آخَرَ يَحْرُمُ النَظَرُ إلَيْهِ مِنَ الأُمِّ، كالبَطْنِ، والفَخْذِ، أوْ مَكانَ "اَلْأُمِّ"، ذاتَ رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنهُ، بِنَسَبٍ، أوْ رِضاعٍ، أوْ صَهْرٍ، أوْ جِماعٍ، نَحْوَ أنْ يَقُولَ: "أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُخْتِي مِنَ الرِضاعِ"، أوْ "عَمَّتِي مِنَ النَسَبِ"، أوْ "اِمْرَأةِ ابْنِي"، أوْ "أمِّ امْرَأتِي"، أوْ "اِبْنَتِها"، فَهو مُظاهِرٌ، وإذا امْتَنَعَ المُظاهِرُ مِنَ الكَفّارَةِ، فَلِلْمَرْأةِ أنْ تُرافِعَهُ، وعَلى القاضِي أنْ يُجْبِرَهُ عَلى أنْ يُكَفِّرَ، وأنْ يَحْبِسَهُ، ولا شَيْءَ مِنَ الكَفّاراتِ يُجْبَرُ عَلَيْهِ ويُحْبَسُ إلّا كَفّارَةُ الظِهارِ، لِأنَّهُ يَضُرُّ بِها في تَرْكِ التَكْفِيرِ، والِامْتِناعِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ، فَإنْ مَسَّ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ، اسْتَغْفَرَ اللهَ، ولا يَعُودُ حَتّى يُكَفِّرَ، وإنْ أعْتَقَ بَعْضَ الرَقَبَةِ، ثُمَّ مَسَّ، فَعَلَيْهِ أنْ يَسْتَأْنِفَ، عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ.
المجادلة 58:4
﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾، اَلرَّقَبَةَ،
﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾، فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ،
﴿مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾، اَلصِّيامَ،
﴿فَإطْعامُ﴾، فَعَلَيْهِ إطْعامُ،
﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ، أوْ صاعٌ مِن غَيْرِهِ، ويَجِبُ أنْ يُقَدِّمَهُ عَلى المَسِيسِ، ولَكِنْ لا يَسْتَأْنِفُ إنْ جامَعَ في خِلالِ الإطْعامِ،
﴿ذَلِكَ﴾، اَلْبَيانُ، والتَعْلِيمُ لِلْأحْكامِ،
﴿لِتُؤْمِنُوا﴾، لِتُصَدِّقُوا،
﴿بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾، في العَمَلِ بِشَرائِعِهِ الَّتِي شَرَعَها، مِنَ الظِهارِ، وغَيْرِهِ، ورَفْضِ ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في جاهِلِيَّتِكُمْ،
﴿وَتِلْكَ﴾ أيْ: اَلْأحْكامُ الَّتِي (p-٤٤٧)وَصَفْنا في الظِهارِ، والكَفّارَةِ،
﴿حُدُودُ اللهِ﴾، اَلَّتِي لا يَجُوزُ تَعَدِّيها،
﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾، اَلَّذِينَ لا يَتَّبِعُونَها،
﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾، مُؤْلِمٌ.
المجادلة 58:5
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾، يُعادُونَ، ويُشاقُّونَ،
﴿كُبِتُوا﴾، أُخْزُوا، وأُهْلِكُوا،
﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، مِن أعْداءِ الرُسُلِ،
﴿وَقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾، تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الرَسُولِ، وصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ،
﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾، بِهَذِهِ الآياتِ،
﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾، يَذْهَبُ بِعِزِّهِمْ، وكِبْرِهِمْ.
المجادلة 58:6
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾، مَنصُوبٌ بِـ "مُهِينٌ"، أوْ بِإضْمارِ "اُذْكُرْ"، تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ،
﴿اللهُ جَمِيعًا﴾، كُلَّهُمْ، لا يَتْرُكُ مِنهم أحَدًا غَيْرَ مَبْعُوثٍ، أوْ مُجْتَمِعِينَ في حالٍ واحِدَةٍ،
﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾، تَخْجِيلًا لَهُمْ، وتَوْبِيخًا، وتَشْهِيرًا بِحالِهِمْ، يَتَمَنَّوْنَ عِنْدَهُ المُسارَعَةَ بِهِمْ إلى النارِ، لِما يَلْحَقُهم مِنَ الخِزْيِ عَلى رءوس الأشْهادِ،
﴿أحْصاهُ اللهُ﴾، أحاطَ بِهِ عَدَدًا، لَمْ يَفُتْهُ مِنهُ شَيْءٌ،
﴿وَنَسُوهُ﴾، لِأنَّهم تَهاوَنُوا بِهِ حِينَ ارْتَكَبُوهُ، وإنَّما تُحْفَظُ مُعَظَّماتُ الأُمُورِ،
﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، لا يَغِيبُ عَنْ شَيْءٍ.
المجادلة 58:7
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ﴾، مِن "كانَ"، اَلتّامَّةِ، أيْ: "ما يَقَعُ"،
﴿مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾، "اَلنَّجْوى": اَلتَّناجِي، وقَدْ أُضِيفَتْ إلى "ثَلاثَةٍ"، أيْ: "مِن نَجْوى ثَلاثَةِ نَفَرٍ"،
﴿إلا هُوَ﴾ أيْ: اَللَّهُ،
﴿رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى﴾، ولا أقَلَّ،
﴿مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهُمْ﴾، يَعْلَمُ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ ما هم فِيهِ، وقَدْ تَعالى عَنِ المَكانِ عُلُوًّا كَبِيرًا، وتَخْصِيصُ الثَلاثَةِ، والخَمْسَةِ، لِأنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وكانُوا يَتَحَلَّقُونَ لِلتَّناجِي، مُغايَظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، عَلى هَذَيْنِ العَدَدَيْنِ، وقِيلَ: ما يَتَناجى مِنهم ثَلاثَةٌ ولا خَمْسَةٌ ولا أدْنى مِن عَدَدَيْهِمْ ولا أكْثَرُ، إلّا واللهُ مَعَهُمْ، يَسْمَعُ (p-٤٤٨)ما يَقُولُونَ، ولِأنَّ أهْلَ التَناجِي في العادَةِ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الرَأْيِ، والتَجارِبِ، وأوَّلُ عَدَدِهِمْ الِاثْنانِ، فَصاعِدًا، إلى خَمْسَةٍ، إلى سِتَّةٍ، إلى ما اقْتَضَتْهُ الحالُ، فَذَكَرَ - عَزَّ وعَلا - الثَلاثَةَ، والخَمْسَةَ، وقالَ: "وَلا أدْنى مِن ذَلِكَ"، فَدَلَّ عَلى الِاثْنَيْنِ، والأرْبَعَةِ، وقالَ: "وَلا أكْثَرَ"، فَدَلَّ عَلى ما يُقارِبُ هَذا العَدَدَ،
﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾، فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ،
﴿إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
المجادلة 58:8
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَسُولِ﴾، كانَتِ اليَهُودُ، والمُنافِقُونَ، يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهُمْ، ويَتَغامَزُونَ بِأعْيُنِهِمْ إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ، ويُرِيدُونَ أنْ يَغِيظُوهُمْ، ويُوهِمُوهم في نَجْواهم وتَغامُزِهِمْ أنَّ غُزاتِهِمْ غُلِبُوا، وأنَّ أقارِبَهم قُتِلُوا، فَنَهاهم رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَعادُوا لِمِثْلِ فِعْلِهِمْ، وكانَ تَناجِيهِمْ بِما هو إثْمٌ، وعُدْوانٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَواصٍ بِمَعْصِيَةِ الرَسُولِ، ومُخالَفَتِهِ، "وَيَتَنَجَّوْنَ"، " حَمْزَةُ "، وهو بِمَعْنى الأوَّلِ،
﴿وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ﴾، يَعْنِي أنَّهم يَقُولُونَ في تَحِيَّتِكَ: اَلسّامُ عَلَيْكَ، و"اَلسّامُ": اَلْمَوْتُ، واللهُ (تَعالى) يَقُولُ: ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩]، " يا أيُّها الرَسُولُ "، و" يا أيُّها النَبِيُّ "،
﴿وَيَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ أيْ: يَقُولُونَ فِيما بَيْنَهُمْ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَعاقَبَنا اللهُ بِما نَقُولُهُ، فَقالَ اللهُ (تَعالى): ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ﴾، عَذابًا،
﴿يَصْلَوْنَها﴾، حالٌ، أيْ: يَدْخُلُونَها،
﴿فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾، اَلْمَرْجِعُ، جَهَنَّمُ.
المجادلة 58:9
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، بِألْسِنَتِهِمْ، وهو خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والظاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ،
﴿إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَسُولِ﴾ أيْ: إذا تَناجَيْتُمْ، فَلا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ، والمُنافِقِينَ، في تَناجِيهِمْ بِالشَرِّ،
﴿وَتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾، بِأداءِ الفَرائِضِ والطاعاتِ،
﴿والتَقْوى﴾، وتَرْكِ المَعاصِي،
﴿واتَّقُوا اللهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، (p-٤٤٩)لِلْحِسابِ، فَيُجازِيكم بِما تَتَناجَوْنَ بِهِ مِن خَيْرٍ، أوْ شَرٍّ.
المجادلة 58:10
﴿إنَّما النَجْوى﴾، بِالإثْمِ والعُدْوانِ،
﴿مِنَ الشَيْطانِ﴾، مِن تَزْيِينِهِ،
﴿لِيَحْزُنَ﴾ أيْ: اَلشَّيْطانُ، وبِضَمِّ الياءِ، " نافِعٌ "،
﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ﴾، اَلشَّيْطانُ، أوِ الحُزْنُ،
﴿بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللهِ﴾، بِعِلْمِهِ، وقَضائِهِ، وقَدَرِهِ،
﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يَكِلُونَ أمْرَهم إلى اللهِ، ويَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنَ الشَيْطانِ.
المجادلة 58:11
" ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾ "، تَوَسَّعُوا فِيهِ، "فِي المَجالِسِ"، " عاصِمٌ ونافِعٌ "، والمُرادُ مَجْلِسُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكانُوا يَتَضامُّونَ فِيهِ، تَنافُسًا عَلى القُرْبِ مِنهُ، وحِرْصًا عَلى اسْتِماعِ كَلامِهِ، وقِيلَ: هو المَجْلِسُ مِن مَجالِسِ القِتالِ، وهي مَراكِزُ الغُزاةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، "مُقاتِلٌ": في صَلاةِ الجُمُعَةِ،
﴿فافْسَحُوا﴾، فَوَسِّعُوا،
﴿يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾، مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَبْتَغِي الناسُ الفُسْحَةَ فِيهِ مِنَ المَكانِ، والرِزْقِ، والصَدْرِ، والقَبْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ،
﴿وَإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾، اِنْهَضُوا، لِلتَّوْسِعَةِ عَلى المُقْبِلِينَ، أوْ: اِنْهَضُوا عَنْ مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إذا أُمِرْتُمْ بِالنُهُوضِ عَنْهُ، أوْ: اِنْهَضُوا إلى الصَلاةِ، والجِهادِ، وأعْمالِ الخَيْرِ،
﴿فانْشُزُوا﴾، بِالضَمِّ فِيهِما، "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وعاصِمٌ غَيْرَ حَمّادٍ "،
﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾، بِامْتِثالِ أوامِرِهِ، وأوامِرِ رَسُولِهِ،
﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾، والعالِمِينَ مِنهم خاصَّةً،
﴿دَرَجاتٍ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وفي الدَرَجاتِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: في الدُنْيا، في المَرْتَبَةِ، والشَرَفِ، والآخَرُ: في الآخِرَةِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: "يا أيُّها الناسُ افْهَمُوا هَذِهِ الآيَةَ، ولْتُرَغِّبْكم في العِلْمِ"، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "فَضْلُ العالِمِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ"، » وعَنْهُ ﷺ: " «عِبادَةُ العالِمِ يَوْمًا واحِدًا تَعْدِلُ عِبادَةَ العابِدِ أرْبَعِينَ (p-٤٥٠)سَنَةً" »، وعَنْهُ ﷺ: " «يَشْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: اَلْأنْبِياءُ، ثُمَّ العُلَماءُ، ثُمَّ الشُهَداءُ » "، فَأعْظِمْ بِمَرْتَبَةٍ هي واسِطَةٌ بَيْنَ النُبُوَّةِ والشَهادَةِ! بِشَهادَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "خُيِّرَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَلامُ - بَيْنَ العِلْمِ والمالِ والمُلْكِ، فاخْتارَ العِلْمَ، فَأُعْطِي المالَ والمُلْكَ مَعَهُ"، وقالَ ﷺ: " «أوْحى اللهُ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -: (يا إبْراهِيمُ، إنِّي عَلِيمٌ، أُحِبُّ كُلَّ عَلِيمٍ)" »، وعَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ: "لَيْتَ شِعْرِي، أيَّ شَيْءٍ أدْرَكَ مَن فاتَهُ العِلْمُ، وأيُّ شَيْءٍ فاتَ مَن أدْرَكَ العِلْمَ"، وعَنِ الزُبَيْرِيِّ: "اَلْعِلْمُ ذَكَرٌ، فَلا يُحِبُّهُ إلّا ذُكُورَةُ الرِجالِ"، والعُلُومُ أنْواعٌ، فَأشْرَفُها أشْرَفُها مَعْلُومًا.
المجادلة 58:12
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَسُولَ﴾، إذا أرَدْتُمْ مُناجاتَهُ،
﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ أيْ: قَبْلَ نَجْواكُمْ، هي اسْتِعارَةٌ مِمَّنْ لَهُ يَدانِ، كَقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "مِن أفْضَلِ ما أُوتِيَتِ العَرَبُ الشِعْرُ، يُقَدِّمُهُ الرَجُلُ أمامَ حاجَتِهِ، فَيَسْتَمْطِرُ بِهِ الكَرِيمَ، ويَسْتَنْزِلُّ بِهِ اللَئِيمَ"، يُرِيدُ: "قَبْلَ حاجَتِهِ "،
﴿ذَلِكَ﴾، اَلتَّقْدِيمُ،
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، في دِينِكُمْ،
﴿وَأطْهَرُ﴾، لِأنَّ الصَدَقَةَ طُهْرَةٌ،
﴿وَأطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا﴾، ما تَتَصَدَّقُونَ بِهِ،
﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، في تَرْخِيصِ المُناجاةِ مِن غَيْرِ صَدَقَةٍ، قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيالٍ، ثُمَّ نُسِخَ، وقِيلَ: ما كانَ إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ، ثُمَّ نُسِخَ، «وَقالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: هَذِهِ آيَةٌ مِن كِتابِ اللهِ ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي، ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي، كانَ لِي دِينارٌ فَصَرَفْتُهُ، فَكُنْتُ إذا ناجَيْتُهُ تَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ، وسَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَشْرَ مَسائِلَ، فَأجابَنِي عَنْها، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ما الوَفاءُ؟ قالَ: "اَلتَّوْحِيدُ، وشَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ"، قُلْتُ: وما الفَسادُ؟ قالَ: "اَلْكُفْرُ، والشِرْكُ بِاللهِ"، قُلْتُ: وما الحَقُّ؟ قالَ: "اَلْإسْلامُ، والقُرْآنُ، والوَلايَةُ إذا انْتَهَتْ إلَيْكَ"، قُلْتُ: وما الحِيلَةُ: قالَ: "تَرْكُ الحِيلَةِ"، قُلْتُ: وما عَلَيَّ؟ قالَ: "طاعَةُ اللهِ، وطاعَةُ رَسُولِهِ"، قُلْتُ: وكَيْفَ أدْعُو اللهَ (تَعالى)؟ قالَ: "بِالصِدْقِ، واليَقِينِ"، قُلْتُ: وماذا (p-٤٥١)أسْألُ اللهَ؟ قالَ: "اَلْعافِيَةَ"، قُلْتُ: وما أصْنَعُ لِنَجاةِ نَفْسِي؟ قالَ: "كُلْ حَلالًا، وقُلْ صِدْقًا"، قُلْتُ: وما السُرُورُ؟ قالَ: "اَلْجَنَّةُ"، قُلْتُ: وما الراحَةُ؟ قالَ: "لِقاءُ اللهِ"، فَلَمّا فَرَغْتُ مِنها نَزَلَ نَسْخُها ».
المجادلة 58:13
﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾، أخِفْتُمْ تَقْدِيمَ الصَدَقاتِ، لِما فِيهِ مِنَ الإنْفاقِ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ؟! ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾، ما أُمِرْتُمْ بِهِ، وشَقَّ عَلَيْكُمْ،
﴿وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: خَفَّفَ عَنْكُمْ، وأزالَ عَنْكُمُ المُؤاخَذَةَ بِتَرْكِ تَقْدِيمِ الصَدَقَةِ عَلى المُناجاةِ، كَما أزالَ المُؤاخَذَةَ بِالذَنْبِ عَنِ التائِبِ عَنْهُ،
﴿فَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: فَلا تُفَرِّطُوا في الصَلاةِ، والزَكاةِ، وسائِرِ الطاعاتِ،
﴿واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾، وهَذا وعْدٌ، ووَعِيدٌ.
المجادلة 58:14
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾، كانَ المُنافِقُونَ يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ، وهُمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]، ويَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ،
﴿ما هم مِنكُمْ﴾، يا مُسْلِمُونَ،
﴿وَلا مِنهُمْ﴾، ولا مِنَ اليَهُودِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ أيْ: يَقُولُونَ: واللهِ إنّا لَمُسْلِمُونَ، لا مُنافِقُونَ،
﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾، أنَّهم كاذِبُونَ، مُنافِقُونَ.
المجادلة 58:15
﴿أعَدَّ اللهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾، نَوْعًا مِنَ العَذابِ، مُتَفاقِمًا،
﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، كانُوا في الزَمانِ الماضِي مُصِرِّينَ عَلى سُوءِ العَمَلِ، وهي حِكايَةُ ما يُقالُ لَهم في الآخِرَةِ.
المجادلة 58:16
﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ﴾، اَلْكاذِبَةَ،
﴿جُنَّةً﴾، وِقايَةً دُونَ دِمائِهِمْ، وأمْوالِهِمْ، (p-٤٥٢)﴿فَصَدُّوا﴾، اَلنّاسَ في خِلالِ أمْنِهِمْ، وسَلامَتِهِمْ،
﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾، عَنْ طاعَتِهِ، والإيمانِ بِهِ،
﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾، وعَدَهُمُ العَذابَ المُخْزِيَ لِكُفْرِهِمْ، وصَدِّهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨]
المجادلة 58:17
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللهِ﴾، مِن عَذابِ اللهِ،
﴿شَيْئًا﴾، قَلِيلًا، مِن "اَلْإغْناءُ"،
﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
المجادلة 58:18
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أيْ: لِلَّهِ، في الآخِرَةِ، أنَّهم كانُوا مُخْلِصِينَ في الدُنْيا، غَيْرَ مُنافِقِينَ،
﴿كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾، في الدُنْيا عَلى ذَلِكَ،
﴿وَيَحْسَبُونَ أنَّهُمْ﴾، في الدُنْيا،
﴿عَلى شَيْءٍ﴾، مِنَ النَفْعِ، أوْ يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ مِنَ النَفْعِ بِأيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ، كَما انْتَفَعُوا هَهُنا،
﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾، حَيْثُ اسْتَوَتْ حالُهم في الدُنْيا، والآخِرَةِ.
المجادلة 58:19
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ﴾، اِسْتَوْلى عَلَيْهِمْ،
﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللهِ﴾، قالَ شاهُ الكِرْمانِيُّ: "عَلامَةُ اسْتِحْواذِ الشَيْطانِ عَلى العَبْدِ أنْ يَشْغَلَهُ بِعِمارَةٍ ظاهِرِهِ، مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ، والمَلابِسِ، ويَشْغَلُ قَلْبَهُ عَنِ التَفَكُّرِ في آلاءِ اللهِ ونَعْمائِهِ، والقِيامِ بِشُكْرِها، ويَشْغَلُ لِسانَهُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، بِالكَذِبِ، والغِيبَةِ، والبُهْتانِ، ويَشْغَلُ لُبَّهُ عَنِ التَفَكُّرِ والمُراقَبَةِ بِتَدْبِيرِ الدُنْيا وجَمْعِها"،
﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَيْطانِ﴾، جُنْدُهُ،
﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
المجادلة 58:20
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾، في جُمْلَةِ مَن هو أذَلُّ خَلْقِ اللهِ (تَعالى)، لا تَرى أحَدًا أذَلَّ مِنهم.
المجادلة 58:21
﴿كَتَبَ اللهُ﴾، في اللَوْحِ،
﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، بِالحُجَّةِ والسَيْفِ، أوْ بِأحَدِهِما،
﴿إنَّ اللهَ قَوِيٌّ﴾، لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُ،
﴿عَزِيزٌ﴾، غالِبٌ، غَيْرُ مَغْلُوبٍ.
المجادلة 58:22
(p-٤٥٣)﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ﴾، هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ "تَجِدُ"، أوْ حالٌ، أوْ صِفَةٌ لِـ "قَوْمًا"، "تَجِدُ"، بِمَعْنى: تَصادِفُ عَلى هَذا،
﴿مَن حادَّ اللهَ﴾، خالَفَهُ، وعاداهُ،
﴿وَرَسُولَهُ﴾ أيْ: مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ تَجِدَ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ يُوالُونَ المُشْرِكِينَ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ، وحَقُّهُ أنْ يُمْتَنَعَ، ولا يُوجَدَ بِحالٍ، مُبالَغَةً في الزَجْرِ عَنْ مُجانَبَةِ أعْداءِ اللهِ، ومُباعَدَتِهِمْ، والِاحْتِرازِ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ، ومُعاشَرَتِهِمْ، وزادَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، وتَشْدِيدًا، بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾، وبِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ أيْ: وأثْبَتَهُ فِيها، وبِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ: "أُولَئِكَ حِزْبُ الشَيْطانِ"، بِقَوْلِهِ: "أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ"،
﴿وَأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ أيْ: بِكِتابٍ أنْزَلَهُ، فِيهِ حَياةٌ لَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْإيمانِ، أيْ: بِرُوحٍ مِنَ الإيمانِ، عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ رُوحٌ لِحَياةِ القُلُوبِ بِهِ، وعَنِ الثَوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: "كانُوا يَرَوْنَ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن يَصْحَبُ السُلْطانَ"، وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رَوّادٍ أنَّهُ لَقِيَهُ المَنصُورُ، فَلَمّا عَرَفَهُ هَرَبَ مِنهُ، وتَلاها، وقالَ سَهْلٌ: "مَن صَحَّحَ إيمانَهُ، وأخْلَصَ تَوْحِيدَهُ، فَإنَّهُ لا يَأْنَسُ بِمُبْتَدِعٍ، ولا يُجالِسُهُ، ويُظْهِرُ لَهُ مِن نَفْسِهِ العَداوَةَ، ومَن داهَنَ مُبْتَدِعًا سَلَبَهُ اللهُ حَلاوَةَ السُنَنِ، ومَن أجابَ مُبْتَدِعًا لِطَلَبِ عِزِّ الدُنْيا، أوْ غِناها، أذَلَّهُ اللهُ بِذَلِكَ العِزِّ، وأفْقَرَهُ بِذَلِكَ الغِنى، ومَن ضَحِكَ إلى مُبْتَدِعٍ نَزَعَ اللهُ نُورَ الإيمانِ مِن قَلْبِهِ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْ فَلْيُجَرِّبْ"،
﴿وَيُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ﴾، بِتَوْحِيدِهِمُ الخالِصِ، وطاعَتِهِمْ،
﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾، بِثَوابِهِ الجَسِيمِ في الآخِرَةِ، أوْ بِما قَضى عَلَيْهِمْ في الدُنْيا،
﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ﴾، أنْصارُ حَقِّهِ، ورُعاةُ خَلْقِهِ،
﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، اَلْباقُونَ في النَعِيمِ المُقِيمِ، الفائِزُونَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، الآمِنُونَ مِن كُلِّ مَرْهُوبٍ.
الحشر 59:1
(p-٤٥٤)سُورَةُ "اَلْحَشْرِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، رُوِيَ أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ بِأسْرِها في بَنِي النَضِيرِ، وذَلِكَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ صالَحَ بَنُو النَضِيرِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلى ألّا يَكُونُوا عَلَيْهِ، ولا لَهُ، فَلَمّا ظَهَرَ يَوْمَ " بَدْرٍ "، قالُوا: هو النَبِيُّ الَّذِي نَعْتُهُ في التَوْراةِ، فَلَمّا هُزِمَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ " أُحُدٍ "، اِرْتابُوا، ونَكَثُوا، فَخَرَجَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في أرْبَعِينَ راكِبًا إلى مَكَّةَ، فَحالَفَ أبا سُفْيانَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَأمَرَ ﷺ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الأنْصارِيَّ، فَقَتَلَ كَعْبًا غِيلَةً، ثُمَّ خَرَجَ ﷺ مَعَ الجَيْشِ إلَيْهِمْ، فَحاصَرَهم إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وأمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ، فَلَمّا قَذَفَ اللهُ الرُعْبَ في قُلُوبِهِمْ، طَلَبُوا الصُلْحَ، فَأبى عَلَيْهِمْ إلّا الجَلاءَ، عَلى أنْ يَحْمِلَ كُلُّ ثَلاثَةِ أبْياتٍ عَلى بَعِيرٍ ما شاؤُوا مِن مَتاعِهِمْ، فَجَلَوْا إلى الشامِ، إلى أرِيحاءَ، وأذْرِعاتٍ ».
الحشر 59:2
﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، يَعْنِي يَهُودَ بَنِي النَضِيرِ،
﴿مِن دِيارِهِمْ﴾، بِالمَدِينَةِ، واللامُ في ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾، تَتَعَلَّقُ بِـ "أخْرَجَ"، وهي اللامُ في (p-٤٥٥)قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤]، وقَوْلِهِ: "جِئْتُهُ لِوَقْتِ كَذا"، أيْ: أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا عِنْدَ أوَّلِ الحَشْرِ، ومَعْنى "أوَّلِ الحَشْرِ": أنَّ هَذا أوَّلُ حَشْرِهِمْ إلى الشامِ، وكانُوا مِن سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهم جَلاءٌ قَطُّ، وهم أوَّلُ مَن أُخْرِجَ مِن أهْلِ الكِتابِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ، إلى الشامِ، أوْ: هَذا أوَّلُ حَشْرِهِمْ، وآخِرُ حَشْرِهِمْ إجْلاءُ عُمَرَ إيّاهم مِن خَيْبَرَ إلى الشامِ، وآخِرُ حَشْرِهِمْ حَشْرُ يَوْمِ القِيامَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "مَن شَكَّ أنَّ المَحْشَرَ بِالشامِ، فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ، فَهُمُ الحَشْرُ الأوَّلُ، وسائِرُ الناسِ الحَشْرُ الثانِي"، وقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمّا خَرَجُوا: « "اِمْضُوا، فَإنَّكم أوَّلُ الحَشْرِ، » ونَحْنُ عَلى الأثَرِ"، قَتادَةُ: "إذا كانَ آخِرُ الزَمانِ جاءَتْ نارٌ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، فَحَشَرَتِ الناسَ إلى أرْضِ الشامِ، وبِها تَقُومُ عَلَيْهِمُ القِيامَةُ"، وقِيلَ: مَعْناهُ: أخْرَجَهم مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ ما حُشِرَ، لِقِتالِهِمْ، لِأنَّهُ أوَّلُ قِتالٍ قاتَلَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ،
﴿ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا﴾، لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ، ومَنعَتِهِمْ، ووَثاقَةِ حُصُونِهِمْ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وعُدَّتِهِمْ،
﴿وَظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللهِ﴾ أيْ: ظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم مِن بَأْسِ اللهِ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا التَرْكِيبِ، وبَيْنَ النَظْمِ الَّذِي جاءَ عَلَيْهِ، أنَّ في تَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَإ دَلِيلًا عَلى فَرْطِ وُثُوقِهِمْ بِحَصانَتِها، ومَنعِها إيّاهُمْ، وفي تَصْيِيرِ ضَمِيرِهِمُ اسْمًا، لِأنَّ في إسْنادِ الجُمْلَةِ إلَيْهِ دَلِيلًا عَلى اعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم في عِزَّةٍ ومَنعَةٍ، لا يُبالى مَعَها بِأحَدٍ يَتَعَرَّضُ لَهُمْ، أوْ يَطْمَعُ في مُغازَّتِهِمْ، ولَيْسَ ذَلِكَ في قَوْلِكَ: "وَظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهُمْ"،
﴿فَأتاهُمُ اللهُ﴾ أيْ: أمْرُ اللهِ، وعِقابُهُ، وفي الشَواذِّ: "فَآتاهُمُ اللهُ"، أيْ: فَآتاهُمُ الهَلاكَ،
﴿مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، مِن حَيْثُ لَمْ يَظُنُّوا، ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ، وهو قَتْلُ رَئِيسِهِمْ، كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، غِرَّةً، عَلى يَدِ أخِيهِ رَضاعًا،
﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ﴾، اَلْخَوْفَ،
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾، "يُخَرِّبُونَ"، " أبُو عَمْرٍو "، و"اَلتَّخْرِيبُ"، و"اَلْإخْرابُ": اَلْإفْسادُ بِالنَقْضِ، والهَدْمِ، و"اَلْخَرْبَةُ": اَلْفَسادُ، كانُوا (p-٤٥٦)يُخْرِبُونَ بَواطِنَها، والمُسْلِمُونَ ظَواهِرَها، لِما أرادَ اللهُ مِنَ اسْتِئْصالِ شَأْنِهِمْ، وأنْ لا تَبْقى لَهم بِالمَدِينَةِ دارٌ، ولا مِنهم دَيّارٌ، والَّذِي دَعاهم إلى التَخْرِيبِ حاجَتُهم إلى الخَشَبِ، والحِجارَةِ، لِيَسُدُّوا بِها أفْواهَ الأزِقَّةِ، وألّا يَتَحَسَّرُوا، بَعْدَ جَلائِهِمْ، عَلى بَقائِها مَساكِنَ لِلْمُسْلِمِينَ، وأنْ يَنْقُلُوا مَعَهم ما كانَ في أبْنِيَتِهِمْ، مِن جَيِّدِ الخَشَبِ، والساجِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَداعِيهِمْ إلى التَخْرِيبِ إزالَةُ مُتَحَصَّنِهِمْ، وأنْ يَتَّسِعَ لَهم مَجالُ الحَرْبِ، ومَعْنى تَخْرِيبِهِمْ لَها بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ أنَّهم لَمّا عَرَّضُوهم بِنَكْثِ العَهْدِ لِذَلِكَ، وكانُوا السَبَبَ فِيهِ، فَكَأنَّهم أمَرُوهم بِهِ، وكَلَّفُوهم إيّاهُ،
﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ أيْ: فَتَأمَّلُوا فِيما نَزَلَ بِهَؤُلاءِ، والسَبَبِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ، فاحْذَرُوا أنْ تَفْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِمْ، فَتُعاقَبُوا بِمِثْلِ عُقُوبَتِهِمْ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ القِياسِ.
الحشر 59:3
﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾، اَلْخُرُوجَ مِنَ الوَطَنِ، مَعَ الأهْلِ، والوَلَدِ،
﴿لَعَذَّبَهم في الدُنْيا﴾، بِالقَتْلِ، والسَبْيِ، كَما فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ،
﴿وَلَهُمْ﴾، سَواءٌ أُجْلُوا، أوْ قُتِلُوا،
﴿فِي الآخِرَةِ عَذابُ النارِ﴾، اَلَّذِي لا أشَدَّ مِنهُ.
الحشر 59:4
﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: إنَّما أصابَهم ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿شاقُّوا اللهَ﴾، خالَفُوهُ،
﴿وَرَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللهَ﴾، ورَسُولَهُ،
﴿فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾
الحشر 59:5
﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾، هو بَيانٌ لِـ "ما قَطَعْتُمْ"، ومَحَلُّ "ما"، نَصْبٌ بِـ "قَطَعْتُمْ"، كَأنَّهُ قِيلَ: "أيَّ شَيْءٍ قَطَعْتُمْ؟"، وأنَّثَ الضَمِيرَ الراجِعَ إلى "ما"، في قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها﴾، لِأنَّهُ في مَعْنى: "اَللِّينَةُ"، و"اَللِّينَةُ"، مِن "اَلْألْوانُ"، وياؤُها عَنْ واوٍ، قُلِبَتْ لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وقِيلَ: "اَللِّينَةُ": اَلنَّخْلَةُ الكَرِيمَةُ، كَأنَّهُمُ اشْتَقُّوها مِن "اَللِّينُ"،
﴿قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللهِ﴾، فَقَطْعُها، وتَرْكُها بِإذْنِ اللهِ،
﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾، ولِيُذِلَّ اليَهُودَ، ويَغِيظَهُمْ، أذِنَ في قَطْعِها.
الحشر 59:6
﴿وَما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾، جَعَلَهُ فَيْئًا لَهُ خاصَّةً،
﴿مِنهُمْ﴾، مِن بَنِي النَضِيرِ، (p-٤٥٧)﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِإيجافِ خَيْلٍ أوْ رِكابٍ مِنكم عَلى ذَلِكَ، و"اَلرِّكابُ": اَلْإبِلُ، والمَعْنى: فَما أوْجَفْتُمْ عَلى تَحْصِيلِهِ وتَغْنِيمِهِ خَيْلًا، ولا رِكابًا، ولا تَعِبْتُمْ في القِتالِ عَلَيْهِ، وإنَّما مَشَيْتُمْ إلَيْهِ عَلى أرْجُلِكُمْ، لِأنَّهُ عَلى مِيلَيْنِ مِنَ المَدِينَةِ، وكانَ ﷺ عَلى حِمارٍ، فَحَسْبُ،
﴿وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾، يَعْنِي أنَّ ما خَوَّلَ اللهُ رَسُولَهُ مِن أمْوالِ بَنِي النَضِيرِ شَيْءٌ لَمْ تُحَصِّلُوهُ بِالقِتالِ، والغَلَبَةِ، ولَكِنْ سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، وعَلى ما في أيْدِيهِمْ، كَما كانَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى أعْدائِهِمْ، فالأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ، يَضَعُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ولا يُقَسِّمُهُ قِسْمَةَ الغَنائِمِ الَّتِي قُوتِلَ عَلَيْها، وأُخِذَتْ عَنْوَةً وقَهْرًا، فَقَسَّمَها بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ إلّا ثَلاثَةً مِنهُمْ، لِفَقْرِهِمْ،
﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
الحشر 59:7
﴿ما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ﴾، وإنَّما لَمْ يَدْخُلِ العاطِفُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ لِأنَّها بَيانٌ لِلْأُولى، فَهي مِنها، غَيْرُ أجْنَبِيَّةٍ عَنْها، بَيَّنَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ما يَصْنَعُ بِما أفاءَ اللهُ عَلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يَضَعَهُ حَيْثُ يَضَعُ الخُمْسَ مِنَ الغَنائِمِ مَقْسُومَةً عَلى الأقْسامِ الخَمْسَةِ، وزَيَّفَ هَذا القَوْلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ: اَلْآيَةُ الأُولى نَزَلَتْ في أمْوالِ بَنِي النَضِيرِ، وقَدْ جَعَلَها اللهُ لِرَسُولِهِ خاصَّةً، وهَذِهِ الآيَةُ في غَنائِمِ كُلِّ قَرْيَةٍ، تُؤْخَذُ بِقُوَّةِ الغَزاةِ، وفي الآيَةِ بَيانُ مَصْرِفِ خُمْسِها، فَهي مُبْتَدَأةٌ،
﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾، "تَكُونُ دُولَةٌ"، "يَزِيدُ"، عَلى "كانَ"، اَلتّامَّةِ، و"اَلدُّولَةُ"، و"اَلدَّوْلَةُ": ما يَدُولُ لِلْإنْسانِ، أيْ: يَدُورُ مِنَ الجِدِّ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾، كَيْ لا يَكُونَ الفَيْءُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُعْطى الفُقَراءَ لِيَكُونَ لَهم بُلْغَةً يَعِيشُونَ بِها، جَدًّا بَيْنَ الأغْنِياءِ، يَتَكاثَرُونَ بِهِ،
﴿وَما آتاكُمُ الرَسُولُ﴾ أيْ: ما أعْطاكم مِن قِسْمَةِ غَنِيمَةٍ، أوْ فَيْءٍ،
﴿فَخُذُوهُ﴾، فاقْبَلُوهُ،
﴿وَما نَهاكم عَنْهُ﴾، عَنْ أخْذِهِ مِنها،
﴿فانْتَهُوا﴾، عَنْهُ، ولا تَطْلُبُوهُ،
﴿واتَّقُوا اللهَ﴾، أنْ تُخالِفُوهُ، وتَتَهاوَنُوا بِأوامِرِهِ، ونَواهِيهِ،
﴿إنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾، لِمَن خالَفَ رَسُولَ اللهِ (p-٤٥٨)ﷺ، والأجْوَدُ أنَّهُ يَكُونُ عامًّا في كُلِّ ما آتى رَسُولُهُ ﷺ، ونَهى عَنْهُ، وأمْرُ الفَيْءِ داخِلٌ في عُمُومِهِ.
الحشر 59:8
﴿لِلْفُقَراءِ﴾، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "وَلِذِي القُرْبى"، والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والَّذِي مَنَعَ الإبْدالَ مِنَ "لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ" - وإنْ كانَ المَعْنى لِرَسُولِ اللهِ - أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أخْرَجَ رَسُولَهُ مِنَ الفُقَراءِ، في قَوْلِهِ: "وَيَنْصُرُونَ اللهَ ورَسُولَهُ"، وأنَّهُ يَتَرَفَّعُ بِرَسُولِ اللهِ عَنِ التَسْمِيَةِ بِالفَقِيرِ، وأنَّ الإبْدالَ عَلى ظاهِرِ اللَفْظِ مِن خِلافِ الواجِبِ في تَعْظِيمِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -،
﴿المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ﴾، بِمَكَّةَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَمْلِكُونَ بِالِاسْتِيلاءِ أمْوالَ المُسْلِمِينَ، لِأنَّ اللهَ (تَعالى) سَمّى المُهاجِرِينَ "فُقَراءَ"، مَعَ أنَّهُ كانَتْ لَهم دِيارٌ وأمْوالٌ،
﴿يَبْتَغُونَ﴾، حالٌ،
﴿فَضْلا مِنَ اللهِ ورِضْوانًا﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ الجَنَّةَ، ورِضْوانَ اللهِ،
﴿وَيَنْصُرُونَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: يَنْصُرُونَ دِينَ اللهِ، ويُعِينُونَ رَسُولَهُ،
﴿أُولَئِكَ هُمُ الصادِقُونَ﴾، في إيمانِهِمْ، وجِهادِهِمْ.
الحشر 59:9
﴿والَّذِينَ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى "اَلْمُهاجِرِينَ"، وهُمُ الأنْصارُ،
﴿تَبَوَّءُوا الدارَ﴾، تَوَطَّنُوا المَدِينَةَ،
﴿والإيمانَ﴾، وأخْلَصُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ:
؎ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا......................
أوْ: وجَعَلُوا الإيمانَ مُسْتَقَرًّا، ومُتَوَطَّنًا لَهُمْ، لِتَمَكُّنِهِمْ، واسْتِقامَتِهِمْ عَلَيْهِ، كَما جَعَلُوا المَدِينَةَ كَذَلِكَ، أوْ أرادَ دارَ الهِجْرَةِ، فَأقامَ لامَ التَعْرِيفِ في "اَلدّارَ"، مَقامَ المُضافِ إلَيْهِ، وحَذَفَ المُضافَ مِن "دارَ الإيمانِ"، ووَضَعَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ،
﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾، مِن قَبْلِ المُهاجِرِينَ، لِأنَّهم سَبَقُوهم في تَبَوُّءِ دارِ الهِجْرَةِ، والإيمانِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ هِجْرَتِهِمْ،
﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾، حَتّى شاطَرُوهم أمْوالَهُمْ، وأنْزَلُوهم مَنازِلَهُمْ، ونَزَلَ مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ عَنْ إحْداهُما، حَتّى تَزَوَّجَ بِها رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ،
﴿وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾، ولا يَعْلَمُونَ في أنْفُسِهِمْ طَلَبَ مُحْتاجٍ إلَيْهِ مِمّا أُوتِيَ المُهاجِرُونَ مِنَ الفَيْءِ، وغَيْرِهِ، (p-٤٥٩)وَ"اَلْمُحْتاجُ إلَيْهِ"، يُسَمّى "حاجَةً"، يَعْنِي أنَّ نُفُوسَهم لَمْ تَتْبَعْ ما أعْطَوْا، ولَمْ تَطْمَحْ إلى شَيْءٍ مِنهُ تَحْتاجُ إلَيْهِ، وقِيلَ: "حاجَةً": حَسَدًا مِمّا أُعْطِيَ المُهاجِرُونَ مِنَ الفَيْءِ، حَيْثُ خَصَّهُمُ النَبِيُّ ﷺ بِهِ، وقِيلَ: "لا يَجِدُّونَ في صُدُورِهِمْ مِن حاجَةٍ مِن فَقْدِ ما أُوتُوا"، فَحُذِفَ المُضافانِ،
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾، فَقْرٌ، وأصْلُها: "خِصاصُ البَيْتِ"، وهي فُرُوجُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مَفْرُوضَةً خَصاصَتُهُمْ، رُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنهم ضَيْفٌ، فَنَوَّمَ الصِبْيَةَ، وقَرَّبَ الطَعامَ، وأطْفَأ المِصْباحَ، لِيُشْبِعَ ضَيْفَهُ، ولا يَأْكُلَ هُوَ، وعَنْ أنَسٍ: "أُهْدِيَ لِبَعْضِهِمْ رَأْسٌ مَشْوِيٌّ، وهو مَجْهُودٌ، فَوَجَّهَهُ إلى جارِهِ، فَتَداوَلَتْهُ تِسْعَةُ أنْفُسٍ حَتّى عادَ إلى الأوَّلِ"، أبُو زَيْدٍ: "قالَ لِي شابٌّ مِن أهْلِ بَلْخٍ: ما الزُهْدُ عِنْدَكُمْ؟ قُلْتُ: إذا وجَدْنا أكَلْنا، وإذا فَقَدْنا صَبَرْنا، فَقالَ: هَكَذا عِنْدَنا كِلابُ بَلْخٍ، بَلْ إذا فَقَدْنا صَبَرْنا، وإذا وجَدْنا آثَرْنا"،
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، اَلظّافِرُونَ بِما أرادُوا، و"اَلشُّحُّ": اَللُّؤْمُ، وأنْ تَكُونَ نَفْسُ الرَجُلِ كَزَّةً، حَرِيصَةً عَلى المَنعِ، وأمّا البُخْلُ، فَهو المَنعُ نَفْسُهُ، وقِيلَ: "اَلشُّحُّ": أكْلُ مالِ أخِيكَ ظُلْمًا، و"اَلْبُخْلُ": مَنعُ مالِكَ، وعَنْ كِسْرى: اَلشُّحُّ أضَرُّ مِنَ الفَقْرِ، لِأنَّ الفَقِيرَ يَتَّسِعُ إذا وجَدَ، بِخِلافِ الشَحِيحِ.
الحشر 59:10
﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾، عَطْفٌ أيْضًا عَلى "اَلْمُهاجِرِينَ"، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدُ، وقِيلَ: اَلتّابِعُونَ بِإحْسانٍ، وقِيلَ: مَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "دَخَلَ في هَذا الفَيْءِ كُلُّ مَن هو مَوْلُودٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ في الإسْلامِ"، فَجُعِلَ الواوُ لِلْعَطْفِ فِيهِما، وقُرِئَ: "لِلَّذِينَ"، فِيهِما،
﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا﴾، قِيلَ: هُمُ المُهاجِرُونَ، (p-٤٦٠)والأنْصارُ، عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -: "أُمِرُوا بِأنْ يَسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَسَبُّوهُمْ"،
﴿بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا﴾، حِقْدًا،
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، يَعْنِي الصَحابَةَ،
﴿رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: ما تَقُولُ في عُثْمانَ، وطَلْحَةَ، والزُبَيْرِ؟ قالَ: "أقُولُ ما قَوَّلَنِيهِ اللهُ"، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
ثُمَّ عَجَّبَ نَبِيَّهُ بِقَوْلِهِ:
الحشر 59:11
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾ أيْ: ألَمْ تَرَ يا مُحَمَّدُ، إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأشْياعِهِ،
﴿يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، يَعْنِي بَنِي النَضِيرِ، والمُرادُ أُخُوَّةُ الكُفْرِ،
﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾، مِن دِيارِكُمْ،
﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾، رُوِيَ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ دَسُّوا إلى بَنِي النَضِيرِ، حِينَ حاصَرَهُمُ النَبِيُّ ﷺ: لا تَخْرُجُوا مِنَ الحِصْنِ، فَإنْ قاتَلُوكم فَنَحْنُ مَعَكُمْ، لا نَخْذُلُكُمْ، ولَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ،
﴿وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾، في قِتالِكُمْ،
﴿أحَدًا أبَدًا﴾، مِن رَسُولِ اللهِ، والمُسْلِمِينَ، إنْ حَمَلْنا عَلَيْهِ، أوْ في خِذْلانِكُمْ، وإخْلافِ ما وعَدْناكم مِنَ النُصْرَةِ،
﴿وَإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، في مَواعِيدِهِمْ لِلْيَهُودِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ النُبُوَّةِ، لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ.
الحشر 59:12
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾، وإنَّما قالَ: "وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ"، بَعْدَ الإخْبارِ بِأنَّهم لا يَنْصُرُونَهُمْ، عَلى الفَرْضِ، والتَقْدِيرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وكَما يَعْلَمُ ما يَكُونُ، فَهو يَعْلَمُ ما لا يَكُونُ، لَوْ كانَ، كَيْفَ يَكُونُ، والمَعْنى: "وَلَئِنْ نَصَرَ المُنافِقُونَ اليَهُودَ لَيُهْزَمَنَّ المُنافِقُونَ، ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ"، أيْ: يُهْلِكُهُمُ اللهُ، ولا يَنْفَعُهم نِفاقُهُمْ، لِظُهُورِ كُفْرِهِمْ، أوْ: لَيُهْزَمَنَّ اليَهُودُ، ثُمَّ لا يَنْفَعُهم نُصْرَةُ المُنافِقِينَ.
الحشر 59:13
(p-٤٦١)﴿لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً﴾ أيْ: أشَدُّ مَرْهُوبِيَّةً، مَصْدَرُ "رُهِبَ"، اَلْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾، دَلالَةٌ عَلى نِفاقِهِمْ، يَعْنِي أنَّهم يُظْهِرُونَ لَكم في العَلانِيَةِ خَوْفَ اللهِ، وأنْتُمْ أهْيَبُ في صُدُورِهِمْ،
﴿مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾، لا يَعْلَمُونَ اللهَ، وعَظَمَتَهُ، حَتّى يَخْشَوْهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ.
الحشر 59:14
﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ﴾، لا يَقْدِرُونَ عَلى مُقاتَلَتِكُمْ،
﴿جَمِيعًا﴾، مُجْتَمِعِينَ، يَعْنِي اليَهُودَ، والمُنافِقِينَ،
﴿إلا﴾، كائِنِينَ،
﴿فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾، بِالخَنادِقِ، والدُرُوبِ،
﴿أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾، "جِدارٍ"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو "،
﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾، يَعْنِي أنَّ البَأْسَ الشَدِيدَ الَّذِي يُوصَفُونَ بِهِ، إنَّما هو بَيْنَهُمْ، إذا اقْتَتَلُوا، ولَوْ قاتَلُوكم لَمْ يَبْقَ لَهم ذَلِكَ البَأْسُ، والشِدَّةُ، لِأنَّ الشُجاعَ يَجْبُنُ عِنْدَ مُحارَبَةِ اللهِ، ورَسُولِهِ،
﴿تَحْسَبُهُمْ﴾ أيْ: اَلْيَهُودَ والمُنافِقِينَ،
﴿جَمِيعًا﴾، مُجْتَمِعِينَ، ذَوِي أُلْفَةٍ واتِّحادٍ،
﴿وَقُلُوبُهم شَتّى﴾، مُتَفَرِّقَةٌ، لا أُلْفَةَ بَيْنَها، يَعْنِي أنْ بَيْنَهم إحَنًا وعَداواتٍ، فَلا يَتَعاضَدُونَ حَقَّ التَعاضُدٍ، وهَذا تَجْسِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَشْجِيعٌ لِقُلُوبِهِمْ عَلى قِتالِهِمْ،
﴿ذَلِكَ﴾، اَلتَّفَرُّقُ،
﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾، أنَّ تَشَتُّتَ القُلُوبِ مِمّا يُوهِنُ قُواهُمْ، ويُعِينُ عَلى أرْواحِهِمْ.
الحشر 59:15
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مَثَلُهم كَمَثَلِ أهْلِ "بَدْرٍ "، فَحَذَفَ المُبْتَدَأ،
﴿قَرِيبًا﴾ أيْ: اِسْتَقَرُّوا مِن قَبْلِهِمْ زَمَنًا قَرِيبًا،
﴿ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾، سُوءَ عاقِبَةِ كُفْرِهِمْ، وعَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، مِن قَوْلِهِمْ: "كَلَأٌ وبِيلٌ": وخِيمٌ سَيِّئُ العاقِبَةِ، يَعْنِي: ذاقُوا عَذابَ القَتْلِ في الدُنْيا،
﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: ولَهم مَعَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ عَذابُ النارِ.
الحشر 59:16
﴿كَمَثَلِ الشَيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي (p-٤٦٢)أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مَثَلُ المُنافِقِينَ في إغْرائِهِمُ اليَهُودَ عَلى القِتالِ، ووَعْدِهِمْ إيّاهُمُ النَصْرَ، ثُمَّ مُتارَكَتِهِمْ لَهُمْ، وإخْلافِهِمْ، كَمَثَلِ الشَيْطانِ إذا اسْتَغْوى الإنْسانَ بِكَيْدِهِ، ثُمَّ تَبَرَّأ مِنهُ في العاقِبَةِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ اسْتِغْواؤُهُ قُرَيْشًا يَوْمَ "بَدْرٍ "، وقَوْلُهُ لَهُمْ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ الناسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]
الحشر 59:17
﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما﴾، عاقِبَةَ الإنْسانِ الكافِرِ، والشَيْطانِ،
﴿أنَّهُما في النارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾، "عاقِبَتَهُما"، خَبَرُ "كانَ"، مُقَدَّمٌ، و"أنَّ"، مَعَ اسْمِها، وخَبَرِها - أيْ: "فِي النارِ" - في مَوْضِعِ الرَفْعِ، عَلى الِاسْمِ، و"خالِدَيْنِ"، حالٌ،
﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾
الحشر 59:18
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾، في أوامِرِهِ، فَلا تُخالِفُوها،
﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ﴾، نَكَّرَ النَفْسَ تَقْلِيلًا لِلْأنْفُسِ النَواظِرِ فِيما قَدَّمَتْ لِلْآخِرَةِ،
﴿ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، سَمّاهُ بِاليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، تَقْرِيبًا لَهُ، أوْ عَبَّرَ عَنِ الآخِرَةِ بِالغَدِ، كَأنَّ الدُنْيا والآخِرَةَ نَهارانِ: يَوْمٌ، وغَدٌ، وتَنْكِيرُهُ لِتَعْظِيمِ أمْرِهِ، أيْ أنَّهُ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لِعِظَمِهِ، وعَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: "مَكْتُوبٌ عَلى بابِ الجَنَّةِ: (وَجَدْنا ما عَمِلْنا، رَبِحْنا ما قَدَّمْنا، خَسِرْنا ما خَلَّفْنا)".
﴿واتَّقُوا اللهَ﴾، كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَقْوى تَأْكِيدًا، أوْ: واتَّقُوا اللهَ في أداءِ الواجِباتِ، لِأنَّهُ قُرِنَ بِما هو عَمَلٌ، واتَّقُوا اللهَ في تَرْكِ المَعاصِي، لِأنَّهُ قُرِنَ بِما يُجْرى مُجْرى الوَعِيدِ، وهُوَ: ﴿إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾، وفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلى المُراقَبَةِ، لِأنَّ مَن عَلِمَ وقْتَ فِعْلِهِ أنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلى ما يَرْتَكِبُ مِنَ الذُنُوبِ، يَمْتَنِعُ عَنْهُ.
الحشر 59:19
﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللهَ﴾، تَرَكُوا ذِكْرَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وما أمَرَهم بِهِ، (p-٤٦٣)﴿فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾، فَتَرَكَهم مِن ذِكْرِهِ بِالرَحْمَةِ والتَوْفِيقِ،
﴿أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، اَلْخارِجُونَ عَنْ طاعَةِ اللهِ.
الحشر 59:20
﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾، هَذا تَنْبِيهٌ لِلنّاسِ، وإيذانٌ بِأنَّهم لِفَرْطِ غَفْلَتِهِمْ، وقِلَّةِ فِكْرِهِمْ في العاقِبَةِ، وتَهالُكِهِمْ عَلى إيثارِ العاجِلَةِ، واتِّباعِ الشَهَواتِ، كَأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الفَرْقَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ، والبَوْنَ العَظِيمَ بَيْنَ أصْحابِهِما، وأنَّ الفَوْزَ العَظِيمَ مَعَ أصْحابِ الجَنَّةِ، والعَذابَ الألِيمَ مَعَ أصْحابِ النارِ، فَمِن حَقِّهِمْ أنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ، ويُنَبِّهُوا عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ لِمَن يَعُقُّ أباهُ: "هُوَ أبُوكَ"، تَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَعْرِفُهُ، فَتُنَبِّهُهُ بِذَلِكَ عَلى حَقِّ الأُبُوَّةِ الَّذِي يَقْتَضِي البِرَّ، والتَعَطُّفَ، وقَدِ اسْتَدَلَّتِ الشافِعِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالكافِرِ، وأنَّ الكافِرَ لا يَمْلِكُ مالَ المُسْلِمِ بِالِاسْتِيلاءِ، وقَدْ أجَبْنا عَنْ مِثْلِ هَذا في "أُصُولُ الفِقْهِ"، و"اَلْكافِي"،
الحشر 59:21
﴿لَوْ أنْـزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللهِ﴾ أيْ: مِن شَأْنِ القُرْآنِ وعَظَمَتِهِ أنَّهُ لَوْ جُعِلَ في الجَبَلِ تَمْيِيزٌ، وأُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَخَشَعَ، أيْ: لَخَضَعَ، وتَطَأْطَأ، وتَصَدَّعَ، أيْ: تَشَقَّقَ مِن خَشْيَةِ اللهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا تَمْثِيلًا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾، وهي إشارَةٌ إلى هَذا المَثَلِ، وإلى أمْثالِهِ في مَواضِعَ مِنَ التَنْزِيلِ، والمُرادُ تَوْبِيخُ الإنْسانِ عَلى قَسْوَةِ قَلْبِهِ، وقِلَّةِ تَخَشُّعِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، وتَدَبُّرِ قَوارِعِهِ، وزَواجِرِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلى مَن أشْرَكَ، وشَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ، فَقالَ:
الحشر 59:22
﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ﴾ أيْ: اَلسِّرِّ، والعَلانِيَةِ، أوْ: اَلدُّنْيا، والآخِرَةِ، أوْ: اَلْمَعْدُومِ، والمَوْجُودِ،
﴿هُوَ الرَحْمَنُ الرَحِيمُ﴾
الحشر 59:23
(p-٤٦٤)﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ﴾، اَلَّذِي لا يَزُولُ مُلْكُهُ،
﴿القُدُّوسُ﴾، اَلْمُنَزَّهُ عَنِ القَبائِحِ، وفي تَسْبِيحِ المَلائِكَةِ: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ والرُوحِ"،
﴿السَلامُ﴾، اَلَّذِي سَلِمَ الخَلْقُ مِن ظُلْمِهِ، عَنِ الزَجّاجِ،
﴿المُؤْمِنُ﴾، واهِبُ الأمْنِ، وعَنِ الزَجّاجِ: اَلَّذِي آمَنَ الخَلْقَ مِن ظُلْمِهِ، أوْ: اَلْمُؤْمِنُ مِن عَذابِهِ مَن أطاعَهُ،
﴿المُهَيْمِنُ﴾، اَلرَّقِيبُ عَلى كُلِّ شَيْءِ، الحافِظُ لَهُ، "مُفَيْعِلٌ"، مِن "اَلْأمْنُ"، إلّا أنَّ هَمْزَتَهُ قُلِبَتْ هاءً،
﴿العَزِيزُ﴾، اَلْغالِبُ، غَيْرُ المَغْلُوبِ،
﴿الجَبّارُ﴾، اَلْعالِي، العَظِيمُ، الَّذِي يَذِلُّ لَهُ مَن دُونَهُ، أوْ: اَلْعَظِيمُ الشَأْنِ في القُدْرَةِ والسُلْطانِ، أوْ: اَلْقَهّارُ ذُو الجَبَرُوتِ،
﴿المُتَكَبِّرُ﴾، اَلْبَلِيغُ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ،
﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، نَزَّهَ ذاتَهُ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ.
الحشر 59:24
﴿هُوَ اللهُ الخالِقُ﴾، اَلْمُقَدِّرُ لِما يُوجِدُهُ،
﴿البارِئُ﴾، اَلْمُوجِدُ،
﴿المُصَوِّرُ﴾، في الأرْحامِ،
﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾، اَلدّالَّةُ عَلى الصِفاتِ العُلا،
﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، خَتَمَ السُورَةَ بِما بَدَأ بِهِ.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: «سَألْتُ حَبِيبِي رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ الِاسْمِ الأعْظَمِ، فَقالَ: "عَلَيْكَ بِآخِرِ الحَشْرِ، فَأكْثِرْ قِراءَتَهُ"، فَأعَدْتُ عَلَيْهِ، فَأعادَ عَلَيَّ، فَأعَدْتُ عَلَيْهِ، فَأعادَ عَلَيَّ ».
الممتحنة 60:1
(p-٤٦٥)سُورَةُ "اَلْمُمْتَحِنَةِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
رُوِيَ «أنَّ مَوْلاةً لِأبِي عَمْرِو بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ هاشِمٍ، يُقالُ لَها: "سارَةُ "، أتَتْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، وهو يَتَجَهَّزُ لِلْفَتْحِ، فَقالَ لَها: "أمُسْلِمَةً جِئْتِ؟"، قالَتْ: لا، قالَ: أفَمُهاجِرَةً جِئْتِ؟"، قالَتْ: لا، قالَ: "فَما جاءَ بِكِ؟!"، قالَتْ: اِحْتَجْتُ حاجَةً شَدِيدَةً، فَحَثَّ عَلَيْها بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَكَسَوْها، وحَمَلُوها، وزَوَّدُوها، فَأتاها حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، وأعْطاها عَشَرَةَ دَنانِيرَ، وكَساها بُرْدًا، واسْتَحْمَلَها كِتابًا إلى أهْلِ مَكَّةَ، نُسْخَتُهُ: مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، اعْلَمُوا أنَّ رَسُولَ اللهِ يُرِيدُكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، فَخَرَجَتْ سارَةُ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِالخَبَرِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا، وعَمّارًا، وعُمَرَ، وطَلْحَةَ، والزُبَيْرَ، والمِقْدادَ، وأبا مَرْثَدٍ، وكانُوا فُرْسانًا، وقالَ: "اِنْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخَ، فَإنَّ بِها ظَعِينَةً، مَعَها كِتابٌ مِن حاطِبٍ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَخُذُوهُ مِنها، وخَلُّوها، فَإنْ أبَتْ فاضْرِبُوا عُنُقَها"، فَأدْرَكُوها، فَجَحَدَتْ، وحَلَفَتْ، فَهَمُّوا بِالرُجُوعِ، فَقالَ عَلِيٌّ: "واللهِ ما كُذِبْنا، ولا كُذِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ"، وسَلَّ سَيْفَهُ، وقالَ: "أخْرِجِي الكِتابَ، أوْ تَضَعِي رَأْسَكِ"، فَأخْرَجَتْهُ مِن مَقاصِّ شَعْرِها، » ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَّنَ جَمِيعَ الناسِ يَوْمَ الفَتْحِ، إلّا أرْبَعَةً، هي أحَدُهُمْ، فاسْتَحْضَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حاطِبًا، وقالَ: "ما حَمَلَكَ (p-٤٦٦)عَلَيْهِ؟!"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، ولا غَشَشْتُكَ مُنْذُ نَصَحْتُكَ، ولا أحْبَبْتُهم مُنْذُ فارَقْتُهُمْ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِها، وكُلُّ مَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهم قَراباتٌ بِمَكَّةَ، يَحْمُونَ أهالِيَهُمْ، وأمْوالَهُمْ، غَيْرِي، فَخَشِيتُ عَلى أهْلِي، فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهم يَدًا، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ يُنْزِلُ عَلَيْهِمْ بَأْسَهُ، وأنَّ كِتابِي لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ، وقَبِلَ عُذْرَهُ، فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "دَعْنِي يا رَسُولَ اللهِ أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ"، فَقالَ ﷺ: "ما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ (بَدْرٍ) فَقالَ لَهُمْ: (اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)؟"، فَفاضَتْ عَيْنا عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، فَنَزَلَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ »، عُدِّيَ "اِتَّخَذَ"، إلى مَفْعُولَيْهِ - وهُما: "عَدُوِّي"، و"أوْلِياءَ" -، و"اَلْعَدُوُّ": "فَعُولٌ"، مِن "عَدا"، كَـ "عَفُوٌّ"، مِن "عَفا"، ولَكِنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ، أُوقِعَ عَلى الجَمْعِ إيقاعَهُ عَلى الواحِدِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكَبِيرَةَ لا تَسْلُبُ اسْمَ الإيمانِ،
﴿تُلْقُونَ﴾، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لا تَتَّخِذُوا"، اَلتَّقْدِيرُ: "لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، مُلْقِينَ إلَيْهِم بِالمَوَدَّةِ"، أوْ مُتْسَأْنَفٌ بَعْدَ وقْفٍ، عَلى التَوْبِيخِ، والإلْقاءُ عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ المَوَدَّةِ، والإفْضاءِ بِها إلَيْهِمْ، والباءُ في "بِالمَوَدَّةِ"، زائِدَةٌ، مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّعَدِّي، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، أوْ ثابِتَةٌ عَلى أنَّ مَفْعُولَ "تُلْقُونَ"، مَحْذُوفٌ، مَعْناهُ: "تُلْقُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، بِسَبَبِ المَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ،
﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾، حالٌ مِن "لا تَتَّخِذُوا"، أوْ مِن "تُلْقُونَ"، أيْ: "لا تَتَوَلَّوْهُمْ، أوْ تُوادُّوهم وهَذِهِ حالُهُمْ"،
﴿بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾، دِينِ الإسْلامِ، والقُرْآنِ،
﴿يُخْرِجُونَ الرَسُولَ وإيّاكُمْ﴾، اِسْتِئْنافٌ كالتَفْسِيرِ لِكُفْرِهِمْ، وعُتُوِّهِمْ، أوْ حالٌ مِن "كَفَرُوا"،
﴿أنْ تُؤْمِنُوا﴾، تَعْلِيلٌ لِـ "يُخْرِجُونِ"، أيْ: يُخْرِجُونَكم مِن مَكَّةَ لِإيمانِكُمْ،
﴿بِاللهِ رَبِّكم إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾، مُتَعَلِّقُ بِـ "لا تَتَّخِذُوا"، أيْ: لا تَتَوَلَّوْا أعْدائِي إنْ كُنْتُمْ (p-٤٦٧)أوْلِيائِي، وقَوْلُ النَحْوِيِّينَ في مِثْلِهِ: هو شَرْطٌ، جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ،
﴿جِهادًا في سَبِيلِي﴾، مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ مُجاهِدِينَ في سَبِيلِي،
﴿وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾، ومُبْتَغِينَ مَرْضاتِي،
﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ أيْ:، تُفْضُونَ إلَيْهِمْ بِمَوَدَّتِكم سِرًّا، أوْ تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ أسْرارَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، بِسَبَبِ المَوَدَّةِ، وهو اسْتِئْنافٌ،
﴿وَأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ﴾، والمَعْنى: "أيُّ طائِلٍ لَكم في إسْرارِكُمْ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الإخْفاءَ والإعْلانَ سِيّانِ في عِلْمِي، وأنِّي مُطْلِعٌ رَسُولِي عَلى ما تُسِرُّونَ؟!"،
﴿وَمَن يَفْعَلْهُ﴾ أيْ: هَذا الإسْرارَ،
﴿مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ﴾، فَقَدْ أخْطَأ طَرِيقَ الحَقِّ والصَوابِ.
الممتحنة 60:2
﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾، إنْ يَظْفَرُوا بِكُمْ، ويَتَمَكَّنُوا مِنكُمْ،
﴿يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾، خالِصِي العَداوَةِ، ولا يَكُونُوا لَكم أوْلِياءَ، كَما أنْتُمْ،
﴿وَيَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُوءِ﴾، بِالقَتْلِ، والشَتْمِ،
﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، وتَمَنَّوْا لَوْ تَرْتَدُونَ عَنْ دِينِكُمْ، فَإذًا مُوادَّةُ أمْثالِهِمْ خَطَأٌ عَظِيمٌ مِنكُمْ، والماضِي - وإنْ كانَ يُجْرى في بابِ الشَرْطِ مُجْرى المُضارِعِ - فَفِيهِ نُكْتَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ودُّوا قَبْلَ كُلِّ شَيْءِ كُفْرَكُمْ، وارْتِدادَكُمْ، يَعْنِي أنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يُلْحِقُوا بِكم مَضارَّ الدُنْيا، والدِينِ، مِن قَتْلِ الأنْفُسِ، وتَمْزِيقِ الأعْراضِ، أوْ: رَدُّكم كُفّارًا أسْبَقُ المَضارِّ عِنْدَهُمْ، وأوَّلُها، لِعِلْمِهِمْ أنَّ الدِينَ أعَزَّ عَلَيْكم مِن أرْواحِكُمْ، لِأنَّكم بَذّالُونَ لَها دُونَهُ، والعَدُوُّ أهَمُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ أنْ يَقْصِدَ أهَمَّ شَيْءٍ عِنْدَ صاحِبِهِ.
الممتحنة 60:3
﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ﴾، قَراباتُكُمْ،
﴿وَلا أوْلادُكُمْ﴾، اَلَّذِينَ تُوالُونَ الكُفّارَ مِن أجْلِهِمْ، وتَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِمْ مُحاماةً عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾، وبَيْنَ أقارِبِكُمْ، وأوْلادِكُمْ،
﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤]، اَلْآيَةَ، فَما لَكم (p-٤٦٨)تَرْفُضُونَ حَقَّ اللهِ مُراعاةً لِحَقِّ مَن يَفِرُّ مِنكم غَدًا؟ "يَفْصِلُ"، " عاصِمٌ "، "يُفَصِّلُ"، " حَمْزَةُ وعَلِيٌّ "، والقائِلُ هو اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -، "يُفَصَّلُ"، " اِبْنُ ذَكْوانَ "، غَيْرُهُمْ: "يُفْصَلُ"،
﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم.
الممتحنة 60:4
﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ﴾، قُدْوَةٌ في التَبَرِّي مِنَ الأهْلِ،
﴿حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ﴾ أيْ: في أقْوالِهِ، ولِهَذا اسْتَثْنى مِنهُ "إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ "،
﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾، مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: كانُوا أنْبِياءَ،
﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾، جَمْعُ "بَرِيءٌ"، كَـ "ظَرِيفٌ"، و"ظُرَفاءُ"،
﴿وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ﴾، بِالأفْعالِ،
﴿والبَغْضاءُ﴾، بِالقُلُوبِ،
﴿أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وحْدَهُ﴾، فَحِينَئِذٍ نَتْرُكُ عَداوَتَكُمْ،
﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، وذَلِكَ لِمَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ، أيْ: اِقْتَدُوا بِهِ في أقْوالِهِ، ولا تَأْتَسُوا بِهِ في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ الكافِرِ،
﴿وَما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن هِدايَةٍ، ومَغْفِرَةٍ، وتَوْفِيقٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَلِيقُ بِالِاسْتِثْناءِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ [الفتح: ١١]، ولَكِنَّ المُرادَ اسْتِثْناءُ جُمْلَةِ قَوْلِهِ لِأبِيهِ، والقَصْدُ إلى مَوْعِدِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ، وما بَعْدَهُ تابِعٌ لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: "أسْتَغْفِرُ لَكَ وما في طاقَتِي إلّا الِاسْتِغْفارُ"،
﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾، مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ، وهو مِن جُمْلَةِ الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: "قُولُوا: رَبَّنا"، فَهو ابْتِداءُ أمْرٍ مِنَ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقُولُوهُ،
﴿وَإلَيْكَ أنَبْنا﴾، أقْبَلْنا،
﴿وَإلَيْكَ المَصِيرُ﴾، اَلْمَرْجِعُ.
الممتحنة 60:5
﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: لا تُسَلِّطُهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا بِعَذابٍ،
﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ: اَلْغالِبُ الحاكِمُ.
الممتحنة 60:6
(p-٤٦٩)﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾، ثُمَّ كَرَّرَ الحَثَّ عَلى الِائْتِساءِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -، وقَوْمِهِ، تَقْرِيرًا، وتَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ، ولِذا جاءَ بِهِ مُصَدَّرًا بِالقَسَمِ، لِأنَّهُ الغايَةُ في التَأْكِيدِ، وأبْدَلَ مِن قَوْلِهِ: "لَكُمْ"، قَوْلَهُ: " ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللهَ﴾ "، أيْ: ثَوابَهُ، أيْ: يَخْشى اللهَ، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾، يُعْرِضْ عَنْ أمْرِنا، ويُوالِ الكُفّارَ،
﴿فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ﴾، عَنِ الخَلْقِ،
﴿الحَمِيدُ﴾، اَلْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ، فَلَمْ يَتْرُكْ نَوْعًا مِنَ التَأْكِيدِ إلّا جاءَ بِهِ، ولَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآياتُ، وتَشَدَّدَ المُؤْمِنُونَ في عَداوَةِ آبائِهِمْ، وأبْنائِهِمْ، وجَمِيعِ أقْرِبائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، أطْمَعَهم في تَحَوُّلِ الحالِ إلى خِلافِهِ، فَقالَ:
الممتحنة 60:7
﴿عَسى اللهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ، مِن أقْرِبائِكُمْ،
﴿مَوَدَّةً﴾، بِأنْ يُوَفِّقَهم لِلْإيمانِ، فَلَمّا يُسِّرَ فَتْحُ مَكَّةَ، أظْفَرَهُمُ اللهُ بِأُمْنِيَّتِهِمْ، فَأسْلَمَ قَوْمُهُمْ، وتَمَّ بَيْنَهُمُ التَحابُّ، و"عَسى"، وعْدٌ مِنَ اللهِ، عَلى عاداتِ المُلُوكِ، حَيْثُ يَقُولُونَ في بَعْضِ الحَوائِجِ: "عَسى"، أوْ "لَعَلَّ"، فَلا تَبْقى شُبْهَةٌ لِلْمُحْتاجِ في تَمامِ ذَلِكَ، وأُرِيدَ بِهِ إطْماعُ المُؤْمِنِينَ،
﴿واللهُ قَدِيرٌ﴾، عَلى تَقْلِيبِ القُلُوبِ، وتَحْوِيلِ الأحْوالِ، وتَسْهِيلِ أسْبابِ المَوَدَّةِ،
﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، لِمَن أسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ.
الممتحنة 60:8
﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾، تُكْرِمُوهُمْ، وتُحْسِنُوا إلَيْهِمْ، قَوْلًا، وفِعْلًا، ومَحَلُّ "أنْ تَبَرُّوهُمْ"، جَرٌّ، عَلى البَدَلِ مِن "اَلَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، والتَقْدِيرُ: "عَنْ بِرِّ الَّذِينَ... "،
﴿وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾، وتَقْضُوا إلَيْهِمْ بِالقِسْطِ، ولا تَظْلِمُوهُمْ، وإذا نَهى عَنِ الظُلْمِ في حَقِّ المُشْرِكِ، فَكَيْفَ في حَقِّ المُسْلِمِ؟! ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾
الممتحنة 60:9
﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم (p-٤٧٠)أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾، هو بَدَلٌ مِن "اَلَّذِينَ قاتَلُوكُمْ"، لا يَنْهاكم عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما يَنْهاكم عَنْ تَوَلِّي هَؤُلاءِ،
﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ﴾، مِنكُمْ،
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾، حَيْثُ وضَعُوا التَوَلِّي غَيْرَ مَوْضِعِهِ.
الممتحنة 60:10
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾، سَمّاهُنَّ "مُؤْمِناتٍ"، لِنُطْقِهِنَّ بِكَلِمَةِ الشَهادَةِ، أوْ لِأنَّهُنَّ مُشارِفاتٌ لِثَباتِ إيمانِهِنَّ بِالِامْتِحانِ،
﴿مُهاجِراتٍ﴾، نُصِبَ عَلى الحالِ،
﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾، فابْتَلُوهُنَّ بِالنَظَرِ في الأماراتِ، لِيَغْلِبَ عَلى ظُنُونِكم صِدْقُ إيمانِهِنَّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "اِمْتِحانُها أنْ تَقُولَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ"،
﴿اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾، مِنكُمْ، فَإنَّكم - وإنْ رُزْتُمْ أحْوالَهُنَّ - لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ حَقِيقَةً، وعِنْدَ اللهِ حَقِيقَةُ العِلْمِ بِهِ،
﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾، اَلْعِلْمَ الَّذِي تَبْلُغُهُ طاقَتُكُمْ، وهو الظَنُّ الغالِبُ بِظُهُورِ الأماراتِ، وتَسْمِيَةُ الظَنِّ "عِلْمًا"، تُؤْذِنُ بِأنَّ الظَنَّ الغالِبَ، وما يُفْضِي إلَيْهِ القِياسُ، جارٍ مُجْرى العِلْمِ، وصاحِبُهُ غَيْرُ داخِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾، فَلا تَرُدُّوهُنَّ إلى أزْواجِهِنَّ المُشْرِكِينَ،
﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أيْ: لا حِلَّ بَيْنَ المُؤْمِنَةِ والمُشْرِكِ، لِوُقُوعِ الفُرْقَةِ بَيْنَهُما، بِخُرُوجِها مُسْلِمَةً،
﴿وَآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾، وأعْطُوا أزْواجَهُنَّ مِثْلَ ما دَفَعُوا إلَيْهِنَّ مِنَ المُهُورِ، نَزَلَتِ الآيَةُ بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ الصُلْحُ قَدْ وقَعَ عَلى أنَّ يُرَدَّ عَلى أهْلِ مَكَّةَ مَن جاءَ مُؤْمِنًا مِنهُمْ، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ بَيانًا أنَّ ذَلِكَ في الرِجالِ، لا في النِساءِ، لِأنَّ المُسْلِمَةَ لا تَحِلُّ لِلْكافِرِ، وقِيلَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ الحُكْمَ الأوَّلَ،
﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، ثُمَّ نَفى عَنْهُمُ الجُناحَ في تَزَوُّجِ هَؤُلاءِ المُهاجِراتِ،
﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ، لِأنَّ المَهْرَ أجْرُ البُضْعِ، وبِهِ احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ - عَلى أنْ لا عِدَّةَ عَلى المُهاجِرَةِ،
﴿وَلا تُمْسِكُوا﴾، "بَصْرِيٌّ"،
﴿بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾، اَلْعِصْمَةُ: ما يُعْتَصَمُ بِهِ، مِن عِقْدٍ، وسَبَبٍ، "اَلْكَوافِرُ": جَمْعُ "كافِرَةٌ"، وهي الَّتِي بَقِيَتْ (p-٤٧١)فِي دارِ الحَرْبِ، أوْ لَحِقَتْ بِدارِ الحَرْبِ مُرْتَدَّةً، أيْ: لا يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ عِصْمَةٌ، ولا عَلَقَةٌ زَوْجِيَّةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "مَن كانَتْ لَهُ امْرَأةٌ بِمَكَّةَ، فَلا تَعْتَدَنَّ بِها مِن نِسائِهِ، لِأنَّ اخْتِلافَ الدارَيْنِ قَطَعَ عِصْمَتَها مِنهُ"،
﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾، مِن مُهُورِ أزْواجِكُمُ اللاحِقاتِ بِالكُفّارِ، مِمَّنْ تَزَوَّجَها،
﴿وَلْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾، مِن مُهُورِ نِسائِهِمُ المُهاجِراتِ، مِمَّنْ تَزَوَّجَها مِنّا،
﴿ذَلِكم حُكْمُ اللهِ﴾ أيْ: جَمِيعُ ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ،
﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، أوْ حالٌ مِن "حُكْمُ اللهِ"، عَلى حَذْفِ الضَمِيرِ، أيْ: "يَحْكُمُ اللهُ"، أوْ "جَعَلَ الحُكْمَ حاكِمًا"، عَلى المُبالَغَةِ، وهو مَنسُوخٌ، فَلَمْ يَبْقَ سُؤالُ المَهْرِ، لا مِنّا، ولا مِنهُمْ،
﴿واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
الممتحنة 60:11
﴿وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾، وإنِ انْفَلَتَ أحَدٌ مِنهُنَّ إلى الكُفّارِ، وهو في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ (تَعالى) عَنْهُ -: "أحَدٌ"،
﴿فَعاقَبْتُمْ﴾، فَأصَبْتُمُوهم في القِتالِ بِعُقُوبَةٍ، حَتّى غَنِمْتُمْ، عَنِ الزَجّاجِ،
﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾، فَأعْطُوا المُسْلِمِينَ الَّذِينَ ارْتَدَّتْ زَوْجاتُهُمْ، وأُلْحِقْنَ بِدارِ الحَرْبِ، مُهُورَ زَوْجاتِهِمْ، مِن هَذِهِ الغَنِيمَةِ،
﴿واتَّقُوا اللهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾، وقِيلَ: هَذا الحُكْمُ مَنسُوخٌ أيْضًا.
الممتحنة 60:12
﴿يا أيُّها النَبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾، هو حالٌ،
﴿عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾، يُرِيدُ وأْدَ البَناتِ،
﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾، كانَتِ المَرْأةُ تَلْتَقِطُ المَوْلُودَ، فَتَقُولُ لِزَوْجِها هو ولَدِي مِنكَ، كَنّى بِالبُهْتانِ المُفْتَرى بَيْنَ يَدَيْها ورِجْلَيْها عَنِ الوَلَدِ الَّذِي تُلْصِقُهُ بِزَوْجِها كَذِبًا، لِأنَّ بَطْنَها الَّذِي تَحْمِلُهُ فِيهِ بَيْنَ اليَدَيْنِ، وفَرْجَها الَّذِي تَلِدُ بِهِ بَيْنَ الرِجْلَيْنِ، (p-٤٧٢)﴿وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾، طاعَةِ اللهِ ورَسُولِهِ،
﴿فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾، عَمّا مَضى،
﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾، بِتَمْحِيقِ ما سَلَفَ،
﴿رَحِيمٌ﴾، بِتَوْفِيقِ ما ائْتُنِفَ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا فَرَغَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِن بَيْعَةِ الرِجالِ، أخَذَ في بَيْعَةِ النِساءِ، وهو عَلى الصَفا، وعُمَرُ قاعِدٌ أسْفَلَ مِنهُ، يُبايِعُهُنَّ عَنْهُ، بِأمْرِهِ، ويُبَلِّغُهُنَّ عَنْهُ، وهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأةُ أبِي سُفْيانَ مُتَقَنِّعَةٌ مُتَنَكِّرَةٌ، خَوْفًا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ يَعْرِفَها، لِما صَنَعَتْ بِحَمْزَةَ، فَقالَ ﷺ: "أُبايِعُكُنَّ عَلى ألّا تُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا"، فَبايَعَ عُمَرُ النِساءِ عَلى ألّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا"، فَقالَ ﷺ: "وَلا يَسْرِقْنَ"، فَقالَتْ هِنْدُ: إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وإنِّي أصَبْتُ مِن مالِهِ هَناتٍ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: ما أصَبْتِ فَهو لَكِ حَلالٌ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وعَرَفَها، فَقالَ لَها: "إنَّكِ لِهِنْدُ"، قالَتْ: نَعَمْ، فاعْفُ عَمّا سَلَفَ يا نَبِيَّ اللهِ، عَفا اللهُ عَنْكَ، فَقالَ: "وَلا يَزْنِينَ"، فَقالَتْ: أوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟! فَقالَ: "وَلا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ"، فَقالَتْ: رَبَّيْناهم صِغارًا، وقَتَلْتَهم كِبارًا، فَأنْتُمْ وهم أعْلَمُ، وكانَ ابْنُها حَنْظَلَةُ قَدْ قُتِلَ يَوْمَ " بَدْرٍ "، فَضَحِكَ عُمَرُ حَتّى اسْتَلْقى، وتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقالَ: "وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ"، فَقالَتْ: واللهِ إنَّ البُهْتانَ لِأمْرٌ قَبِيحٌ، وما تَأْمُرُنا إلّا بِالرُشْدِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، فَقالَ: "وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ"، فَقالَتْ: واللهِ ما جَلَسْنا مَجْلِسَنا هَذا وفي أنْفُسِنا أنْ نَعْصِيَكَ في شَيْءٍ. »
وَهُوَ يُشِيرُ إلى أنَّ طاعَةَ الوُلاةِ لا تَجِبُ في المُنْكَرِ.
الممتحنة 60:13
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾، خَتَمَ السُورَةَ بِما بَدَأ بِهِ، قِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ،
﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾، مِن ثَوابِها، لِأنَّهم يُنْكِرُونَ البَعْثَ، (p-٤٧٣)﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾ أيْ: يَئِسُوا، إلّا أنَّهُ وضَعَ الظاهِرَ مَوْضِعَ الضَمِيرِ،
﴿مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾، أنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ، أوْ كَما يَئِسَ أسْلافُهُمُ الَّذِينَ هم في القُبُورِ مِنَ الآخِرَةِ، أيْ: هَؤُلاءِ كَسَلَفِهِمْ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، أيْ: لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ، قَدْ يَئِسُوا مِن أنْ يَكُونَ لَهم حَظٌّ في الآخِرَةِ لِعِنادِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الرَسُولُ، في التَوْراةِ، كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن مَوْتاهم أنْ يُبْعَثُوا ويَرْجِعُوا أحْياءً، وقِيلَ: "مِن أصْحابِ القُبُورِ"، بَيانٌ لِلْكُفّارِ، أيْ: كَما يَئِسَ الكُفّارُ الَّذِينَ قُبِرُوا مِن خَيْرِ الآخِرَةِ، لِأنَّهم تَبَيَّنُوا قُبْحَ حالِهِمْ، وسُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ.
الصف 61:1
(p-٤٧٤)سُورَةُ "اَلصَّفِّ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، رُوِيَ أنَّهم قالُوا - قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا بِالجِهادِ -: لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللهِ لَعَمِلْناهُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الجِهادِ، فَتَباطَأ بَعْضُهُمْ، فَنَزَلَتْ:
الصف 61:2
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾، "لِمَ"، هي لامُ الإضافَةِ، داخِلَةً عَلى "ما"، اَلِاسْتِفْهامِيَّةِ، كَما دَخَلَ عَلَيْها غَيْرُها مِن حُرُوفِ الجَرِّ في قَوْلِكُمْ: "بِمَ"، و"فِيمَ"، و"مِمَّ"، و"عَمَّ"، و"إلامَ"، و"عَلامَ"، وإنَّما حُذِفَتِ الألِفُ لِأنَّ "ما"، واللامَ - أوْ غَيْرَها - كَشَيْءٍ واحِدٍ، وهو كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في كَلامِ المُسْتَفْهِمِ، وقَدْ جاءَ اسْتِعْمالُ الأصْلِ قَلِيلًا، قالَ:
؎ عَلاما قامَ يَشْتُمُنِي جَرِيرٌ؟!......................
والوَقْفُ عَلى زِيادَةِ هاءِ السَكْتِ، أوْ الإسْكانِ، ومَن أسْكَنَ في الوَصْلِ فَلِإجْرائِهِ مُجْرى الوَقْفِ.
الصف 61:3
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾، قَصَدَ في "كَبُرَ"، اَلتَّعَجُّبَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، كَقَوْلِهِ: "غَلَتْ نابٌ كُلَيْبٌ بَواؤُها"، (p-٤٧٥)وَمَعْنى التَعَجُّبِ تَعْظِيمُ الأمْرِ في قُلُوبِ السامِعِينَ، لِأنَّ التَعَجُّبَ لا يَكُونُ إلّا مِن شَيْءِ خارِجٍ عَنْ نَظائِرِهِ، وأسْنَدَ إلى "أنْ تَقُولُوا"، ونَصَبَ "مَقْتًا"، عَلى التَمْيِيزِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ قَوْلَهم ما لا يَفْعَلُونَ مَقْتٌ خالِصٌ لا شَوْبَ فِيهِ، والمَعْنى: "كَبُرَ قَوْلُكم ما لا تَفْعَلُونَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ"، واخْتِيرَ لَفْظُ المَقْتِ لِأنَّهُ أشَدُّ البُغْضِ، وعَنْ بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: حَدِّثْنا، فَقالَ: "أتَأْمُرُونَنِي أنْ أقُولَ ما لا أفْعَلُ، فَأسْتَعْجِلَ مَقْتَ اللهِ؟!"، ثُمَّ أعْلَمَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما يُحِبُّهُ، فَقالَ:
الصف 61:4
﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ أيْ: "صافِّينَ أنْفُسَهُمْ"، مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ،
﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾، لاصِقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ اسْتِواءُ نِيّاتِهِمْ في حَرْبِ عَدُوِّهِمْ، حَتّى يَكُونُوا في اجْتِماعِ الكَلِمَةِ كالبُنْيانِ الَّذِي رُصَّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، وهو حالٌ أيْضًا.
الصف 61:5
﴿وَإذْ﴾، مَنصُوبُ بِـ "اُذْكُرْ"،
﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾، بِجُحُودِ الآياتِ، والقَذْفِ بِما لَيْسَ فِيَّ،
﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ﴾، في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: تُؤْذُونَنِي عالِمِينَ عِلْمًا يَقِينًا،
﴿أنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ﴾، وقَضِيَّةُ عِلْمِكم بِذَلِكَ تَوْقِيرِي، وتَعْظِيمِي، لا أنْ تُؤْذُونِي،
﴿فَلَمّا زاغُوا﴾، مالُوا عَنِ الحَقِّ،
﴿أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾، مِنَ الهِدايَةِ، أوْ لَمّا تَرَكُوا أوامِرَهُ، نَزَعَ نُورَ الإيمانِ مِن قُلُوبِهِمْ، أوْ فَلَمّا اخْتارُوا الزَيْغَ أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ، أيْ: خَذَلَهُمْ، وحَرَمَهم تَوْفِيقَ اتِّباعِ الحَقِّ،
﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: لا يَهْدِي مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ فاسِقٌ.
الصف 61:6
﴿وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾، ولَمْ يَقُلْ: يا قَوْمِ، كَما قالَ مُوسى، لِأنَّهُ لا نَسَبَ لَهُ فِيهِمْ فَيَكُونُوا قَوْمَهُ،
﴿إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ (p-٤٧٦)يَأْتِي مِنَ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ أيْ: أُرْسِلْتُ إلَيْكم في حالِ تَصْدِيقِي ما تَقَدَّمَنِي مِنَ التَوْراةِ، وفي حالِ تَبْشِيرِي بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي، يَعْنِي: إنَّ دِينِيَ التَصْدِيقُ بِكُتُبِ اللهِ وأنْبِيائِهِ جَمِيعًا، مِمَّنْ تَقَدَّمَ، وتَأخَّرَ، "بَعْدِيَ"، "حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ "، وهو اخْتِيارُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وانْتَصَبَ "مُصَدِّقًا"، و"مُبَشِّرًا"، بِما في الرَسُولِ مِن مَعْنى الإرْسالِ،
﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾، عِيسى، أوْ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ -،
﴿بِالبَيِّناتِ﴾، بِالمُعْجِزاتِ،
﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، "ساحِرٌ"، " حَمْزَةُ وعَلِيٌّ ".
الصف 61:7
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾، وأيُّ الناسِ أشَدُّ ظُلْمًا مِمَّنْ يَدْعُوهُ رَبُّهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ إلى الإسْلامِ، الَّذِي لَهُ فِيهِ سَعادَةُ الدارَيْنِ، فَيَجْعَلُ مَكانَ إجابَتِهِ إلَيْهِ افْتِراءَ الكَذِبِ عَلى اللهِ، بِقَوْلِهِ لِكَلامِهِ -الَّذِي هو دُعاءُ عِبادِهِ إلى الحَقِّ -: هَذا سِحْرٌ، والسِحْرُ كَذِبٌ وتَمْوِيهٌ.
الصف 61:8
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ﴾، هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ في إرادَتِهِمْ إبْطالَ الإسْلامِ بِقَوْلِهِمْ في القُرْآنِ: هَذا سِحْرٌ، مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِ مَن يَنْفُخُ في نُورِ الشَمْسِ بِفِيهِ لِيُطْفِئَهُ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، واللامُ لِلتَّعْلِيلِ، والتَقْدِيرُ: "يُرِيدُونَ الكَذِبَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ، أيْ: بِكَلامِهِمْ،
﴿واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾، "مَكِّيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ "، "مُتِمٌّ نُورَهُ"، غَيْرُهُمْ، أيْ: مُتِمُّ الحَقِّ، ومُبَلِّغُهُ غايَتَهُ،
﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾
الصف 61:9
﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ أيْ: اَلْمِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ،
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾، لِيُعْلِيَهُ،
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ﴾، عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ المُخالِفَةِ لَهُ، ولَعَمْرِي لَقَدْ فَعَلَ، فَما بَقِيَ دِينٌ مِنَ الأدْيانِ إلّا وهو مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ بِدِينِ الإسْلامِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: "إذا نَزَلَ عِيسى، لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ إلّا دِينُ الإسْلامِ"،
﴿وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾
الصف 61:10
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾، "تُنَجِّيكُمْ"، "شامِيٌّ".
الصف 61:11
(p-٤٧٧)﴿تُؤْمِنُونَ﴾، اِسْتِئْنافٌ، كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ نَعْمَلُ؟ فَقالَ: "تُؤْمِنُونَ"، وهو بِمَعْنى: "آمِنُوا"، عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ولِهَذا أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: "يَغْفِرْ لَكُمْ"، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وجاهِدُوا"، وإنَّما جِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِامْتِثالِ، وكَأنَّهُ امْتَثَلَ، فَهو يُخْبِرُ عَنْ إيمانٍ وجِهادٍ مَوْجُودَيْنِ،
﴿بِاللهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكُمْ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والجِهادِ،
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، مِن أمْوالِكُمْ، وأنْفُسِكُمْ،
﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ، كانَ خَيْرًا لَكم حِينَئِذٍ، لِأنَّكم إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ، واعْتَقَدْتُمُوهُ، أحْبَبْتُمُ الإيمانَ والجِهادَ، فَوْقَ ما تُحِبُّونَ أمْوالَكم وأنْفُسَكُمْ، فَتَخْلُصُونَ وتُفْلِحُونَ.
الصف 61:12
﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أيْ: إقامَةٍ، وخُلُودٍ، يُقالُ: "عَدَنَ بِالمَكانِ"، إذا أقامَ بِهِ، كَذا قِيلَ،
﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
الصف 61:13
﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها﴾، ولَكم إلى هَذِهِ النِعْمَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ المَغْفِرَةِ والثَوابِ في الآجِلَةِ نِعْمَةٌ أُخْرى عاجِلَةٌ، مَحْبُوبَةٌ إلَيْكُمْ، ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ: عاجِلٌ، وهو فَتْحُ مَكَّةَ، والنَصْرُ عَلى قُرَيْشٍ، أوْ فَتْحُ فارِسَ والرُومِ، وفي "تُحِبُّونَها"، شَيْءٌ مِنَ التَوْبِيخِ عَلى مَحَبَّةِ العاجِلِ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: "مَعْناهُ: هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ، وعَلى تِجارَةٍ أُخْرى تُحِبُّونَها"، ثُمَّ قالَ: "نَصْرٌ"، أيْ: "هِيَ نَصْرٌ"،
﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾، عَطْفٌ عَلى "تُؤْمِنُونَ"، لِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: "آمِنُوا وجاهِدُوا يُثَبِّتْكُمُ اللهُ ويَنْصُرْكُمْ، وبَشِّرْ يا رَسُولَ اللهِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى "قُلْ"، مُرادًا قَبْلَ " ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ [الصف: ١٠] ".
الصف 61:14
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللهِ﴾ أيْ: أنْصارَ دِينِهِ، "أنْصارًا لِلَّهِ"، "حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو "،
﴿كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ﴾، ظاهِرُهُ تَشْبِيهُ (p-٤٧٨)كَوْنِهِمْ أنْصارًا بِقَوْلِ عِيسى: "مَن أنْصارِي إلى اللهِ"، ولَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، أيْ: "كُونُوا أنْصارَ اللهِ كَما كانَ الحَوارِيُّونَ أنْصارَ عِيسى، حِينَ قالَ لَهم ﴿مَن أنْصارِي إلى اللهِ﴾ "، ومَعْناهُ: "مَن جُنْدِي"، مُتَوَجِّهًا إلى نُصْرَةِ اللهِ، لِيُطابِقَ جَوابَ الحَوارِيِّينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللهِ﴾ أيْ: نَحْنُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ اللهَ، ومَعْنى "مَن أنْصارِي؟": مَنِ الأنْصارُ الَّذِينَ يَخْتَصُّونَ بِي، ويَكُونُونَ مَعِي في نُصْرَةِ اللهِ؟ و"اَلْحَوارِيُّونَ": أصْفِياؤُهُ، وهم أوَّلُ مَن آمَنَ بِهِ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، و"حَوارِيُّ الرَجُلِ": صَفِيُّهُ، وخالَصَهُ، مِن "اَلْحَوَرُ"، وهو البَياضُ الخالِصُ، وقِيلَ: كانُوا قَصّارِينَ، يُحَوِّرُونَ الثِيابَ، أيْ: يُبَيِّضُونَها،
﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾، بِعِيسى،
﴿وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾، بِهِ،
﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ﴾، فَقَوَّيْنا مُؤْمِنِيهِمْ عَلى كُفّارِهِمْ،
﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾، فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ.
الجمعة 62:1
(p-٤٧٩)سُورَةُ "اَلْجُمُعَةِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾، اَلتَّسْبِيحُ إمّا أنْ يَكُونَ تَسْبِيحَ خِلْقَةٍ، يَعْنِي إذا نَظَرْتَ إلى كُلِّ شَيْءٍ دَلَّتْكَ خِلْقَتُهُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ (تَعالى)، وتَنْزِيهِهِ عَنِ الأشْباهِ، أوْ تَسْبِيحُ مَعْرِفَةٍ، بِأنْ يَجْعَلَ اللهُ بِلُطْفِهِ في كُلِّ شَيْءٍ ما يُعْرَفُ بِهِ اللهُ (تَعالى)، ويُنَزَّهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ؟ أوْ تَسْبِيحَ ضَرُورَةٍ، بِأنْ يُجْرِيَ اللهُ التَسْبِيحَ عَلى كُلِّ جَوْهَرٍ، مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ لَهُ بِذَلِكَ.
الجمعة 62:2
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ﴾، أرْسَلَ،
﴿فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ أيْ: بَعَثَ رَجُلًا أُمِّيًّا في قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، وقِيلَ: "مِنهُمْ"، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، يَعْلَمُونَ نَسَبَهُ، وأحْوالَهُ، و"اَلْأُمِّيُّ": مَنسُوبٌ إلى أُمَّةِ العَرَبِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَكْتُبُونَ، ولا يَقْرَؤُونَ، مِن بَيْنِ الأُمَمِ، وقِيلَ: بُدِئَتِ الكِتابَةُ بِالطائِفِ، وهم أخَذُوها مِن أهْلِ الحِيرَةِ، وأهْلُ الحِيرَةِ مِن أهْلِ الأنْبارِ،
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾، اَلْقُرْآنَ،
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾، ويُطَهِّرُهم مِنَ الشِرْكِ، وخَبائِثِ الجاهِلِيَّةِ،
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾، اَلْقُرْآنَ، (p-٤٨٠)﴿والحِكْمَةَ﴾، اَلسُّنَّةَ، أوِ الفِقْهَ في الدِينِ،
﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ﴾، مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ،
﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، كُفْرٍ وجَهالَةٍ، و"إنْ"، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ دَلِيلٌ عَلَيْها، أيْ: كانُوا في ضَلالٍ، لا تَرى ضَلالًا أعْظَمَ مِنهُ.
الجمعة 62:3
﴿وَآخَرِينَ مِنهُمْ﴾، مَجْرُورٌ، مَعْطُوفٌ عَلى "اَلْأُمِّيِّينَ"، يَعْنِي أنَّهُ بَعَثَهُ في الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ عَلى عَهْدِهِ، وفي آخَرِينَ مِنَ الأُمِّيِّينَ،
﴿لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أيْ: لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ بَعْدُ، وسَيَلْحَقُونَ بِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ بَعْدَ الصَحابَةِ - رَضِيَ اللهُ (تَعالى) عَنْهم - أوْ هُمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ مِن بَعْدِهِمْ إلى يَوْمِ الدِينِ، وقِيلَ: هُمُ العَجَمُ، أوْ مَنصُوبٌ، مَعْطُوفٌ عَلى المَنصُوبِ في "وَيُعَلِّمُهُمُ"، أيْ: يُعَلِّمُهُمْ، ويُعَلِّمُ آخَرِينَ، لِأنَّ التَعْلِيمَ إذا تَناسَقَ إلى آخِرِ الزَمانِ، كانَ كُلُّهُ مُسْتَنِدًا إلى أوَّلِهِ، فَكَأنَّهُ هو الَّذِي تَوَلّى كُلَّ ما وُجِدَ مِنهُ،
﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، في تَمْكِينِهِ رَجُلًا أُمِّيًّا مِن ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ، وتَأْيِيدِهِ عَلَيْهِ، واخْتِيارِهِ إيّاهُ مِن بَيْنِ كافَّةِ البَشَرِ.
الجمعة 62:4
﴿ذَلِكَ﴾، اَلْفَضْلُ الَّذِي أعْطاهُ مُحَمَّدًا، وهو أنْ يَكُونَ نَبِيَّ أبْناءِ عَصْرِهِ، ونَبِيَّ أبْناءِ العُصُورِ والغَوابِرِ، هو ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾، إعْطاءَهُ، وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ،
﴿واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
الجمعة 62:5
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ﴾ أيْ: كُلِّفُوا عِلْمَها والعَمَلَ بِما فِيها،
﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾، ثُمَّ لَمْ يَعْمَلُوا (p-٤٨١)بِها، فَكَأنَّهم لَمْ يَحْمِلُوها،
﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾، جَمْعُ "سِفْرٌ"، وهو الكِتابُ الكَبِيرُ، و"يَحْمِلُ"، في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ، أوِ الجَرِّ، عَلى الوَصْفِ، لِأنَّ الحِمارَ كاللَئِيمِ في قَوْلِهِ:
؎ ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَئِيمِ يَسُبُّنِي.....................
شَبَّهَ اليَهُودَ - في أنَّهم حَمَلَةُ التَوْراةِ، وقُرّاؤُها، وحُفّاظُ ما فِيها، ثُمَّ لَمْ يَعْمَلُوا بِها، ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِآياتِها، وذَلِكَ أنَّ فِيها نَعْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، والبِشارَةَ بِهِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ - كالحِمارِ، حَمَلَ كُتُبًا كِبارًا مِن كُتُبِ العِلْمِ، فَهو يَمْشِي بِها، ولا يَدْرِي مِنها إلّا ما يَمُرُّ بِجَنْبِهِ وظَهْرِهِ، مِنَ الكَدِّ، والتَعَبِ، وكُلُّ مَن عَلِمَ ولَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ، فَهَذا مَثَلُهُ،
﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أيْ: بِئْسَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ، أوْ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ مِثْلُهُمْ، وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ الدالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ،
﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ أيْ: وقْتَ اخْتِيارِهِمُ الظُلْمَ، أوْ لا يَهْدِي مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يَكُونُ ظالِمًا.
الجمعة 62:6
﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا﴾، "هادَ، يَهُودُ"، إذا تَهَوَّدَ،
﴿إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ، أيْ: إنْ كانَ قَوْلُكم حَقًّا، وكُنْتُمْ عَلى ثِقَةٍ، فَتَمَنَّوْا عَلى اللهِ أنْ يُمِيتَكُمْ، ويَنْقُلَكم سَرِيعًا إلى دارِ كَرامَتِهِ الَّتِي أعَدَّها لِأوْلِيائِهِ، ثُمَّ قالَ:
الجمعة 62:7
﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما قَدَّمُوا مِنَ الكُفْرِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ "لا"، و"لَنْ"، في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما نَفْيٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ، إلّا أنَّ في "لَنْ"، تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا لَيْسَ في "لا"، فَأتى مَرَّةً بِلَفْظِ التَأْكِيدِ، "وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ"، ومَرَّةً بِغَيْرِ لَفْظِهِ: "وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ"،
﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾، وعِيدٌ لَهم.
الجمعة 62:8
﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾، ولا تَجْسُرُونَ أنْ تَتَمَنَّوْهُ، خِيفَةَ أنْ تُؤْخَذُوا بِوَبالِ كُفْرِكُمْ،
﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾، لا مَحالَةَ، والجُمْلَةُ خَبَرُ "إنَّ"، ودَخَلَتِ الفاءُ لِتَضَمُّنِ "اَلَّذِي"، مَعْنى الشَرْطِ،
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فَيُجازِيكم بِما أنْتُمْ أهْلُهُ مِنَ العِقابِ.
الجمعة 62:9
(p-٤٨٢)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾، "اَلنِّداءُ": اَلْأذانُ، و"مِن"، بَيانٌ لِـ "إذا"، وتَفْسِيرٌ لَهُ، ويَوْمُ الجُمُعَةِ سَيِّدُ الأيّامِ، وفي الحَدِيثِ: « "مَن ماتَ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَتَبَ اللهُ لَهُ أجْرَ شَهِيدٍ، ووُقِيَ فِتْنَةَ القَبْرِ"، »﴿فاسْعَوْا﴾، فامْضُوا، وقُرِئَ بِها، وقالَ الفَرّاءُ: "اَلسَّعْيُ"، و"اَلْمُضِيُّ"، و"اَلذَّهابُ"، واحِدٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ السُرْعَةَ في المَشْيِ،
﴿إلى ذِكْرِ اللهِ﴾ أيْ: إلى الخُطْبَةِ، عِنْدَ الجُمْهُورِ، وبِهِ اسْتَدَلَّ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ - عَلى أنَّ الخَطِيبَ إذا اقْتَصَرَ عَلى "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ"، جازَ،
﴿وَذَرُوا البَيْعَ﴾، أرادَ الأمْرَ بِتَرْكِ ما يُذْهِلُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ مِن شَواغِلِ الدُنْيا، وإنَّما خَصَّ البَيْعَ مِن بَيْنِها، لِأنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَتَكاثَرُ فِيهِ البَيْعُ والشِراءُ عِنْدَ الزَوالِ، فَقِيلَ لَهُمْ: بادِرُوا تِجارَةَ الآخِرَةِ، واتْرُكُوا تِجارَةَ الدُنْيا، واسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ، الَّذِي لا شَيْءَ أنْفَعُ مِنهُ، وأرْبَحُ، وذَرُوا البَيْعَ الَّذِي نَفْعُهُ يَسِيرٌ،
﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: اَلسَّعْيُ إلى ذِكْرِ اللهِ،
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، مِنَ البَيْعِ والشِراءِ،
﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
الجمعة 62:10
﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَلاةُ﴾ أيْ: أُدِّيَتْ،
﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾، أمْرُ إباحَةٍ،
﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾، اَلرِّزْقِ، أوْ طَلَبِ العِلْمِ، أوْ عِيادَةِ المَرِيضِ، أوْ زِيارَةِ أخٍ في اللهِ،
﴿واذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾، واشْكُرُوهُ عَلى ما وفَّقَكم لِأداءِ فَرْضِهِ،
﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
الجمعة 62:11
﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾، تَفَرَّقُوا عَنْكَ إلَيْها، وتَقْدِيرُهُ: "وَإذا رَأوْا تِجارَةً انْفَضُّوا إلَيْها، أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهِ"، فَحَذَفَ أحَدَهُما لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، وإنَّما خَصَّ التِجارَةَ لِأنَّها كانَتْ أهَمَّ عِنْدَهُمْ، رُوِيَ «أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ أصابَهم جُوعٌ وغَلاءٌ، فَقَدِمَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ بِتِجارَةٍ (p-٤٨٣)مِن زَيْتِ الشامِ، والنَبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقامُوا إلَيْهِ، فَما بَقِيَ مَعَهُ إلّا ثَمانِيَةٌ، أوِ اثْنا عَشَرَ، فَقالَ ﷺ: "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ خَرَجُوا جَمِيعًا لَأضْرَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ نارًا"، » وكانُوا إذا أقْبَلَتِ العِيرُ اسْتَقْبَلُوها بِالطَبْلِ، والتَصْفِيقِ، فَهو المُرادُ بِاللهْوِ،
﴿وَتَرَكُوكَ﴾، عَلى المِنبَرِ،
﴿قائِمًا﴾، تَخْطُبُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَطِيبَ يَنْبَغِي أنْ يَخْطُبَ قائِمًا،
﴿قُلْ ما عِنْدَ اللهِ﴾، مِن ثَوابٍ،
﴿خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ ومِنَ التِجارَةِ واللهُ خَيْرُ الرازِقِينَ﴾ أيْ: لا يَفُوتُهم رِزْقُ اللهِ بِتَرْكِ البَيْعِ، فَهو خَيْرُ الرازِقِينَ.
المنافقون 63:1
(p-٤٨٤)سُورَةُ "اَلْمُنافِقِينَ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾، أرادُوا شَهادَةً واطَأتْ فِيها قُلُوبُهم ألْسِنَتَهُمْ،
﴿واللهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ أيْ: واللهُ يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ ﴿واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾، في ادِّعاءِ المُواطَأةِ، أوْ إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيهِ، لِأنَّهُ إذا خَلا عَنِ المُواطَأةِ لَمْ يَكُنْ شَهادَةً في الحَقِيقَةِ، فَهم كاذِبُونَ في تَسْمِيَتِهِ شَهادَةً، أوْ: إنَّهم لَكاذِبُونَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّكَ لِرَسُولُ اللهِ، كَذِبٌ، وخَبَرٌ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ حالُ المُخْبِرِ عَنْهُ.
المنافقون 63:2
﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾، وِقايَةً مِنَ السَبْيِ، والقَتْلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ "أشْهَدُ"، يَمِينٌ،
﴿فَصَدُّوا﴾، اَلنّاسَ،
﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾، عَنِ الإسْلامِ، بِالتَنْفِيرِ، وإلْقاءِ الشُبَهِ،
﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، مِن نِفاقِهِمْ، وصَدِّهِمُ الناسَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وفي "ساءَ"، مَعْنى التَعَجُّبِ، الَّذِي هو تَعْظِيمُ أمْرِهِمْ عِنْدَ السامِعِينَ.
المنافقون 63:3
﴿ذَلِكَ﴾، إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: "ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ"، أيْ: ذَلِكَ القَوْلُ الشاهِدُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أسْوَأُ الناسِ أعْمالًا،
﴿بِأنَّهُمْ﴾، بِسَبَبِ أنَّهُمْ،
﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾، أوْ إلى ما وصَفَ مِن حالِهِمْ في النِفاقِ، والكَذِبِ، والِاسْتِجْنانِ بِالأيْمانِ، (p-٤٨٥)أيْ: ذَلِكَ كُلُّهُ بِسَبَبِ أنَّهم آمَنُوا - أيْ: نَطَقُوا بِكَلِمَةِ الشَهادَةِ، وفَعَلُوا كَما يَفْعَلُ مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ - ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ ظَهَرَ كُفْرُهم بَعْدَ ذَلِكَ، بِقَوْلِهِمْ: إنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ حَمِيرٌ، ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ نَطَقُوا بِالإيمانِ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ نَطَقُوا بِالكُفْرِ عِنْدَ شَياطِينِهِمُ، اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤]، اَلْآيَةَ،
﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، فَخُتِمَ عَلَيْها، حَتّى لا يَدْخُلَها الإيمانُ، جَزاءً عَلى نِفاقِهِمْ،
﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾، لا يَتَدَبَّرُونَ، أوْ لا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ الإيمانِ.
المنافقون 63:4
والخِطابُ في ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾، لِرَسُولِ اللهِ، أوْ لِكُلِّ مَن يُخاطَبُ،
﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾، كانَ ابْنُ أُبَيٍّ رَجُلًا جَسِيمًا، صَبِيحًا، واضِحًا، وقَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ في مِثْلِ صِفَتِهِ، فَكانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ النَبِيِّ ﷺ، فَيَسْتَنِدُونَ فِيهِ، ولَهم جَهارَةُ المَناظِرِ، وفَصاحَةُ الألْسُنِ، فَكانَ النَبِيُّ ﷺ، ومَن حَضَرَ، يُعْجَبُونَ بِهَياكِلِهِمْ، ويَسْمَعُونَ إلى كَلامِهِمْ، ومَوْضِعُ ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ﴾، رَفْعٌ، عَلى: "هم كَأنَّهم خُشُبٌ"، أوْ هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، لا مَحَلَّ لَهُ،
﴿مُسَنَّدَةٌ﴾، إلى الحائِطِ، شُبِّهُوا في اسْتِنادِهِمْ - وما هم إلّا أجْرامٌ خالِيَةٌ عَنِ الإيمانِ، والخَيْرِ - بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ عَلى الحائِطِ، لِأنَّ الخَشَبَ إذا انْتُفِعَ بِهِ، كانَ في سَقْفٍ، أوْ جِدارٍ، أوْ غَيْرِها مِن مَظانِّ الِانْتِفاعِ، وما دامَ مَتْرُوكًا غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ، أُسْنِدَ عَلى الحائِطِ، فَشُبِّهُوا بِهِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ، أوْ لِأنَّهم أشْباحُ بِلا أرْواحٍ، وأجْسامٌ بِلا أحْلامٍ، "خُشْبٌ"، " أبُو عَمْرٍو، غَيْرَ عَبّاسٍ وعَلِيٍّ "، جَمْعُ "خَشَبَةٌ"، كَـ "بَدَنَةٌ"، و"بُدْنٌ"، و"خُشُبٌ"، كَـ "ثَمَرَةٌ"، و"ثُمُرٌ"،
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾، "كُلَّ صَيْحَةٍ"، مَفْعُولٌ أوَّلُ، والمَفْعُولُ الثانِي "عَلَيْهِمْ"، وتَمَّ الكَلامُ، أيْ: "يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ واقِعَةً عَلَيْهِمْ، وضارَّةً لَهُمْ، لِجُبْنِهِمْ ورُعْبِهِمْ"، يَعْنِي: إذا نادى مُنادٍ في العَسْكَرِ، أوِ انْفَلَتَتْ دابَّةٌ وأُنْشِدَتْ ضالَّةٌ، ظَنُّوهُ إيقاعًا بِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ أيْ: هُمُ الكامِلُونَ في العَداوَةِ، لِأنَّ أعْدى الأعْداءِ العَدُوُّ المُداجِي، الَّذِي يُكاشِرُكَ وتَحْتَ ضُلُوعِهِ الداءُ (p-٤٨٦)الدَوِيُّ،
﴿فاحْذَرْهُمْ﴾، ولا تَغْتَرِرْ بِظَواهِرِهِمْ،
﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾، دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، أوْ تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ،
﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾، كَيْفَ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ؟! تَعَجُّبًا مِن جَهْلِهِمْ، وضَلالَتِهِمْ.
المنافقون 63:5
﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾، عَطَفُوها، وأمالُوها، إعْراضًا عَنْ ذَلِكَ، واسْتِكْبارًا، "لَوَوْا"، بِالتَخْفِيفِ، نافِعٌ،
﴿وَرَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾، عَنْ الِاعْتِذارِ، والِاسْتِغْفارِ، رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ لَقِيَ بَنِي المُصْطَلِقِ، عَلى المُرَيْسِيعِ، وهو ماءٌ لَهُمْ، وهَزَمَهُمُ، ازْدَحَمَ عَلى الماءِ جِهْجاهُ بْنُ سَعِيدٍ، أجِيرٌ لِعُمَرَ، وسِنانُ الجُهَنِيُّ، حَلِيفٌ لِابْنِ أُبَيٍّ، واقْتَتَلا، فَصَرَخَ جِهْجاهٌ: "يا لِلْمُهاجِرِينَ"، وسِنانُ: "يا لِلْأنْصارِ"، فَأعانَ جِهْجاهًا جِعالُ، مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ، ولَطَمَ سِنانَ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ لِجِعالَ: وأنْتَ هُناكَ! وقالَ: ما صَحِبْنا مُحَمَّدًا إلّا لِنُلْطَمَ، واللهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ: "سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ"، وأما واللهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، عَنى بِالأعَزِّ نَفْسَهُ، وبِالأذَلِّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، ثُمَّ قالَ لِقَوْمِهِ: واللهِ لَوْ أمْسَكْتُمْ عَنْ جِعالَ وذَوِيهِ فَضْلَ الطَعامِ، لَمْ يَرْكَبُوا رِقابَكُمْ، فَلا تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِ مُحَمَّدٍ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، وهو حَدَثٌ، فَقالَ: أنْتَ واللهِ الذَلِيلُ، القَلِيلُ، المُبْغَضُ في قَوْمِكَ، ومُحَمَّدٌ عَلى رَأْسِهِ تاجُ المِعْراجِ في عِزٍّ مِنَ الرَحْمَنِ، وقُوَّةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ: اُسْكُتْ، فَإنَّما كُنْتُ ألْعَبُ، فَأخْبَرَ زَيْدٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ يا رَسُولَ اللهِ، فَقالَ: "إذَنْ تُرْعَدُ آنُفٌ كَثِيرَةٌ بِيَثْرِبَ"، قالَ: فَإنْ كَرِهْتَ أنْ يَقْتُلَهُ مُهاجِرِيٌّ فَأْمُرْ بِهِ أنْصارِيًّا، قالَ: "فَكَيْفَ إذا تَحَدَّثَ الناسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ"، وقالَ ﷺ لِعَبْدِ اللهِ: "أنْتَ صاحِبُ الكَلامِ الَّذِي بَلَغَنِي؟"، قالَ: واللهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ما قُلْتُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وإنَّ زَيْدًا لِكاذِبٌ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] فَقالَ الحاضِرُونَ: يا رَسُولَ اللهِ، شَيْخُنا وكَبِيرُنا، لا تُصَدِّقْ عَلَيْهِ كَلامَ غُلامٍ، عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ وهِمَ، فَلَمّا نَزَلَتْ قالَ (p-٤٨٧)رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْدٍ: "يا غُلامُ إنَّ اللهَ قَدْ صَدَّقَكَ وكَذَّبَ المُنافِقِينَ"، فَلَمّا بانَ كَذِبُ عَبْدِ اللهِ قِيلَ لَهُ: نَزَلَتْ فِيكَ آيٌ شِدادٌ، فاذْهَبْ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فَلَوّى رَأْسَهُ، فَقالَ: أمَرْتُمُونِي أنْ أُؤْمِنَ فَآمَنتُ، وأمَرْتُمُونِي أنْ أُزَكِّيَ مالِي فَزَكَّيْتُ، وما بَقِيَ لِي إلّا أنْ أسْجُدَ لِمُحَمَّدٍ، فَنَزَلَ: " ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللهِ﴾ "، ولَمْ يَلْبَثْ إلّا أيّامًا حَتّى اشْتَكى وماتَ ».
المنافقون 63:6
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ أيْ: ما دامُوا عَلى النِفاقِ، والمَعْنى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ الِاسْتِغْفارُ وعَدَمُهُ، لِأنَّهم لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، ولا يَعْتَدُّونَ بِهِ، لِكُفْرِهِمْ، أوْ لِأنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ لَهُمْ، وقُرِئَ: "اِسْتَغْفَرْتَ"، عَلى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّ "أمْ"، اَلْمُعادِلَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ،
﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾
المنافقون 63:7
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾، يَتَفَرَّقُوا،
﴿وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ولَهُ الأرْزاقُ، والقَسْمُ، فَهو رازِقُهُمْ، مِنها، وإنْ أبى أهْلُ المَدِينَةِ أنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ،
﴿وَلَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾، ولَكِنَّ عَبْدَ اللهِ وأضْرابَهُ جاهِلُونَ، لا يَفْقَهُونَ ذَلِكَ، فَيَهْذُونَ بِما يُزَيِّنُ لَهُمُ الشَيْطانُ.
المنافقون 63:8
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا﴾، مِن غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ،
﴿إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ﴾، اَلْغَلَبَةُ، والقُوَّةُ،
﴿وَلِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ولِمَن أعَزَّهُ اللهُ، وأيَّدَهُ، مِن رَسُولِهِ، ومِنَ المُؤْمِنِينَ، وهُمُ الأخِصّاءُ بِذَلِكَ، كَما أنَّ المَذَلَّةَ والهَوانَ لِلشَّيْطانِ، وذَوِيهِ مِنَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، وعَنْ بَعْضِ الصالِحاتِ - وكانَتْ في هَيْئَةٍ رَثَّةٍ -: "ألَسْتُ عَلى الإسْلامِ، وهو العِزُّ الَّذِي لا ذُلَّ مَعَهُ، والغِنى الَّذِي لا فَقْرَ مَعَهُ؟!"، وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنَّ الناسَ يَزْعُمُونَ (p-٤٨٨)أنَّ فِيكَ تِيهًا، قالَ: "لَيْسَ بِتِيهٍ، ولَكِنَّهُ عِزَّةٌ"، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ،
﴿وَلَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾.
المنافقون 63:9
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ﴾، لا تَشْغَلْكُمْ،
﴿أمْوالُكُمْ﴾، والتَصَرُّفُ فِيها، والسَعْيُ في تَدْبِيرِ أمْرِها، بِالنَماءِ، وطَلَبِ التاجِ،
﴿وَلا أوْلادُكُمْ﴾، وسُرُورُكم بِهِمْ، وشَفَقَتُكم عَلَيْهِمْ، والقِيامُ بِمُؤَنِهِمْ،
﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ أيْ: عَنِ الصَلَواتِ الخَمْسِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ،
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾، يُرِيدُ الشُغْلَ بِالدُنْيا عَنِ الدِينِ، وقِيلَ: مَن يَشْتَغِلْ بِثَمِيرِ أمْوالِهِ عَنْ تَدْبِيرِ أحْوالِهِ، وبِمَرْضاةِ أوْلادِهِ عَنْ إصْلاحِ مَعادِهِ،
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾، في تِجارَتِهِمْ، حَيْثُ باعُوا الباقِيَ بِالفانِي.
المنافقون 63:10
﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾، "مِن"، لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ بِالإنْفاقِ: اَلْواجِبُ،
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَرى دَلائِلَ المَوْتِ، ويُعايِنَ ما يَيْأسُ مَعَهُ مِنَ الإمْهالِ، ويَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الإنْفاقُ،
﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾، هَلّا أخَّرْتَ مَوْتِي،
﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾، إلى زَمانٍ قَلِيلٍ،
﴿فَأصَّدَّقَ﴾، فَأتَصَدَّقَ، وهو جَوابُ "لَوْلا"،
﴿وَأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ﴾، مِنَ المُؤْمِنِينَ، والآيَةُ في المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ في المُنافِقِينَ، "وَأكُونَ"، "أبُو عَمْرٍو"، بِالنَصْبِ، عَطْفًا عَلى اللَفْظِ، والجَزْمُ عَلى مَوْضِعِ "فَأصَّدَّقَ"، كَأنَّهُ قِيلَ: "إنْ أخَّرْتَنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ".
المنافقون 63:11
﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا﴾، عَنِ المَوْتِ،
﴿إذا جاءَ أجَلُها﴾، اَلْمَكْتُوبُ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، "واللهُ خَبِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ"، "حَمّادٌ ويَحْيى"، والمَعْنى أنَّكم إذا عَلِمْتُمْ أنَّ تَأْخِيرَ المَوْتِ عَنْ وقْتِهِ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، وأنَّهُ هاجِمٌ لا مَحالَةَ، وأنَّ اللهَ عَلِيمٌ (p-٤٨٩)بِأعْمالِكُمْ، فَمُجازٍ عَلَيْها، مِن مَنعِ واجِبٍ، وغَيْرِهِ، لَمْ يَبْقَ إلّا المُسارَعَةُ إلى الخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الواجِبِ، والِاسْتِعْدادُ لِلِقاءِ اللهِ.